######OpenITI# #META# Author: الصابوني #META# Title: مختصر تفسير ابن كثير #META# Date: م 1930م - #META# Tafsir_type: تفاسير ميسرة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1] # روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله كان لا يعرف فصل السورة ~~حتى ينزل عليه { بسم الله الرحمن الرحيم }. # وقد افتتح بها الصحابة كتاب الله، ولهذا تستحب في أول كل قول وعمل ~~لقوله عليه السلام: # " كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم " # فتستحب في أول الوضوء لقوله عليه السلام: # " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " # وتستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وأوجبها آخرون، وتستحب عند الأكل ~~لقوله عليه السلام: # " قل: بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك " # ، وتستحب عند الجماع لقوله عليه السلام: # " لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا ~~الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره ~~الشيطان أبدا ". # والمتعلق بالباء في قوله: { بسم الله } منهم من قدره باسم تقديره: ~~باسم الله ابتدائي، ومنهم من قدره بفعل تقديره: أبدأ باسم الله، أو ~~ابتدأت باسم الله، وكلاهما صحيح فإن الفعل لا بد له من مصدر، فلك أن ~~تقدر الفعل ومصدره، فالمشروع ذكر اسم الله في الشروع في ذلك كله تبركا ~~وتيمنا واستعانة على الإتمام والتقبل، ويدل للأول قوله تعالى: # بسم الله مجريها ومرساها # [هود: 41] ويدل للثاني في قوله تعالى: # اقرأ باسم ربك الذي خلق # [العلق: 1]. # و { الله } علم على الرب تبارك وتعالى يقال إنه (الاسم الأعظم) لأنه ~~يوصف بجميع الصفات كما قال تعالى: # هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب ~~والشهادة هو الرحمن الرحيم # [الحشر: 22] الآيات، فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات كما قال تعالى: # ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها # [الأعراف: 180]، وقال تعالى: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء: 110]. وفي الصحيحين: # " إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة ". # وهو اسم لم يسم به غيره تبارك وتعالى ولهذا لا يعرف له - في كلام العرب ~~- اشتقاق، فهو اسم جامد وقد نقله القرطبي عن جماعة من العلماء ms0001 منهم ~~(الشافعي) و (الغزالي) و (إمام الحرمين) وقيل: إنه مشتق من أله يأله ~~لاهة، وقد قرأ ابن عباس { ويذرك وإلاهتك } أي عبادتك، وقيل: مشتق من ~~وله إذا تحير، لأنه تعالى يحير في الفكر في حقائق صفاته، وقيل: مشتق ~~من ألهت إلى فلان: أي سكنت إليه، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره، ~~الأرواح لا تفرح إلا بمعرفته، لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره، قال ~~تعالى: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]، قد اختار الرازي أنه اسم غير مشتق البتة، وهو قول الخليل ~~وسيبويه وأكثر الأصوليين والفقهاء. # { الرحمن الرحيم } اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ~~و { رحمن } أشد مبالغة من { رحيم } وزعم بعضهم أنه غير مشتق، قال ~~القرطبي: والدليل على أنه مشتق ما روي في الحديث القدسي: # " أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ~~ومن قطعها قطعته " # قال القرطبي: وهذا نص في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق، وإنكار ~~العرب لاسم { الرحمن } لجهلهم بالله وبما وجب له، وبناء فعلان ليس ~~كفعيل، فإن (فعلان) لا يقع إلا على مبالغة الفعل نحو قولك (رجل غضبان) ~~للممتلىء غضبا، و (فعيل) قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول. قال ابن جرير: ~~{ الرحمن } لجميع الخلق، { الرحيم } بالمؤمنين، ولهذا قال ~~تعالى: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته، وقال: # وكان بالمؤمنين رحيما # [الأحزاب: 43] فخصهم باسمه الرحيم. فدل على أن { الرحمن } أشد ~~مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه، و { الرحيم } خاصة ~~بالمؤمنين، واسمه تعالى { الرحمن } خاص لم يسم به غيره، قال تعالى: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن # [الإسراء: 110]، وقال تعالى: # أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون # [الزخرف: 45] ولما تجرأ مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله ~~جلباب الكذب وشهر به، فلا يقال إلا (مسيلمة الكذاب) فصار يضرب به المثل ~~في الكذب بين أهل الحضر والمدر. # وقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغة من الرحمن لأنه أكد به، ~~والمؤكد لا يكون إلا أقوى من المؤكد، والجواب أن هذا ms0002 ليس من باب ~~التأكيد وإنما هو من باب النعت ولا يلزم ما ذكروه، فإن قيل: فإذا كان ~~الرحمن أشد مبالغة فهلا اكتفى به عن الرحيم؟ فقد قيل: إنه لما تسمى ~~غيره بالرحمن جيء بلفظ الرحيم ليقطع الوهم بذلك، فإنه لا يوصف ب { ~~الرحمن الرحيم } إلا الله تعالى، كذا رواه ابن جرير عن عطاء ~~ووجهه بذلك والله أعلم. # والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره ~~كاسم (الله) و (الرحمن) و (الخالق) و (الرازق) ونحو ذلك، وأما (الرحيم) ~~فإن الله وصف به غيره حيث قال في حق النبي: # بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]، كما وصف غيره ببعض أسمائه فقال في حق الإنسان: # فجعلناه سميعا بصيرا # [الإنسان: 2]. ### || [1.2] # قال ابن جرير: معنى { الحمد لله } الشكر لله خالصا دون سائر ما ~~يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي ~~لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، ~~وتمكين جوارح المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، ~~وغذاهم به من نعيم العيش، فلربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرا، و { ~~الحمد لله } ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا ~~عليه فكأنه قال: قولوا الحمد لله، ثم قال: وأهل المعرفة بلسان العرب ~~يوقعون كلا من الحمد والشكر مكان الآخر. # قال ابن كثير: وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر، لأنه اشتهر عند كثير ~~من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة ~~والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان، واللسان، ~~والأركان كما قال الشاعر: # أفادتكم النعماء مني ثلاثة # يدي ولساني والضمير المحجبا # وقال الجوهري: الحمد نقيض الذم تقول: حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ~~ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر، والشكر هو ~~الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف، يقال: شكرته وشكرت له وباللام ~~أفصح، وأما المدح فهو أعم من الحمد لأنه ms0003 يكون للحي، وللميت، وللجماد، ~~كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان وبعده على الصفات ~~المتعدية واللازمة أيضا فهو أعم. # وفي الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله " # ، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى ~~أفضل مما أخذ " # وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم # " أن عبدا من عباد الله قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، ~~وعظيم سلطانك، فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى الله ~~فقالا: يا ربنا إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال الله - ~~وهو أعلم بما قال عبده - ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب إنه قال: لك الحمد ~~يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما: أكتباها كما ~~قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها ". # والألف واللام في { الحمد } لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله ~~تعالى كما جاء في الحديث: # " اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك ~~يرجع الأمر كله " # الحديث. # { رب العالمين } الرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على ~~السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى، ولا ~~يستعمل الرب لغير الله إلا بالإضافة، تقول: رب الدار، وأما الرب فلا ~~يقال إلا لله عز وجل. # و { العالمين } جمع عالم وهو كل موجود سوى الله عز وجل، وهو جمع ~~لا واحد له من لفظه، والعوالم أصناف المخلوقات في السماوات، وفي البر، ~~والبحر. # وقال الفراء وأبو عبيد: العالم عبارة عما يعقل وهم الإنس والجن ~~والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم. # وقال الزجاج: العالم كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة. قال القرطبي: ~~وهذا هو الصحيح أنه شامل لكل العالمين قال تعالى: # قال فرعون وما رب العالمين * قال رب ~~السموت والأرض وما بينهمآ إن كنتم موقنين # [الشعراء: 23-24]. والعالم ms0004 مشتق من العلامة، لأنه دال على وجود خالقه ~~وصانعه وعلى وجدانيته جل وعلا كما قال ابن المعتز: # فيا عجبا كيف يعصي الإله # أم كيف يجحده الجاحد # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد ### || [1.3] # وقوله تعالى: { الرحمن الرحيم } قال القرطبي: إنما وصف نفسه ~~بالرحمن الرحيم بعد قوله: { رب العالمين } ليكون من باب قرن ~~(الترغيب بالترهيب)، كما قال تعالى: # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن ~~عذابي هو العذاب الأليم # [الحجر: 49-50]، وقوله: # إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم # [الأنعام: 165] فالرب فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب، وفي الحديث: # " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم ~~الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد ". ### || [1.4] # قرأ بعض القراء { ملك } وقرأ آخرون { مالك } وكلاهما صحيح متواتر، و ~~{ مالك } مأخوذ من الملك كما قال تعالى: # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا ~~يرجعون # [مريم: 40]، و { ملك } مأخوذ من الملك كما قال تعالى: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16] وقال: # الملك يومئذ الحق للرحمن # [الفرقان: 26]، وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد ~~تقدم الإخبار بأنه رب العالمين وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف ~~إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه ~~كما قال تعالى: # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا # [النبأ: 38]، وقال تعالى: # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه # [هود: 105]، وعن ابن عباس قال: يوم الدين يوم الحساب للخلائق، يدينهم ~~بأعمالهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، إلا من عفا عنه. # والملك في الحقيقة هو الله عز وجل، فأما تسمية غيره في الدنيا بملك ~~فعلى سبيل المجاز، وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك ~~الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون ". # و { الدين }: الجزاء والحساب كما قال تعالى: # أإنا لمدينون # [الصافات: 53] أي مجزيون محاسبون، وفي ms0005 الحديث: # " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت " # أي حاسب نفسه، وعن عمر رضي الله عنه: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ". ### || [1.5] # العبادة في اللغة: مأخوذة من الذلة، يقال: طريق معبد، وبعير معبد ~~أي مذلل. # وفي الشرع: هي ما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، وقدم المفعول وكرر ~~للإهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال ~~الطاعة، والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين، فالأول تبرؤ من الشرك، ~~والثاني تبرء من الحول والقوة والتفويض إلى الله عز وجل، وهذا المعنى ~~في غير آية من القرآن: # فاعبده وتوكل عليه # [هود: 123] # قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا # [الملك: 29]. وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة، لأنه لما أثنى على ~~الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى فلهذا قال: { إياك ~~نعبد وإياك نستعين } بكاف الخطاب، وفي هذا دليل على أن ~~أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه بجميل صفاته الحسنى، ~~وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك. # وإنما قدم { إياك نعبد } على { وإياك نستعين } لإن ~~العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والأصل أن يقدم ما هو ~~الأهم فالأهم، فإن قيل: فما معنى النون في { نعبد } و { نستعين ~~} فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام؟ ~~وقد أجيب: بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فرد منهم ~~ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم، فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين ~~بالعبادة التي خلقوا لأجلها وتوسط لهم بخير، و { إياك نعبد } ~~ألطف في التواضع من (إياك عبدنا)، لما في الثاني من تعظيم نفسه من جعل ~~نفسه وحده أهلا لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق ~~عبادته، ولا يثني عليه كما يليق به، والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد ~~لانتسابه إلى جناب الله تعالى كما قال بعضهم: # لا تدعني إلا بيا عبدها # فإنه أشرف أسمائي # وقد سمى رسوله صلى الله عليه وسلم بعبده في أشرف مقاماته فقال: # الحمد ms0006 لله الذي أنزل على عبده الكتاب # [الكهف: 1]، وقال: # وأنه لما قام عبد الله يدعوه # [الجن: 19]، وقال: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1] فسماه عبدا عند إنزاله عليه، وعند قيامه للدعوة، وإسرائه ~~به. ### || [1.6] # لما تقدم الثناء على المسؤول تبارك وتعالى ناسب أن يعقب بالسؤال، وهذا ~~أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله ثم يسأل حاجته، لأنه أنجح للحاجة، ~~وأنجع للإجابة ولهذا أرشد الله إليه لأنه الأكمل. # والهداية ههنا: الإرشاد والتوفيق وقد تعدى بنفسها { اهدنا ~~الصراط } وقد تعدى بإلى # فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات: 23] وقد تعدى باللام # الحمد لله الذي هدانا لهذا # [الأعراف: 43] أي وفقنا وجعلنا له أهلا، وأما { الصراط ~~المستقيم } فهو في لغة العرب: الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، ~~ثم تستعير العرب الصراط في كل قول وعمل وصف باستقامة أو اعوجاج، واختلفت ~~عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير { الصراط } وإن كان يرجع ~~حاصلها إلى شيء واحد وهو (المتابعة لله وللرسول)، فروي أنه كتاب الله، ~~وقيل: إنه الإسلام، قال ابن عباس: هو دين الله الذي لا اعوجاج فيه، وقال ~~ابن الحنفية: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره، وقد فسر الصراط ~~بالإسلام في حديث (النواس بن سمعان) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما ~~أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا ~~أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا، وداع يدعوا من فوق الصراط، ~~فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، ~~فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب ~~المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من ~~فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم " # وقال مجاهد: الصراط المستقيم: الحق، وهذا أشمل ولا منافاة بينه وبين ما ~~تقدم، قال ابن جرير رحمه الله: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أن ~~يكون معنيا به وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت ms0007 له من أنعمت عليه من ~~عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم لأن من وفق لما وفق له ~~من أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقد وفق ~~للإسلام. # (فإن قيل): فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وهو متصف بذلك؟ # فالجواب: أن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته ~~على الهداية ورسوخه فيها واستمراره عليها، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في ~~كل وقت أن يمده بالمعونه والثبات والتوفيق، فقد أمر تعالى الذين آمنوا ~~بالإيمان: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله # [النساء: 136]، والمراد الثبات والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك ~~والله أعلم. ### || [1.7] # قوله تعالى: { صراط الذين أنعمت عليهم } مفسر للصراط ~~المستقيم، والذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في سورة النساء: # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # [النساء: 69]، وعن ابن عباس: صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ~~ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين، وذلك نظير الآية ~~السابقة، وقال الربيع بن أنس: هم النبيون، وقال ابن جريج ومجاهد: هم ~~المؤمنون، والتفسير المتقدم عن ابن عباس أعم وأشمل. # وقوله تعالى: { غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } ~~بالجر على النعت، والمعنى: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت ~~عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة، غير صراط ~~المغضوب عليهم وهم الذين علموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم ~~الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد ~~الكلام ب (لا) ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين وهما: طريقة اليهود، ~~وطريقة النصارى، فجيء ب (لا) لتأكيد النفي وللفرق بين الطريقتين ليجتنب ~~كل واحد منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل ~~به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب ~~لليهود، والضلال للنصارى، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب كما قال تعالى ~~عنهم: # من لعنه الله وغضب عليه # [المائدة: 60]، وأخص أوصاف النصارى الضلال كما قال تعالى عنهم: # قد ms0008 ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء ~~السبيل # [المائدة: 77]، وبهذا وردت الأحاديث والآثار، فقد روي عن عدي بن حاتم ~~أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { غير ~~المغضوب عليهم } قال: هم اليهود { ولا الضآلين } قال: ~~النصارى. ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها: (آمين) ومعناه: اللهم ~~استجب، لما روي عن أبي هريرة أنه قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا { غير المغضوب ~~عليهم ولا الضآلين } قال: آمين حتى يسمع من يليه من الصف ~~الأول ". ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-2] # { الم } اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور، ~~فمنهم من قال: هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم ~~يفسروها حكاه القرطبي في تفسيره، ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها ~~فقال بعضهم: هي أسماء السور، قال الزمخشري: وعليه إطباق الأكثر، وقيل: ~~وهي اسم من أسماء الله تعالى يفتتح بها السور، فكل حرف منها دل على اسم ~~من أسمائه وصفة من صفاته، فالألف مفتاح اسم (الله) واللام مفتاح اسمه ~~(لطيف) والميم مفتاح اسمه (مجيد)، وقال آخرون: إنما ذكرت هذه الحروف في ~~أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا ل (إعجاز القرآن) وأن الخلق عاجزون ~~عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، ~~حكاه الرازي عن المبرد وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء، وقرره ~~الزمخشري ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الإمام (ابن تيمية) وشيخنا الحافظ ~~(أبو الحجاج المزي). # قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون ~~أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي الصريح في ~~أماكن، وجاء منها على حرف واحد مثل { ص } وحرفين مثل { حم } وثلاثة ~~مثل { الم } وأربعة مثل { المص } وخمسة مثل { كهيعص } لأن أساليب ~~كلامهم منها ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة ~~لا أكثر من ذلك. # قال ابن كثير: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها ms0009 ~~الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء في تسع ~~وعشرين سورة مثل: { الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه } # الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * ~~نزل عليك الكتاب بالحق # [آل عمران: 1-3] # المص * كتاب أنزل إليك # [الأعراف: 1-2] # الر كتاب أنزلناه إليك # [إبراهيم: 1] # الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه # [السجدة: 1-2] # حم * تنزيل من الرحمن الرحيم # [فصلت: 1-2] وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن ~~أمعن النظر. # { ذلك الكتاب } قال ابن عباس: أي هذا الكتاب. والعرب تعارض بين ~~اسمي الإشارة فيستعملون كلا منهما مكان الآخر وهذا معروف في كلامهم. ~~والكتاب: القرآن، ومن قال: إن المراد بذلك الإشارة إلى التوراة ~~والإنجيل فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلف ما لا علم له به. ~~والريب: الشك، أي لا شك فيه، روي ذلك عن أناس من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافا. # وقد يستعمل الريب في التهمة، قال جميل: # بثينة قالت: يا جميل أربتني # فقلت: كلانا يا بثين مريب # واستعمل أيضا في الحاجة كما قال بعضهم: # قضينا من تهامة كل ريب # وخيبر ثم أجممنا السيوفا # والمعنى: إن هذا الكتاب (القرآن) لا شك فيه أنه نزل من عند الله كما قال ~~تعالى: # تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين # [السجدة: 2]. وقال بعضهم: هذا خبر ومعناه النهي، أي لا ترتابوا فيه. ~~وخصت الهداية للمتقين كما قال تعالى: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء # [فصلت: 44]، وقال: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين # [الإسراء: 82] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع ~~بالقرآن، لأنه هو في نفسه هدى، ولكن لا يناله إلا الأبرار كما قال تعالى: # وهدى ورحمة للمؤمنين # [يونس: 57]. قال السدي: { هدى للمتقين } يعني نورا ~~للمتقين، وعن ابن عباس: المتقون هم المؤمنون الذين يتقون الشرك ويعملون ~~بطاعة الله، وقال الحسن البصري: اتقوا ما حرم عليهم، وأدوا ما افترض ~~عليهم. وقال قتادة: هم الذين نعتهم ms0010 الله بقوله: # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة # [البقرة: 3]، واختيار ابن جرير أن الآية تعم ذلك كله، وهو كما قال. ~~وفي الحديث الشريف: # " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به ~~بأس ". # ويطلق الهدى ويراد به ما يقر في القلب من الإيمان، وهذا لا يقدر على ~~خلقه في قلوب العباد إلا الله عز وجل. قال تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56]، وقال: # ليس عليك هداهم # [البقرة: 272]، وقال: # من يضلل الله فلا هادي له # [الأعراف: 186]، ويطلق ويراد به بيان الحق والدلالة عليه، قال تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]، وقال: # ولكل قوم هاد # [الرعد: 7]، وقال: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت: 17]. # وأصل التقوى التوقي مما يكره لأن أصلها (وقوى) من الوقاية، قال ~~الشاعر: # فألقت قناعا دونه الشمس واتقت # بأحسن موصولين كف ومعصم # وسأل عمر (أبي بن كعب) عن التقوى فقال له: أما سلكت طريقا ذا شوك؟ ~~قال: بلى، قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى، وأخذ ~~هذا المعنى ابن المعتز فقال: # خل الذنوب صغيرها # وكبيرها ذاك التقى # واصنع كماش فوق أر # ض الشوك يحذر ما يرى # لا تحقرن صغيرة # إن الجبال من الحصى # وفي سنن ابن ماجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة، إن نظر إليها ~~سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في ~~نفسها وماله ". ### || [2.3] # الإيمان في اللغة يطلق على التصديق المحض كما قال تعالى: # يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين # [التوبة: 61]، كما قال إخوة يوسف لأبيهم: # ومآ أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين # [يوسف: 17]، وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات # [الشعراء: 227]. فأما إذا استعمل مطلقا فالإيمان المطلوب لا يكون إلا ~~اعتقادا وقولا وعملا، هكذا ذهب أكثر الأئمة وحكاه الشافعي وأحمد ~~إجماعا: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة ~~أفردنا الكلام ms0011 فيها في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة، ومنهم من فسره ~~بالخشية: # إن الذين يخشون ربهم بالغيب # [الملك: 12]، والخشية خلاصة الإيمان والعلم: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28]. # وأما الغيب المراد ههنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، فقال أبو ~~العالية: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله، وجنته ولقائه، وبالحياة بعد ~~الموت فهذا غيب كله. وقال السدي عن ابن عباس وابن مسعود: الغيب ما ~~غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار وما ذكر في القرآن. وقال عطاء: من ~~آمن بالله فقد آمن بالغيب. فكل هذه متقاربة في معنى واحد والجميع مراد. # روى ابن كثير بسنده عن عبد الرحمن بن يزيد أنه قال: " كنا عند عبد الله ~~بن مسعود جلوسا فذكرنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سبقونا به، ~~فقال عبد الله: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بينا لمن رآه، ~~والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب، ثم ~~قرأ: { الذين يؤمنون بالغيب - إلى قوله - المفلحون ~~}. وفي معنى هذا الحديث ما رواه أحمد عن (ابن محيريز) قال: قلت لأبي ~~جمعة حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم أحدثك ~~حديثا جيدا: # " تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح ~~فقال يا رسول الله: هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك، قال: نعم، ~~قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني " # وفي رواية أخرى عن صالح بن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري، ~~صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت المقدس يصلي فيه ومعنا يومئذ ~~(رجاء بن حيوة) رضي الله عنه، فلما انصرف خرجنا نشيعه فلما أراد ~~الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقا، أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قلنا: هات رحمك الله، قال: # " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - ومعنا معاذ ابن جبل عاشر عشرة ~~- فقلنا يا رسول الله: هل من قوم أعظم منا أجرا؟ ms0012 آمنا بك واتبعناك، ~~قال: " ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء؟ ~~بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين، يؤمنون به ويعملون بما فيه، ~~أولئك أعظم منكم أجرا، أولئك أعظم منكم أجرا " ". # وقوله تعالى: { ويقيمون الصلوة } قال ابن عباس إقامة الصلاة: ~~إتمام الركوع والسجود، والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها. وقال ~~قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها. # وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء، قال الأعشى: # لها حارس لا يبرح الدهر بيتها # وإن ذبحت صلى عليها وزمزما # وقال الأعشى أيضا: # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي # نوما فإن لجنب المرء مضطجعا # يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظهر؛ ثم استعملت الصلاة ~~في الشرع في ذات الركوع والسجود بشروطها المعروفة وصفاتها المشهورة. # { ومما رزقناهم ينفقون } قال ابن عباس: زكاة أموالهم. ~~وقال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: نفقة الرجل على أهله، ~~وهذا قبل أن تنزل الزكاة. وقال قتادة: فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه ~~الأموال عوار وودائع عندك يا ابن آدم يوشك أن تفارقها. واختار ابن جرير ~~أن الآية عامة في الزكاة والنفقات. قال ابن كثير: كثيرا ما يقرن الله ~~تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال، فإن الصلاة حق الله وعبادته وهي ~~مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه ~~والتوكيل عليه، والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، ~~وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك ثم الأجانب، فكل من ~~النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: { ومما ~~رزقناهم ينفقون }. ### || [2.4] # قال ابن عباس: أي يصدقون بما جئت به من الله وما جاء به من قبلك من ~~المرسلين، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم { ~~وبالآخرة هم يوقنون } أي بالبعث والقيامة، والجنة والنار، ~~والحساب والميزان، وإنما سميت (الآخرة) لأنها بعد الدنيا. وقد اختلف ~~المفسرون في الموصوفين هنا على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير: # أحدها: أن الموصوفين أولا هم الموصوفون ثانيا، وهم كل مؤمن، مؤمنو ~~العرب ومؤمنو ms0013 أهل الكتاب. # والثاني: هم مؤمنو أهل الكتاب، وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على ~~صفات كما قال تعالى: # سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * ~~والذي قدر فهدى # [الأعلى: 1-3] فعطف الصفات بعضها على بعض. # والثالث: أن الموصوفين أولا مؤمنو العرب، والموصوفون ثانيا بقوله: { ~~يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك } هم ~~مؤمنو أهل الكتاب، واختاره ابن جرير ويستشهد بقوله تعالى: # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل ~~إليكم ومآ أنزل إليهم # [آل عمران: 199]، وبقوله تعالى: # الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * ~~وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق ~~من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين # [القصص: 52-53]، وبما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل ~~مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم ~~أعتقها وتزوجها ". # قلت: والظاهر قول مجاهد: أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين، ~~وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين، فهذه الآيات الأربع ~~عامة في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي وكتابي، من إنسي وجني، وليس تصح ~~واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط ~~معها، فلا يصح الإيمان بالغيب إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول، وما جاء ~~به من قبله من الرسل، والإيقان بالآخرة، كما أن هذا لا يصح إلا بذاك، وقد ~~أمر الله المؤمنين بذلك كما قال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ~~والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي ~~أنزل من قبل # [النساء: 136] وقال تعالى: # وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ~~وإلهنا وإلهكم واحد # [العنكبوت: 46]. وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك فقال: # آمن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة: 285] الآية. ### || [2.5] # يقول تعالى: { أولئك } أي المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب، ~~وإقام ms0014 الصلاة، والإنفاق من الذي رزقهم الله، والإيمان بما أنزل إلى ~~الرسول، والإيقان بالآخرة { على هدى } أي على نور وبيان وبصيرة من ~~الله تعالى، { وأولئك هم المفلحون } أي في الدنيا ~~والآخرة، وقال ابن عباس { على هدى من ربهم } أي على نور من ~~ربهم واستقامة على ما جاءهم به { وأولئك هم المفلحون } ~~أي الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما هربوا. ### || [2.6] # يقول تعالى: { إن الذين كفروا } أي غطوا الحق وستروه، سواء ~~عليهم إنذارك وعدمه، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به كما قال تعالى: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون * ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 96-97] أي إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مسعد له، ومن أضله ~~فلا هادي له، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك ~~فله الحظ الأوفر، ومن تولى فلا يهمنك ذلك # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40]. # وعن ابن عباس في قوله: { إن الذين كفروا... } الآية قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على ~~الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في ~~الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول. # وقوله تعالى: { لا يؤمنون } جملة مؤكدة للتي قبلها أي هم كفار في ~~كلا الحالين. ### || [2.7] # { ختم الله } أي طبع على قلوبهم وعلى سمعهم { وعلى ~~أبصارهم غشاوة } فلا يبصرون هدى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا ~~يعقلون. قال مجاهد: الختم: الطبع، ثبتت الذنوب على القلب فحفت به من ~~كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم، وقد ~~وصف تعالى نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال: # بل طبع الله عليها بكفرهم # [النساء: 155]، وفي الحديث # " يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ". # قال ابن جرير: وقال بعضهم: إن معنى قوله تعالى: { ختم الله على ~~قلوبهم } إخبار من الله عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا ms0015 ~~إليه من الحق، كما يقال: فلان أصم عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه ~~ورفع نفسه عن تفهمه تكبرا، قال: وهذا لا يصح لأن الله قد أخبر أنه هو ~~الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم. قلت: وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما رده ~~ابن جرير ههنا، وتأول الآية من خمسة أوجه وكلها ضعيفة جدا، وما جرأه ~~على ذلك إلا اعتزاله، لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها ~~قبيح عنده يتعالى الله عنه في اعتقاده. ولو فهم قوله تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5]، وقوله: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110] وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم ~~على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقا على تماديهم في الباطل ~~وتركهم الحق - وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح - فلو أحاط علما بهذا ~~لما قال ما قال. # قال ابن جرير: والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع ~~واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله ~~تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون } " # فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، ~~وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله تعالى والطبع، فلا يكون ~~للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها مخلص، فذلك هو الختم والطبع الذي ~~ذكره الله في قوله: { ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم } نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية ~~والظروف. ### || [2.8-9] # لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين ~~بآيتين، شرع تعالى في بيان حال المنافقين، الذين يظهرون الإيمان ويبطنون ~~الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس، أطنب في ذكرهم بصفات ~~متعددة، كل منها نفاق، كما أنزل سورة " براءة " وسورة " المنافقين " ~~فيهم، وذكرهم في سورة ms0016 " النور " وغيرها من السور، تعريفا لأحوالهم ~~لتجتنب ويجتنب من تلبس بها أيضا، فقال تعالى: { ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله.. } الآيات. # والنفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي وهو الذي يخلد ~~صاحبه في النار، وعملي: وهو من أكبر الذنوب، لأن المنافق يخالف قوله ~~فعله، وسره علانيته، وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية، ~~لأن مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، ولهذا نبه الله سبحانه على ~~صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع لذلك فساد عريض من ~~عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من ~~المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خيرا، فقال تعالى: { ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر } أي ~~يقولون ذلك قولا كما قال تعالى: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله # [المنافقون: 1]، أي إنما يقولون ذلك إذا جاءوك فقط لا في نفس الأمر، ~~وليس الأمر كذلك، كما كذبهم الله في شهادتهم بقوله: # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1] وفي اعتقادهم بقوله: { وما هم بمؤمنين }. # وقوله تعالى: { يخادعون الله والذين آمنوا } أي بإظهار ~~ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون - بجهلهم - أنهم يخدعون ~~الله بذلك وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض ~~المؤمنين، ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: { وما يخدعون ~~إلا أنفسهم وما يشعرون } أي ما يغرون بصنيعهم هذا إلا ~~أنفسهم، وما يشعرون بذلك من أنفسهم كما قال تعالى: # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142]، ومن القراء من قرأ: { وما يخادعون } وكلا القراءتين يرجع ~~إلى معنى واحد. ### || [2.10] # { في قلوبهم مرض } أي شك { فزادهم الله مرضا } ~~شكا، وعن ابن عباس { مرض } نفاق { فزادهم الله مرضا } ~~نفاقا، وهذا كالأول. وقال عبد الرحمن بن أسلم: هذا مرض في الدين وليس ~~مرضا في الأجساد، والمرض الشك الذي دخلهم في الإسلام { فزادهم ~~الله مرضا } أي زادهم رجسا. وقرأ: # فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا ms0017 إلى رجسهم # [التوبة: 124-125] يعني شرا إلى شرهم، وضلالة إلى ضلالتهم وهذا الذي ~~قاله هو الجزاء من جنس العمل. { ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون } وقرئ { يكذبون } و { يكذبون } وقد كانوا متصفين بهذا ~~وهذا، فإنهم كانوا كذبة ويكذبون بالغيب، يجمعون بين هذا وهذا، وحكمة كفه ~~عليه الصلاة والسلام عن قتل المنافقين، مع علمه بأعيان بعضهم ما ثبت في ~~الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: # " أكره أن يتحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه " # ، ومعنى هذا خشيته عليه السلام أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب ~~عن الدخول في الإسلام، ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأن قتله إياهم إنما هو ~~على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون: إن محمدا ~~يقتل أصحابه. وقال الشافعي: إنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم، لأن ما ~~يظهرونه يجب ما قبله، وفي الحديث المجمع على صحته: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل " # ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرا، فإن كان يعتقدها ~~وجد ثواب ذلك في الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه جريان الحكم عليه في ~~الدنيا: # ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم ~~فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم ~~الأماني حتى جآء أمر الله # [الحديد: 14] الآية فهم يخالطونهم في المحشر فإذا حقت المحقوقية تميزوا ~~منهم وتخلفوا بعدهم # وحيل بينهم وبين ما يشتهون # [سبأ: 54]. ### || [2.11-12] # قال السدي عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم: هم المنافقون، والفساد في الأرض هو الكفر والعمل بالمعصية، وقال ~~أبو العالية: { لا تفسدوا في الأرض } يعني لا تعصوا في الأرض، ~~وكان فسادهم ذلك معصية الله، لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته ~~فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، وقال مجاهد: إذا ~~ركبوا ms0018 معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا قالوا: إنما نحن على ~~الهدى مصلحون. # قال ابن جرير: فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم ربهم، وركوبهم ما ~~نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه، وكذبهم المؤمنين ~~بدعواهم غير ما هم مقيمون عليه من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب ~~بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا، فذلك إفساد ~~المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها. فالمنافق ~~لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، وغرهم بقوله الذي لا ~~حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على حاله الأول ~~لكان شره أخف، ولهذا قال تعالى: { وإذا قيل لهم لا تفسدوا ~~في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون } أي نريد أن نداري ~~الفريقين من المؤمنين والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء، قال ابن عباس { ~~إنما نحن مصلحون } أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من ~~المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله تعالى: { ألا إنهم هم ~~المفسدون ولكن لا يشعرون } يقول: ألا إن هذا الذي ~~يزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادا. ### || [2.13] # يقول تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا كمآ آمن الناس } ، ~~أي كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة ~~والنار، وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال ~~الأوامر، وترك الزواجر { قالوا أنؤمن كمآ آمن السفهآء ~~}؟ يعنون - لعنهم الله - أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ~~أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة، وعلى طريقة واحدة، وهم سفهاء؟. # والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بالمصالح والمضار، ~~ولهذا سمي الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله ~~لكم قياما # [النساء: 5] وقد تولى سبحانه جوابهم في هذه المواطن كلها فقال: { ألا ~~إنهم هم السفهآء } فأكد وحصر السفاهة فيهم { ولكن لا ~~يعلمون } يعني ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة ~~والجهل، وذلك أبلغ في العمى والبعد عن الهدى. ### || [2.14-15] # أي، وإذا ms0019 لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا آمنا، وأظهروا لهم الإيمان ~~والموالاة، غرورا منهم للمؤمنين ونفاقا ومصانعه وتقية، وليشركوهم فيما ~~أصابوا من خير ومغنم. { وإذا خلوا إلى شياطينهم } يعني ~~إذا انصرفوا وخلصوا إلى شياطينهم، فضمن " خلوا " معنى انصرفوا لتعديته ~~بإلى ليدل على الفعل المضمر، وشياطينهم سادتهم وكبراؤهم، ورؤساؤهم من ~~أحبار اليهود، ورؤوس المشركين والمنافقين، قال السدي عن ابن مسعود { ~~وإذا خلوا إلى شياطينهم } يعني رؤساءهم في الكفر، وقال ~~ابن عباس: هم أصحابهم من اليهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال مجاهد: أصحابهم من المنافقين والمشركين، ~~وقال قتادة: رؤوسهم وقادتهم في الشرك والشر، قال ابن جرير: وشياطين كل ~~شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن كما قال تعالى: # شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا # [الأنعام: 112]، وقوله تعالى: { قالوا إنا معكم } أي إنا على ~~مثل ما أنتم عليه { إنما نحن مستهزئون } أي إنما نستهزىء ~~بالقوم ونلعب بهم، وقال ابن عباس: { مستهزئون } ساخرون بأصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى جوابا لهم ومقابلة على صنيعهم: { ~~الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم ~~يعمهون } ، قال ابن عباس: يسخر بهم للنقمة منهم { ويمدهم } ~~يملي لهم، وقال مجاهد: يزيدهم كقوله تعالى: # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # [المؤمنون: 55-56]، قال ابن جرير: أخبر تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم ~~القيامة في قوله تعالى: # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم # [الحديد: 13] الآية، وفي قوله: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران: 178] الآية، قال: فهذا وما أشبهه من استهزاء الله تعالى ~~ومكره وخديعته بالمنافقين وأهل الشرك، وقال آخرون: استهزاؤه بهم توبيخه ~~إياهم، ولومه لهم على ما ارتكبوا من معاصيه، وقال آخرون: قوله: { الله ~~يستهزىء بهم } ، وقوله: # يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142]، وقوله: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67] وما أشبه ذلك إخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ~~ومعاقبهم عقوبة ms0020 الخداع، فأخرج الخبر عن الجزاء مخرج الخبر عن الفعل الذي ~~استحقوا العقاب عليه، فاللفظ متفق والمعنى مختلف كما قال تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]، وقوله: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # [البقرة: 194] فالأول ظلم والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظهما فقد اختلف ~~معناهما، وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك. والعمه: ~~الضلال، يقال: عمه عمها إذا ضل، وقوله: { في طغيانهم يعمهون ~~} أي في ضلالتهم وكفرهم يترددون حيارى، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا ~~لأن الله قد طبع على قلوبهم، وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى فلا ~~يبصرون رشدا ولا يهتدون سبيلا، وقال بعضهم: العمه في القلب، والعمى في ~~العين، وقد يستعمل العمى في القلب أيضا كما قال تعالى: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]. ### || [2.16] # قال السدي عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة { أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى } أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، وعن ~~ابن عباس { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ~~} أي الكفر بالإيمان، وقال مجاهد: آمنوا ثم كفروا، وقال قتادة: استحبوا ~~الضلالة على الهدى. وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ~~ثمود: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت: 17]. # وحاصل قول المفسرين فيما تقدم: أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال، ~~واعتاضوا عن الهدى بالضلالة، وهو معنى قوله تعالى: { أولئك ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى } أي بذلوا الهدى ثمنا ~~للضلالة، ولهذا قال تعالى: { فما ربحت تجارتهم وما ~~كانوا مهتدين } أي ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة، وما كانوا ~~مهتدين أي راشدين في صنيعهم ذلك. وقال ابن جرير عن قتادة: { فما ~~ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين } قد والله رأيتموهم ~~خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى ~~الخوف، ومن السنة إلى البدعة. ### || [2.17-18] # يقال: مثل، والجمع أمثال، قال الله تعالى: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # [العنكبوت: 43]، وتقدير هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم ~~الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى ms0021 العمى، بمن استوقد نارا، ~~فلما أضاءت ما حوله، وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتأنس ~~بها... فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي ~~وهو مع هذا (أصم) لا يسمع (أبكم) لا ينطق، (أعمى) لو كان ضياء لما أبصر، ~~فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في ~~استبدالهم الضلالة عوضا عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا ~~المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر تعالى عنهم في غير هذا ~~الموضع والله أعلم. # وقال الرازي: والتشبيه ههنا في غاية الصحة لأنهم بإيمانهم اكتسبوا ~~أولا نورا، ثم بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك، فوقعوا في حيرة عظيمة، فإنه ~~لا حيرة أعظم من حيرة الدين. # وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد كما قال تعالى: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة: 5]. وقال بعضهم: تقدير الكلام مثل قصتهم كقصة الذين استوقدوا ~~نارا، وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع في قوله تعالى: { ~~فلمآ أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي ~~فهم لا يرجعون } ، وهذا أفصح في الكلام وأبلغ في النظام. # وقوله تعالى: { ذهب الله بنورهم } أي ذهب عنهم بما ينفعهم ~~وهو النور وأبقى لهم ما يضرهم وهو الإحراق والدخان، { وتركهم في ~~ظلمات لا يبصرون } وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق. { ~~لا يبصرون } لا يهتدون إلى سبيل خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك { ~~صم } لا يسمعون خيرا، { بكم } لا يتكلمون بما ينفعهم، { عمي } ~~في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]، فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها ~~بالضلالة. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: { مثلهم كمثل ~~الذي استوقد نارا } إلى آخر الآية... قال: هذه صفة المنافقين، ~~كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم كما إضاءت النار ms0022 لهؤلاء الذين ~~استوقدوا نارا، ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه كما ذهب بضوء هذه ~~النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون. ### || [2.19-20] # هذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم ~~الحق تارة ويشكون تارة أخرى، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم ~~(كصيب) والصيب: المطر نزل من السماء في حال ظلمات وهي الشكوك والكفر ~~والنفاق، و (رعد): وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين ~~الخوف الشديد والفزع كما قال تعالى: # يحسبون كل صيحة عليهم # [المنافقون: 4]، وقال: # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ~~ولكنهم قوم يفرقون * لو يجدون ملجئا أو ~~مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون # [التوبة: 56-57]. و (البرق): هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من ~~المنافقين في بعض الأحيان من نور الإيمان، ولهذا قال: { يجعلون ~~أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ~~والله محيط بالكافرين } أي ولا يجدي عنهم حذرهم شيئا لأن ~~الله محيط بهم بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته، كما قال: # هل أتاك حديث الجنود * فرعون وثمود * بل ~~الذين كفروا في تكذيب * والله من ورآئهم محيط # [البروج: 17-20] أي بهم، ثم قال: { يكاد البرق يخطف ~~أبصارهم } أي لشدته وقوته في نفسه وضعف بصائرهم وعدم ثباتها ~~للإيمان. قال ابن عباس: { يكاد البرق يخطف أبصارهم } أي ~~لشدة ضوء الحق { كلما أضآء لهم مشوا فيه وإذآ ~~أظلم عليهم قاموا } أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا ~~به واتبعوه، وتارة تعرض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم فوقفوا حائرين. وعن ابن ~~عباس: يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة فإذا ~~ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا: أي متحيرين. وهكذا يكونون يوم القيامة ~~عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم، فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له ~~مسيرة فراسخ وأكثر من ذلك وأقل من ذلك، ومنهم من يطفأ نوره تارة ويضيء ~~أخرى، ومنهم من يمشي على الصراط تارة ويقف أخرى، ومنهم من يطفأ نوره ~~بالكلية وهم الخلص من المنافقين الذين قال تعالى ms0023 فيهم: # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم ~~فالتمسوا نورا # [الحديد: 13]. وقال في حق المؤمنين: # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار # [الحديد: 12] الآية. وقال تعالى: # يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه ~~نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ~~ربنآ أتمم لنا نورنا واغفر لنآ إنك على كل ~~شيء قدير # [التحريم: 8]. # وقوله تعالى: { ولو شآء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير } عن ابن ~~عباس في قوله تعالى: { ولو شآء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم } ، قال: لما تركوا من الحق بعد معرفته، { إن الله ~~على كل شيء قدير }: أي إن الله على كل ما أراد بعباده من ~~نقمة أو عفو قدير. # وقال ابن جرير: إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا ~~الموضع لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب ~~أسماعهم وأبصارهم قدير. ومعنى (قدير) قادر كما معنى (عليم) عالم. وذهب ~~ابن جرير ومن تبعه من كثير من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان ~~لصنف واحد من المنافقين. وتكون (أو) في قوله تعالى: { أو كصيب ~~من السمآء } بمعنى الواو، كقوله تعالى: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان: 24]، أو تكون للتخيير. أي اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا. ~~قال القرطبي: أو للتساوي مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، ووجهه الزمخشري ~~بأن كلا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه ويكون معناه على قوله: ~~سواء ضربت لهم مثلا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم. # (قلت): وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات، ~~كما ذكرها الله تعالى في سورة (براءة) - ومنهم - ومنهم - ومنهم - يذكر ~~أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال، فجعل هذين المثلين ~~لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم والله أعلم، كما ضرب المثلين ~~في سورة (النور) لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين، وفي قوله تعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة # [النور: 39]، إلى أن ms0024 قال: # أو كظلمات في بحر لجي # [النور: 40] الآية. فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب، والثاني لذوي ~~الجهل البسيط من الأتباع المقلدين، والله أعلم بالصواب. ### || [2.21-22] # شرع تعالى في بيان وحدانية ألوهيته بأنه هو المنعم على عبيده بإخراجهم ~~من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم ~~الأرض فراشا: أي مهدا كالفراش، مقررة موطأة مثبتة كالرواسي الشامخات. { ~~والسماء بنآء } وهو السقف، كما قال تعالى: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا وهم عن آياتها ~~معرضون # [الأنبياء: 32]، { وأنزل من السمآء مآء } والمراد به ~~السحاب ههنا في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع ~~والثمار رزقا لهم ولأنعامهم. ومضمونه: أنه الخالق الرازق مالك الدار ~~وساكنيها ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره، ولهذا ~~قال: { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون }. ~~وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال، قلت: # " يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك " # الحديث. وكذا حديث معاذ: # " أتدري ما حق الله على عباده؟ " أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " # الحديث، وفي الحديث الآخر: # " لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان ولكن ليقل ما شاء الله ثم شاء ~~فلان " # وعن ابن عباس قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: # " ما شاء الله وشئت، فقال: " أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده " # ، وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد والله أعلم. # قال ابن عباس، قال الله تعالى: { ياأيها الناس اعبدوا ~~ربكم } للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين، أي وحدوا ربكم الذي ~~خلقكم والذين من قبلكم. وعنه أيضا { فلا تجعلوا لله أندادا ~~وأنتم تعلمون }: أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا ~~تنفع ولا تضر { وأنتم تعلمون } أنه لا رب لكم يرزقكم غيره. وقد ~~علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من التوحيد هو الحق ~~الذي لا شك فيه. قال أبو العالية { فلا تجعلوا لله أندادا } ~~أي عدلاء شركاء، وقال مجاهد { فلا تجعلوا لله أندادا ms0025 ~~وأنتم تعلمون } قال: تعلمون أنه آله واحد في التوراة ~~والإنجيل. # (ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة). # روى الإمام أحمد بسنده عن الحارث الأشعري أن نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الله عز وجل أمر يحيى بن زكريا عليه السلام بخمس كلمات أن يعمل بهن ~~وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وأنه كاد أن يبطىء بها فقال له عيسى ~~عليه السلام إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن ~~يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن؟ فقال: يا أخي إني أخشى إن ~~سبقتني أن أعذب أو يخسف بي. قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في ~~بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف فحمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن. أولهن ~~أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدا ~~من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم ~~يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به ~~شيئا. وأمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت فإذا ~~صليتم فلا تلتفتوا. وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من ~~مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ~~ريح المسك. وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا ~~يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال لهم هل لكم أن أفتدي نفسي ~~منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه. وأمركم بذكر ~~الله كثيرا وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره فأتى ~~حصنا حصينا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ~~ذكر الله " # قال، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " وأنا آمركم بخمس؛ الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، ~~والهجرة، والجهاد في سبيل ms0026 الله. فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ~~ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثي ~~جهنم " ، قالوا: يا رسول الله وإن صام وصلى، فقال: " وإن صلى وصام وزعم ~~أنه مسلم فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم الله عز وجل المسلمين ~~المؤمنين عباد الله " " # هذا حديث حسن. # وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده، فإن من تأمل هذه ~~الموجودات علم قدرة خالقها وحكمته، وعلمه وإتقانه، وعظيم سلطانه، كما ~~قال بعض الأعراب وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان ~~الله إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ~~ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج! ألا يدل ذلك على وجود ~~اللطيف الخبير؟. # وحكى الرازي عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل له باختلاف ~~اللغات، والأصوات، والنغمات. وعن أبي حنيفة أن (بعض الزنادقة) سألوه عن ~~وجود الباري تعالى فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه، ذكروا ~~لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ~~ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام ~~حتى تتخلص منها وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. # فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل! فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من ~~العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها ~~صانع؟! فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه. وعن الشافعي أنه ~~سئل عن وجود الصانع فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد تأكله الدود فيخرج ~~منه الإبريسم. وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبقرة ~~والأنعام فتلقيه بعرا وروثا، وتأكله الظباء فيخرج منه المسك وهو شيء ~~واحد، وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال: ههنا حصن حصين ~~أملس ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء وباطنه كالذهب الإبريز، ~~فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان ms0027 سميع بصير ذو شكل حسن وصوت ~~مليح. يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة. وسئل أبو نواس عن ذلك ~~فأنشد: # تأمل في نبات الأرض وانظر # إلى آثار ما صنع المليك # عيون من لجين شاخصات # بأحداق هي الذهب السبيك # على قضيب الزبرجد شاهدات # بأن الله ليس له شريك # وقال ابن المعتز: # فيا عجبا كيف يعصي الإله # أم كيف يجحده الجاحد # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # وقال آخرون: من تأمل هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من ~~الكواكب الكبار والصغار النيرة من السيارة ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور ~~مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر ~~إلى البحار المكتنفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ~~ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها، كما قال تعالى: # ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود # [فاطر: 27]، وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر للمنافع، وما ذرأ ~~في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأشكال ~~والألوان، مع اتحاد طبيعة التربة والماء، استدل على وجود الصانع وقدرته ~~العظيمة، وحكمته ورحمته بخلقه، ولطفه بهم وإحسانه إليهم، لا إله غيره ولا ~~رب سواه، عليه توكلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدالة على هذا ~~المقام كثيرة جدا. ### || [2.23-24] # ثم شرع تعالى: في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو فقال ~~مخاطبا للكافرين: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا ~~على عبدنا } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، فأتوا بسورة من ~~مثل ما جاء به؛ إن زعمتم أنه من عند غير الله، فعارضوه بمثل ما جاء به، ~~واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله فإنكم لا تستطيعون ذلك. # قال ابن عباس { شهدآءكم }: أعوانكم، أي استعينوا بآلهتكم في ذلك ~~يمدونكم وينصرونكم، وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن ~~فقال في سورة القصص: # قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهمآ ~~أتبعه إن كنتم صادقين # [القصص: 49]. وقال في سورة ms0028 سبحان: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # [الإسراء: 88]، وقال في سورة هود: # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين # [هود: 13]، وقال في سورة يونس: # أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين # [يونس: 38] وكل هذه الآيات مكية. ثم تحداهم بذلك أيضا في المدينة فقال ~~في هذه الآية: { وإن كنتم في ريب } أي شك { مما نزلنا ~~على عبدنا } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { فأتوا ~~بسورة من مثله } يعني من مثل القرآن قاله مجاهد وقتادة. ورجح ~~ذلك بوجوه من أحسنها: أنه تحداهم كلهم متفرقين ومجتمعين سواء في ذلك ~~أميهم وكتابيهم، وذلك أكمل في التحدي وأشمل من أن يتحدى آحادهم ~~الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئا من العلوم وبدليل قوله تعالى: # فأتوا بعشر سور مثله # [هود: 13]، وقوله: # لا يأتون بمثله # [الإسراء: 88]، وقال بعضهم: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم يعني من رجل ~~أمي مثله، والصحيح الأول لأن التحدي عام لهم كلهم مع أنهم أفصح ~~الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة مع شدة عداوتهم له ~~وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك ولهذا قال تعالى: { فإن لم ~~تفعلوا ولن تفعلوا } و (لن) لنفي التأبيد في المستقبل، أي ~~ولن تفعلوا ذلك أبدا وهذه أيضا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبرا جازما ~~قاطعا غير خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ~~ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا، ولا ~~يمكن، وأنى يتأتى ذلك لأحد والقرآن كلام الله خالق كل شيء؟ وكيف يشبه ~~كلام الخالق كلام المخلوقين؟ # ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونا ظاهرة وخفية، من حيث ~~اللفظ ومن جهة المعنى قال تعالى: # كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير # [هود: 1] فأحكمت ألفاظه، وفصلت معانيه، ms0029 أو بالعكس على الخلاف، فكل من ~~لفظه ومعناه فصيح لا يحاذي ولا يداني. فقد أخبر عن مغيبات ماضية كانت ~~ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير ونهى عن كل شر كما قال ~~تعالى: # وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا # [الأنعام: 115] أي صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام، فكله حق ~~وصدق، وعدل وهدى، ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار ~~العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما ~~قيل في الشعر (إن أعذبه أكذبه) وتجد في القصيدة الطويلة المديدة قد ~~استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين أو ~~فرس أو ناقة أو حرب، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئا، ~~إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي أو الدقيق أو إبرازه إلى الشيء ~~الواضح، ثم تجد له فيه بيتا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد، وسائرها ~~هذر لا طائل تحته. # وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك ~~تفصيلا وأجمالا، ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت ~~أخباره وجدتها في غاية الحلاوة سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت ~~أم لا، وكلما تكرر حلا وعلا، لا يخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه ~~العلماء. وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم ~~الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات؟ وإن وعد أتى بما يفتح القلوب ~~والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن كما قال في ~~الترغيب: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة: 17]، وقال: # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم ~~فيها خالدون # [الزخرف: 71]، وقال في الترهيب: # أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر # [الإسراء: 68]، # أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا ~~هي تمور * أم أمنتم من في السمآء أن يرسل ~~عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير # [الملك: 16-17]، وقال في الزجر: # فكلا أخذنا بذنبه # [العنكبوت: ms0030 40]، وقال في الوعظ: # أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جآءهم ما ~~كانوا يوعدون * مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون # [الشعراء: 205-207] إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة. # وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي اشتملت على الأمر بكل ~~معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء؛ كما قال ابن ~~مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن: يا أيها ~~الذين آمنوا فأرعها سمعك فإنها خير يأمر به أو شر ينهى عنه، ولهذا قال ~~تعالى: # يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم # [الأعراف: 157] الآية، وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من ~~الأهوال وفي وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من ~~النعيم والجحيم، والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت؛ ودعت إلى ~~فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهدت في الدنيا ورغبت في الأخرى، ~~وثبتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط الله المستقيم، وشرعه القويم، ~~ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله ~~البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون ~~أكثرهم نابعا يوم القيامة " # ، وقوله: صلى الله عليه وسلم: # " وإنما كان الذي أوتيته وحيا " # أي الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف ~~غيره من الكتب الإلهية فإنها ليست معجزة عند كثير من العلماء والله أعلم، ~~وله عليه الصلاة السلام من الآيات الدالة على نبوته وصدقه فيما جاء به ما ~~لا يدخل تحت حصر، ولله الحمد والمنة. # وقوله تعالى: { فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكافرين } أما الوقود فهو ما يلقى في ~~النار لإضرامها كالحطب ونحوه كما قال تعالى: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15] وقال تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98] والمراد بالحجارة ms0031 ههنا هي حجارة الكبريت، العظيمة ~~السوداء الصلبة المنتنة، وهي أشد الأحجار حرا إذا حميت أجارنا الله ~~منها، وقال السدي في تفسيره عن ابن مسعود { اتقوا النار التي ~~وقودها الناس والحجارة }: أما الحجارة فهي حجارة في النار ~~من كبريت أسود يعذبون به مع النار، وقال مجاهد: حجارة من كبريت أنتن من ~~الجيفة. وقيل: المراد بها حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون ~~الله كما قال تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] الآية. # وإنما سيق هذا في حر هذه النار التي وعدوا بها وشدة ضرامها وقوة لهبها ~~كما قال تعالى: # كلما خبت زدناهم سعيرا # [الإسراء: 97] وهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها ~~النار لتحمر ويشتد لهبها، قال: ليكون ذلك أشد عذابا لأهلها. # وقوله تعالى: { أعدت للكافرين } الأظهر أن الضمير عائد إلى ~~النار ويحتمل عوده إلى الحجارة كما قال ابن مسعود، ولا منافاة بين ~~القولين في المعنى لأنهما متلازمان. و { أعدت } أي أرصدت وحصلت ~~للكافرين بالله ورسوله، وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن ~~النار موجودة الآن لقوله تعالى: { أعدت } أي أرصدت وهيئت، وقد وردت ~~أحاديث كثيرة في ذلك منها: # " تحاجت الجنة والنار " # ، ومنها: # " استأذنت النار ربها فقالت رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين: ~~نفس في الشتاء، ونفس في الصيف " # ، وحديث ابن مسعود: سمعنا وجبة فقلنا ما هذه؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها " # وهو مسند عند مسلم، وحديث صلاة الكسوف وليلة الإسراء وغير ذلك من ~~الأحاديث المتواترة في هذا المعنى وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا، ~~ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس. # (تنبيه ينبغي الوقوف عليه) # قوله تعالى: { فأتوا بسورة من مثله } وقوله في سورة ~~يونس: # بسورة مثله # [الآية: 38] يعم كل سورة في القرآن، طويلة كانت أو قصيرة، لأنها نكرة في ~~سياق الشرط فتعم كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين ms0032 كما هو ~~مقرر في موضعه، فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها، وهذا ما لا أعلم ~~فيه نزاعا بين الناس سلفا وخلفا. وقد قال الرازي في تفسيره: فإن قيل ~~قوله تعالى: { فأتوا بسورة من مثله } يتناول سورة الكوثر، ~~وسورة العصر، وقل يا أيها الكافرون، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله ~~أو بما يقرب منه ممكن، فإن قلتم إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدور ~~البشر كان مكابرة، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة إلى ~~الدين: (قلنا): فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا: إن بلغت هذه ~~السورة في الفصاحة حد الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن كذلك كان ~~امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى تهوين أمره معجزا، فعلى ~~التقديرين يحصل المعجز. هذا لفظه بحروفه، والصواب أن كل سورة من القرآن ~~معجزة لا يستطيع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة، قال الشافعي رحمه ~~الله: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3] ### || [2.25] # لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من ~~العذاب والنكال، عطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله ~~الذي صدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، وهذا معنى تسمية القرآن مثاني على ~~أصح أقوال العلماء كما سنبسطه في موضعه، وهو أن يذكر الإيمان ويتبع بذكر ~~الكفر أو عكسه، أو حال السعداء ثم الأشقياء أو عكسه، وحاصله ذكر الشيء ~~ومقابله. وأما ذكر الشي ونظيره فذاك التشابه كما سنوضحه إن شاء الله. ~~فلهذا قال تعالى: { وبشر الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~} فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار أي من تحت أشجارها وغرفها وقد جاء ~~في الحديث أن أنهارها تجري في غير أخدود. وقوله تعالى: { كلما ~~رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي ~~رزقنا من قبل }. # قال السدي في تفسيره: إنهم أتوا بالثمرة في الجنة فلما نظروا إليها ~~قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا. ms0033 وقال عكرمة: { قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل } معناه مثل الذي كان بالأمس، وقال آخرون: ~~{ هذا الذي رزقنا من قبل } من ثمار الجنة لشدة مشابهة ~~بعضه بعضا لقوله تعالى: { وأتوا به متشابها } ، وعن يحيى بن ~~أبي كثير قال: يؤتى أحدهم بالصحفة من الشيء فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى ~~فيقول هذا الذي أتينا به من قبل، فتقول الملائكة: كل فاللون واحد، ~~والطعم مختلف. # وقال ابن جرير بإسناده في قوله تعالى: { وأتوا به متشابها } ~~يعني في اللون والمرأى وليس يشبه في الطعم. وهذا اختيار ابن جرير، وقال ~~عكرمة { وأتوا به متشابها } قال: يشبه ثمر الدنيا غير أن ثمر ~~الجنة أطيب، وعن ابن عباس " لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا ~~في الأسماء " ، وفي رواية " ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء ". # وقوله تعالى: { ولهم فيهآ أزواج مطهرة } قال ابن عباس: ~~مطهرة من القذر والأذى. وقال مجاهد: من الحيض والغائط والبول والنخام ~~والبزاق والمني والولد. وقال قتادة: مطهرة من الأذى والمأثم، وعن أبي ~~سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { ولهم فيهآ ~~أزواج مطهرة } قال: من الحيض والغائط والنخاعة والبزاق. وقوله ~~تعالى: { وهم فيها خالدون } هذا هو تمام السعادة، فإنهم مع هذا ~~النعيم في مقام أمين، من الموت والانقطاع فلا آخر له، ولا انقضاء بل في ~~نعيم سرمدي أبدي على الدوام... والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم إنه ~~جواد كريم، بر رحيم. ### || [2.26-27] # قال السدي: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين يعني قوله تعالى: # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا # [البقرة: 17]، وقوله: # أو كصيب من السمآء # [البقرة: 19] الآيات الثلاث قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب ~~هذه الأمثال، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله تعالى: { هم الخاسرون ~~} ، وقال قتادة: لما ذكر الله تعالى العنكبوت والذباب قال المشركون: ما ~~بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله: { إن الله لا يستحى ~~أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها } أي إن الله لا ~~يستحيي من الحق أن يذكر شيئا مما ms0034 قل أو كثر، وإن الله حين ذكر في ~~كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل ~~الله: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما ~~بعوضة فما فوقها }. # ومعنى الآية أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي أي لا يستنكف، وقيل: لا يخشى ~~أن يضرب مثلا ما، أي مثل كان بأي شيء كان صغيرا كان أو كبيرا و (ما) ~~ههنا للتقليل، وتكون بعوضة منصوبة على البدل، كما تقول: لأضربن ضربا ~~ما، فيصدق بأدنى شيء أو تكون (ما) نكرة موصوفة ببعوضة، ويجوز أن تكون ~~بعوضة منصوبة بحذف الجار، وتقدير الكلام: " إن الله لا يستحيي أن يضرب ~~مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها " وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء. # وقوله تعالى: { فما فوقها } فيه قولان: أحدهما: فما دونها في ~~الصغر والحقارة، كما إذا وصف رجل باللؤم والشح فيقول السامع نعم وهو فوق ~~ذلك - يعني فيما وصفت - وهذا قول أكثر المحققين، وفي الحديث: # " لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرا منها شربة ماء " # ، والثاني فما فوقها لما هو أكبر منها لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من ~~البعوضة وهذا قول قتادة بن دعامة واختيار ابن جرير فإنه يؤيده ما رواه ~~مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها ~~خطيئة " # فأخبر أنه لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا ولو كان في الحقارة والصغر ~~كالبعوضة، فكما لا يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها، كما ~~ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]، وقال: # مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو كانوا يعلمون # [العنكبوت: 41]، وقال تعالى: # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا ms0035 يقدر على ~~شيء # [النحل: 75] الآية، ثم قال: # وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم لا ~~يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما ~~يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر ~~بالعدل # [النحل: 76] الآية. وقال: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العلمون # [العنكبوت: 43] وفي القرآن أمثال كثيرة. # قال بعض السلف: إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي لأن ~~الله قال: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العلمون # [العنكبوت: 43]، قال قتادة: { فأما الذين آمنوا فيعلمون ~~أنه الحق من ربهم } أي يعلمون أنه كلام الرحمن وأنه من ~~عند الله. وقال أبو العالية: { فأما الذين آمنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم } يعني هذا المثل، { ~~وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله ~~بهذا مثلا } كما قال تعالى: # ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ~~وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذآ ~~أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشآء ~~ويهدي من يشآء وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31]، وكذلك قال ههنا: { يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين }. # قال ابن عباس: يضل به كثيرا يعني به (المنافقين)، ويهدي به كثيرا يعني ~~به (المؤمنين) فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالتهم، لتكذيبهم بما قد علموه ~~حقا يقينا من المثل الذي ضربه الله، ويهدي به يعني المثل كثيرا من أهل ~~الإيمان والتصديق فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانا إلى إيمانهم، { وما ~~يضل به إلا الفاسقين } ، قال أبو العالية: هم أهل النفاق، ~~وقال مجاهد عن ابن عباس { وما يضل به إلا الفاسقين } ~~قال: يعرفه الكافرون فيكفرون به. وقال قتادة: { وما يضل به ~~إلا الفاسقين } فسقوا فأضلهم الله على فسقهم. # والفاسق في اللغة: هو الخارج عن الطاعة. تقول العرب: فسقت الرطبة إذا ~~خرجت من قشرتها، ولهذا يقال للفأرة (فويسقة) لخروجها عن جحرها للفساد. ~~وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة ~~والكلب العقور " # فالفاسق يشمل الكافر ms0036 والعاصي، ولكن فسق الكافر أشد وأفحش، والمراد به من ~~الآية الفاسق الكافر والله أعلم، بدليل أنه وصفهم بقوله تعالى: { ~~الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ~~ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض أولئك هم الخاسرون } ، وهذه الصفات صفات الكفار ~~المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى: # أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق ~~كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب * ~~الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق # [الرعد: 19-20] الآيات، إلى أن قال: # والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ~~ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار # [الرعد: 25]، وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء ~~الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما ~~أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى ~~لسان رسله، ونقضهم ذلك هو تركهم العمل به. # وقال آخرون: بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وعهد الله الذي ~~نقضوه هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها واتباع محمد ~~صلى الله عليه وسلم إذا بعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم، ~~ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ~~ذلك عن الناس، وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله وهو قول مقاتل بن حيان. # وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق، وعهده ~~إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلة على ربوبيته، وعهده إليهم في ~~أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس ~~غيرهم أن يأتي بمثله، الشاهد لهم على صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك تركهم ~~الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم ~~أن ما أتوا به حق. وروي عن مقاتل بن حيان أيضا نحو هذا وهو حسن وإليه ~~مال الزمخشري. فإنه قال: (فإن قلت) فما المراد ms0037 بعهد الله؟ قلت ما ركز في ~~عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، وهو معنى ~~قوله تعالى: # وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى # [الأعراف: 172]، إذ أخذ الميثاق عليهم من الكتب المنزلة عليهم كقوله: # وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم # [البقرة: 40]. وقال آخرون: العهد الذي ذكره تعالى هو العهد الذي أخذه ~~عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصف في قوله: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ # [الأعراف: 172] الآيتين. ونقضهم ذلك تركهم الوفاء به وهكذا روي عن مقاتل ~~بن حيان أيضا. حكى هذه الأقوال ابن جرير في تفسيره. وقال السدي في ~~تفسيره بإسناده قوله تعالى: { الذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثاقه } قال: ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا ~~فنقضوه. # وقوله: { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } قيل: ~~المراد به صلة الأرحام والقرابات كما فسره قتادة، كقوله تعالى: # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم # [محمد: 22]، ورجحه ابن جرير. وقيل: المراد أعم من ذلك، فكل ما أمر الله ~~بوصله وفعله فقطعوه وتركوه. وقال مقاتل: { أولئك هم ~~الخاسرون } قال في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: # أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار # [الرعد: 25]. وقال ابن عباس: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من ~~اسم، مثل خاسر، فإنما يعني به الكفر. وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما ~~يعني به الذنب. وقال ابن جرير في قوله تعالى: { أولئك هم ~~الخاسرون }: الخاسرون جمع خاسر وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم بمعصيتهم ~~الله من رحمته كما يخسر الرجل في تجارته، بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، ~~وكذلك المنافق والكافر خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في ~~القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته. ### || [2.28] # يقول تعالى محتجا على وجوده وقدرته وأنه الخالق المتصرف في عباده: { ~~كيف تكفرون بالله } أي كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره، ~~{ وكنتم أمواتا فأحياكم } أي وقد كنتم عدما فأخرجكم ms0038 إلى ~~الوجود. كما قال تعالى: # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم ~~خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون # [الطور: 35-36]، وقال ابن عباس { كنتم أمواتا فأحياكم }: ~~أمواتا في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق ~~ثم يحييكم حين يبعثكم، قال: وهي مثل قوله تعالى: # أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # [غافر: 11]. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: # ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # [غافر: 11] قال: كنتم ترابا قبل أن يخلقكم فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم ~~فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم ~~القيامة فهذه حياة أخرى: فهذه ميتتان وحياتان، فهو كقوله: { كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم }. ### || [2.29] # لما ذكر تعالى دلالة من خلقهم وما يشاهدونه من أنفسهم، ذكر دليلا آخر ~~مما يشاهدونه من خلق السماوات والأرض، فقال: { هو الذي خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السمآء ~~فسواهن سبع سموت } أي قصد إلى السماء. والاستواء ههنا ~~متضمن معنى القصد والإقبال لأنه عدي بإلى { فسواهن } أي فخلق السماء ~~سبعا. والسماء ههنا اسم جنس، فلهذا قال: { فسواهن سبع ~~سموت وهو بكل شيء عليم } أي وعلمه محيط بجميع ما خلق، ~~كما قال: # ألا يعلم من خلق # [الملك: 14] وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة وهو قوله تعالى: # قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين # [فصلت: 9] الآيات. # ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولا ثم خلق السماوات ~~سبعا، وهذا شان البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك وقد صرح ~~المفسرون بذلك كما سنذكره. فأما قوله تعالى: # ءأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها * رفع سمكها ~~فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض ~~بعد ذلك دحاها # [النازعات: 27-30] فقد قيل: إن (ثم) ههنا إنما هي لعطف الخبر على ~~الخبر لا لعطف الفعل على الفعل كما قال الشاعر: # قل لمن ساد ثم ساد أبوه # ثم قد ساد قبل ms0039 ذلك جده # وقيل: إن الدحي كان بعد خلق السماوات والأرض رواه علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. # وقال مجاهد في قوله تعالى: { هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا } قال: خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار ~~منها دخان، فذلك حين يقول: { ثم استوى إلى السمآء ~~فسواهن سبع سموت } قال: بعضهن فوق بعض وسبع أرضين يعني ~~بعضها تحت بعض. وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كما قال ~~في آية السجدة: # قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين # [فصلت: 9] فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا ~~أعلم فيه نزاعا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة أنه زعم أن ~~السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: # والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها مآءها ~~ومرعاها * والجبال أرساها # [النازعات: 30-32] قالوا فذكر خلق السماء قبل الأرض. # وفي صحيح البخاري أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه فأجاب بأن الأرض خلقت ~~قبل السماء، وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من ~~علماء التفسير قديما وحديثا وقد حررنا ذلك في سورة النازعات، وحاصل ذلك ~~أن الدحي مفسر بقوله تعالى: # أخرج منها مآءها ومرعاها * والجبال أرساها # [النازعات: 31-32] ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعا فيها بالقوة إلى ~~الفعل لما أكملت صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية، دحى بعد ذلك الأرض ~~فأخرجت ما كان مودعا فيها من المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها ~~وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من ~~الكواكب الثوابت والسيارة والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || [2.30] # يخبر تعالى بامتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل ~~إيجادهم بقوله: { وإذ قال ربك للملائكة } أي واذكر يا ~~محمد إذ قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك، { إني جاعل في ~~الأرض خليفة } أي قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن، وجيلا ~~بعد جيل، كما قال تعالى: # وهو الذي ms0040 جعلكم خلائف الأرض # [الأنعام: 165] وقال: # ويجعلكم خلفآء الأرض # [النمل: 62]، وقال: # ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض ~~يخلفون # [الزخرف: 60] وليس المراد ههنا بالخليفة آدم عليه السلام فقط كما يقوله ~~طائفة من المفسرين، إذ لو كان ذلك لما حسن قول الملائكة: { أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } فإنهم أرادوا أن من ~~هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من ~~الطبيعة البشرية، فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من # صلصال من حمإ مسنون # [الحجر: 26] أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم ~~من المظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم (قاله القرطبي). أو أنهم قاسوهم ~~على من سبق كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك. # وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد ~~لبني آدم كما قد يتوهمه بعض المفسرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا ~~يسبقونه بالقول أي لا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه، وههنا لما أعلمهم ~~بأنه سيخلق في الأرض خلقا وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا: { ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء }؟ الآية. ~~وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا ما ~~الحكمة في خلق هؤلاء، مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإن كان ~~المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي نصلي لك ولا يصدر منا ~~شيء من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا ~~السؤال: { إني أعلم ما لا تعلمون } ، أي إني أعلم من ~~المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا ~~تعلمون أنتم، فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم ~~الصديقون والشهداء والصالحون، والعباد والزهاد، والأولياء والأبرار، ~~والمقربون، والعلماء العاملون، والخاشعون والمحبون له تبارك وتعالى، ~~المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم. # وقيل: معنى قوله تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } إني ~~لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها، ms0041 وقيل: إنه ~~جواب { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ، فقال: { ~~إني أعلم ما لا تعلمون } أي من وجود إبليس بينكم وليس هو ~~كما وصفتم أنفسكم به. وقيل: بل تضمن قولهم: { أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك } ، طلبا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم، فقال الله ~~تعالى لهم: { إني أعلم ما لا تعلمون } من أن بقاءكم في ~~السماء أصلح لكم وأليق بكم. # ذكرها الرازي مع غيرها من الأجوبة والله أعلم. # (ذكر أقوال المفسرين). # قال السدي في تفسيره: إن الله تعالى قال للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة، قالوا: ربنا وما يكون ذاك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في ~~الأرض، ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. قال ابن جرير: وإنما معنى الخلافة ~~التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنا. والخليفة الفعلية من ~~قولك: خلف فلان فلانا في هذا الأمر، إذا قام مقامه فيه بعده، كما قال ~~تعالى: # ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر ~~كيف تعملون # [يونس: 14]. ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم خليفة، لأنه خلف الذي كان قبله ~~فقام بالأمر فكان منه خلفا. # قال ابن جرير عن ابن عباس: إن أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، ~~وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضا. قال: فبعث الله إليهم إبليس، ~~فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال ثم خلق آدم ~~فأسكنه إياها، فلذلك قال: { إني جاعل في الأرض خليفة }. ~~وقال الحسن: إن الجن كانوا في الأرض يفسدون ويسفكون الدماء، ولكن جعل ~~الله في قلوبهم أن ذلك سيكون، فقالوا بالقول الذي علمهم. وقال قتادة في ~~قوله: { أتجعل فيها من يفسد فيها }: كان الله أعلمهم أنه ~~إذا كان في الأرض خلق افسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: { ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء }؟. # قال ابن جرير: وقال بعضهم إنما قالت الملائكة ما قالت: { أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء } لأن الله أذن لهم في ~~السؤال عن ذلك بعد ما أخبرهم أن ذلك ms0042 كائن من بني آدم، فسألته الملائكة ~~فقالت على التعجب منها: وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم؟ فأجابهم ربهم { ~~إني أعلم ما لا تعلمون } ، يعني أن ذلك كائن منهم، وإن لم ~~تعلموه أنتم ومن بعض ما ترونه لي طائعا، قال، وقال بعضهم ذلك من ~~الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا: يا رب ~~خبرنا - مسألة استخبار منهم لا على وجه الإنكار - واختاره ابن جرير. # وقوله تعالى: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ، قال ~~قتادة: التسبيح والتقديس الصلاة، وقال السدي عن ابن عباس { ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك }: نصلي لك. وقال مجاهد { ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ، قال: نعظمك ونكبرك. ~~وقال ابن جرير: التقديس هو التعظيم والتطهير. ومنه قولهم: سبوح قدوس، ~~يعني بقولهم سبوح تنزيه له، وبقولهم قدوس طهارة وتعظيم له، وكذلك قيل ~~للأرض: أرض مقدسة، يعني بذلك المطهرة، فمعنى قول الملائكة إذن { ونحن ~~نسبح بحمدك }: ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك، { ~~ونقدس لك } ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس وما ~~أضاف إليك أهل الكفر بك. # عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام ~~أفضل؟ قال: # " ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده " # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في ~~السماوات العلا # " سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى " # { قال إني أعلم ما لا تعلمون }. قال قتادة: فكان في ~~علم الله أنه سيكون في تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو ~~الجنة. # وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة، ليفصل بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم ~~الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا ~~تمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والإمامة ~~تنال بالنص كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر. أو بالإيماء إليه ~~كما يقول آخرون منهم، أو ms0043 باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصديق بعمر ~~بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع ~~أهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعة واحد منهم له، فيجب التزامها عند ~~الجمهور، وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع، والله أعلم. # ويجب أن يكون ذكرا، حرا، بالغا، عاقلا، مسلما، عدلا، مجتهدا، ~~بصيرا، سليم الأعضاء، خبيرا بالحروب والآراء، قرشيا على الصحيح؛ ولا ~~يشترط الهاشمي ولا المعصوم من الخطأ خلافا للغلاة والروافض. ولو فسق ~~الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان " # ، فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنا من كان ~~" # وهذا قول الجمهور. ### || [2.31-33] # هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصه من علم ~~أسماء كل شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدم هذا الفصل على ~~ذاك لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة، حين سألوا ~~عن ذلك فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون، ولهذا ذكر الله هذا المقام ~~عقيب هذا ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم، فقال تعالى: { ~~وعلم ءادم الأسمآء كلها } قال السدي عن ابن عباس: { ~~وعلم ءادم الأسمآء كلها } علمه أسماء ولده إنسانا ~~إنسانا، والدواب فقيل هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس. وقال الضحاك عن ~~ابن عباس { وعلم ءادم الأسمآء كلها } قال: هي هذه ~~الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودواب، وسماء، وأرض، وسهل، وبحر، ~~وخيل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. وقال مجاهد { وعلم ~~ءادم الأسمآء كلها }: علمه اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء، ~~وكذلك روي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف أنه علمه أسماء كل ~~شيء. والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها ذواتها وصفاتها وأفعالها، ~~ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية عن ms0044 أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم ~~فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء ~~كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا " # الحديث. فدل هذا على أنه علمه أسماء جميع المخلوقات ولهذا قال: { ثم ~~عرضهم على الملائكة } يعني المسميات { فقال أنبئوني ~~بأسمآء هؤلاء إن كنتم صادقين } ، قال مجاهد: ثم عرض ~~أصحاب الأسماء على الملائكة. # وقال ابن جرير عن الحسن وقتادة قالا: علمه اسم كل شيء، وجعل يسمي كل ~~شيء باسمه وعرضت عليه أمة أمة، وبهذا الإسناد عن الحسن وقتادة في قوله ~~تعالى: { إن كنتم صادقين } إني لم أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه ~~فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. وقال السدي { إن كنتم ~~صادقين } أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. { قالوا ~~سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ إنك أنت ~~العليم الحكيم } هذا تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط ~~أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، وأن يعلموا شيئا إلا ما علمهم الله تعالى ~~ولهذا قالوا: { سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ ~~إنك أنت العليم الحكيم } أي العليم بكل شيء، الحكيم في ~~خلقك وأمرك، وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء، لك الحكمة في ذلك والعدل ~~التام. عن ابن عباس { سبحان الله } قال: تنزيه الله نفسه عن ~~السوء. # قوله تعالى: { قال يآءادم أنبئهم بأسمآئهم فلمآ ~~أنبأهم بأسمآئهم قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السموت والأرض وأعلم ما تبدون ~~وما كنتم تكتمون }: لما ظهر فضل آدم عليه السلام على الملائكة ~~عليهم السلام في سرده ما علمه الله تعالى من أسماء الأشياء، قال الله ~~تعالى للملائكة: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السموت والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون } أي ألم أتقدم إليكم إني أعلم الغيب الظاهر والخفي، كما قال ~~تعالى: # وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى # [طه: 7]، وكما قال إخبارا عن الهدهد أنه ms0045 قال لسليمان: # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السموت والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون # [النمل: 25]، وعن ابن عباس { وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون }: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني ما كتم إبليس في نفسه ~~من الكبر والاغترار. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس { ~~وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } فكان الذي أبدوا ~~هو قولهم: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء # [البقرة: 30] وكان الذي كتموا بينهم هو قولهم: لن يخلق ربنا خلقا إلا ~~كنا أعلم منه وأكرم. فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم والكرم. ~~وقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس، وهو أن معنى قوله ~~تعالى: { وأعلم ما تبدون }: وأعلم مع علمي غيب السماوات والأرض ~~ما تظهرونه بألسنتكم وما كنتم تخفون في أنفسكم فلا يخفى علي شيء سواء ~~عندي سرائركم وعلانيتكم. والذي أظهروه بألسنتهم قولهم أتجعل فيها من يفسد ~~فيها، والذي كانوا يكتمون ما كان عليه منطويا إبليس من الخلاف على الله ~~في أوامره والتكبر عن طاعته، قال: وصح ذلك كما تقول العرب: قتل الجيش ~~وهزموا، وإنما قتل الواحد أو البعض وهزم الواحد أو البعض، فيخرج الخبر عن ~~المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم، كما قال تعالى: # إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات # [الحجرات: 4] ذكر أن الذي نادى إنما كان واحدا من بني تميم، قال ~~وكذلك قوله: { وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون }. ### || [2.34] # وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته، حيث أخبر ~~أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، وقد دل على ذلك أحاديث أيضا كثيرة ~~منها حديث الشفاعة المتقدم، وحديث موسى عليه السلام: # " رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فلما اجتمع به قال: أنت آدم ~~الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته؟ " # قال وذكر الحديث كما سيأتي إن شاء الله. # والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في ~~خطابهم، لأنه وإن لم يكن من ms0046 عنصرهم إلا أنه كان قد تشبه بهم وتوسم ~~بأفعالهم، فلهذا دخل في الخطاب لهم وذم في مخالفة الأمر. # قال طاووس عن ابن عباس: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه ~~(عزازيل) وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا، وأكثرهم ~~علما، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون جنا. وقال سعيد بن ~~المسيب: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا. وقال ابن جرير عن الحسن: ما ~~كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل ~~الإنس، وهذا إسناد صحيح عن الحسن. وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجن ~~الذين طردتهم الملائكة فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء، رواه ابن ~~جرير، وعن سعد بن مسعود قال: كانت الملائكة تقاتل الجن فسبي إبليس وكان ~~صغيرا فكان مع الملائكة يتعبد معها فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا فأبى ~~إبليس فلذلك قال تعالى: # إلا إبليس كان من الجن # [الكهف: 50]. وقال أبو جعفر: { وكان من الكافرين } يعني من ~~العاصين. قال قتادة في قوله تعالى: { وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لأدم }: فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن ~~أسجد له ملائكته، وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام كما ~~قال تعالى: # ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا # [يوسف: 100]، وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا. # قال معاذ: " قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم فأنت يا رسول ~~الله أحق أن يسجد لك، فقال: # " لا، لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من ~~عظم حقه عليها " # ورجحه الرازي. وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها، والأظهر ~~أن القول الأول أولى والسجدة لآدم كانت إكراما وإعظاما واحتراما ~~وسلاما، وهي طاعة لله عز وجل لأنها امتثال لأمره تعالى، وقد قواه ~~الرازي في تفسيره وضعف ما عداه من القولين الآخرين، وهما: كونه جعل ~~قبلة إذ لا يظهر فيه شرف، والآخر أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ~~ووضع ms0047 الجبهة على الأرض، وهو ضعيف كما قال. # وقال قتادة في قوله تعالى: { فسجدوا إلا إبليس أبى ~~واستكبر وكان من الكافرين }: حسد عدو الله إبليس آدم ~~عليه السلام على ما أعطاه الله من الكرامة وقال: أنا ناري وهذا طيني، ~~وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم عليه السلام. قلت: ~~وقد ثبت في الصحيح: # " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر " # ، وقد كان في قلب إبليس من الكبر، والكفر، والعناد ما اقتضى طرده ~~وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس، قال بعض المعربين { وكان من ~~الكافرين }: أي وصار من الكافرين بسبب امتناعه، كما قال: # فكان من المغرقين # [هود: 43] وقال: # فتكونا من الظالمين # [البقرة: 35]، وقال الشاعر: # بتيهاء قفر والمطي كأنها # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # أي قد صارت، وقال ابن فورك تقديره: وقد كان في علم الله من الكافرين، ~~ورجحه القرطبي، وذكر ههنا مسألة فقال، قال علماؤنا: من أظهر الله على ~~يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته ~~خلافا لبعض الصوفية والرافضة. # قلت: وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يدي غير الولي، بل قد ~~يكون على يد الفاجر والكافر أيضا بما ثبت عن ابن صياد أنه قال: هو الدخ، ~~حين خبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين # [الدخان: 10]، وبما كان يصدر عنه، أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه ~~عبد الله بن عمر، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من ~~الخوارق الكثيرة، من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر. والأرض أن تنبت ~~فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه إلى ~~غير ذلك من الأمور المهولة. وكان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل ~~يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على ~~الكتاب والسنة. ### || [2.35-36] # يبين الله تعالى إخبارا عما أكرم به آدم، بعد أن ms0048 أمر الملائكة بالسجود ~~له فسجدوا إلا إبليس أنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء ويأكل منها ما ~~شاء (رغدا) أي هنيئا واسعا، طيبا. وقد اختلف في الجنة التي أسكنها ~~آدم هي في السماء أم في الأرض؟ فالأكثرون على الأول، وحكى القرطبي عن ~~المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض، وسيأتي تقرير ذلك في سورة ~~الأعراف إن شاء الله تعالى، وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم ~~الجنة، ويقال: إن خلق حواء كان بعد دخول الجنة كما قال السدي في خبر ذكره ~~عن ابن عباس وعن ناس من الصحابة " أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة، ~~فكان يمشي فيها وحيدا ليس له زوج يسكن إليه، فنام نومة فاستيقظ وعند ~~رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة، قال: ~~ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي، قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه: ما ~~اسمها يا آدم؟ قال: حواء، قالوا: ولم حواء؟ قال: إنها خلقت من شيء حي ". # وأما قوله: { ولا تقربا هذه الشجرة } فهو اختبار من ~~الله تعالى وامتحان لآدم. وقد اختلف في هذه الشجرة ما هي؟ فقال السدي عن ~~ابن عباس: الشجرة التي نهي عنها آدم عليه السلام هي الكرم، وتزعم يهود ~~أنها الحنطة. وقال ابن جرير عن ابن عباس: الشجرة التي نهي عنها آدم عليه ~~السلام هي السنبلة، وقال ابن جرير بسنده: حدثني رجل من بني تميم أن ابن ~~عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدم، والشجرة التي ~~تاب عندها آدم، فكتب إليه أبو الجلد: سألتني عن الشجرة التي نهي عنها آدم ~~وهي السنبلة، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهي الزيتونة. وقال ~~سفيان الثوري عن أبي مالك { ولا تقربا هذه الشجرة }: ~~النخلة، وقال ابن جرير عن مجاهد { ولا تقربا هذه الشجرة ~~}: التينة. # قال الإمام العلامة أبو جعفر بن جرير رحمه الله: والصواب في ذلك أن ~~يقال: إن الله عز وجل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها ms0049 من ~~أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت ~~على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا من ~~السنة الصحيحة. وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: ~~كانت شجرة التين. وجائز أن تكون واحدة منها وذلك علم إذا علم لم ~~ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به والله أعلم. # وقوله تعالى: { فأزلهما الشيطان عنها } يصح أن يكون ~~الضمير في قوله: { عنها } عائدا إلى الجنة، فيكون معنى الكلام ~~فأزلهما أي فنحاهما، ويصح أن يكون عائدا على أقرب المذكورين وهو الشجرة ~~فيكون معنى الكلام فأزلهما أي من قبل الزلل، فعلى هذا يكون تقدير الكلام ~~{ فأزلهما الشيطان عنها } أي بسببها، كما قال تعالى: # يؤفك عنه من أفك # [الذاريات: 9] أي يصرف بسببه من هو مأفوك، ولهذا قال تعالى: { ~~فأخرجهما مما كانا فيه } أي من اللباس والمنزل الرحب ~~والرزق الهنيء والراحة. { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض ~~عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } أي ~~قرار وأرزاق وآجال { إلى حين } أي إلى وقت مؤقت ومقدار معين ثم ~~تقوم القيامة، وقد ذكر المفسرون من السلف كالسدي بأسانيده، وأبي العالية، ~~ووهب بن منبه وغيرهم، ههنا أخبارا إسرائيلية عن قصة الحية وإبليس، وكيف ~~جرى من دخول إبليس إلى الجنة ووسوسته، وسنبسط ذلك إن شاء الله في سورة ~~الأعراف فهناك القصة أبسط منها ههنا والله الموفق. # فإن قيل: فإذا كانت جنة آدم التي أخرج منها في السماء كما يقوله ~~الجمهور من العلماء فكيف تمكن إبليس من دخول الجنة وقد طرد من هنالك؟ ~~وأجاب الجمهور بأجوبة، أحدها أنه منع من دخول الجنة مكرما، فأما على وجه ~~السرقة والإهانة فلا يمتنع. ولهذا قال بعضهم - كما في التوراة - إنه دخل ~~في فم الحية إلى الجنة. وقد قال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب ~~الجنة. وقال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض وهما في السماء. ~~ذكرهما الزمخشري وغيره. وقد أورد القرطبي ههنا أحاديث ms0050 في الحيات وقتلهن، ~~وبيان حكم ذلك فأجاد وأفاد. ### || [2.37] # قيل: إن هذه الكلمات مفسرة بقوله تعالى: # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # [الأعراف: 23]. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ~~في قوله تعالى: { فتلقى ءادم من ربه كلمات فتاب ~~عليه } ، قال: إن آدم لما أصاب الخطيئة قال: أرأيت يا رب إن تبت ~~وأصلحت؟ قال الله: " إذن أدخلك الجنة " فهي الكلمات، ومن الكلمات أيضا: ~~{ ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين }. وعن مجاهد أنه كان ~~يقول في قول الله تعالى: { فتلقى ءادم من ربه كلمات ~~فتاب عليه } الكلمات: " اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب ~~إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين " ، " اللهم لا إله إلا أنت ~~سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين " ، " اللهم ~~لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت ~~التواب الرحيم " ، وقوله تعالى: { إنه هو التواب الرحيم } ~~أي إنه يتوب على من تاب إليه وأناب كقوله: # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده # [التوبة: 104]، وقوله: # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه # [النساء: 110] الآية، وقوله: # ومن تاب وعمل صالحا # [الفرقان: 71] وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب، ~~ويتوب على من يتوب، وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده، لا إله إلا هو ~~التواب الرحيم. ### || [2.38-39] # يخبر تعالى بما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة، والمراد ~~الذرية: إنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل، كما قال أبو العالية: ~~الهدى الأنبياء والرسل والبينات والبيان. وقال مقاتل بن حيان: الهدى محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن: الهدى القرآن، وهذان القولان صحيحان. ~~وقول أبي العالية أعم. { فمن تبع هداي } أي من أقبل على ما أنزلت ~~به الكتب وأرسلت به الرسل { فلا خوف عليهم } أي فيما يستقبلونه ~~من أمر الآخرة { ولا هم يحزنون } على ما فاتهم من أمور الدنيا ~~كما قال ms0051 في سورة طه: # فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى # [لآية: 123]. قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى # [طه: 124] كما قال ههنا. { والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنآ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } أي ~~مخلدون فيها لا محيد لهم عنها ولا محيص. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أقوام ~~أصابتهم النار بخطاياهم فأماتتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أذن في ~~الشفاعة ". # وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول، ~~وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير كما يقال قم قم، وقال آخرون: بل الإهباط ~~الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض ~~والصحيح الأول، والله أعلم. ### || [2.40-41] # يأمر تعالى بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله ~~أفضل الصلاة والسلام، ومهيجا لهم بذكر أبيهم (إسرائيل) وهو نبي الله ~~يعقوب عليه السلام، وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل ~~أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا ابن الكريم افعل كذا؛ يا ابن الشجاع ~~بارز الأبطال؛ يا ابن العالم اطلب العلم، ونحو ذلك. ومن ذلك أيضا قوله ~~تعالى: # ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا # [الإسراء: 3]. فإسرائيل هو يعقوب بدليل ما رواه ابن عباس قال: حضرت ~~عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: # " " هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب "؟، قالوا: اللهم نعم، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " اللهم اشهد " " # وعن ابن عباس: أن إسرائيل كقولك عبد الله. # وقوله تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } ~~قال مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سوى ذلك أن ~~فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، ونجاهم من عبودية آل فرعون. ~~وقال أبو العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم ~~الكتب. قلت: ms0052 وهذا كقول موسى عليه السلام لهم: # ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم ~~أنبيآء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا ~~من العالمين # [المائدة: 20] يعني في زمانهم. وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس في قوله ~~تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } أي ~~بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم من فرعون وقومه، { وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم } ، قال: بعهدي الذي أخذت في أعناقكم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم، أنجز لكم ما وعدتكم عليه من تصديقه ~~واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الآصار والأغلال التي كانت في أعناقكم ~~بذنوبكم التي كانت من أحداثكم. وقال الحسن البصري: هو قوله تعالى: # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا ~~منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن ~~أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي ~~وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا ~~لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار # [المائدة: 12] الآية. وقال آخرون: هو الذي أخذ الله عليهم في التوراة ~~أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيا عظيما يطيعه جميع الشعوب والمراد به ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فمن اتبعه غفر الله له ذنبه وأدخله الجنة وجعل ~~له أجرين. وقد أورد الرازي بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقال أبو العالية { وأوفوا بعهدي } ، قال: عهده إلى عباده دين ~~الإسلام وأن يتبعوه. وقال الضحاك { أوف بعهدكم }: أرض عنكم ~~وأدخلكم الجنة، وقوله تعالى: { وإياي فارهبون } أي فاخشون، ~~وقال ابن عباس: في قوله تعالى: { وإياي فارهبون } أي أن أنزل ~~بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ ~~وغيره، وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، فدعاهم إليه بالرغبة ~~والرهبة، لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره وتصديق أخباره، والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم، ولهذا قال: { وآمنوا بمآ أنزلت ~~مصدقا لما معكم } يعني به القرآن الذي أنزل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم النبي الأمي ms0053 العربي بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا، ~~مشتملا على الحق من الله تعالى مصدقا، لما بين يديه من التوراة ~~والإنجيل. # قال أبو العالية { وآمنوا بمآ أنزلت مصدقا لما ~~معكم } ، يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم، ~~يقول: لأنهم يجدون محمدا صلى الله عليه وسلم مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل. # وقوله: { ولا تكونوا أول كافر به } قال ابن عباس: ولا ~~تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم، قال أبو ~~العالية: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد سماعكم ~~بمبعثه، واختار ابن جرير أن الضمير في قوله (به) عائد على القرآن الذي ~~تقدم ذكره في قوله: { بمآ أنزلت } ، وكلا القولين صحيح لأنهما ~~متلازمان، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن كفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن، وأما قوله: { أول كافر ~~به } فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل، لأنه قد تقدمهم من كفار ~~قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني ~~إسرائيل مباشرة، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن فكفرهم ~~به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم. # وقوله تعالى: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } يقول: ~~لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة ~~فانية، سئل الحسن البصري عن قوله تعالى: { ثمنا قليلا } قال: الثمن ~~القليل الدنيا بحذافيرها. وعن سعيد بن جبير: إن آياته: كتابه الذي أنزله ~~إليهم، وإن الثمن القليل: الدنيا وشهواتها؛ وقيل: معناه لا تعتاضوا عن ~~البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس، لتستمروا ~~على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب، وفي سنن أبي ~~داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من ~~الدنيا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة " # فأما تعليم ms0054 العلم بأجرة فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه ~~أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله، فإن لم يحصل ~~له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم ~~يتعين عليه فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند (مالك والشافعي وأحمد) ~~وجمهور العلماء كما في قصة اللديغ: # " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " # ، وقوله في قصة المخطوبة: # " زوجتكها بما معك من القرآن ". # وقوله: { وإياي فاتقون } عن طلق بن حبيب قال: التقوى أن تعمل ~~بطاعة الله، رجاء رحمة الله، على نور من الله، وأن تترك معصية الله، على ~~نور من الله، تخاف عقاب الله، ومعنى قوله: { وإياي فاتقون } ~~أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه من كتمان الحق وإظهار خلافه ومخالفتهم ~~الرسول صلوات الله وسلامه عليه. ### || [2.42-43] # يقول تعالى ناهيا لليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل ~~وتمويهه به، وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل { ولا تلبسوا الحق ~~بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } فنهاهم عن ~~الشيئين معا، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به. ولهذا قال ابن عباس { ~~ولا تلبسوا الحق بالباطل }: لا تخلطوا الحق بالباطل ~~والصدق بالكذب، وقال أبو العالية: ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا ~~النصيحة لعباد الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة: { ~~ولا تلبسوا الحق بالباطل }: ولا تلبسوا اليهودية ~~والنصرانية بالإسلام وأنتم تعلمون أن دين الله الإسلام، وأن اليهودية ~~والنصرانية بدعة ليست من الله. عن ابن عباس: { وتكتموا الحق ~~وأنتم تعلمون } أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما ~~جاء به وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. ~~وقال مجاهد والسدي: { وتكتموا الحق } يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم: (قلت): وتكتموا يحتمل أن يكون مجزوما ويحتمل أن يكون منصوبا ~~أي لا تجمعوا بين هذا وهذا، كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. قال ~~الزمخشري: وفي مصحف ابن مسعود { وتكتموا الحق } أي في حال ~~كتمانكم الحق، { وأنتم تعلمون } حال أيضا، ومعناه وأنتم ~~تعلمون ms0055 الحق ويجوز أن يكون المعنى وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر ~~العظيم على الناس، من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار، إن سلكوا ~~ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق لتروجوه عليهم، والبيان: ~~الإيضاح، وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل. { وأقيموا الصلوة ~~وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين } قال مقاتل: أمرهم ~~أن يصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم { وآتوا الزكاة } أمرهم أن ~~يؤتوا الزكاة أي يدفعونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. { واركعوا ~~مع الراكعين } أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. يقول: كونوا معهم ومنهم. ### || [2.44] # معناه: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب وأنتم تأمرون الناس بالبر - وهو ~~جماع الخير - أن تنسوا أنفسكم فلا تأتمرون بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ~~ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله؟ { أفلا ~~تعقلون } ما أنتم صانعون بأنفسكم، فتنتبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من ~~عمايتكم؟ وهذا كما قال قتادة في قوله تعالى: { أتأمرون الناس ~~بالبر وتنسون أنفسكم }. قال: كان بنو إسرائيل يأمرون ~~الناس بطاعة الله، وبتقواه ويخالفون، فعيرهم الله عز وجل. وقال ابن ~~عباس: { وتنسون أنفسكم } أي تتركون أنفسكم { وأنتم ~~تتلون الكتاب أفلا تعقلون } أي تنهون الناس عن الكفر بما ~~عندكم من النبوة والعهد من التوراة وتتركون أنفسكم، أي وأنتم تكفرون بما ~~فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي وتجحدون ما تعلمون من ~~كتابي. وقال الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية: يقول أتأمرون الناس ~~بالدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما أمرتم به من إقام ~~الصلاة وتنسون أنفسكم. # قال أبو الدرداء رضي الله عنه: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس ~~في ذات الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا، وقال عبد الرحمن بن ~~أسلم في هذه الآية: هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل سألهم عن الشيء ليس فيه ~~حق ولا رشوة أمروه بالحق، فقال الله تعالى: { أتأمرون الناس ~~بالبر وتنسون ms0056 أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب ~~أفلا تعقلون }؟ والغرض أن الله تعالى ذمهم على هذا الصنيع، ~~ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، ~~وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له، فإن ~~الأمر بالمعروف معروف وهو واجب على العالم، ولكن الواجب والأولى بالعالم ~~أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم كما قال شعيب عليه السلام: # ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه إن ~~أريد إلا الإصلاح ما استطعت # [هود: 88]. # فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر، على ~~أصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ~~ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف. والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم ~~يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه، قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا ~~يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد ~~بمعروف ولا نهى عن منكر. # (قلت): لكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية، لعلمه بها ~~ومخالفته على بصيرة، فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم، ولهذا جاءت الأحاديث ~~في الوعيد على ذلك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء ~~للناس ويحرق نفسه " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من ~~هؤلاء؟ قالوا: خطباء أمتك من أهل الدنيا، ممن كانوا يأمرون الناس بالبر ~~وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه فيدور بها ~~في النار كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون يا فلان ما ~~أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول كنت آمركم ~~بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه " # ، وقد ورد في بعض الآثار أنه يغفر للجاهل سبعين مرة، ms0057 حتى يغفر للعالم ~~مرة واحدة، ليس من يعلم كمن لا يعلم. وقال تعالى: # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~إنما يتذكر أولوا الألباب # [الزمر: 9]، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن أناسا من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار، فيقولون بم ~~دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم، فيقولون: ~~إنا كنا نقول ولا نفعل ". # وجاء رجل إلى ابن عباس فقال يا ابن عباس: إني أريد أن آمر بالمعروف ~~وأنهى عن المنكر، قال: أبلغت ذلك؟ قال: أرجو، قال: إن لم تخش أن تفتضح ~~بثلاث آيات من كتاب الله فافعل، قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى: { ~~أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } أحكمت ~~هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثاني، قال: قوله تعالى: # لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله ~~أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2-3] أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثالث، قال: قول العبد ~~الصالح شعيب عليه السلام: # ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه إن ~~أريد إلا الإصلاح # [هود: 88] أحمكت هذه الآية؟ قال: لا، قال: فابدأ بنفسك. وقال إبراهيم ~~النخعي: إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى: { أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ، وقوله: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2]، وقوله إخبارا عن شعيب: # ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه # [هود: 88]. ### || [2.45-46] # يأمر تعالى عبيده فيما يؤملون من خبر الدنيا والآخرة بالاستعانة بالصبر ~~والصلاة كما قال مقاتل في تفسير هذه الآية: استعينوا على طلب الآخرة ~~بالصبر على الفرائض والصلاة. فأما الصبر فقيل: إنه الصيام. # قال القرطبي: ولهذه يسمى رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث: # " الصوم نصف الصبر " # ، وقيل: المراد بالصبر الكف عن المعاصي ولهذا قرنه بأداء العبادات، ~~وأعلاها فعل الصلاة. قال عمر بن الخطاب: الصبر صبران: صبر عند المصيبة ~~حسن، وأحسن منه الصبر عن محارم الله. وقال أبو العالية: { ~~واستعينوا بالصبر والصلاة } على مرضاة الله، واعلموا ~~أنها من طاعة الله. وأما قوله: ms0058 { والصلاة } فإن الصلاة من أكبر ~~العون على الثبات في الأمر كما قال تعالى: # وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشآء ~~والمنكر # [العنكبوت: 45] الآية. # وكان رسول الله إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وعن علي رضي الله عنه قال: ~~لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي ويدعو حتى أصبح. وروي أن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، ~~فاسترجع ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم ~~قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: { واستعينوا بالصبر ~~والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } ، ~~والضمير في قوله: { وإنها لكبيرة } عائد إلى الصلاة، ويحتمل أن ~~يكون عائدا على ما يدل عليه الكلام وهو الوصية بذلك كقوله تعالى في قصة ~~قارون: # ولا يلقاهآ إلا الصابرون # [القصص: 80]، وقال تعالى: # وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ~~ذو حظ عظيم # [فصلت: 35] أي وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا، وما يلقاها أي ~~يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظ عظيم. وعلى كل تقدير فقوله تعالى: { وإنها ~~لكبيرة } أي مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين، قال ابن عباس: يعني ~~المصدقين بما أنزل الله، وقال مجاهد: المؤمنين حقا، وقال أبو العالية: ~~الخائفين، وقال مقاتل: المتواضعين، وقال الضحاك { وإنها ~~لكبيرة } قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين ~~سطوته، المصدقين بوعده ووعيده. وقال ابن جرير معنى الآية: واستعينوا أيها ~~الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله وبإقامة الصلاة المانعة ~~من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضا الله، العظيمة إقامتها { إلا ~~على الخاشعين } أي المتواضعين المستكينين لطاعته المتذللين من ~~مخافته. هكذا قال، والظاهر أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني ~~إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ~~ولغيرهم، والله أعلم. # وقوله تعالى: { الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم ~~وأنهم إليه راجعون } هذا من تمام الكلام الذي قبله أي أن ~~الصلاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم، أي يعلمون ~~أنهم محشورون ms0059 إليه يوم القيامة، معروضون عليه وأنهم إليه راجعون أي ~~أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا ~~بالمعاد والجزاء، سهل عليهم فعل الطاعات وترك المنكرات. # فأما قوله: { يظنون أنهم ملقوا ربهم } فالمراد ~~يعتقدون، والعرب قد تسمي اليقين ظنا والشك ظنا، نظير تسميتهم الظلمة ~~سدفة، والضياء سدفة. ومنه قول الله تعالى: # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها # [الكهف: 53]، قال مجاهد: كل ظن في القرآن يقين. وعن أبي العالية في ~~قوله تعالى: { الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم } ~~قال: الظن ههنا يقين، وعن ابن جريج: علموا أنهم ملاقوا ربهم كقوله: # إني ظننت أني ملاق حسابيه # [الحاقه: 20] يقول علمت. (قلت) وفي الصحيح: إن الله تعالى يقول للعبد ~~يوم القيامة: # " ألم أزوجك ألم أكرمك ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ " ، ~~فيقول: بلى، فيقول الله تعالى: " أظننت أنك ملاقي؟ " ، فيقول: لا، ~~فيقول الله: " اليوم أنساك كما نسيتني " " # وسيأتي مبسوطا عند قوله تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]، إن شاء الله تعالى. ### || [2.47] # يذكرهم تعالى بسالف نعمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فضلهم به من ~~إرسال الرسل منهم وأنزل الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم كما ~~قال تعالى: # ولقد اخترناهم على علم على العالمين # [الدخان: 32]، وقال تعالى: # وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين # [المائدة: 20]، قال أبو العالية في قوله تعالى: { وأني ~~فضلتكم على العالمين } على عالم من كان في ذلك الزمان ~~فإن لكل زمان عالما، ويجب الحمل على هذا، لأن هذه الأمة أفضل منهم لقوله ~~تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله " # ، والأحاديث في هذا كثيرة، وقيل: المراد تفضيل بنوع ما من الفضل على ~~سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقا، حكاه الرازي وفيه نظر. وقيل: ~~فضلوا على سائر الأمم لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم وفيه نظر، لأن ~~العالمين عام يشمل من قبلهم، ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل ~~قبلهم وهو أفضل من ms0060 سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق، ~~وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة صلوات الله وسلامه عليه. ### || [2.48] # لما ذكرهم تعالى بنعمه أولا، عطف على ذلك التحذير من طول نقمه بهم يوم ~~القيامة فقال: { واتقوا يوما } يعني يوم القيامة { لا تجزي ~~نفس عن نفس شيئا } أي لا يغني أحد عن أحد، كما قال: { ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى } [الأنعام: 164، الإسراء: 15]، وقال: # لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس: 37]، وقال: # واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود ~~هو جاز عن والده شيئا # [لقمان: 33] فهذه أبلغ المقامات أن كلا من الوالد وولده لا يغني أحدهما ~~عن الآخر شيئا. وقوله تعالى: { ولا يقبل منها شفاعة } يعني ~~من الكافرين كما قال: # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # [المدثر: 48]، وكما قال عن أهل النار: # فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم # [الشعراء: 100-101]. # وقوله تعالى: { ولا يؤخذ منها عدل } أي لا يقبل منها فداء، ~~كما قال تعالى: # فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به # [آل عمران: 91]، وقال: # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ما تقبل منهم # [المائدة: 36]، وقال تعالى: # وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ # [الأنعام: 70]، وقال: # فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين ~~كفروا # [الحديد: 15] الآية. فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ~~ما بعثه به ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه فإنه لا ينفعهم قرابة ~~قريب، ولا شفاعة ذي جاه، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهبا، كما ~~قال تعالى: # لا بيع فيه ولا خلال # [ابراهيم: 31]. قال ابن عباس { ولا يؤخذ منها عدل } قال: ~~بدل والبدل الفدية. # وقوله تعالى: { ولا هم ينصرون } أي ولا أحد يغضب لهم فينصرهم ~~وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو ~~جاه، ولا يقبل منهم فداء، هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من ~~أنفسهم ولا ms0061 من غيرهم كما قال: # فما له من قوة ولا ناصر # [الطارق: 10] أي أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة ولا ينقذ ~~أحدا من عذابه منقذ، ولا يخلص منه أحد كما قال تعالى: # فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق ~~وثاقه أحد # [الفجر: 25-26]، وقال: # ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون # [الصافات: 25-26]، وقال: # فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة بل ضلوا عنهم # [الأحقاف: 28] الآية. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: { ما ~~لكم لا تناصرون } ما لكم اليوم لا تمانعون منا، هيهات ليس ذلك ~~لكم اليوم، قال ابن جرير: وتأويل قوله: { ولا هم ينصرون } يعني ~~أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منه عدل ولا ~~فدية. بطلت هنالك المحاباة واضمحلت الرشا والشفاعات، وارتفع من القوم ~~التناصر والتعاون، وصار الحكم إلى الجبار العدل، الذي لا ينفع لديه ~~الشفعاء والنصراء فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها. وذلك نظير قوله ~~تعالى: # وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا تناصرون * ~~بل هم اليوم مستسلمون # [الصافات: 24-26]. ### || [2.49-50] # يقول تعالى: اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم، إذ نجيناكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب، أي خلصتكم منهم وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى عليه ~~السلام، وقد كانوا يسومونكم أي يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب ~~وذلك أن فرعون لعنه الله كان قد رأى رؤيا هالته، رأى نارا خرجت من بيت ~~المقدس فدخلت بيوت القبط إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها أن زوال ملكه ~~يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، فعند ذلك أمر فرعون لعنه الله بقتل كل ~~ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني ~~إسرائيل في مشاق الأعمال وأرذلها، وههنا فسر العذاب بذبح الأبناء، وفي ~~سورة إبراهيم عطف عليه كما قال: { يسومونكم سوء العذاب ~~يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } ، وسيأتي ~~تفسير ذلك في أول سورة القصص، إن شاء الله تعالى وبه الثقة والمعونة ~~والتأييد. ومعنى { يسومونكم } يولونكم كما يقال: سامه ms0062 خطة خسف إذا ~~أولاه إياها، قال عمرو بن كلثوم: # إذ ما الملك سام الناس خسفا # أبينا أن نقر الخسف فينا # وقيل معناه: يديمون عذابكم، وإنما قال ههنا: { يذبحون ~~أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } ليكون ذلك تفسيرا للنعمة ~~عليهم في قوله: { يسومونكم سوء العذاب } ، ثم فسره بهذا ~~لقوله ههنا # اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم # [البقرة: 40]. وأما في سورة إبراهيم فلما قال: # وذكرهم بأيام الله # [إبراهيم: 5] أي بأياديه ونعمه عليهم فناسب أن يقول هناك: { ~~يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم } ، فعطف ~~عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل. (وفرعون) ~~علم على كل من ملك مصر كافرا من العماليق وغيرهم، كما أن (قيصر) ~~علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرا، و (كسرى) لمن ملك الفرس. ~~ويقال: كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى عليه السلام (الوليد بن مصعب ~~بن الريان) فكان من سلالة عمليق، وكنيته أبو مرة، وأصله فارسي من اصطخر. ~~وأيا ما كان فعليه لعنة الله. وقوله تعالى: { وفي ذلكم بلاء } ~~قال ابن جرير: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا آبائكم مما كنتم فيه من ~~عذاب آل فرعون، بلاء لكم من ربكم عظيم، أي نعمة عظيمة عليكم في ذلك، وأصل ~~البلاء الاختبار، وقد يكون بالخير والشر كما قال تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35]، وقال: # وبلوناهم بالحسنات والسيئات # [الأعراف: 168]. # وقيل المراد بقوله: { وفي ذلكم بلاء } إشارة إلى ما كانوا فيه ~~من العذاب المهين من ذبح الأبناء واستحياء النساء، قال القرطبي: وهذا قول ~~الجمهور والبلاء ههنا في الشر، والمعنى: وفي الذبح مكروه وامتحان. # وقوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم ~~وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } معناه: وبعد أن ~~أنقذناكم من آل فرعون وخرجتم مع موسى عليه السلام، خرج فرعون في طلبكم ~~ففرقنا بكم البحر، { فأنجيناكم } أي خلصناكم منهم وحجزنا بينكم ~~وبينهم وأغرقناهم وأنتم تنظرون، ليكون ذلك أشفى لصدوركم وأبلغ في إهانة ~~عدوكم. # وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، لما روي عن ابن عباس قال: # " قدم رسول الله صلى ms0063 الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم ~~عاشوراء، فقال: " ما هذا اليوم الذي تصومون؟ " ، قالوا: هذا يوم صالح، ~~هذا يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى عليه ~~السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا أحق بموسى منكم " ~~فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصومه ". ### || [2.51-53] # يقول تعالى: # اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم # [البقرة: 40] في عفوي عنكم، لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه ~~عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يوما وهي المذكورة في الأعراف في ~~قوله تعالى: # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر # [الأعراف: 142]، وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون وإنجائهم من البحر. # وقوله تعالى: { وإذ آتينا موسى الكتاب } يعني التوراة، { ~~والفرقان } وهو ما يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلالة { ~~لعلكم تهتدون } ، وكان ذلك أيضا بعد خروجهم من البحر كما دل ~~عليه سياق الكلام في سورة الأعراف، ولقوله تعالى: # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا ~~القرون الأولى # [القصص: 43]. ### || [2.54] # هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل، حين وقع في قلوبهم ~~من شأن عبادتهم العجل ما وقع { فتوبوا إلى بارئكم } أي إلى ~~خالقكم. وفي قوله ههنا { إلى بارئكم } تنبيه على عظم جرمهم، أي ~~فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره، قال ابن جرير بسنده عن ابن ~~عباس: أمر موسى قومه عن أمر ربه عز وجل أن يقتلوا أنفسهم قال: وأخبر ~~الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا ~~الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة فجعل يقتل بعضهم بعضا، فانجلت ~~الظلمة عنهم وقد جلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، ~~وكل من بقي كانت له توبة. وقال السدي: في قوله: { فاقتلوا ~~أنفسكم } قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان ~~من قتل من الفريقين شهيدا حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل ~~منهم سبعون ألفا وحتى دعا موسى وهارون ربنا أهلكت بني إسرائيل ربنا ~~البقية ms0064 الباقية، فأمرهم أن يلقوا السلاح وتاب عليهم، فكان من قتل منهم من ~~الفريقين شهيدا، ومن بقي مكفرا عنه فذلك قوله: { فتاب عليكم ~~إنه هو التواب الرحيم }. وقال ابن إسحاق: لما رجع موسى ~~إلى قومه وأحرق العجل وذراه في اليم خرج إلى ربه بمن اختار من قومه ~~فأخذتهم الصاعقة ثم بعثوا، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة ~~العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم، قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى نصبر ~~لأمر الله، فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده، فجعلوا ~~يقتلونهم، فهش موسى، فبكى إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم فتاب ~~الله عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف، وقال عبد الرحمن ~~بن زيد: لما رجع موسى إلى قومه، وكانوا سبعين رجلا قد اعتزلوا مع هارون ~~العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم، فقالوا: يا موسى ~~ما من توبة؟ قال: بلى { فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير ~~لكم عند بارئكم فتاب عليكم } الآية، فاخترطوا السيوف ~~والخناجر والسكاكين، قال: وبعث عليهم ضبابة فجعلوا يتلامسون بالأيدي ~~ويقتل بعضهم بعضا، ويلقي الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو لا يدري. قال: ~~ويتنادون فيها رحم الله عبدا صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه، قال فقتلاهم ~~شهداء وتيب على أحيائهم ثم قرأ: { فتاب عليكم إنه هو ~~التواب الرحيم }. ### || [2.55-56] # يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق، إذ سألتم رؤيتي ~~جهرة عيانا مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم. قال ابن عباس: { جهرة } ~~علانية، وقال الربيع بن أنس: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه، ~~قال فسمعوا كلاما فقالوا: { لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة } ، قال: فسمعوا صوتا فصعقوا، يقول ماتوا. قال السدي في قوله: ~~{ فأخذتكم الصاعقة } الصاعقة: نار فماتوا، فقام موسى يبكي ~~ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت ~~خيارهم # لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما ~~فعل السفهآء منآ # [الأعراف: 155]، فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا ms0065 ~~العجل، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون؟ ~~قال: فذلك قوله تعالى: { ثم بعثناكم من بعد موتكم ~~لعلكم تشكرون }. وقال الربيع بن أنس: كان موتهم عقوبة لهم ~~فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم، وقال ابن جرير: لما رجع موسى إلى ~~قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال: ~~وحرق العجل وذراه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلا، الخير فالخير، ~~وقال: انطلقوا إلى الله وتوبوا إلى الله مما صنعتم، واسألوه التوبة على ~~من تركتم وراءكم من قومكم. صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، فخرج بهم ~~إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، ~~فقال له السبعون - فيما ذكر لي - حين صنعوا ما أمروا به وخرجوا للقاء ~~الله: يا موسى اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا. فقال: أفعل. فلما دنا ~~موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، ~~وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع لا ~~يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب، ودنا القول حتى ~~إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه: ~~افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم، ~~فقالوا لموسى: { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ~~فأخذتهم الرجفة وهي الصاعقة، فماتوا جميعا، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ~~ويرغب إليه ويقول: # رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي # [الأعراف: 155] قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل ~~السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك، واخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير ~~أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدقوني به ويأمنوني عليه ~~بعد هذا؟ # إنا هدنآ إليك # [الأعراف: 156]، فلم يزل موسى يناشد ربه عز وجل ويطلب إليه حتى رد ~~إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا ~~إلا أن ms0066 يقتلوا أنفسهم. # وقال السدي: لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل وتاب الله عليهم ~~بقتل بعضهم لبعض كما أمرهم الله به، أمر الله موسى أن يأتيه في أناس من ~~بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موسى فاختار موسى سبعين ~~رجلا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا وساق البقية. والمراد السبعون ~~المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه، وقد غلط أهل الكتاب في ~~دعواهم أن هؤلاء رأوا الله عز وجل، فإن موسى الكليم عليه السلام قد سأل ~~ذلك فمنع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون!؟. ### || [2.57] # لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم، شرع يذكرهم أيضا بما أسبغ ~~عليهم من النعم فقال: { وظللنا عليكم الغمام } جمع غمامة، ~~سمي بذلك لأنه يغم السماء أي يواريها ويسترها، وهو السحاب الأبيض ظللوا ~~به في التيه ليقيهم حر الشمس. وقال الحسن وقتادة { وظللنا ~~عليكم الغمام }: كان هذا في البرية ظلل عليهم الغمام من الشمس، ~~وعن مجاهد { وظللنا عليكم الغمام } قال: ليس بالسحاب هو ~~الغمام الذي يأتي الله فيه في قوله: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة # [البقرة: 210] وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر، قال ابن عباس: وكان ~~معهم في التيه. # { وأنزلنا عليكم المن } اختلفت عبارات المفسرين في المن ~~ما هو؟ فقال ابن عباس: كان المن ينزل عليهم على الأشجار فيغدون إليه ~~فيأكلون منه ما شاءوا، وقال السدي: قالوا: يا موسى كيف لنا بما ههنا، ~~أين الطعام؟ فأنزل عليهم المن فكان يسقط على شجرة الزنجبيل. وقال قتادة: ~~كان المن ينزل عليهم في محلهم سقوط الثلج، أشد بياضا من اللبن، وأحلى ~~من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يأخذ الرجل منهم قدر ~~ما يكفيه يومه ذلك. وقال عبد الرحمن بن أسلم: إنه العسل. # والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن. فمنهم من فسره ~~بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر - والله أعلم - أنه كل ما ~~امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ms0067 ليس لهم فيه عمل ولا ~~كد. فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار ~~شرابا طيبا، وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر، ولكن ليس هو المراد من ~~الآية وحده، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن وماؤها شفاء ~~للعين ". # وأما السلوى فقال ابن عباس: السلوى طائر يشبه السماني كانوا يأكلون منه. ~~وقال قتادة: السلوى كان من طير إلى الحمرة تحشرها عليهم الريح الجنوب، ~~وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى فسد ولم يبق ~~عنده، حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم ~~سابعه لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه. وقال السدي: لما ~~دخل بنو إسرائيل التيه قالوا لموسى عليه السلام: كيف لنا بما ههنا، أين ~~الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن. فكان ينزل على شجر الزنجبيل، والسلوى وهو ~~طائر يشبه السماني أكبر منه فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كان ~~سمينا ذبحه وإلا أرسله فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام فأين الشراب؟ ~~فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فشرب كل سبط من ~~عين، فقالوا: هذا الشراب فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل ~~فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتخرق لهم ثوب ~~فذلك قوله تعالى: { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا ~~عليكم المن والسلوى }. # قال ابن عباس: خلق لهم في التيه ثياب لا تخرق ولا تدرن، قال ابن ~~جريج: فكان الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق يوم فسد إلا أنهم كانوا ~~يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدا. # وقوله تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } أمر إباحة ~~وإرشاد وامتنان، وقوله تعالى: { وما ظلمونا ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } أي أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا، ~~كما ms0068 قال: # كلوا من رزق ربكم واشكروا له # [سبأ: 15] فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم. هذا مع ما شاهدوه من الآيات ~~البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات، ومن ههنا تتبين فضيلة ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم على سائر أصحاب الأنبياء، في ~~صبرهم وثباتهم، وعدم تعنتهم مع ما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام ~~تبوك في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد ~~أمر مع أن ذلك كان سهلا على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لما أجهدهم ~~الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم فجاء قدر مبرك الشاة فدعا ~~الله فيه وأمرهم فملأوا كل وعاء معهم، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل ~~الله تعالى فجاءتهم سحابة فأمطرتهم فشربوا وسقوا الإبل وملأوا أسقيتهم ثم ~~نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. ### || [2.58-59] # يقول تعالى لائما لهم على نكولهم عن الجهاد، ودخولهم الأرض المقدسة، ~~لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى عليه السلام فأمروا بدخول الأرض ~~المقدسة، التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق ~~الكفرة، فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا، فرماهم الله في التيه عقوبة ~~لهم، كما ذكره تعالى في سورة المائدة، ولهذا كان أصح القولين أن هذه ~~البلدة هي (بيت المقدس) كما نص على ذلك غير واحد، وقد قال الله تعالى ~~حاكيا عن موسى: # ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم ولا ترتدوا # [المائدة: 21] الآيات. وقال آخرون: هي (أريحاء) وهذا بعيد لأنها ليست ~~على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحاء، وأبعد من ذلك قول من ذهب ~~إلى أنها (مصر) حكاه الرازي في تفسيره، والصحيح الأول أنها بيت المقدس، ~~وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون عليه السلام، ~~ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب - باب البلد - { سجدا } أي شكرا لله ~~تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، ورد بلدهم عليهم وإنقاذهم ~~من التيه والضلال. قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: { وادخلوا ~~الباب ms0069 سجدا } أي ركعا، وقال الحسن البصري: أمروا أن يسجدوا على ~~وجوههم حال دخولهم واستبعده الرازي، وحكي عن بعضهم أن المراد ههنا ~~بالسجود الخضوع لتعذر حمله على حقيقته، وقال السدي: عن عبد الله بن ~~مسعود: قيل لهم ادخلوا الباب سجدا فدخلوا مقنعي رؤوسهم أي رافعي رؤوسهم ~~خلاف ما أمروا. # وقوله تعالى: { وقولوا حطة } قال ابن عباس: مغفرة استغفروا، ~~وقال الضحاك عن ابن عباس { وقولوا حطة } قال: قولوا هذا الأمر ~~حق كما قيل لكم، وقال الحسن وقتادة: أي احطط عنا خطايانا { نغفر ~~لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين }. وقال: هذا جواب ~~الأمر، أي إذا فعلتم ما أمرناكم، غفرنا لكم الخطيئات، وضاعفنا لكم ~~الحسنات، وحاصل الأمر أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل ~~والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها، ولهذا كان عليه الصلاة ~~والسلام يظهر عليه الخضوع جدا عند النصر، كما روي أنه كان يوم الفتح ~~(فتح مكة) داخلا إليها من الثنية العليا وإنه لخاضع لربه حتى أن عثنونه ~~ليمس مورك رحله شكرا لله على ذلك. # وقوله تعالى: { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي ~~قيل لهم } روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على ~~أستاههم، فبدلوا وقالوا حبة في شعرة " # وقال الثوري عن ابن عباس في قوله تعالى: { وادخلوا الباب ~~سجدا } قال: ركعا من باب صغير، فدخلوا من قبل أستاههم، وقالوا حنطة ~~فذلك قوله تعالى: { فبدل الذين ظلموا قولا غير ~~الذي قيل لهم }. # وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم بدلوا أمر الله لهم ~~من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدا فدخلوا يزحفون على ~~أستاههم رافعي رؤوسهم، وأمروا أن يقولوا حطة أي أحطط عنا ذنوبنا ~~وخطايانا فاستهزأوا فقالوا حنطة في شعيرة، وهذا في غاية ما يكون من ~~المخالفة والمعاندة، ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم وهو خروجهم ~~عن طاعته، ولهذا قال: { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا ~~من السمآء بما كانوا يفسقون }. وقال الضحاك عن ابن ~~عباس: كل شيء ms0070 في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب، وقال أبو العالية: ~~الرجز الغضب، وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون، لحديث: # " الطاعون رجز عذاب عذب به من كان قبلكم ". ### || [2.60] # يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى عليه السلام، ~~حين استسقاني لكم وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم، ~~وتفجيري الماء لكم منه من ثنتي عشرة عينا، لكل سبط من أسباطكم عين قد ~~عرفوها، فكلوا من المن والسلوى واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم، ~~بلا سعي منكم ولا كد، واعبدوا الذي سخر لكم ذلك، { ولا تعثوا ~~في الأرض مفسدين } ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها. وقد ~~بسطه المفسرون في كلامهم كما قال ابن عباس رضي الله عنه: وجعل بين ~~ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى عليه السلام فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا ~~عشرة عينا في كل ناحية منه ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها، ~~وقال قتادة: كان حجرا طوريا - من الطور - يحملونه معهم حتى إذا نزلوا ~~ضربه موسى بعصاه، وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه حين اغتسل فقال ~~له جبريل ارفع هذا الحجر فإن فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته. ~~قال الزمخشري: ويحتمل أن تكون (اللام) للجنس لا للعهد، أي اضرب الشيء ~~الذي يقال له الحجر، وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجرا بعينه، قال: وهذا ~~أظهر في المعجزة وأبين في القدرة، فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر ثم يضربه ~~فييبس، وقال الضحاك، قال ابن عباس: لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم ~~من الحجر أنهارا، وقال الثوري عن ابن عباس: قال ذلك في التيه ضرب لهم ~~موسى الحجر فصار منه اثنتا عشرة عينا من ماء لكل سبط منهم عين يشربون ~~منها. ### || [2.61] # { وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد ~~فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من ~~بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها قال ~~أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ~~اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم }. # يقول تعالى: اذكروا ms0071 نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى طعاما ~~طيبا نافعا هنيئا سهلا، واذكروا ضجركم مما رزقناكم وسؤالكم موسى ~~الأطعمة الدنيئة من البقول ونحوها مما سألتم، قال الحسن البصري: فبطروا ~~وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قوما أهل أعداس وبصل وبقل وفوم، ~~فقالوا: { ياموسى لن نصبر على طعام واحد فادع ~~لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها ~~وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها } وإنما قالوا على ~~طعام واحد وهم يأكلون المن والسلوى لأنه لا يتبدل ولا يتغير كل يوم فهو ~~مأكل واحد، وأما الفوم فقال ابن عباس: الثوم، وقال آخرون: الفوم: الحنطة ~~وهو البر الذي يعمل منه الخبز، روي أن ابن عباس سئل عن قول الله: { ~~وفومها } ما فومها؟ قال: الحنطة. قال ابن عباس: أما سمعت قول أحيحة ~~بن الجلاح وهو يقول: # قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا # ورد المدينة عن زراعة فوم # وقال ابن جرير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: { وفومها } قال: ~~الفوم الحنطة بلسان بني هاشم، وقال الجوهري: الفوم الحنطة، وحكى القرطبي ~~عن عطاء وقتادة: أن الفوم كل حب يختبز، قال، وقال بعضهم: هو الحمص لغة ~~شامية، قال البخاري: وقال بعضهم الحبوب التي تؤكل كلها فوم، وقوله: { ~~قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير }؟ ~~فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيئة مع ما هم فيه ~~من العيش الرغيد والطعام الهنيء الطيب النافع. وقوله تعالى: { اهبطوا ~~مصرا } هكذا هو منون مصروف، وقال ابن عباس: مصرا من الأمصار. والمعنى ~~أن هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز بل هو كثير في أي بلد دخلتموها ~~وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه. ~~ولهذا قال: { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو ~~خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم } أي ما ~~طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا ~~إليه، والله أعلم. # { وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءو بغضب ~~من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون ms0072 النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون }. # يقول تعالى: { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } أي ~~وضعت عليهم وألزموا بها شرعا وقدرا، أي لا يزالون مستذلين من وجدهم ~~استذلهم وأهانهم وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء ~~مستكينون. يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، قال الضحاك: { وضربت ~~عليهم الذلة } قال: الذل، وقال الحسن: أذلهم الله فلا منعة لهم ~~وجعلهم تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجيبهم ~~الجزية، وقال أبو العالية والسدي: المسكنة الفاقة، وقوله تعالى: { ~~وبآءو بغضب من الله } استحقوا الغضب من الله، وقال ابن ~~جرير: يعني بقوله: { وبآءو بغضب من الله }: انصرفوا ورجعوا، ~~ولا يقال باء إلا موصولا إما بخير إما بشر، يقال منه: باء فلان بذنبه ~~يبوء به، ومنه قوله تعالى: # إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك # [المائدة: 29] يعني تنصرف متحملهما وترجع بهما قد صارا عليك دوني، فمعنى ~~الكلام رجعوا منصرفين متحملين غضب الله قد صار عليهم من الله غضب ووجب ~~عليهم من الله سخط. # وقوله تعالى: { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات ~~الله ويقتلون النبيين بغير الحق } ، يقول الله ~~تعالى هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة وإحلال الغضب بهم من الذلة، ~~بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع ~~وهم (الأنبياء) وأتباعهم، فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم ~~فلا كفر أعظم من هذا، إنهم كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياء الله بغير ~~الحق، ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " الكبر بطر الحق وغمط الناس " # يعني رد الحق وانتقاص الناس والازدراء بهم والتعاظم عليهم. ولهذا لما ~~ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله، وقتلهم أنبياءه، أحل ~~الله بهم بأسه الذي لا يرد، وكساهم ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة ~~جزءا وفاقا. عن عبد الله بن مسعود قال: " كانت بنوا إسرائيل في اليوم ~~تقتل ثلثمائة نبي ثم يقيمون سوق بقلهم من آخر النهار ". وعن عبد الله بن ~~مسعود: أن رسول ms0073 الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبيا، وإمام ~~ضلالة وممثل من الممثلين " # ، وقوله تعالى: { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } وهذه ~~علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به أنهم كانوا يعصون ويعتدون، فالعصيان ~~فعل المناهي، والاعتداء المجاوزة في حد المأذون فيه والمأمور به، والله ~~أعلم. ### || [2.62] # لما بين تعالى حال من خالف أوامره، وارتكب زواجره، وتعدى في فعل ما لا ~~إذن فيه وانتهك المحارم، وما أحل بهم من النكال، نبه تعالى على أن من ~~أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام ~~الساعة، كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف ~~عليهم فيما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه كما قال ~~تعالى: # ألا إن ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون # [يونس: 62]. عن مجاهد قال: قال سلمان رضي الله عنه: سألت النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم فذكرت من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت: { ~~إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر } إلى آخر ~~الآية. وقال السدي: نزلت في أصحاب (سلمان الفارسي) # " بينا هو يحدث النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أصحابه فأخبروه ~~خبرهم فقال: كانوا يصلون، ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيا، ~~فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا ~~سلمان هم من أهل النار " # ، فاشتد ذلك على سلمان فأنزل الله هذه الآية فكان إيمان اليهود أنه من ~~تمسك بالتوراة وسنة موسى عليه السلام حتى جاء عيسى، فلما جاء عيسى كان ~~من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا، ~~وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا ~~منه حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه ~~وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا. ms0074 # (قلت): وهذا لا ينافي ما روي عن ابن عباس { إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا } الآية قال: فأنزل الله بعد ذلك: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين # [آل عمران: 85] فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد ~~طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد ~~أن بعثه بما بعثه به، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على ~~هدى وسبيل ونجاة، فاليهود أتباع موسى عليه السلام الذين كانوا يتحاكمون ~~إلى التوراة في زمانهم، واليهود من الهوادة وهي المودة أو التهود وهي ~~التوبة كقول موسى عليه السلام: # إنا هدنآ إليك # [الأعراف: 156] أي تبنا فكأنهم سموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في ~~بعضهم لبعض، وقيل: لنسبتهم إلى (يهودا) أكبر أولاد يعقوب، فلما بعث عيسى ~~صلى الله عليه وسلم وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه ~~وأهل دينه هم النصارى وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يقال لهم ~~أنصار أيضا كما قال عيسى عليه السلام: # من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله # [آل عمران: 52، الصف: 14]، وقيل إنهم إنما سموا بذلك من أجل أنهم نزلوا ~~أرضا يقال لها ناصرة، قاله قتادة وروي عن ابن عباس أيضا، والله أعلم. # فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتما للنبيين، ورسولا إلى ~~بني آدم على الإطلاق، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ~~والانكفاف عما عنه زجر، وهؤلاء هم المؤمنون حقا. وسميت أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم مؤمنين لكثرة إيمانهم، وشدة إيقانهم، ولأنهم يؤمنون بجميع ~~الأنبياء الماضية والغيوب الآتية. # وأما الصابئون فقد اختلف فيهم فقال مجاهد: الصابئون قوم بين المجوس ~~واليهود والنصارى ليس لهم دين، وقال أبو العالية والضحاك: الصابئون فرقة ~~من أهل الكتاب يقرأون الزبور، ولهذا قال أبو حنيفة وإسحاق: لا بأس ~~بذبائحهم ومناكحتهم، وقال أبو جعفر الرازي: بلغني أن الصابئين قوم يعبدون ~~الملائكة ويقرأون الزبور ويصلون للقبلة، وسئل وهب ms0075 بن منبه عن الصابئين ~~فقال: الذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها، ولم يحدث كفرا، ~~وقال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة ~~الموصل يقولون: " لا إله إلا الله " وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي ~~إلا قول: لا إله إلا الله، قال: ولم يؤمنوا برسول. فمن أجل ذلك كان ~~المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: هؤلاء الصابئون ~~يشبهونهم بهم يعني في قول: " لا إله إلا الله ". وقال الخليل: هم قوم ~~يشبه دينهم دين النصارى إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب يزعمون أنهم على ~~دين نوح عليه السلام، قال القرطبي: والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض ~~العلماء أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم وأنها فاعلة، ولهذا أفتى أبو ~~سعيد الاصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم، واختار الرازي أن ~~الصابئين قوم يعبدون الكواكب بمعنى أن الله جعلها قبلة للعباد والدعاء أو ~~بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها. وأظهر الأقوال - والله ~~أعلم - قول مجاهد ومتابعيه ووهب بن منبه: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ~~ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا ~~دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه، ولهذا كان المشركون ينبذون من أسلم ~~بالصابىء، أي أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الارض إذ ذاك، وقال بعض ~~العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، والله أعلم. ### || [2.63-64] # يقول تعالى مذكرا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق، ~~بالإيمان به وحده لا شريك له، واتباع رسله، وأخبر تعالى أنه لما أخذ ~~عليهم الميثاق رفع الجبل فوق رؤوسهم، ليقروا بما عوهدوا عليه ويأخذوه ~~بقوة وحزم وامتثال كما قال تعالى: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا ~~أنه واقع بهم خذوا مآ ءاتينكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون # [الأعراف: 171] فالطور هو الجبل كما فسره به في الأعراف، وقال ~~السدي: فلما أبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه ~~وقد غشيهم، فسقطوا سجدا فسجدوا ms0076 على شق ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله ~~فكشفه عنهم فقالوا: والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب ~~عنهم فهم يسجدون كذلك، وذلك قول الله تعالى: { ورفعنا فوقكم ~~الطور } ، { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } ، يعني التوراة، ~~قال أبو العالية { بقوة } أي بطاعة، وقال مجاهد: { بقوة } أي ~~بعمل بما فيه، وقال قتادة: القوة: الجد وإلا قذفته عليكم، قال: فأقروا ~~أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة، ومعنى قوله وإلا قذفته عليكم أي أسقطته ~~عليكم، يعني الجبل، { واذكروا ما فيه } يقول: اقرأوا ما في ~~التوراة واعملوا به. وقوله تعالى: { ثم توليتم من بعد ~~ذلك فلولا فضل الله } يقول تعالى ثم بعد هذا الميثاق المؤكد ~~العظيم، توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه { فلولا فضل الله ~~عليكم ورحمته } أي بتوبته عليكم وإرساله النبيين والمرسلين ~~إليكم { لكنتم من الخاسرين } بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا ~~والآخرة. ### || [2.65-66] # يقول تعالى: { ولقد علمتم } يا معشر اليهود ما أحل من البأس ~~بأهل القرية، التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه، فيما أخذه عليهم ~~من تعظيم السبت والقيام بأمره، إذا كان مشروعا لهم فتحيلوا على اصطياد ~~الحيتان في يوم السبت بما وضعوا لها من الحبائل والبرك قبل يوم السبت، ~~فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل فلم ~~تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما ~~فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل ~~الظاهر وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم لما كانت مشابهة ~~للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن. كان جزاؤهم من جنس عملهم. # وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف حيث يقول تعالى: # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ~~إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك ~~نبلوهم بما كانوا يفسقون # [الآية: 163] القصة بكمالها. وقال السدي: أهل هذه القرية هم أهل أيلة، ~~وقوله تعالى: { فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين } قال ~~مجاهد: مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما ms0077 هو مثل ضربه الله # كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة: 5] وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق ~~في هذا المقام، وفي غيره قال الله تعالى: # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ~~من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت # [المائدة: 60] الآية، وقال ابن عباس { فقلنا لهم كونوا ~~قردة خاسئين }: فجعل الله منهم القردة والخنازير، فزعم أن شباب ~~القوم صاروا قردة وأن الشيخة صاروا خنازير. وقال شيبان عن قتادة: { ~~فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين } فصار القوم قردة تعاوى، ~~لها أذناب بعدما كانوا رجالا ونساء، وقال عطاء الخراساني: نودوا يا أهل ~~القرية { كونوا قردة خاسئين } فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم ~~فيقولون يا فلان، يا فلان ألم ننهكم؟ فيقولون برؤوسهم أي بلى، وقال ~~الضحاك عن ابن عباس: فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، يقول: إذ لا يحيون في ~~الأرض إلا ثلاثة أيام، قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاث أيام ولم يأكل ولم ~~يشرب ولم ينسل، وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة ~~الأيام التي ذكرها الله في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة وكذلك ~~يفعل بمن يشاء كما يشاء، ويحوله كما يشاء { خاسئين } يعني أذلة ~~صاغرين. # وقال السدي في قوله تعالى: { ولقد علمتم الذين ~~اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين } قال: هم أهل أيلة؛ وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت ~~الحيتان إذا كان يوم السبت، وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في ~~السبت شيئا، لم يبق في البحر حوت إلا خرج حتى يخرجن خراطيمهن من الماء، ~~فإذا كان يوم الأحد لزمن سفل البحر فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم ~~السبت فذلك قوله تعالى: # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ~~إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم # [الأعراف: 163] فاشتهى بعضهم السمك فجعل الرجل يحفر الحفيرة ويجعل لها ~~نهرا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتح النهر، فأقبل الموج ms0078 بالحيتان ~~يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ~~ماء النهر فيمكث فيها، فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه فجعل الرجل يشوي ~~السمك فيجد جاره روائحه فيسأله فيخبره فيصنع مثل ما صنع جاره حتى فشا ~~فيهم أكل السمك، فقال لهم علماؤهم: ويحكم إنما تصطادون يوم السبت وهو لا ~~يحل لكم، فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه، فقال الفقهاء: لا، ~~ولكنكم صدتموه يوم فتحتم له الماء فدخل، قال: وغلبوا أن ينتهوا، فقال بعض ~~الذين نهوهم لبعض: # لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم ~~عذابا شديدا # [الأعراف: 164] يقول: لم تعظوهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم، فقال بعضهم: # معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون # [الأعراف: 164]، فلما أبوا قال المسلمون والله لا نساكنكم في قرية ~~واحدة، فقسموا القرية بجدار ففتح المسلمون بابا والمعتدون في السبت ~~بابا ولعنهم داود عليه السلام، فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، ~~والكفار من بابهم، فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم، فلما ~~أبطأوا عليهم تسور المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على ~~بعض ففتحوا عنهم فذهبوا في الأرض، فذلك قول الله تعالى: # فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا ~~قردة خاسئين # [الأعراف: 166]، وذلك حين يقول: # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان ~~داوود وعيسى ابن مريم # [المائدة: 78] الآية فهم القردة، (قلت) والغرض من هذا السياق عن هؤلاء ~~الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد رحمه الله من أن مسخهم إنما كان ~~(معنويا) لا (صوريا)، بل الصحيح أنه معنوي صوري والله تعالى أعلم. # وقوله تعالى: { فجعلناها نكالا } قال بعضهم: الضمير في { ~~فجعلناها } عائد إلى القردة، وقيل على (الحيتان) وقيل على ~~(العقوبة)، وقيل على (القرية) حكاها ابن جرير. والصحيح أن الضمير عائد ~~على القرية، أي فجعل الله هذه القرية والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في ~~سبتهم (نكالا) أي عاقبناهم عقوبة فجعلناها عبرة كما قال الله عن فرعون: # فأخذه الله نكال الآخرة والأولى # [النازعات: 25]، وقوله تعالى: { لما بين يديها وما ~~خلفها } أي من ms0079 القرى، قال ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من ~~العقوبة عبرة لما حولها من القرى كما قال تعالى: # ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا ~~الآيات لعلهم يرجعون # [الأحقاف: 27]، فالمراد لما بين يديها وما خلفها في المكان، كما قال ~~عكرمة عن ابن عباس: { لما بين يديها } من القرى { وما ~~خلفها } من القرى، وقال أبو العالية: { وما خلفها } لما بقي ~~بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم، وكأن هؤلاء يقولون ~~المراد { لما بين يديها وما خلفها } في الزمان، وهذا ~~مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن تكون أهل تلك القرية عبرة ~~لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس، فكيف يصح هذا الكلام أن ~~تفسر الآية به وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم؟ فتعين أن المراد في المكان ~~وهو ما حولها من القرى كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير والله أعلم. # وقال أبو جعفر الرازي عن أبي العالية: { فجعلناها نكالا لما ~~بين يديها وما خلفها } أي عقوبة لما خلا من ذنوبهم، وقال ~~ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد: { لما بين يديها } من ~~ذنوب القوم { وما خلفها } لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب، وحكى ~~الرازي ثلاثة أقوال أحدها: أن المراد بما بين يديها وما خلفها من تقدمها ~~من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة ومن بعدها. والثاني: ~~المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم. والثالث: أنه تعالى جعلها ~~عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده وهو قول الحسن. (قلت): ~~وأرجح الأقوال المراد بما بين يديها وما خلفها من بحضرتها من القرى ~~يبلغهم خبرها وما حل بها كما قال تعالى: # ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى # [الأحقاف: 27] الآية، وقال تعالى: # ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة # [الرعد: 31] الآية، وقال تعالى: # أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ # [الأنبياء: 44] فجعلهم عبرة ونكالا لمن في زمانهم وموعظة لمن يأتي ~~بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: { وموعظة للمتقين ~~} الذين ms0080 من بعدهم إلى يوم القيامة، قال الحسن: فيتقون نقمة الله ~~ويحذرونها، وقال السدي: { وموعظة للمتقين } أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. (قلت): المراد بالموعظة ههنا الزاجر، أي جعلنا ما ~~أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله وما ~~تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم كما ~~روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل " # وهذا إسناد جيد، والله أعلم. ### || [2.67] # يقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في ~~شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول ونصه على من ~~قتله منهم. # (ذكر بسط القصة) # عن عبيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له، ~~وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلا فوضعه على ~~باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم على بعض، فقال ~~ذوو الرأي منهم والنهى: علام يقتل بعضكم بعضا وهذا رسول الله فيكم؟ ~~فأتوا موسى عليه السلام فذكروا ذلك له، فقال: { إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا ~~هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين }. ~~قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة ولكنهم شددوا فشدد عليهم ~~حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة ~~غيرها، فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا، فأخذوها بملء جلدها ~~ذهبا فذبحوها فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا - لابن ~~أخيه - ثم مال ميتا، فلم يعط من ماله شيئا فلم يورث قاتل بعد. # وقوله تعالى: # إنها بقرة لا فارض # [البقرة: 68] يعني لا هرمة، # ولا بكر # [البقرة: 68] يعني ولا صغيرة، # عوان بين ذلك # [البقرة: 68] أي نصف بين البكر والهرمة. # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال ~~إنه يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها # [البقرة: 69] أي صاف لونها # تسر الناظرين # [البقرة: 69] أي ms0081 تعجب الناظرين، # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر ~~تشابه علينا وإنآ إن شآء الله لمهتدون * قال ~~إنه يقول إنها بقرة لا ذلول # [البقرة: 70-71] أي لم يذللها العمل، # تثير الأرض ولا تسقي الحرث # [البقرة: 71] يعني وليست بذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث يعني ولا تعمل ~~في الحرث # مسلمة # [البقرة: 71] يعني مسلمة من العيوب # لا شية فيها # [البقرة: 71] يقول لا بياض فيها # قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون # [البقرة: 71]. ولو أن القوم حين أمروا بذبح بقرة، استعرضوا بقرة من ~~البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، ~~ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: # وإنآ إن شآء الله لمهتدون # [البقرة: 70] لما هدوا إليها أبدا. # وقال السدي { وإذ قال موسى لقومه إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة } قال: كان رجل من بني إسرائيل ~~مكثرا من المال فكانت له ابنة وكان له ابن أخ محتاج فخطب إليه ابن أخيه ~~ابنته فأبى أن يزوجه، فغضب الفتى وقال والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ~~ولأنكحن ابنته ولآكلن ديته، فأتاه الفتى - وقد قدم تجار في بعض أسباط ~~بني إسرائيل - فقال: يا عم انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم لعلي ~~أن أصيب منها فإنهم إذا رأوك معي أعطوني، فخرج العم مع الفتى ليلا، فلما ~~بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح جاء كأنه ~~يطلب عمه كأنه لا يدري أين هو فلم يجده، فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك ~~السبط مجتمعين عليه فأخذهم، وقال: قتلتم عمي فأدوا إلي ديته، فجعل ~~يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادي: واعماه، فرفعهم إلى موسى فقضى عليهم ~~بالدية. # فقالوا له: يا رسول الله ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه فيؤخذ صاحب ~~القضية، فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكن نستحيي أن نعير به فذلك ~~حين يقول تعالى: # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ~~ما كنتم تكتمون # [البقرة: 72]، فقال لهم موسى: { إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة } ، قالوا: نسألك عن ms0082 القتيل وعمن قتله وتقول اذبحوا ~~بقرة أتهزأ بنا؟ { قال أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين }. قال ابن عباس: فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ~~ولكن شددوا وتعنتوا على موسى فشدد الله عليهم. والفارض الهرمة التي ~~لا تولد، والبكر التي لم تلد إلا ولدا واحدا، والعوان النصف التي ~~بين ذلك التي قد ولدت وولد ولدها # فافعلوا ما تؤمرون * قالوا ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء ~~فاقع لونها # [البقرة: 68-69] قال نقي لونها # تسر الناظرين # [البقرة: 69] قال تعجب الناظرين # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر ~~تشابه علينا وإنآ إن شآء الله لمهتدون * قال ~~إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا ~~تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها # [البقرة: 70-71] من بياض ولا سواد ولا حمرة # قالوا الآن جئت بالحق # [البقرة: 71] فطلبوها - من صاحبها - وأعطوا وزنها ذهبا فأبى فأضعفوه له ~~حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهبا فباعهم إياها وأخذ ثمنها فذبحوها، قال: ~~اضربوه ببعضها فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين فعاش فسألوه من قتلك ~~فقال لهم ابن أخي قال: أقتله فآخذ ماله وأنكح ابنته، فأخذوا الغلام ~~فقتلوه. ### || [2.68-71] # أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم ولهذا لما ضيقوا ~~على أنفسهم ضيق الله عليهم ولو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت لوقعت الموقع ~~عنهم ولكنهم شددوا فشدد عليهم فقالوا: { قالوا ادع لنا ~~ربك يبين لنا ما هي } أي ما هذه البقرة؟ وأي شي صفتها؟ قال ~~ابن جرير عن ابن عباس: (لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها ولكنهم شددوا ~~فشدد عليهم) قال: { إنه يقول إنها بقرة لا فارض ~~ولا بكر } أي لا كبيرة هرمة ولا صغيرة لم يلحقها الفحل. وقال ~~الضحاك عن ابن عباس: { عوان بين ذلك } يقول نصف بين الكبيرة ~~والصغيرة، وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر وأحسن ما تكون. وقال سعيد ~~بن جبير: { فاقع لونها } صافية اللون. وقال العوفي عن ابن عباس: ~~{ فاقع لونها } شديدة الصفرة تكاد من صفرتها تبيض، ms0083 وقال السدي: ~~{ تسر الناظرين } أي تعجب الناظرين. وقوله تعالى: { إن ~~البقر تشابه علينا } أي لكثرتها فميز لنا هذه البقرة وصفها ~~وحلها لنا { وإنآ إن شآء الله } إذا بينتها لنا { ~~لمهتدون } إليها. عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لولا أن بني إسرائيل قالوا { وإنآ إن شآء الله ~~لمهتدون } لما أعطوا ولكن استثنوا " # { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير ~~الأرض ولا تسقي الحرث } أي إنها ليست مذللة بالحراثة، ولا ~~معدة للسقي في السانية، بل هي مكرمة حسنة صبيحة مسلمة صحيحة لا عيب ~~فيها { لا شية فيها } أي ليس فيها لون غير لونها وقال قتادة { ~~مسلمة } يقول: لا عيب فيها { لا شية فيها } لونها واحد بهيم ~~قاله عطاء. { قالوا الآن جئت بالحق } قال قتادة: الآن بينت ~~لنا، { فذبحوها وما كادوا يفعلون } قال الضحاك عن ابن ~~عباس: كادوا أن لا يفعلوا - ولم يكن ذلك الذي أرادوا - لأنهم أرادوا أن ~~لا يذبحوها، يعني أنهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ~~ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذم لهم وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت ~~فلهذا ما كادوا يذبحونها. قال ابن جرير: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف ~~الفضيحة إن اطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه ثم اختار أن ~~الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلوا ذلك لغلاء ثمنها وللفضيحة. ### || [2.72-73] # قال البخاري: { فادارأتم فيها } اختلفتم وهكذا قال مجاهد، { ~~والله مخرج ما كنتم تكتمون } قال مجاهد: ما تغيبون. ~~عن المسيب بن رافع: " ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله وما ~~عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله " ، وتصديق ذلك في كلام ~~الله: { والله مخرج ما كنتم تكتمون } { فقلنا ~~اضربوه ببعضها } هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة، ~~فالمعجزة حاصلة به وخرق العادة به كائن، فلو كان في تعيينه لنا فائدة ~~تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه ~~ولم يجيء من طريق ms0084 صحيح عن معصوم بيانه فنحن نبهمه كما أبهمه الله. # وقوله تعالى: { كذلك يحيي الله الموتى } أي فضربوه ~~فحيي، ونبه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل، ~~جعل تبارك وتعالى ذلك الصنيع حجة لهم على المعاد، وفاصلا ما كان بينهم ~~من الخصومة والعناد، والله تعالى قد ذكر في هذه السورة مما خلقه من إحياء ~~الموتى في خمسة مواضع: # ثم بعثناكم من بعد موتكم # [البقرة: 56] وهذ القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر ~~الموت، وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم عليه ~~السلام والطيور الأربعة، ونبه تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة ~~الأجسام بعد صيرورتها رميما، كما قال أبو رزين العقيلي رضي الله عنه، ~~قال: قلت يا رسول الله: كيف يحيي الله الموتى؟ قال: " أما مررت بواد ~~ممحل ثم مررت به خضرا "؟ قال: بلى، قال: # كذلك النشور # [فاطر: 9]، أو قال: { كذلك يحيي الله الموتى } وشاهد هذا ~~قوله تعالى: # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا ~~منها حبا فمنه يأكلون # [يس: 33]. ### || [2.74] # يقول تعالى توبيخا لبني إسرائيل وتقريعا لهم على ما شاهدوه من آيات ~~الله تعالى وإحيائه الموتى: { ثم قست قلوبكم من بعد ~~ذلك } كله فهي كالحجارة التي لا تلين أبدا، ولهذا نهى الله المؤمنين ~~عن مثل حالهم، فقال: # ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين ~~أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست ~~قلوبهم وكثير منهم فاسقون # [الحديد: 16]. فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن ~~الموعظة، بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة ~~التي لا علاج للينها، أو أشد قسوة من الحجارة، فإن من الحجارة ما يتفجر ~~منها العيون بالأنهار الجارية، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء وإن لم ~~يكن جاريا، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله وفيه إدراك لذلك ~~بحسبه، كما قال تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه ms0085 كان حليما غفورا # [الإسراء: 44]. والمعنى: وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون ~~إليه من الحق. # وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة كما ~~أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: # يريد أن ينقض # [الكهف: 77]. قال الرازي والقرطبي: ولا حاجة إلى هذا، فإن الله تعالى ~~يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى: # فأبين أن يحملنها وأشفقن منها # [الأحزاب: 72]، وقال: # تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن # [الإسراء: 44] الآية، وقال: # والنجم والشجر يسجدان # [الرحمن: 6]، وقال: # قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11]. وفي الصحيح: # " هذا جبل يحبنا ونحبه " # ، وكحنين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم: # " إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن " # ، وفي صفة الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلم بحق يوم القيامة وغير ذلك ~~مما في معناه. # (تنبيه) اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: { فهي ~~كالحجارة أو أشد قسوة } بعد الإجماع على استحالة كونها ~~للشك، فقال بعضهم (أو) ههنا بمعنى الواو تقديره: فهي كالحجارة وأشد ~~قسوة، كقوله تعالى: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان: 24]، وقوله: # عذرا أو نذرا # [المرسلات: 6]، وكما قال جرير بن عطية: # نال الخلافة أو كانت له قدرا # كما أتى ربه موسى على قدر # قال ابن جرير: يعني نال الخلافة وكانت له قدرا، وقال آخرون: (أو) ههنا ~~بمعنى بل فتقديره: فهي كالحجارة بل أشد قسوة، وكقوله: # إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو ~~أشد خشية # [النساء: 77] # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147]، # فكان قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 9]، وقال آخرون: معنى ذلك: { فهي كالحجارة أو ~~أشد قسوة } عندكم حكاه ابن جرير. وقال بعضهم: معنى ذلك فقلوبكم ~~لا تخرج عن أحد هذين المثلين: إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما ~~أن تكون أشد منها في القسوة، قال ابن جرير ومعنى ذلك على هذا التأويل ~~فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشد قسوة من الحجارة، وقد رجحه ابن جرير مع ~~توجيه غيره، (قلت): وهذا القول الأخير يبقى شبيها ms0086 بقوله تعالى: # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا # [البقرة: 17] مع قوله: # أو كصيب من السمآء # [البقرة: 19]، وكقوله: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة # [النور: 39]، مع قوله: # أو كظلمات في بحر لجي # [النور: 40] الآية أي: إن منهم من هو هكذا ومنهم من هو هكذا، والله ~~أعلم. عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة ~~القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي " # وروي مرفوعا: " أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، ~~والحرص على الدنيا ". ### || [2.75-77] # يقول تعالى: { أفتطمعون } أيها المؤمنون { أن يؤمنوا ~~لكم } أي ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين ~~شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك { ~~وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه } أي يتأولونه على غير تأويله { من بعد ما عقلوه ~~} أي فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة { وهم ~~يعلمون } أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله. وهذا ~~المقام شبيه بقوله تعالى: # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم ~~قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه # [المائدة: 13] وليس كلهم قد سمعها، ولكن هم الذين سألوا موسى رؤية ربهم ~~فأخذتهم الصاعقة فيها، قال السدي: هي التوراة حرفوها. وقال قتادة في ~~قوله: { ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم ~~يعلمون } هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما ~~عقلوه ووعوه، وقال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت ~~محمد صلى الله عليه وسلم فحرفوه عن مواضعه، وقال السدي: { وهم ~~يعلمون } أي أنهم أذنبوا، وقال ابن وهب في قوله: { يسمعون ~~كلام الله ثم يحرفونه } قال: التوراة التي أنزلها الله ~~عليهم، يحرفونها يجعلون الحلال فيها حراما، والحرام فيها حلالا، والحق ~~فيها باطلا والباطل فيها حقا. # وقوله تعالى: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } ~~، قال ابن عباس { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ~~}: أي قالوا: إن صاحبكم رسول الله ولكنه ms0087 إليكم خاصة. { وإذا خلا ~~بعضهم إلى بعض } قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا فإنكم قد كنتم ~~تستفتحون به عليهم فكان منهم، { وإذا خلا بعضهم إلى بعض ~~قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ~~ليحآجوكم به عند ربكم } أي تقرون بأنه نبي وقد علمتم أنه ~~قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ~~ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به. يقول الله تعالى: { أولا ~~يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون }؟ ~~وقال الضحاك: يعني المنافقين من اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم قالوا آمنا، وقال السدي: هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم ~~نافقوا. وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة نحن مسلمون، ليعلموا خبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر، فلما أخبر ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون، وكان ~~المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون فيقولون: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا، ~~فيقولون: بلى، قال أبو العالية: { أتحدثونهم بما فتح ~~الله عليكم } يعني بما أنزل عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وقال قتادة: { أتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم ليحآجوكم به عند ربكم } كانوا يقولون سيكون ~~نبي فخلا بعضهم ببعض فقالوا { أتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم }. # وعن مجاهد في قوله تعالى: { أتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم } قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم، ~~فقال: يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبد الطاغوت فقالوا من أخبر بهذا ~~الأمر محمدا؟ ما خرج هذا القول إلا منكم { أتحدثونهم بما ~~فتح الله عليكم } بما حكم الله للفتح ليكون لهم حجة عليكم. ~~وقال الحسن البصري: هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، ~~وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله ~~عليكم، مما في كتابكم ليحاجوكم به عند ربكم فيخصموكم. وقوله تعالى: { ~~أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون } يعني ما أسروا من كفرهم ms0088 بمحمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم ~~به وهم يجدونه مكتوبا عندهم. وقال الحسن: { أن الله يعلم ما ~~يسرون } كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم بما فتح الله عليهم مما في كتابهم، خشية أن يحاجهم أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم بما في كتابهم عند ربهم { وما يعلنون } ~~يعني حين قالوا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم آمنا. ### || [2.78-79] # يقول تعالى: { ومنهم أميون } أي ومن أهل الكتاب، والأميون ~~جمع أمي وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة، وهو ظاهر في قوله تعالى: { لا ~~يعلمون الكتاب } أي لا يدرون ما فيه، ولهذا في صفات النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أنه الأمي لأنه لم يكن يحسن الكتابة كما قال تعالى: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون # [العنكبوت: 48]، وقال عليه الصلاة والسلام: # " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا " # الحديث. وقال تبارك وتعالى: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم # [الجمعة: 2] قال ابن جرير: نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى ~~أمه في جهله بالكتاب دون أبيه. وقوله تعالى: { إلا أماني } عن ~~ابن عباس: { إلا أماني } يقول إلا قولا يقولونه بأفواههم كذبا، ~~وقال مجاهد إلا كذبا، وعن مجاهد: { ومنهم أميون لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني } قال: أناس من اليهود لم ~~يكونوا يعلمون من الكتاب شيئا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب ~~الله ويقولون هو من الكتاب { أماني } يتمنونها، والتمني في هذا الموضع هو ~~تخلق الكذب وتخرصه، ومنه الخبر المروي عن عثمان رضي الله عنه " ما تغنيت ~~ولا تمنيت " يعني ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب، وقيل: المراد بقوله ~~{ إلا أماني } بالتشديد والتخفيف أيضا أي إلا تلاوة. واستشهدوا ~~على ذلك بقوله تعالى: # إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته # [الحج: 52] الآية، وقال كعب بن مالك الشاعر: # تمنى كتاب ms0089 الله أول ليله # وآخره لاقى حمام المقادر # { وإن هم إلا يظنون } يكذبون، وقوله تعالى: { فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون ~~هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا } ~~الآية. هؤلاء صنف آخر من اليهود وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على ~~الله، وأكل أموال الناس بالباطل، والويل: الهلاك والدمار، وهي كلمة ~~مشهورة في اللغة. وعن ابن عباس الويل: المشقة من العذاب، وقال الخليل ~~الويل: شدة الشر، وقال سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف ~~عليها، وقال الأصمعي: الويل تفجع، والويح ترحم، وقال غيره: الويل الحزن. ~~وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: { فويل للذين ~~يكتبون الكتاب بأيديهم } قال: هم أحبار اليهود، وقال ~~السدي: كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم يبيعونه من العرب ~~ويحدثونهم أنه من عند الله ليأخذوا به ثمنا قليلا، وقال الزهري عن ابن ~~عباس: " يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتاب الله ~~الذي أنزله على نبيه أحدث أخبار الله تقرأونه غضا لم يشب، وقد حدثكم ~~الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم ~~الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما ~~جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا والله ما رأينا منهم أحدا قط سألكم عن ~~الذي أنزل عليكم ". وقوله تعالى: { فويل لهم مما كتبت ~~أيديهم وويل لهم مما يكسبون } أي فويل لهم مما ~~كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من ~~السحت، كما قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما { فويل لهم } ~~يقول: فالعذاب عليهم من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب { وويل ~~لهم مما يكسبون } يقول: مما يأكلون به أولئك الناس السفلة ~~وغيرهم. ### || [2.80] # يقول تعالى إخبارا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم، من أنهم لن ~~تمسهم النار إلا أياما معدودة، ثم ينجون منها، فرد الله عليهم ذلك ~~بقوله تعالى: { قل أتخذتم عند الله عهدا } أي بذلك، فإن ~~كان قد وقع عهد فهو لا ms0090 يخلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى ~~بأم التي بمعنى (بل) أي بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب ~~والافتراء عليه. قال مجاهد عن ابن عباس: إن اليهود كانوا يقولون: إن هذه ~~الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما في النار، وإنما ~~هي سبعة أيام. معدودة، فأنزل الله تعالى: { وقالوا لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودة } إلى قوله: { خالدون }. ~~وقال العوفي عن ابن عباس: قالوا لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة وهي مدة ~~عبادتهم العجل، وقال قتادة: { وقالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة } يعني الأيام التي عبدنا فيها العجل، وقال ~~عكرمة: خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن ندخل النار ~~إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها قوم آخرون، يعنون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رؤوسهم: # " بل أنتم خالدون ومخلدون لا يخلفكم فيها أحد " # ، فأنزل الله عز وجل: { وقالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة } الآية. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجمعوا لي من كان من اليهود هنا " ~~، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أبوكم؟ " قالوا: فلان، ~~قال: " كذبتم بل أبوكم فلان " ، فقالوا: صدقت وبررت، ثم قال لهم: " هل ~~أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ " ، قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن ~~كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " من أهل النار " فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها فقال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اخسئوا والله لا نخلفكم فيها أبدا ~~". ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل أنتم صادقي عن شيء ~~إن سألتكم عنه؟ " ، قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: " هل جعلتم في هذه ~~الشاة سما؟ " ، فقالوا: نعم، قال: " فما حملكم ms0091 على ذلك؟ " ، فقالوا: ~~أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك ". ### || [2.81-82] # يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم ولا كما تشتهون، بل الأمر أنه من عمل ~~سيئة { وأحاطت به خطيئته } وهو من وافى يوم القيامة وليست ~~له حسنة، بل جميع أعماله سيئات، فهذا من أهل النار. { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } أي آمنوا بالله ورسوله، وعملوا ~~الصالحات من العمل الموافق للشريعة، فهم من أهل الجنة، وهذا المقام شبيه ~~بقوله تعالى: # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا * ومن يعمل من الصالحات من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ~~ولا يظلمون نقيرا # [النساء: 123- 124]. قال ابن عباس: { بلى من كسب سيئة } أي ~~عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره فما له من ~~حسنة، وفي رواية عن ابن عباس قال: الشرك. وقال الحسن: السيئة الكبيرة من ~~الكبائر، وقال عطاء والحسن: { وأحاطت به خطيئته } أحاط به ~~شركه، وقال الأعمش: { وأحاطت به خطيئته } الذي يموت على ~~خطاياه من قبل أن يتوب. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه " # وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهم مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض ~~فلاة فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء ~~بالعود، حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا فأنضجوا ما قذفوا فيها. وقوله ~~تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون } أي من آمن بما كفرتم وعمل ~~بما تركتم من دينه فلهم الجنة خالدين فيها، يخبرهم أن الثواب بالخير ~~والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له. ### || [2.83] # يذكر تبارك وتعالى بني إسرائيل بما أمرهم من الأوامر، وأخذه ميثاقهم ~~على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله وأعرضوا قصدا وعمدا، وهم يعرفونه ~~ويذكرونه، فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ms0092 وبهذا أمر جميع ~~خلقه ولذلك خلقهم كما قال تعالى: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36]، وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تبارك وتعالى أن ~~يعبد وحده لا شريك له ثم بعده حق المخلوقين. وآكدهم وأولاهم بذلك حق ~~الوالدين، ولهذا يقرن تبارك وتعالى بين حقه وحق الوالدين كما قال تعالى: # أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير # [لقمان: 14]. وقال تبارك وتعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23]، إلى أن قال: # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل # [الإسراء: 26]. وفي الصحيحين عن ابن مسعود قلت: # " يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: " الصلاة على وقتها " ، قلت: ثم ~~أي؟ قال: " بر الوالدين " ، قلت: ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله " # ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رجلا قال: # " يا رسول الله من أبر؟ قال: " أمك " ، قال: ثم من؟ قال: " أمك " ، ~~قال: ثم من؟ قال: " أباك؟ ثم أدناك ثم أدناك " # وقوله تعالى: { لا تعبدون إلا الله } قال الزمخشري: خبر ~~بمعنى الطلب وهو آكد. وقيل: كان أصله { أن لا تعبدوا إلا الله } فحذفت ~~(أن) فارتفع. { واليتامى } وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من ~~الآباء، { والمساكين } الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم ~~وأهليهم. وقوله تعالى: { وقولوا للناس حسنا } أي كلموهم طيبا ~~ولينوا لهم جانبا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ~~بالمعروف، كما قال الحسن البصري أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحلم ~~ويعفو ويصفح، ويقول للناس حسنا كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله. # كما روي عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تحقرن من المعروف شيئا وإن لم تجد فالق أخاك بوجه منطلق " # يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنا، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، ~~فجمع بين طرفي الإحسان (الفعلي) و (القولي) ثم أكد الأمر بعبادته ~~والإحسان إلى الناس بالمتعين من ذلك وهو الصلاة والزكاة، فقال: { ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ، وأخبر أنهم تولوا ms0093 عن ~~ذلك كله، أي تركوه وراء ظهورهم وأعرضوا عنه على عمد، بعد العلم به إلا ~~القليل منهم، وقد أمر الله هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء بقوله: # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين # [النساء: 36] الآية. ### || [2.84-86] # يقول تبارك وتعالى منكرا عن اليهود، الذين كانوا في زمان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، ~~وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا في الجاهلية عباد أصنام، ~~وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل (بنو قينقاع) و ~~(بنو النضير) حلفاء الخزرج و (بنو قريظة) حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا ~~نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل ~~اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم، ~~ويخرجونهم من بيوتهم، وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم ~~إذا وضعت الحرب أوزارها افتكوا الأسارى من الفريق المغلوب عملا بحكم ~~التوراة، ولهذا قال تعالى: { أفتؤمنون ببعض الكتاب ~~وتكفرون ببعض } ، ولهذا قال تعالى: { وإذ أخذنا ~~ميثاقكم لا تسفكون دمآءكم ولا تخرجون ~~أنفسكم من دياركم } أي لا يقتل بعضكم بعضا، ولا يخرجه من ~~منزله، ولا يظاهر عليه، وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة، ~~كما قال عليه الصلاة والسلام: # " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا ~~اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " # ، وقوله تعالى: { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } أي ثم ~~أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به، { ثم أنتم ~~هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم ~~من ديارهم } الآية. عن ابن عباس: { ثم أنتم هؤلاء ~~تقتلون أنفسكم } قال: أنبأهم الله بذلك من فعلهم، وقد حرم ~~عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا إذا ~~كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير ~~وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى ~~تسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة ms0094 يعرفون فيها ما عليهم وما لهم، ~~والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة ولا نارا ولا ~~بعثا ولا قيامة، ولا كتابا ولا حلالا ولا حراما، فإذا وضعت الحرب ~~أوزارها افتدوا أسراهم تصديقا لما في التوراة وأخذا به بعضهم من بعض، ~~يفتدي (بنو قينقاع) ما كان من أسراهم في أيدي (الأوس) ويفتدي (النضير ~~وقريظة) ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم، ~~وقتلوا من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم، يقول الله ~~تعالى ذكره: { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ~~ببعض }؟ أي تفادونهم بحكم التوراة وتقتلونهم، وفي حكم التوراة أن لا ~~يقتل ولا يخرج من داره ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من ~~دونه ابتغاء عرض الدنيا؟ ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني ~~- نزلت هذه القصة. # وقال السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الحطيم { ثم أنتم ~~هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم ~~من ديارهم } والذي أرشدت إليه الآية الكريمة وهذا السياق، ذم ~~اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها مع ~~معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها ولا على ~~نقلها، ولا يصدقون فيما كتموه من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته ~~ومبعثه ومخرجه ومهاجره وغير ذلك من شؤونه، التي أخبرت بها الأنبياء قبله ~~عليهم الصلاة والسلام، واليهود - عليهم لعائن الله - يتكاتمونه بينهم، ~~ولهذا قال تعالى: { فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا ~~خزي في الحياة الدنيا } أي بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره { ~~ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } جزاء على ~~مخالفتهم كتاب الله الذي بأيديهم { وما الله بغافل عما ~~تعملون * أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا ~~بالآخرة } أي استحبوها على الآخرة واختاروها { فلا يخفف ~~عنهم العذاب } أي لا يفتر عنهم ساعة واحدة { ولا هم ~~ينصرون } أي وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم ~~السرمدي ولا يجيرهم عليهم. ### || [2.87] # ينعت تبارك وتعالى بني إسرائيل بالعتو والعناد، والمخالفة والاستكبار ~~على الأنبياء، ms0095 وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى ~~الكتاب وهو (التوراة) فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها، ~~وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته كما قال تعالى: # إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب ~~الله وكانوا عليه شهدآء # [المائدة: 44] الآية، ولهذا قال تعالى: { وقفينا من بعده ~~بالرسل } قال السدي: أتبعنا. وقال غيره: أردفنا، والكل قريب كما قال ~~تعالى: # ثم أرسلنا رسلنا تترا # [المؤمنون: 44] حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء ~~بمخالفة التوراة في بعض الأحكام ولهذا أعطاه الله من البينات وهي ~~المعجزات، قال ابن عباس: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير ~~فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأسقام، وإخباره بالغيوب، ~~وتأييده بروح القدس - وهو جبريل عليه السلام - ما يدلهم على صدقه فيما ~~جاءهم به، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له وحسدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في ~~البعض كما قال تعالى إخبارا عن عيسى: # ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم ~~بآية من ربكم # [آل عمران: 50] الآية، فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء أسوأ المعاملة ~~ففريقا يكذبونه، وفريقا يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم يأتونهم بالأمور ~~المخالفة لأهوائهم وآرائهم، وبالإلزام بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في ~~مخالفتها، فلهذا كان ذلك يشق عليهم فكذبوهم وربما قتلوا بعضهم، ولهذا قال ~~تعالى: { أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى ~~أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا ~~تقتلون }؟ # والدليل على أن روح القدس هو جبريل كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه ~~الآية ما قال البخاري: عن أبي هريرة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد فكان ينافح عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك " # وفي بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان: # " اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك " # ، وفي شعر حسان قوله: # وجبريل رسول ms0096 الله فينا # وروح القدس ليس به خفاء # وعن ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها ~~فاتقوا الله وأجملوا في الطلب " # وحكى القرطبي عن مجاهد القدس: هو الله تعالى، وروحه جبريل. وقال السدي: ~~القدس البركة، وقال العوفي عن ابن عباس: القدس الطهر. وقال الزمخشري: { ~~بروح القدس } بالروح المقدسة، كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق، ~~ووصفها بالقدس كما قال # وروح منه # [النساء: 171] فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة، وقيل: لأنه لم تضمه ~~الأصلاب والأرحام الطوامث، وقيل: بجبريل، وقيل: بالإنجيل كما قال في ~~القرآن # روحا من أمرنا # [الشورى: 52]، وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره. وقال ~~أيضا في قوله تعالى: { ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون } ~~إنما لم يقل وفريقا قتلتم لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضا لأنهم ~~حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بالسم والسحر، وقد قال عليه السلام ~~في مرض موته: # " ما زالت أكلة خيبر تعادني فهذا أوان انقطاع أبهري ". ### || [2.88] # { وقالوا قلوبنا غلف } أي في أكنة: وقال ابن عباس: أي لا ~~تفقه، وهي القلوب المطبوع عليها، وقال مجاهد: عليها غشاوة، وقال السدي: ~~عليها غلاف وهو الغطاء فلا تعي ولا تفقه. { بل لعنهم الله ~~بكفرهم } أي طردهم الله وأبعدهم من كل خير { فقليلا ما ~~يؤمنون } معناه: لا يؤمن منهم إلا القليل، وقال عبد الرحمن بن زيد ~~في قوله: { غلف } تقول قلبي في غلاف فلا يخلص إليه مما تقول شيء، وقرأ: # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه # [فصلت: 5] وهذا الذي رجحه ابن جرير واستشهد بما روي عن حذيفة قال: " ~~القلوب أربعة " فذكر منها: " وقلب أغلف مغضوب عليه وذاك قلب الكافر ". ~~ولهذا قال تعالى: { بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ~~ما يؤمنون } أي ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها ~~كما قال تعالى: # وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها ~~بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا # [النساء: 155] وقد اختلفوا في معنى قوله: { فقليلا ما يؤمنون ms0097 ~~} ، وقوله: # فلا يؤمنون إلا قليلا # [النساء: 155] فقال بعضهم: فقليل من يؤمن منهم، وقيل: فقليل إيمانهم ~~بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب ~~ولكنه إيمان لا ينفعهم لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: إنما كانوا غير مؤمنين بشيء وإنما قال: ~~{ فقليلا ما يؤمنون } وهم بالجميع كافرون كما تقول العرب: ~~قلما رأيت مثل هذا قط. تريد ما رأيت مثل هذا قط، والله أعلم. ### || [2.89] # يقول تعالى: { ولما جآءهم } يعني اليهود { كتاب من عند ~~الله } وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم { مصدق ~~لما معهم } يعني من التوراة، وقوله: { وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا } أي وقد كانوا من قبل مجيء ~~هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا ~~قاتلوهم، يقولون إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم، ~~فلما بعث الله رسوله من قريش كفروا به. قال الضحاك عن ابن عباس في قوله: ~~{ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } ~~قال يستنصرون: يقولون نحن نعين محمدا عليهم وليسوا كذلك بل يكذبون. وقال ~~محمد بن إسحاق عن ابن عباس: إن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا ~~به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل: يا معشر يهود ~~اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~ونحن أهل شرك وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال (سلام بن مشكم) ~~أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل ~~الله في ذلك من قولهم: { ولما جآءهم كتاب من عند الله ~~مصدق لما معهم } الآية. وقال العوفي عن ابن عباس: { ~~وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } ~~يقول: يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب، يعني ~~بذلك أهل الكتاب، فلما بعث محمد صلى ms0098 الله عليه وسلم - ورأوه من غيرهم - ~~كفروا به وحسدوه. قال مجاهد { فلعنة الله على الكافرين } ~~هم اليهود. ### || [2.90] # قال السدي: { بئسما اشتروا به أنفسهم } باعوا به ~~أنفسهم، يقول: بئسما اعتاضوا لأنفسهم فرضوا به وعدلوا إليه من الكفر بما ~~أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم عن تصديقه ومؤازرته ونصرته، وإنما ~~حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية ل { أن ينزل الله من ~~فضله على من يشآء من عباده } ولا حسد أعظم من هذا. ~~ومعنى (باؤا) استوجبوا واستحقوا واستقروا بغضب على غضب. قال أبو العالية: ~~غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب الله عليهم بكفرهم بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. قال السدي: أما الغضب الأول فهو حين غضب ~~عليهم في العجل، وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، وعن ابن عباس مثله. # وقوله تعالى: { وللكافرين عذاب مهين } لما كان كفرهم سببه ~~البغي والحسد ومنشأ ذلك التكبر قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا ~~والآخرة كما قال تعالى: # إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين # [غافر: 60] أي صاغرين حقيرين ذليلين. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من ~~الصغار حتى يدخلوا سجنا في جهنم يقال له (بولس) تعلوهم نار الأنيار ~~يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار ". ### || [2.91-92] # يقول تعالى: { وإذا قيل لهم } أي لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب ~~{ آمنوا بما أنزل الله } على محمد صلى الله عليه وسلم وصدقوه ~~واتبعوه، { قالوا نؤمن بمآ أنزل علينا } أي يكفينا ~~الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل ولا نقر إلا بذلك { ~~ويكفرون بما ورآءه } يعني بما بعده، { وهو الحق ~~مصدقا لما معهم } أي وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم { الحق مصدقا لما معهم } من التوراة ~~والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك كما قال تعالى: # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم # [البقرة: 146]، ثم قال تعالى: { فلم تقتلون أنبيآء الله ~~من قبل إن ms0099 كنتم مؤمنين }؟ أي إن كنت صادقين في دعواكم ~~الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة ~~التي بأيديكم، والحكم بها وعدم نسخها وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيا ~~وعنادا واستكبارا على رسل الله فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء ~~والتشهي، كما قال تعالى: # أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون # [البقرة: 87]. وقال ابن جرير: قال يا محمد ليهود بني إسرائيل إذا قلت ~~لهم: آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا، لم تقتلون - إن ~~كنتم مؤمنين بما أنزل الله - أنبياء الله يا معشر اليهود، وقد حرم الله ~~في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم، بل أمركم باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم، ~~وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم: { نؤمن بمآ أنزل علينا } ~~وتعيير لهم. { ولقد جآءكم موسى بالبينات } أي بالآيات ~~الواضحات والدلائل القاطعات على أنه رسول الله وأنه لا إله إلا الله، ~~والآيات البينات هي: (الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ~~والعصا، واليد، وفرق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمن، والسلوى، والحجر) ~~وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها { ثم اتخذتم العجل } أي ~~معبودا من دون الله في زمان موسى وأيامه. وقوله: { من بعده } أي من ~~بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله عز وجل كما قال تعالى: # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~جسدا له خوار # [الأعراف: 148]، { وأنتم ظالمون } أي وأنتم ظالمون في هذا ~~الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله ~~كما قال تعالى: # ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ~~قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ~~لنكونن من الخاسرين # [الأعراف: 149]. ### || [2.93] # يعدد سبحانه وتعالى عليهم خطأهم ومخالفتهم للميثاق، وعتوهم وإعراضهم ~~عنه حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه ثم خالفوه ولهذا: { قالوا ~~سمعنا وعصينا } وقد تقدم تفسير ذلك { وأشربوا في ~~قلوبهم العجل بكفرهم }. عن قتادة قال: أشربوا حبه حتى خلص ~~ذلك إلى قلوبهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " حبك الشيء يعمي ويصم " # وعن علي رضي الله ms0100 عنه قال: عمد موسى إلى العجل فوضع عليه المبارد فبرده ~~بها وهو على شاطىء نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا ~~اصفر وجهه مثل الذهب. # وقوله: { قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم ~~مؤمنين } أي بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه من كفركم بآيات ~~الله، ومخالفتكم الأنبياء، ثم كفركم بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا أكبر ~~ذنوبكم وأشد الأمور عليكم، إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين ~~المبعوث إلى الناس أجمعين، فكيف تدعون لأنفسكم الإيمان وقد فعلتم هذه ~~الأفاعيل القبيحة من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل ~~من دون الله؟. ### || [2.94-96] # يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { قل إن كانت ~~لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } أي ادعوا بالموت على ~~أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولن ~~يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم ~~بالظالمين } أي يعلمهم بما عندهم من العلم بل والكفر بذلك ولو تمنوه ~~يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات. وقال الضحاك عن ابن ~~عباس: { فتمنوا الموت } فسلوا الموت. قال ابن عباس: " لو تمنى ~~يهود الموت لماتوا ولو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه ". وقال ابن جرير: ~~وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج ~~الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا ~~مالا " # ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: # قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم ~~أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن ~~كنتم صادقين * ولا يتمنونه أبدا بما قدمت ~~أيديهم والله عليم بالظالمين # [الجمعة: 6-7] فهم - عليهم لعائن الله تعالى - لما زعموا أنهم أبناء ~~الله وأحباؤه وقالوا: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111] دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم أو من ~~المسلمين، فلما ms0101 نكلوا عن ذلك علم كل أحد أنهم ظالمون، لانهم لو كانوا ~~جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا علم كذبهم. وهذا ~~كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران من النصارى بعد قيام ~~الحجة عليهم في المناظرة، وعتوهم وعنادهم إلى المباهلة، فقال تعالى: # فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنآءكم ونسآءنا ~~ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل ~~لعنت الله على الكاذبين # [آل عمران: 61]. فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم ~~هذا النبي لا يبقى منكم عين تطرف، فعند ذلك جنحوا للسلم وبذلوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون. # والمعنى إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء ~~الله وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ~~ذلك وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل ~~الكاذب لا محالة، فلما تيقنوا ذلك وعرفوا صدقه نكلوا عن المباهلة، لما ~~يعلمون من كذبهم وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويتحققونه، فعلم كل أحد ~~باطلهم وخزيهم وضلالهم وعنادهم، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم ~~القيامة. # وسميت هذه المباهلة تمنيا لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر ~~له، ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له في بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة ~~بالموت لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت، ~~ولهذا قال تعالى: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت ~~أيديهم والله عليم بالظالمين * ولتجدنهم ~~أحرص الناس على حياة } أي على طول العمر لما يعلمون من ~~مآلهم السيء وعاقبتهم عند الله الخاسرة، لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة ~~الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم وما يحاذرون ~~منه واقع بهم لا محالة، حتى وهم أحرص من المشركين الذين لا كتاب لهم، ~~وهذا من باب عطف الخاص على العام، وقال الحسن البصري: { ~~ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } المنافق أحرص ~~الناس، وأحرص من المشرك ms0102 على حياة { يود أحدهم } أي يود أحد ~~اليهود لو يعمر ألف سنة { وما هو بمزحزحه من العذاب أن ~~يعمر } أي وما هو بمنجيه من العذاب، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا ~~بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ماله في الآخرة من ~~الخزي بما ضيع ما عنده من العلم فما ذاك بمغيثه من العذاب ولا منجيه منه. ~~{ والله بصير بما يعملون } أي خبير بصير بما يعمل عباده من ~~خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله. ### || [2.97-98] # قال أبو جعفر الطبري رحمه الله: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا أن هذه ~~الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، ~~وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك، ~~فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أمر نبوته. عن ابن عباس قال: # " أقبلت يهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم ~~أخبرنا عن خمسة أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ ~~عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: { والله على ما نقول ~~وكيل } قال: " هاتوا " ، قالوا: فأخبرنا عن علامة النبي؟ قال: " تنام ~~عيناه ولا ينام قلبه ". قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر؟ قال: ~~" يلتقي الماءان فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء ~~المرأة ماء الرجل أنثت " ، قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: ~~" كان يشتكي عرق النساء فلم يجد شيئا يلائمه إلا ألبان كذا " ، قال ~~أحمد، قال بعضهم: يعني الإبل فحرم لحومها. قالوا: صدقت. قالوا: أخبرنا ما ~~هذا الرعد؟ قال: " ملك من ملائكة الله عز وجل موكل بالسحاب بيديه أو في ~~يديه مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله تعالى ". قالوا: ~~فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: " صوته " ، قالوا: صدقت. قالوا: إنما بقيت ~~واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، إنه ليس من نبي ms0103 إلا وله ملك يأتيه ~~بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال: " جبريل عليه السلام " ، قالوا: جبريل ذاك ~~الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل ~~بالرحمة والقطر والنبات لكان، فأنزل الله تعالى: { قل من كان ~~عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن ~~الله } إلى آخر الآية " # وفي رواية: إن يهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن صاحبه الذي ينزل ~~عليه بالوحي قال: " جبريل " ، قالوا: فإنه عدو لنا ولا يأتي إلا بالحرب ~~والشدة والقتال فنزلت: { قل من كان عدوا لجبريل } الآية. # وأخرج البخاري عن أنس بن مالك قال: سمع (عبد الله بن سلام) بمقدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # " إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول ~~طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: " أخبرني بهذه ~~جبرائيل آنفا ". قال: جبريل؟ قال: " نعم ". قال: ذاك عدو اليهود من ~~الملائكة فقرأ هذه الآية: { قل من كان عدوا لجبريل ~~فإنه نزله على قلبك }. " وأما أول أشراط الساعة فنار ~~تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة ~~كبد الحوت؛ وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة ~~نزعت " ، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، يا رسول الله إن ~~اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت ~~اليهود فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أي رجل عبد الله بن ~~سلام فيكم؟ " قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا، قال: " أرأيتم ~~إن أسلم " ، قالوا: أعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا ~~إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقالوا: هو شرنا وابن شرنا ~~وانتقصوه، فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله ". # وقال آخرون: بل كان سبب ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين عمر بن الخطاب ~~في ms0104 أمر النبي صلى الله عليه وسلم، قال عمر: كنت أشهد اليهود يوم مدراسهم، ~~فأعجب من التوراة كيف تصدق القرآن ومن القرآن كيف يصدق التوراة ~~فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب ما من أصحابك أحد أحب ~~إلينا منك، (قلت): ولم ذلك؟ قالوا: لأنك تغشانا وتأتينا، فقلت: إني آتيكم ~~فأعجب من القرآن كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق القرآن، ~~قالوا: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا ابن الخطاب ذاك ~~صاحبكم فالحق به، قال: فقلت لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا ~~هو وما استرعاكم من حقه وما استودعكم من كتابه، هل تعلمون أنه رسول الله؟ ~~قال: فسكتوا، فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قدذ غلظ عليكم فأجيبوه، ~~قالوا: فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت، قال: أما إذا نشدتنا بما نشدتنا ~~فإنا نعلم أنه رسول الله، قلت: ويحكم إذا هلكتم، قالوا: إنا لم نهلك، ~~قلت: كيف ذلك وأنت تعلمون أنه رسول الله ولا تتبعونه ولا تصدقونه!! ~~قالوا: إن لنا عدوا من الملائكة، وسلما من الملائكة، وإنه قرن ~~بنبوته عدونا من الملائكة، قلت: ومن عدوكم ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا ~~جبريل، وسلمنا ميكائيل، قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار ~~والتشديد والعذاب ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة، والتخفيف ~~ونحو هذا، قال، قلت: وما منزلتهما من ربهما عز وجل؟ قالوا: أحدهما عن ~~يمينه والآخر عن يساره، قال، فقلت: فوالذي لا إله إلا هو إنهما - والذي ~~بينهما - لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما، وما ينبغي لجبريل أن ~~يسالم عدو ميكائيل وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل، قال: ثم قمت ~~فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان، ~~فقال: " يا ابن الخطاب ألا أقرئك آيات نزلن قبل " فقرأ علي: { قل من ~~كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك ~~بإذن الله } حتى قرأ الآيات. # قال، قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد جئت أنا ~~أريد أن أخبرك وأنا أسمع اللطيف ms0105 الخبير قد سبقني إليك بالخبر ". # وقال ابن جرير: انطلق عمر بن الخطاب ذات يوم إلى اليهود فلما انصرف ~~رحبوا به، فقال لهم عمر: أما والله ما جئتكم لحبكم ولا لرغبة فيكم ولكن ~~جئت لأسمع منكم، فسألهم وسألوه، فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم: ~~جبرائيل، فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يطلع محمدا على سرنا، ~~وإذا جاء جاء بالحرب والسنة، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل إذا جاء جاء ~~بالخصب والسلم، فقال لهم عمر: هل تعرفون جبرائيل وتنكرون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، ففارقهم عمر عند ذلك وتوجه نحو النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليحدثه حديثهم فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: { قل من كان عدوا ~~لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله } ~~الآيات. # وقال ابن جرير عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: { قل من كان ~~عدوا لجبريل } قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن (ميكائيل) كان ~~هو الذي ينزل عليكم اتبعناكم فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن (جبرائيل) ~~ينزل بالعذاب والنقمة فإنه عدو لنا، قال: فنزلت هذه الآية. # وأما تفسير الآية فقوله تعالى: { قل من كان عدوا لجبريل ~~فإنه نزله على قلبك بإذن الله } أي من عادى ~~جبرائيل فليعلم أنه الروح الأمين، الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من ~~الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله ملكي، ومن عادى رسولا فقد ~~عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل، ~~وكذلك من عادى جبرائيل فإنه عدو لله لأن جبرائيل لا ينزل بالأمر من ~~تلقاء نفسه وإنما ينزل بأمر ربه كما قال: # وما نتنزل إلا بأمر ربك # [مريم: 64]، وقال تعالى: # وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح ~~الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين # [الشعراء: 192-194]. # وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب " # ولهذا غضب الله لجبرائيل على من عاداه، فقال تعالى: { من كان ~~عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن ~~الله ms0106 مصدقا لما بين يديه } أي من الكتب المتقدمة { ~~وهدى وبشرى للمؤمنين } أي هدى لقلوبهم وبشرى لهم بالجنة، ~~وليس ذلك إلا للمؤمنين كما قال تعالى: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء # [فصلت: 44]، وقال تعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين # [الإسراء: 82]، ثم قال تعالى: { من كان عدوا لله ~~وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله ~~عدو للكافرين }. يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي - ~~ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر - كما قال تعالى: # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # [الحج: 75]، { وجبريل وميكال } وهذا من باب عطف الخاص على ~~العام فإنهما دخلا في الملائكة في عموم الرسل، ثم خصصا بالذكر لأن ~~السياق في الانتصار لجبرائيل، وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ~~ميكائيل في اللفظ لأن اليهود زعموا أن جبرائيل عدوهم، وميكائيل وليهم، ~~فأعلمهم الله تعالى أن من عادى واحدا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله ~~أيضا، ولأنه أيضا ينزل على أنبياء الله بعض الأحيان كما قرن برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر، ولكن جبرائيل أكثر وهي وظيفته، ~~وميكائيل موكل بالنبات والقطر. هذا بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل ~~موكل بالنفخ في الصور للبعث يوم القيامة، ولهذا جاء في الصحيح أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يقول: # " اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم ~~الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما ~~اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " # عن ابن عباس قال: إنما كان قوله جبرائيل كقوله عبد الله وعبد الرحمن، ~~وقيل جبر: عبد، وإيل: الله. وقوله تعالى: { فإن الله عدو ~~للكافرين } فيه إيقاع المظهر مكان المضمر حيث لم يقل (فإنه عدو) ~~بل قال: { فإن الله عدو للكافرين } كما قال الشاعر: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء # سبق الموت ذا الغنى والفقيرا # وإنما أظهر الله هذا الاسم ههنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم ~~أن من عادى وليا لله فقد عادى ms0107 الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن ~~كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدم الحديث: # " من عادى لي وليا فقد آذنته بالمحاربة " # ، وفي الحديث الصحيح: # " من كنت خصمه خصمته ". ### || [2.99-103] # قوله تعالى: { ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات } ~~الآية. أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات، دالات على نبوتك، وتلك ~~الآيات هي ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر ~~أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي ~~لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه ~~من أحكامهم التي كانت في التوراة، فأطلع الله في كتابه الذي أنزله على ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن ~~أنصف من نفسه، ولم يدعها إلى هلاكها الحسد والبغي. عن ابن عباس قال: ~~قال ابن صوريا القطويني لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما جئتنا ~~بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك، فأنزل الله في ذلك: ~~{ ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات وما يكفر بهآ ~~إلا الفاسقون }. وقال مالك بن الصيف حين بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد ~~صلى الله عليه وسلم: والله ما عهد إلينا في محمد، وما أخذ علينا ميثاق، ~~فأنزل الله تعالى: { أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق ~~منهم } ، وقال الحسن البصري في قوله: { بل أكثرهم لا ~~يؤمنون } قال: نعم ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، ~~يعاهدون اليوم وينقضون غدا، وقال السدي: لا يؤمنون بما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وقال قتادة: { نبذه فريق منهم } أي نقضه ~~فريق منهم. وقال ابن جرير: أصل النبذ الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط ~~منبوذا، ومنه سمي النبيذ - وهو التمر والزبيب - إذا طرحا في الماء، قال ~~أبو الأسود الدؤلي: # نظرت إلى عنوانه فنبذته # كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا # قلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم ms0108 في التمسك ~~بها والقيام بحقها، ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى ~~الناس كافة، الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره، وقد أمروا فيها باتباعه ~~ومؤازرته ونصرته كما قال تعالى: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل # [الأعراف: 157]، وقال ههنا: { ولمآ جآءهم رسول من عند ~~الله مصدق لما معهم } الآية، أي طرح طائفة منهم كتاب الله ~~الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم، أي ~~تركوها كأنهم لا يعلمون ما فيها وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه، ولهذا ~~أرادوا كيدا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسحروه في مشط ومشاقه ~~وجف طلعة ذكر تحت راعوفة ببئر أروان، وكان الذي تولى ذلك منهم رجل ~~يقال له (لبيد بن الأعصم) لعنه الله وقبحه، فأطلع الله على ذلك رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وشفاه منه وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطا في الصحيحين كما ~~سيأتي بيانه. # قال السدي: { ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق ~~لما معهم } قال: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه ~~بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة، وأخذوا ~~بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن، فذلك قوله: { كأنهم ~~لا يعلمون }. وقال قتادة في قوله: { كأنهم لا يعلمون } ~~قال: إن القوم كانوا يعلمون ولكنهم نبذوا علمهم وكتموه وجحدوا به. عن ابن ~~عباس قال: كان آصف كاتب سليمان وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء ~~بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا ~~بين كل سطرين سحرا وكفرا، وقالوا هذا الذي كان سليمان يعمل بها. قال: ~~فأكفره جهال الناس وسبوه، ووقف علماء الناس، فلم يزل جهال الناس ~~يسبونه حتى أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: { واتبعوا ~~ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر ~~سليمان ولكن الشياطين كفروا }. وقال السدي في قوله ~~تعالى: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك ~~سليمان } أي على عهد سليمان، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء ~~فتقعد منها مقاعد للسمع، ms0109 فيستمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض من ~~موت أو غيب أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم فتحدث الكهنة الناس فيجدونه ~~كما قالوا، فلما أمنتهم الكهنة كذبوا لهم وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل ~~كلمة سبعين كلمة فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا ذلك في بني ~~إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها ~~في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من ~~الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحدا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب ~~إلا ضربت عنقه، فلما مات سليمان وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر ~~سليمان، وخلف من بعد ذلك خلف، تمثل الشيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفرا ~~من بني إسرائيل فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا، قالوا: ~~نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، فذهب معهم وأراهم المكان وقام ناحيته، ~~فحفروا فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان ~~يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر ثم ذهب، وفشا في الناس أن سليمان ~~كان ساحرا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد صلى الله عليه ~~وسلم خاصموه بها فذلك حين يقول الله تعالى: { وما كفر سليمان ~~ولكن الشياطين كفروا }. وقال سعيد بن جبير: كان سليمان ~~يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم، فيدفنه تحت كرسيه في ~~بيت خزانته، فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه فدنت إلى الإنس فقالوا لهم: ~~أتدرون ما العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ ~~قالوا: نعم، قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه، فاستخرجوه وعملوا به، ~~فأنزل الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم براءة سليمان عليه ~~السلام، فقال تعالى: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ~~ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا }. # لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نزل عليه من الله (سليمان بن ~~داود) وعده فيمن عد من المرسلين، قال من كان بالمدينة من ms0110 اليهود: ألا ~~تعجبون من محمد؟ يزعم أن ابن داود كان نبيا والله ما كان إلا ساحرا، ~~وأنزل الله: { وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا } الآية. # وروي أنه لما مات سليمان عليه السلام قام إبليس - لعنه الله - خطيبا ~~فقال: يا أيها الناس إن سليمان لم يكن نبيا إنما كان ساحرا فالتمسوا ~~سحره في متاعه وبيوته، ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه، فقالوا: والله ~~لقد كان سليمان ساحرا، هذا سحره بهذا تعبدنا وبهذا قهرنا، فقال ~~المؤمنون: بل كان نبيا مؤمنا. فلما بعث الله النبي محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وذكر داود وسليمان، فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق ~~بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء إنما كان ساحرا يركب الريح، فأنزل ~~الله تعالى: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك ~~سليمان وما كفر سليمان } الآية. فهذه نبذة من أقوال أئمة ~~السلف في هذا المقام. # وقوله تعالى: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ~~ملك سليمان } أي واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من بعد ~~إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما تتلوه الشياطين أي ما ترويه وتخبر به وتحدثه الشياطين على ملك ~~سليمان، وعداه بعلى لأنه تضمن { تتلوا } تكذب، وقال ابن جرير: { ~~على } ههنا بمعنى في، أي تتلو في ملك سليمان، ونقله عن ابن جريج وابن ~~إسحاق (قلت): والتضمن أحسن وأولى، والله أعلم. وقول الحسن البصري رحمه ~~الله: - وكان السحر قبل زمن سليمان - صحيح لا شك فيه، لأن السحرة كانوا ~~في زمان موسى عليه السلام وسليمان بن داود بعده كما قال تعالى: # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى # [البقرة: 246] الآية ثم ذكر القصة بعدها، وفيها: # وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة # [البقرة: 251]. وقال قوم صالح - وهم قبل إبراهيم الخليل عليه السلام - ~~لنبيهم صالح إنما # أنت من المسحرين # [الشعراء: 153] أي المسحورين على المشهور، وقوله تعالى: { ومآ ~~أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ~~فلا تكفر فيتعلمون منهما ms0111 ما يفرقون به بين ~~المرء وزوجه } اختلف الناس في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى أن " ~~ما " نافية أعني التي في قوله: { ومآ أنزل على الملكين }. # قال القرطبي: " ما " نافية ومعطوف على قوله: { وما كفر سليمان ~~} ، ثم قال: { ولكن الشياطين كفروا يعلمون ~~الناس السحر ومآ أنزل على الملكين } ، وذلك أن ~~اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل وميكائيل فأكذبهم الله وجعل قوله: ~~{ هاروت وماروت } بدلا من الشياطين، قال: وصح ذلك إما لأن الجمع ~~يطلق على الاثنين كما في قوله تعالى: # فإن كان له إخوة # [النساء: 11] أو لكونهما لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم لتمردهما. تقدير ~~الكلام عنده: يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، ثم قال: وهذا أولى ~~ما حملت عليه الآية وأصح ولا يلتفت إلى ما سواه، وروى ابن جرير بإسناده ~~من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: { ومآ أنزل على ~~الملكين ببابل } الآية. يقول: لم ينزل الله السحر، وبإسناده عن ~~الربيع بن أنس في قوله: { ومآ أنزل على الملكين } قال: ~~ما أنزل الله عليهما السحر. قال ابن جرير: فتأويل الآية على هذا " ~~واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان " من السحر وما كفر سليمان ولا ~~أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ~~ببابل هاروت وماروت. فيكون قوله: { ببابل هاروت وماروت } من ~~المؤخر الذي معناه المقدم. قال: فإن قال لنا قائل: كيف وجه تقديم ذلك؟ ~~قيل: وجه تقديمه أن يقال: " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان من ~~السحر وما كفر سليمان وما أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر ببابل. هاروت وماروت " فيكون معنيا بالملكين ~~جبريل وميكائيل عليهما السلام، لأن سحرة اليهود فيما ذكرت كانت تزعم أن ~~الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم ~~الله بذلك وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ~~ينزلا بسحر، وبرأ سليمان عليه السلام مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن ~~السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ms0112 ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ~~ذلك رجلان اسم أحدهما (هاروت) واسم الآخر (ماروت) فيكون هاروت وماروت على ~~هذا التأويل ترجمة عن الناس وردا عليهم. ثم شرع ابن جرير في رد هذا ~~القول وإن (ما) بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ~~ملكان أنزلهما الله إلى الأرض وأذن لهما في تعليم السحر اختبارا لعباده ~~وامتحانا بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، ~~وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك لأنهما امتثلا ما أمرا به، ~~وهذا الذي سلكه غريب جدا، وأغرب منه قوله من زعم أن { هاروت ~~وماروت } قبيلان من الجن كما زعمه ابن حزم. # وقد روي في قصة (هاروت) و (ماروت) عن جماعة من التابعين كمجاهد، والسدي، ~~والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل ~~بن حيان، وغيرهم وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، ~~وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع ~~صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، ~~وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد ~~في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال. # وقوله تعالى: { وما يعلمان من أحد حتى يقولا ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر } ، عن الحسن البصري أنه قال في ~~تفسير هذه الآية: نعم أنزل الملكان بالسحر ليعلما الناس البلاء الذي أراد ~~الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهم الميثاق أن لا يعلما أحدا حتى يقولا ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر. وقال قتادة: كان أخذ عليهما أن لا يعلما أحدا ~~حتى يقولا إنما نحن فتنة: أي بلاء ابتلينا به فلا تكفر. وقال ابن جريج في ~~هذه الآية: لا يجترىء على السحر إلا كافر. وأما الفتنة فهي المحنة ~~والاختبار، ومنه قول الشاعر: # وقد فتن الناس في دينهم # وخلى ابن عفان شرا طويلا # وكذلك قوله تعالى إخبارا عن موسى عليه السلام حيث قال: # إن هي إلا فتنتك # [الأعراف: ms0113 155] أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك، وقد استدل بعضهم بهذه ~~الآية على تكفير من تعلم السحر واستشهد له بالحديث الصحيح: # " من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ~~صلى الله عليه وسلم " # ، وقوله تعالى: { فيتعلمون منهما ما يفرقون به ~~بين المرء وزوجه } أي فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم ~~السحر، ما يتصرفون به فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ~~ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف، وهذا من صنيع ~~الشياطين كما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقربهم عنده ~~منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو ~~يقول كذا وكذا، فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئا! ويجيء أحدهم فيقول: ~~ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه ويقول: ~~نعم أنت " # وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر ~~من سوء منظر أو خلق أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة. # وقوله تعالى: { وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن ~~الله } قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله، وقال الحسن البصري: من شاء ~~الله سلطهم عليه ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون من أحد إلا بإذن ~~الله. # وقوله تعالى: { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم } ~~أي يضرهم في دينهم وليس له نفع يوازي ضرره { ولقد علموا لمن ~~اشتراه ما له في الآخرة من خلاق } أي ولقد علم اليهود ~~الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمن فعل ~~فعلهم ذلك، أنه ماله في الآخرة من خلاق، قال ابن عباس: من نصيب، { ~~ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } ~~يقول تعالى: { ولبئس } البديل ما استبدلوا به من السحر عوضا عن ~~الإيمان ومتابعة الرسول، لو كان لهم علم بما وعظوا به { ولو أنهم ~~آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير ms0114 } أي ولو ~~أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم، لكان مثوبة الله على ذلك خيرا ~~لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به كما قال تعالى: # وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله ~~خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاهآ إلا ~~الصابرون # [القصص: 80]. # وقد استدل بقوله: { ولو أنهم آمنوا واتقوا } من ذهب إلى ~~تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف، ~~وقيل: بل لا يكفر ولكن حده ضرب عنقه، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل عن ~~عمرو بن دينار أنه سمع بجالة بن عبدة يقول؛ كتب عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر. وصح أن حفصة أم ~~المؤمنين سحرتها جارية لها فأمرت بها فقتلت، قال الإمام أحمد بن حنبل: صح ~~عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قتل الساحر، وروى الترمذي ~~عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " حد الساحر ضربه بالسيف " # وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين ~~يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان ~~الله يحيي الموتى!! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء ~~مشتملا على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق ~~الساحر، وقال: إن كان صادقا فليحي نفسه، وتلا قوله تعالى: # أفتأتون السحر وأنتم تبصرون # [الأنبياء: 3] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه، والله ~~أعلم. وحمل الشافعي رحمه الله قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركا، والله ~~أعلم. # فصل # حكى الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما ~~كفروا من اعتقد وجوده، وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن ~~يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارا والحمار إنسانا، إلا أنهم قالوا: ~~إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة، ~~فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا، ms0115 خلافا للفلاسفة ~~والمنجمين والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر، وأنه بخلق الله تعالى ~~بقوله تعالى: { وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن ~~الله }. # ومن الأخبار بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر وأن السحر عمل ~~فيه، وبقصة المرأة مع عائشة رضي الله عنها، وما ذكرت من إتيانها بابل ~~وتعلمها السحر. # ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية: (الأول): سحر ~~الكذابين والكشدانيين الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة وهي ~~السيارة وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم وأنها تأتي بالخير والشر وهم ~~الذين بعث الله إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم مبطلا لمقالتهم ~~ورادا لمذهبهم. # (والنوع الثاني): سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدل على أن ~~الوهم له تأثير بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه ~~الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودا على نهر أو نحوه، وما ذاك ~~إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام، وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة ~~بالعين حق لما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين ". # (والنوع الثالث): من السحر: الاستعانة بالأرواح الأرضية وهم الجن خلافا ~~للفلاسفة والمعتزلة وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار وهم الشياطين، قال: ~~واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية لما بينهما ~~من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن ~~الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن ~~والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير. # (النوع الرابع) من السحر: التخيلات، والأخذ بالعيون، والشعبذة، ومبناه ~~على أن البصر قد يخطىء ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى ذا ~~الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه، ~~حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئا آخر عملا ~~بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه ~~جدا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر ms0116 إلى ضد ما يريد أن يعمله، ~~ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما ~~يفعله. # (قلت) وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من ~~باب الشعبذة ولهذا قال تعالى: # فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم ~~وجآءوا بسحر عظيم # [الأعراف: 116]، وقال تعالى: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66] قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر، والله أعلم. # (النوع الخامس) من السحر: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب آلات ~~مركبة على النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من ~~النهار ضرب بالبوق من غير أن يمسه أحد، ومنها الصور التي تصورها الروم ~~والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان حتى يصورونها ضاحكة وباكية ~~إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل، قال: وكان سحر سحرة ~~فرعون من هذا القبيل، (قلت) يعني ما قاله بعض المفسرين: إنهم عمدوا إلى ~~تلك الحبال والعصي فحشوها زئبقا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق ~~فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها، ومن هذا القبيل حيل النصارى على ~~عامتهم بما يرونهم إياه من الأنوار، كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببلد ~~المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك ~~القنديل بصنعة لطيفة تروج على الطعام منهم، وأما الخواص فهم معترفون بذلك ~~ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم فيرون ذلك سائغا لهم. # (النوع السادس) من السحر: الاستعانة بخواص الأدوية في الأطعمة ~~والدهانات، قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن تأثير ~~المغناطيس مشاهد. (قلت) يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر ويتحيل ~~على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيا أنها أحوال له من مخالطة النيران ~~ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات. # (النوع السابع) من السحر: التعليق للقلب، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف ~~الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق ~~أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد ms0117 أنه حق وتعلق قلبه ~~بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخالفة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى ~~الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء. (قلت): هذا النمط يقال ~~له التنبلة وإنما يروج على ضعفاء العقول من بني آدم، وفي علم الفراسة ~~ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان النبيل حاذقا في علم ~~الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره. # (النوع الثامن) من السحر: السعي بالنميمة من وجوه خفيفة لطيفة وذلك شائع ~~في الناس. (قلت): النميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين ~~الناس وتفريق قلوب المؤمنين فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه ~~الإصلاح بين الناس وائتلاف كلمة المسلمين، أو على وجه التخذيل والتفريق ~~بين جموع الكفرة؛ فهذا أمر مطلوب كما جاء في الحديث: # " الحرب خدعة " # ، وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء ذو البصيرة النافذة والله المستعان. # ثم قال الرازي فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه، ~~(قلت): وإنما أدخل كثيرا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة ~~مداركها لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه، ولهذا جاء في ~~الحديث: # " إن من البيان لسحرا " # ، وسمي السحور لكونه يقع خفيا آخر الليل، والسحر: الرئة، وسميت ~~بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن كما قال أبو جهل يوم بدر ~~لعتبة: انتفخ سحره، أي انتفخت رئته من الخوف، وقالت عائشة رضي الله ~~عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري. # وقال القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة، يخلق الله عنده ما يشاء، ~~خلافا للمعتزلة وأبي إسحاق الاسفرايني من الشافعية حيث قالوا: إنه تمويه ~~وتخيل، قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة، ومنه ما يكون كلاما ~~يحفظ ورقى من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية ~~وأدخنة وغير ذلك، قال: وقوله عليه السلام: # " إن من البيان لسحرا " # يحتمل أن يكون مدحا كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذما للبلاغة، ~~قال: وهذا أصح، ms0118 قال: لأنها تصوب الباطل حتى توهم السامع أنه حق، كما قال ~~عليه الصلاة والسلام: # " فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له " # الحديث. # فصل # واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر ~~بذلك، ومن أصحاب أبي حنيفة من قال إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ~~ومن تعلمه معتقدا جوازه أو أنه ينفعه كفر، وكذا من اعتقد أن الشياطين ~~تفعل له ما يشاء فهو كافر، وقال الشافعي رحمه الله: إذا تعلم السحر قلنا ~~له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من ~~التقرب إلى الكواكب السبعة وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان ~~لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر. فأما إن قتل بسحره إنسانا ~~فإنه يقتل عند (مالك والشافعي وأحمد) وقال أبو حنيفة: لا يقتل حتى يتكرر ~~منه ذلك أو يقر بذلك في حق شخص معين، وإذا قتل فإنه يقتل حدا عندهم إلا ~~الشافعي فإنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصا، قال: وهل إذا تاب الساحر ~~تقبل توبته؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهم: لا تقبل، وقال ~~الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى تقبل، وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي ~~حنيفة أنه يقتل كما يقتل الساحر المسلم، وقال مالك وأحمد والشافعي: لا ~~يقتل لقصة (لبيد بن الأعصم)، واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي ~~حنيفة أنها لا تقتل ولكن تحبس، وقال الثلاثة حكمها حكم الرجل والله أعلم. # مسألة # وهل يسأل الساحر حلا لسحره؟ فأجازه سعيد بن المسيب فيما نقله عنه ~~البخاري، وقال الشعبي: لا بأس بالنشرة، وكره ذلك الحسن البصري، وفي ~~الصحيح عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله هلا تنشرت، فقال: " أما الله ~~فقد شفاني وخشيت أن أفتح على الناس شرا ". وحكى القرطبي عن وهب: أنه قال ~~يؤخذ سبع ورقات من سدر، فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء، ويقرأ عليها آية ~~الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به، ~~وهو ms0119 جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته. (قلت): أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ~~ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك وهما المعوذتان، وفي الحديث: # " لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما " # وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان. ### || [2.104-105] # نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، ~~وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من ~~التنقيص - عليهم لعائن الله - فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا، يقولوا ~~(راعنا) ويورون بالرعونة، كما قال تعالى: # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ~~وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين # [النساء: 46]. وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا ~~سلموا إنما يقولون (السام عليكم)، والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد ~~عليهم ب (وعليكم)، والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة ~~الكافرين قولا وفعلا، فقال: { ياأيها الذين آمنوا لا ~~تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين ~~عذاب أليم } وقال صلى الله عليه وسلم: # " من تشبه بقوم فهو منهم " # ، ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار، في ~~أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم ~~تشرع لنا ولا نقر عليها. وروي أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال: اعهد ~~إلي، فقال: إذا سمعت الله يقول: { ياأيها الذين آمنوا } ~~فأرعها سمعك فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه، وقال الأعمش عن خيثمة ما ~~تقرأون في القرآن: { ياأيها الذين آمنوا } فإنه في التوراة: ~~(يا أيها المساكين). قال ابن عباس: (راعنا) أي أرعنا سمعك، وقال الضحاك: ~~كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أرعنا سمعك، قال عطاء: كانت لغة ~~تقولها الأنصار فنهى الله عنها، وقال أبو صخر: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين فيقول: أرعنا ~~سمعك، فأعظم الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقال ذلك له. وقال ~~السدي: كان رجل من اليهود من بني قينقاع يدعى (رفاعة بن زيد) ms0120 يأتي ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك، واسمع غير ~~مسمع، وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس ~~منهم يقولون: اسمع غير مسمع، فنهوا أن يقولوا راعنا، قال ابن جرير: ~~والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم راعنا، لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولوها ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { ما يود الذين ~~كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل ~~عليكم من خير من ربكم } يبين بذلك تعالى شدة عداوة ~~الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، الذين حذر الله تعالى من مشابهتهم ~~للمؤمنين ليقطع المودة بينهم وبينهم، ونبه تعالى على ما أنعم به على ~~المؤمنين، من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيهم محمد صلى الله عليه ~~وسلم حيث يقول تعالى: { والله يختص برحمته من يشآء ~~والله ذو الفضل العظيم }. ### || [2.106-107] # قال ابن عباس رضي الله عنهما: { ما ننسخ من آية } ما نبدل من ~~آية، وقال مجاهد: { ما ننسخ من آية } أي ما نمحو من آية، مثل ~~قوله: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " ، وقوله: " لو كان ~~لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا " ، وقال ابن جرير: { ما ~~ننسخ من آية } ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك ~~أن نحول الحلال حراما، والحرام حلالا، والمباح محظورا، والمحظور ~~مباحا، ولا يكون ذلك إلا في (الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع ~~والإباحة) فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ: من ~~نسخ الكتاب وهو نقله من نسخة أخرى إلى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى ~~غيره، إنما هو تحويله ونقل عبارة إلى غيرها، وسواء نسخ حكمها أو خطها إذ ~~هي في كلتا حالتيها منسوخة، وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد ~~النسخ، والأمر في ذلك قريب. لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء، ~~ولحظ بعضهم أنه: رفع الحكم بدليل شرعي متأخر، فاندرج في ذلك نسخ الأخف ~~بالأثقل وعكسه والنسخ ms0121 لا إلى بدل. وأما تفاصيل أحكام النسخ وذكر أنواعه ~~وشروطه فمبسوطة في أصول الفقه. وقال الطبراني: قرأ رجلان سورة أقرأهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان ~~فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فذكرا ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنها مما نسخ وأنسي فالهوا عنها " # ، فكان الزهري يقرؤها: { ما ننسخ من آية أو ننسها } بضم ~~النون الخفيفة. وقوله تعالى: { أو ننسها } فقرىء على وجهين: { ~~ننسأها } ، { وننسها } ، فأما من قرأها بفتح النون والهمزة بعد ~~السين فمعناه نؤخرها. قال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود { أو ننسأها } نثبت ~~خطها ونبدل حكمها، وقال مجاهد وعطاء: { أو ننسأها } نؤخرها ونرجئها. عن ~~ابن عباس قال: خطبنا عمر رضي الله عنه فقال: يقول الله عز وجل: { ما ~~ننسخ من آية أو ننسها } أي نؤخرها، وأما على قراءة { أو ~~ننسها } فقال قتادة: كان الله عز وجل ينسي نبيه صلى الله عليه وسلم ~~ما يشاء، وينسخ ما يشاء. # وقال ابن جرير عن الحسن في قوله: { أو ننسها } قال: إن نبيكم صلى ~~الله عليه وسلم قرأ قرآنا ثم نسيه، وعن ابن عباس قال: " كان مما ينزل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل وينساه بالنهار " وقال عمر: ~~أقرؤنا أبي، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبي، وذلك أن أبيا ~~يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد قال الله: { ما ننسخ من آية أو ننسها }. وقوله: { ~~نأت بخير منها أو مثلها } أي في الحكم بالنسبة إلى ~~مصلحة المكلفين، كما قال ابن عباس: خير لكم في المنفعة وأرفق بكم. وقال ~~السدي: { نأت بخير منها أو مثلها } نأت بخير من الذي ~~نسخناه أو مثل الذي تركناه. # وقوله: { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير * ~~ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض ~~وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } يرشد عباده ~~تعالى بهذا إلى أنه ms0122 المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر، وهو ~~المتصرف فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء ويشقي من يشاء، ويوفق من ~~يشاء ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء فيحل ما يشاء ويحرم ما ~~يشاء، ويبيح ما يشاء ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب ~~لحكمه، # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء: 23] ويختبر عباده بالنسخ فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة ~~التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى، فالطاعة كل الطاعة في ~~امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما ~~عنه زجروا، وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم ~~لعنهم الله في دعوى إستحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا ~~وكفرا، وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا، قال الإمام أبو ~~جعفر بن جرير رحمه الله: فتأويل الآية: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك ~~السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، ~~وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء وأنسخ وأبدل وأغير من ~~أحكامي التي أحكم بها في عبادي بما أشاء إذ أشاء، وأقر فيهما ما أشاء ثم ~~قال: وهذا الخبر وإن كان خطابا من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود، الذين أنكروا ~~نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ~~لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة، ~~فأخبرهم الله أن له ملك السماوات وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته ~~وطاعته، وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء ونهيهم ~~عما يشاء، ونسخ ما يشاء وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ~~ونهيه. # (قلت): الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر ~~والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله ~~تعالى، لأنه ms0123 يحكم ما يشاء كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في ~~كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ثم حرم ~~ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ثم نسخ ~~حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه وقد حرم ذلك في ~~شريعة التوراة وما بعدها، وأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده ثم نسخه ~~قبل الفعل، وأشياء كثيرة يطول ذكرها وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه. # ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ ردا على اليهود عليهم لعنة الله ~~حيث قال تعالى: { ألم تعلم أن الله على كل شيء ~~قدير * ألم تعلم أن الله له ملك السموت ~~والأرض } الآية فكما أن له الملك بلا منازع فكذلك له الحكم بما يشاء # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54]. # والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ~~ذلك من الحكمة البالغة وكلهم قال بوقوعه، وقال أبو مسلم الأصبهاني ~~المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن، وقوله ضعيف مردود مرذول، وقد ~~تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشر ~~بعد الحول، لم يجب عن ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة عن ~~بيت المقدس لم يجب بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى ~~مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وغير ذلك، والله أعلم. ### || [2.108] # نهى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الأشياء قبل كونها كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن ~~تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل ~~القرآن تبد لكم # [المائدة: 101] أي وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم، ولا ~~تسألوا عن الشيء قبل كونه فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة، ولهذا جاء ~~في الصحيح: # " إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم ms0124 يحرم فحرم من أجل مسألته ~~" # وثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة ~~المال، وكثرة السؤال " # وفي صحيح مسلم: # " ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم. فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء ~~فاجتنبوه " # وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج فقال رجل: أكل ~~عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، ثم قال ~~عليه السلام: # " لا، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم " # ، ثم قال: # " ذروني ما تركتكم " # الحديث. ولهذا قال أنس بن مالك: نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن ~~نسمع. وعن ابن عباس قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن # يسألونك عن الخمر والميسر # [البقرة: 219] و # يسألونك عن الشهر الحرام # [البقرة: 217] # ويسألونك عن اليتامى # [البقرة: 220] يعني هذا وأشباهه. # وقوله تعالى: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما ~~سئل موسى من قبل } أي بل تريدون أو هي على بابها في الاستفهام ~~وهو (إنكاري) وهو يعم المؤمنين والكافرين، كما قال تعالى: # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء # [النساء: 153]. عن ابن عباس قال: قال رافع بن حرملة ووهب بن زيد: يا ~~محمد ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ~~ونصدقك، فأنزل الله من قولهم: { أم تريدون أن تسألوا ~~رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل ~~الكفر بالإيمان فقد ضل سوآء السبيل }. # وقال مجاهد: سألت قريش محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ~~ذهبا، قال: # " نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل " # فأبوا ورجعوا، والمراد أن الله ذم من سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن ~~شيء على وجه التعنت والاقتراح ms0125 كما سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام ~~تعنتا وتكذيبا وعنادا. قال الله تعالى: { ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان } أي ومن يشتر الكفر بالإيمان { فقد ضل سوآء ~~السبيل } أي فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال، وهكذا ~~حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم، إلى مخالفتهم ~~وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت ~~والكفر كما قال تعالى: # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها ~~وبئس القرار # [إبراهيم: 28-29]. ### || [2.109-110] # يحذر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ~~ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد ~~للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح ~~والعفو أو الاحتمال حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح، ويأمرهم بإقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة، ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه كما قال ابن عباس: كان ~~حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود العرب حسدا، إذ خصهم الله ~~برسوله صلى الله عليه وسلم وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما ~~استطاعا، فأنزل الله فيهما: { ود كثير من أهل الكتاب ~~لو يردونكم } الآية. روي أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا ~~وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أنزل الله: { ود كثير ~~من أهل الكتاب لو يردونكم } إلى قوله: { فاعفوا ~~واصفحوا }. قال تعالى: { كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } يقول من بعد ~~ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحود ~~فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة وشرع لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل الله عليهم ~~وما أنزل من قبلهم بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم. وقال الربيع بن ~~أنس { من عند أنفسهم } من قبل أنفسهم، وقال أبو العالية: { ~~من بعد ما تبين لهم الحق } من بعد ما تبين أن محمدا ~~رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في ms0126 التوراة والإنجيل فكفروا به حسدا ~~وبغيا. # قال ابن عباس في قوله: { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي ~~الله بأمره }: نسخ ذلك قوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]، وقوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # [التوبة: 29]، وكذا قال أبو العالية وقتادة والسدي: إنها منسوخة بآية ~~السيف، ويرشد إلى ذلك أيضا قوله تعالى: { حتى يأتي الله ~~بأمره }. # قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما ~~تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } يحثهم ~~تعالى على الاشتغال بما ينفعهم، وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة من إقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة، حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا ويوم ~~يقوم الأشهاد. ولهذا قال تعالى: { إن الله بما تعملون ~~بصير } يعني أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه سواء كان ~~خيرا أو شرا، فإنه سيجازي كل عامل بعمله. وقال ابن جرير في قوله تعالى: ~~{ إن الله بما تعملون بصير } هذا الخبر من الله للذين ~~خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين أنهم مهما فعلوا من خير أو شر، سرا ~~وعلانية فهو به بصير، لا يخفى عليه من شيء فيجزيهم بالإحسان خيرا ~~وبالإساءة مثلها، وهذا الكلام وإن كان قد خرج مخرج الخبر فإن فيه وعدا ~~ووعيدا، وأمرا وزجرا وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ~~ليجدوا في طاعته إذ كان ذلك مذخورا لهم عنده حتى يثيبهم عليه كما قال ~~تعالى: { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله } وليحذروا معصيته. قال وأما قوله: { بصير } فإنه (مبصر) صرف ~~إلى بصير كما صرف (مبدع) إلى بديع و (مؤلم) إلى أليم، والله أعلم. ### || [2.111-113] # يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من ~~اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها فأكذبهم الله ~~تعالى كما تقدم من دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة ثم ~~ينتقلون إلى الجنة، ورد عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى ~~التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة { تلك أمانيهم } قال ms0127 ~~أبو العالية: أماني تمنوها على الله بغير حق، ثم قال تعالى: { قل } أي ~~يا محمد { هاتوا برهانكم } أي حجتكم { إن كنتم صادقين ~~} أي فيما تدعونه. # ثم قال تعالى: { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ~~} أي من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: # فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن # [آل عمران: 20] الآية. وقال سعيد بن جبير: { بلى من أسلم } ~~أخلص { وجهه } قال: دينه { وهو محسن } أي اتبع فيه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما: أن يكون خالصا لله ~~وحده، والآخر أن يكون صوابا موافقا للشريعة، فمتى كان خالصا ولم يكن ~~صوابا لم يتقبل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # ، فعمل الرهبان ومن شابههم - وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله - فإنه لا ~~يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعا للرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث ~~إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]، وقال تعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا # [النور: 39]، وقال تعالى: # وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى نارا ~~حامية * تسقى من عين آنية # [الغاشية: 2-5]. وروي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه تأولها في ~~الرهبان كما سيأتي، وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة ~~ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال ~~المرائين والمنافقين، كما قال تعالى: # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا ~~قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون الناس ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا # [النساء: 142]، وقال تعالى: # فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * ~~الذين هم يرآءون * ويمنعون الماعون # [الماعون: 4-7]، ولهذا قال تعالى: # فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # [الكهف: 110] وقال في هذه الآية الكريمة: { بلى من أسلم ~~وجهه لله وهو ms0128 محسن } ، وقوله: { فله أجره عند ~~ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ضمن لهم تعالى ~~على ذلك تحصيل الأجور وآمنهم مما يخافونه من المحذور { لا خوف ~~عليهم } فيما يستقبلونه، { ولا هم يحزنون } على ما مضى مما ~~يتركونه. # وقوله تعالى: { وقالت اليهود ليست النصارى على ~~شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم ~~يتلون الكتاب } بين به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم ~~وتعاندهم، كما قال محمد بن إسحاق عن ابن عباس: لما قدم أهل نجران من ~~النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتتهم أحبار يهود فتنازعوا ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رافع بن حرملة: ما أنتم على شيء ~~وكفر بعيسى وبالإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم ~~على شيء وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله في ذلك من قولهما: { ~~وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون ~~الكتاب } قال: إن كلا يتلو في كتابه تصديق من كفر به، أن يكفر ~~اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى ~~بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى وما جاء من ~~التوراة من عند الله وكل يكفر بما في يد صاحبه. وهذا القول يقتضي أن كلا ~~من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى، ولكن ظاهر سياق الآية ~~يقتضي ذمهم فيما قالوه مع علمهم بخلاف ذلك، ولهذا قال تعالى: { وهم ~~يتلون الكتاب } أي وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل، كل منهما ~~قد كانت مشروعة في وقت، ولكنهم تجاحدوا فيما بينهم عنادا وكفرا ومقابلة ~~للفاسد بالفاسد. وقوله: { كذلك قال الذين لا يعلمون ~~مثل قولهم } بين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا به من ~~القول وهذا من باب الإيماء والإشارة وقد اختلف فيمن عنى بقوله تعالى: { ~~الذين لا يعلمون } قال ابن جريج: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين ~~لا يعلمون؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل، ~~وقال السدي: { كذلك قال الذين لا يعلمون ms0129 } هم العرب ~~قالوا ليس محمد على شيء، واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامة تصلح للجميع ~~وليس ثم دليل قاطع يعين واحدا من هذه الأقوال والحمل على الجميع ~~أولى، والله أعلم. # وقوله تعالى: { فالله يحكم بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون } أي أنه تعالى يجمع بينهم يوم ~~المعاد ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة، ~~وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله ~~يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل ~~شيء شهيد # [الآية: 17]، وكما قال تعالى: # قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق ~~وهو الفتاح العليم # [سبأ: 26]. ### || [2.114] # اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها ~~على قولين: أحدهما: هم النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون ~~الناس أن يصلوا فيه. قال قتادة: أولئك أعداء الله النصارى حملهم بغض ~~اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس. وقال ~~السدي: كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خربه وأمر أن يطرح ~~فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا ~~يحيى بن زكريا. القول الثاني: ما رواه ابن جرير عن ابن زيد قال: هؤلاء ~~المشركون الذين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ~~وبين أن يدخلوا مكة حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم وقال لهم: # " ما كان أحد يصد عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا ~~يصده " # فقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق. # وفي قوله: { وسعى في خرابهآ } عن ابن عباس أن قريشا منعوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام فأنزل ~~الله: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر ~~فيها اسمه } ، ثم اختار ابن جرير القول الأول واحتج بأن قريشا لم ~~تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت ms0130 المقدس. (قلت): والذي ~~يظهر - والله أعلم - القول الثاني كما قاله ابن زيد فإنه تعالى لما وجه ~~الذم في حق اليهود والنصارى، شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه من مكة ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما ~~اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ ~~أخرجوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واستحوذوا عليها ~~بأصنامهم وأندادهم وشركهم كما قال تعالى: # وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن ~~المسجد الحرام # [الأنفال: 34]. # وقال تعالى: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله # [الفتح: 25] وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط، إنما ~~عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس والشرك. وقوله ~~تعالى: { أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا ~~خآئفين } هذا خبر معناه الطلب أي لا تمكنوا هؤلاء إذا قدرتم عليهم من ~~دخولها إلا تحت الهدنة والجزية، ولهذا لما فتح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادي برحاب منى: # " ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان له ~~أجل فأجله إلى مدته " # ، وقال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على ~~حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلا أن يستولوا ~~عليها ويمنعوا المؤمنين منها. # والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وغيرهم، وقيل: إن ~~هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر ~~المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا ~~خائفا يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم، وقد أنجز الله هذا الوعد ~~كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام، وأوصى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن يجلى اليهود والنصارى ~~منها ولله الحمد والمنة، وما ذاك إلا تشريف ms0131 أكناف المسجد الحرام، وتطهير ~~البقعة التي بعث الله فيها رسوله إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا صلوات ~~الله وسلامه عليه، وهذا هو الخزي لهم في الدنيا لأن الجزاء من جنس العمل، ~~فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام صدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة ~~أجلوا عنها { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } على ما انتهكوا ~~من حرمة البيت، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله عنده، ~~والطواف به عريا وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله، وأما من ~~فسر بيت المقدس فقال: (كعب الأحبار) إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس ~~خربوه، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنزل عليه: { ومن ~~أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ~~وسعى في خرابهآ أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ ~~إلا خآئفين } الآية فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا ~~خائفا، وقال قتادة: لا يدخلون المساجد إلا مسارقة. ### || [2.115] # وهذا والله أعلم فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين ~~أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومصلاهم وقد كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه، فلما قدم المدينة وجه ~~إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ثم صرفه الله إلى الكعبة ~~بعد، ولهذا يقول تعالى: { ولله المشرق والمغرب ~~فأينما تولوا فثم وجه الله }. قال علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة. وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أهلها اليهود أمره الله أن ~~يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم، ~~وكان يدعو وينظر إلى السماء فأنزل الله: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء # [البقرة: 144] إلى قوله: # فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144]. فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: # ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها # [البقرة: 142]. فأنزل الله # قل ms0132 لله المشرق والمغرب # [البقرة: 142]، وقال: { فأينما تولوا فثم وجه الله ~~} وقال عكرمة: عن ابن عباس { فأينما تولوا فثم وجه ~~الله } قال: قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا، وقال مجاهد { ~~فأينما تولوا فثم وجه الله }: حيثما كنتم فلكم قبلة ~~تستقبلونها الكعبة. وقال ابن جرير: وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية ~~قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها ليعلم نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق ~~والمغرب، لأنهم لا يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية إلا كان جل ثناؤه ~~في ذلك الوجه وتلك الناحية، لأن له تعالى المشارق والمغارب وأنه لا يخلو ~~منه مكان كما قال تعالى: # ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ~~ما كانوا # [المجادلة: 7] قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى ~~المسجد الحرام هكذا قال، وفي قوله: وأنه تعالى لا يخلو منه مكان؛ إن أراد ~~علمه تعالى فصحيح، فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته ~~تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذنا ~~من الله أن يصلي (المتطوع) حيث توجه من شرق أو غرب في سفره لما روي عن ~~ابن عمر أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يفعل ذلك ويتأول هذه الآية: { فأينما تولوا ~~فثم وجه الله }. # وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قوم عميت عليهم القبلة فلم يعرفوا ~~شطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة، فقال الله تعالى: لي المشارق والمغارب، ~~فأين وليتم وجوهكم فهناك وجهي وهو قبلتكم فيعلمكم بذلك أن صلاتكم ماضية، ~~لما روي عن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلا فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل ~~مسجدا يصلي فيه، فلما أن أصبحنا إذا نحن قد ms0133 صلينا إلى غير القبلة، ~~فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة فأنزل الله تعالى: ~~{ ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم ~~وجه الله } الآية. # عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فأخذتهم ضبابة ~~فلم يهتدوا إلى القبلة فصلوا لغير القبلة ثم استبان لهم بعد ما طلعت ~~الشمس أنهم صلوا لغير القبلة، فلما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حدثوه فأنزل الله تعالى هذه الآية: { ولله المشرق ~~والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله }. # قال ابن جرير: ويحتمل فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي ~~أستجيب لكم دعاءكم. قال مجاهد: لما نزلت # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] قالوا: إلى أين؟ فنزلت { فأينما تولوا فثم ~~وجه الله }. ومعنى قوله: { إن الله واسع عليم } يسع ~~خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال، وأما قوله: { عليم } فإنه يعني ~~عليم بأعمالهم ما يغيب عنه منها شيء، ولا يعزب عن علمه بل هو بجميعها ~~عليم. ### || [2.116-117] # اشتملت هذه الآية الكريمة والتي تليها على الرد على النصارى عليهم لعائن ~~الله وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب ممن جعل الملائكة بنات ~~الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم إن لله ولدا فقال تعالى: { ~~سبحانه } أي تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا: { بل له ~~ما في السموت والأرض } أي ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ~~ملك السماوات والأرض ومن فيهن، وهو المتصرف فيهم وهو خالقهم ورازقهم، ~~ومقدرهم ومسخرهم ومسيرهم ومصرفهم كما يشاء، والجميع عبيد له وملك له، ~~فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون متولدا من شيئين متناسبين، وهو ~~تبارك وتعالى ليس له نظير ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له فكيف ~~يكون له ولد؟ كما قال تعالى: # بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم # [الأنعام: 101]، وقال تعالى: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا # [مريم: 88-89]، وقال تعالى: # قل هو الله أحد * الله الصمد * لم ms0134 يلد ولم ~~يولد * ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 1-4]، فقرر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم ~~الذي لا نظير له ولا شبيه له، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة، ~~فكيف يكون له منها ولد؟ ولهذا قال البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، ~~فأما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي ~~فقوله إن لي ولدا، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا " # وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ~~ويعافيهم ". # وقوله: { كل له قانتون } مقرون له بالعبودية. وقال السدي: أي ~~مطيعون يوم القيامة، وقال مجاهد: { كل له قانتون } مطيعون. ~~قال: طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره، وهذا القول - وهو اختيار ابن ~~جرير - يجمع الأقوال كلها، وهو أن القنوت الطاعة والاستكانة إلى الله وهو ~~شرعي وقدري كما قال تعالى: # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد: 15]. # وقوله تعالى: { بديع السموت والأرض } أي خالقهما على غير ~~مثال سبق وهو مقتضى اللغة، ومنه يقال للشيء المحدث بدعة كما جاء في صحيح ~~مسلم # " فإن كل محدثة بدعة " # والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة شرعية، كقوله: # " فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " # ، وتارة تكون بدعة لغوية كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه ~~إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: " نعمت البدعة هذه ". # وقال ابن جرير: { بديع السموت والأرض } مبدعهما وإنما هو ~~(مفعل) فصرف إلى فعيل كما صرف المؤلم إلى الأليم، ومعنى المبدع ~~المنشىء والمحدث ما لا يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد. قال: ولذلك سمي ~~المبتدع في الدين مبتدعا لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره. # قال ابن جرير: فمعنى الكلام: سبحان الله أن يكون له ولد وهو مالك ما في ~~السماوات ms0135 والأرض، تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له ~~بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه، ~~وهذا إعلام من الله لعباده أن ممن يشهد له بذلك (المسيح) الذي أضافوا ~~إلى الله بنوته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السماوات والأرض من غير ~~أصل وعلى غير مثال، هو الذي ابتدع المسيح عيسى من غير والد بقدرته، وهذا ~~من ابن جرير رحمه الله كلام جيد وعبارة صحيحة. # وقوله تعالى: { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون } يبين بذلك كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدر أمرا ~~وأراد كونه فإنما يقول له: { كن } أي مرة واحدة { فيكون } أي فيوجد ~~على وفق ما أراد، كما قال تعالى: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]، وقال تعالى: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: 40]، وقال تعالى: # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر: 50]، وقال الشاعر: # إذا ما أراد الله أمرا فإنما # يقول له كن قولة فيكون ### || [2.118] # قال ابن عباس: قال رافع بن حرملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ~~محمد إن كنت رسولا من الله كما تقول، فقل لله فيكلمنا حتى نسمع كلامه. ~~فأنزل الله في ذلك من قوله: { وقال الذين لا يعلمون لولا ~~يكلمنا الله أو تأتينآ آية } وقال مجاهد: النصارى ~~تقوله، وقال قتادة والسدي: هذا قول كفار العرب، { كذلك قال ~~الذين من قبلهم مثل قولهم } قال: هم اليهود والنصارى، ~~ويؤيد هذا القول وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب قوله تعالى: # وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى ~~مثل مآ أوتي رسل الله # [الأنعام: 124] الآية، وقوله تعالى: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # [الإسراء: 90] إلى قوله: # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 93]، وقوله تعالى: # وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا # [الفرقان: 21] الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب ~~وعتوهم وعنادهم ms0136 وسؤالهم ما لا حاجة لهم به إنما هو الكفر والمعاندة كما ~~قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم. # وقوله تعالى: { تشابهت قلوبهم } أي أشبهت قلوب مشركي العرب ~~قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو كما قال تعالى: # كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به # [الذاريات: 52-53] الآية. وقوله تعالى: { قد بينا الآيات ~~لقوم يوقنون } أي قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج ~~معها إلى سؤال آخر، وزيادة أخرى لمن أيقن وصدق واتبع الرسل وفهم ما ~~جاءوا به عن الله تبارك وتعالى، وأما من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل ~~على بصره غشاوة فأولئك قال الله فيهم: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 96-97]. ### || [2.119] # عن ابن عباس قال: " بشيرا بالجنة ونذيرا من النار " ، وقوله: { ولا ~~تسأل عن أصحاب الجحيم } قراءة أكثرهم { ولا تسأل } بضم ~~التاء على الخبر، وفي قراءة ابن مسعود { ولن تسأل } عن أصحاب الجحيم ~~أي لا نسألك عن كفر من كفر بك، كقوله: # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40]. # عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن ~~صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال: أجل والله إنه لموصوف ~~في التوراة بصفته في القرآن: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ، ~~ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر ولن ~~يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، فيفتح به ~~أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا). ### || [2.120-121] # قال ابن جرير: يعني بقوله جل ثناؤه: { ولن ترضى عنك ~~اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } وليست ~~اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدا، فدع طلب ما يرضيهم ~~ويوافقهم وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما ms0137 بعثك الله به من الحق. ~~وقوله تعالى: { قل إن هدى الله هو الهدى } أي قل يا محمد ~~إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى، يعني هو الدين المستقيم الصحيح ~~الكامل الشامل. { ولئن اتبعت أهوآءهم بعد الذي ~~جآءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ~~} فيه تهديد ووعيد شديد للأمة في اتباع طرائق اليهود والنصارى، بعدما ~~علموا من القرآن والسنة - عياذا بالله من ذلك - فإن الخطاب مع الرسول ~~والأمر لأمته، وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله: { حتى تتبع ~~ملتهم } حيث أفرد الملة على أن الكفر كله ملة واحدة كقوله تعالى: # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 6]، فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار، وكل منهم يرث ~~قرينه سواء كان من أهل دينه أم لا لأنهم كلهم ملة واحدة. # وقوله: { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق ~~تلاوته } ، قال قتادة: هم اليهود والنصارى واختاره ابن جرير، وقال ~~سعيد عن قتادة: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن مسعود: ~~والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما ~~أنزله الله ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئا على غير ~~تأويله، وقال الحسن البصري: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ويكلون ما ~~أشكل عليهم إلى عالمه. وقال سفيان الثوري عن عبد الله بن مسعود في قوله: ~~{ يتلونه حق تلاوته } يتبعونه حق اتباعه. وقال أبو موسى ~~الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة، وعن عمر بن الخطاب: هم ~~الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا ~~منها. قال: وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ~~مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب تعوذ. # وقوله: { أولئك يؤمنون به } خبر، أي من أقام كتابه من أهل ~~الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته آمن بما أرسلتك به يا ~~محمد كما قال تعالى: # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن ms0138 تحت ~~أرجلهم # [المائدة: 66] الآية. وقال: # قل يأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا ~~التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليكم من ربكم # [المائدة: 68]، أي إذا أقمتموها حق الإقامة، وآمنتم بها حق الإيمان، ~~وصدقتم ما فيها من الأخبار بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته، ~~والأمر باتباعه ونصره ومؤازرته، قادكم ذلك إلى الحق واتباع الخير في ~~الدنيا والآخرة كما قال تعالى: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل # [الأعراف: 157] الآية. وقال تعالى: # الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * ~~وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق ~~من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك ~~يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن ~~بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون # [القصص: 52-54]. # وقال تعالى: # وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ~~فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما ~~عليك البلاغ والله بصير بالعباد # [آل عمران: 20]، ولهذا قال تعالى: { ومن يكفر به فأولئك ~~هم الخاسرون } ، كما قال تعالى: # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده # [هود: 17]. # وفي الصحيح: # " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا ~~يؤمن بي إلا دخل النار ". ### || [2.122-123] # قد تقدم نظير هذه الآية في صدر السورة. # وكررت ههنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون ~~صفته في كتبهم ونعته واسمه وأمره وأمته فحذرهم من كتمان هذا، وكتمان ما ~~أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم من النعم الدنيوية ~~والدينية، ولا يحسدوا بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال ~~الرسول الخاتم منهم، ولا يحملهم ذلك الحسد على مخالفته وتكذيبه والحيد عن ~~موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. ### || [2.124] # يقول تعالى منبها على شرف إبراهيم خليله عليه السلام، وأن الله تعالى ~~جعله إماما للناس يقتدى به في التوحيد، حين قام بما كلفه به من الأوامر ~~والنواهي، ولهذا قال: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه ~~بكلمات } أي واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذي ~~ينتحلون ms0139 ملة إبراهيم وليسوا عليها... واذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم ~~أي اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي { فأتمهن } أي ~~قام بهن كلهن كما قالت تعالى # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37] أي وفي جميع ما شرع له فعمل به صلوات الله عليه. وقال ~~تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يك من المشركين * شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه ~~إلى صراط مستقيم # [النحل: 120-121] وقال تعالى: # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين * إن أولى ~~الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ~~والذين آمنوا والله ولي المؤمنين # [آل عمران: 67-68]. # وقوله تعالى: { بكلمات } أي بشرائع وأوامر ونواه، { فأتمهن ~~} أي قام بهن، قال: { إني جاعلك للناس إماما } أي جزاء على ~~ما فعل كما قام بالأوامر وترك الزواجر جعله الله للناس قدوة وإماما ~~يقتدى به ويحتذى حذوه. # وقد اختلف في تعيين الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل عليه ~~السلام، فروي عن ابن عباس قال: ابتلاه الله بالمناسك، وروي عنه قال: ~~ابتلاه بالطهارة خمس في الرأس، وخمس في الجسد، في الرأس: قص الشارب ~~والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظفار وحلق ~~العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء. وفي الصحيحين ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الفطرة خمس: الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط ~~". # وقال عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله ~~إلا إبراهيم، قال الله تعالى: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه ~~بكلمات فأتمهن } ، قلت له: وما الكلمات التي ابتلى الله ~~إبراهيم بهن فأتمهن؟ قال: الإسلام ثلاثون سهما منها عشر آيات في براءة: # التائبون العابدون # [الآية: 112] إلى آخر الآية، وعشر آيات في أول سورة # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] وعشر آيات في الأحزاب: # إن المسلمين والمسلمات # [الآية: 35] إلى آخر الآية فأتمهن كلهن فكتبت له براءة. # قال الله تعالى: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37]. وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: الكلمات التي ms0140 ابتلى ~~الله بهن إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته ~~نمروذ في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه، ~~وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم، ~~والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم، وما أمر ~~به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين ~~أمره بذبحه، فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء قال الله له: # أسلم قال أسلمت لرب العالمين # [البقرة: 131] على ما كان من خلاف الناس وفراقهم. وقال ابن جرير: كان ~~الحسن يقول: إي والله، لقد ابتلاه بأمر فصبر عليه، ابتلاه بالكوكب والشمس ~~والقمر فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا وما كان من المشركين، ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من ~~بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل ~~الهجرة فصبر على ذلك، وابتلاه بذبح ابنه، والختان، فصبر على ذلك. وعن ~~الربيع بن أنس قال: الكلمات { إني جاعلك للناس إماما } ، ~~وقوله: # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا # [البقرة: 125]، وقوله: # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى # [البقرة: 125]، وقوله: # وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل # [البقرة: 125] الآية، وقوله: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل # [البقرة: 127] الآية. قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم. ~~وفي الموطأ وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم ~~عليه السلام أول من اختتن، وأول من ضاف الضيف، وأول من قلم أظفاره، وأول ~~من قص الشارب، وأول من شاب. فلما رأى الشيب قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال: ~~يا رب زدني وقارا. # قال أبو جعفر بن جرير ما حاصله: إنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ~~ما ذكر، وجاز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على ~~التعيين إلا بحديث أو إجماع. قال: ولم يصح في ذلك خبر ms0141 بنقل الواحد ولا ~~بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له. # ولما جعل الله إبراهيم إماما سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته ~~فأجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون وأنه لا ينالهم عهد ~~الله، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم { قال ومن ذريتي قال ~~لا ينال عهدي الظالمين } ، والدليل على أنه أجيب إلى طلبته ~~قوله تعالى في سورة العنكبوت: # وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب # [الآية: 27] فكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ~~ذريته صلوات الله وسلامه عليه، وأما قوله تعالى: { قال لا ينال ~~عهدي الظالمين } فقد اختلفوا في ذلك، فقال مجاهد: لا يكون إمام ~~ظالم يقتدى به. وعنه قال: أما من كان منهم صالحا فاجعله إماما يقتدى ~~به، وأما من كان ظالما فلا ولا نعمة عين. وعن ابن عباس قال، قال الله ~~لإبراهيم: إني جاعلك للناس إماما، قال: ومن ذريتي، فأبى أن يفعل، ثم ~~قال: { لا ينال عهدي الظالمين }. وروي عن قتادة في قوله: { ~~لا ينال عهدي الظالمين } قال: لا ينال عهد الله في الآخرة ~~الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به وأكل وعاش. # وقال الربيع بن أنس: عهد الله الذي عهد إلى عباده دينه، يقول: لا ينال ~~دينه الظالمين ألا ترى أنه قال: # وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما ~~محسن وظالم لنفسه مبين # [الصافات: 113] يقول ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: { لا ينال عهدي الظالمين } قال: # " لا طاعة إلا في المعروف " # وقال السدي { لا ينال عهدي الظالمين }: يقول عهدي نبوتي. ~~فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير. وقال ابن ~~خويز منداد: الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكما ولا مفتيا ولا ~~شاهدا ولا راويا. ### || [2.125-128] # { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ~~واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى... }. # عن ابن عباس { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس } قال: ~~يثوبون إليه ثم يرجعون. وحدث عبدة بن أبي لبابة قال: لا ms0142 ينصرف عنه منصرف ~~وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا. قال الشاعر: # جعل البيت مثابا لهم # ليس منه الدهر يقضون الوطر # وقال سعيد بن جبير في الرواية الأخرى وعكرمة وقتادة { مثابة ~~للناس }: أي مجمعا { وأمنا } أي أمنا للناس، وقد كانوا في ~~الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يسبون. # ومضمون هذه الآية أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفا به ~~شرعا وقدرا من كونه مثابة للناس، أي جعله محلا تشتاق إليه الأرواح ~~وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرا ولو ترددت إليه كل عام، استجابة من الله ~~تعالى لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام، في قوله: # فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم # [إبراهيم: 37] إلى أن قال: # ربنا وتقبل دعآء # [إبراهيم: 40]، ويصفه تعالى بأنه جعله أمنا من دخله أمن، ولو كان قد ~~فعل ما فعل ثم دخله كان آمنا. فقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه ~~فلا يعرض له. وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولا وهو خليل الرحمن كما ~~قال تعالى: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك ~~بي شيئا # [الحج: 26]. # وقال تعالى: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام ~~إبراهيم ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 96-97]. وفي هذه الآية الكريمة نبه على مقام إبراهيم مع ~~الأمر بالصلاة عنده، فقال: { واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى }. وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو؟ فقال مجاهد عن ~~ابن عباس: مقام إبراهيم الحرم كله، وقيل: مقام إبراهيم الحج كله (منى ~~ورمي الجمار والطواف بين الصفا والمروة)، وقال سفيان الثوري عن سعيد بن ~~جبير: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } قال: الحجر ~~مقام إبراهيم نبي الله قد جعله الله رحمة فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل ~~الحجارة، وقال السدي: المقام الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم ~~إبراهيم حتى غسلت رأسه. عن جعفر بن محمد عن أبيه: سمع جابرا يحدث عن ~~حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما طاف النبي صلى الله ms0143 عليه وسلم قال ~~له عمر: هذا مقام أبينا؟ قال: " نعم " ، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل ~~الله عز وجل: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى }. ~~وقال البخاري: باب قوله: { واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى } مثابة يثوبون: يرجعون. قال عمر بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث ~~أو وافقني ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم ~~مصلى، فنزلت: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ، ~~وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين ~~بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. # قال: وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهن ~~فقلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه ~~قالت: يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت، فأنزل الله: # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن مسلمات # [التحريم: 5] الآية. # وقال أنس: قال عمر رضي الله عنه: وافقت ربي عز وجل في ثلاث، قلت: يا ~~رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: { واتخذوا من ~~مقام إبراهيم مصلى } ، وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل ~~عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب. واجتمع على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن: عسى ربه إن ~~طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك. ورواه الإمام مسلم بن حجاج ~~في صحيحه بسند آخر ولفظ آخر عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: وافقت ربي في ~~ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم. # وروى ابن جريج عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة ~~أشواط ومشى أربعا حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ~~ثم قرأ: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } وقال ابن ~~جرير عن جابر قال: استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن فرمل ثلاثا ~~ومشى أربعا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: { واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى } فجعل المقام بينه ms0144 وبين البيت فصلى ركعتين، وهذا ~~قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه. فهذا كله مما يدل على أن ~~المراد بالمقام إنما هو الحجر، الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه ~~لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل عليه السلام به ليقوم فوقه، ~~ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، وكلما كمل ناحية انتقل إلى ~~الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه كلما فرغ من جدار نقله ~~إلى الناحية التي تليها وهكذا حتى تم جدران الكعبة كما سيأتي بيانه في ~~قصة إبراهيم وإسماعيل وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفا ~~تعرفه العرب في جاهليتها، ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة ~~اللامية: # وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة # على قدميه حافيا غير ناعل # وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما ومكانه معروف اليوم إلى ~~جانب الباب، مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب، في البقعة المستقلة ~~هناك، وكان الخليل عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار ~~الكعبة، أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك، ولهذا - والله أعلم - أمر ~~بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث ~~انتهى بناء الكعبة فيه وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين، الذين ~~أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " # ، وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده ولهذا لم ينكر ذلك أحد من ~~الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. # عن عائشة رضي الله عنها أن المقام كان زمان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وزمان أبي بكر رضي الله عنه ملتصقا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه. وعن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله لو صلينا ~~خلف المقام، فأنزل { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ~~فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله صلى الله ms0145 عليه وسلم إلى موضعه ~~هذا. وهو مخالف لما تقدم أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضاد هذا بما ~~تقدم، والله أعلم. # {... وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا ~~بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود * ~~وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا ~~وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم ~~أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير * وإذ ~~يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ~~ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم * ~~ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينآ إنك ~~أنت التواب الرحيم }. # قال الحسن البصري: قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم ~~وإسماعيل }: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنجس، ولا يصيبه من ~~ذلك شيء. وقال ابن جريج قلت لعطاء ما عهده؟ قال أمره. والظاهر أن هذا ~~الحرف إنما عدي بإلى لأنه في معنى أوحينا، قوله: { أن طهرا ~~بيتي للطائفين والعاكفين } أي من الأوثان والرفث وقول ~~الزور والرجس. قال مجاهد وعطاء وقتادة: { أن طهرا بيتي } أي بلا ~~إله إلا الله من الشرك، وأما قوله تعالى: { للطائفين } فالطواف ~~بالبيت معروف، وعن سعيد بن جبير أنه قال: { للطائفين } يعني من ~~أتاه من غربة { والعاكفين } المقيمين فيه. وهكذا روي عن قتادة ~~والربيع بن أنس أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه. وعن ابن ~~عباس قال: إذا كان جالسا فهو من العاكفين، وعن ثابت قال: قلنا لعبد الله ~~بن عبيد بن عمير ما أراني إلا مكلم الأمير أن امنع الذين ينامون في ~~المسجد الحرام فإنهم يجنبون ويحدثون قال: لا تفعل فإن ابن عمر سئل عنهم ~~فقال: هم العاكفون. # (قلت): وقد ثبت في الصحيح أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وهو عزب، وأما قوله تعالى: { والركع السجود } فقال ~~عطاء عن ابن عباس إذا كان مصليا فهو من الركع السجود. # قال ابن جرير رحمه الله فمعنى الآية: ms0146 وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير ~~بيتي للطائفين، والتطهير الذي أمرهما به في البيت هو تطهيره من الأصنام ~~وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك، فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند ~~البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ فالجواب من وجهين: (أحدهما): أنه ~~أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زمان قوم نوح من الأصنام والأوثان، ~~ليكون ذلك سنة لمن بعدهما إذ كان الله تعالى قد جعل إبراهيم إماما يقتدى ~~به. (قلت): وهذا الجواب مفرع على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم ~~عليه السلام، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد صلى الله عليه ~~وسلم. (الثاني): أنه أمرهما أن يخلصا في بنائه لله وحده لا شريك له ~~فيبنياه مطهرا من الشرك والريب، كما قال جل ثناؤه: # أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ~~خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار # [التوبة: 109] قال فكذلك قوله: { وعهدنآ إلى إبراهيم ~~وإسماعيل أن طهرا بيتي } أي ابنياه على طهر من الشرك بي ~~والريب، وملخص هذا الجواب أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل عليهما ~~السلام أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له، للطائفين به والعاكفين ~~عنده والمصلين إليه من الركع السجود كما قال تعالى: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك ~~بي شيئا وطهر بيتي للطآئفين والقآئمين ~~والركع السجود # [الحج: 26] الآيات. # وقد اختلف الفقهاء أيما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟ فقال ~~مالك رحمه الله: الطواف به لأهل الأمصار أفضل، وقال الجمهور: الصلاة أفضل ~~مطلقا، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام، والمراد من ذلك الرد على ~~المشركين، الذين كانوا يشركون بالله عند بيته، المؤسس على عبادته وحده لا ~~شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه كما قال تعالى: # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ~~والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سوآء ~~العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ~~نذقه من عذاب أليم # [الحج: 25]، ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا ms0147 شريك له، ~~إما بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة (قيامها وركوعها ~~وسجودها) ولم يذكر العاكفين لأنه تقدم # سوآء العاكف فيه والباد # [الحج: 25]، وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واكتفى بذكر ~~الركوع والسجود عن القيام، لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا ~~بعد قيام، وفي ذلك أيضا رد على من لا يحجه من أهل الكتابين (اليهود ~~والنصارى) لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وإسماعيل ويعلمون أنه بنى ~~هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وهم لا يفعلون شيئا من ذلك، فكيف ~~يكونون مقتدين بالخليل وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟ وقد حج البيت موسى ~~بن عمران وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما أخبر بذلك المعصوم ~~الذي لا ينطق عن الهوى # إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 4]. # وتقدير الكلام إذن: { وعهدنآ إلى إبراهيم } أي تقدمنا ~~بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل { أن طهرا بيتي للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود } أي طهراه من الشرك والريب ~~وابنياه خالصا لله معقلا للطائفين والعاكفين والركع السجود. وتطهير ~~المساجد مأخوذ من هذه الآية الكريمة ومن قوله تعالى: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال # [النور: 36]، ومن السنة من أحاديث كثيرة من الأمر بتطهيرها وتطييبها ~~وغير ذلك من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك. ولهذا قال عليه ~~السلام: " إنما بنيت المساجد لما بنيت له " ، وقد جمعت في ذلك جزءا على ~~حدة ولله الحمد والمنة. وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة؟ فقيل: ~~الملائكة قبل آدم ذكره القرطبي وحكى لفظه وفيه غرابة، وقيل آدم عليه ~~السلام رواه عطاء وسعيد بن المسيب وهذا غريب أيضا. وروي عن ابن عباس ~~وكعب الأحبار أن أول من بناه شيث عليه السلام، وغالب من يذكر هذا إنما ~~يأخذه من كتب أهل الكتاب وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها ~~بمجردها. وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين. # وقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا ~~بلدا آمنا ms0148 وارزق أهله من الثمرات من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر } قال ابن جرير عن جابر بن عبد ~~الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه، وإني حرمت المدينة ما بين ~~لابتيها، فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها " # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، ~~وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ~~ونبيك وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه " # ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة: # " التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني " # ، فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كلما نزل. # وقال في الحديث: ثم أقبل حتى إذا بدا له أحد قال: # " هذا جبل يحبنا ونحبه " # ، فلما أشرف على المدينة قال: # " اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك ~~لهم في مدهم وصاعهم " # ، وفي لفظ لهما: # " اللهم بارك لهم في مكيالهم وبارك لهم في مدهم " # زاد البخاري يعني: أهل المدينة. وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلته بمكة من البركة " # وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما، وإني حرمت المدينة حراما ما ~~بين مأزميها، أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط ~~فيها شجرة إلا لعلف، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في ~~صاعنا، اللهم بارك لنا في مدنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين " # ، والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة ms0149 وإنما أوردنا منها ما هو متعلق ~~بتحريم إبراهيم عليه السلام لمكة لما في ذلك من مطابقة الآية الكريمة، ~~وتمسك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل. ~~وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض، وهذا أظهر وأقوى والله أعلم. # وقد وردت أحاديث أخر تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السماوات ~~والأرض كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: # " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله ~~إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة ~~من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر ~~صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها " # ، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: # " إلا الإذخر " # وعن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد - وهو يبعث البعوث إلى مكة - ~~ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم ~~به، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: # " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن ~~لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها ~~بالأمس، ليبلغ الشاهد الغائب " # ، فقيل لأبي شريح ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، ~~إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة. # فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث، الدالة على أن الله حرم مكة ~~يوم خلق السماوات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على ms0150 أن إبراهيم عليه ~~السلام حرمها، لأن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها، وتحريمه إياها وأنها ~~لم تزل بلدا حراما عند الله قبل بناء إبراهيم عليه السلام لها، كما أنه ~~قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوبا عند الله خاتم النبيين وإن ~~آدم لمنجدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم عليه السلام: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم # [البقرة: 129] وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره. # وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة كما هو قول الجمهور، أو المدينة على ~~مكة كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها إن شاء الله ~~وبه الثقة. وقوله تعالى إخبارا عن الخليل: { رب اجعل هذا ~~بلدا آمنا } أي من الخوف أي لا يرعب أهله، وقد فعل الله ذلك شرعا ~~وقدرا، كقوله تعالى: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97]، وقوله: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67] إلى غير ذلك من الآيات وقد تقدمت الأحاديث في تحريم ~~القتال فيه، وفي صحيح مسلم عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح " # ، وقال في هذه السورة: { رب اجعل هذا بلدا آمنا } أي ~~اجعل هذه البقعة بلدا آمنا وناسب هذا لأنه قبل بناء الكعبة، وقال تعالى ~~في سورة إبراهيم: # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا # [الآية: 35] وناسب هذا هناك لأنه - والله أعلم - كأنه وقع دعاء مرة ~~ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر ~~سنا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة، ولهذا قال في آخر الدعاء: # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق إن ربي لسميع الدعآء # [إبراهيم: 39]. # وقوله تعالى: { وارزق أهله من الثمرات من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر ~~فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار ~~وبئس المصير }. قال أبو جعفر الرازي عن أبي بن كعب { قال ~~ومن كفر } الآية هو قول الله تعالى. وهذا قول مجاهد وعكرمة وهو ms0151 الذي ~~صوبه ابن جرير رحمه الله، قال: وقرأ آخرون: { قال ومن كفر ~~فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار ~~وبئس المصير } فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم. قال ابن عباس: " ~~كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ومن كفر أيضا ~~أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقا لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلا ثم ~~اضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير " ثم قرأ ابن عباس: # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك وما ~~كان عطآء ربك محظورا # [الإسراء: 20]، وهذا كقوله تعالى: # إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * ~~متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم ~~العذاب الشديد بما كانوا يكفرون # [يونس: 69-70]، وكقوله تعالى: # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # [لقمان: 24]، وقوله: { ثم أضطره إلى عذاب النار ~~وبئس المصير } أي ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا، وبسطنا عليه من ~~ظلها { إلى عذاب النار وبئس المصير } ومعناه أن الله ~~تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر كقوله تعالى: # وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم ~~أخذتها وإلي المصير # [الحج: 48] وفي الصحيح: # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # ، ثم قرأ قوله تعالى: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]. # وأما قوله تعالى: { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من ~~البيت وإسماعيل ربنا تقبل منآ إنك أنت ~~السميع العليم } فالقواعد جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول ~~تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام البيت، ~~ورفعهما القواعد منه وهما يقولان: { ربنا تقبل منآ إنك ~~أنت السميع العليم } فهما في عمل صالح وهما يسألان الله تعالى ~~أن يتقبل منهما، وقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو ~~إبراهيم، والداعي إسماعيل، والصحيح أنهما كانا يرفعان ويقولان كما سيأتي ~~بيانه. وقد روى البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا لتعفي ~~أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبإبنها ms0152 إسماعيل وهي ترضعه حتى ~~وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ ~~أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء ~~فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم ~~أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك ~~مرارا وجعل لا يلتف إليها، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا ~~لا يضيعنا، ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ~~استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه فقال: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم # [إبراهيم: 37] حتى بلغ # يشكرون # [إبراهيم: 37]. # وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في ~~السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال يتلبط - ~~فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، ~~فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا، فهبطت من ~~الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود ~~حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا، فلم تر ~~أحدا ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " فلذلك سعى الناس بينهما " # ، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: " صه " - تريد نفسها - ثم ~~تسمعت فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك ~~عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه ~~وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف، ~~قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال لو لم تغرف من الماء - ~~لكانت زمزم عينا معينا ". # قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا ~~بيتا لله يبنيه هذا الغلام ms0153 وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت ~~مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت ~~كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، ~~فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور ~~على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جريين فإذا ~~هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند ~~الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حق لكم في ~~الماء عندنا، قالوا: نعم، قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " فألقى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس " # ، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات ~~منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما ~~أدرك زوجوه امرأة منهم. # وماتت (أم إسماعيل) فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم ~~يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم ~~وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة فشكت إليه، قال: إذا جاء زوجك ~~فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه ~~أنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا ~~عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أننا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك ~~بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول غير عتبة بابك، قال: ~~ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك، وطلقها وتزوج منهم بأخرى. # فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته ~~فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم ~~وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله عز وجل، قال: ما ~~طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم ~~في اللحم والماء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان ms0154 لهم لدعا لهم فيه " # ، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء ~~زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: ~~هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه، فسألني عنك ~~فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: ~~نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن ثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت ~~العتبة أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل ~~يبري نبلا له تحت دوحة، قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنعا كما ~~يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني ~~بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله ~~أمرني أن أبني ههنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال: ~~فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم ~~يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني ~~وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: { ربنا تقبل منآ ~~إنك أنت السميع العليم }. قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول ~~البيت وهما يقولان: { ربنا تقبل منآ إنك أنت ~~السميع العليم }. # ثم قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد أخبرنا أبو عامر عبد الملك بن ~~عمرو، أخبرنا إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: " لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج ~~بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شنة فيها ماء فجعلت أم إسماعيل تشرب من ~~الشنة فيدر لبنها على صبيها حتى قدم مكة فوضعهما تحت دوحة ثم رجع إبراهيم ~~إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل حتى بلغوا كداء نادته من ورائه: يا إبراهيم ~~إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيت بالله. قال: فرجعت تشرب من ~~الشنة ويدر لبنها على صبيها حتى لما فني الماء. قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي ~~أحس أحدا، ms0155 فذهبت فصعدت الصفا. فنظرت هل تحس أحدا؟ فلم تحس أحدا، فلما ~~بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة وفعلت ذلك أشواطا حتى أتمت سبعا، ثم ~~قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ~~ينشغ للموت فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا، ~~فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت فلم تحس أحدا حتى أتمت سبعا، ثم قالت: ~~لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا ~~جبريل عليه السلام قال: فقال بعقبه هكذا وغمز عقبه على الأرض، قال: ~~فانبثق الماء. # فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفر قال: فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: # " لو تركته لكان الماء ظاهرا " # ، قال: فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها. قال: فمر ناس من ~~جرهم ببطن الوادي فإذا هم بطير كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا: ما يكون الطير ~~إلا على ماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا هو بالماء فأتاهم فأخبرهم، فأتوا ~~إليها فقالوا: يا أم إسماعيل أتاذنين لنا أن نكون معك ونسكن معك؟ # فبلغ ابنها ونكح منهم امرأة. قال: ثم إنه بدا لإبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم فقال لأهله: إني مطلع تركتي، قال: فجاءهم فسلم فقال: أين إسماعيل؟ ~~قالت امرأته: ذهب يصيد، قال: قولي له إذا جاء غير عتبة بابك، فلما ~~أخبرته قال: أنت ذاك فاذهبي إلى أهلك، قال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال: ~~إني مطلع تركتي، قال، فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد، ~~فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟ فقال: ما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا ~~اللحم وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قال: فقال ~~أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: # " بركة بدعوة إبراهيم " # قال: ثم إنه بدا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم، فقال لأهله: إني مطلع ~~تركتي فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلا له، فقال: يا إسماعيل ~~إن ربك عز وجل أمرني أن أبني له بيتا، فقال: أطع ربك عز وجل، قال: ~~إنه أمرني أن ms0156 تعينني عليه، فقال: إذن افعل - أو كما قال - قال: فقام فجعل ~~إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: { ربنا تقبل ~~منآ إنك أنت السميع العليم } قال: حتى ارتفع البناء، ~~وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة ~~ويقولان: { ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع ~~العليم }. # قال محمد بن إسحاق عن مجاهد وغيره من أهل العلم: إن الله لما بوأ ~~إبراهيم مكان البيت، خرج إليه من الشام وخرج معه إسماعيل وأمه هاجر، ~~وإسماعيل طفل صغير يرضع، ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم، ~~فكان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضه، ~~حتى قدم به مكة وهي إذ ذاك عضاه (سلم وسمر) وبها أناس يقال لهم العماليق ~~خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم ~~لجبريل: أههنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم، فعمد بهما إلى موضع الحجر ~~فأنزلهما فيه، وأمر (هاجر) أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا فقال: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم # [إبراهيم: 37] إلى قوله: # لعلهم يشكرون # [إبراهيم: 37]. وقال عبد الرزاق عن مجاهد: خلق الله موضع هذا البيت قبل ~~أن يخلق شيئا بألفي سنة وأركانه في الأرض السابعة. # وقال البخاري رحمه الله قوله تعالى: { وإذ يرفع إبراهيم ~~القواعد من البيت وإسماعيل } الآية: القواعد أساسه، ~~واحدها قاعدة، والقواعد من النساء واحدتها قاعدة، # " عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " ألم تري أن قومك حين بنوا البيت اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ ~~" فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: " لولا حدثان ~~قومك بالكفر " ، فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام ~~الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم ~~عليه السلام " # ورواه مسلم أيضا من حديث نافع عن عائشة عن ms0157 النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال بكفر - لأنفقت كنز الكعبة في ~~سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحجر ". # (ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل عليه السلام وقبل مبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بخمس سنين) # وقد نقل معهم الحجارة وله من العمر خمس وثلاثون سنة صلوات الله وسلامه ~~عليه دائما إلى يوم الدين. قال محمد بن إسحاق في السيرة: ولما بلغ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة ~~وكانوا يهابون هدمها، وإنما كانت رضما فوق القامة، فأرادوا رفعها ~~وتسقيفها، وذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة. وكان البحر قد رمى بسفينة إلى ~~جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة ~~رجل قبطي نجار فهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر ~~الكعبة فتشرف على جدار الكعبة وكانت مما يهابون، ذلك أنه كان لا يدنو ~~منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها، فبينا هي يوما ~~تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرا فاختطفها ~~فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا، عندنا ~~عامل رفيق وعندنا خشب وقد كفانا الله الحية، فلما أجمعوا أمرهم في هدمها ~~وبنيانها قام ابن وهب بن عمرو بن عائذ فتناول من الكعبة حجرا فوثب من ~~يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من ~~كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من ~~الناس. # ثم إن قريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما ~~بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا ~~إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن ~~قصي ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي ولبني عدي بن كعب بن لؤي وهو الحطيم، ~~ثم إن ms0158 الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم ~~في هدمها، فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع، اللهم إنا ~~لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة ~~وقالوا: ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا، ورددناها كما كانت، وإن لم ~~يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا، فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله. ~~فهدم، وهدم الناس معه حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس - أساس إبراهيم ~~عليه السلام - أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضا. قال: فحدثني ~~بعض من يروي الحديث: أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين ~~حجرين منها ليقلع بها أيضا أحدهما فلما تحرك الحجر انتفضت مكة بأسرها ~~فانتهوا عن ذلك الأساس. # قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة ~~تجمع على حدة، ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن يعني (الحجر الأسود) ~~فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى ~~تحاوروا وتخالفوا وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ~~ثما تعاقدوا هم وبنوا عدي بن كعب بن لؤي على الموت وأدخلوا إيديهم في ذلك ~~الدم في تلك الجفنة فسموا " لعقة الدم " ، فمكثت قريش على ذلك أربع ~~ليال أو خمسا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا، فزعم بعض ~~أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة - وكان عامئذ أسن قريش كلهم - ~~قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا ~~المسجد، يقضي بينكم فيه ففعلوا، فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا... هذا محمد، فلما انتهى إليهم ~~وأخبروه الخبر قال صلى الله عليه وسلم: # " هلم إلي بثوب، فأتي به، فأخذ الركن - يعني الحجر الأسود - فوضعه ~~فيه بيده ثم قال: " لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا " ، ~~ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ms0159 صلى الله عليه وسلم، ثم بنى ~~عليه، وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه ~~الوحي (الأمين) ". # قال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثماني ~~عشر ذراعا، وكان تكسى القباطي، ثم كسيت بعد البرود، وأول من كساها ~~الديباج الحجاج بن يوسف. (قلت): ولم تزل على بناء قريش حتى احترقت في ~~أول إمارة عبد الله بن الزبير بعد سنة ستين وفي آخر ولاية يزيد بن معاوية ~~لما حاصروا ابن الزبير، فحينئذ نقضها (ابن الزبير) إلى الأرض وبناها على ~~قواعد إبراهيم عليه السلام، وأدخل فيها الحجر وجعل لها بابا شرقيا ~~وبابا غربيا ملصقين بالأرض كما سمع ذلك من خالته عائشة أم المؤمنين عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم تزل كذلك مدة إمارته حتى قتله ~~الحجاج، فردها إلى ما كانت عليه بأمر عبد الملك بن مروان له بذلك، كما ~~قال مسلم عن عطاء: " لما احترق البيت زمن (يزيد بن معاوية) حين غزاها ~~أهل الشام فكان من أمره ما كان تركه ابن الزبير، حتى قدم الناس الموسم ~~يريد أن يحزبهم أو يجيروهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها ~~الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهى ~~منها؟ قال ابن عباس: إنه قد خرق لي رأي فيها أرى أن تصلح ما وهى منها ~~وتدع بيتا أسلم الناس عليه، وأحجارا أسلم الناس عليها وبعث عليها النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال ابن الزبير: لو كان أحدهم احترق بيته ما رضي ~~حتى يجدده فكيف بيت ربكم عز وجل؟ إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على ~~أمري. فلما مضت ثلاث أجمع رأيه أن ينقضها، فتحاماها الناس أن ينزل بأول ~~الناس يصعد فيه أمر من السماء حتى صعده رجل فألقى منه حجارة. فلما لم يره ~~الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض. فجعل ابن الزبير ~~أعمدة يستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه. وقال ابن الزبير: إني سمعت ms0160 ~~عائشة رضي الله عنها تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقويني على ~~بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع ولجعلت له بابا يدخل الناس ~~منه، وبابا يخرجون منه " # ، قال: فأنا أجد ما أنفق ولست أخاف الناس. قال: فزاد منه خمسة أذرع من ~~الحجر حتى أبدى له أسا فنظر الناس إليه فبنى عليه البناء، وكان طول ~~الكعبة ثمانية عشر ذراعا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع ~~وجعل له بابين أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. # فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك يستجيزه بذلك، ويخبره ~~أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة. فكتب ~~إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاده في ~~طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي ~~فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه ". # وقد كانت السنة إقرار ما فعله عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ~~لأنه هو الذي وده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن خشي أن تنكره قلوب ~~بعض الناس لحداثة عهدهم بالإسلام وقرب عهدهم من الكفر، ولكن خفيت هذه ~~السنة على (عبد الملك بن مروان) ولهذا لما تحقق ذلك عن عائشة أنها روت ~~ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " وددنا أنا تركناه وما تولى ~~". فدل هذا على صواب ما فعله ابن الزبير، فلو ترك لكان جيدا. # ولكن بعدما رجع الأمر إلى هذا الحال فقد كره بعض العلماء أن يغير عن ~~حاله، كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد أو أبيه المهدي، أنه سأل ~~الإمام مالكا عن هدم الكعبة وردها إلى ما فعله ابن الزبير، فقال له ~~مالك: يا أمير المؤمنين لا تجعل كعبة الله ملعبة للملوك لا يشاء أحد أن ~~يهدمها إلا هدمها!! فترك ذلك الرشيد، نقله عياض والنووي. ولا تزال - ~~والله أعلم - هكذا ms0161 إلى آخر الزمان إلى أن يخربها (ذو السويقتين) من ~~الحبشة كما ثبت ذلك في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة " # وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كأني به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا " # وعن مجاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ويسلبها. حليتها ويجردها من ~~كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصيلع، أفيدع، يضرب عليها بمسحاته ومعوله ~~". # وهذا - والله أعلم - إنما يكون بعد خروج يأجوج ومأجوج لما جاء في صحيح ~~البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج ". # وقوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: { ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة ~~لك } قال ابن جرير: يعنيان بذلك واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين ~~لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك. وقال ~~عكرمة: { ربنا واجعلنا مسلمين لك } قال الله: قد فعلت { ~~ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك } قال الله: قد فعلت. # وقال السدي: { ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك } يعنيان ~~العرب. قال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم، لأن من ذرية إبراهيم ~~بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159]. # (قلت) وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي ~~من عداهم، والسياق إنما هو في العرب، ولهذا قال بعده: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم # [البقرة: 129] الآية. والمراد بذلك محمد صلى الله عليه وسلم، وقد بعث ~~فيهم كما قال تعالى: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم # [الجمعة: 2]، ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود لقوله تعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158] وغير ذلك من ms0162 الأدلة القاطعة، وهذا الدعاء من إبراهيم ~~وإسماعيل عليهما السلام كما أخبرنا الله تعالى عن عباده المتقين المؤمنين ~~في قوله: # والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما # [الفرقان: 74]. وهذا القدر مرغوب فيه شرعا فإن من تمام محبة عبادة ~~الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده. لا شريك له. ولهذا ~~لما قال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام: # إني جاعلك للناس إماما # [البقرة: 124] قال: # ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]، وهو قوله: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35]. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع ~~به، أو ولد صالح يدعو له ". # { وأرنا مناسكنا } قال عطاء: أخرجها لنا، علمناها، وقال مجاهد: ~~{ وأرنا مناسكنا } مذابحنا. وقال أبو داود الطيالسي عن أبي ~~الطفيل عن ابن عباس قال: " إن إبراهيم لما أري أوامر المناسك عرض له ~~الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أتى به (منى) ~~فقال: هذا مناخ الناس، فلما انتهى إلى (جمرة العقبة) تعرض له الشيطان، ~~فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به إلى (الجمرة الوسطى) فعرض له ~~الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به إلى (الجمرة القصوى) فعرض ~~له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، فأتى به جمعا فقال: هذا المشعر، ~~ثم أتى به عرفة فقال: هذه عرفة، فقال له جبريل: أعرفت؟ ". ### || [2.129] # يقول تعالى إخبارا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم ~~رسولا منهم، أي من ذرية إبراهيم، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر ~~الله السابق في تعيين محمد صلوات الله وسلامه عليه رسولا في الأميين ~~إليهم، وإلى سائر الأعجمين من الإنس والجن، كما قال الإمام أحمد عن ~~العرباض بن سارية: قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ~~ذلك، دعوة أبي ms0163 إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأيت، وكذلك ~~أمهات النبيين يرين ". # وقال أبو أمامة قلت: يا رسول الله ما كان أول بدء أمرك؟ قال: # " دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت ~~له قصور الشام " # والمراد أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم عليه السلام، ولم ~~يزل ذكره في الناس مذكورا مشهورا سائرا، حتى أفصح باسمه خاتم أنبياء ~~بني إسرائيل نسبا وهو (عيسى ابن مريم) عليه السلام حيث قال في بني ~~إسرائيل خطيبا، وقال: # إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي ~~من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد # [الصف: 6]، ولهذا قال في هذا الحديث: دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ابن ~~مريم. وقوله: " ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام " ، قيل: ~~كان مناما رأته حتى حملت به وقصته على قومها، فشاع فيهم واشتهر بينهم، ~~وكان ذلك توطئة! وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه ونبوته ~~ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلا للإسلام وأهله، وبها ~~ينزل (عيسى ابن مريم) إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها، ~~ولهذا جاء في الصحيحين: # " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من ~~خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك " # وفي صحيح البخاري # " وهم بالشأم ". # قوله: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } يعني أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فقيل له: قد استجيب لك وهو كائن في آخر الزمان، ~~وقوله تعالى: { ويعلمهم الكتاب } يعني القرآن، { ~~والحكمة } يعني السنة، قاله الحسن وقتادة، وقيل: الفهم في الدين، ~~ولا منافاة. { ويزكيهم } قال ابن عباس: يعني طاعة الله والإخلاص، ~~وقال محمد بن إسحاق: { ويعلمهم الكتاب والحكمة }: ~~يعلمهم الخير فيفعلوه والشر فيتقوه، ويخبرهم برضا الله عنهم إذا أطاعوه ~~ليستكثروا من طاعته ويجتنبوا ما يسخطه من معصيته، وقوله: { إنك أنت ~~العزيز الحكيم } أي العزيز الذي لا يعجزه شيء وهو قادر على كل شيء، ~~الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في ms0164 محالها لعلمه وحكمته وعدله. ### || [2.130-132] # يقول تبارك وتعالى ردا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك ~~بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، فإنه جرد توحيد ربه ~~تبارك وتعالى فلم يدع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود ~~سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه، فقال: # يقوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السموت والأرض حنيفا ومآ ~~أنا من المشركين # [الأنعام: 78-79]، وقال تعالى: # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء ~~مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين # [الزخرف: 26-27]، وقال تعالى: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم # [التوبة: 114]. وقال تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يك من المشركين * شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه ~~إلى صراط مستقيم # [النحل: 120-121] ولهذا وأمثاله قال تعالى: { ومن يرغب عن ~~ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه }؟ أي ظلم نفسه بسفهه ~~وسوء تدبيره، بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا ~~للهداية والرشاد من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلا، وهو في الآخرة ~~من الصالحين السعداء، فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته، واتبع طرق الضلالة ~~والغي فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا؟ كما قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. قال أبو العالية وقتادة: نزلت في اليهود أحدثوا طريقا ~~ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه، ويشهد لصحة هذا ~~القول قول الله تعالى: # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين * إن أولى ~~الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ~~والذين آمنوا والله ولي المؤمنين # [آل عمران: 67-68]. # وقوله تعالى: { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت ~~لرب العالمين } أي أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد ~~فأجاب إلى ذلك شرعا وقدرا. وقوله: { ووصى بهآ إبراهيم ~~بنيه ويعقوب } أي وصى بهذه الملة ms0165 وهي الإسلام لله، أو يعود ~~الضمير على الكلمة وهي قوله: { أسلمت لرب العالمين } ~~لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة ووصوا أبناءهم من ~~بعدهم، كقوله تعالى: # وجعلها كلمة باقية في عقبه # [الزخرف: 28]. والظاهر - والله أعلم - أن إسحاق ولد له (يعقوب) في حياة ~~الخليل وسارة، لأن البشارة وقعت بهما في قوله: # فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71]، وأيضا فقال قال الله تعالى في سورة العنكبوت: # ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته ~~النبوة والكتاب # [الآية: 27]. وقال في الآية الأخرى: # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة # [الأنبياء: 72]، وهذا يقتضي أنه وجد في حياته، وأيضا فإنه باني بيت ~~المقدس كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة، وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر ~~قلت: # " يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: " المسجد الحرام " ، قلت: ثم أي؟ ~~قال: " بيت المقدس " ، قلت: كم بينهما: قال: " أربعون سنة " # الحديث. فزعم ابن حبان أن بين سليمان الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس - ~~وإنما كان جدده بعد خرابه وزخرفه - وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما ~~أنكر على (ابن حبان) فإن المدة بينهما تزيد على ألوف السنين والله أعلم، ~~وأيضا فإن وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبا، وهذا يدل على أنه ههنا ~~من جملة الموصين. # وقوله: { يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي أحسنوا في حال الحياة، ~~والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالبا على ما كان ~~عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد ~~الخير وفق له ويسر عليه، ومن نوى صالحا ثبت عليه، وهذا لا يعارض ما ~~جاء في الحديث الصحيح: # " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ~~ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل ~~بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " # ، لأنه قد جاء في بعض ms0166 روايات هذا الحديث: ليعمل بعمل أهل الجنة فيما ~~يبدو للناس، وبعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وقد قال الله تعالى: # فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * ~~فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * ~~وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى # [الليل: 5]. ### || [2.133-134] # يقول تعالى محتجا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من ~~بني إسرائيل بأن يعقوب لما حضرته الوفاة، وصى بنيه بعبادة الله وحده لا ~~شريك له فقال لهم: { ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد ~~إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~} ، وهذا من باب التغليب لأن إسماعيل عمه، قال النحاس: والعرب تسمي العم ~~أبا نقله القرطبي، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من جعل الجد أبا وحجب ~~به الإخوة - كما هو قول الصديق - حكاه البخاري عنه. وقوله: { إلها ~~واحدا } أي نوحده بالألوهية ولا نشرك به شيئا غيره، { ونحن له ~~مسلمون } أي مطيعون خاضعون؛ كما قال تعالى: # وله أسلم من في السموت والأرض طوعا وكرها ~~وإليه يرجعون # [آل عمران: 83]. والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة وإن تنوعت شرائعهم ~~واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25] وقال صلى الله عليه وسلم: # " نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد " # وقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت } أي مضت، { لها ما ~~كسبت ولكم ما كسبتم } أي أن السلف الماضين من آبائكم من ~~الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرا يعود ~~نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم { ولا ~~تسألون عما كانوا يعملون } ، ولهذا جاء في الأثر: # " من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ". ### || [2.135] # عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت ~~النصارى مثل ذلك، فأنزل الله عز وجل: { وقالوا كونوا هودا ~~أو نصارى تهتدوا } ، وقوله: { قل بل ملة إبراهيم ~~حنيفا } أي لا نريد ما دعوتمونا إليه من اليهودية والنصرانية ms0167 بل نتبع ~~{ ملة إبراهيم حنيفا } أي مستقيما، وقال مجاهد: مخلصا، ~~وقال أبو قلابة: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. ### || [2.136] # أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة ~~رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مفصلا وما أنزل على الأنبياء المتقدمين ~~مجملا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء وأن لا يفرقوا ~~بين أحد منهم بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم: # ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا ~~بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا # [النساء: 150-151] الآية. عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأون ~~التوراة بالعبرانية ويفسروها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل الله ". # وقال أبو العالية وقتادة: (الأسباط) بنو يعقوب اثنا عشر رجلا، ولد كل ~~رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط. وقال الخليل بن أحمد: الأسباط في ~~بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل، وقال الزمخشري: الأسباط حفدة يعقوب ~~ذراري أبنائه الاثني عشر، وقد نقله الرازي عنه وقرره ولم يعارضه، وقال ~~البخاري: الأسباط قبائل بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ~~ههنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين ~~منهم، كما قال موسى لهم: # اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم ~~أنبيآء وجعلكم ملوكا # [المائدة: 20] الآية. وقال تعالى: # وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا # [الأعراف: 160]، قال القرطبي: وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع فهم ~~جماعة، وقيل: أصله من السبط بالتحريك وهو الشجر أي في الكثرة بمنزلة ~~الشجر، الواحدة سبطة. قال الزجاج: ويبين لك هذا ما روي عن ابن عباس قال: ~~كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: (نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ~~وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمد) عليهم الصلاة والسلام. قال ~~القرطبي: والسبط الجماعة والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد، وقال قتادة: ~~أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله. ### || [2.137-138] # يقول ms0168 تعالى: { فإن آمنوا } يعني الكفار من أهل الكتاب وغيرهم { ~~بمثل مآ آمنتم به } يا أيها المؤمنون من الإيمان بجميع كتب ~~الله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم { فقد اهتدوا } أي فقد أصابوا ~~الحق وأرشدوا إليه. { وإن تولوا } أي عن الحق إلى الباطل بعد ~~قيام الحجة عليهم { فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم ~~الله } أي فسينصرك عليهم ويظفرك بهم { وهو السميع العليم ~~}. # { صبغة الله } قال الضحاك عن ابن عباس: دين الله. وقد ورد عن ابن ~~عباس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن بني إسرائيل قالوا يا رسول الله هل يصبغ ربك؟ فقال اتقوا الله، ~~فناداه ربه يا موسى سألوك هل يصبغ ربك؟ فقل نعم: أنا أصبغ الألوان الأحمر ~~والأبيض والأسود والألوان كلها من صبغي " # ، كذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعا وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف ~~وهو أشبه إن صح إسناده، والله أعلم. ### || [2.139-141] # يقول الله تعالى مرشدا نبيه صلوات الله وسلامه عليه إلى درء مجادلة ~~المشركين: { قل أتحآجوننا في الله } أي تناظروننا في توحيد ~~الله والإخلاص له، والانقياد، واتباع أوامره، وترك زواجره { وهو ~~ربنا وربكم } المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له ~~وحده لا شريك له { ولنآ أعمالنا ولكم أعمالكم } أي نحن ~~برآء منكم ومما تعبدون وأنتم برآء منا كما قال في الآية الأخرى: # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم ~~بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما تعملون # [يونس: 41]، وقال تعالى: # فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن # [آل عمران: 20] الآية. وقال تعالى إخبارا عن إبراهيم: # وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله # [الأنعام: 80] الآية. وقال تعالى: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه # [البقرة: 258] الآية. وقال في هذه الآية الكريمة: { ولنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون }: أي ~~نحن برآء منكم كما أنتم برآء منا، ونحن له مخلصون أي في العبادة والتوجه. ~~ثم أنكر تعالى عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء ~~والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية وإما النصرانية ms0169 فقال: { قل ~~أأنتم أعلم أم الله }؟ يعني بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم ~~لم يكونوا هودا ولا نصارى كما قال تعالى: # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين # [آل عمران: 67]. # وقوله: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من ~~الله } قال الحسن البصري: كانوا يقرأون في كتاب الله الذي أتاهم إن ~~الدين الإسلام، وإن محمدا رسول الله، وإن إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط كانوا براء من اليهودية والنصرانية، فشهدوا لله بذلك وأقروا على ~~أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك. وقوله: { وما الله ~~بغافل عما تعملون } تهديد ووعيد شديد: أي أن علمه محيط ~~بعلمكم وسيجزيكم عليه، ثم قال تعالى: { تلك أمة قد خلت } أي ~~قد مضت { لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } أي لهم أعمالهم ~~ولكم أعمالكم { ولا تسألون عما كانوا يعملون } وليس ~~يغني عنكم انتسابكم إليهم من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد ~~النسبة إليهم حتى تكونوا منقادين مثلهم لأوامر الله، واتباع رسله الذي ~~بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا ~~سيما بسيد الأنبياء وخاتم المرسلين، ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس ~~والجن من المكلفين صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين. ### || [2.142-143] # قيل: المراد بالسفهاء ههنا مشركو العرب قاله الزجاج، وقيل: أحبار يهود ~~قاله مجاهد، وقيل: المنافقون قاله السدي، والآية عامة في هؤلاء كلهم، ~~والله أعلم. عن البراء رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن ~~تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم ~~فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد ~~بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم ~~قبل البيت وكان الذي قد مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجالا ~~قتلوا لم ندر ما نقول ms0170 فيهم فأنزل الله: { وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم }. # وعن البراء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي نحو بيت المقدس، ~~ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك ~~قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة: 144]. فقال رجال من المسلمين: وددنا لو علمنا علم من مات منا ~~قبل أن نصرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله: { ~~وما كان الله ليضيع إيمانكم }. وقال السفهاء من الناس - ~~وهم أهل الكتاب - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: { ~~سيقول السفهآء من الناس } إلى آخر الآية. وعن ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل ~~بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة ~~عشر شهرا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم، فكان ~~يدعو الله وينظر إلى السماء فأنزل الله عز وجل: # فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144] أي نحوه، فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ما ولاهم عن ~~قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: { قل لله المشرق ~~والمغرب يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } ، وقد ~~جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة. وحاصل الأمر: أنه قد كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يصلي بين ~~الركنين فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر ~~إلى المدينة تعذر الجمع بينهما فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس قاله ~~ابن عباس والجمهور. # والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه صلى الله عليه وسلم ~~المدينة واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرا، وكان يكثر الدعاء ~~والابتهال أن يوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم عليه السلام، ~~فأجيب إلى ذلك وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الناس فأعلمهم بذلك، وكان أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر كما ~~تقدم ms0171 في الصحيحين. # وذكر غير واحد من المفسرين أن تحويل القبلة نزل على رسول الله وقد صلى ~~ركعتين من الظهر وذلك في مسجد بني سلمة: فسمي (مسجد القبلتين) وأما أهل ~~قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني كما جاء في ~~الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: # " بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة ~~فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة " # ، ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ~~ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: { ما ولاهم عن ~~قبلتهم التي كانوا عليها } أي قالوا: ما لهؤلاء تارة ~~يستقبلون كذا وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: { قل ~~لله المشرق والمغرب } أي الحكم والتصرف والأمر كله لله، { ~~فأينما تولوا فثم وجه الله } أي الشأن كله في امتثال ~~أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا في ~~كل يوم مرات إلى جهات متعددة فنحن عبيده، وهو تعالى له بعبده ورسوله ~~محمد صلوات الله وسلامه عليه وأمته عناية عظيمة، إذ هداهم إلى قبلة ~~إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة أشرف بيوت الله في الأرض، ~~إذ هي بناء إبراهيم الخليل عليه السلام، ولهذا قال: { قل لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشآء إلى صراط ~~مستقيم }. # عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني في أهل الكتاب: # " إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا ~~الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها، وعلى ~~قولنا خلف الإمام آمين ". # وقوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ، ~~يقول تعالى إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام، واخترناها لكم ~~لنجعلكم خيار الأمم لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم، لان الجميع ~~معترفون لكم بالفضل، والوسط ههنا: ms0172 الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط ~~العرب نسبا ودارا أي خيرها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا ~~في قومه، أي أشرفهم نسبا، ومنه (الصلاة الوسطى) وهي العصر، ولما جعل ~~الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج وأوضح المذاهب ~~كما قال تعالى: # هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ~~ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من ~~قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهدآء على الناس # [الحج: 78]. # عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت؟ فيقول نعم، فيدعى قومه ~~فيقال لهم هل بلغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال ~~لنوح من يشهد لك؟ فيقول محمد وأمته، قال فذلك قوله: { وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا } قال: والوسط العدل فتدعون فتشهدون له ~~بالبلاغ ثم أشهد عليكم " # وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال: ~~هل بلغكم هذا؟ فيقولون لا فيقال له هل بلغت قومك؟ فيقول نعم: فيقال من ~~يشهد لك، فيقول محمد وأمته فيدعى محمد وأمته: فيقال لهم هل بلغ هذا قومه؟ ~~فيقولون نعم. فيقال وما علمكم؟ فيقولون جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد ~~بلغوا فذلك قوله عز وجل: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ~~قال عدلا { لتكونوا شهدآء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا } " # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق ما من الناس أحد ~~إلا ود أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ~~ربه عز وجل ". # وقوله: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ~~وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } ، ~~يقول تعالى إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولا إلى بيت المقدس، ثم ~~صرفناك عنها إلى الكعبة، ليظهر حال من ms0173 يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما ~~توجهت ممن ينقلب على عقبيه، أي مرتدا عن دينه { وإن كانت ~~لكبيرة } أي هذه الفعلة وهي صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، ~~أي وإن كان هذا الأمر عظيما في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم ~~وأيقنوا بتصديق الرسول، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن ~~الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما ~~يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في ~~قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا، كما يحصل للذين آمنوا ~~إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى: # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة: 124-125]. وقال تعالى: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى # [فصلت: 44]. وقال تعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء: 82]، ولهذا كان - من ثبت على تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~واتباعه في ذلك، وتوجه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب - من سادات ~~الصحابة، وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ~~هم الذين صلوا إلى القبلتين. # عن ابن عمر قال: # " بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء إذ جاء رجل فقال: قد أنزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، ~~فتوجهوا إلى الكعبة " # ، وفي رواية أنهم كانوا ركوعا فاستداروا كما هم إلى الكعبة وهم ركوع، ~~وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ولرسوله وانقيادهم لأوامر الله عز وجل ~~رضي الله عنهم أجمعين. # وقوله: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي صلاتكم إلى ~~بيت المقدس قبل ذلك، ما كان يضيع ثوابها عند الله، وفي الصحيح عن البراء ~~قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقال ms0174 الناس: ما حالهم في ذلك؟ ~~فأنزل الله تعالى: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ، ~~وقال ابن إسحاق عن ابن عباس: { وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم } أي بالقبلة الأولى وتصديقكم نبيكم واتباعه إلى القبلة ~~الأخرى، أي ليعطيكم أجرهما جميعا { إن الله بالناس لرءوف ~~رحيم }. وقال الحسن البصري: وما كان ليضيع إيمانكم: أي ما كان الله ~~ليضيع محمدا صلى الله عليه وسلم وانصرافكم معه حيث انصرف { إن ~~الله بالناس لرءوف رحيم }. وفي الصحيح أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما ~~وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها، فلما ~~وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه "؟ قالوا: ~~لا يا رسول الله. قال: " فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها " ~~". ### || [2.144] # قال ابن عباس: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود فأمره الله ~~أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بضعة عشر شهرا، وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى ~~السماء، فأنزل الله: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء } ~~إلى قوله: { فولوا وجوهكم شطره }. فارتابت من ذلك اليهود، ~~وقالوا: # ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله ~~المشرق والمغرب # [البقرة: 142]. وقال: # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة: 115]، وقال الله تعالى: # وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم ~~من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه # [البقرة: 143]. وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء، فأنزل ~~الله: { فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام } إلى الكعبة، إلى الميزاب يؤم به جبريل عليه ~~السلام. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: { فول ms0175 وجهك شطر ~~المسجد الحرام } قال: شطره قبله، ثم قال الحاكم صحيح الإسناد ~~ولم يخرجاه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل ~~الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي " # وعن البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل بيت المقدس ستة عشر ~~شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه قبلته قبل البيت، وأنه صلى صلاة ~~العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان يصلي معه فمر على أهل المسجد وهم ~~راكعون فقال: أشهد بالله قد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~مكة فداروا كما هم قبل البيت. # وقال عبد الرزاق عن البراء قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يحول نحو الكعبة فنزلت: { قد نرى ~~تقلب وجهك في السمآء } فصرف إلى الكعبة. وعن أبي سعيد بن ~~المعلى قال: # " كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصلي فيه، ~~فمررنا يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر، فقلت لقد ~~حدث أمر فجلست، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { قد ~~نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ~~ترضاها } حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي تعال نركع ركعتين قبل أن ~~ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكون أول من صلى فتوارينا ~~فصليناهما، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم وصلى للناس الظهر يومئذ " # وكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر: أن أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الكعبة صلاة الظهر. وأنها الصلاة الوسطى، والمشهور أن أول ~~صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى ~~صلاة الفجر، وقال الحافظ ابن مردويه عن نويلة بنت مسلم قالت: صلينا الظهر ~~أو العصر في ms0176 مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد (إيلياء) فصلينا ركعتين، ثم ~~جاء من يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام ~~فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فصلينا السجدتين الباقيتين ~~ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أولئك رجال يؤمنون بالغيب " # ، وقوله: { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ~~أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض، شرقا وغربا، وشمالا ~~وجنوبا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها ~~حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي ~~على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئا في نفس ~~الأمر لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. # مسألة # وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع ~~سجوده كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، قال المالكية بقوله: { ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام } فلو نظر إلى موضع ~~سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء وهو ينافي كمال القيام، وقال ~~بعضهم: ينظر المصلي في قيامه إلى صدره، وقال شريك القاضي: ينظر في حال ~~قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة، لأنه أبلغ في الخضوع وآكد ~~في الخشوع، وقد ورد به الحديث، وأما في حال ركوعه فإلى موضع قدميه، وفي ~~حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حجره. # وقوله تعالى: { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون ~~أنه الحق من ربهم } أي واليهود الذين أنكروا استقبالكم ~~الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس، يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما ~~في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأمته، وما خصه الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ~~ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا، ولهذا ~~تهددهم تعالى بقوله: { وما الله بغافل عما يعملون }. ### || [2.145] # يخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم، ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن ms0177 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم ~~به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال تعالى: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون * ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 96-97]، ولهذا قال ههنا: { ولئن أتيت الذين ~~أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك } ، وقوله: ~~{ ومآ أنت بتابع قبلتهم } إخبار عن شدة متابعة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لما أمره الله تعالى به، وأنه كما هم مستمسكون بآرائهم ~~وأهوائهم، فهو أيضا مستمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنه لا ~~يتبع أهواءهم في جميع أحواله، ولا كونه متوجها إلى بيت المقدس لكونها ~~قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى، ثم حذر تعالى عن مخالفة ~~الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى، فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره. ~~ولهذا قال مخاطبا للرسول والمراد به الأمة: { ولئن اتبعت ~~أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا ~~لمن الظالمين }. ### || [2.146-147] # يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء ~~بهذا كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قال لرجل معه صغير: " ابنك هذا "؟ قال: نعم يا رسول الله أشهد به، ~~قال: " أما إنه لا يخفى عليك ولا تخفى عليه " # ويروى عن عمر أنه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا كما تعرف ولدك؟ ~~قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، ~~وابني لا أدري ما كان من أمه. (قلت): وقد يكون المراد: { يعرفونه ~~كما يعرفون أبناءهم } من بين أبناء الناس كلهم، لا يشك أحد ~~ولا يمتري في معرفة ابنه إذا رآه من أبناء الناس كلهم، ثم أخبر تعالى ~~أنهم مع هذا التحقق والإتقان العلمي، { ليكتمون الحق } أي ~~ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم { وهم ~~يعلمون } ، ثم ثبت تعالى ms0178 نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا مرية ~~فيه ولا شك فقال: { الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين }. ### || [2.148] # عن ابن عباس: { ولكل وجهة هو موليها } يعني بذلك أهل ~~الأديان، يقول لكل قبيلة قبلة يرضونها، ووجهه الله حيث توجه المؤمنون، ~~وقال أبو العالية: لليهود وجهة هو موليها، وللنصارى وجهة هو موليها، ~~وهداكم - أنتم أيتها الأمة - إلى القبلة التي هي القبلة. وقال الحسن: أمر ~~كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء الله ~~لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ ~~آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا # [المائدة: 48]، وقال ههنا: { أين ما تكونوا يأت بكم ~~الله جميعا إن الله على كل شيء قدير } أي هو ~~قادر على جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم. ### || [2.149-150] # هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار ~~الأرض، وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات، فقيل: تأكيد لأنه أول ~~ناسخ وقع في الإسلام على ما نص عليه ابن عباس وغيره، وقيل: بل هو منزل ~~على أحوال، فالأمر الأول لمن هو مشاهد الكعبة، والثاني لمن هو في مكة ~~غائبا عنها، والثالث لمن هو في بقية البلدان هكذا وجهه فخر الدين ~~الرازي. وقال القرطبي: الأول لمن هو بمكة، والثاني لمن هو في بقية ~~الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار، وقيل: إنما ذكر ذلك لتعلقه بما ~~قبله أو بعده من السياق، فقال أولا: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك ~~قبلة ترضاها # [البقرة: 144]، فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته وأمره بالقبلة التي ~~كان يود التوجه إليها ويرضاها، وقال في الأمر الثاني: { ومن حيث ~~خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه ~~للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون } ، ~~فذكر أنه الحق من الله وارتقاءه المقام الأول حيث كان موافقا لرضا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، فبين أنه الحق ms0179 أيضا من الله يحبه ويرتضيه، ~~وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا ~~يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم وقد كانوا يعلمون بما في كتبهم أنه ~~سيصرف إلى قبلة إبراهيم عليه السلام إلى الكعبة، وكذلك مشركو العرب ~~انقطعت حجتهم لما صرف الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبلة اليهود إلى قبلة ~~إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة وأعجبهم استقبال الرسول ~~إليها، وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار، وقد بسطها الرازي ~~وغيره، والله أعلم. # وقوله: { لئلا يكون للناس عليكم حجة } أي أهل ~~الكتاب فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا ~~ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين، ولئلا يحتجوا بموافقة ~~المسلمين إياهم في التوجه إلى بيت المقدس وهذا أظهر، قال أبو العالية: { ~~لئلا يكون للناس عليكم حجة } يعني به أهل الكتاب حين ~~قالوا: صرف محمد إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين ~~قومه. وكان حجتهم على النبي صلى الله عليه وسلم انصرافه إلى البيت الحرام ~~أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا. قوله: { إلا الذين ~~ظلموا منهم } يعني مشركي قريش، ووجه بعضهم حجة الظلمة وهي داحضة ~~أن قالوا: إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم، فإن كان توجهه إلى ~~بيت المقدس على ملة إبراهيم فلم يرجع عنه؟ والجواب أن الله تعالى اختار ~~له التوجه إلى بيت المقدس أولا، لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ~~ربه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم وهي الكعبة، فامتثل أمر الله ~~في ذلك أيضا. # فهو صلوات الله وسلامه عليه مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر ~~الله طرفة عين وأمته تبع له. # وقوله: { فلا تخشوهم واخشوني } أي لا تخشوا شبه الظلمة ~~المتعنتين وأفردوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه، وقوله: { ~~ولأتم نعمتي عليكم } عطف على { لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة } ، أي لأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال ~~الكعبة ms0180 لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها، { ولعلكم تهتدون } ~~إي إلى ما ضلت عنه الأمم هديناكم إليه وخصصناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة ~~أشرف الأمم وأفضلها. ### || [2.151-152] # يذكر تعالى عباده المؤمنين، ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد صلى ~~الله عليه وسلم إليهم، يتلو عليهم آيات الله مبينات " ويزكيهم " أي ~~يطهرهم من رذائل الأخلاق، ودنس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من ~~الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب وهو القرآن، والحكمة وهي السنة، ~~ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون ~~بالقول القراء، فانتقلوا ببركة رسالته، ويمن سفارته، إلى حال الأولياء، ~~وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علما، وأبرهم قلوبا، وأقلهم تكلفا، ~~وأصدقهم لهجة. وقال تعالى: # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم # [آل عمران: 164] الآية. وذم من لم يعرف قدر هذه النعمة فقال تعالى: # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار # [إبراهيم: 28]، قال ابن عباس: يعني بنعمة الله محمد صلى الله عليه وسلم ~~ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره ~~وشكره. وقال: { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا ~~تكفرون } ، قال مجاهد في قوله: { كمآ أرسلنا فيكم ~~رسولا منكم } يقول: كما فعلت فاذكروني. # قال زيد بن أسلم: إن موسى عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك؟ قال له ~~ربه: " تذكرني ولا تنساني فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذ نسيتني فقد كفرتني ~~" قال الحسن البصري: إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذب من ~~كفره، وقال بعض السلف في قوله تعالى: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] هو " أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر ~~فلا يكفر " وقال الحسن البصري في قوله: { فاذكروني أذكركم ~~} اذكروني فيما افترضت عليكم اذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي، وعن سعيد ~~بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وفي رواية برحمتي. وفي الحديث ~~الصحيح: # " يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ~~ذكرته في ملأ خير منه ms0181 " # وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قال الله عز وجل يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ~~ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة - أو قال في ملأ خير منه - وإن ~~دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا، ~~وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة " # قال قتادة: الله أقرب بالرحمة وقوله: { واشكروا لي ولا ~~تكفرون } أمر الله تعالى بشكره، ووعد على شكره بمزيد الخير، فقال: # وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن ~~كفرتم إن عذابي لشديد # [إبراهيم: 7]. روى أبو رجاء العطاردي قال: خرج علينا (عمران بن حصين) ~~وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه " # وروي: على عبده. ### || [2.153-154] # لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر، شرع في بيان الصبر والإرشاد ~~والاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها، ~~أو في نقمة فيصبر عليها، كما جاء في الحديث: # " عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء ~~فشكر كان خيرا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له " # وبين تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب الصبر والصلاة كما ~~تقدم في قوله: # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين # [البقرة: 45]. وفي الحديث: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى " # والصبر صبران: فصبرك على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات ~~والقربات، والثاني أكثر ثوابا لأنه المقصود، وأما الصبر الثالث وهو ~~الصبر على المصائب والنوائب فذاك أيضا واجب كالاستغفار من المعايب. قال ~~زين العابدين: إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي مناد أين الصابرون ~~ليدخلوا الجنة قبل الحساب؟ قال: فيقوم عنق من الناس فتتلقاهم الملائكة ~~فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: قبل ms0182 الحساب؟ ~~قالوا: نعم، قالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن الصابرون، قالوا: وما كان ~~صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله وصبرنا عن معصية الله حتى توفانا ~~الله، قالوا: أنتم كما قلتم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. (قلت): ~~ويشهد لهذا قوله تعالى: # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10]، وقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، ~~واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا ~~الصبر. # وقوله تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله ~~أموات بل أحياء } يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء ~~يرزقون كما جاء في صحيح مسلم: # " أن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي ~~إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تبغون؟ ~~قالوا: يا ربنا وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ ثم ~~عاد عليهم بمثل هذا فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد ~~أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى - لما ~~يرون من ثواب الشهادة - فيقول الرب جل جلاله: إني كتبت أنهم إليها لا ~~يرجعون " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم ~~يبعثه " # ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضا وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في ~~القرآن تشريفا وتكريما وتعظيما. ### || [2.155-157] # أخبرنا تعالى أنه يبتلي عباده أي يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلوا أخباركم # [محمد: 31] فتارة بالسراء، وتارة بالضراء من خوف وجوع، كما قال تعالى: # فأذاقها الله لباس الجوع والخوف # [النحل: 112]، فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه، ولهذا قال: # لباس الجوع والخوف # [النحل: 112]، وقال ههنا: { بشيء من الخوف والجوع } أي ~~بقليل من ذلك، { ونقص من الأموال } أي ذهاب بعضها { ~~والأنفس } كموت الأصحاب والأقارب والأحباب، { والثمرات } أي لا ~~تغل الحدائق والمزارع كعادتها، قال بعض السلف: فكانت ms0183 بعض النخيل لا تثمر ~~غير واحدة، وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه ومن ~~قنط أحل به عقابه، ولهذا قال تعالى: { وبشر الصابرين }. # ثم بين تعالى من الصابرون الذين شكرهم فقال: { الذين إذآ ~~أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنآ إليه ~~راجعون } أي تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله ~~يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم ~~القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار ~~الآخرة، ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك فقال: { أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة } أي ثناء من الله ~~عليهم { وأولئك هم المهتدون }. قال أمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب: نعم العدلان ونعمت العلاوة { أولئك عليهم ~~صلوات من ربهم ورحمة } فهذا العدلان { وأولئك ~~هم المهتدون } فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة ~~في الحمل فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضا. # وقد ورد في ثواب الاسترجاع عند المصائب أحاديث كثيرة، فمن ذلك ما رواه ~~الإمام أحمد عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا ~~سررت به، قال: # " لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم ~~أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا فعل ذلك به " # ، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم ~~أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: من أين لي ~~خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأنا أدبغ إهابا لي، فغسلت يدي من القرظ وأذنت له، فوضعت له وسادة ~~أدم حشوها ليف فقعد عليها فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا ~~رسول الله ما بي أن لا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة في غيرة شديدة، ~~فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله ms0184 به، وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ~~ذات عيال، فقال: # " أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله عز وجل عنك، وأما ما ~~ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال ~~فإنما عيالك عيالي " # ، قالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوجها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرا ~~منه: رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: { إنا لله وإنآ إليه ~~راجعون } اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله ~~في مصيبته وأخلف له خيرا منها " # ، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخلف الله لي خيرا منه: رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها فيحدث لذلك ~~استرجاعا إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب " # وعن أبي سنان قال: دفنت ابنا لي فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة ~~(يعني الخولاني) فأخرجني وقال لي: ألا أبشرك؟ قلت: بلى، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " قال الله: يا ملك الموت قبضت ولد عبدي؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ ~~قال: نعم، قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتا في ~~الجنة وسموه بيت الحمد ". ### || [2.158] # روى الإمام أحمد عن عروة عن عائشة قال، قلت: أرأيت قول الله تعالى: { ~~إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ~~}؟ فوالله ما على أحد جناح أن لا يتطوف بهما، فقالت عائشة: بئس ما قلت ~~يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أولتها عليه كانت فلا جناح عليه أن لا ~~يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا ms0185 قبل أن يسلموا كانوا ~~يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عن المشلل، وكان من أهل لها ~~يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في ~~الجاهلية، فأنزل الله عز وجل: { إن الصفا والمروة من ~~شعآئر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما }. قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الطواف بهما فليس لأحد أن يدع الطواف بهما. وقال ~~أنس: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما ~~فأنزل الله عز وجل: { إن الصفا والمروة من شعآئر ~~الله }. وقال الشعبي: كان إساف على الصفا وكانت نائلة على المروة، ~~وكانوا يستلمونهما فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما فنزلت هذه ~~الآية. # وفي صحيح مسلم: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى ~~الركن فاستلمه ثم خرج من باب الصفا وهو يقول: { إن الصفا ~~والمروة من شعآئر الله } ، ثم قال: " أبدأ بما بدأ الله به ~~" # وعن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: # " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين ~~يديه وهو وراءهم وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره ~~وهو يقول: " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " # ، وقد استدل بهذا الحديث من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في ~~الحج، كما هو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد وهو المشهور عن مالك، وقيل: ~~إنه واجب وليس بركن فإن تركه عمدا أو سهوا جبره بدم وهو رواية عن أحمد. ~~وقيل: بل مستحب. واحتجوا بقوله تعالى: { ومن تطوع خيرا } ، ~~والقول الأول أرجح لأنه عليه السلام طاف بينهما وقال: # " خذوا عني مناسككم " # بين تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة { من شعآئر الله } أي ~~مما شرع الله تعالى لإبراهيم في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس ~~أن أصل ذلك مأخوذ من طواف ms0186 هاجر، وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء ~~لولدها لما نفد ماؤهما وزادهما، فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة ~~بين (الصفا والمروة) متذللة خائفة وجلة حتى كشف الله كربتها، وآنس ~~غربتها، وفرج شدتها وأنبع لها زمزم التي ماؤها " طعام طعم، وشفاء سقم " ~~، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية ~~قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجىء إلى الله عز وجل لتفريج ما ~~هو به. # وقوله: { ومن تطوع خيرا } قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر ~~الواجب ثامنة وتاسعة ونحو ذلك، وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة ~~تطوع، وقيل: المراد تطوع خيرا في سائر العبادات. وقوله: { فإن ~~الله شاكر عليم } أي يثيب على القليل بالكثير { عليم } بقدر ~~الجزاء فلا يبخس أحدا ثوابه و # لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ~~ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40]. ### || [2.159-162] # هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل، من الدلالات البينة على ~~المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بينه الله تعالى ~~لعباده، في كتبه التي أنزلها على رسله، وقد نزلت في أهل الكتاب كتموا صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث: # " من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار " # وروي عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدا ~~شيئا { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات ~~والهدى } الآية. قال أبو العالية: { ويلعنهم اللاعنون } ~~يعني تلعنهم الملائكة والمؤمنون، وقد جاء في الحديث: # " إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر " # ، وجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون. ~~ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه فقال: { إلا الذين ~~تابوا وأصلحوا وبينوا } أي رجعوا عما كانوا فيه، وأصلحوا ~~أعمالهم، وبينوا للناس ما كانوا يكتمونه { فأولئك أتوب ~~عليهم وأنا التواب الرحيم } ، وفي هذا دلالة على أن ~~الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله ms0187 عليه، ثم أخبر تعالى ~~عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأن { عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها } أي في ~~اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة لهم في نار جهنم { لا ~~يخفف عنهم العذاب } فيها أي لا ينقص عما هم فيه { ولا ~~هم ينظرون } أي لا يغير عنهم ساعة واحدة ولا يفتر، بل هو متواصل ~~دائم فنعوذ بالله من ذلك. قال أبو العالية وقتادة: إن الكافر يوقف يوم ~~القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون. # فصل # لا خلاف في جواز لعن الكفار، فأما الكافر المعين فقد ذهب جماعة من ~~العلماء إلى أنه لا يلعن لأنا لا ندري بما يختم الله له. وقالت طائفة ~~أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين، واختاره ابن العربي ولكنه احتج بحديث ~~فيه ضعف، واستدل غيره بقوله عليه السلام: # " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله " # فدل على أن من لا يحب الله ورسوله يلعن، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره، واستدل بعضهم ~~بالآية { أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين } والله أعلم. ### || [2.163] # يخبر تعالى عن تفرده بالإلهية، وأنه لا شريك له ولا عديل له، بل هو الله ~~الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله إلا هو وأنه الرحمن الرحيم، وقد ~~تقدم تفسير هذين الاسمين في أول الفاتحة. وفي الحديث عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين { وإلهكم إله واحد ~~لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } و { الم الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم } " # ، ثم ذكر الدليل على تفرده بالإلهية، بخلق السماوات والأرض وما فيهما ~~وما بين ذلك، مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته فقال: { ~~إن في خلق السموت والأرض واختلاف الليل ~~والنهار... }. ### || [2.164] # يقول تعالى: { إن في خلق السموت والأرض } تلك في ~~ارتفاعها ولطافتها واتساعها، وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، ~~وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها، وجبالها ms0188 وبحارها، وقفارها وعمرانها، ~~وما فيها من المنافع، واختلاف الليل والنهار، هذا يجيء ثم يذهب، ويخلفه ~~الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة كما قال تعالى: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا، ثم ~~يتعاوضان كما قال تعالى: # يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل # [الحج: 61] أي يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا، { والفلك ~~التي تجري في البحر بما ينفع الناس } أي في تسخير ~~البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب، لمعايش الناس والانتفاع بما عند أهل ~~ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء: { ومآ ~~أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا به الأرض ~~بعد موتها } كما قال تعالى: # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا ~~منها حبا فمنه يأكلون # [يس: 33]، { وبث فيها من كل دآبة } أي على اختلاف أشكالها ~~وألوانها، ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى ~~عليه شيء من ذلك كما قال تعالى: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ~~ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين # [هود: 6]. { وتصريف الرياح } أي فتارة تأتي بالرحمة، وتارة ~~تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه وتارة ~~تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الجنوب وتارة تأتي ~~من ناحية اليمن { والسحاب المسخر بين السمآء ~~والأرض } أي سائر بين السماء والأرض، مسخر إلى ما يشاء الله من ~~الأراضي والأماكن كما يصرفه تعالى: { لآيات لقوم يعقلون } أي ~~في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: # إن في خلق السموت والأرض واختلاف اليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # [آل عمران: 190]. # عن عطاء قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم # [البقرة: 163] فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل ~~الله تعالى: { إن في خلق السموت والأرض ms0189 واختلاف ~~الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ~~ينفع الناس } إلى قوله: { لآيات لقوم يعقلون } فبهذا ~~يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء. وقال أبو الضحى: ~~لما نزلت # وإلهكم إله واحد # [البقرة: 163] قال المشركون: إن كان هكذا فليأتنا بآية فأنزل الله عز ~~وجل: { إن في خلق السموت والأرض واختلاف ~~الليل والنهار } إلى قوله: { يعقلون }. ### || [2.165-167] # يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث ~~جعلوا له أندادا أي أمثالا ونظراء، يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو ~~الله لا إله إلا هو ولا ضد له ولا ند له ولا شريك معه، وفي الصحيحين عن ~~عبد الله بن مسعود قال، قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: # " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " # وقوله: { والذين آمنوا أشد حبا لله } ولحبهم لله ~~وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم له لا يشركون به شيئا، بل يعبدونه ~~وحده ويتوكلون عليه، ويلجأون في جميع أمورهم إليه. # ثم توعد تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك فقال: { ولو يرى ~~الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا }. قال بعضهم: تقدير الكلام لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن ~~القوة لله جميعا، أي أن الحكم له وحده لا شريك له وأن جميع الأشياء تحت ~~قهره وغلبته وسلطانه، { وأن الله شديد العذاب } ، كما قال: # فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق ~~وثاقه أحد # [الفجر: 25-26]. يقول: لو يعلمون ما يعاينونه هنالك، وما يحل بهم من ~~الأمر الفظيع، المنكر الهائل على شركهم وكفرهم، لانتهوا عما هم فيه من ~~الضلال. ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم، وتبري المتبوعين من التابعين فقال: { ~~إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } ، ~~تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار الدنيا، ~~فتقول الملائكة: # تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص: 63]، ويقولون: # سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن أكثرهم بهم مؤمنون # [سبأ: 41]. والجن أيضا تتبرأ منهم ويتنصلون من عبادتهم لهم، كما قال ~~تعالى: # وإذا حشر ms0190 الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6]. وقال تعالى: # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82]. # وقوله: { ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب } أي ~~عاينوا عذاب الله وتقطعت بهم الحيل وأسباب الخلاص ولم يجدوا عن النار ~~معدلا ولا مصرفا، قال ابن عباس: { وتقطعت بهم الأسباب } ~~المودة، وقوله: { وقال الذين اتبعوا لو أن لنا ~~كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا } أي لو أن ~~لنا عودة إلى الدار الدنيا، حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت ~~إليهم بل نوحد الله وحده بالعبادة، وهم كاذبون في هذا بل لو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك، ~~ولهذا قال: { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات ~~عليهم } أي تذهب وتضمحل، كما قال تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]، وقال تعالى: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف # [إبراهيم: 18] الآية. وقال تعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء # [النور: 39] الآية. ولهذا قال تعالى: { وما هم بخارجين من ~~النار }. ### || [2.168-169] # لما بين تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه ~~الرزاق لجميع خلقه، فذكر في مقام الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في ~~الأرض، في حال كونه حلالا من الله طيبا أي مستطابا في نفسه، غير ضار ~~للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي طرائقه ومسالكه ~~فيما أضل أتباعه فيه، من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها، مما ~~كان زينه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حماد عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " يقول الله تعالى إن كل مال منحته عبادي فهو لهم حلال - وفيه - وإني ~~خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما ~~أحللت لهم " # وعن ابن عباس قال: # " تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم: { يأيها الناس ~~كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } فقام سعد بن أبي وقاص ~~فقال: يا رسول ms0191 الله! أدع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: " يا سعد ~~أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة ~~الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت ~~والربا فالنار أولى به " ". # وقوله تعالى: { إنه لكم عدو مبين } تنفير عنه تحذير منه، ~~كما قال: # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا # [فاطر: 6]. وقال تعالى: # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو بئس للظالمين بدلا # [الكهف: 50] قال قتادة والسدي: كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان. ~~وقال مسروق: أتي عبد الله بن مسعود بضرع وملح فجعل يأكل، فاعتزل رجل من ~~القوم، فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم، فقال: لا أريده، فقال: أصائم أنت؟ ~~قال: لا، قال: فما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعا أبدا، فقال ابن مسعود: ~~هذا من خطوات الشيطان، فاطعم وكفر عن يمينك. وعن ابن عباس قال: ما كان ~~من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين. ~~وقوله: { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون } أي إنما يأمركم عدوكم ~~الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ~~ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضا. ### || [2.170-171] # يقول تعالى: { وإذا قيل لهم } للكفرة المشركين: { اتبعوا ~~مآ أنزل الله } على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه من الضلال ~~والجهل، قالوا في جواب ذلك: { بل نتبع مآ ألفينا } أي ما ~~وجدنا عليه آباءنا، أي من عبادة الأصنام والأنداد. قال الله تعالى منكرا ~~عليهم: { أولو كان آباؤهم } أي الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم ~~{ لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } أي ليس لهم فهم ولا ~~هداية، عن ابن عباس أنها نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، ~~فأنزل الله هذه الآية. ثم ضرب لهم تعالى مثلا، كما قال تعالى: # للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء # [النحل: ms0192 60]، فقال: { ومثل الذين كفروا } أي فيما هم فيه من ~~الغي والضلال والجهل، كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا ~~نعق بها راعيها، أي دعاها إلى ما يرشدها لا تفقه ما يقول ولا تفهمه بل ~~إنما تسمع صوته فقط، هكذا روي عن ابن عباس. وقيل: إنما هذا مثل ضرب لهم ~~في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئا، واختاره ابن ~~جرير، والأول أولى لأن الأصنام لا تسمع شيئا ولا تعقله ولا تبصره ولا ~~بطش لها ولا حياة فيها، وقوله: { صم بكم عمي } أي صم عن سماع ~~الحق، بكم لا يتفوهون به، عمي عن رؤية طريقه ومسلكه { فهم لا ~~يعقلون } أي لا يعقلون شيئا ولا يفهمونه، كما قال تعالى: # والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ~~من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم # [الأنعام: 39]. ### || [2.172-173] # يأمر تعالى عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه ~~تعالى على ذلك إن كانوا عباده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء ~~والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة، كما جاء في ~~الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما ~~أمر به المرسلين فقال: { يأيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } ~~وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم }. ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى ~~السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي ~~بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ " # ولما امتن تعالى عليهم برزقه وأرشدهم إلى الأكل من طيبه، ذكر أنه لم ~~يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، ~~وسواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو عدا عليها السبع، وقد ~~خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى: # أحل لكم صيد البحر وطعامه # [المائدة: 96]، وقوله عليه السلام في ms0193 البحر: # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " # ، وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله في سورة المائدة. # ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها عند فقد غيرها من ~~الأطعمة فقال: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } أي في غير ~~بغي ولا عدوان وهو مجاوزة الحد { فلا إثم عليه } أي في أكل ذلك. ~~{ إن الله غفور رحيم }. قال مجاهد: { غير باغ ولا ~~عاد } من خرج باغيا أو عاديا أو في معصية الله فلا رخصة له وإن اضطر ~~إليه، وقال مقاتل بن حيان: { غير باغ } يعني غير مستحله، وقال ~~السدي: { غير باغ } يبتغي فيه شهواته، وعن ابن عباس: لا يشبع منها ~~وعنه: { غير باغ ولا عاد } قال: { غير باغ } في الميتة، ~~ولا عاد في أكله، وقال قتادة: { فمن اضطر غير باغ ولا ~~عاد } قال: غير باغ في الميتة أي في أكله أن يتعدى حلالا إلى حرام هو ~~يجد عنه مندوحة، وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله: { فمن اضطر } أي ~~أكره على ذلك بغير اختياره. # مسألة # إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير، بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فإنه لا يحل ~~له أكل الميتة، بل يأكل طعام الغير بغير خلاف لحديث عباد بن شرحيل العنزي ~~قال: أصابتنا عاما مخمصة فأتيت المدينة، فأتيت حائطا، فأخذت سنبلا ~~ففركته وأكلته وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، ~~فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال للرجل: " ما أطعمته إذ ~~كان جائعا ولا ساعيا، ولا علمته إذ كان جاهلا " فأمره فرد إليه ~~ثوبه، وأمر له بوسق طعام أو نصف وسق. وقال مقاتل بن حيان: في قوله: { ~~فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم } فيما أكل من ~~اضطرار، وبلغنا - والله أعلم - أنه لا يزاد على ثلاث لقم، وقال سعيد بن ~~جبير: { غفور } لما أكل من الحرام { رحيم } إذ أحل له الحرام في ~~اضطرار، وقال مسروق: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات دخل النار، وهذا ~~يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، ms0194 وهذا هو الصحيح كالإفطار ~~للمريض. ### || [2.174-176] # يقول تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من ~~الكتاب } يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم، في ~~كتبهم التي بأيديهم مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب ~~رياستهم، وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم ~~آباءهم، فخشوا - لعنهم الله - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، ~~فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك وهو نزر يسير، فباعوا ~~أنفسهم بذلك، واعتاضوا عن الهدى بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في ~~الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله أظهر لعباده صدق رسوله، بما نصبه ~~وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات، فصدقه الذين كانوا ~~يخافون أن يتبعوه، وصاروا عونا له على قتالهم، وباءوا بغضب على غضب، ~~وذمهم الله في كتابه في غير موضع، فمن ذلك هذه الآية الكريمة: { إن ~~الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ~~ويشترون به ثمنا قليلا } وهو عرض الحياة الدنيا { ~~أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } ، أي ~~إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارا تأجج في بطونهم يوم ~~القيامة، كما قال تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا # [النساء: 10]. وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار ~~جهنم ". # وقوله تعالى: { ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ~~يزكيهم ولهم عذاب أليم } ، وذلك لأنه تعالى غضبان عليهم، ~~لأنهم كتموا وقد علموا فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم { ولا يزكيهم } أي ~~يثني عليهم ويمدحهم بل يعذبهم عذابا أليما، عن أبي هريرة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ ~~زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر " # ثم قال تعالى مخبرا عنهم: { أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى } ، أي اعتاضوا عن الهدى - وهو نشر ما في كتبهم ms0195 ~~من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه - ~~استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه الضلالة، وهو تكذيبه والكفر به وكتمان ~~صفاته في كتبهم { والعذاب بالمغفرة } أي اعتاضوا عن المغفرة ~~بالعذاب وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة. # وقوله تعالى: { فمآ أصبرهم على النار } يخبر تعالى أنهم في ~~عذاب شديد عظيم هائل، يتعجب من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع شدة ما هم ~~فيه من العذاب والنكال والأغلال عياذا بالله من ذلك، وقيل: معنى قوله: { ~~فمآ أصبرهم على النار } أي فما أدومهم لعمل المعاصي التي ~~تفضي بهم إلى النار. وقوله تعالى: { ذلك بأن الله نزل ~~الكتاب بالحق } أي إنما استحقوا هذا العذاب الشديد، لأن الله ~~تعالى أنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى الأنبياء قبله كتبه ~~بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوا، فكتابهم ~~يأمرهم بإظهار العلم ونشره فخالفوه وكذبوه، وهذا الرسول الخاتم يدعوهم ~~إلى الله تعالى، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ~~ويخالفونه، ويجحدونه ويكتمون صفته، فاستهزأوا بآيات الله المنزلة على ~~رسله، فلهذا استحقوا العذاب والنكال، ولهذا قال: { ذلك بأن ~~الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا ~~في الكتاب لفي شقاق بعيد }. ### || [2.177] # اشتملت هذه الآية الكريمة على جمل عظيمة، وقواعد عميقة، وعقيدة مستقيمة، ~~فإن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم ~~حولهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض ~~المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو ~~طاعة الله عز وجل، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، ~~فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من ~~المشرق أو المغرب بر ولا طاعة، إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، ولهذا ~~قال: { ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر } ~~كما قال في الأضاحي والهدايا: # لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم # [الحج: 37]. وقال ابن عباس في هذه الآية: ليس البر ms0196 أن تصلوا ولا ~~تعلموا، فأمر الله بالفرائض والعمل بها، وقال أبو العالية: كانت اليهود ~~تقبل قبل المغرب، وكانت النصارى تقبل قبل المشرق، فقال الله تعالى: { ~~ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب } يقول: هذا كلام الإيمان وحقيقته العمل، وقال مجاهد ولكن ~~البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله عز وجل، { والكتاب } وهو اسم ~~جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى ختمت بأشرفها وهو ~~القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل ~~على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله وآمن ~~بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه ~~وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: { وآتى المال على حبه } أي ~~أخرجه وهو محب له راغب فيه، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ~~مرفوعا: # " أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " { وآتى المال على حبه } أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل ~~العيش وتخشى الفقر " # ، وقال تعالى: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد ~~منكم جزآء ولا شكورا # [الإنسان: 8-9]، وقال تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92]، وقوله: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # [الحشر: 9] نمط آخر أرفع من هذا وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه، ~~وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له. # وقوله تعالى: { ذوي القربى } وهم قرابات الرجل، وهم أولى من أعطى ~~من الصدقة كما ثبت في الحديث: # " الصدقة على المساكين صدقة وعلى ذوي الرحم ثنتان: صدقة وصلة، فهم أولى ~~الناس بك وببرك وإعطائك " # وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير موضع من كتابه العزيز { ~~واليتامى } هم الذين لا كاسب لهم وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار ~~دون البلوغ، والقدرة على التكسب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يتم بعد حلم " # ، { والمساكين } وهم الذين لا ms0197 يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم ~~وسكناهم، فيعطون ما تسد به حاجتهم وخلتهم، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة ~~واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ~~" # ، { وابن السبيل } وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته فيعطى ~~ما يوصله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفرا في طاعة فيعطى ما يكفيه في ~~ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف كما قال ابن عباس { ابن السبيل ~~}: هو الضيف الذي ينزل، { والسآئلين } وهم الذين يتعرضون للطلب ~~فيعطون من الزكوات والصدقات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " للسائل حق وإن جاء على فرس " # ، { وفي الرقاب } وهم المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في ~~كتابتهم، عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " في المال حق سوى الزكاة " # ، ثم قرأ: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب - إلى قوله - وفي الرقاب }. # وقوله تعالى: { وأقام الصلاة } أي وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها ~~بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها، على الوجه الشرعي المرضي، وقوله: { ~~وآتى الزكاة } كقوله: # وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة # [فصلت: 6-7] والمراد زكاة المال كما قاله سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان، ~~ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين، إنما هو التطوع ~~والبر والصلة، ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس أن في المال حقا ~~سوى الزكاة، والله أعلم. # وقوله تعالى: { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } كقوله: # الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق # [الرعد: 20] وعكس هذه الصفة النفاق كما صح في الحديث: # " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان " # ، وفي الحديث الآخر: # " وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر " # ، وقوله تعالى: { والصابرين في البأسآء والضراء ~~وحين البأس } أي في حال الفقر وهو البأساء، وفي حال المرض ~~والأسقام وهو الضراء، { وحين البأس } أي في حال القتال والتقاء ~~الأعداء قاله ابن مسعود ms0198 وابن عباس. وإنما نصب { الصابرين } على ~~المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته، والله أعلم. وقوله: ~~{ أولئك الذين صدقوا } أي هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات ~~هم الذين صدقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال ~~والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا { وأولئك هم المتقون } ~~لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات. ### || [2.178-179] # يقول تعالى: كتب عليكم العدل في القصاص - أيها المؤمنون - حركم بحركم، ~~وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا كما اعتدى من ~~قبلكم وغيروا حكم الله فيهم، وسبب ذلك (قريظة والنضير) فكان إذا قتل ~~النضري القرظي لا يقتل به بل يفادى بمائة وسق من التمر، وإذا قتل ~~القرظي النضري قتل، وإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر، ضعف دية القرظي، ~~فأمر الله تعالى بالعدل في القصاص، ولا يتبع سبيل المفسدين المحرفين، ~~المخالفين لأحكام الله فيهم كفرا وبغيا فقال تعالى: { الحر ~~بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } وذكر عن ~~سعيد بن جبير في قول الله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم القصاص في القتلى } يعني إذا كان عمدا الحر بالحر، ~~وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان ~~بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى ~~أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن ~~لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، والمرأة منا الرجل منهم، فنزل ~~فيهم: { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى ~~بالأنثى }. وعن ابن عباس في قوله: { والأنثى بالأنثى } ~~أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة ~~بالمرأة، فأنزل الله النفس بالنفس والعين بالعين، فجعل الأحرار في القصاص ~~سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل ~~العبيد مستويين فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ~~ونساؤهم وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: # النفس بالنفس # [المائدة: 45]. # مسألة # ذهب أبو حنيفة إلى أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة وهو مروي عن ~~(علي) و (ابن مسعود). ms0199 قال البخاري: يقتل السيد بعبده لعموم حديث: # " من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه ومن خصباه خصيناه " # ، وخالفهم الجمهور فقالوا: لا يقتل الحر بالعبد، لأن العبد سلعة لو قتل ~~خطأ لم يجب فيه دية وإنما تجب فيه قيمته، ولأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس ~~بطريق الأولى، وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر لما ثبت في ~~البخاري عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يقتل مسلم بكافر " # ، ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل ~~به لعموم آية المائدة. # مسألة # قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور ~~لآية المائدة ولقوله عليه السلام: # " المسلمون تتكافأ دماؤهم " # ، وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة. # مسألة # ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد، قال عمر في ~~غلام قتله سبعة فقتلهم وقال: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم)، ولا ~~يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة وذلك كالإجماع، وحكي عن الإمام أحمد ~~رواية أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة. # وقوله تعالى: { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ~~بالمعروف وأدآء إليه بإحسان } قال مجاهد: العفو: أن ~~يقبل الدية في العمد. وعن ابن عباس: { فمن عفي له من أخيه ~~شيء } يعني فمن ترك له من أخيه شيء يعني أخذ الدية بعد استحقاق الدم ~~وذلك العفو { فاتباع بالمعروف } ، يقول: فعلى الطالب اتباع ~~بالمعروف إذا قبل الدية { وأدآء إليه بإحسان } يعني من ~~القاتل من غير ضرر يؤدي المطلوب إليه بإحسان، { ذلك تخفيف من ~~ربكم ورحمة } يقول تعالى إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد، ~~تخفيفا من الله عليكم ورحمة بكم، مما كان محتوما على الأمم قبلكم من ~~القتل أو العفو، كما قال مجاهد عن ابن عباس: كتب على بني إسرائيل القصاص ~~في القتلى ولم يكن فيهم العفو، فقال الله لهذه الأمة: { كتب ~~عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى ms0200 فمن عفي له من أخيه ~~شيء } فالعفو أن يقبل الدية في العمد، ذلك تخفيف مما كتب على بني ~~إسرائيل ومن كان قبلكم { فاتباع بالمعروف وأدآء إليه ~~بإحسان } وقال قتادة: { ذلك تخفيف من ربكم } رحم ~~الله هذه الأمة وأطعمهم الدية، ولم تحل لأحد قبلهم، فكان أهل التوراة ~~إنما هو القصاص. وعفو ليس بينهم أرش، وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو أمروا ~~به، وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرش. # قوله تعالى: { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } ~~يقول تعالى فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها فله عذاب من الله، أليم: ~~موجع شديد، لحديث: # " من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن ~~يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى ~~بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها ". # وقوله تعالى: { ولكم في القصاص حيوة } ، يقول تعالى: وفي ~~شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل، حكمة عظيمة وهي بقاء المهج وصونها، لأنه ~~إذا علم القاتل أنه يقتل، انكف على صنيعه فكان في ذلك حياة للنفوس، ~~واشتهر قولهم: " القتل أنفى للقتل " فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح ~~وأبلغ وأوجز { ولكم في القصاص حيوة } قال أبو العالية: جعل ~~الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل، { ~~يأولي الألباب لعلكم تتقون } يقول يا أولي العقول ~~والأفهام والنهى، لعلكم تنزجرون وتتركون محارم الله ومآثمه. والتقوى: اسم ~~جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات. ### || [2.180-182] # اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد ~~كان ذلك واجبا قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، ~~وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله، يأخذها أهلوها حتما من غير وصية ~~ولا تحمل منة الموصي، ولهذا جاء في الحديث: # " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " # وعن ابن عباس في قوله: { الوصية للوالدين والأقربين ~~} نسختها هذه الآية: # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~وللنسآء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~مما قل منه ms0201 أو كثر نصيبا مفروضا # [النساء: 7]. والعجب من الرازي كيف حكى عن أبي مسلم الأصفهاني أن هذه ~~الآية غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم ما ~~أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين من قوله: # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء: 11]، قال: وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، قال: ~~ومنهم من قال إنها منسوخة فيمن يرث، ثابتة فيمن لا يرث، ولكن على قول ~~هؤلاء لا يسمى هذا نسخا في اصطلاحنا المتأخر، لأن آية المواريث إنما ~~رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية، لأن الأقربين أعم ممن ~~يرث ومن لا يرث، فرفع حكم من يرث بما عين له وبقي الآخر على ما دلت عليه ~~الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن الوصاية في ابتداء ~~الإسلام إنما كانت ندبا حتى نسخت، فأما من يقول: إنها كانت واجبة، وهو ~~الظاهر من سياق الآية، فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث، كما قاله ~~أكثر المفسرين. فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ ~~بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم: # " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " # بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم، يستحب له أن يوصي لهم من الثلث، ~~استئناسا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ~~" # قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول ذلك إلا وعندي وصيتي. { إن ترك خيرا } أي مالا، قاله ابن ~~عباس ومجاهد. ثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قل المال أو كثر، ومنهم ~~من قال: إنما يوصي إذا ترك مالا كثيرا. قيل لعلي رضي الله عنه: إن ~~رجلا من قريش قد مات وترك ثلثمائة دينار أو أربعمائة ولم يوص، قال: ليس ~~بشيء، إنما قال الله { إن ترك خيرا } إذا تركت شيئا يسيرا ~~فاتركه لولدك. وقال ابن عباس: من لم يترك ms0202 ستين دينارا لم يترك خيرا. # وقال قتادة: كان يقال ألفا فما فوقها، وقوله: { بالمعروف } أي ~~بالرفق والإحسان، والمراد بالمعروف أن يوصي لأقاربه وصية لا تجحف بورثته ~~كما ثبت في الصحيحين # " أن سعدا قال: يا رسول الله: إن لي مالا ولا يرثني إلا ابنة لي ~~أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: " لا " ، قال: فبالشطر؟ قال: " لا " ، قال: ~~فالثلث؟ قال: " الثلث، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن ~~تدعهم عالة يتكففون الناس " # وفي صحيح البخاري أن ابن عباس قال: # " لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " الثلث، والثلث كثير " ". # وقوله تعالى: { فمن بدله بعد ما سمعه فإنما ~~إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ~~} ، يقول تعالى: فمن بدل الوصية وحرفها فغير حكمها وزاد فيها أو نقص، ~~ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى { فإنما إثمه على ~~الذين يبدلونه } ، قال ابن عباس: وقع أجر الميت على الله، ~~وتعلق الإثم بالذين بدلوا ذلك. { إن الله سميع عليم } أي ~~قد اطلع على ما أوصى به الميت وهو عليم بذلك وبما بدله الموصى إليهم. ~~وقوله تعالى: { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } قال ابن ~~عباس: الجنف: الخطأ، وهذا يشمل أنواع الخطأ كلها، بأن زادوا وارثا ~~بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى لابن ابنته ليزيدها أو نحو ذلك من ~~الوسائل، إما مخطئا غير عامد بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر، أو ~~متعمدا آثما في ذلك، فللوصي والحالة هذه أن يصلح القضية ويعدل في ~~الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت، إلى ما هو أقرب ~~الأشياء إليه وأشبه الأمور به، جمعا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي، ~~وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء، ولهذا عطف هذا فنبه على ~~النهي عن ذلك، ليعلم أن هذا ليس من ذلك بسبيل، والله أعلم. وفي الحديث: # " الجنف في الوصية من الكبائر " # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الرجل ليعمل ms0203 بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى جاف في وصيته ~~فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة ~~فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة " # قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم # تلك حدود الله فلا تعتدوها # [البقرة: 229] الآية. ### || [2.183-184] # يخاطب تعالى المؤمنين من هذه الأمة، آمرا إياهم بالصيام، وهو الإمساك ~~عن الطعام والشراب والوقاع، بنية خالصة لله عز وجل، لما فيه من زكاة ~~النفوس وطهارتها، وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة، وذكر ~~أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة، وليجتهد ~~هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك كما قال تعالى: # فاستبقوا الخيرات # [البقرة: 148]، ولهذا قال ههنا: { كما كتب على الذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون } لأن الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق ~~لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت في الصحيحين: # " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج.. ومن لم يستطع فعليه ~~بالصوم فإنه له وجاء " # ، ثم بين مقدار الصوم وأنه ليس في كل يوم، لئلا يشق على النفوس، فتضعف ~~عن حمله وأدائه، بل في أيام معدودات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ~~يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان كما سيأتي ~~بيانه. وقد روي أن الصيام كان أولا كما كان عليه الأمم قبلنا، من كل شهر ~~ثلاثة أيام ولم يزل هذا مشروعا من زمان نوح، إلى أن نسخ الله ذلك بصيام ~~شهر رمضان، وقال الحسن البصري: لقد كتب الصيام على كل أمة قد خلت كما ~~كتب علينا، شهرا كاملا وأياما معدودات عددا معلوما. وعن عبد الله بن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم ". # وقال عطاء عن ابن عباس: { كما كتب على الذين من قبلكم ~~} يعني بذلك أهل الكتاب، ثم بين حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ~~ابتداء الإسلام فقال: { فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر ms0204 } أي المريض والمسافر لا يصومان في حال ~~المرض والسفر، لما في ذلك من المشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك ~~من أيام أخر، وأما الصحيح المقيم الذي يطيق الصيام، فقد كان مخيرا بين ~~الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا، ~~فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الإطعام، ~~قاله ابن مسعود وابن عباس، ولهذا قال تعالى: { وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو ~~خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ~~}. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ~~ثلاثة أيام وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام وأنزل الله تعالى: ~~{ يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما ~~كتب على الذين من قبلكم } إلى قوله: { وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين } فكان من شاء صام ومن شاء أطعم ~~مسكينا فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185] إلى قوله: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185] فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض ~~والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، وكانوا يأكلون ~~ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلا من ~~الأنصار يقال له (صرمة) كان يعمل صائما، حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى ~~العشاء ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب، حتى أصبح، فأصبح صائما فرآه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقد جهد جهدا شديدا، فقال: # " مالي أراك قد جهدت جهدا شديدا؟ " # قال: يا رسول الله إني عملت أمس، فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت ~~حين أصبحت صائما، قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأنزل الله عز وجل: # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم # [البقرة: 187] - إلى قوله - # ثم أتموا الصيام إلى ms0205 الليل # [البقرة: 187]. # وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت { وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين } كان من أراد أن يفطر يفتدي ~~حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، وروي عن ابن عمر قال: هي منسوخة، ~~وقال السدي: لما نزلت هذه الآية: { وعلى الذين يطيقونه ~~فدية طعام مسكين } كان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا ~~فكانوا كذلك حتى نسختها: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185]. وقال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة ~~الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا. وعن ابن عباس ~~قال: نزلت هذه الآية { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين } في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ثم ضعف، فرخص له أن يطعم ~~مكان كل يوم مسكينا، وعن ابن أبي ليلى قال: دخلت على (عطاء) في رمضان ~~وهو يأكل فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية فنسخت الأولى، إلا الكبير ~~الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينا وأفطر. # فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم، بإيجاب الصيام عليه ~~بقوله: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185] وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام، فله أن ~~يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليس له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ~~ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكينا إذا كان ذا جدة؟ ~~فيه قولان، أحدهما: لا يجب عليه إطعام لأنه ضعيف عنه لسنه، فلم يجب عليه ~~فدية كالصبي، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وهو أحد قولي الشافعي. ~~والثاني: وهو الصحيح وعليه أكثر العلماء أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، ~~وهو اختيار البخاري، فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد ~~أطعم أنس بعد ما كبر عاما أو عامين، عن كل يوم مسكينا خبزا ولحما ~~وأفطر، ومما يلتحق بهذا المعنى (الحامل) و (المرضع) إذا خافتا على ~~أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين العلماء فمنهم من قال: يفطران ~~ويفديان ويقضيان، ms0206 وقيل: يفديان فقط ولا قضاء، وقيل: يجب القضاء بلا فدية، ~~وقيل: يفطران ولا فدية ولا قضاء. ### || [2.185] # يمدح تعالى شهر الصيام بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهن لإنزال ~~القرآن العظيم، بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على ~~الأنبياء، قال الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من ~~رمضان، والإنجيل لثلاث عشر خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين ~~خلت من رمضان " # ، وأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل، فنزل كل منها على النبي الذي ~~أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة ~~من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه كما قال ~~تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]، وقال: # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة # [الدخان: 3]، ثم نزل بعد مفرقا بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، هكذا روي من غير وجه عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود ~~فقال: وقع في قلبي الشك قول الله تعالى: { شهر رمضان الذي ~~أنزل فيه القرآن } ، وقوله: # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة # [الدخان: 3]، وقوله: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] وقد أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم ~~وصفر وشهر ربيع!! فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر، وفي ~~ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلا في الشهور ~~والأيام. # وقوله تعالى: { هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان } هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن ~~آمن به وصدقه واتبعه، { وبينات } أي دلائل وحجج بينة واضحة جلية ~~لمن فهمها وتدبرها، دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، ~~والرشد المخالف للغي، ومفرقا بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وقد ~~روي عن بعض السلف أنه كره أن يقال: (رمضان) ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ~~ثابت، وقد انتصر البخاري ms0207 لهذا فقال: باب - يقال رمضان - وساق أحاديث في ~~ذلك، منها: # " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " # ونحو ذلك. # وقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } هذا ~~إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر، أي كان مقيما في البلد حين دخل ~~شهر رمضان وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة، ونسخت هذه الآية الإباحة ~~المتقدمة لمن كان صحيحا مقيما أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم ~~كما تقدم بيانه. ولما ختم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر في ~~الإفطار بشرط القضاء فقال: { ومن كان مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر } معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق ~~عليه الصيام معه أو يؤذيه، أو كان على سفر أي في حالة السفر فله أن يفطر، ~~فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام، ولهذا قال: { يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } أي إنما رخص ~~لكم في الفطر في حال المرض والسفر، مع تحتمه في حق المقيم الصحيح السليم ~~تيسيرا عليكم ورحمة بكم. # وههنا مسائل تتعلق بهذا الآية، (إحداها): أنه قد ذهب طائفة من السلف ~~إلى أن من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر في أثنائه فليس له الإفطار ~~بعذر السفر والحالة هذه لقوله: { فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه } ، وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر، وهذا ~~قول غريب نقله ابن حزم في كتابه (المحلى) عن جماعة من الصحابة والتابعين ~~وفيما حكاه عنهم نظر، فإنه قد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأمر ~~الناس بالفطر، (الثانية): ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب ~~الإفطار في السفر لقوله تعالى: { فعدة من أيام أخر } ~~والصحيح قول الجمهور أن الأمر في ذلك على التخيير، وليس بحتم، لأنهم ~~كانوا يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان قال: فمنا ~~الصائم ومنا المفطر، فلم ms0208 يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، ~~فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في مثل هذه الحالة صائما، لما ثبت في ~~الصحيحين عن أبي الدرداء، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر ~~وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. ~~(الثالثة): قالت طائفة، منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار ~~لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وقالت طائفة: بل الإفطار أفضل ~~أخذا بالرخصة، وقالت طائفة: هما سواء لحديث عائشة # " أن حمزة بن عمرو الأسلمي، قال: يا رسول الله إني كثير الصيام أفأصوم ~~في السفر؟ فقال: " إن شئت فصم وإن شئت فأفطر " # ، وقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل لحديث جابر: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد ظلل عليه فقال: " ما ~~هذا "؟ قالوا: صائم، فقال: " ليس من البر الصيام في السفر " # أخرجاه. (الرابعة): القضاء هل يجب متتابعا أو يجوز فيه التفريق فيه ~~قولان: (أحدهما): أنه يجب التتابع لأن القضاء يحكي الأداء والثاني: لا ~~يجب التتابع بل إن شاء فرق وإن شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف ~~وعليه ثبتت الدلائل لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في ~~الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر، ولهذا قال ~~تعالى: { فعدة من أيام أخر } ، ثم قال تعالى: { يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }. # وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي موسى حين ~~بعثهما إلى اليمن: # " بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا وتطاوعا ولا تختلفا " # وفي السنن والمسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " بعثت بالحنيفية السمحة " # ومعنى قوله: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر ولتكملوا العدة } أي إنما أرخص لكم ms0209 في الإفطار ~~للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار، لإرادته بكم اليسر، وإنما أمركم ~~بالقضاء لتكملوا عدة شهركم، وقوله: { ولتكبروا الله على ~~ما هداكم } ، أي: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال: # فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ~~آبآءكم أو أشد ذكرا # [البقرة: 200]، وقال: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون # [الجمعة: 10]. ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد ~~الصلوات المكتوبات، وقال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير، ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية ~~التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: { ولتكملوا العدة ~~ولتكبروا الله على ما هداكم } ، وقوله: { ~~ولعلكم تشكرون } ، أي إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته، ~~بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين ~~بذلك. ### || [2.186] # روي أن أعرابيا قال: يا رسول الله: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد ~~فنناديه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: { وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا } ، وعن الحسن قال: سأل ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين ربنا؟ فأنزل الله عز وجل: { ~~وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان } الآية. وقال عطاء: إنه بلغه لما نزلت # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] قال الناس: لو نعلم أي ساعة ندعو؟ فنزلت: { وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع ~~إذا دعان } ، وعن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في غزوة فجعلنا لا نصعد شرفا، ولا نعلو شرفا، ولا نهبط ~~واديا، إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير. قال: فدنا منا فقال: # " يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما ~~تدعون سميعا بصيرا، إن الذين تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا ~~عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله ~~". # وعن أبي ms0210 هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " قال الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه " # (قلت): وهذا كقوله تعالى: # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون # [النحل: 128]، وقوله لموسى وهارون عليهما السلام: # إنني معكمآ أسمع وأرى # [طه: 46] والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه ~~شيء، بل هو سميع الدعاء ففيه ترغيب في الدعاء وأنه لا يضيع لديه تعالى، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرا ~~فيردهما خائبتين " # وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا ~~أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له ~~في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها " # ، قالوا: إذن نكثر، قال: # " الله أكثر " # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة إلا آتاه الله ~~إياها أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم " # وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل ". ~~قيل: يا رسول الله! وما الاستعجال؟ قال: " يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر ~~يستجاب لي يستجاب عند ذلك ويدع الدعاء " ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس فاسألوه ~~وأنتم موقنون بالإجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل " # وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، متخللة بين أحكام الصيام، ~~وإرشاد إلى الاجتهاد عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر، كما روي عن عبد ~~الله بن عمرو قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن للصائم عند فطره دعوة ما ms0211 ترد " # قال عبيد الله بن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: إذا أفطر: ~~اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شي أن تغفر لي. وعن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم ~~يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة وتفتح لها أبواب السماء ويقول بعزتي ~~لأنصرنك ولو بعد حين ". ### || [2.187] # هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء ~~الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى ~~صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام ~~والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة، والرفث ~~هنا هو الجماع قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقوله: { هن لباس ~~لكم وأنتم لباس لهن } قال ابن عباس: يعني هن سكن لكم ~~وأنتم سكن لهن، وقال الربيع: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن، وحاصله أن ~~الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه، فناسب أن يرخص لهم ~~في المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا. # وكان السبب في نزول هذه الآية ما روي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا كان الرجل صائما فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن (قيس بن ~~صرمة) الأنصاري كان صائما وكان يومه ذلك يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار ~~أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا ولكن انطلق فأطلب لك، فغلبته ~~عينه فنام، وجاءت امرأته فلما رأته نائما قالت: خيبة لك أنمت؟ فلما ~~انتصف النهار؟ غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه ~~الآية: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسآئكم } - إلى قوله - { وكلوا واشربوا حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر } ففرحوا بها فرحا شديدا، ولفظ البخاري عن البراء قال: لما ~~نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون ~~أنفسهم فأنزل ms0212 الله: { علم الله أنكم كنتم تختانون ~~أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم }. وعن ابن عباس قال: ~~كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام ~~إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناسا من المسلمين أصابوا من النساء ~~والطعام في شهر رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { علم الله أنكم ~~كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ~~فالآن باشروهن } الآية. # وعن أبي هريرة في قول الله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث إلى نسآئكم } قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية ~~إذا صلوا العشاء الآخرة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا، ~~وإن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء، وإن (صرمة بن قيس) ~~الأنصاري غلبته عيناه بعد صلاة المغرب فنام، ولم يشبع من الطعام ولم ~~يستيقظ حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء فقام فأكل وشرب، ~~فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فأنزل الله عند ~~ذلك: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم ~~} يعني بالرفث مجامعة النساء، { هن لباس لكم وأنتم ~~لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون ~~أنفسكم } يعني تجامعون النساء وتأكلون وتشربون بعد العشاء، { ~~فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن } يعني ~~جامعوهن { وابتغوا ما كتب الله لكم } يعني: الولد، { ~~وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل } فكان ذلك عفوا من الله ورحمة، وقال ابن جرير: كان ~~الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب ~~والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت: ~~إني قد نمت، فقال: ما نمت، ثم وقع بها. # وصنع (كعب بن مالك) مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله: { علم ms0213 الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن ~~باشروهن } الآية. فأباح الجماع والطعام والشراب في جميع الليل رحمة ~~ورخصة ورفقا. # وقوله تعالى: { وابتغوا ما كتب الله لكم } ، قال ابن ~~عباس ومجاهد وعكرمة: يعني الولد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: { ~~وابتغوا ما كتب الله لكم } يعني الجماع، وقال قتادة: ~~ابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم، يقول ما أحل الله لكم. واختار ابن جرير ~~أن الآية أعم من هذا كله. # قوله تعالى: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل } ، أباح تعالى الأكل والشرب مع ~~ما تقدم من إباحة الجماع، في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء ~~الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود ورفع ~~اللبس بقوله: { من الفجر } ، كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم ~~في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل حتى يتبين له ~~رؤيتهما، فأنزل الله بعد { من الفجر } فعلموا أنما يعني الليل ~~والنهار. وعن عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية: { وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود } عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض، قال: ~~فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما فلما تبين لي الأبيض من ~~الأسود أمسكت فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ~~بالذي صنعت فقال: # " إن وسادك إذن لعريض إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل " # وجاء في بعض الألفاظ: " إنك لعريض القفا " ففسره بعضهم بالبلادة، ويفسره ~~رواية البخاري أيضا قال: # " إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا، بل هو سواد الليل ~~وبياض النهار ". # فصل # وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر، دليل على استحباب السحور، ~~لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالحث على السحور. ففي الصحيحين عن أنس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تسحروا ms0214 فإن في السحور بركة " # ، وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور " # ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " السحور أكلة بركة فلا تدعوه ولو أن أحدكم تجرع جرعة ماء، فإن الله ~~وملائكته يصلون على المتسحرين " # ويستحب تأخيره كما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت قال: ~~تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة، فقال أنس ~~قلت: لزيد: كم كان بين الآذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية. وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور ". # وحكى ابن جرير في تفسيره عن بعضهم أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس ~~كما يجوز الإفطار بغروبها. (قلت): وهذا القول ما أظن أحدا من أهل العلم ~~يستقر له قدم عليه لمخالفته نص القرآن في قوله: { وكلوا واشربوا ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ~~} ، وقد ورد في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ~~تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض - لعمود الصبح - حتى يستطير " # وعن عطاء: سمعت ابن عباس يقول: هما فجران فأما الذي يسطع في السماء فليس ~~يحل ولا يحرم شيئا ولكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرم ~~الشراب، وقال عطاء: فأما إذا سطع سطوعا في السماء سطوعه أن يذهب في ~~السماء طولا فإنه لا يحرم به شراب للصائم ولا صلاة ولا يفوت به الحج، ~~ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال حرم الشراب للصيام وفات الحج، وهذا إسناد ~~صحيح إلى ابن عباس وعطاء، وهكذا روي عن غير واحد من السلف ms0215 رحمهم الله. # مسألة # ومن جعله تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد ~~الصيام، يستدل على أنه من أصبح جنبا فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه، ~~وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفا وخلفا، لما رواه البخاري ~~ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أنهما قالتا: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم، ~~وفي حديث (أم سلمة) عندهما ثم لا يفطر ولا يقضي. # وقوله تعالى: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } يقتضي ~~الإفطار عند غروب الشمس كما جاء في الصحيحين: # " إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله عز وجل: أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا " # ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال، وهو أن يصل يوما بيوم ~~آخر ولا يأكل بينهما شيئا، عن أبي هريرة قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تواصلوا " ، قالوا: يا رسول ~~الله! إنك تواصل، قال: " فإني لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " # قال فلم ينتهوا عن الوصال فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين ~~وليلتين، ثم رأوا الهلال فقال: # " لو تأخر الهلال لزدتكم " # كالمنكل لهم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، قال: # " إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني " # ، فقد ثبت النهي عنه من غير وجه، وثبت أنه من خصائص النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنه كان يقوى على ذلك ويعان، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه ~~إنما كان (معنويا) لا (حسيا) وإلا فلا يكون مواصلا مع الحسي ولكن كما ~~قال الشاعر: # لها أحاديث من ذكراك تشغلها # عن الشراب وتلهيها عن الزاد # وأما من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر فله ذلك، ms0216 كما في حديث ~~أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر ". قالوا: فإنك ~~تواصل يا رسول الله، قال: " إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني ~~وساق يسقيني " ". # وقوله تعالى: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد } ، قال ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان ~~أو في غير رمضان فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلا أو نهارا حتى ~~يقضي اعتكافه، وقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع ~~إن شاء، فقال الله تعالى: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون ~~في المساجد } ، أي لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في ~~غيره. # وهذا الذي حكاه هو الأمر المتفق عليه عند العلماء، أن المعتكف يحرم عليه ~~النساء ما دام معتكفا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له ~~منها، فلا يحل له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك، من قضاء ~~الغائط أو الأكل، وليس له أن يقبل امرأته، ولا أن يضمها إليه، ولا ~~يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود المريض لكن يسأل عنه مار في طريقه، ~~وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابها، منها ما هو مجمع عليه بين العلماء ومنها ~~ما هو مختلف فيه. # وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام، إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في ~~الصيام أو في آخر شهر الصيام، كما ثبت في السنة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله عز ~~وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده. وفي الصحيحين: أن صفية بنت حيي كانت تزور ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت ~~لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ليمشي ~~معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة، ~~فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فلما ms0217 رأيا النبي صلى الله ~~عليه وسلم أسرعا (وفي رواية) تواريا - أي حياء من النبي صلى الله عليه ~~وسلم لكون أهله معه - فقال لهما صلى الله عليه وسلم: # " " على رسلكما إنها صفية بنت حيي " (أي لا تسرعا واعلما أنها صفية بنت ~~حيي أي زوجتي) فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال صلى الله عليه وسلم: ~~" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما ~~شيئا أو قال شرا " # ، قال الشافعي رحمه الله: أراد عليه السلام أن يعلم أمته التبري من ~~التهمة في محلها، لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى لله من أن يظنا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئا والله أعلم. ثم المراد (بالمباشرة) إنما ~~هو الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه ~~فلا بأس به، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه فأرجله وأنا حائض، وكان ~~لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان. قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في ~~البيت فما أسأل عنه إلا وأنا مارة. # وقوله تعالى: { تلك حدود الله } أي هذا الذي بيناه وفرضناه ~~وحددناه من الصيام وأحكامه، وما أبحنا فيه وما حرمنا وذكرنا غاياته ~~ورخصه وعزائمه { حدود الله } أي شرعها الله وبينها بنفسه { فلا ~~تقربوها } أي لا تجاوزوها وتتعدوها. وقيل في قوله: { تلك حدود ~~الله } أي المباشرة في الاعتكاف، { كذلك يبين الله ~~آياته للناس } أي كما بين الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله، ~~كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، { ~~للناس لعلهم يتقون } أي يعرفون كيف يهتدون وكيف يطيعون ~~كما قال تعالى: # هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله ~~بكم لرءوف رحيم # [الحديد: 9]. ### || [2.188] # قال ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة فيجحد ~~المال ويخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه وهو يعلم أنه آثم آكل ms0218 ~~الحرام، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وقتادة أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم ~~أنك ظالم، وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ألا إنما أنا بشر وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته ~~من بعض، فأقضى له. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليحملها ~~أو ليذرها " # ، فدلت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء ~~في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حراما هو حرام، ولا يحرم حلالا ~~وإنما هو ملزم في الظاهر. فإن طابق في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره ~~على المحتال وزره، ولهذا قال تعالى: { وتدلوا بها إلى ~~الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم ~~وأنتم تعلمون } أي تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم. ### || [2.189] # سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: { ~~يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس } يعلمون ~~بها حل دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم، وقال الربيع: بلغنا أنهم قالوا: ~~يا رسول الله لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله: { يسألونك عن ~~الأهلة قل هي مواقيت للناس } يقول: جعلها الله مواقيت ~~لصوم المسلمين وإفطارهم، وعدة نسائهم، ومحل دينهم، وعن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ # " جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم ~~عليكم فعدوا ثلاثين يوما ". # وقوله تعالى: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ~~ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت ~~من أبوابها } ، قال البخاري عن البراء: كانوا إذا أحرموا في ~~الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله: { وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى ~~وأتوا البيوت من أبوابها }. وقال الحسن البصري: كان أقوام ~~من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا، وخرج من بيته يريد سفره الذي خرج ~~له، ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره لم يدخل البيت من بابه، ولكن ~~يتسوره من قبل ظهره، فقال ms0219 الله تعالى: { وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها } الآية. وقوله: { واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون } أي اتقوا الله فافعلوا ما أمركم به ~~واتركوا ما نهاكم عنه { لعلكم تفلحون } غدا إذا وقفتم بين ~~يديه فيجازيكم على التمام والكمال. ### || [2.190-193] # هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت سورة براءة كذا قال ~~ابن أسلم حتى قال: هذه منسوخة بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وفي هذا نظر، لأن قوله: { الذين يقاتلونكم } ~~إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذي همتهم قتال الإسلام وأهله، أي كما ~~يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم، كما قال: # وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة # [التوبة: 36]، ولهذا قال في هذه الآية: { واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } أي لتكون ~~همتكم منبعثة على قتالهم كما همتهم منبعثة على قتالكم وعلى إخراجهم من ~~بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصا. # وقوله تعالى: { ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين } أي قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ~~ذلك ارتكاب المناهي من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ ~~وأصحاب الصوامع وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة، ولهذا جاء في ~~صحيح مسلم عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ~~ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوليد، ولا أصحاب الصوامع " # وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: # " اخرجوا باسم الله قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تعتدوا ولا ~~تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع " # وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة في بعض مغازي النبي صلى الله ~~عليه وسلم مقتولة فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء ~~والصبيان. # ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبه تعالى على أن ما هم ~~مشتملون عليه من الكفر بالله والشرك ms0220 به والصد عن سبيله أبلغ وأشد ~~وأعظم وأطم من القتل، ولهذا قال: { والفتنة أشد من القتل ~~}. قال أبو العالية ومجاهد وعكرمة: الشرك أشد من القتل، وقوله: { ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام } كما جاء في الصحيحين: # " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله ~~إلى يوم القيامة، ولم يحل إلا ساعة من نهار - وإنها ساعتي هذه - فهو حرام ~~بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه، فإن أحد ترخص ~~بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن ~~لكم " # يعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهله يوم فتح مكة، فإنه فتحها ~~عنوة وقتلت رجال منهم عند الخندمة وقيل: صلحا لقوله: " من أغلق بابه فهو ~~آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ". # وقوله: { حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم كذلك جزآء الكافرين } يقول تعالى: ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدأوكم بالقتال فيه فلكم حينئذ ~~قتالهم وقتلهم دفعا للصائل، كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ~~يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم ~~من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ ثم كف الله القتال بينهم فقال: # وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم # [الفتح: 24]. # وقوله تعالى: { فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } ~~أي فإن تركوا القتال في الحرم وأنابوا إلى الإسلام والتوبة فإن الله يغفر ~~ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله فإنه تعالى لا يتعاظمه ~~ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه، ثم أمر الله بقتال الكفار { حتى لا ~~تكون فتنة } أي شرك قاله ابن عباس والسدي { ويكون الدين ~~لله } ، أي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان، كما ~~ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في ms0221 سبيل الله؟ ~~فقال: # " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ". # وقوله تعالى: { فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين } ، يقول تعالى: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال ~~المؤمنين فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان إلا على ~~الظالمين، وهذا معنى قول (مجاهد) أن لا يقاتل إلا من قاتل، أو يكون ~~تقديره { فإن انتهوا } فقد تخلصوا من الظلم والشرك فلا عدوان ~~عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان ههنا المعاقبة والمقاتلة كقوله: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194]، وقوله: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]، # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل: 126]. قال عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول لا إله إلا ~~الله، وقال البخاري قوله: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~}. عن ابن عمر قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضيعوا ~~وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: ~~يمنعني أن الله حرم دم أخي. قالا: ألم يقل الله: { وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة }؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان ~~الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة وحتى يكون الدين لغير ~~الله. وعن نافع أن رجلا أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك ~~على أن تحج عاما وتقيم عاما وتترك الجهاد في سبيل الله عز وجل وقد ~~علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: الإيمان ~~بالله ورسوله، والصلاة الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت. # قالوا: يا أبا عبد الرحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله # [الحجرات: 9]، { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } ، قال: ~~فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قليلا، فكان ~~الرجل يفتن في دينه وإما قتلوه أو عذبوه حتى ms0222 كثر الإسلام فلم تكن فتنة، ~~قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما (عثمان) فكان الله عفا عنه وأما ~~أنتم فكرهتم أن يعفو عنه، وأما (علي) فابن عم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وختنه، فأشار بيده فقال: هذا بيته حيث ترون. ### || [2.194] # قال ابن عباس: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا في سنة ست ~~من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه ~~من المسلمين في ذي القعدة وهو شهر حرام حتى قاضاهم على الدخول من قابل، ~~فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان من المسلمين، وأقصه الله منهم فنزلت ~~في ذلك هذه الآية: { الشهر الحرام بالشهر الحرام ~~والحرمات قصاص }. وعن جابر بن عبد الله قال: لم يكن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى وتغزوا فإذا حضره ~~أقام حتى ينسلخ. ولهذا لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم وهو مخيم ~~بالحديبية أن عثمان قتل، وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين، بايع ~~أصحابه وكانوا ألفا وأربعمائة تحت الشجرة على قتال المشركين فلما بلغه ~~أن عثمان لم يقتل كف عن ذلك وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان، ~~وكذلك لما فرغ من قتال (هوازن) يوم حنين وتحصن فلهم بالطائف عدل إليها ~~فحاصرها ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق واستمر عليها إلى كمال ~~أربعين يوما، كما ثبت في الصحيحين عن أنس، فلما كثر القتل في أصحابه ~~انصرف عنها ولم تفتح، ثم كر راجعا إلى مكة واعتمر من الجعرانة حيث قسم ~~غنائم حنين، وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضا عام ثمان صلوات الله ~~وسلامه عليه. وقوله: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم } أمر بالعدل حتى في ~~المشركين، كما قال: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل: 126]، وقال: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]. وقوله: { واتقوا الله واعلموا أن الله ~~مع المتقين } أمر لهم بطاعة الله وتقواه، وإخبار بأنه تعالى مع ~~الذين اتقوا بالنصر والتأييد ms0223 في الدنيا والآخرة. ### || [2.195] # قال البخاري عن حذيفة: { وأنفقوا في سبيل الله ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } نزلت في النفقة. وعن أسلم ~~أبي عمران قال: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر (عقبة بن عامر) وعلى أهل ~~الشام رجل (يزيد بن فضالة بن عبيد) فخرج من المدينة صف عظيم من الروم ~~فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا ~~فصاح الناس إليه فقالوا: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو ~~أيوب: يا أيها الناس إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما ~~نزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما ~~بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية. # وعن ابن عباس في قوله تعالى: { وأنفقوا في سبيل الله ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ، قال: ليس ذلك في ~~القتال، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله، ولا تلق ~~بيدك إلى التهلكة. وقال الحسن البصري: { ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة } ، قال: هو البخل، وقال سماك بن حرب عن النعمان بن ~~بشير في قوله: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } أن ~~يذنب الرجل الذنب فيقول لا يغفر لي فأنزل الله: { ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين }. وقيل: إنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له ~~فيلقي بيده إلى التهلكة، أي يستكثر من الذنوب فيهلك. وقيل: إن رجالا ~~كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير نفقة، ~~فأما أن يقطع بهم وإما كانوا عيالا، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم ~~الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع ~~والعطش أو من المشي، وقال لمن بيده فضل { وأحسنوا إن الله ~~يحب المحسنين } ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله في ~~سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، ~~وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم، والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه ~~هلاك ms0224 ودمار لمن لزمه واعتاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان وهو أعلى مقامات ~~الطاعة فقال: { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين }. ### || [2.196] # لما ذكر تعالى أحكام الصيام وعطف بذكر الجهاد، شرع في بيان المناسك فأمر ~~بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما، ~~ولهذا قال بعده: { فإن أحصرتم } أي صددتم عن الوصول إلى البيت ~~ومنعتم من إتمامهما، ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة ~~ملزم، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها. عن عبد الله بن سلمة عن علي ~~أنه قال في هذه الآية: { وأتموا الحج والعمرة لله } ~~قال: أن تحرم من دويرة أهلك. وعن سفيان الثوري أنه قال: إتمامهما أن تحرم ~~من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة، وتهل من الميقات، ليس أن تخرج لتجارة ~~ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبا من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت وذلك يجزىء ~~ولكن التمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره، وقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما ~~جميعا من الميقات، عن الزهري قال: بلغنا أن عمر قال: من تمامهما أن ~~تفرد كل واحد منهما من الآخر، وأن تعتمر في غير أشهر الحج، إن الله ~~تعالى يقول: # الحج أشهر معلومات # [البقرة: 197]. وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر ~~كلها في ذي القعدة (عمرة الحديبية) في ذي القعدة سنة ست و (عمرة القضاء) ~~في ذي القعدة سنة سبع و (عمرة الجعرانة) في ذي القعدة سنة ثمان و (عمرته ~~التي مع حجته) أحرم بهما معا في ذي القعدة سنة عشر، وما اعتمر في غير ~~ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانىء: # " عمرة في رمضان تعدل حجة معي " # ، وما ذاك إلا لأنها عزمت على الحج معه عليه السلام فاعتاقت عن ذلك بسبب ~~الطهر، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونص سعيد بن جبير على أنه من ~~خصائصها، والله أعلم. # وقال ابن عباس: من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما، تمام ~~الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وطاف ms0225 بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل، ~~وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة عن أنس وجماعة من الصحابة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح ~~أنه قال لأصحابه: # " من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة " # ، وقال في الصحيح أيضا: # " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". # وقوله تعالى: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } ~~ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست أي عام الحديبية حين حال المشركون بين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك ~~سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان ~~سبعين بدنة، وأن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم ~~عليه السلام بأن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا فلم يفعلوا انتظارا للنسخ ~~حتى خرج فحلق رأسه ففعل الناس وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه فلذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " " رحم الله المحلقين " ، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، فقال في ~~الثالثة: " والمقصرين " # ، وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة وكانوا ألفا ~~وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم وقيل: بل كانوا على طرف ~~الحرم. فالله أعلم. # وقد اختلف العلماء - هل يختص الحصر بالعدو؟ فلا يتحلل إلا من حصره عدو، ~~لا مرض ولا غيره - على قولين: عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو ~~فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء إنما قال الله تعالى: { ~~فإذآ أمنتم } فليس الأمن حصرا. والقول الثاني: أن الحصر أعم من ~~أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال وهو التوهان عن الطريق لحديث: # " من كسر أو وجع أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى " # وروي عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير أنهم قالوا: الإحصار ~~من عدو أو مرض أو كسر. وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد ms0226 المطلب فقالت: يا رسول الله ~~إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال: # " حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني ". # وقوله تعالى: { فما استيسر من الهدي } ، عن علي بن أبي ~~طالب أنه كان يقول: { فما استيسر من الهدي } شاة، والهدي من ~~الأزواج الثمانية من (الإبل، والبقر، والمعز، والضأن) وهو مذهب الأئمة ~~الأربعة. وروي عن عائشة وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي ~~إلا من الإبل والبقر، وروي مثله عن سعيد بن جبير. # (قلت): والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم ~~ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة وإنما ذبحوا الإبل والبقر، ~~ففي الصحيحين عن جابر قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك ~~في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة، وعن ابن عباس في قوله: { فما ~~استيسر من الهدي } قال: بقدر يسارته، وقال العوفي عن ابن ~~عباس: إن كان موسرا فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم، والدليل ~~على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار أن ~~الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي أي مهما تيسر مما يسمى هديا، والهدي ~~من بهيمة الأنعام وهي (الإبل والبقر والغنم) كما قاله الحبر البحر ترجمان ~~القرآن وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الصحيحين عن ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: أهدى النبي صلى الله عليه وسلم ~~مرة غنما. # وقوله تعالى: { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله } معطوف على قوله: { وأتموا الحج ~~والعمرة لله } ، وليس معطوفا على قوله: { فإن أحصرتم ~~فما استيسر من الهدي } كما زعمه ابن جرير رحمه الله، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن ~~الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حالة الأمن ~~والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق { حتى يبلغ الهدي ~~محله } ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنا، أو من ~~فعل أحدهما إن ms0227 كان مفردا أو متمتعا كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها ~~قالت: # " يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ ~~فقال: " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " ". # وقوله تعالى: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك }. روى ~~البخاري عن عبد الله بن معقل قال: # " قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد، يعني مسجد الكوفة، فسألته عن ~~فدية من صيام فقال: حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر ~~على وجهي فقال: " ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا أما تجد شاة؟ " قلت: ~~لا، قال: " صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من ~~طعام واحلق رأسك " ، فنزلت في خاصة وهي لكم عامة " # ، وعن كعب بن عجرة قال: # " أتى علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تحت قدر، والقمل يتناثر ~~على وجهي أو قال حاجبي فقال: " يؤذيك هوام رأسك "؟ قلت: نعم، قال: " ~~فاحلقه وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة " # ، قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ. # وروى مجاهد عن ابن عباس في قوله: { ففدية من صيام أو ~~صدقة أو نسك } ، قال: إذا كان (أو) فأية أخذت أجزأ عنك. وروي عن ~~مجاهد وعكرمة وعطاء وطاووس نحو ذلك. (قلت): وهو مذهب الأئمة الأربعة ~~وعامة العلماء، أنه يخير في هذا المقام، إن شاء صام، وإن شاء تصدق بفرق، ~~وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدان، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها ~~على الفقراء، أي ذلك فعل أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة ~~جاء بالأسهل فالأسهل { ففدية من صيام أو صدقة أو ~~نسك }. ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم (كعب بن عجرة) بذلك أرشده ~~إلى الأفضل فالأفضل فقال: # " انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام " # وقال ابن جرير عن الحسن في قوله: { ففدية من صيام أو ~~صدقة أو نسك ms0228 } قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه حلق وافتدى بأي ~~هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين كل مسكين ~~مكوكين مكوكا من تمر ومكوكا من بر، والنسك شاة، وقال الحسن وعكرمة في ~~قوله: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } قال: إطعام ~~عشرة مساكين، وهذان القولان من سعيد بن جبير والحسن وعكرمة قولان غريبان ~~فيهما نظر، لأنه قد ثبتت السنة في حديث (كعب بن عجرة) الصيام ثلاثة أيام ~~لا ستة أو إطعام ستة مساكين أو نسك شاة، وأن ذلك على التخيير كما دل عليه ~~سياق القرآن، وأما هذا الترتيب فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نص ~~القرآن وعليه أجمع الفقهاء هناك بخلاف هذا، والله أعلم. وقال طاووس: ما ~~كان من دم أو طعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وقال عطاء: ما كان ~~من دم فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء. # وقوله تعالى: { فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى ~~الحج فما استيسر من الهدي }: أي فإذا تمكنتم من أداء ~~المناسك، فمن كان منكم متمتعا بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، ~~أو أحرم بالعمرة أولا فلما فرغ منها أحرم بالحج، وهذا هو التمتع الخاص ~~وهو المعروف في كلام الفقهاء، والتمتع العام يشمل القسمين كما دلت عليه ~~الأحاديث الصحاح. { فما استيسر من الهدي } أي فليذبح ما قدر ~~عليه من الهدي، وأقله شاة وله أن يذبح البقر، لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذبح عن نسائه البقر، وفي هذا دليل على مشروعية التمتع كما جاء ~~في الصحيحين عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ~~وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم ينزل قرآن يحرمها ولم ~~ينه عنها حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء، قال البخاري: يقال: إنه عمر، ~~وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحا به أن عمر كان ينهى الناس عن ~~التمتع ويقول: إن نأخذ بكتاب الله فإن الله يأمر بالتمام يعني قوله: ms0229 { ~~وأتموا الحج والعمرة لله } ، وفي نفس الأمر لم يكن ~~عمر رضي الله عنه ينهى عنها محرما لها إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد ~~الناس للبيت حاجين ومعتمرين كما قد صرح به رضي الله عنه. # وقوله تعالى: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة } ، ~~يقول تعالى: فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج أي في أيام ~~المناسك. قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر، أو حين ~~يحرم، ومنهم من يجوز صيامها من أول شوال، وجوز الشعبي صيام يوم عرفة ~~وقبله يومين. # وقال العوفي عن ابن عباس: إذا لم يجد هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في ~~الحج قبل يوم عرفة، فإذا كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه وسبعة إذا رجع ~~إلى أهله، وعن ابن عمر قال: يصوم يوما قبل يوم التروية ويوم التروية ~~ويوم عرفة. فلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد فهل يجوز أن يصومها في أيام ~~التشريق؟ فيه قولان للعلماء، الأول: أنه يجوز له صيامها لقول عائشة وابن ~~عمر: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي. وعن علي أنه ~~كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق لعموم ~~قوله: { فصيام ثلاثة أيام في الحج } ، والثاني: أنه لا ~~يجوز صيامها أيام التشريق لما رواه مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل ". # وقوله تعالى: { وسبعة إذا رجعتم } فيه قولان: (أحدهما): إذا ~~رجعتم إلى رحالكم، و (الثاني): إذا رجعتم إلى أوطانكم. وقد روى البخاري ~~عن سالم بن عبد الله أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، ~~فأهل بعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من ms0230 ~~أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة ~~قال للناس: # " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن ~~منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل ~~بالحج، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى ~~أهله " # وقوله: { تلك عشرة كاملة } قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت ~~بعيني، وسمعت بأذني، وكتبت بيدي. وقال الله تعالى: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]، وقال: # ولا تخطه بيمينك # [العنكبوت: 48]، وقال: # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ~~فتم ميقات ربه أربعين ليلة # [الأعراف: 142]. وقيل: معنى { كاملة } الأمر بإكمالها وإتمامها ~~واختاره ابن جرير. وقيل: معنى { كاملة } أي مجزئة عن الهدي. # وقوله تعالى: { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري ~~المسجد الحرام } ، قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عنى ~~بقوله: { لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } ~~بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به وأنه لا متعة لهم، فقال ~~بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم. قال ابن عباس: هم أهل الحرم. # وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة لا متعة لكم، ~~أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديا أو قال: يجعل بينه ~~وبين الحرم واديا ثم يهل بعمرة. وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين ~~المواقيت - كما قال عطاء - من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا ~~يتمتع، وقال عبد الله بن المبارك: من كان دون الميقات، وقال عبد الرزاق: ~~من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع، وفي رواية عنه: اليوم واليومين، ~~واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم ومن كان منه على ~~مسافة لا يقصر فيها الصلاة، لأن من كان كذلك يعد حاضرا لا مسافرا، ~~والله أعلم. وقوله: { واتقوا الله } أي فيما أمركم ونهاكم { ~~واعلموا أن الله شديد العقاب } أي لمن خالف أمره ~~وارتكب ما عنه زجره. ### || [2.197] ms0231 # اختلف أهل العربية في قوله تعالى: { الحج أشهر معلومات } ~~فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام ~~بالحج فيها أكمل من الإحرام فيما عداها، وإن كان ذاك صحيحا، والقول بصحة ~~الإحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد واحتج لهم بقوله ~~تعالى: # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج # [البقرة: 189] وبأنه أحد النسكين فصح الإحرام به في جميع السنة ~~كالعمرة، وذهب الشافعي إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره، فلو ~~أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به، وهل ينعقد عمرة؟ فيه قولان عنه، ~~والقول بأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس وجابر ~~ومجاهد رحمهم الله، والدليل عليه قوله: { الحج أشهر ~~معلومات } وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة، وهو أن وقت ~~الحج أشهر معلومات، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدل على أنه لا ~~يصح قبلها كميقات الصلاة. # عن ابن عباس أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج، من ~~أجل قول الله تعالى: { الحج أشهر معلومات } ، وعنه أنه ~~قال: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، وقول الصحابي من السنة ~~كذا في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيما قول ابن عباس تفسيرا للقرآن ~~وهو ترجمانه. # وقوله تعالى: { أشهر معلومات } ، قال البخاري: قال ابن عمر: ~~هي (شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة) وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، ~~وأحمد، واختار هذا القول ابن جرير، قال: وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض ~~الثالث للتغليب، كما تقول العرب: رأيته العام ورأيته اليوم وإنما وقع ذلك ~~في بعض العام واليوم، وقال الإمام مالك والشافعي في القديم: هي شوال وذو ~~القعدة وذو الحجة بكماله، وهو رواية عن ابن عمر أيضا. وفائدة مذهب مالك ~~أنه إلى آخر ذي الحجة بمعنى أنه مختص بالحج، فيكره الاعتمار في بقية ذي ~~الحجة، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر، وقد ثبت عن عمر وعثمان رضي الله ms0232 ~~عنهما أنهما كانا يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج وينهيان عن ذلك في ~~أشهر الحج، والله أعلم. # وقوله تعالى: { فمن فرض فيهن الحج } أي أوجب بإحرامه حجا، ~~قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض ههنا الإيجاب والإلزام، ~~وقال ابن عباس: { فمن فرض فيهن الحج } من أحرم بحج أو عمرة، ~~وقال عطاء: الفرض الإحرام، وقوله: { فلا رفث } أي من أحرم بالحج أو ~~العمرة، فليجتنب الرفث وهو الجماع كما قال تعالى: # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم # [البقرة: 187] وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، ~~وكذلك التكلم به بحضرة النساء. # قال عبد الله بن عمر: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء ~~إذا ذكروا ذلك بأفواههم. # وقال ابن عباس: إنما الرفث ما قيل عند النساء، وقال طاووس: سألت ابن ~~عباس عن قول الله عز وجل: { فلا رفث ولا فسوق } قال: الرفث ~~التعريض بذكر الجماع وهي العرابة في كلام العرب وهو أدنى الرفث، وقال ~~عطاء: الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش، وقال أبو العالية عن ابن ~~عباس: الرفث غشيان النساء والقبلة والغمز، وأن تعرض لها بالفحش من الكلام ~~ونحو ذلك. # وقوله تعالى: { ولا فسوق } ، عن ابن عباس: هي المعاصي، وعن ابن عمر ~~قال: الفسوق ما أصيب من معاصي الله صيدا أو غيره، وقال آخرون: الفسوق ~~ههنا السباب قاله ابن عباس ومجاهد والحسن، وقد يتمسك لهؤلاء بما ثبت في ~~الصحيح: # " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " # ، وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب. والذين قالوا: هو جميع ~~المعاصي الصواب معهم، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان ~~في جميع السنة منهيا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد - ولهذا قال: # منهآ أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا ~~تظلموا فيهن أنفسكم # [التوبة: 36] - وقال في الحرم: # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم # [الحج: 25]، واختار ابن جرير أن الفسوق ههنا هو ارتكاب ما نهي عنه في ~~الإحرام من قتل الصيد، وحلق الشعر، وقلم الأظفار، ونحو ذلك كما تقدم ms0233 عن ~~ابن عمر، وما ذكرناه أولى، وقد ثبت عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ". # وقوله تعالى: { ولا جدال في الحج } فيه قولان: (أحدهما): ولا ~~مجادلة في وقت الحج في مناسكه، وقد بينه الله أتم بيان ووضحه أكمل إيضاح ~~(والقول الثاني): أن المراد بالجدال ههنا المخاصمة. قال ابن جرير عن عبد ~~الله بن مسعود في قوله: { ولا جدال في الحج } قال: أن تماري ~~صاحبك حتى تغضبه. وقال ابن عباس: { ولا جدال في الحج } المراء ~~والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك. وعن نافع أن ابن عمر كان يقول: الجدال ~~في الحج: السباب والمراء والخصومات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده غفر له ما تقدم من ذنبه ". # وقوله تعالى: { وما تفعلوا من خير يعلمه الله }: ~~لما نهاهم عن إتيان القبيح قولا وفعلا، حثهم على فعل الجميل وأخبرهم ~~أنه عالم به وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة. وقوله: { ~~وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } ، عن عكرمة أن ~~أناسا كانوا يحجون بغير زاد فأنزل الله: { وتزودوا فإن ~~خير الزاد التقوى } ، وعن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ~~ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون فأنزل الله: { وتزودوا فإن ~~خير الزاد التقوى }. # وقوله تعالى: { فإن خير الزاد التقوى } لما أمرهم بالزاد ~~للسفر في الدنيا، فأرشدهم إلى زاد الآخرة وهواستصحاب التقوى إليها، كما ~~قال: # وريشا ولباس التقوى ذلك خير # [الأعراف: 26]، لما ذكر اللباس الحسي، نبه مرشدا إلى اللباس المعنوي، ~~وهو الخشوع والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع. قال عطاء: يعني ~~زاد الآخرة، وقال مقاتل بن حيان: لما نزلت هذه الآية: { وتزودوا } ~~قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله ما نجد ما نتزوده، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تزود ما تكف به وجهك عن الناس وخير ما تزودتم التقوى " # وقوله: { واتقون يأولي الألباب } ، يقول: واتقوا عقابي ~~ونكالي ms0234 وعذابي، لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام. ### || [2.198] # روى البخاري عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في ~~الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت: { ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } في مواسم الحج، ~~ولبعضهم: فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا فسألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله هذه الآية. وروى أبو داود عن ابن عباس قال: ~~كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج يقولون أيام ذكر فأنزل ~~الله. { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم }. وقال ابن جرير: سمعت ابن عمر سئل عن الرجل يحج ومعه تجارة ~~فقرأ ابن عمر: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم } وهذا موقوف وهو قوي جيد، وقد روي مرفوعا. عن أبي أمامة ~~التيمي قال: # " قلت لابن عمر: إنا نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، ~~وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا: بلى، فقال: ~~ابن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني فلم ~~يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: { ليس عليكم جناح أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم } فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: " أنتم حجاج " # وعن أبي صالح مولى عمر قال: قلت: يا أمير المؤمنين كنتم تتجرون في الحج؟ ~~قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج؟.. # وقوله تعالى: { فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام } إنما صرف عرفات - وإن كان علما على مؤنث ~~- لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سمي به بقعة معينة فروعي فيه ~~الأصل فصرف، اختاره ابن جرير، وعرفة موضع الوقوف في الحج، وهي عمدة أفعال ~~الحج، ولهذا روي عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " الحج عرفات - ثلاثا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك، ~~وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه ~~" # ووقت الوقوف من ms0235 الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن ~~غربت الشمس وقال: # " لتأخذوا عني مناسككم " # ، وقال في هذا الحديث: # " فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك " # ، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي رحمهم الله، وذهب الإمام أحمد إلى ~~أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة واحتج بحديث الشعبي عن عروة بن مضرس ~~الطائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى ~~الصلاة، فقلت: يا رسول الله: إني جئت من جبل طيء أكللت راحلتي وأتعبت ~~نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من شهد صلاتنا هذه فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا ~~أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه ". # وتسمى عرفات (المشعر الحرام) والمشعر الأقصى و (الإل) على وزن هلال ~~ويقال للجبل في وسطها جبل الرحمة، قال أبو طالب في قصيدته المشهورة. # وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له # إلال إلى تلك الشراج القوابل # عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على ~~رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا، فأخر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس. وفي حديث (جابر بن عبد ~~الله) الطويل الذي في صحيح مسلم قال فيه: فلم يزل واقفا يعني بعرفة، حتى ~~غربت الشمس وبدت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك ~~رحله، ويقول بيده اليمنى: # " يا أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها ~~قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد ~~وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع، حتى طلع الفجر فصلى الفجر ~~حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب ms0236 القصواء حتى أتى المشعر الحرام ~~فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى ~~أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس " # وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه سئل كيف كان يسير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين دفع؟ قال: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص، والعنق هو ~~انبساط السير، والنص فوقه. قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها، ~~وعنه أنه سئل عن قوله: { فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام } فقال: هذا الجبل وما حوله. وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والحسن وقتادة أنهم قالوا: هو ما بين الجبلين، وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ~~أين المزدلفة؟ قال: إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، قال: وليس ~~المأزمان مأزما عرفة من المزدلفة ولكن مفضاهما، قال: فقف بينهما إن شئت، ~~قال: وأحب أن تقف دون قزح هلم إلينا من أجل طريق الناس. (قلت): والمشاعر ~~هي المعالم الظاهرة، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام لأنها داخل ~~الحرم، وعن زيد بن أسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " عرفة كلها موقف وارفعوا عن عرفة، وجمع كلها موقف إلا محسرا " # هذا حديث مرسل، وقد قال الإمام أحمد عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " كل عرفات موقف وارفعوا عن عرفات، وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر، ~~وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح ". # وقوله تعالى: { واذكروه كما هداكم } تنبيه لهم على ما أنعم ~~الله به عليهم من الهداية والبيان، والإرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان ~~عليه من الهداية لإبراهيم الخليل عليه السلام ولهذا قال: { وإن ~~كنتم من قبله لمن الضآلين } قيل: من قبل هذا الهدي، ~~وقيل: القرآن، وقيل: الرسول، والكل متقارب ومتلازم وصحيح. ### || [2.199] # قال البخاري: عن عائشة قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، ~~وكانوا يسمون (الحمس) وسائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها ~~فذلك ms0237 قوله: { من حيث أفاض الناس } ، والمراد بالإفاضة ههنا ~~هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار. # وقوله تعالى: { واستغفروا الله إن الله غفور ~~رحيم } كثيرا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات ولهذا ثبت في ~~صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر ~~الله ثلاثا، وفي الصحيحين أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا ~~وثلاثين، وقد روى ابن جرير استغفاره صلى الله عليه وسلم لأمته عشية ~~عرفة. وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني ~~وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء ~~لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من ~~قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل ~~الجنة " # وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن أبا بكر قال: # " يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال: " قل اللهم إني ظلمت ~~نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، ~~وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم " # ، والأحاديث في الاستغفار كثيرة. ### || [2.200-202] # يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها. وقوله: { ~~كذكركم آبآءكم } اختلفوا في معناه فقال عطاء: هو كما يلهج ~~الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك. ~~وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، فيقول الرجل منهم: كان ~~أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، ~~فأنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: { فاذكروا الله ~~كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا } ، والمقصود منه الحث على ~~كثرة الذكر لله عز وجل، و (أو) ههنا لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله: # فهي كالحجارة أو أشد قسوة # [البقرة: 74]، فليست ههنا للشك قطعا وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك ~~أو أزيد منه. # ثم ms0238 إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة، وذم من ~~لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه فقال: { فمن الناس ~~من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة ~~من خلاق } أي من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم التنفير عن التشبه ~~بمن هو كذلك، قال ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف ~~فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من ~~أمر الآخرة شيئا، فانزل الله فيهم: { فمن الناس من يقول ~~ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق } ~~ولهذا مدح من يسأله الدنيا والأخرى، فقال: { ومنهم من يقول ~~ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار } ، فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت ~~كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، ~~وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل، ~~إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين ولا منافاة بينها، فإنها ~~كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. # وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع ~~الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما ~~النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم ~~والآثام، وترك الشبهات والحرام، وقال القاسم أبو عبد الرحمن: من أعطي ~~قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وجسدا صابرا فقد أوتي في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار. ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا ~~الدعاء. فقال البخاري عن أنس بن مالك: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " # ، وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء ~~دعا بها فيه. وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من ~~المسلمين قد صار مثل الفرخ فقال ms0239 له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول اللهم ما كنت ~~معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه، فهلا قلت: { ربنآ آتنا ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار } ، قال: فدعا الله فشفاه ". ### || [2.203] # قال ابن عباس: الأيام المعدودات (أيام التشريق) والأيام المعلومات (أيام ~~العشر). قال عكرمة: يعني التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات ~~(الله أكبر، الله أكبر)، لحديث: # " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله " # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة ~~يطوف في منى: " لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز ~~وجل ". وعن عائشة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام ~~التشريق، وقال: # " هي أيام أكل وشرب وذكر الله " # قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق أربعة أيام، يوم النحر ~~وثلاثة بعده. وقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده، ~~إذبح في أيهن شئت: وأفضلها أولها، والقول الأول هو المشهور، وعليه دل ~~ظاهر الآية الكريمة حيث قال: { فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } فدل على ثلاثة ~~بعد النحر، ويتعلق بقوله: { واذكروا الله في أيام ~~معدودات } ذكر الله على الأضاحي وقد تقدم أن الراجح في ذلك مذهب ~~الشافعي رحمه الله، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام ~~التشريق، ويتعلق به أيضا الذكر المؤقت خلف الصلوات والمطلق في سائر ~~الأحوال، وفي وقته أقوال للعلماء أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة ~~الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وهو آخر النفر الآخر. ~~وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يكبر في قبته، فيكبر أهل ~~السوق بتكبيره حتى ترتج منى تكبيرا. وقد جاء في الحديث: # " إنما جعل الطواف بالبيت، ms0240 والسعي بن الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ~~ذكر الله عز وجل " # ولما ذكر الله تعالى النفر الأول والثاني - وهو تفرق الناس من موسم الحج ~~إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف - قال: { ~~واتقوا الله واعلموآ أنكم إليه تحشرون } ، كما ~~قال: # وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون # [المؤمنون: 79]. ### || [2.204-207] # قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأظهر الإسلام، وفي باطنه خلاف ذلك، وعن ابن عباس أنها نزلت في ~~نفر من المنافقين تكلموا في (خبيب) وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع، ~~وعابوهم، وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم وهو ~~الصحيح، وروى ابن جرير قال: حدثني محمد بن أبي معشر، أخبرني أبو معشر ~~نجيح، قال: سمعت سعيدا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن ~~في بعض الكتب: (إن عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، ~~لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: ~~علي تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم ~~حيران)، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، فقال: سعيد: وأين هو من ~~كتاب الله؟ قال، قول الله: { ومن الناس من يعجبك قوله ~~في الحياة الدنيا } الآية فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه ~~الآية، فقال: محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد، ~~وهذا الذي قاله القرطبي حسن صحيح. # وأما قوله تعالى: { ويشهد الله على ما في قلبه } ~~فمعناه أنه يظهر للناس الإسلام، ويبارز الله بما في قلبه من الكفر ~~والنفاق، كقوله تعالى: # يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله # [النساء: 108] الآية. وقيل: معناه: أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف ~~وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه وهذا المعنى صحيح واختاره ~~ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس، والله أعلم. # وقوله تعالى: { وهو ألد الخصام } ، الألد في اللغة: الأعوج، # وتنذر به قوما لدا # [مريم: 97] أي عوجا، وهكذا المنافق في حال ms0241 خصومته، يكذب ويزور عن الحق ~~ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر " # وفي الحديث: # " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ". # وقوله تعالى: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد ~~فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد } أي هو أعوج المقال سيء الفعال، فذلك قوله وهذا فعله. كلامه ~~كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة. والسعي ههنا هو القصد كما قال ~~إخبارا عن فرعون: # ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى * فقال أنا ~~ربكم الأعلى # [النازعات: 22-24]، وقال تعالى: # فاسعوا إلى ذكر الله # [الجمعة: 9] أي اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي ~~إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية: # " إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة ~~والوقار " # فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث: وهو محل ~~نماء الزروع والثمار، والنسل: وهو نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس ~~إلا بهما. وقال مجاهد: إذا سعى في الأرض إفسادا منع الله القطر فهلك ~~الحرث والنسل. { والله لا يحب الفساد } أي لا يحب من هذه ~~صفته، ولا من يصدر منه ذلك. # وقوله تعالى: { وإذا قيل له اتق الله أخذته ~~العزة بالإثم } أي إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل ~~له: اتق الله وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق، امتنع وأبى، وأخذته ~~الحمية والغضب بالإثم، أي بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية ~~شبيهة بقوله تعالى: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين ~~يتلون عليهم آيتنا قل أفأنبئكم بشر من ~~ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس ~~المصير # [الحج: 72] ولهذا قال في هذه الآية: { فحسبه جهنم ولبئس ~~المهاد } أي هي كافيته عقوبة في ذلك. # وقوله تعالى: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء ~~مرضات الله } لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات ~~المؤمنين الحميدة فقال: { ومن الناس ms0242 من يشري نفسه ~~ابتغآء مرضات الله } ، قال ابن عباس وجماعة: نزلت في (صهيب ~~الرومي) وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر ~~بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل ~~الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة، فقالوا: ~~ربح البيع، فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله ~~أنزل فيه هذه الآية، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: # " ربح البيع صهيب " # وروي عن أبي عثمان النهدي عن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك، ~~وتخرج أنت ومالك؟ والله لا يكون ذلك أبدا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت ~~إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي فخلوا عني، فخرجت ~~حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " ربح صهيب، ربح صهيب " # مرتين. وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل ~~الله كما قال الله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون # [التوبة: 111]، ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس ~~فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما وتلوا هذه الآية: { ومن ~~الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله والله ~~رؤوف بالعباد }. ### || [2.208-209] # يأمر الله تعالى عباده المؤمنين به، المصدقين برسوله، أن يأخذوا بجمع ~~عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا ~~من ذلك. قال العوفي عن ابن عباس: { ادخلوا في السلم } يعني ~~الإسلام، وقال الضحاك وأبو العالية: يعني الطاعة، وقوله: { كآفة } ~~قال ابن عباس وأبو العالية وعكرمة: جميعا، وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع ~~الأعمال ووجوه البر. # ومن المفسرين من يجعل قوله تعالى: { كآفة } حالا من الداخلين، أي ~~ادخلوا الإسلام كلكم، والصحيح الأول وهو أنهم أمروا كلهم أن يعملوا بجميع ~~شعب ms0243 الإيمان وشرائع الإسلام، وهي كثيرة جدا ما استطاعوا منها، كما قال ~~عكرمة عن ابن عباس: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في ~~السلم كآفة } يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان ~~بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال ~~الله: { ادخلوا في السلم كآفة } يقول: ادخلوا في شرائع دين ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدعوا منها شيئا وحسبكم الإيمان بالتوراة ~~وما فيها. # وقوله تعالى: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي اعملوا ~~بالطاعات، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان ف # إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون # [البقرة: 169]، و # إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر: 6]، ولهذا قال: { إنه لكم عدو مبين } وقوله: { ~~فإن زللتم من بعد ما جآءتكم البينات } أي عدلتم ~~عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله { عزيز } أي في ~~انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب، { حكيم } في أحكامه ونقضه ~~وإبرامه، ولهذا قال أبو العالية وقتادة: عزيز في نقمته، حكيم في أمره. ~~وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره ~~وحجته إلى عباده. ### || [2.210] # يقول تعالى مهددا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: { هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة } يعني يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، ~~فيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ولهذا قال تعالى: { ~~وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور } وقال: # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~ربك أو يأتي بعض آيات ربك # [الأنعام: 158] الآية. # وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير ههنا حديث الصور بطوله من أوله عن أبي ~~هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من ~~أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه: إن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات، ~~تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدا واحدا من آدم فمن بعده، فكلهم يحيد ~~عنها حتى ينتهوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإذا جاءوا إليه ms0244 قال: " أنا ~~لها، أنا لها " فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي ~~لفصل القضاء بين العباد، فيشفعه الله ويأتي في ظلل من الغمام بعدما تنشق ~~السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة، ثم الثانية ثم الثالثة إلى ~~السابعة، وينزل حملة العرش والكروبيون. قال: وينزل الجبار عز وجل في ~~ظلل من الغمام والملائكة، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك ~~والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي ~~يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبوح قدوس سبحان ~~ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه سبحانه، أبدا أبدا. ### || [2.211-212] # يخبر تعالى عن بني إسرائيل كم شاهدوا مع موسى من آية بينة، أي حجة ~~قاطعة بصدقه فيما جاءهم به، كيده وعصاه وفلقه البحر وضربه الحجر، وما كان ~~من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المن والسلوى وغير ذلك من ~~الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على ~~يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها، وبدلوا نعمة الله كفرا، أي استبدلوا ~~بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها: { ومن يبدل نعمة ~~الله من بعد ما جآءته فإن الله شديد العقاب } ~~، كما قال تعالى إخبارا عن كفار قريش: # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها ~~وبئس القرار # [إبراهيم: 28-29]. # ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين، الذين رضوا بها ~~واطمأنوا إليها، وجمعوا الأموال ومنعوها عن مصارفها التي أمروا بها، مما ~~يرضي الله عنهم، وسخروا من الذين آمنوا الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما ~~حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوه ابتغاء وجه الله، فلهذا فازوا بالمقام ~~الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ~~ومسيرهم ومأواهم، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، وخلد أولئك في ~~الدركات في أسفل سافلين؛ ولهذا قال تعالى: { والله يرزق من ~~يشآء بغير حساب } أي يرزق من يشاء من خلقه، ويعطيه عطاء كثيرا ~~جزيلا، ms0245 بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث: # " ابن آدم أنفق أنفق عليك " # ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا " # ، وقال تعالى: # ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه # [سبأ: 39]. وفي الصحيح: # " أن ملكين ينزلان من السماء صبيحة كل يوم فيقول أحدهما: اللهم أعط ~~منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا " # وفي الصحيح: # " يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما ~~لبست فأبليت، وما تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس " # ، وفي مسند الإمام أحمد: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له ~~". ### || [2.213] # قال ابن جرير: عن ابن عباس قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على ~~شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك ~~هي في قراءة عبد الله { كان الناس أمة واحدة فاختلفوا } ، وقال قتادة في ~~قوله: { كان الناس أمة واحدة } قال: كانوا على الهدى جميعا ~~{ فاختلفوا فبعث الله النبيين } فكان أول من بعث نوحا. وقال العوفي عن ~~ابن عباس: { كان الناس أمة واحدة } يقول: كانوا كفارا { ~~فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين } والقول ~~الأول عن ابن عباس أصح سندا ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى ~~عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحا عليه السلام، فكان أول رسول بعثه ~~الله إلى أهل الأرض، ولهذا قال تعالى: { وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جآءتهم ~~البينات بغيا بينهم } أي من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما ~~حملهم على ذلك إلى البغي من بعضهم على بعض { فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله ~~يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم }. وعن أبي هريرة قال: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن ms0246 أول الناس دخولا الجنة، بيد ~~أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا ~~فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس ~~لنا فيه تبع فغدا لليهود، وبعد غد للنصارى ". # وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله: { فهدى الله ~~الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه } ~~فاختلفوا في يوم الجمعة فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، ~~فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة، ~~فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد ~~للقبلة. واختلفوا في الصلاة فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا ~~يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة ~~محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم ~~من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في ~~إبراهيم عليه السلام فقالت اليهود: كان يهوديا، وقالت النصارى: كان ~~نصرانيا، وجعله الله حنيفا مسلما فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، ~~واختلفوا في عيسى عليه السلام، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانا ~~عظيما، وجعلته النصارى إلها وولدا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى ~~الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك. # وكان أبو العالية يقول: في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات ~~والفتن. # وقوله تعالى: { بإذنه } أي بعلمه بهم وبما هداهم له قاله ابن جرير: ~~{ والله يهدي من يشآء } أي من خلقه { إلى صراط ~~مستقيم } أي وله الحكمة والحجة البالغة، وفي صحيح البخاري ومسلم عن ~~عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول: # " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف ~~فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " # وفي الدعاء المأثور: " اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا ms0247 اتباعه، وأرنا ~~الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا، فنضل، واجعلنا ~~للمتقين إماما ". ### || [2.214] # يقول تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } قبل أن ~~تبتلوا وتختبروا وتمتحنوا، كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم ولهذا قال: ~~{ ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأسآء والضرآء } وهي الأمراض والأسقام ~~والآلام، والمصائب والنوائب. قال ابن مسعود: { البأسآء } الفقر، { ~~والضرآء } السقم، { وزلزلوا } خوفوا من الأعداء زلزالا ~~شديدا وامتحنوا امتحانا عظيما، كما جاء في الحديث عن خباب بن الأرت ~~قال: قلنا يا رسول الله ألا تستنصر لنا، ألا تدعوا الله لنا فقال: # " إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع الميشار على مفرق رأسه فيخلص إلى ~~قدميه، لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا ~~يصرفه ذلك عن دينه " # ، ثم قال: # " والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا ~~يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون ". # وقال تعالى: # الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم ~~فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين # [العنكبوت: 1-3] وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة رضي الله تعالى عنهم ~~في يوم الأحزاب، كما قال الله تعالى: # إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون ~~بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا # [الأحزاب: 10-11]. ولما سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه قال: نعم، قال: ~~فكيف كانت الحرب بينكم؟ قال: سجالا يدال علينا وندال عليه، قال: كذلك ~~الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة. # وقوله تعالى: { مثل الذين خلوا من قبلكم } أي سنتهم ~~كما قال تعالى: # فأهلكنآ أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين # [الزخرف: 8]، وقوله: { وزلزلوا حتى يقول الرسول ~~والذين آمنوا معه متى نصر الله } أي يستفتحون على ~~أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة. قال الله ~~تعالى: { ألا إن نصر الله قريب } ، كما قال: # فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر ms0248 يسرا # [الشرح: 5-6]، وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها ولهذا قال: { ألا ~~إن نصر الله قريب }. ### || [2.215] # قال مقاتل: هذه الآية في نفقة التطوع، ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ ~~قاله ابن عباس ومجاهد، فبين لهم تعالى ذلك، فقال: { قل مآ ~~أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل } أي اصرفوها في هذه ~~الوجوه، كما جاء في الحديث: # " أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك " # ، ثم قال تعالى: { وما تفعلوا من خير فإن الله به ~~عليم } أي مهما صدر منكم من فعل معروف، فإن الله يعلمه وسيجزيكم على ~~ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم أحدا مثقال ذرة. ### || [2.216] # هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن ~~حوزة الإسلام، وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد ~~عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن ~~لم يحتج إليه قعد. (قلت): ولهذا ثبت في الصحيح: # " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية " # وقال عليه السلام يوم الفتح: # " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا " # ، وقوله: { وهو كره لكم } أي شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك فإنه ~~إما أن يقتل أو يجرح، مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء، ثم قال تعالى: { ~~وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } أي لأن القتال ~~يعقبه النصر والظفر على الأعداء والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم ~~وأولادهم. { وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } ~~وهذا عام في الأمور كلها. قد يحب المرء شيئا وليس له فيه خيرة ولا ~~مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد ~~والحكم، ثم قال تعالى: { والله يعلم وأنتم لا تعلمون ~~} أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم ~~وأخراكم، فاستجيبوا له وانقادوا لأمره لعلكم ترشدون. ### || [2.217-218] # عن جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث ~~عليهم (أبا عبيدة بن ms0249 الجراح) فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فحبسه، فبعث عليهم مكانه (عبد الله بن جحش) وكتب له ~~كتابا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: # " لا تكرهن أحدا على السير معك من أصحابك " # ، فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر ~~وقرأ عليهم الكتاب فرجع رجلان وبقي بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم ~~يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم ~~في الشهر الحرام! فأنزل الله: { يسألونك عن الشهر الحرام ~~قتال فيه قل قتال فيه كبير } الآية. أي لا يحل، وما صنعتم ~~أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله ~~وصددتم عن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام ~~منه حين أخرجوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر من القتل عند ~~الله. # وقال العوفي عن ابن عباس: { يسألونك عن الشهر الحرام ~~قتال فيه قل قتال فيه كبير } ، وذلك أن المشركين صدوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وردوه عن المسجد في شهر حرام، قال: ففتح ~~الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام، فقال الله تعالى: { وصد ~~عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج ~~أهله منه أكبر عند الله } من القتال فيه، وأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بعث سرية فلقوا (عمرو بن الحضرمي) وهو مقبل من الطائف في ~~آخر ليلة من جمادى، وأول ليلة من رجب، وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله ~~رجل منهم وأخذوا ما كان معه، وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال ~~الله تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ~~قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به ~~والمسجد الحرام وإخراج أهله منه } إخراج أهل ~~المسجد الحرام أكبر من ms0250 الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والشرك ~~أشد منه. # وقال ابن هشام في كتاب (السيرة): وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد ~~الله بن جحش في رجب مقفله من بدر الأولى وبعث معه ثمانية رهط من ~~المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه ~~حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي كما أمره به، ولا يستكره من أصحابه ~~أحدا، فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فإذا فيه: إذا ~~نظرت في كتابي في هذا فامض حتى تنزل (نخلة) بين مكة والطائف ترصد بها ~~قريشا وتعلم لنا من أخبارهم. # فلما نظر عبد الله بن جحش الكتاب قال: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد ~~أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن أمضي إلى نخلة أرصد بها ~~قريشا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان ~~منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا ~~فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف ~~عنه منهم أحد، فسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له ~~نجران أضل (سعد بن أبي وقاص) و (عتبة بن غزوان) بعيرا لهما كانا ~~يعتقبانه فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى ~~نزل نخلة فمرت به عير لقريش تحمل زيتا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها ~~عمرو بن الحضرمي، فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم فأشرف ~~لهم (عكاشة بن محصن) وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه آمنوا وقالوا: عمار ~~لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال ~~القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم، ~~ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم وهابوا الإقدام ~~عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما ~~معهم، فرمى واقد بن عبد الله ms0251 التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، ~~واستأسر (عثمان بن عبد الله) و (الحكم بن كيسان) وأفلت القوم نوفل بن ~~عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى ~~قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. قال ابن إسحاق: وقد ذكر ~~بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم ~~فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير وقسم سائرها بين أصحابه. # قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام " # فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا. فلما قال ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أسقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم ~~إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه ~~الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال، ~~فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ~~يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد ~~الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~والفتنة أكبر من القتل } أي إن كنتم قتلتم في الشهر ~~الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، ~~وإخراجكم منه وأنتم أهله { أكبر عند الله } من قتل من قتلتم ~~منهم { والفتنة أكبر من القتل } أي قد كانوا يفتنون ~~المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند الله من ~~القتل: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن ~~دينكم إن استطاعوا } أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير ~~تائبين ولا نازعين. # قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرج الله عن المسلمين ما ~~كانوا فيه من الشدة قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العير ~~والأسيرين وبعثت ms0252 إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا نفديكموها حتى يقدم صاحبانا " # يعني (سعد بن أبي وقاص) و (عتبة بن غزوان) فإنا نخشاكم عليهما، فإن ~~تقتلوهما نقتل صاحبيكم، فقدم سعد وعتبة ففداهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم منهم، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد ~~الله فلحق بمكة فمات بها كافرا، قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله ~~بن جحش وأصحابه ما كان حين نزل القرآن طمعوا في الأجر فقالوا: يا رسول ~~الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله عز ~~وجل: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا ~~في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله ~~غفور رحيم } فوضع الله من ذلك على أعظم الرجاء. قال ابن إسحاق: ~~فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في غزوة عبد الله بن جحش، ويقال: بل ~~عبد الله بن جحش قالها حين قالت قريش قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام: # تعدون قتلا في الحرام عظيمة # وأعظم منه لو يرى الرشد راشد # صدودكم عما يقول محمد # وكفر به والله راء وشاهد # وإخراجكم من مسجد الله أهله # لئلا يرى لله في البيت ساجد ### || [2.219-220] # روى الإمام أحمد عن أبي ميسرة عن عمر أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: ~~اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت هذه الآية التي في سورة ~~البقرة: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ ~~إثم كبير } فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا الخمر ~~بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في النساء: # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى # [الآية: 43]، فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة ~~نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين ~~لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في ms0253 المائدة، فدعي عمر ~~فقرئت عليه فلما بلغ # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91]؟ قال عمر: انتهينا انتهينا. أما الخمر فكما قال أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنه كل ما خامر العقل، والميسر: ~~وهو القمار. # وقوله تعالى: { قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس } ، ~~أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، من حيث إن فيها نفع ~~البدن، وتهضيم الطعام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذة الشدة ~~المطربة، التي فيها كما قال (حسان بن ثابت) في جاهليته: # ونشربها فتتركنا ملوكا # وأسدا لا ينهنهنا اللقاء # وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما يربحه بعضهم من الميسر فينفقه على ~~نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة لتعلقها ~~بالعقل والدين، ولهذا قال الله تعالى: { وإثمهمآ أكبر من ~~نفعهما } ، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ~~ولم تكن مصرحة بل معرضة، ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما قرئت عليه: ~~اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا حتى نزل التصريح بتحريمها في ~~سورة المائدة: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون # [الآية: 90]، وسيأتي الكلام على ذلك في سورة المائدة إن شاء الله تعالى ~~وبه الثقة. قال ابن عمر والشعبي ومجاهد: إن هذه أول آية نزلت في الخمر { ~~يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير } ، ثم نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم نزلت الآية التي في ~~المائدة فحرمت الخمر. # وقوله تعالى: { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } ، ~~روي أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا ~~رسول الله: إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا فأنزل الله: { ~~ويسألونك ماذا ينفقون } ، وعن ابن عباس: { ويسألونك ~~ماذا ينفقون قل العفو } قال: ما يفضل عن أهلك، { قل ~~العفو } يعني الفضل، وعن طاووس: اليسير من كل شيء، وعن الربيع: أفضل ~~مالك وأطيبه، والكل يرجع إلى الفضل، ويدل على ذلك ما رواه ابن جرير عن ~~أبي هريرة قال: # " قال رجل: يا رسول الله ms0254 عندي دينار، قال: " أنفقه على نفسك " ، قال: ~~عندي آخر، قال: " أنفقه على أهلك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على ~~ولدك " قال: عندي آخر، قال: " فأنت أبصر " # وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: # " ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل شيء عن أهلك فلذي ~~قرابتك فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا ". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، ~~وابدأ بمن تعول " # ، وفي الحديث أيضا: # " ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف ~~" # ، ثم قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة، وقيل: مبينة بآية الزكاة وهو أوجه. # وقوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون في الدنيا والآخرة } أي كما فصل لكم هذه الأحكام ~~وبينها وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه، ووعده ووعيده ~~لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، قال ابن عباس: يعني في زوال الدنيا ~~وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها. وقال الحسن: هي والله لمن تفكر فيها، ~~ليعلم أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء، وليعلم أن الآخرة دار جزاء ثم دار ~~بقاء. # وقوله تعالى: { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح ~~لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله ~~يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله ~~لأعنتكم } الآية. قال ابن عباس: لما نزلت # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الأنعام: 152]، و # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا # [النساء: 10] انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من ~~شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ~~ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: { ~~ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم } فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم ~~وبشرابهم. وقالت عائشة رضي الله عنها: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي ~~على حدة، حتى ms0255 أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي فقوله: { قل إصلاح ~~لهم خير } أي على حدة، { وإن تخالطوهم فإخوانكم } ~~أي وأن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم لأنهم ~~إخوانكم في الدين ولهذا قال: { والله يعلم المفسد من ~~المصلح } أي يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح، وقوله: { ~~ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم } أي ~~ولو شاء الله لضيق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم وخفف عنكم وأباح لكم ~~مخالطتهم بالتي هي أحسن قال تعالى: # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الأنعام: 152] بل جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل ~~لمن أيسر، أو مجانا كما سيأتي بيانه في سورة النساء إن شاء الله وبه ~~الثقة. ### || [2.221] # هذا تحريم من الله عز وجل على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة ~~الأوثان، ثم إن كان عمومها مرادا وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ~~ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب # [المائدة: 5]. عن ابن عباس في قوله: { ولا تنكحوا المشركات ~~حتى يؤمن } استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب، وقيل: بل ~~المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، ~~والمعنى قريب من الأول، والله أعلم. وإنما كره عمر نكاح الكتابيات لئلا ~~يزهد الناس في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، كما روي عن شقيق، قال: ~~تزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عمر: خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها ~~حرام فأخلي. فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المؤمنات ~~منهن. # وعن ابن عمر أنه كره نكاح أهل الكتاب وتأول: { ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن } وقال البخاري: وقال ابن عمر: لا أعلم ~~شركا أعظم من أن تقول: ربها عيسى، وقوله: { ولأمة مؤمنة ~~خير من مشركة ولو أعجبتكم } قال السدي: # " نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فغضب عليها فلطمها، ثم ~~فزع فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها، فقال له: " ما هي ~~"؟ قال: تصوم وتصلي ms0256 وتحسن الوضوء وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ~~الله، فقال: " يا أبا عبد الله هذه مؤمنة " ، فقال: والذي بعثك بالحق ~~لأعتقنها ولأتزوجنها " # ، ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمته، وكانوا يريدون أن ~~ينكحوا إلى المشركين ينكحوهم رغبة في أحسابهم فأنزل الله: { ولأمة ~~مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم } ، { ~~ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم }. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على ~~أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، وانكحوهن على الدين، فلأمة سوداء جرداء ~~ذات دين أفضل " # وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها. فاظفر بذات ~~الدين تربت يداك " # وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة ". # وقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } ~~أي لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات كما قال تعالى: # لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن # [الممتحنة: 10]، ثم قال تعالى: { ولعبد مؤمن خير من ~~مشرك ولو أعجبكم } أي لرجل مؤمن ولو كان عبدا حبشيا خير ~~من مشرك، وإن كان رئيسا سريا، { أولئك يدعون إلى النار ~~} أي معاشرتهم ومخالطتهم تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على ~~الدار الآخرة وعاقبة ذلك وخيمة، { والله يدعوا إلى الجنة ~~والمغفرة بإذنه } أي بشرعه وما أمر به وما نهى عنه { ~~ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون }. ### || [2.222-223] # عن أنس أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم لم يواكلوها ولم يجامعوها ~~في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: { ~~ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا ~~النسآء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن } ~~حتى فرغ من الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " # ، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا ~~خالفنا فيه، فجاء (أسيد بن حضير) ms0257 و(عباد بن بشر) فقالا: يا رسول الله إن ~~اليهود قالت: كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد ~~عليهما. فقوله: { فاعتزلوا النسآء في المحيض } يعني الفرج ~~لقوله: " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " ، ولهذا ذهب كثير من العلماء أو ~~أكثرهم إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج، قال أبو داود عن بعض ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على ~~فرجها ثوبا. # وعن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ ~~قالت: كل شيء إلا الجماع، وهذا قول ابن عباس ومجاهد والحسن. وروى ابن ~~جرير عن عائشة قالت: له ما فوق الإزار، (قلت): ويحل مضاجعتها ومواكلتها ~~بلا خلاف. قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأغسل ~~رأسه وأنا حائض، وكان يتكىء في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن، وفي الصحيح ~~عنها قالت: كنت أتعرق العرق وأنا حائض فأعطيه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في ~~الموضع الذي كنت أشرب منه. وقال آخرون: إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما ~~تحت الإزار كما ثبت في الصحيحين عن ميمونة قالت: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض. وروى ~~الإمام أحمد عن عبد الله بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: " ما فوق الإزار " # ولأبي داود عن معاذ بن جبل قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل لي من امرأتي وهي حائض ~~قال: " ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل " ". # فهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحل ما فوق الإزار منها، ms0258 ~~وهو أحد القولين في مذهب الشافعي رحمه الله، الذي رجحه كثير من العراقيين ~~وغيرهم، ومأخذهم أنه حريم الفرج فهو حرام، لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم ~~الله عز وجل، الذي أجمع العلماء على تحريمه، وهو المباشرة في الفرج، ثم ~~من فعل ذلك فقد أثم فيستغفر الله ويتوب إليه، وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم ~~لا؟ فيه قولان، (أحدهما): نعم، لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض، يتصدق ~~بدينار أو نصف دينار. # وللإمام أحمد أيضا عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل في الحائض ~~تصاب دينارا فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل فنصف دينار، ~~(والقول الثاني): وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي وقول الجمهور: أنه ~~لا شيء في ذلك، بل يستغفر الله عز وجل، لأنه لم يصح عندهم رفع هذا ~~الحديث، فإنه قد روي مرفوعا كما تقدم وموقوفا، وهو الصحيح عند كثير من ~~أئمة الحديث. فقوله تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } ~~تفسير لقوله: { فاعتزلوا النسآء في المحيض } ونهى عن ~~قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودا ومفهومه حله إذا انقطع. # وقوله تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث ~~أمركم الله } فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال، وذهب ابن ~~حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة لقوله: { فإذا تطهرن ~~فأتوهن من حيث أمركم الله } ، وليس له في ذلك مستند ~~لأن هذا أمر بعد الحظر، وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها ~~لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم. إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا ~~حنيفة رحمه الله يقول فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض هو عشرة أيام عنده ~~إنها تحل بمجرد الانقطاع، ولا تفتقر إلى غسل والله أعلم. وقال ابن عباس: ~~{ حتى يطهرن } أي من الدم { فإذا تطهرن } أي بالماء، ~~وكذا قال مجاهد وعكرمة. # وقوله تعالى: { من حيث أمركم الله } قال ابن عباس: في ~~الفرج ولا تعدوه إلى غيره، فمن فعل ms0259 شيئا من ذلك فقد اعتدى، وقال ابن ~~عباس ومجاهد وعكرمة: { من حيث أمركم الله } أي أن تعتزلوهن، ~~وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر كما سيأتي قريبا إن شاء ~~الله، وقال الضحاك: { فأتوهن من حيث أمركم الله } ~~يعني طاهرات غير حيض، ولهذا قال: { إن الله يحب ~~التوابين } أي من الذنب وإن تكرر غشيانه، { ويحب ~~المتطهرين } أي المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من ~~إتيان الحائض أو في غير المأتى. # وقوله تعالى: { نسآؤكم حرث لكم } قال ابن عباس: الحرث موضع ~~الولد، { فأتوا حرثكم أنى شئتم } أي كيف شئتم مقبلة ~~ومدبرة في صمام واحد، كما ثبتت بذلك الأحاديث. # قال البخاري: عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء ~~الولد أحول، فنزلت: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم ~~أنى شئتم }. عن جابر بن عبد الله أن اليهود قالوا للمسلمين من ~~أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول فأنزل الله: { نسآؤكم حرث ~~لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } ، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج " # وعن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية { نسآؤكم حرث لكم } في ~~أناس من الأنصار، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " ائتها على كل حال إذا كان في الفرج ". # قال الإمام أحمد: عن عبد الله بن سابط قال: دخلت على (حفصة بنت عبد ~~الرحمن بن أبي بكر) فقلت: إني لسائلك عن أمر وأنا أستحي أن أسألك قالت: ~~فلا تستحي يا ابن أخي، قال: عن إتيان النساء في أدبارهن، قالت: حدثتني أم ~~سلمة أن الأنصار كانوا يحبون النساء وكانت اليهود تقول: إنه من أحبى ~~امرأته كان ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء ~~الأنصار، فأحبوهن فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى ~~آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك ~~فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء ms0260 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم استحت الأنصارية أن تسأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فخرجت فسألته أم سلمة فقال: ادعي " الأنصارية " فدعتها، فتلا عليها ~~هذه الآية: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم } " صماما واحدا ". وعن ابن عباس قال: جاء عمر بن الخطاب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت! قال: " ما الذي ~~أهلكك؟ " قال: حولت رحلي البارحة، قال: فلم يرد عليه شيئا، قال: فأوحى ~~الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { نسآؤكم حرث ~~لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم }: " أقبل وأدبر واتق ~~الدبر والحيضة ". # وعن نافع قال: قرأت ذات يوم { نسآؤكم حرث لكم فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم } فقال ابن عمر: أتدري فيم نزلت؟ قالت: لا، ~~قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. وهذا الحديث محمول - على ما تقدم ~~- وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها لما روى كعب بن علقمة عن أبي النضر ~~أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر: إنه قد أكثر عليك القول أنك تقول ~~عن ابن عمر إنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن قال: كذبوا علي ولكن ~~سأحدثك كيف كان الأمر، إن ابن عمر عرض المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ { ~~نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } ~~فقال: يا نافع، هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت: لا، قال: إنا كنا معشر ~~قريش نحبي النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل ~~ما كنا نريد، فآذاهن فكرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال ~~اليهود إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله: { نسآؤكم حرث لكم ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم } ، وهذا إسناد صحيح وإن كان قد ~~نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى ~~الإمام مالك في كتاب السر، وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك ~~رحمه الله، وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة، بالزجر عن فعله ~~وتعاطيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " استحيوا ms0261 إن الله لا يستحي من الحق، لا يحل أن تأتوا النساء من حشوشهن ~~" # وعن خزيمة بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يأتي الرجل ~~امرأته في دبرها. وفي رواية قال: # " استحيوا إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا ينظر الله إلى رجل أتى رجل أو امرأة في الدبر " # وعن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس وقال: كنت آتي أهلي في دبرها وسمعت ~~قول الله: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم } فظننت أن ذلك لي حلال، فقال: يا لكع إنما قوله: { فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم } قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة في أقبالهن لا ~~تعدوا ذلك إلى غيره. وقال عمر رضي الله عنه: استحيوا من الله فإن الله ~~لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن. وعن أبي جويرة قال: سأل ~~رجل عليا عن إتيان المرأة في دبرها فقال: سفلت سفل الله بك ألم تسمع قول ~~الله عز وجل: # أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين # [الأعراف: 80] وقد تقدم قول ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي هريرة وابن ~~عباس وعبد الله بن عمر في تحريم ذلك، وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنهما أنه يحرمه. عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن ~~عمر: ما تقول في الجواري أيحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدبر فقال: ~~وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟. وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ~~ذلك، فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم، وروي ~~معمر بن عيسى عن مالك أن ذلك حرام. # وقال أبو بكر النيسابوري بسنده عن إسرائيل بن روح سألت مالك بن أنس: ما ~~تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون ~~الحرث إلا موضع الزرع؟ لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله إنهم يقولون ~~إنك تقول ذلك، قال: ms0262 يكذبون علي يكذبون علي. # فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم ~~قاطبة وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعكرمة، وطاووس، وعطاء، وسعيد ~~بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر، والحسن، وغيرهم من السلف أنهم ~~أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على فعله الكفر وهو مذهب جمهور ~~العلماء. # وقوله تعالى: { وقدموا لأنفسكم } أي من فعل الطاعات مع ~~امتثال ما أنهاكم عنه من ترك المحرمات ولهذا قال: { واتقوا الله ~~واعلموا أنكم ملاقوه } أي فيحاسبكم على أعمالكم جميعها { ~~وبشر المؤمنين } أي المطيعين لله فيما أمرهم، التاركين ما عنه ~~زجرهم، وقال ابن جرير عن ابن عباس { وقدموا لأنفسكم } قال: ~~تقول باسم الله التسمية عند الجماع، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا ~~الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم ~~يضره الشيطان أبدا ". ### || [2.224-225] # ومعناه: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم ~~إذا حلفتم على تركها كقوله تعالى: # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل ~~الله # [النور: 22]، فالاستمرار على اليمين آثم لصاحبها من الخروج منها ~~بالتكفير كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي ~~كفارته التي افترض الله عليه " # وقال علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله: { ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم } قال: لا تجعلن عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ~~ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين عن أبي ~~موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا ~~أتيت الذي هو خير وتحللتها " # ، وثبت فيهما أيضا أن رسول الله ms0263 صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن ~~بن سمرة: # " يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة ~~أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين ~~فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي ~~هو خير ". # وقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم } أي لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان ~~اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير ~~تعقيد ولا تأكيد، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله " # فهذا قاله لقوم حديثي عهد بجاهلية، قد أسلموا وألسنتهم قد ألفت ما كانت ~~عليه من الحلف باللات من غير قصد، فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإخلاص، كما ~~تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد لتكون هذه بهذه ولهذا قال تعالى: { ~~ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } الآية، وفي الآية ~~الأخرى: # بما عقدتم الأيمان # [المائدة: 89]. عن عروة عن عائشة في قوله: { لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم } قالت: هم القوم يتدارأون في الأمر ~~فيقول هذا: لا والله، وبلى والله، وكلا والله، يتدارأون في الأمر لا تعقد ~~عليه قلوبهم. عن عروة قال: كانت عائشة تقول: إنما اللغو في المزاحة ~~والهزل، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، فذاك لا كفارة فيه، إنما ~~الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله. # (الوجه الثاني): عن عروة عن عائشة أنها كانت تتأول هذه الآية يعني قوله: ~~{ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } وتقول: ~~هو الشيء يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق، فيكون على غير ما حلف ~~عليه. وعن عطاء عن عائشة قالت: هو قوله: لا والله، وبلى والله، وهو يرى ~~أنه ms0264 صادق ولا يكون كذلك. (أقوال أخر): قال عبد الرزاق عن إبراهيم: هو ~~الرجل يحلف على الشيء ثم ينساه، وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى ~~الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا، أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدا فهو ~~هذا، قال طاووس عن ابن عباس: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان. وعن ابن ~~عباس قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك فذلك ما ليس عليك فيه كفارة ~~وكذا روي عن سعيد بن جبير. # وقال أبو داود (باب اليمين في الغضب): عن سعيد بن المسيب أن أخوين من ~~الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني ~~عن القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن ~~مالك، كفر عن يمينك وكلم أخاك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب عز وجل ولا في قطيعة الرحم ولا ~~فيما لا تملك " # وقوله: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } ، قال ~~ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب. قال ~~مجاهد وغيره: وهي كقوله تعالى: # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان # [المائدة: 89] الآية، { والله غفور حليم } أي غفور لعباده { ~~حليم } عليهم. ### || [2.226-227] # الإيلاء: الحلف، فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدة، فلا يخلو إما أن ~~يكون أقل من أربعة أشهر أو أكثر منها، فإن كانت أقل فله أن ينتظر انقضاء ~~المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه ~~المدة، وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم آلى من نسائه شهرا فنزل لتسع وعشرين، وقال: # " الشهر تسع وعشرون " # ، فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء ~~أربعة أشهر. إما أن يفيء: أي يجامع، وإما أن يطلق، فيجبره الحاكم على هذا ~~أو هذا لئلا يضر بها، ولهذا قال تعالى: { للذين يؤلون من ~~نسآئهم } أي ms0265 يحلفون على ترك الجماع من نسائهم، فيه دلالة على أن ~~الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء كما هو مذهب الجمهور. # { تربص أربعة أشهر } ، أي ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين ~~الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق، ولهذا قال: { فإن فآءو } ~~أي رجعوا إلى ما كانوا عليه - وهو كناية عن الجماع - قاله ابن عباس { ~~فإن الله غفور رحيم } لما سلف من التقصير في حقهن بسبب ~~اليمين. وقوله: { فإن فآءو فإن الله غفور رحيم } فيه ~~دلالة لأحد قولي العلماء وهو القديم عن الشافعي، أن المولي إذا فاء بعد ~~الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه ويعتضد بما تقدم في الحديث: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فتركها كفارتها " # ، كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي، والذي عليه الجمهور وهو الجديد من ~~مذهب الشافعي: أن عليه التكفير لعموم وجوب التكفير على كل حالف، كما تقدم ~~أيضا في الأحاديث الصحاح، والله أعلم. # وقوله تعالى: { وإن عزموا الطلاق } فيه دلالة على أن الطلاق ~~لا يقع بمجرد مضي الأربعة أشهر كقول الجمهور من المتأخرين، وذهب آخرون ~~إلى أنه يقع بمضي أربعة أشهر تطليقة وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر ~~وعثمان وابن عباس، ثم قيل: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر طلقة رجعية قال ~~سعيد بن المسيب، وقيل: إنها تطلق طلقة بائنة روي عن علي وابن مسعود وإليه ~~ذهب أبو حنيفة. # فكل من قال إنها تطلق بمضي الأربعة أوجب عليها العدة، إلا ما روي عن ابن ~~عباس وأبي الشعثاء إنها إن كانت حاضت ثلاث حيض فلا عدة عليها وهو قول ~~الشافعي، والذي عليه الجمهور من المتأخرين أن يوقف فيطالب: إما بهذا، ~~وإما بهذا، ولا يقع عليها بمجرد مضيها طلاق. وروي عن عبد الله بن عمر أنه ~~قال: إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه طلاق وإن مضت أربعة أشهر حتى ~~يوقف فإما أن يطلق، وإما أن يفيء، وقال الشافعي رحمه الله بسنده إلى ~~سليمان بن يسار قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ms0266 ~~كلهم يوقف المولي. # وعن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلا من الصحابة عن ~~الرجل يولي من امرأته فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر ~~فيوقف فإن فاء وإلا طلق، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم ~~رحمهم الله وهو اختيار ابن جرير أيضا، وكل هؤلاء قالوا: إن لم يفىء ألزم ~~بالطلاق، فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم، والطلقة تكون رجعية له رجعتها في ~~العدة، وانفرد مالك بأن قال: لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة ~~وهذا غريب جدا. # وقد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر الأثر الذي ~~رواه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ عن عبد الله بن دينار قال: خرج عمر ~~بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول: # تطاول هذا الليل واسود جانبه # وأرقني أن لا خليل ألاعبه # فوالله لولا الله أني أراقبه # لحرك من هذا السرير جوانبه # فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها: كما أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ ~~فقالت: ستة أشهر، أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر ~~من ذلك. ### || [2.228] # هذا أمر من الله سبحانه تعالى للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء، ~~بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ~~ثلاثة قروء ثم تتزوج إن شاءت، وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم ~~الأمة إذا طلقت فإنها تعتد عندهم بقرأين لأنها على النصف من الحرة، ~~والقرء لا يتبعض فكمل لها قرآن لحديث: # " طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ". # وقال بعض السلف: بل عدتها كعدة الحرة لعموم الآية ولأن هذا أمر جلي فكان ~~الحرائر والإماء في هذا سواء، حكي هذا القول عن بعض أهل الظاهر. وروي عن ~~أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية قالت: طلقت على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولم يكن للمطلقة عدة فأنزل الله عز وجل حين طلقت ~~(أسماء) العدة للطلاق فكانت أول من نزلت فيها العدة للطلاق يعني: { ~~والمطلقات ms0267 يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء }. ~~وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو على قولين، ~~(أحدهما): أن المراد بها (الأطهار) وقال مالك في الموطأ عن عروة عن عائشة ~~أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة ~~الثالثة، فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة، وقد جادلها ~~في ذلك ناس فقالوا: إن الله تعالى يقول في كتابه: { ثلاثة قروء } ~~، فقالت عائشة: صدقتم وتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار. وعن عبد ~~الله بن عمر أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة ~~الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها، وهو مذهب مالك والشافعي ورواية عن أحمد، ~~واستدلوا عليه بقوله تعالى: # فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق: 1] أي في الأطهار، ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسبا، دل ~~على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها، ولهذا قال هؤلاء: إن المعتدة ~~تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة، واستشهد أبو عبيدة ~~وغيره على ذلك بقول الأعشى: # مورثة مالا وفي الأصل رفعة # لما ضاع فيها من قروء نسائكا # يمدح أميرا من أمراء العرب آثر الغزو على المقام حتى ضاعت أيام الطهر ~~من نسائه لم يواقعهن فيها. (والقول الثاني): أن المراد بالأقراء (الحيض) ~~فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، زاد آخرون وتغتسل منها، ~~وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأصح الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل، ~~وحكى عنه الأثرم أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقولون: الأقراء: الحيض، وهو مذهب الثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى، ويؤيد ~~هذا ما جاء في الحديث عن فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لها: # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # ، فهذا لو صح لكان صريحا في أن القرء هو الحيض. # وقال ابن جرير: أصل القرء في كلام العرب الوقت، لمجيء الشيء المعتاد ~~مجيئه في وقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم، وهذه ~~العبارة تقتضي أن يكون مشتركا بين ms0268 هذا وهذا، وقد ذهب إليه بعض الأصوليين ~~والله أعلم، وهذا قول الأصمعي: أن القرء هو الوقت، وقال أبو عمرو بن ~~العلاء: العرب تسمي الحيض قرءا، وتسمي الطهر قرءا، وتسمي الطهر والحيض ~~جميعا قرءا. وقال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم بلسان العرب ~~والفقهاء أن القرء يراد به الحيض، ويراد به الطهر، وإنما اختلفوا في ~~المراد من الآية ما هو على قولين. # وقوله تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق ~~الله في أرحامهن } أي من حبل أو حيض، قاله ابن عباس وابن عمر ~~ومجاهد، وقوله: { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } ~~تهديد لهن على خلاف الحق، ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن، لأنه أمر ~~لا يعلم إلا من جهتهن، ويتعذر إقامة البينة غالبا على ذلك فرد الأمر ~~إليهن، وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحق، إما استعجالا منها لانقضاء ~~العدة، أو رغبة منها في تطويلها لما لها في ذلك من المقاصد، فأمرت أن ~~تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان. # وقوله تعالى: { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا } أي وزوجها الذي طلقها أحق بردها ما دامت في ~~عدتها، إذا كان مراده بردها الإصلاح والخير، وهذا من الرجعيات، فأما ~~المطلقات البوائن فلم يكن حال نزول هذه الآية مطلقة بائن، وإنما كان ذلك ~~لما حصروا في الطلاق الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية، فكان الرجل أحق ~~برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة، فلما قصروا في الآية التي بعدها على ~~ثلاث تطليقات، صار للناس مطلقة بائن وغير بائن. # وقوله تعالى: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } ~~أي ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما ~~إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت عن جابر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع: # " فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك ~~فاضربوهن ضربا ms0269 غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " # ، وفي حديث عن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده أنه قال: يا رسول ~~الله ما حق زوجة أحدنا؟ قال: # " أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح ~~ولا تهجر إلا في البيت " # وقال ابن عباس: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة ~~لأن الله يقول: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } ~~، وقوله: { وللرجال عليهن درجة } أي في الفضيلة في الخلق ~~والخلق، والمنزلة وطاعة الأمر، والإنفاق والقيام بالمصالح، والفضل في ~~الدنيا والآخرة كما قال تعالى: # الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من أموالهم # [النساء: 34]. # وقوله تعالى: { والله عزيز حكيم } أي عزيز في انتقامه ممن ~~عصاه وخالف أمره، حكيم في أمره وشرعه وقدره. ### || [2.229-230] # هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، من أن ~~الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما ~~كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله إلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في ~~المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: { الطلاق ~~مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } قال ~~أبو داود عن ابن عباس: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ~~ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن # [البقرة: 228] الآية وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها ~~وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك فقال: { الطلاق مرتان } الآية. # وعن (هشام بن عروة) عن أبيه أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدا ولا ~~آويك أبدا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل الله عز وجل: { ~~الطلاق مرتان }. # وعن عائشة قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم ~~تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس ~~قال: والله لأتركنك لا أيما ولا ذات زوج، فجعل ms0270 يطلقها حتى إذا كادت ~~العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارا فأنزل الله عز وجل: { ~~الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان } فوقت الطلاق ثلاثا لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح ~~زوجا غيره، وقوله: { فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان } أي إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها ما دامت ~~عدتها باقية، بين أن تردها إليك ناويا الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين ~~أن تتركها حتى تنقضي عدتها فتبين منك، وتطلق سراحها محسنا إليها لا ~~تظلمها من حقها شيئا ولا تضار بها. وعن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل ~~امرأته تطليقتين فليتق الله في ذلك، أي في الثالثة فإما أن يمسكها بمعروف ~~فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا، وعن أنس بن ~~مالك قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: ذكر ~~الله الطلاق مرتين فأين الثالثة؟ قال: { فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان }. # وقوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ ~~آتيتموهن شيئا } أي لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن، ~~ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه كما قال تعالى: # ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة # [النساء: 19] فأما إن وهبته المرأة شيئا عن طيب نفس منها فقد قال ~~تعالى: # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # [النساء: 4] وأما إذا تشاقق الزوجان ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ~~ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها ولا حرج عليها في ~~بذلها له ولا حرج عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: { ولا ~~يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا ~~أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به } الآية، فأما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه فقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة ~~" # ، وقال ms0271 رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " المختلعات هن المنافقات " # (حديث آخر)، وقال الإمام أحمد: عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " المختلعات والمنتزعات هن المنافقات " # وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ~~ليوجد من مسيرة أربعين عاما " # ثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف إنه لا يجوز الخلع إلا أن ~~يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية، ~~واحتجوا بقوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود ~~الله } ، قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها ~~إلا بدليل، والأصل عدمه، وممن ذهب إلى هذا ابن عباس وعطاء والحسن ~~والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئا وهو مضار لها وجب ~~رده إليها وكان الطلاق رجعيا، قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس ~~عليه، وذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق وعند ~~الاتفاق بطريق الأولى والأحرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة، وقد ذكر ابن ~~جرير رحمه الله أن هذه الآية نزلت في شأن (ثابت ابن قيس بن شماس) وامرأته ~~(حبيبة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول). # قال البخاري: عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكن ~~أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " أتردين عليه حديقته "؟ قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أقبل الحديقة وطلقها تطليقة " # ، وهكذا رواه البخاري أيضا من طرق عن عكرمة عن ابن عباس وفي بعضها أنها ~~قالت: لا أطيقه يعني بغضا. وفي رواية عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول أتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: والله ما أعتب على (ثابت بن قيس) في دين ~~ولا خلق، ولكنني أكره الكفر ms0272 في الإسلام لا أطيقه بغضا، فقال لها النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " " تردين عليه حديقته "؟ قالت: نعم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يأخذ ما ساق ولا يزداد " # وقال ابن جرير: عن عبد الله بن رباح عن جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن ~~سلول أنها كانت تحت ثابت بن قيس فنشزت عليه فأرسل إليها النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: # " " يا جميلة ما كرهت من ثابت؟ " قالت: والله ما كرهت منه دينا ولا ~~خلقا إلا أني كرهت دمامته، فقال لها: " أتردين عليه الحديقة "؟ قالت: ~~نعم، فردت الحديقة وفرق بينهما ". # وأول خلع كان في الإسلام في أخت (عبد الله بن أبي) أنها أتت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: # " يا رسول الله، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا، إني رفعت جانب الخباء ~~فرأيته قد أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها، ~~فقال زوجها: يا رسول الله، إني قد أعطيتها أفضل مالي حديقة لي فإن ردت ~~علي حديقتي، قال: " ماذا تقولين "؟ قالت: نعم وإن شاء زدته، قال: ففرق ~~بينهما ". # وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما ~~أعطاها؟ فذهب الجمهور إلى جواز ذلك لعموم قوله تعالى: { فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به }. وعن كثير مولى ابن سمرة أن عمر أتي ~~بامرأة ناشز فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، ثم دعا بها فقال: كيف وجدت؟ ~~فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني، فقال ~~لزوجها: اخلعها ولو من قرطها. وقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص ~~رأسها لحديث الربيع بنت معوذ قالت: كان لي زوج يقل علي الخير إذا ~~حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، قالت: فكانت مني زلة يوما فقلت: أختلع منك ~~بكل شيء أملكه، قال: نعم، قالت: ففعلت فخاصم عمي (معاذ بن عفراء) إلى ~~عثمان بن عفان فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ~~ما دون عقاص الرأس. ومعنى هذا ms0273 أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل ~~وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد، ~~وهذا مذهب مالك والشافعي واختاره ابن جرير. # وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما ~~أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان ~~الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئا فإن أخذ جاز في القضاء، وقال ~~الإمام أحمد: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها وهذا قول سعيد بن المسيب ~~وعطاء، وقال معمر: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها. # (قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية ابن عباس في قصة (ثابت بن ~~قيس) فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها الحديقة ولا ~~يزداد، وبما روي عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يأخذ منها ~~أكثر مما أعطاها يعني المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى { فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به } أي من الذي أعطاها لتقدم ~~قوله: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن ~~شيئا } ولهذا قال بعده: { تلك حدود الله فلا تعتدوها ~~ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون }. # فصل # قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فعن عكرمة قال: كل شيء أجازه ~~المال فليس بطلاق، وروي عن ابن عباس أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله ~~فقال: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أيتزوجها؟ قال: نعم ليس ~~الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك ~~فليس الخلع بشيء، ثم قرأ: { الطلاق مرتان فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان } ، وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس ~~رواية عن عثمان وابن عمر وبه يقول أحمد وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ~~ظاهر الآية الكريمة، والقول الثاني في الخلع إنه (طلاق بائن) إلا أن ينوي ~~أكثر من ذلك وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي في الجديد، غير أن ~~الحنفية عندهم أنه ms0274 متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق فهو ~~واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثا فثلاث، وللشافعي قول آخر في الخلع وهو أنه ~~متى لم يكن بلفظ الطلاق وعري عن البينة فليس بشيء بالكلية. # مسألة # وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة ~~وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء، وقال سفيان ~~الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة ولا سبيل له عليها؟ وإن ~~كان يسمى طلاقا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة وبه يقول داود ~~الظاهري، واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوجها في العدة، وحكى ابن عبد ~~البر عن فرقة أنه لا يجوز له ذلك كما لا يجوز لغيره، وهو قول شاذ مردود. # مسألة # وهل له أن يوقع عليها طلاقا آخر في العدة؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء. ~~(أحدها): ليس له ذلك لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه، وبه قال الشافعي ~~وأحمد بن حنبل. (والثاني): قال مالك: إن أتبع الخلع طلاقا من غير سكوت ~~بينهما وقع، وإن سكت بينهما لم يقع قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي ~~عن عثمان رضي الله عنه. (والثالث) أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت ~~في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي. # وقوله تعالى: { تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن ~~يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } أي هذه ~~الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده فلا تتجاوزوها كما ثبت في الحديث ~~الصحيح: # " إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم ~~فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها " # ، وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة ~~حرام كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة ~~لقوله: { الطلاق مرتان } ، ثم قال: { تلك حدود الله ~~فلا تعتدوها } الآية # " أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات ~~جميعا فقام غضبان ms0275 ثم قال: " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم " حتى قام ~~رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ ". # وقوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره } أي أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ~~ثالثة بعدما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجا ~~غيره، أي حتى يطأها زوج آخر، في نكاح صحيح، فلو وطئها واطىء في غير نكاح ~~ولو في ملك اليمين لم تحل للأول، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوجت ولكن لم ~~يدخل بها الزوج لم تحل للأول، لحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم # " في الرجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها البتة، فيتزوجها زوج ~~آخر فيطلقها قبل أن يدخل بها أترجع إلى الأول؟ قال: " لا حتى تذوق عسيلته ~~ويذوق عسيلتها " # عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثا، فتزوجت بعده رجلا فطلقها ~~قبل أن يدخل بها أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" لا حتى يكون الآخر قد ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته " # قال مسلم في صحيحه: عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها فتتزوج رجلا آخر فيطلقها قبل أن ~~يدخل بها أتحل لزوجها الأول قال: " لا، حتى يذوق عسيلتها " # وعن عائشة # " أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكرت له أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، فقال: " لا، ~~حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " ". # وقال الإمام أحمد عن عائشة قالت: # " دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: إن رفاعة طلقني البتة، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وإنما ~~عنده مثل الهدبة، وأخذت هدبة من جلبابها - وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ~~لم يؤذن له - فقال: يا أبا بكر ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يدي رسول ~~الله ms0276 صلى الله عليه وسلم؟ فما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~التبسم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كأنك تريدين أن ترجعي إلى ~~رفاعة، لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " ". # فصل # والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبا في المرأة، قاصدا لدوام ~~عشرتها كما هو المشروع من التزويج، واشترط الإمام مالك مع ذلك أن يطأها ~~الثاني وطأ مباحا، فلو وطئها وهي محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض أو ~~نفساء، أو الزوج صائم أو محرم أو معتكف، لم تحل للأول بهذا الوطء، وكذا ~~لو كان الزوج الثاني ذميا لم تحل للمسلم بنكاحه، لأن أنكحة الكفار باطلة ~~عنده، فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول، فهذا هو (المحلل) ~~الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه، ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح ~~عند جمهور الأئمة. # ذكر الأحاديث الواردة في ذلك # الحديث الأول: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: # " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الواشمة والمستوشمة والواصلة ~~والمستوصلة والمحلل والمحلل له، وآكل الربا وموكله ". # الحديث الثاني: عن علي رضي الله عنه قال: # " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه ~~والواشمة والمستوشمة للحسن ومانع الصدقة والمحلل والمحلل له، وكان ينهى ~~عن النوح ". # الحديث الثالث: عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لعن الله المحلل والمحلل له ". # الحديث الرابع: عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " " ألا أخبركم بالتيس المستعار " ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " هو ~~المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له " ". # الحديث الخامس: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن نكاح المحلل قال: # " لا، إلا نكاح رغبة، لا نكاح دلسة، ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق ~~عسيلتها ". # الحديث السادس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ". # الحديث السابع: عن ms0277 عمر بن نافع عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر ~~فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها ~~لأخيه هل تحل للأول؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: { فإن طلقها } أي الزوج الثاني بعد الدخول بها { ~~فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ } أي المرأة والزوج الأول { ~~إن ظنآ أن يقيما حدود الله } أي يتعاشرا بالمعروف، قال ~~مجاهد: إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة { وتلك حدود الله } أي ~~شرائعه وأحكامه { يبينها } أي يوضحها { لقوم يعلمون }. # وقد اختلف الأئمة رحمهم الله فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين ~~وتركها حتى انقضت عدتها ثم تزوجت بآخر فدخل بها ثم طلقها فانقضت عدتها ثم ~~تزوجها الأول وهل تعود إليه بما بقي من الثلاث كما هو مذهب مالك والشافعي ~~وأحمد بن حنبل، وهو قول طائفة من الصحابة رضي الله عنهم، أو يكون الزوج ~~الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث ~~كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله، وحجتهم أن الزوج الثاني إذا ~~هدم الثلاث فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم. ### || [2.231] # هذا أمر من الله عز وجل للرجال، إذا طلق أحدهم المرأة طلاقا له عليها ~~فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما ~~يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها أي يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف وهو ~~أن يشهد على رجعتها وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها أي يتركها حتى ~~تنقضي عدتها ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن من غير شقاق ولا مخاصمة ولا ~~تقابح، قال الله تعالى: { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ~~} ، قال ابن عباس ومجاهد: كان الرجل يطلق المرأة فإذا قاربت انقضاء العدة ~~راجعها ضرارا لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد فإذا شارفت على ~~انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك وتوعدهم ms0278 عليه ~~فقال: { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } أي بمخالفته أمر ~~الله تعالى. # وقوله تعالى: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } ، قال ~~مسروق: هو الذي يطلق في غير كنهه ويضار امرأته بطلاقها وارتجاعها لتطول ~~عليها العدة، وقال الحسن وقتادة: هو الرجل يطلق ويقول: كنت لاعبا، أو ~~يعتق أو ينكح ويقول: كنت لاعبا، فأنزل الله: { ولا تتخذوا ~~آيات الله هزوا } وعن ابن عباس قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب لا ~~يريد الطلاق، فأنزل الله: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا ~~} فألزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الطلاق. وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة ". # وقوله تعالى: { واذكروا نعمت الله عليكم } أي في رسالة ~~الرسول بالهدى والبينات إليكم { ومآ أنزل عليكم من ~~الكتاب والحكمة } أي السنة { يعظكم به } أي يأمركم ~~وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم { واتقوا الله } أي فيما ~~تأتون وفيما تذرون { واعلموا أن الله بكل شيء عليم ~~} أي فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية وسيجازيكم على ذلك. ### || [2.232] # قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين ~~فتنقضي عدتها ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها وتريد المرأة ذلك ~~فيمنعها أولياؤها من ذلك فنهى الله أن يمنعوها، والذي قاله ظاهر من ~~الآية، وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها، وأنه لا بد في ~~النكاح من ولي، وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء محرر في موضعه من كتب ~~الفروع، وقد قررنا ذلك في كتاب الأحكام ولله الحمد والمنة. # وقد روي أن هذه الآية نزلت في (معقل بن يسار المزني) وأخته. روى ~~الترمذي عن معقل بن يسار أنه زوج أخته رجلا من المسلمين على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم ~~يراجعها حتى انقضت عدتها، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا ~~لكع ابن لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدا آخر ~~ما عليك، ms0279 قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله: { ~~وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن } ، إلى قوله: { ~~وأنتم لا تعلمون } ، فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة ثم ~~دعاه فقال: أزوجك وأكرمك. # وقوله تعالى: { ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن ~~بالله واليوم الآخر } أي هذا الذي نهيناكم عنه من منع الولايا ~~أن يتزوجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف، يأتمر به ويتعظ به وينفعل ~~له { من كان منكم } أيها الناس { يؤمن بالله واليوم ~~الآخر } أي يؤمن بشرع الله ويخاف وعيد الله وعذابه في الدار الآخرة وما ~~فيها من الجزاء { ذلكم أزكى لكم وأطهر } أي اتباعكم شرع ~~الله في رد الموليات إلى أزواجهن، وترك الحمية في ذلك { أزكى ~~لكم وأطهر } لقلوبكم { والله يعلم } أي من المصالح فيما ~~يأمر به وينهى عنه { وأنتم لا تعلمون } أي الخيرة فيما تأتون ~~ولا فيما تذرون. ### || [2.233] # هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة وهي ~~(سنتان) فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال: { لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة } وذهب أكثر الأئمة، إلى أنه لا يحرم من الرضاعة ~~إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام " # ومعنى قوله: " إلا ما كان في الثدي " أي في محال الرضاعة قبل الحولين ~~لحديث: # " إن ابني مات في الثدي وإن له مرضعا في الجنة " # وإنما قال عليه السلام ذلك لأن ابنه إبراهيم عليه السلام مات وله سنة ~~وعشرة أشهر، فقال: إن له مرضعا يعني تكمل رضاعه ويؤيده ما رواه ~~الدارقطني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين ". # وقال الطيالسي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام " # ، وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله تعالى: # وفصاله في عامين أن اشكر ms0280 لي # [لقمان: 14]، وقال: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15] والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين يروى عن علي ~~وابن عباس وابن مسعود وهو مذهب الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: سنتان ~~وستة أشهر. وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: لا رضاع بعد فصال، فيحتمل ~~أنهما أرادا الحولين كقول الجمهور سواء فطم أو لم يفطم، ويحتمل أنهما ~~أرادا الفعل كقول مالك والله أعلم. # وقد روي في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت ترى رضاع الكبير ~~يؤثر في التحريم، وهو قول عطاء والليث بن سعد، وكانت عائشة تأمر بمن ~~تختار أن يدخل عليها من الرجال لبعض نسائها فترضعه، وتحتج في ذلك بحديث ~~(سالم مولى أبي حذيفة) حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أبي حذيفة ~~أن ترضعه وكان كبيرا، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وأبى ذلك سائر ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورأين ذلك من الخصائص، وهو قول الجمهور، ~~وحجة الجمهور ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " انظرن من إخوانكن! فإنما الرضاعة من المجاعة ". # وقوله تعالى: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف } أي وعلى والد الطفل، نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، ~~أي بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن، من غير إسراف ولا إقتار، بحسب ~~قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره كما قال تعالى: # لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق ممآ آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ~~مآ آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا # [الطلاق: 7]، قال الضحاك: إذا طلق زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده ~~وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف. # وقوله تعالى: { لا تضآر والدة بولدها } أي بأن تدفعه عنها ~~لتضر أباه بتربيته، ولكن ليس لها دفعه إذا ولدته حتى تسقيه اللبن الذي لا ~~يعيش بدون تناوله غالبا، ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا شاءت، ولكن إن ~~كانت مضارة لأبيه فلا يحل لها ذلك، كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد ~~الضرار لها ولهذا ms0281 قال: { ولا مولود له بولده } أي بأن يريد ~~أن ينتزع الولد منها إضرارا بها قاله مجاهد وقتادة. # وقوله تعالى: { وعلى الوارث مثل ذلك } قيل: في عدم الضرار ~~لقريبه، قاله مجاهد والضحاك، وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من ~~الانفاق على والدة الطفل، والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها وهو قول ~~الجمهور، وقد استقصى ذلك ابن جرير في تفسيره، وقد استدل بذلك من ذهب من ~~الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر ~~بن الخطاب وجمهور السلف، ويرجح ذلك بحديث الحسن عن سمرة مرفوعا: " من ~~ملك ذا رحم محرم عتق عليه " وقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت ~~الولد إما في بدنه أو في عقله. # وقوله تعالى: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما ~~وتشاور فلا جناح عليهما } أي فإن اتفق والدا الطفل على ~~فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك وأجمعا عليه، ~~فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا ~~يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر، وهذا فيه ~~احتياط للطفل، وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده، حيث حجر ~~على الوالدين في تربية طفلهما، وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه كما قال ~~في سورة الطلاق: # فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا ~~بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى # [الآية: 6]. # وقوله تعالى: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ~~فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بالمعروف ~~} أي إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد، إما لعذر منها ~~أو لعذر منه، فلا جناح عليهما في بذله ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها ~~أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف، ~~وقوله: { واتقوا الله } أي في جميع أحوالكم { واعلموا ~~أن الله بما تعملون بصير } أي فلا يخفى عليه شيء من ~~أحوالكم وأقوالكم. ### || [2.234] # هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن أن يعتددن أربعة أشهر ~~وعشر ms0282 ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن ~~بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة وهذا الحديث ~~الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة ~~فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها، فترددوا إليه مرارا في ذلك، فقال: ~~أقول فيها برأيي، فإن يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، ~~والله ورسوله بريئان منه: لها الصداق كاملا - وفي لفظ لها صداق مثلها لا ~~وكس ولا شطط - وعليها العدة، ولها الميراث، فقام (معقل بن يسار الأشجعي) ~~فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به في (بروع بنت واشق)، ~~ففرح عبد الله بذلك فرحا شديدا. # ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها وهي حامل، فإن عدتها بوضع ~~الحمل، ولو لم تمكث بعده سوى لحظة لعموم قوله: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4]، وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين: من ~~الوضع، أو أربعة أشهر وعشر، للجمع بين الآيتين، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي، ~~لولا ما ثبتت به السنة في حديث (سبيعة الأسلمية) المخرج في الصحيحين من ~~غير وجه، أنها توفي عنها زوجها (سعد بن خولة) وهي حامل، فلم تنشب أن ~~وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها ~~(أبو السنابل بن بعكك) فقال لها: مالي أراك متجملة لعلك ترجين النكاح؟ ~~والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال ~~لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسألته عن ذلك فأفتاني بإني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن ~~بدا لي. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عباس رجع إلى حديث ~~سبيعة، يعني لما احتج عليه به، قال: ويصحح ذلك عنه أن أصحابه أفتوا بحديث ~~سبيعة كما هو قول أهل العلم قاطبة، وكذلك يستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت ~~أمة، فإن عدتها ms0283 على النصف من عدة الحرة على قول الجمهور، لأنها لما كانت ~~على النصف من الحرة في الحد فكذلك في العدة، ومن العلماء من يسوي بين ~~الزوجات الحرائر والإماء في هذا المقام لعموم الآية، ولأن العدة من باب ~~الأمور الجبلية، التي تستوي فيها الخليقة. وقد ذكر أن الحكمة في جعل ~~عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، احتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظر ~~به هذه المدة ظهر إن كان موجودا كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في ~~الصحيحين: # " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ~~ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح " # فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض ~~الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم. # وقوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } يستفاد من هذا وجوب ~~الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها، لما ثبت في الصحيحين أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا ~~على زوج أربعة أشهر وعشرا " # ، وفي الصحيحين أيضا عن أم سلمة # " أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت ~~عينها أفنكحلها؟ فقال: " لا " كل ذلك يقول - لا - مرتين أو ثلاثا، ثم ~~قال: " إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية تمكث سنة " # قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ~~ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبا ولا شيئا، حتى تمر بها سنة، ثم تخرج ~~فتعطى بعرة فترمي بها ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به فقلما ~~تفتض بشيء إلا مات، ومن ههنا ذهب كثيرون من العلماء إلى أن هذه الآية ~~ناسخة للآية التي بعدها وهي قوله: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج # [البقرة: ms0284 240] الآية كما قاله ابن عباس وغيره، وفي هذا نظر كما سيأتي ~~تقريره، والغرض من الإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطيب، ولبس ما ~~يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة الوفاة قولا ~~واحدا، ولا يجب في عدة الرجعية قولا واحدا، وهل يجب في عدة البائن فيه ~~قولان: ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، سواء في ذلك ~~الصغيرة، والآيسة، والحرة، والأمة، والمسلمة، والكافرة، لعموم الآية، ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا حداد على الكافرة، وبه يقول أشهب وابن نافع ~~من أصحاب مالك، وحجة قائل هذه المقالة قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا ~~على زوج أربعة أشهر وعشرا " # ، قالوا: فجعله تعبدا، وألحق أبو حنيفة وأصحابه الصغيرة بها لعدم ~~التكليف، وألحق أبو حنيفة الأمة المسلمة لنقصها، ومحل تقرير ذلك كله في ~~كتب الأحكام والفروع والله الموفق للصواب. # وقوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن } أي انقضت عدتهن { فلا ~~جناح عليكم } ، قال الزهري: أي على أوليائها { فيما فعلن } ~~يعني النساء اللاتي انقضت عدتهن قال ابن عباس: إذا طلقت المرأة أو مات ~~عنها زوجها فإذا انقضت عدتها، فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض ~~للتزويج فذلك المعروف. وقد روي عن مقاتل، وقال مجاهد: { بالمعروف } ~~النكاح الحلال الطيب، وهو قول الحسن والزهري، والله أعلم. ### || [2.235] # يقول تعالى: { ولا جناح عليكم } أن تعرضوا بخطبة النساء في ~~عدتهن، من وفاة أزواجهن من غير تصريح، قال ابن عباس: التعريض أن يقول إني ~~أريد التزويج، وإني أحب امرأة من أمرها ومن أمرها - يعرض لها بالقول ~~بالمعروف - وفي رواية ووددت أن الله رزقني امرأة. وعن مجاهد عن ابن عباس ~~هو أن يقول: إني أريد التزويج وإن النساء لمن حاجتي، ولوددت أن ييسر لي ~~امرأة صالحة. من غير تصريح لها بالخطبة، وهكذا حكم المطلقة المبتوتة يجوز ~~التعريض لها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس، حين ~~طلقها زوجها أبو عمرو بن ms0285 حفص، آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتد في بيت ~~(ابن أم مكتوم) وقال لها: فإذا حللت فآذنيني، فلما حلت خطب عليها أسامة ~~بن زيد مولاه فزوجها إياه، فأما المطلقة فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير ~~زوجها التصريح بخطبتها ولا التعريض لها، والله أعلم. # وقوله تعالى: { أو أكننتم في أنفسكم } أي أضمرتم في ~~أنفسكم من خطبتهن، وهذا كقوله تعالى: # وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون # [القصص: 69]، وكقوله: # وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم # [الممتحنة: 1]، ولهذا قال: { علم الله أنكم ~~ستذكرونهن } أي في أنفسكم فرفع الحرج عنكم في ذلك، ثم قال: { ~~ولكن لا تواعدوهن سرا } واختاره ابن جرير، وقال ابن ~~عباس: { ولكن لا تواعدوهن سرا } لا تقل لها: إني عاشق، ~~وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا. وكذا روي عن سعيد بن جبير ~~والضحاك، وعن مجاهد هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك، ~~فنهى الله عن ذلك وشدد فيه وأحل الخطبة والقول بالمعروف، وقال ابن زيد: ~~{ ولكن لا تواعدوهن سرا } هو أن يتزوجها في العدة سرا ~~فإذا حلت أظهر ذلك، وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك ولهذا قال: ~~{ إلا أن تقولوا قولا معروفا } ، قال ابن عباس: يعني به ~~ما تقدم من إباحة التعريض كقوله: إني فيك لراغب ونحو ذلك. # وقوله تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى ~~يبلغ الكتاب أجله } يعني ولا تعقدوا العقدة بالنكاح حتى ~~تنقضي العدة. قال ابن عباس: { حتى يبلغ الكتاب أجله } ~~يعني ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة، وقد أجمع العلماء على ~~أنه لا يصح العقد في مدة العدة، واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها فدخل ~~بها فإنه يفرق بينهما وهل تحرم عليه أبدا؟ على قولين: الجمهور على أنها ~~لا تحرم عليه بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها، وذهب الإمام مالك إلى ~~أنها تحرم عليه على التأبيد، ومأخذ هذا أن الزوج لما استعجل ما أجل الله، ~~عوقب بنقيض قصده فحرمت عليه من التأبيد كالقاتل يحرم الميراث. # وقوله تعالى: { واعلموا أن ms0286 الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه } توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور ~~النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤنسهم من رحمته ~~ولم يقنطهم من عائدته فقال: { واعلموا أن الله غفور ~~حليم }. ### || [2.236] # أباح تبارك وتعالى طلاق المرأة بعد العقد عليها وقبل الدخول بها، قال ~~ابن عباس: المس النكاح، ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها إن ~~كانت مفوضة، وإن كان في هذا انكسار لقلبها، ولهذا أمر تعالى بإمتاعها وهو ~~تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها، بحسب حاله على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره، وقال ابن عباس: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ~~ودون ذلك الكسوة، وقال الشعبي: أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب، ومتع ~~الحسن بن علي بعشرة آلاف، ويروى أن المرأة قالت: (متاع قليل من حبيب ~~مفارق)، وذهب أبو حنيفة إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب ~~لها عليه نصف مهر مثلها، وقال الشافعي: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا ~~على أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وأحب ذلك إلي أن يكون أقله ما تجزىء ~~فيه الصلاة، وقال في القديم: لا أعرف في المتعة قدرا إلا أني أستحسن ~~ثلاثين درهما كما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقد اختلف العلماء ~~أيضا هل تجب المتعة لكل مطلقة، أو إنما تجب المتعة لغير المدخول بها ~~التي لم يفرض لها؟ على أقوال: # (أحدها): أنها تجب المتعة لكل مطلقة لعموم قوله تعالى: # وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين # [البقرة: 241]، ولقوله تعالى: # فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا # [الأحزاب: 28] وقد كن مفروضا لهن ومدخولا بهن، وهذا قول سعيد بن جبير ~~وهو أحد قولي الشافعي. # (والقول الثاني): أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس وإن كانت ~~مفروضا لها لقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن ~~وسرحوهن سراحا جميلا # [الأحزاب: 49]، قال سعيد بن المسيب: نسخت الآية التي في الأحزاب، الآية ~~التي ms0287 في البقرة، وقد روى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد وأبي أسيد أنهما ~~قالا: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم (أميمة بنت شرحبيل)، فلما ~~أدخلت عليه بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ~~ويكسوها ثوبين أزرقين. # (والقول الثالث): أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض ~~لها، فإن كان قد دخل بها وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة، وإن كان قد ~~فرض لها وطلقها قبل الدخول وجب لها عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع ~~وكان ذلك عوضا لها عن المتعة، وإنما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل ~~فهذه التي دلت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها وهذا قول ابن عمر ~~ومجاهد، ومن العلماء من استحبها لكل مطلقة، ممن عدا المفوضة المفارقة قبل ~~الدخول وهذا ليس بمنكور وعليه تحمل آية التخيير في الأحزاب، ولهذا قال ~~تعالى: { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ~~متاعا بالمعروف حقا على المحسنين }. وقال تعالى: # وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين # [البقرة: 241] ومن العلماء من يقول إنها مستحبة مطلقا. ### || [2.237] # هذه الآية الكريمة تدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الآية الأولى، ~~حيث أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول، فإنه ~~لو كان ثم واجب آخر من متعة لبينها، لا سيما وقد قرنها بما قبلها من ~~اختصاص المتعة بتلك الآية، وتشطير الصداق - والحالة هذه - أمر مجمع عليه ~~بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك فإنه متى كان قد سمى لها صداقا ثم ~~فارقها قبل دخوله بها، فإنه يجب لها نصف ما سمى من الصداق، إلا أن عند ~~الثلاثة أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج وإن لم يدخل بها، وهو ~~مذهب الشافعي في القديم وبه حكم الخلفاء الراشدون، لكن قال ابن عباس: في ~~الرجل يتزوج المرأة فيخلوا بها ولا يمسها ثم يطلقها، ليس لها إلا نصف ~~الصداق، لأن الله يقول: { وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن ms0288 فريضة فنصف ما ~~فرضتم } قال الشافعي: بهذا أقول وهو ظاهر الكتاب. # وقوله تعالى: { إلا أن يعفون } أي النساء عما وجب لها على زوجها ~~فلا يجب لها عليه شيء، قال ابن عباس في قوله: { إلا أن يعفون }: ~~إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها. # وقوله تعالى: { أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح } ~~المراد به (الزوج). عن عيسى بن عاصم قال: سمعت شريحا يقول: سألني علي بن ~~أبي طالب عن { الذي بيده عقدة النكاح } فقلت له: هو ولي ~~المرأة، فقال علي: لا، بل هو الزوج، وهذا هو الجديد من قول الشافعي، ~~ومذهب أبي حنيفة وأصحابه واختاره ابن جرير، ومأخذ هذا القول أن الذي بيده ~~عقدة النكاح حقيقة الزوج فإن بيده عقدة وإبرامها، ونقضها وانهدامها، ~~وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب شيئا من مال المولية للغير، فكذلك في ~~الصداق. الوجه الثاني: أنه أبوها أو أخوها أو من لا تنكح إلا بإذنه. وروي ~~عن الحسن وعطاء وطاووس: أنه (الولي) وهذا مذهب مالك وقول الشافعي في ~~القديم، ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها إياه، فله التصرف فيه بخلاف سائر ~~مالها، وقال عكرمة: أذن الله في العفو وأمر به، فأي امرأة عفت جاز عفوها. # وقوله تعالى: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } خوطب به ~~الرجال والنساء، قال ابن عباس أقربهما للتقوى الذي يعفو، { ولا ~~تنسوا الفضل بينكم } المعروف يعني لا تهملوه بل استعملوه ~~بينكم، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ليأتين على الناس زمان عضوض يعض المؤمن على ما في يديه وينسى الفضل ~~وقد قال الله تعالى: { ولا تنسوا الفضل بينكم } " شرار ~~يبايعون كل مضطر " # ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر وعن بيع الغرر ~~فإن كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكا إلى هلاكه، فإن المسلم ~~أخو المسلم لا يحزنه ولا يخرمه، { إن الله بما تعملون ~~بصير } ، أي لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم وسيجزى كل عامل ~~بعمله. ### || [2.238-239] # يأمر تعالى بالمحافظة ms0289 على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها وأدائها في ~~أوقاتها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أي العمل أفضل؟ قال: " الصلاة في وقتها " ، قلت: ثم أي؟ قال: " الجهاد ~~في سبيل الله " ، قلت: ثم أي؟ قال: " بر الوالدين " # ، وفي الحديث: # " إن أحب الأعمال إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها " # وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد (الصلاة الوسطى) وقد اختلف السلف ~~والخلف فيها أي صلاة هي؟ فقيل: (الصبح) حكاه مالك لما روي عن ابن عباس ~~أنه صلى الغداة في مسجد البصرة فقنت قبل الركوع وقال: هذه الصلاة الوسطى ~~التي ذكرها الله في كتابه فقال: { حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } ، وهو الذي نص ~~عليه الشافعي رحمه الله محتجا بقوله تعالى: { وقوموا لله ~~قانتين } والقنوت عنده في صلاة الصبح، ومنهم من قال: هي وسطى باعتبار ~~أنها لا تقصر وهي بين صلاتين رباعيتين مقصورتين. وقيل: إنها (صلاة ~~الظهر). روي عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم منها فنزلت: { حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى وقوموا لله قانتين } ، وقيل: إنها (صلاة العصر) ~~وهو قول أكثر علماء الصحابة وجمهور التابعين. # قال الإمام أحمد بسنده عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم الأحزاب: # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا " # ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها ~~قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: # " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " # ، وفي الصحيح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " بكروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله " # وعن أبي يونس مولى عائشة قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا قالت: ~~إذا بلغت هذه الآية { حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى } فآذني، فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي: { حافظوا ms0290 على ~~الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين } قالت: سمعتها من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب. # وقيل: بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس. وكل هذه الأقوال فيها ضعف ~~بالنسبة إلى التي قبلها، وقد ثبتت السنة بأنها العصر فتعين المصير ~~إليها. # وقوله تعالى: { وقوموا لله قانتين } أي خاشعين ذليلين ~~مستكينين بين يديه، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة لمنافاته ~~إياها، ولهذا لما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الرد على (ابن ~~مسعود) حين سلم عليه وهو في الصلاة قال: # " إن في الصلاة لشغلا " # ، وفي صحيح مسلم: # " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح ~~والتكبير وذكر الله " # وقال الإمام أحمد بن حنبل عن زيد بن أرقم قال: كان الرجل يكلم صاحبه في ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية: { ~~وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت. # وقوله تعالى: { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذآ ~~أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون } لما أمر تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات والقيام ~~بحدودها، وشدد الأمر بتأكيدها ذكر الحال الذي يشتغل الشخص فيها عن أدائها ~~على الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب فقال: { فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا } أي فصلوا على أي حال كان رجالا أو ~~ركبانا، يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، كما قال مالك عن ابن عمر ~~كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا ~~رجالا على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال ~~نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من ~~رخص الله التي رخص لعباده ووضعه الآصار والأغلال عنهم، وقد روي عن ابن ~~عباس قال: في هذه الآية يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه. وقد ~~ذهب الإمام أحمد فيما نص عليه إلى أن صلاة الخوف تفعل في بعض الأحيان ms0291 ~~ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان، وعلى ذلك ينزل الحديث الذي رواه مسلم عن ~~ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في ~~الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، واختار هذا القول ابن ~~جرير، وقال البخاري: (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو)، وقال ~~الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرىء ~~لنفسه فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال ويأمنوا ~~فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا ~~يجزيهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا، وقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة ~~(حصن تستر) عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة، ~~فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا، قال ~~أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. وهذا يدل على اختيار ~~البخاري لهذا القول، والجمهور على خلافه ويعولون على أن صلاة الخوف على ~~الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء، والله أعلم. # وقوله تعالى: { فإذآ أمنتم فاذكروا الله } أي أقيموا ~~صلاتكم كما أمرتم فأتموا ركوعها وسجودها، وقيامها وقعودها وخشوعها ~~وهجودها { كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } أي مثل ~~ما أنعم عليكم وهداكم للإيمان، وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، ~~فقابلوه بالشكر والذكر، كقوله بعد ذكر صلاة الخوف: # فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة ~~كانت على المؤمنين كتابا موقوتا # [النساء: 103]، وستأتي الأحاديث الواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة ~~النساء عند قوله تعالى: # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة # [الآية: 102] إن شاء الله تعالى. ### || [2.240-242] # قال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، وهي قوله: # يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # [البقرة: 234]. قال البخاري، قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان: { ~~والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } قد نسختها ~~الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير شيئا ~~منه من مكانه، ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان إذا كان ~~حكمها قد نسخ ms0292 بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، ~~وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين بأن ~~هذا أمر توقيفي وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها فأثبتها حيث ~~وجدتها. # وروي عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ~~ينفق عليها من ماله ثم أنزل الله بعد: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # [البقرة: 234]، فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملا فعدتها ~~أن تضع ما في بطنها، وقال: # ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ~~فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم # [النساء: 12]، فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة. # وقال عطاء، قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث ~~شاءت وهو قول الله تعالى: { غير إخراج } ، قال عطاء: إن شاءت ~~اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت لقول الله: { فلا ~~جناح عليكم في ما فعلن } ، قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ ~~السكنى فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها، ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما ~~تقدم عنه بهذا القول الذي عول عليه مجاهد وعطاء من أن هذه الآية لم تدل ~~على وجوب الاعتداد سنة كما زعمه الجمهور حتى يكون ذلك منسوخا بالأربعة ~~الأشهر وعشر وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يمكن ~~من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا إن اخترن ذلك ولهذا ~~قال تعالى: { وصية لأزواجهم } أي يوصيكم الله بهن وصية كقوله: # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء: 11] الآية. { غير إخراج } فأما إذا انقضت عدتهن ~~بالأربعة أشهر والعشر أو بوضع الحمل واخترن الخروج والانتقال من ذلك ~~المنزل فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله: { فإن خرجن فلا جناح ~~عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف } ، وهذا ~~القول له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له وقد اختاره جماعة منهم الإمام ابن ~~تيمية، ورده آخرون منهم الشيخ ابن عبد البر، وقول ms0293 عطاء ومن تابعه على أن ~~ذلك منسوخ بآية الميراث إن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر والعشر ~~فمسلم، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر وعشر لا تجب في تركة الميت، ~~فهذا محل خلاف بين الأئمة وهما قولان للشافعي رحمه الله. # وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج بما رواه مالك في موطئه أن # " (الفريعة بنت مالك بن سنان) وهي أخت أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما ~~أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى ~~أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان ~~بطرف القدوم لحقهم فقتلوه قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~أرجع إلى أهلي في بني خدرة فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، ~~فقالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم " ، قالت: فانصرفت حتى ~~إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بي فنوديت ~~له، فقال: " كيف قلت "؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، ~~فقال: " أمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله " ، قالت: فاعتددت فيه أربعة ~~أشهر وعشرا " # ، قالت: فلما كان (عثمان بن عفان) أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته ~~فاتبعه وقضى به. # وقوله تعالى: { وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على ~~المتقين } ، لما نزل قوله تعالى: # متاعا بالمعروف حقا على المحسنين # [البقرة: 236] قال رجل: إن شئت أحسنت ففعلت وإن شئت لم أفعل فأنزل الله ~~هذه الآية: { وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على ~~المتقين } وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة ~~لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة أو مفروضا لها، أو مطلقة قبل المسيس، أو ~~مدخولا بها، وهو قول عن الشافعي رحمه الله، واختاره ابن جرير ومن لم ~~يوجبها مطلقا يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى: # لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على ~~الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا ~~بالمعروف حقا ms0294 على المحسنين # [البقرة: 236]. # وقوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم آياته } أي في ~~إحلاله وتحريمه وفروضه وحدوده فيما أمركم به ونهاكم عنه، بينه ووضحه ~~وفسره، ولم يتركه مجملا في وقت احتياجكم إليه، { لعلكم ~~تعقلون } أي تفهمون وتتدبرون. ### || [2.243-245] # روي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف وعنه كانوا ثمانية آلاف، وقال ~~وهب بن منبه: كانوا بضعة وثلاثين ألفا، قال ابن عباس: كانوا أربعة آلاف ~~خرجوا فرارا من الطاعون، قالوا: نأتي أرضا ليس بها موت، حتى إذا كانوا ~~بموضع كذا وكذا قال الله لهم: { موتوا } ، فمر عليهم نبي من الأنبياء ~~فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم فذلك قوله عز وجل: { ألم تر إلى ~~الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت } ~~الآية، وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كانوا أهل بلدة في زمان ~~بني إسرائيل استوخموا أرضهم، وأصابهم بها وباء شديد فخرجوا فرارا من ~~الموت هاربين إلى البرية، فنزلوا واديا أفيح فملأوا ما بين عدوتيه، ~~فأرسل الله إليهم ملكين أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا ~~بهم صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد فحيزوا إلى حظائر وبني ~~عليهم جدران، وفنوا وتمزقوا وتفرقوا، فلما كان بعد دهر مر بهم نبي من ~~أنبياء بني إسرائيل يقال له (حزقيل) فسأل الله أن يحييهم على يديه فأجابه ~~إلى ذلك وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي، ~~فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله ~~يأمرك أن تكتسي لحما وعصبا وجلدا، فكان ذلك وهو يشاهد، ثم أمره فنادى: ~~أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، ~~فقاموا أحياء ينظرون، قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة وهم يقولون: ~~سبحانك لا إله إلا أنت. وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع ~~المعاد الجسماني يوم القيامة ولهذا قال: { إن الله لذو فضل ~~على الناس } أي فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة ~~والدلالات الدامغة { ولكن أكثر الناس لا يشكرون ms0295 } أي ~~لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم. # وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من ~~الله إلا إليه، فإن هؤلاء خرجوا فرارا من الوباء طلبا لطول الحياة، ~~فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعا في آن واحد، وقوله: { ~~وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع ~~عليم } أي كما أن الحذر لا يغني من القدر، كذلك الفرار من الجهاد ~~وتجنبه لا يقرب أجلا ولا يبعده، بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدر ~~مقنن لا يزاد فيه ولا ينقص منه كما قال تعالى: # قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين # [آل عمران: 168]، وقال تعالى: # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة # [النساء: 78]، وروينا عن أمير الجيوش وسيف الله المسلول على أعدائه خالد ~~بن الوليد رضي الله عنه أنه قال وهو في سياق الموت: (لقد شهدت كذا وكذا ~~موقفا وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة وها أنا ذا ~~أموت على فراشي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء) يعني أنه يتألم ~~لكونه ما مات قتيلا في الحرب، ويتأسف على ذلك ويتألم أن يموت على فراشه. # وقوله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~فيضاعفه له أضعافا كثيرة } يحث تعالى عباده على الإنفاق ~~في سبيل الله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وفي ~~حديث النزول أنه يقول تعالى: " من يقرض غير عديم ولا ظلوم " ، وعن عبد ~~الله بن مسعود قال: لما نزلت: { من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا فيضاعفه له } قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول ~~الله وإن الله عز وجل ليريد منا القرض؟ قال: " نعم يا أبا الدحداح " ~~قال: أرني يدك يا رسول الله! قال، فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي عز ~~وجل حائطي - قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها - ~~قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، ms0296 قال: اخرجي ~~فقد أقرضته ربي عز وجل. وقوله: { قرضا حسنا } روي عن عمر وغيره ~~من السلف هو النفقة في سبيل الله، وقيل: هو النفقة على العيال، وقيل: هو ~~التسبيح والتقديس وقوله: { فيضاعفه له أضعافا كثيرة } ~~كما قال تعالى: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء # [البقرة: 261] الآية، وسيأتي الكلام عليها. وعن ابن عمر قال # " لما نزلت: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل } إلى آخرها فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رب زد أمتي " ، فنزلت: { من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة } ، قال: " رب زد أمتي " ، فنزلت: { إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب } " # ، فالكثير من الله لا يحصى، وقوله: { والله يقبض ويبسط } ~~أي أنفقوا ولا تبالوا فالله هو الرزاق يضيق على من يشاء من عباده في ~~الرزق ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك { وإليه ~~ترجعون } أي يوم القيامة. ### || [2.246] # قال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى عليه السلام على طريق ~~الاستقامة مدة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل ~~بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم ~~على منهج التوراة إلى أن فعلوا ما فعلوا فسلط الله عليهم أعداءهم، فقتلوا ~~منهم مقتلة عظيمة وأسروا خلقا كثيرا وأخذوا منهم بلادا كثيرة، ولم يكن ~~أحد يقاتلهم إلا غلبوه، وذلك أنهم كان عندهم التوراة والتابوت الذي كان ~~في قديم الزمان، وكان ذلك موروثا لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم عليه ~~الصلاة والسلام، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض ~~الملوك في بعض الحروب، وأخذ التوراة من أيديهم ولم يبق من يحفظها فيهم ~~إلا القليل، وانقطعت النبوة من أسباطهم ولم يبق من سبط (لاوي) الذي يكون ~~فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها، وقد قتل فأخذوها فحبسوها في بيت ~~واحتفظوا بها لعل الله يرزقها غلاما يكون ms0297 نبيا لهم، ولم تزل المرأة ~~تدعو الله عز وجل أن يرزقها غلاما فسمع الله لها ووهبها غلاما فسمته ~~(شمويل) أي سمع الله دعائي ومنهم من يقول: (شمعون) وهو بمعناه فشب ذلك ~~الغلام ونشأ فيهم وأنبته الله نباتا حسنا، فلما بلغ سن الأنبياء أوحى ~~الله إليه وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل فطلبوا منه أن ~~يقيم لهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك أيضا قد باد فيهم فقال ~~لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكا ألا تقاتلوا وتفوا بما ~~التزمتم من القتال معه؟ { قالوا وما لنآ ألا نقاتل في ~~سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا } أي ~~وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد! قال الله تعالى: { فلما كتب ~~عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله ~~عليم بالظالمين } أي ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم ~~والله عليم بهم. ### || [2.247] # أي لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكا منهم فعين لهم (طالوت) وكان ~~رجلا من أجنادهم ولم يكن من بيت الملك فيهم لأن الملك كان في سبط ~~(يهوذا) ولم يكن هذا من ذلك السبط فلهذا قالوا: { أنى يكون له ~~الملك علينا }؟ أي كيف يكون ملكا علينا { ونحن أحق ~~بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } أي هو مع هذا ~~فقير لا مال له يقوم بالملك، وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء، وقيل: دباغا ~~وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت، وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف، ثم ~~قد أجابهم النبي قائلا: { إن الله اصطفاه عليكم } أي ~~اختاره لكم من بينكم والله أعلم به منكم، يقول: لست أنا الذي عينته من ~~تلقاء نفسي بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك { وزاده بسطة في ~~العلم والجسم } أي وهو مع هذا أعلم منكم وأنبل وأشكل منكم، وأشد ~~قوة وصبرا في الحرب ومعرفة بها، أي أتم علما وقامة منكم، ومن ههنا ~~ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه ثم قال: { ~~والله يؤتي ملكه من ms0298 يشآء } أي هو الحاكم الذي ما شاء فعل ~~ولا يسأل عما فعل وهم يسألون، لعلمه وحكمته ورأفته بخلقه ولهذا قال: { ~~والله واسع عليم } أي هو واسع الفضل يختص برحمته من يشاء، عليم ~~بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه. ### || [2.248] # يقول لهم نبيهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم أن يرد الله عليكم ~~التابوت الذي كان أخذ منكم { فيه سكينة من ربكم } قيل: ~~معناه فيه وقار وجلالة، وقال الربيع: رحمة، وقال ابن جريج: سألت عطاء عن ~~قوله: { فيه سكينة من ربكم } ، قال: ما تعرفون من آيات ~~الله فتسكنون إليه وكذا قال الحسن البصري. # وقوله تعالى: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ~~} ، عن ابن عباس قال: عصاه ورضاض الألواح، وكذا قال قتادة والسدي، وقال ~~عطية بن سعد: عصا موسى وعصا هارون وثياب موسى وثياب هارون ورضاض الألواح، ~~وقال عبد الرزاق: سألت الثوري عن قوله: { وبقية مما ترك آل ~~موسى وآل هارون } فقال: منهم من يقول قفيز من من ورضاض الألواح، ~~ومنهم من يقول العصا والنعلان. # وقوله تعالى: { تحمله الملائكة } ، قال ابن عباس: جاءت ~~الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ~~ينظرون، وقال السدي: أصبح التابوت في دار طالوت فآمنوا بنبوة شمعون ~~وأطاعوا طالوت. # وقوله تعالى: { إن في ذلك لآية لكم } أي على صدقي فيما ~~جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت { إن كنتم ~~مؤمنين } أي بالله واليوم الآخر. ### || [2.249] # يقول تعالى مخبرا عن (طالوت) ملك بني إسرائيل، حين خرج في جنوده ومن ~~أطاعه من ملأ بني إسرائيل، وكان جيشه يومئذ - فيما ذكره السدي - ثمانين ~~ألفا فالله أعلم أنه قال: { إن الله مبتليكم } أي مختبركم ~~بنهر، وهو نهر بين الأردن وفلسطين، يعني نهر الشريعة المشهور { فمن ~~شرب منه فليس مني } أي فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه، { ~~ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف ~~غرفة بيده } أي فلا بأس عليه، قال الله تعالى: { فشربوا ~~منه إلا قليلا منهم } ، قال ابن عباس: من اغترف ms0299 منه بيده ~~روي، ومن شرب منه لم يرو، فشرب منه ستة وسبعون ألفا وتبقى معه أربعة ~~آلاف. وروى البراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين ~~جازوا معه النهر وما جازه معه إلا مؤمن، ورواه البخاري عن عبد الله بن ~~رجاء عن إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن جده عن البراء بنحوه ولهذا قال ~~تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا ~~لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } أي استقلوا أنفسهم ~~عن لقاء عدوهم لكثرتهم، فشجعهم علماؤهم العالمون بأن عد الله حق، فإن ~~النصر من عند الله ليس عن كثرة عدد ولا عدد، ولهذا قالوا: { كم من ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله ~~مع الصابرين }. ### || [2.250-252] # أي لما واجه حزب الإيمان - وهم قليل من أصحاب طالوت - لعدوهم أصحاب ~~جالوت وهم عدد كثير { قالوا ربنآ أفرغ علينا صبرا } أي ~~أنزل علينا صبرا من عندك، { وثبت أقدامنا } أي في لقاء ~~الأعداء وجنبنا الفرار والعجز { وانصرنا على القوم ~~الكافرين }. # قال الله تعالى: { فهزموهم بإذن الله } أي غلبوهم وقهروهم ~~بنصر الله لهم { وقتل داود جالوت } وكان طالوت قد وعده إن قتل ~~جالوت أن يزوجه ابنته، ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل ~~الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة، ولهذا ~~قال تعالى: { وآتاه الله الملك } الذي كان بيد طالوت، { ~~والحكمة } أي النبوة بعد شمويل، { وعلمه مما يشآء } أي ~~مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به صلى الله عليه وسلم، ثم قال تعالى: ~~{ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض } ، أي لولا أن الله يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني ~~إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا، كما قال تعالى: # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت ~~صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم ~~الله كثيرا # [الحج: 40] الآية. وعن ابن عمر قال: قال رسول ms0300 الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء " # ، ثم قرأ ابن عمر: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض لفسدت الأرض }. وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " الأبدال في أمتي ثلاثون: بهم ترزقون وبهم تمطرون وبهم تنصرون " # ، قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم. # وقوله تعالى: { ولكن الله ذو فضل على العالمين } ~~أي ذو من عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضا، وله الحكم والحكمة ~~والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله. # ثم قال تعالى: { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ~~وإنك لمن المرسلين } أي هذه آيات الله التي قصصناها عليك ~~من أمر الذين ذكرناهم بالحق، أي بالواقع الذي كان عليه الأمر المطابق لما ~~بأيدي أهل الكتاب من الحق، الذي يعلمه علماء بني إسرائيل { وإنك } ~~يا محمد { لمن المرسلين } ، وهذا توكيد وتوطئة للقسم. ### || [2.253] # يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض كما قال تعالى: # ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داوود زبورا # [الإسراء: 55]، وقال ههنا: { تلك الرسل فضلنا بعضهم ~~على بعض منهم من كلم الله } يعني موسى ومحمدا صلى ~~الله عليهما وكذلك آدم كما ورد به حديث الإسراء حين رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله عز وجل ~~(فإن قيل) فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين: # " لا تفضلوني على الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من ~~يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة ~~الطور؟ فلا تفضلوني على الأنبياء " # ، وفي رواية: # " لا تفضلوا بين الأنبياء " # فالجواب من وجوه، (أحدها): أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل وفي هذا ~~نظر، (الثاني): أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع، (الثالث): أن هذا نهي ~~عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر، ~~(الرابع): لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية، (الخامس): ليس مقام التفضيل ~~إليكم وإنما ms0301 هو إلى الله عز وجل وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان ~~به. # وقوله تعالى: { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } أي ~~الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به من أنه عبد الله ~~ورسوله إليهم { وأيدناه بروح القدس } يعني أن الله أيده ~~بجبريل عليه السلام، ثم قال تعالى: { ولو شآء الله ما اقتتل ~~الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات ~~ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ~~ولو شآء الله ما اقتتلوا } أي كل ذلك عن قضاء الله وقدره، ~~ولهذا قال: { ولكن الله يفعل ما يريد }. ### || [2.254] # يأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله سبيل الخير، ليدخروا ثواب ~~ذلك عند ربهم ومليكهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا { من ~~قبل أن يأتي يوم } يعني يوم القيامة { لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة } أي لا يباع أحد من نفسه ولا يفادى بمال ~~ولو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبا، ولا تنفعه خلة أحد يعني صداقته بل ~~ولا نسابته كما قال: # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101] ولا شفاعة: أي ولا تنفعهم شفاعة الشافعين. # وقوله تعالى: { والكافرون هم الظالمون } مبتدأ محصور في ~~خبره، أي ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرا. وقد روي عن عطاء بن ~~دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: { والكافرون هم ~~الظالمون } ولم يقل والظالمون هم الكافرون. ### || [2.255] # هذه آية الكرسي ولها شأن عظيم، وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بأنها أفضل آية في كتاب الله. قال الإمام أحمد: عن أبي بن كعب ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: # " " أي آية في كتاب الله أعظم؟ " قال: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارا، ~~ثم قال: آية الكرسي، قال: " ليهنك العلم أبا المنذر! والذي نفسي بيده إن ~~لها لسانا وشفتين، تقدس الملك عند ساق العرش " ". # (حديث آخر): عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلا من ~~صحابته فقال: # " " أي فلان هل تزوجت؟ ms0302 " قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به، قال: " أوليس ~~معك: قل هو الله أحد؟ " قال: بلى، قال: " ربع القرآن " قال: " أليس معك: ~~قل أيها الكافرون "؟ قال: بلى، قال: " ربع القرآن " قال: " أليس معك: إذا ~~زلزلت؟ " قال: بلى، قال: " ربع القرآن " ، قال: " أليس معك: إذا جاء نصر ~~الله؟ " قال: بلى، قال: " ربع القرآن " قال: " أليس معك آية الكرسي: الله ~~لا إله إلا هو؟ " قال: بلى، قال: " ربع القرآن " ". # حديث آخر: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: # " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فجلست فقال: " يا أبا ذر ~~هل صليت؟ " قلت: لا، قال: " قم فصل " ، قال: فقمت فصليت ثم جلست فقال: " ~~يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن " قال، قلت: يا رسول الله ~~أو للإنس شياطين؟ قال: " نعم " ، قال: قلت: يا رسول الله الصلاة! قال: " ~~خير موضوع من شاء أقل ومن شاء أكثر " قال، قلت: يا رسول الله فالصوم؟ ~~قال: " فرض مجزي وعند الله مزيد " ، قلت: يا رسول الله فالصدقة، قال: " ~~أضعاف مضاعفة " ، قلت: يا رسول الله فأيها أفضل، قال: " جهد من مقل، أو ~~سر إلى فقير " ، قلت: يا رسول الله أي الأنبياء كان أول، قال: " آدم " ~~، قلت: يا رسول الله ونبي كان، قال: " نعم نبي مكلم " ، قلت: يا رسول ~~الله كم المرسلون، قال: " ثلثمائة وبضعة عشر جما غفيرا " وقال مرة: " ~~وخمسة عشر " ، قلت: يا رسول الله أي ما أنزل عليك أعظم؟ قال: " آية ~~الكرسي: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ". # حديث آخر: وقد ذكر البخاري في فضل آية الكرسي بسنده عن أبي هريرة، قال: # " وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل ~~يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، ~~فأصبحت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أبا هريرة ما فعل أسيرك ~~البارحة "؟ قال، قلت: يا رسول الله شكا حاجة ms0303 شديدة وعيالا فرحمته وخليت ~~سبيله، قال: " أما إنه قد كذبك وسيعود " ، فعرفت أنه سيعود لقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إنه سيعود " فرصدته، فجاء يحثو من الطعام ~~فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني فإني ~~محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة "؟ قلت: ~~يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: " أما إنه قد ~~كذبك وسيعود " ، فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: ~~لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم ~~أنك لا تعود ثم تعود. # فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى ~~فراشك فاقرأ آية الكرسي: { الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم } حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا ~~يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " ما فعل أسيرك البارحة "؟ قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني ~~كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: " ما هي "؟ قال: قال لي: إذا ~~أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: { الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم } ، وقال لي: لن يزال عليك من ~~الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أما إنه صدقك وهو كذوب. تعلم من تخاطب من ~~ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ " قلت: لا, قال: " ذاك شيطان " ". # حديث آخر: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا ~~خرج منه: آية الكرسي " # وقد رواه الترمذي ولفظه: # " لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن: ~~آية الكرسي ". # حديث آخر: عن عمر بن الخطاب ms0304 أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات فقال: ~~أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن؟ فقال ابن مسعود: على الخبير سقطت سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أعظم آية في القرآن { الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم } ". # حديث آخر: في اشتماله على اسم الله الأعظم، عن أسماء بنت يزيد بن السكن ~~قالت: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين: { الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم } و { الم * الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم }: " إن فيهما اسم الله ~~الأعظم " ". # حديث آخر: عن أبي أمامة يرفعه قال: # " اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة وآل عمران ~~وطه " # ، وقال هشام: أما البقرة ف { الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم } وفي آل عمران # الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [آل عمران: 1-2] وفي طه: # وعنت الوجوه للحي القيوم # [طه: 111]. # حديث آخر: عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن ~~يموت ". # حديث آخر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرا حم المؤمن إلى { إليه المصير } وآية الكرسي حين يصبح ~~حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح ". # وقد ورد في فضلها أحاديث أخر تركناها اختصارا لعدم صحتها وضعف ~~أسانيدها. # وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة # فقوله تعالى: { الله لا إله إلا هو } إخبار بأنه المتفرد ~~بالإلهية لجميع الخلائق، { الحي القيوم } أي الحي في نفسه الذي ~~لا يموت أبدا، القيم لغيره، وكان عمر يقرأ { القيام } فجميع الموجودات ~~مفتقرة إليه وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره، كقوله: # ومن آياته أن تقوم السمآء والأرض بأمره # [الروم: 25]، وقوله: { لا تأخذه سنة ولا نوم } أي لا ~~يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، ms0305 ~~شهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية ~~أنه لا يعتريه سنة ولا نوم. فقوله: { لا تأخذه } أي لا تغلبه { ~~سنة } وهي الوسن والنعاس، ولهذا قال: { ولا نوم } لأنه أقوى من ~~السنة. وفي الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأربع كلمات فقال: # " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه ~~عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو ~~النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " # وعن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ قال: اتقوا ~~الله، فناداه ربه عز وجل: يا موسى سألوك هل ينام ربك؟ خذ زجاجتين في ~~يديك فقم الليلة، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه، ثم ~~انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا، ~~فقال: يا موسى لو كنت أنام لسقطت السماوات والأرض فهلكت، كما هلكت ~~الزجاجتان في يديك، فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~آية الكرسي. # وقوله تعالى: { له ما في السموت وما في الأرض } إخبار ~~بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله: # إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93]. وقوله تعالى: { من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه } ، كقوله: # وكم من ملك في السموت لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ~~ويرضى # [النجم: 26]، وكقوله: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28]، وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل، أنه لا يتجاسر ~~أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة: # " آتي تحت العرش فأخر ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ~~إرفع رأسك وقل تسمع، واشفع تشفع - قال - فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ". # وقوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } ~~دليل ms0306 على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله ~~إخبارا عن الملائكة: # وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا ~~وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا # [مريم: 64]. # وقوله تعالى: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما ~~شآء } أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل ~~وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته ~~وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه كقوله: # ولا يحيطون به علما # [طه: 110]. # وقوله تعالى: { وسع كرسيه السموت والأرض } ، عن ابن ~~عباس قال: علمه، وقال آخرون: الكرسي موضع القدمين. عن ابن عباس قال: سئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: { وسع كرسيه ~~السموت والأرض } قال: # " كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل " # وقال السدي: الكرسي تحت العرش. وقال الضحاك عن ابن عباس: لو أن السماوات ~~السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعة الكرسي ~~إلا بمنزلة الحلقة في المفازة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس " # قال، قال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض ~~". # وعن أبي ذر الغفاري أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا ~~كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك ~~الحلقة " # ، وعن عمر رضي الله عنه قال: أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: فعظم الرب تبارك وتعالى، ~~وقال: " إن كرسيه وسع السماوات والأرض وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد ~~من ثقله " ، وعن الحسن البصري، أنه كان يقول: الكرسي هو العرش، والصحيح ~~أن ms0307 الكرسي غير العرش والعرش أكبر منه كما دلت على ذلك الآثار والأخبار. # وقوله تعالى: { ولا يؤوده حفظهما } أي لا يثقله ولا يعجزه ~~حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، ~~وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء فلا يعزب عنه ~~شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة ذليلة ~~صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد ~~الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل ~~شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره ولا رب سواه. فقوله: { وهو ~~العلي العظيم } ، كقوله وهو: # الكبير المتعال # [الرعد: 9] وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها ~~طريقة السلف الصالح أمرارها كما جاءت من غير تكيف ولا تشبيه. ### || [2.256] # يقول تعالى: { لا إكراه في الدين } أي لا تكرهوا أحدا على ~~الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج ~~إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ~~ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره ~~فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا، وقد ذكروا أن سبب نزول ~~هذه الآية في قوم من الأنصار وإن كان حكمها عاما. وقال ابن جرير عن ابن ~~عباس، قال: كانت المرأة تكون مقلاة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن ~~تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع ~~أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: { لا إكراه في الدين قد ~~تبين الرشد من الغي }. وعن ابن عباس قوله: { لا ~~إكراه في الدين } قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن ~~عوف يقال له الحصيني، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما فقال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما، فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، ~~فأنزل الله فيه ذلك. وقال ابن أبي حاتم عن أبي ms0308 هلال عن أسبق، قال كنت في ~~دينهم مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب. فكان يعرض علي الإسلام فآبى، ~~فيقول: { لا إكراه في الدين } ، ويقول: يا أسبق لو أسلمت ~~لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين. # وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل ~~في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية. وقال آخرون: بل هي منسوخة ~~بآية القتال، وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف ~~(دين الإسلام) فإن أبى أحد منهم الدخول فيه ولم ينقد له، أو يبذل الجزية، ~~قوتل حتى يقتل، وهذا معنى الإكراه. قال الله تعالى: # ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم ~~أو يسلمون # [الفتح: 16]، وقال تعالى: # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم # [التوبة: 73، التحريم: 9]، وقال تعالى: # يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله ~~مع المتقين # [التوبة: 123]. وفي الصحيح: # " عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل " # ، يعني الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثاق والأغلال والقيود ~~والأكبال، ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل ~~الجنة، فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لرجل: # " " أسلم " ، قال: إني أجدني كارها، قال: " وإن كنت كارها " # ، فإنه ثلاثي صحيح، لكن ليس من هذا القبيل، فإنه لم يكرهه النبي صلى ~~الله عليه وسلم على الإسلام بل دعاه إليه، فأخبره أن نفسه ليست قابلة له ~~بل هي كارهة، فقال له أسلم وإن كنت كارها، فإن الله سيرزقك حسن النية ~~والإخلاص. # وقوله تعالى: { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ~~والله سميع عليم } أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه ~~الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله فعبده وحده، وشهد ~~أن لا إله إلا هو { فقد استمسك بالعروة الوثقى } ، ~~أي فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم. قال ~~عمر رضي ms0309 الله عنه: إن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وإن كرم الرجل ~~دينه، وحسبه خلقه وإن كان فارسيا أو نبطيا، ومعنى قوله في الطاغوت إنه ~~الشيطان، قوي جدا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية: من عبادة ~~الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها. # وقوله تعالى: { فقد استمسك بالعروة الوثقى لا ~~انفصام لها } ، أي فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة ~~القوية التي لا تنفصم هي في نفسها محكمة مبرمة قوية، وربطها قوي شديد، ~~ولهذا قال: { فقد استمسك بالعروة الوثقى لا ~~انفصام لها } الآية، قال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان، وقال ~~السدي: هو الإسلام، وقال سعيد بن جبير والضحاك. يعني # لا إله إلا الله # [الصافات: 35]. وعن أنس بن مالك: العروة الوثقى القرآن، وعن سالم بن أبي ~~الجعد قال: هو الحب في الله والبغض في الله، وكل هذه الأقوال صحيحة ولا ~~تنافي بينها. # وقال الإمام أحمد عن محمد بن قيس بن عبادة قال: كنت في المسجد فجاء رجل ~~في وجهه أثر من خشوع، فصلى ركعتين أوجز فيهما، فقال القوم: هذا رجل من ~~أهل الجنة، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته، فلما استأنس ~~قلت له: إن القوم لما دخلت المسجد قالوا كذا وكذا، قال: سبحان الله ما ~~ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم؟ إني رأيت رؤيا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه: رأيت كأني في روضة خضراء - قال ~~ابن عون فذكر من خضرتها وسعتها - وفي وسطها عمود حديد أسفله في الأرض ~~وأعلاه في السماء، وفي أعلاه عروة، فقيل لي: اصعد عليه، فقلت: لا أستطيع، ~~فجاءني منصف - قال ابن عون هو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي، فقال: اصعد، ~~فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك بالعروة، فاستيقظت وإنها لفي يدي ~~فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه فقال: # " أما الروضة فروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأما العروة ~~فهي (العروة الوثقى) أنت على الإسلام حتى تموت " # ، قال: وهو عبد الله بن سلام. ### || [2.257] ms0310 # يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين ~~من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل ~~المنير، وأن الكافرين إنما وليهم الشيطان يزين لهم ما هم فيه من الجهالات ~~والضلالات ويخرجونهم، ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك { ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ، ولهذا وحد ~~تعالى لفظ (النور) وجمع (الظلمات) لأن الحق واحد، والكفر أجناس كثيرة ~~وكلها باطلة كما قال: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون # [الأنعام: 153]، وقال تعالى: # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام: 1]، وقال تعالى: # عن اليمين وعن الشمال # [ق: 17، المعارج: 37] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد ~~الحق، وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه. ### || [2.258] # هذا الذي حاج إبراهيم في ربه هو ملك بابل (نمرود بن كنعان)، قال مجاهد: ~~ملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان (سليمان ~~بن داود) و (ذو القرنين) والكافران (نمرود) و (بختنصر)، والله أعلم. # ومعنى قوله: { ألم تر } أي بقلبك يا محمد { إلى الذي حآج ~~إبراهيم في ربه } أي وجود ربه، وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله ~~غيره، كما قال بعده فرعون لملئه: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38]، وما حمله على هذا الطغيان والكفر والغليظ والمعاندة ~~الشديدة إلا تجبره وطول مدته في الملك، وذلك أنه يقال: إنه مكث أربعمائة ~~سنة في ملكه، قال: { أن آتاه الله الملك } ، وكان طلب من ~~إبراهيم دليلا على وجود الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم: { ربي ~~الذي يحيي ويميت } أي إنما الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء ~~المشاهدة بعد عدمها وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل ~~المختار، ضرورة لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها، وهو ~~الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. # فعند ذلك قال المحاج - وهو النمرود -: { أنا أحيي وأميت } ، ~~قال قتادة: وذلك أني أوتي بالرجلين استحقا القتل فآمر بقتل أحدهما فيقتل، ~~وآمر بالعفو عن ms0311 الآخر فلا يقتل، فذلك معنى الإحياء والإماتة، والظاهر - ~~والله أعلم - أنه ما أراد هذا لأنه ليس جوابا لما قال إبراهيم ولا في ~~معناه لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام ~~عنادا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه الذي يحيي ويميت كما اقتدى ~~به فرعون في قوله: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38]، ولهذا قال له إبراهيم لما ادعى هذه المكابرة: { فإن ~~الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب } أي إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت ~~هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه ~~الشمس تبدو كل يوم من المشرق فإن كنت إلها كما ادعيت تحيي وتميت فأت ~~بها من المغرب؟ فلما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا ~~المقام بهت، أي أخرس فلا يتكلم وقامت عليه الحجة، قال الله تعالى: { ~~والله لا يهدي القوم الظالمين } أي لا يلهمهم حجة ولا ~~برهانا بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد. # وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمرود بعد خروج ~~إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم فجرت بينهما ~~هذه المناظرة، وروى زيد بن أسلم أن النمرود كان عنده طعام وكان الناس ~~يغدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة فكان بينهما هذه ~~المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه ~~شيء من الطعام، فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه، ~~وقال: أشغل أهلي عني إذا قدمت عليهم، فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ ~~فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا، ~~فعملت طعاما، فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه فقال: أنى لكم ~~هذا؟ قالت: من الذي جئت به، فعلم أنه رزق رزقهم الله عز وجل. # قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره ms0312 بالإيمان ~~بالله فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى ثم الثالثة فأبى وقال: اجمع جموعك ~~وأجمع جموعي، فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس وأرسل الله عليهم ~~بابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ~~ودماءهم، وتركتهم عظاما بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك، فمكثت ~~في منخري الملك أربعمائة سنة عذبه الله بها، فكان يضرب رأسه بالمرازب في ~~المدة حتى أهلكه الله بها. ### || [2.259] # تقدم قوله تعالى: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه # [البقرة: 258] وهو في قوة قوله هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه ~~ولهذا عطف عليه بقوله: { أو كالذي مر على قرية وهي ~~خاوية على عروشها } اختلفوا في هذا المار من هو؟ فروي عن علي ~~بن أبي طالب أنه قال: هو عزير، ورواه ابن جرير عن ابن عباس والحسن وقتادة ~~وهذا القول هو المشهور، وقيل: اسمه (حزقيل بن بوار) وقال مجاهد: هو رجل ~~من بني إسرائيل، وأما القرية فالمشهور أنها (بيت المقدس) مر عليها بعد ~~تخريب بختنصر لها وقتل أهلها { وهي خاوية } أي ليس فيها أحد من ~~قولهم خوت الدار تخوي خويا. # وقوله تعالى: { على عروشها } أي ساقطة سقوفها وجدرانها على ~~عرصاتها، فوقف متفكرا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة، وقال: { ~~أنى يحيي هذه الله بعد موتها }؟، وذلك لما رأى من ~~دثورها وشدة خرابها، وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه. قال الله تعالى: ~~{ فأماته الله مئة عام ثم بعثه }. قال: وعمرت البلدة ~~بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، وتراجع بنو إسرائيل إليها، ~~فلما بعثه الله عز وجل بعد موته، كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر ~~بهما إلى صنع الله فيه، كيف يحيي بدنه فلما استقل سويا { قال } الله ~~له، أي بواسطة الملك: { كم لبثت قال لبثت يوما أو ~~بعض يوم }. قال: وذلك أنه مات أول النهار، ثم بعثه الله في آخر ~~النهار، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم، فقال: { أو ~~بعض ms0313 يوم قال بل لبثت مئة عام فانظر إلى ~~طعامك وشرابك لم يتسنه } ، وذلك أنه كان معه فيما ذكر ~~عنب وتين وعصير فوجده كما تقدم لم يتغير منه شيء، لا العصير استحال، ولا ~~التين حمض ولا أنتن، ولا العنب نقص: { وانظر إلى حمارك } أي ~~كيف يحييه الله عز وجل وأنت تنظر، { ولنجعلك آية للناس } ~~أي دليلا على المعاد { وانظر إلى العظام كيف ننشزها } ~~أي نرفعها فيركب بعضها على بعض، وقرىء { ننشرها } أي نحييها قاله مجاهد، ~~{ ثم نكسوها لحما }. # قال السدي: تفرقت عظام حماره حوله يمينا ويسارا، فنظر إليها وهي تلوح ~~من بياضها، فبعث الله ريحا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل ~~عظم في موضعه صار حمارا قائما من عظام لا لحم عليها، ثم كساها الله ~~لحما وعصبا وعروقا وجلدا، وبعث الله ملكا فنفخ في منخري الحمار فنهق ~~بإذن الله عز وجل، وذلك كله بمرأى من العزير. فعند ذلك لما تبين له ~~هذا كله: { قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } ~~أي أنا عالم بهذا، وقد رأيته عيانا فأنا أعلم أهل زماني بذلك، وقرأ ~~آخرون: " قال إعلم " على أنه أمر له بالعلم. ### || [2.260] # ذكروا لسؤال إبراهيم عليه السلام أسبابا، منها أنه لما قال لنمرود: # ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة: 258] أحب أن يترقى من (علم اليقين) بذلك إلى (عين اليقين)، وأن ~~يرى ذلك مشاهدة، فقال: { رب أرني كيف تحيي الموتى ~~قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي }. ~~فأما الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال: أو ~~لم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي " # ، فليس المراد ههنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده، بلا خلاف. # وقوله تعالى: { قال فخذ أربعة من الطير فصرهن ~~إليك } ، اختلف المفسرون في هذه الأربعة ما هي؟ وإن كان لا طائل تحت ~~تعيينها، إذ لو كان في ذلك ms0314 مهم لنص عليه القرآن، فروي عن ابن عباس أنه ~~قال: أخذ وزا ورألا وهو (فرخ النعام) وديكا وطاووسا، وقال مجاهد: ~~كانت حمامة وديكا وطاووسا وغرابا، وقوله: { فصرهن إليك } أي ~~وقطعهن. وعن ابن عباس { فصرهن إليك } أوثقهن فلما أوثقهن ذبحهن ~~ثم جعل على كل جبل منهن جزءا، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن ~~ثم قطعهن ونتف ريشهن ومزقهن وخلط بعضهن ببعض، ثم جزأهن أجزاء وجعل على كل ~~جبل منهن جزءا ثم أمره الله عز وجل أن يدعوهن فدعاهن كما أمره الله ~~عز وجل، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم ~~إلى اللحم، والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض حتى قام كل طائر على ~~حدته وأتينه يمشين، سعيا ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها. # ولهذا قال: { واعلم أن الله عزيز حكيم } أي عزيز لا ~~يغلبه شيء ولا يمتنع من شيء، وما شاء كان بلا ممانع لأنه القاهر لكل شيء، ~~حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. ### || [2.261] # هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء ~~مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: { مثل ~~الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } يعني في طاعة ~~الله، وقال مكحول يعني به الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل، وإعداد ~~السلاح وغير ذلك، وقال ابن عباس: الجهاد والحج يضعف الدرهم فيهما إلى ~~سبعمائة ضعف ولهذا قال تعالى: { كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مئة حبة } ، وهذا المثل أبلغ في ~~النفوس من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ~~ينميها الله عز وجل لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض ~~الطيبة، وقد وردت السنة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف. # كما روى الإمام أحمد عن عياض بن غطيف قال: دخلنا على أبي عبيدة نعوده من ~~شكوى أصابه بجنبه، وامرأته قاعدة عند رأسه قلنا: كيف بات أبو عبيدة؟ ~~قالت: والله لقد بات بأجر، قال أبو عبيدة. ما بت بأجر، ms0315 وكان مقبلا بوجهه ~~على الحائط فأقبل على القوم بوجهه، وقال ألا تسألوني عما قلت! قالوا: ما ~~أعجبنا ما قلت فنسألك عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله ~~أو عاد مريضا أو أماط أذى فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم ~~يخرقها، ومن ابتلاه الله عز وجل ببلاء في جسده فهو له حطة " # أي كفارة لذنوبه. # حديث آخر: عن ابن مسعود أن رجلا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لتأتين يوم القيامة بسبعمائة ناقة مخطومة ". # حديث آخر: وعن ابن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله جعل حسنة ابن آدم إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم، ~~والصوم لي وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة يوم ~~القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ". # حديث آخر: عن ابن عمر # " لما نزلت هذه الآية { مثل الذين ينفقون أموالهم ~~في سبيل الله } قال النبي صلى الله عليه وسلم: " رب زد أمتي " ، ~~قال: فأنزل الله: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ~~، قال: " رب زد أمتي " ، قال: فأنزل الله: { إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب } " # وقوله: { والله يضاعف لمن يشآء } أي بحسب إخلاصه في عمله { ~~والله واسع عليم } أي فضله واسع كثير أكثر من خلقه، عليم بمن ~~يستحق ومن لا يستحق سبحانه وبحمده. ### || [2.262-264] # يمدح تبارك وتعالى الذين ينفقون في سبيله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من ~~الخيرات والصدقات منا على من أعطوه فلا يمنون به على أحد، ولا يمنون ~~به لا بقول ولا فعل. # وقوله تعالى: { ولا أذى } أي لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروها ~~يحبطون به ما سلف من الإحسان ثم وعدهم الله تعالى الجزاء الجزيل على ذلك، ~~فقال: { لهم أجرهم عند ربهم } أي ثوابهم على الله لا ~~على أحد سواه، { ولا خوف عليهم } أي ms0316 فيما يستقبلونه من أهوال ~~يوم القيامة، { ولا هم يحزنون } أي على ما خلفوه من الأولاد، ~~ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها، لا يأسفون عليها لأنهم قد صاروا ~~إلى ما هو خير لهم من ذلك. # ثم قال تعالى: { قول معروف } أي من كلمة طيبة ودعاء لمسلم، { ~~ومغفرة } أي عفو وغفر عن ظلم قولي أو فعلي، { خير من صدقة ~~يتبعهآ أذى } ، { والله غني } عن خلقه، { حليم } أي ~~يحلم ويغفر، ويصفح ويتجاوز عنهم، وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في ~~الصدقة، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف ~~الكاذب " # وعن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر " # ولهذا قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى } ، فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها ~~من المن والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى، ثم قال تعالى: ~~{ كالذي ينفق ماله رئآء الناس } ، أي لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن الأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه ~~الله وإنما قصده مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين ~~الناس، أو يقال إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن ~~معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه ولهذا قال: { ولا ~~يؤمن بالله واليوم الآخر }. # ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه، فقال: { فمثله كمثل ~~صفوان } وهو الصخر الأملس { عليه تراب فأصابه وابل } ~~وهو المطر الشديد، { فتركه صلدا } أي فترك الوابل ذلك الصفوان ~~صلدا: أي أملس يابسا، أي لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي ~~وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى ~~الناس كالتراب ولهذا قال: { لا يقدرون على شيء مما ~~كسبوا والله لا ms0317 يهدي القوم الكافرين }. ### || [2.265] # وهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضات الله عنهم في ذلك { ~~وتثبيتا من أنفسهم } ، أي وهم متحققون ومتثبتون أن الله ~~سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء. ونظير هذا في معنى قوله عليه السلام في ~~الحديث الصحيح المتفق على صحته: # " من صام رمضان إيمانا واحتسابا " # الحديث أي يؤمن أن الله شرعه ويحتسب عند الله وثوابه، قال الشعبي: { ~~وتثبيتا من أنفسهم } أي تصديقا ويقينا. # وقوله تعالى: { كمثل جنة بربوة } أي كمثل بستان بربوة، وهو ~~عند الجمهور المكان المرتفع من الأرض وزاد ابن عباس والضحاك: وتجري فيه ~~الأنهار. # وقوله تعالى: { أصابها وابل } وهو المطر الشديد كما تقدم، { ~~فآتت أكلها } أي ثمرتها، { ضعفين } أي بالنسبة إلى غيرها من ~~الجنان، { فإن لم يصبها وابل فطل } ، قال الضحاك: هو ~~الرذاذ وهو اللين من المطر، أي هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدا ~~لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأيا ما كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن ~~لا يبور أبدا بل يتقبله الله ويكثره وينميه، كل عامل بحسبه، ولهذا ~~قال: { والله بما تعملون بصير } أي لا يخفى عليه من أعمال ~~عباده شيء. ### || [2.266] # قال البخاري عند تفسير هذه الآية: قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيمن ترون هذه الآية نزلت: { أيود أحدكم ~~أن تكون له جنة من نخيل وأعناب }؟ قالوا: الله ~~أعلم، فغضب عمر فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي ~~منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، فقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: ضربت مثلا بعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن ~~عباس: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي ~~حتى أغرق أعماله. وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما ~~فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولا، بعد ذلك انعكس سيره فبدل ~~الحسنات بالسيئات، عياذا بالله من ذلك، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه ~~فيما تقدم من الصالح، واحتاج ms0318 إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال فلم يحصل ~~منه شيء، وخانه أحوج ما كان إليه. ولهذا قال تعالى: { وأصابه ~~الكبر وله ذرية ضعفآء فأصابهآ إعصار } وهو ~~الريح الشديد { فيه نار فاحترقت } أي أحرق ثمارها وأباد ~~أشجارها فأي حال يكون حاله؟ # وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ضرب الله مثلا حسنا - وكل ~~أمثاله حسن - قال: { أيود أحدكم أن تكون له جنة من ~~نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من ~~كل الثمرات } ، يقول: صنعه في شيبته، { وأصابه الكبر } ~~وولده وذريته ضعاف عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار فاحترق بستانه فلم ~~يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه، وكذلك ~~الكافر يكون يوم القيامة إذا رد إلى الله عز وجل ليس له خير ~~فيستعتب، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه، ولا يجده قدم لنفسه خيرا ~~يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه، كما ~~حرم هذا جنته عندما كان أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته. وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: # " اللهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني وانقضاء عمري " # ، ولهذا قال تعالى: { كذلك يبين الله لكم الآيات ~~لعلكم تتفكرون } أي تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني ~~وتنزلونها على المراد منها، كما قال تعالى: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # [العنكبوت: 43]. ### || [2.267-269] # يأمر تعالى عباده المؤمنين بالأنفاق والمراد به الصدقة ههنا من طيبات ~~ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها، يعني التجارة بتيسيره إياها لهم، ~~وقال علي والسدي: { من طيبات ما كسبتم } يعني الذهب والفضة، ~~ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض، قال ابن عباس: أمرهم ~~بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه ونهاهم عن التصدق برذالة المال ~~ودنيئه وهو خبيثه فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ولهذا قال: { ولا ~~تيمموا الخبيث } أي تقصدوا الخبيث، { منه تنفقون ~~ولستم بآخذيه }: أي لو أعطيتموه ما أخذتموه إلا ms0319 أن تتغاضوا فيه، ~~فالله أغنى منكم فلا تجعلوا لله ما تكرهون، وقيل: معناه: لا تعدلوا عن ~~المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام فتجعلوا نفقتكم منه. وعن عبد الله بن ~~مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي ~~الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله ~~الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ~~ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه - قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: ~~غشه وظلمه - ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا ~~يتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله ~~لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث ~~" # قال ابن كثير: والصحيح القول الأول. # قال ابن جرير رحمه الله: عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قول الله: { ~~يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم } الآية، قال: نزلت في الأنصار؛ كانت الأنصار إذا كانت أيام ~~جذاذ النخل أخرجت من حيطانها البسر فعلقوه على حبل بين الاسطوانتين في ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد ~~الرجل منهم إلى الحشف فيدخله مع أقناء البسر يظن أن ذلك جائز، فأنزل الله ~~فيمن فعل ذلك: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } ، ~~وقال ابن أبي حاتم: عن البراء رضي الله عنه { ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن ~~تغمضوا فيه } قال: نزلت فينا؛ كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من ~~نخلة بقدر كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقنو فيعلقه في المسجد، وكان أهل ~~الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع جاء فضربه بعصاه فسقط منه البسر ~~والتمر، فيأكل وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو الحشف ~~والشيص، فيأتي بالقنو قد انكسر فيعلقه فنزلت: { ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا ms0320 أن ~~تغمضوا فيه } قال: لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذ إلا ~~على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده. # وعن عبد الله بن مغفل في هذه الآية { ولا تيمموا الخبيث ~~منه تنفقون } قال: (كسب المسلم لا يكون خبيثا، ولكن لا يصدق ~~بالحشف والدرهم الزيف وما لا خير فيه)، وقال الإمام أحمد عن عائشة قالت: # " أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب فلم يأكله ولم ينه عنه قلت: يا ~~رسول الله نطعمه المساكين؟ قال: " لا تطعموهم مما لا تأكلون " # وعن البراء { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } ~~يقول: لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه ~~من حقه؟، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { ولستم بآخذيه ~~إلا أن تغمضوا فيه } يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق ~~دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه فكيف ترضون لي ما لا ترضون ~~لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟ # وقوله تعالى: { واعلموا أن الله غني حميد } أي وإن ~~أمركم بالصدقات وبالطيب منها فهو غني عنها، وما ذلك إلا أن يساوي الغني ~~الفقير، كقوله: # لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم # [الحج: 37] وهو غني عن جميع خلقه، وجميع خلقه فقراء إليه. وهو واسع ~~الفضل لا ينفذ ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب فليعلم أن الله غني ~~واسع العطاء كريم؛ جواد وسيجزيه بها ويضاعفها له أضعافا كثيرة، من يقرض ~~غير عديم ولا ظلوم، وهو الحميد: أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه ~~وقدره، لا إله إلا هو ولا رب سواه. # وقوله تعالى: { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم ~~بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ~~والله واسع عليم } ، قال ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر ~~وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك ms0321 بإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك ~~فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان " # ثم قرأ: { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم ~~بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } ~~الآية. ومعنى قوله تعالى: { الشيطان يعدكم الفقر } أي ~~يخوفكم الفقر لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله، { ~~ويأمركم بالفحشآء }: أي مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية ~~الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق، قال تعالى: ~~{ والله يعدكم مغفرة منه } أي في مقابلة ما أمركم ~~الشيطان بالفحشاء، { وفضلا } أي في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر ~~{ والله واسع عليم }. # وقوله تعالى: { يؤتي الحكمة من يشآء } ، قال ابن عباس: يعني ~~المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله ~~وحرامه وأمثاله. # وقال مجاهد: { الحكمة } ليست بالنبوة ولكنه العلم والفقه والقرآن، ~~وقال أبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة، وقد روى ~~ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعا: " رأس الحكمة مخافة الله " ، وقال أبو ~~مالك: الحكمة السنة. وقال زيد بن أسلم: الحكمة العقل. قال مالك: وإنه ~~ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله، وأمر يدخله في القلوب من ~~رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا إذا نظر ~~فيها، وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه عالما بأمر دينه بصيرا به، يؤتيه ~~الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة: الفقه في دين الله. وقال السدي: الحكمة ~~النبوة. والصحيح أن الحكمة لا تختص بالنبوة بل هي أعم منها وأعلاها ~~النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، ~~كما جاء في بعض الأحاديث: # " من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه " # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: # " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ~~ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ". # وقوله تعالى: { وما يذكر إلا أولوا الألباب } أي وما ~~ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لب وعقل، يعي ms0322 به الخطاب ومعنى الكلام. ### || [2.270-271] # يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات ~~والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء ~~وجهه ورجاء موعوده. وتوعد من لا يعمل بطاعته بل خالف أمره وكذب خبره وعبد ~~معه غيره، فقال: { وما للظالمين من أنصار } أي يوم القيامة ~~ينقذونهم من عذاب الله ونقمته. # وقوله تعالى: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي } أي إن ~~أظهرتموها فنعم شيء هي، وقوله تعالى: { وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقرآء فهو خير لكم } فيه دلالة على أن إسرار الصدقة ~~أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة ~~راجحة من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية. وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة " # والأصل: أن الإسرار أفضل لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في ~~عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه ~~معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت ~~عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ~~ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". # وفي الحديث المروي: # " صدقة السر تطفىء غضب الرب عز وجل " # ، وقال ابن أبي حاتم في قوله: { إن تبدوا الصدقات فنعما ~~هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم ~~} قال: # " أنزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أما عمر فجاء بنصف ماله حتى ~~دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟ " قال: خلفت لهم نصف مالي، وأما أبو ~~بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه حتى دفعه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله ms0323 عليه وسلم: " ما خلفت وراءك لأهلك يا ~~أبا بكر؟ " فقال: عدة الله وعدة رسوله، فبكى عمر رضي الله عنه وقال: ~~(بأبي أنت وأمي يا أبا بكر والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنت ~~سابقا) " # ثم إن الآية عامة في أن إخفاء الصدقة أفضل سواء كانت مفروضة أو مندوبة. ~~ولكن روى ابن جرير عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، قال: جعل الله صدقة ~~السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها ~~أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا. # وقوله تعالى: { ويكفر عنكم من سيئاتكم } أي بدل ~~الصدقات ولا سيما إذا كانت سرا يحصل لكم الخير في رفع الدرجات ويكفر ~~عنكم السيئات، وقوله: { والله بما تعملون خبير } أي لا ~~يخفى عليه من ذلك شيء وسيجزيكم عليه. ### || [2.272-274] # عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فرخص لهم ~~فنزلت هذه الآية: { ليس عليك هداهم ولكن الله ~~يهدي من يشآء } الآية وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت ~~هذه الآية { ليس عليك هداهم } إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها ~~على كل من سألك من كل دين. # وقوله تعالى: { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } ، ~~كقوله: # من عمل صالحا فلنفسه # [فصلت: 46، الجاثية: 15] ونظائرها في القرآن كثيرة، وقوله: { وما ~~تنفقون إلا ابتغآء وجه الله } ، قال الحسن البصري: ~~نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله. وقال ~~عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله، وهذا ~~معنى حسن، وحاصله: أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجره على ~~الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب: ألبر أو فاجر، أو مستحق أو ~~غيره، وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية: { وما تنفقوا ~~من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } ، والحديث ~~المخرج في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ms0324 الله عليه وسلم: # " قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح ~~الناس يتحدثون: تصدق على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية! ~~لأتصدقن الليلة بصدقة، فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على ~~غني، قال: اللهم لك الحمد على غني! لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في ~~يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق فقال: اللهم لك الحمد ~~على زانية وعلى غني وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما ~~الزانية فلعلها أن تستعفف بها عن زنا، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه ~~الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته ". # وقوله تعالى: { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله ~~} يعني المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله وسكنوا المدينة، ~~وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم، و { لا يستطيعون ~~ضربا في الأرض } يعني سفرا للتسبب في طلب المعاش. والضرب في ~~الارض: هو السفر. قال الله تعالى: # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة # [النساء: 101]، وقال تعالى: # وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله # [المزمل: 20] الآية. # وقوله تعالى: { يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف ~~} أي الجاهل بأمرهم وحالهم، يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ~~ومقالهم، وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليس المسكين بهذا الطواف التي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة ~~واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا ~~يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا ". # وقوله تعالى: { تعرفهم بسيماهم }: أي بما يظهر لذوي الألباب ~~من صفاتهم، كما قال تعالى: # سيماهم في وجوههم # [الفتح: 29]، قال: # ولتعرفنهم في لحن القول # [محمد: 30]. وفي الحديث: # " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " # ، ثم قرأ: # إن في ذلك لآيات للمتوسمين # [الحجر: 75]. # وقوله تعالى: { لا يسألون الناس إلحافا } أي لا يلحون في ~~المسألة، ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن ~~المسألة ms0325 فقد ألحف في المسألة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما ~~المسكين الذي يتعفف. اقرأوا إن شئتم: يعني قوله: { لا يسألون ~~الناس إلحافا } " # وقال الإمام أحمد عن رجل من مزينة، أنه قالت له أمه: ألا تنطلق فتسأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يسأله الناس، فانطلقت أسأله فوجدته ~~قائما يخطب، وهو يقول: # " ومن استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن يسأل الناس وله عدل ~~خمس أواق فقد سأل الناس إلحافا " # ، فقلت بيني وبين نفسي لنا ناقة لهي خير من خمس أواق، ولغلامه ناقة أخرى ~~فهي خير من خمس أواق، فرجعت ولم أسأل. وعن عبد الله بن مسعود قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته ~~يوم القيامة خدوشا أو كدوحا في وجهه ". قالوا: يا رسول الله وما غناه؟ ~~قال: " خمسون درهما أو حسابها من الذهب " " # وقوله: { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } ~~أي لا يخفى عليه شيء منه، وسيجزى عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة ~~أحوج ما يكون إليه. # وقوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم بالليل ~~والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ، هذا مدح منه تعالى ~~للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات من ليل أو نهار، ~~والأحوال من سر وجهر، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضا كما ثبت ~~في الصحيحين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص حين ~~عاده مريضا عام الفتح، وفي رواية عام حجة الوداع: # " وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى ~~ما تجعل في في امرأتك " # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة " # ؟. وقال ابن جبير عن أبيه: كان لعلي أربعة دراهم فأنفق درهما ليلا ~~ودرهما نهارا، ودرهما سرا ودرهما علانية، ms0326 فنزلت: { الذين ~~ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية }. وقوله: { فلهم أجرهم عند ربهم } أي يوم ~~القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات، { ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون } تقدم تفسيره. ### || [2.275] # لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين ~~بالبر والصدقات لذوي الحاجات والقرابات، في جميع الأحوال والأوقات، شرع ~~في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، وأخبر عنهم يوم ~~خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم، فقال: { الذين ~~يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس } ، أي لا يقومون من قبورهم ~~يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أنه ~~يقوم قياما منكرا. وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا ~~يخنق، وحكي عن عبد الله بن عباس وعكرمة والحسن وقتادة أنهم قالوا في قوله ~~تعالى: { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما ~~يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } يعني لا ~~يقومون يوم القيامة، وقال ابن جرير عن ابن عباس قال: يقال يوم القيامة ~~لآكل الربا خذ سلاحك للحرب، وقرأ: { الذين يأكلون الربا لا ~~يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس } وذلك حين يقوم من قبره. وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات تجري من خارج ~~بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا " # وعن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل: (فأتينا على نهر - حسبت أنه ~~كان يقول أحمر مثل الدم - وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط ~~النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ثم يأتي ذلك ~~الذي قد جمع الحجارة عنده فيفغر له فاه فيلقمه حجرا - وذكر في تفسيره - ~~أنه آكل الربا). # وقوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ~~الربا وأحل الله البيع وحرم الربا } ، أي إنما ~~جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياسا منهم ~~للربا على البيع، ms0327 لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه ~~الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل ~~البيع، وإنما قالوا: { إنما البيع مثل الربا } أي هو ~~نظيره، فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي هذا مثل ~~هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا. وقوله: تعالى: { وأحل الله البيع ~~وحرم الربا } يحتمل أن يكون من تمام الكلام ردا عليهم، أي على ~~ما قالوه من الاعتراض مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكما، وهو ~~العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو ~~العالم بحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم ~~فينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل. # ولهذا قال: { فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى ~~فله ما سلف وأمره إلى الله } أي من بلغه نهي الله عن ~~الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة، لقوله: # عفا الله عما سلف # [المائدة: 95]. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: # " وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين وأول ربا أضع ربا العباس " # ، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف كما ~~قال تعالى: { فله ما سلف وأمره إلى الله }. قال سعيد بن ~~جبير والسدي: { فله ما سلف } ما كان أكل من الربا قبل التحريم، ~~وقال ابن أبي حاتم عن أم يونس العالية بنت أبقع، أن عائشة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم قالت لها (أم بحنة) أم ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين ~~أتعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته عبدا إلى العطاء ~~بثمانمائة، فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة، فقالت: بئس ~~ما شريت، وبئس ما اشتريت أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قد بطل إن لم يتب. قالت: فقلت: أرأيت إن تركت ~~المائتين وأخذت الستمائة؟ قالت: نعم: { فمن جآءه موعظة من ms0328 ~~ربه فانتهى فله ما سلف } ، وهذا الأثر مشهور. وهو دليل ~~لمن حرم (مسألة العينة) مع ما جاء فيها من الأحاديث المذكورة المقررة في ~~كتاب الأحكام ولله الحمد والمنة. # ثم قال تعالى: { ومن عاد } أي إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله ~~عنه فقد استوجب العقوبة وقامت عليه الحجة، ولهذا قال: { فأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون } ، وقد قال أبو داود، عن ~~جابر قال: لما نزلت: { الذين يأكلون الربا لا يقومون ~~إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله " # ، وإنما حرمت (المخابرة) وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، و ~~(المزابنة) وهي اشتراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض، و ~~(المحاقلة) وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض، إنما ~~حرمت هذه الأشياء وما شاكلها حسما لمادة الربا، لأنه لا يعلم التساوي ~~بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة ~~المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى ~~الربا والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من ~~العلم، وقد قال تعالى: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف: 76]. # وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم، وقد قال أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من ~~أبواب الربا)، يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا، والشريعة ~~شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله، لأن ما أفضى إلى الحرام حرام، كما ~~أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن ~~بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى ~~الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي ms0329 ~~يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه " # وفي السنن عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " # ، وفي الحديث الآخر: # " الإثم ما حاك في القلب، وترددت فيه النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس " # وفي رواية: # " استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك " # وقال ابن عباس: آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا، ~~وعن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: (إني ~~لعلي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من آخر ~~القرآن نزولا آية الربا، وإنه قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم). وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " الربا ثلاثة وسبعون بابا " # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الربا سبعون جزءا أيسرها أن ينكح الرجل أمه " # ، وقال الإمام أحمد عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا ". قال: قيل له: الناس كلهم؟ ~~قال: " من لم يأكله منهم ناله من غباره " ". # ومن هذا القبيل تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات الحديث الذي روي عن ~~عائشة، قالت: (لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على الناس ثم حرم التجارة في الخمر) قال بعض من ~~تكلم على هذا الحديث من الأئمة: لما حرم الربا ووسائله حرم الخمر وما ~~يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال عليه السلام في الحديث المتفق ~~عليه: # " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها " # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه " # ، قالوا: وما يشهد عليه ويكتب. إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي ويكون ~~داخله فاسدا، فالاعتبار بمعناه لا بصورته، لأن الأعمال بالنيات. وفي ~~الصحيح: # " إن ms0330 الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم " # ، وقد صنف الإمام العلامة أبو العباس (ابن تيمية) كتابا في إبطال ~~التحليل، تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل، وقد كفى في ~~ذلك وشفى، فرحمه الله ورضي عنه. ### || [2.276-277] # يخبر تعالى أنه يمحق الربا أي يذهبه، إما بأن يذهبه بالكلية من يد ~~صاحبه، أو يحرمه بركة ماله، فلا ينتفع به بل يعدمه في الدنيا، ويعاقبه ~~عليه يوم القيامة، كما قال تعالى: # قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة ~~الخبيث # [المائدة: 100]. وقال تعالى: # ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله في جهنم # [الأنفال: 37]، وقال: # ومآ آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس ~~فلا يربوا عند الله # [الروم: 39] الآية. وقال ابن جرير: في قوله: { يمحق الله ~~الربا } وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ~~(الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل) وهذا الحديث قد رواه الإمام ~~أحمد في مسنده عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل " # ، وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود كما قال صلى الله عليه وسلم: # " من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس والجذام ". # وقوله تعالى: { ويربي الصدقات } قرىء بضم الياء والتخفيف من ~~ربا الشيء يربو أي كثره ونماه، وقرىء (يربي) بالضم والتشديد من ~~التربية. قال البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله ~~يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون مثل ~~الجبل " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله عز وجل يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي ~~أحدكم مهره أو فلوه حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد " # وتصديق ذلك في كتاب الله: { يمحق الله الربا ويربي ~~الصدقات }. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ms0331 وسلم: # " إن العبد إذا تصدق من طيب يقبلها الله منه، فيأخذها بيمينه ويربيها ~~كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد ~~الله، أو قال: في كف الله، حتى تكون مثل أحد فتصدقوا " # ، وعن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله ~~حتى يكون مثل أحد " # ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، ~~فيتلقاها الرحمن بيده فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو وصيفه ". # وقوله تعالى: { والله لا يحب كل كفار أثيم } أي لا ~~يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية ~~بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا ~~يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل ~~بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل ~~أموال الناس بالباطل. ثم قال تعالى مادحا للمؤمنين بربهم، المطيعين ~~أمره، المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ~~مخبرا عما أعد لهم من الكرامة وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون، ~~فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. ### || [2.278-281] # يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه، ناهيا لهم عما يقربهم إلى ~~سخطه ويبعدهم عن رضاه، { يأيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله } أي خافوه وراقبوه فيما تفعلون { وذروا ما بقي من ~~الربا } أي اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال بعد ~~هذا الإنذار، { إن كنتم مؤمنين } أي بما شرع الله لكم من ~~تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك. وقد ذكروا أن هذا السياق نزل في (بني ~~عمرو بن عمير) من ثقيف و(بني المغيرة) من بني مخزوم، كان بينهم ربا في ~~الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه ms0332 طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، ~~فتشاوروا وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإسلام بكسب الإسلام، ~~فكتب في ذلك (عتاب بن أسيد) نائب مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه: { ~~يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي ~~من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله } فقالوا: نتوب إلى ~~الله، ونذر ما بقي من الربا فتركوه كلهم. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، ~~لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار، قال ابن عباس: { فأذنوا ~~بحرب } أي استيقنوا بحرب من الله ورسوله، وتقدم عن ابن عباس قال: ~~يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ: { فإن لم ~~تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } ، وقال ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { فإن لم تفعلوا فأذنوا ~~بحرب من الله ورسوله } ، فمن كان مقيما على الربا لا ~~ينزع عنه كان حقا على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه. ~~وقال قتادة: أوعدهم الله بالقتل كما يسمعون وجعلهم بهرجا أين ما أتوا، ~~فإياكم ومخالطة هذه البيوع من الربا، فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه، ~~فلا يلجئنكم إلى معصيته فاقة. # ثم قال تعالى: { وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا ~~تظلمون } أي بأخذ الزيادة { ولا تظلمون } أي بوضع رؤوس ~~الأموال أيضا بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه، خطب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: # " ألا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رؤوس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله ~~". # وقوله تعالى: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ~~وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } ، يأمر ~~تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال: { وإن كان ذو ~~عسرة فنظرة إلى ميسرة } لا كما كان أهل الجاهلية يقول ~~أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: ms0333 إما أن تقضي وإما أن تربي، ثم يندب إلى ~~الوضع عنه ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال: { وأن ~~تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } أي وأن تتركوا ~~رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين. # وقد وردت الأحاديث من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. # فالحديث الأول: عن أبي أمامة أسعد بن زرارة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه ~~" # حديث آخر: عن محمد بن كعب القرظي أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان ~~يأتيه يتقاضاه فيختبىء منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي فسأله عنه، فقال: نعم ~~هو في البيت يأكل خزيرة، فناداه فقال: يا فلان اخرج فقد اخبرت أنك ها ~~هنا، فخرج إليه فقال: ما يغيبك عني؟ فقال: إني معسر وليس عندي، قال: ~~آلله إنك معسر؟ قال: نعم. فبكى أبو قتادة، ثم قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة " # حديث آخر: عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أتى الله بعبد من عبيده يوم القيامة قال: ماذا عملت لي في الدنيا؟ ~~فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها - قالها ثلاث مرات ~~- قال العبد عند آخرها: يا رب إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنت رجلا ~~أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، ~~فقال فيقول الله عز وجل: أنا أحق من ييسر، أدخل الجنة " # ولفظ البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل ~~الله يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه " # حديث آخر: عن عبد الله بن سهل بن حنيف أن سهلا حدثه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من أعان مجاهدا في سبيل الله أو غازيا أو ms0334 غارما في عسرته أو ~~مكاتبا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ". # حديث آخر: أخرج مسلم في صحيحه من حديث عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا ~~وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من ~~لقينا (أبا اليسر) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غلام له، معه ~~ضمامة من صحف، وعلى أبي اليسر بردة ومعافري، وعلى غلامه بردة ومعافري، ~~فقال له أبي: يا عم، إني أرى في وجهك سعفة من غضب، قال: أجل كان لي على ~~فلان بن فلان الرامي مال، فأتيت أهله فسلمت فقلت أثم هو؟ قالوا: لا، ~~فخرج علي ابن له جفر فقلت: أين أبوك؟ فقال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي، ~~فقلت: اخرج إلي فقد علمت أين أنت، فخرج فقلت: ما حملك على أن اختبأت ~~مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك أو ~~أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت والله معسرا. # قال: قلت: آلله، قال: آلله؟ ثم قال: فأتى بصحيفته فمحاها بيده ثم قال: ~~فإن وجدت قضاء فاقضني، وإلا فأنت في حل، فأشهد: أبصر عيناي هاتان - ~~ووضع أصبعيه على عينيه - وسمع أذناي هاتان ووعاه قلبي - وأشار إلى نياط ~~قلبه - رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: # " من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله ". # حديث آخر: عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المسجد وهو يقول بيده هكذا - وأومأ أبو عبد الرحمن بيده إلى الأرض -: # " من أنظر معسرا أو وضع عنه وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة ~~حزن بربوة - ثلاثا - ألا إن عمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وقي ~~الفتن وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد ~~لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا ". # ثم قال تعالى يعظ عباده ويذكرهم وزوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال ~~وغيرها، وإتيان ms0335 الآخرة والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه على ما ~~عملوا ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر ويحذرهم عقوبته فقال: { ~~واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى ~~كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون }. وقد روي أن هذه ~~الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم، فقال سعيد بن جبير: آخر ما نزل من ~~القرآن كله: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ~~ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } ، ~~وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم ~~الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. وعن عبد الله بن عباس قال: آخر شيء ~~نزل من القرآن: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ~~ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } ~~وقال ابن جريج، قال ابن عباس: آخر آية نزلت: { واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله } الآية. قال ابن جريج: يقولون: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عاش بعدها تسع ليال وبدىء يوم السبت ومات يوم ~~الاثنين. ### || [2.282] # هذه الآية الكريمة أطول آية في القرآن العظيم، وقد قال الإمام أبو جعفر ~~بن جرير عن سعيد بن المسيب أنه بلغه: أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين. # فقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } ، هذا إرشاد منه تعالى ~~لعباده المؤمنين، إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ ~~لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث ~~قال: { ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة ~~وأدنى ألا ترتابوا } ، وقال مجاهد عن ابن عباس في قوله: { ~~يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى فاكتبوه } ، قال: أنزلت في السلم إلى أجل معلوم، ~~وقال قتادة عن ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله ~~أحله وأذن فيه، ثم قرأ: { يأيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى } رواه البخاري. وثبت في ~~الصحيحين عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ms0336 وهم ~~يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " # ، وقوله: { فاكتبوه } أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ، فإن ~~قيل: فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " # فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة؟ فالجواب أن الدين من حيث هو غير ~~مفتقر إلى كتابة أصلا، لأن كتاب الله قد سهل الله ويسر حفظه على الناس، ~~والسنن أيضا محفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي أمر الله ~~بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر ~~إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم. قال ابن جريج: من ادان فليكتب ومن ابتاع ~~فليشهد، وقال قتادة: ذكر لنا أن (أبا سليمان المرعشي) كان رجلا صحب ~~كعبا فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلوما دعا ربه فلم يستجب له؟ ~~فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعا إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب، ~~فلما حل ماله جحده صاحبه فدعا ربه فلم يستجب له لأنه قد عصى ربه، وقال ~~الحسن وابن جريج: كان ذلك واجبا ثم نسخ بقوله: # " فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته " # [البقرة: 283]. والدليل على ذلك أيضا الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا ~~مقررا في شرعنا ولم ينكر عدم الكتابة والإشهاد. # قال الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر ~~أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ~~ائتني بشهداء أشهدهم؟ قال: كفى بالله شهيدا. # قال: ائتني بكفيل، قال: كفى بالله كفيلا، قال: صدقت فدفعها إليه إلى ~~أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يقدم عليه للأجل ~~الذي أجله فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار ~~وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زجج موضعها ثم أتى بها البحر، ms0337 ثم قال: ~~اللهم إنك قد علمت أني استسلفت فلانا ألف دينار فسألتي كفيلا فقلت: كفى ~~بالله كفيلا فرضي بذلك، وسألني شهيدا فقلت: كفى بالله شهيدا فرضي ~~بذلك، وإني قد جهدت أن أجد مركبا أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد ~~مركبا وإني أستودعتكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف، وهو في ~~ذلك يطلب مركبا إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا ~~تجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهل حطبا، فلما ~~كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه فأتاه بألف ~~دينار وقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت ~~مركبا قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: ألم أخبرك ~~أني لم أجد مركبا قبل هذا الذي جئت فيه؟ قال: فإن الله قد أدى عنك الذي ~~بعثت به في الخشبة فانصرف بألفك راشدا. # وقوله تعالى: { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } أي ~~بالقسط والحق ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من ~~غير زيادة ولا نقصان. وقوله: { ولا يأب كاتب أن يكتب كما ~~علمه الله فليكتب } أي ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل ~~أن يكتب للناس ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم ~~فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة، وليكتب كما جاء في الحديث: # " إن من الصدقة أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق " # ، وفي الحديث الآخر: # " من كتم علما يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار " # ، وقال مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب، وقوله: { وليملل ~~الذي عليه الحق وليتق الله ربه } ، أي وليملل ~~المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين وليتق الله في ذلك، { ولا ~~يبخس منه شيئا } أي لا يكتم منه شيئا، { فإن كان الذي ~~عليه الحق سفيها } محجورا عليه بتبذيره ونحوه { أو ~~ضعيفا } أي صغيرا أو مجنونا { أو لا يستطيع أن يمل ~~هو } إما لعي أو جهل بموضع ms0338 صواب ذلك في خطئه { فليملل وليه ~~بالعدل }. # وقوله تعالى: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } أمر ~~بالاستشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة، { فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان } ، وهذا إنما يكون في الأموال وما ~~يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة كما ~~قال مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار ~~" فقالت: امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: " ~~تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن ~~" ، قالت: يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال: " أما نقصان عقلها ~~فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي ~~وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين " ". # وقوله تعالى: { ممن ترضون من الشهدآء } فيه دلالة على ~~اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيد حكم به الشافعي على كل مطلق في ~~القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط، وقد استدل من رد المستور بهذه ~~الآية الدالة على أن يكون الشاهد عدلا مرضيا. وقوله: { أن تضل ~~إحداهما } يعني المرأتين إذا نسيت الشهادة { فتذكر ~~إحداهما الأخرى } أي يحصل لها ذكر بما وقع به من الإشهاد. # وقوله تعالى: { ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا } ، قيل: ~~معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع، وهذا ~~كقوله: { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ~~فليكتب } ، ومن ههنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية، قيل: وهو ~~مذهب الجمهور والمراد بقوله: { ولا يأب الشهدآء إذا ما ~~دعوا } للأداء لحقيقة قوله: { الشهدآء } والشاهد حقيقة فيمن تحمل ~~فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت، وإلا فهو فرض كفاية والله ~~أعلم، وقال مجاهد: إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب، ~~وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي ياتي بشهادته قبل أن يسألها " # ، فأما الحديث الآخر في الصحيحين: ms0339 # " ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا " # ، وكذا قوله: # " ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم وتسبق شهادتهم أيمانهم " # ، وفي رواية: # " ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون " # فهؤلاء شهود الزور. # وقوله تعالى: { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو ~~كبيرا إلى أجله } هذا من تمام الإرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق ~~صغيرا كان أو كبيرا، فقال: { ولا تسأموا } أي لا تملوا أن ~~تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله. وقوله: { ~~ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا } أي هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان ~~مؤجلا، هو { أقسط عند الله } أي أعدل، { وأقوم ~~للشهادة } أي أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة ~~لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه كما هو الواقع غالبا، { وأدنى ~~ألا ترتابوا } وأقرب إلى عدم الريبة بل ترجعون عند التنازع إلى ~~الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة. # وقوله تعالى: { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها ~~بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } أي إذا ~~كان البيع بالحاضر يدا بيد فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في ~~تركها. # فأما الإشهاد على البيع فقد قال تعالى: { وأشهدوا إذا ~~تبايعتم } يعني أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل أو لم يكن فيه ~~أجل، فأشهدوا على حقكم على كل حال، وقال الشعبي والحسن: هذا الأمر منسوخ ~~بقوله: # فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته # [البقرة: 283]، وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على ~~الوجوب والدليل على ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري # " أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي فاستتبعه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه، حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم ~~على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي صلى الله عليه وسلم، فنادى الأعرابي ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms0340 فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه، وإلا ~~بعته، فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي قال: أوليس ~~قد ابتعته منك؟ قال الأعرابي: لا والله ما بعتك، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " بل قد ابتعته منك " فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم والأعرابي وهما يتراجعان فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا يشهد أني ~~بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن يقول إلا حقا، حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومراجعة الأعرابي يقول هلم شهيدا يشهد أني بايعتك، قال خزيمة: ~~أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال: ~~" بم تشهد "؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين " # ولكن الاحتياط هو الإرشاد لما رواه الإمامان الحافظ ابن مردويه والحاكم ~~في مستدركه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاثة يدعون إلى الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم ~~يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلا مالا فلم يشهد ~~". # وقوله تعالى: { ولا يضآر كاتب ولا شهيد } قيل: معناه لا ~~يضار الكاتب ولا الشاهد فيكتب هذا خلاف ما يملى، ويشهد هذا بخلاف ما ~~سمع، أو يكتمها بالكلية، وهو قول الحسن وقتادة، وقيل: معناه لا يضر ~~بهما. # وقوله تعالى: { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } أي إن ~~خالفتم ما أمرتم به، أو فعلتم ما نهيتم عنه فإنه فسق كائن بكم، أي لازم ~~لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه، وقوله: { واتقوا الله } أي ~~خافوه وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زجره، { ويعلمكم الله } ~~كقوله: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا # [الأنفال: 29]، وكقوله: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به # [الحديد: 28]، وقوله: { والله بكل شيء عليم } أي هو عالم ~~بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها فلا يخفى عليه ms0341 شيء من الأشياء، بل علمه ~~محيط بجميع الكائنات. ### || [2.283] # يقول تعالى: { وإن كنتم على سفر } أي مسافرين وتداينتم إلى ~~أجل مسمى، { ولم تجدوا كاتبا } يكتب لكم، قال ابن عباس: أو ~~وجدوه ولم يجدوا قرطاسا أو دواة أو قلما { فرهان مقبوضة } أي ~~فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة أي في يد صاحب الحق وقد استدل بقوله: { ~~فرهان مقبوضة } ، على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض كما هو مذهب ~~الشافعي والجمهور، واستدل بها آخرون على أنه لا بد أن يكون الرهن مقبوضا ~~في يد المرتهن وهو رواية عن الإمام أحمد، وذهب إليه طائفة، واستدل آخرون ~~من السلف بهذه الآية على أنه لا يكون الرهن مشروعا إلا في السفر، قاله ~~مجاهد وغيره. وقد ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير رهنها قوتا ~~لأهله. # وقوله تعالى: { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ~~اؤتمن أمانته } ، روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: هذه نسخت ما ~~قبلها، وقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضا فلا بأس أن لا تكتبوا أو لا ~~تشهدوا، وقوله: { وليتق الله ربه } يعني المؤتمن كما جاء في ~~الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن سمرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " على اليد ما أخذت حتى تؤديه ". # وقوله تعالى: { ولا تكتموا الشهادة } أي لا تخفوها ~~وتغلوها ولا تظهروها. قال ابن عباس وغيره: شهادة الزور من أكبر الكبائر ~~وكتمانها كذلك، ولهذا قال: { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ~~} قال السدي: يعني فاجر قلبه، وهذه كقوله تعالى: # ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الآثمين # [المائدة: 106]، وقال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ~~شهدآء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا ~~أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا # [النساء: 135]، وهكذا قال ههنا: { ولا تكتموا الشهادة ~~ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله ms0342 بما تعملون ~~عليم }. ### || [2.284] # يخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع ~~على ما فيهن لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر وإن دقت وخفيت، ~~وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال ~~تعالى: # قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه ~~الله # [آل عمران: 29]، وقال: # يعلم السر وأخفى # [طه: 7]، والآيات في ذلك كثيرة جدا، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم ~~وهو (المحاسبة) على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة ~~رضي الله عنهم وخافوا منها ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال ~~وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم. # روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: { لله ما في السموت وما في الأرض وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء والله ~~على كل شيء قدير } اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب وقالوا: ~~يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد ~~والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل ~~قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " # ، فلما أقر بها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها: # آمن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا ~~سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير # [البقرة: 285]، فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل قوله: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ ~~أو أخطأنا # [البقرة: 286] إلى آخره، ورواه مسلم عن أبي هريرة ولفظه: فلما فعلوا ذلك ~~نسخها الله فأنزل الله: # لا يكلف الله نفسا ms0343 إلا وسعها لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ ~~أو أخطأنا # [البقرة: 286] قال: نعم، # ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا # [البقرة: 286]، قال: نعم # ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به # [البقرة: 286]، قال: نعم # واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ أنت مولانا ~~فانصرنا على القوم الكافرين # [البقرة: 286] قال: نعم. # طريق أخرى: قال ابن جرير عن سعيد بن مرجانة سمعه يحدث أنه بينما هو جالس ~~مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية: { لله ما في السموت وما ~~في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء } الآية، فقال: ~~والله لئن واخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، قال ~~ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل ~~حين تلاها فقال ابن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد ~~المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر فأنزل الله بعدها: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] إلى آخر السورة، قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا ~~طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل أن للنفس ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل. # طريق أخرى: عن سالم أن أباه قرأ: { وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فدمعت عيناه، ~~فبلغ صنيعه ابن عباس فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع كما صنع ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت فنسختها الآية التي بعدها: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286]، وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل ". # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قال الله إذا ms0344 هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها ~~سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا ~~" # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أحسن أحد إسلامه فإن له بكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى ~~سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل " # وقال مسلم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ~~ربه تعالى قال: # " إن الله كتب الحسنات والسيئات - ثم بين ذلك - فمن هم بحسنة فلم ~~يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده ~~عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها ~~كتبها الله عنده حسنة وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده سيئة واحدة " # وروي عن أبي هريرة قال: # " جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه فقالوا: إنا ~~نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: " وقد وجدتموه؟ " ~~قالوا: نعم، قال: " ذاك صريح الإيمان ". # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة، قال: # " تلك صريح الإيمان ". # وروي ابن جرير عن مجاهد والضحاك أنه قال: هي محكمة لم تنسخ، واختار ابن ~~جرير ذلك واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى قد ~~يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، بالحديث الذي رواه قتادة عن صفوان بن ~~محرز قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف إذ عرض له ~~رجل فقال: يا ابن عمر، ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ~~النجوى؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يدنو المؤمن من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول ~~له: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب أعرف مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن ~~يبلغ، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم، قال: ~~فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، وأما ms0345 الكفار والمنافقون فينادى بهم ~~على رؤوس الأشهاد { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ~~ألا لعنة الله على الظالمين } ". ### || [2.285-286] # ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما # الحديث الأول: قال البخاري عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ بالآيتين - من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه ". # الحديث الثاني: قال الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي ". # الحديث الثالث: قال مسلم عن الزبير بن عدي عن طلحة عن مرة عن عبد الله ~~قال: # " لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى ~~وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ~~ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها قال: { إذ يغشى السدرة ما ~~يغشى } قال: فراش من ذهب، قال: وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك ~~بالله من أمته شيئا المقحمات ". # الحديث الرابع: قال أحمد عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فإني أعطيتهما من كنز تحت العرش ". # الحديث الخامس: قال ابن مردويه عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " فضلنا على الناس بثلاث: أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من بيت ~~كنز تحت العرش لم يعطها أحد قبلي ولا يعطاها أحد بعدي " # ، الحديث. # الحديث السادس: قال ابن مردويه عن الحارث عن علي قال: لا أرى أحدا عقل ~~الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة فإنها من كنز ~~أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم من تحت العرش. # الحديث السابع: قال الترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام أنزل منه ~~آيتين ختم ms0346 بهما سورة البقرة ولا يقرأ بهن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ~~" # ، ثم قال: هذا حديث غريب. # الحديث الثامن: قال ابن مردويه عن ابن عباس قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آخر سورة البقرة وآية ~~الكرسي ضحك وقال: " إنهما من كنز الرحمن تحت العرش " ، وإذا قرأ: { من ~~يعمل سوءا يجز به } ، { وأن ليس للإنسان إلا ~~ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزآء ~~الأوفى } استرجع واستكان ". # الحديث التاسع: قال ابن مردويه عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش والمفصل نافلة ~~". # الحديث العاشر: قد تقدم في فضائل الفاتحة عن ابن عباس قال: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل إذ سمع نقيضا فوقه ~~فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، ~~قال: فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أبشر بنورين ~~قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن ~~تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته " # رواه مسلم والنسائي. # فقوله تعالى: { آمن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه ~~} إخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. روى الحاكم في مستدركه عن أنس ~~بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم: { آمن ~~الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " حق له أن يؤمن " # ثم قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه. # وقوله تعالى: { والمؤمنون } عطف على الرسول، ثم أخبر عن الجميع، ~~فقال: { كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله } فالمؤمنون يؤمنون بأن الله ~~واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره ولا رب سواه، ويصدقون بجميع الأنبياء ~~والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا ~~يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون ~~بارون راشدون مهديون هادون إلى ms0347 سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة ~~بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد صلى الله عليه وسلم خاتم ~~الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته ولا تزال طائفة من أمته ~~على الحق ظاهرين، وقوله: { وقالوا سمعنا وأطعنا } أي سمعنا ~~قولك يا ربنا وفهمناه وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه، { غفرانك ~~ربنا } سؤال للمغفرة والرحمة واللطف. # قال ابن جرير: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { آمن ~~الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ~~آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق ~~بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا ~~غفرانك ربنا وإليك المصير } قال جبريل: إن الله قد ~~أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه، فسأل: { لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها } إلى آخر الآية، وقوله: { لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها } أي لا يكلف أحدا فوق طاقته، وهذا من ~~لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما ~~كان أشفق منه الصحابة في قوله: # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله # [البقرة: 284]، أي هو وإن حاسب وسأل ولكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص ~~دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها فهذا لا يكلف به ~~الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان، وقوله: { لها ما ~~كسبت } أي من خير، { وعليها ما اكتسبت } أي من شر، وذلك ~~في الأعمال التي تدخل تحت التكليف. # ثم قال تعالى مرشدا عباده إلى سؤاله وقد تكفل لهم بالإجابة كما أرشدهم ~~وعلمهم أن يقولوا: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو ~~أخطأنا } أي إن تركنا فرضنا على جهة النسيان، أو فعلنا حراما كذلك، ~~أو أخطأنا أي الصواب في العمل جهلا منه بوجهه الشرعي. وعن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # وعن أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ، والنسيان والاستكراه " # قال أبو ms0348 بكر فذكرت ذلك للحسن، فقال: أجل أما تقرأ بذلك قرآنا: { ~~ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا }. وقوله ~~تعالى: { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا } أي لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن ~~أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار، التي كانت ~~عليهم التي بعثت نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة بوضعه، في ~~شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيفي السهل السمح. وجاء في الحديث من ~~طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " بعثت بالحنيفية السمحة ". # وقوله تعالى: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ~~} أي من التكليف والمصائب والبلاء لا تبتلنا بما لا قبل لنا به، وقد قال ~~مكحول في قوله: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ~~به } قال: العزبة والغلمة. # وقوله تعالى: { واعف عنا } أي فيما بيننا وبينك مما تعلمه من ~~تقصيرنا وزللنا، { واغفر لنا } أي فيما بيننا وبين عبادك فلا ~~تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة، { وارحمنآ } أي فيما يستقبل ~~فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة ~~أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه ~~به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. # وقوله تعالى: { أنت مولانا } أي أنت ولينا وناصرنا وعليك توكلنا، ~~وأنت المستعان وعليك التكلان، ولا حول لنا ولا قوة إلا بك { فانصرنا ~~على القوم الكافرين } أي الذين جحدوا دينك وأنكروا وحدانيتك ~~ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم. # قال ابن جرير عن أبي إسحاق: إن معاذا رضي الله عنه كان إذا فرغ من هذه ~~السورة { فانصرنا على القوم الكافرين } قال: آمين. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-4] # قد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين { ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ، و { الم * ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم } عند تفسير آية ~~الكرسي، وقد تقدم الكلام على قوله: { الم } في أول سورة ms0349 البقرة بما ~~أغنى عن إعادته، وتقدم الكلام على قوله: # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [البقرة: 255] في تفسير آية الكرسي. # وقوله تعالى: { نزل عليك الكتاب بالحق } يعني نزل عليك ~~القرآن يا محمد بالحق، أي لا شك فيه ولا ريب بل هو منزل من عند الله، ~~أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدا. وقوله: { مصدقا ~~لما بين يديه } أي من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد ~~الله والأنبياء، فهي تصدقه بما أخبرت به وبشرت في قديم الزمان، وهو ~~يصدقها لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم وإنزال القرآن العظيم عليه، وقوله: { وأنزل ~~التوراة } أي على موسى بن عمران، { والإنجيل } أي على عيسى ابن ~~مريم عليهما السلام، { من قبل } أي من قبل هذا القرآن، { هدى ~~للناس }: أي في زمانهما، { وأنزل الفرقان }: وهو الفارق ~~بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى ~~من الحجج والبينات والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ~~ويفسره ويقرره ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك. وقال قتادة والربيع: ~~الفرقان ههنا القرآن، واختار ابن جرير أنه مصدر ههنا لتقدم ذكر القرآن ~~في قوله: { نزل عليك الكتاب بالحق } وهو القرآن. وأما ~~ما روي عن أبي صالح: أن المراد بالفرقان ههنا التوراة، فضعيف أيضا، ~~لتقدم ذكر التوراة، والله أعلم. # وقوله تعالى: { إن الذين كفروا بآيات الله } أي جحدوا ~~بها وأنكروها وردوها بالباطل، { لهم عذاب شديد }: أي يوم ~~القيامة، { والله عزيز } أي منيع الجناب عظيم السلطان، { ذو ~~انتقام }: أي ممن كذب بآياته وخالف رسله الكرام وأنبياءه العظام. ### || [3.5-6] # يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماء والأرض لا يخفى عليه شيء من ذلك، { هو ~~الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء } أي يخلقكم في ~~الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، { لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم } أي هو الذي خلق وهو المستحق ~~للإلهية، وحده لا شريك له وله العزة التي لا ترام، والحكمة والأحكام، ~~وهذه الآية فيها تعريض ms0350 بل تصريح بأن عيسى بن مريم عبد مخلوق كما خلق الله ~~سائر البشر، لأن الله صوره في الرحم وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلها كما ~~زعمته النصارى عليهم لعائن الله!! وقد تقلب في الأحشاء وتنقل من حال إلى ~~حال!؟ كما قال تعالى: # يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ~~في ظلمات ثلاث # [الزمر: 6]. ### || [3.7-9] # يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات { هن أم الكتاب } أي ~~بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه ~~في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه ~~وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال ~~تعالى: { هن أم الكتاب } أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ~~{ وأخر متشابهات } أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل ~~شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد، وقد اختلفوا في ~~المحكم والمتشابه، فقال ابن عباس: المحكمات ناسخة وحلاله وحرامه وحدوده ~~وأحكامه وما يؤمر به ويعمل به. وقال يحيى بن يعمر: الفرائض والأمر والنهي ~~والحلال والحرام، وقال سعيد بن جبير: { هن أم الكتاب } لأنهن ~~مكتوبات في جميع الكتب، وقال مقاتل: لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن. ~~وقيل: في المتشابهات: المنسوخة والمقدم والمؤخر والأمثال فيه والأقسام، ~~وما يؤمن به ولا يعمل به، روي عن ابن عباس، وقيل: هي الحروف المقطعة في ~~أوائل السور قاله مقاتل بن حيان، وعن مجاهد: المتشابهات يصدق بعضها بعضا ~~وهذا إنما هو في تفسير قوله: # كتابا متشابها مثاني # [الزمر: 23] هناك ذكروا أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد، ~~والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال ~~الأبرار وحال الفجار ونحو ذلك، وأما ها هنا فالمتشابه هو الذي يقابل ~~المحكم، وأحسن ما قيل فيه هو الذي قدمنا، وهو الذي نص عليه ابن يسار رحمه ~~الله حيث قال: { منه آيات محكمات } فهن حجة الرب وعصمة العباد ~~ودفع الخصوم الباطل، ليس لهن تصريف ولا ms0351 تحريف عما وضعن عليه، قال: ~~والمتشابهات في الصدق ليس لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن ~~العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن ~~الحق. # ولهذا قال الله تعالى: { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي ~~ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل { فيتبعون ما تشابه منه } ~~أي إنما يأخذون منه المتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة ~~وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه. فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه ~~لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال الله تعالى: { ابتغاء ~~الفتنة } أي الإضلال لأتباعهم، إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم ~~بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق ~~بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركوا الاحتجاج ~~بقوله: # إن هو إلا عبد أنعمنا عليه # [الزخرف: 59] وبقوله: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59]، وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من ~~مخلوقات الله، وعبد ورسول من رسل الله. # وقوله تعالى: { وابتغاء تأويله } أي تحريفه على ما يريدون، ~~وقال مقاتل والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من ~~القرآن، وقد قال الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات }. إلى قوله: { أولوا الألباب } فقال: " إذا ~~رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم " # وقد روى هذا الحديث البخاري عند تفسير هذه الآية ومسلم في كتاب القدر من ~~صحيحه وأبو داود في السنة من سننه ثلاثتهم عن القاسم بن محمد عن عائشة. ~~رضي الله عنها قالت: # " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { هو الذي أنزل ~~عليك الكتاب منه آيات محكمات } إلى قوله: { وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب } قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه ms0352 فأولئك الذين سمى ~~الله فاحذروهم " ". # وروى أحمد عن أبي أمامة # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه }. قال: " هم ~~الخوارج " ، وفي قوله تعالى: { يوم تبيض وجوه وتسود ~~وجوه } قال: " هم الخوارج " # ، وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح ~~فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين ~~قسم النبي صلى الله عليه وسلم (غنائم حنين) فكأنهم رأوا - في عقولهم ~~الفاسدة - أنه لم يعدل في القسمة ففاجأوه بهذه المقالة، فقال قائلهم وهو ~~(ذو الخويصرة) - بقر الله خاصرته - إعدل فإنك لم تعدل، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لقد خبت وخسرت. إن لم أكن أعدل، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني " # ! فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب في قتله، فقال: # " دعه فإنه يخرج من ضئضئىء هذا - أي من جنسه - قوم يحقر أحدكم صلاته مع ~~صلاتهم، وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ~~فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم " # ثم كان ظهورهم أيام (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه وقتلهم بالنهروان، ~~ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم ~~انبعثت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر ~~عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله: # " " وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة " ~~، قالوا: ومن يا رسول الله؟ قال: " من كان على ما أنا عليه وأصحابي " # أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة. # وروى الحافظ أبو يعلى، عن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~ذكر: # " إن في أمتي قوما يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل يتأولونه على ~~غير تأويله ". # وقوله تعالى: { وما يعلم تأويله إلا الله } اختلف ~~القراء في الوقف ههنا، فقيل على الجلالة كما تقدم عن ابن عباس رضي الله ~~عنه أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء، فتفسير ms0353 لا يعذر أحد في فهمه، ~~وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير ~~لا يعلمه إلا الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما ~~تشابه منه فآمنوا به " # ، وقال عبد الرزاق: كان ابن عباس يقرأ: { وما يعلم تأويله إلا الله ~~ويقول الراسخون آمنا به } ، وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ~~ومالك بن أنس أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله، وحكى ابن جرير أن في ~~قراءة عبد الله بن مسعود: { إن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به } واختار ابن جرير هذا القول. # ومنهم من يقف على قوله تعالى: { والراسخون في العلم } وتبعهم ~~كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقد روى ~~مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله، وقال ~~مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به، وكذا قال ~~الربيع بن أنس. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: وما يعلم تأويله الذي أراد ~~ما أراد إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به، ثم ردوا تأويل ~~المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا ~~تأويل واحد. فاتسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضا فنفذت الحجة، وظهر به ~~العذر وزاح به الباطل ودفع به الكفر، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دعا لابن عباس فقال: # " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " # ومن العلماء من فصل في هذا المقام وقال: التأويل يطلق ويراد به في ~~القرآن معنيان، أحدهما: التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه؛ ~~ومنه قوله تعالى: # وقال يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل # [يوسف: 100] وقوله: # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله # [الأعراف: 53] أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد. فإن أريد بالتأويل ~~هذا فالوقف على الجلالة؛ لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية ~~إلا الله عز وجل؛ ms0354 ويكون قوله: { والراسخون في العلم } مبتدأ ~~و { يقولون آمنا به } خبره. # وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر: وهو التفسير والبيان والتعبير عن ~~الشيء كقوله: # نبئنا بتأويله # [يوسف: 36] أي بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى فالوقف على { ~~والراسخون في العلم } لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا ~~الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى ~~هذا فيكون قوله: { يقولون آمنا به } حالا منهم، وساغ هذا وإن ~~يكون من المعطوف دون المعطوف عليه كقوله: # للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم # [الحشر: 8] - إلى قوله - # يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا # [الحشر: 10] الآية، وقوله تعالى: # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22] أي وجاء الملائكة صفوفا صفوفا. # وقوله تعالى - إخبارا عنهم - أنهم يقولون آمنا به أي المتشابه { كل ~~من عند ربنا } أي الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد ~~منهما يصدق الآخر ويشهد له، لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله ~~بمختلف ولا متضاد، كقوله: # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # [النساء: 82]، ولهذا قال تعالى: { وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب } أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولوا العقول ~~السليمة والفهوم المستقيمة، وقد قال ابن أبي حاتم بسنده: حدثنا عبد ~~الله بن يزيد - وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنسا وأبا ~~أمامة وأبا الدرداء - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين ~~في العلم فقال: # " من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه، فذلك من ~~الراسخين في العلم " # ، وقال الإمام أحمد بسنده: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما ~~يتدارؤون، فقال: # " إنما هلك من كان قبلكم بهذا؛ ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما أنزل ~~كتاب الله ليصدق بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض. فما علمتم منه فقولوا ~~به، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه ". # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " نزل القرآن على سبعة أحرف، ms0355 والمراء في القرآن كفر - قالها ثلاثا - ما ~~عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه جل جلاله " # وقال ابن المنذر في تفسيره عن نافع بن يزيد قال: الراسخون في العلم ~~المتواضعون لله المتذللون لله في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم ولا ~~يحقرون من دونهم. ثم قال تعالى عنهم مخبرا أنهم دعوا ربهم قائلين: { ~~ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } أي لا تملها ~~عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين ~~يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك ~~القويم. { وهب لنا من لدنك رحمة } تثبت بها قلوبنا، وتجمع ~~بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانا وإيقانا { إنك أنت الوهاب ~~}. # عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " # ، ثم قرأ: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ~~وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } وعن ~~أم سلمة، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، سمعتها تحدث أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يكثر من دعائه: # " " اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " ، قالت: قلت: يا رسول الله ~~وإن القلب ليتقلب؟ قال: " نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا أن ~~قلبه بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه ". ~~قلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو به لنفسي، قال: " بلى، قولي: ~~اللهم رب محمد النبي اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن ~~" ". # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو: " يا مقلب القلوب ~~ثبت قلبي على دينك ". قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، ~~فقال: " ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن ~~يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه. أما تسمعي قوله: { ربنا لا ~~تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا ms0356 من لدنك ~~رحمة إنك أنت الوهاب } " # وعن سعيد بن المسيب عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا استيقظ من الليل قال: # " لا إله إلا أنت سبحانك أستغفرك لذنبي، واسألك رحمتك، اللهم زدني ~~علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة. إنك أنت الوهاب ~~". # وقوله تعالى: { ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب ~~فيه } أي يقولون في دعائهم إنك يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم، ~~تفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله، وما كان عليه ~~في الدنيا من خير وشر. ### || [3.10-11] # يخبر تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار: # يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ~~ولهم سوء الدار # [غافر: 52]، وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند ~~الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، كما قال تعالى: # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون # [التوبة: 55]. # وقال تعالى: # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد * ~~متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد # [آل عمران: 196]، وقال ههنا: { إن الذين كفروا } أي بآيات ~~الله، وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه: { لن ~~تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا وأولئك هم وقود النار } أي حطبها الذي تسجر به ~~وتوقد به كقوله: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] الآية. وعن أم الفضل: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة بمكة، فقال: " هل بلغت "؟ ~~يقولها ثلاثا، فقام عمر بن الخطاب - وكان أواها - فقال: اللهم نعم، ~~وحرصت وجهدت، ونصحت فاصبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليظهرن ~~الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال البحار بالإسلام، ~~وليأتين على الناس زمان يقرؤون القرآن فيقرؤونه ويعلمونه، فيقولون: قد ~~قرأنا وقد علمنا فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير ". قالوا: ~~يا رسول الله فمن أولئك؟ قال: " أولئك منكم، أولئك ms0357 هم وقود النار " ". # وقوله تعالى: { كدأب آل فرعون } ، قال ابن عباس: كصنيع آل ~~فرعون، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد والضحاك وغير واحد، ومنهم من يقول: ~~كسنة آل فرعون، وكفعل آل فرعون وكشبه آل فرعون، والألفاظ متقاربة ~~والدأب - بالتسكين والتحريك أيضا كنهر ونهر - وهو الصنيع والحال ~~والشأن والأمر والعادة، كما يقال: لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ ~~القيس: # كدأبك من أم الحويرث قبلها # وجارتها أم الرباب بمأسل # والمعنى: كعادتك في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ~~ورسمها! والمعنى في الآية: إن الكافرين لا تغني عنهم الأموال ولا ~~الأولاد، بل يهلكون ويعذبون، كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين ~~للرسل فيما جاؤوا به من آيات الله وحججه: { والله شديد العقاب ~~} أي شديد الأخذ، أليم العذاب، لا يمتنع منه أحد، ولا يفوته شيء، بل هو ~~الفعال لما يريد الذي قد غلب كل شيء، لا إله غيره ولا رب سواه. ### || [3.12-13] # يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين: { ستغلبون } أي في الدنيا، { ~~وتحشرون } أي يوم القيامة إلى جهنم وبئس المهاد. وقد ذكر محمد بن ~~إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ~~ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق (بني قينقاع) وقال: # " يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا " # فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا ~~لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلق ~~مثلنا، فأنزل الله في ذلك من قولهم: { قل للذين كفروا ~~ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } ، ~~إلى قوله: { لعبرة لأولي الأبصار }. ولهذا قال تعالى: { قد ~~كان لكم آية } أي قد كان لكم أيها اليهود القائلون ما قلتم آية، ~~أي دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته ومعل أمره { ~~في فئتين } أي طائفتين { التقتا } أي للقتال، { فئة ~~تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة } وهم مشركو قريش ~~يوم بدر. وقوله: { يرونهم ms0358 مثليهم رأي العين } ، قال ~~بعض العلماء: يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم، ~~أي جعل الله ذلك فيما رأوه سببا لنصرة الإسلام عليهم. وهذا لا إشكال ~~عليه إلا من جهة واحدة، وهي أن المشركين بعثوا (عمر بن سعد) يومئذ قبل ~~القتال يحزر لهم المسلمين، فأخبرهم بأنهم ثلثمائة يزيدون قليلا أو ~~ينقصون قليلا، وهكذا كان الأمر، كانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلا، ثم لما ~~وقع القتال أمدهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم. # والقول الثاني: أن المعنى في قوله تعالى: { يرونهم مثليهم ~~رأي العين } أي يرى الفئة المسلمة الفئة الكافرة { مثليهم ~~} أي ضعفيهم في العدد ومع هذا نصرهم الله عليهم، والمشهور أنهم كانوا ما ~~بين التسعمائة إلى الألف، وعلى كل تقدير، فقد كانوا ثلاثة أمثال ~~المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول والله أعلم، لكن وجه ابن جرير هذا ~~وجعله صحيحا، كما تقول: عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون محتاجا ~~إلى ثلاثة آلاف كذا قال. وعلى هذا فلا إشكال، لكن بقي سؤال آخر وهو وارد ~~على القولين، وهو ما يقال: ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: في ~~قصة بدر: # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا # [الأنفال: 44] فالجواب: أن هذا كان في حالة، والآخر كان في حالة أخرى، ~~كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: { قد كان لكم آية في ~~فئتين التقتا } الآية. قال: هذا يوم بدر، قد نظرنا إلى المشركين ~~فرأيناهم يضعفون علينا. # ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا. وذلك قوله ~~تعالى: # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم # [الأنفال: 44] الآية. وقال أبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود: لقد قللوا ~~في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي: تراهم سبعين! قال: أراهم مائة، قال: ~~فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا، فعندما عاين كل من ~~الفريقين الآخر رأى المسلمون المشركين مثليهم، أي أكثر منهم بالضعف ~~ليتوكلوا ويتوجهوا، ويطلبوا الإعانة من ربهم ms0359 عز وجل، ورأى المشركون ~~المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع. ثم لما حصل التصاف ~~والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء ~~ليقدم كل منهما على الآخر: # ليقضي الله أمرا كان مفعولا # [الأنفال: 44] أي ليفرق بين الحق والباطل فيظهر كلمة الإيمان على الكفر ~~والطغيان، ويعز المؤمنين ويذل الكافرين، كما قال تعالى: # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة # [آل عمران: 123]، وقال ههنا: { والله يؤيد بنصره من ~~يشآء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } أي: إن في ~~ذلك لعبرة لمن له بصيرة وفهم ليهتدي به إلى حكم الله وأفعاله، وقدره ~~الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ### || [3.14-15] # يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من ~~النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " # فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه ~~مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، وأن ~~خير هذه الأمة من كان أكثرها نساء، وقوله صلى الله عليه وسلم: # " الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، إن نظر إليها سرته، وإن ~~أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله " # وقوله في الحديث الآخر: # " حبب إلي النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة ". # وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا، وتارة يكون ~~لتكثير النسل وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا ~~شريك له، فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث: # " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " # وحب المال كذلك، تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتجبر ~~على الفقراء فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام ~~والقرابات ووجوه البر والطاعات فهذا ممدوح محمود شرعا، وقد اختلف ~~المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها: أنه المال الجزيل ms0360 كما ~~قاله الضحاك وغيره، وقيل: ألف دينار، وقيل: ألف ومائتا دينار، وقيل: اثنا ~~عشر ألفا، وقيل: أربعون ألفا، وقيل: ستون ألفا، وقيل: غير ذلك. # وحب الخيل على ثلاثة أقسام: تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله ~~متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون وتارة تربط فخرا ونواء ~~لأهل الإسلام فهذه على صاحبها وزر. وتارة للتعفف واقتناء نسلها ولم ينس ~~حق الله في رقابها فهذه لصاحبها ستر، كما سيأتي الحديث بذلك إن شاء الله ~~تعالى عند قوله تعالى: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل # [الأنفال: 60] الآية، وأما المسومة: فعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~المسومة الراعية، والمطهمة الحسان، وقال مكحول: المسومة الغرة والتحجيل، ~~وقيل: غير ذلك. وقوله تعالى: { والأنعام } يعني الإبل والبقر ~~والغنم، { والحرث } يعني الأرض المتخذة للغراس والزراعة. وقال ~~الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خير مال امرىء له مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة " # المأمورة الكثيرة النسل، والسكة النخل المصطف، والمأبورة الملقحة. # ثم قال تعالى: { ذلك متاع الحياة الدنيا } أي إنما هذا ~~زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة، { والله عنده ~~حسن المآب } أي حسن المرجع والثواب، قال عمر بن الخطاب: لما نزلت { ~~زين للناس حب الشهوات } قلت: الآن يا رب حين زينتها لنا، ~~فنزلت: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين ~~اتقوا } الآية، ولهذا قال تعالى: { قل أؤنبئكم بخير ~~من ذلكم } أي قل: يا محمد للناس أؤخبركم بخير مما زين للناس في هذه ~~الحياة الدنيا، من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل لا محالة؟ ثم أخبر عن ذلك ~~فقال: { للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار } أي تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع ~~الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك، مما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر { خالدين فيها } أي ماكثين فيها أبد ~~الآباد لا يبغون عنها حولا، { وأزواج مطهرة } أي من الدنس ~~والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا، ms0361 { ~~ورضوان من الله } أي يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعده ~~أبدا، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة: # ورضوان من الله أكبر # [التوبة: 72] أي أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ثم قال تعالى: { ~~والله بصير بالعباد } أي يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء. ### || [3.16-17] # يصف تبارك وتعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل فقال تعالى: ~~{ الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا } أي بك وبكتابك ~~وبرسولك، { فاغفر لنا ذنوبنا } أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا ~~فاغفر لنا ذنوبنا بفضلك ورحمتك { وقنا عذاب النار } ، ثم قال ~~تعالى: { الصابرين } أي في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات، { ~~والصادقين } فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال ~~الشاقة، { والقانتين } والقنوت: الطاعة والخضوع، { ~~والمنفقين } أي من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة ~~الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات، { ~~والمستغفرين بالأسحار } دل على فضيلة الاستغفار وقت ~~الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب عليه السلام لما قال لبنيه: # سوف أستغفر لكم ربي # [يوسف: 98] إنه أخرهم إلى وقت السحر، وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث ~~الليل الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من ~~مستغفر فأغفر له؟ ". # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أوله وأوسطه ~~وآخره، فانتهى وتره إلى السحر " # وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر؟ ~~فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح. وقال ابن جرير، عن ~~إبراهيم بن حاطب، عن أبيه قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو ~~يقول: يا رب أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فنظرت فإذا هو ابن ~~مسعود رضي الله عنه، وعن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل ~~أن نستغفر في آخر السحر سبعين ms0362 مرة. ### || [3.18-20] # شهد تعالى وكفى به شهيدا وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم وأصدق القائلين { ~~أنه لا إله إلا هو } أي المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، ~~وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى: # لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك # [النساء: 166] الآية، ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال: { ~~شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم } ، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام. { ~~قآئما بالقسط } منصوب على الحال وهو في جميع الأحوال كذلك. { ~~لا إله إلا هو } تأكيد لما سبق، { العزيز الحكيم } ~~العزيز الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء { الحكيم } في أقواله ~~وأفعاله وشرعه وقدره. عن الزبير بن العوام قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: { شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } ، ثم قال: ~~وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب. # وعن غالب القطان: قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش، ~~فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر، قام فتهجد من الليل فمر بهذه الآية: { ~~شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم * إن الدين عند الله الإسلام }. ثم ~~قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي ~~عند الله وديعة { إن الدين عند الله الإسلام } قالها ~~مرارا. قلت: لقد سمع فيها شيئا، فغدوت إليه فودعته ثم قلت: يا أبا محمد ~~إني سمعتك تردد هذه الآية، قال: أوما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ ~~شهر لم تحدثني! قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة؛ فأقمت سنة فكنت على ~~بابه، فلما مضت السنة، قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة. قال: حدثني أبو ~~وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: عبدي عهد إلي، وأنا ~~أحق من وفى بالعهد ms0363 أدخلوا عبدي الجنة ". # وقوله تعالى: { إن الدين عند الله الإسلام } إخبار منه ~~تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما ~~بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي سد ~~جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقي الله بعد ~~بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال ~~تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85] الآية، وقال في هذه الآية مخبرا بانحصار الدين المتقبل ~~منه عنده في الإسلام: { إن الدين عند الله الإسلام } ثم ~~أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعدما قامت عليهم ~~الحجة بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال: { وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم ~~العلم بغيا بينهم } أي بغي بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق ~~بتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في ~~جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقا، ثم قال تعالى: { ومن يكفر ~~بآيات الله } أي من جحد ما أنزل الله في كتابه { فإن الله ~~سريع الحساب } أي فإن الله سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه ~~ويعاقبه على مخالفته كتابه. # ثم قال تعالى: { فإن حآجوك } أي جادلوك في التوحيد، { فقل ~~أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } أي فقل أخلصت عبادتي لله ~~وحده لا شريك له، ولا ند له، ولا ولد له ولا صاحبة له. { ومن ~~اتبعن } أي على ديني، يقول كمقالتي كما قال تعالى: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني # [يوسف: 108] الآية، ثم قال تعالى آمرا لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه الله به إلى ~~الكتابيين من المليين والأميين من المشركين، فقال تعالى: { وقل ~~للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن ~~أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ } أي والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، ms0364 وهو الذي يهدي ~~من يشاء ويضل من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. ولهذا قال ~~تعالى: { والله بصير بالعباد } أي هو عليم بمن يستحق الهداية ~~ممن يستحق الضلالة وهو الذي # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء: 23] وما ذلك إلا لحكمته ورحمته. # وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه ~~عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب ~~والسنة في غير ما آية وحديث فمن ذلك قوله تعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158]، وقال تعالى: # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1]، وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة ~~أنه صلى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بني ~~آدم من عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم امتثالا لأمر الله له بذلك، وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ومات ~~ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " بعثت إلى الأحمر والأسود " # ، وقال: # " كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ". # وروى الإمام أحمد، عن أنس رضي الله عنه: # " أن غلاما يهوديا كان يضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءه ويناوله ~~نعليه، فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند ~~رأسه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا فلان قل لا إله إلا الله " ~~، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه. فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر ~~إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأنك رسول الله، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " الحمد ~~لله الذي أخرجه بي من النار " ". ### || [3.21-22] # هذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب. بما ارتكبوه من المآثم والمحارم في ~~تكذيبهم بآيات الله قديما وحديثا، التي ms0365 بلغتهم إياها الرسل استكبارا ~~عليهم، وعنادا لهم وتعاظما على الحق واستنكافا عن اتباعه، ومع هذا ~~قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه، بغير سبب ولا جريمة ~~منهم إليهم إلا لكونهم دعوهم إلى الحق { ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس } وهذا هو غاية الكبر. عن أبي ~~عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: # " قلت: يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: " رجل قتل ~~نبيا، أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر " ، ثم قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: { إن الذين يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم } ~~الآية. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا عبيدة قتلت بنو ~~إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة ~~وسبعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ~~فقتلوهم جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله عز وجل ~~" # وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي ~~من أول النهار وأقاموا سوق بقلهم من آخره، ولهذا لما أن تكبروا عن الحق ~~واستكبروا على الخلق قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، ~~والعذاب المهين في الآخرة، فقال تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم ~~} أي موضع مهين { أولئك الذين حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين }. ### || [3.23-25] # ينكر الله تعالى على اليهود والنصارى، المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم ~~اللذين بأيديهم، وهما (التوراة والإنجيل) إذا دعوا إلى التحاكم إلى ما ~~فيهما من طاعة الله، فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد صلى الله عليه ~~وسلم، تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم والتنويه ~~بذكرهم بالمخالفة والعناد، ثم قال تعالى: { ذلك بأنهم قالوا ~~لن تمسنا النار إلا أياما معدودات } أي إنما حملهم ~~وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم، أنهم إنما ~~يعذبون في النار سبعة أيام ms0366 عن كل ألف سنة في الدنيا يوما، وقد تقدم ~~تفسير ذلك في سورة البقرة، ثم قال تعالى: { وغرهم في دينهم ~~ما كانوا يفترون } أي ثبتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به ~~أنفسهم، من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات، وهم ~~الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم، واختلقوه ولم ينزل الله به سلطانا، ~~قال الله تعالى متهددا لهم ومتوعدا: { فكيف إذا جمعناهم ~~ليوم لا ريب فيه } ، أي كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله ~~وكذبوا رسله وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف ~~والناهين عن المنكر!! والله تعالى سائلهم عن ذلك كله وحاكم عليهم ~~ومجازيهم به، ولهذا قال تعالى: { فكيف إذا جمعناهم ليوم ~~لا ريب فيه }؟ أي: لا شك في وقوعه وكونه، { ووفيت كل ~~نفس ما كسبت وهم لا يظلمون }. ### || [3.26-27] # يقول تبارك وتعالى: { قل } يا محمد معظما لربك وشاكرا له ومفوضا ~~إليه ومتوكلا عليه { اللهم مالك الملك } أي لك الملك كله، { ~~تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء ~~وتعز من تشآء وتذل من تشآء }: أي أنت المعطي وأنت ~~المانع، وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن، وفي هذه الآية تنبيه ~~وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى، على رسوله صلى الله عليه وسلم وهذه ~~الأمة، لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي ~~القرشي خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين الإنس ~~والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصه بخصائص لم يعطها ~~نبيا من الأنبياء، ولا رسولا من الرسل، من العلم بالله وشريعته واطلاعه ~~على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه له عن حقائق الآخرة، ونشر أمته في ~~الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان ~~والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين ما تعاقب الليل ~~والنهار، ولهذا قال تعالى: { قل اللهم مالك الملك } الآية، ~~أي: أنت المتصرف في خلقك الفعال لما تريد، كما رد تعالى على من يحكم ~~عليه في أمره حيث ms0367 قال: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]، قال الله ردا عليهم: # أهم يقسمون رحمت ربك # [الزخرف: 32] الآية، أي: نحن نتصرف فيما خلقنا كما نريد، بلا ممانع ولا ~~مدافع، ولنا الحكمة البالغة والحجة التامة في ذلك، وهكذا يعطي النبوة لمن ~~يريد، كما قال تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. وقال تعالى: # انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض # [الإسراء: 21] الآية. # وقوله تعالى: { تولج الليل في النهار وتولج النهار ~~في الليل } أي تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم ~~تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة ربيعا ~~وصيفا وخريفا وشتاء. # وقوله تعالى: { وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي } أي تخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، ~~والنخلة من النواة والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر والكافر من ~~المؤمن، والدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من ~~جميع الأشياء: { وترزق من تشآء بغير حساب } أي تعطي من ~~شئت من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين لما لك في ~~ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة. عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران { ~~قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } ~~". ### || [3.28] # نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم ~~أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعدهم على ذلك فقال ~~تعالى: { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } أي ~~ومن يرتكب نهي الله من هذا فقد برىء من الله، كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أوليآء تلقون إليهم بالمودة # [الممتحنة: 1] - إلى أن قال - # ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء السبيل # [الممتحنة: 1]، وقال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا ms0368 لا تتخذوا الكافرين ~~أوليآء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا ~~لله عليكم سلطانا مبينا # [النساء: 144]، وقال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أوليآء بعضهم أوليآء بعض ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم # [المائدة: 51] الآية. وقوله تعالى: { إلا أن تتقوا منهم ~~تقاة } ، أي إلا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم، فله أن ~~يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء إنه قال: ~~" إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم ". وقال الثوري، قال ابن عباس: ~~ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، ويؤيده قول الله تعالى: # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان # [النحل: 106] الآية. ثم قال تعالى: { ويحذركم الله نفسه ~~} أي يحذركم نقمته في مخالفته وسطوته، وعذابه لمن والى أعداءه وعادى ~~أولياءه، ثم قال تعالى: { وإلى الله المصير } أي إليه المرجع ~~والمنقلب ليجازي كل عامل بعمله. ### || [3.29-30] # يخبر تبارك وتعالى عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا ~~يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والأزمان، ~~والأيام واللحظات وجميع الأوقات، وجميع ما في الأرض والسماوات، لا يغيب ~~عنه مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار، والجبال، { ~~والله على كل شيء قدير } أي وقدرته نافذة في جميع ذلك. ~~وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، لئلا يرتكبوا ما نهى عنه وما ~~يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، ~~وإن أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال ~~بعد هذا: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ~~محضرا } الآية، يعني يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر ~~كما قال تعالى: # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13] فما رأى من أعماله حسنا سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ~~ساءه وغصه، وود لو أنه تبرأ منه وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول ~~لشيطانه الذي كان مقرونا به في الدنيا، وهو الذي جرأه ms0369 على فعل السوء: # يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس ~~القرين # [الزخرف: 38]، ثم قال تعالى مؤكدا ومهددا ومتوعدا: { ويحذركم ~~الله نفسه } أي يخوفكم عقابه، ثم قال: جل جلاله مرجيا لعباده ~~لئلا ييأسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه: { والله رؤوف بالعباد ~~} قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه وقال غيره: أي رحيم بخلقه ~~يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم، وأن يتبعوا رسوله ~~الكريم. ### || [3.31-32] # هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة ~~المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي، ~~والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # ، ولهذا قال: { إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله } أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو ~~محبته إياكم وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء والحكماء: ليس الشأن ~~أن تحب إنما الشأن أن تحب، وقال الحسن البصري: زعم قوم أنهم يحبون الله ~~فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: { قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله }. عن عروة عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله؟ قال الله تعالى: { قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني } ". # ثم قال تعالى: { ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ~~رحيم } أي باتباعكم الرسول صلى الله عليه وسلم، يحصل لكم هذا من بركة ~~سفارته، ثم قال تعالى آمرا لكل أحد من خاص وعام: { قل أطيعوا ~~الله والرسول فإن تولوا } أي تخالفوا عن أمره، { فإن ~~الله لا يحب الكافرين } فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، ~~والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب ~~إليه، حتى يبايع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع ~~الثقلين الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون ms0370 بل أولو العزم ~~منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته واتباع شريعته، كما ~~سيأتي تقريره عند قوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين # [آل عمران: 81] الآية، إن شاء الله تعالى. ### || [3.33-34] # يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى { ءادم ~~} عليه السلام خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه ~~أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة؛ ~~واصطفى { نوحا } عليه السلام، وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض، لما ~~عبد الناس الأوثان وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وانتقم له لما ~~طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، سرا وجهارا، ~~فلم يزدهم ذلك إلا فرارا، فدعا عليهم فأغرقهم الله عن آخرهم، لم ينج ~~منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به، واصطفى { وآل ~~إبراهيم } ومنهم سيد البشر خاتم الأنبياء على الإطلاق محمد صلى الله ~~عليه وسلم، { وآل عمران } والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت ~~عمران أم عيسى ابن مريم عليه السلام، فعيسى عليه السلام من ذرية إبراهيم ~~كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى. ### || [3.35-36] # امرأة عمران هذه هي أم مريم عليها السلام وهي (حنة بنت فاقوذ)، قال محمد ~~بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل فرأت يوما طائرا يزق فرخه، فاشتهت الولد ~~فدعت الله تعالى أن يهبها ولدا، فاستجاب الله دعاءها فواقعها زوجها ~~فحملت منه، فلما تحققت الحمل نذرت أن يكون محررا، أي خالصا مفرغا ~~للعبادة لخدمة بيت المقدس، فقالت: يا رب { إني نذرت لك ما في ~~بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع ~~العليم } أي السميع لدعائي العليم بنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها ~~أذكرا أم أنثى، { فلما وضعتها قالت رب إني ~~وضعتهآ أنثى والله أعلم بما وضعت وليس ~~الذكر كالأنثى } أي في القوة. والجلد في العبادة، وخدمة المسجد ~~الأقصى. { وإني سميتها مريم } فيه دليل على جواز التسمية ~~يوم الولادة كما هو الظاهر ms0371 من السياق لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقررا ~~وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: # " ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم " # أخرجاه، وكذلك ثبت فيهما أن أنس بن مالك ذهب بأخيه حين ولدته أمه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنكه وسماه (عبد الله). وفي صحيح البخاري: # " أن رجلا قال: يا رسول الله ولد لي الليلة ولد فما أسميه؟ قال: " سم ~~ابنك عبد الرحمن " # فأما حديث قتادة عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " كل غلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم السابع ويسمى ويحلق رأسه " # فقد رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي. # وقوله تعالى إخبارا عن أم مريم أنها قالت: { وإني أعيذها بك ~~وذريتها من الشيطان الرجيم } أي عوذتها بالله عز ~~وجل من شر الشيطان، وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى عليه السلام، فاستجاب ~~الله لها ذلك. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مسه إياه ~~إلا مريم وابنها " # ، ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: { وإني أعيذها بك ~~وذريتها من الشيطان الرجيم } وعن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى ابن مريم ~~ومريم " # ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وإني أعيذها بك ~~وذريتها من الشيطان الرجيم }. ### || [3.37] # يخبر ربنا تعالى أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه أنبتها نباتا حسنا أي ~~جعلها شكلا مليحا ومنظرا بهيجا، ويسر لها أسباب القبول، وقرنها ~~بالصالحين من عباده، تتعلم منهم العلم والخير والدين، فلهذا قال: { ~~وكفلها زكريا } بتشديد الفاء ونصب زكريا على المفعولية أي ~~جعله كافلا لها، قال ابن إسحاق: وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة، وذكر غيره ~~أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب فكفل زكريا مريم لذلك ولا منافاة بين ~~القولين والله أعلم، وإنما ms0372 قدر الله كون زكريا كفلها لسعادتها، لتقتبس ~~منه علما جما وعملا صالحا، ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن ~~إسحاق وابن جرير وغيرهما، وقيل: زوج أختها كما ورد في الصحيح: " فإذا ~~بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة " وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك ~~أيضا توسعا، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها، وقد ثبت في الصحيح أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قضى في (عمارة بنت حمزة) أن تكون في حضانة ~~خالتها امرأة (جعفر بن أبي طالب) وقال: " الخالة بمنزلة الأم ". ثم أخبر ~~تعالى عن سيادتها وجلادتها في محل عبادتها فقال: { كلما دخل ~~عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا } ، قال ~~مجاهد وعكرمة والسدي: يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة ~~الشتاء في الصيف، وعن مجاهد: { وجد عندها رزقا } أي علما، ~~والأول أصح وفيه دلالة على كرامات الأولياء، وفي السنة لهذا نظائر كثيرة، ~~فإذا رأى زكريا هذا عندها { قال يمريم أنى لك هذا } أي ~~يقول: من أين لك هذا؟ { قالت هو من عند الله إن الله ~~يرزق من يشآء بغير حساب }. # عن جابر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم طعاما، حتى شق ~~ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئا، فأتى ~~فاطمة فقال: " يا بنية هل عندك شيء آكله فإني جائع؟ " قالت: لا والله - ~~بأبي أنت وأمي - فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة ~~لحم، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي، وكانوا جمعا محتاجين إلى شبعة ~~طعام، فبعثت حسنا - أو حسينا - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع ~~إليها، فقالت: بأبي أنت وأمي قد أتى الله بشيء فخبأته لك، قال: " هلمي يا ~~بنية " ، قالت: فأتيته بالجفنة فكشفت عنها فإذا هي مملوءة خبزا ولحما، ~~فلما نظرت إليها بهت وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله وصليت على ~~نبيه، وقدمته إلى رسول الله ms0373 صلى الله عليه وسلم فلما رآه حمد الله، ~~وقال: " من أين لك هذا يا بنية "؟ قالت: يا أبت: { هو من عند ~~الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } فحمد ~~الله، وقال: " الحمد لله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل ~~فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا وسئلت عنه قالت: هو من عند الله، إن ~~الله يرزق من يشاء بغير حساب " # ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي ثم أكل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأكل علي وفاطمة وحسن وحسين، وجميع أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأهل بيته حتى شبعوا جميعا قالت: وبقيت الجفنة كما هي. قالت: ~~فأوسعت ببقيتها على جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرا كثيرا. ### || [3.38-41] # لما رأى زكريا عليه السلام أن الله يرزق مريم عليها السلام فاكهة الشتاء ~~في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، وإن كان شيخا ~~كبيرا قد وهن منه العظم، واشتعل الرأس شيبا، وكانت امرأته مع ذلك كبيرة ~~وعاقرا، ولكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه خفيا، وقال: { رب هب لي ~~من لدنك } أي من عندك { ذرية طيبة } أي ولدا صالحا { ~~إنك سميع الدعآء }. قال تعالى: { فنادته الملائكة ~~وهو قائم يصلي في المحراب } أي خاطبته الملائكة شفاها ~~خطابا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خلوته ومجلس مناجاته ~~وصلاته، ثم أخبر تعالى عما بشرته به الملائكة: { أن الله ~~يبشرك بيحيى } أي بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال ~~قتادة: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان. وقوله: { مصدقا ~~بكلمة من الله }. روى العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: { ~~مصدقا بكلمة من الله } أي بعيسى ابن مريم، وقال الربيع ~~بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم، وقال ابن جريج: قال ابن عباس: كان ~~يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد في بطني يسجد ~~للذي في بطنك فذلك تصديقه له في بطن أمه، وهو أول من صدق ms0374 عيسى وكلمة الله ~~عيسى، وهو أكبر من عيسى عليه السلام وهكذا قال السدي أيضا. # وقوله تعالى: { وسيدا } قال أبو العالية: حليما، وقال قتادة: ~~سيدا في العلم والعبادة، وقال ابن عباس: السيد الحليم التقي، وقال ابن ~~المسيب: هو الفقيه العالم، وقال عطية: السيد في خلقه ودينه، وقال ابن ~~زيد: هو الشريف، وقال مجاهد: هو الكريم على الله عز وجل. # وقوله تعالى: { وحصورا } روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد أنهم ~~قالوا: الذي لا يأتي النساء، وعن أبي العالية والربيع بن أنس: هو الذي لا ~~يولد له ولا ماء له، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ليس أحد من خلق ~~الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا، ثم قرأ سعيد { وسيدا ~~وحصورا } ، ثم أخذ شيئا من الأرض فقال: الحصور من كان ذكره مثل ذا. # وقد قال " القاضي عياض " في كتابه " الشفاء ": اعلم أن ثناء الله تعالى ~~على يحيى أنه كان { حصورا } ليس كما قاله بعضهم إنه كان هيوبا أو لا ~~ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه ~~نقيصة وعيب ولا يليق بالأنبياء عليهم السلام، وإنما معناه أنه معصوم من ~~الذنوب أي لا يأتيها كأنه حصور عنها، وقيل: مانعا نفسه من الشهوات، ~~وقيل: ليست له شهوة في النساء، وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على ~~النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم يمنعها، إما بمجاهدة كعيسى، ~~أو بكفاية من الله عز وجل كيحيى عليه السلام، ثم هي في حق من قدر عليها ~~- وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه - درجة عليا، وهي درجة نبينا صلى ~~الله عليه وسلم الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة ~~بتحصينهن، وقيامه عليهن وإكسابه لهن وهدايته إياهن، بل قد صرح أنها ليست ~~من حظوظ دنياه هو وإن كانت من حظوظ دنيا غيره فقال: " حبب إلي من دنياكم ~~". # هذا لفظه، والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل ~~معناه كما ms0375 قاله هو وغيره: أنه معصوم من الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك ~~من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له ~~من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: { هب لي من لدنك ذرية ~~طيبة } كأنه قال ولدا له ذرية ونسل وعقب، والله سبحانه تعالى أعلم. # قوله تعالى: { ونبيا من الصالحين } ، هذه بشارة ثانية ~~بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى، كقوله لأم موسى: # إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7]. فلما تحقق زكريا عليه السلام هذه البشارة، أخذ يتعجب من ~~وجود الولد منه بعد الكبر، { قال رب أنى يكون لي غلام ~~وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال }: أي الملك، { ~~كذلك الله يفعل ما يشآء } أي هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه ~~شيء ولا يتعاظمه أمر، { قال رب اجعل لي آية } أي علامة ~~أستدل بها على وجود الولد مني، { قال آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاثة أيام إلا رمزا }: أي إشارة لا تستطيع النطق ~~مع أنك سوي صحيح، كما في قوله: { ثلاث ليال سويا } ، ثم أمره ~~بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال، فقال تعالى: { واذكر ~~ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار }. ### || [3.42-44] # هذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم عليها السلام، عن ~~أمر الله لهم بذلك أن الله قد اصطفاها، أي اختارها لكثرة عبادتها ~~وزهادتها، وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس، واصطفاها ثانيا مرة بعد ~~مرة لجلالتها على نساء العالمين، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج ~~في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط " # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد " # وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خير نساء العالمين أربع، مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة ~~بنت خويلد، وفاطمة بنت ms0376 رسول الله ". # وفي البخاري: # " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ~~بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " # ثم أخبر تعالى عن الملائكة أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع ~~والسجود، والدأب في العمل لما يريد الله بها من الأمر الذي قدره الله ~~وقضاه، مما فيه محنة لها ورفعة في الدارين، بما أظهر الله فيها من قدرته ~~العظيمة، حيث خلق منها ولدا من غير أب، فقال تعالى: { يمريم ~~اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين }. أما ~~القنوت فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى: # وله من في السموت والأرض كل له قانتون # [الروم: 26]. وقال مجاهد: كانت مريم عليها السلام تقوم حتى تتورم ~~كعباها، والقنوت هو طول الركوع في الصلاة، يعني امتثالا لقول الله ~~تعالى: { يمريم اقنتي لربك } قال الحسن: يعني اعبدي لربك { ~~واسجدي واركعي مع الراكعين } أي كوني منهم: ثم قال لرسوله ~~بعدما أطلعه على جلية الأمر: { ذلك من أنبآء الغيب نوحيه ~~إليك } أي نقصه عليك، { وما كنت لديهم } أي ما كنت عندهم يا ~~محمد، فتخبرهم عن معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك، كأنك حاضر ~~وشاهد لما كان من أمرهم، حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها وذلك ~~لرغبتهم في الأجر. # قال ابن جرير عن عكرمة: ثم خرجت أم مريم بها، يعني بمريم في خرقها إلى ~~بني الكاهن بن هارون أخي موسى عليهما السلام - وهم يومئذ يلون من بيت ~~المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة - فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فإني ~~حررتها، وهي أنثى ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي، ~~فقالوا: هذه ابنة إمامنا - وكان عمران يؤمهم في الصلاة - وصاحب قرباننا ~~فقال زكريا: ادفعوها لي فإن خالتها تحتي، فقالوا: لا تطيب أنفسنا هي ابنة ~~إمامنا، فذلك حين اقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة، ~~فقرعهم زكريا فكفلها. وقد ذكر عكرمة والسدي وقتادة أنهم ذهبوا إلى نهر ~~الأردن واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فأيهم يثبت في ms0377 جرية الماء ~~فهو كافلها فألقوا أقلامهم فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت، ~~ويقال: إنه ذهب صاعدا يشق جرية الماء، وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم ~~وعالمهم وإمامهم ونبيهم صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين. ### || [3.45-47] # هذه بشارة من الملائكة لمريم عليها السلام، بأنه سيوجد منها ولد عظيم له ~~شأن كبير، قال الله تعالى: { إذ قالت الملائكة يمريم ~~إن الله يبشرك بكلمة منه } أي بولد يكون وجوده ~~بكلمة من الله، أي يقول له كن فيكون، وهذا تفسير قوله: # مصدقا بكلمة من الله # [آل عمران: 39] كما ذكره الجمهور على ما سبق بيانه، { اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم } أي يكون هذا مشهورا في الدنيا يعرفه ~~المؤمنون بذلك، وسمي المسيح - قال بعض السلف -: لكثرة سياحته، وقيل: لأنه ~~كان مسيح القدمين لا أخمص لهما، وقيل: لأنه كان إذا مسح أحدا من ذوي ~~العاهات برىء بإذن الله تعالى. # وقوله تعالى: { عيسى ابن مريم } نسبة إلى أمه حيث لا أب له، { ~~وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين } أي له ~~وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينزله ~~عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه الله به، وفي الدار الآخرة يشفع عند ~~الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم صلوات الله ~~وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وقوله: { ويكلم الناس في المهد ~~وكهلا } أي يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره، معجزة ~~وآية، وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه: { ومن الصالحين } أي ~~في قوله وعمله له علم صحيح وعمل صالح. وقال ابن أبي حاتم: عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لم يتكلم في المهد إلا ثلاث، عيسى، وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر " # فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن الله عز وجل، قالت في مناجاتها: ~~{ رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر }؟ تقول: ~~كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج، ولا من عزمي أن أتزوج، ms0378 ولست ~~بغيا حاشا لله! فقال لها الملك عن الله عز وجل في جواب ذلك السؤال { ~~كذلك الله يخلق ما يشآء } أي هكذا أمر الله عظيم، لا ~~يعجزه شيء، وصرح ههنا بقوله: { يخلق ما يشآء } ، ولم يقل يفعل ~~كما في قصة زكريا، بل نص ههنا على أنه يخلق لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكد ~~ذلك بقوله: { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون } أي فلا يتأخر شيئا، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة كقوله: # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر: 50] أي إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها، فيكون ذلك الشيء ~~سريعا كلمح البصر. ### || [3.48-51] # يقول تعالى مخبرا عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى عليه ~~السلام: إن الله يعلمه الكتاب والحكمة، الظاهر أن المراد بالكتاب ههنا ~~الكتابة، والحكمة تقدم تفسيرها في سورة البقرة، والتوراة والإنجيل. ~~فالتوراة هو الكتاب الذي أنزل على موسى بن عمران، والإنجيل الذي أنزل على ~~عيسى بن مريم عليهما السلام؛ وقد كان عيسى عليه السلام يحفظ هذا. وقوله: ~~{ ورسولا إلى بني إسرائيل } قائلا لهم: { أني قد ~~جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من ~~الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا ~~بإذن الله } وكذلك كان يفعل: يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخ فيه ~~فيطير عيانا بإذن الله عز وجل الذي جعل هذا معجزة له تدل على أنه ~~أرسله، { وأبرىء الأكمه } ، قيل: الأعشى، وقيل: الأعمش، وقيل: ~~هو الذي يولد أعمى، وهو أشبه لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي { ~~والأبرص } معروف، { وأحي الموتى بإذن الله }. قال ~~كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه، فكان ~~الغالب على زمان موسى عليه السلام السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله ~~بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم ~~الجبار، انقادوا للإسلام وصاروا من عباد الله الأبرار، وأما عيسى عليه ~~السلام فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا ~~سبيل لأحد إليه ألا أن يكون مؤيدا من الذي ms0379 شرع الشريعة، فمن أين ~~للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعث من ~~هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم بعث في ~~زمان الفصحاء والبلغاء وتجاويد الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله عز وجل، ~~فلو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله، أو ~~بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا ~~أن كلام الرب عز وجل لا يشبه كلام الخلق أبدا. # وقوله تعالى: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون ~~في بيوتكم } أي أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر له في بيته ~~لغد، { إن في ذلك } أي في ذلك كله، { لآية لكم } أي على ~~صدقي فيما جئتكم به، { إن كنتم مؤمنين * ومصدقا لما ~~بين يدي من التوراة } أي مقررا لها ومثبتا، { ولأحل ~~لكم بعض الذي حرم عليكم } فيه دلالة على أن عيسى عليه ~~السلام نسخ بعض شريعة التوراة وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من ~~قال: لم ينسخ منها شيئا، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه، كما ~~قال في الآية الأخرى: # ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه # [الزخرف: 63] والله أعلم. ثم قال: { وجئتكم بآية من ~~ربكم } أي بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم، { فاتقوا ~~الله وأطيعون * إن الله ربي وربكم فاعبدوه } ~~أي أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه { هذا ~~صراط مستقيم }. ### || [3.52-54] # يقول تعالى: { فلمآ أحس عيسى } أي استشعر منهم التصميم على ~~الكفر والاستمرار على الضلال، قال: { من أنصاري إلى الله }؟ ~~قال مجاهد: أي من يتبعني إلى الله، وقال سفيان الثوري: أي من أنصاري مع ~~الله، وقول مجاهد أقرب، والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله، ~~كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر: # " من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ~~ربي " # حتى وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فواسوه ms0380 ومنعوه من الأسود ~~والأحمر، رضي الله عنهم وأرضاهم. وهكذا عيسى ابن مريم عليه السلام انتدب ~~له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به ووازروه ونصروه، واتبعوا النور الذي ~~أنزل معه؛ ولهذا قال الله تعالى مخبرا عنهم: { قال الحواريون ~~نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا ~~مسلمون * ربنآ آمنا بمآ أنزلت واتبعنا ~~الرسول فاكتبنا مع الشاهدين } ، الحواريون قيل: كانوا ~~قصارين، وقيل: سموا بذلك لبياض ثيابهم، وقيل: صيادين، والصحيح أن ~~الحواري: الناصر كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما ندب الناس يوم الأحزاب فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير رضي ~~الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لكل نبي حواري، وحواري الزبير ". # عن ابن عباس في قوله تعالى: { فاكتبنا مع الشاهدين } قال: ~~مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا إسناد جيد، ثم قال تعالى مخبرا عن ~~ملأ بني إسرائيل، فيما هموا به من الفتك بعيسى عليه السلام، وإرادته ~~بالسوء والصلب، حين تمالؤا عليه ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان - وكان ~~كافرا - أن هنا رجلا يضل الناس، ويصدهم عن طاعة الملك، ويفسد الرعايا، ~~ويفرق بين الأب وابنه، إلى غير ذلك، مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من ~~الكذب، وأنه ولد زنية، حتى استثاروا غضب الملك بعث في طلبه من يأخذه ~~ويصلبه وينكل به، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به تجاه الله ~~تعالى من بينهم، ورفعه من روزنة ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه ~~على رجل ممن كان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل { ~~عيسى } فأخذوه وأهانوه وصلبوه ووضعوا على رأسه الشوك، وكان هذا من مكر ~~الله بهم، فإنه نجى نبيه ورفعه من بين أظهرهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون، ~~يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعنادا للحق ~~ملازما لهم، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد، ولهذا قال تعالى: { ~~ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين }. ### || [3.55-58] # اختلف المفسرون في قوله تعالى: { إني متوفيك ورافعك ~~إلي } ، فقال قتادة: ms0381 هذا من المقدم والمؤخر تقديره إني رافعك إلي ~~ومتوفيك، يعني بعد ذلك. وقال ابن عباس: إني متوفيك أي مميتك، وقال وهب بن ~~منبه: توفاه الله ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه إليه، قال مطر ~~الوراق: إني متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت، وكذا قال ابن جرير: توفيه ~~هو رفعه. وقال الأكثرون: المراد بالوفاة ههنا النوم، كما قال تعالى: # وهو الذي يتوفاكم باليل # [الأنعام: 60] الآية، وقال تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها # [الزمر: 42] الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من ~~النوم: # " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا " # الحديث. وعن الحسن أنه قال في قوله تعالى: { إني متوفيك } يعني ~~وفاة المنام رفعه الله في منامه. وقوله تعالى: { ومطهرك من ~~الذين كفروا } أي برفعي إياك إلى السماء، { وجاعل الذين ~~اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } ، ~~وهكذا وقع فإن المسيح عليه السلام لما رفعه الله إلى السماء، تفرقت ~~أصحابه شيعا بعده، فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ~~ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو ~~الله، وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة، وقد حكى الله مقالتهم في القرآن ورد ~~على كل فريق، فاستمروا على ذلك قريبا من ثلثمائة سنة. # ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له: (قسطنطين) فدخل في دين ~~النصرانية قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفا، وقيل: جهلا منه، إلا ~~أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين ~~والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة، وأحل في زمانه لحم الخنزير، ~~وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع، وزاد في ~~صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح (دين ~~قسطنطين). إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما ~~يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه طائفة ~~الملكية منهم، وهم في هذا كله قاهرون لليهود، ms0382 أيده الله عليهم لأنه أقرب ~~إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفارا عليهم لعائن الله، فلما بعث الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله على الوجه الحق، فكانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض، إذ قد ~~صدقوا النبي الأمي العربي خاتم الرسل وسيد ولد آدم على الإطلاق، الذي ~~دعاهم إلى التصديق بجميع الحق فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون ~~أنهم على ملته وطريقته مما قد حرفوا وبدلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك ~~لكان قد نسخ الله شريعة جميع الرسل بما بعث الله به محمدا صلى الله عليه ~~وسلم من الدين الحق الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال ~~قائما منصورا ظاهرا على كل دين، فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ~~ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى ~~وقصروا قيصر، وسلبوهما كنوزهما وأنفقت في سبيل الله، كما أخبرهم بذلك ~~نبيهم عن ربهم عز وجل في قوله: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا ~~يشركون بي شيئا # [النور: 55] الآية. فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقا سلبوا ~~النصارى بلاد الشام وألجؤهم إلى الروم فلجأوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ~~ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. # وقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أمته بأن آخرهم سيفتحون ~~القسطنطينية ويستفيئون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة ~~جدا لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها، وقد جمعت في هذا جزءا ~~مفردا، ولهذا قال تعالى: { وجاعل الذين اتبعوك فوق ~~الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي ~~مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ~~* فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في ~~الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين } ، وكذلك فعل بمن ~~كفر بالمسيح من اليهود أو غلا فيه أو أطراه من النصارى، عذبهم في ms0383 الدنيا ~~بالقتل والسبي وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك وفي الدار الآخرة ~~عذابهم أشد وأشق # وما لهم من الله من واق # [الرعد: 34]، { وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيوفيهم أجورهم } أي في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر ~~والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات { والله لا يحب ~~الظالمين }. # ثم قال تعالى: { ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر ~~الحكيم } أي هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده ~~وكيفية أمره، هو مما قاله تعالى وأوحاه إليك، ونزله عليك من اللوح ~~المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم: # ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه ~~يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه ~~إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون # [الآية: 34-35]، وههنا قال تعالى: { إن مثل عيسى عند ~~الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون... }. ### || [3.59-63] # يقول جل وعلا: { إن مثل عيسى عند الله } في قدرة الله ~~حيث خلقه من غير أب { كمثل ءادم } حيث خلقه من غير أب ولا أم، بل ~~{ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون }. فالذي خلق آدم ~~من غير أب قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء ~~البنوة في عيسى لكونه مخلوقا من غير أب فجواز ذلك في آدم بالطريق ~~الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواهم في عيسى أشد بطلانا وأظهر ~~فسادا، ولكن الرب جل جلاله أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ~~ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، ~~كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: # ولنجعله آية للناس # [الآية: 21]، وقال ههنا: { الحق من ربك فلا تكن من ~~الممترين } أي هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا ~~صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال! ثم قال تعالى آمرا رسوله صلى ~~الله عليه وسلم أن يباهل ms0384 من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان: { ~~فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم فقل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبنآءكم ونسآءنا ~~ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم } أي نحضرهم في حال المباهلة ~~{ ثم نبتهل } أي نلتعن { فنجعل لعنت الله على ~~الكاذبين } أي منا ومنكم. يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من ~~البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة ردا عليهم. قال ابن ~~إسحاق في سيرته: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى من ~~نجران ستون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم ~~فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في جمال ~~رجال بني الحارث بن كعب قال - يقول من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم - وقد حانت صلاتهم فقالوا في مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعوهم " ~~، فصلوا إلى المشرق. قال: فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو ~~حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والأيهم - وهم من النصرانية على دين ~~الملك مع اختلاف أمرهم - يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ~~ويقولون: هو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وكذلك ~~النصرانية فهم يحتجون في قولهم هو الله بأنه كان يحيي الموتى ويبرىء ~~الأكمه والأبرص والأسقام ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ~~فينفخ فيه فيكون طيرا، وذلك كله بأمر الله. # وليجعله الله آية للناس، ويحتجون في قولهم بأنه ابن الله يقولون: لم يكن ~~له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم قبله، ~~ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا، وأمرنا، ~~وخلقنا، وقضينا، وفيقولون لو كان واحدا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت ~~وخلقت، ولكنه هو عيسى ومريم - تعالى الله وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون ~~والجاحدون علوا كبيرا - وفي كل ذلك من قولهم: قد نزل القرآن. # فلما كلمه الحبران قال لهما رسول ms0385 الله صلى الله عليه وسلم: " أسلما " ، ~~قال: قد أسلمنا. قال " إنكما لم تسلما فأسلما ". قالا: بلى، قد أسلمنا ~~قبلك، قال: " كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولدا وعبادتكما ~~الصليب وأكلكما الخنزير " ، قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف ~~أمرهم صدر سورة (آل عمران) إلى بضع وثمانين آية منها. ثم تكلم ابن إسحاق ~~على تفسيرها إلى أن قال: فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من ~~الله والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ~~ذلك عليه دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم ~~نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، ثم انصرفوا عنه، ثم خلوا ~~بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا ~~معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر ~~صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ولا نبت ~~صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم أبيتم إلا إلف دينكم ~~والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا ~~إلى بلادكم. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم قد ~~رأينا أن لا نلاعنك، ونتركك على دينك ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا ~~رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا ~~فإنكم عندنا رضا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين " # ، فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها ~~يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرا، فلما صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الظهر سلم، ثم نظر عن يمينه وشماله فجعلت أتطاول ~~له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه، ~~فقال: # " اخرج معهم فاقض بينهم بالحق ms0386 فيما اختلفوا فيه " # ، قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة رضي الله عنه. # وقال البخاري، عن حذيفة رضي الله عنه قال: # " جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان ~~نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما ~~سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا، فقال: " ~~لأبعثن معكم رجلا أمينا، حق أمين " فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: " قم يا أبا عبيدة بن الجراح " ، فلما قام قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا أمين هذه الأمة " # وفي الحديث عن ابن عباس # " قال: قال أبو جهل قبحه الله: إن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لآتينه ~~حتى أطأ على رقبته. قال: فقال: " لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن ~~اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين ~~يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا " ~~". # والغرض أن وفودهم كان في سنة تسع لأن الزهري قال: كان أهل نجران أول من ~~أدى الجزية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآية الجزية إنما أنزلت ~~بعد الفتح، وهي قوله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # [التوبة: 29] الآية. وقال أبو بكر بن مردويه، عن جابر: # " قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب والطيب فدعاهما إلى ~~الملاعنة، فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا أن ~~يجيبا وأقرا له بالخراج، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~والذي بعثني بالحق لو قالا: لا لأمطر عليهم الوادي نارا " # قال جابر: وفيهم نزلت: { ندع أبناءنا وأبنآءكم ~~ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم }. # ثم قال تعالى: { إن هذا لهو القصص الحق } أي هذا الذي ~~قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل ms0387 عنه ولا محيد، { ~~وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز ~~الحكيم * فإن تولوا } أي عن هذا إلى غيره، { فإن الله ~~عليم بالمفسدين } أي من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد، ~~والله عليم به وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر الذي لا يفوته شيء ~~سبحانه وبحمده، ونعوذ به من حلول نقمته. ### || [3.64] # هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم، { قل ~~يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة } ، والكلمة تطلق على ~~الجملة المفيدة كما قال ههنا، ثم وصفها بقوله: { سوآء بيننا ~~وبينكم } أي عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: { ~~ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } لا وثنا ~~ولا صليبا ولا صنما ولا طاغوتا ولا نارا ولا شيئا، بل نفرد العبادة ~~لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل. قال الله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36]، ثم قال تعالى: { ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله } قال ابن جريج: يعني يطيع بعضنا بعضا في ~~معصية الله، وقال عكرمة: يسجد بعضنا لبعض، { فإن تولوا ~~فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } أي فإن تولوا عن هذا النصف ~~وهذه الدعوة فاشهدوا أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم، ~~وقد ذكرنا في شرح البخاري عن أبي سفيان في قصته حين دخل على قيصر، فسأله ~~عن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صفته ونعته وما يدعو إليه، ~~فأخبره بجميع ذلك على الجلية، ثم جيء بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقرأه فإذا فيه: # " بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، ~~سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك ~~مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين، و { يأهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد ms0388 إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا ~~فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } ". ### || [3.65-68] # ينكر تبارك وتعالى على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل ~~عليه السلام ودعوى كل طائفة منهم، أنه كان منهم، كما قال ابن عباس رضي ~~الله عنه: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت ~~النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله تعالى: { يأهل ~~الكتاب لم تحآجون في إبراهيم } الآية. أي: كيف تدعون ~~أيها اليهود أنه كان يهوديا، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على ~~موسى؟ وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيا، وإنما حدثت النصرانية ~~بعد زمنه بدهر؟ ولهذا قال تعالى: { أفلا تعقلون }؟ ثم قال تعالى: ~~{ هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم ~~تحآجون فيما ليس لكم به علم }؟ هذا إنكار على من يحاج ~~فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو ~~تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين ~~بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا ~~يعلمون، فأنكر الله عليهم ذلك وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم ~~الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها، ولهذا قال تعالى: ~~{ والله يعلم وأنتم لا تعلمون }. # ثم قال تعالى: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما } أي متحنفا عن الشرك ~~قاصدا إلى الإيمان، { وما كان من المشركين } ، وهذه الآية ~~كالتي تقدمت في سورة البقرة: # وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا # [الآية: 135] الآية، ثم قال تعالى: { إن أولى الناس ~~بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين } ، يقول تعالى: أحق الناس ~~بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه { وهذا النبي } ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين ~~والأنصار ومن تبعهم بعدهم. عن عبد الله ms0389 بن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن لكل نبي ولاية من النبيين وإن وليي منهم - أبي وخليل ربي عز وجل ~~- إبراهيم عليه السلام " # ، ثم قرأ: { إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا } الآية، وقوله: ~~{ والله ولي المؤمنين } أي ولي جميع المؤمنين برسله. ### || [3.69-74] # يخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين وبغيهم إياهم الإضلال، وأخبر أن وبال ~~ذلك إنما يعود على أنفسهم، وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم، ثم قال تعالى ~~منكرا عليهم: { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ~~وأنتم تشهدون } أي تعلمون صدقها وتتحققون حقها، { يأهل ~~الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون ~~الحق وأنتم تعلمون } أي تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأنتم تعرفون ذلك وتتحققونه، { وقالت طآئفة ~~من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين ~~آمنوا وجه النهار واكفروا آخره } الآية. هذه مكيدة ~~أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم اشتوروا بينهم ~~أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء ~~آخر النهار ارتدوا إلى دينهم، ليقول الجهلة من الناس إنما ردهم إلى دينهم ~~اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: { لعلهم ~~يرجعون }. قال مجاهد: يعني يهودا صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلاة الصبح، وكفروا آخر النهار مكرا منهم، ليروا الناس أن قد بدت لهم ~~الضلالة منه بعد أن كانوا اتبعوه، وقال ابن عباس: قالت: طائفة من أهل ~~الكتاب إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا ~~صلاتكم، لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا. # وقوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } أي ~~لا تطمئنوا أو تظهروا سركم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما ~~بأيديكم إلى المسلمين فيؤمنوا به ويحتجوا به عليكم، قال الله تعالى: { ~~قل إن الهدى هدى الله } أي هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى ~~أتم الإيمان، بما ينزله على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم من الآيات ms0390 ~~البينات، والدلائل القاطعات والحجج الواضحات، وإن كتمتم أيها اليهود ما ~~بأيديكم من صفة محمد النبي الأمي، في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء ~~الأقدمين. وقوله: { أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم أو ~~يحآجوكم عند ربكم } يقولون لا تظهروا ما عندكم من العلم ~~للمسلمين فيتعلموه منكم، ويساوونكم فيه، ويمتازون به عليكم لشدة الإيمان ~~به، أو يحاجوكم به عند ربكم، أي يتخذوه حجة عليكم بما في أيديكم فتقوم به ~~عليكم الدلالة وترتكب الحجة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: { قل ~~إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء } أي الأمور كلها ~~تحت تصرفه وهو المعطي المانع، يمن على من يشاء بالإيمان والعلم والتصرف ~~التام، ويضل من يشاء فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه ويجعل على ~~بصره غشاوة، وله الحجة والحكمة البالغة { والله واسع عليم * ~~يختص برحمته من يشآء والله ذو الفضل العظيم ~~} ، أي اختصكم أيها المؤمنون من الفضل بما لا يحد ولا يوصف، بما شرف ~~به نبيكم محمدا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، وهداكم به إلى ~~أكمل الشرائع. ### || [3.75-76] # يخبر تعالى عن اليهود بأن منهم الخونة، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم، ~~فإن منهم { من إن تأمنه بقنطار } أي من المال { يؤده ~~إليك } أي وما دونه بطريق الأولى أن يؤديه إليك، { ومنهم من ~~إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت ~~عليه قآئما } أي بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، ~~وإذا كان هذا صنيعه في الدينار، فما فوقه أولى أن لا يؤديه إليك. وقوله: ~~{ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين ~~سبيل } أي إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا ~~حرج في أكل أموال الأمين (وهم العرب) فإن الله قد أحلها لنا، قال الله ~~تعالى: { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } أي ~~وقد اختلقوا هذه المقالة، وائتفكوها بهذه الضلالة، فإن الله حرم عليهم ~~أكل الأموال إلا بحقها وإنما هم قوم بهت. عن أبي صعصعة بن يزيد أن رجلا ~~سأل ابن عباس، فقال: إنا نصيب في الغزو من ms0391 أموال أهل الذمة الدجاجة ~~والشاة، قال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال: نقول: ليس علينا بذلك بأس، ~~قال: هذا كما قال أهل الكتاب: { ليس علينا في الأميين ~~سبيل } ، إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم. ~~وعن سعيد بن جبير قال: لما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل، ~~قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " كذب أعداء الله؛ ما من شيء كان في ~~الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر ~~والفاجر ". ثم قال تعالى: { بلى من أوفى بعهده واتقى } ~~أي لكن من أوفى بعهده واتقى منكم يا أهل الكتاب. اتقى محارم الله واتبع ~~طاعته وشريعته التي بعث بها خاتم رسله وسيدهم { فإن الله يحب ~~المتقين }. ### || [3.77] # يقول تعالى: إن الذين يعتاضون عما عاهدوا الله عليه، من اتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم وذكر صفته للناس وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة ~~الآثمة، بالأثمان القليلة الزهيدة، وهي عروض هذه الحياة الدنيا الفانية ~~الزائلة، { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } أي لا نصيب ~~لهم فيها ولا حظ لهم منها، { ولا يكلمهم الله ولا ينظر ~~إليهم يوم القيامة } أي برحمة منه لهم، يعني لا يكلمهم الله ~~كلام لطف بهم ولا ينظر إليهم بعين الرحمة، { ولا يزكيهم } أي من ~~الذنوب والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار، { ولهم عذاب أليم } ، ~~وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر. # الحديث الأول: عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم " ، قلت: يا رسول الله من هم؟ خسروا وخابوا، قال: وأعاده رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات قال: " المسبل، والمنفق سلعته بالحلف ~~الكاذب، والمنان " ". # الحديث الثاني: عن عدي بن عميرة الكندي قال: # " خاصم رجل من كندة يقال له امرؤ القيس بن عامر رجلا من حضرموت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض، فقضى على الحضرمي ms0392 بالبينة فلم يكن ~~له بينة، فقضى على امرىء القيس باليمين، فقال الحضرمي: أمكنته من اليمين ~~يا رسول الله؟ ذهبت ورب الكعبة أرضي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله عز وجل وهو عليه ~~غضبان " ، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إن الذين ~~يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } ، فقال ~~امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال: " الجنة " ، قال: فاشهد ~~أني قد تركتها له كلها ". # الحديث الثالث: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من اقتطع مال امرىء مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان " # ، قال: فجاء الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه ~~فقال: كان في هذا الحديث، # " خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بئر كانت لي في ~~يده فجحدني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينتك أنها بئرك وإلا ~~فيمينه " ، قال: قلت: يا رسول الله ما لي بينة، وإن تجعلها بيمينه تذهب ~~بئري، إن خصمي امرؤ فاجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من اقتطع ~~مال امرىء مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان " ، قال: وقرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا } " # الآية. # الحديث الرابع: قال أحمد، عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " " إن لله تعالى عبادا لا يكلمهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر ~~إليهم " ، قيل: " ومن أولئك يا رسول الله؟ قال: " متبرىء من والديه راغب ~~عنهما، ومتبرىء من ولده، ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم " ". # الحديث الخامس: عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رجلا أقام سلعة له في ~~السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين، ~~فنزلت هذه الآية: { إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا ms0393 قليلا } الآية. # الحديث السادس: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم، رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده ورجل حلف على سلعة - بعد ~~العصر - يعني كاذبا، ورجل بايع إماما فإن أعطاه وفى له وإن لم يعطه لم ~~يف له ". ### || [3.78] # يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله، أن منهم فريقا يحرفون الكلم عن ~~مواضعه، ويبدلون كلام الله ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنه في ~~كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله وهو كذب على الله، وهم يعلمون من ~~أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله، ولهذا قال تعالى: { ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } ، قال مجاهد ~~والحسن: { يلوون ألسنتهم بالكتاب } يحرفونه، وهكذا روى ~~البخاري عن ابن عباس أنهم يحرفون ويزيلون، وليس أحد من خلق الله يزيل لفظ ~~كتاب من كتب الله، لكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله. ### || [3.79-80] # عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي: حين اجتمعت الأحبار من (اليهود ~~والنصارى) من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى ~~الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال ~~رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه ~~تدعونا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك ~~بعثني ولا بذلك أمرني " # ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله في ذلك من قولهما: { ما ~~كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ~~والنبوة } - إلى قوله - { بعد إذ أنتم مسلمون } أي ~~ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة، أن يقول للناس اعبدوني ~~من دون الله، أي مع الله، فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلأن لا ~~يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى. ولهذا قال الحسن البصري: ~~لا ينبغي هذا لمؤمن ms0394 أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذلك أن القوم كان يعبد ~~بعضهم بعضا، يعني أهل الكتاب كانوا يعبدون أحبارهم ورهبانهم، كما قال ~~الله تعالى: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31] الآية. وفي المسند أن عدي بن حاتم قال: # " يا رسول الله، ما عبدوهم، قال: " بلى، إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا ~~عليهم الحلال فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم " # ، فالجهلة من الأحبار والرهبان، ومشايخ الضلال، يدخلون في هذا الذم ~~والتوبيخ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين. # فالرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، هم السفراء بين الله وبين ~~خلقه، في أداء ما حملوه من الرسالة، وإبلاغ الأمانة فقاموا بذلك أتم ~~القيام ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق، وقوله تعالى: { ولكن كونوا ~~ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون } أي ولكن يقول الرسول للناس: كونوا ربانيين، قال ابن عباس: ~~أي حكماء علماء حلماء، وقال الحسن: فقهاء، وعن الحسن أيضا: يعني أهل ~~عبادة وأهل تقوى، وقال الضحاك في قوله: { بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون } حق على من تعلم القرآن أن ~~يكون فقيها، تعلمون: أي تفهمون معناه، وقرىء تعلمون بالتشديد من ~~التعليم، { وبما كنتم تدرسون } تحفظون ألفاظه، ثم قال الله ~~تعالى: { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا } أي ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا ~~نبي مرسل ولا ملك مقرب، { أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون }؟ أي لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير الله، ~~ومن دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون ~~بالإيمان وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25]، وقال: # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون # [الزخرف: 45] وقال إخبارا عن الملائكة: # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين # [الأنبياء: 29]. ### || [3.81-82] # يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم عليه السلام ms0395 إلى عيسى ~~عليه السلام، مهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ، ثم جاء ~~رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة ~~من اتباع من بعث بعده ونصرته، ولهذا قال تعالى وتقدس: { وإذ أخذ ~~الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب ~~وحكمة } أي لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة، { ثم جآءكم ~~رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ~~قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري } ، قال ابن ~~عباس ومجاهد: يعني عهدي، وقال محمد بن إسحاق { إصري } أي ميثاقي ~~الشديد المؤكد، { قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا ~~معكم من الشاهدين * فمن تولى بعد ذلك } أي عن ~~هذا العهد والميثاق { فأولئك هم الفاسقون } ، قال علي ~~وابن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه ~~الميثاق، لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ ~~الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، وقال الحسن ~~البصري وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، وهذا لا ~~يضاد ما قاله علي وابن عباس ولا ينفيه بل يستلزمه ويقتضيه، وقد قال ~~الإمام أحمد: جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~إني أمرت بأخ لي يهودي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها ~~عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عبد الله بن ~~ثابت قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال عمر: ~~رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، قال: فسري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وقال: # " والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى عليه السلام، ثم اتبعتموه ~~وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين ". # حديث آخر: وعن جابر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن ~~تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله ms0396 لو كان موسى حيا بين ~~أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني " # وفي بعض الأحاديث: # " لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي " # فالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم ~~الدين، هو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد، لكان هو الواجب ~~الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما ~~اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الرب جل ~~جلاله لفصل القضاء بين عباده، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، ~~والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين، حتى تنتهي النوبة إليه ~~فيكون هو المخصوص به، صلوات الله وسلامه عليه. ### || [3.83-85] # يقول تعالى منكرا على من أراد دينا سوى دين الله، الذي أنزل به كتبه ~~وأرسل به رسله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، الذي له أسلم من في ~~السماوات والأرض، أي استسلم له من فيهما طوعا وكرها، كما قال تعالى: # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها # [الرعد: 15]. وقال تعالى: # ولله يسجد ما في السموت وما في الأرض من ~~دآبة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ~~ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون # [النحل: 49-50] فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله ~~كرها، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا ~~يمانع، وقد قال وكيع في تفسيره عن مجاهد: { وله أسلم من في ~~السموت والأرض طوعا وكرها } ، قال: هو كقوله: # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان: 25]، { وإليه يرجعون } أي يوم المعاد فيجازي كلا ~~بعمله. # ثم قال تعالى: { قل آمنا بالله ومآ أنزل علينا } يعني ~~القرآن، { ومآ أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب } أي من الصحف والوحي، { والأسباط } وهم بطون بني ~~إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - وهو يعقوب - الاثني عشر، { وما ~~أوتي موسى وعيسى } يعني بذلك التوراة والإنجيل، { ~~والنبيون من ربهم } وهذا يعم جميع الأنبياء جملة، { لا ~~نفرق بين أحد منهم } يعني بل نؤمن بجميعهم، { ونحن ~~له مسلمون } فالمؤمنون ms0397 من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل ~~كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله، ~~وبكل نبي بعثه الله. # ثم قال تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه } الآية. أي من سلك طريقا سوى ما شرعه الله فلن يقبل ~~منه، { وهو في الآخرة من الخاسرين } ، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ". ### || [3.86-89] # قال ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق ~~بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ~~لي من توبة؟ فنزلت: { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم } - إلى قوله - { فإن الله غفور رحيم } ، فأرسل ~~إليه قومه فأسلم. { وجآءهم البينات } أي قامت عليهم الحجج ~~والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول، ووضح لهم الأمر ثم ارتدوا إلى ~~ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما تلبسوا به من العماية؟ ~~ولهذا قال تعالى: { والله لا يهدي القوم الظالمين }. ثم ~~قال تعالى: { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين } أي يلعنهم الله ~~ويلعنهم خلقه، { خالدين فيها } أي في اللعنة، { لا يخفف ~~عنهم العذاب ولا هم ينظرون } أي لا يفتر عنهم العذاب ولا ~~يخفف عنهم ساعة واحدة، ثم قال تعالى: { إلا الذين تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } ، وهذا من ~~لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه، أن من تاب إليه تاب عليه. ### || [3.90-91] # يقول تعالى متوعدا ومهددا لمن كفر بعد إيمانه ثم ازداد كفرا أي استمر ~~عليه إلى الممات، ومخبرا بأنهم لن تقبل لهم توبة عند الممات، كما قال ~~تعالى: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت # [النساء: 18] الآية. ولهذا قال ههنا: { لن تقبل توبتهم ~~وأولئك هم الضآلون } أي الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق ~~الغي، قال الحافظ أبو بكر البزار عن عكرمة عن ابن عباس: أن ms0398 قوما أسلموا ~~ثم ارتدوا، ثم أسلموا، ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، ~~فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: { إن ~~الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن ~~تقبل توبتهم }. # ثم قال تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ~~فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به } ، أي من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدا، ولو كان ~~قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قربة، كما سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن عبد الله بن جدعان - وكان يقري الضيف ويفك العاني ويطعم الطعام - ~~هل ينفعه ذلك؟ فقال: # " لا! إنه لم يقل يوما من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " # ، وكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضا ذهبا ما قبل منه كما قال تعالى: # ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة # [البقرة: 123]، وقال: # لا بيع فيه ولا خلال # [إبراهيم: 31]، وقال: # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم # [المائدة: 36]، ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهبا، بوزن جبالها ~~وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرها وبحرها. عن أنس بن مالك، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من ~~شيء أكنت مفتديا به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ~~ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن ~~تشرك ". # طريق آخر: وقال الإمام أحمد، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له: يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ ~~فيقول: أي رب خير منزل، فيقول: سل وتمن، فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن ~~تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرار، لما يرى من فضل الشهادة، ~~ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول ms0399 له: يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول ~~يا رب شر منزل، فيقول له: أتفتدي مني بطلاع الأرض ذهبا؟ فيقول: أي رب ~~نعم، فيقول: كذبت قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل فيرد إلى النار " # ، ولهذا قال: { أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ~~ناصرين } أي وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ولا يجيرهم من أليم ~~عقابه. ### || [3.92] # روى وكيع في تفسيره عن عمرو بن ميمون { لن تنالوا البر } قال: ~~الجنة، وقال الإمام أحمد عن أنس بن مالك: كان أبو طلحة أكثر الأنصار ~~بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه (بير حاء) وكانت مستقبلة المسجد، ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال ~~أنس: فلما نزلت: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون } ، قال أبو طلحة: يا رسول الله إن الله يقول: { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وإن أحب ~~أموالي إلي (بير حاء)، وإنها صدقة لله أرجو بها برها وذخرها عند الله ~~تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " بخ بخ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، وقد سمعت، وأنا أرى أن تجعلها في ~~الأقربين " # ، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني ~~عمه. وفي الصحيحين أن عمر قال: # " يا رسول الله لم أصب مالا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، ~~فما تأمرني به؟ قال: " احبس الأصل، واسبل الثمرة " ". ### || [3.93-95] # قال ابن عباس: حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي، قال: " سلوني عما ~~شئتم ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم ~~شيئا فعرفتموه لتتابعني على الإسلام " ، قالوا: فذلك لك، قالوا: أخبرنا ~~عن أربع خلال، أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة ~~وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى، وأخبرنا بهذا النبي الأمي في ~~النوم ms0400 ومن وليه من الملائكة؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه. ~~فقال: " أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض ~~مرضا شديدا وطال سقمه فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن ~~أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل وأحب الشراب ~~إليه ألبانها "؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال: " اللهم اشهد عليهم " ، وقال: ~~" أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى هل ~~تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له ~~الولد والشبه بإذن الله، إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرا بإذن ~~الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله " قالوا: نعم. ~~قال: " اللهم اشهد عليهم " ، وقال: " وأنشدكم بالذي أنزل التوراة على ~~موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ " قالوا: ~~اللهم نعم، قال: " اللهم اشهد ". قال: " وإن وليي جبريل ولم يبعث الله ~~نبيا قط إلا وهو وليه " ، قالوا: فعند ذلك نفارقك ولو كان وليك غيره ~~لتابعناك، فعند ذلك قال الله تعالى: # قل من كان عدوا لجبريل # [البقرة: 97] الآية. # وقال ابن جريج، عن ابن عباس: كان إسرائيل عليه السلام - وهو يعقوب - ~~يعتريه عرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم ويقلع الوجع عنه ~~بالنهار، فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عرقا، ولا يأكل ولد ما له ~~عرق، فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استنابا به واقتداء بطريقه، وقوله: { ~~من قبل أن تنزل التوراة } أي حرم ذلك على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة، { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين } فإنها ناطقة بما قلناه، { فمن افترى على الله ~~الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون } أي فمن ~~كذب على الله وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائما، وأنه لم ~~يبعث نبيا آخر يدعو إلى الله تعالى بالبراهين والحجج، بعد هذا الذي ~~بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرنا { فأولئك هم الظالمون ~~} ، ثم قال تعالى: { قل صدق الله ms0401 } أي قل يا محمد صدق الله فيما ~~أخبر به وفيما شرعه في القرآن، { فاتبعوا ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين } أي اتبعوا ملة إبراهيم التي ~~شرعها الله في القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فإنه الحق الذي ~~لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ~~ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين # [الأنعام: 161]، وقال تعالى: # ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين # [النحل: 123]. ### || [3.96-97] # يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس أي لعموم الناس، لعبادتهم ونسكهم ~~يطوفون به ويصلون إليه ويعتكفون عنده { للذي ببكة } يعني الكعبة ~~التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي يزعم كل من طائفتي النصارى ~~واليهود أنهم على دينه، ومنهجه، ويحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله، ~~ولهذا قال تعالى: { مباركا } أي وضع مباركا { وهدى ~~للعالمين }. عن أبي ذر رضي الله عنه قال: # " قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: " المسجد الحرام " ، قلت: ثم ~~أي؟ قال: " المسجد الأقصى " ، قلت: كما بينهما؟ قال: " أربعون سنة " ، ~~قلت: ثم أي؟ قال: " ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد " # وعن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: { إن أول بيت وضع ~~للناس للذي ببكة مباركا } ، قال: كانت البيوت قبله ~~ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله. وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه ~~الأرض، مطلقا، والصحيح قول علي رضي الله عنه. # وقوله تعالى: { للذي ببكة } بكة من أسماء مكة على المشهور، ~~قيل: سميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يذلون بها ~~ويخضعون عندها، وقيل: لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون، قال قتادة: إن ~~الله بك به الناس جميعا، فيصلي النساء أمام الرجال ولا يفعل ذلك ببلد ~~غيرها، وقال شعبة عن إبراهيم: بكة البيت والمسجد، وقال عكرمة: البيت وما ~~حوله بكة، وما وراء ذلك مكة، وقال ms0402 مقاتل بن حيان: بكة موضع البيت وما سوى ~~ذلك مكة. وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة (مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت ~~الحرام، والبلد الأمين، وأم القرى، والقادس لأنها تطهر من الذنوب، ~~والمقدسة، والحاطمة، والرأس، والبلدة، والبنية، والكعبة). # وقوله تعالى: { فيه آيات بينات } أي دلالات ظاهرة أنه من بناء ~~إبراهيم، وأن الله عظمه وشرفه، ثم قال تعالى: { مقام إبراهيم } ~~يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث ~~كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وقد كان ملتصقا بجدار البيت حتى ~~أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث ~~يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله ~~تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى # [البقرة: 125]، وقد قدمنا الأحاديث في ذلك فأغنى عن إعادته ههنا ولله ~~الحمد والمنة، وقال ابن عباس في قوله: { فيه آيات بينات ~~مقام إبراهيم } أي فمنهم مقام إبراهيم والمشاعر، وقال مجاهد: ~~أثر قدميه في المقام آية بينة، وقال أبو طالب في قصيدته اللامية ~~المشهورة: # وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة # على قدميه حافيا غير ناعل # وقال ابن أبي حاتم عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: { مقام ~~إبراهيم } قال: الحرم كله مقام إبراهيم. وقوله تعالى: { ومن ~~دخله كان آمنا } يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، ~~وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل ~~يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى ~~يخرج، وعن ابن عباس قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا ~~يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه، وقال الله تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67] الآية، وقال تعالى: # فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4] وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن ~~أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، ms0403 كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك. # ففي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: # " لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا " # ، وقال يوم فتح مكة: # " " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة ~~الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ~~في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة: لا يعضد شوكه، ~~ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها " ، فقال ~~العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: " إلا ~~الإذخر " # وعن أبي شريح العدوي أنه قال: لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة ~~ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به: ~~إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: # " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن يسفك بها دما، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيها، فقولوا له: إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، ~~وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ~~فليبلغ الشاهد الغائب " # ، فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، ~~إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة. وعن جابر رضي ~~الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة " # ، وعن عبد الله بن الحمراء الزهري، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو واقف بالحرورة بسوق مكة يقول: " والله إنك لخير أرض الله، وأحب ~~أرض الله إلى الله، ولولا أخرجت منك ما خرجت ". وقال بعضهم في قوله ~~تعالى: { ومن ms0404 دخله كان آمنا } قال: آمنا من النار. # وقوله تعالى: { ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا } هذه أول آية وجوب الحج عند الجمهور، ~~وقيل: بل هي قوله: # وأتموا الحج والعمرة لله # [البقرة: 196] والأول أظهر، وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان ~~الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا، وإنما ~~يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع، لحديث أبي هريرة قال: ~~خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " " أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا " ، فقال رجل: أكل عام يا رسول ~~الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو ~~قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " ، ثم قال: " ذروني ما تركتكم فإنما هلك من ~~كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا ~~منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه " # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # " " يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج " ، فقام الأقرع بن حابس ~~فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال: " لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم ~~تعملوا بها ولن تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع " ". # وأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعا بنفسه، وتارة بغيره ~~كما هو مقرر في كتب الأحكام. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: # " قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من الحاج يا رسول ~~الله؟ قال: " الشعث التفل " ، فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ ~~قال: " العج والثج " ، فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله، قال: " ~~الزاد والراحلة " # وعن أنس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله عز وجل: { من ~~استطاع إليه سبيلا } فقيل: ما السبيل؟ قال: " الزاد والراحلة ~~" # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له " # وقال رسول ms0405 الله صلى الله عليه وسلم: # " من أراد الحج فليتعجل " # وروى وكيع بن الجراح عن ابن عباس قال: { من استطاع إليه ~~سبيلا } ، قال: " الزاد والبعير ". # وقوله تعالى: { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } ~~، قال ابن عباس: أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه، وقال سعيد ~~بن منصور عن عكرمة: لما نزلت: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85] قالت اليهود: فنحن مسلمون، قال الله عز وجل فأخصمهم ~~فحجهم يعني، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلا " # ، فقالوا: لم يكتب علينا، وأبو أن يحجوا، قال الله تعالى: { ومن ~~كفر فإن الله غني عن العالمين }. عن علي رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من ملك زادا وراحلة ولم يحج بيت الله فلا يضره مات يهوديا أو ~~نصرانيا، وذلك بأن الله قال: { ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني ~~عن العالمين } " # وروى الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لقد هممت أن ~~أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا إلى كل من كان عنده جدة (أي سعة) ~~(فلم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين). ### || [3.98-99] # هذا تعنيف من الله تعالى للكفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق، وكفرهم ~~بآيات الله وصدهم عن سبيل الله مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من ~~الله، وقد توعدهم الله على ذلك، وأخبر بأنه شهيد على صنيعهم بما خالفوا ~~ما بأيديهم عن الأنبياء، ومعاملتهم الرسول المبشر بالتكذيب والجحود ~~والعناد، فأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي وسيجزيهم على ذلك: # يوم لا ينفع مال ولا بنون # [الشعراء: 88]. ### || [3.100-101] # يحذر تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من أهل الكتاب، ~~الذي يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، وما منحهم من إرسال ~~رسوله، كما قال تعالى: # ود كثير من أهل الكتاب ms0406 لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم # [البقرة: 109] الآية. وهكذا قال ههنا: { إن تطيعوا فريقا من ~~الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم ~~كافرين } ، ثم قال تعالى: { وكيف تكفرون وأنتم ~~تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله } ، يعني أن ~~الكفر بعيد منكم - وحاشاكم منه - فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلا ~~ونهارا، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، وهذا كقوله تعالى: # وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم ~~لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم ~~مؤمنين # [الحديد: 8]. وكما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لأصحابه يوما # " " أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟ " قالوا: الملائكة، قال: " وكيف لا ~~يؤمنون والوحي ينزل عليهم " ، قالوا: فنحن، قال: " وكيف لا تؤمنون وأنا ~~بين أظهركم " ، قالوا: فأي الناس أعجب إيمانا؟ قال: " قوم يجيئون من ~~بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها " # ثم قال تعالى: { ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى ~~صراط مستقيم } ، أي ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو ~~العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد؛ ~~وطريق السداد وحصول المراد. ### || [3.102-103] # عن عبد الله بن مسعود: { اتقوا الله حق تقاته } قال: أن ~~يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وروي مرفوعا عن ~~عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اتقو الله حق تقاته أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى ~~" # وروي عن أنس أنه قال: لا يتقي الله العبد حق تقاته حتى يخزن ~~لسانه، وقد ذهب سعيد بن جبير وأبو العالية إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله ~~تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: { ~~اتقوا الله حق تقاته } قال: لم تنسخ ولكن حق تقاته أن ~~يجاهدوا في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا ~~بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وقوله تعالى: { ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون } ، أي حافظوا على الإسلام في ~~حال صحتكم وسلامتكم، لتموتوا ms0407 عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه، أنه ~~من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فعياذا بالله من ~~خلاف ذلك. # روى الإمام أحمد عن مجاهد: أن الناس كانوا يطوفون بالبيت وابن عباس جالس ~~معه محجن، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ~~ولو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا ~~معايشهم، فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم " # وقال الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله ~~واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " # وفي الحديث الصحيح عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل " # وعن أنس قال: # " كان رجل من الأنصار مريضا فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده ~~فوافقه في السوق فسلم عليه، فقال له: " كيف أنت يا فلان "؟ قال بخير يا ~~رسول الله أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما ~~يخاف " ". # وقوله تعالى: { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا } قيل: { بحبل الله } أي بعهد الله كما قال في الآية ~~بعدها: # ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل ~~من الله وحبل من الناس # [آل عمران: 112] أي بعهد وذمة، وقيل: { بحبل الله } يعني القرآن ~~كما في حديث الحارث الأعور عن علي مرفوعا في صفة القرآن: " هو حبل الله ~~المتين وصراطه المستقيم ". # وروى ابن مردويه عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء ~~النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه ". # وقوله ms0408 تعالى: { ولا تفرقوا } أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، ~~وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع ~~والائتلاف، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا ~~تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا ~~من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة ~~المال ". # وقوله تعالى: { واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا } إلى آخر الآية، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد ~~كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن، وإحن، طال ~~بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل ~~منهم صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله؛ متعاونين ~~على البر والتقوى. قال الله تعالى: # هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف ~~بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ~~ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم # [الأنفال: 62-63] إلى آخر الآية. وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب ~~كفرهم فأنقذهم الله منها أن هداهم للإيمان. وقد امتن عليهم بذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم، بما ~~فضل عليهم في القسمة بما أراده الله، فخطبهم فقال: # " يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي!! وكنتم متفرقين ~~فألفكم الله بي! وعالة فأغناكم الله بي!؟ " # فكلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن. # وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن (الأوس ~~والخزرج)، وذلك أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما ~~هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ~~ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب ففعل، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت ~~نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا ونادوا بشعارهم، وطلبوا ~~أسلحتهم وتواعدوا إلى ms0409 الحرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم ~~فجعل يسكنهم ويقول: " أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ " وتلا عليهم هذه ~~الآية فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح رضي الله ~~عنهم. ### || [3.104-109] # يقول تعالى: ولتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى ~~الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر { وأولئك هم ~~المفلحون } قال الضحاك: هم خاصة الصحابة، وخاصة الرواة يعني ~~المجاهدين والعلماء، وقال أبو جعفر الباقر، قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير }. ثم ~~قال: # " الخير اتباع القرآن وسنتي " # والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، ~~وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع ~~فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " # ، وفي رواية: # " وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ". # وروى الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله ~~أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم " # ، { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من ~~بعد ما جآءهم البينات } الآية. ينهى تبارك وتعالى هذه ~~الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين، في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، مع قيام الحجة عليهم. # روى الإمام أحمد عن أبي عامر (عبد الله بن يحيى) قال: حججنا مع (معاوية ~~بن أبي سفيان)، فلما قدمنا مكة قام حين صلى صلاة الظهر فقال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه ~~الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا ~~واحدة - وهي الجماعة - وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما ~~يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا ms0410 مفصل إلا دخله والله يا معشر ~~العرب لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم لغيركم من ~~الناس أحرى أن لا يقوم به ". # وقوله تعالى: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } يعني ~~يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة ~~والفرقة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما. { فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم }؟ قال الحسن البصري: وهم ~~المنافقون، { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } ، وهذا ~~الوصف يعم كل كافر، { وأما الذين ابيضت وجوههم ففي ~~رحمة الله هم فيها خالدون } يعني الجنة ماكثون فيها أبدا ~~لا يبغون عنها حولا. # ثم قال تعالى: { تلك آيات الله نتلوها عليك } أي هذه ~~آيات الله وحججه وبيناته نتلوها عليك يا محمد { بالحق } أي نكشف ما ~~الأمر عليه من الدنيا والآخرة، { وما الله يريد ظلما ~~للعالمين } أي ليس بظالم لهم، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور، ~~لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم ~~أحدا من خلقه، ولهذا قال تعالى: { ولله ما في السموت وما ~~في الأرض } أي الجميع ملك له وعبيد له، { وإلى الله ترجع ~~الأمور } أي هو الحاكم المتصرف في الدنيا والآخرة. ### || [3.110-112] # يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، قال البخاري: عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ، ~~قال: خير الناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام، ~~والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال: { تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } ~~، قال الإمام أحمد: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ~~فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: # " خير الناس أقرأهم وأتقاهم لله وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر ~~وأوصلهم للرحم " # وعن ابن عباس في قوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس } قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~مكة إلى المدينة. والصحيح أن هذه الآية عامة في ms0411 جميع الأمة كل قرن بحسبه، ~~وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذين ~~يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # [البقرة: 143] أي خيارا # لتكونوا شهدآء على الناس # [البقرة: 143] الآية. # وفي مسند أحمد وجامع الترمذي من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل " # ، وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي، وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق ~~إلى الخيرات، بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أشرف خلق الله ~~وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبي قبله ولا ~~رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم ~~العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه، وفي الحديث: # " وجعلت أمتي خير الأمم ". # وقد وردت أحاديث يناسب ذكرها ههنا: عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعطيت سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب وجوههم كالقمر ليلة البدر، ~~قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي فزادني مع كل واحد سبعين ألفا " # ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى ومصيب من ~~حافات البوادي. # حديث آخر: قال الإمام أحمد، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " عرضت علي الأمم بالموسم فراثت علي أمتي، ثم رأيتهم فأعجبتني كثرتهم ~~وهيئتهم، قد ملؤا السهل والجبل، فقال: أرضيت يا محمد؟ فقلت: نعم! قال: ~~فإن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ~~ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون " ، فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول ~~الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: " أنت منهم " ، فقام رجل آخر فقال: ~~ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: " سبقك بها عكاشة " ". # حديث آخر: قال الطبراني، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله ms0412 ~~عليه وسلم: # " " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ولا عقاب " ، قيل: من هم؟ ~~قال: " هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون ~~" ". # حديث آخر: ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب، أن أبا ~~هريرة حدثه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " " يدخل الجنة من أمتي زمرة وهم سبعون ألفا تضيء وجوههم إضاءة القمر ~~ليلة البدر " ، قال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة ~~عليه، فقال: يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " اللهم اجعله منهم " ، ثم قام رجل من الأنصار فقال ~~مثله، فقال: " سبقك بها عكاشة " ". # حديث آخر: عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل ~~والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي؛ ~~فقيل لي هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، ~~فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم ~~وسبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب " ، ثم نهض فدخل منزله ~~فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: ~~فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم ~~الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا وذكروا أشياء، فخرج عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما الذي تخوضون فيه؟ " فأخبروه، ~~فقال: " هم الذي لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم ~~يتوكلون " ، فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: " ~~أنت منهم " ، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: " سبقك ~~بها عكاشة " ". # حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر بن عاصم في كتاب السنن، عن محمد بن زياد: ~~سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ms0413 # " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا ~~لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل ". # حديث آخر: قال أبو القاسم الطبراني: عن عامر بن زيد البكالي أنه سمع ~~عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن ربي عز وجل وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، ~~ثم يشفع كل ألف لسبعين ألفا، ثم يحثي ربي عز وجل بكفيه ثلاث حثيات " # فكبر عمر وقال: إن السبعين الأول يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم ~~وعشيرتهم، وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر. قال الحافظ ~~المقدسي في كتابه صفة الجنة: لا أعلم لهذا الإسناد علة، والله أعلم. # حديث آخر: قال الإمام أحمد: عن عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه قال: ~~أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالكديد - أو قال ~~بقديد - فذكر حديثا وفيه ثم قال: # " وعدني ربي عز وجل أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، ~~وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبؤوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم ~~مساكن في الجنة " # ، قال الضياء: وهذا عندي على شرط مسلم. # حديث آخر: قال عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن ~~أنس قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله وعدني أن يدخل الجنة من ~~أمتي أربعمائة ألف " ، قال أبو بكر رضي الله عنه. زدنا يا رسول الله، ~~قال: " والله هكذا " ، قال عمر: حسبك يا أبا بكر، فقال أبو بكر: دعني وما ~~عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا. قال عمر: إن الله إن شاء أدخل خلقه ~~الجنة بكف واحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " صدق عمر " # هذا الحديث بهذا الإسناد تفرد به عبد الرزاق. قال الضياء: وقد رواه ~~الحافظ أبو نعيم الأصبهاني عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " " وعدني ربي أن يدخل الجنة ms0414 من أمتي مائة ألف " ، فقال أبو بكر: يا ~~رسول الله زدنا، قال: " وهكذا " ، وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك، قلت: ~~يا رسول الله زدنا، فقال عمر: إن الله قادر على أن يدخل الناس الجنة ~~بحفنة واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدق عمر " # ، هذا حديث غريب من هذا الوجه. # حديث آخر: عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا " ، قالوا: زدنا يا رسول الله، قال: ~~" لكل رجل سبعون ألفا " ، قالوا: زدنا، وكان على كثيب، فقالوا: فقال: " ~~هكذا " وحثا بيديه، قالوا: يا رسول الله: أبعد الله من دخل النار ~~بعد هذا " ". # ومن الأحاديث الدالة على فضيلة هذه الأمة وشرفها وكرامتها على الله عز ~~وجل، وأنها خير الأمم في الدنيا والآخرة ما ثبت في الصحيحين عن عبد الله ~~بن مسعود قال: # " قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما ترضون أن تكونوا ربع أهل ~~الجنة " فكبرنا، ثم قال: " أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة " فكبرنا، ~~ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة " ". # حديث آخر: قال الإمام أحمد بسنده عن ابن بريدة عن أبيه، أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " أهل الجنة عشرون ومائة صف. هذه الأمة من ذلك ثمانون صفا ". # حديث آخر: قال الطبراني عن أبي هريرة # " لما نزلت: { ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين ~~} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل ~~الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة " ". # حديث آخر: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولا الجنة، بيد ~~أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا ~~فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، الناس لنا فيه تبع، غدا ~~لليهود، وللنصارى بعد غد ". # فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: { كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ms0415 ~~المنكر وتؤمنون بالله } ، فمن اتصف من هذه الأمة بهذه ~~الصفات دخل معهم في هذا المدح، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه في حجة حجها رأى من الناس دعة، فقرأ هذه الآية: { ~~كنتم خير أمة أخرجت للناس } ، ثم قال: (من سره أن ~~يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها)، رواه ابن جرير، ومن لم يتصف ~~بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى: # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه # [المائدة: 79] الآية، ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، ~~شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى: { ولو آمن أهل ~~الكتاب } أي بما أنزل على محمد، { لكان خيرا لهم منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } أي قليل منهم من يؤمن ~~بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق ~~والعصيان. # ثم قال تعالى مخبرا عباده المؤمنين، ومبشرا لهم: أن النصر والظفر لهم ~~على أهل الكتاب الكفرة الملحدين فقال تعالى: { لن يضروكم إلا ~~أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ~~ينصرون } ، هكذا وقع فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم، وكذلك ~~من قبلهم من يهود المدينة (بني قينقاع) وبني النضير وبني قريظة كلهم ~~أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ~~ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة ~~بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم كذلك، ويحكم بملة الإسلام وشرع محمد ~~عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا ~~يقبل إلا الإسلام. # ثم قال تعالى: { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا ~~إلا بحبل من الله وحبل من الناس } ، أي ألزمهم ~~الله الذلة والصغار أينما كانوا فلا يؤمنون { إلا بحبل من ~~الله } أي بذمة من الله وهو عقد الذمة لهم، وضربت الجزية عليهم ~~وإلزامهم أحكام الملة، { وحبل من الناس } أي أمان منهم لهم كما ~~في المهادن والمعاهد والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين ولو امرأة، قال: ~~ابن عباس: { إلا بحبل من الله وحبل ms0416 من الناس } أي ~~بعهد من الله وعهد من الناس، وقوله: { وبآءوا بغضب من الله ~~} أي ألزموا، فالتزموا بغضب من الله وهم يستحقونه، { وضربت ~~عليهم المسكنة } أي ألزموها قدرا وشرعا، ولهذا قال: { ~~ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبيآء بغير حق } أي إنما حملهم على ذلك الكبر والبغي ~~والحسد، فأعقبهم ذلك الذلة والصغار والمسكنة أبدا متصلا بذل الآخرة. ثم ~~قال تعالى: { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } أي إنما ~~حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله - وقيضوا لذلك - أنهم كانوا ~~يكثرون العصيان لأوامر الله والغشيان لمعاصي الله والاعتداء في شرع الله، ~~فعياذا بالله من ذلك، والله عز وجل المستعان. ### || [3.113-117] # المشهور عند كثير من المفسرين أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل ~~الكتاب كعبد الله بن سلام، و (أسد بن عبيد) و (ثعلبة بن شعبة) وغيرهم، أي ~~لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب، وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا ~~قال تعالى: { ليسوا سوآء } أي ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم ~~المؤمن ومنهم المجرم، ولهذا قال تعالى: { من أهل الكتاب ~~أمة قآئمة } أي قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله فهي ~~(قائمة) يعني مستقيمة، { يتلون آيات الله آنآء الليل ~~وهم يسجدون } أي يقيمون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في ~~صلواتهم، { يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في ~~الخيرات وأولئك من الصالحين } ، وهؤلاء هم المذكورون ~~في آخر السورة # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل ~~إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين لله # [آل عمران: 199] الآية، ولهذا قال تعالى ههنا: { وما يفعلوا ~~من خير فلن يكفروه } أي لا يضيع عند الله بل يجزيهم به أوفر ~~الجزاء، { والله عليم بالمتقين } أي لا يخفى عليه عمل عامل ~~ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا. # ثم قال تعالى مخبرا عن الكفرة المشركين بأنه { لن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } أي لا ترد ~~عنهم بأس الله ولا عذابه إذا أراده بهم، { وأولئك أصحاب ~~النار ms0417 هم فيها خالدون } ، ثم ضرب مثلا لا ينفقه الكفار في ~~هذه الدار فقال: { مثل ما ينفقون في هذه الحياة ~~الدنيا كمثل ريح فيها صر } أي برد شديد قاله ابن عباس، ~~وقال عطاء: برد وجليد: { فيها صر } أي نار وهو يرجع إلى الأول، فإن ~~البرد الشديد ولا سيما الجليد يحرق الزروع والثمار كما يحرق الشيء ~~بالنار، { أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ~~فأهلكته } أي فأحرقته يعني بذلك الصعقة إذا نزلت على حرث قد آن ~~جذاذه أو حصاده فدمرته، وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته ~~فعدمه صاحبه أحوج ما كان إليه، فكذلك الكفار يمحق الله ثواب أعمالهم في ~~هذه الدنيا كما يذهب ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه، وكذلك هؤلاء بنوها على ~~غير أصل وعلى غير أساس { وما ظلمهم الله ولكن ~~أنفسهم يظلمون }. ### || [3.118-120] # يقول تبارك وتعالى ناهيا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة، أي ~~يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم ~~لا يألون المؤمنين خبالا، أي يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، ~~وبما يستطيعون من المكر والخديعة؛ ويودون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق ~~عليهم، وقوله تعالى: { لا تتخذوا بطانة من دونكم } أي ~~من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل هم خاصة أهله الذين يطلعون على ~~داخل أمره، وقد روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة ~~تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من ~~عصمه الله ". # وقال ابن أبي حاتم: قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن ههنا غلاما ~~من أهل الحيرة حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتبا! فقال: قد اتخذت إذا بطانة ~~من دون المؤمنين. ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا ~~يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، واطلاع على ~~دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب، ولهذا قال ms0418 ~~تعالى: { لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم } أي تمنوا ~~وقوعكم في المشقة. # ثم قال تعالى: { قد بدت البغضآء من أفواههم وما ~~تخفي صدورهم أكبر } أي قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ~~ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام ~~وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل، ولهذا قال تعالى: { قد ~~بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون } ، وقوله تعالى: { ~~هآأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم } أي أنتم ~~أيها المؤمنون تحبون المنافقين بما يظهرون لكم من الإيمان فتحبونهم على ~~ذلك، وهم لا يحبونكم لا باطنا ولا ظاهرا، { وتؤمنون بالكتاب ~~كله } أي ليس عندكم في شيء منه شك ولا ريب، وهم عندهم الشك والريب ~~والحيرة، عن ابن عباس: { وتؤمنون بالكتاب كله } أي ~~بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم فأنتم ~~أحق بالبغضاء لهم منهم لكم، { وإذا لقوكم قالوا آمنا ~~وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } ~~والأنامل أطراف الأصابع، قاله قتادة. # وقال الشاعر: # وما حملت كفاي أنملي العشرا # وقال ابن مسعود والسدي: الأنامل الأصابع، وهذا شأن المنافقين يظهرون ~~للمؤمنين الإيمان والمودة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه كما قال ~~تعالى: { وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من ~~الغيظ } وذلك أشد الغيظ والحنق، قال الله تعالى: { قل موتوا ~~بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور } أي مهما كنتم ~~تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله متم نعمته على ~~عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومعل كلمته ومظهر دينه، فموتوا أنتم بغيظكم، ~~{ إن الله عليم بذات الصدور } أي هو عليم بما تنطوي عليه ~~ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم ~~عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تأملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في ~~النار التي أنتم خالدون فيها، لا محيد لكم عنها، ولا خروج لكم منها. # ثم قال تعالى: { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم ~~سيئة يفرحوا بها } وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم ~~للمؤمنين، وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر ms0419 وتأييد وكثروا وعز أنصارهم ~~ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سنة أي جدب أو أديل عليهم الأعداء ~~- لما لله تعالى في ذلك من الحكمة كما جرى يوم أحد - فرح المنافقون ~~ذلك. قال الله تعالى مخاطبا للمؤمنين: { وإن تصبروا وتتقوا ~~لا يضركم كيدهم شيئا } الآية، يرشدهم تعالى إلى السلامة ~~من شر الأشرار وكيد الفجار، باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله، ~~الذي هو محيط بأعدائهم فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته ومن توكل ~~عليه كفاه. # ثم شرع تعالى في ذكر قصة أحد وما كان فيها من الإختبار لعباده ~~المؤمنين، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وبيان الصابرين فقال تعالى: ~~{ وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد ~~للقتال والله سميع عليم... }. ### || [3.121-123] # المراد بهذه الوقعة يوم أحد عند الجمهور، وعن الحسن البصري: المراد ~~بذلك يوم الأحزاب. وكانت وقعة أحد يوم السبت من شوال سنة ثلاث من ~~الهجرة، قال قتادة: لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال، وقال عكرمة: يوم السبت ~~للنصف من شوال فالله أعلم، وكان سببها أن المشركين حين قتل من قتل من ~~أشرافهم يوم بدر، وسلمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي ~~سفيان قال أبناء من قتل ورؤساء من بقي لأبي سفيان: ارصد هذه الأموال ~~لقتال محمد فأنفقوها في ذلك، فجمعوا الجموع والأحابيش وأقبلوا في نحو ~~ثلاثة آلاف حتى نزلوا قريبا من أحد تلقاء المدينة، فصلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الجمعة فلما فرغ منها استشار الناس: " أيخرج إليهم أم ~~يمكث بالمدينة "؟ فأشار (عبد الله بن أبي) بالمقام بالمدينة، فإن أقاموا ~~أقاموا بشر محبس، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء ~~والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين وأشار آخرون من ~~الصحابة ممن لم يشهد بدرا بالخروح إليهم. فدخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلبس لامته وخرج عليهم، وقد ندم بعضهم، وقالوا: لعلنا استكرهنا رسول ~~الله صلى ms0420 الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله إن شئت أن نمكث، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يرجع حتى يحكم الله له " # ، فسار صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه، فلما كانوا بالشوط رجع ~~(عبد الله بن أبي) بثلث الجيش مغضبا لكونه لم يرجع إلى قوله، وقال هو ~~وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالا لاتبعناكم ولكنا لا نراكم تقاتلون، واستمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرا حتى نزل الشعب من أحد في عدوة ~~الوادي، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: # " لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال ". # وتهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه، ~~وأمر على الرماة (عبد الله بن جبير) أخا بني عمرو بن عوف، والرماة ~~يومئذ خمسون رجلا فقال لهم: " انضحوا الخيل عنا ولا تؤتين من قبلكم، ~~والزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير ~~فلا تبرحوا مكانكم " ، وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، ~~وأعطى اللواء (مصعب بن عمير) أخا بني عبد الدار. وأجاز رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعض الغلمان يومئذ وأخر آخرين حتى أمضاهم يوم الخندق بعد ~~هذا اليوم بقريب من سنتين، وتهيأ قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائة فرس قد ~~جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل (خالد بن الوليد) وعلى الميسرة (عكرمة بن ~~أبي جهل)، ودفعوا اللواء إلى بني عبد الدار، ثم كان بين الفريقين ما ~~سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى. # ولهذا قال تعالى: { وإذ غدوت من أهلك تبوىء ~~المؤمنين مقاعد للقتال } أي تنزلهم وتجعلهم ميمنة وميسرة ~~وحيث أمرتهم، { والله سميع عليم } أي سميع لما تقولون عليم ~~بضمائركم. # وقوله تعالى: { إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا } ~~الآية. قال البخاري، قال عمر: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت: { ~~إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا } الآية قال: نحن ~~الطائفتان (بنو حارثة) و (بنو سلمة)، وما يسرني أنها لم تنزل لقوله ~~تعالى: ms0421 { والله وليهما }. # وقوله تعالى: { ولقد نصركم الله ببدر } أي يوم بدر، ~~وكان يوم الجمعة وافق السابع عشر من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة، ~~وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب ~~محله وحزبه، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة ~~عشر رجلا، فيهم فارسان وسبعون بعيرا والباقون مشاة ليس معهم من العدد ~~جميع ما يحتاجون إليه، وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في ~~سوابغ الحديد والبيض والعدة الكاملة، والخيول المسومة والحلي الزائد. ~~فأعز الله رسوله وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي وقبيله وأخزى ~~الشيطان وجيله، ولهذا قال تعالى ممتنا على عباده المؤمنين وحزبه ~~المتقين، { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } ~~أي قليل عددكم لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العدد ~~والعدد، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: # ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا # [التوبة: 25]. وقال الإمام أحمد، عن سماك قال: سمعت عياضا الأشعري، ~~قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء. وقال عمر: إذا كان قتالا فعليكم ~~أبو عبيدة، قال: فكتبنا إليه أنه قد جأش إلينا الموت واستمددناه، فكتب ~~إلينا إنه قد جاءني كتابكم تستمدونني وإني أدلكم على من هو أعز نصرا، ~~وأحصن جندا، الله عز وجل فاستنصروه، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم قد ~~نصر في يوم بدر في أقل من عدتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا ~~تراجعوني. قال: فقاتلناهم فهزمناهم أربع فراسخ، قال: وأصبنا أموالا ~~فتشاورنا، فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل ذي رأس عشرة. و (بدر) محلة بين ~~مكة والمدينة تعرف ببئرها منسوبة إلى رجل حفرها يقال له: (بدر بن ~~النارين) قال الشعبي: بدر بئر لرجل يسمى بدرا، وقوله: { فاتقوا ~~الله لعلكم تشكرون } أي تقومون بطاعته. ### || [3.124-129] # اختلف المفسرون في هذا الوعد: هل كان يوم بدر أو يوم أحد؟ على قولين: ~~أحدهما: إن قوله: { إذ تقول للمؤمنين } متعلق بقوله: # ولقد نصركم الله ببدر # [آل عمران: 123] واختاره ابن جرير. ms0422 قال عباد بن منصور عن الحسن في قوله: ~~{ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ~~ربكم بثلاثة ءالف من الملائكة } ، قال: هذا يوم ~~بدر. وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف ~~ثم صاروا خمسة آلاف، فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول ~~وبين قوله في قصة بدر: # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم ~~بألف من الملائكة مردفين # [الأنفال: 9] - إلى قوله - # إن الله عزيز حكيم # [الأنفال: 10]؟ فالجواب أن التنصيص على الألف ههنا لا ينافي الثلاثة ~~الآلاف فما فوقها لقوله: { مردفين } بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ~~ألوف أخر مثلهم، وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران، فالظاهر ~~أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم ~~بدر، والله أعلم. # (القول الثاني): إن هذا الوعد متعلق بقوله: # وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد ~~للقتال # [آل عمران: 121] وذلك يوم أحد، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك، لكن ~~قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف لأن المسلمين فروا يومئذ. وقوله ~~تعالى: { بلى إن تصبروا وتتقوا } يعني تصبروا على مصابرة ~~عدوكم، وتتقوني وتطيعوا أمري، وقوله تعالى: { ويأتوكم من ~~فورهم هذا } ، قال الحسن وقتادة: أي من وجههم هذا، وقال مجاهد ~~وعكرمة: أي من غضبهم هذا. وقال ابن عباس: من سفرهم هذا، ويقال: من غضبهم ~~هذا، وقوله تعالى: { يمددكم ربكم بخمسة ءالف من ~~الملائكة مسومين } أي معلمين بالسيما. عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض، وكان سيماهم ~~أيضا في نواصي خيولهم. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه في هذه الآية { مسومين } قال: بالعهن ~~الأحمر، وقال ابن عباس رضي الله عنه: أتت الملائكة محمدا صلى الله عليه ~~وسلم مسومين بالصوف فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف، ~~وقال قتادة وعكرمة: { مسومين } أي بسيما القتال. وعن ابن عباس قال: ~~كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين ~~عمائم حمر، ولم ms0423 تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون عددا ~~ومددا لا يضربون. وقوله تعالى: { وما جعله الله إلا ~~بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به } أي وما أنزل الله ~~الملائكة وأعلمكم بإنزالهم إلا بشارة لكم وتطييبا لقلوبكم وتطمينا، ~~وإلا فإنما النصر من عند الله الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن ~~غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال: # ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ~~ليبلوا بعضكم ببعض # [محمد: 4]، ولهذا قال ههنا: { وما جعله الله إلا بشرى ~~لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من ~~عند الله العزيز الحكيم } أي هو ذو العزة التي لا ترام، ~~والحكمة في قدره والأحكام. # ثم قال تعالى: { ليقطع طرفا من الذين كفروا } أي ~~أمركم بالجهاد والجلاد لما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير، ولهذا ذكر ~~جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين، فقال: { ليقطع طرفا } ~~أي ليهلك أمة { من الذين كفروا أو يكبتهم ~~فينقلبوا } أي يرجعوا { خآئبين } ، أي لم يحصلوا على ما أملوا، ~~ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له ~~فقال تعالى: { ليس لك من الأمر شيء } ، أي بل الأمر كله ~~إلي، كما قال تعالى: # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40]، وقال: # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء # [البقرة: 272]، وقال: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56]، وقال محمد بن إسحاق في قوله: { ليس لك من الأمر ~~شيء } أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم. ثم ذكر ~~بقية الأقسام فقال: { أو يتوب عليهم } أي مما هم فيه من الكفر ~~فيهديهم بعد الضلالة { أو يعذبهم } أي في الدنيا والآخرة على ~~كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال: { فإنهم ظالمون } أي يستحقون ذلك، ~~قال البخاري: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم حتى أنزل الله ~~تعالى: { ليس لك من ms0424 الأمر شيء } الآية. وقال البخاري أيضا، ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~أراد أن يدعوا على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع وربما قال: إذا قال: # " سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد: اللهم أنج الوليد بن الوليد، ~~وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد ~~وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: " اللهم العن فلانا ~~وفلانا " لأحياء من أحياء العرب حتى أنزل الله: { ليس لك من ~~الأمر شيء } الآية. # وقال الإمام أحمد: عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: " كيف ~~يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم عز وجل " فأنزل الله: { ~~ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو ~~يعذبهم فإنهم ظالمون }. # وقال ابن جرير: عن قتادة قال: أصيب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ~~وكسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدم يسيل، فمر به سالم ~~مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول: " كيف بقوم فعلوا ~~هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله عز وجل؟ " فأنزل الله: { ليس لك ~~من الأمر شيء } الآية. # ثم قال تعالى: { ولله ما في السموت وما في الأرض } ~~الآية، أي الجميع ملك له، وأهلهما عبيد بين يديه، { يغفر لمن ~~يشآء ويعذب من يشآء } أي هو المتصرف فلا معقب لحكمه، ولا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون { والله غفور رحيم }. ### || [3.130-136] # يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة، ~~كما كانوا في الجاهلية يقولون إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي وإما أن ~~تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده في القدر، وهكذا كل عام فربما ~~تضاعف القليل حتى يصير كثيرا مضاعفا، وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم ~~يفلحون في الأولى وفي الآخرة، ثم ms0425 توعدهم بالنار وحذرهم منها، فقال تعالى: ~~{ واتقوا النار التي أعدت للكافرين * ~~وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون } ، ثم ندبهم ~~إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال تعالى: { ~~وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السموت والأرض أعدت للمتقين } أي كما أعدت النار ~~للكافرين. وقد قيل: إن في معنى قوله: { عرضها السموت ~~والأرض } تنبيها على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة: # بطآئنها من إستبرق # [الرحمن: 54] أي فما ظنك بالظهائر، وقيل: بل عرضها كطولها لأنها قبة تحت ~~العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دل على ذلك ما ثبت في ~~الصحيح: # " إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ~~ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن " # وهذه الآية كقوله في (سورة الحديد): # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~كعرض السمآء والأرض # [الآية: 21] الآية. وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن (هرقل) كتب إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار " ". # وهذا يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم ~~مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، ~~وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل، وهذا أظهر، والثاني: أن يكون ~~المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من ~~الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السماوات تحت العرش وعرضها، ~~كما قال الله عز وجل: # كعرض السمآء والأرض # [الحديد: 21] والنار في أسفل سافلين، فلا تنافي بين كونها كعرض السماوات ~~والأرض وبين وجود النار، والله أعلم. # ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال: { الذين ينفقون في ~~السرآء والضرآء } أي في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره، ~~والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال: # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية # [البقرة: 274]، والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى ms0426 ~~والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر، ~~وقوله تعالى: { والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس } ~~، أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفوا مع ذلك عمن ~~أساء إليهم، وقد ورد في بعض الآثار: # " يقول تعالى يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، اذكرك إذا غضبت فلا أهلكك ~~فيمن أهلك ". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " # وقال الإمام أحمد، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " " أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله " ، قالوا: يا رسول الله ما منا ~~أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: " اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا ~~مال وارثه أحب إليه من ماله، مالك من مالك إلا ما قدمت، وما لوارثك ~~إلا ما أخرت " قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تعدون ~~الصرعة فيكم! قلنا الذي لا تصرعه الرجال، قال: " لا، ولكن الذي يملك نفسه ~~عن الغضب " ، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرون ما ~~الرقوب " قلنا: الذي لا ولد له، قال: " لا، ولكن الرقوب الذي لا يقدم من ~~ولده شيئا " ". # حديث آخر: قال الإمام أحمد، عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى ~~يخيره من أي الحور شاء ". # حديث آخر: عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى: { والكاظمين ~~الغيظ } أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله جوفه أمنا وإيمانا ". # فقوله تعالى: { والكاظمين الغيظ } أي لا يعملون غضبهم في ~~الناس بل يكفون عنهم شرهم ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل، ثم قال تعالى: ~~{ والعافين عن الناس } أي مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في ~~أنفسهم، فلا ms0427 يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال ولهذا قال: ~~{ والله يحب المحسنين } فهذا من مقامات الإحسان. وفي ~~الحديث: # " ثلاث أقسم عليهن، ما نقص مال من صدقة وما زاد الله عبدا بعفو إلا ~~عزا، ومن تواضع لله رفعه الله " # وروى الحاكم في مستدركه، عن أبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ومن سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط ~~من حرمه، ويصل من قطعه " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس، هلموا ~~إلى ربكم، وخذوا أجوركم، وحق على كل امرىء مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة ". # وقوله تعالى: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } أي إذا ~~صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار. قال الإمام أحمد، عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن رجلا أذنب ذنبا فقال: رب إني أذنبت ذنبا فاغفره لي، فقال الله ~~عز وجل: عبدي عمل ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب يأخذ به قد غفرت ~~لعبدي، ثم عمل ذنبا آخر فقال: رب إني عملت ذنبا فاغفره، فقال تبارك ~~وتعالى: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ~~ذنبا آخر فقال: رب إني عملت ذنبا فاغفر لي، فقال عز وجل: علم عبدي ~~أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبا آخر فقال: ~~رب إني عملت ذنبا فاغفره فقال الله عز وجل عبدي علم أن له ربا يغفر ~~الذنب ويأخذ به أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء " # وعن علي رضي الله عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا ~~حلف لي صدقته؛ وإن أبا بكر رضي الله عنه حدثني، ms0428 وصدق أبو بكر، أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ ويحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين فيستغفر ~~الله عز وجل، إلا غفر له " # ومما يشهد لصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت ~~له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " # وعن أنس رضي الله عنه قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية: { ~~والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } بكى. # وعن أبي بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما فإن إبليس قال: ~~أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ~~ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون " # وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في ~~أجسادهم، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ~~". # وقوله تعالى: { ومن يغفر الذنوب إلا الله } أي لا ~~يغفرها أحد سواه، وقوله: { ولم يصروا على ما فعلوا ~~وهم يعلمون } أي تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عز وجل عن ~~قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر ~~منهم الذنب تابوا منه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " # ، { وهم يعلمون } أن من تاب تاب الله عليه وهذا كقوله تعالى: # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده # [التوبة: 104]، وكقوله: # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما # [النساء: ms0429 110] ونظائر هذا كثيرة جدا. ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم ~~به: { أولئك جزآؤهم مغفرة من ربهم } أي جزاؤهم ~~على هذه الصفات { مغفرة من ربهم وجنات تجري من ~~تحتها الأنهار } أي من أنواع المشروبات، { خالدين فيها } ~~أي ماكثين فيها، { ونعم أجر العاملين } يمدح تعالى الجنة. ### || [3.137-143] # يقول تعالى مخاطبا عباده المؤمنين لما أصيبوا يوم أحد وقتل منهم سبعون: ~~{ قد خلت من قبلكم سنن } ، أي قد جرى نحو هذا على الأمم ~~الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة ~~على الكافرين، ولهذا قال تعالى: { فسيروا في الأرض فانظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين } ، ثم قال تعالى: { هذا ~~بيان للناس } يعني القرآن فيه بيان الأمور على جليتها وكيف كان ~~الأمم الأقدمون مع أعدائهم، { وهدى وموعظة } يعني القرآن فيه ~~خبر ما قبلكم وهدى لقلوبكم وموعظة أي زاجر عن المحارم والمآثم، ثم قال ~~تعالى مسليا للمؤمنين: { ولا تهنوا } أي لا تضعفوا بسبب ما جرى، { ~~ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } ~~أي العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون، { إن يمسسكم قرح فقد ~~مس القوم قرح مثله } أي إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل ~~منكم طائفة فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح، { وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس } أي نديل عليكم الأعداء تارة، ~~وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة، ولهذا قال تعالى: { ~~وليعلم الله الذين آمنوا } قال ابن عباس: في مثل هذا ~~لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء { ويتخذ منكم شهدآء } يعني ~~يقتلون في سبيله ويبذلون مهجهم في مرضاته، { والله لا يحب ~~الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا } أي يكفر ~~عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب، وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما ~~أصيبوا به. # وقوله تعالى: { ويمحق الكافرين } أي فإنهم إذا ظفروا بغوا ~~وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، ثم قال تعالى: { ~~أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } ، أي أحسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد، ms0430 كما قال تعالى في سورة ~~البقرة: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء ~~والضرآء وزلزلوا # [الآية: 214]. وقال تعالى: # الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون # [العنكبوت: 1-2] الآية، ولهذا قال ههنا: { أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم ويعلم الصابرين } أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى ~~تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة ~~الأعداء. # وقوله تعالى: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن ~~تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون } أي قد كنتم ~~أيها المؤمنون قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو، وتحترقون عليه وتودون ~~مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه فدونكم ~~فقاتلوا وصابروا، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا ~~واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " # ، ولهذا قال تعالى: { فقد رأيتموه } يعني الموت شاهدتموه وقت ~~حد الأسنة واشتباك الرماح، وصفوف الرجال للقتال، والمتكلمون يعبرون عن ~~هذا بالتخييل، وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس، كما تتخيل الشاة صداقة ~~الكبش، وعداوة الذئب. ### || [3.144-148] # لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد وقتل من قتل منهم، نادى ~~الشيطان: ألا إن محمدا قد قتل، ورجع (ابن قميئة) إلى المشركين فقال لهم: ~~قتلت محمدا، وإنما كان قد ضرب رسول الله فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب ~~كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل وجوزوا ~~عليه ذلك - كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء عليهم السلام - فحصل ضعف ~~ووهن وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى: { وما محمد ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } أي له أسوة بهم في ~~الرسالة وفي جواز القتل عليه. قال ابن أبي نجيح عن أبيه: إن رجلا من ~~المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه فقال له: يا فلان ~~أشعرت أن محمدا صلى ms0431 الله عليه وسلم قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان ~~محمدا قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: { وما محمد ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل }. ثم قال تعالى ~~منكرا على من حصل له ضعف: { أفإن مات أو قتل انقلبتم ~~على أعقابكم } أي رجعتم القهقرى، { ومن ينقلب على ~~عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين } أي الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله ~~حيا وميتا، وكذلك ثبت في الصحاح والمسانيد والسنن أن الصديق رضي الله ~~عنه تلا هذه الآية لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. # عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه أقبل على فرس من مسكنه ~~بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغطى بثوب حبرة: فكشف عن وجهه ثم أكب ~~عليه وقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي والله لا يجمع الله عليك ~~موتتين: أما الموتة التي كتب عليك فقد متها، وروى الزهري: عن ابن عباس أن ~~أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، قال أبو بكر: أما بعد من ~~كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا ~~يموت، قال الله تعالى: { وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل } إلى قوله: { وسيجزي الله الشاكرين } ، ~~قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها ~~عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم فما أسمع بشرا من الناس إلا ~~يتلوها. وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا ~~بكر تلاها فعرقت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض. # وقال أبو القاسم الطبراني، عن عكرمة عن ابن عباس: أن عليا كان يقول في ~~حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم } والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ ~~هدانا الله، والله ms0432 لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، ~~والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه فمن أحق به مني؟ وقوله تعالى: { ~~وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا ~~مؤجلا } أي لا يموت أحد إلا بقدر الله وحتى يستوفي المدة التي ~~ضربها الله له، ولهذا قال: { كتابا مؤجلا } كقوله: # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب # [فاطر: 11]، وكقوله: # هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل ~~مسمى عنده # [الأنعام: 2] وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن ~~الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم ~~عن حبيب بن ظبيان: قال رجل من المسلمين وهو (حجر بن عدي): ما يمنعكم أن ~~تعبروا إلى هؤلاء العدو هذه النطفة - يعني دجلة - { وما كان لنفس ~~أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا } ثم أقحم فرسه ~~دجلة، فلما أقحم أقحم الناس، فلما رآهم العدو قالوا: ديوان... فهربوا. # وقوله تعالى: { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن ~~يرد ثواب الآخرة نؤته منها } أي من كان عمله للدنيا فقط ~~ناله منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة من نصيب، ومن قصد بعمله ~~الدار الآخرة أعطاه الله منها وما قسم له في الدنيا كما قال تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]، وقال تعالى: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا # [الإسراء: 18-19]، ولهذا قال ههنا: { وسنجزي الشاكرين } أي ~~سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم. ثم قال ~~تعالى مسليا للمؤمنين عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد، { وكأين من ~~نبي قاتل معه ربيون كثير } قيل معناه: كم من نبي قتل ~~وقتل معه ربيون من ms0433 أصحابه كثير، وهذا القول هو اختيار ابن جرير. وقد عاتب ~~الله بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أحد وتركوا القتال لما سمعوا ~~الصائح يصيح بأن محمدا قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال ~~فقال لهم: { أفإن مات أو قتل } ، أيها المؤمنون ارتددتم عن ~~دينكم و { انقلبتم على أعقابكم } وقيل: وكم من نبي قتل ~~بين يديه من أصحابه ربيون كثير. # وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولا آخر، فإنه قال: وكأين من نبي ~~أصابه القتل ومع ربيون أي جماعات فما وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن ~~عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر ~~{ والله يحب الصابرين }. فجعل قوله: { معه ربيون ~~كثير } حالا، وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه، وله اتجاه لقوله: ~~{ فما وهنوا لمآ أصابهم } الآية. وقرأ بعضهم: { قاتل ~~معه ربيون كثير } أي ألوف، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ~~الربيون الجموع الكثيرة، وقال الحسن: { ربيون كثير } ، أي علماء ~~كثير، وعنه أيضا: علماء صبر أي أبرار أتقياء، وحكى ابن جرير عن بعض نحاة ~~البصرة أن الربيين هم الذين يعبدون الرب عز وجل، قال: ورد بعضهم عليه ~~فقال: لو كان كذلك لقيل الربيون بفتح الراء، وقال ابن زيد: الربيون ~~الأتباع والرعية والربانيون الولاة، { فما وهنوا لمآ أصابهم ~~في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا } ، قال قتادة: ~~{ وما ضعفوا } بقتل نبيهم، { وما استكانوا } يقول: فما ~~ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى ~~لحقوا بالله، وقال ابن عباس: { وما استكانوا } تخشعوا، وقال ابن ~~زيد: وما ذلوا لعدوهم، { والله يحب الصابرين * وما كان ~~قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ~~وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على ~~القوم الكافرين } أي لم يكن لهم هجير إلا ذلك، { فآتاهم ~~الله ثواب الدنيا } أي النصر والظفر والعاقبة { وحسن ~~ثواب الآخرة } أي جمع لهم ذلك مع هذا { والله يحب ~~المحسنين }. ### || [3.149-153] # يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم ~~تورث ms0434 الردى في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: { إن تطيعوا ~~الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين } ، ثم أمرهم بطاعته وموالاته والاستعانة به والتوكل عليه ~~فقال تعالى: { بل الله مولاكم وهو خير الناصرين } ، ~~ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم بسبب كفرهم ~~وشركهم، مع ما ادخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال، فقال: { ~~سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بمآ أشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار ~~وبئس مثوى الظالمين } وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد ~~الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان ~~النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " # وقال الإمام أحمد: عن أبي موسى قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعطيت خمسا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورا ~~ومسجدا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة ~~شهر، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة وإني قد اختبأت ~~شفاعتي لمن مات لا يشرك بالله شيئا " # قال ابن عباس في قوله تعالى { سنلقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب } قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب " # وقوله تعالى: { ولقد صدقكم الله وعده إذ ~~تحسونهم بإذنه } قال ابن عباس: وعدهم الله النصر، { إذ ~~تحسونهم } أي تقتلونهم { بإذنه } أي بتسليطه إياكم عليهم { ~~حتى إذا فشلتم } الفشل: الجبن { وتنازعتم في الأمر ~~وعصيتم } كما وقع للرماة { من بعد مآ أراكم ما ~~تحبون } وهو الظفر بهم { منكم من يريد الدنيا } وهم ~~الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة { ومنكم من يريد ~~الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } ثم أدالهم عليكم ~~ليختبركم ويمتحنكم { ولقد عفا عنكم } أي غفر لكم ذلك ms0435 الصنيع. ~~قال ابن جريج: قوله: { ولقد عفا عنكم } قال: لم يستأصلكم { ~~والله ذو فضل على المؤمنين }. # عن ابن مسعود قال: إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى ~~المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر، أنه ليس منا أحد يريد الدنيا حتى ~~أنزل الله: { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد ~~الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } ، فلما خالف ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أمروا به أفرد النبي صلى ~~الله عليه وسلم في تسعة، سبعة من الأنصار ورجلين من قريش وهو عاشرهم صلى ~~الله عليه وسلم، فلما أرهقوه قال: # " " رحم الله رجلا ردهم عنا " ، قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة ~~حتى قتل، فلما أرهقوه أيضا قال: " رحم الله رجلا ردهم عنا " ، فلم يزل ~~يقول ذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: " ~~ما أنصفنا أصحابنا " ، فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " قولوا الله أعلى وأجل، فقالوا: الله أعلى وأجل فقال ~~أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~قولوا: الله مولانا والكافرون لا مولى لهم " ، فقال أبو سفيان: يوم بيوم ~~بدر (فيوم علينا ويوم لنا: ويوم نساء ويوم نسر) حنظلة بحنظلة وفلان ~~بفلان: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا سواء: أما قتلانا فأحياء ~~يرزقون؛ وأما قتلاكم ففي النار يعذبون " ، فقال أبو سفيان: لقد كان في ~~القوم مثلة - وإن كانت لعن غير ملي منا - ما أمرت ولا نهيت، ولا ~~أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، ~~وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " أكلت شيئا "؟ قالوا: لا، قال: " ما كان الله ليدخل شيئا ~~من حمزة في النار " ، قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى ~~عليه، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك ~~حمزة، ms0436 حتى جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة، حتى ~~صلى عليه يومئذ سبعين صلاة ". # وقال البخاري عن البراء قال: # " لقينا المشركين يومئذ وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم حبشا من الرماة ~~وأمر عليهم (عبد الله بن جبير)، وقال: " لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا ~~عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا ". فلما لقيناهم ~~هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن. قد بدت خلاخلهن ~~فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة، فقال عبد الله بن جبير: عهد إلي النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم فأصيب ~~سبعون قتيلا، فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد، فقال: " لا تجيبوه ~~" ، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: " لا تجيبوه " ، فقال: أفي ~~القوم ابن الخطاب، فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم ~~يملك عمر نفسه فقال له: كذبت يا عدو الله، أبقى الله لك ما يحزنك؛ قال ~~أبو سفيان: اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أجيبوه " ، قالوا: ~~ما نقول؟ قال: " قولوا: الله أعلى وأجل " ، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا ~~عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أجيبوه " ، قالوا: ما نقول؟ ~~قال: " قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم " ، قال أبو سفيان: يوم بيوم ~~بدر، والحرب سجال؛ وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني " # وعن الزبير بن العوام قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هنا ~~وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن كثير ولا قليل، ومالت الرماة إلى ~~العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل فأوتينا من ~~أدبارنا، وصرخ صارخ ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم ~~بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم، قال محمد بن ~~إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعا حتى أخذته (عمرة بنت علقمة ~~الحارثية) فدفعته لقريش فلاثوا بها وقال السدي عن عبد الله بن مسعود قال: ~~ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب ms0437 رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا ~~حتى نزل فينا ما نزل يوم أحد { منكم من يريد الدنيا ومنكم ~~من يريد الآخرة }. # وقوله تعالى: { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } ، قال ابن ~~إسحاق: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى (عمر بن الخطاب) و (طلحة ~~بن عبد الله) في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ~~ما يخليكم؟ فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فما تصنعون ~~بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه؛ ثم استقبل القوم فقاتل حتى ~~قتل رضي الله عنه - وقال البخاري عن أنس بن مالك أن عمه يعني (أنس بن ~~النضر) غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي صلى الله عليه وسلم لئن ~~أشهدني الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أجد، فلقي ~~يوم أحد فهزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني ~~المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون؛ فتقدم بسيفه فلقي سعد بن ~~معاذ فقال: أين يا سعد إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل فما عرف حتى ~~عرفته أخته بشامة أو ببنانه وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم. # وقوله تعالى: { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد } أي ~~صرفكم عنهم إذ تصعدون أي في الجبال هاربين من أعدائكم، { ولا تلوون ~~على أحد } أي وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب، { ~~والرسول يدعوكم في أخراكم } أي وهو قد خلفتموه وراء ~~ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة، ~~قال السدي: لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم دخل بعضهم ~~المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها، فجعل الرسول ~~صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: # " إلي عباد الله، إلي عباد الله " # ، فذكر الله صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~إياهم فقال: { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ~~والرسول يدعوكم في أخراكم }. # وعن البراء بن عازب رضي ms0438 الله عنه قال: # " جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين ~~رجلا - (عبد الله بن جبير)، قال: ووضعهم موضعا، وقال: " إن رأيتمونا ~~تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم " ، قال، فهزموهم، قال: فلقد ~~والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسواقهن وخلاخلهن رافعات ~~ثيابهن فقال أصحاب عبد الله: الغنيمة أي قوم الغنيمة! ظهر أصحابكم فما ~~تنظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقالوا: إنا لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة. فلما أتوهم ~~صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا فأصابوا منا سبعين. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر ~~مائة وأربعين، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا. قال أبو سفيان: أفي القوم ~~محمد، أفي القوم محمد، أفي القوم محمد؟ ثلاثا - قال فنهاهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة، أفي ~~القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب، أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم ~~أقبل على أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وكفيتموهم، فما ملك عمر نفسه ~~أن قال: كذبت والله يا عدو الله إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد أبقى ~~الله لك ما يسوؤك، فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. إنكم ستجدون في ~~القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز يقول: اعل هبل، اعل هبل، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا تجيبوه "؟ قالوا: يا رسول الله ~~ما نقول؟ قال: " قولوا الله أعلى وأجل " ، قال: لنا العزى ولا عزى لكم، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا تجيبوه "؟ قالوا: يا رسول الله ~~وما نقول؟ قال: " قولوا الله مولانا ولا مولى لكم " ". # وقد روى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعني يوم ms0439 أحد، وفي الصحيحين، عن أبي عثمان ~~النهدي قال: لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام ~~التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا طلحة بن عبيد الله وسعد ~~عن حديثهما. # وعن سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نثل لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد، وقال: " ارم فداك أبي وأمي " ، وعن ~~سعد بن أبي وقاص أنه رمى يوم أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~سعد: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يناولني النبل، ويقول: " ~~ارم فداك أبي وأمي " حتى أنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به. # وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: # " رأيت يوم أحد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين ~~عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا ~~بعده، يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام، وعن أنس بن مالك: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار واثنين من ~~قريش، فلما أرهقوه قال: " من يردهم عنا وله الجنة - أو هو رفيقي في الجنة ~~- " ، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم أرهقوه أيضا فقال: " من ~~يردهم عنا وله الجنة " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك ~~حتى قتل السبعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: " ما أنصفنا ~~أصحابنا " # وقال أبو الأسود عن عروة بن الزبير قال: # " كان (أبي بن خلف) أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلما بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفته قال: " بل ~~أنا أقتله إن شاء الله " ، فلما كان يوم أحد أقبل (أبي) في الحديد ~~مقنعا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يريد قتله، فاستقبله (مصعب بن عمير) أخو ms0440 بني عبد الدار يقي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة ~~وطعنه فيها بحربته فوقع إلى الأرض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه ~~أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أجزعك إنما هو خدش؟ ~~فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل أنا أقتل أبيا " ، ~~ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا ~~أجمعون " # ، فمات إلى النار # فسحقا لأصحاب السعير # [الملك: 11]. # وذكر محمد بن إسحاق قال: # " لما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه (أبي بن خلف) ~~وهو يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله يعطف عليه رجل ~~منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعوه " ، فلما دنا منه تناول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، فقال بعض القوم ~~كما ذكر لي: فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها ~~انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انفض، ثم استقبله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه ~~مرارا ". # وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو ~~حينئذ يشير إلى رباعيته - واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في سبيل الله " # وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: # " كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة، ثم أنشأ يحدث، ~~قال: كنت أول من فاء يوم أحد فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دونه - وأراه قال حمية - فقلت: كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، ~~فقلت: يكون رجلا من قومي أحب إلي، وبيني ms0441 وبين المشركين رجل لا أعرفه ~~وأنا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، وهو يخطف المشي خطفا ~~لا أعرفه فإذا هو (أبو عبيدة بن الجراح) فانتهيت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه، وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق ~~المغفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عليكما صاحبكما يريد طلحة ~~" وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله قال: وذهبت لأنزع ذلك من وجهه، فقال (أبو ~~عبيدة): أقسمت عليك بحقي لما تركتني فتركته، فكره أن يتناولها بيده فيؤذي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأزم عليها بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين، ~~ووقعت ثنيته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع فقال: أقسمت عليك بحقي لما ~~تركتني، قال، ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، ووقعت ثنيته الأخرى مع ~~الحلقة، فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هتما، فأصلحنا من شأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم أتينا (طلحة) في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع ~~وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت أصبعه، فأصلحنا ~~من شأنه " # وقال ابن وهب: إن (مالكا) أبا أبي سعيد الخدري لما جرح النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم أحد مص الجرج حتى أنقاه ولاح أبيض فقيل له: مجه، فقال: ~~لا والله لا أمجه أبدا، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا فاستشهد " # وقد ثبت في الصحيحين عن سهل بن سعد أنه سئل عن جرح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: جرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته ~~وهشمت البيضة على رأسه صلى الله عليه وسلم، فكانت فاطمة تغسل الدم وكان ~~علي يسكب عليه الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا ~~كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها، حتى إذا صارت رمادا ألصقته بالجرح ~~فاستمسك الدم. # وقوله تعالى: { فأثابكم غما بغم } أي فجزاكم غما ms0442 على غم، ~~كما تقول العرب: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان، وقال ابن جرير: ~~وكذا قوله: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71] أي على جذوع النخل. قال ابن عباس: الغم الأول بسبب الهزيمة ~~وحين قيل قتل محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني حين علاهم المشركون فوق ~~الجبل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم ليس لهم أن يعلونا " # ، وعن عبد الرحمن بن عوف: الغم الأول بسبب الهزيمة، والثاني حين قيل: ~~قتل محمد صلى الله عليه وسلم كان ذلك عندهم أشد وأعظم من الهزيمة. وقال ~~السدي: الغم الأول بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثاني بإشراف ~~العدو عليهم. وقال محمد بن إسحاق: { فأثابكم غما بغم } أي ~~كربا بعد كرب من قتل من قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في ~~أنفسكم من قتل نبيكم، فكان ذلك متتابعا عليكم غما بغم. وقال مجاهد ~~وقتادة: الغم الأول سماعهم قتل محمد، والثاني ما أصابهم من القتل ~~والجراح. وقوله تعالى: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } ~~أي على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم { ولا مآ أصابكم } من ~~الجراح والقتل قاله ابن عباس والسدي { والله خبير بما ~~تعملون } سبحانه وبحمده، لا إله إلا هو جل وعلا. ### || [3.154-155] # يقول تعالى ممتنا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة وهو ~~النعاس الذي غشيهم وهم مشتملون السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل ~~تلك الحال دليل على الأمان. كما قال في سورة الأنفال في قصة بدر: # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه # [الأنفال: 11] الآية، قال ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن مسعود قال: ~~(النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان). وقال البخاري، عن ~~أبي طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي ~~مرارا يسقط وآخذه ويسقط وآخذه. وعن أنس بن مالك، أن أبا طلحة قال: ~~غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط ~~وآخذه، قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم، ms0443 أجبن ~~قوم وأرعبه وأخذله للحق، { يظنون بالله غير الحق ظن ~~الجاهلية } أي إنما هم أهل شك وريب في الله عز وجل، فإن الله ~~عز وجل يقول: { ثم أنزل عليكم من بعد الغم ~~أمنة نعاسا يغشى طآئفة منكم } يعني أهل الإيمان ~~واليقين والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله عز وجل سينصر ~~رسوله وينجز له مأموله، ولهذا قال: { وطآئفة قد أهمتهم ~~أنفسهم } يعني لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف { ~~يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية } كما قال ~~في الآية الأخرى: # بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى ~~أهليهم أبدا # [الفتح: 12] وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها ~~الفيصلة، وأن الإسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك، إذا حصل ~~أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة، ثم أخبر تعالى عنهم ~~أنهم { يقولون } في تلك الحال { هل لنا من الأمر من شيء ~~} فقال تعالى: { قل إن الأمر كله لله يخفون في ~~أنفسهم ما لا يبدون لك } ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: ~~{ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ~~هاهنا } ، أي يسرون هذه المقالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ~~ابن إسحاق: عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير لقد رأيتني مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم، ~~فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره. قال: فوالله إني لأسمع قول (متعب بن ~~قشير) ما أسمعه إلا كالحلم يقول: { لو كان لنا من الأمر ~~شيء ما قتلنا هاهنا } فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله: { ~~يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ~~هاهنا } لقول معتب. قال الله تعالى: { قل لو كنتم في ~~بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم } أي هذا قدر قدره الله عز وجل وحكم حتم لا محيد عنه ولا ~~مناص منه. # وقوله تعالى: { وليبتلي الله ما في صدوركم ~~وليمحص ما في قلوبكم } أي يختبركم بما ms0444 جرى عليكم ليميز ~~الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال ~~والأفعال، { والله عليم بذات الصدور } أي بما يختلج في ~~الصدور من السرائر والضمائر. ثم قال تعالى: { إن الذين ~~تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا } أي ببعض ذنوبهم ~~السالفة، كما قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من ~~جزاء السيئة السيئة بعدها. ثم قال تعالى: { ولقد عفا الله ~~عنهم } أي عما كان منهم من الفرار، { إن الله غفور حليم ~~} أي يغفر الذنب ويحلم عن خلقه ويتجاوز عنهم. ### || [3.156-158] # ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الدال ~~عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب: لو كانوا تركوا ~~ذلك لما أصابهم ما أصابهم، فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم } أي عن ~~إخوانهم، { إذا ضربوا في الأرض } أي سافروا للتجارة ونحوها، { ~~أو كانوا غزى } أي كانوا في الغزو، { لو كانوا عندنا } ~~أي في البلد، { ما ماتوا وما قتلوا } أي ما ماتوا في السفر وما ~~قتلوا في الغزو. وقوله تعالى: { ليجعل الله ذلك حسرة في ~~قلوبهم } أي خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم، ~~ثم قال تعالى ردا عليهم: { والله يحيي ويميت } أي بيده ~~الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ~~ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره، { والله ~~بما تعملون بصير } أي علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى ~~عليه من أمورهم شيء، وقوله تعالى: { ولئن قتلتم في سبيل ~~الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير ~~مما يجمعون } تضمن هذا أن القتل في سبيل الله والموت أيضا ~~وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا ~~وجمع حطامها الفاني، ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه ~~إلى الله عز وجل فيجزيه بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر فقال ms0445 تعالى: ~~{ ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون }. ### || [3.159-164] # يقول تعالى مخاطبا رسوله ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه ~~على أمته المتبعين لأمره التاركين لزجره وأطاب لهم لفظه { فبما ~~رحمة من الله لنت لهم } أي بأي شيء جعلك الله لهم لينا ~~لولا رحمة الله بك وبهم، وقال قتادة: { فبما رحمة من الله ~~لنت لهم } يقول: فبرحمة من الله لنت لهم و (ما) صلة، والعرب تصلها ~~بالمعرفة كقوله # فبما نقضهم ميثاقهم # [النساء: 155، المائدة: 13]، وبالنكرة كقوله: # عما قليل # [المؤمنون: 40] وهكذا ههنا. قال: { فبما رحمة من الله ~~لنت لهم } أي برحمة من الله، وقال الحسن البصري: هذا خلق محمد صلى ~~الله عليه وسلم بعثه الله به، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. ثم قال تعالى: { ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك } ، والفظ: الغليظ والمراد به ههنا غليظ ~~الكلام لقوله بعد ذلك: { غليظ القلب } أي لو كنت سيء الكلام قاسي ~~القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم ~~تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: إني أرى صفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة " أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في ~~الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ". ولهذا قال تعالى: ~~{ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر }. ~~ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، ~~تطيبا لقلوبهم، ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر في ~~الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول الله لو استعرضت بنا عرض البحر ~~لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال ~~قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب ~~فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون. وشاورهم أيضا أين يكون ~~المنزل، حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام ms0446 القوم، وشاورهم في أحد ~~في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، ~~فخرج إليهم، وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة ~~عامئذ فأبى ذلك عليه السعدان، سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك، ~~وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين، فقال له الصديق: ~~إنا لم نجيء لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال، فكان صلى ~~الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها. # وروينا عن ابن عباس في قوله تعالى: { وشاورهم في الأمر } قال: ~~نزلت في أبي بكر وعمر، وكانا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه ~~وأبوي المسلمين، وقد روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: # " لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما " # ، وروى ابن مردويه، عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن العزم؟ فقال: # " مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم " # ، وقد قال ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " المستشار مؤتمن ". # وقوله تعالى: { فإذا عزمت فتوكل على الله } ، أي إذا ~~شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه { إن الله يحب ~~المتوكلين } ، وقوله تعالى: { إن ينصركم الله فلا ~~غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من ~~بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون } وهذه الآية ~~كما تقدم من قوله: # وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم # [آل عمران: 126]، ثم أمرهم بالتوكل عليه فقال: { وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } ، وقوله تعالى: { وما كان ~~لنبي أن يغل } ، قال ابن عباس ومجاهد: ما ينبغي لنبي أن يخون، ~~وقال ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أخذها فأنزل الله: { وما كان لنبي أن ~~يغل } أي يخون. وقال ابن جرير، عن ابن عباس، أن هذه الآية: { وما ~~كان لنبي أن يغل } نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، ms0447 فقال ~~بعض الناس: لعل رسول الله أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل الله: { وما ~~كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم ~~القيامة } ، وعنه قال: اتهم المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بشيء فقد، فأنزل الله تعالى: { وما كان لنبي أن يغل } ، ~~وهذا تنزيه له صلوات الله وسلامه عليه من جميع وجوه الخيانة في أداء ~~الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك. { ومن يغلل يأت بما غل ~~يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم ~~لا يظلمون } وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقد وردت السنة بالنهي ~~عن ذلك أيضا في أحاديث متعددة. قال الإمام أحمد عن أبي مالك الأشجعي، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أعظم الغلول عند الله ذراع في الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض - ~~أو في الدار - فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعا فإذا قطعه طوقه من سبع ~~أرضين يوم القيامة ". # (حديث آخر): قال الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت ~~المستورد بن شداد يقول، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا، أو ليست له زوجة ~~فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادما، أو ليس له دابة فليتخذ دابة، ومن ~~أصاب شيئا سوى ذلك فهو غال ". # (حديث آخر): قال ابن جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي: يا محمد يا ~~محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم ~~القيامة يحمل جملا له رغاء يقول: يا محمد يا محمد! فأقول: لا أملك لك من ~~الله شيئا قد بلغتك، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا له ~~حمحمة ينادي: يا محمد يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد ~~بلغتك، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قسما من أدم ينادي: يا محمد ~~يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله ms0448 شيئا قد بلغتك ". # (حديث آخر): قال الإمام أحمد: # " استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن ~~اللتبية على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال: " ما بال العامل نبعثه على عمل ~~فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى ~~إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم ~~القيامة على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة ~~تيعر " ، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال: " اللهم هل بلغت "؟ ~~ثلاثا ". # (حديث آخر): قال أبو عيسى الترمذي، عن معاذ بن جبل قال: # " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري ~~فرددت، فقال: " أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئا بغير إذني فإنه غلول: ~~{ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } لهذا دعوتك ~~فامض لعملك " ". # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: # " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فذكر الغلول فعظمه وعظم ~~أمره، ثم قال: " لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ~~فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك، لا ~~ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول: يا رسول ~~الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك، لا ألفين أحدكم ~~يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا ~~أملك لك من الله شيئا قد بلغتك " # أخرجه الشيخان. # وقوله تعالى: { أفمن اتبع رضوان الله كمن بآء ~~بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير } أي ~~لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه، ~~ومن استحق غضب الله وألزمه به فلا محيد له عنه ومأواه يوم القيامة جهنم ~~وبئس المصير، وهذه ms0449 الآية لها نظائر كثيرة في القرآن كقوله تعالى: # أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق ~~كمن هو أعمى # [الرعد: 19]، كقوله: # أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن ~~متعناه متاع الحياة الدنيا # [القصص: 61] الآية. ثم قال تعالى: { هم درجات عند الله } قال ~~الحسن البصري: يعني أهل الخير وأهل الشر درجات، وقال أبو عبيدة والكسائي: ~~منازل، يعني متفاوتون في منازلهم، درجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار، ~~كقوله تعالى: # ولكل درجات مما عملوا # [الأنعام: 132، الأحقاف: 19] الآية، ولهذا قال تعالى: { والله ~~بصير بما يعملون } ، أي وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيرا ولا ~~يزيدهم شرا، بل يجازي كل عامل بعمله. وقوله تعالى: { لقد من ~~الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم } أي من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته ~~والانتفاع به، كما قال تعالى: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ ~~إلهكم إله واحد # [الكهف: 110، فصلت: 6] الآية، وقال تعالى: # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق # [الفرقان: 20]، وقال تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى # [يوسف: 109]، وقال تعالى: # يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # [الأنعام: 130]؟ فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم، بحيث ~~يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه، ولهذا قال تعالى: { ~~يتلوا عليهم آياته } يعني القرآن { ويزكيهم } أي ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم، وتطهر من الدنس والخبث ~~الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم، { ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة } يعني القرآن والسنة، { وإن كانوا من ~~قبل } أي من قبل هذا الرسول، { لفي ضلال مبين } أي لفي غي ~~وجهل ظاهر جلي بين لكل واحد. ### || [3.165-168] # يقول تعالى: { أو لما أصابتكم مصيبة } وهي ما أصيب منهم ~~يوم أحد من قتلى السبعين منهم، { قد أصبتم مثليها } يعني ~~يوم بدر فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلا، وأسروا سبعين أسيرا { ~~قلتم أنى هذا } أي من أين جرى علينا هذا؟ { قل هو من ~~عند أنفسكم }. عن عمر بن الخطاب قال: لما كان ms0450 يوم أحد من العام ~~المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على ~~رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: { أو لما أصابتكم ~~مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل ~~هو من عند أنفسكم } بأخذكم الفداء، وهكذا قال الحسن البصري ~~وقوله: { قل هو من عند أنفسكم } أي بسبب عصيانكم لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني ~~بذلك الرماة، { إن الله على كل شيء قدير } أي يفعل ما ~~يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ثم قال تعالى: { ومآ أصابكم ~~يوم التقى الجمعان فبإذن الله } أي فراركم بين يدي ~~عدوكم، وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين، كان بقضاء الله وقدره، وله ~~الحكمة في ذلك، { وليعلم المؤمنين } أي الذين صبروا وثبتوا ~~ولم يتزلزلوا، { وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم ~~تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا ~~لو نعلم قتالا لاتبعناكم } يعني بذلك أصحاب (عبد الله ~~بن أبي ابن سلول) الذين رجعوا معه في أثناء الطريق فاتبعهم رجال من ~~المؤمنين يحرضونهم على الإتيان والقتال والمساعدة، ولهذا قال: { أو ~~ادفعوا } ، قال ابن عباس وعكرمة: يعني كثروا سواد المسلمين، وقال ~~الحسن: ادفعوا بالدعاء، وقال غيره: رابطوا، فتعللوا قائلين: { لو ~~نعلم قتالا لاتبعناكم } ، قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم ~~تلقون حربا لجئناكم، ولكن لا تلقون قتالا. وقد روي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه؛ حتى إذا كان بالشوط ~~بين أحد والمدينة انحاز عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس فقال: ~~أطاعهم فخرج وعصاني، ووالله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس، ~~فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد ~~الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا ~~نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم ms0451 تقاتلون ما ~~أسلمناكم، ولكن لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه وأبوا إلا ~~الإنصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم، ومضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: { هم للكفر ~~يومئذ أقرب منهم للإيمان } ، استدلوا به على أن الشخص ~~قد تتقلب به الأحوال فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى ~~الإيمان لقوله: { هم للكفر يومئذ أقرب منهم ~~للإيمان }. # قال تعالى: { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } ~~يعني أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا: { لو ~~نعلم قتالا لاتبعناكم } فإنهم يتحققون أن جندا من ~~المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من ~~أشرافهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة، ~~ولهذا قال تعالى: { والله أعلم بما يكتمون } ، ثم قال ~~تعالى: { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو ~~أطاعونا ما قتلوا } أي لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم ~~الخروج ما قتلوا مع من قتل، قال الله تعالى: { قل فادرءوا عن ~~أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } أي إن كان القعود يسلم ~~به الشخص من القتل والموت فينبغي أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم ~~ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين، قال ~~مجاهد: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه. ### || [3.169-175] # يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم، وإن قتلوا في هذه الدار، فإن أرواحهم حية ~~مرزوقة في دار القرار، روى ابن جرير بسنده عن أنس بن مالك في قصة أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم نبي الله إلى أهل (بئر معونة) ~~قال: لا أدري أربعين أو سبعين، وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، ~~فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتو غارا ~~مشرفا على الماء فقعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال ms0452 - أراه أبو ملحان الأنصاري ~~- أنا أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج حتى أتى حول بيتهم ~~فاجتثى أمام البيوت ثم قال: يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم، ~~إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ~~ورسوله. فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضربه في جنبه حتى خرج من الشق ~~الآخر، فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في ~~الغار فقتلهم أجمعين (عامر بن الطفيل). # وقال ابن إسحاق: حدثني أنس بن مالك أن الله أنزل فيهم قرآنا، بلغوا عنا ~~قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه، ثم نسخت فرفعت بعدما ~~قرأناها زمانا، وأنزل الله تعالى: { ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون } ، وقد قال مسلم في صحيحه، عن مسروق قال: سألنا ~~عبد الله عن هذه الآية: { ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ~~} فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث ~~شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون ~~شيئا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ~~ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ~~ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس ~~لهم حاجة تركوا ". # (حديث آخر): عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من نفس تموت لها عند الله خير، يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا ~~الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى مما يرى من فضل ~~الشهادة ". # (حديث آخر): عن جابر قال، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعلمت أن الله أحيا أباك فقال له: تمن، فقال ms0453 له: أرد إلى الدنيا ~~فأقتل فيك مرة أخرى، قال: إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون " # وقال البخاري، عن ابن المنكدر، سمعت جابرا قال: لما قتل أبي جعلت أبكي ~~وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوني ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تبكيه - أو ما تبكيه - ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع ". # (حديث آخر): عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد ~~أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما ~~وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما ~~صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله عز ~~وجل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله هذه الآيات: { ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون } وما بعدها ". # (حديث آخر): عن طلحة بن خراش الأنصاري قال: # " سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم فقال: " يا جابر مالي أراك مهتما؟ " قلت: يا رسول الله استشهد ~~أبي وترك دينا عليه، قال، فقال: " ألا أخبرك ما كلم الله أحدا قط إلا ~~من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا " ، قال علي: والكفاح المواجهة. " ~~قال سلني أعطك قال: أسألك أن أرد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب ~~عز وجل إنه قد سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون، قال: أي رب فأبلغ ~~من ورائي فأنزل الله: { ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا } الآية " ". # وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه ~~تكون في الجنة تسرح أيضا فيها وتأكل من ثمارها وترى ما فيها من النضرة ~~والسرور، وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم ~~اجتمع فيه ثلاثة ms0454 من الأئمة الأربعة (أصحاب المذاهب المتبعة) فإن الإمام ~~أحمد رحمه الله رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، عن مالك بن ~~أنس الأصبحي رحمه الله، عن الزهري عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه ~~رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم ~~يبعثه " # قوله: " يعلق " أي يأكل. # وفي الحديث: # " إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة " # وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر فهي كالكواكب بالنسبة ~~إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان ~~أن يميتنا على الإيمان. # وقوله تعالى: { فرحين بمآ آتاهم الله } إلى آخر الآية: أي ~~الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم فرحون بما هم فيه ~~من النعمة والغبطة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله ~~أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه ~~وراءهم، نسأل الله الجنة. وقال محمد بن إسحاق: { ويستبشرون } أي ~~ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم ~~فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم. قال السدي: يؤتى الشهيد بكتاب فيه ~~يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، فيسر بذلك ~~كما يسر أهل الدنيا بغائبهم إذا قدم. قال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة ~~ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا ~~يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى ~~يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأمرهم وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم - أي ربهم - أني قد أنزلت على ~~نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه فاستبشروا بذلك، فذلك قوله: { ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~} الآية. # وقد ثبت في الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار ~~الذين قتلوا ms0455 في غداة واحدة، وقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على ~~الذين قتلوهم ويلعنهم. قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع: " أن ~~بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ". # ثم قال تعالى: { يستبشرون بنعمة من الله وفضل ~~وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين } ، قال عبد الرحمن ~~بن زيد بن أسلم: هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم، ~~وقلما ذكر الله فضلا ذكر به الأنبياء وثوابا أعطاهم الله إياه إلا ذكر ~~ما أعطى المؤمنين من بعدهم. # وقوله تعالى: { الذين استجابوا لله والرسول من بعد ~~مآ أصابهم القرح } هذا كان يوم (حمراء الأسد) وذلك أن المشركين ~~لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا ~~في سيرهم ندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ~~ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدا، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم ~~أحد سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه لما سنذكره، فانتدب المسلمون على ~~ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه ~~وسلم، وعن عكرمة أنه: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدا قتلتم، ~~ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم، ارجعوا فسمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بذلك، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغوا (حمراء الأسد) فقال ~~المشركون: نرجع من قابل، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تعد ~~غزوة فأنزل الله تعالى: { الذين استجابوا لله والرسول ~~من بعد مآ أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم ~~واتقوا أجر عظيم }. # قال محمد بن إسحاق: عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلا من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد شهد أحدا، قال: شهدنا ~~أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخي ورجعنا جريحين، فلما ~~أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي: ~~أتفوتنا ms0456 غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة ~~نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكنت أيسر جراحا منه؛ فكان إذا غلب حملته عقبة؛ حتى انتهينا إلى ما ~~انتهى إليه المسلمون. وقال البخاري عن عائشة رضي الله عنها: { الذين ~~استجابوا لله والرسول } الآية، قلت لعروة: يا ابن أختي كان ~~أبوك منهم (الزبير) و (أبو بكر) رضي الله عنهما لما أصاب نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم ما أصابه يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا ~~فقال: " من يرجع في أثرهم " ، فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر ~~والزبير. وروي عن عروة قال: قالت لي عائشة إن أباك من الذين استجابوا لله ~~والرسول من بعد ما أصابهم القرح. وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار ~~يقدمون المدينة في ذي القعدة فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم ~~قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح واشتكوا ذلك إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم واشتد عليهم الذي أصابهم، وإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ندب الناس لينطلقوا معه ويتبعوا ما كانوا متبعين، وقال: # " إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل " # ، فجاء الشيطان يخوف أولياءه فقال: { إن الناس قد جمعوا ~~لكم } وقال الحسن البصري في قوله: { الذين استجابوا لله ~~والرسول من بعد مآ أصابهم القرح } إن أبا سفيان ~~وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " " إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب، فمن ينتدب في طلبه ~~" ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وناس من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يطلبه فلقي عيرا من التجار فقال: ردوا محمدا ولكم ~~من الجعل كذا وكذا، وأخبروهم أني قد جمعت جموعا وأني راجع إليهم، فجاء ~~التجار فأخبروا رسول الله ms0457 صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " حسبنا الله ونعم الوكيل " فأنزل الله هذه الآية ". # وقوله تعالى: { الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا } الآية، أي الذين ~~توعدهم الناس بالجموع وخوفوهم بكثرة الأعداء فما اكترثوا لذلك، بل توكلوا ~~على الله واستعانوا به، { وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل } ، وقال البخاري، عن ابن عباس: { حسبنا الله ونعم ~~الوكيل } قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد ~~صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس { إن الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا ~~الله ونعم الوكيل } وفي رواية له: كان آخر قول إبراهيم عليه ~~السلام حين ألقي في النار: { حسبنا الله ونعم الوكيل }. ~~وعن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه عليا في نفر معه في طلب ~~أبي سفيان فلقيهم أعرابي من خزاعة فقال: إن القوم قد جمعوا لكم فقالوا: ~~حسبنا الله ونعم الوكيل فنزلت فيهم هذه الآية. # وفي الحديث: # " إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل " # وقد قال الإمام أحمد، عن عوف بن مالك أنه حدثهم، # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما ~~أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ردوا ~~علي الرجل " ، فقال: " ما قلت "؟، قال: " قلت حسبي الله ونعم الوكيل " ، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يلوم على العجز ولكن عليك ~~بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل " ". # قال تعالى: { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء } أي لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم، ورد عنهم ~~بأس من أراد كيدهم فرجعوا إلى بلدهم: { بنعمة من الله ~~وفضل لم يمسسهم سوء } مما أضمر لهم عدوهم، { ~~واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم }. عن ابن ~~عباس في قول الله: { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل } ~~، قال (النعمة) أنهم سلموا، و (الفضل) أن عيرا مرت في أيام الموسم ~~فاشتراها رسول ms0458 الله صلى الله عليه وسلم فربح فيها مالا فقسمه بين ~~أصحابه. وقال مجاهد في قول الله تعالى: { الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم } قال هذا ~~أبو سفيان قال لمحمد صلى الله عليه وسلم موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا، ~~فقال محمد صلى الله عليه وسلم: " عسى " ، فانطلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لموعده حتى نزل بدرا فوافقوا السوق فيها فابتاعوا، فذلك قول الله ~~عز وجل: { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء } الآية، قال: وهي غزوة بدر الصغرى. # ثم قال تعالى: { إنما ذلكم الشيطان يخوف ~~أولياءه } أي يخوفكم أولياءه ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة قال ~~الله تعالى: { فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } ~~إذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجأوا إلي، فإني كافيكم وناصركم ~~عليهم، كما قال تعالى: # أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من ~~دونه # [الزمر: 36]، وقال تعالى: # فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان ~~كان ضعيفا # [النساء: 76]، وقال تعالى: # أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون # [المجادلة: 19]، وقال: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # [المجادلة: 21]، وقال: # ولينصرن الله من ينصره # [الحج: 40]، وقال تعالى: # يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم # [محمد: 7] الآية، وقال تعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # [غافر: 51] والآيات في ذلك كثيرة. ### || [3.176-180] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ولا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر } وذلك من شدة حرصه على الناس، كان يحزنه ~~مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: ولا يحزنك ذلك ~~{ إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا في الآخرة } أي حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته ~~وقدرته أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة { ولهم عذاب عظيم }. ~~ثم قال تعالى مخبرا عن ذلك إخبارا مقررا: { إن الذين ~~اشتروا الكفر بالإيمان } أي استبدلوا هذا بهذا، { لن ~~يضروا الله شيئا } أي ولكن يضرون أنفسهم { ولهم عذاب ~~أليم }. ثم قال تعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا ms0459 ~~أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين } ، كقوله: # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # [المؤمنون: 55-56]، وكقوله: # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم ~~من حيث لا يعلمون # [القلم: 44]، وكقوله: # ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد ~~الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم ~~وهم كافرون # [التوبة: 85]. # ثم قال تعالى: { ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ ~~أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } أي لا ~~بد أن يعقد شيئا من المحنة، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه، يعرف به ~~المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، يعني بذلك (يوم أحد) الذي امتحن الله به ~~المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله ~~صلى الله عليه وسلم، وهتك به ستار المنافقين، فظهر مخالفتهم ونكولهم عن ~~الجهاد، وخيانتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال تعالى: { ~~حتى يميز الخبيث من الطيب } ، قال مجاهد: ميز بينهم ~~يوم أحد، وقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة، وقال السدي: قالوا: إن ~~كان محمد صادقا فليخبرنا عمن يؤمن به منا ومن يكفر به فأنزل الله تعالى: ~~{ ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } أي حتى يخرج ~~المؤمن من الكافر روى ذلك ابن جرير. ثم قال تعالى: { وما كان الله ~~ليطلعكم على الغيب } أي أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه ~~حتى يميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ~~ذلك، ثم قال تعالى: { ولكن الله يجتبي من رسله من ~~يشآء }. كقوله تعالى: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول # [الجن: 26-27] الآية. ثم قال تعالى: { فآمنوا بالله ورسله ~~} أي أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم، { وإن تؤمنوا ~~وتتقوا فلكم أجر عظيم }. # وقوله تعالى: { ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم ~~الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم } أي ~~لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ms0460 ينفعه بل هو مضرة عليه في دينه، وربما كان ~~في دنياه، ثم أخبر بمآل أمر ماله يوم القيامة فقال: { سيطوقون ما ~~بخلوا به يوم القيامة } ، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعا أقرع له زبيبتان ~~يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - ثم يقول أنا مالك، أنا ~~كنزك " # ، ثم تلا هذه الآية: { ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ ~~آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر ~~لهم } إلى آخر الآية. # (حديث آخر): عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له ~~زبيبتان ثم يلزمه يطوقه يقول: أنا مالك، أنا كنزك ". # (حديث آخر): عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه يفر منه ~~فيتبعه فيقول: أنا كنزك " # ، ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله: { سيطوقون ما بخلوا ~~به يوم القيامة }. # وقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في ~~أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها، رواه ابن جرير، والصحيح الأول وإن ~~دخل هذا في معناه، وقد يقال: إن هذا أولى بالدخول والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. وقوله تعالى: { ولله ميراث السموت والأرض } أي # وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه # [الحديد: 7]، فإن الأمور كلها مرجعها إلى الله عز وجل. فقدموا من ~~أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم { والله بما تعملون خبير } ~~أي بنياتكم وضمائركم. ### || [3.181-184] # قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له ~~أضعافا كثيرة # [البقرة: 245]، قالت اليهود: يا محمد! افتقر ربك فسأل عباده القرض؟ ~~فأنزل الله: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن ~~الله فقير ونحن أغنيآء } الآية؟ وقال محمد بن إسحاق، عن ~~عكرمة أنه حدثه عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق بيت المدراس فوجد ~~من ms0461 يهود ناسا كثيرة قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له (فنحاص) وكان من ~~علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له أشيع، فقال له أبو بكر: ويحك يا ~~فنحاص اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول من عند الله قد ~~جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل. فقال ~~فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا ~~لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا ~~غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان ~~غنيا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر رضي الله عنه فضرب وجه فنحاص ضربا ~~شديدا، وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت ~~عنقك يا عدو الله فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين، فذهب (فنحاص) إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أبصر ما صنع بي صاحبك، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر "؟ ~~فقال: يا رسول الله إن عدو الله قال قولا عظيما، يزعم أن الله فقير ~~وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه، فجحد فنحاص ~~ذلك وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله: { لقد سمع الله قول ~~الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء } ~~الآية. وقوله: { سنكتب ما قالوا } تهديد ووعيد، ولهذا قرنه ~~تعالى بقوله: { وقتلهم الأنبياء بغير حق } أي هذا قولهم ~~في الله، وهذه معاملتهم رسل الله، وسيجزيهم الله على ذلك شر الجزاء، ~~ولهذا قال تعالى: { ونقول ذوقوا عذاب الحريق * ذلك ~~بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد } أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا وتحقيرا وتصغيرا. # وقوله تعالى: { الذين قالوا إن الله عهد إلينا ~~ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله ~~النار } ، يقول تعالى تكذيبا لهؤلاء الذين زعموا أن الله عهد إليهم ~~في كتبهم، أن لا يؤمنوا لرسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة ms0462 من ~~أمته فتقبلت منه أن تنزل نار من السماء تأكلها، قاله ابن عباس والحسن ~~وغيرهما، قال الله عز وجل: { قل قد جآءكم رسل من قبلي ~~بالبينات } أي بالحجج والبراهين، { وبالذي قلتم } أي ~~وبنار تأكل القرابين المتقبلة، { فلم قتلتموهم }؟ أي فلم ~~قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم، { إن كنتم ~~صادقين } أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل، ثم قال تعالى مسليا ~~لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { فإن كذبوك فقد كذب ~~رسل من قبلك جآءوا بالبينات والزبر والكتاب ~~المنير } أي لا يوهنك تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة بمن قبلك من الرسل، ~~الذين كذبوا مع ما جاءوا به من البينات، وهي الحجج والبراهين القاطعة { ~~والزبر } وهي الكتب المتلقاة من السماء كالصحف المنزلة على المرسلين ~~{ والكتاب المنير } أي والواضح الجلي. ### || [3.185-186] # يخبر تعالى إخبارا عاما يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت ~~كقوله تعالى: # كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام # [الرحمن: 26-27]، فهو تعالى وحده الحي الذي لا يموت، والجن والإنس ~~يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش وينفرد الواحد الأحد القهار ~~بالديمومة والبقاء فيكون آخرا كما كان أولا، وهذه الآية فيها تعزية ~~لجميع الناس فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة ~~وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية، أقام الله ~~القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها ~~وصغيرها، فلا يظلم أحدا مثقال ذرة، ولهذا قال تعالى: { وإنما ~~توفون أجوركم يوم القيامة }. روى ابن أبي حاتم عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت ~~التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم أهل ~~البيت ورحمة الله وبركاته { كل نفس ذآئقة الموت وإنما ~~توفون أجوركم يوم القيامة } أي في الله عزاء من كل ~~مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله ثقوا وإياه فارجو، ~~فإن المصاب من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال جعفر بن ~~محمد: فأخبرني ms0463 أبي أن علي بن أبي طالب قال: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر ~~عليه السلام، وقوله: { فمن زحزح عن النار وأدخل ~~الجنة فقد فاز } أي من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة فقد ~~فاز كل الفوز. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئتم: { فمن ~~زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } ". # وقوله تعالى: { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } ~~تصغير لشأن الدنيا، وتحقير لأمرها، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة كما ~~قال تعالى: # بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير ~~وأبقى # [الأعلى: 16-17]، وقال: # ومآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ~~وزينتها وما عند الله خير وأبقى # [القصص: 60]، وفي الحديث: # " والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر ~~بم ترجع إليه " # وقال قتادة: هي متاع متروكة أوشكت - والله الذي لا إله إلا هو - أن ~~تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم ولا قوة إلا ~~بالله. # وقوله تعالى: { لتبلون في أموالكم وأنفسكم } ، ~~كقوله تعالى: # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص ~~من الأموال والأنفس والثمرات # [البقرة: 155] إلى آخر الآيتين، أي لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ~~ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في ~~دينه صلابة زيد في البلاء { ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ~~} ، يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسليا لهم ~~عما ينالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمرا لهم بالصفح والصبر ~~والعفو حتى يفرج الله، فقال تعالى: { وإن تصبروا وتتقوا ~~فإن ذلك من عزم الأمور } ، قال ابن أبي حاتم، عن أسامة بن ~~زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل ~~الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال تعالى: { ولتسمعن ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين ~~أشركوا أذى كثيرا } ، قال: وكان رسول ms0464 الله صلى الله عليه وسلم ~~يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم. # وعن عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد حدثه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود (سعد ~~بن عبادة) ببني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، حتى مر على مجلس فيه ~~(عبد الله بن أبي ابن سلول) وذلك قبل أن يسلم ابن أبي، وإذا في المجلس ~~أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، وأهل الكتاب اليهود ~~والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة ~~خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف، فنزل ودعاهم إلى الله عز وجل وقرأ ~~عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول ~~إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص ~~عليه، فقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: بلى يا رسول الله فاغشنا به ~~في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا ~~يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب ~~النبي صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على (سعد بن عبادة) فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " يا سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب " # ؟ يريد عبد الله بن أبي، قال كذا وكذا، فقال سعد: يا رسول الله اعف عنه ~~واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك الله بالحق الذي نزل عليك، ولقد ~~اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما أبى الله ~~ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل ~~الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى. # قال الله ms0465 تعالى: { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } الآية، ~~وقال تعالى: # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ~~ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي ~~الله بأمره # [البقرة: 109] الآية. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما ~~أمره الله به حتى أذن الله له فيهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بدرا فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال عبد الله بن أبي ابن سلول ~~ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه فبايعوا الرسول صلى ~~الله عليه وسلم على الإسلام، فبايعوا وأسلموا، فكل من قام بحق أو أمر ~~بمعروف، أو نهى عن منكر فلا بد أن يؤذى فما له دواء إلا الصبر في الله، ~~والاستعانة بالله، والرجوع إلى الله. ### || [3.187-189] # هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ~~ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأن ينوهوا بذكره في ~~الناس فيكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك ~~وتعرضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ ~~الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا ~~تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسلكهم، ~~فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل ~~الصالح، ولا يكتموا منه شيئا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار " # وقوله تعالى: { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا ~~ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } الآية، يعني ~~بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة " # وفي الصحيحين أيضا: # " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي ms0466 زور ". # وقد روي أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقال له: لئن ~~كان كل امرىء منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن ~~أجمعين!! فقال ابن عباس: ما لكم وهذه، إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم ~~تلا ابن عباس: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ~~ورآء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما ~~يشترون * لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا ~~ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } الآية، وقال ابن ~~عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره ~~فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا ~~بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه. وفي رواية عن أبي سعيد الخدري: أن ~~رجالا من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت { لا ~~تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا ويحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا } الآية. # وقد روى ابن مردويه عن محمد بن ثابت الأنصاري أن (ثابت بن قيس الأنصاري) ~~قال: يا رسول الله والله لقد خشيت أن أكون هلكت، قال: لم؟ قال: نهى الله ~~المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد، ونهى الله عن ~~الخيلاء وأجدني أحب الجمال، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا ~~امرؤ جهير الصوت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة " # فقال: بلى، يا رسول الله، فعاش حميدا وقتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب. ~~وقوله تعالى: { فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب } أي ~~لا تحسب أنهم ناجون من العذاب، بل لا بد لهم منه، ولهذا قال تعالى: { ~~ولهم عذاب أليم ms0467 } ، ثم قال تعالى: { ولله ملك ~~السموت والأرض والله على كل شيء قدير } أي هو ~~مالك كل شيء والقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه، ~~واحذروا غضبه ونقمته، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه، القدير الذي لا أقدر ~~منه. ### || [3.190-194] # معنى الآية إن الله تعالى يقول: { إن في خلق السموت ~~والأرض } أي هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها ~~واتضاعها، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت ~~وبحار وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار وحيوان ومعادن، ومنافع ~~مختلفة الألوان والطعوم والراوئح والخواص، { واختلاف اليل ~~والنهار } أي تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا ~~ويقصر هذا، ثم يعتدلان ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا، ويقصر ~~الذي كان طويلا وكل ذلك تقدير العزيز العليم، ولهذا قال تعالى: { ~~لآيات لأولي الألباب } أي العقول التامة الزكية التي تدرك ~~الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون، ~~الذين قال الله فيهم: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال: { الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم }. كما ثبت في ~~الصحيحين عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك " # أي لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم، { ~~ويتفكرون في خلق السموت والأرض } أي يفهمون ما ~~فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته وعلمه وحكمته واختياره ~~ورحمته. وقال الداراني: إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا ~~رأيت لله علي فيه نعمة ولي فيه عبرة، وعن الحسن البصري أنه قال: تفكر ~~ساعة خير من قيام ليلة، وقال: الحسن الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك. # وعن عيسى عليه السلام أنه قال: طوبى لمن كان قيله تذكرا، وصمته تفكرا، ~~ونظره عبرا. وقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا ~~الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو ms0468 النار، ~~وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها، وكان يبكي عند ذلك ~~حتى يرفع صريعا من بين أصحابه. وقال ابن المبارك: مر رجل براهب عند ~~مقبرة ومزبلة فناداه فقال: يا راهب إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك ~~فيهما معتبر: كنز الرجال، وكنز الأموال. وعن ابن عمر: أنه كان إذا أراد ~~أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين فيقول: أين ~~أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]. وقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة انطمس من ~~بصر قلبه بقدر تلك الغفلة. وقال بشر الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله ~~تعالى لما عصوه، وعن عيسى عليه السلام أنه قال: يا ابن آدم الضعيف اتق ~~الله حيث ما كنت، وكن في الدنيا ضعيفا، واتخذ المساجد بيتا، وعلم عينيك ~~البكاء، وجسدك الصبر وقلبك الفكر، ولا تهتم برزق غد. # وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه بكى يوما بين ~~أصحابه فسئل عن ذلك، فقال: فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها ~~بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها. ولئن لم يكن فيها عبرة ~~لمن اعتبر، إن فيها مواعظ لمن ادكر. # وقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه ~~وقدره وآياته فقال: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون * وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم مشركون # [يوسف: 105-106]، ومدح عباده المؤمنين: { الذين يذكرون الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق ~~السموت والأرض } ، قائلين: { ربنآ ما خلقت هذا ~~باطلا } أي ما خلقت هذا الخلق عبثا، بل بالحق لتجزي الذين أساءوا بما ~~عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل، ~~فقالوا: { سبحانك } أي عن أن تخلق شيئا باطلا، { فقنا عذاب ~~النار } أي يا من خلق الخلق بالحق والعدل؛ يا من هو منزه عن النقائص ~~والعيب والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك، ووفقنا لعمل صالح تهدينا ~~به ms0469 إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذابك الأليم، ثم قالوا: { ربنآ ~~إنك من تدخل النار فقد أخزيته } أي أهنته وأظهرت ~~خزيه لأهل الجمع، { وما للظالمين من أنصار } أي يوم ~~القيامة لا مجير لهم منك، ولا محيد لهم عما أردت بهم، { ربنآ ~~إننآ سمعنا مناديا ينادي للإيمان } أي داعيا يدعو ~~إلى الإيمان، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، { أن آمنوا ~~بربكم فآمنا } أي يقول آمنوا بربكم فآمنا أي فاستجبنا له ~~واتبعناه أي بإيماننا واتباعنا نبيك، { ربنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا } أي استرها، { وكفر عنا سيئاتنا } فيما بيننا ~~وبينك، { وتوفنا مع الأبرار } أي ألحقنا بالصالحين، { ~~ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك } قيل: معناه على ~~الإيمان برسلك، وقيل: معناه على ألسنة رسلك، وهذا أظهر. { ولا ~~تخزنا يوم القيامة } أي على رؤوس الخلائق، { إنك لا ~~تخلف الميعاد } أي لا بد من الميعاد الذين أخبرت عنه رسلك وهو ~~القيام يوم القيامة بين يديك. # وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من ~~آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده فقال البخاري رحمه الله، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: بت عند خالتي ميمونة فتحدث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى ~~السماء فقال: { إن في خلق السموت والأرض واختلاف ~~اليل والنهار لآيات لأولي الألباب } الآيات، ثم قام ~~فتوضأ واستن، ثم صلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج ~~فصلى بالناس الصبح. # وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة بعدما مضى ~~ليل فنظر إلى السماء، وتلا هذه الآية: { إن في خلق السموت ~~والأرض واختلاف اليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب } إلى آخر السورة، ثم قال: # " اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، وعن يميني ~~نورا، وعن شمالي نورا، ومن بين يدي نورا، ومن خلفي نورا، ومن فوقي ~~نورا، ومن تحتي نورا، وأعظم لي نورا يوم ms0470 القيامة ". # وعن عطاء قال: # " انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة رضي الله عنها، فدخلنا ~~عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت: يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا، قال: قول ~~الشاعر (زر غبا تزدد حبا)، فقال ابن عمر: ذرينا أخبرينا بأعجب ما ~~رأيتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم!؟ فبكت وقالت: كل أمره كان ~~عجبا، أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي ثم قال " ذريني أتعبد لربي عز ~~وجل " ، قالت، فقلت: والله إني لأحب قربك، وإني أحب أن تعبد ربك، فقام ~~إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي فبكى حتى بل لحيته، ثم ~~سجد فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى حتى إذا أتى بلال يؤذنه ~~بصلاة الصبح، قالت، فقال: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر؟ فقال: " ويحك يا بلال وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل ~~الله علي في هذه الليلة: { إن في خلق السموت والأرض ~~واختلاف اليل والنهار لآيات لأولي الألباب } " ، ~~ثم قال: " ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها " ". ### || [3.195] # يقول الله تعالى: { فاستجاب لهم ربهم } أي فأجابهم ربهم ~~كما قال الشاعر: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندا * فلم يستجبه عند ذاك مجيب # عن أم سلمة قالت: يا رسول الله، لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة ~~بشيء، فأنزل الله تعالى: { فاستجاب لهم ربهم أني لا ~~أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } إلى آخر ~~الآية. وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا، ومعنى الآية أن المؤمنين ~~ذوي الألباب لما سألوا ما سألوا مما تقدم ذكره فاستجاب لهم ربهم، عقب ذلك ~~بفاء التعقيب، كما قال تعالى: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان # [البقرة: 186]. وقوله تعالى: { أني لا أضيع عمل عامل ~~منكم من ذكر أو أنثى } هذا تفسير للإجابة أي قال لهم ~~مخبرا أنه لا يضيع عمل عامل لديه، بل يوفي كل عامل بقسط عمله من ذكر أو ms0471 ~~أنثى، وقوله: { بعضكم من بعض } أي جميعكم في ثوابي سواء، { ~~فالذين هاجروا } أي تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان، ~~وفارقوا الأحباب والإخوان والخلان والجيران، { وأخرجوا من ~~ديارهم } أي ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجأوهم إلى الخروج من بين ~~أظهرهم، ولهذا قال: { وأوذوا في سبيلي } أي إنما كان ذنبهم إلى ~~الناس أنهم آمنوا بالله وحده كما قال تعالى: # يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ~~ربكم # [الممتحنة: 1]، وقال تعالى: # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد # [البروج: 8]، وقوله تعالى: { وقاتلوا وقتلوا } وهذا أعلى ~~المقامات أن يقاتل في سبيل الله فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه، وقد ~~ثبت في الصحيحين أن رجلا قال: # " يا رسول الله! أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير ~~مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال: " نعم " ، ثم قال: " كيف قلت "؟ فأعاد ~~عليه ما قال، فقال: " نعم، إلا الدين قاله لي جبريل آنفا " # ، ولهذا قال تعالى: { لأكفرن عنهم سيئاتهم ~~ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار } أي ~~تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن، ~~وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقوله: { ~~ثوابا من عند الله } أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم، ~~لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلا كثيرا كما قال الشاعر: # إن يعذب يكن غراما وإن يع # ط جزيلا فإنه لا يبالي # وقوله تعالى: { والله عنده حسن الثواب } أي عنده حسن ~~الجزاء لمن عمل صالحا. ### || [3.196-198] # يقول تعالى: لا تنظر إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه من النعمة والغبطة ~~والسرور، فعما قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، ~~فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجا، وجميع ما هم فيه { متاع قليل ~~ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } ، وهذه الآية كقوله ~~تعالى: # ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا ~~يغررك تقلبهم في البلاد # [غافر: 4]، وقال تعالى: # متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم ~~العذاب الشديد ms0472 بما كانوا يكفرون # [يونس: 70]، وقال تعالى: # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # [لقمان: 24]، وقال تعالى: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17] أي قليلا، وقال تعالى: # أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن ~~متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم ~~القيامة من المحضرين # [القصص: 61] وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر أن مآلهم إلى ~~النار قال بعده: { لكن الذين اتقوا ربهم لهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا ~~من عند الله وما عند الله خير للأبرار }. عن عبد ~~الله بن عمرو قال: إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، ~~كما أن لوالديك عليك حقا، كذلك لولدك عليك حق. وعن أبي الدرداء أنه كان ~~يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن ~~لم يصدقني فإن الله يقول: { وما عند الله خير للأبرار } ~~، ويقول: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين # [آل عمران: 178]. ### || [3.199-200] # يخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، ~~ويؤمنون بما أنزل على محمد مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم ~~خاشعون لله أي مطيعون له خاضعون متذللون بين يديه، لا يشترون بآيات الله ~~ثمنا قليلا أي لا يكتمون ما بأيديهم من البشارة بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء ثم خيرة أهل الكتاب ~~وصفوتهم سواء كانوا هودا أو نصارى، وقد قال تعالى: # الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون # [القصص: 52] الآية. وقال تعالى: # الذين آتيناهم الكتب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به # [البقرة: 121] الآية. وقد قال تعالى: # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159]، وقال تعالى: # ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون ~~آيات الله آنآء الليل وهم يسجدون # [آل عمران: 113]، وقال تعالى: # إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى ~~عليهم يخرون للأذقان سجدا * ويقولون سبحان ~~ربنآ إن كان وعد ربنا ms0473 لمفعولا # [الإسراء: 107-108]. وهذه الصفات توجد في اليهود ولكن قليلا، كما وجد ~~في (عبد الله بن سلام) وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود ولم يبلغوا عشرة ~~أنفس، وأما النصارى، فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا ~~اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى # [المائدة: 82]، إلى قوله تعالى: # فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها # [المائدة: 85] الآية. وهكذا قال ههنا: { أولئك لهم ~~أجرهم عند ربهم } الآية. # وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما قرأ سورة # كهيعص # [مريم: 1] بحضرة النجاشي ملك الحبشة وعند البطاركة والقساوسة بكى وبكوا ~~معه حتى أخضبوا لحاهم، وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وقال: # " إن أخا لكم بالحبشة قد مات فصلوا عليه " # فخرج إلى الصحراء فصفهم وصلى عليه، وروى ابن أبي حاتم، عن أنس بن مالك ~~قال: لما توفي النجاشي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " استغفروا لأخيكم " # ، فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة، فنزلت: { ~~وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل ~~إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين لله } الآية. وقال ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد: { وإن من أهل الكتاب } يعني مسلمة ~~أهل الكتاب، وقال عباد بن منصور: سألت الحسن البصري عن قول الله: { ~~وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله } الآية، قال: ~~هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم فاتبعوه وعرفوا ~~الإسلام فأعطاهم الله تعالى أجر اثنين، للذي كانوا عليه من الإيمان قبل ~~محمد صلى الله عليه وسلم، واتباعهم محمدا صلى الله عليه وسلم. # وقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين " # فذكر منهم رجلا من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، وقوله تعالى: { لا ~~يشترون بآيات الله ثمنا قليلا } أي لا يكتمون ما ~~بأيديهم ms0474 من العلم كما فعلته الطائفة المرذولة منهم بل يبذلون ذلك مجانا، ~~ولهذا قال تعالى: { أولئك لهم أجرهم عند ربهم ~~إن الله سريع الحساب } قال مجاهد: سريع الحساب يعني سريع ~~الإحصاء. # وقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~وصابروا ورابطوا } قال الحسن البصري: أمروا أن يصبروا على ~~دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا ~~لشدة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون ~~دينهم، وكذلك قال غير واحد من علماء السلف، وأما المرابطة فهي المداومة ~~في مكان العبادة والثبات وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة قاله ابن عباس ~~ويشهد له حديث: # " ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات!! إسباغ الوضوء ~~على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم ~~الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط " # وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أقبل علي أبو هريرة يوما فقال: ~~أتدري يا ابن أخي فيم نزلت هذه الآية؟ { يا أيها الذين آمنوا ~~اصبروا وصابروا ورابطوا } قلت: لا، قال: أما إنه لم يكن في ~~زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم ~~يعمرون المساجد ويصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها فعليهم ~~أنزلت: { اصبروا } أي على الصلوات الخمس، { وصابروا } أنفسكم ~~وهواكم، { ورابطوا } في مساجدكم، { واتقوا الله } فيما ~~عليكم { لعلكم تفلحون }. # وعن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب؟ " قلنا: ~~بلى، يا رسول الله، قال: " إسباغ الوضوء في أماكنها وكثرة الخطا إلى ~~المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط " # وقيل: المراد بالمرابطة ههنا (مرابطة الغزو) في نحور العدو، وحفظ ثغور ~~الإسلام، وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين وقد وردت ~~الأخبار بالترغيب في ذلك وذكر كثرة الثواب فيه، فروى " البخاري في صحيحه ~~" عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " رباط يوم في سبيل الله خير ms0475 من الدنيا وما عليها ". # (حديث آخر): روى مسلم عن سلمان الفارسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي ~~كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان ". # (حديث آخر): قال صلى الله عليه وسلم: # " كل ميت يختم له على عمله إلا المرابط في سبيل الله يجري عليه عمله حتى ~~يبعث ويأمن الفتان ". # (حديث آخر): عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من مات مرابطا في سبيل الله أجري عليه عمله الصالح الذي كان يعمله، ~~وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع ~~الأكبر ". # (طريق أخرى): قال الإمام أحمد، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من مات مرابطا وقي فتنة القبر وأمن من الفزع الأكبر وغدا عليه ريح ~~برزقه من الجنة وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة ". # (طريق أخرى): قال الترمذي، عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت ~~عثمان وهو على المنبر يقول إني كتمتكم حديثا سمعته من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كراهية تفرقكم عني ثم بدا لي أن أحدثكموه ليختار امرؤ ~~لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل ". # (حديث آخر): قال الترمذي: مر سلمان الفارسي بشرحبيل بن السمط وهو في ~~مرابطة له وقد شق عليه وعلى أصحابه فقال: ألا أحدثك يا ابن السمط بحديث ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " رباط يوم في سبيل الله أفضل - أو قال خير - من صيام شهر وقيامه، ومن ~~مات فيه وقي فتنة القبر ونمي له عمله إلى يوم القيامة ". # (حديث آخر): قال أبو داود: # " عن سهل بن الحنظلة أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~حنين حتى ms0476 كانت عشية، فحضرت الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء ~~رجل فارس فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا ~~وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشياههم، فتبسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله " ~~، ثم قال: " من يحرسنا الليلة "؟ قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول ~~الله، قال: " فاركب " ، فركب فرسا، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استقبل هذا الشعب حتى ~~تكون في أعلاه ولا تغز من قبلك الليلة " ، فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين، فقال: " هل أحسستم فارسكم "؟، ~~فقال رجل: يا رسول الله ما أحسسناه، فثوب بالصلاة، فجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته، قال: " أبشروا ~~فقد جاءكم فارسكم " ، فجعلنا ننظر في خلال الشجر في الشعب فإذا هو قد ~~جاء، حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني انطلقت حتى كنت في ~~أعلى هذا الشعب حيث أمرتني، فلما أصبحنا طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم ~~أر أحدا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل نزلت الليلة "؟ ~~قال: لا، إلا مصليا أو قاضي حاجة، فقال له: " أوجبت فلا عليك أن لا ~~تعمل بعدها " ". # (حديث آخر): قال الإمام أحمد بسنده عن أبي ريحانة، قال: # " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فأتينا ذات ليلة إلى شرف ~~فبتنا عليه، فأصابنا برد شديد حتى رأيت من يحفر في الأرض يدخل فيها ويلقي ~~عليه الحجفة (يعني الترس) فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الناس نادى: " من يحرسنا هذه الليلة فأدعو له بدعاء يكون له فيه فضل؟ " ~~فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، قال: " ادن " ، فدنا منه، فقال: ~~" من أنت "؟ فتسمى له الأنصاري، ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالدعاء ms0477 فأكثر منه. قال أبو ريحانة: فلما سمعت ما دعا به قلت: أنا رجل ~~آخر، فقال: " ادن " ، فدنوت، فقال: " من أنت "؟ قال، فقلت: أبو ريحانة، ~~فدعا بدعاء دون ما دعا به للأنصاري، ثم قال: " حرمت النار على عين دمعت - ~~أو بكت - من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله " # ، وروى النسائي منه: " حرمت النار " إلى آخره. # (حديث آخر): قال الترمذي، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في ~~سبيل الله ". # (حديث آخر): روى البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط ~~سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش. طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل ~~الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة. وإن ~~كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع " # فهذا آخر ما تيسر إيراده من الأحاديث المتعلقة بهذا المقام، ولله الحمد ~~على جزيل الأنعام، على تعاقب الأعوام والأيام. # تنبيه: قال ابن جرير: كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا ~~من الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد ~~مؤمن من منزلة شدة يجعل الله له بعدها فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، ~~وإن الله تعالى يقول: { يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~} وروى الحافظ ابن عساكر عن محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: أملى ~~علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس وأنشدها إلى (الفضيل بن ~~عياض) في سنة سبعين ومائة: # يا عابد الحرمين لو أبصرتنا # لعلمت أنك في العبادة تلعب # من كان يخضب خده بدموعه # فنحورنا بدمائنا تتخضب # أو كان يتعب خيله في باطل # فخيولنا يوم الصبيحة تتعب # ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ms0478 # رهج السنابك والغبار الأطيب # ولقد أتانا من مقال نبينا # قول صحيح صادق لا يكذب # لا يستوي غبار خيل الله في # أنف امرىء ودخان نار تلهب # هذا كتاب الله ينطق بيننا # ليس الشهيد بميت لا يكذب # قال: فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت ~~عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ ~~قال، قلت: نعم، قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن ~~إلينا، وأملى علي الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر عن أبي صالح ~~عن أبي هريرة أن رجلا قال: # " يا رسول الله علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله، ~~فقال: " هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ " فقال: يا رسول ~~الله أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~فوالذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله، أوما ~~علمت أن الفرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك الحسنات؟! " # وقوله تعالى: { واتقوا الله } أي في جميع أموركم وأحوالكم، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: # " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ~~" # ، { لعلكم تفلحون } أي في الدنيا والآخرة. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # يأمر الله تعالى خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومنبها لهم ~~على قدرته التي خلقهم بها { من نفس واحدة } وهي آدم عليه ~~السلام { وخلق منها زوجها } وهي حواء عليها السلام، خلقت من ~~ضلعه الأيسر من خلفه وهو نائم فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست ~~إليه. وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس: خلقت المرأة من الرجل فجعلت نهمتها ~~في الرجل، وخلق الرجل من الأرض فجعلت نهمته في الأرض فاحبسوا نساءكم، وفي ~~الحديث الصحيح: # " إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه ~~كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج " # وقوله: { وبث منهما رجالا كثيرا ms0479 ونسآء } أي وذرأ ~~منهما: أي من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء، ونشرهم في أقطار العالم على ~~اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد ~~والمحشر، ثم قال تعالى: { واتقوا الله الذي تسآءلون به ~~والأرحام } أي واتقوا الله بطاعتكم إياه، قال مجاهد والحسن: { ~~الذي تسآءلون به } أي كما يقال أسألك بالله وبالرحم، وقال ~~الضحاك: واتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به واتقوا الأرحام أن تقطعوها ~~ولكن بروها وصلوها قاله ابن عباس وعكرمة. وقرأ بعضهم: { والأرحام } ~~بالخفض عطفا على الضمير في (به) أي تساءلون بالله وبالأرحام كما قال ~~مجاهد وغيره. # وقوله: { إن الله كان عليكم رقيبا } أي هو مراقب لجميع ~~أحوالكم وأعمالكم، كما قال: # والله على كل شيء شهيد # [المجادلة: 6، البروج: 9]؛ وفي الحديث الصحيح: # " اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # ، وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب، ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب ~~واحد وأم واحدة، ليعطف بعضهم على بعض ويحثهم على ضعفائهم، وقد ثبت في " ~~صحيح مسلم " من حديث (جرير بن عبد الله البجلي): أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين قدم عليه أولئك النفر من مضر - وهم مجتابو النمار أي من ~~عريهم وفقرهم - قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر، فقال في خطبته: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة } حتى ختم الآية، ثم قال: { يأيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد # [الحشر: 18] ثم حضهم على الصدقة، فقال: " تصدق رجل من ديناره، من درهمه، ~~من صاع بره، من صاع تمره " وذكر تمام الحديث. ### || [4.2-4] # يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، ~~وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم، ولهذا قال: { ولا تتبدلوا ~~الخبيث بالطيب }. قال سفيان الثوري: لا تعجل بالرزق الحرام قبل ~~أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك، وقال سعيد بن جبير: لا تتبدلوا ~~الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول: لا تبدلوا أموالكم ~~الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام، وقال سعيد بن المسيب: لا تعط مهزولا ms0480 ~~وتأخذ سمينا، وقال الضحاك: لا تعط زيفا وتأخذ جيدا، وقال السدي: كان ~~أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ~~ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف ويقول درهم ~~بدرهم. وقوله: { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ~~} ، قال مجاهد وسعيد بن جبير: أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعا، وقوله: { ~~إنه كان حوبا كبيرا } قال ابن عباس: أي إثما عظيما. وفي ~~الحديث المروي في " سنن أبو داود ": " اغفر لنا حوبنا وخطايانا " وروى ~~ابن مردويه بإسناده عن ابن عباس: أن أبا أيوب طلق امرأته، فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " يا أبا أيوب إن طلاق أم أيوب كان حوبا " # قال ابن سيرين: الحوب الإثم، وعن أنس: أن أبا أيوب أراد طلاق أم أيوب، ~~فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " إن طلاق أم أيوب لحوب " # فأمسكها والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير ~~فاجتنبوه. # وقوله: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى } أي إذا كان ~~تحت حجر أحدكم يتيمة. وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى ما سواها، ~~فإنهن كثير ولم يضيق الله عليه، وقال البخاري عن عائشة: أن رجلا كانت له ~~يتيمة فنكحها وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء ~~فنزلت فيه، { وإن خفتم ألا تقسطوا } أحسبه قال: كانت ~~شريكته في ذلك العذق وفي ماله، ثم قال البخاري: عن ابن شهاب قال: أخبرني ~~عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى { وإن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتامى } قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة ~~تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن ~~يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ~~ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا ~~أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس ~~استفتوا رسول الله صلى الله ms0481 عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله: # ويستفتونك في النسآء # [النساء: 127] قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: # وترغبون أن تنكحوهن # [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، ~~فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من النساء إلا بالقسط من أجل ~~رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال. # وقوله: { مثنى وثلاث ورباع } أي انكحوا ما شئتم من النساء ~~سواهن إن شاء أحدكم ثنتين، وإن شاء ثلاثا، وإن شاء أربعا، كما قال الله ~~تعالى: # جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع # [فاطر: 1] أي منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ~~ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة عليه، بخلاف قصر الرجال على أربع ~~فمن هذه الآية كما قال ابن عباس وجمهور العلماء، لأن المقام مقام امتنان ~~وإباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره، قال الشافعي: وقد ~~دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد ~~غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة، وهذا ~~الذي قاله الشافعي مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة ~~أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع، وقال بعضهم: بلا حصر. وقد ~~يتمسك بعضهم بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع ~~إلى تسع كما ثبت في الصحيح، وهذا عند العلماء من خصائصه دون غيره من ~~الأمة لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع، ولنذكر الأحاديث ~~في ذلك. قال الإمام أحمد عن سالم عن أبيه: أن (غيلان بن سلمة الثقفي) ~~أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " اختر منهن ~~أربعا " ، فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك ~~عمر فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في ~~نفسك، ولعلك لا تلبث إلا قليلا، وايم الله ms0482 لتراجعن نساءك ولترجعن مالك ~~أو لأورثهن منك ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال وعن ابن عمر: أن ~~(غيلان بن سلمة) كان عنده عشر نسوة، فأسلم وأسلمن معه فأمره النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا، هكذا أخرجه النسائي في " سننه ". ~~فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لسوغ له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سائرهن في بقاء العشرة وقد أسلمن، فلما أمره بإمساك ~~أربع وفراق سائرهن، دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال، ~~فإذا كان هذا في الدوام، ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى، والله ~~سبحانه أعلم بالصواب. # (حديث آخر): قال الشافعي في مسنده عن نوفل بن معاوية الديلي قال: أسلمت ~~وعندي خمس نسوة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اختر أربعا أيتهن شئت وفارق الأخرى " # ، فعمدت إلى أقدمهن صحبة، عجوز عاقر معي منذ ستين سنة فطلقتها، فهذه ~~كلها شواهد لحديث غيلان كما قاله البيهقي، وقوله: { فإن خفتم ~~ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم } أي إن ~~خفتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن كما قال تعالى: # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو ~~حرصتم # [النساء: 129] فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة أو على الجواري ~~السراري، فإنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحب، فمن فعل فحسن ومن لا فلا ~~حرج. وقوله: { ذلك أدنى ألا تعولوا } قال بعضهم: ذلك أدنى ~~أن لا تكثر عيالكم قاله زيد بن أسلم والشافعي وهو مأخوذ من قوله تعالى: # وإن خفتم عيلة # [التوبة: 28] أي فقرا # فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء # [التوبة: 28] وقال الشاعر: # فما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل؟ # وتقول العرب: عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر، ولكن في هذا التفسير ههنا ~~نظر، فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر كذلك يخشى من تعداد ~~السراري أيضا، والصحيح قول الجمهور: { ذلك أدنى ألا ~~تعولوا } أي لا تجوروا يقال: عال في الحكم إذا قسط وظلم ms0483 وجار، وقال ~~أبو طالب في قصيدته المشهورة: # بميزان قسط لا يخيس شعيرة # له شاهد من نفسه غير عائل # عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم { ذلك أدنى ألا ~~تعولوا } قال: " لا تجوروا " ، روي مرفوعا والصحيح عن عائشة أنه ~~موقوف، وروي عن ابن عباس وعائشة ومجاهد أنهم قالوا: لا تميلوا. # وقوله تعالى: { وآتوا النسآء صدقاتهن نحلة } قال ابن ~~عباس: النحلة المهر وعن عائشة نحلة: فريضة، وقال ابن زيد: النحلة في كلام ~~العرب الواجب، يقول: لا تنكحها إلا بشي واجب لها، وليس ينبغي لأحد بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب، ومضمون كلامهم ~~أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتما، وأن يكون طيب النفس بذلك، ~~كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبا، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها ~~طيبا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالا ~~طيبا، ولهذا قال: { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا }. وقال هشيم: كان الرجل إذا زوج بنته أخذ ~~صداقها دونها فنهاهم الله عن ذلك ونزل: { وآتوا النسآء ~~صدقاتهن نحلة }. ### || [4.5-6] # ينهى سبحانه وتعالى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال، التي جعلها ~~الله للناس قياما، أي تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها، ومن ههنا ~~يؤخذ [الحجر على السفهاء] وهم أقسام: فتارة يكون الحجر للصغر، فإن الصغير ~~مسلوب العبارة، وتارة يكون الحجر للجنون، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل ~~أو الدين، وتارة للفلس وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن ~~وفائها، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه حجر عليه، وقال ابن عباس في ~~قوله: { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم } قال: هم بنوك ~~والنساء، وقال الضحاك: هم النساء والصبيان، وقال سعيد بن جبير: هم ~~اليتامى، وقال مجاهد وعكرمة: هم النساء، وقال ابن أبي حاتم عن أبي أمامة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن النساء سفهاء إلا التي أطاعت قيمها " # وقوله: { وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا ~~معروفا } قال ms0484 ابن عباس: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك ~~معيشة، فتعطيه امرأتك أو بنتك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك ~~وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم، وقال ابن ~~جرير عن أبي موسى قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم، رجل له امرأة ~~سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيها. وقد قال الله: { ولا ~~تؤتوا السفهآء أموالكم } ، ورجل كان له على رجل دين فلم ~~يشهد عليه. وقال مجاهد: { وقولوا لهم قولا معروفا } يعني ~~في البر والصلة، وهذه الآية الكريمة تضمنت الإحسان إلى العائلة في ~~الكساوى والأرزاق، بالكلام الطيب وتحسين الأخلاق. # وقوله تعالى: { وابتلوا اليتامى } أي اختبروهم { حتى ~~إذا بلغوا النكاح } قال مجاهد: يعني الحلم، قال الجمهور من ~~العلماء: البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم، وهو أن يرى في منامه ما ~~ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد، وعن علي: قال حفظت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل " # وفي الحديث الآخر عن عائشة وغيرها من الصحابة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحلم - أو يستكمل خمس عشرة سنة - وعن ~~النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق " # ، وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن ابن عمر قال: عرضت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، ~~وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني، فقال عمر بن عبد ~~العزيز لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير، وقال أبو ~~عبيد في الغريب عن عمر: أن غلاما ابتهر جارية في شعره، فقال عمر: انظروا ~~إليه فلم يوجد أنبت فدرأ عنه الحد، قال أبو عبيدة: ابتهرها أي قذفها، ~~والابتهار: أن يقول فعلت بها وهو كاذب، فإن كان صادقا فهو الابتيار قال ~~الكميت في شعره: # قبيح بمثلي نعت الفتاة # إما ابتهارا وإما ابتيارا # وقوله عز وجل: ms0485 { فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم } يعني صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم كذا ~~روي عن ابن عباس والحسن البصري وغير واحد من الأئمة، وهكذا قال الفقهاء: ~~إذا بلغ الغلام مصلحا لدينه وماله انفك الحجر عنه، فيسلم إليه ماله الذي ~~تحت يد وليه، وقوله: { ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن ~~يكبروا } ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية { ~~إسرافا وبدارا } أي مبادرة قبل بلوغهم، ثم قال تعالى: { ومن ~~كان غنيا فليستعفف } عنه ولا يأكل منه شيئا، وقال الشعبي: ~~هو عليه كالميتة والدم، { ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف } نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان ~~محتاجا أن يأكل منه. عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم { ~~ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف } بقدر قيامه عليه. قال الفقهاء: له أن يأكل ~~من أقل الأمرين أجرة مثله أو قدر حاجته، واختلفوا هل يرد إذا أيسر؟ على ~~قولين: (أحدهما) لا، لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرا، وهذا هو الصحيح ~~عند أصحاب الشافعي، لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل. # روي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " إن عندي يتيما عنده مال وليس لي مال، آكل من ماله، قال: " كل ~~بالمعروف غير مسرف " # وقال ابن جرير: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاما، وإن ~~لهم إبلا ولي إبل، وأنا أمنح من إبلي فقراء، فماذا يحل من ألبانها؟ ~~فقال: إن كنت تبغي ضالتها وتهنا جرباها وتلوط حوضها وتسعى عليها فاشرب ~~غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب. (والثاني): نعم، لأن مال اليتيم على ~~الحظر، وإنما أبيح للحاجة، فيرد بدله كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة، ~~وقد قال ابن أبي الدنيا: قال عمر رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من هذا ~~المال منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا ~~أيسرت قضيت. وعن ابن عباس: { ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف } ، قال: يأكل من ماله يقوت على نفسه حتى ms0486 لا يحتاج إلى ~~مال اليتيم، وقال عامر الشعبي: لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه كما يضطر ~~إلى الميتة فإن أكل منه قضاه. { ومن كان غنيا فليستعفف } ~~يعني من الأولياء { ومن كان فقيرا } أي منهم { فليأكل ~~بالمعروف } أي بالتي هي أحسن كما قال في الآية الأخرى: # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ~~حتى يبلغ أشده # [الأنعام: 152، الإسراء: 34] أي لا تقربوه إلا مصلحين له فإن احتجتم ~~إليه أكلتم منه بالمعروف. # وقوله تعالى: { فإذا دفعتم إليهم أموالهم } يعني بعد ~~بلوغهم الحلم وإيناسكم الرشد منهم فحينئذ سلموا إليهم أموالهم، فإذا ~~دفعتم إليهم أموالهم { فأشهدوا عليهم } وهذا أمر من الله ~~تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم ~~أموالهم لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه. ثم قال: { ~~وكفى بالله حسيبا } أي وكفى بالله محاسبا وشاهدا ورقيبا ~~على الأولياء في حال نظرهم للأيتام وحال تسليمهم لأموالهم، هل هي كاملة ~~موفرة أو منقوصة مبخوسة؟ ولهذا ثبت في " صحيح مسلم " أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن ~~على اثنين، ولا تلين مال يتيم ". ### || [4.7-10] # قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا ~~يورثون النساء ولا الأطفال شيئا فأنزل الله: { للرجال نصيب ~~مما ترك الوالدان والأقربون } الآية. أي الجميع فيه ~~سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض ~~الله لكل منهم، بما يدلى به إلى الميت من قرابة، أو زوجية، أو ولاء، فإنه ~~لحمة كلحمة النسب. وروى ابن مردويه عن جابر قال: أتت أم كحة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن لي ابنتين قد مات ~~أبوهما وليس لهما شيء. فأنزل الله تعالى { للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون } الآية. وقوله: { وإذا حضر ~~القسمة } الآية. قيل: المراد: وإذا حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ~~ليس بوارث، { واليتامى والمساكين } فليرضخ لهم ms0487 من التركة ~~نصيب، وإن ذلك كان واجبا في ابتداء الإسلام، وقيل: يستحب، واختلفوا هل ~~هو منسوخ أم لا؟ على قولين، فقال البخاري عن ابن عباس: هي محكمة وليست ~~بمنسوخة، وقال عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية: { وإذا حضر ~~القسمة أولوا القربى } نسختها الآية التي بعدها # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء: 11]. وروى العوفي عن ابن عباس: كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، ~~فأنزل الله بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه، فجعلت الصدقة فيما سمى ~~المتوفى، وقال ابن أبي حاتم عن عطاء عن ابن عباس في قوله: { وإذا ~~حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين } نسختها آية الميراث، فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك ~~الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر. وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة ~~الأربعة وأصحابهم، والمعنى: أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين ~~لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوق إلى شيء ~~منه، وإذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ وهم يائسون لا شيء يعطونه، فأمر الله ~~تعالى وهو الرؤوف الرحيم أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون برا بهم وصدقة ~~عليهم، وإحسانا إليهم وجبرا لكسرهم، كما قال الله تعالى: # كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده # [الأنعام: 141] وذم الذين ينقلون المال خفية خشية أن يطلع عليهم ~~المحاويج وذوو الفاقة كما أخبر به عن أصحاب الجنة: # إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين # [القلم: 17] أي بليل، وقال: # فانطلقوا وهم يتخافتون * أن لا يدخلنها ~~اليوم عليكم مسكين # [القلم: 23-24] ف # دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها # [محمد: 10] فمن جحد حق الله عليه عاقبه في أعز ما يملكه. # وقوله تعالى: { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم } ~~الآية، قال ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه رجل يوصي بوصية ~~تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده ~~للصواب، فينظر لورثته كما كان يجب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة؛ ~~وهكذا قال مجاهد وغير واحد، وثبت في الصحيحين: # " أن رسول الله صلى الله عليه ms0488 وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده، ~~قال: يا رسول الله إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي، ~~قال: لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث قال: " الثلث، والثلث كثير " # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " # وفي الصحيح عن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الثلث، والثلث كثير ". # قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء استحب للميت أن يستوفي في وصيته ~~الثلث، وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص الثلث؛ وقيل: المراد بالآية ~~فليتقوا الله في مباشرة أموال اليتامى # ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا # [النساء: 6] حكاه ابن جرير عن ابن عباس، وهو قول حسن يتأيد بما بعده من ~~التهديد في أكل أموال اليتامى ظلما، أي كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، ~~فعامل الناس في ذراريهم إذا وليتهم، ثم أعلمهم أن من أكل أموال اليتامى ~~ظلما فإنما يأكل في بطنه نارا ولهذا قال: { إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } أي إذا أكلوا أموال ~~اليتامى بلا سبب فإنما يأكلون نارا تتأجج في بطونهم يوم القيامة - وفي ~~الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اجتنبوا السبع الموبقات: قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، ~~والسحر؛ وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق؛ وأكل الربا، وأكل مال ~~اليتيم؛ والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " # وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ~~ومن مسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه بأكل مال اليتيم، وقال ابن ~~مردويه عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا " قيل يا رسول ~~الله من هم؟ قال: ألم تر أن الله قال: { إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ms0489 ظلما } الآية. وعن أبي هريرة قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " أحرج مال الضعيفين: المرأة، واليتيم " # أي أوصيكم باجتناب مالهما. ### || [4.11] # هذه الآية الكريمة والتي بعدها، والآية التي هي خاتمة هذه السورة هن ~~آيات علم الفرائض، وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث ~~الواردة في ذلك مما هو كالتفسير لذلك، ولنذكر منها ما هو متعلق بتفسير ~~ذلك، وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة، والحجاج بين الأئمة، ~~فموضعه كتب الأحكام والله المستعان. # وقد ورد الترغيب في تعلم الفرائض، وهذه الفرائض الخاصة من أهم ذلك؛ روى ~~أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " العلم ثلاثة وما سوى ~~ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة " ، وعن أبي ~~هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ~~ينزع من أمتي " # قال ابن عيينة: إنما سمي الفرائض نصف العلم لأنه يبتلى به الناس كلهم، ~~وقال البخاري عند تفسير هذه الآية: # " عن جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو ~~بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا، ~~فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش علي فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي ~~يا رسول الله، فنزلت: { يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين } " # (حديث آخر) عن جابر قال: # " جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا ~~رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدا، ~~وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا ولهما مال، ~~فقال: " يقضي الله في ذلك " فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى عمهما فقال: " أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما ~~بقي فهو لك " ". # فقوله تعالى: { يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين } أي يأمركم بالعدل فيهم، ms0490 فإن أهل الجاهلية ~~كانوا يجعلون جميع الميراث للذكر دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية ~~بينهم في أصل الميراث، وفاوت بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، ~~وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة، ومعاناة التجارة والتكسب، ~~وتحمل المشاق فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى، وقد استنبط بعض ~~الأذكياء من قوله تعالى: { يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين } أنه تعالى أرحم بخلقه من ~~الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم. ~~وقال البخاري عن ابن عباس: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين؛ فنسخ ~~الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد ~~منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع، ~~وقال العوفي عن ابن عباس: لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض ~~للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم وقالوا: تعطى المرأة ~~الربع أو الثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء ~~أحد يقاتل القوم؛ ولا يحوز الغنيمة؛ اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ينساه؛ أو نقول له فيغير! فقالوا: يا رسول الله تعطى ~~الجارية نصف ما ترك أبوها؛ وليست تركب الفرس؛ ولا تقاتل القوم، ويعطى ~~الصبي الميراث وليس يغني شيئا؛ وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية؛ لا يعطون ~~الميراث إلا لمن قاتل القوم؛ ويعطونه الأكبر فالأكبر، فنزلت الآية. # وقوله: { فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ~~ترك } قال بعض الناس: قوله " فوق " زائدة، وتقديره فإن كن نساء اثنتين ~~كما في قوله: # فاضربوا فوق الأعناق # [الأنفال: 12] وهذا غير مسلم لا هنا ولا هناك، فإنه ليس في القرآن شيء ~~زائد لا فائدة فيه. وهذا ممتنع، ثم قوله: { فلهن ثلثا ما ترك ~~} لو كان المراد ما قالوه لقال فلهما ثلثا ما ترك: وإنما استفيد كون ~~الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة، فإنه تعالى حكم فيها ~~للأختين بالثلثين. وإذا ورث الأختان الثلثين فلأن يرث البنتان الثلثين ~~بالطريق الأولى، وقد ms0491 تقدم في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم ~~لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين فدل الكتاب والسنة على ذلك، وأيضا فإنه ~~قال: { وإن كانت واحدة فلها النصف } ، فلو كان للبنتين ~~النصف لنص عليه أيضا فلما حكم به للواحدة على انفرادها؛ دل على أن ~~البنتين في حكم الثلاث والله أعلم. وقوله تعالى: { ولأبويه لكل ~~واحد منهما السدس } إلى آخره، الأبوان لهما في الإرث أحوال: ~~(أحدها) أن يجتمعا مع الأولاد فيفرض لكل واحد منها السدس فإن لم يكن ~~للميت إلا بنت واحدة، فرض لها النصف، وللأبوين لكل واحد منهما السدس؛ ~~وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب فيجمع له والحالة هذه بين الفرض والتعصيب ~~(الحال الثاني): أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأم الثلث والحالة ~~هذه أخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض؛ فيكون قد أخذ ضعفي ما حصل للأم وهو ~~الثلثان، فلو كان معهما زوج أو زوجة ويأخذ الزوج النصف والزوجة الربع. ثم ~~اختلف العلماء: ماذا تأخذ الأم بعد ذلك، على ثلاثة أقوال: (أحدها): أنها ~~تأخذ ثلث الباقي في المسألتين؛ لأن الباقي كأنه جميع الميراث بالنسبة ~~إليهما، وقد جعل الله لها نصف ما جعل للأب، فتأخذ ثلث الباقي ويأخذ الأب ~~الباقي ثلثيه؛ هذا قول عمر وعثمان؛ وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو ~~قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور العلماء (والثاني): أنها تأخذ ~~ثلث جميع المال لعموم قوله: { فإن لم يكن له ولد ~~وورثه أبواه فلأمه الثلث } ، فإن الآية أعم من أن يكون ~~معها زوج أو زوجة أو لا؛ وهو قول ابن عباس، وهو ضعيف. # (والقول الثالث): أنها تأخذ ثلث جميع المال في (مسألة الزوجة) خاصة، ~~فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة من اثني عشر، وتأخذ الأم الثلث وهو أربعة، ~~فيبقى خمسة للأب، وأما في (مسألة الزوج) فتأخذ ثلث الباقي لئلا تأخذ أكثر ~~من الأب لو أخذت ثلث المال، فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة ~~وللأم ثلث الباقي بعد ذلك وهو سهم، وللأب الباقي بعد ذلك وهو سهمان. ~~ويحكى هذا عن ابن سيرين، ms0492 وهو مركب من القولين الأولين، وهو ضعيف أيضا، ~~والصحيح الأول والله أعلم (والحال الثالث) من أحوال الأبوين وهو ~~اجتماعهما مع الأخوة، سواء كانوا من الأبوين أو من الأب أو من الأم، ~~فإنهم لا يرثون مع الأب شيئا، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى ~~السدس، فيفرض لها مع وجودهم السدس، فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب أخذ ~~الأب الباقي، وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الأخوة عند الجمهور. # وقوله: { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } أضروا بالأم ~~ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد عن الثلث ويحجبها ما فوق ذلك، وكان ~~أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم عن الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم ~~ونفقته عليهم دون أمهم، وهذا كلام حسن. # وقوله { من بعد وصية يوصي بهآ أو دين } أجمع العلماء ~~من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر ~~يفهم من فحوى الآية الكريمة، وروى أحمد والترمذي عن علي بن أبي طالب قال: ~~إنكم تقرأون { من بعد وصية يوصي بهآ أو دين } وإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم ~~يتوارثون دون بني العلات، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. # وقوله: { آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب ~~لكم نفعا } أي إنما فرضنا للآباء والأبناء، وساوينا بين الكل في ~~أصل الميراث، على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية، لأن الإنسان قد ~~يأتيه النفع الدنيوي أو الأخروي أو هما من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد ~~يكون بالعكس، ولذا قال: { آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا } أي أن النفع متوقع ومرجو من هذا كما ~~هو متوقع ومرجو من الآخر، فلهذا فرضنا لهذا وهذا، وساوينا بين القسمين في ~~أصل الميراث، والله أعلم. # وقوله: { فريضة من الله } أي هذا الذي ذكرناه من تفصيل ~~الميراث وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض هو فرض من الله حكم به وقضاه، ~~والله عليم حكيم، الحكيم: الذي يضع الأشياء في محالها ms0493 ويعطي كلا ما ~~يستحقه بحسبه، ولهذا قال: { إن الله كان عليما حكيما }. ### || [4.12] # يقول تعالى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم إذا متن عن غير ولد، ~~فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد الوصية أو الدين، وقد تقدم ~~أن الدين مقدم على الوصية، وبعده الوصية ثم الميراث، وهذا أمر مجمع عليه ~~بين العلماء وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب، ثم قال: { ~~ولهن الربع مما تركتم } إلى آخره، وسواء في الربع أو ~~الثمن الزوجة والزوجتان الاثنتان، والثلاث والأربع يشتركن فيه. وقوله: { ~~من بعد وصية } إلخ. الكلام عليه كما تقدم. وقوله تعالى: { ~~وإن كان رجل يورث كلالة } الكلالة: مشتقة من الإكليل، وهو ~~الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا ~~فروعه، كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول ~~فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، ~~والله ورسوله بريئان منه: الكلالة من لا ولد له ولا والد. فلما ولي عمر ~~قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه، كذا رواه ابن جرير وغيره، ~~وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف وقد حكى الإجماع عليه غير ~~واحد. # وقوله تعالى: { وله أخ أو أخت } أي من أم كما هو في قراءة ~~(سعد بن أبي وقاص). وكذا فسرها أبو بكر الصديق: { فلكل واحد ~~منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم ~~شركآء في الثلث } وإخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه: ~~(أحدها) أنهم يرثون مع من أدلوا به وهي الأم، (والثاني) أن ذكورهم ~~وإناثهم في الميراث سواء، (والثالث) لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث ~~كلالة فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا ولد ابن، (الرابع) أنهم لا ~~يزادون على الثلث وإن كثر ذكورهم وإناثهم، قضى عمر أن ميراث الأخوة من ~~الأم بينهم للذكر مثل حظ الأنثى، قال الزهري: ولا أرى عمر قضى بذلك حتى ~~علم ذلك من ms0494 رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الآية هي التي قال الله ~~تعالى فيها: { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في ~~الثلث } واختلف العلماء في المسألة المشتركة وهي (زوج وأم أو جدة ~~واثنان من ولد الأم وواحد أو أكثر من ولد الأبوين)، فعلى قول الجمهور ~~للزوج النصف، وللأم أو الجدة السدس، ولولد الأم الثلث ويشاركهم فيه ولد ~~الأب والأم بما بينهم من القدر المشترك وهو إخوة الأم، وقد وقعت هذه ~~المسألة في زمان أمير المؤمنين عمر فأعطى الزوج النصف والأم السدس، وجعل ~~الثلث لأولاد الأم فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا ~~كان حمارا ألسنا من أم واحدة؟ فشرك بينهم وهو مذهب مالك والشافعي. # وكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم، بل يجعل الثلث لأولاد الأم، ولا ~~شيء لأولاد الأبوين، والحالة هذه لأنهم عصبة، وقال وكيع بن الجراح: لم ~~يختلف عنه في ذلك، وهذا قول أبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري وهو مذهب ~~أبي حنيفة والإمام أحمد، واختاره أبو الحسن بن اللبان الفرضي رحمه الله ~~في كتاب الإيجاز. # وقوله: { من بعد وصية يوصى بهآ أو دين غير ~~مضآر } أي لتكن وصيته على العدل لا على الإضرار والجور والحيف، بأن ~~يحرم بعض الورثة أو ينقصه، أو يزيده على ما فرض الله له من الفريضة، فمن ~~سعى في ذلك كان كمن ضاد الله في حكمه وشرعه، ولهذا قال ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " الإضرار في الوصية من الكبائر " # ورواه ابن جرير عن ابن عباس موقوفا، قال: والصحيح الموقوف، ولهذا اختلف ~~الأئمة في الإقرار للوارث هل هو صحيح أم لا؟ على قولين (أحدهما): لا يصح ~~لأنه مظنة التهمة، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " # ، وهذا مذهب مالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة والقول القديم للشافعي رحمهم ~~الله، وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإقرار، وهو مذهب ms0495 طاوس وعطاء وهو ~~اختيار البخاري في صحيحه، واحتج بأن رافع بن خديج أوصى أن لا تكشف ~~الفزارية عما أغلق عليه بابها قال: وقال بعض الناس: لا يجوز إقراره لسوء ~~الظن بالورثة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " # ، وقال الله تعالى: # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها # [النساء: 58] فلم يخص وارثا ولا غيره، انتهى ما ذكره. فمتى كان الإقرار ~~صحيحا مطابقا لما في نفس الأمر، جرى فيه هذا الخلاف، ومتى كان حيلة ~~ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم فهو حرام بالإجماع وبنص هذه ~~الآية الكريمة: { غير مضآر وصية من الله والله ~~عليم حليم }. ### || [4.13-14] # أي هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة، بحسب قربهم من الميت ~~واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله فلا تعتدوها ولا ~~تجاوزوها، ولهذا قال: { ومن يطع الله ورسوله } أي فيها فلم ~~يزد بعض الورثة، ولم ينقص بعضهم بحيلة ووسيلة بل تركهم على حكم الله ~~وفريضته وقسمته: { يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن ~~يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا ~~خالدا فيها وله عذاب مهين } أي لكونه غير ما حكم الله ~~به، وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم ~~به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم. عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى وحاف في وصيته ~~فيختم له بشر عمله فيدخل النار، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة ~~فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة " # ، قال، ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: { تلك حدود الله } ~~إلى قوله: { عذاب مهين } وقال أبو داود في باب الإضرار في الوصية ~~عن شهر بن حوشب أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ms0496 ثم يحضرهما الموت ~~فيضران في الوصية فتجب لهما النار " # وقال: قرأ علي أبو هريرة من ههنا: { من بعد وصية يوصى ~~بهآ أو دين غير مضآر } - حتى بلغ - { وذلك الفوز ~~العظيم }. ### || [4.15-16] # كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة، ~~حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ولهذا قال: { ~~واللاتي يأتين الفاحشة } يعني الزنا { من نسآئكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو ~~يجعل الله لهن سبيلا } فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ ~~لذلك، قال ابن عباس رضي الله عنه: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة ~~النور فنسخها بالجلد أو الرجم؛ وهو أمر متفق عليه، روى مسلم وأصحاب السنن ~~عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خذوا عني خذوا عني؛ قد جعل الله لهن سبيلا؛ البكر بالبكر جلد مائة ~~وتغريب عام؛ والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " # وقد روى الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " خذوا عني خذوا عني؛ قد جعل الله لهن سبيلا؛ البكر بالبكر جلد مائة ~~ونفي سنة؛ والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " # وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع ~~بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني ~~إنما يرجم فقط من غير جلد، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ~~ماعزا والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك فدل على أن الجلد ليس ~~بحتم، بل هو منسوخ على قولهم، والله أعلم. # وقوله تعالى: { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما } أي ~~واللذان يفعلان الفاحشة فآذوهما، قال ابن عباس: أي بالشتم والتعيير ~~والضرب بالنعال، وكان الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم، وقال ~~مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا اللواط، وقد روى أهل السنن عن ابن عباس ~~مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من رأيتموه يعمل علم قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " # وقوله: ms0497 { فإن تابا وأصلحا } أي أقلعا ونزعا عما كانا عليه ~~وصلحت أعمالهما وحسنت: { فأعرضوا عنهمآ } أي لا تعنفوهما بكلام ~~قبيح بعد ذلك، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له: { إن الله كان ~~توابا رحيما } ، وقد ثبت في الصحيحين # " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها " # أي لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت. ### || [4.17-18] # يقول سبحانه وتعالى: إنما يقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم ~~يتوب قبل الغرغرة، قال مجاهد: كل من عصى الله خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ~~ينزع عن الذنب، وقال قتادة: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة، وقال ابن عباس: { ثم يتوبون ~~من قريب } قال: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وقال الضحاك: ما ~~كان دون الموت فهو قريب، وقال قتادة والسدي: ما دام في صحته، وقال الحسن ~~البصري: { ثم يتوبون من قريب } ، ما لم يغرغر، (ذكر الأحاديث ~~في ذلك): قال الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # (حديث آخر): قال ابن مردويه عن عبد الله بن عمر، سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه أدنى من ذلك؛ ~~وقيل موته بيوم وساعة يعلم الله منه التوبة والإخلاص إليه إلا قبل منه " # و(حديث آخر): قال أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن عمر، يقول: من تاب ~~قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، ومن تاب قبل ~~موته بجمعة تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه، ومن تاب قبل موته ~~بساعة تيب عليه، فقلت له: إنما قال الله: { إنما التوبة على ~~الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون ~~من قريب } فقال إنما أحدثك ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. (حديث آخر): قال أبو بكر ms0498 بن مردويه: عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر ". ### || [4.19-22] # روى البخاري عن ابن عباس: { يا أيها الذين آمنوا لا ~~يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها } ، قال: كانوا إذا مات ~~الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها، ~~وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية: { يا ~~أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النسآء كرها } هكذا ذكره البخاري وأبو داود والنسائي. وروي عن ابن ~~عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ~~ثوبا كان أحق بها، فنزلت: { يا أيها الذين آمنوا لا ~~يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها } وقال زيد بن أسلم في ~~الآية: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ~~ماله وكان يعضلها حتى يرثها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء ~~الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى ~~تفتدي منه ببعض ما أعطاها فنهى الله المؤمنين عن ذلك. وقال أبو بكر بن ~~مردويه عن محمد ابن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: لما توفي أبو ~~قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته وكان لهم ذلك في الجاهلية فأنزل ~~الله: { لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها } ، وقال ~~ابن جريج: نزلت في (كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس) توفي عنها أبو قيس ~~بن الأسلت فجنح عليها ابنه جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت يا ~~رسول الله: لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح، فأنزل الله هذه الآية. ~~فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية وكل ما كان فيه نوع من ذلك والله ~~أعلم. # وقوله: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ ~~آتيتموهن } أي لا تضاروهن في العشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه ~~أو حقا من حقوقها عليك، أو شيئا من ذلك ms0499 على وجه القهر لها والإضرار، ~~وقال ابن عباس في قوله: { ولا تعضلوهن } ، يقول: ولا تقهروهن { ~~لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن } يعني الرجل تكون له المرأة ~~وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به، وكذا قال الضحاك ~~وقتادة وغير واحد. واختاره ابن جرير، وقال ابن المبارك عن ابن السلماني ~~قال: نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر ~~الإسلام يعني قوله تعالى: { لا يحل لكم أن ترثوا النسآء ~~كرها } في الجاهلية، { ولا تعضلوهن } في الإسلام، وقوله: { ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال ابن مسعود، وابن ~~عباس: يعني بذلك الزنا، يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي ~~أعطيتها، وتضاجرها حتى تتركه لك وتخالعها كما قال تعالى: # ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا ~~إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله # [البقرة: 229] الآية، وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الفاحشة المبينة ~~النشوز والعصيان واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله الزنا والعصيان، ~~والنشوز وبذاء اللسان، وغير ذلك، يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى ~~تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد والله أعلم. # وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية ولكن نهي المسلمون ~~عن فعله في الإسلام: وقال عبد الرحمن بن زيد: كان العضل في قريش بمكة: ~~ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج ~~إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا جاء الخاطب، فإن ~~أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها، قال فهذا قوله: { ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن } الآية. وقال مجاهد في ~~قوله: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ ~~آتيتموهن } هو كالعضل في سورة البقرة، وقوله تعالى: { ~~وعاشروهن بالمعروف } أي طيبوا أقوالكم لهن وحسنوا أفعالكم ~~وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله، كما قال ~~تعالى: # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف # [البقرة: 228]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خيركم خيركم لأهله؛ وأنا خيركم لأهلي " # وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، ms0500 دائم البشر؛ يداعب ~~أهله؛ ويتلطف بهم ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق عائشة ~~أم المؤمنين رضي الله عنها يتودد إليها بذلك، قالت: سابقني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فسبقته وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعدما حملت ~~اللحم فسبقني، فقال: " هذه بتلك ". ويجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت ~~عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ~~ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار ~~واحد، يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل ~~منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك صلى الله عليه ~~وسلم، وقد قال الله تعالى: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21]، وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتب ~~الأحكام، ولله الحمد. # وقوله تعالى: { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا ~~شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } ، أي فعسى أن يكون ~~صبركم في إمساكهن مع الكراهة، فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة، كما ~~قال ابن عباس: هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولدا، ويكون في ذلك الولد ~~خير كثير، وفي الحديث الصحيح: # " لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقا رضي منها آخر ". # وقوله تعالى: { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ~~وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } أي إذا أراد أحدكم أن ~~يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذ مما كان أصدق الأولى شيئا ~~ولو كان قنطارا من المال، وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال ~~الجزيل، وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق ثم رجع عن ذلك كما ~~قال الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تغالوا في صداق النساء، ~~فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من ~~نسائه ولا ms0501 أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية. # (طريق أخرى عن عمر): قال الحافظ أبو يعلى عن الشعبي عن مسروق قال: ركب ~~عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس ما ~~إكثاركم في صداق النساء!! وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم؛ فما دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك ~~تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلأعرفن ما زاد رجل في صداق ~~امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل. فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا ~~أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟ ~~قال: نعم، فقالت أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: ~~أما سمعت الله يقول: { وآتيتم إحداهن قنطارا } الآية. ~~قال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها ~~الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، ~~فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه ~~فليفعل إسناده جيد قوي. وفي رواية: امرأة أصابت ورجل أخطأ، ولهذا قال ~~منكرا: { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى ~~بعض } أي وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد أفضيت إليها وأفضت إليك ~~قال ابن عباس: يعني بذلك الجماع. وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما: # " " الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب " قالها ثلاثا فقال ~~الرجل: يا رسول الله مالي - يعني ما أصدقها - قال: " لا مال لك، إن كنت ~~صدقت فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها " ~~". # وقوله تعالى: { وأخذن منكم ميثاقا غليظا } المراد بذلك ~~العقد، وقال سفيان الثوري في قوله: { وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا } قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وقال الربيع بن أنس في ~~الآية: هو قوله: " أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " ~~، وفي ms0502 صحيح مسلم عن جابر في خطبة حجة الوداع: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال فيها: # " واستوصوا بالنساء خيرا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله ". # وقوله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النسآء } الآية، يحرم الله تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم، وإعظاما ~~واحتراما أن توطأ من بعده، حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها، ~~وهذا أمر مجمع عليه. قال ابن أبي حاتم عن عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار ~~قال: لما توفي أبو قيس - يعني ابن الأسلت - وكان من صالحي الأنصار، فخطب ~~ابنه قيس امرأته فقالت: إنما أعدك ولدا وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: # " إن أبا قيس توفي فقال: " خيرا " ، ثم قالت: إن ابنه قيسا خطبني وهو ~~من صالحي قومه، وإنما كنت أعده ولدا فما ترى؟ فقال لها: " ارجعي إلى ~~بيتك " قال فنزلت: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النسآء } " # الآية. وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولا به في ~~الجاهلية، ولهذا قال: { إلا ما قد سلف } ، كما قال: # وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف # [النساء: 23] قال: وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة، تزوج بامرأة أبيه ~~فأولدها ابنه النضر بن كنانة، قال: وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " ولدت من نكاح لا من سفاح " # قال: فدل على أنه كان سائغا لهم ذلك، فأراد أنهم كانوا يعدونه نكاحا؛ ~~وعن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب ~~والجمع بين الأختين، فأنزل الله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النسآء } ، # وأن تجمعوا بين الأختين # [النساء: 23]، وهكذا قال عطاء وقتادة، ولكن فيما نقله السهيلي من قصة ~~كنانة نظر والله أعلم، وعلى كل تقدير فهو حرام في هذه الأمة، مبشع غاية ~~التبشع، ولهذا قال تعالى: { إنه كان فاحشة ومقتا وسآء ~~سبيلا } ، وقال: # ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن # [الأنعام: 151]، وقال: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # [الإسراء: ms0503 32]، فزاد ههنا: { ومقتا } أي بغضا أي هو أمر كبير في ~~نفسه، ويؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من ~~تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على ~~الأمة لأنهن أمهات لكونهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وهو كالأب، بل ~~حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات الله ~~وسلامه عليه. # وقال عطاء في قوله تعالى: { ومقتا } أي يمقت الله عليه، { وسآء ~~سبيلا } أي وبئس طريقا لمن سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ~~ارتد عن دينه، فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال، كما رواه الإمام أحمد ~~وأهل السنن عن البراء بن عازب عن خاله أبي بردة: أنه بعثه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله، ~~وقال الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: مر بي عمي (الحارث بن عمير) ~~ومعه لواء قد عقده له النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: أي عم أين بعثك ~~النبي؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه. ### || [4.23-24] # هذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب، وما يتبعه من الرضاع ~~والمحارم بالصهر، كما قال ابن عباس: حرمت عليكم سبع نسبا وسبع صهرا، ~~وقرأ: { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ~~وأخواتكم } الآية. وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ~~ماء الزاني عليه، بعموم قوله تعالى: { وبناتكم } فإنها بنت فتدخل ~~في العموم كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، وقد حكي عن ~~الشافعي شيء في إباحتها لأنها ليست بنتا شرعية، فكما لم تدخل في قوله ~~تعالى: # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين # [النساء: 11] فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية والله ~~أعلم. وقوله تعالى: { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة } أي كما يحرم عليك أمك التي ولدتك، ~~كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك، ولهذا ثبت في الصحيحين عن عائشة ms0504 أم ~~المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة " # وفي لفظ لمسلم: # " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " # ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد ~~الرضاع لعموم هذه الآية، وهذا قول مالك، ويروى عن ابن عمر، وقال آخرون: ~~لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تحرم المصة ولا المصتان " # ، وفي لفظ آخر: # " لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان " # وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل، وقال آخرون: لا يحرم أقل ~~من خمس رضعات لما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان ~~فيما أنزل من القرآن " عشر رضعات معلومات يحرمن " ثم نسخن بخمس معلومات، ~~فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن) وكانت عائشة ~~تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات، وبهذا قال الشافعي ~~وأصحابه، ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين ~~على قول الجمهور، وقد قدمنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة عند ~~قوله: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة # [الآية: 233]. # وقوله: { وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم } أما (أم المرأة) فإنها تحرم بمجرد العقد على بنتها، سواء ~~دخل بها أو لم يدخل بها، وأما (الربيبة) وهي بنت المرأة فلا تحرم حتى ~~يدخل بأمها، فإن طلق الأم قبل الدخول بها جاز أن يتزوج بنتها، ولهذا قال: ~~{ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم ~~اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن ~~فلا جناح عليكم } في تزويجهن، فهذا خاص بالربائب وحدهن، وقد ~~فهم بعضهم عود الضمير إلى الأمهات والربائب فقال: لا تحرم واحدة من الأم ~~ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها لقوله: { فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم }. # وجمهور العلماء على أن الربيبة لا تحرم بالعقد ms0505 على الأم بخلاف الأم ~~فإنها تحرم بمجرد العقد، قال ابن أبي حاتم: عن ابن عباس: أنه كان يقول: ~~إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها، وهذا مذهب ~~الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وجمهور الفقهاء قديما وحديثا، ولله ~~الحمد والمنة. # وأما قوله تعالى: { وربائبكم اللاتي في حجوركم } ~~فالجمهور على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره، ~~قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له كقوله تعالى: # ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن ~~تحصنا # [النور: 33]، وفي الصحيحين # " أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان، وفي لفظ ~~لمسلم (عزة بنت أبي سفيان) قال: " أو تحبين ذلك "؟ قالت: نعم لست بك ~~بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، قال: " فإن ذلك لا يحل لي " قالت: ~~فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة قال: " بنت أم سلمة " قالت: نعم ~~قال: " إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لبنت أخي من ~~الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن " # وفي رواية للبخاري: # " إني لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي " # فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة وحكم بالتحريم بذلك، وهذا هو ~~مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف، وقد قيل بأنه ~~لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل فإذا لم تكن كذلك فلا تحرم ~~وهو قول غريب جدا، وإلى هذا ذهب داود الظاهري وأصحابه، واختاره ابن حزم، ~~وحكى لي شيخنا الحافظ الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن ~~تيمية رحمه الله فاستشكله وتوقف في ذلك والله أعلم؛ وأما الربيبة في ملك ~~اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس: أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة ~~وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى فقال عمر: ما أحب أن ~~أجيزهما جميعا: يريد أن أطأهما جميعا بملك يميني، وعن طارق بن ms0506 عبد ~~الرحمن عن قيس قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على مرأة وابنتها مملوكين ~~له؟ فقال أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله، وقال الشيخ ابن عبد ~~البر رحمه الله: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة ~~وبنتها من ملك اليمين لأن الله حرم ذلك في النكاح، قال: { وأمهات ~~نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من ~~نسآئكم } ، وملك اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما روي عن عمر وابن ~~عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم، وروى هشام عن ~~قتادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة، ~~ومعنى قوله: { اللاتي دخلتم بهن } أي نكحتموهن قاله ابن عباس ~~وغير واحد، وقال ابن جرير: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأة لا ~~تحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها، وقبل النظر إلى فرجها ~~بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع. # وقوله تعالى: { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ~~} أي وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك ~~عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية. قال ابن جريج: سألت عطاء ~~عن قوله: { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } ~~قال: كنا نحدث - والله أعلم - أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نكح ~~امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك فأنزل الله عز وجل: { وحلائل ~~أبنائكم الذين من أصلابكم } ، ونزلت: # وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم # [الأحزاب: 4]، ونزلت: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم # [الأحزاب: 40]. # وقوله تعالى: { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد ~~سلف } الآية، أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا في التزويج وكذا ~~في ملك اليمين، إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عنه وغفرناه، فدل ~~على أنه لا مثنوية فيما يستقبل لأنه استثنى مما سلف، كما قال: # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # [الدخان: 56] فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا، وقد أجمع ~~العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديما وحديثا، على أنه يحرم ms0507 ~~الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان خير فيمسك إحداهما ~~ويطلق الأخرى لا محالة، قال الإمام أحمد: عن الضحاك بن فيروز عن أبيه ~~قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أطلق ~~إحداهما، وفي لفظ للترمذي: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اختر أيتهما شئت " # وعن أبي خراش الرعيني قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي ~~أختان تزوجتهما في الجاهلية فقال: # " إذا رجعت فطلق إحداهما " # وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضا لعموم الآية، وروي ~~ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين فكرهه، ~~فقال له - يعني السائل - يقول الله تعالى: { إلا ما ملكت ~~أيمانكم } ، فقال له ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: وبعيرك مما ~~ملكت يمينك، وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان ~~بعض السلف قد توقف في ذلك، وقال الإمام مالك: سأل رجل (عثمان بن عفان) عن ~~الأختين في ملك اليمين هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما ~~آية، وما كنت لأمنع ذلك، فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فسأله عن ذلك، فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت ~~أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا، وقال مالك قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي ~~طالب. # وعن إياس بن عامر قال: سألت علي بن أبي طالب فقلت: إن لي أختين مما ملكت ~~يميني اتخذت إحداهما سرية فولدت لي أولادا ثم رغبت في الأخرى فما أصنع؟ ~~فقال علي رضي الله عنه: تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى، قلت: فإن ناسا ~~يقولون بل تزوجها ثم تطأ الأخرى، فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها أو ~~مات عنها أليس ترجع إليك؟ لأن تعتقها أسلم لك، ثم أخذ علي بيدي فقال لي: ~~إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله عز وجل من ~~الحرائر إلا العدد، أو قال إلا الأربع، ويحرم عليك ms0508 من الرضاع ما يحرم ~~عليك في كتاب الله من النسب. ثم قال أبو عمر: هذا الحديث لو رحل رجل ولم ~~يصب من أقصى المغرب والمشرق إلى مكة غيره لما عابت رحلته. وروى الإمام ~~أحمد عن ابن مسعود قال: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد، ~~وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في ~~الوطء كما لا يحل ذلك في النكاح، وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله: { ~~حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم } ~~إلى آخر الآية أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء، وكذلك يجب أن ~~يكون نظرا وقياسا الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب، وكذلك هو ~~عند جمهورهم وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها. # وقوله تعالى: { والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت ~~أيمانكم } أي وحرم عليكم من الأجنبيات المحصنات وهن المزوجات { ~~إلا ما ملكت أيمانكم } يعني إلا ما ملكتموهن بالسبي، فإنه ~~يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن فإن الآية نزلت في ذلك، وقال الإمام أحمد ~~عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبيا من سبي أوطاس، ولهن أزواج فكرهنا أن ~~نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: ~~{ والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم } ~~فاستحللنا فروجهن. وفي رواية مسلم أن أصحاب رسول الله أصابوا سبيا يوم ~~أوطاس لهن أزواج من أهل الشرك، فكان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن قال: فنزلت هذه الآية في ذلك: { ~~والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم }. ~~وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها أخذا ~~بعموم هذه الآية، وقال ابن جرير: كان عبد الله يقول: بيعها طلاقها ويتلو ~~هذه الآية: { والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت ~~أيمانكم } وعن ابن مسعود قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ~~ببضعها. # وعن ابن المسيب قوله: { والمحصنات من النسآء } ، قال: هذه ~~ذوات الأزواج حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك ms0509 فبيعها طلاقها. # فهذا قول هؤلاء من السلف وقد خالفهم الجمهور قديما وحديثا، فرأوا أن ~~بيع الأمة ليس طلاقا لها، لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد ~~أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث ~~بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها ~~وأعتقتها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ وقصتها مشهورة فلو كان بيع ~~الأمة طلاقها كما قال هؤلاء ما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ~~خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط والله ~~أعلم، وقد قيل المراد بقوله: { والمحصنات من النسآء } يعني ~~العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي واحدة أو ~~اثنتين أو ثلاثا أو أربعا، حكاه ابن جرير عن أبي العالية وطاوس ~~وغيرهما، وقال عمر وعبيدة: { والمحصنات من النسآء } ما عدا ~~الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم. # وقوله تعالى: { كتاب الله عليكم } أي هذا التحريم كتاب كتبه ~~الله عليكم، يعني الأربع فالزموا كتابه، ولا تخرجوا عن حدوده، والزموا ~~شرعه وما فرضه. وقال عطاء والسدي في قوله: { كتاب الله عليكم ~~} يعني الأربع، وقال إبراهيم: { كتاب الله عليكم }: يعني ما ~~حرم عليكم؛ وقوله تعالى: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } أي ~~ما عدا من ذكرن من المحارم هن لكم حلال، قاله عطاء وغيره، وقال قتادة: { ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم }: يعني ما ملكت أيمانكم، وهذه ~~الآية هي التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين، وقول من ~~قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، وقوله تعالى: { أن تبتغوا ~~بأموالكم محصنين غير مسافحين } أي تحصلوا بأموالكم ~~من الزوجات إلى أربع، أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي، ولهذا قال: { ~~محصنين غير مسافحين }. # وقوله تعالى: { فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن فريضة } أي كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ~~ذلك، كما قال تعالى: # وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض # [النساء: 21]، وكقوله تعالى: ms0510 # وآتوا النسآء صدقاتهن نحلة # [النساء: 4]، وكقوله: # ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا # [البقرة: 229]. وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه ~~كان مشروعا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك، وقد ذهب الشافعي وطائفة ~~من العلماء إلى أنه أبيح، ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ مرتين. # وقال آخرون: إنما أبيح مرة ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك، وقد قيل بإباحتها ~~للضرورة وهي رواية عن الإمام أحمد، وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة، ~~ولكن الجمهور على خلاف ذلك، والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين ~~(علي بن أبي طالب) قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح ~~المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي ~~في كتاب الأحكام، وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني عن ~~أبيه أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة فقال: # " يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد ~~حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا ~~مما آتيتموهن شيئا " # ، وفي رواية لمسلم في حجة الوداع وله ألفاظ موضعها كتاب الأحكام. # وقوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من ~~بعد الفريضة } أي إذا فرضت لها صداقا فأبرأتك منه أو عن شيء منه ~~فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك، وقال ابن جرير: إن رجالا كانوا يفرضون ~~المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة فقال: ولا جناح عليكم أيها الناس ~~فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، يعني إن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ، ~~وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به من بعد الفريضة } والتراضي أن يوفيها ~~صداقها، ثم يخيرها يعني في المقام أو الفراق، وقوله تعالى: { إن ~~الله كان عليما حكيما } مناسب ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه ~~المحرمات. ### || [4.25] # يقول تعالى: { ومن لم يستطع منكم ms0511 طولا } أي سعة وقدرة { ~~أن ينكح المحصنات المؤمنات } أي الحرائر العفائف ~~المؤمنات، { فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات } أي فتزوجوا من الإماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون، ~~ولهذا قال: { من فتياتكم المؤمنات } قال ابن عباس: فلينكح ~~من إماء المؤمنين، ثم اعترض بقوله: { والله أعلم بإيمانكم ~~بعضكم من بعض } أي هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها، وإنما ~~لكم أيها الناس الظاهر من الأمور، ثم قال: { فانكحوهن بإذن ~~أهلهن } فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ~~ولي عبده ليس له أن يتزوج بغير إذنه، كما جاء في الحديث: # " أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر " # أي زان، فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج المرأة بإذنها لما جاء ~~في الحديث: # " لا تزوج المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج ~~نفسها ". # وقوله تعالى: { وآتوهن أجورهن بالمعروف } أي وادفعوا ~~مهورهن بالمعروف، أي عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئا استهانة بهن ~~لكونهن إماء مملوكات، وقوله تعالى: { محصنات } أي عفائف عن الزنا لا ~~يتعاطينه، ولهذا قال: { غير مسافحات } وهن الزواني اللاتي لا ~~يمنعن من أرادهن بالفاحشة، وقوله تعالى: { ولا متخذات أخدان ~~} قال ابن عباس: (المسافحات) هن الزواني المعلنات، يعني الزواني اللاتي ~~لا يمنعن أحدا أرادهن بالفاحشة، ومتخذات أخدان يعني أخلاء، وقال الحسن ~~البصري: يعني الصديق، وقال الضحاك: ذات الخليل الواحد المقرة به، نهى ~~الله عن ذلك يعني تزويجها ما دامت كذلك. # وقوله تعالى: { فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } اختلف ~~القراء في { أحصن } فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد مبني لما لم ~~يسم فاعله، وقرىء بفتح الهمزة والصاد فعل لازم، ثم قيل: معنى القراءتين ~~واحد، واختلفوا فيه على قولين: # (أحدها): أن المراد بالإحصان ههنا الإسلام روي ذلك عن ابن مسعود وابن ~~عمر وقيل: المراد به ههنا التزويج، وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن ~~جبير والحسن وغيرهم، وقد روي عن مجاهد أنه قال: إحصان الأمة أن ينكحها ~~الحر، ms0512 وإحصان العبد أن ينكح الحرة، وكذا روي عن ابن عباس رواهما ابن جرير ~~في تفسيره، وقيل: معنى القراءتين متباين، فمن قرأ { أحصن } بضم ~~الهمزة فمراده التزويج، ومن قرأ بفتحها فمراده الإسلام، اختاره أبو جعفر ~~بن جرير في تفسيره وقرره ونصره؛ والأظهر والله أعلم: أن المراد بالإحصان ~~ههنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه: { ومن لم ~~يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ~~فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } ~~، والآية الكريمة سياقها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله: { ~~فإذآ أحصن } أي تزوجن كما فسره ابن عباس وغيره. # وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، وذلك أنهم يقولون: إن الأمة ~~إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكرا، ~~مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة من الإماء، وقد ~~اختلفت أجوبتهم عن ذلك، فأما الجمهور فقالوا: المنطوق مقدم على المفهوم، ~~وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء فقدمناها على مفهوم ~~الآية، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه أنه خطب فقال: ~~يا أيها الناس أقيموا الحد على إمائكم من أحصن منهن ومن لم يحصن، فإن ~~أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة ~~عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # " أحسنت اتركها حتى تتماثل " # وفي رواية: # " فإذا تعافت من نفاسها فاجلدها خمسين " # وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن ~~زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين ~~زناها فليبعها ولو بحبل من شعر ". # (الجواب الثاني): جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد ~~عليها، وإنما تضرب تأديبا وهو المحكي عن ابن عباس رضي الله عنه، وإليه ~~ذهب طاووس وسعيد بن جبير ms0513 وغيرهما. وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم ~~الشرط، وهو حجة عند أكثرهم فقدم على العموم عندهم وحديث أبي هريرة وزيد ~~بن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ ~~قال: # " إن زنت فحدوها، ثم إن زنت فاجلدوها. ثم بيعوها ولو بضفير " # قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة. أخرجاه في الصحيحين. وعن ~~مسلم قال ابن شهاب: الضفير: " الحبل " ، قالوا: فلم يؤقت فيه عدد كما أقت ~~في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات، فوجب الجمع بين ~~الآية والحديث بذلك والله أعلم. قال أبو عبد الله الشافعي رحمه الله: ولم ~~يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا؛ وذلك لأن الآية دلت على ~~أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات ~~للعهد، وهن المحصنات المذكورات في أول الآية: { ومن لم يستطع ~~منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات } والمراد ~~بهن الحرائر فقط من غير تعرض للتزويج بحرة. وقوله: { نصف ما على ~~المحصنات من العذاب } يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن ~~تبعيضه وهو الجلد لا الرجم، والله أعلم. # وقوله تعالى: { ذلك لمن خشي العنت منكم } أي إنما يباح ~~نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق ~~عليها لصبر عن الجماع، فله حينئذ أن يتزوج بالأمة، وإن ترك تزوجها وجاهد ~~نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له، لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء ~~لسيدها، إلا أن يكون الزوج غريبا فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول ~~قديم للشافعي، ولهذا قال: { وأن تصبروا خير لكم والله ~~غفور رحيم }. ومن هذه الآية الكريمة استدل جمهور العلماء في جواز ~~نكاح الإماء على أنه لا بد من عدم الطول لنكاح الحرائر، ومن خوف العنت، ~~لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيهن من الدناءة في العدول عن ~~الحرائر إليهن، وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين ~~فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوجا ms0514 بحرة جاز له نكاح الأمة المؤمنة ~~والكتابية أيضا، سواء كان واجدا لطول حرة أم لا، وسواء خاف العنت أم ~~لا، وعمدتهم فيما ذهبوا إليه قوله تعالى: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة: 5] أي العفائف وهو يعم الحرائر والإماء، وهذه الآية عامة وهذه ~~أيضا ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور، والله أعلم. ### || [4.26-28] # يخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم أيها المؤمنون ما أحل لكم وحرم عليكم، ~~مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها، { ويهديكم سنن الذين ~~من قبلكم } يعني طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ~~ويرضاها، { ويتوب عليكم } أي من الإثم والمحارم، { والله ~~عليم حكيم } أي في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله، { ويريد ~~الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } ~~أي يريد أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق ~~إلى الباطل ميلا عظيما. { يريد الله أن يخفف عنكم } أي ~~في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم، ولهذا أباح الإماء بشروط كما ~~قال مجاهد وغيره، { وخلق الإنسان ضعيفا } فناسبه التخفيف لضعفه ~~في نفسه وضعف عزمه وهمته. وقال: طاووس: { وخلق الإنسان ضعيفا ~~}: أي في أمر النساء، وقال وكيع: يذهب عقله عندهن، وقال موسى عليه السلام ~~لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء: ماذا فرض عليكم؟ فقال: ~~أمرني بخمسين صلاة في كل يوم وليلة، فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله ~~التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس قبلك على ما هو أقل من ~~ذلك فعجزوا، وإن أمتك أضعف أسماعا وأبصارا وقلوبا؛ فرجع فوضع عشرا، ~~ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسا. ### || [4.29-31] # ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا ~~بالباطل، أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار وما ~~جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في قالب الحكم الشرعي مما ~~يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير، عن ~~ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوب ms0515 فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددت ~~معه درهما، قال: هو الذي قال الله عز وجل فيه: { لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل }. وعن علقمة عن عبد الله في ~~الآية قال: إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة، وقال ابن عباس: ~~لما أنزل الله: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل } قال المسلمون: إن الله قد نهانا ~~أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد ~~منا أن يأكل عند أحد فكيف للناس؟! فأنزل الله بعد ذلك: # ليس على الأعمى حرج # [النور: 61، الفتح: 17] الآية. # وقوله تعالى: { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ~~الاستثناء منقطع كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب ~~الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري ~~فافعلوها، وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال تعالى: # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق # [الأنعام: 151، الإسراء: 33]، وكقوله: # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # [الدخان: 56]، ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع ~~إلا بالقبول لأنه يدل على التراضي نصا بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل ~~على الرضا، وخالف الجمهور في ذلك (مالك وأبو حنيفة وأحمد) فرأوا أن ~~الأقوال كما تدل على التراضي، فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا، ~~فصححوا بيع المعاطاة مطلقا، ومنهم من قال: يصح في المحقرات وفيما يعده ~~الناس بيعا، وهو احتياط نظر من محققي المذهب والله أعلم. وقال مجاهد: { ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } بيعا أو عطاء ~~يعطيه أحد أحدا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما " # هذا حديث مرسل، ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس كما ثبت في الصحيحين ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " # ، وفي لفظ البخاري: # " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " # ، وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور ms0516 ~~السلف والخلف، ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، ~~بحسب ما يتبين فيه حال البيع ولو إلى سنة في القرية ونحوها كما هو ~~المشهور عن مالك رحمه الله، وصححوا بيع المعاطاة مطلقا وهو قول في مذهب ~~الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس ~~بيعا، وهو اختيار طائفة من الأصحاب كما هو متفق عليه. # وقوله: { ولا تقتلوا أنفسكم } أي بارتكاب محارم الله ~~وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل { إن الله كان بكم ~~رحيما } أي فيما أمركم به ونهاكم عنه. عن عمرو بن العاص رضي الله عنه ~~أنه قال: لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عام (ذات السلاسل) قال: ~~احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم ~~صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذكرت ذلك له، فقال: # " " يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب "؟ قال: قلت يا رسول الله إني احتلمت ~~في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فذكرت قول الله ~~عز وجل: { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان ~~بكم رحيما } فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولم يقل شيئا " # وأورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة عن أبي هريرة قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار ~~جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في ~~نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا " # ، وفي الصحيحين: # " من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة " # وفي الصحيحين أيضا عن جندب بن عبد الله البجلي قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكينا نحر بها يده فما رقأ ~~الدم حتى مات، قال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة " # ولهذا قال تعالى: { ومن يفعل ذلك عدوانا ms0517 وظلما } أي ~~ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه معتديا فيه، ظالما في تعاطيه، أي عالما ~~بتحريمه متجاسرا على انتهاكه { فسوف نصليه نارا } وهذا تهديد ~~شديد ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد. # وقوله تعالى: { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه ~~نكفر عنكم سيئاتكم } الآية. أي إذا اجتنبتم كبائر الآثام ~~التي نهيتم عنها، كفرنا عنكم صغائر الذنوب وأدخلناكم الجنة، ولهذا قال: { ~~وندخلكم مدخلا كريما } ، وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه ~~الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر. قال أبو جعفر ابن جرير عن صهيب مولى ~~الصواري، أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد يقولان: خطبنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوما فقال: # " " والذي نفسي بيده " ثلاث مرات ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري ~~ماذا حلف عليه، ثم رفع رأسه وفي وجهه البشرى فكان أحب إلينا من حمر النعم ~~فقال: " ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ~~ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة ثم قيل له ادخل بسلام " ". # (تفسير هذه السبع): وذلك بما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " " اجتنبوا السبع الموبقات ". قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: " الشرك ~~بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر وأكل الربا وأكل مال ~~اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " # فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر، لا ينفي ما عداهن إلا عند من يقول ~~بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند عدم القرينة، ولا سيما عند قيام الدليل ~~بالمنطوق على عدم المفهوم كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر ~~غير هذه السبع. (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن أبي أيوب قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " " من عبد الله لا يشرك به شيئا، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وصام ~~رمضان، واجتنب الكبائر فله الجنة - أو دخل الجنة - " فسأل رجل ما ~~الكبائر؟ فقال: " الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة، والفرار من الزحف " # وكتب رسول الله صلى الله عليه ms0518 وسلم إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض ~~والسنن والديات، وبعث به مع (عمرو بن حزم) وكان في الكتاب: # " إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: إشراك بالله، وقتل النفس ~~المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي ~~المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم " # (حديث آخر فيه ذكر شهادة الزور): عن أنس بن مالك قال: # " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: " ~~الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين " ، وقال: ألا أنبئكم بأكبر ~~الكبائر؟ قلنا: بلى، قال: " الإشراك بالله، وقول الزور - أو شهادة الزور ~~- " # وأخرجه الشيخان من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر "؟ قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: " ~~الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - " وكان متكئا فجلس، فقال: " ألا وشهادة ~~الزور، ألا وقول الزور " # ، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. # (حديث آخر فيه ذكر قتل الولد): عن عبد الله بن مسعود قال، # " قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ وفي رواية أكبر؟ قال: " أن تجعل لله ~~ندا وهو خلقك " ، قلت: ثم أي؟ قال: " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " ~~قلت: ثم أي؟ قال: " أن تزاني حليلة جارك " ، ثم قرأ: { والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر } إلى قوله { إلا من تاب } ~~". # (حديث آخر في اليمين الغموس): قال ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن أنيس ~~الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف ~~حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح البعوضة إلا كانت وكتة في قلبه ~~إلى يوم القيامة " # (حديث آخر): في التسبب إلى شتم الوالدين: عن عبد الله بن عمرو قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه ". قالوا: وكيف يلعن الرجل ~~والديه؟ قال: " يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه " # وثبت في ms0519 الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ". # (حديث آخر): عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الإضرار في الوصية من الكبائر " # ، قال ابن أبي حاتم: هو صحيح عن ابن عباس من قوله: (حديث آخر في ذلك): ~~قال ابن جرير عن أبي أمامة: أن أناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذكروا الكبائر وهو متكىء فقالوا: الشرك بالله، وأكل مال اليتيم، والفرار ~~من الزحف وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغلول، والسحر، ~~وأكل الربا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا " # ؟ إلى آخر الآية. # (ذكر أقوال السلف في ذلك) # قال ابن جرير عن الحسن: أن ناسا سألوا عبد الله بن عمرو بمصر، فقالوا: ~~نرى أشياء من كتاب الله عز وجل أمر أن يعمل بها لا يعمل بها، فأردنا ~~أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك فقدم وقدموا معه، فلقي عمر رضي الله عنه، ~~فقال: متى قدمت؟ فقال: منذ كذا وكذا، قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري ~~كيف رد عليه. فقال: يا أمير المؤمنين إن ناسا لقوني بمصر، فقالوا: إنا ~~نرى أشياء في كتاب الله أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك ~~في ذلك. قال: فاجمعهم لي، قال: فجمعتهم له. قال ابن عون - أظنه قال في ~~بهو -: فأخذ أدناهم رجلا فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك، أقرأت ~~القرآن كله؟ قال: نعم. قال: فهل أحصيته في نفسك؟ فقال: اللهم لا، قال: ~~ولو قال نعم لخصمه. قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل ~~أحصيته في أثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، فقال: ثكلت عمر أمه ~~أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات، ~~قال: وتلا { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه ~~نكفر عنكم سيئاتكم } الآية. # ثم قال: هل علم أهل المدينة؟ أو قال: هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا: لا، ~~قال: ms0520 لو علموا لوعظت بكم. # (أقوال ابن عباس في ذلك) # روى ابن جرير عن طاوس، قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: أرأيت الكبائر ~~السبع التي ذكرهن الله ما هن؟ قال: هن إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع، ~~وقال عبد الرزاق قيل: لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هن إلى السبعين أقرب؛ ~~وقال ابن جرير عن سعيد بن جبير: أن رجلا قال لابن عباس: كم الكبائر، ~~سبع؟ قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع ~~استغفار: ولا صغيرة مع إصرار. وعن ابن عباس في قوله: { إن تجتنبوا ~~كبآئر ما تنهون عنه } قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، ~~أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وسئل ابن عباس عن الكبائر فقال: كل شيء عصي ~~الله به فهو كبيرة. # وقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة، فمن قائل: هي ما عليه حد ~~في الشرع، ومنهم من قال: هي ما عليه وعيد مخصوص من الكتاب والسنة، وقيل ~~غير ذلك. قال أبو القاسم عبد الكريم الرافعي في كتابه (الشرح الكبير): ثم ~~اختلف الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم في الكبائر، وفي الفرق بينها وبين ~~الصغائر، ولبعض الأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه أحدها: أنها المعصية ~~الموجبة للحد، (والثاني): أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد ~~بنص كتاب أو سنة، وهذا أكثر ما يوجد لهم وإلى الأول أميل، لكن الثاني ~~أوفق لما ذكروه عند تفسير الكبائر، (والثالث): قال إمام الحرمين: كل ~~جريمة تنبىء بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة فهي مبطلة للعدالة، ~~(والرابع): ذكر القاضي أبو سعيد الهروي: أن الكبيرة كل فعل نص الكتاب على ~~تحريمه، وكل معصية توجب في جنسها حدا من قتل أو غيره. # ثم قال: وفصل (القاضي الروياني) فقال: الكبائر سبع: قتل النفس بغير ~~الحق، والزنا، واللواطة، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبا، والقذف؛ ~~وزاد في (الشامل) على السبع المذكورة: شهادة الزور، أضاف إليها صاحب ~~(العدة): أكل الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع ~~الرحم، وعقوق الوالدين، ms0521 والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في ~~الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب ~~المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمدا؛ وسب ~~أصحابه، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال ~~والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، ~~وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر ~~الله، ويقال الوقيعة في أهل العلم، وحملة القرآن. # ومما يعد من الكبائر: الظهار، وأكل لحم الخنزير، والميتة إلا عن ضرورة. ~~قلت: وقد صنف الناس في الكبائر مصنفات منها ما جمعه شيخنا الحافظ (أبو ~~عبد الله الذهبي) الذي بلغ نحوا من سبعين كبيرة، وإذا قيل: إن الكبيرة ~~ما توعد عليها الشارع بالنار بخصوصها كما قال ابن عباس وغيره وما يتبع ~~ذلك، اجتمع منه شيء كثير، وإذا قيل: كل ما نهى الله عنه فكثير جدا، ~~والله أعلم. ### || [4.32] # عن مجاهد قال، قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا ~~نصف الميراث؟ فأنزل الله: { ولا تتمنوا ما فضل الله ~~به بعضكم على بعض } ، وقال عبد الرزاق عن معمر قال: نزلت ~~هذه الآية في قول النساء ليتنا الرجال فنجاهد كما يجاهدون، ونغزو في سبيل ~~الله عز وجل. وقال ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في ~~الآية، قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول ~~الله للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، ونحن في العمل هكذا، ~~إن فعلت امرأة حسنة كتب لها نصف حسنة، فأنزل الله هذه الآية: { ولا ~~تتمنوا } الآية. قال ابن عباس: لا يتمنى الرجل فيقول: ليت لو أن ~~لي مال فلان وأهله، فنهى الله عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله، وهو ~~الظاهر من الآية، ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح: # " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه ms0522 على هلكته في الحق، ~~فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله فهما في الأجر سواء " # الحديث فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حض على تمني ~~مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا، يقول: { ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } أي ~~في الأمور الدنيوية وكذا الدينية، لحديث أم سلمة وابن عباس، وهكذا قال ~~عطاء بن أبي رباح: نزلت في النهي عن تمني ما لفلان، وفي تمني النساء أن ~~يكن رجالا فيغزون. # ثم قال تعالى: { للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنسآء نصيب مما اكتسبن } أي كل له جزاء على عمله ~~بحسبه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. هذا قول ابن جرير، وقيل: المراد بذلك ~~في الميراث أي كل يرث بحسبه، رواه الوابلي عن ابن عباس، ثم أرشدهم إلى ما ~~يصلحهم، فقال: { واسألوا الله من فضله } لا تتمنوا ما فضلنا ~~به بعضكم على بعض، فإن هذا أمر محتوم، أي أن التمني لا يجدي شيئا، ولكن ~~سلوني من فضلي أعطكم، فإني كريم وهاب، وقد روى الترمذي عن عبد الله بن ~~مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل، وإن أفضل العبادة انتظار ~~الفرج " # ثم قال: { إن الله كان بكل شيء عليما } أي هو عليم ~~بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق ~~الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير ~~وأسبابه، ولهذا قال: { إن الله كان بكل شيء عليما }. ### || [4.33] # وقوله تعالى: { ولكل جعلنا موالي } أي ورثة، وعن ابن عباس ~~في رواية: أي عصبة، قال ابن جرير: والعرب تسمي ابن العم مولى كما قال ~~الفضل بن عباس: # مهلا بني عمنا مهلا موالينا # لا يظهرن بيننا ما كان مدفونا # قال: ويعني بقوله: { مما ترك الوالدان والأقربون } من ~~تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام: ولكلكم أيها الناس جعلنا ~~عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم ms0523 له. وقوله تعالى: { ~~والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } أي والذين ~~تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم، فآتوهم نصيبهم من الميراث كما ~~وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم في تلك العهود ~~والمعاقدات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن ~~يوفوا من عاقدوا ولا ينسوا بعد نزول هذه الآية معاقدة، قال البخاري عن ~~ابن عباس: { ولكل جعلنا موالي }. قال ورثة، { والذين ~~عقدت أيمانكم } كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري ~~الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم ~~فلما نزلت: { ولكل جعلنا موالي } نسخت، ثم قال: { ~~والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } من النصر ~~والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له. وروى ابن أبي حاتم عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس قوله: { والذين عقدت أيمانكم } ~~الآية، قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ~~ذوي رحمه بالأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما ~~نزلت: { ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان ~~والأقربون } نسخت، ثم قال: والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم. وعن ~~ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة ~~وما يسرني أن لي حمر النعم، وأني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة ". # وقال محمد بن إسحاق عن (داود بن الحصين) قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت ~~الربيع مع ابن ابنها (موسى بن سعد) وكان يتيما في حجر أبي بكر، فقرأت ~~عليها: { والذين عاقدت أيمانكم } فقالت: لا، ولكن { والذين عقدت ~~أيمانكم } قالت: إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى ~~أن يسلم فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم حين حمل على الإسلام ~~بالسيف، أمر الله أن يورثه نصيبه، والصحيح الأول، وأن هذا كان في ابتداء ~~الإسلام، يتوارثون بالحلف ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد ~~أمروا أن يوفوا بالعهود والعقود، والحلف الذي ms0524 كانوا قد تعاقدوه قبل ذلك. ~~وهذا نص في الرد على من ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم، كما هو مذهب أبو ~~حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل، والصحيح قول الجمهور (مالك ~~والشافعي وأحمد) في المشهور عنه، ولهذا قال تعالى: { ولكل جعلنا ~~موالي مما ترك الوالدان والأقربون } ، أي ورثة من ~~قراباته من أبويه وأقربيه، وهم يرثونه دون سائر الناس كما ثبت في ~~الصحيحين عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر " # أي اقسموا الميراث على أصحاب الفرائض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، ~~فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة، وقوله: { والذين عقدت ~~أيمانكم } أي قبل نزول هذه الآية فآتوهم نصيبهم أي من الميراث، ~~فأيما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له، وقد قيل: إن هذه الآية نسخت الحلف ~~في المستقبل وحكم الحلف الماضي أيضا فلا توارث به، كما قال ابن عباس { ~~فآتوهم نصيبهم } قال: من النصرة والنصيحة والرفادة، وقال سعيد ~~بن جبير: { فآتوهم نصيبهم } أي من الميراث، وقد اختار ابن جرير ~~أن المراد بقوله: { فآتوهم نصيبهم } أي من النصرة والنصيحة ~~والمعونة، لا أن المراد فآتوهم نصيبهم من الميراث حتى تكون الآية منسوخة، ~~ولا أن ذلك كان حكما ثم نسخ، بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف ~~المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي (محكمة) لا (منسوخة) وهذا الذي قال ~~فيه نظر، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على ~~الإرث كما حكاه غير واحد من السلف، وكما قال ابن عباس كان المهاجري يرث ~~الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، حتى نسخ ذلك فكيف يقولون إن هذه الآية ~~محكمة غير منسوخة؟ والله أعلم. ### || [4.34] # يقول تعالى: { الرجال قوامون على النسآء } أي الرجل قيم ~~على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت { ~~بما فضل الله بعضهم على بعض } أي لأن الرجال أفضل من ~~النساء، والرجل خير من المرأة ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك ~~الملك الأعظم لقوله ms0525 صلى الله عليه وسلم: # " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " # رواه البخاري، وكذا منصب القضاء وغير ذلك { وبمآ أنفقوا من ~~أموالهم } أي من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم ~~لهن في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالرجل أفضل من المرأة في ~~نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيما عليها كما قال الله ~~تعالى: # وللرجال عليهن درجة # [البقرة: 228] الآية، وقال ابن عباس: { الرجال قوامون على ~~النسآء } يعني أمراء عليهن، أي تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، ~~وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله. وقال الحسن البصري: جاءت امرأة ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو أن زوجها لطمها، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " القصاص " فأنزل الله عز وجل: { الرجال ~~قوامون على النسآء } الآية. فرجعت بغير قصاص، وقد أسنده ابن ~~مردويه عن علي قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار ~~بامرأة له، فقالت: يا رسول الله إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري وإنه ~~ضربها فأثر في وجهها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له ذلك، ~~فأنزل الله تعالى: { الرجال قوامون على النسآء } أي في ~~الأدب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أردت أمرا وأراد الله غيره " # أورد ذلك كله ابن جرير. # وقوله تعالى: { فالصالحات } أي من النساء { قانتات } ، قال ~~ابن عباس: يعني مطيعات لأزواجهن { حافظات للغيب } وقال السدي ~~وغيره: أي تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله، وقوله: { بما حفظ ~~الله } أي المحفوظ من حفظه الله. عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت ~~عنها حفظتك في نفسها ومالك " # ، قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { الرجال ~~قوامون على النسآء } إلى آخرها، وقال الإمام أحمد عن عبد ~~الرحمن بن عوف قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها ms0526 قيل ~~لها ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت " # وقوله تعالى: { واللاتي تخافون نشوزهن } أي النساء اللاتي ~~تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن، والنشوز هو الارتفاع، فالمرأة الناشز هي ~~المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له، فمتى ظهر ~~له منها أمارات النشوز فليعظها، وليخوفها عقاب الله في عصيانه، فإن الله ~~قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل ~~والإفضال، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم ~~حقه عليها " # ، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح " # ورواه مسلم ولفظه: # " إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح " # ، ولهذا قال تعالى: { واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ~~}. # وقوله تعالى: { واهجروهن في المضاجع } ، قال ابن عباس: ~~الهجر هو أن لا يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره، وكذا قال غير ~~واحد وزاد آخرون في رواية: ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها، وقال علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس: يعظها فإن هي قبلت، وإلا هجرها في المضجع ولا ~~يكلمها من غير أن يرد نكاحها وذلك عليها شديد. وقال مجاهد والشعبي: الهجر ~~هو أن لا يضاجعها. وفي السنن والمسند عن (معاوية بن حيدة القشيري) أنه ~~قال: # " يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: " أن تطعمها إذا طعمت، ~~وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت " # وقوله: { واضربوهن } أي إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، ~~فلكم أن تضربوهن ضربا غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: # " واتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن أن لا يوطئن ~~فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف " # وكذا قال ابن ms0527 عباس وغير واحد: ضربا غير مبرح. قال الحسن البصري: يعني ~~غير مؤثر، قال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضوا ولا يؤثر فيها شينا ~~وقال ابن عباس: يهجرها في المضجع فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن ~~تضربها ضربا غير مبرح، ولا تكسر لها عظما فإن أقبلت، وإلا فقد أحل الله ~~لك منها الفدية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تضربوا إماء الله " # ، فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذئرت ~~النساء على أزواجهن، فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضربهن، فأطاف ~~بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن ليس أولئك بخياركم ". # وقوله تعالى: { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن ~~سبيلا } أي إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها، مما أباحه ~~الله له منها فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها. ~~وقوله: { إن الله كان عليا كبيرا } تهديد للرجال إذا بغوا ~~على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليهن، وهو منتقم ممن ~~ظلمهن وبغى عليهن. ### || [4.35] # ذكر الحال الأول، وهو: إذا كان النفور والنشوز من الزوجة، ثم ذكر الحال ~~الثاني: وهو إذا كان النفور من الزوجين فقال تعالى: { وإن خفتم ~~شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما ~~من أهلهآ } ، وقال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين اسكنهما ~~الحاكم إلى جنب ثقة، ينظر في أمرهما ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإن ~~تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم ~~الرجل، ليجتمعا فينظرا في أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحة، مما يريانه من ~~التفريق أو التوفيق، وتشوف الشارع إلى التوفيق، ولهذا قال تعالى: { إن ~~يريدآ إصلاحا يوفق الله بينهمآ } ، وقال ابن عباس: ~~أمر الله عز وجل أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل، ورجلا من أهل ~~المرأة، فينظران أيهما المسيء فإن ms0528 كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته ~~وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها ~~النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا ~~أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره الآخر ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث ~~الذي لم يرض ولا يرث الكاره الراضي. عن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية ~~حكمين، قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا ~~جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا. وقال أنبأنا ابن جريج حدثني ابن أبي ~~مليكة أن (عقيل بن أبي طالب) تزوج (فاطمة بنت عتبة بن ربيعة) فقالت: تصبر ~~إلي وأنفق عليك، فكان إذا دخل عليها قالت: أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ~~ربيعة، فقال: على يسارك في النار إذا دخلت؛ فشدت عليها ثيابها، فجاءت ~~عثمان فذكرت له ذلك، فضحك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: ~~لأفرقن بينهما فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شخصين من بني عبد مناف، ~~فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا. وعن محمد بن سيرين عن ~~عبيدة قال: شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها مع كل واحد منهما فئام من ~~الناس، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما، فقال علي للحكمين: أتدريان ما ~~عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب ~~الله لي وعلي، وقال الزوج أما الفرقة فلا، فقال: علي كذبت، والله لا ~~تبرح حتى ترضى بكتاب الله عز وجل لك وعليك، رواه ابن أبي حاتم. # وقد أجمع العلماء على أن الحكمين لهما الجمع والتفرقة، حتى قال إبراهيم ~~النخعي إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو بطلقتين أو ثلاث فعلا، ~~وهو رواية عن مالك، وقال الحسن البصري: الحكمان يحكمان في الجمع لا في ~~التفرقة، وكذا قال قتادة وزيد بن أسلم، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور ~~وداود، ومأخذهم قوله تعالى: { إن يريدآ إصلاحا يوفق الله ~~بينهمآ } ، ولم يذكر التفريق، وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين ~~فإنه ينفذ حكمهما ms0529 في الجمع والتفرقة بلا خوف. # وقد اختلف الأئمة في الحكمين: هل هما منصوبان من جهة الحاكم فيحكمان وإن ~~لم يرض الزوجان؟ أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟ على قولين، والجمهور على ~~الأول لقوله تعالى: { فابعثوا حكما من أهله وحكما ~~من أهلهآ } فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا ~~المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية. والجديد من مذهب الشافعي وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه، الثاني منهما لقول علي رضي الله عنه للزوج حين قال أما ~~الفرقة قال: كذبت حتى تقر بما أقرت به، قالوا: فلو كانا حكمين لما افتقر ~~إلى إقرار الزوج، والله أعلم. ### || [4.36] # يأمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له، فإنه هو الخالق الرازق ~~المنعم المتفضل على خلقه في جميع الحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ~~ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لمعاذ بن جبل: # " " أتدري ما حق الله على العباد؟ " قال الله ورسوله أعلم، قال: " أن ~~يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " ، ثم قال: " أتدري ما حق العباد على الله ~~إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم " # ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله سبحانه جعلهما سببا لخروجك من ~~العدم إلى الوجود، وكثيرا ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى ~~الوالدين، كقوله: # أن اشكر لي ولوالديك # [لقمان: 14]، وكقوله: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23]، ثم عطف على الإحسان إليهما بالإحسان إلى القرابات من ~~الرجال والنساء كما جاء في الحديث: # " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة ". # ثم قال تعالى: { واليتامى } وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ~~ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم، ثم قال: { ~~والمساكين } وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون من يقوم ~~بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ~~ضرورتهم، وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة، وقوله: { ~~والجار ذي القربى والجار الجنب } قال ابن عباس: { ~~والجار ذي القربى } يعني الذي بينك وبينه قرابة ms0530 { والجار ~~الجنب } الذي ليس بينك وبينه قرابة، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد، وقال ~~نوف البكالي في قوله: { والجار ذي القربى } يعني الجار المسلم ~~{ والجار الجنب } يعني اليهودي والنصراني رواه ابن جرير وابن أبي ~~حاتم وقال مجاهد أيضا في قوله: { والجار الجنب } يعني: الرفيق ~~في السفر، وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار فلنذكر منها ما تيسر وبالله ~~المستعان. # (الحديث الأول): قال الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " # أخرجه في الصحيحين. # (الحديث الثاني): عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ~~". # (الحديث الثالث): قال الإمام أحمد عن المقداد بن الأسود قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: # " " ما تقولون في الزنا "؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله وهو حرام إلى ~~يوم القيامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأن يزني الرجل بعشر ~~نسوة أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره " ، قال: " ما تقولون في السرقة ~~"؟ قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام إلى يوم القيامة، قال: " لأن يسرق ~~الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره " ". # (الحديث الرابع): قال أبو بكر البزار عن جابر بن عبد الله قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " الجيران ثلاثة، جار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقا. وجار له حقان، ~~وجار له ثلاثة حقوق وهو أفضل الجيران حقا، فأما الجار الذي له حق واحد ~~فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الجار الذي له حقان فجار مسلم ~~له حق الإسلام، وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له ~~حق الجوار. وحق الإسلام، وحق الرحم ". # (الحديث الخامس): روى الإمام أحمد عن عائشة: # " أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن لي جارين فإلى ~~أيهما أهدي؟ قال: " إلى ms0531 أقربهما منك بابا " # ورواه البخاري من حديث شعبة به. # وقوله تعالى: { والصاحب بالجنب } عن علي وابن مسعود قالا: هي ~~المرأة، وقال ابن عباس ومجاهد: هو الرفيق في السفر، وقال سعيد بن جبير: ~~هو الرفيق الصالح، وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر، ~~وأما ابن السبيل فعن ابن عباس وجماعة هو الضيف، وقال مجاهد والضحاك ~~ومقاتل: هو الذي يمر عليك مجتازا في السفر، وهذا أظهر وإن كان مراد ~~القائل بالضيف المار في الطريق فهما سواء وسيأتي الكلام على أبناء السبيل ~~في سورة براءة وبالله الثقة وعليه التكلان. # وقوله تعالى: { وما ملكت أيمانكم } وصية بالأرقاء لأن ~~الرقيق ضعيف الحيلة، أسير في أيدي الناس، فلهذا ثبت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جعل يوصي أمته في مرض الموت يقول: # " الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم " # فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه، وقال الإمام أحمد عن المقدام بن معد ~~يكرب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت ~~زووجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة " # ورواه النسائي وإسناده صحيح. # وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: ~~لا. قال: فانطلق فأعطهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم " # ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق " # وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين ~~أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي حره وعلاجه " # أخرجاه، ولفظه للبخاري ولمسلم: # " فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوها قليلا، فليضع في يده ~~أكلة أو أكلتين " # وعن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن ms0532 كان أخوه تحت يده ~~فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن ~~كلفتموهم فأعينوهم " # أخرجاه. # وقوله تعالى: { إن الله لا يحب من كان مختالا ~~فخورا } أي مختالا في نفسه، معجبا متكبرا فخورا على الناس يرى أنه ~~خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض، قال ~~مجاهد في قوله: { إن الله لا يحب من كان مختالا } يعني ~~متكبرا، { فخورا } يعني: بعدما أعطى وهو لا يشكر الله تعالى، يعني: ~~يفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمه، وهو قليل الشكر لله على ذلك، ~~وقال ابن جرير عن أبي رجاء الهروي: لا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالا ~~فخورا، وتلا: { وما ملكت أيمانكم } الآية، ولا عاقا إلا ~~وجدته جبارا شقيا، وتلا: # وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا # [مريم: 32]. وقال مطرف: كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه، ~~فلقيته، فقلت: يا أبا ذر بلغني أنك تزعم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: # " إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة، قال: أجل، قلت: من الثلاثة الذين يبغض ~~الله؟ قال: المختال الفخور أوليس تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل، ثم ~~قرأ الآية: { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ~~}. قلت: يا رسول الله أوصني قال: " إياك وإسبال الإزار. فإن إسبال الإزار ~~من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة ". ### || [4.37-39] # يقول تعالى ذاما الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به ~~من بر الوالدين، والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين، والجار ذي ~~القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم من ~~الأرقاء، ولا يدفعون حق الله فيها ويأمرون الناس بالبخل أيضا، وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم ~~بالفجور ففجروا ". # وقوله تعالى: { ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله } ، ~~فالبخيل جحود لنعمة الله ولا تظهر عليه، ولا تبين لا في مأكله ولا في ~~ملبسه ولا في إعطائه وبذله، كما قال تعالى: # إن ms0533 الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك ~~لشهيد # [العاديات: 6-7] أي بحاله وشمائله، # وإنه لحب الخير لشديد # [العاديات: 8]، وقال ههنا: { ويكتمون مآ آتاهم الله من ~~فضله } ، ولهذا توعدهم بقوله: { وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا } ، والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة ~~الله عليه، ويكتمها ويجحدها فهو كافر لنعمة الله عليه، وفي الحديث: # " إن الله إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن يظهر أثرها عليه " # ، وفي الدعاء النبوي: # " واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها، وأتممها علينا " # وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك، ولهذا قال تعالى: { ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } ، ولا شك أن الآية ~~محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم ~~داخلا في ذلك بطريق الأولى، فإن السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء ~~كذلك الآية التي بعدها، وهي قوله: { والذين ينفقون ~~أموالهم رئآء الناس } ، فإنه ذكر الممسكين المذمومين وهم ~~البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذين يقصدون بإعطائهم السمعة وأن ~~يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله. وفي حديث: # " الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار وهم: (العالم والغازي والمنفق ~~والمراؤون بأعمالهم) يقول صاحب المال ما تركت من شي تحب أن ينفق فيه إلا ~~أنفقت في سبيلك، فيقول الله: كذبت إنما أردت أن يقال جواد فقد قيل " # ، أي أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك، وفي الحديث أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم: # " إن أباك أراد أمرا فبلغه " # وفي حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن (عبد الله بن ~~جدعان)، هل ينفعه إنفاقه وإعتاقه؟ فقال: # " لا، إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " # ، ولهذا قال تعالى: { ولا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر } الآية. أي إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيح، وعدولهم عن فعل ~~الطاعة على وجهها الشيطان، فإنه سول لهم وأملى لهم، وقارنهم فحسن لهم ~~القبائح، ولهذا ms0534 قال تعالى: { ومن يكن الشيطان له قرينا ~~فسآء قرينا } ، ولهذا قال الشاعر: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن يقتدي # ثم قال تعالى: { وماذا عليهم لو آمنوا بالله ~~واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله } الآية، ~~أي وأي شيء يضرهم لو آمنوا بالله وسلكوا الطريق الحميدة، وعدلوا عن ~~الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله، رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن ~~يحسن عمله، وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها؟! ~~وقوله: { وكان الله بهم عليما } أي وهو عليم بنياتهم الصالحة ~~والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه ويلهمه رشده، ويقيضه لعمل ~~صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم الآلهي، ~~الذي من طرد عن بابه فقد خاب، وخسر في الدنيا والآخرة عياذا بالله من ~~ذلك. ### || [4.40-42] # يخبر جل ثناؤه عباده بأنه سيوفيهم أجورهم، ولا يظلم خلقه يوم القيامة ~~مثقال حبة خردل، ولا مثقال ذرة بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، ~~كما قال تعالى: # ونضع الموازين القسط # [الأنبياء: 47] الآية، وقال تعالى مخبرا عن لقمان: أنه قال: # يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن ~~في صخرة أو في السموت أو في الأرض يأت بها ~~الله # [لقمان: 16] الآية، وقال تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: # " فيقول الله عز وجل ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من ~~إيمان فأخرجوه من النار " # ؛ وفي لفظ: أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار، " ~~فيخرجون خلقا كثيرا " ، ثم يقول أبو سعيد: اقرأوا إن شئتم { إن ~~الله لا يظلم مثقال ذرة } الآية. وقال ابن أبي حاتم، قال ~~عبد الله بن مسعود: يؤتى بالعبد أو الأمة يوم القيامة فينادي مناد على ~~رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه، ~~فتفرح المرأة أن ms0535 يكون لها الحق على أبيها أو أمها أو أخيها أو زوجها، ثم ~~قرأ: # فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101]، فيغفر الله من حقه ما يشاء ولا يغفر من حقوق الناس ~~شيئا، فينصب للناس، فيقول: ائتوا إلى الناس حقوقهم، فيقول: يا رب فنيت ~~الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل ~~ذي حق حقه بقدر مظلمته، فإن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله ~~له حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ علينا: { إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها } ، وإن كان عبدا ~~شقيا. قال الملك: رب فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من ~~سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار ورواه ابن جرير. ~~ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح. # وروي عن سعيد بن جبير في قوله: { وإن تك حسنة يضاعفها } ، ~~فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة ولا يخرج من النار أبدا، وقد ~~يستدل له بالحديث الصحيح: # " أن العباس قال يا رسول الله: إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل ~~نفعته بشيء؟ قال: نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك ~~الأسفل من النار " # ، وقد يكون هذا خاصا بأبي طالب من دون الكفار، بدليل ما رواه أنس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزي بها في ~~الآخرة وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له ~~حسنة " # وقال الحسن وقتادة: { ويؤت من لدنه أجرا عظيما } يعني ~~الجنة، نسأل الله رضاه والجنة. وروى ابن أبي حاتم عن أبي عثمان قال، قلت: ~~يا أبا هريرة سمعت إخواني بالبصرة يزعمون أنك تقول: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة " # ، فقال أبو هريرة: والله بل سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة " # ، ثم ms0536 تلا هذه الآية، # فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل # [التوبة: 38]، وقوله تعالى: { فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } يقول تعالى ~~مخبرا عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه فكيف يكون الأمر والحال يوم ~~القيامة، حين يجيء من كل أمة بشهيد يعني الأنبياء عليهم السلام، كما قال ~~تعالى: # وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء ~~بالنبيين والشهدآء # [الزمر: 69] الآية. وقال تعالى: # ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من ~~أنفسهم # [النحل: 89] الآية. روى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: # " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقرأ علي " ، فقلت: يا رسول ~~الله آقرأ عليك وعليك أنزل؟ " قال: نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري ". ~~فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: { فكيف إذا جئنا من ~~كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا }؟ ~~فقال: " حسبك الآن " فإذا عيناه تذرفان ". # وقوله تعالى: { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا ~~الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله ~~حديثا } أي لو انشقت وبلعتهم مما يرون من أهوال الموقف وما يحل بهم من ~~الخزي والفضيحة والتوبيخ، كقوله: # يوم ينظر المرء ما قدمت يداه # [النبأ: 40] الآية. وقوله: { ولا يكتمون الله حديثا } ~~إخبار عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه ولا يكتمون منه شيئا، عن سعيد ~~بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال له: سمعت الله عز وجل يقول ~~- يعني إخبارا عن المشركين يوم القيامة - إنهم قالوا: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]، وقال في الآية الأخرى: { ولا يكتمون الله ~~حديثا } ، فقال ابن عباس: أما قوله: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، ~~قالوا: تعالوا فلنجحد، فقالوا: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم { ولا ~~يكتمون الله حديثا }. وقال عبد الرزاق عن سعيد بن جبير قال: ~~جاء رجل إلى بن عباس فقال: أشياء تختلف علي في القرآن، قال ما هو، أشك ms0537 ~~في القرآن؟ قال: ليس هو بالشك، ولكن اختلاف. # قال: فهات ما اختلف عليك من ذلك، قال أسمع الله يقول: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]، وقال: { ولا يكتمون الله حديثا } فقد ~~كتموا، فقال ابن عباس: أما قوله # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]، فإنهم لما روا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل ~~الإسلام ويغفر الذنوب ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا يغفر شركا، جحد ~~المشركون فقالوا: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] رجاء أن يغفر لهم، فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك { يود الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون ~~الله حديثا }. # وقال الضحاك: إن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس قول ~~الله تعالى { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا ~~الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله ~~حديثا } ، وقوله: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت ~~ألقي على ابن عباس متشابه القرآن فإذا رجعت إليهم فأخبرهم: أن الله تعالى ~~يجمع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن الله لا يقبل ~~من أحد شيئا إلا ممن وحده، فيقولون تعالوا نجحد، فيسألهم فيقولون: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]، قال فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم، وتشهد ~~عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك يتمنون لو أن الأرض سويت لهم ~~{ ولا يكتمون الله حديثا }. ### || [4.43] # ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر، الذي لا ~~يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان محالها - التي هي المساجد - للجنب ~~إلا أن يكون مجتازا من باب إلى باب من غير مكث؛ وقد كان هذا قبل تحريم ~~الخمر كما دل عليه الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى: # يسألونك عن الخمر والميسر # [الآية: 219] الآية، فإن رسول الله صلى الله عليه ms0538 وسلم تلاها على عمر ~~فقال: " اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا " ، فلما نزلت هذه الآية ~~تلاها عليه، فقال: " اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا " ، فكانوا لا ~~يشربون الخمر في أوقات الصلوات، حتى نزلت: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون # [المائدة: 90]، إلى قوله تعالى: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] فقال عمر: انتهينا انتهينا. وفي رواية عن عمر بن الخطاب ~~في قصة تحريم الخمر، فذكر الحديث وفيه: فنزلت الآية التي في النساء { يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون } ، فكان منادي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا قامت الصلاة ينادي: أن لا يقربن الصلاة سكران. # (سبب آخر): عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، ~~فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموا فلانا قال ~~فقرأ: قل يا أيها الكافرون ما أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل ~~الله: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون }. وقال العوفي ~~عن ابن عباس في الآية: إن رجالا كانوا يأتون وهم سكارى قبل أن يحرم ~~الخمر، فقال الله: { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } ~~الآية، رواه ابن جرير، وعن قتادة: كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات، ~~ثم نسخ بتحريم الخمر، وقال الضحاك: لم يعن بها سكر الخمر، وإنما عنى بها ~~سكر النوم. ثم قال ابن جرير: والصواب أن المراد سكر الشراب، قال: ولم ~~يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب لأن ذاك في حكم المجنون، ~~وإنما خوطب بالنهي الثمل الذي يفهم التكليف، وهذا حاصل ما قاله. وقد ~~ذكره غير واحد من الأصوليين، وهو أن الخطاب يتوجه إلى من يفهم الكلام دون ~~السكران الذي لا يدري ما يقال له، فإن الفهم شرط التكليف، وقد يحتمل أن ~~يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في ~~الخمسة الأوقات من الليل والنهار، فلا يتمكن شارب ms0539 الخمر من أداء الصلاة ~~في أوقاتها دائما والله أعلم. وعلى هذا فيكون كقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون # [آل عمران: 102]، وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإسلام والمداومة ~~على الطاعة لأجل ذلك، وقوله: { حتى تعلموا ما تقولون } هذا ~~أحسن ما يقال في حد السكران أنه الذي لا يدري ما يقول، فإن المخمور فيه ~~تخليط في القراءة وعدم تدبره وخشوعه فيها، وقد قال الإمام أحمد عن أنس ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف ولينم حتى يعلم ما يقول " # وفي بعض ألفاظ الحديث: # " فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه ". # وقوله تعالى: { ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا } عن ابن عباس قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري ~~سبيل، قال تمر به مرا ولا تجلس، يروى أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم ~~في المسجد فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، فيردون الماء ولا يجدون ~~ممرا إلا في المسجد فأنزل الله: { ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل } ويشهد لصحته ما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر " ، وهذا قاله ~~في آخر حياته صلى الله عليه وسلم علما منه أن أبا بكر رضي الله عنه سيلي ~~الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرا للأمور المهمة فيما يصلح ~~للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه رضي الله عنه، ~~ومن روي (إلا باب علي) كما وقع في بعض السنن فهو خطأ، والصواب ما ثبت في ~~الصحيح. ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث ~~في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضا في معناه، إلا ~~أن بعضهم قال: يحرم مرورهما لاحتمال التلويث، ومنهم من قال: إن أمنت كل ~~واحدة منهما التلويث في حال المرور جاز لها المرور وإلا فلا، وقد ثبت في ~~صحيح مسلم عن عائشة رضي الله ms0540 عنها قالت، قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " " ناوليني الخمرة من المسجد " ، فقلت: إني حائض، فقال: " إن حيضتك ~~ليست في يدك " # ، وفيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها والله ~~أعلم. وروى أبو داود عن عائشة قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " # ، قال أبو مسلم الخطابي: ضعف هذا الحديث جماعة، لكن رواه ابن ماجه عن أم ~~سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فأما ما رواه أبو عيسى الترمذي من ~~حديث سالم بن أبي حفصة عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " يا علي لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك ~~" فإنه حديث ضعيف لا يثبت، فإن سالما هذا متروك وشيخه عطية ضعيف والله ~~أعلم. # وعن علي: { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قال: لا يقرب ~~الصلاة إلا أن يكون مسافرا تصيبه الجنابة فلا يجد الماء فيصلي حتى يجد ~~الماء، ويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن عن أبي ذر ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حجج فإذا وجدت الماء ~~فأمسه بشرتك فإن ذلك خير لك " # ثم قال ابن جرير بعد حكايته القولين: والأولى قول من قال { ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل } أي إلا عابري طريق فيه، وذلك أنه قد ~~بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله: { وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر } إلى آخره، فكان معلوما بذلك أن قوله: { ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } ، لو كان ~~معنيا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله: { وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر } معنى مفهوم، وقد مضى حكم ذكره قبل ذلك، ~~فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد ~~للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضا ~~جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري ms0541 سبيل. قال: والعابر السبيل المجتاز مرا ~~وقطعا، يقال منه: عبرت بهذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا، ومنه ~~يقال: عبر فلان النهر إذا قطعه وجاوزه، ومنه قيل للناقة القوية على ~~الأسفار: هي عبر الأسفار لقوتها على قطع الأسفار، وهذا الذي نصره هو قول ~~الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ~~ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة ~~المباعدة للصلاة ولمحلها أيضا. والله أعلم. # وقوله تعالى: { حتى تغتسلوا } دليل لما ذهب إليه الأئمة ~~الثلاثة (أبو حنيفة ومالك والشافعي) أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد ~~حتى يغتسل أو يتيمم إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله بطريقة، وذهب ~~(الإمام أحمد) إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد، لما روي ~~بسند صحيح أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال سعيد بن منصور في سننه عن ~~عطاء بن يسار قال: رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة، وهذا إسناد صحيح ~~على شرط مسلم، والله أعلم. # وقوله تعالى: { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو ~~جآء أحد منكم من الغآئط أو لامستم النسآء ~~فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا } أما المرض ~~المبيح للتيمم فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء فوات عضو أو شينة أو ~~تطويل البرء، ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض لعموم الآية، قال ~~مجاهد: نزلت في رجل من الأنصار كان مريضا، فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ~~ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، ~~فأنزل الله هذه الآية. # والسفر معروف ولا فرق فيه بين الطويل والقصير، وقوله: { أو جآء ~~أحد منكم من الغآئط } الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، ~~كني بذلك عن التغوط وهو الحدث الأصغر. # وأما قوله تعالى: { أو لامستم النسآء } فقرئ لمستم ولامستم، ~~واختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين: (أحدهما) أن ذلك كناية ~~عن الجماع ms0542 لقوله: # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن # [البقرة: 237] وقال تعالى: # إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن # [الأحزاب: 49] قال ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: { أو ~~لامستم النسآء } قال: الجماع. وقال ابن جرير عن سعيد بن جبير ~~قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من العرب ~~اللمس: الجماع، قال: فلقيت ابن عباس فقلت له: إن ناسا من الموالي والعرب ~~اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع قال: ~~فمن أي الفريقين كنت؟ قلت: كنت من الموالي، قال: غلب فريق الموالي، إن ~~اللمس والمس والمباشرة: الجماع ولكن الله يكني ما شاء بما شاء وقد صح من ~~غير وجه عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك، وقال آخرون: عنى الله تعالى ~~بذلك كل من لمس بيد أو بغيرها من أعضاء الإنسان وأوجب الوضوء على كل من ~~مس بشيء من جسده شيئا من جسدها مفضيا إليه. عن عبد الله بن مسعود قال: ~~القبلة من المس وفيها الوضوء، وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: ~~يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده، ومن القبلة، وكان يقول في هذه ~~الآية: { أو لامستم النسآء } هو الغمز، وروى مالك عن عبد الله ~~بن عمر عن أبيه أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسه بيده من الملامسة، ~~فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء، وروى الحافظ أبو الحسن ~~الدارقطني في سننه عن عمر بن الخطاب نحو ذلك، ولكن روينا عنه من وجه آخر ~~أنه كان يقبل امرأته ثم يصلي ولا يتوضأ، فالرواية عنه مختلفة، فيحمل ما ~~قاله في الوضوء إن صح عنه على الاستحباب والله أعلم. والقول بوجوب الوضوء ~~من المس هو قول (الشافعي ومالك) والمشهور عن أحمد بن حنبل، قال ناصروه: ~~قد قرىء في هذه الآية لامستم ولمستم، واللمس يطلق في الشرع على الجس ~~باليد قال تعالى: # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم # [الأنعام: 7] أي جسوه، وقال صلى الله عليه وسلم لماعز ms0543 حين أقر بالزنا ~~يعرض له بالرجوع عن الإقرار: # " لعلك قبلت أو لمست " # وفي الحديث الصحيح: # " واليد زناها اللمس " # وقالت عائشة رضي الله عنها: قل يوم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يطوف علينا فيقبل ويلمس، ومنه ما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن بيع الملامسة هو يرجع إلى الجس باليد على كلا ~~التفسيرين، قالوا: ويطلق اللغة على الجس باليد، كما يطلق على الجماع، قال ~~الشاعر: # ولمست كفي كفه أطلب الغنى # وقال ابن جرير وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله ~~{ أو لامستم النسآء } الجماع دون غيره من معاني اللمس لصحة ~~الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم ~~يتوضأ. وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم يقبل، ثم ~~يصلي ولا يتوضأ، وحدث عروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت. ~~وعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ثم لا ~~يفطر ولا يحدث وضوءا. # وقوله تعالى: { فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا ~~طيبا } استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية أنه لا يجوز التيمم ~~لعادم الماء إلا بعد طلب الماء، فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم ~~لحديث (عمران بن حصين) # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل مع ~~القوم، فقال: " يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم، ألست برجل مسلم "؟ ~~قال: بلى يا رسول الله ولكن أصابتني جنابة ولا ماء، قال: " عليك بالصعيد ~~فإنه يكفيك " # ولهذا قال تعالى: { فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا ~~طيبا } فالتيمم في اللغة: هو القصد. تقول العرب: تيممك الله بحفظه أي ~~قصدك، ومنه قول امرىء القيس شعرا: # ولما رأت أن المنية وردها # وأن الحصى من تحت أقدامها دامي # تيممت العين التي عند ضارج # يفيء ms0544 عليها الفيء عرمضها طامي # والصعيد قيل: هو كل ما صعد على وجه الأرض، فيدخل فيه التراب والرمل ~~والشجر والنبات وهو قول مالك، وقيل: ما كان من جنس التراب كالرمل ~~والزرنيخ والنورة وهذا مذهب أبي حنيفة، وقيل: هو التراب فقط، وهو قول ~~الشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهما واحتجوا بقوله تعالى: # فتصبح صعيدا زلقا # [الكهف: 40] أي ترابا أملس طيبا، وبما ثبت في صحيح مسلم عن حذيفة بن ~~اليمان قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض ~~كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء " # وفي لفظ: # " وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء " # قالوا فخصص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه ~~لذكره معه، والطيب ههنا: قيل الحلال، وقيل الذي ليس بنجس. # وقوله تعالى: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } التيمم بدل ~~عن الوضوء في التطهير به، لا أنه بدل منه في جميع أعضائه، بل يكفي مسح ~~الوجه واليدين فقط بالإجماع، ولكن اختلف الأئمة في كيفية التيمم على ~~أقوال: أحدها - وهو مذهب الشافعي في الجديد - أنه يجب أن يمسح الوجه ~~واليدين إلى المرفقين بضربتين، لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقها على ما يبلغ ~~المنكبين وعلى ما يبلغ المرفقين كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما ~~يبلغ الكفين كما في آية السرقة: # فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38]، قالوا: وحمل ما أطلق ههنا على ما قيد في آية الوضوء ~~أولى لجامع الطهورية، وذكر بعضهم ما رواه الدارقطني عن ابن عمر قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين " # والقول الثاني: أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين، وهو قول ~~الشافعي في القديم، والثالث: أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة لما ~~روي أن رجلا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء؛ فقال عمر: لا تصل. ~~قال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم ~~نجد ماء، فأما ms0545 أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فلما أتينا ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: # " إنما كان يكفيك وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده الأرض ثم نفخ فيها ~~ومسح بها وجهه وكفيه " # ؟. (طريق أخرى): قال أحمد عن سليمان الأعمش، حدثنا شقيق قال: كنت قاعدا ~~مع (عبد الله) و (أبي موسى) فقال أبو يعلى لعبد الله: لو أن رجلا لم يجد ~~الماء، لم يصل؟ فقال عبد الله ألا تذكر ما قال عمار لعمر؟ ألا تذكر إذ ~~بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإياك في إبل فأصابتني جنابة فتمرغت ~~في التراب، فلما رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته، فضحك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # " إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم مسح كفيه ~~جميعا، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة " # ؟ فقال عبد الله: لا جرم ما رأيت عمر قنع بذلك، قال، فقال له أبو موسى: ~~فكيف بهذه الآية في سورة النساء: { فلم تجدوا مآء ~~فتيمموا صعيدا طيبا }؟ قال: فما دري عبد الله ما يقول. ~~وقال: لو رخصنا لهم في التيمم لأوشك أحدهم إذا برد الماء على جلده أن ~~يتيمم. # وقال في المائدة: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } ، فقد ~~استدل بذلك الشافعي على أنه لا بد في التيمم أن يكون بتراب طاهر له غبار ~~يعلق بالوجه واليدين منه شيء. # وقوله تعالى: # ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج # [المائدة: 6] أي في الدين الذي شرعه لكم # ولكن يريد ليطهركم # [المائدة: 6] فلهذا أباح التيمم. إذا لم تجدوا الماء أن تعدلوا إلى ~~التيمم بالصعيد، والتيمم نعمة عليكم لعلكم تشكرون، ولهذا كانت هذه الأمة ~~مخصوصة بمشروعية التيمم دون سائر الأمم، كما ثبت في الصحيحين عن جابر بن ~~عبد الله رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر؛ وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل " # ، وفي ms0546 لفظ: # " فعنده مسجده وطهوره، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت ~~الشفاعة وكان يبعث النبي إلى قومه وبعثت إلى الناس كافة " # وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: { فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا } أي ومن عفوه عنكم ~~وغفرانه ولكم أن شرع لكم التيمم، وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم ~~الماء، توسعة عليكم ورخصة لكم، وذلك أن هذه الآية الكريمة فيها تنزيه ~~الصلاة أن تفعل على هيئة ناقصة من سكر حتى يصحو المكلف ويعقل ما يقول، أو ~~جنابة حتى يغتسل، أو حدث حتى يتوضأ إلا أن يكون مريضا أو عادما للماء، ~~فإن الله عز وجل قد أرخص في التيمم - والحالة هذه - رحمة بعباده ~~ورأفة بهم، وتوسعة عليهم، ولله الحمد والمنة. # (ذكر سبب نزول مشروعية التيمم) # وإنما ذكرنا ذلك ههنا لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على ~~آية المائدة، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد ~~أحد بيسير، في محاصرة النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير، وأما ~~المائدة فإنها من آخر ما نزل ولا سيما صدرها، فناسب أن يذكر السبب هنا ~~وبالله الثقة. قال البخاري عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد ~~لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه ~~وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى ~~ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ~~ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع ~~رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ~~وليسوا على ماء وليس معهم ماء!! قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء ~~الله أن يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي، ولا يمنعني من التحرك إلا مكان ~~رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0547 على فخذي، فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على غير ماء حين أصبح، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال ~~أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير ~~الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته. # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن ابن عباس عن عمار بن ياسر: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عرس بذات الجيش ومعه زوجته عائشة، فانقطع عقد لها ~~من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ~~ماء، فأنزل الله على رسوله رخصة التطهير بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ~~ولم ينفضوا من التراب شيئا فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن ~~بطون أيديهم إلى الآباط. # (حديث آخر): قال الحافظ بن مردويه عن الأسلع بن شريك، قال: # " كنت أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابتني جنابة في ليلة ~~باردة، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد ~~فأموت أو أمرض، فأمرت رجلا من الأنصار فرحلها، ثم رضفت أحجارا فأسخنت ~~بها ماء واغتسلت، ثم لحقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال: " ~~يا أسلع مالي أرى رحلتك قد تغيرت " ، قلت يا رسول الله: لم أرحلها، رحلها ~~رجل من الأنصار، قال: " ولم "؟ قلت: إني أصابتني جنابة فخشيت القر على ~~نفسي، فأمرته أن يرحلها ورضفت أحجارا فأسخنت بها ماء فاغتسلت به، فأنزل ~~الله تعالى: { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون } إلى قوله { إن الله كان عفوا ~~غفورا } " # وقد روي من وجه آخر عنه. ### || [4.44-46] # يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، أنهم ~~يشترون الضلالة بالهدى، ويعرضون عما أنزل الله على رسوله، ويتركون ما ~~بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأولين في صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ليشتروا به ثمنا ms0548 قليلا من حطام الدنيا { ويريدون أن تضلوا ~~السبيل } أي يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ~~ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع، { والله أعلم ~~بأعدائكم } أي: هو أعلم بهم ويحذركم منهم، { وكفى بالله ~~وليا وكفى بالله نصيرا } أي: كفى به وليا لمن لجأ إليه ~~ونصيرا لمن استنصره، ثم قال تعالى: { من الذين هادوا } " من " ~~في هذا لبيان الجنس كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]، وقوله: { يحرفون الكلم عن مواضعه } أي: ~~يتأولونه على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل قصدا منهم ~~وافتراء، { ويقولون سمعنا } أي: سمعنا ما قلته يا محمد، ولا ~~نطيعك فيه... هكذا فسره مجاهد وهو المراد، وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم، ~~وأنهم يتولون عن كتاب الله بعدما عقلوه وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من ~~الإثم والعقوبة. # وقولهم: { واسمع غير مسمع } أي: اسمع ما نقول لا سمعت، رواه ~~ابن عباس، وقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك، قال ابن جرير: والأول ~~أصح وهو كما قال، وهذا استهزاء منهم واستهتار، عليهم لعنة الله { ~~وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين } أي: يوهمون ~~أنهم يقولون راعنا سمعك بقولهم راعنا، وإنما يريدون الرعونة بسبهم النبي، ~~وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله: # ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا ~~انظرنا # [البقرة: 104]، ولهذا قال تعالى عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم ~~خلاف ما يظهرونه: { ليا بألسنتهم وطعنا في الدين } ~~يعني: بسبهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال تعالى: { ولو أنهم ~~قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا ~~لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا ~~يؤمنون إلا قليلا } أي: قلوبهم مطرودة عن الخير مبعدة منه فلا ~~يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم، وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: # فقليلا ما يؤمنون # [البقرة: 88]، والمقصود أنهم لا يؤمنون إيمانا نافعا. ### || [4.47-48] # يأمر الله تعالى أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على رسوله محمد صلى الله ~~عليه وسلم من الكتاب العظيم، الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من ~~البشارات، ومتهددا لهم إن لم ms0549 يفعلوا بقوله: { من قبل أن نطمس ~~وجوها فنردها على أدبارهآ }. قال بعضهم: معناه من قبل ~~أن نطمس وجوها، فطمسها هو ردها إلى الأدبار وجعل أبصارهم من ورائهم، ~~ويحتمل أن يكون المراد من قبل أن نطمس وجوها فلا نبقي لها سمعا ولا ~~بصرا ولا أنفا، ومع ذلك نردها إلى ناحية الأدبار، وقال ابن عباس: طمسها ~~أن تعمى { فنردها على أدبارهآ } يقول: نجعل وجوههم من قبل ~~أقفيتهم فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين من قفاه، وهذا أبلغ في ~~العقوبة والنكال، وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى ~~الباطل، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلالة يهرعون ويمشون ~~القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله: # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى إلى ~~الأذقان فهم مقمحون * وجعلنا من بين أيديهم ~~سدا # [يس: 8-9] الآية: أي هذا مثل سوء ضربه الله لهم في ضلالهم ومنعهم عن ~~الهدى، قال مجاهد: { من قبل أن نطمس وجوها } يقول عن صراط ~~الحق { فنردها على أدبارهآ } أي في الضلال، قال السدي: { ~~فنردها على أدبارهآ } فنمنعها عن الحق، قال: نرجعها كفارا ~~ونردهم قردة. وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية. قال ابن ~~جرير عن عيسى بن المغيرة، قال: تذاكرنا عند ابراهيم إسلام كعب، فقال: ~~أسلم كعب زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة فخرج إليه ~~عمر، فقال: يا كعب أسلم فقال: ألستم تقولون في كتابكم: # مثل الذين حملوا التوراة # [الجمعة: 5] إلى # أسفارا # [الجمعة: 5]، وأنا قد حملت التوراة، قال: فتركه عمر، ثم خرج حتى انتهى ~~إلى حمص فسمع رجلا من أهلها حزينا، وهو يقول: { يا أيهآ الذين ~~أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما ~~معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على ~~أدبارهآ } الآية. قال كعب: يا رب أسلمت مخافة أن تصيبه هذه الآية، ~~ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين. # وقوله تعالى: { أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت } ~~يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد وقد ms0550 مسخوا قرده ~~وخنازير، وقوله: { وكان أمر الله مفعولا } أي: إذا أمر بأمر ~~فإنه لا يخالف ولا يمانع، ثم أخبر تعالى أنه لا يغفر أن يشرك به أي لا ~~يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به ويغفر ما دون ذلك، أي من الذنوب، لمن يشاء: ~~أي من عباده، وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما ~~تيسر. # (الحديث الأول): عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الظلم ثلاثة، فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يترك الله ~~منه شيئا فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، وقال: { إن ~~الشرك لظلم عظيم } ، وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد ~~لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد ~~بعضهم بعضا حتى يدين لبعضهم من بعض ". # (الحديث الثاني): عن أبي إدريس قال، سمعت معاوية يقول، سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا ~~متعمدا ". # (الحديث الثالث): عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: ~~وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن ~~زنى وإن سرق - ثلاثا، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر " # ، قال فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر، وكان ~~أبو ذر يحدث بهذا بعد ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر. وعن أبي ذر قال: # " كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة عشاء ونحن ننظر ~~إلى أحد، فقال: " يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله، قال: " ما أحب أن ~~لي أحدا ذاك عندي ذهبا أمسي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينارا أرصده، ~~يعني لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا " فحثا عن يمينه وعن ms0551 ~~يساره وبين يديه، قال ثم مشينا فقال: " يا أبا ذر إن الأكثرين هم الأقلون ~~يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا " ، فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن ~~يساره، قال: ثم مشينا فقال: " يا أبا ذر كما أنت حتى آتيك " ، قال: ~~فانطلق حتى توارى عني، قال: فسمعت لغطا، فقلت: لعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عرض له، قال: فهممت أن أتبعه، قال: فذكرت قوله لا تبرح حتى ~~آتيك، فانتظرته حتى جاء، فذكرت له الذي سمعت، فقال: " ذاك جبريل أتاني، ~~فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ". قلت: وإن زنى وإن ~~سرق؟ قال: " وإن زنى وإن سرق " ". # (الحديث الرابع): عن جابر، قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ما ~~الموجبتان؟ قال: " من مات لا يشرك بالله شيئا وجبت له الجنة ومن مات ~~يشرك بالله شيئا وجبت له النار " ". # (الحديث الخامس): قال الإمام أحمد، عن ضمضم بن جوش اليمامي قال، قال لي ~~أبو هريرة: # " يا يمامي! لا تقولن لرجل لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة أبدا، ~~فقلت: يا أبا هريرة إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب، قال: ~~لا تقلها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كان في بني ~~إسرائيل رجلان أحدهما مجتهد في العبادة، وكان الآخر مسرفا على نفسه، ~~وكانا متآخيين، وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على الذنب فيقول: يا هذا ~~أقصر، فيقول: خلني وربي أبعثت علي رقيبا؟ إلى أن رآه يوما على ذنب ~~استعظمه، فقال له: ويحك أقصر، قال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ ~~فقال: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الجنة أبدا، قال: فبعث الله ~~إليهما ملكا فقبض أرواحهما واجتمعا عنده، فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة ~~برحمتي، وقال للآخر: أكنت عالما، أكنت على ما في يدي قادرا؟ اذهبوا به ~~إلى النار. قال: والذي نفس أبي القاسم بيده إنه لتكلم بكلمة أو بقت دنياه ~~وآخرته " ". ### || [4.49-52] # قال الحسن ms0552 وقتادة نزلت هذه الآية - وهي قوله: { ألم تر إلى ~~الذين يزكون أنفسهم } - في اليهود والنصارى حين قالوا: ~~نحن أبناء الله وأحباؤه، وفي قولهم: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111]، وقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء ~~والصلاة يؤمونهم ويزعمون أنهم لا ذنوب لهم، وقال ابن عباس في قوله: { ~~ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } وذلك أن اليهود ~~قالوا: إن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة ويشفعون لنا ويزكوننا، فأنزل الله ~~على محمد: { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } ~~الآية. وقال الضحاك: قالوا ليس لنا ذنوب كما ليس لأبنائنا ذنوب، فأنزل ~~الله: { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } فيهم، ~~وقيل: نزلت في ذم التمادح والتزكية؛ وفي صحيح مسلم عن المقداد بن الأسود ~~قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المداحين ~~التراب، وفي الصحيحين عن عبد الله بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سمع رجلا يثني على رجل فقال: # " ويحك قطعت عنق صاحبك " # ثم قال: # " إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسبه كذا ولا يزكي على ~~الله أحدا " # ، وروى ابن مردويه عن عمر أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء ~~برأيه، فمن قال إنه مؤمن فهو كافر، ومن قال هو عالم فهو جاهل، ومن قال هو ~~في الجنة فهو في النار، وقال الإمام أحمد عن معبد الجهني قال: كان معاوية ~~قلما كان يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وكان قلما يكاد يدع يوم ~~الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن ~~يأخذه بحقه يبارك فيه، وإياكم والتمادح فإنه الذبح " # وقال ابن جرير قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ليغدو بدينه ثم يرجع وما ~~معه منه شيء يلقى الرجل ليس يملك له ضرا ولا نفعا فيقول له: إنك والله ~~كيت وكيت، فلعله ms0553 أن يرجع ولم يحظ من حاجته بشيء وقد أسخط الله، ثم قرأ: { ~~ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } الآية ولهذا قال ~~تعالى: { بل الله يزكي من يشآء } أي المرجع في ذلك إلى الله ~~عز وجل لأنه أعلم بحقائق الأمور وغوامضها، ثم قال تعالى: { ولا ~~يظلمون فتيلا } أي ولا يترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار ~~الفتيل، قال ابن عباس: هو ما يكون في شق النواة. # وقوله تعالى: { انظر كيف يفترون على الله الكذب } أي ~~في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقولهم: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111]، وقولهم: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودات # [آل عمران: 24]، واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن ~~أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئا في قوله: # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم # [البقرة: 134، 141] الآية، ثم قال: { وكفى به إثما مبينا } ~~أي وكفى بصنيعهم هذا كذبا وافتراء ظاهرا. وقوله: { ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت } ، أما الجبت فقال عمر بن الخطاب: (الجبت) السحر؛ و ~~(الطاغوت) الشيطان، وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد، وعن ابن عباس وأبي ~~العالية: (الجبت) الشيطان، وعنه: الجبت الأصنام. وعن مجاهد: الجبت كعب بن ~~الأشرف. وقال الجوهري في كتابه الصحاح: الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن ~~والساحر ونحو ذلك، وفي الحديث: # " الطير والعيافة والطرق من الجبت " # وقد تقدم الكلام على الطاغوت في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا. # وقوله تعالى: { ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى ~~من الذين آمنوا سبيلا } أي يفضلون الكفار على المسلمين ~~بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم، وقد روى ابن أبي ~~حاتم عن عكرمة، قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا ~~لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا، وعن محمد، فقالوا: ما ~~أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على ~~اللبن، ونفك العاني، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور قطع أرحامنا ms0554 واتبعه سراق ~~الحجيج من غفار فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلا، فأنزل ~~الله { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا } الآية. وقال ~~الإمام أحمد عن ابن عباس لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى ~~هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل ~~السدانة، وأهل السقاية، قال: أنتم خير، قال: فنزلت: # إن شانئك هو الأبتر # [الكوثر: 3]، ونزل: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب } إلى قوله عز وجل # وآتيناهم ملكا عظيما # [النساء: 54]، وهذا لعن لهم واخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في ~~الآخرة لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك ~~ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم وجاءوا معهم يوم الأحزاب حتى حفر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حول المدينة الخندق فكفى الله شرهم، # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله ~~قويا عزيزا # [الأحزاب: 25]. ### || [4.53-55] # يقول تعالى: { أم لهم نصيب من الملك } وهذا استفهام ~~إنكاري أي ليس لهم نصيب من الملك، ثم وصفهم بالبخل فقال: { فإذا لا ~~يؤتون الناس نقيرا } أي لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك ~~والتصرف لما أعطوا أحدا من الناس ولا سيما محمدا صلى الله عليه وسلم ~~شيئا، ولا ما يملأ النقير وهو النقطة التي في النواة في قول ابن عباس ~~والأكثرين، وهذه الآية كقوله تعالى: # قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق # [الإسراء: 100] أي خوف أن يذهب ما بأيديكم، مع أنه لا يتصور نفاده، ~~وإنما هو من بخلكم وشحكم، ولهذا قال تعالى: # وكان الإنسان قتورا # [الإسراء: 100] أي بخيلا. ثم قال: { أم يحسدون الناس على ~~مآ آتاهم الله من فضله } يعني بذلك حسدهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه ~~حسدهم له لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل، { فقد آتينآ آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ~~} أي فقد جعلنا في أسباط ms0555 بني إسرائيل الذين هم من ذرية إبراهيم النبوة ~~وأنزلنا عليهم الكتب، وحكموا فيهم بالسنن وهي الحكمة وجعلنا منهم الملوك، ~~ومع هذا { فمنهم من آمن به } أي بهذا الإيتاء وهذا الإنعام { ~~ومنهم من صد عنه } أي كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس ~~عنه، وهو منهم ومن جنسهم أي من بني إسرائيل فقد اختلفوا عليهم فكيف بك يا ~~محمد ولست من بني إسرائيل؟ وقال مجاهد: { فمنهم من آمن به } ~~أي بمحمد صلى الله عليه وسلم { ومنهم من صد عنه } فالكفرة ~~منهم أشد تكذيبا لك، وأبعد عما جئتهم به من الهدى، والحق المبين ولهذا ~~قال متوعدا لهم: { وكفى بجهنم سعيرا } أي وكفى بالنار ~~عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله. ### || [4.56-57] # يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله، فقال: ~~{ إن الذين كفروا بآياتنا } الآية، أي ندخلهم نارا ~~دخولا يحيط بجميع أجرامهم وأجزائهم، ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم ~~فقال: { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ليذوقوا العذاب }. قال الأعمش عن ابن عمر: إذا احترقت ~~جلودهم بدلوا جلودا غيرها بيضا أمثال القراطيس، وعن الحسن قوله: { ~~كلما نضجت جلودهم } الآية قال: تنضجهم في اليوم سبعين ألف ~~مرة، ثم قيل لهم: عودوا فعادوا، عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر هذه ~~الآية: { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها } فقال عمر: أعدها علي، فأعادها، فقال معاذ بن جبل: عندي ~~تفسيرها، تبدل في ساعة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقال الربيع بن أنس: مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم ~~أربعون ذراعا، وسنه سبعون ذراعا، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا ~~أكلت النار جلودهم بدلوا جلودا غيرها، وقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من ~~هذا، قال الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة ~~سبعمائة عام، وإن غلظ جلده ms0556 سبعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد ". # وقوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيهآ أبدا } ، هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التي تجري فيها ~~الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها وأرجائها حيث شاءوا، وأين أرادوا، وهم ~~خالدون فيها أبدا لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا. وقوله: { ~~لهم فيهآ أزواج مطهرة } أي من الحيض، والنفاس، والأذى، ~~والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة كما قال ابن عباس: مطهرة من الاقذار ~~والأذى. وقال مجاهد: مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني ~~والولد، وقال قتادة: مطهرة من الأذى والمآثم، ولا حيض ولا كلف. وقوله: { ~~وندخلهم ظلا ظليلا } أي ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا ~~أنيقا، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها - شجرة ~~الخلد ". ### || [4.58] # يخبر الله تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي الحديث: # " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك " # وهو يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق الله عز وجل ~~على عباده من الصلاة والزكاة والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك، مما هو ~~مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض، ~~كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به من غير اطلاع بينة على ذلك فأمر الله ~~عز وجل بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة ~~كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء " # ، وقال ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: إن الشهادة تكفر كل ذنب ~~إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة وإن كان قد قتل في سبيل الله ~~فيقال: أد أمانتك، فيقول: فأنى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟ فتمثل له ~~الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها فيحملها على عاتقه فتنزل عن عاتقه فيهوي ~~على أثرها أبد الآبدين. قال أبو العالية: الأمانة ما ms0557 أمروا به ونهوا عنه. ~~وروى ابن أبي حاتم عن مسروق قال، قال (أبي بن كعب): من الأمانات أن ~~المرأة ائتمنت على فرجها، وقال الربيع بن أنس: هي من الأمانات فيما بينك ~~وبين الناس. وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن (عثمان ~~بن طلحة) حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ~~الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح ~~الحديبية وفتح مكة هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص. # وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة ~~يوم الفتح ثم رده عليه، وقال محمد بن إسحاق: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس خرج حتى ~~جاء إلى البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، فلما ~~قضى طوافه دعا (عثمان بن طلحة) فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها، ~~فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة ~~وقد استكن له الناس في المسجد فقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ~~صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى ~~فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج " # وذكر بقية الحديث في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ إلى أن قال: # " ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه (علي بن ~~أبي طالب) ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع ~~السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين عثمان ~~بن طلحة "؟ فدعي له، فقال له: " هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر ~~" # قال ابن جرير: نزلت في عثمان بن طلحة، قبض منه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مفتاح الكعبة فدخل في البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية { ~~إن الله يأمركم ms0558 أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ~~} الآية، فدعا عثمان إليه فدفع إليه المفتاح، وقال عمر بن الخطاب لما خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة وهو يتلو هذه الآية { إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } ~~فداه أبي وأمي ما سمعته يتلوها قبل ذلك. # وهذا من المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت نزلت في ذلك أو ~~لا فحكمها عام. ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: هي للبر والفاجر، ~~أي هي أمر لكل أحد، وقوله: { وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل } أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، ولهذا ~~قال زيد بن أسلم: إن هذه الآية: إنما نزلت في الأمراء يعني الحكام بين ~~الناس، وفي الحديث: # " إن الله مع الحاكم ما لم يجر، فإذا جار وكله إلى نفسه " # ، وفي الأثر: # " عدل يوم كعبادة أربعين سنة " # ، وقوله: { إن الله نعما يعظكم به } أي يأمركم به من ~~أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه ~~الكاملة العظيمة الشاملة، وقوله تعالى: { إن الله كان سميعا ~~بصيرا } سميعا لأقوالكم، بصيرا بأفعالكم. ### || [4.59] # قال البخاري عن ابن عباس: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم } ، قال نزلت: في عبد الله بن حذافة بن قيس ~~بن عدي إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، وقال الإمام أحمد ~~عن علي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلا ~~من الأنصار، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء قال، فقال لهم: أليس قد أمركم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي ~~حطبا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال، فقال ~~لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار، ~~فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم أن ~~تدخلوها فادخلوها، قال: فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبروه، فقال لهم: # " لو دخلتموها ms0559 ما خرجتم منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف " # وعن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، ~~فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " # وعن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ~~ننازع الأمر أهله، قال: # " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان " # وفي الحديث الآخر عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اسمعوا وأطيعوا، وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة " # رواه البخاري، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: # " أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدوع الأطراف " # رواه مسلم. وروى ابن جرير عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " سيليكم ولاة بعدي فيليكم البر ببره، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم ~~وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن ~~أساءوا فلكم وعليهم ". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا ~~نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون ". قالوا، يا رسول الله: فما تأمرنا؟ ~~قال: " أوفوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما ~~استرعاهم " # أخرجاه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من رأى من أميره شيئا فكرهه فليصبر فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا ~~فيموت إلا مات ميتة جاهلية " # أخرجاه، وعن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في ~~عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " # رواه مسلم. وروى مسلم أيضا عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت ~~المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص ms0560 جالس في ظل الكعبة والناس حوله ~~مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه فقال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سفر فنزلنا منزلا فمن من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو ~~في جشره إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة! ~~فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه لم يكن نبي من قبلي ~~إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما ~~يعلمه لهم، وإن هذه الأمة جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء، ~~وأمور ينكرونها، وتجيء فتن يرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول ~~المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن ~~أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم ~~الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه ~~صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق ~~الآخر، قال فدنوت منه فقلت: أنشدك بالله آنت سمعت هذا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيده وقال: سمعته أذناي، ووعاه ~~قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا ~~بالباطل، ويقتل بعضا بعضا، والله تعالى يقول: # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم ~~رحيما # [النساء: 29] قال فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية ~~الله، والأحاديث في هذا كثيرة. # وقال ابن عباس: { وأولي الأمر منكم } يعني أهل الفقه والدين، ~~وكذا قال مجاهد وعطاء { وأولي الأمر منكم } يعني العلماء، ~~والظاهر - والله أعلم - أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء ~~كما تقدم، وقال تعالى: # لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت # [المائدة: 63]، وقال تعالى: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43]، وفي الحديث الصحيح المتفق على صحته عن أبي ms0561 هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصا الله، ومن أطاع أميري فقد ~~أطاعني ومن عصا أميري فقد عصاني " # ، فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال تعالى: { أطيعوا ~~الله } أي اتبعوا كتابه، { وأطيعوا الرسول } أي خذوا بسنته، ~~{ وأولي الأمر منكم } أي فيما أمروكم به من طاعة الله لا في ~~معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله كما تقدم في الحديث ~~الصحيح: # " إنما الطاعة في المعروف ". # وقال الإمام أحمد عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ~~لا طاعة في معصية الله ". وقوله: { فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول } قال مجاهد: أي إلى كتاب الله ~~وسنة رسوله، وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من ~~أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال ~~تعالى: # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله # [الشورى: 10]، فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق، ~~وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ولهذا قال تعالى: { إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر } أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب ~~الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم { إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر } ، فدل على أن من لم يتحاكم ~~في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا ~~بالله ولا باليوم الآخر، وقوله: { ذلك خير } أي التحاكم إلى كتاب ~~الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خير { وأحسن ~~تأويلا } ، أي وأحسن عاقبة ومآلا كما قاله السدي وقال مجاهد: وأحسن ~~جزاء، وهو قريب. ### || [4.60-63] # هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على ~~رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل ~~الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية ~~أنها في رجل من الأنصار، ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي ms0562 يقول: بيني ~~وبينك محمد، وذاك يقول بيني وبينك (كعب بن الأشرف) وقيل: في جماعة من ~~المنافقين ممن أظهر الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل ~~غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، ~~وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا، ولهذا قال: { ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } إلى آخرها، وقوله: { ~~يصدون عنك صدودا } أي يعرضون عنك إعراضا كالمستكبرين عن ذلك ~~كما قال تعالى عن المشركين: # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا # [لقمان: 21]. # ثم قال تعالى في ذم المنافقين: { فكيف إذآ أصابتهم ~~مصيبة بما قدمت أيديهم } أي فكيف بهم إذا ساقتهم ~~المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك؟ { ~~ثم جآءوك يحلفون بالله إن أردنآ إلا إحسانا ~~وتوفيقا } أي يعتذرون إليك ويحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، ~~وتحاكمنا إلى أعدائك إلا الإحسان والتوفيق أي المداراة والمصانعة لا ~~اعتقادا منا صحة تلك الحكومة، كما في قوله تعالى: # فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم # [المائدة: 52]، عن ابن عباس قال: كان (أبو برزة الأسلمي) كاهنا يقضي ~~بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المشركين فأنزل الله ~~عز وجل { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ~~آمنوا بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك } - إلى ~~قوله - { إن أردنآ إلا إحسانا وتوفيقا }. # ثم قال تعالى: { أولئك الذين يعلم الله ما في ~~قلوبهم } هذا الضرب من الناس هم المنافقون والله يعلم ما في قلوبهم ~~وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم فإنه ~~عالم بظواهرهم وبواطنهم، ولهذا قال له: { فأعرض عنهم } أي لا ~~تعنفهم على ما في قلوبهم، { وعظهم } أي وانههم عما في قلوبهم من ~~النفاق وسرائر الشر، { وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ~~} أي وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم. ### || [4.64-65] # يقول تعالى: { ومآ أرسلنا من رسول إلا ليطاع } أي ~~فرضت طاعته على من أرسله إليهم، ms0563 وقوله: { بإذن الله } قال مجاهد: ~~أي لا يطيع أحد إلى بإذني يعني لا يطيعه إلا من وفقته لذلك، كقوله: # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه # [آل عمران: 152] أي عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم، وقوله: ~~{ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } الآية، يرشد تعالى ~~العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا ~~فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم، ولهذا قال: { لوجدوا ~~الله توابا رحيما } وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور ~~الصباغ في كتابه " الشامل " الحكاية المشهورة عن العتبي قال: كنت جالسا ~~عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول ~~الله، سمعت الله يقول: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~جآءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ~~لوجدوا الله توابا رحيما } ، وقد جئتك مستغفرا لذنبي ~~مستشفعا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول: # يا خير من دفنت بالقاع أعظمه # فطاب من طيبهن القاع والأكم # نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه # فيه العفاف وفيه الجود والكرم # ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في ~~النوم فقال: " يا عتبي الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له ". # وقوله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم } ، يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة، أنه لا ~~يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به ~~فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا، ولهذا قال: { ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما } أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم ~~حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما ~~كليا، من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: # " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " # ، وقال البخاري عن عروة، قال: # " خاصم الزبير رجلا في شراج ms0564 الحرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك " فقال الأنصاري: يا رسول الله أن ~~كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: " اسق ~~يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك " # فاستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه ~~الأنصاري، وكان أشار عليهما صلى الله عليه وسلم بأمر لهما فيه سعة، قال ~~الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك { فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } الآية. ~~وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: خاصم الزبير رجلا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقضى للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته، فنزلت: { ~~فلا وربك لا يؤمنون } الآية. ### || [4.66-70] # يخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما ~~فعلوه، لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر، وهذا من علمه تبارك ~~وتعالى بما لم يكن أو كان فكيف كان يكون، ولهذا قال تعالى: { ولو ~~أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } الآية، قال ~~ابن جرير: { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا ~~أنفسكم } الآية، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا، ~~فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي " # ، وقال السدي: افتخر (ثابت بن قيس) بن شماس ورجل من اليهود، فقال ~~اليهودي: والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا، فقال ثابت: ~~والله لو كتب علينا { أن اقتلوا أنفسكم } لفعلنا، فأنزل ~~الله هذه الآية. قال تعالى: { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون ~~به } أي: ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به. وتركوا ما ينهون عنه، { لكان ~~خيرا لهم } أي من مخالفة الأمر وارتكاب النهي { وأشد ~~تثبيتا } قال السدي: أي وأشد تصديقا، { وإذا لأتيناهم من ~~لدنآ } أي من عندنا { أجرا عظيما } يعني الجنة، { ~~ولهديناهم صراطا مستقيما } أي في الدنيا والآخرة، ثم ms0565 ~~قال تعالى: { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن أولئك ~~رفيقا } أي من عمل بما أمره الله به ورسوله وترك ما نهاه الله عنه ~~ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقا للأنبياء ~~ثم لمن بعدهم في الرتبة، وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين، ~~وهم الصالحون الذي صلحت سرائرهم وعلانيتهم، ثم أثنى عليهم تعالى، فقال: { ~~وحسن أولئك رفيقا } وقال البخاري عن عائشة قالت: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة " # ، وكان في شكواه التي قبض فيها أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول: { مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهدآء والصالحين } فعلمت أنه خير. ~~وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: # " اللهم الرفيق الأعلى " # ثلاثا ثم قضى، عليه أفضل الصلاة والتسليم. # (ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة) # روى ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا ~~فلان مالي أراك محزونا "؟ فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه، فقال ما هو؟ ~~قال: نحن نغدو ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدا ترفع مع النبيين، فلا ~~نصل إليك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فأتاه جبريل ~~بهذه الآية: { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين } الآية، فبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم فبشره. # وعن عائشة، قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله! إنك لأحب إلي من نفسي، وأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، ~~وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت ~~موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة ~~خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى ms0566 نزلت عليه: ~~{ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا }. # وثبت في صحيح مسلم # " عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: كنت أبيت عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل. فقلت: يا رسول الله أسألك ~~مرافقتك في الجنة، فقال: " أو غير ذلك "؟ قلت: هو ذاك، قال: " فأعني على ~~نفسك بكثرة السجود " # وقال الإمام أحمد عن عمرو بن مرة الجهني، قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله شهدت أن لا ~~إله إلا الله، وأنك رسول الله؛ وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر ~~رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من مات على ذلك كان مع ~~النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم ~~يعق والديه " # تفرد به أحمد. وروى الترمذي عن أبي سعيد قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء " # وقد ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من ~~الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يحب القوم ولما ~~يلحق بهم، فقال: # " المرء مع من أحب " # قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث، وفي رواية عن أنس أنه ~~قال: إني لأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحب أبا بكر وعمر رضي الله ~~عنهما، وأرجو أن الله يبعثني معهم، وإن لم أعمل كعملهم. قال الإمام مالك ~~بن أنس عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدري ~~الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم " ، قالوا: يا رسول ~~الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: " بلى، والذي نفسي بيده ~~رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " # قال تعالى: { ذلك الفضل من الله } أي من عند الله برحمته، ~~وهو الذي أهلهم لذلك لا بأعمالهم، { وكفى ms0567 بالله عليما } أي هو ~~عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق. ### || [4.71-74] # يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم ~~التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيل الله، ~~{ ثبات } أي جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية، ~~والثبات: جمع ثبة وقد تجمع الثبة على ثبين، قال ابن عباس: يعني سرايا ~~متفرقين { أو انفروا جميعا } يعني كلكم. وقوله تعالى: { وإن ~~منكم لمن ليبطئن } قال مجاهد: نزلت في المنافقين، { ~~ليبطئن } أي ليتخلفن عن الجهاد، ويحتمل أن يكون المراد أن ~~يتباطأ هو في نفسه، ويبطىء غيره عن الجهاد، كما كان (عبد الله بن أبي بن ~~سلول) قبحه الله يفعل، يتأخر عن الجهاد ويثبط الناس عن الخروج فيه، وهذا ~~قول ابن جريج وابن جرير. ولهذا قال تعالى إخبارا عن المنافق أنه يقول ~~إذا تأخر عن الجهاد { فإن أصابتكم مصيبة } أي قتل وشهادة ~~وغلب العدو لكم لما لله في ذلك من الحكمة { قال قد أنعم الله ~~علي إذ لم أكن معهم شهيدا } أي إذ لم أحضر معهم وقعة ~~القتال، يعد ذلك من نعم الله عليه، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر أو ~~الشهادة إن قتل، { ولئن أصابكم فضل من الله } أي نصر وظفر ~~وغنيمة { ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة } ، أي كأنه ليس من أهل دينكم { يليتني كنت معهم ~~فأفوز فوزا عظيما } أي بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه، وهو ~~أكبر قصده وغاية مراده، ثم قال تعالى: { فليقاتل } أي المؤمن ~~النافر { في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا ~~بالآخرة } أي يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا، وما ذلك إلا لكفرهم ~~وعدم إيمانهم. # ثم قال تعالى: { ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو ~~يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } أي كل من قاتل في سبيل ~~الله سواء قتل أو غلب فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر عظيم، كما ثبت في ~~الصحيحين وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه ~~إلى مسكنه الذي خرج ms0568 منه بما نال من أجر أو غنيمة. ### || [4.75-76] # يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وعلى السعي في استنقاذ ~~المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بها، ~~ولهذا قال تعالى: { الذين يقولون ربنآ أخرجنا من ~~هذه القرية } يعني مكة، كقوله تعالى: # وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ~~التي أخرجتك # [محمد: 13] ثم وصفها بقوله: { الظالم أهلها واجعل لنا ~~من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا } أي ~~سخر لنا من عندك وليا وناصرا. قال البخاري عن عبيد الله، قال، سمعت ابن ~~عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، ثم قال تعالى: { الذين ~~آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا ~~يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء ~~الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا }. ### || [4.77-79] # كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، ~~وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن ~~المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ~~ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذا ذاك مناسبا لأسباب كثيرة: منها ~~قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو ~~بلد حرام وأشرف بقاع الأرض فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، ~~فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع ~~هذا لما أمروا بما كانوا يودونه، جزع بعضهم منه وخافوا من مواجهة الناس ~~خوفا شديدا: { وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ~~لولا أخرتنا إلى أجل قريب } أي لولا أخرت فرضه إلى مدة ~~أخرى فإن فيه سفك الدماء، ويتم الأولاد، وتأيم النساء، وهذه الآية ~~كقوله تعالى: # ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذآ ~~أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال # [محمد: 20] الآيات. عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف ~~وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا يا نبي الله: # " كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: " إني أمرت بالعفو ~~فلا تقاتلوا القوم " # فلما حوله الله إلى ms0569 المدينة أمره بالقتال فكفوا فأنزل الله: { ألم ~~تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } الآية. وقال ~~السدي: لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم ~~القتال، فلما فرض عليهم القتال { إذا فريق منهم يخشون ~~الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا ~~لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل ~~قريب } وهو الموت، قال الله تعالى: { قل متاع الدنيا قليل ~~والآخرة خير لمن اتقى } أي آخرة المتقي خير من دنياه { ~~ولا تظلمون فتيلا } أي من أعمالكم، بل توفونها أتم الجزاء، ~~وهذه تسلية لهم عن الدنيا وترغيب لهم في الآخرة وتحريض لهم على الجهاد، ~~وقال ابن أبي حاتم عن هشام قال: قرأ الحسن { قل متاع الدنيا ~~قليل } قال: رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك وما الدنيا كلها أولها ~~وآخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب، ثم انتبه. وقال ابن ~~معين: كان أبو مصهر ينشد: # ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له # من الله في دار المقام نصيب # فإن تعجب الدنيا رجالا فإنها # متاع قليل والزوال قريب # وقوله تعالى: { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو ~~كنتم في بروج مشيدة } أي أنتم صائرون إلى الموت لا محالة ~~ولا ينجو منه أحد منكم كما قال تعالى: # كل من عليها فان # [الرحمن: 26] الآية، وقال تعالى: # كل نفس ذآئقة الموت # [آل عمران: 185، الأنبياء: 35، العنكبوت: 57]، وقال تعالى: # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد # [الأنبياء: 34]، والمقصود أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه ~~من ذلك شيء سواء جاهد أو لم يجاهد فإن له أجلا محتوما، ومقاما ~~مقسوما، كما قال (خالد بن الوليد) حين جاء الموت على فراشه: لقد شهدت ~~كذا وكذا موقفا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، ~~وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء. وقوله: { ولو كنتم ~~في بروج مشيدة } أي حصينة منيعة عالية رفيعة، أي لا يغني حذر ~~وتحصن من الموت كما قال زهير بن أبي سلمى: ms0570 # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه # ولو رام أسباب السماء بسلم # ثم قيل: المشيدة هي المشيدة كما قال (وقصر مشيد)، وقيل: بل ~~بينهما فرق وهو أن المشيدة بالتشديد هي المطولة، وبالتخفيف هي المزينة ~~بالشيد وهو الجص. # وقوله تعالى: { وإن تصبهم حسنة } أي خصب ورزق من ثمار وزروع ~~وأولاد ونحو ذلك، هذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي { ~~يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة } أي ~~قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو نتاج أو غير ذلك { ~~يقولوا هذه من عندك } أي من قبلك وبسبب اتباعنا لك ~~واقتدائنا بدينك، كما قال تعالى عن قوم فرعون: # فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # [الأعراف: 131] وكما قال تعالى: # ومن الناس من يعبد الله على حرف # [الحج: 11] الآية. وهكذا قال هؤلاء المنافقون، الذين دخلوا في الإسلام ~~ظاهرا وهم كارهون له في نفس الأمر، ولهذا إذا أصابهم شر إنما يسندونه ~~إلى اتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال السدي { وإن تصبهم ~~حسنة } قال، والحسنة: الخصب تنتج مواشيهم وخيولهم ويحسن حالهم وتلد ~~نساؤهم الغلمان، وقالوا: { هذه من عند الله وإن تصبهم ~~سيئة } والسيئة: الجدب والضرر في أموالهم تشاءموا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، وقالوا: { هذه من عندك } يقولون بتركنا ديننا ~~واتباعنا محمدا أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله عز وجل، { قل كل ~~من عند الله } فقوله: قل كل من عند الله أي الجميع بقضاء الله ~~وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر والمؤمن والكافر، قال ابن عباس: { قل ~~كل من عند الله } أي الحسنة والسيئة وكذا قال الحسن البصري. ~~ثم قال تعالى منكرا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، ~~وقلة فهم وعلم وكثرة جهل وظلم { فمال هؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا }؟. # ثم قال تعالى مخاطبا لرسوله صلى الله عليه وسلم والمراد جنس الإنسان ~~ليحصل الجواب: { مآ أصابك من حسنة فمن الله } أي من ~~فضل الله ومنه ولطفه ورحمته، { ومآ أصابك من سيئة فمن ~~نفسك ms0571 } أي فمن قبلك، ومن عملك أنت، كما قال تعالى: # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير # [الشورى: 30]. قال السدي: { فمن نفسك } أي بذنبك، وقال قتادة في ~~الآية: { فمن نفسك } عقوبة لك يا ابن آدم بذنبك، قال: وذكر لنا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يصيب رجلا خدش عود ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما ~~يعفو الله أكثر " # ، وهذا الذي أرسله قتادة قد روي متصلا في الصحيح، # " والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن هم ولا حزن، ولا نصب حتى الشوكة ~~يشاكها إلا كفر الله عنه بها من خطاياه " # ، وقال أبو صالح { ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك } أي ~~بذنبك وأنا الذي قدرتها عليك رواه ابن جرير. وقوله تعالى: { ~~وأرسلناك للناس رسولا } أي تبلغهم شرائع الله وما يحبه ~~الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه { وكفى بالله شهيدا } أي على ~~أنه أرسلك وهو شهيد أيضا بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إياه وبما يردون ~~عليك من الحق كفرا وعنادا. ### || [4.80-81] # يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأن من أطاعه فقد ~~أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه # وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3-4]. قال ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله؛ ومن أطاع الأمير ~~فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني " # وقوله: { ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا } أي ~~ما عليك منه، إن عليك إلا البلاغ فمن اتبعك سعد ونجا، وكان لك من الأجر ~~نظير ما حصل له، ومن تولى عنك خاب وخسر، وليس عليك من أمره شيء كما جاء ~~في الحديث: # " من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا ~~نفسه ". # وقوله تعالى: { ويقولون طاعة } يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم ~~يظهرون الموافقة والطاعة { فإذا برزوا من عندك } أي خرجوا ~~وتواروا عنك ms0572 { بيت طآئفة منهم غير الذي تقول } أي ~~استسروا ليلا فيما بينهم بغير ما أظهروه لك، فقال تعالى: { والله ~~يكتب ما يبيتون } أي يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته ~~الكاتبين الذين هم موكلون بالعباد، والمعنى في هذا التهديد أنه تعالى ~~يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلا ~~من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وعصيانه، وإن كان قد أظهروا له ~~الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك، كما قال تعالى: # ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا # [النور: 47] الآية، وقوله: { فأعرض عنهم } أي اصفح عنهم واحلم ~~عليهم ولا تؤاخذهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تخف منهم أيضا، { ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } أي كفى به ~~وليا وناصرا ومعينا لمن توكل عليه وأناب إليه. ### || [4.82-83] # يقول تعالى آمرا لهم بتدبر القرآن وناهيا لهم عن الإعراض عنه، وعن ~~تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبرا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا ~~اضطراب، ولا تعارض لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق، ولهذا قال ~~تعالى: # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24]، ثم قال: { ولو كان من عند غير الله } أي لو ~~كان مفتعلا مختلقا، كما يقوله من يقول من جهلة المشركين والمنافقين في ~~بواطنهم لوجدوا فيه اختلافا، أي اضطرابا وتضادا كثيرا، أي وهذا سالم ~~من الاختلاف فهو من عند الله، كما قال تعالى مخبرا عن الراسخين في العلم ~~حيث قالوا: # آمنا به كل من عند ربنا # [آل عمران: 7] أي محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم ~~فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا ~~مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين. قال الإمام أحمد عن عمرو ابن شعيب عن ~~أبيه عن جده قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم والناس ~~يتكلمون في القدر فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال لهم: " ~~ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم " ، وعن عبد ~~الله بن عمرو قال: هجرت إلى ms0573 رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فإنا ~~لجلوس إذ اختلف اثنان في آية فارتفعت أصواتهما فقال: # " إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب ". # وقوله تعالى: { وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف ~~أذاعوا به } إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ~~ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة، وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع " # وفي الصحيح: # " من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " # ولنذكر ههنا حديث عمر بن الخطاب المتفق على صحته حين بلغه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طلق نساءه فجاء من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس ~~يقولون ذلك فلم يصبر حتى استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فاستفهمه، ~~أطلقت نساءك؟ فقال: " لا " فقلت: الله أكبر وذكر الحديث بطوله. وعند مسلم ~~فقلت: أطلقتهن فقال: " لا " ، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم ~~يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، ونزلت هذه الآية: { وإذا ~~جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ~~ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ، فكنت أنا استنبطت ~~ذلك الأمر، ومعنى يستنبطونه أي يستخرجونه من معادنه، يقال: استنبط الرجل ~~العين إذا حفرها واستخرجها من قعورها، وقوله: { لاتبعتم ~~الشيطان إلا قليلا } قال ابن عباس: يعني المؤمنين، وقال قتادة ~~{ لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } يعني: كلكم واستشهد من ~~نصر هذا القول بقول الطرماح في مدح يزيد بن المهلب: # أشم، ندي، كثير النوادي # قليل المثالب، والقادحة # يعني لا مثالب له ولا قادحة فيه. ### || [4.84-87] # يأمر تعالى عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يباشر القتال ~~بنفسه، ومن نكل عنه فلا عليه منه، ولهذا قال: { لا تكلف إلا ~~نفسك }. عن أبي إسحاق قال، قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين أهو ~~ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا، إن الله بعث برسوله صلى الله عليه ms0574 ~~وسلم وقال: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا ~~نفسك } إنما ذلك في النفقة. # وقوله: { وحرض المؤمنين } أي على القتال ورغبهم فيه وشجعهم ~~عليه، كما قال لهم صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهو يسوي الصفوف: # " قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض " # وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري عن ~~أبي هريرة قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من آمن بالله ورسوله، وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر ~~في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها ". قالوا: يا رسول الله أفلا ~~نبشر الناس بذلك؟ فقال: " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في ~~سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض؛ فإذا سألتم الله ~~فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة؛ وفوقه عرش الرحمن، ومنه ~~تفجر أنهار الجنة " ". # وقوله تعالى: { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا } ~~أي بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم ~~عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم، وقوله تعالى: { والله ~~أشد بأسا وأشد تنكيلا } أي هو قادر عليهم في الدنيا ~~والآخرة، كما قال تعالى: # ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ~~ليبلوا بعضكم ببعض # [محمد: 4] الآية، وقوله: { من يشفع شفاعة حسنة يكن ~~له نصيب منها } أي من يسعى في أمر فيترتب عليه خير كان له نصيب ~~من ذلك، { ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل ~~منها } أي يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته كما ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " اشفعوا تؤجروا؛ ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء " # وقال مجاهد بن جبر: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. وقوله: ~~{ وكان الله على كل شيء مقيتا } قال ابن عباس: أي ~~حفيظا، وقال مجاهد: شهيدا، وفي رواية عنه حسيبا. وقال الضحاك: المقيت ~~الرزاق، وعن عبد الله بن رواحة: وسأله رجل عن قول ms0575 الله تعالى: { وكان ~~الله على كل شيء مقيتا } قال: مقيت لكل إنسان بقدر عمله. # وقوله تعالى: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن ~~منهآ أو ردوهآ } أي إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما ~~سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة، قال ~~ابن جرير عن سلمان الفارسي، قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول ~~الله، فقال: " وعليك السلام ورحمة الله " ثم جاء آخر فقال: السلام عليك ~~يا رسول الله ورحمة الله؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وعليك ~~السلام ورحمة الله وبركاته " ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول ~~الله ورحمة الله وبركاته، فقال له: " وعليك " فقال له الرجل: يا نبي الله ~~بأبي أنت وأمي: أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت ~~علي؟ فقال: " إنك لم تدع لنا شيئا، قال الله تعالى { وإذا حييتم ~~بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ } فرددناها ~~عليك " ". # وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة [السلام ~~عليكم ورحمة الله وبركاته]، إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقال الإمام أحمد عن عمران بن حصين أن رجلا جاء إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم يا رسول الله فرد عليه ~~ثم جلس، فقال: " عشر " ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول ~~الله فرد عليه ثم جلس فقال " عشرون " ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته فرد عليه، ثم جلس فقال: " ثلاثون ". وقال ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان ~~مجوسيا ذلك بأن الله يقول: { فحيوا بأحسن منهآ أو ~~ردوهآ } وقال فأما أهل الذمة فلا يبدأون بالسلام ولا يزادون بل يرد ~~عليهم بما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا سلم عليكم اليهود فإنما ms0576 يقول أحدهم السام عليكم فقل وعليك " # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم ~~إلى أضيقه " # ، وقال الحسن البصري: السلام تطوع والرد فريضة، وهذا الذي قاله هو قول ~~العلماء قاطبة أن الرد واجب على من سلم عليه فيأثم إن لم يفعل، لأنه خالف ~~أمر الله في قوله: { فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ } وقد ~~جاء في الحديث الذي رواه أبو داود بسنده إلى أبي هريرة قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ~~أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم ". # وقوله تعالى: { الله لا إله إلا هو } إخبار بتوحيده ~~وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات وتضمن قسما لقوله: { ليجمعنكم ~~إلى يوم القيامة لا ريب فيه } وهذه اللام موطئة للقسم ~~فقوله الله لا إله إلا هو خبر وقسم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد ~~واحد، فيجازي كل عامل بعمله وقوله تعالى: { ومن أصدق من الله ~~حديثا } أي لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ووعده ووعيده، فلا إله إلا ~~هو ولا رب سواه. ### || [4.88-91] # يقول تعالى منكرا على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين على قولين، ~~واختلف في سبب ذلك، فقال الإمام أحمد عن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، هم ~~المؤمنون فأنزل الله: { فما لكم في المنافقين فئتين } ، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد " # وقد ذكر محمد بن إسحاق في وقعة أحد: أن عبد الله بن أبي ابن سلول رجع ~~يومئذ بثلث الجيش، رجع بثلثمائة وبقي النبي صلى الله عليه وسلم في ~~سبعمائة، وقوله تعالى: { والله أركسهم بما كسبوا } أي ~~ردهم وأوقعهم في الخطأ، قال ms0577 ابن عباس: { أركسهم } أي أوقعهم، وقال ~~قتادة: أهلكهم، وقال السدي: أضلهم، وقوله: { بما كسبوا } أي بسبب ~~عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل { أتريدون أن تهدوا ~~من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ~~} أي لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه، وقوله: { ودوا لو ~~تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء } أي هم يودون لكم ~~الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم، ~~ولهذا قال: { فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا } أي تركوا الهجرة ~~قاله ابن عباس، وقال السدي: أظهروا كفرهم { فخذوهم واقتلوهم ~~حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا ~~نصيرا } ، أي لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا ~~كذلك، ثم استثنى الله من هؤلاء فقال: { إلا الذين يصلون ~~إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } أي إلا الذين لجأوا ~~وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة أو عقد ذمة فاجعلوا حكمهم كحكمهم، ~~وهذا قول السدي وابن جرير. # وقد روى ابن أبي حاتم عن الحسن أن (سراقة بن مالك المدلجي) قال: # " لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد وأسلم من حولهم، ~~قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث (خالد بن الوليد) إلى قومي بني مدلج ~~فأتيته، فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا صه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" دعوه، ما تريد "؟، قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي وأنا أريد أن ~~توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخشن ~~قلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد بن الوليد ~~فقال: " اذهب معه فافعل ما يريد " ، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم " # ، فأنزل الله: { ودوا لو تكفرون كما كفروا ~~فتكونون سوآء فلا تتخذوا منهم أوليآء }. وقد ~~روي عن ابن عباس أنه قال نسخها قوله: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] الآية، وقوله: { أو ms0578 جآءوكم حصرت صدورهم } ~~هؤلاء قوم آخرون من المستثنين من الأمر بقتالهم وهم الذين يجيئون إلى ~~المصاف وهم حصرة صدورهم أي ضيقة صدورهم، مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون ~~عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم بل هم لا لكم ولا عليكم { ولو ~~شآء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم } أي من لطفه ~~بكم أن كفهم عنكم { فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ~~وألقوا إليكم السلم } أي المسالة { فما جعل الله ~~لكم عليهم سبيلا } أي فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم ~~كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين ~~فحضروا القتال وهم كارهون كالعباس ونحوه ولهذا نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره. # وقوله تعالى: { ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ~~ويأمنوا قومهم } الآية، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ~~ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء قوم منافقون، يظهرون للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم ~~وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن فيعبدون معهم ما يعبدون ليأمنوا ~~بذلك عندهم وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: # وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم # [البقرة: 14] الآية، وقال ههنا: { كل ما ردوا إلى ~~الفتنة أركسوا فيها } أي انهمكوا فيها، وقال السدي: الفتنة ~~ههنا الشرك، وحكى ابن جرير عن مجاهد: أنها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا ~~يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش ~~فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتلهم ~~إن لم يعتزلوا ويصلحوا، ولهذا قال تعالى: { فإن لم يعتزلوكم ~~ويلقوا إليكم السلم } المهادنة والصلح { ويكفوا ~~أيديهم } أي عن القتال { فخذوهم } أسراء { واقتلوهم ~~حيث ثقفتموهم } أي أين لقيتموهم { وأولئكم جعلنا ~~لكم عليهم سلطانا مبينا } أي بينا واضحا. ### || [4.92-93] # يقول تعالى: ليس المؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، كما ثبت في ~~الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا ms0579 إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا ~~بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة ~~" # ، ثم إذا وقع شي من هذه الثلاث فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، ~~وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه، وقوله: { إلا خطئا } قالوا: هو ~~استثناء منقطع كقول الشاعر: # من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ # على الأرض إلا ريط برد مرحل # واختلف في سبب نزول هذه، فقال مجاهد: نزلت في (عياش بن أبي ربيعة) وذلك ~~أنه قتل رجلا يعذبه مع أخيه على الإسلام، وهو (الحارث بن يزيد الغامدي) ~~فأسلم ذلك الرجل وهاجر، وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه ~~على دينه فحمل عليه فقتله فأنزل الله هذه الآية. قال ابن أسلم: نزلت في ~~أبي الدرداء لأنه قتل رجلا وقد قال كلمة الإيمان حين رفع عليه السيف ~~فأهوى به إليه، فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~إنما قالها متعوذا، فقال له: هل شققت عن قلبه؟ وهذه القصة في الصحيح ~~لغير أبي الدرداء. # وقوله تعالى: { ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله } ، هذان واجبان في ~~قتل الخطأ، أحدهما: الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وأن كان خطأ، ومن ~~شروطها أن تكون عتق { رقبة مؤمنة } فلا تجزىء الكافرة، وفي ~~موطأ مالك ومسند الشافعي وأحمد عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم: # " أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أين الله " ، قالت: في السماء، قال: " من أنا " قالت: رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قال: " أعتقها فإنها مؤمنة " # وقوله: { ودية مسلمة إلى أهله } هو الواجب الثاني ~~فيما بين القاتل وأهل القتيل عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم، وهذه الدية ~~إنما تجب أخماسا كما رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود، قال: قضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ (عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ~~ذكورا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة) وإنما ms0580 تجب على عاقلة ~~القاتل لا في ماله، قال الشافعي رحمه الله: لم أعلم مخالفا أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة، وهو أكثر من حديث الخاصة، ~~وهذا الذي أشار إليه رحمه الله قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في ~~الصحيحين عن أبي هريرة قال: # " اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في ~~بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها ~~غرة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها " # وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض في وجوب الدية، لكن هذا ~~تجب فيه الدية أثلاثا لشبهة العمد. # وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن ~~يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتلهم، فبلغ ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع يديه، وقال: " اللهم إني أبرأ إليك ~~مما صنع خالد " ، وبعث عليا فودى قتلاهم، وما أتلف من أموالهم حتى ميلغة ~~الكلب، وهذا الحديث يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال، ~~وقوله: { إلا أن يصدقوا } أي فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله ~~إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب، وقوله: { فإن كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } أي إذا كان ~~القتيل مؤمنا، ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب فلا دية لهم وعلى القاتل ~~تحرير رقبة مؤمنة لا غير. # وقوله تعالى: { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق } الآية أي فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية ~~قتيلهم، فإن كان مؤمنا فدية كاملة وكذا إن كان كافرا أيضا عند طائفة ~~من العلماء، وقيل: يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل: ثلثها كما هو ~~مفصل في كتاب الأحكام، ويجب أيضا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة، { فمن ~~لم يجد فصيام شهرين متتابعين } أي لا ms0581 إفطار ~~بينهما، بل يسرد صومهما إلى آخرهما، فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيض ~~أو نفاس استأنف، واختلفوا في السفر هل يقطع أم لا على قولين، وقوله: { ~~توبة من الله وكان الله عليما حكيما } أي هذه توبة ~~القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين، واختلفوا فيمن لا ~~يستطيع الصيام، هل يجب عليه إطعام ستين مسكينا كما في كفارة الظهار؟ على ~~قولين: أحدهما: نعم، كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر ~~ههنا لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام ~~لما فيه من التسهيل والترخيص، والقول الثاني: لا يعدل إلى الطعام لأنه لو ~~كان واجبا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة، { وكان الله عليما ~~حكيما } قد تقدم تفسيره غير مرة، ثم لما بين تعالى حكم القتل الخطأ ~~شرع في بيان حكم القتل العمد، فقال: { ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا } الآية، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب ~~العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول ~~سبحانه في سورة الفرقان: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق # [الآية: 68] الآية، وقال تعالى: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا # [الأنعام: 151] الآية. # الآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا، فمن ذلك ما ثبت في ~~الصحيحين عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء " # ، وفي حديث آخر: # " لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم " # ، وفي الحديث الآخر: # " لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار ~~" # ، وفي الحديث الآخر: # " من أعان على قتل المسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين ~~عينيه آيس من رحمة الله " # ، وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدا، وقال البخاري ~~عن المغيرة بن النعمان قال: سمعت ms0582 ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة ~~فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية { ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم } هي آخر ما نزل وما نسخها ~~شيء. وقال في هذه الآية: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر # [الفرقان: 68] إلى آخرها قال: نزلت في أهل الشرك. وقال ابن جرير عن سعيد ~~بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله: { ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزآؤه جهنم } قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام ~~وشرائع الإسلام ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ولا توبة له فذكرت ذلك ~~لمجاهد فقال: إلا من ندم. # وروى سالم بن أبي الجعد قال: كنا عند ابن عباس بعدما كف بصره فأتاه ~~رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ ~~فقال: جزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا ~~عظيما، قال: أفرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته ~~أمه وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمدا، جاء يوم القيامة أخذه بيمينه أو بشماله ~~تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله وبيده الأخرى رأسه ~~يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني " # ، وايم الذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية ~~حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم وما نزل بعدها من برهان. وعن عبد الله ~~بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يجيء المقتول متعلقا بقاتله يوم القيامة آخذا رأسه بيده الأخرى، ~~فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ قال، فيقول: قتلته لتكون العزة لك، ~~فيقول: فإنها لي، قال: ويجيء آخر متعلقا بقاتله، فيقول: رب سل هذا فيم ~~قتلني؟ قال، فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان قال: فإنها ليست له بؤ ~~بإثمه، قال فيهوي في النار سبعين خريفا ". # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية رضي الله ~~عنه يقول: ms0583 سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل ~~مؤمنا متعمدا " # والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه ~~وبين الله عز وجل، فإن تاب وأناب، وخشع وخضع وعمل عملا صالحا بدل ~~الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن ظلامته. قال الله ~~تعالى: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر # [الفرقان: 68] إلى قوله: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا # [الفرقان: 70] الآية، وهذا خبر لا يجوز نسخه وحمله على المشركين وحمل ~~هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل، والله أعلم. # وقوله تعالى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله # [الزمر: 53] الآية، وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك وشك ونفاق وقتل ~~وفسق وغير ذلك، كل من تاب تاب الله عليه، قال الله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48، 116] فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك وهي ~~مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها، لتقوية الرجاء والله ~~أعلم. وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما ~~هل لي من توبة فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد ~~الله فيه، فهاجر إليه فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة كما ذكرناه ~~غير مرة. وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة التوبة ~~مقبولة بطريق الأولى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي ~~كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة، فأما الآية الكريمة وهي قوله ~~تعالى: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } الآية، فقد قال أبو ~~هريرة وجماعة من السلف، هذا جزاؤه إن جازاه، وكذا كل وعيد على ذنب لكن قد ~~يكون كذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه على قولي ~~أصحاب الموازنة والاحباط، وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، والله أعلم ms0584 ~~بالصواب. وبتقدير دخول القاتل في النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه ~~أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به فليس ~~بمخلد فيها أبدا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواترت الأحاديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان " # ، وأما حديث معاوية: # " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل ~~مؤمنا متعمدا " # فعسى للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لانتفى وقوع ذلك في ~~أحدهما وهو القتل، لما ذكرنا من الأدلة. # وأما من مات كافرا فالنص أن الله لا يغفر له ألبتة، وأما مطالبة ~~المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين وهي لا تسقط ~~بالتوبة، ولكن لا بد من ردها إليهم ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، ~~والمغصوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها ~~لا تسقط بالتوبة، ولكنه لا بد من ردها إليهم في صحة التوبة فإن تعذر ذلك ~~فلا بد من المطالبة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع ~~المجازاة، إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم ~~يفضل له أجر يدخل به الجنة أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من ~~قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك والله أعلم. # ثم لقاتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة، فأما في الدنيا فتسلط ~~أولياء المقتول عليه، قال الله تعالى: # ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا # [الإسراء: 33] الآية، ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوا، أو يأخذوا ~~دية مغلظة - أثلاثا - ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، كما هو ~~مقرر في كتاب الأحكام، واختلف الأئمة هل تجب عليه كفارة عتق رقبة، أو ~~صيام شهرين متتابعين أو إطعام على أحد القولين كما تقدم في كفارة الخطأ ~~على قولين، فالشافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون: نعم يجب عليه، ~~لأنه إذا ms0585 وجبت عليه الكفارة في الخطأ فلأن تجب عليه في العمد أولى فطردوا ~~هذا في كفارة اليمين الغموس، وقال أصحاب الإمام أحمد وآخرون: قتل العمد ~~أعظم من أن يكفر فلا كفارة فيه وكذا اليمين الغموس، وقد احتج من ذهب إلى ~~وجوب الكفارة في قتل العمد بما رواه الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع قال: ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم فقالوا: إن صاحبا لنا قد ~~أوجب، قال: # " فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضوا منه من النار ". ### || [4.94] # روى أحمد عن ابن عباس قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم يرعى غنما له فسلم عليهم، فقالوا: لا يسلم علينا إلا ~~ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فنزلت هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا } إلى آخرها. وقال ~~البخاري عن عطاء عن ابن عباس { ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا } قال: قال ابن عباس: كان رجل في ~~غنيمة له فلحقه المسلمون فقال السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل ~~الله في ذلك: { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ~~لست مؤمنا } قال ابن عباس: عرض الدنيا تلك الغنيمة وقرأ ابن عباس ~~{ السلام } ، وقال الحافظ أبو بكر البزار عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس قال: # " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها (المقداد بن الأسود) فلما ~~أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأهوى إليه المقداد فقتله فقال له رجل من أصحابه: أقتلت ~~رجلا شهد أن لا إله إلا الله؟ والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله: ~~إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد فقال: " ادعوا لي ~~المقداد، يا مقداد أقتلت رجلا يقول لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله ~~إلا الله غدا؟ ms0586 " # قال: فأنزل الله: { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم ~~في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة ~~الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من ~~قبل فمن الله عليكم فتبينوا } ، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للمقداد: # " كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت ~~تخفي إيمانك بمكة قبل " # ، وقوله: { فعند الله مغانم كثيرة } أي خير مما رغبتم ~~فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم ~~السلام، وأظهر لكم الإيمان فتغافلتم عنه واتهمتوه بالمصانعة والتقية ~~لتبتغوا عرض الحياة الدنيا فما عند الله من الرزق الحلال خير لكم من مال ~~هذا. # وقوله تعالى: { كذلك كنتم من قبل فمن الله ~~عليكم } أي قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه ~~من قومه كما قال تعالى: # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض # [الأنفال: 26] الآية. عن سعيد بن جبير في قوله: { كذلك كنتم ~~من قبل } تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه، وهذا ~~اختيار ابن جرير، وقال ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قوله: { كذلك ~~كنتم من قبل } لم تكونوا مؤمنين، { فمن الله عليكم ~~} أي تاب عليكم فحلف أسامة لا يقتل رجلا يقول لا إله إلا الله بعد ذلك ~~الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وقوله: { ~~فتبينوا } تأكيد لما تقدم، وقوله: { إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا } قال سعيد بن جبير: هذا تهديد ووعيد. ### || [4.95-96] # قال البخاري عن البراء قال: لما نزلت { لا يستوي القاعدون ~~من المؤمنين } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها، ~~فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته، فأنزل الله { غير أولي الضرر } ~~وقال البخاري أيضا عن سهل بن سعد الساعدي: أنه رأى مروان بن الحكم في ~~المسجد قال: فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أملي علي: { لا يستوي ms0587 القاعدون من ~~المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } ، فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها ~~علي، قال يا رسول الله: والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى، ~~فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وكان فخذه على فخذي فثقلت علي ~~حتى خفت أن ترض فخذي ثم سري عنه فأنزل الله: { غير أولي ~~الضرر }. # وعن ابن عباس قال: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~غير أولي الضرر } ، عن بدر والخارجون إلى بدر، ولما نزلت غزوة ~~بدر قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله فهل لنا ~~رخصة؟ فنزلت: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير ~~أولي الضرر } وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة فهؤلاء ~~القاعدون غير أولي الضرر { وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما * درجات منه } على القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر. فقوله: { لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين } كان مطلقا فلما نزل بوحي سريع { غير أولي ~~الضرر } صار ذلك مخرجا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد من العمى ~~والعرج والمرض عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. # ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين قال ابن عباس: { غير ~~أولي الضرر } وكذا ينبغي أن يكون كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم ~~فيه قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم حبسهم العذر " # وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا ~~قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه " قالوا: وكيف يكونون معنا فيه يا رسول ~~الله؟ قال: " نعم حبسهم العذر " # قال الشاعر في هذا المعنى: # يا راحلين إلى البيت العتيق لقد # سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا # إنا أقمنا على عذر وعن قدر # ومن أقام على عذر فقد راحا # وقوله تعالى: { وكلا وعد الله الحسنى } أي الجنة ~~والجزاء الجزيل، وفيه دلالة على أن ms0588 الجهاد ليس بفرض عين بل هو فرض على ~~الكفاية، قال تعالى: { وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما } ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من ~~الدرجات، في غرف الجنات العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وأحوال الرحمة ~~والبركات، إحسانا منه وتكريما ولهذا قال: { درجات منه ~~ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما }. # وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل ~~درجتين كما بين السماء والأرض ". ### || [4.97-100] # عن ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سوادهم على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله ~~أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله: { إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم } وقال ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ~~ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، ~~فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم فأصيب بعضهم، قال المسلمون: كان أصحابنا ~~هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت { إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } الآية، قال: فكتب ~~إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية لا عذر لهم. قال: فخرجوا فلقيهم ~~المشركون فأعطوهم التقية فنزلت هذه الآية: # ومن الناس من يقول آمنا بالله # [البقرة: 8، العنكبوت: 10] الآية، قال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين ~~تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وخرجوا مع المشركين يوم بدر ~~فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ~~ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين فهو ~~ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع، وبنص هذه الآية حيث يقول تعالى: { ~~إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } ~~أي بترك الهجرة { قالوا فيم كنتم } أي لم مكثتم هاهنا وتركتم ~~الهجرة؟ { قالوا كنا مستضعفين في الأرض } أي لا نقدر ~~على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض { قالوا ألم تكن ~~أرض الله واسعة } الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه ms0589 وسلم: # " من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله ". # وقوله تعالى: { إلا المستضعفين } إلى آخر الآية، هذا عذر من ~~الله لهؤلاء في ترك الهجرة وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي ~~المشركين ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: { لا ~~يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا } قال مجاهد: يعني ~~طريقا، وقوله تعالى: { فأولئك عسى الله أن يعفو ~~عنهم } أي يتجاوز الله عنهم بترك الهجرة، و (عسى) من الله موجبة { ~~وكان الله عفوا غفورا } قال البخاري عن أبي هريرة قال: بينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده؛ ثم ~~قال قبل أن يسجد: # " اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج ~~الوليد بن الوليد اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك ~~على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف " # ، وقال البخاري عن ابن عباس: { إلا المستضعفين } قال: كنت ~~أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل. # وقوله تعالى: { ومن يهاجر في سبيل الله يجد في ~~الأرض مراغما كثيرا وسعة } وهذا تحريض على الهجرة، وترغيب ~~في مفارقة المشركين وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن ~~فيه، والمراغم مصدر تقول العرب: راغم فلان قومه مراغما ومراغمة، قال ~~النابغة ابن جعدة: # كطود يلاذ بأركانه # عزيز المراغم والمهرب # وقال ابن عباس: المراغم التحول من أرض إلى أرض، وقال مجاهد: { ~~مراغما كثيرا } يعني: متزحزحا عما يكره، والظاهر والله أعلم أنه ~~المنع الذي يتخلص به ويراغم به الأعداء، قوله: { وسعة } يعني الرزق ~~قاله غير واحد منهم قتادة حيث قال في قوله: { يجد في الأرض ~~مراغما كثيرا وسعة } أي من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى ~~الغنى. # وقوله تعالى: { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على ~~الله } أي ومن يخرج من منزله بنية الهجرة فمات في أثناء الطريق فقد ~~حصل له عند الله ثواب من هاجر كما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب قال، ~~قال رسول ms0590 الله صلى الله عليه وسلم: # " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى ~~الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو ~~امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " # ، وهذا عام في الهجرة وفي جميع الأعمال، ومنه الحديث الثابت في الصحيحين ~~في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم أكمل بذلك العابد المائة ثم سأل ~~عالما: هل له من توبة؟ فقال له: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده ~~إلى أن يتحول من بلده إلى بلد أخرى يعبد الله فيه، فلما ارتحل من بلده ~~مهاجرا إلى البلد الأخرى أدركه الموت في أثناء الطريق فاختصمت فيه ~~ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائبا، وقال هؤلاء: ~~إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب ~~فهو منها، فأمر الله هذه أن تقترب من هذه، وهذه أن تبعد فوجدوه أقرب إلى ~~الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة. # قال الإمام أحمد عن عبد الله بن عتيك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله فخر عن دابته فمات فقد وقع ~~أجره على الله، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف ~~أنفه فقد وقع أجره على الله " # وقال ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: خرج ~~(ضمرة بن جندب) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات في الطريق قبل أن ~~يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وقال الحافظ أبو يعلى ~~عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا ~~فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا في سبيل الله ~~فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة ". ### || [4.101] # يقول تعالى: { وإذا ضربتم في ms0591 الأرض } أي سافرتم في البلاد ~~كما قال تعالى: # وآخرون يضربون في الأرض # [المزمل: 20]. وقوله: { فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلاة } أي تخففوا فيها إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ~~ثنائية كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في ~~السفر على اختلافهم في ذلك فمن قائل لا بد أن يكون سفر طاعة: من جهاد، أو ~~حج، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيادة، أو غير ذلك. # ومن قائل لا يشترط سفر القربة، بل لا بد أن يكون مباحا لقوله: # فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم # [المائدة: 3] الآية، كما أباح له تناول الميتة مع الاضطرار بشرط أن لا ~~يكون عاصيا بسفره، وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة، ومن قائل: ~~يكفي مطلق السفر سواء كان مباحا أو محظورا حتى لو خرج لقطع الطريق ~~وإخافة السبيل ترخص لوجود مطلق السفر وهذا قول أبي حنيفة والثوري وداود ~~لعموم الآية وخالفهم الجمهور، وأما قوله تعالى: { إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا } فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال ~~نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، ~~بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سرية خاصة، وسائر الأحيان حرب ~~للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له ~~كقوله تعالى: # ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن ~~تحصنا # [النور: 33] وكقوله تعالى: # وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم # [النساء: 23]. # وقال الإمام أحمد عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب قلت له قوله ~~تعالى: { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } وقد أمن الناس، ~~فقال لي عمر رضي الله عنه: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك فقال: # " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " # وعن أبي حنظلة الحذاء قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان، ~~فقلت أين قوله: { إن خفتم أن يفتنكم الذين ms0592 كفروا } ~~ونحن آمنون، فقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن مردويه ~~عن أبي الوداك قال: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر فقال: هي رخصة نزلت ~~من السماء فإن شئتم فردوها. وقال أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن عباس قال: ~~صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا ~~نخاف بينهما ركعتين ركعتين. وقال البخاري عن أنس يقول خرجنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى ~~رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئا قال: أقمنا بها عشرا. # وقال البخاري عن عبد الله بن عمر قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ركعتين وأبي بكر وعمر وعثمان صدرا من إمارته ثم أتمها، وحدثنا ~~إبراهيم قال: سمعت عبد الله بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه بمعنى أربع ركعات فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ~~وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت ~~حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان. # فهذه الأحاديث دالة صريحا على أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف ولهذا ~~قال من قال من العلماء إن المراد من القصر ههنا إنما هو قصر الكيفية لا ~~الكمية وهو قول مجاهد والضحاك والسدي كما سيأتي بيانه، واعتضدوا أيضا ~~بما رواه الإمام مالك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فرضت الصلاة ~~ركعتين ركعتين في السفر والحضر فأقرت صلاة السفر؛ وزيد في صلاة الحضر، ~~قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر الثنتين فكيف يكون المراد بالقصر ~~ههنا قصر الكمية لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: { فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة } وأصرح من ذلك دلالة على هذا ~~ما رواه الإمام أحمد عن عمر رضي الله عنه قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة ~~الأضحى ركعتان، وصلاة ms0593 الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر ~~على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، زاد مسلم والنسائي عن عبد الله بن ~~عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم في ~~الحضر أربعا وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، فكما يصلي في الحضر ~~قبلها وبعدها فكذلك يصلي في السفر. فهذا ثابت عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة رضي الله عنها لأنها أخبرت أن أصل ~~الصلاة ركعتان ولكن زيد في صلاة الحضر، فلما استقر ذلك صح أن يقال: إن ~~فرض صلاة الحضر أربع كما قاله ابن عباس والله أعلم لكن اتفق حديث ابن ~~عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان وأنها تامة غير مقصورة كما هو مصرح ~~به في حديث عمر رضي الله عنه، وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله تعالى: { ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } قصر ~~الكيفية كما في صلاة الخوف، ولهذا قال: { إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا } الآية، ولهذا قال بعدها: # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة # [النساء 102] الآية، فبين المقصود من القصر ههنا وذكر صفته وكيفيته ~~ولهذا لما عقد البخاري كتاب صلاة الخوف صدره بقوله تعالى: { وإذا ~~ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلاة } ، وقال مجاهد: { فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة } يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~بعسفان والمشركون بضجنان فتوافقوا فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ~~صلاة الظهر أربع ركعات بركوعهم، وسجودهم، وقيامهم معا جميعا، فهم بهم ~~المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم. # وقال ابن جرير عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال لعبد الله ~~بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر (صلاة الخوف) ولا نجد قصر (صلاة ~~المسافر) فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملا ~~عملنا به، فقد سمى صلاة الخوف مقصورة وحمل الآية عليها لا على قصر صلاة ~~المسافر، وأقره ابن عمر على ms0594 ذلك واحتج على قصر الصلاة بفعل الشارع لا بنص ~~القرآن، وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضا عن سماك الحنفي قال: سألت ~~ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان تمام غير قصر إنما القصر في صلاة ~~المخافة فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة ثم يجيء ~~هؤلاء إلى مكان هؤلاء ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء فيصلي بهم ركعة فيكون ~~للإمام ركعتان ولكل طائفة ركعة ركعة. ### || [4.102] # صلاة الخوف أنواع كثيرة فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في ~~غير صوبها، والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة تكون ثلاثية كالمغرب، وتارة ~~تكون ثنائية كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب ~~فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ~~ورجالا وركبانا، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في ~~متن الصلاة. ومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة لحديث ابن ~~عباس المتقدم وبه قال أحمد بن حنبل، وقال إسحاق بن راهويه: أما عند ~~المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومىء بها إيماء. فإن لم تقدر فسجدة واحدة ~~لأنها ذكر الله. ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة ~~كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب الظهر والعصر فصلاهما بعد ~~الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء، وكما قال بعدها يوم بني قريظة ~~حين جهز إليهم الجيش لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة فأدركتهم ~~الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا تعجيل المسير ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها ~~فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق، وأخر آخرون منهم صلاة العصر فصلوها في ~~بني قريظة بعد الغروب ولم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من ~~الفريقين. وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف فإنها لم تكن ~~نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك. # فقوله تعالى: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } ~~أي إذا صليت ms0595 بهم إماما في صلاة الخوف وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك ~~قصرها إلى ركعة - كما دل عليه الحديث - فرادي ورجالا وركبانا مستقبلي ~~القبلة وغير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد وما ~~أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة حيث ~~اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك وأما من ~~استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~لقوله: { وإذا كنت فيهم } فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ~~ضعيف، ويرد عليه مثل قول مانعي الزكاة الذين احتجوا بقوله: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ~~وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم # [التوبة: 103] قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده صلى الله عليه وسلم إلى ~~أحد بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه، ولا ندفعها إلا إلى من صلاته أي ~~دعاؤه سكن لنا، ومع هذا رد عليهم الصحابة وأبوا عليهم هذا الاستدلال ~~وأجبروهم على أداء الزكاة وقاتلوا من منعها منهم. # ولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولا قبل ذكر صفتها. قال ابن جرير ~~عن علي رضي الله عنه قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله عز ~~وجل: # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة # [النساء: 101] ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فصلى الظهر، فقال المشركون لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ~~ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها ~~قال: فأنزل الله عز وجل بين الصلاتين # إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا # [النساء: 101] الآيتين فنزلت صلاة الخوف. # وعن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان ~~فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فقالوا: لقد كانوا ms0596 على حال لو أصبنا ~~غرتهم، ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، ~~قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر { وإذا كنت فيهم ~~فأقمت لهم الصلاة } ، قال: فحضرت فأمرهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخذوا السلاح قال: فصفنا خلفه صفين قال: ثم ركع فركعنا ~~جميعا، ثم رفع فرفعنا جميعا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف ~~الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا ~~في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ثم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ثم ركع ~~فركعوا جميعا ثم رفع فرفعوا جميعا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ~~ثم سلم عليهم، ثم انصرف قال: فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين ~~مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم. # وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال: قاتل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم محارب خصفة، فجاء رجل منهم يقال له (غورث بن الحارث) حتى قام ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ قال: " ~~الله " فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ~~ومن يمنعك مني " قال: كن خير آخذ قال: " أتشهد أن لا إله إلا الله وأني ~~رسول الله "؟ قال: لا، ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم ~~يقاتلونك فخلى سبيله، فقال: جئتكم من عند خير الناس، فلما حضرت الصلاة ~~صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فكان الناس طائفتين، طائفة ~~بإزاء العدو. وطائفة صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالطائفة ~~الذين معه ركعتين وانصرفوا فكانوا مكان الطائفة الذين كانوا بإزاء العدو ~~ثم انصرف الذين كانوا بإزاء العدو فصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ركعتين فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتين ~~ركعتين. # وأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف فمحمول عند ms0597 طائفة من العلماء على ~~الوجوب لظاهر الآية وهو أحد قولي الشافعي ويدل عليه قول الله تعالى: { ~~ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو ~~كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم } ~~أي بحيث تكونون على أهبة إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة { إن ~~الله أعد للكافرين عذابا مهينا }. ### || [4.103-104] # يأمر الله تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف وإن كان مشروعا مرغبا ~~فيه أيضا بعد غيرها ولكن هاهنا آكد، لما وقع فيها من التخفيف في ~~أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب، وغير ذلك مما ليس يوجد في ~~غيرها كما قال تعالى في الأشهر الحرام: # فلا تظلموا فيهن أنفسكم # [التوبة: 36] وإن كان هذا منهيا عنه في غيرها، ولكن فيها آكد لشدة ~~حرمتها وعظمها، ولهذا قال تعالى: { فإذا قضيتم الصلاة ~~فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم } أي في ~~سائر أحوالكم، ثم قال تعالى: { فإذا اطمأننتم فأقيموا ~~الصلاة } أي فإذا أمنتم وذهب الخوف، وحصلت الطمأنينة { فأقيموا ~~الصلاة } أي فأتموها وأقيموها كما أمرتم بحدودها، وخشوعها، وركوعها، ~~وسجودها، وجميع شئونها. وقوله تعالى: { إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا } قال ابن عباس: أي مفروضا، وقال ~~ابن مسعود: إن للصلاة وقتا كوقت الحج، وقال زيد بن أسلم: منجما كلما ~~مضى نجم جاء نجم، يعني كلما مضى وقت جاء وقت. # وقوله تعالى: { ولا تهنوا في ابتغآء القوم } أي لا ~~تضعفوا في طلب عدوكم، بل جدوا فيهم، وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد { ~~إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون } ~~أي كما يصيبكم الجراح والقتل كذلك يحصل لهم كما قال تعالى: # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله # [آل عمران: 140] ثم قال تعالى: { وترجون من الله ما لا ~~يرجون } أي أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم من الجراح والآلام، ولكن ~~أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد، كما وعدكم إياه في كتابه ~~وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وهو وعد حق، وخبر صدق، وهم لا يرجون ~~شيئا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم وأشد رغبة فيه، ms0598 وفي إقامة كلمة ~~الله وإعلائها { وكان الله عليما حكيما } أي هو أعلم وأحكم ~~فيما يقدره ويقضيه وينفذه ويمضيه من أحكامه الكونية والشرعية وهو المحمود ~~على كل حال. ### || [4.105-109] # يقول تعالى مخاطبا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: { إنآ ~~أنزلنا إليك الكتاب بالحق } أي هو حق من الله وهو ~~يتضمن الحق في خبره وطلبه، وقوله: { لتحكم بين الناس بمآ ~~أراك الله } احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان صلى الله ~~عليه وسلم له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية وبما ثبت في الصحيحين عن أم ~~سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته فخرج ~~إليهم فقال: # " ألا إنما أنا بشر وإنما أقضي بنحو مما أسمع ولعل أحدكم أن يكون ألحن ~~بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ~~فليحملها أو ليذرها " # وقال الإمام أحمد عن أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست ليس عندهما بينة، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من ~~بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا ~~فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها انتظاما في عنقه يوم ~~القيامة " فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق بينكما ~~ثم استهما، ثم ليحلل كل منكما صاحبه " ". # وقد روى ابن مردويه عن ابن عباس: أن نفرا من الأنصار غزوا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فسرقت درع لأحدهم فأظن بها رجل من ~~الأنصار فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن (طعمة بن ~~أبيرق) سرق درعي. فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل ~~برىء، وقال لنفر ms0599 من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان ~~وستوجد عنده، فانطلقوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلا فقالوا: يا ~~نبي الله إن صاحبنا بريء وإن صاحب الدرع فلان وقد أحطنا بذلك علما فاعذر ~~صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك، فقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرأه وعذره على رؤوس الناس فأنزل الله: { ~~إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما } ~~، ثم قال تعالى للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب: ~~{ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله } يعني ~~الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائنين ثم ~~قال عز وجل: # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه # [النساء: 110] الآية يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مستخفين بالكذب، ثم قال: # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا ~~فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا # [النساء: 112] يعني السارق والذين جادلوا عن السارق. # وقد روى هذه القصة الترمذي وابن جرير عن (قتادة بن النعمان) رضي الله ~~عنه قال: كان أهل بيت منا يقال لهم (بنوا أبيرق) بشر وبشير ومبشر، وكان ~~بشير رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم ينحله لبعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، وقال فلان كذا ~~وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: ~~والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الرجل الخبيث - أو كما قال الرجل - ~~وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في ~~الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان ~~الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الدرمك ابتاع الرجل منها ~~فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير فقدمت ضافطة من ~~الشام فابتاع عمي (رفاعة بن زيد) حملا من الدرمك فجعله في مشربة له، وفي ~~المشربة سلاح ms0600 ودرع وسيف، فعدي عليه من تحت البيت فنقبت المشربة وأخذ ~~الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي (رفاعة) فقال: يا ابن أخي إنه قد ~~عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا، قال ~~فتحسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه ~~الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم. قال: وكان بنوا أبيرق قالوا ~~- ونحن نسأل في الدار - والله ما نرى صاحبكم إلا (لبيد بن سهل) رجلا منا ~~له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه، وقال: أنا أسرق؟! والله ~~ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها ~~الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال ~~لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. ~~قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أهل بيت منا أهل ~~جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، ~~فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " سآمر في ذلك " # ، فلما سمع بذلك (بنو أبيرق) أتوا رجلا منهم يقال له (أسيد بن عروة) ~~فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار، فقالوا: يا رسول الله ~~إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم ~~بالسرقة من غير بينة ولا ثيب، قال قتادة: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكلمته فقال: # " عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت ~~ولا بينة " # ، قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته ~~بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان، فلم نلبث ~~أن نزل القرآن: { إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~لتحكم بين الناس بمآ أراك ms0601 الله ولا تكن ~~للخآئنين خصيما } يعني بني أبيرق { واستغفر الله } أي ~~مما قلت لقتادة { إن الله كان غفورا رحيما ولا ~~تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } إلى قوله # رحيما # [النساء: 110] أي لو استغفروا الله لغفر لهم # ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه # [النساء: 111] إلى قوله: # وإثما مبينا # [النساء: 112] قوله للبيد: # ولولا فضل الله عليك ورحمته # [النساء: 113] إلى قوله: # فسوف نؤتيه أجرا عظيما # [النساء: 114]. # فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى ~~رفاعة، فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخا قد عمي أو عشي في ~~الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولا فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هي ~~في سبيل الله فعرفت أن إسلامه كان صحيحا، فلما نزل القرآن لحق بشير ~~بالمشركين فنزل على (سلافة بنت سعد بن سمية) فأنزل الله تعالى: # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وسآءت مصيرا إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ومن يشرك ~~بالله فقد ضل ضلالا بعيدا # [النساء: 115-116] فلما نزل على سلافة بنت سعد هجاها (حسان بن ثابت) ~~بأبيات من شعر فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت به فرمته في الأبطح، ~~ثم قالت: أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير. # وقوله تعالى: { يستخفون من الناس ولا يستخفون من ~~الله } الآية، هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من ~~الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها مع أنه مطلع على سرائرهم ~~وعالم بما في ضمائرهم ولهذا قال: { وهو معهم إذ يبيتون ~~ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون ~~محيطا } تهديد لهم ووعيد، ثم قال تعالى: { ها أنتم هؤلاء ~~جادلتم عنهم في الحياة الدنيا } الآية، أي هب أن هؤلاء ~~انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدى لهم عند الحكام الذين يحكمون ~~بالظاهر وهم متعبدون بذلك، فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله ~~تعالى الذي يعلم ms0602 السر وأخفى؟ ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ يوم القيامة في ~~ترويج دعواهم؟ أي لا أحد يومئذ يكون لهم وكيلا، ولهذا قال: { أم من ~~يكون عليهم وكيلا }؟. ### || [4.110-113] # يخبر تعالى عن كرمه وجوده أن كل من تاب إليه تاب عليه من أي ذنب كان { ~~ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما } قال ابن عباس: أخبر الله ~~عباده بعفوه وحلمه وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته، فمن أذنب ذنبا صغيرا ~~كان أو كبيرا { ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما } ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال. وقال ابن ~~جرير قال عبد الله: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبا أصبح قد كتب ~~كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول منه شيئا قرضه بالمقراض، ~~فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرا، فقال عبد الله رضي الله عنه: ~~ما آتاكم الله خير مما آتاهم جعل الماء لكم طهورا، وقال تعالى: # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم # [آل عمران: 135] وقال: { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ~~ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما }. وقال ~~علي رضي الله عنه: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ~~نفعني الله فيه بما شاء أن ينفعني منه، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله لذلك ~~الذنب إلا غفر له " # وقرأ هاتين الآيتين: { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه } ~~الآية، # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم # [آل عمران: 135] الآية. # وقوله تعالى: { ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على ~~نفسه } الآية، كقوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164] الآية، يعني أنه لا يغني أحد عن أحد، وإنما على كل نفس ~~ما عملت لا يحمل عنها غيرها، ولهذا قال تعالى: { وكان الله ~~عليما حكيما } أي من علمه وحكمته، وعدله ورحمته كان ذلك، ثم ms0603 قال: { ~~ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا } ~~الآية يعني كما اتهم بنو أبيرق: بصنيعهم القبيح ذلك الرجل الصالح وهو ~~لبيد بن سهل كما تقدم في الحديث، أو زيد بن السمين اليهودي على ما قاله ~~الآخرون وقد كان بريئا وهم الظلمة الخونة كما أطلع الله على ذلك رسوله ~~صلى الله عليه وسلم؛ ثم هذا التقريع وهذا التوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن ~~اتصف بصفتهم فارتكب مثل خطيئتهم فعليه مثل عقوبتهم. وقوله: { ولولا ~~فضل الله عليك ورحمته لهمت طآئفة منهم ~~أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك ~~من شيء } وقال الإمام ابن أبي حاتم عن قتادة بن النعمان وذكر قصة بني ~~أبيرق فأنزل الله: { لهمت طآئفة منهم أن يضلوك ~~وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء } ~~يعني أسيد بن عروة وأصحابه يعني بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا ~~قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء برآء ولم يكن الأمر كما أنهوه ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا أنزل الله فصل القضية وجلاءها ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم امتن عليه بتأييده إياه في جميع ~~الأحوال؛ وعصمته له؛ وما أنزل عليه من الكتاب وهو القرآن والحكمة؛ وهي ~~السنة { وعلمك ما لم تكن تعلم } أي قبل نزول ذلك عليك ~~كقوله: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب # [الشورى: 52] إلى آخر السورة؛ وقال تعالى: # وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ~~من ربك # [القصص: 86] ولهذا قال: { وكان فضل الله عليك عظيما }. ### || [4.114-115] # يقول تعالى: { لا خير في كثير من نجواهم } يعني كلام ~~الناس { إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح ~~بين الناس } أي إلا نجوى من قال ذلك كما جاء في الحديث الذي رواه ~~ابن مردويه عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ذكر الله عز وجل؛ أو أمر بمعروف؛ ~~أو نهي عن منكر " # ، وفي الحديث: ms0604 # " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا؛ أو يقول خيرا " # ، وقال الإمام أحمد عن أبي الدرداء قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة " قالوا بلى يا ~~رسول الله قال: " إصلاح ذات البين " قال: " وفساد ذات البين هي الحالقة " # ورواه أبو داود والترمذي، { ومن يفعل ذلك ابتغآء مرضات ~~الله } أي مخلصا في ذلك محتسبا ثواب ذلك عند الله عز وجل { ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما } أي ثوابا جزيلا كثيرا واسعا. # وقوله تعالى: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى } أي ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فصار في شق، والشرع في شق وذلك عن عمد منه، بعدما ظهر له ~~الحق وتبين له واتضح له، وقوله: { ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين } هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص ~~الشارع وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية، فيما علم اتفاقهم عليه ~~تحقيقا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، تشريفا لهم ~~وتعظيما لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك. ومن العلماء من ~~ادعى تواتر معناها، والذي عول عليه الشافعي رحمه الله في الاحتجاج على ~~كون الإجماع حجة تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة بعد التروي والفكر ~~الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك ~~فاستبعد الدلالة منها على ذلك ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: { ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا } أي ~~إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له ~~استدراجا له كما قال تعالى: # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم ~~من حيث لا يعلمون # [القلم: 44]. وقال تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5] وقوله: # ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110] وجعل النار مصيره في الآخرة لأن من خرج عن الهدى لم يكن ~~له طريق إلا إلى النار يوم القيامة كما قال تعالى: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22] الآية وقال تعالى: # ورأى المجرمون ms0605 النار فظنوا أنهم مواقعوها ~~ولم يجدوا عنها مصرفا # [الكهف: 53]. ### || [4.116-122] # قد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة وهي قوله: { إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك } الآية، وذكرنا ~~ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة وقد روى الترمذي عن علي رضي ~~الله عنه أنه قال: ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية: { إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به } الآية. وقوله: { ومن ~~يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا } أي فقد سلك غير ~~الطريق الحق وضل عن الهدى وبعد عن الصواب وأهلك نفسه، وخسرها في الدنيا ~~والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة وقوله: { إن يدعون من ~~دونه إلا إناثا } ، عن عائشة قالت: أوثانا، وقال ابن جرير عن ~~الضحاك في الآية قال المشركون للملائكة: بنات الله، وإنما نعبدهم ~~ليقربونا إلى الله زلفى، قال: فاتخذوهن أربابا وصوروهن جواري فحكموا ~~وقلدوا، وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده يعنون الملائكة وهذا ~~التفسير شبيه بقول الله تعالى: # أفرأيتم اللات والعزى # [النجم: 19] وقال تعالى: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف: 19]، وقال: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158] وقال ابن عباس { إن يدعون من دونه إلا ~~إناثا } قال: يعني موتى، وقال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح، ~~إما خشبة يابسة، وإما حجر يابس، وقوله: { وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا } أي هو الذي أمرهم بذلك وحسنه وزينه لهم وهم إنما ~~يعبدون إبليس في نفس الأمر كما قال تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان # [يس: 60] الآية، وقال تعالى إخبارا عن الملائكة أنهم يقولون يوم ~~القيامة عن المشركين الذي ادعوا عبادتهم في الدنيا # بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون # [سبأ: 41] وقوله: { لعنه الله } أي طرده وأبعده من رحمته، ~~وأخرجه من جواره وقال: { لأتخذن من عبادك نصيبا ~~مفروضا } أي معينا مقدرا معلوما، قال قتادة من كل ألف تسعمائة ~~وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة { ولأضلنهم } أي عن ~~الحق { ولأمنينهم } أي أزين لهم ترك التوبة، ms0606 وأعدهم الأماني، ~~وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم. قوله: { ولأمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام } قال قتادة: يعني تشقيقها وجعلها ~~سمة، وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة { ولأمرنهم ~~فليغيرن خلق الله } قال ابن عباس: يعني بذلك خصي الدواب، ~~وقال الحسن البصري: يعني بذلك الوشم، وفي صحيح مسلم النهي عن الوشم في ~~الوجه، وفي لفظ، لعن الله من فعل ذلك. وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: ~~لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن ~~المغيرات خلق الله عز وجل، ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو في كتاب الله عز وجل يعني قوله: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. # وقال ابن عباس في رواية عنه ومجاهد والضحاك في قوله: { ولأمرنهم ~~فليغيرن خلق الله } يعني دين الله عز وجل وهذا كقوله: # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله # [الروم: 30] على قول من جعل ذلك أمرا أي لا تبدلوا فطرة الله ودعوا ~~الناس على فطرتهم كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه؛ أو يمجسانه كما ~~تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تجدون بها من جدعاء " # ؟ وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " قال الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين ~~فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم " # ثم قال تعالى: { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون ~~الله فقد خسر خسرانا مبينا } أي فقد خسر الدنيا والآخرة ~~وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها. # وقوله تعالى: { يعدهم ويمنيهم وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا } وهذا إخبار عن الواقع فإن الشيطان يعد ~~أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ~~ذلك، ولهذا قال الله تعالى: { وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا } ، كما قال تعالى مخبرا عن إبليس يوم المعاد: # وقال الشيطان لما ms0607 قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان # [إبراهيم: 22] إلى قوله: # إن الظالمين لهم عذاب أليم # [إبراهيم: 22]. وقوله: { أولئك } أي المستحسنون له فيما وعدهم ~~ومناهم { مأواهم جهنم } أي مصيرهم ومآلهم يوم القيامة { ~~ولا يجدون عنها محيصا } أي ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف، ~~ولا خلاص، ولا مناص، ثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء وما لهم من ~~الكرامة التامة فقال تعالى: # والذين آمنوا وعملوا الصالحات # [النساء: 57] أي صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات، ~~وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات # سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار # [النساء: 57] أي يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا { خالدين فيهآ ~~أبدا } أي بلا زوال ولا انتقال { وعد الله حقا } أي هذا وعد ~~من الله ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر ~~الدال على تحقيق الخبر وهو قوله { حقا } ثم قال تعالى: { ومن ~~أصدق من الله قيلا }؟ أي لا أحد أصدق منه قولا أي خبرا لا ~~إله إلا هو ولا رب سواه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ~~خطبته: # " إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ~~". ### || [4.123-126] # قال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: ~~نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال ~~المسلمون: نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على ~~الكتب التي كانت قبله فأنزل الله: { ليس بأمانيكم ولا ~~أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به } { ~~ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن } ~~الآية، ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان. وكذا ~~روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: في هذه الآية تخاصم أهل الأديان، ~~فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل ~~الإنجيل: مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: ms0608 لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل ~~كتاب؛ ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا ~~فقضى الله بينهم وقال: { ليس بأمانيكم ولا أماني ~~أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به } الآية؛ وخير بين ~~الأديان فقال: { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ~~وهو محسن } إلى قوله: { واتخذ الله إبراهيم خليلا ~~} وقال مجاهد: قالت العرب لن نبعث ولن نعذب؛ وقالت اليهود والنصارى: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111] وقالوا: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودات # [آل عمران: 24] والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني؛ ~~ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وليس كل من ادعى شيئا حصل له ~~بمجرد دعواه، ولا كل من قال إنه هو على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون ~~له من الله برهان؛ ولهذا قال تعالى: { ليس بأمانيكم ولا ~~أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به } أي ليس ~~لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني؟ بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع ما ~~شرعه على ألسنة الرسل الكرام؛ ولهذا قال بعده: { من يعمل سوءا ~~يجز به } ، كقوله: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. # وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من الصحابة، قال الإمام ~~أحمد بسنده أخبرت # " أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله كيف الفلاح بعد هذه الآية: ~~{ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به } فكل سوء عملناه جزينا به! فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ~~ألست تصيبك اللأواء "؟ قال: بلى، قال: " فهو مما تجزون به " # وروى أبو بكر بن مردويه عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت هذه الآية: { من يعمل سوءا يجز به ولا ~~يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ms0609 # " " يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي " قلت: بلى يا رسول الله قال: ~~فأقرأنيها فلا أعلم أني قد وجدت انفصاما في ظهري حتى تمطيت لها، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما لك يا أبا بكر "؟ قلت: بأبي أنت وأمي ~~يا رسول الله، وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون ~~فإنكم تجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون ~~فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة " # وقال ابن جرير: لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنما هي المصيبات في الدنيا " # (حديث آخر): قال سعيد بن منصور عن عائشة: أن رجلا تلا هذه الآية: { من ~~يعمل سوءا يجز به } فقال: إنا لنجزى بكل ما عملناه هلكنا ~~إذا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " نعم يجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه في جسده فيما يؤذيه ". # (طريق آخرى): قال ابن أبي حاتم عن عائشة قالت، # " قلت يا رسول الله إني لأعلم أشد آية في القرآن فقال: " ما هي يا ~~عائشة؟ " قلت: { من يعمل سوءا يجز به } فقال: " هو ما يصيب ~~العبد المؤمن حتى النكبة ينكبها " # وعن علي بن زيد عن ابنته أنها سألت عائشة عن هذه الآية: { من يعمل ~~سوءا يجز به } فقالت: # " ما سألني أحد عن هذه الآية منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا عائشة هذه مبايعة ~~الله للعبد مما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة حتى البضاعة فيضعها في ~~كمه فيفزع لها فيجدها في جيبه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما أن الذهب ~~يخرج من الكير " ". # (حديث آخر): قال سعيد بن منصور عن محمد بن قيس بن مخرمة: أن أبا هريرة ~~رضي الله عنه قال لما نزلت { من يعمل سوءا يجز ms0610 به } شق ذلك ~~على المسلمين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سددوا وقاربوا فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها ~~والنكبة ينكبها " # وهكذا رواه أحمد ورواه ابن جرير عن عبد الله بن إبراهيم سمعت أبا هريرة ~~يقول: لما نزلت هذه الآية: { ليس بأمانيكم ولا أماني ~~أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به } بكينا وحزنا وقلنا ~~يا رسول الله: ما أبقت هذه الأمة من شيء قال: # " أما والذي نفسي بيده إنها لكما أنزلت ولكن ابشروا وقاربوا وسددوا فإنه ~~لا يصيب أحدا منكم مصيبة في الدنيا إلا كفر الله بها من خطيئته حتى ~~الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه " # (حديث آخر): روى ابن مردويه عن ابن عباس قال: # " قيل يا رسول الله { من يعمل سوءا يجز به } قال: " نعم ~~ومن يعمل حسنة يجز بها عشرا " # فهلك من غلب واحدته عشراته. وقال ابن جرير عن الحسن { من يعمل ~~سوءا يجز به } قال: الكافر ثم قرأ: # وهل نجزي إلا الكفور # [سبأ: 17]، وقوله: { ولا يجد له من دون الله وليا ~~ولا نصيرا } قال ابن عباس: إلا أن يتوب فيتوب الله عليه رواه ابن ~~أبي حاتم. والصحيح أن ذلك عام في جميع الأعمال لما تقدم من الأحاديث وهذا ~~اختيار ابن جرير والله أعلم. # وقوله تعالى: { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن } الآية. لما ذكر الجزاء على السيئات ولأنه لا ~~بد أن يأخذ مستحقها من العبد إما في الدنيا وهو الأجود له، وإما في ~~الآخرة والعياذ بالله من ذلك؛ ونسأله العافية في الدنيا والآخرة، والصفح ~~والعفو والمسامحة، شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال ~~الصالحة من عباده، ذكرانهم وإناثهم بشرط الإيمان، وأنه سيدخلهم الجنة ولا ~~يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو النقرة التي في ظهر نواة ~~التمرة، وقد تقدم الكلام على الفتيل، وهو الخيط الذي في شق النواة، وهذا ~~النقير وهما في نواة التمرة والقطمير وهو اللفافة التي على نواة التمرة، ~~والثلاثة في القرآن. ثم ms0611 قال تعالى: { ومن أحسن دينا ممن ~~أسلم وجهه لله }؟ أي أخلص العمل لربه عز وجل. فعمل إيمانا ~~واحتسابا { وهو محسن } أي اتبع في عمله ما شرعه الله له وما أرسل ~~به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما أي ~~يكون (خالصا صوابا) والخالص أن يكون لله. والصواب أن يكون متابعا ~~للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص فمتى فقد العمل أحد هذين ~~الشرطين فسد، فمن فقد الإخلاص كان منافقا وهم الذين يراؤون الناس، ومن ~~فقد المتابعة كان ضالا جاهلا، ومتى جمعهما كان عمل المؤمنين # الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز ~~عن سيئاتهم # [الأحقاف: 16]، ولهذا قال تعالى: { واتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا } وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: # إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ~~وهذا النبي # [آل عمران: 68] الآية. وقال تعالى: # ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين # [النحل: 123] والحنيف هو المائل عن الشرك قصدا أي تاركا له عن بصيرة ~~ومقبل على الحق بكليته لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد. # وقوله تعالى: { واتخذ الله إبراهيم خليلا } وهذا من باب ~~الترغيب في اتباعه، لأنه إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به ~~العباد له فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ~~ذاك إلا لكثرة طاعته لربه كما وصفه به في قوله: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37] قال كثير من علماء السلف: أي قام بجميع ما أمر به، وفى كل ~~مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن ~~صغير، وقال تعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124] الآية، وقال تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يك من المشركين # [النحل: 120] الآية، وقال البخاري عن عمرو بن ميمون قال: إن معاذا لما ~~قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: { واتخذ الله إبراهيم ~~خليلا } فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم. وإنما سمي خليل ~~الله لشدة ms0612 محبته لربه عز وجل لما قام له به من الطاعة التي يحبها ~~ويرضاها، ولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: # " أما بعد أيها الناس فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا ~~بكر بن أبي قحافة خليلا ولكن صاحبكم خليل الله ". # وروى أبو بكر بن مردويه عن عكرمة عن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم ~~يتذاكرون فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول: عجب إن الله اتخذ من خلقه خليلا ~~فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما، وقال ~~آخر: فعيسى روح الله وكلمته، وقال آخر: آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلم ~~وقال: # " قد سمعت كلامكم وتعجبكم إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى كليمه، ~~وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، وكذلك محمد صلى الله ~~عليه وسلم قال: ألا وإني حبيب الله ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا ~~فخر، وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح الله ويدخلنيها، ومعي فقراء ~~المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر " # وهذا حديث غريب ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها. # وعن إسحاق بن يسار قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلا ألقى في قلبه ~~الوجل حتى أن خفقان قلبه ليسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير في الهواء، ~~وهكذا جاء في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يسمع لصدره أزيز ~~كأزيز المرجل إذا اشتد غليانها من البكاء وقوله: { ولله ما في ~~السموت وما في الأرض } أي الجميع ملكه وعبيده وخلقه، وهو ~~المتصرف في جميع ذلك، لا راد لما قضى، ولا معقب لما حكم، ولا يسأل عما ~~يفعل لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته وقوله: { وكان الله ~~بكل شيء محيطا } أي علمه نافذ في جميع ذلك لا تخفى عليه خافية ~~من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة ms0613 في السموات ولا في الأرض، ولا ~~أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا تخفى عليه ذرة لما تراءى للناظرين وما توارى. ### || [4.127] # روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها: { ويستفتونك في ~~النسآء قل الله يفتيكم فيهن } إلى قوله: { ~~وترغبون أن تنكحوهن } قالت عائشة: هو الرجل تكون عنده ~~اليتيمة هو وليها ووارثها فأشركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها ~~ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه ~~الآية، وقال ابن أبي حاتم عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير قالت عائشة: ~~ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، ~~فأنزل الله: { ويستفتونك في النسآء قل الله ~~يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب } الآية، ~~قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليه في الكتاب، الآية الأولى التي قال ~~الله: # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء # [النساء: 3] وبهذا الإسناد عن عائشة قالت: وقول الله عز وجل: { ~~وترغبون أن تنكحوهن } رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في ~~حجره، حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها ~~وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن. والمقصود أن ~~الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها فتارة يرغب في أن يتزوجها ~~فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى ~~غيرها من النساء فقد وسع الله عز وجل، وهذا المعنى في الآية الأولى ~~التي في أول السورة، وتارة لا يكون له فيها رغبة لدمامتها عنده أو في نفس ~~الأمر فنهاه الله عز وجل أن يعضلها عن الأزواج، خشية أن يشركوه في ~~ماله الذي بينه وبينها، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، ~~وهي قوله: { في يتامى النسآء } ، كان الرجل في الجاهلية تكون ~~عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها ~~أبدا، فإن كانت جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها، وإن ms0614 كانت دميمة منعها ~~الرجال أبدا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونهى عنه. # وقال ابن عباس: { والمستضعفين من الولدان } كانوا في ~~الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله: { لا تؤتونهن ~~ما كتب لهن } فنهى الله عن ذلك وبين لكل ذي سهم سهمه فقال: # للذكر مثل حظ الأنثيين # [النساء: 11] صغيرا أو كبيرا، وقال سعيد بن جبير: { وأن تقوموا ~~لليتامى بالقسط } كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت ~~بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال ولا جمال فأنكحها واستأثر بها. وقوله: { ~~وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما } ~~تهييجها على فعل الخيرات وامتثالا للأوامر، وأن الله عز وجل عالم ~~بجميع ذلك، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه. ### || [4.128-130] # يقول تعالى مخبرا ومشرعا من حال الزوجين تارة في حال نفور الرجل عن ~~المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها، فالحالة ~~الأولى: ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها، فلها أن ~~تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقوقها ~~عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في ~~قبوله منها، ولهذا قال تعالى: { فلا جناح عليهمآ أن ~~يصلحا بينهما صلحا }. ثم قال: { والصلح خير } أي من ~~الفراق، وقوله: { وأحضرت الأنفس الشح }: أي الصلح عند ~~المشاحة خير من الفراق، ولهذا لما كبرت (سودة بنت زمعة) عزم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على فراقها، فصالحته على أن يمسكها وتترك يومها ~~لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها على ذلك. (ذكر الرواية بذلك): عن عكرمة عن ~~ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ~~يا رسول الله: لا تطلقني واجعل يومي لعائشة، ففعل ونزلت هذه الآية: { ~~وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا ~~جناح عليهمآ } الآية. قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو ~~جائز. وفي الصحيحين عن عائشة قالت: ms0615 لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها ~~لعائشة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لها بيوم سودة. وعن عروة عن ~~عائشة، أنها قالت له يا ابن أختي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يفضل بعضا على بعض في مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا ~~فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ~~ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت، وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يا رسول الله يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. قالت عائشة، ففي ذلك أنزل الله: { وإن امرأة خافت ~~من بعلها نشوزا أو إعراضا }. # وروى ابن جرير عن عائشة: { وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهمآ أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح خير } قالت: هذا في المرأة تكون عند ~~الرجل، فلعله لا يكون بمستكثر منها، ولا يكون لها ولد، ويكون لها صحبة ~~فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني، وفي رواية أخرى عن عائشة: هو الرجل ~~له المرأتان إحداهما قد كبرت والأخرى دميمة وهو لا يستكثر منها فتقول: لا ~~تطلقني وأنت في حل من شأني. وعن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى عمر ابن ~~الخطاب فسأله عن آية فكرهه فضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية: { ~~وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا } ثم ~~قال مثل هذا فاسألوا: ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها ~~فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. # وقال ابن أبي حاتم عن خالد بن عرعرة قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ~~فسأله عن قول الله عز وجل: { وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهمآ } قال علي: يكون ~~الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها من دمامتها، أو كبرها، أو سوء خلقها، ~~أو قذذها فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا ms0616 حل له، وإن جعلت له من ~~أيامها فلا حرج. # وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وسليمان ~~بن يسار: أن السنة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز الرجل ~~وإعراضه عن امرأته في قوله: { وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو إعراضا } إلى تمام الآيتين، أن المرء إذا نشز عن ~~امرأته وآثر عليها، فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها أو تستقر عنده ~~على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه، صلح له ذلك وكان صلحها ~~عليه، كذلك ذكر (سعيد بن المسيب) و (سليمان) الصلح الذي قال الله عز ~~وجل: { فلا جناح عليهمآ أن يصلحا بينهما صلحا ~~والصلح خير } وقد ذكر لي أن رافع بن خديج الأنصاري - وكان من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - كانت عنده امرأة حتى إذا كبرت تزوج ~~عليها فتاة شابة وآثر عليها الشابة، فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة، ثم ~~أمهلها حتى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر عليها الشابة فناشدته ~~الطلاق، فقال لها: ما شئت إنما بقيت لك تطليقة واحدة، فإن شئت استقررت ~~على ما ترين من الأثرة وإن شئت فارقتك، فقالت: لا بل أستقر على الأثرة، ~~فأمسكها على ذلك فكان ذلك صلحهما، ولم ير رافع عليه إثما حين رضيت أن ~~تستقر عنده على الأثرة فيما آثر به عليها. # وقوله تعالى: { والصلح خير } قال ابن عباس: يعني التخيير، وهذه ~~هي الحالة الثانية: أن يخير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي ~~الزوج على أثرة غيرها عليها، والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض ~~حقها للزوج وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النبي صلى ~~الله عليه وسلم (سودة بنت زمعة) على أن تركت يومها لعائشة رضي الله عنها، ~~ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في ~~مشروعية ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه عليه الصلاة والسلام، ولما كان ~~الوفاق أحب إلى الله من الفراق قال: { والصلح خير } ، بل ms0617 الطلاق ~~بغيض إليه سبحانه وتعالى، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ~~ماجه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". # وقوله تعالى: { وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا } ، وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون ~~منهن، وتقسموا لهن أسوة أمثالهن فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك ~~أوفر الجزاء، وقوله تعالى: { ولن تستطيعوا أن تعدلوا ~~بين النسآء ولو حرصتم } أي لن تستطيعوا أيها الناس أن ~~تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة ~~فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع كما قاله ابن عباس ومجاهد ~~والضحاك. وجاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن عبد الله ~~بن يزيد عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين ~~نسائه فيعدل، ثم يقول: # " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " # ، يعني القلب. وقوله: { فلا تميلوا كل الميل } أي فإذا ~~ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية { فتذروها ~~كالمعلقة } أي فتبقى هذه الأخرى معلقة، قال ابن عباس وآخرون: ~~معناه لا ذات زوج ولا مطلقة؛ وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط ~~". # وقوله تعالى: { وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان ~~غفورا رحيما } أي وإن أصلحتم في أموركم، وقسمتم بالعدل فيما ~~تملكون، واتقيتم الله في جميع الأحوال غفر الله لكم ما كان من ميل إلى ~~بعض النساء دون بعض، ثم قال تعالى: { وإن يتفرقا يغن الله ~~كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما } وهذه هي ~~الحالة الثالثة: وهي حالة الفراق: وقد أخبر الله تعالى أنهما إذا تفرقا ~~فإن الله يغنيه عنها ويغنيها عنه، بأن يعوضه الله من هو خير له منها ~~ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه، { وكان الله واسعا حكيما } ~~أي واسع الفضل ms0618 عظيم المن حكيما في جميع أفعاله وأقداره وشرعه. ### || [4.131-134] # يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأنه الحاكم فيهما ولهذا قال: { ~~ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم } أي وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى الله عز وجل ~~بعبادته وحده لا شريك له، ثم قال: { وإن تكفروا فإن لله ~~ما في السموت وما في الأرض } الآية، كما قال تعالى ~~إخبارا عن موسى أنه قال لقومه: # إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله ~~لغني حميد # [إبراهيم: 8]، وقال: # فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني ~~حميد # [التغابن: 6] أي غني عن عباده، { حميد } أي محمود في جميع ما يقدره ~~ويشرعه، وقوله: { ولله ما في السموت وما في الأرض ~~وكفى بالله وكيلا } أي هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب ~~الشهيد على كل شيء، وقوله: { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ~~ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا } أي هو ~~قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، كما قال: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # [محمد: 38] قال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره!! ~~وقال تعالى: # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك ~~على الله بعزيز # [فاطر: 16-17] أي وما هو عليه بممتنع. # وقوله تعالى: { من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ~~ثواب الدنيا والآخرة } أي يا من ليس له همة إلا الدنيا أعلم ~~أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك ~~وأقناك، كما قال تعالى: # فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له ~~في الآخرة من خلاق # [البقرة: 200]. وقال تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه # [الشورى: 20] الآية، وقال تعالى: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد # [الإسراء: 18] الآية. وقوله: { فعند الله ثواب الدنيا ~~والآخرة } ظاهر في حصول الخير في الدنيا والآخرة، أي بيده هذا وهذا، ~~فلا يقتصرن قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل ~~المطالب ms0619 العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر ~~والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة بين ~~الناس في الدنيا والآخرة، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا، وممن ~~يستحق هذا، ولهذا قال: { وكان الله سميعا بصيرا }. ### || [4.135] # يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط أي بالعدل فلا ~~يعدلوا عنه يمينا ولا شمالا، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم ~~عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه. وقوله: { ~~شهدآء لله } كما قال: # وأقيموا الشهادة لله # [الطلاق: 2] أي أدوها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقا، ~~خالية من التحريف والتبديل والكتمان، ولهذا قال: { ولو على ~~أنفسكم } أي اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر فقل ~~الحق فيه ولو عادت مضرته عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجا ومخرجا ~~من كل أمر يضيق عليه، وقوله: { أو الوالدين والأقربين } أي ~~وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها، بل اشهد الحق وإن ~~عاد ضررها عليهم فإن الحق حاكم على كل أحد، وقوله: { إن يكن غنيا ~~أو فقيرا فالله أولى بهما } أي لا ترعاه لغناه ولا تشفق ~~عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما. ~~وقوله: { فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } أي فلا يحملنكم ~~الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشئونكم، بل ~~الزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى: # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8]، ومن هذا قول (عبد الله بن رواحة) لما بعثه النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم ~~فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم ~~من القردة والخنازير وما يحملني حبي إياه، وبغضي لكم على أن لا أعدل ~~فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. # وقوله تعالى: { وإن تلووا أو ms0620 تعرضوا } ، قال مجاهد: تلوا ~~أي تحرفوا الشهادة وتغيروها، واللي: هو التحريف وتعمد الكذب. قال تعالى: # وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب # [آل عمران: 78] الآية، والإعراض: هو كتمان الشهادة وتركها قال تعالى: # ومن يكتمها فإنه آثم قلبه # [البقرة: 283]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها " # ، ولهذا توعدهم الله بقوله: { فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } أي وسيجازيكم بذلك. ### || [4.136] # يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ~~ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره ~~وتثبيته والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6] أي بصرنا وزدنا هدى، وثبتنا عليه، فأمرهم بالإيمان به ~~وبرسوله، كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله # [الحديد: 28]، وقوله: { والكتاب الذي نزل على رسوله ~~} يعني القرآن { والكتاب الذي أنزل من قبل } وهذا جنس ~~يشمل جميع الكتب المتقدمة، وقال في القرآن { نزل } لأنه نزل مفرقا ~~منجما على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم، وأما ~~الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة، لهذا قال تعالى: { والكتاب ~~الذي أنزل من قبل } ، ثم قال تعالى: { ومن يكفر ~~بالله وملآئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~فقد ضل ضلالا بعيدا } ، أي فقد خرج عن طريق الهدى، وبعد عن ~~القصد كل البعد. ### || [4.137-140] # يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع فيه، ثم عاد فيه، ثم رجع واستمر ~~على ضلاله وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا ~~يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: { ~~لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا } ~~قال ابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله تعالى: { ثم ازدادوا ~~كفرا } قال: تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وعن علي رضي الله عنه أنه ~~قال: يستتاب المرتد ثلاثا، ثم تلا هذه الآية: { إن الذين ~~آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ~~ازدادوا كفرا لم ms0621 يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم سبيلا } ، ثم قال: { بشر المنافقين بأن ~~لهم عذابا أليما } ، يعني أن المنافقين من هذه الصفة فإنهم ~~آمنوا ثم كفروا، فطبع على قلوبهم، ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء ~~من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون إليهم ~~بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم # إنا معكم إنما نحن مستهزئون # [البقرة: 14] أي بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة قال الله تعالى ~~منكرا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين { أيبتغون عندهم ~~العزة }؟ ثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها له وحده لا شريك له ~~ولمن جعلها له كما قال تعالى في الآية الأخرى: # من كان يريد العزة فلله العزة جميعا # [فاطر: 10] وقال تعالى: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن ~~المنافقين لا يعلمون # [المنافقون: 8]، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله، ~~والإقبال على عبوديته والانتظام في جملة عباده المؤمنين، الذين لهم ~~النصرة في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. # وقوله تعالى: { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا ~~سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا ~~تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم ~~إذا مثلهم } ، أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ~~ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص ~~بها، وأقررتموهم على ذلك فقد شاركتموهم في الذي هم فيه. فلهذا قال تعالى: ~~{ إنكم إذا مثلهم } في المأثم كما جاء في الحديث: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر ~~" # ، والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك، هو قوله تعالى في سورة ~~الأنعام وهي مكية: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم # [الأنعام: 68] الآية. قال مقاتل بن حيان: نسخت هذه الآية التي في ~~سورة الأنعام، يعني نسخ قوله: { إنكم إذا مثلهم } ، لقوله: # وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ~~ولكن ذكرى لعلهم يتقون # [الأنعام: 69]، وقوله: { إن الله جامع المنافقين ~~والكافرين في جهنم جميعا } ، أي كما أشركوهم في الكفر، ~~كذلك يشارك ms0622 الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدا، ويجمع بينهم في دار ~~العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشراب الحميم والغسلين. ### || [4.141] # يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ~~ينتظرون زوال دولتهم وظهور الكفرة عليهم وذهاب ملتهم، { فإن كان ~~لكم فتح من الله } أي نصر وتأييد وظفر وغنيمة: { قالوا ~~ألم نكن معكم }؟ أي يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة، { ~~وإن كان للكافرين نصيب }: أي إدالة على المؤمنين في بعض ~~الأحيان كما وقع يوم أحد، فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة، { ~~قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من ~~المؤمنين }؟ أي ساعدناكم في الباطن وما ألوناهم خبالا وتخذيلا ~~حتى انتصرتم عليهم، وقال السدي: نستحوذ عليكم: نغلب عليكم، كقوله: # استحوذ عليهم الشيطان # [المجادلة: 19]، وهذا أيضا تودد منهم إليهم، فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء ~~وهؤلاء ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم وقلة ~~إيقانهم. قال تعالى: { فالله يحكم بينكم يوم ~~القيامة } أي بما يعلمه منكم أيها المنافقون من البواطن الرديئة، ~~فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرا في الحياة الدنيا، لما ~~له في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم، بل هو يوم تبلى ~~فيه السرائر ويحصل ما في الصدور. # وقوله تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا }. جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: كيف هذه ~~الآية: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين ~~سبيلا }؟ فقال علي رضي الله عنه: ادنه ادنه { فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين ~~على المؤمنين سبيلا } قال ذاك يوم القيامة، وكذا روى السدي: ~~يعني يوم القيامة، وقال السدي { سبيلا } أي حجة، ويحتمل أن يكون ~~المعنى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا أي في الدنيا، بأن ~~يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان ~~على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا # [غافر: 51] الآية، وعلى هذا يكون ردا على المنافقين فيما أملوه ورجوه ~~وانتظروه من زوال ms0623 دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين خوفا ~~على أنفسهم منهم، إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: # فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم # [المائدة: 52] إلى قوله: # نادمين # [المائدة: 52]، وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية الكريمة على أصح ~~قولي العلماء وهو المنع من بيع (العبد المسلم) للكافرين لما في صحة ~~ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال، ومن قال منهم بالصحة يأمره بإزالة ~~ملكه عنه في الحال، لقوله تعالى: { ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا }. ### || [4.142-143] # قد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: # يخادعون الله والذين آمنوا # [الآية: 9]، وقال ههنا: { إن المنافقين يخادعون الله ~~وهو خادعهم } ولا شك أن الله لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر ~~والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم، يعتقدون أن أمرهم - ~~كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرا - فكذلك يكون حكمهم ~~عند الله يوم القيامة، وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم ~~يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ~~ذلك نافع لهم عنده، كما قال تعالى: # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما ~~يحلفون لكم # [المجادلة: 18] الآية، وقوله: { وهو خادعهم } أي هو الذي ~~يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا، ~~وكذلك يوم القيامة، كما قال تعالى: # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم # [الحديد: 13] إلى قوله: # وبئس المصير # [الحديد: 15]، وقد ورد في الحديث: # " من سمع سمع الله به، ومن رايا رايا الله به " # ، وفي الحديث الآخر: # " إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس ويعدل به إلى النار " # عياذا بالله من ذلك. # وقوله تعالى: { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~} الآية، هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي ~~(الصلاة) إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها ~~ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها كما روى ابن مردويه عن ~~ابن عباس قال: يكره أن يقوم الرجل إلى ms0624 الصلاة وهو كسلان ولكن يقوم إليها ~~طلق الوجه، عظيم الرغبة شديد الفرح، فإنه يناجي الله، وإن الله تجاهه ~~يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو هذه الآية: { وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى } ، فقوله تعالى: { وإذا قاموا ~~إلى الصلاة قاموا كسالى } هذه صفة ظواهرهم كما قال: # ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى # [التوبة: 54]، ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: { يرآءون ~~الناس } أي لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس ~~تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون فيها ~~غالبا ك (صلاة العشاء) في وقت العتمة، و(صلاة الصبح) في وقت الغلس، كما ~~ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما ~~فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا ~~فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال ومعهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون ~~الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار " # وفي رواية: # " والذي نفسي بيده لو علم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين ~~حسنتين لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم ~~بيوتهم بالنار " # وقال الحافظ أبو يعلى عن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة ~~استهان بها ربه عز وجل " # ؛ وقوله: { ولا يذكرون الله إلا قليلا } أي في صلاتهم ~~لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد ~~بهم من الخير معرضون. وقد روى الإمام مالك عن أنس بن مالك قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب ~~الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها ~~إلا قليلا ". # وقوله تعالى: { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ~~ولا إلى هؤلاء } يعني المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر فلا ms0625 ~~هم مع المؤمنين ظاهرا وباطنا ولا مع الكافرين ظاهرا وباطنا، بل ~~ظواهرهم مع المؤمنين وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك فتارة ~~يميل إلى هؤلاء وتارة يميل إلى أولئك، # كلما أضآء لهم مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم ~~قاموا # [البقرة: 20]، وقال مجاهد { مذبذبين بين ذلك لا إلى ~~هؤلاء } يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، { ولا إلى ~~هؤلاء } يعني اليهود، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين ". # وقال ابن جرير عن قتادة { مذبذبين بين ذلك لا إلى ~~هؤلاء ولا إلى هؤلاء } يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا ~~مشركين مصرحين بالشرك، قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يضرب مثلا للمؤمن وللمنافق وللكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر فوقع ~~المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر: ~~أن هلم إلي فإني أخشى عليك، وناداه المؤمن: أن هلم إلي فإن عندي وعندي ~~يحصي له ما عنده، فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى عليه الماء ~~فغرقه، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك، ~~قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " مثل المنافق كمثل ثاغية بين غنمين رأت غنما على نشز فأتتها وشامتها ~~فلم تعرف، ثم رأت غنما على نشز فأتتها فشامتها فلم تعرف " # ، ولهذا قال تعالى: { ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا } أي ومن صرفه عن طريق الهدى # فلن تجد له وليا مرشدا # [الكهف: 17]، فإنه # من يضلل الله فلا هادي له # [الأعراف: 186]، والمنافقون الذين أضلهم عن سبيل النجاة فلا هادي لهم، ~~ولا منقذ لهم مما هم فيه، فإنه تعالى لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون. ### || [4.144-147] # ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم، ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، ~~وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين # [آل ms0626 عمران: 28]. ولهذا قال ههنا: { أتريدون أن تجعلوا ~~لله عليكم سلطانا مبينا }؟ أي حجة عليكم في عقوبته ~~إياكم، قال ابن أبي حاتم عن ابن عباس قوله: { سلطانا مبينا } ~~قال: كل سلطان في القرآن حجة، وهذا إسناد صحيح، ثم أخبر تعالى: { إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار } أي يوم ~~القيامة جزاء على كفرهم الغليظ، قال ابن عباس: أي في أسفل النار، وقال ~~غيره النار (دركات) كما أن الجنة (درجات) وقال سفيان الثوري { إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار } قال: في ~~توابيت ترتج عليهم. # وعن أبي هريرة قال { الدرك الأسفل }: بيوت لها أبواب تطبق عليهم ~~فتوقد من تحتهم ومن فوقهم، قال ابن جرير عن عبد الله بن مسعود { إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار } قال: في ~~توابيت من نار تطبق عليهم أي مغلقة مقفلة، { ولن تجد لهم ~~نصيرا } أي ينقذهم مما هم فيه ويخرجهم من أليم العذاب، ثم أخبر تعالى ~~أن من تاب منهم في الدنيا تاب عليه وقبل ندمه إذا أخلص في توبته وأصلح ~~عمله، واعتصم بربه في جميع أمره، فقال تعالى: { إلا الذين ~~تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا ~~دينهم لله } أي بدلوا الرياء بالإخلاص، فينفعهم العمل الصالح وإن ~~قل. قال ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " أخلص دينك يكفك القليل من العمل " # { فأولئك مع المؤمنين } أي في زمرتهم يوم القيامة { ~~وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما } ، ثم قال ~~تعالى مخبرا عن غناه عما سواه وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم { ما ~~يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم }؟ أي أصلحتم ~~العمل وآمنتم بالله ورسوله، { وكان الله شاكرا عليما } أي من ~~شكر شكر له، ومن آمن قلبه به علمه وجازاه على ذلك أوفر الجزاء. ### || [4.148-149] # قال ابن عباس في الآية يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن ~~يكون مظلوما، فإنه قد أرخص له يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: { إلا ~~من ظلم } ، وإن صبر فهو خير له، وقال ms0627 الحسن البصري: لا يدع عليه، ~~وليقل: اللهم أعني عليه واستخرج حقي منه، وفي رواية عنه قال: قد أرخص له ~~أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه، وقال عبد الكريم الجزري في ~~هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه ~~لقوله: # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل # [الشورى: 41]، وقال أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " المستبان ما قالا فعلى البادىء منهما ما لم يعتد المظلوم " # وعن مجاهد { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ~~إلا من ظلم } قال، قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته ~~فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن. وقد روى الجماعة سوى النسائي ~~والترمذي عن عقبة بن عامر قال، قلنا: يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم ~~فلا يقرونا، فما ترى في ذلك؟ # " فقال: إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا منهم، وإن ~~لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم " # ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أيما مسلم ضاف قوما فأصبح الضيف محروما فإن حقا على كل مسلم نصره ~~حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله " # تفرد به أحمد. # ومن هذه الأحاديث وأمثالها ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة، ومن هذا ~~القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة، أن رجلا ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " إن لي جارا يؤذيني، فقال له: " أخرج متاعك فضعه على الطريق " ، فأخذ ~~الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فكل من مر به قال: مالك؟ قال جاري يؤذيني، ~~فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه قال، فقال الرجل: ارجع إلى منزلك والله ~~لا أوذيك أبدا " # وقوله: { إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن ~~سوء فإن الله كان عفوا قديرا } ، أي إن أظهرتم أيها ~~الناس خيرا أو أخفيتموه أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم ~~عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى ms0628 أن يعفو عن عباده مع ~~قدرته على عقابهم، ولهذا قال: { فإن الله كان عفوا قديرا ~~} ، ولهذا ورد في الأثر أن حملة العرش يسبحون الله فيقول بعضهم: سبحانك ~~على حلمك بعد علمك، ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك، وفي الحديث ~~الصحيح: # " ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله ~~رفعه ". ### || [4.150-152] # يتوعد تبارك وتعالى الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى، حيث فرقوا ~~بين الله ورسله في الإيمان فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، بمجرد ~~التشهي والعادة وما ألفوا عليه آباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه ~~لا سبيل لهم إلى ذلك، بل بمجرد الهوى والعصبية، فاليهود عليهم لعائن الله ~~آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا ~~بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد صلى الله عليه وسلم، والمقصود أن ~~من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل ~~نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي ~~تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانا شرعيا، إنما هو عن ~~غرض وهوى وعصبية، ولهذا قال تعالى: { إن الذين يكفرون ~~بالله ورسله } فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله { ويريدون ~~أن يفرقوا بين الله ورسله } أي في الإيمان، { ~~ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا } أي طريقا ومسلكا، ثم أخبر تعالى ~~عنهم فقال: { أولئك هم الكافرون حقا } أي كفرهم محقق لا ~~محالة بمن ادعوا الإيمان به لأنه ليس شرعيا، إذ لو كانوا مؤمنين به ~~لكونه رسول الله لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانا منه، ~~أو نظروا حق النظر في نبوته. # وقوله تعالى: { وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } أي ~~كما استهانوا بمن كفروا به إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله ~~وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة إليه، وإما ~~بكفرهم به بعد علمهم بنبوته كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان ~~رسول الله صلى ms0629 الله عليه وسلم، حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة ~~العظيمة، وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي ~~الموصول بالذل الأخروي، # وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءو بغضب ~~من الله # [البقرة: 61] في الدنيا والآخرة، وقوله: { والذين آمنوا ~~بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم } ~~يعني بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله ~~الله وبكل نبي بعثه الله، كما قال تعالى: # ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله # [البقرة: 285] الآية، ثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل ~~والثواب الجليل والعطاء الجميل، فقال: { أولئك سوف يؤتيهم ~~أجورهم } على ما آمنوا بالله ورسله، { وكان الله غفورا ~~رحيما } أي لذنوبهم، أي إن كان لبعضهم ذنوب. ### || [4.153-154] # قال السدي وقتادة: سأل اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل ~~عليهم كتابا من السماء كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة وقال ابن جريج: ~~سألوه أن ينزل عليهم صحفا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه ~~فيما جاءهم به، وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر ~~والإلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك كما هو مذكور في سورة ~~الإسراء: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # [الآية: 90] الآيات، ولهذا قال تعالى: { فقد سألوا موسى ~~أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ~~فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } ، أي بطغيانهم وبغيهم، ~~وعتوهم وعنادهم وهذا مفسر في سورة البقرة حيث يقول تعالى: # وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون # [البقرة: 55]، وقوله تعالى: { ثم اتخذوا العجل من بعد ~~ما جآءتهم البينات } أي من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة ~~والأدلة القاهرة على يد موسى عليه السلام في بلاد مصر، وما كان من إهلاك ~~عدوهم فرعون وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيرا حتى أتوا على ~~قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138]. # ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل ms0630 مبسوطة في سورة (الأعراف) وفي سورة (طه) ~~بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله عز وجل، ثم لما رجع وكان ما كان، جعل ~~الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من ~~عبده فجعل يقتل بعضهم بعضا، ثم أحياهم الله عز وجل، وقال الله ~~تعالى: { فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا ~~مبينا } ، ثم قال: { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ~~} ، وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة وظهر منهم إباء عما ~~جاءهم به موسى عليه السلام رفع الله على رؤوسهم جبلا، ثم ألزموا ~~فالتزموا وسجدوا وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما ~~قال تعالى: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا ~~أنه واقع بهم خذوا مآ ءاتينكم بقوة # [الأعراف: 171]، الآية { وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا ~~} أي فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب ~~(بيت المقدس) سجدا وهم يقولون حطة، أي " اللهم حط عنا ذنوبنا " في تركنا ~~الجهاد ونكولنا عنه حتى تهنا في التيه أربعين سنة، فدخلوا يزحفون على ~~أستاههم، وهم يقولون حنطة في شعرة { وقلنا لهم لا تعدوا في ~~السبت } أي وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم ما دام ~~مشروعا لهم، { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } أي شديدا ~~فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما حرم الله عز وجل، كما هو مبسوط ~~في سورة الأعراف عند قوله: # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر # [الأعراف: 163] الآيات، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في سورة سبحان عند ~~قوله: # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات # [الإسراء: 101]، وفيه " وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت ". ### || [4.155-159] # وهذا من الذنوب التي ارتكبوها مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن ~~الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم { وكفرهم ~~بآيات الله } أي حججه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على يد ~~الأنبياء عليهم السلام، قوله: { وقتلهم الأنبيآء بغير ~~حق } وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جما ~~غفيرا من الأنبياء عليهم السلام { وقولهم قلوبنا غلف } ، ~~قال ms0631 ابن عباس: أي في غطاء، وهذا كقول المشركين: # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه # [فصلت: 5] الآية، وقيل: معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم أي أوعية ~~للعلم قد حوته وحصلته، قال الله تعالى: { بل طبع الله عليها ~~بكفرهم } ، فعلى القول الأول: كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا ~~تعي ما يقول لأنها في غلف وفي أكنة، قال الله بل هي مطبوع عليها بكفرهم، ~~وعلى القول الثاني: عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على ~~مثل هذا في سورة البقرة. { فلا يؤمنون إلا قليلا } أي تمرنت ~~قلوبهم على الكفر والطغيان، وقلة الإيمان { وبكفرهم وقولهم ~~على مريم بهتانا عظيما } قال ابن عباس: يعني أنهم رموها ~~بالزنا. قال السدي: والظاهر من الآية أنهم رموها وابنها بالعظائم، ~~فجعلوها زانية وقد حملت بولدها من ذلك. زاد بعضهم وهي حائض، فعليهم لعائن ~~الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وقوله: { إنا قتلنا المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله } أي هذا الذي يدعي لنفسه هذا ~~المنصب قتلناه وهذا منهم من باب (التهكم والاستهزاء) كقول المشركين: # يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر: 6]. # وكان من خبر اليهود عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما بعث ~~الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله تعالى من ~~النبوة والمعجزات الباهرات، التي كان يبرىء بها الأكمه والأبرص ويحيي ~~الموتى بإذن الله ويصور من الطين طائرا ثم ينفخ فيه فيكون طائرا يشاهد ~~طيرانه بإذن الله عز وجل، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله ~~بها وأجراها على يديه ومع هذا كذبوه وخالفوه، وسعوا في أذاه بكل ما ~~أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى عليه السلام لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر ~~السياحة هو وأمه عليهما السلام، ثم لم يقنعهم - ذلك حتى سعوا إلى ملك ~~دمشق في ذلك الزمان وكان رجلا مشركا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ~~ملته اليونان، وأنهوا إليه أن في بيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم ~~ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك ms0632 من هذا وكتب إلى نائبه بالمقدس أن ~~يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه ويكف أذاه عن ~~الناس، فلما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك وذهب هو وطائفة من ~~اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى عليه السلام وهو في جماعة من أصحابه ~~اثني عشر أو ثلاثة عشر وقيل سبعة عشر نفرا - وكان ذلك يوم الجمعة بعد ~~العصر ليلة السبت - فحصروه هنالك، فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم ~~عليه أو خروجه إليهم، قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في ~~الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية ~~وثالثة، وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب، فقال: أنت هو! وألقى الله عليه ~~شبه عيسى حتى كأنه هو، وفتحت روزنة من سقف البيت وأخذت عيسى عليه السلام ~~سنة من النوم فرفع إلى السماء وهو كذلك كما قال الله تعالى: # إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي # [آل عمران: 55] الآية، فلما رفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك ~~الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه، ~~وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى ~~ذلك، لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا ~~رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا - كما ظن اليهود - أن المصلوب هو المسيح ~~ابن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال إنه ~~خاطبها والله أعلم، وهذا كله من امتحان الله عباده لما له في ذلك من ~~الحكمة البالغة، وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن ~~العظيم الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل ~~الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق القائلين: { وما قتلوه وما ~~صلبوه ولكن شبه لهم } أي رأوا شبهه فظنوه إياه ولهذا ~~قال: { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما ~~لهم به من علم إلا اتباع الظن } يعني ذلك من ادعى ~~أنه قتله من اليهود ومن ms0633 سلمه إليهم من جهال النصارى كلهم في شك من ذلك ~~وحيرة وضلال. ولهذا قال: { وما قتلوه يقينا } أي وما قتلوه ~~متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين { بل رفعه الله إليه ~~وكان الله عزيزا } أي منيع الجناب لا يرام جنابه ولا يضام من ~~لاذ ببابه، { حكيما } أي في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي ~~يخلقها، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم. # روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى ~~السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين، فخرج ~~عليهم ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن ~~آمن بي، قال، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في ~~درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنا، فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام ذلك ~~الشاب، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: أنا، فقال: هو أنت ~~ذاك، فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، قال: ~~وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبه فقتلوه، ثم صلبوه، فكفر به بعضهم ~~اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة: كان الله ~~فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء (اليعقوبية) وقالت فرقة: كان فينا ~~ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء (النسطورية) وقالت فرقة: كان ~~فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء (المسلمون) ~~فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى يبعث ~~الله محمدا صلى الله عليه وسلم. # وروى ابن جرير عن ابن إسحاق: قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى ~~عيسى ليقتله رجلا منهم يقال له (داود)، فلما أجمعوا لذلك منه لم يفظع ~~عبد من عباد الله بالموت - فيما ذكر لي - فظعه، ولم يجزع منه جزعه ولم ~~يدع في صرفه عنه دعاءه، حتى إنه ليقول فيما يزعمون: اللهم إن كنت صارفا ~~هذه الكأس عن ms0634 أحد من خلقك فاصرفها عني، وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد ~~دما، فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه ~~وهم ثلاثة عشر بعيسى عليه السلام، فلما أيقن أنهم داخلون عليه، قال ~~لأصحابه من الحواريين - وكانوا اثني عشر رجلا سوى عيسى عليه السلام ~~جحدته النصارى، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى وكفروا بما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم من الخبر. # قال ابن إسحاق: وحدثني رجل كان نصرانيا فأسلم، أن عيسى حين جاءه من ~~الله إني رافعك إلي، قال: يا معشر الحواريين أيكم يحب أن يكون رفيقي في ~~الجنة حتى يشبه للقوم في صورتي فيقتلوه في مكاني؟ فقال (سرجس): أنا يا ~~روح الله، قال: فاجلس في مجلسي فجلس فيه، ورفع عيسى عليه السلام، فدخلوا ~~عليه فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه وشبه لهم به، وكانت عدتهم حين ~~دخلوا مع عيسى معلومة، قد رأوهم فأحصوا عدتهم، فلما دخلوا عليهم ليأخذوه ~~وجدوا عيسى وأصحابه فيما يرون وفقدوا رجلا من العدة، فهو الذي اختلفوا ~~فيه، وكانوا لا يعرفون عيسى جعلوا ل (ليودس ركريا يوطا) ثلاثين درهما ~~على أن يدلهم عليه ويعرفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه فإني سأقبله، ~~وهو الذي أقبل فخذوه، فلما دخلوا وقد رفع عيسى ورأى سرجس في صورة عيسى ~~فلم يشك أنه هو، فأكب عليه فقبله، فأخذوه فصلبوه، ثم أن (ليودس ركريا ~~يوطا) ندم على ما صنع، فاختنق بحبل حتى قتل نفسه وهو ملعون من النصارى، ~~وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النصارى يزعم أنه (ليودس ركريا ~~يوطا) وهو الذي شبه لهم فصلبوه، وهو يقول: إني لست بصاحبكم، أنا الذي ~~دللتكم عليه والله أعلم أي ذلك كان. # وقال ابن جرير عن مجاهد: صلبوا رجلا شبه بعيسى ورفع الله عز وجل ~~عيسى إلى السماء حيا، واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع ~~أصحابه. # وقوله تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن ~~به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ~~} قال ابن جرير: ms0635 اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم معنى ذلك: { ~~وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته } يعني قبل موت عيسى، يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل ~~لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة (الإسلام الحنيفية) دين ~~إبراهيم عليه السلام. عن ابن عباس { وإن من أهل الكتاب ~~إلا ليؤمنن به قبل موته } قال: قبل موت عيسى ابن مريم ~~عليه السلام، وقال أبو مالك في قوله: { إلا ليؤمنن به قبل ~~موته } قال: ذلك عند نزول عيسى وقبل موت عيسى ابن مريم عليه السلام ~~لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به وقال الحسن: قبل موت عيسى والله ~~إنه لحي الآن عند الله ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. قال ابن جرير وقال ~~آخرون يعني بذلك { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن ~~به } بعيسى قبل موت صاحب الكتاب لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه ~~حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه. قال ابن عباس في الآية: لا يموت ~~يهودي حتى يؤمن بعيسى. وعن مجاهد: كل صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته؛ قبل ~~موت صاحب الكتاب. # وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس { وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به قبل موته } قال: هي في قراءة أبي (قبل موتهم) ~~ليس يهودي يموت أبدا حتى يؤمن بعيسى، قيل لابن عباس: أرأيت إن خر من فوق ~~بيت؟ قال: يتكلم به في الهوي قيل: أرأيت إن ضربت عنق أحدهم قال: يلجلج ~~بها لسانه، فهذه كلها أسانيد صحيحة إلى ابن عباس، وكذا صح عن مجاهد ~~وعكرمة وابن سيرين وبه يقول الضحاك وقال السدي وحكاه عن ابن عباس، ونقل ~~قراءة (أبي بن كعب) قبل موتهم. قال ابن جرير، وقال آخرون معنى ذلك: وإن ~~من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتاب. قال ~~عكرمة: لا يموت النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال ms0636 بالصحة القول الأول، وهو أنه لا ~~يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى عليه السلام إلا آمن به قبل موت ~~عيسى عليه السلام. # ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح، لأنه المقصود من سياق الآي ~~في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من ~~النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك وإنما شبه لهم ~~فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه وإنه باق حي، وإنه ~~سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن ~~شاء الله قريبا فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع ~~الجزية يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو ~~السيف فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا ~~يتخلف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال: { وإن من أهل ~~الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } أي قبل موت عيسى ~~عليه السلام الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب. { ~~ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } أي بأعمالهم التي ~~شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض، فأما من فسر هذه ~~الآية بأن المعنى أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما ~~الصلاة والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما ~~كان جاهلا به فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له إذا كان قد ~~شاهد الملك، كما قال تعالى في أول هذه السورة: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن # [النساء: 18] الآية، وقال تعالى: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 84-85] الآية. # (ذكر الأحاديث الواردة في نزول (عيسى ابن مريم) إلى الأرض من السماء في ~~آخر الزمان). # قال البخاري رحمه الله في (كتاب ms0637 ذكر الأنبياء) عن أبي هريرة قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر ~~الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى ~~تكون السجدة خيرا له من الدنيا وما فيها " # ، ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: { وإن من أهل الكتاب ~~إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة ~~يكون عليهم شهيدا }. وقال أحمد عن أبي هريرة قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير ويمحو الصليب وتجمع له الصلاة ويعطى ~~المال حتى لا يقبل ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو ~~يجمعهما " # قال وتلا أبو هريرة: { وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به قبل موته } الآية، فزعم حنظلة أن أبا هريرة ~~قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري هذا كله حديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو شيء قاله أبو هريرة. # (طريق أخرى): قال البخاري عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم وإمامكم منكم ". # (طريق أخرى): قال الإمام أحمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وإني أولى الناس بعيسى ~~ابن مريم لأنه لم يكن نبي بيني وبينه وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، ~~رجل مربوع إلى الحمرة والبياض عليه ثوبان ممصران كأن رأسه يقطر وإن لم ~~يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى ~~الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في ~~زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، ~~والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم ~~فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون " # وقد روى البخاري عن أبي هريرة، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " أنا أولى ms0638 الناس بعيسى ابن مريم والأنبياء أولاد علات ليس بيني وبينه ~~نبي " # وفي رواية: # " أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة الأنبياء إخوة لعلات ~~أمهاتهم شتى ودينهم واحد ". # (حديث آخر): وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من ~~المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا ~~وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم ~~وبين إخواننا، فيقاتلوهم فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا ويقتل ثلث ~~هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبدا فيفتحون ~~(قسنطينية) فبينما هم يقسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح ~~فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم فيخرجون، وذلك باطل، فإذا ~~جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة ~~فينزل عيسى ابن مريم فيؤمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في ~~الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في ~~حربته ". # (حديث آخر): روى ابن ماجه في سننه عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال ~~وحذرناه فكان من قوله أن قال: # " لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم عليه السلام أعظم من فتنة ~~الدجال وإن الله لم يبعث نبيا إلا حذر أمته الدجال وأنا آخر الأنبياء، ~~وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم ~~فأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل حجيج نفسه، وإن الله خليفتي على ~~كل مسلم، وإنه يخرج من خلة بين الشام والعراق، فيعيث يمينا ويعيث ~~شمالا، ألا يا عباد الله: أيها الناس فاثبتوا وإني سأصفه لكم صفة لم ~~يصفها إياه نبي قبلي: إنه يبدأ فيقول: أنا نبي فلا نبي بعدي، ثم يثني ~~فيقول: أنا ربكم ولا ms0639 ترون ربكم حتى تموتوا. وإنه أعور وإن ربكم عز ~~وجل ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير ~~كاتب، وإن من فتنته أن معه جنة ونارا فناره جنة وجنته نار فمن ابتلي ~~بناره فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه بردا وسلاما كما ~~كانت النار بردا وسلاما على إبراهيم. وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: ~~أرأيت إن بعثت لك أمك وأباك أتشهد أني ربك؟ فيقول نعم، فيتمثل له شيطان ~~في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني اتبعه فإنه ربك، وإن من فتنته أن ~~يسلط على نفس واحدة فينشرها بالمنشار حتى تلقى شقتين، ثم يقول انظر إلى ~~عبدي هذا فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربا غيري، فيبعثه الله فيقول ~~له الخبيث من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله الدجال، والله ما كنت ~~بعد أشد بصيرة بك مني اليوم ". # وإن من فتنته: أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت ~~فتنبت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، ~~وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر ~~الأرض أن تنبت فتنبت، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت ~~وأعظمه، وأمده خواصر وأدره ضروعا، وأنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه ~~وظهر عليه إلا (مكة) و (المدينة) فإنه لا يأتيهما من نقب من نقابهما إلا ~~لقيته الملائكة بالسيوف صلتة حتى ينزل عند الظريب الأحمر عند منقطع ~~السبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا ~~خرج إليه، فينفى الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم ~~(يوم الخلاص) فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب ~~يومئذ؟ قال: " هم قليل وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، ~~فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم عليه ~~السلام، فرجع ذلك الإمام يمشي القهقرى ليتقدم عيسى عليه السلام فيضع عيسى ms0640 ~~يده بين كتفيه، ثم يقول: تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، ~~فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف ~~يهودي كلهم ذو سيف محلى وتاج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح ~~في الماء وينطلق هاربا، فيقول عيسى إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها فيدركه ~~عند (باب لد) الشرقي فيقتله، ويهزم الله اليهود فلا يبقى شيء مما خلق ~~الله تعالى يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء - لا حجر ولا شجر ~~ولا حائط ولا دابة، إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال يا عبد ~~الله المسلم: هذا يهودي فتعال اقتله. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " وإن أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر ~~كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها ~~الآخر حتى يمسي " ، فقيل له: كيف نصلي يا نبي الله في تلك الأيام القصار؟ ~~قال: " تقدرون الصلاة كما تقدرون في هذه الأيام الطوال ثم صلوا " ، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكما ~~عدلا وإماما مقسطا، يدق الصليب ويذبح الخنزير ويضع الجزية ويترك ~~الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترتفع الشحناء والتباغض، وتنزح حمة ~~كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتفر الوليدة الأسد ~~فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما ~~يملأ الأناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب ~~أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض لها نور الفضة، وتنبت نباتها ~~كعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على ~~الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال ويكون الفرس بالدريهمات ~~". قيل يا رسول الله وما يرخص الفرس؟ قال: " لا تركب لحرب أبدا " ، قيل ~~له فما يغلي الثور؟ قال: " يحرث الأرض كلها، وإن قبل خروج الدجال ثلاث ~~سنوات شداد يصيب الناس فيها جوع شديد، ويأمر ms0641 الله السماء في السنة الأولى ~~أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله السماء ~~في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم ~~يأمر الله عز وجل السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر ~~قطرة، ويأمر الأرض أن تحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف ~~إلا هلكت إلا ما شاء الله ". قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: " ~~التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام " ". # (حديث آخر): وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى ~~يختبىء اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا ~~عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله - إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ~~". # (حديث آخر): وقال مسلم في صحيحه عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة ~~النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك في وجوهنا، فقال: # " " ما شأنكم "؟ قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت ~~حتى ظنناه في طائفة النخل، قال: " غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا ~~فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله ~~خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط، عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن ~~قطن، من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج من خلة بين ~~الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا، يا عباد الله فاثبتوا ". قلنا: ~~يا رسول الله فما لبثه في الأرض؟ قال: " أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم ~~كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم ". قلنا يا رسول الله وذلك اليوم ~~الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: " لا، اقدروا له قدره " ، قلنا يا ~~رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: " كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على ~~قوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، ~~فتروح عليهم ms0642 سارحتهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعا وأمده خواصر، ثم ~~يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليهم قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين ليس ~~بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه ~~كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف ~~فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك. فبينما هو ~~كذلك إذ بعث الله (المسيح ابن مريم) عليه السلام، فينزل عند المنارة ~~البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ ~~رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه كجمان اللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح ~~نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد، ~~فيقتله، ثم يأتي عيسى عليه السلام قوما قد عصمهم الله منه فيمسح عن ~~وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله عز ~~وجل إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي ~~إلى الطور. # ويبعث الله (يأجوج ومأجوج) وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أولهم على بحيرة ~~طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحضر ~~نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار ~~لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في ~~رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى ~~الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأ زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله ~~عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم ~~حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل ~~الأرض حتى يتركها كالزلفة. # ثم يقال للأرض أخرجي ثمرك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ~~ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي ~~الفئام من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت ~~آباطهم، فيقبض الله روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار ms0643 الناس يتهارجون ~~فيها تهاريج الحمر، فعليهم تقوم الساعة " ". # (حديث آخر): قال مسلم في صحيحه عن يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود ~~الثقفي يقول، سمعت عبد الله بن عمرو - وجاءه رجل - فقال: ما هذا الحديث ~~الذي تحدث به؟ تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا، فقال: (سبحان الله) أو ~~(لا إله إلا الله) أو كلمة نحوهما، لقد هممت أن لا أحدث أحدا شيئا ~~أبدا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما: يحرق البيت ويكون ~~ويكون، ثم قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يوما، أو ~~أربعين شهرا، أو أربعين عاما، فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم كأنه ~~عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين ~~عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض ~~أحد في قلبه مثقال ذرة من خير - أو إيمان - إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم ~~دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه ". # قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فيبقى شرار الناس في ~~خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، فيتمثل ~~لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة ~~الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا ~~يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض ~~إبله، قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرا ~~كأنه الطل - أو قال الظل - نعمان الشاك - فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ ~~فيه أخرى إذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم { ~~وقفوهم إنهم مسئولون } ، ثم يقال: أخرجوا بعث النار، ~~فيقال من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال فذلك { يوما ~~يجعل الولدان شيبا } وذلك { يوم يكشف عن ساق } ". # (حديث آخر): قال الإمام أحمد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ~~الزهري، عن ms0644 عبد الله بن عبيد الله بن ثعلبة الأنصاري، عن عبد الله بن زيد ~~الأنصاري، عن مجمع بن جارية، قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " يقتل ابن مريم المسيح الدجال بباب لد - أو إلى جانب لد - " # ورواه أحمد أيضا عن سفيان بن عيينة من حديث الليث والأوزاعي، ثلاثتهم ~~عن الزهري عن عبد الله بن عبيد الله بن ثعلبة، عن عبد الرحمن بن يزيد عن ~~عمه مجمع بن جارية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يقتل ابن مريم الدجال بباب لد " # ، وكذا رواه الترمذي عن قتيبة عن الليث به، وقال: هذا حديث صحيح. قال: ~~وفي الباب عن عمران بن حصين ونافع بن عيينة وأبي برزة وحذيفة بن أسيد ~~وأبي هريرة، وكيسان، وعثمان بن أبي العاص، وجابر وأبي أمامة، وابن مسعود، ~~وعبد الله بن عمرو، وسمرة بن جندب والنواس بن سمعان، وعمرو بن عوف، ~~وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم. ومراده برواية هؤلاء ما فيه ذكر الدجال، ~~وقتل عيسى ابن مريم عليه السلام له. # (حديث آخر): وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ~~والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة ~~خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر ~~عدن تسوق - أو تحشر - الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا ~~" # وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة عيسى ابن مريم من تاريخه عن ~~بعض السلف: أنه يدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته، فالله أعلم. # وقوله تعالى: { ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } ، ~~قال قتادة: يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من الله، وأقر بعبودية الله ~~عز وجل، وهذا كقوله تعالى في آخر سورة المائدة: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس # [الآية: 116] إلى قوله: # العزيز الحكيم # [المائدة: 118]. ### || [4.160-162] # يخبر تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة حرم ~~عليهم طيبات كان ms0645 أحلها لهم، كما قال ابن أبي حاتم عن عمرو، قال قرأ ابن ~~عباس: (طيبات كانت أحلت لهم) وهذا التحريم قد يكون (قدريا) بمعنى أنه ~~تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا ~~لهم، فحرموها على أنفسهم تشديدا منهم على أنفسهم وتضييقا وتنطعا، ~~ويحتمل أن يكون (شرعيا) بمعنى أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء ~~كانت حلالا لهم قبل ذلك، كما قال تعالى: # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة # [آل عمران: 93]. وقد قدمنا الكلام على هذه الآية وأن المراد أن الجميع ~~من الأطعمة كانت حلالا لهم، من قبل أن تنزل التوراة ما عدا ما كان حرم ~~إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها. ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة ~~في التوراة، كما قال في سورة الأنعام: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ~~ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون # [الآية: 146]، أي إنما حرمنا عليهم ذلك لأنهم يستحقون ذلك بسبب بغيهم ~~وطغيانهم، ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولهذا قال: { فبظلم ~~من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا } ، أي صدوا الناس ~~وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق، وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر ~~وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقا من الأنبياء، وكذبوا عيسى ~~ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهما. # وقوله تعالى: { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } ، أي أن ~~الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل ~~وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل، قال تعالى: { وأعتدنا ~~للكافرين منهم عذابا أليما } ، ثم قال تعالى: { ~~لكن الراسخون في العلم منهم } أي الثابتون في الدين، ~~لهم قدم راسخة في العلم النافع، { والمؤمنون } عطف على الراسخين، ~~وخبره { يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك } ~~، قال ابن عباس: أنزلت في عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعيه وأسد ms0646 بن سعيه ~~وأسد بن عبيد الذين دخلوا في الإسلام وصدقوا بما أرسل الله به محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: { والمقيمين الصلاة } هكذا، هو في جميع مصاحف ~~الأئمة وكذا هو في مصحف (أبي بن كعب)، وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن ~~مسعود { والمقيمون الصلاة } ، قال: والصحيح قراءة الجميع، رد على من زعم ~~أن ذلك من غلط الكتاب، ثم ذكر اختلاف الناس، فقال بعضهم: هو منصوب على ~~المدح، كما جاء في قوله: # والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في ~~البأسآء والضراء وحين البأس # [البقرة: 177]، قال وهذا سائغ في كلام العرب كما قال الشاعر: # لا يبعدن قومي الذن همو # أسد العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك # والطيبون معاقد الأزر # وقال آخرون: هو مخفوض عطفا على قوله: { بمآ أنزل إليك ومآ ~~أنزل من قبلك } ، يعني وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة ~~الصلاة التي يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم. وقوله: { والمؤتون ~~الزكاة } يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ~~ويحتمل الأمرين والله أعلم، { والمؤمنون بالله واليوم ~~الآخر } أي يصدقون بأنه (لا إله إلا الله) ويؤمنون بالبعث بعد الموت، ~~والجزاء على الأعمال خيرها وشرها، وقوله: { أولئك } هو الخبر عما ~~تقدم، { سنؤتيهم أجرا عظيما } يعني الجنة. ### || [4.163-165] # قال ابن عباس، قال سكن وعدي بن زيد: يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على ~~بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله في ذلك من قولهما: { إنآ أوحينآ ~~إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده } ~~إلى آخر الآيات. ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه وما هم عليه ~~الآن من الكذب والافتراء، ثم ذكر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدمين، فقال: { ~~إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ~~والنبيين من بعده } ، إلى قوله: { وآتينا داوود ~~زبورا } والزبور اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود عليه السلام، ~~وسنذكر ترجمة كل واحد من هؤلاء الأنبياء عليهم من الله أفضل الصلاة ~~والسلام عند قصصهم من سورة الأنبياء ms0647 إن شاء الله وبه الثقة وعليه ~~التكلان. # وقوله تعالى: { ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك } ، أي من قبل هذه الآية، يعني في ~~السور المكية وغيرها وهذه تسمية الأنبياء الذين نص الله على أسمائهم في ~~القرآن وهم: (آدم، وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب وموسى وهارون ويونس وداود وسليمان وإلياس ~~واليسع وزكريا ويحيى وعيسى وكذا ذو الكفل، عند كثير من المفسرين وسيدهم ~~محمد صلى الله عليه وسلم) وقوله: { ورسلا لم نقصصهم ~~عليك } أي خلقا آخرين لم يذكروا في القرآن، وقد اختلف في عدة ~~الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ~~ابن مردويه رحمه الله في تفسيره عن أبي ذر قال، قلت: # " يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا " ، ~~قلت: يا رسول الله كم الرسل منهم؟ قال: " ثلاثمائة وثلاثة عشر، جم غفير " ~~، قلت: يا رسول الله من كان أولهم؟ قال: " آدم " ، قلت: يا رسول الله نبي ~~مرسل؟ قال: " نعم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم سواه قبيلا " # وقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن صحابي آخر، فقال ابن أبي حاتم عن أبي ~~أمامة، قال، قلت: # " يا نبي الله كم الأنبياء؟ قال: " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، ~~والرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة عشر، جما غفيرا " ". # وقوله تعالى: { وكلم الله موسى تكليما } ، وهذا تشريف ~~لموسى عليه السلام بهذه الصفة، ولهذا يقال له الكليم، وقد قال الحافظ أبو ~~بكر بن مردويه: جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش، فقال: سمعت رجلا يقرأ { ~~وكلم الله موسى تكليما } ، فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر. # قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على ~~أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي على علي بن أبي ~~طالب، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله: { وكلم الله موسى تكليما ~~} ، وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش رحمه ms0648 الله على من قرأ كذلك، لأنه ~~حرف لفظ القرآن ومعناه، وكان هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون الله ~~كلم موسى عليه السلام أو يكلم أحدا من خلقه كما رويناه عن بعض المعتزلة ~~أنه قرأ على بعض المشايخ { وكلم الله موسى تكليما } ، فقال له: يا ابن ~~اللخناء! كيف تصنع بقوله تعالى: # ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه # [الأعراف: 143] يعني أن هذا لا يحتمل التحريف ولا التأويل. وقد روى ~~الحاكم في مستدركه وابن مردويه عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " كان على موسى يوم كلمه ربه جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلان ~~من جلد حمار غير ذكي ". # وقوله تعالى: { رسلا مبشرين ومنذرين } أي يبشرون من ~~أطاع الله، واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله ~~بالعقاب والعذاب، وقوله: { لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما } ، أي أنه ~~تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه مما ~~يكرهه ويأباه، لئلا يبقى لمعتذر عذر، كما قال تعالى: # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~من قبل أن نذل ونخزى # [طه: 134]، وكذا قوله: # ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم # [القصص: 47] الآية، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ~~ولا أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا ~~أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين " # ، وفي لفظ آخر: # " من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه ". ### || [4.166-170] # لما تضمن قوله تعالى: # إنآ أوحينآ إليك # [النساء: 163] إلى آخر السياق إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم والرد على ~~من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب قال الله تعالى؛ { لكن ~~الله يشهد بمآ أنزل إليك } ، أي وإن كفر به من كفر ms0649 به ~~ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو ~~القرآن العظيم الذي: # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 42]، ولهذا قال: { أنزله بعلمه } ، أي فيه علمه الذي ~~أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ~~ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي ~~والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ~~ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به، كما قال تعالى: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255] وقال: # ولا يحيطون به علما # [طه: 110]. # وقال ابن أبي حاتم عن عطاء بن السائب قال: أقرأني أبو عبد الرحمن ~~السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم الله، ~~فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم يقرأ قوله: { أنزله بعلمه ~~والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا }. قوله: { ~~والملائكة يشهدون } أي بصدق ما جاءك وأوحى إليك وأنزل عليك ~~مع شهادة الله تعالى بذلك، { وكفى بالله شهيدا } قال محمد بن ~~إسحاق عن ابن عباس قال: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من ~~اليهود، فقال لهم: # " إني لأعلم والله إنكم لتعلمون أني رسول الله " # ، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله عز وجل: { لكن الله ~~يشهد بمآ أنزل إليك أنزله بعلمه } الآية. # وقوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله قد ضلوا ضللا بعيدا } أي كفروا في أنفسهم فلم ~~يتبعوا الحق، وسعوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا عن ~~الحق وضلوا عنه وبعدوا منه بعدا عظيما شاسعا، ثم أخبر تعالى عن حكمه ~~في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن ~~سبيله، وارتكاب مآثمه، وانتهاك محارمه بأنه لا يغفر لهم { ولا ~~ليهديهم طريقا } أي سبيلا إلى الخير { إلا طريق ~~جهنم } ، وهذا استثناء منقطع { خالدين فيهآ أبدا } الآية. # ثم قال تعالى: { يأيها الناس قد جآءكم الرسول ~~بالحق من ربكم ms0650 فآمنوا خيرا لكم } ، أي قد جاءكم ~~محمد صلوات الله وسلامه عليه بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من الله ~~عز وجل، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه يكن خيرا لكم، ثم قال: { وإن ~~تكفروا فإن لله ما في السموت والأرض } أي فهو ~~غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم كما قال تعالى: # وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا ~~فإن الله لغني حميد # [إبراهيم: 8]، وقال ههنا: { وكان الله عليما } أي بمن يستحق ~~منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه { حكيما } أي في ~~أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. ### || [4.171] # ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والاطراء، وهذا كثير في النصارى فإنهم ~~تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، ~~فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما ~~يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم ~~العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا، أو ضلالا أو ~~رشادا، أو صحيحا أو كذبا، ولهذا قال الله تعالى: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31] الآية، وقال الإمام أحمد عن ابن عباس عن عمر، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد ~~الله ورسوله " # وهكذا رواه البخاري عن الزهري به ولفظه: # " فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله " # ، وقال الإمام أحمد عن أنس بن مالك: أن رجلا قال: يا محمد، يا سيدنا، ~~وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيها الناس عليكم بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان: أنا محمد بن عبد ~~الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني ~~الله عز وجل " # ، تفرد به من هذا الوجه. # وقوله تعالى: { ولا تقولوا على الله إلا الحق } أي لا ~~تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدا، تعالى الله عز وجل عن ذلك ~~علوا كبيرا، وتنزه وتقدس وتوحد ms0651 في سؤدده وكبريائه وعظمته، فلا إله إلا ~~هو ولا رب سواه، ولهذا قال: { إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح ~~منه } أي إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه، قال له كن فكان، ~~ورسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها ~~جبريل عليه السلام إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه عز وجل، فكان ~~عيسى بإذنه عز وجل، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت ~~- حتى ولجت فرجها - بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق لله عز ~~وجل، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد ~~منه، وإنما هو ناشىء عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروح التي ~~أرسل بها جبريل. # قال الله تعالى: # ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام # [المائدة: 75]، وقال تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59]، وقال تعالى: # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها # [التحريم: 12] إلى آخر السورة. وقال تعالى إخبارا عن المسيح: # إن هو إلا عبد أنعمنا عليه # [الزخرف: 59] الآية، وقال قتادة: { وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه } هو كقوله: # كن فيكون # [آل عمران: 59]. وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: ~~سمعت شاذ بن يحيى يقول في قول الله: { وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه } قال: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار ~~عيسى، وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله { ألقاها إلى ~~مريم } أي أعلمها بها كما زعمه في قوله: # إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه # [آل عمران: 45] أي يعلمك بكلمة منه، ويجعل ذلك كقوله تعالى: # وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ~~من ربك # [القصص: 86]، بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم فنفخ ~~فيها بإذن الله فكان عيسى عليه ms0652 السلام، وقال البخاري عن عبادة بن الصامت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، ~~وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وإن الجنة حق ~~والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " # وقوله في الآية والحديث: " وروح منه " ، كقوله: # وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13] أي من خلقه ومن عنده وليست (من) للتبعيض كما تقوله ~~النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة، بل هي لابتداء الغاية كما في الآية ~~الأخرى، وقد قال مجاهد في قوله: { وروح منه } أي ورسول منه، وقال ~~غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول، وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت ~~الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في ~~قوله: # هذه ناقة الله # [الأعراف: 73، هود: 64]، وفي قوله: # وطهر بيتي للطآئفين # [الحج: 26]، وكما روي في الحديث الصحيح: # " فأدخل على ربي في داره " # ، أضافها إليه إضافة تشريف وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد. # وقوله تعالى: { فآمنوا بالله ورسله } أي فصدقوا بأن الله ~~واحد أحد لا ولد له ولا صاحبة، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ~~ورسوله، ولهذا قال تعالى: { ولا تقولوا ثلاثة } أي لا تجعلوا ~~عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وهذه الآية ~~والتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى: # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ~~وما من إله إلا إله واحد # [المائدة: 73]، وكما قال في آخر السورة المذكورة: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني # [المائدة: 116] الآية. وقال في أولها: # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم # [المائدة: 17و72] الآية، والنصارى عليهم لعائن الله من جهلهم ليس لهم ~~ضابط، ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده إلها، ~~ومنهم من يعتقده شريكا، ومنهم من يعتقده ولدا، وهم طوائف كثيرة لهم ~~آراء مختلفة، وأقوال غير ms0653 مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو ~~اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا عن أحد عشر قولا. # ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير عندهم وهو (بترك الاسكندرية) في حدود سنة ~~أربعمائة من الهجرة النبوية، أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه ~~الأمانة الكبيرة التي لهم - وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة - وذلك في ~~أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة، وأنهم اختلفوا عليه اختلافا لا ~~ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفين أسقفا، فكانوا أحزابا كثيرة كل ~~خمسين منهم على مقالة، وعشرون على مقالة، ومائة على مقالة وسبعون على ~~مقالة وأزيد من ذلك وأنقص، فلما رأى منهم عصابة قد زادوا على الثلثمائة ~~بثمانية عشر نفر وقد توافقوا على مقالة، فأخذها الملك ونصرها وأيدها، ~~وكان فيلسوفا داهية، ومحق ما عداها من الأقوال وانتظم دست أولئك ~~الثلثمائة والثمانية عشر وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتبا وقوانين ~~وأحدثوا فيها الأمانة التي يلقنونها الولدان من الصغار ليعتقدوها ~~ويعمدونهم عليها، وأتباع هؤلاء هم (الملكانية)، ثم إنهم اجتمعوا مجمعا ~~ثانيا فحدث فيهم (اليعقوبية)، ثم مجمعا ثالثا فحدث فيهم (النسطورية) ~~وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك ~~وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم، هل اتحدوا أو ما اتحدوا، أو امتزجا أو ~~حل فيه؟ على ثلاث مقالات، وكل منهم يكفر الفرقة الأخرى، ونحن نكفر ~~الثلاثة، ولهذا قال تعالى: { انتهوا خيرا لكم } أي يكن خيرا ~~لكم، { إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ~~ولد } أي تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا. { له ما في ~~السموت وما في الأرض وكفى بالله وكيلا } أي ~~الجميع ملكه وخلقه وجميع ما فيهما عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو ~~وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة وولد كما قال في الآية الأخرى: # بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد # [الأنعام: 101] الآية، وقال تعالى: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا # [مريم: 88-89] الآيات. ### || [4.172-173] # قال عطاء عن ابن عباس قوله: { لن يستنكف } لن يستكبر، وقال ~~قتادة: لن يحتشم { المسيح أن ms0654 يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون } ، وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل ~~الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال: { ولا الملائكة ~~المقربون } وليس له في ذلك دلالة، لأنه إنما عطف الملائكة على ~~المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، ~~فلهذا قال: { ولا الملائكة المقربون } ، ولا يلزم من ~~كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل، وقيل: إنما ذكروا لأنهم ~~اتخذوا آلهة مع الله كما اتخذ المسيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عباده ~~وخلق ممن خلقه، كما قال تعالى: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون # [الأنبياء: 26] الآيات، ولهذا قال: { ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا } أي ~~فيجمعهم إليه يوم القيامة ويفصل بينهم بحكمه العدل، الذي لا يجور فيه ولا ~~يحيف، ولهذا قال: { فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ~~، أي فيعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة ويزيدهم على ذلك من فضله ~~وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه. # وقد روى ابن مردويه عن عبد الله مرفوعا قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: { فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ، ~~أجورهم، قال: " أدخلهم الجنة " { ويزيدهم من فضله } قال: " ~~الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في دنياهم " ، وهذا ~~إسناد لا يثبت، وإذا روي عن ابن مسعود موقوفا فهو جيد، { وأما ~~الذين استنكفوا واستكبروا } أي امتنعوا عن طاعة الله ~~وعبادته واستكبروا عن ذلك { فيعذبهم عذابا أليما ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } كقوله: # إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين # [غافر: 60] أي صاغرين حقيرين ذليلين، كما كانوا ممتنعين مستكبرين. ### || [4.174-175] # يقول تعالى مخاطبا جميع الناس ومخبرا بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، ~~وهو الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبه، ولهذا قال: { ~~وأنزلنآ إليكم نورا مبينا } أي ضياء واضحا على الحق. ~~قال ابن جريج وغيره: وهو القرآن { فأما الذين آمنوا بالله ~~واعتصموا به } أي جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في ~~جميع أمورهم، وقال ابن جريج: آمنوا ms0655 بالله واعتصموا بالقرآن { ~~فسيدخلهم في رحمة منه وفضل } أي يرحمهم فيدخلهم ~~الجنة، ويزيدهم ثوابا ومضاعفة ورفعا في درجاتهم من فضله عليهم وإحسانه ~~إليهم، { ويهديهم إليه صراطا مستقيما } أي طريقا ~~واضحا قصدا قواما لا اعوجاج فيه ولا انحراف، وهذه صفة المؤمنين في ~~الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في ~~جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي ~~إلى روضات الجنات، وفي حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " القرآن صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين " # ، وقد تقدم الحديث بتمامه في أول التفسير، ولله الحمد والمنة. ### || [4.176] # قال البخاري عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء، قال: آخر سورة نزلت براءة، ~~وآخر آية نزلت يستفتونك. وقال الإمام أحمد عن محمد بن المنكدر، قال سمعت ~~جابر بن عبد الله قال: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض ~~لا أعقل، قال: فتوضأ ثم صب علي - أو قال صبوا عليه - فعقلت فقلت: إنه لا ~~يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض. وفي بعض الألفاظ ~~فنزلت آية الميراث { يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة } الآية. وكأن معنى الكلام والله أعلم: يستفتونك عن الكلالة ~~{ قل الله يفتيكم } فيها، فدل المذكور على المتروك. وقد تقدم ~~الكلام على الكلالة واشتقاقها، وأنها مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس ~~من جوانبه، ولهذا فسرها أكثر العلماء: بمن يموت وليس له ولد ولا والد. ~~ومن الناس من يقول: الكلالة من لا ولد له كما دلت عليه هذه الآية: { إن ~~امرؤ هلك ليس له ولد } ، وقد أشكل حكم الكلالة على أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: ~~ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهدا ~~ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وباب من أبواب الربا. عن عمر قال سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال: # " يكفيك آية ms0656 الصيف " # فقال: لأن أكون سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها أحب إلي من أن ~~يكون لي حمر النعم. وكأن المراد بآية الصيف أنها نزلت في فصل الصيف والله ~~أعلم، ولما أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى تفهمها فإن فيها كفاية، ~~نسي أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن معناها، ولهذا قال: فلأن أكون ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر ~~النعم. # وقال ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: سأل عمر بن الخطاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن الكلالة، فقال: # " أليس قد بين الله ذلك " # ؟ فنزلت { يستفتونك } الآية. قال قتادة: وذكر لنا أن أبا بكر ~~الصديق قال في خطبته: ألا إن الآية التي نزلت في أول سورة النساء في شأن ~~الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج ~~والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في ~~الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها ~~في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت الرحم من العصبة. # قوله تعالى: { إن امرؤ هلك } أي مات، قال الله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] كل شي يفنى ولا يبقى إلا الله عز وجل، كما قال: # كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام # [الرحمن: 26-27]، وقوله: { ليس له ولد } تمسك به من ذهب إلى أنه ~~ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء ~~الولد، وهو رواية عن عمر بن الخطاب رواها ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه، ~~ولكن الذي يرجع إليه هو قول الجمهور، وقضاء الصديق أنه الذي لا ولد له ~~ولا والد. ويدل على ذلك قوله: { وله أخت فلها نصف ما ترك ~~} ولو كان معها أب لم ترث شيئا لأنه يحجبها بالإجماع، فدل على أنه من لا ~~ولد له بنص القرآن، ولا والد بالنص عند التأمل أيضا، لأن الأخت ms0657 لا يفرض ~~لها النصف مع الوالد بل ليس لها ميراث بالكلية. # وقال الإمام أحمد عن زيد بن ثابت أنه سئل عن (زوج وأخت لأب وأم) فأعطى ~~الزوج النصف والأخت النصف، فكلم في ذلك، فقال: حضرت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضى بذلك، وقد روي عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان ~~في الميت ترك بنتا وأختا إنه لا شيء للأخت لقوله: { إن امرؤ هلك ~~ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك } قال فإذا ~~ترك بنتا فقد ترك ولدا فلا شي للأخت، وخالفهما الجمهور فقالوا في هذه ~~المسألة للبنت النصف بالفرض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب، بدليل غير هذه ~~الآية، وهذه الآية نصت أن يفرض لها في هذه الصورة، وأما وراثتها ~~بالتعصيب، فلما رواه البخاري عن الأسود، قال: قضى فينا معاذ بن جبل على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النصف للبنت والنصف للأخت. # وفي صحيح البخاري أيضا عن هزيل بن شرحبيل قال سئل أبو موسى الأشعري عن ~~ابنة وابنة ابن وأخت فقال: للابنة النصف وللأخت النصف وأت ابن مسعود ~~فسيتابعني، فسأل ابن مسعود فأخبره بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذا وما ~~أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم النصف ~~للبنت ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى ~~فأخبرناه بقول ابن مسعود: فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. # وقوله تعالى: { وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد } أي ~~والأخ يرث جميع مالها إذا ماتت كلالة وليس لها ولد أي ولا والد، لأنها لو ~~كان لها والد لم يرث الأخ شيئا فإن فرض أن معه من له فرض صرف إليه فرضه ~~كزوج أو أخ من أم، وصرف الباقي إلى الأخ لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر " # وقوله: { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ~~ترك } ، أي فإن كان لمن ms0658 يموت كلالة أختان فرض لهما الثلثان وكذا ما ~~زاد على الأختين في حكمهما، ومن ههنا أخذ الجماعة حكم البنتين كما ~~استفيد حكم الأخوات من البنات في قوله: # فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك # [النساء: 11]. وقوله: { وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء ~~فللذكر مثل حظ الأنثيين } هذا حكم العصبات من البنين ~~وبني البنين والأخوة إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم أعطي الذكر مثل حظ ~~الأنثيين. # وقوله تعالى: { يبين الله لكم } أي يفرض لكم فرائضه، ويحد ~~لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه. وقوله: { أن تضلوا } أي لئلا تضلوا ~~عن الحق بعد البيان، { والله بكل شيء عليم } أي هو عالم ~~بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها من الخير لعباده وما يستحقه كل واحد من ~~القرابات بحسب قربه من المتوفى. وقال ابن جرير عن سعيد بن المسيب: أن عمر ~~كتب في الجد والكلالة كتابا، فمكث يستخير الله يقول: اللهم إن علمت فيه ~~خيرا فأمضه، حتى إذا طعن دعا بكتاب فمحى ولم يدر أحد ما كتب فيه، فقال: ~~إني كنت كتبت كتابا في الجد والكلالة، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن ~~أترككم على ما كنتم عليه، قال ابن جرير وقد روي عن عمر رضي الله عنه. أنه ~~قال: إني لأستحي أن أخالف فيه أبا بكر، وكان أبو بكر رضي الله عنه يقول: ~~هو ما عدا الولد والوالد، وهذا الذي قاله الصديق عليه جمهور الصحابة ~~والتابعين، وهو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وقول علماء الأمصار ~~قاطبة، وهو الذي يدل عليه القرآن كما أرشد الله أنه قد بين ذلك ووضحه في ~~قوله: { يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل ~~شيء عليم } والله أعلم. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1-2] # قال ابن أبي حاتم عن معن وعوف، أو أحدهما: أن رجلا أتى عبد الله بن ~~مسعود، فقال: اعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله يقول: { يا أيها ~~الذين آمنوا } فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه. ~~وعن خيثمة قال: كل شيء في القرآن { يا أيها الذين آمنوا } ~~فهو في التوراة ms0659 يا أيها المساكين. وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كتابا لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ~~ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتابا وعهدا، وأمره فيه بأمره، فكتب: " بسم ~~الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله ورسوله { يا أيها الذين ~~آمنوا أوفوا بالعقود } عهد من محمد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعمرو ابن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، ~~فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ". وقوله تعالى: { أوفوا ~~بالعقود } ، قال ابن عباس يعني بالعقود: العهود؛ قال: والعهود: ما ~~كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره؛ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~العهود: يعني ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حد في القرآن كله، ولا ~~تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدد في ذلك فقال تعالى: # والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ~~ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل # [الرعد: 25]. إلى قوله: # سوء الدار # [الرعد: 25] وقال الضحاك: { أوفوا بالعقود } قال: ما أحل الله ~~وحرم، وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن ~~يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام، وقال زيد بن ~~أسلم: { أوفوا بالعقود } قال: هي ستة، عهد الله، وعقد الحلف، ~~وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين، وقد استدل بعض من ~~ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية { أوفوا بالعقود ~~} ، قال: فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته، ويقتضي نفي خيار المجلس، وهذا ~~مذهب أبي حنيفة ومالك، وخالفهما في ذلك الشافعي وأحمد والجمهور، والحجة ~~في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " # ، وفي لفظ آخر للبخاري؛ # " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " # ، وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافيا ~~للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود. # وقوله ms0660 تعالى: { أحلت لكم بهيمة الأنعام } هي الإبل ~~والبقر والغنم، قاله قتادة وغير واحد، قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب، ~~وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا ~~وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن. # عن أبي سعيد قال: # " قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة، في بطنها ~~الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: " كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه " # ، وقال أبو داود عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ذكاة الجنين ذكاة أمه " # وقوله: { إلا ما يتلى عليكم } قال ابن عباس: يعني بذلك ~~الميتة والدم ولحم الخنزير، وقال قتادة: يعني بذلك الميتة وما لم يذكر ~~اسم الله عليه، والظاهر - والله أعلم - أن المراد بذلك قوله: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~ومآ أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع # [المائدة: 3]، فإن هذه وإن كانت من الأنعام، إلا أنها تحرم بهذه ~~العوارض، ولهذا قال: # إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب # [المائدة: 3] يعني منها، فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه، ولهذا قال ~~تعالى: { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم } أي إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال، ~~والمراد بالأنعام ما تعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي ~~كالظباء والبقر والحمر، فاستثني من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي ~~الصيد في حال الإحرام: وقيل المراد، أحللنا لكم الأنعام إلا ما استثني ~~منها لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام، لقوله: # فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور ~~رحيم # [النحل: 115]، أي أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا ~~متعد، وهكذا هنا، أي كما أحللنا الأنعام في جميع الأحوال، فحرموا الصيد ~~في حال الإحرام، فإن الله قد حكم بهذا، وهو الحكيم في جميع ما يأمر به ~~وينهى عنه، ولهذا قال الله تعالى: { إن الله يحكم ما ms0661 يريد ~~}. # ثم قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا ~~شعآئر الله } قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج، وقال مجاهد: ~~الصفا والمروة، والهدي والبدن من شعائر الله، وقيل: شعائر الله محارمه، ~~أي لا تحلوا محارم الله التي حرمها الله تعالى، ولهذا قال تعالى: { ولا ~~الشهر الحرام } يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه وترك ما نهى ~~الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال، وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال ~~تعالى: # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير # [البقرة: 217]، وقال تعالى: # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا # [التوبة: 36] الآية، وفي صحيح البخاري: عن أبي بكرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. السنة اثنا ~~عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ~~ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " # وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت كما هو مذهب طائفة من السلف. ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: { ولا الشهر ~~الحرام } يعني لا تستحلوا القتال فيه، واختاره ابن جرير أيضا، وذهب ~~الجمهور إلى أن ذلك منسوخ وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، ~~واحتجوا بقوله تعالى: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] قالوا: فلم يستثن شهرا حراما من غيره، وقد حكى الإمام أبو ~~جعفر الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها ~~من شهور السنة. # وقوله تعالى: { ولا الهدي ولا القلائد } يعني لا تتركوا ~~الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر الله ولا تتركوا تقليدها ~~في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة ~~فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا ~~إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم ~~شيء، ولهذا لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بات ms0662 بذي الحليفة وهو ~~وادي العقيق، فلما أصبح طاف على نسائه وكن تسعا، ثم اغتسل وتطيب وصلى ~~ركعتين، ثم أشعر هديه وقلده، وأهل للحج والعمرة، وكان هديه إبلا كثيرة ~~تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان؛ كما قال تعالى: # ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى ~~القلوب # [الحج: 32]. وقال بعض السلف: إعظامها استحسانها واستسمانها، قال علي بن ~~أبي طالب: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن. " ~~رواه أهل السنن " ، وقال مقاتل بن حيان قوله: { ولا القلائد } فلا ~~تستحلوها، وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم ~~قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر، وتقلد مشركو الحرم من لحاء شجره فيأمنون به. ~~وقوله تعالى: { ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا ~~من ربهم ورضوانا } أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت ~~الله الحرام الذي من دخله كان آمنا، وكذا من قصده طالبا فضل الله، ~~وراغبا في رضوانه فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه، قال مجاهد وعطاء في ~~قوله: { يبتغون فضلا من ربهم } يعني بذلك التجارة، وهذا ~~كما تقدم في قوله: # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم # [البقرة: 198]. وقوله: { ورضوانا } قال ابن عباس: يترضون الله ~~بحجهم، وقد ذكر عكرمة والسدي وابن جرير أن هذه الآية نزلت في (الحطيم بن ~~هند البكري)، كان قد أغار على سرح المدينة، فلما كان من العام المقبل ~~اعتمر إلى البيت، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا في طريقه إلى البيت، ~~فأنزل الله عز وجل: { ولا آمين البيت الحرام ~~يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا }. # وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان، ~~وإن أم البيت الحرام أو بيت المقدس، وأن هذا الحكم منسوخ في حقهم، ~~والله أعلم. فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به فهذا يمنع، ~~قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28]، ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تسع لما ~~أمر الصديق ms0663 على الحجيج عليا، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا ~~يطوف بالبيت عريان. وقال ابن عباس قوله: { ولا آمين البيت ~~الحرام }: يعني من توجه قبل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون ~~يحجون، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا من مؤمن أو كافر، ثم أنزل ~~الله بعدها: # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28] الآية، وقال تعالى: # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله # [التوبة: 17] وقال: # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر # [التوبة: 18] فنفى المشركين من المسجد الحرام. وقال قتادة في قوله: { ~~ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام } قال: منسوخ. ~~كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من الشجر، فلم ~~يعرض له أحد، فإذا رجع تقلد قلادة من شعر، فلم يعرض له أحد، وكان المشرك ~~يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند ~~البيت، فنسخها قوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. # وقوله تعالى: { وإذا حللتم فاصطادوا } أي إذا فرغتم من ~~إحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم في حال الإحرام ~~من الصيد، وهذا أمر بعد الحظر، وقوله: { ولا يجرمنكم شنآن ~~قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا } أي ~~لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك ~~عام الحديبية على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا، ~~بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد، وهذه الآية كما ~~سيأتي من قوله: # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8]، وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع ~~الله فيه، والعدل به قامت السماوات والأرض. وقال ابن أبي حاتم، عن زيد بن ~~أسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية وأصحابه حين صدهم ~~المشركون عن البيت، وقد اشتد ms0664 ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل ~~المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: نصد هؤلاء ~~كما صدنا أصحابهم، فأنزل الله هذه الآية. والشنآن: هو البغض، قاله ابن ~~عباس وغيره، وهو مصدر من شنأته أشنؤه شنآنا بالتحريك، وقال ابن جرير: من ~~العرب من يسقط التحريك في شنآن فيقول: شنان، ولم أعلم أحدا قرأ بها. # ومنه قول الشاعر: # وما العيش إلا ما تحب وتشتهي # وإن لام فيه ذو الشنان وفندا # وقوله تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان } يأمر تعالى عباده المؤمنين ~~بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم ~~عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم، قال ابن جرير ~~الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان مجاوزة ما حد الله في دينكم ~~ومجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم. وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " ، قيل: يا رسول الله هذا نصرته ~~مظلوما، فكيف أنصره إذا كان ظالما؟ قال: " تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك ~~نصره " # ، وقال أحمد عن يحيى بن وثاب - رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - ~~قال: # " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من الذي لا يخالط ~~الناس ولا يصبر على أذاهم " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الدال على الخير كفاعله " # ، وفي الصحيح: # " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ~~ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام ~~من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ". ### || [5.3] # يخبر تعالى عباده خبرا متضمنا النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة، ~~وهي ما مات من الحيوانات حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد، وما ذاك إلا ~~لما فيها من المضرة، لما فيها من الدم المحتقن، فهي ضارة للدين وللبدن، ~~فلهذا حرمها الله عز وجل، ويستثنى ms0665 من الميتة السمك فإنه حلال سواء ~~مات بتذكية أو غيرها، لما رواه مالك والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر؟ فقال: # " هو الطهور ماؤه، والحل ميتته " # وقوله: { والدم } يعني به المسفوح كقوله: # أو دما مسفوحا # [الأنعام: 145]، قال ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال؟ فقال: ~~كلوه. فقالوا: إنه دم، فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح. وعن عائشة ~~قالت: إنما نهي عن الدم السافح، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان ~~فالكبد والطحال " # وقال ابن أبي حاتم عن أبي أمامة وهو (صدي بن عجلان) قال: بعثني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله وأعرض عليهم ~~شرائع الإسلام، فأتيتهم؛ فبينما نحن كذلك إذ جاءوا بقصعة من دم، فاجتمعوا ~~عليها يأكلونها، فقالوا: هلم يا صدي، فكل، قال قلت: ويحكم إنما أتيتكم ~~من عند من يحرم هذا عليكم، فأقبلوا عليه، قالوا: وما ذاك؟ فتلوت عليهم ~~هذه الآية: { حرمت عليكم الميتة والدم } الآية، وما ~~أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحاق: # وإياك والميتات لا تقربنها # ولا تأخذن عظما حديدا فتفصدا # أي لا تفعل فعل الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئا محددا ~~من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره أو حيوانا من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج ~~منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة. # قوله تعالى: { ولحم الخنزير } يعني إنسيه ووحشيه، واللحم يعم ~~جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق " الظاهرية " في جمودهم ~~ههنا، وتعسفهم في الاحتجاج بقوله: # فإنه رجس أو فسقا # [الأنعام: 145] يعنون قوله تعالى: # إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم ~~خنزير فإنه رجس # [الأنعام: 145] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع ~~أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون ~~المضاف إليه، والأظهر أن اللحم ms0666 يعم جميع الأجزاء، كما هو المفهوم من لغة ~~العرب ومن العرف المطرد. وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الخصيب الأسلمي رضي ~~الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه " # ، فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد ~~على أكله والتغذي به!؟ وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم ~~وغيره. وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " ، فقيل: يا رسول ~~الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح ~~بها الناس؟ فقال: " لا، هو حرام " # وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان أنه قال لهرقل ملك الروم: نهانا عن ~~الميتة والدم. وقوله: { ومآ أهل لغير الله به } أي ما ذبح ~~فذكر عليه اسم غير الله، فهو حرام، لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته ~~على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك، وذكر عليها اسم غيره من صنم أو ~~طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع. # وقوله تعالى: { والمنخنقة } وهي التي تموت بالخنق، إما قصدا، ~~وإما اتفاقا، بأن تتخبل في وثاقتها فتموت به فهي حرام؛ وأما { ~~الموقوذة } فهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، كما قال ~~ابن عباس وغير واحد: هي التي تضرب بالخشبة حتى يوقذها فتموت، قال قتادة: ~~كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي حتى إذا ماتت أكلوها. وفي الصحيح أن ~~عدي بن حاتم قال، قلت: يا رسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال: # " إذا رميت بالمعراض فخرق، فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا ~~تأكله " # ، ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمزراق ونحوه بحده فأحله، وما أصاب ~~بعرضه فجعله وقيذا لم يحله، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء واختلفوا فيما ~~إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه على قولين، هما قولان ~~للشافعي رحمه الله: (أحدهما) لا يحل كما في السهم ms0667 والجامع أن كلا منهما ~~ميت بغير جرح فهو وقيذ، (والثاني): أنه يحل لأنه حكم بإباحة ما صاده ~~الكلب ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكرناه لأنه قد دخل في العموم. (فإن ~~قيل): فلم لا فصل في حكم الكلب، فقال ما ذكرتم: إن جرحه فهو حلال وإن لم ~~يجرحه فهو حرام؟ (فالجواب): أن ذلك نادر لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره ~~أو نابه أو بهما معا، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر وكذا قتله إياه ~~بثقله، فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك لندوره، أو لظهور حكمه عند من علم ~~تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وأما السهم ~~والمعراض فتارة يخطىء لسوء رمي راميه أو للهو أو لنحو ذلك، بل خطؤه أكثر ~~من إصابته، فلهذا ذكر كلا من حكميه مفصلا، والله أعلم. ولهذا لما كان ~~الكلب من شأنه أنه قد يأكل من الصيد ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد فقال: " ~~إن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه " ، وهذا صحيح ثابت في ~~الصحيحين، وهو أيضا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين، فقالوا: لا ~~يحل ما أكل منه الكلب. # حكي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه وأحمد بن ~~حنبل والشافعي في المشهور عنه، وروى ابن جرير في تفسيره عن ابن عمر وابن ~~عباس: أن الصيد يؤكل وإن أكل منه الكلب، حتى قال سعيد وسلمان وأبو هريرة ~~وغيرهم: يؤكل ولو لم يبق منه إلا بضعة، وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في ~~قوله القديم، وأومأ في الجديد إلى قولين، وقد روى أبو داود بإسناد جيد ~~قوي عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في صيد ~~الكلب: # " إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك ~~". # فأما الجوارح من الطيور، فنص الشافعي على أنها كالكلب، فيحرم ما أكلت ~~منه عند الجمهور، ولا يحرم عند الآخرين، واختار المزني من أصحابنا أنه لا ~~يحرم أكل ما ms0668 أكلت منه الطيور والجوارح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، قالوا: ~~لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه، وأيضا فإنها لا تعلم ~~إلا بأكلها من الصيد، فيعفى عن ذلك، وأيضا فالنص إنما ورد في الكلب لا ~~في الطير، وأما { المتردية } فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال ~~فتموت بذلك فلا تحل، قال ابن عباس: المتردية التي تسقط من جبل، وقال ~~قتادة: هي التي تتردى في بئر، وقال السدي: هي التي تقع من جبل أو تتردى ~~في بئر، وأما { النطيحة } فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها فهي ~~حرام، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها، والنطيحة فعيلة ~~بمعنى مفعولة أي منطوحة، وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء ~~التأنيث، فيقولون: عين كحيل، وكف خضيب، ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين ~~كحيلة، وأما هذه فقال بعض النحاة إنما استعمل فيها تاء التأنيث لأنها ~~أجريت مجرى الأسماء، كما في قولهم طريقة طويلة، وقال بعضهم: إنما أتى ~~بتاء التأنيث فيها لتدل على التأنيث من أول وهلة، بخلاف عين كحيل وكف ~~خضيب، لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام. وقوله تعالى: { ومآ أكل ~~السبع } أي ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب فأكل بعضها ~~فماتت بذلك فهي حرام، وإن كان قد سال منها الدم، ولو من مذبحها، فلا تحل ~~بالإجماع، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير ~~أو البقرة أو نحو ذلك، فحرم الله ذلك على المؤمنين. # وقوله: { إلا ما ذكيتم } عائد على ما يمكن عوده عليه مما ~~انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود ~~على قوله: { والمنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة ومآ أكل السبع }. # وقال ابن عباس في قوله: { إلا ما ذكيتم } يقول: إلا ما ذبحتم ~~من هؤلاء وفيه روح فكلوه فهو ذكي، وقال بن أبي حاتم عن علي في الآية قال: ~~إن مصعت بذنبها أو ركضت برجلها أو طرفت بعينها فكل، وقال ms0669 ابن جرير، عن ~~علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة وهي تحرك يدا أو ~~رجلا فكلها، وهكذا روي عن طاووس والحسن: أن المذكاة متى تحركت بحركة ~~تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح فهي حلال؛ وهذا مذهب جمهور الفقهاء، ~~وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل. وقال ابن وهب: سئل مالك عن ~~الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها؟ فقال مالك: لا أرى أن ~~تذكى، أي شيء يذكى منها. وقال أشهب: سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش ~~فيدق ظهره أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل؟ فقال: إن كان قد بلغ السحر ~~فلا أرى أن يؤكل، وإن كان أصاب أطرافه فلا أرى بذلك بأسا، قيل له: وثب ~~عليه فدق ظهره، فقال: لا يعجبني، هذا لا يعيش منه، قيل له: فالذئب يعدو ~~على الشاة فيثقب بطنها ولا يثقب الأمعاء، فقال: إذا شق بطنها فلا أرى أن ~~تؤكل، هذا مذهب مالك رحمه الله؛ وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك رحمه ~~الله من الصور التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها، فيحتاج إلى ~~دليل مخصص للآية والله أعلم. وفي الصحيحين عن رافع بن خديج أنه قال، # " قلت: يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح ~~بالقصب؟ فقال: " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظفر. ~~وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة " # ، وفي الحديث الذي رواه الدارقطني مرفوعا، وروي عن عمر موقوفا وهو ~~أصح: # " ألا إن الذكاة في الحلق واللبة ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق " # وفي الحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه ~~قال، # " قلت: يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق؟ فقال: " لو ~~طعنت في فخذها لأجزأ عنك " # وهو حديث صحيح، ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه في الحلق واللبة. # وقوله تعالى: { وما ذبح على النصب } كانت النصب حجارة حول ~~الكعبة، قال ابن جريج: وهي ثلثمائة وستون ms0670 نصبا، كانت العرب في جاهليتها ~~يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون ~~اللحم ويضعونه على النصب، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم ~~أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله. # فالذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا ~~على هذا، لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله. وقوله تعالى: { ~~وأن تستقسموا بالأزلام } أي حرم عليكم أيها المؤمنون ~~الاستقسام بالأزلام، واحدها زلم، وقد تفتح الزاي فيقال: زلم، وقد كانت ~~العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة على أحدها مكتوب ~~إفعل، وعلى الآخر لا تفعل والثالث غفل ليس عليه شيء، ومن الناس من قال: ~~مكتوب على الواحد أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، والثالث غفل ليس عليه ~~شيء، فإذا أجالها فطلع سهم الأمر فعله، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ ~~أعاد، والاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام، هكذا قرر ابن جرير، ~~وعن ابن عباس { وأن تستقسموا بالأزلام } قال: والأزلام ~~قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور، وذكر محمد بن إسحاق وغيره: أن أعظم ~~أصنام قريش صنم كان يقال له هبل منصوب على بئر داخل الكعبة فيها توضع ~~الهدايا وأموال الكعبة فيه، وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون ~~فيه مما أشكل عليهم، فلما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم يعدلوا عنه، وثبت ~~في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة وجد إبراهيم ~~وإسماعيل مصورين فيها، وفي أيديهما الأزلام فقال: # " قاتلهم الله، لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا " # وفي الصحيحين أن (سراقة بن مالك بن جعشم) لما خرج في طلب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبي بكر وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين قال: فاستقسمت ~~بالأزلام هل أضرهم أم لا فخرج الذي أكره: لا تضرهم، قال: فعصيت الأزلام، ~~واتبعتهم، ثم إنه استقسم بها ثانية، وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره: لا ~~تضرهم، وكان كذلك، وكان ms0671 سراقة لم يسلم إذ ذاك ثم أسلم بعد ذلك. # { ذلكم فسق } أي تعاطيه فسق وغي وضلالة وجهالة وشرك؛ وقد أمر ~~الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يتسخيروه بأن يعبدوه ثم يسألوه ~~الخيرة في الأمر الذي يريدونه، كما روى الإمام أحمد والبخاري عن جابر بن ~~عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في ~~الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: # " إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم ~~إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك. وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ~~ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا ~~الأمر - ويسميه باسمه - خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري - أو ~~قال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم! وإن ~~كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفني عنه، ~~واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به ". # وقوله تعالى: { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } ~~قال ابن عباس: يعني يئسوا أن يراجعوا دينهم، وكذا روي عن عطاء ومقاتل ~~وعلى هذا المعنى يرد الحديث الثابت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش ~~بينهم " # ، ويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين لما تميز به ~~المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله، ولهذا قال تعالى آمرا ~~لعباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار ولا يخافوا أحدا ~~إلا الله، فقال: { فلا تخشوهم واخشون } أي لا تخافوهم في ~~مخالفتكم إياهم واخشوني أنصركم عليهم وأؤيدكم وأظفركم بهم، وأشف صدوركم ~~منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة. وقوله: { اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلم دينا } هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل ~~تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات ~~الله وسلامه عليه، ms0672 ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس ~~والجن، فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما ~~شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى: # وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا # [الأنعام: 115] أي صدقا في الأخبار، وعدلا في الأوامر والنواهي. فلما ~~أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة، ولهذا قال تعالى: { اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلم دينا } أي فارضوه أنتم لأنفسكم فإنه الدين ~~الذي أحبه الله ورضيه وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه، ~~وقال ابن عباس قوله: { اليوم أكملت لكم دينكم } وهو ~~الإسلام أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه قد أكمل لهم ~~الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدا، ~~وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا. وقال السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة، ~~ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام. وقال ابن جرير: مات رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوما. # لما نزلت { اليوم أكملت لكم دينكم } وذلك يوم الحج ~~الأكبر بكى عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما يبكيك "؟ قال ~~أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا ~~نقص، فقال: " صدقت " ، ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت: # " إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء " # ، وقال الإمام أحمد: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا ~~أمير المؤمنين إنكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت ~~لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية؟ قال قوله: { اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } ، فقال ~~عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عشية عرفة في ~~يوم جمعة. ولفظ البخاري قال، قالت اليهود لعمر: إنكم تقرأون آية لو نزلت ~~فينا ms0673 لاتخذناها عيدا، فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنزلت: يوم عرفة وأنا والله بعرفة، قال ~~سفيان: وأشك كان يوم الجمعة أم لا { اليوم أكملت لكم ~~دينكم } الآية، وقال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية ~~لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه، فقال عمر: ~~أي آية يا كعب؟ فقال: { اليوم أكملت لكم دينكم } فقال ~~عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت، والمكان الذي أنزلت فيه: في يوم الجمعة ~~ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد. وعن علي قال: نزلت هذه الآية على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم عشية عرفة { اليوم أكملت ~~لكم دينكم }. # وقوله تعالى: { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف ~~لإثم فإن الله غفور رحيم } أي فمن احتاج إلى تناول شيء ~~من هذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله ~~تناوله، والله غفور رحيم له، لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره ~~إلى ذلك فيتجاوز عنه ويغفر له. وفي المسند عن ابن عمر مرفوعا قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى معصيته " # لفظ ابن حبان؛ وفي لفظ لأحمد: # " من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة " # ، ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبا في بعض الأحيان، وهو ~~ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبا، وقد يكون مباحا ~~بحسب الأحوال، واختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق، أو له أن ~~يشبع أو يشبع ويتزود؟ على أقوال؛ كما هو مقرر في كتاب الأحكام، وليس من ~~شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما، كما قد ~~يتوهمه كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له. وقد قال ~~الإمام أحمد، عن أبي واقد الليثي، أنهم قالوا: # " يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها ms0674 المخمصة فمتى تحل لنا بها الميتة؟ ~~فقال: " إذا لم تصطبحوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا بها بقلا فشأنكم بها ~~" # ، وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين ومعنى قوله: " ما لم تصطبحوا " يعني ~~به الغداء " وما لم تغتبقوا " يعني به العشاء " أو تحتفئوا بقلا فشأنكم ~~بها " فكلوا منها. وقال ابن جرير: يروى هذا الحرف، يعني قوله: " أو ~~تحتفئوا " على أربعة أوجه: تحتفئوا بالهمزة، وتحتفيوا: بتخفيف الياء ~~والحاء، وتحتفوا بتشديد الفاء، وتحتفوا بالحاء والتخفيف ويحتمل الهمز، ~~كذا رواه في التفسير. (حديث آخر): قال أبو داود عن النجيع العامري أنه ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما يحل لنا من الميتة؟ قال: " ما ~~طعامكم؟ " قلنا: نصطبح ونغتبق. قال أبو نعيم: فسره لي عقبة، قدح غدوة ~~وقدح عشية، قال: ذاك وأبي الجوع، وأحل لهم الميتة على هذه الحال. تفرد به ~~أبو داود، وكأنهم يصطبحون ويغتبقون شيئا لا يكفيهم، فأحل لهم الميتة ~~لتمام كفايتهم، وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع، ~~ولا يتقيد ذلك بسد الرمق والله أعلم. (حديث آخر): قال أبو داود عن جابر ~~عن سمرة: أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال له رجل: إن ناقتي ضلت ~~فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها ولم يجد صاحبها، فمرضت فقالت له امرأته: ~~انحرها، فأبى، فنفقت، فقالت له امرأته: أسلخها حتى تقدد شحمها ولحمها ~~فنأكله، قال: لا، حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه فسأله، ~~فقال: " هل عندك غنى يغنيك " قال: لا، قال: " فكلوها " ، قال: فجاء ~~صاحبها فأخبره الخبر فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك. وقد يحتج ~~به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها، ~~والله أعلم. وقوله: { غير متجانف لإثم } أي متعاط لمعصية ~~الله، فإن الله قد أباح ذلك له، وسكت عن الآخر، كما قال في سورة البقرة: # فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن ~~الله غفور رحيم # [الآية: 173]، وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص ms0675 ~~بشيء من رخص السفر لأن الرخص لا تنال بالمعاصي، والله أعلم. ### || [5.4] # لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، ~~إما في بدنه أو في دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة ~~كما قال تعالى: # وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما ~~اضطررتم إليه # [الأنعام: 119] قال بعدها: { يسألونك ماذآ أحل لهم قل ~~أحل لكم الطيبات } كما في سورة الأعراف في صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم أنه يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث. قال ابن أبي ~~حاتم عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين سألا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالا: يا رسول الله قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها؟ ~~فنزلت: { يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات } قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل: ~~الطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق. وقوله ~~تعالى: { وما علمتم من الجوارح مكلبين } أي أحل ~~لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها والطيبات من الرزق وأحل لكم ما ~~صدتموه بالجوارح وهي: (الكلاب والفهود والصقور وأشباهها)، كما هو مذهب ~~الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، وممن قال ذلك ابن عباس في قوله: { ~~وما علمتم من الجوارح مكلبين } ، وهن الكلاب ~~المعلمة والبازي وكل طير يعلم للصيد، والجوارح يعني الكلاب الضواري ~~والفهود والصقور وأشباهها. رواه ابن أبي حاتم، وروي عن الحسن أنه قال: ~~البازي والصقر من الجوارح، ثم روي عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله، وقرأ ~~قوله: { وما علمتم من الجوارح مكلبين } ، ثم قال: ~~أخبرنا ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال: أما ما صاد من الطير البازات ~~وغيرها من الطير فما أدركت فهو لك وإلا فلا تطعمه. قلت: والمحكي عن ~~الجمهور أن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب لأنها تكلب الصيد بمخالبها كما ~~تكلبه الكلاب فلا فرق، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واختاره ابن ~~جرير. واحتج في ذلك بما رواه عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول ms0676 الله صلى ~~الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال: # " ما أمسك عليك فكل " # ، وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهن جوارح: من الجرح وهو الكسب، كما ~~تقول العرب: فلان جرح أهله خيرا أي كسبهم خيرا، ويقولون: فلان لا جارح ~~له أي لا كاسب له، وقال الله تعالى: # ويعلم ما جرحتم بالنهار # [الأنعام: 60] أي ما كسبتم من خير وشر، وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية ~~الشريفة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم عن أبي رافع مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، فقلت، فجاء الناس ~~فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت؛ ~~فأنزل الله: { يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين } ~~الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أرسل الرجل كلبه وسمى فأمسك ~~عليه فليأكل ما لم يأكل ". # وقوله تعالى: { مكلبين } يحتمل أن يكون حالا من الضمير في { ~~علمتم } فيكون حالا من الفاعل، ويحتمل أين يكون حالا من المفعول ~~وهو { الجوارح } أي وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات ~~للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو أظفارها، فيستدل بذلك والحالة هذه على ~~أن الجارح إذا قتل الصيد بصدمته وبمخلابه وظفره أنه لا يحل له كما هو أحد ~~قولي الشافعي وطائفة من العلماء، ولهذا قال: { تعلمونهن مما ~~علمكم الله } وهو أنه إذا أرسله استرسل، وإذا أشلاه استشلى، ~~وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه، ولهذا ~~قال تعالى: { فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم ~~الله عليه } فمتى كان الجارح معلما وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر ~~اسم الله عليه وقت إرساله، حل الصيد وإن قتله بالإجماع. وقد وردت السنة ~~بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم ~~قال: # " قلت يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله، فقال: " ~~إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله ms0677 فكل ما أمسك عليك ". قلت: وإن ~~قتلن؟ قال: " وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على ~~كلبك ولم تسم على غيره ". قلت له: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: ~~" إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ فلا تأكله " # ، وفي لفظ لهما # " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، ~~وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاته " # ، وفي رواية لهما: # " فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه " # ، فهذا دليل للجمهور وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنه إذا أكل الكلب ~~من الصيد يحرم مطلقا ولم يستفصلوا، كما ورد بذلك الحديث، وحكي عن طائفة ~~من السلف أنهم قالوا لا يحرم مطلقا. # وقوله تعالى: { فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا ~~اسم الله عليه } أي عند إرساله، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لعدي بن حاتم: # " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك " # ، وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضا: # " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله " # ، ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة، كالإمام أحمد رحمه الله في المشهور ~~عنه التسمية عند إرسال الكلب والرمي بالسهم لهذه الآية، وهذا الحديث، ~~وهذا القول هو المشهور عن الجمهور، أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية ~~عند الإرسال. # كما قال السدي وغيره. وقال ابن عباس في قوله: { واذكروا اسم ~~الله عليه } يقول: إذا أرسلت جارحك فقل باسم الله وإن نسيت فلا ~~حرج، وقال بعض الناس: المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل، كما ~~ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ربيبه عمر بن أبي ~~سلمة فقال: # " سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " # وفي صحيح البخاري عن عائشة أنهم قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتوننا ~~حديث عهدهم بكفر بلحمان لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فقال: # " سموا الله أنتم وكلوا " # (وحديث ms0678 آخر): وقال الإمام أحمد عن عائشة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطعام في ستة نفر من ~~أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~أما إنه لو كان ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم طعاما فليذكر اسم ~~الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل باسم الله أوله وآخره " # (وحديث آخر): قال الإمام أحمد عن حذيفة، قال: # " كنا إذا حضرنا مع النبي على طعام لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله، ~~فيضع يده، وإنا حضرنا معه طعاما فجاءت جارية كأنما تدفع، فذهبت تضع يدها ~~في الطعام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، وجاء أعرابي كأنما ~~يدفع فذهب يضع يده في الطعام فأخذ رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بيده، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان يستحل الطعام إذا لم ~~يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها، وجاء ~~بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع ~~يديهما " # ، يعني الشيطان وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي. (حديث آخر): روى ~~مسلم وأهل السنن إلا الترمذي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إذا دخل الرجل بيته فذكر اسم الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: ~~لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل ولم يذكر اسم الله عند دخوله قال ~~الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه قال: أدركتم ~~المبيت والعشاء " # ، لفظ أبي داود. (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن وحشي بن حرب عن أبيه عن ~~جده أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: # " إنا نأكل وما نشبع، قال: " فلعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على ~~طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه " # ، ورواه أبو داود وابن ماجه. ### || [5.5] # لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث وما أحله لهم من ~~الطيبات قال بعده: { اليوم أحل لكم الطيبات } ، ثم ms0679 ذكر ~~حكم ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى، فقال: { وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم } ، قال ابن عباس: يعني ذبائحهم، وهذا ~~أمر مجمع عليه بين العلماء، إن ذبائحهم حلال للمسلمين لأنهم يعتقدون ~~تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن ~~اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه تعالى وتقدس. وقد ثبت في الصحيح عن عبد ~~الله بن مغفل قال: أدلي بجراب من شحم يوم خيبر، فحضنته، وقلت: لا أعطي ~~اليوم من هذا أحدا والتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم، وفي ~~الصحيح أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية وقد ~~سموا ذراعها، وكان يعجبه الذراع، فتناوله فنهش منه نهشة، فأخبره الذراع ~~أنه مسموم فلفظه، وأثر ذلك في ثنايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~أبهره، وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور فمات، فقتل اليهودية التي ~~سمتها، وكان اسمها زينب. وقال ابن أبي حاتم، عن مكحول قال: أنزل الله: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 121]، ثم نسخه الرب عز وجل ورحم المسلمين فقال: { ~~اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم } فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب، وفي هذا ~~الذي قاله مكحول رحمه الله نظر، فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب ~~إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم ~~وقرابينهم وهم متعبدون بذلك، ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ~~ومن شابههم لأنهم لم يذكروا اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما ~~يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين ومن ~~شاكلهم من السامرة والصائبة ومن يتمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من ~~الأنبياء على أحد قولي العلماء، ونصارى العرب كبني تغلب وتنوخ وبهرا ~~وجذام ولخم وعاملة ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور. # وقال أبو جعفر بن جرير عن محمد بن عبيدة قال، قال علي: لا تأكلوا ذبائح ~~بني ms0680 تغلب لأنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر، وكذا قال غير واحد ~~من الخلف والسلف. وقوله تعالى: { وطعامكم حل لهم } أي ويحل ~~لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، وليس هذا إخبارا عن الحكم عندهم، اللهم إلا ~~أن يكون خبرا عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم الله عليه، سواء ~~كان من أهل ملتهم أو غيرها، والأول أظهر في المعنى أي ولكم أن تطعموهم من ~~ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة ~~والمجازاة، كما ألبس النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه لعبد الله بن أبي ابن ~~سلول حين مات ودفنه فيه، وقالوا: لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ~~ثوبه، فجازاه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأما الحديث الذي فيه: # " لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي " # فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم. # وقوله تعالى: { والمحصنات من المؤمنات } أي وأحل لكم ~~نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وذكر هذا توطئة لما بعده وهو ~~قوله تعالى: { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم } فقيل أراد بالمحصنات الحرائر دون الإماء حكاه ابن جرير عن ~~مجاهد، وإنما قال مجاهد: المحصنات الحرائر، فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه ~~عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة، كما قال في الرواية الأخرى ~~عنه، وهو قول الجمهور ههنا، وهو الأشبه لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية، ~~وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية ويتحصل زوجها على ما قيل في ~~المثل: " حشفا وسوء كيلة ". والظاهر من الآية أن المراد من المحصنات: ~~العفيفات عن الزنا كما قال تعالى في الآية الأخرى: # محصنت غير مسفحت ولا متخذت أخدان # [النساء: 25]؛ وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى الترويج بالنصرانية، ~~ويقول: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول إن ربها عيسى، وقد قال الله تعالى: # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: 221] الآية. وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس: نزلت هذه الآية # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: 221] قال: فحجز الناس عنهن ms0681 حتى نزلت الآية التي بعدها: { ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } ، ~~فنكح الناس نساء أهل الكتاب، وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ~~ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية الكريمة { والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } فجعلوا هذه مخصصة للتي ~~في سورة البقرة # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [الآية: 221] إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها ~~وبينها لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، ~~كقوله تعالى: # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة # [البينة: 1]، وقوله: { إذآ آتيتموهن أجورهن } أي مهورهن، ~~أي كما هن محصنات عفائف، فابذلوا لهن المهور عن طيب نفس. وقد أفتى جابر ~~ابن عبد الله وإبراهيم النخعي والحسن البصري: بأن الرجل إذا نكح امرأة ~~فزنت قبل دخوله بها أنه يفرق بينهما، وترد عليه ما بذل لها من المهر، ~~رواه ابن جرير عنهم. # وقوله تعالى: { محصنين غير مسافحين ولا متخذي ~~أخدان }. فكما شرط الإحصان في النساء، وهي العفة عن الزنا، كذلك ~~شرطها في الرجال، وهو أن يكون الرجل أيضا محصنا عفيفا، ولهذا قال غير ~~مسافحين، وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردون أنفسهم عمن ~~جاءهم { ولا متخذي أخدان } أي ذوي العشيقات الذين لا يفعلون ~~إلا معهن، ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح نكاح ~~المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك ~~لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من ~~الزنا لهذه الآية، وللحديث: # " لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله " # ، وقال ابن جرير عن الحسن قال، قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع ~~أحدا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة، فقال له أبي بن كعب: يا ~~أمير المؤمنين الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب، وسيأتي الكلام ~~على هذه المسألة مستقصى عند قوله: # الزاني لا ينكح إلا ms0682 زانية أو مشركة # [النور: 3] ولهذا قال تعالى ههنا: { ومن يكفر بالإيمان ~~فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين }. ### || [5.6] # قال كثيرون من السلف في قوله تعالى: { إذا قمتم إلى الصلاة } ~~يعني وأنتم محدثون، وقال آخرون إذا قمتم من النوم إلى الصلاة وكلاهما ~~قريب. وقال آخرون: بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام ~~إلى الصلاة ولكن هو في حق المحدث واجب، وفي حق المتطهر ندب، وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على ~~خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله إنك فعلت شيئا ~~لم تكن تفعله، قال: # " إني عمدا فعلته يا عمر " # رواه مسلم وأهل السنن. # وقال ابن جرير عن الفضل بن المبشر قال: رأيت جابر بن عبد الله يصلي ~~الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين، ~~فقلت: أبا عبد الله أشيء تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يصنعه فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله يصنعه، وفي فعل ابن عمر ~~ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة دلالة على استحباب ذلك كما هو مذهب ~~الجمهور. # وكان علي رضي الله عنه يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية: { يا ~~أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } الآية. # وقال ابن جرير عن أنس قال: توضأ عمر بن الخطاب وضوءا فيه تجوز خفيفا ~~فقال: هذا وضوء من لم يحدث، وهذا إسناد صحيح. وقال محمد بن سيرين: كان ~~الخلفاء يتوضأون لكل صلاة، أما مشروعيته استحبابا فقد دلت السنة على ~~ذلك، فعن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل ~~صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها ~~بوضوء واحد ما لم نحدث. وقد رواه البخاري وأهل السنن. وقال ابن جرير عن ~~ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات ". # وقال ابن ms0683 جرير، وقد قال قوم: إن هذه الآية نزلت إعلاما من الله أن ~~الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، وذلك ~~لأنه عليه السلام كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ، وعن عبد ~~الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا، حتى نزلت آية ~~الرخصة: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة } الآية، وقال أبو داود عن عبد الله بن عباس: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقدم إليه طعام ~~فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: " إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة ~~" # وقوله: { فاغسلوا وجوهكم } قد استدل طائفة من العلماء بقوله ~~تعالى: { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } على ~~وجوب النية في الوضوء، لأن تقدير الكلام: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم لها، كما تقول العرب إذا رأيت الأمير فقم،. أي له. وقد ثبت في ~~الصحيحين حديث: # " الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى " # ، ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه، لما ورد في ~~الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " # ، ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء، ويتأكد ذلك عند القيام ~~من النوم، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ~~ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " # وحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس، ولا اعتبار بالصلع ولا ~~بالغمم إلى منتهى اللحيين والذقن طولا، ومن الإذن إلى الإذن عرضا، ~~ويستحب للمتوضىء أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة. # قال أبو داود عن أنس بن مالك: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ ms0684 أخذ كفا من ماء فأدخله ~~تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: " هكذا أمرني به ربي عز وجل " # قال البيهقي: وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي، ~~وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه في الصحاح وغيرها أنه ~~كان إذا توضأ تمضمض واستنشق، فاختلف الأئمة في ذلك، هل هما واجبان في ~~الوضوء والغسل كما هو مذهب أحمد بن حنبل رحمه الله، أو مستحبان فيهما كما ~~هو مذهب الشافعي ومالك، أو يجبان في الغسل دون الوضوء، كما هو مذهب أبي ~~حنيفة، أو يجب الاستنشاق دون المضمضة كما هو رواية عن الإمام أحمد، لما ~~ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من توضأ فليستنشق " # ، وفي رواية: # " إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينثر " # والانتثار هو المبالغة في الاستنشاق. # وقال الإمام أحمد عن ابن عباس: أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء ~~فتمضمض بها واستنثر، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، يعني أضافها إلى يده ~~الأخرى فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ ~~غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه ثم أخذ غرفة من ماء ثم رش ~~على رجله اليمنى حتى غسلها ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها رجله اليسرى ثم ~~قال: هكذا رأيت رسول الله يعني يتوضأ. # ورواه البخاري. وقوله: { وأيديكم إلى المرافق } أي مع ~~المرافق كما قال تعالى: # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان ~~حوبا كبيرا # [النساء: 2] ويستحب للمتوضىء أن يشرع في العضد فيغسله مع ذراعيه لما روى ~~البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع ~~منكم أن يطيل غرته فليفعل " # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت خليلي يقول: # " تبلغ ms0685 الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ". # وقوله تعالى: { وامسحوا برؤوسكم } اختلفوا في هذه الباء هل ~~هي للإلصاق وهو الأظهر أو للتبعيض؟ وفيه نظر على قولين ومن الأصوليين من ~~قال: هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة. وقد ثبت في الصحيحين عن عمرو ~~بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جد ~~عمرو بن يحيى وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -: هل تستطيع أن ~~تريني كيف كان رسول الله يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم فدعا بوضوء ~~فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين مرتين ثم مضمض واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ~~ثلاثا ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما ~~وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان ~~الذي بدأ منه ثم غسل رجليه. # وروى أبو داود عن معاوية والمقداد بن معد يكرب في صفة وضوء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مثله ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل ~~مسح جميع الرأس كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل لا سيما على قول ~~من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن. وقد ذهب الحنفية إلى ~~وجوب ربع الرأس وهو مقدار الناصية وذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق ~~عليه اسم مسح ولا يتقدر ذلك بحد بل لو مسح بعض شعرة من راسه أجزأه لحديث ~~المغيرة بن شعبة قال: تخلف النبي فتخلفت معه فلما قضى حاجته قال: هل معك ~~ماء؟ فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة ~~فأخرج يديه من تحت الجبة وألقى الجبة على منكبيه فغسل ذراعيه ومسح ~~بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه. وذكر باقي الحديث وهو في صحيح مسلم ~~وغيره ثم اختلفوا في أنه هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثا كما هو المشهور ~~من مذهب الشافعي أو إنما يستحب مسحة واحدة كما هو مذهب أحمد بن حنبل ms0686 ومن ~~تابعه لحديث حمران بن أبان قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ~~ثلاثا فغسلهما ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يده اليمنى ~~إلى المرفق ثلاثا ثم غسل اليسرى مثل ذلك ثم مسح براسه ثم غسل قدمه اليمنى ~~ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا مثل ذلك ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: # " من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما ~~تقدم من ذنبه " # وفي سنن أبي داود عن عثمان في صفة الوضوء ومسح برأسه مرة واحدة واحتج من ~~استحب تكرار مسح الرأس بعموم الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عثمان ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا، وقال ~~أبو داود عن حمران قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فذكر نحوه ولم يذكر ~~المضمضة والاستنشاق قال فيه: ثم مسح رأسه ثلاثا ثم غسل رجليه ثلاثا ثم ~~قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ هكذا، وقال: # " من توضأ هكذا كفاه " # تفرد به أبو داود، ثم قال: وأحاديث عثمان في الصحاح تدل على أنه مسح ~~الرأس مرة واحدة. # وقوله تعالى: { وأرجلكم إلى الكعبين } قرىء { ~~وأرجلكم } بالنصب عطفا على { فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم } رجعت إلى الغسل وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل، كما ~~قاله السلف. ومن ههنا ذهب من ذهب إلى وجوب الترتيب في الوضوء كما هو ~~مذهب الجمهور، خلافا لأبي حنيفة حيث لم يشترط الترتيب، بل لو غسل قدميه ~~ثم مسح رأسه وغسل يديه ووجهه أجزأه ذلك؛ لأن الآية أمرت بغسل هذه ~~الأعضاء، والواو لا تدل على الترتيب قال بعضهم: لما ذكر الله تعالى هذه ~~الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب، فقطع النظير عن النظير، وأدخل ~~الممسوح بين المغسولين دل ذلك على إرادة الترتيب، وأما القراءة الأخرى، ~~وهي قراءة من قرأ { وأرجلكم } بالخفض، فقد احتج بها الشيعة في قولهم ~~بوجوب مسح الرجلين لأنها عندهم معطوفة ms0687 على مسح الرأس. وإنما جاءت هذه ~~القراءة بالخفض إما على المجاورة وتناسب الكلام، كما في قول العرب: جحر ~~ضب خرب، وكقوله تعالى: # عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق # [الإنسان: 21] وهذا ذائع شائع في لغة العرب سائغ، ومنهم من قال: هي ~~محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان، قال الشافعي رحمه الله، ~~ومنهم من قال: هي دالة على مسح الرجلين. ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف ~~كما وردت به السنة. وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين فرضا لا بد منه ~~للآية والأحاديث التي سنوردها، ومن أحسن ما يستدل به على أن المسح يطلق ~~على الغسل الخفيف ما رواه الحافظ البيهقي عن علي بن أبي طالب أنه صلى ~~الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم ~~أتى بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ~~ثم قام فشرب فضلته وهو قائم، ثم قال: إن ناسا يكرهون الشرب قائما، وإن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت، وقال: # " هذا وضوء من لم يحدث " # ، رواه البخاري في الصحيح ببعض معناه. ومن أوجب من الشيعة مسحهما كما ~~يمسح الخف فقد ضل وأضل، وكذا من جوز مسحهما وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضا، ~~ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير أنه أوجب غسلهما للأحاديث وأوجب مسحهما ~~للآية فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإن كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد ~~أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء لأنهما يليان الأرض والطين ~~وغير ذلك، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، ~~فاعتقد من لم يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما ~~فحكاه من حكاه كذلك؛ ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء وهو معذور، فإنه لا ~~معنى للجمع بين المسح والغسل سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندارجه فيه، ~~وإنما أراد الرجل ما ذكرته والله أعلم، ثم تأملت كلامه أيضا فإذا هو ~~يحاول الجمع بين القراءتين في قوله: { وأرجلكم } خفضا ms0688 على المسح وهو ~~الدلك، ونصبا على الغسل فأوجبهما أخذا بالجمع بين هذه وهذه. # (ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه) # قد تقدم في حديث أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غسل الرجلين في وضوئه إما مرة وإما مرتين أو ثلاثا على ~~اختلاف رواياتهم، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم توضأ فغسل قدميه ثم قال: # " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " # وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو قال: # " تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا، وقد ~~أرهقتنا الصلاة: صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى ~~بأعلى صوته: " أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار " # ، وفي رواية: # " ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار " # ، رواه البيهقي والحاكم. وقال الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال: # " رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رجل رجل مثل الدرهم لم يغسله فقال: ~~" ويل للأعقاب من النار " # وقال ابن جرير عن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر ~~قوما يصلون وفي عقب أحدهم أو كعب أحدهم مثل موضع الدرهم أو موضع الظفر ~~لم يمسه الماء فقال: # " ويل للأعقاب من النار " # ، قال: فجعل الرجل إذا رأى في عقبه شيئا لم يصبه الماء أعاد وضوءه. ~~ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهر، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما ~~أو أنه يجوز ذلك فيهما لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع ~~الرجل بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف، وهكذا وجه هذه الدلالة على ~~الشيعة الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى، وقد روى مسلم في صحيحه ~~عن عمر بن الخطاب: # " أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال: " ارجع فأحسن وضوءك " # وقال الإمام أحمد عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه ms0689 ~~وسلم أنه رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء ~~فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء. ورواه أبو داود وزاد ~~" والصلاة " وهذا إسناد جيد قوي صحيح، والله أعلم. # وقال الإمام أحمد، قال أبو أمامة: حدثنا عمرو بن عبسة، قال، قلت: يا ~~رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: # " ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر، إلا خرت خطاياه ~~من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا ~~خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا ~~خرت خطايا يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من ~~أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا خرت ~~خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه ~~بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " # قال أبو أمامة: يا عمرو انظر ما تقول، سمعت هذا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، أيعطي هذا الرجل كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عبسة: يا أبا ~~أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على ~~الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو لم أسمعه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا، لقد سمعته سبع مرات أو أكثر ~~من ذلك، وهذا إسناد صحيح، وهو في صحيح مسلم من وجه آخر، وفيه: ثم يغسل ~~قدميه كما أمره الله فدل على أن القرآن يأمر بالغسل، وهكذا روي عن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم، ~~وقد روى أبو داود عن أوس بن أبي أوس، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه. # وقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ms0690 ثم قال: وهذا محمول على أنه توضأ كذلك ~~وهو غير محدث، إذ كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية ~~متعارضة، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بعموم غسل القدمين في ~~الوضوء بالماء بالنقل المستفيض القاطع عذر من انتهى إليه وبلغه، ولما كان ~~القرآن آمرا بغسل الرجلين كما في قراءة النصب، وكما هو الواجب في حمل ~~قراءة الخفض عليها توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على ~~الخفين، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن لم يصح إسناده، ثم الثابت ~~عنه خلافه وليس كما زعموه، فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ~~على الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة. وقال الإمام أحمد عن جرير بن عبد ~~الله البجلي قال: أنا أسلمت بعد نزول المائدة، وأنا رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يمسح بعدما أسلمت، وفي الصحيحين عن همام قال: بال جرير ثم ~~توضأ ومسح على خفيه فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه. قال الأعمش، قال إبراهيم: فكان ~~يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، لفظ مسلم. وقد ~~ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشروعية المسح على الخفين ~~قولا منه وفعلا، وقد خالفت الروافض في ذلك بلا مستند بل بجهل وضلال، مع ~~أنه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن نكاح ~~المتعة وهم يستبيحونها، وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل ~~الرجلين مع ما ثبت بالتواتر عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على وفق ~~ما دلت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كله وليس لهم دليل صحيح في ~~نفس الأمر ولله الحمد، وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في ~~القدمين، فعندهم أنهما في ظهر القدم فعندهم ms0691 في كل رجل كعب، وعند الجمهور ~~أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. قال الربيع، قال ~~الشافعي: لم أعلم مخالفا في أن الكعبين اللذين ذكرهما الله في كتابه في ~~الوضوء هما الناتئان وهما مجمع مفصل الساق والقدم هذا لفظه. # قوله تعالى: { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء ~~أحد منكم من الغائط أو لامستم النسآء فلم ~~تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه } كل ذلك قد تقدم الكلام عليه في ~~تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إلى إعادته لئلا يطول الكلام، وقد ذكرنا ~~سبب نزول آية التيمم هناك، ولكن البخاري روى ههنا حديثا خاصا بهذه ~~الآية الكريمة، فقال عن عائشة قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون ~~المدينة فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فثنى رأسه في حجري ~~راقدا، فأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة، وقال: حبست الناس في قلادة، ~~فتمنيت الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مني؛ وقد أوجعني، ثم إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، ~~فنزلت: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم } إلى آخر الآية، فقال أسيد بن ~~الحضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم. # وقوله تعالى: { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~} أي فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر بل أباح التيمم عند المرض وعند فقد ~~الماء توسعة عليكم ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء ~~إلا من بعض الوجوه كما تقدم بيانه. # وقوله تعالى: { ولكن يريد ليطهركم وليتم ~~نعمته عليكم لعلكم تشكرون } أي لعلكم تشكرون نعمه ~~عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد ~~وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء بأن يجعل فاعله من المتطهرين ~~الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة، كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل ~~السنن عن عقبة بن عامر قال: # " كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي ms0692 فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قائما يحدث الناس، فأدركت من قوله: " ما من مسلم ~~يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلا عليهما بقلبه ووجهه إلا ~~وجبت له الجنة " قال، قلت: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي ~~قبلها أجود منها، فنظرت فإذا عمر رضي الله عنه فقال: إني قد رأيتك جئت ~~آنفا، قال: " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء يقول أشهد أن ~~لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة ~~الثمانية يدخل من أيها شاء " # لفظ مسلم. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر ~~إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه ~~كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه ~~خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا ~~من الذنوب " # رواه مسلم. وروى ابن جرير عن أبي أمامة قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ~~ويديه ورجليه " # وروى مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والله أكبر ~~تملأ ما بين السماء والأرض، والصوم جنة، والصبر ضياء، والصدقة برهان، ~~والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدوا فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " # وفي صحيح مسلم عن ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور ". ### || [5.7-11] # يقول تعالى مذكرا عباده المؤمنين نعمته عليهم في شرعه لهم هذا الدين ~~العظيم، وإرساله إليهم هذا الرسول الكريم، وما أخذ عليهم من العهد ~~والميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته ms0693 ومؤازرته، والقيام بدينه، ~~وإبلاغه عنه، وقبوله منه فقال تعالى: { واذكروا نعمة الله ~~عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم ~~سمعنا وأطعنا } وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون عليها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عند إسلامهم كما قالوا: بايعنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وأثرة علينا، أن لا ~~ننازع الأمر أهله. وقال الله تعالى: # وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم ~~لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم ~~مؤمنين # [الحديد: 8] وقيل هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود ~~في متابعة محمد صلى الله عليه وسلم والانقياد لشرعه. وقيل: هو تذكار بما ~~أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم حين استخرجهم من صلبه وأشهدهم على ~~أنفسهم # ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ # [الأعراف: 172]. قاله مجاهد والقول الأول أظهر، وهو المحكي عن ابن عباس ~~والسدي، واختاره ابن جرير. ثم قال تعالى: { واتقوا الله } تأكيد ~~وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال ثم أعلمهم أنه يعلم ما يختلج في ~~الضمائر من الأسرار والخواطر، فقال: { إن الله عليم بذات ~~الصدور } وقوله تعالى: { يا أيهآ الذين آمنوا كونوا ~~قوامين لله } أي كونوا قوامين بالحق لله عز وجل لا لأجل ~~الناس والسمعة، وكونوا { شهدآء بالقسط } أي بالعدل لا بالجور، ~~وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال: # " نحلني أبي نحلا، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه ليشهده على صدقتي فقال: " أكل ~~ولدك نحلت مثله؟ " قال: لا، فقال: " اتقوا الله واعدلوا في أولادكم " ، ~~وقال: " إني لا أشهد على جور " قال فرجع أبي فرد تلك الصدقة ". # وقوله تعالى: { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا ~~تعدلوا } أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا ~~العدل في كل أحد صديقا كان أو عدوا، ولهذا قال: { اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى } أي عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه، ودل الفعل ~~على المصدر الذي عاد الضمير عليه، كما في ms0694 قوله: # وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم # [النور: 28] وقوله: { هو أقرب للتقوى } من باب استعمال أفعل ~~التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24]، وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ثم قال تعالى: { واتقوا الله إن الله ~~خبير بما تعملون } أي وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي ~~عملتموها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولهذا قال بعده: { وعد الله ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة } أي ~~لذنوبهم { وأجر عظيم } وهو الجنة التي هي من رحمته على عباده، لا ~~ينالونها بأعمالهم بل برحمة منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم ~~أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسبابا إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ~~ورضوانه، فالكل منه وله، فله الحمد والمنة، ثم قال: { والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } ~~وهذا من عدله تعالى وحكمته وحكمه الذي لا يجور فيه، بل هو الحكم العدل ~~الحكيم القدير. # وقوله تعالى: { يا أيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمت ~~الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم فكف أيديهم عنكم } ، روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نزل منزلا وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، وعلق النبي ~~صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخذه فسله، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من ~~يمنعك مني؟ قال: " الله عز وجل " قال الأعرابي مرتين أو ثلاثا: من ~~يمنعك مني؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " الله " ، قال فشام ~~الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأخبرهم خبر ~~الأعرابي وهو جالس إلى جنبه ولم يعاقبه. وقصة هذا الأعرابي وهو (غورث بن ~~الحارث) ثابتة في الصحيح. وقال ابن عباس: إن قوما من اليهود صنعوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه طعاما ليقتلوهم، فأوحى الله إليه ~~بشأنهم، وقال أبو مالك: نزلت في ms0695 كعب بن الأشرف وأصحابه حين أرادوا أن ~~يغدروا بمحمد وأصحابه في دار كعب بن الأشرف، وذكر محمد بن إسحاق بن يسار: ~~أنها نزلت في شأن بني النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الرحى لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين، ووكلوا (عمرو ~~بن جحاش) بذلك، وأمروه إن جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت الجداء أن ~~يلقي تلك الرحى من فوقه، فأطلع الله النبي صلى الله عليه وسلم على ما ~~تمالأوا عليه، فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه، فأنزل الله في ذلك هذه ~~الآية. وقوله تعالى: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ~~يعني من توكل على الله كفاه الله ما أهمه، وحفظه من شر الناس وعصمه. ### || [5.12-14] # لما أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه عليهم ~~على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالقيام بالحق ~~والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة فيما هداهم له من ~~الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان من قبلهم ~~من أهل الكتابين (اليهود والنصارى) فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك ~~لعنا منه لهم، وطردا عن بابه وجنابه، وحجابا لقلوبهم عن الوصول إلى ~~الهدى ودين الحق وهو العلم النافع والعمل الصالح فقال تعالى: { ولقد ~~أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا منهم ~~اثني عشر نقيبا } يعني عرفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع ~~والطاعة لله ولرسوله ولكتابه، وقد ذكر ابن عباس أن هذا كان لما توجه موسى ~~عليه السلام لقتال الجبابرة، فأمر بأن يقيم نقباء من كل سبط نقيب، وهكذا ~~لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليلة العقبة كان فيهم ~~اثنا عشر نقيبا، ثلاثة من الأوس وهم: أسيد بن الحضير وسعد بن خيثمة وأبو ~~الهيثم بن التيهان رضي الله عنهم، وتسعة من الخزرج وهم: أبو أمامة أسعد ~~بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن ~~العجلان، والبراء بن معرور، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله ms0696 ~~بن عمرو بن حرام، والمنذر بن عمر بن خنيس رضي الله عنهم، وقد ذكرهم كعب ~~بن مالك في شعر له، كما أورده ابن إسحاق رحمه الله. والمقصود أن هؤلاء ~~كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك، ~~وهم الذين ولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي صلى الله عليه وسلم ~~على السمع والطاعة. # قال الإمام أحمد عن مسروق قال: # " كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود، وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: ~~يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم يملك هذه ~~الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني منها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ~~ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إثنا عشر ~~كعدة نقباء بني إسرائيل " # وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة قال: سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا " # ، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علي، فسألت، أي ماذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: " كلهم من قريش ". ومعنى هذا الحديث ~~البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحا يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من ~~هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وجد أربعة على نسق، وهم الخلفاء ~~الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ومنهم (عمر بن عبد ~~العزيز) بلا شك عند الأئمة، وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ~~ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم (المهدي) المبشر به في الأحاديث ~~الواردة بذكره، فذكر أنه يواطىء اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم واسم ~~أبيه، فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وليس هذا ~~بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامرا، فإن ذلك ليس ~~له حقيقة ولا وجود بالكلية بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات ~~الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني ms0697 عشر الذين ~~يعتقد فيهم الروافض لجهلهم وقلة عقلهم. # وفي التوراة البشارة بإسماعيل عليه السلام وأن الله يقيم من صلبه اثني ~~عشر عظيما وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود ~~وجابر بن سمرة. وبعض الجهلة ممن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة ~~يوهمونهم أنهم الأئمة الاثنا عشر، فيتشيع كثير منهم جهلا وسفها لقلة ~~علمهم وعلم من لقنهم ذلك بالسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: { وقال الله إني معكم } أي بحفظي وكلاءتي ~~ونصري { لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم ~~برسلي } أي صدقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي { وعزرتموهم ~~} أي نصرتموهم ووازرتموهم على الحق { وأقرضتم الله قرضا ~~حسنا } وهو الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته { لأكفرن عنكم ~~سيئاتكم } أي ذنوبكم أمحوها وأسترها ولا أؤاخذكم بها { ~~ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار } أي ~~أدفع عنكم المحذور وأحصل لكم المقصود وقوله: { فمن كفر بعد ~~ذلك منكم فقد ضل سوآء السبيل } أي فمن خالف هذا ~~الميثاق بعد عقده وتوكيده فقد أخطأ الطريق الواضح وعدل عن الهدى إلى ~~الضلال. ثم أخبر تعالى عما حل بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم ~~عهده فقال: { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } أي فبسبب ~~نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم أي أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن ~~الهدى { وجعلنا قلوبهم قاسية } أي فلا يتعظون بموعظة ~~لغلظها وقساوتها، { يحرفون الكلم عن مواضعه } أي فسدت ~~فهومهم وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله وحملوه ~~على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل، عياذا بالله من ذلك { ونسوا ~~حظا مما ذكروا به } أي وتركوا العمل به رغبة عنه. وقال ~~الحسن: تركوا عرى دينهم ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها. ~~وقال غيره: تركوا العمل فصاروا إلى حالة رديئة فلا قلوب سليمة ولا فطر ~~مستقيمة ولا أعمال قويمة { ولا تزال تطلع على خآئنة ~~منهم } يعني مكرهم وغدرهم لك ولأصحابك. # وقال مجاهد: يعني بذلك تمالؤهم على الفتك برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: { فاعف ms0698 عنهم واصفح } ، وهذا هو عين النصر والظفر كما ~~قال بعض السلف " ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه " ~~وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال ~~تعالى: { إن الله يحب المحسنين } يعني به الصفح عمن أساء ~~إليك. وقال قتادة: هذه الآية: { فاعف عنهم واصفح } منسوخة ~~بقوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # [التوبة: 29] الآية. # وقوله تعالى: { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ~~ميثاقهم } أي ومن الذين ادعوا أنهم نصارى متابعون المسيح ابن مريم ~~عليه السلام وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ومناصرته وموازرته واقتفاء آثاره، وعلى ~~الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود: ~~خالفوا المواثيق ونقضوا العهود، ولهذا قال تعالى: { فنسوا حظا ~~مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة ~~والبغضآء إلى يوم القيامة } أي فألقينا بينهم العداوة ~~والبغضاء لبعضهم بعضا ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة. وكذلك طوائف ~~النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضا ~~ويلعن بعضهم بعضا، فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها: فالملكية ~~تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسيه، كل طائفة ~~تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ثم قال تعالى: { وسوف ~~ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } وهذا تهديد ووعيد ~~أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وما نسبوه ~~إلى الرب عز وجل وتقدس عن قولهم علوا كبيرا من جعلهم له صاحبة ~~وولدا، تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد. ### || [5.15-16] # يقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض، عربهم وعجمهم، أميهم ~~وكتابيهم، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل، فقال تعالى: { ~~يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم ~~كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن ~~كثير } أي يبين ما ms0699 بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه، ويسكت ~~عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه. وقد روى الحاكم في مستدركه عن ابن ~~عباس رضي الله عنه قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب ~~لقوله تعالى: { يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون ~~من الكتاب } فكان الرجم مما أخفوه. ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم ~~الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: { قد جآءكم من الله نور ~~وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه ~~سبل السلام } أي طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة { ~~ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم } أي ينجيهم من المهالك، ~~ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، ~~وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلى أقوم حالة. ### || [5.17-18] # يقول تعالى مخبرا وحاكيا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم ~~وهو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه أنه هو الله، تعالى الله عن قولهم ~~علوا كبيرا، ثم قال مخبرا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره ~~وسلطانه { قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن ~~يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض ~~جميعا } أي لو أراد ذلك فمن ذا الذي كان يمنعه منه؟ أو من ذا الذي ~~يقدر على صرفه عن ذلك؟ ثم قال: { ولله ملك السموت ~~والأرض وما بينهما يخلق ما يشآء } أي جميع الموجودات ~~ملكه وخلقه وهو القادر على ما يشاء لا يسأل عما يفعل بقدرته وسلطانه ~~وعدله وعظمته، وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم ~~القيامة، ثم قال تعالى رادا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم: { ~~وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه } أي نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية وهو ~~يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: أنت ابني ~~بكري، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم ~~من عقلائهم. وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل ms0700 ~~النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم يعني ربي ~~وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه ~~السلام، وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن ~~أبناء الله وأحباؤه. قال الله تعالى رادا عليهم: { قل فلم ~~يعذبكم بذنوبكم } أي لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه فلم ~~أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية ~~لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه، ~~فتلا عليه الصوفي هذه الآية: { قل فلم يعذبكم بذنوبكم }؟ ~~وهذا الذي قال حسن. # { بل أنتم بشر ممن خلق } أي لكم أسوة أمثالكم من بني آدم ~~وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده { يغفر لمن يشآء ويعذب ~~من يشآء } أي هو فعال لما يريد لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، { ~~ولله ملك السموت والأرض وما بينهما } أي الجميع ~~ملكه وتحت قهره وسلطانه { وإليه المصير } أي المرجع والمآب إليه ~~فيحكم في عباده بما يشاء وهو العادل الذي لا يجور. وروى محمد بن إسحاق عن ~~ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن آصا، وبحري بن ~~عمرو، وشاس بن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم ~~إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد! نحن والله أبناء الله ~~وأحباؤه؛ كقول النصارى، فأنزل الله فيهم: { وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه } الآية. ### || [5.19] # يقول تعالى مخاطبا أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه أرسل إليهم ~~رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول ~~بل هو المعقب لجميعهم، ولهذا قال: على فترة من الرسل، أي بعد مدة متطاولة ~~ما بين إرساله وعيسى ابن مريم، وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي، ~~فقال قتادة: كانت ستمائة سنة، ورواه البخاري عن سلمان الفارسي وعن قتادة: ~~خمسمائة وستون سنة، وقال الضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة، وذكر ابن ~~عساكر ms0701 عن الشعبي أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة. والمشهور هو القول الأول وهو أنها ~~ستمائة سنة. وكانت الفترة بين عيسى ابن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل، ~~وبين محمد خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق، كما ثبت في صحيح البخاري ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أنا أولى الناس بابن مريم لأنه ليس بيني وبينه نبي " # وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له خالد بن سنان، ~~والمقصود أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل، ~~وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، ~~فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه أمر عمم، فإن الفساد كان قد عم ~~جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد إلا قليلا من ~~المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهود ~~والنصارى والصابئين، كما قال الإمام أحمد: حدث يحيى بن سعيد عن عياض بن ~~حماد المجاشعي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته: # " وإن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل مال ~~نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن الشياطين أتتهم ~~فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم. وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ~~أنزل به سلطانا، ثم إن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم ~~وعجمهم، إلا بقايا من بني إسرائيل. وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، ~~وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظان. ثم إن الله ~~أمرني أن أحرق قريشا فقلت: يا رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، فقال: ~~استخرجهم كما استخرجوك، واعزهم نغزك، وأنفق عليهم فسننفق عليك، وابعث ~~جيشا نبعث خمسة أمثاله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأهل الجنة ثلاثة: ذو ~~سلطان مقسط موفق متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل ~~عفيف ms0702 فقير ذو عيال. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا دين له، والذين هم ~~فيكم تبع أو تبعا - شك يحيى - لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي ~~لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك ~~عن أهلك ومالك، وذكر البخل أو الكذب، والشنظير: الفاحش ". # والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله: " وإن الله نظر إلى أهل الأرض ~~فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل " ، وفي لفظ مسلم - من ~~أهل الكتاب، وكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث الله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، فهدى الخلائق وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، ~~وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء، ولهذا قال تعالى: { أن ~~تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير } أي لئلا تحتجوا ~~وتقولوا: ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، { فقد ~~جاءكم بشير ونذير } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، { ~~والله على كل شيء قدير } قال ابن جرير: معناه إني قادر ~~على عقاب من عصاني وثواب من أطاعني. ### || [5.20-26] # يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه (موسى بن عمران) عليه السلام، ~~فيما ذكر به قومه من نعم الله عليهم وآلائه لديهم في جمعه لهم خير الدنيا ~~والآخرة لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة، فقال تعالى: { وإذ قال ~~موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم ~~إذ جعل فيكم أنبيآء } ، أي كلما هلك نبي قام فيكم نبي من ~~لدن أبيكم إبراهيم إلى من بعده، وكذلك كانوا لا يزال فيهم الأنبياء يدعون ~~إلى الله، ويحذرون نقمته حتى ختموا بعيسى ابن مريم عليه السلام، ثم أوحى ~~الله إلى خاتم الأنبياء والرسل على الإطلاق محمد بن عبد الله المنسوب إلى ~~إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام وهو أشرف من كل من تقدمه منهم صلى الله ~~عليه وسلم. وقوله: { وجعلكم ملوكا } قال عبد الرزاق عن ابن ~~عباس في قوله { وجعلكم ملوكا } قال: الخادم والمرأة والبيت ~~وعنه قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة ms0703 والخادم والدار ~~سمي ملكا. وقال ابن جرير عن عبد الله بن عمرو ابن العاص وسأله رجل فقال: ~~ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: ~~نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي ~~خادما، قال: فأنت من الملوك. وقال الحسن البصري: هل الملك إلا مركب ~~وخادم ودار، رواه ابن جرير. وقال السدي في قوله: { وجعلكم ~~ملوكا } قال: يملك الرجل منكم نفسه وماله وأهله، وقد ورد في الحديث: # " من أصبح منكم معافى في جسده، آمنا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما ~~حيزت له الدنيا بحذافيرها ". # وقوله تعالى: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ~~} يعني عالمي زمانكم، فإنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم من اليونان ~~والقبط وسائر أصناف بني آدم كما قال: # وفضلناهم على العالمين # [الجاثية: 16]. وقال تعالى إخبارا عن موسى: # قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على ~~العالمين # [الأعراف: 140] والمقصود أنهم كانوا أفضل أمم زمانهم، وإلا فهذه الأمة ~~أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجا، وأكرم نبيا، ~~وأعظم ملوكا، وأغزر أرزاقا، وأكثر أموالا وأولادا، وأوسع مملكة، ~~وأدوم عزا. قال الله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة: 143]. وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة وشرفها ~~وكرمها عند الله عند قوله تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]، وقيل: المراد { وآتاكم ما لم يؤت أحدا ~~من العالمين } يعني بذلك ما كان تعالى نزله عليهم من المن ~~والسلوى، ويظللهم به من الغمام، وغير ذلك مما كان تعالى يخصهم به من ~~خوارق العادات، فالله أعلم. ثم قال تعالى مخبرا عن تحريض موسى عليه ~~السلام لبني إسرائيل على الجهاد، والدخول إلى بيت المقدس الذي كان ~~بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر ~~أيام يوسف عليه السلام ثم لم يزالوا بها، حتى خرجوا مع موسى، فوجدوا فيها ~~قوما من العمالقة الجبارين قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول ~~الله موسى عليه السلام ms0704 بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبشرهم بالنصر ~~والظفر عليهم، فنكلوا بالذهاب وعصوا وخالفوا أمره، فعوقبوا في التيه، ~~والتمادي في سيرهم حائرين لا يدرون كيف يتوجهون فيه إلى مقصد مدة أربعين ~~سنة، عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى، فقال تعالى مخبرا عن ~~موسى أنه قال: { ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة } أي ~~المطهرة. # عن ابن عباس قال: هي الطور وما حوله، وكذا قال مجاهد وغير واحد. # وقوله تعالى: { التي كتب الله لكم } أي التي وعدكموها الله ~~على لسان أبيكم إسرائيل أنه وراثة من آمن منكم، { ولا ترتدوا ~~على أدباركم } أي تنكلوا عن الجهاد { فتنقلبوا خاسرين ~~* قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ~~ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها ~~فإنا داخلون } أي اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها ~~وقتال أهلها قوما جبارين ذوي خلق هائلة وقوى شديدة وإنا لا نقدر على ~~مقاومتهم ولا مصاولتهم، ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها، فإن ~~يخرجوا منها دخلناها، وإلا فلا طاقة لنا بهم. # وقوله تعالى: { قال رجلان من الذين يخافون أنعم ~~الله عليهما } أي فلما نكل بنوا إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة ~~رسول الله موسى صلى الله عليه وسلم حرضهم رجلان، لله عليهما نعمة عظيمة ~~وهما ممن يخاف أمر الله ويخشى عقابه. وقرأ بعضهم: { قال رجلان من ~~الذين يخافون } أي ممن لهم مهابة وموضع من الناس، ويقال إنهما ~~(يوشع بن نون) و (كالب بن يوفنا)؛ قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغير واحد ~~من السلف والخلف رحمهم الله، فقالا: { ادخلوا عليهم الباب ~~فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } أي إن توكلتم على الله ~~واتبعتم أمره ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم، وأيدكم وظفركم بهم، ~~ودخلتم البلد التي كتبها الله لكم؛ فلم ينفع ذلك فيهم شيئا { قالوا ~~ياموسى إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها ~~فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ، ~~وهذا نكول منهم عن الجهاد ومخالفة لرسولهم، وتخلف عن مقاتلة الأعداء، ~~ويقال: إنهم لما نكلوا على الجهاد، وعزموا ms0705 على الإنصراف والرجوع إلى مصر، ~~سجد موسى وهارون عليهما السلام قدام ملأ من بني إسرائيل إعظاما لما هموا ~~به، وشق يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ثيابهما، ولاما قومهما على ذلك، ~~فيقال: إنهم رجموهما، وجرى أمر عظيم وخطر جليل. # وما أحسن ما أجاب به الصحابة رضي الله عنهم يوم بدر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، حين استشارهم في قتال النفير فتكلم أبو بكر رضي الله عنه ~~فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " أشيروا علي أيها المسلمون " # وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار لأنهم كانوا جمهور الناس ~~يومئذ، فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله فوالذي بعثك بالحق ~~لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما ~~نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء لعل ~~الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. فسر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك. وممن أجاب يومئذ (المقداد ~~بن عمرو الكندي) رضي الله عنه، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ~~لقد شهدت من المقداد مشهدا، لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما عدل به، ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال: والله يا ~~رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى { فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ولكنا نقاتل عن يمينك ~~وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أشرق لذلك وسره ذلك، وهكذا رواه البخاري في المغازي، ولفظه في كتاب ~~التفسير عن عبد الله قال، قال المقداد يوم بدر: يا رسول الله لا نقول لك ~~كما قالت بنو إسرائيل لموسى: { فاذهب أنت وربك فقاتلا ~~إنا هاهنا قاعدون } ، ولكن امض ونحن معك. فكأنه سري عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وقوله ms0706 تعالى: { قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ~~فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } يعني لما نكل ~~بنو إسرائيل عن القتال غضب عليهم موسى عليه السلام، وقال داعيا عليهم: { ~~رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } أي ليس أحد يطيعني ~~منهم فيمتثل أمر الله ويجيب إلى ما دعوت إليه إلا أنا وأخي هارون { ~~فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } قال ابن عباس: ~~يعني اقض بيني وبينهم، وكذا قال الضحاك: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا ~~وبينهم، وقال غيره: افرق افصل بيننا وبينهم، كما قال الشاعر: # يا رب فافرق بينه وبيني # أشد ما فرقت بين اثنين # وقوله تعالى: { قال فإنها محرمة عليهم أربعين ~~سنة يتيهون في الأرض } الآية، لما دعا عليهم موسى عليه السلام ~~حين نكلوا عن الجهاد حكم الله بتحريم دخولها عليهم قدر مدة أربعين سنة، ~~فوقعوا في التيه يسيرون دائما لا يهتدون للخروج منه. وفيه كانت أمور ~~عجيبة وخوارق كثيرة: من تظليلهم بالغمام، وإنزال المن والسلوى عليهم، ومن ~~إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى ~~بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينا: تجري لكل شعب عين، وغير ذلك ~~من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران. # وهناك نزلت التوراة، وشرعت لهم الأحكام. عن سعيد بن جبير: سألت ابن عباس ~~عن قوله: { فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ~~يتيهون في الأرض } الآية. قال: فتاهوا في الأرض أربعين سنة ~~يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل ~~عليهم المن والسلوى. وهذا قطعة من حديث الفتون ثم كانت وفاة هارون عليه ~~السلام، ثم بعده بمدة ثلاث سنين وفاة موسى الكليم عليه السلام، وأقام ~~الله فيهم (يوشع بن نون) عليه السلام نبيا خليفة عن موسى بن عمران، ومات ~~أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة، ويقال: إنه لم يبق منهم أحد سوى ~~يوشع وكالب، فلما انقضت المدة خرج بهم يوشع بن نون عليه السلام، أو بمن ~~بقي منهم وبسائر بني إسرائيل من ms0707 الجيل الثاني، فقصد بهم بيت المقدس ~~فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر. فلما تضيفت الشمس للغروب وخشي ~~دخول السبت عليهم قال: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علي؛ فحبسها ~~الله تعالى حتى فتحها. وأمر الله (يوشع بن نون) أن يأمر بني إسرائيل حين ~~يدخلون بيت المقدس أن يدخلوا بابها سجدا، وهم يقولون حطة: أي حط عنا ~~ذنوبنا، فبدلوا ما أمروا به، ودخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حبة ~~في شعرة، وقد تقدم هذا كله في سورة البقرة. # وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه قوله: { فإنها ~~محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض } ~~قال: فتاهوا أربعين سنة، قال: فهلك موسى وهارون في التيه وكل من جاوز ~~الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون، وهو الذي قام ~~بالأمر بعد موسى. وهو الذي افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله ~~قط، فقربوه إلى النار، فلم تأته، فقال: فيكم الغلول، فدعا رؤوس الأسباط، ~~وهم اثنا عشر رجلا، فبايعهم، والتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: الغلول ~~عندك، فأخرجه، فأخرج رأس بقرة من ذهب فوضعه مع القربان فأتت النار ~~فأكلته. وهذا السياق له شاهد في الصحيح. وقد اختار ابن جرير أن قوله: { ~~فإنها محرمة عليهم } هو العامل في أربعين سنة، وأنهم ~~مكثوا لا يدخلونها أربعين سنة، وهم تائهون في البرية لا يهتدون لمقصد، ~~قال: خرجوا مع موسى عليه السلام ففتح بهم بيت المقدس، ثم احتج على ذلك ~~بإجماع علماء أخبار الأولين أن (عوج بن عنق) قتله موسى عليه السلام قال: ~~فلو كان قتله إياه قبل التيه لما رهبت بنو إسرائيل من العماليق، فدل على ~~أنه كان بعد التيه قال: وأجمعوا على أن (بلعام بن باعورا) أعان الجبارين ~~بالدعاء على موسى، قال: وما ذاك إلا بعد التيه، لأنهم كانوا قبل التيه ~~لا يخافون من موسى وقومه. # وقوله تعالى: { فلا تأس على القوم الفاسقين } تسلية ~~لموسى عليه السلام عنهم، أي لا تأسف ولا تحزن عليهم فيما حكمت عليهم ms0708 به ~~فإنهم مستحقون ذلك، وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم ~~ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمرهم به من الجهاد ~~فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو ~~يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا مع ما شهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون ~~من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم، وهم ينظرون لتقر به أعينهم ~~وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر ~~لا توازي عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم، فظهرت قبائح صنيعهم للخاص ~~والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا وهم في ~~جهلهم يعمهون، وفي غيهم يترددون، وهم البغضاء إلى الله وأعداؤه، ويقولون ~~مع ذلك نحن أبناء الله وأحباؤه، فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير ~~والقرود، وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها ~~بتأبيد الخلود، وقد فعل، وله الحمد من جميع الوجود. ### || [5.27-31] # يقول تعالى مبينا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم وهما ~~(قابيل وهابيل)، كيف عدا أحدهم على الآخر، فقتله بغيا عليه وحسدا له، ~~فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ~~ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة ~~الخاسرة في الدارين، فقال تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني ~~ءادم بالحق } أي اقصص على هؤلاء البغاة الحسدة إخوان الخنازير ~~والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم. وهما (هابيل وقابيل) ~~فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف. وقوله: { بالحق } أي على ~~الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة ~~ولا نقصان، كقوله تعالى: # إن هذا لهو القصص الحق # [آل عمران: 62]، وقوله تعالى: # نحن نقص عليك نبأهم بالحق # [الكهف: 13]، وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن ~~الله تعالى شرع لآدم عليه السلام أن يزوج بناته ms0709 من بنيه لضرورة الحال، ~~ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن ~~لذكر البطن الآخر، وكانت أخت (هابيل) دميمة وأخت (قابيل) وضيئة، فأراد أن ~~يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قربانا، فمن تقبل منه ~~فهي له، فتقبل من هابيل، ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قصه الله ~~في كتابه. # قال السدي عن ابن عباس وعن ابن مسعود: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ~~ومعه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج ~~جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر. حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل ~~وقابيل، وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، ~~وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى ~~عليه، وقال هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها، ~~وأنهما قربا قربانا إلى الله عز وجل أيهما أحق بالجارية، قرب هابيل ~~جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها، ~~فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب، وقال لأقتلنك ~~حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل: { إنما يتقبل الله من ~~المتقين }. وقال ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال: إن ابني آدم ~~اللذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما ~~صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وإنهما أمرا أن يقربا قربانا، وإن صاحب ~~الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب ~~أشر حرثه الكوزن والزوان، غير طيبة بها نفسه، وإن الله عز وجل تقبل ~~قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص ~~الله في كتابه، قال: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه ~~التحرج أن يبسط يده إلى أخيه. # وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم أمر ابنه ~~قابيل ms0710 أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل، ~~فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى ذلك قابيل وكره تكرما عن هابيل، ورغب بأخته ~~عن هابيل، وقال: نحن من ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق ~~بأختي ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، ~~فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحل لك، ~~فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، قال له أبوه: يا بني قرب قربانا ~~ويقرب أخوك هابيل قربانا فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها، وكان قابيل ~~على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قابيل قمحا، وقرب ~~هابيل أبكارا من أبكار غنمه، وبعضهم يقول: قرب بقرة، فأرسل الله نارا ~~بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يقبل القربان إذا ~~قبله. رواه ابن جرير، ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو ~~هابيل، وأن الذي قرب الطعام هو قابيل، وأنه تقبل من هابيل شاته، حتى قال ~~ابن عباس وغيره: إنها الكبش الذي فدي به الذبيح وهو مناسب، والله أعلم. ~~ولم يتقبل من قابيل، كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف وهو المشهور ~~عن مجاهد أيضا. # ومعنى قوله: { إنما يتقبل الله من المتقين } أي ~~ممن اتقى الله في فعله ذلك. وفي الحديث عن معاذ بن جبل، قال: يحبس الناس ~~في بقيع واحد ينادي مناد، أي المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب ~~الله منهم ولا يستتر، قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة ~~الأوثان، وأخلصوا العبادة فيمرون إلى الجنة. # وقوله تعالى: { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا ~~بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين } يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه ~~لتقواه، حين توعده أخوه بالقتل عن غير ما ذنب منه إليه { لئن بسطت ~~إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك ~~لأقتلك } أي لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت ms0711 سواء ~~في الخطيئة { إني أخاف الله رب العالمين } أي من أن ~~أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب، قال عبد الله بن عمرو: وايم الله ~~إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع؛ ولهذا ثبت في الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " قالوا: يا ~~رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: " إنه كان حريصا على قتل ~~صاحبه " # وقال الإمام أحمد عن بشر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال، عند فتنة ~~عثمان: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من ~~الماشي، والماشي خير من الساعي " قال: أفرأيت إن دخل على بيتي فبسط يده ~~إلي ليقتلني؟ فقال: " كن كابن آدم " # قال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة { لئن ~~بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي ~~إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين } ~~لعثمان بن عفان رضي الله عنه، رواه ابن أبي حاتم. # وقوله تعالى: { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ~~فتكون من أصحاب النار وذلك جزآء الظالمين } قال ~~ابن عباس ومجاهد: أي بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك، وقال آخرون: ~~يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي. عن ~~مجاهد { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } يقول: إني ~~أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي فتبوء بهما جميعا. (قلت): وقد يتوهم كثير ~~من الناس هذا القول ويذكرون في ذلك حديثا لا أصل له " ما ترك القاتل على ~~المقتول من ذنب ". وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا يشبه هذا ولكن ~~ليس به فقال عن عائشة، قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه " # ، وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ~~ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل فلا، ولكن قد ms0712 يتفق هذا في بعض الأشخاص ~~وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته ~~بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطرحت على ~~القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل. وقد صح ~~الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم كلها، والقتل من ~~أعظمها وأشدها والله أعلم. فإن قيل: كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه ~~قابيل إثم قتله؟ والجواب أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن ~~قاتله بل يكف عنه يده طالبا إن وقع قتل أن يكون من أخيه لا منه. وهذا ~~الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ وزجرا له لو انزجر، ولهذا قال: { إني ~~أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } أي تتحمل إثمي وإثمك { ~~فتكون من أصحاب النار وذلك جزآء الظالمين } ~~وقال ابن عباس: خوفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر. # وقوله تعالى: { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله ~~فأصبح من الخاسرين } أي فحسنت وسولت له نفسه وشخصه على قتل ~~أخيه فقتله أي بعد هذه الموعظة، وهذا الزجر. وقد تقدم أنه قتله بحديدة في ~~يده، وقال السدي: { فطوعت له نفسه قتل أخيه } فطلبه ~~ليقتله فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يوما من الأيام، وهو يرعى ~~غنما له، وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات، فتركه بالعراء. رواه ~~ابن جرير. وعن بعض أهل الكتاب أنه قتله خنقا وعضا كما تقتل السباع. ~~وقال ابن جرير: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة ووضع ~~رأسها على حجر ثم أخذ حجرا آخر فضرب به رأسها حتى قتلها، وابن آدم ينظر، ~~ففعل بأخيه مثل ذلك. وقال عبد الله بن وهب: أخذ برأسه ليقتله فاضطجع له ~~وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال: أتريد أن ~~تقتله، قال: نعم، قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه، قال: فأخذها ~~فألقاها عليه فشدخ رأسه، ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعا، فقال: يا حواء ms0713 إن ~~قابيل قتل هابيل فقالت له: ويحك وأي شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل ولا ~~يشرب ولا يتحرك، قالت: ذلك الموت؟ قال: فهو الموت، فجعلت تصيح حتى دخل ~~عليها آدم وهي تصيح، فقال: ما لك؟ فلم تكلمه فرجع إليها مرتين فلم تكلمه، ~~فقال: عليك الصيحة وعلى بناتك، وأنا وبني منها برآء. رواه ابن أبي حاتم. ~~وقوله: { فأصبح من الخاسرين } أي في الدنيا والآخرة، وأي ~~خسارة أعظم من هذه. عن عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان ~~أول من سن القتل " # ، وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود. # وقوله تعالى: { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ~~ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال ياويلتا ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة ~~أخي فأصبح من النادمين } قال السدي: لما مات الغلام تركه ~~بالعراء ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما ~~صاحبه، فحفر له ثم حثى عليه، فلما رآه قال: { ياويلتا أعجزت ~~أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي }؟ ~~وقال ابن عباس: جاء غراب إلى غراب ميت فبحث عليه من التراب حتى واراه، ~~فقال الذي قتل أخاه { ياويلتا أعجزت أن أكون مثل ~~هذا الغراب فأواري سوءة أخي } ، وقال الضحاك عن ابن ~~عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة حتى بعث الله الغرابين فرآهما ~~يبحثان فقال: { أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب } ~~فدفن أخاه. # وزعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل قال له الله عز وجل: ~~يا قابيل أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رقيبا، فقال الله: ~~إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض الآن، أنت ملعون من الأرض التي فتحت ~~فاها، فتلقت دم أخيك من يدك، فإن أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك ~~حرثها، حتى تكون فزعا تائها في الأرض. # وقوله تعالى: { فأصبح من النادمين } قال الحسن البصري: علاه ~~الله ms0714 بندامة بعد خسران. فهذه أقوال المفسرين في هذه القصة، وكلهم متفقون ~~على أن هذين ابنا آدم لصلبه كما هو ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في ~~قوله: # " إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل " # ، وهذا ظاهر جلي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا من خيرهم ودعوا شرهم " # ، والظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة، كما ذكره مجاهد وابن جبير: أنه علقت ~~ساقه بفخذه يوم قتله وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له ~~وتنكيلا به. وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في ~~الآخرة من البغي وقطيعة الرحم " # ، وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ### || [5.32-34] # يقول تعالى من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلما وعدوانا { كتبنا على ~~بني إسرائيل } أي شرعنا لهم وأعلمناهم { أنه من قتل ~~نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل ~~الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا } أي من قتل نفسا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض، واستحل ~~قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس جميعا، لأنه لا فرق عنده بين ~~نفس ونفس، ومن أحياها أي حرم قتلها واعتقد ذلك فقد سلم الناس كلهم منه ~~بهذا الاعتبار، ولهذا قال: { فكأنما أحيا الناس جميعا }. ~~وقال الأعمش عن أبي هريرة قال: دخلت على عثمان يوم الدار فقلت: جئت ~~لأنصرك، وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين، فقال: يا أبا هريرة أيسرك أن ~~تقتل الناس جميعا وإياي معهم؟ قلت: لا. قال: فإنك إن قتلت رجلا واحدا ~~فكأنما قتلت الناس جميعا، فانصرف مأذونا لك، مأجورا غير مأزور، قال: ~~فانصرفت ولم أقاتل. وقال ابن عباس هو كما قال الله تعالى: { من قتل ~~نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل ~~الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ms0715 ~~جميعا } وإحياؤها ألا يقتل نفسا حرمها الله فذلك الذي أحيا الناس ~~جميعا، يعني أنه من حرم قتلها إلا بحق حيي الناس منه؛ وهكذا قال مجاهد، ~~ومن أحياها أي كف عن قتلها. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: { ~~فكأنما قتل الناس جميعا } يقول: من قتل نفسا واحدة حرمها ~~الله فهو مثل من قتل الناس جميعا. وقال سعيد بن جبير: من استحل دم مسلم ~~فكأنما استحل دماء الناس جميعا، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس ~~جميعا، هذا قول وهو الأظهر، وقال مجاهد في رواية أخرى عنه: من قتل نفسا ~~بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا وذلك لأن من قتل النفس فله النار فهو ~~كما لو قتل الناس كلهم. وقال مجاهد في رواية { ومن أحياها } أي ~~أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة. وقال الحسن وقتادة في قوله: { أنه من ~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا } هذا تعظيم لتعاطي القتل. قال قتادة: عظيم ~~والله وزرها، وعظيم والله أجرها. وقال ابن المبارك عن سليمان الربعي قال، ~~قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: أي ~~والذي لا إله غيره كما كانت لبني إسرائيل، وما جعل دماء بني إسرائيل ~~أكرم على الله من دمائنا. وقال الإمام أحمد: # " جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: يا ~~رسول الله اجعلني على شيء أعيش به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~يا حمزة نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها " قال: بل نفس أحييها، قال: " ~~عليك بنفسك " # ، وقوله تعالى: { ولقد جآءتهم رسلنا بالبينت } أي ~~بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة { ثم إن كثيرا منهم ~~بعد ذلك في الأرض لمسرفون } وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ~~ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت (بنو قريظة) و (النضير) ~~يقاتلون مع الأوس والخزرج إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا ~~وضعت الحروب أوزارها فدوا من أسروه وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله ms0716 عليهم ~~ذلك في سورة البقرة حيث يقول: # ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون ~~فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم ~~والعدوان # [الآية: 85]. # وقوله تعالى: { إنما جزآء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ~~أو ينفوا من الأرض } الآية. المحاربة هي المضادة والمخالفة، ~~وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في ~~الأرض يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف منهم سعيد بن ~~المسيب: إن قبض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، وقد قال الله ~~تعالى: # وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل والله لا يحب الفساد # [البقرة: 205]، ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، كما ~~قال ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا: { إنما جزآء الذين ~~يحاربون الله ورسوله } - إلى - { أن الله غفور ~~رحيم } نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا ~~عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن ~~قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر ~~عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب. ورواه أبو داود والنسائي ~~من طريق عكرمة عن ابن عباس: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون ~~في الأرض فسادا: نزلت في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم ~~يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه. وقال ابن عباس في قوله: { ~~إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا } الآية. قال: كان قوم من أهل الكتاب ~~بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في ~~الأرض، فخير الله رسوله إن شاء أن يقتل وإن شاء أن تقطع أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف. رواه ابن جرير. # وروي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: نزلت في الحرورية { إنما جزآء ~~الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ms0717 ~~فسادا } رواه ابن مردويه، والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين ~~وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات كما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: أن ~~نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على ~~الإسلام فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشكوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك، فقال: " ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها ~~وألبانها " فقالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها، فصحوا، ~~فقتلوا الراعي وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث ~~في آثارهم فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت ~~أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا، لفظ مسلم. # وفي لفظ: وألقوا في الحرة فجعلوا يستسقون فلا يسقون، وعند البخاري، قال ~~أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله. # وقال حماد بن سلمة عن أنس بن مالك: أن ناسا من عرينة قدموا المدينة ~~فاجتووها، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة، وأمرهم أن ~~يشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فصحوا، فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا ~~الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم، ~~فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، وألقاهم في الحرة؛ ~~قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا، ونزلت: { ~~إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية. ~~وقد رواه ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: ما ندمت على حديث ما ندمت على ~~حديث سألني عنه الحجاج، قال: أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ قال: قلت: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من ~~عرينة من البحرين، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقوا من ~~بطونهم، وقد اصفرت ألوانهم، وضمرت بطونهم، فأمرهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، حتى إذا ~~رجعت إليهم ألوانهم وانخمصت بطونهم، عمدوا إلى الراعي فقتلوه، واستاقوا ms0718 ~~الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فقطع أيديهم ~~وأرجلهم وسمر أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا، فكان الحجاج إذا ~~صعد المنبر يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع أيدي قوم وأرجلهم ~~ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا، بحال ذود من الإبل، فكان الحجاج يحتج ~~بهذا الحديث على الناس. # وقد اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردويه بتطريق هذا الحديث من وجوه ~~كثيرة جدا فرحمه الله وأثابه. وقال ابن جرير: كان أناس أتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نبايعك على الإسلام، فبايعوه وهم كذبة وليس ~~الإسلام يريدون، ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح، فاشربوا من أبوالها وألبانها، قال: ~~فبينما هم كذلك إذ جاءهم الصريخ، فصرخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: قتلوا الراعي، واستاقوا النعم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فنودي في الناس: " أن يا خيل الله اركبي " ، قال: فركبوا، لا ينتظر فارس ~~فارسا، قال: وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثرهم، فلم يزالوا ~~يطلبونهم، حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: { ~~إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية، ~~قال: فكان نفيهم أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم ونفوهم من أرض ~~المسلمين، وقتل نبي الله صلى الله عليه وسلم منهم، وصلب، وقطع، وسمر ~~الأعين، قال: فما مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد، قال: ~~ونهى عن المثلة، وقال: " ولا تمثلوا بشيء ". # وقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العرنيين هل هو منسوخ أو محكم؟ فقال ~~بعضهم: هو منسوخ بهذه الآية، وزعموا أن فيها عتابا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، ومنهم من قال: هو منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، ~~وهذا القول فيه نظر. ثم قائله مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن ~~المنسوخ، وقال بعضهم: كان ms0719 هذا قبل أن تنزل الحدود، وفيه نظر، فإن قصته ~~متأخرة. ومنهم من قال: لم يسمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم، وإنما ~~عزم على ذلك حتى نزل القرآن فبين حكم المحاربين، وهذا القول أيضا فيه ~~نظر. فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل، وفي رواية سمر أعينهم. # ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن حكم ~~المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء لقوله: { ويسعون في ~~الأرض فسادا } ، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، حتى قال ~~مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتا فيقتله ويأخذ ما معه: ~~إن هذه محاربة ودمه إلى السلطان لا إلى ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه ~~عنه في إسقاط القتل. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في ~~الطرقات، فأما في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف ~~الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه. وقوله تعالى: { أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ~~أو ينفوا من الأرض } قال ابن عباس في الآية: من شهر السلاح ~~في فئة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين ~~فيه بالخيار إن شاء قتله وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله، وكذا قال ~~سعيد بن المسيب ومجاهد والضحاك، ومستند هذا القول أن ظاهر (أو) للتخيير ~~كما في نظائر ذلك في القرآن، كقوله في كفارة الفدية: # ففدية من صيام أو صدقة أو نسك # [البقرة: 196]، وكقوله في كفارة اليمين: # إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة # [المائدة: 89] وهذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية. وقال ~~الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال، كما قال الشافعي عن ابن عباس في ~~قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم ~~يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض. ~~وهكذا قال غير واحد من السلف ms0720 والأئمة. واختلفوا، هل يصلب حيا ويترك حتى ~~يموت بمنعه من الطعام والشراب، أو يقتله برمح أو نحوه، أو يقتل أولا ثم ~~يصلب، تنكيلا وتشديدا لغيره من المفسدين؟ في ذلك كله خلاف محرر في ~~موضعه، وبالله الثقة، وعليه التكلان. وأما قوله تعالى: { أو ينفوا ~~من الأرض } قال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه فيقام عليه الحد أو ~~يهرب من دار الإسلام، رواه ابن جرير عن ابن عباس، وقال آخرون: هو أن ينفى ~~من بلده إلى بلد آخر، أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية. ~~وقال عطاء الخراساني: ينفى من جند إلى جند سنين ولا يخرج من دار الإسلام، ~~وكذا قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان: أنه ينفى ولا يخرج من أرض ~~الإسلام. وقال آخرون: المراد بالنفي ههنا السجن، وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه، واختار ابن جرير: أن المراد بالنفي ههنا أن يخرج من بلده إلى ~~بلد آخر فيسجن فيه. # وقوله تعالى: { ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم } أي هذا الذي ذكرته من قتلهم ومن صلبهم وقطع ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف ونفيهم، خزي لهم بين الناس في هذه الحياة ~~الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا يؤيد ~~قول من قال: إنها نزلت في المشركين، فأما أهل الإسلام ففي صحيح مسلم عن ~~عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما أخذ على النساء ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا ~~نقتل أولادنا ولا يعضه بعضنا بعضا، فمن وفى منكم فأجره على الله ~~تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمره ~~إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. وعن علي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من أذنب ذنبا في الدنيا فعوقب به فالله أعدل من أن يثني عقوبته على ~~عبده، ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه، فالله ms0721 أكرم من ~~أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه " # وقال ابن جرير { ذلك لهم خزي في الدنيا }: يعني شر وعار ~~ونكال وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة { ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم } أي إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا فلهم في ~~الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا والعقوبة التي عاقبتهم بها ~~في الدنيا عذاب عظيم يعني عذاب جهنم. وقوله تعالى: { إلا الذين ~~تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن ~~الله غفور رحيم } أما على قول من قال: إنها في أهل الشرك، ~~فظاهر. وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط ~~عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه ~~قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع وعليه عمل الصحابة. # وروى ابن جرير عن عامر الشعبي قال: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى، وهو ~~على الكوفة في إمارة عثمان رضي الله عنه بعدما صلى المكتوبة، فقال: يا ~~أبا موسى هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، وإني كنت حاربت ~~الله ورسوله وسعيت في الأرض فسادا، وإني تبت من قبل أن تقدروا علي، فقال ~~أبو موسى: إن هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض ~~فسادا، وإنه تاب من قبل أن نقدر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير. ~~فإن يك صادقا فسبيل من صدق، وإن يك كاذبا تدركه ذنوبه، فأقام الرجل ما ~~شاء الله، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله. ثم روى ابن جرير ~~أن عليا الأسدي حارب، وأخاف السبيل، وأصاب الدم والمال، فطلبه الأئمة ~~والعامة فامتنع، ولم يقدروا عليه حتى جاء تائبا، وذلك أنه سمع رجلا ~~يقرأ هذه الآية: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم # [الزمر: 53] فوقف عليه، فقال: يا عبد الله أعد قراءتها فأعادها عليه، ~~فغمد سيفه، ثم جاء تائبا، حتى قدم ms0722 المدينة من السحر، فاغتسل، ثم أتى ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في ~~أغمار أصحابه، فلما أسفروا عرفه الناس، فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم ~~علي، جئت تائبا من قبل أن تقدروا علي، فقال أبو هريرة: صدق، وأخذ بيده ~~حتى أتى مروان بن الحكم، وهو أمير على المدينة في زمن معاوية فقال هذا ~~جاء تائبا ولا سبيل لكم عليه، ولا قتل، فترك من ذلك كله، قال: وخرج علي ~~تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر، فلقوا الروم، فقربوا سفينته إلى ~~سفينة من سفنهم، فاقتحم على الروم في سفينتهم، فهربوا منه إلى شقها ~~الآخر، فمالت به وبهم، فغرقوا جميعا. ### || [5.35-37] # يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته كان ~~المراد بها الانكفاف من المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها { ~~وابتغوا إليه الوسيلة } قال ابن عباس: أي القربة، وقال ~~قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، والوسيلة هي التي يتوصل ~~بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضا علم على أعلى منزلة في الجنة، ~~وهي منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة ~~الجنة إلى العرش، وقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة ~~القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، ~~إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة " # ، (حديث آخر): في صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي ~~صلاة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا ~~تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة ~~حلت عليه الشفاعة " # (حديث آخر): عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " إذا صليتم علي فسلوا لي الوسيلة " ، قيل: يا ms0723 رسول الله وما ~~الوسيلة؟ قال: " أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن ~~أكون أنا هو " # عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سلوا الله لي الوسيلة فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له ~~شهيدا أو شفيعا يوم القيامة ". # وقوله تعالى: { وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون } ~~لما أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات أمرهم بقتال الأعداء، من الكفار ~~والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم. والتاركين للدين القويم، ورغبهم ~~في ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة، من الفلاح والسعادة ~~العظيمة الخالدة المستمرة، التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول في الغرف ~~العالية الرفيعة، الآمنة الحسنة مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها ~~ينعم لا ييأس، ويحيى لا يموت لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، ثم أخبر ~~تعالى بما أعد لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة فقال: { ~~إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ~~ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم } أي لو أن أحدهم جاء ~~يوم القيامة بملء الأرض ذهبا وبمثله ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد ~~أحاط به، وتيقن وصوله إليه ما تقبل ذلك منه بل لا مندوحة عنه ولا محيص ~~ومناص ولهذا قال: { ولهم عذاب أليم } أي موجع، { يريدون ~~أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم ~~عذاب مقيم } ، كما قال تعالى: # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا ~~فيها # [الحج: 22] الآية. فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته وأليم ~~مسه ولا سبيل لهم إلى ذلك، كلما رفعهم اللهب فصاروا في أعلى جهنم ضربتهم ~~الزبانية بالمقامع الحديد فيردوهم إلى أسفلها { ولهم عذاب ~~مقيم } أي دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها، وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بالرجل من أهل النار، فيقال له يا ابن آدم كيف وجدت مضجعك؟ فيقول ~~شر مضجع، فيقال هل تفتدي بقراب الأرض ذهبا؟ ms0724 قال فيقول: نعم يا رب، فيقول ~~الله تعالى: كذبت قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل فيؤمر به إلى النار " # وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة " # قال: فقلت لجابر بن عبد الله يقول الله: { يريدون أن يخرجوا ~~من النار وما هم بخارجين منها } قال: أتل أول الآية { ~~إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه ليفتدوا به } الآية، ألا أنهم الذين كفروا. ~~وعن طلق بن حبيب قال: كنت من أشد الناس تكذيبا بالشفاعة، حتى لقيت جابر ~~بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله فيها خلود أهل ~~النار فقال: يا طلق أتراك أقرأ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله مني؟ إن ~~الذين قرأت هم أهلها هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبا فعذبوا ~~ثم أخرجوا منها ثم أهوى بيديه إلى أذنيه، فقال: صمتا إن لم أكن سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يخرجون من النار بعدما دخلوا " # ونحن نقرأ كما قرأت. رواه ابن مردويه. ### || [5.38-40] # يقول تعالى حاكما وآمرا بقطع يد السارق والسارقة، وقد كان القطع ~~معمولا به في الجاهلية، فقرر في الإسلام وزيدت شروط أخر، كما سنذكره إن ~~شاء الله تعالى، كما كانت القسامة والدية والقراض وغير ذلك من الأشياء ~~التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت عليه وزيادات هي من تمام المصالح، ~~وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئا قطعت ~~يده به، سواء كان قليلا أو كثيرا لعموم هذه الآية { والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما } فلم يعتبروا نصابا ولا ~~حرزا، بل أخذوا بمجرد السرقة، وتمسكوا بما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده " # ، وأما الجمهور فاعتبروا النصاب في السرقة، وإن كان قد وقع بينهم الخلاف ~~في قدره، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى ms0725 قول على حدة، فعند الإمام مالك ~~رحمه الله النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها ~~فما فوقه وجب القطع واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم. أخرجاه في ~~الصحيحين، وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع ~~دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدا، والحجة في ذلك ما ~~أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا " # ، ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا " # قال أصحابنا: فهذا الحديث فاصل في المسألة، ونص في اعتبار ربع الدينار ~~لا ما ساواه. قالوا: وحديث ثمن المجن، وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي ~~هذا، لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهما فهي ثمن ربع دينار، فأمكن ~~الجمع بهذا الطريق. # وذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم ~~مرد شرعي، فمن سرق واحدا منهما أو ما يساويه قطع، عملا بحديث ابن عمر ~~وبحديث عائشة رضي الله عنها، ووقع في لفظ عند الإمام أحمد عن عائشة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك " # وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم اثني عشر درهما، وفي لفظ للنسائي: # " لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن " # قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار. # فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، والله أعلم. # وأما الإمام أبو حنيفة وزفر وسفيان الثوري رحمهم الله فإنهم ذهبوا إلى ~~أن النصاب به عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة، واحتجوا بأن ثمن المجن الذي ~~قطع فيه السارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ثمنه عشرة ~~دراهم. وقد روى أبو بكر ms0726 بن أبي شيبة عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم. ثم قال: حدثنا عبد الأعلى عن ~~محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن " # وكان ثمن المجن عشرة دراهم قالوا: فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد ~~خالفا ابن عمر في ثمن المجن، فالاحتياط الأخذ بالأكثر لأن الحدود تدرأ ~~بالشبهات. وذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار ~~أو ما يبلغ قيمته واحدا منهما، يحكي هذا عن علي وابن مسعود وإبراهيم ~~النخعي رحمهم الله تعالى. # وقال بعض السلف: لا تقطع الخمس إلا في خمس أي في خمسة دنانير أو خمسين ~~درهما، وينقل هذا عن سعيد بن جبير رحمه الله، وقد أجاب الجمهور عما تمسك ~~به الظاهرية من حديث أبي هريرة: " يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل ~~فتقطع يده " بأجوبة (أحدها): أنه منسوخ بحديث عائشة، (والثاني): أنه مؤول ~~ببيضة الحديد وحبل السفن قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه، ~~(والثالث): أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي ~~تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه ~~في الجاهلية، حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل ~~يده الثمينة في الأشياء المهينة، وقد ذكروا أن ابا العلاء المعري لما قدم ~~بغداد اشتهر عنه أنه أورد إشكالا على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع ~~دينار ونظم في ذلك شعرا دل على جهله، وقلة عقله فقال: # يد بخمس مئين عسجد وديت # ما بالها قطعت في ربع دينار؟ # تناقض مالنا إلا السكوت له # وأن نعوذ بمولانا من النار # ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ~~ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله أن قال: لما كانت ~~أمينة كانت ثمينة، ولما خانت ms0727 هانت، ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة ~~والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإن في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة ~~اليد بخمسمائة دينار لئلا يجنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر ~~الذي تقطع فيه ربع دينار لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين ~~الحكمة عند ذوي الألباب، ولهذا قال: { جزآء بما كسبا نكالا ~~من الله والله عزيز حكيم } أي مجازاة على صنيعها السيء ~~في أخذهما أموال الناس بأيديهم فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك { ~~نكالا من الله } أي تنكيلا من الله بهما على ارتكاب ذلك، { ~~والله عزيز } أي في انتقامه، { حكيم } أي في أمره ونهيه وشرعه ~~وقدره. # ثم قال تعالى: { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن ~~الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم } أي من تاب ~~بعد سرقته وأناب إلى الله، فإن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما ~~أموال الناس فلا بد من ردها إليهم أو بدلها عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: ~~متى قطع، وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها. # وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو: # " أن امرأة سرقت على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاء بها الذين ~~سرقتهم، فقالوا: يا رسول الله إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن ~~نفديها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقطعوا يدها " ، فقالوا: ~~نحن نفديها بخمسمائة دينار، فقال: " اقطعوا يدها " ، فقطعت يدها اليمنى، ~~فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال: " نعم أنت اليوم من ~~خطيئتك كيوم ولدتك أمك " # ، فأنزل الله في سورة المائدة: { فمن تاب من بعد ظلمه ~~وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور ~~رحيم } ، وهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت في ~~الصحيحين. وعن ابن عمر قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعا على ألسنة ~~جارتها وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها. رواه الإمام ~~أحمد وأبو داود والنسائي. وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة ~~في كتاب الأحكام، ms0728 ولله الحمد والمنة. ثم قال تعالى: { ألم تعلم ~~أن الله له ملك السموت والأرض } أي هو المالك ~~لجميع ذلك الحاكم فيه الذي لا معقب لحكمه وهو الفعال لما يريد، { ~~يعذب من يشآء ويغفر لمن يشآء والله على كل ~~شيء قدير }. ### || [5.41-44] # نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ~~ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عز وجل { من ~~الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ~~} ، أي أظهروا بألسنتهم وقلوبهم خراب خاوية منه وهؤلاء هم المنافقون، { ~~ومن الذين هادوا } أعداء الإسلام وأهله وهؤلاء كلهم { ~~سماعون للكذب } أي مستجيبون له منفعلون عنه، { سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك } أي يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون ~~مجلسك يا محمد، وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام وينهونه إلى قوم آخرين ~~ممن لا يحضر عندك من أعدائك، { يحرفون الكلم من بعد ~~مواضعه } أي يتأولونه على غير تأويله ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم ~~يعلمون، { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا }. قيل: نزلت في قوم من اليهود قتلوا قتيلا، ~~وقالوا: تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن حكم بالدية فاقبلوه، وإن حكم ~~بالقصاص فلا تسمعوا منه. والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، ~~وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، من الأمر برجم من أحصن منهم، ~~فحرفوه، واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم، والإركاب ~~على حمار مقلوبين، فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم: ~~تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم، فخذوا عنه، واجعلوه ~~حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن ~~حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك. # وقد وردت الأحاديث بذلك، فقال مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما: # " أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا ~~منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تجدون في ~~التوراة في شأن الرجم؟ " فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد ms0729 الله بن سلام: ~~كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية ~~الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، ~~فرفع يده، فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر ~~بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة ~~يقيها الحجارة " # أخرجاه، وهذا لفظ البخاري. وعند مسلم # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود فقال: " ما تجدون في التوراة ~~على من زنى؟ " قالوا: نسود وجوههما ونحممها ونحملها، ونخالف بين وجوههما ~~ويطاف بهما قال: { فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين } [آل عمران: 93] قال فجاءوا بها فقرأوها، حتى إذا مر بآية ~~الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما ~~وراءها. فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~مره فليرفع يده، فرفع يده فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرجما. قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته ~~يقيها من الحجارة بنفسه " # عن البراء بن عازب قال: # " مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود، فدعاهم، ~~فقال: " أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " فقالوا: نعم، فدعا رجلا من ~~علمائهم، فقال: " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حد ~~الزاني في كتابكم؟ " فقال: لا والله، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، ~~نجد حد الزاني في كتابنا: الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا ~~الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى ~~نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه " ، ~~قال: فأمر به فرجم " # ، قال: فأنزل الله عز وجل: { يأيها الرسول لا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر } إلى قوله: ms0730 { يقولون إن ~~أوتيتم هذا فخذوه } أي يقولون: ائتوا محمدا فإن أفتاكم ~~بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذورا إلى قوله: { ومن ~~لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون ~~} قال في اليهود، إلى قوله: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون # [المائدة: 45] قال في اليهود: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون # [المائدة: 47] قال: في الكفار كلها، انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري. # فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بموافقة ~~حكم التوراة، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم ~~مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله عز ~~وجل إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطأوا ~~على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة. فلما اعترفوا به مع ~~عملهم على خلافه، بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب ~~الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما كان عن ~~هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا ~~قالوا: { إن أوتيتم هذا } أي الجلد والتحميم فخذوه أي اقبلوه { ~~وإن لم تؤتوه فاحذروا } أي من قبوله واتباعه. قال الله ~~تعالى: { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من ~~الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن ~~يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم * سماعون للكذب } أي الباطل { ~~أكالون للسحت } أي الحرام وهو الرشوة كما قاله ابن مسعود وغير ~~واحد، أي ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه وأنى يستجيب له؟ ثم قال ~~لنبيه: { فإن جآءوك } أي يتحاكمون إليك { فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } ~~أي فلا عليك أن لا تحكم بينهم، لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق ~~بل ما يوافق أهواءهم. # قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغير واحد هي منسوخة بقوله: # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # [المائدة: 49]، { وإن حكمت فاحكم ms0731 بينهم بالقسط } ~~أي بالحق والعدل، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل { إن الله ~~يحب المقسطين }. # ثم قال تعالى منكرا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدهم الزائغة، في ~~تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون إنهم مأمورون ~~بالتمسك به أبدا، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس ~~الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم، فقال: { وكيف يحكمونك ~~وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون ~~من بعد ذلك ومآ أولئك بالمؤمنين } ثم مدح التوراة ~~التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران فقال: { إنآ أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا } أي لا يخرجون عن حكمها ولا ~~يبدلونها ولا يحرفونها، { والربانيون والأحبار } أي وكذلك ~~الربانيون منهم وهم العلماء العباد، والأحبار وهم العلماء { بما ~~استحفظوا من كتاب الله } أي بما استودعوا من كتاب الله الذي ~~أمروا أن يظهروه ويعملوا به { وكانوا عليه شهدآء فلا ~~تخشوا الناس واخشون } أي لا تخافوا منهم وخافوا مني { ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بمآ ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون } فيه قولان سيأتي ~~بيانهما. # (سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات) # قال أبو جعفر بن جرير، عن عكرمة عن ابن عباس: إن الآيات التي في المائدة ~~قوله: { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } - إلى { ~~المقسطين } إنما أنزلت في الدية في (بني النضير) و (بني قريظة)، ~~وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف تؤدي الدية كاملة، وأن قريظة كانوا ~~يؤدى لهم نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ~~ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء، والله أعلم أي ذلك كان، ورواه أحمد وأبو ~~داود والنسائي، ثم قال ابن جرير، عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير، ~~وكانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل القريظي رجلا من النضير قتل ~~به، وإذا قتل النضيري رجلا من قريظة ودى بمائة وسق ms0732 من تمر، فلما بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا: ~~ادفعوه إليه، فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: ~~{ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } ورواه أبو داود ~~والنسائي، وابن حبان، والحاكم في المستدرك. # وقد روى العوفي عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين ~~زنيا، كما تقدمت الأحاديث بذلك. وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت ~~واحد، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله، والله أعلم. ولهذا قال بعد ذلك: # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين # [المائدة: 45] إلى آخرها، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # وقوله تعالى: { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون } قال البراء بن عازب، وابن عباس، ~~والحسن البصري، وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب. زاد الحسن البصري: وهي علينا ~~واجبة، وقال عبد الرزاق عن إبراهيم، قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ~~ورضي الله لهذه الأمة بها، وقال السدي: { ومن لم يحكم بمآ ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون } يقول: من لم يحكم ~~بما أنزلت فتركه عمدا، أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين. وقال ابن عباس ~~قوله: { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون } قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم ~~به فهو ظالم فاسق. رواه ابن جرير، ثم اختار أن الآية المراد بها أهل ~~الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب. وقال ابن جرير عن الشعبي { ~~ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون } قال: هذا في المسلمين، # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون # [المائدة: 45] قال: هذا في اليهود # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون # [المائدة: 47] قال: هذا في النصارى، وقال الثوري عن عطاء أنه قال: كفر ~~دون كفر وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وقال وكيع عن طاووس { ومن لم ~~يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون ms0733 } قال: ~~ليس بكفر ينقل عن الملة. ### || [5.45] # وهذا أيضا مما وبخت به اليهود وقرعوا عليه، فإن عندهم في نص التوراة أن ~~النفس بالنفس، وهم يخالفون حكم ذلك عمدا وعنادا، ويقيدون النضري من ~~القرظي، ولا يقيدون القرظي من النضري، بل يعدلون إلى الدية، كما خالفوا ~~حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا ~~عليه من الجلد والتحميم والإشهار، ولهذا قال هناك: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # [المائدة: 44] لأنهم جحدوا حكم الله قصدا منهم وعنادا وعمدا، وقال ~~ههنا { فأولئك هم الظالمون } لأنهم لم ينصفوا المظلوم من ~~الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا ~~وظلموا وتعدوا بعضهم على بعض. وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين ~~والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا حكي مقررا ولم ينسخ كما هو ~~المشهور عن الجمهور، والحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع ~~الأئمة. وقال الحسن البصري: هي عليهم وعلى الناس عامة، وقد احتج الأئمة ~~كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة، وكذا ورد في ~~الحديث الذي رواه النسائي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في ~~كتاب عمرو بن حزم: # " أن الرجل يقتل بالمرأة " # ، وفي الحديث الآخر: # " المسلمون تتكافأ دماؤهم " # ، وهذا قول جمهور العلماء، وعن أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) أن ~~الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف ~~الدية، لأن ديتها على النصف من دية الرجل، وإليه ذهب أحمد في رواية، ~~واحتج أبو حنيفة رحمه الله تعالى بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم ~~بالكافر الذمي، وعلى قتل الحر بالعبد، وقد خالفه الجمهور فيهما. ففي ~~الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يقتل مسلم بكافر " # ، وأما العبد ففيه عن السلف آثار متعددة، أنهم لم يكونوا يفيدون العبد ~~من الحر، ولا يقتلون حرا بعبد، وجاء في ذلك أحاديث لا تصح، وحكى الشافعي ~~الإجماع على خلاف قول ms0734 الحنفية في ذلك، ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم ~~إلا بدليل مخصص للآية الكريمة. # ويؤيد الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت عن أنس بن مالك، # " أن الربيع عمة أنس كسرت ثنية جارية، فطلبوا إلى القوم العفو، فأبوا ~~فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " القصاص " ، فقال أخوها أنس ~~بن النضر: يا رسول الله تكسر ثنية فلانة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " يا أنس كتاب الله القصاص " قال، فقال: لا والذي بعثك بالحق لا ~~تكسر ثنية فلانة، قال: فرضي القوم، فعفوا، وتركوا القصاص. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره " # أخرجاه في الصحيحين. وروى أبو داود عن عمران بن حصين: أن غلاما لأناس ~~فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتى أهله النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: يا رسول الله إنا أناس فقراء فلم يجعل عليه شيئا وهو حديث مشكل، ~~اللهم إلا أن يقال: إن الجاني كان قبل البلوغ فلا قصاص عليه، ولعله تحمل ~~أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء أو استعفاهم عنه. # وقوله تعالى: { والجروح قصاص } قال ابن عباس: تقتل النفس ~~بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع السن بالسن، ~~وتقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ~~ونساؤهم إذا كان عمدا في النفس وما دون النفس، ويستوي فيه العبيد رجالهم ~~ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمدا في النفس وما دون النفس، رواه ابن ~~جرير. # (قاعدة مهمة) # الجراح تارة تكون في مفصل، فيجب فيه القصاص بالإجماع كقطع اليد والرجل ~~والكف والقدم ونحو ذلك؛ وأما إذا لم تكن الجراح في مفصل بل في عظم، فقال ~~مالك رحمه الله: فيه القصاص إلا في الفخذ وشبهها لأنه مخوف خطر. وقال ~~أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيء من العظام إلا في السن. وقال ~~الشافعي: لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقا. وهو مروي عن عمر بن ~~الخطاب وابن عباس. وهو المشهور ms0735 من مذهب أحمد. وقد احتج أبو حنيفة رحمه ~~الله بحديث (الربيع بنت النضر) على مذهبه أنه لا قصاص في عظم إلا في ~~السن. وحديث الربيع لا حجة فيه لأنه ورد بلفظ كسرت ثنية جارية، وجائز أن ~~تكون سقطت من غير كسر فيجب القصاص والحالة هذه بالإجماع، وتمموا الدلالة ~~بما رواه ابن ماجه عن (جارية بن ظفر الحنفي) أن رجلا ضرب رجلا على ~~ساعده بالسيف من غير المفصل، فقطعها، فاستعدى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأمر له بالدية، فقال يا رسول الله أريد القصاص فقال: خذ الدية بارك الله ~~لك فيها. ولم يقض بالقصاص، ثم قالوا: لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى ~~تندمل جراحة المجنى عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال ثم زاد جرحه فلا شيء ~~له. والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده: # " أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: أقدني، فقال: " حتى تبرأ " ، ثم جاء إليه، فقال: أقدني فأقاده، ~~فقال: يا رسول الله عرجت، فقال: " قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل ~~عرجك " ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ ~~صاحبه " # ، تفرد به أحمد. # (مسألة): فلو اقتص المجنى عليه من الجاني فمات من القصاص فلا شيء عليه ~~عند مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين ~~وغيرهم. وقال أبو حنيفة: تجب الدية في مال المقتص. وقال عطاء: تجب الدية ~~على عاقلة المقتص له. وقال ابن مسعود والنخعي: يسقط عن المقتص له قدر تلك ~~الجراحة، ويجب الباقي في ماله. وقوله تعالى: { فمن تصدق به ~~فهو كفارة له }. قال ابن عباس: أي فمن عفا عنه وتصدق عليه فهو ~~كفارة للمطلوب وأجر للطالب. وقال سفيان الثوري: فمن تصدق به فهو كفارة ~~للجارح، وأجر المجروح على الله عز وجل. (والوجه الثاني): قال ابن أبي ~~حاتم عن جابر بن عبد الله في قول الله عز وجل: { فمن تصدق ms0736 ~~به فهو كفارة له } قال: للمجروح. وقال ابن مسعود: يهدم عنه ~~من ذنوبه بقدر ما تصدق به. وروى الإمام أحمد عن أبي السفر قال: كسر رجل ~~من قريش سن رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية فقال معاوية: إنا سنرضيه ~~فألح الأنصاري، فقال معاوية: شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس، فقال أبو ~~الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط ~~به عنه خطيئة، فقال الأنصاري: فإني قد عفوت " # ، وهكذا رواه الترمذي. وعن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " ما من رجل يجرح من جسده جراحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما ~~تصدق به " # ، رواه النسائي. وقوله: { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ~~فأولئك هم الظالمون } ، قد تقدم عن طاووس وعطاء أنهما ~~قالا: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. ### || [5.46-47] # يقول تعالى: { وقفينا } أي اتبعنا على آثارهم يعني أنبياء بني ~~إسرائيل { بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه ~~من التوراة } أي مؤمنا بها حاكما بما فيها، { وآتيناه ~~الإنجيل فيه هدى ونور } أي هدى إلى الحق ونور يستضاء به في ~~إزالة الشبهات وحل المشكلات { ومصدقا لما بين يديه من ~~التوراة } أي متبعا لها غير مخالف لما فيها إلا في القليل مما بين ~~لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارا عن المسيح ~~أنه قال لبني إسرائيل: # ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم # [آل عمران: 50] ولهذا كان المشهور من قولي العلماء أن الإنجيل نسخ بعض ~~أحكام التوراة. # وقوله تعالى: { وهدى وموعظة للمتقين } أي وجعلنا ~~الإنجيل هدى يهتدى به، وموعظة أي زاجرا عن ارتكاب المحارم والمآثم ~~للمتقين، أي لمن اتقى الله وخاف وعيده وعقابه. وقوله تعالى: { ~~وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه } قرىء { ~~وليحكم } أهل الإنجيل بالنصب على أن اللام لام كي أي وآتيناه الإنجيل ~~ليحكم أهل ملته به في زمانهم، وقرىء { وليحكم } بالجزم على ms0737 أن اللام لام ~~الأمر، أي ليؤمنوا بجميع ما فيه وليقيموا ما أمروا به فيه وبما فيه ~~البشارة ببعثة محمد والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: # قل يأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا ~~التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليكم من ربكم # [المائدة: 68] الآية، وقال تعالى: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة # [الأعراف: 157] إلى قوله: # المفلحون # [الأعراف: 157]، ولهذا قال ههنا: { ومن لم يحكم بمآ أنزل ~~الله فأولئك هم الفاسقون } أي الخارجون عن طاعة ربهم، ~~المائلون إلى الباطل، التاركون للحق، وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في ~~النصارى وهو ظاهر من السياق. ### || [5.48-50] # لما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، ومدحها وأثنى عليها ~~وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع، وذكر الإنجيل ومدحه وأمر أهله ~~بإقامته واتباع ما فيه كما تقدم بيانه، شرع في ذكر القرآن العظيم الذي ~~أنزله على عبده ورسوله الكريم، قال تعالى: { وأنزلنآ إليك ~~الكتاب بالحق } أي بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله { ~~مصدقا لما بين يديه من الكتاب } أي من الكتب ~~المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فكان نزوله كما أخبرت به مما زادها صدقا عند ~~حامليها من ذوي البصائر، الذين انقادوا لأمر الله واتبعوا شرائع الله، ~~وصدقوا رسل الله، كما قال تعالى: # إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى ~~عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ~~ربنآ إن كان وعد ربنا لمفعولا # [الإسراء: 107-108] أي إن كان ما وعدنا الله على ألسنة رسله المتقدمة من ~~مجيء محمد عليه السلام لمفعولا أي لكائنا لا محالة ولا بد. وقوله ~~تعالى: { ومهيمنا عليه } قال ابن عباس: أي مؤتمنا عليه، وعنه ~~أيضا المهيمن: الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله. وقال ابن ~~جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منها فهو حق، وما ~~خالفه منها فهو باطل. وعن الوالبي عن ابن عباس: { ومهيمنا } أي ~~شهيدا، وكذا قال ms0738 مجاهد وقتادة والسدي، وقال العوفي عن ابن عباس { ~~ومهيمنا } أي حاكما على ما قبله من الكتب. وهذه الأقوال كلها ~~متقاربة المعنى فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو: أمين، وشاهد، وحاكم ~~على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب ~~وخاتمها أشملها وأعظمها وأكملها، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من ~~الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها، ~~وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. # وقوله تعالى: { فاحكم بينهم بمآ أنزل الله } أي فاحكم يا ~~محمد بين الناس بما أنزل الله إليك في هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك ~~من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك، { وأن احكم ~~بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم } فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا، وقوله: { ~~ولا تتبع أهوآءهم } أي آراءهم التي اصطلحوا عليها وتركوا ~~بسببها ما أنزل الله على رسله، ولهذا قال تعالى: { ولا تتبع ~~أهوآءهم عما جآءك من الحق } أي لا تنصرف عن الحق الذي ~~أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء. وقوله تعالى: { ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } عن ابن عباس: { ~~شرعة } قال: سبيلا، { ومنهاجا } قال: وسنة، وعن ابن عباس أيضا ~~ومجاهد { شرعة ومنهاجا }: أي سنة وسبيلا والأول أنسب، فإن ~~الشرعة وهي الشريعة أيضا هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال شرع في ~~كذا: أي ابتدأ فيه، وكذا الشريعة وهي ما يشرع فيها إلى الماء، أما ~~المنهاج فهو الطريق الواضح السهل، والسنن الطرائق. # فتفسير قوله: { شرعة ومنهاجا } بالسبيل والسنة أظهر في ~~المناسبة من العكس والله أعلم. ثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان ~~باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام ~~المتفقة في التوحيد، كما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد " # ، يعني ms0739 بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب ~~أنزله كما قال تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25]. # وقال تعالى: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36] الآية، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون ~~الشيء في هذه الشريعة حراما، ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، ~~وخفيفا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من ~~الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، قال قتادة قوله: { شرعة ~~ومنهاجا } يقول: سبيلا وسنة، والسنن مختلفة هي في التوراة شريعة، ~~وفي الإنجيل شريعة وفي الفرقان شريعة. يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما ~~يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره التوحيد ~~والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، { ولو ~~شآء الله لجعلكم أمة واحدة } هذا خطاب لجميع الأمم ~~وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد ~~وشريعة واحدة لا ينسخ شيء منها. ولكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على ~~حدة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث ~~به عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم الذي ابتعثه إلى أهل الأرض ~~قاطبة وجعله خاتم الأنبياء كلهم، ولهذا قال تعالى: { ولكن ~~ليبلوكم في مآ آتاكم } أي أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة ~~ليختبر عباده فيما شرع لهم ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما ~~فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله { في مآ آتاكم } يعني من الكتاب، ثم ~~إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها فقال: { ~~فاستبقوا الخيرات } وهي طاعة الله واتباع شرعه الذي جعله ناسخا ~~لما قبله والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله، ثم قال تعالى: ~~{ إلى الله مرجعكم } أي معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم ~~القيامة { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } أي ~~فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق ms0740 فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين ~~الجاحدين المكذبين بالحق العادلين عنه بلا دليل ولا برهان. # وقوله تعالى: { وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا ~~تتبع أهوآءهم } تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والنهي عن ~~خلافه. ثم قال: { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل ~~الله إليك } أي واحذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما ~~ينهونه إليك من الأمور، فلا تغتر بهم فإنهم كذبة كفرة خونة، { فإن ~~تولوا } أي عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع الله { ~~فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ~~} ، أي فاعلم أن ذلك كائن عن قدرة الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى ~~لما لهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم، { وإن ~~كثيرا من الناس لفاسقون } أي إن أكثر الناس لخارجون عن ~~طاعة ربهم مخالفون للحق ناكبون عنه، كما قال تعالى: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103] وقال تعالى: # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله # [الأنعام: 116] الآية. وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: قال كعب بن ~~أسد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد ~~لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود ~~وأشرافهم وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا ~~وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك، فأبى ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل فيهم: { وأن ~~احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم ~~واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل الله إليك ~~} إلى قوله: { لقوم يوقنون }. رواه ابن جرير. # وقوله تعالى: { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن ~~من الله حكما لقوم يوقنون } ينكر تعالى على من خرج عن ~~حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه ~~من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجل بلا مستند من شريعة ~~الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من ms0741 الضلالات والجهالات، مما ~~يضعونها بآرائهم وأهوائهم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى ~~يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. قال تعالى: { ~~أفحكم الجاهلية يبغون } أي يبتغون ويريدون، وعن حكم الله ~~يعدلون { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } ~~أي ومن أعدل من الله في حكمه، لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن، وعلم ~~أن الله أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو ~~العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، عن الحسن قال: من حكم بغير حكم الله ~~فحكم الجاهلية، وكان طاووس إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ: { ~~أفحكم الجاهلية يبغون } الآية، وقال الحافظ الطبراني عن ~~ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أبغض الناس إلى الله عز وجل من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، ~~وطالب دم امرىء بغير حق ليريق دمه " # وروى البخاري بإسناده نحوه بزيادة. ### || [5.51-53] # ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين هم ~~أعداء الإسلام وأهله قاتلهم الله، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد ~~وتوعد من يتعاطى ذلك، فقال: { ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم } الآية. قال ابن أبي حاتم، عن سماك بن حرب عن عياض: أن عمر أمر ~~أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له ~~كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر، وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارىء ~~لنا كتابا في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا يستطيع، فقال عمر: أجنب ~~هو؟ قال: لا، بل نصراني، قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه، ثم ~~قرأ: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أوليآء } الآية. وقوله تعالى: { فترى الذين ~~في قلوبهم مرض } أي شك وريب ونفاق يسارعون فيهم أي يبادرون إلى ~~موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر { يقولون نخشى أن ~~تصيبنا دآئرة } أي يتأولون في مودتهم، وموالاتهم أنهم يخشون أن ~~يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون ms0742 لهم أياد عند اليهود والنصارى ~~فينفعهم ذلك عند ذلك قال الله تعالى: { فعسى الله أن يأتي ~~بالفتح } يعني فتح مكة، وقيل: يعني القضاء والفصل { أو أمر ~~من عنده } قال السدي: يعني ضرب الجزية على اليهود والنصارى { ~~فيصبحوا } يعني الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين { على ~~مآ أسروا في أنفسهم } من الموالاة { نادمين } أي على ~~ما كان منهم مما لم يجد عنهم شيئا، ولا دفع عنهم محذورا، بل كان عين ~~المفسدة فإنهم فضحوا وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، بعد أن ~~كانوا مستورين لا يدري كيف حالهم، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم تبين ~~أمرهم لعباد الله المؤمنين، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من ~~المؤمنين ويحلفون على ذلك ويتأولون، فبان كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال ~~تعالى: { ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ~~حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين }. # اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السدي: أنها نزلت ~~في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك ~~اليهودي فآوي إليه وأتهود معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث، ~~وقال الآخر: أما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فآوي إليه ~~وأتنصر معه، فأنزل الله: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء } الآيات. وقال ~~عكرمة: نزلت في (أبي لبابة بن عبد المنذر) حين بعثه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى بني قريظة فسألوه ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، ~~أي أنه الذبح. قيل: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول كما قال ابن جرير: # " جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ ~~إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله، فقال عبد الله بن ~~أبي: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعبد الله ms0743 بن أبي: " يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية ~~يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه " ، قال: قد قبلت " # ، فأنزل الله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء } الآيتين. وقال ~~محمد بن إسحاق: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث ~~بأمرهم (عبد الله بن أبي) وقام دونهم ومشى (عبادة بن الصامت) إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحد بني عوف بن الخزرج له من حلفهم مثل ~~الذي لعبد الله بن أبي، فجعلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ ~~إلى الله ورسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله أبرأ إلى الله وإلى رسوله ~~من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم، ~~ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة: { يأيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أوليآء بعضهم أوليآء بعض } إلى قوله: # ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون # [المائدة: 56]. وقال الإمام أحمد عن أسامة بن زيد قال: دخلت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي نعوده، فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " قد كنت أنهاك عن حب يهود " ، فقال عبد الله فقد ~~أبغضهم أسعد بن زرارة فمات، وكذا رواه أبو داود. ### || [5.54-56] # يقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة: إنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة ~~شريعته، فإن الله سيستبدل به من هو خير لها منه، وأشد منعة وأقوم سبيلا ~~كما قال تعالى: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # [محمد: 38]، وقال تعالى: # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين # [النساء: 133]، وقال تعالى: # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على ~~الله بعزيز # [إبراهيم: 19-20] أي بممتنع ولا صعب. وقال تعالى ههنا: { يأيها ~~الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } أي يرجع عن الحق ~~إلى الباطل. قال محمد بن كعب: نزلت في الولاة من قريش، وقال الحسن ~~البصري: نزلت في ms0744 أهل الردة أيام أبي بكر. { فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه } قال الحسن: هو والله أبو بكر ~~وأصحابه، وقال ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري قال: لما نزلت { ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هم قوم هذا " # ، ورواه ابن جرير بنحوه. وقوله تعالى: { أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين } هذه صفات المؤمنين الكمل، أن يكون ~~أحدكم متواضعا لأخيه ووليه متعززا على خصمه وعدوه كما قال تعالى: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29]، وفي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الضحوك القتال، ~~فهو ضحوك لأوليائه، قتال لأعدائه. وقوله عز وجل: { يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } أي لا يردهم عما هم ~~فيه من طاعة الله، وإقامة الحدود، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد ولا يصدهم عنه صاد. قال الإمام أحمد عن ~~عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: # " أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو ~~منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني ~~أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول ~~الحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر ~~من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش " # وقال الإمام أحمد أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا ~~يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو أن يذكر بعظيم " # وقال أحمد عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرا لله فيه مقال فلا يقول فيه، فيقال ~~له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت ms0745 في كذا وكذا؟ فيقول: مخافة الناس: ~~فيقول: إياي أحق أن تخاف " # ، وثبت في الصحيح: # " " ما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه " قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ ~~قال: " يتحمل من البلاء ما لا يطيق " # ، { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } أي من اتصف بهذه ~~الصفات فإنما هو من فضل الله عليه وتوفيقه له، { والله واسع ~~عليم } أي واسع الفضل عليم بمن يستحق ذلك ممن يحرمه إياه. # وقوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا } أي ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله ~~والمؤمنين، وقوله: { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة } أي المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقام الصلاة التي هي ~~أكبر أركان الإسلام، وهي له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق ~~المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين، وأما قوله: { وهم ~~راكعون } فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: { ~~ويؤتون الزكاة } أي في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع ~~الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد ~~من العلماء. قال السدي: نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين ولكن علي بن ~~أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه، وقد تقدم في ~~الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله ~~عنه حين تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا ~~قال تعالى بعد هذا كله: { ومن يتول الله ورسوله ~~والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون } كما ~~قال تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز * لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ~~أولئك كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة: 21-22] الآية. فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو ~~مفلح في الدنيا والآخرة ومنصور في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى في ~~هذه الآية الكريمة: { ومن يتول الله ورسوله والذين ms0746 ~~آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون }. ### || [5.57-58] # هذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام الذين يتخذون شرائع الإسلام المطهرة ~~المحكمة، المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها هزوا ويستهزئون ~~بها، ولعبا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد، ~~وقوله تعالى: { من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~والكفار } " من " ههنا لبيان الجنس كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]، والمراد بالكفار ههنا (المشركون)، { واتقوا الله ~~إن كنتم مؤمنين } أي اتقوا الله أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ~~ولدينكم أولياء، أن كنتم مؤمنين بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزوا ~~ولعبا، كما قال تعالى: # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين # [آل عمران: 28]. وقوله: { وإذا ناديتم إلى الصلاة ~~اتخذوها هزوا ولعبا } أي وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة ~~التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب { اتخذوها } ~~أيضا { هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } ~~معاني عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات اتباع الشيطان الذي إذا سمع الأذان ~~أدبر، فإذا قضى التأذين أقبل، فإذا ثوب للصلاة أدبر، فإذا قضى التثويب ~~أقبل، حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن ~~يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين ~~قبل السلام. كما هو في الصحيحين، وقال الزهري: قد ذكر الله التأذين في ~~كتابه فقال: { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها ~~هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون }. # وقال السدي في قوله: { وإذا ناديتم إلى الصلاة ~~اتخذوها هزوا ولعبا } قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا ~~سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: حرق الكذاب، فدخلت ~~خادمه ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام فسقطت شرارة، فأحرقت ~~البيت، فاحترق هو وأهله. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وذكر محمد بن ~~إسحاق في السيرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، ~~فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس ~~بفناء ms0747 الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع ~~هذا فيسمع منه ما يغيظه، وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق ~~لاتبعته، فقال أبو سفيان لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى، ~~فخرج عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " قد علمت الذي قلتم " ، ثم ~~ذكر ذلك لهم فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول، ما اطلع على هذا أحد كان ~~معنا فنقول أخبرك " # وقال الإمام أحمد # " عن عبد الله بن محيريز وكان يتيما في حجر أبي محذورة قال: قلت لأبي ~~محذورة يا عم إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن ~~أبا محذورة قال له: نعم، خرجت في نفر وكنا في بعض طريق حنين، مقفل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من حنين، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزىء ~~به، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين ~~يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيكم الذي سمعت صوته قد ~~ارتفع "؟ فأشار القوم كلهم إلي، وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، وقال: " قم ~~فأذن ". فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مما ~~يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقي علي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه، قال: " قل: الله أكبر، أشهد ~~أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول ~~الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على ~~الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله " ، ثم ~~دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ~~ناصية أبي محذورة، ثم أمرها على وجهه، ms0748 ثم بين ثدييه، ثم على كبده حتى ~~بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سرة أبي محذورة ثم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " بارك الله فيك وبارك عليك " ، فقلت: يا رسول الله ~~مرني بالتأذين بمكة، فقال: " قد أمرتك به " ، وذهب كل شيء كان لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من كراهة، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرني ذلك من ~~أدركت من أهلي ممن أدرك أبا محذورة على نحو ما أخبرني عبد الله بن محيريز ~~" # هكذا رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه مسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة. ### || [5.59-63] # يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من أهل ~~الكتاب: { هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله ومآ ~~أنزل إلينا ومآ أنزل من قبل } أي هل لكم علينا مطعن أو ~~عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة، فيكون الاستثناء منقطعا كما في ~~قوله تعالى: # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد # [البروج: 8] وكقوله: # وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله # [التوبة: 74]. وقوله: { وأن أكثركم فاسقون } معطوف على { ~~أن آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل من ~~قبل } أي وآمنا بأن أكثركم فاسقون أي خارجون عن الطريق المستقيم. # ثم قال: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند ~~الله } أي هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ ~~وهم أنتم المتصفون بهذه الصفات المفسرة بقوله: { من لعنه الله } ~~أي أبعده من رحمته، { وغضب عليه } أي غضبا لا يرضى بعده أبدا، ~~{ وجعل منهم القردة والخنازير } كما تقدم بيانه في ~~سورة البقرة، وقد قال سفيان الثوري عن ابن مسعود قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي مما مسخ ~~الله؟ فقال: " إن الله لم يهلك قوما - أو قال لم ms0749 يمسخ قوما - فيجعل لهم ~~نسلا ولا عقبا، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك " # ، رواه مسلم، وقال أبو داود الطيالسي عن ابن مسعود قال: # " سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي من نسل ~~اليهود؟ فقال: " لا، إن الله لم يلعن قوما قط فيمسخهم فكان لهم نسل، ~~ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم " # وقوله تعالى: { وعبد الطاغوت } قرىء { وعبد الطاغوت } على ~~أنه فعل ماض، والطاغوت منصوب به، أي وجعل منهم من عبد الطاغوت، وقرىء { ~~وعبد الطاغوت } بالإضافة، على أن المعنى وجعل منهم خدم الطاغوت أي ~~خدامه وعبيده، والمعنى يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا الذي هو توحيد ~~الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد ~~منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا قال { أولئك شر مكانا } أي مما ~~تظنون بنا { وأضل عن سوآء السبيل } وهذا من باب استعمال ~~أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة. # وقوله تعالى: { وإذا جآءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا ~~بالكفر وهم قد خرجوا به } ، وهذه صفة المنافقين منهم ~~أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر، ولهذا قال: { ~~وقد دخلوا } أي عندك يا محمد { بالكفر } أي مستصحبين الكفر ~~في قلوبهم ثم خرجوا وهو كامن فيها لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ~~ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر، ولهذا قال: { وهم قد خرجوا ~~به } فخصهم به دون غيرهم، وقوله تعالى: { والله أعلم بما ~~كانوا يكتمون } أي عالم بسرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم وإن ~~أظهروا لخلقه خلاف ذلك وتزينوا بما ليس فيهم، فإن الله عالم الغيب ~~والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء. # وقوله: { وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم ~~والعدوان وأكلهم السحت } أي يبادرون إلى ذلك من تعاطي ~~المآثم والمحارم والاعتداء على الناس وأكلهم أموالهم بالباطل { لبئس ~~ما كانوا يعملون } أي لبئس العمل كان عملهم وبئس الاعتداء ~~اعتداؤهم. # وقوله تعالى: { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ~~عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ms0750 ما كانوا ~~يصنعون } يعني: هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار منهم عن تعاطي ~~ذلك؟ و { الربانيون } هم العلماء العمال، أرباب الولايات عليهم. ~~والأحبار هم العلماء فقط { لبئس ما كانوا يصنعون } يعني من ~~تركهم ذلك، قاله ابن عباس. وقال ابن جرير عن ابن عباس قال: ما في القرآن ~~آية أشد توبيخا من هذه الآية: { لولا ينهاهم الربانيون ~~والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ~~ما كانوا يصنعون } ، قال: كذا قرأ. وكذا قال الضحاك: ما في ~~القرآن آية أخوف عندي منها إنا لا ننهى. وقال ابن أبي حاتم عن يحيى بن ~~يعمر قال: خطب (علي بن أبي طالب) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها ~~الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون ~~والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات، فمروا بالمعروف ~~وأنهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ولا يقرب أجلا ". وروى أبو ~~داود عن جرير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه فلا ~~يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا ". ### || [5.64-66] # يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة بأنهم وصفوه بأنه بخيل ~~كما وصفوه بأنه فقير، وهم أغنياء وعبروا عن البخل بأن قالوا: { يد ~~الله مغلولة } ، قال ابن عباس: { مغلولة }: أي بخيلة. لا ~~يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكن يقولون: بخيل، يعني أمسك ما عنده ~~بخلا، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وقد قال عكرمة إنها نزلت في ~~(فنحاص اليهودي) عليه لعنة الله، وقد تقدم أنه الذي قال: # إن الله فقير ونحن أغنيآء # [آل عمران: 181]، فضربه أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وقال محمد بن ~~إسحاق عن ابن عباس قال، قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس: إن ربك ~~بخيل لا ينفق، فأنزل الله: { وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ms0751 بل ~~يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء } وقد رد الله عز وجل ~~عليهم ما قالوه وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه فقال: { غلت ~~أيديهم ولعنوا بما قالوا } ، وهكذا وقع لهم، فإن عندهم من ~~البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم، كما قال تعالى: # أم يحسدون الناس على مآ آتهم الله من فضله # [النساء: 54]، وقال تعالى: # ضربت عليهم الذلة # [آل عمران: 112] الآية، ثم قال تعالى: { بل يداه مبسوطتان ~~ينفق كيف يشآء } أي بل هو الواسع الجزيل العطاء الذي ما من شيء ~~إلا عنده خزائنه الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، كما قال: # وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت ~~الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34] والآيات في هذا كثيرة. وقد قال أبو هريرة قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق ~~منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه - قال - وعرشه على ~~الماء وفي يده الأخرى الفيض - أو القبض - يرفع ويخفض، وقال: يقول الله ~~تعالى: " أنفق أنفق عليك " # أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: { وليزيدن كثيرا منهم ~~مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } أي يكون ما ~~آتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما ~~يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا، يزداد به ~~الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغيانا وهو المبالغة والمجاوزة للحد في ~~الأشياء { وكفرا } أي تكذيبا كما قال تعالى: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ~~أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت: 44]، وقال تعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء: 82]، وقوله تعالى: { وألقينا بينهم العداوة ~~والبغضآء إلى يوم القيامة } يعني أنه لا تجتمع قلوبهم، ~~بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائما، لأنهم لا يجتمعون على ~~حق وقد خالفوك وكذبوك. # وقوله تعالى: { كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها ~~الله } أي ms0752 كلما عقدوا أسبابا يكيدونك بها، وكلما أبرموا أمورا ~~يحاربونك بها أبطلها الله ورد كيدهم عليهم وحاق مكرهم السيء بهم، { ~~ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب ~~المفسدين } أي من سجيتهم أنهم دائما يسعون في الإفساد في الأرض ~~فسادا، والله لا يحب من هذه صفته، ثم قال جل وعلا: { ولو أن ~~أهل الكتاب آمنوا واتقوا } أي لو أنهم آمنوا بالله ~~ورسوله، واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المآثم والمحارم { لكفرنا ~~عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم } ، أي ~~لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم المقصود، { ولو أنهم أقاموا ~~التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم } ~~قال ابن عباس: هو القرآن، { لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم } ، أي لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأديهم عن الأنبياء، ~~على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير، لقادهم ذلك إلى اتباع ~~الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن كتبهم ~~ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتما لا محالة. وقوله تعالى: { لأكلوا ~~من فوقهم ومن تحت أرجلهم } يعني بذلك كثرة الرزق النازل ~~عليهم من السماء، والنابت لهم من الأرض، وقال ابن عباس: { لأكلوا من ~~فوقهم } يعني لأرسل السماء عليهم مدرارا، { ومن تحت ~~أرجلهم } يعني يخرج من الأرض بركاتها، كما قال تعالى: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96] الآية، وقال تعالى: # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس # [الروم: 41] الآية. وقال بعضهم: معناه { لأكلوا من فوقهم ~~ومن تحت أرجلهم } يعني من غير كد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء. # وقد ذكر ابن أبي حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " يوشك أن يرفع العلم " ، فقال زياد بن لبيد يا رسول الله وكيف يرفع ~~العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا فقال: " ثكلتك أمك يا ابن لبيد ~~إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي ~~اليهود والنصارى فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله " # ، ثم قرأ: { ولو أنهم أقاموا التوراة ms0753 والإنجيل } ~~، وقوله تعالى: { منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ~~سآء ما يعملون } كقوله: # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159] فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد وهو أوسط مقامات هذه الأمة، ~~وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله عز وجل: # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل ~~الكبير * جنات عدن يدخلونها # [فاطر: 32-33] الآية، والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم ~~يدخلون الجنة. ### || [5.67] # يقول تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم باسم ~~الرسالة، وآمرا بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل ~~الصلاة والسلام ذلك وقام به أتم القيام، قال البخاري عند تفسير هذه الآية ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت: من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله ~~عليه فقد كذب، وهو يقول: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل ~~إليك من ربك } الآية، وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت: لو ~~كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من القرآن لكتم هذه الآية: # وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس ~~والله أحق أن تخشاه # [الأحزاب: 37]. وقال ابن أبي حاتم عن هارون بن عنترة عن أبيه قال: كنت ~~عند ابن عباس فجاء رجل فقال له: إن ناسا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئا ~~لم يبده رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس، فقال ابن عباس: ألم تعلم أن ~~الله تعالى قال: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك ~~من ربك } ، والله ما ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ~~في بيضاء. وهذا إسناد جيد. وفي صحيح البخاري عن وهب بن عبد الله السوائي ~~قال: قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس ~~في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله ~~رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: ~~العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم ms0754 بكافر. # وقال البخاري، قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا ~~التسليم، وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك ~~في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من ~~أربعين ألفا، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يومئذ: # " " أيها الناس إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك ~~قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها إليهم، ويقول: ~~" اللهم هل بلغت "!؟ ". # وقوله تعالى: { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } ~~يعني وإن لم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به فما بلغت رسالته قال ابن عباس: { ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته }: يعني إن كتمت آية ~~مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته، وعن مجاهد قال: لما نزلت: { ~~يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك } ~~قال: يا رب كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون علي؟ فنزلت: { وإن لم ~~تفعل فما بلغت رسالته } وقوله تعالى: { والله ~~يعصمك من الناس } أي بلغ أنت رسالتي وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك ~~على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء ~~يؤذيك. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الآية يحرس. كما قال ~~الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها كانت تحدث # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت، ~~فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: " ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني ~~الليلة " ، قالت: فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح، فقال: " من هذا ~~"؟ فقال: أنا سعد بن مالك، فقال: " ما جاء بك "؟ قال: جئت لأحرسك يا رسول ~~الله، قالت: فسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه " # ، أخرجاه في الصحيحين. وفي لفظ: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ~~ليلة مقدمة المدينة، يعني على أثر هجرته بعد دخوله بعائشة رضي الله ms0755 عنها ~~وكان ذلك في سنة ثنتين منها، وعنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحرس حتى نزلت هذه الآية: { والله يعصمك من الناس } قالت ~~فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة، وقال: # " يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمنا الله عز وجل ". # ومن عصمة الله لرسوله حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ~~ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارا، بما ~~يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء ~~الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيسا مطاعا كبيرا في قريش، وخلق الله ~~في قلبه محبة طبيعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا شرعية، ولو كان ~~أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في ~~الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه (أبو طالب) نال منه المشركون أذى ~~يسيرا، ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى ~~دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها منعوه من الأحمر والأسود، وكلما هم ~~أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه، كما كاده ~~اليهود بالسحر، فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك ~~الداء، ولما سمه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر أعلمه الله به وحماه ~~منه، ولهذا أشباه كثيرة جدا يطول ذكرها. وقوله: { إن الله لا ~~يهدي القوم الكافرين } أي بلغ أنت والله هو الذي يهدي من ~~يشاء ويضل من يشاء، كما قال تعالى: # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء # [البقرة: 272]، وقال: # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40]. ### || [5.68-69] # يقول تعالى: قل يا محمد: { يأهل الكتاب لستم على ~~شيء } أي من الدين حتى تقيموا التوراة والإنجيل، أي حتى تؤمنوا بجميع ~~ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها، ~~ومما فيها الإيمان بمحمد والأمر باتباعه صلى الله عليه وسلم والإيمان ~~بمبعثه والاقتداء بشريعته، ولهذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد في قوله: ~~{ ومآ أنزل إليكم من ربكم ms0756 }: يعني القرآن العظيم، ~~وقوله: { وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ~~ربك طغيانا وكفرا } تقدم تفسيره، { فلا تأس على ~~القوم الكافرين }: أي فلا تحزن عليهم ولا يهيبنك ذلك منهم، ثم ~~قال: { إن الذين آمنوا } وهم المسلمون، { والذين هادوا ~~} وهم حملة التوراة، { والصابئون } ، لما طال الفصل حسن العطف ~~بالرفع، والصابئون طائفة من النصارى والمجوس، قاله مجاهد، وعنه: من ~~اليهود والمجوس. وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى غير ~~القبلة ويقرأون الزبور. وقيل: غير ذلك. وأما النصارى فمعروفون وهم حملة ~~الإنجيل، والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله وباليوم الآخر، وهو الميعاد ~~والجزاء يوم الدين، وعملت عملا صالحا، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون ~~موافقا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين، ~~فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ~~ظهورهم ولا هم يحزنون. وقد تقدم الكلام على نظيرتها في سورة البقرة بما ~~أغنى عن إعادته ها هنا. ### || [5.70-71] # يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة ~~لله ولرسوله فنقضوا تلك العهود والمواثيق واتبعوا آراءهم وأهواءهم ~~وقدموها على الشرائع فما وافقهم منها قبلوه وما خالفهم ردوه ولهذا قال ~~تعالى: { كلما جآءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ~~فريقا كذبوا وفريقا يقتلون * وحسبوا ألا ~~تكون فتنة } أي وحسبوا أن لا يترتب لهم شر على ما صنعوا، فترتب، ~~وهو أنهم عموا عن الحق وصموا فلا يسمعون حقا ولا يهتدون إليه، ثم تاب ~~الله عليهم أي مما كانوا فيه، { ثم عموا وصموا } أي بعد ذلك، ~~{ كثير منهم والله بصير بما يعملون } أي مطلع ~~عليهم وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية منهم. ### || [5.72-75] # يقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى ممن قال منهم بأن المسيح هو الله، ~~- تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوا كبيرا - هذا وقد تقدم لهم أن ~~المسيح عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن ~~قال: # إني عبد الله # [مريم: 30]، ولم يقل إني أنا الله ولا ابن ms0757 الله، بل قال: # إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا # [مريم: 30]، وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمرا لهم بعبادة الله ~~ربه وربهم وحده لا شريك له، ولهذا قال تعالى: { وقال المسيح ~~يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه ~~من يشرك بالله } أي فيعبد معه غيره { فقد حرم الله ~~عليه الجنة ومأواه النار } أي فقد أوجب له النار وحرم ~~عليه الجنة، كما قال تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48، 116]. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مناديا ~~ينادي في الناس: # " إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة " # وفي لفظ " مؤمنة " ، ولهذا قال تعالى: { وما للظالمين من ~~أنصار } أي وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه. ~~وقوله: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة } ، الصحيح أنها أنزلت في النصارى خاصة، قاله مجاهد وغير واحد، ~~ثم اختلفوا في ذلك، فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم ~~الثلاثة، وهو أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب ~~إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. قال ابن جرير وغيره: ~~والطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم، ~~وهم مختلفون فيها اختلافا متباينا، ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم ~~تكفر الأخرى، والحق أن الثلاثة كافرة. وقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم ~~المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، وهي ~~كقوله تعالى: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك # [المائدة: 116] الآية، وهذا القول هو الأظهر، والله أعلم. # قال الله تعالى: { وما من إله إلا إله واحد } أي ~~ليس متعددا بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، ~~ثم قال تعالى متوعدا لهم ومتهددا: { وإن لم ينتهوا عما ~~يقولون } أي من هذا الافتراء والكذب { ليمسن الذين ~~كفروا منهم عذاب أليم } أي في الآخرة من الأغلال والنكال، ~~ثم قال: ms0758 { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ~~والله غفور رحيم }؟ وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته ~~بخلقه مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك يدعوهم إلى ~~التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه. # وقوله تعالى: { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل } أي له أسوة أمثاله من سائر المرسلين ~~المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال: # إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا ~~لبني إسرائيل # [الزخرف: 59]، وقوله: { وأمه صديقة } أي مؤمنة به مصدقة له، ~~وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ~~ذهب إلى نبوة سارة (أم إسحاق) ونبوة (أم موسى) ونبوة (أم عيسى) استدلالا ~~منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه # [القصص: 7]، وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث ~~نبيا إلا من الرجال، قال الله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى # [يوسف: 109]، وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه الله الإجماع على ~~ذلك، وقوله تعالى: { كانا يأكلان الطعام } أي يحتاجان إلى ~~التغذية به وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما ~~زعمت فرق النصارى الجهلة عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. ثم ~~قال تعالى: { انظر كيف نبين لهم الآيات } أي نوضحها ~~ونظهرها، { ثم انظر أنى يؤفكون } أي ثم انظر بعد هذا ~~البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون، وبأي قول يتمسكون، وإلى أي مذهب من ~~الضلال يذهبون؟. ### || [5.76-77] # يقول تعالى منكرا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ~~ومبينا له أنها لا تستحق شيئا من الإلهية، فقال تعالى: { قل } أي يا ~~محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم ودخل في ذلك النصارى ~~وغيرهم { أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ~~ضرا ولا نفعا } أي لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم، ~~{ والله هو السميع العليم } أي السميع لأقوال ms0759 عباده العليم ~~بكل شيء، فلم عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئا ~~ولا يملك ضرا ولا نفعا لغيره ولا لنفسه؟ ثم قال: { قل يأهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق } أي لا تجاوزوا ~~الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه، فتبالغوا فيه حتى ~~تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من ~~الأنبياء، فجعلتموه إلها من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم ~~شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديما، { وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سوآء السبيل } ، أي وخرجوا عن طريق الاستقامة ~~والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال. ### || [5.78-81] # يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل فيما أنزله على ~~داود نبيه عليه السلام، وعلى لسان عيسى ابن مريم بسبب عصيانهم لله ~~واعتداءهم على خلقه. قال ابن عباس: لعنوا في التوراة والإنجيل وفي ~~الزبور، وفي الفرقان، ثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم، فقال ~~تعالى: { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ~~ما كانوا يفعلون } أي كان لا ينهى أحد منهم أحدا عن ارتكاب ~~المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يركب مثل الذي ارتكبوه فقال: ~~{ لبئس ما كانوا يفعلون } ، وقال الإمام أحمد عن عبد الله ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم ~~في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على ~~لسان داود وعيسى ابن مريم، { ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون } " # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فقال: # " لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا " # وقال أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا ~~هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ~~ذلك أن ms0760 يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ~~ببعض، ثم قال: { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ~~على لسان داوود وعيسى ابن مريم } إلى قوله: { ~~فاسقون } ، ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ~~ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا، أو تقصرنه على الحق ~~قصرا ". # والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا، ولنذكر منها ~~ما يناسب هذا المقام عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن ~~يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم " # وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم " # ، وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع ~~فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " # ، رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم ~~قادرون على أن ينكروه، فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة ~~والعامة " # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، كان كمن غاب عنها، ~~ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها " # وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيبا فكان ~~فيما قال: # " ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه " # ، فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا. وفي الحديث قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " # وعن أنس بن مالك قال: قال: قيل: # " يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: " إذا ~~ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم " ، قلنا يا رسول الله وما ظهر في الأمم ~~قبلنا؟ قال: ms0761 " الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالكم " # قال زيد: تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم والعلم في رذالكم: ~~إذا كان العلم في الفساق. وقوله تعالى: { ترى كثيرا منهم ~~يتولون الذين كفروا } قال مجاهد: يعني بذلك المنافقين. ~~وقوله: { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } يعني بذلك ~~موالاتهم للكافرين وتركهم موالاة المؤمنين التي أعقبتهم نفاقا في قلوبهم ~~وأسخطت الله عليهم سخطا مستمرا إلى يوم معادهم، ولهذا قال: { أن ~~سخط الله عليهم } وفسر بذلك ما ذمهم به ثم أخبر عنهم أنهم { ~~وفي العذاب هم خالدون } يعني يوم القيامة. وقوله تعالى: { ~~ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ~~ما اتخذوهم أوليآء } أي لو آمنوا حق الإيمان بالله والرسول ~~والقرآن لما ارتكبوا من موالاة الكافرين في الباطن ومعاداة المؤمنين ~~بالله والنبي وما أنزل إليه، { ولكن كثيرا منهم ~~فاسقون } أي خارجون عن طاعة الله ورسوله مخالفون لآيات وحيه وتنزيله. ### || [5.82-86] # قال ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذين حين تلا عليهم ~~(جعفر بن أبي طالب) بالحبشة القرآن بكوا، حتى أخضلوا لحاهم. وهذا القول ~~فيه نظر، لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة، وقال ~~سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن ~~أسلموا وبكوا وخشعوا. ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه. وقال عطاء بن أبي ~~رباح: هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من ~~المسلمين، وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم فلما رأوا ~~المسلمين وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا، واختار ابن جرير أن هذه ~~الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة سواء كانوا من الحبشة أو غيرها. ~~فقوله تعالى: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~آمنوا اليهود والذين أشركوا } ما ذاك إلا لأن كفر ~~اليهود كفر عناد وجحود، ومباهتة للحق، وغمط للناس، وتنقص بحملة العلم، ~~ولهذا قتلوا كثيرا من الأنبياء، حتى هموا بقتل رسول الله ms0762 صلى الله عليه ~~وسلم غير مرة وسموه وسحروه، وألبوا عليه أشباههم من المشركين عليهم ~~لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما خلا يهودي بمسلم قط إلا هم بقتله ". # وقوله تعالى: { ولتجدن أقربهم مودة للذين ~~آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } أي الذين زعموا أنهم ~~نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في ~~الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة ~~والرأفة، كما قال تعالى: # وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ~~ورهبانية # [الحديد: 27]، وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ~~وليس القتال مشروعا في ملتهم، ولهذا قال تعالى: { ذلك بأن ~~منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } أي ~~يوجد فيهم القسيسون، وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم قسيس وقس أيضا، وقد ~~يجمع على قسوس، والرهبان جمع راهب وهو العابد، مشتق من الرهبة وهي الخوف ~~كراكب وركبان وفارس وفرسان. قال ابن جرير: وقد يكون الرهبان واحدا ~~وجملة، رهابين، مثل قربان وقرابين، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على ~~أنه يكون عند العرب واحدا قول الشاعر: # لو عاينت رهبان دير في القلل # لانحدر الرهبان يمشي ونزل # وقال ابن أبي حاتم عن جاثمة بن رئاب قال: سمعت سلمان، وسئل عن قوله: { ~~ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا } فقال: هم الرهبان ~~الذين هم في الصوامع والخرب، فدعوهم فيها، قال سلمان: وقرأت على النبي ~~صلى الله عليه وسلم: { ذلك بأن منهم قسيسين } ، فأقرأني: ~~" ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا ". # فقوله: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم ~~لا يستكبرون } ، تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ~~ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال: { وإذا سمعوا ~~مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من ~~الدمع مما عرفوا من الحق } أي مما عندهم من البشارة ~~ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم { يقولون ربنآ آمنا ~~فاكتبنا مع الشاهدين } أي مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به، وقد ~~روى النسائي عن عبد الله بن الزبير ms0763 قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وفي ~~أصحابه: { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ~~يقولون ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين }. عن ابن ~~عباس في قوله: { فاكتبنا مع الشاهدين } أي مع محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأمته، هم الشاهدون يشهدون لنبيهم صلى الله عليه وسلم أنه قد ~~بلغ وللرسل أنهم قد بلغوا، وكانوا (كرابين) يعني فلاحين قدموا مع جعفر ~~بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ~~القرآن آمنوا وفاضت أعينهم. قال تعالى: { وما لنا لا نؤمن ~~بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ~~ربنا مع القوم الصالحين } ، وهذا الصنف من النصارى هم ~~المذكورون في قوله تعالى: # وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل ~~إليكم ومآ أنزل إليهم خشعين لله # [آل عمران: 199] الآية، وهم الذين قال الله فيهم: # وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق ~~من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين # [القصص: 53]، ولهذا قال تعالى ههنا: { فأثابهم الله بما ~~قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار } أي فجازاهم على ~~إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق، { جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها } أي ماكثين فيها أبدا لا يحولون ولا ~~يزولون، { وذلك جزآء المحسنين } أي في اتباعهم الحق ~~وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع من كان، ثم أخبر عن حال الأشقياء ~~فقال: { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ } أي جحدوا بها ~~وخالفوها، { أولئك أصحاب الجحيم } أي هم أهلها والداخلون ~~فيها. ### || [5.87-88] # قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل ~~الرهبان، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك، ~~فقالوا: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني ~~ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني " # ، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن ناسا من ms0764 أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، ~~فقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا ~~أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم وآكل ~~اللحم وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني " # وعن ابن عباس: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت للنساء، وإني حرمت علي اللحم، ~~فنزلت: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ ~~أحل الله لكم } ، وقال سفيان الثوري عن عبد الله بن مسعود قال: ~~كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس معنا نساء فقلنا: ألا ~~نستخصي، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح ~~المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } ~~الآية، وهذا كان قبل تحريم نكاح المتعة، والله أعلم. وعن مسروق قال: كنا ~~عند عبد الله بن مسعود فجيء بضرع فتنحى رجل، فقال له عبد الله: أدن. ~~فقال: إني حرمت أن آكله، فقال عبد الله: ادن فأطعم وكفر عن يمينك، وتلا ~~هذه الآية: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ~~مآ أحل الله لكم } الآية. # وقد ذهب بعض العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلا أو ملبسا أو ~~شيئا ما عدا النساء أنه لا يحرم عليه ولا كفارة عليه أيضا لقوله تعالى: ~~{ يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ ~~أحل الله لكم } ، ولأن الذي حرم اللحم على نفسه لم يأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة، وذهب آخرون منهم الإمام (أحمد بن حنبل) ~~إلى أن من حرم مأكلا أو مشربا أو ملبسا أو شيئا من الأشياء فإنه يجب ~~عليه بذلك كفارة يمين كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ بمجرد ~~تحريمه على نفسه إلزاما ms0765 له بما التزمه كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في ~~قوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم # [التحريم: 1] ثم قال: # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # [التحريم: 2] الآية. وكذلك ها هنا لما ذكر هذا الحكم عقبة بالآية ~~المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتضاء ~~التكفير، والله أعلم. وقال ابن جرير: أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد ~~الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية. ~~وقال ابن جريج عن عكرمة: إن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن ~~مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالما مولى أبي حذيفة في أصحابه تبتلوا، ~~فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام ~~واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا ~~بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت هذه الآية: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين } ، يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا ~~من النساء والطعام واللباس وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار وما ~~هموا به من الاختصاء، فلما نزلت فيهم، بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # " إن لأنفسكم حقا، وإن لأعينكم حقا، صوموا وافطروا، وصلوا وناموا، ~~فليس منا من ترك سنتنا " # فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت. # وقوله تعالى: { ولا تعتدوا } يحتمل أن يكون المراد منه: لا ~~تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم كما قاله من قاله ~~من السلف، ويحتمل أن يكون المراد كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في ~~تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم ولا تجاوزوا الحد فيه، ~~كما قال تعالى: # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا # [الأعراف: 21] وقال: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67] فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا ~~تفريط. ولهذا قال: { لا تحرموا طيبات مآ ms0766 أحل الله ~~لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } ~~ثم قال: { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } أي ~~في حال كونه حلالا طيبا، { واتقوا الله } أي في جميع أموركم ~~واتبعوا طاعته ورضوانه واتركوا مخالفته وعصيانه { الذي أنتم به ~~مؤمنون }. ### || [5.89] # قد تقدم الكلام على اللغو في اليمين في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ~~ههنا ولله الحمد والمنة؛ وأنه قول الرجل في الكلام من غير قصد (لا ~~والله، وبلى والله). وهذا مذهب الشافعي، وقيل: هو في الهزل، وقيل: في ~~المعصية، وقيل: على غلبة الظن، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، وقيل: في اليمين ~~في الغضب، وقيل: في النسيان، وقيل: هو الحلف على ترك المأكل والمشرب ~~والملبس ونحو ذلك، واستدلوا بقوله: { لا تحرموا طيبات مآ ~~أحل الله لكم } ، والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله: { ~~ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } أي بما صممتم ~~عليه منها وقصدتموها { فكفارته إطعام عشرة مساكين } ~~يعني محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه. وقوله: { من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم } قال ابن عباس: أي من أعدل ما تطعمون أهليكم، ~~وقال عطاء: من أمثل ما تطعمون أهليكم. وقد كان الرجل يقوت بعض أهله قوت ~~دون، وبعضهم قوتا فيه سعة، فقال الله تعالى: { من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم } أي من الخبز والزيت. عن ابن عمر في قوله: { ~~من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال: الخبز والسمن، والخبز ~~واللبن، والخبز والزيت، والخبز والتمر. ومن أفضل ما تطعمون أهليكم: الخبز ~~واللحم. واختار ابن جرير أن المراد بقوله: { من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم } ، أي في القلة والكثرة، ثم اختلف العلماء في ~~مقدار ما يطعمهم، فقال علي: يغديهم ويعشيهم، وقال الحسن ومحمد بن سيرين: ~~يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزا ولحما فإن لم يجد، فخبزا ~~وسمنا ولبنا، فإن لم يجد فخبزا وزيتا وخلا حتى يشبعوا. وقال آخرون: ~~يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما. وقال أبو حنيفة: ~~نصف صاع بر وصاع مما عداه، لما روي ms0767 عن ابن عباس قال: كفر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس به ومن لم يجد فنصف صاع من بر؛ ~~وقال الشافعي: الواجب في كفارة اليمين مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم ~~لكل مسكين ولم يتعرض للأدم، واحتج بأمر النبي صلى الله عليه وسلم للذي ~~جامع في رمضان بأن يطعم ستين مسكينا من مكتل يسع خمسة عشر صاعا لكل ~~واحد منهم، وقال أحمد: مد من بر أو مدان من غيره والله أعلم. # وقوله تعالى: { أو كسوتهم } قال الشافعي رحمه الله: لو دفع إلى ~~كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو ~~عمامة أو مقنعة أجزأه ذلك، وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد أن يدفع إلى ~~كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه إن كان رجلا أو امرأة كل ~~بحسبه والله أعلم، وقال الحسن: ثوب ثوب، وقال الثوري: عمامة يلف بها رأسه ~~وعباءة يلتحف بها. # وقوله: { أو تحرير رقبة } أخذ أبو حنيفة بإطلاقها فقال: تجزىء ~~الكافرة كما تجزىء المؤمنة، وقال الشافعي وآخرون: لا بد أن تكون مؤمنة، ~~وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل لاتحاد الموجب، وإن اختلف السبب، ~~ومن حديث معاوية بن الحكم السلمي أنه ذكر أن عليه عتق رقبة وجاء معه ~~بجارية سوداء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " أين الله؟ " قالت: في السماء، قال: " من أنا " قالت: رسول الله، ~~قال: " أعتقها فإنها مؤمنة " # الحديث بطوله، فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين أيها فعل الحانث أجزأ عنه ~~بالإجماع، وقد بدأ بالأسهل فالأسهل، فالإطعام أسهل، وأيسر من الكسوة، كما ~~أن الكسوة أيسر من العتق، فيرقى فيها من الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر ~~الملكف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفر بصيام ثلاثة أيام، كما قال ~~تعالى: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } ، وروى ابن ~~جرير عن سعيد بن جبير والحسن البصري أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم لزمه ~~الإطعام وإلا صام، ms0768 واختلف العلماء هل يجب فيها التتابع أو يستحب ويجزىء ~~التفريق؟ قولان: أحدهما لا يجب، وهذا منصوص الشافعي في كتاب الأيمان، وهو ~~قول مالك لإطلاق قوله: { فصيام ثلاثة أيام } ، وهو صادق على ~~المجموعة والمفرقة كما في قضاء رمضان لقوله: # فعدة من أيام أخر # [البقرة: 184، 185]، ونص الشافعي في موضع آخر في " الأم " على وجوب ~~التتابع كما هو قول الحنفية والحنابلة، لأنه قد روي عن أبي بن كعب وغيره ~~أنهم كانوا يقرأونها: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات). وهذه إذا لم يثبت ~~كونها قرآنا متواترا فلا أقل أن يكون خبر واحد، أو تفسيرا من الصحابة، ~~وهو في حكم المرفوع. وقوله: { ذلك كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم } أي هذه كفارة اليمين الشرعية { واحفظوا أيمانكم ~~} قال ابن جرير: لا تتركوها بغير تكفير، { كذلك يبين الله ~~لكم آياته } أي يوضحها ويفسرها { لعلكم تشكرون }. ### || [5.90-93] # يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر وهو القمار، ~~وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: الشطرنج ~~من الميسر، رواه ابن أبي حاتم، قال مجاهد وعطاء: كل شيء من القمار فهو من ~~الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز. وروي عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب ~~مثله، وقالا: حتى الكعاب والجوز والبيض التي تلعب بها الصبيان، وقال ابن ~~عمر وابن عباس: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء ~~الإسلام، فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة. وقال مالك: كان ميسر أهل ~~الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين وقال الزهري: الميسر الضرب بالقداح ~~على الأموال والثمار. وقال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن ~~الصلاة فهو من الميسر، وكأن المراد بهذا هو النرد الذي ورد الحديث به في ~~صحيح مسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه " # ، وفي موطأ مالك عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من لعب النرد فقد عصى الله ورسوله " # ، وأما الشطرنج فقد قال عبد الله ms0769 بن عمر: إنه شر من النرد، وتقدم عن علي ~~أنه قال: هو من الميسر، ونص على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد، وكرهه ~~الشافعي رحمهم الله تعالى، وأما الأنصاب فقال ابن عباس ومجاهد: هي حجارة ~~كانوا يذبحون قرابينهم عندها، وأما الأزلام فقالوا أيضا: هي قداح كانوا ~~يستقسمون بها، وقوله تعالى: { رجس من عمل الشيطان } ، قال ~~ابن عباس: أي سخط من عمل الشيطان، وقال سعيد بن جبير: إثم، وقال زيد بن ~~أسلم: أي شر من عمل الشيطان، { فاجتنبوه } الضمير عائد على الرجس ~~أي اتركوه، { لعلكم تفلحون } وهذا ترغيب، ثم قال تعالى: { ~~إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } وهذا تهديد ~~وترهيب. # (ذكر الأحاديث الواردة في بيان تحريم الخمر) # قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات: قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فأنزل الله: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنفع للناس # [البقرة: 219] إلى آخر الآية، فقال الناس ما حرما علينا، إنما قال: # فيهمآ إثم كبير ومنفع للناس # [البقرة: 219] وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوما من الأيام صلى رجل من ~~المهاجرين، أم أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ ~~منها: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة ~~وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون } ، فكان الناس ~~يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مغبق، ثم أنزلت آية أغلظ منها: { ~~يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون } قالوا: انتهينا ربنا، وقال ~~الناس: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على سرفهم، كانوا ~~يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان فأنزل ~~الله تعالى: { ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا } إلى آخر الآية، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " لو حرم عليهم لتركوه كما ms0770 تركتم " # ، وقال الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: ~~اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية في البقرة: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير # [الآية: 219]، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر ~~بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في سورة النساء: # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة ~~وأنتم سكرى # [الآية: 43]، فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: حي على ~~الصلاة نادى: لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم ~~بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر ~~فقرئت عليه، فلما بلغ قول الله تعالى: { فهل أنتم منتهون } ، ~~قال عمر: انتهينا انتهينا. وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال ~~في خطبته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إنه نزل ~~تحريم الخمر، وهي من خمسة: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. ~~والخمر ما خامر العقل. وقال البخاري عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر وإن ~~بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب. # (حديث آخر): عن عبد الرحمن بن وعلة قال: # " سألت ابن عباس عن بيع الخمر؟ فقال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صديق من ثقيف أو من دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا فلان أما علمت أن الله حرمها ". ~~فأقبل الرجل على غلامه. فقال: اذهب فبعها. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " يا فلان بماذا أمرته "؟ فقال: أمرته أن يبيعها. قال: " إن الذي ~~حرم شربها حرم بيعها " فأمر بها فأفرغت في البطحاء ". # (حديث آخر): قال الحافظ أبو يعلى الموصلي عن تميم الداري: # " أنه كان يهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام راوية من خمر فلما ~~أنزل الله تحريم الخمر جاء بها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ضحك وقال: " إنها قد حرمت بعدك " قال: يا ms0771 رسول الله فأبيعها وأنتفع ~~بثمنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله اليهود حرمت ~~عليهم شحوم البقر والغنم فأذابوه وباعوه والله حرم الخمر وثمنها " ". # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن نافع بن كيسان: # " أن أباه أخبره أنه كان يتجر في الخمر في زمن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق، يريد بها التجارة، فأتى ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني جئتك بشراب ~~طيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا كيسان إنها قد حرمت بعدك " ~~، قال: فأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها ~~قد حرمت وحرم ثمنها " فانطلق كيسان إلى الزقاق فأخذ بأرجلها ثم أهراقها ~~". # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن أنس. قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح ~~وأبي بن كعب وسهيل بن بيضاء ونفرا من أصحابه عند أبي طلحة، حتى كاد ~~الشراب يأخذ منهم، فأتى آت من المسلمين فقال: أما شعرتم أن الخمر قد ~~حرمت؟ فقالوا: حتى ننظر، ونسأل، فقالوا: يا أنس اسكب ما بقي في إنائك ~~فوالله ما عادوا فيها، وما هي إلا التمر والبسر وهي خمرهم يومئذ. وفي ~~رواية عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة وما ~~شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي قال: اخرج فانظر، فإذا ~~مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فجريت في سكك المدينة، قال: فقال لي ~~أبو طلحة: أخرج فأهرقها فهرقتها، فقالوا: أو قال بعضهم قتل فلان وفلان ~~وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله: { ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } الآية. وعنه قال: ~~بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح وأبي دجانة ~~ومعاذ بن جبل وسهيل ابن بيضاء حتى مالت رؤوسهم من خليط بسر وتمر، فسمعت ~~مناديا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج ~~منا خارج حتى أهرقنا الشراب، ms0772 وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، ~~وأصبنا من طيب أم سليم، ثم خرجنا إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ: { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه } ، إلى قوله: { فهل أنتم ~~منتهون } فقال رجل: يا رسول الله فما ترى فيمن مات وهو يشربها؟ ~~فأنزل الله تعالى: { ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا } الآية، فقال رجل لقتادة: أنت ~~سمعته من أنس بن مالك؟ قال: نعم، وقال رجل لأنس بن مالك أنت سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. # ما كنا نكذب ولا ندري ما الكذب. # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وكل مسكر حرام " # ، وعن أبي طعمة سمعت ابن عمر يقول: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المربد، فخرجت معه فكنت عن ~~يمينه، وأقبل أبو بكر فتأخرت عنه فكان عن يمينه؟ وكنت عن يساره، ثم أقبل ~~عمر فتنحيت له فكان عن يساره، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المربد، ~~فإذا بزقاق على المربد فيها خمر، قال ابن عمر: فدعاني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالمدية، قال ابن عمر: وما عرفت المدية إلا يومئذ، فأمر ~~بالزقاق فشقت، ثم قال: " لعنت الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها ~~وحاملها والمحمولة إليه وعاصرها ومعتصرها وآكل ثمنها " ". # (حديث آخر): عن مصعب بن سعد عن سعد قال: أنزلت في الخمر أربع آيات، فذكر ~~الحديث، قال: وضع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فشربنا الخمر، قبل أن ~~تحرم حتى انتشينا فتفاخرنا، فقالت الأنصار: نحن أفضل، وقالت قريش: نحن ~~أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور، فضرب به أنف سعد ففزره، وكانت أنف ~~سعد مفزورة، فنزلت: { إنما الخمر والميسر } ، إلى قوله ~~تعالى: { فهل أنتم منتهون }. (حديث آخر): عن ابن عباس قال: ~~إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شربوا، فلما أن ms0773 ثمل ~~القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ~~ولحيته، فيقول: صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، ~~فيقول: والله لو كان بي رؤوفا رحيما ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن ~~في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: { يأيها الذين ~~آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ~~رجس من عمل الشيطان } إلى قوله تعالى: { فهل أنتم ~~منتهون } فقال أناس من المتكلفين: هي رجس وهي في بطن فلان، وقد قتل ~~يوم أحد، فأنزل الله تعالى: { ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } إلى آخر الآية ~~(حديث آخر): قال ابن جرير عن أبي بريدة عن أبيه قال: بينما نحن قعود على ~~شراب لنا، ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة وعندنا باطية لنا ونحن ~~نشرب الخمر حلا، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ~~عليه، إذ نزل تحريم الخمر: { يأيها الذين آمنوا إنما ~~الخمر والميسر } إلى آخر الآيتين { فهل أنتم ~~منتهون } ، فجئت إلى أصحابي، فقرأتها عليهم، إلى قوله: { فهل ~~أنتم منتهون } قال: وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضها، وبقي ~~بعض في الإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام ثم صبوا ما في باطيتهم، ~~فقالوا: انتهينا ربنا. # (حديث آخر): قال البخاري عن جابر قال: صبح أناس غداة أحد فقتلوا من ~~يومهم جميعا شهداء، وذلك قبل تحريمها. # (حديث آخر): قال أبو داود الطيالسي عن البراء بن عازب قال: لما نزل ~~تحريم الخمر قالوا: كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم؟ فنزلت: { ليس ~~على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا } الآية. (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن أنس بن مالك: # " أن أبا طلحة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيتام في حجره ورثوا ~~خمرا، فقال: " أهرقها " قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: " لا " ". # (حديث آخر): عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها ms0774 في الآخرة " # وعن نافع عن ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل مسكر حرام، ومن شرب الخمر فمات وهو يدمنها ولم يتب منها لم يشربها ~~في الآخرة " # (حديث آخر): عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر " # وقال الزهري عن عثمان بن عفان قال: " اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، ~~إنه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فعلقته امرأة غوية، ~~فأرسلت إليه جاريتها أن تدعوه لشهادة فدخل معها، فطفقت كلما دخل بابا ~~أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر، فقالت: ~~إني والله ما دعوتك لشهادة، ولكن دعوتك لتقع علي، أو تقتل هذا الغلام، أو ~~تشرب هذا الخمر. فسقته كأسا فقال: زيدوني، فلم يرم حتى وقع عليها، وقتل ~~النفس. فاجتنبوا الخمر، فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدا إلا أوشك ~~أحدهما أن يخرج صاحبه ". وله شاهد في الصحيحين عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق سرقة حين يسرقها وهو ~~مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " # قال الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " " من شرب الخمر لم يرض الله عنه أربعين ليلة إن مات؛ مات كافرا، وإن ~~تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال " ~~، قالت، قلت: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: " صديد أهل النار " ". ### || [5.94-95] # قال ابن عباس في قوله: { ليبلونكم الله بشيء من ~~الصيد تناله أيديكم ورماحكم } قال: هو الضعيف من ~~الصيد وصغيره. يبتلي الله به عباده في إحرامهم حتى لو شاءوا لتناولوه ~~بأيديهم فنهاهم الله أن يقربوه، وقال مجاهد: { تناله أيديكم } ~~يعني صغار الصيد وفراخه. { ورماحكم } يعني كباره، وقال مقاتل بن ~~حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد ~~تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما ms0775 حلا، فنهاهم الله عن قتله وهم ~~محرمون، { ليعلم الله من يخافه بالغيب } يعني أنه ~~تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح ~~سرا وجهرا، لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره أو جهره، كما قال تعالى: # إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة ~~وأجر كبير # [الملك: 12] وقوله ها هنا: { فمن اعتدى بعد ذلك } ، قال ~~السدي وغيره: يعني بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدم { فله عذاب ~~أليم } ، أي لمخالفته أمر الله وشرعه، ثم قال تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ، ~~وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام ونهي عن تعاطيه فيه، ~~وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول، ولو ما تولد منه ومن غيره، فأما ~~غير المأكول من حيوانات البر، فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها، والجمهور ~~على تحريم قتلها أيضا، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين عن ~~عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة ~~والكلب العقور " # وقال مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب ~~والفأرة والكلب العقور " # قال أيوب: فقلت لنافع فالحية؟ قال: الحية لا شك فيها ولا يختلف في ~~قتلها، ومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور # " الذئب والسبع والفهد " # لأنها أشد ضررا منه. فالله أعلم. وقال زيد بن أسلم: الكلب العقور يشمل ~~هذه السباع العادية كلها، واستأنس من قال بهذا بما روي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما دعا على عتبة بن أبي لهب قال: # " اللهم سلط عليه كلبك بالشام، فأكله السبع بالزرقاء ". # وقوله تعالى: { ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ~~ما قتل من النعم }. الذي عليه الجمهور أن العامد والناسي سواء ~~في وجوب الجزاء عليه، وقال الزهري: دل الكتاب على العامد وجرت السنة على ~~الناسي، ومعنى هذا أن القرآن دل على وجوب ms0776 الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه ~~بقوله: { ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن ~~عاد فينتقم الله منه } وجاءت السنة من أحكام النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ كما دل الكتاب عليه ~~في العمد، وأيضا فإن قتل الصيد إتلاف والإتلاف مضمون في العمد وفي ~~النسيان، لكن المتعمد مأثوم والمخطىء غير ملوم، وقوله تعالى: { فجزآء ~~مثل ما قتل من النعم } قرأ بعضهم بالإضافة، وقرأ آخرون ~~بعطفها، وحكى ابن جرير أن ابن مسعود قرأ (فجزاؤه مثل ما قتل من النعم)، ~~وفي قوله: { فجزآء مثل ما قتل من النعم } على كل من ~~القراءتين دليل لما ذهب إليه الجمهور من وجوب الجزاء من مثل ما قتله ~~المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي، خلافا لأبي حنيفة رحمه الله ~~حيث أوجب القيمة سواء كان الصيد المقتول مثليا أو غير مثلي. # وقوله تعالى: { يحكم به ذوا عدل منكم } يعني أنه يحكم ~~بالجزاء في المثل أو بالقيمة في غير المثل عدلان من المسلمين، واختلف ~~العلماء في القاتل هل يجوز أن يكون أحد الحكمين على قولين (أحدهما): لا، ~~لأنه قد يتهم في حكمه على نفسه وهذا مذهب مالك، (والثاني): نعم لعموم ~~الآية وهو مذهب الشافعي وأحمد، قال ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران: أن ~~أعرابيا أتى أبا بكر فقال: قتلت صيدا وأنا محرم، فما ترى علي من ~~الجزاء؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه لأبي بن كعب وهو جالس عنده: ما ترى ~~فيها؟ قال، فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أسألك، فإذا أنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر: وما تنكر؟ يقول الله ~~تعالى: { فجزآء مثل ما قتل من النعم يحكم به ~~ذوا عدل منكم } ، فشاورت صاحبي، حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك ~~به. فبين له الصديق الحكم برفق وتؤدة لما رآه أعرابيا جاهلا، وإنما ~~دواء الجهل التعليم. وقال ابن جرير عن أبي وائل. أخبرني ابن جرير البجلي ~~قال: أصبت ظبيا وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال: ms0777 أئت رجلين من إخوانك ~~فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن وسعدا فحكما علي بتيس أعفر. # واختلفوا: هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم، فيجب أن يحكم فيه ~~ذوا عدل، وإن كان قد حكم في مثله الصحابة، أو يكتفي بأحكام الصحابة ~~المتقدمة؟ على قولين: فقال الشافعي وأحمد: يتبع في ذلك ما حكمت به ~~الصحابة وجعلاه شرعا مقررا لا يعدل عنه وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع ~~فيه إلى عدلين، وقال مالك وأبو حنيفة: بل يجب الحكم في كل فرد فرد سواء ~~وجد للصحابة في مثله حكم أم لا لقوله تعالى: { يحكم به ذوا ~~عدل منكم }. وقوله تعالى: { هديا بالغ الكعبة } أي ~~واصلا إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك ويفرق لحمه ~~على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة. # وقوله: { أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك ~~صياما } أي إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم أو لم يكن الصيد ~~المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام بين الجزاء ~~والإطعام والصيام، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي ~~والمشهور عن أحمد رحمهم الله، لظاهر " أو " بأنها للتخيير. والقول الآخر ~~على الترتيب: فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة، فيقوم الصيد المقتول عند ~~مالك وأبي حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي: يقوم مثله من النعم لو كان ~~موجودا، ثم يشتري به طعام فيتصدق به فيصرف لكل مسكين مد منه عند الشافعي ~~ومالك وفقهاء الحجاز واختاره ابن جرير وقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم كل ~~مسكين مدين، وهو قول مجاهد. وقال أحمد: مد من حنطة أو مدان من غيره، ~~فإن لم يجد أو قلنا بالتخيير صام عن إطعام كل مسكين يوما، واختلفوا في ~~مكان هذا الإطعام، فقال الشافعي: مكانه الحرم وهو قول عطاء، وقال مالك: ~~يطعم في المكان الذي أصاب فيه الصيد أو أقرب الأماكن إليه، وقال أبو ~~حنيفة: إن شاء أطعم في الحرم وإن شاء أطعم في غيره. # وقوله تعالى: { ليذوق وبال أمره } أي أوجبنا ms0778 عليه الكفارة ~~ليذوق عقوبة فعله الذي ارتكب فيه المخالفة، { عفا الله عما سلف ~~} أي في زمان الجاهلية لمن أحسن في الإسلام واتبع شرع الله ولم يرتكب ~~المعصية، ثم قال: { ومن عاد فينتقم الله منه } أي ومن ~~فعل ذلك بعد تحريمه في الإسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه { فينتقم ~~الله منه والله عزيز ذو انتقام }. قال ابن جريج: قلت ~~لعطاء: ما { عفا الله عما سلف }؟ قال: عما كان في الجاهلية. ~~قال، قلت: وما { ومن عاد فينتقم الله منه }؟ قال: ومن ~~عاد في الإسلام فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك الكفارة، قال، قلت: فهل في ~~العود من حد تعلمه! قال: لا، قال، قلت: فترى حقا على الإمام أن يعاقبه؟ ~~قال: لا، هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله عز وجل، ولكن يفتدي، رواه ~~ابن جرير. وقيل: معناه: فينتقم الله منه بالكفارة؛ قاله سعيد ابن جبير ~~وعطاء، ثم الجمهور من السلف والخلف: على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب ~~الجزاء، ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة، وإن تكرر ما تكرر سواء ~~الخطأ في ذلك والعمد. وقال ابن جرير عن ابن عباس فيمن أصاب صيدا يحكم ~~عليه ثم عاد، قال: لا يحكم عليه، ينتقم الله منه. قوله: { والله ~~عزيز ذو انتقام } أي: والله منيع في سلطانه لا يقهره قاهر، ولا ~~يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع لأن ~~الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزة والمنعة. وقوله: { ذو انتقام } ~~يعني أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه. ### || [5.96-99] # قال ابن عباس وسعيد بن جبير في قوله تعالى: { أحل لكم صيد ~~البحر } يعني ما يصطاد منه طريا { وطعامه } ما يتزود منه ~~مليحا يابسا، وقال ابن عباس في الرواية المشهورة عنه: صيده ما أخذ منه ~~حيا { وطعامه } ما لفظه ميتا. قال سفيان بن عيينة عن أبي بكر ~~الصديق أنه قال: { طعامه } كل ما فيه. وقال ابن جرير: خطب أبو بكر ~~الناس فقال: { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا ~~لكم } وطعامه ما ms0779 قذف. وقال عكرمة عن ابن عباس قال: طعامه ما لفظ من ~~ميتة. وقال ابن جرير إن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر فقال: إن ~~البحر قد قذف حيتانا كثيرة ميتة أفنأكلها كلها؟ فقال: لا تأكلوها، فلما ~~رجع عبد الله إلى أهله أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة، فأتى هذه الآية: { ~~وطعامه متاعا لكم وللسيارة } فقال: اذهب، فقل له ~~فليأكله فإنه طعامه. وهكذا اختار ابن جرير أن المراد بطعامه ما مات فيه. ~~وقوله: { متاعا لكم وللسيارة } أي منفعة وقوتا لكم أيها ~~المخاطبون، { وللسيارة } ، وهم جمع سيار، قال عكرمة: لمن كان ~~بحضرة البحر والسفر. وقال غيره. والطري منه لمن يصطاده من حاضرة البحر، ~~وطعامه ما مات فيه أو اصطيد منه وملح، وقد يكون زادا للمسافرين والنائين ~~عن البحر. وقد استدل الجمهور على حل ميتته بهذه الآية الكريمة، وبما رواه ~~الإمام مالك عن جابر بن عبد الله قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعثا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلثمائة، وأنا ~~فيهم، قال: فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة ~~بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوتنا كل ~~يوم قليلا قليلا حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقال: فقد ~~وجدنا فقدها حين فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل ~~الظرب، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين ~~من أضلاعه فنصبنا، ثم أمر براحلة، فرحلت ومرت تحتهما فلم تصبهما. وهذا ~~الحديث مخرج في الصحيحين، وله طرق عن جابر. # وفي صحيح مسلم عن جابر: فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتيناه ~~فإذا بدابة يقال لها العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن ~~رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه ~~شهرا ونحن ثلثمائة حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال ~~الدهن، ويقتطع منه القدر كالثور، قال: ولقد أخذ منا ms0780 أبو عبيدة ثلاثة عشر ~~رجلا، فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل ~~أعظم بعير معنا فمر من تحته، وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة ~~أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: # " هو رزق أخرجه الله لكم، هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ " # قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله. وقال مالك ~~سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إنا نركب ~~البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ بماء ~~البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ". # وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب ~~البحر، ولم يستثن من ذلك شيئا، وقد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه كل ما ~~فيه، وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها، لما رواه الإمام أحمد ~~وأبو داود والنسائي عن أبي عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع، وللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال: نقيقها تسبيح. ~~وقال آخرون: يؤكل من صيد البحر السمك. ولا يؤكل الضفدع، واختلفوا فيما ~~سواهما فقيل: يؤكل سائر ذلك، وقيل: لا يؤكل، وقيل: ما أكل شبهه من البر ~~أكل مثله في البحر، وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل. وهذه كلها وجوه في مذهب ~~الشافعي رحمه الله تعالى، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يؤكل ما ~~مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر، لعموم قوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3]، وقد ورد حديث بنحو ذلك. فقال ابن مردويه عن جابر قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه وما ألقى البحر ميتا طافيا فلا تأكلوه ~~". # وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر ~~المتقدم ذكره، ms0781 وبحديث: # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " # ، وقد تقدم أيضا. وروى الإمام الشافعي عن ابن عمر قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان ~~فالكبد والطحال " # ، وقوله: { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ~~} أي في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك، ~~فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمدا أثم وغرم، أو مخطئا غرم وحرم عليه أكله ~~لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين عند مالك ~~والشافعي في أحد قوليه. فإن أكله أو شيئا منه فهل يلزمه جزاء ثان؟ فيه ~~قولان للعلماء (أحدهما): نعم وإليه ذهب طائفة. (والثاني): لا جزاء عليه ~~في أكله، نص عليه مالك بن أنس. # قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، ~~وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل. وأما إذا صاد حلال صيدا فأهداه إلى ~~محرم، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقا، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد ~~صاده من أجله أم لا، وبه قال الكوفيون، قال ابن جرير عن أبي هريرة: أنه ~~سئل عن لحم صيد صاده حلال أيأكله المحرم؟ قال: فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر ~~بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك ~~رأسك. وقال آخرون: لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية، ومنعوا من ذلك ~~مطلقا لعموم هذه الآية الكريمة. # روي عن ابن عباس: أنه كره أكل الصيد للمحرم، وقال: هي مبهمة، يعني قوله: ~~{ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما }. وعن ابن ~~عمر أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال. وقد روي أن ~~عليا كره أكل لحم الصيد للمحرم على كل حال. وقال مالك والشافعي وأحمد بن ~~حنبل والجمهور: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم ~~أكله، لحديث الصعب بن جثامة # " أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا، وهو بالأبواء أو ~~بودان فرده عليه، فلما ms0782 رأى ما في وجهه قال: " إنا لم نرده عليك إلا أنا ~~حرم " # قالوا: فوجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم ظن أن هذا إنما صاده من أجله ~~فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد، فإنه يجوز له الأكل منه، لحديث ~~أبي قتادة # " حين صاد حمار وحش وكان حلالا لم يحرم وكان أصحابه محرمين. فتوقفوا في ~~أكله، ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " هل كان منكم أحد ~~أشار إليها أو أعان في قتلها "؟ قالوا: لا، قال: " فكلوا " ، وأكل منها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " # ، وهذه القصة ثابتة أيضا في الصحيحين بألفاظ كثيرة. ### || [5.100-102] # يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: { قل } يا محمد { لا ~~يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك } أي يا أيها ~~الإنسان { كثرة الخبيث } يعني أن القليل الحلال النافع خير من ~~الكثير الحرام الضار كما جاء في الحديث: # " ما قل وكفى خير مما كثر وألهى " # وقال أبو القاسم البغوي عن أبي أمامة: إن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال: ~~يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه " # ، { فاتقوا الله يأولي الألباب } أي يا ذوي العقول ~~الصحيحة المستقيمة وتجنبوا الحرام ودعوه واقنعوا بالحلال واكتفوا به { ~~لعلكم تفلحون } أي في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن ~~تبد لكم تسؤكم } هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ~~ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب ~~عنها، لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها، كما ~~جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يبلغني أحد عن أحد شيئا، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " # ، وقال البخاري عن أنس بن مالك قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خطبة ما سمعت مثلها قط، وقال فيها: # " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ms0783 " # قال فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم، لهم حنين، فقال ~~رجل: من أبي؟ قال: " فلان " ، فنزلت هذه الآية: { لا تسألوا عن ~~أشيآء } ، وعن أبي هريرة قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه، حتى جلس على ~~المنبر فقام إليه رجل، فقال: أين أبي؟ قال: " في النار " ، فقام آخر ~~فقال: من أبي؟ فقال: " أبوك حذافة " ، فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا ~~بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالقرآن ~~إماما، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك. والله أعلم من ~~آباؤنا. قال: فسكن غضبه. ونزلت هذه الآية: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم } ~~الآية " # ، إسناد جيد، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف، منهم السدي. ~~قال البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان قوم يسألون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ~~ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم } ~~، حتى فرغ من الآية كلها. # وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، ~~فالأولى الإعراض عنها وتركها، وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن ~~عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: # " لا يبلغني أحد عن أحد شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " # ، الحديث. # وقوله تعالى: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ~~تبد لكم } أي وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها ~~حين ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين لكم، وذلك على ~~الله يسير، ثم قال: { عفا الله عنها } أي عما كان منكم قبل ذلك { ~~والله غفور حليم } ، وقيل المراد بقوله: { وإن تسألوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } أي لا تسألوا عن ~~أشياء تستأنفون السؤال عنها فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم ms0784 تشديد أو تضييق، ~~وقد ورد في الحديث: # " أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته " # ، ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها بينت لكم حينئذ ~~لاحتياجكم إليها، { عفا الله عنها } أي ما لم يذكره في كتابه، ~~فهو مما عفا عنه فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها. وفي الصحيح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ذروني وما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم ~~على أنبيائهم " # ، وفي الحديث الصحيح أيضا: # " إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم ~~أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها " # ، ثم قال تعالى: { قد سألها قوم من قبلكم ثم ~~أصبحوا بها كافرين } أي قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قوم ~~من قبلكم فأجيبوا عنها ثم لم يؤمنوا بها فأصبحوا بها كافرين، أي بسببها، ~~أي بينت لهم فلم ينتفعوا بها، لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد بل على ~~وجه الاستهزاء والعناد. وقال العوفي عن ابن عباس في الآية: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس فقال: " يا قوم كتب ~~عليكم الحج " فقام رجل من بني أسد فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ فأغضب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا فقال: " والذي نفسي بيده لو ~~قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذا لكفرتم فاتركوني ما تركتكم، ~~وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه " # ، فأنزل الله هذه الآية نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت عنه النصارى ~~من المائدة فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله عن ذلك، وقال: لا تسألوا عن ~~أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل ~~القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه. # ثم قال: { قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا ~~بها كافرين }. روي عن عكرمة رحمه الله: أن المراد بهذا النهي عن ~~سؤال وقوع الآيات، كما سألت ms0785 قريش أن يجري لهم أنهارا وأن يجعل لهم الصفا ~~ذهبا وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وقد ~~قال الله تعالى: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون # [الإسراء: 59] الآية. وقال تعالى: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءتهم آية ~~ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما ~~يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون # [الأنعام: 109]. ### || [5.103-104] # قال البخاري عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع ~~درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها ~~لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال، وقال أبو هريرة، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار كان أول من سيب ~~السوائب " # والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد بأنثى، ~~وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر، ~~والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت، ~~وأعفوه عن الحمل، فلم يحمل عليه شيء، وسموه الحامي. ثم قال البخاري عن ~~الزهري عن عروة، أن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا، ورأيت عمرا يجر قصبه وهو أول من سيب ~~السوائب " # وقال الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: # " إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني ~~رأيته يجر أمعاءه في النار " # وقال عبد الرزاق عن زيد بن أسلم قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير دين إبراهيم عليه ~~السلام، قالوا: ومن هو يا رسول الله؟ قال: " عمرو بن لحي أخو بني كعب، ~~لقد رأيته يجر قصبه في النار تؤذي رائحته أهل النار، وإني لأعرف أول من ~~بحر البحائر " ، قالوا: ومن هو يا رسول الله؟ قال: " رجل من بني مدلج، ~~كانت له ناقتان، فجدع آذانهما، وحرم ألبانهما، ثم ms0786 شرب ألبانهما، بعد ذلك، ~~فلقد رأيته في النار وهما يعضانه بأفواههما ويطآنه بأخفافهما " # ، فعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد ~~جرهم، وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ~~ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع ~~الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام عند ~~قوله تعالى: # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا # [الأنعام: 136] إلى آخر الآيات في ذلك. # فأما البحيرة فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هي الناقة إذا نتجت خمسة ~~أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكرا ذبحوه فأكله الرجال دون النساء، ~~وإن كان أنثى جدعوا آذانها، فقالوا: هذه بحيرة. وذكر السدي وغيره قريبا ~~من هذا؛ وأما السائبة: فقال مجاهد: هي من الغنم نحو ما فسر من البحيرة، ~~إلا أنها ما ولدت من ولد كان بينها وبينه ستة أولاد كانت على هيئتها، ~~فإذا ولدت السابع ذكرا أو ذكرين ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم، وقال ~~محمد بن إسحاق: السائبة: هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ~~ذكر سيبت فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يحلب لبنها إلا لضيف. # وقال أبو روق: السائبة، كان الرجل إذا خرج فقضيت حاجته سيب من ماله ناقة ~~أو غيرها فجعلها للطواغيت، فما ولدت من شيء كان لها. وقال السدي: كان ~~الرجل منهم إذا قضيت حاجته أو عوفي من مرض أو كثر ماله سيب شيئا من ~~ماله للأوثان، فمن عرض له من الناس عوقب بعقوبة في الدنيا. # وأما الوصيلة فقال ابن عباس: هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا إلى ~~السابع، فإن كان ذكرا وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان ~~أنثى استحيوها، وإن كان ذكرا وأنثى في بطن واحد استحيوهما وقالوا وصلته ~~أخته فحرمته علينا. وقال محمد بن إسحاق: الوصيلة من الغنم إذا ولدت عشر ~~إناث في خمسة أبطن توأمين توأمين في كل بطن سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت ms0787 ~~بعد ذلك من ذكر أو أنثى جعلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميتة اشتركوا ~~فيها. وأما الحامي، فقال ابن عباس: كان الرجل إذا لقح فحله عشرا قيل حام ~~فاتركوه، وكذا قال قتادة، وروي عنه أن الحام: الفحل من الإبل إذا ولد ~~لولده، قالوا حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئا ولا يجزون له وبرا، ~~ولا يمنعونه من حمى رعي ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه. ~~وقال ابن وهب، سمعت مالكا يقول: أما الحام فمن الإبل كان يضرب في الإبل، ~~فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيبوه. وقد قيل غير ذلك في ~~تفسير هذه الآية. وقوله تعالى: { ولكن الذين كفروا ~~يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } ~~أي ما شرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قربة. ولكن المشركون افتروا ذلك ~~وجعلوه شرعا لهم وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل بل هو وبال ~~عليهم: { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله ~~وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ ~~} أي إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه وترك ما حرمه قالوا: يكفينا ~~ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك، قال الله تعالى: { ~~أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } ~~أي لا يفهمون حقا ولا يعرفونه ولا يهتدون إليه. فكيف يتبعونها والحالة ~~هذه لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلا؟. ### || [5.105] # يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم ويفعلوا الخير بجهدهم ~~وطاقتهم، ومخبرا لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، ~~سواء كان قريبا منه أو بعيدا. قال ابن عباس في تفسير هذه الآية، يقول ~~تعالى: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال، ونهيته عنه من ~~الحرام، فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به، وهكذا قال مقاتل بن ~~حيان. فقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا عليكم ~~أنفسكم } نصب على الإغراء { لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم ~~بما ms0788 كنتم تعملون } أي فيجازي كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن ~~شرا فشر. وليس فيها دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا ~~كان فعل ذلك ممكنا، وقد قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: { يأيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم } ، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله عز وجل أن يعمهم ~~بعقابه " # قال الترمذي عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له: ~~كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم } قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا ~~وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع ~~العوام، فإن من ورائكم أياما، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل ~~فيهن أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم " # ، وفي رواية قيل: # " يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: " بل أجر خمسين منكم ~~" ". # وروى الرازي عن أبي العالية عن ابن مسعود في قوله: { يأيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~} الآية، قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسا فكان بين رجلين بعض ما ~~يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه فقال رجل من جلساء عبد ~~الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر، فقال آخر إلى جنبه: ~~عليك بنفسك، فإن الله يقول: { عليكم أنفسكم } الآية، قال: ~~فسمعها ابن مسعود، قال: مه لم يجيء تأويل هذه بعد؛ إن القرآن أنزل حيث ~~أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ومنه آي قد وقع تأويلهن على ~~عهد رسول الله صلى ms0789 الله عليه وسلم، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي تأويلهن ~~عند الساعة وما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب ما ذكر من ~~الحساب والجنة والنار فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا ~~شيعا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فامروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب ~~والأهواء وألبستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه، وعند ذلك جاءنا ~~تأويل هذه الآية رواه ابن جرير، وقال ابن جرير تلا الحسن هذه الآية: { ~~يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم ~~من ضل إذا اهتديتم } فقال الحسن: الحمد لله بها، والحمد لله ~~عليها، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جنبه منافق ~~يكره عمله. # وقال سعيد بن المسيب: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فلا يضرك من ~~ضل إذا اهتديت. ### || [5.106-108] # اشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز، قيل أنه منسوخ، وقال آخرون وهم ~~الأكثرون بل هو محكم، ومن ادعى نسخه فعليه البيان، فقوله تعالى: { يا ~~أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر ~~أحدكم الموت حين الوصية اثنان }. هذا هو الخبر لقوله ~~شهادة بينكم. فقيل: تقديره شهادة اثنين حذف المضاف وأقيم المضاف إليه ~~مقامه. وقيل: دل الكلام على تقدير: أن يشهد اثنان، وقوله تعالى: { ذوا ~~عدل } وصف الاثنين بأن يكونا عدلين، وقوله: { منكم } أي من ~~المسلمين، قاله الجمهور. قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله: { ذوا ~~عدل منكم } ، قال: من المسلمين. قال ابن جرير: وقال آخرون عنى ~~ذلك { ذوا عدل منكم } أي من أهل الموصي، وقوله: { أو ~~آخران من غيركم } قال ابن أبي حاتم، قال ابن عباس في قوله: { ~~أو آخران من غيركم } قال: من غير المسلمين، يعني أهل الكتاب، ~~وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله: { منكم } أن المراد ~~من قبيلة الموصي، يكون المراد ههنا { أو آخران من غيركم } ~~أي من غير قبيلة الموصي، وقوله تعالى: { إن أنتم ضربتم ms0790 في ~~الأرض } أي سافرتم { فأصابتكم مصيبة الموت } وهذان ~~شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين أن يكون ذلك في سفر، وأن ~~يكون في وصية، كما قال ابن جرير عن شريح: لا تجوز شهادة اليهود والنصارى ~~إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في الوصية، وروي نحوه عن الإمام أحمد ~~بن حنبل وخالفه الثلاثة، فقالوا: لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين، ~~وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضا. # وقال ابن جرير عن الزهري قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة الكافر في حضر ~~ولا سفر، إنما هي في المسلمين. وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في رجل توفي ~~وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام والأرض حرب، والناس ~~كفار، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل ~~الناس بها، رواه ابن جرير. وفي هذا نظر والله أعلم. وقال ابن جرير: اختلف ~~في قوله: { شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ~~حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من ~~غيركم } هل المراد به أن يوصي إليهما أو يشهدهما؟ على قولين ~~(أحدهما): أن يوصي إليهما، سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية قال: ~~هذا رجل سافر ومعه مال فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع ~~إليهما تركته وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، (والقول الثاني): أنهما ~~يكونا شاهدين، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وصي ثالث معهما ~~اجتمع فيهما الوصفان الوصاية والشهادة، كما في قصة تميم الداري وعدي بن ~~بداء كما سيأتي ذكرها إن شاء الله وبه التوفيق. # وقوله تعالى: { تحبسونهما من بعد الصلاة } قال ابن عباس: ~~يعني صلاة العصر، وقال الزهري: يعني صلاة المسلمين، وقال السدي عن ابن ~~عباس: يعني صلاة أهل دينهما، والمقصود أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة ~~اجتمع الناس فيها بحضرتهم، { فيقسمان بالله } أي فيحلفان بالله ~~{ إن ارتبتم } أي إن ظهرت لكم منهما ريبة أنهما خانا أو غلا ~~فيحلفان حينئذ بالله { لا نشتري به } أي بأيماننا { ثمنا } أي ms0791 ~~لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة { ولو كان ذا ~~قربى } أي ولو كان المشهود عليه قريبا لنا لا نحابيه، { ولا ~~نكتم شهادة الله } أضافها إلى الله تشريفا لها وتعظيما ~~لأمرها. # { إنآ إذا لمن الآثمين } أي إن فعلنا شيئا من ذلك من ~~تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتمها بالكلية، ثم قال تعالى: { ~~فإن عثر على أنهما استحقآ إثما } أي فإن اشتهر ~~وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين أنهما خانا أو غلا شيئا من المال الموصى ~~به إليهما وظهر عليهما بذلك { فآخران يقومان مقامهما من ~~الذين استحق عليهم الأوليان } أي متى تحقق بالخبر ~~الصحيح خيانتهما، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة وليكونا من ~~أولى من يرث ذلك المال { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق ~~من شهادتهما } ، أي لقولنا إنهما خانا أحق وأصح وأثبت من شهادتهما ~~المتقدمة، { وما اعتدينآ } أي فيما قلنا فيهما من الخيانة { ~~إنا إذا لمن الظالمين } ، أي إن كنا قد كذبنا عليهما، وهذا ~~التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه كما يحلف أولياء المقتول ~~إذا ظهر لوث في جانب القاتل، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته ~~إليهم كما هو مقرر في باب القسامة من الأحكام. # وقد روي عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري، وعدي بن ~~بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جاما من ~~فضة مخوصا بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدوا الجام ~~بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا ~~بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت: { يا ~~أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } الآية، ومن الشواهد ~~لصحة هذه القصة ما رواه أبو جعفر بن جرير عن الشعبي أن رجلا من المسلمين ~~حضرته الوفاة بدقوقا هذه، قال فحضرته الوفاة ولم يجد أحدا من المسلمين ~~يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة، فأتيا ~~الأشعري يعني (أبا موسى الأشعري) رضي الله عنه، فأخبراه وقدما الكوفة ~~بتركته ms0792 ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقال: فأحلفهما بعد العصر، بالله ما خانا ولا ~~كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته، قال: فأمضى ~~شهادتهما، فقوله: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الظاهر - والله أعلم - أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي ~~بن بداء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري رضي الله عنه كان سنة ~~تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرا يحتاج مدعي نسخه إلى ~~دليل فاصل في هذا المقام، والله أعلم. # وقال السدي في الآية { يا أيها الذين آمنوا شهادة ~~بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ~~اثنان ذوا عدل منكم } قال: هذا في الوصية عند الموت يوصي ~~ويشهد رجلين من المسلمين على ماله وما عليه، قال: هذا في الحضر { أو ~~آخران من غيركم } في السفر { إن أنتم ضربتم في ~~الأرض فأصابتكم مصيبة الموت } هذا الرجل يدركه الموت ~~في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى ~~والمجوس، فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه فيقبلان به، فإن رضي أهل ~~الميت الوصية وعرفوا ما لصاحبهم تركوهما، وإن ارتابوا رفعوهما إلى ~~السلطان، فذلك قوله تعالى: { تحبسونهما من بعد الصلاة ~~فيقسمان بالله إن ارتبتم } ، قال ابن عباس رضي الله ~~عنه: كأني أنظر إلى العلجين حين انتهي بهما إلى أبي موسى الأشعري في ~~داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت وخوفوهما، فأراد أبو موسى أن ~~يستحلفهما بعد العصر، فقلت: إنهما لا يباليان صلاة العصر ولكن استحلفهما ~~بعد صلاتهما في دينهما فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنا قليلا ولو كان ~~ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين: أن صاحبهم لهذا أوصى، ~~وأن هذه لتركته، فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كتمتما أو ~~خنتما فضحتكما في قومكما ولم نجز لكما شهادة وعاقبتكما، فإذا قال لهما ~~ذلك فإن { ذلك أدنى أن ms0793 يأتوا بالشهادة على ~~وجههآ } ، رواه ابن جرير، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ~~ارتيب في شهادتهما استحلفا - بعد العصر - بالله ما اشترينا بشهادتنا ~~ثمنا قليلا، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما قام ~~رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، ~~فذلك قوله تعالى: { فإن عثر على أنهما استحقآ إثما ~~} يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا { فآخران يقومان ~~مقامهما } يقول من الأولياء، فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، ~~وإنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرين: وتجوز شهادة الأولياء، وهكذا قرر هذا ~~الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف رضي الله ~~عنهم، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله. # وقوله تعالى: { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على ~~وجههآ } أي شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضي من تحليف الشاهدين ~~الذميين إذا استريب بهما أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي. ~~وقوله: { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } ~~أي يكون الحامل لهم على الإتيان بها على وجهها هو تعظيم الحلف بالله ~~ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس، إن ردت اليمين على ~~الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال: { أو يخافوا أن ~~ترد أيمان بعد أيمانهم } ثم قال: { واتقوا الله ~~} أي في جميع أموركم، { واسمعوا } أي وأطيعوا، { والله لا ~~يهدي القوم الفاسقين } أي الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته. ### || [5.109] # هذا إخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة عما أجيبوا به من ~~أممهم الذين أرسلهم إليهم، كما قال تعالى: # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين # [الأعراف: 6]، وقال تعالى: # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # [الحجر: 92-93]، وقول الرسل { لا علم لنآ }. قال مجاهد والحسن ~~البصري والسدي: إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم، وقال الأعمش عن مجاهد ~~يفزعون فيقولون { لا علم لنآ } ، وقال السدي: نزلوا منزلا ذهلت ~~فيه العقول فلما سئلوا قالوا: { لا علم لنآ } ، ثم نزلوا منزلا ~~آخر فشهدوا على قومهم، وقال ابن عباس { يوم يجمع الله ~~الرسل ms0794 فيقول ماذآ أجبتم قالوا لا علم لنآ ~~إنك أنت علام الغيوب } يقولون للرب عز وجل: لا علم ~~لنا إلا علم أنت أعلم به منا، رواه ابن جرير واختاره على هذه ~~الأقوال ولا شك أنه قول حسن، وهو من باب التأدب مع الرب جل جلاله: أي ~~لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، فنحن وإن كنا أجبنا وعرفنا ~~من أجابنا ولكن منهم من كنا إنما نطلع على ظاهره لا علم لنا بباطنه، وأنت ~~العليم بكل شيء، المطلع على كل شيء، فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم، ~~فإنك { أنت علام الغيوب }. ### || [5.110-111] # يذكر تعالى ما من به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام مما ~~أجراه على يديه من المعجزات وخوارق العادات، فقال: { اذكر نعمتي ~~عليك } أي في خلقي إياك من أم بلا ذكر، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة ~~على كمال قدرتي على الأشياء، { وعلى والدتك } حيث جعلتك لها ~~برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة، { ~~إذ أيدتك بروح القدس } ، وهو جبريل عليه السلام، وجعلتك ~~نبيا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيرا فشهدت ~~ببراءة أمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك، ~~ودعوت إلى عبادتي. ولهذا قال: { تكلم الناس في المهد ~~وكهلا } أي تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك، وضمن تكلم تدعو، لأن ~~كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب، وقوله: { وإذ علمتك ~~الكتاب والحكمة } أي الخط والفهم، { والتوراة } وهي ~~المنزلة على موسى الكليم، وقوله: { وإذ تخلق من الطين ~~كهيئة الطير بإذني } أي تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني ~~لك في ذلك، فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني، أي فتنفخ في تلك الصورة التي ~~شكلتها بإذني لك في ذلك، فتكون طيرا ذا روح تطير بإذن الله وخلقه. # وقوله تعالى: { وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني } قد ~~تقدم الكلام عليه في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته. وقوله: { وإذ ~~تخرج الموتى بإذني } أي تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله ~~وقدرته وإرادته ms0795 ومشيئته، وقوله تعالى: { وإذ كففت بني ~~إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين ~~كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين } أي واذكر ~~نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على ~~نبوتك ورسالتك من الله إليهم، فكذبوك، واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك ~~وصلبك، فنجيتك منهم، ورفعتك إلي، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم، وهذا ~~يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء أو يكون ~~هذا الامتنان واقعا يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه ~~لا محالة، وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها نبيه محمدا صلى ~~الله عليه وسلم وقوله: { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ~~آمنوا بي وبرسولي } وهذا أيضا من الامتنان عليه، عليه السلام ~~بأن جعل له أصحابا وأنصارا، ثم قيل: إن المراد بهذا الوحي وحي إلهام ~~كما قال تعالى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه # [القصص: 7] الآية، وهو وحي إلهام بلا خلاف، وكما قال تعالى: # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا # [النحل: 68] الآية، وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية { وإذ ~~أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ~~قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون } ، أي ألهموا ذلك ~~فامتثلوا ما ألهموا، قال الحسن البصري: ألهمهم الله عز وجل ذلك. وقال ~~السدي: قذف في قلوبهم ذلك، ويحتمل أن يكون المراد: وإذ أوحيت إليهم ~~بواسطتك فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، واستجابوا لك وانقادوا ~~وتابعوك، فقالوا: { آمنا واشهد بأننا مسلمون }. ### || [5.112-115] # هذه قصة المائدة، وإليها تنسب السورة، فيقال سورة المائدة، وهي مما امتن ~~الله به على عبده ورسوله عيسى لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزل الله آية ~~باهرة وحجة قاطعة، وقد ذكر بعض الأئمة أن قصتها ليست مذكورة في الإنجيل ~~ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم، فقوله تعالى: { إذ ~~قال الحواريون } وهم أتباع عيسى عليه السلام { يعيسى ابن ~~مريم هل يستطيع ربك }: هذه قراءة كثيرين، { أن ينزل ~~علينا مآئدة من السمآء } والمائدة هي الخوان عليه طعام، ~~وذكر بعضهم ms0796 أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم فسألوه أن ينزل عليهم ~~مائدة كل يوم يقتاتون بها، ويتقوون بها على العبادة، { قال اتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين } أي فأجابهم المسيح عليه السلام ~~قائلا لهم: اتقوا الله ولا تسألوا هذا فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا ~~على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين { قالوا نريد أن نأكل ~~منها } أي نحن محتاجون إلى الأكل منها { وتطمئن قلوبنا } ~~إذا شاهدنا نزولها رزقا لنا من السماء { ونعلم أن قد ~~صدقتنا } أي ونزداد إيمانا بك وعلما برسالتك { ونكون ~~عليها من الشاهدين } أي ونشهد أنها آية من عند الله، ودلالة ~~وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به، { قال عيسى ابن مريم ~~اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء ~~تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا } ، قال السدي: أي نتخذ ذلك ~~اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان الثوري: يعني ~~يوما نصلي فيه، وقال قتادة، أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم. وعن سلمان ~~الفارسي: عظة لنا ولمن بعدنا، وقيل: كافية لأولنا وآخرنا { وآية ~~منك } أي دليلا تنصبه على قدرتك على الأشياء وعلى إجابتك لدعوتي ~~فيصدقوني فيما أبلغه عنك، { وارزقنا } أي من عندك رزقا هنيئا بلا ~~كلفة ولا تعب، { وأنت خير الرازقين * قال الله إني ~~منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم } ، أي فمن كذب ~~بها من أمتك يا عيسى وعاندها { فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين } ، أي من عالمي زمانكم كقوله ~~تعالى: # ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب # [غافر: 46]، وكقوله: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء: 145]. وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال: إن أشد الناس ~~عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل ~~فرعون. # (ذكر أخبار في نزول المائدة على الحواريين) # قال أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس، أنه كان يحدث عن عيسى، أنه قال لبني ~~إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، ~~فإن أجر العامل على ms0797 من عمل له، ففعلوا، ثم قالوا: يا معلم الخير قلت لنا: ~~إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما ففعلنا، ولم ~~نكن نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا حين نفرغ طعاما، فهل يستطيع ربك ~~أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال عيسى: { اتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها ~~وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون ~~عليها من الشاهدين قال عيسى ابن مريم اللهم ~~ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء تكون لنا ~~عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت ~~خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم ~~فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين } ، قال: فأقبلت الملائكة تطير ~~بمائدة من السماء، عليها سبعة حيتان وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم، ~~فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم. # كذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم فذكر نحوه. وقال ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس: أن عيسى ابن مريم قالوا له: ادع الله أن ينزل علينا مائدة من ~~السماء، قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها عليها سبعة حيتان وسبعة ~~أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس، كما أكل منها أولهم. ~~وقال ابن أبي حاتم عن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~نزلت المائدة من السماء عليها خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا، ولا يرفعوا ~~لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا فمسخوا قردة وخنازير. وكل الآثار دالة على أن ~~المائدة نزلت على بني إسرائيل أيام عيسى ابن مريم إجابة من الله لدعوته ~~كما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم { قال الله إني ~~منزلها عليكم } الآية. # وقال قائلون: إنها لم تنزل، روي عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل ~~لهم { فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا ~~لا أعذبه أحدا من العالمين } قالوا: لا حاجة لنا فيها ~~فلم تنزل، ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، ~~لأن الله تعالى أخبر ms0798 بنزولها في قوله تعالى: { إني منزلها ~~عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه ~~عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } ، قال: ووعد ~~الله ووعيده حق وصدق، وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه ~~الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم. وقد قال الإمام أحمد عن ابن عباس قال: # " قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ~~ذهبا ونؤمن بك، قال: " وتفعلون " قالوا: نعم، قال: فدعا، فأتاه جبريل، ~~فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: أن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، ~~فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت ~~فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: " بل باب التوبة والرحمة " ". ### || [5.116-118] # هذا أيضا مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام ~~قائلا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله { يعيسى ~~ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله } وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على ~~رؤوس الأشهاد، هكذا قاله قتادة وغيره، واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى: ~~{ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } ، وقال السدي: هذا ~~الخطاب والجواب في الدنيا، وصوابه ابن جرير، قال: وكان ذلك حين رفعه إلى ~~السماء واحتج ابن جرير على ذلك بمعنيين (أحدهما): أن الكلام بلفظ المضي، ~~(والثاني) قوله: { إن تعذبهم } { وإن تغفر لهم }. ~~وهذان الدليلان فيهما نظر، لأن كثيرا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ ~~المضي ليدل على الوقوع والثبوت. ومعنى قوله: { إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك } الآية. التبري منهم ورد المشيئة فيهم إلى الله، ~~وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات، والذي ~~قاله قتادة وغيره هو الأظهر - والله أعلم - أن ذلك كائن يوم القيامة ليدل ~~على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. وقد ~~روي بذلك حديث مرفوع، رواه الحافظ ابن عساكر عن أبي موسى الأشعري قال، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان يوم القيامة دعي ms0799 بالأنبياء وأممهم، ثم يدعى بعيسى فيذكره الله ~~نعمته عليه فيقر بها، فيقول { يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي ~~عليك وعلى والدتك } الآية، ثم يقول: { أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } ~~فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى فيسألون فيقولون: نعم، هو أمرنا ~~بذلك، قال: فيطول شعر عيسى عليه السلام فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة ~~من شعر رأسه وجسده، فيجاثيهم بين يدي الله عز وجل مقدار ألف عام حتى ~~ترفع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار ". # وقوله تعالى: { سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس ~~لي بحق } ، هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل، كما قال ابن أبي ~~حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عمرو عن طاووس عن ~~أبي هريرة قال: يلقي عيسى حجته، ولقاه الله تعالى في قوله: { إذ قال ~~الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله } ، قال أبو هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلقاه الله { سبحانك ما يكون لي أن ~~أقول ما ليس لي بحق } إلى آخر الآية، وقد رواه الثوري عن ~~معمر عن ابن طاووس عن طاووس بنحوه. وقوله: { إن كنت قلته فقد ~~علمته } أي إن كان صدر مني هذا فقد علمته يا رب فإنه لا يخفى عليك ~~شيء، فما قلته ولا أردته في نفسي ولا أضمرته، ولهذا قال: { تعلم ما ~~في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام ~~الغيوب * ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به } بإبلاغه { ~~أن اعبدوا الله ربي وربكم } أي ما دعوتهم إلا إلى ~~الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه { أن اعبدوا الله ربي ~~وربكم } أي هذا هو الذي قلت لهم. # وقوله: { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } أي كنت ~~أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم، { فلما توفيتني كنت ~~أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد }. # قال أبو داود الطيالسي عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بموعظة ms0800 فقال: # " أيها الناس إنكم محشورون إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلا { كما ~~بدأنآ أول خلق نعيده } ، وإن أول الخلائق يكسى يوم ~~القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ~~فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد ~~الصالح: { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما ~~توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل ~~شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن ~~تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } فيقال: إن ~~هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ". # وقوله تعالى: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } هذا الكلام يتضمن رد ~~المشيئة إلى الله عز وجل، فإنه الفعال لما يشاء الذي لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسألون، ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى ~~رسوله، وجعلوا لله ندا وصاحبة وولدا، تعالى الله عما يقولون علوا ~~كبيرا، وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة حتى الصباح يرددها، قال ~~الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذات ليلة، فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها { إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم } فلما أصبح، قلت: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى ~~أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: " إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي ~~فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا " # وقال ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو بن العاص # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول عيسى { إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم } فرفع يديه فقال: " اللهم أمتي " وبكى، فقال الله: يا جبريل ~~اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيه! فأتاه جبريل فسأله فأخبره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال ms0801 الله: يا جبريل ~~اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. وقال الإمام أحمد عن ~~حذيفة بن اليمان قال غاب عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فلم ~~يخرج، حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة، ظننا أن نفسه قد قبضت ~~فيها، فلما رفع رأسه قال: " إن ربي عز وجل استشارني في أمتي ماذا ~~أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت يا رب هم خلقك وعبادك فاستشارني الثانية فقلت له ~~كذلك، فقال لي: لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة ~~من أمتي معي سبعون ألفا مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم حساب، ثم أرسل ~~إلي فقال: ادع تجب وسل تعط، فقلت لرسوله: أو معطي ربي سؤلي؟ فقال: ما ~~أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي - ولا فخر - وغفر لي ما تقدم ~~من ذنبي وما تأخر. وأنا أمشي حيا صحيحا، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا ~~تغلب، وأعطاني الكوثر وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي. وأعطاني العز، ~~والنضر، والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرا، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل ~~الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيرا مما شدد على من قبلنا، ~~ولم يجعل علينا في الدين من حرج. " ### || [5.119-120] # يقول تعالى مجيبا لعبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام فيما أنهاه ~~إليه من التبري من النصارى الملحدين الكاذبين على الله وعلى رسوله، ومن ~~رد المشيئة فيهم إلى ربه عز وجل، فعند ذلك يقول تعالى: { هذا ~~يوم ينفع الصادقين صدقهم } قال ابن عباس: يوم ينفع ~~الموحدين توحيدهم { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيهآ أبدا } أي ماكثين فيها لا يحولون ولا يزولون رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه. كما قال تعالى: # ورضوان من الله أكبر # [التوبة: 72] وسيأتي ما يتعلق بتلك الآية من الحديث، وروى ابن أبي حاتم ~~عن أنس مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: # " ثم يتجلى لهم الرب جل جلاله فيقول: سلوني سلوني أعطكم - قال - ~~فيسألونه ms0802 الرضا فيقول: رضاي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني أعطكم ~~فيسألونه الرضا - قال فيشهدهم أنه قد رضي عنهم. سبحانه وتعالى " # ، وقوله: { ذلك الفوز العظيم } أي هذا الفوز الكبير الذي لا ~~أعظم منه، كما قال تعالى: # لمثل هذا فليعمل العاملون # [الصافات: 61]، وكما قال: # وفي ذلك فليتنافس المتنافسون # [المطففين: 26]. # وقوله تعالى: { لله ملك السموت والأرض وما فيهن ~~وهو على كل شيء قدير } أي هو الخالق للأشياء المالك لها، ~~المتصرف فيها، القادر عليها. فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته وفي مشيئته، ~~فلا نظير له ولا وزير ولا عديل ولا والد ولا ولد ولا صاحبة، ولا إله غيره ~~ولا رب سواه. قال ابن وهب: آخر سورة أنزل سورة المائدة. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1-3] # يقول الله تعالى مادحا نفسه الكريمة، وحامدا لها على خلقه السماوات ~~والأرض قرارا لعباده، وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ~~ونهارهم، فجمع لفظ الظلمات، ووحد لفظ النور لكونه أشرف، كقوله تعالى: # عن اليمين والشمآئل # [النحل: 48]، وكما قال في آخر السورة: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام: 153]. ثم قال تعالى: { ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون } أي ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا له شريكا ~~وعدلا، واتخذوا له صاحبة وولدا. تعالى الله عز وجل عن ذلك علوا ~~كبيرا، وقوله تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } يعني أباهم ~~آدم الذي هو أصلهم. ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب، وقوله: { ~~ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } قال ابن عباس: { ~~ثم قضى أجلا } يعني الموت، { وأجل مسمى عنده } يعني ~~الآخرة. وقال الحسن في رواية عنه: { ثم قضى أجلا } وهو ما بين ~~أن يخلق إلى أن يموت { وأجل مسمى عنده } وهو ما بين أن يموت ~~إلى أن يبعث وهو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل ~~إنسان، وتقدير الأجل العام وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها ~~وزوالها وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة، وعن ابن عباس ومجاهد: { ~~ثم قضى أجلا } يعني مدة الدنيا { وأجل مسمى ms0803 عنده } ~~يعني عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا # وهو الذي يتوفاكم باليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار # [الأنعام: 60] الآية. ومعنى قوله: { عنده } أي لا يعلمه إلا هو، ~~كقوله: # إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا ~~هو # [الأعراف: 187]، وكقوله: # يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ~~ذكراها إلى ربك منتهاهآ # [النازعات: 42-44]، وقوله تعالى: { ثم أنتم تمترون } ، قال ~~السدي وغيره: يعني تشكون في أمر الساعة. # وقوله تعالى: { وهو الله في السموت وفي الأرض ~~يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون } اختلف ~~مفسرو هذه الآية على أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية القائلين - ~~تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا - بأنه في كل مكان حيث حملوا الآية على ~~ذلك، فالأصح من الأقوال: أنه المدعو الله في السماوات وفي الأرض: أي ~~يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السماوات ومن في الأرض، ويسمونه ~~الله، ويدعونه رغبا ورهبا إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على ~~هذا القول كقوله تعالى: # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # [الزخرف: 84] أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض، وعلى هذا فيكون ~~قوله: { يعلم سركم وجهركم } خبرا أو حالا (والقول ~~الثاني): أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض من ~~سر وجهر، فيكون قوله " يعلم " متعلقا بقوله: { في السموت وفي ~~الأرض } تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض ~~ويعلم ما تكسبون، (والقول الثالث): أن قوله { وهو الله في ~~السموت } وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: { وفي الأرض ~~يعلم سركم وجهركم } ، وهذا اختيار ابن جرير، وقوله: { ~~ويعلم ما تكسبون } أي جميع أعمالكم خيرها وشرها. ### || [6.4-6] # يقول تعالى مخبرا عن المشركين المكذبين المعاندين: أنهم كلما أتتهم من ~~آية أي دلالة ومعجزة وحجة من الدلالات على وحدانية الله وصدق رسله ~~الكرام، فإنهم يعرضون عنها فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها. قال الله ~~تعالى: { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم فسوف ~~يأتيهم أنباء ما كانوا ms0804 به يستهزءون } ، وهذا تهديد ~~لهم ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه ~~من التكذيب، وليجدن غبه، وليذوقن وباله. ثم قال تعالى واعظا لهم ومحذرا ~~أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون ~~السالفة. الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا، وأكثر أموالا وأولادا ~~واستعلاء في الأرض، وعمارة لها فقال: { ألم يروا كم أهلكنا ~~من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم ~~نمكن لكم } أي من الأموال والأولاد والأعمار والجاه العريض ~~والسعة والجنود، ولهذا قال: { وأرسلنا السمآء عليهم ~~مدرارا } أي شيئا بعد شيء، { وجعلنا الأنهار تجري من ~~تحتهم } أي أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض أي استدراجا ~~وإملاء لهم، { فأهلكناهم بذنوبهم } أي بخطاياهم وسيئاتهم ~~التي اجترحوها، { وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } أي ~~فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث { وأنشأنا من ~~بعدهم قرنا آخرين } أي جيلا آخر لنختبرهم، فعملوا مثل ~~أعمالهم فأهلكوا كإهلاكهم، فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما ~~أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله ~~من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم لولا لطفه وإحسانه. ### || [6.7-11] # يقول تعالى مخبرا عن المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق ومباهاتهم ~~ومنازعتهم فيه، { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس ~~فلمسوه بأيديهم } أي عاينوه ورأوا نزوله وباشروا ذلك، { ~~لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر مبين } ، ~~وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات، # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن ~~قوم مسحورون # [الحجر: 14-15]، وكقوله تعالى: # وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا سحاب ~~مركوم # [الطور: 44]، { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } أي ليكون ~~معه نذيرا، قال الله تعالى: { ولو أنزلنا ملكا لقضي ~~الأمر ثم لا ينظرون } أي لو نزلت الملائكة على ما هم عليه ~~لجاءهم من الله العذاب، كما قال الله تعالى: # ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا ~~منظرين # [الحجر: 8]، وقوله: # يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ms0805 ~~للمجرمين # [الفرقان: 22] الآية، وقوله تعالى: { ولو جعلناه ملكا ~~لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون } أي ~~ولو أنزلنا مع الرسول البشري ملكا، أي لو بعثنا إلى البشر رسولا ~~ملكيا، لكان على هيئة الرجل ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو ~~كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة ~~البشري، كقوله تعالى: # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]، فمن رحمته تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق ~~رسلا منهم ليدعو بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة ~~والسؤال، كما قال تعالى: # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم # [آل عمران: 164] الآية. # قال الضحاك عن ابن عباس في الآية يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في ~~صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور. { ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون } أي ولخلطنا عليهم ما يخلطون. ~~وقيل: ولشبهنا عليهم وقوله: { ولقد استهزىء برسل من ~~قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به ~~يستهزءون } هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه ~~من قومه. ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا ~~والآخرة، ثم قال تعالى: { قل سيروا في الأرض ثم انظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين } أي فكروا في أنفسكم، وانظروا ~~ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله وعاندوهم من العذاب ~~والنكال، والعقوبة في الدنيا مع ما أدخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة ~~وكيف نجى رسله وعباده المؤمنين. ### || [6.12-16] # يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض وما فيهما، وأنه قد كتب على نفسه ~~المقدسة الرحمة، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي ~~" # ، وقوله: { ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب ~~فيه } هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعن عباده ms0806 # إلى ميقات يوم معلوم # [الواقعة: 50] وهو يوم القيامة الذي لا ريب فيه أي لا شك عند عباده ~~المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون فهم في ريبهم يترددون. عن ابن عباس ~~قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوف بين يدي رب العالمين هل ~~فيه ماء؟ قال: " والذي نفسي بيده إن فيه لماء، إن أولياء الله ليردون ~~حياض الأنبياء، ويبعث الله تعالى سبعين ألف ملك في أيديهم عصي من نار ~~يذودون الكفار عن حياض الأنبياء " # هذا حديث غريب، وفي الترمذي: # " إن لكل نبي حوضا وأرجو أن أكون أكثرهم واردة " # وقوله: { الذين خسروا أنفسهم } أي يوم القيامة { فهم ~~لا يؤمنون } أي لا يصدقون بالمعاد ولا يخافون شر ذلك اليوم، ثم قال ~~تعالى: { وله ما سكن في الليل والنهار } أي كل دابة في ~~السماوات والأرض، الجميع عباده وخلقه وتحت قهره وتصرفه وتدبيره. لا إله ~~إلا هو { وهو السميع العليم } أي السميع لأقوال عباده، ~~العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم، ثم قال تعالى لعبده ورسوله محمد صلى ~~الله عليه وسلم الذي بعثه بالتوحيد العظيم وبالشرع القويم، وأمره أن يدعو ~~الناس إلى صراط الله المستقيم: { قل أغير الله أتخذ ~~وليا فاطر السموت والأرض } ، كقوله: # قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون # [الزمر: 64] والمعنى: لا أتخذ وليا إلا الله وحده لا شريك له فإنه ~~فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق. { وهو ~~يطعم ولا يطعم } أي وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم. كما ~~قال تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] الآية، وقرأ بعضهم { وهو يطعم ولا يطعم }: ~~أي لا يأكل. # وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دعا رجل من الأنصار من أهل ~~قباء النبي صلى الله عليه وسلم على طعام، فانطلقنا معه فلما طعم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وغسل يديه قال: # " الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم. ومن علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا من ~~الشراب. وكسانا من العري. وكل بلاء حسن أبلانا. الحمد لله غير مودع ربي ~~ولا مكفي ms0807 ولا مكفور ولا مستغنى عنه. الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام ~~وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وهدانا من الضلال. وبصرنا من العمى، ~~وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا. الحمد لله رب العالمين " # { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } أي من ~~هذه الأمة، { ولا تكونن من المشركين * قل إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } يعني يوم القيامة ~~{ من يصرف عنه } أي العذاب { يومئذ فقد رحمه } يعني ~~فقد رحمه الله { وذلك الفوز المبين } ، كقوله: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران: 185] والفوز حصول الربح ونفي الخسارة. ### || [6.17-21] # يقول تعالى مخبرا: أنه مالك الضر والنفع، وأنه المتصرف في خلقه بما ~~يشاء لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، { وإن يمسسك الله بضر ~~فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على ~~كل شيء قدير } ، كقوله تعالى: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده # [فاطر: 2] الآية. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد " # ولهذا قال تعالى: { وهو القاهر فوق عباده }: أي هو الذي ~~خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت ~~له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته على ~~الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه، { وهو ~~الحكيم }: أي في جميع أفعاله، { الخبير } بمواضع الأشياء ومحالها ~~فلا يعطي إلا من يستحق، ولا يمنع إلا من يستحق. ثم قال: { قل أي ~~شيء أكبر شهادة } أي من أعظم الأشياء شهادة، { قل الله ~~شهيد بيني وبينكم } أي هو العالم بما جئتكم به وما أنتم ~~قائلون لي { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ~~ومن بلغ } أي وهو نذير لكل من بلغه، كقوله تعالى: # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده # [هود: 17]، قال ابن أبي حاتم عن محمد ابن كعب في قوله: { ومن بلغ } ~~ومن ms0808 بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم. وروى ابن جرير عن ~~محمد بن كعب قال: من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وقال عبد الرزاق عن قتادة في قوله تعالى: { لأنذركم به ومن ~~بلغ } إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " بلغوا عن الله فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله " # ، وقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يدعو كالذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ينذر بالذي أنذر. ~~وقوله: { أئنكم لتشهدون } أيها المشركون { أن مع ~~الله آلهة أخرى قل لا أشهد } كقوله: # فإن شهدوا فلا تشهد معهم # [الأنعام: 150]، { قل إنما هو إله واحد وإنني ~~بريء مما تشركون } ، ثم قال تعالى مخبرا عن أهل الكتاب أنهم ~~يعرفون هذا الذي جئتهم به كما يعرفون أبناءهم بما عندهم من الأخبار ~~والأنباء عن المرسلين المتقدمين والأنبياء، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود ~~محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته وبلده ومهاجره وصفة أمته، ولهذا قال ~~بعده: { الذين خسروا أنفسهم } أي خسروا كل الخسارة، { ~~فهم لا يؤمنون } بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء ~~ونوهت به في قديم الزمان وحديثه، ثم قال: { ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو كذب بآياته }: أي لا أظلم ~~ممن تقول على الله فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن ~~كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته { إنه لا يفلح ~~الظالمون } أي لا يفلح هذا ولا هذا، لا المفتري ولا المكذب. ### || [6.22-26] # يقول تعالى مخبرا عن المشركين { ويوم نحشرهم جميعا } يوم ~~القيامة فيسألهم عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها من دونه، ~~قائلا لهم: { أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } ، ~~كقوله تعالى في سورة القصص: # ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم ~~تزعمون # [القصص: 62، 74]، وقوله تعالى: { ثم لم تكن فتنتهم } أي ~~حجتهم { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ~~} ، قال ابن عباس: أي حجتهم، وقال عطاء عنه: ms0809 أي معذرتهم، وكذا قال قتادة، ~~وقال عطاء الخراساني: { ثم لم تكن فتنتهم } بليتهم حين ~~ابتلوا { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ~~} ، وقال ابن جرير: والصواب: ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذارا ~~عما سلف منهم من الشرك بالله { إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين } ، وقال ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس قال أتاه رجل. فقال: يا ابن عباس سمعت الله يقول: { والله ~~ربنا ما كنا مشركين } قال: أما قوله: { والله ربنا ~~ما كنا مشركين } فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، ~~فقالوا: تعالوا فلنجحد فيجحدون، فيختم الله على أفواههم، وتشهد أيديهم ~~وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثا، فهل في قلبك الآن شيء؟ إنه ليس من ~~القرآن شيء إلا ونزل فيه شيء، ولكن لا تعلمون وجهه، ولهذا قال في حق ~~هؤلاء: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون } ، كقوله: # ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا # [غافر: 73-74] الآية، وقوله: { ومنهم من يستمع إليك ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ~~}: أي يجيئون ليستمعوا قراءتك ولا تجزي عنهم شيئا لأن الله جعل { على ~~قلوبهم أكنة } أي أغطية لئلا يفقهوا القرآن، { وفي ~~آذانهم وقرا } أي صمما عن السماع النافع لهم. كما قال تعالى: # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع إلا دعآء وندآء # [البقرة: 171] الآية. # وقوله تعالى: { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } أي ~~مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات والبراهين لا يؤمنوا بها، ~~فلا فهم عندهم ولا إنصاف، كقوله تعالى: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم # [الأنفال: 23] الآية. وقوله تعالى: { حتى إذا جآءوك ~~يجادلونك } أي يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل، { يقول ~~الذين كفروا إن هذآ إلا أساطير الأولين } أي ~~ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم. وقوله: { ~~وهم ينهون عنه وينأون عنه } في معنى ms0810 ينهون عنه ~~قولان، (أحدهما): أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق وتصديق ~~الرسول والانقياد للقرآن { وينأون عنه } أي ويبعدون هم عنه ~~فيجمعون بين الفعلين القبيحين لا ينتفعون ولا يدعون أحدا ينتفع. # قال ابن عباس: { وهم ينهون عنه } يردون الناس عن محمد صلى ~~الله عليه وسلم أن يؤمنوا به. وقال محمد بن الحنفية: كان كفار قريش لا ~~يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وينهون عنه، وهذا القول أظهر وهو اختيار ~~ابن جرير. (والقول الثاني): رواه سفيان عن ابن عباس قال: نزلت في أبي ~~طالب، كان ينهى الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذي، وقال سعيد بن ~~أبي هلال: نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا عشرة، فكانوا ~~أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه في السر. وقال محمد بن كعب ~~القرظي: { وهم ينهون عنه } أي ينهون الناس عن قتله. وقوله: { ~~وينأون عنه } أي يتباعدون منه، { وإن يهلكون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون } أي وما يهلكون بهذا الصنيع ولا يعود ~~وباله إلا عليهم وهم لا يشعرون. ### || [6.27-30] # يذكر تعالى حال الكفار إذا وقفوا يوم القيامة على النار وشاهدوا ما فيها ~~من السلاسل والأغلال ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك ~~قالوا: { يليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من المؤمنين } يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا ~~ليعملوا عملا صالحا ولا يكذبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين، قال ~~الله تعالى: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } ~~أي بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب ~~والمعاندة وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة، كما قال قبله بيسير: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين * انظر كيف كذبوا على أنفسهم # [الأنعام: 23-24]، ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من ~~صدق ما جاءتهم به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه ~~كقوله مخبرا عن موسى أنه قال لفرعون: # لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا ms0811 رب السموت ~~والأرض بصآئر # [الإسراء: 102] الآية. وقوله تعالى مخبرا عن فرعون وقومه: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14]، ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين الذين كانوا ~~يظهرون الإيمان للناس ويبطنون الكفر، ويكون هذا إخبارا عما يكون يوم ~~القيامة من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية، ~~والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله ~~وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت فقال: # وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين # [الآية: 11]، وعلى هذا فيكون إخبارا عن قول المنافقين في الدار الآخرة ~~حين يعاينون العذاب، فظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من الكفر ~~والنفاق والشقاق، والله أعلم. # وأما معنى الإضراب في قوله: { بل بدا لهم ما كانوا ~~يخفون من قبل } فإنهم ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة في ~~الإيمان، بل خوفا من العذاب الذي عاينوه جزاء على ما كانوا عليه من ~~الكفر، فسألوا الرجعة إلى الدنيا ليتخلصوا مما شاهدوا من النار، ولهذا ~~قال: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون } أي في طلبهم الرجعة رغبة ومحبة في الإيمان، ثم قال مخبرا ~~عنهم: إنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر ~~والمخالفة، { وإنهم لكاذبون } أي في قولهم: { يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين } { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا ~~وما نحن بمبعوثين } أي لعادوا لما نهوا عنه، ولقالوا إن هي ~~إلا حياتنا الدنيا، أي ما هي إلا هذه الحياة الدنيا ثم لا معاد بعدها، ~~ولهذا قال: { وما نحن بمبعوثين } ، ثم قال { ولو ترى ~~إذ وقفوا على ربهم } أي أوقفوا بين يديه { قال أليس ~~هذا بالحق }؟ أي أليس هذا المعاد بحق وليس بباطل كما كنتم تظنون ~~{ قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون } أي بما كنتم تكذبون به فذوقوا اليوم مسه # أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون # [الطور: 15]. ### || [6.31-32] # يقول تعالى مخبرا عن خسارة من كذب بلقائه وعن خيبته إذا جاءته الساعة ms0812 ~~بغتة، وعن ندامته على ما فرط من العمل، وما أسلف من قبيح الفعل، ولهذا ~~قال: { حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة قالوا ~~يحسرتنا على ما فرطنا فيها } وهذا الضمير يحتمل عوده ~~على الحياة وعلى الأعمال وعلى الدار الآخرة أي في أمرها، وقوله: { وهم ~~يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا سآء ما يزرون ~~} أي يحملون. وقال قتادة: يعملون، وقال ابن أبي حاتم عن أبي مرزوق قال: ~~يستقبل الكافر أو الفاجر عند خروجه من قبره كأقبح صورة رأيتها وأنتنه ~~ريحا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أو ما تعرفني؟ فيقول: لا والله، إلا أن ~~الله قبح وجهك وأنتن ريحك، فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا ~~خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا، هلم أركبك، فهو قوله: { ~~وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } الآية، وقال ~~السدي: " ليس من رجل ظالم يدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه أسود اللون ~~منتن الريح، وعليه ثياب دنسة حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال: ما أقبح ~~وجهك! قال: كذلك كان عملك قبيحا، قال: ما أنتن ريحك! قال: كذلك كان عملك ~~منتنا، قال: ما أدنس ثيابك! قال، فيقول: إن عملك كان دنسا، قال له: من ~~أنت؟ قال: عملك، قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: ~~إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني، قال: ~~فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله: { وهم يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم ألا سآء ما يزرون } ، وقوله: ~~{ وما الحياة الدنيآ إلا لعب ولهو } ، أي إنما ~~غالبها كذلك، { وللدار الآخرة خير للذين يتقون ~~أفلا تعقلون }؟. ### || [6.33-36] # يقول تعالى مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم في تكذيب قومه له ومخالفتهم ~~إياه: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } أي قد ~~أحطنا علما بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم، كقوله: # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8]، كما قال تعالى في الآية الأخرى: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]، # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6] وقوله: { فإنهم ms0813 لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون } أي لا يتهمونك بالكذب في ~~نفس الأمر، { ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } ~~أي ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم، كما قال أبو جهل للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله: { ~~فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون }. وقال ابن أبي حاتم عن أبي يزيد المدني أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل فصافحه، فقال له رجل: ألا أراك تصافح هذا ~~الصابىء؟ فقال: والله إني لأعلم إنه لنبي، ولكن متى كنا لبني عبد مناف ~~تبعا؟ وتلا أبو يزيد: { فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون }. # وذكر محمد بن إسحاق عن الزهري في قصة أبي جهل حين جاء يستمع قراءة النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الليل هو (وأبو سفيان) و (الأخنس بن شريق) ولا ~~يشعر أحد منهم بالآخر، فاستمعوها إلى الصباح، فلما هجم الصبح، تفرقوا ~~فجمعتهم الطريق فقال كل منهم للآخر: ما جاء بك؟ فذكر له ما جاء به، ثم ~~تعاهدوا أن لا يعودوا لما يخافون من علم شباب قريش بهم، لئلا يفتتنوا ~~بمجيئهم، فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظنا أن صاحبيه لا يجيئان ~~لما سبق من العهود، فلما أصبحوا جمعتهم الطريق، فتلاوموا، ثم تعاهدوا أن ~~لا يعودوا، فلما كانت الليلة الثالثة جاءوا أيضا، فلما أصبحوا تعاهدوا ~~أن لا يعودوا لمثلها، ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم ~~خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن ~~رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال يا أبا ثعلبة: والله لقد سمعت أشياء أعرفها ~~وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها وما يراد بها، قال ~~الأخنس: وأنا والذي حلفت به، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه ~~بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ ~~قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، ms0814 وحملوا فحملنا، ~~وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا ~~نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذا؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا ~~نصدقه، قال: فقام عنه الأخنس وتركه. # وروى ابن جرير عن السدي في قوله: { قد نعلم إنه ليحزنك ~~الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون } ، لما كان يوم بدر قال ~~الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة إن محمدا ابن أختكم، فأنتم أحق ~~من ذب عن ابن أخته، فإنه إن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم، وإن كان ~~كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته، قفوا حتى ألقى أبا الحكم فإن غلب ~~محمد رجعتم سالمين، وإن غلب محمدا فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئا. ~~فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل. فقال: يا أبا الحكم ~~أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرك ~~يستمع كلامنا؟ فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد ~~قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون ~~لسائر قريش؟ فذلك قوله: { فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون } فآيات الله محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وقوله تعالى: { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا ~~على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا } ، هذه ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأمر له ~~بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد له بالنصر كما نصروا، وبالظفر ~~حتى كانت لهم العاقبة بعدما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم ~~جاءهم النصر في الدنيا كما لهم النصر في الآخر، ولهذا قال: { ولا ~~مبدل لكلمات الله } أي التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة ~~لعباده المؤمنين، كما قال: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173] وقال تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # [المجادلة: 21]، وقوله: { ولقد جآءك من نبإ المرسلين ms0815 } ~~أي من خبرهم كيف نصروا وأيدوا على من كذبهم من قومهم فلك فيهم أسوة وبهم ~~قدوة، ثم قال تعالى: { وإن كان كبر عليك إعراضهم } أي ~~إن كان شق عليك إعراضهم عنك { فإن استطعت أن تبتغي نفقا ~~في الأرض أو سلما في السمآء } ، قال ابن عباس: النفق: ~~السرب فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لك سلما في السماء، فتصعد فيه، ~~فتأتيهم بآية أفضل مما أتيتهم به فافعل، وقوله: { ولو شآء الله ~~لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين } ، ~~كقوله تعالى: # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا # [يونس: 99] الآية، قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن ~~إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول. وقوله تعالى: { ~~إنما يستجيب الذين يسمعون } أي إنما يستجيب لدعائك يا ~~محمد من يسمع الكلام ويعيه ويفهمه، كقوله: # لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين # [يس: 70]. وقوله: { والموتى يبعثهم الله ثم إليه ~~يرجعون } يعني بذلك الكفار لأنهم موتى القلوب، فشبههم الله بأموات ~~الأجساد، فقال: { والموتى يبعثهم الله ثم إليه ~~يرجعون } ، وهذا من باب التهكم بهم والإزراء عليهم. ### || [6.37-39] # يقول تعالى: مخبرا عن المشركين أنهم كانوا يقولون لولا نزل عليه آية من ~~ربه أي خارق على مقتضى ما كانوا يريدون ومما يتعنتون، كقولهم: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90] الآيات، { قل إن الله قادر على أن ~~ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي هو تعالى ~~قادر على ذلك ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك، لأنه لو أنزلها وفق ما ~~طلبوا ثم لم يؤمنوا لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السالفة، كما قال ~~تعالى: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا ~~بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا # [الإسراء: 59]، وقال تعالى: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4]، وقوله: { وما من ms0816 دآبة في الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } ، قال مجاهد: أي ~~أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. وقال قتادة: الطير أمة، والإنس أمة، والجن ~~أمة. وقال السدي: { إلا أمم أمثالكم } أي خلق أمثالكم. ~~وقوله: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } أي الجميع علمهم ~~عند الله ولا ينسى واحدا من جميعها من رزقه وتدبيره سواء كان بريا أو ~~بحريا، كقوله: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ~~ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين # [هود: 6] أي مفصح بأسمائها، وأعدادها، ومظانها، وحاصر لحركاتها ~~وسكناتها، وقال تعالى: # وكأين من دآبة لا تحمل رزقها الله يرزقها ~~وإياكم وهو السميع العليم # [العنكبوت: 60]، وقوله: { ثم إلى ربهم يحشرون }. عن ابن ~~عباس قال: حشرها الموت، (والقول الثاني): إن حشرها هو بعثها يوم القيامة، ~~لقوله: # وإذا الوحوش حشرت # [التكوير: 5]. # عن أبي ذر قال: # " بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتطحت عنزان، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرون فيم انتطحتا؟ " قالوا: لا ندري، ~~قال: " لكن الله يدري وسيقضي بينهما " ، قال أبو ذر: ولقد تركنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا ~~منه علما " # وفي الحديث: # " إن الجمعاء لتقتص من القرناء يوم القيامة " # وقال عبد الرزاق عن أبي هريرة في قوله: { إلا أمم أمثالكم ~~ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم ~~يحشرون } قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير ~~وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: ~~كوني ترابا. فلذلك يقول الكافر: # يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40]. وقوله: { والذين كذبوا بآياتنا صم ~~وبكم في الظلمات } أي مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم ~~كمثل أصم وهو الذي لا يسمع، أبكم: وهو الذي لا يتكلم. وهو مع هذا في ~~ظلمات لا يبصر. فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه؟ ~~كقوله: # وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي ~~فهم لا يرجعون # [البقرة: ms0817 17-18]، وكما قال تعالى: # أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه ~~موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذآ ~~أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور # [النور: 40]، ولهذا قال: { من يشإ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم } أي هو المتصرف في خلقه بما ~~يشاء. ### || [6.40-45] # يخبر تعالى أنه الفعال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا ~~معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه بل هو وحده لا شريك له، ~~الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء، ولهذا قال: { قل أرأيتكم إن ~~أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة } أي أتاكم هذا أو ~~هذا { أغير الله تدعون إن كنتم صادقين } أي لا تدعون ~~غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، ولهذا قال: { إن كنتم ~~صادقين } أي في اتخاذكم آلهة معه { بل إياه تدعون ~~فيكشف ما تدعون إليه إن شآء وتنسون ما ~~تشركون } أي في وقت الضرورة لا تدعون أحدا سواه وستذهب عنكم ~~أصنامكم وأندادكم كقوله: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # [الإسراء: 67] الآية. وقوله: { ولقد أرسلنآ إلى أمم من ~~قبلك فأخذناهم بالبأسآء } يعني الفقر والضيق في العيش، ~~{ والضرآء } وهي الأمراض والأسقام والآلام، { لعلهم ~~يتضرعون } أي يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون. قال الله تعالى: ~~{ فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا } أي فهلا إذ ~~ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكوا لدينا، { ولكن قست ~~قلوبهم } أي ما رقت ولا خشعت، { وزين لهم الشيطان ما ~~كانوا يعملون } أي من الشرك والمعاندة والمعاصي، { فلما ~~نسوا ما ذكروا به } أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ~~ظهورهم، { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } أي فتحنا عليهم ~~أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، ~~عياذا بالله من مكره، ولهذا قال: { حتى إذا فرحوا بمآ ~~أوتوا } أي من الأموال والأولاد والأرزاق { أخذناهم بغتة } ~~أي على غفلة { فإذا هم مبلسون } أي آيسون من كل خير. قال ms0818 ابن ~~عباس المبلس: الآيس، وقال الحسن البصري: من وسع الله عليه فلم ير أنه ~~يمكر به فلا رأي له، ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له، ثم ~~قرأ: { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } قال: مكر بالقوم ورب ~~الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا. وقال قتادة: بغت القوم أمر الله وما أخذ ~~الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه ~~لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. # وقال مالك عن الزهري { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } ~~قال: رخاء الدنيا ويسرها،. وقد قال الإمام أحمد عن عقبة بن عامر، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو ~~استدراج " # ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: { فلما نسوا ما ~~ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى ~~إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون }. وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يقول: إذا أراد الله بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف وإذا ~~اراد الله بقوم اقتطاعا فتح لهم - أو فتح عليهم - باب خيانة { حتى ~~إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون } ، كما قال: { فقطع دابر القوم الذين ~~ظلموا والحمد لله رب العالمين }. ### || [6.46-49] # يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل لهؤلاء المكذبين ~~المعاندين { أرأيتم إن أخذ الله سمعكم ~~وأبصاركم } أي سلبكم إياها كما أعطاكموها، كما قال تعالى: # هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار # [الملك: 23] الآية، ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما ~~الانتفاع الشرعي، ولهذا قال: { وختم على قلوبكم } ، كما قال: # أمن يملك السمع والأبصار # [يونس: 31] وقال: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه # [الأنفال: 24]، وقوله: { من إله غير الله يأتيكم ~~به } أي هل أحد غير الله يقدر على رد ذلك إليكم إذا سلبه ms0819 الله منكم؟ لا ~~يقدر على ذلك أحد سواه، ولهذا قال: { انظر كيف نصرف الآيات ~~} أي نبينها ونوضحها ونفسرها دالة على أنه لا إله إلا الله، وأن ما ~~يعبدون من دونه باطل وضلال، { ثم هم يصدفون } أي ثم هم مع ~~البيان يصدفون، أي يعرضون عن الحق ويصدون الناس عن اتباعه. قال ابن عباس: ~~يصدفون أي يعدلون. وقال مجاهد وقتادة: يعرضون، وقال السدي: يصدون. وقوله ~~تعالى: { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة } ~~أي وأنتم لا تشعرون به حتى بغتكم وفجأكم، { أو جهرة } أي ظاهرا ~~عيانا، { هل يهلك إلا القوم الظالمون } أي إنما كان ~~يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده ~~لا شريك له فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وقوله: { وما نرسل ~~المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } أي مبشرين عباد الله ~~المؤمنين بالخيرات، ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات، ولهذا قال: ~~{ فمن آمن وأصلح } أي فمن آمن قلبه بما جاءوا به وأصلح عمله ~~باتباعه إياهم { فلا خوف عليهم } أي بالنسبة لما يستقبلونه، { ~~ولا هم يحزنون } أي بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من ~~أمر الدنيا وصنيعها، الله وليهم فيما خلفوه، وحافظهم فيما تركوه، ثم قال: ~~{ والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما ~~كانوا يفسقون } أي ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل، ~~وخرجوا عن أوامر الله وطاعته، وارتكبوا من مناهيه ومحارمه وانتهاك ~~حرماته. ### || [6.50-54] # يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: { قل لا أقول لكم ~~عندي خزآئن الله } أي لست أملكها ولا أتصرف فيها، { ولا ~~أعلم الغيب } أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم ~~الله عز وجل، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه، { ولا أقول ~~لكم إني ملك } أي ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر يوحى ~~إلي من الله عز وجل، شرفني بذلك وأنعم علي به، ولهذا قال: { إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي } أي لست أخرج عنه قيد شبر ولا ~~أدنى منه، { قل هل يستوي الأعمى ms0820 والبصير } أي هل يستوي ~~من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه فلم ينقد له { أفلا ~~تتفكرون }؟ وهذه كقوله تعالى: # أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق ~~كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب # [الرعد: 19]. وقوله: { وأنذر به الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا ~~شفيع } أي وأنذر بهذا القرآن يا محمد، # الذين هم من خشية ربهم مشفقون # [المؤمنون: 57]، # ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب # [الرعد: 21]، { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ~~} أي يوم القيامة { ليس لهم } أي يومئذ { من دونه ولي ~~ولا شفيع } أي لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم { ~~لعلهم يتقون } أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ~~عز وجل { لعلهم يتقون } فيعملون في هذه الدار عملا ~~ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه، ~~وقوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه } أي لا تبعد هؤلاء ~~المتصفين بهذه الصفات عنك بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، كقوله: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم ~~تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا # [الكهف: 28]، وقوله: { يدعون ربهم } أي يعبدونه ويسألونه { ~~بالغداة والعشي } ، قال سعيد بن المسيب: المراد به الصلاة ~~المكتوبة، وهذا كقوله: # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] أي أتقبل منكم، وقوله: { يريدون وجهه } أي يريدون ~~بذلك العمل وجه الله الكريم وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات ~~والطاعات، وقوله: { ما عليك من حسابهم من شيء وما من ~~حسابك عليهم من شيء } ، كقول نوح عليه السلام في جواب ~~الذين # قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما ~~علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ~~ربي لو تشعرون # [الشعراء: 111-113] أي إنما حسابهم على الله عز وجل، وليس علي من ~~حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء، وقوله: { ~~فتطردهم فتكون من ms0821 الظالمين } أي إن فعلت هذا والحالة ~~هذه. # روى ابن جرير عن ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا ~~يا محمد: أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا؟ ~~أنحن نصير تبعا لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم نتبعك، فنزلت هذه الآية: ~~{ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه } ، { وكذلك فتنا بعضهم ~~ببعض } إلى آخر الآية، وقال ابن أبي حاتم عن خباب في قول الله عز ~~وجل: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي } قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري ~~فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا ~~في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم ~~حقروهم في نفر من أصحابه فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا ~~منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا: فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ~~ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا ~~فاقعد معهم إن شئت. قال: " نعم " ، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا، قال: ~~فدعا بصحيفة ودعا عليا ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال: { ~~ولا تطرد الذين يدعون ربهم } الآية، فرمى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه. وقال سعد نزلت ~~هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم ابن مسعود ~~قال: كنا نستبق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وندنو منه، فقالت قريش: ~~تدني هؤلاء دوننا، فنزلت: { ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي }. # وقوله تعالى: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } أي ابتلينا ~~واختبرنا، وامتحنا بعضهم ببعض { ليقولوا أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننآ } ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس من الرجال والنساء ~~والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف ms0822 إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح: # وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي # [هود: 27] الآية، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك ~~المسائل فقال له فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، ~~فقال: هم أتباع الرسل، والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ~~ضعفائهم ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننا؟ أي ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا ~~إليه خيرا ويدعنا كقولهم: # لو كان خيرا ما سبقونآ إليه # [الأحقاف: 11]، وكقوله تعالى: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت قال الذين ~~كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما ~~وأحسن نديا # [مريم: 73] قال الله تعالى في جواب ذلك: # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ~~ورءيا # [مريم: 74]، وقال في جوابهم حين قالوا: { أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننآ } ، { أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين }؟ أي أليس هو أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم ~~وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن ~~الله لمع المحسنين # [العنكبوت: 69]. وفي الحديث الصحيح: # " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم ". # وقوله تعالى: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا ~~فقل سلام عليكم } أي فأكرمهم برد السلام عليهم وبشرهم برحمة ~~الله الواسعة الشاملة لهم، ولهذا قال: { كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة } أي أوجبها على نفسه الكريمة تفضلا منه وإحسانا ~~وامتنانا { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } ، قال بعض ~~السلف: كل من عصى الله فهو جاهل. وقال بعضهم: الدنيا كلها جهالة. { ثم ~~تاب من بعده وأصلح } أي رجع عما كان عليه من المعاصي وأقلع، ~~وعزم على أن لا يعود وأصلح العمل في المستقبل { فأنه غفور ~~رحيم }. قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لما قضى الله على الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق ms0823 العرش إن رحمتي غلبت ~~غضبي " # أخرجاه في الصحيحين. ### || [6.55-59] # يقول تعالى: وكما بينا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل على طريق ~~الهداية والرشاد وذم المجادلة والعناد، { وكذلك نفصل الآيات } ~~أي التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها، { ولتستبين سبيل ~~المجرمين } أي ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقوله: { ~~قل إني على بينة من ربي } أي على بصيرة من شريعة الله ~~التي أوحاها الله إلي، { وكذبتم به } أي بالحق الذي جاءني من ~~الله، { ما عندي ما تستعجلون به } أي من العذاب، { إن ~~الحكم إلا لله } أي إنما يرجع أمر ذلك إلى الله إن شاء عجل لكم ~~ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجلكم لما له في ذلك من الحكمة ~~العظيمة، ولهذا قال: { يقص الحق وهو خير الفاصلين } ~~أي وهو خير من فصل القضايا وخير الفاصلين في الحكم بين عباده، وقوله: { ~~قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر ~~بيني وبينكم } أي لو كان مرجع ذلك إلي لأوقعت لكم ما تستحقونه ~~من ذلك، والله أعلم بالظالمين. فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ~~ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: " لقد لقيت ~~من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على (ابن عبد ~~ياليل بن عبد كلال) فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، ~~فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد ظللتني، ~~فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول ~~قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، ~~قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول ~~قومك لك، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم ~~الأخشبين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل أرجو أن يخرج الله ms0824 من ~~أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا " # ، فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأنى بهم، وسأل لهم التأخير لعل ~~الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا، فما الجمع بين هذا وبين ~~قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { قل لو أن عندي ما ~~تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله ~~أعلم بالظالمين }؟ فالجواب - والله أعلم - أن هذه الآية دلت ~~على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم. ~~وأما الحديث فليس فيه إنهم سألوه وقوع العذاب بهم بل عرض عليه ملك ~~الجبال، أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها ~~جنوبا وشمالا، فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم. # وقوله تعالى: { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا ~~هو } قال البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله " # ثم قرأ: # إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ~~ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب ~~غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله ~~عليم خبير # [لقمان: 34]، وفي حديث عمر أن جبريل حين تبدى له في صورة أعرابي، فسأل ~~عن الإيمان والإسلام والإحسان. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~قال له: # " خمس لا يعلمهن إلا الله " # ثم قرأ: { إن الله عنده علم الساعة } الآية. وقوله: { ~~ويعلم ما في البر والبحر } أي يحيط علمه الكريم بجميع ~~الموجودات بريها وبحريها لا يخفى عليه من ذلك شيء ولا مثقال ذرة في الأرض ~~ولا في السماء، وما أحسن ما قاله الصرصري: # فلا يخفى عليه الذر إما # تراءى للنواظر أو توارى # وقوله تعالى: { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } أي ~~ويعلم الحركات حتى من الجمادات، فما ظنك بالحيوانات ولا سيما المكلفون ~~منهم من جنهم وإنسهم، كما قال تعالى: # يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور # [غافر: 19]. وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: { وما تسقط ~~من ورقة ms0825 إلا يعلمها } قال: ما من شجرة في بر ولا بحر إلا ~~وملك موكل بها يكتب ما يسقط منها، وقوله: { ولا حبة في ظلمات ~~الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } قال ~~عبد الله بن الحارث: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة إلا وعليها ملك ~~موكل يأتي الله بعلمها رطوبتها إذا رطبت ويبوستها إذا يبست. ### || [6.60-62] # يقول تعالى: إنه يتوفى عباده في منامهم بالليل، وهذا هو التوفي الأصغر، ~~كما قال تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها # [الزمر: 42]، فذكر في هذه الآية الوفاتين الكبرى والصغرى، وهكذا ذكر في ~~هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، فقال: { وهو الذي ~~يتوفاكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي ~~ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار، وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه ~~تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم في حال سكونهم وحال حركتهم، كما قال: # سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن ~~هو مستخف باليل وسارب بالنهار # [الرعد: 10]، وكما قال تعالى: # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه # [القصص: 73] أي في الليل، # ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73] أي في النهار، كما قال: # وجعلنا اليل لباسا وجعلنا النهار معاشا # [النبأ: 10-11]، ولهذا قال تعالى ها هنا: { وهو الذي ~~يتوفاكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي ما ~~كسبتم من الأعمال فيه، { ثم يبعثكم فيه } أي في النهار، قاله ~~مجاهد وقتادة والسدي، وقال ابن جريج: أي في المنام والأول أظهر، وقد روى ~~ابن مردويه بسنده عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ويرد إليه، فإن أذن الله في قبض ~~روحه قبضه وإلا رد إليه " # فذلك قوله: { وهو الذي يتوفاكم باليل } وقوله: { ~~ليقضى أجل مسمى } يعني به أجل كل واحد من الناس، { ثم ~~إليه مرجعكم } أي يوم القيامة، { ثم ينبئكم } أي ~~يخبركم { بما كنتم تعملون } ويجزيكم على ذلك إن خيرا فخير وإن ~~شرا فشر، وقوله: { وهو القاهر ms0826 فوق عباده } أي وهو الذي ~~قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء، { ويرسل عليكم ~~حفظة } أي من الملائكة يحفظون بدن الإنسان كقوله: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله # [الرعد: 11] وحفظة يحفظون عمله ويحصونه كقوله: # وإن عليكم لحافظين # [الانفطار: 10] الآية، وكقوله: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18] وكقوله: # إذ يتلقى المتلقيان # [ق: 17] الآية. # وقوله تعالى: { حتى إذا جآء أحدكم الموت } أي احتضر ~~وحان أجله { توفته رسلنا } أي ملائكة موكلون بذلك. قال ابن ~~عباس وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة يخرجون الروح من الجسد ~~فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم، وسيأتي عند قوله تعالى: # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت # [إبراهيم: 27] الأحاديث المتعلقة بذلك الشاهدة لهذا بالصحة، وقوله: { ~~وهم لا يفرطون } أي في حفظ روح المتوفى بل يحفظونها وينزلونها ~~حيث شاء الله عز وجل، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من ~~الفجار ففي سجين عياذا بالله من ذلك، وقوله: { ثم ردوا إلى ~~الله مولاهم الحق }. # قال ابن جرير: { ثم ردوا } يعني الملائكة، ونذكر ها هنا الحديث ~~الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها ~~النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب ~~غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء، ~~فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة ~~كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا ~~تزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل، ~~وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد ~~الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فلا تزال ~~يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من ~~هذا؟ ms0827 فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ~~ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء، ثم تصير إلى ~~القبر، فيجلس الرجل الصالح فيقال له: مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس ~~الرجل السوء فيقال له: مثل ما قيل في الحديث الثاني " # ويحتمل أن يكون المراد بقوله: { ثم ردوا } يعني الخلائق كلهم ~~إلى يوم القيامة فيحكم فيهم بعدله كما قال: # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # [الواقعة: 49-50]، وقال: # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف: 47]، ولهذا قال: { مولاهم الحق ألا له الحكم ~~وهو أسرع الحاسبين }. ### || [6.63-65] # يقول تعالى ممتنا على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر ~~والبحر أي الحائرين الواقعين في المهامه البرية، وفي اللجج البحرية إذا ~~هاجت الرياح العاصفة، فحينئذ يفردون الدعاء له وحده له شريك له، كقوله: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # [الإسراء: 67] الآية، وقوله: # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا ~~كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا ~~بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان ~~وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين # [يونس: 22] الآية، وقوله: # أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل ~~الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله ~~تعالى الله عما يشركون # [النمل: 63]. وقال في هذه الآية الكريمة: { قل من ينجيكم من ~~ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية } أي ~~جهرا وسرا، { لئن أنجانا } أي من هذه الضائقة { لنكونن ~~من الشاكرين } أي بعدها، قال الله: { قل الله ينجيكم ~~منها ومن كل كرب ثم أنتم } أي بعد ذلك، { تشركون ~~} أي تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى، وقوله: { قل هو ~~القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ~~أو من تحت أرجلكم } لما قال: { ثم أنتم تشركون } ~~عقبه بقوله: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا } أي بعد إنجائه إياكم كقوله: # وإذا مسكم الضر في البحر ms0828 ضل من تدعون إلا ~~إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان ~~الإنسان كفورا # [الإسراء: 67]. قال الحسن: هذه للمشركين، وقال مجاهد: لأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وعفا عنهم، ونذكر هنا الأحاديث الواردة في ذلك. # قال البخاري رحمه الله تعالى: يلبسكم: يخلطكم من الالتباس، يلبسوا: ~~يخلطوا، شيعا: فرقا. ثم روى بسنده عن جابر بن عبد الله قال: # " لما نزلت هذه الآية: { قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم } قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أعوذ بوجهك " ، { أو من تحت أرجلكم } قال: " أعوذ ~~بوجهك " ، { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس ~~بعض } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذه أهون - أو - أيسر " # (طريق آخر): قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره عن جابر قال: # " لما نزلت { قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعوذ ~~بالله من ذلك " ، { أو من تحت أرجلكم } قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أعوذ بالله من ذلك " ، { أو يلبسكم شيعا } ~~قال: " هذا أيسر " # ولو استعاذه لأعاذه. # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: أقبلنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ~~ركعتين، فصلينا معه، فناجى ربه عز وجل طويلا ثم قال: # " سألت ربي ثلاثا، سألته: أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن ~~لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته: أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ~~" # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك ~~أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر في حرة بني معاوية - قرية من قرى الأنصار ~~- فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدكم هذا؟ ~~فقلت: نعم، فأشرت إلى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعاهن ~~فيه؟ فقلت: نعم، فقال: أخبرني بهن، فقلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدوا من ~~غيرهم ولا يهلكهم ms0829 بالسنين فأعطيهما، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم ~~فمنعها، قال: صدقت، فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة. # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن أنس بن مالك أنه قال: # " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات ~~فلما انصرف قال: " إني صليت صلاة رغبة ورهبة " ، وسألت ربي ثلاثا ~~فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يبتلى أمتي بالسنين ففعل، ~~وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعا فأبى ~~علي " # ، ورواه النسائي في الصلاة. (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن خباب بن ~~الأرت مولى بني زهرة وكان قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " وافيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة صلاها كلها حتى كان مع ~~الفجر فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته، فقلت: يا رسول الله ~~لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أجل إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي عز وجل فيها ثلاث خصال ~~فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي عز وجل أن لا يهلكنا بما أهلك ~~به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي عز وجل أن لا يظهر علينا عدوا ~~من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي عز وجل أن لا يلبسنا شيعا فمنعنيها " # (حديث آخر): عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ~~ما زوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي عز ~~وجل أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا فيهلكهم ~~بعامة، وأن لا يلبسهم شيعا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد ~~إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة ~~عامة، وان لا أسلط عليهم عدوا ممن سواهم فيهلكهم بعامة حتى يكون بعضهم ~~يهلك بعضا وبعضهم يقتل بعضا ms0830 وبعضهم يسبي بعضا " # قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم ~~يرفع عنهم إلى يوم القيامة ". # (حديث آخر): قال الطبراني عن جابر بن سمرة السوائي عن علي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، فقلت: يا رب لا تهلك ~~أمتي جوعا فقال: هذه لك. قلت: يا رب لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم يعني ~~أهل الشرك فيجتاحهم قال: ذلك لك، قلت: يا رب لا تجعل بأسهم بينهم - قال - ~~فمنعني هذه " # (حديث آخر): قال الحافظ أبو بكر ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " دعوت ربي عز وجل أن يرفع عن أمتي أربعا فرفع الله عنهم اثنتين، ~~وأبى علي أن يرفع عنهم اثنتين: دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء ~~والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع ~~الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع اثنتين ~~القتل والهرج " # (طريق أخرى): عن ابن عباس قال: # " لما نزلت هذه الآية: { قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } قال: فقام ~~النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم قال: " اللهم لا ترسل على أمتي عذابا ~~من فوقهم ولا من تحت أرجلهم ولا تلبسهم شيعا، ولا تذق بعضهم بأس بعض " ~~قال: فأتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله قد أجار أمتك أن يرسل عليهم ~~عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم " # قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد وغير واحد في قوله: { عذابا ~~من فوقكم } يعني الرجم، { أو من تحت أرجلكم } يعني ~~الخسف وهذا هو اختيار ابن جرير. # وكان عبد الله بن مسعود يصيح وهو في المسجد أو على المنبر يقول: ألا ~~أيها الناس إنه قد نزل بكم، إن الله يقول: ms0831 { قل هو القادر على ~~أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } لو جاءكم عذاب من ~~السماء لم يبق منكم أحد { أو من تحت أرجلكم } لو خسف بكم ~~الأرض أهلككم ولم يبق منكم أحدا، { أو يلبسكم شيعا ويذيق ~~بعضكم بأس بعض } ، ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث. # وقال ابن جرير عن ابن عباس { عذابا من فوقكم } يعني أمراءكم، ~~{ أو من تحت أرجلكم } يعني عبيدكم وسفلتكم، قال ابن جرير: ~~وهذا القول وإن كان له وجه صحيح لكن الأول أظهر وأقوى، ويشهد له بالصحة ~~قوله تعالى: # أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا ~~هي تمور أم أمنتم من في السمآء أن يرسل ~~عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير # [الملك: 16-17]، وفي الحديث: # " ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ " # ، وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها وظهور الآيات قبل يوم ~~القيامة، وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى. قوله: { أو يلبسكم ~~شيعا } يعني يجعلكم ملتبسين شيعا فرقا متخالفين. قال ابن عباس: يعني ~~الأهواء، وكذا قال مجاهد وقد ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة " # وقوله تعالى: { ويذيق بعضكم بأس بعض } ، قال ابن عباس ~~وغير واحد: يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل، وقوله تعالى: { ~~انظر كيف نصرف الآيات } أي نبينها ونوضحها مرة ونفسرها { ~~لعلهم يفقهون } أي يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه ~~وبراهينه. قال زيد بن أسلم: لما نزلت { قل هو القادر على أن ~~يبعث عليكم عذابا من فوقكم } الآية، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف " قالوا: ونحن ~~نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله؟ قال: " نعم " ، فقال بعضهم: ~~لا يكون هذا أبدا أن يقتل بعضنا بعضا ونحن مسلمون، فنزلت { انظر ~~كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون * وكذب به ~~قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل * لكل ~~نبإ مستقر وسوف تعلمون } ". ### || [6.66-69] # يقول تعالى: { وكذب به ms0832 } أي بالقرآن الذي جئتهم به والهدى ~~والبيان { قومك } يعني قريشا، { وهو الحق } أي الذي ليس ~~وراءه حق، { قل لست عليكم بوكيل } ، أي لست عليكم بحفيظ، ~~ولست بموكل بكم كقوله: # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر # [الكهف: 29]، أي إنما علي البلاغ وعليكم السمع والطاعة، فمن اتبعني ~~سعد في الدنيا والآخرة، ومن خالفني فقد شقي في الدنيا والآخرة، ولهذا ~~قال: { لكل نبإ مستقر } قال ابن عباس: أي لكل نبأ حقيقة، ~~أي لكل خبر وقوع ولو بعد حين، كما قال: # ولتعلمن نبأه بعد حين # [ص: 88] وقال: # لكل أجل كتاب # [الرعد: 38]، وهذا تهديد ووعيد أكيد، ولهذا قال بعده: { وسوف ~~تعلمون } ، وقوله: { وإذا رأيت الذين يخوضون في ~~آياتنا } أي بالتكذيب والاستهزاء { فأعرض عنهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره } أي حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما ~~كانوا فيه من التكذيب { وإما ينسينك الشيطان } ، والمراد ~~بذلك كل فرد فرد من آحاد الأمة، أن لا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون ~~آيات الله ويضعونها على غير مواضعها، فإن جلس أحد معهم ناسيا { فلا ~~تقعد بعد الذكرى } بعد التذكر { مع القوم ~~الظالمين } ، ولهذا ورد في الحديث: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # وقال السدي في قوله: { وإما ينسينك الشيطان } ، قال: إن ~~نسيت فذكرت { فلا تقعد } معهم، وكذا قال مقاتل بن حيان، وهذه الآية ~~هي المشار إليها في قوله: # وقد نزل عليكم في الكتب أن إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم # [النساء: 140] الآية، أي إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك فقد ~~ساويتموهم فيما هم فيه، وقوله: { وما على الذين يتقون من ~~حسابهم من شيء } أي إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك فقد ~~برئوا من عهدتهم وتخلصوا من إثمهم، قال ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، ~~قوله: { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } ~~قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي إذا تجنبتهم ms0833 ~~وأعرضت عنهم، وقال آخرون: بل معناه: وإن جلسوا معهم فليس عليهم من حسابهم ~~من شيء، وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية وهي قوله: # إنكم إذا مثلهم # [النساء: 140]، قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم. وعلى قولهم يكون ~~قوله: { ولكن ذكرى لعلهم يتقون } أي ولكن أمرناكم ~~بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا لهم عما هم فيه لعلهم يتقون ذلك ولا يعودون ~~إليه. ### || [6.70] # يقول تعالى: { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ~~ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا } أي دعهم وأعرض عنهم ~~وأمهلهم قليلا فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم، ولهذا قال: { وذكر به ~~} أي ذكر الناس بهذا القرآن وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة، ~~وقوله تعالى: { أن تبسل نفس بما كسبت } أي لئلا تبسل، قال ~~ابن عباس والحسن والسدي: تبسل: تسلم، وقال الوالبي عن ابن عباس: تفتضح. ~~وقال قتادة: تحبس، وقال ابن زيد: تؤاخذ، وقال الكلبي: تجزى، وكل هذا ~~الأقوال والعبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها الإسلام للهلكة، والحبس عن ~~الخير، والارتهان عن درك المطلوب، كقوله: # كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين # [المدثر: 38-39]، وقوله: { ليس لها من دون الله ولي ~~ولا شفيع } أي لا قريب ولا أحد يشفع فيها، كقوله: # من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة والكفرون هم الظلمون # [البقرة: 254]، وقوله: { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ ~~منهآ } أي ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها كقوله: # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا # [آل عمران: 91] الآية، وكذا قال ههنا: { أولئك الذين ~~أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب ~~أليم بما كانوا يكفرون }. ### || [6.71-73] # قال السدي: قال المشركون للمسلمين اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد، ~~فأنزل الله عز وجل: { قل أندعوا من دون الله ما لا ~~ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا } أي في ~~الكفر { بعد إذ هدانا الله } فيكون مثلنا مثل الذي استهوته ~~الشياطين في الأرض، يقول: مثلكم إن كفرتم بعد إيمانكم كمثل رجل خرج مع ~~قوم على الطريق، فضل الطريق، ms0834 فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض ~~وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا فإنا على الطريق، ~~فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام. وقال قتادة { ~~استهوته الشياطين في الأرض } أضلته في الأرض: يعني ~~استهوته سيرته، كقوله: # تهوي إليهم # [إبراهيم: 37]، وقال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو ~~إليها، والدعاة الذين يدعون إلى هدى الله عز وجل، كمثل رجل ضل عن ~~طريق تائها، إذ ناداه مناد: يا فلان ابن فلان هلم إلى الطريق، وله أصحاب ~~يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى ~~يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق، يقول: ~~مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت ~~فيستقبل الندامة والهلكة. # وقوله تعالى: { كالذي استهوته الشياطين في الأرض } ~~هم الغيلان يدعونه باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها، وهو يرى أنه في شيء، ~~فيصبح وقد رمته في هلكة، وربما أكلته، أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك ~~فيها عطشا، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل ~~رواه ابن جرير. وقال مجاهد: { كالذي استهوته الشياطين في ~~الأرض حيران } قال: رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، وذلك مثل ~~من يضل من بعد أن هدي. وقال العوفي عن ابن عباس: هو الذي لا يستجيب لهدى ~~الله، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد من الحق، وضل ~~عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى، يقول ~~الله ذلك لأوليائهم من الإنس # إن الهدى هدى الله # [آل عمران: 73] والضلال ما يدعو إليه الجن، رواه ابن جرير، ثم قال: وهذا ~~يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال ويزعمون أنه هدى، قال: وهذا خلاف ظاهر ~~الآية، فإن الله أخبر أنهم يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون ضلالا ~~وقد أخبر الله أنه هدى، ms0835 وهو كما قال ابن جرير، فإن السياق يقتضي أن هذا ~~الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، وهو منصوب على الحال أي في حال ~~حيرته وضلاله وجهله وجه المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون، فجعلوا ~~يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى وتقدير الكلام. # فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم ولو شاء الله لهداه ولرد به إلى الطريق، ~~ولهذا قال: { قل إن هدى الله هو الهدى } كما قال: # ومن يهد الله فما له من مضل # [الزمر: 37]، وقال: # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ~~وما لهم من ناصرين # [النحل: 37] وقوله: { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } ~~أي نخلص له العبادة وحده لا شريك له { وأن أقيموا الصلاة ~~واتقوه } أي وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال، { ~~وهو الذي إليه تحشرون } أي يوم القيامة، { وهو ~~الذي خلق السموت والأرض بالحق } أي بالعدل فهو ~~خالقهما ومالكهما والمدبر لهما ولمن فيهما، وقوله: { ويوم يقول ~~كن فيكون } يعني يوم القيامة الذي يقول الله كن فيكون عن أمره كلمح ~~البصر أو هو أقرب، واختلف المفسرون في قوله: { يوم ينفخ في ~~الصور } ، فقال بعضهم: المراد بالصور هنا جمع صورة أي يوم ينفخ فيها ~~فتحيا. قال ابن جرير كما يقال: سور لسور البلد، وهو جمع سورة، والصحيح أن ~~المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، قال ابن جرير: ~~والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " إن إسرافيل قد التقم الصور وحتى جبهته متى يؤمر فينفخ " # وقال الإمام أحمد عن عبد الله ابن عمرو قال، # " قال أعرابي: يا رسول الله ما الصور؟ قال: " قرن ينفخ فيه ". ### || [6.74-79] # قال الضحاك عن ابن عباس: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما كان ~~اسمه تارخ، وقال مجاهد والسدي: آزر اسم صنم، قلت: كأنه غلب عليه آزر ~~لخدمته ذلك الصنم فالله أعلم، وقال ابن جرير: هو سب وعيب بكلامهم، ومعناه ~~معوج، وهي أشد كلمة قالها إبراهيم عليه السلام، ثم قال ابن ms0836 جرير: والصواب ~~أن اسم أبيه آزر، وقد يكون له اسمان كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما ~~لقبا، وهذا الذي قاله جيد قوي والله أعلم. وقرأ الجمهور بالفتح، إما على ~~أنه علم أعجمي لا ينصرف، وهو بدل من قوله لأبيه، أو عطف بيان وهو أشبه، ~~والمقصود أن إبراهيم وعظ أباه في عبادة الأصنام وزجره عنها فلم ينته كما ~~قال: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما ~~آلهة } أي أتتأله لصنم تعبده من دون الله { إني أراك ~~وقومك } أي السالكين مسلكك { في ضلال مبين } أي تائهين، لا ~~يهتدون أين يسلكون بل في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح ~~لكل ذي عقل سليم، وقال تعالى: # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا ~~نبيا * إذ قال لأبيه يأبت لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا * يأبت إني ~~قد جآءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك ~~صراطا سويا # [مريم: 41-43]، فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما ~~مات على الشرك وتبين إبراهيم ذلك رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه، كما قال ~~تعالى: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم # [التوبة: 114]، وثبت في الصحيح أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة، ~~فيقول له آزر: يا بني اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم أي رب ألم تعدني أنك ~~لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: يا إبراهيم ~~انظر ما وراءك، فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار، وقوله: ~~{ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض } ~~أي نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية الله عز وجل ~~في ملكه وخلقه وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله: # قل انظروا ماذا في السموت والأرض # [يونس: 101]. # وقوله تعالى: # أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض # [الأعراف: 185]، وقال: # أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ~~من السمآء والأرض ms0837 # [سبأ: 9] وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: { وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السموت والأرض وليكون من ~~الموقنين } ، فإنه تعالى جلى له الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه ~~شيء من أعمال الخلائق، فيحتمل أن يكون كشف له عن " بصره " حتى رأى ذلك ~~عيانا، ويحتمل أن يكون عن " بصيرته " حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه ~~وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، كما رواه الإمام ~~أحمد والترمذي عن معاذ بن جبل في حديث المنام: # " أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: ~~لا أدري يا رب، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي ~~كل شيء وعرفت ذلك " # وذكر الحديث. وقوله: { وليكون من الموقنين } قيل الواو ~~زائدة تقديره: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ليكون من ~~الموقنين، كقوله: # وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين # [الأنعام: 55]، وقيل: بل هي على بابها أي نريه ذلك ليكون عالما ~~وموقنا. # وقوله تعالى: { فلما جن عليه الليل } أي تغشاه وستره { ~~رأى كوكبا } أي نجما، { قال هذا ربي فلمآ أفل } ~~أي غاب. قال محمد بن إسحاق الأفول: الذهاب، وقال ابن جرير: يقال أفل ~~النجم يأفل ويأفل أفولا وأفلا: إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة: # مصابيح ليست باللواتي نقودها # دياج ولا بالآفلات الزوائل # ويقال: أين أفلت عنا؟ بمعنى أين غبت عنا. { قال لا أحب ~~الآفلين } ، قال قتادة: علم أن ربه دائم لا يزول { فلمآ رأى ~~القمر بازغا } أي طالعا، { قال هذا ربي فلمآ أفل ~~قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم ~~الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ~~} أي هذا المنير الطالع ربي { هذآ أكبر } أي جرما من النجم ومن ~~القمر وأكثر إضاءة، { فلمآ أفلت } أي غابت { قال يقوم ~~إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السموت والأرض } أي خلقهما { حنيفا ومآ ~~أنا من المشركين } أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي { للذي ~~فطر السموت والأرض } أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق ~~{ حنيفا } أي ms0838 في حال كوني حنيفا أي مائلا عن الشرك إلى التوحيد، ~~ولهذا قال: { ومآ أنا من المشركين }. وقد اختلف المفسرون في ~~هذا المقام: هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير عن ابن عباس ما ~~يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلا بقوله: { لئن لم ~~يهدني ربي } الآية. وقال محمد بن إسحاق: قال ذلك حين خرج من السرب ~~الذي ولدته فيه أمه حين تخوفت عليه من نمروذ بن كنعان، لما كان قد أخبر ~~بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذ، فلما ~~حملت أم إبراهيم به وحان وضعها ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد، فولدت فيه ~~إبراهيم وتركته هناك، وذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من ~~المفسرين من السلف والخلف. # والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظرا لقومه ~~مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في ~~المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية التي هي على صور ~~الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم ~~أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته ليشفعوا لهم عنده ~~في الرزق والنصر وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وبين في هذا المقام خطأهم ~~وضلالهم في عبادة الهياكل وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي ~~(القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل) وأشدهن إضاءة ~~وأشرفهن عندهم الشمس ثم القمر، ثم الزهرة، فبين أولا صلوات الله وسلامه ~~عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين لا ~~تزيغ عنه يمينا ولا شمالا، ولا تملك لنفسها تصرفا، بل هي جرم من ~~الأجرام خلقها الله منيرة لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من ~~الشرق ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو ~~في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية، ثم انتقل ~~إلى القمر، فبين فيه مثل ما بين في النجم، ثم انتقل إلى الشمس ms0839 كذلك، فلما ~~انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار ~~وتحقق ذلك بالدليل القاطع { قال يقوم إني بريء مما ~~تشركون } أي أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة فكيدوني ~~بها جميعا ثم لا تنظرون { إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السموت والأرض حنيفا ومآ أنا من المشركين } ~~أي إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومسخرها ومقدرها ومدبرها الذي بيده ملكوت ~~كل شيء وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: # إن ربكم الله الذي خلق السموت والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي اليل ~~النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك ~~الله رب العالمين # [الأعراف: 54]، وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرا في هذا المقام وهو ~~الذي قال الله في حقه: # ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون # [الأنبياء: 51-52] الآيات، وقال تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يك من المشركين * شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه ~~إلى صراط مستقيم # [النحل: 120-121]. # وقوله تعالى: # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين # [الأنعام: 161]، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " كل مولود يولد على الفطرة " # ، وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله إني خلقت عبادي حنفاء " # ، وقال الله في كتابه العزيز: # فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله # [الروم: 30]، وقال تعالى: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى # [الأعراف: 172]، ومعناه على أحد القولين كقوله: # فطرت الله التي فطر الناس عليها # [الروم: 30]، كما سيأتي بيانه، فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف ~~يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من ms0840 ~~المشركين ناظرا في هذا المقام، بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة ~~والسجية المستقيمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك ولا ريب، ~~ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك ~~لا ناظرا، قوله تعالى: { وحآجه قومه قال أتحاجوني ~~في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا ~~أن يشآء ربي شيئا... }. ### || [6.80-83] # يقول تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم حين جادله قومه فيما ذهب إليه من ~~التوحيد، وناظروه بشبه من القول أنه قال: { أتحاجوني في الله ~~وقد هدان } أي أتجادلونني في أمر الله وأنه لا إله إلا هو، وقد ~~بصرني وهداني إلى الحق وأنا على بينة منه، فكيف ألتفت إلى أقوالكم ~~الفاسدة وشبهكم الباطلة؟ وقوله: { ولا أخاف ما تشركون به ~~إلا أن يشآء ربي شيئا } أي ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ~~ذهبتم إليه أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئا وأنا لا أخافها ~~ولا أباليها، فإن كان لها كيد فكيدوني بها ولا تنظرون بل عاجلوني بذلك، ~~وقوله تعالى: { إلا أن يشآء ربي شيئا } ، استثناء منقطع أي ~~لا يضر ولا ينفع إلا الله عز وجل { وسع ربي كل شيء ~~علما } أي أحاط علمه بجميع الأشياء فلا تخفى عليه خافية، { أفلا ~~تتذكرون } أي فيما بينته لكم، أفلا تعتبرون أن هذه الآلهة باطلة ~~فتنزجروا عن عبادتها؟ وهذه الحجة نظير ما احتج بها نبي الله هود عليه ~~السلام على قومه عاد فيما قص عنهم في كتابه حيث يقول: # قالوا يهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ~~آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول ~~إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد ~~الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من ~~دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني توكلت ~~على الله ربي وربكم ما من دآبة إلا هو آخذ ~~بناصيتهآ # [هود: 53-56] الآية، وقوله: { وكيف أخاف مآ أشركتم } أي ~~كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله { ولا تخافون ~~أنكم أشركتم بالله ما ms0841 لم ينزل به عليكم ~~سلطانا } ، قال ابن عباس وغير واحد من السلف: أي حجة، وهذا كقوله ~~تعالى: # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله # [الشورى: 21]. # وقوله تعالى: # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان # [النجم: 23]، وقوله: { فأي الفريقين أحق بالأمن إن ~~كنتم تعلمون } أي فأي طائفتين أصوب، الذي عبد من بيده الضر ~~والنفع، أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل؟ أيهما أحق بالأمن من ~~عذاب الله يوم القيامة المؤمن أم المشرك؟ قال الله تعالى: { الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون } أي هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده ~~لا شريك له ولم يشركوا به شيئا هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في ~~الدنيا والآخرة. عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: { ~~الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } شق ذلك ~~على الناس، فقالوا: # " يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ قال: " إنه ليس الذي تعنون، ألم ~~تسمعوا ما قال العبد الصالح: { يبني لا تشرك بالله إن ~~الشرك لظلم عظيم } إنما هو الشرك " # وفي رواية لما نزلت: # " { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } شق ذلك على أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " ليس كما تظنون إنما هي كما قال العبد الصالح لابنه: { ~~يبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } " # ، وفي لفظ قالوا: # " أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس بالذي ~~تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: { إن الشرك لظلم ~~عظيم } إنما هو الشرك " # ولابن أبي حاتم عن عبد الله مرفوعا قال: { ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم } قال: " بشرك ". وعن عبد الله قال: # " لما نزلت { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قيل لي أنت منهم " ". # وقال الإمام أحمد، حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا أبو جناب عن زاذان عن ~~جرير بن ms0842 عبد الله قال: # " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما برزنا من المدينة إذا ~~راكب يوضع نحونا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كأن هذا الراكب ~~إياكم يريد " فانتهى إلينا الرجل، فسلم فرددنا عليه، فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " من أين أقبلت؟ " قال: من أهلي وولدي وعشيرتي قال: " ~~فأين تريد؟ " قال: أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فقد أصبته " ~~قال: يا رسول الله علمني ما الإيمان؟ قال: " أن تشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج ~~البيت " قال: قد أقررت، قال: ثم إن بعيره دخلت يده في جحر جرذان فهوى ~~بعيره، وهوى الرجل فوقع على هامته فمات. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " علي بالرجل " ، فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان ~~فأقعداه، فقالا: يا رسول الله قبض الرجل، قال: فأعرض عنهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما رأيتما ~~إعراضي عن الرجل، فإني رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه ~~مات جائعا " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا من الذين قال ~~الله عز وجل فيهم: { الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم } الآية، ثم قال: " دونكم أخاكم " فاحتملناه إلى ~~الماء فغسلناه وحنطناه وكفناه وحملناه إلى القبر، فجاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى جلس على شفير القبر، فقال: " ألحدوا ولا تشقوا فإن ~~اللحد لنا والشق لغيرنا " # وفي بعض الروايات هذا ممن عمل قليلا وأجر كثيرا. # وروى ابن مردويه عن عبد الله بن سخبرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " " من أعطى فشكر ومنع فصبر وظلم فاستغفر وظلم فغفر " وسكت قال: فقالوا: ~~يا رسول الله ما له؟ قال: { أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون } " # وقوله: { وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه ~~} أي وجهنا حجته عليهم. قال مجاهد وغيره يعني بذلك قوله: { وكيف ~~أخاف مآ أشركتم ولا ms0843 تخافون أنكم أشركتم ~~بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي ~~الفريقين أحق بالأمن } الآية. وقد صدقه الله وحكم له ~~بالأمن والهداية فقال: { الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ~~} ، ثم قال بعد ذلك كله: { وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم ~~على قومه نرفع درجات من نشآء } قرىء بالإضافة وبلا ~~إضافة، وكلاهما قريب في المعنى. وقوله: { إن ربك حكيم عليم ~~} أي حكيم في أقواله وأفعاله، عليم: أي بمن يهديه ومن يضله وإن قامت عليه ~~الحجج والبراهين، كما قال: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 96-97]، ولهذا قال ههنا: { إن ربك حكيم عليم }. ### || [6.84-90] # يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم (إسحاق) بعد أن طعن في السن، وأيس هو ~~وامرأته (سارة) من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، ~~فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت: # يويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ~~إن هذا لشيء عجيب # [هود: 72]، فبشروهما مع وجوده بنبوته وبأن له نسلا وعقبا، كما قال ~~تعالى: # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # [الصافات: 112]، وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة، وقال: # فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71] أي ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما فتقر أعينكما به كما ~~قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديد، لبقاء النسل والعقب، ولما كان ~~ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه وقعت البشارة به وبولده ~~باسم يعقوب الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم ~~عليه السلام حين اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهبا ~~إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله عز وجل عن قومه وعشيرته بأولاد ~~صالحين من صلبه على دينه لتقر بهم عينه، كما قال تعالى: # فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا ~~له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا # [مريم: 49]، وقال ههنا: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~كلا هدينا } ، وقوله: { ونوحا هدينا من قبل } أي من ~~قبله هديناه كما هديناه ووهبنا له ms0844 ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية ~~عظيمة، أما نوح عليه السلام فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من ~~آمن به - وهم الذين صحبوه في السفينة - جعل الله ذريته هم الباقين فالناس ~~كلهم من ذريته، وأما الخليل إبراهيم عليه السلام فلم يبعث الله عز ~~وجل بعده نبيا إلا من ذريته كما قال تعالى: # وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب # [العنكبوت: 27] الآية، وقال تعالى: # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب # [الحديد: 26]. # وقال تعالى: # أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية ~~إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينآ # [مريم: 58]، وقوله في هذه الآية الكريمة: { ومن ذريته } أي ~~وهدينا من ذريته { داوود وسليمان } الآية، وعود الضمير إلى نوح ~~لأنه أقرب المذكورين ظاهر لا إشكال فيه، وهو اختيار ابن جرير، وعوده إلى ~~إبراهيم لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل عليه لوط، فإنه ليس ~~من ذرية إبراهيم، بل هو ابن أخيه هاران بن آزر، اللهم إلا أن يقال: إنه ~~دخل في الذرية تغليبا، كما في قوله: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون # [البقرة: 133]. فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليبا، وكما قال في قوله: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس # [ص: 73-74]. فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود وذم على المخالفة، لأنه ~~كان في تشبه بهم فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليبا، وإلا فهو كان من ~~الجن وطبيعته من النار والملائكة من النور، وفي ذكر عيسى عليه السلام في ~~ذرية إبراهيم أو نوح على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية ~~الرجل، لأن عيسى عليه السلام إنما ينسب إلى إبراهيم عليه السلام بأمه ~~(مريم) عليها السلام فإنه لا أب له. # روي أن الحجاج أرسل إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن ~~والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه ms0845 وسلم تجده في كتاب الله، وقد قرأته ~~من أوله إلى آخره، فلم أجده، قال: أليس تقرأ سورة الأنعام: { ومن ~~ذريته داوود وسليمان } حتى بلغ { ويحيى وعيسى ~~}؟ قال: بلى، قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال: صدقت. ~~فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته، أو وهبهم دخل أولاد ~~البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم فإنه يختص بذلك بنوه ~~لصلبه وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربي: # بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا # بنوهن أبناء الرجال الأجانب # وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم أيضا، لما ثبت في صحيح البخاري أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحسن بن علي: # " إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ~~" # فسماه ابنا فدل على دخوله في الأبناء، وقال آخرون: هذا تجوز. وقوله: { ~~ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم } ذكر أصولهم ~~وفروعهم، وذوي طبقتهم وأن الهداية أو الاجتباء شملهم كلهم، ولهذا قال: { ~~واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم } ، ثم ~~قال تعالى: { ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من ~~عباده } أي إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إياهم { ولو ~~أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } تشديد لأمر ~~الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته كقوله تعالى: # ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] الآية، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع كقوله: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف: 81]، وكقوله: # لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ ~~إن كنا فاعلين # [الأنبياء: 17]، وكقوله: # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهار # [الزمر: 4]. # وقوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب ~~والحكم والنبوة } أي أنعمنا عليهم بذلك رحمة للعباد بهم ~~ولطفا منا بالخليقة، { فإن يكفر بها } أي بالنبوة، ويحتمل أن ~~يكون الضمير عائدا على هذه الأشياء الثلاثة: الكتاب والحكم والنبوءة { ~~هؤلاء } يعني أهل مكة، { فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين } أي إن يكفر بهذه ms0846 النعم من كفر بها من ~~قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض من عرب وعجم ومليين وكتابيين، فقد وكلنا ~~بها قوما آخرين، أي المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة، { ~~ليسوا بها بكافرين } أي لا يجحدون منها شيئا ولا يردون منها ~~حرفا واحدا بل يؤمنون بجميعها محكمها ومتشابهها، جعلنا الله منهم بمنه ~~وكرمه وإحسانه. # ثم قال تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم: { ~~أولئك } يعني الأنبياء المذكورين مع من أضيف إليهم من الآباء ~~والذرية والإخوان وهم الأشباه { الذين هدى الله } أي هم أهل ~~الهدى لا غيرهم { فبهداهم اقتده } أي اقتد واتبع، وإذا كان هذا ~~للرسول صلى الله عليه وسلم فأمته تبع له فيما يشرعه ويأمرهم به، قال ~~البخاري عند هذه الآية عن سليمان الأحول أن مجاهدا أخبره أنه سأل ابن ~~عباس: أفي (ص) سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا: { ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب } إلى قوله: { فبهداهم اقتده } ثم قال: هو منهم، ~~زاد يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسهيل بن يوسف عن العوام عن مجاهد قلت ~~لابن عباس، فقال: نبيكم صلى الله عليه وسلم ممن أمر أن يقتدى بهم، ~~وقوله تعالى: { قل لا أسألكم عليه أجرا } أي لا أطلب ~~منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن أجرا أي أجرة ولا أريد منكم شيئا، { ~~إن هو إلا ذكرى للعالمين } أي يتذكرون به فيرشدوا من ~~العمى إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الكفر إلى الإيمان. ### || [6.91-92] # يقول الله تعالى: وما عظموا حق تعظيمه إذ كذبوا رسله إليهم. قال ابن ~~عباس ومجاهد: نزلت في قريش، واختاره ابن جرير، وقيل: نزلت في طائفة من ~~اليهود. وقيل: في فنحاص رجل منهم. وقيل: في مالك بن الصيف { إذ ~~قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء } ، والأول أصح، ~~لأن الآية مكية واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب ~~قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من البشر، كما ~~قال: # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس # [يونس: 2]، وكقوله ms0847 تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]، وقال ها هنا: { وما قدروا الله حق قدره ~~إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء } ، قال ~~الله تعالى: { قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى ~~نورا وهدى للناس } أي قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء ~~من الكتب من عند الله في جواب سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة { ~~من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى } وهو التوراة التي ~~قد علمتم وكل أحد أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران { نورا وهدى ~~للناس } أي ليستضاء بها في كشف المشكلات ويهتدى بها من ظلم الشبهات، ~~وقوله: { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا } ~~أي تجعلون جملتها قراطيس، أي قطعا تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي ~~بأيديكم، وتحرفون منها ما تحرفون، وتبدلون وتتأولون وتقولون: هذا من عند ~~الله أي في كتابه المنزل وما هو من عند الله، ولهذا قال: { تجعلونه ~~قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا }. وقوله تعالى: { ~~وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } أي ومن ~~أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي ما لم ~~تكونوا تعلمون ذلك لا أنتم ولا آباؤكم، وقد قال قتادة: هؤلاء مشركو ~~العرب، وقال مجاهد: هذه للمسلمين. # وقوله تعالى: { قل الله } ، قال ابن عباس: أي قل الله أنزله، وهذا ~~الذي قاله ابن عباس هو المتعين في تفسير هذه الكلمة، لا ما قاله بعض ~~المتأخرين من أن معنى { قل الله } أي لا يكون خطابك لهم إلا هذه ~~الكلمة كلمة " الله " ، وهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمرا بكلمة ~~مفردة من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد في لغة العرب فائدة ~~يحسن السكوت عليها. وقوله: { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ~~} أي ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون حتى يأتيهم من الله اليقين، فسوف ~~يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد الله المتقين؟ وقوله: { وهذا كتاب ~~} يعني القرآن { أنزلناه مبارك مصدق الذي بين ~~يديه ولتنذر أم القرى } يعني ms0848 مكة { ومن حولها } ~~من أحياء العرب ومن سائر طوائف بني آدم من عرب وعجم، كما قال في الآية ~~الأخرى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158]، وقال: # لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19]، وقال: # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده # [هود: 17]، وقال: # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1]، وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي " # وذكر منهن: # " وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " # ، ولهذا قال: { والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به } ~~أي كل من آمن بالله واليوم الآخر يؤمن بهذا الكتاب المبارك الذي أنزلناه ~~إليك يا محمد وهو القرآن، { وهم على صلاتهم يحافظون } أي ~~يقيمون بما فرض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها. ### || [6.93-94] # يقول تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~} أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له شركاء أو ولدا، أو ادعى أن ~~الله أرسله إلى الناس ولم يرسله، ولهذا قال تعالى: { أو قال أوحي ~~إلي ولم يوح إليه شيء } ، قال عكرمة وقتادة: نزلت في ~~مسيلمة الكذاب، { ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله } أي ~~ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي مما يفتريه من القول، ~~كقوله تعالى: # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو ~~نشآء لقلنا مثل هذا # [الأنفال: 31] الآية. قال الله تعالى: { ولو ترى إذ ~~الظالمون في غمرات الموت } أي في سكراته وغمراته وكرباته، ~~{ والملائكة باسطوا أيديهم } أي بالضرب، كقوله: # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني # [المائدة: 28] الآية، وقوله: # ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء # [الممتحنة: 2] الآية، وقال الضحاك: { باسطوا أيديهم } أي ~~بالعذاب، كقوله: # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم # [الأنفال: 50]، ولهذا قال: { والملائكة باسطوا أيديهم ~~} أي بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم، ولهذا يقولون لهم: { ~~أخرجوا أنفسكم } ، وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة ~~بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن ms0849 الرحيم، ~~فتتفرق روحه في جسده، وتعصى، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج ~~أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: { أخرجوا أنفسكم اليوم ~~تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله ~~غير الحق } الآية، أي اليوم تهانون غاية الإهانة كما كنتم تكذبون ~~على الله وتستكبرون اتباع آياته، والانقياد لرسله، وقد وردت الأحاديث ~~المتواترة في كيفية احتضار المؤمن والكافر، وهي مقررة عند قوله تعالى: # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة # [إبراهيم: 27]. # وقوله تعالى: { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم ~~أول مرة } ، أي يقال لهم يوم معادهم هذا، كما قال: # وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما ~~خلقناكم أول مرة # [الكهف: 48] أي كما بدأناكم أعدناكم، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه ~~فهذا يوم البعث، وقوله: { وتركتم ما خولناكم وراء ~~ظهوركم } أي من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا ~~وراء ظهوركم، وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو ~~لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟ وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس " # وقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج فيقول الله ~~عز وجل: أين ما جمعت؟ فيقول: يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول ~~له: يا ابن آدم أين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئا، وتلا هذه الآية: ~~{ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } الآية، وقوله: { ~~وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم ~~فيكم شركآء } تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في الدنيا من ~~الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ~~ثم معاد، فإن كان يوم القيامة تقطعت بهم الأسباب وانزاح الضلال، وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون، ويناديهم الرب جل جلاله على رؤوس الخلائق: # أين شركآئي الذين كنتم تزعمون # [القصص: 62، 74] ويقال لهم: # أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم ~~أو ينتصرون # [الشعراء: 92-93] ولهذا قال ههنا: { وما نرى معكم ms0850 ~~شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركآء } أي في ~~العبادة، لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم، ثم قال تعالى: { لقد ~~تقطع بينكم } قرىء بالرفع أي شملكم، وبالنصب أي لقد تقطع ما ~~بينكم من الأسباب والوصلات والوسائل، { وضل عنكم } أي ذهب عنكم، { ~~ما كنتم تزعمون } من رجاء الأصنام والأنداد، كقوله تعالى: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة: 166]، وقال تعالى: # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101]، وقال تعالى: # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ~~ناصرين # [العنكبوت: 25]، وقال: # وقيل ادعوا شركآءكم فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم # [القصص: 64] الآية، والآيات في هذا كثيرة جدا. ### || [6.95-97] # يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى، أي يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع ~~على اختلاف أصنافها من الحبوب والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها ~~وطعومها من النوى، ولهذا فسر قوله: { فالق الحب والنوى } ~~بقوله: { يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من ~~الحي } أي يخرج النبات الحي من الحب والنوى الذي هو كالجماد الميت ~~كقوله: # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا ~~منها حبا فمنه يأكلون # [يس: 33]، وقوله: { ومخرج الميت من الحي } معطوف على { ~~فالق الحب والنوى } ، وقد عبروا عن هذا وهذا بعبارات كلها ~~متقاربة مؤدية للمعنى، فمن قائل يخرج الدجاجة من البيضة وعكسه، ومن قائل ~~يخرج الولد الصالح من الفاجر وعكسه، وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها ~~الآية وتشملها، ثم قال تعالى: { ذلكم الله } أي فاعل هذا هو الله ~~وحده لا شريك له، { فأنى تؤفكون } أي كيف تصرفون عن الحق ~~وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون معه غيره؟ وقوله: { فالق الإصباح ~~وجعل الليل سكنا } أي خالق الضياء والظلام كما قال في أول ~~السورة # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام: 1] أي فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح فيضيء ~~الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه، ~~ويجيء النهار بضيائه وإشراقه، كقوله: # يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا # [الأعراف: 54]، فبين تعالى قدرته على خلق ms0851 الأشياء المتضادة المختلفة ~~الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق الإصباح، وقابل ذلك ~~بقوله { وجعل الليل سكنا } أي ساجيا مظلما لتسكن فيه ~~الأشياء كما قال: # والضحى والليل إذا سجى # [الضحى: 1-2]، وقال: # والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2]، وقال: # والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها # [الشمس: 3-4]، وقال صهيب الرومي رضي الله عنه لامرأته وقد عاتبته في ~~كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكنا، إلا لصهيب، إن صهيبا إذا ذكر الجنة ~~طال شوقه، وإذا ذكر النار طال نومه. وقوله: { والشمس والقمر ~~حسبانا } أي يجريان بحساب مقنن مقدر لا يتغير ولا يضطرب، بل لكل ~~منهما منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتب على ذلك اختلاف الليل ~~والنهار طولا وقصرا كما قال: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل # [يونس: 5] الآية، وكما قال: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]، وقال: # والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره # [الأعراف: 54، النحل: 12]، وقوله: { ذلك تقدير العزيز ~~العليم } أي الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، ~~العليم بكل شيء فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ~~وكثيرا ما إذا ذكر الله تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر يختم ~~الكلام بالعزة والعلم كما ذكر في هذه الآية، وكما في قوله: # وآية لهم اليل نسلخ منه النهار فإذا هم ~~مظلمون * والشمس تجري لمستقر لها ذلك ~~تقدير العزيز العليم # [يس: 37-38]، ولما ذكر خلق السماوات الأرض وما فيهن في أول سورة حم ~~السجدة قال: # وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك ~~تقدير العزيز العليم # [فصلت: 12]، وقوله تعالى: { وهو الذي جعل لكم النجوم ~~لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر } ، قال بعض ~~السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه: ~~أن الله جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، ويهتدي بها في ظلمات البر ~~والبحر. وقوله: { قد فصلنا الآيات } أي قد بيناها ووضحناها { ~~لقوم يعلمون } أي يعقلون ويعرفون الحق ms0852 ويتجنبون الباطل. ### || [6.98-99] # يقول تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة } ~~يعني آدم عليه السلام، كما قال: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونسآء # [النساء: 1]، وقوله: { فمستقر ومستودع } اختلفوا في معنى ~~ذلك: فعن ابن مسعود { فمستقر }: أي في الأرحام { ومستودع } ~~أي في الأصلاب، وعن ابن مسعود وطائفة: فمستقر في الدنيا ومستودع حيث ~~يموت. وقال سعيد بن جبير: فمستقر في الأرحام وعلى ظهر الأرض وحيث يموت. ~~وقال الحسن البصري: المستقر الذي قد مات فاستقر به عمله، وعن ابن مسعود: ~~ومستودع في الدار الآخرة، والقول الأول أظهر، والله أعلم. وقوله تعالى: { ~~قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون } أي يفهمون ويعون كلام ~~الله ومعناه، وقوله تعالى: { وهو الذي أنزل من السمآء ~~مآء } أي بقدر مباركا ورزقا للعباد وإحياء وغياثا للخلائق، رحمة من ~~الله بخلقه { فأخرجنا به نبات كل شيء } ، كقوله: # وجعلنا من المآء كل شيء حي # [الأنبياء: 30]، { فأخرجنا منه خضرا } أي زرعا وشجرا ~~أخضر، ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر. ولهذا قال تعالى: { نخرج ~~منه حبا متراكبا } أي يركب بعضه بعضا كالسنابل ونحوها { ~~ومن النخل من طلعها قنوان } أي جمع قنو وهي عذوق الرطب، ~~{ دانية } أي قريبة من المتناول، كما قال ابن عباس { قنوان ~~دانية } يعني بالقنوان الدانية قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض ~~رواه ابن جرير. # وقوله تعالى: { وجنات من أعناب } أي ونخرج منه جنات من ~~أعناب وهذان النوعان هما أشرف الثمار عند أهل الحجاز، وربما كانا خيار ~~الثمار في الدنيا، كما امتن الله بهما على عباده في قوله تعالى: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا # [النحل: 67]، وكان ذلك قبل تحريم الخمر، وقال: # وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب # [يس: 34]، وقوله تعالى: { والزيتون والرمان مشتبها ~~وغير متشابه } ، قال قتادة وغيره: متشابه في الورق والشكل قريب ~~بعضه من بعض، ومتخالف في الثمار شكلا وطعما وطبعا، { انظروا ~~إلى ثمره إذآ أثمر وينعه } أي نضجه، قال البراء وابن ~~عباس والضحاك وغيرهم، أي فكروا ms0853 في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود بعد أن ~~كان حطبا صار عنبا ورطبا، وغير ذلك مما خلق سبحانه وتعالى من الألوان ~~والأشكال والطعوم والروائح كقوله تعالى: # يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل # [الرعد: 4] الآية، ولهذا قال ها هنا: { إن في ذلكم } أيها الناس ~~{ لآيات } أي دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحمكته ورحمته { ~~لقوم يؤمنون } أي يصدقون به ويتبعون رسله. ### || [6.100] # هذا رد على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره وأشركوا به في عبادته أن ~~عبدوا الجن فجعلوهم شركاء له في العبادة، تعالى الله عن شركهم وكفرهم. ~~فإن قيل: فكيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب ~~أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك، كقوله: # إن يدعون من دونه إلا إنثا وإن يدعون إلا ~~شيطنا مريدا * لعنه الله وقال لأتخذن من ~~عبادك نصيبا مفروضا * ولأضلنهم ولأمنينهم ~~ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعم # [النساء: 117-119] الآية، وكقوله تعالى: # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني # [الكهف: 50] الآية، وقال إبراهيم لأبيه: # يأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان ~~للرحمن عصيا # [مريم: 44]، وكقوله: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين # [يس: 60] ولهذا قال تعالى: { وجعلوا لله شركآء الجن ~~وخلقهم } أي وقد خلقهم فهو الخالق وحده لا شريك له فكيف يعبد معه ~~غيره؟ كقول إبراهيم: # أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون # [الصافات: 95-96] ومعنى الآية أنه سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق ~~وحده، فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له. وقوله تعالى: { ~~وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } ينبه به تعالى على ~~ضلال من ضل في وصفه تعالى بأن له ولدا، كما يزعم من قاله من اليهود في ~~عزير، ومن قال من النصارى في عيسى، ومن قال من مشركي العرب في الملائكة ~~إنها بنات الله: " تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ". ومعنى { ~~وخرقوا } أي اختلفوا وائتفكوا وتخرصوا وكذبوا، كما قاله علماء ~~السلف، قال ابن عباس: { وخرقوا } يعني تخرصوا، وقال ms0854 العوفي عنه { ~~وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } قال: جعلوا له ~~بنين وبنات، وقال مجاهد: كذبوا، وقال الضحاك: وضعوا، وقال السدي: قطعوا، ~~قال ابن جرير: وتأويله إذا: وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياهم، ~~وهو المتفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير، { وخرقوا له ~~بنين وبنات بغير علم } بحقيقة ما يقولون ولكن جهلا بالله ~~وبعظمته، فإنه لا ينبغي لمن كان إلها أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ~~ولا أن يشركه في خلقه شريك، ولهذا قال: { سبحانه وتعالى عما ~~يصفون } أي تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون من ~~الأولاد والأنداد والنظراء والشركاء. ### || [6.101] # { بديع السموت والأرض } أي مبدعهما وخالقهما ومنشئهما ~~ومحدثهما على غير مثال سبق، ومنه سميت البدعة بدعة، لأنه لا نظير لها ~~فيما سلف، { أنى يكون له ولد } أي كيف يكون له ولد { ولم ~~تكن له صاحبة } أي والولد إنما يكون متولدا بين شيئين ~~متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه لأنه خالق كل ~~شيء، فلا صاحبة له ولا ولد كما قال تعالى: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا # [مريم: 88-89]، { وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم } ~~، فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء وأنه بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة ~~من خلقه تناسبه وهو الذي لا نظير له، فأنى يكون له ولد؟ تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا. ### || [6.102-103] # يقول تعالى: { ذلكم الله ربكم } أي الذي خلق كل شيء ولا ولد ~~له ولا صاحبة، { لا إله إلا هو خالق كل شيء ~~فاعبدوه } أي فاعبدوه وحده لا شريك له، وأقروا له بالوحدانية، وأنه ~~لا إله إلا هو وأنه لا ولد له ولا والد ولا صاحبة له، ولا نظير ولا ~~عديل { وهو على كل شيء وكيل } أي حفيظ ورقيب يدبر كل ما ~~سواه ويرزقهم ويكلأهم بالليل والنهار. وقوله: { لا تدركه ~~الأبصار } فيه أقوال للأئمة من السلف (أحدها): لا تدركه في الدنيا ~~وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار ms0855 عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من غير ما طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال ~~مسروق عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدا أبصر ربه فقد كذب على الله، ~~فإن الله تعالى قال: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار } ، وخالفها ابن عباس، فعنه: إطلاق الرؤية، وعنه: أنه رآه ~~بفؤاده مرتين، والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء الله، وقال يحيى ~~بن معين سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله تعالى: { لا تدركه ~~الأبصار } قال هذا في الدنيا، وقال آخرون: { لا تدركه ~~الأبصار } أي جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في ~~الدار الآخرة، وقال آخرون من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من هذه الآية أنه ~~لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ~~ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله، أما الكتاب ~~فقوله تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]، وقال تعالى عن الكافرين: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15]، قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون ~~عنه تبارك وتعالى، أما السنة فقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وروضات الجنات، ~~جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين. # وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص ~~من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم، ثم اختلف هؤلاء في ~~الإدراك المنفي ما هو؟ فقيل معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن ~~رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر، فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته ~~فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى، وقال آخرون: الإدراك هو الإحاطة، ~~قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة ~~العلم عدم العلم، قال تعالى: # ولا يحيطون به علما # [طه: 110]، وفي صحيح مسلم: # " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على ms0856 نفسك " # ، ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا. قال ابن عباس { لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار } قال: لا يحيط بصر أحد بالملك، ~~وعن عكرمة أنه قيل له: { لا تدركه الأبصار } قال: ألست ترى ~~السماء؟ قال: بلى، قال: فكلها ترى؟ وقال قتادة: هو أعظم من أن تدركه ~~الأبصار، وقال ابن جرير عن عطية العوفي في قوله تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23] قال: هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته ~~وبصره محيط بهم، فذلك قوله: { لا تدركه الأبصار وهو ~~يدرك الأبصار }. # وقال آخرون في الآية عن عكرمة قال، سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه ~~تبارك وتعالى، فقلت: أليس الله يقول: { لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار } الآية؟ فقال لي: لا أم لك، ذلك نوره ~~الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء. وفي رواية: لا يقوم له شيء، ~~وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي ~~الله عنه مرفوعا: # " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه. يرفع إليه ~~عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه النور - أو النار - ~~لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " # ، وفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى ~~إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده: أي تدعثر، وقال تعالى: # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا ~~أول المؤمنين # [الأعراف: 143]، ونفي الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة. يتجلى ~~لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه تعالى وتقدس ~~وتنزه، فلا تدركه الأبصار. ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ~~تثبت الرؤية في الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية: { ~~لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } ، فالذي نفته ~~الإدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه، ms0857 فإن ذلك غير ~~ممكن للبشر ولا للملائكة ولا لشيء. وقوله: { وهو يدرك الأبصار ~~} أي يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه لأنه خلقها، كما قال تعالى: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]، وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين كما قال السدي في قوله: ~~{ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } لا يراه ~~شيء وهو يرى الخلائق، وقال أبو العالية { وهو اللطيف الخبير } ~~اللطيف لاستخراجها، الخبير بمكانها، والله أعلم. ### || [6.104-105] # البصائر: هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن وما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، { فمن أبصر فلنفسه } كقوله: # فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها # [يونس: 108]، ولهذا قال: { ومن عمي فعليها } لما ذكر البصائر ~~قال: { ومن عمي فعليها } أي إنما يعود وباله عليه، كقوله: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]، { ومآ أنا عليكم بحفيظ } أي بحافظ ولا رقيب، ~~بل إنما أنا مبلغ والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وقوله: { وكذلك ~~نصرف الآيات } أي فصلنا الآيات في هذه السورة من بيان التوحيد ~~وأنه لا إله إلا هو، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة ~~الجاهلين، وليقول المشركون والكافرون المكذبون دارست يا محمد من قبلك من ~~أهل الكتاب، وقارأتهم، وتعلمت منهم. روي عن عمرو بن كيسان قال: سمعت ابن ~~عباس يقول: دارست: تلوت خاصمت جادلت، وهذا كقوله تعالى إخبارا عن كذبهم ~~وعنادهم: # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها # [الفرقان: 5] الآية، وقال تعالى إخبارا عن زعيمهم وكاذبهم # إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل ~~كيف قدر # [المدثر: 18-20]، وقوله: { ولنبينه لقوم يعلمون } ~~ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه، فلله تعالى ~~الحكمة البالغة في إضلال أولئك وبيان الحق لهؤلاء، كقوله تعالى: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة: 26] الآية، وكقوله: # ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في ~~قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم... وإن الله ~~لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم # [الحج: 53-54]. # وقال تعالى: # كذلك يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء ms0858 وما ~~يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31]، وقال: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء: 82]، وقال تعالى: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى # [فصلت: 44]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى أنزل القرآن ~~هدى للمتقين وأنه يضل به من يشاء ويهدي به من يشاء، ولهذا قال ها هنا: { ~~وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه ~~لقوم يعلمون } ، وقرأ بعضهم { درست } أي قرأت وتعلمت، قال ~~الحسن { وليقولوا درست } يقول: تقادمت وانمحت، وقال عبد الرزاق ~~إن صبيانا يقرأون { دارست } وإنما هي: درست. وقال شعبة هي في قراءة ابن ~~مسعود: درست، يعني بغير ألف بنصب السين ووقف على التاء، قال ابن جرير ~~ومعناه: انمحت وتقادمت، أي أن هذا الذي تتلوه علينا قد مر بنا قديما ~~وتطاولت مدته. ### || [6.106-107] # يقول تعالى آمرا لرسوله صلى الله عليه وسلم ولمن اتبع طريقته: { ~~اتبع مآ أوحي إليك من ربك } أي اقتد به واقتف أثره ~~واعمل به، فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه، لأنه لا ~~إله إلا هو { وأعرض عن المشركين } أي اعف عنهم واصفح ~~واحتمل أذاهم حتى يفتح الله لك وينصرك ويظفرك عليهم، واعلم أن لله حكمة ~~في إضلالهم، فإنه لو شاء لهدى الناس جميعا، ولو شاء لجمعهم على الهدى { ~~ولو شآء الله مآ أشركوا } ، أي بل له المشيئة والحكمة فيما ~~يشاؤه ويختاره لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وقوله تعالى: { وما ~~جعلناك عليهم حفيظا } أي حافظا تحفظ أقوالهم وأعمالهم، { ~~ومآ أنت عليهم بوكيل } أي موكل على أرزاقهم وأمورهم، # إن عليك إلا البلاغ # [الشورى: 48]، كما قال تعالى: # فذكر إنمآ أنت مذكر لست عليهم بمصيطر # [الغاشية: 21-22]، وقال: # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40]. ### || [6.108] # يقول الله تعالى ناهيا لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة ~~المشركين، وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي ~~مقابلة المشركين بسب إله ms0859 المؤمنين، وهو # الله لا إله إلا هو # [البقرة: 255، آل عمران: 2]، كما قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا ~~محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، ~~{ فيسبوا الله عدوا بغير علم } ، وقال قتادة: كان ~~المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدوا بغير علم، فأنزل ~~الله: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } ، ~~وروى ابن جرير عن السدي أنه قال: لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش: ~~انطلقوا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا ~~نستحيي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعهم، فلما مات قتلوه، ~~فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية وأبي ابنا خلف، ~~وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري، # " وبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب، قالوا: استأذن لنا على أبي طالب، ~~فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذن لهم عليه ~~فدخلوا، فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدا قد آذانا ~~وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعه وإلهه، فدعاه ~~فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تريدون؟ " قالوا: نريد أن تدعنا ~~وآلهتنا ولندعك وإلهك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أرأيتم إن ~~أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم ~~بها العجم، وأدت لكم الخراج "؟ قال أبو جهل: وأبيك لنعطينكها وعشرة ~~أمثالها، قالوا: فما هي؟ قال: " قولوا لا إله إلا الله " ، فأبوا ~~واشمأزوا، قال أبو طالب: يا ابن أخي، قل غيرها فإن قومك قد فزعوا منها، ~~قال: " يا عم ما أنا بالذي يقول غيرها، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ~~ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها " إرادة أن يؤيسهم، فغضبوا، ~~وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتم من يأمرك، فذلك قوله: { ~~فيسبوا الله عدوا بغير علم ms0860 } " # ومن هذا القبيل، وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها، ما جاء في الصحيح # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ملعون من سب والديه " ، ~~قالوا: يا رسول الله وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: " يسب أبا الرجل فيسب ~~أباه ويسب أمه فيسب أمه " # ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وقوله: { كذلك زينا لكل ~~أمة عملهم } أي وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم والمحاماة ~~لها والانتصار { كذلك زينا لكل أمة } أي من الأمم ~~الخالية على الضلال { عملهم } الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة ~~والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره { ثم إلى ربهم ~~مرجعهم } أي معادهم ومصيرهم { فينبئهم بما كانوا ~~يعملون } أي يجازيهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر. ### || [6.109-110] # يقول تعالى إخبارا عن المشركين أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم أي حلفوا ~~أيمانا مؤكدة { لئن جآءتهم آية } أي معجزة وخارق { ~~ليؤمنن بها } أي ليصدقنها، { قل إنما الآيات عند ~~الله } أي قل يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تعنتا وكفرا ~~وعنادا لا على سبيل الهدى والاسترشاد، إنما مرجع هذه الآيات إلى الله إن ~~شاء جاءكم بها وإن شاء ترككم، قال ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: ~~كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريش فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى ~~كان معه عصا يضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن ~~عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود، كانت لهم ناقة، فأتنا من الآيات ~~حتى نصدقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أي شيء تحبون أن آتيكم ~~به؟ " قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا، فقال لهم: " فإن فعلت تصدقوني "؟ ~~قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعك أجمعون، فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعو فجاءه جبريل عليه السلام، فقال له: ما شئت، إن شئت أصبح الصفا ~~ذهبا، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى ~~يتوب تائبهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل يتوب تائبهم " ، ~~فأنزل الله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم ms0861 } إلى ~~قوله تعالى: { ولكن أكثرهم يجهلون } ، وقال الله ~~تعالى: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون # [الإسراء: 59] الآية، وقوله تعالى: { وما يشعركم أنهآ إذا ~~جآءت لا يؤمنون } ، قيل المخاطب بما يشعركم، المشركون، وإليه ~~ذهب مجاهد وقيل: المخاطب بقوله: { وما يشعركم } المؤمنون، ويقول: ~~وما يدريكم أيها المؤمنون أنها إذا جاءت لا يؤمنون. وقوله تعالى: { ~~ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة } ، قال ابن عباس في هذه الآية: لما جحد المشركون ما ~~أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر. وقال مجاهد في قوله: { ~~ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } ونحول بينهم وبين الإيمان ~~ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة، وقال ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه ~~وعملهم قبل أن يعملوه، وقال: # ولا ينبئك مثل خبير # [فاطر: 14] جل وعلا # أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب الله # [الزمر: 56] إلى قوله: # لو أن لي كرة فأكون من المحسنين # [الزمر: 58] فأخبر الله سبحانه وتعالى أنهم لو ردوا لم يكونوا على ~~الهدى، وقال: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]، وقال تعالى: { ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة } ، وقال: ~~ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة ~~وهم في الدنيا، وقوله: { ونذرهم } أي نتركهم { في طغيانهم } ~~، قال ابن عباس والسدي: في كفرهم. وقال أبو العالية وقتادة: في ضلالهم { ~~يعمهون } قال الأعمش: يلعبون، وقال ابن عباس ومجاهد: في كفرهم ~~يترددون. ### || [6.111] # يقول تعالى ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها فنزلنا عليهم الملائكة تخبرهم بالرسالة من ~~الله بتصديق الرسل كما سألوا فقالوا: # أو تأتي بالله والملائكة قبيلا # [الإسراء: 92] و # قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل ~~الله # [الأنعام: 124]، # وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في ms0862 ~~أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا # [الفرقان: 21]، { وكلمهم الموتى } أي فأخبروهم بصدق ما ~~جاءتهم به الرسل، { وحشرنا عليهم كل شيء قبلا } ، قرأ ~~بعضهم (قبلا) بكسر القاف وفتح الباء من المقابلة والمعاينة، وقرأ ~~آخرون بضمهما قيل: معناه من المقابلة والمعاينة أيضا كما رواه العوفي عن ~~ابن عباس، وقال مجاهد: قبلا أي أفواجا قبيلا قبيلا أي تعرض عليهم كل ~~أمة بعد أمة فيخبرونهم بصدق الرسل فيما جاءوهم به { ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله } أي إن الهداية إليه لا ~~إليهم بل يهدي ويضل من يشاء وهو الفعال لما يريد # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء: 23] لعلمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته. وهذه الآية كقوله ~~تعالى: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 96-97]. ### || [6.112-113] # يقول تعالى: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك، ~~جعلنا لكل نبي من قبلك أيضا أعداء فلا يحزنك ذلك، كما قال تعالى: # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا # [الأنعام: 34] الآية، وقال تعالى: # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك # [فصلت: 43]، وقال تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين # [الفرقان: 31] الآية. وقال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي " ، والشيطان كل من خرج عن ~~نظيره بالشر، ولا يعادي الرسل إلا الشياطين من هؤلاء وهؤلاء قبحهم الله ~~ولعنهم، قال عبد الرزاق عن قتادة في قوله: { شياطين الإنس ~~والجن } قال: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى ~~بعض. قال قتادة: # " وبلغني أن أبا ذر كان يوما يصلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~تعوذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن " فقال: أو إن من الإنس شياطين؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم " # وقال ابن جرير عن أبي ذر قال: # " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس قال، ~~فقال: " يا ms0863 أبا ذر هل صليت؟ قلت: لا، يا رسول الله. قال: " قم فاركع ~~ركعتين " قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال: " يا أبا ذر هل تعوذت بالله من ~~شياطين الجن والإنس "؟ قال، قلت: لا يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟ ~~قال: " نعم هم شر من شياطين الجن " ". # (طريق أخرى للحديث) روى ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " " يا أبا ذر تعوذت من شياطين الجن والإنس "؟ قال: يا رسول الله وهل ~~للإنس شياطين؟ قال: " نعم " # { شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا } ، فهذه طرق لهذا الحديث ومجموعها يفيد ~~قوته وصحته، والله أعلم، وعن عكرمة في قوله: { يوحي بعضهم إلى ~~بعض زخرف القول غرورا } قال: للإنس شياطين وللجن شياطين، ~~فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ~~وقال السدي عن عكرمة: أما شياطين الإنس فالشياطين التي تضل الإنس، ~~وشياطين الجن التي تضل الجن، يلتقيان فيقول كل واحد منهما لصاحبه: إني ~~أضللت صاحبي بكذا وكذا فأضل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضهم بعضا، وقد ~~روي نحو هذا عن ابن عباس فقال: إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس ~~يضلونهم، قال: فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا: أضلله ~~بكذا، فهو قوله: { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا } ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحى إليه، ~~فقال: صدق، قال الله تعالى: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم # [الأنعام: 121]. # وقوله تعالى: { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا } أي يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف وهو المزوق الذي ~~يغتر سامعه من الجهلة بأمره، { ولو شآء ربك ما فعلوه } أي ~~وذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكل نبي عدو من ~~هؤلاء، { فذرهم } أي فدعهم، { وما يفترون } أي يكذبون. أي دع ~~أذاهم وتوكل على الله فإن الله كافيك وناصرك عليهم. وقوله تعالى: { ~~ولتصغى إليه } أي ولتميل إليه قاله ابن عباس، { أفئدة ~~الذين لا يؤمنون ms0864 بالآخرة } أي قلوبهم وعقولهم وأسماعهم، ~~وقال السدي: قلوب الكافرين { وليرضوه } أي يحبوه ويريدوه، وإنما ~~يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة، كما قال تعالى: # فإنكم وما تعبدون * مآ أنتم عليه بفاتنين * ~~إلا من هو صال الجحيم # [الصافات: 161-163]، وقال تعالى: # إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك # [الذاريات: 8-9]، وقوله: { وليقترفوا ما هم مقترفون } ~~، قال ابن عباس: وليكتسبوا ما هم مكتسبون، وقال السدي وابن زيد: وليعملوا ~~ما هم عاملون. ### || [6.114-115] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين بالله ~~الذين يعبدون غيره { أفغير الله أبتغي حكما }؟ أي بيني ~~وبينكم، { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا } ~~أي مبينا، { والذين آتيناهم الكتاب } أي من اليهود ~~والنصارى يعلمون أنه منزل من ربك بالحق أي بما عندهم من البشارات بك من ~~الأنبياء المتقدمين، { فلا تكونن من الممترين } كقوله: # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك لقد جآءك الحق من ~~ربك فلا تكونن من الممترين # [يونس: 94] وهذا شرط، والشرط لا يقتضى وقوعه، ولهذا جاء عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا أشك ولا أسأل " ، وقوله تعالى: { ~~وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا } ، قال قتادة: صدقا فيما ~~قال، وعدلا فيما حكم، يقول: صدقا في الأخبار وعدلا في الطلب، فكل ما ~~أخبر به فحق لا مرية فيه، ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل ~~سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال تعالى: # يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر # [الأعراف: 157] إلى آخر الآية، { لا مبدل لكلماته } أي ليس ~~أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة { وهو السميع } ~~لأقوال عباده { العليم } بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل ~~بعمله. ### || [6.116-117] # يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم أنه الضلال كما قال تعالى: # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين # [الصافات: 71]، وقال تعالى: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103] وهم في ضلالهم ليسوا على يقين ms0865 من أمرهم وإنما هم في ظنون ~~كاذبة وحسبان باطل { إن يتبعون إلا الظن وإن هم ~~إلا يخرصون } ، فإن الخرص هو الحزر ومنه خرص النخل وهو حزر ما ~~عليها من التمر، وذلك كله عن قدر الله ومشيئته { هو أعلم من ~~يضل عن سبيله } فييسره لذلك، { وهو أعلم ~~بالمهتدين } فييسرهم لذلك وكل ميسر لما خلق له. ### || [6.118-119] # هذا إباحة من الله لعباده المؤمنين أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه ~~اسمه، ومفهومه أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه ~~كفار قريش من أكل الميتات وأكل ما ذبح على النصب وغيرها، ثم ندب إلى ~~الأكل مما ذكر اسم الله عليه فقال: { وما لكم ألا تأكلوا ~~مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم } أي قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه { إلا ما ~~اضطررتم إليه } أي إلا في حال الاضطرار، فإنه يباح لكم ما ~~وجدتم. ثم بين تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة من استحلالهم ~~الميتات وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال: { وإن كثيرا ~~ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو ~~أعلم بالمعتدين } أي هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم. ### || [6.120] # قال مجاهد: { وذروا ظاهر الإثم وباطنه } المعصية في السر ~~والعلانية، وقال قتادة: أي سره وعلانيته، قليله وكثيره، وقال السدي: ~~ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه الزنا مع الخليلة والصدائق ~~والأخدان، وقال عكرمة: ظاهره نكاح ذوات المحارم. والصحيح أن الآية عامة ~~في ذلك كله، وهي كقوله تعالى: # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن # [الأعراف: 33] الآية، ولهذا قال تعالى: { إن الذين يكسبون ~~الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون } أي سواء كان ~~ظاهرا أو خفيا، فإن الله سيجزيهم عليه، عن النواس بن سمعان قال: سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإثم فقال: # " الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه ". ### || [6.121] # استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم ~~الله عليها ms0866 وإن كان الذابح مسلما، وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه ~~المسألة على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة ~~وسواء ترك التسمية عمدا أو سهوا، وهو رواية عن الإمام مالك وأحمد بن ~~حنبل، وهو اختيار أبي ثور وداود الظاهري، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية ~~وبقوله في آية الصيد: # فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم الله ~~عليه # [المائدة: 4]، ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: { وإنه لفسق } ، ~~والضمير قيل: عائد على الأكل وقيل: عائد على الذبح لغير الله، وبالأحاديث ~~الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد كحديثي عدي بن حاتم: # " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك " # وهو في الصحيحين، وحديث رافع بن خديج: # " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه " # وهو في الصحيحين أيضا، وحديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال للجن: # " لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه " # ؛ وعن عائشة رضي الله عنها # " أن ناسا قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر ~~اسم الله عليه أم لا؟ قال: " سموا عليه أنتم وكلوا " قالت: وكانوا حديثي ~~عهد بالكفر " # ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها وخشوا أن لا تكون وجدت ~~من أولئك لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل لتكون ~~كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام ~~المسلمين على السداد، والله أعلم. # والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن ~~تركت عمدا أو نسيانا لا يضر، وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله وجميع ~~أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل، وهو رواية عن الإمام ~~مالك، وحمل الشافعي الآية الكريمة: { ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } على ما ذبح لغير ~~الله كقوله تعالى: # أو فسقا أهل لغير الله به # [الأنعام: 145]، وقال عطاء { ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه } ينهي عن ذبائح كانت تذبحها قريش ms0867 للأوثان وينهى ~~عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي، وقال ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في الآية { ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه } قال: هي الميتة. وقد استدل لهذا المذهب بما ~~رواه أبو داود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر إنه أن ذكر، لم يذكر إلا ~~اسم الله " # وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: # " إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل فإن المسلم فيه اسم من أسماء ~~الله " # ، واحتج البيهقي أيضا بحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم أن ناسا ~~قالوا: # " يا رسول الله إن قوما حديثي عهد بجاهلية يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا ~~اسم الله عليه أم لا؟ فقال: " سموا أنتم وكلوا " # قال: فلو كان وجود التسمية شرطا لم يرخص لهم إلا مع تحققها والله ~~أعلم. # المذهب الثالث في المسألة: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانا لم يضر، ~~وإن تركها عمدا لم تحل، هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد وبه ~~يقول أبو حنيفة وإسحاق بن راهويه، وقال ابن جرير رحمه الله: من حرم ذبيحة ~~الناسي فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك، يعني ما رواه الحافظ البيهقي عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله " # ، ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي ومحمد بن سيرين: أنهما كرها متروك ~~التسمية نسيانا، والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيرا، والله أعلم، ~~إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفا ~~لقول الجمهور فيعده إجماعا، فليعلم هذا، والله الموفق. واحتج لهذا ~~المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # ، وعن أبي هريرة ms0868 قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أرأيت الرجل ~~منا يذبح وينسى أن يسمي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اسم الله على ~~كل مسلم " ". # وقوله تعالى: { وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليآئهم ليجادلوكم } ، قال ابن أبي حاتم عن أبي زميل قال: ~~كنت قاعدا عند ابن عباس وحج (المختار بن أبي عبيد) فجاءه رجل، فقال: يا ~~ابن عباس زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة، فقال ابن عباس: صدق، ~~فنفرت، وقلت: يقول ابن عباس صدق؟ فقال ابن عباس: هما وحيان، وحي الله، ~~ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ووحي الشيطان إلى ~~أوليائه، ثم قرأ: { وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليآئهم }. وقد تقدم عن عكرمة في قوله: # يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا # [الأنعام: 112] نحو هذا. وقوله: { ليجادلوكم } ، عن سعيد بن جبير ~~قال: خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا ~~نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله: { ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ، وعن عكرمة عن ~~ابن عباس قال: لما نزلت: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه } أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدا وقولوا له: فما ~~تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال وما ذبح الله عز وجل بشمشير من ذهب ~~يعني الميتة فهو حرام؟ فنزلت هذه الآية: { وإن الشياطين ~~ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون } أي وإن الشياطين من فارس ~~ليوحون إلى أوليائهم من قريش، وقال أبو داود عن ابن عباس في قوله: { ~~وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم } يقولون: ما ~~ذبح الله فلا تأكلوه وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل الله: { ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ، وقال السدي ~~في تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين: كيف تزعمون أنكم تتبعون ~~مرضاة الله فما قتل الله فلا تأكلونه وما ذبحتم أنتم تأكلونه؟ فقال الله ~~تعالى: وإن أطعتموهم - في أكل الميتة { إنكم لمشركون } وهكذا ~~قال مجاهد والضحاك وغير واحد ms0869 من علماء السلف. # وقوله تعالى: { وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } أي ~~حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره، فهذا هو ~~الشرك، كقوله تعالى: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31] الآية، وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه ~~قال: يا رسول الله ما عبدوهم، فقال: # " بلى إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم فذلك ~~عبادتهم إياهم ". ### || [6.122] # هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتا أي في الضلالة هالكا ~~حائرا، فأحياه الله، أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه ووفقه لاتباع رسله، { ~~وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } أي يهتدي كيف يسلك ~~وكيف يتصرف به، والنور هو القرآن، كما روي عن ابن عباس، وقال السدي: ~~الإسلام والكل صحيح، { كمن مثله في الظلمات } أي الجهالات ~~والأهواء والضلالات المتفرقة { ليس بخارج منها } أي لا يهتدي ~~إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور ~~اهتدى، ومن أخطأه ضل " # كما قال تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون # [البقرة: 257]، وقال تعالى: # أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم # [الملك: 22] وقال تعالى: { مثل الفريقين كالأعمى ~~والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا ~~أفلا تذكرون } [هود: 24]، وقال تعالى: # وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا ~~النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي ~~الأحيآء ولا الأموات إن الله يسمع من يشآء ومآ ~~أنت بمسمع من في القبور * إن أنت إلا نذير # [فاطر: 19-23]، والآيات في هذه كثيرة، ووجه المناسبة في ضرب المثلين ~~ههنا بالنور والظلمات ما تقدم في أول السورة # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام: 1]، وزعم بعضهم: أن المراد بهذا المثل رجلان معينان، فقيل عمر ~~بن الخطاب هو الذي كان ميتا ms0870 فأحياه الله وجعل له نورا يمشي به في ~~الناس، وقيل: عمار بن ياسر، وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل ~~(عمرو بن هشام) لعنه الله. والصحيح أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن ~~وكافر، وقوله تعالى: { كذلك زين للكافرين ما كانوا ~~يعملون } أي حسنا لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة قدرا من ~~الله وحكمة بالغة، لا إله إلا هو وحده لا شريك له. ### || [6.123-124] # يقول تعالى: وكما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين، ورؤساء ~~ودعاة إلى الكفر والصد عن سبيل الله وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت ~~الرسل من قبلك يبتلون بذلك ثم تكون لهم العاقبة، كما قال تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين # [الفرقان: 31] الآية، وقوله تعالى: { أكابر مجرميها ~~ليمكروا فيها } ، قال ابن عباس: سلطنا شرارهم فعصوا فيها، فإذا ~~فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب. وقال مجاهد وقتادة: { أكابر ~~مجرميها } عظماؤها، قلت: وهكذا قوله تعالى: # ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به كافرون # [سبأ: 34]، وقوله تعالى: # وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون # [الزخرف: 23] والمراد بالمكر ههنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال ~~والفعال، كقوله تعالى إخبارا عن قوم نوح: # ومكروا مكرا كبارا # [نوح: 22]، وقوله تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين # [سبأ: 31]، قال سفيان: كل مكر في القرآن فهو عمل، وقوله تعالى: { وما ~~يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } أي وما يعود وبال ~~مكرهم وإضلالهم إلا على أنفسهم، كما قال تعالى: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13]، وقال: # ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ~~ما يزرون # [النحل: 25]. وقوله تعالى: { وإذا جآءتهم آية قالوا لن ~~نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله } أي إذا ~~جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة { قالوا لن نؤمن حتى نؤتى ~~مثل مآ أوتي رسل ms0871 الله } أي حتى تأتينا الملائكة من الله ~~بالرسالة كما تأتي إلى الرسل، كقوله جل وعلا: # وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا # [الفرقان: 21] الآية. # وقوله تعالى: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } أي هو ~~أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، كقوله تعالى: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمت ربك # [الزخرف: 31-32] الآية، يعنون لو نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير جليل ~~مبجل في أعينهم { من القريتين } أي من مكة والطائف، وذلك أنهم ~~قبحهم الله كانوا يزدرون بالرسول صلوات الله وسلامه عليه بغيا وحسدا، ~~وعنادا واستكبارا، كقوله تعالى مخبرا عنه: # وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ~~أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن ~~هم كافرون # [الأنبياء: 36]، وقال تعالى: # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي ~~بعث الله رسولا # [الفرقان: 41]، وقال تعالى: # ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون # [الأنبياء: 41]، هذا وهم معترفون بفضله وشرفه ونسبه، وطهارة بيته ~~ومرباه، ومنشئه صلى الله وملائكته والمؤمنون عليه، حتى إنهم كانوا يسمونه ~~بينهم قبل أن يوحى إليه " الأمين " ، وقد اعترف بذلك رئيس الكفار (أبو ~~سفيان) حين سأله هرقل ملك الروم: وكيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب، ~~قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. # . الحديث بطوله الذي استدل ملك الروم بطهارة صفاته عليه السلام على صدق ~~نبوته وصحة ما جاء به، وقال الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني ~~كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني ~~من بني هاشم " # ، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن ms0872 الذي كنت ~~فيه " # وقال الإمام أحمد قال العباس: # " بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما يقول الناس فصعد المنبر فقال: " من ~~أنا؟ " قالوا أنت رسول الله، فقال: " أنا محمد بن عبد الله بن عبد ~~المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فريقين فجعلني في ~~خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في ~~خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا " # صدق صلوات الله وسلامه عليه. # وفي الحديث أيضا المروي عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " قال لي جبريل قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من ~~محمد، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم " # ، وقال الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب ~~العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فبعثه برسالته، ثم ~~نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد ~~فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند ~~الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء. وأبصر رجل ابن عباس ~~وهو داخل من باب المسجد، فلما نظر إليه راعه فقال: من هذا؟ قالوا: ابن ~~عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: { الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته }. وقوله تعالى: { سيصيب الذين ~~أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد } الآية، هذا وعيد ~~شديد من الله وتهديد أكيد لمن تكبر عن اتباع رسله والانقياد لهم فيما ~~جاءوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله { صغار } وهو الذلة ~~الدائمة كما أنهم استكبروا فأعقبهم ذلك ذلا يوم القيامة لما استكبروا في ~~الدنيا، كقوله تعالى: # إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين # [غافر: 60] أي صاغرين ذليلين حقيرين. وقوله تعالى: { وعذاب شديد ~~بما كانوا يمكرون } لما كان المكر غالبا إنما يكون خفيا وهو ~~التلطف في التحيل والخديعة قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة ~~جزاء ms0873 وفاقا # ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]، كما قال تعالى: # يوم تبلى السرآئر # [الطارق: 9] أي تظهر المستترات والمكنونات والضمائر، وجاء في الصحيحين ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان ~~" # ، والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس فيوم ~~القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل. ### || [6.125] # يقول تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام } أي ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، فهذه علامات على الخير، ~~كقوله تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: 22] الآية، وقال تعالى: # ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم # [الحجرات: 7]، وقال ابن عباس معناه يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به وهو ~~ظاهر. سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المؤمنين أكيس؟ قال: # " أكثرهم ذكرا للموت وأكثرهم لما بعده استعدادا " # ، وسئل عن هذه الآية: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره للإسلام } قالوا: # " كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: " نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح " ~~، وقالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: " الإنابة إلى دار الخلود، ~~والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت " # وعن عبد الله بن مسعود قال: # " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام } قالوا: يا رسول الله ما ~~هذا الشرح؟ قال: " نور يقذف به في القلب " ، قالوا يا رسول الله فهل لذلك ~~من أمارة تعرف؟ قال: " نعم " ، قالوا: وما هي قال: " الإنابة إلى دار ~~الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت " ". # وقوله تعالى: { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا } حرجا بفتح الحاء والراء، وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى، ولا ~~يخلص إليه شيء من الإيمان ولا ينفذ فيه، وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه رجلا من الأعراب من أهل البادية من مدلج عن الحرجة؟ فقال: هي ms0874 الشجرة ~~تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر رضي ~~الله عنه: كذلك قلب المنافقين لا يصل إليه شيء من الخير، وقال ابن عباس: ~~يجعل الله عليه الإسلام ضيقا والإسلام واسع، وذلك حين يقول: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق. وقال مجاهد والسدي: { ~~ضيقا حرجا } شاكا، وقال عطاء الخراساني: { ضيقا حرجا } أي ~~ليس للخير فيه منفذ، وقال ابن المبارك: { ضيقا حرجا } بلا إله ~~إلا الله حتى لا تستطيع أن تدخل قلبه، { كأنما يصعد في ~~السمآء } من شدة ذلك عليه. وقال سعيد بن جبير: { يجعل صدره ~~ضيقا حرجا } لا يجد فيه مسلكا إلا صعد. وقال عطاء الخراساني: { ~~كأنما يصعد في السمآء } يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع ~~أن يصعد إلى السماء، وقال ابن عباس { كأنما يصعد في ~~السمآء } يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا ~~يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله في قلبه، وقال ~~الأوزاعي: كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقا أن يكون مسلما. # وقال ابن جرير: وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول ~~الإيمان إليه يقول: فمثله في امتناعه عن قبول الإيمان وضيقه عن وصوله ~~إليه مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه، لأنه ليس في وسعه ~~وطاقته، وقال في قوله: { كذلك يجعل الله الرجس على ~~الذين لا يؤمنون } يقول: كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ~~ضيقا حرجا، كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان ~~بالله ورسوله فيغويه ويصده عن سبيل الله، وقال ابن عباس: { الرجس } ~~الشيطان، وقال مجاهد: { الرجس } كل ما لا خير فيه. ### || [6.126-127] # لما ذكر تعالى طريق الضالين عن سبيله الصادين عنها، نبه على شرف ما ~~أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، فقال تعالى: { وهذا صراط ~~ربك مستقيما } أي هذا الدين الذي شرعناه لك يا محمد بما أوحينا ~~إليك هذا القرآن هو صراط ms0875 الله المستقيم، كما تقدم في الحديث في نعت ~~القرآن: # " هو صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين وهو الذكر الحكيم " # ، { قد فصلنا الآيات } أي وضحناها وبيناها وفسرناها { لقوم ~~يذكرون } أي لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله، { لهم دار ~~السلام } وهي الجنة { عند ربهم } أي يوم القيامة، وإنما وصف ~~الله الجنة ههنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم، ~~المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم فكما سلموا من آفات الإعوجاج أفضوا إلى ~~دار السلام، { وهو وليهم } أي حافظهم وناصرهم ومؤيدهم، { بما ~~كانوا يعملون } أي جزاء على أعمالهم الصالحة تولاهم وأثابهم ~~الجنة بمنه وكرمه. ### || [6.128] # يقول تعالى: { و } اذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتنذرهم به، { يوم ~~يحشرهم جميعا } يعني الجن وأولياءهم من الإنس الذين كانوا ~~يعبدونهم في الدنيا ويعوذون ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا { يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس } أي ~~يقول يا معشر الجن، وسياق الكلام يدل على المحذوف، ومعنى قوله: { قد ~~استكثرتم من الإنس } أي من إغوائهم وإضلالهم، كقوله تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا ~~صراط مستقيم # [يس: 60-61]، وقال ابن عباس: { يامعشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس } يعني أضللتم منهم كثيرا، { وقال ~~أوليآؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض ~~}: يعني أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين لله تعالى عن ذلك بهذا، قال ~~ابن أبي حاتم عن الحسن في هذه الآية قال: استكثرتم من أهل النار يوم ~~القيامة، فقال أولياؤهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض، قال الحسن: ~~وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس. وقال ابن ~~جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، ~~فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة، وأما استمتاع الجن بالإنس فإنه ~~كان - فيما ذكر - ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم ~~بهم، فيقولون: قد سدنا الإنس والجن { وبلغنآ أجلنا الذي ~~أجلت لنا } قال السدي: يعني الموت، { قال النار مثواكم ms0876 ~~} أي مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم، { خالدين فيهآ } أي ~~ماكثين فيها مكثا مخلدا إلا ما شاء الله، قال بعضهم يرجع معنى ~~الاستثناء إلى البرزخ، وقال بعضهم: هذا رد إلى مدة الدنيا، وقيل: غير ذلك ~~من الأقوال، وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: { قال ~~النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله إن ~~ربك حكيم عليم } قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم ~~على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارا. ### || [6.129] # قال قتادة في تفسيرها: إنما يولي الله الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي ~~المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، ليس ~~الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، واختاره ابن جرير، وعنه في تفسير الآية: ~~يولي الله بعض الظالمين بعضا في النار يتبع بعضهم بعضا. وقال مالك ابن ~~دينار: قرأت في الزبور: إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من ~~المنافقين جميعا، وذلك في كتاب الله قول الله تعالى: { وكذلك ~~نولي بعض الظالمين بعضا } ، وقال ابن أسلم: قال ظالمي ~~الجن وظالمي الإنس، وقرأ: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف: 36] أي ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس، وعن ابن مسعود ~~مرفوعا: " من أعان ظالما سلطه الله عليه " وقال بعض الشعراء: # وما من يد إلا يد الله فوقها # ولا ظالم إلا سيبلى بظالم # ومعنى الآية الكريمة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة ~~التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين نسلط بعضهم على بعض ونهلك ~~بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض جزاء على ظلمهم وبغيهم. ### || [6.130] # وهذا أيضا مما يقرع الله به كافري الجن والإنس يوم القيامة حيث يسألهم ~~وهو أعلم: هل بلغتهم الرسل رسالاته، وهذا استفهام تقرير، { يامعشر ~~الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } أي من جملتكم ~~والرسل من الإنس فقط وليس من الجن رسل، كما قد نص على ذلك مجاهد وابن ~~جريج وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف. وقال ابن عباس: الرسل من ms0877 بني ~~آدم ومن الجن نزر. وحكى ابن جرير عن الضحاك: أنه زعم أن في الجن رسلا، ~~واحتج بهذه الآية الكريمة، وفيه نظر، لأنها محتملة وليست بصريحة وهي، ~~والله أعلم، كقوله: # مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا ~~يبغيان # [الرحمن: 19-20]، إلى أن قال: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان إنما يستخرجان من الملح لا من ~~الحلو، وهذا واضح ولله الحمد. وقد ذكر هذا الجواب بعينه ابن جرير، ~~والدليل على أن الرسل إنما هم من الإنس قوله تعالى: # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ~~والنبيين من بعده # [النساء: 163]. وقوله تعالى عن إبراهيم: # وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب # [العنكبوت: 27] فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد ~~من الناس إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل ثم انقطعت عنهم ~~ببعثته. وقال تعالى: # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق # [الفرقان: 20]، وقال: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى # [يوسف: 109] ومعلوم أن الجن تبع للإنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى ~~إخبارا عنهم: # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ~~ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا يقومنآ إنا ~~سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين ~~يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم # [الأحقاف: 29-30]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: { يامعشر ~~الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون ~~عليكم آياتي وينذرونكم لقآء يومكم هذا ~~قالوا شهدنا على أنفسنا } أي أقررنا أن الرسل قد بلغونا ~~رسالاتك وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة. وقال تعالى: { ~~وغرتهم الحياة الدنيا } أي وقد فرطوا في حياتهم الدنيا ~~وهلكوا بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم للمعجزات، لما اغتروا به من زخرف الحياة ~~الدنيا وزينتها وشهواتها، { وشهدوا على أنفسهم } أي يوم ~~القيامة { أنهم كانوا كافرين } أي في الدنيا بما جاءتهم به ~~الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. ### || [6.131-132] # يقول تعالى: { ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى ~~بظلم وأهلها ms0878 غافلون } أي إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال ~~الرسل وإنزال الكتب لئلا يؤاخذ أحد بظلمه وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا ~~إلى الأمم وما عذبنا أحد إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24]، وقوله: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]، وقال تعالى: # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا # [الملك: 8-9] والآيات في هذا كثيرة. قال ابن جرير: ويحتمل قوله تعالى: { ~~بظلم } وجهين (أحدهما): أي بظلم أهلها بالشرك ونحوه وهم غافلون، ~~يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولا ينبههم على حجج ~~الله عليهم وينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة، ~~فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. (والوجه الثاني): لم يكن ربك ليهلكهم ~~دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر فيظلمهم بذلك، والله غير ~~ظلام لعبيده، ثم شرع يرجح الوجه الأول ولا شك أنه أقوى والله أعلم، قال: ~~وقوله تعالى: { ولكل درجات مما عملوا } أي ولكل عامل من ~~طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله يبلغه الله إياها ويثيبه بها ~~إن خيرا فخير وإن شرا فشر. (قلت): ويحتمل أن يعود قوله: { ولكل ~~درجات مما عملوا } أي من كافري الجن والإنس، أي لكل درجة في ~~النار بحسبه، كقوله: # قال لكل ضعف # [الأعراف: 38]، وقوله: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # [النحل: 88]، { وما ربك بغافل عما يعملون } ، قال ابن ~~جرير: أي وكل ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك يحصيها ويثبتها لهم عنده ~~ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه. ### || [6.133-135] # يقول تعالى: { وربك } يا محمد { الغني } أي عن جميع خلقه من ~~جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، { ذو الرحمة } أي ~~وهو مع ذلك رحيم بهم كما قال تعالى: # إن الله بالناس لرءوف رحيم # [البقرة: 143، الحج: 65] { إن يشأ يذهبكم } أي إذا خالفتم ~~أمره، { ويستخلف من بعدكم ما يشآء } أي قوما آخرين ms0879 أي ~~يعملون بطاعته، { كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين } ~~أي هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه كما أذهب القرون الأولى وأتى ~~بالذي بعدها، كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين كما قال ~~تعالى: # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان ~~الله على ذلك قديرا # [النساء: 133]، وقال تعالى: # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك ~~على الله بعزيز # [فاطر: 16-17]، وقال تعالى: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # [محمد: 38]، وقوله تعالى: { إن ما توعدون لآت ومآ أنتم ~~بمعجزين } أي أخبرهم يا محمد أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن ~~لا محالة، { ومآ أنتم بمعجزين } أي ولا تعجزون الله، بل هو ~~قادر على إعادتكم وإن صرتم ترابا رفاتا وعظاما هو قادر لا يعجزه شيء. ~~وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده ~~إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ". # وقوله تعالى: { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إني ~~عامل فسوف تعلمون } هذا تهديد شديد ووعيد أكيد، أي استمروا ~~على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى فأنا مستمر على طريقتي ~~ومنهجي، كقوله: # وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم ~~إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون # [هود: 121-122]، قال ابن عباس: { على مكانتكم } ناحيتكم، { ~~فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا ~~يفلح الظالمون } أي أتكون لي أو لكم؟ وقد أنجز الله موعده ~~لرسوله صلوات الله عليه، فإنه تعالى مكنه في البلاد، وحكمه في نواصي ~~مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاده ~~وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكل ذلك في حياته، ثم فتحت ~~الأمصار والأقاليم بعد وفاته في أيام خلفائه رضي الله عنهم أجمعين كما ~~قال الله تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # [المجادلة: 21]، وقال: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ms0880 في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع ~~الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء ~~الدار # [غافر: 51-52]، وقال تعالى: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض ~~يرثها عبادي الصالحون # [الأنبياء: 105]، وقال تعالى إخبارا عن رسله: # فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف ~~مقامي وخاف وعيد # [إبراهيم: 13-14]، وقال تعالى: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم # [النور: 55] الآية، وقد فعل الله ذلك بهذه الأمة المحمدية وله الحمد ~~والمنة أولا وآخرا وظاهرا وباطنا. ### || [6.136] # هذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين الذين ابتدعوا بدعا وكفرا وشركا، ~~وجعلوا لله شركاء، وهو خالق كل شيء سبحانه وتعالى، ولهذا قال تعالى: { ~~وجعلوا لله مما ذرأ } أي مما خلق وبرأ { من الحرث } ~~أي من الزرع والثمار، { والأنعام نصيبا } أي جزءا وقسما، { ~~فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا }. ~~وقوله: { فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله وما ~~كان لله فهو يصل إلى شركآئهم } قال ابن عباس: إن ~~أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثا أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منه جزءا ~~وللوثن جزءا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه ~~وأحصوه، وإن سقط منه شيء فيما سمي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن ~~سقط شيء من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله فاختلط بالذي جعلوه للوثن ~~قالوا: هذا فقير ولم يردوه إلى ما جعلوه لله، وكانوا يحرمون من أموالهم ~~(البحيرة والسائبة والوصيلة والحام) فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم ~~يحرمونه قربة لله، فقال الله تعالى: { وجعلوا لله مما ذرأ ~~من الحرث والأنعام نصيبا } الآية، وقال ابن أسلم في الآية: ~~كل شيء يجعلونه لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبدا، حتى يذكروا معه ~~أسماء الآلهة، وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى ~~بلغ: { سآء ما يحكمون } أي ما يقسمون فإنهم أخطأوا أولا في ~~القسم، لأن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه وله الملك، ms0881 وكل شيء له ~~وفي تصرفه وتحت قدرته ومشيئته لا إله غيره ولا رب سواه، ثم لما قسموا ~~فيما زعموا القسمة الفاسدة لم يحفظوها، بل جاروا فيها كقوله جل وعلا: # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون # [النحل: 57]، وقال تعالى: # وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور ~~مبين # [الزخرف: 15]، وقال تعالى: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22]. ### || [6.137] # يقول تعالى: كما زينت الشياطين لهؤلاء أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق ووأد البنات ~~خشية العار، قال ابن عباس: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم ~~شركاؤهم، زينوا لهم قتل أولادهم، وقال مجاهد: شركاؤهم شياطينهم، يأمرونهم ~~أن يئدوا أولادهم خشية العيلة. وقال السدي: أمرتهم الشياطين أن يقتلوا ~~البنات إما ليردوهم فيهلكوهم، وإما ليلبسوا عليهم دينهم، أي فيخلطوا ~~عليهم دينهم، ونحو ذلك، قال ابن أسلم وقتادة: وهذا كقوله تعالى: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم # [النحل: 58]، وكقوله: # وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت # [التكوير: 8-9]، وقد كانوا أيضا يقتلون الأولاد من الإملاق وهو الفقر ~~أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تلف المال، وقد نهاهم عن قتل أولادهم ~~لذلك، وإنما كان هذا كله تزيين الشياطين وشرعهم ذلك، قوله تعالى: { ~~ولو شآء الله ما فعلوه } أي كل هذا واقع بمشيئته تعالى ~~وإرادته واختياره لذلك كونا وله الحكمة التامة في ذلك فلا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون، { فذرهم وما يفترون } أي فدعهم واجتنبهم وما هم ~~فيه فسيحكم الله بينك وبينهم. ### || [6.138] # قال ابن عباس الحجر: الحرام مما حرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا، ~~وقال قتادة: تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم وتغليظ وتشديد، ولم ~~يكن من الله تعالى، وقال ابن أسلم: { حجر } إنما احتجروها لآلهتهم، ~~وقال السدي: { لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم } ~~يقولون: حرام أن يطعم إلا من شئنا، وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا ms0882 قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # [يونس: 59]، وكقوله تعالى: # ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ~~ولا حام # [المائدة: 103]، وقال السدي: أما الأنعام التي حرمت ظهورها فهي البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام، وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم ~~الله عليها ولا في شيء من شأنها لا إن ركبوا ولا إن حلبوا ولا إن حملوا ~~ولا إن نتجوا ولا إن عملت شيئا، { افترآء عليه } أي على الله ~~وكذبا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه، فإنه لم يأذن لهم في ذلك ~~ولا رضيه منهم، { سيجزيهم بما كانوا يفترون } أي عليه ~~ويسندون إليه. ### || [6.139] # قال ابن عباس: { وقالوا ما في بطون هذه الأنعام ~~خالصة لذكورنا } الآية، قال: اللبن كانوا يحرمونه على إناثهم ~~ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه، وكان للرجال دون ~~النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء، فنهى ~~الله عن ذلك، وقال الشعبي: البحيرة لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن ~~مات منها شيء أكله الرجال والنساء، وقال مجاهد في قوله: { وقالوا ما ~~في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم ~~على أزواجنا } قال: هي السائبة والبحيرة، { سيجزيهم ~~وصفهم } أي قولهم الكذب في ذلك، كقوله تعالى: # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب # [النحل: 116] الآية، { إنه حكيم } أي في أفعاله وأقواله وشرعه ~~وقدره، { عليم } بأعمال عباده من خير وشر وسيجزيهم عليها أتم الجزاء. ### || [6.140] # يقول تعالى: قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل في الدنيا والآخرة، أما في ~~الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم وضيقوا عليهم في أموالهم فحرموا أشياء ~~ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى أسوأ المنازل ~~بكذبهم على الله وافترائهم. كقوله تعالى: # إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * ~~متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم ~~العذاب الشديد بما كانوا يكفرون # [يونس: 69-70]، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا سرك أن تعلم جهل ~~العرب ms0883 فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام: { قد خسر ~~الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ~~وحرموا ما رزقهم الله افترآء على الله قد ~~ضلوا وما كانوا مهتدين }. ### || [6.141-142] # يقول تعالى مبينا أنه الخالق لكل شيء من الزروع والثمار والأنعام التي ~~تصرف فيها هؤلاء المشركون بآرائهم الفاسدة، وقسموها وجزؤوها منها حراما ~~وحلالا، فقال: { وهو الذي أنشأ جنات معروشات ~~وغير معروشات } ، قل ابن عباس: { معروشات } مسموكات. وفي ~~رواية: فالمعروشات ما عرش الناس، وغير معروشات ما خرج في البر والجبال من ~~الثمرات، وعنه: معروشات ما عرش من الكرم، وغير معروشات ما لم يعرش من ~~الكرم. وقال ابن جريج: { متشابها وغير متشابه } قال: ~~متشابها في المنظر، وغير متشابه في المطعم، { كلوا من ثمره ~~إذآ أثمر } من رطبه وعنبه، وقوله تعالى: { وآتوا حقه يوم ~~حصاده } قال بعضهم: هي الزكاة المفروضة. قال ابن عباس { وآتوا ~~حقه يوم حصاده }: يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله، ~~وعنه قال: إن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده لم يخرج مما حصد شيئا، ~~فقال الله تعالى: { وآتوا حقه يوم حصاده } وذلك أن يعلم ما ~~كيله وحقه من كل عشرة واحد وما يلقط الناس من سنبله، وقد روي عن جابر بن ~~عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل جاذ عشرة أوسق من التمر ~~بقنو يعلق في المسجد للمساكين. وقال الحسن البصري: هي الصدقة من الحب ~~والثمار، وقال آخرون: هو حق آخر سوى الزكاة، روى نافع عن ابن عمر في ~~قوله: { وآتوا حقه يوم حصاده } قال: كانوا يعطون شيئا سوى ~~الزكاة، وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه، وعنه قال: عند ~~الزرع يعطى القبضة، وعند الصرام يعطى القبضة، ويتركهم فيتبعون آثار ~~الصرام، وقال سعيد بن جبير: كان هذا قبل الزكاة للمساكين القبضة والضغث ~~لعلف دابته، وقال آخرون، هذا شيء كان واجبا، ثم نسخه الله بالعشر أو نصف ~~العشر. وقد ذم الله سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون، كما ذكر عن أصحاب ~~الجنة في سورة " ن ": # إذ ms0884 أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * ~~فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * ~~فأصبحت كالصريم # [القلم: 17-20] أي كالليل المدلهم سوداء محترقة. # وقوله تعالى: { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ~~} قيل: معناه لا تسرفوا في الإعطاء فتعطوا فوق المعروف. قال ابن جريج: ~~نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جذ نخلا له فقال: لا يأتيني اليوم أحد ~~إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله تعالى: { ولا ~~تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } ، وقال عطاء: نهوا عن ~~السرف في كل شيء، وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف، ~~وقال السدي: لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. وقال سعيد بن المسيب في ~~قوله: { ولا تسرفوا } قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم، ~~والمختار عند ابن جرير قول عطاء: أنه نهى عن الإسراف في كل شيء، ولا شك ~~أنه صحيح، لكن الظاهر والله أعلم من سياق الآية حيث قال تعالى: { كلوا ~~من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا ~~تسرفوا } أن يكون عائدا على الأكل أي لا تسرفوا في الأكل لما فيه ~~من مضرة العقل والبدن، كقوله تعالى: # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا # [الأعراف: 31] الآية. وفي صحيح البخاري تعليقا: " كلوا واشربوا والبسوا ~~من غير إسراف ولا مخيلة " ، وهذا من هذا، والله أعلم. وقوله عز وجل: ~~{ ومن الأنعام حمولة وفرشا } أي وأنشأ لكم من الأنعام ما ~~هو حمولة وما هو فرش، قيل: المراد بالحمولة ما يحمل عليه من الإبل، ~~والفرش الصغار منها، روي عن ابن مسعود في قوله: { حمولة } ما حمل ~~عليه من الإبل. { وفرشا } الصغار من الإبل، قال ابن عباس: الحمولة هي ~~الكبار، والفرش الصغار من الإبل، وكذا قال مجاهد. # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { ومن الأنعام حمولة ~~وفرشا } أما الحمولة فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل ~~عليه، وأما الفرش فالغنم، واختاره ابن جرير، قال: وأحسبه إنما سمي فرشا ~~لدنوه من الأرض، وقال الضحاك وقتادة. الحمولة الإبل والبقر، والفرش ~~الغنم. وقال السدي: أما الحمولة فالإبل، وأما ms0885 الفرش فالفصلان والعجاجيل ~~والغنم، وما حمل عليه فهو حمولة. وقال ابن أسلم: الحمولة ما تركبون، ~~والفرش ما تأكلون وتحلبون: شاة لا تحمل تأكلون لحمها وتتخذون من صوفها ~~لحافا وفرشا، وهذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة ~~حسن يشهد له قوله تعالى: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72]، وقال تعالى: # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سآئغا ~~للشاربين # [النحل: 66] إلى أن قال: # ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ أثاثا ومتاعا ~~إلى حين # [النحل: 80]، وقال تعالى: # الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ~~ومنها تأكلون # [غافر: 79]، وقوله تعالى: { كلوا مما رزقكم الله } أي من ~~الثمار والزروع والأنعام فكلها خلقها الله وجعلها رزقا لكم، { ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان } أي طريقه وأوامره كما اتبعها ~~المشركون الذين حرموا ما رزقهم الله أي من الثمار والزروع افتراء على ~~الله، { إنه لكم } أي إن الشيطان أيها الناس لكم { عدو ~~مبين } أي بين ظاهر العداوة كما قال تعالى: # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا # [فاطر: 6]، وقال تعالى: # يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج ~~أبويكم من الجنة # [الأعراف: 27] الآية، وقال تعالى: # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو بئس للظالمين بدلا # [الكهف: 50] والآيات في هذا كثيرة في القرآن. ### || [6.143-144] # هذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام فيما كانوا حرموا من الأنعام، وجعلوها ~~أجزاء وأنواعا بحيرة وسائبة ووصيلة وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها ~~في الأنعام والزروع والثمار، فبين تعالى أنه أنشأ جنات معروشات وغير ~~معروشات، وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشا، ثم بين أصناف الأنعام، وأنه ~~تعالى لم يحرم شيئا من ذلك ولا شيئا من أولادها بل كلها مخلوقة لبني ~~آدم أكلا وركوبا وحمولة وحلبا وغير ذلك من وجوه المنافع، كما قال: # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # [الزمر: 6] الآية، وقوله تعالى: { أما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين } رد عليهم في قولهم: # ما في بطون ms0886 هذه الأنعام خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزواجنا # [الأنعام: 139] الآية، وقوله تعالى: { نبئوني بعلم إن كنتم ~~صادقين } أي أخبروني عن يقين كيف حرم الله عليكم ما زعمتم تحريمه من ~~البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، قال ابن عباس: يقول لم أحرم ~~شيئا من ذلك، { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } ~~يعني هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى فلم تحرمون بعضا وتحلون ~~بعضا؟ { نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } يقول تعالى: كله ~~حلال، وقوله تعالى: { أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله ~~بهذا } تهكم بهم فيما ابتدعوه وافتروه على الله من تحريم ما حرموه ~~من ذلك، { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~ليضل الناس بغير علم } أي لا أحد أظلم منه، { إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين } وأول من دخل في هذه الآية ~~(عمرو بن لحي بن قمعة) لأنه أول من غير دين الأنبياء، وأول من سيب ~~السوائب، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، كما ثبت ذلك في الصحيح. ### || [6.145] # يقول تعالى آمرا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم: { قل } يا محمد ~~لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله افتراء على الله، { لا أجد في ~~مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه } أي آكل ~~يأكله، قيل: معناه لا أجد شيئا مما حرمتم حراما سوى هذه، وقيل: معناه ~~لا أجد من الحيوانات شيئا حراما سوى هذه، وقال ابن عباس: { أو دما ~~مسفوحا } يعني المهراق، وقال عكرمة: لولا هذه الآية لتتبع الناس ما ~~في العروق كما تتبعه اليهود، وقال حماد: إنما نهى الله عن دم المسفوح، ~~وقال قتادة: حرم من الدماء ما كان مسفوحا، فأما اللحم خالطه الدم فلا ~~بأس به، عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأسا ~~والحمرة والدم يكونان على القدر بأسا، وقرأت هذه الآية. وقال الحميدي عن ~~عمرو بن دينار قال، قلت لجابر بن عبد الله: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، فقال: قد كان يقول ~~ذلك (الحكم بن ms0887 عمرو) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أبى ذلك البحر ~~يعني (ابن عباس) وقرأ: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه } الآية، وعن ابن عباس قال: كان ~~أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه وأنزل ~~كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما ~~سكت عنه فهو عفو، وقرأ هذه الآية: { قل لا أجد في مآ أوحي ~~إلي محرما على طاعم يطعمه } الآية. روى الإمام أحمد ~~عن ابن عباس قال: # " ماتت شاة لسودة بنت زمعة، فقالت يا رسول الله ماتت فلانة تعني الشاة، ~~قال: " فلم لا أخذتم مسكها " قالت نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إنما قال الله { قل لا أجد في مآ ~~أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير } وإنكم ~~لا تطعمونه، أن تدبغوه فتنتفعوا به " ، فأرسلت فسلخت مسكها، فدبغته، ~~فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها " # وقال سعيد بن منصور عن نميلة الفزاري قال: كنت عند ابن عمر، فسأله رجل ~~عن أكل القنفذ فقرأ عليه: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه } الآية، فقال شيخ عنده: سمعت أبا ~~هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " خبيث من الخبائث " ~~، فقال ابن عمر: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو كما قال. # وقوله تعالى: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } أي فمن اضطر ~~إلى أكل شيء مما حرم الله في هذه الآية الكريمة وهو غير متلبس ببغي ولا ~~عدوان، { فإن ربك غفور رحيم } أي غفور له رحيم به، وقد ~~تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية، والغرض من سياق هذه ~~الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم ~~المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة ~~والحام ونحو ذلك، فأمر رسوله أن يخبرهم أنه لا ms0888 يجد فيما أوحاه الله إليه ~~أن ذلك محرم، وإنما حرم ما ذكر في هذه الآية من الميتة والدم المسفوح ~~ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وما عدا ذلك فلم يحرم، وإنما هو عفو ~~مسكوت عنه، فكيف تزعمون أنتم أنه حرام ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله؟ ~~وعلى هذا فلا يبقى تحريم أشياء أخرى فيما بعد هذا، كما جاء النهي عن لحوم ~~الحمر الأهلية ولحوم السباع وكل ذي مخلب من الطير على المشهور من مذاهب ~~العلماء. ### || [6.146] # يقول تعالى: وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر، وهو البهائم والطير ما لم يكن ~~مشقوق الأصابع كالإبل والنعام والأوز والبط، قال ابن عباس: هو البعير ~~والنعامة، وقال سعيد بن جبير: هو الذي ليس منفرج الأصابع، وفي رواية عنه: ~~كل متفرق الأصابع، ومنه الديك، وقال مجاهد { كل ذي ظفر } قال: ~~النعامة والبعير شقا شقا. قلت للقاسم بن أبي بزة وحدثته ما شقا شقا؟ ~~قال: كل ما لا ينفرج من قوائم البهائم، قال: وما انفرج أكلته، قال: ~~انفرجت قوائم البهائم والعصافير، قال: فيهود تأكله، قال: ولم تتفرج قائمة ~~البعير - خفه - ولا خف النعامة ولا قائمة الوز، فلا تأكل اليهود الإبل ~~ولا النعامة ولا الوز، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته، ولا تأكل حمار الوحش، ~~وقوله تعالى: { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهمآ } قال السدي: يعني الترب وشحم الكليتين، وكانت اليهود تقول: ~~إنه حرمه إسرائيل فنحن نحرمه، وكذا قال ابن زيد، وقال قتادة الثرب وكل ~~شحم كان كذلك ليس في عظم، وقال ابن عباس: { إلا ما حملت ~~ظهورهما } يعني ما علق بالظهر من الشحوم، وقال السدي: الألية مما ~~حملت ظهورهما، وقوله تعالى: { أو الحوايآ } الحوايا جمع واحدها ~~حاوياء وحاوية وحوية، وهو ما تحوي من البطن، وهي المباعر، وتسمى المرابض، ~~وفيها الأمعاء، ومعنى الكلام: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ~~ما حملت ظهورهما وما حملت الحوايا. قال ابن عباس ومجاهد: الحوايا المبعر ~~والمربض. وقوله تعالى: { أو ما اختلط بعظم } يعني إلا ما ~~اختلط من الشحوم بعظم ms0889 فقد أحللناه لهم، وقال ابن جريج: شحم الألية ما ~~اختلط بالعصعص، فهو حلال، وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين، وما ~~اختلط بعظم فهو حلال ونحوه قاله السدي. # وقوله تعالى: { ذلك جزيناهم ببغيهم } أي هذا التضييق إنما ~~فعلناه بهم وألزمناهم به مجازاة على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا، كما قال ~~تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: 160]، وقوله: { وإنا لصادقون } أي وإنا لعادلون فيما ~~جازيناهم به، وقال ابن جرير: وإنا لصادقون فيما أخبرناك به يا محمد من ~~تحريمنا ذلك عليهم، لا كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه على نفسه، ~~والله أعلم. وقال عبد الله بن عباس: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ~~سمرة باع خمرا، فقال: قاتل الله سمرة ألم يعلم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها " # ؟ أخرجاه. وعن جابر بن عبد الله قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح: " إن الله ورسوله ~~حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " ، فقيل: يا رسول الله أرأيت ~~شحوم الميتة فإنها يدهن بها الجلود وتطلى بها السفن ويستصبح بها الناس؟ ~~فقال: " لا، هو حرام " # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: # " قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومهما جملوه ثم باعوه ~~وأكلوا ثمنه " # ، وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها " # ، وقال ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~قاعدا خلف المقام فرفع بصره إلى السماء فقال: # " لعن الله اليهود - ثلاثا - إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ~~ثمنها وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه " # وقال الإمام أحمد عن ابن عباس قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا في المسجد مستقبلا الحجر، ~~فنظر إلى السماء فضحك فقال: " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ms0890 فباعوها ~~وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه " ". ### || [6.147] # يقول تعالى: فإن كذبك يا محمد مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم ~~فقل: { ربكم ذو رحمة واسعة } وهذا ترغيب لهم في ابتغاء ~~رحمة الله الواسعة واتباع رسوله، { ولا يرد بأسه عن ~~القوم المجرمين } ترهيب لهم من مخالفتهم الرسول خاتم النبيين، ~~وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين (الترغيب والترهيب) في القرآن كما قال ~~تعالى في آخر هذه السورة: # إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم # [الأنعام: 165]، وقال: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ~~ربك لشديد العقاب # [الرعد: 6]، وقال تعالى: # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن ~~عذابي هو العذاب الأليم # [الحجر: 49-50]، وقال تعالى: # غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب # [غافر: 3]، وقال: { إن بطش ربك لشديد * إنه هو ~~يبدىء ويعيد * وهو الغفور الودود } [البروج: 12-14] ~~والآيات في هذا كثيرة جدا. ### || [6.148-150] # هذه مناظرة ذكرها الله تعالى، وشبهة تشبث بها المشركون في شركهم وتحريم ~~ما حرموا، فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو ~~قادر على تغييره بأن يلهمنا الإيمان ويحول بيننا وبين الكفر، فلم يغيره ~~فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا بذلك، ولهذا قالوا: { لو شآء ~~الله مآ أشركنا } كما في قوله تعالى: # وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم # [الزخرف: 20] الآية، قال الله تعالى: { كذلك كذب الذين من ~~قبلهم } أي بهذه الشبهة ضل من ضل قبل هؤلاء وهي حجة داحضة باطلة، ~~لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه ودمر عليهم وأدال عليهم رسله ~~الكرام، وأذاق المشركين من أليم الانتقام، { قل هل عندكم من ~~علم } أي بأن الله راض عنكم فيما أنتم فيه، { فتخرجوه لنآ } ~~أي فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه، { إن تتبعون إلا الظن } ~~أي الوهم والخيال والمراد بالظن ها هنا الاعتقاد الفاسد، { وإن ~~أنتم إلا تخرصون } تكذبون على الله فيما ادعيتموه، وقوله ~~تعالى: { قل فلله الحجة البالغة فلو شآء ~~لهداكم أجمعين } ، يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه ms0891 وسلم { قل ~~} لهم يا محمد { فلله الحجة البالغة } أي له الحكمة ~~التامة والحجة البالغة في هداية من هدى وإضلال من ضل { فلو شآء ~~لهداكم أجمعين } فكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك ~~يرضى عن المؤمنين ويبغض الكافرين، كما قال تعالى: # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى # [الأنعام: 35]، وقال تعالى: # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض # [يونس: 99]، وقال: # ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة # [هود: 118]، قال الضحاك: لا حجة لأحد عصى الله ولكن لله الحجة البالغة ~~على عباده، وقوله تعالى: { قل هلم شهدآءكم } أي أحضروا ~~شهداءكم { الذين يشهدون أن الله حرم هذا } أي هذا ~~الذي حرمتموه وكذبتم وافتريتم على الله فيه، { فإن شهدوا فلا ~~تشهد معهم } أي لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبا وزورا، { ~~ولا تتبع أهوآء الذين كذبوا بآياتنا والذين ~~لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون } أي يشركون ~~به ويجعلون له عديلا. ### || [6.151] # قال ابن مسعود رضي الله عنه: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: { قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا ~~به شيئا } - إلى قوله - { لعلكم تعقلون }. وقال الحاكم ~~في مستدركه عن عبد الله بن خليفة قال: سمعت ابن عباس يقول: في الأنعام ~~آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: { قل تعالوا أتل ما ~~حرم ربكم عليكم } الآيات، وعن عبادة بن الصامت قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " أيكم يبايعني على ثلاث " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ~~قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } حتى فرغ من ~~الآيات.. " فمن وفى فأجره على الله ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به ~~في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله إن شاء عذبه ~~وإن شاء عفا عنه " # يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين الذين عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله وقتلوا أولادهم، وكل ~~ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل ms0892 الشياطين لهم { قل } لهم { تعالوا } أي ~~هلموا وأقبلوا { أتل ما حرم ربكم عليكم } أي أقص عليكم ~~وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقا لا تخرصا ولا ظنا، بل وحيا منه ~~وأمرا من عنده { ألا تشركوا به شيئا } وكأن في الكلام ~~محذوفا دل عليه السياق وتقديره: وأوصاكم { ألا تشركوا به ~~شيئا } ولهذا قال في آخر الآية: { ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تعقلون }. # وفي الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئا من أمتك دخل ~~الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن ~~سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، ~~وإن شرب الخمر " # ؛ وفي بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام قال في الثالثة: " وإن رغم ~~أنف أبي ذر " ، فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث: " وإن رغم أنف أبي ذر ~~" ، وفي بعض المسانيد والسنن عن أبي ذر قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول تعالى: # " يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا ~~أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي ~~شيئا، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك " # ، ولهذا شاهد في القرآن قال الله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48، 116]، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: " من مات لا يشرك بالله ~~شيئا دخل الجنة ". والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا، وعن عبادة بن ~~الصامت قال: أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع خصال: # " ألا تشركوا بالله شيئا وإن حرقتم وقطعتم وصلبتم " # ، وقوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } أي أوصاكم وأمركم ~~بالوالدين إحسانا أي أن تحسنوا إليهم، كما قال تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23]، والله تعالى كثيرا ما يقرن ms0893 بين طاعته وبر الوالدين كما ~~قال: # أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير # [لقمان: 14]، فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين بحسبهما، وقال ~~تعالى: # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله وبالوالدين إحسانا # [البقرة: 83] والآيات في هذا كثيرة. # وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: " الصلاة على ~~وقتها " قلت: ثم أي؟ قال: " بر الوالدين " قلت: ثم أي؟ قال: " الجهاد ~~في سبيل الله " # ، قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو استزدته ~~لزادني. وقوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ~~نحن نرزقكم وإياهم } لما أوصى تعالى بالوالدين والأجداد، ~~عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد فقال تعالى: { ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق } ، وذلك أنهم كانوا يقتلون ~~أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يئدون البنات خشية العار، ~~وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، ولهذا ورد في الصحيحين من حديث ~~عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت: ثم أي؟ قال: ~~" أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " ، قلت: ثم أي؟ قال: " أن تزاني حليلة ~~جارك " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: { والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } " # الآية. وقوله تعالى: { من إملاق } ، قال ابن عباس: هو الفقر أي ~~ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل، وقال في سورة الإسراء: { ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق } أي لا تقتلوهم خوفا من ~~الفقر في الآجل، ولهذا قال هناك: # نحن نرزقهم وإياكم # [الإسراء: 31] فبدأ برزقهم للاهتمام بهم أي لا تخافوا من فقركم بسبب ~~رزقهم فهو على الله وأما هنا فلما كان الفقر حاصلا قال: { نحن ~~نرزقكم وإياهم } لأنه الأهم ههنا والله أعلم. وقوله تعالى: ~~{ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } ، ~~كقوله تعالى: # قل إنما حرم ربي ms0894 الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق # [الأعراف: 33]. قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى: # وذروا ظاهر الإثم وباطنه # [الأنعام: 120] وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ". # وفي الصحيحين # " قال سعد بن عبادة لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مصفح، ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أتعجبون من غيرة سعد؟ ~~فوالله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن " # ، وقوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق } ، وهذا مما نص تبارك وتعالى على النهي عنه تأكيدا ~~وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فقد جاء في ~~الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ~~بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ~~" # ، وفي لفظ لمسلم: # " والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم " # وذكره، وروى أبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال زان محصن يرجم، ورجل قتل ~~متعمدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام وحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ~~ينفى من الأرض " # وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال وهو محصور: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى ~~بعد إحصانه، أو قتل بغير نفس " # فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه ~~بعد إذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، فبم تقتلونني؟ وقد جاء النهي ms0895 والزجر ~~والوعيد في قتل المعاهد وهو المستأمن من أهل الحرب، فروى البخاري عن عبد ~~الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا: # " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين ~~عاما " # ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح ~~رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا " # وقوله: { ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون } أي هذا ~~مما وصاكم به لعلكم تعقلون عن الله أمره ونهيه. ### || [6.152] # عن ابن عباس قال لما أنزل الله: { ولا تقربوا مال اليتيم ~~إلا بالتي هي أحسن } و # إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما # [النساء: 10] الآية، انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه ~~وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك ~~عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: # ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم # [البقرة: 220] قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. وقوله ~~تعالى: { حتى يبلغ أشده } ، قال الشعبي ومالك: يعني حتى ~~يحتلم، وقال السدي: حتى يبلغ ثلاثين سنة، وقيل: أربعون سنة، وقوله تعالى: ~~{ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } يأمر تعالى بإقامة ~~العدل في الأخذ والإعطاء كما توعد على تركه في قوله تعالى: # ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون # [المطففين: 1-3] وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال ~~والميزان، وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي عن ابن عباس قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان: # " إنكم وليتم أمرا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم " # وقد رواه ابن مردويه في تفسيره، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين بها هلكت القرون المتقدمة: ~~المكيال، والميزان " # وقوله تبارك وتعالى: { لا نكلف نفسا إلا ms0896 وسعها } أي من ~~اجتهد في أداء الحق وأخذه، فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده فلا حرج ~~عليه. وقوله: { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ~~} ، كقوله: # يا أيهآ الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهدآء ~~بالقسط # [المائدة: 8] الآية، يأمر تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب ~~والبعيد، والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد في كل وقت وفي كل حال، وقوله: ~~{ وبعهد الله أوفوا } ، قال ابن جرير: يقول: وبوصية الله ~~التي أوصاكم بها فأوفوا، وإيفاء ذلك أن تطيعوه فيما أمركم ونهاكم، ~~وتعملوا بكتابه وسنة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله { ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تذكرون } ، يقول تعالى: هذا أوصاكم به ~~وأمركم به وأكد عليكم فيه { لعلكم تذكرون } أي تتعظون ~~وتنتهون عما كنتم فيه. ### || [6.153] # قال ابن عباس في قوله: { ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله } أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف ~~والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين ~~الله، وقال الإمام أحمد بن حنبل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: # " خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ثم قال: " هذا سبيل الله ~~مستقيما " ، وخط عن يمينه وشماله ثم قال: " هذه السبل ليس منها سبيل ~~إلا عليه شيطان يدعو إليه " ، ثم قرأ: { وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله } " # وعن جابر قال: # " كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا هكذا أمامه فقال: " ~~هذا سبيل الله " وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال: " هذه سبل الشيطان ~~" ، ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية: { وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تتقون } " # وعنه قال: # " خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، وخط عن يمينه خطا، وخط عن ~~يساره خطا، ووضع يده على الخط الأوسط، وتلا هذه الآية: { وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه } " # قال ابن جرير عن أبان بن عثمان أن رجلا ms0897 قال لابن مسعود: ما الصراط ~~المستقيم؟ قال تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفه في الجنة، ~~وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، ثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في ~~تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ~~ثم قرأ ابن مسعود: { وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله } الآية، وعن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب ~~مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها ~~الناس هلم أدخلوا الصراط المستقيم جميعا، ولا تفرقوا وداع يدعو من فوق ~~الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا ~~تفتحه، فإنك إن فتحته تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، ~~والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، ~~والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم " # وقوله تعالى: { فاتبعوه ولا تتبعوا السبل } إنما وحد ~~سبيله لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرقها وتشعبها كما قال تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون # ، وقال ابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث " ، ثم تلا: { قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } حتى فرغ من ثلاث ~~آيات، ثم قال: " ومن وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا ~~فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى ~~الله إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه " ". ### || [6.154-155] # لما أخبر الله سبحانه عن القرآن بقوله: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه # [الأنعام: 153] عطف بمدح التوراة ورسولها، فقال: { ثم آتينا ~~موسى الكتاب } وكثيرا ما يقرن سبحانه بين ذكر القرآن والتوراة ~~كقوله ms0898 تعالى: # ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب ~~مصدق لسانا عربيا # [الأحقاف: 12]. # وقال تعالى مخبرا عن المشركين: # فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي ~~مثل مآ أوتي موسى # [القصص: 48]. # وقال تعالى مخبرا عن الجن: # يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ~~مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق # [الأحقاف: 30] الآية. # وقوله تعالى: { تماما على الذي أحسن وتفصيلا } أي ~~آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تماما كاملا جامعا لما يحتاج إليه في ~~شريعته، كقوله: # وكتبنا له في الألواح من كل شيء # [الأعراف: 145] الآية. # وقوله تعالى: { على الذي أحسن } أي جزاء على إحسانه في العمل ~~وقيامة بأوامرنا وطاعتنا، كقوله: # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60]، وكقوله: # وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون # [السجدة: 24]. # وقال الربيع بن أنس { تماما على الذي أحسن } يقول: أحسن ~~فيما أعطاه الله، وقال قتادة: من أحسن في الدنيا تمم له ذلك في الآخرة، ~~واختار ابن جرير أن تقديره: { ثم آتينا موسى الكتاب تماما ~~} على إحسانه، فكأنه جعل الذي مصدرية، كما قيل في قوله تعالى: # وخضتم كالذي خاضوا # [التوبة: 69] أي كخوضهم، وقال ابن رواحة: # وثبت الله ما آتاك من حسن # في المرسلين ونصرا كالذي نصروا # وقال آخرون: الذي ههنا بمعنى الذين، وذكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان ~~يقرؤها { تماما على الذين أحسنوا } ، وقال مجاهد: تماما على الذي أحسن: ~~على المؤمنين والمحسنين. # وقال البغوي: المحسنون الأنبياء والمؤمنون، يعني أظهرنا فضله عليهم. # قلت: كقوله تعالى: # قال يموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي # [الأعراف: 144] ولا يلزم اصطفاؤه على محمد صلى الله عليه وسلم خاتم ~~الأنبياء والخليل عليهما السلام لأدلة أخرى. وقوله تعالى: { وتفصيلا ~~لكل شيء وهدى ورحمة } فيه مدح لكتابه الذي أنزله الله ~~عليه { لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون * وهذا ~~كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ~~ترحمون } فيه الدعوة إلى اتباع القرآن يرغب سبحانه عباده في كتابه ~~ويأمرهم بتدبره والعمل به والدعوة إليه، ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به ~~في الدنيا والآخرة لأنه حبل ms0899 الله المتين. ### || [6.156-157] # قال ابن جرير: معناه وهذا كتاب أنزلناه لئلا تقولوا { إنمآ أنزل ~~الكتاب على طآئفتين من قبلنا } يعني لينقطع عذركم ~~كقوله تعالى: # ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك # [القصص: 47] الآية، وقوله تعالى: { على طآئفتين من قبلنا ~~} قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى، وقوله: { وإن كنا عن ~~دراستهم لغافلين } أي وما كنا نفهم ما يقولون لأنهم ليسوا ~~بلساننا ونحن في غفلة وشغل مع ذلك عما هم فيه، وقوله: { أو تقولوا ~~لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم } ~~أي وقطعنا تعللكم أن تقولوا لو أنا أنزل علينا ما أنزل عليهم لكنا أهدى ~~منهم فيما أوتوه، كقوله: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم # [فاطر: 42] الآية، وهكذا قال ههنا: { فقد جآءكم بينة من ~~ربكم وهدى ورحمة } يقول: فقد جاءكم من الله على لسان محمد ~~صلى الله عليه وسلم النبي العربي قرآن عظيم، فيه بيان للحلال والحرام، ~~وهدى لما في القلوب ورحمة من الله لعباده الذين يتبعونه ويقتفون ما فيه، ~~وقوله تعالى: { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله ~~وصدف عنها } أي لم ينتفع بما جاء به الرسول ولا اتبع ما أرسل به ~~ولا ترك غيره، بل صدف عن اتباع آيات الله أي صرف الناس وصدهم عن ذلك، ~~قاله السدي، وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة: وصدف عنها أعرض عنها، وقول ~~السدي ههنا فيه قوة، لأنه قال: { فمن أظلم ممن كذب ~~بآيات الله وصدف عنها } كما تقدم في أول السورة، # وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا ~~أنفسهم # [الأنعام: 26]، وقال تعالى: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب # [النحل: 88] وقال في هذه الآية الكريمة: { سنجزي الذين ~~يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا ~~يصدفون } ، وقد يكون المراد فيما قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة { ~~فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها } أي ~~لا آمن بها، ولا عمل بها كقوله تعالى: # فلا صدق ولا صلى ولكن ms0900 كذب وتولى # [القيامة: 31-32] وغير ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على ~~التكذيب بقلبه وترك العمل بجوارحه، ولكن كلام السدي أقوى وأظهر، والله ~~أعلم. ### || [6.158] # يقول تعالى متوعدا للكافرين والمخالفين لرسله والمكذبين بآياته ~~والصادين عن سبيله: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة أو يأتي ربك } ، وذلك كائن يوم القيامة { أو ~~يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك ~~لا ينفع نفسا إيمانها } وذلك قبل يوم القيامة كائن من أمارات ~~الساعة وأشراطها، حين يرون شيئا من أشراط الساعة، كما قال البخاري في ~~تفسير هذه الآية. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من ~~عليها " # ، فذلك حين { لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من ~~قبل } ، وفي رواية: # " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس ~~آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " # ، ثم قرأ هذه الآية. وقد ورد هذا الحديث من طرق أخر عن أبي هريرة، وقال ~~ابن جرير عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض " # ، وقال ابن جرير عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت آمن الناس كلهم ~~وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ". # (حديث آخر): عن أبي ذر الغفاري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ " قلت لا أدري، قال: " إنها تنتهي ~~دون العرش فتخر ساجدة ثم تقوم حتى يقال لها ارجعي فيوشك يا أبا ذر أن ~~يقال لها ارجعي من حيث جئت، وذلك حين { لا ينفع نفسا إيمانها ~~لم تكن آمنت من قبل ms0901 } " # (حديث آخر): عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال أشرف علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان ~~والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، وخروج الدجال، وثلاثة ~~خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر ~~عدن تسوق، أو تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا " # (حديث آخر): عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ~~إيمانها } - قال - طلوع الشمس من مغربها " # ، وفي لفظ: # " إن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها " # ، وفي حديث صفوان بن عسال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله فتح بابا قبل المغرب عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق حتى ~~تطلع الشمس منه ". # (حديث آخر): عن عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي ~~سفيان رضي الله عنهم أجمعين قال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا ~~إسماعيل بن عياش ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد يرده إلى مالك بن يخامر عن ~~ابن السعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل " # فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص، إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الهجرة خصلتان إحداهما تهجر السيئات، والأخرى تهاجر إلى الله ~~ورسوله، ولا تنقطع ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس ~~من مغربها فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل " # فقوله تعالى: { لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت ~~من قبل } أي إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان ~~مؤمنا قبل ذلك، فإن كان مصلحا في عمله فهو بخير عظيم، وإن لم يكن ~~مصلحا فأحدث توبة حينئذ ms0902 لم تقبل منه توبته، كما دلت عليه الأحاديث ~~المتقدمة، وعليه يحمل قوله تعالى: { أو كسبت في إيمانها ~~خيرا } أي ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك، ~~وقوله تعالى: { قل انتظروا إنا منتظرون } تهديد شديد ~~للكافرين ووعيد أكيد لمن سوف إيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك، ~~وإنما كان هذا الحكم عند طلوع الشمس من مغربها لاقتراب الساعة وظهور ~~أشراطها كما قال: # فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد ~~جآء أشراطها فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم # [محمد: 18]، وقوله تعالى: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 84-85] الآية. ### || [6.159] # نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى، وقال ابن عباس: إن اليهود والنصارى ~~اختلفوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فتفرقوا، فلما بعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم أنزل الله عليه: { ن الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا لست منهم في شيء } الآية، قوله: { ~~وكانوا شيعا } قال: هم الخوارج، وقيل: هم أصحاب البدع، والظاهر أن ~~الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له، فإن الله بعث رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا ~~افتراق، فمن اختلف فيه { وكانوا شيعا } أي فرقا كأهل الملل ~~والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى قد برأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مما هم فيه، وهذه الآية كقوله تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك # [الشورى: 13] الآية. وفي الحديث: # " نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد " # ، فهذا هو الصراط المستقيم وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا ~~شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات ~~وآراء وأهواء والرسل برآء منها كما قال الله تعالى: { لست منهم ~~في شيء } ، وقوله تعالى: { إنمآ أمرهم إلى الله ثم ~~ينبئهم بما كانوا يفعلون } ، كقوله تعالى: # إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ms0903 # [الحج: 17] الآية، ثم بين لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة فقال ~~تعالى: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها... }. ### || [6.160] # وهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل في الآية الأخرى، وهي قوله: # من جآء بالحسنة فله خير منها # [النمل: 89، القصص: 84]، وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية، كما قال ~~الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: # " إن ربكم عز وجل رحيم، من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن ~~عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم ~~يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله عز وجل، ~~ولا يهلك على الله إلا هالك " # وقال أحمد أيضا عن أبي ذر رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يقول الله عز وجل من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل ~~سيئة فجزاؤه مثلها أو أغفر، ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك ~~بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ~~ذراعا، ومن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته ~~هرولة " # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم ~~بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة " # ، واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام: تارة يتركها ~~لله، فهذا تكتب له حسنة على كفه عنها لله تعالى وهذا عمل ونية، ولهذا جاء ~~أنه يكتب له حسنة كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح، فإنما تركها من جرائي أي ~~من أجلي، وتارة يتركها نسيانا وذهولا عنها فهذا لا له ولا عليه لأنه لم ~~ينو خيرا ولا فعل شرا، وتارة يتركها عجزا وكسلا عنها بعد السعي في ~~أسبابها ms0904 والتلبس بما يقرب منها، فهذا بمنزلة فاعلها كما جاء في الحديث ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " قالوا: يا ~~رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: " إنه كان حريصا على قتل ~~صاحبه " ". # وعن خريم بن فاتك الأسدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الناس أربعة والأعمال ستة. فالناس موسع له في الدنيا والآخرة، ~~وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له ~~في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمال موجبتان، ومثل بمثل، وعشرة ~~أضعاف وسبعمائة ضعف، فالموجبتان من مات مسلما مؤمنا لا يشرك بالله ~~شيئا وجبت له الجنة، ومن مات كافرا وجبت له النار، ومن هم بحسنة فلم ~~يعملها فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة، ومن هم ~~بسيئة لم تكتب عليه ومن عملها كتبت واحدة ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة ~~كانت عليه بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله عز وجل كانت ~~بسبعمائة ضعف " # ، وقال ابن أبي حاتم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها بلغو فهو حظه منها، ورجل حضرها ~~بدعاء فهو رجل دعا الله فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات ~~وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهو كفارة له إلى الجمعة التي ~~تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله عز وجل يقول: { من جآء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها } " # وقال الحافظ الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، ~~وذلك لأن الله تعالى قال: { من جآء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها } " # والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا وفيما ذكر كفاية إن شاء الله وبه ~~الثقة. ### || [6.161-163] # يقول تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين أن يخبر بما ms0905 ~~أنعم به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا ~~انحراف { دينا قيما } أي قائما ثابتا { ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين } ، كقوله: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه # [البقرة: 130]، وقوله: # وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ~~إبراهيم # [الحج: 78]، وقوله: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يك من المشركين * شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه ~~إلى صراط مستقيم # [النحل: 120-121]، وليس يلزمه من كونه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع ~~ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها لأنه عليه السلام ~~قام بها قياما عظيما، وأكملت له إكمالا تاما لم يسبقه أحد إلى هذا ~~الكمال، ولهذا كان خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام ~~المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى الخليل عليه السلام. وقد كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال: # " أصبحنا على ملة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين " # ، وقال الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: # " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأديان أحب إلى الله تعالى؟ ~~قال: " الحنيفية السمحة " ". # وقوله تعالى: { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ~~لله رب العالمين } يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون ~~غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته ونسكه على ~~اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: # فصل لربك وانحر # [الكوثر: 2] أي أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ~~ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال ~~بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى، قال مجاهد: النسك: الذبح في ~~الحج والعمرة، وقال سعيد بن جبير { ونسكي } قال: ذبحي، وكذا قال ~~السدي والضحاك، وعن جابر بن عبد الله قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في يوم عيد النحر بكبشين، وقال حين ذبحهما: # " وجهت ms0906 وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا ~~أول المسلمين " # وقوله عز وجل: { وأنا أول المسلمين } قال قتادة: أي ~~من هذه الأمة، وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى ~~الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له، وقد أخبرنا تعالى عن نوح أنه ~~قال لقومه: # فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري ~~إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين # [يونس: 72]، وقال تعالى: # يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون # [البقرة: 132]، وقال يوسف عليه السلام: # رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث فاطر السموت والأرض أنت وليي في ~~الدنيا والآخرة توفنى مسلما وألحقني ~~بالصالحين # [يوسف: 101]، وقال موسى: # يقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين # [يونس: 84]. # وقال تعالى: # إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار # [المائدة: 44] الآية، وقال تعالى: # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون # [المائدة: 111]، فأخبر تعالى أنه بعث رسله بالإسلام ولكنهم متفاوتون فيه ~~بحسب شرائعهم الخاصة، التي ينسخ بعضها بعضا إلى أن نسخت بشريعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال قائمة منصورة ~~وأعلامها منشورة إلى قيام الساعة، ولهذا قال عليه السلام: # " نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد " # فإن أولاد العلات هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى، فالدين واحد وهو ~~عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات ~~وقد قال الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا كبر استفتح ثم قال: " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين " إلى آخر الآية: " اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي ~~وأنا ms0907 عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف ~~عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب ~~إليك " ، ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد. ### || [6.164] # يقول تعالى: { قل } يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة ~~له والتوكل عليه { أغير الله أبغي ربا } أي أطلب ربا سواه، ~~{ وهو رب كل شيء } يربيني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي لا ~~أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه لأنه رب كل شيء ومليكه وله الخلق ~~والأمر، ففي هذه الآية الأمر بإخلاص التوكل كما تضمنت التي قبلها إخلاص ~~العبادة لله وحده لا شريك له، وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيرا في القرآن ~~كقوله تعالى مرشدا لعباده أن يقولوا له: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]، وقوله: # فاعبده وتوكل عليه # [هود: 123]، وقوله: # قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا # [الملك: 29]، وقوله: # رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا # [المزمل: 9] وأشباه ذلك من الآيات. وقوله تعالى: { ولا تكسب كل ~~نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى } إخبار ~~عن الواقع يوم القيامة في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله أن النفوس إنما ~~تجازى بأعمالها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد ~~على أحد، وهذا من عدله تعالى كما قال: # وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ~~ولو كان ذا قربى # [فاطر: 18]، وقوله تعالى: # فلا يخاف ظلما ولا هضما # [طه: 112] قال علماء التفسير أي فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره ولا ~~يهضم بأن ينقص من حسناته، وقال تعالى: # كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين # [المدثر: 38-39] معناه كل نفس مرتهنة بعملها السيىء إلا أصحاب اليمين ~~فإنه قد يعود بركة أعمالهم الصالحة على ذرياتهم وقراباتهم كما قال في ~~سورة الطور: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم ~~من شيء # [الآية: 21] أي ألحقنا ms0908 بهم ذريتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة وإن لم ~~يكونوا قد شاركوهم في الأعمال، بل في أصل الإيمان، وما ألتناهم أي نقصنا ~~أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئا حتى ساويناهم، وهؤلاء الذين هم ~~أنقص منهم منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منزلة الآباء ببركة أعمالهم بفضله ~~ومنته، ثم قال: # كل امرىء بما كسب رهين # [الطور: 21] أي من شر، وقوله: { ثم إلى ربكم مرجعكم ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } أي اعملوا على ~~مكانتكم إنا عاملون على ما نحن عليه، فستعرضون ونعرض عليه، وينبئنا ~~وإياكم بأعمالنا وأعمالكم، وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا كقوله: # قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما ~~تعملون * قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح ~~بيننا بالحق وهو الفتاح العليم # [سبأ: 25-26]. ### || [6.165] # يقول تعالى: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } أي جعلكم ~~تعمرونها جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن وخلفا بعد سلف، كقوله تعالى: # ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض ~~يخلفون # [الزخرف: 60]، وكقوله تعالى: # ويجعلكم خلفآء الأرض # [النمل: 62]، وقوله: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30]، وقوله: # عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في ~~الأرض فينظر كيف تعملون # [الأعراف: 129]، وقوله: { ورفع بعضكم فوق بعض درجات ~~} ، أي فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوي، والمناظر ~~والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك، كقوله تعالى: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا # [الزخرف: 32]، وقوله: # انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة ~~أكبر درجات وأكبر تفضيلا # [الإسراء: 21]، وقوله تعالى: { ليبلوكم في مآ آتاكم } أي ~~ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به ليختبر الغني في غناه، ~~ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره. وفي صحيح مسلم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، ~~فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء " # وقوله تعالى: { إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور ~~رحيم } ترهيب وترغيب أن حسابه وعقابه سريع ms0909 فيمن عصاه وخالف رسله، { ~~وإنه لغفور رحيم } لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من ~~خبر وطلب. وقال محمد بن إسحاق: ليرحم العباد على ما فيهم. وكثيرا ما ~~يقرن الله تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين، كقوله: # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم # [الحجر: 49-50] إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب. ~~فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة ~~يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، ~~وتارة بهما لينجع في كل بحسبه، جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما ~~عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب سميع الدعاء، جواد كريم ~~وهاب. وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم ~~الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط أحد من الجنة. خلق الله مائة رحمة ~~فوضع واحدة بين خلقه، يتراحمون بها وعند الله تسعة وتسعون " # ، وعنه أيضا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في ~~الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ~~ولدها خشية أن تصيبه ". ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-3] # تقدم الكلام في أول سورة البقرة على ما يتعلق بالحروف وبسطه واختلاف ~~الناس فيه، قال ابن جرير عن ابن عباس { المص }: أنا الله أفصل، { ~~كتاب أنزل إليك } أي هذا الكتاب أنزل إليك أي من ربك، { فلا ~~يكن في صدرك حرج منه } شك منه، وقيل: لا تتحرج به في ~~إبلاغه والإنذار به، # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35]، ولهذا قال: { لتنذر به } أي أنزلناه إليك لتنذر به ~~الكافرين { وذكرى للمؤمنين } ، ثم قال تعالى مخاطبا للعالم: ~~{ اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } أي اقتفوا آثار ~~النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل ms0910 شيء ومليكه، { ولا ~~تتبعوا من دونه أوليآء } أي لا تخرجوا عما جاءكم به ~~الرسول إلى غيره فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره، { قليلا ~~ما تذكرون } ، كقوله: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103]، وقوله: # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله # [الأنعام: 116]، وقوله: # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف: 106]. ### || [7.4-7] # يقول الله تعالى: { وكم من قرية أهلكناها } أي بمخالفة ~~رسلنا وتكذيبهم فأعقبهم ذلك خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة كما قال ~~تعالى: # ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون # [الأنعام: 10]، وكقوله: # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي ~~خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد # [الحج: 45]، وقال تعالى: # وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك ~~مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا ~~نحن الوارثين # [القصص: 58]، وقوله: { فجآءها بأسنا بياتا أو هم ~~قآئلون } أي فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته { بياتا } ~~أي ليلا { أو هم قآئلون } من القيلولة وهي الاستراحة وسط ~~النهار، وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو، كما قال: # أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ~~وهم نآئمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى وهم يلعبون # [الأعراف: 97-98]، وقال # أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله ~~بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم ~~بمعجزين # [النحل: 45-46]، وقوله: { فما كان دعواهم إذ جآءهم ~~بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } أي فما كان ~~قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم وأنهم حقيقون بهذا، كقوله ~~تعالى: # وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة # [الأنبياء: 11] إلى قوله # خامدين # [الأنبياء: 15]، قال ابن جرير: في هذه الآية الدالة الواضحة على صحة ما ~~جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم " # ، وقوله: { فلنسألن الذين أرسل إليهم } الآية، ~~كقوله: # ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم المرسلين # [القصص: 65]، وقوله: # يوم يجمع الله الرسل فيقول ms0911 ماذآ أجبتم ~~قالوا لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب # [المائدة: 109] فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما ~~أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضا عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال ابن عباس في ~~تفسير هذه الآية { فلنسألن الذين أرسل إليهم ~~ولنسألن المرسلين } قال: عما بلغوا. # وعن ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام يسأل عن رعيته والرجل يسأل عن ~~أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها والعبد يسأل عن مال سيده " # ، ثم قرأ: { فلنسألن الذين أرسل إليهم ~~ولنسألن المرسلين } ، وقال ابن عباس في قوله { ~~فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غآئبين }: يوضع ~~الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون، { وما كنا غآئبين ~~} يعني أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا من قليل ~~وكثير وجليل وحقير، لأنه تعالى الشهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء، ولا ~~يغفل عن شيء بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين # [الأنعام: 59]. ### || [7.8-9] # يقول تعالى: { والوزن } أي للأعمال يوم القيامة { الحق } أي لا ~~يظلم تعالى أحدا، كقوله: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء: 47]، وقال تعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40]، وقال تعالى: # فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية # [القارعة: 6-7]، وقال تعالى: # فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ~~ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم في جهنم خالدون # [المؤمنون: 102-103]. # (فصل) والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال وإن كانت ~~أعراضا، إلا أن الله تعالى يقبلها يوم القيامة أجساما، يروى هذا عن ابن ~~عباس، كما جاء في " الصحيح " # " من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان ~~أو فرقان من طير صواف ms0912 " # ، وقيل: يوزن كتاب الأعمال، كما جاء في حديث البطاقة، في الرجل الذي ~~يؤتى به ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر، ثم يؤتى ~~بتلك البطاقة فيها: لا إله إلا الله، الحديث، وقيل: يوزن صاحب العمل كما ~~في الحديث: # " يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة " # ، ثم قرأ: # فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا # [الكهف: 105]، وفي مناقب عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " أتعجبون من دقة ساقيه والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد " # ، وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة توزن ~~الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها، والله أعلم. ### || [7.10] # يقول تعالى: ممتنا على عبيده فيما مكن لهم من أنه جعل الأرض قرارا، ~~وجعل فيها رواسي وأنهارا وجعل لهم فيها منازل وبيوتا، وأباح لهم ~~منافعها وسخر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها { ~~معايش } أي مكاسب وأسبابا يكسبون بها ويتجرون فيها ويتسببون أنواع ~~الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك، كقوله: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]. ### || [7.11] # ينبه تعالى بني آدم في هذا المقام على شرف أبيهم آدم، ويبين لهم عداوة ~~عدوهم إبليس وما هو منطو عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم ليحذروه ولا ~~يتبعوا طرائقه، فقال تعالى: { ولقد خلقناكم ثم ~~صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم ~~فسجدوا } ، وهذا كقوله تعالى: # وإذ قال ربك للملآئكة إني خالق بشرا من ~~صلصال من حمإ مسنون... فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين # [الحجر: 26-29]، وذلك أنه تعالى لما خلق آدم عليه السلام بيده من طين ~~لازب وصوره بشرا سويا ونفخ فيه من روحه، أمر الملائكة بالسجود له ~~تعظيما لشأن الله تعالى وجلاله، فسمعوا كلهم وأطاعوا إلا إبليس لم يكن ~~من الساجدين، والمراد بذلك كله آدم عليه السلام، وقال سفيان الثوري عن ~~ابن عباس { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } قال: خلقوا في ~~أصلاب ms0913 الرجال وصوروا في أرحام النساء، ونقل ابن جرير عن بعض السلف أيضا ~~أن المراد ب { خلقناكم } ثم { صورناكم } الذرية، وقال أي ~~خلقنا آدم ثم صورنا الذرية، وهذا فيه نظر لأنه قال بعده: { ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم } ، فدل على أن المراد بذلك آدم، ~~وإنما قيل ذلك بالجمع لأنه أبو البشر، كما يقول الله تعالى لبني إسرائيل ~~الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم # وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى # [البقرة: 57]، والمراد آباؤهم الذين كانوا في زمن موسى ولكن لما كان ذلك ~~منة على الآباء الذين هم أصل، صار كأنه واقع على الأبناء، وهذا بخلاف ~~قوله: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] الآية، فإن المراد منه آدم المخلوق من السلالة وذريته ~~مخلوقون من نطفة، وصح هذا لأن المراد من خلقنا الإنسان الجنس لا معينا، ~~والله أعلم. ### || [7.12] # قال بعض النحاة (لا) هنا زائدة، زيدت لتأكيد الجحد، كقول الشاعر: ما إن ~~رأيت ولا سمعت بمثله، فأدخل (إن) وهي للنفي على (ما) النافية لتأكيد ~~النفي، قالوا: وكذا هنا { قال ما منعك ألا تسجد } مع تقدم ~~قوله: # لم يكن من الساجدين # [الأعراف: 11]، واختار ابن جرير أن { منعك } مضمن معنى فعل آخر ~~تقديره: ما ألزمك واضطرك أن لا تسجد إذ أمرتك ونحو هذا، وهذا القول قوي ~~حسن، والله أعلم. وقول إبليس لعنه الله: { أنا خير منه } من ~~العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل ~~بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له؟ ~~ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار والنار أشرف مما خلقته منه وهو ~~الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن ~~الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسا فاسدا في مقابلة ~~نص قوله تعالى: # فقعوا له ساجدين # [الحجر: 29] فشذ من بين الملائكة لترك السجود، فلهذا أبلس من الرحمة أي ~~أويس من الرحمة، فأخطأ قبحه الله في ms0914 قياسه، ودعواه أن النار أشرف من ~~الطين أيضا، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين ~~محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش ~~والسرعة، ولهذا خان إبليس عنصره ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة ~~والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله والاعتراف وطلب التوبة ~~والمغفرة. وفي " صحيح مسلم " عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم ~~" # ، وعن عائشة قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خلق الله الملائكة من نور العرش، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم ~~مما وصف لكم " # ، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح: # " وخلقت الحور العين من الزعفران " # وقال الحسن: قاس إبليس وهو أول من قاس، وعن ابن سيرين قال: أول من قاس ~~إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، إسناد صحيح أيضا. ### || [7.13-15] # يقول تعالى مخاطبا لإبليس بأمر قدري كوني { فاهبط منها } أي ~~بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي فما يكون لك أن تتكبر فيها، قال كثير ~~من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة، ويحتمل أن يكون عائدا إلى المنزلة ~~التي هو فيها في الملكوت الأعلى { فاخرج إنك من الصاغرين ~~} أي الذليلين الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده ومكافأة لمراده بضده، فعند ~~ذلك استدرك اللعين وسأل النظرة إلى يوم الدين، قال: { أنظرني إلى ~~يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين } أجابه تعالى إلى ~~ما سأل لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا ~~تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. ### || [7.16-17] # يخبر تعالى أنه لما أنظر إبليس # إلى يوم يبعثون # [الأعراف: 14] واستوثق إبليس بذلك أخذ في المعاندة والتمرد، فقال: { ~~فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ~~أي كما أغويتني، قال ابن عباس: كما أضللتني، وقال غيره: كما أهلكتني ~~لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على { ~~صراطك المستقيم } أي طريق الحق وسبيل النجاة ولأضلنهم عنها ~~لئلا يعبدوك ms0915 ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي، وقال بعض النحاة: الباء هنا ~~قسمية، كأنه يقول فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم، قال مجاهد: { ~~صراطك المستقيم } يعني الحق، والصحيح أن الصراط المستقيم أعم ~~من ذلك، روى الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه، فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم ~~وتذر دينك ودين آبائك قال فعصاه وأسلم " قال: " وقعد له بطريق الهجرة ~~فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول، فعصاه ~~وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النفس والمال، فقال تقاتل فتقتل ~~فتنكح المرأة ويقسم المال، قال فعصاه وجاهد " ، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة، ~~وإن قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن ~~يدخله الجنة، أو وقصته دابة كان حقا على الله أن يدخله الجنة " " # وقوله: { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم } الآية، قال ابن عباس: { ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم } أشككهم في آخرتهم { ومن خلفهم } أرغبهم في دنياهم ~~{ وعن أيمانهم } أشبه عليهم أمر دينهم { وعن شمآئلهم } ~~أشهي لهم المعاصي، وعنه: أما من بين أيديهم فمن قبل دنياهم، وأما من ~~خلفهم فأمر آخرتهم، وأما عن أيمانهم فمن قبل حسناتهم، وأما عن شمائلهم ~~فمن قبل سيئاتهم، وقال قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ~~ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها، وعن ~~أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم زين لهم السيئات ~~والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم ~~يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله. # وقال مجاهد: { من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم } من حيث يبصرون، { ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم } حيث لا يبصرون، واختار ابن جرير أن ~~المراد جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم ms0916 عنه، والشر يحسنه لهم، وقال ~~ابن عباس { ولا تجد أكثرهم شاكرين } قال: موحدين، وقول ~~إبليس هذا إنما هو ظن منه وتوهم، وقد وافق في هذا الواقع كما قال تعالى: # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا ~~فريقا من المؤمنين # [سبأ: 20]، ولهذا ورد في الحديث: الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان ~~كما قال الحافظ البزار. عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعو: # " اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم ~~استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن ~~شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك اللهم أن أغتال من تحتي " # وعن عبد الله بن عمر قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع ~~هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي: # " اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو ~~والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، ~~اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ ~~بعظمتك أن أغتال من تحتي ". ### || [7.18] # أكد تعالى على الشيطان اللعنة والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ ~~الأعلى بقوله: { قال اخرج منها مذءوما مدحورا } ، قال ~~ابن جرير: أما المذؤوم فهو المعيب، والذأم: العيب يقال ذأمه ذأما فهو ~~مذؤوم، والذام والذيم أبلغ في العيب من الذم، قال: والمدحور المقصي وهو ~~المبعد المطرود. وقال ابن أسلم: ما نعرف المذؤوم والمذموم إلا واحدا، ~~وقال ابن عباس: صغيرا مقيتا، وقال السدي: مقيتا مطرودا، وقال قتادة: ~~لعينا مقيتا، وقال مجاهد: منفيا مطرودا، وقال الربيع بن أنس: مذؤوما ~~منفيا والمدحور المصغر. وقوله تعالى: { لمن تبعك منهم ~~لأملأن جهنم منكم أجمعين } ، كقوله: # قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم ~~جزاء موفورا # [الإسراء: 63]. ### || [7.19-21] # يذكر تعالى أنه أباح لآدم عليه السلام ولزوجته حواء الجنة أن يأكلا منها ~~من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة، ~~فعند ذلك حسدهما الشيطان، وسعى في المكر والوسوسة والخديعة ms0917 ليسلبهما ما ~~هما فيه من النعمة واللباس الحسن (وقال) كذبا وافتراء: { ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } ~~أي لئلا تكونا ملكين أو خالدين ههنا، ولو أنكما أكلتما منها لحصل لكما ~~ذلكما، كقوله: # قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى # [طه: 120] أي لئلا تكونا ملكين، كقوله: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176]، أي لئلا تضلوا # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم # [النحل: 15] أي لئلا تميد بكم، { وقاسمهمآ } أي حلف لهما بالله { ~~إني لكما لمن الناصحين } ، أي حلف لهما بالله على ذلك حتى ~~خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله، وقال قتادة في الآية: حلف بالله إني خلقت ~~قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما، وكان بعض أهل العلم يقول: من ~~خدعنا بالله انخدعنا له. ### || [7.22-23] # عن ابن عباس قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة، ~~فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما، وكان الذي وارى عنهما من سوآتهما ~~أظفارهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ورق التين، يلزقان بعضه إلى ~~بعض، فانطلق آدم عليه السلام موليا في الجنة، فعلقت برأسه شجرة من ~~الجنة، فناداه الله: يا آدم أمني تفر؟ قال: لا، ولكني أستحييك يا رب، ~~قال: أما كان لك فيما منحتك وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى ~~يا رب، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدا يحلف بك كاذبا، قال: وهو قول الله ~~عز وجل # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21] قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا ~~كدا قال: فاهبط من الجنة، وكانا يأكلان منها رغدا فأهبط إلى غير رغد من ~~طعام وشراب، فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث، فحرث وزرع ثم سقى، حتى إذا ~~بلغ حصد، ثم داسه ثم ذراه، ثم طحنه، ثم عجنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم ~~يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ، وقال سعيد بن جبير عبن ابن عباس ~~{ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } قال: ورق ~~التين، وقال مجاهد: جعلا يخصفان عليهما ms0918 من ورق الجنة قال كهيئة الثوب، ~~وقال وهب بن منبه في قوله: # ينزع عنهما لباسهما # [الأعراف: 27] قال: كان لباس آدم وحواء نورا على فروجهما، لا يرى هذا ~~عورة هذه، ولا هذه عورة هذا، فلما أكلا من الشجر بدت لهما سوآتهما. وقال ~~قتادة: قال آدم: أي رب أرأيت إن تبت واستغفرت، قال: إذا أدخلك الجنة، ~~وأما إبليس فلم يسأله التوبة وسأله النظرة، فأعطى كل واحد منهما الذي ~~سأله. وقال ابن جرير عن ابن عباس قال: لما أكل آدم من الشجرة قيل له: لم ~~أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني، قال: فإني قد أعقبتها ~~أن لا تحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرها، قال: فرنت عند ذلك حواء، ~~فقيل لها: الرنة عليك وعلى ولدك؛ وقال الضحاك بن مزاحم في قوله: { ~~ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين } هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه. ### || [7.24-25] # قيل المراد بالخطاب في { اهبطوا } آدم وحواء وإبليس، والعمدة في ~~العداوة آدم وإبليس، ولهذا قال تعالى في سورة طه قال: # اهبطا منها جميعا # [طه: 123] الآية، وحواء تبع لآدم، وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط ~~فيها كل منهم، ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات والله أعلم ~~بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر ~~دينهم أو دنياهم لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، وقوله: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى ~~حين } أي قرار وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم ~~وأحصاها القدر، وسطرت في الكتاب الأول، قال ابن عباس: { مستقر } ~~القبور، وعنه قال { مستقر } فوق الأرض وتحتها رواهما ابن أبي حاتم، ~~وقوله: { قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها ~~تخرجون } ، كقوله تعالى: # منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى # [طه: 55]، يخبر تعالى أنه جعل الأرض دارا لبني آدم مدة الحياة الدنيا، ~~فيها محياهم وفيها مماتهم وقبورهم، ومنها نشورهم ليوم القيامة الذي يجمع ~~الله فيه الأولين والآخرين ويجازي كلا بعمله. ms0919 ### || [7.26] # يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر ~~العورات وهي السوآت، والرياش والريش ما يتجمل به ظاهرا، فالأول من ~~الضروريات، والريش من التكملات والزيادات. قال ابن جرير: الرياش في كلام ~~العرب الأثاث وما ظهر من الثياب، وقال ابن عباس: الريش: اللباس، والعيش ~~والنعيم، وقال ابن أسلم: الرياش الجمال؛ ولبس أبو أمامة ثوبا جديدا، ~~فلما بلغ ترقوته قال الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به ~~في حياتي، ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من استجد ثوبا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما ~~أواري به عورتي واتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به، ~~كان في ذمة الله وفي جوار الله وفي كنف الله حيا وميتا " # وقوله تعالى: { ولباس التقوى ذلك خير } ، اختلف المفسرون ~~في معناه، فقال عكرمة: يقال هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة، وقال قتادة ~~وابن جريج: { ولباس التقوى } الإيمان، وقال ابن عباس: العمل ~~الصالح، وعنه: هو السمت الحسن في الوجه، وعن عروة بن الزبير { لباس ~~التقوى } خشية الله، وقال ابن أسلم: ولباس التقوى يتقي الله فيواري ~~عورته، فذاك لباس التقوى، وكلها متقاربة، ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن ~~جرير عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه على منبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عليه قميص فوهي محلول الزر، وسمعته يأمر بقتل الكلاب، ~~وينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها الناس اتقوا الله في هذه ~~السرائر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " والذي نفس محمد ~~بيده ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية إن خيرا فخير وإن ~~شرا فشر " ، ثم قرأ هذه الآية: { وريشا ولباس التقوى ذلك ~~خير ذلك من آيات الله } قال: السمت الحسن. ### || [7.27] # يحذر تعالى بني آدم من إبليس وقبيله مبينا لهم عداوته القديمة لأبي ~~البشر آدم عليه السلام في سعيه في إخراجه من ms0920 الجنة، التي هي دار النعيم ~~إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعدما كانت مستورة عنه، وما ~~هذا إلا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى: # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو بئس للظالمين بدلا # [الكهف: 50]. ### || [7.28-30] # كانت العرب ما عدا قريشا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، ~~يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش - وهم ~~الحمس - يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوبا طاف فيه، ومن معه ثوب ~~جديد طاف فيه، ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوبا جديدا ولا ~~أعاره أحمسي ثوبا طاف عريانا، وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على ~~فرجها شيئا ليستره بعض الستر فتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله # وما بدا منه فلا أحله # وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من ~~تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر ~~من الله وشرع، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال: { وإذا فعلوا ~~فاحشة قالوا وجدنا عليهآ آباءنا والله أمرنا ~~بها } ، فقال تعالى ردا عليهم: { قل } أي يا محمد لمن ادعى ذلك { ~~إن الله لا يأمر بالفحشآء } أي هذا الذي تصنعونه فاحشة ~~منكرة والله لا يأمر بمثل ذلك، { أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون }؟ أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته، وقوله ~~تعالى: { قل أمر ربي بالقسط } أي بالعدل والاستقامة، { ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين ~~له الدين } أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة ~~المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من ~~الشرائع وبالإخلاص له في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع ~~هذين الركنين أن يكون صوابا موافقا للشريعة، وأن يكون خالصا من الشرك. # واختلف في معنى قوله: { كما بدأكم تعودون } ، فقال مجاهد: ~~يحييكم بعد موتكم، وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا كذلك تعودون ~~يوم القيامة أحياء، وقال قتادة: بدأ فخلقهم ولم يكونوا ms0921 شيئا ثم ذهبوا ثم ~~يعيدهم، وقال ابن أسلم: كما بدأكم أولا كذلك يعيدكم آخرا، واختار هذا ~~القول أبو جعفر بن جرير، وأيده بما رواه عن ابن عباس قال: قام فينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: # " يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا، كما بدأنا أول ~~خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " # وعن مجاهد قال: يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا، وقال محمد بن كعب ~~القرظي: { كما بدأكم تعودون } من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة ~~صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه ~~على السعادة صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء كما ~~أن السحرة عملوا بأعمال أهل الشقاء، ثم صاروا إلى ما ابتدأوا عليه، وقال ~~السدي: { كما بدأكم تعودون } كما خلقناكم فريق مهتدون وفريق ~~ضلال كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا، كما قال: # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا، قلت: ~~ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في " صحيح البخاري ": # " فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه ~~وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار ~~فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ~~باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة ". # وعن سهل بن سعد قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، ~~وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة، وإنما ~~الأعمال بالخواتيم " # وفي الحديث: # " يبعث كل عبد على ما مات عليه " # قلت: ولا بد من الجمع بين هذا القول إن كان هو المراد من الآية وبين ~~قوله تعالى: ms0922 # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها # [الروم: 30]، وما جاء في " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " # ووجه الجمع على هذا: أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني ~~الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله ~~غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك، وجعله في غرائزهم وفطرهم، ومع هذا قدر ~~أن منهم شقيا ومنهم سعيدا، # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2]، وفي الحديث: # " كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " # وقدر الله نافذ في بريته، فإنه هو: # والذي قدر فهدى # [الأعلى: 3] و # الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]، وفي " الصحيحين ": # " فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من ~~كان من أهل الشقاوة، فسييسر لعمل أهل الشقاوة " # ، ولهذا قال تعالى: { فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة } ، ثم علل ذلك فقال: { إنهم اتخذوا الشياطين ~~أوليآء من دون الله } الآية. ### || [7.31] # هذه الآية الكريمة رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه من الطواف ~~بالبيت عراة، كما روي عن ابن عباس، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال ~~والنساء، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله # وما بدا منه فلا أحله # فقال الله تعالى: { خذوا زينتكم عند كل مسجد } ، وقال ~~العوفي عن ابن عباس: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، ~~والزينة اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع، ~~فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد. ولهذه الآية وما ورد في معناها من ~~السنة يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة، ويوم العيد، ~~والطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل اللباس ~~البياض، كما قال الإمام أحمد عن ابن عباس مرفوعا قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إلبسوا من ms0923 ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، ~~وإن خير أكحالكم الإثم فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر " # ، وللإمام أحمد أيضا وأهل السنن، عن سمرة بن جندب قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " عليكم بثياب البياض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم " # ويروى أن تميما الداري اشترى رداء بألف وكان يصلي فيه. # وقوله تعالى: { وكلوا واشربوا } الآية، قال بعض السلف: جمع الله ~~الطب كله في نصف آية: { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا } ، ~~وقال البخاري، قال ابن عباس: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: ~~سرف ومخيلة، وقال ابن عباس: أحل الله الأكل والشرب، ما لم يكن سرفا أو ~~مخيلة، وفي الحديث: # " كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن ~~يرى نعمته على عبده " # ، وقال الإمام أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن ~~كان فاعلا لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه " # ، وفي الحديث: # " إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت " # وقال السدي: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك (الدسم) ~~ما أقاموا في الموسم، فقال الله تعالى لهم: { وكلوا واشربوا } ~~الآية، يقول: لا تسرفوا في التحريم، وقال مجاهد: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا ~~مما رزقهم الله، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم { ولا تسرفوا } ~~ولا تأكلوا حراما ذلك الإسراف، وقال ابن جرير، وقوله: { إنه لا ~~يحب المسرفين } ، يقول الله تعالى: # إن الله لا يحب المعتدين # [البقرة: 190] حده في حلال أو حرام، الغالين فيما أحل بإحلال الحرام أو ~~بتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يحلل ما أحل ويحرم ما حرم، وذلك العدل الذي ~~أمر به. ### || [7.32] # يقول تعالى ردا على من حرم شيئا من المأكل أو المشارب أو الملابس من ~~تلقاء نفسه من غير شرع من الله { قل } يا محمد لهؤلاء المشركين الذين ~~يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم { من حرم زينة ~~الله التي ms0924 أخرج لعباده } الآية، أي هي مخلوقة لمن آمن ~~بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حسا في الدنيا، ~~فهي لهم خاصة يوم القيامة لا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنة محرمة ~~على الكافرين. عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ~~ويصفقون فأنزل الله: { قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده } فأمروا بالثياب. ### || [7.33] # عن عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا أحد أغير من الله، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر وما بطن، ولا أحد أحب ~~إليه المدح من الله " # ، وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بالفواحش ما ظهر منها وما بطن في سورة ~~الأنعام. وقوله: { والإثم والبغي بغير الحق } ، قال ~~السدي: أما الإثم فالمعصية، والبغي أن تبغي على الناس بغير الحق، وقال ~~مجاهد: الإثم المعاصي كلها وأخبر أن الباغي بغيه على نفسه، وحاصل ما فسر ~~به الإثم: أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى ~~الناس فحرم الله هذا وهذا. وقوله تعالى: { وأن تشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا } أي تجعلوا له شركاء في عبادته، { ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } من الافتراء ~~والكذب من دعوى أن له ولدا، ونحو ذلك مما لا علم لكم به، كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] الآية. ### || [7.34-36] # يقول تعالى: { ولكل أمة } أي قرن وجيل { أجل فإذا جآء ~~أجلهم } أي ميقاتهم المقدر لهم { لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون } ، ثم أنذر تعالى بني آدم أنه سيبعث إليهم رسلا يقصون ~~عليهم آياته وبشر وحذر فقال: { فمن اتقى وأصلح } أي ترك ~~المحرمات وفعل الطاعات { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~* والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنهآ } أي ~~كذبت بها قلوبهم واستكبروا عن العمل بها، { أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون } أي ماكثون فيها مكثا مخلدا. ### || [7.37] # يقول تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~أو كذب بآياته } أي لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على الله أو ~~كذب بآياته المنزلة ms0925 { أولئك ينالهم نصيبهم من ~~الكتاب } ، اختلف المفسرون في معناه، فقال ابن عباس: ينالهم ما كتب ~~عليهم، وكتب لمن كذب على الله أن وجهه مسود، وعنه قال: نصيبهم من ~~الأعمال، من عمل خيرا جزي به، ومن عمل شرا جزي به، وقال مجاهد: ما ~~وعدوا به من خير وشر، واختاره ابن جرير، وقال محمد القرظي { أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب } قال: عمله ورزقه وعمره، وهذا ~~القول قوي في المعنى، والسياق يدل عليه، وهو قوله: { حتى إذا ~~جآءتهم رسلنا يتوفونهم } ونظير المعنى في هذه الآية، ~~كقوله: # إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * ~~متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم ~~العذاب الشديد بما كانوا يكفرون # [يونس: 69-70] وقوله: # ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم ~~فننبئهم بما عملوا # [لقمان: 23] الآية، وقوله: { حتى إذا جآءتهم رسلنا ~~يتوفونهم } الآية: يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين ~~تفزعهم عند الموت وقبض أرواحهم إلى النار، يقولون لهم: أين الذين كنتم ~~تشركون بهم في الحياة الدنيا وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله ادعوهم ~~يخلصوكم مما أنتم فيه، قالوا: { ضلوا عنا } أي ذهبوا عنا فلا ~~نرجوا نفعهم ولا خيرهم { وشهدوا على أنفسهم } أي أقروا ~~واعترفوا على أنفسهم { أنهم كانوا كافرين }. ### || [7.38-39] # يقول تعالى مخبرا عما يقول لهؤلاء المشركين به المفترين عليه المكذبين ~~بآياته { ادخلوا في أمم } أي من أمثالكم وعلى صفاتكم، { قد ~~خلت من قبلكم } أي من الأمم السالفة الكافرة، { من الجن ~~والإنس في النار } ويحتمل أن يكون { في أمم } أي مع أمم. ~~وقوله: { كلما دخلت أمة لعنت أختها } كما قال ~~الخليل عليه السلام، # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض # [العنكبوت: 25] الآية. وقوله تعالى: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة: 166]، وقوله: { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } ~~أي اجتمعوا فيها كلهم { قالت أخراهم لأولاهم } أي أخراهم ~~دخولا وهم (الأتباع) لأولاهم وهم (المتبرعون) لأنهم أشد جرما من ~~أتباعهم فدخلوا قبلهم فيشكوهم الأتباع إلى الله يوم القيامة لأنهم هم ~~الذين أضلوهم عن سواء السبيل، ms0926 فيقولون: { ربنا هؤلاء ~~أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار } أي أضعف عليهم، ~~كما قال تعالى: # وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا ~~فأضلونا السبيلا * ربنآ آتهم ضعفين من ~~العذاب # [الأحزاب: 67-68] الآية: وقوله: { قال لكل ضعف } أي قد فعلنا ~~ذلك وجازينا كلا بحسبه، كقوله: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا # [النحل: 88] الآية، وقوله: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13]، وقوله: # ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25] الآية، { وقالت أولاهم لأخراهم } أي قال ~~المتبوعون للأتباع: { فما كان لكم علينا من فضل } ، قال ~~السدي: لقد ضللتم كما ضللنا، { فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون } ، وهذه الحال كما أخبر الله تعالى عنهم في حال محشرهم في ~~قوله تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين # [سبأ: 31] الآيات. ### || [7.40-41] # وقوله تعالى: { لا تفتح لهم أبواب السمآء } قيل: ~~المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء، وقيل: المراد لا تفتح ~~لأرواحهم أبواب السماء، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد عن البراء بن عازب ~~قال: # " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، ~~فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع ~~رأسه فقال: " استعيذوا بالله من عذاب القبر - مرتين أو ثلاثا - ثم قال: ~~إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ~~ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، ~~وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى ~~يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ~~ورضوان - قال: فتخرج تسيل كما يسيل القطر في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها ~~لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك ~~الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك ms0927 وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا ~~يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: ~~فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا ~~به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها ~~إلى السماء التي تليها حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله ~~عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها ~~خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه، فيأتيه ~~ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما ~~دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ~~فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: ~~قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، ~~فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحو له بابا إلى الجنة، فيأتيه ~~من روحها وطيبها، ويفسح له قبره مد البصر - قال: ويأتيه رجل حسن الوجه ~~حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد ~~فيقول له: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، ~~فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. # قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة، ~~نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر ~~ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي ~~إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من ~~الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى ~~يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، ~~فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح ~~الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في ~~الدنيا، حتى ينتهى ms0928 بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح فلا يفتح له - ثم قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لا تفتح لهم أبواب ~~السمآء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في ~~سم الخياط } فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض ~~السفلى، فتطرح روحه طرحا - ثم قرأ: { ومن يشرك بالله ~~فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير أو تهوي ~~به الريح في مكان سحيق } ، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان ~~فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما ~~دينك؟ هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم، فيقول هاه ~~هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، ~~وافتحو له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى ~~تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح ~~فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك ~~الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة ". # وفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس ~~المطمئنة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير ~~غضبان، فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ ~~فيقولون: فلان، فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، ~~ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فيقال لها ذلك، حتى ينتهى ~~بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل، وإذا كان الرجل السوء قالوا: ~~اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري ~~بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى ~~السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقولون: لا مرحبا ~~بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنه لم يفتح لك ~~أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى القبر ms0929 " # وقد قال ابن جريج: لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم، وهذا فيه جمع بين ~~القولين، والله أعلم، وقوله تعالى: { ولا يدخلون الجنة ~~حتى يلج الجمل في سم الخياط } هكذا قرأه الجمهور، ~~وفسروه بأنه البعير، قال الحسن البصري: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة. ~~وقرأ ابن عباس: بضم الجيم وتشديد الميم: يعني الحبل الغليظ في خرق ~~الإبرة. وهذا اختيار سعيد بن جبير، وفي رواية أنه قرأ: حتى يلج الجمل، ~~يعني قلوس السفن وهي الحبال الغلاظ. وقوله: { لهم من جهنم ~~مهاد } المراد: الفرش، { ومن فوقهم غواش } اللحف، وكذا قال ~~الضحاك بن مزاحم والسدي { وكذلك نجزي الظالمين }. ### || [7.42-43] # لما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر حال السعداء فقال: { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } أي آمنت قلوبهم وعملوا الصالحات ~~بجوارحهم ضد أولئك الذين كفروا بآيات الله واستكبروا عنها نبه تعالى على ~~أن الإيمان والعمل به سهل لأنه تعالى قال: { لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون * ونزعنا ما في صدورهم من غل } أي من حسد ~~وبغض، كما جاء في " صحيح البخاري " عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص ~~لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول ~~الجنة فوالذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزلة في الجنة أدل منه بمسكنه كان في ~~الدنيا " # وقال السدي في الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها ~~شجرة، في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل ~~فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم ~~يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبدا. وقال علي رضي الله عنه: إني لأرجو أن ~~أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: { ~~ونزعنا ما في صدورهم من غل }. وروى النسائي وابن مردويه ~~عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل أهل الجنة يرى ms0930 مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني فيكون له ~~شكرا، وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني فيكون ~~له حسرة " # ، ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا أن تلكم الجنة التي ~~أورثتموها بما كنتم تعملون، أي بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة ~~وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم، وإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت في " ~~الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم: # " " واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة " ، قالوا: ولا أنت يا رسول ~~الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل " ". ### || [7.44-45] # يخبر تعالى بما يخاطلب به أهل النار على التقريع والتوبيخ إذا استقروا ~~في منازلهم { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } " أن " ~~ههنا مفسرة للقول المحذوف، و " قد " للتحقيق، أي قالوا لهم: قد وجدنا ما ~~وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ قالوا: نعم كما أخبر ~~تعالى في سورة الصافات عن الذي كان له قرين من الكفار، # فاطلع فرآه في سوآء الجحيم * قال تالله إن ~~كدت لتردين * ولولا نعمة ربي لكنت من ~~المحضرين # [الصافات: 55-57] أي ينكر عليه مقالته التي يقولها في الدنيا ويقرعه بما ~~صار إليه من العذاب والنكال، وكذلك تقرعهم الملائكة يقولون لهم: # هذه النار التي كنتم بها تكذبون * أفسحر ~~هذا أم أنتم لا تبصرون # [الطور: 14-15] وكذلك # " قرع رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلى القليب يوم بدر فنادى: " يا ~~أبا جهل بن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة - وسمى رؤوسهم - ~~هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا ". وقال عمر: يا ~~رسول الله تخاطب قوما قد جيفوا؟ فقال: " والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع ~~لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا " # ، وقوله تعالى: { فأذن مؤذن بينهم } أي أعلم معلم ونادى ~~مناد { أن لعنة الله على الظالمين } أي مستقرة عليهم، ثم ~~وصفهم بقوله: { الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها ~~عوجا } أي يصدون الناس عن اتباع ms0931 سبيل الله وشرعه وما جاءت به ~~الأنبياء، ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها أحد، { ~~وهم بالآخرة كافرون } أي وهم بلقاء الله في الدار الآخرة ~~كافرون أي جاحدون مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون ~~بما يأتون من منكر من القول والعمل لأنهم لا يخافون حسابا عليه ولا ~~عقابا، فهم شر الناس أقوالا وأعمالا. ### || [7.46-47] # لما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار، نبه أن بين الجنة والنار ~~حجابا، وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة، قال ابن جرير: ~~وهو السور الذي قال الله تعالى فيه: # فضرب بينهم بسور له باب # [الحديد: 13] وهو الأعراف الذي قال الله تعالى فيه: { وعلى ~~الأعراف رجال } ، ثم روى بإسناده عن السدي أنه قال في قوله تعالى: ~~{ وبينهما حجاب } هو السور وهو الأعراف، وقال مجاهد: الأعراف ~~حجاب بين الجنة والنار سور له باب. قال ابن جرير: والأعراف جمع عرف، وكل ~~مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفا، وإنما قيل لعرف الديك عرفا ~~لارتفاعه، وعن ابن عباس: هو سور بين الجنة والنار، وقال السدي: إنما سمي ~~الأعراف أعرافا لأن أصحابه يعرفون الناس، واختلفت عبارات المفسرين في ~~أصحاب الأعراف من هم؟ وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم ~~استوت حسناتهم وسيئاتهم وقد جاء في حديث مرفوع رواه الحافظ ابن مردويه عن ~~جابر بن عبد الله قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن استوت حسناته وسيئاته، فقال " ~~أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون " " # وقال ابن جرير عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف، قال فقال: هم قوم ~~استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم حسناتهم ~~عن النار. قال: فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم. # وعن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من ~~سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل ~~النار، ثم قرأ قول الله: # فمن ثقلت موازينه # [الأعراف: 8] الآيتين: ms0932 ثم قال: الميزان يخف بمثقال حبة، ويرجح، قال: ومن ~~استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرفوا ~~أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا ~~صرفوا أبصارهم إلى يسارهم ونظروا أهل النار { قالوا ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين } تعوذوا بالله من منازلهم، ~~قال: فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم ~~وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نورا، وكل أمة نورا فإذا أتوا على ~~الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي ~~المنافقون قالوا: # ربنآ أتمم لنا نورنا # [التحريم: 8]، وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان بأيديهم فلم ينزع، ~~فهنالك يقول الله تعالى: { لم يدخلوها وهم يطمعون } فكان ~~الطمع دخولا، قال: فقال ابن مسعود إن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها ~~عشر، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة، ثم يقول: هلك من غلبت آحاده ~~عشراته، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟ قال: # " هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين ~~العباد، قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلوا الجنة، فأنت ~~عتقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم ". # وقد حكى القرطبي وغيره فيهم اثني عشر قولا، وقوله تعالى: { يعرفون ~~كلا بسيماهم } ، قال ابن عباس: يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه، ~~وأهل النار بسواد الوجوه، وقال العوفي عن ابن عباس: أنزلهم الله بتلك ~~المنزلة ليعرفوا من في الجنة والنار، وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه، ~~ويتعوذوا بالله أن يجعلهم مع القوم الظالمين، وهم في ذلك يحيون أهل الجنة ~~بالسلام لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها، وهم داخلوها إن شاء الله، ~~وقال الحسن: إنه تلا هذه الآية: { لم يدخلوها وهم يطمعون ~~} قال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم، وقال ~~قتادة: قد أنبأكم الله بمكانهم من الطمع، وقوله: { وإذا صرفت ~~أبصارهم تلقآء أصحاب النار قالوا ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين }. قال الضحاك ms0933 عن ابن عباس: إن ~~أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم قالوا ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظالمين. وقال السدي: وإذا مروا بهم يعني أصحاب الأعراف بزمرة ~~يذهب بها إلى النار قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. وقال ~~عكرمة: تحدد وجوههم للنار، فإذا رأوا أصحاب الجنة ذهب ذلك عنهم، وقال ابن ~~أسلم في قوله: { وإذا صرفت أبصارهم تلقآء أصحاب ~~النار } فرأوا وجوههم مسودة وأعينهم مزرقة { قالوا ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين }. ### || [7.48-49] # يقول الله تعالى إخبارا عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين ~~وقادتهم يعرفونهم في النار بسيماهم { مآ أغنى عنكم جمعكم } ~~أي كثرتكم، { وما كنتم تستكبرون } أي لا ينفعكم كثرتكم ولا ~~جموعكم من عذاب الله بل صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب والنكال، { ~~أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة } ، قال ابن عباس: يعني أصحاب الأعراف { ادخلوا ~~الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } ، وقال ~~ابن جرير عن ابن عباس { قالوا مآ أغنى عنكم جمعكم } ~~الآية، قال: فلما قالوا لهم الذي قضى الله أن يقولوا يعني أصحاب الأعراف ~~لأهل الجنة وأهل النار، قال الله لأهل التكبر والأموال: { أهؤلاء ~~الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا ~~الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون }. ### || [7.50-51] # يخبر تعالى عن ذلة أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم وأنهم ~~لا يجابون إلى ذلك، قال السدي: { أن أفيضوا علينا من ~~المآء أو مما رزقكم الله } يعني الطعام، وقال ابن أسلم: ~~يستطعمونهم ويستسقونهم، وقال سعيد بن جبير: ينادي الرجل أباه أو أخاه ~~فيقول له: قد احترقت، فأفض علي من الماء، فيقال لهم أجيبوهم، فيقولون: ~~{ إن الله حرمهما على الكافرين } ، قال ابن أسلم { ~~إن الله حرمهما على الكافرين }: يعني طعام الجنة ~~وشرابها، وسئل ابن عباس أي الصدقة أفضل؟ فقال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أفضل الصدقة الماء، ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة، ~~قالوا: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله " # ؟ ثم وصف تعالى ms0934 الكافرين بما كانوا يعتمدونه في الدنيا باتخاذهم الدين ~~لهوا ولعبا، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها عما أمروا به من العمل ~~للآخرة، وقوله: { فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء ~~يومهم هذا } أي يعاملهم معاملة من نسيهم، لأنه تعالى لا يشذ عن ~~علمه شيء ولا ينساه كما قال تعالى: # لا يضل ربي ولا ينسى # [طه: 52]، وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة كقوله: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]. وقال: # كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ~~تنسى # [طه: 126]، وقال تعالى: # وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم ~~هذا # [الجاثية: 34]، وقال ابن عباس: نسيهم الله من الخير ولم ينسهم من الشر، ~~وعنه: نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا، وقال مجاهد: نتركهم في النار، ~~وقال السدي: نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا، وفي ~~الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم ~~أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، أظننت أنك ملاقي؟ ~~فيقول: لا، فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني. ### || [7.52-53] # يقول تعالى مخبرا عن إعذاره إلى المشركين بإرسال الرسل إليهم بالكتاب ~~الذي جاء به الرسول، وأنه كتاب مفصل مبين كقوله: # كتاب أحكمت آياته ثم فصلت # [هود: 1] الآية، وقوله: { فصلناه على علم } للعالمين، أي ~~على علم منا بما فصلناه به كقوله: # أنزله بعلمه # [النساء: 166]، ولما أخبر بما صاروا إليه من الخسارة في الآخرة، ذكر أنه ~~قد أزاح عللهم في الدنيا بإرسال الرسل وإنزال الكتب كقوله: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]، ولهذا قال: { هل ينظرون إلا تأويله } أي ~~ما وعدوا به من العذاب والنكال والجنة والنار، قاله مجاهد وغير واحد، ~~وقال مالك: ثوابه، وقال الربيع: لا يزال يجيء من تأويله أمر حتى يتم يوم ~~الحساب، حتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيتم تأويله يومئذ، ~~قوله: { يوم يأتي تأويله } أي يوم القيامة، { يقول ~~الذين نسوه من قبل } أي تركوا العمل به وتناسوه في الدار ~~الدنيا { قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من ~~شفعآء فيشفعوا ms0935 لنآ } أي في خلاصنا مما صرنا إليه مما نحن فيه ~~{ أو نرد } إلى الدار الدنيا { فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل } ، كقوله: # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ~~ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 27-28] كما قال ههنا: { قد خسروا أنفسهم ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي خسروا أنفسهم بدخولهم ~~النار وخلودهم فيها، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي ~~ذهب عنهم ما كانوا يعبدون من دون الله فلا يشفعون فيهم ولا ينصرونهم ولا ~~ينقذونهم مما هم فيه. ### || [7.54] # يخبر تعالى أنه خالق العالم؛ سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام، ~~كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن، واختلفوا في هذه الأيام هل كل ~~يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان؟ أو كل يوم كألف سنة ~~كما نص على ذلك مجاهد والإمام أحمد بن حنبل؟ فأما يوم السبت فلم يقع فيه ~~خلق لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت، وهو القطع. وأما قوله تعالى: { ~~ثم استوى على العرش } فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة ~~جدا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح ~~وهو إمرارها، كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر ~~المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من ~~خلقه و # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11]، بل الأمر كما قال (نعيم بن حماد الخزاعي) شيخ البخاري ~~قال: من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، ~~وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه فمن أثبت لله تعالى ما وردت ~~به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ~~ونفى عن الله تعالى النقائض؛ فقد سلك سبيل الهدى. وقوله تعالى: { يغشي ~~اليل النهار يطلبه حثيثا } أي يذهب ظلام هذا بضياء هذا، ~~وضياء هذا بظلام ms0936 هذا، وكل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا أي سريعا لا ~~يتأخر عنه، بل إذا ذهب هذا جاء هذا وعكسه، كقوله: # وآية لهم اليل نسلخ منه النهار فإذا هم ~~مظلمون # [يس: 37]، إلى قوله: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]، فقوله # ولا اليل سابق النهار # أي لا يفوته بوقت يتأخر عنه بل هو في أثره بلا واسطة بينهما، ولهذا قال: ~~{ يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره } أي الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته ولهذا قال ~~منبها: { ألا له الخلق والأمر } أي له الملك والتصرف { ~~تبارك الله رب العالمين } ، كقوله: # تبارك الذي جعل في السمآء بروجا # [الفرقان: 61] الآية، وفي الحديث: # " من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه، فقد كفر وحبط ~~عمله، ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئا فقد كفر بما أنزل الله ~~على أنبيائه " # ، لقوله: { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب ~~العالمين } ، وفي الدعاء المأثور عن أبي الدرداء وروي مرفوعا: " ~~اللهم لك الملك كله، ولك الحمد كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من ~~الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله ". ### || [7.55-56] # أرشد تبارك وتعالى عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم، ~~فقال: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ، قيل معناه: تذللا ~~واستكانة وخيفة، كقوله: # واذكر ربك في نفسك # [الأعراف: 205] الآية، وفي " الصحيحين " عن أبي موسى الأشعري قال: رفع ~~الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي ~~تدعون سميع قريب " # الحديث، وقال ابن عباس في قوله: تضرعا وخفية قال السر، وقال ابن جرير: ~~{ تضرعا } تذللا واستكانة لطاعته { وخفية } يقول: بخشوع ~~قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه، لا جهارا ~~مراءاة. وقال الحسن البصري: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به ~~الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان ~~الرجل ليصلي الصلاة ms0937 الطويلة في بيته وعنده الزور وما يشعرون به، ولقد ~~أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر، فيكون ~~علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن ~~كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: { ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية } ، وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي ~~فعله فقال: # إذ نادى ربه ندآء خفيا # [مريم: 3]، وقال ابن جريج: يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء، ~~ويأمر بالتضرع والاستكانة، { إنه لا يحب المعتدين } في ~~الدعاء ولا في غيره. # وقال الإمام أحمد أن سعدا سمع ابنا له يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك ~~الجنة ونعيمها واستبرقها، ونحوا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها ~~وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيرا كثيرا، وتعوذت به من شر كثير، وإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وقرأ هذه الآية: { ادعوا ~~ربكم تضرعا } الآية - وإن بحسبك أن تقول: اللهم أني أسألك ~~الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من ~~قول أو عمل " # ، وسمع عبد الله بن مغفل ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن ~~يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بني سل الله الجنة وعذ به من النار، ~~فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور " # ، وقوله تعالى: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } ~~ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح! فإنه إذا كانت ~~الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على ~~العباد، فنهى تعالى عن ذلك وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل ~~لديه، فقال: { وادعوه خوفا وطمعا } أي خوفا مما عنده من وبيل ~~العقاب وطمعا فيما عنده من جزيل الثواب، ثم قال: { إن رحمت ~~الله قريب من المحسنين } أي إن رحمته مرصدة للمحسنين ~~الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره، كما قال تعالى: ms0938 # ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون # [الأعراف: 156] الآية، وقال: { قريب } ولم يقل: (قريبة) لأنه ضمن ~~الرحمة معنى الثواب، أو لأنها مضافة إلى الله، فلهذا قال: { قريب ~~من المحسنين }. وقال مطر الوراق: استنجزوا موعود الله بطاعته، ~~فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين. ### || [7.57-58] # لما ذكر تعالى أنه خالق السماوات والأرض وأنه المتصرف الحاكم المدبر ~~المسخر وأرشد إلى دعائه لأنه على ما يشاء قادر نبه تعالى على أنه الرزاق ~~وأنه يعيد الموتى يوم القيامة فقال: { وهو الذي يرسل ~~الرياح بشرا } أي مبشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر، ومنهم من ~~قرأ بشرا، كقوله: # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات # [الروم: 46]، وقوله: { بين يدي رحمته } أي بين يدي المطر، ~~كما قال: # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر ~~رحمته وهو الولي الحميد # [الشورى: 28] ، وقال: # فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد ~~موتهآ إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء ~~قدير # [الروم: 50]، وقوله: { حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا } أي ~~حملت الرياح سحابا ثقالا أي من كثرة ما فيها من الماء تكون ثقيلة قريبة ~~من الأرض مدلهمة، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله: # وأسلمت وجهي لمن أسلمت # له المزن تحمل عذبا زلالا # وقوله تعالى: { سقناه لبلد ميت } أي إلى أرض ميتة مجدبة لا ~~نبات فيها، كقوله: # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها # [يس: 33] الآية، ولهذا قال: { فأخرجنا به من كل ~~الثمرات كذلك نخرج الموتى } أي كما أحيينا هذه الأرض ~~بعد موتها، كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم القيامة، ينزل ~~الله سبحانه وتعالى ماء من السماء فتمطر الأرض أربعين يوما، فتنبت منه ~~الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض، وهذا المعنى كثير في القرآن، ~~يضرب الله مثلا ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها، ولهذا قال: { ~~لعلكم تذكرون } ، وقوله: { والبلد الطيب يخرج ~~نباته بإذن ربه } أي والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعا حسنا ~~كقوله: # وأنبتها نباتا حسنا # [آل عمران: 37]، { والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } ، ~~قال مجاهد وغيره: ms0939 كالسباخ ونحوها، وقال ابن عباس في الآية: هذا مثل ضربة ~~الله للمؤمن والكافر، وقال البخاري عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، ~~فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها ~~أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها ~~طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه ~~في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك ~~رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ". ### || [7.59-62] # لما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة وما يتعلق بذلك وما يتصل به وفرغ ~~منه، شرع تعالى في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام: الأول، فالأول، فابتدأ ~~بذكر نوح عليه السلام، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم ~~عليه السلام. قال محمد بن إسحاق: ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح ~~إلا نبي قتل، وقال يزيد الرقاشي: إنما سمي نوحا لكثرة ما ناح على نفسه، ~~وقد كان بين آدم إلى زمن نوح عليهما السلام عشرة قرون كلهم على الإسلام. ~~قال ابن عباس وغير واحد من علماء التفسير: وكان أول ما عبدت الأصنام أن ~~قوما صالحين، ماتوا فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا صور أولئك فيها، ~~ليتذكروا حالهم وعبادتهم، فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان جعلوا أجسادا ~~على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام، وسموها بأسماء ~~أولئك الصالحين (ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا)، فلما تفاقم الأمر بعث ~~الله سبحانه وتعالى - وله الحمد والمنة - رسوله نوحا، فأمرهم بعبادة ~~الله وحده لا شريك له فقال: { ياقوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم } أي من عذاب يوم القيامة إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به. { ~~قال الملأ من قومه } أي الجمهور والسادة والقادة والكبراء ~~منهم: { إنا لنراك في ضلال مبين } أي ms0940 في دعوتك إيانا إلى ~~ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا، وهكذا حال الفجار إنما ~~يرون الأبرار في ضلالة كقوله: # وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون # [المطففين: 32]، # وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم # [الأحقاف: 11] إلى غير ذلك من الآيات، { قال ياقوم ليس بي ~~ضلالة ولكني رسول من رب العالمين } أي ما أنا ضال ~~ولكن أنا رسول من رب كل شيء ومليكه، { أبلغكم رسالات ربي ~~وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } ، وهذا ~~شأن الرسول أن يكون مبلغا فصيحا ناصحا عالما بالله لا يدركه أحد من ~~خلق الله في هذه الصفات، كما جاء في " صحيح مسلم " أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة: # " " أيها الناس إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون "؟ قالوا: نشهد أنك ~~قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ويقول: " ~~اللهم اشهد، اللهم اشهد " ". ### || [7.63-64] # يقول تعالى إخبارا عن نوح أنه قال لقومه: { أو عجبتم } الآية، ~~أي لا تعجبوا من هذا، فإن هذا ليس بعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم رحمة ~~بكم ولطفا وإحسانا إليكم لينذركم، ولتتقوا نقمة الله، ولا تشركوا به { ~~ولعلكم ترحمون } ، قال الله تعالى: { فكذبوه } أي ~~تمادوا على تكذيبه ومخالفته، وما آمن معه منهم إلا قليل كما نص عليه في ~~موضع آخر، { فأنجيناه والذين معه في الفلك } أي ~~السفينة، كما قال: # فأنجيناه وأصحاب السفينة # [العنكبوت: 15]، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ } ، ~~كما قال: # مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم ~~يجدوا لهم من دون الله أنصارا # [نوح: 25]، وقوله: { إنهم كانوا قوما عمين } أي عن الحق لا ~~يبصرونه ولا يهتدون له، فبين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من ~~أعدائه وأنجى رسوله والمؤمنين، وأهلك أعداءهم من الكافرين، كقوله: # إنا لننصر رسلنا # [غافر: 51] الآية، وهذه سنة الله في عباده في الدنيا والآخرة، أن ~~العاقبة فيها للمتقين والظفر والغلب لهم، كما أهلك قوم نوح بالغرق ونجى ~~نوحا وأصحابه المؤمنين، وكان قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل، وقال ms0941 ابن ~~أسلم: ما عذب الله قوم نوح إلا والأرض ملأى بهم، وليس بقعة من الأرض إلا ~~ولها مالك وحائز. وقال ابن وهب: بلغني عن ابن عباس أنه نجي مع نوح في ~~السفينة ثمانون رجلا أحدهم جرهم، وكان لسانه عربيا. ### || [7.65-69] # يقول تعالى: وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحا كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم ~~هودا، وهؤلاء هم عاد الأولى الذين ذكرهم الله، وهم أولاد عاد بن إرم ~~الذين كانوا يأوون إلى العمد في البر، كما قال تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 6-8] وذلك لشدة بأسهم وقوتهم، كما قال تعالى: # فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ~~وقالوا من أشد منا قوة # [فصلت: 15]؟ وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف، فإن هودا عليه السلام ~~دفن هناك، وقد كان من أشرف قومه نسبا، لأن الرسل إنما يبعثهم الله من ~~أفضل القبائل وأشرفهم، ولكن كان قومه كما شدد خلقهم شدد على قلوبهم، ~~وكانوا من أشد الأمم تكذيبا للحق، ولهذا دعاهم هود عليه السلام إلى ~~عبادة الله وحده لا شريك له وإلى طاعته وتقواه، { قال الملأ ~~الذين كفروا من قومه } - والملأ هم الجمهور والسادة والقادة ~~منهم - { إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من ~~الكاذبين } أي في ضلالة حيث تدعونا إلى ترك عبادة الأصنام والإقبال ~~على عبادة الله وحده، كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد ~~فقالوا: # أجعل الآلهة إلها واحدا # [ص: 5]؟ الآية، { قال ياقوم ليس بي سفاهة ولكني ~~رسول من رب العالمين } أي لست كما تزعمون، بل جئتكم بالحق ~~من الله الذي خلق كل شيء فهو رب كل شيء ومليكه، { أبلغكم ~~رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } ، وهذه الصفات التي ~~يتصف بها الرسل البلاغ والنصح والأمانة، { أو عجبتم أن جآءكم ~~ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } أي لا ~~تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولا من أنفسكم لينذركم أيام الله ولقاءه، بل ~~احمدوا الله على ذاكم، { واذكروا إذ جعلكم خلفآء من ~~بعد ms0942 قوم نوح } ، أي واذكروا نعمة الله عليكم في جعلكم من ذرية ~~نوح الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته لما خالفوه وكذبوه، { وزادكم ~~في الخلق بصطة } أي زاد طولكم على الناس بسطة أي جعلكم أطول من ~~أبناء جنسكم، كقوله في قصة طالوت: # وزاده بسطة في العلم والجسم # [البقرة: 247] { فاذكروا آلآء الله } أي نعمه ومننه عليكم { ~~لعلكم تفلحون }. ### || [7.70-72] # يخبر تعالى عن تمردهم وطغيانهم وعنادهم وإنكارهم على هود عليه السلام، { ~~قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده } الآية، كقول الكفار ~~من قريش: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أنهم كانوا يعبدون ~~أصناما، فصنم يقال له: صمد، وآخر يقال له: صمود، وآخر يقال له: الهباء، ~~ولهذا قال هود عليه السلام: { قد وقع عليكم من ربكم ~~رجس وغضب } أي قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم رجس، معناه سخط ~~وغضب { أتجدلونني في أسمآء سميتموهآ أنتم ~~وآبآؤكم } أي أتحاجوني في هذه الأصنام التى سميتموها أنتم وآباؤكم ~~آلهة وهى لا تضر ولا تنفع، ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلا، ~~ولهذا قال: { ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا ~~إني معكم من المنتظرين } وهذا تهديد ووعيد من الرسول ~~لقومه، ولهذا عقبه بقوله: { فأنجيناه والذين معه ~~برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا ~~بآياتنا وما كانوا مؤمنين } وقد ذكر الله سبحانه صفة ~~إهلاكهم فى أماكن أخر من القرآن بأنه أرسل عليهم الريح العقيم # ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # [الذاريات: 42]، كما قال فى الآية الأخرى: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6] لما تمردوا وعتوا أهلكهم الله بريح عاتية فكانت تحمل الرجل ~~منهم فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه، فتثلغ رأسه حتى تبينه من ~~جثته، ولهذا قال: # كأنهم أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 7] وقال محمد بن إسحاق: كانوا يسكنون باليمن بين عمان وحضرموت، ~~وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض وقهروا أهلها بفضل قوتهم التى آتاهم ms0943 ~~الله، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله، فبعث الله إليهم هودا ~~عليه السلام، وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا، فأمرهم أن يوحدوا الله ~~ولا يجعلوا معه إلها غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس، فأبوا عليه وكذبوه، ~~وقالوا: من أشد منا قوة؟ واتبعه منهم ناس - وهم يسير - يكتمون إيمانهم، ~~فلما عتت عاد على الله وكذبوا نبيه، وأكثروا في الأرض الفساد وتجبروا، ~~وبنوا بكل ريع آية عبثا بغير نفع كلمهم هود فقال: # أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون ~~مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم ~~جبارين # [الشعراء: 128-130] الآيات. # فلما أبوا إلا الكفر به أمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك، ~~وكان الناس إذا جهدهم أمر فى ذلك الزمان، وطلبوا من الله الفرج فيه إنما ~~يطلبونه بحرمته ومكان بيته، وكان معروفا عند أهل ذلك الزمان، وبه ~~العماليق مقيمون، فبعثت عاد وفدا قريبا من سبعين رجلا الى الحرم، ~~ليستقوا لهم عند الحرم فنهضوا الى الحرم، ودعوا لقومهم، فدعا داعيهم، ~~فأنشأ الله سحابات ثلاثا بيضاء وسوداء وحمراء، ثم ناداه مناد من السماء: ~~اختر لنفسك أو لقومك من هذا السحاب فقال: اخترت هذه السحابة السوداء، ~~فإنها أكثر السحاب ماء، فناداه مناد: " اخترت رمادا رمددا، لا تبقي من ~~عاد أحدا، لا والدا ولا ولدا، إلا جعلته همدا " وساق الله السحابة ~~السوداء بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من واد، يقال لها ~~المغيث، فلما رأوها استبشروا، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، يقول: # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * ~~تدمر كل شيء # [الأحقاف: 24-25] أي تهلك كل شئ مرت به، فسخرها الله عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما، كما قال الله تعالى، والحسوم الدائمة، فلم تدع من ~~عاد أحدا إلا هلك، وقد قال الله تعالى: # ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ # [هود: 58]، وقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في " مسنده " قريب ~~مما أورده محمد بن إسحاق عن الحارث البكري قال: إن ms0944 عادا قحطوا فبعثوا ~~وافدا لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرا يسقيه ~~الخمر، وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج الى جبال ~~مهرة، فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير ~~فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود، فنودي: منها ~~اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا ~~تبقي من عاد أحدا، قال: فلما بلغني أنه بعث الله عليهم من الريح إلا قدر ~~ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا، قال أبو وائل وصدق قال: وكانت المرأة ~~والرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد. ### || [7.73-78] # قال علماء التفسير والنسب: ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح، أحياء من ~~العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل عليه السلام، وكانت ثمود بعد عاد، ~~ومساكنهم مشهورة بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، وقد مر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على ديارهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك في سنة ~~تسع، قال الإمام أحمد عن ابن عمر قال: # " لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك، نزل بهم الحجر ~~عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنو ~~منها، ونصبوا لها القدور، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهراقوا ~~القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي ~~كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، وقال: " ~~إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم " # وقال أحمد أيضا عن عبد الله بن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو بالحجر: # " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا ~~باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " # قوله تعالى: { وإلى ثمود } أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم ~~صالحا { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله ms0945 ~~غيره } ، فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال ~~تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25]، وقوله: { قد جآءتكم بينة من ربكم ~~هذه ناقة الله لكم آية } ، أي قد جاءتكم حجة من الله على ~~صدق ما جئتكم به، وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية، واقترحوا ~~عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم، وهي صخرة منفردة في ~~ناحية الحجر يقال لها الكاتبة، فطلبوا منه أن يخرج لهم منها ناقة عشراء ~~تمخض، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم الله إلى طلبتهم ~~ليؤمنن به وليتبعنه، فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح عليه ~~السلام إلى صلاته ودعا الله عز وجل، فتحركت تلك الصخرة، ثم انصدعت عن ~~ناقة جوفاء وبراء، يتحرك جنينها بين جنبيها، كما سألوا، فعند ذلك آمن ~~رئيسهم (جندع بن عمرو) ومن كان معه على أمره، وأقامت الناقة وفصيلها ~~بعدما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يوما، وتدعه لهم يوما، ~~وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها، فيملأون ما شاءوا من أوعيتهم ~~وأوانيهم، كما قال في الآية الأخرة: # ونبئهم أن المآء قسمة بينهم كل شرب ~~محتضر # [القمر: 28]، وقال تعالى: # هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # [الشعراء: 155]، وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فج وتصدر من غيره ~~ليسعها لأنها كانت تتضلع من الماء، وكانت على ما ذكر خلقا هائلا ~~ومنظرا رائعا، إذا مرت بأنعامهم نفرت منها، فلما طال عليهم ذلك واشتد ~~تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل ~~يوم، فيقال: إنهم اتفقوا كلهم على قتلها قال قتادة: بلغني أن الذي قتلها ~~طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها، حتى على النساء في خدورهن وعلى ~~الصبيان، قلت: وهذا هو الظاهر لقوله تعالى: # فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ~~فسواها # [الشمس: 14]، وقال: # وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها # [الإسراء: 59]، وقال: { فعقروا الناقة } ، فأسند ذلك على مجموع ~~القبيلة، فدل ms0946 على رضى جميعهم بذلك، والله أعلم. # وذكر ابن جرير وغيره من علماء التفسير: أن سبب قتلها أن امرأة منهم يقال ~~لها (عنيزة) وتكنى أم عثمان، كانت عجوزا كافرة، وكانت أشد الناس عداوة ~~لصالح عليه السلام، وكانت لها بنات حسان ومال جزيل، وكان زوجها (ذؤاب بن ~~عمرو) أحد رؤساء ثمود، وامرأة أخرى يقال لها (صدقة) ذات حسب ومال وجمال، ~~وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته، فكانتا تجعلان جعلا لمن التزم لهما ~~بقتل الناقة فدعت صدقة رجلا يقال له: الحباب، فعرضت عليه نفسها إن هو ~~عقر الناقة، فأبى عليها، فدعت ابن عم لها يقال له: (مصدع بن المحيا) ~~فأجابها إلى ذلك، ودعت عنيزة بنت غنم (قدار بن سالف) وكان رجلا أحمر ~~أزرق قصيرا يزعمون أنه كان ولد زانية، وقالت له: أعطيك أي بناتي شئت على ~~أن تعقر الناقة، فعند ذلك انطلق (قدار بن سالف) و (مصدع بن المحيا) ~~فاستغويا غواة من ثمود، فاتبعهما سبعة نفر، فصاروا تسعة رهط، وهم الذين ~~قال فيهم الله تعالى: # وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ~~ولا يصلحون # [النمل: 48] وكانوا رؤساء في قومهم، فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها، ~~فطاوعتهم على ذلك، فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء وقد كمن لها ~~(قدار بن سالف) في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل أخرى، فمرت ~~على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها، وخرجت بنت غنم عنيزة، وأمرت ~~ابنتها - وكانت من أحسن الناس وجها - فسفرت عن وجهها لقدار وزمرته، وشد ~~عليها قدار بالسيف فكشف عن عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض، ورغت رغاة ~~واحدة تحذر سقبها، ثم طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقبها وهو فصيلها حتى ~~أتى جبلا منيعا، فصعد أعلى صخرة فيه ورغا. # فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة وبلغ الخبر صالحا عليه السلام ~~جاءهم وهم مجتمعون، فلما رأى الناقة بكى وقال: # تمتعوا في داركم ثلاثة أيام # [هود: 65] الآية، وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء، فلما أمسى أولئك ~~التسعة الرهط عزموا على قتل صالح، وقالوا: ms0947 إن كان صادقا عجلناه قبلنا، ~~وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته # قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم ~~لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا ~~لصادقون # [النمل: 49]، فلما عزموا على ذلك وتواطأوا عليه وجاؤوا من الليل ليفتكوا ~~بنبي الله، فأرسل الله سبحانه وتعالى - وله العزة ولرسوله - عليهم حجارة ~~فرضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم، وأصبح ثمود يوم الخميس - وهو اليوم ~~الأول من أيام النظرة - ووجوههم مصفرة، كما وعدهم صالح عليه السلام، ~~وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل - وهو يوم الجمعة - ووجوههم ~~محمرة، وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع - وهو يوم السبت - ~~ووجوههم مسودة، فلما أصبحوا من يوم الأحد، وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون ~~نقمة الله وعذابه - عياذا بالله من ذلك - لا يدرون ماذا يفعل بهم، ولا ~~كيف يأتيهم العذاب، وأشرقت الشمس، جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من ~~أسفل منهم، ففاضت الأرواح. وزهقت النفوس في ساعة واحدة. { فأصبحوا ~~في دارهم جاثمين } أي صرعى لا أرواح فيهم، ولم يفلت منهم أحد لا ~~صغير ولا كبير، لا ذكر ولا أنثى، ولم يبق من ذرية ثمود أحد سوى صالح عليه ~~السلام ومن تبعه رضي الله عنهم، إلا أن رجلا يقال له (أبو رغال) كان لما ~~وقعت النقمة بقومه مقيما إذ ذاك في الحرم فلم يصبه شيء، فلما خرج في بعض ~~الأيام إلى الحل جاءه حجر من السماء فقتله. ### || [7.79] # هذا تقريع من صالح عليه السلام لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه ~~وتمردهم على الله، وإبائهم عن قبول الحق، وإعراضهم عن الهدى إلى العمى، ~~قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعا وتوبيخا وهم يسمعون ذلك، كما ثبت ~~في " الصحيحين " # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على القليب - قليب بدر- فجعل ~~يقول: " يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا ~~فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا " ~~فقال له عمر: يا رسول الله ما تكلم من أقوام قد جيفوا! فقال: " والذي ~~نفسي ms0948 بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون " # وهكذا قال صالح عليه السلام لقومه: { لقد أبلغتكم رسالة ~~ربي ونصحت لكم } أي فلم تنتفعوا بذلك لأنكم لا تحبون الحق ولا ~~تتبعون ناصحا، ولهذا قال: { ولكن لا تحبون الناصحين } ، ~~وقد ذكر بعض المفسرين أن كل نبي هلكت أمته كان يذهب فيقيم في الحرم - حرم ~~مكة - والله أعلم. وقد قال الإمام أحمد عن ابن عباس قال: # " لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال: " يا ~~أبا بكر أي واد هذا؟ " قال هذا وادي عسفان: قال: " لقد مر به هود وصالح ~~عليهما السلام على بكرات خطمهن الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار، ~~يلبون يحجون البيت العتيق " ". ### || [7.80-81] # يقول تعالى (و) لقد أرسلنا { لوطا } أو تقديره (و) اذكر { ولوطا ~~إذ قال لقومه } ، ولوط هو ابن هاران بن آزر، وهو ابن أخي ~~إبراهيم الخليل عليهما السلام، وكان قد آمن مع إبراهيم عليه السلام وهاجر ~~معه إلى أرض الشام فبعثه الله إلى أهل سدوم، وما حولها من القرى، يدعوهم ~~إلى الله عز وجل ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من ~~المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها لم يسبقهم بها أحد من بني آدم ~~ولا غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ~~ولا تألفه، ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل سدوم عليهم لعائن الله. قال ~~عمرو بن دينار في قوله { ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين } قال: ما نزا ذكر على ذكر حتى كان يوم لوط؛ وقال الوليد ~~بن عبد الملك: لولا أن الله عز وجل قص علينا خبر قوم لوط، ما ظننت أن ~~ذكرا يعلو ذكرا، ولهذا قال لهم لوط عليه السلام: { أتأتون ~~الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * ~~إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء } أي ~~عدلتم عن النساء وما خلق لكم ربكم منهن إلى الرجال، وهذا إسراف منكم ~~وجهل، لأنه وضع الشيء في غير محله، ولهذا قال لهم في الآية ms0949 الأخرى: # هؤلآء بناتي إن كنتم فاعلين # [الحجر: 71] فأرشدهم إلى نسائهم فاعتذروا إليه بأنهم لا يشتهونهن، # قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك ~~لتعلم ما نريد # [هود: 79] أي لقد علمت أنه لا أرب لنا في النساء ولا إرادة وإنك لتعلم ~~مرادنا من أضيافك، وذكر المفسرون أن الرجال كانوا قد استغنى بعضهم ببعض، ~~وكذلك نساؤهم كن قد استغنين بعضهن ببعض أيضا. ### || [7.82] # أي ما أجابوا لوطا إلا أن هموا بإخراجه ونفيه ومن معه من بين أظهرهم، ~~فأخرجه الله تعالى سالما وأهلكهم في أرضهم صاغرين مهانين، وقوله تعالى: ~~{ إنهم أناس يتطهرون } ، قال قتادة: عابوهم بغير عيب. ~~وقال مجاهد: إنهم أناس يتطهرون من أدبار الرجال وأدبار النساء، وروي مثله ~~عن ابن عباس أيضا. ### || [7.83-84] # يقول تعالى: فأنجينا لوطا وأهله ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته ~~فقط، كما قال تعالى: # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين # [الذاريات: 35-36] إلا امرأته فإنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها ~~تمالئهم عليه، وتعلمهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم، ~~ولهذا لما أمر لوط عليه السلام ليسري بأهله أمر أن لا يعلمها ولا يخرجها ~~من البلد، ومنهم من يقول بل اتبعتهم، فلما جاء العذاب التفتت هي، فأصابها ~~ما أصابهم، والأظهر أنها لم تخرج من البلد ولا أعلمها لوط بل بقيت معهم، ~~ولهذا قال ههنا: { إلا امرأته كانت من الغابرين } أي ~~الباقين، وقيل من الهالكين وهو تفسير باللازم، وقوله: { وأمطرنا ~~عليهم مطرا } مفسر بقوله: # وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * ~~مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد # [هود: 82-83]، ولهذا قال: { فانظر كيف كان عاقبة ~~المجرمين } أي انظر يا محمد كيف كان عاقبة من يجترئ على معاصي الله ~~عز وجل ويكذب رسله، وقد ذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى اللائط ~~يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط، وذهب آخرون من العلماء ~~إلى أنه يرجم سواء كان محصنا أو غير محصن، ms0950 وهو أحد قولي الشافعي رحمه ~~الله، والحجة ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " # وقال آخرون: هو كالزاني فإن كان محصنا رجم، وإن لم يكن محصنا جلدا ~~مائة جلدة، وهو القول الآخر للشافعي، وأما إتيان النساء في الأدبار فهو ~~اللوطية الصغرى، وهو حرام بإجماع العلماء إلا قولا شاذا لبعض السلف. ### || [7.85] # مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة، وهي التي بقرب (معان) من طريق ~~الحجاز، قال الله تعالى: # ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون # [القصص: 23] وهم أصحاب الأيكة كما سنذكره إن شاء الله وبه الثقة، { ~~ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } هذه ~~دعوة الرسل كلهم، { قد جآءتكم بينة من ربكم } ، أي ~~قد أقام الله الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به، ثم وعظهم في معاملتهم ~~الناس بأن يوفوا المكيال والميزان ولا يبخسوا الناس أشياءهم، أي لا ~~يخونوا الناس في أموالهم ويأخذوها على وجه البخس، وهو نقص المكيال ~~والميزان خفية وتدليسا، كما قال تعالى: # ويل للمطففين # [المطففين: 1] إلى قوله # لرب العالمين # [المطففين: 6] وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، نسأل الله العافية منه، ثم ~~قال تعالى إخبارا عن شعيب الذي يقال له (خطيب الأنبياء) لفصاحة عبارته ~~وجزالة موعظته. ### || [7.86-87] # ينهاهم شعيب عليه السلام عن قطع الطريق الحسي والمعنوي بقوله: { ولا ~~تقعدوا بكل صراط توعدون } أي تتوعدون الناس بالقتل يإن ~~لم يعطوكم أموالهم، قال السدي: كانوا عشارين، وعن ابن عباس ومجاهد { ~~ولا تقعدوا بكل صراط توعدون }: أي تتوعدون المؤمنين ~~الآتين إلى شعيب ليتبعوه، والأول أظهر، لأنه قال: { بكل صراط } ~~وهو الطريق، وهذا الثاني هو قوله: { وتصدون عن سبيل الله ~~من آمن به وتبغونها عوجا } أي وتودون أن تكون سبيل الله ~~عوجا مائلة، { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } أي ~~كنتم مستضعفين لقلتكم فصرتم أعزة لكثرة عددكم، فاذكروا نعمة الله عليكم ~~في ذلك، { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } أي من ~~الأمم الخالية والقرون ms0951 الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم ~~على معاصي الله وتكذيب رسله، وقوله: { وإن كان طآئفة منكم ~~آمنوا بالذي أرسلت به وطآئفة لم يؤمنوا } أي ~~قد اختلفتم علي { فاصبروا } أي انتظروا { حتى يحكم الله ~~بيننا } وبينكم أي يفصل { وهو خير الحاكمين } ، فإنه ~~سيجعل العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين. ### || [7.88-89] # هذا خبر من الله تعالى عما واجهت به الكفار نبيه شعيبا ومن معه من ~~المؤمنين، وتوعدهم إياه ومن معه بالنفي عن القرية أو الإكراه على الرجوع ~~في ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه، وهذا خطاب مع الرسول؛ والمراد أتباعه ~~الذين كانوا معه على الملة، وقوله: { أولو كنا كارهين }؟ ~~يقول: أو أنتم فاعلون ذلك ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه، فإنا إن رجعنا ~~إلى ملتكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه فقد أعظمنا الفرية على الله، في جعل ~~الشركاء معه أندادا، وهذا تنفير منه على اتباعهم { وما يكون لنآ ~~أن نعود فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا } ، وهذا رد ~~إلى الله مستقيم فإنه يعلم كل شيء وقد أحاط بكل شيء علما، { على ~~الله توكلنا } أي في أمورنا ما نأتي منها وما نذر، { ربنا ~~افتح بيننا وبين قومنا بالحق } ، أي احكم بيننا وبين ~~قومنا وانصرنا عليهم، { وأنت خير الفاتحين } أي خير الحاكمين، ~~فإنك العادل الذي لا يجور أبدا. ### || [7.90-92] # يخبر تعالى عن شدة كفرهم وتمردهم وعتوهم وما هم فيه من الضلال، وما جبلت ~~عليه قلوبهم من المخالفة للحق، ولهذا أقسموا وقالوا: { لئن ~~اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون } ، فلهذا عقبه ~~بقوله: { فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين } ، أخبر تعالى هنا أنهم أخذتهم الرجفة، وذلك كما أرجفوا ~~شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء كما أخبر عنهم في سورة هود، فقال: # ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين # [الآية: 94]، والمناسبة هناك - والله أعلم - أنهم لم تهكموا به في ~~قلوبهم # أصلوتك تأمرك # [هود: 87] الآية، فجاءت الصيحة فأسكتتهم، وقال تعالى إخبارا عنهم في ~~سورة الشعراء # فكذبوه فأخذهم عذاب يوم ms0952 الظلة إنه كان ~~عذاب يوم عظيم # [الآية: 189]، وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: # فأسقط علينا كسفا من السمآء # [الشعراء: 187]؟ الآية، فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع ~~عليهم ذلك كله أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم، فيها شرر من نار ~~ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل ~~منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام { فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين }. ثم قال تعالى: { كأن لم يغنوا فيها ~~} أي كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء ~~الرسول وصحبه منها. ثم قال تعالى مقابلا لقيلهم: { الذين كذبوا ~~شعيبا كانوا هم الخاسرين }. ### || [7.93] # أي فتولى عنهم شعيب عليه السلام بعدما أصابهم ما أصابهم من العذاب ~~والنقمة والنكال، وقال مقرعا لهم وموبخا: { يقوم لقد ~~أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم } أي قد أديت إليكم ~~ما أرسلت به، فلا آسف عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به، فلهذا قال: { ~~فكيف آسى على قوم كافرين }؟. ### || [7.94-95] # يقول تعالى مخبرا عما اختبر به الأمم الماضية الذين أرسل إليهم ~~الأنبياء بالبأساء والضراء. يعني { بالبأسآء } ما يصيبهم في ~~أبدانهم من أمراض وأسقام، { والضرآء } ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ~~ذلك { لعلهم يضرعون } أي يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله ~~تعالى في كشف ما نزل بهم، وتقدير الكلام: أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا ~~فما فعلوا شيئا من الذي أراد منهم، فقلب عليهم الحال إلى الرخاء ~~ليختبرهم فيه، ولهذا قال: { ثم بدلنا مكان السيئة ~~الحسنة } أي حولنا الحال من شدة إلى رخاء، ومن مرض وسقم إلى صحة ~~وعافية، ومن فقر إلى غنى، ليشكروا على ذلك فما فعلوا، وقوله: { حتى ~~عفوا } أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، يقال: عفا الشيء إذا كثر. { ~~وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء ~~فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون }. يقول تعالى: ~~ابتليناهم بهذا وهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله فما نجع فيهم لا هذا ولا ~~هذا، ولا انتهوا بهذا ولا بهذا، وقالوا: قد مسنا من البأساء والضراء ثم ~~بعده من الرخاء ms0953 مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر، وإنما هو ~~الدهر تارات وتارات، بل لم يتفطنوا لأمر الله فيهم ولا استشعروا ابتلاء ~~الله لهم في الحالين، وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على ~~السراء ويصبرون على الضراء كما ثبت في " الصحيحين ": # " عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء ~~صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له " # فالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء، ولهذا جاء في ~~الحديث: # " لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه، والمنافق مثله كمثل ~~الحمار لا يدري فيم ربطه أهله ولا فيم أرسلوه " # ، أو كما قال، ولهذا عقب هذه الصفة بقوله: { فأخذناهم بغتة ~~وهم لا يشعرون } أي أخذناهم بالعقوبة بغتة، أي على بغتة وعدم ~~شعور منهم، أي أخذناهم فجأة كما في الحديث: # " موت الفجأة رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر ". ### || [7.96-99] # يخبر تعالى عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى: # فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ~~قوم يونس # [يونس: 98] أي ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس فإنهم آمنوا، وذلك ~~بعدما عاينوا العذاب، كما قال تعالى: # فآمنوا فمتعناهم إلى حين # [الصافات: 148]. وقال تعالى: # ومآ أرسلنا في قرية من نذير # [سبأ: 34] الآية، وقوله تعالى: { ولو أن أهل القرى ~~آمنوا واتقوا } أي آمنت قلوبهم بما جاء به الرسل، وصدقت به ~~واتبعوه، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات { لفتحنا عليهم ~~بركات من السمآء والأرض } ، أي قطر السماء ونبات الأرض، ~~وقال تعالى: { ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا ~~يكسبون } أي ولكن كذبوا رسلهم فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من ~~المآثم والمحارم، ثم قال تعالى مخوفا ومحذرا من مخالفة أوامره والتجرؤ ~~على زواجره { أفأمن أهل القرى } أي الكافرة، { أن ~~يأتيهم بأسنا } أي عذابنا ونكالنا، { بياتا } أي ليلا { ~~وهم نآئمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى وهم يلعبون } أي في حال شغلهم وغفلتهم، { ~~أفأمنوا مكر الله } أي بأسه ونقمته وقدرته عليهم، وأخذه ~~إياهم ms0954 في حال سهوهم وغفلتهم، { فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون } ، ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله: المؤمن ~~يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن. ### || [7.100] # قال ابن عباس المعنى: أولم يتبين لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، وقال ~~ابن جرير في تفسيرها: أو لم يتبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك ~~آخرين قبلهم كانوا أهلها فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم، وعتوا على ربهم ~~{ أن لو نشآء أصبناهم بذنوبهم } يقول: أن لو نشاء ~~فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم، { ونطبع على قلوبهم } يقول: ~~ونختم على قلوبهم، { فهم لا يسمعون } موعظة ولا تذكيرا. وهكذا ~~قال تعالى: # أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون ~~يمشون في مساكنهم # [طه: 128]، وقال: # أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال # [إبراهيم: 44]، وقال تعالى: # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من ~~أحد أو تسمع لهم ركزا # [مريم: 98] أي هل ترى لهم شخصا أو تسمع لهم صوتا؟ وقال تعالى: # ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير # [الملك: 18] وقال تعالى: # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي ~~خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد # [الحج: 45] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نقمه بأعدائه، وحصول ~~نعمه لأوليائه، ولهذا عقب ذلك بقوله وهو أصدق القائلين. ### || [7.101-102] # لما قص تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر قوم نوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين وأنه تعالى أعذر ~~إليهم بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين، ~~قال تعالى: { تلك القرى نقص عليك } أي يا محمد { من ~~أنبآئها } أي من أخبارها، { ولقد جآءتهم رسلهم ~~بالبينات } أي الحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، كما قال تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]، وقال تعالى: # ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك منها قآئم ~~وحصيد # [هود: 100]، وقوله تعالى: { فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا من قبل } الباء سببية أي فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم ms0955 به ~~الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم، كقوله: # وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون # [الأنعام: 109]، ولهذا قال هنا: { كذلك يطبع الله على ~~قلوب الكافرين * وما وجدنا لأكثرهم } أي لأكثر الأمم ~~الماضية { من عهد وإن وجدنآ أكثرهم لفاسقين } أي ~~ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين، خارجين عن الطاعة والامتثال. والعهد الذي أخذه ~~هو ما جبلهم عليه وفطرهم عليه، وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم، ~~فخالفوه وتركوه وراء ظهورهم، وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة، لا ~~من عقل ولا شرع. # قال تعالى: # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون # [الزخرف: 45]؟ وقال تعالى: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36]. إلى غير ذلك من الآيات، وقد قيل في تفسير قوله تعالى: { ~~فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } ، عن أبي بن ~~كعب قال: كان في علمه تعالى يوم أقروا بالميثاق، أي فما كانوا ليؤمنوا ~~لعلم الله منهم ذلك، واختاره ابن جرير، وقال السدي: { فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } قال: وذلك يوم أخذ منهم ~~الميثاق فآمنوا كرها. وقال مجاهد في قوله: { فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } ، هذا كقوله: # ولو ردوا لعادوا # [الأنعام: 28] الآية. ### || [7.103] # يقول تعالى: { ثم بعثنا من بعدهم } أي الرسل المتقدم ذكرهم ~~كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء ~~الله أجمعين، { موسى بآياتنآ } أي بحجتنا ودلائلنا البينة إلى ~~فرعون - وهو ملك مصر في زمن موسى - { وملئه } أي قومه، { ~~فظلموا بها } أي جحدوا وكفروا بها ظلما منهم وعنادا، كقوله ~~تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين # [النمل: 14] أي الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله، أي انظر يا محمد ~~كيف فعلنا بهم وأغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا أبلغ في ~~النكال بفرعون وقومه، وأشفى لقلوب أولياء الله موسى وقومه من المؤمنين ~~به. ### || [7.104-106] # يخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون وإلجامه إياه بالحجة، ms0956 وإظهاره الآيات ~~البينات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر، فقال تعالى: { وقال موسى ~~يفرعون إني رسول من رب العالمين } أي أرسلني الذي ~~هو خالق كل شيء وربه ومليكه { حقيق على أن لا أقول على ~~الله إلا الحق } ، قال بعضهم: معناه حقيق بأن لا أقول على الله ~~إلا الحق، أي جدير بذلك وحري به، قالوا: والباء وعلى يتعاقبان، يقال: ~~رميت بالقوس وعلى القوس، وقال بعض المفسرين: معناه حريص على أن لا أقول ~~على الله إلا الحق، وقرأ آخرون من أهل المدينة: حقيق علي، بمعنى واجب ~~وحق علي ذلك، أن لا أخبر عنه إلا بما هو حق وصدق، لما أعلم من جلاله ~~وعظيم شأنه، { قد جئتكم ببينة من ربكم } أي بحجة ~~قاطعة من الله أعطانيها دليلا على صدقي فيما جئتكم به، { فأرسل ~~معي بني إسرائيل } أي أطلقهم من أسرك وقهرك ودعهم وعبادة ~~ربهم، فإنهم من سلالة نبي كريم (إسرائيل) وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ~~خليل الرحمن، { قال إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت ~~من الصادقين } أي قال فرعون: لست بمصدقك فيما قلت، ولا بمعطيك ~~فيما طلبت، فإن كانت معك حجة فأظهرها لنراها إن كنت صادقا فيما ادعيت. ### || [7.107-108] # قال ابن عباس: { فألقى عصاه } فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها، ~~مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون أنها قاصدة إليه اقتحم عن سريره، ~~واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل، وقال قتادة: تحولت حية عظيمة مثل ~~المدينة، وقال السدي في قوله { فإذا هي ثعبان مبين }: ~~الثعبان الذكر من الحيات، فاتحة فاها، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما ~~رآها ذعر منها ووثب وأحدث، وصاح: يا موسى خذها وأنا أؤمن بك، وأرسل معك ~~بني إسرائيل، فأخذها موسى عليه السلام فعادت عصا، وقوله: { ونزع ~~يده فإذا هي بيضآء للناظرين }: أي أخرج يده من درعه ~~بعدما أدخلها فيه، فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض، كما قال ~~تعالى: # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء # [النمل: 12] الآية. وقال ابن عباس: # من غير سوء ms0957 # [النمل: 12] يعني من غير برص، ثم أعادها إلى كمه، فعادت إلى لونها ~~الأول. ### || [7.109-110] # أي قال الملأ وهم الجمهور والسادة من قوم فرعون موافقين لقول فرعون فيه ~~بعدما رجع إليه روعه واستقر على سرير مملكته، بعد ذلك قال الملأ حوله: { ~~إن هذا لساحر عليم } فوافقوه، وقالوا كمقالته، وتشاوروا في ~~أمره كيف يصنعون في أمره، وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره، وإخماد كلمته ~~وظهور كذبه وافترائه، وتخوفوا أن يستميل الناس بسحره فيما يعتقدون فيكون ~~ذلك سببا لظهوره عليهم، وإخراجه إياهم من أرضهم، والذي خافوا منه وقعوا ~~فيه كما قال تعالى # ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا ~~يحذرون # [القصص: 6] فلما تشاوروا في شأنه وائتمروا بما فيه اتفق رأيهم على ما ~~حكاه الله تعالى عنهم في قوله تعالى: { قالوا أرجه ~~وأخاه..... }. ### || [7.111-112] # قال ابن عباس: { أرجه } أخره: وقال قتادة: احبسه { وأرسل } أي ~~ابعث، { في المدآئن } أي في الأقاليم ومدائن ملكك { حاشرين } ~~أي من يحشر لك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم، وقد كان السحر في زمانهم ~~غالبا كثيرا ظاهرا، واعتقد من اعتقد منهم، وأوهم منهم أن ما جاء موسى ~~به عليه السلام من قبيل ما تشعبذه سحرتهم، فلهذا جمعوا له السحرة ~~ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات، كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال: # أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى * ~~فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك ~~موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى # [طه: 57-58]. ### || [7.113-114] # يخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسحرة الذين استدعاهم لمعارضة موسى ~~عليه السلام، إن غلبوا موسى ليثيبنهم وليعطينهم عطاء جزيلا، فوعدهم ~~ومناهم أن يعطيهم ما أرادوا ويجعلهم من جلسائه والمقربين عنده، فلما ~~توثقوا من فرعون لعنه الله. ### || [7.115-116] # هذه مبارزة من السحرة لموسى عليه السلام في قولهم: { إمآ أن ~~تلقي وإمآ أن نكون نحن الملقين } أي قبلك، كما قال ~~في الآية الأخرى: # إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول من ألقى # [طه: 65]، فقال لهم موسى عليه السلام: ألقوا أي أنتم أولا، قيل: الحكمة ~~في هذا - والله ms0958 أعلم - ليرى الناس صنيعهم ويتأملوه، فإذا فرغوا من ~~بهرجهم، جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطلب له والانتظار منهم لمجيئه، ~~فيكون أوقع في النفوس، وكذا كان، ولهذا قال تعالى: { فلمآ ألقوا ~~سحروا أعين الناس واسترهبوهم } أي خيلوا إلى الأبصار ~~أن ما فعلوه له حقيقة في الخارج، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، كما قال ~~تعالى: # فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى # [طه: 66]. قال ابن عباس: ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا قال: فأقبلت ~~يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وقال محمد بن إسحاق: ألقى كل رجل منهم ما ~~في يده من الحبال والعصي: فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب ~~بعضها بعضا. وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل، ليس رجل منهم إلا ~~ومعه حبل وعصا، { فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس ~~واسترهبوهم } يقول: فرقوهم أي من الفرق، حتى جعل يخيل إليه من ~~سحرهم أنها تسعى، ولهذا قال تعالى: { وجآءوا بسحر عظيم }. ### || [7.117-122] # يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى عليه السلام في ذلك الموقف ~~العظيم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل، يأمره بأن يلقي ما في ~~يمينه وهي عصاه { فإذا هي تلقف } أي تأكل { ما يأفكون } ~~أي ما يلقونه ويوهمون أنه حق وهو باطل، قال ابن عباس: فجعلت لا تمر بشيء ~~من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا شيء من السماء ~~ليس هذا بسحر، فخروا سجدا، وقالوا: { آمنا برب العالمين * ~~رب موسى وهارون } قال محمد بن إسحاق: جعلت تتبع تلك الحبال ~~والعصي واحدة واحدة حتى لا يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم ~~أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سجدا، قالوا: { ~~آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون } لو كان هذا ~~ساحرا ما غلبنا. وقال القاسم بن أبي برة: أوحى الله إليه أن ألق عصاك، ~~فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فاغر فاه، يبتلع حبالهم وعصيهم، فألقي ~~السحرة عند ذلك سجدا فما رفعوا رؤوسهم حتى رأو ms0959 الجنة والنار وثواب ~~أهلهما. ### || [7.123-126] # يخبر تعالى عما توعد به فرعون لعنه الله السحرة لما آمنوا بموسى عليه ~~السلام، وما أظهره للناس من كيده ومكره في قوله: { إن هذا ~~لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منهآ ~~أهلها } أي إن غلبته لكم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور منكم ورضا ~~منكم لذلك، كقوله في الآية الأخرى: # إنه لكبيركم الذي علمكم السحر # [طه: 71]، وهو يعلم وكل من له لب أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل، فإن ~~موسى عليه السلام بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله، وأظهر ~~المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون ~~في مدائن ملكه وسلطنته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ممن اختار ~~وأحضرهم عنده، ووعدهم بالعطاء الجزيل، ولهذا قد كانوا من أحرص الناس على ~~التقدم عند فرعون، وموسى عليه السلام لا يعرف أحدا منهم ولا رآه ولا ~~اجتمع به وفرعون يعلم ذلك، وإنما قال هذا تسترا وتدليسا على رعاع دولته ~~وجهلتهم، كما قال تعالى: # فاستخف قومه فأطاعوه # [الزخرف: 54] فإن قوما صدقوه في قوله # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] من أجهل خلق الله وأضلهم. وقوله: { لتخرجوا ~~منهآ أهلها } أي تجتمعوا أنتم وهو وتكون لكم دولة وصولة وتخرجوا ~~منها الأكابر والرؤساء، وتكون الدولة والتصرف لكم { فسوف تعلمون ~~} أي ما أصنع بكم، ثم فسر هذا الوعيد بقوله: { لأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف } يعني يقطع يده اليمنى ورجله ~~اليسرى أو بالعكس { لأصلبنكم أجمعين } ، وقال في الآية ~~الأخرى: # في جذوع النخل # [طه: 71] أي على الجذوع، قال ابن عباس: وكان أول من صلب وأول من قطع ~~الأيدي والأرجل من خلاف فرعون، وقول السحرة: { إنآ إلى ربنا ~~منقلبون } أي قد تحققنا إنا إليه راجعون وعذابه أشد من عذابك، ~~ونكاله على ما تدعونا إليه اليوم، وما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من ~~نكالك، فلنصبرن اليوم على عذابك لنخلص من عذاب الله، ولهذا قالوا: { ~~ربنآ أفرغ علينا صبرا } أي عمنا بالصبر على دينك والثبات ~~عليه، { وتوفنا مسلمين } أي متابعين ms0960 لنبيك موسى عليه السلام، ~~وقالوا لفرعون: # فاقض مآ أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة ~~الدنيآ # [طه: 72]، فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة، قال ~~ابن عباس: كانوا في أول النهار سحرة وفي آخره شهداء. ### || [7.127-129] # يخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه وما أضمروه لموسى عليه السلام ~~وقومه من الأذى { وقال الملأ من قوم فرعون } أي لفرعون { ~~أتذر موسى وقومه } أي أتدعهم { ليفسدوا في الأرض } ~~أي يفسدوا أهل رعيتك ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك، { ويذرك ~~وآلهتك } الواو هنا حالية أي أتذره وقومه يفسدون في الأرض وقد ترك ~~عبادتك؟ وقيل: هي عاطفة أي أتدعهم يصنعون من الفساد ما قد أقررتهم عليه ~~وعلى ترك آلهتك؟ وقرأ بعضهم: إلا هتك أي عبادتك. قال الحسن البصري: كان ~~لفرعون إله يعبده في السر، فأجابهم فرعون فيما سألوه بقوله: " سنقتل ~~أبناءهم ونستحيي نساءهم " وهذا أمر ثان بهذا الصنيع، وقد كان نكل بهم ~~قبل ولادة موسى عليه السلام حذرا من وجوده، فكان خلاف ما رامه وضد ما ~~قصده فرعون، وهكذا عومل في صنيعه أيضا لما أراد إذلال بني إسرائيل ~~وقهرهم، فجاء الأمر على خلاف ما أراد، أعزهم الله وأذله وأرغم أنفه ~~وأغرقه وجنوده، ولما صمم فرعون على ما ذكره من المساءة لبني إسرائيل { ~~قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا } ، ~~ووعدهم بالعاقبة وأن الدار ستصير لهم في قوله: { إن الأرض لله ~~يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين * ~~قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما ~~جئتنا } أي فعلوا بنا مثل ما رأيت من الهوان والإذلال من قبل ما جئت ~~يا موسى ومن بعد ذلك، فقال منبها لهم على حالهم الحاضر وما يصيرون إليه: ~~{ عسى ربكم أن يهلك عدوكم } الآية. وهذا تحضيض لهم ~~على العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال النقم. ### || [7.130-131] # يقول تعالى: { ولقد أخذنآ آل فرعون } أي اختبرناهم ~~وامتحناهم وابتليناهم { بالسنين } وهي سنين الجوع بسبب قلة الزروع، ~~{ ونقص من الثمرات } ، قال رجاء بن حيوة: كانت النخلة لا تحمل ~~إلا ثمرة واحدة، ms0961 { لعلهم يذكرون فإذا جآءتهم ~~الحسنة } أي من الخصب والرزق { قالوا لنا هذه } أي هذا ~~لنا بما نستحقه { وإن تصبهم سيئة } أي جدب وقحط { ~~يطيروا بموسى ومن معه } أي هذا بسببهم وما جاؤوا به { ~~ألا إنما طائرهم عند الله } ، قال ابن عباس: مصائبهم عند ~~الله، { ولكن أكثرهم لا يعلمون } وعنه { ألا ~~إنما طائرهم عند الله } أي من قبل الله. ### || [7.132-135] # هذا إخبار من الله عز وجل عن تمرد قوم فرعون وعتوهم، وعنادهم للحق ~~وإصرارهم على الباطل في قولهم: { مهما تأتنا به من آية ~~لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين } ، يقولون: أي ~~آية جئتنا بها ودلالة وحجة أقمتها، رددناها فلا نقبلها منك ولا نؤمن بك ~~ولا بما جئت به، قال الله تعالى: { فأرسلنا عليهم الطوفان ~~} اختلفوا في معناه، فعن ابن عباس: كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع ~~والثمار، وعنه: هو كثرة الموت، وقال مجاهد: { الطوفان } الماء ~~والطاعون، وأما الجراد فمعروف مشهور، وهو مأكول لما ثبت في " الصحيحين " ~~عن عبد الله بن أبي أوفى: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع ~~غزوات نأكل الجراد، وروى الشافعي وأحمد وابن ماجه عن ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد والكبد والطحال " # وقال مجاهد في قوله تعالى: { فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد } قال: كانت تأكل مسامير أبوابهم وتدع الخشب. وروى الحافظ ~~أبو الفرج الحريري قال: سئل شريح القاضي عن الجراد؟ فقال: قبح الله ~~الجرادة فيها خلقة سبعة جبابرة رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها ~~صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجل جمل، وذنبها ذنب حية، وبطنها بطن ~~عقرب. وروى ابن ماجه عن أنس وجابر # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دعا على الجراد قال: " ~~اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن ~~معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء " فقال له جابر: يا رسول الله أتدعو ~~على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: " إنما هو نثرة حوت في البحر " ~~" # قال ms0962 هشام أخبرني زياد أنه أخبره من رآه ينثره الحوت. قال من حقق ذلك: إن ~~السمك إذا باض في ساحل البحر فنضب الماء عنه وبدا للشمس أنه يفقس كله ~~جرادا طيارا. وأما القمل فعن ابن عباس: هو السوس الذي يخرج من الحنطة، ~~وعن الحسن: القمل دواب سود صغار، وقال ابن أسلم: القمل البراغيث، وقال ~~ابن جرير: القمل جمع واحدتها قملة وهي دابة تشبه القمل تأكل الإبل ~~فيما بلغني. # وعن سعيد بن جبير قال: لما أتى موسى عليه السلام فرعون قال له: أرسل معي ~~بني إسرائيل، فأرسل الله عليهم الطوفان وهو المطر، فصب عليهم منه شيئا ~~خافوا أن يكون عذابا، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن ~~لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني ~~إسرائيل، فأنبت لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته قبل ذلك من الزروع ~~والثمار والكلأ، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجراد ~~فسلطه على الكلأ، فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقى الزرع، ~~فاقلوا: يا موسى ادع لنا ربك فيكشف عنا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بني ~~إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني ~~إسرائيل، فداسوا وأحرزوا في البيوت فقالوا قد أحرزنا، فأرسل الله عليهم ~~القمل وهو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى ~~فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفزة، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا ~~القمل فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فأبوا أن ~~يرسلوا معه بني إسرائيل، فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع، ~~فقال لفرعون: ما تلقى أنت وقومك من هذا؟ فقال: وما عسى أن يكون كيد هذا؟ ~~فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، ويهم أن يتكلم فيثب ~~الضفدع في فيه، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع فنؤمن لك ~~ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا، ms0963 وأرسل الله عليهم ~~الدم فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار وما كان في أوعيتهم وجدوه دما ~~عبيطا، فشكوا إلى فرعون فقالوا: إنا قد ابتلينا بالدم وليس لنا شراب، ~~فقال: إنه قد سحركم، فقالوا: من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا ~~من الماء إلا وجدناه دما عبيطا؟ فأتوه وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك ~~يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم ~~فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل. # وقال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله: فرجع عدو الله فرعون حين آمنت ~~السحرة مغلوبا ثم أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع ~~الله عليه الآيات، فأخذه بالسنين وأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد ثم ~~القمل، ثم الضفادع، ثم الدم، آيات مفصلات، فأرسل الطوفان وهو الماء ففاض ~~على وجه الأرض، ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا ولا أن يعملوا شيئا حتى ~~جهدوا جوعا فلما بلغهم ذلك { قالوا يموسى ادع لنا ربك ~~بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن ~~لك ولنرسلن معك بني إسرآئيل } فدعا موسى ربه فكشف ~~عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر ~~فيما بلغني، حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ~~ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما ~~قالوا، فأرسل الله عليهم القمل، فذكر لي أن موسى عليه السلام أمر أن يمشي ~~إلى كثيب حتى يضربه بعصاه، فمشى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه بها فانثال ~~عليهم قملا، حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار، فلما ~~جهدهم قالوا مثل ما قالوا له، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما ~~قالوا، فأرسل الله عليهم الضفادع فملأت البيوت والأطعمة والآنية، فلا ~~يكشف أحد ثوبا ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه، فلما جهدهم ~~ذلك قالوا له مثل ما قالوا فسأل ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما ~~قالوا، ms0964 فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دما لا يستقون من بئر ~~ولا نهر، ولا يغترفون من إناء إلا عاد دما عبيطا. ### || [7.136-137] # يخبر تعالى أنهم لما عتوا وتمردوا مع ابتلائه إياهم بالآيات المتواترة ~~واحدة بعد واحدة انتقم منهم بإغراقه إياهم في اليم وهو البحر الذي فرقه ~~لموسى فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم، فلما ~~استكملوا فيه ارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم، وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله ~~وتغافلهم عنها، وأخبر تعالى أنه أورث القوم الذين كانوا يستضعفون - وهم ~~بنو إسرائيل - مشارق الأرض ومغاربها كما قال تعالى: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين # [القصص: 5]، وقال تعالى: # كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ~~ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها ~~قوما آخرين # [الدخان: 25-28]. وعن الحسن البصري وقتادة في قوله: { مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها } يعني الشام، وقوله: ~~{ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرآئيل ~~بما صبروا } ، قال مجاهد وهي قوله تعالى: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن ~~لهم في الأرض # [القصص: 5-6] الآية، وقوله: { ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه } أي وخربنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من ~~العمارات والمزارع { وما كانوا يعرشون } يبنون. ### || [7.138-139] # يخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى عليه السلام حين جاوزوا ~~البحر وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا { فأتوا } أي ~~فمروا { على قوم يعكفون على أصنام لهم }. قال بعض ~~المفسرين: كانوا من الكنعانيين، قال ابن جرير: وكانوا يعبدون أصناما على ~~صور البقر، فلهذا آثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك، فقالوا: { ~~يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة قال ~~إنكم قوم تجهلون } أي تجهلون عظمة الله وجلاله وما يجب أن ~~ينزه عنه من الشريك والمثيل { إن هؤلاء متبر ما هم ~~فيه } أي هالك { وباطل ما كانوا يعملون } ، عن أبي واقد ~~الليثي قال: # " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0965 قبل حنين فمررنا بسدرة، فقلت: ~~يا نبي الله، اجعل لنا هذا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ~~ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله ~~أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. إنكم ~~تركبون سنن من قبلكم ". ### || [7.140-141] # يذكرهم موسى عليه السلام نعم الله عليهم، من إنقاذهم من أسر فرعون ~~وقهره، وما كانوا فيه من الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العزة ~~والاشتفاء من عدوهم، والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه وغرقه ودماره، وقد ~~تقدم تفسيرها في البقرة. ### || [7.142] # يقول تعالى ممتنا على بني إسرائيل بما حصل لهم من الهداية بتكليمه موسى ~~عليه السلام وإعطائه التوراة وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم، فذكر تعالى ~~أنه واعد موسى ثلاثين ليلة، فصامها موسى عليه السلام وطواها، فلما تم ~~الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل بعشر أربعين، وقد ~~اختلف المفسرون في هذه العشر ما هي؟ فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو ~~القعدة وعشر من ذي الحجة، روي عن ابن عباس وغيره، فعلى هذا يكون قد كمل ~~الميقات يوم النحر، وحصل فيه التكليم لموسى عليه السلام، وفيه أكمل الله ~~الدين لمحمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا # [المائدة: 3]، فلما تم الميقات وعزم موسى على الذهاب إلى الطور استخلف ~~على بني إسرائيل أخاه (هارون) ووصاه بالإصلاح وعدم الإفساد، وهذا تنبيه ~~وتذكير وإلا فهارون عليه السلام نبي شريف كريم على الله، له وجاهة وجلالة ~~صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء. ### || [7.143] # يخبر تعالى عن موسى عليه السلام أنه لما جاء لميقات الله تعالى وحصل له ~~التكليم من الله، سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال: { رب أرني ~~أنظر إليك قال لن تراني } وقد أشكل حرف { لن } ههنا على ~~كثير من العلماء، لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي ~~الرؤية في الدنيا والآخرة، وهذا أضعف الأقوال، لأنه قد تواترت ms0966 الأحاديث ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المؤمنين يرون الله في الدار ~~الآخرة، كما سنوردها عند قوله تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]، وقوله تعالى إخبارا عن الكفار # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15]، وقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا جمعا بين هذه الآية ~~وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة، وقيل: إن هذا الكلام ~~في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار # [الأنعام: 103]، وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال لموسى عليه ~~السلام: " يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس ولا تدهده " ولهذا ~~قال تعالى: { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ~~وخر موسى صعقا } ، قال ابن جرير الطبري: " لما تجلى ربه للجبل ~~أشار بأصبعه فجعله دكا وأرانا أبو إسماعيل بأصبعه السبابة " ، وعن أنس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: { فلما تجلى ~~ربه للجبل جعله دكا } قال: هكذا بأصبعه، ووضع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل. ~~قال ابن عباس: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر { جعله دكا } قال: ~~ترابا { وخر موسى صعقا } قال: مغشيا عليه. وقال قتادة: { ~~وخر موسى صعقا } قال: ميتا، وقال الثوري: ساخ الجبل في الأرض ~~حتى وقع في البحر فهو يذهب معه. وعن عروة بن رويم قال: كانت الجبال قبل ~~أن يتجلى الله لموسى على الطور صماء ملساء، فلما تجلى الله لموسى على ~~الطور دك وتفطرت الجبال فصارت الشقوق والكهوف. # وقال مجاهد في قوله: { ولكن انظر إلى الجبل فإن ~~استقر مكانه فسوف تراني } ، فإنه أكبر منك وأشد خلقا { ~~فلما تجلى ربه للجبل جعله } فنظر إلى الجبل لا ~~يتمالك وأقبل الجبل فدك على أوله، ورأى موسى ما يصنع الجبل فخر صعقا، ~~وقال عكرمة: { جعله دكا } قال: نظر الله إلى الجبل فصار صحراء ~~ترابا، والمعروف أن الصعق هو الغشي ههنا كما فسره ابن عباس وغيره، لا ~~كما فسره قتادة بالموت، وإن كان ms0967 ذلك صحيحا في اللغة، كقوله تعالى: # ونفخ في الصور فصعق من في السموت ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله # [الزمر: 68] فإن هناك قرينة تدل على الموت، كما أن هنا قرينة تدل على ~~الغشي، وهي قوله: { فلمآ أفاق } والإفاقة لا تكون إلا عن غشي، { ~~قال سبحانك } تنزيها وتعظيما وإجلالا أن يراه أحد في الدنيا ~~إلا مات، وقوله: { تبت إليك } ، قال مجاهد: أن أسألك الرؤية { ~~وأنا أول المؤمنين } ، قال ابن عباس ومجاهد: من بني ~~إسرائيل، واختاره ابن جرير. # وفي رواية أخرى عنه { وأنا أول المؤمنين }: أنه لا يراك ~~أحد، قال أبو العالية: أنا أول من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى ~~يوم القيامة، وهذا قول حسن له اتجاه، وقوله: { وخر موسى صعقا } ~~روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: # " جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه، وقال يا ~~محمد إن رجلا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي قال: " ادعوه " ، فدعوه، ~~قال: " لم لطمت وجهه "؟ قال: يا رسول الله إني مررت باليهودي فسمعته ~~يقول: والذي اصطفى موسى على البشر، قال: وعلى محمد؟ قال: فقلت: وعلى ~~محمد؟ وأخذتني غضبة فلطمته فقال: " لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس ~~يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من ~~قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " استب رجلان رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى ~~محمدا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فغضب ~~المسلم على اليهودي فلطمه، فأتى اليهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسأله فأخبره، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترف بذلك، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون ~~يوم القيامة، فأكون أول من يفيق فإذا بموسى ممسك بجانب العرش، فلا أدري ~~أكان ممن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله ms0968 عز وجل " " # والكلام في قوله عليه السلام: " لا تخيروني على موسى " كالكلام على ~~قوله: " لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى " قيل: من باب ~~التواضع وقيل: قبل أن يعلم بذلك، وقيل: نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب ~~والتعصب، وقيل: على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي، والله أعلم. وقوله: # " فإن الناس يصعقون يوم القيامة " # الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة يحصل أمر يصعقون منه، والله ~~أعلم به، وقد يكون ذلك إذا جاء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء وتجلى ~~للخلائق الملك الديان كما صعق موسى من تجلي الرب تبارك وتعالى، ولهذا قال ~~عليه السلام: # " فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور ". ### || [7.144-145] # يذكر تعالى أنه خاطب موسى بأنه اصطفاه على أهل زمانه برسالاته تعالى ~~وبكلامه، ولا شك أن محمدا صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم من الأولين ~~والآخرين، ولهذا اختصه الله تعالى بأن جعله خاتم الأنبياء والمرسلين، ~~وأتباعه أكثر من أتباع سائر المرسلين كلهم، وبعده في الشرف والفضل ~~إبراهيم الخليل عليه السلام، ثم موسى بن عمران كليم الرحمن عليه السلام، ~~ولهذا قال الله تعالى له { فخذ مآ آتيتك } أي من الكلام ~~والمناجاة { وكن من الشاكرين } أي على ذلك ولا تطلب ما لا ~~طاقة لك به، ثم أخبر تعالى أن كتب له في الألواح من كل شيء موعظة ~~وتفصيلا لكل شيء، كتب له فيها مواعظ وأحكاما مفصلة، مبينة للحلال ~~والحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة، وقيل: الألواح أعطيها ~~موسى قبل التوراة فالله أعلم، وقوله { فخذها بقوة } أي بعزم على ~~الطاعة { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } ، قال ابن عباس: ~~أمر موسى عليه السلام أن يأخذ بأشد ما أمر قومه، وقوله: { سأوريكم ~~دار الفاسقين } أي سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف ~~يصير إلى الهلاك والدمار والتباب، قال ابن جرير: وإنما قال: { ~~سأوريكم دار الفاسقين } كما يقول القائل لمن يخاطبه: سأريك ~~غدا إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري على (وجه التهديد) والوعيد لمن ~~عصاه ms0969 وخالف أمره، وقيل: منازل قوم فرعون، والأول أولى لأن هذا كان بعد ~~انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر، وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه, ~~والله أعلم. ### || [7.146-147] # يقول تعالى: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في ~~الأرض بغير الحق } أي سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على ~~عظمتي وشريعتي، قلوب المتكبرين عن طاعتي، ويتكبرون على الناس بغير حق، أي ~~كما استكبروا بغير حق أذلهم بالجهل، كما قال تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110]، وقال تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5]، وقال بعض السلف: لا ينال العلم حيي ولا مستكبر، وقال آخر: من ~~لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا، وقال سفيان بن عيينة: ~~أنزع عنهم فهم القرآن وأصرفهم عن آياتي، { وإن يروا كل آية ~~لا يؤمنوا بها } ، كما قال تعالى: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون * ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 96-97] وقوله: { وإن يروا سبيل الرشد لا ~~يتخذوه سبيلا } أي وإن ظهر لهم سبيل الرشد أي طريق النجاة لا ~~يسلكوها، وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال يتخذوه سبيلا، ثم علل مصيرهم ~~إلى هذه الحال بقوله: { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا } أي ~~كذبت بها قلوبهم { وكانوا عنها غافلين } أي لا يعلمون بما ~~فيها، وقوله: { والذين كذبوا بآياتنا ولقآء الآخرة ~~حبطت أعمالهم } أي من فعل منهم وذلك واستمر عليه إلى الممات ~~حبط عمله، وقوله: { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون }؟ ~~أي إنما نجازيهم بحسب أعمالهم التي أسلفوها، إن خيرا فخير، وإن شرا ~~فشر، وكما تدين تدان. ### || [7.148-149] # يخبر تعالى عن ضلال من ضل من بين إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه ~~لهم السامري من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلا ~~ثم ألقى فيه القبضة من التراب التي أخذها من أثر فرس جبريل عليه السلام ~~فصار عجلا جسدا له خوار، والخوار صوت البقر، وكان هذا منهم بعد ذهاب ~~موسى لميقات ربه تعالى، فأعلمه الله ms0970 تعالى بذلك وهو على الطور حيث يقول ~~تعالى إخبارا عن نفسه الكريمة: # قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم ~~السامري # [طه: 85]، وقد اختلف المفسرون في هذا العجل هل صار لحما ودما له خوار، ~~أو استمر على كونه من ذهب إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر؟ على ~~قولين والله أعلم، ويقال: إنهم لما صوت لهم العجل رقصوا حوله وافتتنوا ~~به وقالوا: # هذآ إلهكم وإله موسى فنسي # [طه: 88]، قال تعالى: # أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك ~~لهم ضرا ولا نفعا # [طه: 89]؟ وقال في هذه الآية الكريمة { ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا }؟ ينكر تعالى عليهم ضلالهم ~~بالعجل، وذهولهم عن خالق السماوات والأرض، ورب كل شيء ومليكه، أن عبدوا ~~معه عجلا جسدا له خوار، لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولكن غطى على ~~أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال، كما تقدم عن أبي الدرداء قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " حبك الشيء يعمي ويصم " # وقوله: { ولما سقط في أيديهم } أي ندموا على ما فعلوا { ~~ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ~~ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين } أي من ~~الهالكين، وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله عز وجل. ### || [7.150-151] # يخبر تعالى أن موسى عليه السلام لما رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى ~~وهو غضبان أسفا، والأسف أشد الغضب { قال بئسما خلفتموني من ~~بعدي } يقول: بئس ما صنعتم في عبادتكم العجل بعد أن ذهبت وتركتكم، ~~وقوله: { أعجلتم أمر ربكم } يقول: استعجلتم مجيئي إليكم ~~وهو مقدر من الله تعالى، وقوله: { وألقى الألواح وأخذ ~~برأس أخيه يجره إليه } قيل: كانت الألواح من زمرد، وقيل: ~~من ياقوت، وظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضبا على قومه، وهذا قول ~~جمهور العلماء سلفا وخلفا، { وأخذ برأس أخيه يجره ~~إليه } خوفا أن يكون قد قصر في نهيهم كما قال في الآية الأخرى: # قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني ~~خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآئيل ولم ~~ترقب قولي ms0971 # [طه: 94]، وقال ههنا: { ابن أم إن القوم استضعفوني ~~وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعدآء ولا ~~تجعلني مع القوم الظالمين } أي لا تسقني مساقهم ولا ~~تخلطني معهم وإنما قال: { ابن أم } ليكون أرق وأنجع عنده، وإلا فهو ~~شقيقه لأبيه وأمه، فلما تحقق موسى عليه السلام براءة ساحة هارون عليه ~~السلام، عند ذلك { قال } موسى { رب اغفر لي ولأخي ~~وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين } ، عن ابن ~~عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه عز وجل أن قومه ~~فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح ". ### || [7.152-153] # أما (الغضب) الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل، فهو أن الله تعالى لم ~~يقبل لهم توبة حتى قتل بعضهم بعضا وأما (الذلة) فأعقبهم ذلك ذلا ~~وصغارا في الحياة الدنيا، وقوله: { وكذلك نجزي المفترين } ~~نائلة لكل من افترى بدعة، كما قال الحسن البصري: إن ذل البدعة على ~~أكتافهم وإن هملجت بهم البغلات وطقطقت بهم البراذين، وعن أبي قلابة أنه ~~قرأ هذه الآية: { وكذلك نجزي المفترين } فقال: هي والله ~~لكل مفتر إلى يوم القيامة، وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل. ثم ~~نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان حتى ولو ~~كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق ولهذا عقب هذه القصة بقولة: { ~~والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها ~~وآمنوا إن ربك } أي يا محمد يا نبي الرحمة { من بعدها ~~} أي من بعد تلك الفعلة { لغفور رحيم }. عن عبد الله بن مسعود: ~~أنه سئل عن ذلك يعني الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها، فتلا هذه الآية: { ~~والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها ~~وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } فتلاها ~~عبد الله عشر مرات، فلم يأمرهم بها ولم ينههم عنها. ### || [7.154] # يقول تعالى: { ولما سكت } أي سكن { عن موسى الغضب } أي ~~غضبه على قومه، { أخذ الألواح } أي التي كان ألقاها من شدة الغضب ~~علىعبادتهم ms0972 العجل غيرة لله وغضبا له { وفي نسختها هدى ~~ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } يقول كثير من ~~المفسرين: إنها لما ألقاها تكسرت، ثم جمعها بعد ذلك، ولهذا قال بعض ~~السلف: فوجد فيها هدى ورحمة، وقال قتادة في قوله تعالى: { أخذ ~~الألواح } قال: رب إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم أمتي! قال تلك أمة أحمد، قال ~~رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون، أي آخرون في الخلق ~~سابقون في دخول الجنة، رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني ~~أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها رب اجعلهم أمتي! قال: ~~تلك أمة أحمد. قال قتادة: فذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام نبذ ~~الألواح وقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد. ### || [7.155] # قال السدي: إن الله أمر موسى أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل يعتذرون ~~إليه من عبادة العجل ووعدهم موعدا، { واختار موسى قومه ~~سبعين رجلا } على عينيه ثم ذهب بهم ليعتذروا، فلما أتوا ذلك ~~المكان قالوا: # لن نؤمن لك # [البقرة: 55] يا موسى # حتى نرى الله جهرة # [البقرة: 55] فإنك قد كلمته فأرناه، # فأخذتهم الصاعقة # [النساء: 153] فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله، ويقول: رب ماذا أقول ~~لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ { رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي } ، وقال محمد بن إسحاق: اختار ~~موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا: الخير فالخير، وقال انطلقوا إلى الله ~~فتوبوا إليه مما صنعتم، وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، ~~صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، فخرج بهم إلى (طور سيناء) لميقات وقته له ~~ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون - فيما ذكر لي ~~حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه - لموسى، اطلب لنا نسمع كلام ~~ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى ~~الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه ~~الله وقع ms0973 على جبهة موسى نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه ~~فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام، وقعوا سجودا ~~فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره ~~وانكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم فقالوا يا موسى: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة # [البقرة: 55] وهي الصاعقة فالتفت أرواحهم فماتوا جميعا، فقام موسى ~~يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول { رب لو شئت أهلكتهم ~~من قبل وإياي } قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل؟ # وقال ابن عباس وقتادة: إنهم أخذتهم الرجفة لأنهم لم يزايلوا قومهم في ~~عبادتهم العجل ولا نهوهم، ويتوجه هذا القول بقول موسى: { أتهلكنا ~~بما فعل السفهآء منآ } ، وقوله: { إن هي إلا ~~فتنتك } أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك، يقول: إن الأمر إلا أمرك، ~~وإن الحكم إلا لك فما شئت كان، تضل من تشاء وتهدي من تشاء ولا هادي لمن ~~أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لمن منعت، ولا مانع لما أعطيت، فالملك ~~كله لك والحكم كله لك، لك الخلق والأمر، وقوله: { أنت ولينا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين } الغفر هو ~~الستر وترك المؤاخذة بالذنب، والرحمة إذا قرنت مع الغفر يراد بها أن لا ~~يوقعه في مثله في المستقبل، { وأنت خير الغافرين } أي لا يغفر ~~الذنب إلا أنت، { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة } الفصل الأول من الدعاء لدفع المحذور، وهذا لتحصيل ~~المقصود { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة } أي أوجب لنا وأثبت لنا فيهما حسنة، وقد تقدم تفسير الحسنة في ~~سورة البقرة { إنا هدنآ إليك } أي تبنا ورجعنا وأنبنا إليك. ~~عن علي قال: إنما سميت اليهود لأنهم قالوا: { إنا هدنآ إليك ~~}. ### || [7.156] # يقول تعالى مجيبا لموسى في قوله: { إن هي إلا فتنتك } ~~الآية، { قال عذابي أصيب به من أشآء ورحمتي ~~وسعت كل شيء } أي أفعل ما أشاء وأحكم ما أريد، ولي الحكمة ~~والعدل في كل ذلك سبحانه لا إله ms0974 إلا هو، وقوله تعالى: { ورحمتي ~~وسعت كل شيء } آية عظيمة الشمول والعموم، كقوله تعالى إخبارا ~~عن حملة العرش ومن حوله إنهم يقولون: # ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما # [غافر: 7]. عن جندب بن عبد الله البجلي قال: # " جاء أعرابي فأناخ راحلته، ثم عقلها ثم صلى خلف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى راحلته، فأطلق ~~عقالها، ثم ركبها، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا ~~أحدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتقولون هذا أضل أم بعيره، ~~ألم تسمعوا ما قال؟ " قالوا: بلى، قال: " لقد حظرت رحمة واسعة، إن الله ~~عز وجل خلق مائة رحمة، فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها ~~وبهائمها، وأخر عنده تسعا وتسعين رحمة، أتقولون هو أضل أم بعيره " " # ؟ رواه أحمد وأبو داود؛ وقال الإمام أحمد أيضا عن سلمان عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن لله عز وجل مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف ~~الوحوش على أولادها، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة " # عن أبي سعيد قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لله مائة رحمة فقسم منها جزءا واحدا بين الخلق، به يتراحم الناس ~~والوحش والطير " # وقوله: { فسأكتبها للذين يتقون } الآية، يعني فسأوجب ~~حصول رحمتي منه مني وإحسانا إليهم، كما قال تعالى: # كتب ربكم على نفسه الرحمة # [الأنعام: 54]، وقوله: { للذين يتقون } أي سأجعلها للمتصفين ~~بهذه الصفات وهم أمة ومحمد صلى الله عليه وسلم: # الذين يتقون # [الأنعام: 69] أي الشرك والعظائم من الذنوب، قوله: { ويؤتون ~~الزكاة } قيل: زكاة النفوس، وقيل: الأموال، ويحتمل أن تكون عامة ~~لهما، فإن الآية مكية { والذين هم بآياتنا يؤمنون } أي ~~يصدقون. ### || [7.157] # { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } وهذه ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء، بشروا أممهم ببعثه وأمروهم ~~بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم، كما ~~روى الإمام أحمد على رجل من الأعراب، # " قال: ms0975 جلبت حلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فلما فرغت من بيعي قلت: لألقين هذا الرجل، فلاسمعن منه قال: فتلقاني بين ~~أبي بكر وعمر ويمشون، فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود، ناشر التوراة ~~يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في ~~كتابك هذا صفتي ومخرجي " فقال: برأسه هكذا أي لا؛ فقال ابنه: أي والذي ~~أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأشهد أنك رسول الله، فقال: " أقيموا اليهودي عن أخيكم " ، ثم تولى ~~كفنه والصلاة عليه " # وروى ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو فقلت: أخبرني ~~عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال: أجل، والله إنه ~~لموصوف في التوراة كصفته في القرآن: # يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا # [الأحزاب: 45] وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، اسمك المتوكل، ليس بفظ ~~ولا غليظ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله ~~إلا الله، ويفتح به قلوبا غلفا، وآذانا صما، وأعينا عميا. وقد رواه ~~البخاري في " صحيحه " وزاد بعد قوله # " ليس بفظ ولا غليظ " # ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. # وقوله تعالى: { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر } هذه صفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة، ~~وهكذا كانت حاله عليه الصلاة والسلام لا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن ~~شر، كما قال عبد الله بن مسعود إذا سمعت الله يقول: # يا أيها الذين آمنوا # [آل عمران: 200] فأرعها سمعك فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه، ومن أهم ~~ذلك وأعظمه ما بعثه الله به من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن ~~عبادة من سواه. عن أبي حميد وأبي أسيد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إذا ms0976 سمعتم الحديث عني مما تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم ~~وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم ~~وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه " # وعن علي رضي الله عنه قال: # " إذا سمعتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فظنوا به الذي هو ~~أهدى، والذي هو أهنى، والذي هو أتقى " # وفي رواية قال: # " إذا حدثتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فظنوا به الذي هو ~~أهداه وأهناه وأتقاه " # وقوله: { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبآئث } أي يحل لهم ما كانوا حرموه على أنفسهم من البحائر ~~والسوائب والوصائل والحام، ونحو ذلك مما كانوا ضيقوا به على أنفسهم ويحرم ~~عليهم الخبائث، قال ابن عباس: كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من ~~المحرمات من المآكل التي حرمها الله تعالى، قال بعض العلماء: فكل ما أحل ~~الله تعالى من المآكل فهو طيب نافع في البدن والدين، وكل ما حرمه فهو ~~خبيث ضار في البدن والدين، وقوله: { ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم } أي أنه جاء بالتيسير ~~والسماحة، كما ورد الحديث من طرق # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بعثت بالحنيفية السمحة " ~~وقال صلى الله عليه وسلم لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى ~~اليمن: " بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا وتطاوعا ولا تختلفا " # ، وقد كانت الأمم الذين قبلنا في شرائعهم ضيق عليهم، فوسع الله على هذه ~~الأمة أمورها وسهلها لهم، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل " # وقال # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # ، ولهذا أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا: # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا # [البقرة: 286]، وقوله: { فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه } أي عظموه ووقروه، { واتبعوا النور الذي ~~أنزل معه } أي القرآن والوحي الذي جاء به مبلغا إلى الناس { ~~أولئك هم المفلحون } أي في الدنيا والآخرة. ### || [7.158] ms0977 # يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: { قل } يا محمد { ~~يأيها الناس } وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي { ~~إني رسول الله إليكم جميعا } أي جميعكم، وهذا من شرفه ~~وعظمته صلى الله عليه وسلم أنه خاتم النبيين وأنه مبعوث إلى الناس كافة ~~كما قال الله تعالى: # وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19]، وقال تعالى: # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده # [هود: 17]، وقال تعالى: # فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما ~~عليك البلاغ # [آل عمران: 20]، والآيات في هذا كثيرة، كما أن الأحاديث في هذا أكثر من ~~أن تحصر، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه صلوات الله عليه رسول الله ~~إلى الناس كلهم. قال البخاري في تفسير هذه الآية عن أبي الدرداء رضي الله ~~عنه قال: # " كانت بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما محاورة فأغضب أبو بكر عمر، ~~فانصرف عنه عمر مغضبا فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى ~~أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال أبو الدرداء، ونحن عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما ~~صاحبكم هذا فقد غامر " أي غاضب وحاقد، قال: وندم عمر على ما كان منه، ~~فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الخبر، قال أبو الدرداء: فغضب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وجعل أبو بكر يقول والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إني قلت يا أيها ~~الناس إني رسول الله إليكم جميعا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت " # وقال الإمام أحمد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي ولا أقوله فخرا: بعثت إلى الناس كافة ~~الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد ~~قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا ms0978 وطهورا، وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي يوم ~~القيامة، فهي لمن لا يشرك بالله شيئا " # وقال الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ~~ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " # وعن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، ~~وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث ~~إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة " # وقوله: { الذي له ملك السموت والأرض لا إله ~~إلا هو يحيي ويميت } صفة الله تعالى في قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أي الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه الذي بيده ~~الملك والإحياء والإماتة وله الحكم، وقوله: { فآمنوا بالله ~~ورسوله النبي الأمي } أخبرهم أنه رسول الله إليهم ثم ~~أمرهم باتباعه والإيمان به { النبي الأمي } أي الذي وعدتم به ~~وبشرتم به في الكتب المتقدمة، فإنه مبعوث بذلك في كتبهم، ولهذا قال النبي ~~الأمي، وقوله: { الذي يؤمن بالله وكلماته } أي يصدق ~~قوله عمله وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه { واتبعوه } أي اسلكوا ~~طريقه اقتفوا أثره { لعلكم تهتدون } أي إلى الصراط المستقيم. ### || [7.159] # يقول تعالى مخبرا عن بني إسرائيل أن منهم طائفة يتبعون الحق ويعدلون ~~به، كما قال تعالى: # من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون آيات الله ~~آنآء الليل وهم يسجدون # [آل عمران: 113]، وقال تعالى: # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل ~~إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين لله # [آل عمران: 199]، وقال تعالى: # الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون # [القصص: 52]، وقال تعالى: # الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به # [البقرة: 121] الآية. ### || [7.160-162] # تقدم تفسير هذا كله في سورة البقرة وهي مدنية وهذا السياق مكي، ونبهنا ~~على ms0979 الفرق بين هذا السياق وذاك بما أغنى عن إعادته هنا ولله الحمد ~~والمنة. ### || [7.163] # هذا السياق هو بسط لقوله تعالى: # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت # [البقرة: 65] الآية، يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، { ~~وسئلهم } أي واسأل هؤلاء اليهود الذين بحضرتك عن قصة أصحابهم الذين ~~خالفوا أمر الله ففاجأتهم نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في ~~المخالفة، وحذر هؤلاء من كتمان صفتك التي يجدونها في كتبهم لئلا يحل بهم ~~ما حل بإخوانهم وسلفهم، وهذه القرية هي (أيلة) وهي على شاطئ بحر القلزم، ~~وقال ابن عباس: هي قرية يقال لها أيلة بين مدين والطور، وقيل: هي مدين ~~وهو رواية عن ابن عباس، وقوله: { إذ يعدون في السبت } أي ~~يعتدون فيه ويخالفون أمر الله فيه لهم بالوصاة به إذ ذاك { إذ ~~تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا } ، قال ابن عباس: ~~أي ظاهرة على الماء، { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ~~كذلك نبلوهم } أي نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في ~~اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائها عنهم في اليوم الحلال لهم صيده، { ~~كذلك نبلوهم } نختبرهم { بما كانوا يفسقون } يقول: ~~بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها، وهؤلاء قوم احتالوا على انتهاك محارم ~~الله بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام، ~~وفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ". ### || [7.164-166] # يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت ~~المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك ~~واعتزلتهم، وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة { لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا } أي لم تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم قد هلكوا، واستحقوا ~~العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم، قالت لهم المنكرة: { ~~معذرة إلى ربكم } أي فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، { ولعلهم يتقون } أي لعلهم بهذا الإنكار ~~يتقون ما هم ms0980 فيه ويتركونه، ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله ~~عليهم ورحمهم، قال تعالى: { فلما نسوا ما ذكروا به } أي ~~فلما أبى الفاعلون قبول النصيحة { أنجينا الذين ينهون عن ~~السوء وأخذنا الذين ظلموا } ، أي ارتكبوا المعصية { ~~بعذاب بئيس } ، فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين، وسكت عن ~~الساكتين، لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا ولا ~~ارتكبوا عظيما فيذموا ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم: هل كانوا من ~~الهالكين أو من الناجين؟ على قولين، وقال ابن عباس في الآية: هي قرية على ~~شاطئ البحر بين مصر والمدينة يقال لها أيلة، فحرم الله عليهم الحيتان يوم ~~سبتهم، وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعا في ساحل البحر، فإذا مضى ~~يوم السبت لم يقدروا عليها، فمضى على ذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم ~~أخذوا الحيتان يوم سبتهم فنهتهم طائفة، وقالوا: تأخذونها وقد حرمها الله ~~عليكم يوم سبتكم؟ فلم يزدادوا إلا غيا وعتوا، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم، ~~فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق ~~عليهم العذاب { لم تعظون قوما الله مهلكهم }؟ وكانوا ~~أشد غضبا لله من الطائفة الأخرى، فقالوا: { معذرة إلى ربكم ~~ولعلهم يتقون } وكل قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله ~~نجت الطائفتان اللتان قالوا: لم تعظون قوما مهلكهم الله والذين قالوا ~~معذرة إلى ربكم، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة. # عن عكرمة عن ابن عباس في الآية قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: { لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم } أم لا؟ قال: فلم أزل به حتى ~~عرفته أنهم قد نجوا فكساني حلة. وقال عبد الرزاق عن عكرمة قال: جئت ابن ~~عباس يوما وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنوا منه، ثم لم ~~أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست، فقلت ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله ~~فداك؟ قال: فقال هؤلاء الورقات قال: وإذا هو في سورة الأعراف، قال: تعرف ~~أيلة؟ قلت: نعم، قال: فإنه كان بها ms0981 حي من اليهود سيقت الحيتان إليهم يوم ~~السبت ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة، كانت ~~تأتيهم يوم سبتهم شرعا بيضاء سمانا، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن ~~الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت فخذوها فيه ~~وكلوها في غيره من الأيام، فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة: بل نهيتم ~~عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت، فكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة المقبلة ~~فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحت، ~~واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون: ويلكم، ننهاكم أن ~~تتعرضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون: { لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا }؟ قال الأيمنون: { ~~معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } أي ينتهون، أن ~~ينتهوا فهو أحب إلينا لا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ~~ربكم، فمضوا على الخطيئة، وقال الأيمنون فقد فعلتم يا أعداء الله، والله ~~لنأتينكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف ~~أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب، ونادوا ~~فلم يجابوا، فوضعوا سلما وأعلوا سور المدينة رجلا، فالتفت إليهم، فقال: ~~أي عباد الله قردة والله تعاوى تعاوى، لها أذناب، قال: ففتحوا فدخلوا ~~عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة ~~فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس، فتشم ثيابه، وتبكي، فيقول: ألم ~~ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: أي نعم، ثم قرأ ابن عباس: { فلما ~~نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن ~~السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس } قال: فأرى ~~الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا ~~نقول فيها، قال: قلت جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه ~~وخالفوهم، وقالوا: { لم تعظون قوما الله مهلكهم }؟ ~~قال: فأمر لي فكسيت ثوبين غليظين. # (القول الثاني): أن الساكتين كانوا من الهالكين، قال محمد بن إسحاق عن ~~ابن عباس أنه قال: ابتدعوا السبت، فابتلوا فيه، ms0982 فحرمت عليهم فيه الحيتان، ~~فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا ~~انقضى السبت ذهبت فلم تر حتى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرعا ~~فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك، ثم إن رجلا منهم أخذ حوتا فخزم ~~أنفه ثم ضرب له وتدا في الساحل وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغد ~~أخذه فشواه فأكله، ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون ولا ينهاه منهم أحد ~~إلا عصبة منهم نهوه، حتى ظهر ذلك في الأسواق ففعل علانية، قال، فقالت ~~طائفة للذين ينهونهم: { لم تعظون قوما الله مهلكهم ~~أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ~~ربكم } فقالوا: نسخط أعمالهم { ولعلهم يتقون * فلما ~~نسوا ما ذكروا به } إلى قوله { قردة خاسئين }. قال ~~ابن عباس: كانوا أثلاثا، ثلث نهوا، وثلث قالوا: { لم تعظون ~~قوما الله مهلكهم } ، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين ~~نهوا وهلك سائرهم، وقوله تعالى: { وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس } فيه دلالة بالمفهوم على أن الذين بقوا نجوا، و { ~~بئيس } معناه في قول مجاهد الشديد، وفي رواية: أليم، وقال قتادة: ~~موجع، والكل متقارب، والله أعلم، وقوله: { خاسئين } أي ذليلين حقيرين ~~مهانين. ### || [7.167] # { تأذن } تفعل من الأذان أي أعلم، قاله مجاهد، وفي قوة الكلام ما ~~يفيد معنى القسم من هذه اللفظة. ولهذا أتبعت باللام في قوله: { ~~ليبعثن عليهم } أي على اليهود، { إلى يوم القيامة ~~من يسومهم سوء العذاب } أي بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر ~~الله وشرعه واحتيالهم على المحارم، ويقال: إن موسى عليه السلام ضرب عليهم ~~الخراج سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وكان أول من ضرب الخراج، ثم كانوا ~~في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين، ثم صاروا إلى قهر ~~النصارى وإذلالهم إياهم وأخذهم منهم الجزية والخراج، ثم جاء الإسلام ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم، فكانوا تحت قهره وذمته يؤدون الخراج والجزية. ~~قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: هي المسكنة وأخذ الجزية منهم، وعنه: هي ~~الجزية، والذي يسومهم سوء العذاب محمد صلى الله عليه وسلم ms0983 وأمته إلى يوم ~~القيامة. ثم آخر أمرهم أنهم يخرجون أنصارا للدجال فيقتلهم المسلمون مع ~~عيسى ابن مريم عليه السلام، وذلك آخر الزمان. وقوله: { إن ربك ~~لسريع العقاب } أي لمن عصاه وخالف شرعه، { وإنه لغفور ~~رحيم } أي لمن تاب إليه وأناب، وهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة ~~لئلا يحصل اليأس، فيقرن تعالى بين الترغيب والترهيب كثيرا لتبقى النفوس ~~بين الرجاء والخوف. ### || [7.168-170] # يذكر تعالى أنه فرقهم في الأرض أمما أي طوائف وفرقا، { منهم ~~الصالحون ومنهم دون ذلك } أي فيهم الصالح وغير ذلك، كقول ~~الجن: # وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك # [الجن: 11]، { وبلوناهم } أي اختبرناهم { بالحسنات ~~والسيئات } أي بالرخاء والشدة، والرغبة والرهبة، والعافية والبلاء ~~{ لعلهم يرجعون } ، قال تعالى: { فخلف من بعدهم ~~خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى } ~~الآية، يقول تعالى: فخلف من بعد ذلك الجيل الذين فيهم الصالح والطالح خلف ~~آخر لا خير فيهم، وقد ورثوا دراسة الكتاب وهو التوراة، وقال مجاهد: هم ~~النصارى، وقد يكون أعم من ذلك، { يأخذون عرض هذا الأدنى ~~} أي يعتاضون عن بذل الحق ونشره بعرض الحياة الدنيا، ويسوفون أنفسهم ~~ويعدونها بالتوبة، وكلما لاح لهم مثل الأول وقعوا فيه، ولهذا قال: { ~~وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه }. قال مجاهد: لا يشرف ~~لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه حلالا كان أو حراما ويتمنون المغفرة، { ~~ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله ~~يأخذوه }. وقال السدي: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ~~ارتشى في الحكم، وإن خيارهم اجتمعوا فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا ~~يفعلوا ولا يرتشوا، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى فيقال له: ما شأنك ~~ترتشي في الحكم؟ فيقول: سيغفر لي، فتطعن عليه البقية الآخرون من بني ~~إسرائيل فيما صنع، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه ~~فيرتشي، يقول: وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه، قال الله تعالى: { ~~ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا ~~على الله إلا الحق } الآية يقول تعالى منكرا عليهم في ~~صنيعهم هذا مع ما أخذ عليهم ms0984 من الميثاق ليبينن الحق للناس ولا يكتمونه، ~~كقوله: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه # [آل عمران: 187] الآية، وقال ابن جريج قال ابن عباس: { ألم يؤخذ ~~عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله ~~إلا الحق } قال: فيما يتمنون على الله من غفران ذنوبهم التي لا ~~يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها. وقوله تعالى: { والدار ~~الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } يرغبهم ~~في جزيل ثوابه ويحذرهم من وبيل عقابه، أي وثوابي وما عندي خير لمن اتقى ~~المحارم، وترك هوى نفسه، وأقبل على طاعة ربه، { أفلا تعقلون }؟ ~~يقول أفليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بعرض الدنيا عما عندي عقل يردعهم عما هم ~~فيه من السفه والتبذير، ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى ~~اتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم كما هو مكتوب فيه، قال تعالى: { ~~والذين يمسكون بالكتاب } أي اعتصموا به واقتدوا بأوامره، ~~وتركوا زواجره { وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين }. ### || [7.171] # قال ابن عباس { نتقنا الجبل فوقهم } يقول: رفعناه، وهو ~~قوله: # ورفعنا فوقهم الطور # [النساء: 154] بميثاقهم، رفعته الملائكة فوق رؤوسهم، ثم سار بهم موسى ~~عليه السلام إلى الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب، ~~وأمرهم بالذي أمر الله أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم وأبوا أن يقروا ~~بها حتى نتق الله الجبل فوقهم { كأنه ظلة } قال: رفعته الملائكة ~~فوق رؤوسهم. وقال أبو بكر بن عبد الله قيل: هذا كتاب أتقبلونه بما فيه، ~~فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم قالوا: انشر علينا ما فيها، فإن ~~كانت فرائضها وحدودها يسيرة قبلناها، قال: اقبلوها بما فيها، قالوا: لا، ~~حتى نعلم ما فيها كيف حدودها وفرائضها، فأوحى الله إلى الجبل فانقلع ~~فارتفع في السماء حتى إذا كان بين رؤوسهم وبين السماء، قال لهم موسى: ألا ~~ترون ما يقول ربي عز وجل؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها لأرمينكم ~~بهذا الجبل، قال: فحدثني الحسن البصري قال: لما نظروا إلى الجبل خر كل ~~رجل ساجدا ms0985 على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من أن ~~يسقط عليه، فكذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر، ~~يقولون: هذه السجدة التي رفعت بها العقوبة، قال أبو بكر: فلما نشر ~~الألواح فيها كتاب الله كتبه بيده لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا ~~حجر إلا اهتز، فليس اليوم يهودي على وجه الأرض صغير ولا كبير تقرأ عليه ~~التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه: أي حول، كما قال تعالى: # فسينغضون إليك رؤوسهم # [الإسراء: 51] والله أعلم. ### || [7.172-174] # يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن ~~الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، كما أنه تعالى فطرهم على ذلك ~~وجبلهم عليه، قال تعالى: # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله # [الروم: 30]، وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " كل مولود يود على الفطرة " # وقال ابن جرير عن الأسود بن سريع من بني سعد قال: # " غزوت مع رسول صلى الله عليه وسلم أربع غزوات، قال: فتناول القوم ~~الذرية بعدما قتلوا المقاتلة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاشتد عليه، ثم قال: " ما بال أقوام يتناولون الذرية "؟ فقال رجل: يا ~~رسول الله أليسوا أبناء المشركين، فقال: " إن خياركم أبناء المشركين، ألا ~~إنها ليست نسمة ولد تولد إلا ولدت على الفطرة فما تزال عليها حتى يبين ~~عنها لسانها، فأبواها يهودانها وينصرانها " # ، قال الحسن: والله لقد قال الله في كتابه: { وإذ أخذ ربك من ~~بني ءادم من ظهورهم ذريتهم } الآية. وقد وردت أحاديث ~~في أخذ الذرية من صلب آدم عليه السلام وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وأصحاب ~~الشمال، وفي بعضها الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم. قال الإمام أحمد عن ~~أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض ~~من شيء أكنت ms0986 مفتديا به؟ قال، فيقول: نعم، فيقول: قد أردت أهون من ذلك، ~~قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي ". # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة، فأخرج ~~من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلا قال: { ألست ~~بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو ~~تقولوا... } إلى قوله: { المبطلون }. " # عن أبي مسعود عن جرير قال: مات ابن للضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام، قال ~~فقال: يا جابر إذا أنت وضعت ابني في لحده فأبرز وجهه وحل عنه عقده، فإن ~~ابني مجلس ومسئول، ففعلت به الذي أمر، فلما فرغت قلت: يرحمك الله عم ~~يسأل.. من يسأله إياه؟ قال: يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم، قلت ~~يا أبا القاسم: وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم؟ قال: حدثني ابن ~~عباس: إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خلقها إلى يوم ~~القيامة، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وتكفل لهم ~~بالأرزاق، ثم أعادهم في صلبه، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق ~~يومئذ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول، ومن ~~أدرك الميثاق الآخر فلم يقر به لم ينفعه الميثاق الأول، ومن مات صغيرا ~~قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة. # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب ~~سئل عن هذه الآية: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ~~ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى } الآية، فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها، فقال: # " إن الله خلق آدم عليه السلام ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، ~~قال: خلقت هؤلاء للجنة ms0987 وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ~~ذرية، قال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول ~~الله ففيم العمل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا خلق الله العبد ~~للجنة استعمله بأعمال أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال الجنة فيدخله ~~به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بأعمال أهل النار حتى يموت على ~~عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار ". # (حديث آخر): قال الترمذي عند تفسيره هذه الآية عن أبي هريرة قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته ~~إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور، ثم عرضهم ~~على آدم، فقال أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا منهم فأعجبه ~~وبيص ما بين عينيه، قال أي رب من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ~~ذريتك يقال له داود، قال: رب وكم جعلت عمره؟ قال ستين سنة، قال: أي رب قد ~~وهبت له من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت قال: أو ~~لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، ~~فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته ". (حديث آخر): ~~عن هشام بن حكيم رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله أتبدأ بالأعمال أم قد قضى القضاء؟ قال، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ثم أشهدهم ~~على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، ثم قال هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في ~~النار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل ~~النار ". # فهذه الأحاديث دالة على أن الله عز وجل استخرج ذرية آدم من صلبه ~~وميز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم، ms0988 فما ~~هو إلا في حديث كلثوم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وفي حديث عبد ~~الله بن عمرو، وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم، ومن ثم قال ~~قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على ~~التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي، ومن رواية ~~الحسن البصري عن الأسود بن سريع، وقد فسر الحسن الآية بذلك، قالوا، ولهذا ~~قال: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم } ، ولم يقل من آدم، { ~~من ظهورهم } ولم يقل من ظهره، { ذريتهم } أي جعل نسلهم ~~جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن، كقوله تعالى: # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض # [الأنعام: 165]، وقال: # ويجعلكم خلفآء الأرض # [النمل: 62]، وقال: # كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين # [الأنعام: 133]، ثم قال: { وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى } ، أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالا ~~وقالا، والشهادة تارة تكون بالقول، كقوله: # قالوا شهدنا على أنفسنا # [الأنعام: 130] الآية، وتارة تكون حالا، كقوله تعالى: # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين ~~على أنفسهم بالكفر # [التوبة: 17]، أي حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك، وكذا قوله ~~تعالى: # وإنه على ذلك لشهيد # [العاديات: 7]، كما أن السؤال تارة يكون بالقال وتارة يكون بالحال، ~~كقوله: # وآتاكم من كل ما سألتموه # [إبراهيم: 34]. قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا أن جعل هذا الإشهاد ~~حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع هذا كما قاله من قال لكان كل أحد ~~يذكره ليكون حجة عليه، فإن قيل: إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم به كاف ~~في وجوده؟ فالجواب أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به ~~الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم فدل على أنه الفطرة التي ~~فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد، ولهذا قال: { أن تقولوا } أي لئلا ~~تقولوا يوم القيامة { إنا كنا عن هذا } أي التوحيد { ~~غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا } الآية. ### || [7.175-177] # هو رجل من بني إسرائيل، يقال له بلعم بن ms0989 باعوراء؛ وقال قتادة عن ابن ~~عباس: هو صيفي بن الراهب، وقال كعب: كان رجلا من أهل البلقاء وكان يعلم ~~الاسم الأكبر، وكان مقيما ببيت المقدس مع الجبارين، وعن ابن عباس رضي ~~الله عنه: هو رجل من أهل اليمن، يقال له بلعم آتاه الله آياته فتركها، ~~وقال مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة يقدمونه ~~في الشدائد، بعثه نبي الله موسى عليه السلام إلى ملك مدين يدعوه إلى الله ~~فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى عليه السلام. وقال سفيان بن ~~عيينة عن ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء، وقال ثقيف: هو أمية بن أبي ~~الصلت، وقال عبد الله بن عمرو في قوله: { واتل عليهم نبأ ~~الذي ءاتيناه ءاياتنا } الآية، قال: هو صاحبكم أمية بن أبي ~~الصلت، وقد روي من غير وجه عنه وهو صحيح إليه، وكأنه إنما أراد أن أمية ~~بن أبي الصلت يشبهه، فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع ~~المتقدمة، ولكنه لم ينتفع بعلمه، فإنه أدرك زمان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته وظهرت لكل من له بصيرة، ومع هذا ~~اجتمع به ولم يتبعه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم، ورثى ~~أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة قبحه الله. وقد جاء في بعض الأحاديث ~~أنه ممن آمن لسانه ولم يؤمن قلبه، فإن له أشعارا ربانية وحكما وفصاحة، ~~ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام. # والمشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة: إنما هو رجل من المتقدمين في ~~زمن بني إسرائيل، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف، وكان يعلم اسم الله ~~الأكبر، وكان مجاب الدعوة، ولا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وقال علي ~~بن أبي طلحة عن ابن عباس: لما نزل موسى بهم يعني بالجبارين ومن معه أتاه ~~- يعني بلعم - بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة، ~~وإنه إن يظهر علينا يهكلنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه، قال: ~~إني إن ms0990 دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياني وآخرتي، فلم يزالوا به ~~حتى دعا عليهم فسلخه الله ما كان عليه، فذلك قوله تعالى: { فانسلخ ~~منها فأتبعه الشيطان } الآية. وقال السدي: لما انقضت ~~الأربعون سنة التي قال الله: # قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة # [المائدة: 26]، بعث يوشع بن نون نبيا فدعا بني إسرائيل، فأخبرهم أنه ~~نبي، وأن الله أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدقوه، وانطلق رجل من ~~بني إسرائيل يقال له: (بلعام) فكان عالما يعلم الاسم الأعظم المكتوم، ~~فكفر - لعنه الله - وأتى الجبارين، وقال لهم: لا ترهبوا بني إسرائيل، ~~فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون، وقوله تعالى: { ~~فأتبعه الشيطان } أي استحوذ عليه وعلى أمره فمهما أمره امتثل ~~وأطاعه، ولهذا قال: { فكان من الغاوين } أي من الهالكين ~~الحائرين البائرين، وقد ورد في معنى هذه الآية حديث حذيفة بن اليمان رضي ~~الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان ~~رداؤه الإسلام، اعتراه إلى ما شاء الله، انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى ~~على جاره بالسيف، ورماه بالشرك " قال: قلت يا نبي الله أيها أولى بالشرك ~~المرمي و الرامي؟ قال: " بل الرامي " " # وقوله تعالى: { ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه ~~أخلد إلى الأرض واتبع هواه } ، يقول تعالى: { ولو ~~شئنا لرفعناه بها } أي لرفعناه من التدنس عن قاذورات الدنيا ~~بالآيات التي آتيناه إياها، { ولكنه أخلد إلى الأرض } ~~أي مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها، وأقبل على لذاتها ونعيمها، وغرته ~~كما غرت غيره من غير أولي البصائر والنهى. # قال محمد بن إسحاق بن يسار عن سالم عن أبي النضر: أنه حدث أن موسى عليه ~~السلام لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعام إليه، ~~فقالوا له هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل، قد جاء يخرجنا من بلادنا ~~ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وإنا قومك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب ~~الدعوة، فأخرج فادع الله عليهم ms0991 قال: ويلكم نبي الله معه الملائكة ~~والمؤمنون، كيف أذهب أدعو عليه وأنا أعلم من الله ما أعلم؟ قالوا: له: ما ~~لنا من منزل، فلم يزالوا به يرفقونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه، فافتتن، ~~فركب حمارة له متوجها إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل - وهو ~~جبل حسبان - فلما سار عليها غير كثير ربضت به فنزل عنها فضربها، حتى إذا ~~أزلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به فضربها، حتى إذا ~~أزلقها أذن لها فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى ~~الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ تذهب إلى نبي الله والمؤمنين لتدعو ~~عليهم، فلم ينزع عنها، فضربها، فخلى الله سبيلها، حين فعل بها ذلك، ~~فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل ~~جعل يدعو عليهم ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا ~~يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا ~~بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك. # هذا شيء قد غلب الله عليه، قال واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: ~~قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم ~~وأحتال، جملوا النساء وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ~~ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل منهم واحد ~~كفيتموهم، ففعلوا، فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعنانيين برجل ~~من عظماء بني إسرائيل وهو زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب، فلما ~~رآها أعجبته، فقام فأخذ بيدها، وأتى بها موسى وقال: إني أظنك ستقول: هذا ~~حرام عليك لا تقربها، قال: أجل هي حرام عليك، قال: فوالله لا أطيعك في ~~هذا، فدخل بها قبتة، فوقع عليها، وأرسل الله عز وجل الطاعون في بني ~~إسرائيل، وكان فنحاص صاحب أمر موسى غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، ~~فجاء الطاعون يجوس فيهم، ms0992 فأخبر الخبر، فأخذ حربته ثم دخل القبة وهما ~~متضاجعان فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء وجعل يقول: ~~اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، ورفع الطاعون فحسب من هلك من بني إسرائيل في ~~الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوه قد هلك ~~منهم سبعون ألفا، والمقلل لهم يقول عشرون ألفا في ساعة من النهار، ففي ~~بلعام بن باعوراء أنزل الله: { واتل عليهم نبأ الذي ~~ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها } إلى قوله { لعلهم ~~يتفكرون }. # وقوله تعالى: { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث } اختلف المفسرون في معناه، فعلى سياق ~~ابن إسحاق عن سالم عن أبي النضر أن بلعاما اندلع لسانه على صدره فتشبيهه ~~بالكلب في لهثه في كلتا حالتيه إن زجر وإن ترك ظاهر، وقيل: معناه فصار ~~مثله في ضلاله واستمراره فيه وعدم انتفاعه بالدعاء إلى الإيمان وعدم ~~الدعاء، كالكلب في لهيثه في حالتيه إن حملت عليه، وإن تركته هو يلهث في ~~الحالين، فكذلك هذا لا ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإيمان ولا عدمه، كما ~~قال تعالى: # سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # [البقرة: 6]، # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم # [التوبة: 80]. وقيل: معناه أن قلب الكافر والمنافق والضال ضعيف فارغ من ~~الهدى فهو كثير الوجيب فعبر عن هذا بهذا، وقوله تعالى: { فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون } ، يقول تعالى لنبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم: { فاقصص القصص لعلهم } أي لعل بني إسرائيل ~~العالمين بحال بلعام، وما جرى له في إضلال الله إياه وإبعاده من رحمته، ~~بسبب أنه استعمل نعمة الله عليه في تعليمه الاسم الأعظم الذي إذا سئل به ~~أعطى، وإذا دعي به أجاب، في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن، ~~وشعب الإيمان، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان، كليم الله موسى بن عمران ~~عليه السلام، ولهذا قال: { لعلهم يتفكرون } أي فيحذروا أن ~~يكونوا مثله، فإن الله قد أعطاهم علما وميزهم على من عداهم من الأعراب، ~~وجعل بأيديهم صفة محمد صلى الله ms0993 عليه وسلم يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، ~~فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته وموازرته كما أخبرتهم أنبياؤهم ~~بذلك وأمرتهم به، ولهذا من خالف منهم ما في كتابه وكتمه فلم يعلم به ~~العباد، أحل الله به ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة، وقوله: { سآء ~~مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا } يقول تعالى: ساء ~~مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا أي ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي ~~لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حيز العلم والهدى ~~وأقبل على شهوة نفسه، واتبع هواه صار شبيها بالكلب وبئس المثل مثله؛ ~~ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس منا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه " # وقوله: { وأنفسهم كانوا يظلمون } أي ما ظلمهم الله، ولكن ~~هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهوى وطاعة المولى، إلى الركون إلى ~~دار البلى، والإقبال على تحصيل اللذات وموافقة الهوى. ### || [7.178] # يقول تعالى: من هداه الله فإنه لا مضل له، ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا ~~محالة، فإنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا جاء في حديث ابن ~~مسعود: " إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من ~~شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله ~~فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله ". ### || [7.179] # يقول تعالى: { ولقد ذرأنا لجهنم } أي خلقنا وجعلنا لجهنم ~~{ كثيرا من الجن والإنس } أي هيأناهم لها وبعمل أهلها ~~يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم، ~~فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ~~ورد في " صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف ~~سنة، وكان عرشه على الماء " # ، وفي " صحيح ms0994 مسلم " أيضا عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها ~~قالت: # " دعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا ~~رسول الله طوبى له، عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة ~~وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في ~~أصلاب آبائهم " # وفي " الصحيحين " من حديث ابن مسعود: # " ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وعمله ~~وشقي أم سعيد " # ، وتقدم أن الله لما استخرج ذرية آدم من صلبه، وجعلهم فريقين أصحاب ~~اليمين وأصحاب الشمال قال: # " هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي " # ، والأحاديث في هذا كثيرة. وقوله تعالى: { لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ~~آذان لا يسمعون بهآ } يعني ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح ~~التي جعلها الله سببا للهداية، كما قال تعالى: # وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فمآ أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من ~~شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله # [الأحقاف: 26] الآية، وقال تعالى: # صم بكم عمي فهم لا يرجعون # [البقرة: 18] هذا في حق المنافقين، وقال في حق الكافرين: # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [البقرة: 171] ولم يكونوا صما ولا بكما ولا عميا إلا عن الهدى، كما ~~قال تعالى: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال: 23]، وقال: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]، وقال: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف: 36]، وقوله تعالى: { أولئك كالأنعام } أي هؤلاء ~~الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه ولا يبصرون الهدى، كالأنعام السارحة التي ~~لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يقيتها في ظاهر الحياة الدنيا، ~~كقوله تعالى: # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع إلا دعآء وندآء # [البقرة: 171] أي ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان كمثل ms0995 الأنعام إذا ~~دعاها راعيها لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول، ولهذا قال في هؤلاء: { ~~بل هم أضل } أي من الدواب، لأنها قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا ~~أنس بها، وإن لم تفقه كلامه بخلاف هؤلاء؛ ولأنها تفعل ما خلقت له إما ~~بطبعها وإما بتسخيرها بخلاف الكافر، فإنه إنما خلق ليعبد الله ويوحده ~~فكفر بالله وأشرك به، ولهذا من أطاع الله من البشر كان أشرف من مثله من ~~الملائكة في معاده، ومن كفر به من البشر كانت الدواب أتم منه، ولهذا قال ~~تعالى: { أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك ~~هم الغافلون }. ### || [7.180] # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تسعا وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة، وهو ~~وتر يحب الوتر " # ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين، بدليل ما رواه ~~الإمام أحمد في " مسنده " عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن ~~أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك ~~سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت ~~به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، ~~وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه، وأبدل مكانه فرحا ". ~~فقيل: يا رسول الله أفلا نتعلمها؟ فقال: " بلى ينبغي لكل من سمعها أن ~~يتعلمها " " # وذكر ابن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه (الأحوذي في شرح الترمذي) ~~أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم، فالله أعلم. وقال ~~ابن عباس في قوله تعالى: { وذروا الذين يلحدون في ~~أسمآئه } ، قال: إلحاد الملحدين أن دعوا اللات في أسماء الله، وقال ~~مجاهد: اشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، وقال قتادة: يلحدون ~~يشركون في أسمائه، وقال علي ms0996 بن أبي طلحة عن ابن عباس: الإلحاد: التكذيب، ~~وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف، ~~ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر. ### || [7.181] # يقول تعالى: { وممن خلقنآ } أي بعض الأمم { أمة } قائمة ~~بالحق قولا وعملا { يهدون بالحق } يقولونه ويدعون إليه، { ~~وبه يعدلون } يعملون ويقضون، وقد جاء في الآثار أن المراد في ~~الآية هذه الأمة المحمدية، قال قتادة: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقول إذا قرأ هذه الآية: " هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها ~~" ، # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل " # ، وفي " الصحيحين " عن معاوية بن أبي سفيان قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من ~~خالفهم حتى تقوم الساعة " # ، وفي رواية: # " حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ". ### || [7.182-183] # يقول تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم ~~من حيث لا يعلمون } ومعناه أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه ~~المعاش في الدنيا حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، كما قال ~~تعالى: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون # [الأنعام: 44]، ولهذا قال تعالى: { وأملي لهم } أي وسأملي لهم أي ~~طول لهم ما هم فيه { إن كيدي متين } أي قوي سديد. ### || [7.184] # يقول تعالى: { أولم يتفكروا } هؤلاء المكذبون بآياتنا { ما ~~بصاحبهم } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { من جنة } أي ليس ~~به جنون بل هو رسول الله حقا، دعا إلى حق { إن هو إلا نذير ~~مبين } أي ظاهر لمن كان له لب وقلب يعقل به ويعي به كما قال تعالى: # وما صاحبكم بمجنون # [التكوير: 22]، وقال تعالى: # ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا ~~نذير لكم بين يدي ms0997 عذاب شديد # [سبأ: 46]، يقول: { ثم تتفكروا } في هذا الذي جاءكم بالرسالة ~~من الله أبه جنون أم لا، فإنكم إذا فعلتم ذلك بان لكم وظهر أنه رسول الله ~~حقا وصدقا، وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان ~~على الصفا فدعا قريشا، فجعل يفخذهم فخذا فخذا، يا بني فلان، يا بني ~~فلان، فحذرهم بأن الله ووقائع الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، ~~بات يصوت إلى الصباح أو حتى أصبح، فأنزل الله تعالى: { أولم ~~يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير ~~مبين }. ### || [7.185] # يقول تعالى: أولم ينظر هؤلاء المكذبون بآياتنا في ملك الله وسلطانه في ~~السماوات والأرض، وفيما خلق من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، ~~فيؤمنوا بالله ويصدقوا رسوله، وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد ~~والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا ~~إلى عذاب الله وأليم عقابه، وقوله: { فبأي حديث بعده ~~يؤمنون } يقول: فبأي تخويف وتحذير وترهيب بعد تحذير محمد صلى الله ~~عليه وسلم وترهيبه الذي أتاهم به من عند الله، يصدقون إن لم يصدقوا بهذا ~~الحديث الذي جاءهم به محمد من عند الله عز وجل؟ ### || [7.186] # يقول تعالى من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولو نظر لنفسه فيما ~~نظر فإنه لا يجزي عنه شيئا # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا # [المائدة: 41]، وكما قال تعالى: # قل انظروا ماذا في السموت والأرض وما تغني ~~الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس: 101]. ### || [7.187] # يقول تعالى: { يسألونك عن الساعة } قيل: نزلت في قريش، وقيل ~~في نفر من اليهود، والأول أشبه لأن الآية مكية، وكانوا يسألون عن وقت ~~الساعة استبعادا لوقوعها وتكذيبا بوجودها، كما قال تعالى: # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [يونس: 48]، وقال تعالى: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ~~آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق # [الشورى: 18]، وقوله: { أيان مرساها }. قال ابن عباس: منتهاها ~~أي متى محطها، وأيان آخر مدة الدنيا الذي هو أول وقت الساعة: ms0998 { قل ~~إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا ~~هو } ، أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن وقت الساعة أن ~~يرد علمها إلى الله تعالى، فإنه هو الذي يظهر أمرها، ومتى يكون على ~~التحديد، لا يعلم ذلك إلا هو تعالى، ولهذا قال: { ثقلت في ~~السموت والأرض }. قال قتادة: ثقل علمها على أهل السماوات ~~والأرض، قال الحسن: إذا جاءت ثقلت على أهل السماوات والأرض، يقول كبرت ~~عليهم، وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: { ثقلت في السموت ~~والأرض } قال: ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة، وقال ~~ابن جريج: إذا جاء انشقت السماء، وانتثرت النجوم وكورت الشمس، وسيرت ~~الجبال، وكان ما قال الله عز وجل، فذلك ثقلها، واختار ابن جرير رحمه ~~الله أن المراد: ثقل علم وقتها على أهل السماوات والأرض كما قال قتادة، ~~كقوله تعالى: { لا تأتيكم إلا بغتة } ، ولا ينفي ذلك ثقل ~~مجيئها على أهل السماوات والأرض والله أعلم، وقال السدي: خفيت في ~~السماوات والأرض، فلا يعلم قيامها حين تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل { لا ~~تأتيكم إلا بغتة } يبغتهم قيامها تأتيهم على غفلة، وقال ~~قتادة: قضى الله أنها { لا تأتيكم إلا بغتة } قال: وذكر لنا ~~أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " إن الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته، والرجل ~~يقيم سلعته في السوق، ويخفض ميزانه ويرفعه " # وقال البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تقوم حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا ~~أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا، ولتقومن الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه، ~~ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ~~ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة والرجل قد ~~رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها ". # وقوله تعالى: { يسألونك كأنك حفي عنها } اختلف ~~المفسرون في معناه، فقيل: ms0999 معناه كأن بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم، ~~قال ابن عباس: لما سأل الناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة سألوه ~~سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدا حفي بهم، فأوحى الله إليه: إنما علمها ~~عنده استأثر به فلم يطلع الله عليها ملكا مقربا ولا رسولا، وقال ~~قتادة: قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة فأسر ~~إلينا متى الساعة؟ فقال الله عز وجل: { يسألونك كأنك ~~حفي عنها } ، والصحيح عن مجاهد قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمت ~~وقتها، وكذا قال الضحاك عن ابن عباس: كأنك عالم بها لست تعلمها، وقال عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم { كأنك حفي عنها }: كأنك بها عالم ~~وقد أخفى الله علمها على خلقه، وقرأ: # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان: 34] الآية، وهذا القول أرجح في المقام من الأول، والله أعلم، ~~ولهذا قال: { قل إنما علمها عند الله ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } ، ولهذا # " لما جاء جبريل عليه السلام في صورة أعرابي ليعلم الناس أمر دينهم، ~~فجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس السائل المسترشد، وسأله صلى ~~الله عليه وسلم عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم قال: فمتى ~~الساعة؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما المسئول عنها بأعلم ~~من السائل " # أي لست أعلم بها منك ولا أحد أعلم بها من أحد، ثم قرأ النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان: 34] الآية، وفي رواية: # " فسأله عن أشراط الساعة فبين له أشراط الساعة، ثم قال: " في خمس لا ~~يعلمهن إلا الله " " # ، وقرأ هذه الآية، ثم # " لما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا جبريل أتاكم ~~يعلمكم دينكم " # ، ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال: # " يا محمد، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هاؤم " على نحو من ~~صوته، قال: يا محمد متى الساعة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~ويحك إن الساعة آتية فما أعددت لها "؟ قال: ms1000 ما أعددت لها كبير صلاة ولا ~~صيام، ولكني أحب الله ورسوله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~المرء مع من أحب " فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث ". # وقال الإمام أحمد عن حذيفة قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: " علمها عند ربي ~~عز وجل لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم بمشارطها وما يكون بين ~~يديها: إن بين يديها فتنة وهرجا " قالوا: يا رسول الله الفتنة قد ~~عرفناها، فما الهرج؟ قال: " بلسان الحبشة: القتل " ، قال: " ويلقى بين ~~الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحدا " # وقال وكيع عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يزال يذكر من شأن الساعة، حتى نزلت: { يسألونك عن الساعة ~~أيان مرساها } الآية، وهذا إسناد جيد قوي، فهذا النبي الأمي سيد ~~الرسل وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وسلامه نبي الرحمة ونبي التوبة ونبي ~~الملحمة، والعاقب المقفي والحاشر، الذي تحشر الناس على قدميه مع قوله ~~فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد رضي الله عنهما: # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله قد أمره الله أن يرد ~~علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها، فقال: { قل إنما علمها ~~عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون }. ### || [7.188] # أمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم ~~الغيب المستقبل ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، ~~كما قال تعالى: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا # [الجن: 26] الآية، وقوله: { ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير } قال مجاهد: لو كنت أعلم متى أموت لعملت ~~عملا صالحا، والأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس { ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير }: أي من المال، وفي ~~رواية: لعلمت إذا اشتريت شيئا ما أربح فيه، فلا أبيع شيئا إلا ربحت ~~فيه، ولا يصيبني الفقر. وقال ابن جرير: وقال ms1001 آخرون: معنى ذلك لو كنت أعلم ~~الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت الغلاء من الرخص، فاستعددت ~~له من الرخص، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم { وما مسني ~~السوء } قال: لاجتنبت ما يكون من الشر أن يكون واتقيته، ثم أخبر أنه ~~هو نذير وبشير، أي نذير من العذاب وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال ~~تعالى: # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين ~~وتنذر به قوما لدا # [مريم: 97]. ### || [7.189-190] # ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم عليه السلام وأنه خلق منه ~~زوجته حواء، ثم انتشر الناس منهما، كما قال تعالى: # يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى # [الحجرات: 13] الآية، وقال تعالى: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها # [النساء: 1] الآية، وقال في هذه الآية الكريمة: { وجعل منها ~~زوجها ليسكن إليها } ليألفها ويسكن بها، كقوله تعالى: # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة # [الروم: 21] فلا ألفة أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ~~ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه، { فلما تغشاها } ~~أي وطئها { حملت حملا خفيفا } وذلك أول الحمل لا تجد المرأة له ~~ألما إنما هي النطفة ثم العلقة ثم المضغة، وقوله: { فمرت به } ، ~~قال مجاهد: استمرت بحمله، وقال أيوب سألت الحسن عن قوله: { فمرت ~~به } قال: لو كنت رجلا عربيا لعرفت ما هي، إنما هي: فاستمرت به، وقال ~~قتادة: { فمرت به }: استبان حملها، وقال العوفي عن ابن عباس: ~~استمرت به فشكت أحملت أم لا، { فلمآ أثقلت } أي صارت ذات ثقل ~~بحملها، وقال السدي: كبر الولد في بطنها، { دعوا الله ربهما ~~لئن آتيتنا صالحا } أي بشرا سويا، كما قال الضحاك عن ابن ~~عباس: أشفقا أن يكون بهيمة. وقال الحسن البصري: لئن آتيتنا غلاما لنكونن ~~من الشاكرين { فلمآ آتاهما صالحا جعلا له شركآء ~~فيمآ آتاهما فتعالى الله عما يشركون }. ذكر المفسرون ~~ههنا آثارا وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها. # قال الإمام أحمد في " مسنده " عن الحسن عن ms1002 سمرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه (عبد ~~الحارث) فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان ~~وأمره " # قال ابن جرير عن الحسن { جعلا له شركآء فيمآ آتاهما } ~~قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم، وعن قتادة قال كان الحسن ~~يقول: هم اليهود رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا، وهذه أسانيد صحيحة عن ~~الحسن رضي الله عنه أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما ~~حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره، فهذا يدلك على أنه موقوف على ~~الصحابي، وعن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم عليه السلام أولادا ~~فيعبدهم لله ويسميهم عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، ~~فأتاهما إبليس فقال: إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش، قال ~~فولدت له رجلا فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله يقول: { هو الذي ~~خلقكم من نفس واحدة } إلى قوله { جعلا له شركآء ~~فيمآ آتاهما } إلى أخر الآية، وعنه قال: أتاهما الشيطان فقال: هل ~~تدريان ما يولد لكما! أم هل تدريان ما يكون أبهيمة أم لا؟ وزين لهما ~~الباطل، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن ~~لم تسمياه بي لم يخرج سويا ومات، كما مات الأول، فسميا ولدهما عبد ~~الحارث، فذلك قول الله تعالى: { فلمآ آتاهما صالحا جعلا ~~له شركآء فيمآ آتاهما } الآية. # وروى ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال ~~لها: أتطيعيني ويسلم لك ولدك؟ سميه عبد الحارث، فلم تفعل، فولدت فمات، ثم ~~حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال: إن ~~تطيعيني يسلم، وإلا فإنه يكون بهيمة فهيبها فأطاعا، وهذه الآثار يظهر ~~عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب، وأما نحن فعلى مذهب الحسن ms1003 ~~البصري رحمه الله في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق (آدم وحواء) ~~وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال الله: { فتعالى ~~الله عما يشركون } مذكر آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما ~~من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس كقوله: # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح # [الملك: 5] الآية، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ~~ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ~~ولهذا نظائر في القرآن، والله أعلم. ### || [7.191-198] # هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد ~~والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئا من ~~الأمر، ولا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا ~~تتحرك ولا تسمع ولا تبصر وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا ~~قال: { أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون } أي ~~أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئا ولا يستطيع ذلك، كقوله تعالى: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73] أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ~~ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئا من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا ~~إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال ~~تعالى: # لا يخلقون شيئا وهم يخلقون # [النحل: 20] أي بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل: # أتعبدون ما تنحتون # [الصافات: 95] الآية، ثم قال تعالى: { ولا يستطيعون لهم ~~نصرا } أي لعابديهم { ولا أنفسهم ينصرون } يعني ولا ~~لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل عليه الصلاة والسلام ~~يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة كما أخبر تعالى عنه في قوله: # فراغ عليهم ضربا باليمين # [الصافات: 93]، وقال تعالى: # فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه ~~يرجعون # [الأنبياء: 58]، وكما كان (معاذ بن عمرو بن الجموح) و (معاذ بن جبل) رضي ~~الله عنهما، وكانا شابين قد أسلما ms1004 لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ~~ويتخذانها حطبا للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك، ليرتأوا لأنفسهم، فكان ~~لعمرو بن الجموح، وكان سيدا في قومه، صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في ~~الليل فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء (عمرو بن الجموح) فيرى ~~ما صنع به، فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ويقول له: انتصر، ثم يعودان ~~لمثل ذلك ويعود إلى صنيعه أيضا، حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت، ~~ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح، ورأى ذلك نظر، فعلم ~~أن ما كان عليه من الدين باطل وقال: # تالله لو كنت إلها مستدن # لم تك والكلب جميعا في قرن # ثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدا رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنة ~~الفردوس مأواه. وقوله: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا ~~يتبعوكم } الآية، يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، ~~وسواء لديها من دعاها ومن دحاها كما قال إبراهيم: # يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا # [مريم: 42]، ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها أي مخلوقات مثلهم، بل ~~الأناس أكمل منها، لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئا من ذلك. # وقوله تعالى: { قل ادعوا شركآءكم } الآية، أي استنصروا بها ~~علي فلا تؤخروني طرفة عين واجهدوا جهدكم، { إن وليي الله ~~الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين } أي الله ~~حسبي وكافيني وهو نصيري وعليه متكلي وإليه ألجأ، وهو وليي في الدنيا ~~والآخرة وهو ولي كل صالح بعدي، وهذا كما قال هود عليه السلام: # إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة ~~إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي على صراط ~~مستقيم # [هود: 56]، وكقول الخليل: # أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآبآؤكم ~~الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 75-77] الآيات، وكقوله لأبيه وقومه: # إنني برآء مما تعبدون * إلا الذي فطرني ~~فإنه سيهدين # [الزخرف: 26-27]، وقوله: { والذين تدعون من دونه } إلى آخر ~~الآية؛ ms1005 مؤكد لما تقدم إلا أنه بصيغة الخطاب وذاك بصيغة الغيبة، ولهذا ~~قال: { لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون } ~~، وقوله: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ~~وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } ، كقوله ~~تعالى: # إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم # [فاطر: 14] الآية، وقوله: { وتراهم ينظرون إليك وهم لا ~~يبصرون } ، إنما قال: { ينظرون إليك } أي يقابلونك بعيون ~~مصورة كأنها ناظرة وهي جماد، ولهذا عاملهم معاملة من يعقل لأنها على صور ~~مصورة كالإنسان وتراهم ينظرون إليك، فعبر عنها بضمير من يعقل، وقال ~~السدي: المراد بهذا المشركون، والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير. ### || [7.199-200] # قال ابن عباس: { خذ العفو } يعني خذ ما عفا لك من أموالهم وما ~~أتوك به من شيء فخذه، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات ~~وتفصيلها وما انتهت إليه الصدقات، وقال الضحاك عن ابن عباس: أنفق الفضل، ~~وقال عبد الرحمن بن أسلم: أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ~~ثم أمره بالغلظة عليهم، واختار هذا القول ابن جرير، وقال غير واحد عن ~~مجاهد في قوله تعالى: { خذ العفو } قال: من أخلاق الناس وأعمالهم ~~من غير تجسس، وفي " صحيح البخاري " عن عبد الله بن الزبير قال: إنما أنزل ~~{ خذ العفو } من أخلاق الناس، وفي رواية عن أبي الزبير: { خذ ~~العفو } قال: من أخلاق الناس والله لآخذنه منهم ما صحبتهم وهذا أشهر ~~الأقوال، ويشهد له ما روي عن أبي قال: # " لما أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم { خذ ~~العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما هذا يا جبريل "؟ قال: إن الله أمرك ~~أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك " # وقال الإمام أحمد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: # " لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته، فأخذت بيده فقلت: يا ~~رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال، فقال: " يا عقبة صل من قطعك، وأعط من ~~حرمك، وأعرض عمن ظلمك " ". # وقال البخاري قوله: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض ms1006 ~~عن الجاهلين } العرف: المعروف. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~قدم (عيينة بن حصن بن حذيفة) فنزل على ابن أخيه (الحر بن قيس) وكان من ~~النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاوراته كهولا ~~كانوا أو شبانا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا ~~الأمير، فاستأذن لي عليه، قال سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن ~~الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب! فوالله ~~ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، ~~فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين } وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها ~~عليه، وكان وقافا عند كتاب الله عز وجل. وقال ابن أبي حاتم عن عبد ~~الله بن نافع: أن (سالم بن عبد الله بن عمر) مر على عير لأهل الشام ~~وفيها جرس فقال: إن هذا منهي عنه، فقالوا: نحن أعلم بهذا منك، إنما يكره ~~الجلجل الكبير، فأما مثل هذا فلا بأس به، فسكت سالم وقال: { وأعرض ~~عن الجاهلين } ، وقال ابن جرير: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أن يأمر عباده بالمعروف، ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وبالإعراض عن ~~الجاهلين، وذلك وإن كان أمرا لنبيه صلى الله عليه وسلم فإنه تأديب لخلقه ~~باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جهل الحق الواجب من حق ~~الله ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته، وهو للمسليمن حرب. # وقال قتادة في الآية: هذه أخلاق أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم ~~ودله عليها. وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى؛ فسبكه في بيتين فيهما جناس ~~فقال: # خذ العفو وأمر بعرف كما # أمرت وأعرض عن الجاهلين # ولن في الكلام لكل الأنام # فمستحسن من ذوي الجاه لين # وقال بعض العلماء: الناس رجلان: فرجل محسن فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا ~~تكلفه ms1007 فوق طاقته ولا ما يحرجه، وإما مسيء فمره بالمعروف فإن تمادى على ~~ضلاله واستعصى عليك واستمر في جهله فأعرض عنه فلعل ذلك أن يرد كيده، كما ~~قال تعالى: # ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما ~~يصفون # [المؤمنون: 96]، وقال تعالى: # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي ~~أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم # [فصلت: 34]، وقال في هذه السورة الكريمة أيضا: { وإما ~~ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه ~~سميع عليم } ، فهذه الآيات الثلاث في الأعراف والمؤمنون وحم السجدة ~~لا رابع لهن، فإنه تعالى يرشد فيهن إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف ~~بالتي هي أحسن، فإن ذلك يكفه عما هو فيه من التمرد بإذنه تعالى، ولهذا ~~قال: # فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم # [فصلت: 34]، ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به من شيطان الجان، فإنه لا ~~يكفه عنك الإحسان، وإنما يريد هلاكك ودمارك بالكلية، فإنه عدو مبين لك ~~ولأبيك من قبلك. قال ابن جرير في تفسير قوله: { وإما ينزغنك ~~من الشيطان نزغ } وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض ~~عن الجاهل ويحملك على مجازاته { فاستعذ بالله } يقول: فاستجر ~~بالله من نزغه، { إنه سميع عليم } سميع لجهل الجاهل عليك ~~والاستعاذة به من نزغه ولغير ذلك من كلام خلقه لا يخفى عليه منه شيء، ~~عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه، وقد تقدم في أول ~~الاستعاذة حديث # " الرجلين اللذين تسابا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب أحدهما ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ~~ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " # الحديث. وأصل النزغ: الفساد إما بالغضب أو غيره، قال الله تعالى: # وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ~~ينزغ بينهم # [الإسراء: 53]، والعياذ: الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشر، وأما ~~الملاذ ففي طلب الخير، كما قال الحسن بن هانئ: # يا من ألوذ به فيما أؤمله # ومن أعوذ به مما أحاذره # لا يجبر الناس عظما أنت ms1008 كاسره # ولا يهيضون عظما أنت جابره # وقد قدمنا أحاديث الاستعاذة في أول التفسير بما أغنى عن إعادته ههنا. ### || [7.201-202] # يخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه ~~زجر، أنهم { إذا مسهم } أي أصابهم { طائف } ، منهم من فسره ~~بالغضب، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسره بالهم ~~بالذنب، ومنهم من فسره بإصابة الذنب، وقوله: { تذكروا } أي عقاب ~~الله وجزيل ثوابه ووعده ووعيده، فتابوا وأنابوا واستعاذوا بالله ورجعوا ~~إليه من قريب، { فإذا هم مبصرون } أي قد استقاموا وصحوا مما ~~كانوا فيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها طيف، فقالت: يا رسول ~~الله إني أصرع، وأتكشف، فادع الله أن يشفيني، فقال: " إن شئت دعوت الله ~~أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة " فقالت: بل اصبر ولي الجنة، ولكن ادع ~~الله أن لا أتكشف، فدعا لها فكانت لا تتكشف " # وروي أن شابا كان يتعبد في المسجد فهويته امرأة فدعته إلى نفسها، فما ~~زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الآية: { إذا مسهم ~~طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } فخر ~~مغشيا عليه، ثم أفاق، فأعادها، فمات، فجاء عمر فعزى فيه أباه، وكان قد ~~دفن ليلا فذهب فصلى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال: يا فتى # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46] فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر قد أعطانيهما ربي عز ~~وجل في الجنة مرتين وقوله تعالى: { وإخوانهم يمدونهم } ~~أي وإخوانه الشياطين من الإنس، كقوله: # إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين # [الإسراء: 27] وهم أتباعهم والمستمعون لهم، القابلون لأوامرهم { ~~يمدونهم في الغي } أي تساعدهم الشياطين على المعاصي وتسهلها ~~عليهم وتحسنها لهم، المد: الزيادة، يعني يزيدونهم في الغي يعني الجهل ~~والسفه، { ثم لا يقصرون } قيل: معناه إن الشياطين تمد الإنس لا ~~تقصر في أعمالهم بذلك، كما قال ابن عباس: لا الإنس يقصرون عما يعملون ولا ~~الشياطين تمسك عنهم، وقيل: معناه كما رواه العوفي عن ms1009 ابن عباس في قوله: { ~~يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون } ، قال: هم الجن ~~يوحون إلى أوليائهم من الإنس ثم لا يقصرون، يقول لا يسأمون، وكذا قال ~~السدي وغيره، يعني أن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس، ولا تسأم من ~~إمدادهم في الشر، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية، { لا يقصرون } لا تفتر ~~فيه ولا تبطل عنه، كما قال تعالى: # ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا # [مريم: 83]، قال ابن عباس وغيره: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا. ### || [7.203] # قال ابن عباس في قوله تعالى: { قالوا لولا اجتبيتها } يقول: ~~لولا تلقيتها وقال مرة أخرى لولا أحدثتها فأنشأتها، وقال: لولا اقتضيتها، ~~قالوا: تخرجها عن نفسك، واختاره ابن جرير. وقال العوفي عن ابن عباس { ~~لولا اجتبيتها } يقول: تلقيتها من الله تعالى: وقال الضحاك { ~~لولا اجتبيتها } يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء، ~~ومعنى قوله تعالى: { وإذا لم تأتهم بآية } أي معجزة وخارق، ~~كقوله تعالى: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4]، يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم ألا تجهد نفسك في طلب ~~الآيات من الله حتى نراها ونؤمن بها، قال الله تعالى له: { قل إنمآ ~~أتبع ما يوحى إلي من ربي } أي أنا لا أتقدم إليه تعالى ~~في شيء، وإنما أتبع ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إلي، فإن بعثت آية ~~قبلتها، وإن منعها لم أسأله ابتداء إياها، إلا أن يأذن لي في ذلك فإنه ~~حكيم عليم، ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات وأبين الدلالات ~~وأصدق الحجج والبينات، فقال: { هذا بصآئر من ربكم وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون }. ### || [7.204] # لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة أمر تعالى بالإنصات عند ~~تلاوته إعظاما له واحتراما، لا كما كان يعتمده كفار قريش المشركون في ~~قولهم: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # [فصلت: 26] الآية، ولكن يتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام ~~بالقراءة، كما روي عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ms1010 # " إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا " # وعن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة فلما نزلت هذه الآية: { ~~وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له } والآية الأخرى أمروا ~~بالإنصات. قال ابن جرير وقال ابن مسعود: كنا يسلم بعضنا على بعض في ~~الصلاة فجاء القرآن: { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا لعلكم ترحمون } ، وقال أيضا عن بشير بن جابر ~~قال: صلى ابن مسعود فسمع ناسا يقرأون مع الإمام، فلما انصرف قال: أما آن ~~لكم أن تفهموا أما آن لكم أن تعقلوا: { وإذا قرىء القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا } كما أمركم الله. وقد روى الإمام أحمد ~~عن أبي هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة ~~فقال: " هل قرأ أحد منكم معي آنفا "؟ قال رجل: نعم يا رسول الله، قال: " ~~إني أقول ما لي أنازع القرآن " # ، قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~جهر فيه بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقال عبد الله بن المبارك: لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به ~~الإمام، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرأون فيما لا ~~يجهر به سرا في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به ~~سرا ولا علانية، فإن الله تعالى قال: { وإذا قرىء القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون }. وهذا مذهب ~~طائفة من العلماء وهو أحد قولي الشافعية، لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة، ~~وقال الشافعي في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام، وهو قول ~~طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. # وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: لا يجب على المأموم قراءة أصلا في ~~السرية ولا الجهرية بما ورد في الحديث: # " من كان له إمام فقراءته قراءة له " # وهذا أصح، وقد أفرد لها الإمام البخاري مصنفا على حدة، واختار وجوب ~~القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية أيضا، والله أعلم، وقال علي بن ~~أبي طلحة ms1011 عن ابن عباس في الآية، يعني في الصلاة المفروضة، وعن مجاهد قال: ~~لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم. # وقال ابن المبارك عن ثابت بن عجلان قال: سمعت ابن جبير يقول في قوله { ~~وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } قال: ~~الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من ~~الصلاة، وهذا اختيار ابن جرير: أن المراد من ذلك الإنصات في الصلاة وفي ~~الخطبة، كما جاء في الأحاديث بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة، وقال ~~الحسن: إذا جلست إلى القرآن فأنصت له. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت ~~له نورا يوم القيامة ". ### || [7.205-206] # يأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره كثيرا كما أمر بعبادته في هذين ~~الوقتين في قوله: # وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب # [ق: 39]، وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء وهذه ~~الآية مكية، وقال ههنا بالغدو وهو أول النهار، والآصال جمع أصيل، وأما ~~قوله: { تضرعا وخيفة } أي اذكر ربك في نفسك رغبة ورهبة وبالقول ~~لا جهرا، ولهذا قال: { ودون الجهر من القول } ، وهكذا ~~يستحب أن يكون الذكر خفيا لا يكون نداء وجهرا بليغا، ولهذا لما سألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد ~~فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان # [البقرة: 186]، وفي " الصحيحين " عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: # " رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار فقال لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم: يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا ~~غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " # ، وقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى: # ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ~~ذلك سبيلا # [الإسراء: 110]، فإن المشركين كانوا إذا ms1012 سمعوا القرآن سبوه وسبوا من جاء ~~به، فأمره الله تعالى أن لا يجهر به لئلا ينال منه المشركون، ولا يخافت ~~به عن أصحابه فلا يسمعهم، وليتخذ سبيلا بين الجهر والإسرار، والمراد ~~الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال، لئلا يكونوا من الغافلين، ~~ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فقال: { إن ~~الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته } الآية، ~~وإنما ذكرهم بهذا ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم، ولهذا شرع لنا ~~السجود ههنا لما ذكر سجودهم لله عز وجل كما جاء في الحديث: # " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها يتمنون الصفوف، الأول فالأول، ~~ويتراصون في الصف " # وهذه أول سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # قال البخاري: الأنفال المغانم، عن سعيد بن جبير قال، قلت لابن عباس رضي ~~الله عنهما سورة الأنفال، قال: نزلت في بدر، وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~الأنفال الغنائم، كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ليس لأحد ~~منها شيء؛ قال فيها لبيد: # إن تقوى ربنا خير نفل # وبإذن الله ريثى والعجل # وقال ابن جرير عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن ~~الأنفال؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: الفرس من النفل والسلب من النفل، ~~ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس أيضا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال ~~الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن ~~عباس: أتدرون ما مثل هذا؟.. مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب. وهذا ~~إسناد صحيح إلى ابن عباس أنه فسر النفل بما ينفله الإمام لبعض الأشخاص من ~~سلب أو نحوه بعد قسم أصل المغنم، وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء ~~من لفظ النفل، والله أعلم. وقال مجاهد: إنهم سألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الخمس بعد الأربعة من الأخماس، فنزلت: { يسألونك عن ~~الأنفال } ، وقال ابن مسعود: لا نفل يوم الزحف، إنما النفل قبل ~~التقاء ms1013 الصفوف، وقال ابن المبارك عن عطاء بن أبي رباح في الآية { ~~يسألونك عن الأنفال } قال: يسألونك فيما شذ من المشركين إلى ~~المسلمين في غير قتال من دابة أو عبد أو أمة أو متاع، فهو نفل للنبي صلى ~~الله عليه وسلم يصنع به ما يشاء، قال ابن جرير وقال آخرون: هي أنفال ~~السرايا، بلغني في قوله تعالى: { يسألونك عن الأنفال } قال: ~~السرايا، ومعنى هذا ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع ~~بقية الجيش، وقد صرح بذلك الشعبي، واختار ابن جرير أنها الزيادة على ~~القسم ويشهد بذلك ما ورد في سبب نزول الآية وهو ما روي عن سعد بن أبي ~~وقاص قال: # " لما كان يوم بدر قتل أخي (عمير) وقتلت (سعيد بن العاص) وأخذت سيفه، ~~وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اذهب ~~فاطرحه في القبض " ، قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه الله من قتل أخي وأخذ ~~سلبي، قال: فما جاوزت إلا يسيرا، حتى نزلت سورة الأنفال فقال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " اذهب فخذ سلبك " ". # (سبب آخر في نزول الآية) # وقال الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: سألت (عبادة) عن الأنفال، فقال: ~~فينا أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه ~~الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء، يقول: عن سواء، وقال الإمام ~~أحمد أيضا عن عبادة بن الصامت قال: # " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس ~~فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأقبلت ~~طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم ~~إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب، ~~وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنه ms1014 العدو ~~وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: خفنا أن ~~يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به، فنزلت { يسألونك عن الأنفال ~~قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ~~ذات بينكم } ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين ~~" # ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدو نفل الربع، ~~فإذا أقبل راجعا نفل الثلث، وكان يكره الأنفال. وروى أبو داود والنسائي ~~وابن مردويه واللفظ له، عن عكرمة عن ابن عباس قال: # " لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صنع كذا وكذا ~~فله كذا وكذا " فتسارع في ذلك شبان القوم وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما ~~كانت المغانم جاءوا يطلبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ لا تستأثروا علينا ~~فإنا كنا ردءا لكم لو انكشفتم لفئتم إلينا؛ فتنازعوا " # ، فأنزل الله تعالى: { يسألونك عن الأنفال... } إلى قوله { ~~وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } ، وقال ~~الإمام القاسم بن سلام رحمه الله في كتاب (الأموال الشرعية): أما الأنفال ~~فهي المغانم، وكل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب، فكانت الأنفال ~~الأولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: { يسألونك ~~عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } فقسمها يوم بدر ~~على ما أراه الله من غير أن يخمسها، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس فنسخت ~~الأولى، قلت: هكذا روي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي، وقال ~~ابن زيد: ليست منسوخة بل هي محكمة، والأنفال أصلها جماع الغنائم إلا أن ~~الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة. ومعنى ~~الأنفال في كلام العرب: كل إحسان فعله فاعل تفضلا من غير أن يجب ذلك ~~عليه، فذلك النفل الذي أحله الله للمؤمنين من أموال عدوهم، وإنما هو شيء ~~خصهم الله به تفضلا منه عليهم، بعد أن كانت الغنائم محرمة على الأمم ~~قبلهم، فنفلها الله تعالى هذه الأمة فهذا أصل النفل. # وشاهد هذا ما في " الصحيحين " # " وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ms1015 " # وذكر تمام الحديث. # وقوله تعالى: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } ~~أي اتقوا الله في أموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا ~~تشاجروا، فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه، { ~~وأطيعوا الله ورسوله } أي في قسمه بينكم على ما أراده الله، ~~فإنه إنما يقسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف، وقال ابن عباس: هذا ~~تحريج من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم، وقال السدي { ~~وأصلحوا ذات بينكم } أي لا تستبوا، ولنذكر ههنا حديثا ~~أورده الحافظ أبو يعلى الموصلي رحمه الله في " مسنده " عن أنس رضي الله ~~عنه قال: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ~~ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ فقال: " رجلان ~~من أمتي جثيا بين يدي رب العزة تبارك وتعالى، فقال أحدهما: يا رب خذ لي ~~مظلمتي من أخي، قال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته، قال: يا رب لم يبق من ~~حسناتي شيء، قال: رب فليحمل عني من أوزاري " ، قال: ففاضت عينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال: " إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج ~~الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك ~~وانظر في الجنان فرفع رأسه فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب ~~مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن ~~أعطى ثمنه؟ قال: رب ومن يملك ثمنه؟ قال: أنت تملكه، قال: ماذا يا رب؟ قال ~~تعفو عن أخيك، قال: يا رب فإني قد عفوت عنه. قال الله تعالى: خذ بيد أخيك ~~فادخلا الجنة " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { فاتقوا ~~الله وأصلحوا ذات بينكم } ، فإن الله تعالى يصلح بين ~~المؤمنين يوم القيامة ". ### || [8.2-4] # قال مجاهد: { وجلت قلوبهم } فرقت أي فزعت وخافت، وهذه صفة ~~المؤمن حق المؤمن الذي إذا ذكر الله وجل قلبه أي أخاف منه، ففعل أوامره، ~~وترك زواجره، كقوله تعالى: ms1016 # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم # [آل عمران: 135] الآية، وكقوله تعالى: # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ~~* فإن الجنة هي المأوى # [النازعات: 40-41] ولهذا قال سفيان الثوري، سمعت السدي يقول في قوله ~~تعالى: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم } قال: هو الرجل يريد أن يظلم، أو قال يهم بمعصية، ~~فيقال له: اتق الله فيجل قلبه؛ وعن أم الدرداء في قوله: { إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ~~قالت: الوجل في القلب كاحتراق السعفة. أما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى، ~~قالت: إذا وجدت ذلك فادع الله عند ذلك فإن الدعاء يذهب ذلك، وقوله: { ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } ، كقوله: # فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون # [التوبة: 124]، وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها ~~على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد ~~حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد ~~كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة. { وعلى ~~ربهم يتوكلون } أي لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا ~~يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ~~ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده ~~لا شريك له، ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، ولهذا قال سعيد بن جبير: ~~التوكل على الله جماع الإيمان، وقوله: { الذين يقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون } ، ينبه تعالى بذلك على أعمالهم ~~بعدما ذكر اعتقادهم، وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، وهو إقامة ~~الصلاة وهو حق الله تعالى، وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على ~~مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها، وقال مقاتل: إقامتها المحافظة على ~~مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن ~~فيها، والتشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، هذا إقامتها، ~~والإنفاق مما رزقهم الله يشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد من واجب ~~ومستحب، والخلق كلهم ms1017 عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه. قال قتادة ~~في قوله: { ومما رزقناهم ينفقون } فأنفقوا مما رزقكم الله، ~~فإنما هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم أوشكت أن تفارقها. # وقوله تعالى: { أولئك هم المؤمنون حقا } أي المتصفون ~~بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان، # " عن الحارث بن مالك الأنصاري: أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال له: " كيف أصبحت يا حارث "؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا، قال: " انظر ما ~~تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك "؟ فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، ~~فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر ~~إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، ~~فقال: " يا حارث عرفت فالزم " ثلاثا " # وقال عمرو بن مروة في قوله تعالى: { أولئك هم المؤمنون ~~حقا } إنما أنزل القرآن بلسان العرب كقولك: فلان سيد حقا، وفي القوم ~~سادة؛ وفلان تاجر حقا وفي القوم تجار؛ وفلان شاعر حقا وفي القوم شعراء. ~~وقوله: { لهم درجات عند ربهم } أي منازل ومقامات ودرجات ~~في الجنات، كما قال تعالى: # هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون # [آل عمران: 163]، { ومغفرة } أي يغفر لهم السيئات ويشكر لهم ~~الحسنات، وقال الضحاك: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله ~~عن الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد، ولهذا ~~جاء في " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب الغائر في أفق من ~~آفاق السماء " قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم؟ ~~فقال: " بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " # ، وفي الحديث الآخر: # " إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى كما تراءون الكوكب الغائر في ~~أفق السماء؛ وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ". ### || [8.5-8] # قال الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله: { ~~كمآ أخرجك ربك } فقال بعضهم شبه به في الصلاح للمؤمنين؛ ms1018 ~~والمعنى:أن الله تعالى يقول: كما أنكم لما اختلفتم في المغانم وتشاححتم ~~فيها، فانتزعها الله منكم، فكان هذه هو المصلحة التامة لكم، كذلك لما ~~كرهتم الخروج إلى الأعداء وهم النفير الذين خرجوا لإحراز عيرهم، فكان ~~عاقبة كراهتكم للقتال بأن قدره لكم على غير ميعاد رشدا وهدى، ونصرا ~~وفتحا، كما قال تعالى: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن ~~تكرهوا شيئا وهو خير لكم # [البقرة: 216]، وقال آخرون: معنى ذلك { كمآ أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق } على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم كارهون ~~للقتال، فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم، قال مجاهد: { كمآ أخرجك ~~ربك } كذلك يجادلونك في الحق. وقال بعضهم: يسألونك عن الأنفال مجادلة ~~كما جادلوك يوم بدر، فقالوا: أخرجتنا للعير ولم تعلمنا قتالا فنستعد له. ~~قلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج من المدينة طالبا لعير أبي ~~سفيان التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام فيها أموال جزيلة لقريش، ~~فاستنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين، فخرج في ثلثمائة وبضعة ~~عشر رجلا وجمع الله بين المسلمين والكافرين على غير ميعاد، لما يريد ~~الله تعالى من إعلاء كلمة المسلمين ونصرهم على عدوهم والتفرقة بين الحق ~~والباطل، والغرض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه خروج النفير ~~أوحى الله إليه، يعده إحدى الطائفتين إما العير وإما النفير، ورغب كثير ~~من المسلمين إلى العير، لأنه كسب بلا قتال، كما قال تعالى: { ~~وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم }. # روى ابن أبي حاتم قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، حتى إذا كان بالروحاء خطب ~~الناس فقال: " كيف ترون "؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله بلغنا أنهم بمكان ~~كذا وكذا، قال: ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون "؟ فقال عمر: مثل قول أبي ~~بكر، ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون "؟ فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله ~~إيانا تريد؟ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها ~~علم، ولئن سرت حتى تأتي ms1019 برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك، ولا نكون ~~كالذين قالوا لموسى: { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~هاهنا قاعدون } ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، ~~ولعلك أن تكون خرجت لأمر، وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله ~~إليك فامض له، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم ~~من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد: { كمآ ~~أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون } " # الآيات، وقال ابن عباس: لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم في لقاء ~~العدو، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر أمر الناس أن يتهيأوا ~~للقتال وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله: { كمآ ~~أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون } ، وقال مجاهد: يجادلونك في الحق: في ~~القتال للقاء المشركين. عن عكرمة عن ابن عباس قال، قيل لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه ~~العباس بن عبد المطلب وهو أسير في وثاقه: إنه لا يصلح لك، قال: ولم؟ قال: ~~لأن الله عز وجل إنما وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك الله ما وعدك. ~~ومعنى قوله تعالى: { وتودون أن غير ذات الشوكة ~~تكون لكم } أي يحبون أن الطائفة التي لا منعة ولا قتال تكون لهم ~~وهي العير، { ويريد الله أن يحق الحق بكلماته } أي ~~هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال ليظفركم بهم ~~وينصركم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الإسلام، ويجعله غالبا على ~~الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي يدبركم بحسن تدبيره، وإن كان ~~العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم. # وقال محمد بن إسحاق رحمه الله: # " لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب ~~المسلمين إليهم، وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل ~~الله أن ينفلكموها، فانتدب الناس فخف بعضهم، وثقل بعضهم، وذلك أنهم ms1020 لم ~~يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا، وكان أبو سفيان قد ~~استنفر حين دنا من الحجاز، يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان ~~تخوفا على أمر الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر ~~أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك، فاستأجر (ضمضم بن عمرو الغفاري) فبعثه ~~إلى أهل مكة وأمره أن يأتي قريشا، فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن ~~محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة، وخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى بلغ واديا يقال له ذفران، ~~فخرج منه، حتى إذا كان ببعضه نزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا ~~عيرهم، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وأخبرهم عن قريش، ~~فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال فأحسن، ثم قام عمر رضي الله عنه، فقال ~~فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله به ~~فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: { فاذهب ~~أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ، ولكن اذهب ~~أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى ~~برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير، ثم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " أشيروا علي أيها الناس " وإنما يريد الأنصار، وذلك ~~أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول ~~الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ~~ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا، ونساءنا وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه ~~بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك ms1021 ~~تريدنا يا رسول الله؟ قال: " أجل " ، فقال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ~~ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع ~~والطاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت ~~بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن ~~تلقى بنا عدونا غدا، إنا الصبر لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل ~~الله يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: " سيروا على بركة الله ~~وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى ~~مصارع القوم " # ، وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا، وكذلك قال السدي وقتادة وعبد ~~الرحمن بن أسلم وغير واحد من علماء السلف والخلف، اختصرنا أقوالهم ~~اكتفاء بسياق محمد بن إسحاق. ### || [8.9-10] # " لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلثمائة ~~ونيف، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي صلى الله ~~عليه وسلم القبلة وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: " اللهم أنجز لي ما ~~وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض ~~أبدا " قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه ~~أبو بكر فأخذ رداءه فرداه ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك ~~مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: { إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم ~~بألف من الملائكة مردفين } ، فلما كان يؤمئذ التقوا ~~فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا، وأسر منهم سبعون رجلا، ~~واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا فقال أبو بكر: ~~يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم ~~الفدية فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله ~~فيكونوا لنا عضدا، فقال رسول الله صلى الله ms1022 عليه وسلم: " ما ترى يا ابن ~~الخطاب "؟ قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من ~~فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن ~~حمزة من فلان - أخيه - فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة ~~للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، فهوي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد ~~قال عمر: فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان، ~~فقلت: يا رسول الله ما يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد ~~بكاء تباكيت لبكائكما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " للذي عرض علي ~~أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة " # لشجرة قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # [الأنفال: 67] إلى قوله # فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا # [الأنفال: 69]، فأحل لهم الغنائم، فلما كان يوم أحد من العام المقبل ~~عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، ~~وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: # أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ~~قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن ~~الله على كل شيء قدير # [آل عمران: 165] بأخذكم الفداء. # قال البخاري في كتاب " المغازي " باب قول الله تعالى: { إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم } الآية، عن طارق بن شهاب ~~قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون ~~صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على ~~المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى # فاذهب أنت وربك فقاتلا # [المائدة: 24]، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك، ~~فرأيت النبي ms1023 صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره، يعني قوله، وعن ابن عباس ~~قال، # " قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: " اللهم أنشدك عهدك ووعدك، ~~اللهم إن شئت لم تعبد " فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: " ~~سيهزم الجمع ويولون الدبر " # وقوله تعالى: { بألف من الملائكة مردفين } أي يردف ~~بعضهم بعضا، كما قال ابن عباس { مردفين }: متتابعين، ويحتمل أن ~~المراد { مردفين } لكم أي نجدة لكم، كما قال العوفي عن ابن عباس { ~~مردفين } يقول: المدد، كما تقول أنت للرجل زده كذا وكذا. وفي رواية ~~{ مردفين } قال: بعضهم على أثر بعض، وقال ابن جرير: نزل جبريل في ~~ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر، ونزل ~~ميكائيل في ألف من الملائكة عن مسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ~~يقتضي - إن صح إسناده - أن الألف مردفة بمثلها، ولهذا قرأ بعضهم: { ~~مردفين } بفتح الدال والله أعلم، والمشهور ما روي عن ابن عباس قال: ~~وأمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان ~~جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، ومكائيل في خمسمائة مجنبة، وروي عن ~~ابن عباس قال: # " بينا رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة ~~بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر ~~مستلقيا، قال: فنظر إليه، فإذا هو قد حطم وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ~~ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. # وفي " البخاري " قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما ~~تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: " من أفضل المسلمين " أو كلمة نحوها قال: وكذلك ~~من شهد بدرا من الملائكة، " # وفي الصحيحين # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر لما شاوره في قتل (حاطب بن ~~أبي بلتعة) " إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل ms1024 بدر ~~فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "؟ " # ، وقوله تعالى: { وما جعله الله إلا بشرى } الآية، أي ~~وما جعل الله بعث الملائكة إلا بشرى { ولتطمئن به قلوبكم ~~} ، وإلا فهو تعالى قادر على نصركم على أعدائكم { وما النصر إلا ~~من عند الله } أي بدون ذلك، ولهذا قال: { وما النصر إلا ~~من عند الله } كما قال تعالى: # ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ~~ليبلوا بعضكم ببعض # [محمد: 4]، وقال تعالى: # وتلك الأيام نداولها بين الناس # [آل عمران: 140]، فهذه حكم شرع الله جهاد الكفار بأيدي المؤمنين لأجلها، ~~وقد كان تعالى إنما يعاقب الأمم السالفة المكذبة للأنبياء بالقوارع التي ~~تعم تلك الأمم المكذبة، كما أهلك قوم نوح بالطوفان، وعادا الأولى ~~بالدبور، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجيل، وقوم ~~شعيب بيوم الظلة، فلما بعث الله تعالى موسى وأهلك عدوه وأنزل على موسى ~~التوراة شرع فيها قتال الكفار واستمر الحكم في بقية الشرائع بعده على ~~ذلك، كما قال تعالى: # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا ~~القرون الأولى بصآئر # [القصص: 43]، وقتل المؤمنين للكافرين أشد إهانة للكافرين، وأشفى لصدور ~~المؤمنين، كما قال تعالى للمؤمنين: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # [التوبة: 14]، ولهذا كان قتل صناديد قريش بأيدي أعدائهم، أنكى لهم وأشفى ~~لصدور حزب الإيمان، وقتل أبي جهل في معركة القتال أشد إهانة له من موته ~~على فراشه بقارعة أو صاعقة أو نحو ذلك، ولهذا قال تعالى: { إن الله ~~عزيز } أي له العزة ولرسوله وللمؤمنين بهما في الدنيا والآخرة، { ~~حكيم } فيما شرعه من قتال الكفار مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله ~~وقوته سبحانه وتعالى. ### || [8.11-14] # يذكرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم، من إلقائه النعاس عليهم أمانا، ~~أمنهم به من خوفهم الذي حصل لهم، من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وكذلك فعل ~~تعالى بهم يوم أحد، كما قال تعالى: # ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا # [آل عمران: 154] الآية. قال أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد، ~~ولقد سقط ms1025 السيف من يدي مرارا؛ يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم ~~يميدون وهم تحت الحجف، وقال الحافظ أبو يعلى عن علي رضي الله عنه قال: ~~ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم ~~إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح، وقال ~~عبد الله بن مسعود: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من ~~الشيطان. وقال قتادة: النعاس في الرأس، والنوم في القلب. وكأن ذلك كان ~~للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله، وهذا من فضل ~~الله ورحمته بهم ونعمته عليهم، ولهذا جاء في الصحيح أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق رضي الله عنه وهما ~~يدعوان أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة من النوم ثم استيقظ ~~متبسما فقال: # " أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع " # ، ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قوله تعالى: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. # وقوله تعالى: { وينزل عليكم من السمآء مآء } ، قال ~~ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا عنها، ~~نزلوا على الماء يوم بدر، فغلبوا المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين الظمأ ~~فجعلوا يصلون مجنبين محدثين، حتى تعاطوا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من ~~السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملأوا الأسقية، وسقوا الركاب ~~واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورا وثبت به الأقدام، وذلك أنه ~~كانت بينهم وبين القوم رملة فبعث الله المطر عليها، والمعروف # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر نزل على أدنى ماء ~~هناك أي أول ماء وجده، فتقدم إليه الحباب بن المنذر فقال: يا رسول الله ~~هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلك الله إياه فليس لنا أن نجاوزه أو منزل ~~نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال: " بل منزل نزلته للحرب والمكيدة " فقال: يا ~~رسول الله إن هذا ليس بمنزل، ولكن سر بنا حتى ننزل على ms1026 أدنى ماء يلي ~~القوم ونغور ما وراءه من القلب، ونستقي الحياض فيكون لنا ماء وليس لهم ~~ماء، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل ذلك " # وقال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس فأطفأ بالمطر الغبار ~~وتلبدت به الأرض وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم، وقوله: { ~~ليطهركم به } أي من حدث أصغر أو أكبر وهو تطهير الظاهر، { ~~ويذهب عنكم رجز الشيطان } أي من وسوسة أو خاطر سيء وهو ~~تطهير الباطن، كما قال تعالى في حق أهل الجنة # عاليهم ثياب سندس خضر # [الإنسان: 21] فهذا زينة الظاهر، # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21] أي مطهرا لما كان من غل أو حسد أو تباغض وهو زينة الباطن ~~وطهارته، { وليربط على قلوبكم }: أي بالصبر والإقدام على ~~مجالدة الأعداء وهو شجاعة الباطن { ويثبت به الأقدام } وهو ~~شجاعة الظاهر والله أعلم. # وقوله تعالى: { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني ~~معكم فثبتوا الذين آمنوا } وهذه نعمة خفية أظهرها الله ~~تعالى لهم ليشكروه عليها، وهو أنه تعالى وتقدس أوحى إلى الملائكة الذين ~~أنزلهم لنصر نبيه ودينه أن يثبتوا الذين آمنوا، قال ابن جرير: أي ثبتوا ~~المؤمنين وقووا أنفسهم على أعدائهم سألقي الرعب والذلة والصغار على من ~~خالف أمري وكذب رسولي، { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا ~~منهم كل بنان } أي اضربوا الهام فأفلقوها واحتزوا الرقاب ~~فقطعوها، وقطعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم، وقد اختلف المفسرون في ~~معنى { فوق الأعناق } فقيل: معناه اضربوا الرؤوس، قاله عكرمة. ~~وقيل معناه أي على الأعناق وهي الرقاب، قاله الضحاك. ويشهد لهذا المعنى ~~قوله تعالى: # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب # [محمد: 4] وقال القاسم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، إنما بعثت لضرب الرقاب وشد الوثاق " # ، وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة بضرب فوق ~~الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به، وقوله: { واضربوا ~~منهم كل بنان } ، قال ابن جرير: معناه واضربوا من عدوكم أيها ~~المؤمنون كل طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم، والبنان جمع ms1027 بنانه كما ~~قال الشاعر: # ألا ليتني قطعت مني بنانة # ولاقيته في البيت يقظان حاذرا # وقال ابن عباس: { واضربوا منهم كل بنان } يعني بالبنان ~~الأطراف، وقال السدي: البنان الأطراف، ويقال كل مفصل، وقال الأوزاعي: ~~اضرب منه الوجه والعين، وارمه بشهاب من نار فإذا أخذته حرم ذلك كله عليك، ~~وقال العوفي عن ابن عباس فأوحى الله إلى الملائكة: { أني معكم ~~فثبتوا الذين آمنوا } الآية، فقتل أبو جهل لعنه الله في ~~تسعة وستين رجلا، وأسر عقبة بن أبي معيط، فقتل صبرا فوفى ذلك سبعين ~~يعني قتيلا، ولهذا قال تعالى: { ذلك بأنهم شآقوا الله ~~ورسوله } أي خالفوهما، فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به ~~واتباعه في شق، ومأخوذ أيضا من شق العصا وهو جعلها فرقتين { ومن ~~يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } أي ~~هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه لا يفوته شيء، ولا يقوم لغضبه شيء ~~تبارك وتعالى لا إله غيره ولا رب سواه، { ذلكم فذوقوه وأن ~~للكافرين عذاب النار } هذا خطاب للكفار، أي ذوقوا هذا العذاب ~~والنكال في الدنيا واعلموا أيضا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة. ### || [8.15-16] # يقول تعالى متوعدا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك { ~~يآأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا ~~زحفا } أي تقاربتم منهم ودنوتم إليهم { فلا تولوهم ~~الأدبار } أي تفروا وتتركوا أصحابكم، { ومن يولهم يومئذ ~~دبره إلا متحرفا لقتال } أي يفر بين يدي قرنه مكيدة ~~ليريه أن خاف منه، فيتبعه، ثم يكر عليه فيقتله فلا بأس عليه في ذلك. وقال ~~الضحاك: أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدو فيصيبها { أو ~~متحيزا إلى فئة } أي فر من ههنا إلى فئة أخرى من المسلمين ~~يعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك، حتى لو كان في سرية ففر إلى أميره أو ~~إلى الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة. قال الإمام أحمد عن عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنهما قال: # " كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاص الناس حيصة، ~~فكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف ms1028 نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم ~~قلنا: لو دخلنا المدينة ثم بتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإذا كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة ~~الغداة، فخرج فقال: " من القوم "؟ فقلنا: نحن الفرارون، فقال: " لا، بل ~~أنتم العكارون أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين " قال: فأتيناه حتى قبلنا ~~يده. وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { أو متحيزا ~~إلى فئة } " # قال أهل العلم: معنى قوله " العكارون ": أي العرافون، وكذلك قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه في أبي عبيدة لما قتل بأرض فارس لكثرة الجيش من ~~المجوس فقال عمر: لو تحيز إلي لكنت له فئة، ويروى عنه أنا فئة كل مسلم. ~~وقال الضحاك في قوله { أو متحيزا إلى فئة }: المتحيز الفار ~~إلى النبي وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه، فأما إن كان ~~الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب فإنه حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه ~~البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " " اجتنبوا السبع الموبقات " قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: " الشرك ~~بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل ~~مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " " # ولهذا قال تعالى: { فقد بآء } أي رجع { بغضب من الله ~~ومأواه } أي مصيره ومنقلبه يوم ميعاده { جهنم وبئس ~~المصير }. # وقال الإمام أحمد عن بشير بن معبد قال: # " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه فاشترط علي شهادة أن لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، ~~وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله؛ فقلت ~~يا رسول الله أما اثنتان فوالله لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ~~ولى الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت ~~الموت. والصدقة، فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذودهن ms1029 رسل أهلي وحمولهم، ~~فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حرك يده ثم قال: " فلا جهاد ~~ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذا "؟ قلت: يا رسول الله أنا أبايعك، فبايعته ~~عليهن كلهن " # وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حراما على الصحابة، لأن الجهاد ~~كان فرض عين عليهم، وقيل: على الأنصار خاصة لأنهم بايعوا على السمع ~~والطاعة في المنشط والمكره، وقيل: المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة. ~~وحجتهم في هذا أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها إلا عصابتهم تلك ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض " # ، ولهذا قال الحسن في قوله: { ومن يولهم يومئذ دبره } ~~قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر فلا بأس عليه، ~~وقال ابن المبارك عن يزيد بن أبي حبيب: أوجب الله تعالى لمن فر يوم بدر ~~النار، قال: { ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء ~~بغضب من الله } ، فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: # إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان # [آل عمران: 155]، إلى قوله: # ولقد عفا الله عنهم # [آل عمران: 155]، ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين، قال: # ثم وليتم مدبرين... ثم يتوب الله من بعد ذلك ~~على من يشآء # [التوبة: 25-27]. وعن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية: { ومن ~~يولهم يومئذ دبره } إنما أنزلت في أهل بدر، وهذا كله لا ~~ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر وإن كان سبب نزول ~~الآية فيهم كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من ~~الموبقات كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم. ### || [8.17-18] # يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم ~~من خير، لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم عليه، ولهذا قال: { فلم ~~تقتلوهم ولكن الله قتلهم } أي ليس بحولكم وقوتكم ~~قتلتم أعداءكم، مع كثرة عددهم وقلة ms1030 عددكم، بل هو الذي أظفركم عليهم كما ~~قال: # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة # [آل عمران: 123] الآية، وقال تعالى: # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين ~~إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا # [التوبة: 25] يعلم تبارك وتعالى أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد، ~~وإنما النصر من عنده تعالى، كما قال تعالى: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين # [البقرة: 249]، ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أيضا في شأن ~~القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر { وما رميت ~~إذ رميت ولكن الله رمى } أي هو الذي بلغ ذلك إليهم ~~وكبتهم بها لا أنت، قال ابن عباس: # " رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يعني يوم بدر فقال: " يا رب إن ~~تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا " فقال له جبريل: خذ قبضة من ~~التراب فارم بها في وجوههم، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم، فما ~~من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا ~~مدبرين " # وقال محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي: # " لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من ~~تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: " شاهت الوجوه " ، فدخلت في أعينهم ~~كلهم " # ، وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم ويأسرونهم وكانت ~~هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: { وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى }. وقال عروة بن ~~الزبير في قوله: { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } ~~أي ليعرف المؤمنين نعمته عليهم، من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلة ~~عددهم، ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته، { إن الله سميع ~~عليم } أي سميع الدعاء { عليم } بمن يستحق النصر والغلب، وقوله: { ~~ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين } هذه بشارة أخرى ~~مع ما حصل من النصر أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين، فيما ~~يستقبل مصغر أمرهم، وأنهم كل ما ms1031 لهم في تبار ودمار. ### || [8.19] # يقول تعالى للكفار: { إن تستفتحوا } أي تستنصروا وتستقضوا الله ~~وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم؛ كما ~~قال أبو جهل، قال حين التقى القوم: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا ~~نعرف فأحنه الغداة؛ فكان المستفتح؛ وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا ~~من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: اللهم انصر ~~أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين، فقال الله: { إن ~~تستفتحوا فقد جآءكم الفتح } يقول: قد نصرت ما قلتم، ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: { وإن تنتهوا } أي عما أنتم ~~فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله { فهو خير لكم } أي في ~~الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: { وإن تعودوا نعد } ، كقوله: # وإن عدتم عدنا # [الإسراء: 8]، معناه وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة نعد ~~لكم بمثل هذه الواقعة، وقال السدي: { وإن تعودوا } أي إلى ~~الاستفتاح { نعد } أي إلى الفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم والنصر له ~~وتظفيره على أعدائه، والأول أقوى. { ولن تغني عنكم فئتكم ~~شيئا ولو كثرت } أي ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن ~~كان الله معه فلا غالب له، { وأن الله مع المؤمنين } وهم ~~الحزب النبوي والجناب المصطفوي. ### || [8.20-23] # يأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، ويزجرهم عن مخالفته ~~والتشبه بالكافرين به المعاندين له، ولهذا قال: { ولا تولوا ~~عنه } أي تتركوا طاعته وامتثال أومراه وترك زواجره، { وأنتم ~~تسمعون } أي بعدما علمتم ما دعاكم إليه، { ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } قيل. المراد ~~المشركون، واختاره ابن جرير، وقال ابن إسحاق: هم المنافقون فإنهم يظهرون ~~أنهم قد سمعوا واستجابوا وليسوا كذلك، ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني ~~آدم شر الخلق والخليقة فقال: { إن شر الدواب عند الله ~~الصم } أي عن سماع الحق، { البكم } عن فهمه، ولهذا قال: { ~~الذين لا يعقلون } فهؤلاء شر البرية لأن كل دابة مما سواهم ~~مطيعة لله فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، ولهذا شبههم ~~بالأنعام في ms1032 قوله: # أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون # [الأعراف: 179] وقيل: المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من ~~قريش؛ ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح ولا قصد لهم صحيح - لو فرض أن ~~لهم فهما - فقال { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ~~} أي لأفهمهم وتقدير الكلام (و) لكن لا خير فيهم فلم يفهمهم لأنه يعلم ~~أنه { ولو أسمعهم } أي أفهمهم { لتولوا } عن ذلك قصدا ~~وعنادا بعد فهمهم ذلك { وهم معرضون } عنه. ### || [8.24] # قال البخاري: { استجيبوا } أجيبوا { لما يحييكم } لما ~~يصلحكم، عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: # " كنت أصلي فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فدعاني، فلم آته حتى صليت، ~~ثم أتيته فقال: " ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله: { يأيها ~~الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ~~لما يحييكم } ، ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج ~~" ، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرت له. فقال: { ~~الحمد لله رب العالمين } هي السبع المثاني " # وقال مجاهد { لما يحييكم } قال: للحق، وقال قتادة { لما ~~يحييكم } هو هذا القرآن فيه النجاة والبقاء والحياة؛ وقال السدي: { ~~لما يحييكم } ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر، وقوله تعالى: ~~{ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } ، ~~قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان؛ ~~وقال السدي: لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه، وقد وردت الأحاديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يناسب هذه الآية؛ قال الإمام أحمد عن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: " يا مقلب القلوب ثبت ~~قلبي على دينك " قال: فقلنا يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف ~~علينا؟ قال: " نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها " ". # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من قلب ms1033 إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين إذا شاء ~~أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه " # ، وكان يقول: # " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " # قال: # " والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه " # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن أم سلمة أن رسول صلى الله عليه وسلم كان ~~يكثر في دعائه يقول: # " " اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " قالت، فقلت: يا رسول الله أو ~~إن القلوب لتقلب؟ قال: " نعم ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا أن قلبه ~~بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه، ~~فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من ~~لدنه رحمة إنه هو الوهاب " قالت: فقلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة ~~أدعو بها لنفسي؟ قال: " بلى، قولي اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، ~~وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني " ". ### || [8.25] # يحذر تعالى عباده المؤمنين { فتنة } أي اختبارا ومحنة يعم بها ~~المسيء وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي، ولا من باشر الذنب، بل يعمهما حيث ~~لم تدفع وترفع، كما قال الإمام أحمد عن مطرف، قال: قلنا للزبير يا أبا ~~عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ ~~فقال الزبير رضي الله عنه: إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم: { واتقوا فتنة لا ~~تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة } ، لم نكن نحسب أنا ~~أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت. وروى ابن جرير عن الحسن قال، قال الزبير: ~~لقد خوفنا - يعني قوله تعالى: { واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خآصة } ونحن مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وما ظننا أنا خصصنا بها خاصة؛ وقال الحسن في هذه الآية: نزلت في ~~(علي، وعمار، وطلحة، والزبير) رضي الله عنهم، وقال الزبير: لقد قرأت هذه ~~الآية زمانا وما أرانا من أهلها فإذا نحن المعنيون ms1034 بها { واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة } ، وقال ~~السدي: نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا، وقال ابن ~~عباس: { لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة } يعني ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وقال في رواية له عن ابن عباس في ~~تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين أن يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم ~~الله بالعذاب، وهذا تفسير حسن جدا، ولهذا قال مجاهد: هي أيضا لكم، ~~والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم وإن كان الخطاب معهم هو ~~الصحيح ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن، عن عدي بن عميرة ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ~~ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله ~~الخاصة والعامة ". # (حديث آخر): قال الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن الله أن ~~يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم " # ، وقال حذيفة رضي الله عنه: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيصير منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم من المقعد ~~الواحد أربع مرات، لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، ولتحاضن على ~~الخير، أو ليسحتكم الله جميعا بعذاب، أو ليؤمرن عليكم شراركم ثم يدعو ~~خياركم فلا يستجاب لهم. (حديث آخر): قال الإمام أحمد أيضا عن عامر رضي ~~الله عنه قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول - وأومأ بأصبعيه إلى أذنيه ~~- يقول: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمدهن فيها كمثل قوم ~~ركبوا سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان ~~الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو ~~خرقنا في نصيبنا خرقا فاستقينا منه ولم نؤذ من فوقنا! فإن تركوهم وأمرهم ~~هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ms1035 جميعا. # (حديث آخر): عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده " فقلت؟ يا رسول ~~الله أما فيهم أنا صالحون؟ قال: " بلى " قالت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: " ~~يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان " # وفي رواية: # " ما من قوم يعملون بالمعاصي وفيهم رجل أعز منهم وأمنع لا يغيره، إلا ~~عمهم الله بعقاب أو أصابهم العقاب " # وفي أخرى عن عائشة ترفعه: # " " إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأهل الأرض بأسه " فقلت: وفيهم ~~أهل طاعة الله؟ قال: " نعم ثم يصيرون إلى رحمة الله " ". ### || [8.26] # ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم، حيث كانوا ~~قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من ~~الطيبات، وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة، قليلين مستخفين ~~مضطهدين، يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله، لقلتهم وعدم قوتهم، ~~فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة فآواهم إليها، ~~وقيض لهم أهلها آووا ونصروا وواسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة الله ~~وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذل ~~الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، وأبينه ضلالا، ~~من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، ~~والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلا منهم، ~~حتى جاء الله بالإسلام فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ~~ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على ~~نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله. ### || [8.27-28] # " أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم بذلك، وأشار بيده ms1036 إلى حلقه أي إنه الذبح، ~~ثم فطن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقا حتى ~~يموت أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية ~~منه، فمكث كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر مغشيا عليه من الجهد، حتى أنزل ~~الله توبته على رسوله، فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن ~~يحلوه من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بيده فحله، فقال: يا رسول الله إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة، ~~فقال: " يجزيك الثلث أن تصدق به " # وقال ابن جرير: نزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي الله عنه { يأيها ~~الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول } الآية. وفي " ~~الصحيحين " # " قصة (حاطب بن أبي بلتعة) أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إياهم عام الفتح، فأطلع الله رسوله على ذلك، فبعث في إثر ~~الكتاب فاسترجعه، واستحضر حاطبا فأقر بما صنع، وفيها فقام عمر بن الخطاب ~~فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟ ~~فقال: " دعه فإنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر ~~فقال: " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " # ، والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبيل خاص، فالأخذ بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء والخيانة تعم الذنوب ~~الصغار والكبار اللازمة والمتعدية، وقال ابن عباس: { وتخونوا ~~أماناتكم }: الأمانة الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد يعني ~~الفريضة، يقول: لا تخونوا لا تنقضوها، وقال في رواية: لا تخونوا الله ~~والرسول يقول: بترك سنته وارتكاب معصيته. # وقال السدي: إذا خانوا الله ورسوله فقد خانوا أماناتهم. وقال أيضا: ~~كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فيفشونه حتى يبلغ ~~المشركين، وقال ابن زيد: نهاكم أن تخونوا الله والرسول كما صنع ~~المنافقون، وقوله: { واعلموا أنمآ أموالكم ~~وأولادكم فتنة } أي اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها ~~ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه ms1037 فيها أو تشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه ~~كما قال تعالى: { أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة ~~وأن الله عنده أجر عظيم } ، وقال: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35]، وقال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله # [المنافقون: 9]، وقوله: { وأن الله عنده أجر عظيم } أي ~~ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد، فإنه قد يوجد منهم ~~عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئا، والله سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا ~~والآخرة، ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة، وفي الأثر يقول الله تعالى: ~~يا ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل ~~شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء، وفي " الصحيح " عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان أن يلقى في النار ~~أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه " # ، بل حب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدم على الأولاد والأموال ~~والنفوس كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله ~~والناس أجمعين ". ### || [8.29] # قال ابن عباس وغير واحد { فرقانا } مخرجا، زاد مجاهد: في الدنيا ~~والآخرة، وفي رواية عن ابن عباس: { فرقانا } نجاة، وفي رواية عنه: ~~نصراء. وقال محمد بن إسحاق: { فرقانا } أي فصلا بين الحق والباطل؛ ~~وهذا التفسير أعم مما تقدم، وهو يستلزم ذلك كله، فإن من اتقى الله بفعل ~~أوامره وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ~~ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا وسعادته يوم القيامة وتكفير ذنوبه وهو ~~محوها، وغفرها: سترها عن الناس، وسببا لنيل ثواب الله الجزيل كقوله ~~تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم # [الحديد: 28]. ### || [8.30] ms1038 # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: { ليثبتوك } ليقيدوك؛ وقال عطاء وابن ~~زيد: ليحبسوك، وقال السدي: الإثبات هو الحبس والوثاق، وهذا يشمل ما قاله ~~هؤلاء وهؤلاء، وهو مجمع الأقوال، وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء، ~~وقال عطاء: سمعت (عبيد بن عمير) يقول: # " لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، ~~قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: " يريدون أن يسجنوني ~~أو يقتلوني أو يخرجوني " ، قال: من أخبرك بهذا؟ قال: " ربي " ، قال: نعم ~~الرب ربك استوص به خيرا، قال: " أنا استوصي به؟ بل هو يستوصي بي " ، قال ~~فنزلت: { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك } " # الآية. والدليل على صحة ما قلنا، ما روى محمد بن إسحاق صاحب المغازي عن ~~مجاهد عن ابن عباس: أن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا ~~دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا له من ~~أنت؟ قال شيخ من أهل نجد سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم ~~رأيي ونصحي قالوا: أجل أدخل فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، ~~والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ~~ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير ~~والنابغة، قال: فصرخ عدو الله فقال: والله ما هذا برأي، والله ليخرجنه ~~ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم ~~فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، قالوا صدق الشيخ ~~فانظروا في غير هذا؛ قال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه، ~~فإنه إذا خرج لن يضركم ما نصع إذا غاب عنكم أذاه، فقال الشيخ النجدي: ~~والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذ القلوب ~~ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه، ثم ~~ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم، قالوا ms1039 صدق والله، ~~فانظروا رأيا غير هذا؛ قال: فقال أبو جهل لعنه الله: والله لأشيرن عليكم ~~برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، لا أرى غيره، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من ~~كل قبيلة غلاما شابا وسيطا نهدا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، ~~ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فما أظن ~~هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا ~~العقل (الدية) واسترحنا وقطعنا عنا أذاه، قال: فقال الشيخ النجدي، هذا ~~والله الرأي، القول ما قال الفتى، ولا أرى غيره؛ قال: فتفرقوا على ذلك ~~وهم مجمعون له، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في ~~مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل الله ~~عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده: { وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو ~~يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير ~~الماكرين } ، وأنزل في قولهم تربصوا به ريب المنون: # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون # [الطور: 30]. # قال ابن إسحاق: أتاه جبريل عليه السلام فأمره أن لا يبيت في مكانه الذي ~~كان يبيت فيه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم (علي بن أبي طالب) ~~فأمره أن يبيت على فراشه ويتسجى ببرد له أخضر، ففعل ثم خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على القوم، وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب فجعل ~~يذروها على رؤوسهم، وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه صلى الله عليه وسلم وهو ~~يقرأ: # يس * والقرآن الحكيم # [يس: 1-2] إلى قوله: # فأغشيناهم فهم لا يبصرون # [يس: 9]. وقد روى ابن حبان في " صحيحه " والحاكم في " مستدركه " عن ابن ~~عباس قال: # " دخلت فاطمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال: " ما ~~يبكيك يا بنية "؟ قالت: يا أبت ومالي لا أبكي وهؤلاء الملأ من ms1040 قريش في ~~الحجر يتعاهدون باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأوك لقاموا ~~إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك، فقال: يا بنية ~~ائتني بوضوء " ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج إلى المسجد، ~~فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، فطأطأوا رؤوسهم، وسقطت رقابهم بين أيديهم فلم ~~يرفعوا أبصارهم، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب ~~فحصبهم بها، وقال: " شاهت الوجوه " فما أصاب رجلا منهم حصاة من حصياته ~~إلا قتل يوم بدر كافرا " # وعن ابن عباس في قوله: { وإذ يمكر بك } الآية. قال: # " تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل ~~اخرجوه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فبات علي رضي الله ~~عنه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليا رد الله تعالى ~~مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا ~~الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج ~~العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ~~ثلاث ليال " # وقال عروة بن الزبير في قوله: { ويمكرون ويمكر الله } أي ~~فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم. ### || [8.31-33] # يخبر تعالى عن كفار قريش وعتوهم وتمردهم وعنادهم، ودعواهم الباطل عند ~~سماع آياته، إذا تتلى عليهم أنهم يقولون: { قد سمعنا لو نشآء ~~لقلنا مثل هذا } وهذا منهم قول بلا فعل، وإلا فقد تحدوا غير ~~ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله فلا يجدون إلى ذلك سبيلا، وقد قيل: إن ~~القائل لذلك هو (النضر بن الحارث)، فإنه لعنه الله كان قد ذهب إلى بلاد ~~فارس، وتعلم من أخبار ملوكهم رستم وأسفنديار، ولما قدم وجد رسول الله صلى ms1041 ~~الله عليه وسلم قد بعثه الله، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان عليه ~~الصلاة والسلام إذا قام من مجلس، جلس فيه النضر فحدثهم من أخبار أولئك، ~~ثم يقول: بالله أينا أحسن قصصا أنا أو محمد؟ ولهذا لما أمكن الله تعالى ~~منه يوم بدر ووقع في الأسارى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تضرب ~~رقبته صبرا بين يديه، ففعل ذلك ولله الحمد، وكان الذي أسره (المقداد بن ~~الأسود) رضي الله عنه كما قال ابن جرير. ومعنى { أساطير الأولين ~~} جمع أسطورة: أي كتبهم، اقتبسها فهو يتعلم منها ويتلوها على الناس، وهذا ~~هو الكذب البحت، كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى: # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5] إلى # إنه كان غفورا رحيما # [الفرقان: 6] أي لمن تاب إليه وأناب فإنه يتقبل منه ويصفح عنه. # وقوله تعالى: { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء ~~أو ائتنا بعذاب أليم } هذا من كثرة جهلهم وشدة تكذيبهم ~~وعنادهم وعتوهم، وهذا مما عيبوا به، وكان الأولى لهم أن يقولوا: اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه، ولكن استفتحوا على ~~أنفسهم واستعجلوا العذاب وتقديم العقوبة، كقوله تعالى: # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجآءهم العذاب # [العنكبوت: 53]، # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب # [ص: 16]، وقوله: # سأل سآئل بعذاب واقع # [المعارج: 1]، وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة كما قال قوم شعيب له: # فأسقط علينا كسفا من السمآء إن كنت من ~~الصادقين # [الشعراء: 187]. عن أنس بن مالك قال أبو جهل ابن هشام: { اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم } ، فنزلت: ~~{ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون } وقال الأعمش عن ابن عباس ~~في قوله { وإذ قالوا اللهم } الآية، قال: هو النضر بن الحارث ~~بن كلدة قال: فأنزل الله: # سأل سآئل بعذاب واقع * للكافرين ليس له ~~دافع # [المعارج: ms1042 1-2]. # وقوله تعالى: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ~~وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } ، قال ابن ~~عباس: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا ~~شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك، فأنزل ~~الله: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } الآية. # قال ابن عباس: كان فيهم أمانان النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، ~~فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار. وعن ابن عباس: { وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } يقول ما كان الله ليعذب ~~قوما وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم، ثم قال: { وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون } يقول: وفيهم ممن قد سبق له من ~~الله الدخول في الإيمان، وهو الاستغفار، يستغفرون يعني يصلون، يعني بهذا ~~أهل مكة، وقال الضحاك: { وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } يعني المؤمنين الذين كانوا بمكة. وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أنزل الله علي أمانين لأمتي: { وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } ، فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة " # ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في ~~أجسادهم، فقال الرب وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ". ### || [8.34-35] # يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولهذا لما خرج من بين أظهرهم أوقع ~~الله بهم بأسه يوم بدر فقتل صناديدهم، وأسر سراتهم، وأرشدهم تعالى إلى ~~الاستغفار من الذنوب التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد، قال قتادة ~~والسدي: لم يكن القوم يستغفرون ولو كانوا يستغفرون ما عذبوا. قال ابن ~~جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا، قال في الأنفال: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 33] فنسختها الآية التي تليها { وما لهم ألا ~~يعذبهم الله } إلى ms1043 قوله: { فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون } فقاتلوا بمكة فأصابهم فيها الجوع والضر، وقال ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس: # وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 33]، ثم استثنى أهل الشرك فقال: { وما لهم ألا ~~يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام } ~~، وقوله: { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون ~~عن المسجد الحرام وما كانوا أوليآءه إن ~~أوليآؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } أي وكيف لا يعذبهم وهم يصدون عن المسجد الحرام أي الذي ~~بمكة، يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة فيه والطواف به، ولهذا ~~قال: { وما كانوا أوليآءه إن أوليآؤه إلا ~~المتقون } أي هم ليسوا أهل المسجد الحرام وإنما أهله النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه، كما قال تعالى: # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين ~~على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم ~~وفي النار هم خالدون * إنما يعمر مساجد الله ~~من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن ~~يكونوا من المهتدين # [التوبة: 17-18]، وقال تعالى: # وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ~~وإخراج أهله منه أكبر عند الله # [البقرة: 217] الآية. وقال الحافظ ابن مردويه في تفسير هذه الآية عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولياؤك؟ قال: " كل تقي " ، وتلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن أوليآؤه إلا المتقون ~~} " # وقال الحاكم في مستدركه. جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فقال: # " " هل فيكم من غيركم " فقالوا: فينا ابن أختنا وفينا حليفنا وفينا ~~مولانا، فقال: " حليفنا منا وابن أختنا منا ومولانا إن أوليائي منكم ~~المتقون " ". # وقال عروة والسدي في قوله تعالى: { أوليآؤه إلا المتقون ~~} قال: هم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وقال مجاهد: ~~هم المجاهدون من كانوا حيث كانوا، ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند ~~المسجد الحرام وما كانوا يعاملونه به، فقال: { وما كان صلاتهم ~~عند البيت إلا مكآء وتصدية } المكاء هو الصفير، ms1044 وزاد ~~مجاهد: وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم. # وقال السدي: المكاء الصفير على نحو طير أبيض يقال له المكاء ويكون بأرض ~~الحجاز. عن ابن عباس قال: كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق، ~~والمكاء الصفير، والتصدية التصفيق. وقال ابن جرير عن ابن عمر في قوله: { ~~وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية } ~~قال: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق، وعن ابن عمر أيضا أنه قال: إنهم ~~كانوا يضعون خدودهم على الأرض ويصفقون ويصفرون، ويصنعون ذلك ليخلطوا بذلك ~~على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين. ~~وعن سعيد بن جبير { وتصدية } قال: صدهم الناس عن سبيل الله عز ~~وجل، قوله: { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } قال ~~الضحاك وابن جريج ومحمد بن إسحاق هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي، ~~واختاره ابن جرير عن مجاهد قال: عذاب أهل الإقرار بالسيف، وعذاب أهل ~~التكذيب بالصيحة والزلزلة. ### || [8.36-37] # قال محمد بن إسحاق: لما أصيب قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو ~~سفيان بعيره، مشى (عبد الله بن أبي ربيعة) و (عكرمة بن أبي جهل) و (صفوان ~~بن أمية) في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا ~~أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا ~~معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه ~~لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا، ففعلوا، قال: ففيهم أنزل الله ~~عز وجل: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم } إلى ~~قوله { هم الخاسرون }. وقال الضحاك: نزلت في أهل بدر، وعلى كل ~~تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصا، فقد أخبر تعالى أن الكفار ~~ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع الحق، فسيفعلون ذلك، ثم تذهب أموالهم، ثم ~~تكون عليهم حسرة أي ندامة، حيث لم تجد شيئا لأنهم أرادوا إطفاء نور الله ~~وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، فهذا ~~الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش ms1045 منهم رأى بعينه ~~وسمع بأذنه ما يسوؤه، ومن قتل منهم أو مات فإلى الخزي الأبدي والعذاب ~~السرمدي، ولهذا قال: { فسينفقونها ثم تكون عليهم ~~حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم ~~يحشرون } ، وقوله تعالى: { ليميز الله الخبيث من ~~الطيب } قال ابن عباس: يميز أهل السعادة من أهل الشقاء، وقال السدي: ~~يميز المؤمن من الكافر؛ وهذا يحتمل أن يكون هذا التميز في الآخرة، كقوله: # ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركآؤكم فزيلنا بينهم # [يونس: 28] الآية، وقوله: # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون # [الروم: 14]، وقال في الآية الأخرى: # يومئذ يصدعون # [الروم: 43]، وقال تعالى: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59]، ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا بما يظهر من أعمالهم ~~للمؤمنين، أي: إنما أقدرناهم على ذلك { ليميز الله الخبيث ~~من الطيب } أي من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول ~~عن ذلك، كقوله: # ومآ أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ~~وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا # [آل عمران: 166-167] الآية، وقال تعالى: # ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب # [آل عمران: 179] الآية، فمعنى الآية على هذا إنما ابتليناكم بالكفار ~~يقاتلونكم وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك { ليميز ~~الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه ~~على بعض فيركمه } أي يجمعه كله، وهو جمع الشيء بعضه على بعض ~~كما قال تعالى في السحاب # ثم يجعله ركاما # [النور: 43] أي متراكما متراكبا، { فيجعله في جهنم ~~أولئك هم الخاسرون } أي هؤلاء هم الخاسرون في الدنيا ~~والآخرة. ### || [8.38-40] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { قل للذين كفروا ~~إن ينتهوا } أي عما هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد ويدخلوا في ~~الإسلام والطاعة والإنابة يغفر لهم ما قد سلف: أي من كفرهم وذنوبهم ~~وخطاياهم، كما جاء في " الصحيح ": # " من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في ~~الإسلام أخذ بالاول والآخر " # وفي الصحيح أيضا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما كان ms1046 قبلها " # وقوله: { وإن يعودوا } أي يستمروا على ما هم فيه، { فقد ~~مضت سنة الأولين }: أي فقد مضت سنتنا في الأولين أنهم إذا ~~كذبوا واستمروا على عنادهم أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة، قال مجاهد في ~~قوله: { فقد مضت سنة الأولين } أي في قريش يوم بدر وغيرها ~~من الأمم، وقوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين كله لله } ، قال البخاري عن ابن عمر: أن رجلا ~~جاء فقال: يا أبا عبد الرحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9] الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ ~~فقال: يا ابن أخي أعير بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي من أن أعير ~~بالآية التي يقول الله، قال عز وجل: # ومن يقتل مؤمنا متعمدا # [النساء: 93] إلى آخر الآية. قال فإن الله تعالى يقول: { وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة } ، قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذ كان الإسلام قليلا، وكان الرجل يفتن في ~~دينه، إما أن يقتلوه وإما أن يوثقوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، فلما ~~رأى أنه لا يوافقه فيما يريد، قال: فما قولكم في علي وعثمان؟ قال ابن ~~عمر: أما عثمان فكان الله قد عفا عنه وكرهتم أن يعفو الله عنه، وأما علي ~~فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه وأشار بيده، وهذه ابنته أو ~~بنته حيث ترون. وأتى رجلان في فتنة ابن الزبير إلى ابن عمر فقالا: إن ~~الناس قد صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر بن الخطاب وأنت صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني الله أن حرم علي دم ~~المسلم، قالوا: أولم يقل الله: { وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله } قال: قد قاتلنا حتى لم تكن ~~فتنة وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون ~~الدين لغير الله. # وقال الضحاك عن ابن عباس: { وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ms1047 } يعني لا يكون شرك. # وقال عروة بن الزبير: { حتى لا تكون فتنة } حتى لا يفتن ~~مسلم عن دينه، وقوله: { ويكون الدين كله لله } ، وقال الضحاك ~~عن ابن عباس: يخلص التوحيد لله؛ وقال الحسن وقتادة: أن يقال لا إله إلا ~~الله، أن يكون التوحيد خالصا لله فليس فيه شرك ويخلع ما دونه من ~~الأنداد، وقال عبد الرحمن بن أسلم: { ويكون الدين كله لله } ~~لا يكون مع دينكم كفر، ويشهد لهذا ما ثبت في " الصحيحين " عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل " # وقوله: { فإن انتهوا } عما هم فيه من الكفر فكفوا عنه، وإن لم ~~تعلموا بواطنهم { فإن الله بما يعملون بصير } ، كقوله: # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم # [التوبة: 5] الآية. وفي الآية الأخرى: # فإخوانكم في الدين # [التوبة: 11]، وقال: # فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين # [البقرة: 193]. وفي الصحيح # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسامة لما علا ذلك الرجل ~~بالسيف، فقال لا إله إلا الله فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله صلى عليه ~~وسلم، فقال لأسامة: " أقتلته بعدما قال لا إلا إلا الله؟ وكيف تصنع بلا ~~إله إلا الله يوم القيامة "؟ فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذا، قال: ~~" هلا شققت عن قلبه " ، وجعل يقول ويكرر عليه: " من لك بلا إله إلا الله ~~يوم القيامة "؟ قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ " # ، وقوله: { وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم ~~نعم المولى ونعم النصير } أي وإن استمروا على خلافكم ~~ومحاربتكم { فاعلموا أن الله مولاكم } سيدكم وناصركم ~~على أعدائكم فنعم المولى ونعم النصير. ### || [8.41] # يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصا لهذه الآمة الشريفة من بين سائر الأمم ~~المتقدمة إحلال الغنائم، والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف ~~الخيل والركاب، والفيء ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون ~~عليها أو يتوفون عنها ms1048 ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك؛ هذا مذهب ~~الإمام الشافعي، ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة ~~والعكس أيضا، { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه } توكيد لتخميس كل قليل وكثير حتى الخيط والمخيط، قال ~~الله تعالى: # ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة # [آل عمران: 161] الآية، وقوله: { فأن لله خمسه وللرسول ~~} اختلف المفسرون ههنا، فقال بعضهم لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة. ~~وقال آخرون: ذكر الله ههنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم. قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية ~~فغنموا خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرأ: { واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ~~} ، فأن لله خمسة: مفتاح كلام: # ولله ما في السموت وما في الأرض # [آل عمران: 109]، فجعل سهم الله وسهم الرسول صلى الله عليه وسلم واحدا، ~~ويؤيد هذا ما رواه الحافظ البيهقي بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن ~~رجل قال: # " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى، وهو يعرض فرسا، ~~فقلت: يا رسول الله ما تقول في الغنيمة؟ فقال: " لله خمسها وأربعة ~~أخماسها للجيش " قلت فما أحد أولى به من أحد؟ قال: " لا ولا السهم ~~تستخرجه من جيبك ليس أنت أحق به من أخيك المسلم " ". # وقال ابن جرير عن الحسن قال: أوصى الحسن بالخمس من ماله، وقال: ألا أرضى ~~من مالي بما رضي الله لنفسه؛ وعن عطاء قال: خمس الله والرسول واحد يحمل ~~منه ويصنع فيه ما شاء، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أعم وأشمل، ~~وهو أنه صلى الله عليه وسلم يتصرف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء ~~ويرده في أمته كيف شاء. ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد عن المقدام بن ~~معد يكرب الكندي: أنه جلس مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء والحارث ابن ~~معاوية الكندي رضي الله عنهم، فتذاكروا حديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال ms1049 أبو الدرداء لعبادة: # " يا عبادة كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة كذا وكذا في شأن ~~الأخماس، فقال عبادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوة ~~إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناول ~~وبرة بين أنملتيه فقال: " إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي ~~معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك ~~وأصغر، ولا تغلوا، فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، ~~وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، ~~وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، وجاهدوا في الله، فإن الجهاد باب من ~~أبواب الجنة عظيم ينجي الله به من الهم والغم " # وعن عمرو بن عنبسة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم ~~أخذ وبرة من هذا البعير ثم قال: " ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه إلا ~~الخمس والخمس مردود عليكم " # وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم من الغنائم شيء يصطفيه لنفسه عبد أو ~~أمة أو فرس أو سيف أو نحو ذلك، كما نص عليه محمد بن سيرين وعامر الشعبي، ~~وتبعهما على ذلك أكثر العلماء. وروى الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى ~~فيه الرؤيا يوم أحد، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت صفية من الصفي، ~~وعن يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أديم ~~فقرأناها فإذا فيها: " من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش، إنكم إن ~~شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم ~~الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي صلى الله عليه وسلم، وسهم ~~الصفي، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله " ، فقلنا: من كتب لك هذا؟ فقال: ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذه أحاديث جيدة ms1050 تدل على تقرير هذا ~~وثبوته؛ ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه، ~~وقال آخرون: إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين كما يتصرف في ~~مال الفيء. # وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية رحمه الله: وهذا قول مالك وأكثر ~~السلف وهو أصح الأقوال، فإذا ثبت هذا وعلم فقد اختلف أيضا في الذي كان ~~يناله عليه السلام من الخمس ماذا يصنع به من بعده؟ فقال قائلون: يكون لمن ~~يلي الأمر من بعده، وقال آخرون: يصرف في مصالح المسلمين؛ وقال آخرون: بل ~~هو مردود على بقية الأصناف ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ~~اختاره ابن جرير. وقال آخرون: بل سهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي ~~القربى مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل، قال ابن جرير: وذلك ~~قول جماعة من أهل العراق، وقيل: إن الخمس جميعه لذوي القربى، ثم اختلف ~~الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~قائلون: سهم النبي صلى الله عليه وسلم يسلم للخليفة من بعده، وقال ~~آخرون: لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال آخرون: سهم القرابة لقرابة ~~الخليفة، واجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل ~~الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. # قال الأعمش عن إبراهيم: كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الكراع والسلاح، فقلت لإبراهيم: ما كان علي يقول فيه؟ ~~قال: كان أشدهم فيه، وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء رحمهم الله، وأما ~~سهم ذوي القربى فإنه يصرف إلى (بني هاشم) و (بني المطلب) لأن بني المطلب ~~وازروا بني هاشم في الجاهلية وفي أول الإسلام، ودخلوا معهم في الشعب ~~غضبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحماية له، مسلمهم طاعة لله ~~ولرسوله، وكافرهم حمية للعشيرة وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؛ وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل، وإن كانوا بني عمهم فلم ~~يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم ms1051 ونابذوهم، ومالأوا بطون قريش على حرب ~~الرسول. # وقال جبير بن مطعم: # " مشيت أنا وعثمان بن عفان، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا ~~رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة ~~واحدة؟ فقال: " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد " # وفي بعض روايات هذه الحديث: # " إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام " # ؛ وهذا قول جمهور العلماء أنهم بنو هاشم وبنو المطلب. قال ابن جرير: ~~وقال آخرون: هم بنو هاشم، ثم روى عن مجاهد قال: علم الله أن في بني هاشم ~~فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة، وفي رواية عنه قال: هم قرابة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة؛ عن ابن عباس قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رغبت لكم عن غسالة الأيدي، لأن لكم من خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم ~~" # ، وقوله: { واليتامى } أي أيتام المسلمين، واختلف العلماء هل يختص ~~بالأيتام الفقراء أو يعم الأغنياء والفقراء؟ على قولين، والمساكين هم ~~المحاويج الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ومسكنتهم { وابن السبيل } ~~هو المسافر أو المريد للسفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة وليس له ما ينفقه ~~في سفره ذلك، وسيأتي تفسير ذلك في آية الصدقات من سورة براءة إن شاء الله ~~تعالى. # وقوله تعالى: { إن كنتم آمنتم بالله ومآ أنزلنا ~~على عبدنا } أي امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر وما أنزل على رسوله، ولهذا جاء في " الصحيحين ~~" من حديث عبد الله بن عباس في وفد عبد القيس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لهم: # " وآمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله، ثم قال: هل ~~تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم " # الحديث فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان، وقوله: { يوم الفرقان ~~يوم التقى الجمعان } ينبه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه ms1052 ~~بما فرق بين الحق والباطل ببدر، ويسمى الفرقان، لأن الله أعلى فيه كلمة ~~الإيمان على كلمة الباطل، وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه، قال ابن عباس: يوم ~~الفرقان يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل. وقال عروة بن الزبير: { ~~يوم الفرقان } يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو ~~أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رأس المشركين (عتبة بن ~~ربيعة) فالتقوا يوم الجمعان لتسع عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان وأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلثمائة وبضعة عشر رجلا، والمشركون ~~ما بين الألف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على ~~السبعين وأسر منهم مثل ذلك، وكانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع ~~عشرة من رمضان. روى ابن مردويه عن علي قال: كانت ليلة الفرقان ليلة التقى ~~الجمعان في صبحيتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان، وهو الصحيح ~~عند أهل المغازي والسير. ### || [8.42] # يقول تعالى مخبرا عن يوم الفرقان: { إذ أنتم بالعدوة ~~الدنيا } أي إذ أنتم نزول بعدوة الوادي الدنيا القريبة إلى المدينة { ~~وهم } أي المشركون نزول { بالعدوة القصوى } أي البعيدة من ~~المدينة إلى ناحية مكة { والركب } أي العير الذي فيه أبو سفيان بما ~~معه من التجارة، { أسفل منكم } أي مما يلي سيف البحر { ولو ~~تواعدتم } أي أنتم والمشركون إلى مكان { لاختلفتم في ~~الميعاد } ، قال محمد بن إسحاق في هذه الآية: ولو كان ذلك عن ميعاد ~~منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم ما لقيتموهم { ولكن ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا } أي ليقضي الله ما أراد ~~بقدرته من اعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وأهله من غير ملأ منكم، ففعل ~~ما أراد من ذلك بلطفه وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ~~يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، وقال ابن ~~جرير: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ms1053 فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ~~ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقى السقاة ونهد الناس بعضهم لبعض، وقال محمد بن ~~إسحاق وبعث أبو سفيان إلى قريش فقال: إن الله قد نجى عيركم وأموالكم ~~ورجالكم فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نأتي بدرا - وكانت ~~بدر سوقا من أسواق العرب - فنقيم بها ثلاثا فنطعم بها الطعام وننحر بها ~~الجزر، ونسقي بها الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا، ~~فلا يزالون يهابوننا، بعدها أبدا. وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الناس فقال: # " هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها " # قال محمد بن إسحاق وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أن سعد بن معاذ ~~قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما التقى الناس يوم بدر: يا رسول ~~الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه وننيخ إليك ركائبك، ونلقى عدونا؟ فإن ~~أظفرنا الله عليهم وأعزنا فذاك ما نحب، وإن تكن الأخرى فتجلس على ركائبك ~~وتلحق بمن وراءنا من قومنا، فقد والله تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك ~~حبا منهم، لو علموا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك ويوازرونك وينصرونك، ~~فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له، فبني له عريش ~~فكان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ما معهما غيرهما، قال ~~ابن إسحاق: وارتحلت قريش حين أصبحت، فلما أقبلت ورآها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: قال: # " اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم ~~أحنهم الغداة " # وقوله: { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي ~~عن بينة } أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية والعبرة، ~~ويؤمن من آمن على مثل ذلك، يقول تعالى: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد ~~على غير ميعاد لينصركم عليهم، ويرفع كلمة الحق على الباطل، ليصير الأمر ~~ظاهرا، والحجة قاطعة والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، ~~فحينئذ يهلك من هلك، أي يستمر في الكفر من استمر فيه ms1054 على بصيرة من أمره ~~أنه مبطل لقيام الحجة عليه { ويحيى من حي } أي يؤمن من آمن { ~~عن بينة } أي حجة وبصيرة، والإيمان هو حياة القلوب، قال الله ~~تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام: 122]، وقالت عائشة في قصة الإفك: فهلك في من هلك، أي قال ~~فيها ما قال من البهتان والإفك، وقوله: { وإن الله لسميع } أي ~~لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به { عليم } أي بكم وأنكم تستحقون النصر ~~على أعدائكم الكفرة المعاندين. ### || [8.43-44] # قال مجاهد: أراهم الله إياه في منامه قليلا، وأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه بذلك فكان تثبيتا لهم، وقوله: { ولو أراكهم ~~كثيرا لفشلتم } أي لجبنتم عنهم واختلفتم فيما بينكم { ~~ولكن الله سلم } أي من ذلك بأن أراكهم قليلا، { إنه ~~عليم بذات الصدور } أي بما تجنه الضمائر وتنطوي عليه الأحشاء، # يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور # [غافر: 19]، وقوله: { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا } وهذا أيضا من لطفه تعالى بهم إذ أراهم إياهم ~~قليلا في رأي العين فيجزؤهم عليهم ويطمعهم فيهم. قال ابن مسعود رضي الله ~~عنه: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي تراهم سبعين؟ ~~قال: لا، بل هم مائة، حتى أخذنا رجلا منهم، فسألناه فقال: كنا ألفا، ~~وقوله: { ويقللكم في أعينهم } ، قال عكرمة: حضض بعضهم ~~على بعض، { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } أي ليلقي ~~بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد تمام ~~النعمة عليه من أهل ولايته، ومعنى هذا أنه تعالى أعزى كلا من الفريقين ~~بالآخر، وقلله في عينه ليطمع فيه، وذلك عند المواجهة، فلما التحم القتال ~~وأيد الله المؤمنين بألف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار يرى حزب ~~الإيمان ضعفيه، كما قال تعالى: # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم ~~رأي العين # [آل عمران: 13] وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين، فإن كلا منها حق وصدق ~~ولله الحمد والمنة. ### || [8.45-46] # هذا تعليم ms1055 من الله تعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند ~~مواجهة الأعداء فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم ~~فئة فاثبتوا }. وفي " الصحيحين ": # " " يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا ~~لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " ، ثم قام النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقال: " اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم ~~الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم " " # وفي الحديث: # " إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند ~~الجنازة " # وفي الحديث الآخر المرفوع يقول الله تعالى: # " إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه " # أي لا يشغله ذلك الحال عن ذكري ودعائي واستعانتي. وقال قتادة: افترض ~~الله ذكره عند أشغل ما يكون، عند الضرب بالسيوف. وعن كعب الأحبار قال: ما ~~من شيء أحب إلى الله تعالى من قراءة القرآن والذكر، ولولا ذلك ما أمر ~~الناس بالصلاة والقتال، ألا ترون أنه أمر الناس بالذكر عند القتال فقال: ~~{ يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون }. فأمر تعالى ~~بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا ولا ينكلوا ولا ~~يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه. بل يستعينوا به، ~~ويتوكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم، ولا يتنازعوا فيما بينهم ~~أيضا فيختلفوا، فيكون سببا لتخاذلهم وفشلهم. { وتذهب ريحكم } ~~أي قوتكم وحدتكم وما كنتم فيه من الإقبال { واصبروا إن الله ~~مع الصابرين } وقد كان للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة ~~والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن ~~لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما أمرهم فتحوا القلوب والأقاليم ~~شرقا وغربا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر ~~الأقاليم، وقهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان، ~~وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة، ~~فرضي الله عنهم وأرضاهم. ### || [8.47-49] # يقول تعالى بعد ms1056 أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله وكثرة ذكره، ~~ناهيا لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم بطرا، أي دفعا ~~للحق، { ورئآء الناس } وهو المفاخرة والتكبر عليهم، كما قال أبو ~~جهل: لا والله، لا نرجع حتى نرد ماء بدر وننحر الجزر، ونشرب الخمر وتعزف ~~علينا القيان، فانعكس ذلك عليه أجمع. لأنهم وردوا به الحمام، وركموا في ~~أطواء بدر مهانين أذلاء. في عذاب سرمدي أبدي، ولهذا قال: { والله ~~بما يعملون محيط } أي عالم بما جاءوا به، ولهذا جازاهم عليه شر ~~الجزاء لهم: قال ابن عباس ومجاهد: هم المشركون الذين قاتلوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقال محمد بن كعب، لما خرجت قريش من مكة إلى ~~بدر خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله: { ولا تكونوا كالذين ~~خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء الناس } ، وقوله تعالى: { ~~وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب ~~لكم اليوم من الناس وإني جار لكم } الآية؛ حسن ~~لهم لعنه الله ما جاءوا له وما هموا به، وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم ~~من الناس، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم، كما قال تعالى عنه: # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا # [النساء: 120]، قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر سار إبليس ~~برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبكم، ~~وإني جار لكم، فلما التقوا ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة { نكص ~~على عقبيه } قال: رجع مدبرا، وقال: { إني أرى ما لا ~~ترون } الآية. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم ~~بدر في جند من الشياطين معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج في صورة ~~(سراقة بن مالك بن جعشم) فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من ~~الناس وإني جار لكم، فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل ~~عليه السلام إلى إبليس، فلما رآه وكانت يده ms1057 في يد رجل من المشركين، انتزع ~~يده ثم ولى مدبرا وشيعته، فقال الرجل يا سراقة أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: ~~إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب، وذلك حين رأى ~~الملائكة، وقال قتادة: وذكر لنا أنه رأى جبريل عليه السلام تنزل معه ~~الملائكة، فعلم عدو الله أنه لا يدان له بالملائكة فقال: إني أرى ما لا ~~ترون إني أخاف الله، وكذب عدو الله، والله ما به مخافة الله، ولكن علم ~~أنه لا قوة له ولا منعة، وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه واستقاد له، حتى ~~إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم وتبرأ منهم عند ذلك. # قال تعالى: # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر ~~قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين # [الحشر: 16]، وقوله تعالى: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم # [إبراهيم: 22] الآية. # وقوله تعالى: { إذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم } ، وقال ابن عباس: لما ~~دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلل ~~المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: غر هؤلاء دينهم، وإنما ~~قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، فظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، ~~فقال الله: { ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز ~~حكيم } ، قال قتادة: وذكر لنا أن أبا جهل عدو الله لما أشرف على محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال: والله لا يعبد الله بعد اليوم قسوة ~~وعتوا، وقال ابن جريج: هم قوم كانوا من المنافقين بمكة قالوه يوم بدر، ~~وقال الشعبي: كان ناس من أهل مكة قد تكلموا بالإسلام فخرجوا مع المشركين ~~يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: غر هؤلاء دينهم، وقال مجاهد: ~~هم فئة من قريش خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب فحبسهم ارتيابهم، ~~فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: غر هؤلاء ~~دينهم، حتى قدموا على ما قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم. ms1058 وهكذا قال ~~محمد بن إسحاق بن يسار سواء. وقال ابن جرير عن الحسن في هذه الآية قال: ~~هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين، وقوله: { ومن ~~يتوكل على الله } أي يعتمد على جنابه { فإن الله ~~عزيز } أي لا يضام من التجأ إليه، فإن الله عزيز منيع الجناب عظيم ~~السلطان { حكيم } في أفعاله لا يضعها إلا في مواضعها، فينصر من يستحق ~~النصر، ويخذل من هو أهل لذلك. ### || [8.50-51] # يقول تعالى: ولو عاينت يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار، لرأيت ~~أمرا عظيما هائلا فظيعا منكرا، إذ { يضربون وجوههم ~~وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق }. قال ابن عباس: إذا ~~أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولو ~~أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم، وقال مجاهد في قوله: { يضربون ~~وجوههم وأدبارهم } يوم بدر، وقال سعيد بن جبير { يضربون ~~وجوههم وأدبارهم } قال: وأستاههم، ولكن الله يكني؛ والسياق ~~وإن كان سببه وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا قال تعالى: { ~~ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم } وفي سورة القتال مثلها، وتقدم ~~قوله تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم # [الأنعام: 93] أي باسطو أيديهم بالضرب فيهم بأمر ربهم إذا استصعبت ~~أنفسهم، وامتنعت من الخروج من الأجساد أن تخرج قهرا، وذلك إذا بشروهم ~~بالعذاب والغضب من الله، كما في حديث البراء: # " أن ملك الموت إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة المنكرة يقول: ~~اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سموم وحميم وظل من يحموم، فتتفرق في بدنه، ~~فيستخرجونها من جسده كما يخرج السفود من الصوف المبلول، فتخرج معها ~~العروق والعصب " # ، ولهذا أخبر تعالى أن الملائكة تقول لهم: ذوقوا عذاب الحريق، وقوله ~~تعالى: { ذلك بما قدمت أيديكم } أي هذا الجزاء بسبب ما ~~عملتم من الأعمال السيئة في حياتكم الدنيا، جازاكم الله بها هذا الجزاء، ~~{ وأن الله ليس بظلام للعبيد }: أي لا يظلم أحدا ~~من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور، تبارك وتقدس الغني الحميد، ms1059 ~~ولهذا جاء في الحديث القدسي الصحيح: # " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، ~~يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن ~~وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ". ### || [8.52] # يقول تعالى: فعل هؤلاء من المشركين المكذبين بما أرسلت به يا محمد، كما ~~فعل الأمم المكذبة قبلهم، ففعلنا بهم ما هو دأبنا، أي عادتنا وسنتنا في ~~أمثالهم من المكذبين من آل فرعون، ومن قبلهم من الأمم المكذبة بالرسل، ~~الكافرين بآيات الله { فأخذهم الله بذنوبهم } أي بسبب ~~ذنوبهم أهلكهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر { إن الله قوي شديد ~~العقاب } أي لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب. ### || [8.53-54] # يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها ~~على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه، كقوله تعالى: # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم # [الرعد: 11]، وقوله: { كدأب آل فرعون } أي كصنعه بآل فرعون ~~وأمثالهم حين كذبوا بآياته، أهلكهم بسبب ذنوبهم. وسلبهم تلك النعم التي ~~أسداها إليهم من جنات وعيون، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ~~ذلك بل كانوا هم الظالمين. ### || [8.55-57] # أخبر تعالى أن شر ما دب على وجه الأرض هم الذين كفروا فهم لا يؤمنون، ~~الذين كلما عاهدوا عهدا نقضوه، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه، { وهم ~~لا يتقون }: أي لا يخافون من الله في شيء ارتكبوه من الآثام، { ~~فإما تثقفنهم في الحرب } أي تغلبهم وتظفر بهم في حرب { ~~فشرد بهم من خلفهم } أي نكل بهم، ومعناه: غلظ عقوبتهم ~~وأثخنهم قتلا ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم ~~عبرة { لعلهم يذكرون } لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم ~~مثل ذلك. ### || [8.58] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وإما تخافن من قوم ~~} قد عاهدتهم { خيانة } أي نقضا لما بينك وبينهم من المواثيق ~~والعهود { فانبذ إليهم } أي عهدهم على سواء: أي أعلمهم بأنك قد ~~نقضت عهدم حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم وهم حرب لك، ms1060 وأنه لا عهد ~~بينك وبينهم على السواء، أي تستوي أنت وهم في ذلك، قال الراجز: # فاضرب وجوه الغدر للأعداء # حتى يجيبوك إلى السواء # { إن الله لا يحب الخائنين } ولو في حق الكفار لا يحبها ~~أيضا، عن سليم بن عامر قال: كان معاوية يسير في أرض الروم، وكان بينه ~~وبينهم أمد فأراد أن يدنوا منهم، فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على ~~دابة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها، حتى ينقضي أمدها، ~~أو ينبذ إليهم على سواء " # ، قال فبلغ ذلك معاوية، فرجع فإذا بالشيخ عمرو بن عنبسة رضي الله عنه. ~~وقال الإمام أحمد عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه انتهى إلى حصن أو ~~مدينة، فقال لأصحابه: دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعوهم، فقال: إنما كنت رجلا منكم فهداني الله عز وجل للإسلام، ~~فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وأن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم ~~صاغرون، وإن أبيتم نابذناكم على سواء، { إن الله لا يحب ~~الخائنين } يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع غدا ~~الناس إليها ففتحوها بعون الله. ### || [8.59-60] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ولا يحسبن } يا محمد { ~~الذين كفروا سبقوا } أي فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم تحت ~~قهر قدرتنا وفي قبضة مشيئتنا فلا يعجزوننا، كقوله تعالى: # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ~~سآء ما يحكمون # [العنكبوت: 4] أي يظنون، وقوله تعالى: # لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ~~ومأواهم النار ولبئس المصير # [النور: 57]، وقوله تعالى: # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد * ~~متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد # [آل عمران: 196-197]. ثم أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب ~~الطاقة والإمكان والاستطاعة فقال: { وأعدوا لهم ما ~~استطعتم } أي مهما أمكنكم { من قوة ومن رباط الخيل ~~}. عن عقبة بن عامر قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه ms1061 وسلم يقول وهو على المنبر: { ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ، ألا إن القوة ~~الرمي، إلا إن القوة الرمي " # وروى الإمام أحمد وأهل السنن عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ارموا واركبوا وأن ترموا خير من أن تركبوا " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأما الذي له أجر ~~فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ~~ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا ~~أو شرفين كانت آثارهما، وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ~~ولم يرد أن يسقى به كان ذلك حسنات له، فهي لذلك الرجل أجر، ورجل ربطها ~~تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر، ورجل ~~ربطها فخرا ورياء ونواء فهي على ذلك وزر ". وسئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الحمر؟ فقال: " ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الآية ~~الجامعة الفاذة ": { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } " # وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام ~~مالك إلى أن الركوب أفضل من الرمي؛ وقول الجمهور أقوى للحديث والله أعلم. # وفي الحديث: # " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، ~~ومن ربط فرسا في سبيل الله كانت النفقة عليه كالماد يده بالصدقة لا ~~يقبضها " # وفي " صحيح البخاري " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم " # وقوله: { ترهبون } أي تخوفون { به عدو الله ~~وعدوكم } أي من الكفار { وآخرين من دونهم } ، قال مجاهد: ~~يعني بني قريظة، وقال السدي: فارس، وقال سفيان الثوري: هم الشياطين التي ~~في الدور، وقال مقاتل: هم المنافقون، وهذا أشبه الأقوال، ويشهد له قوله ~~تعالى: # وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن ms1062 أهل ~~المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن ~~نعلمهم # [التوبة: 101]، وقوله: { وما تنفقوا من شيء في سبيل ~~الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } أي مهما أنفقتم ~~في الجهاد فإنه يوف إليكم على التمام والكمال، ولهذا جاء في الحديث الذي ~~رواه أبو داود أن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف كما ~~تقدم في قوله تعالى: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم # [البقرة: 261]. ### || [8.61-63] # يقول تعالى: إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن ~~استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم { وإن جنحوا } أي مالوا { ~~للسلم } أي المسالمة والمصالحة والمهادنة { فاجنح لها } أي ~~فمل إليها، واقبل منهم ذلك، ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ~~ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين، أجابهم ~~إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الآخر. قال ابن عباس ومجاهد: إن هذه ~~الآية منسوخة بآية السيف في براءة # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # [التوبة: 29] الآية، وفيه نظر، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا ~~أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه ~~هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، فلا ~~منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم. وقوله: { وتوكل على ~~الله } أي صالحهم وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك ولو كانوا ~~يريدون بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا { فإن حسبك الله } أي ~~كافيك وحده، ثم ذكر نعمته عليه بما أيده من المؤمنين المهاجرين والأنصار، ~~فقال: { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * ~~وألف بين قلوبهم } أي جمعها على الإيمان بك وعلى طاعتك ~~ومناصرتك وموازرتك، { لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ~~ألفت بين قلوبهم } أي لما كان بينهم من العداوة والبغضاء، ~~فإن الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية بين الأوس والخزرج، حتى ~~قطع الله ذلك بنور الإيمان، كما قال ms1063 تعالى: # واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا # [آل عمران: 103]. # وفي " الصحيحين " # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب الأنصار في شأن غنائم حنين ~~قال لهم: " يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وعالة ~~فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي " كلما قال شيئا قالوا: ~~الله ورسوله أمن " # ؛ ولهذا قال تعالى: { ولكن الله ألف بينهم إنه ~~عزيز حكيم } أي عزيز الجناب فلا يخيب رجاء من توكل عليه { حكيم ~~} في أفعاله وأحكامه، عن ابن عباس قال: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة ~~لتكفر، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء، ثم قرأ: { لو ~~أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم ~~} ، وعن مجاهد قال: إذا التقى المتحابان في الله فأخذ أحدهما بيد صاحبه ~~وضحك إليه، تحاتت خطاياهما كما تحات ورق الشجر، قال عبدة: فقلت له: إن ~~هذا ليسير فقال: لا تقل ذلك، فإن الله يقول: { لو أنفقت ما في ~~الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم } قال عبدة: فعرفت ~~أنه أفقه مني. عن سلمان الفارسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما ~~تحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ذنوبهما ~~ولو كانت مثل زبد البحار ". ### || [8.64-66] # يحرض تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على القتال، ومناجزة ~~الأعداء، ومبارزة الأقران، ويخبرهم أنه حسبهم: أي كافيهم ومؤيدهم على ~~عدوهم، وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم، ولو قل عدد المؤمنين. قال ابن ~~أبي حاتم عن الشعبي في قوله: { يأيها النبي حسبك الله ~~ومن اتبعك من المؤمنين } قال: حسبك الله وحسب من شهد ~~معك، ولهذا قال: { يأيها النبي حرض المؤمنين على ~~القتال } أي حثهم وذمرهم عليه، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحرض على القتال عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لأصحابه يوم بدر ~~حين أقبل المشركون في عددهم وعددهم: # " " قوموا إلى جنة ms1064 عرضها السماوات والأرض " فقال (عمير بن الحمام) عرضها ~~السماوات والأرض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم " ، فقال: بخ ~~بخ، فقال: " ما يحملك على قولك بخ بخ "؟ قال: رجاء أن أكون من أهلها، ~~قال: " فإنك من أهلها " " # ، فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه، وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم ألقى ~~بقيتهن من يده، وقال: لئن أنا حييت حتى آكلهن إنها لحياة طويلة، ثم تقدم ~~فقاتل حتى قتل رضي الله عنه. ثم قال تعالى مبشرا للمؤمنين وآمرا: { إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن ~~يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ~~} كل واحد بعشرة، ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة، قال عبد الله بن ~~المبارك عن ابن عباس لما نزلت { إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مئتين } شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم أن لا ~~يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: { الآن خفف الله ~~عنكم } إلى قوله: { يغلبوا مئتين } قال: خفف الله عنهم من ~~العدة ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم، وروى البخاري نحوه، وعن ابن عباس ~~قال: لما نزلت هذه الآية ثقل على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون ~~مائتين، ومائة ألفا، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: { ~~الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } الآية، ~~فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا ~~كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحرزوا عنهم. وروى ~~الحافظ ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: { إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين } قال: نزلت فينا ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [8.67-69] # " لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تقولون في ~~هؤلاء الأسارى "؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم ~~واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك ~~فقدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنت ms1065 في واد ~~كثير الحطب فاضرم الوادي عليهم نارا ثم ألقهم فيه، قال: فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا، ثم قام فدخل، فقال ناس: يأخذ ~~بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن ~~رواحة ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن الله ليلين ~~قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى ~~تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام، ~~قال: { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم } ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى عليه السلام قال: { ~~إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم } ، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى ~~عليه السلام قال: { ربنا اطمس على أموالهم واشدد ~~على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم } ، وإن مثلك يا عبد الله كمثل نوح عليه السلام قال: { رب ~~لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } أنتم عاله فلا ~~ينفكن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق " ، قال ابن مسعود: قلت يا رسول ~~الله إلا (سهل بن بيضاء) فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة من السماء مني في ~~ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إلا سهيل بن بيضاء " # ، فأنزل الله عز وجل: { ما كان لنبي أن يكون له ~~أسرى } إلى آخر الآية. عن ابن عمر قال: # " لما أسر الأسارى يوم بدر أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار. ~~قال: وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لم أنم الليلة من أجل عمي ~~العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه " فقال له عمر: أفآتهم؟ فقال: " ~~نعم ". فأتى عمر الأنصار. فقال لهم: أرسلوا العباس، فقالوا: لا والله لا ~~نرسله، فقال لهم ms1066 عمر: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضى، قالو: ~~فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضى فخذه، فأخذه عمر، فلما صار في ~~يده قال له: يا عباس أسلم، فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، ~~وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك. قال: ~~واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فيهم، فقال أبو بكر: ~~عشيرتك فأرسلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم، ففاداهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~} الآية ". # قال ابن عباس: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } قال: ~~غنائم بدر قبل أن يحلها لهم، يقول: لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم ~~إليه، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم، وكذا روي عن مجاهد، وقال الأعمش: سبق ~~منه أن لا يعذب أحدا شهد بدرا، وقال شعبة عن مجاهد { لولا كتاب ~~من الله سبق } أي لهم بالمغفرة، وعن ابن عباس في قوله: { ~~لولا كتاب من الله سبق } يعني في أم الكتاب الأول أن ~~المغانم والأسارى لكم { لمسكم فيمآ أخذتم } من الأسارى { ~~عذاب عظيم } ، ويستشهد لهذا القول بما أخرجاه في " الصحيحين ": # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، ~~وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة " # وقد روى الإمام أبو داود في سننه عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة، وقد استمر الحكم في ~~الأسرى عند جمهور العلماء أن الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل كما فعل ببني ~~قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسرى بدر، أو بمن أسر من المسلمين، ~~كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الجارية وابنتها اللتين ~~كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين ~~الذين ms1067 كانوا عند المشركين. وإن شاء استرق من أسر، هذا مذهب الإمام ~~الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر في ~~موضعه من كتب الفقه. ### || [8.70-71] # قال محمد بن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: " إني قد عرفت أن ناسا ~~من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم ~~أحدا منهم - أي من بني هاشم - فلا يقتله، ومن لقي البختري بن هشام فلا ~~يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها ~~" ، فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ~~ونترك العباس؟ والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف، فبلغت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص - قال عمر: والله إنه لأول ~~يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا حفص - أيضرب وجه عم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالسيف "؟ فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فأضرب ~~عنقه فوالله لقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول بعد ذلك: والله ما آمن من تلك ~~الكلمة التي قلت ولا أزال منها خائفا إلا أن يكفرها الله تعالى عني ~~بشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدا رضي الله عنه " # ، قال محمد بن إسحاق: وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس بن عبد ~~المطلب، وذلك أنه كان رجلا موسرا فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهبا. وفي " ~~صحيح البخاري " عن أنس بن مالك: # " أن رجالا من الأنصار قالوا: يا رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن أختنا ~~عباس فداءه. قال: " لا والله لا تذرون منه درهما " ، وبعثت قريش إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما ~~رضوا، وقال العباس: يا رسول الله قد كنت مسلما، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك، وأما ~~ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك ms1068 نوفل وعقيل، وحليفك عتبة بن ~~عمرو " قال: ما ذاك عندي يا رسول الله، قال: " فأين المال الذي دفنته أنت ~~وأم الفضل؟ فقلت لها إن أصبت في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبني ~~الفضل وعبد الله وقثم " ، قال: والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول ~~الله، إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول ~~الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " لا، ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك " ، ففدى نفسه وابني ~~أخويه وحليفه " # ، فأنزل الله عز وجل فيه: { يأيها النبي قل لمن في ~~أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم ~~خيرا يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم ويغفر لكم ~~والله غفور رحيم }. قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين ~~الأوقية في الإسلام عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من ~~مغفرة الله عز وجل. وقال أبو جعفر بن جرير: قال العباس في نزلت: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # [الأنفال: 67]، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامي، وسألته أن ~~يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت مني فأبى، فأبدلني الله بها عشرين ~~عبدا كلهم تاجر مالي في يده. # وقال ابن عباس قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: آمنا بما جئت به ونشهد ~~أنك رسول الله لننصحن لك على قومنا، فأنزل الله: { إن يعلم الله ~~في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم } ~~يخلف لكم خيرا مما أخذ منكم { ويغفر لكم } الشرك الذي كنتم ~~عليه، قال فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا وإن لي ~~الدنيا، لقد قال: { يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم } ، فقد ~~أعطاني خيرا مما أخذ مني مائة ضعف، وقال: { ويغفر لكم } وأرجو ~~أن يكون قد غفر لي. وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفا، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى ms1069 ~~يومئذ شاكيا، ولا حرم سائلا، وما صلى يومئذ حتى فرقه، فأمر العباس أن ~~يأخذ منه ويحتثي، فكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا وأرجو المغفرة. ~~قال الحافظ أبو بكر البيهقي عن أنس بن مالك قال: # " أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين فقال: " انثروه في ~~مسجدي " قال: وكان أكثر مال أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج ~~إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى ~~أحدا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس، فقال: يا رسول الله أعطني فإني فاديت ~~نفسي، وفاديت عقيلا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذ " فحثا ~~في ثوبه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه إلي، قال: " لا " ~~، قال: فارفعه أنت علي، قال: " لا " ، فنثر منه ثم احتمله على كاهله، ثم ~~انطلق، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفي عنه ~~عجبا من حرصه، فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم " # وقوله: { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من ~~قبل } أي وإن يريدوا خيانتك فيما أظهروا لك من الأقوال { فقد ~~خانوا الله من قبل } أي من قبل بدر بالكفر به { فأمكن ~~منهم } أي بالأسارى يوم بدر { والله عليم حكيم } أي عليم ~~بفعله حكيم فيه، قال قتادة: نزلت في (عبد الله بن أبي سرح) الكاتب حين ~~ارتد ولحق بالمشركين، وقال عطاء الخراساني: نزلت في عباس وأصحابه حين ~~قالوا: لننصحن لك على قومنا، وقال السدي بالعموم، وهو أشمل وأظهر والله ~~أعلم. ### || [8.72] # ذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى (مهاجرين) خرجوا من ديارهم ~~وأموالهم، وجاءوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم ~~في ذلك، وإلى (أنصار) وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك آووا إخوانهم ~~المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال ~~معهم فهؤلاء { بعضهم أوليآء بعض } ، أي كل منهم أحق بالآخر ~~من كل أحد، ولهذا آخى رسول الله صلى الله عليه ms1070 وسلم بين المهاجرين ~~والأنصار، كل اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على ~~القرابة، حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث، ثبت ذلك في " صحيح البخاري " ~~عن ابن عباس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ~~ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة " # ، وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في كتابه ~~فقال: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه # [التوبة: 100] الآية، وقال: # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ~~الذين اتبعوه في ساعة العسرة # [التوبة: 117] الآية، وقال تعالى: # للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * ~~والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ~~يحبون من هاجر إليهم # [الحشر: 8-9] الآية، وأحسن ما قيل في قوله: # ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا # [الحشر: 9] أي لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم فإن ظاهر ~~الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء لا ~~يختلفون في ذلك، ولهذا قال الإمام البزار عن سعيد بن المسيب عن حذيفة ~~قال: خيرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الهجرة والنصرة فاخترت ~~الهجرة، وقوله تعالى: { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } ، هذا هو ~~الصنف الثالث من المؤمنين وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا بل أقاموا في ~~بواديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب، ولا في خمسها إلا ما حضروا فيه ~~القتال، كما روي عن يزيد بن الخصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش ~~أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا، وقال: " ~~اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من ~~المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك إليها ~~فأقبل منهم، ms1071 وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف ~~عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأعلمهم إن فعلوا ~~ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا ~~دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي ~~يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا ~~مع المسلمين، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل ~~منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم " # ، وقوله: { وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~} يقول تعالى: وإن استنصركم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني ~~على عدو لهم فانصروهم فإنه واجب عليكم نصرهم لأنهم إخوانكم في الدين إلا ~~أن يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة ~~فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم. ### || [8.73] # لما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، قطع الموالاة بينهم وبين ~~الكفار، كما قال الحاكم عن أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يتوارث أهل ملتين ولا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما، ثم قرأ: { ~~والذين كفروا بعضهم أوليآء بعض إلا تفعلوه ~~تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } " # ، وفي " الصحيحين ": # " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم " # وفي " المسند " و " السنن ": " لا يتوارث أهل ملتين شتى ". وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين، لا يتراءى ناراهما " # وروى أبو داود عن سمرة بن جندب: أما بعد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله " # ومعنى قوله: { إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ~~وفساد كبير } أي إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا ~~وقعت فتنة في الناس، وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين بين ~~الناس فساد منتشر عريض طويل. ### || [8.74-75] # لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا، عطف بذكر مالهم في الآخرة، فأخبر ~~عنهم بحقيقة الإيمان، وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة ms1072 والصفح عن الذنوب إن ~~كانت، وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف الذي لا ينقطع ولا ~~ينقضي، ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه، ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا ~~على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة كما قال: # والسابقون الأولون # [التوبة: 100] الآية. وقال: # والذين جآءوا من بعدهم # [الحشر: 10] الآية، وفي الحديث المتفق عليه: # " المرء مع من أحب " # ، وفي الحديث الآخر: # " ومن أحب قوما فهو منهم " # وفي رواية: # " حشر معهم " # ، وأما قوله تعالى: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله } أي في حكم الله، وليس المراد بقوله: { ~~وأولوا الأرحام } خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض، على القرابة ~~الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث كالخالة والخال والعمة ~~ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم. بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات. ~~كما نص عليه عليه ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغير واحد. على أنها ناسخة ~~للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولا، وعلى هذا فتشمل ~~ذوي الأرحام بالاسم الخاص والله أعلم. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-2] # هذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~كما قال البراء بن عازب: آخر آية نزلت # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة # [النساء: 176]، وآخر سورة نزلت: براءة. وإنما لم يبسمل في أولها لأن ~~الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام، بل اقتدوا في ذلك ~~بأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه. وأول هذه السورة ~~الكريمة نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك، ~~وبعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميرا على الحج تلك السنة ليقيم للناس ~~مناسكهم، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي في الناس ~~{ برآءة من الله ورسوله } ، فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي ~~طالب ليكون مبلغا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي بيانه. ~~فقوله تعالى: { برآءة من الله ورسوله } أي هذه براءة أي ms1073 ~~تبرؤ من الله ورسوله { إلى الذين عاهدتم من المشركين ~~* فسيحوا في الأرض أربعة أشهر }. اختلف المفسرون ههنا ~~اختلافا كثيرا، فقال قائلون: هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير ~~المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان ~~له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى: # فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم # [التوبة: 4] الآية، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ~~فعهده إلى مدته؛ وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير رحمه ~~الله. # وقال ابن عباس: حد الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون في ~~الأرض حيث شاءوا، وأجل أجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم، فأمر ~~الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهد، ~~بقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر ~~من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر أن يضع فيهم السيف أيضا حتى ~~يدخلوا في الإسلام. وقال مجاهد: { برآءة من الله ورسوله } ~~إلى أهل العهد خزاعة ومدلج، ومن كان له عهد أو غيرهم، فقفل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من تبوك حين فرع، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الحج ثم قال: # " إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك " # ، فأرسل أبا بكر وعليا رضي الله عنهما، فطافا بالناس في ذي المجاز ~~وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحاب العهد ~~بأن يؤمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر المتواليات عشرون من ذي الحجة إلى عشر ~~تخلو من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن ~~يؤمنوا. ### || [9.3] # يقول تعالى: وإعلام { من الله ورسوله } وتقدم، وإنذار إلى ~~الناس { يوم الحج الأكبر } وهو يوم النحر الذي هو أفضل أيام ~~المناسك وأظهرها وأكبرها جميعا { أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله } أي برئ منهم أيضا. ثم دعاهم إلى التوبة ~~إليه فقال: { فإن تبتم } أي مما ms1074 أنتم فيه من الشرك والضلال، { ~~فهو خير لكم وإن توليتم } أي استمررتم على ما أنتم ~~عليه { فاعلموا أنكم غير معجزي الله } ، بل هو قادر ~~عليكم وأنتم في قبضته وتحت قهره ومشيئته { وبشر الذين كفروا ~~بعذاب أليم } أي في الدنيا بالخزي والنكال، وفي الآخرة بالمقامع ~~والأغلال. روى البخاري عن أبي هريرة قال: # " بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى ألا يحج بعد العام مشرك، ولا ~~يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل الأكبر، ومن ~~أجل قول الناس الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم ~~يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك " # وقال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: كنت مع (علي بن أبي طالب) حين بعثه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة فقال: ما كنتم تنادون؟ ~~قال: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ~~ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله أو مدته ~~إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ~~ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صحل ~~صوتي. # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا ~~الحليفة قال: " لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي " ، فبعث بها مع ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه " # وعن علي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه ببراءة ~~قال: يا نبي الله إني لست باللسن ولا بالخطيب، قال: " لا بد لي أن أذهب ~~بها أنا أو تذهب بها أنت " قال: فإن كان لا بد فسأذهب أنا، قال: " انطلق ~~فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك " ، قال: ثم وضع يده على فيه. وقال محمد ~~بن إسحاق: نزلت براءة على رسول الله صلى ms1075 الله عليه وسلم، وقد كان بعث أبا ~~بكر ليقيم الحج للناس فقيل يا رسول الله: لو بعثت إلى أبي بكر، فقال: " ~~لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي " ، ثم دعا عليا فقال: " اذهب بهذه ~~القصة من سورة براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا ~~يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن ~~كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو له إلى مدته فخرج علي ~~رضي الله عنه على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء، حتى أدرك ~~أبا بكر في الطريق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ فقال: بل ~~مأمور، ثم مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحج إذ ذاك في تلك السنة على ~~منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر ~~قام علي بن أبي طالب فأذن بالناس بالذي أمره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا أيها الناس إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام ~~مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهو إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت ~~عريان ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان هذا من براءة فيمن ~~كان من أهل الشرك من أهل العهد العام وأهل المدة إلى الأجل المسمى. # عن عطاء قال: يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وقال عمرو بن الوليد السهمي عن ~~عباد البصري قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: هذا يوم عرفة هذا يوم الحج ~~الأكبر فلا يصومنه أحد. قال: فحججت بعد أبي فأتيت المدينة، فسألت عن أفضل ~~أهلها، فقالوا: (سعيد بن المسيب) فأتيته، فقلت: إني سألت عن أفضل أهل ~~المدينة، فقال سعيد بن المسيب، فأخبرني عن صوم يوم عرفة، فقال: أخبرك عمن ~~هو أفضل مني مائة ضعف (عمر) أو (ابن عمر) كان ينهى عن صومه، ويقول هو يوم ~~الحج ms1076 الأكبر. والقول الثاني: أنه يوم النحر. قال الحارث الأعور: سألت ~~عليا رضي الله عنه عن يوم الحج الأكبر فقال: هو يوم النحر. وقال عبد ~~الرزاق عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر. ~~وقال عبد الله بن سنان خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعير فقال: ~~هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر، واختاره ابن ~~جرير، وروى عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: # " لما كان ذلك اليوم قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير له وأخذ ~~الناس بخطامه أو زمامه فقال: " أي يوم هذا "؟ قال: فسكتنا حتى ظننا أنه ~~سيسميه سوى اسمه، فقال: " أليس هذا يوم الحج الأكبر "؟ ". ### || [9.4] # هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت، ~~فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلا من ~~له عهد مؤقت فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت ~~الأحاديث # " ومن كان له عهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهده إلى مدته " # وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده ولم يظاهر على المسلمين أحدا، أي ~~يماليء عليهم من سواهم، فهذا الذي يوفى له بذمته وعهده إلى مدته، ولهذا ~~حرض تعالى على الوفاء بذلك فقال: { إن الله يحب المتقين ~~} أي الموفين بعهدهم. ### || [9.5] # اختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم ههنا ما هي؟ فذهب ابن جرير إلى ~~أنها المذكورة في قوله تعالى: # منهآ أربعة حرم ذلك الدين القيم # [التوبة: 36] الآية، ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم ~~المحرم، وفيه نظر، والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في ~~رواية العوفي عنه، أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها ~~بقوله: # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر # [التوبة: 2]، ثم قال: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } أي إذا ~~انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم وأجلناهم فيها فحيثما ~~وجدتموهم فاقتلوهم، ms1077 لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، ثم إن الأشهر ~~الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد في هذه السورة ~~الكريمة. وقوله: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ~~أي من الأرض، وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله: # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم # [البقرة: 191]، وقوله: { وخذوهم } أي وأسروهم، إن شئتم قتلا وإن ~~شئتم أسرا، وقوله { واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ~~} أي لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم ~~وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم، حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم ~~إلى القتل أو الإسلام، ولهذا قال: { فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله ~~غفور رحيم } ، ولهذا اعتمد الصديق رضي الله عنه في قتال مانعي ~~الزكاة على هذه الآية الكريمة، حيث حرمت قتالهم بشرط الدخول في الإسلام ~~والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف أركان الإسلام ~~بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق الله عز وجل، وبعدها أداء الزكاة ~~التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة ~~بالمخلوقين، ولهذا كثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة، وقد جاء في " ~~الصحيحين ": # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " # الحديث، وقال عبد الله بن مسعود: أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن ~~لم يزك فلا صلاة له، وقال ابن أسلم: أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة ~~وقال يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه! # وروى الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، واستقبلوا ~~قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم ~~إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم " # قال أنس: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ~~ثم ms1078 قال في آية أخرى: # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين # [التوبة: 11]. وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك: ~~إنها نسخت كل عهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين وكل ~~عقد وكل مدة. وقال ابن عباس في هذه الآية: أمره الله تعالى أن يضع السيف ~~فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما كان سمى لهم من العهد ~~والميثاق، وأذهب الشرط الأول. ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه، فقال ~~الضحاك والسدي: هي منسوخة بقوله تعالى: # فإما منا بعد وإما فدآء # [محمد: 4] وقال قتادة بالعكس. ### || [9.6] # يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: { وإن أحد من ~~المشركين } الذين أمرتك بقتالهم. وأحللت لك استباحة نفوسهم ~~وأموالهم { استجارك } أي استأمنك فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام ~~الله، أي القرآن تقرؤه عليه. وتذكر له شيئا من أمر الدين تقيم به عليه ~~حجة الله { ثم أبلغه مأمنه } أي وهو آمن مستمر الأمان حتى ~~يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه { ذلك بأنهم قوم لا ~~يعلمون } أي إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر ~~دعوة الله في عباده، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الأمان ~~لمن جاءه مسترشدا، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، فرأوا ~~من إعظام المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهرهم. وما لم ~~يشاهدوه عند ملك ولا قيصر. فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك، وكان ذلك ~~وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم. ولهذا أيضا لما # " قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ~~أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ قال: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك " # ، والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو ~~تجارة أو طلب صلح أو نحو ذلك من الأسباب وطلب من الإمام أو نائبه أمانا، ~~أعطي أمانا ما دام مترددا في دار ms1079 الإسلام وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه، ~~لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز ~~أن يمكن من إقامة أربعة أشهر. وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ~~ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله. ### || [9.7] # يبين تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم ~~بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا، فقال تعالى: { كيف يكون ~~للمشركين عهد } أي أمان ويتركون فيما هم فيه وهم مشركون بالله ~~كافرون به وبرسوله { إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام } يعني يوم الحديبية: { فما استقاموا لكم ~~فاستقيموا لهم } أي مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم ~~من ترك الحرب بينكم وبينهم { فاستقيموا لهم إن الله ~~يحب المتقين } ، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ~~والمسلمون، استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى ~~أن نقضت قريش العهد ومالأوا حلفاؤهم، وهم (بنو بكر) على خزاعة أحلاف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقتلوهم معهم في الحرم أيضا. فعند ذلك غزاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان سنة ثمان ففتح الله عليه البلد ~~الحرام ومكنه من نواصيهم ولله الحمد والمنة، فأطلق من أسلم منهم بعد ~~القهر والغلبة عليهم فسموا الطلقاء، وكانوا قريبا من ألفين، ومن استمر ~~على كفره وفر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه بالأمان والتسيير ~~في الأرض أربعة أشهر يذهب حيث شاء، ومنهم (صفوان بن أمية) و (عكرمة بن ~~أبي جهل) وغيرهما ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإسلام التام، والله ~~المحمود على جميع ما يقدره ويفعله. ### || [9.8] # يقول تعالى محرضا للمؤمنين على معاداتهم والتبري منهم، ومبينا أنهم لا ~~يستحقون أن يكون لهم عهد لشركهم بالله تعالى وكفرهم برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولأنهم لو ظهروا على المسلمين وأديلوا عليهم لم يبقوا ولم ~~يذروا ولا راقبوا فيهم إلا ولا ذمة، قال ابن عباس: الإل القرابة، والذمة ~~والعهد، وقال مجاهد: ms1080 الإل الله أي لا يرقبون الله ولا غيره، والقول الأول ~~أظهر وأشهر وعليه الأكثر، وعن مجاهد أيضا: الإل العهد، وقال قتادة: الإل ~~الحلف. ### || [9.9-11] # يقول تعالى ذما للمشركين وحثا للمؤمنين على قتالهم: { اشتروا ~~بآيات الله ثمنا قليلا } يعني أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات ~~الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة { فصدوا عن سبيله } ~~أي منعوا المؤمنين من اتباع الحق { إنهم سآء ما كانوا ~~يعملون * لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } تقدم ~~تفسيرها وكذا الآية التي بعدها. ### || [9.12] # يقول تعالى: وإن نكث هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم أيمانهم أي عهودهم ~~ومواثيقهم { وطعنوا في دينكم } أي عابوه وانتقصوه، ومن ههنا ~~أخذ قتل من سب الرسول صلوات الله وسلامه عليه، أو من طعن في دين الإسلام ~~أو ذكره بنقص، ولهذا قال: { فقاتلوا أئمة الكفر إنهم ~~لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } أي يرجعون عما هم فيه من ~~الكفر والعناد والضلال، قال قتادة: أئمة الكفر كأبي جهل وعتبة وشيبة ~~وأمية بن خلف، قال ابن مردوية: مر (سعد بن أبي وقاص) برجل من الخوارج، ~~فقال الخارجي: هذا من أئمة الكفر، فقال سعد: كذبت بل أنا قاتلت أئمة ~~الكفر، والآية عامة وإن كان سبب نزولها في مشركي قريش والله أعلم. ### || [9.13-15] # وهذا أيضا تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين بأيمانهم ~~الذين هموا بإخراج الرسول من مكة، كما قال تعالى: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك # [الأنفال: 30]، وقال تعالى: # يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ~~ربكم # [الممتحنة: 1] الآية، وقال تعالى: # وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها # [الإسراء: 76] الآية، وقوله: { وهم بدءوكم أول مرة } ~~قيل: المراد بذلك يوم بدر حين خرجوا لنصر غيرهم، وقيل: المراد نقضهم ~~العهد وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، حتى سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وكان ما ~~كان، وقوله: { أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن ~~كنتم مؤمنين } ، يقول تعالى: لا تخشوهم واخشون فأنا أهل أن يخشى ms1081 ~~العباد من سطوتي وعقوبتي، ثم قال تعالى بيانا لحكمته فيما شرع لهم من ~~الجهاد، مع قدرته على إهلاك العدو { قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور ~~قوم مؤمنين } وهذا عام في المؤمنين كلهم، وقال مجاهد وعكرمة: { ~~ويشف صدور قوم مؤمنين } يعني خزاعة، { ويتوب الله ~~على من يشآء } أي من عباده { والله عليم } أي بما يصلح ~~عباده، { حكيم } في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية فيفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد، وهو العادل الحاكم الذي لا يجور أبدا. ### || [9.16] # يقول تعالى: { أم حسبتم } أي ظننتم أن نترككم مهملين، لا نختبركم ~~بأمور يظهر فيها الصادق من الكاذب، ولهذا قال: { ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون ~~الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } أي بطانة ~~ودخيلة، بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله، فاكتفى بأحد ~~القسمين عن الآخر، كما قال الشاعر: # وما أدري إذا يممت أرضا # أريد الخير أيهما يليني # وقال تعالى: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2]؟ وقال تعالى: # ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم ~~عليه # [آل عمران: 179] الآية، والحاصل: أنه تعالى لما شرع لعباده الجهاد بين ~~أن له فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى العالم ~~بما كان وما يكون، فيعلم الشيء قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه، لا إله ~~إلا هو ولا رب سواه. ### || [9.17-18] # يقول تعالى: ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت ~~على اسمه وحده لا شريك له، وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر أي بحالهم ~~وقالهم: كما قال السدي: لو سألت النصراني ما دينك؟ لقال: نصراني، ولو ~~سألت اليهودي ما دينك؟ لقال: يهودي، { أولئك حبطت أعمالهم ~~} أي بشركهم { وفي النار هم خالدون }. ولهذا قال تعالى: { ~~إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر } فشهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد. كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، قال الله ms1082 تعالى: { ~~إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر } " # وروى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إنما عمار المساجد هم أهل الله " # ، وعن أنس مرفوعا يقول الله: وعزتي وجلالي إني لأهم بأهل الأرض عذابا، ~~فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتحابين في، وإلى المستغفرين ~~بالإسحار، صرفت ذلك عنهم. وقال عبد الرزاق عن عمرو بن ميمون الأودي قال: ~~أدركت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله ~~في الأرض، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها، وقال المسعودي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ولم يأت ~~المسجد ويصلي، فلا صلاة له وقد عصى الله ورسوله، قال الله تعالى: { ~~إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر } ، وقوله: { وأقام الصلاة } أي التي هي أكبر عبادات ~~البدن { وآتى الزكاة } أي التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر ~~الخلائق، وقوله: { ولم يخش إلا الله } أي ولم يخف إلا من ~~الله تعالى ولم يخش سواه { فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين } ، قال ابن عباس: من وحد الله وآمن باليوم الآخر { ~~وأقام الصلاة } يعني الصلوات الخمس { ولم يخش إلا ~~الله } يقول لم يعبد إلا الله { فعسى أولئك أن يكونوا ~~من المهتدين } ، يقول تعالى إن أولئك هم المفلحون كقوله لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم: # عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79]، وهي الشفاعة، وكل " عسى " في القرآن فهي واجبة، وقال ~~محمد بن إسحاق: وعسى من الله حق. ### || [9.19-22] # قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: نزلت في العباس بن ~~عبد المطلب حين أسر ببدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة ~~والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني، قال الله ~~عز وجل: { أجعلتم سقاية الحاج } إلى قوله: { والله ~~لا يهدي القوم الظالمين } ، يعني أن ذلك كله كان في الشرك ~~ولا أقبل ما كان في الشرك، وقال الضحاك: ms1083 أقبل المسلمون على العباس ~~وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما والله ~~لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونفك العاني، ونحجب البيت، ونسقي الحاج، ~~فأنزل الله: { أجعلتم سقاية الحاج } الآية. وعن النعمان بن ~~بشير الأنصاري قال: # " كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، فقال ~~رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، ~~وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير ~~مما قلتم، فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال: لا ترفعوا أصواتكم ~~عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت ~~الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم ~~فيه، قال: ففعل، فأنزل الله عز وجل { أجعلتم سقاية ~~الحاج وعمارة المسجد } إلى قوله: { والله لا يهدي ~~القوم الظالمين } ". ### || [9.23-24] # أمر تعالى بمباينة الكفار، وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم ~~إن استحبوا أي اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك، كقوله تعالى: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم # [المجادلة: 22]، ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته ~~وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله فقال: { قل إن كان ~~آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها } أي اكتسبتموها ~~وحصلتموها { وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونهآ } أي تحبونها لطيبها وحسنها أي إن كانت هذه الأشياء { ~~أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا } أي فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم ولهذا ~~قال: { حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين }. وروى الإمام أحمد عن زهرة بن معبد عن جده ~~قال: # " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: ~~والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال رسول ms1084 ~~الله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه " ، ~~فقال عمر: فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " الآن يا عمر " " # وقد ثبت في " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ~~والناس أجمعين " # وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد ~~سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ". ### || [9.25-27] # يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن ~~كثيرة من غزواتهم مع رسوله. وأن ذلك من عنده تعالى وبتأييده وتقديره لا ~~بعددهم ولا بعددهم، ونبههم على أن النصر من عنده سواء قل الجمع أو كثر، ~~فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم. ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا، فولوا ~~مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أنزل نصره ~~وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، ليعلمهم أن النصر من عنده ~~تعالى وحده، وبإمداده، وإن قل الجمع، # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين # [البقرة: 249]، وقد كانت وقعة حنين بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من ~~الهجرة، وذلك # " لما فرغ صلى الله عليه وسلم من فتح مكة وتمهدت أمورها. وأسلم عامة ~~أهلها، وأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغه أن (هوازن) جمعوا له ~~ليقاتلوه، وأن أميرهم (مالك بن عوف النضري) ومعه ثقيف بكمالها وناس من ~~بني عمرو بن عامر وعون بن عامر، وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء ~~والنعم، وجاءوا بقضهم وقضيضهم؛ فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في جيشه الذي جاء معه للفتح وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل ~~العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة، وهم الطلقاء في ألفين، فسار بهم ~~إلى العدو، فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال ms1085 له حنين، فكانت فيه الوقعة ~~في أول النهار في غلس الصبح. انحدروا في الوادي وقد كمنت فيه هوازن، فلما ~~تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد بادروهم، ورشقوا بالنبال، وأصلتوا ~~السيوف، وحملوا حملة رجل واحد، كما أمرهم ملكهم، فعند ذلك ولى المسلمون ~~مدبرين كا قال الله عز وجل، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~راكب يومئذ بغلته الشهباء، يسوقها إلى نحر العدو، والعباس عمه آخذ ~~بركابها الأيمن، ويقول في تلك الحال: " أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد ~~المطلب " ، وثبت معه من أصحابه قريب من مائة، ثم أمر صلى الله عليه وسلم ~~عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي بأعلى صوته: يا أصحاب الشجرة، يعني ~~شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها، على ~~أن لا يفروا عنه، فجعل ينادي بهم: يا أصحاب السمرة، ويقول تارة: يا أصحاب ~~سورة البقرة، فجعلوا يقولون: لبيك لبيك، وانعطف الناس، فتراجعوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على ~~الرجوع لبس درعه، ثم انحدر عنه وأرسله، ورجع بنفسه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلما اجتمعت شرذمة منهم عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمرهم عليه السلام، أن يصدقوا الحملة، وأخذ قبضة من تراب بعدما دعا ~~ربه واستنصره، وقال: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، ثم رمى القوم بها، فما ~~بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ثم ~~انهزموا، فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، وما تراجع بقية الناس ~~إلا والأسرى محندلة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ". # وقال الإمام أحمد عن (يزيد بن أسيد) قال: # " كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ ~~شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت الشمس لبست لأمتي، وركبت ~~فرسي، فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه، فقلت: ~~السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ms1086 حان الرواح، فقال: " أجل " ~~فقال: " يا بلال " ، فثار من تحت سمرة كأن ظلها ظل طائر، فقال: لبيك ~~وسعديك وأنا فداؤك، فقال: " أسرج لي فرسي " ، فأخرج سرجا دفتاه من ليف ~~ليس فيهما أشر ولا بطر، قال فأسرج فركب وركبنا، فصاففناهم عشيتنا ~~وليلتنا، فتشامت الخيلان، فولى المسلمون مدبرين، كما قال الله تعالى: { ~~ثم وليتم مدبرين } ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله " ، ثم قال: " يا معشر المهاجرين أنا ~~عبد الله ورسوله " قال: ثم اقتحم عن فرسه، فأخذ كفا من تراب، فأخبرني ~~الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم، وقال " شاهت الوجوه " فهزمهم ~~الله تعالى، قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم ~~يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا، وسمعنا صلصلة بين السماء ~~والأرض، كإمرار الحديد على الطست الجديد " # وفي " الصحيحين " عن البراء بن عازب رضي الله عنهما # " أن رجلا قال له: يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، إن هوازن ~~كانوا قوما رماة، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على ~~الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث أخذ بلجام بغلته البيضاء، وهو يقول: ~~" أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " # قال تعالى: { ثم أنزل الله سكينته على رسوله } أي ~~طمأنينته وثباته على رسوله { وعلى المؤمنين } أي الذين معه { ~~وأنزل جنودا لم تروها } وهم الملائكة، كما قال الإمام أبو ~~جعفر بن جرير عن عبد الرحمن مولى ابن برثن، حدثني رجل كان مع المشركين ~~يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~حنين، لم يقوموا لنا حلب شاة، قال: لما كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم ~~حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، ms1087 فقالوا لنا: شاهت الوجوه ~~ارجعوا، قال: فانهزمنا وركبوا اكتافنا، فكانت إياها. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: # " كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فولى عنه الناس وبقيت ~~معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار قدمنا ولم نولهم الدبر، وهم ~~الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~بغلته البيضاء يمضي قدما، فحادت بغلته، فمال عن السرج، فقلت ارتفع رفعك ~~الله، قال: " ناولني كفا من التراب " فناولته قال: فضرب به وجوههم، ~~فامتلأت أعينهم ترابا قال: " أين المهاجرين والأنصار "؟ قلت: هم هناك، ~~قال: " اهتف بهم " فهتفت بهم؛ فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى ~~المشركون أدبارهم " # وعن شيبة بن عثمان قال: # " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قد عري، ذكرت أبي وعمي ~~وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت اليوم أدرك ثأري منه قال: فذهبت لأجيئه عن ~~يمينه، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائما عليه درع بيضاء كأنها فضة ~~يكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله، قال: فجئته عن يساره، فإذا أنا ~~بأبي سفيان، فقلت: ابن عمه ولن يخذله، فجئته من خلفه، فلم يبق إلا ان ~~أسورة سورة بالسيف، إذ رفع لي شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق فخفت أن ~~يخمشني، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، فالتفت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال: " يا شيبة يا شيبة ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان " ~~قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقال: " يا شيبة ~~قاتل الكفار " # قال محمد بن إسحاق عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: إنا لمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم حنين، والناس يقتتلون، إذ نظرت إلى مثل البجاد ~~الأسود يهوي من السماء، حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ ~~الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة، وفي " صحيح ~~مسلم " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم " # ، ولهذا قال ms1088 تعالى: { ثم أنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها ~~وعذب الذين كفروا وذلك جزآء الكافرين } ، وقوله: ~~{ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء والله ~~غفور رحيم } قد تاب الله على بقية هوازن فأسلموا وقدموا عليه ~~مسلمين ولحقوه. # وقد قارب مكة عند الجعرانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يوما، فعند ~~ذلك خيرهم بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم، وكانوا ستة آلاف ~~أسير ما بين صبي وامرأة، فرده عليهم، وقسم الأموال بين الغانمين، ونفل ~~أناسا من الطلقاء، لكي يتألف قلوبهم على الإسلام، فأعطاهم مائة مائة من ~~الإبل، وكان من جملة من أعطى مائة (مالك بن عوف النضري) واستعمله على ~~قومه كما كان، فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها: # ما إن رأيت ولا سمعت بمثله # في الناس كلهم بمثل محمد # فكأنه ليث على أشباله # وسط المباءة خادر في مرصد ### || [9.28-29] # أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتا، بنفي المشركين الذين ~~هم نجس عن المسجد الحرام، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها ~~في سنة تسع، ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا صحبة أبي بكر ~~وأمره أن ينادي في المشركين أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف ~~بالبيت عريان، فأتم الله ذلك وحكم به شرعا وقدرا، وكتب عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، ~~قال الله تعالى: { إنما المشركون نجس } ، وقال عطاء: الحرم ~~كله مسجد لقوله تعالى: { فلا يقربوا المسجد الحرام ~~بعد عامهم هذا } ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك، ~~كما ورد في " الصحيح ": # " المؤمن لا ينجس " # وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات، لأن الله ~~تعالى أحل طعام أهل الكتاب. وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وقال ~~أشعث عن الحسن من صافحهم فليتوضأ. وقوله: { وإن خفتم عيلة ~~فسوف يغنيكم الله من فضله } ، قال محمد بن إسحاق: قال ~~الناس: لتقطعن عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبن عنا ما كنا نصيب ms1089 ~~فيها من المرافق، فأنزل الله: { وإن خفتم عيلة فسوف ~~يغنيكم الله من فضله } من وجه غير ذلك { إن شآء } ، إلى ~~قوله: { وهم صاغرون } أي هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق، ~~فعوضهم الله مما قطع أمر الشرك ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب من الجزية، ~~{ إن الله عليم } أي بما يصلحكم { حكيم } أي فيما يأمر به ~~وينهى عنه لأنه الكامل في أفعاله وأقواله، العادل في خلقه وأمره تبارك ~~وتعالى. ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل ~~الذمة، وقوله تعالى: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ~~فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لم يبق لهم إيمان ~~صحيح بأحد من الرسل ولا بما جاوءا به، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم ~~وآباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع الله دينه، لأنهم لو كانوا مؤمنين بما ~~بأيديهم إيمانا صحيحا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه، فلما جاءوا كفروا به ~~وهو أشرف الرسل علم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من ~~عند الله، بل لحظوظهم وأهوائهم، فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء، ~~وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم، ولهذا قال: { قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } الآية. # وهذه الآية الكريمة نزلت أول الأمر بقتال أهل الكتاب بعدما تمهدت أمور ~~المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجا واستقامت جزيرة العرب، أمر الله ~~ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع؛ ولهذا # " تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم ودعا الناس إلى ذلك ~~وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم، واجتمع من ~~المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها ~~من المنافقين وغيرهم، وكان ذلك في عام جدب، ووقت قيظ ms1090 وحر، وخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يريد الشام لقتال الروم فبلغ تبوك فنزل بها وأقام بها ~~قريبا من عشرين يوما، ثم استخار الله في الرجوع فرجع عامه ذلك لضيق ~~الحال، وضعف الناس " # ، كما سيأتي بيانه بعد إن شاء الله تعالى. وقوله: { حتى يعطوا ~~الجزية } أي إن لم يسلموا { عن يد } أي عن قهر لهم وغلبة { ~~وهم صاغرون } أي ذليلون حقيرون مهانون، فلهذا لا يجوز إعزاز أهل ~~الذمة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء، كما جاء في " ~~صحيح مسلم ": # " لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق ~~فاضطروهم إلى أضيقه " # ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك الشروط ~~المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم، وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ من ~~رواية (عبد الرحمن بن غنم الأشعري) قال: كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه حين صالح نصارى من أهل الشام: " بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب ~~لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم ~~علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم ~~على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا ~~قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها، ولا نحيي منها ما كان خططا ~~للمسلمين، وأن لا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا ~~نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ننزل من مر بنا من ~~المسلمين ثلاثة أيام، نطعمهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسا، ~~ولا نكتم غشا للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شركا، ولا ~~ندعو إليه أحدا ولا نمنع أحدا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن ~~أرادوه، وأن نوقر المسلمين، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ~~ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم في قلنسوة، ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق ~~شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد ~~السيوف، ms1091 ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا ~~بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقاديم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما ~~كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، وأن ~~لا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طريق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب ~~نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيفا، وأن لا نرفع أصواتنا بالقراءة في ~~كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نخرج شعانين، ولا بعوثا، ولا نرفع ~~أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين، ولا ~~أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام ~~المسلمين، وأن نرشد المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم، قال: فلما أتيت ~~عمر بالكتاب زاد فيه: # " ولا نضرب أحدا من المسلمين " # شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن ~~خالفنا في شيء مما شرطناه لكم ووظفنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل ~~لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق ". ### || [9.30-31] # وهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال الكفار من (اليهود ~~والنصارى) لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة والفرية على الله تعالى، فأما ~~اليهود فقالوا في العزيز إنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ~~وأما ضلال النصارى في المسيح فظاهر، ولهذا كذب الله سبحانه الطائفتين، ~~فقال: { ذلك قولهم بأفواههم } أي لا مستند لهم فيما ادعوه ~~سوى افترائهم واختلافهم، { يضاهئون } أي يشابهون { قول الذين ~~كفروا من قبل } أي من قبلهم من الأمم ضلوا كما ضل هؤلاء { ~~قاتلهم الله } قال ابن عباس: لعنهم الله { أنى يؤفكون ~~}؟ أي كيف يضلون عن الحق وهو ظاهر ويعدلون إلى الباطل؟ وقوله: { ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح ابن مريم } ، روى الإمام أحمد والترمذي عن ~~عدي بن حاتم رضي الله عنه: # " أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام، وكان ~~قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من رسول الله صلى ms1092 ~~الله عليه وسلم على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي ~~القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عدي إلى المدينة، وكان ~~رئيسا في قومه طيئ وأبو حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس ~~بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة، ~~وهو يقرأ هذه الآية: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله } قال فقلت: إنهم لم يعبدوهم فقال: " بلى ~~إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم ~~" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عدي ما تقول؟ أيضرك أن يقال ~~الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ أيضرك أن يقال: لا إله إلا ~~الله، فهل تعلم إلها غير الله "؟ ثم دعاه إلى الإسلام، فأسلم وشهد شهادة ~~الحق، قال: فلقد رأيت وجهه استبشر، ثم قال " إن اليهود مغضوب عليهم ~~والنصارى ضالون " # وهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير: { ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله } إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، ولهذا قال تعالى: { ومآ ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا } أي الذي ما شرعه ~~اتبع، وما حكم به نفذ { لا إله إلا هو سبحانه عما ~~يشركون } أي تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان ~~والأضداد والأولاد لا إله إلا هو ولا رب سواه. ### || [9.32-33] # يقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب { أن ~~يطفئوا نور الله }: أي ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من الهدى ودين الحق بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد ~~أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه فكذلك ما أرسل ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بد أن يتم ويظهر، ولهذا قال تعالى ~~مقابلا لهم فيما راموه وأرادوه: { ويأبى الله إلا أن ~~يتم نوره ولو كره الكافرون } والكافر هو الذي يستر ~~الشيء ويغطيه، ثم قال تعالى: { هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق } فالهدى ms1093 هو ما جاء به من الإخبارات ~~الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع (ودين الحق) هو الأعمال الصحيحة ~~النافعة في الدنيا والآخرة { ليظهره على الدين كله }: أي ~~على سائر الأديان، كما ثبت في " الصحيح " عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " إن الله زوي لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي ~~منها " # وعن تميم الدارمي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا ~~وبر إلا أدخله هذا الدين يعز عزيزا ويذل ذليلا، عزا يعز الله به ~~الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر " # ، فكان تميم الدارمي يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم ~~منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان كافرا منهم الذل والصغار ~~والجزية وفي " المسند " أيضا عن عدي بن حاتم قال: # " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما عدي أسلم تسلم " ~~فقلت: إني من أهل دين، قال: " أنا أعلم بدينك منك " ، فقلت أنت أعلم ~~بديني مني؟ قال: " نعم ألست من الركوسية وأنت تأكل مر باع قومك؟ " قلت ~~بلى! قال: " فإن هذا لا يحل لك في دينك " قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت ~~لها، قال: أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول إنما اتبعه ضعفة ~~الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة "؟ قلت: لم أرها وقد ~~سمعت بها. قال: " فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج ~~الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى ~~بن هرمز " قلت كسرى بن هرمز؟ قال: نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى ~~لا يقبله أحد " قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف ~~بالبيت من غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي ~~نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها " # وعن عائشة ms1094 رضي الله عنها قالت: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يذهب الليل والنهار حتى ~~تعبد اللات والعزى " فقلت: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله عز ~~وجل: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~} الآية، أن ذلك تام، قال: " إنه سيكون من ذلك ما شاء الله عز وجل، ~~ثم يبعث الله ريحا طيبة، فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من ~~إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم " ". ### || [9.34-35] # قال السدي: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، وهو كما قال: فإن ~~الأحبار هم علماء اليهود كما قال تعالى: # لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت # [المائدة: 63] والرهبان: عباد النصارى، والقسيسون: علماؤهم، كما قال ~~تعالى: # ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا # [المائدة: 82] والمقصود التحذير من علماء السوء وعباد الضلال، قال سفيان ~~بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ~~كان فيه شبه من النصارى، وفي الحديث الصحيح: # " لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة " قالو: اليهود والنصارى؟ ~~قال: " فمن " # ؟، وفي رواية فارس والروم؟ قال: # " فمن الناس إلا هؤلاء " # ؟. والحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم، ولهذا قال ~~تعالى: { ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون ~~عن سبيل الله } ، وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين، ومناصبهم ~~ورياستهم في الناس يأكلون أموالهم بذلك، كما كان لأحبار اليهود على أهل ~~الجاهلية خراج وهدايا وضرائب تجيء إليهم، فلما بعث الله رسوله صلى الله ~~عليه وسلم استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم طمعا منهم أن تبقى لهم تلك ~~الرياسات، فأطفاها الله بنور النبوة وسلبهم إياها، وعوضهم الذل والصغار، ~~وباؤوا بغضب من الله تعالى. وقوله تعالى: { ويصدون عن سبيل ~~الله } أي وهم مع أكلهم الحرام، يصدون الناس عن اتباع الحق، ويلبسون ~~الحق بالباطل، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعون إلى الخير وليسوا ~~كما يزعمون، بل هم دعاة إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وقوله: { ~~والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ms1095 في ~~سبيل الله } الآية، هؤلاء هم القسم الثالث من رؤوس الناس، فإن ~~الناس عالة على العلماء وعلى العباد، وعلى أرباب الأموال، فإذا فسدت ~~أحوال هؤلاء فسدت أحوال الناس كما قال ابن المبارك: # وهل أفسد الدين إلا الملوك # وأحبار سوء ورهبانها # وأما الكنز، فقال ابن عمر: هو المال الذي لا تؤدي زكاته، وعنه قال: ما ~~أودي زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما كان ظاهرا لا تؤدي ~~زكاته فهو كنز، وقال عمر بن الخطاب: أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن ~~كان مدفونا في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن ~~كان على وجه الأرض. وروى البخاري عن خالد بن أسلم قال خرجنا مع عبد الله ~~بن عمر فقال: هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله طهرة ~~للأموال، وكذا قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك نسخها قوله تعالى: # خذ من أموالهم صدقة # [التوبة: 103] الآية. # قال الإمام أحمد عن ثوبان قال: لما نزل في الذهب والفضة ما نزل قالوا: ~~فأي المال نتخذ؟ قال عمر: فأنا أعلم لكم ذلك، فأوضع على بعير فأدركه وأنا ~~في أثره، فقال: # " يا رسول الله أي المال نتخذ؟ قال: " قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا ~~وزوجة تعين أحدكم على أمر الآخرة " # (حديث آخر): روي ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: # " لما نزلت هذه الآية: { والذين يكنزون الذهب ~~والفضة } الآية، كبر ذلك على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحد منا ~~يدع لولده مالا يبقى بعده، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق عمر واتبعه ~~ثوبان فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إنه قد كبر على ~~أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله لم يفرض ~~الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال ~~تبقى بعدكم " ، قال فكبر عمر، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا ~~أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها ms1096 سرته، وإذا ~~أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته " ". # وقوله تعالى: { يوم يحمى عليها في نار جهنم ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } أي يقال ~~لهم هذا الكلام تبكيتا وتقريعا وتهكما، كما في قوله تعالى: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49] أي هذا بذاك وهذا الذي كنتم تكنزون لأنفسكم، ولهذا يقال من ~~أحب شيئا وقدمه على طاعة الله عذب به، وهؤلاء لما كان جمع هذه الأموال ~~آثر عندهم من رضا الله عنهم عذبوا بها، وكانت أضر الأشياء عليهم في الدار ~~الآخرة، فيحمى عليها في نار جهنم، وناهيك بحرها، فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم، قال عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره لا يكون عبد ~~يكنز فيمس دينار دينارا ولا درهم درهما، ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ~~ودرهم على حدته؛ وقال طاووس: بلغني أن الكنز يتحول يوم القيامة شجاعا ~~يتبع صاحبه وهو يفر منه ويقول: أنا كنزك لا يدرك منه شيئا إلا أخذه. وفي ~~" صحيح مسلم " عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار، ~~فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى ~~بين العباد ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار ". ### || [9.36] # عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: # " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة ~~اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " # الحديث. وعن ابن عمر قال: # " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام ~~التشريق فقال: " أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم ~~خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها ~~أربعة حرم أولهن رجب مضر بين جمادى ms1097 وشعبان، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ~~" # وقال سعيد بن منصور عن ابن عباس في قوله: { منهآ أربعة حرم } ~~قال: محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، وقوله صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث: # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " # تقرير منه صلوات الله وسلامه عليه، وتثبيت للأمر على ما جعله الله في ~~أول الأمر من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقص، ولا نسيء ولا ~~تبديل، كا قال في تحريم مكة: # " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله ~~تعالى إلى يوم القيامة " # ، وهكذا قال ههنا: # " إن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السماوات والأرض " # أي الأمر اليوم شرعا كما ابتدع الله ذلك في كتابه خلق السماوات والأرض، ~~وقد قال بعض المفسرين والمتكلمين على هذا الحديث إن المراد بقوله: # " قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " # أنه اتفق أن حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنة في ذي الحجة، ~~وأن العرب قد كانت نسأت النسيء يحجون في كثير من السنين بل أكثرها في غير ~~ذي الحجة، وزعموا أن حجة الصديق في سنة تسع كانت في ذي القعدة، وفي هذا ~~نظر، كما سنبينه إذا تكلمنا على النسيء. # وقوله تعالى: { منهآ أربعة حرم } فهذا مما كانت العرب أيضا ~~في الجاهلية تحرمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم وأما قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى ~~وشعبان " # فإنما أضافه إلى مضر ليبين صحة قولهم في رجب أنه الشهر الذي بين جمادى ~~وشعبان، لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان ~~وشوال وهو رمضان اليوم، فبين صلى الله عليه وسلم أنه رجب مضر لا رجب ~~ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة: ثلاثة سرد، وواحد فرد، لأجل ~~أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل أشهر الحج شهرا وهو ذو القعدة، لأنهم ~~يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي ms1098 الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون ~~فيه بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى ~~بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن ~~يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا، ~~وقوله: { ذلك الدين القيم } أي هذا هو الشرع المستقيم من ~~امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم والحذو بها على ما سبق في كتاب ~~الله الأول، قال تعالى: { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } أي ~~في هذه الأشهر المحرمة لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن ~~المعاصي في البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى: # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم # [الحج: 25]، وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام؛ ولهذا تغلظ فيه الدية ~~في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وقال ابن عباس في قوله: { ~~فلا تظلموا فيهن أنفسكم } قال في الشهور كلها، ثم اختص ~~من ذلك أربعة أشهر، فجعلهن حراما وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم ~~والعمل الصالح والأجر أعظم، وقال قتادة: إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم ~~خطيئة ووزرا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ~~ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه، ~~اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى ~~من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من ~~الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر فعظموا ما عظم الله، ~~فإنما تعظيم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل، وقال ~~محمد بن إسحاق: { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } أي لا ~~تجعلوا حرامها حلالا ولا حلالها حراما كما فعل أهل الشرك، وهذا القول ~~اختيار ابن جرير، وقوله: { وقاتلوا المشركين كآفة } أي ~~جميعكم { كما يقاتلونكم كآفة } أي جميعا { واعلموا ~~أن الله مع المتقين }. # وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ ~~أو محكم على قولين: (أحدهما) وهو الأشهر ms1099 أنه منسوخ لأنه تعالى قال: { ~~فلا تظلموا فيهن أنفسكم } وأمر بقتال المشركين، وظاهر ~~السياق مشعر بأنه أمر بذلك أمرا عاما، ولو كان محرما في الشهر الحرام ~~لأوشك أن يقيده بانسلاخها، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر أهل ~~الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة، كما ثبت في " الصحيحين " أنه خرج إلى ~~هوازن في شوال فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع فلهم لجأوا إلى الطائف ~~فعمد إلى الطائف، فحاصرهم أربعين يوما وانصرف ولم يفتتحها، فثبت أنه ~~حاصر في الشهر الحرام (القول الآخر): أن ابتداء القتال في الشهر الحرام ~~حرام وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام، لقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله ~~ولا الشهر الحرام # [المائدة: 2]، وقال: # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص # [البقرة: 194]، وقال: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5] الآية، وأما في قوله: { وقاتلوا المشركين ~~كآفة كما يقاتلونكم كآفة } فيحتمل أنه منقطع عما قبله ~~وأنه حكم مستأنف ويكون من باب التهييج والتحضيض، أي كما يجتمعون لحربكم ~~إذا حاربوكم فاجتمعوا أنتم أيضا لهم إذا حاربتموهم وقاتلوهم بنظير ما ~~يفعلون، ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام إذا ~~كانت البداءة منهم، كما قال تعالى: # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص # [البقرة: 194]، وقال تعالى: # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم # [البقرة: 191] الآية، وهكذا الجواب عن حصار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أهل الطائف واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام، فإنه من تتمة ~~قتال هوازن وأحلافها من ثقيف فإنهم هم الذين ابتدأوا القتال وجمعوا ~~الرجال ودعوا إلى الحرب والنزال، فعندها قصدهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما تقدم، فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم فنالوا ~~من المسلمين وقتلوا جماعة، واستمر الحصار بالمجانيق، وغيرها قريبا من ~~أربعين يوما وكان ابتداؤه في شهر حلال، ودخل الشهر الحرام فاستمر فيه ~~أياما ثم قفل عنهم لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وهذا ~~أمر مقرر وله نظائر كثيرة ms1100 والله أعلم. ### || [9.37] # هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم ~~الفاسدة، وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله، فإنهم كان فيهم من ~~القوة والعصبية، ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم، المانع ~~لهم من قتال أعدائهم، فكانوا قد احدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم ~~فأخروه إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال، ليواطئوا ~~عدة ما حرم الله. قال ابن عباس: النسيء أن جنادة الكناني كان يوافي ~~الموسم في كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا ~~يجاب ولا يعاب، ألا وإن صفر العام الأول العام حلال فيحله للناس، فيحرم ~~صفرا عاما ويحرم المحرم عاما، فذلك قول الله: { إنما النسيء ~~زيادة في الكفر } يقول: يتركون عاما وعاما - يحرمونه وعن ~~مجاهد: كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له فيقول ~~أيها الناس: إني لا أعاب ولا أجاب ولا مرد لما أقول، إنا قد حرمنا المحرم ~~وأخرنا صفر؛ ثم يجيء العام المقبل بعده، فيقول مثل مقالته، ويقول: إنا قد ~~حرمنا صفر وأخرنا المحرم، فهو قوله: { ليواطئوا عدة ما ~~حرم الله } قال: يعني الأربعة فيحلوا ما حرم الله بتأخير هذا ~~الشهر الحرام، فإنهم لما كانوا يحلون شهر الحرام عاما يحرمون عوضه صفرا ~~وبعده ربيع وربيع إلى آخر السنة بحالها على نظامها وعدتها وأسماء شهورها، ~~ثم في السنة الثانية يحرمون المحرم ويتركونه على تحريمه وبعده صفر وربيع ~~وربيع إلى آخرها فيحلونه عاما ويحرمونه عاما { ليواطئوا ~~عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله }: أي في ~~تحريم أربعة أشهر من السنة، إلا أنهم تارة يقدمون تحريم الشهر الثالث من ~~الثلاثة المتوالية وهو المحرم، وتارة ينسئونه إلى صفر أي يؤخرونه، وقد ~~قدمنا الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الزمان قد استدار " # الحديث: أي إن الأمر في عدة الشهور، وتحريم ما هو محرم منها، على ما سبق ~~في كتاب الله من العدد والتوالي، لا كما تعتمده جهلة العرب ms1101 من فصلهم ~~تحريم بعضها بالنسيء عن بعض والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: كان أول من ~~نسأ الشهور على العرب فأحل منها ما حرم الله وحرم منها ما أحل الله عز ~~وجل (القلمس)، ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد، ثم من بعد عباد ابنه قلع ~~بن عباد، ثم ابنه أمية بن فلع، ثم ابنه عوف بن أمية، ثم ابنه أبو ثمامة ~~جنادة بن عوف، وكان آخرهم، وعليه قام الإسلام، فكانت العرب إذا فرغت من ~~حجها اجتمعت إليه، فقام فيهم خطيبا، فحرم رجبا وذا القعدة وذا الحجة، ~~ويحل المرحم عاما، ويجعل مكانه صفر، ويحرمه عاما ليواطئ عدة ما حرم ~~الله فيحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله، والله أعلم. ### || [9.38-39] # هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ~~حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارة القيظ، فقال تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا ~~في سبيل الله } أي إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله { ~~اثاقلتم إلى الأرض } أي: تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة ~~والخفض وطيب الثمار { أرضيتم بالحياة الدنيا من ~~الآخرة }؟ أي ما لكم فعلتم هكذا رضا منكم بالدنيا بدلا من الآخرة؛ ~~ثم زهد تبارك وتعالى في الدنيا، ورغب في الآخرة فقال: { فما متاع ~~الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } ، كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بما ~~ترجع " # ، وأشار بالسبابة. وقال الأعمش { فما متاع الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا قليل } قال: كزاد الراكب، وقال عبد العزيز بن ~~أبي حازم عن أبيه: لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة، قال: ائتوني ~~بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه، فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال: أما لي ~~من كبير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولى ظهره فبكى، وهو يقول: أف لك ~~من دار إن كان كثيرك لقليل، وإن كان قليلك ms1102 لقصير، وإن كنا منك لفي غرور. ~~ثم توعد تعالى من ترك الجهاد فقال: { إلا تنفروا يعذبكم ~~عذابا أليما } قال ابن عباس: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حيا من العرب فتثاقلوا عنه فأمسك الله عنهم القطر فكان عذابهم { ~~ويستبدل قوما غيركم }: أي لنصرة نبيه وإقامة دنيه كما قال ~~تعالى: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # [محمد: 38] { ولا تضروه شيئا }: أي ولا تضروا الله شيئا ~~بتوليكم عن الجهاد، ونكولكم وتثاقلكم عنه { والله على كل ~~شيء قدير } أي قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم. ### || [9.40] # يقول تعالى { إلا تنصروه } أي تنصروا رسوله فإن الله ناصره ~~ومؤيده وكافية وحافظه كما تولى نصره { إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني اثنين } أي عام الهجرة، # " لما هم المشركون بقتله، فخرج منهم هاربا صحبة صديقه وصاحبه أبي بكر، ~~فلجآ إلى (غار ثور) ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم ثم ~~يسيروا نحو المدينة، فجعل أبو بكر رضي الله عنه يجزع أن يطلع عليهم أحد، ~~فيخلص إلى الرسول عليه الصلاة والسلام منهم أذى، فجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم يسكنه ويثبته ويقول: " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ~~" كما قال الإمام أحمد عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه ~~قال، فقال: " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما " # ، ولهذا قال تعالى: { فأنزل الله سكينته عليه } أي ~~تأييده ونصره عليه، أي على الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: على أبي ~~بكر، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تزل معه سكينة، { وأيده ~~بجنود لم تروها }: أي الملائكة { وجعل كلمة الذين ~~كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا } قال ابن ~~عباس: يعني بكلمة الذين كفروا - الشرك، وكلمة الله هي # لا إله إلا الله # [الصافات: 35]. وفي " الصحيحين ": # " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " # ، وقوله: { والله عزيز } أي في انتقامه وانتصاره، منيع الجناب ms1103 لا ~~يضام من لاذ ببابه، واحتمى بالتمسك بخطابه، { حكيم } في أقواله ~~وأفعاله. ### || [9.41] # أمر الله تعالى بالنفير العام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة ~~تبوك لقتال أعداء الله من الروم والكفرة من أهل الكتاب، وحتم على ~~المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المنشط والمكره والعسر واليسر، ~~فقال: { انفروا خفافا وثقالا } وقال أبو طلحة: كهولا وشبانا ~~ما سمع الله عذر أحد، ثم خرج إلى الشام، فقاتل حتى قتل. وفي رواية: قرأ ~~أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الآية: { انفروا خفافا ~~وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ~~الله } فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبانا، جهزوني يا بني، ~~فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، ~~ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى، فركب البحر، ~~فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير ~~فدفنوه فيها. وقال مجاهد: شبانا وشيوخا وأغنياء ومساكين، وقال الحكم: ~~مشاغيل وغير مشاغيل، وقال العوفي عن ابن عباس { انفروا خفافا ~~وثقالا } يقول: انفروا نشاطا وغير نشاط؛ وقال الحسن البصري: في ~~العسر واليسر. وهذا كله من مقتضيات العموم في الآية، وهذا اختيار ابن ~~جرير. وقال الإمام الأوزاعي: إذا كان النفير إلى دروب الروم نفر الناس ~~إليها خفافا وركبانا، وإذا كان النفير إلى هذه السواحل نفروا إليها ~~خفافا وثقالا وركبانا ومشاة؛ وهذا تفصيل في المسألة؛ وقال السدي قوله ~~{ انفروا خفافا وثقالا } يقول: غنيا وفقيرا وقويا وضعيفا ~~فجاءه رجل يومئذ زعموا أنه المقداد وكان عظيما سمينا، فشكا إليه، وسأله ~~أن يأذن له فأبى، فنزلت يومئذ: { انفروا خفافا وثقالا } فلما ~~نزلت هذه الآية اشتد على الناس، فنسخها الله فقال: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله # [التوبة: 91]. # وقال ابن جرير عن أبي راشد الحراني قال: وافيت (المقداد بن الأسود) فارس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا على تابوت ms1104 من توابيت الصيارفة بحمص ~~وقد فصل عنها من عظمه يريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك، فقال: أتت ~~علينا سورة البعوث: { انفروا خفافا وثقالا } ، وقال ابن جرير ~~عن حبان بن زيد الشرعبي قال: نفرنا مع (صفوان بن عمرو) وكان واليا على ~~حمص، فرأيت شيخا كبيرا قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته ~~فيمن أغار فأقبلت إليه فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك، قال: فرفع ~~حاجبيه، فقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا، إلا إنه من يحبه ~~الله يبتليه ثم يعيده الله فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر ~~وصبر وذكر، ولم يعبد إلا الله عز وجل. # ثم رغب تعالى في النفقة في سبيله وبذل المهج في مرضاته ومرضاة رسوله، ~~فقال: { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ~~الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } أي هذا خير ~~لكم في الدنيا والآخرة، لأنكم تغرمون في النفقة قليلا، فيغنمكم الله ~~أموال عدوكم في الدنيا مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " تكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرده إلى ~~منزلة بما نال من أجر أو غنيمة " # ، ولهذا قال الله تعالى: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن ~~تكرهوا شيئا وهو خير لكم # [البقرة: 216] الآية، ومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد عن أنس # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: " أسلم " قال أجدني ~~كارها، قال: " أسلم وإن كنت كارها ". ### || [9.42] # يقول تعالى موبخا للذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم فى غزوة ~~تبوك وقعدوا بعدما أستأذنوه فى ذلك، مظهرين أنهم ذوو أعذار ولم يكونوا ~~كذلك، فقال: { لو كان عرضا قريبا } قال ابن عباس: غنيمة قريبة ~~{ وسفرا قاصدا } أي قريبا أيضا { لاتبعوك }: أي لكانوا ~~جاءوا معك لذلك { ولكن بعدت عليهم الشقة }: أي ~~المسافة إلى الشام { وسيحلفون بالله } أي لكم إذا رجعتم إليهم ~~{ لو استطعنا لخرجنا معكم }: أي لو لم يكن لنا ms1105 أعذار ~~لخرجنا معكم، قال الله تعالى: { يهلكون أنفسهم والله ~~يعلم إنهم لكاذبون }. ### || [9.43-45] # قال عون: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ ناداه العفو قبل المعاتبة، ~~فقال: { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ، وقال قتادة: عاتبه ~~كما تسمعون، ثم أنزل التي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء، ~~فقال: # فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت ~~منهم # [النور: 62] الآية. وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم ~~فاقعدوا، ولهذا قال تعالى: { حتى يتبين لك الذين ~~صدقوا } أي في إبداء الأعذار { وتعلم الكاذبين } يقول ~~تعالى: تعالى: لا تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لأحد منهم في القعود، ~~لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم قد كانوا مصرين على ~~القعود عن الغزو وإن لم تأذن لهم فيه، ولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه ~~في القعود عن الغزو أحد يؤمن بالله ورسوله فقال { لا يستأذنك } ~~أي في القعود عن الغزو { الذين يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم } لأنهم يرون ~~الجهاد قربة ولما ندبهم إليهم بادروا وامتثلوا { والله عليم ~~بالمتقين * إنما يستأذنك } أي في القعود ممن لا عذر له ~~{ الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر } أي لا ~~يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم، { وارتابت ~~قلوبهم } أي شكت في صحة ما جئتهم به، { فهم في ريبهم ~~يترددون } أي يتحيرون، يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى وليست لهم قدم ~~ثابتة في شيء، فهم قوم حيارى هلكى، لا إلى هؤلاء، ومن يضلل الله فلن تجد ~~له سبيلا. ### || [9.46-47] # يقول تعالى: { ولو أرادوا الخروج } أي معك إلى الغزو { ~~لأعدوا له عدة } أي لكانوا تأهبوا له { ولكن كره ~~الله انبعاثهم } أي أبغض أن يخرجوا معك قدرا { فثبطهم } ~~أي أخرهم، { وقيل اقعدوا مع القاعدين } أي قدرا، ثم بين ~~تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين، فقال: { لو خرجوا فيكم ~~ما زادوكم إلا خبالا } أي لأنهم جبناء مخذولون { ~~ولأوضعوا خلالكم يبغونكم ms1106 الفتنة } أي ولأسرعوا ~~السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة، { وفيكم سماعون ~~لهم } أي مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم، وكلامهم يستنصحونهم وإن كانوا ~~لا يعلمون حالهم، فيؤدي إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. وقال مجاهد ~~{ وفيكم سماعون لهم }: أي عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها ~~إليهم، وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم، بل هذا عام في جميع ~~الأحوال، والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق، وإليه ذهب قتادة وغيره ~~من المفسرين، وقال محمد بن إسحاق: كان الذين استأذنوا فيما بلغني من ذوي ~~الشرف منهم (عبد الله بن أبي بن سلول) و (الجد بن قيس) وكانوا أشرافا في ~~قومهم فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معه فيفسدوا عليه جنده، وكان في ~~جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم، فقال: { ~~وفيكم سماعون لهم } ، ثم أخبر تعالى عن تمام علمه فقال: { ~~والله عليم بالظالمين } ، فأخبر بأنه يعلم ما كان وما يكون، ~~ولهذا قال تعالى: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا ~~خبالا } فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا ومع هذا ما خرجوا، كما قال ~~تعالى: # ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو ~~اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ~~ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ~~وأشد تثبيتا # [النساء: 66]. ### || [9.48] # يقول تعالى محرضا لنبيه عليه السلام على المنافقين: { لقد ~~ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور } أي ~~لقد أعملوا فكرهم وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك وخذلان دينك ~~وإخماده مدة طويلة، وذلك أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة رمته ~~العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم ~~بدر وأعلى كلمته، قال عبد الله بن أبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه، فدخلوا ~~في الإسلام ظاهرا، ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله غاظهم ذلك وساءهم، ~~ولهذا قال تعالى: { حتى جآء الحق وظهر أمر الله ~~وهم كارهون }. ### || [9.49] # يقول تعالى: ومن المنافقين من يقول لك يا محمد { ائذن لي } في ~~القعود، { ولا تفتني } بالخروج ms1107 معك بسبب الجواري من نساء الروم، ~~قال تعالى: { ألا في الفتنة سقطوا } أي قد سقطوا في الفتنة ~~بقولهم هذا، كما # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه (للجد بن ~~قيس): " هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر "؟ فقال: يا رسول الله أو ~~تأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني، ~~وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن، فأعرض عنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال: " قد أذنت لك " # ، ففي الجد ابن قيس نزلت هذه: { ومنهم من يقول ائذن لي ~~ولا تفتني } الآية: أي إن كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر، وليس ~~ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة لتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم، { وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين } أي لا محيد لهم عنها ولا محيص ولا مهرب. ### || [9.50-51] # يعلم تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بعداوة هؤلاء له لأنه مهما ~~أصابه من حسنة، أي فتح ونصر وظفر على الأعداء مما يسره ويسر أصحابه ساءهم ~~ذلك، { وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا ~~من قبل } أي قد احترزنا من متابعته من قبل هذا، { ويتولوا ~~وهم فرحون } فأرشد الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~جوابهم في عداوتهم هذه التامة، فقال { قل } أي لهم، { لن يصيبنآ ~~إلا ما كتب الله لنا } أي نحن تحت مشيئته وقدره، { هو ~~مولانا } أي سيدنا وملجؤنا، { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } أي ونحن متوكلون عليه وهو حسبنا ونعم الوكيل. ### || [9.52-54] # يقول الله تعالى: { قل } لهم يا محمد، { هل تربصون بنآ } أي ~~تنتظرون بنا { إلا إحدى الحسنيين } شهادة أو ظفر بكم، { ~~ونحن نتربص بكم } أي ننتظر بكم { أن يصيبكم الله ~~بعذاب من عنده أو بأيدينا } أي ننتظر بكم هذا بسبي أو ~~بقتل، { فتربصوا إنا معكم متربصون } ، وقوله ~~تعالى: { قل أنفقوا طوعا أو كرها } أي مهما أنفقتم من نفقة ~~طائعين أو ms1108 مكرهين { لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما ~~فاسقين } ثم أخبر تعالى عن سبب ذلك وهو أنهم لا يتقبل منهم { إلا ~~أنهم كفروا بالله وبرسوله } أي والأعمال إنما تصح ~~بالإيمان، { ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى } أي ~~ليس لهم قدم صحيح ولا همة في العمل، { ولا ينفقون } نفقة { إلا ~~وهم كارهون } ، وقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: # " أن الله لا يمل حتى تملوا " # و # " أن الله طيب لا يقبل إلا طيبا " # ، فلهذا لا يقبل الله من هؤلاء نفقة ولا عملا، لأنه إنما يتقبل من ~~المتقين. ### || [9.55] # يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: { فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم } ، كقوله تعالى: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا # [طه: 131]، وقوله: { إنما يريد الله ليعذبهم بها ~~في الحياة الدنيا } قال الحسن البصري: بزكاتها والنفقة منها في ~~سبيل الله، وقال قتادة: هذا من المقدم والمؤخر تقديره: فلا تعجبك أموالهم ~~ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، ~~واختار ابن جرير قول الحسن، وهو القول القوي الحسن، وقوله: { وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون } أي ويريد أن يميتهم - حين يميتهم - على ~~الكفر ليكون ذلك أنكى لهم وأشد لعذابهم؛ عياذا بالله من ذلك، وهذا يكون ~~من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه. ### || [9.56-57] # يخبر تعالى نبيه محمدا عن جزعهم وفزعهم وفرقهم وهلعهم أنهم { ~~ويحلفون بالله إنهم لمنكم } يمينا مؤكدة { وما هم ~~منكم } أي في نفس الأمر، { ولكنهم قوم يفرقون } أي ~~فهو الذي حملهم على الحلف، { لو يجدون ملجئا } أي حصنا ~~يتحصنون به وحرزا يتحرزون به، { أو مغارات } وهي التي في الجبال { ~~أو مدخلا } وهو السرب في الأرض والنفق، { لولوا إليه ~~وهم يجمحون } أي يسرعون في ذهابهم عنكم، لأنهم إنما يخالطونكم ~~كرها ولا محبة، ولهذا لا يزالون في هم وحزن وغم، لأن الإسلام وأهله لا ~~يزال في عز ونصر ورفعة. ### || [9.58-59] # يقول تعالى: { ومنهم } أي ومن المنافقين { من يلمزك } أي ~~يعيب عليك { في } قسم { الصدقات } إذا فرقتها، ويتهمك ms1109 في ذلك، وهم ~~المتهمون المأبونون، وهم مع هذا لا ينكرون للدين، وإنما ينكرون لحظ ~~أنفسهم، ولهذا { فإن أعطوا منها رضوا وإن لم ~~يعطوا منها إذا هم يسخطون } أي يغضبون لأنفسهم، قال ~~قتادة: ومنهم من يطعن عليك في الصدقات، وذكر لنا أن # " رجلا من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم ذهبا ~~وفضة، فقال: يا محمد! والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت، فقال نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم: " ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي "؟ " # وهذا الذي ذكره قتادة يشبه ما رواه الشيخان عن أبي سعيد في قصة (ذي ~~الخويصرة) # " لما اعترض على النبي صلى الله عليه وسلم حين قسم غنائم حنين، فقال له: ~~اعدل، فإنك لم تعدل، فقال: " لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل "؛ ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رآه مقفيا: " إنه يخرج من ضئضيء ~~هذا قوم يحفر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين ~~مروق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنهم شر قتلى تحت أديم ~~السماء " # ، وذكر بقية الحديث. ثم قال تعالى منبها لهم على ما هو خير لهم من ذلك ~~{ ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ~~ورسوله إنآ إلى الله راغبون } فتضمنت هذه الآية الكريمة ~~أدبا عظيما وسرا شريفا، حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله، والتوكل ~~على الله وحده، في قوله { وقالوا حسبنا الله } ، وكذلك الرغبة ~~إلى الله وحده، في التوفيق لطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وامتثال ~~أوامره وترك زواجره، وتصديق أخباره والاقتفاء بآثاره. ### || [9.60] # لما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولمزهم إياه في قسم الصدقات، بين تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها ~~وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره، فجزأها لهؤلاء ~~المذكورين، وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية، هل يجب استيعاب ~~الدفع لها أو إلى ما أمكن منها؟ على قولين: (أحدهما) ms1110 أنه يجب ذلك، وهو ~~قول الشافعي وجماعة، (والثاني) أنه لا يجب استيعابها بل يجوز الدفع إلى ~~واحد منها، وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف. وقال ابن جرير: وهو قول ~~عامة أهل العلم؛ وإنما قدم الفقراء ههنا على البقية لأنهم أحوج من غيرهم ~~على المشهور، ولشدة فاقتهم وحاجتهم، وعند أبي حنيفة: أن المسكين أسوأ ~~حالا من الفقير، وهو كما قال أحمد، قال عمر رضي الله عنه: الفقير ليس ~~بالذي لا مال له، ولكن الفقير الأخلق الكسب؛ قال ابن عليه: الأخلق ~~المحارف عندنا والجمهور على خلافه، وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن ~~البصري وابن زيد. واختار ابن جرير وغير واحد أن الفقير هو المتعفف الذي ~~لا يسأل الناس شيئا، والمسكين هو الذي يسأل ويطوف ويتبع الناس، وقال ~~قتادة: الفقير من به زمانه، والمسكين الصحيح الجسم. # ولنذكر أحاديث تتعلق بكل من الأصناف الثمانية. فأما الفقراء فعن ابن عمر ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " # وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار # " أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه من ~~الصدقة فقلب فيهما البصر، فرآهما جلدين، فقال: " إن شئتما أعطيتكما ولا ~~حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب " # ، وأما المساكين فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " " ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة ~~واللقمتان، والتمرة والتمرتان " قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: " ~~الذي لا يجد غني يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا " ~~" # وأما العاملون عليها فهم الجباة والسعاة يستحقون منها قسطا على ذلك، ~~ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تحرم ~~عليهم الصدقة لما ثبت عن عبد المطلب بن الحارث أنه انطلق هو والفضل بن ~~العباس يسألان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعملهما على الصدقة، ~~فقال: # " إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد إنما هي أوساخ ms1111 الناس " # وأما المؤلفة قلوبهم فأقسام: منهم من يعطي ليسلم، كما أعطى النبي صلى ~~الله عليه وسلم (صفوان بن أمية) من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركا، ~~كما قال الإمام أحمد عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم حنين وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب ~~الناس إلي. # ومنهم من يعطي ليحسن إسلامه ويثبت قلبه، كما أعطى يوم حنين أيضا جماعة ~~من صناديد الطلقاء وأشرافهم مائة من الإبل، مائة من الإبل، وقال: # " إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله على وجهه في ~~نار جهنم " # وفي " الصحيحين " عن أبي سعيد: # " أن عليا بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهبيه في تربتها من اليمن ~~فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة، ~~وزيد الخير، وقال: " أتألفهم " # ، ومنهم من يعطى لما يرجى من إسلام نظرائه. ومنهم من يعطى ليجبي الصدقات ~~ممن يليه، أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد. # وهل تعطى المؤلفة على الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيه خلاف، ~~فروي عن عمر وعامر والشعبي وجماعة أنهم لا يعطون بعده، لأن الله قد أعز ~~الإسلام وأهله ومكن لهم في البلاد وأذل لهم رقاب العباد، وقال آخرون: بل ~~يعطون لأنه عليه الصلاة والسلام قد أعطاهم بعد فتح مكة وكسر هوازن، وهذا ~~أمر قد يحتاج إليه فيصرف إليهم. وأما الرقاب فروي عن الحسن البصري ومقاتل ~~وسعيد بن جبير أنهم المكاتبون: وهو قول الشافعي والليث رضي الله عنهما، ~~وقال ابن عباس والحسن لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب أحمد ~~ومالك أي أن الرقاب أعم من أن يعطى المكاتب أو يشتري رقبة فيعتقها ~~استقلالا؛ وفي الحديث: # " ثلاثة حق على الله عونهم: الغازي في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد ~~الأداء، والناكح الذي يريد العفاف " # وفي " المسند " عن البراء بن عازب قال: # " جاء رجل فقال: يا رسول الله دلني على عمل يقربني من الجنة ms1112 ويباعدني من ~~النار، فقال: " أعتق النسمة وفك الرقبة " ، فقال: يا رسول الله أو ليسا ~~واحدا؟ قال: " لا، عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ~~ثمنها " # وأما الغارمون فهم أقسام: فمنهم من تحمل حمالة أو ضمن دينا فلزمه فأجحف ~~بماله أو غرم في أداء دينه أو في معصية ثم تاب فهؤلاء يدفع إليهم، لما ~~روي عن أبي سعيد قال: # " أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر ~~دينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " تصدقوا عليه " ، فتصدق الناس ~~عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لغرمائه: " ~~خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك " # وأما { وفي سبيل الله } فمنهم الغزاة الذين لا حق لهم في ~~الديوان. وعند الحسن: والحج من سبيل الله وكذلك { وابن السبيل } ~~وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره، فيعطى من ~~الصدقات ما يكفيه إلى بلده وإن كان له مال، لحديث أبي سعيد الخدري قال، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، وابن السبيل، أو جار فقير فيهدي ~~لك أو يدعوك " # وقوله: { فريضة من الله } أي حكما مقدرا بتقدير الله وفرضه ~~وقسمه { والله عليم حكيم }: أي عليم بظواهر الأمور وبواطنها ~~وبمصالح عباده، { حكيم } فيما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به لا إله ~~إلا هو ولا رب سواه. ### || [9.61] # يقول تعالى: ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالكلام فيه ويقولون { هو أذن } أي من قال له شيئا صدقه فينا، ومن ~~حدثه صدقه، فإذا جئناه وحلفنا له صدقنا، قال الله تعالى: { قل أذن ~~خير لكم } أي هو أذن خير يعرف الصادق من الكاذب، { يؤمن ~~بالله ويؤمن للمؤمنين } أي ويصدق المؤمنين، { ورحمة ~~للذين آمنوا منكم } أي وهو حجة على الكافرين، ولهذا قال: { ~~والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم }. ### || [9.62-63] # قال قتادة: ذكر لنا # " أن رجلا من المنافقين قال: والله إن هؤلاء ms1113 لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ~~ما يقول محمد حقا، لهم شر من الحمير، قال: فسمعها رجل من المسلمين فقال: ~~والله إن ما يقول محمد لحق، ولأنت أشر من الحمار، قال: فسعى بها الرجل ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال: " ما ~~حملك على الذي قلت "؟ فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل ~~المسلم يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب " # ، فأنزل الله الآية، وقوله تعالى: { ألم يعلموا أنه من ~~يحادد الله ورسوله } أي ألم يتحققوا ويعلموا أنه من حاد ~~الله عز وجل أي شاقه وحاربه وخالفه { فأن له نار جهنم ~~خالدا فيها } أي مهانا معذبا، و { ذلك الخزي العظيم } ~~أي وهذا هو الذل العظيم والشقاء الكبير. ### || [9.64] # قال مجاهد: يقولون القول بينهم، ثم يقولون عسى الله أن لا يفشي علينا ~~سرنا هذا، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: # وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله ~~ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير # [المجادلة: 8]، وقال في هذه الآية: { قل استهزءوا إن ~~الله مخرج ما تحذرون } أي إن الله سينزل على رسوله ما ~~يفضحكم به ويبين له أمركم، كقوله تعالى: # أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج ~~الله أضغانهم # [محمد: 29] ولهذا قال قتادة: كانت تسمى هذه السورة الفاضحة فضحت ~~المنافقين. ### || [9.65-66] # " قال رجل من المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، ~~وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، ~~فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، فقال: { أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزءون } إلى قوله: { كانوا مجرمين ~~} وإن رجليه لتسفعان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو متعلق بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم " # وقال ابن إسحاق: # " كان جماعة من المنافقين منهم (وديعة بن ثابت) ورجل من أشجع يقال له ~~(مخشى بن حمير) يسيرون مع ms1114 رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو منطلق إلى ~~تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم ~~بعضا، والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال، إرجافا وترهيبا ~~للمؤمنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر: " أدرك ~~القوم فإنهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل بلى قلتم كذا ~~وكذا " فانطلق إليهم عمار فقال لهم ذلك، فأتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت يا رسول الله: إنما كنا نخوض ~~ونلعب، فقال مخشى بن حمير: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي، فكان الذي ~~عفي عنه في هذه الآية (مخشى بن حمير) فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن ~~يقتل شهيدا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة. " # وقال قتادة: # " بينما النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وركب من المنافقين ~~يسيرون بين يديه فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها؟ هيهات ~~هيهات، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فقال: " علي ~~بهؤلاء النفر " فدعاهم فقال: " قلتم كذا وكذا " ، فحلفوا ما كنا إلا نخوض ~~ونلعب " # وقوله: { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } أي ~~بهذا المقال الذي استهزأتم به، { إن نعف عن طآئفة منكم ~~نعذب طآئفة } أي لا يعفى عن جميعكم ولا بد من عذاب بعضكم { ~~بأنهم كانوا مجرمين } أي مجرمين بهذه المقالة الفاجرة ~~الخاطئة. ### || [9.67-68] # يقول تعالى منكرا على المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين، ولما ~~كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كان هؤلاء { يأمرون ~~بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم ~~} أي عن الإنفاق في سبيل الله، { نسوا الله } أي نسوا ذكر الله { ~~فنسيهم } أي عاملهم معاملة من نسيهم، كقوله تعالى: # اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم هذا # [الجاثية: 34]، { إن المنافقين هم الفاسقون } أي ~~الخارجون عن طريق الحق الداخلون في طريق الضلالة، وقوله: { وعد الله ~~المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم } أي ~~على هذا الصنيع الذي ذكر عنهم، { خالدين فيها } أي ماكثين فيها ~~مخلدين ms1115 هم والكفار { هي حسبهم } أي كفايتهم في العذاب، { ~~ولعنهم الله } أي طردهم وأبعدهم { ولهم عذاب مقيم }. ### || [9.69] # يقول تعالى: أصاب هؤلاء من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة كما أصاب ~~من قبلهم، { بخلاقهم } قال الحسن: بدينهم، { وخضتم كالذي ~~خاضوا } أي في الكذب والباطل، { أولئك حبطت أعمالهم ~~} أي بطلت مساعيهم فلا ثواب لهم عليها لأنها فاسدة، { في الدنيا ~~والآخرة وأولئك هم الخاسرون } لأنهم لم يحصل لهم عليها ~~ثواب. وعن ابن عباس قال: ما أشبه الليلة بالبارحة، { كالذين من ~~قبلكم } هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى ~~لو دخل الرجل منهم حجر ضب لدخلتموه. وفي الحديث: # " والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا ~~بذراع، وباعا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " ، قالوا: ومن هم يا ~~رسول الله؟ أهل الكتاب؟ قال: " فمن "؟ قال أبو هريرة: الخلاق الدين، { ~~وخضتم كالذي خاضوا } قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس ~~والروم؟ قال: " فهل الناس إلا هم "؟ ". ### || [9.70] # يقول تعالى واعظا لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل { ألم يأتهم ~~نبأ الذين من قبلهم } ، أي ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من ~~الأمم المكذبة للرسل، { قوم نوح } وما أصابهم من الغرق العام لجميع ~~أهل الأرض إلا من آمن بعبده ورسوله نوح عليه السلام، { وعاد } كيف ~~أهلكوا بالريح العقيم لما كذبوا هودا عليه السلام، { وثمود } كيف ~~أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحا عليه السلام وعقروا الناقة، { وقوم ~~إبراهيم } كيف نصره الله عليهم وأيده بالمعجزات الظاهرة عليهم وأهلك ~~ملكهم نمروذ لعنه الله، { وأصحاب مدين } وهم قوم شعيب عليه ~~السلام وكيف أصابتهم الرجفة وعذاب يوم الظلة، { والمؤتفكات } قوم ~~لوط وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال: # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53]، والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله ~~لوطا عليه السلام، وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من ~~العالمين، { أتتهم رسلهم بالبينات } أي بالحجج والدلائل ~~القاطعات { فما كان الله ليظلمهم } أي بإهلاكه إياهم لأنه ~~أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل، { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون ms1116 } أي بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم الحق، فصاروا ~~إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار. ### || [9.71] # لما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، ~~فقال: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء ~~بعض } أي يتناصرون ويتعاضدون، كما جاء في " الصحيح ": # " " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " وشبك بين أصابعه " # وفي " الصحيح " أيضا: # " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو ~~تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " # وقوله: { يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } ، ~~كقوله تعالى: # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر # [آل عمران: 104] الآية، وقوله: { ويقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة } أي يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه، { ويطيعون الله ~~ورسوله } أي فيما أمر وترك ما عنه زجر، { أولئك ~~سيرحمهم الله } أي سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات، { إن ~~الله عزيز } أي يعز من أطاعه، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، { ~~حكيم } في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم ~~المتقدمة فإنه له الحكمة في جميع ما يفعله تبارك وتعالى. ### || [9.72] # يخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به والمؤمنات من الخيرات والنعيم المقيم ~~في { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } أي ~~ماكثين فيها أبدا، { ومساكن طيبة } أي حسنة البناء طيبة ~~القرار، كما جاء في " الصحيحين ": # " جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، ~~وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في ~~جنة عدن " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين ~~كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى ~~الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أهل الجنة لتراؤون الغرف في الجنة كما ترون الكواكب في السماء " # أخرجاه في " الصحيحين ". وفي " مسند الإمام أحمد " عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: # " لبنة ذهب ولبنة ms1117 فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، ~~وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ~~ثيابه، ولا يفنى شبابه " # ، وعند الترمذي عن علي رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الجنة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها " فقام ~~أعرابي فقال: يا رسول الله لمن هي؟ فقال: " لمن طيب الكلام، وأطعم ~~الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام " # ، وعن أسامة بن زيد قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا هل من مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا حظر لها، هي ورب الكعبة نور ~~يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء ~~جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ~~ونعمة، في محلة عالية بهية " ، قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون ~~لها، قال: " قولوا إن شاء الله " ، فقال القوم: إن شاء الله " # ، وقوله تعالى: { ورضوان من الله أكبر } أي رضا الله ~~عنهم أكبر وأجل وأعظم، مما هم فيه من النعيم، كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ~~ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى ~~يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول ألا أعطيكم أفضل من ~~ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا ~~أسخط عليكم بعده أبدا ". ### || [9.73-74] # أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة ~~عليهم، كما أمره بن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين وأخبره أن مصير ~~الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة، وقد تقدم عن أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب أنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة ~~أسياف: سيف للمشركين # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5]، وسيف للكفار أهل الكتاب # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # [التوبة: 29]، وسيف للمنافقين ms1118 { جاهد الكفار والمنافقين ~~} ، وسيف للبغاة # فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله # [الحجرات: 9]، وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق). قال ~~ابن مسعود { جاهد الكفار والمنافقين } قال: بيده فإن لم ~~يستطع فليكفهر في وجهه، وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد الكفار ~~بالسيف، والمنافقين باللسان، وأذهب الرفق عنهم، وقال الضحاك: جاهد الكفار ~~بالسيف، واغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم، وقال الحسن وقتادة ~~ومجاهد: مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم؛ ولا منافاة بين هذه الأقوال، لأنه ~~تارة يؤاخذهم بهذا وتارة بهذا بحسب الأحوال والله أعلم. وقوله: { ~~يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة ~~الكفر وكفروا بعد إسلامهم } قال قتادة: نزلت في (عبد ~~الله بن أبي) وذلك أنه اقتتل رجلان، جهني وأنصاري، فعلا الجهني على ~~الأنصاري، فقال عبد الله للأنصار ألا تنصرون أخاكم؟ والله ما مثلنا ومثل ~~محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، وقال: # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # [المنافقون: 8]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله في هذه الآية. # وقال الإمام أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل شجرة، فقال: " إنه ~~سيأتيكم إنسان فينظر إليكم - بعيني الشيطان - فإذا جاء فلا تكلموه " فلم ~~يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " ~~علام تشتمني أنت وأصحابك "؟ فانطلق الرجل، فجاءه بأصحابه، فحلفوا بالله ~~ما قالوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله عز وجل: { يحلفون ~~بالله ما قالوا } الآية " # ، وقوله: { وهموا بما لم ينالوا } قيل أنزلت في الجلاس بن ~~سويد، وذلك أنه هم بقتل ابن امرأته حين قال لأخبرن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل: في (عبد الله بن أبي) هم بقتل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقد ورد أن نفرا من المنافقين هموا بالفتك بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو في غزوة تبوك في بعض تلك الليالي في ms1119 حال السير، وكانوا ~~بضعة عشر رجلا، قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الآية، روى الحافظ البيهقي ~~في كتاب " دلائل النبوة " # " عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أقود به، وعمار يسوق الناقة، حتى إذا كنا بالعقبة، ~~فإذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوه فيها، قال: فانتهرهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وصرخ بهم، فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " هل عرفتم القوم "؟ قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين، ~~ولكنا قد عرفنا الركاب، قال: " هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة وهل ~~تدرون ما أرادوا "؟ قلنا: لا، قال: " أرادوا أن يزاحموا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في العقبة فيلقوه منها " ، قلنا يا رسول الله أفلا نبعث ~~إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: " لا، أكره أن تتحدث ~~العرب بينها أن محمدا قاتل، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم " # وقوله تعالى: { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ~~ورسوله من فضله } أي وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ~~ببركته ويمن سعادته، ولو تمت عليهم السعادة لهداهم الله # " لما جاء به كما قال صلى الله عليه وسلم للأنصار: " ألم أجدكم ضلالا ~~فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي "؟ ~~كلما قال شيئا، قالوا: الله ورسوله أمن " # ، وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب، كقوله: # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله # [البروج: 8] الآية، ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة فقال: { ~~فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم ~~الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة } أي وإن يستمروا ~~على طريقهم يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا: أي بالقتل والهم والغم، ~~والآخرة: أي بالعذاب والنكال والهوان والصغار { وما لهم في ~~الأرض من ولي ولا نصير } أي وليس لهم أحد يسعدهم ولا ~~ينجدهم، لا يحصل لهم خيرا، ولا يدفع عنهم شرا. ### || [9.75-78] # يقول تعالى: ومن المنافقين من أعطى الله عهده ms1120 وميثاقه لئن أغناه من فضله ~~ليصدقن من ماله وليكونن من الصالحين، فما وفى بما قال، ولا صدق فيما ~~ادعى، فأعقبهم هذه الصنيع نفاقا سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله عز ~~وجل يوم القيامة عياذا بالله من ذلك، وقد ذكر كثير من المفسرين أن سبب ~~نزول هذه الآية الكريمة في (ثعلبة بن حاطب) الأنصاري، وقد ورد فيه حديث ~~رواه ابن جرير عن أبي أمامة الباهلي # " عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ادع الله أن يرزقني مالا، قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه " قال، ثم قال مرة ~~أخرى، فقال: " أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ فوالذي نفسي بيده لو شئت ~~أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت " قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت ~~الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " اللهم ارزق ثعلبة مالا " قال: فاتخذ غنما، فنمت كما ينمي ~~الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، فنزل واديا من أوديتها، حتى جعل ~~يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت، فتنحى حتى ~~ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمى كما ينمى الدود، حتى ترك الجمعة، فطفق ~~يتلقى الركبان يوم الجمعة ليسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " ما فعل ثعلبة "؟ فقالوا يا رسول الله اتخذ غنما فضاقت عليه ~~المدينة فأخبروه بأمره، فقال: " يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة ~~" ، وأنزل الله عز وجل ثناؤه: { خذ من أموالهم صدقة } ~~الآية، ونزلت فرائض الصدقة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على ~~الصدقة من المسلمين، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال ~~لهما: " مرا بثعلبة وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما " ، فخرجا ~~حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت ms1121 الجزية، ما أدري ما هذا! ~~انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي، فانطلقا، وسمع بهما السلمي، فنظر إلى ~~خيار أسنان إبلة، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها، قالوا: ~~ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك، فقال: بلى فخذوها فإن نفسي ~~بذلك طيبة، فأخذاها منه، ومرا على الناس، فأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ~~ثعلبة فقال: أروني كتابكما، فقرأه فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت ~~الجزية! انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فلما رآهما قال: " يا ويح ثعلبة " ، قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي ~~بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي، فأنزل الله عز ~~وجل: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن } الآية. فهلك ثعلبة في خلافة عثمان " # وقوله تعالى: { بمآ أخلفوا الله ما وعدوه } الآية: أي ~~أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم، وقوله: { ألم ~~يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم } الآية، ~~يخبر تعالى أنه يعلم السر وأخفى وأنه أعلم بضمائرهم، وإن أظهروا أنه إن ~~حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها، فإن الله أعلم بهم من أنفسهم، ~~لأنه تعالى علام الغيوب، أي يعلم كل غيب وشهادة، وكل سر ونجوى، ويعلم ما ~~ظهر وما بطن. ### || [9.79] # وهذا أيضا من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع ~~الأحوال، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا؛ هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير ~~قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، كما روى البخاري عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء ~~كثير، فقالوا: مراء، وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا: إن الله لغني عن صدقة ~~هذا، فنزلت: { الذين يلمزون المطوعين } الآية. وقال ابن ~~عباس: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: ~~والله ما جاء عبد الرحمن بما ms1122 جاء به إلا رياء، وقالوا: إن الله ورسوله ~~لغنيان عن هذا الصاع. وقال ابن إسحاق: كان من المطوعين من المؤمنين في ~~الصدقات (عبد الرحم ابن عوف) تصدق بأربعة آلاف درهم، و (عاصم بن عدي) ~~أخو بني العجلان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في الصدقة ~~وحض عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف، وقام عاصم بن عدي ~~وتصدق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلا رياء، وكان الذي ~~تصدق بجهده (أبو عقيل) حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر فأفرغه في ~~الصدقة، فتضاحكوا به، وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل. وقال الحافظ ~~أبو بكر البزار عن أبي هريرة قال، # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثا ~~" ، قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله عندي أربعة آلاف، ~~ألفين أقرضهما ربي وألفين لعيالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما امسكت " وبات رجل من الأنصار ~~فأصاب صاعين من تمر، فقال يا رسول الله: أصبت صاعين من تمر، صاع أقرضه ~~لربي وصاع لعيالي، قال: فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن ~~عوف إلا رياء، وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا؟ فأنزل ~~الله: { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في ~~الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون ~~منهم } الآية " # وقوله: { فيسخرون منهم سخر الله منهم } هذا من باب ~~المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين، لأن الجزاء من جنس العمل، ~~فعاملهم معاملة من سخر منهم انتصارا للمؤمنين في الدنيا، وأعد للمنافقين ~~في الآخرة عذابا أليما، لأن الجزاء من جنس العمل. ### || [9.80] # يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلا ~~للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم؛ وقد قيل: إن ~~السبعين إنما ذكرت حسما لمادة الاستغفار لهم، لأن العرب في أساليب ~~كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ms1123 ولا تريد التحديد بها، ولا أن ~~يكون ما زاد عليها بخلافها؛ وقيل: بل لها مفهوم كما روي، لما نزلت هذه ~~الآية قال صلى الله عليه وسلم: # " إن ربي قد رخص لي فيهم، فوالله لأستغفرن لهم أكثر من سبعين مرة لعل ~~الله أن يغفر لهم " # ، وقال الشعبي: # " لما ثقل (عبد الله بن أبي) انطلق ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إن أبي يحتضر، فأحب أن تشهده وتصلي عليه، فانطلق معه حتى شهده، ~~وألبسه قميصه. وصلى عليه، فقيل له: أتصلي عليه؟ فقال: " إن الله قال: { ~~إن تستغفر لهم سبعين مرة } ، ولأستغفرن لهم سبعين ~~وسبعين وسبعين " ". ### || [9.81-82] # يقول تعالى ذاما للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة تبوك، وفرحوا بقعودهم بعد خروجه { وكرهوا أن ~~يجاهدوا } معه { بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله وقالوا } - أي بعضهم لبعض - { لا تنفروا في الحر } ~~، وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحر، عند طيب الظلال والثمار، ~~فلهذا قالوا: { لا تنفروا في الحر } ، قال الله تعالى لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم: { قل } لهم { نار جهنم } التي تصيرون إليها ~~بمخالفتكم { أشد حرا } مما فررتم منه من الحر بل أشد حرا من ~~النار، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " نار بني آدم التي توقدونها جزء من سبعين جزءا من نار جهنم " ، ~~فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، فقال: " فضلت عليها بتسعة وستين ~~جزءا " " # ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وضربت في البحر مرتين، ~~ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد " # وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أوقد الله على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ~~ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء كالليل المظلم " # وعن أنس قال: # " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1124 { نارا وقودها الناس ~~والحجارة } ، قال: " أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى ~~احمرت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء كالليل لا يضيء لهبها " # ، والأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة. وقال الله تعالى في كتابه ~~العزيز: # كلا إنها لظى * نزاعة للشوى # [المعارج: 15-16]، وقال تعالى: # يصب من فوق رءوسهم الحميم * يصهر به ما في ~~بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد # [الحج: 19-21]، وقال تعالى: # سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم ~~بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب # [النساء: 56]، وقال تعالى هنا: { قل نار جهنم أشد حرا ~~لو كانوا يفقهون } أي لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول ~~في سبيل الله في الحر، ليتقوا به من حر جهنم الذي هو أضعاف أضعاف هذا، ~~ولكنهم كما قال الشاعر: # كالمستجير من الرمضاء بالنار # ثم قال تعالى جل جلاله متوعدا هؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا: { ~~فليضحكوا قليلا } الآية، قال ابن عباس: الدنيا قليل، فليضحكوا ~~فيها ما شاءوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله عز وجل استأنفوا ~~بكاء لا ينقطع أبدا، وقال الحافظ الموصلي عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى ~~تسيل دموعهم في وجوههم، كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح ~~العيون، فلو أن سفنا أزجيت فيها لجرت ". ### || [9.83] # يقول تعالى آمرا لرسوله عليه الصلاة والسلام: { فإن رجعك ~~الله } أي ردك الله من غزوتك هذه { إلى طآئفة منهم } ، ~~قال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلا { فاستأذنوك ~~للخروج }: أي معك إلى غزوة أخرى { فقل لن تخرجوا معي ~~أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا } ، أي تعزيزا لهم وعقوبة، ~~ثم علل ذلك بقوله: { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة } ~~، وهذا كقوله تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام:110] الآية، فإن جزاء السيئة السيئة بعدها، كما أن ثواب الحسنة ~~الحسنة بعدها، وقوله تعالى: { فاقعدوا مع الخالفين } قال ابن ~~عباس: أي الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة، ms1125 وقال قتادة: { فاقعدوا ~~مع الخالفين } أي مع النساء، قال ابن جرير: وهذا لا يستقيم، لأن ~~جمع النساء لا يكون بالياء والنون، ولو أريد النساء لقال: فاقعدوا مع ~~الخوالف أو الخالفات، ورجح قول ابن عباس رضي الله عنهما. ### || [9.84] # أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من المنافقين، وأن لا ~~يصلي على أحد منهم إذا مات، وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له ~~لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتو عليه؛ وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه، ~~وإن كان سبب نزول الآية في (عبد الله بن أبي سلول) رأس المنافقين. كما ~~قال البخاري # " عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي، جاء ابنه عبد الله ~~بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه ~~يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: يا رسول الله تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما خيرني الله فقال: { استغفر ~~لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة فلن يغفر الله لهم } وسأزيده على سبعين " ، قال: إنه ~~منافق، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز ~~وجل آية: { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره } " # وعن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: # " لما توفي (عبد الله بن أبي) دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة ~~عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة عليه تحولت حتى قمت في صدره، ~~فقلت: يا رسول الله أعلى عدو الله (عبد الله بن أبي) القائل يوم كذا وكذا ~~وكذا - يعدد أيامه -؟ قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، حتى ~~إذا أكثرت عليه قال: " أخر عني يا عمر، إني ms1126 خيرت فاخترت، قد قيل لي: { ~~استغفر لهم } الآية، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت ~~" ، قال: ثم صلى عليه، ومشى معه، وقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجبت ~~من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم، قال: ~~فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: { ولا تصل ~~على أحد منهم مات أبدا } الآية، فما صلى الله عليه وسلم ~~بعده على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل " # ، وروى الإمام أحمد عن جابر قال: # " لما مات عبد الله بن أبي أتى ابنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله إنك إن لم تأته لم نزل نعير بهذا، فأتاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فوجده قد أدخل في حفرته، فقال: " أفلا قبل أن تدخلوه " ، فأخرج من ~~حفرته، وتفل عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه وألبسه قميصه " # وقال البخاري: # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعدما أدخل في قبره، ~~فأمر به فأخرج، ووضع على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، والله ~~أعلم ". # وقال قتادة: # " أرسل عبد الله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض، ~~فلما دخل عليه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أهلكت حب يهود " قال: ~~يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتؤنبني، ثم سأله ~~عبد الله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه إياه وصلى عليه وقام على ~~قبره " # ، فأنزل الله عز وجل: { ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا } الآية، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~نزول هذه الآية الكريمة عليه لا يصلي على أحد من المنافقين، ولا يقوم على ~~قبره، كما قال قتادة: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعي إلى جنازة سأل عنها، فإن ~~أثني عليها خيرا قام فصلى عليها، وإن كان غير ذلك قال لأهلها، " شأنكم ~~بها " # ، ولم يصل عليها؛ وكان عمر ms1127 بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى ~~يصلي عليها (حذيفة بن اليمان) لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، قد أخبره ~~بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان يقال له: (صاحب السر) الذي ~~لا يعلمه غيره أي من الصحابة، ولما نهى الله عز وجل عن الصلاة على ~~المنافقين والقيام على قبورهم للاستغفار لهم كان هذا الصنيع من أكبر ~~القربات في حق المؤمنين فشرع ذلك، وفي فعله الأجر الجزيل، كما ثبت في " ~~الصحاح ": # " " من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله ~~قيراطان " قيل: وما القيراطان؟ قال: " أصغرهما مثل أحد " " # ؛ وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات فروى أبو داود عن عثمان رضي الله ~~عنه قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه ~~وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل ". ### || [9.85] # تقدم تفسير نظير هذه الآية الكريمة، ولله الحمد والمنة. ### || [9.86-87] # يقول تعالى منكرا وذاما للمتخلفين عن الجهاد، الناكلين عنه مع القدرة ~~عليه، ووجود السعة والطول، واستأذنوا الرسول في القعود وقالوا: { ذرنا ~~نكن مع القاعدين } ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع ~~النساء، وهن الخوالف بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس، ~~وإذا كان أمن كانوا أكثر الناس كلاما كما قال تعالى عنهم: # فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب ~~الخوف سلقوكم بألسنة حداد # [الأحزاب: 19] أي علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن، كما قال ~~الشاعر: # أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة # وفي الحرب أشباه النساء الفوارك؟ # وقال تعالى: # فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر ~~المغشي عليه من الموت فأولى لهم # [محمد: 20]، وقوله: { وطبع على قلوبهم } أي بسبب نكولهم عن ~~الجهاد والخروج مع الرسول في سبيل الله، { فهم لا يفقهون } أي ~~لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه، ولا ما فيه مضرة لهم فيجتنبوه. ### || [9.88-89] # لما ذكر ms1128 تعالى ذنب المنافقين، بين ثناءه على المؤمنين وما لهم في ~~آخرتهم فقال: { لكن الرسول والذين آمنوا معه ~~جاهدوا } لبيان حالهم ومآلهم، وقوله: { وأولئك لهم ~~الخيرات } أي في الدار الآخرة في جنات الفردوس والدرجات العلي. ### || [9.90] # ثم بين تعالى حال ذوي الأعذار في ترك الجهاد الذين جاءوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، وهم من أحياء العرب ممن حول ~~المدينة، قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم تفر من بين غفار، وهذا القول هو ~~الأظهر، لأنه قال بعد هذا: { وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله } أي لم يأتوا فيعتذروا، وقال مجاهد: { وجآء ~~المعذرون من الأعراب } قال: نفر من بني غفار، جاءوا ~~فاعتذروا فلم يعذرهم الله؛ وكذا قال الحسن وقتادة: ثم أوعدهم بالعذاب ~~الأليم فقال: { سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ~~}. ### || [9.91-93] # ثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر ~~منها ما هو لازم لشخص لا ينفك عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع ~~معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما؛ ولهذا بدأ به، ومنها ~~ما هو عارض بسبب مرض في بدنه شغله عن الخروج في سبيل الله، أو بسبب فقر ~~لا يقدر على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال ~~قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يثبطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا؛ ولهذا ~~قال: { ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ~~}. قال قتادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني، وروي عن زيد بن ~~ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أكتب براءة، ~~فإني لواضع القلم على أذني، إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله ~~وأنا أعمى؟ فنزلت: { ليس على الضعفآء } الآية، وقال ابن عباس ~~في هذه الآية: وذلك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، ~~فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد ms1129 الله بن مغفل المزني، فقالوا: يا رسول ~~الله احملنا، فقال لهم: " والله لا أجد ما أحملكم عليه " ، فتولوا وهم ~~يبكون، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملا، فلما ~~رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه فقال: { ~~ليس على الضعفآء } إلى قوله: { فهم لا يعلمون } " # ، وقال مجاهد في قوله: { ولا على الذين إذا مآ أتوك ~~لتحملهم } نزلت في بني مقرن من مزينة، كانوا سبعة نفر، فاستحملوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أهل حاجة، فقال: { لا أجد مآ ~~أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من ~~الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون }. وفي حديث أنس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا ولا سرتم سيرا إلا وهم معكم " ~~قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: " نعم حبسهم العذر " " # وعن جابر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لقد خلفتم بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سلكتم طريقا إلا ~~شركوكم في الأجر حبسهم المرض " # ، ثم رد تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء، وأنبهم ~~في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرجال: { وطبع الله ~~على قلوبهم فهم لا يعلمون }. ### || [9.94-96] # أخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون ~~إليهم { قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم } أي لن نصدقكم { ~~قد نبأنا الله من أخباركم } أي قد أعلمنا الله ~~أحوالكم، { وسيرى الله عملكم ورسوله } أي سيظهر أعمالكم ~~للناس في الدنيا، { ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } أي فيخبركم ~~بأعمالكم خيرها وشرها ويجزيكم عليها، ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون لكم ~~معتذرين لتعرضوا عنهم، فلا تؤنبوهم، فأعرضوا عنهم احتقارا لهم { ~~إنهم رجس } أي خبث نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ومأواهم في آخرتهم ~~جهنم. { جزآء بما كانوا يكسبون } أي من الآثام والخطايا، ~~وأخبر أنهم إن رضوا عنهم بحلفهم لهم، { فإن الله لا يرضى ~~عن القوم الفاسقين } أي الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسوله. ### || [9.97-99] # أخبر تعالى أن ms1130 في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم ~~أعظم من غيرهم وأشد، { وأجدر } أي أحرى { ألا يعلموا ~~حدود مآ أنزل الله على رسوله } ، كما قال الأعمش: جلس ~~أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم ~~(نهاوند) فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني، فقال ~~زيد: ما يريبك من يدي إنها الشمال؟ فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين ~~يقطعون أو الشمال، فقال زيد صدق الله: { الأعراب أشد كفرا ~~ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله ~~على رسوله }. وفي الحديث: # " من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن " # ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن سفيان الثوري به، وقال ~~الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري. ولما كانت الغلظة ~~والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولا، وإنما كانت البعثة من ~~أهل القرى, لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن، فهم ألطف أخلاقا من الأعراب ~~لما في طباع الأعراب من الجفاء، وفي " صحيح مسلم " # " عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسوله الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم، قالوا: لكنا والله ما نقبل، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة "؟، ~~وقال ابن نميرة: " من قلبك الرحمة " # وقوله: { والله عليم حكيم } أي عليم بمن يستحق أن يعلمه ~~الإيمان والعلم، { حكيم } فيما قسم بين عباده، لا يسأل عما يفعل لعلمه ~~وحكمته، وأخبر تعالى أن منهم: { من يتخذ ما ينفق } أي في سبيل ~~الله { مغرما } أي غرامة وخسارة، { ويتربص بكم ~~الدوائر } أي ينتظر بكم الحوادث والآفات، { عليهم دآئرة ~~السوء } أي هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم، { والله سميع ~~عليم } أي سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان، ~~وقوله: { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ~~ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ~~} هذا هو القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل ms1131 ~~الله قربة يتقربون بها عند الله ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم، { ألا ~~إنها قربة لهم } أي ألا إن ذلك حاصل لهم، { سيدخلهم ~~الله في رحمته إن الله غفور رحيم }. ### || [9.100] # يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم ~~بإحسان، ورضاهم بما أعد لهم من جنات النعيم، قال الشعبي: السابقون ~~الأولون من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية، وقال الحسن وقتادة: هم الذين ~~صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخبر الله ~~العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين ~~اتبعوهم بإحسان، فياويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما ~~سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق الأكبر، والخليفة ~~الأعظم أبا بكر رضي الله عنه، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون ~~أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم، عياذا بالله من ذلك، وهذا يدل على أن ~~عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون ~~من رضي الله عنهم، وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه، ويسبون ~~من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم ~~متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدون، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون. ### || [9.101] # يخبر تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن في أحياء العرب ممن حول ~~المدينة منافقون، وفي أهل المدينة أيضا منافقون. { مردوا على ~~النفاق } أي مرنوا واستمروا عليه، ومنه يقال: شيطان مريد ومارد، ~~ويقال تمرد فلان على الله أي عتا وتجبر، وقوله: { لا تعلمهم ~~نحن نعلمهم } لا ينافي قوله تعالى: # ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم # [محمد: 30]، لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها، لا لأنه يعرف ~~جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين؛ قال مجاهد في قوله: { ~~سنعذبهم مرتين } يعني القتل والسبي، وقال في رواية: بالجوع ~~وعذاب القبر، { ثم يردون إلى عذاب عظيم } ، وقال الحسن ~~البصري: عذاب في الدنيا وعذاب في القبر، وقال ابن زيد: أما عذاب الدنيا ~~فالأموال والأولاد، وقرأ ms1132 قوله تعالى: # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا # [التوبة: 55] فهذه المصائب لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر، وعذاب في الآخرة ~~في النار، { ثم يردون إلى عذاب عظيم } قال: النار. ### || [9.102] # لما بين تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزو تكذيبا وشكا، شرع في ~~بيان حال المذنبين الذين لتأخروا عن الجهاد كسلا مع إيمانهم وتصديقهم ~~بالحق، فقال: { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } أي أقروا بها ~~واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال أخر صالحة خلطوا هذه بتلك، ~~فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه، وهذه الآية وإن كانت نزلت في أناس معينين، ~~إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطائين، وقد قال ابن عباس: # " نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~غزوته، ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا ألا يحلهم إلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلما أنزل الله هذه الآية { وآخرون اعترفوا ~~بذنوبهم } أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم " # ، وروى البخاري عن سمرة بن جندب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لنا: # " أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى المدينة مبنية بلبن ذهب، ~~ولبن فضة، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما ~~أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه ثم رجعوا ~~إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي هذه جنة عدن ~~وهذا منزلك، قالا: وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح ~~فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم ". ### || [9.103-104] # أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ~~ويزكيهم بها، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في { أموالهم } إلى ~~الذين اعترفوا بذنوبهم. ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة أن دفع الزكاة إلى ~~الإمام لا يكون، وإنما كان خاصا بالرسول صلى الله عليه وسلم، ms1133 واحتجوا ~~بقوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة } الآية، وقد رد عليهم ~~أبو بكر الصديق وقاتلهم حتى أدوا الزكاة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، حتى قال الصديق: والله لو منعوني عناقا - وفي رواية ~~عقالا - كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على ~~منعه. وقوله: { وصل عليهم } أي ادع لهم واستغفر لهم، كما رواه ~~مسلم في " صحيحه " عن عبد الله بن أبي أوفى قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم فأتاه أبي ~~بصدقته، فقال: " اللهم صل على آل أبي أوفى " # ، وفي الحديث الآخر: # " أن امرأة قالت: يا رسول الله صل علي وعلى زوجي، فقال: " صلى الله ~~عليك وعلى زوجك " # ، وقوله: { إن صلوتك سكن لهم } ، قال ابن عباس: رحمة لهم، ~~وقال قتادة: وقار، وقوله: { والله سميع } أي لدعائك { عليم } ~~أي بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له، { ألم يعلموا أن ~~الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ ~~الصدقات } ، هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منها يحط ~~الذنوب ويمحصها ويمحقها، وأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه، ومن ~~تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها، حتى ~~تصير التمرة مثل أحد، كما جاء في الحديث الصحيح: # " إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم ~~مهره، حتى أن اللقمة لتكون مثل أحد " # ، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: { ألم يعلموا أن ~~الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ ~~الصدقات }. ### || [9.105] # قال مجاهد: هذا وعيد من الله تعالى للمخالفين أوامره، بأن أعمالهم ستعرض ~~عليه تبارك وتعالى، وعلى الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى المؤمنين،، ~~وهذا كائن لا محالة يوم القيامة، كما قال: # يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية # [الحاقة: 18]، وقال تعالى: # يوم تبلى السرآئر # [الطارق: 9]، وقال: # وحصل ما في الصدور # [العاديات: 10]، وقد يظهر الله تعالى ذلك للناس في الدنيا كما قال ~~الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ms1134 # " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لأخرج الله عمله ~~للناس كائنا ما كان " # ، وقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في ~~البرزخ، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرا ~~استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما ~~هديتنا " # وقال البخاري: قالت عائشة رضي الله عنها: إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم ~~فقل: { اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون } ، وفي الحديث الصحيح: # " " إذا أراد الله بعبده خيرا استعمله قبل موته " ، قالوا: يا رسول ~~الله وكيف يستعمله؟ قال: " يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه " ". ### || [9.106] # قال ابن عباس ومجاهد: هم الثلاثة الذين خلفوا، أي عن التوبة، وهم (مرارة ~~بن الربيع) و (كعب بن مالك) و (هلال بن أمية)، قعدوا عن غزوة تبوك في ~~جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال، لا شكا ~~ولا نفاقا، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة ~~وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك، وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة ~~أولئك قبل هؤلاء، وأرجي هؤلاء عن التوبة، حتى نزلت الآية الآتية وهي ~~قوله: # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار # [التوبة: 117] الآية، # وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت ~~عليهم الأرض بما رحبت # [التوبة: 118] الآية، كما سيأتي بيانه في حديث كعب بن مالك، وقوله: { ~~إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } أي هم تحت عفو الله ~~إن شاء فعل بهم هذا، وإن شاء فعل بهم ذاك، ولكن رحمته تغلب غضبه، { ~~والله عليم حكيم } أي عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، ~~{ حكيم } في أفعاله وأقواله لا إله إلا هو ولا رب سواه. ### || [9.107-108] # سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له (أبو عامر الراهب) وكان قد ~~تنصر في الجاهلية، وقرأ علم أهل ms1135 الكتاب، وله شرف في الخزرج كبير، فلما # " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة واجتمع ~~المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق ~~اللعين (أبو عامر) بريقه، وبارز بالعداوة وظاهر بها، وخرج فارا إلى كفار ~~مكة من مشركي قريش، يمالئهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أحد، فكان من أمر ~~المسلمين ما كان وامتحنهم الله عز وجل، وكانت العاقبة للمتقين، وكان ~~هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأصيب ذلك اليوم فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى، ~~وشج رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وتقدم (أبو عامر) في أول المبارزة إلى ~~قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه ~~قالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه، ~~فرجع وهو يقول: والله قد أصاب قومي بعدي شر، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم ~~وتمرد، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدا طريدا، ~~فنالته هذه الدعوة. وذلك لما فرغ الناس من أحد، ورأى أمر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم في ارتفاع وظهور، ذهب إلى (هرقل) ملك الروم يستنصره على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فوعده ومناه وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه ~~من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا ~~له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصدا له ~~إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه ~~وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، ~~وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي ms1136 إليهم فيصلي في ~~مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم بنوه للضعفاء ~~منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: " ~~إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله " ، فلما قفل عليه السلام ~~راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل ~~عليه جبريل بخبر مسجد الضرار، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين ~~جماعة المؤمنين في مسجدهم (مسجد قباء) الذي أسس من أول يوم على التقوى، ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه ~~المدينة؛ كما قال ابن عباس في الآية: هم أناس من الأنصار بنوا مسجدا، ~~فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدا واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، ~~فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجنود من الروم وأخرج محمدا وأصحابه، ~~فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قد فرغنا من ~~بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة، فأنزل الله عز وجل: ~~{ لا تقم فيه أبدا } الآية ". # وقوله تعالى: { وليحلفن } أي الذين بنوه، { إن أردنا ~~إلا الحسنى } أي ما أردنا ببنيانه إلا خيرا ورفقا بالناس، قال ~~تعالى: { والله يشهد إنهم لكاذبون } أي فيما قصدوا ~~وفيما نووا، وإنما بنوه ضرارا لمسجد قباء، وكفرا بالله وتفريقا بين ~~المؤمنين، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وهو أبو عامر الفاسق ~~لعنه الله. وقوله: { لا تقم فيه أبدا } نهي له صلى الله عليه ~~وسلم والأمة تبع له في ذلك عن أن تقوم فيه: أي يصلي أبدا، ثم حثه على ~~الصلاة بمسجد قباء الذي أسس من يوم بنيانه على التقوى، وهي طاعة الله ~~وطاعة رسوله وجمعا لكلمة المؤمنين وموئلا للإسلام وأهله، ولهذا قال ~~تعالى: { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم ~~أحق أن تقوم فيه } ، والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء، ولهذا ~~جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " صلاة في مسجد ms1137 قباء كعمرة " # ، وفي " الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور مسجد قباء ~~راكبا وماشيا، وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بناه ~~وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف، كان جبريل هو الذي عين له ~~جهة القبلة والله أعلم. قال الإمام أحمد، # " عن عويم بن ساعدة الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد ~~قباء فقال: " إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة ~~مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به "؟ فقالوا: يا رسول الله ما نعلم ~~شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من ~~الغائط، فغسلنا كما غسلوا " # ، وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف. وقد ورد في الحديث الصحيح أن ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي ~~أسس على التقوى، وهذا صحيح، ولا منافاة بين الآية وبين هذا لأنه إذا كان ~~مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بطريق الأولى والأحرى؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في " مسنده " ~~، عن سهل بن سعد الساعدي قال: # " اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس ~~على التقوى، أحدهما قال: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ~~الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه فقال: " هو ~~مسجدي هذا " # وفي رواية أخرى عن أبي سعيد الخدري قال: # " تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال أحدهما: ~~هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال ~~رسول صلى الله عليه وسلم: " هو مسجدي هذا " # وقال الإمام أحمد، عن أبي سعيد عن أبيه أنه قال: # " تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو ~~مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله ms1138 عليه وسلم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " هو مسجدي " ". # طريق آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن أنيس بن يحيى، حدثني أبي، ~~قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: # " اختلف رجلان، رجل من بني خدرة، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد ~~الذي أسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسألاه عن ذلك، فقال: " هو هذا المسجد " # ، لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال في ذلك يعني مسجد قباء. وقد ~~قال: بأنه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من السلف والخلف، وهو ~~مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، ~~واختاره ابن جرير، وقوله: { لمسجد أسس على التقوى من ~~أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا والله يحب المطهرين } ، دليل على استحباب ~~الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا ~~شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين، والعباد العاملين ~~المحافظين على إسباغ الوضوء، والتنزه عن ملابسة القاذورات، وقال الأمام ~~أحمد: # " عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلى بهم الصبح، فقرأ الروم فيها فأوهم، فلما انصرف قال: " إنه ~~يلبس علينا القرآن، إن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن ~~شهد الصلاة معنا، فليسحن الوضوء " # ، فدل هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة ويعين على ~~إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها، وقال أبو العالية في قوله تعالى: { ~~والله يحب المطهرين } إن الطهور بالماء لحسن ولكنهم ~~المطهرون من الذنوب، وقال الأعمش: التوبة من الذنوب والتطهر من الشرك. ### || [9.109-110] # يقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، ومن بنى ~~مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين فإنما يبني هؤلاء بنيانهم ~~على شفا جرف هار، أي طرف حفيرة في نار جهنم، { والله ms1139 لا يهدي ~~القوم الظالمين } ، أي لا يصلح عمل المفسدين، قال جابر: رأيت ~~المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقال ابن جريج: ذكر لنا أن رجالا حفروا فوجدوا الدخان الذي يخرج ~~منه، وكذا قال قتادة. وقال خلف الكوفي: رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره ~~الله تعالى في القرآن، وفيه جحر يخرج منه الدخان وهو اليوم مزبلة، وقوله ~~تعالى: { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في ~~قلوبهم } أي شكا ونفاقا بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع، ~~أورثهم نفاقا في قلوبهم كما أشرب عابدوا العجل حبه، وقوله: { ~~إلا أن تقطع قلوبهم } أي بموتهم، قاله ابن عباس ومجاهد ~~وغير واحد من السلف { والله عليم } أي بأعمال خلقه، { حكيم } ~~في مجازاتهم عنها من خير وشر. ### || [9.111] # يخبر تعالى أنه عاوض من عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم - إذ بذلوها ~~في سبيله - بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما ~~يملكه بما تفضل به على عبيده المطيعين له. ولهذا قال الحسن البصري ~~وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم، وقال شمر بن عطية: # " ما من مسلم إلا والله عز وجل في عنقه بيعة وفى بها أو مات عليها، ثم ~~تلا هذه الآية، وقال (عبد الله بن رواحة) رضي الله عنه لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعني ليلة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال: " ~~اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما ~~تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " ، قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: " ~~الجنة " ، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت: { إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم } الآية " # ، وقوله: { يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ~~ويقتلون } أي سواء قتلوا أو قتلوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا، فقد ~~وجبت لهم الجنة، ولهذا جاء في " الصحيحين ": # " تكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وتصديق برسلي ~~بأن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلا ما ~~نال ms1140 من أجر أو غنيمة " # ، وقوله: { وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن } تأكيد لهذا الوعد، وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة ~~وأنزله على رسله في كتبه العظيمة وهي { التوراة } المنزلة على موسى، ~~و { والإنجيل } المنزل على عيسى، و { والقرآن } المنزل على ~~محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقوله: { ومن أوفى ~~بعهده من الله } فإنه لا يخلف الميعاد، وهذا كقوله: # ومن أصدق من الله حديثا # [النساء: 87]، # ومن أصدق من الله قيلا # [النساء: 122]، ولهذا قال: { فاستبشروا ببيعكم الذي ~~بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم } أي فليستبشر من ~~قام بمقتضى هذا العقد، ووفى بهذا العهد، بالفوز العظيم والنعيم المقيم. ### || [9.112] # هذا نعت المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بهذه الصفات ~~الجميلة والخلال الجليلة، { التائبون } من الذنوب كلها، التاركون ~~للفواحش، { العابدون } أي القائمون بعبادة بهم محافظين عليها، ومن ~~أخصها الحمد لله، ولهذا قال: { الحامدون } ، ومن أفضل الأعمال ~~الصيام، وهو ترك الملاذ من الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة ~~ههنا، قال: { السائحون } كما وصف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك في قوله تعالى: # سائحات # [التحريم: 5] أي صائمات، وكذا الركوع والسجود وهما عبارة عن الصلاة؛ ~~ولهذا قال: { الراكعون الساجدون } ، وهم مع ذلك ينفعون خلق الله ~~ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، مع العلم بما ~~ينبغي فعله ويجب تركه، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه علما ~~وعملا، فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق، ولهذا قال: { وبشر ~~المؤمنين } لأن الإيمان يشمل هذا كله، والسعادة كل السعادة لمن ~~اتصف به، والسياحة يراد بها الصيام فقد # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين؟ فقال: " هم الصائمون " # ، وهذا أصح الأقوال وأشهرها. وجاء ما يدل على أن السياحة الجهاد، وهو ما ~~رواه أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة # " أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " # وعن عكرمة أنه قال: هم طلبة العلم، وقال ابن أسلم: هم المهاجرون، وليس ms1141 ~~المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، ~~والتفرد في شواهق الجبال، والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في ~~أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت في " صحيح البخاري " عن أبي سعيد ~~الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر ~~بدينه من الفتن " # ، وقال ابن عباس في قوله: { والحافظون لحدود الله } قال: ~~القائمون بطاعة الله، وكذا قال الحسن البصري، وعنه قال: لفرائض الله، ~~والقائمون على أمر الله. ### || [9.113-114] # " لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده ~~أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال: " أي عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة ~~أحاج لك بها عند الله عز وجل " ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: ~~يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: أنا على ملة عبد المطلب! ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " ، فنزلت: ~~{ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما ~~تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } " # ، قال: ونزلت فيه: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56]. وقال الإمام أحمد، عن ابن بريدة عن أبيه قال: # " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في سفر، فنزل بنا ونحن قريب من ~~ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه ~~عمر بن الخطاب وفداه بالأب والأم وقال: يا رسول الله ما لك؟ قال: " إني ~~سألت ربي عز وجل في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها ~~من النار، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث: نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ~~لتذكركم زيارتها خيرا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث. فكلوا وامسكوا ~~ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا ~~تشربوا مسكرا " ". # وقال ابن أبي حاتم، ms1142 عن عبد الله بن مسعود قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى المقابر، فاتبعناه فجاء ~~حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلا ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قال إليه ~~عمر بن الخطاب، فدعاه ثم دعانا فقال: " ما أبكاكم "؟ فقلنا: بكينا ~~لبكائك، قال: " إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في ~~زيارتها فأذن لي " " # ، ثم أورده من وجه آخر وفيه: # " وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي وأنزل علي: { ما كان ~~للنبي والذين آمنوا } " # الآية، فأخذني ما يأخذ الولد للوالد، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور ~~فزوروها فإنها تذكر الآخرة. # وقال ابن عباس في هذه الرواية: كانوا يستغفرون لهم، حتى نزلت هذه الآية ~~فأمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى ~~يموتوا، ثم أنزل الله تعالى: { وما كان استغفار إبراهيم ~~لأبيه } الآية، وقال قتادة في الآية: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: # " يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الأرحام، ويفك ~~العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ قال: فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " بلى، والله إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه " # ، فأنزل الله تعالى: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين } ، ثم عذر الله تعالى إبراهيم عليه ~~السلام فقال: { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه } الآية ~~وقال الثوري عن ابن عباس: مات رجل يهودي وله ابن مسلم فلم يخرج معه، فذكر ~~ذلك لابن عباس فقال: فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاح ~~ما دام حيا، فإذا مات وكله إلى شأنه ثم قال: { وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه } إلى قوله: { تبرأ منه } ، ويشهد له ~~بالصحة ما رواه أبو داود وغيره عن علي رضي الله عنه: # " لما مات أبو طالب قلت: يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات، " ~~اذهب فواره ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني " # ، فذكر تمام الحديث. وقال ابن عباس: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى ms1143 ~~مات، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. وفي رواية: لما مات تبين له أنه ~~عدو الله، وكذا قال مجاهد والضحاك، وقوله: { إن إبراهيم ~~لأواه حليم } ، قال ابن مسعود: الأواه الدعاء؛ وقال ابن جرير: # " قال رجل: يا رسول الله ما الأواه؟ قال: " المتضرع " # ، وقال الثوري: سئل ابن مسعود عن الأواه، فقال: هو الرحيم أي بعباد ~~الله، وقال ابن عباس: الأواه الموقن، بلسان الحبشة. وعنه: الأواه المؤمن. ~~وقال سعيد بن جبير والشعبي: الأواه المسبح، وعن أبي الدرداء رضي الله ~~عنه قال: لا يحافظ على سبحة الضحى إلا الأواه، وعن مجاهد: الأواه الحفيظ، ~~الرجل يذنب الذنب سرا ثم يتوب منه سرا، ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم رحمه ~~الله. وقال ابن جرير: # " إن رجلا كان يكثر ذكر الله ويسبح، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: " إنه أواه " # ، وقال أيضا عن ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن ميتا فقال: " رحمك الله إن كنت ~~لأواها " # يعني تلاء للقرآن، قال ابن جرير: وأولى الأقوال قول من قال: إنه ~~الدعاء وهو المناسب للسياق، وذلك أن الله تعالى لما ذكر أن إبراهيم إنما ~~استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله: # أراغب أنت عن آلهتي يإبراهيم لئن لم تنته ~~لأرجمنك واهجرني مليا * قال سلام عليك ~~سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا # [مريم: 46-47] فحلم عنه مع أذاه له ودعا له واستغفر، ولهذا قال تعالى: { ~~إن إبراهيم لأواه حليم }. ### || [9.115-116] # يقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة وحكمه العادل، إنه لا يضل قوما إلا ~~بعد إبلاغ الرسالة إليهم، حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة، كما قال ~~تعالى: # وأما ثمود فهديناهم # [فصلت: 17] الآية، قال ابن جرير: يقول تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم ~~في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم ~~للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأما قبل أن ~~يبين لكم كراهة ذلك فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، فإن الطاعة والمعصية ~~إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما ms1144 من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن ~~مطيعا أو عاصيا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه، وقوله تعالى: { إن ~~الله له ملك السموت والأرض يحيي ويميت وما ~~لكم من دون الله من ولي ولا نصير } قال ابن جرير: ~~هذا تحريض من الله تعالى لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر، ~~وأنهم يثقوا بنصر الله مالك السماوات والأرض، ولا يرهبوا من أعدائه، فإنه ~~لا ولي لهم من دون الله، ولا نصير لهم سواه. وقال ابن أبي حاتم، عن حكيم ~~ابن حزام قال: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه إذ قال لهم: " هل ~~تسمعون ما أسمع؟ " ، قالوا: ما نسمع من شيء، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها من موضع ~~شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم " ". ### || [9.117] # نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك لأنهم خرجوا إليها في سنة مجدبة وحر ~~شديد، وعسر من الزاد والماء، عن عبد الله بن عباس قال: قيل لعمر بن ~~الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر: # " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا ~~منزلا فأصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، وحتى وإن كان الرجل ~~ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى أن الرجل ~~لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال: أبو بكر: يا ~~رسول الله! إن الله عز وجل قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا، فقال: " ~~تحب ذلك؟ " قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سالت السماء فأهطلت ثم ~~سكنت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر " # ، قال ابن جرير في قوله: { لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة ~~العسرة } أي من النفقة والظهر والزاد والماء، { من بعد ما ~~كاد يزيغ قلوب فريق منهم } أي عن الحق، ويشك في دين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرتاب للذي ms1145 نالهم من المشقة والشدة في سفرهم ~~وغزوهم، { ثم تاب عليهم } يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم ~~والرجوع إلى الثبات على دينه { إنه بهم رءوف رحيم }. ### || [9.118-119] # قال الإمام أحمد عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه ~~حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في غزاة غزاها قط إلا في غزاة تبوك، غير أني كنت ~~تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ~~معاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين ~~تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في ~~الناس منها وأشهر. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك ~~الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة. # و # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى ~~بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر ~~شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز، واستقبل عدوا كثيرا فجلى للمسلمين ~~أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان -. قال ~~كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه ~~وحي من الله عز وجل؛ وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين ~~طالبت الثمار والظلال، وأنا إليها أصغر، فتجهز إليها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنون معه، فطفقت أغدو لكي أنجز معهم، فأرجع ms1146 ولم أقض من ~~جهازي شيئا، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك ~~يتمادى بي، حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، وقلت: أتجهز بعد يوم أو ~~يومين ثم ألحقه، فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي ~~شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا ~~وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فألحقهم وليت أني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، ~~فطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا ~~أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذره الله عز وجل، ~~ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال: وهو جالس ~~في القوم بتبوك: " ما فعل كعب بن مالك "؟ فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا ~~رسول الله برداه والنظر في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت: والله يا ~~رسول الله ما علمنا عنه إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه ~~قافلا من تبوك حضرني بثي، وطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه ~~غدا، وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أظل قادما راح عني الباطل، وعرفت أني لم أنج منه بشيء ~~أبدا، فأجمعت صدقه، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا قدم ~~من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه ~~المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، ~~فيقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، ويستغفر لهم ويكل ~~سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم ~~قال لي: " تعال " ، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: " ما ms1147 خلفك، ~~ألم تكن قد اشتريت ظهرا؟ " فقلت: يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من ~~الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد ~~علمت لئن حدثتك بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن ~~حدثتك بصدق تجد علي فيه إني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل؛ والله ما ~~كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال: فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ~~" ، فقمت، وقام إلى رجال من بني سلمة واتبعوني، فقالوا: والله ما علمناك ~~كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن ~~أرجع فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقي معي هذا أحد؟ قالوا: نعم لقيه ~~معك رجلان، قالا مثل ما قلت: وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: فمن هما؟ ~~قالوا: مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين ~~صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما لي، قال: ~~ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من ~~بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي ~~الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة " # ثم ذكر تتمة الحديث. # قال: وأنزل الله تعالى: { لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة ~~العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ~~ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم * وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم ~~الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا ~~أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا إن الله هو ms1148 التواب الرحيم * يأيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين }. ~~ولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب من هجر ~~المسلمين إياهم نحوا من خمسين ليلة بأيامها وضاقت عليهم أنفسهم وضاقت ~~عليهم الأرض بما رحبت أي مع سعتها، فسدت عليها المسالك والمذاهب، فلا ~~يهتدون ما يصنعون، فصبروا لأمر الله واستكانوا لأمر الله، وثبتوا حتى فرج ~~الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخلفهم، وأنه كان ~~عن غير عذر، فعوقبوا على ذلك هذه المدة ثم تاب الله عليهم، فكان عاقبة ~~صدقهم خيرا لهم وتوبة عليهم، ولهذا قال: { يأيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } أي اصدقوا ~~والزموا الصدق تكونوا من أهله وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجا من ~~أموركم ومخرجا، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الكذب لا ~~يصلح منه جد ولا هزل، اقرأوا إن شئتم: { يأيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } ، وقال الحسن البصري: ~~إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا والكف عن أهل الملة. ### || [9.120] # يعاتب تبارك وتعالى المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك من أهل المدينة ومن حولها من أحياء العرب، ورغبتهم بأنفسهم عن ~~مواساته فيما حصل له من المشقة، فإنهم نقصوا أنفسهم من الأجر، لأنهم { ~~لا يصيبهم ظمأ } وهو العطش { ولا نصب } وهو التعب { ولا ~~مخمصة } وهي المجاعة { ولا يطأون موطئا يغيظ ~~الكفار } أي ينزلوا منزلا يرهب عدوهم، { ولا ينالون } منه ~~ظفرا وغلبة عليه، { إلا كتب لهم } بهذه الأعمال التي ليست ~~داخلة تحت قدرهم وإنما هي ناشئة عن أفعالهم أعمالا صالحة وثوابا ~~جزيلا، { إن الله لا يضيع أجر المحسنين }. كقوله: # إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا # [الكهف: 30]. ### || [9.121] # يقول تعالى: ولا ينفق هؤلاء الغزاة في سبيل الله { نفقة صغيرة ~~ولا كبيرة } أي قليلا ولا كثيرا، { ولا يقطعون واديا } ~~أي في السير إلى الأعداء، { إلا كتب لهم } ، ولم يقل ههنا به ~~لأن هذه أفعال ms1149 صادرة عنهم، ولهذا قال: { ليجزيهم الله أحسن ~~ما كانوا يعملون } ، وقد حصل لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه من هذه الآية الكريمة حظ وافر ونصيب عظيم؛ وذلك لأنه أنفق في ~~هذه الغزوة النفقات الجليلة والأموال الجزيلة، كما روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فحث على جيش العسرة، فقال عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه: علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، قال: ثم حث ~~فقال عثمان: علي مائة بعير أخرى بأحلاسها وأقتابها قال: ثم نزل مرقاه من ~~المنبر، ثم حث، فقال عثمان بن عفان: علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها، ~~قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بيده هكذا يحركها، " ما على ~~عثمان ما عمل بعد هذا " # وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: # " جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ~~ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة، قال: فصبها في حجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده، ~~ويقول: " ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم " يرددها مرارا " # ، وقال قتادة في قوله تعالى: { ولا يقطعون واديا إلا ~~كتب لهم } الآية، ما ازداد قوم في سبيل الله بعدا من أهليهم إلا ~~ازدادوا قربا من الله. ### || [9.122] # هذا بيان من الله تعالى لما أراد من نفير الأحياء مع الرسول صلى الله ~~عليه وسلم في غزوة تبوك، عن ابن عباس في الآية: { وما كان ~~المؤمنون لينفروا كآفة } ، يقول: ما كان المؤمنون لينفروا ~~جميعا ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده: { فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طآئفة } يعني عصبة، يعني السرايا ولا ~~يسيروا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد أنزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون ~~من النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن الله قد أنزل على نبيكم قرآنا، ~~وقد تعلمناه فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، ويبعث ~~سرايا أخرى، فذلك قوله: { ليتفقهوا في الدين } يقول: ~~ليعلموا ما أنزل الله ms1150 على نبيهم، وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم { ~~لعلهم يحذرون }. وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفا، ~~ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس ~~لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم أصحابكم وجئتمونا، فوجدوا من أنفسهم من ذلك ~~تحرجا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال الله عز وجل: { فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طآئفة } يبغون الخير { ليتفقهوا في الدين } ~~وليستمعوا إلى ما أنزل الله، { ولينذروا قومهم } الناس كلهم { ~~إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ، وقال الضحاك: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين ~~أن يتخلف عنه إلا أهل الأعذار، وكان إذا أقام وأرسل السرايا لم يحل لهم ~~أن ينطلقوا إلا بإذنه، وكان الرجل إذا غزا فنزل بعده قرآن وتلاه نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية قال لهم ~~الذين أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أنزل بعدكم على ~~نبيه قرآنا فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله: { وما كان ~~المؤمنون لينفروا كآفة } ، يقول: إذا أقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طآئفة } يعني ذلك أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعا، ونبي الله ~~صلى الله عليه وسلم قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله فسرت السرايا وقعد معه ~~معظم الناس. وقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية: # إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما # [التوبة: 39]، # ما كان لأهل المدينة # [التوبة: 120] الآية، قال المنافقون: هلك أصحاب البدو والذين تخلفوا عن ~~محمد ولم ينفروا معه، وقد كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله عز وجل: { وما كان ~~المؤمنون لينفروا كآفة } الآية. ### || [9.123] # أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار الأقرب فالأقرب إلى حوزة ~~الإسلام، ولهذا بدأ رسول ms1151 الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في ~~جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف وغير ~~ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله ~~أفواجا شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم لأنهم أهل الكتاب، ~~فبلغ تبوك، ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال، وذلك سنة تسع ~~من هجرته عليه السلام. ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع، ثم عاجلته ~~المنية صلوات الله وسلامه عليه بعد حجته بأحد وثمانين يوما، فاختاره ~~الله لما عنده، وقام بالأمر بعده وزيره وخليفته أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه، فأدى عن الرسول ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى ~~الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته ~~البلاد، وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في ~~سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الله، وكان تمام الأمر على يدي وصيه من ~~بعده، وولي عهده الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فأرغم الله به ~~أنوف الكفرة الملحدين، واستولى على الممالك شرقا وغربا، ثم لما مات ~~أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه شهيد الدار، فكسى الإسلام حلة سابغة، وأمدت في سائر الأقاليم على ~~رقاب العباد حجة الله البالغة فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. ~~وعلت كلمة الله وظهر دينه، وبلغت الملة الحنيفية من أعداء الله غاية ~~مآربها، وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم ثم الذين يلونهم من العتاة ~~الفجار امتثالا لقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } # وقوله تعالى: { وليجدوا فيكم غلظة } أي وليجد الكفار منكم ~~غلظة عليهم في قتالكم لهم، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقا بأخيه ~~المؤمن، غليظا على عدوه الكافر، كقوله تعالى: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54]، وقوله تعالى: # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29]، وقال تعالى: # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم # [التوبة: 73]، وفي الحديث: أن ms1152 رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أنا الضحوك القتال " # ، يعني أنه ضحوك في وجه وليه. قتال لهامة عدوه. وقوله: { واعلموا ~~أن الله مع المتقين } أي قاتلوا الكفار، وتوكلوا على الله، ~~واعلموا أن الله معكم إذا اتقيتموه وأطعتموه، وهكذا الأمر لما كانت ~~القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة ~~الله تعالى لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ثم لما ~~وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك طمع الأعداء في البلاد، ثم ~~لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام، ولله الأمر من قبل ومن ~~بعد. ### || [9.124-125] # يقول تعالى: { وإذا مآ أنزلت سورة } ، فمن المنافقين { من ~~يقول أيكم زادته هذه إيمانا } أي يقول بعضهم لبعض، ~~وفي الآية الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أكثر السلف ~~والخلف من أئمة العلماء، { وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم } أي زادتهم شكا إلى شكهم ~~وريبا إلى ريبهم، كما قال تعالى: # والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم ~~عمى # [فصلت: 44]، وهذه من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سببا لضلالهم ~~ودمارهم، كما أن سيء المزاج لو غذي بما غذي به لا يزيده إلا خبالا ~~ونقصا. ### || [9.126-127] # يقول تعالى: أولا يرى هؤلاء المنافقون، { أنهم يفتنون } أي ~~يختبرون، { في كل عام مرة أو مرتين ثم لا ~~يتوبون ولا هم يذكرون } أي لا يتوبون عن ذنوبهم السالفة، ~~ولا هم يذكرون فيما يستقبل من أحوالهم. قال مجاهد: يخترون بالسنة والجوع، ~~وقال قتادة: بالغزو في السنة مرة أو مرتين، وقوله: { وإذا مآ ~~أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض } هذا أيضا إخبار ~~عن المنافقين أنهم إذا أنزلت سورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~نظر بعضهم إلى بعض } أي تلفتوا { هل يراكم من ~~أحد ثم انصرفوا } أي تولوا عن الحق وانصرفوا عنه، وهذا حالهم ~~في الدنيا لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه كقوله تعالى: # فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر ~~مستنفرة # [المدثر: ms1153 49-50]، وقوله: { ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ~~} ، كقوله: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [فصلت: 5]، وقوله: { بأنهم قوم لا يفقهون } أي لا ~~يفهمون عن الله خطابه، ولا يتصدون لفهمه ولا يريدونه، بل هم في شغل عنه ~~ونفور منه، فلهذا صاروا إلى ما صاروا إليه. ### || [9.128-129] # يقول تعالى: ممتنا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم أي من ~~جنسهم وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم عليه السلام: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم # [البقرة: 129]، وقال تعالى: # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم # [آل عمران: 164]، قال تعالى: { لقد جآءكم رسول من ~~أنفسكم } أي منكم وبلغتكم، وقوله تعالى: { عزيز عليه ما ~~عنتم } أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها، وشريعته كلها ~~سهلة سمحة كاملة يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه، { حريص ~~عليكم } أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم، عن عبد ~~الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع، ألا وإني ~~آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش والذباب " # وعن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ملكان فيما يرى النائم، فقعد ~~أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ~~اضرب مثل هذا ومثل أمته، فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا ~~إلى رأس مفازة ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون ~~به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم ~~رياضا معشبة وحياضا رواء تتبعوني؟ فقالوا: نعم، قال: فانطلق بهم ~~فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ~~ألقكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن ~~تتبعوني؟ فقالوا: بلى، فقال: فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه ~~وحياضا هي أروى من هذه فاتبعوني، فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، ms1154 ~~وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه " # وقوله: { بالمؤمنين رءوف رحيم } كقوله: # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين # [الشعراء: 215] { فإن تولوا } أي تولوا عما جئتهم به من الشريعة ~~العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة { فقل حسبي الله لا إله ~~إلا هو } أي الله كافي، لا إله إلا هو عليه توكلت، كما قال تعالى: # رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا # [المزمل: 9]، { وهو رب العرش العظيم } أي هو مالك كل شيء ~~وخالقه، لأنه رب العرش العظيم وجميع الخلائق من السماوات والأرضين وما ~~فيهما وما بينهما تحت العرش، مقهورون بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل ~~شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل، وقد روى أبو داود عن ~~أبي الدرداء قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله، لا إله إلا ~~هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، سبع مرات إلا كفاه الله ما أهمه. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1-2] # أما الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تقدم الكلام عليها في أوائل سورة ~~البقرة. # وقال ابن عباس { الر } أي أنا الله أرى، وكذلك قال الضحاك وغيره، { ~~تلك آيات الكتاب الحكيم } أي هذه آيات القرآن المحكم ~~المبين، وقال الحسن: التوراة والزبور، وقال قتادة: { تلك آيات ~~الكتاب } قال: الكتب التي كانت قبل القرآن، وهذا القول لا أعرف وجهه ~~ومعناه، وقوله: { أكان للناس عجبا } يقول تعالى منكرا على من ~~تعجب من الكفار، ومن إرسال المرسلين من البشر، كما أخبر تعالى عن القرون ~~الماضين من قولهم: # أبشر يهدوننا # [التغابن: 6]؟ وقال هود وصالح لقومهما: # أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل ~~منكم # [الأعراف: 63]؟ وقال تعالى مخبرا عن كفار قريش: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # [ص: 5]؟! وقال ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ~~رسولا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم، فقالو: الله أعظم من أن يكون ~~رسوله بشرا مثل محمد، قال: فأنزل الله عز وجل { أكان للناس ~~عجبا } الآية، وقوله: { أن لهم قدم صدق ms1155 عند ربهم } ~~اختلفوا فيه، فقال ابن عباس: سبقت لهم السعادة في الذكر، وقال العوفي ~~عنه: { أن لهم قدم صدق عند ربهم } يقول: أجرا حسنا ~~بما قدموا، وقال مجاهد: الأعمال الصالحة، صلاتهم وصومهم وصدقتهم ~~وتسبيحهم، قال: ومحمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم؛ وقال قتادة: سلف صدق ~~عند ربهم؛ واختار ابن جرير قول مجاهد: إنها الأعمال الصالحة التي قدموها، ~~كما يقال: له قدم في الإسلام، كقول حسان: # لنا القدم العليا إليك وخلفنا # لأولنا في طاعة الله تابع # وقول ذي الرمة: # لكم قدم لا ينكر الناس أنها # مع الحسب العادي طمت على البحر # وقوله تعالى: { قال الكافرون إن هذا لساحر مبين } ~~أي مع أنا بعثنا إليهم رسولا منهم رجلا من جنسهم بشيرا ونذيرا، { ~~قال الكافرون إن هذا لساحر مبين } أي ظاهر، وهم ~~الكاذبون في ذلك. ### || [10.3] # يخبر تعالى أنه رب العالم جميعه، وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ~~قيل: كهذه الأيام، وقيل: كل يوم كألف سنة مما تعدون، كما سيأتي بيانه، ثم ~~استوى على العرش، والعرش أعظم المخلوقات وسقفها، وهو ياقوتة حمراء، ~~وقوله: { يدبر الأمر } أي يدبر الخلائق # لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموت ولا في ~~الأرض # [سبأ: 3] ولا يشغله شأن عن شأن، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا يلهيه ~~تدبير الكبير عن الصغير، في الجبال والبحار والعمران والقفار # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6] الآية، # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين # [الأنعام: 59]. وقوله: { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } ~~، كقوله تعالى: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255]، وكقوله تعالى: # وكم من ملك في السموت لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ~~ويرضى # [النجم: 26]، وقوله: # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له # [سبأ: 23]، وقوله: { ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا ~~تذكرون } أي أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، { أفلا ~~تذكرون } أيها المشركون في أمركم تعبدون مع ms1156 الله إلها غيره، ~~وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق، كقوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. ### || [10.4] # يخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة لا يترك منهم أحدا حتى ~~يعيده كما بدأه، ثم ذكر تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده، # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]، { ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات بالقسط } أي بالعدل والجزاء الأوفى، { والذين ~~كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما ~~كانوا يكفرون } ، أي بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع ~~العذاب من سموم وحميم وظل من يحموم، # هذا فليذوقوه حميم وغساق # [ص: 57]. ### || [10.5-6] # يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه ~~جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء، وجعل شعاع القمر نورا، هذا فن ~~وهذا فن آخر؛ ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار، ~~وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيرا، ثم يتزايد ~~نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى ~~حالته الأولى في تمام شهر، كقوله تعالى: # والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم # [يس: 39]. وقوله تعالى: # والشمس والقمر حسبانا # [الأنعام: 96]، { وقدره } أي القمر، { منازل لتعلموا ~~عدد السنين والحساب } فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف ~~الشهور والأعوام، { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } أي لم ~~يخلقه عبثا بل له حكمة عظيمة في ذلك وحجة بالغة، كقوله تعالى: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا # [ص: 27]، وقال تعالى: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # [المؤمنون: 115]، وقوله: { يفصل الآيات } أي نبين الحجج والأدلة، ~~{ لقوم يعلمون } ، وقوله: { إن في اختلاف اليل ~~والنهار } أي تعاقبهما إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا، ~~لا يتأخر عنه شيئا كقوله تعالى: # يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا # [الأعراف: 54]، وقال: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر # [يس: 40] الآية، وقوله: { وما خلق الله في السموت ~~والأرض } أي من الآيات الدالة على عظمته تعالى، كما قال: # وكأين من آية ms1157 في السماوات والأرض # [يوسف: 105] الآية، وقوله: # قل انظروا ماذا في السموت والأرض # [يونس: 101]، وقال: # إن في خلق السموت والأرض واختلاف اليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # [آل عمران: 190] أي العقول، وقال ههنا { لآيات لقوم يتقون ~~} ، أي عقاب الله وسخطه وعذابه. ### || [10.7-8] # يقول تعالى مخبرا عن حال الأشقياء الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة ~~ولا يرجون في لقائه شيئا. ورضوا بهذه الحياة الدنيا واطمأنت إليهم ~~نفوسهم { إن الذين لا يرجون لقآءنا ورضوا ~~بالحياة الدنيا واطمأنوا بها } الآية، قال الحسن: والله ~~ما زينوها ولا رفعوها حتى رضوا بها، وهم غافلون عن آيات الله الكونية، ~~فلا يتفكرون فيها، والشرعية فلا يأتمرون بها بأن مأواهم يوم معادهم النار ~~جزاء ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام، مع ما هم ~~فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر. ### || [10.9-10] # هذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وامتثلوا ~~ما أمروا به، فعملوا الصالحات، بأنه سيهديهم بإيمانهم، أي بسبب إيمانهم ~~في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط المستقيم حتى يجوزوه ~~ويخلصوا إلى الجنة، ويحتمل أن تكون للاستعانة، كما قال مجاهد في قوله: { ~~يهديهم ربهم بإيمانهم } قال: يكون لهم نورا يمشون به، ~~وقال ابن جريج: في الآية يمثل له عمله في صورة حسنة إذا قام من قبره ~~يبشره بكل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أن عملك، فيجعل له نوره من بين ~~يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله تعالى: { يهديهم ربهم ~~بإيمانهم } والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيلزم ~~صاحبه حتى يقذفه في النار. # وقوله تعالى: { دعواهم فيها سبحانك اللهم ~~وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد ~~لله رب العالمين } أي هذا حال أهل الجنة، قال ابن جريج: أخبرت ~~أنه إذا مر بهم الطير يشتهونه قالوا: سبحانك اللهم، وذلك دعواهم فيأتيهم ~~الملك بما يشتهونه، فيسلم عليهم فيردون عليه، فذلك قوله: { ~~وتحيتهم فيها سلام } قال: فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم، فذلك ~~قوله: { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ~~} ، وقال مقاتل: إذا ms1158 أراد أهل الجنة أن يدعوا بالطعام قال أحدهم: { ~~سبحانك اللهم } قال: فيقوم على أحدهم عشرة آلاف خادم مع كل ~~خادم صحفة من ذهب فيها طعام ليس في الأخرى، قال: فيأكل منهن كلهن، وهذه ~~الآية فيها شبه من قوله: # تحيتهم يوم يلقونه سلام # [الأحزاب: 44]، وقوله: # إلا قيلا سلاما سلاما # [الواقعة: 26]، وقوله: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]، وقوله: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام ~~عليكم # [الرعد: 23-24] الآية، وقوله: { وآخر دعواهم أن الحمد ~~لله رب العالمين } فيه دلالة على أنه تعالى هو المحمود أبدا، ~~المعبود على طول المدى، ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه، وفي ابتداء ~~كتابه، وعند ابتداء تنزيله، حيث يقول تعالى: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب # [الكهف: 1]، # الحمد لله الذي خلق السموت والأرض # [الأنعام: 1] إلى غير ذلك من الأحوال التي يطول بسطها وأنه المحمود في ~~الأولى والآخرة في جميع الأحوال، ولهذا جاء في الحديث: # " إن أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس " # ، وإنما يكون ذلك كذلك لما يرون من تزايد نعم الله عليهم، فتكرر وتعاد ~~وتزداد، فليس لها انقضاء ولا أمد، فلا إله إلا هو ولا رب سواه. ### || [10.11] # يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده، أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على ~~أنفسهم أو أولادهم بالشر، في حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد ~~إلى إرادة ذلك، فلهاذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفا ورحمة، كما ~~يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأولادهم بالخير والبركة، ولهذا قال: { ~~ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم أجلهم } الآية: أي لو استجاب لهم ~~كل ما دعوه به في ذلك لأهلكهم، ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك، كماء جاء ~~في الحديث الذي رواه جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا ~~توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم " # ، وهذا كقوله تعالى: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير # [الإسراء: 11] الآية، وقال مجاهد في ms1159 تفسير هذه الآية: هو قول الإنسان ~~لولده أو ماله إذا غضب عليه: اللهم لا تبارك فيه والعنه، فلو يعجل لهم ~~الاستجابة في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم. ### || [10.12] # يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الضر، كقوله: # وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض # [فصلت: 51] أي كثير، وهما في معنى واحد، وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق ~~لها وجزع منها، وأكثر الدعاء عند ذلك، فدعا الله في كشفها ورفعها عنه، في ~~حال اضطجاعه وقعوده وقيامه في جميع أحواله، فإذا فرج الله شدته وكشف ~~كربته أعرض ونأى بجانبه وذهب، كأنه ما كان به من ذلك شيء، { مر كأن ~~لم يدعنآ إلى ضر مسه } ، ثم ذم تعالى من هذه صفته ~~وطريقته فقال: { كذلك زين للمسرفين ما كانوا ~~يعملون } ، فأما من رزقه الله الهداية والسداد، والتوفيق والرشاد ~~فإنه مستثنى من ذلك، وفي الحديث: # " عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء ~~فصبر كان خيرا له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له؛ وليس ذلك لأحد ~~إلا للمؤمن ". ### || [10.13-14] # أخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية، في تكذيبهم الرسل فيما جاءوهم به ~~من البينات، استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم، وأرسل إليهم رسولا لينظر ~~طاعتهم له، واتباعهم رسوله، وفي صحيح مسلم: # " إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، ~~فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء ~~". ### || [10.15-16] # يخبر تعالى عن تعنت من مشركي قريش الجاحدين المعرضين عنه، أنهم إذا قرأ ~~عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب الله وحججه الواضحة قالوا له: ائت ~~بقرآن غير هذا، أي رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر أو بدله إلى وضع آخر، ~~قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل ما يكون لي أن ~~أبدله من تلقآء نفسي } أي ليس هذا إلي إنما أنا عبد ~~مأمور، ورسول مبلغ عن الله، { إن أتبع إلا ما يوحى ~~إلي إني أخاف إن عصيت ربي ms1160 عذاب يوم عظيم } ~~، ثم قال محتجا عليهم في صحة ما جاءهم به؛ { قل لو شآء الله ~~ما تلوته عليكم ولا أدراكم به } أي هذا إنما جئتكم ~~به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على أني لست أتقوله ~~من عندي، ولا افتريته أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي ~~منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله عز وجل، لا تنتقدون علي شيئا ~~تغمصوني به، ولهذا قال: { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ~~أفلا تعقلون } أي أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل؟ ~~ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم (أبا سفيان) قال له: هل كنتم تتهمونه ~~بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا، وكان أبو سفيان إذ ~~ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف بالحق (والفضل ما شهدت به ~~الأعداء) فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم ~~يذهب ليكذب على الله. وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث ~~الله فينا رسولا نعرف صدقه ونسبه وأمانته، وقد كانت مدة مقامه عليه ~~السلام بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة. ### || [10.17] # يقول تعالى: لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراما { ممن افترى ~~على الله كذبا } ، وتقول على الله، وزعم أن الله أرسله ولم يكن ~~كذلك، فليس أحد أكبر جرما ولا أعظم ظلما من هذا، ومثل هذا لا يخفى أمره ~~على الأغبياء فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء؟ فإن من قال هذه المقالة ~~صادقا أو كاذبا فلا بد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ~~ما هو أظهر من الشمس، فإن الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة ~~الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين الضحى وبين حندس الظلماء، قال عبد ~~الله بن سلام: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس ~~فكنت فيمن انجفل، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، قال: فكان أول ~~ما سمعته يقول: # " يا ms1161 أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا ~~الليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام " # و # " لما وقد ضمام بن ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه بني ~~سعد بن بكر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قاله: من رفع هذه ~~السماء؟ قال: " الله " ، ومن نصب هذه الجبال؟ قال: " الله " ، قال: ومن ~~سطح هذه الأرض؟ قال: " الله " ، قال: فبالذي رفع هذه السماء ونصب هذه ~~الجبال وسطح هذه الأرض الله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: " اللهم نعم " ، ~~ثم سأله عن الصلاة والزكاة والحج والصيام ويحلف عند كل واحدة هذه اليمين، ~~ويحلف له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: صدقت، والذي بعثك بالحق ~~لا أزيد على ذلك ولا أنقص " # ، فقد أيقن بصدقه صلوات الله وسلامه عليه بما رأى وشاهد من الدلائل ~~الدالة عليه، قال حسان بن ثابت: # لو لم تكن فيه آيات مبينة # كانت بديهته تأتيك بالخبر # وذكروا أن (عمرو بن العاص) وفد على مسيلمة، وكان صديقا له في الجاهلية، ~~وكان عمرو لم يسلم بعد، فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو، ماذا أنزل على ~~صاحبكم، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، في هذه المدة؟ فقال: لقد ~~سمعت أصحابه يقرأون سورة عظيمة قصيرة، فقال: وما هي؟ فقال: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 1-2] إلى آخر السورة، ففكر مسيلمة ساعة، ثم قال: وأنا قد أنزل ~~علي مثله، فقال: وما هو؟ فقال: (ويا وبر، يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر ~~وسائرك حفر نقر)، كيف ترى يا عمرو، فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني ~~أعلم أنك تكذب. فإذا كان هذا من مشرك في حال شركه لم يشتبه عليه حال محمد ~~صلى الله عليه وسلم وصدقه، وحال مسيلمة لعنه الله وكذبه، فكيف بأولي ~~البصائر والنهى، وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجى؟ ولهذا قال ~~تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون } ، وكذلك من ~~كذب بالحق الذي جاءت به الرسل، وقامت عليه ms1162 الحجج، لا أحد أظلم منه كما في ~~الحديث: # " أعتى الناس على الله رجل قتل نبيا أو قتله نبي ". ### || [10.18-19] # ينكر تعالى على المشركين الذي عبدوا مع الله غيره ظانين أن تلك الآلهة ~~تنفعهم شفاعتها عند الله، فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك ~~شيئا، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها ولا يكون هذا أبدا، ولهذا قال ~~تعالى: { قل أتنبئون الله بما لا يعلم في ~~السموت ولا في الأرض } قال ابن جرير: معناه أتخبرون الله ~~بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض؟ ثم نزه نفسه الكريمة عن شركهم ~~وكفرهم فقال: { سبحانه وتعالى عما يشركون } ، ثم أخبر ~~تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم ~~كانوا على دين واحد وهو الإسلام، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة ~~قرون كلهم على الإسلام، ثم وقع الاختلاف بين الناس وعبدت الأصنام ~~والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة ~~وبراهينه الدامغة: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42]، وقوله: { ولولا كلمة سبقت من ربك } ~~الآية، أي لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام ~~الحجة عليه، وأنه أجل الخلق إلى أجل معدود، لقضى بينهم فيما اختلفوا ~~فيه، فأسعد المؤمنين وأعنت الكافرين. ### || [10.20] # أي ويقول هؤلاء الكفرة المكذبون المعاندون: لولا أنزل على محمد آية من ~~ربه، يعنون: كما أعطى الله ثمود الناقة، أو أن يحول لهم الصفا ذهبا، أو ~~يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها بساتين وأنهارا، أو نحو ذلك، مما الله ~~عليه قادر، ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله، كما قال تعالى: # تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا # [الفرقان: 10]، وكقوله: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون # [الإسراء: 59] الآية، يقول تعالى: إن سنتي في خلقي أني إذا آتيتهم ما ~~سألوا، فإن آمنوا وإلا عاجلتهم بالعقوبة، ولهذا لما خير رسول الله ms1163 صلى ~~الله عليه وسلم بين إعطائهم ما سألوا فإن آمنوا وإلا عذبوا، وبين ~~أنظارهم، اختار إنظارهم، كما حلم عنهم غير مرة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولهذا قال تعالى إرشادا لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى الجواب عما ~~سألوا: { فقل إنما الغيب لله } أي الأمر كله لله وهو يعلم ~~العواقب في الأمور، { فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين } أي إن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم فانتظروا ~~حكم الله في وفيكم، ولو علم منهم أنهم سألوا ذلك استرشادا وتثبتا ~~لأجابهم، ولكن علم أنهم إنما يسألون عنادا وتعنتا فتركهم فيما رابهم، ~~وعلم أنهم لا يؤمن منهم أحد لما فيهم من المكابرة كقوله تعالى: # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء # [الحجر: 14] الآية، وقوله تعالى: # وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا # [الطور: 44] الآية، وقوله تعالى: # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر ~~مبين # [الأنعام: 7] فمثل هؤلاء لا فائدة من جوابهم لأنه دائر على تعنتهم ~~وعنادهم لكثرة فجورهم وفسادهم، ولهذا قال: { فانتظروا إني ~~معكم من المنتظرين }. ### || [10.21-23] # يخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمة من بعد ضراء مستهم كالرخاء بعد ~~الشدة، والخصب بعد الجدب، والمطر بعد القحط، ونحو ذلك { إذا لهم ~~مكر في آياتنا } قال مجاهد استهزاء وتكذيب، { قل الله ~~أسرع مكرا } أي أشد استدراجا وإمهالا حتى يظن الظان من المجرمين ~~أنه ليس بمعذب، وإنما هو في مهلة ثم يؤخذ على غرة منه، والكاتبون الكرام ~~يكتبون عليه جميع ما يفعله ويحصونه عليه، ثم يعرضونه على عالم الغيب ~~والشهادة فيجازيه على النقير والقطمير، ثم أخبر تعالى أنه: { هو ~~الذي يسيركم في البر والبحر } أي يحفظكم ويكلؤكم ~~بحراسته، { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ~~بريح طيبة وفرحوا بها } أي بسرعة سيرهم رافلين، فبينما هم ~~كذلك إذ { جآءتها } أي تلك السفن { ريح عاصف } أي شديدة، { ~~وجآءهم الموج من كل مكان } أي اغتلم البحر عليهم، { ~~وظنوا أنهم أحيط بهم } أي هلكوا، { دعوا الله ~~مخلصين له الدين } أي لا ms1164 يدعون معه صنما ولا وثنا يفردونه ~~بالدعاء والابتهال، كقوله تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # [الإسراء: 67]، { لئن أنجيتنا من هذه } أي هذه الحال { ~~لنكونن من الشاكرين } أي لا نشرك بك أحدا ولنفردنك ~~بالعبادة كما أفردناك بالدعاء ههنا، قال الله تعالى: { فلمآ ~~أنجاهم } أي من تلك الورطة، { إذا هم يبغون في الأرض ~~بغير الحق } أي كأن لم يكن من ذلك شيء، # كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه # [يونس: 12]، ثم قال تعالى: { يأيها الناس إنما بغيكم ~~على أنفسكم } أي إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم، ولا ~~تضرون به أحدا غيركم، كما جاء في الحديث: # " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر الله لصاحبه ~~في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم " # ، وقوله: { متاع الحياة الدنيا } أي إنما لكم متاع في ~~الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة، { ثم إلينا مرجعكم } أي ~~مصيركم ومآلكم، { فننبئكم } أي فنخبركم بجميع أعمالكم ونوفيكم ~~إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. ### || [10.24-25] # ضرب تبارك وتعالى مثلا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها، وسرعة انقضائها ~~وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض، مما يأكل الناس من زروع ~~وثمار، على اختلاف أنواعها وأصنافها، وما تأكل الأنعام، { حتى إذآ ~~أخذت الأرض زخرفها } أي زينتها الفانية، { وازينت } ~~أي حسنت بما خرج في رباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان { ~~وظن أهلهآ } الذين زرعوها وغرسوها { أنهم قادرون ~~عليهآ } أي على جذاذها وحصادها، فبينما هم كذلك إذ جاءتها صاعقة أو ~~ريح شديدة باردة، فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها، ولهذا قال تعالى: { ~~أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا } أي ~~يابسا بعد الخضرة والنضارة، { كأن لم تغن بالأمس } أي كأنها ~~ما كانت حينا قبل ذلك، وقال قتادة: { كأن لم تغن } كأن لم تنعم، ~~وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن، قال تعالى إخبارا عن المهلكين: # فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا ~~فيهآ # [هود: 94-95]، ثم قال تعالى: { كذلك نفصل الآيات } أي نبين ms1165 ~~الحجج والأدلة { لقوم يتفكرون } فيعتبرون بهذا المثل في زوال ~~الدنيا عن أهلها سريعا، مع اغترارهم بها وتفلتها عنهم، وقد ضرب الله ~~تعالى مثل الدنيا بنبات الأرض من غير ما آية من كتابه العزيز فقال: # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا # [الكهف: 45]، وكذا في سورة (الزمر) و (الحديد) يضرب الله بذلك مثل ~~الحياة الدنيا، وقوله: { والله يدعوا إلى دار السلام } ~~لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة زوالها، رغب في الجنة ودعا إليها وسماها ~~دار السلام، أي من الآفات والنقائص والنكبات فقال: { والله ~~يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشآء إلى ~~صراط مستقيم }. # روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنه قال: خرج علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوما فقال: # " إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول ~~أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، فقال: إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ ~~دارا، ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس ~~إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه؛ فالله الملك، والدار ~~الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن ~~دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها ". ### || [10.26] # يخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح، { ~~الحسنى } في الدار الآخرة # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60] وقوله: { وزيادة } هي تضعيف ثواب الأعمال ويشمل ما ~~يعطيهم الله في الجنة من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من ~~قرة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه، النظر إلى وجهه الكريم، فإنه زيادة أعظم ~~من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته، وقد روى تفسير ~~الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم الجمهور من السلف والخلف، روى الإمام ~~أحمد عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه ~~الآية: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ms1166 } ، وقال: # " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة ~~إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو ألم يثقل ~~موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا؟ ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ - قال: فيكشف ~~لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من ~~النظر إليه ولا أقر لأعينهم " # وعن أبي موسى الأشعري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي: يا أهل الجنة - بصوت يسمع ~~أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى الجنة، والزيادة ~~النظر إلى وجه الرحمن عز وجل " # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل. { للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة } قال: # " الحسنى: الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل " # ، وقوله تعالى: { ولا يرهق وجوههم قتر } أي قتام وسواد في ~~عرصات المحشر، كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة، { ولا ~~ذلة } أي هوان وصغار، بل هو كما قال تعالى في حقهم: # فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة ~~وسرورا # [الإنسان: 11] أي نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم، جعلنا الله منهم ~~بفضله ورحمته آمين. ### || [10.27] # لما أخبر تعالى عن حال السعداء الذين يضاعف لهم الحسنات عطف بذكر حال ~~الأشقياء، فذكر تعالى عدله فيهم وأنه يجازيهم على السيئة بمثلها لا ~~يزيدهم على ذلك، { وترهقهم } أي تعتريهم وتعلوهم ذلة من معاصيهم ~~وخوفهم منها: كما قال: # وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل # [الشورى: 45] الآية، وقال تعالى: # مهطعين مقنعي رءوسهم # [إبراهيم: 43] الآية، وقوله: { ما لهم من الله من عاصم ~~} أي مانع ولا واق يقيهم العذاب، كقوله تعالى: # يقول الإنسان يومئذ أين المفر * كلا لا وزر # [القيامة: 10-11]، وقوله: { كأنما أغشيت وجوههم } الآية ~~إخبار عن سواد وجوههم في الدار الآخرة، كقوله تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106]، وقوله تعالى: # وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ~~ووجوه يومئذ عليها غبرة # [عبس: 38-40] الآية. ### || [10.28-30] # يقول تعالى: { ويوم نحشرهم } أي أهل الأرض كلهم من جن وإنس ms1167 ~~وبر وفاجر، كقوله: # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف: 47]، { ثم نقول للذين أشركوا } الآية، أي ~~الزموا أنتم وهم مكانا معينا، امتازوا فيه عن مقام المؤمنين، كقوله ~~تعالى: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59]، وقوله: # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون # [الروم: 14]. وفي الآية الأخرى: # يومئذ يصدعون # [الروم: 43] أي يصيرون صدعين؛ وهذا يكون إذا جاء الرب تبارك وتعالى لفصل ~~القضاء، { مكانكم أنتم وشركآؤكم فزيلنا بينهم ~~} أي أنهم أنكروا عبادتهم وتبرؤوا منهم، كقوله: # كلا سيكفرون بعبادتهم # [مريم: 82] الآية، وقوله: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا # [البقرة: 166]، وقوله: # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء # [الأحقاف: 6] الآية، { فكفى بالله شهيدا بيننا ~~وبينكم } الآية، أي ما كنا نشعر بها ولا نعلم بها، وإنما كنتم ~~تعبدوننا من حيث لا ندري بكم والله شهيد بيننا وبينكم أنا ما دعوناكم إلى ~~عبادتنا ولا أمرناكم بها ولا رضينا منكم بذلك، وفي هذا تبكيت عظيم ~~للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره وقد تركوا عبادة الحي القيوم القادر ~~على كل شيء، العليم بكل شيء، وقد أرسل رسله آمرا بعبادته وحده لا شريك ~~له ناهيا عن عبادة ما سواه، كما قال تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25]، وقال: # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون # [الزخرف: 45] وقوله تعالى: { هنالك تبلوا كل نفس مآ ~~أسلفت } أي في موقف الحساب يوم القيامة تختبر كل نفس وتعلم ما سلف ~~من عملها من خير وشر، كقوله تعالى: # يوم تبلى السرآئر # [الطارق: 9]، وقال تعالى: # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13]، وقال تعالى: # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * ~~اقرأ كتبك # [الإسراء: 13-14]، وقوله: { وردوا إلى الله مولاهم ~~الحق } أي ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل، ففصلها وأدخل أهل ~~الجنة الجنة، وأهل النار النار، { وضل عنهم } أي ذهب عن ~~المشركين، { ما كانوا يفترون } أي ما كانوا يعبدون من دون الله ~~افتراء عليه. ### || [10.31-33] # يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته ms1168 وربوبيته على وحدانية ~~إلاهيته، فقال تعالى: { قل من يرزقكم من السمآء ~~والأرض } أي من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر، فيشق الأرض شقا ~~بقدرته ومشيئته، فيخرج منها # حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدآئق ~~غلبا * وفاكهة وأبا # [عبس: 27-31] أإله مع الله؟ فسيقولون: الله # أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه # [الملك: 21]؟ وقوله: { أمن يملك السمع والأبصار } أي ~~الذي وهبكم هذه القوة السامعة. والقوة الباصرة ولو شاء لذهب بها ولسلبكم ~~إياها، كقوله تعالى: # قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع ~~والأبصار # [الملك: 23] الآية. وقال: # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم # [الأنعام: 46] الآية، وقوله: { ومن يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي } أي بقدرته العظيمة ومنته العميمة، ~~وقوله: { ومن يدبر الأمر } أي من بيده ملكوت كل شيء، وهو ~~المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ~~فالملك كله العلوي والسفلي فقيرون إليه خاضعون لديه، { فسيقولون ~~الله } أي وهم يعلمون ذلك ويعترفون به، { فقل أفلا تتقون ~~}؟ أي أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم؟ وقوله: { ~~فذلكم الله ربكم الحق } الآية، أي فهذا الذي اعترفتم ~~بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، { ~~فماذا بعد الحق إلا الضلال }؟ أي: فكل معبود سواه باطل ~~لا إله إلا هو واحد، لا شريك له { فأنى تصرفون } أي فكيف ~~تصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه؟ وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل ~~شيء والمتصرف في كل شيء وقوله: { كذلك حقت كلمت ربك ~~على الذين فسقوا } أي كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على ~~شركهم وعبادتهم مع الله غيره مع أنهم يعترفون بأنه الخالق الرازق المتصرف ~~في الملك وحده، الذي بعث رسله بتوحيده، فلهذا حقت عليهم كلمة الله أنهم ~~أشقياء من ساكني النار، كقوله: # قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين # [الزمر: 71]. ### || [10.34-36] # وهذا إبطال لدعواهم فيما أشركوا بالله غيره، وعبدوا من الأصنام ~~والأنداد، { قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم ~~يعيده } أي ms1169 من بدأ خلق هذه السماوات والأرض، ثم ينشئ ما فيهما من ~~الخلائق، ويفرق أجرام السماوات والأرض ويبدلهما بفناء ما فيهما ثم يعيد ~~الخلق خلقا جديدا { قل الله } هو الذي يفعل هذا ويستقل به وحده لا ~~شريك له، { فأنى تؤفكون } أي فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى ~~الباطل، { قل هل من شركآئكم من يهدي إلى الحق ~~قل الله يهدي للحق }؟ أي أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر ~~على هداية ضال، وإنما يهدي الحيارى والضلال، ويقلب القلوب من الغي ~~إلى الرشد الله رب العالمين، { أفمن يهدي إلى الحق أحق ~~أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى } أي أفيتبع ~~العبد الذي يهدي إلى الحق ويبصر بعد العمى، أم الذي لا يهدي إلى شيء إلا ~~أن يهدى لعماه وبكمه، كما قال تعالى إخبارا عن إبراهيم أنه قال: # يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا # [مريم: 42]. # وقوله تعالى: { فما لكم كيف تحكمون } أي فما بالكم يذهب ~~بعقولكم، كيف سويتم بين الله وبين خلقه، وعدلتم هذا بهذا وعبدتم هذا ~~وهذا؟ وهلا أفردتم الرب جل جلاله بالعبادة وحده، وأخلصتم إليه الدعوة ~~والإنابة؟ ثم بين تعالى أنهم لا يتبعون في دينهم هذا دليلا ولا برهانا، ~~وإنما هو ظن منهم أي توهم وتخيل، وذلك لا يغني عنهم شيئا، { إن ~~الله عليم بما يفعلون } تهديد لهم ووعيد شديد لأنه تعالى ~~أخبر أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء. ### || [10.37-40] # هذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر ~~سور، ولا بسورة من مثله، لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته، واشتماله ~~على المعاني العزيزة الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من ~~عند الله، الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ~~وأقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين، ولهذا قال تعالى: { وما كان ~~هذا القرآن أن يفترى من دون الله } أي مثل هذا ~~القرآن لا يكون إلا من عند الله ولا يشبه هذا كلام البشر، { ولكن ~~تصديق الذي ms1170 بين يديه } أي من الكتب المتقدمة ومهيمنا ~~عليه، ومبينا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل، وقوله: { ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين } أي ~~وبيان الأحكام بيانا شافيا كافيا لا مرية فيه من الله رب العالمين، ~~كما تقدم في الحديث: # " فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم " # أي خبر عما سلف وعما سيأتي، وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه الله ~~ويرضاه. وقوله: { أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة ~~مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين } أي إن ادعيتم وافتريتم وشككتم في أن هذا من عند الله، وقلتم ~~كذبا إن هذا من عند محمد، فمحمد بشر مثلكم وقد جاء فيما زعمتم بهذا ~~القرآن فأتوا أنتم بسورة مثله، أي من جنس هذا القرآن، واستعينوا على ذلك ~~بكل من قدرتم عليه من إنس وجان، وهذا هو المقام الثالث في التحدي، فإنه ~~تعالى تحداهم ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد، ~~فليعارضوه بنظير ما جاء، وليستعينوا بمن شاءوا، وأخبر أنهم لا يقدرون على ~~ذلك ولا سبيل لهم إليه، فقال تعالى: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # [الإسراء: 88]، ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه، فقال في أول سورة هود: # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين # [هود: 13]، ثم تنازل إلى سورة، فقال في هذه السورة { أم يقولون ~~افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } ، وكذا في ~~سورة البقرة، وهي مدنية تحداهم بسورة منه، وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك ~~أبدا فقال: # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار # [البقرة: 24] الآية. هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم وأشعارهم ~~ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب، ولكن جاءهم من الله ما لا قبل ~~لأحد به؛ ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا ms1171 الكلام، وحلاوته ~~وجزالته وطلاوته وإفادته وبراعته، فكانوا أعلم الناس به وأفهمهم له ~~وأشدهم له انقيادا. # ولهذا جاء في " الصحيح " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، ~~وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم ~~تابعا " # وقوله: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ~~يأتهم تأويله } يقول: بل كذب هؤلاء بالقرآن، ولم يفهموه ولا ~~عرفوه { ولما يأتهم تأويله } أي ولم يحصلوا ما فيه من ~~الهدى ودين الحق إلى حين تكذيبهم به جهلا وسفها، { كذلك كذب ~~الذين من قبلهم } أي من الأمم السالفة، { فانظر كيف ~~كان عاقبة الظالمين } أي فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ~~ظلما وعلوا وكفرا وعنادا، فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما ~~أصابهم، وقوله: { ومنهم من يؤمن به } الآية، أي ومن هؤلاء ~~الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن ويتبعك وينتفع بما أرسلت ~~به، { ومنهم من لا يؤمن به } بل يموت على ذلك ويبعث عليه، ~~{ وربك أعلم بالمفسدين } أي وهو أعلم بمن يستحق الهداية ~~فيهديه؟ ومن يستحق الضلالة فيضله، وهو العادل الذي لا يجور، بل يعطي كلا ~~ما يستحقه تبارك وتعالى وتقدس. ### || [10.41-44] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن كذبك هؤلاء المشركون ~~فتبرأ منهم ومن عملهم { فقل لي عملي ولكم عملكم } ، ~~كقوله تعالى عن إبراهيم الخليل واتباعه لقومه المشركين: # إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله # [الممتحنة: 4]، وقوله: { ومنهم من يستمعون إليك } أي ~~يسمعون كلامك الحسن والقرآن العظيم النافع في القلوب والأبدان، ولكن ليس ~~ذلك إليك ولا إليهم، فإنك كما لا تقدر على إسماع الأصم، فكذلك لا تقدر ~~على هداية هؤلاء إلا أن يشاء الله، { ومنهم من ينظر إليك } ~~أي ينظرون إليك وإلى ما أعطاك الله من الخلق العظيم، والدلالة الظاهرة ~~على نبوتك، وهؤلاء ينظرون كما ينظر غيرهم، ولا يحصل لهم من الهداية شيء ~~كما يحصل لغيرهم، بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار، ms1172 وهؤلاء الكفار ~~ينظرون إليك بعين الاحتقار، # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا # [الفرقان: 41] الآية، ثم أخبر تعالى أنه لا يظلم أحدا شيئا، وإن كان ~~قد هدى به من هدى وبصر به من العمى، وفتح به أعينا عمياء وآذانا صماء، ~~وقلوبا غلفا، وأضل به عن الإيمان آخرين؛ فهو الحاكم المتصرف في ملكه ~~بما يشاء، لعلمه وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: { إن الله لا ~~يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ~~}. ### || [10.45] # يقول تعالى مذكرا للناس قيام الساعة، وحشرهم من أجداثهم إلى عرصات ~~القيامة: { ويوم يحشرهم } الآية. كقوله: # كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار # [الأحقاف: 35]، وكقوله: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46]، وقال تعالى: # نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة ~~إن لبثتم إلا يوما # [طه: 104]، وقال تعالى: # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة # [الروم: 55]، وهذا كله دليل على استقصار الحياة الدنيا في الدار الآخرة ~~كقوله: # قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العآدين # [المؤمنون: 112-113]، وقوله: { يتعارفون بينهم } أي يعرف ~~الأبناء الآباء والقرابات بعضهم لبعض، كما كانوا في الدنيا ولكن كل مشغول ~~بنفسه، # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم # [المؤمنون: 101] الآية، وقال تعالى: # ولا يسأل حميم حميما # [المعارج: 10]، وقوله: { قد خسر الذين كذبوا بلقآء ~~الله وما كانوا مهتدين } خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ~~ولا خسارة أعظم من خسارة من فرق بينه وبين أحبته يوم الحسرة والندامة. ### || [10.46-47] # يقول تعالى مخاطبا لرسوله صلى الله عليه وسلم: { وإما نرينك ~~بعض الذي نعدهم } أي ننتقم منهم في حياتك لتقر عينك منهم { ~~أو نتوفينك فإلينا مرجعهم } ، أي مصيرهم ومنقلبهم، ~~والله يشهد على أفعالهم بعدك، وقوله: { ولكل أمة رسول ~~فإذا جآء رسولهم } قال مجاهد: يعني يوم القيامة { قضي ~~بينهم بالقسط } الآية، كقوله تعالى: # وأشرقت الأرض بنور ربها # [الزمر: 69] الآية، فكل أمة تعرض على الله بحضرة رسولها؛ وكتاب أعمالها ~~من خير وشر شاهد عليها وحفظتهم من ms1173 الملائكة شهود أيضا، وهذه الأمة ~~الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق، إلا أنها أول الأمم يوم القيامة، ~~يفصل بينهم ويقضى لهم، كما جاء في " الصحيحين " عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق " # ، فأمته إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها صلوات الله وسلامه عليه دائما ~~إلى يوم الدين. ### || [10.48-52] # يقول تعالى مخبرا عن كفر هؤلاء المشركين في استعجالهم العذاب، وسؤالهم ~~عن وقته قبل التعيين، مما لا فائدة لهم فيه، كقوله: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ~~آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق # [الشورى: 18] أي كائنة لا محالة وواقعة وإن لم يعلموا وقتها عينا، ~~ولهذا أرشد تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إلى جوابهم فقال: { قل لا ~~أملك لنفسي ضرا ولا نفعا } الآية، أي لا أقول إلا ما ~~علمني، ولا أقدر على شيء مما استأثر به، إلا أن يطلعني الله عليه، فأنا ~~عبده ورسوله إليكم، وقد أخبرتكم بمجيء الساعة وأنها كائنة، ولم يطلعني ~~على وقتها، ولكن { لكل أمة أجل } أي لكل قرن مدة من العمر ~~مقدرة فإذا انقضى أجلهم { فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون } ، كقوله: # ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ # [المنافقون: 11] الآية، ثم أخبر أن عذاب الله سيأتيهم بغتة، فقال: { ~~قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا }؟ ~~أي ليلا أو نهارا، { ماذا يستعجل منه المجرمون * ~~أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن وقد كنتم به ~~تستعجلون } يعني أنهم إذا جاءهم العذاب قالوا: # ربنآ أبصرنا وسمعنا # [السجدة: 12] الآية، # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85]، وقوله: { ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا ~~عذاب الخلد } أي يوم القيامة يقال لهم هذا تبكيتا وتقريعا ~~كقوله: # اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سوآء عليكم ~~إنما تجزون ما كنتم تعملون # [الطور: 16]. ### || [10.53-54] # يقول تعالى: ويستخبرونك { أحق هو } أي المعاد بعد صيرورة الأجسام ~~ترابا { قل إي وربي إنه لحق ومآ أنتم ~~بمعجزين } أي ليس صيرورتكم ترابا بمعجز الله عن إعادتكم كما بدأكم ~~من ms1174 العدم # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]، وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان، يأمر ~~الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد من سورة سبأ، # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي لتأتينكم # [الآية: 3]، وفي التغابن: # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على ~~الله يسير # [الآية: 7]، ثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من ~~عذاب الله بملء الأرض ذهبا، { وأسروا الندامة لما ~~رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط } أي بالحق { ~~وهم لا يظلمون }. ### || [10.55-56] # يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأن وعده حق كائن لا محالة، وأنه ~~يحيى ويميت وإليه مرجعهم، وأنه القادر على ذلك العليم بما تفرق من ~~الأجسام وتمزق في سائر أقطار الأرض والبحار والقفار. ### || [10.57-58] # يقول تعالى ممتنا على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله ~~الكريم: { يأيها الناس قد جآءتكم موعظة من ~~ربكم } أي زاجر عن الفواحش، { وشفآء لما في الصدور } ~~أي من الشبه والشكوك وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، { وهدى ~~ورحمة } أي يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى، وإنما ذلك ~~للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه كقوله تعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء: 82]، وقوله: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء # [فصلت: 44] الآية. وقوله تعالى: { قل بفضل الله وبرحمته ~~فبذلك فليفرحوا } أي بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين ~~الحق فليفرحوا فإنه أولى ما يفرحون به، { هو خير مما ~~يجمعون } أي من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا ~~محالة. ### || [10.59-60] # قال ابن عباس ومجاهد: نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ~~ويحرمون من البحائر والسوائب والوصايل، كقوله تعالى: # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا # [الأنعام: 136] الآيات، وقد أنكر الله تعالى على من حرم ما أحل الله، أو ~~أحل ما حرم بمجرد الآراء ms1175 والأهواء التي لا مستند لها ولا دليل عليها، ثم ~~توعدهم على ذلك يوم القيامة فقال: { وما ظن الذين يفترون ~~على الله الكذب يوم القيامة } أي ما ظنهم أن يصنع بهم ~~يوم مرجعهم إلينا يوم القيامة؟ وقوله: { إن الله لذو فضل ~~على الناس } قال ابن جرير: في تركه معاجلتهم بالعقوبة في الدنيا، ~~ويحتمل أن يكون المراد { لذو فضل على الناس } فيما أباح لهم ~~مما خلقه من المنافع، ولم يحرم عليهم إلا ما هو ضار لهم في دنياهم أو ~~دينهم، { ولكن أكثرهم لا يشكرون } بل يحرمون ما أنعم ~~الله به عليهم، ويضيفون على أنفسهم فيجعلون بعضا حلالا وبعضا حراما. ### || [10.61] # يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته، ~~وجميع الخلائق في كل ساعة وأوان ولحظة، وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ~~ذرة في حقارتها وصغرها في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر منها ولا أكبر ~~إلا في كتاب مبين، كقوله: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام: 59]، فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات ~~وكذلك الدواب السارحة، # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6] الآية، وإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء فكيف علمه بحركات ~~المكلفين المأمورين بالعبادة؟ كما قال تعالى: # الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين # [الشعراء: 218-219]، ولهذا قال تعالى: { ولا تعملون من عمل ~~إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه } أي إذ تأخذون ~~في ذلك الشيء نحن مشاهدون لكم راءون سامعون، ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم لما سأله جبريل عن الإحسان: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". ### || [10.62-64] # يخبر تعالى أن أولياءه { الذين آمنوا وكانوا يتقون } ~~كما فسرهم بهم، فكل من كان تقيا، كان الله وليا ف { لا خوف ~~عليهم } أي فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة، ms1176 { ولا هم ~~يحزنون } على ما وراءهم في الدنيا، وقال عبد الله بن مسعود: أولياء ~~الله الذين إذا رأوا ذكر الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء " ، قيل: من هم يا ~~رسول الله لعلنا نحبهم؟ قال: " هم قوم تحابوا في الله في من غير أموال ~~ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا ~~يحزنون إذا حزن الناس " " # ثم قرأ: { ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون } ، وقال الإمام أحمد، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قوله: { لهم البشرى في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة } ، قال: # " الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له " # وقال الإمام أحمد، # " عن عبادة بن الصامت، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله أرأيت قول الله تعالى: { لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة } فقال: " لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه ~~أحد من أمتي - أو قال أحد قبلك - تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى ~~له " # ؛ وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال: # " يا رسول الله: الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه به، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تلك عاجل بشرى المؤمن " # وعن عبد الله بن عمرو # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: { لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا } الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من ستة وأربعين ~~جزءا من النبوة " # وقال ابن جرير، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " - قال - في الدنيا الرؤيا ~~الصالحة يراها العبد أو ترى له وهي في الآخرة الجنة " # وقال ابن جرير، عن أم كريز الكعبية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " ذهبت النبوة وبقيت المبشرات " # ؛ وقيل: المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة، ~~كقوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم ms1177 الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30]، وفي حديث البراء رضي الله عنه: # " أن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب فقالوا: ~~اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان، فتخرج من فمه ~~كما تسيل القطرة من فم السقاء " # وأما بشراهم في الآخرة فكما قال تعالى: # لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة ~~هذا يومكم الذي كنتم توعدون # [الأنبياء: 103]، وقال تعالى: # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار # [الحديد: 12]، وقوله: { لا تبديل لكلمات الله } أي هذا ~~الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة، { ~~ذلك هو الفوز العظيم }. ### || [10.65-67] # يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: { ولا يحزنك } قول هؤلاء ~~المشركين واستعن بالله عليهم وتوكل عليه فإن { العزة لله ~~جميعا } أي جميعا له ولرسوله وللمؤمنين، { هو السميع ~~العليم } أي السميع لأقوال عباده العليم بأحوالهم، ثم أخبر تعالى أن ~~له ملك السماوات والأرض وأن المشركين يعبدون الأصنام وهي لا تملك شيئا، ~~لا ضرا ولا نفعا ولا دليل لهم على عبادتها، بل إنما يتبعون في ذلك ~~ظنونهم وتخرصهم وكذبهم وإفكهم، ثم أخبر أنه الذي جعل لعباده الليل ~~ليسكنوا فيه، أي يستريحون فيه من نصبهم وكلالهم وحركاتهم، { والنهار ~~مبصرا } أي مضيئا لمعاشهم وسعيهم وأسفارهم ومصالحهم، { إن في ~~ذلك لآيات لقوم يسمعون } أي يسمعون هذه الحجج والأدلة ~~فيعتبرون بها ويستدلون على عظمة خالقها ومقدرها ومسيرها. ### || [10.68-70] # يقول تعالى منكرا على من ادعى أن له { ولدا سبحانه هو ~~الغني } أي تقدس عن ذلك هو الغني عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه { ~~له ما في السموت وما في الأرض } ، أي فكيف يكون له ولد ~~مما خلق وكل شيء مملوك له عبد له { إن عندكم من سلطان ~~بهذآ } أي ليس عندكم دليل على ما تقولونه من الكذب والبهتان { ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون }؟ إنكار ووعيد أكيد ~~وتهديد شديد، كقوله تعالى: # وقالوا ms1178 اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا ~~إدا * تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ~~ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # [مريم: 88-92]، ثم توعد تعالى الكاذبين عليه المفترين ممن زعم أن له ~~ولدا، بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة، فأما في الدنيا فإنهم ~~إذا استدرجهم وأملى لهم متعهم قليلا # ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # [لقمان: 24]، كما قال تعالى ههنا: { متاع في الدنيا } أي يوم ~~القيامة، { ثم نذيقهم العذاب الشديد } أي الموجع المؤلم ~~{ بما كانوا يكفرون } أي بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله ~~فيما ادعوه من الإفك والزور. ### || [10.71-73] # يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: { واتل عليهم } أي ~~أخبرهم واقصص عليهم، أي على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك، { نبأ ~~نوح } أي خبره مع قومه الذين كذبوه كيف أهلكهم الله ودمرهم بالغرق ~~أجمعين عن آخرهم ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك، ~~{ إذ قال لقومه يقوم إن كان كبر عليكم } أي عظم ~~عليكم { مقامي } أي فيكم بين أظهركم، { وتذكيري } إياكم { ~~بآيات الله } أي بحججه وبراهينه، { فعلى الله توكلت } ~~أي فإني لا أبالي ولا أكف عنكم سواء عظم عليكم أو لا، { فأجمعوا ~~أمركم وشركآءكم } أي فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من ~~دون الله من صنم ووثن، { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ~~} أي ولا تجعلوا أمركم عليكم متلبسا، بل افصلوا حالكم معي، فإن كنتم ~~تزعمون أنكم محقون فاقضوا إلي ولا تنظرون، أي ولا تؤخروني ساعة واحدة، ~~أي مهما قدرتم فافعلوا، فإني لا أباليكم ولا أخاف منكم لأنكم لستم على ~~شيء، كما قال هود لقومه: # فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني توكلت على ~~الله ربي وربكم # [هود: 55-56] الآية. وقوله: { فإن توليتم } أي كذبتم وأدبرتم ~~عن الطاعة { فما سألتكم من أجر } أي لم أطلب منكم على ~~نصيحتي إياكم شيئا، { إن أجري إلا على الله وأمرت ~~أن أكون من المسلمين } أي وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام ~~لله عز وجل، والإسلام هو ms1179 دين الأنبياء جميعا من أولهم إلى آخرهم، وإن ~~تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم، وقوله تعالى: { فكذبوه ~~فنجيناه ومن معه } أي على دينه { في الفلك } وهي ~~السفينة { وجعلناهم خلائف } أي في الأرض، { وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة ~~المنذرين } أي فانظر يا محمد كيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا ~~المكذبين. ### || [10.74] # يقول تعالى: { ثم بعثنا من } بعد نوح { رسلا إلى ~~قومهم فجآءوهم بالبينات } أي بالحجج والأدلة والبراهين ~~على صدق ما جاؤوهم به، { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا ~~به من قبل } ، أي فما كانت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم بسبب ~~تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم، كقوله تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم # [الأنعام: 110] الآية، وقوله: { كذلك نطبع على قلوب ~~المعتدين } أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء، فما آمنوا بسبب ~~تكذيبهم المتقدم، هكذا يطبع الله على قلوب من أشبههم ممن بعدهم، ويختم ~~على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ والمراد أن الله تعالى ~~أهلك الأمم المكذبة وأنجى من آمن بهم وذلك من بعد نوح عليه السلام، فإن ~~الناس كانوا من قبله من زمان آدم عليه السلام على الإسلام، إلى أن أحدث ~~الناس عبادة الأصنام، فبعث الله إليهم نوحا عليه السلام، قال ابن عباس: ~~كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، وقال الله تعالى: # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح # [الإسراء: 17] الآية، وفي هذه إنذار عظيم لمشركي العرب الذين كذبوا سيد ~~الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين، فإنه إذا كان قد أصاب من كذب بتلك الرسل ~~ما ذكره الله تعالى من العذاب والنكال، فماذا ظن هؤلاء وقد ارتكبوا أكبر ~~من أولئك؟ ### || [10.75-78] # يقول تعالى: { ثم بعثنا } من بعد تلك الرسل { موسى ~~وهارون إلى فرعون وملئه } أي قومه { بآياتنا } أي ~~حججنا وبراهيننا، { فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين } ~~أي استكبروا عن اتباع الحق والانقياد له وكانوا قوما مجرمين، { فلما ~~جآءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر ~~مبين } ، كأنهم قبحهم الله أقسموا على ذلك وهم يعلمون أن ما قالوه ~~كذب وبهتان، كما قال تعالى: # وجحدوا ms1180 بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14] الآية، { قال } لهم { موسى } منكرا عليهم { ~~أتقولون للحق لما جآءكم أسحر هذا ولا يفلح ~~الساحرون * قالوا أجئتنا لتلفتنا } أي تثنينا { ~~عما وجدنا عليه آباءنا } أي الدين الذي كانوا عليه، { ~~وتكون لكما } أي لك ولهارون { الكبريآء } أي العظمة ~~والرياسة { في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين }. وكثيرا ~~ما يذكر الله تعالى قصة موسى عليه السلام مع فرعون في كتابه العزيز، ~~لأنها من أعجب القصص، فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر، فسخره القدر: أن ~~ربي على فراشه بمنزلة الولد ثم ترعرع وعقد الله له سببا أخرجه من بين ~~أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم، ولم تزل الآيات تقوم على يدي ~~موسى شيئا بعد شيء، ومرة بعد مرة، مما يبهر العقول، ويدهش الألباب، # وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها # [الزخرف: 48] وصمم فرعون وملأه قبحهم الله على. التكذيب بذلك كله والجحد ~~والعناد والمكابرة، حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وأغرقهم في ~~صبيحة واحدة أجمعين، # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العالمين # [الأنعام: 45]. ### || [10.79-82] # ذكر تعالى قصة السحرة مع موسى عليه السلام، وما أراده فرعون من معارضة ~~الحق المبين، { وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم * ~~فلما جآء السحرة قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ~~ملقون } ، وإنما قال لهم ذلك لأنهم لما اصطفوا وقد وعدوا من فرعون ~~بالتقريب والعطاء الجزيل # قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول ~~من ألقى # [طه: 65]، فأراد موسى أن تكون البداءة منهم ليرى الناس ما صنعوا، ثم ~~يأتي بالحق بعده فيدمغ باطلهم، ولهذا لما ألقوا سحروا أعين الناس ~~واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، # فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك ~~أنت الأعلى # [طه: 67-68]، فعند ذلك قال موسى لما ألقوا: { ما جئتم به ~~السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل ~~المفسدين * ويحق الله الحق بكلماته ولو ~~كره المجرمون }. ### || [10.83] # يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى عليه السلام مع ما جاء به من الآيات ~~البينات، والحجج ms1181 القاطعات، والبراهين الساطعات، إلا قليل من قوم فرعون من ~~الذرية، وهم الشباب على وجل وخوف منه ومن ملئه يردوهم إلى ما كانوا عليه ~~من الكفر، لأن فرعون لعنه الله كان جبارا عنيدا مسرفا في التمرد ~~والعتو، وكانت له سطوة ومهابة يخاف رعيته منه خوفا شديدا. قال ابن ~~عباس: الذرية التي آمنت لموسى من غير بني إسرائيل من قوم فرعون يسير " ~~منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه " ، وعنه: ~~{ فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه } يقول: من بني ~~إسرائيل، وقال مجاهد في قوله: { إلا ذرية من قومه } هم ~~أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم، واختار ابن جرير ~~قول مجاهد في الذرية أنها من بني إسرائيل، لا من قوم فرعون لعود الضمير ~~على أقرب المذكورين، وفي هذا نظر، لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب، ~~وأنهم من بني إسرائيل، والمعروف أن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى عليه ~~السلام وقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به من كتبه المتقدمة، وأن ~~الله تعالى سينقذهم به من أسر فرعون ويظهرهم عليه، ولما جاء موسى آذاهم ~~فرعون أشد الأذى، # قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما ~~جئتنا # [الأعراف: 129] وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم مسى وهم ~~بنو إسرائيل { على خوف من فرعون وملئهم } أي وأشراف ~~قومهم أن يفتنهم، ولم يكن في بني إسرائيل من يخاف منه أن يفتن عن ~~الإيمان، ومما يدل على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن قوله تعالى: { ~~وقال موسى يقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين }. ### || [10.84-86] # يقول تعالى مخبرا عن موسى أنه قال لبني إسرائيل: { يقوم إن ~~كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين } أي فإن الله كاف من توكل عليه، # أليس الله بكاف عبده # [الزمر: 36]، # ومن يتوكل على الله فهو حسبه # [الطلاق: 3]، وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين العبادة والتوكل، كقوله ~~تعالى: # فاعبده وتوكل عليه # [هود: 123]، وقد امتثل بنو إسرائيل ذلك فقالوا: ms1182 { على الله ~~توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم ~~الظالمين } أي لا تظفرهم وتسلطهم علينا فيظنوا أنهم إنما سلطوا ~~لأنهم على الحق ونحن على الباطل فيفتنوا بذلك، هكذا روي عن أبي الضحى، ~~وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيدي آل فرعون ولا بعذاب من عندك فيقول قوم ~~فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنوا بنا، وعن ~~مجاهد: لا تسلطهم علينا فيفتنونا، وقوله: { ونجنا برحمتك } أي ~~خلصنا برحمة منك وإحسان { من القوم الكافرين } أي الذين كفروا ~~الحق وستروه ونحن قد آمنا بك وتوكلنا عليك. ### || [10.87] # يذكر تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه وكيفية خلاصهم منهم، ~~وذلك أن الله تعالى أمر موسى وأخاه هارون عليهما السلام أن يتبوآ، أي ~~يتخذا لقومهما بمصر بيوتا، واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: { ~~واجعلوا بيوتكم قبلة } فقال ابن عباس: امروا أن يتخذوها ~~مساجد، وقال الثوري، عن إبراهيم: كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في ~~يبوتهم، وأمروا بكثرة الصلاة كقوله تعالى: # يآأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة # [البقرة: 153]، وفي الحديث: # " كان رسول الله إذا حزبه أمر صلى " # ، ولهذا قال تعالى في هذه الآية: { واجعلوا بيوتكم قبلة ~~وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين } ، أي بالثواب والنصر ~~القريب، وقال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: قالت بنو ~~إسرائيل عليه السلام: لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة، فأذن الله ~~تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة. ### || [10.88-89] # هذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى عليه السلام على فرعون وملئه، ~~لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين ظلما ~~وعلوا وتكبرا وعتوا، قال موسى: { ربنآ إنك آتيت فرعون ~~وملأه زينة } أي من أثاث الدنيا ومتاعها، { وأموالا } أي ~~جزيلة كثيرة { في } هذه { الحياة الدنيا ربنا ليضلوا ~~عن سبيلك } أي ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك، وليظن من أغويته ~~أنك إنما أعطيتهم هذا لحبك إياهم واعتنائك بهم { ربنا اطمس على ~~أموالهم } ، قال ابن عباس: أي أهلكها، وقال الضحاك: اجعلها ms1183 حجارة ~~منقوشة كهيئة ما كانت، وقال قتادة: بلغنا أن زروعهم تحولت حجارة، وقوله: ~~{ واشدد على قلوبهم } قال ابن عباس: أي اطبع عليها { فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } وهذه الدعوة كانت ~~من موسى عليه السلام غضبا لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له ~~أنهم لا خير فيهم ولا يجيء منهم شيء، كما دعا نوح عليه السلام فقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26]، ولهذا استجاب الله تعالى لموسى عليه السلام فيهم هذه الدعوة ~~التي أمن عليها أخوه هارون فقال تعالى: { قد أجيبت ~~دعوتكما } ، قال أبو العالية وعكرمة: دعا موسى وأمن هارون، أي قد ~~أجبناكما فيما سألتما من تدمير آل فرعون، { فاستقيما } أي كما أجيبت ~~دعوتكما فاستقيما على أمري، قال ابن عباس: فاستقيما: فامضيا لأمري وهي ~~الاستقامة، قال ابن جريج: يقولون إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين ~~سنة، وقيل: أربعين يوما. ### || [10.90-92] # يذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنوده، فإن بني إسرائيل لما خرجوا من ~~مصر وهم فيما قبل ستمائة ألف مقاتل سوى الذرية، اشتد حنق فرعون عليهم، ~~فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه، فركب وراءهم في ~~أبهة عظيمة وجيوش هائلة لما يريده الله تعالى بهم فلحقوهم وقت شروق ~~الشمس، # فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون # [الشعراء: 61]، أي كيف المخلص مما نحن فيه؟ فقال: # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]، فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق ~~البحر، فكان كل فرق كالطود العظيم، وجاوزت بنو إسرائيل البحر، فلما خرج ~~آخرهم منه، انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى، وهو في مائة ~~ألف، فلما رأى ذلك هاله، وأحجم وهاب وهم بالرجوع، وهيهات ولات حين ~~مناص، فاقتحموا كلهم عن آخرهم، وميكائيل في ساقتهم، لا يترك منهم أحدا ~~إلا ألحقه بهم، فلما استوثقوا فيه وتكاملوا، وهم أولهم بالخروج منه أمر ~~الله القدير البحر أن يرتطم عليهم، فارتطم عليهم، فلم ينج منهم أحد، ~~وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون، وغشيته سكرات ms1184 ~~الموت، فقال وهو كذلك: { آمنت أنه لا إله إلا الذي ~~آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين } ، ~~فآمن حيث لا ينفعه الإيمان # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85]، ولهذا قال الله تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال: { ~~آلآن وقد عصيت قبل } أي هذا الوقت تقول، وقد عصيت الله قبل ~~هذا فيما بينك وبينه؟ { وكنت من المفسدين } أي في الأرض، # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم ~~القيامة لا ينصرون # [القصص: 41]، وهذا الذي حكى الله تعالى عن فرعون من قوله هذا في حاله، ~~ذلك من أسرار الغيب التي أعلم الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا ~~قال الإمام أحمد بن حنبل، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لما قال فرعون آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل - قال: ~~قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسسته في فيه مخافة أن ~~تناله الرحمة ". # وقوله تعالى: { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن ~~خلفك آية } ، قال ابن عباس وغيره من السلف: إن بعض بني إسرائيل ~~شكوا في موت فرعون، فأمر الله البحر أن يلقيه بجسده سويا بلا روح، ~~ليتحققوا موته وهلاكه؛ ولهذا قال تعالى: { فاليوم ننجيك } أي ~~نرفعك على نشز من الأرض { ببدنك } ، قال مجاهد: بجسدك، وقال الحسن: ~~بجسم لا روح فيه، وقوله: { لتكون لمن خلفك آية } أي لتكون ~~لبني إسرائيل دليلا على موتك وهلاكك، وأن الله هو القادر الذي ناصية كل ~~دابة بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شيء. { وإن كثيرا من الناس ~~عن آياتنا لغافلون } أي لا يتعظون بها ولا يعتبرون بها، وقد ~~كان إهلاكهم يوم عاشوراء كما قال ابن عباس: # " قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ~~" ما هذا اليوم الذي تصومونه "؟ فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " وأنتم أحق بموسى منهم فصوموه " ~~". ### || [10.93] # يخبر تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم ms1185 الدينية والدنيوية، ~~وقوله: { مبوأ صدق } قيل: هو بلاد مصر والشام مما يلي بيت المقدس ~~ونواحيه، فإن الله تعالى لما أهلك فرعون وجنوده، استقرت يد الدولة ~~الموسوية على بلاد مصر بكمالها، كما قال تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها # [الأعراف: 137]، وقال في الآية الأخرى: # كذلك وأورثناها بني إسرائيل # [الشعراء: 59]، وقال: # كم تركوا من جنات وعيون # [الدخان: 25] الآيات، ولكن استمروا مع موسى عليه السلام طالبين إلى بلاد ~~بيت المقدس، وهي بلاد الخليل عليه السلام فاستمر موسى بمن معه طالبا بيت ~~المقدس، وكان فيه قوم من العمالقة، فنكل بنو إسرائيل عن قتالهم، فشردهم ~~الله تعالى في التيه أربعين سنة، ومات فيه هارون، ثم موسى عليهما السلام، ~~وخرجوا بعدهما مع (يوشع بن نون) ففتح الله عليهم بيت المقدس، واستقرت ~~أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بختنصر حينا من الدهر، ثم انتزعها ~~الصحابة رضي الله عنهم من يد النصارى، وكان فتح بيت المقدس على يد أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقوله: { ورزقناهم من ~~الطيبات } أي الحلال من الرزق الطيب النافع المستطاب طبعا وشرعا، ~~وقوله: { فما اختلفوا حتى جآءهم العلم } أي ما ~~اختلفوا في شيء من المسائل إلا من بعد ما جاءهم العلم، أي ولم يكن لهم أن ~~يختلفوا، وقد ورد في الحديث: # " أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا على ~~اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة ~~في الجنة، وثنتان وسبعون في النار. قيل من هم يا رسول الله؟ قال: " ما ~~أنا عليه وأصحابي " # ، ولهذا قال تعالى: { إن ربك يقضي بينهم } أي يفصل بينهم ~~{ يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون }. ### || [10.94-97] # قال قتادة: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا أشك ولا أسأل " # ، وهذا فيه تثبيت للأمة وإعلام لهم أن صفة نبيهم صلى الله عليه وسلم ~~موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب، كما قال تعالى: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا ms1186 عندهم في التوراة والإنجيل # [الأعراف: 157] الآية، ثم مع هذا العلم الذي يعرفونه من كتبهم كما ~~يعرفون أبناءهم، يلبسون ذلك ويحرفونه ويبدلونه، ولا يؤمنون به مع قيام ~~الحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: { إن الذين حقت عليهم ~~كلمت ربك لا يؤمنون * ولو جآءتهم كل آية ~~حتى يروا العذاب الأليم } أي لا يؤمنون إيمانا ينفعهم، ~~بل حين لا ينفع إيمانها، ولهذا دعا موسى على فرعون وملئه قال: # فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 88]. ### || [10.98] # يقول تعالى: فهلا كانت قرية آمنت بكمالها من الأمم السالفة بل ما أرسلنا ~~من قبلك يا محمد من رسول إلا كذبه قومه أو أكثرهم، كقوله تعالى: # يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزئون # [يس: 30]، وقوله: # كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون # [الذاريات: 52]. وفي الحديث الصحيح: # " عرض علي الأنبياء فجعل النبي يمر ومعه الفئام من الناس، والنبي يمر ~~معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي ليس معه أحد " # ثم ذكر كثرة أتباع موسى عليه السلام، ثم ذكر كثرة أمته صلوات الله ~~وسلامه عليه كثرة سدت الخافقين، والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها ~~بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس، وهم (أهل نينوى) وما كان إيمانهم ~~إلا تخوفا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم، بعد ما عاينوا أسبابه، ~~وخرج رسولهم من بين أظهرهم فعندما جأروا إلى الله واستغاثوا به وتضرعوا ~~له، واستكانوا، وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم، وسألو الله تعالى أن ~~يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم؛ فعندها رحمهم الله، وكشف عنهم ~~العذاب وأخروا: كما قال تعالى: { إلا قوم يونس لمآ آمنوا ~~كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~ومتعناهم إلى حين }. وقال قتادة في تفسير هذه الآية: لم ~~ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب، إلا قوم يونس لما فقدوا نبيهم، ~~وظنوا أن العذاب قد دنا منهم قذف الله في قلوبهم التوبة، ولبسوا المسوح، ~~وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا إلى الله أربعين ليلة، ms1187 فلما عرف ~~الله الصدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم ~~العذاب. ### || [10.99-100] # يقول تعالى: # ولو شآء ربك # [هود: 118] يا محمد لأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان، ولكن له حكمة فيما ~~يفعله تعالى، كقوله تعالى: # ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة # [هود: 118]، وقال تعالى: # أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشآء الله ~~لهدى الناس جميعا # [الرعد: 31]، ولهذا قال تعالى: # أفأنت تكره الناس # [يونس: 99] أي تلزمهم وتلجئهم، # حتى يكونوا مؤمنين # [يونس: 99] أي ليس ذلك عليك ولا إليك # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء # [البقرة: 272]، # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56]، # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40]، # لست عليهم بمصيطر # [الغاشية: 22] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو ~~الفعال لما يريد، الهادي من يشاء المضل لمن يشاء، لعلمه وحكمته وعدله، ~~ولهذا قال تعالى: { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن ~~الله ويجعل الرجس } وهو الخبال والضلال { على الذين ~~لا يعقلون } أي حجج الله وأدلته، وهو العادل في كل ذلك في هداية من ~~هدى وإضلال من ضل. ### || [10.101-103] # يرشد تعالى عباده إلى التفكر في آلائه، وما خلق الله في السماوات والأرض ~~من الآيات الباهرة لذوي الألباب، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به ~~الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير وصنوف ~~النبات، وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما ~~فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب، وما في البحر من العجائب ~~والأمواج، وهو مع هذا مسخر مذلل للسالكين، بتسخير القدير لا إله إلا هو ~~رب العالمين، وقوله: { وما تغني الآيات والنذر عن قوم ~~لا يؤمنون } أي: وأي شيء تغني الآيات السماوية والأرضية، والرسل ~~بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها، عن قوم لا يؤمنون، كقوله: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون # [يونس: 96] الآية، وقوله: { فهل ينتظرون إلا مثل أيام ~~الذين خلوا من قبلهم } ، أي فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك ~~يا محمد من النقمة والعذاب إلا ms1188 مثل أيام الله في الذين خلوا من قبلهم من ~~الأمم الماضية المكذبة لرسلهم، { قل فانتظروا إني معكم ~~من المنتظرين * ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا ~~} ، أي ونهلك المكذبين بالرسل، { كذلك حقا علينا ننج ~~المؤمنين } حقا أوجبه الله تعالى على نفسه الكريمة، كقوله: # كتب ربكم على نفسه الرحمة # [الأنعام: 54]، وكما جاء في " الصحيحين ": # " إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي ". ### || [10.104-107] # يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: # قل يأيها الناس إن كنتم في شك # [الأنعام: 104] من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف الذي أوحاه الله ~~إلي، فأنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، ولكن أعبد الله وحده لا ~~شريك له، وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم، ثم إليه مرجعكم، فإن كانت آلهتكم ~~التي تدعون من دون الله حقا فأنا لا أعبدها، فادعوها فلتضرني فإنها لا ~~تضر ولا تنفع، وإنما الذي بيده الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له، ~~وأمرت أن أكون من المؤمنين، وقوله: { وأن أقم وجهك للدين ~~حنيفا } أي أخلص العبادة لله وحده حنيفا أي منحرفا عن الشرك، ولهذا ~~قال: { ولا تكونن من المشركين } ، وهو معطوف على قوله: { ~~وأمرت أن أكون من المؤمنين } ، وقوله: { وإن ~~يمسسك الله بضر } الآية، فيه بيان لأن الخير والشر النفع ~~والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده، روى الحافظ ابن عساكر، عن أنس ~~بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن لله نفحات من رحمته ~~يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم " # وقوله: { وهو الغفور الرحيم } أي لمن تاب إليه ولو من أي ذنب ~~كان حتى من الشرك به فإنه يتوب عليه. ### || [10.108-109] # يقول تعالى آمرا لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس، أن الذي ~~جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا مرية فيه، فمن اهتدى به واتبعه ~~فإنما يعود نفعه على نفسه، ومن ضل عنه فإنما يرجع ms1189 وبال ذلك عليه، { ومآ ~~أنا عليكم بوكيل } ، أي وما أنا موكل بكل حتى تكونوا مؤمنين، ~~وإنما أنا نذير لكم، والهداية على الله تعالى، وقوله: { واتبع ما ~~يوحى إليك واصبر } أي تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك، ~~واصبر على مخالفة من خالفك من الناس { حتى يحكم الله } أي ~~يفتح بينك وبينهم، { وهو خير الحاكمين } أي خير الفاتحين ~~بعدله وحكمته. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-4] # تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هنا ~~وبالله التوفيق، وأما قوله { أحكمت آياته ثم فصلت } أي ~~هي محكمة في لفظها، مفصلة في معناها فالقرآن كامل صورة ومعنى، هذا معنى ~~ما روي عن مجاهد وقتادة واختاره ابن جرير، وقوله: { من لدن حكيم ~~خبير } أي من عند الله الحكيم في أقواله وأحكامه، الخبير بعواقب ~~الأمور { ألا تعبدوا إلا الله } أي أنزل هذا القرآن ~~المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له، وقوله: { إنني لكم ~~منه نذير وبشير } أي إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه، ~~وبشير بالثواب إن أطعتموه؛ كما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صعد الصفا، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب، فاجتمعوا، ~~فقال: # " " يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تصبحكم ألستم مصدقي؟ " ~~فقالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " ~~" # ، وقوله: { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } ~~أي وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها إلى الله عز وجل ~~فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك: { يمتعكم متاعا حسنا ~~} أي في الدنيا، { إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل ~~فضله } أي في الدار الآخرة، قاله قتادة، كقوله: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97] الآية، وقد جاء في " الصحيح " أن رسول الله صلى الله صلى ~~الله عليه وسلم قال لسعد: # " وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في ~~في امرأتك " # ، عن ابن مسعود في قوله: ms1190 { ويؤت كل ذي فضل فضله } ، قال: ~~من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب ~~بالسيئة التي كان عملها في الدنيا، بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها ~~في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول: هلك ~~من غلب آحاده على أعشاره وقوله: { وإن تولوا فإني أخاف ~~عليكم عذاب يوم كبير } ، هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر ~~الله تعالى، وكذب رسله فإن العذاب يناله يوم القيامة لا محالة { إلى ~~الله مرجعكم } أي معادكم يوم القيامة، { وهو على كل ~~شيء قدير } أي وهو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه ~~وانتقامه من أعدائه، وإعادة الخلائق يوم القيامة، وهذا مقام ترهيب كما أن ~~الأول مقام ترغيب. ### || [11.5] # قال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم، ~~فأنزل الله هذه الآية، وفي لفظ آخر له: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا، ~~فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك ~~فيهم، قال البخاري: { يستغشون } يغطون رؤوسهم، وقال ابن عباس في ~~رواية أخرى في تفسير هذه الآية: يعني به الشك في الله وعمل السيئات، أي ~~أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئا أو عملوه، فيظنون أنهم يستخفون ~~من الله بذلك، فأخبرهم الله تعالى أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ~~ظلمة الليل { يعلم ما يسرون } من القول، { وما يعلنون ~~إنه عليم بذات الصدور } أي يعلم ما تكن صدورهم من النيات ~~والضمائر والسرائر، وما أحسن ما قال (زهير بن أبي سلمى) في معلقته ~~المشهورة: # فلا تكتمن الله ما في قلوبكم # ليخفى ومهما يكتم الله يعلم # وقال عبد الله بن شداد: كان أحدهم إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثنى عنه صدره وغطى رأسه فأنزل الله ذلك، وعود الضمير إلى الله أولى، ~~لقوله: { ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون ~~وما يعلنون }. ### || [11.6] # أخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض، صغيرها ~~وكبيرها وأنه يعلم ms1191 مستقرها، أي يعلم أين منتهى سيرها في الأرض وأين تأوي ~~إليه من وكرها وهو مستودعها، عن ابن عباس: { ويعلم مستقرها } ~~أي حيث تأوي { ومستودعها } حيث تموت، وعن مجاهد: { ~~مستقرها } في الرحم { ومستودعها } في الصلب، فجميع ذلك ~~مكتوب في كتاب عند الله كقوله: # ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم ~~يحشرون # [الأنعام: 38]، وقوله: # ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة ~~إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ~~ولا يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام: 59]. ### || [11.7-8] # يخبر تعالى عن قدرته على كل شيء وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ~~وأن عرشه كان على الماء قبل ذلك، كما روى الإمام أحمد، # " عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقبلوا ~~البشرى يا بني تميم " ، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، قال: " اقبلوا البشرى ~~يا أهل اليمن " ، قالوا: قد قبلنا، فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ ~~قال: " كان الله قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ~~ذكر كل شيء " ، قال: فأتاني آت فقال: يا عمران انحلت ناقتك من عقالها، ~~قال: فخرجت في إثرها، فلا أدري ما كان بعدي ". # وفي " صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخسمين ألف ~~سنة، وكان عرشه على الماء " # ، قال مجاهد: { وكان عرشه على المآء } قبل أن يخلق شيئا، ~~وقال قتادة: { وكان عرشه على المآء } ينبئكم كيف كان بدء ~~خلقه قبل أن يخلق السماوات والأرض، وقال ابن عباس: إنما سمي العرش عرشا ~~لارتفاعه، وعن سعيد بن جبير، سئل ابن عباس عن قول الله: { وكان ~~عرشه على المآء } على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح. # وقوله تعالى: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } أي خلق ~~السماوات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا ولم ~~يخلق ذلك عبثا، كقوله: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما ms1192 باطلا # [ص: 27]، وقال تعالى: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق # [المؤمنون: 115-116]، وقوله: { ليبلوكم } أي ليختبركم { ~~أيكم أحسن عملا } ولم يقل أكثر عملا، بل { أحسن عملا ~~} ، ولا يكون العمل حسنا حتى يكون خالصا لله عز وجل، على شريعة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين حبط ~~وبطل، وقوله: { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد ~~الموت } الآية، يقول تعالى ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن ~~الله سيبعثهم بعد مماتهم كما بدأهم مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي ~~خلق السماوات والأرض، وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة، الذي ~~هو بالنسبة إلى القدرة أهون من البداءة، كما قال تعالى: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]، وقولهم: { إن هذآ إلا سحر مبين } أي ~~يقولون كفرا وعنادا ما نصدقك على وقوع البعث، وما يذكر ذلك إلا من ~~سحرته فهو يتبعك على ما تقول، وقوله: { ولئن أخرنا عنهم ~~العذاب إلى أمة معدودة } الآية، يقول تعالى: ولئن أخرنا ~~عنهم العذاب والمؤاخذة إلى أجل معدود وأمد محصور، وأوعدناهم إلى مدة ~~مضروبة ليقولن تكذيبا واستعجالا { ما يحبسه } أي يؤخر هذا العذاب ~~عنا، فإن سجاياهم قد ألفت التكذيب والشك، فلم يبق لهم محيص عنه ولا محيد؛ ~~والأمة تستعمل القرآن في معان متعددة، فيراد بها الأمد كقوله في هذه ~~الآية: { إلى أمة معدودة } ، وقوله في يوسف # وادكر بعد أمة # [يوسف: 45]، وتستعمل في الإمام المقتدى به، كقوله: # إن إبراهيم كان أمة # [النحل: 120]، وتستعمل في الملة والدين، كقول المشركين: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # [الزخرف: 22]، وتستعمل في الجماعة كقوله: # وجد عليه أمة من الناس يسقون # [القصص: 23]، وتستعمل في الفرقة والطائفة كقوله تعالى: # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159]. ### || [11.9-11] # يخبر تعالى عن الإنسان وما فيه من الصفات الذميمة، إلا من رحم الله، أنه ~~إذا أصابته شدة بعد نعمة حصل له يأس وقنوط بالنسبة إلى المستقبل، وكفر ~~وجحود لماضي الحال، ms1193 كأنه لم ير خيرا ولم يرج بعد ذلك فرجا، وهكذا إن ~~أصابته نعمة بعد نقمة { ليقولن ذهب السيئات عني } أي ~~يقول ما ينالني بعد هذا ضيم ولا سوء، { إنه لفرح فخور } أي ~~فرح بما في يده بطر فخور على غيره، قال الله تعالى: { إلا الذين ~~صبروا } أي على الشدائد والمكاره، { وعملوا الصالحات } أي ~~في الرخاء والعافية، { أولئك لهم مغفرة } أي بما يصيبهم ~~من الضراء { وأجر كبير } بما أسلفوه في زمن الرخاء كما جاء في ~~الحديث: # " والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن ~~حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عنه بها من خطاياه " # ، وفي " الصحيحين ": # " والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته ~~سراء فشكر كان خيرا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له، وليس ذلك ~~لأحد غير المؤمن ". ### || [11.12-14] # يقول تعالى مسليا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يتعنت به ~~المشركون فيما كانوا يقولونه عن الرسول كما أخبر تعالى عنهم في قوله: # وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا # [الفرقان: 8]، فأمر الله تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه وأرشده إلى ~~أن لا يضيق بذلك منهم صدره، ولا يصدنه ذلك ولا يثنيه عن دعائهم إلى الله ~~عز وجل آناء الليل وأطراف النهار، كما قال تعالى: # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون # [الحجر: 97] الآية، وقال: ههنا: { فلعلك تارك بعض ما ~~يوحى إليك وضآئق به صدرك أن يقولوا } أي لقولهم ~~ذلك، فإنما أنت نذير ولك أسوة بإخوانك من الرسل قبلك فإنهم كذبوا ~~وأوذوا فصبروا حتى أتاهم نصر الله عز وجل، ثم بين تعالى إعجاز القرآن، ~~وأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله ولا بعشر سور مثله، ولا بسورة من مثله، ~~لأن كلام الرب تعالى لا يشبه كلام المخلوقين كما أن صفاته لا تشبه صفات ~~المحدثات، وذاته لا يشبهها شيء، تعالى وتقدس وتنزه، ثم قال تعالى: { ~~فإلم يستجيبوا لكم } أي فإن لم يأتوا بما دعوتموهم إليه، ms1194 ~~فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن هذا الكلام منزل من عند الله متضمن علمه ~~وأمره ونهيه { وأن لا إله إلا هو فهل أنتم ~~مسلمون }. ### || [11.15-16] # قال ابن عباس: إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا ~~يظلمون نقيرا، يقول: من عمل صالحا التماس الدنيا صوما أو صلاة لا ~~يعمله إلا التماس الدنيا، أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة وحبط ~~عمله الذي كان يعمله وهو في الآخرة من الخاسرين، وقال أنس والحسن: نزلت ~~في اليهود والنصارى، وقال مجاهد: نزلت في أهل الرياء، وقال قتادة: من ~~كانت الدنيا همه ونيته وطلبته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي ~~إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء، وأما المؤمن فيجازي بحسناته في ~~الدنيا ويثاب عليها في الآخرة، كما قال تعالى: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا # [الإسراء: 18-19]، وقال تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20] ### || [11.17] # يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى، التي فطر ~~عليها عباده، كما قال تعالى: # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها # [الروم: 30] الآية. وفي " الصحيحين ": # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " # الحديث، وفي " صحيح مسلم ": # " يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن ~~دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به ~~سلطانا " # فالمؤمن باق على هذه الفطرة، وقوله: { ويتلوه شاهد منه } أي ~~وجاءه شاهد من الله، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة ~~المكملة المعظمة، المختتمة بشريعة محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ~~ولهذا قال ابن عباس ومجاهد: { ويتلوه شاهد منه } إنه جبريل ~~عليه السلام، وعن علي والحسن وقتادة: هو ms1195 محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وكلاهما قريب في المعنى، لأن كلا من جبريل ومحمد صلوات الله عليهما بلغ ~~رسالة الله تعالى، ولهذا قال تعالى: { أفمن كان على بينة ~~من ربه ويتلوه شاهد منه } وهو القرآن بلغه جبريل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبلغه النبي إلى أمته، ثم قال تعالى: { ومن ~~قبله كتاب موسى } أي ومن قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة { ~~إماما ورحمة } أي أنزله الله تعالى إلى تلك الأمة إماما لهم، ~~وقدوة يقتدون بها ورحمة من الله بهم، فمن آمن به حق الإيمان قاده ذلك إلى ~~الإيمان بالقرآن، ولهذا قال تعالى: { أولئك يؤمنون به } ثم ~~قال تعالى متوعدا لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه، { ومن يكفر به ~~من الأحزاب فالنار موعده } أي ومن كفر بالقرآن من سائر ~~أهل الأرض، مشركهم وكافرهم وأهل الكتاب وغيرهم من سائر طوائف بني آدم ممن ~~بلغه القرآن، كما قال تعالى: # لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19] { فالنار موعده } كما ورد في " الصحيح " # " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم لا ~~يؤمن بي إلا دخل النار " # ، وقال سعيد بن جبير: كنت لا أسمع بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~على وجهه إلا وجدت تصديقه في القرآن، فبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني فلا يؤمن بي إلا دخل ~~النار " # ، فجعلت أقول: أين مصداقه في كتاب الله؟ حتى وجدت هذه الآية: { ومن ~~يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } ، قال: من الملل ~~كلها، وقوله: { فلا تك في مرية منه إنه الحق من ~~ربك } الآية، أي القرآن حق من الله لا مرية ولا شك فيه، كما قال ~~تعالى: # تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين # [السجدة: 2]، وقال تعالى: # الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه # [البقرة: 1-2]، وقوله: { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ~~} ، كقوله تعالى: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103] وقوله: # وإن تطع أكثر من في الأرض ms1196 يضلوك عن سبيل الله # [الأنعام: 116]. ### || [11.18-22] # يبين تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس ~~الخلائق، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله عز وجل يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره من الناس، ~~ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ ~~حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك ~~في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار ~~والمنافقون فيقول: { الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ~~ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } " # الآية. وقوله: { الذين يصدون عن سبيل الله ~~ويبغونها عوجا } أي يردون الناس عن اتباع الحق، وسلوك طريق ~~الهدى والموصلة إلى الله عز وجل، { ويبغونها عوجا } أي ~~ويريدون أن يكون طريقهم { عوجا } غير معتدلة، { وهم بالآخرة ~~هم كافرون } أي جاحدون بها مكذبون بوقوعها، { أولئك لم ~~يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون ~~الله من أوليآء } أي بل كانوا تحت قهره وغلبته، وفي قبضته ~~وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم، ولكن # يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # [إبراهيم: 42]، وفي " الصحيحين ": # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # ، ولهذا قال تعالى: { يضاعف لهم العذاب } ، الآية أي يضاعف ~~عليهم العذاب وذلك أن الله تعالى جعل لهم سمعا وأبصارا وأفئدة، فما ~~أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم، بل كانوا صما عن سماع الحق، ~~عميا عن ابتاعه، كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير # [الملك: 10]. # وقوله تعالى: { أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون } أي خسروا أنفسهم لأنهم أدخلوا نار ~~حامية، فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها، كما قال تعالى: # كلما خبت زدناهم سعيرا # [الإسراء: 97]، { وضل عنهم } أي ذهب عنهم، { ما كانوا ~~يفترون } من دون الله من الأنداد والأصنام فلم تجد عنهم شيئا بل ~~ضرتهم كل الضرر، كما قال تعالى: # وإذا حشر الناس كانوا ms1197 لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6]، وقال تعالى: # سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82] وقال الخليل لقومه: # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ~~ناصرين # [العنكبوت: 25] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على خسرهم ودمارهم، ولهذا ~~قال: { لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون } ، يخبر ~~تعالى عن مآلهم بأنهم أخسر الناس في الآخرة، لأنهم اعتاضوا عن نعيم ~~الجنان بحميم آن، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن القصور العالية ~~بالهاوية، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون. ### || [11.23-24] # لما ذكر تعالى حال الأشقياء، ثنى بذكر السعداء، وهم الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات، وبهذا ورثوا الجنات، المشتملة، على الغرف العاليات، ~~والقطوف الدانيات، والحسان الخيرات، والفواكه المتنوعات، والنظر إلى خالق ~~الأرض والسماوات، وهم في ذلك خالدون ولا يموتون ولا يهرمون ولا يمرضون، ~~ولا يبصقون، ولا يتمخطون، إن هو إلا رشح مسك يعرقون؛ ثم ضرب تعالى مثل ~~الكافرين والمؤمنين فقال: { مثل الفريقين } أي الذين وصفهم أولا ~~بالشقاء، والمؤمنين بالسعادة، فأولئك كالأعمى والأصم، وهؤلاء كالبصير ~~والسميع، فالكافر أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه، أصم عن سماع الحجج ~~فلا يسمع ما ينتفع به، # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم # [الأنفال: 23]، وأما المؤمن ففطن ذكي، بصير الحق يميز بينه وبين الباطل، ~~فيتبع الخير ويترك الشر، سميع للحجة فلا يروج عليه باطل، فهل يستوي هذا ~~وهذا؟ { أفلا تذكرون } أفلا يعتبرون فتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء ~~كما قال تعالى: # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب ~~الجنة هم الفآئزون # [الحشر: 20]، كقوله: # وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا ~~النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي ~~الأحيآء ولا الأموات # [فاطر: 19-22]. ### || [11.25-27] # يخبر تعالى عن نوح عليه السلام، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ~~من المشركين عبدة الأصنام أنه قال لقومه: { إني لكم نذير ~~مبين } أي ظاهر النذارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله، ~~ولهذا قال: { أن لا تعبدوا إلا الله } ، وقوله: { إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم أليم ms1198 } أي إن استمررتم على ما أنتم ~~عليه عذبكم الله عذابا أليما، { فقال الملأ الذين كفروا ~~من قومه } ، والملأ هم (السادة والكبراء) من الكافرين منهم { ما ~~نراك إلا بشرا مثلنا } ، أي لست بملك ولكنك بشر، فكيف أوحي ~~إليك من دوننا؟ ثم ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا كالباعة والحاكة ~~وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤوساء منا، ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم ~~يكن عن فكر ولا نظر، بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك، ولهذا قالوا: { وما ~~نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي } أي في أول بادئ { وما نرى لكم علينا من فضل ~~} ، يقولون: ما رأينا لكم علينا فضيلة في خلق ولا خلق لما دخلتم في ~~دينكم هذا، { بل نظنكم كاذبين } أي فيما تدعونه لكم من البر ~~والصلاح والعبادة والسعادة. هذا اعتراض الكافرين على نوح عليه السلام ~~وأتباعه، وهو دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق ~~رذالة من اتبعه، سواء اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق الذي لا شك فيه ~~أن أتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل ولو ~~كانوا أغنياء. والغالب على الأشراف والكبراء مخالفة الحق، كما قال تعالى: # قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مقتدون # [الزخرف: 23]، ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان: أشراف الناس اتبعوه ~~أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هم أتباع الرسل، وقولهم: بادي ~~الرأي ليس بمذمة ولا عيب، لأن الحق إذا وضح لا يبقى للرأي ولا للفكر ~~مجال، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إنما جاءوا بأمر جلي واضح، ~~وفي الحديث: # " ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير (أبي بكر)، فإنه لم ~~يتلعثم " # أي ما تردد ولا تروى، لأنه رأى أمرا عظيما واضحا فبادر إليه وسارع، ~~وقوله: { وما نرى لكم علينا من فضل } ، هم لا يرون ذلك ~~لأنهم عمي عن الحق لا يسمعون ولا يبصرون، بل هم في ريبهم يترددون، وفي ~~الآخرة هم الأخسرون. ### || [11.28] # يقول تعالى مخبرا عما ms1199 رد به نوح على قومه في ذلك: { أرأيتم إن ~~كنت على بينة من ربي } أي على يقين وأمر جلي ونبوة ~~صادقة وهي الرحمة العظيمة من الله به وبهم، { فعميت عليكم } ~~أي خفيت عليكم فلم تهتدوا إليها ولا عرفتم قدرها بل بادرتم إلى تكذيبها ~~وردها { أنلزمكموها } أي نغصبكم بقبولها وأنتم لها كارهون. ### || [11.29-30] # يقول لقومه: ولا أسألكم على نصحي { مالا } أجرة آخذها منكم، إنما ~~أبتغي الأجر من الله عز وجل: { ومآ أنا بطارد الذين ~~آمنوا } طلبوا منه أن يطرد المؤمنين عنه احتشاما أن يجلسوا معهم، ~~كما سأل أمثالهم خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم أن يطرد عنهم جماعة من ~~الضعفاء ويجلس معهم مجلسا خاصا، فأنزل الله تعالى: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي # [الأنعام: 52]. ### || [11.31] # يخبرهم أنه رسول من الله يدعو إلى عبادة الله وحده، ولا يسألهم عن ذلك ~~أجرا، ثم هو يدعو الشريف والوضيع، فمن استجاب له فقد نجا، ويخبرهم أنه ~~لا قدرة له على التصرف في خزائن الله، ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه ~~الله عليه، وليس هو بملك من الملائكة، بل هو مبشر مرسل مؤيد بالمعجزات، ~~ولا أقول عن هؤلاء الذين تحتقرونهم وتزدرونهم، إنهم ليس لهم عند الله ~~ثواب على أعمالهم { الله أعلم بما في أنفسهم } ، فإن ~~كانوا مؤمنين، فلهم جزاء الحسنى. ### || [11.32-34] # يقول تعالى مخبرا عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه - والبلاء موكل ~~بالمنطق - { قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ~~} أي حاججتنا فأكثرت من ذلك ونحن لا نتبعك، { فأتنا بما تعدنآ ~~} أي من النقمة والعذاب ادع علينا بما شئت فليأتنا ما تدعو به، { إن ~~كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله إن ~~شآء ومآ أنتم بمعجزين } أي إنما الذي يعاقبكم ويعجلها لكم ~~الله الذي لا يعجزه شيء، { ولا ينفعكم نصحي إن أردت ~~أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } أي ~~أي شيء يجدي عليكم إبلاغي لكم وإنذاري إياكم ونصحي { إن كان الله ~~يريد أن يغويكم } أي إغواءكم ودماركم، { هو ربكم ~~وإليه ms1200 ترجعون } أي هو مالك أزمة الأمور، المتصرف الحاكم العادل ~~الذي لا يجور، له الخلق وله الأمر وهو المبدئ المعيد. ### || [11.35] # هذا كلام معترض في وسط هذه القصة، مؤكد لها مقرر لها، يقول تعالى لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم أم يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون ~~افترى هذا وافتعله من عنده، { قل إن افتريته فعلي ~~إجرامي } أي قائم ذلك علي { وأنا بريء مما تجرمون ~~} أي ليس ذلك مفتعلا ولا مفترى، لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن ~~كذب عليه. ### || [11.36-39] # يخبر تعالى أنه أوحى إلى نوح، لما استعجل قومه نقمة الله بهم وعذابه ~~لهم، فدعا عليهم نوح دعوته: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26]، # فدعا ربه أني مغلوب فانتصر # [القمر: 10] فعند ذلك أوحى الله إليه: { أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن } فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم، { ~~واصنع الفلك } يعني السفينة، { بأعيننا } أي بمرأى منا، { ~~ووحينا } أي تعليمنا لك ما تصنعه، { ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون } ، قال قتادة: كان طولها ~~ثلثمائة ذراع في عرض خمسين، وعن الحسن: طولها ستمائة ذراع وعرضها ~~ثلثمائة، وقيل غير ذلك، قالوا: وكان ارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعا، ~~ثلاث طبقات كل طبقة عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش، والوسطى للإنس، ~~والعليا للطيور، وكان بابها في عرضها ولها غطاء من فوقها مطبق عليها. # وقوله تعالى: { ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ ~~من قومه سخروا منه } أي يهزأون به ويكذبون بما يتوعدهم به ~~من الغرق، { قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم } ~~الآية، وعيد شديد وتهديد أكيد، { من يأتيه عذاب يخزيه } أي ~~يهينه في الدنيا، { ويحل عليه عذاب مقيم } أي دائم مستمر ~~أبدا. ### || [11.40] # هذه موعدة من الله تعالى لنوح عليه السلام، إذا جاء أمر الله من المطر ~~الهتان، الذي لا يقلع ولا يفتر، كما قال تعالى: # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر * وفجرنا ~~الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر # [القمر: 11-12]، وأما قوله: { وفار التنور } ، فعن ابن ms1201 عباس: ~~التنور وجه الأرض، أي صارت الأرض عيونا تفور، حتى فار الماء من التنانير ~~التي هي مكان النار صارت تفور ماء، وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف، ~~فحينئذ أمر الله نوحا عليه السلام أن يحمل معه في السفينة { من كل ~~زوجين اثنين } من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، وغيرها من ~~النباتات اثنين ذكرا وأنثى، وقوله: { وأهلك إلا من سبق ~~عليه القول } أي واحمل فيها أهلك وهم أهل بيته وقرابته، { إلا ~~من سبق عليه القول } منهم ممن لم يؤمن بالله، فكان منهم ابنه ~~(يام) الذي انعزل وحده، وامرأة نوح وكانت كافرة بالله ورسوله، وقوله: { ~~ومن آمن } أي من قومك، { ومآ آمن معه إلا قليل } أي ~~نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فعن ~~ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم، وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين ~~وسبعين نفسا، وقيل: كانوا عشرة، والله أعلم. ### || [11.41-43] # يقول تعالى إخبارا عن نوح عليه السلام للذين أمر بحملهم معه في السفينة ~~أنه قال: { اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها } ~~أي بسم الله يكون جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو ~~رسوها. قال تعالى: # فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل ~~الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين # [المؤمنون: 28]، ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور، عند الركوب على ~~السفينة وعلى الدابة، كما روى الطبراني، عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الملك { ~~وما قدروا الله حق قدره } - الآية - { بسم الله ~~مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } " # ، وقوله: { إن ربي لغفور رحيم } مناسب عند ذكر الانتقام ~~من الكافرين بإغراقهم أجمعين فذكر أنه غفور رحيم كقوله: # إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم # [الأعراف: 167]، وقوله: { وهي تجري بهم في موج ~~كالجبال } أي السفينة سائرة بهم على وجه الماء، الذي قد طبق جميع ~~الأرض، حتى طغت على رؤوس الجبال، وارتفع عليها بخمسة عشرة ذراعا، وقيل: ~~بثمانين ms1202 ميلا، وهذه السفينة جارية على وجه الماء بإذن الله وكنفه ~~وعنايته، كما قال تعالى: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية * ~~لنجعلها لكم تذكرة وتعيهآ أذن واعية # [الحاقة: 11-12]، وقال تعالى: # تجري بأعيننا جزآء لمن كان كفر # [القمر: 14]، وقوله: { ونادى نوح ابنه } الآية، هذا هو الابن ~~الرابع واسمه يام وكان كافرا، دعاه أبوه أن يؤمن ويركب معهم، ولا يغرق ~~مثل ما يغرق الكافرون، { قال سآوي إلى جبل يعصمني من ~~المآء } اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رؤوس الجبال، وأنه لو ~~تعلق في رأس بجل لنجاه ذلك من الغرق، فقال له أبوه نوح عليه السلام { ~~لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } أي ليس ~~شيء يعصم اليوم من أمر الله، وقيل إن { عاصم } بمعنى (معصوم) كما ~~يقال: طاعم وكاس، بمعنى مطعوم ومكسو { وحال بينهما الموج ~~فكان من المغرقين }. ### || [11.44] # يخبر تعالى أنه لما أغرق أهل الأرض كلهم إلا أصحاب السفينة، أمر الأرض ~~أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر ~~{ وغيض المآء } ، أي شرع في النقص، { وقضي الأمر } أي فرغ ~~من أهل الأرض قاطبة ممن كفر بالله لم يبق منهم ديار، { واستوت } ~~السفينة بمن فيها { على الجودي } قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة ~~أرست عليه سفينة نوح عليه السلام، وقال قتادة: استوت عليه شهرا حتى ~~نزلوا منها وأبقى الله السفينة على الجودي عبرة وآية، حتى رآها أوائل هذه ~~الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت وصارت رمادا، وقال الضحاك: ~~الجودي جبل بالموصل، وقال بعضهم: هو الطور، وقال كعب الأحبار: إن السفينة ~~طافت ما بين المشرق والمغرب قبل أن تستقر على الجودي، وقال قتادة وغيره: ~~ركبوا في عاشر شهر رجب فساروا مائة وخمسين يوما، واستقرت بهم على الجودي ~~شهرا، وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم، وقد ورد نحو ~~هذا في حديث مرفوع رواه ابن جرير، وأنهم صاموا يومهم ذلك، والله أعلم، ~~وقوله: { وقيل بعدا للقوم الظالمين } أي هلاكا وخسارا ~~لهم ms1203 وبعدا من رحمة الله، فإنهم قد هلكوا عن آخرهم فلم يبق لهم بقية، وقد ~~روى ابن جرير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم أم الصبي ". ### || [11.45-47] # هذا سؤال استعلام من نوح عليه السلام عن حال ولده الذي غرق: { فقال ~~رب إن ابني من أهلي } أي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق ~~الذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين، { قال ينوح إنه ~~ليس من أهلك } أي الذين وعدت إنجاءهم لأني إنما وعدتك بنجاة من ~~آمن من أهلك، ولهذا قال: # وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم # [المؤمنون: 27] فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق، لكفره ~~ومخالفته أباه نبي الله نوحا عليه السلام، قال ابن عباس: هو ابنه غير ~~أنه خالفه في العمل والنية، وقال عكرمة: إنه عمل عملا غير صالح، ويروى ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بذلك. ### || [11.48] # قال محمد بن إسحاق: لما أراد الله أن يكف الطوفان أرسل ريحا على وجه ~~الأرض فسكن الماء، وانسدت ينابيع الأرض وأبواب السماء، يقول الله تعالى: # وقيل يأرض ابلعي مآءك # [هود: 44] الآية، فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر، وكان استواء الفلك على ~~الجودي فيما يزعم أهل التوراة في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه، ~~وفي أول يوم من الشهر العاشر رأى رؤوس الجبال، وظهر البر، وكشف نوح غطاء ~~الفلك { قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات عليك ~~وعلى أمم ممن معك } الآية. ### || [11.49] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم هذه القصة وأشباهها { من ~~أنبآء الغيب } يعني من أخبار الغيوب السالفة نوحيها إليك على ~~وجهها كأنك شاهدها { نوحيهآ إليك } أي نعلمك بها وحيا منا إليك، ~~{ ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذ } أي لم ~~يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها حتى يقول من يكذبك إنك تعلمتها ~~منه، بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح، كما ms1204 تشهد به ~~كتب الأنبياء قبلك، فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك وأذاهم لك فإنا ~~سننصرك ونحوطك بعنايتنا، ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، ~~كما فعلنا بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا # [غافر: 51] الآية، { فاصبر إن العاقبة للمتقين }. ### || [11.50-52] # يقول تعالى: { و } لقد أرسلنا { إلى عاد أخاهم هودا } آمرا ~~لهم بعبادة الله وحده لا شريك له ناهيا لهم عن الأوثان التي افتروها ~~واختلقوا لها أسماء الآلهة، وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح ~~والبلاغ من الله إنما يبغي ثوابه من الله الذي فطره، { أفلا ~~تعقلون } من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة، ~~ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة وبالتوبة عما ~~يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة يسر الله عليه رزقه وسهل عليه أمره وحفظ ~~شأنه، ولهذا قال: { يرسل السمآء عليكم مدرارا } ، وفي ~~الحديث: # " من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه ~~من حيث لا يحتسب ". ### || [11.53-56] # يخبر تعالى أنهم قالوا لنبيهم: { ما جئتنا ببينة } أي بحجة ~~وبرهان على ما تدعيه، { وما نحن بتاركي آلهتنا عن ~~قولك } أي بمجرد قولك اتركوهم نتركهم { وما نحن لك ~~بمؤمنين } بمصدقين، { إن نقول إلا اعتراك بعض ~~آلهتنا بسوء } يقولون ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل ~~في عقلك، بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها، { قال إني أشهد ~~الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من ~~دونه } ، يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام، { فكيدوني ~~جميعا } أي أنتم وآلهتكم إن كانت حقا { ثم لا تنظرون } أي ~~طرفة عين. وقوله: { إني توكلت على الله ربي وربكم ~~ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ } أي تحت قهره ~~وسلطانه، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه، فإنه على صراط مستقيم، ~~وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة، ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به، ~~وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام، التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جماد ms1205 ~~لا تسمع ولا تبصر، ولا توالي ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادة الله ~~وحده، الذي ما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه، فلا إله إلا هو ولا ~~رب سواه. ### || [11.57-60] # يقول لهم هود: فإن تولوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك ~~له، فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها، { ~~ويستخلف ربي قوما غيركم } يعبدونه وحده لا يشركون به ~~ولا يبالي بكم فإنكم لا تضرونه بكفركم بل يعود وبال ذلك عليكم، { إن ~~ربي على كل شيء حفيظ } أي شاهد وحافظ لأقوال عباده ~~وأفعالهم، { ولما جآء أمرنا } وهو الريح العقيم أهلكهم الله عن ~~آخرهم ونجى هودا وأتباعه من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه، { وتلك ~~عاد جحدوا بآيات ربهم } ، كفروا بها وعصوا رسل الله وذلك ~~أن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء، فنزل كفرهم منزلة من كفر بجميع ~~الرسل { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } تركوا اتباع ~~رسولهم الرشيد، واتبعوا أمر كل جبار عنيد، فلهذا اتبعوا في هذه الدنيا ~~لعنة كلما ذكروا، وينادى عليهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد { ألا ~~إن عادا كفروا ربهم } الآية، قال السدي: ما بعث نبي بعد ~~عاد إلا لعنوا على لسانه. ### || [11.61] # يقول تعالى: { و } لقد أرسلنا { إلى ثمود } وهم الذين كانوا ~~يسكنون مدائن الحجر بين تبوك والمدينة وكانوا بعد عاد فبعث الله منهم { ~~أخاهم صالحا } فأمرهم بعبادة الله وحده، ولهذا قال: { هو ~~أنشأكم من الأرض } أي ابتدأ خلقكم منها خلق أباكم آدم، { ~~واستعمركم فيها } أي جعلكم عمارا تعمرونها وتستغلونها، { ~~فاستغفروه } لسالف ذنوبكم { ثم توبوا إليه } فيما ~~تستقبلونه، { إن ربي قريب مجيب } ، كما قال تعالى: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان # [البقرة: 186] الآية. ### || [11.62-63] # يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح عليه السلام وبين قومه وما كان ~~عليه قومه من الجهل والعناد من قولهم: { قد كنت فينا مرجوا ~~قبل هذا } أي كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت: { ~~أتنهانآ أن نعبد ms1206 ما يعبد آباؤنا } ، وما كان عليه ~~أسلافنا، { وإننا لفي شك مما تدعونآ إليه مريب ~~} أي شك كثير، { قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة ~~من ربي } فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان، { وآتاني ~~منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته } ، ~~وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، فلو تركته لما نفعتموني ولما ~~زدتموني { غير تخسير } أي خسارة. ### || [11.64-68] # تقدم الكلام على هذه القصة مستوفى في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته ~~ها هنا وبالله التوفيق. ### || [11.69-73] # يقول تعالى: { ولقد جآءت رسلنآ } وهم الملائكة إبراهيم ~~بالبشرى، قيل تبشره بإسحاق، وقيل بهلاك قوم لوط، ويشهد للأول قوله تعالى: # فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجآءته البشرى ~~يجادلنا في قوم لوط # [هود: 74]، { قالوا سلاما قال سلام } أي عليكم، قال: علماء ~~البيان: هذا أحسن مما حيوه به لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام { فما ~~لبث أن جآء بعجل حنيذ } أي ذهب سريعا، فأتاهم بالضيافة وهو ~~عجل فتى البقر، { حنيذ } مشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة، هذا ~~معنى ما روي عن ابن عباس وقتادة وغير واحد، كما قال في الآية الأخرى: # فراغ إلى أهله فجآء بعجل سمين * فقربه ~~إليهم قال ألا تأكلون # [الذاريات: 26-27] وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة، ~~وقوله: { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم } ~~ينكرهم، { وأوجس منهم خيفة } وذلك أن الملائكة لا همة لهم ~~إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه، فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاء به ~~فارغين عنه بالكلية، فعند ذلك نكرهم { وأوجس منهم خيفة } قال ~~السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صور رجال شبان حتى ~~نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم أجلهم # فراغ إلى أهله فجآء بعجل سمين # [الذاريات: 26] فذبحه ثم شواه في الرضف وأتاهم به فقعد معهم، وقامت سارة ~~تخدمهم، فذلك حين يقول: { وامرأته قآئمة } وهو جالس، فلما قربه ~~إليهم # قال ألا تأكلون # [الذاريات: 27]؟ قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن، قال: ~~فإن لهذا ثمنا، قالوا: وما ثمنه؟ ms1207 قال: تذكرون اسم الله على أوله ~~وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه ~~خليلا { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم } ~~، يقول فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة، وقالت سارة: عجبا ~~لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم وهم لا يأكلون طعامنا؟! { قالوا ~~لا تخف } أي قالوا: لا تخف منا إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط ~~لنهلكهم، فضحكت سارة استبشارا بهلاكهم لكثرة فسادهم، وغلظ كفرهم ~~وعنادهم، قال ابن عباس: { فضحكت } أي حاضت، وقول وهب بن منبه: إنما ~~ضحكت لما بشرت بإسحاق، فمخالف لهذا السياق، فإن البشارة صريحة مرتبة على ~~ضحكها { فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق ~~يعقوب } أي بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل، فإن يعقوب ولد إسحاق، ~~ومن هنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو (إسماعيل) وأنه ~~يمتنع أن يكون هو إسحاق لأنه وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، فكيف ~~يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ~~ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن ~~يكون هو إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه ولله الحمد، { ~~قالت يويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي ~~شيخا } الآية حكى قولها في هذه الآية كما حكى فعلها في الآية الأخرى ~~فإنها { قالت يويلتى أألد وأنا عجوز } ، وفي ~~الذاريات # فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت ~~عجوز عقيم # [الآية: 29]، كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب، { ~~قالوا أتعجبين من أمر الله } أي قالت الملائكة لها: لا ~~تعجبي من أمر الله فإنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، فلا ~~تعجبي من هذا وإن كنت عجوزا عقيما وبعلك شيخا كبيرا فإن الله على ما ~~يشاء قدير، { رحمة الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت إنه حميد مجيد } أي هو الحميد في جميع أفعاله ~~وأقواله، محمود ممجد في صفاته وذاته. ### || [11.74-76] # يخبر تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه ms1208 لما ذهب عنه الروع، وهو ما أوجس ~~من الملائكة خيفة حين لم يأكلوا وبشروه بعد ذلك بالولد وأخبروه بهلاك قوم ~~لوط، أخذ يقول: أتهلكون قرية فيها ثلثمائة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: فتهلكون ~~قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا، حتى بلغ خمسة، قالوا: لا، قال: أرأيتكم ~~أن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا، فقال إبراهيم عليه ~~السلام عند ذلك: # إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله إلا امرأته # [العنكبوت: 32] الآية، فسكت عنهم واطمأنت نفسه، وقوله: { إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب } مدح لإبراهيم بهذه الصفات ~~الجميلة، وقد تقدم تفسيرها. وقوله تعالى: { يإبرهيم أعرض ~~عن هذآ إنه قد جآء أمر ربك } الآية، أنه قد نفذ ~~فيهم القضاء وحقت عليهم الكلمة بالهلاك وحلول البأس الذي لا يرد عن القوم ~~المجرمين. ### || [11.77-79] # يخبر تعالى عن قدوم الملائكة بعدما أعلموا إبراهيم بهلاكهم وفارقوه، ~~فانطلقوا من عنده فأتوا لوطا عليه السلام، وهم في أجمل صورة تكون على ~~هيئة شبان حسان الوجوه، ابتلاء من الله - وله الحكمة والحجة البالغة - ~~فساءه شأنهم وضاقت نفسه بسببهم، وخشي أن يضيفهم أحد من قومه فينالهم ~~بسوء، { وقال هذا يوم عصيب } ، قال ابن عباس: شديد بلاؤه، ~~وذلك أنه علم أنه سيدافع عنهم ويشق عليه ذلك. وذكر قتادة أنهم أتوه وهو ~~في أرض له فتضيفوه فاستحيا منهم، فانطلق أمامهم وقال لهم في أثناء الطريق ~~كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه: ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من ~~هؤلاء، ثم مشى قليلا، ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات، قال قتادة ~~وقد كانوا أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك، قال السدي: ~~خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فبلغوا نهر سدوم نصف النهار، ~~ولقوا بنت لوط تستقي، فقالوا: يا جارية هل من منزل؟ فقالت: مكانكم حتى ~~آتيكم وفرقت عليهم من قومها فأتت أباها فقالت: يا أبتاه أدرك فتيانا ~~على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم أحسن منهم لا يأخذهم قومك وكان قومه ~~نهوه أن ms1209 يضيف رجلا، فقالوا: خل عنا فلنضيف الرجال، فجاء بهم فلم يعلم ~~بهم أحد إلا أهل بيته، فخرجت امرأته فأخبرت قومها فجاءوا يهرعون إليه، ~~وقوله: { يهرعون إليه } أي يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك، ~~وقوله: { ومن قبل كانوا يعملون السيئات } أي لم يزل ~~هذا من سجيتهم حتى أخذوا وهم على ذلك الحال، وقوله: { قال يقوم ~~هؤلاء بناتي هن أطهر لكم } يرشدهم إلى نسائهم، فإن ~~النبي للأمة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا ~~والآخرة، كما قال في الآية الأخرى: # وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل ~~أنتم قوم عادون # [الشعراء: 166]، # قال هؤلآء بناتي إن كنتم فاعلين # [الحجر: 71]، وقال في هذه الآية الكريمة: { هؤلاء بناتي هن ~~أطهر لكم } قال مجاهد: لم يكن بناته ولكن كن من أمته وكل نبي أبو ~~أمته، وكذا روي عن قتادة وغير واحد. وقوله: { فاتقوا الله ولا ~~تخزون في ضيفي } أي اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم، ~~{ أليس منكم رجل رشيد } أي فيه خير، يقبل ما أمره به ~~ويترك ما أنهاه عنه، { قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك ~~من حق } أي إنك لتعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا نشتهيهن، { ~~وإنك لتعلم ما نريد } أي ليس لنا غرض إلا في الذكور وأنت ~~تعلم ذلك، فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك؟ قال السدي: { وإنك ~~لتعلم ما نريد } إنما نريد الرجال. ### || [11.80-81] # يقول تعالى مخبرا عن نبيه لوط عليه السلام إن لوطا توعدهم بقوله: { ~~لو أن لي بكم قوة } الآية، أي لكنت نكلت بكم وفعلت بكم ~~الأفاعيل بنفسي وعشيرتي، ولهذا ورد في الحديث: # " رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله عز وجل - ~~فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه " # ، فعند ذلك أخبرته الملائكة أنهم رسل الله إليه، وأنهم لا وصول لهم ~~إليه، { قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ~~} وأمروه أن يسري بأهله من آخر الليل وأن يتبع أدبارهم، أي يكون ms1210 ساقة ~~لأهله، { ولا يلتفت منكم أحد } أي إذا سمعت ما نزل بهم ولا ~~تهولنكم تلك الأصوات المزعجة، وقوله: { ولا يلتفت منكم أحد ~~إلا امرأتك } ذكروا أنها خرجت معهم وأنها لما سمعت الوجبة التفتت ~~وقالت: واقوماه، فجاءها حجر من السماء فقتلها، ثم قربوا له هلاك قومه ~~تبشيرا له لأنه قال لهم: أهلكوهم الساعة، فقالوا: { إن موعدهم ~~الصبح أليس الصبح بقريب }؟ هذا وقوم لوط وقوف على الباب ~~وعكوف، قد جاءوا يهرعون إليه من كل جانب، ولوط واقف على الباب يدافعهم ~~ويردعهم وينهاهم عما هم فيه، وهم لا يقبلون منه، بل يتوعدونه ويتهددونه، ~~فعند ذلك خرج عليهم جبريل عليه السلام، فضرب وجوههم بجناحه فطمس أعينهم، ~~فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق؛ كما قال تعالى: # ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم فذوقوا ~~عذابي ونذر # [القمر: 37] الآية. ### || [11.82-83] # يقول تعالى: { فلما جآء أمرنا } وكان ذلك عند طلوع الشمس { ~~جعلنا عاليها } وهي سدوم { سافلها } ، كقوله: # فغشاها ما غشى # [النجم: 54]، { وأمطرنا عليها حجارة من سجيل } أي ~~حجارة من طين، قاله ابن عباس وغيره. وقد قاله في الآية الأخرى: # حجارة من طين # [الذاريات: 33] أي مستحجرة قوية شديدة، وقال بعضهم: مشوية، وقال ~~البخاري: { سجيل }: الشديد الكبير، سجيل وسجين اللام والنون أختان، ~~وقوله: { منضود } قال بعضهم: منضودة في السماء أي معدة لذلك. وقال ~~آخرون: { منضود } أي يتبع بعضهم بعضا في نزولها عليهم، وقوله: { ~~مسومة } أي معلمة كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه، فبينا ~~أحدهم يكون عند الناس يتحدث، إذ جاءه حجر من السماء فسقط عليه من بين ~~الناس فدمره، فتتبعهم الحجارة من سائر البلاد حتى أهلكتهم عن آخرهم، فلم ~~يبق منهم أحد، وقال مجاهد: أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم، حملهم ~~بمواشيهم وأمتعتهم ورفعهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم كفأها؛ ~~وكان حملهم على خوافي جناحه الأيمن؛ ولما قلبها كان أول ما سقط منها ~~شرفاتها. وقال قتادة وغيره. بلغنا أن جبريل عليه السلام لما أصبح نشر ~~جناحه فانتسف بها أرضهم بما فيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها ms1211 ~~وجميع ما فيها، فضمها، في جناحه فحواها وطواها في جوف جناحه، ثم صعد بها ~~إلى السماء الدنيا حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب، وكانوا ~~أربعة آلاف ألف، ثم قلبها، فأرسلها إلى الأرض منكوسة، ودمدم بعضها على ~~بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها حجارة من سجيل، قال تعالى: { ~~جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من ~~سجيل } فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات. وقال السدي: لما أصبح ~~قوم لوط نزل جبريل فاقتلع الأرض من سبع أرضين فحملها حتى بلغ بها السماء، ~~حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها فقتلهم ~~فذلك قوله: # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53]، ومن لم يمت حتى سقط للأرض أمر الله عليه وهو تحت الأرض ~~الحجارة، ومن كان منهم شاذا في الأرض يتبعهم في القرى، فكان الرجل يتحدث ~~فيأتيه الحجر فيقتله؛ فذلك قوله عز وجل: # وأمطرنا عليهم # [الأعراف: 84] أي في القرى حجارة من سجيل، وقوله: { وما هي من ~~الظالمين ببعيد } أي وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم ~~ببعيد عنه. ### || [11.84] # يقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى مدين وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين ~~الحجاز والشام قريبا من معان، بلادا تعرف بهم يقال لها (مدين)، فأرسل ~~الله إليهم شعيبا وكان من أشرفهم نسبا، ولهذا قال: { أخاهم ~~شعيبا } يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له وينهاهم عن ~~التطفيف في المكيال والميزان، { إني أراكم بخير } أي في ~~معيشتكم ورزقكم، وإني أخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله، ~~{ وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } أي في الدار ~~الآخرة. ### || [11.85-86] # نهاهم أولا عن نقص المكيال والميزان إذا أعطوا الناس، ثم أمرهم بوفاء ~~الكيل والوزن، ونهاهم عن العثو في الأرض بالفساد وقد كانوا يقطعون ~~الطريق، وقوله: { بقية الله خير لكم } ، قال ابن عباس: ~~رزق الله خير لكم، وقال الحسن: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس، وقال ~~الربيع: وصية الله خير لكم، وقال مجاهد: طاعة الله، وقال قتادة: حظكم من ~~الله خير لكم، وقال ابن جرير: أي ms1212 ما يفضل لكم من الربج بعد وفاء الكيل ~~والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس، قلت ويشبه قوله قوله تعالى: # قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة ~~الخبيث # [المائدة: 100] الآية، وقوله: { ومآ أنا عليكم بحفيظ } أي ~~برقيب ولا حفيظ، أي افعلوا ذلك لله عز وجل، لا تفعلوا ليراكم الناس بل ~~لله عز وجل. ### || [11.87] # يقولون له على سبيل التهكم - قبحهم الله - { أصلوتك } أي قراءتك، ~~{ تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ } أي الأوثان ~~والأصنام، { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } فنترك ~~التطفيف عن قولك، وهي أموالنا نفعل فيها ما نريد، قال الحسن في الآية: ~~أي والله إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم، وقال الثوري في ~~قوله: { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء }؟ يعنون ~~الزكاة، { إنك لأنت الحليم الرشيد }؟! يقول ذلك أعداء الله ~~على سبيل الاستهزاء قبحهم الله ولعنهم وقد فعل. ### || [11.88] # يقول لهم أرأيتم يا قوم { إن كنت على بينة من ربي } أي ~~على بصيرة فيما أدعو إليه، { ورزقني منه رزقا حسنا } قيل: ~~أراد النبوة، وقيل: أراد الرزق الحلال ويحتمل الأمرين، قال الثوري: { ~~ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه } أي لا ~~أنهاكم عن الشيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم، وقال قتادة: لم ~~أكن أنهاكم عن أمر وأرتكبه، { إن أريد إلا الإصلاح ما ~~استطعت } أي فيما آمركم وأنهاكم إنما أريد إصلاحكم جهدي وطاقتي، { ~~وما توفيقي } في إصابة الحق فيما أريده { إلا بالله ~~عليه توكلت } في جميع أموري { وإليه أنيب } أي أرجع، ~~قاله مجاهد. روى الإمام أحمد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن الأنصاري قال: ~~سمعت أبا حميد، أو أبا أسيد يقول عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا سمعتم الحديث عني تعرفة قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون ~~أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر ~~منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه " # ، ومعناه والله أعلم: مهما بلغكم عني من خير فأنا أولاكم ms1213 به، ومهما يكن ~~من مكروه فأنا أبعدكم منه { ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ ~~أنهاكم عنه } ، قال أبو سليمان الضبي: كانت تجيئنا كتب (عمر بن ~~عبد العزيز) فيها الأمر والنهي، فيكتب في آخرها: وما كانت من ذلك إلا كما ~~قال العبد الصالح { وما توفيقي إلا بالله عليه ~~توكلت وإليه أنيب }. ### || [11.89-90] # يقول لهم: { ويقوم لا يجرمنكم شقاقي } أي لا تحملنكم ~~عداوتي وبغضي على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد، فيصيبكم ~~مثل ما أصاب قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط من النقمة والعذاب، ~~وقال قتادة: { ويقوم لا يجرمنكم شقاقي } يقول: لا ~~يحملنكم فراقي، وقال السدي: عداوتي، على أن تمادوا في الضلال والكفر ~~فيصيبكم من العذاب ما أصابهم، ولما أحاط الناس بعثمان بن عفان أشرف عليهم ~~من داره فقال: { ويقوم لا يجرمنكم شقاقي أن ~~يصيبكم مثل مآ أصاب قوم نوح أو قوم هود أو ~~قوم صالح } ، يا قوم لا تقتلوني، إنكم إن قتلتموني كنتم هكذا، وشبك ~~بين أصابعه، وقوله: { وما قوم لوط منكم ببعيد } قيل: ~~المراد في الزمان، قال قتادة: يعني إنما هلكوا بين أيديكم بالأمس، وقيل: ~~في المكان، ويحتمل الأمران، { واستغفروا ربكم } من سالف ~~الذنوب، { ثم توبوا إليه } فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة ~~{ إن ربي رحيم ودود } لمن تاب. ### || [11.91-92] # يقولون: { يشعيب ما نفقه } ما نفهم { كثيرا } من قولك، { ~~وإنا لنراك فينا ضعيفا } ، قال السدي: أنت واحد، وقال أبو ~~روق: يعنون ذليلا، لأن عشيرتك ليسوا على دينك، { ولولا رهطك ~~لرجمناك } أي قومك { لرجمناك } قيل: بالحجارة، وقيل: ~~لسببناك، { ومآ أنت علينا بعزيز } أي ليس عندنا لك معزة، { ~~قال يقوم أرهطي أعز عليكم من الله } ، يقول: ~~أتتركوني لأجل قومي، ولا تتركوني إعظاما لجناب الرب تبارك وتعالى أن ~~تنالوا نبيه بمساءة وقد اتخذتم جانب الله { ورآءكم ظهريا } أي ~~نبذتموه خلفكم لا تطيعونه ولا تعظمونه، { إن ربي بما تعملون ~~محيط } أي هو يعلم جميع أعمالكم وسيجزيكم عليها. ### || [11.93-95] # لما يئس نبي الله شعيب من استجابتهم له قال: يا قوم { اعملوا على ms1214 ~~مكانتكم } أي طريقتكم، وهذا تهديد شديد { إني عامل } على ~~طريقتي، { سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن ~~هو كاذب } أي مني ومنكم، { وارتقبوا } ، أي انتظروا، { ~~إني معكم رقيب } قال الله تعالى: { ولما جآء أمرنا ~~نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ~~وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين } ، وقوله: { جاثمين } أي هامدين لا حراك بهم ~~وذكر ههنا أنه أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء # عذاب يوم الظلة # [الشعراء: 189]، وهم أمة واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها، ~~وإنما ذكر في كل سياق ما يناسبه، وقوله: { كأن لم يغنوا فيهآ ~~} أي يعيشوا في دارهم قبل ذلك { ألا بعدا لمدين كما ~~بعدت ثمود } وكانوا جيرانهم قريبا منهم في الدار وشبيها بهم في ~~الكفر وكانوا عربا مثلهم. ### || [11.96-99] # يقول تعالى مخبرا عن إرسال موسى بآياته ودلالاته الباهرة إلى فرعون ملك ~~القبط وملئه { فاتبعوا أمر فرعون } أي منهجه ومسلكه ~~وطريقته في الغي، { ومآ أمر فرعون برشيد } أي ليس فيه رشد ~~ولا هدى، وإنما هو جهل وضلال وكفر وعناد؛ وكما أنهم اتبعوه في الدنيا ~~وكان مقدمهم ورئيسهم، كذلك هو يقدمهم يوم القيامة إلى نار جهنم، { ~~يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس ~~الورد المورود } ، وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفرين في العذاب ~~يوم القيامة، كما قال تعالى؛ # لكل ضعف ولكن لا تعلمون # [الأعراف: 38]، وقال تعالى: # ربنآ آتهم ضعفين من العذاب # [الأحزاب: 68] الآية، وقوله: { وأتبعوا في هذه لعنة ~~ويوم القيامة } الآية، أي أتبعناهم زيادة على عذاب النار لعنة ~~في الدنيا، { ويوم القيامة بئس الرفد المرفود }. ~~قال مجاهد: زيدوا لعنة يوم القيامة فتلك لعنتان، وقال ابن عباس: لعنة ~~الدنيا والآخرة، وهو كقوله: # وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ~~هم من المقبوحين # [القصص: 42]. ### || [11.100-101] # لما ذكر تعالى خبر الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم وكيف أهلك الكافرين ~~ونجى المؤمنين، قال: { ذلك من أنبآء القرى } أي أخبارهم، { ~~نقصه عليك منها قآئم } أي عامر، { وحصيد } أي هالك، { ~~وما ظلمناهم } أي إذا أهلكناهم { ولكن ظلموا ~~أنفسهم } بتكذيبهم رسلنا ms1215 وكفرهم بهم، { فما أغنت عنهم ~~آلهتهم } أوثانهم التي يعبدونها ويدعونها { من دون الله من ~~شيء } ما نفعوهم ولا أنقذوهم بإهلاكهم، { وما زادوهم غير ~~تتبيب }. قال مجاهد وقتادة: أي غير تخسير، وذلك أن سبب هلاكهم ~~ودمارهم إنما كان باتباعهم تلك الآلهة، فلهذا خسروا في الدنيا والآخرة. ### || [11.102] # يقول تعالى: وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا كذلك نفعل ~~بأشباههم، { إن أخذه أليم شديد }. وفي " الصحيحين " عن أبي ~~موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ ~~القرى وهي ظالمة } الآية. ### || [11.103-105] # يقول تعالى: إن في إهلاكنا الكافرين وإنجائنا المؤمنين { لآية } أي ~~عظة واعتبارا على صدق موعودنا في الآخرة، كما قال تعالى: # فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين # [إبراهيم: 13] الآية. وقوله: { ذلك يوم مجموع له الناس ~~} أي أولهم وآخرهم، كقوله: # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف: 47]، { وذلك يوم مشهود } أي عظيم تحضره الملائكة، ~~ويجتمع فيه الرسل وتحشر الخلائق بأسرهم، من الإنس والجن والطير والوحوش ~~والدواب، ويحكم فيه العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وقوله: { وما ~~نؤخره إلا لأجل معدود } أي ما نؤخر إقامة القيامة إلا ~~لأنه قد سبقت كلمة الله في وجود أناس معدودين من ذرية آدم، ضرب مدة معينة ~~إذا انقطعت وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم قامت الساعة، ولهذا قال: { ~~وما نؤخره إلا لأجل معدود } أي لمدة مؤقتة لا يزاد ~~عليها ولا ينتقص منها، { يوم يأت لا تكلم نفس إلا ~~بإذنه } أي يوم يأتي يوم القيامة لا يتكلم أحد إلا بإذن الله، ~~كقوله: # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا # [النبأ: 37]، وفي " الصحيحين " في حديث الشفاعة: # " ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم " # ، وقوله: { فمنهم شقي وسعيد } أي فمن أهل الجمع شقي ومنهم ~~سعيد، كما قال: # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7]، ثم بين تعالى حال الأشقياء وحال السعداء فقال: { فأما ~~الذين ms1216 شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق... }. ### || [11.106-107] # يقول تعالى: { لهم فيها زفير وشهيق } ، قال ابن عباس: ~~الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، أي تنفسهم زفير وأخذهم النفسق شهيق، ~~لما هم فيه من العذاب، { خالدين فيها ما دامت السموت ~~والأرض } قال ابن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء ~~بالدوام أبدا قالت: هذا دائم، دوام السماوات والأرض، وكذلك يقولون: هو ~~باق ما اختلف الليل والنهار، يعنون بذلك كله أبدا، فخاطبهم جل ثناؤه بما ~~يتعارفونه بينهم، فقال: { خالدين فيها ما دامت السموت ~~والأرض } قلت: ويحتمل أن المراد بما دامت السماوات والأرض الجنس، ~~لأنه لا بد في عالم الآخرة من سماوات وأرض، كما قال تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت # [إبراهيم: 48]، ولهذا قال الحسن البصري في قوله: { ما دامت ~~السموت والأرض } قال: يقول سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه، ~~فما دامت تلك السماء وتلك الأرض، وعن ابن عباس قال: لكل جنة سماء وأرض، ~~وقال ابن أسلم: ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء، وقوله: { إلا ما ~~شآء ربك إن ربك فعال لما يريد } ، كقوله: # النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله إن ~~ربك حكيم عليم # [الأنعام: 128]، وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على ~~أقوال كثيرة نقل كثيرا منها ابن جرير رحمه الله، واختار أن الاستثناء ~~عائد على (العصاة) من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة ~~الشافعين، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من لم يعمل خيرا قط، وقال ~~يوما من الدهر # لا إله إلا الله # [الصافات: 35]، كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود ~~فيها، وهذا الذي عليه كثير العلماء قديما وحديثا، وقال السدي: هي ~~منسوخة بقوله: # خالدين فيهآ أبدا # [النساء: 57]. ### || [11.108] # يقول تعالى: { وأما الذين سعدوا } وهم أتباع الرسل { ففي ~~الجنة } أي فمأواهم الجنة، { خالدين فيها } أي ماكثين فيها ~~أبدا، { ما دامت السموت والأرض إلا ما شآء ms1217 ربك ~~} معنى الاستثناء ههنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرا ~~واجبا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم ~~دائما، وعقب ذلك بقوله: { عطآء غير مجذوذ } أي غير مقطوع، ~~لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثم انقطاع أو لبس أو شيء، بل حتم ~~له بالدوام وعدم الانقطاع، # إن ربك فعال لما يريد # [هود: 107]، كقوله: # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء: 23]، وهنا طيب القلوب وثبت المقصود بقوله: { عطآء ~~غير مجذوذ }. وقد جاء في " الصحيحين ": # " يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال يا أهل ~~الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت " # ، وفي " الصحيح " أيضا: # " فيقال: يا أهل الجنة إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن ~~تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن ~~تنعموا فلا تبأسوا أبدا ". ### || [11.109-111] # يقول تعالى: { فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء } ~~المشركون إنه باطل وجهل وضلال، فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل، ~~أي ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات وسيجزيهم ~~الله على ذلك أتم الجزاء، قال سفيان الثوري، عن ابن عباس: { وإنا ~~لموفوهم نصيبهم غير منقوص } ، قال: ما وعدوا من خير أو ~~شر، وقال ابن أسلم: لموفوهم من العذاب نصيبهم غير منقوص، ثم ذكر تعالى ~~أنه آتى موسى الكتاب فاختلف الناس فيه فمن مؤمن به ومن كافر به، فلك بمن ~~سلف من الأنبياء قبلك يا محمد أسوة، فلا يغيظنك تكذيبهم لك، وقوله تعالى: ~~{ ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم }. قال ~~ابن جرير: لولا ما تقدم من تأجيله العذاب إلى أجل معلوم لقضى الله نبيهم، ~~ويحتمل أن يكون المراد بالكلمة أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة ~~عليه وإرسال الرسول إليه كما قال: { وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا } ، ثم أخبر تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من ~~الأمم ويجزيهم بأعمالهم فقال: { وإن كلا ms1218 لما ~~ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون ~~خبير } أي عليم بأعمالهم جميعا، جليلها وحقيرها وصغيرها وكبيرها، ~~وقوله: # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا # [هود: 113] قال ابن عباس: هو الركون إلى الشرك، وقال أبو العالية: لا ~~ترضوا بأعمالهم؛ وقال ابن جرير عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا؛ ~~وهذا القول حسن، أي لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم ~~بأعمالهم، # فتمسكم النار وما لكم من دون الله من ~~أوليآء ثم لا تنصرون # [هود: 113] أي ليس لكم من دونه من ولي ينقذكم، ولا ناصر يخلصكم من ~~عذابه. ### || [11.112-113] # يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك ~~من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد، وينهى عن الطغيان، ~~وهو البغي، فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك، وأعلم تعالى أنه بصير ~~بأعمال العباد لا يغفل عن شيء ولا يخفى عليه شيء. ### || [11.114-115] # قال ابن عباس: { وأقم الصلاة طرفي النهار } قال: يعني ~~الصبح والمغرب، وقال الحسن: هي الصبح والعصر. وقال مجاهد: هي الصبح في ~~أول النهار والظهر والعصر مرة أخرى، { وزلفا من اليل } يعني ~~صلاة العشاء. وقال مجاهد والضحاك: إنها صلاة المغرب والعشاء؛ وقد يحتمل ~~أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، فإنه إنما ~~كان يجب من الصلاة صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، وفي ~~أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة، ثم نسخ في حق الأمة، وثبت وجوبه عليه، ~~ثم نسخ عنه أيضا، والله أعلم. # وقوله: { إن الحسنات يذهبن السيئات } يقول: إن فعل ~~الخيرات يكفر الذنوب السالفة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ~~وأهل السنن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء إن ينفعني منه، وإذا ~~حدثني عنه أحد استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر - وصدق أبو ~~بكر - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين ms1219 إلا غفر له " # وفي " الصحيحين " عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان: أنه توضأ لهم كوضوء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتوضأ وقال: # " من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيها نفسه، غفر له ما تقدم ~~من ذنبه " # وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ~~ما اجتنبت الكبائر " # وقال البخاري، عن أبي مسعود، # " أن رجلا أصاب من امرأة قبله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، ~~فأنزل الله: { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~اليل إن الحسنات يذهبن السيئات } ، فقال الرجل: ~~يا رسول الله ألي هذا؟ قال: " لجميع أمتي كلهم " ". # وروى الإمام أحمد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي ~~الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الله ~~الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا ~~يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه " ، قال: قلنا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: ~~غشه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا حراما فينفق منه فيبارك له فيه، ولا ~~يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا ~~يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث " # ، وروى الإمام أبو جعفر بن جرير # " عن أبي اليسر (كعب بن عمرو الأنصاري) قال: أتتني امرأة تبتاع مني ~~بدرهم تمرا، فقلت: إن في البيت تمرا أجود من هذا، فدخلت فأهويت إليها ~~فقبلتها، فأتيت عمر فسألته فقال: اتق الله واستر على نفسك، ولا تخبرن ~~أحدا، فلم أصبر حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: " ~~أخلفت رجلا غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟ " حتى ظننت أني من ~~أهل ms1220 النار، حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ " ، فأطرق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ساعة، فنزل جبريل، فقال أبو اليسر: فجئت فقرأ علي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: { وأقم الصلاة طرفي النهار ~~وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن السيئات ~~ذلك ذكرى للذاكرين } فقال إنسان: يا رسول الله أله خاصة أم ~~للناس عامة؟ قال: " للناس عامة " # وعن أبي ذر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ~~" # وفي رواية عنه قال، قلت: يا رسول الله أوصني، قال: # " " إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها " ، قال: قلت: يا رسول الله أمن ~~الحسنات (لا إله إلا الله)؟ قال: " هي أفضل الحسنات " " # رواه أحمد. ### || [11.116-117] # يقول تعالى: فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير، ينهون عما ~~كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض، وقوله: { إلا ~~قليلا } أي قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيرا وهم الذين ~~أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته، ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة ~~الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما قال تعالى: # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون # [آل عمران: 104]، وفي الحديث: # " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب " # ، وقوله: { واتبع الذين ظلموا مآ أترفوا فيه } أي ~~استمروا على ما هم عليه من المعاصي والمنكرات، ولم يلتفتوا إلى إنكار ~~أولئك حتى فجأهم العذاب، { وكانوا مجرمين } ، ثم أخبر تعالى أنه ~~لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها، ولم يأت قرية مصلحة نقمته وعذابه قط ~~حتى يكونوا هم الظالمين، كما قال تعالى: # وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم # [هود: 101]، وقال: # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46]. ### || [11.118-119] # يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة من إيمان أو كفر، كما ~~قال تعالى: # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا # [يونس: 99]، وقوله: { ولا يزالون ms1221 مختلفين * إلا من ~~رحم ربك } أي ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات ~~مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم، قال عكرمة: مختلفين في الهدى، وقوله: { ~~إلا من رحم ربك } أي إلا المرحومين من أتباع الرسل الذين ~~تمسكوا بما أمروا به من الدين، أخبرتهم به رسل الله إليهم ولم يزل ذلك ~~دأبهم، حتى كان النبي وخاتم الرسل والأنبياء فاتبعوه وصدقوه ووازروه، ~~ففاز بسعادة الدنيا والآخرة، لأنهم الفرقة الناجية، وقال عطاء: { ولا ~~يزالون مختلفين } يعني اليهود والنصارى والمجوس { إلا من ~~رحم ربك } يعني الحنيفية، وقال قتادة: أهل رحمة الله: أهل ~~الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل الفرقة، وإن اجتمعت ~~ديارهم وأبدانهم. وقوله: { ولذلك خلقهم } ، قال الحسن البصري: ~~وللاختلاف خلقهم. وقال ابن عباس: خلقهم فريقين كقوله: # فمنهم شقي وسعيد # [هود: 105] وعن ابن عباس قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب. ويرجع ~~معنى هذا القول إلى قوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]، وقيل: بل المراد وللرحمة وللاختلاف خلقهم، كما قال ~~الحسن البصري في رواية عنه في قوله: { ولا يزالون مختلفين } ~~قال: الناس مختلفون على أديان شتى { إلا من رحم ربك } ، فمن ~~رحم ربك غير مختلف، فقيل له لذلك خلقهم، قال: خلق هؤلاء لجنته، وخلق ~~هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لعذابه، وقال ابن وهب: سألت مالكا عن قوله ~~تعالى: { ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم } قال: فريق في الجنة وفريق في السعير، وقد اختار ~~هذا القول ابن جرير، وقوله: { وتمت كلمة ربك لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين } يخبر تعالى أنه قد ~~سبق في قضائه وقدره لعلمه التام وحكمته النافذة أن ممن خلقه من يستحق ~~الجنة، ومنهم من يستحق النار، وأنه لا بد أن يملأ جهنم من هذين الثقلين ~~(الجن والإنس) وله الحجة البالغة والحكمة التامة، وفي " الصحيحين " عن ~~أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس ~~وسقطهم، وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، فقال الله عز وجل ms1222 ~~للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار. أنت عذابي أنتقم بك ممن ~~أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ ~~الله لها خلقا يسكن فضل الجنة، وأما النار فلا تزال تقولك { هل من ~~مزيد } حتى يضع عليها رب العزة قدمه فتقول: قط قط وعزتك ". ### || [11.120] # يقول تعالى: وكل أخبار نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع ~~أممهم، وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات، وما احتمله الأنبياء من ~~التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين وخذل أعداءه الكافرين، كل ~~هذا مما { نثبت به فؤادك } أي قلبك يا محمد ليكون لك بمن مضى ~~من إخوانك من المرسلين أسوة، وقوله: { وجآءك في هذه الحق } ~~أي في هذه السورة، قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة من السلف، وعن الحسن ~~وقتادة: في هذه الدنيا، والصحيح في هذه السورة المشتملة على قصص ~~الأنبياء، وكيف أنجاهم الله والمؤمنين بهم، وأهلك الكافرين، جاءك فيها ~~قصص حق ونبأ صدق وموعظة يرتدع بها الكافرون، وذكرى يتذكر بها المؤمنون. ### || [11.121-122] # يقول تعالى آمرا رسوله أن يقول للذين لا يؤمنون بما جاء به من ربه على ~~وجه التهديد { اعملوا على مكانتكم } أي على طريقتكم ~~ومنهجكم، { إنا عاملون } أي على طريقتنا ومنهجنا، { ~~وانتظروا إنا منتظرون } أي # فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا ~~يفلح الظالمون # [الأنعام: 135]، وقد أنجز الله لرسوله وعده ونصره وأيده، وجعل كلمته هي ~~العليا وكلمة الذين كفروا السفلى والله عزيز حكيم. ### || [11.123] # يخبر تعالى أنه عالم غيب السماوات والأرض وأنه إليه المرجع والمآب، ~~وسيؤتي كل عامل عمله يوم الحساب، فله الخلق والأمر، فأمر تعالى بعبادته ~~والتوكل عليه، فإنه كاف من توكل عليه وأناب إليه، وقوله: { وما ربك ~~بغافل عما تعملون } أي ليس يخفى عليه ما عليه مكذبوك يا محمد ~~بل هو عليم بأحوالهم وأقوالهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء في الدنيا ~~والآخرة وسينصرك وحزبك عليهم في الدارين. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-3] # أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول ms1223 سورة البقرة، وقوله: { ~~تلك آيات الكتاب } أي هذه آيات الكتاب، وهو القرآن المبين أي ~~الواضح الجلي الذي يفصح عن الأشياء المبهمة ويفسرها ويبينها { إنآ ~~أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } ، وذلك ~~لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي ~~تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب، بأشرف اللغات، على أشرف الرسل ~~بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في ~~أشرف شهور السنة وهو (رمضان) فكمل من كل الوجوه؛ ولهذا قال تعالى: { ~~نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك ~~هذا القرآن } بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن، وقد ورد في سبب نزول ~~هذه الآية ما رواه ابن جرير عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله صلى ~~الله عليك وسلم لو قصصت علينا؟ فنزلت: { نحن نقص عليك ~~أحسن القصص } ، فأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص، ومما يناسب ~~ذكره عند هذه الآية الكريمة المشتملة على مدح القرآن، وأنه كاف عن كل ما ~~سواه من الكتب ما رواه الإمام أحمد # " عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: فغضب، وقال " أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد ~~جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه، أو ~~بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن ~~يتبعني " # وعن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # " يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا ~~أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عبد ~~الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال عمر: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا. قال: فسري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: " والذي نفس محمد بيده ms1224 لو أصبح فيكم ~~موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من ~~النبيين " ". ### || [12.4] # يقول تعالى: اذكر لقومك يا محمد في قصصك عليهم من قصة يوسف، إذ قال ~~لأبيه - وأبوه هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام - كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم " # ، وعن أبي هريرة قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: " أكرمهم عند ~~الله أتقاهم " ، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال " فأكرم الناس يوسف نبي ~~الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله " ، قالوا: ليس عن هذا ~~نسألك، قال: " فعن معادن العرب تسألوني "؟ قالوا: نعم، قال: " فخياركم في ~~الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا " # وقال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي، وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا ~~المنام أن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلا سواه، ~~والشمس والقمر عبارة عن أمه وأبيه. ولما رآها يوسف قصها على أبيه يعقوب، ~~فقال له أبوه: وهذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد. ### || [12.5] # يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه ~~الرؤيا التي تعبيرها خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه تعظيما زائدا، بحيث ~~يخرون له ساجدين إجلالا واحتراما وإكراما، فخشي يعقوب عليه السلام أن ~~يحدث بهذا المنام أحدا من إخوته، فيحسدونه على ذلك، فيبغون له الغوائل ~~حسدا منهم له، ولهذا قال له: { لا تقصص رؤياك على ~~إخوتك فيكيدوا لك كيدا } أي يحتالوا لك حيلة يردونك فيها، ~~ولهذا ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به، وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه ~~الآخر، وليتفل عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدث بها ~~أحدا فإنها لن تضره " # ، وفي الحديث الآخر: # " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت " # ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان ms1225 النعمة حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث: # " استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود ". ### || [12.6] # يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لولده يوسف: إنه كما اختارك ربك وأراك ~~هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك { وكذلك يجتبيك ربك ~~} أي يختارك ويصطفيك لنبوته، { ويعلمك من تأويل الأحاديث ~~} قال مجاهد: يعني تعبير الرؤيا، { ويتم نعمته عليك } أي ~~بإرسالك والإيحاء إليك، ولهذا قال: { كمآ أتمهآ على أبويك ~~من قبل إبراهيم } وهو الخليل، { وإسحاق } ولده وهو الذبيح ~~في قول، وليس بالرجيح { إن ربك عليم حكيم } أي هو أعلم حيث ~~يجعل رسالته. ### || [12.7-10] # يقول تعالى: لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته { آيات } أي عبرة ~~ومواعظ { للسائلين } عن ذلك، فإنه خبر عجيب يستحق أن يخبر عنه، { ~~إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا } أي ~~حلفوا فيما يظنون والله ليوسف وأخوه، يعنون بنيامين، وكان شقيقه لأمه { ~~أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة } أي جماعة، فكيف أحب ~~ذينك الاثنين أكثر من الجماعة؟ { إن أبانا لفي ضلال مبين ~~} يعنون في تقديمهما علينا، ومحبته إياهما أكثر منا، واعلم أنه لم يقم ~~دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس ~~من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ~~ولم يذكروا سوى قوله تعالى: # قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط # [البقرة: 136]، وهذا فيه احتمال، لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم ~~الأسباط، كما يقال للعرب قبائل وللعجم شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى ~~الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل ~~سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي ~~إليهم والله أعلم، { اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل ~~لكم وجه أبيكم } يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم، ~~أعدموه من وجه أبيكم، ليخلو لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه، أو أن تلقوه في ~~أرض من ms1226 الأراضي تستريحوا منه وتخلوا أنتم بأبيكم، { وتكونوا من ~~بعده قوما صالحين } ، فأضمروا التوبة قبل الذنب { قال ~~قآئل منهم } ، قال قتادة: وكان أكبرهم واسمه روبيل، وقال السدي، ~~الذي قال ذلك يهوذا، وقال مجاهد: هو شمعون { لا تقتلوا يوسف } ~~أي لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله، ولم يكن لهم سبيل إلى قتله، لأن ~~الله تعالى كان يريد منه أمرا لا بد من إمضائه وإتمامه، من الإيحاء إليه ~~بالنبوة، ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها، فصرفهم الله عنه بمقالة ~~روبيل فيه، وإشارته عليهم بأن يلقوه { في غيبت الجب } وهو ~~أسفله، قال قتادة: وهي بئر بيت المقدس، { يلتقطه بعض ~~السيارة } أي المارة من المسافرين فتسريحوا منه بهذا، ولا حاجة إلى ~~قتله، { إن كنتم فاعلين } أي كنتم عازمين على ما تقولون، قال ~~محمد بن إسحاق: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، ~~وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، وليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه على ~~كبر سنه ورقة عظمه، مع مكانه من الله ممن أحبه طفلا صغيرا، وبين ابنه ~~على ضعف قوته وصغر سنه وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر الله لهم ~~وهو أرحم الراحمين، فقد احتملوا أمرا عظيما. ### || [12.11-12] # لما تواطأوا على أخذه وطرحه في البئر كما أشار به عليهم أخوهم الكبير ~~(روبيل) جاءوا أباهم يعقوب عليه السلام فقالوا: ما بالك { لا تأمنا ~~على يوسف وإنا له لناصحون }؟ وهذه توطئة ودعوى وهم ~~يريدون خلاف ذلك لما له في قلوبهم من الحسد لحب أبيه له، { أرسله ~~معنا } أي ابعثه معنا { غدا يرتع ويلعب } ، وقرأ بعضهم ~~بالياء، { يرتع ويلعب } ، قال ابن عباس: يسعى وينشط، { وإنا ~~له لحافظون } يقولون: ونحن نحفظه ونحوطه من أجلك. ### || [12.13-14] # يقول تعالى مخبرا عن نبيه يعقوب أنه قال لبنيه في جواب ما سألوا من ~~إرسال يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء: { إني ليحزنني أن ~~تذهبوا به } أي يشق علي مفارقته مدة ذهابكم به إلى أن يرجع، ~~وذلك لفرط محبته له لما يتوسم فيه من الخير العظيم، ms1227 وشمائل النبوة، ~~والكمال في الخلق والخلق صلوات الله وسلامه عليه، وقوله: { وأخاف أن ~~يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون } ، يقول: وأخشى أن ~~تشتغلوا عنه برميكم ورعيكم، فيأتيه ذئب فيأكله وأنتم لا تشعرون، فأخذوا ~~من فمه هذه الكلمة وجعلوها عذرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين له عنها في ~~الساعة الراهنة { لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنآ ~~إذا لخاسرون } يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا ونحن ~~جماعة، إنا إذا لهالكون عاجزون. ### || [12.15] # يقول تعالى: فلما ذهب به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك، { ~~وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب } هذا فيه تعظيم ~~لما فعلوه، أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب، وقد أخذوه من ~~عند أبيه فيما يظهرونه له إكراما له وبسطا وشرحا لصدره، وإدخالا ~~للسرور عليه، فيقال: إن يعقوب عليه السلام لما بعثه معهم ضمه إليه وقلبه ~~ودعا له، فذكر السدي وغيره أنه لم يكن بين إكرامهم له وبين إظهار الأذى ~~له إلا أن غابوا عن عين أبيه، وتواروا عنه، ثم شرعوا يؤذونه بالقول من ~~شتم ونحوه، والفعل من ضرب ونحوه، ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا ~~على رميه فيه فربطوه بحبل ودلوه فيه، فسقط في الماء، فغمره، فصعد إلى ~~صخرة تكون في وسطه فقام فوقها، وقوله: { وأوحينآ إليه ~~لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } ، ~~يقول تعالى ذاكرا لطفه ورحمته، وإنزاله اليسر في حال العسر، إنه أوحى ~~إلى يوسف في ذلك الحال الضيق تطييبا لقلبه، وتثبيتا له: إنك لا تحزن ~~مما أنت فيه، فإن لك من ذلك فرجا ومخرجا حسنا، وسينصرك الله عليهم ~~ويعليك ويرفع درجتك، وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع، وقوله: { ~~وهم لا يشعرون } قال مجاهد وقتادة: بإيحاء الله إليه، وقال ابن ~~عباس: ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك وهم لا يعرفونك ولا يشعرون بك. ### || [12.16-18] # يقول تعالى مخبرا عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعد ما ألقوه في غيابة الجب ~~أنهم رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون ويظهرون الأسف والجزع على ms1228 ~~يوسف، ويتغممون لأبيهم، وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا: { إنا ~~ذهبنا نستبق } أي نترامى، { وتركنا يوسف عند ~~متاعنا } أي ثيابنا وأمتعتنا، { فأكله الذئب } وهو الذي قد ~~جزع منه وحذر عليه، وقوله: { ومآ أنت بمؤمن لنا ولو ~~كنا صادقين } تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه، يقولون: ونحن نعلم ~~أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك ~~لأنك خشيت أن يأكله الذئب فأكله الذئب؟ فأنت معذور في تكذيبك لنا، لغرابة ~~ما وقع، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا، { وجآءوا على قميصه ~~بدم كذب } أي مكذوب مفترى، وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما ~~تمالأوا عليه من المكيدة، وهو أنهم عمدوا إلى سخلة، فذبحوها ولطخوا ثوب ~~يوسف بدمها؛ موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ~~ولكنهم نسوا أن يخرقوه، فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب، بل ~~قال لهم معرضا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لبسهم عليه: { بل ~~سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل } ، أي فسأصبر ~~صبرا جميلا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه حتى يفرجه الله بعونه ~~ولطفه، { والله المستعان على ما تصفون } أي على ما ~~تذكرون من الكذب والمحال، قال ابن عباس: { وجآءوا على قميصه ~~بدم كذب } قال: لو أكله السبع لخرق القميص، وقال مجاهد: الصبر ~~الجميل الذي لا جزع فيه، وقد روي مرفوعا عن (حبان بن أبي حبلة) قال سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: { فصبر جميل } فقال: صبر ~~لا شكوى فيه. وقال الثوري: ثلاث من الصبر: أن لا تحدث بوجعك، ولا ~~بمصيبتك، ولا تزكي نفسك، وذكر البخاري ههنا حديث عائشة في الإفك حتى ذكر ~~قولها: والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: { فصبر ~~جميل والله المستعان على ما تصفون }. ### || [12.19-20] # يقول تعالى مخبرا عما جرى ليوسف عليه السلام في الجب حين ألقاه إخوته، ~~وتركوه في ذلك الجب وحيدا فريدا، عليه السلام في البئر ثلاثة أيام، ms1229 ~~وقال محمد بن إسحاق: لما ألقاه إخوته في البئر جلسوا حول البئر يومهم ذلك ~~ينظرون ماذا يصنع وما يصنع به، فساق الله له سيارة، فنزلوا قريبا من تلك ~~البئر وأرسلوا واردهم، وهو الذي يتطلب لهم الماء، فلما جاء ذلك البئر ~~وأدلى دلوه فيها تشبث يوسف عليه السلام فيها، فأخرجه واستبشر به، وقال: { ~~يبشرى هذا غلام } أي يا بشراي، { وأسروه بضاعة } ~~أي وأسره الواردون من بقية السيارة، وقالوا: اشتريناه من أصحاب الماء ~~مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره، وقال ابن عباس: { وأسروه ~~بضاعة }: يعني إخوة يوسف أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم ~~يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع، فذكره إخوته لوارد القوم، ~~فنادى أصحابه: { يبشرى هذا غلام } يباع، فباعه إخوته، وقوله: ~~{ والله عليم بما يعملون } أي عليم بما يفعله إخوة يوسف ~~ومشتروه، وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه، ولكن له حكمة وقدر سابق، فترك ~~ذلك ليمضي ما قدره وقضاه # ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # [الأعراف: 54]، وقوله: { وشروه بثمن بخس دراهم ~~معدودة } يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل، قاله مجاهد وعكرمة، ~~والبخس: هو النقص، كما قال تعالى: # فلا يخاف بخسا ولا رهقا # [الجن: 13] أي اعتاض عنه إخوته بثمن قليل، ومع ذلك كانوا فيه من ~~الزاهدين، أي ليس لهم رغبة فيه بل لو سئلوه بلا شيء لأجابوا، والضمير في ~~قوله: { وشروه } عائد على إخوة يوسف، وقال قتادة: بل هو عائد على ~~السيارة، والأول أقوى، لأن قوله: { وكانوا فيه من الزاهدين ~~} إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة، لأن السيارة استبشروا به وأسروه ~~بضاعة، ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه، فترجح من هذا الضمير في { ~~شروه } إنما هو لإخوته، وقوله: { دراهم معدودة } عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه: باعوه بعشرين درهما وقال عكرمة: أربعون درهما، ~~وقال الضحاك في قوله: { وكانوا فيه من الزاهدين } ذلك أنهم ~~لم يعلموا نبوته ومنزلته عند الله عز وجل. ### || [12.21-22] # يخبر تعالى بألطافه بيوسف عليه السلام، أنه قيض له الذي اشتراه من مصر، ~~حتى ms1230 اعتنى به وأكرمه، وأوصى أهله به وتوسم فيه الخير والصلاح، فقال ~~لامرأته: { أكرمي مثواه عسى أن ينفعنآ أو نتخذه ~~ولدا } ، وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير بها، عن ابن ~~عباس: وكان اسمه (قطفير) وكان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ (الريان ~~بن الوليد) رجل من العماليق، قال واسم امرأته (راعيل)، وقال غيره: اسمها ~~(زليخا)، وقال عبد الله بن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال ~~لامرأته: { أكرمي مثواه } ، والمرأة التي قالت لأبيها: # يأبت استأجره # [القصص: 26] الآية، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنهما. يقول تعالى: كما أنقذنا يوسف من إخوته { وكذلك مكنا ~~ليوسف في الأرض } يعني بلاد مصر { ولنعلمه من تأويل ~~الأحاديث } قال مجاهد والسدي هو تعبير الرؤيا، { والله غالب ~~على أمره } أي إذا أراد شيئا فلا يرد، ولا يمانع، ولا يخالف بل ~~هو الغالب لما سواه، قال سعيد بن جبير، أي فعال لما يشاء، وقوله: { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } يقول: لا يدرون حكمته ~~في خلقه وتلطفه وفعله لما يريد. وقوله: { ولما بلغ } أي يوسف عليه ~~السلام { أشده } أي استكمل عقله وتم خلقه، { آتيناه حكما ~~وعلما } يعني النبوة، حباه بها بين أولئك الأقوام، { وكذلك ~~نجزي المحسنين } أي إنه كان محسنا في عمله عاملا بطاعة الله ~~تعالى، وقد اختلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده، فقال ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة، وعن ابن عباس: بضع وثلاثون، وقال ~~الضحاك: عشرون: وقال الحسن: أربعون سنة، وقيل غير ذلك، والله أعلم. ### || [12.23] # يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر، وقد أوصاها ~~زوجها بإكرامه، فراودته عن نفسه أي حاولته عن نفسه ودعته إليها، وذلك ~~أنها أحبته حبا شديدا لجماله وحسنه وبهائه، فحملها ذلك على أن تجملت له ~~وغلقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها { وقالت هيت لك } ، ~~فامتنع من ذلك أشد الامتناع، { قال معاذ الله إنه ربي ~~أحسن مثواي } ، وكانوا يطلقون الرب على السيد والكبير، أي إن ~~بعلك ربي أحسن مثواي ms1231 أي منزلي، وأحسن إلي فلا أقابله بالفاحشة في أهله، ~~{ إنه لا يفلح الظالمون } ، وقد اختلف القراء في قوله: { ~~هيت لك } ، فقرأه كثيرون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء، قال ~~ابن عباس ومجاهد: معناه أنها تدعوه إلى نفسها، وقال البخاري، قال عكرمة: ~~{ هيت لك } ، أي هلم لك بالحورانية، هكذا ذكره معلقا، وكان الكسائي ~~يحكي هذه القراءة يعني: { هيت لك } ويقول: هي لغة لأهل حوران، وقعت ~~إلى أهل الحجاز، ومعناها: تعال، وقال أبو عبيدة: سألت شيخا عالما من ~~أهل حوران، فذكر أنها لغتهم يعرفها، واستشهد الإمام ابن جرير على هذه ~~القراءة بقول الشاعر: # أبلغ أمير المؤمن # ين أذى العراق إذا أتيتا # إن العراق وأهله # عنق إليك فهيت هيتا # يقول: فتعال واقترب، وقرأ آخرون: { هيت لك } بكسر الهاء والهمزة ~~وضم التاء، بمعنى تهيأت لك، من قول القائل: هئت بالأمر بمعنى تهيأت لك. ~~قال ابن جرير: وكان أبو عمرو والكسائي ينكران هذه القراءة، وقال آخرون: { ~~هيت لك } بكسر الهاء وإسكان الياء وضم التاء. ### || [12.24] # اختلفت أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام، فقيل: المراد بهمه بها ~~خطرات حديث النفس، حكاه البغوي عن بعض أهل التحقيق، ثم أورد البغوي ههنا ~~حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تعالى: إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، فإن عملها ~~فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإنما ~~تركها من جرائي، فإن عملها فاكتبوها بمثلها " # ، وقيل: هم بضربها، وقيل: تمناها زوجة؛ وقيل: هم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه، أي فلم يهم بها، وأما البرهان الذي رآه ففيه أقوال أيضا، ~~قيل: رأى صورة أبيه يعقوب عاضا على إصبعه بفمه؛ وقيل: رأى خيال الملك ~~يعني سيده، وقال ابن جرير عن محمد ابن كعب القرظي قال: رفع يوسف رأسه إلى ~~سقف البيت، فإذا كتاب في حائط البيت: # ولا تقربوا الزنى # [الإسراء: 32] # إنه كان فاحشة ومقتا وسآء سبيلا # [النساء: 22]؛ وقيل: ثلاث آيات من كتاب الله: # وإن عليكم لحافظين # [الانفطار: ms1232 10] الآية، وقوله: # وما تكون في شأن # [يونس: 61] الآية، وقوله: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # [الرعد: 33]، قال ابن جرير: والصواب أن يقال: إنه أي آية من آيات الله ~~تزجره عما كان هم به، وجائز أن يكون صورة يعقوب، وجائز أن يكون صورة ~~الملك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبا من الزجر عن ذلك، ولا حجة قاطعة على ~~تعيين شيء من ذلك، فالصواب أن يطلق، كما قال الله تعالى، وقوله: { ~~كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء } أي كما أريناه ~~برهانا صرفه عما كان فيه كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره، { ~~إنه من عبادنا المخلصين } أي من المجتبين المطهرين ~~المختارين المصطفين الأخيار، صلوات الله وسلامه عليه. ### || [12.25-29] # يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب، يوسف هارب، والمرأة ~~تطلبه ليرجع إلى البيت، فلحقته في أثناء ذلك، فأمسكت بقميصه من ورائه، ~~فقدته قدا فظيعا، يقال: إنه سقط عنه، واستمر يوسف هاربا ذاهبا، وهي ~~في إثره، فألفيا سيدها وهو زوجها عند الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه ~~بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها: { ما جزآء ~~من أراد بأهلك سوءا } أي فاحشة، { إلا أن يسجن } أي ~~يحبس، { أو عذاب أليم } أي يضرب ضربا شديدا موجعا، فعند ذلك ~~انتصر يوسف عليه السلام بالحق، وتبرأ مما رمته به من الخيانة، و { قال ~~} بارا صادقا. { هي راودتني عن نفسي } ، وذكر أنها اتبعته ~~تجذبه إليها حتى قدت قميصه، { وشهد شاهد من أهلهآ إن ~~كان قميصه قد من قبل } أي من قدامه { فصدقت } أي في ~~قولها إنه راودها على نفسها لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره ~~فقدت قميصه فيصح ما قالت، { وإن كان قميصه قد من دبر ~~فكذبت وهو من الصادقين } وذلك يكون كما وقع لما هرب منها، ~~وطلبته، أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها فقدت قميصه من ورائه، وقد ~~اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو صغير أو كبير؟ على قولين لعلماء السلف، ~~فقال ابن عباس: كان من خاصة الملك وكان ms1233 رجلا ذا لحية، وقال زيد بن أسلم ~~والسدي: كان ابن عمها، وقال العوفي عن ابن عباس: كان صبيا في المهد، ~~وكذا روي عن الحسن وسعيد بن جبير والضحاك: أنه كان صبيا في الدار، ~~واختاره ابن جرير، وقد ورد فيه حديث مرفوع، رواه ابن جرير، عن ابن عباس، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تكلم أربعة وهم صغار " # فذكر فيهم شاهد يوسف، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: # " تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، ~~وعيسى ابن مريم " # وقوله: { فلما رأى قميصه قد من دبر } أي لما تحقق ~~زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته ورمته به { قال إنه من ~~كيدكن } أي إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت عرض هذا الشاب به من ~~جملة كيدكن { إن كيدكن عظيم } ، ثم قال آمرا ليوسف عليه ~~السلام بكتمان ما وقع: { يوسف أعرض عن هذا } أي اضرب عن هذا ~~صفحا أي فلا تذكره لأحد، { واستغفري لذنبك } يقول لامرأته وقد ~~كان لين العريكة سهلا أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه فقال ~~لها: استغفري لذنبك أي الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب ثم قذفه ~~بما هو بريء منه { إنك كنت من الخاطئين }. ### || [12.30-34] # يخبر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز شاع في المدينة، وهي مصر حتى تحدث ~~به الناس، { وقال نسوة في المدينة } نساء الكبراء والأمراء ~~ينكرن على { امرأة العزيز } وهو الوزير ويعبن ذلك عليها، { ~~امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه }: أي تدعوه إلى ~~نفسها، { قد شغفها حبا } أي قد وصل حبه إلى شغاف قلبها وهو ~~غلافه، قال الضحاك عن ابن عباس: الشغف الحب القاتل، والشغف دون ذلك، ~~والشغاف حجاب القلب، { إنا لنراها في ضلال مبين } أي في ~~صنيعها هذا من حبها فتاها ومراودتها إياه عن نفسه، { فلما سمعت ~~بمكرهن } ، قال بعضهم: بقولهن ذهب الحب بها. وقال محمد بن إسحاق: ~~بلغهن حسن يوسف فأحببن أن يرينه، فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته، ~~فعند ms1234 ذلك { أرسلت إليهن } أي دعتهن إلى منزلها لتضيفهن { ~~وأعتدت لهن متكئا } ، قال ابن عباس: هو المجلس المعد فيه ~~مفارش ومخاد وطعام فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه؛ ولهذا قال ~~تعالى: { وآتت كل واحدة منهن سكينا } ، وكان هذا ~~مكيدة منها ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته، { وقالت اخرج ~~عليهن } وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر، { فلما } خرج و ~~{ رأينه أكبرنه } أي أعظمن شأنه وأجللن قدره، وجعلن يقطعن ~~أيديهن دهشا برؤيته، وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج بالسكاكين، والمراد ~~أنهن حززن أيديهن بها، قاله غير واحد؛ وقد ذكر غير واحد أنها قالت لهن ~~بعدما أكلن وطابت أنفسهن ثم وضعت بين أيديهن أترجا وآتت كل واحدة منهن ~~سكينا: هل لكن في النظر إلى يوسف؟ قلن: نعم، فبعثت إليه تأمره أن اخرج ~~إليهن، فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن، ثم أمرته أن يرجع ليرينه مقبلا ~~ومدبرا، فرجع وهن يحززن في أيديهن، فلما أحسسن بالألم، جعلن يولولن، ~~فقالت: أنتن من نظرة واحدة فعلتن هذا، فكيف ألام أنا؟ { وقلن حاش ~~لله ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم } ، ثم ~~قلن لها: وما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأينا، لأنهن لم يرين في ~~البشر شبيهه ولا قريبا منه، فإنه عليه السلام كان قد أعطي شطر الحسن، ~~كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بيوسف عليه السلام في السماء ~~الثالثة قال: " فإذا هو قد أعطي شطر الحسن " # ، { قالت فذلكن الذي لمتنني فيه } تقول: هذا معتذرة ~~إليهن بأن هذا حقيق أن يحب لجماله وكماله { ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم } أي فامتنع، قال بعضهم: لما رأين جماله الظاهر ~~أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن وهي العفة مع هذا الجمال، ثم قالت ~~تتوعده: { ولئن لم يفعل مآ آمره ليسجنن ~~وليكونا من الصاغرين } ، فعند ذلك استعاذ يوسف عليه السلام ~~من شرهن وكيدهن، و { قال رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه } أي من الفاحشة، { وإلا تصرف عني ~~كيدهن ms1235 أصب إليهن } أي إن وكلتني إلى نفسي فليس لي منها ~~قدرة ولا أملك لها ضرا ولا نفعا إلا بحولك وقوتك، أنت المستعان وعليك ~~التكلان، فلا تكلني إلى نفسي { أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين فاستجاب له ربه } الآية، وذلك أن يوسف عليه ~~السلام عصمه الله عصمة عظيمة وحماه، فامتنع منها أشد الامتناع، واختار ~~السجن على ذلك، وهذا في غاية مقامات الكمال، أنه من شبابه وجماله وكماله ~~تدعوه سيدته وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال ~~والرياسة، ويمتنع من ذلك، ويختار السجن على ذلك خوفا من الله ورجاء ~~ثوابه. # ولهذا ثبت في " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وعد منها، ورجل دعته ~~امرأة ذات منصب وجمال فقال أني أخاف الله " # ، الحديث. ### || [12.35] # يقول تعالى: ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين أي ~~إلى مدة، وذلك بعدما عرفوا براءته وظهرت الآيات، وهي الأدلة على صدقه في ~~عفته ونزاهته، وكأنهم - والله أعلم - إنما سجنوه لما شاع الحديث إيهاما ~~أنه راودها عن نفسها وأنهم سجنوه على ذلك، ولهذا لما طلبه الملك الكبير ~~في آخر المدة امتنع من الخروج، حتى تتبين براءته مما نسب إليه من ~~الخيانة، فلما تقرر ذلك خرج وهو نقي العرض صلوات الله عليه وسلامه. وذكر ~~السدي: أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه ويبرأ عرضه ~~فيفضحها. ### || [12.36] # قال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك والآخر خبازه، قال السدي: كان سبب حبس ~~الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالآ على سمه في طعامه وشرابه، وكان يوسف ~~عليه السلام قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة، وصدق الحديث، وكثرة ~~العبادة، ومعرفة التعبير، والإحسان إلى أهل السجن، ولما دخل هذان الفتيان ~~إلى السجن تآلفا به وأحباه حبا شديدا، وقالا له: والله لقد أحببناك ~~حبا زائدا. قال: بارك الله فيكما، إنه ما أحبني أحد إلا دخل علي من ~~محبته ضرر، أحبتني عمتي فدخل علي الضرر ms1236 بسببها، وأحبني أبي فأوذيت ~~بسببه، وأحبتني امرأة العزيز فكذلك، فقالا: والله ما نستطيع إلا ذلك، ثم ~~إنهما رأيا مناما، فرأى الساقي أنه يعصر خمرا، يعني عنبا، قال الضحاك ~~في قوله: { إني أراني أعصر خمرا } يعني عنبا، قال: وأهل ~~عمان يسمون العنب خمرا، وقال عكرمة: قال له إني رأيت فيما يرى النائم ~~أني غرست حبة من عنب فنبتت، فخرج فيها عناقيد، فعصرتهن ثم سقيتهن الملك ~~فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام ثم تخرج فتسقيه خمرا، وقال الآخر وهو ~~الخباز: { إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل ~~الطير منه نبئنا بتأويله } الآية، والمشهور عند ~~الأكثرين ما ذكرناه أنهما رأيا مناما وطلبا تعبيره، وقال ابن جرير عن ~~عبد الله بن مسعود قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئا إنما كانا تحالما ليجربا ~~عليه. ### || [12.37-38] # يخبرهما يوسف عليه السلام أنهما مهما رأيا في منامهما من حلم، فإنه عارف ~~بتفسيره، ويخبرهما بتأويله قبل وقوعه ولهذا قال: { لا يأتيكما ~~طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله } ، قال ~~مجاهد، يقول: { لا يأتيكما طعام ترزقانه } في يومكما { ~~إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما } ، وكذا ~~قال السدي، وهذا إنما هو من تعليم الله إياي، لأني اجتنبت ملة الكافرين ~~بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثوابا ولا عقابا في المعاد، { ~~واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب } ~~الآية، ويقول: هجرت طريق الكفر والشرك، وسلكت طريق هؤلاء المرسلين صلوات ~~الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى واتبع طريق ~~المرسلين وأعرض عن طريق الضالين، فإن الله يهدي قلبه ويعلمه ما لم يكن ~~يعلم، ويجعله إماما يقتدى به في الخير وداعيا إلى سبيل الرشاد، { ما ~~كان لنآ أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل ~~الله علينا وعلى الناس } ، هذا التوحيد وهو الإقرار بإنه لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، { من فضل الله علينا } أي ~~أوحاه إلينا وأمرنا به، { وعلى الناس } إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك، ~~{ ولكن أكثر الناس لا يشكرون } أي لا يعرفون نعمة ~~الله عليهم بإرسال الرسل إليهم، بل ms1237 # بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار ~~البوار # [إبراهيم: 28]. ### || [12.39-40] # ثم إن يوسف عليه السلام أقبل على الفتيين بالمخاطبة والدعاء لهما إلى ~~عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها ~~قومهما، فقال: { ءأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار } أي الذي ذل كل شيء لعز جلاله وعظمة سلطانه، ثم ~~بين لهما أن التي يعبدونها ويسمونها آلهة إنما هو تسمية من تلقاء أنفسهم، ~~تلقاها خلفهم عن سلفهم، وليس لذلك مستند من عند الله، ولهذا قال: { مآ ~~أنزل الله بها من سلطان } أي حجة ولا برهان ثم أخبرهم أن ~~الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده قاطبة أن لا ~~يعبدوا إلا إياه، ثم قال تعالى: { ذلك الدين القيم } أي هذا ~~الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له، هو الدين المستقيم الذي ~~أمر الله به، وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه، { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } أي فلهذا كان أكثرهم مشركين، # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103] جعل سؤالهما له سببا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام، ~~لما رأى في سجيتهما من قبول الخير، والإقبال عليه والإنصات إليه، ولهذا ~~لما فرغ من دعوتهما شرع في تعبير رؤياهما من غير تكرار سؤال فقال: { ~~يصاحبي السجن... }. ### || [12.41] # يقول لهما: { يصاحبي السجن أمآ أحدكما فيسقي ~~ربه خمرا } وهو الذي أنه يعصر خمرا ولكنه لم يعينه لئلا يحزن ~~ذاك، ولهذا أبهمه في قوله: { وأما الآخر فيصلب فتأكل ~~الطير من رأسه } وهو الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا، ثم ~~أعلمهما أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة لأن الرؤيا على رجل طائر ~~ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت. قال الثوري: لما قالا ما قالا، وأخبرهما ~~قالا: ما رأينا شيئا، فقال: { قضي الأمر الذي فيه ~~تستفتيان }. ### || [12.42] # ولما ظن يوسف عليه السلام أن الساقي ناج، قال له يوسف خفية عن الآخر: { ~~اذكرني عند ربك } يقول: اذكر قصتي عند ربك وهو الملك فنسي ذلك ~~الموصى أن يذكر ms1238 مولاه الملك بذلك وكان من جملة مكايد الشيطان لئلا يطلع ~~نبي الله من السجن، هذا هو الصواب أن الضمير في قوله: { فأنساه ~~الشيطان ذكر ربه } عائد على الناجي، كما قاله مجاهد وغير ~~واحد؛ ويقال إن الضمير عائد على يوسف عليه السلام، رواه ابن جرير عن ابن ~~عباس ومجاهد أيضا، وأما البضع فقال مجاهد وقتادة: هو ما بين الثلاث إلى ~~التسع، وقال وهب بن منبه: مكث أيوب في البلاء سبعا، ويوسف في السجن ~~سبعا. ### || [12.43-49] # هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سببا لخروج يوسف ~~عليه السلام من السجن معززا مكرما وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا ~~فهالته، وتعجب من أمرها، وما يكون تفسيرها، فجمع الكهنة وكبار دولته ~~وأمراءه، فقص عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا ~~إليه بأنها { أضغاث أحلام } أي أخلاط أحلام اقتضته رؤياك هذه، { ~~وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين } أي لو كانت رؤيا ~~صحيحة من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها وهو تعبيرها؛ وعند ذلك تذكر ~~الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف، وكان الشيطان قد ~~أنساه ما وصاه به يوسف من ذكر أمره للملك، فعند ذلك تذكر { بعد ~~أمة } أي مدة، فقال للملك: { أنا أنبئكم بتأويله } ~~أي بتأويل هذا المنام { فأرسلون } أي فابعثون إلى يوسف الصديق إلى ~~السجن، ومعنى الكلام فبعثوه فجاء فقال: { يوسف أيها الصديق ~~أفتنا } وذكر المنام الذي رآه الملك، فعند ذلك ذكر له يوسف عليه ~~السلام تعبيرها من غير تعنيف للفتى في نسيانه ما أوصاه به ومن غير اشتراط ~~للخروج قبل ذلك، بل قال: { تزرعون سبع سنين دأبا } أي ~~يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، { فما حصدتم فذروه ~~في سنبله إلا قليلا مما تأكلون }: أي مهما استغللتم ~~وهذه السبع السنين الخصب فادخروه في سنبله ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع ~~الفساد إليه إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا ~~فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه ms1239 ~~السبع المتواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان، لأن سني الجدب ~~يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب، وهن السنبلات اليابسات، وأخبرهم أنهن ~~لا ينبتن شيئا وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء، ولهذا قال: { ~~يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ~~} ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك { عام ~~فيه يغاث الناس } أي يأتيهم الغيث وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر ~~الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت وسكر ونحوه. ### || [12.50-53] # يقول تعالى إخبارا على الملك بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه ~~وأيقنه، فعرف فضل يوسف عليه السلام وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه فقال: { ~~ائتوني به } أي أخرجوه من السجن وأحضروه، فلما جاءه الرسول امتنع من ~~الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه مما نسب إليه من ~~جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن كان ظلما وعدوانا، فقال: { ارجع ~~إلى ربك } الآية، وقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله ~~وشرفه وعلو قدره، ففي " المسند " و " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم: # " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: { رب أرني كيف تحيي ~~الموتى } ، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت ~~في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي " # وفي لفظ لأحمد عنه صلى الله عليه وسلم في قوله: { فاسأله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي ~~بكيدهن عليم } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو كنت أنا لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر " # ، وعن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له، حين سئل عن البقرات ~~العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت ~~من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين أتاه الرسول ولو كنت مكانه ~~لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر ". # وقوله تعالى: { قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن ~~نفسه } إخبار عن الملك حين جمع النسوة اللاتي ms1240 قطعن أيديهن عند امرأة ~~العزيز، فقال مخاطبا لهن كلهن وهو يريد امرأة وزيره وهو العزيز، قال ~~الملك: { ما خطبكن } أي ما شأنكن وخبركن { إذ راودتن ~~يوسف عن نفسه } يعني يوم الضيافة { قلن حاش لله ما ~~علمنا عليه من سوء } أي قالت النسوة جوابا للملك: حاش لله ~~أن يكون يوسف متهما والله ما علمنا عليه من سوء، فعند ذلك { قالت ~~امرأت العزيز الآن حصحص الحق } ، قال ابن عباس: الآن ~~تبين الحق وظهر وبرز، { أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين } أي في قوله: # هي راودتني عن نفسي # [يوسف: 26]، { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } ~~تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس ~~الأمر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلم أني ~~بريئة { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين * ومآ ~~أبرىء نفسي } ، تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث ~~وتتمنى، ولهذا راودته، { إن النفس لأمارة بالسوء إلا ~~ما رحم ربي } أي إلا من عصمه الله تعالى: { إن ربي غفور ~~رحيم } ، وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني ~~الكلام، وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف عليه السلام يقول: { ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه } في زوجته { بالغيب } الآيتين، أي ~~إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي، وليعلم العزيز { أني لم ~~أخنه } في زوجته، { بالغيب وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين } الآية، وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي ~~حاتم سواه. # قال ابن جرير، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة فسألهن هل راودتن ~~يوسف عن نفسه؟ { قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ~~قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق } الآية، قال ~~يوسف: { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } فقال له ~~جبريل عليه السلام: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: { ومآ أبرىء ~~نفسي } الآية، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والسدي، والقول الأول ~~أقوى وأظهر، لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ولم ~~يكن يوسف ms1241 عليه السلام عندهم بل بعد ذلك أحضره الملك. ### || [12.54-55] # يقول تعالى إخبارا عن الملك حين تحقق براءة يوسف عليه السلام ونزاهة ~~عرضه مما نسب إليه قال: { ائتوني به أستخلصه لنفسي } أي ~~أجعله من خاصتي وأهل مشورتي، { فلما كلمه } أي خاطبه الملك ~~وعرفه ورأى فضله وبراعته وعلم ما هو عليه من خلق وخلق وكمال قال له ~~الملك: { إنك اليوم لدينا مكين أمين } أي إنك عندنا ذا ~~مكانة وأمانة، فقال يوسف عليه السلام: { اجعلني على خزآئن ~~الأرض إني حفيظ عليم } مدح نفسه، ويجوز للرجل ذلك إذا جهل ~~أمره للحاجة، وذكر أنه { حفيظ } أي خازن أمين، { عليم } ذو علم ~~وبصيرة بما يتولاه، وقال شيبة بن نعامة: حفيظ لما استودعتني، عليم بسني ~~الجدب، وسأل العمل لعلمه بقدرته عليه، ولما فيه من المصالح للناس، وإنما ~~سأله أن يجعله على خزائن الأرض، ليتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح ~~والأرشد، فأجيب إلى ذلك رغبة فيه وتكرمة له، ولهذا قال تعالى: { ~~وكذلك مكنا ليوسف في الأرض... }. ### || [12.56-57] # يقول تعالى: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } أي أرض ~~مصر، { يتبوأ منها حيث يشآء } قال السدي: يتصرف فيها كيف ~~يشاء، وقال ابن جرير: يتخذ منها منزلا حيث يشاء بعد الضيق والحبس، { ~~نصيب برحمتنا من نشآء ولا نضيع أجر المحسنين ~~} ، أي وما أضعنا صبر يوسف على أذى أخوته وصبره على الحبس بسبب امرأة ~~العزيز، فلهذا أعقبه الله عز وجل النصر والتأييد، { ولأجر ~~الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون } ، يخبر ~~تعالى أن ما ادخره الله تعالى لنبيه يوسف عليه السلام في الدار الآخرة، ~~أعظم وأكثر وأجل مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا، والغرض أن يوسف ~~عليه السلام ولاه ملك مصر (الريان بن الوليد) الوزارة في بلاد مصر، وأسلم ~~الملك على يدي يوسف عليه السلام قاله مجاهد. ### || [12.58-62] # ذكر السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين، أن السبب الذي أقدم إخوة ~~يوسف بلاد مصر أن يوسف عليه السلام لما باشر الوزارة بمصر، ومضت السنين ~~المخصبة، ثم تلتها السبع السنين المجدبة، وعم القحط بلاد ms1242 مصر بكمالها ~~ووصل إلى بلاد كنعان، وهي التي فيها يعقوب عليه السلام وأولاده، وحينئذ ~~احتاط يوسف عليه السلام للناس في غلاتهم، وجمعها أحسن جمع، فحصل من ذلك ~~مبلغ عظيم، وورد عليه الناس من سائر الأقاليم، يمتارون لأنفسهم وعيالهم، ~~فكان لا يعطي الرجل أكثر من حمل بعير في السنة، وكان عليه السلام لا يشبع ~~نفسه، ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النهار، حتى ~~يتكفأ الناس بما في أيديهم مدة السبع سنين، وكان رحمة من الله على أهل ~~مصر، والغرض أنه كان في جملة من ورد للميرة إخوة يوسف، فإنه بلغهم أن ~~عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة، يعتاضون بها ~~طعاما، وركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب عليه السلام عنده ابنه (بنيامين) ~~شقيق يوسف عليه السلام وكان أحب ولده إليه بعد يوسف، فلما دخلوا على ~~يوسف، وهو جالس في أبهته ورياسته، وسيادته عرفهم حين نظر إليهم { وهم ~~له منكرون } أي لا يعرفونه، لأنهم فارقوه وهو صغير حدث وباعوه ~~للسيارة ولم يدروا أين يذهبون به، ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير ~~إلى ما صار إليه، فلهذا لم يعرفوه، وأما هو فعرفهم، فذكر السدي وغيره، ~~أنه شرع يخاطبهم، فقال لهم كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ فقالوا: أيها ~~العزيز قدمنا للميرة، قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ الله، قال: فمن أين ~~أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبي الله، قال: وله أولاد ~~غيركم؟ قالوا: نعم كنا اثني عشر، فذهب أصغرنا هلك في البرية، وكان أحبنا ~~إلى أبيه، وبقي شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه، فأمر بأنزالهم ~~وإكرامهم، { ولما جهزهم بجهازهم } أي أوفى لهم كيلهم وحمل ~~لهم أحمالهم قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم لأعلم صدقكم فيما ذكرتم، ~~{ ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير ~~المنزلين }؟ يرغبهم في الرجوع إليه، ثم رهبهم فقال: { فإن لم ~~تأتوني به فلا كيل لكم عندي } أي إن لم تقدموا به معكم ~~في المرة الثانية فليس لكم عندي ميرة، { ولا تقربون * قالوا ~~سنراود عنه ms1243 أباه وإنا لفاعلون } أي سنحرص على مجيئه ~~إليك بكل ممكن ولا نبقي مجهودا لتعلم صدقنا فيما قلناه { وقال ~~لفتيانه } أي غلمانه، { اجعلوا بضاعتهم } أي التي قدموا ~~بها ليمتاروا عوضا عنها { في رحالهم } أي في أمتعتهم من حيث لا ~~يشعرون { لعلهم يرجعون } بها قيل خشي أن لا يكون عندهم بضاعة ~~أخرى يرجعون للميرة بها، وقيل: أراد أن يردهم إذا وجدوها في متاعهم ~~تحرجا وتورعا، لأنه يعلم ذلك منهم، والله أعلم. ### || [12.63-64] # يقول تعالى عنهم إنهم رجعوا إلى أبيهم: { قالوا يأبانا منع ~~منا الكيل } يعنون بعد هذه المرة إن لم ترسل معنا أخانا ~~(بنيامين)، فأرسله معنا نكتل { وإنا له لحافظون } أي لا تخف ~~عليه فإنه سيرجع إليك، وهذا كما قالوا له في يوسف # أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له ~~لحافظون # [يوسف: 12] ولهذا قال لهم: { هل آمنكم عليه إلا كمآ ~~أمنتكم على أخيه من قبل } أي هل أنتم صانعون به إلا كما ~~صنعتم بأخيه من قبل، تغيبونه عني وتحولون بيني وبينه؟ { فالله خير ~~حافظا } ، { وهو أرحم الراحمين } أي هو أرحم الراحمين بي ~~وسيرحم كبري وضعفي ووجدي بولدي وأرجو من الله أن يرده علي ويجمع شملي ~~به، إنه أرحم الراحمين. ### || [12.65-66] # يقول تعالى: ولما فتح إخوة يوسف متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، هي ~~التي كان أمر يوسف فتيانه بوضعها في رحالهم، ولما وجدوها في متاعهم { ~~قالوا يأبانا ما نبغي } أي ماذا نريد، { هذه ~~بضاعتنا ردت إلينا } ، كما قال قتادة: ما نبغي وراء هذا إن ~~بضاعتنا ردت إلينا وقد أوفى لنا الكيل، { ونمير أهلنا } أي إذا ~~أرسلت أخانا معنا نأتي بالميرة إلى أهلنا، { ونحفظ أخانا ~~ونزداد كيل بعير } ، وذلك أن يوسف عليه السلام كان يعطي كل ~~رجل حمل بعير، { ذلك كيل يسير } هذا من تمام الكلام وتحسينه، أي ~~إن هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم ما يعدل هذا، { قال لن أرسله ~~معكم حتى تؤتون موثقا من الله } أي تحلفون بالعهود ~~والمواثيق، { لتأتنني به إلا أن يحاط بكم } ، إلا أن ~~تغلبوا كلكم ولا تقدرون على ms1244 تخليصه، { فلمآ آتوه موثقهم } ~~أكده عليهم، { قال الله على ما نقول وكيل } قال ابن ~~إسحاق: وإنما فعل ذلك لأنه لم يجد بدا من بعثهم لأجل الميرة التي لا غنى ~~لهم عنها فبعثه معهم. ### || [12.67-68] # يقول تعالى إخبارا عن يعقوب عليه السلام: أنه أمر بنيه لما جهزهم مع ~~أخيهم (بينامين) إلى مصر أن لا يدخلوا من باب واحد، وليدخلوا من أبواب ~~متفرقة، فإنه - كما قال ابن عباس والسدي وغير واحد - خشي عليهم العين، ~~وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة ومنظر وبهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم ~~الناس بعيونهم، فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه، وقوله: { ومآ ~~أغني عنكم من الله من شيء } أي أن هذا الاحتراز لا يرد ~~قدر الله وقضاءه، فإن الله إذا أراد شيئا لا يخالف ولا يمانع، { إن ~~الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه ~~فليتوكل المتوكلون * ولما دخلوا من حيث ~~أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من ~~شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها } ، قالوا: هي دفع ~~إصابة العين لهم { وإنه لذو علم لما علمناه } ، قال ~~قتادة: لذو علم بعلمه، وقال ابن جرير: لذو علم لتعليمنا إياه { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون }. ### || [12.69] # يخبر تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف ومعهم أخوه (بنيامين) ~~وأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته، وأفاض عليهم الصلة والإلطاف والإحسان، ~~واختلى بأخيه، فأطلعه على شأنه وما جرى له وعرفه أنه أخوه وقال له: { لا ~~تبتئس } ، أي لا تأسف على ما صنعوا بي، وأمره بكتمان ذلك عنهم، وأن ~~لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن ~~يبقيه عنده معززا مكرما معظما. ### || [12.70-72] # لما جهزهم وحمل معهم أبعرتهم طعاما أمر بعض فتيانه أن يضع { ~~السقاية } وهي إناء من فضة من قول الأكثرين، وقيل: من ذهب، ويكيل ~~للناس به من عزة الطعام إذ ذاك، قاله ابن عباس ومجاهد، وعن ابن عباس: { ~~صواع الملك } قال: كان من فضة يشربون فيه، وكان للعباس مثله في ~~الجاهلية، فوضعها في ms1245 متاع (بنيامين) من حيث لا يشعر أحد، ثم نادى مناد ~~بينهم: { أيتها العير إنكم لسارقون } ، فالتفتوا إلى ~~المنادي، وقالوا: { ماذا تفقدون * قالوا نفقد صواع ~~الملك } أي صاعه الذي يكيل به، { ولمن جآء به حمل بعير } ~~وهذا من باب الجعالة، { وأنا به زعيم } وهذا من باب الضمان ~~والكفالة. ### || [12.73-76] # لما اتهمهم أولئك الفتيان بالسرقة قال لهم إخوة يوسف: { تالله ~~لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا ~~سارقين } أي لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا، لأنهم شاهدوا منهم سيرة ~~حسنة، إنا { ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا ~~سارقين } أي ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة، فقال لهم الفتيان: { ~~فما جزآؤه } أي السارق إن كان فيكم { إن كنتم كاذبين } أي: ~~أي شيء يكون عقوبته إن وجدنا فيكم من أخذه؟ { قالوا جزآؤه من ~~وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين } ~~، وهكذا كانت شريعة إبراهيم عليه السلام أن السارق يدفع إلى المسروق منه، ~~وهذا هو الذي أراد يوسف عليه السلام، ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، ~~أي فتشها قبله تورية، { ثم استخرجها من وعآء أخيه } ~~فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم وإلزامهم بما يعتقدونه، ولهذا قال ~~تعالى: { كذلك كدنا ليوسف } وهذا من الكيد المحبوب المراد ~~الذي يحبه ويرضاه لما فيه من الحكمة والمصلحة والمطلوبة، وقوله: { ما ~~كان ليأخذ أخاه في دين الملك } أي لم يكن له أخذه في ~~حكم ملك مصر، وإنما كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه الله تعالى ~~فقال: { نرفع درجات من نشآء } ، كما قال تعالى: # يرفع الله الذين آمنوا منكم # [المجادلة: 11] الآية، { وفوق كل ذي علم عليم }. قال ~~الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله عز وجل. عن ~~سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس فحدث بحديث عجيب، فتعجب رجل فقال: ~~الحمد لله، فوق كل ذي علم عليم، فقال ابن عباس: بئس ما قلت، الله العليم ~~فوق كل عالم، يكون هذا أعلم من هذا وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم، ~~وقال قتادة: { وفوق ms1246 كل ذي علم عليم } حتى ينتهي العلم إلى ~~الله، منه بدئ وتعلمت العلماء وإليه يعود. ### || [12.77] # وقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد اخرج من متاع بنيامين { إن يسرق ~~فقد سرق أخ له من قبل } يتنصلون إلى العزيز من التشبه به، ~~ويذكرون أن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف عليه السلام. ~~قال قتادة: كان يوسف عليه السلام قد سرق صنما لجده أبي أمه فكسره، ~~وقوله: { فأسرها يوسف في نفسه } يعني الكلمة التي بعدها، ~~وهي قوله: { أنتم شر مكانا والله أعلم بما ~~تصفون } أي تذكرون، قال هذا في نفسه ولم يبدها لهم، وهذا من باب ~~الإضمار قبل الذكر، وله شواهد كثيرة في القرآن والحديث واللغة، قال ابن ~~عباس: { فأسرها يوسف في نفسه } قال: أسر في نفسه { ~~أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون }. ### || [12.78-79] # لما تعين أخذ بنيامين وتقرر تركه عند يوسف بمقتضى اعترافهم، شرعوا ~~يترققون له ويعطفونه عليهم { قالوا يأيها العزيز إن له ~~أبا شيخا كبيرا } يعنون وهو يحبه حبا شديدا ويتسلى به عن ولده ~~الذي فقده، { فخذ أحدنا مكانه } أي بدله يكون عندك عوضا عنه، ~~{ إنا نراك من المحسنين } أي العادلين المنصفين القابلين ~~للخير، { قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا ~~متاعنا عنده } أي كما قلتم واعترفتم، { إنآ إذا ~~لظالمون } أي إن أخذنا بريئا بمذنب. ### || [12.80-82] # يخبر تعالى عن إخوة يوسف أنهم لما يئسوا من تخليص أخيهم بنيامين الذي قد ~~التزموا لأبيهم برده إليه وعاهدوه على ذلك فامتنع عليهم ذلك { خلصوا ~~} أي انفردوا عن الناس { نجيا } يتناجون فيما بينهم، { قال ~~كبيرهم } وهو الذي أشار عليهم بإلقائه في البئر عندما همو بقتله قال ~~لهم: { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم ~~موثقا من الله } لتردنه إليه، فقد رأيتم كيف تعذر عليكم ذلك ~~مع ما تقدم لكم من إضاعة يوسف عنه، { فلن أبرح الأرض } أي لن ~~أفارق هذه البلدة { حتى يأذن لي أبي } في الرجوع إليه ~~راضيا عني { أو يحكم الله لي } بأن يمكنني من ms1247 أخذ أخي { ~~وهو خير الحاكمين } ، ثم أمرهم أن يخبروا أباهم بصورة ما وقع ~~حتى يكون عذرا لهم عنده، ويتنصلوا إليه ويبرأوا مما وقع بقولهم، وقوله: ~~{ وما كنا للغيب حافظين } قال قتادة: ما علمنا أن ابنك ~~سرق، { وسئل القرية التي كنا فيها } قيل المراد مصر، ~~وقيل غيرها: { والعير التي أقبلنا فيها } أي التي ~~رافقناها عن صدقنا وأمانتنا وحفظنا وحراستنا، { وإنا لصادقون } ~~فيما أخبرناك به من أنه سرق وأخذوه بسرقته. ### || [12.83-86] # قال لهم، كما قال لهم حين جاءوا على قميص يوسف بدم كذب: { بل ~~سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل } ، قال محمد بن ~~إسحاق: لما جاءوا يعقوب وأخبروه بما جرى اتهمهم، فظن أنها كفعلتهم بيوسف، ~~قال: { بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل } ، ~~ثم ترجى من الله أن يرد عليه أولاده الثلاثة يوسف وأخاه بنيامين وروبيل ~~الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه، إما أن يرضى عنه أبوه، فيأمره ~~بالرجوع إليه، وإما أن يأخذ أخاه خفية، ولهذا قال: { عسى الله أن ~~يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم } أي العليم بحالي، ~~{ الحكيم } في أفعاله وقضائه وقدره، { وتولى عنهم وقال ~~يأسفى على يوسف } أي أعرض عن بنيه، وقال متذكرا حزن يوسف ~~القديم الأول { يأسفى على يوسف } جدد له حزن الإبنين الحزن ~~الدفين، قال سعيد بن جبير: لم يعط أحد غير هذه الأمة الاسترجاع، ألا ~~تسمعون إلى قول يعقوب عليه السلام: { يأسفى على يوسف ~~وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم } أي ساكت لا يشكو ~~أمره إلى مخلوق، قاله قتادة وغيره، وقال الضحاك { فهو كظيم } كئيب ~~حزين، فعند ذلك رق له بنوه، وقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه، { ~~تالله تفتؤا تذكر يوسف } أي لا تفارق { حتى تكون ~~حرضا } أي ضعيف القوة، { أو تكون من الهالكين } ، يقولون: ~~إن استمر بك هذا الحال خشينا عليك الهلاك والتلف، { قال إنمآ ~~أشكو بثي وحزني إلى الله } أي أجابهم عما قالوا بقوله: { ~~إنمآ أشكو بثي وحزني } أي همي وما أنا فيه { إلى الله ~~} وحده، { وأعلم من الله ما ms1248 لا تعلمون } أي أرجو منه كل ~~خير. وعن ابن عباس في الآية يعني رؤيا يوسف أنها صدق وأن الله لا بد أن ~~يظهرها، وقال العوفي عنه: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني سوف أسجد له. ### || [12.87-88] # يقول تعالى مخبرا عن يعقوب عليه السلام إنه ندب بنيه على الذهاب في ~~الأرض يستعلمون أخبار يوسف وأخيه بنيامين، و(التحسس) يكون في الخير، ~~و(التجسس) يكون في البشر، ونهضهم وبشرهم وأمرهم أن لا ييأسوا { من ~~روح الله } أي لا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يرومونه ~~ويقصدونه فإنه لا يقطع الرجاء ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ~~وقوله: { فلما دخلوا عليه } تقدير الكلام: فذهبوا فدخلوا مصر ~~ودخلوا على يوسف، { قالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا ~~الضر } يعنون الجدب والقحط وقلة الطعام، { وجئنا ببضاعة ~~مزجاة } أي ومعنا ثمن الطعام الذي نمتاره وهو ثمن قليل، قاله مجاهد ~~والحسن، وقال ابن عباس: الرديء لا ينفق، وفي رواية عنه: الدراهم الرديئة ~~التي لا تجوز إلا بنقصان، وقال الضحاك: كاسدة لا تنفق، وأصل الإزجاء ~~الدفع لضعف الشيء، وقوله إخبارا عنهم: { فأوف لنا الكيل } أي ~~أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك، قال ابن جريج: { ~~وتصدق علينآ } برد أخينا إلينا، وقال سعيد بن جبير والسدي: ~~يقولون: تصدق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة وتجوز فيها. ### || [12.89-92] # يقول تعالى مخبرا عن يوسف عليه السلام أنه لما ذكر له إخوته ما أصابهم ~~من الجهد والضيق وقلة الطعام وعموم الجدب، وتذكر أباه، وما هو فيه من ~~الحزن لفقد ولديه مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسعة، فعند ذلك أخذته ~~رقة ورأفة ورحمة وشفقة على أبيه وإخوته، وبدره البكاء، فتعرف إليهم، ~~والظاهر - والله أعلم - أن يوسف عليه السلام إنما تعرف إليهم بنفسه بإذن ~~الله تعالى له في ذلك، كما إنه إنما أخفى منهم نفسه في المرتين الأوليين ~~بأمر الله تعالى له في ذلك، والله أعلم، ولكن لما ضاق الحال واشتد الأمر ~~فرج الله تعالى من ذلك الضيق فعند ذلك قالوا: { أءنك لأنت ms1249 يوسف ~~}؟ والاستفهام يدل على الاستعظام، أي أنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون ~~إليه من سنتين وأكثر، وهم لا يعرفونه، وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه، ~~فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام: { أءنك لأنت يوسف قال ~~أنا يوسف وهذا أخي } ، وقوله: { قد من الله ~~علينآ } أي بجمعه بيننا بعد التفرقة وبعد المدة { إنه من ~~يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ~~* قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } الآية، يقولون ~~معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق والسعة والملك وأقروا ~~له بأنهم أساءوا إليه وأخطأوا في حقه، { قال لا تثريب عليكم ~~اليوم } يقول أي لا تأنيب عليكم ولا عتب عليكم اليوم، ثم زادهم ~~الدعاء لهم بالمغفرة، فقال: { يغفر الله لكم وهو أرحم ~~الراحمين } قال السدي: اعتذروا إلى يوسف فقال: { لا تثريب ~~عليكم اليوم } يقول: لا أذكر لكم ذنبكم، وقال ابن إسحاق ~~والثوري: أي لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم، { يغفر الله ~~لكم } أي يستر الله عليكم فيما فعلتم { وهو أرحم الراحمين ~~}. ### || [12.93-95] # يقول: اذهبوا بهذا القميص { فألقوه على وجه أبي يأت ~~بصيرا } وكان قد عمي من كثرة البكاء، { وأتوني بأهلكم ~~أجمعين } أي بجميع بني يعقوب، { ولما فصلت العير } أي ~~خرجت من مصر، { قال أبوهم } يعني يعقوب عليه السلام لمن بقي عنده ~~من بنيه: { إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون } ~~تنسبوني إلى الفند والكبر، قال ابن عباس ومجاهد: تسفهون، وقال مجاهد ~~أيضا والحسن: تهرمون، وقولهم: { إنك لفي ضلالك القديم } ~~قال ابن عباس: لفي خطئك القديم، وقال قتادة: أي من حب يوسف لا تنساه ولا ~~تسلاه، قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ~~ولا لنبي الله صلى الله عليه وسلم، وكذا قال السدي وغيره. ### || [12.96-98] # قال ابن عباس: { البشير } البريد، وقال السدي: هو يهوذا بن يعقوب ~~وإنما جاء به لأنه هو الذي جاء بالقميص وهو ملطخ بدم كذب، فأحب أن يغسل ~~ذلك بهذا، فجاء بالقميص فألقاه على وجه أبيه فرجع بصيرا، وقال لبنيه عند ~~ذلك: { ألم أقل ms1250 لكم إني أعلم من الله ما لا ~~تعلمون } أي أعلم أن الله سيرده إلي، فعند ذلك قالوا لأبيهم ~~مترفقين له: { يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ إنا كنا ~~خاطئين * قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو ~~الغفور الرحيم } أي من تاب إليه تاب عليه، قال ابن مسعود: أرجأهم ~~إلى وقت السحر، وقال ابن جرير: كان عمر رضي الله عنه يأتي المسجد فيسمع ~~إنسانا يقول: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لي، ~~قال: فاستمع الصوت فإذا هو من دار (عبد الله بن مسعود) فسأل عبد الله عن ~~ذلك، فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله: { سوف أستغفر ~~لكم ربي }. ### || [12.99-100] # يخبر تعالى عن ورود يعقوب عليه السلام وقدومه بلاد مصر، لما كان يوسف قد ~~تقدم لإخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحملوا عن آخرهم، وترحلوا من بلاد ~~كنعان قاصدين بلاد مصر، فما أخبر يوسف عليه السلام باقترابهم خرج ~~لتلقيهم، وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلقي نبي الله ~~(يعقوب عليه السلام)، ويقال إن الملك خرج أيضا لتلقيه وهو الأشبه، ~~وقوله: { آوى إليه أبويه } قال السدي: إنما كان أباه وخالته ~~وكانت أمه قد ماتت قديما، قال ابن جرير: ولم يقم دليل على موت أمه، ~~وظاهر القرآن يدل على حياتها، وقوله: { ورفع أبويه على ~~العرش } ، قال ابن عباس: يعني السرير أي أجلسهما معه على سريره، { ~~وخروا له سجدا } أي سجد له أبواه وإخوته الباقون، وكانوا أحد ~~عشر رجلا، { وقال يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل } ~~أي التي كان قصها على أبيه من قبل، وقد كان هذا سائغا في شرائعهم إذا ~~سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة ~~عيسى عليه السلام، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصا بجناب الرب ~~سبحانه وتعالى، هذا مضمون قول قتادة وغيره، وفي الحديث: # " لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم ~~حقه عليها " # ، وفي حديث آخر: إن سلمان لقي النبي صلى الله عليه ms1251 وسلم في بعض المدينة، ~~وكان سلمان حديث عهد بالإسلام، فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " لا تسجد لي يا سلمان واسجد للحي الذي لا يموت " # والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم، ولهذا خروا له سجدا فعندها قال ~~يوسف: { يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ~~ربي حقا } أي هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير ~~إليه الأمر، كما قال تعالى: # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله # [الأعراف: 53] أي يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به من خير وشر، وقوله: { ~~قد جعلها ربي حقا } أي صحيحة صدقا، يذكر نعم الله عليه، { ~~وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجآء بكم ~~من البدو } أي البادية، قال ابن جريج وغيره: كانوا أهل بادية ~~وماشية، { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين ~~إخوتي إن ربي لطيف لما يشآء } ، أي إذا أراد أمرا ~~قيض له أسبابا وقدره ويسره { إنه هو العليم } بمصالح عباده { ~~الحكيم } في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده. قال ~~محمد بن إسحاق: ذكروا - والله أعلم - أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثماني ~~عشرة سنة، وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة، وأن يعقوب عليه ~~السلام بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة ثم قبضه الله إليه، ~~وقال عبد الله بن شداد: اجتمع آل يعقوب إلى يوسف بمصر وهم ستة وثمانون ~~إنسانا صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف ~~ونيف. ### || [12.101] # هذا دعاء من يوسف الصديق، دعا به ربه عز وجل لما تمت نعمة الله عليه ~~باجتماعه بأبويه وإخوته، وما من الله به عليه من النبوة والملك، سأل ~~ربه عز وجل أن يتوفاه مسلما حين يتوفاه وأن يلحقه بالصالحين، وهم ~~إخوانه من النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ وهذا ~~الدعاء يحتمل أن يوسف عليه السلام قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين ~~عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يرفع أصبعه ~~عند ms1252 الموت ويقول: # " اللهم في الرفيق الأعلى ثلاثا " # ؛ ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله ~~وانقضى عمره، لا أنه سأله ذلك منجزا كما يقول الداعي لغيره أماتك الله ~~على الإسلام، ويقول الداعي: اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا ~~بالصالحين؛ ويحتمل أنه سأل ذلك منجزا وكان ذلك سائغا في ملتهم، كما قال ~~قتادة: لما جمع الله شمله وأقر عينه وهو يومئذ مغمور في الدنيا وملكها ~~ونضارتها اشتاق إلى الصالحين قبله، وكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط ~~الموت قبل يوسف عليه السلام، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا لما في " ~~الصحيحين ": # " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد، وإما مسيئا ~~فلعله يستعتب، ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ~~إذا كان الوفاة خيرا لي ". # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولا يدع به من قبل أن يأتيه إلا أن ~~يكون قد وثق بعمله فإنه إذا مات أحدكم انقطع عنه عمله وإنه لا يزيد ~~المؤمن عمله إلا خيرا " # وهذا فيما إذا كان الضر خاصا به، وأما إذا كان فتنة في الدين فيجوز ~~سؤال الموت، كما قال تعالى إخبارا عن السحرة لا أرادهم فرعون عن دينهم ~~وتهددهم بالقتل قالوا: # ربنآ أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين # [الأعراف: 126]. وقالت مريم عليها السلام: # يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا # [مريم: 23] لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة لأنها لم تكن ذات ~~زوج وقد حملت ووضعت، وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي: # " وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون " # ، فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت، ولهذا قال علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه في آخر خلافته لما رأى الأمور لا تجتمع له، ولا يزداد الأمر ~~إلا شدة فقال: اللهم خذني إليك فقد سئمتهم وسئموني، وقال البخاري رحمه ~~الله: لما وقعت له تلك الفتنة وجرى له مع أمير خراسان ms1253 ما جرى قال: اللهم ~~توفني إليك، وفي الحديث: # " إن الرجل ليمر بالقبر - أي في زمان الدجال - فيقول يا ليتني مكانك " # لما يرى من الفتن والزلازل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون. ### || [12.102-104] # يقول تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم لما قص عليه نبأ إخوة يوسف، وكيف ~~رفعه الله عليهم وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم، مع ما أرادوا به ~~من السوء والهلاك والإعدام: هذا وأمثاله يا محمد من أخبار الغيوب السابقة ~~{ نوحيه إليك } ونعلمك به يا محمد لما فيه من العبرة لك والاتعاظ ~~لمن خالفك، { وما كنت لديهم } حاضرا عندهم ولا مشاهدا لهم { ~~إذ أجمعوا أمرهم } أي على إلقائه في الجب، { وهم ~~يمكرون } به، ولكنا أعلمناك به وحيا إليك وإنزالا عليك كقوله: # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم # [آل عمران: 44] الآية، وقال تعالى: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر # [القصص: 44] الآية، إلى قوله: # وما كنت بجانب الطور إذ نادينا # [القصص: 46] الآية، يقول تعالى: إنه رسوله وإنه قد أطلعه على أنباء ما ~~قد سبق مما فيه عبرة للناس ونجاة لهم في دينهم ودنياهم، ومع هذا ما آمن ~~أكثر الناس، ولهذا قال: { ومآ أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين } ، وقال: # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله # [الأنعام: 116]، وقوله: { وما تسألهم عليه من أجر } أي ~~ما تسألهم يا محمد على هذا النصح والرشد من أجر أي من جعالة ولا أجرة، بل ~~تفعله ابتغاء وجه الله ونصحا لخلقه، { إن هو إلا ذكر ~~للعالمين } أي يتذكرون به ويهتدون وينجون به في الدنيا والآخرة. ### || [12.105-107] # يخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله، ودلائل توحيده، ~~بما خلقه الله في السماوات والأرض من كواكب زاهرات وأفلاك دائرات؛ وحدائق ~~وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وحيوان ونبات، فسبحان الواحد الأحد ~~خالق أنواع المخلوقات، المنفرد بالدوام والبقاء والصمدية للأسماء ~~والصفات، وقوله: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون } قال ابن عباس: من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم: من خلق ~~السماوات ms1254 ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله وهم مشركون به. وفي ~~" الصحيحين ": أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، ~~إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. وفي " صحيح مسلم ": # " أنهم كانوا إذا قالوا: لبيك لا شريك لك، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " قد قد " " # أي حسب حسب لا تزيدوا على هذا، وقال الله تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. وقال الحسن البصري في قوله: { وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم مشركون } قال: ذلك المنافق يعمل إذا عمل ~~رياء الناس، وهو مشرك بعمله ذلك، يعني في قوله تعالى: # يرآءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا # [النساء: 142]، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يقول الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري ~~تركته وشركه " # ، وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا جمع الأولين والآخرين ~~ليوم لا ريب فيه، ينادي مناد من كان أشرك في عمل عمله الله فليطلب ~~ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك " # وقال: # " " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " ، قالوا: وما الشرك الأصغر يا ~~رسول الله؟ قال: " الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جاز الناس ~~بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون ~~عندهم جزاء " " # ؟. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي قال: قال أبو بكر الصديق: # " يا رسول الله علمني شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت ~~مضجعي، قال: " قل اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب ~~كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر ~~الشيطان وشركه " # ، وقوله: { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب ~~الله } الآية، أي افأمن هؤلاء المشركون بالله أن يأتيهم أمر يغشاهم من ~~حيث لا يشعرون، كقوله تعالى: # أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله ~~بهم الأرض أو ms1255 يأتيهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون # [النحل: 45] وقوله: # أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ~~وهم نآئمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله ~~فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون # [الأعراف: 97-99]. ### || [12.108] # يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الإنس والجن آمرا له ~~أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى ~~شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له " يدعو إلى الله بها على ~~بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه، وقوله: { وسبحان ~~الله } أي وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير ~~أو عديل أو نديد أو ولد أو والد أو صاحبه أو وزير أو مشير، تبارك وتقدس ~~وتنزه وتعالى عن ذلك كله علوا كبيرا # تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا # [الإسراء: 44]. ### || [12.109] # يخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من (الرجال) لا من (النساء) وهذا قول ~~جمهور العلماء، وزعم بعضهم أن (سارة) امرأة الخليل، وأم موسى، ومريم بنت ~~عمران، أم عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب، وبقوله: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه # [القصص: 7] الآية، وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى عليه السلام، ~~وبقوله تعالى: # وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفاك ~~وطهرك واصطفاك على نسآء العالمين # [آل عمران: 42]، وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات ~~بذلك ويبقى الكلام في أن هذا هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده ~~أم لا؟ الذي عليه أهل السنة والجماعة - وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن ~~الأشعري عنهم - أنه ليس في النساء نبية، وإنما فيهن (صديقات)، كما قال ~~تعالى مخبرا عن (مريم بنت عمران): # وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام # [المائدة: 75]، فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ~~ذلك في مقام ms1256 التشريف والإعظام فهي صديقة بنص القرآن, وقال الضحاك عن ابن ~~عباس في الآية: أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم، وهذا القول من ابن عباس ~~يعتضد بقوله تعالى: # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق # [الفرقان: 20] الآية، وقوله تعالى: # وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما ~~كانوا خالدين # [الأنبياء: 8]، وقوله: { من أهل القرى } المراد بالقرى المدن ~~لا أنهم من أهل البوادي الذين هم من أجفى الناس طباعا وأخلاقا، وقوله: ~~{ أفلم يسيروا في الأرض } يعني هؤلاء المكذبين لك يا محمد في ~~الأرض { فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } ~~أي من الأمم المكذبة للرسل كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، كقوله: # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون ~~بهآ # [العنكبوت: 46] الآية، فإذا استمعوا خبر ذلك رأوا أن الله قد أهلك ~~الكافرين ونجى المؤمنين، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه ولهذا قال تعالى: ~~{ ولدار الآخرة خير للذين اتقوا } أي وكما نجينا ~~المؤمنين في الدنيا كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة، وهي خير لهم ~~من الدنيا بكثير، وأضاف الدار إلى الآخرة فقال: { ولدار الآخرة } ~~كما يقال: صلاة الأولى ومسجد الجامع. ### || [12.110] # يذكر تعالى أن نصره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ~~ضيق الحال وانتظار الفرج من الله في أحوج الأوقات إليه، كقوله تعالى: # وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله # [البقرة: 214] الآية. وفي قوله: { كذبوا } قراءتان إحداهما بالتشديد ~~{ قد كذبوا } ، وكذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقرؤها، قال ~~البخاري عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت له ~~وهو يسألها عن قول الله تعالى: { حتى إذا استيأس الرسل } ~~قال، قلت: أكذبوا أم كذبوا؟ قالت عائشة: كذبوا، قلت: فقد استيقنوا أن ~~قومهم كذبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك، فقلت ~~لها: { وظنوا أنهم قد كذبوا }؟ قالت: معاذ الله لم تكن ~~الرسل تظن ذلك بربها، قلت فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين ~~آمنوا ms1257 بربهم وصدقوهم فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر { حتى ~~إذا استيأس الرسل } ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن ~~أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك. والقراءة الثانية بالتخفيف ~~واختلفوا في تفسيرها، فقال ابن عباس في قوله: { حتى إذا ~~استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا } قال: لما ~~أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم جاءهم ~~النصر على ذلك، { فنجي من نشآء } ، وقال ابن جرير، عن إبراهيم ~~بن أبي حمزة الجزري قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير قال: أخبرنا أبا ~~عبد الله كيف هذا الحرف؟ فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة ~~{ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد ~~كذبوا } قال: نعم، حتى استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل ~~إليهم أن الرسل قد كذبوا، فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجلا ~~يدعى إلى علم فيتلكأ، لو رحلت إلى اليمن في هذه كان قليلا. ثم روى ابن ~~جرير أيضا من وجه آخر أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك فأجابه ~~بهذا الجواب، فقام إلى سعيد فأعتنقه، وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني. ~~وأما ابن مسعود فقال ابن جرير، عن تميم بن حزم، قال: سمعت عبد الله بن ~~مسعود يقول في هذه الآية: { حتى إذا استيأس الرسل } من ~~إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا ~~بالتخفيف، فهاتان الروايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس والله أعلم. ### || [12.111] # يقول تعالى: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم وكيف نجينا المؤمنين ~~وأهلكنا الكافرين { عبرة لأولي الألباب } وهي العقول، { ما ~~كان حديثا يفترى } أي وما كان لهذا القرآن أن يفترى من دون ~~الله، أي يكذب ويختلق، { ولكن تصديق الذي بين يديه } ~~أي من الكتب المنزلة من السماء هو يصدق ما فيها من الصحيح وينفي ما وقع ~~فيها من تحريف وتبديل وتغيير، { وتفصيل كل شيء } من تحليل ~~وتحريم وغير ذلك من ms1258 الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن ~~المحرمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور الجلية، وعن ~~الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرب تبارك وتعالى ~~بالأسماء والصفات، وتنزهه عن مماثلة المخلوقات، فلهذا كان: { وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون } تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ~~ومن الضلال إلى السداد، ويبتغون به الرحمة من رب العباد، في هذه الحياة ~~الدنيا ويوم المعاد، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا ~~والآخرة. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1] # أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تقدم في أول سورة ~~البقرة، وقدمنا: أن كل سورة ابتدئت بهذه الحروف ففيها الانتصار للقرآن، ~~وتبيان أن نزوله من عند الله حق لا شك فيه ولا مرية ولا ريب، ولهذا قال: ~~{ تلك آيات الكتاب } أي هذه آيات الكتاب وهو القرآن، ثم عطف على ~~ذلك عطف صفات فقال: { والذي أنزل إليك } أي يا محمد { من ~~ربك الحق } ، وقوله: { ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون } كقوله: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103] أي مع هذا البيان والجلاء والوضوح لا يؤمن أكثرهم لما فيهم ~~من الشقاق، والعناد، والنفاق. ### || [13.2] # يخبر تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه، أنه الذي بإذنه وأمره رفع ~~السماوات بغير عمد، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعدا لا تنال ~~ولا يدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء ~~والهواء، من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على ~~السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام، ثم ~~السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت، وهكذا إلى السابعة، وفي ~~الحديث: # " ما السماوات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض ~~فلاة، والكرسي في العرش المجيد كتلك الحلقة في تلك الفلاة " # وفي رواية: # " العرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل " # وجاء عن بعض السلف: أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة ~~وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وهو من ms1259 ياقوتة حمراء، وقوله: { ~~بغير عمد ترونها } السماء على الأرض مثل القبة، يعني بلا ~~عمد، وهذا هو اللائق بالسياق، والظاهر من قوله تعالى: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # [الحج: 65] فعلى هذا يكون قوله: { ترونها } تأكيدا لنفي ذلك، أي ~~هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، وهذا هو الأكمل في القدرة، وقوله تعالى: ~~{ ثم استوى على العرش } تقدم تفسيره في سورة الأعراف، وأنه ~~يمر كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، ولا تمثيل تعالى الله ~~علوا كبيرا، وقوله: { وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى } قيل: المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام ~~الساعة، كقوله تعالى: # والشمس تجري لمستقر لها # [يس: 38]، وقيل: المراد إلى مستقرهما وهو تحت العرش، وذكر الشمس والقمر ~~لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة التي هي أشرف وأعظم من الثوابت، فإذا ~~كان قد سخر هذه فلأن يدخل في التسخير سائر الكواكب بطريق الأولى والأخرى، ~~كما نبه بقوله تعالى: # لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله ~~الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون # [فصلت: 37]، مع أنه قد صرح بذلك بقوله: # والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا ~~له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # [الأعراف: 54]، وقوله: { يفصل الآيات لعلكم بلقآء ~~ربكم توقنون } أي يوضح الآيات والدلالات الدالة على أنه لا إله ~~إلا هو وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما بدأه. ### || [13.3-4] # لما ذكر تعالى العالم العلوي، شرع في ذكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم ~~السفلي، فقال: { وهو الذي مد الأرض } أي جعلها متسعة ممتدة ~~في الطول والعرض، وأرساها بجبال راسيات شامخات، وأجرى فيها الأنهار ~~والجداول والعيون، ليسقى ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوان ~~والأشكال والطعوم { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين ~~اثنين } اي من كل شكل صنفان { يغشي اليل النهار } أي جعل ~~كلا منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا، فإذا ذهب هذا غشيه هذا، وإذا انقضى ~~هذا جاء الآخر فيتصرف أيضا في الزمان كما يتصرف في المكان والسكان { ~~إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } أي في آلاء الله ~~وحكمه ودلائله، قوله: ms1260 { وفي الأرض قطع متجاورات } أي أراض ~~يجاور بعضها بعضا، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينفع الناس وهذه سبخة مالحة ~~لا تنبت شيئا، ويدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض، فهذه تربة ~~حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء، وهذه محجرة، وهذه سهلة، وهذه ~~سميكة وهذه رقيقة، والكل متجاورات، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار ~~لا إله إلا هو، وقوله: { وجنات من أعناب وزرع ونخيل ~~} يحتمل أن تكون عاطفة على جنات، فيكون { وزرع ونخيل } مرفوعين، ~~ويحتمل أن يكون معطوفا على أعناب فيكون مجرورا، ولهذا قرأ بكل منهما ~~طائفة من الأئمة، وقوله: { صنوان وغير صنوان } الصنوان هو ~~الأصول المجتمعة في منبت واحد كالرمان والتين وبعض النخيل ونحو ذلك، وغير ~~الصنوان ما كان على أصل واحد كسائر الأشجار، وفي " الصحيح " أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لعمر: # " أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه " # ، وقال سفيان الثوري عن البراء رضي الله عنه: الصنوان هي النخلات في أصل ~~واحد، وغير الصنوان المتفرقات، وقوله: { يسقى بمآء واحد ~~ونفضل بعضها على بعض في الأكل } قال الأعمش، عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: { ونفضل بعضها على ~~بعض في الأكل } قال: # " الدقل والفارسي والحلو والحامض " # ، أي هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها ~~وطعومها وروائحها وأوراقها وأزهارها، فهذا في غاية الحلاوة، وهذا في غاية ~~الحموضة، وذا في غاية المرارة، وذا عفص، وهذا عذب، وهذا أصفر، وهذا أحمر، ~~وهذا أبيض، وكذلك الزهورات مع أنها كانت تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء ~~مع هذا الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط، ففي ذلك آيات لمن كان ~~واعيا، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته فاوت بين ~~الأشياء وخلقها على ما يريد، ولهذا قال تعالى: { إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون }. ### || [13.5] # يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: { وإن تعجب } من ~~تكذيب هؤلاء المشركين بالمعاد، مع ما يشاهدونه من آيات الله سبحانه ~~ودلائله في خلقه، ومع ما ms1261 يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء بعد أن لم ~~تكن شيئا مذكورا، ثم هم بعد هذا يكذبون في أنه سيعيد العالم خلقا ~~جديدا، فالعجب من قولهم: { أإذا كنا ترابا أإنا لفي ~~خلق جديد } وقد علم كل عالم وعاقل أن خلق السماوات والأرض أكبر من ~~خلق الناس، وأن من بدأ الخلق فالإعادة عليه أسهل، كما قال تعالى: # أولم يروا أن الله الذي خلق السموت ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى إنه على كل شيء قدير # [الأحقاف: 33]، ثم نعت المكذبين، بهذا، فقال: { أولئك الذين ~~كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم } أي ~~يسحبون بها في النار، { وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } أي ماكثون فيها أبدا لا يحولون عنها ولا يزولون. ### || [13.6] # يقول تعالى: { ويستعجلونك } أي هؤلاء المكذبون، { ~~بالسيئة قبل الحسنة } أي بالعقوبة، كما أخبر عنهم في ~~قوله: # ويستعجلونك بالعذاب # [الحج: 47] الآية، وقال تعالى: # سأل سآئل بعذاب واقع # [المعارج: 1]، وقال: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها # [الشورى: 18]، وقال: # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا # [ص: 16] الآية، أي عقابنا وحسابنا، فكانوا من شدة تكذيبهم وعنادهم ~~وكفرهم، يطلبون أن يأتيهم بعذاب الله، قال الله تعالى: { وقد خلت ~~من قبلهم المثلات } أي قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية، ~~وجعلناهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم؛ ثم أخبر تعالى أنه لولا حلمه وعفوه ~~لعاجلهم بالعقوبة كما قال: # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة # [فاطر: 45]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: { وإن ربك لذو ~~مغفرة للناس على ظلمهم } أي إنه تعالى ذو عفو وصفح ~~وستر للناس، مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار، ثم قرن هذا الحكم ~~بأنه شديد العقاب ليعتدل الرجاء والخوف، كما قال تعالى: # فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا ~~يرد بأسه عن القوم المجرمين # [الأنعام: 147]، وقال: # إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم # [الأنعام: 167] إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء والخوف، عن ~~سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية: { وإن ربك لذو ~~مغفرة ms1262 للناس على ظلمهم } قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تكل ~~كل أحد ". ### || [13.7] # يقول تعالى إخبارا عن المشركين إنهم يقولون كفرا وعنادا: لولا يأتينا ~~بآية من ربه كما أرسل الأولون، كما تعنتوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهبا، ~~وأن يزيح عنهم الجبال ويجعل مكانها مروجا وأنهارا، قال تعالى: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون # [الإسراء: 59] الآية، قال الله تعالى: { إنمآ أنت منذر } أي ~~إنما عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها، و # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء # [البقرة: 272]، وقوله: { ولكل قوم هاد } قال ابن عباس: أي ~~ولكل قوم داع، وقال العوفي عن ابن عباس في الآية: أنت يا محمد منذر وأنا ~~هادي كل قوم. عن مجاهد { ولكل قوم هاد } أي نبي كقوله: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24]، وقال يحيى بن رافع: { ولكل قوم هاد } أي قائد، ~~وعن عكرمة: { ولكل قوم هاد }: هو محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وقال مالك { ولكل قوم هاد }: يدعوهم إلى الله عز وجل. ### || [13.8-9] # يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء، وأنه محيط بما تحمله ~~الحوامل من كل الإناث، كما قال تعالى: # ويعلم ما في الأرحام # [لقمان: 34] أي ما حملت من ذكر أو أنثى، أو حسن أو قبيح، أو شقي أو ~~سعيد، أو طويل العمر أو قصيره، كقوله تعالى: # هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم ~~أجنة # [النجم: 32] الآية، وقال تعالى: # يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ~~في ظلمات ثلاث # [الزمر: 6] أي خلقكم طورا من بعد طور، كما قال تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين # [المؤمنون: 12-13]. وفي " الصحيحين " عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم ~~يكون مضغة ms1263 مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات، بكتب ~~رزقه وعمره وعمله وشقي أو سعيد " # ، وفي الحديث الآخر: # " فيقول الملك أي رب! أذكر أم أنثى! أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما ~~الأجل؟ فيقول الله ويكتب الملك ". # وقوله تعالى: { وما تغيض الأرحام وما تزداد } ، قال ~~البخاري، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا ~~يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ~~ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله " # ، وقال ابن عباس: { وما تغيض الأرحام } يعني السقط { وما ~~تزداد } ، يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته ~~تماما، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومن تحمل تسعة أشهر، ومنهن ~~من تزيد في الحمل، ومنهم من تنقص، فلذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله ~~تعالى وكل ذلك بعلمه تعالى، وعنه: ما نقصت من تسعة وما زاد عليها، وقال ~~الضحاك: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني وقد نبتت ثنيتي، ~~وقال ابن جريج، عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحرك ~~ظل مغزل، وقال مجاهد: { وما تغيض الأرحام وما تزداد } ~~قال: ما ترى من الدم في حملها وما تزاد على تسعة أشهر، وقال مجاهد أيضا ~~{ وما تغيض الأرحام }: إراقة الدم حتى يخس الولد، { وما ~~تزداد } إن لم تهرق الدم تم الولد وعظم، وقال مكحول: الجنين في بطن ~~أمه لا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها فمن ثم ~~لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض استهل، واستهلاله استنكاره لمكانه، ~~فإذا قطعت سرته حول الله رزقه إلى ثديي أمه، حتى لا يحزن ولا يطلب ولا ~~يغتم، ثم يصير طفلا يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا هو بلغ قال: هو ~~الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ فيقول مكحول: يا ويحك، ms1264 غذاك وأنت في بطن ~~أمك، وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت قلت: هو الموت أو القتل أنى لي ~~بالرزق؟ ثم قرأ مكحول: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } ~~الآية، وقال قتادة: { وكل شيء عنده بمقدار } أي بأجل، حفظ ~~أرزاق خلقه وآجالهم وجعل لذلك أجلا معلوما، وفي الحديث الصحيح: # " إن إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم بعثت إليه أن ابنا لها في ~~الموت، وأنها تحب أن يحضره، فبعث إليها يقول: " إن لله ما أخذ وله ما ~~أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمروها فلتصبر ولتحتسب " # الحديث بتمامه، وقوله: { عالم الغيب والشهادة } أي يعلم كل ~~شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم ولا يخفى عليه منه شيء { ~~الكبير } الذي هو أكبر من كل شيء { المتعال } أي على كل شيء، # قد أحاط بكل شيء علما # [الطلاق: 12] وقهر كل شيء فخضعت له الرقاب ودان له العباد طوعا وكرها. ### || [13.10-11] # يخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع خلقه، وأنه سواء منهم من أسر قوله أو ~~جهر به، فإنه يسمعه لا يخفى عليه شيء كقوله: # وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى # [طه: 7]، وقال: # ويعلم ما تخفون وما تعلنون # [النمل: 25]، وقوله: { ومن هو مستخف باليل } أي مختلف في ~~قعر بيته في ظلام الليل، { وسارب بالنهار } أي ظاهر ماش في بياض ~~النهار وضيائه، فإن كلاهما في علم الله على السواء، كقوله تعالى: # ألا حين يستغشون ثيابهم # [هود: 5] الآية، وقوله تعالى: # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه # [يونس: 61]، وقوله: { له معقبات من بين يديه ومن ~~خلفه يحفظونه من أمر الله } أي للعبد ملائكة يتعاقبون ~~عليه، حرس بالليل، وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما ~~يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة ~~بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال، يكتبان الأعمال صاحب اليمين يكتب ~~الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، ~~واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين ms1265 أربعة املاك بالنهار، وأربعة آخرين ~~بالليل بدلا، حافظان وكاتبان، كما جاء في " الصحيح ": # " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " # الحديث، وفي الحديث الآخر: # " إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع فاستحيوهم وأكرموهم ~~" # ، وقال ابن عباس: { يحفظونه من أمر الله } قال: ملائكة ~~يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه، وقال مجاهد: ~~ما من عبد إلا له ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، ~~فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال له الملك: وراءك إلا شيء أذن الله فيه ~~فيصيبه. # وقال الإمام أحمد رحمه الله، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة " ~~قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: " وإياي، ولكن الله أعانني عليه فلا ~~يأمرني إلا بخير " " # وقوله: { يحفظونه من أمر الله } قيل: المراد حفظهم له من ~~أمر الله، قاله ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وسعيد بن جبير، وقال قتادة: { ~~يحفظونه من أمر الله } يحفظونه بأمر الله، وقال كعب ~~الأحبار: لو تجلى لابن آدم كل سهل وكل حزن لرأى كل شيء من ذلك شيئا ~~يقيه، ولولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم ~~وعوراتكم إذا لتخطفتم، قال أبو أمامة: ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود ~~عنه حتى يسلمه للذي قدر له. # وقال أبو مجلز: جاء رجل إلى علي رضي الله عنه وهو يصلي، فقال: احترس، ~~فإن ناسا يريدون قتلك، فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، ~~فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، إن الأجل جنة حصينة. وقال بعضهم: { ~~يحفظونه من أمر الله } بأمر الله، كما جاء في الحديث أنهم ~~قالوا: # " يا رسول الله أرأيت رقيا تسترقي بها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: ~~" هي من قدر الله " # ، وقال ابن أبي حاتم: # " أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: إنه ليس من ms1266 أهل ~~قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله إلا ~~حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون " # ، ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله: { إن الله لا يغير ~~ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }. ### || [13.12-13] # يخبر تعالى أنه هو الذي يسخر البرق، وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا ~~من خلل السحاب، { خوفا وطمعا } ، قال قتادة: خوفا للمسافر يخالف ~~أذاه ومشقته، وطمعا للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله. { ~~وينشىء السحاب الثقال } أي ويخلقها منشأة جديدة، وهي لكثرة ~~مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض، قال مجاهد: السحاب الثقال: الذي فيه الماء، ~~{ ويسبح الرعد بحمده } ، كقوله: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد ~~والصواعق قال: # " اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك " # وعن أبي هريرة رفعه، أنه كان إذا سمع الرعد قال: # " سبحان من يسبح الرعد بحمده " # ، وعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: ~~سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويقول: إن هذا لوعيد ~~شديد لأهل الأرض، وروى الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله، فإنه لا يصيب ذاكرا " # ، وقوله تعالى: { ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء ~~} أي يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء، ولهذا تكثر في آخر الزمان؛ كما قال ~~الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة، حتى يأتي الرجل القوم فيقول: من صعق ~~قبلكم الغداة؟ فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان ". # وقد روي في سبب نزولها # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا مرة إلى رجل من فراعنة ~~العرب، فقال: " اذهب فادعه لي " ، قال: فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال له: من رسول الله؟ وما الله؟ أمن ذهب هو، أم من ms1267 ~~فضة هو، أم من نحاس هو؟ قال: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأخبره، فقال: يا رسول الله قد خبرتك أنه أعتى من ذلك، قال لي: كذا وكذا. ~~فقال لي: " ارجع إليه ثانية " ، فذهب فقال له مثلها، فرجع إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك؛ ~~فقال: " ارجع إليه فادعه " ، فرجع إليه الثالثة قال: فأعاد عليه ذلك ~~الكلام، فبينما هو يكلمه إذ بعث الله عز وجل سحابة حيال رأسه فرعدت، ~~فوقعت منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله عز وجل: { ويرسل ~~الصواعق } " # الآية. وعن مجاهد قال: جاء يهودي فقال: يا محمد أخبرني عن ربك من أي شيء ~~هو؟ من نحاس هو؟ أم من لؤلؤ، أو ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته، وأنزل ~~الله. # { ويرسل الصواعق } الآية، وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا أنكر ~~القرآن، وكذب النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل الله صاعقة فأهلكته، ~~وأنزل الله: { ويرسل الصواعق } الآية، وذكروا في سبب نزولها ~~قصة (عامر بن الطفيل) و (أربد بن ربيعة) لما قدما على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة، فسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر، فأبى عليهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عامر بن الطفيل لعنه الله: أما والله ~~لأملأنها عليك خيلا جردا، ورجلا مردا، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يأبى الله عليك ذلك وأبناء قيلة " # يعني الأنصار، ثم أنهما هما بالفلك برسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ~~أحدهما يخاطبه، والآخر يستل سيفه ليقتله من ورائه، فحماه الله تعالى ~~منهما وعصمه، فخرجا من المدينة، فانطلقا في أحياء العرب يجمعان الناس ~~لحربه عليه الصلاة والسلام، فأرسل الله على (أربد) سحابة فيها صاعقة ~~فأحرقته، وأما (عامر بن الطفيل) فأرسل الله عليه الطاعون، فخرجت فيه غدة ~~عظيمة، فجعل يقول: يا أهل عامر غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية، ~~حتى ماتا لعنهما الله، وأنزل الله في مثل ذلك: { ويرسل الصواعق ~~فيصيب بها من يشآء ms1268 وهم يجادلون في الله }. وقوله: ~~{ وهم يجادلون في الله } أي يشكون في عظمته وأنه لا إله إلا ~~هو { وهو شديد المحال }. قال ابن جرير: شديدة مماحلته في عقوبة ~~من طغى عليه، وعتا وتمادى في كفره، وهذه الآية شبيهة بقوله: # ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * ~~فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم ~~وقومهم أجمعين # [النمل: 50-51]، وعن علي رضي الله عنه: { وهو شديد المحال } ~~أي شديد الأخذ؛ وقال مجاهد: شديد القوة. ### || [13.14] # { له دعوة الحق } التوحيد لا إله إلا الله { والذين ~~يدعون من دونه } أي ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله { كباسط ~~كفيه إلى المآء ليبلغ فاه } ، قال علي بن أبي طالب: ~~كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده، وهو لا يناله أبدا بيده، ~~فكيف يبلغ فاه؟ وقال مجاهد: { كباسط كفيه } يدعو الماء بلسانه ~~ويشير إليه فلا يأتيه أبدا، وقيل: المراد كقابض يده على الماء، فإنه لا ~~يحكم منه على شيء، كما قال الشاعر: # فأصبحت مما كان بيني وبينها # من الود مثل القابض الماء باليد # ومعنى هذا الكلام أن الذي يبسط يده إلى الماء إما قابضا، وإما متناولا ~~له من بعد، كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه الذي جعله محلا ~~للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلها غيره لا ينتفعون ~~بهم أبدا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: { وما دعآء ~~الكافرين إلا في ضلال }. ### || [13.15] # يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه الذي قهر كل شيء ودان له كل شيء. ولهذا ~~يسجد له كل شيء طوعا من المؤمنين وكرها من الكافرين، { وظلالهم ~~بالغدو } أي البكور، { والآصال } وهو آخر النهار، كقوله تعالى: # أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ~~ظلاله # [النحل: 48] الآية. ### || [13.16] # يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السماوات ~~والأرض وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، ~~وأولئك الآلهة لا تملك لا لنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعا ولا ms1269 ~~ضرا، أي لا تحصل لهم منفعة ولا تدفع عنهم مضرة، فهل يستوي من عبد هذه ~~الآلهة مع الله ومن عبد الله وحده لا شريك له فهو على نور من ربه؟ ولهذا ~~قال: { قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي ~~الظلمات والنور أم جعلوا لله شركآء خلقوا ~~كخلقه فتشابه الخلق عليهم } أي أجعل هؤلاء المشركون ~~مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق، فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق ~~عليهم، فلا يدرون أنها مخلوقة من مخلوق غيره، أي ليس الأمر كذلك، فإنه لا ~~يشابهه شيء ولا يماثله، ولا ند له ولا عدل؛ ولا وزير له ولا ولد ولا ~~صاحبة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فأنكر تعالى عليهم ذلك، حيث ~~اعتقدوا ذلك وهو تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له # [سبأ: 23]، # وكم من ملك في السموت # [النجم: 26] الآية، وقال: # إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93]، فإذا كان الجميع عبيدا فلم يعبد بعضهم بعضا بلا دليل ولا ~~برهان؟ بل بمجرد الرأي والاختراع والابتداع فحقت عليهم كلمة العذاب لا ~~محالة، # ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]. ### || [13.17] # اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، ~~والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: { أنزل من السمآء ~~مآء } أي مطرا، { فسالت أودية بقدرها } أي أخذ كل واد ~~بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرا من الماء، وهذا صغير وسع بقدره، وهو إشارة ~~إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علما كثيرا، ومنها من لا يتسع لكثير ~~من العلوم بل يضيق عنها، { فاحتمل السيل زبدا رابيا } ، ~~أي فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه؛ هذا مثل، ~~وقوله: { ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية ~~أو متاع } الآية؛ هذا هو المثل الثاني وهو ما يسبك في النار من ذهب ~~أو فضة { ابتغآء حلية } أي ليجعل حلية أو نحاسا أو حديدا فيجعل ~~متاعا، فإنه يعلوه زبد منه، كما يعلو ذلك زبد منه، { كذلك ms1270 يضرب ~~الله الحق والباطل } ، أي إذا اجتمعا لا ثبات للباطل ولا ~~دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء، ولا مع الذهب والفضة مما يسبك ~~في النار، بل يذهب ويضمحل، ولهذا قال: { فأما الزبد فيذهب ~~جفآء } أي لا ينتفع به بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق ~~بالشجر وتنسفه الرياح، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب ولا ~~يرجع منه شيء ولا يبقى إلا الماء، وذلك الذهب ونحوه ينتفع به، ولهذا قال: ~~{ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال } ، كقوله تعالى: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # [العنكبوت: 43]. وقال بعض السلف: كنت إذا قرات مثلا من القرآن فلم ~~أفهمه بكيت على نفسي لأن الله تعالى يقول: # وما يعقلهآ إلا العالمون # [العنكبوت: 43]، قال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على ~~قدر يقينها وشكلها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع ~~الله به أهله، وهو قوله: { فأما الزبد } وهو الشك { فيذهب ~~جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } وهو ~~اليقين، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار، ~~فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك. وقال العوفي عن ابن عباس قوله: { ~~أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا } يقول: احتمل السيل ما في ~~الوادي من عود ودمنة، { ومما يوقدون عليه في النار } فهو ~~الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، فللنحاس والحديد خبث، ~~فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ~~ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى ~~لأهله، والعمل السيء يضمحل عن أهله، كما يذهب هذا الزبد، وكذلك الهدى ~~والحق، جاءا من عند الله فمن عمل بالحق كان له وبقي كما بقي ما ينفع ~~الناس في الأرض، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى ~~يدخل في النار فتأكل خبثه ويخرج جيده فينتفع به، فكذلك يضمحل الباطل، ms1271 ~~فإذا كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال فيزيغ الباطل ويهلك، ~~وينتفع أهل الحق بالحق. # وفي " الصحيحين " عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان ~~منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب ~~أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصابت ~~طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من ~~فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به فعلم وعلم، ومثل من لم ~~يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ". ### || [13.18] # يخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء: { للذين استجابوا ~~لربهم } أي أطاعوا الله ورسوله وانقادوا لأوامره وصدقوا أخباره ~~الماضية والآتية، فلهم { الحسنى } وهو الجزاء الحسن كقوله تعالى: # وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى ~~وسنقول له من أمرنا يسرا # [الكهف: 88]، وقال تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]، وقوله: { والذين لم يستجيبوا له } أي لم ~~يطيعوا الله، { لو أن لهم ما في الأرض جميعا } أي في ~~الدارا الآخرة، لو أنه يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ~~ومثله معه لافتدوا به، ولكن لا يتقبل منهم، لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم ~~القيامة صرفا ولا عدلا { أولئك لهم سوء الحساب } أي ~~في الدار الآخرة، أي يناقشون على النقير والقطمير، والجليل والحقير، ومن ~~نوقش الحساب عذب، ولهذا قال: { ومأواهم جهنم وبئس ~~المهاد }. ### || [13.19] # يقول تعالى: لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي { أنزل إليك } يا ~~محمد { من ربك } هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، بل هو كله حق ~~يصدق بعضه بعضا، فأخباره كلها حق، وأوامره ونواهيه عدل، فلا يستوي من ~~تحقق صدق ما جئت به يا محمد، ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه، ~~ولو فهمه ما انقاد له ولا صدقه ولا اتبعه، كقوله تعالى: # لا يستوي ms1272 أصحاب النار وأصحاب الجنة # [الحشر: 20]، وقال هنا: { أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك ~~من ربك الحق كمن هو أعمى } أي أفهذا كهذا؟ لا استواء. ~~وقوله: { إنما يتذكر أولوا الألباب } أي إنما يتعظ ~~ويعتبر أولو العقول السليمة الصحيحة؛ جعلنا الله منهم. ### || [13.20-24] # يقول تعالى مخبرا عمن اتصف بهذه الصفات الحميدة بأن لهم عقبى الدار، ~~وهي العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة { الذين يوفون بعهد ~~الله ولا ينقضون الميثاق } وليسوا كالمنافقين الذين إذا ~~عاهد أحدهم غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا ائتمن خان { والذين يصلون ~~مآ أمر الله به أن يوصل } من صلة الأرحام والإحسان إليهم ~~وإلى الفقراء والمحاويج وبذل المعروف، { ويخشون ربهم } أي ~~فيما يأتون وما يذرون من الأعمال، يراقبون الله في ذلك ويخافون سوء ~~الحساب في الدار الآخرة، فلهذا أمرهم على السداد والاستقامة في جميع ~~حركاتهم وسكناتهم، { والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ~~} أي عن المحارم والمآثم ففطموا أنفسهم عنها لله عز وجل ابتغاء مرضاته ~~وجزيل ثوابه، { وأقاموا الصلاة } بحدودها ومواقيتها وركوعها ~~وسجودها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي، { وأنفقوا مما ~~رزقناهم } أي على الذين يجب عليهم الإنفاق لهم، من زوجات وقرابات ~~وأجانب، من فقراء ومحاويج ومساكين، { سرا وعلانية } أي في السر ~~والجهر، لم يمنعهم من ذلك حال من الأحوال آناء الليل وأطراف النهار، { ~~ويدرءون بالحسنة السيئة } أي يدفعون القبيح بالحسن، ~~فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرا واحتمالا وصفحا وعفوا، كقوله ~~تعالى: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34]، ولهذا قال مخبرا عن هؤلاء السعداء المتصفين بهؤلاء الصفات ~~الحسنة بأن لهم عقبى الدار، ثم فسر ذلك بقوله: { جنات عدن } ~~والعدن: الإقامة، أي جنات إقامة يخلدون فيها، وقال الضحاك في قوله: { ~~جنات عدن } مدينة الجنة فيها الرسل والأنبياء والشهداء، وأئمة ~~الهدى والناس حولهم بعد والجنات حولها، وقوله: { ومن صلح من ~~آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } أي يجمع بينهم وبين ~~أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء ممن هو صالح لدخول الجنة من ~~المؤمنين لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة ms1273 الأعلى ~~امتنانا من الله، وإحسانا من غير تنقيص للأعلى عن درجته، كما قال ~~تعالى: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم # [الطور: 21] الآية، وقوله: { والملائكة يدخلون عليهم ~~من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم ~~عقبى الدار } أي وتدخل عليهم الملائكة من ههنا ومن ههنا للتهنئة ~~بدخول الجنة، فعند دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلمين مهنئين لهم ~~بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام، والإقامة في دار السلام، في ~~جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام. # روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ " قالوا: الله ورسوله ~~أعلم، قال: " أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء والمهاجرون الذين ~~تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته فى صدره لا يستطيع ~~لها قضاء، فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول ~~الملائكة: نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء ونسلم ~~عليهم؟ فيقول: إنهم كانوا عبادا يعبدونني لا يشركون بي شيئا، وتسد بهم ~~الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها ~~قضاء - قال - فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب { ~~سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } " # ، ورواه أبو القاسم الطبراني، عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أول ثلة يدخلون الجنة فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، وإذا ~~أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت منهم حاجة إلى سلطان لم تقض حتى يموت وهي ~~في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول: ~~أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي؟ ~~ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا ~~نحن نسبح بحمدك الليل والنهار ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ ~~فيقول الرب عز وجل: هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي، وأوذوا ms1274 في ~~سبيلي، فتدخل عليهم الملائكة من كل باب: { سلام عليكم بما ~~صبرتم فنعم عقبى الدار } " # ، وقد جاء في الحديث # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول ~~فيقول لهم: { سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى ~~الدار } " # ، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان. ### || [13.25] # هذا حال الأشقياء وصفاتهم وذكر مآلهم في الآخرة، ومصيرهم إلى خلاف ما ~~صار إليه المؤمنون، كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا فأولئك كانوا ~~يوفون بعهد الله ويصلون ما أمر الله به أن يوصل، وهؤلاء { ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله ~~به أن يوصل ويفسدون في الأرض } كما ثبت في الحديث: # " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان " # ، ولهذا قال: { أولئك لهم اللعنة } وهي الإبعاد عن ~~الرحمة { ولهم سوء الدار } ، وهي سوء العاقبة والمآل # ومأواهم جهنم وبئس المهاد # [الرعد: 18]. وقال أبو العالية: هي ست خصال في المنافقين، وإذا كان فيهم ~~الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا ~~أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر ~~الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا ~~الثلاث الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا. ### || [13.26] # يذكر تعالى أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر على من يشاء، لما ~~له في ذلك من الحكمة والعدل، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة ~~الدنيا استدراجا لهم وإمهالا كما قال: # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # [المؤمنون: 55-56]، ثم حقر الحياة الدنيا بالنسبة إلى ما ادخر تعالى ~~لعباده المؤمنين في الدار الآخرة فقال: { وما الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا متاع } ، كما قال: # قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ~~ولا تظلمون فتيلا # [النساء: 77]، وقال: # بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير ~~وأبقى # [الأعلى: 16-17]، وقال الإمام أحمد، عن المستورد أخي بني فهر قال: ms1275 قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بم ~~ترجع " # ، وأشار بالسبابة، وفي الحديث الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ~~بجدي أسك ميت، والأسك الصغير الأذنين، فقال: # " والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله حين ألقوه ". ### || [13.27-29] # يخبر تعالى عن المشركين قولهم { لولا } أي هلا، { أنزل عليه ~~آية من ربه } ، كقولهم: # فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون # [الأنبياء: 5] وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة، وأن الله قادر على ~~إجابة ما سألوا؛ { قل إن الله يضل من يشآء ويهدي ~~إليه من أناب } أي هو المضل والهادي، سواء بعث الرسول بآية على ~~وفق ما اقترحوا، أو لم يجبهم إلى سؤالهم، فإن الهداية والإضلال ليس ~~منوطا بذلك، كما قال: # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس: 101]، وقال: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولكن أكثرهم ~~يجهلون # [الأنعام: 111]، ولهذا قال: { قل إن الله يضل من يشآء ~~ويهدي إليه من أناب } أي ويهدي إليه من أناب إلى الله، ~~ورجع إليه واستعان به وتضرع لديه، { الذين آمنوا وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله } أي تطيب وتركن إلى جانب الله وتسكن عند ~~ذكره وترضى به مولى ونصيرا ولهذا قال: { ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب } أي هو حقيقي بذلك، وقوله: { الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب } ، قال ابن ~~عباس: فرج وقرة عين، وقال عكرمة: نعم ما لهم، وقال الضحاك: غبطة لهم. ~~وقال إبراهيم النخعي: خير لهم، وقال قتادة: يقول الرجل: طوبى لك، أي أصبت ~~خيرا، وقيل: حسنى لهم، { وحسن مآب } أي مرجع، وهذه الأقوال لا ~~منافاة بينها، وروى السدي عن عكرمة: طوبى لهم هي الجنة، وبه قال مجاهد. # وروى ابن جرير، عن شهر بن حوشب قال: طوبى شجرة في الجنة كل شجر الجنة ~~منها أغصانها، وهكذا روى غير واحد من السلف أن طوبى شجرة في الجنة ms1276 في كل ~~دار منها غصن منها، وذكر بعضهم أن الرحمن تبارك وتعالى غرسها بيده من ~~حبة لؤلؤة وأمرها أن تمتد، فامتدت إلى حيث يشاء الله تبارك وتعالى، وخرجت ~~من أصلها ينابيع أنهار الجنة من عسل وخمر وماء ولبن، وروى البخاري ومسلم ~~عن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها " # ، قال: فحدثت بها النعمان بن أبي عياش الزرقي فقال: حدثني أبو سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما ~~يقطعها " # وفي " صحيح البخاري " عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قول الله تعالى: # وظل ممدود # [الواقعة: 30] قال: # " في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ". ### || [13.30] # يقول تعالى وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة { لتتلوا ~~عليهم الذي أوحينآ إليك } أي تبلغهم رسالة الله إليهم ~~كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كذب الرسل من قبلك فلك ~~بهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك فليحذر هؤلاء من حلول النقم ~~بهم، قال الله تعالى: # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا # [الأنعام: 34] أي كيف نصرناهم وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا ~~والآخرة، وقوله: { وهم يكفرون بالرحمن } أي هذه الأمة ~~التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن لا يقرون به، لأنهم كانوا يأنفون من ~~وصف الله ب # الرحمن الرحيم # [الفاتحة: 3] ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا بسم الله الرحمن ~~الرحيم، وقالوا: ما ندري ما الرحمن الرحيم. وفي " صحيح مسلم ": # " إن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن " # { قل هو ربي لا إله إلا هو } أي هذا الذي تكفرون به ~~أنا مؤمن به معترف مقر له بالربوبية والإلهية، هو ربي لا إله إلا هو { ~~عليه توكلت } أي في جميع أموري، { وإليه متاب } أي ~~إليه أرجع وأنيب ms1277 فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه. ### || [13.31] # يقول تعالى مادحا للقرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ~~ومفضلا له على سائر الكتب المنزلة قبله: { ولو أن قرآنا ~~سيرت به الجبال } أي لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به ~~الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في ~~قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن ~~يكون كذلك لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنسان والجن عن آخرهم إذا ~~اجتمعوا أن يأتوا بمثله ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون ~~كافرون به جاحدون له، { بل لله الأمر جميعا } أي مرجع الأمور ~~كلها إلى الله عز وجل ما شاء كان، ما لم يشأ لم يكن، وقد يطلق اسم ~~القرآن على كل من الكتب المتقدمة لأنه مشتق من الجمع، وفي الحديث الصحيح، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته أن تسرج، فكان يقرأ القرآن من ~~قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه " # ، والمراد بالقرآن هو الزبور، وقوله: { أفلم ييأس الذين ~~آمنوا } أي من إيمان جميع الخلق ويعلموا أن يتبينوا { أن لو ~~يشآء الله لهدى الناس جميعا } فإنه ليس ثم حجة ولا ~~معجزة، أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس، من هذا القرآن الذي لو أنزله ~~الله عز وجل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، وثبت في " ~~الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته ~~وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " # معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته وهذا القرآن حجة باقية على الآباد ~~لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء. # وروي أن المشركين قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: لو سيرت لنا جبال مكة ~~حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت لنا ms1278 الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه ~~بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيى الموتى لقومه، فأنزل الله ~~هذه الآية: { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال }. وقال ~~قتادة: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم، وقوله: { بل لله ~~الأمر جميعا } قال ابن عباس: أي لا يصنع من ذلك إلا ما شاء ولم يكن ~~ليفعل. وقال غير واحد من السلف في قوله: { أفلم ييأس الذين ~~آمنوا } أفلم يعلم الذين آمنوا، وقوله: { ولا يزال الذين ~~كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا ~~من دارهم } أي بسبب تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا أو ~~تصيب من حولهم ليتعظوا ويعتبروا، كما قال تعالى: # أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ ~~أفهم الغالبون # [الأنبياء: 44]، قال الحسن: { أو تحل قريبا من دارهم }: ~~أي القارعة، وهذا هو الظاهر من السياق، وقال العوفي عن ابن عباس { ~~تصيبهم بما صنعوا قارعة } قال: عذاب من السماء ينزل عليهم، ~~{ أو تحل قريبا من دارهم } يعني نزول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بهم وقتاله إياهم؛ وقال عكرمة في رواية عنه { قارعة }: أي ~~نكبة، { حتى يأتي وعد الله } يعني فتح مكة، وقال الحسن ~~البصري: يوم القيامة، وقوله: { إن الله لا يخلف الميعاد } ~~أي لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة: # فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله ~~عزيز ذو انتقام # [إبراهيم: 47]. ### || [13.32] # يقول تعالى مسليا لرسوله صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه: ~~{ ولقد استهزئ برسل من قبلك } أي فلك فيهم أسوة، { ~~فأمليت للذين كفروا } أي أنظرتهم وأجلتهم، { ثم ~~أخذتهم } أخذة رابية فكيف بلغك ما صنعت بهم وكيف كان عقابي لهم؟ ~~كما قال تعالى: # وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم ~~أخذتها وإلي المصير # [الحج: 48]. وفي " الصحيحين ": # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]. ### || [13.33] # يقول ms1279 تعالى: { أفمن هو قآئم على كل نفس بما ~~كسبت } أي حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة يعلم ما يعمل العاملون ~~من خير وشر ولا يخفى عليه خافية # ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه # [يونس: 61]، وقال تعالى: # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها # [الأنعام: 59]، وقال: # سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن ~~هو مستخف باليل وسارب بالنهار # [الرعد: 10]، وقال: # يعلم السر وأخفى # [طه: 7]، وقال: # وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون ~~بصير # [الحديد: 4]، أفمن هو كذلك كالأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تبصر ولا ~~تعقل ولا تكشف ضرا عنها ولا عن عابديها؟ وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة ~~السياق عليه، وهو قوله: { وجعلوا لله شركآء } أي عبدوها معه ~~من أصنام وأنداد وأوثان، { قل سموهم } أي أعلمونا بهم واكشفوا ~~عنهم حتى يعرفوا فإنهم لا حقيقة لهم، ولهذا قال: { أم تنبئونه ~~بما لا يعلم في الأرض } أي لا وجود له، لأنه لو كان لها وجود ~~في الأرض لعلمها، لأنه لا تخفى عليه خافية { أم بظاهر من ~~القول } ، قال مجاهد: بظن من القول، وقال الضحاك وقتادة: بباطل من ~~القول، أي إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر وسميتموها ~~آلهة، # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان # [النجم: 23]، { بل زين للذين كفروا مكرهم } قال ~~مجاهد: قولهم أي ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف ~~النهار، كقوله تعالى: # وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم # [فصلت: 25] الآية، { وصدوا عن السبيل } أي بما زين لهم من ~~صحة ما هم عليه صدوا به عن سبيل الله، ولهذا قال: { ومن يضلل ~~الله فما له من هاد } ، كما قال: # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا # [المائدة: 41]، وقال: # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ~~وما لهم من ناصرين # [النحل: 37]. ### || [13.34-35] # ذكر تعالى عقاب الكفار وثواب الأبرار، فقال بعد إخباره عن حال المشركين ~~وما هم عليه من ms1280 الكفر والشرك: { لهم عذاب في الحياة ~~الدنيا } أي بأيدي المؤمنين قتلا وأسرا، { ولعذاب الآخرة } ~~أي المدخر مع هذا الخزي في الدنيا { أشق } أي من هذا بكثير كما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: # " إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة " # ، وهو كما قال صلوات الله وسلامه عليه: فإن عذاب الدنيا له انقضاء، وذاك ~~دائم أبدا في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفا، ووثاق لا يتصور ~~كثافته وشدته، كما قال تعالى: # فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق ~~وثاقه أحد # [الفجر: 25-26]، وقال تعالى: # وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا * إذا رأتهم ~~من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا # [الفرقان: 11-12] ولهذا قرن هذا بقوله: { مثل الجنة التي ~~وعد المتقون } أي صفتها ونعتها { تجري من تحتها ~~الأنهار } أي سارحة في أرجائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها يفجرونها ~~تفجيرا، أي يصرفونها كيف شاءوا وأين شاءوا، كقوله: # مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من ~~مآء غير آسن # [محمد: 15] الآية، وقوله: { أكلها دآئم وظلها } أي فيها ~~الفواكه والمطاعم والمشارب لا انقطاع ولا فناء. وفي " الصحيحين " من حديث ~~ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه قالوا: # " يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت، ~~فقال: " إني رأيت الجنة - أو أريت الجنة - فتناولت منها عنقودا، ولو ~~أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا " # وقال الحافظ أبو يعلى، عن جابر قال: بينما نحن في صلاة الظهر، إذ تقدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدمنا، ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر، ~~فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب: يا رسول الله صنعت اليوم في الصلاة ~~شيئا ما رأيناك كنت تصنعه، فقال: # " إني عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة فتناولت منها قطفا ~~من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء ~~والأرض لا ينقصونه ". # وروى الإمام أحمد والنسائي عن زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب ~~فقال: # " يا أبا القاسم، تزعم أن أهل ms1281 الجنة يأكلون ويشربون؟ قال: " نعم، والذي ~~نفس محمد بيده إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع ~~والشهوة " ، قال: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة ~~الأذى، قال: " تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كريح المسك فيضمر ~~بطنه " # ، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فيخر بين يديك مشويا " # ، وجاء في بعض الأحاديث أنه إذا فرغ منه عاد طائرا كما كان بإذن الله ~~تعالى، وقد قال الله تعالى: # وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة # [الواقعة: 32-33]، وقال: # ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا # [الإنسان: 14]، وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص كما قال تعالى: # لهم فيهآ أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا # [النساء: 57]. وقد تقدم في " الصحيحين " من غير وجه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب المجد الجواد المضمر السريع في ظلها ~~مائة عام لا يقطعها " # ثم قرأ: # وظل ممدود # [الواقعة: 30] وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين صفة الجنة وصفة النار ~~ليرغب في الجنة ويحذر من النار؛ ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر قال ~~بعده: { تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين ~~النار } ، كما قال تعالى: # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب ~~الجنة هم الفآئزون # [الحشر: 20]. ### || [13.36-37] # يقول تعالى: { والذين آتيناهم الكتاب } وهم قائمون ~~بمقتضاه { يفرحون بمآ أنزل إليك } أي من القرآن لما في ~~كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة، كما قال الله تعالى: # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا # [الإسراء: 107] إلى قوله # إن كان وعد ربنا لمفعولا # [الإسراء: 108] أي إن كان ما وعدنا الله به في كتبنا من إرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم لحقا وصدقا مفعولا لا محالة، وكائنا وقوله: { ومن ~~الأحزاب من ينكر بعضه } أي ومن الطوائف من يكذب بعض ما أنزل ~~إليك، وقال مجاهد { ومن الأحزاب }: أي اليهود والنصارى { من ~~ينكر بعضه } أي بعض ما جاءك ms1282 من الحق، وهذا كما قال تعالى: # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله # [آل عمران: 199] الآية، { قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ~~ولا أشرك به } أي إنما بعثت بعبادة الله وحده لا شريك له، كما ~~أرسل الأنبياء من قبلي، { إليه أدعو } أي إلى سبيله أدعو الناس، { ~~وإليه مآب } أي مرجعي ومصيري، وقوله: { وكذلك أنزلناه ~~حكما عربيا } أي وكما أرسلنا قبلك المرسلين وأنزلنا عليهم الكتب ~~من السماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن محكما معربا شرفناك به وفضلناك على ~~من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي، الذي # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 42]. وقوله: { ولئن اتبعت أهواءهم } أي آراءهم { ~~بعد ما جآءك من العلم } أي من الله سبحانه، { ما لك من ~~الله من ولي ولا واق } ، وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل ~~أهل الضلالة بعدما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية، والمحجة المحمدية ~~على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام. ### || [13.38-39] # يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد رسولا بشريا، كذلك قد بعثنا ~~المرسلين قبلك بشرا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون الزوجات، ~~ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجا وذرية، وقد قال تعالى لأشرف الرسل ~~وخاتمهم: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي # [الكهف: 110]، وفي " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب ~~عن سنتي فليس مني " # وقوله: { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن ~~الله } أي لم يكن يأتي قومه بخارق، إلا إذا أذن له فيه، ليس ذلك إليه ~~بل إلى الله عز وجل، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، { لكل أجل ~~كتاب } أي لكل مدة مضروبة كتاب مكتوب بها وكل شيء عند بمقدار، # ألم تعلم أن الله يعلم ما في السمآء والأرض ~~إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير # [الحج: 70]. وكان الضحاك يقول: { لكل أجل كتاب }: أي لكل كتاب ~~أجل، يعني لكل كتاب أنزل من السماء مدة مضروبة ms1283 عند الله ومقدار معين، ~~فلهذا { يمحوا الله ما يشآء } منها { ويثبت } يعني حتى ~~نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه، ~~وقوله: { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } اختلف المفسرون في ~~ذلك: فقال الثوري، عن ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو الله ما يشاء، إلا ~~الشقاء والسعادة والحياة والموت. وفي رواية { يمحوا الله ~~ويثبت } قال: كل شيء إلا الموت والحياة والشقاء والسعادة، فإنه قد ~~فرغ منهما، وقال منصور: سألت مجاهدا فقلت: أرأيت دعاء أحدنا، يقول: ~~اللهم إن كان إسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه ~~عنهم، واجعله في السعداء، فقال: حسن؛ ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر ~~فسألته عن ذلك، فقال: # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة # [الدخان: 3] الآيتين، قال: يقضى في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق ~~أو معصية، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب السعادة والشقاوة ~~فهو ثابت لا يغير، وقال الأعمش عن أبي وائل: إنه كان كثيرا يدعو بهذا ~~الدعاء: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحه، واكتبنا سعداء، وإن كنت ~~كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. وقال ~~ابن جرير: عن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو ~~يطوف بالبيت ويبكي: اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك ~~تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة. # ومعنى هذه الأقوال أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما ~~يشاء، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد، عن ثوبان قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا ~~يزيد في العمر إلا البر " # وثبت في " الصحيح " أن صلة الرحم يزيد في العمر، وفي حديث آخر: # " إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض " # وقال الكلبي: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، وقال ~~العوفي عن ابن عباس: هو ms1284 الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية ~~الله فيموت على ضلالة، فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله ~~وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله وهو الذي يثبت. وقال علي ~~بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } ~~يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله { وعنده أم ~~الكتاب } ، وجملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ وما يبدل وما يثبت كل ~~ذلك في كتاب، وقال مجاهد: قالت كفار قريش لما نزلت { وما كان ~~لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله }: ما نرى ~~محمدا يملك شيئا وقد فرغ من الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفا ووعيدا ~~لهم: إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، وتحدث في كل رمضان، فيمحو ~~ما يشاء ويثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسم لهم. ~~وقال الحسن البصري { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } قال: من ~~جاء أجله يذهب ويثبت الذي هو حي يجري إلى أجله، وقد اختار هذا القول أبو ~~جعفر بن جرير رحمه الله، وقوله: { وعنده أم الكتاب } قال: ~~الحلال والحرام، وقال قتادة: أي جملة الكتاب وأصله، وقال ابن جريج عن ابن ~~عباس: { وعنده أم الكتاب } قال: الذكر. ### || [13.40-41] # يقول تعالى لرسوله: { وإن ما نرينك } يا محمد بعض الذي نعد ~~أعداءك من الخزي والنكال في الدنيا، { أو نتوفينك } أي قبل ~~ذلك { فإنما عليك البلاغ } أي إنما أرسلناك لتبلغهم رسالة ~~الله وقد فعلت ما أمرت به { وعلينا الحساب } أي حسابهم وجزاؤهم ~~كقوله تعالى: # إن إلينآ إيابهم * ثم إن علينا حسابهم # [الغاشية: 25-26]. وقوله: { أولم يروا أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها } قال ابن عباس: أولم يروا أنا نفتح لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض، وقال مجاهد وعكرمة: { ننقصها ~~من أطرافها } قال: خرابها، وقال الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين ~~على المشركين، قال: نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض، وقال الشعبي: لو ~~كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك، ولكن تنقص الأنفس ms1285 والثمرات، وقال ابن ~~عباس في رواية: خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها. وكذا قال ~~مجاهد أيضا: هو موت العلماء، وأنشد أحمد بن غزال: # الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها # متى يمت عالم منها يمت طرف # كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها # وإن أبي عاد في أكنافها التلف # والقول الأول أولى، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية، كقوله: # ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى # [الأحقاف: 27] الآية، وهذا اختيار ابن جرير. ### || [13.42] # يقول تعالى: { وقد مكر الذين من قبلهم } برسلهم وأرادوا ~~إخراجهم من بلادهم فمكر الله بهم وجعل العاقبة للمتقين كقوله: # وإذ يمكر بك الذين كفروا # [الأنفال: 30] الآية، وقوله تعالى: # ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون # [النمل: 50] وقوله: { يعلم ما تكسب كل نفس } أي أنه ~~تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر وسيجزي كل عامل بعمله، { وسيعلم ~~الكفار لمن عقبى الدار } أي لمن تكون الدائرة والعاقبة لهم ~~أو لأتباع الرسل، كلا، بل لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة ولله الحمد ~~والمنة. ### || [13.43] # يقول تعالى: يكذبك هؤلاء الكفار ويقولون: { لست مرسلا } أي ما ~~أرسلك الله، { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } أي ~~حسبي الله هو الشاهد علي وعليكم، شاهد علي فيما بلغت عنه من الرسالة، ~~وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان، وقوله: { ومن ~~عنده علم الكتاب } قيل: نزلت في عبد الله بن سلام، وهذا القول ~~غريب، لأن هذه الآية مكية، وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، والأظهر في هذا ما قاله ابن عباس: هم ~~من اليهود والنصارى، وهو يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ونعته في كتبهم المتقدمة من بشارات الأنبياء به، كما قال ~~تعالى: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل # [الأعراف: 157] الآية، وقال تعالى: # أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني ~~إسرائيل # [الشعراء: 197]، وأمثال ذلك مما فيه الإخبار عن علماء بني إسرائيل أنهم ~~يعلمون ذلك ms1286 من كتبهم المنزلة. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-3] # قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور. { كتاب ~~أنزلناه إليك } أي هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو (القرآن ~~العظيم) الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء على أشرف رسول بعثه الله ~~في الأرض، إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم، { لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور } أي إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب لتخرج ~~الناس مما هم فيه من الضلال والغي، إلى الهدى والرشد، كما قال تعالى: # هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور # [النور: 9] الآية، وقال تعالى: { بإذن ربهم } أي هو الهادي لمن ~~قدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن أمره، يهديهم { إلى صراط ~~العزيز } أي العزيز الذي لا يمانع ولا يغالب بل هو القاهر لكل ما ~~سواه، { الحميد } أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعته وأمره ~~ونهيه، الصادق في خبره، { الله الذي له ما في السموت ~~وما في الأرض } بالجر على الاتباع صفة للجلالة، كقوله تعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ~~الذي له ملك السموت والأرض # [الأعراف: 158] الآية، وقوله: { وويل للكافرين من عذاب ~~شديد } أي ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك يا محمد وكذبوك، ثم وصفهم ~~بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، أي يقدمونها ويؤثرونها عليها ~~ويعملون للدنيا، ونسوا الآخرة وتركوها وراء ظهورهم. { ويصدون عن ~~سبيل الله } وهي اتباع الرسل، { ويبغونها عوجا } أي ~~ويحبون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة عائلة، وهي مستقيمة في نفسها، لا ~~يضرها من خالفها ولا من خذلها، فهم في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من ~~الحق لا يرجى لهم والحالة هذه صلاح. ### || [14.4] # هذا من لطفه تعالى بخلقه أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغاتهم، ليفهموا ~~عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم، كما روى الإمام أحمد عن أبي ذر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لم يبعث الله عز وجل نبيا إلا بلغه قومه " # وقوله: { فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء ms1287 } أي بعد ~~البيان وإقامة الحجة عليهم، يضل الله من يشاء عن وجه الهدى، ويهدي من ~~يشاء إلى الحق { وهو العزيز } الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ~~{ الحكيم } في أفعاله فيضل من يستحق الإضلال، ويهدي من هو أهل لذلك. ### || [14.5] # يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب، لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى إلى بني إسرائيل بآياتنا. قال ~~مجاهد: هي التسع الآيات، { أن أخرج قومك } أي أمرناه قائلين ~~له: { أخرج قومك من الظلمات إلى النور } أي ادعهم ~~إلى الخير ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال، إلى نور ~~الهدى وبصيرة الإيمان، { وذكرهم بأيام الله } أي بأياديه ~~ونعمه عليهم، في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه، وإنجائه ~~إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم الغمام، وإنزاله عليهم ~~المن والسلوى، إلى غير ذلك من النعم. قال ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد. ~~وقوله: { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } أي إن ~~فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل حين أنقذناهم من يد فرعون، وأنجيناهم ~~مما كانوا فيه من العذاب المهين، لعبرة لكل { صبار } أي في الضراء، { ~~شكور } أي في السراء، كما قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، ~~وإذا أعطي شكر. وكذا جاء في " الصحيح " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن ~~أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ". ### || [14.6-8] # يقول تعالى مخبرا عن موسى حين ذكر قومه بأيام الله عندهم ونعمه عليهم، ~~إذ أنجاهم من آل فرعون وما كانوا يسومونهم به من العذاب والإذلال، حيث ~~كانوا يذبحون من وجد من أبنائهم، ويتركون إناثهم فأنقذهم الله من ذلك، ~~وهذه نعمة عظيمة، ولهذا قال: { وفي ذلكم بلاء من ربكم ~~عظيم } أي نعمة عظيمة منه عليكم في ذلك أنتم عاجزون عن القيام بشكرها. ~~وقيل: { بلاء } أي اختبار عظيم، ويحتمل أن ms1288 يكون المراد هذا، وهذا - ~~والله أعلم - كقوله تعالى: # وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون # [الأعراف: 168]، وقوله: { وإذ تأذن ربكم } أي آذنكم ~~وأعلمكم بوعده لكم؛ ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعزته ~~وجلاله وكبريائه، كقوله تعالى: # وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيامة # [الأعراف: 167]. وقوله: { لئن شكرتم لأزيدنكم } أي لئن ~~شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها، { ولئن كفرتم } أي كفرتم النعم ~~وسترتموها وجحدتموها، { إن عذابي لشديد } وذلك بسلبها عنهم ~~وعقابه إياهم على كفرها، وقد جاء الحديث: # " إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " # وقوله تعالى: { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في ~~الأرض جميعا فإن الله لغني حميد } أي هو غني عن شكر ~~عباده، وهو الحميد المحمود وإن كفره من كفره. ### || [14.9] # قص الله علينا خبر قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل ~~مما لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل، { جآءتهم رسلهم ~~بالبينات } أي بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات، ~~وقوله: { فردوا أيديهم في أفواههم } اختلف المفسرون ~~في معناه، قيل: معناه أنهم أشاروا إلى أفواه الرسل يأمرونهم بالسكوت عنهم ~~لما دعوهم إلى الله عز وجل، وقيل: بل وضعوا أيديهم على أفواههم ~~تكذيبا لهم، وقال مجاهد وقتادة: معناه أنهم كذبوهم وردوا عليهم قولهم ~~بأفواههم، ويؤيد قول مجاهد: تفسير ذلك بتمام الكلام { وقالوا إنا ~~كفرنا بمآ أرسلتم به وإنا لفي شك مما ~~تدعوننآ إليه مريب } فكان هذا والله أعلم - تفسير لمعنى: { ~~فردوا أيديهم في أفواههم } ، وقال العوفي عن ابن ~~عباس: لما سمعوا كلام الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم، وقالوا: ~~إنا كفرنا بما أرسلتم به الآية، يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به فإن ~~عندنا فيه شكا قويا. ### || [14.10-12] # يخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أممهم ~~لما واجهوهم بالشك فيما جاؤوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت ~~الرسل: { أفي الله شك } ، أفي وجوده شك؟ فإن الفطر شاهدة بوجوده ~~ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن ~~قد يعرض لبعضها ms1289 شك واضطرار، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى ~~وجوده، ولهذا قالت الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه: { فاطر ~~السموت والأرض } الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق، فإن ~~شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما فلا بد لهما من صانع، وهو الله ~~لا إله إلا هو خالق كل شيء، وإلاهه ومليكه، وقالت لهم رسلهم: { ~~يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } أي في الدار الآخرة، { ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى } أي في الدنيا، فقالت لهم ~~الأمم: { إن أنتم إلا بشر مثلنا } أي كيف نتبعكم بمجرد ~~قولكم ولما نر منكم معجزة، { فأتونا بسلطان مبين } أي خارق ~~نقترحه عليكم، { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر ~~مثلكم } أي صحيح إنا بشر مثلكم في البشرية، { ولكن الله ~~يمن على من يشآء من عباده } أي بالرسالة والنبوة، { ~~وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان } على وفق ما سألتم { ~~إلا بإذن الله } ، أي بعد سؤالنا إياه وإذنه لنا في ذلك، { ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي في جميع أمورهم. ثم ~~قالت الرسل: { وما لنآ ألا نتوكل على الله } أي وما ~~يمنعنا من التوكل عليه؟ وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها، { ~~ولنصبرن على مآ آذيتمونا } أي من الكلام السيء والأفعال ~~السخيفة، { وعلى الله فليتوكل المتوكلون }. ### || [14.13-17] # يخبر تعالى عما توعدت به الأمم الكافرة رسلهم من الإخراج من أرضهم ~~والنفي من بين أظهرهم، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: # لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا معك من ~~قريتنآ # [الأعراف: 88] الآية، وكما قال قوم لوط: # أخرجوا آل لوط من قريتكم # [النمل: 56] الآية، ولهذا قال تعالى: { فأوحى إليهم ربهم ~~لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الأرض من ~~بعدهم } ، كما قال تعالى: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]، وقال تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # [المجادلة: 21]، وقال تعالى: # قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن ~~الأرض لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة ~~للمتقين # [الأعراف: 128]، وقال تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها # [الأعراف: 137]، وقوله: { ذلك لمن خاف مقامي وخاف ms1290 وعيد ~~} أي وعيدي، هذا لمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة، وخشي من وعيدي وهو ~~تخويفي وعذابي، كما قال تعالى: # فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن ~~الجحيم هي المأوى # [النازعات: 37-39]، وقال: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]، وقوله: { واستفتحوا } أي استنصرت الرسل ربها على ~~قومهم، وقال ابن أسلم: استفتحت الأمم على أنفسها، كما قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]، ويحتمل أن يكون هذا مرادا، وهذا مرادا، كما أنهم ~~استفتحوا على أنفسهم يوم بدر، واستفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~واستنصر وقال الله تعالى للمشركين: # إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح وإن تنتهوا ~~فهو خير لكم # [الأنفال: 19] الآية، { وخاب كل جبار عنيد } أي متجبر في ~~نفسه عنيد معاند للحق، كقوله تعالى: # ألقيا في جهنم كل كفار عنيد * مناع ~~للخير معتد مريب # [ق: 24-25]. وفي الحديث: # " إنه يؤتى بجهنم يوم القيامة، فتنادي الخلائق فتقول: إني وكلت بكل جبار ~~عنيد " # الحديث، وقوله: { من ورآئه جهنم } وراء هنا بمعنى أمام، ~~كقوله تعالى: # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # [الكهف: 79]، وكان ابن عباس يقرؤها: وكان أمامهم ملك، أي من وراء الجبار ~~العنيد جهنم، أي هي له بالمرصاد يسكنها مخلدا يوم المعاد، ويعرض عليها ~~غدوا وعشيا إلى يوم التناد، { ويسقى من مآء صديد } أي في ~~النار ليس له شراب إلا من حميم وغساق، كما قال: # هذا فليذوقوه حميم وغساق * وآخر من شكله ~~أزواج # [ص: 57-58]، وقال مجاهد: الصديد من القيح والدم. وقال قتادة: هو ما يسيل ~~من لحمه وجلده، وفي رواية عنه: الصديد ما يخرج من جوف الكافر فقد خالط ~~القيح والدم، وفي حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: # " قلت: يا رسول الله ما طينة الخبال؟ قال: " صديد أهل النار " # ، وفي رواية: # " عصارة أهل النار " # ، وقال الإمام أحمد، عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: { ويسقى من مآء ms1291 صديد * يتجرعه } قال: # " يقرب إليه فيتركه، فإذا أدني منه شوي وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه ~~قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره " # ، يقول تعالى: # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد: 15]، ويقول: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه # [الكهف: 29] الآية. # وقوله تعالى: { يتجرعه } أي يتغصصه ويتكرهه، أي يشربه قهرا ~~وقسرا لا يضعه في فمه حتى يضربه الملك بمطراق من حديد، كما قال تعالى: # ولهم مقامع من حديد # [الحج: 21]، { ولا يكاد يسيغه } أي يزدرده لسوء طعمه ولونه ~~وريحه وحرارته أو برده الذي لا يستطاع، { ويأتيه الموت من ~~كل مكان } أي يألم له جميع بدنه من كل عظم وعصب وعرق، وقال عكرمة: ~~حتى من أطراف شعره، وقال ابن عباس: { ويأتيه الموت من كل ~~مكان } قال: أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار ~~جهنم ليس منها نوع إلا يأتيه الموت منه، لو كان يموت، ولكن لا يموت لأن ~~الله تعالى قال: # لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها # [فاطر: 36]، ومعنى كلام ابن عباس رضي الله عنه أنه ما من نوع من هذه ~~الأنواع من العذاب إلا إذا ورد عليه، اقتضى أن يموت منه لو كان يموت، ~~ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال، ولهذا قال تعالى: { ~~ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت } ، ~~وقوله: { ومن ورآئه عذاب غليظ } أي وله من بعد هذه الحال ~~عذاب آخر غليظ أي مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله وأدهى وأمر، وهذا كما ~~قال تعالى عن شجرة الزقوم: # فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون * ثم ~~إن لهم عليها لشوبا من حميم * ثم إن ~~مرجعهم لإلى الجحيم # [الصافات: 66-68]، فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب ~~حميم، وتارة يردون إلى جحيم، عياذا بالله من ذلك، وهكذا قال تعالى: # إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي ~~في البطون * كغلي الحميم # [الدخان: 43-46]، وقال تعالى: # هذا فليذوقوه حميم وغساق * وآخر من شكله ~~أزواج # [ص: 57-58] إلى غير ذلك من الآيات ms1292 الدالة على تنوع العذاب عليهم، ~~وتكراره وأنواعه وأشكاله، مما لا يحصيه إلا الله عز وجل، جزاء وفاقا # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46]. ### || [14.18] # مثل هذا ضربه الله تعالى لأعمال الكفار، الذين عبدوا معه غيره، وكذبوا ~~رسله وبنو أعمالهم على غير أساس صحيح، فانهارت فقال تعالى: { مثل ~~الذين كفروا بربهم أعمالهم } أي مثل أعمالهم يوم ~~القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى، لأنهم كانوا يحسبون أنهم كانوا ~~على شيء، فلم يجدوا شيئا إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح ~~العاصفة { في يوم عاصف } أي ذي ريح شديدة عاصفة قوية، فلم يقدروا ~~على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، كقوله تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]، وقوله تعالى: # مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ~~ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ~~فأهلكته # [آل عمران: 117]، وقوله تعالى: # فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل ~~فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا # [البقرة: 264]، { ذلك هو الضلال البعيد } أي سعيهم وعملهم ~~على غير أساس ولا استقامة، حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه. ### || [14.19-20] # يقول تعالى مخبرا عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة، بأنه خلق ~~السماوات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس، أفليس الذي قدر على خلق هذه ~~السماوات في ارتفاعها واتساعها وعظمتها، وما فيها من الكواكب الثوابت ~~والسيارات والآيات الباهرات، وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد، وأوتاد ~~وبراري وصحارى وقفار وبحار وأشجار، ونبات وحيوان # أولم يروا أن الله الذي خلق السموت ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى إنه على كل شيء قدير # [الأحقاف: 33]، وقوله: { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق ~~جديد * وما ذلك على الله بعزيز } أي بعظيم ولا ممتنع، ~~بل هو سهل عليه إذا خالفتم أمره أن يذهبكم ويأت بآخرين على غير صفتكم. ### || [14.21] # يقول تعالى: { وبرزوا } أي برزت الخلائق كلها، برها وفاجرها لله ~~الواحد القهار، أي اجتمعوا له في براز من الأرض، وهو المكان ms1293 الذي ليس فيه ~~شيء يستر أحدا، { فقال الضعفاء } وهم الأتباع لقادتهم وسادتهم ~~وكبرائهم { للذين استكبروا } عن عبادة الله وحده لا شريك له، ~~وعن موافقة الرسل، قالوا لهم: { إنا كنا لكم تبعا } أي مهما ~~أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا، { فهل أنتم مغنون عنا من ~~عذاب الله من شيء } أي فهل تدفعون عنا شيئا من عذاب الله كما ~~كنتم تعدوننا وتمنوننا، فقالت القادة لهم: { لو هدانا الله ~~لهديناكم } ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين، { سوآء ~~علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص } أي ليس ~~لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه. قال عبد الرحمن بن ~~أسلم: إن أهل النار قالوا: تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم ~~وتضرعهم إلى الله عز وجل، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا، ~~فلما رأوا أنه لا ينفعهم، قالوا: إنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، ~~تعالوا حتى نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك ~~قالوا: { سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا } الآية. قلت: ~~والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها، كما قال تعالى: # وإذ يتحآجون في النار فيقول الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون ~~عنا نصيبا من النار # [غافر: 47]، وقال # حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون # [الأعراف: 38]، وقال تعالى: # ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا ~~السبيلا # [الأحزاب: 67]، وأما تخاصمهم في المحشر فقال تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين ~~استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ ~~جآءكم بل كنتم مجرمين # [سبأ: 31-32]. ### || [14.22-23] # يخبر تعالى عما خاطب به إبليس أتباعه بعد ما قضى الله بين عباده فأدخل ~~المؤمنين الجنات، وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس لعنه الله ~~يومئذ خطيبا ليزيدهم حزنا إلى حزنهم وغبنا إلى غبنهم وحسرة إلى حسرتهم ms1294 ~~فقال: { إن الله وعدكم وعد الحق } أي على ألسنة رسله ~~ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدا حقا وخبرا صادقا وأما ~~أنا فوعدتكم فأخلفتكم، كما قال الله تعالى: # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا # [النساء: 120] ثم قال: { وما كان لي عليكم من سلطان } ~~أي ما كان لي عليكم فيما دعوتكم إليه دليل ولا حجة فيما وعدتكم به، { ~~إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت ~~عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاؤوكم به، فخالفتموهم ~~فصرتم إلى ما أنتم فيه { فلا تلوموني } اليوم، { ولوموا ~~أنفسكم } فإن الذنب لكم لكونكم خالفتم الحجج، واتبعتموني بمجرد ما ~~دعوتكم إلى الباطل، { مآ أنا بمصرخكم } أي بنافعكم ومنقذكم ~~ومخلصكم مما أنتم فيه، { ومآ أنتم بمصرخي } أي بنافعي ~~بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال، { إني كفرت بمآ ~~أشركتمون من قبل } قال قتادة، أي بسبب ما أشركتموني من قبل ~~قال ابن جرير: يقول إني جحدت أن أكون شريكا لله عز وجل، وهذا الذي ~~قاله هو الراجح، كما قال تعالى: # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم ~~غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء ~~وكانوا بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 5-6]، وقال: # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82]. وقوله: { إن الظالمين } أي في إعراضهم عن الحق ~~واتباعهم الباطل لهم عذاب أليم، والظاهر من سياق الآية أن هذه الخطبة ~~تكون من إبليس بعد دخولهم النار كما قدمنا، قال الشعبي: يقوم خطيبان يوم ~~القيامة على رؤوس الناس، يقول تعالى لعيسى بن مريم: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116]؟ قال: ويقوم إبليس لعنه الله فيقول: { وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~} الآية، ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي ~~والنكال، وإن خطيبهم إبليس عطف بمآل السعداء، فقال { وأدخل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار } سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا، { خالدين ms1295 ~~فيه } ماكثين أبدا لا يحولون ولا يزولون { بإذن ربهم ~~تحيتهم فيها سلام } ، كما قال تعالى: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها سلام عليكم # [الزمر: 73]، وقال تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد: 23-24]، وقال تعالى: # ويلقون فيها تحية وسلاما # [الفرقان: 75]، وقال تعالى: # دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها ~~سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]. ### || [14.24-26] # قال ابن عباس: قوله: { مثلا كلمة طيبة }: شهادة أن لا إله ~~إلا الله { كشجرة طيبة } وهو المؤمن { أصلها ثابت } ~~يقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن، { وفرعها في السمآء } ~~يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء، وقال البخاري # " عن ابن عمر قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبروني ~~عن شجرة تشبه - أو - كالرجل المسلم، لا يتحات ورقها صيفا ولا شتاء، ~~وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ~~ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هي النخلة " ، فلما قمنا قلت لعمر: ~~يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، قال: ما منعك أن تتكلم؟ ~~قلت: لم أركم تتكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا، قال عمر: لأن تكون ~~قلتها أحب إلي من كذا وكذا " # وعن ابن عباس: { كشجرة طيبة } قال: هي شجرة في الجنة. وقوله: { ~~تؤتي أكلها كل حين } قيل: غدوة وعشيا، وقيل: كل شهر، وقيل: ~~كل شهرين، وقيل غير ذلك. والظاهر من السياق أن المؤمن مثله كمثل شجرة، لا ~~يزال يوجد منها ثمرة في كل وقت، من صيف أو شتاء أو ليل أو نهار، كذلك ~~المؤمن لا يزال يرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار في كل وقت ~~وحين { بإذن ربها } أي كاملا حسنا كثيرا طيبا مباركا { ~~ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون }. ~~وقوله تعالى: { ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة } هذا ~~مثل كفر الكافر لا أصل له ولا ثبات، ms1296 مشبه بشجرة الحنظل، وقوله: { ~~اجتثت } أي استؤصلت { من فوق الأرض ما لها من قرار } ~~أي لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ولا يصعد للكافر ~~عمل ولا يتقبل منه شيء. ### || [14.27] # روى البخاري، عن البراء بن عازب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، فذلك قوله: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } " # وقال الإمام أحمد، عن البراء بن عازب قال: # " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، ~~فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا ~~حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال: " ~~استعيذوا بالله من عذاب القبر " مرتين أو ثلاثا، ثم قال: إن العبد ~~المؤمن إذا كان في انقطاع في الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة ~~من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط ~~من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند ~~رأسه، فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان - قال ~~فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها ~~في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ~~ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون ~~بها يعني على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: ~~فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا ~~به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها ~~إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله: ~~اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها ~~أعيدهم ومنها أخرجهم تارة ms1297 أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان ~~فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ ~~فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو ~~رسول الله، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، ~~فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، ~~وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في ~~قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر ~~بالذي كنت يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك الوجه ~~الذي يأتي بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم ~~الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي. # قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، ~~نزل إليه ملائكة من السماء سود الوجه معهم المسوح فجلسوا منه مد البصر، ~~ثم يجيء ملك الموت، فيجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي ~~إلى سخط من الله وغضب - قال - فتفرق في جسده فينتزعه كما ينتزع السفود من ~~الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى ~~يجعلوها في تلك المسوح، فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت في وجه الأرض، ~~فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح ~~الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في ~~الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لا تفتح لهم أبواب ~~السمآء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في ~~سم الخياط } ، فيقول: الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض ~~السفلى، فتطرح روحه طرحا - ثم قرأ: { ومن يشرك بالله ~~فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير أو تهوي ~~به الريح في مكان سحيق } ، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان ~~فيجلسانه ويقولان له من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا ms1298 أدري، فيقولان له: ما ~~دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ~~فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فأفرشوه ~~من النار وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه ~~قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن ~~الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: ومن أنت ~~فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم ~~الساعة ". # وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إذا خرجت روح العبد ~~المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك ~~- قال - ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءة من قبل الأرض، صلى الله عليك ~~وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه عز وجل فيقول: انطلقوا به إلى ~~آخر الأجل. وإن كان الكافر إذا خرجت روحه - قال حماد - وذكر من نتنها ~~وذكر مقتا ويقول أهل السماء روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: ~~انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة: فرد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ريطة كانت عليه على أنفه هكذا. وقال ابن حبان في " صحيحه " ، عن أبي ~~هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن المؤمن إذا قبض أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون: اخرجي ~~إلى روح الله، فتخرج كأطيب ريح مسك، حتى أنه ليتناوله بعضهم بعضا يشمونه ~~حتى يأتوا به باب السماء فيقولون: ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من قبل ~~الأرض؟ ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك حتى يأتوا به أرواح المؤمنين، ~~فلهم أشد فرحا به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون: ما فعل فلان، ~~فيقولون: دعوه حتى يستريح، فإنه كان في غم، فيقول: قد مات أما أتاكم، ~~فيقولون: ذهب إلى أمه الهاوية، وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسح ~~فيقولون: اخرجي إلى غضب الله، فتخرج كأنتن ريح جيفة، فيذهب به إلى الأرض ~~". # وروى العوفي، ms1299 عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: إن المؤمن ~~إذا حضره الموت شهدته الملائكة فسلموا عليه وبشروه بالجنة، فإذا مات مشوا ~~مع جنازته، ثم صلوا عليه مع الناس، فإذا دفن أجلس في قبره فيقال له: من ~~ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقال له: من رسولك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه ~~وسلم فيقال له: ما شهادتك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا رسول الله، فيوسع له في قبره مد بصره. وأما الكافر فتنزل عليه ~~الملائكة فيبسطون أيديهم، والبسط هو الضرب # يضربون وجوههم وأدبارهم # [الأنفال: 50] عند الموت، فإذا أدخل قبره أقعد، فقيل له: من ربك؟ فلم ~~يرجع إليهم شيئا، وأنساه الله ذكر ذلك، وإذا قيل: من الرسول الذي بعث ~~إليك؟ لم يهتد له ولم يرجع إليهم شيئا { ويضل الله ~~الظالمين }. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي قتادة الأنصاري في قوله ~~تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ~~في الحياة الدنيا وفي الآخرة } الآية، قال: إن المؤمن إذا ~~مات أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ فيقول: الله، فيقال له: من نبيك؟ ~~فيقول: محمد بن عبد الله، فيقال له: ذلك مرات ثم يفتح له باب إلى النار، ~~فيقال له: أنظر إلى منزلك من النار لو زغت، ثم يفتح له باب إلى الجنة ~~فيقال له: انظر إلى منزلك من الجنة إذا ثبت. وإذا مات الكافر أجلس في ~~قبره فيقال له: من ربك؟ من نبيك؟ فيقول: لا أدري، كنت أسمع الناس يقولون، ~~فيقال له: لا دريت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى منزلك ~~إذا ثبت، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك إذ زغت، ~~فذلك قوله تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة }. وقال عبد ~~الرزاق: عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه: { يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا } قال: لا ~~إله إلا الله { وفي الآخرة }: المسألة في القبر، وقال قتادة أما ~~الحياة ms1300 الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح { وفي الآخرة }: في ~~القبر. وكذا روي عن غير واحد من السلف، وعن عثمان رضي الله عنه قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال: " ~~استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل " ". ### || [14.28-30] # قال البخاري: قوله: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا } ، ألم تعلم، كقوله: # ألم تر كيف # [إبراهيم: 24]، # ألم تر إلى الذين خرجوا # [البقرة: 243]. البوار: الهلاك، بار يبور بورا، # قوما بورا # [الفرقان: 18] هالكين. حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو عن ~~عطاء سمع ابن عباس: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا } قال: هم كفار أهل مكة. والمعنى جميع الكفار، فإن الله ~~تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ونعمة للناس، فمن ~~قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار. قال ابن أبي ~~حاتم: قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: ألا أحد يسألني عن ~~القرآن؟ فوالله لو أعلم اليوم أحدا أعلم به مني وإن كان من وراء البحار ~~لأتيته، فقام عبد الله بن الكواء، فقال: من { الذين بدلوا ~~نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار }؟ ~~قال: مشركو قريش أتتهم نعمة الله الإيمان، فبدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا ~~قومهم دار البوار. وقال سفيان الثوري، عن عمر بن الخطاب في قوله: { ~~ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا } قال: ~~هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة ~~فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. وكذا رواه حمزة الزيات ~~عن عمرو بن مرة قال: قال ابن عباس لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين هذه ~~الآية: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ~~كفرا وأحلوا قومهم دار البوار } قال: هم الأفجران من ~~قريش أخوالي وأعمامك، فأما أخوالي فأستاصلهم الله يوم بدر، وأما أعمامك ~~فأملى الله لهم إلى حين. وقال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن ~~زيد: هم كفار قريش الذين قتلوا يوم ms1301 بدر؛ وكذا رواه مالك في تفسيره عن ~~نافع عن ابن عمر. وقوله: { وجعلوا لله أندادا ليضلوا ~~عن سبيله } ، أي جعلوا له شركاء عبدوهم معه ودعوا الناس إلى ذلك، ثم ~~قال تعالى: مهددا لهم ومتوعدا لهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم { ~~قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } أي مهما قدرتم ~~عليه في الدنيا فافعلوا فمهما يكن من شيء { فإن مصيركم إلى ~~النار } أي مرجعكم وموئلكم إليها، كما قال تعالى: # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # [لقمان: 24]. وقال تعالى: # متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم ~~العذاب الشديد بما كانوا يكفرون # [يونس: 70]. ### || [14.31] # يقول تعالى آمرا عباده بطاعته، والقيام بحقه والإحسان إلى خلقه، بأن ~~يقيموا الصلاة، وأن ينفقوا مما رزقهم الله، بأداء الزكوات والنفقة على ~~القرابات والإحسان إلى الأجانب، والمراد بإقامتها هو المحافظة على وقتها ~~وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها، وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق في السر، ~~أي في الخفية والعلانية وهي الجهر، وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم { ~~من قبل أن يأتي يوم } وهو يوم القيامة، { لا بيع فيه ~~ولا خلال } أي ولا يقبل من أحد فدية بأن تباع نفسه، كما قال تعالى: # فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين ~~كفروا # [الحديد: 15]. وقوله: { ولا خلال } قال ابن جرير: يقول: ليس هنك ~~مخالة خليل فيصبح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالفته، بل هناك العدل ~~والقسط، يخبر تعالى أنه لا ينفع أحدا بيع ولا فدية، ولو افتدى بملء ~~الأرض ذهبا لو وجده، ولا تنفعه صداقة أحد ولا شفاعة أحد، إذا لقي الله ~~كافرا، قال الله تعالى: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ~~ينصرون # [البقرة: 123]، وقال تعالى: # يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة والكافرون هم الظالمون # [البقرة: 254]. ### || [14.32-34] # يعدد تعالى نعمه على خلقه بأن خلق لهم السماوات سقفا محفوظا والأرض ~~فراشا، { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من ms1302 ~~الثمرات رزقا لكم } ما بين ثمار وزروع مختلفة الألوان ~~والأشكال والطعوم والروائح والمنافع، وسخر الفلك بأن جعلها طافية على ~~تيار ماء البحر، تجري عليه بأمر الله تعالى، وسخر البحر لحملها ليقطع ~~المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر لجلب ما هنا إلى هناك، وما هناك ~~إلى هنا، وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلى قطر، رزقا للعباد، { ~~وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين } أي يسيران لا يفتران ~~ليلا ولا نهارا # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]، # يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا # [الأعراف: 54] فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتعارضان، فتارة ~~يأخذ هذا من هذا فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر، # يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى # [فاطر: 13] # ألا هو العزيز الغفار # [الزمر: 5] ، وقوله: { وآتاكم من كل ما سألتموه } يقول: ~~هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم وقالكم. ~~وقال بعض السلف: من كل ما سألتموه وما لم تسألوه، وقوله: { وإن ~~تعدوا نعمت الله لا تحصوها } ، يخبر تعالى عن عجز ~~العباد عن تعداد النعم فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب رحمه ~~الله: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن ~~يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين. وفي " صحيح البخاري " ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " اللهم لك الحمد غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا " # وقد روي في الأثر أن داود عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك وشكري لك ~~نعمة منك علي؟ فقال الله تعالى: الآن شكرتني يا داود، أي حين اعترفت ~~بالتقصير عن أداء شكر المنعم. وقال الإمام الشافعي رحمه الله: الحمد لله ~~الذي لا يؤدي شكر نعمة من نعمه، إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره ~~بها، وقال القائل في ذلك: # لو كل جارحة مني لها لغة # تثني عليك بما أوليت ms1303 من حسن # لكان ما زاد شكري إذ شكرت به # إليك أبلغ في الإحسان والمنن ### || [14.35-36] # يذكر تعالى في هذا المقام محتجا على مشركي العرب بأن البلد الحرام مكة، ~~إنما وضعت أول ما وضعت علىعبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم الذي ~~كانت عامرة بسببه آهلة تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن ~~فقال: { رب اجعل هذا البلد آمنا } ، وقد استجاب الله له ~~فقال تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا # [العنكبوت: 67] الآية. وقال في هذه القصة: { رب اجعل هذا ~~البلد آمنا } فعرفه لأنه دعا به بعد بنائها، ولهذا قال: # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق # [إبراهيم: 39]، ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، وقوله: ~~{ واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } ينبغي لكل داع أن ~~يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته، ثم ذكر أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس، ~~وأنه تبرأ ممن عبدها ورد أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، ~~كقول عيسى عليه السلام: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118] وليس فيه أكثر من الرد إلى مشيئة الله تعالى لا تجويز ~~وقوع ذلك. قال عبد الله بن وهب، # " عن عبد الله بن عمر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول إبراهيم ~~عليه السلام: { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } ~~الآية، وقول عيسى عليه السلام: { إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك } الآية، ثم رفع يديه، ثم قال: " اللهم أمتي، اللهم أمتي، ~~اللهم أمتي " وبكى، فقال الله: اذهب يا جبريل إلى محمد، وربك أعلم؛ وسله ~~ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام، فسأله فأخبره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما قال: فقال الله: اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ~~ولا نسؤوك ". ### || [14.37] # وهذا يدل على أن هذا دعاء ثان بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولى ~~عن هاجر وولدها، وذلك قبل بناء البيت، وهذا كان بعد بنائه تأكيدا ورغبة ~~إلى الله عز وجل، ولهذا ms1304 قال: { عند بيتك المحرم }. وقوله: ~~{ ربنا ليقيموا الصلاة } أي إنما جعلته محرما ليتمكن أهله ~~من إقامة الصلاة عنده { فاجعل أفئدة من الناس تهوي ~~إليهم } ، قال ابن عباس: لو قال أفئدة الناس لازدحم عليه فارس ~~والروم واليهود والنصارى والناس كلهم، ولكن قال: { من الناس } ~~فاختص به المسلمون. وقوله: { وارزقهم من الثمرات } أي ~~ليكون ذلك عونا لهم على طاعتك، وكما أنه واد غير ذي زرع فاجعل لهم ~~ثمارا يأكلونها، وقد استجاب الله ذلك، كما قال: # أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات ~~كل شيء رزقا من لدنا # [القصص: 57] وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته أنه ليس في البلد ~~الحرام (مكة) شجرة مثمرة، وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها استجابة لدعاء ~~الخليل عليه السلام. ### || [14.38-41] # قال ابن جرير: يقول تعالى مخبرا عن إبراهيم: خليله أنه قال: { ربنآ ~~إنك تعلم ما نخفي وما نعلن } أي أنت تعلم قصدي في ~~دعائي وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد، وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص ~~لك، فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها لا يخفى عليك منها شيء في ~~الأرض ولا في السماء، ثم حمد ربه عز وجل على ما رزقه من الولد بعد ~~الكبر فقال: { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر ~~إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعآء } أي أنه ~~يستجيب لمن دعاه، وقد استجاب لي فيما سألته من الولد، ثم قال: { رب ~~اجعلني مقيم الصلاة } أي محافظا عليها مقيما لحدودها { ~~ومن ذريتي } أي واجعلهم كذلك مقيمين لها، { ربنا وتقبل ~~دعآء } أي فيما سألتك فيه { ربنا اغفر لي ولوالدي } ، ~~وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه لما تبين له عداوته لله عز وجل { ~~وللمؤمنين } أي كلهم { يوم يقوم الحساب } أي يوم تحاسب ~~عبادك فتجازيهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر. ### || [14.42-43] # يقول تعالى: ولا تحسبن الله - يا محمد - غافلا عما يعمل الظالمون، أي ~~لا تحسبنه إذا أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم، مهمل لهم لا يعاقبهم على ~~صنعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم ويعده عليهم ms1305 عدا، { إنما يؤخرهم ~~ليوم تشخص فيه الأبصار } أي من شدة الأهوال يوم القيامة: ~~ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إلى قيام المحشر، فقال: { ~~مهطعين } أي مسرعين، كما قال تعالى: # مهطعين إلى الداع # [القمر: 8] الآية، وقال تعالى: # يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له # [طه: 108] وقال تعالى: # يوم يخرجون من الأجداث سراعا # [المعارج: 43] الآية. وقوله: { مقنعي رءوسهم } قال ابن عباس ~~ومجاهد وغير واحد: رافعي رؤسهم، { لا يرتد إليهم طرفهم } ~~أي أبصارهم ظاهرة شاخصة مديمون النظر، لا يطرفون لحظة لكثرة ما هم فيه من ~~الهول والفكرة والمخافة لما يحل بهم عياذا بالله العظيم من ذلك؛ ولهذا ~~قال: { وأفئدتهم هوآء } أي وقلوبهم خاوية خالية ليس فيها شيء ~~لكثرة الوجل والخوف، ولهذا قال قتادة وجماعة: إن أمكنه أفئدتهم خالية، ~~لأن القلوب لدى الحناجر قد خرجت من أماكنها من شدة الخوف. وقال بعضهم: هي ~~خراب لا تعي شيئا لشدة ما أخبر به تعالى عنهم، ثم قال تعالى لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم: { وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ~~فيقول الذين ظلموا ربنآ أخرنآ... }. ### || [14.44-46] # يقول تعالى مخبرا عن قيل الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب: { ~~ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب دعوتك ~~ونتبع الرسل } ، كقوله: # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون # [المؤمنون: 99] الآية. وقال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم # [المنافقون: 9] الآيتين، وقال تعالى مخبرا عنهم في حال محشرهم: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم # [السجدة: 12] الآية، وقال: # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا # [الأنعام: 27] الآية، وقال تعالى: # وهم يصطرخون فيها # [فاطر: 37] الآية، قال تعالى رادا عليهم في قولهم هذا: { أولم ~~تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال } أي أو ~~لم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحالة أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه، وأنه ~~لا معاد ولا جزاء فذوقوا هذا بذلك، قال مجاهد وغيره { ما لكم من ~~زوال }: أي ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة، كقوله: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا ms1306 يبعث الله من ~~يموت # [النحل: 38] الآية, { وسكنتم في مسكن الذين ظلموا ~~أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا ~~لكم الأمثال } أي قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم ~~ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر ولم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر # حكمة بالغة فما تغن النذر # [القمر: 5]. وروى العوفي عن ابن عباس في قوله: { وإن كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال } يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، ~~وكذا قال الحسن البصري، ووجهه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم من ~~شركهم بالله وكفرهم به ما ضر ذلك شيئا من الجبال ولا غيرها، وإنما عاد ~~وبال ذلك عليهم، ويشبه هذا قول الله تعالى: # ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن ~~تبلغ الجبال طولا # [الإسراء: 37]، والقول الثاني في تفسيرها ما رواه علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } يقول: ~~شركهم كقوله: # تكاد السموت يتفطرن منه # [مريم: 90] الآية، وهكذا قال الضحاك وقتادة. ### || [14.47-48] # يقول تعالى مقررا لوعده ومؤكدا { فلا تحسبن الله مخلف ~~وعده رسله } أي من نصرتهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ~~ثم أخبر تعالى أنه ذو عزة لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يغالب، وذو انتقام ~~ممن كفر به وجحده، # فويل يومئذ للمكذبين # [الطور: 11]، ولهذا قال: { يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسموت } أي وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض، كما جاء ~~في الصحيحين، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها ~~معلم لأحد " # ، وقال الإمام أحمد، # " عن عائشة أنها قالت: أنا أول الناس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن هذه الآية: { يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسموت } قالت: قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: " على ~~الصراط " # وقال الإمام مسلم بن الحجاج في " صحيحه " # " عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت قائما عند رسول ~~الله ms1307 صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار يهود فقال: السلام عليك يا ~~محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا ~~رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي " ، فقال ~~اليهودي: جئت أسألك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أينفعك شيئا ~~إن حدثتك "؟ فقال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود ~~معه، فقال: " سل " ، فقال اليهودي: أن يكون الناس يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هم في الظلمة دون ~~الجسر " ، قال: فمن أول الناس إجازة؟ فقال: فقراء المهاجرين " ، فقال ~~اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: " زيادة كبد النون " ، قال: ~~فما غذاؤهم في أثرها؟ قال: " ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من ~~أطرافها " ، قال: فما شرابهم عليه؟ قال: " من عين فيها تسمى سلسبيلا " ، ~~قال صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو ~~رجل أو رجلان، قال: أينفعك إن حدثتك "؟ قال: أسمع بأذني، قال جئت أسألك ~~عن الولد، قال: " ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعنا فعلا ~~مني الرجل مني المرأة كان ذكرا بإذن الله تعالى، وإذا علا مني المرأة ~~مني الرجل كان أنثى بإذن الله " ، قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي، ثم ~~انصرف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد سألني هذا عن الذي ~~سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به ". # وروى أبو جعفر بن جرير الطبري، عن عمرو بن ميمون يقول: { يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض } قال: أرض كالفضة البيضاء نقية، لم ~~يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي حفاة ~~عراة كما خلقوا، قال، أراه قال قياما حتى يلجمهم العرق، وعن عمرو بن ~~ميمون عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل ms1308 { ~~يوم تبدل الأرض غير الأرض } قال: # " أرض بيضاء لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها خطيئة " # وقال الربيع عن أبي بن كعب قال: تصير السماوات جنانا. وقال الأعمش، عن ~~عبد الله بن مسعود: الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة من ورائها ترى ~~أكوابها وكواعبها، والذي نفس عبد الله بيده إن الرجل ليفيض عرقا حتى ~~ترشح في الأرض قدمه، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه، وما مسه الحساب، قالوا: مم ~~ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال مما يرى الناس ويلقون. وقال أبو جعفر الرازي ~~عن الربيع بن أنس عن كعب في قوله: { يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض والسموت } قال: تصير السماوات جنانا ويصير مكان البحر ~~نارا وتبدل الأرض غيرها. وقوله: { وبرزوا لله } أي خرجت الخلائق ~~جميعها من قبورهم لله { الواحد القهار } أي الذي قهر كل شيء ~~وغلبه، ودانت له الرقاب وخضعت له الألباب. ### || [14.49-51] # يقول تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت # [إبراهيم: 48] وتبرز الخلائق لديانها ترى يا محمد يومئذ المجرمين وهم ~~الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم، { مقرنين } أي بعضهم إلى بعض قد جمع ~~بين النظراء أو الأشكال منهم كل صنف إلى صنف، كما قال تعالى: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22]، وقال: # وإذا النفوس زوجت # [التكوير: 7]، وقال: # وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا ~~هنالك ثبورا # [الفرقان: 13]، وقال: # والشياطين كل بنآء وغواص * وآخرين مقرنين ~~في الأصفاد # [ص: 37-38] والأصفاد هي القيود، قال عمرو بن كلثوم: # فآبوا، بالثياب وبالسبايا # وأبنا بالملوك مصفدينا # وقوله تعالى: { سرابيلهم من قطران } أي ثيابهم التي يلبسونها ~~من قطران، وهو الذي تهنأ به الإبل، أي تطلى، قال قتادة: وهو ألصق شيء ~~بالنار، وكان ابن عباس يقول: القطران هو النحاس المذاب، أي من نحاس حار ~~قد انتهى حره، وقوله: { وتغشى وجوههم النار } ، كقوله: # تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون # [المؤمنون: 104]، وقال الإمام أحمد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في ~~الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة ms1309 على الميت، والنائحة إذا لم تتب ~~قبل موتها؛ تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب " # ، وقوله: { ليجزي الله كل نفس ما كسبت } أي يوم ~~القيامة # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا # [النجم: 31] الآية، { إن الله سريع الحساب } يحتمل أن يكون ~~كقوله تعالى: # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون # [الأنبياء: 1] ويحتمل أنه في حال محاسبته لعبده سريع النجاز، لأنه يعلم ~~كل شيء ولا يخفى عليه خافية، وإن جميع الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد ~~منهم، كقوله تعالى: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28]، وهذا معنى قول مجاهد: { سريع الحساب } إحصاء، ~~ويحتمل أن يكون المعنيان مرادين والله أعلم. ### || [14.52] # يقول تعالى: هذا القرآن بلاغ للناس، كقوله: # لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19] أي هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجن كما قال تعالى في أول ~~السورة: # كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور # [إبراهيم: 1] الآية، { ولينذروا به } أي ليتعظوا به، { ~~وليعلموا أنما هو إله واحد } أي يستدلوا بما فيه ~~من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو، { وليذكر أولوا ~~الألباب } أي ذوو العقول. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-3] # قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، وقوله تعالى: { ~~ربما يود الذين كفروا } إخبار عنهم أنهم سيندمون على ما ~~كانوا فيه من الكفر، ويتمنون لو كانوا في الدنيا مسلمين، ونقل السدي عن ~~ابن عباس، أن كفار قريش لما عرضوا على النار تمنوا أن لو كانوا مسلمين، ~~وقيل: المراد أن كل كافر يود عند احتضاره أن لو كان مؤمنا، وقيل: هذا ~~إخبار عن يوم القيامة، كقوله تعالى: # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين # [الأنعام: 27]، وقال بعضهم: يحبس الله أهل الخطايا من المسلمين مع ~~المشركين في النار، قال: فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم ~~تعبدون في الدنيا، قال: فيغضب الله لهم بفضل رحمته، فيخرجهم، فذلك حين ~~يقول: { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ~~}. وقال مجاهد: يقول ms1310 أهل النار للموحدين: ما أغنى عنكم إيمانكم؟ فإذا ~~قالوا ذلك قال الله: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فعند ذلك ~~قوله: { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ~~} ، وقد ورد في ذلك أحاديث مرفوعة، فقال الحافظ الطبراني، عن أنس بن ~~مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن ناسا من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم ~~أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قولكم: { لا إله إلا الله } ~~وأنتم معنا في النار؟ فيغضب الله لهم، فيخرجهم فيلقيهم في نهر الحياة، ~~فيبرؤون من حرقهم، كما يبرأ القمر من خسوفه، ويدخلون الجنة ويسمون فيها ~~الجهنميين ". # الحديث الثاني: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " " إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال ~~الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم ~~الإسلام وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فسمع ~~الله ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ~~ذلك من بقي من الكفار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا - قال: ~~ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: { ~~الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين * ربما يود ~~الذين كفروا لو كانوا مسلمين } " # وقوله: { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } تهديد شديد لهم ووعيد ~~أكيد، كقوله تعالى: # قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار # [إبراهيم: 30]، وقوله: # كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون # [المرسلات: 46]، ولهذا قال: { ويلههم الأمل } أي عن التوبة ~~والإنابة { فسوف يعلمون } أي عاقبة أمرهم. ### || [15.4-5] # يخبر تعالى أنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، ~~وأنه لا يؤخر أمة حان هلاكهم عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم، وهذا ~~تنبيه لأهل مكة وإرشاد لهم، إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد ~~والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك. ### || [15.6-9] # يخبر تعالى عن ms1311 كفرهم وعنادهم في قولهم: { يأيها الذي نزل ~~عليه الذكر } أي الذي تدعي ذلك، { إنك لمجنون } أي في ~~دعائك إيانا إلى اتباعك وترك ما وجدنا عليه آباءنا، { لو ما } أي ~~هلا، { تأتينا بالملائكة } أي يشهدون لك بصحة ما جئت به كما ~~قال فرعون: # فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جآء معه ~~الملائكة مقترنين # [الزخرف: 53]، # وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في ~~أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا # [الفرقان: 21]، وكذا قال في هذه الآية { ما ننزل الملائكة ~~إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين }. وقال مجاهد في ~~قوله: { ما ننزل الملائكة إلا بالحق }: بالرسالة ~~والعذاب، ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن وهو ~~الحافظ له من التغيير والتبديل. ### || [15.10-13] # يقول تعالى مسليا لرسوله صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من كفار ~~قريش، إنه أرسل من قبله من الأمم الماضية، وإنه ما أتى أمة من رسول إلا ~~كذبوه واستهزؤوا به، ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين ~~عاندوا واستكبروا عن اتباع الهدى، قال أنس والحسن البصري: { كذلك ~~نسلكه في قلوب المجرمين }: يعني الشرك، وقوله: { وقد ~~خلت سنة الأولين }: أي قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من ~~الهلاك والدمار، وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة. ### || [15.14-15] # يخبر تعالى عن قوة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق أنه لو فتح لهم بابا ~~من السماء فجعلوا يصعدون فيه لما صدقوا بذلك بل قالوا: { إنما ~~سكرت أبصارنا } قال مجاهد والضحاك: سدت أبصارنا، وقال قتادة عن ~~ابن عباس: أخذت أبصارنا. وقال العوفي عن ابن عباس: شبه علينا وإنما ~~سحرنا، وقال الكلبي: عميت أبصارنا. ### || [15.16-20] # يذكر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها، وما زينها به من الكواكب الثوابت ~~والسيارات. لمن تأمل وكرر النظر فيما يرى من العجائب والآيات الباهرات، ~~ما يحار نظره فيه، ولهذا قال مجاهد وقتادة: البروج ههنا هي الكواكب وهذا ~~كقوله تعالى: # تبارك الذي جعل في السمآء بروجا # [الفرقان: 61] الآية. ومنهم من ms1312 قال: البروج هي منازل الشمس والقمر، ثم ~~ذكر تعالى خلقه الأرض ومده إياها وتوسيعها وبسطها، وما جعل فيها من ~~الجبال الرواسي والأودية والأراضي والرمال، وما أنبت فيها من الزروع ~~والثمار المتناسبة، وقال ابن عباس: { من كل شيء موزون }: أي ~~معلوم، ومنهم من يقول: مقدر بقدر، وقال ابن زيد: من كل شيء يوزن ويقدر ~~بقدر، وقوله: { وجعلنا لكم فيها معايش } المعايش وهي جمع ~~معيشة، وقوله: { ومن لستم له برازقين } ، قال مجاهد: هي ~~الدواب والأنعام. وقال ابن جرير: هم العبيد والإماء والدواب والأنعام، ~~والقصد أنه تعالى يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه ~~الأسباب وصنوف المعايش، وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها، والأنعام ~~التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورزقهم على خالقهم لا ~~عليهم، فلهم هم المنفعة، والرزق على الله تعالى. ### || [15.21-25] # يخبر تعالى أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء سهل عليه يسير لديه، وأن عنده ~~خزائن الأشياء من جميع الصنوف { وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم } كما يشاء وكما يريد، لما له في ذلك من الحكمة البالغة ~~والرحمة بعباده، لا على جهة الوجوب بل هو كتب على نفسه الرحمة. قال ابن ~~مسعود في قوله: { وما ننزله إلا بقدر معلوم } ما عام ~~بأكثر مطرا من عام، ولا أقل، ولكنه يمطر قوم، ويحرم آخرون بما كان في ~~البحر، قال: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس ~~وولد آدم، يحصون كل قطرة حيث تقع وما تنبت، وقوله تعالى: { وأرسلنا ~~الرياح لواقح } أي تلقح السحاب فتدر ماء وتلقح الشجر، فتفتح عن ~~أوراقها وأكمامها، وذكرها بصيغة الجمع ليكون منها الإنتاج بخلاف الريح ~~العقيم، فإنه أفردها ووصفها بالعقيم، وهو عدم الإنتاج، وقا أعمش، عن عبد ~~الله بن مسعود في قوله: { وأرسلنا الرياح لواقح } قال: ~~ترسل الريح فتحمل الماء من السماء، ثم تمر مر السحاب حتى تدر كما تدر ~~اللقحة، وقال الضحاك: يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء، وقال ~~عبيد بن عمير الليثي: يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قما، ms1313 ثم يبعث الله ~~المؤلفة فتؤلف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر، ثم تلا: { ~~وأرسلنا الرياح لواقح }. # وقوله تعالى: { فأسقيناكموه } أي أنزلناه لكم عذبا يمكنكم أن ~~تشربوا منه # لو نشآء جعلناه أجاجا # [الواقعة: 70] كما نبه على ذلك في قوله تعالى: # أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم ~~أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء ~~جعلناه أجاجا فلولا تشكرون # [الواقعة: 68-70]، وقوله: { ومآ أنتم له بخازنين } ، قال ~~سفيان الثوري: بمانعين؛ ويحتمل أن المراد: وما أنتم له بحافظين، بل نحن ~~ننزله ونحفظه عليكم ونجعله معينا وينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى ~~لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبا وحفظه في العيون ~~والآبار والأنهار، ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم ~~وثمارهم. وقوله: { وإنا لنحن نحيي ونميت } إخبار عن قدرته ~~تعالى على بدء الخلق وإعادته، وأنه هو الذي أحيى الخلق من العدم، ثم ~~يميتهم، ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع، وأخبر تعالى بأنه يرث الأرض ومن ~~عليها وإليه يرجعون. ثم أخبر تعالى عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم فقال: ~~{ ولقد علمنا المستقدمين منكم } الآية. قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: المستقدمون كل من هلك من لدن آدم عليه السلام، ~~والمستأخرون من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة، وهو اختيار ابن جرير ~~رحمه الله. وقال ابن جرير، عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون ~~في الصفوف من أجل النساء، فأنزل الله: { ولقد علمنا ~~المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين }. # وروي ابن جرير عن محمد بن أبي معشر عن أبيه أنه سمع عون بن عبد الله ~~يذكر محمد بن كعب في قوله: { ولقد علمنا المستقدمين ~~منكم ولقد علمنا المستأخرين } وأنها في صفوف الصلاة، ~~فقال محمد بن كعب: ليس هكذا { ولقد علمنا المستقدمين ~~منكم }: الميت والمقتول، { المستأخرين } من يخلق بعد، { ~~وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم } ، فقال عون ~~بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيرا. ### || [15.26-27] # قال ابن عباس: المراد بالصلصال التراب اليابس، كقوله تعالى: # خلق الإنسان من صلصال كالفخار # [الرحمن: ms1314 14]. وعن مجاهد: (الصلصال) المنتن، وتفسير الآية بالآية أولى، ~~وقوله: { من حمإ مسنون } أي الصلصال من حمأ وهو الطين، ~~والمسنون الأملس، وروي عن ابن عباس أنه قال: هو التراب الرطب، وعن ابن ~~عباس ومجاهد: أن الحمأ المسنون هو المنتن، وقيل: المراد بالمسنون ههنا ~~المصبوب. وقوله: { والجآن خلقناه من قبل } أي من قبل ~~الإنسان، { من نار السموم } قال ابن عباس: هي السموم التي تقتل، ~~وعن ابن عباس: أن الجان خلق من لهب النار، وقد ورد في " الصحيح ": # " خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف ~~لكم " # ، والمقصود من الآية التنبيه على شرف آدم عليه السلام، وطيب عنصره ~~وطهارة محتده. ### || [15.29-33] # يذكر تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكته، قبل خلقه له وتشريفه إياه بأمر ~~الملائكة بالسجود له، ويذكر تخلف إبليس عدوه عن السجود له حسدا وكفرا، ~~وعنادا واستكبارا وافتخارا بالباطل، ولهذا قال: { لم أكن ~~لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون } ~~، كقوله: # أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [ص: 76]. ### || [15.34-38] # يذكر تعالى أنه أمر إبليس بالخروج من المنزلة التي كان فيها من الملأ ~~الأعلى، وأنه رجيم أي مرجوم، وأنه قد أتبعه لعنة لا تزال متصلة به لاحقة ~~له متواترة عليه إلى يوم القيامة، وعن سعيد بن جبير أنه قال: لما لعن ~~الله إبليس تغيرت صورته عن صور الملائكة، ورن رنة، فكل رنة في الدنيا إلى ~~يوم القيامة منها. وأنه لما تحقق الغضب الذي لا مرد له سأل من تمام حسده ~~لآدم وذريته النظرة إلى اليوم القيامة، وهو يوم البعث، وأنه أجيب إلى ذلك ~~استدراجا له وإمهالا، فلما تحقق النظرة قبحه الله قال ما قصه الله ~~تعالى: { قال رب بمآ أغويتني لأزينن لهم في ~~الأرض ولأغوينهم أجمعين... }. ### || [15.39-44] # يقول تعالى مخبرا عن إبليس وتمرده وعتوه أنه قال للرب: { بمآ ~~أغويتني } أي بسبب ما أغويتني وأضللتني { لأزينن لهم } ~~أي لذرية آدم عليه السلام، { في الأرض } أي أحبب إليهم المعاصي ~~وأرغبهم فيها، { ولأغوينهم أجمعين } أي كما ms1315 أغويتني وقدرت ~~علي ذلك، { إلا عبادك منهم المخلصين } ، كقوله: # لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا # [الإسراء: 62]، { قال } الله تعالى له متهددا ومتوعدا، { هذا ~~صراط علي مستقيم } أي مرجعكم إلي فأجاريكم بأعمالكم، إن ~~خيرا فخير وإن شرا فشر، وقيل: طريق الحق مرجعها إلى الله تعالى وإليه ~~تنتهي، كقوله: # وعلى الله قصد السبيل # [النحل: 9]، وقوله: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~} أي الذين قدرت لهم الهداية فلا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم { ~~إلا من اتبعك من الغاوين } استثناء منقطع، { وإن ~~جهنم لموعدهم أجمعين } أي جهنم موعد جميع من اتبع إبليس ~~كما قال عن القرآن، # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده # [هود: 17]، ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب { لكل باب منهم ~~جزء مقسوم } أي قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه ~~لا محيد لهم عنه أجارنا الله منها، وكل يدخل من باب بحسب عمله ويستقر في ~~درك بقدر عمله، وعن علي بن أبي طالب أنه قال: إن أبواب جهنم هكذا أطباق ~~بعضها فوق بعض، وعن هبيرة بن أبي مريم عن علي رضي الله عنه قال: أبواب ~~جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول ثم الثاني ثم الثالث، حتى تمتلئ ~~كلها. وقال عكرمة: سبعة أبواب سبعة أطباق، وقال ابن جريج: سبعة أبواب ~~أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر ثم الجحيم، ثم ~~الهاوية، وقال قتادة: { لها سبعة أبواب لكل باب ~~منهم جزء مقسوم }: هي والله منازل بأعمالهم، وقال الترمذي، ~~عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمتي - أو قال على أمة ~~محمد - " # وقال ابن أبي حاتم، عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله: { لكل باب منهم جزء مقسوم } قال: # " إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن منهم من تأخذه النار ~~إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه، منازلهم بأعمالهم " # ، فذلك قوله: ms1316 { لكل باب منهم جزء مقسوم }. ### || [15.46-50] # لما ذكر تعالى حال أهل النار، عطف على ذكر أهل الجنة وأنهم في جنات ~~وعيون. وقوله: { ادخلوها بسلام } أي سالمين من الآفات مسلم عليكم، ~~{ آمنين } أي من كل خوف وفزع، ولا تخشوا من إخراج ولا انقطاع ولا ~~فناء. وقوله: { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا ~~على سرر متقابلين }. عن أبي أمامة قال: لا يدخل الجنة مؤمن ~~حتى ينزع الله ما في صدره من غل حتى ينزع منه مثل السبع الضاري، وهذا ~~موافق لما في " الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص ~~لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم ~~في دخول الجنة " # وقال ابن جرير: دخل عمران بن طلحة على علي رضي الله عنه بعدما فرغ من ~~أصحاب الجمل فرحب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وإياك من الذين قال ~~الله: { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على ~~سرر متقابلين }. وعن أبي حبيبة مولى لطلحة قال: دخل عمران بن ~~طلحة على علي رضي الله عنه بعدما فرغ من أصحاب الجمل فرحب به وقال: إني ~~لأرجو أن يجعلني الله وإياك من الذين قال الله: { ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين } قال: ~~ورجلان جالسان إلى ناحية البساط، فقالا: الله أعدل من ذلك تقتلهم بالأمس ~~وتكونون إخوانا، فقال علي رضي الله عنه: قوما أبعد أرض وأسحقها، فمن هم ~~إذا إن لم أكن أنا وطلحة؟ وفي رواية: فقام رجل من همدان فقال: الله أعدل ~~من ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فصاح به علي صيحة، فظننت أن القصر تدهده ~~لها، ثم قال: إذا لم نكن نحن فمن هم؟ وقال سفيان الثوري: جاء (ابن ~~جرموز)، قاتل الزبير، يستأذن على علي رضي الله عنه فحجبه طويلا، ثم أذن ~~له: فقال له: أما أهل البلاء فتجفوهم، فقال علي: بفيك التراب، إني لأرجو ~~أن أكون أنا وطلحة ms1317 والزبير ممن قال الله: { ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين }. ~~وقال الحسن البصري، قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية: { ~~ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين }. وقال الثوري في قوله: { إخوانا على سرر ~~متقابلين } قال: هم عشرة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ~~وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنهم أجمعين، وقوله: { متقابلين } قال مجاهد: لا ينظر ~~بعضهم في قفا بعض، وفيه حديث مرفوع. # قال ابن أبي حاتم، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فتلا هذه الآية: { إخوانا على سرر ~~متقابلين } في الله ينظر بعضهم إلى بعض. وقوله: { لا يمسهم ~~فيها نصب } يعني المشقة والأذى، كما جاء في " الصحيحين ": # " إن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا ~~نصب " # وقوله: { وما هم منها بمخرجين } ، كقوله تعالى: # خالدين فيها لا يبغون عنها حولا # [الكهف: 108]، وقوله: { نبىء عبادي أني أنا الغفور ~~الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم } أي أخبر يا ~~محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عذاب أليم، وقد تقدم ذكر نظير هذه الآية ~~الكريمة وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف، وذكر في سبب نزولها ما رواه ~~ابن جرير عن ابن أبي رباح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو ~~شيبة فقال: لا أراكم تضحكون ثم أدبر، حتى إذا كان عند الحجر رجع علينا ~~القهقرى فقال: " إني لما خرجت جاء جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن ~~الله يقول: لم تقنط عبادي؟ { نبىء عبادي أني أنا الغفور ~~الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم } " # وقال قتادة: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع من حرام، ولو يعلم العبد قدر ~~عذاب ms1318 الله لبخع نفسه ". ### || [15.51-56] # يقول تعالى: وخبرهم يا محمد عن قصة { ضيف إبراهيم } ، والضيف ~~يطلق على الواحد والجمع كالزور والسفر، وكيف { دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون } أي خائفون، وقد ~~ذكر سبب خوفه منهم لما رأى أيديهم لا تصل إلى ما قربه إليهم من الضيافة ~~وهو العجل السمين الحنيذ، { قالوا لا توجل } أي لا تخف، { ~~نبشرك بغلام عليم } أي إسحاق عليه السلام كما تقدم في سورة ~~هود، ثم { قال } متعجبا من كبره وكبر زوجته ومتحققا للوعد { ~~أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون ~~} فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقا وبشارة بعد بشارة، { قالوا ~~بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين } ، فأجابهم ~~بأنه ليس يقنط ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر وأسنت امرأته، ~~فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك. ### || [15.57-60] # يقول تعالى إخبارا عن إبراهيم عليه السلام لما ذهب عنه الروع وجاءته ~~البشرى، إنه شرع يسألهم عما جاءوا له فقالوا: { إنآ أرسلنآ ~~إلى قوم مجرمين } يعنون قوم لوط، وأخبروه أنهم سينجون آل لوط ~~من بينهم إلا امرأته فإنها من الهالكين، ولهذا قالوا: { إلا ~~امرأته قدرنآ إنها لمن الغابرين } أي الباقين ~~المهلكين. ### || [15.61-64] # يخبر تعالى عن لوط لما جاءته الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه فدخلوا ~~عليه داره قال: { إنكم قوم منكرون * قالوا بل ~~جئناك بما كانوا فيه يمترون } يعنون بعذابهم وهلاكهم ~~ودمارهم الذي كانوا يشكون في وقوعه بهم وحلوله بساحتهم، { وآتيناك ~~بالحق } كقوله تعالى: # ما ننزل الملائكة إلا بالحق # [الحجر: 8]، وقوله: { وإنا لصادقون } تأكيد لخبرهم إياه بما ~~أخبروه به من نجاته وإهلاك قومه. ### || [15.65-66] # يذكر تعالى عن الملائكة أنهم أمروه أن يسري بأهله بعد مضي جانب من ~~الليل، وأن يكون لوط عليه السلام يمشي وراءهم ليكون أحفظ لهم؛ وهكذا كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في الغزو يزجي الضعيف ويحمل المنقطع، ~~وقوله: { ولا يلتفت منكم أحد } أي إذا سمعتم الصيحة بالقوم ~~فلا تلتفتوا إليهم وذروهم فيما حل بهم من العذاب ms1319 والنكال، { وامضوا ~~حيث تؤمرون } كأنه كان معهم من يهديهم السبيل، { وقضينآ ~~إليه ذلك الأمر } أي تقدمنا إليه في هذا { أن دابر ~~هؤلآء مقطوع مصبحين } أي وقت الصباح، كقوله في الآية ~~الأخرى: # إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب # [هود: 81]. ### || [15.67-72] # يخبر تعالى عن مجيء قوم لوط لما علموا بأضيافه وصباحة وجوههم، وأنهم ~~جاءوا مستبشرين بهم فرحين { قال إن هؤلآء ضيفي فلا ~~تفضحون * واتقوا الله ولا تخزون } وهذا إنما قاله لهم ~~قبل أن يعلم أنهم رسل الله، كما قال في سورة هود، وأما ههنا فتقدم ذكر ~~أنهم رسل الله وعطف بذكر مجيء قومه ومحاجته لهم، ولكن الواو لا تقتضي ~~الترتيب، ولا سيما، إذا دل دليل على خلافه، فقالوا له مجيبين: { أو ~~لم ننهك عن العالمين } أي أو ما نهيناك أن تضيف أحدا؟ ~~فأرشدهم إلى نسائهم وما خلق لهم ربهم منهن من الفروج المباحة، هذا كله ~~وهم غافلون عما يراد بهم وما قد أحاط بهم من البلاء، وماذا بصبحهم من ~~العذاب المستقر. ولهذا قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: { لعمرك ~~إنهم لفي سكرتهم يعمهون } ، أقسم تعالى بحياة نبيه ~~صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض. قال ~~ابن عباس: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: { ~~لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } يقول: وحياتك ~~وعمرك وبقائك في الدنيا { إنهم لفي سكرتهم يعمهون } ، ~~وقال قتادة: { في سكرتهم } أي ضلالتهم، { يعمهون } أي ~~يلعبون، وقال ابن عباس: { لعمرك } لعيشك، { إنهم لفي ~~سكرتهم يعمهون } قال: يترددون. ### || [15.73-77] # يقول تعالى: { فأخذتهم الصيحة } وهي ما جاءهم من الصوت ~~القاصف عند شروق الشمس وهو طلوعها، وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء، ~~ثم قلبها، وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم. وقد تقدم ~~الكلام على السجيل في هود بما فيه كفاية، وقوله: { إن في ذلك ~~لآيات للمتوسمين } أي إن آثار هذه النقم الظاهرة على تلك ~~البلاد لمن ms1320 تأمل ذلك وتوسمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: { ~~للمتوسمين } قال: المتفرسين. وعن ابن عباس والضحاك: للناظرين، ~~وقال قتادة: للمعتبرين، وقال مالك عن بعض أهل المدينة: { ~~للمتوسمين } للمتأملين. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد مرفوعا ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " # ، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: { إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين }. وفي رواية عن ابن عمر: # " اتقوا فراسة المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله " # وروى الحافظ البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم " # وقوله: { وإنها لبسبيل مقيم } أي وإن قرية سدوم التي ~~أصابها ما أصابها من القلب والقذف للحجارة حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة، ~~بطريق مهيع مسالكه مستعمرة إلى اليوم، كقوله: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]، وقال مجاهد والضحاك: { وإنها لبسبيل ~~مقيم } قال: معلم، وقال قتادة: بطريق واضح. وقال قتادة أيضا: بصقع ~~من الأرض واحد. وقوله: { إن في ذلك لآية للمؤمنين } أي ~~إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار، وإنجائنا لوطا وأهله لدلالة ~~واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله. ### || [15.78-79] # أصحاب الأيكة هم قوم شعيب، قال الضحاك: الأيكة: الشجر الملتف، وكان ~~ظلمهم بشركهم بالله وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان، فانتقم الله ~~منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلمة، وقد كانوا قريبا من قوم لوط ~~بعدهم في الزمان ومسامتين لهم في المكان، ولهذا قال تعالى: { ~~وإنهما لبإمام مبين } أي طريق مبين. قال ابن عباس: طريق ~~ظاهر، ولهذا لما أنذر شعيب قومه قال في إنذاره إياهم: # وما قوم لوط منكم ببعيد # [هود: 89]. ### || [15.80-84] # أصحاب الحجر هم ثمود الذين كذبوا صالحا نبيهم عليه السلام، ومن كذب ~~برسول فقد كذب بجميع المرسلين، ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين، وذكر ~~تعالى أنه أتاهم من الآيات ما يدلهم على صدق ما جاءهم به صالح، كالناقة ~~التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء، وكانت تسرح في بلادهم لها ~~شرب ms1321 ولهم شرب يوم معلوم، فلما عتوا وعقروها قال لهم: # تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير ~~مكذوب # [هود: 65]، وقال تعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت: 17]، وذكر تعالى أنهم: { وكانوا ينحتون من الجبال ~~بيوتا آمنين } أي من غير خوف ولا احتياج إليها بل أشرا وبطرا ~~وعبثا، كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر الذي مر به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو ذاهب إلى تبوك فقنع رأسه وأسرع دابته، وقال ~~لأصحابه: # " لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا ~~فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم " # وقوله: { فأخذتهم الصيحة مصبحين } أي وقت الصباح من ~~اليوم الرابع، { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } أي ~~ما كانوا يستغلونه من زروعهم وثمارهم التي ضنوا بمائها عن الناقة حتى ~~عقروها لئلا تضيق عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلك الأموال ولا نفعتهم ~~لما جاء أمر ربك. ### || [15.85-86] # يقول تعالى: { وما خلقنا السموت والأرض وما ~~بينهمآ إلا بالحق وإن الساعة لآتية } أي بالعدل # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا # [النجم: 31] الآية، وقال تعالى: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # [ص: 27]، ثم أخبر نبيه بقيام الساعة وأنها كائنة لا محالة، ثم أمره ~~بالصفح الجميل عن المشركين في أذاهم له وتكذيبهم ما جاءهم به، كقوله: # فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون # [الزخرف: 89]، وقال مجاهد وقتادة: كان هذا قبل القتال، وقوله: { إن ~~ربك هو الخلاق العليم } تقرير للمعاد وأنه تعالى قادر على ~~إقامة الساعة، فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق شيء { العليم } بما ~~تمزق من الأجساد وتفرق في سائر أقطار الأرض كقوله: # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم # [يس: 81]. ### || [15.87-88] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: كما آتيناك القرآن العظيم فلا ~~تنظرن إلى الدنيا وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم ~~فيه، فلا تغبطهم بما هم فيه، ولا تذهب ms1322 نفسك عليهم حسرات حزنا عليهم في ~~تكذيبهم لك ومخالفتهم دينك، # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين # [الشعراء: 215] أي ألن لهم جانبك، كقوله: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]، وقد اختلف في السبع المثاني ما هي؟ فقال ابن مسعود وابن ~~عباس: هي السبع الطوال، يعنون " البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ~~والأنعام والأعراف ويونس " ، وقال سعيد: بين فيهن الفرائض والحدود والقصص ~~والأحكام، وقال ابن عباس: بين الأمثال والخبر والعبر، ولم يعطهن أحد ~~إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطي موسى منهن ثنتين، (والقول الثاني): ~~إنها الفاتحة وهي سبع آيات. قال ابن عباس: والبسملة هي الآية السابعة، ~~وقد خصكم الله بها، وقال قتادة: ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب وأنهن يثنين ~~في كل ركعة مكتوبة أو تطوع؛ واختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة ~~في ذلك، وقد أورد البخاري رحمه الله ههنا حديثين (أحدهما) عن أبي سعيد ~~بن المعلى قال: # " مر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي فدعاني، فلم آته حتى صليت ~~فأتيته، فقال: " ما منعك أن تأتيني "؟ فقلت: كنت أصلي، فقال: " ألم يقل ~~الله: { يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم } ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن ~~أخرج من المسجد "؟ فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرت فقال: { ~~الحمد لله رب العالمين } هي السبع المثاني والقرآن العظيم ~~الذي أوتيته " # (الثاني) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم " # ، فهذا نص في الفاتحة هي (السبع المثاني) والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي ~~وصف غيرها من السبع الطوال بذلك لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف ~~القرآن بكماله بذلك أيضا، كما قال تعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني # [الزمر: 23] فهو مثاني من وجه ومتشابه من وجه وهو القرآن العظيم أيضا، ~~كما أنه عليه الصلاة والسلام لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، ~~فأشار إلى ms1323 مسجده والآية نزلت في مسجد قباء، فلا تنافي، فإن ذكر الشيء لا ~~ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة والله أعلم. وقوله: { لا ~~تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ~~} أي استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة ~~الفانية. # ومن ههنا ابن عيينة إلى تفسير الحديث الصحيح: # " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " # إلى أنه يستغنى به عما عداه، وهو تفسير صحيح ولكن ليس هو المقصود من ~~الحديث كما تقدم في أول التفسير، وقال ابن أبي حاتم عن أبي رافع صاحب ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيف، ولم يكن عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم شيء يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: " يقول لك محمد رسول الله ~~أسلفني دقيقا إلا هلال رجب " ، قال: لا، إلا برهن، فأتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته فقال: " أما والله إني لأمين من في السماء، وأمين ~~من في الأرض، ولئن أسلفني أو باعني لأؤدين إليه " # ، فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا # [طه: 131] إلى آخر الآية، كأنه يعزيه عن الدنيا. قال ابن عباس { ولا ~~تمدن عينيك } قال: نهى الرجل أن يتمنى ما لصاحبه. وقال مجاهد: ~~{ إلى ما متعنا به أزواجا منهم } هم الأغنياء. ### || [15.89-93] # يأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس: { إني أنا ~~النذير المبين } البين النذارة، نذير للناس من عذاب أليم، كما حل ~~بمن تقدمهم من الأمم المكذبة لرسلها، وما أنزل الله عليهم من العذاب ~~والانتقام، وقوله: { المقتسمين } أي المتحالفين، أي تحالفوا على ~~مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم، كقوله تعالى إخبارا عن قوم صالح إنهم: # قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله # [النمل: 49] الآية، أي نقتلهم ليلا، قال مجاهد: تقاسموا وتحالفوا # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت # [النحل: 38]، # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة # [الأعراف: 49] فكأنهم لا يكذبون بشيء من الدنيا ms1324 إلا أقسموا عليه فسموا ~~مقتسمين. قال عبد الرحمن بن زيد: " المقتسمون أصحاب صالح الذين تقاسموا ~~بالله لنبيتنه وأهله، وفي " الصحيحين " عن أبي موسى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إني ~~رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة ~~من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبه طائفة منهم فأصبحوا ~~مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت ~~به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق " # ، وقوله: { الذين جعلوا القرآن عضين } أي جزأوا كتبهم ~~المنزلة عليهم، فأمنوا ببعض وكفروا ببعض، قال البخاري عن ابن عباس: { ~~جعلوا القرآن عضين } قال: هم أهل الكتاب جزأوه أجزاء فآمنوا ~~ببعضه وكفروا ببعضه. وقال عكرمة: العضة، السحر بلسان قريش، تقول للساحرة: ~~إنها العاضهة، وقال مجاهد: عضوه اعضاء قالوا: سحر، وقالوا: كهانة، ~~وقالوا: أساطير الأولين، وقال عطاء: قال بعضهم: ساحر، وقالوا: مجنون، ~~وقالوا: كاهن، فذلك العضين. # وقال محمد بن إسحاق، عن ابن عباس: إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر ~~من قريش، وكان ذا شرف فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم يا معشر قريش إنه ~~قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر ~~صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ~~ويرد قولكم بعضه بعضا، فقالوا: وأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا ~~نقول به، قال: بل أنتم قولوا لأسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: ما هو بكاهن، ~~قالوا: فنقول مجنون، قال: ما هو بمجنون، قالوا: فتقول شاعر، قال: ما هو ~~بشاعر، قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، قالوا: فماذا تقول؟ قال: ~~والله إن لقوله لحلاوة فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، ~~وإن أقرب القول أن تقولوا: هو ساحر، فتفرقوا عنه بذلك، وأنزل الله فيهم. ~~{ الذين جعلوا القرآن عضين } أصنافا: { فوربك ~~لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون } أولئك ~~النفر الذين ms1325 قالوا لرسول الله. # وقال ابن عمر في قوله: { لنسألنهم أجمعين * عما ~~كانوا يعملون } قال: عن # لا إله إلا الله # [الصافات: 35]، وقال ابن مسعود: والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلا ~~سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: ابن آدم ماذا غرك مني بي؟ ابن آدم ~~ماذا عملت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال أبو جعفر، عن أبي ~~العالية في قوله: { فوربك لنسألنهم أجمعين * عما ~~كانوا يعملون } قال: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة: عما ~~كانوا يعبدون، وعماذا أجابوا المرسلين، وقال ابن عيينة: عن عملك وعن ~~مالك، وقال ابن أبي حاتم، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يا معاذ إن المرء يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى كحل عينيه، وعن ~~فتات الطينة بأصبعه، فلا ألفينك يوم القيامة وأحد غيرك أسعد بما آتاك ~~الله منك " # وقال ابن عباس في قوله: { فوربك لنسألنهم أجمعين * ~~عما كانوا يعملون } ، ثم قال: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39] قال: لا يسألهم هل عملتم كذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن ~~يقول لم عملتم كذا وكذا؟ ### || [15.94-99] # يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ ما بعثه وبإنفاذه ~~والصدع به، وهو مواجهة المشركين به، كما قال ابن عباس في قوله: { ~~فاصدع بما تؤمر }: أي أمضه؛ وفي رواية (افعل ما تؤمر). وقال ~~مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة. وعن عبد الله بن مسعود: ما زال النبي ~~صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزلت: { فاصدع بما تؤمر } ~~فخرج هو وأصحابه، وقوله: { وأعرض عن المشركين * إنا ~~كفيناك المستهزئين } أي بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت ~~إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله # ودوا لو تدهن فيدهنون # [القلم: 9] ولا تخفهم، فإن الله كافيك إياهم، وحافظك منهم، كقوله تعالى: # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك ~~من الناس # [المائدة: 67]. وعن أنس مر رسول الله صلى ms1326 الله عليه وسلم فغمزه ~~بعضهم، فجاء جبريل - أحسبه قال: فغمزهم - فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة ~~فماتوا. وقال محمد بن إسحاق: كان عظماء المستهزئين خمسة نفر، وكانوا ذوي ~~أسنان وشرف في قومهم، من بني أسد بن عبد العزى (أبو زمعة) كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه ~~واستهزائه، فقال: # " اللهم أعم بصره وأثكله ولده " # ، ومن بني زهرة (الأسود بن عبد يغوث)، ومن بني مخزوم (الوليد بن ~~المغيرة)، ومن بني سهم (العاص بن وائل)، ومن خزاعة (الحارث بن الطلاطلة)، ~~فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء ~~أنزل الله تعالى: { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين * إنا كفيناك المستهزئين } إلى قوله: { ~~فسوف يعلمون }. # وقوله تعالى: { الذين يجعلون مع الله إلها آخر ~~فسوف يعلمون } تهديد شديد ووعيد أكيد لمن جعل مع الله معبودا ~~آخر. وقوله: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما ~~يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين } ~~أي وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك ضيق صدر وانقباض، فلا ~~يضيقنك ذلك، ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله وتوكل عليه، فإنه كافيك ~~وناصرك عليهم، فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة. ~~ولهذا قال: { فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين } ، ~~ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر صلى، وقوله: { ~~واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ، قال البخاري عن ~~سالم بن عبد الله { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ~~قال: الموت. والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارا عن أهل النار أنهم ~~قالوا: # وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين # [المدثر: 46-47]. وفي " الصحيح ": # " أما هو فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير " # ويستدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله: { واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين } على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على ~~الإنسان ما دام عقله ثابتا فيصلي بحسب حاله، كما ثبت في " صحيح البخاري ~~" عن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن رسول الله ms1327 صلى الله عليه وسلم قال: # " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب " # ، ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين ~~المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر ~~وضلال وجهل، فإن الأنبياء عليهم السلام كانوا - هم وأصحابهم - أعلم الناس ~~بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أكثر ~~الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة؛ وإنما المراد ~~باليقين ههنا الموت، كما قدمناه، ولله الحمد والمنة. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1] # يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها، معبرا بصيغة الماضي الدال على ~~التحقق والوقوع لا محالة، كقوله: # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون # [الأنبياء: 1]، وقال: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1]، وقوله: { فلا تستعجلوه } أي قرب ما تباعد فلا ~~تستعجلوه، والضمير يعود على العذاب، كقوله تعالى: # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون # [العنكبوت: 53]، فإنهم استعجلوا العذاب قبل كونه استبعادا وتكذيبا، ثم ~~إنه تعالى نزه نفسه عن شركهم به غيره، وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان ~~والأنداد، تعالى وتقدس علوا كبيرا، وهؤلاء هم المكذبون بالساعة، فقال: ~~{ سبحانه وتعالى عما يشركون }. ### || [16.2] # يقول تعالى: { ينزل الملائكة بالروح } أي الوحي كقوله: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]، وقوله: { على من يشآء من عباده } وهم ~~الأنبياء، كما قال تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]، وقال: # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # [الحج: 75]، وقال: # يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده # [غافر: 15]، وقوله: { أن أنذروا } أي لينذروا { أنه لا ~~إله إلا أنا فاتقون } أي فاتقوا عقوبتي لمن خالف أمري ~~وعبد غيري. ### || [16.3-4] # يخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي وهو السماوات، والعالم السفلي وهو ~~الأرض بما حوت، وأن ذلك مخلوق بالحق لا للعبث به بل # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى # [النجم: 31]، ثم نزه نفسه عن شرك من عبد معه غيره وهو المستقل بالخلق ~~وحده لا شريك ms1328 له، فلهذا يستحق أن يعبد وحده لا شريك له ثم نبه على خلق ~~جنس الإنسان { من نطفة } أي مهينة ضعيفة، فلما استقل ودرج إذا هو ~~يخاصم ربه تعالى ويكذبه ويحارب رسله، وهو إنما خلق ليكون عبدا لا ضدا ~~كقوله تعالى: # ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ~~وكان الكافر على ربه ظهيرا # [الفرقان: 55]، وقوله: # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين # [يس: 77]. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن بشر بن جحاش قال: بصق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفه، ثم قال: # " يقول الله تعالى: ابن آدم! أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى ~~إذا سويتك فعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا ~~بلغت الحلقوم، قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟ ". ### || [16.5-7] # يمتن تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي (الإبل والبقر والغنم) ~~وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع من أصوافها وأوبارها وأشعارها ~~يلبسون ويفترشون، ومن ألبانها يشربون، ويأكلون من أولادها وما لهم فيها ~~من الجمال وهو الزينة، ولهذا قال: { ولكم فيها جمال حين ~~تريحون } ، وهو وقت رجوعها عشيا من المرعى، فإنها تكون أمده خواصر ~~وأعظمه ضروعا، وأعلاه أسنمة، { وحين تسرحون } أي غدوة حين ~~تبعثونها المرعى، { وتحمل أثقالكم } وهي الأحمال الثقيلة التي ~~تعجزون عن نقلها وحملها، { إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس } وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة وما ~~جرى مجرى ذلك، تستعملونها في أنواع الاستعمال من ركوب وتحميل كقوله ~~تعالى: # الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ~~ومنها تأكلون * ولكم فيها منافع ولتبلغوا ~~عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك ~~تحملون # [غافر: 79-80]، ولهذا قال ههنا بعد تعداد هذه النعم: { إن ربكم ~~لرؤوف رحيم } أي ربكم الذي قيض لكم هذه الأنعام وسخرها لكم ~~كقوله: # وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 72]، وقال: # وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون # [الزخرف: 12]، قال ابن عباس: { لكم فيها دفء } أي ثياب، { ~~ومنافع } ما تنتفعون به ms1329 من الأطعمة والأشربة، ومنافع نسل كل دابة. ~~وقال مجاهد: { لكم فيها دفء } أي لباس ينسج { ومنافع } ~~مركب ولحم ولبن. وقال قتادة: دفء ومنافع يقول: لكم فيها لباس ومنفعة ~~وبلغة، وكذا قال غير واحد من المفسرين بألفاظ متقاربة. ### || [16.8] # هذا صنف آخر مما خلق تبارك وتعالى لعباده، يمتن به عليهم وهو { ~~والخيل والبغال والحمير } التي جعلها للركوب والزينة بها ~~وذلك أكبر المقاصد منها، ولما فصلها من الأنعام وأفردها بالذكر، استدل من ~~استدل من العلماء ممن ذهب إلى تحريم لحوم الخيل بذلك على ما ذهب إليه ~~فيها، كالإمام أبي حنيفة رحمه الله ومن وافقه من الفقهاء بأنه تعالى ~~قرنها بالبغال والحمير، وهي حرام، كما ثبتت به السنة النبوية، وذهب إليه ~~أكثر العلماء. وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس: أنه كان ~~يكره لحوم الخيل والبغال والحمير، وكان يقول: قال الله تعالى: # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها ~~تأكلون # [النحل: 5] فهذه للأكل، { والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوه } فهذه للركوب، ويستأنس لهذا بحديث رواه الإمام أحمد عن ~~خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، ولكن لا يقاوم ما ثبت في " الصحيحين " ~~عن جابر بن عبد الله قال: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم ~~الخيل " # ، وعن جابر قال: # " ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل " # وفي " صحيح مسلم " عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: نحرنا على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فأكلناه ونحن بالمدينة فهذه أدل ~~وأقوى وأثبت، وإلى ذلك صار جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم ~~وأكثر السلف والخلف والله أعلم. ### || [16.9] # لما ذكر تعالى في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها التي يركبونها ~~ويبلغون عليها حاجة في صدورهم، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن ~~البعيدة والأسفار الشاقة، شرع في ذكر الطرق ms1330 التي يسلكها الناس إليه، ~~فبين أن الحق منها ما هي موصلة إليه فقال: { وعلى الله قصد ~~السبيل } ، كقوله: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام: 153] وقال: # هذا صراط علي مستقيم # [الحجر: 41]، قال مجاهد في قوله: { وعلى الله قصد السبيل ~~} ، قال: طريق الحق على الله. وقال السدي: { وعلى الله قصد ~~السبيل } الإسلام، وقال ابن عباس: وعلى الله البيان أي يبين الهدى ~~والضلالة. وقول مجاهد ههنا أقوى من حيث السياق، لأنه تعالى أخبر أن ثم ~~طرقا تسلك إليه، فليس يصل إليها منها إلا طريق الحق، وهي الطريق التي ~~شرعها ورضيها، وما عداها مسدودة والأعمال فيها مردودة، ولهذا قال تعالى: ~~{ ومنها جآئر } أي حائد مائل زائل عن الحق. قال ابن عباس وغيره: ~~هي الطرق المختلفة والآراء والأهواء المتفرقة كاليهودية والنصرانية ~~والمجوسية، وقرأ ابن مسعود: { منكم جائر }؛ ثم أخبر تعالى أن ذلك كله ~~كائن عن قدرته ومشيئته فقال: { ولو شآء لهداكم أجمعين } ، ~~كما قال تعالى: # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا # [يونس: 99]، وقال: # ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة # [هود: 118] الآية. ### || [16.10-11] # لما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب، وشرع في ذكر نعمته ~~عليهم في إنزال المطر من السماء - وهو العلو - مما لهم فيه بلغة ومتاع ~~لهم ولأنعامهم فقال: { لكم منه شراب } أي جعله عذبا زلالا ~~يسوغ لكم شرابه ولم يجعله ملحا أجاجا، { ومنه شجر فيه ~~تسيمون } أي وأخرج لكم منه شجرا ترعون فيه أنعامكم، كما قال ابن ~~عباس: { تسيمون } أي ترعون ومنه الإبل السائمة، والسوم: الرعي. روى ~~ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السوم قبل طلوع الشمس. ~~وقوله: { ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل ~~والأعناب ومن كل الثمرات } أي يخرجها من الأرض بهذا الماء ~~الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها، ولهذا ~~قال: { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } أي دلالة ~~وحجة على أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: # أمن خلق السموت ms1331 والأرض وأنزل لكم من ~~السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة ما كان ~~لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم ~~قوم يعدلون # [النمل: 60]، ثم قال تعالى: { وسخر لكم اليل والنهار ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن ~~في ذلك... }. ### || [16.12-13] # ينبه تعالى عباده على آياته العظام، ومننه الجسام في تسخيره الليل ~~والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات في ~~أرجاء السماوات، نورا وضياء ليهتدى بها في الظلمات، وكل منها يسير في ~~فلكه الذي جعله الله تعالى فيه، يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص ~~عنها، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسهيله كقوله: # والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا ~~له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # [الأعراف: 54] ولهذا قال: { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون } أي لدلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم، لقوم ~~يعقلون عن الله ويفهمون حججه. وقوله: { وما ذرأ لكم في الأرض ~~مختلفا ألوانه } لما نبه تعالى على معالم السماء نبه على ما ~~خلق في الأرض من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة، من الحيوانات ~~والمعادن والنباتات والجمادات، على اختلاف ألوانها وأشكالها وما فيها من ~~المنافع والخواص { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } أي ~~آلاء الله ونعمه فيشكرونها. ### || [16.14-18] # يخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله ~~لهم وتيسيرهم للركوب فيه، وما يخلقه فيه من اللآلئ والجواهر النفيسة، ~~وتسهيله للعباد استخراجهم من قراره حلية يلبسونها، وتسخيره البحر لحمل ~~السفن التي تمخره أي تشقه، وقيل: تمخر الرياح وكلاهما صحيح، الذي أرشد ~~العباد إلى صنعتها، وهداهم إلى ذلك إرثا عن نوح عليه السلام، فإنه أول ~~من ركب السفن، وله كان تعليم صنعتها، ثم أخذها الناس عنه قرنا بعد قرن ~~وجيلا بعد جيل، يسيرون من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، لجلب ما هناك ~~من الأرزاق، ولهذا قال تعالى: { ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون } أي نعمه وإحسانه؛ ثم ذكر تعالى الأرض وما ~~ألقى فيها من الرواسي الشامخات والجبال الراسيات لتقر الأرض ولا تميد، أي ~~تضطرب ms1332 بما عليها من الحيوانات، فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك، ولهذا قال: # والجبال أرساها # [النازعات: 32] وقال الحسن: لما خلقت الأرض كانت تميد فقالوا: ما هذه ~~بمقرة على ظهرها أحدا، فأصبحوا وقد خلقت الجبال، فلم تدر الملائكة مم ~~خلقت الجبال؟ وقال سعيد، عن قيس بن عبادة: إن الله لما خلق الأرض جعلت ~~تمور فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا، فأصبحت صبحا وفيها ~~رواسيها. وقوله: { وأنهارا وسبلا } أي جعل فيها أنهارا تجري من ~~مكان إلى مكان آخر رزقا للعباد ينبع في موضع، وهو رزق لأهل موضع آخر، ~~فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكام، فيصل إلى البلد ~~الذي سخر لأهله، وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة وجنوبا وشمالا وشرقا ~~وغربا، ما بين صغار وكبار، وأودية تجري حينا وتنقطع في وقت، وما بين ~~نبع وجمع، وقوي السير وبطيئه بحسب ما أراد وقدر وسخر ويسر، فلا إله ~~إلا هو ولا رب سواه، وكذلك جعل فيها { سبلا } أي طرقا يسلك فيها من ~~بلاد إلى بلاد حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممرا ~~ومسلكا، كما قال تعالى: # وجعلنا فيها فجاجا سبلا # [الأنبياء: 31] الآية. وقوله: { وعلامات } أي دلائل من جبال كبار ~~وآكام وصغار ونحو ذلك يستدل بها المسافرون برا وبحرا إذا ضلوا الطرق. ~~وقوله: { وبالنجم هم يهتدون } أي في ظلام الليل، قاله ابن ~~عباس، ثم نبه تعالى على عظمته وأنه لا تنبغي العبادة إلا له دون ما سواه ~~من الأوثان التي لا تخلق شيئا بل هم يخلقون، ولهذا قال: { أفمن ~~يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ثم نبههم على كثرة ~~نعمة عليهم وإسحانه إليهم فقال: { وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوهآ إن الله لغفور رحيم } أي يتجاوز عنكم ولو ~~طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم ~~وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم يغفر الكثير ~~ويجازي على اليسير. وقال ابن جرير: يقول: إن الله لغفور لما كان منكم من ~~تقصير في شكر بعض ms1333 ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم ~~لا يعذبكم بعد الإنابة والتوبة. ### || [16.19-21] # يخبر تعالى أنه يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر، وسيجزي كل عامل ~~بعمله يوم القيامة إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ثم أخبر أن الأصنام التي ~~يدعونها من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، كما قال الخليل: # قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما ~~تعملون # [الصافات: 95-96]، وقوله: { أموات غير أحيآء } أي هي جمادات ~~لا أرواح فيها لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل { وما يشعرون أيان ~~يبعثون } أي لا يدرون متى تكون الساعة فكيف يرتجى عند هذه نفع أو ~~ثواب أو جزاء؟ إنما يرجى ذلك من الذي يعلم كل شيء وهو خالق كل شيء. ### || [16.22-23] # يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأخبر أن ~~الكافرين تنكر قلوبهم ذلك كما أخبر عنهم متعجبين من ذلك: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # [ص: 5]، وقال تعالى: # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة # [الزمر: 45]، وقوله: { وهم مستكبرون } أي عن عبادة الله مع ~~إنكار قلوبهم التوحيد. كما قال: # إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين # [غافر: 60]، ولهذا قال ههنا { لا جرم } أي حقا، { أن الله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون } أي وسيجزيهم على ذلك أتم ~~الجزاء { إنه لا يحب المستكبرين }. ### || [16.24-25] # يقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء المكذبين: { ماذآ أنزل ربكم ~~قالوا } معرضين عن الجواب { أساطير الأولين } أي لم ينزل ~~شيئا إنما هذا الذي يتلى علينا أساطير الأولين، أي مأخوذ من كتب ~~المتقدمين، كما قال تعالى: # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5] أي يفترون على الرسول ويقولون أقوالا متضادة مختلفة كلها ~~باطلة، كما قال تعالى: # انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا # [الإسراء: 48] وذلك أن كل من خرج عن الحق فمهما قال أخطأ، وكانوا ~~يقولون: ساحر وشاعر وكاهن ومجنون، ثم استقر أمرهم إلى ما اختلقه لهم ~~شيخهم المسمى بالوليد بن المغيرة لما ms1334 # فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف ~~قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر ~~واستكبر * فقال إن هذآ إلا سحر يؤثر # [المدثر: 18-24] أي ينقل، ويحكى: فتفرقوا عن قوله ورأيه قبحهم الله، قال ~~الله تعالى: { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ~~القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ~~} ، أي إنما قدرنا عليهم أن يقولوا ذلك ليتحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين ~~يتبعونهم ويوافقونهم، أي يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة ~~إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم، كما جاء في الحديث: # " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من ~~أجورهم شيئا " # ، روى العوفي عن ابن عباس في الآية: { ليحملوا أوزارهم ~~كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين ~~يضلونهم بغير علم } إنها كقوله: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13]، وقال مجاهد: يحملون أثقالهم، ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ~~ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئا. ### || [16.26-27] # قال ابن عباس في قوله تعالى: { قد مكر الذين من قبلهم } ~~قال: هو النمروذ الذي بنى الصرح؛ وقال زيد بن أسلم: أول جبار كان في ~~الأرض النمروذ، وقال آخرون، بل هو بختنصر، وقال آخرون: هذا من المثل ~~لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره، كما قال ~~نوح عليه السلام: # ومكروا مكرا كبارا # [نوح: 22] أي احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة وأمالوهم إلى شركهم بكل ~~وسيلة كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة، # بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا # [سبأ: 33] الآية. وقوله: { فأتى الله بنيانهم من ~~القواعد } أي اجتثه من أصله وأبطل عملهم، كقوله تعالى: # كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله # [المائدة: 64]، وقوله: # فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب # [الحشر: 2]، وقال الله ههنا: { فأتى الله بنيانهم من ~~القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون * ثم يوم القيامة ~~يخزيهم } أي يظهر فضائحهم وما كانت تجنه ضمائرهم فيجعله علانية ~~كقوله تعالى: # يوم تبلى السرآئر # [الطارق: 9] أي ms1335 تظهر وتشتهر، كما في " الصحيحين " عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة ~~فلان بن فلان " # وهكذا هؤلاء يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر ويخزيهم الله على رؤوس ~~الخلائق، ويقول لهم الرب تبارك وتعالى مقرعا لهم وموبخا: { أين ~~شركآئي الذين كنتم تشاقون فيهم }؟ تحاربون وتعادون ~~في سبيلهم أين هم عن نصركم وخلاصكم ههنا؟ # هل ينصرونكم أو ينتصرون # [الشعراء: 93]، # فما له من قوة ولا ناصر # [الطارق: 10]، فإذا توجهت عليهم الحجة وقامت عليهم الدلالة: وحقت عليهم ~~الكلمة وسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار، { قال الذين أوتوا ~~العلم } وهم السادة في الدنيا والآخرة: { إن الخزي اليوم ~~والسوء على الكافرين } أي الفضيحة والعذاب محيط اليوم بمن ~~كفر بالله، وأشرك به ما لا يضره وما لا ينفعه. ### || [16.28-29] # يخبر تعالى عن حال المشركين الظالمي أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة ~~إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة { فألقوا السلم } أي أظهروا السمع ~~والطاعة والانقياد قائلين: { ما كنا نعمل من سوء } ، كما ~~يقولون يوم المعاد: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]، قال الله مكذبا لهم في قيلهم ذلك: { بلى إن ~~الله عليم بما كنتم تعملون * فادخلوا أبواب ~~جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين } أي ~~بئس المقيل والمقام، والمكان، من دار هوان لمن كان متكبرا عن آيات الله ~~واتباع رسله، وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، وينال أجسادهم في ~~قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم، ~~وخلدت في نار جهنم # لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها # [فاطر: 36]، كما قال الله تعالى: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر: 46]. ### || [16.30-32] # هذا خبر عن السعداء بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم: { ~~ماذا أنزل ربكم } قالوا: معرضين عن الجواب، لم ينزل شيئا ~~إنما هذا أساطير الأولين، وهؤلاء قالوا: خيرا أي أنزل خيرا، أي رحمة ~~وبركة لمن اتبعه ms1336 وآمن به، ثم أخبر عما وعد الله عباده فيما أنزله على ~~رسله، فقال: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ~~} الآية، كقوله تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97] أي من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه عمله في الدنيا ~~والآخرة، ثم أخبر بأن دار الآخرة خير، أي من الحياة الدنيا والجزاء فيها ~~أتم من الجزاء في الدنيا، كقوله: # وما عند الله خير للأبرار # [آل عمران: 198]، وقال تعالى: # والآخرة خير وأبقى # [الأعلى: 17]، وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: # وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 4]، ثم وصف الدار الآخرة فقال: { ولنعم دار ~~المتقين } ، وقوله: { جنات عدن } بدل من دار المتقين، أي ~~لهم في الآخرة جنات عدن أي مقام يدخلونها، { تجري من تحتها ~~الأنهار } أي بين أشجارها وقصورها، { لهم فيها ما يشآؤون } ~~، كقوله تعالى: # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم ~~فيها خالدون # [الزخرف: 71]، وفي الحديث: # " إن السحابة لتمر بالملأ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم، فلا يشتهي ~~أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليه، حتى إن منهم لمن يقول: أمطرينا كواعب ~~أترابا فيكون ذلك " # ، { كذلك يجزي الله المتقين } ، أي كذلك يجزي الله كل ~~من آمن به واتقاه وأحسن عمله، ثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار أنهم ~~طيبون، أي مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم ~~وتبشرهم بالجنة، كقوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30]. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في قبض روح المؤمن وروح الكافر ~~عند قوله تعالى: # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت # [إبراهيم: 27] الآية. ### || [16.33-34] # يقول تعالى مهددا للمشركين على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا: ~~هل ينتظر هؤلاء إلا الملائكة أن تأتيهم لقبض أرواحهم، قاله قتادة { أو ~~يأتي أمر ربك } أي يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال. ~~وقوله: { كذلك فعل الذين من قبلهم } أي هكذا تمادى في ~~شركهم أسلافهم ونظراؤهم وأشباههم من المشركين، حتى ms1337 ذاقوا بأس الله، وحلوا ~~فيما هم فيه من العذاب والنكال، { وما ظلمهم الله } لأنه تعالى ~~أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه، { ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون } أي بمخالفة الرسل والتكذيب بما ~~جاءوا به؛ فلهذا أصابتهم عقوبة الله على ذلك، { وحاق بهم } أي أحاط ~~بهم من العذاب الأليم، { ما كانوا به يستهزئون } أي يسخرون ~~من الرسل إذا توعدوهم بعقاب الله فلهذا يقال لهم يوم القيامة # هذه النار التي كنتم بها تكذبون # [الطور: 14]. ### || [16.35-37] # يخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الإشراك واعتذارهم محتجين ~~بالقدر بقولهم: { لو شآء الله ما عبدنا من دونه من ~~شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء ~~} أي من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه ~~من تلقاء أنفسهم ما لم ينزل به سلطانا، ومضمون كلامهم أنه لو كان تعالى ~~كارها لما فعلنا لأنكره علينا بالعقوبة ولما أمكننا منه؛ قال تعالى ~~رادا عليهم شبهتهم: { فهل على الرسل إلا البلاغ ~~المبين } أي ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم، بل قد أنكره ~~عليكم أشد الإنكار ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة أي في كل قرن ~~وطائفة من الناس رسولا، فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ ~~حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول ~~بعثه الله إلى أهل الأرض، إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي ~~طبقت دعوته لإنس والجن في المشارق والمغارب. { ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت } فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: { لو شآء ~~الله ما عبدنا من دونه من شيء }؟ فمشيئته تعالى الشرعية ~~عنهم منتفية لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله؛ وأما مشيئته الكونية وهي ~~تمكينهم من ذلك قدرا فلا حجة لهم فيها، لأنه تعالى خلق النار وأهلها من ~~الشياطين والكفرة وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة ~~قاطعة، ms1338 ثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد ~~إنذار الرسل، فلهذا قال: { فمنهم من هدى الله ومنهم ~~من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين } أي أسألوا عما كان من أمر من ~~خالف الرسل وكذب الحق، كيف # دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها # [محمد: 10]، فقال: # ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير # [الملك: 18]، ثم أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن حرصه على ~~هدايتهم لا ينفعهم، إذا كان الله قد أراد إضلالهم، كقوله تعالى: # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا # [المائدة: 41]، وقال نوح لقومه: # ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن ~~كان الله يريد أن يغويكم # [هود: 34]، وقال في هذه الآية الكريمة: { إن تحرص على هداهم ~~فإن الله لا يهدي من يضل }. كما قال الله: # من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في ~~طغيانهم يعمهون # [الأعراف: 186]، وقوله: { فإن الله } أي شأنه وأمره، { لا ~~يهدي من يضل } أي من أضله، فمن ذا الذي يهديه من بعد الله؟ أي لا ~~أحد { وما لهم من ناصرين } أي ينقذونه من عذابه ووثاقه # ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # [الأعراف: 54]. ### || [16.38-40] # يقول تعالى مخبرا عن المشركين أنهم حلفوا فأقسموا بالله { جهد ~~أيمانهم } أي اجتهدوا في الحلف وغلظوا الأيمان أنه لا يبعث الله من ~~يموت، أي استبعدوا ذلك وكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك، وحلفوا على ~~نقيضه. فقال تعالى مكذبا لهم ورادا عليهم: { بلى } أي بلى سيكون ~~ذلك، { وعدا عليه حقا } أي لا بد منه، { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } أي فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر. ~~ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد فقال: { ~~ليبين لهم } أي للناس، { الذي يختلفون فيه } أي من ~~كل شيء، { وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين } أي في أيمانهم وأقسامهم لا يبعث الله من يموت. ثم أخبر ~~تعالى عن قدرته على ما يشاء وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ms1339 ولا في السماء، ~~والمعاد من ذلك إذا أراد كونه فإنما يأمر به مرة واحدة، فيكون كما يشاء ~~كقوله: # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر: 50]، وقال: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28]، وقال في هذه الآية الكريمة: { إنما قولنا لشيء ~~إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون } أي أنه تعالى لا ~~يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به فإنه تعالى لا يمانع، ولا يخالف، لأنه ~~الواحد القهار، العظيم الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء فلا إله ~~إلا هو ولا رب سواه. ### || [16.41-42] # يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا ~~الدار والإخوان والخلان رجاء ثواب الله وجزائه، وقد وعدهم تعالى ~~بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال: { لنبوئنهم في ~~الدنيا حسنة } ، قال ابن عباس: المدينة، وقيل: الرزق الطيب، قاله ~~مجاهد، ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم ~~الله خيرا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئا لله عوضه الله بما هو خير ~~له منه، وكذلك وقع، فإن الله مكن لهم في البلاد، وحكمهم على رقاب العباد، ~~وصاروا أمراء حكاما وكل منهم للمتقين إماما، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين ~~في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا فقال: { ولأجر الآخرة ~~أكبر } أي مما أعطيناهم في الدنيا { لو كانوا يعلمون } أي ~~لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع ~~رسوله، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أعطى الرجل من ~~المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، ~~وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ هذه الآية: { لنبوئنهم في ~~الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا ~~يعلمون } ، ثم وصفهم تعالى فقال: { الذين صبروا وعلى ~~ربهم يتوكلون } أي صبروا على الأذى من قومهم متوكلين على ~~الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة. ### || [16.43-44] # قال ابن عباس: لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت ~~العرب ذلك أو من أنكر منهم وقالوا: ms1340 الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا ~~فأنزل الله: # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس # [يونس: 2] الآية، وقال: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم ~~لا تعلمون } يعني أهل الكتب الماضية أبشرا كانت الرسل إليهم أم ~~ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون ~~محمد صلى الله عليه وسلم رسولا، والغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت بأن ~~الرسل الماضين قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا بشرا كما هو بشر، كما ~~قال تعالى: # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 93]، وقال: # قل ما كنت بدعا من الرسل # [الأحقاف: 9]، وقال تعالى: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي # [فصلت: 6]، ثم أرشد الله تعالى من شك في كون الرسل كانوا بشرا إلى سؤال ~~أصحاب الكتب المتقدمة عن الأنبياء الذي سلفوا، هل كان أنبياؤهم بشرا أو ~~ملائكة، ثم ذكر تعالى أنه أرسلهم { بالبينات } أي بالحجج والدلائل ~~{ والزبر } وهي الكتب، قاله ابن عباس ومجاهد: والزبر: جمع زبور، ~~تقول العرب: زبرت الكتاب إذا كتبته. وقال تعالى: # وكل شيء فعلوه في الزبر # [القمر: 52]، وقال: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض ~~يرثها عبادي الصالحون # [الأنبياء: 105]، ثم قال تعالى: { وأنزلنا إليك الذكر } ~~يعني القرآن { لتبين للناس ما نزل إليهم } أي من ~~ربهم لعلمك بمعنى ما أنزل الله عليك، وحرصك عليه واتباعك له، ولعلمنا ~~بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم فتفصل لهم ما أجمل وتبين لهم ما أشكل ~~والمراد بأهل الذكر أهل الكتاب، { ولعلهم يتفكرون } أي ~~ينظرون لأنفسهم فيهتدون فيفوزون بالنجاة في الدارين. ### || [16.45-47] # يخبر تعالى عن حلمه وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات ويدعون إليها، ~~ويمكرون بالناس في دعائهم إياهم وحملهم عليها مع قدرته على أن يخسف بهم ~~الأرض، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، أي من حيث لا يعلمون مجيئه ~~إليهم، كقوله تعالى: # أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا ~~هي تمور # [الملك: 16]، وقوله: { أو ms1341 يأخذهم في تقلبهم } أي في ~~تقلبهم في المعايش واشتغالهم بها في أسفار ونحوها من الأشغال الملهية، ~~قال قتادة والسدي: تقلبهم أي أسفارهم؛ وقال مجاهد والضحاك: { في ~~تقلبهم } في الليل والنهار، كقوله: # أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ~~وهم نآئمون # [الأعراف: 97]، وقوله: { فما هم بمعجزين } أي لا يعجزون الله ~~على أي حال كانوا عليه، وقوله: { أو يأخذهم على تخوف } ~~أي أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد، فإن ~~حصول ما يتوقع مع الخوف شديد، ولهذا قال ابن عباس: { أو يأخذهم ~~على تخوف } يقول: إن شئت أخذت على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك، ثم ~~قال تعالى: { فإن ربكم لرؤوف رحيم } أي حيث لم يعاجلكم ~~بالعقوبة، كما ثبت في " الصحيحين ": # " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ~~ويعافيهم " # ، وقال تعالى: # وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم ~~أخذتها وإلي المصير # [الحج: 48]. ### || [16.48-50] # يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء، ودانت له ~~الأشياء والمخلوقات بأسرها، جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن ~~والملائكة، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال، أي بكرة ~~وعشيا فإنه ساجد بظله لله تعالى. قال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء ~~لله عز وجل، وقوله: { وهم داخرون } أي صاغرون. وقال مجاهد ~~أيضا: سجود كل شيء فيؤه، وأمواج البحر صلاته، ونزلهم منزلة من يعقل إذ ~~أسند السجود إليهم، فقال: { ولله يسجد ما في السموت ~~وما في الأرض من دآبة } ، كما قال: # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد: 15]، وقوله: { والملائكة وهم لا يستكبرون } ~~أي تسجد لله أي غير مستكبرين عن عبادته، { يخافون ربهم من ~~فوقهم } أي يسجدون خائفين وجلين من الرب جل جلاله، { ويفعلون ~~ما يؤمرون } أي مثابرين على طاعته تعالى وامتثال أوامره، وترك ~~زواجره. ### || [16.51-55] # يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا ~~شريك له، ms1342 فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه { وله الدين واصبا } ، ~~قال ابن عباس ومجاهد: أي دائما، وعن ابن عباس أيضا: أي واجبا، وقال ~~مجاهد: أي خالصا له، أي له العبادة وحده ممن في السماوات والأرض، كقوله: # ألا لله الدين الخالص # [الزمر: 3]، ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعباد من رزق ونعمة ~~وعافية ونصر فمن فضله عليهم، وإحسانه إليهم، { ثم إذا مسكم ~~الضر فإليه تجأرون } أي لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا ~~هو، فإنكم عند الضرورات تلجأون إليه، وتسألونه وتلحون في الرغبة إليه ~~مستغيثين به، كقوله تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # [الإسراء: 67]، وقال ههنا: { ثم إذا كشف الضر عنكم ~~إذا فريق منكم بربهم يشركون * ليكفروا بمآ ~~آتيناهم } قيل: اللام ههنا لام العاقبة، وقيل: لام التعليل بمعنى ~~قيضنا لهم ذلك ليكفروا أي يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم، مع أنه المسدي ~~إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم، ثم توعدهم قائلا: { فتمتعوا } ~~أي اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا { فسوف تعلمون } ~~أي عاقبة ذلك. ### || [16.56-60] # يخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام ~~والأوثان والأنداد بغير علم وجعلوا للأوثان نصيبا مما رزقهم الله، ~~فقالوا: # هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا # [الأنعام: 136] أي جعلوا لآلهتهم نصيبا مع الله وفضلوها على جانبه، ~~فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه وائتفكوه، ~~وليقابلنهم عليه وليجازينهم أوفر الجزاء في نار جهنم فقال: { تالله ~~لتسألن عما كنتم تفترون } ، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم ~~جعلوا الملائكة إناثا وجعلوها بنات الله، فعبدوها معه، فنسبوا إليه ~~تعالى الولد ولا ولد له، ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد وهو البنات وهم ~~لا يرضونها لأنفسهم، كما قال: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22]، وقوله ههنا: { ويجعلون لله البنات ~~سبحانه } أي عن قولهم وإفكهم، # ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله ~~وإنهم لكاذبون * أصطفى البنات على البنين * ~~ما لكم كيف تحكمون # [الصافات: 151-154]، وقوله: { ولهم ما يشتهون ms1343 } أي يختارون ~~لأنفسهم الذكور ويأنفون لأنفسهم من البنات التي نسبوها إلى الله، تعالى ~~الله عن قولهم علوا كبيرا. فإنه { وإذا بشر أحدهم ~~بالأنثى ظل وجهه مسودا } أي كئيبا من الهم { وهو ~~كظيم } ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن، { يتوارى من القوم ~~} أي يكره أن يراه الناس، { من سوء ما بشر به أيمسكه ~~على هون أم يدسه في التراب } أي إن أبقاها أبقاها مهانة ~~لا يورثها ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها، { أم يدسه ~~في التراب } أي يئدها وهو أن يدفنها فيه حية كما كانوا يصنعون في ~~الجاهلية، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه لله؟ { ~~ألا سآء ما يحكمون } أي بئس ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما ~~نسبوه إليه، كقوله تعالى: # وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل ~~وجهه مسودا وهو كظيم # [الزخرف: 17]، وقوله: ههنا: { للذين لا يؤمنون بالآخرة ~~مثل السوء } أي النقص إنما ينسب إليهم { ولله المثل ~~الأعلى } أي الكمال المطلق من كل وجه وهو منسوب إليه { وهو ~~العزيز الحكيم }. ### || [16.61-62] # يخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك ~~على ظهر الأرض من دابة، أي لأهلك دواب الأرض ومعهم بنو آدم، ولكن الرب جل ~~جلاله يحلم ويستر، وينظر إلى أجل مسمى أي لا يعاجلهم بالعقوبة إذ لو فعل ~~ذلك بهم لما أبقى أحدا. وفي الحديث: # " إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله، وإنما زيادة العمر بالذرية ~~الصالحة يرزقها الله العبد فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، ~~فذلك زيادة العمر " # وقوله: { ويجعلون لله ما يكرهون } أي من البنات ومن ~~الشركاء الذين هم عبيده وهم يأنفون أن يكون عند أحدهم شريك له في ماله، ~~وقوله: { وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى } ~~إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك أن لهم الحسنى في الدنيا، كقوله: # ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضرآء مسته ~~ليقولن هذا لي ومآ أظن الساعة قآئمة ولئن ~~رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ms1344 # [فصلت: 50]، وقوله: # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا # [مريم: 77] فجمع هؤلاء بين عمل السوء، وتمني الباطل بأن يجازوا على ذلك ~~حسنا وهذا مستحيل، يعملون السيئات ويجزون الحسنات؟ أيجتنى من الشوك ~~العنب؟ ولهذا قال تعالى ردا عليهم في تمنيهم ذلك: { لا جرم } أي ~~حقا لا بد منه، { أن لهم النار } أي يوم القيامة، { ~~وأنهم مفرطون } ، قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: ~~منسيون فيها مضيعون، وهذا كقوله تعالى: # فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هذا # [الأعراف: 51] وعن قتادة أيضا { مفرطون }: أي معجلون إلى النار ~~من الفرط وهو السابق إلى الورد، ولا منافاة لأنهم يعجل بهم يوم القيامة ~~إلى النار وينسون فيها أي يخلدون. ### || [16.63-65] # يذكر تعالى أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلا فكذبت الرسل، فلك يا محمد ~~في إخوتك من المرسلين أسوة فلا يهمنك تكذيب قومك لك، وأما المشركون ~~الذين كذبوا الرسل فإنما حملهم على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه { ~~فهو وليهم اليوم } أي هم تحت العقوبة والنكال، والشيطان ~~وليهم ولا يملك لهم خلاصا، ولا صريخ لهم ولهم عذاب أليم، ثم قال تعالى ~~لرسوله إنه إنما أنزل عليه الكتاب ليبين للناس الذي يختلفون فيه، فالقرآن ~~فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه، { وهدى } أي للقلوب، { ~~ورحمة } أي لمن تمسك به، { لقوم يؤمنون } ، وكما جعل ~~سبحانه القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها كذلك يحيي الأرض بعد موتها بما ~~أنزله عليها من السماء من ماء { إن في ذلك لآية لقوم ~~يسمعون } أي يفهمون الكلام ومعناه. ### || [16.66-67] # يقول تعالى: { وإن لكم } أيها الناس { في الأنعام } وهي ~~الإبل والبقر والغنم، { لعبرة } أي لآية ودلالة على حكمة خالقها ~~وقدرته ورحمته ولطفه، { نسقيكم مما في بطونه } الضمير ~~عائد على الحيوان، فإن الأنعام حيوانات، أي نسقيكم مما في بطن هذا ~~الحيوان، وفي الآية الأخرى # مما في بطونها # [المؤمنون: 21] ويجوز هذا وهذا، كما في قوله: # كلا إنها تذكرة * فمن شآء ذكره # [عبس: 11-12]، وقوله: { من بين فرث ودم لبنا خالصا } ~~أي يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته، ms1345 من بين فرث ودم في باطن الحيوان، ~~فيسري كل إلى موطنه إذا نضج الغذاء في معدته، فيصرف منه دم إلى العروق، ~~ولبن إلى الضرع، وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب ~~الآخر، ولا يمازجه بعد انفصاله عنه ولا يتغير به. وقوله: { لبنا ~~خالصا سآئغا للشاربين } أي لا يغص به أحد، ولما ذكر اللبن ~~وأنه تعالى جعله شرابا للناس سائغا ثنى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة ~~من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل ~~تحريمه، ولهذا امتن به عليهم فقال: { ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب تتخذون منه سكرا } ، قال ابن عباس: السكر ما ~~حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما، وفي رواية: السكر ~~حرامه، والرزق الحسن حلاله، يعني ما يبس منهما من تمر وزبيب، وما عمل ~~منهما من طلاء وهو الدبس وخل ونبيذ حلال يشرب قبل أن يشتد، كما وردت ~~السنة بذلك { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } ناسب ذكر ~~العقل ههنا فإنه أشرف ما في الإنسان، ولهذا حرم الله على هذه الأمة ~~الأشربة المسكرة صيانة لعقولها وقال الله تعالى: # وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا ~~فيها من العيون * ليأكلوا من ثمره وما عملته ~~أيديهم أفلا يشكرون # [يس: 34-35]. ### || [16.68-69] # المراد بالوحي هنا (الإلهام) والهداية والإرشاد للنحل، أن تتخذ من ~~الجبال بيوتا تأوي إليها، ومن الشجر ومما يعرشون، ثم أذن لها تعالى ~~إذنا قدريا تسخيريا أن تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي جعلها ~~الله تعالى مذللة لها أي مسهلة عليها حيث شاءت من هذا الجو العظيم ~~والبراري الشاسعة والأودية والجبال الشاهقة، ثم تعود كل واحدة منها إلى ~~بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع من أجنحتها، وتقيء العسل من ~~فيها، ثم تصبح إلى مراعيها. وقوله تعالى: { فاسلكي سبل ربك ~~ذللا } أي فاسلكيها مذللة لك، نص عليه مجاهد، وقوله تعالى: { يخرج ~~من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفآء للناس ~~} ما بين أبيض وأصفر وأحمر، وغير ذلك من الألوان الحسنة ms1346 على اختلاف ~~مراعيها ومأكلها منها، وقوله: { فيه شفآء للناس } أي في العسل ~~شفاء للناس، أي من أدواء تعرض لهم. قال بعض من تكلم عن الطب النبوي: لو ~~قال فيه الشفاء للناس لكن دواء كل داء؛ ولكن قال: فيه شفاء للناس، أي ~~يصلح لكل أحد من أدواء باردة، فإنه حار، والشيء يداوى بضده عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه # " أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن أخي استطلق ~~بطنه، فقال: " اسقه عسلا " فذهب فسقاه عسلا، ثم جاء فقال: يا رسول الله ~~سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا. قال: " اذهب فاسقه عسلا " ، فذهب ~~فسقاه عسلا، ثم جاء فقال: يا رسول ما زاده إلا استطلاقا، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلا " ~~، فذهب فسقاه عسلا فبرئ " # وقال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلا وهو ~~حار تحللت فأسرعت في الاندفاع، فزاده إسهالا، فاعتقد الأعرابي أن هذا ~~يضره وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه فازداد التحليل والدفع، ثم سقاه فكذلك، ~~فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضدة بالبدن استمسك بطنه وصلح مزاجه ~~واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام. ~~وفي " الصحيحين " # " عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه ~~الحلواء والعسل " # وفي " صحيح البخاري " عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي ~~عن الكي ". # وقال البخاري، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إن كان في شيء من أدويتكم خير: ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة ~~بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي " # وفي الحديث: # " عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن " # ، وعن علي بن أبي طالب أنه قال: # " إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله في صحفة، وليغسلها ~~بماء السماء، وليأخذ من امرأته ms1347 درهما عن طيب نفس منها، فليشتر به عسلا ~~فليشربه كذلك فإنه شفاء " # ، أي من وجوه: قال الله تعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين # [الإسراء: 82]، وقال: # ونزلنا من السمآء مآء مباركا # [ق: 9] وقال: # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # [النساء: 4]، وقال في العسل: { فيه شفآء للناس } ، وقوله: { ~~إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } أي إن في إلهام الله ~~لهذه الدواب الضعيفة الخلقة إلى السلوك في هذه المهامة والاجتناء من سائر ~~الثمار، ثم جمعها للشمع والعسل وهو أطيب الأشياء لآية لقوم يتفكرون في ~~عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها فيستدلون بذلك على أنه الفاعل ~~القادر الحكيم العليم الكريم الرحيم. ### || [16.70] # يخبر تعالى عن تصرفه في عباده، وأنه هو الذي أنشأهم من العدم، ثم بعد ~~ذلك يتوفاهم، ومنهم من يتركه حتى يدركه الهرم. وقد روي عن علي رضي الله ~~عنه { أرذل العمر }: خمس وسبعون سنة. وفي هذا السن يحصل له ضعف ~~القوى والخرف وسوء الحفظ وقلة العلم، ولهذا قال: { لكي لا يعلم ~~بعد علم شيئا } أي بعد ما كان عالما أصبح لا يدري شيئا من ~~الفند والخرف، ولهذا روى البخاري عند تفسير هذه الآية عن أنس بن مالك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: # " أعوذ بك من البخل والكسل والهرم وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال ~~وفتنة المحيا والممات ". ### || [16.71] # يبين تعالى للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من الشركاء، وهم ~~يعترفون أنها عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم في حجهم: لبيك لا ~~شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، فقال تعالى منكرا عليهم: أنتم ~~لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم فكيف يرضى هو تعالى بمساواة عبيد ~~له في الإلهية والتعظيم؟ قال ابن عباس في هذه الآية: لم يكونوا ليشركوا ~~عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟ فذلك قوله: ~~{ أفبنعمة الله يجحدون }. وقال في الرواية الأخرى عنه: ~~فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟ وقال مجاهد: هذا ms1348 مثل الآلهة الباطلة. ~~وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله فهل منكم من أحد يشاركه مملوكه في زوجته ~~وفي فراشه فتعدلون بالله خلقه وعباده؟ فإن لم ترض لنفسك هذا فالله أحق أن ~~ينزه منك، وقوله: { أفبنعمة الله يجحدون } أي كيف جحدوا ~~نعمته وأشركوا معه غيره. وعن الحسن البصري قال: كتب عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: (واقنع برزقك من الدنيا فإن الرحمن فضل ~~بعض عباده على بعض في الرزق، بلاء يبتلي به كلا، فيبتلي من بسط له كيف ~~شكره لله وأداؤه الحق الذي افترض عليه فيما رزقه وخوله). ### || [16.72] # يذكر تعالى نعمه على عبيده بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجا من جنسهم ~~وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ~~ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورا وإناثا، وجعل الإناث أزواجا ~~للذكور، ثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة وهم أولاد ~~البنين، عن ابن عباس: { بنين وحفدة } هم الولد وولد الولد، وقال ~~مجاهد: { بنين وحفدة } ابنه وخادمه، وقال طاووس وغير واحد: ~~الحفدة الخدم. وعن عكرمة أنه قال: الحفدة من خدمك من ولدك وولد ولدك، ~~قال الضحاك: إنما كانت العرب تخدمها بنوها. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس: هم الأصهار، قال ابن جرير: وهذه الأقوال كلها داخلة في معنى الحفدة ~~وهو الخدمة، ومنه قوله في القنوت: (وإليك نسعى ونحفد) ولما كانت الخدمة ~~قد تكون من الأولاد والخدم والأصهار فالنعمة حاصلة بهذا كله، ولهذا قال: ~~{ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } ، قلت: فمن ~~جعل { وحفدة } متعلقا بأزواجكم فلا بد أن يكون المراد الأولاد ~~وأولاد الأولاد أو الأصهار، لأنهم أزواج البنات أو أولاد الزوجة، فإنهم ~~يكونون غالبا تحت كنف الرجل وفي حجره وفي خدمته، وأما من جعل الحفدة ~~الخدم فعنده أنه معطوف على قوله: { والله جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا } أي جعل لكم الأزواج والأولاد خدماء، وقوله: { ~~ورزقكم من الطيبات } أي من المطاعم والمشارب، ثم قال تعالى ~~منكرا على من أشرك ms1349 في عباده المنعم غيره: { أفبالباطل ~~يؤمنون }؟ وهم الأنداد والأصنام { وبنعمت الله هم ~~يكفرون }؟ أي يسترون نعم الله عليهم ويضيفونها إلى غيره. ### || [16.73-74] # يقول تعالى إخبارا عن المشركين الذين عبدوا معه غيره مع أنه هو المنعم ~~المتفضل الخالق الرازق وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون من دونه من ~~الأصنام والأنداد والأوثان { ما لا يملك لهم رزقا من ~~السموت والأرض شيئا } أي لا يقدر على إنزال مطر ولا إنبات ~~زرع ولا شجر، ولا يملكون ذلك لأنفسهم، أي ليس لهم ذلك ولا يقدرون عليه لو ~~أرادوه، ولهذا قال تعالى: { فلا تضربوا لله الأمثال } أي ~~لا تجعلوا له أندادا وأشباها وأمثالا { إن الله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون } أي أنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو ~~وأنتم بجهلكم تشركون به غيره. ### || [16.75] # قال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن. وكذا قال قتادة، ~~واختاره ابن جرير، فالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر، ~~والمرزوق الرزق الحسن فهو ينفق منه سرا وجهرا هو المؤمن، وقال مجاهد: ~~هو مثل مضروب للوثن وللحق تعالى، فهل يستوي هذا وهذا؟ ولما كان الفرق ~~بينهما ظاهرا واضحا بينا لا يجهله إلا كل غبي قال الله تعالى: { ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون }. ### || [16.76] # قال مجاهد: وهذا أيضا المراد به الوثن والحق تعالى، يعني أن الوثن أبكم ~~لا يتكلم ولا ينطق بخير ولا بشيء ولا يقدر على شيء بالكلية، فلا مقال ولا ~~فعال، وهو مع هذا { كل } أي عيال وكلفة على مولاه { أينما ~~يوجهه } أي يبعثه { لا يأت بخير } ولا ينجح مسعاه { هل ~~يستوي } من هذه صفاته { ومن يأمر بالعدل } أي بالقسط ~~فمقاله حق وفعاله مستقيمة { وهو على صراط مستقيم } ، وقال ~~ابن عباس: هو مثل للكافر والمؤمن أيضا كما تقدم: وقال ابن جرير: نزلت في ~~رجل من قريش وعبده يعني قوله: # عبدا مملوكا # [النحل: 75] الآية، وفي قوله: { وضرب الله مثلا رجلين ~~أحدهمآ أبكم } إلى قوله { وهو على صراط مستقيم } ~~قال: هو عثمان بن عفان، قال: والأبكم الذي ms1350 أينما يوجه لا يأت بخير قال: ~~هو مولى لعثمان بن عفان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤونة، ~~وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما. ### || [16.77-79] # يخبر تعالى عن كمال علمه وقدرته على الأشياء في علمه غيب السماوات ~~والأرض واختصاصه بعلم الغيب، فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه تعالى ~~على ما يشاء، وفي قدرته التامة التي لا تخالف ولا تمانع، وأنه إذا أراد ~~شيئا فإنما يقول له كن فيكون كما قال: # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر: 50] أي فيكون ما يريد كطرف العين، وهكذا قال ههنا: { ومآ ~~أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن ~~الله على كل شيء قدير } ، ثم ذكر تعالى منته على عباده في ~~إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، ثم بعد هذا يرزقهم السمع ~~الذي به يدركون الأصوات، والأبصار التي بها يحسون المرئيات، والأفئدة وهي ~~العقول، وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلا قليلا، ~~كلما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده، وإنما جعل تعالى هذه في ~~الإنسان ليتمكن بها من عباده ربه تعالى، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على ~~طاعة مولاه، كما جاء في " صحيح البخاري " عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " يقول تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إلي عبدي ~~بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ~~حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده ~~التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن دعاني ~~لأجيبنه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في ~~قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه " # فمعنى الحديث أن العبد إذا أخلص الطاعة صارت أفعاله كلها لله عز ~~وجل، فلا يسمع إلا لله، ولا يبصر إلا لله أي ما شرعه الله له، ولا ms1351 ~~يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله عز وجل مستعينا بالله في ذلك كله. ~~ولهذا جاء في بعض رواية الحديث في غير الصحيح: # " فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي " # ، ولهذا قال تعالى: { وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة لعلكم تشكرون } ، كقوله تعالى في الآية ~~الأخرى: # قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون # [الملك: 23]، ثم نبه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين ~~السماء والأرض كيف جعله يطير بجناحين بين السماء والأرض في جو السماء ما ~~يملكه هناك إلا الله بقدرته تعالى التي جعل فيها قوى تفعل ذلك، وسخر ~~الهواء يحملها، وبسير الطير كذلك كما قال تعالى في سورة الملك: # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير # [الملك: 19]، وقال ههنا: { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون }. ### || [16.80-83] # يذكر تبارك وتعالى تمام نعمه على عبيده بما جعل لهم من البيوت التي هي ~~سكن لهم يأوون إليها، ويستترون بها وينتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع. ~~وجعل لهم أيضا من جلود الأنعام بيوتا، أي من الأدم يستخفون حملها في ~~أسفارهم ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر. ولهذا قال: { ~~تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن ~~أصوافها } أي الغنم، { وأوبارها } أي الإبل، { وأشعارهآ ~~} أي المعز، والضمير عائد على الأنعام { أثاثا } أي تتخذون منه ~~أثاثا، وهو المال وقيل: المتاع، وقيل: الثياب، والصحيح أعم من هذا كله ~~فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك، ويتخذ مالا وتجارة. وقوله: ~~{ إلى حين } أي إلى أجل مسمى ووقت معلوم. وقوله: { والله جعل ~~لكم مما خلق ظلالا }. قال قتادة، يعني الشجر { وجعل ~~لكم من الجبال أكنانا } أي حصونا ومعاقل كما { وجعل ~~لكم سرابيل تقيكم الحر } وهي الثياب من القطن والكتان ~~والصوف { وسرابيل تقيكم بأسكم } كالدروع من الحديد المصفح ~~والزرد وغير ذلك، { كذلك يتم نعمته عليكم } أي هكذا ~~يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وما تحتاجون إليه ليكون عونا لكم على ~~طاعته وعبادته، { لعلكم تسلمون } أي ms1352 من الإسلام، وقوله: { ~~فإن تولوا } أي أبعد هذا البيان وهذا الامتنان فلا عليك منهم، { ~~فإنما عليك البلاغ المبين } وقد أديته إليهم، { ~~يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها } أي يعرفون أن الله ~~تعالى هو المسدي إليهم ذلك وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك ~~ويعبدون معه غيره ويسندون النصر والرزق إلى غيره { وأكثرهم ~~الكافرون } ، عن مجاهد أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسأله فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم { والله جعل لكم ~~من بيوتكم سكنا } فقال الأعرابي: نعم، قال: { وجعل لكم ~~من جلود الأنعام بيوتا } الآية، قال الأعرابي: نعم، ثم قرأ ~~عليه كل ذلك، يقول الأعرابي: نعم، حتى بلغ: { كذلك يتم ~~نعمته عليكم لعلكم تسلمون } فولى الأعرابي، فأنزل ~~الله: { يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها } الآية. ### || [16.84-88] # يخبر تعالى عن شأن المشركين يوم معادهم في الدار الآخرة، وأنه يبعث من ~~كل أمة شهيدا وهو نبيها، يشهد عليها بما أجابته فيما بلغها عن الله ~~تعالى: { ثم لا يؤذن للذين كفروا } أي في الاعتذار ~~لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه كقوله: # هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 35-36] فلهذا قال: { ولا هم يستعتبون * وإذا ~~رأى الذين ظلموا } أي الذين أشركوا { العذاب فلا ~~يخفف عنهم } أي لا يفتر عنهم ساعة واحدة { ولا هم ~~ينظرون } أي لا يؤخر عنهم، بل يأخذهم سريعا من الموقف بلا حساب، ثم ~~أخبر تعالى عن تبري آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها فقال: { وإذا ~~رأى الذين أشركوا شركآءهم } أي الذين كانوا يعبدونهم في ~~الدنيا { قالوا ربنا هؤلآء شركآؤنا الذين كنا ~~ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم ~~لكاذبون } أي قالت لهم الآلهة كذبتم ما نحن أمرناكم بعبادتنا كما ~~قال تعالى: # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم ~~غافلون # [الأحقاف: 5] وقوله: { وألقوا إلى الله يومئذ ~~السلم } قال: قتادة وعكرمة: ذلوا واستسلموا يومئذ، أي استسلموا لله ~~جميعهم، فلا أحد إلا سامع مطيع. وكقوله: # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ms1353 # [مريم: 38] أي ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذ، وقال: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا # [السجدة: 12] الآية، وقال: # وعنت الوجوه للحي القيوم # [طه: 111] أي خضعت وذلت واستكانت وأنابت واستسلمت. وقوله: { ~~وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون } أي ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله ~~فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجير، ثم قال تعالى: { الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا } الآية، أي عذابا ~~على كفرهم وعذابا على صدهم الناس عن اتباع الحق، وهذا دليل على تفاوت ~~الكفار في عذابهم كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما ~~قال تعالى: # قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون # [الأعراف: 38]. ### || [16.89] # يقول تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم: { ويوم ~~نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ~~وجئنا بك شهيدا على هؤلآء } يعني أمتك، أي اذكر ذلك ~~اليوم وهوله وما منحك الله فيه من الشرف العظيم والمقام الرفيع، وهذه ~~الآية شبيهة بقوله: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]، وقوله: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء } قال ابن مسعود: قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل ~~شيء، وقال مجاهد: كل حلال وكل حرام. وقول ابن مسعود أعم وأشمل، فإن ~~القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتي، وكل حلال ~~وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم، { ~~وهدى } أي للقلوب، { ورحمة وبشرى للمسلمين }. ### || [16.90] # يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل وهو القسط، ويندب إلى الإحسان كقوله ~~تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله # [الشورى: 40]، وقال: # والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له # [المائدة: 45] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على شرعية العدل والندب إلى ~~الفضل. وقال ابن عباس { إن الله يأمر بالعدل } قال: شهادة ~~أن لا إله إلا الله، وقال سفيان بن عيينة: العدل في هذا الموضع هو ms1354 ~~استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملا، والإحسان أن تكون سريرته ~~أحسن من علانيته، وقوله: { وإيتآء ذي القربى } أي يأمر بصلة ~~الأرحام، كما قال: # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا ~~تبذر تبذيرا # [الإسراء: 26]، وقوله: { وينهى عن الفحشاء والمنكر } ~~، فالفواحش المحرمات والمنكرات ما ظهر منها من فاعلها، ولهذا قال في ~~الموضع الآخر: # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن # [الأعراف: 33]، وأما البغي فهو العدوان على الناس. وقد جاء في الحديث: # " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في ~~الآخرة من البغي وقطيعة الرحم " # ، وقوله: { يعظكم } أي يأمركم بما يأمركم به من الخير وينهاكم عما ~~ينهاكم عنه من الشر { لعلكم تذكرون }. وقال الشعبي: عن ابن ~~مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل: { إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان } الآية، وقال قتادة: ليس من خلق حسن ~~كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق ~~سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، وإنما نهى عن ~~سفاسف الأخلاق ومذامها، وفي الحديث: # " إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها " # وقال الحافظ أبو يعلى عن علي بن عبد الملك بن عمير عن أبيه قال: # " بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأتيه فأبى ~~قومه أن يدعوه وقالوا: أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه، قال: فليأته من ~~يبلغه عني ويبلغني عنه، فانتدب رجلان، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت وما أنت؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " أما من أنا فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا ~~فأنا عبد الله ورسوله " ، قال: ثم تلا عليهم هذه الآية: { إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان } الآية، قالوا: ردد علينا هذا القول، ~~فردد عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن ~~نسبه فوجدناه زاكي النسب وسطا في مضر ms1355 - أي شريفا - وقد رمى إلينا ~~بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق ~~وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوسا ولا تكونوا فيه أذنابا " # وعن عثمان بن أبي العاص قال: # " كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا إذ شخص بصره فقال: " ~~أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة: { إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان } " # الآية. ### || [16.91-92] # هذا مما يأمر الله تعالى به وهو الوفاء بالعهود والمواثيق والمحافظة على ~~الأيمان المؤكدة، ولهذا قال: { ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها } ، ولا تعارض بين هذا وبين قوله: # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم # [البقرة: 224] الآية، وبين قوله تعالى: # ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ~~أيمانكم # [المائدة: 89] أي لا تتركوها بلا كفارة، وبين قوله عليه السلام فيما ثبت ~~عنه في " الصحيحين " أنه عليه الصلاة والسلام قال: # " إني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها ~~إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " # ، وفي رواية: # " وكفرت عن يميني " # لا تعارض بين هذا كله ولا بين الآية المذكورة ههنا وهي قوله: { ولا ~~تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } ، لأن هذه الأيمان المراد ~~بها الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان التي هي واردة على حث أو ~~منع؛ ولهذا قال مجاهد في قوله: { ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها } يعني الحلف، أي حلف الجاهلية. ويؤيده ما رواه الإمام أحمد ~~عن جبير بن مطعم قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فإنه لا يزيده الإسلام ~~إلا شدة " # ، ومعناه أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية ~~يفعلونه، فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه. وقال ابن جرير، عن ~~بريدة في قوله: { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } قال: ~~نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم، كان من أسلم بايع النبي صلى الله ~~عليه وسلم على الإسلام، فقال: { وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم } هذه البيعة التي بايعتم ms1356 على الإسلام، { ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها } لا يحملنكم قلة محمد وكثرة المشركين ~~أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام. وقوله: { إن الله ~~يعلم ما تفعلون } تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها, ~~وقوله: { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد ~~قوة أنكاثا }. قال السدي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة كلما غزلت ~~شيئا نقضته بعد إبرامه، وقال مجاهد وقتادة: هذا مثل لمن نقض عهده بعد ~~توكيده، وهذا القول أرجح وأظهر، سواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا، ~~وقوله: { أنكاثا } أي أنقاضا، { تتخذون أيمانكم دخلا ~~بينكم } أي خديعة ومكرا { أن تكون أمة هي أربى من ~~أمة } أي تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم، فإذا ~~أمكنكم الغدر بهم غدرتم، فنهى الله عن ذلك لينبه بالأدنى على الأعلى، قال ~~ابن عباس: { أن تكون أمة هي أربى من أمة }: أي أكثر، ~~وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف ~~هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز فنهوا عن ذلك، وقوله: { ~~إنما يبلوكم الله به } قال ابن جرير: أي بأمره إياكم ~~بالوفاء بالعهد { وليبينن لكم يوم القيامة ما ~~كنتم فيه تختلفون } فيجازي كل عامل بعمله من خير وشر. ### || [16.93-96] # يقول الله تعالى: { ولو شآء الله لجعلكم } أيها الناس { ~~أمة واحدة } أي لوفق بينكم ولما جعل اختلافا ولا تباغض ولا ~~شحناء، { ولكن يضل من يشآء ويهدي من يشآء } ثم ~~يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم فيجازيكم عليها على الفتيل والنقير ~~والقطمير، ثم حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا: أي خديعة ومكرا ~~لئلا تزل قدم { بعد ثبوتها } مثل لمن كان على الاستقامة فحاد ~~عنها، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة، المشتملة على الصد عن ~~سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به لم يبق له ~~وثوق بالدين، فيصد بسببه عن الدخول في الإسلام، ولهذا قال: { ~~وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم ~~عذاب عظيم } ، ثم قال تعالى: { ولا تشتروا بعهد الله ~~ثمنا قليلا ms1357 } أي لا تعتاضوا عن الأيمان بالله عرض الحياة الدنيا ~~وزينتها، فإنها قليلة ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند ~~الله هو خير له، أي جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه وآمن به، وطلبه وحفظ ~~عهده رجاء موعوده، ولهذا قال: { إن كنتم تعلمون * ما ~~عندكم ينفد } أي يفرغ وينقضي فإنه إلى أجل معدود، { وما عند ~~الله باق } أي وثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع ولا نفاد له، فإنه ~~دائم لا يحول ولا يزول { ولنجزين الذين صبروا ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } قسم من الرب تعالى ~~مؤكد باللام أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم أي ويتجاوز عن سيئها. ### || [16.97] # هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا، وهو العمل المتابع لكتاب الله ~~تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من ذكر أو أنثى من بني آدم وقلبه ~~مؤمن بالله ورسوله، بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ~~ما عمله في الدار الآخرة. والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة ~~كانت، وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب وعن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه فسرها بالقناعة. وقال ابن عباس: إنها هي ~~السعادة، وقال الحسن ومجاهد وقتادة: لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة. ~~وقال الضحاك: هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا. والصحيح أن الحياة ~~الطيبة تشمل هذا كله، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد ~~الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه " # وفي رواية: # " قد أفلح من هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به " # وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام عن يحيى عن قتادة عن أنس بن ~~مالك قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطي بها في الدنيا ويثاب عليها في ~~الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة ~~لم تكن ms1358 له حسنة يعطى بها خيرا ". ### || [16.98-100] # هذا أمر من الله تعالى لعباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، إذا ~~أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، وهذا أمر ندب ~~ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة. وقد ~~قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير ولله الحمد ~~والمنة. وقوله: { إنه ليس له سلطان على الذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } قال الثوري: ليس له عليهم ~~سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه، وقال آخرون: معناه لا حجة له ~~عليهم، وقال آخرون كقوله: # إلا عبادك منهم المخلصين # [الحجر: 40]، { إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~}. قال مجاهد: يطيعونه، وقال آخرون: اتخذوه وليا من دون الله { هم به ~~مشركون } ، أي أشركوه في عبادة الله، ويحتمل أن تكون الباء سببية أي ~~صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى. ### || [16.101-102] # يخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين وقلة ثباتهم وإيقانهم وأنه لا يتصور ~~منهم الإيمان. وقد كتب عليهم الشقاوة وذلك أنهم إذا رأوا تغير الأحكام ~~ناسخها بمنسوخها قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: { إنمآ أنت ~~مفتر } أي كذاب، وإنما هو الرب تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ~~وقال مجاهد: { بدلنآ آية مكان آية }: أي وفعناها وأثبتنا ~~غيرها. وقال قتادة: هو كقوله تعالى: # ما ننسخ من آية أو ننسها # [البقرة: 106] الآية، فقال تعالى مجيبا لهم: { قل نزله روح ~~القدس } أي جبريل { من ربك بالحق } أي بالصدق والعدل، { ~~ليثبت الذين آمنوا } فيصدقوا بما أنزل أولا وثانيا وتخبت ~~له قلوبهم، { وهدى وبشرى للمسلمين } أي وجعله هاديا ~~وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله. ### || [16.103] # يقول تعالى مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء ~~والبهت أن محمدا إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، ~~ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم، غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعا ~~يبيع عند الصفا، وربما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ~~ويكلمه بعض الشيء، وذاك كان أعجمي ms1359 اللسان لا يعرف العربية، فلهذا قال ~~الله تعالى رادا عليهم في افترائهم ذلك: { لسان الذي يلحدون ~~إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين } أي القرآن، ~~أي فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة ~~الشاملة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على بني إسرائيل، كيف يتعلم ~~من رجل أعجمي؟ لا يقول هذا من له أدنى مسكه من العقل. قال محمد بن إسحاق: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - كثيرا ما يجلس عند ~~المروة إلى غلام نصراني يقال له (جبر) عبد لبعض بني الحضرمي، فأنزل الله: ~~{ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ~~لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين }. وعن عكرمة وقتادة كان اسمه (يعيش)، وقال ابن جرير، ~~عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قينا بمكة، ~~وكان اسمه بلعام، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام فأنزل ~~الله هذه الآية: { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما ~~يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ~~وهذا لسان عربي مبين }. ### || [16.104-105] # يخبر تعالى أنه لا يهدي من أعرض عن ذكره، وتغافل عما أنزله على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يكن له قصد إلى الإيمان بما جاء من عند الله، ~~فهذا الجنس من الناس لا يهديهم الله إلى الإيمان بآياته، وما أرسل به ~~رسله في الدنيا ولهم عذاب أليم موجع في الآخرة، ثم أخبر تعالى أن رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ليس بمفتر ولا كذاب لأنه إنما يفتري الكذب على الله ~~وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم شرار الخلق { الذين لا يؤمنون ~~بآيات الله } من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس، ~~والرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان أصدق الناس، وأبرهم وأكملهم علما ~~وعملا، وإيمانا وإيقانا، معروفا بالصدق في قومه لا يشك في ذلك أحد ~~منهم، بحيث لا يدعى بينهم إلا بالأمين محمد؛ ولهذا قال ms1360 هرقل ملك الروم، ~~لأبي سفيان: (فما كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله عز ~~وجل). ### || [16.106-109] # أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر وشرح صدره بالكفر، واطمأن ~~به، أنه قد غضب عليه لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابا ~~عظيما في الدار الآخرة، لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، ~~فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا، ولم يهد الله قلوبهم ~~ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم، فهم لا يعقلون بها شيئا ~~ينفعهم، وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، فهم غافلون عما يراد ~~بهم، { لا جرم } أي لا بد ولا عجب أن من هذه صفته، { أنهم في ~~الآخرة هم الخاسرون } أي الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة - وأما قوله: { إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان } فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرها ~~لما ناله من ضرب وأذى وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ~~ورسوله. وقد روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في (عمار بن ياسر) حين ~~عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فوافقهم على ذلك ~~مكرها، وجاء معتذرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه ~~الآية. وقال ابن جرير: # " أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه، حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ~~ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كيف ~~تجد قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن ~~عادو فعد " ، وفيه أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر آلهتهم بخير، ~~فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " كيف تجد قلبك؟ " قال: ~~مطمئنا بالإيمان، فقال: " إن عادوا فعد " # وفي ذلك أنزل الله: { إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان } ، ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن ~~يوالي إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يأبى كما كان بلال رضي الله عنه يأبى ~~عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى ms1361 إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على ~~صدره في شدة الحر ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول: أحد، أحد، ~~ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها، رضي الله عنه ~~وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن ~~محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم، فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا ~~أسمع، فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك. # والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله، كما ذكر ~~الحافظ ابن عساكر في ترجمة (عبد الله بن حذافة السهمي) أحد الصحابة أنه ~~أسرته الروم فجاءوا به إلى ملكهم فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي ~~وأزوجك ابنتي، فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب ~~على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت، فقال: ~~إذا أقتلك، فقال أنت وذاك، قال: فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبا ~~من يديه ورجليه، وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم ~~أمر بقدر من نحاس، فأحميت وجاء بأسير من المسلمين، فألقاه وهو ينظر، فإذا ~~هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها فرفع في البكرة ~~ليلقى فيها، فبكى، فطمع فيه ودعاه، فقال: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي ~~نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل ~~شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله. # وفي بعض الروايات: أنه سجنه ومنع منه الطعام والشراب أياما، ثم أرسل ~~إليه بخمر ولحم خنزير. فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ ~~فقال: أما إنه قد حل لي، ولكن لم أكن لأشمتك بي، فقال له الملك: فقبل ~~رأسي، وأنا أطلقك، فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين، قال: نعم، فقبل ~~رأسه فأطلقه، وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: حق على كل مسلم أن يقبل ms1362 رأس عبد الله بن حذافة، ~~وأنا أبدأ، فقام فقبل رأسه رضي الله عنهما. ### || [16.110-111] # هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم فوافقوهم على ~~الفتنة، إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ~~ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم ~~الكافرين وصبروا، فأخبر تعالى أنه من بعدها أي تلك الفعلة وهي الإجابة ~~إلى الفتنة لغفور لهم رحيم بهم يوم معادهم { يوم تأتي كل نفس ~~تجادل } أي تحاج { عن نفسها } ليس أحد يحاج عنها لا أب ولا ابن ~~ولا أخ ولا زوجة { وتوفى كل نفس ما عملت } أي من خير ~~وشر { وهم لا يظلمون } أي لا ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على ~~ثواب الشر ولا يظلمون نقيرا. ### || [16.112-113] # هذا مثل أريد به أهل مكة؟ فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من ~~حولها، ومن دخلها كان آمنا لا يخاف، كما قال تعالى: # أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات ~~كل شيء رزقا من لدنا # [القصص: 57]، وهكذا قال ههنا { يأتيها رزقها رغدا } ، أي ~~هنيئا سهلا، { من كل مكان فكفرت بأنعم الله } أي ~~جحدت آلاء الله عليها وأعظمها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، كما ~~قال تعالى: # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها ~~وبئس القرار # [إبراهيم: 28-29] ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما فقال: { ~~فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } أي ألبسها وأذاقها ~~الجوع بعد أن كان يجبى إليها ثمرات كل شيء ويأتيها رزقها رغدا من كل ~~مكان، وذلك أنهم استعصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو إلا ~~خلافه، فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، ~~فأكلوا العلهز، وهو وبر يخلط بدمه إذا نحروه. وقوله: { والخوف } ~~وذلك أنهم بدلوا بأمنهم خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ~~حين هاجروا إلى المدينة من سطوته وسراياه وجيوشه، وجعل كل ما لهم في دمار ~~وسفال، حتى فتحها الله على رسوله، صلى الله عليه وسلم ms1363 وذلك بسبب صنيعهم ~~وبغيهم وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله فيهم منهم ~~وامتن به عليهم في قوله: # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم # [آل عمران: 164] الآية. وهذا الذي قلناه من أن هذا المثل ضرب لأهل مكة ~~قاله ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وقتادة والزهري رحمهم الله. ### || [16.114-117] # يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطيب وبشكره على ~~ذلك، فإنه المنعم المتفضل به ابتداء، ثم ذكر تعالى ما حرمه عليهم مما فيه ~~مضرة لهم في دينهم ودنياهم من الميتة والدم ولحم الخنزير، { ومآ ~~أهل لغير الله به } أي ذبح على غير اسم الله ومع هذا، { ~~فمن اضطر } إليه أي احتاج من غير بغي ولا عدوان، { فإن ~~الله غفور رحيم } وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في سورة ~~البقرة بما فيه كفاية عن إعادته ولله الحمد. ثم نهى تعالى عن سلوك سبيل ~~المشركين الذين حللوا وحرموا، بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه وابتدعوه في ~~جاهليتهم، فقال: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على ~~الله الكذب } ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس فيها مستند شرعي، ~~أو حلل شيئا مما حرم الله أو حرم شيئا مما أباح الله بمجرد رأيه ~~وتشهيه، ثم توعد على ذلك فقال: { إن الذين يفترون على ~~الله الكذب لا يفلحون } أي في الدنيا ولا في الآخرة، أما في ~~الدنيا فمتاع قليل، وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم، كما قال: # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # [لقمان: 24]، وقال: # إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * ~~متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم ~~العذاب الشديد بما كانوا يكفرون # [يونس: 69-70]. ### || [16.118-119] # لما ذكر تعالى أنه إنما حرم علينا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~لغير الله به، ذكر سبحانه وتعالى ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل ~~أن ينسخها، وما كانو فيه من الآصار والتضييق والأغلال والحرج فقال: { ~~وعلى الذين هادوا حرمنا ms1364 ما قصصنا عليك من ~~قبل } أي في سورة الأنعام { وما ظلمناهم } أي فيما ضيقنا ~~عليهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أي فاستحقوا ~~ذلك، كقوله: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا # [النساء: 160]، ثم أخبر تعالى تكرما وامتنانا في حق العصاة المؤمنين ~~أن من تاب منهم إليه تاب عليه فقال: { ثم إن ربك للذين ~~عملوا السوء بجهالة } قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو ~~جاهل { ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا } ، أي أقلعوا ~~عما كانوا فيه من المعاصي وأقبلوا على فعل الطاعات، { إن ربك من ~~بعدها } أي تلك الفعلة والزلة { لغفور رحيم }. ### || [16.120-123] # يمدح تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم، إمام الحنفاء ووالد الأنبياء، ~~ويبرئه من المشركين ومن اليهودية والنصرانية فقال: { إن إبراهيم ~~كان أمة قانتا لله حنيفا } ، فأما الأمة: فهو الإمام ~~الذي يقتدى به، والقانت: هو الخاشع المطيع، والحنيف المنحرف قصدا عن ~~الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: { ولم يك من المشركين } ، ~~قال عبد الله بن مسعود: الأمة معلم الخير، والقانت المطيع لله ورسوله. ~~وقال ابن عمر: الأمة الذي يعلم الناس دينهم. وقال مجاهد { أمة } أي ~~أمة وحده، والقانت: المطيع. وعنه كان مؤمنا وحده والناس كلهم إذ ذاك ~~كفار. وقال قتادة كان إمام هدى، والقانت: المطيع لله، وقوله: { شاكرا ~~لأنعمه } أي قائما بشكر نعم الله عليه، كقوله تعالى: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37] أي قام بجميع ما أمره الله تعالى به. وقوله: { اجتباه } ~~أي اختاره واصطفاه كقوله: # ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين # [الأنبياء: 51]، ثم قال: { وهداه إلى صراط مستقيم } وهو ~~عباده الله وحده لا شريك له على شرع مرضي. وقوله: { وآتيناه في ~~الدنيا حسنة } أي جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن ~~إليه في إكمال حياته الطيبة، { وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين } وقال مجاهد في قوله: { وآتيناه في ~~الدنيا حسنة } أي لسان صدق وقوله: { ثم أوحينآ إليك ~~أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } أي ومن كماله وعظمته وصحة ~~توحيده وطريقه أنا ms1365 أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء { أن ~~اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~} ، كقوله في الأنعام: # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين # [الآية: 161]، ثم قال تعالى منكرا على اليهود: { إنما جعل ~~السبت على الذين اختلفوا فيه... }. ### || [16.124] # لا شك أن الله تعالى شرع في كل ملة يوما من الأسبوع يجتمع الناس فيه ~~للعبادة، فشرع تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة لأنه اليوم السادس الذي أكمل ~~الله فيه الخليقة واجتمعت فيه، وتمت النعمة على عباده، ويقال إن الله ~~تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى، فعدلو عنه، واختاروا السبت ~~لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئا من المخلوقات الذي كمل خلقها يوم ~~الجمعة، فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة، ووصاهم أن يتمسكوا به، وأن ~~يحافظوا عليه مع أمره إياهم بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعثه ~~وأخذ مواثيقهم وعهودهم على ذلك، ولهذا قال تعالى: { إنما جعل ~~السبت على الذين اختلفوا فيه } ، قال مجاهد: اتبعوه ~~وتركوا الجمعة، وقد ثبت في " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ~~ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس ~~لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد ". ### || [16.125] # يقول تعالى آمرا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى ~~الله بالحكمة. قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة ~~والموعظة الحسنة، أي بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس ذكرهم بها ~~ليحذروا بأس الله تعالى، وقوله { وجادلهم بالتي هي أحسن } ~~، أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن ~~خطاب كقوله تعالى: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ~~إلا الذين ظلموا منهم # [العنكبوت: 46] الآية، فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر به موسى وهارون ~~عليهما السلام حين بعثهما إلى ms1366 فرعون في قوله: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 44]. وقوله: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله } الآية، أي قد علم الشقي منهم والسعيد، وكتب ذلك عنده وفرغ ~~منه فادعهم إلى الله، ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات، فإنه ليس عليك ~~هداهم إنما أنت نذير، عليك البلاغ وعلينا الحساب، # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56]، # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء # [البقرة: 272]. ### || [16.126-128] # يأمر تعالى بالعدل في القصاص والمماثلة في استيفاء الحق، قال ابن سيرين: ~~إن أخذ منكم رجل شيئا فخذوا مثله، وكذا قال مجاهد والحسن البصري واختاره ~~ابن جرير، وقال ابن زيد: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين فأسلم رجال ~~ذوو منعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء ~~الكلاب، فنزلت هذه الآية ثم نسخ ذلك بالجهاد، قال عطاء بن يسار: # " نزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها، نزلت ~~بالمدينة، بعد أحد حين قتل حمزة رضي الله عنه ومثل به، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين رجلا منهم، ~~فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم ~~يمثلها أحد من العرب بأحد قط فأنزل الله: { وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } " # إلى آخر السورة، وقال الحافظ أبو بكر البزار، عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب رضي الله ~~عنه حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه، أو قال ~~لقلبه، فنظر إليه وقد مثل به، فقال: " رحمة الله عليك، إن كنت ما علمتك ~~إلا وصولا للرحم، فعولا للخيرات. والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني ~~أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع - أو كلمة نحوها - أما والله على ~~ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك " ، فنزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم ~~بهذه السورة وقرأ: ms1367 { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به } إلى آخر الآية، فكفر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعني عن يمينه وأمسك عن ذلك. وهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن، ~~فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل، كما في قوله: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]، ثم قال: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى: 40] الآية. وقال: # والجروح قصاص # [المائدة: 45]، ثم قال: # فمن تصدق به فهو كفارة له # [المائدة: 45]، وقال في هذه الآية: { وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به } ، ثم قال: { ولئن صبرتم لهو ~~خير للصابرين } ، وقوله تعالى: { واصبر وما صبرك ~~إلا بالله } تأكيد للأمر بالصبر، وإخبار بأن ذلك لا ينال إلا ~~بمشيئة الله وإعانته، وحوله وقوته، ثم قال تعالى: { ولا تحزن ~~عليهم } ، أي على من خالفك فإن الله قدر ذلك، { ولا تك في ~~ضيق } أي غم، { مما يمكرون } أي مما يجهدون أنفسهم في عداوتك ~~وإيصال الشر إليك، فإن الله كافيك وناصرك ومؤيدك ومظهرك ومظفرك بهم، ~~وقوله { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون } ، أي معهم بتأييده ونصره ومعونته وهديه وسعيه. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا ~~إله غيره ولا رب سواه، { الذي أسرى بعبده } يعني محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، { ليلا }: أي في جنح الليل، { من المسجد ~~الحرام }: وهو مسجد مكة { إلى المسجد الأقصى } وهو بيت ~~المقدس الذي بإيلياء معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام، ~~ولهذا جمعوا له هناك كلهم فأمهم في محلتهم ودارهم، فدل على أنه هو الإمام ~~الأعظم، والرئيس المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وقوله ~~تعالى: { الذي باركنا حوله }: أي في الزروع والثمار، { ~~لنريه }: أي محمدا { من آياتنآ }: أي العظام، كما قال تعالى: # لقد رأى من آيات ربه الكبرى # [النجم: 18]، { إنه هو السميع البصير } أي السميع لأقوال ~~عباده البصير بهم، فيعطي كلا منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة. # " ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء " # قال الإمام البخاري، عن أنس بن ms1368 مالك، يقول: # " ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة، إنه جاءه ~~ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم ~~هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة ~~فلم يرهم، حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه - ~~وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم - فلم يكلموه حتى احتملوه، ~~فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته ~~حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى ~~بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشو إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده - ~~يعني عروق حلقه - ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب بابا من ~~أبوابها فناداه أهل السماء من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: ~~معي محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: فمرحبا به وأهلا. ~~يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى ~~يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل هذا أبوك آدم فسلم ~~عليه، فسلم عليه ورد عليه آدم، فقال: مرحبا وأهلا بابني، نعم الابن ~~أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: " ما هذان النهران ~~يا جبريل؟ " قال: هذان النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء فإذا ~~هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر، فقال: ~~ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، ثم عرج به إلى السماء ~~الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الملائكة الأولى من هذا؟ قال ~~جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا: وقد بعث ~~إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبا به وأهلا، ثم عرج به إلى السماء الثالثة ~~فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية. ثم عرج به إلى السماء الرابعة، ~~فقالوا له مثل ذلك، ثم ms1369 عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك. ثم ~~عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السماء ~~السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم ~~إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، ~~وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله تعالى، فقال ~~موسى: رب لم أظن أن ترفع علي أحدا. # ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله عز وجل، حتى جاء سدرة ~~المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، ~~فأوحى الله إليه فيما يوحي خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط به ~~حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال: " ~~عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة ". قال إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع ~~فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه ~~يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار ~~تعالى وتقدس، فقال وهو في مكانه: " يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا ~~" ، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ~~ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد ~~والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك ~~أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، ~~كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ~~ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: " يا رب إن أمتي ضعفاء، أجسادهم ~~وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم، فخفف عنا، فقال الجبار تبارك ~~وتعالى: يا محمد! قال: " لبيك وسعديك " ، قال: إنه لا يبدل القول لدي كما ~~فرضت عليك في أم الكتاب، فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، ~~وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف ms1370 فعلت؟ فقال: " خفف عنا أعطانا ~~بكل حسنة عشر أمثالها " ، قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى ~~من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " يا موسى قد والله استحييت من ربي عز وجل مما اختلف إليه ~~". قال فاهبط باسم الله. قال واستيقظ وهو في المسجد الحرام " # ، هكذا ساقه البخاري في كتاب التوحيد. # وقد قال الحافظ البيهقي: في حديث شريك زيادة تفرد بها على مذهب من زعم ~~أنه صلى الله عليه وسلم رأى الله عز وجل، يعني قوله: ثم دنا الجبار ~~رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى. قال: وقول عائشة وابن مسعود وأبي ~~هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل أصح. وهذا الذي قاله البيهقي ~~رحمه الله في هذه المسألة هو الحق، فإن أبا ذر قال: # " يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: " نور أنى أراه " # وفي رواية: # " رأيت نورا " # أخرجه مسلم، وقوله: # ثم دنا فتدلى # [النجم: 8] إنما هو جبريل عليه السلام كما ثبت ذلك في " الصحيحين " عن ~~عائشة أم المؤمنين، وعن ابن مسعود، وكذلك هو في " صحيح مسلم " عن أبي ~~هريرة، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا. # وقال الإمام أحمد، عن أنس بن مالك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أتيت بالبراق وهو دابة، أبيض، ~~فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته فسار بي حتى ~~أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت ~~فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، ~~فاخترت اللبن، فقال جبريل: أصبت الفطرة، قال: ثم عرج بي إلى السماء ~~الدنيا فاستفتح جبريل، فقيل له من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: ~~محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم ~~فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل، ~~فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، ms1371 قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ ~~قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى، فرحبا ~~بي ودعوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل ~~له: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ ~~قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف عليه السلام وإذا هو قد ~~أعطي شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، ~~فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، فقيل: ومن معك؟ قال: محمد، ~~فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب ~~بي ودعا لي بخير، ثم يقول تعالى { ورفعناه مكانا عليا } ، ~~ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، ~~فقيل: ومن معك؟ قال: محمد، فقيل: قد أرسل إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح ~~لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء ~~السادسة فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: ~~محمد، فقيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ~~عليه السلام، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، ~~فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، ~~فقيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم عليه ~~السلام، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ~~ألف ملك، ثم لا يعودون إليه. # ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها ~~كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله ~~تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها، قال: فأوحى الله إلي ما أوحى، وقد فرض ~~علي في كل يوم وليلة، خمسين صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، قال: ما ~~فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في ms1372 كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك ~~فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل ~~وخبرتهم، قال فرجعت إلى ربي فقلت: أي رب خفف عن أمتي، فحط عني خمسا، ~~فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فعلت، فقلت: قد حط عني خمسا، فقال: ~~إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: فلم أزل ~~أرجع إلى ربي وبين موسى، ويحط عني خمسا خمسا حتى قال: يا محمد هن خمس ~~صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة ~~فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها ~~لم تكتب فإن عملها كتبت سيئة واحدة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، ~~فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت ". # عن أنس بن مالك قال: # " لما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق فكأنها حركت ~~ذنبها، فقال لها جبريل: مه يا براق فوالله ما ركبك مثله، وسار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإذا هو بعجوز على جانب الطريق، فقال: " ما هذه يا ~~جبريل؟ " قال: سر يا محمد. قال: فسار ما شاء الله أن يسير فإذا شيء يدعوه ~~متخيا عن الطريق، فقال: هلم يا محمد، فقال له جبريل: سر يا محمد، فسار ~~ما شاء الله أن يسير، قال فلقيه خلق من خلق الله، فقالوا: السلام عليك يا ~~أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر، فقال له جبريل: اردد ~~السلام يا محمد، فرد السلام، ثم لقيه الثانية، فقال له مثل مقالته ~~الأولى، ثم الثالثة كذلك حتى انتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الخمر ~~والماء واللبن، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن، فقال له ~~جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر ~~لغويت ولغوت أمتك، ثم بعث له ms1373 آدم فمن دونه من الأنبياء عليهم السلام، ~~فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة. ثم قال له جبريل: أما ~~العجوز التي رأيت على جانب الطريق فلم يبق من الدنيا إلا كما بقي من عمر ~~تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل إليه فذاك عدو الله إبليس أراد أن ~~تميل إليه، وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ". # (رواية عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة) # قال الإمام أحمد، عن أنس بن مالك: إن مالك بن صعصعة حدثه، أن نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال: # " " بينما أنا في الحطيم - وربما قال قتادة في الحجر - مضطجعا إذ أتاني ~~آت، فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة، قال: فأتاني فشق ما بين هذه ~~إلى هذه " ، أي من ثغرة نحره إلى شعرته، " فاستخرج قلبي، قال: فأتيت بطست ~~من ذهب مملوء إيمانا وحكمة، فغسل قلبي ثم حشا ثم أعيد، ثم أتيت بدابة ~~دون البغل وفوق الحمار أبيض ". قال، فقال الجارود: هو البراق يا أبا ~~حمزة؟ قال: نعم يقع خطوه عند أقصى طرفه، قال: " فحملت عليه فانطلق بي ~~جبريل عليه السلام حتى أتى بي إلى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: ما هذا، ~~قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، ~~فقيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح لنا، فلما خلصت فإذا فيها ~~آدم عليه السلام. قال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ~~ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء ~~الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، ~~قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، قال: ~~ففتح لنا، فلما خلصت فإذا عيسى ويحيى وهما ابنا الخالة، قال: هذان يحيى ~~وعيسى فسلم عليهما، قال: فسلمت فردا السلام، ثم قالا: مرحبا بالأخ ~~الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة فاستفتح، فقيل: من ~~هذا؟ ms1374 قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: ~~نعم، قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح لنا، فلما خلصت إذ يوسف ~~عليه السلام، قال: هذا يوسف، قال: فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبا ~~بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، ~~فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: قد أو قد أرسل ~~إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح لنا، فلما ~~خلصت فإذا إدريس عليه السلام، قال: هذا إدريس، قال: فسلمت عليه فرد ~~السلام، ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: ثم صعد حتى أتى ~~السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: ~~محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا بك ولنعم المجيء جاء، ~~ففتح لنا، فلما خلصت فإذا هارون عليه السلام، قال: هذا هارون فسلم عليه، ~~فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: ~~ثم صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، فقيل: ~~ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ~~ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا، فلما خلصت فإذا أنا بموسى عليه السلام، قال: ~~هذا موسى عليه السلام فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبا ~~بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: فلما تجاوزته بكى، قيل: ما يبكيك؟ قال: ~~أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ~~قال: ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، ~~قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ~~ولنعم المجيء، جاء، قال: ففتح لنا، فلما خلصت فإذا إبراهيم عليه السلام، ~~فقال: هذا إبراهيم فسلم عليه، قال: فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: ~~مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، قال: ثم رفعت إلى سدرة انتهى فإذا ~~نبقها مثل قلال هجر، ms1375 وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فقال: هذه سدرة ~~المنتهى، قال: وإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما ~~هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل ~~والفرات، قال: ثم رفع إلي البيت المعمور ". # قال قتادة: وحدثنا الحسن، عن أبي هريرة، # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى البيت المعمور، يدخله كل يوم ~~سبعون ألفا ثم لا يعودون فيه، ثم رجع إلى حديث أنس، قال: " ثم أتيت ~~بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل قال: فأخذت اللبن، قال: هذه ~~الفطرة أنت عليها وأمتك، قال: ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم، ~~قال: فنزلت حتى أتيت موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال. قلت: خمسين ~~صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة وإني قد خبرت الناس ~~قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ~~لأمتك. قال: فرجعت فوضع عني عشرا، قال: فرجعت إلى موسى. فقال: بم أمرت؟ ~~قلت بأربعين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم ~~وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك ~~فاسأله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت فوضع عني عشرا أخر. فرجعت إلى موسى، ~~فقال: بم أمرت، فقلت: أمرت بثلاثين صلاة. قال: إن أمتك لا تستطيع ثلاثين ~~صلاة كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة. ~~فارجع لى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت فوضع عني عشرا أخر، ~~فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت، قلت: بعشرين صلاة كل يوم. فقال: إن أمتك ~~لا تستطيع العشرين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني ~~إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت ~~فوضع عني عشرا أخر. فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت: أمرت بعشر ~~صلوات كل يوم، فقال: إن أمتك لا تستطيع العشر صلوات كل يوم، وإني خبرت ~~الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ms1376 فارجع إلى ربك فاسأله ~~التخفيف لأمتك، قال: فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم. فرجعت إلى موسى ~~فقال: بم أمرت. فقلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم. فقال: إن أمتك لا تستطيع ~~الخمس صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد ~~المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: قلت: قد سألت ربي ~~حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم. فنفذت، فنادى مناد قد أمضيت فريضتي وخففت ~~عن عبادي " ". # (رواية أنس عن أبي ذر) # قال البخاري، عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ~~ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم ~~أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئت إلى السماء قال جبريل ~~لخازن السماء: افتح، قال: من هذا؟ قال: جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم ~~معي محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: أرسل إليه؟ قال: نعم، فلما فتح علونا ~~السماء الدنيا فإذا رحل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر ~~قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح ~~والابن الصالح. قال: قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن ~~يمينه وعن شماله نسم بنيه. فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن ~~شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى، ثم عرج ~~بي إلى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قال ~~له الأول ففتح " ، قال أنس: فذكر أنه قد وجد في السماوات آدم وإدريس ~~وموسى وعيسى وإبراهيم ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في ~~السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة. قال أنس: فلما مر جبريل ~~والنبي صلى الله عليه وسلم بإدريس، قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ ~~الصالح، فقلت من هذا؟ قال: إدريس، ثم مر بموسى فقال: ms1377 مرحبا: بالنبي ~~الصالح والأخ الصالح، فقلت: من هذا، قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى، فقال: ~~مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى، ثم مررت ~~بإبراهيم، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: ~~هذا إبراهيم " # ، قال الزهري: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حية الأنصاري كانا ~~يقولان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام " # قال ابن حزم وأنس بن مالك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى عليه ~~السلام، فقال: ما فرض الله على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال موسى: ~~فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع شطرها فرجعت إلى موسى ~~قلت: وضع شطرها، فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع ~~شطرها فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعته ~~فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: ارجع ~~إلى ربك، قلت قد استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى ~~فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ وإذا ~~ترابها المسك ". # عن جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحجر فجلى ~~الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه " # عن ابن شهاب قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتهى إلى بيت المقدس لقي فيه ~~إبراهيم وموسى وعيسى، وإنه أتي بقدحين من لبن وقدح من خمر، فنظر إليهما ~~ثم أخذ قدح اللبن، فقال جبريل: أصبت هديت للفطرة، لو أخذت الخمر لغوت ~~أمتك، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فأخبر أنه أسري به ~~فافتتن ناس كثير ms1378 كانوا قد صلوا معه " # وقال ابن شهاب: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: # " فتجهز - أو كلمة نحوها - ناس من قريش إلى أبي بكر فقالوا: هل لك في ~~صاحبك؟ يزعم أنه جاء إلى بيت المقدس، ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة. فقال ~~أبو بكر: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد ~~صدق، قالوا: فتصدقه في أن يأتي الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل ~~أن يصبح؟ قال: نعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء " # ، قال أبو سلمة: فبها سمي أبو بكر الصديق: قال أبو سلمة: فسمعت جابر بن ~~عبد الله رضي الله عنهما يحدث، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحجر فجلى الله ~~لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه ". # (رواية شداد بن أوس) # روى الإمام الترمذي، عن جبير بن نفير، عن شداد بن أوس قال، قلنا: يا ~~رسول الله، كيف أسري بك؟ قال: # " صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتما، فأتاني جبريل عليه السلام ~~بدابة أبيض - أو قال بيضاء - فوق الحمار ودون البغل، فقال: اركب، فاستصعب ~~علي، فرازها بأذنها. ثم حملني عليها. فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث ~~انتهى طرفها حتى بلغنا أرضا ذات نخل فأنزلني. فقال: صل، فصليت، ثم ~~ركبت، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، قال: صليت بيثرب، صليت ~~بطيبة، فانطلقت تهوي بنا، يقع حافرها عند منتهى طرفها، ثم بلغنا أرضا، ~~قال: انزل، ثم قال: صل، فصليت، ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: ~~الله أعلم، قال: صليت بمدين عند شجرة موسى، ثم انطلقت تهوي بنا يقع ~~حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصور، فقال: انزل فنزلت، ~~فقال: صل، فصليت، ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، ~~قال: صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى ابن مريم، ثم انطلق بي حتى دخلنا ~~المدينة من بابها اليماني، ms1379 فأتى قبلة المسجد فربط فيه دابته ودخلنا ~~المسجد من باب تميل فيه الشمس والقمر، فصليت من المسجد حيث شاء الله، ~~وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر ~~عسل أرسل إلي بهما جميعا، فعدلت بينهما ثم هداني الله عز وجل فأخذت ~~اللبن فشربت حتى عرقت به جبيني، وبين يدي شيخ متكئ على مثوات له، فقال: ~~أخذ صاحبك الفطرة إنه ليهدى، ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي فيه ~~المدينة فإذا جهنم تنكشف عن مثل الروابي، قلت: يا رسول الله كيف وجدتها؟ ~~قال: وجدتها مثل الحمة السنخة، ثم انصرف بين فمررنا بعير لقريش بمكان كذا ~~وكذا قد أضلوا بعيرا لهم قد جمعه فلان فسلمت عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت ~~محمد، ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة، فأتاني أبو بكر رضي الله عنه، ~~فقال: يا رسول الله أين كنت الليلة فقد التمستك في منامك، فقد علمت أنك ~~أتيت بيت المقدس الليلة، فقال يا رسول الله إنه مسيرة شهر فصفه لي. قال: ~~ففتح لي صراط كأني أنظر إليه لا يسألني عن شيء إلا أنبأته. فقال أبو ~~بكر: أشهد أنك لرسول الله، وقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشه يزعم ~~أنه أتى بيت المقدس الليلة! قال: فقال: إن من آية ما أقول لكم أني مررت ~~بعير لكم في مكان كذا وكذا، وقد أضلوا بعيرا لهم فجمعه لهم فلان، وإن ~~مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا، يقدمهم جمل آدم عليه ~~مسح أسود وغرارتان سوداوان، فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حين ~~كان قريبا من نصف النهار، حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ". # قال البيهقي، عن قتادة عن أبي العالية، قال: حدثنا ابن عم نبيكم صلى ~~الله عليه وسلم ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " " رأيت ليلة أسرى بي موسى بن عمران رجلا طوالا جعدا كأنه من رجال ~~شنوءة، ورأيت عيسى ابن ms1380 مريم عليه السلام مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض ~~سبط الرأس ". وأري مالكا خازن جهنم، والدجال في آيات أراهن الله إياه، ~~قال: { فلا تكن في مرية من لقآئه } " # ، فكان قتادة يفسرها # " أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد لقي موسى عليه السلام، { ~~وجعلناه هدى لبني إسرائيل } قال: جعل موسى هدى لبني ~~إسرائيل " # عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما كان ليلة أسري بي فأصبحت بمكة، عرفت أن الناس مكذبي، فقعد معتزلا ~~حزينا، فمر به عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه فقال له ~~كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم ~~" ، قال: وما هو؟ قال: " إني أسري بي الليلة " ، قال: إلى أين؟ قال: " ~~إلى بيت المقدس ". قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: " نعم " ، قال: فلم ~~ير أن يكذبه مخافة أن يجحد الحديث إن دعا قومه إليه، قال: أرأيت إن دعوت ~~قومك أتحدثهم بما حدثتني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم " ، ~~فقال: يا معشر بني كعب بن لؤي، قال: فانفضت إليه المجالس وجاءوا حتى ~~جلسوا إليهما، قال: حدث قومك بما حدثتني. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " إني أسري بي الليلة " ، فقالوا: إلى أين؟ قال: " إلى بيت المقدس ~~" ، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: " نعم ". قال، فمن بين مصفق ومن ~~بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب، قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا ~~المسجد؟ وفيهم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، قال: فجيء ~~بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل، فنعته وأنا أنظر إليه، ~~قال: وكان مع هذا نعت لم أحفظه، قال، فقال القوم: أما النعت فوالله لقد ~~أصاب فيه ". # وقد روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " ، عن أبي هريرة قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " حين أسري بي لقيت موسى عليه السلام -فنعته فإذا رجل حسبته ms1381 قال: مضطرب. ~~رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة، قال: ولقيت عيسى - فنعته النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس - يعني حمام، قال: ولقيت ~~إبراهيم وأنا أشبه ولده به، قال: وأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر ~~خمر، قيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربت، فقيل لي: هديت الفطرة، - ~~أو أصبت الفطرة - أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك " # ، وفي " صحيح مسلم " ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت ~~المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط، فرفعه الله إلي أنظر ~~إليه، ما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من ~~الأنبياء، وإذا موسى قائم يصلي وإذا هو رجل جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا ~~عيسى ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس شبها به عروة بن مسعود الثقفي، وإذا ~~إبراهيم قائم يصلي أقرب الناس شبها به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت ~~الصلاة فأممتهم، فلما فرغت قال قائل: يا محمد هذا مالك خازن جهنم، فالتفت ~~إليه فبدأني بالسلام ". # قال ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت ليلة أسري بي لما انتهيت إلى السماء السابعة، فنظرت فوق، فإذا ~~رعد وبرق وصواعق، قال: وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من ~~خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء آكلوا الربا، فلما ~~نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل مني فذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: ~~من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم لا ~~يتفكرون في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب " # فصل # وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث يحصل مضمون ما اتفقت عليه من ~~مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة ~~واحدة، قال الزهري: كان الإسراء قبل الهجرة والحق أنه عليه السلام ms1382 أسري ~~به (يقظة) لا (مناما) من مكة إلى بيت المقدس راكبا على البراق، فلما ~~انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله فصلى في قبلته تحية ~~المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها فصعد فيه ~~إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء ~~مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، ~~حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز ~~منزلتيهما صلى الله عليه وسلم وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى ~~مستوى يسمع فيه صريف الأقلام. أي أقلام القدر، بما هو كائن، ورأى سدرة ~~المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان ~~متعددة. وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح، ~~ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق. ورأى البيت المعمور وإبراهيم الخليل باني ~~الكعبة الأرضية مسندا ظهره إليه لأنه الكعبة السماوية، يدخله كل يوم ~~سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. ~~ورأى الجنة والنار وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس ~~رحمة منه ولطفا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم ~~هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ~~ويحتمل أنها الصبح يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي ~~تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله ~~إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل ~~عنهم جبريل واحدا واحدا وهو يخبره بهم. وهذا هو اللائق، لأنه كان أولا ~~مطلوبا إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم ~~لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوته من النبيين، ثم أظهر شرفه ~~وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام له في ~~ذلك. ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد ms1383 إلى مكة بغلس والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # ثم اختلف الناس هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه أو بروحه فقط؟ ~~على قولين، فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظه لا ~~مناما. # ولا ينكرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل ذلك مناما ثم رآه ~~بعد ذلك يقظه لأنه كان عليه السلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ~~والدليل على هذا قوله تعالى: { سبحان الذي أسرى بعبده ~~ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ~~الذي باركنا حوله }. فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، ~~فلو كان مناما لم يكن فيه كبير شيء ولم يكن مستعظما، ولما بادرت كفار ~~قريش إلى تكذيبه. ولما ارتدت جماعة مما كان قد أسلم. وأيضا فإن العبد ~~عبارة عن مجموع الروح والجسد وقد قال: { أسرى بعبده ليلا } ~~وقال تعالى: # وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس # [الإسراء: 60] قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليلة أسري به، والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم. وقال تعالى: # ما زاغ البصر وما طغى # [النجم: 17]. والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضا فإنه حمل على ~~البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان وإنما يكون هذا للبدن لا للروح ~~لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه والله أعلم. وقال آخرون: بل ~~أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه ولا بجسده وقد تعقبه أبو جعفر ~~بن جرير في تفسير بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق ~~القرآن. # فائدة # وقد ذكر حديث الإسراء، من طريق أنس، وقد تواترت الروايات في حديث ~~الإسراء، عن عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، ~~وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وشداد بن أوس، وأبي بن كعب، وعبد ~~الله بن عمرو، وجابر، وحذيفة، وأبي أيوب، وأبي أمامة، وسمرة بن جندب، ~~وصهيب الرومي، وأم هانئ، وعائشة، وأسماء رضي الله عنهم أجمعين، منهم من ~~ساقه بطوله ومنهم من اختصره على ما وقع ms1384 في المسانيد. وإن لم تكن رواية ~~بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه ~~الزنادقة والملحدون # يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله ~~متم نوره ولو كره الكافرون # [الصف: 8]. ### || [17.2-3] # لما ذكر تعالى أنه أسري بعبده محمد صلى الله عليه وسلم، عطف بذكر موسى ~~عبده ورسوله وكليمه أيضا، فإنه تعالى كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد ~~عليهما من الله الصلاة والسلام، وبين ذكر التوراة والقرآن، ولهذا قال بعد ~~ذكر الإسراء: { وآتينآ موسى الكتاب } يعني التوراة، { ~~وجعلناه } أي الكتاب { هدى } أي هاديا { لبني إسرائيل ~~ألا تتخذوا } أي لئلا تتخذوا، { من دوني وكيلا } أي وليا ~~ولا نصيرا ولا معبودا دوني، لأن الله تعالى أنزل على كل نبي أرسله أن ~~يعبده وحده لا شريك له، ثم قال: { ذرية من حملنا مع نوح ~~} تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح! فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي يا ~~سلالة من تجينا فحملنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم { إنه كان ~~عبدا شكورا } فاذكروا نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، وقد ورد في الأثر: أن نوحا عليه السلام كان يحمد الله على ~~طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله، فلهذا سمي عبدا شكورا. قال الطبراني، ~~عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سمي نوح عبدا شكورا لأنه كان إذا أكل ~~أو شرب حمد الله. وفي الحديث: # " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله ~~عليها " # وفي حديث الشفاعة، عن أبي هريرة مرفوعا، قال: # " فيأتون نوحا، فيقولون: يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد ~~سماك الله عبدا شكورا فاشفع لنا إلى ربك ". ### || [17.4-8] # يخبر تعالى أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي تقدم إليهم وأخبرهم ~~في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علوا ~~كبيرا، أي يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس، كقوله تعالى: # وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع ~~مصبحين # [الحجر: 66] أي تقدمنا إليه وأخبرناه بذلك وأعلمناه به. وقوله: ms1385 { ~~فإذا جآء وعد أولاهما } أي أولى الإفسادتين { بعثنا ~~عليكم عبادا لنآ أولي بأس شديد } أي سلطنا عليكم ~~جندا من خلقنا أولي بأس شديد، أي قوة وعدة وسلطنة شديدة، { فجاسوا ~~خلال الديار } أي تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي بينها ~~ووسطها ذاهبين وجائين لا يخافون أحدا، { وكان وعدا مفعولا }. ~~وقد اختلف المفسرون في هؤلاء المسلطين عليهم من هم؟ فعن ابن عباس وقتادة: ~~أنه (جالوت) وجنوده سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك، وقتل داود ~~جالوت، ولهذا قال: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم } ~~الآية، وعن سعيد بن جبير وعن غيره أنه (بختنصر) ملك بابل. وقد أخبر الله ~~عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم، وسلك ~~خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقا # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46]، فإنهم كانوا قد تمردوا، وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء ~~وقد روى ابن جرير، عن يحيى ابن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر ~~بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دما ~~يغلي على كبا، فسأله ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا، قال: ~~فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم، فسكن. وهذا صحيح إلى ~~سعيد ابن المسيب وهذا هو المشهور. وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى إنه لم ~~يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه منهم خلقا كثيرا أسرى من أبناء الأنبياء ~~وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه ~~لجاز كتابته وروايته والله أعلم. ثم قال تعالى: { إن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها } أي فعليها، كما ~~قال تعالى: # من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # [الجاثية: 15]، وقوله: { فإذا جآء وعد الآخرة } أي الكرة ~~الآخرة، أي إذا أفسدتم الكرة الثانية وجاء أعداؤكم { ليسوءوا ~~وجوهكم }: أي يهينوكم ويقهروكم، { وليدخلوا المسجد } أي ~~بيت المقدس { كما دخلوه أول مرة }: أي في التي جاسوا فيها ~~خلال الديار، { وليتبروا }: أي يدمروا ويخربوا { ما علوا } ~~أي ما ظهروا عليه { تتبيرا عسى ربكم أن ms1386 يرحمكم }: أي ~~فيصرفهم عنكم { وإن عدتم عدنا } أي متى عدتم إلى الإفساد عدنا ~~إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب ~~والنكال، ولهذا قال: { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } ~~أي مستقرا ومحصرا وسجنا لا محيد عنه. قال ابن عباس { حصيرا } أي ~~سجنا. وقال الحسن: فراشا ومهادا، وقال قتادة: قد عاد بنو إسرائيل فسلط ~~الله عليهم هذا الحي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأخذون منهم الجزية ~~عن يد وهم صاغرون. ### || [17.9-10] # يمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهو القرآن، بأنه يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل، ويبشر المؤمنين به الذين ~~يعملون الصالحات على مقتضاه أن لهم أجرا كبيرا أي يوم القيامة، وأن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة: أي ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة، أن لهم ~~عذابا أليما، أي يوم القيامة، كما قال تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21]. ### || [17.11] # يخبر تعالى عن عجلة الإنسان ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ~~ماله بالشر، أي بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب ~~له ربه لهلك بدعائه، كما قال تعالى: # ولو يعجل الله للناس الشر # [يونس: 11] الآية. وكذا فسره ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقد تقدم في ~~الحديث: # " لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم أن توافقوا من الله ساعة إجابة ~~يستجيب فيها " # وإنما يحمل ابن آدم على ذلك قلقه وعجلته، ولهذا قال تعالى: { وكان ~~الإنسان عجولا }. ### || [17.12] # يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار ~~ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصنائع والأعمال ~~والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي ~~الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجازات وغير ذلك، ولهذا ~~قال { لتبتغوا فضلا من ربكم }: أي في معايشكم وأسفاركم ~~ونحو ذلك، { ولتعلموا عدد السنين والحساب } ، فإنه لو ~~كان الزمان كله نسقا واحدا وأسلوبا متساويا لما عرف شيء من ذلك، كما ~~قال تعالى: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من ms1387 إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون # [القصص: 71]، وقال تعالى: # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا # [الفرقان: 62]، وقال تعالى: # وله اختلاف الليل والنهار # [المؤمنون: 80]، وقال # يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل # [الزمر: 5] الآية، وقال تعالى: # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس ~~والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم # [الأنعام: 96]، ثم إنه تعالى جعل لليل آية، أي علامة يعرف بها، وهي ~~الظلام وظهور القمر فيه، وللنهار علامة، وهي النور وطلوع الشمس النيرة ~~فيه، وفاوت بين نور القمر وضياء الشمس ليعرف هذا من هذا، كما قال تعالى: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق # [يونس: 5]، وقال تعالى: # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج # [البقرة: 189] الآية. قال ابن جريج عن عبد الله بن كثير في قوله: { ~~فمحونآ آية اليل وجعلنآ آية النهار مبصرة } ~~قال: ظلمة الليل وسدف النهار، وعن مجاهد: الشمس آية النهار، والقمر آية ~~الليل. وقال ابن عباس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، ~~والشمس آية النهار، فمحونا آية الليل السواد الذي في القمر. وقال قتادة: ~~كنا نتحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه، وجعلنا آية النهار ~~مبصرة أي منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم، وقال ابن عباس { ~~وجعلنا اليل والنهار آيتين } قال: ليلا ونهارا، كذلك ~~خلقهما الله عز وجل. ### || [17.13-14] # يقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما يقع فيه من أعمال بني آدم { وكل ~~إنسان ألزمناه طآئره في عنقه } ، وطائرة: هو ما طار ~~عنه من عمله، كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: من خير وشر، ويلزم به ~~ويجازى عليه، # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]، وقال تعالى: # عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 17-18]، وقال: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ~~ما تفعلون # [الانفطار: 10-12]، والمقصود أن ms1388 عمل ابن آدم محفوظ عليه قليله وكثيره، ~~ويكتب عليه ليلا ونهارا، صباحا ومساء، وقال الإمام أحمد عن جابر سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لطائر كل إنسان في عنقه " # وقوله: { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا } أي نجمع له عمله كله في كتاب، يعطاه يوم القيامة، إما ~~بيمينه إن كان سعيدا، أو بشماله إن كان شقيا { منشورا } أي مفتوحا ~~يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13]، ولهذا قال تعالى: { اقرأ كتبك كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا } أي إنك تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك ~~إلا ما عملت، لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئا مما كان ~~منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي، وقوله: { ألزمناه طآئره ~~في عنقه } إنما ذكر العنق لأنه عضو لا نظير له في الجسد، ومن ألزم ~~بشيء فيه فلا محيد له عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: ~~يا ربنا عبدك فلان قد حبسته، فيقول الرب جل جلاله: اختموا له على مثل ~~عمله حتى يبرأ أو يموت " # ، وقال معمر عن قتادة { ألزمناه طآئره في عنقه } قال: ~~عمله، { ونخرج له يوم القيامة } قال: نخرج ذلك العمل { ~~كتابا يلقاه منشورا } قال معمر: وتلا الحسن البصري # عن اليمين وعن الشمال قعيد # [ق: 17] يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن ~~يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن ~~شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك ~~فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا { ~~اقرأ كتبك } الآية. فقد عدل والله من جعلك حسيب نفسك، هذا من ~~أحسن كلام الحسن رحمه الله. ### || [17.15] # يختبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى أثر النبوة، فإنما يحصل ~~عاقبة ذلك ms1389 الحميدة لنفسه، { ومن ضل } أي عن الحق وزاغ عن سبيل ~~الرشاد، فإنما يجني على نفسه، وإنما يعود وبال ذلك عليه، ثم قال: { ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى } أي لا يحمل أحد ذنب أحد؟ ولا يجني ~~جان إلا على نفسه. كما قال تعالى: # وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء # [فاطر: 18]، ولا منافاة بين هذا وبين قوله: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13] وقوله: # ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25] فإن الدعاة عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما ~~أضلوا من أضلوا، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده، وكذا قوله تعالى: { ~~وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } إخبار عن عدله ~~تعالى؛ وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، بإرسال الرسول إيه ~~كقوله تعالى: # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير * قالوا بلى قد جآءنا نذير ~~فكذبنا # [الملك: 8-9] الآية، وقوله: # وقال لهم خزنتهآ ألم يأتكم رسل منكم ~~يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقآء ~~يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة ~~العذاب على الكافرين # [الزمر: 71]، وقال تعالى: # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجآءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير # [فاطر: 37] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل ~~أحدا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه. # مسألة # بقي ههنا قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها قديما وحديثا، هي ~~الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ماذا حكمهم! وكذا المجنون ~~والأصم والشيخ الخرف، ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوته. وقد ورد في ~~شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه، ثم نذكر فصلا ملخصا من ~~كلام الأئمة في ذلك والله المستعان. (فالحديث الأول): رواه الإمام أحمد ~~عن الأسود بن سريع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل ~~هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول رب قد جاء الإسلام وما أسمع ~~شيئا، وأما الأحمق ms1390 فيقول: رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر. ~~وأما الهرم فيقول لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في ~~الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم ~~أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا ~~وسلاما ". # (الحديث الثاني): عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المسلمين، قال: " هم مع ~~أبائهم " ، وسئل عن أولاد المشركين. فقال: " هم مع آبائهم " ، فقيل: يا ~~رسول الله ما يعملون؟ قال: " الله أعلم بهم " # (الحديث الثالث): عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم شأن ~~المسألة قال: # " " إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم ~~فيسألهم ربهم فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولا، ولم يأتنا لك أمر، ولو ~~أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم ~~بأمر تطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، ~~فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا، فرجعوا إلى ربهم، ~~فيقولون: ربنا أخرجنا أو أجرنا منها، فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن ~~أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول: اعمدوا إليها ~~فادخلوها، فينطلقون، حتى إذا رأوها فرقوا منها ورجعوا، وقالوا: ربنا ~~فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول: ادخلوها داخرين " ، فقال نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم: " لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما ~~" " # (الحديث الرابع): عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما ~~تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء " # ، وفي رواية قالوا: # " يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا، قال: " الله أعلم بما كانوا ~~عاملين " # ، وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم عليه السلام " # وفي " صحيح مسلم " عن عياض بن حمار ms1391 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الله عز وجل أنه قال: # " إني خلقت عبادي حنفاء " # (الحديث الخامس): عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " " كل مولود يولد على الفطرة " ، فناداه الناس: يا رسول الله وأولاد ~~المشركين. قال: " وأولاد المشركين " " # وقال الطبراني عن أبي رجاء عن سمرة قال: # " سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين فقال: " هم خدم ~~أهل الجنة " # (الحديث السادس): عن خنساء بنت معاوية، من بني صريم قالت: حدثني عمي ~~قال، قلت: # " يا رسول الله من في الجنة؟ قال: " النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، ~~والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة " # فمن العلماء من ذهب إلى الوقوف فيهم لهذا الحديث، ومنهم من جزم لهم ~~بالجنة لحديث سمرة بن جندب في " صحيح البخاري " # " أنه عليه الصلاة والسلام قال في جملة ذلك المنام حين مر على ذلك ~~الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم عليه السلام ~~وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين، قالوا: يا رسول الله وأولاد ~~المشركين؟ قال: نعم، وأولاد المشركين " # ومنهم من جزم لهم بالنار، لقوله عليه السلام: # " هم مع آبائهم " # ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات، فمن أطاع دخل ~~الجنة وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرا ~~وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة. وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها. ~~وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض. وهذا القول ~~الذي حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي ~~نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في " كتاب الاعتقاد ". وكذلك غيره من محققي ~~العلماء والحفاظ والنقاد. وقد ذكر الشيخ ابن عبد البر أن أحاديث هذا ~~الباب ليست قوية ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها لأن الآخرة دار ~~جزاء وليست بدار عمل ولا ابتلاء، فكيف يكلفون دخول النار، وليس ذلك في ~~وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها. # (والجواب) عما قال: إن أحاديث هذا الباب منها ms1392 ما هو صحيح كما قد نص على ~~ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى ~~بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا ~~النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء ~~فلا شك أنها دار جزاء ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو ~~النار كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من ~~امتحان الأطفال. وقد قال تعالى: # يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود # [القلم: 42] الآية. وقد ثبت في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله ~~يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة ~~طبقا واحدا، كلما أراد السجود خر لقفاه. وفي " الصحيحين " في الرجل ~~الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها، أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا ~~يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارا، ويقول الله تعالى: يا ابن آدم ما ~~أغدرك! ثم يأذن له في دخول الجنة، وأما قوله: فكيف يكلفهم الله دخول ~~النار وليس ذلك في وسعهم، فليس هذا بمانع من صحة الحديث، فإن الله يأمر ~~العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحد من السيف ~~وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح، ~~وكأجاويد الخيل، والركاب، ومنهم الساعي ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو ~~حبوا، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظ من ~~هذا بل هذا أطم وأعظم. # وأيضا فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع ~~المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار فإنه يكون ~~عليه بردا وسلاما، فهذا نظير ذاك، وأيضا فإن الله تعالى أمر بني ~~إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة ~~واحدة سبعين ألفا، يقتل الرجل أباه وأخاه وهم في عماية غمامة أرسلها ~~الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل، وهذا أيضا شاق على ms1393 ~~النفوس جدا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم. # فصل # إذا تقرر هذا، فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال، (أحدها): ~~أنهم في الجنة، واحتجوا بحديث سمرة أنه عليه السلام رأى مع إبراهيم عليه ~~السلام أولاد المسلمين وأولاد المشركين، (والقول الثاني): أنهم مع آبائهم ~~في النار: واستدل عليه بما روي عن عبد الله بن أبي قيس، # " أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار فقالت، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " هم تبع لآبائهم ". فقلت: يا رسول الله بلا أعمال؟ فقال: " ~~الله أعلم بما كانوا عاملين " # (والقول الثالث): التوقف فيهم، واعتمدوا على قوله صلى الله عليه وسلم: # " الله أعلم بما كانوا عاملين " # وهو في " الصحيحين " ، ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف، وهذا القول يرجع ~~إلى من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة، لأن الأعراف ليس دار قرار، ومآل أهلها ~~إلى الجنة، كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف، والله أعلم، وليعلم أن ~~هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين ~~العلماء أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس وهو الذي نقطع به ~~إن شاء الله عز وجل. ### || [17.16] # اختلف القراء في قراءة قوله: { أمرنا } ، فالمشهور قراءة التخفيف، ~~واختلف المفسرون في معناها، فقيل معناه: أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرا ~~قدريا، كقوله تعالى: # أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا # [يونس: 24] # قل إن الله لا يأمر بالفحشآء # [الأعراف: 28] قالوا معناه أنه سخرهم إلى فعل الفواحش فاستحقوا العذاب، ~~وقيل معناه: أمرهم بالطاعات ففعلوا الفواحش، فاستحقوا العقوبة. وقال ابن ~~جرير: يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء، قلت: إنما يجيء هذا على قراءة ~~من قرأ { أمرنا مترفيها } ، قال ابن عباس قوله { أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها } يقول: سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا ~~فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب، وهو قوله: # وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها # [الأنعام: 123] الآية، وعنه قال: أكثرنا عددهم. ### || [17.17] # يقول تعالى منذرا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، بأنه قد أهلك أمما ms1394 من المكذبين للرسل بعد نوح، ودل هذا على أن ~~القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام، كما قاله ابن عباس. كان بين ~~آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. ومعناه أنكم أيها المكذبون لستم ~~أكرم على الله منهم، وقد كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق فعقوبتكم أولى ~~وأحرى. وقوله: { وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا ~~بصيرا } أي هو عالم بجميع أعمالهم خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها ~~خافية سبحانه وتعالى. ### || [17.18-19] # يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعم يحصل له، بل إنما ~~يحصل لمن أراد الله وما يشاء، وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات، ~~فإنه قال: { عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد ثم ~~جعلنا له جهنم } أي في الدار الآخرة { يصلاها } أي يدخلها ~~حتى تغمره من جميع جوانبه، { مذموما } أي في حال كونه مذموما على ~~سوء تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على الباقي، { مدحورا } مبعدا ~~مقصيا حقيرا ذليلا مهانا. وفي الحديث: # " الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له ~~" # وقوله: { ومن أراد الآخرة } وما فيها من النعم والسرور { ~~وسعى لها سعيها } أي طلب ذلك من طريقه، وهو متابعة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم { وهو مؤمن } أي قلبه مؤمن، أي مصدق بالثواب ~~والجزاء { فأولئك كان سعيهم مشكورا }. ### || [17.20-21] # يقول تعالى { كلا } أي كل واحد من الفريقين الذين أرادوا الدنيا ~~والذين أرادوا الآخرة، نمدهم فيما فيه { من عطآء ربك } أي هو ~~المتصرف الحاكم الذي لا يجور فيعطي كلا ما يستحقه من السعادة والشقاوة، ~~ولهذا قال: { وما كان عطآء ربك محظورا } أي لا يمنعه أحد ~~ولا يرده راد، قال قتادة { محظورا } أي منقوصا، وقال الحسن وغيره: ~~أي ممنوعا، ثم قال تعالى: { انظر كيف فضلنا بعضهم على ~~بعض } أي في الدنيا، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك، والحسن والقبيح ~~وبين ذلك، ومن يموت صغيرا، ومن يعمر حتى يبقى شيخا كبيرا، وبين ذلك { ~~وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا }: أي ولتفاوتهم ~~في ms1395 الدار الآخرة أكبر من الدنيا، فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم ~~وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها وسرورها، ثم ~~أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن ~~الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض وفي " الصحيحين ~~": # " " إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين، كما ترون الكوكب الغابر في ~~أفق السماء " ، ولهذا قال تعالى: { وللآخرة أكبر درجات ~~وأكبر تفضيلا } ". ### || [17.22] # يقول تعالى والمراد المكلفون من الأمة، لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ~~ربك له شريكا { فتقعد مذموما } أي على إشراكك به { مخذولا ~~} لأن الرب تعالى لا ينصرك، بل يكلك إلى الذي عبدت معه، وهو لا يملك ضرا ~~ولا نفعا، عن عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله، فيوشك ~~الله له برزق عاجل. أو آجل ". ### || [17.23-24] # يقول تعالى آمرا بعبادته وحده لا شريك له، فإن القضاء ههنا بمعنى ~~الأمر. قال مجاهد { وقضى } يعنى وصى، ولهذا قرن بعبادته بر الوالدين ~~فقال: { وبالوالدين إحسانا } أي وأمر بالوالدين إحسانا، ~~كقوله في الآية الأخرى: # أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير # [لقمان: 14]. وقوله: { إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف } أي لا تسمعهما ~~قولا سيئا حتى ولا التأفف الذي هو أدنى مراتب القول السيء، { ولا ~~تنهرهما } أي ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء { ولا ~~تنهرهما } أي لا تنفض يدك عليهما، ولما نهاه عن القول القبيح ~~والفعل القبيح، أمره بالقول الحسن والفعل الحسن. فقال: { وقل لهما ~~قولا كريما } أي لينا طيبا حسنا بتأدب وتوقير وتعظيم. { ~~واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } أي تواضع لهما ~~بفعلك، { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } أي في ~~كبرهما وعند وفاتهما. وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة، (منها) ~~الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره # " أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر ثم قال: " آمين ms1396 آمين آمين " ، ~~قيل: يا رسول الله علام أمنت؟ قال: " أتاني جبريل. فقال: يا محمد رغم أنف ~~رجل ذكرت عنده فلم يصل عليك، قل آمين، فقلت آمين، ثم قال رغم أنف رجل دخل ~~عليه شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له، قل آمين فقلت آمين، ثم قال: رغم أنف ~~رجل أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. قل آمين، فقلت آمين " # (حديث آخر): روى الإمام أحمد عن أبي مالك القشيري قال، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه ~~" # (حديث آخر): روى الإمام أحمد. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف: رجل أدرك أحد أبويه أو كلاهما عنده ~~الكبر ولم يدخل الجنة " # (حديث آخر): عن مالك بن ربيعة الساعدي قال: # " بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من ~~الأنصار، فقال: يا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما ~~أبرهما به؟ قال: " نعم، خصال أربع: الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ ~~عهدهما وإكرام صديقهما. وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو ~~الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما " # (حديث آخر): عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: # " يا رسول الله أردت الغزو. وجئتك أستشيرك. فقال: " فهل لك من أم؟ " ~~قال: نعم، قال: " فالزمها فإن الجنة عند رجليها " # (حديث آخر): قال الحافظ البزار في " مسنده " عن سليمان بن بريدة، عن ~~أبيه # " أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها. فسأل صلى الله عليه وسلم ~~هل أديت حقها؟ قال: " لا، ولا بزفرة واحدة " ". ### || [17.25] # قال سعيد بن جبير: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه وفي نيته وقلبه ~~أنه لا يؤخذ به، وفي رواية لا يريد إلا الخير بذلك، فقال: { ربكم ~~أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين } ، وقوله: { ~~فإنه ms1397 كان للأوابين غفورا } قال قتادة: للمطيعين أهل ~~الصلاة، وعن ابن عباس: المطيعين المحسنين. وعن ابن المسيب: الذين يصيبون ~~الذنب ثم يتوبون، وعن عطاء بن يسار، وسعيد بن جبير، ومجاهد: هم الراجعون ~~إلى الخير. وعن عبيد بن عمير قال: كنا نعد الأواب من يقول: اللهم اغفر ~~لي ما أصبت في مجلسي هذا. وقال ابن جرير: والأولى في ذلك قول من قال هو ~~التائب من الذنب، الرجاع من المعصية إلى الطاعة، مما يكره الله إلى ما ~~يحبه ويرضاه، وهذا الذي قاله هو الصواب، لأن الأواب مشتق من الأوب وهو ~~الرجوع، يقال: آب فلان إذا رجع، قال تعالى: # إن إلينآ إيابهم # [الغاشية: 25]. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا رجع من سفر قال: # " آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون ". ### || [17.26-28] # لما ذكر تعالى بر الوالدين، عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام، ~~وفي الحديث: # " أمك وأباك ثم أدناك أدناك " # ، وفي رواية: # " ثم الأقرب فالأقرب " # وفي الحديث: # " من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه " # وقوله: { ولا تبذر تبذيرا } لما أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف ~~فيه، بل يكون وسطا كما قال في الآية الأخرى: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا # [الفرقان: 67] الآية، ثم قال منفرا عن التبذير والسرف: { إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين } أي أشباههم في ذلك، ~~قال ابن مسعود: التبذير الإنفاق في غير حق، وقال مجاهد، لو أنفق إنسان ~~ماله كله في الحق لم يكن مبذرا، ولو أنفق مدا في غير حق كان مبذرا. ~~وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى، وفي غير الحق والفساد، ~~وقوله: { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين }: أي ~~في التبذير والسفه، وترك طاعة الله وارتكاب معصيته، ولهذا قال: { وكان ~~الشيطان لربه كفورا } أي جحودا، لأنه أنكر نعمة الله عليه ~~ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته، وقوله: { وإما ~~تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك } الآية: أي إذا ~~سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء وأعرضت عنهم ms1398 لفقد النفقة ~~{ فقل لهم قولا ميسورا }: أي عدهم وعدا بسهولة ولين إذا ~~جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله. ### || [17.29-30] # يقول تعالى آمرا بالاقتصاد في العيش، ذاما للبخل، ناهيا عن السرف: { ~~ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } أي لا تكن بخيلا ~~منوعا لا تعطي أحدا شيئا، كما قالت اليهود عليهم لعائن الله (يد الله ~~مغلولة) أي نسبوه إلى البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب، وقوله: { ولا ~~تبسطها كل البسط } أي ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، ~~وتخرج أكثر من دخلك { فتقعد ملوما محسورا } ، وهذا من باب ~~اللف والنشر، أي فتقعد إن بخلت ملوما يلومك الناس ويذمونك، ومتى بسطت ~~يدك فوق طاقتك قعدت بلا شيء تنفقه فتكون كالحسير، وهو الدابة التي قد ~~عجزت عن السير فوقفت ضعفا وعجزا، فإنها تسمى الحسير. وهو مأخوذ من ~~الكلال، كما قال تعالى: # ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير # [الملك: 4] أي كليل عن أن يرى عيبا، وقد جاء في " الصحيحين " عن أبي ~~هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى ~~تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت، أو وفرت على جلده حتى تخفى ~~بنانة وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة ~~مكانها فهو يوسعها فلا تتسع " # وفي " الصحيحين " عن أسماء بنت أبي بكر قالت، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أنفقي هكذا وهكذا وهكذا، ولا توعي فيوعي الله عليك، ولا توكي فيوكي ~~الله عليك " # ، وفي لفظ: # " ولا تحصي فيحصي الله عليك " # وفي " صحيح مسلم " ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله قال لي: أنفق أنفق عليك " # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما: ~~اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا " # ، وروى مسلم عن أبي ms1399 هريرة مرفوعا: # " ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا أنفق إلا عزا، ومن تواضع ~~لله رفعه الله " # وفي حديث عبد الله بن عمر مرفوعا: # " إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم ~~بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا " # وروى البيهقي عن الأعمش، عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما يخرج رجل صدقة حتى يفك لحي سبعين شيطانا " # وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما عال من اقتصد " # ، وقوله: { إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر ~~} إخبار أنه تعالى هو الرزاق، القابض الباسط، المتصرف في خلقه بما يشاء. ~~فيغني من يشاء ويفقر من يشاء، لما له في ذلك من الحكمة، ولهذا قال: { ~~إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } أي خبيرا بصيرا بمن ~~يستحق الغنى ويستحق الفقر. كما جاء في الحديث: # " إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه. ~~وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه " # وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجا، والفقر عقوبة عياذا بالله ~~من هذا وهذا. ### || [17.31] # هذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده، ~~لأنه نهى عن قتل الأولاد، كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث، وكان أهل ~~الجاهلية لا يورثون البنات، بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر ~~عيلته. فنهى الله تعالى عن ذلك وقال: { ولا تقتلوا أولادكم ~~خشية إملاق } أي خوف أن تفتقروا في ثاني الحال، ولهذا قدم ~~الاهتمام برزقهم فقال: { نحن نرزقهم وإياكم }. وفي ~~الأنعام: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق # [الآية: 151]: أي من فقر # نحن نرزقكم وإياهم # [الآية: 151]، وقوله: { إن قتلهم كان خطئا كبيرا }: أي ~~ذنبا عظيما، وفي " الصحيحين " عن عبد الله بن مسعود، قلت: # " يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ، ~~قلت: ثم أي؟ قال: " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " ، قلت: ms1400 ثم أي؟ قال: ~~" أن تزاني بحليلة جارك " ". ### || [17.32] # يقول تعالى ناهيا عباده عن الزنا، وعن مقاربته، ومخالطة أسبابه ودواعيه ~~{ ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة } أي ذنبا ~~عظيما، { وسآء سبيلا } أي وبئس طريقا ومسلكا، روى الإمام أحمد، ~~عن أبي أمامة، # " أن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن ~~لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه. فقال: " ادنه " ، ~~فدنا منه قريبا، فقال: " اجلس " فجلس، فقال: " أتحبه لأمك؟ " قال: لا ~~والله، جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم قال: " أفتحبه ~~لابنتك؟ " قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس ~~يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداك، ~~قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: " أفتحبه لعمتك؟ " قال: لا والله، ~~جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: " أفتحبه لخالتك؟ ~~" قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: ~~فوضع يده عليه وقال: " اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وأحصن فرجه " ، قال: ~~فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء " # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل ~~له ". ### || [17.33] # يقول تعالى ناهيا عن قتل النفس بغير حق شرعي، كما ثبت في " الصحيحين " ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق ~~للجماعة " # وفي السنن: # " لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم " # وقوله: { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا }: أي سلطة على القاتل، فإنه بالخيار فيه، إن شاء قتله قودا، ~~وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه مجانا، كما ثبتت السنة ~~بذلك، وقوله: { فلا يسرف في القتل } أي فلا يسرف الولي في قتل ~~القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير ms1401 القاتل، وقوله: { إنه كان ~~منصورا }: أي إن الولي منصور على القاتل شرعا وقدرا. ### || [17.34-35] # يقول تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ~~هي أحسن حتى يبلغ أشده } أي لا تتصرفوا في مال اليتيم ~~إلا بالغبطة، # ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا # [النساء: 6]. وقد جاء في " صحيح مسلم " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لأبي ذر: # " يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وأني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على ~~اثنين ولا تولين مال يتيم " # وقوله: { وأوفوا بالعهد } أي الذي تعاهدون عليه الناس، ~~والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه، ~~{ إن العهد كان مسؤولا } أي عنه. وقوله: { وأوفوا ~~الكيل إذا كلتم } أي من غير تطفيف، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، { ~~وزنوا بالقسطاس } وهو الميزان، قال مجاهد هو العدل بالرومية، ~~وقوله: { المستقيم } أي الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا اضطراب: ~~{ ذلك خير } أي لكم في معاشكم ومعادكم، ولهذا قال: { وأحسن ~~تأويلا } أي مآلا ومنقلبا في آخرتكم، قال قتادة: أي خير ثوابا ~~وأحسن عاقبة، وكان ابن عباس يقول: يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما ~~هلك الناس قبلكم: هذا المكيال. وهذا الميزان. ### || [17.36] # قال ابن عباس: لا تقل، وقال العوفي: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم. ~~وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر. وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن ~~الله تعالى سائلك عن ذلك كله ومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن القول ~~بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى: # اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم # [الحجرات: 12]. وفي الحديث: # " إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث " # وفي " سنن أبي داود ": # " بئس مطية الرجل زعموا " # وفي الحديث الآخر: # " إن أفرى الفري أن يري الرجل عينيه ما لم تريا " # وفي " الصحيح ": # " من تحلم حلما كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل " # وقوله: { كل أولئك } أي هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد { ~~كان عنه مسؤولا } أي سيسأل ms1402 العبد عنها يوم القيامة، وتسأل عنه. ### || [17.37-38] # يقول تعالى ناهيا عباده عن التجبر والتبختر في المشية: { ولا تمش ~~في الأرض مرحا } أي متبخترا متمايلا مشي الجبارين، { إنك ~~لن تخرق الأرض } أي لن تقطع الأرض بمشيك، { ولن تبلغ ~~الجبال طولا }: أي بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك، بل قد يجازى فاعل ~~ذلك بنقيض قصده، كما ثبت في " الصحيح ": # " بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما إذ خسف به ~~الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة " # وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله ~~تعالى خسف به وبداره الأرض، وفي الحديث: # " من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير " # ، ورأى البختري العابد رجلا من آل (علي) يمشي وهو يخطر في مشيته، فقال ~~له: يا هذا! إن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته، قال: فتركها الرجل بعد. ~~ورأى ابن عمر رجلا يخطر في مشيته، فقال: إن للشياطين إخوانا، وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض " # وقوله: { كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها } ، ~~أي كل هذا الذي ذكرناه من قوله: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء: 23] إلى هنا، (فسيئه) أي فقبيحه مكروه عند الله. ### || [17.39] # يقول تعالى هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من ~~الصفات الرذيلة، مما أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس، { ولا ~~تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ~~ملوما } أي تلومك نفسك، ويلومك الله والخلق { مدحورا }: أي ~~مبعدا من كل خير، قال ابن عباس وقتادة: مطرودا، والمراد من هذا الخطاب ~~الأمة بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه صلوات الله وسلامه عليه ~~معصوم. ### || [17.40] # يقول تعالى رادا على المشركين الكاذبين الزاعمين - عليهم لعائن الله - ~~أن الملائكة بنات الله، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، ~~ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم فأخطأوا في كل من المقامات الثلاث ~~خطأ عظيما، ms1403 فقال تعالى منكرا عليهم: { أفأصفاكم ربكم ~~بالبنين } أي خصصكم بالذكور { واتخذ من الملائكة ~~إناثا } أي واختار لنفسه على زعمكم البنات، ثم شدد الإنكار عليهم ~~فقال: { إنكم لتقولون قولا عظيما } أي في زعمكم أن لله ~~ولدا ثم جعلكم ولده الإناث التي تأنفون أن يكن لكم وربما قتلتموهن ~~بالوأد، فتلك إذا قسمة ضيزى، وقال تعالى: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا ~~إدا * تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ~~ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن ~~كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه ~~يوم القيامة فردا # [مريم: 88-95]. ### || [17.41] # يقول تعالى: # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل # [الإسراء: 89]: أي صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يذكرون ما فيه من الحجج ~~والبينات والمواعظ، فينزجرون عما هم فيه من الشرك والظلم والإفك { وما ~~يزيدهم } أي الظالمين منهم { إلا نفورا } أي عن الحق وبعدا ~~عنه. ### || [17.42-43] # يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكا من ~~خلقه، العابدين معه غيره ليقربهم إليه زلفا: لو كان الأمر كما تقولون ~~وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون يعبدونه ~~ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما ~~يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم ~~وبينه، فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه بل يكرهه ويأباه. وقد نهى عن ذلك على ~~ألسنة جميع رسله وأنبيائه، ثم نزه نفسه الكريمة وقدسها، فقال: { ~~سبحانه وتعالى عما يقولون }: أي هؤلاء المشركون ~~المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى { علوا كبيرا } أي ~~تعاليا كبيرا، بل هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفوا أحد. ### || [17.44] # يقول تعالى تقدسه السماوات السبع والأرض ومن فيهن، أي من المخلوقات، ~~وتنزهه وتعظمه وتبجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له ~~بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته: # ففي كل شيء له آية # تدل على أنه ms1404 واحد # كما قال تعالى: # تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا # [مريم: 90-91]. وقوله: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ~~} أي وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله { ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم } أي لا تفهمون تسبيحهم لأنها بخلاف لغاتكم، ~~وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات، كما ثبت في " صحيح البخاري " ~~عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، وفي حديث أبي ذر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيح كحنين ~~النحل " # ، وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. وقال الإمام أحمد عن ~~أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على قوم وهم ~~وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم: # " اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق ~~والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرا لله منه " # وفي " سنن النسائي " عن عبد الله بن عمرو قال: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال: نقيقها تسبيح ~~" # وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحا عليه السلام قال لابنه: يا ~~بني آمرك أن تقول سبحان الله فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق ~~الخلق " # ، قال الله تعالى: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده }. ~~وقال عكرمة في قوله تعالى: { وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده } قال: الأسطوانة تسبح. والشجرة تسبح. وقال بعض السلف: صرير ~~الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه. # وقال آخرون: إنما يسبح من كان فيه روح من حيوان ونبات. قال قتادة في ~~قوله: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } قال: كل شيء ~~فيه روح يسبح من شجر أو شيء فيه، وقال الحسن والضحاك: كل شيء فيه الروح ~~وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مر بقبرين ms1405 فقال: # " " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستنزه من ~~البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة " ، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها ~~نصفين. ثم غرز في كل قبر واحدة ثم قال " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " # ، قال بعض من تكلم عن هذا الحديث من العلماء، إنما قال ما لم ييبسا: ~~لأنهما يسبحان ما دام فيهما خضرة فإذا يبسا انقطع تسبيحهما، والله أعلم. ~~وقوله: { إنه كان حليما غفورا } أي أنه لا يعاجل من عصاه ~~بالعقوبة، بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده أخذه أخذ عزيز ~~مقتدر كما جاء في " الصحيحين ": # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة # [هود: 102]: الآية وقال تعالى: # وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة # [الحج: 48] الآية وقال: # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة # [الحج: 45] الآيتين، ومن أقلع عما هو فيه من كفر أو عصيان ورجع إلى الله ~~وتاب إليه، تاب عليه كما قال تعالى: # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله # [النساء: 110] الآية. وقال ههنا. { إنه كان حليما غفورا } ~~كما قال في آخر فاطر: # إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان ~~حليما غفورا # [الآية: 41] إلى أن قال: # ولو يؤاخذ الله الناس # [النحل: 61] إلى آخر السورة. ### || [17.45-46] # يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: وإذا قرأت يا محمد على ~~هؤلاء المشركين القرآن. جعلنا بينك وبينهم حجابا مستورا قال قتادة وابن ~~زيد: هو الأكنة على قلوبهم، كما قال تعالى: # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ~~آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب # [فصلت: 5]: أي مانع حائل أن يصل إلينا مما تقول شيء وقوله: { حجابا ~~مستورا } بمعنى ساتر، وقيل مستورا عن الأبصار فلا تراه، وهو مع ذلك ~~حجاب بينهم وبين الهدى. عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها قالت: ~~لما نزلت # تبت ms1406 يدآ أبي لهب # [المسد: 1] # " جاءت العوراء أم جميل، لها ولولة وفي يدها فهر. وهي تقول: مذمما ~~أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ~~وأبو بكر إلى جنبه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف ~~أن تراك، فقال: " إنها لن تراني " ، وقرأ قرآنا اعتصم به منها " # { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا } ، قال، فجاءت حتى ~~قامت على أبي بكر، فلم تر النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت يا أبا بكر: ~~بلغني أن صاحبك هجاني، فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت، ما هجاك، قال ~~فانصرفت وهي تقول: لقد علمت قريش أني بنت سيدها. وقوله { وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة } وهي جمع كنان: الذي يغشى القلب { أن ~~يفقهوه }: أي لئلا يفهموا القرآن { وفي آذانهم وقرا } وهو ~~الثقل الذي يمنعهم من سماع القرآن سماعا ينفعهم ويهتدون به. وقوله ~~تعالى: { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده } أي إذا ~~وحدت الله في تلاوتك وقلت: لا إله إلا الله { ولوا } أي أدبروا ~~راجعين { على أدبارهم نفورا } ، كما قال تعالى: # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة # [الزمر: 45] الآية. قال قتادة: إن المسلمين لما قالوا: لا إله إلا ~~الله، أنكر ذلك المشركون وكبرت عليهم فضاقها إبليس وجنوده، فأبى الله ~~إلا أن يمضيها وبعليها وينصرها ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من ~~خاصم بها فلج، ومن قاتل بها نصر. إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من ~~المسلمين التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير الدهر في فئام من ~~الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها. ### || [17.47-48] # يخبر تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بما يتناجى به رؤساء كفار ~~قريش، حين جاءوا يستمعون قراءته صلى الله عليه وسلم سرا من قومهم بما ~~قالوا: من أنه رجل مسحور له رئي يأتيه بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه. ~~ولهذا قال تعالى: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال ~~فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } أي فلا يهتدون إلى الحق ms1407 ولا ~~يجدون إليه مخلصا، قال محمد بن إسحاق في السيرة: إن أبا سفيان بن حرب، ~~وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلسا يستمع ~~فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر ~~تفرقوا، حتى إذا جمعتهم الطريق تلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو ~~رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة ~~الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر ~~تفرقوا وجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة، ثم انصرفوا ~~حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسة، فباتوا يستمعون له حتى ~~إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى ~~نتعاهد لا نعود. فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق ~~أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا ~~حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد، قال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت ~~أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد ~~بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به، قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا ~~جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ~~ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، ~~وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي ~~رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا ~~نؤمن به أبدا ولا نصدقه، قال: فقام عنه الأخنس وتركه. ### || [17.49-52] # يقول تعالى مخبرا عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد، القائلين استفهام ~~إنكار منهم لذلك: { أءذا كنا عظاما ورفاتا } أي ترابا، { ~~أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } أي يوم القيامة بعد ما بلينا ~~وصرنا عدما لا نذكر، كما ms1408 أخبر عنهم في الموضع الآخر: # يقولون أإنا لمردودون في الحافرة * أإذا كنا ~~عظاما نخرة * قالوا تلك إذا كرة خاسرة # [النازعات: 10-12]، وقوله تعالى: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه # [يس: 78] الآية، فأمر الله سبحانه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يجيبهم، فقال: { قل كونوا حجارة أو حديدا } إذ هما أشد ~~امتناعا من العظام والرفات، { أو خلقا مما يكبر في ~~صدوركم }: عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك فقال: هو الموت، وعن ابن ~~عمر أنه قال في تفسير هذه الآية لو كنتم موتى لأحييتكم ومعنى ذلك أنكم لو ~~فرضتم أنكم لو صرتم إلى الموت الذي هو ضد الحياة لأحياكم الله إذا شاء ~~فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده وقال مجاهد: { أو خلقا مما ~~يكبر في صدوركم } يعني السماء والأرض والجبال، وفي رواية: ما ~~شئتم فكونوا فسيعيدكم الله بعد موتكم، وقوله تعالى: { فسيقولون من ~~يعيدنا }: أي من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديدا، أو خلقا آخر ~~شديدا { قل الذي فطركم أول مرة } أي الذي خلقكم ولم ~~تكونوا شيئا مذكورا، ثم صرتم بشرا تنتشرون، فإنه قادر على إعادتكم ولو ~~صرتم إلى أي حال: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27] الآية، وقوله تعالى: { فسينغضون إليك ~~رؤوسهم }. قال ابن عباس وقتادة: يحركونها استهزاء، والإنغاض هو ~~التحرك من أسفل إلى أعلى، أو من أعلى إلى أسفل، يقال نغضت سنه: إذا تحركت ~~وارتفعت من منبتها. وقال الزاجر: ونغضت من هرم أسنانها. # وقوله: { ويقولون متى هو } إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ~~ذلك كما قال تعالى: # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [يونس: 48]، وقال تعالى: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها # [الشورى: 18]، وقوله: { قل عسى أن يكون قريبا } أي احذروا ~~ذلك فإنه قريب إليكم سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت قريب، وقوله تعالى: ~~{ يوم يدعوكم } أي الرب تبارك وتعالى، # إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم تخرجون # [الروم: 25]: أي إذا أمركم بالخروج منها فإنه لا يخالف ولا يمانع، بل ~~كما قال تعالى: ms1409 # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر: 50]، # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: 40]. وقوله: # فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة # [النازعات: 13-14]: أي إنما هو أمر واحد بانتهار، فإذا الناس قد خرجوا ~~من باطن الأرض إلى ظاهرها، كما قال تعالى: { يوم يدعوكم ~~فتستجيبون بحمده }: أي تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة ~~لإرادته، قال ابن عباس { فتستجيبون بحمده }: أي بأمره، وقال ~~قتادة: بمعرفته وطاعته، وقال بعضهم { يوم يدعوكم ~~فتستجيبون بحمده }: أي وله الحمد في كل حال، وقد جاء في ~~الحديث: # " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، كأني بأهل لا إله ~~إلا الله يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون لا إله إلا ~~الله " # وفي رواية يقولون: # " الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن " # ، وقوله تعالى: { وتظنون } أي يوم تقومون من قبوركم، { إن ~~لبثتم } أي في الدار الدنيا، { إلا قليلا } كقوله تعالى: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46]. وقال تعالى: # نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة ~~إن لبثتم إلا يوما # [طه: 104]، وقال تعالى: # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة # [الروم: 55]. ### || [17.53] # يأمر تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله ~~المؤمنين، أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن، والكلمة ~~الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى ~~الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته من حين ~~امتنع من السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى ~~أخيه المسلم بحديدة فإن الشيطان ينزغ في يده فربما أصابه بها، ففي ~~الحديث: # " لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ~~ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار " # وفي الحديث: # " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ههنا " # ، قال حماد: وقال بيده إلى صدره: # " وما تواد رجلان في الله ففرق بينهما إلا حدث يحدثه أحدهما، والمحدث ~~شر، والمحدث شر، ms1410 والمحدث شر ". ### || [17.54-55] # يقول تعالى: { ربكم أعلم بكم } أيها الناس، أي أعلم بمن ~~يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق، { إن يشأ يرحمكم } بأن ~~يوفقكم لطاعته والإنابة إليه، { أو إن يشأ يعذبكم ومآ ~~أرسلناك } يا محمد { عليهم وكيلا } أي إنما أرسلناك ~~نذيرا، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار. وقوله: { وربك ~~أعلم بمن في السموت والأرض } أي بمراتبهم في الطاعة ~~والمعصية، { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } ، ~~كما قال تعالى: # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض # [البقرة: 253]، وهذا لا ينافي ما ثبت في " الصحيحين " أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " لا تفضلوا بين الأنبياء " # ، فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية، لا بمقتضى ~~الدليل، فإذا دل الدليل على شيء وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من ~~بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصا ~~في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم # [الآية: 7]. وفي الشورى في قوله: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه # [الآية: 13]، ولا خلاف أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضلهم، ثم بعده ~~إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم السلام على المشهور، وقد بسطناه بدلائله ~~في غير هذا الموضع والله الموفق. وقوله تعالى: { وآتينا داوود ~~زبورا } تنبيه على فضله وشرفه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرج فكان يقرؤه قبل أن يفرغ " # يعني القرآن. ### || [17.56-57] # يقول تعالى: { قل } يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله { ~~ادعوا الذين زعمتم من دونه } من الأصنام والأنداد ~~فارغبوا إليهم، فإنهم { فلا يملكون كشف الضر عنكم } أي ~~بالكلية، { ولا تحويلا } أي بأن يحولوه إلى غيركم، والمعنى أن الذي ~~يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر، قال ابن ~~عباس: كان أهل الشرك ms1411 يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا، وهم الذين ~~يدعون، يعني الملائكة، والمسيح وعزيرا، وروى البخاري عن عبد الله بن ~~مسعود في قوله: { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة } قال ناس من الجن كانوا يعبدون فأسلموا، وفي ~~رواية قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن فأسلم الجن وتمسك ~~هؤلاء بدينهم، وقال قتادة، عن ابن مسعود في قوله: { أولئك ~~الذين يدعون } الآية قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون ~~نفرا من الجن فأسلم الجنيون. والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون ~~بإسلامهم، فنزلت هذه الآية، وفي رواية عن ابن مسعود: كانوا يعبدون صنفا ~~من الملائكة يقال لهم الجن فذكره، وقال ابن عباس: هم عيسى وعزير والشمس ~~والقمر، وقال مجاهد: عيسى والعزير والملائكة، واختار ابن جرير قول ابن ~~مسعود لقوله: { يبتغون إلى ربهم الوسيلة } وهذا لا ~~يعبر به عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعزير والملائكة، وقال: والوسيلة ~~هي القربة، كما قال قتادة، ولهذا قال: { أيهم أقرب } ، وقوله ~~تعالى: { ويرجون رحمته ويخافون عذابه } لا تتم ~~العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المناهي، وبالرجاء يكثر من ~~الطاعات، وقوله تعالى: { إن عذاب ربك كان محذورا } أي ~~ينبغي أن يحذر منه ويخاف من وقوعه وحصوله عياذا بالله منه. ### || [17.58] # هذا إخبار من الله عز وجل بأنه قد حتم وقضى بما قد كتب عنده في ~~اللوح المحفوظ، أنه ما من قرية إلا سيهلكها، بأن يبيد أهلها جميعهم أو ~~يعذبهم { عذابا شديدا } إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ~~ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال تعالى عن الأمم الماضين: # وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم # [هود: 101]، وقال تعالى: # فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا # [الطلاق: 9]، وقال: # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله # [الطلاق: 8] الآيات. ### || [17.59] # عن ابن عباس قال: # " سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ~~ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن ~~يأتيهم الذي سألوا، فإن كفروا ms1412 هلكوا. كما هلكت من كان قبلهم من الأمم. ~~قال: " لا بل استأن بهم " # ، وأنزل الله تعالى: { وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا ~~أن كذب بها الأولون } الآية. وعن ابن عباس قال، # " قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ~~ذهبا، ونؤمن بك، قال: " وتفعلون؟ " قالوا: نعم، قال، فدعا فأتاه جبريل، ~~فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، ~~فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت ~~فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة، فقال: " بل باب التوبة والرحمة " ". # وقال الحافظ أبو يعلى في " مسنده ": # " لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } صاح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أبي قبيس: " يا آل عبد مناف إني نذير " فجاءته قريش ~~فحذرهم وأنذرهم، فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك وإن سليمان سخر له الريح ~~والجبال، وإن موسى سخر له البحر، وإن عيسى كان يحيى الموتى، فادع الله أن ~~يسير عنا هذه الجبال، ويفجر لنا الأرض أنهارا فتتخذ محارث فنزرع ونأكل، ~~وإلا فادع الله أن يحيي لنا موتانا لنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله ~~أن يصير لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهبا فننحت منها وتغنينا عن رحلة ~~الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم. قال: فبينا نحن حوله إذ نزل عليه ~~الوحي فلما سري عنه قال: " والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت ~~لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم ~~إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فلا يؤمن منكم أحد. فاخترت ~~باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنه يعذبكم ~~عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين " # ، ونزلت: { وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن ~~كذب بها الأولون } ، وقرأ ثلاث آيات، ولهذا قال تعالى: { ~~وما منعنآ أن نرسل بالآيات } أي نبعث الآيات ونأتي بها ~~على ما سأل قومك منك، فإنه سهل علينا يسير لدينا، إلا أنه قد كذب ms1413 بها ~~الأولون بعد ما سألوها، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن ~~كذبوا بها بعد نزولها، كما قال تعالى في المائدة: # قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد ~~منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من ~~العالمين # [الآية: 115]، وقال تعالى عن ثمود حين سألوا الناقة: # فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد ~~غير مكذوب # [هود: 65]، ولهذا قال تعالى: { وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها }: أي دالة على وحدانية من خلقها وصدق ~~رسوله { فظلموا بها } أي كفروا بها ومنعوها شربها وقتلوها، ~~فأبادهم الله عن آخرهم، وانتقم منهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر. # وقوله تعالى: { وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } قال ~~قتادة: إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون، ~~ويذكرون ويرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود رضي الله ~~عنه، فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه، وهكذا روي أن ~~المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرات، فقال عمر أحدثتم ~~والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن، وفي الحديث المتفق عليه: # " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا ~~لحياته، ولكن الله عز وجل يخوف بهما عباده؛ فإذا رأيتم ذلك فافزعوا ~~إلى ذكره ودعائه واستغفاره - ثم قال - يا أمة محمد والله ما أحد أغير من ~~الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم ~~لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ". ### || [17.60] # يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم محرضا له على إبلاغ رسالته، ~~ومخبرا له بأنه قد عصمه من الناس فإنه القادر عليهم وهم في قبضته وتحت ~~قهرة وغلبته. قال مجاهد والحسن وقتادة في قوله: { إن ربك أحاط ~~بالناس } أي عصمك منهم. قال البخاري، عن ابن عباس: { وما جعلنا ~~الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } قال: هي ~~رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، { ~~والشجرة الملعونة في القرآن } شجرة الزقوم. { إلا ~~فتنة }: أي اختبارا وامتحانا. ms1414 وأما الشجرة الملعونة فهي شجرة ~~الزقوم. لما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار، ~~ورأى شجرة الزقوم فكذبوا بذلك، حتى قال أبو جهل عليه لعائن الله: هاتوا ~~لنا تمرا وزبدا، وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم ~~غير هذا. وكل من قال إنها ليلة الإسراء فسره كذلك بشجرة الزقوم، واختار ~~ابن جرير أن المراد بذلك ليلة الإسراء، وأن الشجرة الملعونة هي شجرة ~~الزقوم، قال لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، أي في الرؤيا والشجرة، ~~وقوله { ونخوفهم } أي الكفار، بالوعيد والعذاب والنكال، { فما ~~يزيدهم إلا طغيانا كبيرا }: أي تماديا فيما هم فيه من ~~الكفر والضلال، وذلك من خذلان الله لهم. ### || [17.61-62] # يذكر تبارك وتعالى عداوة إبليس لعنه الله لآدم وذريته، وأنها عداوة ~~قديمة منذ خلق آدم، فإنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا كلهم ~~إلا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له، افتخارا عليه واحتقارا له { قال ~~أأسجد لمن خلقت طينا } ، كما قال في الآية الأخرى: # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين # [ص: 76]، وقال أيضا: أرأيتك، يقول للرب جراءة وكفرا، والرب يحلم وينظر ~~{ قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي } الآية، قال ~~ابن عباس { لأحتنكن } يقول: لأستولين على ذريته إلا قليلا. وقال ~~مجاهد: لأحتوين، وقال ابن زيد: لأضلنهم، وكلها متقاربة، والمعنى: أرأيتك ~~هذا الذي شرفته وعظمته علي، لئن أنظرتني لأضلن ذريته إلا قليلا منهم. ### || [17.63-65] # لما سأل إبليس النظرة قال الله له { اذهب } فقد أنظرتك، كما قال في ~~الآية الأخرى # قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت ~~المعلوم # [الحجر: 37-38]، ثم أوعده ومن اتبعه من ذرية آدم جهنم { قال اذهب ~~فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم } أي على أعمالكم ~~{ جزاء موفورا } قال مجاهد: وافرا، وقال قتادة: موفورا عليكم ~~لا ينقص لكم منه، وقوله تعالى: { واستفزز من استطعت ~~منهم بصوتك } قيل: هو الغناء. قال مجاهد: باللهو والغناء، أي: ~~استخفهم بذلك، وقال ابن عباس في قوله: { واستفزز من استطعت ~~منهم بصوتك } قال: كل ms1415 داع دعا إلى معصية الله عز وجل، ~~واختاره ابن جرير، وقوله تعالى: { وأجلب عليهم بخيلك ~~ورجلك } يقول: واحمل عليهم بجنودك خيالتهم وراجلتهم. فإن الرجل جمع ~~راجل، كما أن الركب جمع راكب، ومعناه تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه، وهذا ~~أمر قدري. كقوله تعالى: # ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا # [مريم: 83] أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا وتسوقهم إليها سوقا. وقال ~~قتادة: إن له خيلا ورجالا من الجن والإنس وهم الذين يطيعونه، تقول ~~العرب: أجلب فلان على فلان إذا صاح عليه، ومنه نهى في المسابقة عن الجلب ~~والجنب، ومنه اشتقاق الجلبة. وهي ارتفاع الأصوات، وقوله تعالى: { ~~وشاركهم في الأموال والأولاد } قال ابن عباس ومجاهد: هو ~~ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله تعالى، وقال عطاء: هو الربا، ~~وقال الحسن: هو جمعها من خبيث وإنفاقها في حرام، والآية تعم ذلك كله، ~~وقوله: { والأولاد } يعني أولاد الزنا، قال ابن عباس: هو ما كانوا ~~قتلوه من أولادهم سفها بغير علم وقال الحسن البصري: قد والله شاركهم في ~~الأموال والأولاد، مجسوا وهودوا ونصروا وصبغوا غير صبغة الإسلام. ~~وجزأوا من أموالهم جزءا للشيطان، وقال أبو صالح عن ابن عباس: هو تسميتهم ~~أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد فلان. # قال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال كل مولود ولدته أنثى عصي ~~الله فيه بتسميته بما يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه ~~الله، أو بالزنا بأمه، أو بقتله أو وأده، أو غير ذلك من الأمور التي يعصى ~~الله بفعله به، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه لأن الله لم يخصص بقوله: { ~~وشاركهم في الأموال والأولاد } معنى الشركة فيه، بمعنى ~~دون معنى، فكل ما عصي الله فيه أو به، أو أطيع الشيطان فيه أو به فهو ~~مشاركة. وهذ الذي قال متجه. وكل من السلف رحمهم الله فسر بعض المشاركة، ~~وفي " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال باسم الله، اللهم ms1416 جنبنا ~~الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره ~~الشيطان أبدا " # ، وقوله تعالى: { وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا } كما أخبر تعالى عن إبليس أنه يقول، إذا حصحص الحق يوم يقضى ~~بالحق: # إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم # [إبراهيم: 22] الآية. وقوله تعالى: { إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان } إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين وحفظه إياهم ~~وحراسته لهم من الشيطان الرجيم، ولهذا قال تعالى: { وكفى بربك ~~وكيلا } أي حافظا ومؤيدا ونصيرا. وفي الحديث: # " إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر " # ينضي أي يأخذ بناصيته ويقهره. ### || [17.66] # يخبر تعالى عن لطفه بخلقه في تسخيره لعباده الفلك في البحر وتسهيله ~~لمصالح عباده، لابتغائهم من فضله في التجارة من إقليم إلى إقليم، ولهذا ~~قال: { إنه كان بكم رحيما } أي إنما فعل هذا بكم من فضله ~~عليكم ورحمته بكم. ### || [17.67] # يخبر تبارك وتعالى أن الناس إذا مسهم ضر دعوه منيبين إليه مخلصين له ~~الدين، ولهذا قال تعالى: { وإذا مسكم الضر في البحر ~~ضل من تدعون إلا إياه } أي ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون ~~غير الله تعالى، كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارا من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة، فذهب هاربا فركب في البحر ليدخل الحبشة ~~فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعو ~~الله وحده، فقال عكرمة في نفسه، والله إن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه ~~لا ينفع في البر غيره، اللهم لك علي عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن ~~يدي في يد محمد فلأجدنه رؤوفا رحيما، فخرجوا من البحر فرجع إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه وأرضاه، وقوله ~~تعالى: { فلما نجاكم إلى البر أعرضتم } أي نسيتم ما ~~عرفتم من توحيده في البحر، وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له { وكان ~~الإنسان كفورا } أي سجيته هذا، ينسى النعم ويجحدها إلا من عصم ms1417 ~~الله. ### || [17.68] # يقول تعالى أفحسبتم بخروجكم إلى البر، أمنتم من انتقامه وعذابه أن يخسف ~~بكم جانب البر، أو يرسل عليكم حاصبا، وهو المطر الذي فيه حجارة، كما قال ~~تعالى: # إنآ أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط ~~نجيناهم بسحر # [القمر: 34]، وقال: # لنرسل عليهم حجارة من طين # [الذاريات: 33]، وقوله: { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } أي ~~ناصرا يرد ذلك عنكم وينقذكم منه. ### || [17.69] # يقول تبارك وتعالى: أم أمنتم أيها المعرضون عنا، بعدما اعترفوا بتوحيدنا ~~في البحر، وخرجوا إلى البر، أن يعيدكم في البحر مرة ثانية، { فيرسل ~~عليكم قاصفا من الريح } أي يقصف الصواري ويغرق المراكب، ~~قال ابن عباس وغيره: القاصف ريح البحار التي تكسر المراكب وتغرقها، ~~وقوله: { فيغرقكم بما كفرتم }: أي بسبب كفركم وإعراضكم عن ~~الله تعالى، وقوله: { ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا } ، قال ابن عباس: نصيرا، وقال مجاهد: نصيرا ثائرا، أي يأخذ ~~بثأركم بعدكم. وقال قتادة: ولا تخاف أحدا يتبعنا بشيء من ذلك. ### || [17.70] # يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن ~~الهيئات وأكملها، كقوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] أي يمشي قائما منتصبا على رجليه، ويأكل بيديه، وغيره من ~~الحيوانات يمشي على أربع، ويأكل بفمه، وجعل له سمعا وبصرا وفؤادا يفقه ~~بذلك كله وينتفع به، ويفرق بين الأشياء وخواصها ومضارها في الأمور ~~الدينية والدنيوية، { وحملناهم في البر } أي على الدواب من ~~الأنعام والخيل والبغال، وفي البحر أيضا على السفن الكبار والصغار، { ~~ورزقناهم من الطيبات } أي من زروع وثمار ولحوم وألبان من ~~سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس ~~الرفيعة من سائر الأنواع على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها مما ~~يصنعونه لأنفسهم ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي، { ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } أي من ~~سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات. وقد استدل بهذه الآية الكريمة على ~~أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة. عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن الملائكة قالت: يا ربنا! أعطيت ms1418 بني آدم الدنيا، يأكلون فيها ~~ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما ~~جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة، قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ~~كمن قلت له كن فكان ". ### || [17.71-72] # يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم، وقد ~~اختلفوا في ذلك، فقال مجاهد وقتادة: أي بنبيهم، وهذا كقوله تعالى: # ولكل أمة رسول فإذا جآء رسولهم قضي ~~بينهم بالقسط # [يونس: 47] الآية، وقال بعض السلف: هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث، لأن ~~إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن زيد: بكتابهم الذي أنزل على ~~نبيهم واختاره ابن جرير، وروي عن مجاهد أنه قال: بكتبهم، فيحتمل أن يكون ~~أراد ما روي عن ابن عباس في قوله: { يوم ندعوا كل أناس ~~بإمامهم } أي بكتاب أعمالهم، وهذا القول هو الأرجح، لقوله تعالى: # وكل شيء أحصيناه في إمام مبين # [يس: 12]، وقال تعالى: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه # [الكهف: 49] الآية، ويحتمل أن المراد { بإمامهم } أي كل قوم بمن ~~يأتمون به، فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء عليهم السلام، وأهل الكفر ~~ائتموا بأئمتهم، كما قال: # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار # [القصص: 41] وفي " الصحيحين ": # " التتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ~~" # الحديث، وقال تعالى: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون # [الجاثية: 29]. وهذا لا ينافي أن يجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته، ~~فإنه لا بد أن يكون شاهدا على أمته بأعمالها، كقوله تعالى: # وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء ~~بالنبيين والشهدآء # [الزمر: 69]. # وقوله تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]، ولكن المراد ههنا بالإمام هو كتاب الأعمال، ولهذا قال ~~تعالى: { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي ~~كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم } أي من ~~فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح يقرؤه ويحب قراءته، كقوله: # فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم ~~اقرؤا كتابيه # [الحاقة: 19] الآيات، وقوله تعالى: { ولا يظلمون ms1419 فتيلا } ~~الفتيل: هو الخيط المستطيل في شق النواة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: { يوم ندعوا كل ~~أناس بإمامهم } ، قال: # " يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه، ويبيض وجهه، ويجعل ~~على رأسه تاج من لؤلؤة يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد ~~فيقولون: اللهم أتنا بهذا، وبارك لنا في هذا، فيأتيهم فيقول لهم: أبشروا ~~فإن لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافرون فيسود وجهه ويمد له في جسمه، ~~ويراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من هذا أو من شر هذا، اللهم لا تأتنا ~~به، فيأتيهم فيقولون: اللهم اخزه، فيقول: أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم ~~مثل هذا " # وقوله تعالى: { ومن كان في هذه أعمى } أي في الحياة ~~الدنيا { أعمى } أي عن حجة الله وآياته وبيناته، { فهو في ~~الآخرة أعمى } أي كذلك يكون { وأضل سبيلا } أي وأضل منه ~~كما كان في الدنيا، عياذا بالله من ذلك. ### || [17.73-75] # يخبر تعالى عن تأييده رسوله صلوات الله عليه وسلامه وتثبيته وعصمته ~~وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، ~~وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليه وحافظه وناصره، ومظهر دينه على ~~من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها صلى الله عليه وسلم ~~تسليما كثيرا إلى يوم الدين. ### || [17.76-77] # قيل: نزلت في اليهود حين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ~~أبا القاسم إن كنت صادقا أنك نبي فالحق بالشام، فإن الشام أرض المحشر، ~~وأرض الأنبياء، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل ~~الله عليه: { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ~~ليخرجوك منها } فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها ~~محياك ومماتك ومنها تبعث. وقيل: نزلت في كفار قريش لما هموا بإخراج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم ~~لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرا، وكذلك وقع فإنه لم يكن بعد ~~هجرته ms1420 من بين أظهرهم بعد ما اشتد أذاهم له إلا سنة ونصف، حتى جمعهم الله ~~وإياه ببدر على غير ميعاد، فأمكنه منهم وسلطه عليهم وأظفره بهم، فقتل ~~أشرافهم وسبى ذراريهم، ولهذا قال تعالى: { سنة من قد أرسلنا ~~} الآية أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم بخروج الرسول من ~~بين أظهرهم يأتيهم العذاب، ولولا أنه صلى الله عليه وسلم رسول الرحمة ~~لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به، قال تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33] الآية. ### || [17.78-79] # يقول تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمرا له بإقامة الصلوات ~~المكتوبات في أوقاتها: { أقم الصلاة لدلوك الشمس } قيل: ~~لغروبها. وقال ابن عباس: دلوكها زوالها، فعلى هذا تكون هذه الآية دخل ~~فيها أوقات الصلوات الخمس، فمن قوله: { لدلوك الشمس إلى ~~غسق اليل } وهو ظلامه؛ أخذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ~~وقوله: { وقرآن الفجر } يعني صلاة الفجر، وقد ثبتت السنة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تواترا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه ~~الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم مما تلقوه خلفا عن سلف وقرنا ~~بعد قرن كما هو مقرر في مواضعه ولله الحمد، { إن قرآن الفجر ~~كان مشهودا } قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة ~~الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر " # يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم { إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا }. وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { ~~وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } قال: # " تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار " # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة ~~الصبح. وفي صلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم - وهو أعلم ~~بكم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون. وتركناهم وهم يصلون ~~" # وقال عبد الله بن ms1421 مسعود: يجتمع الحرسان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء ~~ويقيم هؤلاء. وقوله تعالى: { ومن الليل فتهجد به ~~نافلة لك } أمر له بقيام الليل بعد المكتوبة، كما ورد # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي الصلاة أفضل بعد ~~المكتوبة؟ قال: " صلاة الليل " # ، ولهذا أمر تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل، فإن التهجد ما كان ~~بعد نوم، وهو المعروف في لغة العرب، وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يتهجد بعد نومه، وقال الحسن البصري: هو ما ~~كان بعد العشاء، ويحمل على ما كان بعد النوم، واختلف في معنى قوله تعالى: ~~{ نافلة لك } ، فقيل: معناه أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك، فجعلوا ~~قيام الليل واجبا في حقه دون الأمة، رواه العوفي عن ابن عباس واختاره ~~ابن جرير، وقيل: إنما جعل قيام الليل في حقه نافلة على الخصوص، لأنه قد ~~غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره من أمته إنما يكفر عن صلواته ~~النوافل الذنوب التي عليه. # وقوله تعالى: { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ~~أي افعل هذا الذي أمرتك به لنقيمك يوم القيامة مقاما محمودا، يحمدك فيه ~~الخلائق كلهم، وخالفهم تبارك وتعالى، قال ابن جرير: قال أكثر أهل ~~التأويل، ذلك هو المقام الذي يقومه محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ~~للشفاعة للناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم، عن ~~حذيفة قال: يجمع الناس على صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حفاة ~~عراة كما خلقوا، قياما لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادى: يا محمد # " فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من ~~هديت، وعبدك بين يديك ومنك وإليك، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، ~~تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت " # فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله عز وجل، وقال ابن عباس: المقام ~~المحمود مقام الشفاعة، وكذا قال مجاهد والحسن البصري، وقال قتادة: هو أول ~~من تنشق عنه الأرض يوم القيامة وأول شافع، وكان أهل العلم يرون ms1422 أنه ~~المقام المحمود. قلت: لرسول الله صلى الله عليه وسلم تشريفات يوم القيامة ~~لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد، فهو أول من تنشق عنه ~~الأرض ويبعث راكبا إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه، ~~وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردا منه، وله الشفاعة العظمى عند ~~الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق، وذلك بعد ما يسأل الناس آدم ثم ~~نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى، فكل يقول: لست لها، حتى يأتوا إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: # " أنا لها، أنا لها " # ، كما سنذكر ذلك مفصلا في هذا الموضع إن شاء الله تعالى، ومن ذلك، أنه ~~يشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار فيردون عنها، وهو أول الأنبياء يقضي ~~بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته، وهو أول شفيع في الجنة، وهو ~~أول داخل إليها وأمته قبل الأمم كلهم، ويشفع في رفع درجات أقوام لا ~~تبلغها أعمالهم، وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة لا تليق ~~إلا له، وإذا أذن الله تعالى في الشفاعة للعصاة شفع الملائكة والنبيون ~~والمؤمنون، فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى، ولا يشفع ~~أحد مثله ولا يساويه في ذلك. ولنذكر الآن الأحاديث الواردة في المقام ~~المحمود وبالله المستعان. # روى البخاري عن ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاء، كل أمة ~~تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله مقاما محمودا، وفي ~~رواية: # " إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا ~~بآدم، فيقول: لست بصاحب ذلك، ثم بموسى فيقول كذلك، ثم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم فيشفع بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقه باب الجنة، فيومئذ ~~يبعثه الله مقاما محمودا، يحمده أهل الجمع كلهم " # وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من قال حين يسمع النداء: ms1423 اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ~~آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له ~~شفاعتي يوم القيامة " # وعن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا كان يوم القيامة كنت إمام الأنبياء وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر ~~". # حديث أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون ذلك، فيقولون: لو شفعنا إلى ربنا ~~فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك ~~الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى ~~يريحنا من مكاننا هذا. فيقول لهم آدم: لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصاب، ~~فيستحيي ربه عز وجل من ذلك، ويقول ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه ~~الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحا، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئة سؤاله ~~ربه ما ليس له به علم، فيستحيي ربه من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا إبراهيم ~~خليل الرحمن فيأتوه، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا موسى عبدا كلمه الله ~~وأعطاه التوراة، فيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم النفس التي قتل ~~بغير نفس، فيستحيي ربه من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا عيسى، عبد الله وكلمته ~~وروحه، فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا غفر الله ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني - قال الحسن هذا الحرف - فأقوم فأمشي بين ~~سماطين من المؤمنين، قال أنس: حتى استأذن على ربي، فإذا رأيت ربي وقعت ~~له - أو خررت - ساجدا لربي، فيدعني ما يشاء الله أن يدعني، قال، ثم ~~يقال: ارفع محمد، قل تسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه؛ فأرفع رأسي فأحمده ~~بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه ~~ثانية، فإذا رأيت ربي وقعت له - أو خررت - ساجدا لربي، فيدعني ما شاء ~~الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، ~~فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ~~قال: ثم أعود الثالثة، ms1424 فإذا رأيت ربي وقعت - أو خررت - ساجدا لربي ~~فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: أرفع محمد قل يسمع، وسل تعطه، ~~واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا ~~فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة فقال: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن ~~" # فحدثنا أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " فيخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما ~~يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من ~~الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في ~~قلبه من الخير ما يزن ذرة ". # (الثاني) حديث كعب بن مالك رضي الله عنه: عن كعب بن مالك، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي عز وجل ~~حلة خضراء، ثم يؤذن لي، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود ~~". # (الثالث) حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: عن أبي الدرداء. قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " " أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة. وأنا أول من يؤذن له أن ~~يرفع رأسه. فأنظر إلى ما بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم. ومن خلفي مثل ~~ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك " ، فقال رجل: يا رسول الله، ~~كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: " هم غر محجلون ~~من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، ~~وأعرفهم تسعى من بين أيديهم ذريتهم " ". # (الرابع) حديث أبي هريرة رضي الله عنه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع. وكانت تعجبه ~~فنهش منها نشهة ثم قال: # " أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين ~~والآخرين في صعيد ms1425 واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ ~~الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ~~ألا ترون ما أنتم فيه مما قد بلغكم. ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ ~~فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم عليه السلام، فيقولون: يا آدم أنت أبو ~~البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع ~~لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: ربي قد ~~غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن ~~الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون ~~نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا ~~شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ ~~فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده ~~مثله قط، وإنه قد كان لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا ~~إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم؛ فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت ~~نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ~~ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله ~~مثله، ولن يغضب بعده مثله، فذكر كذباته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى ~~غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى عليه السلام فيقولون: يا موسى أنت ~~رسول الله، اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك ~~ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب ~~اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسا ~~لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، ~~فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه، وكلمت الناس ms1426 في المهد صبيا، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما ~~نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم ~~غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعد مثله، ولم يذكر ذنبا، نفسي نفسي ~~نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم؛ فيأتون ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم ~~الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ~~ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم فآتي تحت العرش، فأقع ~~ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء ~~عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه، ~~واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب؟ ~~فيقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب ~~الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفس محمد ~~بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين ~~مكة وبصرى ". # وفي " صحيح مسلم " رحمه الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر يوم القيامة، ~~وأول شافع وأول مشفع " # وعن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { عسى أن يبعثك ~~ربك مقاما محمودا } قال: # " هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه " # وفي الحديث: # " إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم، حتى لا يكون لبشر من ~~الناس إلا موضع قدميه - قال النبي صلى الله عليه وسلم - فأكون أول من ~~يدعى وجبريل عن يمين الرحمن تبارك وتعالى - والله ما رآه قبلها - فأقول: ~~أي رب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي. فيقول الله عز وجل صدق. ثم ~~أشفع فأقول يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض. قال فهو المقام المحمود ". ### || [17.80-81] ms1427 # عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة، ~~فأنزل الله: { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني ~~مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } ، ~~وقال الحسن البصري: إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه، فأراد الله قتال أهل مكة، أمره ~~أن يخرج إلى المدينة، فهو الذي قال الله عز وجل: { وقل رب ~~أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق } الآية، ~~وقال قتادة: { أدخلني مدخل صدق } يعني المدينة { ~~وأخرجني مخرج صدق } يعني مكة، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد، ~~وهذ القول هو أشهر الأقوال، وهو اختيار ابن جرير، وقوله: { واجعل لي ~~من لدنك سلطانا نصيرا } قال الحسن البصري: وعده ربه لينزعن ~~ملك فارس وعز فارس، وليجعلنه له، وملك الروم وعز الروم وليجعلنه له. وقال ~~قتادة: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم علم أن لا طاقة له بهذا الأمر ~~إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض ~~الله، ولإقامة دين الله؛ فإن السلطان رحمة من الله، جعله بين أظهر عباده، ~~ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم، قال مجاهد: { ~~سلطانا نصيرا } حجة بينة، واختار ابن جرير الأول، لأنه لا بد مع ~~الحق من قهر، لمن عاداه وناوأه، ولهذا يقول تعالى: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات... # [الحديد: 25] إلى قوله # وأنزلنا الحديد # [الحديد: 25] الآية. وفي الحديث: # " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " # أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس ~~بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع، ~~وقوله: { وقل جآء الحق وزهق الباطل } تهديد ووعيد ~~لكفار قريش. فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية فيه، ولا قبل لهم ~~به، وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان، والعلم النافع وزهق باطلهم: ~~أي اضمحل وهلك، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق ms1428 # [الأنبياء: 18]. عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه ~~وسلم مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: # " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، جاء الحق وما يبدئ الباطل ~~وما يعيد " # وقال الحافظ أبو يعلى، عن جابر رضي الله عنه قال: # " دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون ~~صنما تعبد من دون الله، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت ~~على وجوهها، وقال: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " ". ### || [17.82] # يقول تعالى مخبرا عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم، إنه شفاء ورحمة للمؤمنين، أي يذهب ما في القلوب من أمراض من شك ~~ونفاق، وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله. وهو أيضا رحمة، يحصل ~~فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به ~~وصدقه، واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه ~~بذلك؛ فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدا وكفرا، والآفة من الكافر لا من ~~القرآن، كقوله تعالى: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ~~أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت: 44]. وقال تعالى: # فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون # [التوبة: 124-125]، وقال قتادة: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه { ~~ولا يزيد الظالمين إلا خسارا }: أي لا ينتفع به ولا ~~يحفظه ولا يعيه، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين. ### || [17.83-84] # يخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو، إلا من عصمه الله تعالى في حالتي ~~السراء والضراء، فإنه إذا أنعم الله عليه بمال وعافية وفتح ورزق ونصر، ~~ونال ما يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته، ونأى بجانبه. قال مجاهد: بعد ~~عنا، وهذا كقوله تعالى: # فلما نجاكم إلى البر أعرضتم # [الإسراء: 67]، وبأنه إذا مسه الشر وهو ms1429 المصائب والحوادث والنوائب { ~~كان يئوسا } أي قنط أن يعود، يحصل له بعد ذلك خير، كقوله تعالى: # ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها ~~منه إنه ليئوس كفور * ولئن أذقناه نعمآء ~~بعد ضرآء مسته ليقولن ذهب السيئات عني ~~إنه لفرح فخور # [هود: 9-10]، وقوله تعالى: { قل كل يعمل على شاكلته } ~~قال ابن عباس: على ناحيته، وقال مجاهد: على حدته وطبيعته، وقال قتادة: ~~على نيته، وقال ابن زيد: على دينه، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، ~~وهذه الآية - والله أعلم - تهديد المشركين ووعيد لهم، كقوله تعالى: # وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم # [هود: 121] الآية. ولهذا قال: { قل كل يعمل على ~~شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } أي ~~منا ومنكم، وسيجزي كل عامل بعمله، فإنه لا تخفى عليه خافية. ### || [17.85] # عن عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه، قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في حرث في المدينة وهو متوكئ على عسيب، فمر بقوم من ~~اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، قال: ~~فسألوه عن الروح، فقالوا: يا محمد ما الروح؟ فما زال متوكئا على العسيب، ~~قال: فظننت أنه يوحى إليه، فقال: { ويسألونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربي ومآ أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا } قال، فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه. وهذا السياق ~~يقتضي أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، ~~مع أن السورة كلها مكية. وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه ~~بالمدينة مرة ثانية، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو أنه نزل عليه الوحي ~~بأنه يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية { ~~ويسألونك عن الروح } ، ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة، ما ~~قال الإمام أحمد، عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئا نسأل ~~عنه هذا الرجل، فقالوا سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت: { ويسألونك ~~عن الروح قل الروح من أمر ربي ومآ أوتيتم ms1430 من ~~العلم إلا قليلا } قالوا: أوتينا علما كثيرا، أوتينا ~~التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا، قال، وأنزل الله: # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر # [الكهف: 109] الآية. وقد روى ابن جرير عن عكرمة قال: سأل أهل الكتاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فأنزل الله { ويسألونك ~~عن الروح } الآية، فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا ~~وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة: 269]. قال: فنزلت: # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله # [لقمان: 27] الآية. # وقال محمد بن إسحاق، عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة { ومآ أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا } ، # " فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أتاه أحبار ~~يهود، وقالوا: يا محمد! ألم يبلغنا عنك أنك تقول { ومآ أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا } أفعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال: " كلا قد ~~عنيت " ، فقالوا: إنك تتلوا أنا أوتينا التوراة، وفيها تبيان كل شيء فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هي في علم الله قليل وقد أتاكم الله ما ~~إن عملتم به انتفعتم " # وأنزل الله: # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله إن الله عزيز حكيم # [لقمان: 27]، وقد اختلف المفسرون في المراد بالروح ههنا على أقوال: ~~(أحدها) أن المراد أرواح بني آدم، # " عن ابن عباس أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن ~~الروح وكيف تعذب الروح التي في الجسد؟ ولم يكن نزل عليه فيه شيء، فأتاه ~~جبريل فقال له: { قل الروح من أمر ربي ومآ أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا }. فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك. فقالوا: من جاءك بهذا؟ قال: " جاءني به جبريل من عند الله " ، ~~فقالوا له: والله ما قاله لك إلا عدونا " # ، فأنزل الله: # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك بإذن الله مصدقا ms1431 لما بين يديه # [البقرة: 97]، وقيل: المراد بالروح ههنا جبريل، قاله قتادة، وقيل: ~~المراد به ههنا، ملك عظيم بقدر المخلوقات كلها. # وقوله تعالى: { قل الروح من أمر ربي }: أي من شأنه، ومما ~~استأثر بعلمه دونكم، ولهذا قال: { ومآ أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا } أي وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط ~~أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى، والمعنى أن علمكم في علم ~~الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى ولم ~~يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى. وسيأتي ~~إن شاء الله في قصة موسى والخضر، أن الخضر قال: يا موسى ما علمي وعلمك ~~وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر، ولهذا ~~قال تعالى: { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا }. وقال ~~السهيلي: قال بعض الناس: لم يجبهم عما سألوا لأنهم سألوا على وجه التعنت، ~~وقيل أجابهم، ثم ذكر السهيلي: الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس ~~أو غيرها، وقرر: أنها ذات لطيفة كالهواء سارية في الجسد كسريان الماء في ~~عروق الشجر، وحاصل القول: أن الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة ~~منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجه، لا من كل وجه، وهذا معنى حسن ~~والله أعلم. ### || [17.86-89] # يذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم، صلى الله عليه ~~وسلم فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ثم نبه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم ~~فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما ~~أنزله على رسوله لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا ~~وتظافروا فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق ~~الذي لا نظير له ولا مثال ولا عديل؟ وقوله: { ولقد صرفنا ~~للناس } الآية، أي بينا لهم الحجج، والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم ~~الحق ms1432 وشرحناه وبسطناه، ومع هذا { فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا } أي جحودا للحق، وردا للصواب. ### || [17.90-93] # قال ابن جرير عن ابن عباس: # " إن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، وأبا البختري، والوليد ~~بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، ~~والعاص بن وائل، اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم ~~لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن ~~أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز ~~عليهم عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنعذر ~~فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على ~~قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الألهة، وفرقت ~~الجماعة، فما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما ~~جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا ~~مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ~~ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك ~~- وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي - فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في ~~طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ~~ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، ~~وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن ~~تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر ~~لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ". فقالوا: يا محمد فإن كنت غير ~~قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادا، ~~ولا أقل مالا، ms1433 ولا أشد عيشا منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، ~~فليسير هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر فيها ~~أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن ~~يبعث لنا، منهم (قصي بن كلاب) فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول ~~حق هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند ~~الله، وأنه بعثك رسولا، كما تقول. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ~~ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه ~~علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ". قالوا: فإن لم تفعل ~~لنا هذا فخذ لنفسك فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، ~~وتسأله فيجعل لك جنات وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك ~~تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل ~~منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم! فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ~~ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في ~~الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني ~~وبينكم ". قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك، فإنا لن ~~نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذلك إلى ~~الله إن شاء فعل بكم ذلك " ، فقالوا: يا محمد! أما علم ربك أنا سنجلس ~~معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيقدم إليك ويعلمك ما ~~تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، ~~فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله ~~لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك ms1434 يا محمد، أما والله لا نتركك ~~وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا. # فلما قالوا ذلك، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وقام معه عبد ~~الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته ~~عاتكة ابنة عبد المطلب، فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله ~~منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ~~ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من العذاب، فوالله لا أومن بك أبدا ~~حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معي ~~بصحيفة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم ~~الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك ". ثم انصرف عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا أسفا، ~~لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه. ~~ولو علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادا لأجيبوا إليه، ولكن علم ~~أنهم إنما يطلبون ذلك كفرا وعنادا، فقيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن شئت أعطيناهم ما سألوا، فإن كفروا عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا ~~من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: " بل تفتح ~~عليهم باب التوبة والرحمة " ". # وقوله تعالى: { حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } ~~الينبوع: العين الجارية، سألوه أن يجري لهم عينا معينا في أرض الحجاز ~~ههنا وههنا، وذلك سهل على الله تعالى يسير لو شاء لفعله ولأجابهم إلى ~~جميع ما سألوا وطلبوا، ولكن علم أنهم لا يهتدون، كما قال تعالى: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون * ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 96-97]. وقوله تعالى: { أو تسقط السمآء كما زعمت ~~} أي أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء وتهي وتدلي أطرافها ~~فعجل ذلك في الدنيا، وأسقطها كسفا، أي قطعا، كذلك سأل قوم ms1435 شعيب ~~فقالوا: # فأسقط علينا كسفا من السمآء إن كنت من ~~الصادقين # [الشعراء: 187]، فعاقبهم الله بعذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم، ~~وأما نبي الرحمة المبعوث رحمة للعالمين فسأل إنظارهم وتأجيلهم، لعل الله ~~يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا، وكذلك وقع، فإن من هؤلاء ~~الذين الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه حتى (عبد الله بن أبي ~~أمية) الذي تبع النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ما قال. أسلم إسلاما ~~تاما وأناب إلى الله عز وجل، وقوله تعالى: { أو يكون لك ~~بيت من زخرف }. قال ابن عباس ومجاهد: هو الذهب، أي يكون لك بيت ~~من ذهب، { أو ترقى في السمآء } أي تصعد في سلم، ونحن ننظر ~~إليك، { ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا ~~كتابا نقرؤه } ، قال مجاهد: أي مكتوب فيه، إلى كل واحد صحيفة، ~~هذا كتاب من الله لفلان بن فلان تصبح موضوعة عند رأسه، وقوله تعالى: { ~~قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا } أي سبحانه ~~وتعالى وتقدس، أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، بل ~~هو الفعال لما يشاء، وما أنا إلا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي، وأنصح ~~لكم وأمركم فيما سألتم إلى الله عز وجل، وعن أبي أمامة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " عرض علي ربي عز وجل ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا يا رب ولكن ~~أشبع يوما وأجوع يوما - أو نحو ذلك - فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا ~~شبعت حمدتك وشكرتك ". ### || [17.94-95] # يقول تعالى: { وما منع الناس } أي أكثرهم، { أن يؤمنوا } ~~ويتابعوا الرسل، إلا استعجابهم من بعثة البشر رسلا كما قال تعالى: # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس # [يونس: 2]؟ وقال تعالى: # ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فقالوا أبشر يهدوننا # [التغابن: 6] الآية. وقال فرعون وملؤه: # أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون # [المؤمنون: 47]؟ وكذلك قالت الأمم لرسلهم: # إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا ~~عما كان يعبد آبآؤنا ms1436 فأتونا بسلطان مبين # [إبراهيم: 10]، والآيات في هذا كثيرة، ثم قال تعالى منبها على لطفه ~~ورحمته بعباده، أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم ليفقهوا عنه ويفهموا منه، ~~لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر رسولا من الملائكة لما ~~استطاعوا مواجهته، ولا الأخذ عنه، كما قال تعالى: # كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم ~~آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ~~ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون # [البقرة: 151]، ولهذا قال ههنا: { قل لو كان في الأرض ~~ملائكة يمشون مطمئنين } أي كما أنتم فيها { لنزلنا ~~عليهم من السمآء ملكا رسولا } أي من جنسهم، ولما كنتم ~~أنتم بشرا بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفا ورحمة. ### || [17.96] # يقول تعالى مرشدا نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الحجة على قومه، في صدق ~~ما جاءهم به إنه شاهد علي وعليكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذبا ~~عليه لانتقم مني أشد الانتقام، كما قال تعالى: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44-46]. وقوله { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ~~}: أي عليما بهم، بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية، ممن يستحق ~~الشقاء والإضلال والإزاغة، ولهذا قال: { ومن يهد الله فهو... ~~}. ### || [17.97] # يقول تعالى مخبرا عن تصرفه في خلقه ونفوذ حكمه، وأنه لا معقب له بأنه ~~من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه أي يهدونهم، ~~كما قال: # من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ~~له وليا مرشدا # [الكهف: 17]، وقوله: { ونحشرهم يوم القيامة على ~~وجوههم } ، عن أنس بن مالك: # " قيل يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: " الذي أمشاهم على ~~أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم " # وعن حذيفة بن أسيد، قال، قام أبو ذر فقال: يا بني غفار قولوا ولا تحلفوا ~~فإن الصادق المصدوق حدثني: أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج، فوج راكبين ~~طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم ~~وتحشرهم إلى النار. وقوله: { عميا } أي لا يبصرون { وبكما } يعني ~~لا ينطقون { وصما } لا ms1437 يسمعون وهذا يكون في حال دون حال، جزاء لهم ~~كما كانوا في الدنيا، بكما وعميا وصما عن الحق، فجوزوا في محشرهم بذلك ~~أحوج ما يحتاجون إليه، { مأواهم } أي منقلبهم ومصيرهم { جهنم ~~كلما خبت } قال ابن عباس: سكنت، وقال مجاهد: طفئت { زدناهم ~~سعيرا } أي لهبا ووهجا وجمرا، كما قال: # فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا # [النبأ: 30]. ### || [17.98-99] # يقول تعالى هذا الذي جازيناهم به من البعث على العمى والبكم والصمم ~~جزاؤهم الذي يستحقونه، لأنهم كذبوا { بآياتنا } أي بأدلتنا وحجتنا، ~~واستبعدوا وقوع البعث، { وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا ~~} ، أي بالية نخرة { أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } أي بعد ~~ما صرنا إلى ما صرنا إليه، من البلى والهلاك، والتفرق والذهاب في الأرض، ~~نعاد مرة ثانية؟ فاحتج تعالى عليهم ونبههم على قدرته على ذلك بأنه خلق ~~السماوات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك. كما قال: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]، وقال: # أولم يروا أن الله الذي خلق السموت ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى # [الأحقاف: 33] الآية، وقال: # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم # [يس: 81]، وقال ههنا: { أولم يروا أن الله الذي ~~خلق السموت والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ~~} أي يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى، كما بدأهم، وقوله: { ~~وجعل لهم أجلا لا ريب فيه } أي جعل لإعادتهم وإقامتهم ~~من قبورهم أجلا مضروبا ومدة مقدرة لا بد من انقضائها، كما قال تعالى: # وما نؤخره إلا لأجل معدود # [هود: 104]، وقوله: { فأبى الظالمون } أي بعد قيام الحجة عليهم ~~{ إلا كفورا }: إلا تماديا في باطلهم وضلالهم. ### || [17.100] # يقول تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، قل لهم يا محمد: لو أنكم ~~أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله، لأمسكتم خشية الإنفاق، قال ابن ~~عباس: أي الفقر، أي خشية أن تذهبوها، مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدا؛ ~~لأن هذا من طباعكم وسجاياكم، ولهذا قال: { وكان الإنسان قتورا } ~~قال ابن عباس وقتادة. أي بخيلا منوعا، وقال ms1438 الله تعالى: # أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس ~~نقيرا # [النساء: 53] أي لو أن لهم نصيبا في ملك الله لما أعطوا أحدا شيئا، ~~ولا مقدار نقير، والله تعالى يصف الإنسان من حيث هو إلا من وفقه الله ~~وهداه، فإن البخل والجزع والهلع صفة له، كما قال تعالى: # إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * ~~وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين # [المعارج: 19-22] ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، ويدل هذا على ~~كرمه وجوده وإحسانه. وقد جاء في " الصحيحين ": # " يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ ~~خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه؟ ". ### || [17.101-104] # يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات، وهي الدلائل القاطعة على صحة ~~نبوته وصدقه، فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون، وهي " العصا، واليد، ~~والسنين، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم " آيات ~~مفصلات قاله ابن عباس، وقال محمد بن كعب: هي اليد والعصا والخمس في ~~الأعراف والطمس والحجر، وقال ابن عباس أيضا ومجاهد: (هي يده، وعصاه، ~~والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم)، ~~وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي، وجعل الحسن البصري: السنين ونقص الثمرات ~~واحدة؛ وعنده أن التاسعة هي تلقف العصا ما يأفكون، # فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين # [الأعراف: 133] أي ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها كفروا بها وجحدوا بها، ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وما نجعت فيهم؛ فكذلك لو أجبنا هؤلاء ~~الذين سألوا منك ما سألوا وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا إلى آخرها، لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء الله، كما قال ~~فرعون لموسى - وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات - { إني لأظنك ~~يموسى مسحورا } قيل: بمعنى ساحر، والله تعالى أعلم. فهذه الآيات ~~التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة ههنا، وهي المعنية في قوله ~~تعالى: # وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جآن ولى ~~مدبرا ولم يعقب يموسى لا تخف # [النمل: 10] إلى قوله # في تسع آيات إلى فرعون ms1439 وقومه إنهم كانوا ~~قوما فاسقين # [النمل: 12]، فذكر هاتين الآيتين العصا واليد، وبين الآيات الباقيات ~~في سورة الأعراف وفصلها، وقد أوتي موسى عليه السلام آيات أخر كثيرة: ~~منها ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال ~~المن والسلوى، وغير ذلك مما أوتيه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ~~ولكن ذكر ههنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، فكانت ~~حجة عليهم، فخالفوها وعاندوها كفرا وجحودا. # ولهذا قال موسى لفرعون: { لقد علمت مآ أنزل هؤلاء ~~إلا رب السموت والأرض بصآئر } أي حججا وأدلة على ~~صدق ما جئتك به، { وإني لأظنك يفرعون مثبورا } أي ~~هالكا، قاله مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: ملعونا، وقال الضحاك { ~~مثبورا }: أي مغلوبا، والهالك كما قال مجاهد، شمل هذا كله. ويدل على ~~أن المراد بالتسع الآيات إنما هي ما تقدم ذكره من العصا واليد والسنين ~~ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، التي فيها حجج ~~وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل ~~المختار الذي أرسله، وقوله: { فأراد أن يستفزهم من ~~الأرض } أي يخليهم منها ويزيلهم عنها { فأغرقناه ومن معه ~~جميعا * وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا ~~الأرض } ، وفي هذا بشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم بفتح مكة مع أن ~~السورة مكية، نزلت قبل الهجرة وكذلك وقع فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول ~~منها كما قال تعالى: # وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها # [الإسراء: 76] الآيتين، ولهذا أورث الله رسوله مكة فدخلها عنوة وقهر ~~أهلها ثم أطلقهم حلما وكرما، كما أورث الله القوم الذين كانوا يستضعفون ~~من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم ~~وزروعهم وثمارهم وكنوزهم، كما قال: كذلك وأورثناها بني إسرائيل، وقال ~~ههنا { وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا ~~الأرض فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا } أي ~~جميعكم أنتم وعدوكم، قال ابن عباس { لفيفا } أي جميعا. ### || [17.105-106] # يقول تعالى مخبرا عن كتابه العزيز وهو القرآن المجيد، إنه بالحق نزل، ~~أي متضمنا للحق، كما قال تعالى: # لكن ms1440 الله يشهد بمآ أنزل إليك أنزله ~~بعلمه والملائكة يشهدون # [النساء: 166] أي متضمنا علم الله الذي أراد أن يطلعكم عليه من أحكامه ~~وأمره ونهيه، وقوله { وبالحق نزل } أي ونزل إليك يا محمد ~~محفوظا محروسا، لم يشب بغيره ولا زيد فيه، ولا نقص منه، بل وصل إليك ~~بالحق فإنه نزل به شديد القوى، الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى، ~~وقوله: { ومآ أرسلناك } أي يا محمد { إلا مبشرا ~~ونذيرا } مبشرا لمن أطاعك من المؤمنين، ونذيرا لمن عصاك من ~~الكافرين، وقوله: { وقرآنا فرقناه } بالتخفيف، ومعناه فصلناه من ~~اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا منجما في ~~ثلاث وعشرين سنة، قاله ابن عباس، وعن ابن عباس { فرقناه } بالتشديد ~~أي أنزلناه آية آية مبينا مفسرا، ولهذا قال { لتقرأه على ~~الناس } أي لتبلغه الناس وتتلوه عليهم { على مكث } أي مهل { ~~ونزلناه تنزيلا } شيئا بعد شيء. ### || [17.108-109] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم { قل } يا محمد لهؤلاء ~~الكافرين بما جئتهم به من هذا القرآن العظيم { آمنوا به أو لا ~~تؤمنوا } أي سواء آمنتم به أم لا، فهو حق في نفسه أنزله الله، ونوه ~~بذكره في كتبه المنزلة على رسله، ولهذا قال: { إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله } أي من صالحي أهل الكتاب الذين تمسكوا بكتابهم ~~ولم يبدلوه ولا حرفوه { إذا يتلى عليهم } هذا القرآن { ~~يخرون للأذقان } جمع ذقن، وهو أسفل الوجه { سجدا } أي لله ~~عز وجل، شكرا على ما أنعم به عليهم، ولهذا يقولون { سبحان ~~ربنآ } أي تعظيما وتوقيرا على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد، ~~ولهذا قالوا: { إن كان وعد ربنا لمفعولا } ، وقوله: { ~~ويخرون للأذقان يبكون } أي خضوعا لله عز وجل، وإيمانا ~~وتصديقا بكتابه ورسوله، { ويزيدهم خشوعا } أي إيمانا ~~وتسليما، كما قال: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. ### || [17.110-111] # يقول تعالى: { قل } يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة لله ~~عز وجل، المانعين من تسميته بالرحمن، { ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسمآء ~~الحسنى } أي لا فرق ms1441 بين دعائكم له باسم { الله } أو باسم { ~~الرحمن } فإنه ذو الأسماء الحسنى، كما قال تعالى: # له الأسمآء الحسنى يسبح له ما في السموت ~~والأرض # [الحشر: 24] الآية. وقد روى مكحول أن رجلا من المشركين سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو يقول في سجوده: # " يا رحمن يا رحيم " # ، فقال إنه يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو اثنين فأنزل الله هذه الآية، ~~وكذا روي عن ابن عباس رواهما ابن جرير، وقوله: { ولا تجهر ~~بصلاتك } ، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم متوار بمكة، { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت ~~بها } قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فلما سمع ذلك ~~المشركين سبوا القرآن وسبوا من أنزله ومن جاء به، قال فقال الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ولا تجهر بصلاتك } أي بقراءتك ~~فيسمع المشركون فيسبون القرآن { ولا تخافت بها } عن أصحابك فلا ~~تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، { وابتغ بين ذلك سبيلا }. ~~وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا جهر القرآن وهو يصلي تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه، وكان الرجل إذا ~~أراد أن يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو وهو يصلي، ~~استرق السمع منهم دونهم فرقا منهم. فإذا رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ~~ذهب خشية أذاهم فلم يسمع، فإن خفض صوته صلى الله عليه وسلم لم يسمع الذين ~~يستمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله { ولا تجهر بصلاتك } ~~فيتفرقوا عنك { ولا تخافت بها } أي فلا يسمع من أراد أن يسمع ~~فينتفع به، { وابتغ بين ذلك سبيلا }. # قال ابن جرير، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ ~~خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ~~ربي عز وجل وقد علم حاجتي، فقيل: أحسنت، وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: ~~أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، قيل: أحسنت، فلما نزلت: { ولا تجهر ms1442 ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا } ~~قيل لأبي بكر: ارفع شيئا، وقيل لعمر: اخفض شيئا. وقال عكرمة، عن ابن ~~عباس: نزلت في الدعاء، وقوله: { وقل الحمد لله الذي لم ~~يتخذ ولدا } لما أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى نزه ~~نفسه عن النقائص، فقال: { وقل الحمد لله الذي لم ~~يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك } ، بل هو ~~الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، { ولم ~~يكن له ولي من الذل } أي ليس بذليل فيحتاج إلى أن يكون ~~له ولي، أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له، ~~ومدبرها ومقدرها بمشيئته وحده لا شريك له، قال مجاهد في قوله: { ولم ~~يكن له ولي من الذل } لم يحالف أحدا، ولم يبتغ نصر ~~أحد، { وكبره تكبيرا } أي عظمه وأجله عما يقول الظالمون ~~المعتدون علوا كبيرا. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-5] # قد تقدم في أول التفسير، أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة، عند فواتح الأمور ~~وخواتمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا ~~حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم، محمد صلوات الله ~~وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض، إذ أخرجهم به من ~~الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل ~~يهدي إلى صراط مستقيم، واضحا بينا جليا، نذيرا للكافرين بشيرا ~~للمؤمنين، ولهذا قال: { ولم يجعل له عوجا } أي لم يجعل فيه ~~اعوجاجا ولا زيغا ولا ميلا، بل جعله معتدلا مستقيما، ولهذا قال: { ~~قيما } أي مستقيما، { لينذر بأسا شديدا من لدنه } ~~أي لمن خالفه وكذبه، ولم يؤمن به، ينذره بأسا شديدا عقوبة عاجلة في ~~الدنيا، وآجلة في الآخرة، { من لدنه } أي من عند الله { ~~ويبشر المؤمنين } أي بهذا القرآن، الذين صدقوا إيمانهم ~~بالعمل الصالح { أن لهم أجرا حسنا } أي مثوبة عند الله ~~جميلة، { ماكثين فيه } في ثوابهم عند الله، وهو الجنة، خالدين فيه ~~{ أبدا } دائما، لا زوال ms1443 له ولا انقضاء، وقوله: { وينذر ~~الذين قالوا اتخذ الله ولدا } قال ابن إسحاق: وهم ~~مشركوا العرب، في قولهم نحن نعبد الملائكة، وهم بنات الله { ما لهم ~~به من علم } ، أي بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه، { ولا ~~لآبائهم } أي لأسلافهم، { كبرت كلمة } كبرت كلمتهم هذه، وفي ~~هذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإفكهم. ولهذا قال: { كبرت كلمة ~~تخرج من أفواههم } أي ليس لها مستند سوى قولهم ولا دليل لهم ~~عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال: { إن يقولون إلا كذبا ~~}. # وقد ذكر محمد بن إسحاق في سبب نزول هذه السورة الكريمة عن ابن عباس قال: # " بعثت قريش (النضر بن الحارث) و (عقبة بن أبي معيط) إلى أحبار يهود ~~بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، ~~فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى ~~أتيا المدينة، فسألوا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفوا ~~لهم أمره وبعض قوله وقالا: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن ~~صاحبنا هذا، قال، فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن ~~فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في ~~الدهر الأول ما كان من أمرهم فإنهم قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل ~~طواف، بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن ~~أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعون، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في ~~أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش، فقالا: يا معشر ~~قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله ~~عن أمور؛ فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ~~محمد! أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أخبركم غدا عما سألتم عنه " ، ولم يستثن، فانصرفوا عنه، ومكث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له ms1444 في ذلك ~~وحيا، ولا يأتيه جبرائيل عليه السلام، حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا ~~محمد غدا واليوم خمس عشرة، قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه ~~عنه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشق عليه ما ~~يتكلم به أهل مكة. ثم جاء جبرائيل عليه السلام من الله عز وجل بسورة ~~أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من ~~خبر الفتية والرجل الطواف " # ، وقول الله عز وجل # ويسألونك عن الروح قل الروح # [الإسراء: 85] الآية. ### || [18.6-8] # يقول تعالى مسليا لرسوله صلوات الله وسلامه عليه في حزنه على المشركين ~~لتركهم الإيمان وبعدهم عنه، كما قال تعالى: # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8]، وقال: # ولا تحزن عليهم # [النمل: 70]، وقال: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]، باخع: أي مهلك نفسك بحزنك عليهم، ولهذا قال: { ~~فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث } يعني القرآن، { أسفا } يقول: لا تهلك نفسك ~~أسفا، قال قتادة: قاتل نفسك غضبا وحزنا عليهم. وقال مجاهد: جزعا، ~~والمعنى متقارب أي: لا تأسف عليهم بل أبلغهم رسالة الله فمن اهتدى ~~فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، ثم أخبر ~~تعالى أنه جل الدنيا دارا فانية مزينة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار ~~اختبار لا دار قرار، فقال: { إنا جعلنا ما على الأرض ~~زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا } ، عن أبي ~~سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، ~~فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء " # ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها وذهابها، وخرابها، فقال تعالى: { ~~وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } أي وإنا ~~لمصيروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكا { ~~صعيدا جرزا } لا ينبت ولا ينتفع به، كما قال ابن عباس: يهلك كل شيء ~~عليها ويبيد، وقال مجاهد { صعيدا جرزا } بلقعا. وقال قتادة: ~~الصعيد ms1445 الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات. وقال ابن زيد: الصعيد الأرض ~~التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: # أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز ~~فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ~~أفلا يبصرون # [السجدة: 27]؟. ### || [18.9-12] # هذا إخبار من الله تعالى عن قصة أصحاب الكهف { أم حسبت } يعني يا ~~محمد { أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا ~~عجبا } أي ليس أمرهم عجيبا في قدرتنا وسلطاننا فإن خلق السماوات ~~والأرض وتسخير الشمس والقمر وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة ~~الله تعالى؛ وأنه على ما يشاء قادر، ولا يعجزه شيء - أعجب من أخبار أصحاف ~~الكهف، كما قال مجاهد: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك، وقال ابن ~~عباس: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف ~~والرقيم، وقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت من حججي على العباد أعجب من شأن ~~أصحاب الكهف والرقيم، وأما الكهف: فهو الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه ~~هؤلاء الفتية المذكورون، وأما الرقيم: فقال ابن عباس: هو واد قريب من ~~أيلة. وقال الضحاك: أما الكهف فهو غار الوادي، والرقيم اسم الوادي، وقال ~~مجاهد: الرقيم كتاب بنيانهم، ويقول بعضهم هو الوادي الذي فيه كهفهم. وقال ~~ابن عباس: الرقيم الجبل الذي فيه الكهف، وقال سعيد بن جبير: الرقيم لوح ~~من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف، وقال عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم: الرقيم الكتاب، ثم قرأ { كتاب مرقوم } وهذا هو ~~الظاهر من الآية وهو اختيار ابن جرير، قال الرقيم فعيل بمعنى مرقوم، كما ~~يقال للمقتول قتيل وللمجروح جريح. والله أعلم. # وقوله تعالى: { إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ~~ربنآ آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا ~~رشدا } يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم لئلا ~~يفتنوهم عنه فهربوا منهم فلجأوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا ~~حين دخلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم: { ربنآ ms1446 آتنا من ~~لدنك رحمة } أي هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها وتسترنا عن ~~قومنا، { وهيىء لنا من أمرنا رشدا } أي اجعل عاقبتنا ~~رشدا، كما جاء في الحديث: # " وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشدا " # وفي المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: # " اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب ~~الآخرة " # ، وقوله: { فضربنا على آذانهم في الكهف سنين ~~عددا } أي ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف فناموا سنين كثيرة ~~{ ثم بعثناهم } أي من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري ~~لهم بها طعاما يأكلونه كما سيأتي بيانه وتفصيله، ولهذا قال: { ثم ~~بعثناهم لنعلم أي الحزبين } أي المختلفين فيهم { ~~أحصى لما لبثوا أمدا } قيل: عددا، وقيل: غاية. ### || [18.13-16] # من ههنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية وهم الشباب، ~~وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين ~~الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ~~شبابا، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا ~~القليل، وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابا. وقال ~~مجاهد: بلغني أنه كان في آذان بعضهم القرطة، يعني الحلق، فألهمهم الله ~~رشدهم، وآتاهم تقواهم فآمنوا بربهم، أي اعترفوا له بالوحدانية وشهدوا أنه ~~لا إله إلا هو، { وزدناهم هدى } استدل بهذه الآية وأمثالها على ~~زيادة الإيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص، ولهذا قال تعالى: { ~~وزدناهم هدى } ، كما قال: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]، وقد ذكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى ابن مريم، والله ~~أعلم. # وقوله تعالى: { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا ~~فقالوا ربنا رب السموت والأرض } يقول تعالى: ~~وصبرناهم على مخالفة قومهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد ~~والسعادة والنعمة، فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف ~~أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد ~~قومهم، وكان لهم مجتمع ms1447 في السنة يجتمعون في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون ~~الأصنام والطواغيت ويذبحون لها، وكان لها ملك جبار عنيد يقال له ~~(دقيانوس) وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه، فلما خرج ~~الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما ~~يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنه قومهم من السجود ~~لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السماوات والأرض، فجعل ~~كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز عنهم، واتخذوا لهم معبدا يعبدون الله ~~فيه، فعرف بهم قومهم فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين يديه فسألهم ~~عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله عز وجل، ولهذا ~~أخبر تعالى عنهم بقوله: { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا ~~فقالوا ربنا رب السموت والأرض لن ندعوا من ~~دونه إلها } و " لن " لنفي التأبيد: أي لا يقع منا هذا أبدا لأنا ~~لو فعلنا ذلك لكان باطلا، ولهذا قال عنهم: { لقد قلنا إذا ~~شططا } أي باطلا وكذبا وبهتانا، { هؤلاء قومنا ~~اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم ~~بسلطان بين } أي هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلا ~~واضحا صحيحا، { فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } ، يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيقال إن ملكهم ~~تهددهم وتوعدهم وأمر بنزع لباسهم عنهم وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم ~~يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، وكان هذا من لطف الله بهم فإنهم توصلوا ~~إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة، وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن ~~في الناس أن يفر العبد منهم خوفا على دينه كما جاء في الحديث: # " يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر ~~يفر بدينه من الفتن " # ، ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس ولا تشرع فيما عداها، لما يفوت ~~بها من ترك الجماعات والجمع، فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، ~~واختار الله تعالى لهم ذلك وأخبر عنهم بذلك في قوله: { وإذ ~~اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله ms1448 }: أي وإذ ~~فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضا ~~بأبدانكم، { فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من ~~رحمته }: أي يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم { ويهيئ ~~لكم من أمركم } الذي أنتم فيه، { مرفقا } أي أمرا ~~ترتفقون به، فعند ذلك خرجوا هربا إلى الكهف، فأووا إليه ففقدهم قومهم من ~~بين أظهرهم وتطلبهم الملك، فيقال إنه لم يظفر بهم، وعمى الله عليه خبرهم ~~كما فعل بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق حين لجآ إلى (غار ~~ثور). ### || [18.17] # أخبر تعالى أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه { ذات اليمين ~~} ، قال ابن عباس { تزاور }: أي تميل، وذلك أنها كلما ارتفعت في ~~الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك ~~المكان، ولهذا قال: { وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال } ~~أي تدخل إلى غارهم من شمال بابه وهو من ناحية المشرق، فدل على صحة ما ~~قلناه، وهذا بين لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر ~~والكواكب. وبيانه أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها ~~شيء من عند الغروب، ولو كان من ناحية القبلة لما دخل منها شيء عند الطلوع ~~ولا عند الغروب ولا تزاور الفيء يمينا ولا شمالا؛ ولو كان من جهة الغرب ~~لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ~~ذكرناه ولله الحمد. وقال ابن عباس ومجاهد: { تقرضهم } تتركهم، وقد ~~أخبر الله تعالى بذلك وأراد منا فهمه وتدبره، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف ~~في أي البلاد من الأرض، ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ~~ورسوله إليه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: # " ما تركت شيئا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به ~~" # فأعلمنا تعالى بصفته ولم يعلمنا بمكانه فقال: { وترى الشمس إذا ~~طلعت تزاور عن كهفهم } ، قال مالك: تميل، { ذات ~~اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في ~~فجوة منه } أي في متسع منه ms1449 داخلا، بحيث لا تصيبهم، إذ لو ~~أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم، قاله ابن عباس، { ذلك من آيات ~~الله } حيث أرشدهم إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء والشمس والريح ~~تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم، ولهذا قال تعالى: { ذلك من آيات ~~الله } ثم قال: { من يهد الله فهو المهتد } أي هو الذي ~~أرشد هؤلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم فإنه من هداه الله اهتدى، ~~ومن أضله فلا هادي له. ### || [18.18] # ذكر أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم، لم تنطبق أعينهم لئلا يسرع ~~إليها البلى، وقوله تعالى: { ونقلبهم ذات اليمين وذات ~~الشمال } ، قال بعض السلف: يقلبون في العام مرتين، قال ابن عباس: لو ~~لم يقلبوا لأكلتهم الأرض، وقوله: { وكلبهم باسط ذراعيه ~~بالوصيد } الوصيد الفناء، وقال ابن عباس: بالباب، قال ابن جريج: يحرس ~~عليهم الباب، وهذا من سجيته وطبيعته حيث يربض ببابهم، كأنه يحرسهم، وكان ~~جلوسه خارج الباب لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، كما ورد في " ~~الصحيح " ، ولا صورة ولا جنب، وشملت كلبهم بركتهم فأصابه ما أصابهم من ~~النوم على تلك الحال، وهذه فائدة صحبة الأخيار فإنه صار لهذا الكلب ذكر ~~وخبر وشأن، وقوله تعالى: { لو اطلعت عليهم لوليت ~~منهم فرارا ولملئت منهم رعبا } أي أنه تعالى ألقى ~~عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم لما ألبسوا من ~~المهابة والذعر، لئلا يدنو منهم أحد ولا تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب ~~أجله، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، والرحمة الواسعة. ### || [18.19-20] # يقول تعالى: كما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم، وأشعارهم وأبشارهم، لم ~~يفقدوا من أحوالهم وهيآتهم شيئا، وذلك بعد ثلثمائة سنة وتسع سنين، ولهذا ~~تساءلوا بينهم { كم لبثتم }؟ أي كم رقدتم؟ { قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم } لأنه كان دخلوهم إلى الكهف في أول نهار، ~~واستيقاظهم كان في آخر نهار، ولهذا استدركوا فقالوا: { أو بعض ~~يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } أي أعلم بأمركم، ~~وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم، فالله أعلم، ثم عدلوا إلى ms1450 الأهم ~~في أمرهم إذ ذاك، وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا { ~~فابعثوا أحدكم بورقكم } أي فضتكم هذه، وذلك أنهم كانوا ~~قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها وبقي ~~منها؛ فلهذا قالوا { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه ~~إلى المدينة } أي مدينتكم التي خرجتم منها { فلينظر ~~أيهآ أزكى طعاما } أي أطيب طعاما، كقوله: # ما زكا منكم من أحد أبدا # [النور: 21]، وقوله: # قد أفلح من تزكى # [الأعلى: 14]، ومنه الزكاة التي تطيب المال وتطهره. وقوله: { ~~وليتلطف } أي في خروجه وإيابه، يقولون وليختف كل ما يقدر عليه، { ~~ولا يشعرن } أي ولا يعلمن { بكم أحدا * إنهم إن ~~يظهروا عليكم يرجموكم } أي إن علموا بمكانكم { ~~يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم } يعنون أصحاب دقيانوس، ~~يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذبونكم بأنواع العذاب ~~إلى أن يعيدوكم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا، وإن وافقتموهم على ~~العود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: { ~~ولن تفلحوا إذا أبدا }. ### || [18.21] # يقول تعالى: { وكذلك أعثرنا عليهم }: أي أطلعنا عليهم ~~الناس { ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة ~~لا ريب فيها } ذكر غير واحد من السلف، أنه كان قد حصل لأهل ذلك ~~الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة، فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة ~~وآية على ذلك، وذكروا أنه لما أراد أحدهم الخروج ليذهب إلى المدينة في ~~شراء شيء لهم ليأكلوه، تنكر وخرج يمشي في غير الجادة حتى انتهى إلى ~~المدينة، وهو يظن أنه قريب العهد بها، وكان الناس قد تبدلوا قرنا بعد ~~قرن وجيلا بعد جيل، فجعل لا يرى شيئا من معالم البلد التي يعرفها، ولا ~~يعرف أحدا من أهلها لا خواصها ولا عوامها، فجعل يتحير في نفسه، ويقول إن ~~عهدي بهذه البلدة عشية أمس على غير هذه الصفة. ثم قال: إن تعجيل الخروج ~~من ههنا لأولى لي، ثم عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام فدفع إليه ما معه من ~~النفقة، وسأله أن يبيعه بها طعاما، فلما رآها ذلك الرجل ms1451 أنكرها وأنكر ~~ضربها، فدفعها إلى جاره، وجعلوا يتداولونها بينهم، ويقولون لعل هذا وجد ~~كنزا، فسألوه عن أمره ومن أين له هذه النفقة، لعله وجدها من كنز، وممن ~~أنت؟ فجعل يقول أنا من أهل هذه البلدة، وعهدي بها عشية أمس، وفيها ~~دقيانوس فنسبوه إلى الجنون، فحملوه إلى ولي أمرهم، فسأله عن شأنه وخبره ~~حتى أخبرهم بأمره، فلما أعلمهم بذلك قاموا معه إلى الكهف - ملك البلد ~~وأهلها - حتى انتهى بهم إلى الكهف، فقال لهم دعوني حتى أتقدمكم في الدخول ~~لأعلم أصحابي فدخل، فيقال إنهم لا يدرون كيف ذهب فيه، وأخفى الله عليهم ~~خبرهم، ويقال: بل دخلوا عليهم ورأوهم وسلم عليهم الملك وأعتنقهم، وكان ~~مسلما فيما قيل، واسمه يندوسيس، ففرحوا به وآنسوه بالكلام، ثم ودعوه ~~وسلموا عليه وعادوا إلى مضاجعهم، وتوفاهم الله عز وجل. وقوله { ~~وكذلك أعثرنا عليهم }: أي كما أرقدناهم وأيقظناهم ~~بهيآتهم، أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان { ليعلموا أن وعد ~~الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون ~~بينهم أمرهم } أي في أمر القيامة، فمن مثبت لها ومن منكر، ~~فجعل الله ظهورهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم { فقالوا ابنوا ~~عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم } أي سدوا عليهم باب ~~كهفهم، وذروهم على حالهم { قال الذين غلبوا على أمرهم ~~لنتخذن عليهم مسجدا }. حكى ابن جرير في القائلين ذلك ~~قولين (أحدهما): أنهم المسلمون منهم، و (الثاني): أهل الشرك منهم، فالله ~~أعلم. ### || [18.22] # يقول تعالى مخبرا عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فحكى ثلاثة ~~أقوال، ولما ضعف القولين الأولين بقوله { رجما بالغيب } أي قولا ~~بلا علم كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا يكاد يصيب وإن أصاب فبلا ~~قصد. ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله { وثامنهم كلبهم ~~} ، فدل على صحته، وأنه هو الواقع في نفس الأمر، وقوله: { قل ربي ~~أعلم بعدتهم } إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم ~~إلى الله تعالى، إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا ~~أطلعنا على أمر قلنا ms1452 به وإلا وقفنا، وقوله { ما يعلمهم إلا ~~قليل }: أي من الناس. قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله ~~عز وجل، كانوا سبعة، وكذا روى ابن جرير عن عطاء أنه كان يقول: عدتهم ~~سبعة. فكانوا ليلهم ونهارهم في عبادة الله، يبكون ويستغيثون بالله. قال ~~تعالى: { فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا } أي سهلا ~~هينا، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة، { ولا ~~تستفت فيهم منهم أحدا }: أي فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ~~ما يقولونه من تلقاء أنفسهم رجما بالغيب، أي من غير استناد إلى كلام ~~معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية فيه، فهو ~~المقدم الحاكم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال. ### || [18.23-24] # هذا إرشاد من الله تعالى لرسوله الله صلى الله عليه وسلم إلى الأدب فيما ~~إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد إلى مشيئة الله عز وجل ~~علام الغيوم، كما ثبت في " الصحيحين " عن أبي هريرة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " قال سليمان بن داود عليهما السلام لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - ~~وفي رواية مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله، ~~فقيل له - وفي رواية قال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهن ~~فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته " # وفي رواية: # " ولقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " # وقد تقدم في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما سئل عن قصة أصحاب الكهف: " غدا أجيبكم " ، فتأخر الوحي ~~خمسة عشر يوما، وقوله: { واذكر ربك إذا نسيت }: قيل معناه ~~إذا نسيت الاستثناء فاستثن عند ذكرك له، وقال ابن عباس في الرجل يحلف. له ~~أن يستثني ولو إلى سنة، وكان يقول { واذكر ربك إذا نسيت } ~~ذلك، ومعنى ms1453 قول ابن عباس أنه يستثني ولو بعد سنة أي إذا نسي أن يقول في ~~حلفه أو في كلامه إن شاء الله وذكر ولو بعد سنة فالسنة له أن يقول ذلك ~~ليكون آتيا بسنة الاستثناء، حتى ولو كان بعد الحنث. قاله ابن جرير رحمه ~~الله ونص على ذلك، لا أن يكون رافعا لحنث اليمين ومسقطا للكفارة وهذا ~~الذي قاله ابن جرير رحمه الله هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس ~~عليه والله أعلم. وقال عكرمة { واذكر ربك إذا نسيت }: إذا ~~غضبت. وقال الطبراني، عن ابن عباس في قوله { واذكر ربك إذا ~~نسيت } أن تقول إن شاء الله. وروى الطبراني أيضا عنه استثن إذا ذكرت، ~~وقال هي خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لأحد منا أن يستثني ~~إلا في صلة من يمينه، ويحتمل في الآية وجه آخر، وهو أن يكون الله تعالى ~~قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر الله تعالى، لأن النسيان منشؤه من ~~الشيطان، كما قال فتى موسى: # ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره # [الكهف: 63] وذكر الله تعالى يطرد الشيطان، فإذا ذهب الشيطان ذهب ~~النسيان، فذكر الله تعالى سبب للذكر، ولهذا قال { واذكر ربك ~~إذا نسيت }. وقوله: { وقل عسى أن يهدين ربي ~~لأقرب من هذا رشدا } أي إذا سئلت عن شيء لا تعلمه فاسأل ~~الله تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك. ### || [18.25-26] # هذا خبر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، بمقدار ما لبث أصحاب ~~الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم إلى أن بعثهم الله، أعثر عليهم أهل ذلك ~~الزمان، وأنه كان مقداره ثلثمائة سنة تزيد تسع سنين بالهلالية. وهي ~~ثلثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى ~~الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال بعد الثلثمائة وازدادوا تسعا، وقوله: { ~~قل الله أعلم بما لبثوا } أي إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك ~~علم في ذلك وتوقيف من الله تعالى فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا ms1454 { ~~الله أعلم بما لبثوا له غيب السموت والأرض ~~} أي لا يعلم ذلك إلا هو، ومن أطلعه عليه من خلقه. وقوله { أبصر ~~به وأسمع } أي إنه لبصير بهم سميع لهم، قال ابن جرير: وذلك في ~~معنى المبالغة في المدح كأنه قيل ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام: ما ~~أبصر الله لكل موجود وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء. ثم روي ~~عن قتادة في قوله { أبصر به وأسمع }: فلا أحد أبصر من الله ~~ولا أسمع. وقوله { ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك ~~في حكمه أحدا } أي أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر لا معقب ~~لحكمه، وليس له وزير ولا نصير، ولا شريك ولا مشير تعالى وتقدس. ### || [18.27-28] # يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه ~~إلى الناس، { لا مبدل لكلماته } أي لا مغير لها ولا محرف ولا ~~مزيل، وقوله { ولن تجد من دونه ملتحدا } قال مجاهد: { ~~ملتحدا } ملجأ، وعن قتادة: وليا ولا مولى، قال ابن جرير: يقول إن ~~أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، فإنه لا ملجأ لك من الله ~~كما قال تعالى: # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته # [المائدة: 67]، وقوله: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } أي اجلس مع ~~الذين يذكرون الله ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشيا، من ~~عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، يقال: إنها نزلت في أشراف قريش ~~حين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم ~~بضعفاء أصحابه، كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس ~~على حدة، فنهاه الله عن ذلك، فقال: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي # [الأنعام: 52] الآية. وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء، فقال: { ~~واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي } الآية. عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم ستة ms1455 نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء ~~لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان ~~نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه ~~فأنزل الله عز وجل: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه # [الأنعام: 52]. # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم ~~مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات " # وقال الطبراني، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف، قال: نزلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته: { واصبر نفسك مع ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } الآية، فخرج ~~يلتمسهم فوجد قوما يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس وجاف الجلد، وذو ~~الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم، وقال: # " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم " # ، وقوله: { ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة ~~الدنيا } قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم يعني تطلب بدلهم أصحاب ~~الشرف والثروة، { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~} أي شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، { وكان أمره فرطا } أي ~~أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعا له ولا محبا لطريقته، ~~ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ~~ربك خير وأبقى # [طه: 131]. ### || [18.29] # يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للناس هذا الذي جئتكم ~~به من ربكم، هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك { فمن شآء فليؤمن ~~ومن شآء فليكفر } ، هذا من باب التهديد والوعيد الشديد، ولهذا ~~قال: { إنا أعتدنا } أي أرصدنا { للظالمين } وهم الكافرون ~~بالله ورسوله وكتابه { نارا أحاط بهم سرادقها } أي سورها، ~~وعن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ms1456 # " لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار مسافة أربعين سنة " # وقال ابن عباس { أحاط بهم سرادقها } قال: حائط من نار، ~~وقوله: { وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي ~~الوجوه } الآية، قال ابن عباس: المهل الماء الغليظ، مثل دردي الزيت، ~~وقال مجاهد: هو كالدم والقيح، وقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حره، وقال ~~الضحاك، ماء جهنم أسود وهي سوداء وأهلها سود، وهذه الأقوال ليس شيء منها ~~ينفي الآخر، فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود منتن ~~غليظ حار، ولهذا قال { يشوي الوجوه }: أي من حره، إذا أراد الكافر ~~أن يشربه وقربه من وجهه شواه، حتى تسقط جلده وجهه فيه، كما جاء في الحديث ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ماء كالمهل، قال كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه " # وعن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله # ويسقى من مآء صديد يتجرعه # [إبراهيم: 16-17] قال: # " يقرب إليه فيتكرهه، فإذا قرب منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا ~~شربه قطع أمعاءه " # ، يقول الله تعالى: { وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء ~~كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب }. وقال سعيد بن جبير: ~~إذا جاع أهل النار استغاثوا فأغيثوا بشجرة الزقوم، فيأكلون منها فاجتثت ~~جلود وجوههم، فلو أن مارا مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصب ~~عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا ~~أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، ~~ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة { ~~بئس الشراب } أي بئس هذا الشراب، كما قال في الآية الأخرى: # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد: 15]، وقال تعالى: # تسقى من عين آنية # [الغاشية: 5] أي حارة، كما قال تعالى: # وبين حميم آن # [الرحمن: 44] { وسآءت مرتفقا } أي وساءت النار منزلا ومقيلا ~~ومجتمعا وموضعا للارتفاق، كما قال في الآية الأخرى # إنها سآءت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 66]. ### || [18.30-31] # لما ذكر تعالى حال الأشقياء، ثنى بذكر السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا ~~المرسلين فيما ms1457 جاءوا به وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فلهم ~~جنات عدن، والعدن الإقامة { تجري من تحتهم الأنهار } أي من ~~تحت غرفهم ومنازلهم، قال فرعون # وهذه الأنهار تجري من تحتي # [الزخرف: 51] الآية. { يحلون } أي من الحلية { فيها من ~~أساور من ذهب } وقال في المكان الآخر # ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير # [الحج: 23] وفصله ههنا فقال { ويلبسون ثيابا خضرا من ~~سندس وإستبرق } فالسندس ثياب رقاق كالقمصان وما جرى مجراها، ~~وأما الإستبرق فغليظ الديباج، وفيه بريق. وقوله: { متكئين فيها ~~على الأرآئك } الإتكاء قيل: الاضطجاع، وقيل: التربع في الجلوس، وهو ~~أشبه بالمراد ههنا - ومنه الحديث الصحيح: # " أما أنا فلا آكل متكئا " # ، والأرائك جمع أريكة وهي السرير تحت الحجلة، عن قتادة { على ~~الأرآئك } قال: هي الحجال، وقال غيره: السرر في الحجال، وقوله { ~~نعم الثواب وحسنت مرتفقا }: أي الجنة ثوابا على ~~أعمالهم، { وحسنت مرتفقا } أي حسنت منزلا ومقيلا ومقاما، ~~كما قال في النار: # بئس الشراب وسآءت مرتفقا # [الكهف: 29]، وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: # إنها سآءت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 66]، ثم ذكر صفات المؤمنين فقال: # خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 76]. ### || [18.32-36] # يقول تعالى بعد ذكره المشركين، المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين ~~من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضرب لهم مثلا برجلين، ~~جعل الله لأحدهما جنتين، أي بستانين من أعناب محفوفتين بالنخيل المحدقة ~~في جنباتهما وفي خلالهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في ~~غاية الجودة. ولهذا قال: { كلتا الجنتين آتت أكلها } أي ~~أخرجت ثمرها { ولم تظلم منه شيئا } أي لم تنقص منه شيئا { ~~وفجرنا خلالهما نهرا } أي والأنهار متفرقة فيها ههنا ~~وههنا { وكان له ثمر } قيل، والمراد به المال، وقيل: الثمار، ~~وهو أظهر ههنا، { فقال } أي صاحب هاتين الجنتين { لصاحبه وهو ~~يحاوره } أي يجادله ويخاصمه، يفتخر عليه ويترأس { أنا أكثر ~~منك مالا وأعز نفرا } أي أكثر خدما وحشما وولدا، قال ~~قتادة: تلك والله أمنية الفاجر، كثرة المال، وعزة النفر. وقوله: { ~~ودخل جنته وهو ظالم لنفسه } أي بكفره وتمرده وتجبره ~~وإنكار المعاد، { قال مآ أظن ms1458 أن تبيد هذه أبدا } وذلك ~~اغترار منه، لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهارالمطردة في ~~جوانبها وأرجائها ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف، وذلك لقلة ~~عقله وضعف يقينه بالله وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة، ~~ولهذا قال { ومآ أظن الساعة قائمة } أي كائنة، { ولئن ~~رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا } أي ~~ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله ليكونن لي هناك أحسن من هذا الحظ ~~عند ربي، ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # [فصلت: 50]، وقال: # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا # [مريم: 77]. ### || [18.37-41] # يقول تعالى مخبرا عما أجابه به صاحبه المؤمن واعظا له وزاجرا عما هو ~~فيه من الكفر بالله والاغترار: { أكفرت بالذي خلقك من ~~تراب } ، وهكذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه الذي خلقه، ~~وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ~~كما قال تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم # [البقرة: 28] الآية، أي كيف تجحدون ربكم، ودلالته عليكم ظاهرة جلية، ~~ولهذا قال المؤمن { لكنا هو الله ربي }: أي لكن أنا لا ~~أقول بمقالتك بل اعترف لله بالوحدانية والربوبية، { ولا أشرك ~~بربي أحدا } أي بل هو الله المعبود وحده لا شريك له، ثم قال: { ~~ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله لا قوة ~~إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا }. ~~هذا تحضيض وحث على ذلك، أي هلا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت ~~الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه غيرك، وقلت ~~ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ولهذا قال بعض السلف من أعجبه شيء من ~~حاله أو ماله أو ولده فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وهذا مأخوذ ~~من هذه الآية الكريمة. وقد روي فيه حديث مرفوع عن أنس رضي الله عنه قال، ~~قال رسول ms1459 الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا ~~قوة إلا بالله، فيرى فيه آفة دون الموت " # وكان يتأول هذه الآية: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما ~~شآء الله لا قوة إلا بالله } ، وقد ثبت في الصحيح عن ~~أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: # " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله ". # وقال أبو هريرة، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ " قال، ~~قلت: فداك أبي وأمي، قال: " أن تقول لا قوة إلا بالله ". قال أبو بلخ ~~وأحسب أنه قال: " فإن الله يقول أسلم عبدي واستسلم " " # وقوله: { فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك } أي في ~~الدار الآخرة، { ويرسل عليها } أي على جنتك في الدنيا التي ظننت ~~أنها لا تبيد ولا تفنى { حسبانا من السمآء } ، قال ابن عباس ~~والضحاك: أي عذابا من السماء، والظاهر أنه مطر عظيم مزعج، يقلع زرعها ~~وأشجارها، ولهذا قال: { فتصبح صعيدا زلقا } ، أي بلقعا ~~ترابا أملس، لا يثبت فيه قدم. وقال ابن عباس: كالجزر الذي لا ينبت ~~شيئا، وقوله { أو يصبح مآؤها غورا } أي غائرا في الأرض وهو ~~ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض. فالغائر يطلب أسفلها، كما قال تعالى # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # [الملك: 30]: أي جار وسائح، وقال ههنا: { أو يصبح مآؤها ~~غورا فلن تستطيع له طلبا } ، والغور مصدر بمعنى غائر، وهو ~~أبلغ منه كما قال الشاعر: # تظل جياده نوحا عليه # تقلده أعنتها صفوفا # بمعنى نائحات عليه. ### || [18.42-44] # يقول تعالى: { وأحيط بثمره } بأمواله وبثماره ما كان يحذر مما ~~خوفه به المؤمن، من إرسال الحسبان على جنته التي اغتر بها وألهته عن الله ~~عز وجل، { فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها ~~} ، وقال قتادة: يصفق كفيه متأسفا متلهفا على الأموال التي أذهبها ~~عليها، { ويقول ms1460 يليتني لم أشرك بربي أحدا * ولم ~~تكن له فئة } أي عشيرة أو ولد كما افتخر بهم واستعز { ~~ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا * هنالك ~~الولاية لله الحق } أي الموالاة لله، أي هنالك كل أحد مؤمن ~~أو كافر يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب، كقوله: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين # [غافر: 84]. وكقوله إخبارا عن فرعون # حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين # [يونس: 90]، ومنهم من كسر الواو من { الولاية } أي هنالك الحكم لله ~~الحق، كقوله: # ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق # [الأنعام: 62] الآية. ولهذا قال تعالى { هو خير ثوابا }: أي ~~جزاء { وخير عقبا } أي الأعمال التي تكون لله عز وجل ثوابها ~~خير، وعاقبتها حميدة رشيدة، كلها خير. ### || [18.45-46] # يقول تعالى: { واضرب } يا محمد للناس { مثل الحياة ~~الدنيا } في زوالها وفنائها وانقضائها، { كمآء أنزلناه من ~~السماء فاختلط به نبات الأرض } أي ما فيها من الحب، فشب ~~وحسن، وعلاه الزهر والنور، والنضرة، ثم بعد هذا كله { فأصبح ~~هشيما } يابسا { تذروه الرياح } أي تفرقه وتطرحه ذات اليمين ~~وذات الشمال، { وكان الله على كل شيء مقتدرا } أي ~~هو قادر على هذه الحال وهذه الحال، وكثيرا ما يضرب الله مثل الحياة ~~الدنيا بهذا المثل كما قال تعالى في سورة يونس: # إنما مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من ~~السمآء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس ~~والأنعام # [الآية: 24]، وقال في سورة الحديد: # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ~~كمثل غيث أعجب الكفار نباته # [الآية: 20]. وفي الحديث الصحيح: # " الدنيا خضرة حلوة " # وقوله: { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } كقوله: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب # [آل عمران: 14] الآية. وقال تعالى: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده ~~أجر عظيم # [التغابن: 15]: أي الإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم ~~بهم والجمع لهم والشفقة المفرطة عليهم، ms1461 ولهذا قال: { والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } ، قال ~~ابن عباس وسعيد ابن جبير، وغير واحد من السلف: الباقيات الصالحات: ~~الصلوات الخمس. وقال ابن عباس: { والباقيات الصالحات }: سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وهكذا سئل أمير المؤمنين ~~عثمان بن عفان عن { والباقيات الصالحات } ما هي؟ فقال: هي لا ~~إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. وروي عن سعيد بن المسيب قال: الباقيات الصالحات ~~(سبحان والحمد لله ولا إله الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله) ~~وقال محمد ابن عجلان عن عمارة قال: سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات ~~الصالحات، فقلت: الصلاة والصيام، فقال: لم تصب، فقلت: الزكاة والحج، ~~فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، ~~وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، عن أبي هريرة قال، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سبحان الله والحمد لله ولا إله الله والله أكبر هن الباقيات ~~الصالحات " # وفي الحديث: # " أما إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم ~~على ظلمهم فليس مني ولست منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ~~ظلمهم فهو مني وأنا منه، ألا وإن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر من الباقيات الصالحات " # وقال ابن عباس قوله { والباقيات الصالحات } قال: هي ذكر ~~الله، قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله والحمد لله، ~~وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على ~~رسول الله، والصيام والصلاة والحج والصدقة والعتق والجهاد والصلة وجميع ~~أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت ~~السماوات والأرض، وعنه: هي الكلام الطيب، وقال عبد الرحمن بن زيد بن ~~أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها، واختاره ابن جرير رحمه الله. ### || [18.47-49] # يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظام، كما ~~قال ms1462 تعالى: # يوم تمور السمآء مورا * وتسير الجبال سيرا # [الطور: 9-10]: أي تذهب من أماكنها وتزول كما قال تعالى: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105]، يذكر تعالى أنه تذهب الجبال وتتساوى المهاد، وتبقى الأرض ~~قاعا صفصفا، أي سطحا مستويا لا عوج فيه ولا أمتا، أي ولا وادي ولا ~~جبل. ولهذا قال تعالى: { وترى الأرض بارزة } أي بادية ظاهرة، ~~ليس فيها معلم لأحد ولا مكان يواري أحدا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا ~~تخفى عليه منهم خافية. قال مجاهد وقتادة { وترى الأرض بارزة }: ~~لا حجر فيها ولا غيابة، وقال قتادة: لا بناء ولا شجر، وقوله: { ~~وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا } أي وجمعناهم ~~الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحدا لا صغيرا ولا كبيرا. كما ~~قال # قل إن الأولين والآخرين * لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # [الواقعة: 49-50]، وقال: # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود: 103]، وقوله: { وعرضوا على ربك صفا } يحتمل أن ~~يكون المراد أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفا واحدا، ويحتمل ~~أنهم يقومون صفوفا صفوفا، كما قال: # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22]، وقوله: { لقد جئتمونا كما خلقناكم ~~أول مرة } هذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم على رؤوس ~~الأشهاد، ولهذا قال تعالى مخاطبا لهم: { بل زعمتم ألن ~~نجعل لكم موعدا } أي ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن ~~هذا كائن. وقوله: { ووضع الكتاب } أي كتاب الأعمال، الذي فيه ~~الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، { فترى ~~المجرمين مشفقين مما فيه } أي من أعمالهم السيئة، ~~وأفعالهم القبيحة، { ويقولون يويلتنا } أي يا حسرتنا وويلنا ~~على ما فرطنا في أعمارنا، { مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } أي لا يترك ذنبا صغيرا ~~ولا كبيرا ولا عملا وإن صغر، إلا أحصاها أي ضبطها وحفظها، وقوله { ~~ووجدوا ما عملوا حاضرا } أي من خير وشر، كما قال تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # [آل عمران: 30] الآية، وقال تعالى: # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ms1463 # [الأنبياء: 13] وفي الحديث: # " يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، يقال هذه غدرة ~~فلان بن فلان " # وقوله: { ولا يظلم ربك أحدا } أي فيحكم بين عباده في ~~أعمالهم جميعا ولا يظلم أحدا من خلقه، بل يعفو ويصفح ويغفر ويرحم، ~~ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من الكفار وأصحاب ~~المعاصي، ثم ينجي أصحاب المعاصي ويخلد فيها الكافرين، وهو الحاكم الذي لا ~~يجور ولا يظلم، قال تعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها # [النساء: 40] الآية، وقال: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا # [الأنبياء: 47] إلى قوله # حاسبين # [الأنبياء: 47] والآيات في هذا كثيرة. # روى الإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه من ~~النبي صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا ثم شددت عليه رحلا فسرت عليه ~~شهرا حتى قدمت عليه الشام، فإذا (عبد الله بن أنيس)، فقلت للبواب: قل له ~~جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني ~~واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال، سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يحشر الله عز وجل الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراة غرلا ~~بهما ". قلت: وما بهما؟ قال: " ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من ~~بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل ~~النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقضيه منه، ولا ~~ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى ~~أقضيه منه، حتى اللطمة قال: قلنا، كيف وإنما نأتي الله عز وجل حفاة ~~عراة غرلا بهما؟ قال: " بالحسنات والسيئات " ". ### || [18.50] # يقول تعالى منبها بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم، ~~ومقرعا لمن اتبعه منهم وخالف خالقه ومولاه، فقال تعالى: { وإذ ms1464 ~~قلنا للملائكة } أي لجميع الملائكة كما تقدم تقريره في أول ~~سورة البقرة { اسجدوا لأدم } أي سجود تشريف وتكريم وتعظيم، كما ~~قال تعالى: # وإذ قال ربك للملآئكة إني خالق بشرا من ~~صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين # [الحجر: 28-29]، وقوله { فسجدوا إلا إبليس كان من ~~الجن } أي خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من ~~نور، كما ثبت في " صحيح مسلم ": # " خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف ~~لكم " # ونبه تعالى ههنا على أنه من الجن، أي على أنه خلق من نار كما قال: # أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [ص: 76]، قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه ~~لأصل الجن، كما أن آدم عليه السلام أصل البشر. وقوله: { ففسق عن ~~أمر ربه } أي فخرج عن طاعة الله فإن الفسق هو الخروج، يقال فسقت ~~الرطبة إذا خرجت من أكمامها، وفسقت الفأرة من جحرها، إذا خرجت منه للعيث ~~والفساد، ثم قال تعالى مقرعا وموبخا لمن اتبعه وأطاعه { ~~أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني } أي بدلا ~~عني، ولهذا قال: { بئس للظالمين بدلا } ، وهذا المقام كقوله ~~بعد ذكر القيامة وأهوالها، ومصير كل من الفريقين السعداء والأشقياء في ~~سورة يس: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59] إلى قوله # أفلم تكونوا تعقلون # [يس: 62]. ### || [18.51] # يقول تعالى هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني، عبيد أمثالكم لا ~~يملكون شيئا، ولا أشهدتهم خلق السماوات والأرض، ولا كانوا إذ ذاك ~~موجودين، يقول تعالى: أنا المستقل بخلق الأشياء كلها، ومدبرها ومقدرها ~~وحدي، وليس معي في ذلك شريك ولا وزير، ولا مشير ولا نظير، كما قال: # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السموت ولا في الأرض وما لهم ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير # [سبأ: 22]، ولهذا قال: { وما كنت متخذ المضلين عضدا } ~~قال مالك: أعوانا. ### || [18.52-53] # يقول تعالى مخبرا عما يخاطب ms1465 به المشركين يوم القيامة، على رؤوس الأشهاد ~~تقريعا لهم وتوبيخا { نادوا شركآئي الذين زعمتم } أي ~~في دار الدنيا، ادعوهم اليوم ينقذونكم مما أنتم فيه، كما قال تعالى: # وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم ~~فيكم شركآء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما ~~كنتم تزعمون # [الأنعام: 94]، وقوله: { فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } ، ~~كما قال: # وقيل ادعوا شركآءكم فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم # [القصص: 64] الآية، وقال: # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له # [الأحقاف: 5]، وقال تعالى: # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا * ~~كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 81-82]، وقوله: { وجعلنا بينهم موبقا } قال ابن ~~عباس: مهلكا، وقال قتادة: موبقا واديا في جهنم. وقال ابن جرير، عن ~~أنس بن مالك في قوله تعالى { وجعلنا بينهم موبقا } قال: ~~واد في جهنم من قيح ودم، وقال الحسن البصري: موبقا: عداوة، والظاهر من ~~السياق ههنا أنه المهلك، ويجوز أن يكون واديا في جهنم أو غيره، والمعنى ~~أن الله تعالى بين أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين ولا وصول لهم إلى آلهتهم ~~التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه يفرق بينهم وبينها في الآخرة، فلا ~~خلاص لأحد من الفريقين إلى الآخر، بل بينهما مهلك وهول عظيم وأمر كبير، ~~قال تعالى: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59] وقال تعالى: # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا ~~مكانكم أنتم وشركآؤكم فزيلنا بينهم # [يونس: 28]، وقوله { ورأى المجرمون النار فظنوا ~~أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا } أي أنهم ~~لما عاينوا جهنم حين جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ~~ملك، فإذا رأى المجرمون النار تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها ليكون ذلك ~~من باب تعجيل الهم والحزن لهم، فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه ~~عذاب ناجز، وقوله { ولم يجدوا عنها مصرفا } أي ليس لهم ~~طريق يعدل بهم عنها، ولا بد لهم منها. وقال ابن جرير، عن أبي سعيد، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الكافر ليرى جهنم فيظن أنها مواقعته ms1466 من مسيرة أربعمائة سنة ". ### || [18.54] # ويقول تعالى: ولقد بينا للناس من هذا القرآن ووضحنا لهم الأمور ~~وفصلناها، كيلا يضلوا عن الحق، ويخرجوا عن طريق الهدى، ومع هذا البيان ~~وهذا الفرقان فإن الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق ~~بالباطل، إلا من هدى الله وبصره لطريق النجاة. قال الإمام أحمد، عن علي ~~بن أبي طالب أخبره # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة، فقال: " ألا تصليان " ، فقلت: يا رسول الله إنما ~~أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك، ولم ~~يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول: { وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا } ". ### || [18.55-56] # يخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه، وتكذيبهم بالحق البين ~~الظاهر مع ما يشاهدون من الآيات والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من ~~اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانا كما قال ~~أولئك لنبيهم: # فأسقط علينا كسفا من السمآء إن كنت من ~~الصادقين # [الشعراء: 187]، وآخرون قالوا: # ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين # [العنكبوت: 29]، وقالت قريش: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، ثم قال: { إلا ~~أن تأتيهم سنة الأولين } من غشيانهم بالعذاب، وأخذهم عن ~~آخرهم { أو يأتيهم العذاب قبلا } أي يرونه عيانا مواجهة ~~ومقابلة، ثم قال تعالى: { وما نرسل المرسلين إلا ~~مبشرين ومنذرين } أي مبشرين من صدقهم وآمن بهم، ومنذرين لمن ~~كذبهم وخالفهم، ثم أخبر عن الكفار بأنهم # وجادلوا بالباطل ليدحضوا به # [غافر: 5] أي ليضعفوا به الحق، الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل ~~لهم، { واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا } أي اتخذوا ~~الحجج والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل، وما أنذروهم وخوفوهم ~~به من العذاب، { هزوا }: أي سخروا منهم في ذلك وهو أشد التكذيب. ### || [18.57-59] # يقول تعالى: وأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض ms1467 عنها، أي ~~تناساها وأعرض عنها ولم يصغ لها، ولا ألقى إليها بالا { ونسي ما ~~قدمت يداه } أي من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة، { إنا ~~جعلنا على قلوبهم } أي قلوب هؤلاء { أكنة } أي أغطية ~~وغشاوة، { أن يفقهوه } أي لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان، { وفي ~~آذانهم وقرا }: أي صمما معنويا عن الرشاد، { وإن تدعهم ~~إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا } ، وقوله: { ~~وربك الغفور ذو الرحمة }: أي ربك يا محمد غفور ذو رحمة ~~واسعة، { لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ~~} ، كما قال: # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة # [فاطر: 45]، وقال: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ~~ربك لشديد العقاب # [الرعد: 6] والآيات في هذا كثيرة شتى، ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر ~~وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه ~~الوليد وتضع كل ذات حمل حملها، ولهذا قال: { بل لهم موعد لن ~~يجدوا من دونه موئلا }: أي ليس لهم عنه محيص ولا محيد، ولا ~~معدل، وقوله: { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا } ~~أي الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم { ~~وجعلنا لمهلكهم موعدا }: أي جعلناه إلى مدة معلومة ووقت ~~معين لا يزيد ولا ينقص، أي وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا أن يصيبكم ما ~~أصابهم فقد كذبتم أشرف رسول الله وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم ~~فخافوا عذابي ونذري. ### || [18.60-65] # سبب قول موسى لفتاه وهو (يوشع بن نون) هذا الكلام، أنه ذكر له أن عبدا ~~من عباد الله بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى فأحب الرحيل ~~إليه، وقال لفتاه ذلك { لا أبرح }: أي لا أزال سائرا { حتى ~~أبلغ مجمع البحرين } أي هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، ~~قال قتادة وغير واحد: هما (بحر فارس) مما يلي المشرق و (بحر الروم) مما ~~يلي المغرب، وقال محمد بن كعب: مجمع البحرين عند طنجة، يعني في أقصى بلاد ~~المغرب، فالله أعلم. وقوله: { أو أمضي حقبا } أي ولو أني أسير ~~حقبا ms1468 من الزمان، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: الحقب ثمانون سنة، وقال ~~مجاهد: سبعون خريفا، وقال ابن عباس { أو أمضي حقبا } قال: ~~دهرا، وقوله: { فلما بلغا مجمع بينهما نسيا ~~حوتهما } وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح معه وقيل له متى فقدت ~~الحوت فهو ثمة، فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وكان من مكتل مع يوشع عليه ~~السلام، وطفر من المكتل إلى البحر، فاستيقظ يوشع عليه السلام وسقط الحوت ~~في البحر فجعل يسير في الماء والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده، ولهذا ~~قال تعالى: { فاتخذ سبيله في البحر سربا } أي مثل السرب ~~في الأرض، قال ابن عباس: صار أثره كأنه حجر، وقال قتادة: سرب من البحر ~~حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك فيه فجعل لا يسلك فيه طريقا إلا صار ماء ~~جامدا، وقوله: { فلما جاوزا }: أي المكان الذي نسيا الحوت فيه، { ~~قال } موسى { لفتاه آتنا غدآءنا لقد لقينا من ~~سفرنا هذا } أي الذي جاوزا في المكان { نصبا } أي تعبا، { ~~قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت ~~الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } ، ~~ولهذا قال: { واتخذ سبيله } أي طريقه { في البحر عجبا * ~~قال ذلك ما كنا نبغ } أي هذا هو الذي نطلب { فارتدا } ~~أي رجعا { على آثارهما } أي طريقهما { قصصا } أي يقصان آثار ~~مشيهما، ويقفوان أثرهما { فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه ~~رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما } ، وهذا ~~هو الخضر عليه السلام، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # روى البخاري، عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: " إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل أي الناس ~~أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه ~~إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب كيف لي به؟ قال: ~~تأخذ معك حوتا فتجعله بمكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتا فجعله ~~بمكتل ms1469 ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون عليه السلام، حتى إذا أتيا ~~الصخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في ~~البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، ~~فصار عليه مثل الطاق. # فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، ~~حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: { آتنا غدآءنا لقد ~~لقينا من سفرنا هذا نصبا } ، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز ~~المكان الذي أمره الله به، قال له فتاه: { أرأيت إذ أوينآ ~~إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا ~~الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر ~~عجبا } ، قال فكان للحوت سربا، ولموسى وفتاه عجبا، فقال: { ذلك ~~ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا } قال، فرجعا ~~يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب، فسلم عليه ~~موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى، فقال: موسى بني ~~إسرائيل؟ قال: نعم، قال أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا # قال إنك لن تستطيع معي صبرا # [الكهف: 67] يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت ~~على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. فقال موسى: # ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا # [الكهف: 69]، قال له الخضر: # فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك ~~منه ذكرا # [الكهف: 70]، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلموهم أن ~~يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ ~~إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قد ~~حملونا بغير نول فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها! لقد جئت شيئا ~~إمرا # قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال ~~لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا # [الكهف: 72-73]. قال، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله - ~~فكانت الأولى من موسى نسيانا، قال، وجاء عصفور، فوقع على حرف السفينة ~~فنقر في البحر ms1470 نقرة أو نقرتين، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله ~~إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينما هم ~~يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر ~~رأسه، فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: # أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا ~~نكرا * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي ~~صبرا # [الكهف: 74-75]، قال وهذه أشد من الأولى، # قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد ~~بلغت من لدني عذرا * فانطلقا حتى إذآ أتيآ ~~أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما ~~فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض # [الكهف: 76-77] أي مائلا فقال الخضر بيده # فأقامه # [الكهف: 77] فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا # لو شئت لتخذت عليه أجرا * قال هذا فراق ~~بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ~~عليه صبرا # [الكهف: 77-78]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما " # قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ: { وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة ~~صالحة غصبا } ، وكان يقرأ: { وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين ~~}. # وروى الزهري: عن ابن عباس: أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري، ~~في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر، فمر بها أبي بن كعب فدعاه ابن ~~عباس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى، الذي سأل السبيل ~~إلى لقيه، فهل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ قال: إني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل، فقال: تعلم مكان رجل ~~أعلم منك؟ قال: لا، فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدنا خضر، فسأل موسى ~~السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت ~~فارجع، فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى ~~لموسى أرأيت إذ ms1471 أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، قال موسى { ذلك ما ~~كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا } فوجدا عبدنا ~~خضرا، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه ". ### || [18.66-70] # يخبر تعالى عن قيل موسى عليه السلام، لذلك الرجل العالم، وهو الخضر الذي ~~خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه ~~الخضر. { قال له موسى هل أتبعك } سؤال تلطف لا على وجه ~~الإلزام والإجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم، وقوله { ~~أتبعك } أي أصحبك وأرافقك، { على أن تعلمن مما ~~علمت رشدا } أي مما علمك الله شيئا أسترشد به في أمري من علم ~~نافع وعمل صالح، فعندها { قال } الخضر لموسى { إنك لن تستطيع ~~معي صبرا } أي إنك لا تقدر على مصاحبتي لما ترى مني من الأفعال ~~التي تخالف شريعتك، لأني على علم من علم الله ما علمكه الله، وأنت على ~~علم من علم الله ما علمنيه الله، فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، ~~وأنت لا تقدر على صحبتي { وكيف تصبر على ما لم تحط به ~~خبرا } فأنا أعرف أنك استنكر علي ما أنت معذور فيه، ولكن ما اطلعت ~~على حكمته ومصلحته الباطنة، التي اطلعت أنا عليها دونك، { قال } أي ~~موسى { ستجدني إن شآء الله صابرا } أي على ما أرى من ~~أمورك، { ولا أعصي لك أمرا } أي ولا أخالفك في شيء، فعند ذلك ~~شارطه الخضر عليه السلام { قال فإن اتبعتني فلا تسألني ~~عن شيء } أي ابتداء { حتى أحدث لك منه ذكرا } أي حتى ~~أبداك أنا به، قبل أن تسألني عن ابن عباس قال: سأل موسى عليه السلام ربه ~~عز وجل فقال: أي رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، ~~قال فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: أي رب أي ~~عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه ~~إلى هدى أو ترده عن ردى، قال، أي رب: هل في ms1472 أرضك أحد أعلم مني؟ قال: نعم، ~~قال: فمن هو؟ قال: الخضر، قال: وأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة ~~التي ينفلت عندها الحوت، قال، فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله ~~وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلم كل واحد منهما على صاحبه، فقال له ~~موسى: إني أحب أن أصحبك، قال: إنك لن تطيق صحبتي. قال: بلى، قال: فإن ~~صحبتني { فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ~~ذكرا } قال فسار به في البحر، حتى انتهى إلى مجمع البحرين، وليس في ~~الأرض مكان أكثر ماء منه، قال، وبعث الله الخطاف، فجعل يستقي منه ~~بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقل ~~ما رزأ، قال: يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا ~~الخطاف من هذا الماء، وكان موسى قد حدث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه أو ~~تكلم به، فمن ثم أمر أن يأتي الخضر، وذكر تمام الحديث في خرق السفينة، ~~وقتل الغلام، وإصلاح الجدار، وتفسيره له ذلك. ### || [18.71-73] # يقول تعالى مخبرا عن موسى وصاحبه وهو الخضر، أنهما انطلقا لما توافقا ~~واصطحبا، واشترط عليه أن لا يسأله عن شيء أنكره حتى يكون هو الذي يبتدئه ~~من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السفينة، وقد تقدم في الحديث كيف ~~ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا الخضر، فحملوهما بغير نول، يعني بغير أجرة ~~تكرمة للخضر، فلما استقلت بهم السفينة في البحر ولججت، أي دخلت اللجة، ~~قام الخضر فخرقها، واستخرج لوحا من ألواحها، ثم رقعها، فلم يملك موسى ~~عليه السلام نفسه أن قال منكرا عليه { أخرقتها لتغرق ~~أهلها } وهذه اللام لام العاقبة لا لام التعليل. كما قال الشاعر: # لدوا للموت وابنوا للخراب # { لقد جئت شيئا إمرا } قال مجاهد: منكرا، وقال قتادة: ~~عجبا، فعندها قال له الخضر مذكرا بما تقدم من الشرط { ألم أقل ~~إنك لن تستطيع معي صبرا } ، يعني وهذا الصنيع فعلته ~~قصدا، وهو من الأمور التي اشترطت معك أن لا تنكر علي فيها، ms1473 لأنك لم تحط ~~بها خبرا، ولها دخل هو مصلحة ولم تعلمه أنت، { قال } أي موسى { لا ~~تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا }: ~~أي لا تضيق علي ولا تشدد علي، ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " كانت الأولى من موسى نسيانا ". ### || [18.74-76] # يقول تعالى { فانطلقا } أي بعد ذلك { حتى إذا لقيا ~~غلاما فقتله } ، وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية من ~~القرى، وأنه عمد إليه من بينهم، وكان أحسنهم وأجملهم فقتله، وروي أنه ~~اجتز رأسه، وقيل رضخه بحجر، وفي رواية اقتلعه بيده، والله أعلم. فلما ~~شاهد موسى عليه السلام هذا أنكره أشد من الأول، وبادر فقال { أقتلت ~~نفسا زكية }: أي صغيرة، لم تعمل الحنث، ولا عملت إثما بعد، ~~فقتلته { بغير نفس }: أي بغير مستند لقتله { لقد جئت ~~شيئا نكرا }: أي ظاهر النكارة { قال ألم أقل لك ~~إنك لن تستطيع معي صبرا } فأكد أيضا في التذكار بالشرط ~~الأول، فلهذا قال له موسى { إن سألتك عن شيء بعدها }: أي ~~إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة { فلا تصاحبني قد بلغت ~~من لدني عذرا }: أي قد أعذرت إلي مرة بعد مرة، قال ابن جرير، ~~عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر ~~أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: # " رحمة الله علينا وعلى موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب، لكنه قال: إن ~~سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدي عذرا ". ### || [18.77-78] # يقول تعالى مخبرا عنهما؛ إنهما { فانطلقا } بعد المرتين الأوليين { ~~حتى إذآ أتيآ أهل قرية } ، روي عن ابن سيرين أنها ~~الإيكة، وفي الحديث: " حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما " أي بخلاء؛ { ~~فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ~~ينقض } إسناد الإرادة ههنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة؛ فإن ~~الإرادة في المحدثات بمعنى الميل؛ والانقضاض هو السقوط. وقوله { ~~فأقامه } أي فرده إلى حالة الاستقامة، وقد تقدم في الحديث أنه رده ms1474 ~~بيديه ودعمه حتى رد ميله، وهذا خارق، فعند ذلك قال موسى له { لو شئت ~~لتخذت عليه أجرا } أي لأجل أنهم لم يضيفونا كان ينبغي أن لا ~~تعمل لهم مجانا { هذا فراق بيني وبينك } أي لأنك شرطت ~~عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فهو فراق بيني ~~وبينك، { سأنبئك بتأويل } أي بتفسير { ما لم تستطع ~~عليه صبرا }. ### || [18.79] # هذا تفسير ما أشكل أمره على موسى عليه السلام وما كان أنكر ظاهره، وقد ~~أظهر الله الخضر عليه السلام على حكمة باطنة، فقال: إن السفينة إنما ~~خرقتها لأعيبها، لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة { يأخذ ~~كل سفينة } صالحة أي جيدة { غصبا } فأردت أن أعيبها لأرده عنها ~~لعيبها، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به ~~غيرها، وقد قيل إنهم أيتام، وروى ابن جريج، أن اسم ذلك الملك، (هدد بن ~~بدد)، وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق. ### || [18.80-81] # عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا " # ، ولهذا قال: { فكان أبواه مؤمنين فخشينآ أن ~~يرهقهما طغيانا وكفرا } أي يحملهما حبه على متابعته على ~~الكفر، قال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي ~~لكان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره ~~خير له من قضائه فيما يحب، وصح في الحديث: # " لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له " # ، وقال تعالى: # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم # [البقرة: 216]، وقوله: { فأردنآ أن يبدلهما ربهما ~~خيرا منه زكاة وأقرب رحما } أي ولدا أزكى من هذا، ~~وهما أرحم به منه، وقال قتادة: أبر بوالديه، وقيل لما قتله الخضر كانت ~~أمه حاملا بغلام مسلم، قاله ابن جريج. ### || [18.82] # في هذه الآية دليل على إطلاق القرية على المدينة، لأنه قال أولا # حتى إذآ أتيآ أهل قرية # [الكهف: 77]، وقال ههنا: { فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة } ، كما قال ms1475 تعالى: # وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ~~التي أخرجتك # [محمد: 13] # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] يعني مكة والطائف، ومعنى الآية أن هذا الجدار إنما أصلحته ~~لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما. قال عكرمة: كان ~~تحته مال مدفون لهما، وهو ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير ~~رحمه الله، وقال ابن عباس: كان تحته كنز علم، وعن الحسن البصري أنه قال: ~~لوح من ذهب مكتوب فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر ~~كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يعرف الدنيا ~~وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله " ، ~~وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين ~~الأب الذي حفظا به سبعة آباء. وكان نساجا، وهذا الذي ذكر - وإن صح - لا ~~ينافي قول عكرمة إنه كان مالا. لأنهم ذكروا أنه كان لوحا من ذهب، وفيه ~~مال جزيل أكثر، كان مودعا فيه علم وهو حكم ومواعظ والله أعلم. # وقوله تعالى: { وكان أبوهما صالحا } فيه دليل على أن الرجل ~~الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته ~~فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة، لتقر عينه بهم، كما جاء في ~~القرآن ووردت به السنة، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح ~~أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحا، وتقدم أنه كان الأب السابع فالله أعلم. ~~وقوله: { فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما } ههنا أسند الإرادة إلى الله تعالى، لأن بلوغهما الحلم لا ~~يقدر عليه إلا الله، وقال في الغلام: # فأردنآ أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة # [الكهف: 81] وقال في السفينة: # فأردت أن أعيبها # [الكهف: 79] فالله أعلم. وقوله تعالى: { رحمة من ربك وما ~~فعلته عن أمري } أي هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة ~~إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب السفينة، ووالدي الغلام، وولدي ~~الرجل الصالح، وما فعلته عن ms1476 أمري، لكني أمرت به ووقفت عليه، وفيه دلالة ~~لمن قال بنبوة الخضر عليه السلام مع ما تقدم من قوله: # فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65]، وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبيا بل كان وليا، فالله ~~أعلم. وحكي في كونه باقيا إلى الآن ثم إلى يوم القيامة قولان، ومال ~~النووي وابن الصلاح إلى بقائه، ورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، ~~واحتجوا بقوله تعالى: # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد # [الأنبياء: 34]، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: # " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض " # ، وبأنه لم ينقل أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حضر ~~عنده، ولا قاتل معه، ولو كان حيا لكان من أتباع النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، لأنه عليه السلام كان مبعوثا إلى جميع الثقلين الجن ~~والإنس، وقد قال: # " لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي " # ، وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة ~~من ليلته تلك عين تطرف، إلى غير ذلك من الدلائل. # وفي " صحيح البخاري " ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة فإذا هي تهتز من تحته خضراء " # والمراد بالفروة ههنا الحشيش اليابس، وهو الهشيم من النبات، وقيل ~~المراد بذلك وجه الأرض. وقوله: { ذلك تأويل ما لم تسطع ~~عليه صبرا } أي هذا تفسير ما ضقت به ذرعا، ولم تصبر حتى أخبرك ~~به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه ووضحه وأزال المشكل قال: { تسطع } ~~وقبل ذلك كان الإشكال قويا ثقيلا، فقال: # سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا # [الكهف: 78] فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال: # فما اسطاعوا أن يظهروه # [الكهف: 97] وهو الصعود إلى أعلاه # وما استطاعوا له نقبا # [الكهف: 97] وهو أشق من ذلك، فقابل كلا بما يناسبه لفظا ومعنى والله ~~أعلم. فإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول ms1477 القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟ ~~فالجواب أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر، وذكر ما كان ~~بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في " الصحاح " ~~وغيرها، أنه (يوشع بن نون) وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى عليه ~~السلام. ### || [18.83-84] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { ويسألونك } يا محمد { ~~عن ذي القرنين } أي عن خبره، وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل ~~الكتاب، يسألون منهم ما يمتحنون به النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ~~سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية ما يدري ما صنعوا، وعن الروح، فنزلت ~~سورة الكهف وقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل عليه ~~السلام أول ما بناه وآمن به، وتبعه، وكان وزيره الخضر عليه السلام، وقد ~~ذكرنا طرفا صالحا من أخباره في كتاب " البداية والنهاية " بما فيه ~~كفاية والحمد لله. وقال بعض أهل الكتاب، سمي ذا القرنين لأنه ملك الروم ~~وفارس، وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين. وقال سفيان الثوري، عن أبي ~~الطفيل: سئل علي رضي الله عنه عن ذي القرنين فقال: كان عبدا ناصحا لله ~~فناصحه، دعا قومه لله فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين، ويقال إنه ~~سمي ذا القرنين لأنه بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشمس ويغرب. ~~وقوله: { إنا مكنا له في الأرض } أي أعطيناه ملكا عظيما، ~~ممكنا فيه من جميع ما يؤتى الملوك من التمكين والجنود وآلات الحرب ~~والحضارات، ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد وخضعت ~~له ملوك العباد. وخدمته الأمم من العرب والعجم، ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما ~~سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها، وقوله: { ~~وآتيناه من كل شيء سببا } ، قال ابن عباس: يعني علما، ~~وقال قتادة: منازل الأرض وأعلامها، وقال عبد الرحمن بن زيد، تعليم ~~الألسنة، قال: كان لا يغزو قوما إلا كلمهم بلسانهم، وعن حبيب بن حماد ~~قال: كنت عند علي رضي الله عنه، وسأله رجل ms1478 عن ذي القرنين، كيف بلغ المشرق ~~والمغرب؟ فقال: سبحان الله سخر له السحاب وقدر له الأسباب وبسط له اليد. ### || [18.85-88] # قال ابن عباس { فأتبع سببا }: يعني بالسبب المنزل. وقال مجاهد { ~~فأتبع سببا }: منزلا وطريقا ما بين المشرق والمغرب، وقال ~~قتادة: أي اتبع منازل الأرض ومعالمها. وقال سعيد بن جبير: علما، وقال ~~مطر: معالم وآثار كانت قبل ذلك. وقوله: { حتى إذا بلغ مغرب ~~الشمس }: أي فسلك طريقا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ~~ناحية المغرب وهو مغرب الأرض، وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء ~~فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدة والشمس ~~تغرب من ورائه، فشيء لا حقيقة له، وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب ~~واختلاق زنادقتهم وكذبهم، وقوله { وجدها تغرب في عين ~~حمئة }: أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط وهذا شأن كل من ~~انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه، والحمئة مشتقة على إحدى ~~القراءتين من الحمأة وهو الطين، كما قال تعالى: # إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون # [الحجر: 28]: أي من طين أملس، وقد تقدم بيانه. وقال ابن جرير: كان ابن ~~عباس يقول { في عين حمئة } ثم فسرها ذات حمأة، قال نافع: وسئل ~~عنها كعب الأحبار فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني ولكني أجدها في الكتاب ~~تغيب في طينة سوداء. وبه قال مجاهد وغير واحد. وعن أبي بن كعب أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أقرأه حمئة، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس وجدها ~~تغرب في عين حامية يعني حارة. وكذا قال الحسن البصري، وقال ابن جرير: ~~والصواب أنهما قراءتان مشهورتان، وأيهما قرأ القارئ فهو مصيب، ولا منافاة ~~بين معنييهما إذ قد تكون حارة لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها وملاقاتها ~~الشعاع بلا حائل، وحمئة في ماء وطين أسود كما قال كعب الأحبار وغيره. # وقوله تعالى: { ووجد عندها قوما }: أي أمة من الأمم، ذكرنا ~~أنها كانت أمة عظيمة من بني آدم، وقوله: { قلنا يذا القرنين ms1479 ~~إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا } معنى هذا ~~أن الله تعالى مكنه منهم، وحكمه فيهم وأظفره بهم، وخيره إن شاء قتل ~~وسبى، وإن شاء من أو فدى، فعرف عدله وإيمانه، فيما أبداه عدله وبيانه ~~في قوله { أما من ظلم } أي استمر على كفره وشركه بربه { فسوف ~~نعذبه } ، قال قتادة: بالقتل، وقال السدي: كان يحمي لهم النحاس ~~ويضعهم فيها حتى يذوبوا. وقال وهب بن منبه: كان يسلط الظلمة فتدخل ~~بيوتهم، وتغشاهم من جميع جهاتهم، والله أعلم. وقوله { ثم يرد ~~إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا } أي شديدا بليغا ~~وجيعا أليما، وفي هذا إثبات المعاد والجزاء. وقوله: { وأما من ~~آمن } أي تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له { ~~فله جزآء الحسنى } أي في الدار الآخرة عند الله عز وجل، { ~~وسنقول له من أمرنا يسرا } قال مجاهد: معروفا. ### || [18.89-91] # يقول تعالى: ثم سلك طريقا فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها، وكان كلما ~~مر بأمة قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله عز وجل، فإن أطاعوه وإلا ~~أذلهم وأرغم آنافهم واستباح أموالهم وأمتعتهم، واستخدم من كل أمة ما ~~تستعين به جيوشه على قتال الإقليم المتاخم لهم. وذكر في أخبار بني ~~إسرائيل أنه عاش ألفا وستمائة سنة يجوب الأرض، طولها والعرض، حتى بلغ ~~المشارق والمغارب، ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض كما قال الله ~~تعالى { وجدها تطلع على قوم } أي أمة { لم نجعل ~~لهم من دونها سترا } أي ليس لهم بناء يكنهم، ولا أشجار تظلهم ~~وتسترهم من حر الشمس، قال سعيد بن جبير: كانوا حمرا قصارا مساكنهم ~~الغيران، أكثر معيشتهم من السمك. وقال الحسن في قول الله تعالى { لم ~~نجعل لهم من دونها سترا } قال: إن أرضهم لا تحمل البناء، ~~فإذا طلعت الشمس تغوروا في المياه، فإذا غربت خرجوا يتراعون كما ترعى ~~البهائم، وقال قتادة: ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئا، فهم إذا طلعت ~~الشمس دخلوا في أسراب، حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم. ~~وقال ابن ms1480 جرير: لم يبنوا فيها بناء قط ولم يبن عليهم فيها بناء قط، كانوا ~~إذا طلعت الشمس دخلوا أسرابا لهم حتى تزول الشمس، أو دخلوا البحر، وذلك ~~أن أرضهم ليس فيها جبل. وقوله { كذلك وقد أحطنا بما ~~لديه خبرا } قال مجاهد والسدي: علما، أي نحن مطلعون على جميع ~~أحواله، وأحوال جيشه لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم ~~الأرض، فإنه تعالى # لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء # [آل عمران: 5]. ### || [18.92-96] # يقول تعالى مخبرا عن ذي القرنين { ثم أتبع سببا } أي ثم سلك ~~طريقا من مشارق الأرض، حتى إذا بلغ بين السدين وهما جبلان متناوحان ~~بينهما ثغرة، يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيها ~~فسادا ويهلكون الحرث والنسل، ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم عليه السلام ~~كما ثبت في " الصحيحين ": # " أن الله تعالى يقول: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: ابعث بعث ~~النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى ~~النار، وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها، ~~فقال: إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه. يأجوج ومأجوج " # وفي " مسند الإمام أحمد " ، عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك " # ، قال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبي الترك، وقال: إنما سمي هؤلاء ~~تركا لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك، ~~ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة، وقد ذكر ابن جرير ههنا عن وهب بن ~~منبه أثرا طويلا عجيبا في سير ذي القرنين وبنائه السد وكيفيه ما جرى ~~له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم ~~وآذانهم، وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة لا تصح ~~أسانيدها، والله أعلم. # وقوله تعالى: { وجد من دونهما قوما لا يكادون ~~يفقهون قولا } أي لاستعجام كلامهم، وبعدهم عن الناس، { قالوا ~~يذا القرنين ms1481 إن يأجوج ومأجوج مفسدون في ~~الأرض فهل نجعل لك خرجا } قال ابن عباس: أجرا عظيما، ~~يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالا يعطونه إياه حتى يجعل ~~بينهم وبينهم سدا، فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير { ما ~~مكني فيه ربي خير } أي أن الذي أعطاني الله من الملك ~~والتمكين خير لي من الذي تجمعونه، كما قال سليمان عليه السلام: # أتمدونن بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم # [النمل: 36] الآية. وهكذا قال ذو القرنين، الذي أنا فيه خير من الذي ~~تبذلونه، ولكن ساعدوني بقوة، أي بعملكم وآلات البناء { أجعل ~~بينكم وبينهم ردما * آتوني زبر الحديد } والزبر، ~~جمع (زبرة) وهي القطعة منه وهي كاللبنة يقال كل لبنة زنة قنطار بالدمشقي ~~أو تزيد عليه { حتى إذا ساوى بين الصدفين } أي وضع ~~بعضه على بعض من الأساس، حتى إذا حاذى به رؤوس الجبلين طولا وعرضا { ~~قال انفخوا } أي أجج عليه النار، حتى صار كله نارا { قال ~~آتوني أفرغ عليه قطرا } قال ابن عباس والسدي: هو النحاس. # زاد بعضهم المذاب، ويستشهد بقوله تعالى: # وأسلنا له عين القطر # [سبأ: 12]، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا قال: # " يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال: " انعته لي " ، قال كالبرد ~~المحبر، طريقة سوداء، وطريقة حمراء، قال: " قد رأيته " # وقد بعث الخليفة الواثق في دولته بعض امرائه وجهز معه جيشا سرية ~~لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتونه له إذا رجعوا، فتوصلوا من بلاد إلى ~~بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن ~~النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابا عظيما، وعليه أقفال عظيمة، ورأوا ~~بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حرسا من الملوك التاخمة له، ~~وأنه عال منيف شاهق، لا يستطاع، ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى ~~بلادهم وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالا وعجائب، ثم قال الله ~~تعالى: { فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له ~~نقبا... }. ### || [18.97-99] # يقول تعالى مخبرا عن يأجوج ومأجوج، إنهم ما ms1482 قدروا عل أن يصعدوا من فوق ~~هذا السد، ولا قدروا على نقبه من أسفله، ولما كان الظهور عليه أسهل من ~~نقبه قابل كلا بما يناسبه، فقال: { فما اسطاعوا أن يظهروه ~~وما استطاعوا له نقبا } ، وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على ~~نقبه ولا على شيء منه، فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن أبي هريرة، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، ~~قال الذي عليهم، ارجعوا فستحفرونه غدا، فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى ~~إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس، حفروا حتى إذا كادوا ~~يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله، ~~فيستثني فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه، ويخرجون على الناس ~~فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، ~~فترجع وعليها كهيئة الدم فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، ~~فيبعث الله عليهم نغفا في رقابهم فيقتلهم بها، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من ~~لحومهم ودمائهم " " # ، ففي رفعه نكارة، لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا ~~من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته ويؤيد ما قلناه من أنهم لم يتمكنوا ~~من نقبه، ومن نكارة هذا المرفوع، قول الإمام أحمد، عن زينب بنت جحش زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالت: # " استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: " ~~لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ~~ومأجوج مثل هذا، وحلق بأصبعيه السبابة والإبهام " ، قلت: يا رسول الله! ~~أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم إذا كثر الخبث " ". # { قال هذا رحمة من ربي } أي لما بناه ذو القرنين { ~~قال هذا رحمة من ربي } ، أي بالناس حيث جعل بينهم وبين ~~يأجوج ومأجوج حائلا يمنعهم من العيث في الأرض والفساد { فإذا جآء ~~وعد ربي ms1483 } أي إذا اقترب الوعد الحق { جعله دكآء } أي ساواه ~~بالأرض، تقول العرب: ناقة دكاء إذا كان ظهرها مستويا لا سنام لها، وقال ~~تعالى: # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا # [الأعراف: 143] أي مساويا للأرض، وقال عكرمة في قوله: { فإذا جآء ~~وعد ربي جعله دكآء } قال: طريقا كما كان، { وكان ~~وعد ربي حقا } أي كائنا لا محالة. وقوله: { وتركنا ~~بعضهم } أي الناس، { يومئذ } أي يوم يدك هذا السد ويخرج هؤلاء ~~فيموجون في الناس، ويفسدون على الناس أموالهم، ويتلفون أشياءهم وهكذا قال ~~السدي، في قوله { وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ~~} قال: ذاك حين يخرجون على الناس، وهذا كله قبل يوم القيامة، وبعد ~~الدجال، كما سيأتي بيانه عند قوله: # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون * واقترب الوعد الحق # [الأنبياء: 96-97] الآية. وهكذا قال ههنا، { وتركنا بعضهم ~~يومئذ يموج في بعض } قال: هذا أول يوم القيامة، { ونفخ ~~في الصور } على أثر ذلك { فجمعناهم جمعا } ، وقال آخرون: ~~بل المراد بقوله: { وتركنا بعضهم يومئذ يموج في ~~بعض } ، قال: إذا ماج الجن والإنس يوم القيامة يختلط الإنس والجن، ~~وقوله: { ونفخ في الصور } ، والصور كما جاء في الحديث، قرن ينفخ ~~فيه، والذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، وفي الحديث عن ابن عباس وأبي ~~سعيد مرفوعا: # " " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، واستمع متى يؤمر " ~~، قالوا: كيف نقول؟ قال: " قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله ~~توكلنا " " # ، وقوله: { فجمعناهم جمعا } أي أحضرنا الجميع للحساب # قل إن الأولين والآخرين * لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # [الواقعة: 49-50]، # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف: 47]. ### || [18.100-102] # يقول تعالى مخبرا عما يفعله بالكفار يوم القيامة: أنه يعرض عليهم جهنم، ~~أي يبرزها لهم ويظهرها ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها ليكون ~~ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم، وفي " صحيح مسلم " عن ابن مسعود قال، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ~~ملك ms1484 " # ، ثم قال مخبرا عنهم { الذين كانت أعينهم في غطآء عن ~~ذكري } أي تغافلوا وتعاموا عن قبول الهدى واتباع الحق، كما قال # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف: 36]، وقال ههنا { وكانوا لا يستطيعون سمعا } أي ~~لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، ثم قال: { أفحسب الذين ~~كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أوليآء } أي ~~اعتقدوا أنهم يصح لهم ذلك وينتفعون به # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82] ولهذا أخبر الله تعالى أنه قد أعد لهم جهنم يوم القيامة ~~منزلا. ### || [18.103-106] # عن مصعب قال: سألت أبي، يعني سعد بن أبي وقاص، عن قول الله: { قل هل ~~ننبئكم بالأخسرين أعمالا } أهم الحرورية؟ قال: لا، هم ~~اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأما ~~النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، فكان سعد رضي الله عنه يسميهم الفاسقين. ~~وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد: هم الحرورية، ومعنى هذا عن علي ~~رضي الله عنه، أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود ~~والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص، وإنما هي عامة في كل ~~من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، ~~وهو مخطئ وعمله مردود، كما قال تعالى # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]، وقال تعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا # [النور: 39]، وقال في هذه الآية الكريمة { قل هل ننبئكم } أي ~~نخبركم { بالأخسرين أعمالا } ، ثم فسرهم فقال: { الذين ~~ضل سعيهم في الحياة الدنيا } أي عملوا أعمالا باطلة ~~على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة، { وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا } أي يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون، ~~وقوله { أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ~~ولقائه }: أي جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام على ~~وحدانيته، وصدق رسله وكذبوا بالدار الآخرة، { فلا نقيم ms1485 لهم ~~يوم القيامة وزنا } أي لا نثقل موازينهم لأنها خالية عن ~~الخير، روى البخاري، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح ~~بعوضة - وقال - اقرأوا إن شئتم: { فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا } " # ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم فيوزن بحبة فلا يزنها " # ، قال قرأ { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } ، عن ~~عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: # " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رجل من قريش يخطر في حلة ~~له، فلما قام على النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا بريدة هذا ممن لا ~~يقيم الله لهم يوم القيامة وزنا " # ، وعن كعب قال: يؤتى يوم القيامة برجل عيظم طويل فلا يزن عند الله جناح ~~بعوضة، اقرأوا: { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا }. ~~وقوله { ذلك جزآؤهم جهنم بما كفروا } أي إنما ~~جازيناهم بهذا الجزاء بسبب كفرهم، واتخاذهم آيات الله ورسله هزوا ~~استهزأوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب. ### || [18.107-108] # يخبر تعالى عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا ~~المرسلين فيما جاءوا به، أن لهم جنات الفردوس، قال مجاهد: هو البستان ~~بالرومية، وقال الضحاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب، وقال قتادة: ~~الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها، وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " الفردوس ربوة الجنة أوسطها وأحسنها " # وفي " الصحيحين ": # " إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ~~ومنه تفجر أنهار الجنة " # ، وقوله تعالى { نزلا } أي ضيافة فإن النزل الضيافة، وقوله { ~~خالدين فيها } أي مقيمين ساكنين فيها، لا يظعنون عنها أبدا، { لا ~~يبغون عنها حولا } اي لا يختارون عنها غيرها، ولا يحبون سواها، ~~كما قال الشاعر: # فحلت سويدا القلب لا أنا باغيا # سواها، ولا عن حبها أتحول # وفي قوله تعالى: { لا يبغون عنها حولا } تنبيه على رغبتهم ~~فيها وحبهم ms1486 لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائما أنه قد ~~يسأمه أو يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي لا يختارون عن ~~مقامهم ذلك متحولا ولا انتقالا، ولا ظعنا ولا رحلة ولا بدلا. ### || [18.109] # يقول تعالى: قل يا محمد لو كان ماء البحر مدادا للقلم الذي يكتب به ~~كلمات الله وحكمه وآياته الدالة عليه، لنفد البحر قبل أن يفرغ كتابه ذلك ~~{ ولو جئنا بمثله } أي بمثل البحر آخر ثم آخر، وهلم جرا، ~~بحور تمده ويكتب بها لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالى: # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله إن الله عزيز حكيم # [لقمان: 27]، وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله ~~كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: { قل لو كان ~~البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن ~~تنفد كلمات ربي } يقول: لو كانت تلك البحور مدادا لكلمات ~~الله، والشجر كله أقلام، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، وبقيت كلمات ~~الله قائمة لا يفنيها شيء، لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني ~~عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول وفوق ~~ما نقول، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كحبة من خردل ~~في خلال الأرض كلها. ### || [18.110] # يقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه { قل } لهؤلاء ~~المشركين المكذبين برسالتك إليهم { إنمآ أنا بشر مثلكم } ~~، فمن زعم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما ~~أخبرتكم به من الماضي، عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، ~~مما هو مطابق في نفس الأمر، لولا ما أطلعني الله عليه، وإنما أخبركم { ~~أنمآ إلهكم } الذي أدعوكم إلى عبادته { إله واحد } لا ~~شريك له، { فمن كان يرجوا لقآء ربه } أي ثوابه وجزاءه ~~الصالح { فليعمل عملا صالحا } ما كان موافقا لشرع الله، { ~~ولا يشرك بعبادة ربه ms1487 أحدا } وهو الذي يراد به وجه ~~الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصا ~~لله، صوابا على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روي عن طاووس ~~قال: قال رجل: يا رسول الله! إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى ~~موطني، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، حتى نزلت هذه ~~الآية { فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } ، وجاء رجل إلى ~~عبادة بن الصامت، فقال أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه ~~الله ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه ~~الله ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، فقال عبادة: ليس ~~له شيء، إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن كان معي شريك فهو له كله ~~لا حاجة لي فيه. # وروى الإمام أحمد، عن شداد بن أوس رضي الله عنه أنه بكى. فقيل له: ما ~~يبكيك؟ قال شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبكاني. سمعت ~~رسول الله يقول: # " " أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية " ، قلت: يا رسول الله! أتشرك ~~أمتك من بعدك؟ قال: " نعم، أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ~~ولا وثنا، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائما ~~فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه " " # (حديث آخر): قال الإمام أحمد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يرويه عن الله عز وجل أنه قال: # " أنا خير الشركاء، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا بريء منه وهو للذي ~~أشرك " # (حديث آخر): قال الإمام أحمد، عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري، وكان ~~من الصحابة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان ~~أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير ms1488 الله، فإن الله أغنى ~~الشركاء عن الشرك " # (حديث آخر): عن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة، في صحف ~~مختمة، فيقول الله: ألقوا هذا واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: يا رب، والله ~~ما رأينا منه إلا خيرا، فيقول: إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم ~~من العمل إلا ما أريد به وجهي " # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان ~~بها ربه عز وجل ". ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-6] # أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة. وقوله: { ~~ذكر رحمت ربك } أي هذا ذكر رحمة الله عبده زكريا، وزكريا يمد ~~ويقصر، قراءتان مشهورتان، وكان نبيا عظيما من أنبياء بني إسرائيل، وفي ~~" صحيح البخاري " ، أنه كان نجارا يأكل من عمل يده في النجارة، وقوله { ~~إذ نادى ربه ندآء خفيا } قال بعض المفسرين: إنما أخفى ~~دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره، حكاه الماوردي، وقال ~~الآخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله، كما قال قتادة في هذه الآية { ~~إذ نادى ربه ندآء خفيا }: إن الله يعلم القلب التقي، ~~ويسمع الصوت الخفي، وقال بعض السلف: قام من الليل عليه السلام وقد نام ~~أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب يا رب يا رب، فقال الله له: ~~لبيك لبيك لبيك { قال رب إني وهن العظم مني } أي ضعفت ~~وخارت القوى { واشتعل الرأس شيبا } أي اضطرم المشيب في ~~السواد. والمراد من هذا الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة ~~والباطنة، وقوله: { ولم أكن بدعآئك رب شقيا } أي ولم ~~أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك، وقوله: { ~~وإني خفت الموالي من ورآئي } ، قال مجاهد وقتادة والسدي: ~~أراد بالموالي العصبة، ووجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس ~~تصرفا سيئا، فسأل الله ولدا ms1489 يكون نبيا من بعده ليسوسهم بنبوته ما ~~يوحي إليه، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم ~~منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة ~~عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه. (الثاني) ~~أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجارا يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا ~~يجمع مالا ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا. (الثالث) ~~أنه ثبت في " الصحيحين " من غير وجه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا نورث، ما تركناه صدقة " # وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: # " نحن معشر الأنبياء لا نورث " # وعلى هذا فتعين حمل قوله: { فهب لي من لدنك وليا * ~~يرثني } على ميراث النبوة، ولهذا قال: { ويرث من آل يعقوب ~~} كقوله: # وورث سليمان داوود # [النمل: 16] أي في النبوة. إذ لو كان في المال خصه من بين إخوته بذلك، ~~ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع ~~الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، ~~وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة " # ، قال مجاهد: كان وراثته علما وقال الحسن: يرث نبوته وعلمه، وقال ~~السدي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب، وعن أبي صالح في قوله { يرثني ~~ويرث من آل يعقوب } قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، ~~وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره. وقوله: { واجعله رب رضيا } ~~أي مرضيا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه. ### || [19.7] # هذا الكلام يتضمن محذوفا، وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه فقيل له: { ~~يزكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى } ، كما قال ~~تعالى: # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ~~ذرية طيبة إنك سميع الدعآء * فنادته ~~الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله ~~يبشرك بيحيى مصدقا ms1490 بكلمة من الله وسيدا ~~وحصورا ونبيا من الصالحين # [آل عمران: 38-39]، وقوله: { لم نجعل له من قبل سميا }. ~~قال قتادة: أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم، وقال مجاهد: { لم نجعل ~~له من قبل سميا } أي شبيها، أخذه من معنى قوله: # هل تعلم له سميا # [مريم: 65]؟ أي شبيها، وقال ابن عباس: أي لم تلد العواقر قبله مثله، ~~وهذا دليل على أن زكريا عليه السلام كان لا يولد له، وكذلك امرأته كانت ~~عاقرا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم وسارة عليهما السلام، فإنهما إنما ~~تعجبا من البشارة بإسحاق لكبرهما، ولهذا قال: # أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون # [الحجر: 54] مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة. ### || [19.8-9] # هذا تعجب من زكريا عليه السلام حين أجيب إلى ما سأل، وبشر بالولد ففرح ~~فرحا شديدا وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع ~~أن امرأته كانت عاقرا لم تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع أنه قد كبر ~~وعتا، أي عسا عظمه، ونحل، ولم يبق فيه لقاح ولا جماع، والعرب تقول للعود ~~إذا يبس: عتا، وقال مجاهد: { عتيا } يعني قحول العظم، وقال ابن عباس ~~وغيره، عتيا يعني الكبر، والظاهر أنه أخص من الكبر، { قال } أي الملك ~~مجيبا لزكريا عما استعجب منه { كذلك قال ربك هو علي ~~هين } أي إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها، { هين } أي ~~يسير سهل على الله، ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه فقال: { وقد ~~خلقتك من قبل ولم تك شيئا } ، كما قال تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا # [الإنسان: 1]. ### || [19.10-11] # يقول تعالى مخبرا عن زكريا عليه السلام أنه { قال رب اجعل لي ~~آية } أي علامة ودليلا على وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي ويطمئن قلبي ~~بما وعدتني، كما قال إبراهيم عليه السلام # رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260]، ، { قال آيتك } أي علامتك { ألا ms1491 تكلم ~~الناس ثلاث ليال سويا } أي أن يحبس لسانك عن الكلام ثلاث ~~ليال، وأنت صحيح سوي، من غير مرض ولا علة، قال ابن عباس ومجاهد وغير ~~واحد: اعتقل لسانه من غير مرض ولا علة. قال زيد بن أسلم: كان يقرأ ويسبح ~~ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة، وقال العوفي، عن ابن عباس: { ~~ثلاث ليال سويا } أي متتابعات. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: { ~~ثلاث ليال سويا } من غير خرس، وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم ~~الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها # إلا رمزا # [آل عمران: 41] أي إشارة، ولهذا قال في هذه الآية الكريمة { فخرج ~~على قومه من المحراب } أي الذي بشر فيه بالولد { ~~فأوحى إليهم } أي أشار، إشارة خفية سريعة { أن سبحوا ~~بكرة وعشيا } أي موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة ~~زيادة على أعماله، شكرا لله على ما أولاه. قال مجاهد { فأوحى ~~إليهم } أي أشار. وقال مجاهد: أي كتب لهم في الأرض. ### || [19.12-15] # وهذا أيضا تضمن محذوفا، تقديره أنه وجد هذا الغلام المبشر به وهو يحيى ~~عليه السلام، وأن الله علمه الكتاب وهو (التوراة) التي كانوا يتدارسونها ~~بينهم، وقد كان سنه إذ ذاك صغيرا، فلهذا نوه بذكره وبما أنعم به عليه ~~وعلى والديه، فقال { ييحيى خذ الكتاب بقوة } أي تعلم ~~الكتاب بقوة أي بجد وحرص واجتهاد { وآتيناه الحكم صبيا } أي ~~الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد ~~فيه، وهو صغير حدث. قال عبد الله بن المبارك، قال الصبيان ليحيى بن ~~زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا. وقوله: { وحنانا من ~~لدنا } قال ابن عباس: يقول ورحمة من عندنا. وزاد قتادة: رحم الله ~~بها زكريا، وقال مجاهد: { وحنانا من لدنا } وتعطفا من ربه ~~عليه، وقال عكرمة: محبة عليه، وقال عطاء بن أبي رباح: تعظيما من لدنا، ~~والظاهر من السياق أن قوله { وحنانا } معطوف على قوله { وآتيناه ~~الحكم صبيا } أي وآتيناه الحكم وحنانا، وزكاة أي وجعلناه ذا ~~حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في ms1492 شفقة وميل كما تقول العرب: حنت الناقة ~~على ولدها، وحن الرجل إلى وطنه، ومنه التعطف والرحمة، وفي " المسند " ~~للإمام أحمد، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة يا حنان يا منان " # وقد يثنى كما قال طرفة: # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا # حنانيك بعض الشر أهون من بعض # وقوله تعالى: { وزكاة } معطوف على { وحنانا } فالزكاة الطهارة ~~من الدنس والآثام والذنوب، وقال قتادة: الزكاة: العمل الصالح، وقال ~~الضحاك: العمل الصالح الزكي، وقال ابن عباس { وزكاة } قال: بركة { ~~وكان تقيا } طاهرا فلم يذنب، وقوله { وبرا بوالديه ~~ولم يكن جبارا عصيا } لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ~~ذا رحمة وزكاة، وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته ~~عقوقهما قولا وفعلا، أمرا ونهيا، ولهذا قال: { ولم يكن ~~جبارا عصيا } ، ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك ~~{ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث ~~حيا } أي له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال، عن ابن عباس، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، ~~وما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " # ، وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى ~~عليهما السلام التقيا، فقال له عيسى استغفر لي أنت خير مني، فقال له ~~الآخر: أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني سلمت على نفسي وسلم ~~الله عليك، فعرف الله فضلهما. ### || [19.16-21] # لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم ~~زوجته ولدا زكيا طاهرا، مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها ~~عيسى عليه السلام منها من غير أب، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة، ~~لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه، وأنه ~~على ما يشاء قادر، فقال: { واذكر في الكتاب مريم } وهي مريم ms1493 ~~بنت عمران، من سلالة داود عليه السلام، وكانت من بيت طاهر طيب في بني ~~إسرائيل وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في سورة آل عمران، وأنها ~~نذرتها محررة، أي تخدم مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك # فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا ~~حسنا # [آل عمران: 37] ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات ~~الناسكات، المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدؤوب، وكانت في كفالة ~~زوج أختها زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم الذي يرجعون إليه في ~~دينهم، ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره # كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند ~~الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]، فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف، وثمر ~~الصيف في الشتاء كما تقدم بيانه في سورة آل عمران، فلما أراد الله تعالى ~~- وله الحكمة والحجة البالغة - أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه ~~السلام، أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام { انتبذت من أهلها ~~مكانا شرقيا } أي اعتزلتهم، وتنحت عنهم وذهبت إلى شرقي المسجد ~~المقدس؛ عن ابن عباس، قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت ~~والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك { انتبذت من أهلها ~~مكانا شرقيا } قال: خرجت مريم مكانا شرقيا فصلوا قبل مطلع ~~الشمس. وعنه قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق ~~قبلة، لقول الله تعالى: { انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ~~} واتخذوا ميلاد عيسى قبلة، وقال قتادة: { مكانا شرقيا } شاسعا ~~متنحيا، وقوله { فاتخذت من دونهم حجابا } أي استترت منهم ~~وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام { فتمثل لها ~~بشرا سويا } أي على صورة إنسان تام كامل. # قال مجاهد والضحاك { فأرسلنآ إليهآ روحنا }: يعني جبرائيل ~~عليه السلام، وهذا هو ظاهر القرآن، قال تعالى: # نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من ~~المنذرين # [الشعراء: 193-194]، { قالت إني أعوذ بالرحمن منك ~~إن كنت تقيا } أي لما تبدى لها الملك ms1494 في صورة بشر، وهي في مكان ~~منفرد وبينها وبين قومها حجاب خافته وظنت أنه يريدها على نفسها، فقالت { ~~إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا } أي إن كنت ~~تخاف الله تذكيرا له بالله، قال أبو وائل: قد علمت أن التقي ذو نهية، ~~حين قالت: { إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا * ~~قال إنمآ أنا رسول ربك } أي فقال لها الملك مجيبا لها ~~ومزيلا لما حصل عندها من الخوف على نفسها، لست مما تظنين، ولكني رسول ~~ربك أي بعثني الله إليك { لأهب لك غلاما زكيا } ، { قالت ~~أنى يكون لي غلام } أي فتعجبت مريم من هذا، وقالت كيف يكون لي ~~غلام، أي على أي صفة يوجد هذا الغلام مني ولست بذات زوج، ولا يتصور مني ~~الفجور. # ولهذا قالت: { ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا } والبغي ~~هي الزانية، { قال كذلك قال ربك هو علي هين } أي ~~فقال لها الملك مجيبا لها عما سألت، إن الله قد قال إنه سيوجد منك ~~غلاما، وإن لم يكن لك بعل ولا يوجد منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قادر، ~~ولهذا قال: { ولنجعله آية للناس } أي دلالة وعلامة للناس ~~على قدرة بارئهم وخالقهم { ورحمة منا } أي ونجعل هذا الغلام ~~رحمة من الله، نبيا من الأنبياء يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، كما ~~قال تعالى في الآية الأخرى # إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ~~عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين # [آل عمران: 45] أي يدعو إلى عبادة ربه في مهده وكهولته. قال ابن أبي ~~حاتم، عن مجاهد قال، قالت مريم عليها السلام: كنت إذا خلوت حدثني عيسى ~~وكلمني وهو في بطني وإذا كنت مع الناس، سبح في بطني وكبر، وقوله: { ~~وكان أمرا مقضيا } يحتمل أن هذا من تمام كلام جبريل لمريم، ~~يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدره ومشيئته، ويحتمل أن يكون ~~من خبر الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه كنى بهذا عن ~~النفخ في فرجها، كما قال تعالى: # ومريم ms1495 ابنت عمران التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه من روحنا # [التحريم: 12]، وقال: # والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا # [الأنبياء: 91]، قال محمد بن إسحاق { وكان أمرا مقضيا }: أي ~~إن الله قد عزم على هذا فليس منه بد، واختار هذا أيضا ابن جرير في ~~تفسيره ولم يحك غيره، والله أعلم. ### || [19.22-23] # يقول تعالى مخبرا عن مريم، أنها لما قال لها جبريل ما قال، استسلمت ~~لقضاء الله تعالى، فذكر غير واحد من علماء السلف، أن الملك وهو جبرائيل ~~عليه السلام عند ذلك نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج ~~فحملت بالولد، بإذن الله تعالى، فلما حملت به ضاقت ذرعا، ولم تدر ماذا ~~تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به، غير أنها ~~أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا، وذلك أن زكريا عليه السلام ~~كان قد سأل الله الولد فأجيب إلى ذلك، فحملت امرأته، فدخلت عليها مريم، ~~فقامت إليها فاعتنقتها وقالت: أشعرت يا مريم أني حبلى؟ فقالت لها مريم: ~~وهل علمت أني حبلى، وذكرت لها شأنها، وما كان من خبرها، وكانوا بيت إيمان ~~وتصديق، قال مالك رحمه الله: بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ~~عليهما السلام ابنا خالة، وكان حملهما جميعا معا، فبلغني أن أم يحيى ~~قالت لمريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك، قال مالك: أرى ذلك ~~لتفضيل عيسى عليه السلام، لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمة ~~والأبرص. ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام، فالمشهور عن ~~الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر، وقال عكرمة: ثمانية أشهر، وقال ابن ~~جريج، عن ابن عباس، وسئل عن حمل مريم، قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت. # والمشهور الظاهر - والله على كل شيء قدير - أنها حملت به كما تحمل ~~النساء بأولادهن، ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل بها، وكان معها في المسجد ~~رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس، يقال له يوسف النجار، فلما ~~رأى ثقل بطنها وكبره أنكر ذلك ms1496 من أمرها، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ~~ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمل ما هي فيه فجعل أمرها يجوس في فكره لا ~~يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عرض لها في القول، فقال: يا ~~مريم إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي، قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط ~~شجر من غير حب؟ وهل يكون زرع من غير بذر؟ وهل يكون ولد من غير أب؟ ~~فقالت: نعم، وفهمت ما أشار إليه، أما قولك هل يكون شجر من غير حب وزرع من ~~غير بذر، فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر، ~~وهل يكون ولد من غير أب، فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم، ~~فصدقها، وسلم لها حالها، ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة، ~~انتبذت منهم مكانا قصيا، أي قاصيا منهم بعيدا عنهم لئلا تراهم ولا ~~يروها. # قال محمد بن إسحاق: فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت، استمسك عنها الدم ~~وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والتوحم، وتغير اللون، حتى ~~فطر لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا وشاع الحديث في بني ~~إسرائيل، فقالوا: إنما صاحبها يوسف، ولم يكن معها في الكنيسة غيره، ~~وتوارت من الناس، واتخذت من دونهم حجابا، فلا يراها أحد ولا تراه. # وقوله تعالى: { فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة } أي ~~فاضطرها وألجأها إلى جذع النخلة، في المكان الذي تنحت إليه. وقد اختلفوا ~~فيه، فقال السدي: كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس، وقال ~~وهب بن منبه: كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس، في قرية يقال لها ~~بيت لحم، وهذا هو المشهور، الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا يشك فيه ~~النصارى أنه ببيت لحم، وقوله تعالى إخبارا عنها: { قالت يليتني ~~مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا } فيه دليل على جواز ~~تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي ~~لا يحمل ms1497 الناس أمرها فيه على السداد ولا يصدقونها في خبرها، وبعد ما كانت ~~عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت { ~~يليتني مت قبل هذا } أي قبل هذا الحمل { وكنت نسيا ~~منسيا } أي لم أخلق ولم أك شيئا قاله ابن عباس، وقال قتادة { ~~وكنت نسيا منسيا }: أي شيئا لا يعرف ولا يذكر، ولا يدري ~~الناس من أنا. وقال ابن زيد: لم أكن شيئا قط، وقد قدمنا الأحاديث الدالة ~~على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله: # توفني مسلما وألحقني بالصالحين # [يوسف: 101]. ### || [19.24-26] # اختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال ابن عباس: { فناداها من ~~تحتهآ } جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، أي ناداها من أسفل ~~الوادي، وقال مجاهد { فناداها من تحتهآ } قال: عيسى ابن مريم، ~~وقال الحسن: هو ابنها. قال: أو لم تسمع الله يقول # فأشارت إليه # [مريم: 29]، وقوله { ألا تحزني } أي ناداها قائلا لا تحزني { ~~قد جعل ربك تحتك سريا } ، عن البراء ابن عازب، وعن ابن ~~عباس: السري النهر، وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية، وقال ~~قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز، وقال السدي: هو النهر، واختار هذا ~~القول ابن جرير، وقال آخرون: المراد بالسري عيسى عليه السلام. والقول ~~الأول أظهر، ولهذا قال بعده: { وهزى إليك بجذع النخلة ~~} أي وخذي إليك بجذع النخلة، قيل: كانت يابسة قاله ابن عباس، وقيل: ~~مثمرة، والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن ~~منبه: ولهذا امتن عليها بذلك بأن جعل عندها طعاما وشرابا فقال: { ~~تساقط عليك رطبا جنيا * فكلي واشربي وقري ~~عينا } أي طيبي نفسا، ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير ~~للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة. # وقوله تعالى: { فإما ترين من البشر أحدا } أي مهما ~~رأيت من أحد، { فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن ~~أكلم اليوم إنسيا } ، المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، ~~لا أن المراد به القول اللفظي، لئلا ينافي { فلن أكلم اليوم ~~إنسيا } ، قال ms1498 أنس بن مالك في قوله { إني نذرت ~~للرحمن صوما } قال: صمتا، وكذا قال ابن عباس والضحاك، وفي ~~رواية عن أنس: صوما وصمتا، والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم ~~يحرم عليهم الطعام والكلام. روى ابن إسحاق، عن حارثة قال: كنت عند ابن ~~مسعود فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: ~~حلف أن لا يكلم الناس اليوم. فقال عبد الله بن مسعود: كلم الناس وسلم ~~عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحدا لا يصدقها، أنها حملت من غير زوج، ~~يعني بذلك مريم عليها السلام، ليكون عذرا لها إذا سئلت. وقال عبد ~~الرحمن بن زيد: لما قال عيسى لمريم { لا تحزني } قالت: وكيف لا ~~أحزن وأنت معي لا ذات زوج ولا مملوكة، أي شيء عذري عند الناس؟ # يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا # [مريم: 23]. ### || [19.27-33] # يقول تعالى مخبرا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وأن لا تكلم ~~أحدا من البشر، فإنها ستكفى أمرها ويقام بحجتها، فسلمت لأمر الله عز ~~وجل واستسلمت لقضائه، فأخذت ولدها فأتت به قومها تحمله. فلما رأوها ~~كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جدا، وقالوا { يمريم لقد جئت ~~شيئا فريا } أي أمرا عظيما، { يأخت هارون } أي يا شبيهة ~~هارون في العبادة، { ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت ~~أمك بغيا } أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة ~~والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟ قال السدي: قيل لها { يأخت هارون } ~~أي أخي موسى وكانت من نسله، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا ~~أخا مضر، وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس به في ~~الزهادة والعبادة. وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم. كما قال ~~الإمام أحمد، عن المغيرة بن شعبة قال: # " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران، فقالوا: أرأيت ما ~~تقرأون { يأخت هارون } وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت ~~فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا أخبرتهم أنهم كانوا ~~يسمون بالأنبياء ms1499 والصالحين قبلهم " ". # وقال ابن جرير، عن قتادة قوله { يأخت هارون } الآية قال: كانت من ~~أهل بيت يعرفون بالصلاح ولا يعرفون بالفساد، ومن الناس من يعرفون بالصلاح ~~ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلحا ~~محببا في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر، قال وذكر لنا ~~أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم يسمون هارون من بني إسرائيل. ~~وقوله: { فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في ~~المهد صبيا } أي أنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها، ~~وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية، وقد كانت يومها هذا ~~صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا ~~متهكمين بها ظانين أنه تزدري بهم وتلعب بهم { كيف نكلم من كان ~~في المهد صبيا }؟ قال السدي: لما أشارت إليه غضبوا وقالوا ~~لسخريتها بنا حتى تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها { ~~قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا } أي من هو ~~موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ { قال إني عبد ~~الله } أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد، وأثبت ~~لنفسه العبودية لربه، وقوله: { آتاني الكتاب وجعلني نبيا ~~} تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة، قال نوف البكالي: لما قالوا ~~لأمه ما قالوا كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه، واتكأ على جنبه الأيسر ~~وقال: { إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ~~} إلى قوله { ما دمت حيا }. # وقوله تعالى: { وجعلني مباركا أين ما كنت } ، قال مجاهد: ~~وجعلني معلما للخير، وفي رواية عنه: نفاعا، وقوله: { وأوصاني ~~بالصلاة والزكاة ما دمت حيا } كقوله تعالى لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم: # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر: 99]. وقوله: { وبرا بوالدتي } أي وأمرني ببر والدتي، ~~ذكره بعد طاعة ربه لأن الله تعالى كثيرا ما يقرن بين الأمر بعبادته ~~وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: # أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير # [لقمان: 14]، وقوله: { ولم يجعلني جبارا شقيا } أي ولم ~~يجعلني جبارا مستكبرا ms1500 عن عبادته وطاعته وبر والدتي فأشقى بذلك، قال ~~سفيان الثوري: الجبار الشقي الذي يقتل على الغضب، وقال بعض السلف: لا تجد ~~أحدا عاقا لوالديه إلا وجدته جبارا شقيا، ثم قرأ: { وبرا ~~بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا }. وقوله: { ~~والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم ~~أبعث حيا } إثبات منه لعبوديته لله عز وجل، وأنه مخلوق من خلق ~~الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال ~~التي هي أشق ما يكون على العباد، صلوات الله وسلامه عليه. ### || [19.34-37] # يقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ذلك الذي قصصناه عليك ~~من خبر عيسى عليه السلام { قول الحق الذي فيه يمترون } ~~أي يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به، ولما ذكر تعالى أنه خلقه ~~عبدا نبيا نزه نفسه المقدسة، فقال: { ما كان لله أن يتخذ ~~من ولد سبحانه } أي عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون ~~علوا كبيرا { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون } ، أي إذا أراد شيئا فإنما يأمر به. فيصير كما يشاء كما قال: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59]، وقوله: { وإن الله ربي وربكم ~~فاعبدوه هذا صراط مستقيم } أي ومما أمر به عيسى قومه ~~وهو في مهده أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم، وأمرهم بعبادته فقال { ~~فاعبدوه هذا صراط مستقيم } أي هذا الذي جئتكم به عن ~~الله صراط مستقيم أي قويم من اتبعه رشد وهدي ومن خالفه ضل وغوى، وقوله: { ~~فاختلف الأحزاب من بينهم } أي اختلف قول أهل الكتاب في ~~عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه، فصممت طائفة منهم وهم جمهور اليهود عليهم لعائن الله، على ~~أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر، وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله، ~~وقال آخرون: بل هو ابن الله، وقال آخرون: ثالث ثلاثة، وقال آخرون: بل هو ~~عبد الله ورسوله، وهذا هو قول الحق الذي أرشد ms1501 الله إليه المؤمنين، وقد ~~روي نحو هذا عن ابن جريج وقتادة وغير واحد من السلف والخلف. # وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم أن (قسطنطين) ~~جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم، فكان جماعة ~~الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفا، فاختلفوا في عيسى ابن مريم ~~عليه السلام اختلافا متباينا جدا، فقالت كل شرذمة فيه قولا، ولم ~~يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلثمائة وثمانية منهم اتفقوا على قول ~~وصمموا عليه فمال إليهم الملك، وكان فيلسوفا، فقدمهم ونصرهم وطرد من ~~عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب ~~القوانين وشرعوا له أشياء وابتدعوا بدعا كثيرة، وحرفوا دين المسيح ~~وغيروه، فابتنى لهم حينئذ الكنائس الكبار في مملكته كلها، بلاد الشام ~~والجزيرة والروم، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثني عشر ألف ~~كنيسة، وقوله: { فويل للذين كفروا من مشهد يوم ~~عظيم } تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله وافترى، وزعم أن له ولدا، ~~ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة، وأجلهم حلما فإنه الذي لا يعجل ~~على من عصاه، كما جاء في " الصحيحين " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ~~ويعافيهم " # وقد قال تعالى: # وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم ~~أخذتها وإلي المصير # [الحج: 48]، وقال تعالى: # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ~~إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # [إبراهيم: 42]، ولهذا قال ههنا { فويل للذين كفروا من ~~مشهد يوم عظيم } أي يوم القيامة. وقد جاء في الحديث الصحيح ~~المتفق على صحته عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ~~ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن ~~الجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ms1502 ". ### || [19.38-40] # يقول تعالى مخبرا عن الكفار يوم القيامة: { أسمع بهم وأبصر ~~} أي ما أسمعهم وأبصرهم { يوم يأتوننا } يعني يوم القيامة، { ~~لكن الظالمون اليوم } أي في الدنيا { في ضلال مبين ~~} أي: لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون، ~~ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك، ثم قال تعالى: { وأنذرهم ~~يوم الحسرة } أي أنذر الخلائق يوم الحسرة { إذ قضي الأمر ~~}: أي فصل بين أهل الجنة وأهل النار، وصار كل إلى ما صار إليه مخلدا ~~فيه، { وهم } أي اليوم { في غفلة } عما أنذروا به يوم الحسرة ~~والندامة { وهم لا يؤمنون } أي: لا يصدقون به. عن أبي سعيد ~~الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش ~~أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال، ~~فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيقال: يا أهل النار هل ~~تعرفون هذا؟ قال، فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر ~~به فيذبح، قال، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ~~ولا موت " # ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وأنذرهم يوم ~~الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا ~~يؤمنون } ، وأشار بيده ثم قال: # " أهل الدنيا في غفلة الدنيا ". # وقال السدي، عن ابن مسعود في قوله { وأنذرهم يوم ~~الحسرة إذ قضي الأمر } قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل ~~النار النار، أتي بالموت في صورة كبش أملح حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ~~ينادي مناد: يا أهل الجنة هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا ~~يبقى أحد في أهل عليين، ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه، ثم ~~ينادي مناد: يا أهل النار هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا فلا ~~يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه، ثم ~~يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى: يا ms1503 أهل الجنة هو الخلود أبد الآبدين، ~~ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ~~ميتا من فرح ماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتا من شهقة ~~ماتوا، فذلك قوله تعالى: { وأنذرهم يوم الحسرة إذ ~~قضي الأمر }: يقول إذا ذبح الموت. وقال ابن عباس: { يوم ~~الحسرة } من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره عباده، وقال عبد ~~الرحمن بن زيد، في قوله { وأنذرهم يوم الحسرة } قال يوم ~~القيامة، وقرأ: # أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب الله # [الزمر: 56]، وقوله: { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها ~~وإلينا يرجعون } يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف، وأن ~~الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو تعالى وتقدس، ولا أحد يدعي ملكا ولا تصرفا، ~~بل هو الوارث لجميع خلقه الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئا ~~ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة. ### || [19.41-45] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { واذكر في الكتاب ~~إبراهيم } أي اتل على قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، خبر إبراهيم ~~خليل الرحمن، وقد كان صديقا نبيا مع أبيه كيف نهاه عن عبادة الأصنام، ~~فقال: { يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا ~~يغني عنك شيئا } أي لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررا، { يأبت ~~إني قد جآءني من العلم ما لم يأتك } يقول: وإن كنت ~~من صلبك وتراني أصغر منك، لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من ~~الله على ما لم تعلمه أنت، ولا اطلعت عليه ولا جاءك { فاتبعني ~~أهدك صراطا سويا } أي طريقا مستقيما موصلا إلى نيل ~~المطلوب، والنجاة من المرهوب، { يأبت لا تعبد الشيطان } أي ~~لا تطعه في عبادتك هذه الأصنام فإنه هو الداعي إلى ذلك والراضي به كما ~~قال تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين # [يس: 60]، وقوله { إن الشيطان كان للرحمن عصيا } ~~أي مخالفا مستكبرا عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه { يأبت ~~إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ms1504 }: أي على ~~شركك وعصيانك لما آمرك به { فتكون للشيطان وليا } يعني فلا ~~يكون لك مولى ولا ناصرا ولا مغيثا إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره ~~من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: # فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم ~~اليوم ولهم عذاب أليم # [النحل: 63]. ### || [19.46-48] # يقول تعالى مخبرا عن جواب أبي إبراهيم لولده إبراهيم فيما دعاه إليه ~~إنه قال: { أراغب أنت عن آلهتي يإبراهيم }؟ يعني إن كنت ~~لا تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم ~~تنته عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: { لأرجمنك } ، ~~قاله ابن عباس، وقوله: { واهجرني مليا } قال مجاهد: يعني دهرا، ~~وقال الحسن البصري: زمانا طويلا، وقال السدي { واهجرني مليا } ~~قال: أبدا. وقال ابن عباس { واهجرني مليا } قال: سويا سالما، ~~قبل أن تصيبك مني عقوبة، فعندها قال إبراهيم لأبيه { سلام عليك } ~~، كما قال تعالى في صفة المؤمنين: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]، وقال تعالى: # سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين # [القصص: 55]، ومعنى قول إبراهيم لأبيه { سلام عليك } يعني: أما ~~أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى وذلك لحرمة الأبوة { سأستغفر ~~لك ربي } ، ولكن سأسأل الله فيك أن يهديك ويغفر ذنبك، { إنه ~~كان بي حفيا } قال ابن عباس وغيره: لطيفا، أي في أن هداني ~~لعبادته. وقال قتادة ومجاهد { إنه كان بي حفيا } قالا: عوده ~~الإجابة، وقال السدي: الحفي الذي يهتم بأمره، وقد استغفر إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد ~~الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق عليهما السلام في قوله: # ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم ~~الحساب # [إبراهيم: 41]، وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ~~ابتداء الإسلام، حتى أنزل الله تعالى: # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما ~~تعبدون من دون الله # [الممتحنة: 4] إلى قوله: # إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ومآ ~~أملك لك من الله ms1505 من شيء # [الممتحنة: 4] الآية، يعني إلا في هذا القول فلا تتأسوا به، ثم بين ~~تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، فقال تعالى: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم # [التوبة: 114]، وقوله: { وأعتزلكم وما تدعون من دون ~~الله وأدعو ربي } أي أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي ~~تعبدونها من دون الله { وأدعو ربي } أي وأعبد ربي وحده لا شريك ~~له، { عسى ألا أكون بدعآء ربي شقيا } وعسى هذه موجبة ~~لا محالة، فإنه عليه السلام سيد الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [19.49-50] # يقول تعالى: فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو ~~خير منهم، ووهب له إسحاق ويعقوب، يعني ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية ~~الأخرى: # ويعقوب نافلة # [الأنبياء: 72]، وقال: # ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71]، ولا خلاف أن إسحاق والد يعقوب وهو نص القرآن في سورة البقرة: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق # [البقرة: 133] ولهذا إنما ذكر ههنا إسحاق ويعقوب، أي جعلنا له نسلا ~~وعقبا أنبياء، أقر الله بهم عينه في حياته، ولهذا قال: { وكلا ~~جعلنا نبيا } فلو لم يكن يعقوب عليه السلام قد نبئ في حياة ~~إبراهيم، لما اقتصر عليه ولذكر ولده يوسف. فإنه نبي أيضا. وقوله: { ~~ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق ~~عليا } ، قال ابن عباس: يعني الثناء الحسن، وقال ابن جرير: إنما قال ~~{ عليا } لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم، صلوات الله ~~وسلامه عليهم أجمعين. ### || [19.51-53] # لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عطف بذكر الكليم فقال: { ~~واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا } بكسر اللام ~~من الإخلاص في العبادة، وقرأ الآخرون بفتحها، بمعنى أنه كان مصطفى، كما ~~قال تعالى: # إني اصطفيتك على الناس # [الأعراف:144]، { وكان رسولا نبيا } جمع الله له بين ~~الوصفين، فإنه كان من المرسلين ms1506 الكبار، أولي العزم الخمسة، وهم (نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد) صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر الأنبياء ~~أجمعين، وقوله: { وناديناه من جانب الطور } أي الجانب { ~~الأيمن } من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة، فرآها تلوح ~~فقصدها فوجدها في جانب الطور الأيمن منه، غربية عند شاطئ الوادي، فكلمه ~~الله تعالى وناداه وقربه فناجاه. روى ابن جرير، عن ابن عباس: { ~~وقربناه نجيا } قال: أدني حتى سمع صريف القلم. وقال السدي { ~~وقربناه نجيا } قال: أدخل في السماء فكلم، وعن مجاهد نحوه، ~~وروى ابن أبي حاتم، عن عمرو بن معد يكرب قال: لما قرب الله موسى نجيا ~~بطور سيناء قال: يا موسى إذا خلقت لك قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، ~~وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن عنك من الخير شيئا، ومن أخزن عنه هذا ~~فلم أفتح له من الخير شيئا، وقوله: { ووهبنا له من رحمتنآ ~~أخاه هارون نبيا } أي وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه فجعلناه ~~نبيا، كما قال في الآية الأخرى: # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ~~ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون # [القصص: 34]، وقال: # قال قد أوتيت سؤلك يموسى # [طه: 36]، ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد شفاعة في الدنيا أعظم من ~~شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيا، قال الله تعالى: { ووهبنا له ~~من رحمتنآ أخاه هارون نبيا } ، قال ابن عباس: كان هارون ~~أكبر من موسى، ولكن أراد وهب نبوته له. ### || [19.54-55] # هذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، ~~وهو والد عرب الحجاز كلهم بأنه كان صادق الوعد. قال ابن جريج لم يعد ربه ~~عدة إلا أنجزها، يعني ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها، ووفاها ~~حقها. وقال ابن جرير، عن سهل بن عقيل، إن (إسماعيل) النبي عليه السلام ~~وعد رجلا مكانا أن يأتيه فيه، فجاء ونسي الرجل فظل به إسماعيل، وبات ~~حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من ههنا؟ قال: لا، قال: إني نسيت، ~~قال: لم أكن لأبرح حتى تأتيني، ms1507 فلذلك { كان صادق الوعد } ، وقد ~~روى أبو داود في " سننه " ، عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: # " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فبقيت له علي بقية، ~~فوعدته أن آتية بها في مكانه ذلك، قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في ~~اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك فقال لي: " يا فتى لقد شققت علي أنا ~~ههنا منذ ثلاث أنتظرك " # ، وقال بعضهم: إنما قيل له { صادق الوعد } لأنه قال لأبيه # ستجدني إن شآء الله من الصابرين # [الصافات: 102] فصدق في ذلك، فصدق الوعد من الصفات الحميدة، كما أن ~~خلفه من الصفات الذميمة، قال الله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان " # ، ولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ~~ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صادق الوعد أيضا، لا يعد أحدا شيئا إلا وفى ~~له به، وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب فقال: # " حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي ". # وقوله تعالى: { وكان رسولا نبيا } في هذا دلالة على شرف ~~إسماعيل على أخيه إسحاق لأنه إنما وصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة ~~والرسالة، وقد ثبت في " صحيح مسلم " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل " # وذكر تمام الحديث، فدل على صحة ما قلناه، وقوله: { وكان يأمر ~~أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا ~~} ، وهذا أيضا من الثناء الجميل والصفة الحميدة والخلة السديدة، حيث كان ~~صابرا على طاعة ربه عز وجل، آمرا بها لأهله، كما قال تعالى لرسوله: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها # [طه: 132] الآية. وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها ms1508 ~~الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في ~~وجهه الماء " # وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كتبا من ~~الذاكرين الله كثيرا والذاكرات ". ### || [19.56-57] # ذكر إدريس عليه السلام بالثناء عليه، بأنه كان صديقا نبيا، وأن الله ~~رفعه مكانا عليا. وقد تقدم في " الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مر به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة. وعن ابن عباس: أن ~~إدريس كان خياطا فكان لا يغرز إبرة إلا قال سبحان الله، فكان يمسي حين ~~يمسي وليس في الأرض أحد أفضل حملا منه، وقال مجاهد في قوله { ~~ورفعناه مكانا عليا } قال: إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى. ~~وقال سفيان، عن مجاهد { ورفعناه مكانا عليا } قال: السماء ~~الرابعة، وقال الحسن وغيره في قوله { ورفعناه مكانا عليا } ~~قال: الجنة. ### || [19.58] # يقول تعالى: هؤلاء النبيون، وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط، ~~بل جنس الأنبياء عليهم السلام، استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس، { ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ~~ذرية ءادم } الآية. قال السدي وابن جرير رحمه الله: فالذي عنى ~~به من ذرية آدم (إدريس)، والذي عني به من ذرية من حملنا مع نوح ~~(إبراهيم)، والذي عنى به من ذرية إبراهيم (إسحاق ويعقوب وإسماعيل)، والذي ~~عنى به من ذرية إسرائيل (موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم)، قال ~~ابن جرير: ولذلك فرق أنسابهم، وإن كان يجمع جميعهم آدم، لأن فيهم من ليس ~~من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إدريس، فإنه جد نوح، (قلت): هذا هو ~~الأظهر، أن إدريس في عمود نسب نوح عليهما السلام، وقد قيل إنه من أنبياء ~~بني إسرائيل، أخذا من حديث الإسراء، حيث قال في سلامه على النبي صلى ~~الله عليه وسلم: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، ولم يقل والولد ~~الصالح، كما قال آدم وإبراهيم عليهما السلام، وفي " صحيح البخاري ms1509 " عن ~~مجاهد: " أنه سأل ابن عباس أفي { ص } سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا هذه ~~الآية: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90] فنبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم، قال وهو منهم يعني داود. ~~وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة: { إذا تتلى عليهم ~~آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا } أي إذا سمعوا كلام ~~الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم خضوعا واستكانة حمدا ~~وشكرا على ما هم فيه من النعم العظيمة، والبكي جمع باك فلهذا أجمع ~~العلماء على شرعية السجود ههنا اقتداء بهم واتباعا لمنوالهم. قال سفيان ~~الثوري قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة مريم فسجد " وقال هذا ~~السجود، فأين البكي؟ يريد البكاء ". ### || [19.59-60] # لما ذكر تعالى حزب السعداء وهم الأنبياء عليهم السلام، ومن اتبعهم من ~~القائمين بحدود الله وأوامره المؤدين فرائض الله التاركين لزواجره، ذكر ~~أنه { فخلف من بعدهم خلف } أي قرون أخر، { أضاعوا ~~الصلاة } ، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها، ورضوا بالحياة الدنيا ~~واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيا، أي خسارا يوم القيامة، وقد اختلفوا ~~في المراد بإضاعة الصلاة ههنا، فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها ~~بالكلية. قاله محمد بن كعب القرظي والسدي واختاره ابن جرير، ولهذا ذهب من ~~ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو مشهور عن الإمام أحمد، إلى تكفير ~~تارك الصلاة للحديث: # " بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة " # ، والحديث الآخر: # " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " # ، وليس هذا محل بسط هذه المسألة. وقال الأوزاعي: إنما أضاعوا المواقيت ~~ولو كان تركا كان كفرا. وقيل: لابن مسعود: إن الله يكثر ذكر الصلاة في ~~القرآن # الذين هم عن صلاتهم ساهون # [الماعون: 5]، و # على صلاتهم دآئمون # [المعارج: 23]، و # على صلاتهم يحافظون # [المعارج: 34]، فقال ابن مسعود: على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك ~~إلا على الترك، قال: ذلك الكفر، وقال مسروق: لا يحافظ أحد على الصلوات ~~الخمس فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن إضاعتهن عن ~~وقتهن، وقال الأوزاعي: قرأ عمر بن عبد العزيز: { فخلف من بعدهم ~~خلف أضاعوا ms1510 الصلاة } ، ثم قال: لم تكن إضاعتهم تركها ولكن ~~أضاعوا الوقت، وقال مجاهد: ذلك عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ينزو بعضهم على بعض في الأزقة. وقال ابن جرير، عن ~~مجاهد { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ~~واتبعوا الشهوات } قال: هم في هذه الأمة، يتراكبون تراكب ~~الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون من ~~الناس في الأرض. وقال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب ~~الله عز وجل: شرابين للقهوات، تراكين للصلوات، لعابين ~~بالكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين للجماعات، ~~قال: ثم تلا هذه الآية: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا ~~الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا } ، ~~وقال الحسن البصري: عطلوا المساجد ولزموا الضيعات. وقال أبو الأشهب: ~~أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات، ~~فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإن أهون ما أصنع ~~بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته أن أحرمه طاعتي، وقوله: { ~~فسوف يلقون غيا } ، قال ابن عباس: أي خسرانا، وقال قتادة ~~شرا، وقال عبد الله بن مسعود { فسوف يلقون غيا } قال: واد ~~في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم. وقال الأعمش، عن زياد، عن أبي عياض في ~~قوله { فسوف يلقون غيا } قال: واد في جهنم من قيح ودم. # وقوله { إلا من تاب وآمن وعمل صالحا } أي إلا من رجع ~~عن ترك الصلوات واتباع الشهوات، فإن الله يقبل توبته ويحسن عاقبته ويجعله ~~من ورثة جنة النعيم، ولهذا قال: { فأولئك يدخلون الجنة ~~ولا يظلمون شيئا } ذلك لأن التوبة تجب ما قبلها، وفي ~~الحديث الآخر التائب من الذنب كمن لا ذنب له " ولهذا لا ينقص هؤلاء ~~التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئا ولا قوبلوا بما عملوه قبلها فينقص ~~لهم مما عملوه بعدها لأن ذلك ذهب هدرا وترك نسيا، وذهب مجانا من كرم ~~الكريم وحلم الحليم، وهذا الاستثناء ههنا كقوله في سورة الفرقان: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ms1511 ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق # [الفرقان: 68] إلى قوله # وكان الله غفورا رحيما # [الفرقان: 70]. ### || [19.61-63] # يقول تعالى: الجنات التي يدخلها التائبون هي { جنات عدن } أي ~~إقامة { التي وعد الرحمن عباده } بظهر الغيب، أي هي من ~~الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه، وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم. وقوله: ~~{ إنه كان وعده مأتيا } تأكيد لحصول ذلك وثبوته ~~واستقراره، فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله # كان وعده مفعولا # [المزمل: 18] أي كائنا لا محالة، وقوله ههنا { مأتيا } أي العباد ~~صائرون إليه وسيأتونه، ومنهم من قال { مأتيا } بمعنى آتيا، لأن كل ~~ما أتاك فقد أتيته، كما تقول العرب: أتت علي خمسون سنة وأتيت على خمسين ~~سنة كلاهما بمعنى واحد، وقوله: { لا يسمعون فيها لغوا } ، أي ~~هذه الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له، كما قد يوجد في الدنيا، ~~وقوله { إلا سلاما } استثناء منقطع، كقوله: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا ~~سلاما سلاما # [الواقعة: 25-26]، وقوله: { ولهم رزقهم فيها بكرة ~~وعشيا } أي في مثل وقت البكرات ووقت العشيات، لا أن هناك ليلا ~~ونهارا، ولكنهم في أوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ~~ولا يتمخطون فيها، ولا يتغوطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم ~~الألوة ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم ~~من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون ~~الله بكرة وعشيا " # وعن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من ~~الجنة بكرة وعشيا " # وقال الضحاك عن ابن عباس { ولهم رزقهم فيها بكرة ~~وعشيا } قال: مقادير الليل والنهار. وقال ابن جرير، عن الوليد بن ~~أسلم قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله تعالى: { ولهم رزقهم ~~فيها بكرة وعشيا } قال: ليس في الجنة ليل، هم ms1512 في نور أبدا ~~ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق ~~الأبواب، ويعرفون مقدار النهار، برفع الحجب وبفتح الأبواب. وقال قتادة: ~~فيها ساعتان بكرة وعشي، ليس ثم ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور، وقال ~~مجاهد: ليس بكرة ولا عشي، ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. ~~وقوله: { تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان ~~تقيا } أي هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة هي التي نورثها ~~عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله عز وجل في السراء والضراء، ~~والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس، وكما قال تعالى في سورة المؤمنين: # أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون # [الآيات: 10-11]. ### || [19.64-65] # عن ابن عباس قال، قال رسول الله لجبرائيل: # " " ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ " قال، فنزلت: { وما ~~نتنزل إلا بأمر ربك } " # وقال العوفي عن ابن عباس: احتبس جبرائيل عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وحزن، فأتاه جبرائيل ~~وقال: يا محمد { وما نتنزل إلا بأمر ربك } الآية. ~~وقوله: { له ما بين أيدينا وما خلفنا } ، قيل: المراد ما ~~بين أيدينا أمر الدنيا، وما خلفنا أمر الآخرة { وما بين ذلك } ما ~~بين النفختين، وهذا قول عكرمة ومجاهد والسدي، وقيل { ما بين ~~أيدينا }: ما يستقبل من أمر الآخرة، { وما خلفنا } أي ما مضى ~~من الدنيا، { وما بين ذلك } أي ما بين الدنيا والآخرة، واختاره ~~ابن جرير، والله أعلم. وقوله: { وما كان ربك نسيا } ، قال ~~مجاهد والسدي: معناه ما نسيك ربك، وقد تقدم عنه أن هذه الآية كقوله: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى # [الضحى: 1-3]، وعن أبي الدرداء يرفعه قال: # " ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرمه فهو حرام وما سكت عنه فهو ~~عافية فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا " # ، ثم تلا هذه الآية: { وما كان ربك نسيا }. وقوله: { رب ~~السموت والأرض وما بينهما } أي خالق ذلك ومدبره، ~~والحاكم ms1513 فيه والمتصرف الذي لا معقب لحكمه، { فاعبده واصطبر ~~لعبادته هل تعلم له سميا } قال ابن عباس: هل تعلم للرب ~~مثلا أو شبيها. وقال عكرمة، عن ابن عباس: ليس أحد يسمى الرحمن غيره ~~تبارك وتعالى وتقدس اسمه. ### || [19.66-70] # يخبر تعالى عن الإنسان، أنه يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته، كما قال ~~تعالى: # وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا ~~لفي خلق جديد # [الرعد: 5]، وقال: # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين * وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال ~~من يحيي العظام وهي رميم # [يس: 77-78]، وقال ههنا: { ويقول الإنسان أءذا ما مت ~~لسوف أخرج حيا * أولا يذكر الإنسن أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا } ، يستدل تعالى بالبداءة ~~على الإعادة، يعني أنه تعالى قد خلق الإنسان ولم يك شيئا، أفلا يعيده؟ ~~وقد صار شيئا، كما قال تعالى: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]، وفي " الصحيح ": # " يقول الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ~~ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس ~~أول الخلق بأهون علي من آخره، وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدا وأنا ~~الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " # وقوله: { فوربك لنحشرنهم والشياطين } أقسم الرب ~~تبارك وتعالى بنفسه الكريمة، أنه لا بد أن يحشرهم جميعا، وشياطينهم ~~الذين كانوا يعبدون من دون الله، { ثم لنحضرنهم حول ~~جهنم جثيا } ، قال ابن عباس: يعني قعودا كقوله: # وترى كل أمة جاثية # [الجاثية: 28] وقال السدي في قوله { جثيا } يعني قياما، وروي عن ~~ابن مسعود مثله. وقوله: { ثم لننزعن من كل شيعة } يعني ~~من كل أمة قاله مجاهد، { أيهم أشد على الرحمن عتيا ~~} قال الثوري عن ابن مسعود قال: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت ~~العدة أتاهم جميعا، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرما، وهو قوله: { ثم ~~لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن ~~عتيا } ، وقال قتادة: ثم لننزعن ms1514 من أهل كل دين قادتهم ورؤساءهم في ~~الشر، وكذا قال ابن جريج وغير واحد من السلف، وهذا كقوله تعالى: # حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار # [الأعراف: 38]، وقوله: { ثم لنحن أعلم بالذين هم ~~أولى بها صليا } ، المراد أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد ~~أن يصلى بنار جهنم ويخلد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب كما قال في الآية ~~المتقدمة: # قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون # [الأعراف: 38]. ### || [19.71-72] # روى الإمام أحمد، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا ~~يدخلها مؤمن، وقال بعضهم يدخلونها جميعا، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ~~فلقيت جابر بن عبد الله فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال: يردونها ~~جميعا، وأهوى بأصبعه إلى أذنيه، وقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما ~~كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين ~~اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا " # وعن قيس بن أبي حازم قال: كان عبد الله بن رواحة واضعا رأسه في حجر ~~امرأته فبكى، فبكت امرأته، قال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال ~~إني ذكرت قول الله عز وجل { وإن منكم إلا واردها } فلا ~~أدري أنجو منها أم لا، وكان مريضا. وقال ابن جرير عن أبي إسحاق: كان أبو ~~ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل له: ما ~~يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا أنا واردوها ولم نخبر أنا صادرون عنها. ~~وعن الحسن البصري قال، قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، ~~قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك، قال: فما رئي ~~ضاحكا حتى لحق بالله. وقال عبد الرزاق خاصم ابن عباس نافع بن الأزرق. ~~فقال ابن عباس: الورود الدخول، فقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس # إنكم وما تعبدون من ms1515 دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98] وردوا أم لا؟ وقال: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار # [هود: 98] أوردهم أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها فانظر هل تخرج منها أم ~~لا؟ وما أرى مخرجك منها بتكذيبك، فضحك نافع. وقال: عن مجاهد قال: كنت عند ~~ابن عباس فأتاه رجل يقال له أبو راشد، وهو نافع بن الأزرق. فقال له: يا ~~ابن عباس، أرأيت قول الله: { وإن منكم إلا واردها كان ~~على ربك حتما مقضيا } ، قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد ~~فسنردها فانظر هل نصدر عنها أم لا؟. # وعن عبد الله بن مسعود { وإن منكم إلا واردها } قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " يرد الناس كلهم ثم يصدرون عنها بأعمالهم " # وقد رواه أسباط عن السدي، عن مرة عن عبد الله بن مسعود قال: يرد الناس ~~جميعا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، ~~فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل ~~الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل. # ومنهم من يمر كعدو الرجل حتى إن آخرهم مرا رجل نوره على موضع إبهامي ~~قدميه يمر فيتكفأ به الصراط، والصرط دحض مزلة. عليه حسك كحسك القتاد، ~~حافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار يختفطون بها الناس، وقال ابن جرير، عن ~~عبد الله قوله { وإن منكم إلا واردها } قال: الصراط على ~~جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، ~~والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة ~~يقولون اللهم سلم سلم، ولهذا شواهد في " الصحيحين " وغيرهما. عن أم مبشر ~~امرأة زيد بن حارثة، قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة ~~فقال: # " لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية " # ، قالت حفصة: أليس الله يقول: { وإن منكم إلا واردها }؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ثم ننجي الذين ~~اتقوا } الآية، وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال ~~رسول الله صلى الله ms1516 عليه وسلم: # " لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار إلا تحلة القسم " # يعني الورود. وقال قتادة قوله: { وإن منكم إلا واردها } هو ~~الممر عليها. وقال عبد الرحمن بن زيد: ورود المسلمين المرور على الجسر ~~بين ظهرانيها، وورود المشركين أن يدخلوها، والزالون والزالات يومئذ ~~كثير، وقد أحاط بالجسر يومئذ سماطان من الملائكة دعاؤهم يا الله سلم سلم ~~وقال السدي، عن ابن مسعود في قوله { كان على ربك حتما ~~مقضيا } قال: قسما واجبا، وقال مجاهد: حتما، قال قضاء، وقوله { ~~ثم ننجي الذين اتقوا } أي إذا مر الخلائق كلهم على النار، ~~وسقط فيها من سقط من الكفار، والعصاة، نجى الله تعالى المؤمنين المتقين ~~منها بحسب أعمالهم، فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت ~~في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة ~~والنبيون والمؤمنون، فيخرجون خلقا كثيرا قد أكلتهم النار إلا دارات ~~وجوههم، وهي مواضع السجود، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، ~~كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا ~~قال تعالى: { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر ~~الظالمين فيها جثيا }. ### || [19.73-74] # يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة ~~الحجة واضحة البرهان، أنهم يصدون ويعرضون عن ذلك، ويقولون عن الذين آمنوا ~~مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم { ~~خير مقاما وأحسن نديا } أي أحسن منازل، وأرفع دورا، ~~وأحسن نديا، وهو مجتمع الرجال للحديث، أي ناديهم أعمر وأكثر واردا ~~وطارقا، يعنون فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل؟ كما قال تعالى ~~مخبرا عنهم # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونآ إليه # [الأحقاف: 11]، وقال قوم نوح، # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # [الشعراء: 111] وقال تعالى: # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننآ أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين # [الأنعام: 53]؟ ولهذا قال تعالى، رادا عليهم شبهتهم: { وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن }: أي وكم من أمة وقرن من المكذبين، ~~قد أهلكناهم ms1517 بكفرهم { هم أحسن أثاثا ورءيا } أي كانوا أحسن ~~من هؤلاء أموالا وأمتعة ومناظر وأشكالا. قال ابن عباس { خير ~~مقاما وأحسن نديا } المقام: المنزل، والندي: المجلس، ~~والأثاث: المتاع، والرئي: المنظر، وهو كما قال الله تعالى # كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم # [الدخان: 25-26] فالمقام المسكن والنعيم، والندي: المجلس، والمجمع، الذي ~~كانوا يجتمعون فيه وقال تعالى فيما قص على رسوله من أمر قوم لوط # وتأتون في ناديكم المنكر # [العنكبوت: 29] والعرب تسمي المجلس النادي، وقال قتادة: لما رأوا أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم في عيشهم خشونة وفيهم قشافة، فعرض أهل الشرك ما ~~تسمعون { أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا } ، ~~ومنهم من قال في الأثاث هو المال، ومنهم من قال الثياب، ومنهم من قال ~~المتاع، والرئي المنظر كما قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد. وقال الحسن ~~البصري يعني الصور، وكذا قال مالك { أثاثا ورءيا } أكثر أموالا ~~وأحسن صورا، والكل متقارب صحيح. ### || [19.75] # يقول تعالى { قل } يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم، المدعين أنهم على ~~الحق وأنكم على الباطل { من كان في الضلالة } أي منا ومنكم { ~~فليمدد له الرحمن مدا } أي فليمهله الرحمن فيما هو ~~فيه، حتى يلقى ربه وينقضي أجله، { إما العذاب } يصيبه، { وإما ~~الساعة } بغتة تأتيه، { فسيعلمون } حينئذ { من هو شر ~~مكانا وأضعف جندا } في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام ~~وحسن الندي، قال مجاهد في قوله: { فليمدد له الرحمن ~~مدا } فليدعه الله في طغيانه، هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير رحمه ~~الله. ### || [19.76] # لما ذكر تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه، وزيادته على ما هو ~~عليه، أخبر بزيادة المهتدين هدى، كما قال تعالى: # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا # [التوبة: 124] الآيتين. وقوله: { والباقيات الصالحات } قد ~~تقدم تفسيرها في سورة الكهف { خير عند ربك ثوابا } أي جزاء { ~~وخير مردا } أي عاقبة ومردا على صاحبها. عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن، قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأخذ ms1518 عودا ~~يابسا فحط ورقه، ثم قال: # " إن قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله تحط ~~الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال ~~بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات وهن من كنوز الجنة " # قال أبو سلمة: فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال لأهللن الله ~~ولأكبرن الله ولأسبحن الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون. ### || [19.77-80] # روى الإمام أحمد، عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينا، وكان لي على ~~(العاص بن وائل) دين فأتيته أتقاضاه منه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى ~~تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، حتى تموت ~~ثم تبعث، قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيتك، ~~فأنزل الله { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال ~~لأوتين مالا وولدا } إلى قوله { ويأتينا فردا } ، وفي ~~لفظ البخاري: كنت قينا بمكة فعملت للعاص بن وائل سيفا، فجئت أتقاضاه، ~~فذكر الحديث وقال { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } قال: ~~موثقا. # وروى عبد الرزاق، عن مسروق قال، قال خباب بن الأرت: كنت قينا بمكة فكنت ~~أعمل للعاص بن وائل، فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئت لأتقاضاها، فقال لي: لا ~~أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإذا ~~بعثت كان لي مال وولد، قال: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله: { أفرأيت الذي كفر بآياتنا } الآيات. وقال ~~ابن عباس: إن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون ~~(العاص بن وائل) بدين، فأتوه يتقاقضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ~~ذهبا وفضة وحريرا ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى، قال فإن موعدكم الآخرة ~~فوالله لأوتين مالا وولدا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به فضرب الله ~~مثله في القرآن فقال: { أفرأيت الذي كفر بآياتنا } إلى ~~قوله { ويأتينا فردا } ، وقوله: { لأوتين مالا وولدا ~~} ، قرأ بعضهم بفتح الواو من { ولدا } وقرأ آخرون بضمها وهو بمعناه، ~~وقيل: ms1519 إن الولد بالضم جمع، والولد بالفتح مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم. # وقوله تعالى: { أطلع الغيب } إنكار على هذا القائل { ~~لأوتين مالا وولدا } يعني يوم القيامة، أي أعلم ماله في ~~الآخرة، حتى تألى وحلف على ذلك { أم اتخذ عند الرحمن ~~عهدا } أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك؟ وقد تقدم عند البخاري أنه ~~الموثق، وقال ابن عباس: { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } ~~قال: لا إله إلا الله فيرجو بها، وقال القرظي: شهادة أن لا إله إلا ~~الله، ثم قرأ: # إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا # [مريم: 87]، وقوله { كلا } هي حرف ردع لما قبلها، وتأكيد لما بعدها { ~~سنكتب ما يقول } أي من طلبه ذلك، وحكمه لنفسه بما يتمناه وكفره ~~بالله العظيم، { ونمد له من العذاب مدا } أي في الدار ~~الآخرة على قوله ذلك وكفره بالله في الدنيا، { ونرثه ما يقول } ~~أي من مال وولد، نسلبه منه عكس ما قال إنه يؤتى في الدار الآخرة مالا ~~وولدا، زيادة على الذي له في الدنيا، بل في الآخرة يسلب من الذي كان له ~~في الدنيا، ولهذا قال تعالى: { ويأتينا فردا } أي من المال ~~والولد، قال مجاهد { ونرثه ما يقول }: ماله وولده، وقال قتادة { ~~ونرثه ما يقول } قال: ما عنده، وهو قوله: { لأوتين مالا ~~وولدا } { ويأتينا فردا } لا مال له ولا ولد، وقال عبد ~~الرحمن بن زيد { ونرثه ما يقول } قال: ما جمع من الدنيا وما ~~عمل فيها، { ويأتينا فردا } قال: فردا من ذلك لا يتبعه قليل ولا ~~كثير. ### || [19.81-84] # يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم، أنهم اتخذوا من دونه آلهة لتكون ~~لهم تلك الآلهة { عزا } يعتزون بها ويستنصرونها، ثم أخبر أنه ليس ~~الأمر كما زعموا ولا يكون ما طمعوا، فقال { كلا سيكفرون ~~بعبادتهم }: أي يوم القيامة { ويكونون عليهم ضدا } ~~أي بخلاف ما ظنوا فيهم، كما قال تعالى: # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6]، وقال السدي { كلا سيكفرون بعبادتهم }: أي ~~بعبادة الأوثان، وقوله: { ويكونون عليهم ضدا } أي بخلاف ما ~~رجوا منهم. ms1520 وقال ابن عباس { ويكونون عليهم ضدا } قال: ~~أعوانا، قال مجاهد: عونا عليهم تخاصمهم وتكذبهم، وقال قتادة: قرناء في ~~النار، يلعن بعضهم بعضا ويكفر بعضهم ببعض، وقال الضحاك { ويكونون ~~عليهم ضدا } قال: أعداء. وقوله: { ألم تر أنآ ~~أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا } قال ~~ابن عباس: تغويهم إغواء، وقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه، وقال ~~مجاهد: تشليهم إشلاء، وقال قتادة: تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله، وقال ~~سفيان الثوري: تغريهم إغراء وتستعجلهم استعجالا, وقال السدي: تطغيهم ~~طغيانا، وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف: 36]، وقوله: { فلا تعجل عليهم إنما نعد ~~لهم عدا } أي لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم، { ~~إنما نعد لهم عدا } أي إنما نؤخرهم لأجل معدود ومضبوط، وهم ~~صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله، كما قال تعالى: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17]، # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران: 178]، # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # [لقمان: 24] # قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار # [إبراهيم: 30] وقال السدي { إنما نعد لهم عدا } السنين ~~والشهور والأيام والساعات، وقال ابن عباس: { إنما نعد لهم ~~عدا } قال: نعد أنفاسهم في الدنيا. ### || [19.85-87] # يخبر تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه في الدار الدنيا، واتبعوا ~~رسله، وصدقوهم فيما أخبروهم وأطاعوهم فيما أمروهم به، وانتهوا عما زجروهم ~~أنه يحشرهم يوم القيامة، وفدا إليه، والوفد هم القادمون ركبانا ومنه ~~الوفود، وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على ~~خير موفود إليه إلى دار كرامته ورضوانه، وأما المجرمون المكذبون للرسل ~~المخالفون لهم فإنهم يساقون عنفا إلى النار { وردا } عطاشا، وقال ~~ابن أبي حاتم، عن ابن مرزوق { يوم نحشر المتقين إلى ~~الرحمن وفدا } قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة ~~رآها وأطيبها ريحا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلا ~~أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك. فيقول: أنا عملك الصالح وهكذا كنت في ms1521 ~~الدنيا حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني فيركبه، ~~فذلك قوله: { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ~~}. قال ابن عباس: ركبانا. وقال أبو هريرة { يوم نحشر ~~المتقين إلى الرحمن وفدا } قال: على الإبل. وقال ~~الثوري: على الإبل النوق، وقال قتادة { يوم نحشر المتقين ~~إلى الرحمن وفدا } قال: إلى الجنة، عن ابن النعمان بن سعيد ~~قال: كنا جلوسا عند علي رضي الله عنه، فقرأ هذه الآية { يوم نحشر ~~المتقين إلى الرحمن وفدا } قال: لا والله ما على ~~أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق ~~مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون علها حتى يضربوا أبواب الجنة. # وقوله تعالى: { ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } أي ~~عطاشا، { لا يملكون الشفاعة } أي ليس لهم من يشفع لهم كما ~~يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبرا عنهم: # فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم # [الشعراء: 100-101]، وقوله: { إلا من اتخذ عند الرحمن ~~عهدا } هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا، وهو ~~شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها. قال ابن عباس: العهد (شهادة ~~أن لا إله إلا الله)، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله ~~عز وجل. وقال ابن أبي حاتم، عن الأسود بن يزيد، قال: قرأ عبد الله بن ~~مسعود هذه الآية { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } ~~ثم قال: اتخذوا عند الله عهدا، فإن الله يقول يوم القيامة: من كان له ~~عند الله عهد فليقم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن فعلمنا، قال قولوا: اللهم ~~فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة ~~الدنيا، أنك إن تكلني إلى عملي يقربني من الشر ويباعدني من الخير، وإني ~~لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا تؤديه إلي يوم القيامة، إنك لا ~~تخلف الميعاد. قال المسعودي: وكان يلحق بهن: خائفا مستجيرا مستغفرا ~~راهبا راغبا إليك. ### || [19.88-95] # لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى عليه السلام، وذكر ms1522 ~~خلقه من مريم بلا أب، شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولدا، تعالى ~~وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا فقال: { وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا * لقد جئتم } أي في قولكم، هذا { شيئا ~~إدا } ، قال ابن عباس: أي عظيما، وقوله: { تكاد السموت ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * ~~أن دعوا للرحمن ولدا } أي يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه ~~المقالة من فجرة بني آدم إعظاما للرب وإجلالا، لأنهن مخلوقات ومؤسسات ~~على توحيده وأنه لا إله إلا هو، قال ابن جرير، عن ابن عباس في قوله { ~~تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا } ~~قال: إن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا ~~الثقلين، وكادت تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك ~~كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له ~~الجنة " # ، فقالوا: يا رسول الله فمن قالها في صحته؟ قال: # " تلك أوجب وأوجب " # ، ثم قال: # " والذي نفسي بيده لو جيء بالسماوات والأرضين وما فيهن وما بينهن وما ~~تحتهن فوضعن في كفة الميزان ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة ~~الأخرى لرجحت بهن " # ، وقال الضحاك { تكاد السموت يتفطرن منه } أي ~~يتشققن فرقا من عظمة الله. وقال عبد الرحمن بن زيد { وتنشق ~~الأرض } أي غضبا له عز وجل، { وتخر الجبال هدا } قال ~~ابن عباس: هدما، وقال سعيد بن جبير: هدأ ينكسر بعضها على بعض متتابعات، ~~عن عون بن عبد الله: قال إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلان هل مر بك ~~اليوم ذكر الله عز وجل؟ فيقول: نعم ويستبشر، قال عون: لهي للخير ~~أسمع، أفيسمعن الزور والباطل، إذا قيل ولا يسمعن غيره؟ ثم قرأ { تكاد ~~السموت يتفطرن منه } الآية وعن أبي موسى رضي الله عنه ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا أحد أصبر على أذى ms1523 سمعه من الله أن يشرك به ويجعل له ولد، وهو ~~يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم " # ، أخرجاه في " الصحيحين ". وفي لفظ: # " إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم " # وقوله: { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } أي لا ~~يصلح له ولا يليق به لجلاله وعظمته، لأنه لا كفء له من خلقه، لأن جميع ~~الخلائق عبيد له، ولهذا قال: { إن كل من في السموت ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم ~~وعدهم عدا } أي قد علم عددهم، منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ذكرهم ~~وأنثاهم وصغيرهم وكبيرهم، { وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا } أي لا ناصر ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه ~~بما يشاء، هو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة ولا يظلم أحدا. ### || [19.96-98] # يخبر تعالى: أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، في قلوب ~~عباده الصالحين محبة ومودة، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من غير وجه فروى الإمام أحمد عن أبي هريرة، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: يا جبريل إني أحب فلانا ~~فأحبه - قال - فيحبه جبريل، قال: ثم ينادي في أهل السماء إن الله يحب ~~فلانا فأحبوه، قال فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن ~~الله إذا أبغض عبدا دعا جبريل، فقال: يا جبريل إني أبغض فلانا فابغضه، ~~قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء، إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، ~~قال: فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض " # وعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن العبد ليلتمس مرضاة الله عز وجل، فلا يزال كذلك، فيقول الله ~~عز وجل لجبريل إن فلانا عبدي يلتمس أن يرضيني ألا وإن رحمتي عليه، ~~فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، ويقولها حملة العرش ويقولها من حولهم، ~~حتى يقولها أهل السماوات السبع، ثم يهبط إلى الأرض " # وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه، ms1524 أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانا فأحبه فينادي في ~~السماء ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض " # ، فذلك قول الله عز وجل: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا }. وقال ابن عباس: ~~{ سيجعل لهم الرحمن ودا } قال: حبا، وقال مجاهد عنه { ~~سيجعل لهم الرحمن ودا } قال: محبة في الناس في الدنيا، ~~وقال سعيد بن جبير: يحبهم ويحببهم يعني إلى خلقه المؤمنين، وقال العوفي، ~~عن ابن عباس: الود من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن واللسان الصادق، ~~وقال قتادة { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سيجعل لهم الرحمن ودا } أي والله في قلوب أهل الإيمان، ~~وذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل ~~الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم، وقال قتادة: وكان ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: ما من عند يعمل خيرا أو شرا إلا ~~كساه الله عز وجل رداء عمله. # وقوله تعالى: { فإنما يسرناه } يعني القرآن { بلسانك }: ~~أي يا محمد وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل، { لتبشر به ~~المتقين } أي المستجيبين لله المصدقين لرسوله، { وتنذر به ~~قوما لدا } أي عوجا عن الحق مائلين إلى الباطل، وقال مجاهد { ~~قوما لدا } لا يستقيمون، وقال الثوري، عن أبي صالح { وتنذر ~~به قوما لدا }: عوجا عن الحق. # وقال الضحاك: الألد الخصم، وقال القرظي: الألد الكذاب، وقال الحسن ~~البصري { قوما لدا } صما، وقال غيره: صم آذان القلوب، وقال ابن ~~عباس { قوما لدا }: فجارا، وكذا روي عن مجاهد، وقال ابن زيد: ~~الألد الظلوم، وقرأ قوله تعالى: # وهو ألد الخصام # [البقرة: 204]، وقوله: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن }: ~~أي من أمة كفروا بآيات الله وكذبوا رسله { هل تحس منهم من ~~أحد أو تسمع لهم ركزا }: أي هل ترى منهم أحدا أو تسمع ~~لهم ركزا. قال ابن عباس وأبو العالية وعكرمة: يعني صوتا، وقال الحسن ~~وقتادة: هل ترى عينا أو تسمع صوتا، والركز في أصل اللغة: ms1525 هو الصوت ~~الخفي، قال الشاعر: # فتوجست ركز الأنيس فراعها # عن ظهر غيب والأنيس سقامها ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-8] # قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن ~~إعادته. # روي عن ابن عباس قال: { طه } يا رجل، وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة ~~والضحاك، وأسند القاضي عياض في كتابه " الشفاء " عن الربيع بن أنس، ~~قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، ~~فأنزل الله تعالى: { طه } يعني طأ الأرض يا محمد { مآ أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى } ثم قال: ولا يخفى ما في هذا من الإكرام ~~وحسن المعاملة، وقوله: { مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى ~~} قال الضحاك: لما أنزل الله القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم قام ~~به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ~~ليشقى، فأنزل الله تعالى: { طه * مآ أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى } فليس الأمر كما زعمه ~~المبطلون، بل من آتاه العلم فقد أراد به خيرا كثيرا، كما ثبت في " ~~الصحيحين " عن معاوية قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " # وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ الطبراني، عن ثعلبة بن الحكم، قال، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده، ~~إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان ~~منكم ولا أبالي " # وقال مجاهد في قوله { مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ~~هي كقوله: # فاقرءوا ما تيسر منه # [المزمل: 20] وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة. وقال قتادة: لا ~~والله ما جعله شقاء ولن جعله رحمة ونورا، ودليلا إلى الجنة { إلا ~~تذكرة لمن يخشى } أن الله أنزل كتابه وبعث رسوله رحمة رحم ~~بها عباده ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر أنزل ~~الله فيه حلاله وحرامه، وقوله: { تنزيلا ممن خلق الأرض ~~والسموت العلى ms1526 } أي هذا القرآن الذي جاءك يا محمد هو تنزيل من ~~ربك، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السماوات العلى في ~~ارتفاعها ولطافتها، وقد جاء في الحديث الذي صححه الترمذي وغيره، أن سمك ~~كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبعد ما بينها، والتي تليها مسيرة خمسمائة ~~عام. # وقوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } المسلك ~~الأسلم طريقة السلف، وهو إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير ~~تكييف ولا تحريف، ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل، وقوله: { له ما في ~~السموت وما في الأرض وما بينهما وما تحت ~~الثرى } أي الجميع ملكه وفي قبضته، وتحت تصرفه ومشيئته وإرادته ~~وحكمه، وهو خالق ذلك ومالكه، وإلهه لا إله سواه، وقوله { وما تحت ~~الثرى } قال محمد بن كعب: أي ما تحت الأرض السابعة، { وإن تجهر ~~بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } أي أنزل هذا القرآن ~~الذي خلق الأرض والسماوات العلى الذي يعلم السر وأخفى، كما قال تعالى: # قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ~~إنه كان غفورا رحيما # [الفرقان: 6]، قال ابن عباس { يعلم السر وأخفى } قال: السر ~~ما أسره ابن آدم في نفسه، { وأخفى } ما أخفي على ابن آدم مما هو ~~فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك، وما بقي ~~علم واحد، وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة، وهو قوله: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28]. وقال الضحاك { يعلم السر وأخفى } قال: السر ~~ما تحدث به نفسك، وأخفى ما لم تحدث نفسك به بعد. وقال سعيد بن جبير: أنت ~~تعلم ما تسر اليوم، ولا تعلم ما تسر غدا، والله يعلم ما تسر اليوم وما ~~تسر غدا، وقال مجاهد { وأخفى } يعني الوسوسة، وقال أيضا { ~~وأخفى } أي ما هو عامله مما لم يحدث به نفسه، وقوله: { الله لا ~~إله إلا هو له الأسمآء الحسنى }: أي الذي أنزل عليك ~~القرآن هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ~~وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في ms1527 الأسماء الحسنى في أواخر سورة الأعراف ~~ولله الحمد والمنة. ### || [20.9-10] # من ههنا شرع تبارك وتعالى في ذكر قصة موسى، وكيف كان ابتداء الوحي ~~إليه، وتكليمه إياه، وذلك بعد ما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره ~~في رعاية الغنم، وسار بأهله: قيل قاصدا بلاد مصر بعد ما طالت الغيبة ~~عنها أكثر من عشر سنين ومعه زوجته، فأضل الطريق وكانت ليلة شاتية، ونزل ~~منزلا بين شعاب وجبال في برد وشتاء، وسحاب وظلام وضباب، وجعل يقدح بزند ~~معه ليوري نارا كما جرت له العادة به، فجعل لا يقدح شيئا ولا يخرج منه ~~شرر ولا شيء، فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا، أي ظهرت له نار ~~من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه، فقال لأهله يبشرهم { إني آنست ~~نارا لعلي آتيكم منها بقبس } أي شهاب من نار، وفي ~~الآية الأخرى # أو جذوة من النار # [القصص: 29] وهي الجمر الذي معه لهب # لعلكم تصطلون # [النمل: 7] دل على وجود البرد، وقوله: { بقبس } دل على وجود الظلام، ~~وقوله: { أو أجد على النار هدى } أي من يهديني الطريق، دل ~~على أنه قد تاه عن الطريق كما قال ابن عباس في قوله { أو أجد على ~~النار هدى } قال: من يهديني إلى الطريق وكانوا شاتين وضلوا الطريق، ~~فلما رأى النار، قال: إن لم أجد أحدا يهديني إلى الطريق أتيتكم بنار ~~توقدون بها. ### || [20.11-16] # يقول تعالى { فلمآ أتاها } أي النار واقترب منها { نودي ~~يموسى } ، وفي الآية الأخرى: # نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة أن يموسى إني أنا الله # [القصص: 30]، وقال: ههنا: { إني أنا ربك } أي الذي يكلمك ~~ويخاطبك { فاخلع نعليك } قيل: كانتا من جلد حمار غير ذكي، وقيل: ~~إنما أمره بخلع نعليه تعظيما للبقعة، قال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل ~~أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة، وقيل ليطأ الأرض المقدسة بقدميه ~~حافيا غير منتعل، وقيل غير ذلك، والله أعلم. وقوله { طوى } قال ابن ~~عباس: هو اسم للوادي، وكذا قال غير ms1528 واحد، وقيل: عبارة عن الأمر بالوطء ~~بقدميه، والأول أصح كقوله # إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى # [النازعات: 16]، وقوله: { وأنا اخترتك } ، كقوله: # إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي # [الأعراف: 144] أي على جميع الناس من الموجودين في زمانه، وقد قيل: إن ~~الله تعالى قال: يا موسى أتدري لم اختصصتك بالتكليم من بين الناس؟ قال: ~~لا، قال: لأني لم يتواضع إلي أحد تواضعك، وقوله: { فاستمع لما ~~يوحى } أي واستمع الآن ما أقول لك، وأوحيه إليك { إنني أنا ~~الله لا إله إلا أنا } ، هذا أول واجب على المكلفين أن ~~يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وقوله { فاعبدني } ~~أي وحدني وقم بعبادتي من غير شريك، { وأقم الصلاة لذكري } ~~قيل معناه: صل لتذكرني، وقيل معناه: وأقم الصلاة عند ذكرك لي، ويشهد ~~لهذا الثاني ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله ~~تعالى قد قال: وأقم الصلاة لذكري " # وفي " الصحيحين " عن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها ~~إلا ذلك ". # وقوله تعالى: { إن الساعة آتية }: أي قائمة لا محالة وكائنة ~~لا بد منها. وقوله { أكاد أخفيها } قال ابن عباس: أي لا أطلع ~~عليها أحدا غيري، وقال السدي: ليس أحد من أهل السماوات والأرض إلا قد ~~أخفى الله تعالى عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: إني أكاد ~~أخفيها من نفسي، يقول: كتمتها من الخلائق، حتى لو استطعت أن أكتمها من ~~نفسي لفعلت. قال قتادة: لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن ~~الأنبياء والمرسلين، قلت وهذا كقوله تعالى: # قل لا يعلم من في السموت والأرض الغيب إلا ~~الله # [النمل: 65]، وقال: # ثقلت في السموت والأرض لا تأتيكم إلا بغتة # [الأعراف: 187] أي ثقل علمها على أهل السماوات والأرض. وقوله سبحانه ~~وتعالى: { لتجزى كل نفس بما تسعى } أي أقيمها لا محالة؛ ~~لأجزي كل عامل ms1529 بعمله # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]، # إنما تجزون ما كنتم تعملون # [الطور: 16]، وقوله: { فلا يصدنك عنها من لا يؤمن ~~بها } الآية. المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين، أي لا تتبعوا سبيل من ~~كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في دنياه وعصى مولاه، واتبع هواه، فمن ~~وافقهم على ذلك فقد خاب وخسر { فتردى }: أي تهلك وتعطب، قال الله ~~تعالى: # وما يغني عنه ماله إذا تردى # [الليل: 11]. ### || [20.17-21] # هذا برهان من الله تعالى لموسى عليه السلام، ومعجزة عظيمة وخرق للعادة ~~باهر دال على أنه لا يقدر على مثل هذا إلا الله عز وجل، وأنه لا يأتي ~~به إلا نبي مرسل، وقوله { وما تلك بيمينك يموسى } قال بعض ~~المفسرين إنما قال له ذلك على سبيل الإيناس له؛ وقيل وإنما قال له ذلك ~~على وجه التقرير، أي أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها؟ فسترى ما ~~نصنع بها الآن، { وما تلك بيمينك يموسى }؟ استفهام تقرير، ~~{ قال هي عصاي أتوكأ عليها } أي اعتمد عليها، في حال ~~المشي، { وأهش بها على غنمي } أي أهز بها الشجرة ليتساقط ~~ورقها لترعاه غنمي، قال الإمام مالك: الهش أن يضع الرجل المحجن في الغصن ~~ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره ولا يكسر العود، فهذا الهش ولا يخبط، ~~وقوله: { ولي فيها مآرب أخرى } أي مصالح ومنافع وحاجات أخر ~~غير ذلك. # وقوله تعالى: { ألقها يموسى } أي هذه العصا التي في يدك يا موسى ~~ألقها، { فألقاها فإذا هي حية تسعى } أي صارت في الحال ~~حية عظيمة: ثعبانا طويلا يتحرك حركة سريعة، فإذا هي تهتز كأنها جان، ~~وهو أسرع الحيات حركة، ولكنه صغير، فهذه في غاية الكبر، وفي غاية سرعة ~~الحركة، { تسعى } أي تمشي وتضطرب عن ابن عباس { فألقاها فإذا ~~هي حية تسعى } ، ولم تكن قبل ذلك حية. فمرت بشجرة فأكلتها، ~~ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها، فولى مدبرا، ~~ونودي أن يا موسى خذها، ثم نودي الثانية أن خذها ولا تخف، فقيل ms1530 له في ~~الثالثة إنك من الآمنين، فأخذها. وقال وهب بن منبه: ألقاها على وجه ~~الأرض، ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، يدب يلتمس ~~كأنه يبغي شيئا يريد أخذه، يمر بالصخرة فيلتقمها، ويطعن بالناب من ~~أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه تتقدان نارا، وقد عاد ~~المحجن منها عرفا، فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرا ولم يعقب، فذهب حتى ~~أمعن، ورأى أنه قد أعجز الحية، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نودي يا ~~موسى أن ارجع حيث كنت، فرجع موسى وهو شديد الخوف فقال { خذها } بيمينك ~~{ ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى } وعلى موسى حينئذ ~~مدرعة من صوف، فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها لف طرف المدرعة ~~على يده، ثم وضعها على فم الحية حتى سمع حس الأضراس والأنياب، ثم قبض ~~فإذا هي عصاه التي عهدها وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها، إذا توكأ ~~بين الشعبتين ولهذا قال تعالى { سنعيدها سيرتها الأولى } أي ~~إلى حالها التي تعرف قبل ذلك. ### || [20.22-35] # وهذا برهان ثان لموسى عليه السلام، وهو أن الله أمره أن يدخل يده في ~~جيبه، كما صرح به في الآية الأخرى. وههنا عبر عن ذلك بقوله: { واضمم ~~يدك إلى جناحك } ، وقال في مكان آخر: # واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان ~~من ربك إلى فرعون وملئه # [القصص: 32]، وقال مجاهد: { واضمم يدك إلى جناحك }: كفك ~~تحت عضدك؛ وذلك أن موسى عليه السلام كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها، ~~تخرج تتلألأ كأنها فلقة قمر. وقوله { تخرج بيضآء من غير ~~سوء } أي من غير برص ولا أذى، ومن غير شين، وقال الحسن البصري: أخرجها ~~والله كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه عز وجل، ولهذا قال تعالى: ~~{ لنريك من آياتنا الكبرى } ، وقال وهب، قال له ربه: ~~أدنه، فلم يزل يدنيه حتى أسند ظهره بجذع الشجرة فاستقر، وذهبت عنه ~~الرعدة، وجمع يده في العصا وخضع برأسه وعنقه. وقوله { اذهب إلى ~~فرعون إنه طغى }: أي اذهب إلى ms1531 فرعون ملك مصر، الذي خرجت ~~فارا منه وهاربا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فليحسن ~~إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبغى وآثر الحياة الدنيا ونسي ~~الرب الأعلى. قال وهب بن منبه: قال الله لموسى: انطلق برسالتي فإنك بسمعي ~~وعيني، وقد ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند ~~عظيم من جندي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي وأمن مكري، وغرته ~~الدنيا عني، حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، وزعم أنه لا يعرفني فإني أقسم ~~بعزتي لولا القدر الذي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، يغضب ~~لغضبه السماوات والأرض والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت ~~الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه ~~برهان علي وسقط من عيني، ووسعه حلمي واستغنيت بما عندي وحقي، إني أنا ~~الغني لا غني غيري، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي، ~~وذكره أيامي وحذره من نقمتي وبأسي، وقل له فيما بين ذلك قولا لينا لعله ~~يتذكر أو يخشى، وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب ~~والعقوبة، ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، أفيظن ~~الذي يحاربني أن يقوم لي، أم يظن الذي يعاديني أن يعجزني، أم يظن الذي ~~يبارزني أن يسبقني أو يفوتني. # { قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري } هذا سؤال ~~من موسى عليه السلام لربه عز وجل، أن يشرح له صدره فيما بعثه به، فإنه ~~قد أمره بأمر عظيم، وخطب جسيم، بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك، ~~وأجبرهم وأشدهم كفرا وأكثرهم جنودا، وأبلغهم تمردا، هذا وقد مكث موسى ~~في داره وليدا عندهم في حجر فرعون على فراشه، ثم قتل منهم نفسا فخافهم ~~أن يقتلوه فهرب منهم، هذه المدة بكمالها، ثم بعد هذا بعثه ربه عز وجل ~~إليهم نذيرا يدعوهم إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له، ~~ولهذا قال: { قال رب اشرح لي صدري * ويسر ms1532 لي أمري ~~} أي إن لم تكن أنت عوني ونصيري وعضدي وظهيري وإلا فلا طاقة لي بذلك { ~~واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي }. # وما سأل أن يزول ذلك بالكلية، بل بحيث يزول العي ويحصل لهم فهم ما يريد ~~منه، وهو قدر الحاجة، ولو سأل الجميع لزال ولكن الأنبياء لا يسألون إلا ~~بحسب الحاجة، ولهذا بقيت. قال الله تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال # أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد ~~يبين # [الزخرف: 52] أي يفصح بالكلام، وقال الحسن البصري { واحلل عقدة ~~من لساني } قال: حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك أعطي، وقال ~~ابن عباس: شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه ~~فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه ~~بأخيه هارون، ويكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما يفصح له لسانه، فآتاه ~~سؤله، فحل عقدة من لسانه. # وقوله تعالى: { واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي ~~} ، وهذا أيضا سؤال من موسى عليه السلام في أمر خارجي عنه، وهو مساعدة ~~أخيه هارون له، قال ابن عباس: نبئ هارون ساعتئذ وحين نبئ موسى عليهما ~~السلام. روي عن عائشة أنها خرجت فيما كانت تعتمر، فنزلت ببعض الأعراب ~~فسمعت رجلا يقول: أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: لا ندري، قال ~~أنا والله أدري! قالت، فقلت في نفسي في حلفه لا يستثني، إنه ليعلم أي أخ ~~كان في الدنيا أنفع لأخيه، قال: (موسى) حين سأل لأخيه النبوة، فقلت: صدق ~~والله. وقوله { اشدد به أزري } قال مجاهد: ظهري، { وأشركه ~~في أمري } أي في مشاورتي، { كي نسبحك كثيرا * ~~ونذكرك كثيرا } قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله ~~كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا، وقوله: { إنك كنت ~~بنا بصيرا } أي في اصطفائك لنا وإعطائك إيانا النبوة وبعثتك لنا إلى ~~عدوك فرعون، فلك الحمد على ذلك. ### || [20.36-40] # هذه إجابة من الله لرسوله موسى عليه السلام، فيما سأل من ربه عز ms1533 وجل، ~~وتذكير له بنعمه السالفة عليه، فيما كان من أمر أمه، حين كانت ترضعه ~~وتحذر عليه، من فرعون وملئه أن يقتلوه، حيث كانوا يقتلون الغلمان من بني ~~إسرائيل حذرا من وجود موسى، فحكم الله - وله السلطان العظيم والقدرة ~~التامة - أن لا يربى إلا على فراش فرعون، ويغذى بطعامه وشرابه، مع محبته ~~وزوجته له، ولهذا قال تعالى: { يأخذه عدو لي وعدو له ~~وألقيت عليك محبة مني } أي عدوك جعلته يحبك، قال سلمه ~~بن كهبل { وألقيت عليك محبة مني } قال: حببتك إلى ~~عبادي، { ولتصنع على عيني }: تربى بعين الله، وقال قتادة: ~~تغذى على عيني، وقال ابن أسلم: يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف، ~~وغذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة. وقوله: { إذ تمشي أختك ~~فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى ~~أمك كي تقر عينها } ، وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون، ~~وعرضوا عليه المراضع فأباها، قال الله تعالى: # وحرمنا عليه المراضع من قبل # [القصص: 12]، فجاءت أخته، وقالت: # هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم ~~له ناصحون # [القصص: 12] تعني هل أدلكم على من يرضعه لكم بالأجرة، فذهبت به وهم معها ~~إلى أمه، فعرضت عليه ثديها فقبله، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، واستأجروها ~~على إرضاعه، فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا، وفي الآخرة أعظم ~~وأجزل، ولهذا جاء في الحديث: # " مثل الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير، كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ ~~أجرها " # ، وقال تعالى ههنا: { فرجعناك إلى أمك كي تقر ~~عينها ولا تحزن } أي عليك، { وقتلت نفسا } يعني القبطي ~~{ فنجيناك من الغم } وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على ~~قتله، ففر منهم هاربا حتى ورد ماء مدين، وقوله: { وفتناك فتونا ~~}. # (حديث الفتون): روى الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي في ~~سننه، عن سعيد بن جبير، قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله عز ~~وجل لموسى عليه السلام: { وفتناك فتونا } ، فسألته عن الفتون ~~ما هو؟ فقال: استأنف النهار يا أبا جبير، فإن لها حديثا طويلا، ms1534 فلما ~~أصبحت غدوت إلى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: ~~تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم عليه السلام أن يجعل في ~~ذريته أبناء وملوكا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك لا يشكون ~~فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد ~~إبراهيم عليه السلام، فقال فرعون: كيف ترون؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على ~~أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ~~ذكرا إلا ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل ~~يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، قالوا: ليوشكن أن تفنوا بني إسرائيل، ~~فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي يكفونكم، فاقتلوا عاما ~~كل مولود ذكر واتركوا بناتهم، ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا. # فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، ~~فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولم يفنوا بمن تقتلون، وتحتاجون إليهم، فأجمعوا ~~أمرهم على ذلك، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، ~~فولدته علانية آمنة، فلما كان من قابل حملت بموسى عليه السلام فوقع في ~~قلبها الهم والحزن، وذلك من الفتون يا ابن جبير، ما دخل عليه وهو في بطن ~~أمه مما يراد به. # فأوحى الله إليها أن لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من ~~المرسلين، فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم، فلما ~~ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان، فقالت في نفسها: ما ~~فعلت بابني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى ~~دواب البحر وحيتانه، فانتهى الماء به حتى أوفى به عند مرفعة مستقى جواري ~~امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه فأردن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهن إن في ~~هذا مالا، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملنه ~~كهيئته لم يخرجن منه شيئا، حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلاما، ~~فألقى الله عليه منها محبة لم ms1535 يلق منها على أحد قط، وأصبح فؤاد أم موسى ~~فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا ~~بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت ~~لهم: أقروه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، حتى آتي فرعون ~~فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ~~ألمكم، فأتت فرعون فقالت: قرة عين لي ولك، فقال فرعون: يكون لك فأما لي ~~فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته ~~لهداه الله كما هداها، ولكن حرمه ذلك " # فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها، لأن تختار له ظئرا، فجعل كلما ~~أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن ~~يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع ~~الناس، ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها، فلم يقبل، وأصبحت أم موسى ~~والها فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرا، حي ابني أم ~~قد أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه، فبصرت به أخته عن جنب وهم ~~لا يشعرون، والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد، وهو إلى جنبه، وهو ~~لا يشعر به، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات: أنا أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها فقالوا: ما يدريك ما نصحهم له، هل ~~تعرفينه؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جبير. # فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في صهر الملك، ورجاء منفعة الملك، ~~فتركوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في ~~حجرها نزا إلى ثديها، فمصه حتى امتلأ جنباه ريا، وانطلق البشير إلى ~~امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا، فأرسلت إليها فأتت بها ~~وبه. فلما رأت ما يصنع بها، قالت: امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب ms1536 ~~شيئا حبه قط، قالت أم موسى: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن ~~طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا، فإني ~~غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت على ~~امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجز وعده، فرجعت به إلى بيتها من يومها، ~~وأنبته الله نباتا حسنا، وحفظه لما قد قضى فيه. فلم يزل بنو إسرائيل، ~~وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم. # فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أزيريني ابني، فوعدتها يوما ~~تزيرها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظؤرها وقهارمتها: لا يبقين ~~أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهديه وكرامة، لأرى ذلك، وأنا باعثة ~~أمينا يحصي ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل ~~تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل ~~عليها بجلته وأكرمته وفرحت به، ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت: ~~لآتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره، ~~فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله ~~لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه أنه زعم أن يرثك ويعلوك ~~ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير. بعد كل ~~بلاء ابتلي به. وأريد به فتونا، فجاءت امرأة فرعون فقالت: ما بدا لك في ~~هذا الغلام الذي وهبته لي؟ فقال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني، ~~فقالت: اجعل بيني وبينك أمرا يعرف الحق به، ائت بجمرتين، ولؤلؤتين، ~~فقدمهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل، وإن ~~تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على ~~اللؤلؤتين، وهو يعقل، فقرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين فتناول الجمرتين، ~~فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله ~~عنه بعد ما كان قد هم به، وكان الله بالغا فيه أمره. # فلما بلغ أشده، وكان من ms1537 الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من ~~بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما موسى ~~عليه السلام يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان، أحدهما فرعوني ~~والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضبا ~~شديدا لأنه تناوله، وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم، لا يعلم ~~الناس إلا إنما ذلك من الرضاع، إلا أم موسى، إلا أن يكون الله أطلع ~~موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره، فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس ~~يراهما أحد إلا الله عز وجل والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: ~~هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين، ثم قال: # رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه ~~هو الغفور الرحيم # [القصص: 16]، فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار، فأتى فرعون، فقيل ~~له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم، ~~فقال: ابغوني قاتله ومن يشهد عليه، فإن الملك وإن كان صفوة مع قومه لا ~~يستقيم له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم. ~~فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتا إذا بموسى من الغد قد رأى ذلك ~~الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على ~~الفرعوني فصادف موسى قد ندم على ما كان منه، وكره الذي رأى، فغضب ~~الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس ~~واليوم إنك لغوي مبين، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال، ~~فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما ~~قال له إنك لغوي مبين، أن يكون إياه أراد ولم يكن أراده إنما أراد ~~الفرعوني، فخاف الإسرائيلي وقال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس، وإنما قاله مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا، وانطلق ~~الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر، حين يقول: يا موسى ~~أتريد أن ms1538 تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس. فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا ~~موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم، يطلبون موسى ~~وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر ~~طريقا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره، وذلك من الفتون يا ابن جبير. # فخرج موسى متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم ~~إلا حسن ظنه بربه عز وجل، فإنه قال: # عسى ربي أن يهديني سوآء السبيل * ولما ورد ~~مآء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ~~ووجد من دونهم امرأتين تذودان # [القصص: 22-23] يعني بذلك حابستين غنمهما، فقال لهما: ما خطبكما ~~معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة نزاحم القوم، وإنما ~~نسقي من فضول حياضهم، فسقى لهما، فجعل يغترف في الدلو ماء كثيرا حتى كان ~~أول الرعاء، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليه السلام فاستظل ~~بشجرة، وقال: # رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير # [القصص: 24]، واستنكر أبوهما سرعة صدورهما، بغنمهما حفلا بطانا، فقال: ~~إن لكما اليوم لشأنا، فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه، ~~فأتت موسى فدعته، فلما كلمه، قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين، ليس ~~لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته، فقالت إحداهما: # يأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين # [القصص: 26] فاحتملته الغيرة على أن قال لها: ما يدريك ما قوته، وما ~~أمانته؟ فقالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا، لم أر رجلا ~~قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه ~~وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك، ثم ~~قال لي: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلم يفعل هذا إلا وهو أمين فسري عن ~~أبيها وصدقها وظن به الذي قالت، فقال له: هل لك أن أنكحك إحدى ابنتي ~~هاتين على أن تأجرني ثماني حجج. فإن أتممت عشرا فمن عندك، وما أريد أن ~~أشق عليك ستجدني ms1539 إن شاء الله من الصالحين، ففعل، فكانت على نبي الله موسى ~~ثمان سنين واجبة، وكانت سنتان عدة فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرا. قال ~~سعيد بن جبير: فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم، قال: هل تدري أي ~~الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا، وأنا يومئذ لا أدري، فلقيت ابن عباس فذكرت ~~له ذلك، فقال: أما علمت أن ثمانيا كانت على نبي الله واجبة لم يكن نبي ~~الله لينقص منها شيئا، ويعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي كان ~~وعده، فإنه قضى عشر سنين، فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته ~~فأخبرك أعلم منك بذلك، قلت: أجل وأولى. # فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قص الله عليك في ~~القرآن، فشكا إلى الله تعالى ما يحذر من آل فرعون في القتل، وعقدة لسانه، ~~فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه ~~بأخيه هارون يكون له ردءا يتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه فآتاه ~~الله سؤله وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون وأمره أن يلقاه، ~~فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون عليه السلام، فانطلقا جميعا إلى فرعون ~~فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد، فقالا: # إنا رسولا ربك # [طه: 47]، قال: فمن ربكما؟ فأخبراه بالذي قص الله عليك في القرآن، قال: ~~فما تريدان؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت، قال: أريد أن تؤمن بالله ~~وترسل معنا بني إسرائيل، فأبى عليه، فقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين، ~~فألقى عصاه فإذا هي حية تسعى عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما ~~رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها ~~عنه، ففعل، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، يعني من غير ~~برص، ثم ردها فعادت إلى لونها الأول، فاستشار الملأ حوله فيما رأى، ~~فقالوا له: هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا ~~بطريقتكم ms1540 المثلى، يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش، وأبوا على موسى أن ~~يعطوه شيئا مما طلب، وقالوا له: اجمع لهما السحرة، فإنهم بأرضك كثير حتى ~~تغلب بسحرك سحرهما، فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا ~~فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات، قالوا: فلا والله ~~ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل فما أجرنا ~~إن نحن غلبناه؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي وأنا صانع إليكم كل شيء ~~أحببتم، فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى. # قال سعيد بن جبير: فحدثني ابن عباس: أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله ~~فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء. فلما اجتمعوا في صعيد واحد، ~~قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر # لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين # [الشعراء: 40] يعنون موسى وهارون، استهزاء بهما # قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون نحن ~~الملقين قال ألقوا # [الأعراف: 115-116]، # فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون ~~إنا لنحن الغالبون # [الشعراء: 44]، فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحى الله ~~إليه أن ألق عصاك، فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيما فاغرا فاه فجعلت ~~العصي تلتبس بالحبال حتى صارت جرزا إلى الثعبان تدخل فيه، حتى ما أبقت ~~عصا ولا حبلا إلا ابتلعته، فلما عرف السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا ~~سحرا لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكن هذا أمر من الله عز وجل، آمنا ~~بالله وبما جاء به موسى من عند الله ونتوب إلى الله مما كنا عليه، فكسر ~~الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وظهر الحق، وبطل ما كانوا يعملون # فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين # [الأعراف: 119]، وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو الله بالنصر لموسى على ~~فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها ابتذلت للشفقة على فرعون ~~وأشياعه وإنما كان حزنها وهمها لموسى. # فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعده عندها أن ~~يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف ms1541 موعده، وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع ~~غير هذا؟ فأرسل الله على قومه: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، ~~والدم، آيات مفصلات، كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه ~~ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه أخلف موعده ونكث ~~عهده، حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا، فلما أصبح فرعون ~~ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين، فتبعه بجنود عظيمة كثيرة، ~~وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة ~~حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التقي على من بقي بعد من فرعون وأشياعه، فنسي ~~موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى إلى البحر وله قصيف، مخافة أن يضربه ~~موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله. فلما تراءى الجمعان وتقاربا، قال ~~أصحاب موسى: إنا لمدركون، افعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب. ~~قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفلق اثنتي عشرة فرقة، حتى أجاوزه، ثم ~~ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر ~~جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعده موسى، فلما أن جاز موسى ~~وأصحابه كلهم البحر ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أمر؛ فلما ~~جاوز موسى البحر قال أصحابه: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ولا نؤمن ~~بهلاكه، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه. # ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم # قالوا يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة ~~قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما ~~هم فيه # [الأعراف: 138-139] الآية: قد رأيتم من العبر، وسمعتم ما يكفيكم، ومضى ~~فأنزلهم موسى منزلا، وقال: أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم فإني ~~ذاهب إلى ربي، وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه ~~وأراد أن يكلمه ثلاثين يوما وقد صامهن ليلهن ونهارهن، وكره أن يكلم ربه ~~وريح فيه، ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئا فمضغه، ms1542 فقال ~~له ربه حين أتاه: لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان! قال: يا رب إني كرهت أن ~~أكلمك إلا وفمي طيب الريح، قال: أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم ~~أطيب عندي من ريح المسك، ارجع فصم عشرا. ثم ائتني. ففعل موسى عليه ~~السلام ما أمر به، فلما رأى قومه أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك، ~~وكان هارون قد خطبهم، وقال: إنكم قد خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عوار ~~وودائع ولكم فيهم مثل ذلك، فإني أرى أنكم تحتسبون مالكم عندهم، ولا أحل ~~لكم وديعة استودعتموها ولا عارية ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ~~ممسكيه لأنفسنا. # فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك ~~الحفير، ثم أوقد عليه النار فأحرقته، فقال: لا يكون لنا ولا لهم. وكان ~~السامري من قوم يعبدون البقر، جيران لبني إسرائيل، ولم يكن من بني ~~إسرائيل، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا. فقضى له أن رأى أثرا ~~فقبض منه قبضة فمر بهارون، فقال له هارون عليه السلام: يا سامري إلا ~~تلقي ما في يدك وهو قابض عليه لا يراه أحد طول ذلك، فقال: هذه قبضة من ~~أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، لا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ~~ألقيتها أن يجعلها ما أريد، فألقاها ودعا له هارون، فقال: أريد أن يكون ~~عجلا، فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار ~~عجلا أجوف ليس فيه روح وله خوار! قال ابن عباس: لا والله ما كان له صوت ~~قط إنما كانت الريح تدخل في دبره وتخرج من فيه، وكان ذلك الصوت من ذلك، ~~فتفرق بنو إسرائيل فرقا؛ فقالت: فرقة: يا سامري ما هذا وأنت أعلم به؟ ~~قال: هذا ربكم، ولكن موسى أضل الطريق، فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع ~~إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأينا، وإن لم ~~يكن ربنا، ms1543 فإنا نتبع قول موسى. وقالت فرقة: هذا من عمل الشيطان، وليس ~~بربنا، ولا نؤمن ولا نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري ~~في العجل، وأعلنوا التكذيب به، فقال لهم هارون: # يقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري # [طه: 90]، قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما، ثم أخلفنا، هذه ~~أربعون يوما قد مضت، وقال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه يتبعه. # فلما كلم الله موسى وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده، # فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا # [طه: 86]، فقال لهم: ما سمعتم في القرآن، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، ~~وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له وانصرف إلى ~~السامري، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت قبضة من أثر الرسول ~~وفطنت لها وعميت عليكم # فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي * قال فاذهب ~~فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك ~~موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت ~~عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم ~~نسفا # [طه: 96-97]. ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل ~~بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالو لجماعتهم: يا ~~موسى سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها، فيكفر عنا ما عملنا، ~~فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك لا يألو الخير، خيار بني إسرائيل ومن ~~لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض فاستحيا ~~نبي الله من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل، فقال: # رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا ~~بما فعل السفهآء منآ # [الأعراف: 155]؟ وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب ~~العجل وإيمانه به، فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: # ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل # [الأعراف: 156-157]، فقال: يا رب ms1544 سألتك التوبة لقومي فقلت إن رحمتي ~~كتبتها لقوم غير قومي، هلا أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة؟ ~~فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد، فيقتله ~~بالسيف ولا يبالي في ذلك الموطن، وتاب أولئك الذين كان خفي أمرهم على ~~موسى وهارون، واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا وغفر ~~الله للقاتل والمقتول. # ثم سار بهم موسى عليه السلام متوجها نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح ~~بعد ما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمرهم به أن يبلغهم من الوظائف. فثقل ~~ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا ~~منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون، ينظرون ~~إلى الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم ~~مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون، خلقهم خلق ~~منكر، وذكروا من ثمارهم أمرا عجيبا من عظمها، فقالوا: يا موسى! إن فيها ~~قوما جبارين لا طاقة لنا بهم ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها ~~فإنا داخلون، قال رجلان من الذين يخافون: قيل ليزيد هكذا قرأت؟ قال: نعم ~~من الجبارين آمنا بموسى، وخرجا إليه، قالوا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم ~~إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة ~~عندهم، فادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. ويقول أناس: ~~إنهم من قوم موسى، فقال الذين يخافون بنو إسرائيل: # قالوا ياموسى إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا ~~فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون # [المائدة: 24]، فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم ~~قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم، حتى كان يومئذ، فاستجاب الله ~~له وسماهم كما سماهم موسى فاسقين، وحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في ~~الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار، وظلل عليهم الغمام في التيه ~~وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ~~ظهرانيهم ms1545 حجرا مربعا وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها فلا ~~يرتحلون من مكان إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه ~~بالأمس. # يقول تعالى مخاطبا لموسى عليه السلام: إنه لبث مقيما في أهل مدين ~~فارا من فرعون وملئه، يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل، ثم ~~جاء موافقا لقدر الله وإرادته من غير ميعاد، والأمر كله لله تبارك ~~وتعالى، وهو المسير عباده وخلقه فيما يشاء، ولهذا قال: { ثم جئت ~~على قدر يموسى } قال مجاهد: أي على موعد، وقال قتادة: على قدر ~~الرسالة والنبوة. ### || [20.41-44] # وقوله: { واصطنعتك لنفسي } أي اصطفيتك واجتبيتك رسولا ~~لنفسي، أي كما أريد وأشاء، روى البخاري عند تفسيرها عن أبي هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " التقى آدم وموسى، فقال موسى أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة، ~~فقال آدم: وأنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك ~~التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدته مكتوبا علي قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، ~~فحج آدم موسى " # وقوله { اذهب أنت وأخوك بآياتي } أي بحججي وبراهيني ~~ومعجزاتي { ولا تنيا في ذكري } قال ابن عباس: لا تبطئا، وقال ~~مجاهد عن ابن عباس: لا تضعفا، والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله بل ~~يذكران الله في حال مواجهة فرعون ليكون ذكر الله عونا لهما عليه، وقوة ~~لهما وسلطانا كاسرا له كما جاء في الحديث: # " إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه " # ، وقوله { اذهبآ إلى فرعون إنه طغى } أي تمرد وعتا، ~~وتجبر على الله وعصاه، { فقولا له قولا لينا لعله ~~يتذكر أو يخشى } هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهي أن فرعون في ~~غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر أن ~~لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، وعن الحسن البصري { فقولا له ~~قولا لينا } أعذرا إليه، قولا له: إن لك ربا ولك معادا، وإن ~~بين يديك جنة ونارا، والحاصل ms1546 من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق ~~لين سهل رفيق، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل: 125]، وقوله { لعله يتذكر أو يخشى } أي لعله ~~يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، أو يخشى - أي يوجد طاعة من خشية ربه ~~- كما قال تعالى: (لمن أراد أن يذكر أو يخشى) فالتذكر الرجوع عن المحذور، ~~والخشية تحصيل الطاعة، وقال الحسن البصري: { لعله يتذكر أو ~~يخشى } يقول: لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون أهلكه قبل أن أعذر ~~إليه. ### || [20.45-48] # يقول تعالى إخبارا عن موسى وهارون عليهما السلام: أنهما قالا مستجيرين ~~بالله تعالى شاكيين إليه { إننا نخاف أن يفرط علينآ أو ~~أن يطغى } يعنيان أن يبدر إليهما بعقوبة، أو يعتدي عليهما فيعاقبهما ~~وهما لا يستحقان منه ذلك، قال عبد الرحمن بن زيد { أن يفرط } يعجل، ~~وقال مجاهد يسلط علينا، وقال ابن عباس { أو أن يطغى } يعتدي { ~~قال لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى } أي لا تخافا ~~منه فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى علي ~~من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا ~~بإذني، وأنا معكم بحفظي ونصري، وتأييدي. { فأتياه فقولا إنا ~~رسولا ربك } قد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس، أنه قال: مكثا ~~على بابه حينا لا يؤذن لهما، حتى أذن لهما بعد حجاب شديد. وقوله { قد ~~جئناك بآية من ربك } أي بدلالة ومعجزة من ربك، { ~~والسلام على من اتبع الهدى } أي والسلام عليك إن اتبعت ~~الهدى، ولهذا لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم ~~كتابا كان أوله # " بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، ~~سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم ~~يؤتك الله أجرك مرتين " # ، ولهذا قال موسى وهارون عليهما السلام لفرعون { والسلام على ~~من اتبع الهدى * إنا قد أوحي إلينآ ms1547 أن ~~العذاب على من كذب وتولى } أي قد أخبرنا الله فيما ~~أوحاه إلينا من الوحي المعصوم، أن العذاب متمحض لمن كذب بآيات الله وتولى ~~عن طاعته، كما قال تعالى: # فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن ~~الجحيم هي المأوى # [النازعات: 37-39]، وقال تعالى: # فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصلاهآ إلا الأشقى * ~~الذي كذب وتولى # [الليل: 14-16] وقال تعالى # فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى # [القيامة: 31-32] أي كذب بقلبه وتولى بفعله. ### || [20.49-52] # يقول تعالى مخبرا عن فرعون، أنه قال لموسى منكرا وجود الصانع الخالق { ~~قال فمن ربكما يموسى } أي الذي بعثك وأرسلك من هو؟ فإني لا ~~أعرفه وما علمت من إله غيري { قال ربنا الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى } قال ابن عباس: يقول خلق لكل شيء زوجه، ~~وعنه: جعل الإنسان إنسانا والحمار حمارا والشاة شاة. وقال مجاهد: أعطى ~~كل شيء صورته، وسوى خلق كل دابة. وقال سعيد بن جبير في قوله { أعطى ~~كل شيء خلقه ثم هدى } قال: أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من ~~خلقه، ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة، ولا للدابة من خلق الكلب، ولا ~~للكلب من خلق الشاة، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء ~~على ذلك، ليس شيء منها يشبه شيئا من أفعاله في الخلق والرزق والنكاح، { ~~قال فما بال القرون الأولى }؟ أصح الأقوال في معنى ذلك؛ أن ~~فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله، هو الذي خلق ورزق وقدر فهدى، ~~شرع يحتج بالقرون الأولى، أي الذين لم يعبدوا الله، أي فما بالهم إذ كان ~~الأمر كذلك، لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره، فقال له موسى في جواب ذلك: هم ~~وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب ~~الله وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمار، { لا يضل ربي ولا ~~ينسى } أي لا يشذ عنه شيء، ولا يفوته صغير ولا كبير ولا ينسى شيئا، ~~يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط، وأنه لا ينسى شيئا ms1548 تبارك وتقدس، فإن ~~علم المخلوق يعتريه نقصانان " أحدهما عدم الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانه ~~بعد علمه، فنزه نفسه عن ذلك. ### || [20.53-56] # هذا من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه عز وجل، حين سأله فرعون عنه ~~فقال: # الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]، ثم اعترض الكلام بين ذلك، ثم قال: { الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا } أي قرارا تستقرون عليها وتقومون وتنامون عليها، ~~وتسافرون على ظهرها، { وسلك لكم فيها سبلا } أي جعل لكم ~~طرقا تمشون في مناكبها كما قال تعالى: # وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون # [الأنبياء: 31]، { وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ~~أزواجا من نبات شتى } أي من أنواع النباتات من زروع وثمار، ~~ومن حامض وحلو ومر، وسائر الأنواع، { كلوا وارعوا أنعامكم } ~~أي شيء لطعامكم وفاكهتكم، وشيء لأنعامكم لأقواتها خضرا ويبسا، { إن ~~في ذلك لآيات } أي لدلالات وحججا وبراهين، { لأولي النهى } ~~أي لذوي العقول السليمة المستقيمة، { منها خلقناكم وفيها ~~نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } أي من الأرض ~~مبدؤكم، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض، وفيها نعيدكم أي ~~وإليها تصيرون إذا متم وبليتم ومنها نخرجكم تارة أخرى، # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن ~~لبثتم إلا قليلا # [الإسراء: 52]. وهذه الآية كقوله تعالى: # قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون # [الأعراف: 25]، وفي الحديث الذي في السنن أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حضر جنازة؛ فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر، ~~وقال: منها خلقناكم، ثم أخذ أخرى وقال: وفيها نعيدكم، ثم أخرى وقال: ~~ومنها نخرجكم تارة أخرى، وقوله: { ولقد أريناه آياتنا ~~كلها فكذب وأبى } ، يعني فرعون أنه قامت عليه الحجج والآيات ~~والدلالات، وعاين ذلك وأبصره فكذب بها وأباها كفرا وعنادا وبغيا، كما ~~قال تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14] الآية. ### || [20.57-59] # يقول تعالى مخبرا عن فرعون: أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى وهي ~~إلقاء عصاه فصارت ثعبانا عظيما، ونزع يده من تحت جناحه فخرجت بيضاء من ~~غير سوء، فقال: هذا سحر جئت ms1549 به لتسحرنا وتستولي به على الناس فيتبعونك ~~وتكاثرنا بهم، ولا يتم هذا معك، فإن عندنا سحرا مثل سحرك فلا يغرنك ما ~~أنت فيه، { فاجعل بيننا وبينك موعدا } أي يوما نجتمع ~~نحن وأنت فيه فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر، في مكان معين ووقت ~~معين، فعند ذلك { قال } لهم موسى { موعدكم يوم الزينة } ، ~~وهو يوم عيدهم وتفرغهم من أعمالهم، واجتماع جميعهم، ليشاهد الناس قدرة ~~الله على ما يشاء، ومعجزات الأنبياء، وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات ~~النبوية، ولهذا قال: { وأن يحشر الناس } أي جميعهم { ضحى } أي ~~ضحوة من النهار ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح، وهكذا شأن الأنبياء، كل ~~أمرهم بين واضح ليس فيه خفاء ولا ترويج، ولهذا لم يقل: ليلا، ولكن ~~نهارا، ضحى، قال ابن عباس: وكان يوم الزينة، يوم عاشوراء، وقال السدي: ~~كان يوم عيدهم. قلت: وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده. كما ثبت في " ~~الصحيح " ، وقال وهب بن منبه، قال فرعون: يا موسى اجعل بيننا وبينك أجلا ~~ننظر فيه، قال موسى: لم أؤمر بهذا، إنما أمرت بمناجزتك إن أنت لم تخرج ~~دخلت إليك، فأوحى الله إلى موسى: أن اجعل بينك وبينه أجلا، وقل له أن ~~يجعل هو، قال فرعون اجعله إلى أربعين يوما ففعل، وقال مجاهد وقتادة { ~~مكانا سوى } منصفا، وقال السدي عدلا، وقال عبد الرحمن بن زيد: ~~مستو بين الناس، وما فيه لا يكون صوت ولا شيء، يتغيب بعض ذلك عن بعض، ~~مستو حين يرى. ### || [20.60-64] # يقول تعالى مخبرا عن فرعون: أنه لما تواعد هو وموسى عليه السلام إلى ~~وقت ومكان معلومين، تولى: أي شرع في جمع السحرة من مدائن مملكته، كل من ~~ينسب إلى السحر في ذلك الزمان، وقد كان السحر فيهم كثيرا نافقا جدا، ~~كما قال تعالى: # وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم # [يونس: 79]، ثم أتى: أي اجتمع الناس، لميقات يوم معلوم: وهو يوم الزينة، ~~وجلس فرعون على سرير مملكته، واصطف له أكابر دولته، ووقفت الرعايا يمنة ~~ويسرة، وأقبل موسى عليه الصلاة والسلام متوكئا على ms1550 عصاه، ومعه أخوه ~~هارون، ووقفت السحرة بين يدي فرعون صفوفا وهو يحرضهم ويحثهم ويرغبهم في ~~إجادة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنون عليه وهو يعدهم ويمنيهم، يقولون # أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم ~~وإنكم إذا لمن المقربين # [الشعراء: 41-42]. قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا أي لا ~~تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها، وإنها مخلوقة وليست ~~مخلوقة، فتكونون قد كذبتم على الله { فيسحتكم بعذاب } أي ~~يهلككم بعقوبة هلاكا لا بقية له، { وقد خاب من افترى * ~~فتنازعوا أمرهم بينهم } قيل: معناه أنهم تشاجروا فيما ~~بينهم، فقائل يقول: ليس هذا بكلام ساحر، إنما هذا كلام نبي، وقائل يقول: ~~بل هو ساحر، وقيل غير ذلك، والله أعلم. وقوله: { وأسروا ~~النجوى }: أي تناجوا فيما بينهم، { قالوا إن هذان ~~لساحران } وهذه لغة لبعض العرب، جاءت هذه القراءة على إعرابها، ~~ومنهم من قرأ { إن هذين لساحران } ، والغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم: ~~تعلمون أن هذا الرجل وأخاه - يعنون موسى وهارون - ساحران عالمان خبيران ~~بصناعة السحر، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ويستوليا على ~~الناس، وتتبعهما العامة ويقاتلا فرعون وجنوده فينصرا عليه، ويخرجاكم من ~~أرضكم، وقوله: { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي ويستبدا ~~بهذه الطريقة وهي السحر، فإنهم كانوا معظمين بسببها، لهم أموال وأرزاق ~~عليها، يقولون: إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض وتفردا بذلك ~~وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم، وقد تقدم في حديث الفتون أن ابن عباس قال ~~في قوله { ويذهبا بطريقتكم المثلى } يعني ملكهم الذي هم ~~فيه والعيش، وعن علي في قوله { ويذهبا بطريقتكم المثلى ~~} قال: يصرفا وجوه الناس إليهما، وقال مجاهد { ويذهبا ~~بطريقتكم المثلى } قال: أولو الشرف والعقل والأسنان. { ~~فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا } أي اجتمعوا كلكم صفا ~~واحدا، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة، لتبهروا الأبصار وتغلبوا هذا ~~وأخاه، { وقد أفلح اليوم من استعلى } أي منا ومنه، أما ~~نحن فقد وعدنا هذا الملك، العطاء الجزيل، وأما هو فينال الرياسة العظيمة. ### || [20.65-70] # يقول تعالى مخبرا عن السحرة حين ms1551 توافقوا هم وموسى عليه السلام أنهم ~~قالوا لموسى { إمآ أن تلقي }: أي أنت أولا، { وإمآ أن ~~نكون أول من ألقى * قال بل ألقوا }: أي أنتم أولا ~~لنرى ماذا تصنعون من السحر، وليظهر للناس جلية أمرهم، { فإذا ~~حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها ~~تسعى } ، وفي الآية الأخرى أنهم لما ألقوا # وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون # [الشعراء: 44]، وقال تعالى: # سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجآءوا بسحر ~~عظيم # [الأعراف: 116]، وقال ههنا: { فإذا حبالهم وعصيهم ~~يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى }. # وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه، وتضطرب وتميد بحيث ~~يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها، وإنما كانت حيلة، وكانوا جما غفيرا ~~وجمعا كثيرا، فألقى كل منهم عصا وحبلا حتى صار الوادي ملآن حيات يركب ~~بعضها بعضا، وقوله: { فأوجس في نفسه خيفة موسى } أي ~~خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم، ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه، ~~فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة، أن ألق ما في يمينك يعني عصاك ~~فإذا هي تلقف ما صنعوا، وذلك أنها صارت تنينا عظيما هائلا ذا قوائم ~~وعنق ورأس وأضراس، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق منها شيئا ~~إلا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهرة نهارا ~~ضحوة، فقامت المعجزة واتضح البرهان ووقع الحق وبطل السحر، ولهذا قال ~~تعالى: { إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر ~~حيث أتى } ، فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه، ولهم خبرة بفنون السحر ~~وطرقه ووجوهه، علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر ~~والحيل، وأنه حق لا مرية فيه، ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء كن ~~فيكون، فعند ذلك وقعوا سجدا لله، وقالوا آمنا برب العالمين رب موسى ~~وهارون، ولهذا قال ابن عباس: كانوا أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء ~~بررة، قال محمد بن كعب: كانوا ثمانين ألفا، وقال السدي: بضعة وثلاثين ~~ألفا، وقال محمد بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفا، وقال كعب الأحبار: ~~كانوا اثني عشر ألفا. ms1552 قال الأوزاعي: لما خر السحرة سجدا رفعت لهم الجنة ~~حتى نظروا إليها. قال وذكر عن سعيد بن جبير قوله { فألقي ~~السحرة سجدا } قال: رأوا منازلهم تبين لهم وهم في سجودهم. ### || [20.71-73] # يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون وعناده وبغيه، ومكابرته الحق بالباطل ~~حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة، والآية العظيمة، ورأى الذين قد ~~استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم، وغلب كل الغلب، شرع في المكابرة ~~والبهت، وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة فتهددهم وتوعدهم، وقال ~~{ آمنتم له } أي صدقتموه { قبل أن ءاذن لكم } أي وما ~~أمرتكم بذلك، واتفقتم علي في ذلك، وقال قولا يعلم هو والسحرة والخلق ~~كلهم أنه بهت وكذب { إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر } أي انتم إنما أخذتم السحر عن موسى، واتفقتم أنتم وإياه علي ~~وعلى رعيتي لتظهروه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: # إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا ~~منهآ أهلها فسوف تعلمون # [الأعراف: 123]، ثم أخذ يتهددهم فقال: { فلأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ~~} أي لأجعلنكم مثلة، ولأقتلنكم ولأشهرنكم. { ولتعلمن أينآ ~~أشد عذابا وأبقى } أي أنتم تقولون أني وقومي على ضلالة، ~~وأنتم مع موسى وقومه على الهدى فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه، ~~فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم، هانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل { ~~قالوا لن نؤثرك على ما جآءنا من البينات } أي ~~لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين { والذي فطرنا } ~~يعنون لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم، المبتدئ خلقنا ~~من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت { فاقض مآ أنت قاض ~~} أي فافعل ما شئت، وما وصلت إليه يدك { إنما تقضي هذه ~~الحياة الدنيآ } أي إنما لك تسلط في هذه الدار، وهي دار الزوال، ~~ونحن قد رغبنا في دار القرار، { آمنا بربنا ليغفر لنا ~~خطايانا } أي ما كان منا من الآثام، خصوصا ما أكرهتنا عليه من ~~السحر، لتعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه. عن ابن عباس في قوله ~~تعالى: ms1553 { ومآ أكرهتنا عليه من السحر } قال: أخذ فرعون ~~أربعين غلاما من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر بالفرماء، وقال ~~علموهم تعليما لا يعلمه أحد في الأرض، قال ابن عباس: فهم من الذين آمنوا ~~بموسى، وهم من الذين قالوا: { آمنا بربنا ليغفر لنا ~~خطايانا ومآ أكرهتنا عليه من السحر }. وقوله: { ~~والله خير وأبقى } أي خير لنا منك { وأبقى } أي أدوم ~~ثوابا مما كنت وعدتنا ومنيتنا، وقال محمد بن كعب القرظي { والله ~~خير }: أي لنا منك إن أطيع { وأبقى }: أي منك عذابا إن عصي، ~~والظاهر أن فرعون لعنه الله صمم على ذلك وفعله بهم رحمة لهم من الله، ~~ولهذا قال ابن عباس وغيره من السلف: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء بررة. ### || [20.74-76] # الظاهر من السياق أن هذا من تمام ما وعظ به السحرة لفرعون، يحذرونه من ~~نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد، ~~فقالوا { إنه من يأت ربه مجرما } أي يلقى الله يوم ~~القيامة وهو مجرم { فإن له جهنم لا يموت فيها ولا ~~يحيى } ، كقوله: # لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها كذلك نجزي كل كفور # [فاطر: 36]. عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ~~أناس تصيبهم النار بذنوبهم، فتميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحما وأذن في ~~الشفاعة جيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل ~~الجنة اقبضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل " # ، فقال رجل من القوم: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبادية. ~~وقوله تعالى: { ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات } أي ~~ومن لقي ربه يوم المعاد، مؤمن القلب قد صدق ضميره بقوله وعمله، { ~~فأولئك لهم الدرجات العلى } أي الجنة ذات الدرجات ~~العاليات، والغرف الآمنات والمساكن الطيبات، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس ~~أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، ms1554 والعرش فوقها، فإذا سألتم الله ~~فاسألوه الفردوس " # ، وفي " الصحيحين ": # " إن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء، ~~لتفاضل ما بينهم - قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء؟ قال: بلى ~~والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " # ، وفي السنن وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما، وقوله: { جنات عدن } ~~أي إقامة وهي بدل من الدرجات العلى { تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها } أي ماكثين بدا { وذلك جزآء من تزكى } ~~أي طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له، واتبع ~~المرسلين فيما جاءوا به من خير وطلب. ### || [20.77-79] # يقول تعالى مخبرا: أنه أمر موسى عليه السلام حين أبى فرعون أن يرسل معه ~~بني إسرائيل أن يسري بهم في الليل، ويذهب بهم من قبضة فرعون، وذلك أن ~~موسى لما خرج ببني إسرائيل أصبحوا وليس منهم بمصر لا داع ولا مجيب، فغضب ~~فرعون غضبا شديدا، وأرسل من يجمعون له الجند من بلدانه، ثم لما جمع ~~جنده واستوثق له جيشه، ساق في طلبهم فاتبعوهم مشرقين، أي عند طلوع الشمس، # فلما تراءى الجمعان # [الشعراء: 61]: أي نظر كل من الفريقين إلى الآخر، # قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن ~~معي ربي سيهدين # [الشعراء: 61-62] ووقف ببني إسرائيل أمامهم، وفرعون وراءهم، فعند ذلك ~~أوحى الله إليه: { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا } ~~فضرب البحر بعصاه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي الجبل العظيم، ~~فأرسل الله الريح على أرض البحر، فلفحته حتى صار يابسا كوجه الأرض، ~~فلهذا قال { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا ~~تخاف دركا }: أي من فرعون { ولا تخشى } يعني من البحر أن ~~يغرق قومك، ثم قال تعالى { فأتبعهم فرعون بجنوده ~~فغشيهم من اليم }: أي البحر { ما غشيهم } وهذا يقال ~~عند الأمر المعروف المشهور كما قال تعالى: # والمؤتفكة أهوى * فغشاها ما غشى # [النجم: 53-54]. ### || [20.80-82] # يذكر تعالى نعمه - على بني إسرائيل - العظام، ومننه الجسام، حيث أنجاهم ~~من عدوهم فرعون، وأقر أعينهم منه وهم ينظرون إليه، ms1555 وإلى جنده قد غرقوا في ~~صبيحة واحدة، لم ينج منهم أحد، كما قال: # وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون # [البقرة: 50]. عن ابن عباس قال: # " لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود تصوم ~~عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى على فرعون، ~~فقال: " نحن أولى بموسى فصوموه " # ، ثم إنه تعالى واعد موسى وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون، جانب الطور ~~الأيمن، وهو الذي كلمه الله تعالى عليه وسأل فيه الرؤية، وأعطاه التوراة ~~هنالك، وفي غضون ذلك عبد بنو إسرائيل العجل، كما يقصه الله تعالى قريبا، ~~وأما المن والسلوى فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة وغيرها، فالمن ~~حلوى كانت تنزل عليهم من السماء، والسلوى طائر يسقط عليهم، فيأخذون من كل ~~قدر الحاجة إلى الغد لطفا من الله ورحمة بهم وإحسانا إليهم، ولهذا قال ~~تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا ~~فيه فيحل عليكم غضبي } أي كلوا من هذا الرزق الذي رزقتكم ~~ولا تطغوا في رزقي، فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما أمرتكم به، { ~~فيحل عليكم غضبي } أي أغضب عليكم، { ومن يحلل ~~عليه غضبي فقد هوى } أي فقد شقي، وقوله { وإني ~~لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا } أي كل من تاب ~~إلي تبت عليه من أي ذنب كان، حتى إنه تاب تعالى على عبد العجل من بني ~~إسرائيل، وقوله تعالى { تاب } أي رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو ~~معصية أو نفاق، قوله { وآمن } أي بقلبه، { وعمل صالحا } أي ~~بجوارحه، وقوله: { ثم اهتدى } عن ابن عباس: أي ثم لم يشكك، وقال ~~سعيد بن جبير { ثم اهتدى }: أي استقام على السنة والجماعة، وقال ~~قتادة { ثم اهتدى }: أي لزم الإسلام حتى يموت، و { ثم } ههنا ~~لترتيب الخبر على الخبر، كقوله: # ثم كان من الذين آمنوا # [البلد: 17] # وعملوا الصالحات # [البقرة: 25]. ### || [20.83-89] # لما سار موسى عليه السلام ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون، وواعد ربه ~~ثلاثين ليلة ثم أتبعها عشرا فتمت أربعين ليلة، أي يصومها ليلا ونهارا، ~~وقد ms1556 تقدم في حديث الفتون بيان ذلك، فسارع موسى عليه السلام مبادرا إلى ~~الطور، واستخلف على بني إسرائيل أخاه هارون، ولهذا قال تعالى: { ومآ ~~أعجلك عن قومك يموسى * قال هم أولاء على أثري ~~} أي قادمون ينزلون قريبا من الطور، { وعجلت إليك رب ~~لترضى } أي لتزداد عني رضا، { قال فإنا قد فتنا ~~قومك من بعدك وأضلهم السامري } ، أخبر تعالى نبيه ~~موسى بما كان بعده من الحدث في بني سرائيل، وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ~~ذلك السامري، وقوله { فرجع موسى إلى قومه غضبان ~~أسفا } أي رجع بعد ما أخبره تعالى بذلك في غاية الغضب والحنق عليهم، ~~والأسف: شدة الغضب، وقال مجاهد { غضبان أسفا }؛ أي جزعا، وقال ~~قتادة والسدي: أسفا حزينا على ما صنع قومه من بعده، { قال يقوم ~~ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } أي أما وعدكم على لساني ~~كل خير في الدنيا والآخرة وحسن العاقبة كما شاهدتم من نصرته إياكم على ~~عدوكم وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أيادي الله، { أفطال عليكم ~~العهد } أي في انتظار ما وعدكم الله ونسيان ما سلف من نعمه { أم ~~أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم } " أم " ~~ههنا بمعنى بل، هي للإضراب عن الكلام الأول، وعدول إلى الثاني؛ كأنه ~~يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي، ~~قالوا - أي بنو إسرائيل، في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم - { مآ ~~أخلفنا موعدك بملكنا } أي عن قدرتنا واختيارنا، ثم شرعوا ~~يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط ~~الذي كانوا قد استعاروه منهم حين خرجوا من مصر، { فقذفناها } أي ~~ألقيناها عنا، ودعا السامري أن يكون عجلا، فكان عجلا { له خوار } ~~أي صوت، استدراجا وإمهالا ومحنة واختبارا ولهذا قال: { فكذلك ~~ألقى السامري * فأخرج لهم عجلا جسدا له ~~خوار }. # عن ابن عباس، أن هارون مر بالسامري وهو ينحت العجل، فقال له: ما تصنع؟ ~~فقال: أصنع ما يضر ولا ينفع، فقال هارون: اللهم أعطه ما سألك على ما في ~~نفسه، ومضى هارون وقال السامري: اللهم ms1557 إني أسألك أن يخور، فخار، فكان إذا ~~خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رؤوسهم، وقال السدي: كان يخور ويمشي، ~~فقالوا: أي الضلال منهم الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه { هذآ ~~إلهكم وإله موسى فنسي } أي نسيه ههنا وذهب يتطلبه، ~~وعن ابن عباس { فنسي } أي نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم، فعكفوا عليه ~~وأحبوه حبا لم يحبوا شيئا قط، قال الله تعالى ردا عليهم وتقريعا لهم ~~وبيانا لفضيحتهم وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه: { أفلا يرون ~~ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا ~~نفعا } أي العجل، فلا يرون أنه لا يجيبهم إذا سألوه، ولا إذا خاطبوه، ~~ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا، أي في دنياهم ولا في أخراهم، قال ابن عباس: ~~لا والله ما كان خواره إلا أن يدخل الريح في دبره فيخرج من فمه فيسمع له ~~صوت، وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها ~~عنهم، وعبدوا العجل فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في ~~الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر، أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم ~~البعوض إذا أصاب الثوب، يعني هل يصلي فيه أم لا؟ فقال ابن عمر رضي الله ~~عنهما: انظروا إلى أهل العراق! قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، يعني الحسين، وهم يسألون عن دم البعوضة!. ### || [20.90-91] # يخبر تعالى عما كان من نهي هارون عليه السلام لهم عن عبادتهم العجل، ~~وإخباره إياهم إنما هذا فتنة لكم، وإن ربكم الرحمن الذي خلق كل شيء ~~فقدره تقديرا. ذو العرش المجيد الفعال لما يريد، { فاتبعوني ~~وأطيعوا أمري }: أي فيما آمركم به واتركوا ما أنهاكم عنه، { ~~قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا ~~موسى } أي لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه وخالفوا هارون في ~~ذلك، وحاربوه وكادوا أن يقتلوه. ### || [20.92-94] # يخبر تعالى عن موسى عليه السلام حين رجع إلى قومه، فرأى ما قد حدث فيهم ~~من الأمر العظيم، فامتلأ عند ذلك غضبا، وألقى ما كان في ms1558 يده من الألواح ~~الإلهية، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، فقال: { ما منعك إذ ~~رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن } أي فتخبرني بهذا الأمر ~~أول ما وقع { أفعصيت أمري }: أي فيما كنت قدمت إليك، وهو قوله: # اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين # [الأعراف: 142] قال { يبنؤم } ترفق له بذكر الأم مع أنه شقيقه ~~لأبويه، لأن ذكر الأم ههنا أرق وأبلغ في الحنو والعطف، ولهذا قال: { ~~يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } الآية. هذا ~~اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه، حيث لم يلحقه فيخبره بما كان ~~من هذا الخطب الجسيم، قال { إني خشيت } أن أتبعك فأخبرك بهذا، ~~فتقول لي لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم، { ولم ترقب قولي }: أي ~~وما راعيت ما أمرتك به، حيث استخلفتك فيهم، قال ابن عباس: وكان هارون ~~هائبا مطيعا له. ### || [20.95-98] # يقول موسى عليه السلام للسامري: ما حملك على ما صنعت؟ وما الذي عرض لك ~~حتى فعلت ما فعلت؟ عن ابن عباس قال: كان السامري رجلا من أهل باجر، وكان ~~من قوم يعبدون البقر وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام ~~مع بني إسرائيل، وكان اسمه (موسى بن ظفر)، وفي رواية عن ابن عباس أنه كان ~~من كرمان، وقال قتادة: كان من قرية سامرا، { قال بصرت بما لم ~~يبصروا به }: أي رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون { فقبضت ~~قبضة من أثر الرسول } اي من أثر فرسه، هذا هو المشهور عند ~~كثير من المفسرين، أو أكثرهم، وقال مجاهد: من تحت حافر فرس جبريل، قال: ~~والقبضة ملء الكف، والقبضة بأطراف الأصابع، قال مجاهد: نبذ السامري، أي ~~ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلا جسدا له خوار، ~~حفيف الريح فيه فهو خواره. وقال ابن أبي حاتم، عن عكرمة: إن السامري رأى ~~الرسول فألقى في روعه أنك إن أخذت من أثر هذا الفرس قبضة فألقيتها في شيء ~~فقلت له كن فكان، فقبض قبضة من أثر الرسول فيبست أصابعه على القبضة، فلما ~~ذهب موسى ms1559 للميقات، وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حلى آل فرعون، فقال لهم ~~السامري: إن ما أصابكم من أجل هذا الحلي، فاجمعوه فجمعوه، فأوقدوا عليه ~~فذاب، فرآه السامري، فألقي في روعه: أنك لو قذفت هذه القبضة في هذه، فقلت ~~كن فكان، فقذف القبضة وقال: كن فكان عجلا جسدا له خوار، فقال # هذآ إلهكم وإله موسى # [طه: 88]، ولهذا قال { فنبذتها } أي ألقيتها مع من ألقى، { ~~وكذلك سولت لي نفسي }: أي حسنته وأعجبها إذ ذاك { قال ~~فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس }: أي ~~كما أخذت ومسست ما لم يكن لك أخذه ومسه من أثر الرسول، فعقوبتك في الدنيا ~~أن تقول لا مساس، أي لا تماس الناس ولا يمسونك، { وإن لك موعدا ~~} أي يوم القيامة { لن تخلفه } أي لا محيد لك عنه. وقال قتادة { ~~أن تقول لا مساس } قال: عقوبة لهم، وبقاياهم اليوم يقولون لا ~~مساس: وقوله { وإن لك موعدا لن تخلفه } قال الحسن: لن ~~تغيب عنه. وقوله { وانظر إلى إلهك } أي معبودك { الذي ~~ظلت عليه عاكفا } أي أقمت على عبادته يعني العجل، { ~~لنحرقنه } قال السدي: سحلة بالمبارد وألقاه على النار، وقال ~~قتادة استحال العجل من الذهب لحما ودما، فحرقه بالنار، ثم ألقى رماده ~~في البحر، ولهذا قال: { ثم لننسفنه في اليم نسفا }. ~~وقوله تعالى: { إنمآ إلهكم الله الذي لا إله ~~إلا هو وسع كل شيء علما } يقول لهم موسى عليه السلام. ~~ليس هذا إلهكم إنما إلهكم الله الذي لا يستحق ذلك على العباد إلا هو، ~~ولا تنبغي العبادة إلا له، فإن كل شيء فقير إليه عبد له، وقوله: { ~~وسع كل شيء علما } أي هو عالم بكل شيء، أحاط بكل شيء علما ~~وأحصى كل شيء عددا، فلا يعزب عنه مثقال ذرة، كما قال تعالى: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ~~ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين # [هود: 6] والآيات في هذا كثيرة جدا. ### || [20.99-101] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: كما قصصنا عليك خبر موسى، ~~وما جرى ms1560 له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع، كذلك نقص عليك ~~الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص، هذا { وقد آتيناك ~~من لدنا } أي من عندنا { ذكرا } وهو القرآن العظيم الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، الذي لم يعط ~~نبي من الأنبياء كتابا مثله، ولا أكمل منه ولا أجمع لخبر ما سبق وخبر ما ~~هو كائن منه، وقوله تعالى: { من أعرض عنه } أي كذب به وأعرض عن ~~اتباعه أمرا وطلبا، وابتغى الهدى من غيره، فإن الله يضله ويهديه إلى ~~سواء الجحيم، ولهذا قال: { من أعرض عنه فإنه يحمل ~~يوم القيامة وزرا } أي إثما، كما قال تعالى: # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده # [هود: 17]، وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم أهل الكتاب ~~وغيرهم، كما قال: # لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19]، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له، وداع، فن اتبعه هدي، ~~ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة، ولهذا ~~قال { من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة ~~وزرا * خالدين فيه } أي لا محيد لهم عنه ولا انفكاك، { وسآء ~~لهم يوم القيامة حملا } أي بئس الحمل حملهم. ### || [20.102-104] # ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصور فقال: # " قرن ينفخ فيه " # وجاء في الحديث: # " " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له ~~" ، فقالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال: " قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ~~على الله توكلنا " " # ، وقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقا } ، قيل معناه ~~زرق العيون، من شدة ما هم فيه من الأهوال، { يتخافتون بينهم } ~~قال ابن عباس: يتسارون بينهم، أي يقول بعضهم لبعض { إن لبثتم ~~إلا عشرا } أي في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلا عشرة ~~أيام أو نحوها. قال الله تعالى: { نحن أعلم بما يقولون }: ~~أي في حال تناجيهم بينهم، { إذ يقول أمثلهم طريقة }: أي ~~العاقل الكامل فيهم { إن لبثتم ms1561 إلا يوما }: أي لقصر مدة ~~الدنيا في أنفسهم يوم المعاد، لأن الدنيا كلها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت ~~لياليها وأيامها وساعاتها كأنها يوم واحد، وكان غرضهم درء قيام الحجة ~~عليهم لقصر المدة، ولهذا قال تعالى: # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة # [الروم: 55]، وقال تعالى: # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجآءكم النذير # [فاطر: 37] الآية. وقال تعالى: # كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم فسئل العآدين # [المؤمنون: 112-113] ولو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني ولكن ~~تصرفتم فأسأتم التصرف. ### || [20.105-108] # يقول تعالى: { ويسألونك عن الجبال } أي هل تبقى يوم ~~القيامة أو تزول؟ { فقل ينسفها ربي نسفا } أي يذهبها عن ~~أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرا { فيذرها } أي الأرض { قاعا ~~صفصفا } أي بساطا واحدا، والقاع هو المستوي من الأرض، والصفصف ~~تأكيد لمعنى ذلك، وقيل الذي لا نبات فيه، والأول أولى، وإن كان الآخر ~~مرادا أيضا باللازم، ولهذا قال: { لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا } لا ترى في الأرض يومئذ واديا ولا رابية ولا مكانا منخفضا ~~ولا مرتفعا، كذا قال ابن عباس وغير واحد من السلف { يومئذ ~~يتبعون الداعي لا عوج له }: أي يوم يرون هذه الأحوال، ~~يستجيبون مسارعين إلى الداعي حيثما أمروا بادروا إليه، ولو كان هذا في ~~الدنيا لكان أنفع لهم، ولكن حيث لا ينفعهم كما قال تعالى: # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا # [مريم: 38]، وقال # مهطعين إلى الداع # [القمر: 8] وقال محمد القرظي: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، ~~وتطوى السماء وتتناثر النجوم وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيتبع ~~الناس الصوت يؤمونه، فذلك قوله: { يومئذ يتبعون الداعي ~~لا عوج له }. وقال قتادة: لا عوج له لا يميلون عنه، وقال أبو صالح: ~~لا عوج له لا عوج عنه، { وخشعت الأصوات للرحمن } قال ~~ابن عباس: سكنت، وكذا قال السدي، { فلا تسمع إلا همسا } قال ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني وطء الأقدام. وقال علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس: { فلا تسمع إلا همسا } الصوت الخفي، ms1562 وقال سعيد بن ~~جبير: الحديث وسره، ووطء الأقدام، فقد جمع سعيد كلا القولين، وهو محتمل، ~~أما وطء الأقدام فالمراد سعي الناس إلى المحشر وهو مشيهم في سكون وخضوع، ~~وأما الكلام الخفي فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم ~~شقي وسعيد # [هود: 105]. ### || [20.109-112] # يقول تعالى { يومئذ }: أي يوم القيامة { لا تنفع الشفاعة ~~} أي عنده { إلا من أذن له الرحمن ورضي له ~~قولا } ، كقوله: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255]. وقوله: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون # [الأنبياء: 28]، وقال: { لا تنفع الشفاعة إلا من أذن ~~له }. وفي " الصحيحين " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " آتي تحت العرش وأخر لله ساجدا، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، ~~فيدعني ما شاء أن يدعني ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع واشفع ~~تشفع، قال: فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أعود " # ، فذكر أربع مرات صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء. وقوله: { ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } أي يحيط علما ~~بالخلائق كلهم { ولا يحيطون به علما } كقوله: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255]، وقوله: { وعنت الوجوه للحي القيوم }. ~~قال ابن عباس وغير واحد: خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي ~~لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، يدبره ويحفظه، فهو ~~الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه لا قوام له إلا به وقوله { ~~وقد خاب من حمل ظلما }: أي يوم القيامة فإن الله سيؤدي كل ~~حق إلى صاحبه حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، وفي الحديث: # " يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم " # وقوله: { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا ~~يخاف ظلما ولا هضما } لما ذكر الظالمين ووعيدهم ثنى بالمتقين ~~وحكمهم، وهو أنهم لا يظلمون ولا يهضمون أي لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص ~~من حسناتهم، قاله ابن عباس ومجاهد وغير ms1563 واحد، فالظلم الزيادة بأن يحمل ~~عليه ذنب غيره، والهضم: النقص. ### || [20.113-114] # يقول تعالى: ولما كان يوم المعاد والجزاء واقعا لا محالة أنزلنا القرآن ~~بشيرا ونذيرا بلسان عربي مبين { صرفنا فيه من الوعيد ~~لعلهم يتقون } أي يتركون المآثم والمحارم والفواحش { أو ~~يحدث لهم ذكرا } وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات، { فتعلى ~~الله الملك الحق } أي تنزه وتقدس الملك الحق، الذي وعده حق ~~ووعيده حق، وعدله تعالى أن لا يعذب أحدا قبل الإنذار وبعثه الرسل لئلا ~~يبقى لأحد حجة ولا شبهة، وقوله: { ولا تعجل بالقرآن من ~~قبل أن يقضى إليك وحيه } ، كقوله تعالى: # لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا ~~جمعه وقرآنه # [القيامة: 16-17] وثبت في " الصحيح " عن ابن عباس: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يعالج من الوحي شدة، فكان مما يحرك به لسانه، فأنزل ~~الله هذه الآية يعني أنه عليه السلام كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما ~~قال جبريل آية قالها معه، من شدة حرصه على حفظ القرآن فأرشده الله تعالى ~~إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه لئلا يشق عليه فقال: # لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا ~~جمعه وقرآنه # [القيامة: 16-17] أي أن نجمعه في صدرك ثم تقرأه على الناس من غير أن ~~تنسى منه شيئا، # فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا ~~بيانه # [القيامة: 18-19]، وقال في هذه الآية: { ولا تعجل بالقرآن ~~من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي بل انصت، فإذا فرغ الملك ~~من قراءته عليك فاقرأه بعده، { وقل رب زدني علما } أي زدني ~~منك علما، ولم يزل صلى الله عليه وسلم في زيادة حتى توفاه الله عز ~~وجل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما والحمد لله على ~~كل حال ". ### || [20.115-122] # عن ابن عباس قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي، وقال مجاهد ~~والحسن: ترك، وقوله: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لأدم } يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه وما فضله به على كثير ms1564 ممن خلق ~~تفضيلا، { فسجدوا إلا إبليس أبى } أي امتنع واستكبر، { ~~فقلنا يآءادم إن هذا عدو لك ولزوجك } يعني ~~حواء عليهما السلام، { فلا يخرجنكما من الجنة ~~فتشقى } أي إياك أن تسعى في إخراجك منها، فتتعب وتعنى وتشقى في طلب ~~رزقك، فإنك ههنا في عيش رغيد هنيء بلا كلفة ولا مشقة، { إن لك ~~ألا تجوع فيها ولا تعرى } إنما قرن بين الجوع والعري لأن ~~الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر، { وأنك لا تظمأ فيها ~~ولا تضحى } وهذان أيضا متقابلان، فالظمأ حر الباطن وهو العطش، ~~والضحى حر الظاهر. وقوله: { فوسوس إليه الشيطان قال ~~يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى } قد تقدم أنه دلاهما بغرور # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21]، وقد تقدم أن الله تعالى عهد إلى آدم وزوجه أن يأكلا من ~~كل الثمار ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة، فلما يزل بهما إبليس ~~حتى أكلا منها. وقوله: { فأكلا منها فبدت لهما ~~سوءاتهما } ، روي أن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس ~~كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته، ~~فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة، فناداه الرحمن: يا آدم مني تفر؟ ~~فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب لا ولكن استحياء، أرأيت إن تبت ورجعت ~~أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم، فذلك قوله: # فتلقى ءادم من ربه كلمت فتاب عليه # [البقرة: 37]. # وقوله تعالى: { وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة } ، قال مجاهد: يرقعان كهيئة الثوب، وروى ابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس: ينزعان ورق التين فيجعلانه على سوآتهما، وقوله: { وعصى ~~ءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه ~~وهدى } ، روى البخاري، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " حاج موسى آدم فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك ~~وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه؟ ~~أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدره الله علي قبل ~~أن يخلقني؟ قال ms1565 رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى " # ، وفي رواية لابن أبي حاتم: # " احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى. قال موسى: أنت الذي خلقك ~~الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم ~~أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك! قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله ~~برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيا، فكم ~~وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما، قال آدم: ~~فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت ~~عملا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى ". ### || [20.123-126] # يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس اهبطوا منها جميعا: أي من الجنة كلكم { ~~بعضكم لبعض عدو } آدم وذريته، وإبليس وذريته، وقوله: { ~~فإما يأتينكم مني هدى } قال أبو العالية: الأنبياء ~~والرسل والبيان، { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ~~} قال ابن عباس: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة { ومن أعرض ~~عن ذكري } أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ ~~من غيره هداه، { فإن له معيشة ضنكا } أي ضنكا في الدنيا فلا ~~طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلالة وإن تنعم ظاهره، ~~ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين ~~والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك ~~المعيشة. قال ابن عباس { فإن له معيشة ضنكا } قال: الشقاء. ~~وعنه: إن قوما ضلالا أعرضوا عن الحق، وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، ~~فكانت معيشتهم ضنكا، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظن به والثقة به ~~اشتدت عليه معيشته فذلك الضنك. وقال الضحاك: هو العمل السيء والرزق ~~الخبيث. وروى سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد في قوله { معيشة ضنكا } ~~قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه. # عن أبي هريرة ms1566 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " المؤمن في قبره في روضة خضراء ويفسح له في قبره سبعون ذراعا، وينور ~~له قبره، كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيم أنزلت هذه الآية { فإن له ~~معيشة ضنكا }؟ أتدرون ما المعيشة الضنك؟ " قالوا: الله ورسوله ~~أعلم، قال: " عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة ~~وتسعون تنينا، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس ~~ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون " # وروى البزار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله ~~عز وجل { فإن له معيشة ضنكا } قال: # " المعيشة الضنك الذي قال الله إنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية ينهشون ~~لحمه حتى تقوم الساعة " # وقوله: { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال مجاهد والسدي: ~~لا حجة له، وقال عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا جهنم، ويحتمل أن يكون ~~المراد أنه يبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضا كما قال ~~تعالى: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما مأواهم جهنم # [الإسراء: 97] الآية، ولهذا يقول: { رب لم حشرتني أعمى ~~وقد كنت بصيرا }؟ أي في الدنيا { قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } أي لما أعرضت عن ~~آيات الله وتناسيتها وأعرضت عنها، كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك، # فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هذا # [الأعراف: 51] فإن الجزاء من جنس العمل، فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم ~~معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان ~~متوعدا عليه من جهة أخرى، عن سعد بن عبادة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " ما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم ". ### || [20.127] # يقول تعالى: وهكذا نجازي المسرفين، المكذبين بآيات الله في الدنيا ~~والآخرة # لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة ~~أشق وما لهم من الله من واق # [الرعد: 34]، ولهذا قال: { ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } ~~أي أشد ألما من عذاب الدنيا، وأدوم عليهم فهم مخلدون ms1567 فيه، ولهذا قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: # " إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ". ### || [20.128-130] # يقول تعالى: { أفلم يهد } لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به يا محمد، ~~كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا فليس لهم باقية ولا ~~عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية، التي خلفوهم فيها يمشون ~~فيها، { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } أي العقول ~~الصحيحة والألباب المستقيمة، كما قال تعالى: # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون ~~بهآ أو آذان يسمعون بها # [الحج: 46]، وقال: { أفلم يهد لهم كم أهلكنا ~~قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } الآية؛ ثم ~~قال تعالى: { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما ~~وأجل مسمى } أي لولا الكلمة السابقة من الله وهو أنه لا يعذب ~~أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله تعالى ~~لهؤلاء المكذبين إلى مدة معينة لجاءهم العذاب بغتة، ولهذا قال لنبيه ~~مسليا له: { فاصبر على ما يقولون } أي من تكذيبهم لك، { ~~وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس } يعني صلاة الفجر ~~{ وقبل غروبها } يعني صلاة العصر، كما جاء في " الصحيحين ": # " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ~~أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " # ثم قرأ هذه الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " # وفي الحديث الصحيح: # " أن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى ~~أقصاه كما ينظر إلى أدناه، وإن أعلاهم منزلة لمن ينظر إلى الله تعالى في ~~اليوم مرتين " # وقوله: { ومن آنآء الليل فسبح }: أي من ساعته فتهجد به، ~~وحمله بعضهم على المغرب والعشاء، { وأطراف النهار } في مقابلة ~~آناء الليل { لعلك ترضى } ، كما قال تعالى: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5]. وفي " الصحيح ": # " يقول الله تعالى: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل ~~رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد ms1568 أعطيتنا ما لم تعط أحدا من ~~خلقك؟ فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ ~~فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ". ### || [20.131-132] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تنظر إلى ما هؤلاء ~~المترفون وأشباههم ونظراؤهم فيه من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة ونعمة ~~حائلة لنختبرهم بذلك وقليل من عبادي الشكور، وقال مجاهد { أزواجا ~~منهم }: يعني الأغنياء، فقد آتاك خيرا مما آتاهم. ولهذا قال: { ~~ورزق ربك خير وأبقى }. وفي " الصحيح " # " أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك ~~المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه حين آلى منهن، فرآه متوسدا ~~مضطجعا على رمال حصير، وليس في البيت إلا صبرة من قرظ واهية معلقة، ~~فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ~~يبكيك يا عمر؟ " فقال: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت ~~صفوة الله من خلقه! فقال: " أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت ~~لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا " # ، فكان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها إذا ~~حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئا لغد. # عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا " ، قالوا: ~~وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: " بركات الأرض " " # وقال قتادة والسدي { زهرة الحياة }: يعني زينة الحياة الدنيا: ~~وقال قتادة { لنفتنهم فيه } لنبتليهم، وقوله: { وأمر ~~أهلك بالصلاة واصطبر عليها } أي استنقذهم من عذاب الله ~~بإقام الصلاة واصبر أنت على فعلها، كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم: 6]. وقوله: { لا نسألك رزقا نحن نرزقك } ~~يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا ms1569 يحتسب # [الطلاق: 2-3]، ولهذا قال: { لا نسألك رزقا نحن نرزقك ~~} ، وقال الثوري: لا نسألك رزقا: أي لا نكلفك الطلب. وقال ابن أبي حاتم، ~~عن ثابت قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابه خصاصة نادى أهله يا ~~أهلاه صلوا، صلوا. قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى ~~الصلاة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تعالى يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، ~~وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك " # وعن زيد بن ثابت قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيقول: # " من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم ~~يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع له أمره، وجعل ~~غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة " # ، وقوله { والعاقبة للتقوى }: أي وحسن العاقبة في الدنيا ~~والآخرة وهي الجنة لمن اتقى الله، وفي " الصحيح " أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " رأيت الليلة كأنا في دار (عقبة بن رافع) وأنا أتينا برطب من رطب ابن ~~طاب، فأولت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة، وأن ديننا قد طاب ". ### || [20.133-135] # يقول تعالى مخبرا عن الكفار في قولهم { لولا } أي هلا يأتينا محمد ~~بآية من ربه؟ أي بعلامة دالة على صدقة في أنه رسول الله. قال الله تعالى: ~~{ أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } يعني ~~القرآن العظيم الذي أنزله عليه الله وهو أمي لا يحسن الكتابة ولم يدارس ~~أهل الكتاب، وهذه الآية كقوله تعالى: # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون # [العنكبوت: 51]. وفي " الصحيحين " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان ~~الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم ~~القيامة " # وإنما ذكر ههنا أعظم الآيات التي أعطيها عليه السلام وهو ms1570 القرآن، وإلا ~~فله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر، ثم قال تعالى: { ولو أنآ ~~أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا } أي لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن ~~نرسل إليهم هذا الرسول الكريم وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم لكانوا ~~قالوا { ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } قبل أن تهلكنا ~~حتى نؤمن به ونتبعه، كما قال: { فنتبع آياتك من قبل أن ~~نذل ونخزى } ، يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون ~~لا يؤمنون # ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 97]، كما قال تعالى: # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا ~~لعلكم ترحمون # [الأنعام: 155]، وقال: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءتهم آية ~~ليؤمنن بها # [الأنعام: 109] الآيتين؛ ثم قال تعالى: { قل }: أي يا محمد لمن كذبك ~~وخالفك واستمر على كفره وعناده { كل متربص } أي منا ومنكم، { ~~فتربصوا }: أي فانتظروا، { فستعلمون من أصحاب ~~الصراط السوي }: أي الطريق المستقيم، { ومن اهتدى } إلى ~~الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله تعالى: # وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا # [الفرقان: 42]، وقال: # سيعلمون غدا من الكذاب الأشر # [القمر: 26]. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-6] # هذا تنبيه من الله عز وجل على اقتراب الساعة ودنوها. وأن الناس في ~~غفلة عنها، أي لا يعملون لها ولا يستعدون من أجلها، روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم { في غفلة معرضون } قال: " في الدنيا ". وقال ~~تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1]. وقال أبو العتاهية: # الناس في غفلاتهم # ورحا المنية تطحن # وروي عن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم عامر مثواه وكلم ~~فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واديا في العرب، وقد أردت أن أقطع لك منه ~~قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك نزلت ~~اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: { اقترب للناس حسابهم وهم ~~في غفلة معرضون }؛ ثم أخبر تعالى أنهم لا يصغون إلى الوحي ~~الذي أنزل الله ms1571 على رسوله، والخطاب مع قريش ومن شابههم من الكفار فقال: ~~{ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } أي جديد ~~إنزاله { إلا استمعوه وهم يلعبون } ، كما قال ابن عباس: ~~مالكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرفوه وبدلوه وزادوا فيه ~~ونقصوا منه، وكتابكم أحدث الكتب بالله تقرأونه محضا لم يشب. وقوله { ~~وأسروا النجوى الذين ظلموا } أي قائلين فيما بينهم ~~خفية { هل هذآ إلا بشر مثلكم } يعنون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يستبعدون كونه نبيا لأنه بشر مثلهم فكيف اختص بالوحي ~~دونهم، ولهذا قال { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } أي ~~أفتتبعونه فتكونون كمن يأتي السحر وهو يعلم أنه سحر، فقال تعالى مجيبا ~~لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب { قال ربي يعلم القول في ~~السمآء والأرض }: أي الذي يعلم ذلك لا يخفى عليه خافية وهو الذي ~~أنزل هذا القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين، الذي لا يستطيع أحد ~~أن يأتي بمثله إلا الذي يعلم السر في السماوات والأرض. # وقوله تعالى: { وهو السميع العليم } أي السميع لأقوالكم ~~العليم بأحوالكم، وفي هذا تهديد لهم ووعيد، وقوله: { بل قالوا ~~أضغاث أحلام بل افتراه } ، هذا إخبار عن تعنت الكفار ~~وإلحادهم واختلافهم فيما يصفون به القرآن وحيرتهم فيه وضلالهم عنه، فتارة ~~يجعلونه سحرا، وتارة يجعلونه شعرا، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام، وتارة ~~يجعلونه مفترى، كما قال: # انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا # [الإسراء: 48]، وقوله: { فليأتنا بآية كمآ أرسل ~~الأولون } يعنون كناقة صالح وآيات موسى وعيسى، وقد قال الله: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون # [الإسراء: 59] الآية: ولهذا قال تعالى: { مآ آمنت قبلهم من ~~قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون } أي ما آتينا قرية من ~~القرى التي بعث فيها الرسل آية على أيدي نبيها فآمنوا بها بل كذبوا ~~فأهلكناهم بذلك أفهؤلاء يؤمنون بالآيات لو رأوها دون أولئك؟ كلا، بل # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون * ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 96-97] هذا كله، وقد شاهدوا من الآيات الباهرات والحجج ms1572 القاطعات ~~والدلائل البينات على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما هو أظهر ~~وأجلى وأبهر وأقطع وأقهر مما شوهد مع غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين. ### || [21.7-9] # يقول تعالى رادا على من أنكر بعثة الرسل من البشر: { ومآ أرسلنا ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم } أي جميع الرسل الذين ~~تقدموا كانوا رجالا من البشر لم يكن فيهم أحد من الملائكة، كما قال في ~~الآية الأخرى: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى # [يوسف: 109]، وقال تعالى: # قل ما كنت بدعا من الرسل # [الأحقاف: 9]. وقال تعالى حكاية عمن تقدم من الأمم لأنهم أنكروا ذلك ~~فقالوا: # أبشر يهدوننا # [التغابن: 6]، ولهذا قال تعالى: { فاسئلوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون } ، أي اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود ~~والنصارى وسائر الطوائف هل كان الرسل الذين أتوهم بشرا أو ملائكة؟ ~~وقوله: { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام } أي ~~بل قد كانوا أجسادا يأكلون الطعام، كما قال تعالى: # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق # [الفرقان: 20]: أي قد كانوا بشرا من البشر، يأكلون ويشربون مثل الناس، ~~ويدخلون في الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بضار لهم ولا ناقص منهم ~~شيئا كما توهمه المشركون في قولهم: # وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا # [الفرقان: 7]. وقوله: { وما كانوا خالدين } أي في الدنيا، بل ~~كانوا يعيشون ثم يموتون # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد # [الأنبياء: 34] وخاصتهم أنهم يوحى إليهم من الله عز وجل تنزل عليهم ~~الملائكة عن الله بما يحكمه في خلقه مما يأمر به وينهى عنه، وقوله: { ~~ثم صدقناهم الوعد } أي الذي وعدهم ربهم ليهلكن الظالمين، ~~صدقهم الله وعده وفعل ذلك، ولهذا قال { فأنجيناهم ومن نشآء ~~} أي أتباعهم من المؤمنين، { وأهلكنا المسرفين }: أي المكذبين ~~بما جاءت به الرسل. ### || [21.10-15] # يقول تعالى منبها على شرف القرآن ومحرضا لهم على معرفة قدره: { لقد ~~أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم } قال ابن عباس: شرفكم، ms1573 ~~وقال مجاهد: حديثكم، وقال الحسن: دينكم { أفلا تعقلون }: أي هذه ~~النعمة وتتلقونها بالقبول، كما قال تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون # [الزخرف: 44]، وقوله: { وكم قصمنا من قرية كانت ~~ظالمة } هذه صيغة تكثير، كما قال: # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح # [الإسراء: 17]، وقال تعالى: # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي ~~خاوية على عروشها... # [الحج: 45] الآية، وقوله: { وأنشأنا بعدها قوما آخرين } ~~أي أمة أخرى بعدهم، { فلمآ أحسوا بأسنآ } أي تيقنوا أن ~~العذاب واقع بهم لا محالة كما وعدهم نبيهم { إذا هم منها ~~يركضون } أي يفرون هاربين، { لا تركضوا وارجعوا إلى ~~مآ أترفتم فيه ومساكنكم } هذا تهكم بهم نزرا، أي قيل ~~لهم نزرا لا تركضوا هاربين من نزول العذاب وارجعوا إلى ما كنتم فيه من ~~النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة، قال قتادة: استهزاء بهم { ~~لعلكم تسألون }: أي عما كنتم فيه من أداء شكر النعم. { ~~قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين } اعترفوا بذنوبهم حين لا ~~ينفعهم ذلك، { فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم ~~حصيدا خامدين }: أي ما زالت تلك المقالة وهي الاعتراف بالظلم ~~هجيراهم حتى حصدناهم حصدا، وخمدت حركاتهم وأصواتهم خمودا. ### || [21.16-20] # يخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق أي بالعدل والقسط، ليجزي ~~الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وأنه لم يخلق ذلك ~~عبثا ولا لعبا، كما قال: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # [ص: 27]، وقوله تعالى: { لو أردنآ أن نتخذ لهوا ~~لاتخذناه من لدنآ إن كنا فاعلين } ، قال مجاهد: ~~يعني من عندنا، يقول: وما خلقنا جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا ولا ~~حسابا. وقال الحسن وقتادة { لو أردنآ أن نتخذ لهوا } ~~اللهو: المرأة بلسان أهل اليمن، وقال إبراهيم النخعي { لاتخذناه ~~} من الحور العين. وقال عكرمة والسدي: والمراد باللهو ههنا الولد، وهذا ~~والذي قبله متلازمان، وهو كقوله تعالى: # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهار # [الزمر: 4] فنزه نفسه عن اتخاذ ms1574 الولد مطلقا ولا سيما عما يقولون من ~~الإفك والباطل من اتخاذ عيسى أو العزير أو الملائكة # سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا # [الإسراء: 43]، وقوله { إن كنا فاعلين } قال قتادة والسدي: أي ~~ما كنا فاعلين، وقال مجاهد: كل شيء في القرآن " إن " فهو إنكار. وقوله: { ~~بل نقذف بالحق على الباطل } أي نبين الحق فيدحض الباطل ~~ولهذا قال: { فيدمغه فإذا هو زاهق } أي ذاهب مضمحل، { ~~ولكم الويل } أي أيها القائلون لله ولد { مما تصفون } أي ~~تقولون وتفترون. ثم أخبر تعالى عن عبودية الملائكة له ودأبهم في طاعته ~~ليلا ونهارا، فقال: { وله من في السموت والأرض ومن ~~عنده } يعني الملائكة { لا يستكبرون عن عبادته }: أي ~~لا يستنكفون عنها كما قال: # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون # [النساء: 172]، وقوله: { ولا يستحسرون } أي لا يتبعون ولا ~~يملون، { يسبحون اليل والنهار لا يفترون } فهم ~~دائبون في العمل ليلا ونهارا مطيعون قصدا وعملا، قادرون عليه كما قال ~~تعالى: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: ~~جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام، فقلت له: أرأيت قول الله تعالى ~~للملائكة: { يسبحون اليل والنهار لا يفترون } أما ~~يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل؟ فقال: من هذا الغلام؟ فقالوا: ~~من بني عبد المطلب، قال: فقبل رأسي ثم قال: يا بني إنه جعل لهم التسبيح ~~كما جعل لكم النفس، أليس تتكلم وأنت تتنفس وتمشي وأنت تتنفس؟. ### || [21.21-23] # ينكر تعالى على من اتخذ من دونه آلهة فقال { أم اتخذوا آلهة ~~من الأرض هم ينشرون } أي يحيون الموتى وينشرونهم من الأرض؟ ~~أي لا يقدرون على شيء من ذلك فكيف جعلوها لله ندا وعبدوها معه؟ ثم أخبر ~~تعالى أنه لو كان في الوجود آلهة غيره لفسدت السماوات والأرض، فقال { ~~لو كان فيهمآ آلهة إلا الله } أي في السماوات والأرض { ~~لفسدتا } ، كقوله تعالى: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما ms1575 خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون # [المؤمنون: 91]، وقال ههنا: { فسبحان الله رب العرش ~~عما يصفون } أي عما يقولون إن له ولدا أو شريكا. وقوله: { لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون } أي هو الحاكم الذي لا ~~معقب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد لعظمته وجلاله وكبريائه، وعدله { وهم ~~يسألون } أي وهو سائل خلقه عما يعملون، كقوله: # فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا ~~يعملون # [الحجر: 92-93]. ### || [21.24-25] # يقول تعالى: { أم اتخذوا من دونه آلهة قل } يا محمد { ~~هاتوا برهانكم } أي دليلكم عل ما تقولون، { هذا ذكر من ~~معي } يعني القرآن، { وذكر من قبلي } يعني الكتب المتقدمة ~~على خلاف ما تقولونه وتزعمون، فكل كتاب أنزل على كل نبي أرسل، ناطق بأنه # لا إله إلا الله # [الصافات: 35] ولكن أنتم أيها المشركون لا تعلمون الحق فأنتم معرضون ~~عنه؛ ولهذا قال: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } ، ~~كما قال: # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون # [الزخرف: 45]؟ فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ~~والفطرة شاهدة بذلك أيضا، والمشركون لا برهان لهم، وعليهم غضب ولهم عذاب ~~شديد. ### || [21.26-29] # يقول تعالى رادا على من زعم أن له ولدا من الملائكة، كمن قال ذلك من ~~العرب إن الملائكة بنات الله فقال: { سبحانه بل عباد ~~مكرمون } أي الملائكة عباد الله مكرمون عنده، في منازل عالية ~~ومقامات سامية. وهم له في غاية الطاعة قولا وفعلا، { لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون } أي لا يتقدمون بين يديه ~~بأمر ولا يخالفونه فيما أمرهم به بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى علمه ~~محيط بهم فلا يخفى عليه منهم خافية، { يعلم ما بين أيديهم ~~وما خلفهم } ، وقوله { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ~~} ، كقوله: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255]، وقوله: # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له # [سبأ: 23] في آيات كثيرة في معنى ذلك { وهم من خشيته } أي من ~~خوفه ms1576 ورهبته { مشفقون * ومن يقل منهم إني إله ~~من دونه } أي ادعى منهم أنه إله من دون الله أي مع الله، { ~~فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين } أي كل من ~~قال ذلك وهذا شرط والشرط لا يلزم وقوعه كقوله: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف: 81]. ### || [21.30-33] # يقول تعالى منبها على قدرته التامة وسلطانه العظيم، في خلقه الأشياء ~~وقهره لجميع المخلوقات فقال: { أولم ير الذين كفروا } أي ~~الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن الله هوالمستقل ~~بالخلق المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد معه غيره أو يشرك به ما ~~سواه؟ ألم يروا أن السماوات والأرض { كانتا رتقا } أي كان الجميع ~~متصلا بعضه ببعض متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه ~~من هذه فجعل السماوات سبعا والأرض سبعا، وفصل بين السماء والأرض ~~بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض، ولهذا قال: { وجعلنا من ~~المآء كل شيء حي أفلا يؤمنون } أي وهم يشاهدون ~~المخلوقات تحدث شيئا فشيئا عيانا. وذلك كله دليل على وجود الصانع ~~الفاعل المختار القادر على ما يشاء: # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # عن عكرمة قال، سئل ابن عباس: الليل كان قبل أو النهار؟ فقال: أرأيتم ~~السماوات والأرض حين كانتا رتقا هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا ~~أن الليل قبل النهار. وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عمر: أن رجلا أتاه ~~يسأله عن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما؟ قال: اذهب إلى ذلك ~~الشيخ، فاسأله، ثم تعالى فأخبرني بما قال لك، قال، فذهب إلى ابن عباس ~~فسأله، فقال ابن عباس: نعم، كانت السماوات رتقا لا تمطر وكانت الأرض ~~رتقا لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلا فتق هذه بالمطر وفتق هذه بالنبات، ~~فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر، قد كنت أقول: ما يعجبني ~~جراءة ابن عباس في تفسير القرآن فالآن علمت أنه قد أوتي في القرآن علما، ~~وقال عطية العوفي: كانت هذه رتقا تمطر فأمطرت وكانت هذه رتقا لا تنبت ~~فأنبتت، ms1577 وقال سعيد بن جبير: كانت السماء والأرض ملتزقتين فلما رفع السماء ~~وأبرز منها الأرض كان ذلك فتقهما الذي ذكر الله في كتابه، وقال الحسن ~~وقتادة: كانتا جميعا ففصل بينهما بهذا الهواء، وقوله { وجعلنا من ~~المآء كل شيء حي } أي أصل كل الأحياء. عن أبي هريرة قال، ~~قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل ~~شيء، قال: # " " كل شيء خلق من ماء " قال، قلت: أنبئني عن أمر إذا علمت به دخلت ~~الجنة؟ قال: " أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس ~~نيام، ثم ادخل الجنة بسلام " ". # وقوله تعالى: { وجعلنا في الأرض رواسي } أي جبالا أرسى ~~الأرض بها وثقلها لئلا تميد بالناس أي تضطرب وتتحرك فلا يحصل لهم قرار ~~عليها، لأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع، فإنه باد للهواء والشمس ~~ليشاهد أهلها السماء، وما فيها من الآيات الباهرات والحكم والدلالات، ~~ولهذا قال { أن تميد بهم }: وقوله { وجعلنا فيها فجاجا ~~سبلا } أي ثغرا في الجبال يسلكون فيها طرقا، من قطر إلى قطر وإقليم ~~إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض يكون الجبل حائلا بين هذه البلاد ~~وهذه البلاد، فيجعل الله فيه فجوة ثغرة ليسلك الناس فيها من ههنا إلى ~~ههنا، ولهذا قال: { لعلهم يهتدون } ، وقوله { وجعلنا ~~السمآء سقفا محفوظا } أي على الأرض وهي كالقبة عليها، كما ~~قال: # والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون # [الذاريات: 47]، وقال: # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج # [ق: 6]، والبناء هو نصب القبة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بني الإسلام على خمس " # أي خمسة دعائم وهذا لا يكون إلا في الخيام كما تعهده العرب، { ~~محفوظا } أي عاليا محروسا أن ينال، وقال مجاهد: مرفوعا، وقوله: { ~~وهم عن آياتها معرضون } كقوله: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105] أي لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم ~~والارتفاع الباهر، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ~~ونهارها، من ms1578 هذه الشمس التي تقطع الفلك بكماله في يوم وليله، فتسير غاية ~~لا يعلم قدرها إلا الله، الذي قدرها وسخرها وسيرها، ثم قال منبها ~~على بعض آياته { وهو الذي خلق الليل والنهار } أي هذا ~~في ظلامه وسكونه، وهذا بضيائه وأنسه، يطول هذا تارة ثم يقصر أخرى وعكسه ~~الآخر، { والشمس والقمر } هذه لها نور يخصها وحركة وسير خاص. ~~وهذا بنور آخر وفلك آخر وسير آخر وتقدير آخر، { كل في فلك ~~يسبحون } أي يدورون. قال ابن عباس: يدورون كما يدور المغزل في ~~الفلكة، قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا الفلكة إلا ~~بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا ~~بهن، كما قال تعالى: # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس ~~والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم # [الأنعام: 96]. ### || [21.34-35] # يقول تعالى: { وما جعلنا لبشر من قبلك } أي يا محمد { ~~الخلد } أي في الدنيا بل # كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام # [الرحمن: 26-27]، وقوله: { أفإن مت } أي يا محمد { فهم ~~الخالدون }؟ أي يؤملون أن يعيشوا بعدك! لا يكون هذا بل كل إلى ~~الفناء، ولهذا قال تعالى: { كل نفس ذآئقة الموت } وقد روي ~~عن الشافعي رحمه الله أنه أنشد واستشهد بهذين البيتين: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت # فتلك سبيل لست فيها بأوحد # فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى # تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد # وقوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } أي ~~نختبركم بالمصائب تارة، وبالنعم أخرى. فننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ~~ومن يقنط، قال ابن عباس: ونبلوكم يقول: نبتليكم بالشر والخير فتنة، ~~بالشدة والرخاء. والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، ~~والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، وقوله: { وإلينا ترجعون } ~~أي فنجازيكم بأعمالكم. ### || [21.36-37] # يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: { وإذا رآك الذين ~~كفروا } يعني كفار قريش كأبي جهل وأشباهه { إن يتخذونك ~~إلا هزوا } أي يستهزئون بك وينتقصونك، يقولون { أهذا الذي ~~يذكر آلهتكم }؟ يعنون أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم، قال ~~تعالى: { وهم بذكر الرحمن هم كافرون ms1579 } أي وهم كافرون ~~بالله ومع هذا يستهزئون برسول الله كما قال في الآية الأخرى: # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي ~~بعث الله رسولا # [الفرقان: 41]؟ وقوله: { خلق الإنسان من عجل } كقوله: # وكان الإنسان عجولا # [الإسراء: 11] أي في الأمور. والحكمة في ذكر عجلة الإنسان ههنا، أنه ~~لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامه عليه، وقع في النفوس سرعة ~~الانتقام منهم واستعجلت ذلك، فقال الله تعالى: { خلق الإنسان من ~~عجل } لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، ~~وينظر ثم لا يؤخر، ولهذا قال: { سأوريكم آياتي } أي نقمي وحكمي ~~واقتداري على من عصاني { فلا تستعجلون }. ### || [21.38-40] # يخبر تعالى عن المشركين أنهم يستعجلون أيضا بوقوع العذاب بهم، تكذيبا ~~وجحودا وكفرا وعنادا فقال: { ويقولون متى هذا الوعد ~~إن كنتم صادقين }؟ قال الله تعالى: { لو يعلم الذين ~~كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ~~ظهورهم } أي لو تيقنوا أنها واقعة بهم لا محالة لما استعجلوا. ولو ~~يعلمون حين يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # [الزمر: 16]، وقال في هذه الآية، { حين لا يكفون عن ~~وجوههم النار ولا عن ظهورهم } ، فالعذاب محيط بهم من ~~جميع جهاتهم { ولا هم ينصرون } أي لا ناصر لهم، كما قال: # وما لهم من الله من واق # [الرعد: 34]، وقوله: { بل تأتيهم بغتة } أي تأتيهم النار بغتة ~~أي فجأة، { فتبهتهم } أي تذعرهم فيستسلمون لها، حائرين لا يدرون ~~ما يصنعون { فلا يستطيعون ردها } أي ليس لهم حيلة في ذلك، { ~~ولا هم ينظرون } أي ولا يؤخر عنهم ذلك ساعة واحدة. ### || [21.41-43] # يقول تعالى مسليا لرسوله عما آذاه به المشركون من الاستهزاء والتكذيب { ~~ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون } يعني من العذاب ~~الذي كانوا يستبعدون وقوعه، كما قال تعالى: # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا # [الأنعام: 34] ثم ذكر تعالى نعمته على عبيده في حفظه لهم بالليل ms1580 ~~والنهار، وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام، فقال: { قل من ~~يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن } أي بدل ~~الرحمن يعني غيره، وقوله تعالى: { بل هم عن ذكر ربهم ~~معرضون } أي لا يعترفون بنعمة الله عليهم وإحسانه إليهم، بل يعرضون ~~عن آياته وآلائه، ثم قال: { أم لهم آلهة تمنعهم من ~~دوننا } استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ، أي ألهم آلهة تمنعهم وتكلؤهم ~~غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا، لا، ولا كما زعموا، ولهذا قال: { لا ~~يستطيعون نصر أنفسهم } أي هذه الآلهة التي استندوا إليها ~~غير الله لا يستطيعون نصر أنفسهم، وقوله: { ولا هم منا ~~يصحبون } قال ابن عباس: أي يجارون. وقال قتادة: لا يصحبون من الله ~~بخير، وقال غيره { يصحبون } يمنعون. ### || [21.44-47] # يقول تعالى مخبرا عن المشركين إنما غرهم وحملهم على ما هم فيه من ~~الضلال: أنهم متعوا في الحياة الدنيا ونعموا. وطال عليهم العمر فيما هم ~~فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء؛ ثم قال واعظا لهم: { أفلا يرون ~~أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ } اختلف المفسرون ~~في معناه، وقد أسلفناه في سورة الرعد، وأحسن ما فسر بقوله تعالى: # ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا ~~الآيات لعلهم يرجعون # [الأحقاف: 27]، وقال الحسن البصري يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر. ~~والمعنى: أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه؟ وإهلاكه الأمم ~~المكذبة والقرى الظالمة وإنجائه لعباده المؤمنين؟ ولهذا قال: { أفهم ~~الغالبون } يعني بل هم المغلوبون الأخسرون الأرذلون، وقوله: { قل ~~إنمآ أنذركم بالوحي } أي إنما أنا مبلغ عن الله ما أنذرتكم ~~به من العذاب والنكال، ليس ذلك إلا عما أوحاه الله إلي ولكن لا يجدي ~~هذا عمن أعمى الله بصيرته وختم على سمعه وقلبه، ولهذا قال: { ولا ~~يسمع الصم الدعآء إذا ما ينذرون } ، وقوله: { ولئن ~~مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يويلنآ ~~إنا كنا ظالمين } ، أي ولئن مس هؤلاء المكذبين أدنى شيء من ~~عذاب الله، ليعترفن بذنوبهم وأنهم كانوا ظالمين أنفسهم في الدنيا، وقوله: ~~{ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا ~~تظلم نفس شيئا } أي ونضع الموازين العدل ليوم ms1581 القيامة، الأكثر ~~على أنه إنما هو ميزان واحد وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة ~~فيه، وقوله: { فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال ~~حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } ، ~~كما قال تعالى: # ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]، وقال: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40]، وقال لقمان: # يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن ~~في صخرة أو في السموت أو في الأرض يأت بها ~~الله إن الله لطيف خبير # [لقمان: 16]. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن ~~سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " # ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله عز وجل يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم ~~القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مد البصر، ثم يقول: أتنكر ~~من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، قال: أفلك عذر أو ~~حسنة؟ قال: فبهت الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة ~~واحدة لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا رسول الله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة ~~مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة ~~في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، قال: ولا يثقل شيء مع بسم ~~الله الرحمن الرحيم " # ، وقال الإمام أحمد، عن عائشة، # " أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس بين يديه فقال: ~~يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأضربهم ~~وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يحسب ما ~~خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان ~~كفافا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك، ~~وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك ms1582 الفضل الذي بقي قبلك " ، ~~فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهتف، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " ما له لا يقرأ كتاب الله { ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس ~~شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ~~وكفى بنا حاسبين } فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد شيئا ~~خيرا من فراق هؤلاء - يعني عبيدة - إني أشهدك أنهم أحرار كلهم ". ### || [21.48-50] # قد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد ~~صلوات الله وسلامه عليهما وبين كتابيهما ولهذا قال: { ولقد آتينا ~~موسى وهارون الفرقان } ، قال مجاهد: يعني الكتاب، وقال ~~قتادة: التوراة حلالها وحرامها وما فرق الله بين الحق والباطل، وقال ابن ~~زيد: يعني النصر، وجامع القول في ذلك أن الكتب السماوية مشتملة على ~~التفرقة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال ~~والحرام وعلى ما يحصل نورا في القلوب، وهداية وخوفا، وإنابة وخشية، ~~ولهذا قال: { الفرقان وضيآء وذكرا للمتقين } أي ~~تذكيرا لهم وعظة، ثم وصفهم فقال: { الذين يخشون ربهم ~~بالغيب } ، كقوله: # من خشي الرحمن بالغيب وجآء بقلب منيب # [ق: 33]، وقوله: # إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة ~~وأجر كبير # [الملك: 12]، { وهم من الساعة مشفقون } أي خائفون وجلون، ~~ثم قال تعالى: { وهذا ذكر مبارك أنزلناه } يعني القرآن ~~العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ~~{ أفأنتم له منكرون } أي أفتنكرونه وهو في غاية الجلاء ~~والظهور؟. ### || [21.51-56] # يخبر تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه آتاه رشده من قبل، أي من ~~صغره ألهمه الحق والحجة على قومه كما قال تعالى: # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه # [الأنعام: 83]، والمقصود أن الله تعالى أخبر أنه قد آتى إبراهيم رشده من ~~قبل أي من قبل ذلك، وقوله: { وكنا به عالمين } أي وكان أهلا ~~لذلك، ثم قال: { إذ قال لأبيه وقومه ما هذه ~~التماثيل التي أنتم لها عاكفون } هذا هو الرشد الذي ~~أوتيه من صغره الإنكار على ms1583 قومه في عبادة الأصنام من دون الله عز وجل، ~~فقال: { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ~~}: أي معتكفون على عبادتها، قال ابن أبي حاتم: مر علي رضي الله عنه على ~~قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن ~~يمس أحدكم جمرا حتى يطفأ خير له من أن يمسها، { قالوا وجدنآ ~~آبآءنا لها عابدين } لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال، ~~ولهذا قال: { لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين ~~} أي الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ~~ضلال على غير الطريق المستقيم، فلما سفه أحلامهم وضلل آباءهم واحتقر ~~آلهتهم { قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من ~~اللاعبين }؟ يقولون: هذا الكلام الصادر عنك تقوله لاعبا أو محقا ~~فيه فإنا لم نسمع به قبلك. { قال بل ربكم رب السموت ~~والأرض الذي فطرهن } أي ربكم الذي لا إله غيره وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض وما حوت من المخلوقات، الذي ابتدأ خلقهن وهو الخالق ~~لجميع الأشياء { وأنا على ذلكم من الشاهدين } أي وأنا ~~أشهد أنه لا إله غيره ولا رب سواه. ### || [21.57-63] # ثم أقسم الخليل قسما أسمعه بعض قومه ليكيدن أصنامهم، أي ليحرضن على ~~أذاهم وتكسيرهم بعد أن يولوا مدبرين أي إلى عيدهم، وكان لهم عيد يخرجون ~~إليه، قال السدي: لما اقترب وقت ذلك العيد قال أبوه: يا بني لو خرجت معنا ~~إلى عيدنا لأعجبك ديننا، فخرج معهم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى ~~الأرض وقال: إني سقيم، فجعلوا يمرون عليه وهو صريع فيقولون: مه، فيقول: ~~إني سقيم، فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم، قال: { تالله لأكيدن ~~أصنامكم } ، فسمعه أولئك. وقال ابن إسحاق، عن عبد الله قال: لما ~~خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مروا عليه فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا؟ ~~قال: إني سقيم وقد كان بالأمس قال: { وتالله لأكيدن ~~أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعه ناس منهم، ~~وقوله: { فجعلهم جذاذا } أي حطاما كسرها كلها { إلا ~~كبيرا لهم } يعني إلا الصنم الكبير عندهم، كما قال: ms1584 # فراغ عليهم ضربا باليمين # [الصافات: 93]، وقوله: { لعلهم إليه يرجعون } ذكروا أنه ~~وضع القدوم في يد كبيرهم لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار لنفسه، وأنف أن ~~تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها. { قالوا من فعل هذا ~~بآلهتنآ إنه لمن الظالمين }؟ أي حين رجعوا وشاهدوا ما ~~فعله الخليل بأصنامهم، من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها، وعلى ~~سخافة عقول عابديها، { قالوا من فعل هذا بآلهتنآ إنه ~~لمن الظالمين } أي في صنيعه هذا، { قالوا سمعنا فتى ~~يذكرهم يقال له إبراهيم } أي قال من سمعه يحلف إنه ~~ليكيدنهم { سمعنا فتى } أي شابا يذكرهم يقال له إبراهيم. عن ابن ~~عباس قال: ما بعث الله نبيا إلا شابا ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، ~~وتلا هذه الآية: { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ~~إبراهيم }. وقوله: { قالوا فأتوا به على أعين ~~الناس } أي على رؤوس الأشهاد في الملإ الأكبر بحضرة الناس كلهم، هذا ~~هو المقصود الأكبر لإبراهيم عليه السلام، أن يبين في هذا المحفل العظيم ~~كثرة جهلهم وقلة عقلهم، في عبادة هذه الأصنام التي لا تدفع عن نفسها ضرا ~~ولا تملك لها نصرا، فكيف يطلب منها شيء من ذلك؟ { قالوا أأنت ~~فعلت هذا بآلهتنا يإبراهيم * قال بل فعله ~~كبيرهم هذا } يعني الذي تركه لم يكسره، { فاسألوهم إن ~~كانوا ينطقون } ، وإنما أراد بهذا أن يبادروا من تلقاء أنفسهم ~~فيعترفوا أنهم لا ينطقون، وأن هذا لا يصدر عن هذا الصنم لأنه جماد. # وفي " الصحيحين " ، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله، قوله: { ~~بل فعله كبيرهم هذا } ، وقوله: { إني سقيم }. قال: ~~وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة ومعه (سارة) إذ نزل منزلا. فأتى ~~الجبار رجل فقال: إنه قد نزل ههنا رجل بأرضك معه امرأة أحسن الناس، ~~فأرسل إليه فجاءه، فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: أختي، قال: فاذهب فارسل ~~بها إلي، فانطلق إلى سارة فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك ms1585 فأخبرته أنك ~~أختي، فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، وإنه ليس في الأرض مسلم ~~غيري وغيرك، فانطلق بها إبراهيم ثم قام يصلي، فلما أن دخلت عليه فرآها ~~أهوى إليها فتناولها فأخذ أخذا شديدا، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، ~~فدعت له فأرسل، فأهوى إليها فتناولها، فأخذ بمثلها أو أشد، ففعل ذلك ~~الثالثة، فأخذ، فذكر مثل المرتين الأوليين، فقال: ادعي الله فلا أضرك، ~~فدعت له فأرسل، ثم دعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأتني بإنسان ولكنك ~~أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر، فأخرجت وأعطيت هاجر فأقبلت، فلما أحس ~~إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته وقال: مهيم، قالت: كفى الله كيد الكافر ~~الفاجر فأخدمني هاجر " # ، قال محمد بن سيرين: فكان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث قال: تلك أمكم ~~يا بني ماء السماء. ### || [21.64-67] # يقول تعالى مخبرا عن قوم إبراهيم حين قال لهم ما قال: { فرجعوا ~~إلى أنفسهم } أي بالملامة، فقالوا { إنكم أنتم ~~الظالمون } ، أي في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها، { ثم ~~نكسوا على رءوسهم } أي ثم أطرقوا في الأرض فقالوا { لقد ~~علمت ما هؤلاء ينطقون } ، قال قتادة: أدركت القوم حيرة ~~سوء فقالوا { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } ، وقال السدي ~~{ ثم نكسوا على رءوسهم }: أي في الفتنة، وقول قتادة أظهر ~~في المعنى لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزا، ولهذا قالوا له { لقد ~~علمت ما هؤلاء ينطقون } فكيف تقول لنا سلوهم إن كانوا ~~ينطقون وأنت تعلم أنها لا تنطق، فعندها قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك ~~{ أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا ~~يضركم }؟ أي إذا كانت لا تنطق وهي لا تنفع ولا تضر فلم تعبدونها من ~~دون الله؟ { أف لكم ولما تعبدون من دون الله ~~أفلا تعقلون }؟! أي أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر ~~الغليظ، الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟ فأقام عليهم الحجة وألزمهم ~~بها، ولهذا قال تعالى: # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه # [الأنعام: 83] الآية. ### || [21.68-70] # لما دحضت حجتهم وبان عجزهم وظهر الحق ms1586 واندفع الباطل، عدلوا إلى استعمال ~~جاه ملكهم فقالوا: { حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم ~~فاعلين } فجمعوا حطبا كثيرا جدا، قال السدي: حتى إن كانت المرأة ~~تمرض فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطبا لحريق إبراهيم، ثم جعلوه في جوبة من ~~الأرض وأضرموها نارا فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع لم توقد نار قط ~~مثلها، وجعلوا إبراهيم عليه السلام في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب ~~فارس من الأكراد، فلما ألقوه قال: حسبي الله ونعم الوكيل، روى البخاري عن ~~ابن عباس أنه قال: حسبي الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في ~~النار، وقالها محمد عليهما السلام حين قالوا: # إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل # [آل عمران: 173]، وروى الحافظ أبو يعلى، عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار، قال: اللهم إنك في السماء ~~واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك " # ، ويروى لما جعلوا يوثقونه قال: لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك ~~الملك لا شريك لك، وكان عمره إذ ذاك ست عشرة سنة. # وذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: ~~أما إليك فلا، وأما من الله فلي. ويروى عن ابن عباس قال: لما ألقي ~~إبراهيم جعل خازن المطر يقول: متى أومر بالمطر فأرسله، قال: فكان أمر ~~الله أسرع من أمره، قال الله: { ينار كوني بردا وسلما ~~على إبراهيم } قال: لم يبق نار في الأرض إلا طفئت، وقال كعب ~~الأحبار: لم تحرق النار من إبراهيم سوى وثاقه، وقال ابن عباس: لولا أن ~~الله عز وجل قال { وسلما } لآذى إبراهيم بردها، وقال أبو هريرة: ~~إن أحسن شيء قال أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وجده يرشح ~~جبينه قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم. وقال قتادة: لم يأت يومئذ ~~دابة إلا أطفأت عنه النار إلا الوزغ. وقال الزهري: أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقتله وسماه ms1587 فويسقا، وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار ~~غير الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم " # ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله. وقوله: { وأرادوا ~~به كيدا فجعلناهم الأخسرين } ، أي المغلوبين الأسفلين ~~لأنهم أرادوا بنبي الله كيدا، فكادهم الله ونجاه من النار فغلبوا هنالك، ~~وقال عطية العوفي: لما ألقي إبراهيم في النار جاء ملكهم لينظر إليه فطارت ~~شرارة فوقعت على إبهامه فأحرقته مثل الصوفة. ### || [21.71-75] # يقول تعالى مخبرا عن إبراهيم، أنه سلمه الله من نار قومه وأخرجه من بين ~~أظهرهم، مهاجرا إلى بلاد الشام إلى الأرض المقدسة منها، عن أبي بن كعب ~~قال: هي الشام، وما من ماء عذب إلا يخرج من تحت الصخرة، وقال قتادة: كان ~~بأرض العراق، فأنجاه الله إلى الشام، وكان يقال للشام أعقار دار الهجرة، ~~وما نقص من الأرض يزيد في الشام، وما نقص من الشام زيد في فلسطين، وكان ~~يقال هي أرض المحشر والمنشر وبها ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام وبها ~~يهلك المسيح الدجال، وقوله: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~نافلة } النافلة: ولد الولد يعني أن يعقوب ولد إسحاق، كما قال: # فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71]، وقال عبد الرحمن بن أسلم: سأل واحدا فقال: # رب هب لي من الصالحين # [الصافات: 100] فأعطاه الله إسحاق وزاده يعقوب نافلة، { وكلا ~~جعلنا صالحين } أي الجميع أهل خير وصلاح، { وجعلناهم ~~أئمة } أي يقتدى بهم { يهدون بأمرنا } أي يدعون إلى الله ~~بإذنه، ولهذا قال: { وأوحينآ إليهم فعل الخيرات ~~وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة } من باب عطف الخاص على ~~العام، { وكانوا لنا عابدين }: أي فاعلين لما يأمرون الناس به، ~~وكان قد آمن بإبراهيم عليه السلام واتبعه وهاجر معه، كما قال تعالى: # فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي # [العنكبوت: 26] فآتاه الله حكما وعلما وأوحى إليه وجعله نبيا وبعثه ~~إلى (سدوم) وأعمالها فخالفوه وكذبوه، فأهلكهم الله ودمر عليهم كما قص ~~خبرهم في غير موضع ms1588 من كتابه العزيز، ولهذا قال: { ونجيناه من ~~القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا ~~قوم سوء فاسقين * وأدخلناه في رحمتنآ إنه ~~من الصالحين }. ### || [21.76-77] # يخبر تعالى عن استجابته لعبده ورسوله نوح عليه السلام حين دعا على قومه ~~لما كذبوه. # فدعا ربه أني مغلوب فانتصر # [القمر: 10]، وقال نوح: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26]، ولهذا قال ههنا: { إذ نادى من قبل فاستجبنا ~~له فنجيناه وأهله } أي الذين آمنوا به، كما قال: # وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ومآ ~~آمن معه إلا قليل # [هود: 40]، وقوله: { من الكرب العظيم } أي من الشدة والتكذيب ~~والأذى فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عز وجل ~~فلم يؤمن به منهم إلا القليل، وكانوا يتصدون لأذاه ويتواصون قرنا بعد ~~قرن وجيلا بعد جيل على خلافه، وقوله: { ونصرناه من القوم } ~~أي ونجيناه وخلصناه منتصرا من القوم { الذين كذبوا بآياتنا ~~إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين } ، أي ~~أهلكهم الله بعامة، ولم يبق على وجه الأرض منهم أحد كما دعا عليهم نبيهم. ### || [21.78-82] # قال ابن عباس: النفش الرعي، وقال قتادة: النفش لا يكون إلا بالليل، ~~والهمل بالنهار، وعن ابن مسعود في قوله: { وداوود وسليمان إذ ~~يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم } قال: ~~كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته، قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم. فقال ~~سليمان: غير هذا يا نبي الله، قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب ~~الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب ~~منها حتى إذا كان الكرم كما كان، دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى ~~صحابها، فذلك قوله: { ففهمناها سليمان } وروى ابن أبي حاتم، ~~عن مسروق قال: الحرث الذي نفشت فيه الغنم إنما كان كرما فلم تدع فيه ~~ورقة ولا عنقودا من عنب إلا أكلته، فأتوا داود فأعطاهم رقابها، فقال ~~سليمان: لا، بل تؤخذ الغنم فيعطاها أهل الكرم، فيكون لهم لبنها ونفعها، ~~ويعطى أهل الغنم الكرم فيعمروه ويصلحوه حتى ms1589 يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه ~~الغنم، ثم يعطي أهل الغنم غنمهم وأهل الكرم كرمهم. # وقوله تعالى: { ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما ~~وعلما } قال ابن أبي حاتم: إن (إياس بن معاوية) لما استقضي أتاه ~~الحسن فبكى، فقال: ما يبكيك؟ قال: يا أبا سعيد بلغني أن القضاة: رجل ~~اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد ~~فأصاب فهو في الجنة، فقال الحسن البصري: إن فيما قص الله من نبأ داود ~~وسليمان عليهما السلام والأنبياء حكما يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم، ~~قال الله تعالى: { وداوود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين } فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود، ثم قال الحسن: إن الله ~~اتخذ على الحكام ثلاثا: لا يشتروا به ثمنا قليلا، ولا يتبعوا فيه ~~الهوى ولا يخشوا فيه أحدا ثم تلا: # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ~~الله # [ص: 26]، وقال: # فلا تخشوا الناس واخشون # [المائدة: 44]، وقال: # ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا # [المائدة: 44]. وفي " صحيح البخاري " عن عمرو بن العاص أنه قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر " # ، وفي " السنن ": القضاة ثلاثة قاض في الجنة وقاضيان في النار: رجل علم ~~الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ~~ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار، وقريب من هذه القصة المذكورة في ~~القرآن ما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " بينما امرأتان معهما ابنان لهما إذ جاء الذئب، فأخذ أحد الابنين، ~~فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا، فدعاهما سليمان، فقال: هاتوا ~~السكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها لا تشقه، فقضى به ~~للصغرى ". # وقوله تعالى: { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن ~~والطير } الآية، وذلك لطيب صوته بتلاوة الزبور، وكان ms1590 إذا ترنم به ~~تقف الطير في الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تأويبا، ولهذا لما مر ~~النبي صلى الله عليه وسلم على أبي موسى الأشعري وهو يتلو القرآن من ~~الليل، وكان له صوت طيب جدا، فوقف واستمع لقراءته، وقال: # " لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود " # ، قال: يا رسول الله لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا، وقوله: ~~{ وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم } يعني صنعة الدروع، قال قتادة: إنما كانت الدروع قبله صفائح ~~وهو أول من سردها حلقا، كما قال تعالى: # وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في ~~السرد # [سبأ: 10-11] أي لا توسع الحلقة فتفلق المسمار ولا تغلظ المسمار فتقد ~~الحلقة، ولهذا قال: { لتحصنكم من بأسكم } يعني في القتال، ~~{ فهل أنتم شاكرون } أي نعم الله عليكم لما ألهم به عبده داود ~~فعلمه ذلك من أجلكم، وقوله: { ولسليمان الريح عاصفة } أي ~~وسخرنا لسليمان الريح العاصفة { تجري بأمره إلى الأرض ~~التي باركنا فيها } يعني أرض الشام { وكنا بكل شيء ~~عالمين } ، وذلك أنه كان له بساط من خشب يوضع عليه كل ما يحتاج إليه ~~من أمور المملكة والخيل والجمال والخيام والجند، ثم يأمر الريح أن تحمله ~~فتدخل تحته ثم تحمل وترفعه وتسير به، وتظله الطير تقيه الحر إلى حيث يشاء ~~من الأرض، فينزل وتوضع آلاته وحشمه، قال الله تعالى: # فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء حيث أصاب # [ص: 36]، عن سعيد بن جبير قال: كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي فيجلس ~~مما يليه مؤمنو الإنس، ثم يجلس من ورائهم مؤمنو الجن، ثم يأمر الطير ~~فتظلهم، ثم يأمر الريح فتحملهم صلى الله عليه وسلم. وقوله: { ومن ~~الشياطين من يغوصون له } أي في الماء يستخرجون اللآلئ، ~~والجواهر وغير ذلك، { ويعملون عملا دون ذلك } أي غير ذلك ~~كما قال تعالى: # والشياطين كل بنآء وغواص * وآخرين مقرنين ~~في الأصفاد # [ص: 37-38]، وقوله: { وكنا لهم حافظين } أي يحرسه الله أن ~~يناله أحد من الشياطين بسوء، بل كل في قبضته وتحت فهره لا يتجاسر أحد ~~منهم ms1591 على الدنو إليه والقرب منه، بل هو يحكم فيهم إن شاء أطلق وإن شاء ~~حبس منهم من يشاء، ولهذا قال: # وآخرين مقرنين في الأصفاد # [ص: 38]. ### || [21.83-84] # يذكر تعالى عن أيوب عليه السلام ما كان أصابه من البلاء من ماله وولده ~~وجسده؛ وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير وأولاد كثيرة ~~ومنازل مرضية، فابتلي في ذلك كله وذهب عن آخره. وقد روي أنه مكث في ~~البلاء مدة طويلة، ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من ~~إخوانه كانا من أخص إخوانه له، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما ~~لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال ~~له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، ~~فلما راحا إليه لم يصبر الرجل، حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب عليه السلام: ~~ما أدري ما تقول غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين ~~يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكرا ~~الله إلا في حق. قال ابن عباس: ورد عليه ماله عيانا ومثلهم معهم، وقال ~~وهب بن منبه: أوحى الله إلى أيوب: قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم، ~~فاغتسل بهذا الماء، فإن فيه شفاءك، وقرب عن صحابتك قربانا واستغفر لهم ~~فإنهم قد عصوني فيك، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادا من ذهب، فجعل يأخذ منه بيده ~~ويجعله في ثوبه قال: فقيل له: يا أيوب أما تشبع؟ قال: يا رب ومن يشبع من ~~رحمتك " # وقوله: { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } قد تقدم عن ~~ابن عباس أنه قال: ردوا عليه بأعينهم، وقد زعم بعضهم أن اسم زوجته (رحمة) ~~ويقال (ليا) نبت يعقوب عليه السلام، وقال مجاهد: قيل له: يا أيوب إن أهلك ~~في الجنة، فإن شئت أتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك ~~مثلهم، قال: لا بل أتركهم في الجنة، فتركوا ms1592 له في الجنة، وعوض مثلهم في ~~الدنيا، وقوله: { رحمة من عندنا } أي فعلنا به ذلك رحمة من ~~الله به { وذكرى للعابدين } أي وجعلناه في ذلك قدوة لئلا يظن ~~أهل البلاء أنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على ~~مقدورات الله، وابتلائه لعباده بما يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك. ### || [21.85-86] # وأما إسماعيل فالمراد به ابن إبراهيم الخليل عليهما السلام، وقد تقدم ~~ذكره في سورة مريم، وكذا إدريس عليه السلام. وأما ذو الكفل فالظاهر من ~~السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي، وقال آخرون: إنما كان رجلا ~~صالحا وكان ملكا عادلا وحكما مقسطا؛ وتوقف ابن جرير في ذلك فالله ~~أعلم. قال مجاهد في قوله: { وذا الكفل } قال: رجل صالح غير نبي ~~تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه، ويقيمهم له، ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ~~ذلك، فسمي ذا الكفل. وقال ابن أبي حاتم، عن كنانة بن الأخنس قال: سمعت ~~الأشعري وهو يقول على هذا المنبر: ما كان ذو الكفل بنبي ولكن كان - يعني ~~في بني إسرائيل - رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من ~~بعده، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة فسمي ذا الكفل. ### || [21.87-88] # هذه القصة مذكورة ههنا وفي الصافات وفي سورة ن، وذلك أن (يونس بن متى) ~~عليه السلام بعثه الله إلى أهل نينوى، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم ~~إلى الله تعالى، فأبوا عليه، وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم ~~مغاضبا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك وعلموا أن ~~النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، ثم تضرعوا ~~إلى الله عز وجل، وجأروا إليه فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: # فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ~~قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين # [يونس: 98]. # وأما يونس عليه السلام فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة، فلججت بهم، ~~وخافوا أن يغرقوا، فاقترعوا على رجل يلقونه من ms1593 بينهم يتخففون منه، فوقعت ~~القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضا، فأبوا، ~~ثم أعادوها فوقعت عليه أيضا، قال الله تعالى: # فساهم فكان من المدحضين # [الصافات: 141]، فقام يونس عليه السلام وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في ~~البحر، وقد أرسل الله سبحانه حوتا يشق البحار، حتى جاء فالتقم (يونس) ~~حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت أن لا تأكل له لحما ~~ولا تهشم له عظما، فإن يونس ليس لك رزقا، وإنما بطنك تكون له سجنا، ~~وقوله: { وذا النون } يعني الحوت صحت الإضافة إليه بهذه النسبة، ~~وقوله: { إذ ذهب مغاضبا } قال الضحاك: لقومه { فظن أن ~~لن نقدر عليه } أي نضيق عليه في بطن الحوت، وقال عطية ~~العوفي: أي نقضي عليه، فإن العرب تقول: قدر وقدر بمعنى واحد. ومنه قوله ~~تعالى: # فالتقى المآء على أمر قد قدر # [القمر: 12]: أي قدر، وقوله: { فنادى في الظلمات أن لا ~~إله إلا أنت } قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، ~~وظلمة الليل، وذلك أنه ذهب به الحوت في البحار يشقها حتى انتهى به إلى ~~قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك قال: { لا ~~إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } ، ~~وقيل: مكث في بطن الحوت أربعين يوما، وقوله: { فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم } أخرجناه من بطن الحوت وتلك الظلمات { ~~وكذلك ننجي المؤمنين } أي إذا كانوا في الشدائد ودعونا ~~منيبين إلينا. قال صلى الله عليه وسلم: # " دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت: { لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين } ، فإنه لم يدع بها مسلم ~~ربه في شيء إلى استجاب له " # وفي الحديث: # " من دعا بدعاء يونس استجيب له " # ، قال أبو سعيد يريد به { وكذلك ننجي المؤمنين }. وعن ~~سعيد بن أبي وقاص. وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " " اسم الله الذي دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى " ~~قال: قلت يا رسول الله هي ليونس خاصة ms1594 أم لجماعة المسلمين؟ قال: " هي ~~ليونس بن متى خاصة، ولجماعة المؤمنين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول ~~الله عز وجل: { فنادى في الظلمات أن لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا ~~له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين } ~~، فهو شرط من الله لمن دعاه به " ". ### || [21.89-90] # يخبر تعالى عن عبده زكريا حين طلب أن يهبه الله ولدا يكون من بعده ~~نبيا، { إذ نادى ربه } أي خفية عن قومه { رب لا تذرني ~~فردا } أي ولا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في الناس { وأنت خير ~~الوارثين } دعاء وثناء مناسب للمسألة، قال الله تعالى: { ~~فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له ~~زوجه } أي امرأته، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: كانت عاقرا ~~لا تلد فولدت. وقال عطاء: كان في لسانها طول، فأصلحها الله، وفي رواية: ~~كان في خلقها شيء فأصلحها الله، والأظهر من السياق؛ الأول، وقوله: { ~~إنهم كانوا يسارعون في الخيرات }: أي في عمل القربات ~~وفعل الطاعات { ويدعوننا رغبا ورهبا } قال الثوري: رغبا ~~فيما عندنا، ورهبا مما عندنا { وكانوا لنا خاشعين } ، قال ابن ~~عباس: أي مصدقين بما أنزل الله، وقال مجاهد: مؤمنين حقا، وقال أبو ~~العالية: خائفين، وقال الحسن وقتادة والضحاك { خاشعين }: أي متذللين ~~لله عز وجل، وكل هذه الأقوال متقاربة. وروى ابن أبي حاتم، عن عبد الله ~~بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر رضي الله عنه ثم قال: أما بعد فإني أوصيكم ~~بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا ~~الإلحاف بالمسألة فإن الله عز وجل أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: { ~~إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا ~~رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين }. ### || [21.91] # هكذا يذكر تعالى قصة مريم وابنها عيسى عليهما السلام، مقرونة بقصة زكريا ~~وابنه يحيى عليهما السلام، فيذكر أولا قصة زكريا، ثم يتبعها بقصة مريم، ~~لأن تلك مربوطة بهذه، فإنها إيجاد ولد من شيخ كبير قد طعن في السن، ومن ~~امرأة عجوز عاقر، لم تكن تلد في حال شبابها، ms1595 ثم يذكر قصة مريم، وهي أعجب، ~~فإنها إيجاد ولد من أنثى بلا ذكر، قال تعالى: { والتي أحصنت ~~فرجها } يعني مريم عليها السلام، كما قال في سورة التحريم: # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه من روحنا # [الآية: 12]، وقوله: { جعلناها وابنهآ آية للعالمين } ~~أي دلالة على أن الله على كل شيء قدير، وأنه يخلق ما يشاء، وإنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، وهذا كقوله # ولنجعله آية للناس # [مريم: 21] قال ابن عباس في قوله: { للعالمين } قال: العالمين ~~الجن والإنس. ### || [21.92-94] # قال ابن عباس { إن هذه أمتكم أمة واحدة } يقول: ~~دينكم دين واحد، أي هذه شريعتكم التي بينت لكم ووضحت لكم. وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد " # ، يعني أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله، ~~كما قال تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48]، وقوله: { وتقطعوا أمرهم بينهم } أي ~~اختلفت الأمم على رسلها فمن بين مصدق لهم ومكذب، ولهذا قال: { كل ~~إلينا راجعون } أي يوم القيامة فيجازى كل بحسب عمله إن خيرا ~~فخير وإن شرا فشر، ولهذا قال: { فمن يعمل من الصالحات ~~وهو مؤمن } أي قلبه مصدق وعمل عملا صالحا { فلا كفران ~~لسعيه } ، كقوله: # إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا # [الكهف: 30] أي لا يكفر سعيه وهو عمله، بل يشكر فلا يظلم مثقال ذرة، ~~ولهذا قال: { وإنا له كاتبون } أي يكتب جميع عمله فلا يضيع ~~عليه منه شيء. ### || [21.95-97] # يقول تعالى: { وحرام على قرية } قال ابن عباس: وجب، يعني قد ~~قدر أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة، ~~وفي رواية عن ابن عباس أنهم لا يرجعون أي لا يتوبون، والقول الأول أظهر ~~والله أعلم، وقوله: { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج } قد ~~قدمنا أنهم من سلالة آدم عليه السلام، بل هم من نسل نوح أيضا من أولاد ~~(يافث) أي أبي الترك، والترك شرذمة منهم، { حتى إذا فتحت ~~يأجوج ومأجوج وهم ms1596 من كل حدب ينسلون } أي يسرعون ~~في المشي إلى الفساد، والحدب هو المرتفع من الأرض. وهذه صفتهم في حال ~~خروجهم، كأن السامع مشاهد لذلك # ولا ينبئك مثل خبير # [فاطر: 14] هذا إخبار الذي يعلم غيب السماوات والأرض لا إله إلا هو، ~~وقال ابن جرير: رأى ابن عباس صبيانا ينزو بعضهم على بعض يلعبون، فقال ~~ابن عباس: هكذا يخرج يأجوج ومأجوج، وقد ورد ذكر خروجهم في أحاديث متعددة ~~من السنة النبوية، فروى الإمام أحمد. عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " تفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس، كما قال الله عز وجل: { ~~وهم من كل حدب ينسلون } فيغشون الناس وينحاز المسلمون ~~عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض، حتى ~~إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسا، حتى إن من بعدهم ~~ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان ههنا ماء مرة، حتى إذا لم يبق من الناس ~~أحد إلا أحد في حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم ~~بقي أهل السماء، قال: ثم يهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء فترجع ~~إليه مخضبة دما للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك بعث الله عز وجل ~~دودا في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقه. فيصبحون موتى لا يسمع ~~لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو، ~~قال: فينحدر رجل منهم محتسبا نفسه قد أوطنها على أنه مقتول فينزل، ~~فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين ألا أبشروا إن الله ~~عز وجل قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم ويسرحون مواشيهم، ~~فما يكون لهم رعي إلا لحومهم فتشكر عنهم كأحسن ما شكرت عن شيء من النبات ~~أصابته قط ". # وفي حديث الدجال: # " فبينما هم كذلك إذ أوحى الله عز وجل إلى عيسى ابن مريم عليه السلام ~~أني قد أخرجت عبادا من عبادي لا يدان لك بقتالهم، فحرر عبادي إلى الطور ~~فيبعث الله ms1597 عز وجل يأجوج ومأجوج، كما قال تعالى: { وهم من كل ~~حدب ينسلون } فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله عز وجل، فيرسل عليهم ~~نغفا في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابه، ~~فلا يجدون في الأرض بيتا إلا قد ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب عيسى وأصحابه ~~إلى الله عز وجل، فيرسل الله عليهم طيرا كأعناق البخت فتحملهم ~~فتطرحهم حيث شاء الله " # ، قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره قال: ~~فتطرحهم بالمهيل. قال ابن جابر، فقلت: يا أبا يزيد وأين المهيل؟ قال: ~~مطلع الشمس، قال: # " ويرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر أربعين يوما، فيغسل ~~الأرض حتى يتركها كالزلقة، ويقال للأرض انبتي ثمرك ودري بركتك، قال: ~~فيومئذ يأكل النفر من الرمانة، فيستظلون بقحفها ويبارك في الرسل، حتى إن ~~اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر تكفي الفخذ، ~~والشاة من الغنم تكفي أهل البيت، قال: فبينما هم على ذلك إذ بعث الله عز ~~وجل ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم - أو كما قال مؤمن ~~- ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم الساعة ". # وقد ثبت في الحديث أن عيسى ابن مريم يحج البيت العتيق، وعن أبي سعيد ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج " # وقوله: { واقترب الوعد الحق } يعني يوم القيامة إذا حصلت ~~هذه الأهوال والزلازل والبلابل أزفت الساعة واقتربت، فإذا كانت ووقعت، ~~قال الكافرون: هذا يوم عسر، ولهذا قال تعالى: { فإذا هي شاخصة ~~أبصار الذين كفروا } أي من شدة ما يشاهدونه من الأمور ~~العظام، { يويلنا } أي يقولون يا ويلنا { قد كنا في غفلة ~~من هذا } أي في الدنيا { بل كنا ظالمين } يعترفون بظلمهم ~~لأنفسهم حيث لا ينفعهم ذلك. ### || [21.98-103] # يقول تعالى: مخاطبا لأهل مكة من مشركي قريش { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم } قال ابن عباس: أي ~~وقودها، يعني كقوله: # وقودها الناس والحجارة # [البقرة: 24]. وفي رواية قال: ms1598 { حصب جهنم } يعني حطب جهنم. وقال ~~الضحاك { حصب جهنم }: أي ما يرمى به فيها، والجميع قريب، وقوله: ~~{ أنتم لها واردون }: أي داخلون، { لو كان هؤلاء ~~آلهة ما وردوها } يعني لو كانت هذه الأصنام والأنداد آلهة صحيحة ~~لما وردوا النار وما دخلوها، { وكل فيها خالدون }: أي العابدون ~~ومعبوداتهم كلهم فيها خالدون، { لهم فيها زفير } كما قال تعالى: # لهم فيها زفير وشهيق # [هود: 106]، والزفير: خروج أنفاسهم، والشهيق ولوج أنفاسهم { وهم ~~فيها لا يسمعون } ، قال ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود: إذا بقي من ~~يخلد في النار جعلوا في توابيت من نار فيها مسامير من نار، فلا يرى أحد ~~منهم أنه يعذب في النار غيره، ثم تلا عبد الله: { لهم فيها زفير ~~وهم فيها لا يسمعون } ، وقوله: { إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى } قال عكرمة: الرحمة، وقال غيره: السعادة { ~~أولئك عنها مبعدون }. لما ذكر تعالى أهل النار وعذابهم ~~بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسوله، وهم الذين ~~سبقت لهم من الله السعادة وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا كما قال ~~تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]، وقال: # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60]، فكما أحسنوا العمل في الدنيا أحسن الله مآبهم وثوابهم ~~ونجاهم من العذاب وحصل لهم جزيل الثواب، فقال: { أولئك عنها ~~مبعدون * لا يسمعون حسيسها } أي حريقها في الأجساد، عن ~~أبي عثمان { لا يسمعون حسيسها } قال: حيات على الصراط تلسعهم، ~~فإذا لسعتهم قال حس حس، وقوله: { وهم في ما اشتهت أنفسهم ~~خالدون } فسلمهم من المحذور والمرهوب، وحصل لهم المطلوب والمحبوب. # قال ابن عباس: { أولئك عنها مبعدون } فأولئك أولياء الله ~~يمرون على الصراط مرا هو أسرع من البرق، ويبقى الكفار فيها جثيا، فهذا ~~مطابق لما ذكرناه. وقال آخرون: بل نزلت استثناء من المعبودين، وخرج منهم ~~عزير والمسيح كما قال ابن عباس { إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم أنتم لها واردون } ، ثم استثنى، فقال: ~~{ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } فيقال: هم ~~الملائكة وعيسى نحو ذلك مما يعبد من دون ms1599 الله عز وجل، وقال الضحاك عن ~~ابن عباس في قوله: { إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى } قال: نزلت في عيسى ابن مريم وعزير عليهما السلام. وقال ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد { أولئك عنها مبعدون } قال: عيسى وعزير ~~والملائكة، وقال الضحاك: عيسى ومريم والملائكة والشمس والقمر. والآية ~~إنما نزلت خطابا لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل ~~ليكون ذلك تقريعا وتوبيخا لعابديها، ولهذا قال: { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم } فكيف يورد على هذا ~~المسيح والعزير ونحوهما ممن له عمل صالح ولم يرض بعبادة من عبده؟ وعول ~~ابن جرير في تفسيره في الجواب على أن (ما) لما لا يعقل عند العرب. # وقوله: { لا يحزنهم الفزع الأكبر } قيل: المراد بذلك ~~الموت، قاله عطاء. وقيل: المراد بالفزع الأكبر النفخة في الصور، قاله ابن ~~عباس واختاره ابن جرير في تفسيره. وقيل: حين يؤمر بالعبد إلى النار، قاله ~~الحسن البصري؛ وقيل: حين تطبق النار على أهلها، قاله سعيد بن جبير وابن ~~جريج، وقوله: { وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم ~~الذي كنتم توعدون } يعني تقول لهم الملائكة تبشرهم يوم معادهم ~~إذا خجروا من قبورهم { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } ~~أي فأملوا ما يسركم. ### || [21.104] # يقول تعالى: هذا كائن يوم القيامة { يوم نطوي السمآء كطي ~~السجل للكتب } ، كما قال تعالى: # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسموت مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون # [الزمر: 67] عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السماوات بيمينه " # وعن ابن عباس قال: يطوي الله السماوات السبع بما فيها من الخليقة ~~والأرضين السبع بما فيها من الخليقة يطوي ذلك كله بيمينه يكون ذلك كله في ~~يده بمنزلة خردلة. وقوله: { كطي السجل للكتب } قيل: المراد ~~بالسجل الكتاب، وقيل: المراد بالسجل ههنا ملك من الملائكة، والصحيح عن ~~ابن عباس أن السجل هي الصحيفة، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد، ~~واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة؛ ms1600 فعلى هذا يكون معنى الكلام؛ يوم ~~نطوي السماء كطي السجل للكتاب، أي على الكتاب بمعنى المكتوب كقوله: # فلما أسلما وتله للجبين # [الصافات: 103] أي على الجبين، وله نظائر في اللغة، والله أعلم. وقوله: ~~{ كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا ~~كنا فاعلين } يعني هذا كائن لا محالة يوم يعيد الله الخلائق خلقا ~~جديدا كما بدأهم هو القادر على إعادتهم، وذلك واجب الوقوع لأنه من جملة ~~وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل وهو القادر على ذلك، ولهذا قال: { إنا ~~كنا فاعلين }. عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بموعظة فقال: # " إنكم محشورون إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلا، كما بدأنا أول خلق ~~نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " # ، وذكر تمام الحديث، قال ابن عباس في قوله { كما بدأنآ أول ~~خلق نعيده } قال: يهلك كل شيء كما كان أول مرة. ### || [21.105-107] # يقول تعالى مخبرا عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا ~~والآخرة ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة كقوله تعالى: # إن الأرض لله يورثها من يشآء من عباده ~~والعاقبة للمتقين # [الأعراف: 128] وقال: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # [غافر: 51]، وقال: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم # [النور: 55]، وأخبر تعالى أن هذا مسطور في الكتب الشرعية والقدرية وهو ~~كائن لا محالة، ولهذا قال تعالى: { ولقد كتبنا في الزبور ~~من بعد الذكر }. قال مجاهد: الزبور الكتاب، وقال ابن عباس ~~والحسن: { الزبور } الذي أنزل على داود و { الذكر } التوراة، وعن ~~ابن عباس: الذكر والقرآن. وقال سعيد بن جبير: الذكر الذي في السماء، وقال ~~مجاهد: الزبور الكتب، والذكر أم الكتاب عند الله، واختار ذلك ابن جرير ~~رحمه الله، وكذا قال زيد بن أسلم هو الكتاب الأول، وقال الثوري: هو اللوح ~~المحفوظ. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الزبور الكتب التي أنزلت على ~~الأنبياء، والذكر أم الكتاب الذي ms1601 يكتب فيه الأشياء قبل ذلك، أخبر الله ~~سبحانه وتعالى في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات ~~والأرض أن يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأرض، ويدخلهم الجنة وهم ~~الصالحون. وقال ابن عباس { أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون } قال: أرض الجنة، وقال أبو الدرداء: نحن الصالحون، وقال ~~السدي: هم المؤمنون. وقوله { إن في هذا لبلاغا لقوم ~~عابدين } أي إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم { لبلاغا } لمنفعة وكفاية { لقوم عابدين } وهم ~~الذين عبدوا الله فيما شرعه وأحبه ورضيه وآثروا طاعة الله على طاعة ~~الشيطان وشهوات أنفسهم. وقوله: { ومآ أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين } يخبر تعالى أن الله جعل محمدا صلى الله عليه وسلم ~~رحمة للعالمين أي أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه ~~النعمة سعد في الدنيا والآخرة، من ردها وجحدها خسر الدنيا والآخرة، كما ~~قال تعالى: # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها ~~وبئس القرار # [إبراهيم: 28-29]. # وقال تعالى في صفة القرآن: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ~~أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت: 44]. وقال مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله ~~ادع على المشركين، قال: # " إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة " # ، وفي الحديث الآخر: # " إنما أنا رحمة مهداة " # ، وفي الحديث الذي رواه الطبراني: # " إني رحمة بعثني الله ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء: ~~أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر ~~الناس على قدمي، وأنا العاقب " # وفي الحديث رواه الإمام أحمد: # " إيما رجل سببته في غضبي أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم، ~~أغضب كما تغضبون وإنما بعثني الله رحمة للعالمين، فأجعلها صلاة عليه يوم ~~القيامة " # ، فإن قيل: فأي رحمة حصلت لمن كفر به؟ فالجواب ما رواه أبو جعفر بن جرير ~~عن ابن عباس في قوله: { ومآ أرسلناك ms1602 إلا رحمة ~~للعالمين } قال: ومن آمن بالله واليوم الآخر يكتب له الرحمة في ~~الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف ~~والقذف. ### || [21.108-112] # يقول تعالى آمرا رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن يقول للمشركين { ~~إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد فهل ~~أنتم مسلمون }؟ أي متبعون على ذلك مستسلمون منقادون له، { فإن ~~تولوا } أي تركوا ما دعوتهم إليه { فقل آذنتكم على ~~سوآء } أي أعلمتكم أني حرب لكم كما أنتم حرب لي، بريء منكم كما أنتم ~~براء مني، كقوله: # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم ~~بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما تعملون # [يونس: 41]، وقال: # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء # [الأنفال: 58]، أي ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء وهكذا ههنا ~~{ فإن تولوا فقل آذنتكم على سوآء } أي أعلمتكم ~~ببراءتي منكم وبراءتكم مني لعلمي بذلك، وقوله: { وإن أدري ~~أقريب أم بعيد ما توعدون } أي هو واقع لا محالة ولكن لا ~~علم لي بقربه ولا ببعده، { إنه يعلم الجهر من القول ~~ويعلم ما تكتمون } أي إن الله يعلم الغيب جميعه، ويعلم ما ~~يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ~~ما العباد عاملون في إجهارهم وإسرارهم، وسيجزيهم على ذلك القليل والجليل. ~~وقوله: { وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى ~~حين } أي وما أدري لعل هذا فتنة لكم ومتاع إلى حين، قال ابن جرير: لعل ~~تأخير ذلك عنكم فتنة لكم ومتاع إلى أجل مسمى. { قال رب احكم ~~بالحق } أي افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق، قال قتادة: كانت ~~الأنبياء عليهم السلام يقولون: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # [الأعراف: 89]، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك. وعن ~~مالك، عن زيد بن أسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهد غزاة ~~قال: { رب احكم بالحق } ، وقوله: { وربنا الرحمن ~~المستعان على ما تصفون } أي على ما يقولون ويفترون من ~~الكذب، ويتنوعون في مقامات التكذيب ms1603 والإفك، والله المستعان عليكم في ذلك. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-2] # يقول تعالى آمرا عباده بتقواه، ومخبرا لهم بما يستقبلون من أهوال يوم ~~القيامة وأحوالها، وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة، هل هي بعد قيام ~~الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة، أو ذلك عبارة عن زلزلة ~~الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم، كما قال تعالى: # إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض ~~أثقالها # [الزلزلة: 1-2]، وقال تعالى: # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة * ~~فيومئذ وقعت الواقعة # [الحاقة: 14-15] الآية، فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر ~~الدنيا وأول أحوال الساعة، عن علقمة في قوله: { إن زلزلة ~~الساعة شيء عظيم } قال: قبل الساعة. وعن عامر الشعبي قال: هذا ~~في الدنيا قبل يوم القيامة، وقد أورد الإمام ابن جرير في حديث الصور عن ~~أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصور فأعطاه إسرافيل، ~~فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر " # قال أبو هريرة: # " يا رسول الله! وما الصور؟ قال: " قرن " ، قال: فكيف هو؟ قال: " قرن ~~عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، ~~والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، ~~فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله، ~~ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر، وهي التي يقول الله تعالى: { وما ~~ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق } ، ~~فتسير الجبال فتكون ترابا، وترج الأرض بأهلها رجا وهي التي يقول الله ~~تعالى: { يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * ~~قلوب يومئذ واجفة } ، فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر ~~تضربها الأمواج تكفؤها بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح، ~~فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير ~~الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع ~~ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهي التي يقول الله تعالى: { ~~يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من ms1604 ~~الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد }. ~~فبينما هم على ذلك إذ انصدعت الأرض من قطر إلى قطر ورأوا أمرا عظيما، ~~فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي ~~كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها وانتثرت نجومها ثم كشطت عنهم - قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك " ، قال أبو ~~هريرة: فمن استثنى الله حين يقول: { ففزع من في السموت ~~ومن في الأرض إلا من شآء } قال: " أولئك الشهداء، وإنما يصل ~~الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون ووقاهم الله شر ذلك ~~اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه وهو الذي يقول الله: { ~~يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ ~~أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } ~~" # وهذا الحديث دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة. أضيفت إلى ~~الساعة لقربها منها، كما يقال أشراط الساعة ونحو ذلك والله أعلم. # وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال كائن يوم القيامة في العرصات بعد ~~القيام من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث. # (الحديث الأول): عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما ~~نزلت { يأيها الناس اتقوا ربكم } إلى قوله { ~~ولكن عذاب الله شديد } قال: نزلت عليه هذه الآية وهو في ~~سفر فقال: # " " أتدرون أي يوم ذلك "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " ذلك يوم يقول ~~الله لآدم ابعث بعث النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة ~~وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة " ، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان ~~بين يديها جاهلية، قال فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من ~~المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو ~~كالشامة في جنب البعير ms1605 " ، ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ~~" ، فكبروا، ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة " ، فكبروا، ثم ~~قال: " إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة " ، فكبروا، ثم قال: ولا أدري ~~أقال الثلثين أم لا؟ ". # (الحديث الثاني): قال البخاري عند تفسير هذه الآية، عن أبي سعيد الخدري ~~قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك، ~~فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب ~~وما بعث النار؟ قال: من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعون، ~~فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد { وترى الناس سكارى ~~وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } " # فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " " من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس ~~كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور ~~الأسود، إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال: ثلث أهل ~~الجنة، فكبرنا، ثم قال: شطر أهل الجنة " فكبرنا ". # (الحديث الثالث): عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " إنكم تحشرون إلى الله يوم القيامة حفاة عراة غرلا " قالت عائشة: يا ~~رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض، قال: " يا عائشة إن الأمر ~~أشد من أن يهمهم ذاك " ". # (الحديث الرابع): عن عائشة قالت، قلت: يا رسول الله هل يذكر الحبيب ~~حبيبه يوم القيامة؟ قال: # " يا عائشة أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، ~~وأما عند تطاير الكتب إما يعطى بيمينه وإما يعطى بشماله فلا، وحين يخرج ~~عنق من النار فيطوى عليهم ويتغيظ عليهم ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، ~~وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بمن ادعى مع الله إلها آخر، ووكلت بمن ~~لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد - قال: فينطوي عليهم ويرميهم ~~في غمرات جهنم، ولجهنم جسر أرق من الشعر وأحد من السيف ms1606 عليه كلاليب وحسك ~~يأخذان من شاء الله، والناس عليه كالبرق وكالطرف وكالريح وكأجاويد الخيل ~~والركاب، والملائكة يقولون: يا رب سلم سلم، فناج مسلم ومخدوش مسلم، ~~ومكور في النار على وجهه " # والأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار كثيرة جدا لها موضع آخر، ولهذا ~~قال الله تعالى: { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } أي أمر ~~عظيم وخطب جليل، والزلزال هو ما يحصل للنفوس من الرعب والفزع، كما قال ~~تعالى: # هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا # [الأحزاب: 11]، ثم قال تعالى: { يوم ترونها } هذا من باب ضمير ~~الشأن، ولهذا قال مفسرا له: { تذهل كل مرضعة عمآ ~~أرضعت } أي فتشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها، والتي هي أشفق ~~عليه تدهش عنه في حال إرضاعها له، ولهذا قال: { كل مرضعة } ولم ~~يقل مرضع، وقال { عمآ أرضعت } أي عن رضيعها وفطامه، وقوله { ~~وتضع كل ذات حمل حملها } أي قبل تمامه لشدة الهول { ~~وترى الناس سكارى } أي من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه قد دهشت ~~عقولهم، وغابت أذهانهم فمن رآهم حسب أنهم سكارى { وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد }. ### || [22.3-4] # يقول تعالى ذاما لمن كذب بالبعث وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى { ~~ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } أي علم ~~صحيح، { ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه } قال ~~مجاهد يعني الشيطان، يعني كتب عليه كتابة قدرية { أنه من تولاه ~~} أي اتبعه وقلده { فأنه يضله ويهديه إلى عذاب ~~السعير } أي يضله في الدنيا ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، وهو ~~الحار المؤلم المزعج، قال السدي: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، ~~وروى أبو كعب المكي قال: قال خبيث من خبثاء قريش: أخبرنا عن ربكم من ذهب ~~هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو؟ فتقعقعت السماء قعقعة - والقعقعة في ~~كلام العرب الرعد - فإذا قحف رأسه ساقط بين يديه وقال مجاهد: جاء يهودي ~~فقال يا محمد: أخبرني عن ربك، من أي شيء هو؟ من در أم ياقوت؟ قال: فجاءت ~~صاعقة فأخذته. ### || [22.5-7] # لما ms1607 ذكر تعالى المخالف للبعث المنكر للمعاد، ذكر تعالى الدليل على قدرته ~~تعالى على المعاد، بما يشاهد من بدئه للخلق فقال: { يأيها الناس ~~إن كنتم في ريب } أي في شك، { من البعث } وهو المعاد، ~~وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة، { فإنا خلقناكم من ~~تراب } أي أصل برئه لكم من تراب وهو الذي خلق منه آدم عليه السلام، { ~~ثم من نطفة } أي ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، { ثم ~~من علقة ثم من مضغة } ، وذلك أنه إذا استقرت النطفة في ~~رحم المرأة مكثت أربعين يوما كذلك يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب ~~علقة حمراء بإذن الله فتمكث كذلك أربعين يوما، ثم تستحيل فتصير مضغة ~~قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في التشكيل والتخطيط فيصور ~~منها رأس ويدان وصدر وبطن وفخذان وجلان وسائر الأعضاء، فتارة تسقطها ~~المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ~~ولهذا قال تعالى: { ثم من مضغة مخلقة وغير ~~مخلقة } أي كما تشاهدونها، { لنبين لكم ونقر في ~~الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى } أي وتارة تستقر في ~~الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: { ~~مخلقة وغير مخلقة } قال: هو السقط مخلوق وغير مخلوق، ~~فإذا مضى عليها أربعون يوما وهي مضغة أرسل الله تعالى ملكا إليها فنفخ ~~فيها الروح وسواها كما يشاء الله عز وجل، من حسن وقبح وذكر وأنثى، وكتب ~~رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد، كما ثبت في " الصحيحين " عن ابن مسعود قال: ~~حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: # " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة نطفة، ثم يكون علقة مثل ~~ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات ~~فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح ". # وروى ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن مسعود قال: النطفة إذا استقرت في ~~الرحم جاءها ملك بكفه، فقال: يا رب مخلقة أو غير ms1608 مخلقة؟ فإن قيل: غير ~~مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دما، وإن قيل: مخلقة، قال: أي رب ذكر ~~أو أنثى، شقي أو سعيد، ما الأجل وما الأثر؟ وبأي أرض يموت؟ قال، فيقال ~~للنطفة من ربك؟ فتقول: الله، فيقال من رازقك؟ فتقول: الله، فيقال له: ~~اذهب إلى الكتاب فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتخلق فتعيش في ~~أجلها وتأكل رزقها، وتطأ أثرها حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك؛ ثم ~~تلا عامر الشعبي: { يأيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير ~~مخلقة } ، وقال ابن أبي حاتم، عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين يوما أو خمس ~~وأربعين فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقول الله: ويكتبان فيقول: أذكر أم ~~أنثى؟ فيقول الله، ويكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه وأجله، ثم تطوى ~~الصحف، فلا يزاد على ما فيها ولا ينتقص " # { ثم نخرجكم طفلا } أي ضعيفا في بدنه وسمعه وبصره وحواسه، ~~ثم يعطيه الله القوة شيئا فشيئا، ويلطف به ويحنن عليه والديه، ولهذا ~~قال { ثم لتبلغوا أشدكم } أي بتكامل القوى، ويتزايد ويصل ~~إلى عنفوان الشباب وحسن المنظر، { ومنكم من يتوفى } أي في ~~حال شبابه وقواه، { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } ~~وهو الشيخوخة والهرم وضعف القوة والعقل والفهم وتناقص الأحوال من الخرف ~~وضعف الفكر، ولهذا قال: { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ~~} ، كما قال تعالى: # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة # [الروم: 54]. # وقوله تعالى: { وترى الأرض هامدة } هذا دليل آخر على قدرته ~~تعالى على إحياء الموتى، كما يحيي الأرض الميتة الهامدة وهي المقحلة التي ~~لا ينبت فيها شيء. وقال قتادة: غبراء متهشمة، وقال السدي: ميتة، { ~~فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت ~~من كل زوج بهيج }: أي فإذا أنزل الله ms1609 عليها المطر { اهتزت ~~} أي تحركت بالنبات وحييت بعد موتها، { وربت } أي ارتفعت لما سكن ~~فيها الثرى، ثم أنبتت ما فيها من ثمار وزروع، وأشتات النبات في اختلاف ~~ألوانها وطعومها، وروائحها وأشكالها ومنافعها، ولهذا قال تعالى: { ~~وأنبتت من كل زوج بهيج } أي حسن المنظر طيب الريح، وقوله: ~~{ ذلك بأن الله هو الحق } أي الخالق المدبر الفعال لما ~~يشاء، { وأنه يحيي الموتى } أي كما أحيا الأرض الميتة ~~وأنبت منها هذه الأنواع # إن الذي أحياها لمحى الموتى إنه على كل ~~شيء قدير # [فصلت: 39] # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]، { وأن الساعة آتية لا ريب فيها } أي كائنة ~~لا شك فيها ولا مرية، { وأن الله يبعث من في القبور } ~~أي يعيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رمما ويوجدهم بعد العدم، كما قال ~~تعالى: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل ~~خلق عليم # [يس: 79] والآيات في هذا كثيرة. وقد روى الإمام أحمد. عن لقيط ابن عامر ~~أنه قال: # " يا رسول الله أكلنا يرى به عز وجل يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أليس كلكم ينظر إلى القمر مخليا ~~به؟ قلنا: بلى، قال: فالله أعظم " ، قال، قلت: يا رسول الله كيف يحيي ~~الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ قال: " أما مررت بوادي أهلك ممحلا؟ " ~~قال: بلى، قال: " ثم مررت به يهتز خضرا " قال: بلى، قال: " فكذلك يحيي ~~الله الموتى وذلك آيته في خلقه " # وقال ابن أبي حاتم، عن معاذ بن جبل قال: " من علم أن الله هو الحق ~~المبين، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، دخل ~~الجنة ". ### || [22.8-10] # لما ذكر تعالى حلال الضلال الجهال المقلدين في قوله: # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع ~~كل شيطان مريد # [الحج: 3] ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلالة من رؤوس الكفر، والبدع، ~~فقال: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير ms1610 } أي بلا عقل صحيح، ولا نقل صريح، بل بمجرد ~~الرأي والهوى، وقوله { ثاني عطفه } قال ابن عباس: مستكبرا عن ~~الحق إذا دعي إليه، وقال مجاهد وقتادة: لاوي عطفة وهي رقبته يعني يعرض ~~عما يدعى إليه من الحق، ويثني رقبته استكبارا، كقوله تعالى: # وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان ~~مبين * فتولى بركنه # [الذاريات: 38-39] الآية، وقال تعالى: # رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا # [النساء: 61]، وقال تعالى: # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ~~لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون # [المنافقون: 5]، وقال تعالى: # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا # [لقمان: 7] الآية، وقوله: { ليضل عن سبيل الله } قال بعضهم: ~~هذه لام العاقبة لأنه قد لا يقصد ذلك، ثم قال تعالى: { له في ~~الدنيا خزي } وهو الإهانة والذل كما أنه لما استكبر عن آيات الله ~~لقاه الله المذلة في الدنيا وعاقبة فيها قبل الآخرة، لأنها أكبر همه ~~ومبلغ علمه { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق * ~~ذلك بما قدمت يداك } أي يقال له هذا تقريعا وتوبيخا { ~~وأن الله ليس بظلام للعبيد } كقوله تعالى: # ذق إنك أنت العزيز الكريم * إن هذا ما كنتم ~~به تمترون # [الدخان: 49-50]. عن الحسن قال: بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف ~~مرة. ### || [22.11-13] # قال مجاهد { على حرف } على شك، وقال غيره: على طرف، ومنه حرف ~~الجبل أي طرفه، أي دخل في الدين على طرف، فإن وجد ما يحبه استقر وإلا ~~انشمر، عن ابن عباس { من يعبد الله على حرف } قال: كان ~~الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال: هذا دين ~~صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء. وروى ابن أبي ~~حاتم، عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب، وعام ~~ولاد حسن قالوا إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدوبة وعام ~~ولاد سوء وعام قحط قالوا: ما في ديننا هذا خير، ms1611 فأنزل الله على نبيه: { ~~ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به } الآية. وهكذا ذكر قتادة والضحاك وابن جريج ~~وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو ~~المنافق إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت ~~انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو ~~شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر، وقال مجاهد في قوله: { ~~انقلب على وجهه } أي ارتد كافرا، وقوله: { خسر الدنيا ~~والأخرة } أي فلا هو حصل من الدنيا على شيء، وأما الآخرة فقد كفر ~~بالله العظيم فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة، ولهذا قال تعالى: { ~~ذلك هو الخسران المبين } أي هذه هي الخسارة العظيمة ~~والصفقة الخاسرة، وقوله: { يدعو من دون الله ما لا يضره ~~وما لا ينفعه } أي من الأصنام والأنداد يستغيث بها ويستنصرها ~~ويسترزقها وهي لا تنفعه ولا تضره { ذلك هو الضلال البعيد }. ~~وقوله: { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه } أي ضرره في ~~الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن، ~~وقوله: { لبئس المولى ولبئس العشير } قال مجاهد: يعني ~~الوثن، يعني بئس هذا الذي دعاه من دون الله مولى، يعني وليا وناصرا، { ~~ولبئس العشير } وهو المخالط والمعاشر، واختار ابن جرير أن ~~المراد: لبئس ابن العم والصاحب، { من يعبد الله على حرف ~~فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه } وقول مجاهد: إن المراد به الوثن أولى وأقرب ~~إلى سياق الكلام، والله أعلم. ### || [22.14] # لما ذكر أهل الضلالة الأشقياء، عطف بذكر الأبرار السعداء من الذين آمنوا ~~بقلوبهم وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، فعملوا الصالحات من جميع أنواع القربات ~~وتركوا المنكرات، فأورثهم ذلك سكنى الدرجات العاليات في روضات الجنات، ~~ولما ذكر تعالى أنه أضل أولئك وهدى هؤلاء قال: { إن الله يفعل ~~ما يريد }. ### || [22.15-16] # قال ابن عباس: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا صلى الله عليه وسلم ms1612 في ~~الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب أي بحبل { إلى السمآء } أي سماء بيته، ~~{ ثم ليقطع } يقول: ثم ليختنق به، وقال عبد الرحمن بن زيد: { ~~فليمدد بسبب إلى السمآء } ، أي ليتوصل إلى بلوغ السماء ~~فإن النصر إنما يأتي محمدا من السماء، { ثم ليقطع } ذلك عنه إن ~~قدر على ذلك، وقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى وأبلغ في ~~التهكم، فإن المعنى: من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدا وكتابه ودينه ~~فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظة فإن الله ناصره لا محالة، قال الله ~~تعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # [غافر: 51] الآية، ولهذا قال: { فلينظر هل يذهبن كيده ~~ما يغيظ } قال السدي: يعني من شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ~~عطاء الخراساني: فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ، وقوله: { ~~وكذلك أنزلناه } أي القرآن { آيات بينات } أي واضحات في ~~لفظها ومعناها حجة من الله على الناس، { وأن الله يهدي من ~~يريد } أي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وله الحكمة التامة والحجة ~~القاطعة في ذلك، # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء: 23]. ### || [22.17] # يخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين، ومن سواهم من ~~اليهود والصابئين، والنصارى والمجوس، والذين أشركوا فعبدوا مع غيره فإنه ~~تعالى { يفصل بينهم يوم القيامة } ويحكم بينهم بالعدل، ~~فيدخل من آمن به الجنة ومن كفر به النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، ~~حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم وما تكن ضمائرهم. ### || [22.18] # يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل ~~شيء طوعا وكرها، وسجود كل شيء مما يختص به كما قال تعالى: # أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ~~ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا لله وهم ~~داخرون # [النحل: 48] وقال ههنا { ألم تر أن الله يسجد له من ~~في السموت ومن في الأرض } ، أي من الملائكة في أقطار ~~السماوات، والحيوانات في جميع الجهات، من الإنس والجن والدواب والطير، # وإن من شيء ms1613 إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44]، وقوله # والشمس والقمر والنجوم # [الأعراف: 54] إنما ذكر هذه على التنصيص لأنها قد عبدت من دون الله، ~~فبين أنها تسجد لخالقها وأنها مربوبة مسخرة، # لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله ~~الذي خلقهن # [فصلت: 37] الآية. وفي " الصحيحين " عن أبي ذر رضي الله عنه قال، قال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " فإنها ~~تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت " " # وفي حديث الكسوف: # " إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله وإنهما لا ينكسفان لموت واحد ولا ~~لحياته ولكن الله عز وجل إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له ". # وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا ~~حين يغيب ثم ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه، ~~وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين والشمائل. وعن ابن ~~عباس قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني ~~أصلي خلف شجرة فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب ~~لي بها عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها ~~مني كما تقبلتها من عبدك داود. قال ابن عباس: فقرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سجدة، ثم سجد فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول ~~الشجرة. وقوله: { والدوآب } أي الحيوانات، كلها، وقد جاء في الحديث ~~عن الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ ظهور ~~الدواب منابر، فرب مركوبة خير وأكثر ذكرا لله تعالى من راكبها. وقوله: { ~~وكثير من الناس } أي يسجد لله طوعا مختارا متعبدا بذلك، { ~~وكثير حق عليه العذاب } أي ممن امتنع وأبى واستكبر، { ~~ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ~~ما يشآء }. وقال ابن أبي حاتم: قيل لعلي إن ههنا رجلا يتكلم في ~~المشيئة، فقال له علي: يا عبد الله، ms1614 خلقك الله كما يشاء أو كما شئت؟ قال: ~~بل كما شاء، قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: ~~فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث ~~يشاء، قال: بل حيث يشاء. قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك ~~بالسيف، وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد لها اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله ~~أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ". ### || [22.19-22] # ثبت في " الصحيحين " عن أبي ذر أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية { ~~هذان خصمان اختصموا في ربهم } نزلت في حمزة وصاحبيه، ~~وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في بدر، وروى البخاري عن علي بن أبي طالب أنه ~~قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: ~~وفيهم نزلت { هذان خصمان اختصموا في ربهم } قال: هم ~~الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة ~~والوليد بن عتبة. وقال قتادة في قوله: { هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم } قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل ~~الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال ~~المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى ~~بالله منكم فأفلج الله الإسلام على من ناوأه، وأنزل: { هذان ~~خصمان اختصموا في ربهم }. وقال مجاهد في هذه الآية: مثل ~~الكافر والمؤمن اختصما في البعث، وقال مجاهد وعطاء في هذه الآية: هم ~~المؤمنون والكافرون. وقال عكرمة { هذان خصمان اختصموا في ~~ربهم } قال: هي الجنة والنار، قالت النار: اجعلني للعقوبة، وقالت ~~الجنة: اجعلني للرحمة، وقول مجاهد وعطاء إن المراد بهذه الكافرون ~~والمؤمنون يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن ~~المؤمنين يريدون نصرة دين الله عز وجل، والكافرون يريدون إطفاء نور ~~الإيمان وخذلان الحق وظهور الباطل، وهذا اختيار ابن جرير وهو حسن، ولهذا ~~قال: ms1615 { فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار } أي ~~فصلت لهم مقطعات من النار، قال سعيد بن جبير: من نحاس وهو أشد الأشياء ~~حرارة إذا حمي { يصب من فوق رءوسهم الحميم * يصهر ~~به ما في بطونهم والجلود } أي إذا صب على رؤوسهم الحميم ~~وهو الماء الحار في غاية الحرار، وقال سعيد بن جبير: هو النحاس المذاب ~~أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء، وكذلك تذوب جلودهم. # عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما ~~في جوفه حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر ثم يعاد كما كان " # وفي رواية: يأتيه الملك يحمل الإناء بكلبتين من حرارته، فإذا أدناه من ~~وجهه تكرهه، قال: فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه، فيفرغ دماغه، ثم يفرغ ~~الإناء في دماغه فيصل إلى جوفه من دماغه، فذلك قوله: { يصهر به ما ~~في بطونهم والجلود }. وقوله: { ولهم مقامع من ~~حديد } ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن مقمعا من حديد وضع في الأرض فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من ~~الأرض " # وروى الإمام أحمد: عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان، ولو أن دلوا من ~~غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا " # ، وقال ابن عباس في قوله: { ولهم مقامع من حديد } قال: ~~يضربون بها فيقع كل عضو على حياله فيدعون بالثبور، وقوله: { كلمآ ~~أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها } ، ~~قال سلمان: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ: { ~~كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا ~~فيها } ، وقال زيد بن أسلم في هذه الآية: بلغني أن أهل النار لا ~~يتنفسون، وقال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل ~~لمقيدة وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها وتردهم مقامعها، وقوله: { ~~وذوقوا عذاب الحريق } ، كقوله: # وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم ms1616 به ~~تكذبون # [السجدة: 20]، ومعنى الكلام أنهم يهانون بالعذاب قولا وفعلا. ### || [22.23-24] # لما أخبر تعالى عن حال أهل النار، وما هم فيه من العذاب والنكال، ~~والحريق والأغلال، وما أعد لهم من الثياب من النار، ذكر حال أهل الجنة ~~فقال: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } أي تتخرق في ~~أكنافها وأرجائها وجوانبها، وتحت أشجارها وقصورها يصرفونها حيث شاءوا ~~وأين أرادوا، { يحلون فيها } من الحيلة، { من أساور من ~~ذهب ولؤلؤا } أي في أيديهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث المتفق عليه: # " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " # وقوله: { ولباسهم فيها حرير } في مقابلة ثياب أهل النار التي ~~فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير استبرقه وسندسه، كما قال: # عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق # [الإنسان: 21]، وفي الصحيح: # " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا فإنه من لبسه في الدنيا لم ~~يلبسه في الآخرة " # ، وقال عبد الله بن الزبير: من لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة، ~~قال الله تعالى: { ولباسهم فيها حرير } ، وقوله: { وهدوا ~~إلى الطيب من القول } كقوله تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار # [الرعد: 23-24]، وقوله: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا ~~سلاما سلاما # [الواقعة: 25-26] فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، # ويلقون فيها تحية وسلاما # [الفرقان: 75] لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يوبخون به ويقرعون ~~به، يقال لهم: # وذوقوا عذاب الحريق # [الحج: 22]، وقوله: { وهدوا إلى صراط الحميد } أي إلى ~~المكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم، وأنعم به وأسداه إليهم، ~~كما جاء في الحديث الصحيح: # " أنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهموا النفس " # ، وقد قال بعض المفسرين في قوله: { وهدوا إلى الطيب من ~~القول } أي القرآن وقيل: لا إله إلا الله وقيل: الأذكار المشروعة { ~~وهدوا إلى صراط الحميد } أي الطريق المستقيم في الدنيا، ~~وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه، والله أعلم. ### || [22.25] # يقول تعالى منكرا على الكفار ms1617 في صدهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام ~~وقضاء مناسكهم فيه، { إن الذين كفروا ويصدون عن ~~سبيل الله والمسجد الحرام } أي ومن صفتهم أنهم مع كفرهم ~~يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، أي ويصدون عن المسجد الحرام من أراده ~~من المؤمنين، الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر، وقوله: { الذي ~~جعلناه للناس سوآء العاكف فيه والباد } أي يمنعون ~~عن الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله الله للناس لا فرق بين المقيم فيه ~~والنائي عنه البعيد الدار منه، { سوآء العاكف فيه والباد } ~~، ومن ذلك استواء الناس في رباع مكة وسكناها، كما قال ابن عباس: ينزل أهل ~~مكة وغيرهم في المسجد الحرام؛ وقال مجاهد: { سوآء العاكف فيه ~~والباد } أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل، وقال قتادة: سواء فيه ~~أهله وغيره أهله؛ وهذه المسألة هي التي اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن ~~راهويه بمسجد الخيف وأحمد بن حنبل حاضر أيضا. فذهب رحمه الله إلى أن ~~رباع مكة تملك وتورث وتؤجر، واحتج بحديث الزهري # " عن أسامه بن زيد قال، قلت: يا رسول الله أتنزل غدا في دارك بمكة؟ ~~فقال: " وهل ترك لنا عقيل من رباع " ثم قال: " لا يرث الكافر المسلم ولا ~~المسلم الكافر " # ، وبما ثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من (صفوان بن أمية) دارا بمكة ~~فجعلها سجنا بأربعة آلاف درهم، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنها لا تورث ~~ولا تؤجر، وهو مذهب طائفة من السلف، واحتج إسحاق بن راهويه بما روي عن ~~علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وما ~~تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى أسكن. وقال عبد الله ~~بن عمرو: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها، وكان عطاء ينهى عن الكراء في ~~الحرم. وقال عمر بن الخطاب: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل ~~البادي حيث يشاء، وروى الدارقطني عن عبد الله بن عمرو موقوفا: " من أكل ~~كراء بيوت مكة أكل نارا " ، وتوسط الإمام أحمد فقال: تملك ms1618 وتورث ولا ~~تؤجر جمعا بين الأدلة والله أعلم. # وقوله تعالى: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من ~~عذاب أليم } قال بعض المفسرين: الباء ههنا زائدة، كقوله: # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20] أي تنبت الدهن، وكذا قوله: { ومن يرد فيه ~~بإلحاد } تقديره إلحادا. والأجود أنه ضمن الفعل ههنا معنى يهم، ~~ولهذا عداه بالباء فقال: { ومن يرد فيه بإلحاد } أي يهم فيه ~~بأمر فظيع من المعاصي الكبار، وقوله: { بظلم } أي عامدا قاصدا أنه ~~ظلم ليس بمتأول، وقال ابن عباس: بظلم بشرك، وقال مجاهد: أن يعبد فيه غير ~~الله، وكذا قال قتادة وغير واحد. # وقال العوفي عن ابن عباس: بظلم هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك ~~من إساءة أو قتل فتظلم من لا يظلمك وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد ~~وجب له العذاب الأليم. وقال مجاهد: بظلم يعمل فيه عملا سيئا، وهذا من ~~خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي فيه الشر إذا كان عازما عليه وإن لم ~~يوقعه، كما قال ابن مسعود: لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن ~~أبين لأذاقه الله من العذاب الأليم. وقال الثوري عن عبد الله بن مسعود ~~قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه ولو أن رجلا بعدن أبين هم أن يقتل ~~رجلا بهذا البيت لأذاقه الله من العذاب الأليم؛ وقال سعيد بن جبير: شتم ~~الخادم ظلم فما فوقه؛ وقال ابن عباس في قول الله: { ومن يرد فيه ~~بإلحاد بظلم } قال: نزلت في عبد الله بن أنيس، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعثه مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا ~~في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس فقتل الأنصاري، ثم ارتد عن الإسلام، ~~ثم هرب إلى مكة، فنزلت فيه: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم } ~~يعني من لجأ إلى الحرم بإلحاد يعني بميل عن الإسلام. وهذه الآثار وإن دلت ~~على أن هذه الأشياء من الإلحاد، ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ~~ما هو أغلظ منها؛ ولهذا لما هم ms1619 أصحاب الفيل على تخريب البيت أرسل الله ~~عليهم # طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * ~~فجعلهم كعصف مأكول # [الفيل: 3-5] أي دمرهم وجعلهم عبرة ونكالا لكل من أراده بسوء، ولذلك ~~ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم ~~" # وعن سعيد بن عمرو قال: أتى عبد الله بن عمر عبد الله بن الزبير وهو ~~جالس في الحجر فقال: يا ابن الزبير إياك والإلحاد في الحرم، فإني أشهد ~~لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يحلها ويحل به رجل من قريش لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها " # قال: فانظر لا تكن هو. ### || [22.26-27] # ذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت أي أرشده إليه، وسلمه له وأذن له ~~في بنائه، واستدل به كثير ممن قال إن إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى ~~البيت العتيق وأنه لم يبن قبله، كما ثبت في " الصحيحين " # " عن أبي ذر قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: " المسجد الحرام " ~~قلت: ثم أي؟ قال: " بيت المقدس " قلت كم بينهما؟ قال: " أربعون سنة " # ، وقد قال الله تعالى: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا # [آل عمران: 96] الآيتين، وقال تعالى: # وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي ~~للطائفين والعاكفين والركع السجود # [البقرة: 125] وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار ~~بما أغنى عن إعادته ههنا وقال تعالى ههنا: { أن لا تشرك بي ~~شيئا } أي ابنه على اسمي وحدي { وطهر بيتي } قال مجاهد: من ~~الشرك { للطآئفين والقآئمين والركع السجود } أي ~~اجعله خالصا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به ~~معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها { ~~والقآئمين } أي في الصلاة، ولهذا قال { والركع السجود } ~~فقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت. # وقوله تعالى: { وأذن في الناس بالحج } أي ناد في الناس ~~بالحج داعيا لهم لحج هذا البيت الذي أمرناك ببنائه ms1620 فذكر أنه قال: يا رب ~~كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على ~~مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل على أبي قبيس، وقال: يا ~~أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى ~~بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء ~~سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم ~~لبيك، هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير ~~واحد من السلف والله أعلم، وأوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة، وقوله: ~~{ يأتوك رجالا وعلى كل ضامر } الآية. قد يستدل بهذه ~~الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشيا لمن قدر عليه أفضل من الحج ~~راكبا لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة ~~عزمهم، وقال ابن عباس: ما أساء على شيء إلا أني وددت أني كنت حججت ~~ماشيا، لأن الله يقول: { يأتوك رجالا } ، والذي عليه الأكثرون أن ~~الحج راكبا أفضل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه حج راكبا ~~مع كمال قوته عليه السلام. وقوله: { يأتين من كل فج } يعني ~~طريق، كما قال: # وجعلنا فيها فجاجا سبلا # [الأنبياء: 31]، وقوله: { عميق } أي بعيد، وهذه الآية كقوله تعالى: # فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم # [إبراهيم: 37]، فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة ~~والطواف، والناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار. ### || [22.28-29] # قال ابن عباس { ليشهدوا منافع لهم } ، قال: منافع الدنيا ~~والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما ~~يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات، وكذا قال مجاهد وغير واحد: ~~إنها منافع الدنيا والآخرة، كقوله: # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم # [البقرة: 198]، وقوله: { ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ، قال ~~ابن عباس: الأيام المعلومات أيام العشر، وهو مذهب الشافعي والمشهور عن ~~أحمد بن حنبل، وقال البخاري عن سعيد ms1621 بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " " ما العمل في أيام أفضل منها في هذه " قالوا: ولا الجهاد في سبيل ~~الله؟ قال: " ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله ~~فلم يرجع بشيء " " # ، وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام ~~العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد " # ، وقال البخاري: وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام ~~العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، وقد روي عن جابر مرفوعا أن هذا هو ~~العشر الذي أقسم الله به في قوله: # والفجر * وليال عشر # [الفجر: 1-2]، وقال بعض السلف: إنه المراد بقوله: # وأتممناها بعشر # [الأعراف: 142]. # وفي " سنن أبي داود " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم هذا ~~العشر، وهذا العشر مشتمل على يوم عرفة، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن صيام يوم عرفة فقال: أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية ~~والآتية، ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث ~~أنه أفضل الأيام عند الله، وبالجملة فهذا العشر قد قيل إنه أفضل أيام ~~السنة كما نطق به الحديث، وفضله كثير على عشر رمضان الأخير، لأن هذا ~~يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيرها، ويمتاز هذا ~~باختصاصه بأداء فرض الحج فيه، وقيل ذلك أفضل لاشتماله على ليلة القدر ~~التي هي خير من ألف شهر؛ وتوسط آخرون فقالوا: أيام هذا أفضل وليالي ذاك ~~أفضل؛ وبهذا يجتمع شمل الأدلة والله أعلم، (قول ثان) في الأيام ~~المعلومات، قال ابن عباس: الأيام المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده؛ ~~وإليه ذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه. (قول ثالث): عن نافع عن ابن عمر ~~كان يقول: الأيام المعلومات المعدودات هن جميعهن أربعة أيام، فالأيام ~~المعلومات يوم النحر ويومان بعده، والأيام المعدودات ثلاثة أيام بعد يوم ms1622 ~~النحر، وهو مذهب الإمام مالك بن أنس. # (قول رابع): إنها يوم عرفة ويوم النحر ويوم آخر بعده وهو مذهب أبي ~~حنيفة، وقوله: { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ~~يعني الإبل والبقر والغنم كما فصلها تعالى في سورة الأنعام. وقوله: { ~~فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير } استدل بهذه ~~الآية من ذهب إلى وجوب الأكل من الأضاحي، وهو قول غريب والذي عليه ~~الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب، كما ثبت أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما نحر هديه أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ فأكل من لحمها وحسا ~~من مرقها، وقال مالك أحب أن يأكل من أضحيته، لأن الله يقول: { فكلوا ~~منها } ، وقال سفيان الثوري عن إبراهيم { فكلوا منها } قال: ~~المشركون لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن لم يشأ ~~لم يأكل. وعن مجاهد في قوله: { فكلوا منها } قال: هي كقوله: # وإذا حللتم فاصطادوا # [المائدة: 2] # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض # [الجمعة: 10]، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره. # وقوله تعالى: { البآئس الفقير } قال عكرمة: هو المضطر الذي يظهر ~~عليه البؤس وهو الفقير المتعفف. وقال مجاهد: هو الذي لا يبسط يده. وقال ~~قتادة: هو الزمن. وقاتل مقاتل: هو الضرير، وقوله: { ثم ليقضوا ~~تفثهم } ، قال ابن عباس: هو وضع الإحرام من حلق الرأس، ولبس الثياب، ~~وقص الأظافر ونحو ذلك، وقوله: { وليوفوا نذورهم } يعني نحر ما ~~نذر من أمر البدن، وقال مجاهد: { وليوفوا نذورهم } نذر الحج ~~والهدي وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج، وعنه: كل نذر إلى أجل، ~~وقوله: { وليطوفوا بالبيت العتيق } قال مجاهد: يعني ~~الطواف الواجب يوم النحر، وقال أبو حمزة قال، قال لي ابن عباس: أتقرأ ~~سورة الحج، يقول الله تعالى: { وليطوفوا بالبيت العتيق ~~}؟ فإن آخر المناسك الطواف بالبيت العتيق، قلت: وهكذا صنع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ برمي الجمرة، ~~فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت، وفي " ~~الصحيحين " عن ابن عباس ms1623 أنه قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ~~الطواف إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، وقوله: { بالبيت العتيق } ~~، قال الحسن البصري في قوله: { وليطوفوا بالبيت العتيق ~~} قال: لأنه أول بيت وضع للناس، وقال خصيف. إنما سمي البيت العتيق لأنه ~~لم يظهر عليه جبار قط. وعن مجاهد: لم يرده أحد بسوء إلا هلك، وفي الحديث: # " إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار " # روي مرفوعا ومرسلا. ### || [22.30-31] # يقول تعالى: هذا الذي أمرنا به من الطاعات في أداء المناسك وما يلقى ~~عليها من الثواب الجزيل، { ومن يعظم حرمات الله } أي ومن ~~يجتنب معاصيه ومحارمه، { فهو خير له عند ربه } أي فله على ~~ذلك خير كثير وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، ~~كذلك على ترك المحرمات واجتناب المحظورات. قال مجاهد في قوله: { ذلك ~~ومن يعظم حرمات الله } قال: المحرمات مكة والحج والعمرة ~~وما نهى الله عنه من معاصيه كلها، وقوله: { وأحلت لكم ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم } أي أحللنا لكم جميع ~~الأنعام، وقوله: { إلا ما يتلى عليكم } أي من تحريم # الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير ~~الله به والمنخنقة # [المائدة: 3] الآية، قال ذلك ابن جرير وحكاه عن قتادة، وقوله: { ~~فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول ~~الزور } ، أي اجتنبوا الرسج الذي هو الأوثان، وقرن الشرك بالله بقول ~~الزور، كقوله: # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون # [الأعراف: 33] ومنه شهادة الزور. وفي " الصحيحين " عن أبي بكرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ لنا: بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله ~~وعقوق الوالدين - وكان متكئا فجلس - فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة ~~الزور " # ؛ فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وعن خريم بن فاتك الأسدي قال: # " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فلما انصرف قام قائما، فقال: ~~" عدلت شهادة ms1624 الزور الإشراك بالله عز وجل " # ، ثم تلا هذه الآية: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~واجتنبوا قول الزور * حنفآء لله غير مشركين ~~به } ، وقوله: { حنفآء لله }: أي مخلصين له الدين منحرفين عن ~~الباطل قصدا إلى الحق ولهذا قال: { غير مشركين به } ثم ضرب ~~للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال: { ومن يشرك ~~بالله فكأنما خر من السمآء } أي سقط منها، { ~~فتخطفه الطير } أي تقطعه الطيور في الهواء، { أو تهوي ~~به الريح في مكان سحيق } أي بعيد، مهلك لمن هوى فيه، ولهذا ~~جاء في حديث البراء: أن الكافر إذا توفته ملائكة الموت وصعدوا بروحه إلى ~~السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحا من هناك، ثم قرأ ~~هذه الآية: { فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في ~~مكان سحيق }. ### || [22.32-33] # يقول تعالى: هذا { ومن يعظم شعائر الله } أي أوامره، { ~~فإنها من تقوى القلوب } ، ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، ~~كما قال ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها. وقال أبو أمامة عن سهل: ~~كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون. وعن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " دم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين " # ، رواه أحمد وابن ماجه، قالوا: والعفراء - هي البيضاء بياضا ليس بناصع، ~~فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها يجزئ أيضا لما ثبت في " صحيح البخاري " ~~عن أنس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين " # ، وفي " سنن ابن ماجه " عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوئين، وعن علي رضي الله عنه ~~قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، وأن لا ~~نضحي بمقابلة ولا مدابرة، ولا شرقاء ولا خرقاء؛ وعن البراء قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين ~~مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا تنقي " # ، وهذه العيوب تنقص اللحم لضعفها وعجزها عن استكمال الرعي، لأن الشاء ~~يسبقونها ms1625 إلى المرعى، فلهذا لا تجزئ التضحية بها عند الشافعي وغيره من ~~الأئمة كما هو ظاهر الحديث، ولهذا جاء في الحديث: أمرنا النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن أي أن تكون الهدية أو الأضحية سمينة ~~حسنة ثمينة، كما روى عبد الله بن عمر: # " أهدي عمر نجيبا فأعطى بها ثلثمائة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيبا فأعطيت بها ثلثمائة دينار، ~~أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: " لا، إنحرها إياها " # وقال ابن عباس: البدن من شعائر الله، وقال محمد بن أبي موسى: الوقوف ~~ومزدلفة والجمار والرمي والحلق والبدن من شعائر الله؛ وقال ابن عمر: أعظم ~~الشعائر البيت. # وقوله: { لكم فيها منافع } أي لكم في البدن منافع من لبنها ~~وصوفها وأوبارها وأشعارها وركوبها إلى أجل مسمى، قال مجاهد في قوله: { ~~لكم فيها منافع إلى أجل مسمى } قال: الركوب واللبن ~~والولد، فإذا سميت بدنة أو هديا ذهب ذلك كله، وقال آخرون: بل له أن ~~ينتفع بها وإن كانت هديا إذا احتاج إلى ذلك؛ كما ثبت في " الصحيحين " عن ~~أنس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة قال: " اركبها " ~~قال: إنها بدنة، قال: " اركبها ويحك " في الثانية أو الثالثة " # ، وفي رواية لمسلم: # " اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها " # وعن علي أنه رأى رجلا يسوق بدنه ومعها ولدها، فقال: لا تشرب من لبنها ~~إلا ما فضل عن ولدها فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها، وقوله: { ثم ~~محلهآ إلى البيت العتيق } أي محل الهدى وانتهاؤه إلى ~~البيت العتيق وهو الكعبة، كما قال تعالى: # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95]، وقال: # والهدي معكوفا أن يبلغ محله # [الفتح: 25]. وقال عطاء، كان ابن عباس يقول: كل من طاف بالبيت فقد حل، ~~قال الله تعالى: { ثم محلهآ إلى البيت العتيق }. ### || [22.34-35] # يخبر تعالى: أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا ~~في جميع الملل، قال ابن عباس { منسكا }: عيدا، وقال عكرمة: ذبحا، ~~وقال زيد بن أسلم في قوله: ms1626 { ولكل أمة جعلنا منسكا }: ~~إنها مكة لم يجعل الله لأمة قط منسكا غيرها، وقوله: { ليذكروا ~~اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } كما ~~ثبت في " الصحيحين " عن أنس قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بكبشين أملحين أقرنين فسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما. وقال الإمام ~~أحمد بن حنبل عن زيد بن أرقم قال، قلت أو قالوا: # " يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: " سنة أبيكم إبراهيم " ، قالوا: ما ~~لنا منها؟ قال: " بكل شعرة حسنة " ، قالوا: فالصوف؟ قال: " بكل شعرة من ~~الصوف حسنة " # ، وقوله: { فإلهكم إله واحد فله أسلموا } أي ~~معبودكم واحد وإن تنوعت شرائع الأنبياء ونسخ بعضها بعضا، فالجميع يدعون ~~إلى عبادة الله وحده لا شريك له، # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25]، ولهذا قال: { فله أسلموا } أي أخلصوا واستسلموا ~~لحكمه وطاعته، { وبشر المخبتين } قال مجاهد: المطمئنين، وقال ~~الضحاك: المتواضعين، وقال السدي: الوجلين، وقال الثوري: المطمئنين ~~الراضين بقضاء الله المستسلمين له، وأحسن ما يفسر بما بعده وهو قوله: { ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } أي خافت منه ~~قلوبهم، { والصابرين على مآ أصابهم } أي من المصائب، قال ~~الحسن البصري: والله لنصبرن أو لنهلكن. { والمقيمي الصلاة } أي ~~المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم من أداء فرائضه، { ومما ~~رزقناهم ينفقون } أي وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على ~~أهليهم وأقاربهم وفقرائهم ومحاويجهم، ويحسنون إلى الخلق مع محافظتهم على ~~حدود الله. ### || [22.36] # يقول تعالى: ممتنا على عبيده فيما خلق لهم من البدن وجعلها من شعائره، ~~وهو أنه جعلها تهدى إلى بيته الحرام بل هي أفضل ما يهدى إله. قال عطاء { ~~والبدن }: البقرة والبعير. وقال مجاهد: إنما البدن من الإبل، ~~واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين: أصحهما أنه يطلق ~~عليها ذلك شرعا كما صح الحديث، ثم جمهور العلماء على أنه تجزئ البدنة عن ~~سبعة والبقرة عن سبعة، كما ثبت عن جابر بن عبد الله قال: أمرنا رسول الله ms1627 ~~صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الأضاحي: البدنة عن سبعة، والبقرة عن ~~سبعة، وقوله: { لكم فيها خير } أي ثواب في الدار الآخرة، لما روي ~~عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إهراق دم وإنها لتأتي ~~يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل ~~أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفسا " # ، وقال سفيان الثوري: كان أبو حازم يستدين ويسوق البدن، فقيل له: تستدين ~~وتسوق البدن؟ فقال: إني سمعت الله يقول: { لكم فيها خير } ، وقال ~~مجاهد { لكم فيها خير } قال: أجر ومنافع، وقال إبراهيم النخعي: ~~يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها، وقوله: { فاذكروا اسم الله ~~عليها صوآف } ، وعن جابر بن عبد الله قال: صليت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عيد الأضحى، فلما انصرف أتي بكبش فذبحه، فقال: # " بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي " # وروى محمد بن إسحاق عن جابر قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بكبشين في يوم عيد فقال حين وجههما: # " { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت ~~والأرض حنيفا ومآ أنا من المشركين } { إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * ~~لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } ~~، " اللهم منك ولك عن محمد وأمته " ، ثم سمى وكبر وذبح ". # وعن علي بن الحسين عن أبي رافع # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين ~~أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه ~~بنفسه بالمدية ثم يقول: " اللهم هذا عن أمتي جميعها من شهد لك بالتوحيد ~~وشهد لي بالبلاغ " ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه، ثم يقول: " هذا عن ~~محمد وآل محمد " فيطعمهما جميعا للمساكين ويأكل هو وأهله منهما " # وقال الأعمش عن ابن عباس في قوله: { فاذكروا اسم الله ~~عليها صوآف } قال: قياما على ثلاث قوائم معقولة يدها اليسرى ~~يقول: باسم الله والله أكبر لا ms1628 إله إلا الله، اللهم منك ولك، وقال ليث ~~عن مجاهد: إذا عقلت رجلها اليسرى قامت على ثلاث، وفي " الصحيحين " عن ابن ~~عمر أنه أتى على رجل قد أناخ بدنة وهو ينحرها فقال: ابعثها قياما مقيدة ~~سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، وعن جابر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه: كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقي ~~من قوائمها. # وقال العوفي عن ابن عباس { فإذا وجبت جنوبها } يعني نحرت، ~~وقال ابن أسلم: { فإذا وجبت جنوبها } يعني ماتت؛ وهذا القول ~~هو مراد ابن عباس ومجاهد، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى ~~تموت وتبرد حركتها، وقد جاء في حديث مرفوع: # " لا تعجلوا النفوس أن تزهق " # ، ويؤيده حديث شداد بن أوس في " صحيح مسلم ": # " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ~~ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " # وقوله: { فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر } ~~قال بعض السلف: قوله: { فكلوا منها } أمر إباحة، وقال مالك: يستحب ~~ذلك، وقال غيره يجب، واختلفوا في المراد بالقانع والمعتر، فقال ابن عباس: ~~القانع المستغني بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر الذي يعترض لك ويلم بك ~~أن تعطيه من اللحم ولا يسأل، وكذا قال مجاهد، وقال ابن عباس: القانع ~~المتعفف، والمعتر السائل، وقال سعيد بن جبير: القانع هو السائل، أما سمعت ~~قول الشماخ: # لمال المرء يصلحه فيغني # مفاقره أعف من القنوع # أي: يغني من السؤال، وقال زيد بن أسلم: القانع المسكين الذي يطوف، ~~والمعتر الصديق والضعيف الذي يزور، واختار ابن جرير: أن القانع هو السائل ~~لأنه من أقنع بيده إذا رفعها للسؤال، والمعتر من الاعتراء وهو الذي يتعرض ~~لأكل اللحم، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~للناس: # " إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا وادخروا ما بدا ~~لكم " # ، وفي رواية: # " فكلوا وادخروا وتصدقوا ". # مسألة # عن البراء بن عازب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أول ms1629 ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل فقد ~~أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في ~~شيء " # ، فلهذا قال الشافعي وجماعة من العلماء: إن أول وقت ذبح الأضاحي إذا ~~طلعت الشمس يوم النحر ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، زاد أحمد: وأن يذبح ~~الإمام بعد ذلك، لما جاء في " صحيح مسلم ": وأن لا تذبحوا حتى يذبح ~~الإمام، وقال أبو حنيفة: أما أهل السواد من القرى ونحوها فلهم أن يذبحوا ~~بعد طلوع الفجر إذ لا صلاة عيد تشرع عنده لهم، وأما أهل الأمصار فلا ~~يذبحوا حتى يصلي الإمام والله أعلم. # ثم قيل: لا يشرع الذبح إلا يوم النحر وحده، وقيل: يوم النحر ويوم بعده ~~للجميع، وقيل: ويومان بعده، وبه قال الإمام أحمد، وقيل: يوم النحر وثلاثة ~~أيام التشريق بعده، وبه قال الشافعي، لحديث جبير بن مطعم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " أيام التشريق كلها ذبح " # ، وقوله: { كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون } ، ~~يقول تعالى من أجل هذا { سخرناها لكم } أي ذللناهم لكم وجعلناها ~~منقادة لكم خاضعة إن شئتم ركبتم وإن شئتم حلبتم وإن شئتم ذبحتم { ~~كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون }. ### || [22.37] # يقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الضحايا لتذكروه عند ذبحها، فإنه ~~الخالق الرازق لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فهو الغني عما سواه، ~~وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم، وضعوا عليها من لحوم قرابينهم ~~ونضحوا عليها من دمائها، فقال تعالى: { لن ينال الله لحومها ~~ولا دمآؤها }. عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت ~~بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق ~~أن ننضح فأنزل الله: { لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ~~ولكن يناله التقوى منكم } أي يتقبل ذلك ويجزي عليه، كما ~~جاء في " الصحيح ": # " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم " # وجاء في الحديث: # " إن الصدقة لتقع في يد ms1630 الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع ~~من الله بمكان قبل أن يقع إلى الأرض " # وقوله: { كذلك سخرها لكم } أي من أجل ذلك سخر لكم البدن { ~~لتكبروا الله على ما هداكم } أي لتعظموه على ما هداكم ~~لدينه وشرعه وما يحبه ويرضاه، ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه، وقوله: { ~~وبشر المحسنين } أي وبشر يا محمد المحسنين في عملهم، القائمين ~~بحدود الله، المتبعين ما شرع لهم، المصدقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم ~~به من عند ربه عز وجل. ### || [22.38] # يخبر تعالى: أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه، شر ~~الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: # أليس الله بكاف عبده # [الزمر: 36]؟ وقال: # ومن يتوكل على الله فهو حسبه # [الطلاق: 3]، وقوله: { إن الله لا يحب كل خوان ~~كفور } أي لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود ~~والمواثيق، لا يفي بما قال، والكفر: الجحد للنعم فلا يعترف بها. ### || [22.39-40] # قال ابن عباس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة، وقال مجاهد ~~والضحاك وغير واحد من السلف: هذه أول آية نزلت في الجهاد، وقال ابن جرير ~~عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من ~~مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن، قال ابن ~~عباس: فأنزل الله عز وجل: { أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } ، ~~قال أبو بكر رضي الله عنه: فعرفت أنه سيكون قتال، زاد أحمد: وهي أول آية ~~نزلت في القتال. وقوله: { وإن الله على نصرهم لقدير } ~~أي هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده ~~أن يبذلوا جهدهم في طاعته كما قال: # ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ~~ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل ~~الله فلن يضل أعمالهم # [محمد: 4]، وقال تعالى: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # [التوبة: 14]، وقال: # أم حسبتم أن ms1631 تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين # [آل عمران: 142]، وقال: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلوا أخباركم # [محمد: 31] والآيات في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله: { ~~وإن الله على نصرهم لقدير } وقد فعل، وإنما شرع تعالى ~~الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر ~~عددا، فلو أمر المسلمون وهم أقل بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما ~~بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نيفا ~~وثمانين قالوا: # " يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي، يعنون أهل منى ليالي منى ~~فنقتلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لم أؤمر بهذا " # ، فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم، ~~وهموا بقتله وشردوا أصحابه، فلما استقروا بالمدينة وصارت لهم دار إسلام، ~~ومعقلا يلجئون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل ~~في ذلك، فقال تعالى: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين ~~أخرجوا من ديارهم بغير حق } قال ابن عباس: أخرجوا من ~~مكة إلى المدينة بغير حق يعني محمدا وأصحابه، { إلا أن يقولوا ~~ربنا الله } أي ما كان لهم إساءة ولا ذنب، إلا أنهم وحدوا الله ~~وعبدوه لا شريك له، كما قال تعالى: # يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ~~ربكم # [الممتحنة: 1]، وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد # [البروج: 8]. # ثم قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~} أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم، بما يخلقه ~~ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض، ولأهلك القوي الضعيف، { لهدمت ~~صوامع } وهي المعابد للرهبان، وقال قتادة: هي معابد الصابئين، وفي ~~رواية عنه: صوامع المجوس، { وبيع } وهي أوسع منها وهي للنصارى أيضا، ~~وحكى ابن جبير عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود، وعن ابن عباس: أنها ~~كنائس اليهود، وقوله: { وصلوات } قال ابن عباس: الصلوات الكنائس، ~~وكذا قال عكرمة ms1632 والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود وهم يسمونها صلوات، ~~وحكى السدي عن ابن عباس: أنها كنائس النصارى، وقال أبو العالية وغيره: ~~الصلوات معابد الصابئين. # وقال مجاهد: الصلوات مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام بالطرق، وأما ~~المساجد فهي للمسلمين. وقوله: { يذكر فيها اسم الله كثيرا } ~~، فقد قيل: الضمير في قوله { يذكر فيها } عائد إلى المساجد لأنها ~~أقرب المذكورات، وقال الضحاك: الجميع يذكر فيها الله كثيرا، وقال ابن ~~جرير: الصواب لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات اليهود وهي ~~كنائسهم ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرا، لأن هذا هو ~~المستعمل المعروف في كلام العرب. وقال بعض العلماء: هذا ترق من الأقل ~~إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد، وهي أكثر عمارا وأكثر عبادا، ~~وهم ذوو القصد الصحيح. وقوله: { ولينصرن الله من ينصره } ~~، كقوله تعالى: # إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم # [محمد: 7]، وقوله: { إن الله لقوي عزيز } وصف نفسه بالقوة ~~والعزة، فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديرا، وبعزته لا يقهره قاهر، ولا ~~يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره ~~فهو المنصور، وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]، وقال تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # [المجادلة: 21]. ### || [22.41] # قال عثمان بن عفان: فينا نزلت { الذين إن مكناهم في ~~الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر } فأخرجنا من ديارنا بغير حق ~~إلا أن قلنا ربنا الله ثم مكنا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، ~~وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي. ~~وقال أبو العالية: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقال عطية العوفي: ~~هذه الآية كقوله: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض # [النور: 55]، وقوله: { ولله عاقبة الأمور } ، كقوله تعالى: # والعاقبة للمتقين # [القصص: 83]، وقال زيد بن أسلم: { ولله عاقبة الأمور } وعند ~~الله ثواب ما صنعوا. ### || [22.42-46] # يقول تعالى مسليا لنبيه محمد ms1633 صلى الله عليه وسلم في تكذيب من خالفه من ~~قومه { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح } ~~إلى أن قال { وكذب موسى } أي ما جاء به من الآيات والدلائل ~~الواضحات، { فأمليت للكافرين } أي أنظرتهم وأخرتهم، { ثم ~~أخذتهم فكيف كان نكير } أي فكيف كان إنكاري عليهم ~~ومعاقبتي لهم؟! وذكر بعض السلف أنه كان بين قول فرعون لقومه # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] وبين إهلاك الله له أربعون سنة، وفي " الصحيحين " عن أبي ~~موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # ، ثم قرأ: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]، ثم قال تعالى: { فكأين من قرية أهلكناها } ~~أي كم من قرية أهلكتها { وهي ظالمة } أي مكذبة لرسلها، { فهي ~~خاوية على عروشها } ، وقال الضحاك: سقوفها، أي قد خربت ~~منازلها وتعطلت حواضرها، { وبئر معطلة } أي لا يستقي منها ولا ~~يردها أحد، بعد كثرة وارديها والازدحام عليها، { وقصر مشيد } قال ~~عكرمة: يعني المبيض بالجص، وقال آخرون هو المنيف المرتفع، وقال آخرون: ~~المشيد المنيع الحصين، وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه ~~لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس ~~الله بهم، كما قال تعالى: # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة # [النساء: 78]، وقوله: { أفلم يسيروا في الأرض } أي بأبدانهم ~~وبفكرهم أيضا، وذلك للاعتبار، أي انظروا ما حل بالأمم المكذبة من النقم ~~والنكال، { فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو آذان ~~يسمعون بها } أي فيعتبرون بها، { فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } أي ~~ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة ~~سليمة فإنها لا تنفد إلى العبر ولا تدري ما الخير. ### || [22.47-48] # يقول تعالى: لنبيه صلوات الله وسلامه عليه { ويستعجلونك ~~بالعذاب } أي هؤلاء الكفار الملحدون المكذبون بالله وكتابه ورسوله ~~واليوم الآخر، كما قال تعالى: # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر ms1634 علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال: 32]، # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب # [ص: 16]، وقوله: { ولن يخلف الله وعده } أي الذي قد وعد من ~~إقامة الساعة، والانتقام من أعدائه، والإكرام لأوليائه، وقوله: { وإن ~~يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } أي هو تعالى ~~لا يعجل فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حكمه ~~لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شيء، وإن أجل وأنظر، ولهذا ~~قال بعد هذا: { وكأين من قرية أمليت لها وهي ~~ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير }. عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم خمسمائة عام " # وعن ابن عباس { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون } قال: من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. وقال ~~مجاهد: هذه الآية كقوله: # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون # [السجدة: 5]. ### || [22.49-51] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم طلب منه الكفار وقوع العذاب ~~واستعجلوه به: { قل يأيها الناس إنمآ أنا لكم ~~نذير مبين } أي إنما أرسلني الله إليكم نذيرا لكم بين يدي عذاب ~~شديد، وليس إلي من حسابكم من شيء، أمركم إلى الله إن شاء عجل لكم العذاب ~~وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وإن شاء أضل من كتب ~~عليه الشقاوة وهو الفعال لما يشاء، { إنمآ أنا لكم نذير ~~مبين * فالذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي آمنت ~~قلوبهم وصدقوا إيمانهم بأعمالهم، { لهم مغفرة ورزق كريم ~~} أي مغفرة لما سلف من سيئاتهم، ومجازاة حسه على القليل من حسناتهم، قال ~~القرظي: إذا سمعت الله تعالى يقول: { ورزق كريم } فهو الجنة، ~~وقوله: { والذين سعوا في آياتنا معاجزين } قال مجاهد: ~~يثبطون الناس عن متابعة النبي صلى الله عليه، وقال ابن عباس { ~~معاجزين } مراغمين { أولئك أصحاب الجحيم } وهي النار ~~الحارة الموجعة، الشديد عذابها ونكالها أجارنا الله منها. ### || [22.52-54] # قد ms1635 ذكر كثير من المفسرين، ههنا (قصة الغرانيق) وما كان من رجوع كثير من ~~المهاجرة إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، وخلاصتها عن ~~سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة " النجم " فلما ~~بلغ هذا الموضع: # أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى # [النجم: 19-20] قال: فألقى الشيطان على لسانه: " تلك الغرانيق العلى، ~~وإن شفاعتهن لترتجى " ، قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد ~~وسجدوا، فأنزل الله عز وجل في هذه الآية: { ومآ أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ~~}؛ وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ~~ومنقطعات والله أعلم. وقد ساقها البغوي في تفسيره ثم سأل ههنا سؤالا: ~~كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلاة الله ~~وسلامه عليه؟ ثم حكى أجوبة عن الناس، من ألطفها: أن الشيطان أوقع في ~~مسامع المشركين ذلك. فتوهموا أنه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان، لا عن رسول ~~الرحمن صلى الله عليه وسلم والله أعلم. وقوله: { إلا إذا تمنى ~~ألقى الشيطان في أمنيته } هذا فيه تسلية من الله لرسوله ~~صلاة الله وسلامه عليه، قال البخاري قال ابن عباس { في أمنيته } ~~إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان { ثم ~~يحكم الله آياته }. وقال مجاهد: { إذا تمنى } يعني إذا ~~قال؛ ويقال أمنيته قراءته # إلا أماني # [البقرة: 78] يقرؤون ولا يكتبون، قال البغوي: وأكثر المفسرين قالوا: ~~معنى قوله: { تمنى } أي تلا وقرأ كتاب الله { ألقى الشيطان ~~في أمنيته } أي في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل: # تمنى كتاب الله أول ليله # وآخرها لاقى حمام المقادر # وقال الضحاك { إذا تمنى } إذا تلا، قال ابن جرير: هذا القول أشبه ~~بتأويل الكلام. # وقوله تعالى: { فينسخ الله ما يلقي ms1636 الشيطان } حقيقة ~~النسخ لغة الإزالة والرفع، قال ابن عباس: أي فيبطل الله سبحانه وتعالى ما ~~ألقى الشيطان؛ وقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان وأحكم ~~الله آياته، وقوله: { والله عليم } أي بما يكون من الأمور ~~والحوادث لا تخفى عليه خافية { حكيم } أي في تقديره وخلقه وأمره، له ~~الحكمة التامة والحجة البالغة، ولهذا قال: { ليجعل ما يلقي ~~الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض } أي شك وشرك ~~وكفر ونفاق كالمشركين حين فرحوا بذلك واعتقدوا أنه صحيح من عند الله ~~وإنما كان من الشيطان، قال ابن جريج { للذين في قلوبهم ~~مرض } هم المنافقون، { والقاسية قلوبهم } هم المشركون، ~~وقال مقاتل بن حيان: هم اليهود، { وإن الظالمين لفي شقاق ~~بعيد } أي في ضلال ومخالفة وعناد بعيد أي من الحق والصواب، { ~~وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ~~ربك فيؤمنوا به } أي وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي ~~يفرقون به بين الحق والباطل، والمؤمنون بالله ورسوله أن ما أوحيناه إليك، ~~هو الحق من ربك الذي أنزله بعلمه وحفظه، وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو ~~كتاب عزيز # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 42]، وقوله: { فيؤمنوا به } أي يصدقوه وينقادوا له { ~~فتخبت له قلوبهم } أي تخضع وتذل له قلوبهم، { وإن ~~الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم } أي ~~في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه ويوفقهم ~~لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم الصراط المستقيم الموصل إلى ~~درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات. ### || [22.55-57] # يقول تعالى: مخبرا عن الكفار أنهم لا يزالون في { مرية } أي في شك ~~وريب من هذا القرآن قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير، وقال سعيد بن جبير ~~وابن زيد { منه } أي مما ألقى الشيطان، { حتى تأتيهم ~~الساعة بغتة } قال مجاهد: فجأة، وقال قتادة: { بغتة } بغت ~~القوم أمر الله، وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، ~~فلا تغتروا بالله، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون، وقوله: { أو ms1637 ~~يأتيهم عذاب يوم عقيم } قال أبي بن كعب: هو يوم بدر؛ وقال ~~عكرمة ومجاهد: هو يوم القيامة لا ليل له، وهذا القول هو الصحيح، وإن كان ~~يوم بدر من جملة ما أوعدوا به لكن هذا هو المراد، ولهذا قال: { الملك ~~يومئذ لله يحكم بينهم } ، كقوله: # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4]، وقوله: # الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على ~~الكافرين عسيرا # [الفرقان: 26] { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي ~~آمنت قلوبهم وصدقوا بالله ورسوله، وعملوا بمقتضى ما علموا مع توافق ~~قلوبهم وأقوالهم { في جنات النعيم } أي لهم النعيم المقيم الذي ~~لا يحول ولا يزول ولا يبيد، { والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا } أي كفرت قلوبهم بالحق وجحدته، وكذبوا به وخالفوا الرسل، ~~واستكبروا عن اتباعهم، { فأولئك لهم عذاب مهين } أي ~~مقابلة استكبارهم وإبائهم عن الحق، كقوله تعالى: # إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين # [غافر: 60] أي صاغرين. ### || [22.58-60] # يخبر تعالى، عمن خرج مهاجرا في سبيل الله ابتغاء مرضاته، وطلبا لما ~~عنده وترك الأوطان والأهلين والخلان، وفارق بلاده في الله ورسوله ونصرة ~~لدين الله { ثم قتلوا } أي في الجهاد { أو ماتوا } أي حتف ~~أنفهم من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل والثناء ~~الجميل، كما قال تعالى: # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله # [النساء: 100]، وقوله: { ليرزقنهم الله رزقا حسنا } ~~أي ليجرين عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم، { وإن ~~الله لهو خير الرازقين * ليدخلنهم مدخلا ~~يرضونه } أي الجنة، كما قال تعالى: # فأمآ إن كان من المقربين * فروح وريحان ~~وجنت نعيم # [الواقعة: 88-89] فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم، كما قال ~~ههنا: { ليرزقنهم الله رزقا حسنا } ، ثم قال: { ~~ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم } ~~أي بمن يهاجر ويجاهد في سبيله وبمن يستحق ذلك، { حليم } أي يحلم ويصفح ~~ويغفر لهم الذنوب، فأما من قتل في سبيل الله فإنه حي عند ربه يرزق، كما ~~قال تعالى: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ms1638 أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]. والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم؛ وأما من توفي في ~~سبيل الله فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق ~~عليه، وعظيم إحسان الله إليه، قال ابن أبي حاتم عن ابن عقبة يعني أبا ~~عبيدة بن عقبة قال، قال شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن ~~بأرض الروم، فمر بي سلمان يعني الفارسي رضي الله عنه فقال، إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من مات مرابطا أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق وأمن ~~من الفتانين " # واقرأوا إن شئتم { والذين هاجروا في سبيل الله ثم ~~قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا ~~وإن الله لهو خير الرازقين * ليدخلنهم ~~مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم } وعن عبد ~~الرحمن بن جحدم الخولاني أنه حضر (فضالة بن عبيد) في البحر مع جنازتين، ~~أحدهما أصيب بمنجنيق والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى، ~~فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده، فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما ~~بعثت، إن الله يقول: { والذين هاجروا في سبيل الله ثم ~~قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا } ~~الآيتين، فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلا ترضاه ورزقت رزقا ~~حسنا! والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت. وقوله: { ذلك ومن ~~عاقب بمثل ما عوقب به } الآية، نزلت في سرية من الصحابة ~~لقوا جمعا من المشركين في شهر محرم، فناشدهم المسلمون لئلا يقاتلوهم في ~~الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا قتالهم وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، ~~فنصرهم الله عليهم { إن الله لعفو غفور }. ### || [22.61-62] # يقول تعالى: منبها على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، كما قال: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء # [آل عمران: 26] الآية، ومعنى إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، ~~إدخاله من هذا في هذا، ومن هذا في هذا، فتارة يطول الليل ويقصر النهار ~~كما في الشتاء، وتارة يطول النهار ويقصر الليل كما في ms1639 الصيف، وقوله: { ~~وأن الله سميع بصير } أي سميع بأقوال عباده بصير بهم، لا ~~يخفى عليه منهم خافية في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم، ولما تبين أنه ~~المتصرف في الوجود الحاكم الذي لا معقب لحكمه قال: { ذلك بأن ~~الله هو الحق } أي الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ~~لأنه ذو السلطان العظيم، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء ~~فقير إليه، ذليل لديه { وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل } أي من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من دونه تعالى ~~فهو باطل، لأنه لا يملك ضرا ولا نفعا، وقوله: { وأن الله هو ~~العلي الكبير } ، كما قال: # وهو العلي العظيم # [البقرة: 255]، وقال وهو: # الكبير المتعال # [الرعد: 9] فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته لا إله إلا هو ولا رب ~~سواه، لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير ~~الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه عز وجل عما يقول الظالمون ~~المعتدون علوا كبيرا. ### || [22.63-66] # وهذا أيضا من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه، وأنه يرسل الرياح فتثير ~~سحابا فيمطر على الأرض الجرز، التي لا نبات فيها وهي هامدة يابسة سوداء ~~ممحلة # فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت # [فصلت: 39]، وقوله: { فتصبح الأرض مخضرة } أي خضراء بعد ~~يبسها ومحولها، { إن الله لطيف خبير } أي عليم بما في أرجاء ~~الأرض وأقطارها وأجزائها، لا يخفى عليه خافية، كما قال لقمان: # يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن ~~في صخرة أو في السموت أو في الأرض يأت بها ~~الله إن الله لطيف خبير # [لقمان: 16]، وقال تعالى: # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين # [الأنعام: 59]، وقوله: { ما في السموت وما في الأرض } أي ~~ملكه جميع الأشياء وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه عبد لديه، وقوله: ~~{ ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض } أي من ~~حيوان وجماد وزروع وثمار كما قال: # وسخر لكم ما ms1640 في السموت وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13] أي من إحسانه وفضله وامتنانه { والفلك تجري في ~~البحر بأمره } أي بتسخيره وتسييره، أي في البحر العجاج وتلاطم ~~الأمواج، تجري الفلك بأهلها بريح طيبة فيحملون فيها ما شاءوا من بضائع ~~ومنافع، من بلد إلى بلد وقطر إلى قطر { ويمسك السمآء أن تقع ~~على الأرض إلا بإذنه } ولهذا قال: { إن الله ~~بالناس لرءوف رحيم } أي من ظلمهم كما قال في الآية الأخرى # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ~~ربك لشديد العقاب # [الرعد: 6]، وقوله: { وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ~~ثم يحييكم إن الإنسان لكفور } ، كقوله: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون # [البقرة: 28]، وقوله: # قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه # [الجاثية: 26]، وقوله: # قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # [غافر: 11] ومعنى الكلام كيف تجعلون لله أندادا وتعبدون معه غيره، وهو ~~المستقل بالخلق والرزق والتصرف، { وهو الذي أحياكم } أي ~~خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا يذكر فأوجدكم، { ثم يميتكم ثم ~~يحييكم } أي يوم القيامة، { إن الإنسان لكفور } أي جحود ~~لربه. ### || [22.67-69] # يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكا، وأصل المنسك في كلام العرب هو ~~الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد إليه، ولهذا سميت مناسك الحج بذلك، ~~لترداد الناس إليها وعكوفهم عليها، والمراد لكل أمة نبي جعلنا منسكا، { ~~فلا ينازعنك في الأمر } أي هؤلاء المشركون، { هم ~~ناسكوه } أي فاعلوه فالضمير ههنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك ~~وطرائق، فلا تتأثر بمنازعتهم لك ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق، ~~ولهذا قال: { وادع إلى ربك إنك لعلى هدى ~~مستقيم } أي طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود، وهذه كقوله: # ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك # [القصص: 78]، وقوله: { وإن جادلوك فقل الله أعلم بما ~~تعملون } تهديد شديد ووعيد أكيد كقوله: # هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني ~~وبينكم # [الأحقاف: 8]، ولهذا قال: { الله يحكم بينكم يوم ~~القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ms1641 } ، وهذه كقوله تعالى: # فلذلك فادع واستقم كمآ أمرت ولا تتبع ~~أهوآءهم وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب # [الشورى: 15] الآية. ### || [22.70] # يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السماوات وما في ~~الأرض، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها وكتب ذلك في اللوح ~~المحفوظ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وكان عرشه على الماء " # ، وفي السنن من حديث جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قال أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما ~~هو كائن، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " # ، وقال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، وقال للقلم ~~قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش تبارك وتعالى: اكتب فقال القلم: وما ~~أكتب؟ قال علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في ~~علم الله إلى يوم القيامة فذلك قوله: { ألم تعلم أن الله ~~يعلم ما في السمآء والأرض } ، وهذا من تمام علمه تعالى علم ~~الأشياء قبل كونها وقدرها وكتبها أيضا، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع ~~باختياره وهذا يعصي باختياره وكتب ذلك عنده، وأحاط بكل شيء علما، وهو ~~سهل عليه يسير لديه، ولهذا قال تعالى: { إن ذلك في كتاب إن ~~ذلك على الله يسير }. ### || [22.71-72] # يقول مخبرا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا. وعبدوا من دون الله ما لم ~~ينزل به سلطانا، يعني حجة وبرهانا كقوله: # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ~~فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون # [المؤمنون: 117]، ولهذا قال ههنا { ما لم ينزل به سلطانا ~~وما ليس لهم به علم } أي ولا علم لهم فيما اختلقوا ~~وائتفكوه، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا حجة، ~~وأصله مما سول لهم الشيطان وزينة لهم، ولهذا توعدهم تعالى بقوله: { ~~وما للظالمين من نصير } أي من ms1642 ناصر ينصرهم من الله فيما يحل ~~بهم من العذاب والنكال؛ ثم قال: { وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~بينات } أي وإذا ذكرت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل والواضحات ~~على توحيد الله { يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم ~~آيتنا } أي يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة من ~~القرآن ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء { قل } أي يا محمد لهؤلاء ~~{ أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله ~~الذين كفروا } أي النار وعذابها ونكالها أشد وأشق، وأطم وأعظم ~~مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على ~~صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم إن نلتم بزعمكم وإرادتكم، وقوله: { ~~وبئس المصير } أي وبئس النار مقيلا ومنزلا ومرجعا وموئلا ~~ومقاما # إنها سآءت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 66]. ### || [22.73-74] # يقول تعالى منبها على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها { يأيها ~~الناس ضرب مثل } أي لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به { ~~فاستمعوا له } أي أنصتوا وتفهموا { إن الذين تدعون ~~من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } ~~أي لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد، على أن يقدروا على خلق ~~ذباب واحد ما قدروا على ذلك؛ كما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، ~~فليخلقوا شعيرة " # ، ثم قال تعالى أيضا: { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه } أي هم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك ~~عاجزون عن مقاومته والانتصار منه، لو سلبها شيئا من الذي عليها من ~~الطيب، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك، هذا والذباب من أضعف ~~مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: { ضعف الطالب والمطلوب } ~~، قال ابن عباس: الطالب الصنم، والمطلوب الذباب؛ واختاره ابن جرير، وقال ~~السدي وغيره: الطالب العابد والمطلوب الصنم، ثم قال: { ما قدروا ~~الله حق قدره } أي ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه ~~غيره من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها، { إن الله ~~لقوي عزيز } أي هو القوي الذي بقدرته وقوته ms1643 خلق كل شيء، # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]، # إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين # [الذاريات: 58]، وقوله: { عزيز } أي قد عز كل شيء وغلبه، فلا يمانع ~~ولا يغالب، لعظمته وسلطانه وهو الواحد القهار. ### || [22.75-76] # يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلا فيما يشاء من شرعه وقدره ومن ~~الناس لإبلاغ رسالته { إن الله سميع بصير } أي سميع لأقوال ~~عباده بصير بهم، عليم بمن يستحق ذلك منهم كما قال: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]، وقوله: { يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم وإلى الله ترجع الأمور } أي يعلم ما يفعل برسله ~~فيما أرسلهم به، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم، فهو سبحانه رقيب عليهم ~~شهيد على ما يقال لهم، حافظ لهم، ناصر لجنابهم. ### || [22.77-78] # اختلف في هذه السجدة الثانية على قولين وقد قدمنا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " فضلت سورة الحج بسجدتين فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما " # ، وقوله: { وجاهدوا في الله حق جهاده } أي بأموالكم ~~وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102]، وقوله: { هو اجتباكم } أي يا هذه الأمة الله ~~اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول وأكمل ~~شرع، { وما جعل عليكم في الدين من حرج } أي ما كلفكم ~~ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ~~ومخرجا، ولهذا قال عليه السلام: # " بعثت بالحنيفية السمحة " # وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن: # " بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا " # ، والأحاديث في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله: { وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج } يعني من ضيق، وقوله: { ملة ~~أبيكم إبراهيم } قال ابن جرير: نصب على تقدير { وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج } أي من ضيق بل وسعه عليكم كملة ~~أبيكم إبراهيم، ويحتمل أنه منصوب على تقدير الزموا ملة أبيكم إبراهيم. # قلت: وهذا المعنى في هذه الآية كقولة: # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما ملة إبراهيم ms1644 حنيفا # [الأنعام: 161] الآية، وقوله: { هو سماكم المسلمين من ~~قبل وفي هذا } ، قال ابن عباس في قوله: { هو سماكم ~~المسلمين من قبل } قال: الله عز وجل. وقال ابن أسلم { هو ~~سماكم المسلمين من قبل } يعني إبراهيم، وذلك لقوله: # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة لك # [البقرة: 128]، وقد قال الله تعالى: { هو سماكم المسلمين ~~من قبل وفي هذا } قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في ~~الكتب المتقدمة، وفي الذكر، { وفي هذا } يعني القرآن وكذا قال ~~غيره. (قلت): وهذا هو الصواب لأنه تعالى قال: { هو اجتباكم وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج } ثم حثهم وأغراهم على ما ~~جاء الرسول صلوات الله وسلامه عليه بأنه ملة إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته ~~تعالى على هذه الأمة، بما نوه به من ذكرها والثناء عليها، في سالف الدهر ~~وقديم الزمان، في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان، فقال: { هو ~~سماكم المسلمين من قبل } أي من قبل هذا القرآن { وفي ~~هذا } ، روى النسائي عن الحارث الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " " من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم " ، قال رجل: يا رسول الله ~~وإن صام وصلى؟ قال: " نعم وإن صام وصلى " فادعوا بدعوة الله التي سماكم ~~بها المسلمين المؤمنين عباد الله " # ، ولهذا قال: { ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا ~~شهدآء على الناس } أي إنما جعلناكم هكذا أمة وسطا، عدولا ~~خيارا مشهودا بعدالتكم عند جميع الأمم لتكونوا يوم القيامة { شهدآء ~~على الناس } لأن جميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل ~~أمة سواها، فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة، في أن الرسل بلغتهم ~~رسالة ربهم، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك، وقد تقدم ~~الكلام على هذا عند قوله: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # [البقرة: 143]، وقوله: { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~} أي قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، فأدوا حق الله عليكم في ~~أداء ما افترض، وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، { ~~واعتصموا بالله } أي اعتضدوا بالله واستعينوا به ms1645 وتوكلوا عليه ~~وتأيدوا به، { هو مولاكم } أي حافظكم وناصركم ومظفركم على ~~أعدائكم، { فنعم المولى ونعم النصير }: يعني نعم الولي، ~~ونعم الناصر من الأعداء. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-11] # روى الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب قال: # " كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه ~~كدوي النحل، فلبثنا ساعة، فاستقبل القبلة، ورفع يديه وقال: " اللهم زدنا ~~ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر ~~علينا، وارض عنا وأرضنا، ثم قال: لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل ~~الجنة " # ثم قرأ { قد أفلح المؤمنون } حتى ختم العشر. وقال النسائي ~~في تفسيره عن يزيد بن بابنوس، قال، قلنا لعائشة أم المؤمنين: كيف كان خلق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان خلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم القرآن، فقرأت: { قد أفلح المؤمنون } - حتى انتهت إلى - ~~{ والذين هم على صلواتهم يحافظون } قالت: هكذا كان ~~خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " خلق الله جنة عدن بيده لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ~~ولبنة من زبرجدة خضراء، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها ~~الزعفران، ثم قال لها: انطقي، قالت: { قد أفلح المؤمنون } ، ~~فقال الله: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل " # ؛ ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # [الحشر: 9]، وقوله تعالى: { قد أفلح المؤمنون } أي قد فازوا ~~وسعدوا وحصلوا على الفلاح وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف { ~~الذين هم في صلاتهم خاشعون } قال ابن عباس: { خاشعون ~~} خائفون ساكنون، وعن علي الخشوع خشوع القلب، وقال الحسن البصري: كان ~~خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح. وقال محمد بن ~~سيرين: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى ~~السماء في الصلاة فلما نزلت هذه الآية: { قد أفلح المؤمنون * ~~الذين هم في صلاتهم خاشعون } خفضوا أبصارهم إلى موضع ~~سجودهم، والخشوع في الصلاة إنما ms1646 يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما ~~عداها وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين؛ كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " حبب إلي الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة " # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يا بلال، أرحنا بالصلاة ". # وقوله تعالى: { والذين هم عن اللغو معرضون } أي عن ~~الباطل وهو يشمل الشرك كما قاله بعضهم، والمعاصي كما قاله آخرون، وما لا ~~فائدة فيه من الأقوال والأفعال كما قال تعالى: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72]، قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقفهم عن ذلك، ~~وقوله: { والذين هم للزكاة فاعلون } الأكثرون على أن ~~المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت ~~الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن أصل الزكاة كان ~~واجبا بمكة، قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: # وآتوا حقه يوم حصاده # [الأنعام: 141]؛ وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة ههنا زكاة النفس من ~~الشرك والدنس، كقوله: # قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها # [الشمس: 9-10]، وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا، وهو زكاة النفوس ~~وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل ~~هذا وهذا والله أعلم. وقوله: { والذين هم لفروجهم ~~حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى ورآء ~~ذلك فأولئك هم العادون } أي والذين قد حفظوا فروجهم من ~~الحرام فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا ولواط، لا يقربون سوى ~~أزواجهم التي أحلها الله لهم، أو ما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ~~ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: { فإنهم غير ~~ملومين * فمن ابتغى ورآء ذلك } أي غير الأزواج والإماء ~~{ فأولئك هم العادون } أي المعتدون. وقد استدل الإمام ~~الشافعي رحمه الله ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية ~~الكريمة: { والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } قال: فهذا الصنيع خارج ~~عن ms1647 هذين القسمين، وقد قال الله تعالى: { فمن ابتغى ورآء ذلك ~~فأولئك هم العادون }. # وقوله تعالى: { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ~~} أي إذا أؤتمنوا لم يخونوا بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا ~~أوفوا بذلك، لا كصفات المنافقين الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان " # ، وقوله: { والذين هم على صلواتهم يحافظون } أي ~~يواظبون عليها في مواقيتها كما قال ابن مسعود: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أي العمل أحب ~~إلى الله؟ قال: " الصلاة على وقتها " قلت: ثم أي؟ قال: " بر الوالدين " ، ~~قلت: ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله " # ، وفي " مستدرك " الحاكم قال: # " الصلاة في أول وقتها " # ، وقال ابن مسعود ومسروق في قوله: { والذين هم على ~~صلواتهم يحافظون } يعني مواقيت الصلاة، وقال قتادة: على ~~مواقيتها وركوعها وسجودها، وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة ~~بالصلاة واختتمها بالصلاة، فدل على أفضليتها كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على ~~الوضوء إلا مؤمن " # ولما وصفهم تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة قال: { ~~أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون } ، وثبت في " الصحيحين ": # " إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ~~ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ~~ودخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: { أولئك هم ~~الوارثون } " # وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، ~~فأما المؤمن فيبني بيته الذي في الجنة، ويهدم بيته الذي في النار، وأما ~~الكافر فيهدم بيته الذي في الجنة، ويبني بيته الذي في النار، فالمؤمنون ~~يرثون منازل الكفار لأنهم أطاعوا ربهم عز وجل بل أبلغ من هذا أيضا، ~~وهو ما ثبت في ms1648 " صحيح مسلم " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقال هذا ~~فكاكك من النار " # ، فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث ~~مرات أن أباه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: فحلف له. ~~قلت: وهذه الآية كقوله تعالى: # تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا # [مريم: 63]، وكقوله: # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الزخرف: 72] وقد قال مجاهد: الجنة هي الفردوس، وقال بعض السلف: لا يسمى ~~البستان الفردوس إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم. ### || [23.12-16] # يقول تعالى مخبرا عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين، وهو آدم عليه ~~السلام خلقه الله من صلصال من حمإ مسنون، وقال ابن عباس { من سلالة ~~من طين } قال: من صفوة الماء، وقال مجاهد: من سلالة أي من مني بني ~~آدم، وقال ابن جرير: إنما سمي آدم طينا لأنه مخلوق منه، وقال قتادة: ~~استل آدم من الطين، وهذا أظهر في المعنى وأقرب إلى السياق، فإن آدم عليه ~~السلام خلق من طين لازب، وهو الصلصال من الحمإ المسنون، وذلك مخلوق من ~~التراب، كما قال تعالى: # ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذآ أنتم ~~بشر تنتشرون # [الروم: 20]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر ~~الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ~~ذلك " # { ثم جعلناه نطفة } هذا الضمير عائد على جنس الإنسان، كما ~~قال في الآية الأخرى: # وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من ~~سلالة من مآء مهين # [السجدة: 7-8] أي ضعيف كما قال: # ألم نخلقكم من مآء مهين * فجعلناه في قرار ~~مكين # [المرسلات: 20-21] يعني الرحم معد لذلك مهيأ له، # إلى قدر معلوم * فقدرنا فنعم القادرون # [المرسلات: 22-23] أي مدة معلومة وأجل معين، حتى استحكم ونقل من حال إلى ~~حال وصفه ms1649 إلى صفة، ولهذا قال ههنا { ثم خلقنا النطفة ~~علقة } أي ثم صيرنا النطفة وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل ~~وهو ظهره، وترائب المرأة وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى السرة، فصارت ~~علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة، قال عكرمة، وهي دم { فخلقنا ~~العلقة مضغة } وهي قطعة كالبضعة من اللحم لا شكل فيها ولا تخطيط ~~{ فخلقنا المضغة عظاما } يعني شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين ~~بعظامها وعصبها وعروقها. وفي الصحيح: # " كل جسد ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب " # { فكسونا العظام لحما } أي جعلنا على ذلك ما يستره ويشده ~~ويقويه، { ثم أنشأناه خلقا آخر } أي ثم نفخنا فيه الروح ~~فتحرك وصار خلقا آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب { فتبارك ~~الله أحسن الخالقين }. عن ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: إذ ~~أتت على النطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكا فنفخ فيها الروح في ~~ظلمات ثلاث، فذلك قوله: { ثم أنشأناه خلقا آخر } يعني نفخنا ~~فيه الروح، وقال ابن عباس: يعني فنفخنا فيه الروح؛ واختاره ابن جرير، ~~وقال العوفي عن ابن عباس { ثم أنشأناه خلقا آخر }: يعني ~~ننقله من حال إلى حال، إلى أن خرج طفلا، ثم نشأ صغيرا، ثم احتلم، ثم ~~صار شابا، ثم كهلا، ثم شيخا، ثم هرما، وفي الصحيح: # " إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ~~ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر ~~بأربع كلمات: رزقه وأجله وعمله وهل هو شقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره ~~إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق ~~عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل ~~النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم له ~~بعمل أهل الجنة فيدخلها ". # وقال عبد الله بن مسعود: إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعر ~~وظفر، فتمكث أربعين ms1650 يوما، ثم تنحدر في الرحم فتكون علقة، وفي الصحيح: # " يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين ليلة فيقول يا رب ~~ماذا؟ شقي أم سعيد، أذكر أم أنثى؟ فيقول الله فيكتبان، ويكتب عمله وأثره ~~ومصيبته ورزقه، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص " # وروى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن الله وكل بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، ~~فإذا أراد الله خلقها قال: أي رب ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق ~~والأجل؟ قال: فذلك يكتب في بطن أمه " # وقوله: { فتبارك الله أحسن الخالقين }: يعني حين ذكر ~~قدرته ولطفه في خلق هذه النطفة من حال إلى حال، ومن شكل إلى شكل، حتى ~~تصورت إلى ما صارت إليه من الإنسان السوي الكامل الخلق، قال: { ~~فتبارك الله أحسن الخالقين } ، وقوله: { ثم ~~إنكم بعد ذلك لميتون } يعني بعد هذه النشأة الأولى من ~~العدم تصيرون إلى الموت، { ثم إنكم يوم القيامة ~~تبعثون } يعني النشأة الآخرة، # ثم الله ينشىء النشأة الآخرة # [العنكبوت: 20] يعني يوم المعاد، وقيام الأرواح إلى الأجساد، فيحاسب ~~الخلائق، ويوفي كل عامل عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر. ### || [23.17] # لما ذكر تعالى خلق الإنسان عطف بذكر خلق السماوات السبع، وكثيرا ما ~~يذكر تعالى خلق السماوات والأرض مع خلق الإنسان كما قال تعالى: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]، وقوله: { سبع طرآئق } قال مجاهد: يعني السماوات ~~السبع وهذه كقوله تعالى: # تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن # [الإسراء: 44]، # ألم تروا كيف خلق الله سبع سموت طباقا # [نوح: 15]، # الله الذي خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على ~~كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء ~~علما # [الطلاق: 12]، وهكذا قال ههنا { ولقد خلقنا فوقكم سبع ~~طرآئق وما كنا عن الخلق غافلين } أي أنه سبحانه لا ~~يحجب عنه سماء ولا أرض، ولا جبل إلا يعلم ما في ms1651 وعره، ولا بحر إلا يعلم ~~ما في قعره، يعلم عدد ما في الجبال والتلال والرمال والبحار والقفار ~~والأشجار، # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين # [الأنعام: 59]. ### || [23.18-22] # يذكر تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى في إنزاله القطر من ~~السماء بقدر، أي بحسب الحاجة لا كثيرا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلا ~~فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع ~~به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيرا لزرعها ولا تحتمل دمنتها إنزال ~~المطر عليها يسوق إليها الماء من بلاد أخرى، كما في أرض مصر، ويقال لها ~~الأرض الجرز يسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد ~~الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طينا أحمر، فيسقي أرض مصر، ~~ويقر الطين على أرضهم ليزرعوا فيه، لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال، ~~فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور، وقوله: { فأسكناه في ~~الأرض } أي جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا في ~~الأرض قابلية إليه، تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى، وقوله: { ~~وإنا على ذهاب به لقادرون } أي لو شئنا أن لا تمطر ~~لفعلنا، ولو شئنا أذى لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري والقفار لفعلنا، ~~ولو شئنا لجعلناه أجاجا لا ينتفع به لشرب ولا لسقي لفعلنا، ولو شئنا ~~لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مدى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا، ~~ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم المطر من السحاب عذبا فراتا زلالا، ~~فيسكنه في الأرض ويسلكه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار، ويسقي ~~به الزروع والثمار، تشربون منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون ~~منه وتتنظفون، فله الحمد والمنة. # وقوله تعالى: { فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ~~وأعناب } يعني فأخرجنا لكم بما أنزلنا من السماء جنات أي بساتين ~~وحدائق # ذات بهجة # [النمل: 60] أي ذات منظر حسن، وقوله: { من نخيل وأعناب } أي ~~فيها نخيل وأعناب، وهذا ما كان يألف أهل ms1652 الحجاز ولا فرق بين الشيء وبين ~~نظيره، وكذلك في حق كل أهل إقليم عندهم من الثمار من نعمة الله عليهم ما ~~يعجزون عن القيام بشكره، وقوله: { لكم فيها فواكه كثيرة } ~~أي من جميع الثمار، كما قال: # ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل ~~والأعناب ومن كل الثمرات # [النحل: 11]، وقوله: { ومنها تأكلون } معطوف على شيء مقدر، ~~تقديره: تنظرون إلى حسنه ونضجه ومنه تأكلون، وقوله: { وشجرة ~~تخرج من طور سينآء } يعني الزيتونة، والطور هو الجبل، وقال ~~بعضهم: إنما يسمى طورا إذا كان فيه شجر، فإن عري عنها سمي جبلا لا ~~طورا والله أعلم. و { طور سينآء } هو طور سينين، وهو الجبل الذي ~~كلم الله عليه موسى بن عمران عليه السلام وما حوله من الجبال التي فيها ~~شجر الزيتون، وقوله: { تنبت بالدهن } أي تنبت الدهن، كما في قول ~~العرب: ألقى فلان بيده أي يده، ولهذا قال: { وصبغ } أي أدم قاله ~~قتادة { للآكلين } أي فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " # وروى عبد بن حميد في " مسنده " عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة " # وقوله: { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم ~~مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها ~~تأكلون * وعليها وعلى الفلك تحملون } يذكر تعالى ~~ما جعل لخلقه في الأنعام من المنافع، وذلك أنهم يشربون من ألبانها ~~الخارجة من بين فرث ودم ويأكلون من حملانها، ويلبسون من أصوافها وأوبارها ~~وأشعارها، ويركبون ظهورها، ويحملونها الأحمال الثقال إلى البلاد النائية ~~عنهم، كما قال تعالى: # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم # [النحل: 7]، وقال تعالى: # وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون * ~~ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون # [يس: 72-73]. ### || [23.23-25] # يخبر تعالى عن نوح عليه السلام حين بعثه إلى قومه، لينذرهم عذاب الله ~~وبأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به وخالف أمره وكذب رسله ms1653 { فقال ~~يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون } أي ألا تخافون من الله في إشراككم به؟ فقال الملأ - وهم ~~السادة والأكابر منهم - { ما هذا إلا بشر مثلكم يريد ~~أن يتفضل عليكم } يعنون يترفع عليكم ويتعاظم بدعوى النبوة ~~وهو بشر مثلكم فكيف أوحي إليه دونكم؟! { ولو شآء الله لأنزل ~~ملائكة } أي لو أراد أن يبعث نبيا لبعث ملكا من عنده ولم يكن ~~بشرا { ما سمعنا بهذا } أي ببعثة البشر { في آبآئنا ~~الأولين } يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم في الدهور الماضية، وقوله: { ~~إن هو إلا رجل به جنة } أي مجنون فيما يزعمه من أن الله ~~أرسله إليكم، واختصه من بينكم بالوحي { فتربصوا به حتى ~~حين } أي انتظروا به ريب المنون، واصبروا عليه مدة حتى تستريحوا منه. ### || [23.26-30] # يخبر تعالى عن نوح عليه السلام أنه دعا ربه ليستنصره على قومه كما قال ~~تعالى مخبرا عنه في الآية الأخرى: # فدعا ربه أني مغلوب فانتصر # [القمر: 10]، وقال ههنا: { رب انصرني بما كذبون } ، فعند ~~ذلك أمره الله تعالى بصنعة السفينة وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها من ~~كل زوجين اثنين، أي ذكرا وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات ~~والثمار وغير ذلك، وأن يحمل فيها أهله { إلا من سبق عليه ~~القول منهم } أي من سبق عليه القول بالهلاك، وهم الذين لم يؤمنوا ~~به من أهله كابنه وزوجته والله أعلم، وقوله: { ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون } أي عند معاينة إنزال ~~المطر العظيم لا تأخذنك رأفة بقومك وشفقة عليهم، وطمع في تأخيرهم لعلهم ~~يؤمنون، فإني قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان، وقد ~~تقدمت القصة مبسوطة في سورة هود بما يغني عن إعادة ذلك ههنا، وقوله: { ~~فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل ~~الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين } ، ~~كما قال: # وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون * ~~لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم ~~إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر ~~لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنآ ms1654 إلى ربنا ~~لمنقلبون # [الزخرف: 12-14]، وقد امتثل نوح عليه السلام هذا، كما قال تعالى: # وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها # [هود: 41]، فذكر الله تعالى عند ابتداء سيره وعند انتهائه { إن في ~~ذلك لآيات } أي إن في هذا الصنيع - وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك ~~الكافرين - لآيات، أي لحججنا ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاءوا ~~به عن الله تعالى، وأنه تعالى فاعل لما يشاء قادر على كل شيء عليم بكل ~~شيء، وقوله: { وإن كنا لمبتلين } أي لمختبرين للعباد بإرسال ~~المرسلين. ### || [23.31-41] # يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرنا آخرين، قيل: المراد بهم عاد، ~~فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم. وقيل: المراد بهؤلاء ثمود، لقوله: { ~~فأخذتهم الصيحة بالحق } ، وأنه تعالى أرسل فيهم رسولا ~~منهم فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكذبوه وخالفوه وأبو اتباعه ~~لكونه بشرا مثلهم، وكذبوا بلقاء الله، وقالوا: { أيعدكم أنكم ~~إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * ~~هيهات هيهات لما توعدون } أي بعد ذلك، { إن هو إلا ~~رجل افترى على الله كذبا } أي فيما جاءكم به من الرسالة ~~والإخبار بالمعاد، { وما نحن له بمؤمنين * قال رب ~~انصرني بما كذبون } أي استفتح عليهم الرسول واستنصر ربه عليهم ~~فأجاب دعاءه، { قال عما قليل ليصبحن نادمين } أي ~~بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به، { فأخذتهم الصيحة بالحق ~~} أي وكانوا يستحقون ذلك من الله بكفرهم وطغيانهم، والظاهر أنه اجتمع ~~عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي الباردة تدمر كل شيء بأمر ربها، # فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم # [الأحقاف: 25]، وقوله: { فجعلناهم غثآء } أي صرعى هلكى كغثاء ~~السيل وهو الشيء الحقير التافه الهالك الذي لا ينتفع بشيء منه، { ~~فبعدا للقوم الظالمين } ، كقوله: # وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين # [الزخرف: 76] أي بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول الله، فليحذر السامعون أن ~~يكذبوا رسولهم. ### || [23.42-44] # يقول تعالى: { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين } أي ~~أمما وخلائق { ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون } يعني بل يؤخذون على حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه ~~المحفوظ وعلمه، قبل كونهم أمة بعد ms1655 أمة، وجيلا بعد جيل، { ثم ~~أرسلنا رسلنا تترا } قال ابن عباس: يعني يتبع بعضهم بعضا، ~~وهذا كقوله تعالى: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة # [النحل: 36]، وقوله: { كل ما جآء أمة رسولها كذبوه ~~} يعني جمهورهم وأكثرهم، كقوله تعالى: # يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزئون # [يس: 30]، وقوله: { فأتبعنا بعضهم بعضا } أي أهلكناهم، ~~كقوله: # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح # [الإسراء: 17]، وقوله: { وجعلناهم أحاديث } أي أخبارا ~~وأحاديث للناس، كقوله: # فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق # [سبأ: 19]. ### || [23.45-49] # يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى عليه السلام وأخاه هارون إلى فرعون ~~وملئه، بالآيات والحجج الدامغات والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه ~~استكبروا عن اتباعهما والانقياد لأمرهما، لكونهما بشرين كما أنكرت الأمم ~~الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم. فأهلك الله فرعون وملأه ~~وأغرقهم في يوم واحد أجمعين، وأنزل على موسى الكتاب - وهو التوراة - فيها ~~أحكامه وأوامره ونواهيه، وذلك بعد أن قصم الله فرعون والقبط، وأخذهم أخذ ~~عزيز مقتدر، وبعد أن أنزل الله التوراة لم يهلك أمة بعامة، بل أمر ~~المؤمنين بقتال الكافرين، كما قال تعالى: # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا ~~القرون الأولى بصآئر للناس وهدى ورحمة ~~لعلهم يتذكرون # [القصص: 43]. ### || [23.50] # يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليهما السلام أنه ~~جعلهما آية للناس، أي حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء، فإنه خلق آدم من ~~غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، ~~وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى. وقوله: { وآويناهمآ إلى ربوة ~~ذات قرار ومعين } قال ابن عباس: الربوة المكان المرتفع من ~~الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات، { ذات قرار } يقول ذات خصب { ~~ومعين } يعني ماء ظاهرا، وقال مجاهد: ربوة مستوية. وقال سعيد بن ~~جبير { ذات قرار ومعين }: استوى الماء فيها، وقال مجاهد وقتادة: ~~{ ومعين } الماء الجاري، ثم اختلف المفسرون في مكان ms1656 هذه الربوة؟ فقال ~~سعيد بن المسيب: هي دمشق، وعن ابن عباس { ذات قرار ومعين } قال: ~~أنهار دمشق، وقال مجاهد { وآويناهمآ إلى ربوة } قال: عيسى ~~ابن مريم وأمه حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها، وقال عبد الرزاق عن أبي ~~هريرة قال: هي الرملة من فلسطين، وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي عن ~~ابن عباس قال: المعين الماء الجاري وهو النهر الذي قال الله تعالى: # قد جعل ربك تحتك سريا # [مريم: 24]، وكذا قال الضحاك وقتادة: إلى ربوة ذات قرار ومعين، هو بيت ~~المقدس، فهذا والله أعلم هو الأظهر، لأنه المذكور في الآية الأخرى، ~~والقرآن يفسر بعضه بعضا، وهذا أولى ما يفسر به، ثم الأحاديث الصحيحة، ثم ~~الآثار. ### || [23.51-56] # يأمر تعالى عباده المرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين بالأكل من ~~الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على ~~العمل الصالح، فقام الأنبياء عليهم السلام بهذا أتم القيام. وجمعوا بين ~~كل خير قولا وعملا ودلالة ونصحا، فجزاهم الله عن العباد خيرا، قال ~~الحسن البصري في قوله: { يأيها الرسل كلوا من ~~الطيبات } قال: أما والله ما أمركم بأصفركم ولا أحمركم ولا حلوكم ~~ولا حامضكم، ولكن قال: انتهوا إلى الحلال منه. وقال سعيد بن جبير والضحاك ~~{ كلوا من الطيبات }: يعني الحلال، وكان عيسى ابن مريم يأكل ~~من غزل أمه، وفي الصحيح: # " " وما من نبي إلا رعى الغنم " قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: " نعم ~~وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة " # ، وفي الصحيح: # " إن داود عليه السلام كان يأكل من كسب يده " # ، وقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر ~~المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: { يأيها الرسل كلوا ~~من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون ~~عليم } ، وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم } ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد ~~يديه إلى السماء يا رب يا ms1657 رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، ~~وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " # ؟! وقوله: { وإن هذه أمتكم أمة واحدة } أي دينكم ~~يا معشر الأنبياء دين واحد، وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده ~~لا شريك له، ولهذا قال: { وأنا ربكم فاتقون } ، وقوله: { ~~فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا } أي الأمم التي بعثت ~~إليهم الأنبياء { كل حزب بما لديهم فرحون } أي يفرحون ~~بما هم فيه من الضلال لأنهم يحسبون أنهم مهتدون، ولهذا قال متهددا لهم ~~ومتوعدا { فذرهم في غمرتهم } أي في غيهم وضلالهم { حتى ~~حين } أي إلى حين هلاكهم، كما قال تعالى: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17]، وقال تعالى: # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون # [الحجر: 3]. # وقوله تعالى: { أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون } ~~يعني أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد، لكرامتهم ~~علينا ومعزتهم عندنا، كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم # نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين # [سبأ: 35] لقد أخطأوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك ~~استدراجا وإنظارا وإملاء، ولهذا قال: { بل لا يشعرون } ، كما ~~قال تعالى: # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا # [التوبة: 55] الآية، وقال تعالى: # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران: 178]، وقال تعالى: # ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا # [سبأ: 37] الآية، والآيات في هذا كثيرة. وقال قتادة: مكر والله بالقوم ~~في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم ولكن ~~اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي ~~الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله ~~الدين فقد أحبه، والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ~~ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه ms1658 " قالوا: وما بوائقه يا رسول الله؟ قال: " ~~غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا ~~يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله ~~لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث ~~" ". ### || [23.57-61] # يقول تعالى: { إن الذين هم من خشية ربهم ~~مشفقون } أي هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح، مشفقون من الله ~~خائفون منه، وجلون من مكره بهم، كما قال الحسن البصري: إن المؤمن جمع ~~إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا، { والذين هم ~~بآيات ربهم يؤمنون } أي يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، ~~كقوله تعالى: إخبارا عن مريم عليها السلام # وصدقت بكلمات ربها وكتبه # [التحريم: 12] أي أيقنت أن ما كان إنما هو عن قدر الله وقضائه، وما شرعه ~~الله فهو إن كان أمرا فمما يحبه ويرضاه، وإن كان نهيا فهو مما يكرهه ~~ويأباه، وإن كان خيرا فهو حق، كما قال الله: { والذين هم ~~بربهم لا يشركون } أي لا يعبدون معه غيره بل يوحدونه ويعلمون ~~أنه لا إله إلا الله، وأنه لا نظير له ولا كفء. وقوله: { والذين ~~يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ~~ربهم راجعون } أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل ~~منهم، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء، وهذا من باب ~~الإشفاق والاحتياط، كما قال الإمام أحمد # " عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هو الذي ~~يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: " لا بنت أبي ~~بكر، يا بنت الصديق! ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز ~~وجل " " # { أولئك يسارعون في الخيرات } وقد قرأ آخرون هذه ~~الآية { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة }: أي ~~يفعلون ما يفعلون وهم خائفون، وروي هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قرأها كذلك، والمعنى على القراءة الأولى وهي قراءة الجمهور ~~السبعة وغيرهم أظهر؛ لأنه قال: { أولئك يسارعون في ~~الخيرات ms1659 وهم لها سابقون } فجعلهم من السابقين، ولو كان ~~المعنى على القراءة الأخرى لأوشك أن لا يكونوا من السابقين من المقتصدين ~~أو المقصرين، والله أعلم. ### || [23.62-67] # يقول تعالى مخبرا عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا، أنه لا يكلف ~~نفسا إلا وسعها: أي إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة ~~يحاسبهم بأعمالهم، التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء، ~~ولهذا قال: { ولدينا كتاب ينطق بالحق } يعني كتاب ~~الأعمال، { وهم لا يظلمون } أي لا يبخسون من الخير شيئا، وأما ~~السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين، ثم قال منكرا على ~~الكفار والمشركين من قريش: { بل قلوبهم في غمرة } أي في غفلة ~~وضلالة من هذا، أي القرآن الذي أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~وقوله: { ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون } ~~، قال ابن عباس: { ولهم أعمال } أي سيئة من دون ذلك يعني الشرك { ~~هم لها عاملون } ، قال: لا بد أن يعملوها، وقال آخرون { ولهم ~~أعمال من دون ذلك هم لها عاملون }: أي قد كتبت عليهم ~~أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة لتحق عليهم كلمة العذاب؛ ~~وهو ظاهر قوي حسن، وقد قدمنا في حديث ابن مسعود: # " فوالذي لا إله غيره إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه ~~وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها " # ، وقوله: { حتى إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا ~~هم يجأرون } يعني حتى إذا جاء مترفيهم - وهم المنعمون في الدنيا - ~~عذاب الله وبأسه ونقمته بهم { إذا هم يجأرون } أي يصرخون ~~ويستغيثون، كما قال تعالى: # وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم ~~قليلا # [المزمل: 11]، وقال تعالى: # كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين ~~مناص # [ص: 3]، وقوله: { لا تجأروا اليوم إنكم منا لا ~~تنصرون } أي لا يجيركم أحد مما حل بكم سواء جأرتم أو سكتم لا محيد ~~ولا مناص ولا وزر، لزم الأمر ووجب العذاب، ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: { ~~قد كانت آياتي ms1660 تتلى عليكم فكنتم على ~~أعقابكم تنكصون }: أي إذا دعيتم أبيتم وإن طلبتم امتنعتم، # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير # [غافر: 12]، وقوله: { مستكبرين به سامرا تهجرون } ~~الضمير للقرآن كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: إنه سحر، ~~إنه شعر، إنه كهانة إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة. وقيل إنه محمد صلى ~~الله عليه وسلم، كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة ويضربون له ~~الأمثال الباطلة، من أنه شاعر، أو كاهن، أو ساحر، أو كذاب، أو مجنون. ~~وقيل المراد بقوله { مستكبرين به } أي بالبيت يفتخرون به ~~ويعتقدون أنهم أولياؤه وليسوا به، كما قال ابن عباس: إنما كره السمر حين ~~نزلت هذه الآية { مستكبرين به سامرا تهجرون } فقال: ~~مستكبرين بالبيت، يقولون: نحن أهله { سامرا } قال: كانوا يتكبرون ~~ويسمرون فيه ولا يعمرونه ويهجرونه. ### || [23.68-75] # يقول تعالى منكرا على المشركين، في عدم تفهمهم للقرآن العظيم وإعراضهم ~~عنه، مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل الله على رسول الله أكمل ~~منه ولا أشرف، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا النعمة التي أسداها الله ~~عليهم بقبولها، والقيام بشكرها وتفهمها والعمل بمقتضاها آناء الليل ~~وأطراف النهار، ثم قال منكرا على الكافرين من قريش: { أم لم ~~يعرفوا رسولهم فهم له منكرون } أي أنهم لا يعرفون ~~محمدا وصدقه وأمانته وصيانته التي نشأ بها فيهم، ولهذا قال (جعفر بن أبي ~~طالب) رضي الله عنه للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك إن الله بعث فينا ~~رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وهكذا قال (المغيرة بن شعبة) لنائب كسرى ~~حين بارزهم، وكذلك قال (أبو سفيان) لملك الروم هرقل حين سأله وأصحابه عن ~~صفات النبي صلى الله عليه وسلم، ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفارا ~~لم يسلموا، ومع هذا لم يمكنهم إلا الصدق فاعترفوا بذلك. وقوله: { أم ~~يقولون به جنة } يحكي قول المشركين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أنه تقول القرآن أي افتراه من عنده، أو أن به جنونا لا يدري ما ~~يقول، وأخبر عنهم أن ms1661 قلوبهم لا تؤمن به، وهم يعلمون بطلان ما يقولون في ~~القرآن، وقد تحداهم وجميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله إن استطاعوا ولا ~~يستطيعون أبد الآبدين، ولهذا قال: { بل جآءهم بالحق ~~وأكثرهم للحق كارهون } ، قال قتادة: ذكر لنا # " أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلا فقال: " أسلم " فقال الرجل: ~~إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " ~~وإن كنت كارها " # وذكر لنا أنه لقي رجلا فقال له: # " " أسلم " فتصعده ذلك وكبر عليه، فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: ~~" أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث، فلقيت رجلا تعرف وجهه وتعرف نسبه، ~~فدعاك إلى طريق واسع سهل أكنت تتبعه "؟ قال: نعم، قال: " فوالذي نفس محمد ~~بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو قد كنت عليه، وإني لأدعوك لأسهل من ~~ذلك لو دعيت إليه " " # وقوله: { ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت ~~السموت والأرض ومن فيهن } قال مجاهد والسدي: الحق هو ~~الله عز وجل، والمراد لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى، ~~وشرع الأمور على وفق ذلك، لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن أي لفساد ~~أهوائهم واختلافهم، كما أخبر عنهم في قولهم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]، وقال تعالى: # قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق # [الإسراء: 100] الآية. # ففي هذا كله تبيين عجز العباد واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو ~~الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله وتدبيره لخلقه تعالى وتقدس، ولهذا ~~قال: { بل أتيناهم بذكرهم } أي القرآن { فهم عن ~~ذكرهم معرضون } ، وقوله: { أم تسألهم خرجا } قال ~~الحسن: أجرا، وقال قتادة: جعلا { فخراج ربك خير } أي أنت ~~لا تسألهم أجرة ولا جعلا ولا شيئا على دعوتك إياهم إلى الهدى، بل أنت ~~في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه، كما قال # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا ~~على الله # [سبأ: 47]، وقال: # قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من ~~المتكلفين # [ص: ms1662 86]، وقال: # اتبعوا من لا يسألكم أجرا # [يس: 21]، وقوله: { وإنك لتدعوهم إلى صراط ~~مستقيم * وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن ~~الصراط لناكبون }. عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أتاه فيما يرى النائم، ملكان، فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، ~~فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته، فقال: إن ~~مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من ~~الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم ~~رجل في حلة حبرة، فقال: أرأيتم إن أوردتكم رياضا معشبة وحياضا رواء ~~تتبعوني؟ فقالوا: نعم، قال: فانطلق بهم وأوردهم رياضا معشبة وحياضا ~~رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال، فجعلتم ~~لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ قالوا: بلى، قال: ~~فإن بين أيديكم رياضا أعشب من هذه، وحياضا هي أروى من هذه، فاتبعوني، ~~قال: فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم ~~عليه. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إني ممسك بحجزكم هلم عن النار، هلم عن النار وتغلبونني، تتقاحمون ~~فيها تقاحم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فرطكم على الحوض، ~~فتردون علي معا وأشتاتا، أعرفكم بسيماكم وأسمائكم كما يعرف الرجل ~~الغريب من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم ~~رب العالمين أي رب قومي، أي رب أمتي، فيقال: يا محمد إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم " # وقوله: { وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن ~~الصراط لناكبون } أي لعادلون جائرون منحرفون، تقول العرب: نكب ~~فلان عن الطريق إذا زاغ عنها، وقوله: { ولو رحمناهم وكشفنا ~~ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون } يخبر ~~تعالى عن غلظهم في كفرهم، بأنه لو أزاح عنهم الضر وأفهمهم القرآن لما ~~انقادوا له، ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، كما ms1663 قال تعالى: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال: 23] فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون لو كان كيف يكون، قال ~~ابن عباس: كل ما فيه (لو) فهو مما لا يكون أبدا. ### || [23.76-83] # يقول تعالى: { ولقد أخذناهم بالعذاب } أي ابتليناهم ~~بالمصائب والشدائد، { فما استكانوا لربهم وما ~~يتضرعون } أي فما ردهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة بل ~~استمروا على غيهم وضلالهم، ما استكانوا أي ما خشعوا { وما ~~يتضرعون } أي ما دعوا، كما قال تعالى: # فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست ~~قلوبهم # [الأنعام: 43] الآية. عن ابن عباس أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العلهز ~~يعني الوبر والدم - فأنزل الله: { ولقد أخذناهم بالعذاب ~~فما استكانوا } ، وأصله في " الصحيحين " # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش حين استعصوا فقال: " ~~اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " # وقوله: { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب ~~شديد إذا هم فيه مبلسون } ، أي حتى إذا جاءهم أمر الله ~~وجاءتهم الساعة بغتة، فأخذهم من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون، فعند ~~ذلك أبلسوا من كل خير، وأيسوا من كل راحة وانقطعت آمالهم ورجاؤهم، ثم ذكر ~~تعالى نعمه على عباده بأن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة وهي العقول ~~التي يذكرون بها الأشياء، ويعتبرون بما في الكون من الآيات الدالة على ~~وحدانية الله، وأنه الفاعل المختار لما يشاء. وقوله: { قليلا ما ~~تشكرون } أي ما أقل شكركم لله على ما أنعم به عليكم، ثم أخبر تعالى ~~عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر، في برئه الخليقة وذرئه لهم في سائر ~~أقطار الأرض، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم، ثم يوم القيامة يجمع ~~الأولين منهم والآخرين لميقات يوم معلوم، ولهذا قال: { وهو الذي ~~يحيي ويميت } أي يحيي الرمم ويميت الأمم، { وله اختلاف ~~الليل والنهار } أي وعن أمره تسخير الليل والنهار كل منهما يطلب ~~الآخر طلبا حثيثا، يتعاقبان لا يفتران ولا ms1664 يفترقان بزمان غيرهما كقوله: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار # [يس: 40] الآية، وقوله: { أفلا تعقلون } أي أفليس لكم عقول ~~تدلكم على العزيز العليم الذي قد قهر كل شيء وخضع له كل شيء؟ ثم قال ~~مخبرا عن منكري البعث الذين أشبهوا من قبلهم من المكذبين { بل ~~قالوا مثل ما قال الأولون * قالوا أإذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون } يعني يستبعدون ~~وقوع ذلك بعد صيرورتهم إلى البلى، { لقد وعدنا نحن وآبآؤنا ~~هذا من قبل إن هذآ إلا أساطير الأولين } يعنون ~~الإعادة محال إنما يخبر بها من تلقاها عن كتب الأولين واختلاقهم، وهذا ~~الإنكار والتكذيب منهم كقوله إخبارا عنهم # أإذا كنا عظاما نخرة * قالوا تلك إذا كرة ~~خاسرة # [النازعات: 11-12]، # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم # [يس: 78-79] الآيات. ### || [23.84-90] # يقرر تعالى وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك { قل لمن ~~الأرض ومن فيهآ } أي من مالكها الذي خلقها، ومن فيها من الحيوانات ~~والنباتات، والثمرات وسائر صنوف المخلوقات؟ { إن كنتم تعلمون * ~~سيقولون لله } أي فيعترفون لك بأن لك لله وحده لا شريك له، ~~فإذا كان ذلك { قل أفلا تذكرون } أنه لا تنبغي العبادة إلا ~~للخالق الرازق لا لغيره، { قل من رب السموت السبع ~~ورب العرش العظيم }؟ أي من هو خالق العالم العلوي بما فيه من ~~الكواكب النيرات، والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات؟ ~~ومن هو رب العرش العظيم يعني الذي هو سقف المخلوقات؟ كما جاء في الحديث ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " شأن الله أعظم من ذلك إن عرشه على سماواته هكذا " وأشار بيده مثل ~~القبة " # وفي الحديث الآخر: # " ما السماوات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا ~~كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك ~~الحلقة في تلك القلاة " # ، عن ابن عباس: إنما سمي عرشا لارتفاعه، وقال مجاهد: ما السماوات ms1665 ~~والأرض في العرش إلا كحلقة في أرض فلاة، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: العرش لا يقدر قدره أحد إلا الله عز وجل. ولهذا قال ههنا: { ~~ورب العرش العظيم } أي الكبير، وقال آخر السورة # رب العرش الكريم # [المؤمنون: 116] أي الحسن البهي فقد جمع العرش بين العظمة في الاتساع، ~~والعلو والحسن الباهر؛ قال ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، ~~نور العرش من نور وجهه، وقوله: { سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون } أي إذا كنتم تعترفون بأنه رب السماوات ورب العرش العظيم، ~~أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟ # قوله: { قل من بيده ملكوت كل شيء } أي بيده الملك # ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ # [هود: 56] أي متصرف فيها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا والذي نفسي بيده " # ، وكان إذا اجتهد في اليمين قال: # " لا ومقلب القلوب " # ، فهو سبحانه الخالق المالك المتصرف، { وهو يجير ولا يجار ~~عليه إن كنتم تعلمون } كانت العرب إذا كان السيد فيهم أجار ~~أحدا لا يخفر في جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه لئلا يفتات عليه، ~~ولهذا قال الله: { وهو يجير ولا يجار عليه } أي وهو ~~السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه، # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء: 23]، { سيقولون لله } أي سيعترفون أن السيد العظيم ~~الذي يجير ولا يجار عليه هو الله تعالى وحده لا شريك له { قل فأنى ~~تسحرون } أي فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم ~~وعلمكم بذلك؟ ثم قال تعالى: { بل أتيناهم بالحق } وهو ~~الإعلام بأنه لا إله إلا الله وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة ~~على ذلك، { وإنهم لكاذبون } أي في عبادتهم مع الله غيره ولا ~~دليل لهم على ذلك، كما قال في آخر السورة # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ~~فإنما حسابه عند ربه # [المؤمنون: 117] فالمشركون إنما يفعلون ذلك اتباعا لآبائهم وأسلافهم ~~الحيارى الجهال كما قال عنهم ms1666 # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # [الزخرف: 23]. ### || [23.91-92] # ينزه تعالى نفسه عن أن يكن له ولد أو شريك في الملك والتصرف والعبادة، ~~فقال تعالى: { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ~~إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا ~~بعضهم على بعض } أي لو قدر تعدد الآلهة، لانفرد كل منهم بما ~~خلق، فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق، غاية الكمال # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت # [الملك: 3]، ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على ~~بعض، والمتكلمون عبروا عنه بدليل (التمانع) وهو أنه لو فرض صانعان ~~فصاعدا فأراد واحد تحريك جسم والآخر أراد سكونه، فإن لم يحصل مراد كل ~~واحد منهما كانا عاجزين، ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد، وما جاء هذا ~~المحال إلا من فرض التعدد فيكون محالا؛ فأما إن حصل مراد أحدهما دون ~~الآخر كان الغالب هو الواجب، والآخر المغلوب ممكنا، لأنه لا يليق بصفة ~~الواجب أن يكون مقهورا، ولهذا قال تعالى: { ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون } أي عما يقول الظالمون ~~المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علوا كبيرا، { عالم الغيب ~~والشهادة } أي يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه، { ~~فتعالى عما يشركون } أي تقدس وتنزه وتعالى وعز وجل عما ~~يقول الظالمون والجاحدون. ### || [23.93-98] # يقول تعالى آمرا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو بهذا الدعاء ~~عند حلول النقم { رب إما تريني ما يوعدون } أي إن ~~عاقبتهم وأنا أشاهد ذلك فلا تجعلني فيهم؛ كما جاء في الحديث: # " وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون " # وقوله تعالى: { وإنا على أن نريك ما نعدهم ~~لقادرون } أي لو شئنا لأريناك ما نحل بهم من النقم والبلاء والمحن، ~~ثم قال تعالى مرشدا له إلى الترياق النافع في مخالطة الناس وهو الإحسان ~~إلى من يسيء إليه ليستجلب خاطره، فتعود عداوته صادقة وبغضه محبة، فقال ~~تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } ، وهذا كما ~~قال: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا ms1667 الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34]، وقوله تعالى: { وقل رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين } أمره الله أن يستعيذ من الشياطين لأنهم لا تنفع معهم ~~الحيل، ولا ينقادون بالمعروف، وفي الصحيح: # " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه " # وقوله تعالى: { وأعوذ بك رب أن يحضرون } أي في شيء من ~~أمري، ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور، وذلك لطرد الشيطان عند ~~الأكل والجماع والذبح وغير ذلك من الأمور، ولهذا روي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول: # " اللهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم، ومن الغرق، وأعوذ بك ~~أن يتخبطني الشيطان عند الموت " # وروى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم من الفزع: # " باسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن ~~همزات الشياطين وأن يحضرون " # قال: فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ~~ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه. ### || [23.99-100] # يخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت من الكافرين، وسؤالهم الرجعة إلى ~~الدنيا ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته، ولهذا قال: { رب ارجعون ~~* لعلي أعمل صالحا فيما تركت } كقوله: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون # [السجدة: 12]، وقال تعالى: # وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل ~~إلى مرد من سبيل # [الشورى: 44]، وقال تعالى: # وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل # [فاطر: 37] الآية، فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون عند ~~الاحتضار، ويوم النشور ووقت العرض على الجبار، وهم في غمرات عذاب الجحيم، ~~وقوله ههنا: { كلا إنها كلمة هو قآئلها } كلا حرف ردع ~~وزجر أي لا نجيبه إلى ما طلب ولا نقبل منه. وقوله تعالى: { كلا ~~إنها كلمة هو قآئلها } قال ms1668 ابن أسلم: أي لا بد أن يقولها ~~لا محالة كل محتضر ظالم، ويحتمل أن يكون ذلك علة لقوله { كلا } أي ~~سؤاله الرجوع ليعمل صالحا هو كلام منه وقول لا عمل معه، ولو رد لما عمل ~~صالحا ولكان يكذب في مقالته هذه، كما قال تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]. قال قتادة: والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى ~~عشيرة، ولا بأن يجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل ~~بطاعة الله عز وجل، فرحم الله امرأ عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى ~~العذاب إلى النار. وقال عمر بن عبد الله مولى غفرة: إذا قال الكافر رب ~~ارجعون لعلي أعمل صالحا يقول الله تعالى: كلا كذبت، وكان العلاء بن زياد ~~يقول: لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله فليعمل ~~بطاعة الله تعالى. وقال قتادة: والله ما تمنى إلا أن يرجع فيعمل بطاعة ~~الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط، فاعملوا بها ولا قوة إلا بالله. وعن ~~أبي هريرة قال: إذا وضع - يعني الكافر - في قبره فيرى مقعده من النار، ~~قال: فيقول رب ارجعون أتوب وأعمل صالحا، قال: فيقال: قد عمرت ما كنت ~~معمرا، قال: فيضيق عليه قبره ويلتئم فهو كالمنهوش ينام ويفزع تهوي إليه ~~هوام الأرض وحياتها وعقاربها. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ويل ~~لأهل المعاصي من أهل القبور، تدخل عليهم في قبورهم حيات سود، أو دهم. ~~حية عند رأسه، وحية عند رجليه، يقرصانه حتى يتلقيا في وسطه، فذلك العذاب ~~في البرزخ الذي قال الله تعالى: { ومن ورآئهم برزخ إلى ~~يوم يبعثون }. قال مجاهد: البرزخ الحاجز ما بين الدنيا والآخرة. ~~وقال محمد بن كعب: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة ليسوا مع أهل الدنيا ~~يأكلون ويشربون ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم، وقال أبو صخر: البرزخ ~~المقابر لا هم في الدنيا ولا هم في الآخرة فهم مقيمون إلى يوم يبعثون، ~~وفي قوله تعالى: { ومن ورآئهم برزخ } تهديد لهؤلاء المحتضرين ~~من الظلمة بعذاب ms1669 البرزخ، كما قال تعالى: # من ورآئهم جهنم # [الجاثية: 10]، وقال تعالى: # ومن ورآئه عذاب غليظ # [إبراهيم: 17]، وقوله تعالى: { إلى يوم يبعثون } أي يستمر به ~~العذاب إلى يوم البعث كما جاء في الحديث: # " فلا يزال معذبا فيها " # أي في الأرض. ### || [23.101-104] # يخبر تعالى أنه إذا نفخ في الصور نفخة النشور، وقام الناس من القبور { ~~فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون } أي لا تنفع ~~الإنسان يومئذ قرابة ولا يرثي والد لولده ولا يلوي عليه، قال الله ~~تعالى: # ولا يسأل حميم حميما * يبصرونهم # [المعارج: 10-11] أي لا يسأل القريب قريبه وهو يبصره، ولو كان عليه من ~~الأوزار ما قد أثقل ظهره، ولو كان أعز الناس عليه في الدنيا ما التفت ~~إليه ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة، قال الله تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه # [عبس: 34-36] الآية. وقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع الله ~~الأولين والآخرين ثم نادى مناد: ألا من كان له مظلمة فليجيء فليأخذ حقه، ~~قال: فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان ~~صغيرا، ومصداق ذلك في كتاب الله، قال الله تعالى: { فإذا نفخ في ~~الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون }. ~~وروى الإمام أحمد عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " فاطمة بضعة مني يغيظني ما يغيظها وينشطني ما ينشطها، وإن الأنساب ~~تنقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري " # ؛ وهذا الحديث له أصل في " الصحيحين ": # " فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها ويؤذيني ما آذاها " # وقد ذكرنا في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من طرق متعددة عنه رضي ~~الله عنه أنه لما تزوج (أم كلثوم) بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ~~قال: أما والله ما بي إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " كل سبب ونسب فإنه منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " # ، وروى الحافظ ابن عساكر عن ابن عمر قال، قال رسول الله ms1670 صلى الله عليه ~~وسلم: # " كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري ". # وقوله تعالى: { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ~~المفلحون } أي من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة قال ابن عباس ~~{ فأولئك هم المفلحون } أي الذين فازوا فنجوا من النار ~~وأدخلوا الجنة { ومن خفت موازينه } أي ثقلت سيئاته على ~~حسناته { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } أي خابوا ~~وهلكوا وباءوا بالصفقة الخاسرة عن أنس بن مالك يرفعه قال: إن لله ملكا ~~موكلا بالميزان فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه ~~نادى ملك بصوت يسمعه الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن ~~خف ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعدها بعدها ~~أبدا. قال تعالى: { في جهنم خالدون } أي ماكثون فيها دائمون ~~مقيمون فلا يظعنون { تلفح وجوههم النار } ، كما قال تعالى: # وتغشى وجوههم النار # [إبراهيم: 50]، وقال تعالى: # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن ~~وجوههم النار ولا عن ظهورهم # [الأنبياء: 39] الآية. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن جهنم لما سيق لها أهلها، تلقاهم لهبها ثم تلفحهم لفحة فلم يق لهم ~~لحم إلا سقط على العرقوب " # وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال، # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى { تلفح ~~وجوههم النار } ، قال: تلفحهم لفحة تسيل لحومهم على أعقابهم " # وقوله تعالى: { وهم فيها كالحون } قال ابن عباس: يعني عابسون، ~~وقال ابن مسعود { وهم فيها كالحون } قال: ألم تر إلى الرأس ~~المشيط الذي قد بدا أسنانه وقلصت شفتاه، وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " { وهم فيها كالحون } قال تشويه النار، فتقلص شفته العليا حتى ~~تبلغ وسط رأسه. وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته ". ### || [23.105-107] # هذا تقريع من الله وتوبيخ لأهل النار على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم، ~~والمحارم والعظائم التي أوبقتهم في ذلك فقال تعالى: { ألم تكن ~~آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون } أي قد ~~أرسلت إليكم الرسل وأنزلت إليكم ms1671 الكتب وأزلت شبهكم ولم يبق لكم حجة، كما ~~قال تعالى: # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل # [النساء: 165]، وقال: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]، ولهذا قال: { ربنا غلبت علينا شقوتنا ~~وكنا قوما ضآلين } أي قد قامت علينا الحجة ولكن كنا أشقى من ~~أن ننقاد لها ونتبعها فضللنا عنها ولم نرزقها، ثم قالوا: { ربنآ ~~أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون } أي أرددنا إلى ~~الدنيا فإن عدنا إلى ما سلف منا فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة، كما قال: # فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل # [غافر: 11]؟ أي لا سبيل إلى الخروج لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحده ~~المؤمنون. ### || [23.108-111] # هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار، والرجعة إلى ~~هذه الدار، يقول { اخسئوا فيها } أي امكثوا فيها صاغرين مهانين ~~أذلاء { ولا تكلمون } أي لا تعودوا إلى سؤالكم هذا فإنه لا جواب ~~لكم عندي. قال ابن عباس { اخسئوا فيها ولا تكلمون } قال: ~~هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه. وروى ابن أبي حاتم: عن عبد الله ~~بن عمرو قال: إن أهل جهنم يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم يرد ~~عليهم إنكم ماكثون، قال: هانت دعوتهم والله على (مالك) ورب مالك؛ ثم ~~يدعون ربهم فيقولون: # ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضآلين * ~~ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون # [المؤمنون: 106-107] قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يرد عليهم: { ~~اخسئوا فيها ولا تكلمون } قال: فوالله ما نبس القوم بعدها ~~بكلمة واحدة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، قال: فشبهت أصواتهم ~~بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق، وقال عبد الله بن مسعود: إذا أراد ~~الله تعالى أن لا يخرج منهم أحدا يعني من جهنم غير وجوههم وألوانهم، ~~فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع، فيقول: يا رب، فيقول الله من عرف أحدا ~~فليخرجه، فيجيء الرجل من المؤمنين فينظر، فلا يعرف أحدا فيناديه الرجل: ~~يا فلان أنا فلان. فيقول: ما أعرفك، قال: فعند ذلك يقولون: # ربنآ أخرجنا منها فإن ms1672 عدنا فإنا ظالمون # [المؤمنون: 107] فعند ذلك يقول الله تعالى: { اخسئوا فيها ولا ~~تكلمون } فإذا قال ذلك أطبقت عليهم النار فلا يخرج منهم أحد؛ ثم ~~قال تعالى مذكرا لهم بذنوبهم في الدنيا وما كانوا يستهزئون بعباده ~~المؤمنين وأوليائه، فقال تعالى: { إنه كان فريق من عبادي ~~يقولون ربنآ آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الراحمين * فاتخذتموهم سخريا } أي فسخرتم منهم ~~في دعائهم إياي وتضرعهم إلي { حتى أنسوكم ذكري } أي حملكم ~~بغضهم على أن أنسيتم معاملتي { وكنتم منهم تضحكون } أي من ~~صنيعهم وعبادتهم، كما قال تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون # [المطففين: 29-30] أي يلمزونهم استهزاء؛ ثم أخبر تعالى عما جازى به ~~أولياءه وعباده الصالحين، فقال تعالى: { إني جزيتهم اليوم ~~بما صبروا } أي على أذاكم لهم واستهزائكم بهم { أنهم هم ~~الفآئزون } أي جعلتهم هم الفائزين بالسعادة والسلامة والجنة والنجاة ~~من النار. ### || [23.112-116] # يقول تعالى منبها لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة ~~الله تعالى وعبادته وحده ولو صبروا في مدة الدنيا القصيرة لفازوا كما فاز ~~أولياؤه المتقون، { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين } ~~أي كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ { قالوا لبثنا يوما أو بعض ~~يوم فسئل العآدين } أي الحاسبين، { قال إن لبثتم ~~إلا قليلا } أي مدة يسيرة على كل تقدير { لو أنكم كنتم ~~تعلمون } أي لما آثرتم الفاني على الباقي، ولما تصرفتم لأنفسكم هذا ~~التصرف السيء، ولا استحققتم من الله سخطه في تلك المدة اليسيرة، فلو أنكم ~~صبرتم على طاعة الله وعبادته كما فعل المؤمنون لفزتم كما فازوا، وفي ~~الحديث: # " إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال: يا أهل الجنة ~~كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، قال: لنعم ~~ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، رحمتي ورضواني وجنتي امكثوا فيها خالدين ~~مخلدين. ثم قال: يا أهل النار كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا ~~يوما أو بعض يوم، فيقول بئس ms1673 ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، ناري وسخطي ~~امكثوا فيها خالدين مخلدين " # وقوله تعالى: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } أي ~~أفظننتم أنكم مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا؟ وقيل: ~~للعبث لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وإنما ~~خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل { وأنكم إلينا ~~لا ترجعون } أي لا تعودون في الدار الآخرة، كما قال تعالى: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى # [القيامة: 36] يعني هملا، وقوله: { فتعالى الله الملك ~~الحق } أي تقدس أن يخلق شيئا عبثا فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك، ~~{ لا إله إلا هو رب العرش الكريم } فذكر العرش ~~لأنه سقف جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريم أي حسن المنظر بهي الشكل، كما ~~قال تعالى: # أنبتنا فيها من كل زوج كريم # [الشعراء: 7]. # وكان آخر خطبة خطبها (عمر بن عبد العزيز) أن حمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال: أما بعد أيها الناس إنكم لم تخلقا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم ~~معادا ينزل الله فيه للحكم بينكم والفصل بينكم، فخاب وخسر وشقي عبد ~~أخرجه الله من رحمته، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض، ألم تعلموا أنه لا ~~يؤمن عذاب الله غدا إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافدا بباق، ~~وقليلا بكثير، وخوفا بأمان، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين وسيكون من ~~بعدكم الباقين، حتى تردون إلى خير الوراثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون ~~غاديا ورائحا إلى الله عز وجل قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه ~~في صدع من الأرض، في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر ~~التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم، ~~فاتقوا الله عباد الله قبل انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم؛ ثم جعل طرف ~~ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله. # وروى أبو نعيم عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: بعثنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في سرية، وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا ms1674 ~~{ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون }؟ قال: فقرأناها فغنمنا وسلمنا، وروى ابن أبي حاتم عن ~~عبد الله بن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا السفينة: باسم الله الملك الحق، وما ~~قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون، بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور ~~رحيم ". ### || [23.117-118] # يقول تعالى متوعدا من أشرك به غيره وعبد معه سواه، ومخبرا أن من أشرك ~~بالله لا برهان له، أي لا دليل له على قوله، فقال تعالى: { ومن يدع ~~مع الله إلها آخر لا برهان له به } وهذه جملة ~~معترضة، وجواب الشرط في قوله: { فإنما حسابه عند ربه } أي ~~الله يحاسبه على ذلك؛ ثم أخبر { إنه لا يفلح الكافرون }: ~~أي لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة. قال قتادة: # " ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: " ما تعبد؟ " قال: ~~أعبد الله وكذا وكذا حتى عد أصناما، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك؟ " قال: الله عز وجل، ~~قال: " فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها؟ " قال: الله عز وجل، ~~قال: " فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه أم حسبت أن تغلب عليه " قال: ~~أردت شكره بعبادة هؤلاء معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~تعلمون ولا يعلمون " ، فقال الرجل بعدما أسلم: لقيت رجلا خصمني " # وقوله تعالى: { وقل رب اغفر وارحم وأنت خير ~~الراحمين } هذا إرشاد من الله تعالى إلى هذا الدعاء، فالغفر إذا ~~أطلق، معناه محو الذنب وستره عن الناس، والرحمة معناها أن يسدده ويوفقه ~~في الأقوال والأفعال. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1-2] # يقول تعالى: هذه السورة أنزلناها، فيه تنبيه على الاعتناء بها ولا ينفي ~~ما عداها { وفرضناها } قال مجاهد: أي بينا الحلال والحرام والأمر ~~والنهي والحدود، وقال البخاري: ومن قرأ { وفرضناها } يقول: فرضناها ~~عليكم وعلى من بعدكم، { وأنزلنا فيهآ آيات بينات } أي ~~مفسرات ms1675 واضحات { لعلكم تذكرون } ، ثم قال تعالى: { ~~الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة } يعني هذه الآية الكريمة فيها حكم الزاني في الحد، وللعلماء ~~فيه تفصيل، فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرا وهو الذي لم يتزوج، أو ~~محصنا وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، فأما إذا كان ~~بكرا لم يتزوج فإن حده مائة جلدة كما في الآية، ويزاد على ذلك أن يغرب ~~عاما عن بلده عند جمهور العلماء، خلافا لأبي حنيفة رحمه الله فإن عنده ~~أن التغريب إلى رأي الإمام إن شاء غرب وإن شاء لم يغرب، وحجة الجمهور في ~~ذلك ما ثبت في " الصحيحين " # " في الأعرابيين اللذين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: ~~يا رسول الله إن ابني هذا كان عسيفا - يعني أجيرا - على هذا، فزنى ~~بامرأته، فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني ~~أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ~~تعالى: الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام، واغد ~~يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها " فغدا ~~عليها فاعترفت فرجمها " # وفي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مائة إذا كان بكرا؛ فأما إذا ~~كان محصنا فإنه يرجم، كما روى الإمام مالك. # عن ابن عباس أن عمر قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد أيها ~~الناس فإن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه ~~الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن ~~يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضنوا بترك فريضة قد أنزلها ~~الله، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال ومن النساء ~~إذا قامت البينة أو الحبل أو ms1676 الاعتراف ". وفي رواية عنه: " ولولا أن يقول ~~قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما ~~نزلت ". وقال ابن عمر: نبئت عن كثير بن الصلت قال: كنا عند مروان وفينا ~~زيد فقال زيد بن ثابت: كنا نقرأ: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ~~البتة، قال مروان: ألا كتبتها في المصحف؟ قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن ~~الخطاب، فقال: أنا أشفيكم من ذلك، قال، قلنا: فكيف؟ قال: جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: فذكر كذا وكذا الرجم، فقال: يا رسول الله ~~اكتب لي آية الرجم، قال: " لا أستطيع الآن " ، هذا أو نحو ذلك. # وهذه طرق كلها متعددة متعاضدة، ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ ~~تلاوتها وبقي حكمها معمولا به والله أعلم. وقد أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم برجم هذه المرأة لما زنت مع الأجير، ورجم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (ماعزا) و (الغامدية) ولم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه جلدهم قبل الرجم، ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء، وإليه ذهب ~~أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله، وذهب الإمام أحمد إلى أنه يجب أن ~~يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للآية والرجم للسنة، كما روى الإمام ~~أحمد وأهل السنن عن عبادة بن الصامت قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ~~وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ". # وقوله تعالى: { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ~~} أي في حكم الله أي لا ترأفوا بهما في شرع الله، وليس المنهي عنه الرأفة ~~الطبيعية على ترك الحد، وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد ~~فلا يجوز ذلك، قال مجاهد { ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله } قال: إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان فتقام ولا تعطل، ~~وقد جاء في الحديث: # " تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب " # ، وفي ms1677 الحديث الآخر: # " لحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين يوما " # ، وقيل المراد: { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين ~~الله } فلا تقيموا الحد كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر عن المأثم، ~~وليس المراد الضرب المبرح، قال عامر الشعبي: رحمة في شدة الضرب، وقال ~~عطاء: ضرب ليس بالمبرح، وقال: هذا في الحكم والجلد يعني في إقامة الحد ~~وفي شدة الضرب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت ~~فضرب رجليها، قال نافع: أراه قال: وظهرها، قال، قلت: { ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله } قال: يا بني ورأيتني ~~أخذتني بها رأفة إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجعل جلدها في ~~رأسها، وقد أوجعت حين ضربتها، وقوله تعالى: { إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر } أي فافعلوا ذلك وأقيموا الحدود على من ~~زنى وشددوا عليه الضرب، ولكن ليس مبرحا، ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك، ~~وقد جاء في " المسند " عن بعض الصحابة أنه قال: # " يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال: " ولك في ذلك أجر " # ، وقوله تعالى: { وليشهد عذابهما طآئفة من ~~المؤمنين } هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا بحضرة الناس، فإن ذلك ~~يكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، فإن في ذلك تقريعا وتوبيخا ~~وفضيحة إذا كان الناس حضورا، قال الحسن البصري في قوله { وليشهد ~~عذابهما طآئفة من المؤمنين }: يعني علانية، والطائفة ~~الرجل فما فوقه، وقال مجاهد: الطائفة الرجل الواحد إلى الألف، وكذا قال ~~عكرمة ولهذا قال أحمد: إن الطائفة تصدق على واحد، وقال عطاء بن أبي رباح: ~~اثنان، وقال الزهري ثلاثة نفر فصاعدا، وقال الإمام مالك: الطائفة أربعة ~~نفر فصاعدا، لأنه لا يكفي شهادة في الزنا إلا أربعة شهداء فصاعدا، وبه ~~قال الشافعي، وقال الحسن البصري: عشرة، وقال قتادة: أمر الله أن يشهد ~~عذابهما طائفة من المؤمنين: أي نفر من المسلمين ليكون ذلك موعظة وعبرة ~~ونكالا. ### || [24.3] # هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، أي ms1678 لا ~~يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، ~~وكذلك { والزانية لا ينكحهآ إلا زان } أي عاص بزناه { ~~أو مشرك } لا يعتقد تحريمه، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ليس هذا ~~بالنكاح إنما هو الجماع لا يزني بها إلا زان أو مشرك، وقوله تعالى: { ~~وحرم ذلك على المؤمنين } أي تعاطيه والتزوج بالبغايا أو ~~تزويج العفائف بالرجال الفجار، وقال أبو داود الطيالسي عن ابن عباس { ~~وحرم ذلك على المؤمنين } قال: حرم الله الزنا على ~~المؤمنين، وقال قتادة ومقاتل بن حبان: حرم الله على المؤمنين نكاح ~~البغايا، وهذه الآية كقوله تعالى: # محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان # [النساء: 25]، وقوله: # محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان # [المائدة: 5] الآية، ومن ههنا ذهب الإمام أحمد إلى أنه لا يصح العقد من ~~الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإن تابت صح ~~العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل ~~الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة، لقوله تعالى: { وحرم ذلك ~~على المؤمنين }. عن عبد الله بن عمرو: قال كانت امرأة يقال لها ~~أم مهزول وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يتزوجها، فأنزل الله عز وجل: { الزاني لا ينكح إلا ~~زانية أو مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان ~~أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين }. وعن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له (مرثد ابن أبي مرثد) وكان ~~رجلا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغي ~~بمكة يقال لها (عناق) وكانت صديقة له، وأنه واعد رجلا من أسارى مكة ~~يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، ~~قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظل تحت الحائط، فلما انتهت إلي عرفتني، ~~فقالت: مرثد؟ فقالت: مرحبا وأهلا، هلم فبت عندنا الليلة، قال، فقلت: يا ~~عناق حرم الله الزنا، فقالت: يا أهل الخيام هذا الرجل ms1679 يحمل أسراكم، قال: ~~فتبعني ثمانية ودخلت الحديقة، فانتهيت إلى غار أو كهف، فدخلت فيه فجاءوا ~~حتى قاموا على رأسي، فبالوا، فظل بولهم على رأسي، فأعماهم الله عني، قال: ~~ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته، وكان ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخر، ~~ففككت عنه أحبله، فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة، فأتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقا أنكح عناقا - ~~مرتين؟ - فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يرد علي شيئا حتى ~~نزلت { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك وحرم ~~ذلك على المؤمنين } ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا مرثد: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة فلا تنكحها ". # وقال الإمام أحمد عن عبد الله بن يسار مولى ابن عمر قال. أشهد لسمعت ~~سالما يقول: قال عبد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة، العاق ~~لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث " # وفي رواية: # " ثلاثة حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والذي يقر ~~في أهله الخبث " # وقال أبو داود الطيالسي في مسنده عن عمار بن ياسر قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا يدخل الجنة ديوث " # وفي الحديث: # " من أراد أن يلقى الله وهو طاهر متطهر فليتزوج الحرائر " # فأما إذا حصلت توبة فإنه يحل التزويج، لما روي عن ابن عباس وسأله رجل ~~فقال: إني كنت ألم بامرأة آتي منها ما حرم الله عز وجل علي فرزق ~~الله عز وجل من ذلك توبة، فأردت أن أتزوجها، فقال أناس: إن الزاني لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة، فقال ابن عباس: ليس هذا في هذا، انكحها فما ~~كان من إثم فعلي، وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذه الآية منسوخة. قال ~~ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: ذكر عنده { الزاني لا ينكح ~~إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا ~~زان ms1680 أو مشرك } قال: نسختها التي بعدها: { وأنكحوا الأيامى منكم } ~~قال: كان يقال الأيامى من المسلمين. ### || [24.4-5] # هذه الآية الكريمة فيها بيان جلد القاذف للمحصنة وهي الحرة البالغة ~~العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلا فكذلك يجلد قاذفه أيضا، وليس فيه نزاع ~~بين العلماء، فإن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله درأ عنه الحد، ولهذا ~~قال تعالى: { ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا وأولئك هم الفاسقون } فأوجب على القاذف إذا لم ~~يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام: (أحدها) أن يجلد ثمانين جلدة، ~~(الثاني) أن ترد شهادته أبدا، (الثالث) أن يكون فاسقا ليس بعدل لا عند ~~الله ولا عند الناس؛ ثم قال تعالى: { إلا الذين تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا } الآية. واختلف العلماء في هذا الاستثناء؛ ~~هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، فترفع التوبة الفسق فقط، ويبقى مردود ~~الشهادة دائما وإن تاب، أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة؟ وأما ~~الجلد فقد ذهب وانقضى سواء تاب أو أصر، ولا حكم له بعد ذلك، بلا خلاف، ~~فذهب (مالك وأحمد والشافعي) إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته وارتفع عنه حكم ~~الفسق، وقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة ~~فقط فيرتفع الفسق بالتوبة ويبقى مردود الشهادة أبدا، وقال الشعبي ~~والضحاك: لا تقبل شهادته وإن تاب إلا أن يعترف على نفسه أنه قد قال ~~البهتان، فحينئذ تقبل شهادته، والله أعلم. ### || [24.6-10] # هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته، ~~وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر الله عز وجل، وهو أن ~~يحضرها إلى الإمام، فيدعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات ~~بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين: أي فيما رماها به من ~~الزنا { والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من ~~الكاذبين } فإذا قال ذلك بانت منه وحرمت عليه أبدا، ويعطيها مهرها ~~ويتوجه عليها حد الزنا، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن، فتشهد أربع ~~شهادات بالله ms1681 إنه لمن الكاذبين: أي فيما رماها به، { والخامسة ~~أن غضب الله عليهآ إن كان من الصادقين } ، ولهذا ~~قال: { ويدرؤا عنها العذاب } يعني الحد، { أن تشهد ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * ~~والخامسة أن غضب الله عليهآ إن كان من ~~الصادقين } فخصها بالغضب، كما أن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة ~~أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور وهي تعلم صدقه فيما رماها به، ~~ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها، والمغضوب عليه هو الذي ~~يعلم الحق ثم يحيد عنه؛ ثم ذكر تعالى رأفته بخلقه ولطفه بهم فيما شرع لهم ~~من الفرج والمخرج من شدة ما يكون بهم من الضيق، فقال تعالى: { ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته } أي لحرجتم ولشق عليكم كثير من ~~أموركم { وأن الله تواب } أي على عباده، وإن كان ذلك بعد ~~الحلف والأيمان المغلظة { حكيم } فيما يشرعه ويأمر به وفيما ينهى عنه. # عن ابن عباس قال: # " لما نزلت { والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } ، قال سعد بن عبادة وهو ~~سيد الأنصار رضي الله عنه: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ " فقالوا: ~~يا رسول الله لا تلمه، فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا ~~بكرا، وما طلق امرأة فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: ~~والله يا رسول الله إني لأعلم إنها لحق وأنها من الله، ولكني قد تعجبت ~~أني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه، حتى آتي ~~بأربعة شهداء، فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته. قال: فما لبثوا ~~إلا يسيرا حتى جاء (هلال بن أمية) وهو أحد الثلاثة الذي تيب عليهم، ~~فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلا، فرأى بعينيه وسمع بأذنيه، فلم ~~يهيجه حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ms1682 ~~الله إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه واجتمعت عليه ~~الأنصار، وقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس، فقال هلال: ~~والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا؛ وقال هلال: يا رسول الله ~~فإني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به والله يعلم إني لصادق، فوالله إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذا أنزل الله على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم الوحي، وكان إذا أنزل عليه الوحي يعرفوا ذلك في ~~تربد وجهه، يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلت: { والذين ~~يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا ~~أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } ~~الآية، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أبشر يا هلال فقد ~~جعل الله لك فرجا ومخرجا " ، فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي عز ~~وجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأرسلوا إليها " ، فأرسلوا ~~إليها فجاءت فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما فذكرهما، ~~وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول ~~الله لقد صدقت عليها، فقالت: كذب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~لاعنوا بينهما " # ، فقيل لهلال، اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما ~~كانت الخامسة قيل له يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب ~~الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني ~~الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن ~~كان من الكاذبين، ثم قيل للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب ~~الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة وهمت ~~بالاعتراف، ثم ms1683 قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت في الخامسة إن غضب الله ~~عليها إن كان من الصادقين؛ ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، ~~وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا يرمي ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها ~~فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت لها من أجل أنهما يفترقان ~~من غير طلاق ولا متوفى عنها، وقال: # " إن جاءت به أصيهب أريشح حمش الساقين فهو الهلال، وإن جاءت به أورق ~~جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو للذي رميت به " # ، فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " # ، قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرا على مصر، وكان يدعى لأمه ولا يدعى ~~لأب. # ولهذا الحديث شواهد كثيرة في " الصحاح " وغيرها من وجوه كثيرة؛ فمنها ما ~~رواه البخاري عن ابن عباس: # " أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن ~~سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " البينة أو حد في ظهرك " فقال: ~~يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " البينة وإلا حد في ظهرك " ، فقال ~~هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، ~~فنزل جبريل وأنزل عليه: { والذين يرمون أزواجهم } - فقرأ ~~حتى بلغ { إن كان من الصادقين } فانصرف النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأرسل إليهما فشهد هلال والنبي صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله ~~يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب " ثم قامت فشهدت، فلما كان في ~~الخامسة وقفوها، وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ~~ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج ~~الساقين فهو لشريك بن سحماء " فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " لولا ما مضى ms1684 من كتاب الله لكان لي ولها شأن " # وروى الإمام أحمد عن عبد الله قال: كنا جلوسا عشية الجمعة في المسجد، ~~فقال رجل من الأنصار: إن أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا إن قتله قتلتموه ~~وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ؟! والله لئن أصبحت صحيحا لأسألن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فسأله، فقال: يا رسول الله إن أحدنا ~~إذا رأى مع امرأته رجلا إن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت ~~على غيظ، اللهم احكم، قال: فنزلت آية اللعان، فكان ذلك الرجل أول من ~~ابتلي به. وعن سهل بن سعد قال: # " جاء عويمر إلى (عاصم بن عدي) فقال له: سل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أرأيت رجلا وجد رجلا مع امرأته فقتله أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل ~~عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المسائل، قال: فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟ قال: ما صنعت أنك لم تأتني ~~بخير، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب المسائل، فقال عويمر: ~~والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه؛ فأتاه فوجده قد أنزل ~~عليه فيها، قال: فدعا بهما ولاعن بينهما، قال عويمر: إن انطلقت بها يا ~~رسول الله لقد كذبت عليها، قال ففارقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فصارت سنة المتلاعنين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد ~~صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذبا " # ، فجاءت به على النعت المكروه. # وروى الحافظ أبو يعلى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لأول لعان كان ~~في الإسلام # " أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فرفعه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أربعة شهود وإلا ~~فحد في ظهرك " فقال: يا رسول الله إن الله يعلم إني لصادق، ولينزلن ms1685 الله ~~عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد، فأنزل الله آية اللعان: { والذين ~~يرمون أزواجهم } إلى آخر الآية، قال: فدعاه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: " اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا ~~" فشهد بذلك أربع شهادات، ثم قال له الخامسة: " ولعنة الله عليك إن كنت ~~من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا " ففعل، ثم دعاها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: " قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به ~~من الزنا " فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة: " وغضب الله ~~عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا " قال: فلما كانت الرابعة ~~أو الخامسة سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر ~~اليوم فمضت على القول، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال: " ~~انظروا فإن جاءت به جعدا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به ~~أبيض سبطا قصير العينين فهو لهلا بن أمية " فجاءت به جعدا حمش الساقين، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا ما نزل فيهما من كتاب الله ~~لكان لي ولها شأن " ". ### || [24.11] # هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ~~حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت، ~~والفرية التي غار الله عز وجل لها ولنبيه صلوات الله وسلامه عليه، ~~فأنزل الله تعالى براءتها صيانة لعرض الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال ~~تعالى: { إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم } أي ~~جماعة منكم يعني ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة؛ فكان المقدم ن في هذه ~~اللعنة (عبد الله بن أبي بن سلول) رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ~~ويستوشيه حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين، فتكلموا به، وجوزه آخرون ~~منهم، وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر حتى نزل القرآن؛ وبيان ذلك في ~~الأحاديث الصحيحة. # " عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول ms1686 ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه، فأيتهن ~~خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، قالت عائشة رضي ~~الله عنها: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، وخرجت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعدما نزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي ~~وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك ~~وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذن بالرحيل، فمشيت ~~حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري فإذا عقد لي ~~من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط ~~الذين كانوا يرحلونني، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب ~~وهم يحسبون أني فيه، قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهن ~~اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين ~~رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي ~~بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي ~~الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في ~~منزلي غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد ~~عرس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني ~~فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ~~فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ~~حين أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى ~~أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، ~~وكان الذي تولى كبره (عبد الله بن أبي بن سلول). # فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمناها شهرا والناس يفيضون في قول أهل ~~الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي أرى منه ms1687 حين أشتكي، إنما يدخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول: " كيف تيكم؟ " فذلك الذي يريبني ~~ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع ~~وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل؛ وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا ~~من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه في البرية، وكنا نتأذى ~~بالكنف أن نتخذها في بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن ~~المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها ~~مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب بن عبد مناف، فأقبلت أنا وابنة أبي ~~رهم أم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: ~~تعس مسطح، فقلت لها: بئسما قلت، تسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: أي هنتاه ~~ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، ~~فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسلم، ثم قال: " كيف تيكم؟ " فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي، ~~قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه لماذا يتحدث الناس به؟ ~~فقالت أي بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ~~ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، قالت، فقلت: سبحان الله وقد تحدث الناس ~~بها؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم ~~أصبحت أبكي. # قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم (علي بن أبي طالب) و (أسامة بن ~~زيد) حين استلبث الوحي، يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما ~~أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من ~~براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال أسامة: يا رسول الله ~~أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي بن أبي ms1688 طالب فقال: يا رسول الله لم ~~يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر، قالت: ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: " أي بريرة هل رأيت من ~~شيء يريبك من عائشة؟ " فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت منها ~~أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها ~~فتأتي الداجن فتأكله، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، ~~فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو على المنبر: " يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه ~~في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت ~~عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي " ، فقام سعد بن معاذ ~~الأنصاري رضي الله عنه فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من ~~الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، ~~قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن احتملته ~~الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ~~ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن ~~معاذ فقال لسعد بن عبادة، كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن ~~المنافق، فتثاور الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخفضهم حتى سكتوا، وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وبكيت يومي ~~ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، ~~قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذا استأذنت علي امرأة من ~~الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس ms1689 عندي منذ قيل ~~ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء. # قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: " أما بعد ~~يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن ~~كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ~~وتاب تاب الله عليه " قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مقالته قلص دميع حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله، ~~فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: ~~أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ ~~كثيرا من القرآن: والله لقد علمت، لقد سمعتم بهذا الحديث حتى استقر في ~~أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا ~~تصدقونني، ولئن اعترفت بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، ~~فوالله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: { فصبر جميل ~~والله المستعان على ما تصفون } ، قالت: ثم تحولت ~~فاضطجعت على فراشي، قالت وأنا والله أعلم حينئذ أني بريئة، وأن الله ~~تعالى مبرئي ببراءتي، ولكن: والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ~~ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو ~~أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها، ~~قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج من أهل ~~البيت أحد، حتى أنزل الله تعالى على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ~~عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شات من ~~ثقل القول الذي أنزل عليه قالت: فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن ms1690 قال: " أبشري يا عائشة، أما الله ~~عز وجل فقد برأك ". # قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد ~~إلا الله عز وجل، هو الذي أنزل براءتي، وأنزل الله عز وجل: { ~~إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم } العشر الآيات ~~كلها، فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر رضي الله عنه، وكان ينفق ~~على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا ~~بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: { ولا يأتل أولوا ~~الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى } إلى ~~قوله: { ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور ~~رحيم } ، فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع ~~إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا، ~~قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل (زينب نبت جحش) زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري، فقال: " يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟ " ~~فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، قالت ~~عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها ~~الله تعالى بالورع، وطفقت أختها (حمنة بنت جحش) تحارب لها فهلكت فيمن ~~هلك، قال ابن شهاب فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط ". # وروى الإمام أحمد عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فذكر وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم، ~~وروى الإمام أحمد أيضا عن مسروق # " عن أم رومان قالت: بينا أنا عند عائشة إذ دخلت عليها امرأة من الأنصار ~~فقالت: فعل الله بابنها وفعل، فقالت عائشة: ولم؟ قالت: إنه كان فيمن ~~حدث الحديث، قالت: وأي الحديث؟ قالت: كذا وكذا، قالت: وقد بلغ ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم، قالت: وبلغ أبا بكر؟ قالت: نعم، ~~فخرت عائشة رضي الله عنها مغشيا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى ~~بنافض، قالت: ms1691 فقمت فدثرتها، قالت: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~فما شأن هذه؟ " فقلت: يا رسول الله أخذتها حمى بنافض، قال: " فلعله في ~~حديث تحدث به " قالت: فاستوت عائشة قاعدة، فقالت: والله لئن حلفت لكم لا ~~تصدقوني، ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه ~~حين قال: { فصبر جميل والله المستعان على ما ~~تصفون } قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عذرها، ~~فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر فدخل، فقال يا عائشة: " ~~إن الله تعالى قد أنزل عذرك " ، فقالت: بحمد الله لا بحمدك، فقال لها أبو ~~بكر، تقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم، قالت: وكان ~~فيمن حدث هذا الحديث رجل كان يعوله أبو بكر، فحلف أن لا يصله، فأنزل ~~الله: { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة } إلى ~~آخر الآية، فقال أبو بكر بلى فوصله ". # فقوله تعالى: { إن الذين جآءوا بالإفك } أي الكذب والبهت ~~والافتراء { عصبة } أي جماعة منكم { لا تحسبوه شرا لكم ~~} أي يا آل أبي بكر { بل هو خير لكم } أي في الدنيا والآخرة، ~~لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم باعتناء الله ~~تعالى بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حيث أنزل الله براءتها في ~~القرآن العظيم، ولهذا لما دخل عليها ابن عباس رضي الله عنه وعنها وهي في ~~سياق الموت، قال لها: أبشري فإنك زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكان يحبك ولم يتزوج بكرا غيرك، ونزلت براءتك من السماء، وقوله تعالى: { ~~لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم } أي لكل من ~~تكلم في هذه القضية، ورمى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بشيء من ~~الفاحشة نصيب عظيم من العذاب، { والذي تولى كبره منهم } ~~قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يجمعه ويذيعه ويشيعه { له عذاب ~~عظيم } أي على ذلك، ثم الاكثرون على أن المراد بذلك إنما هو (عبد الله ~~بن أبي بن سلول) قبحه الله تعالى ولعنه، وهو الذي تقدم ms1692 النص عليه في ~~الحديث؛ وقيل بل المراد به حسان بن ثابت، وهو قول غريب، فإنه من الصحابة ~~الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بشعره، وهو الذي قال له صلى الله عليه وسلم: # " هاجهم وجبريل معك " # وقال مسروق: كنت عند عائشة رضي الله عنها، فدخل حسان بن ثابت، فأمرت ~~فألقي له وسادة، فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني يدخل عليك، ~~وفي رواية قيل لها: أتأذنين لهذا يدخل عليك؟ وقد قال الله: { والذي ~~تولى كبره منهم له عذاب عظيم } ، قالت: وأي عذاب ~~أشد من العمى، وكان قد ذهب بصره، لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم، ~~ثم قالت: إنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أنه ~~أنشدها عندما دخل عليها شعرا يمتدحها به فقال: # حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # فقالت: لكنك لست كذلك. ### || [24.12-13] # هذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة رضي الله عنها حين أفاض ~~بعضهم في ذلك الكلام السوء وما ذكر من شأن الإفك، فقال تعالى: { لولا ~~} يعني هلا { إذ سمعتموه } أي ذلك الكلام الذي رميت به أم ~~المؤمنين رضي الله عنها { ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا } أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا ~~يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى، روي أن ~~أبا أيوب (خالد بن زيد الأنصاري) قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب ~~أما تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها؟ قالت: نعم، وذلك الكذب، ~~أكنت فاعله ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة ~~والله خير منك، فلما نزل القرآن وذكر هل الإفك، قال الله عز وجل: { ~~لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا وقالوا هذآ إفك مبين } يعني أبا ~~أيوب حين قال لأم أيوب ما قال. وقوله تعالى: { ظن المؤمنون } ~~الخ: أي هلا ظنوا الخير، فإن ms1693 أم المؤمنين أهله وأولى به، هذا ما يتعلق ~~بالباطن، وقوله: { وقالوا }: أي بألسنتهم { هذآ إفك مبين ~~} أي كذب ظاهر على أم المؤمنين رضي الله عنها، فإن الذي وقع لم يكن ريبة، ~~وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة (صفوان بن المعطل) في وقت ~~الظهيرة والجيش بكماله يشاهدون ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~أظهرهم، ولو كان هذا الأمر فيه ريبة لم يكن هكذا جهرة، ولا كانا يقدمان ~~على مثل ذلك على رؤوس الأشهاد، بل كان هذا يكون لو قدر خفية مستورا، ~~فتعين أن ما جاء به أهل الإفك مما رموا به أم المؤمنين هو الكذب البحت، ~~والقول الزور، والرعونة الفاحشة الفاجرة، قال الله تعالى: { لولا } ~~أي هلا { جآءوا عليه } أي على ما قالوه { بأربعة شهدآء } ~~يشهدون على صحة ما جاءوا به { فإذ لم يأتوا بالشهدآء ~~فأولئك عند الله هم الكاذبون } أي في حكم الله ~~كاذبون فاجرون. ### || [24.14-15] # يقول تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته في ~~الدنيا والآخرة } أي الخائضون في شأن عائشة، بأن قبل توبتكم ~~وإنابتكم إليه في الدنيا، وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى الدار الآخرة { ~~لمسكم في مآ أفضتم فيه } من قضية الإفك { عذاب عظيم ~~} وهذا فيمن عنده إيمان يقبل الله يسببه التوبة، كمسطح و (حسان) و (حمنة ~~بنت جحش)، فأما من خاض فيه من المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول ~~وأضرابه، فليس أولئك مرادين في هذه الآية، لأنه ليس عندهم من الإيمان ~~والعمل الصالح ما يعادل هذا ولا ما يعارضه، ثم قال تعالى: { إذ ~~تلقونه بألسنتكم } قال مجاهد: أي يرويه بعضكم عن بعض، ~~يقول: هذا سمعته من فلان، وقال فلان كذا، وذكر بعضهم كذا، وقوله تعالى: { ~~وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم } أي ~~تقولون ما لا تعملون. ثم قال تعالى: { وتحسبونه هينا وهو ~~عند الله عظيم } أي تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين وتحسبون ~~ذلك يسيرا سهلا، ولو لم تكن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم لما كان ~~هينا، فكيف وهي ms1694 زوجة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، فعظيم عند الله أن ~~يقال في زوجة نبيه ورسوله ما قيل، فإن الله سبحانه وتعالى يغار لهذا، ~~ولهذا قال تعالى: { وتحسبونه هينا وهو عند الله ~~عظيم } ، وفي " الصحيحين ": # " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ يهوي بها في ~~النار أبعد مما بين السماء والأرض ". ### || [24.16-18] # هذا تأديب آخر بعد الأول، يقول الله تعالى: { ولولا إذ ~~سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن نتكلم بهذا } ~~أي ما ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد { سبحانك ~~هذا بهتان عظيم } أي سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة ~~رسوله، وحليلة خليله، ثم قال تعالى: { يعظكم الله أن تعودوا ~~لمثله أبدا } أي ينهاكم الله متوعدا أن يقع منكم ما يشبه هذا ~~أبدا، أي فيما يستقبل، ولهذا قال: { إن كنتم مؤمنين } أي إن ~~كنتم تؤمنون بالله وشرعه وتعظمون رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قال ~~تعالى: { ويبين الله لكم الآيات } أي يوضح لكم الأحكام ~~الشرعية والحكم القدرية، { والله عليم حكيم } أي عليم بما يصلح ~~عباده، حكيم في شرعه وقدره. ### || [24.19] # هذا تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيء فقام بذهنه شيء منه وتكلم ~~به، فقد قال تعالى: { إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا } أي يختارون ظهور الكلام عنهم ~~بالقبيح { لهم عذاب أليم في الدنيا } أي بالحد، وفي الآخرة ~~بالعذاب { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } أي فردوا ~~الأمر إليه ترشدوا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب عورة ~~أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته ". ### || [24.20-21] # يقول الله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~وأن الله رءوف رحيم } أي لولا هذا لكان أمر آخر، ولكنه ~~تعالى رؤوف بعباده رحيم بهم، فتاب على من تاب إليه من هذه القضية، وطهر ~~من طهر منهم بالحد الذي أقيم عليهم، ثم قال تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان } يعني ~~طرائقه ms1695 ومسالكه وما يأمر به، { ومن يتبع خطوات الشيطان ~~فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر } ، هذا تنفير وتحذير ~~من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها. قال ابن عباس { خطوات ~~الشيطان }: عمله، وقال عكرمة: نزعاته، وقال قتادة: كل معصية فيه من ~~خطوات الشيطان، وسأل رجل ابن مسعود فقال: إني حرمت أن آكل طعاما وسماه، ~~فقال: هذا من نزغات الشيطان، كفر عن يمينك وكل. وقال الشعبي في رجل نذر ~~ذبح ولده: هذا من نزغات الشيطان وأفتاه أن يذبح كبشا. وعن أبي رافع قال: ~~غضبت على امرأتي فقالت: هي يوما يهودية ويوما نصرانية وكل مملوك لها حر ~~إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من نزغات ~~الشيطان. ثم قال تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا } أي لولا أن الله ~~يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه، ويزكي النفوس من شركها وفجورها ~~ودنسها، وما فيها من أخلاق رديئة كل بحسبه، لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا ~~خيرا، { ولكن الله يزكي من يشآء } أي من خلقه ويضل من ~~يشاء ويرديه في مهالك الضلال والغي، وقوله: { والله سميع } أي ~~سميع لأقوال عباده، { عليم } بمن يستحق منهم الهدى والضلال. ### || [24.22] # يقول تعالى: { ولا يأتل } من الألية وهي الحلف أي لا يحلف { ~~أولوا الفضل منكم } أي الطول والصدقة والإحسان. { والسعة ~~} أي الجدة { أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله } أي لا تحلفوا أن لا تصلوا ~~قراباتكم المساكين والمهاجرين، وهذا في غاية الترفق والعطف على صلة ~~الأرحام، ولهذا قال تعالى: { وليعفوا وليصفحوا } أي عما ~~تقدم منهم من الإساءة والأذى، وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه بخلقه مع ~~ظلمهم لأنفسهم، وهذه الآيات نزلت في (الصديق) رضي الله عنه، حين حلف أن ~~لا ينفع (مسطح بن أثاثة) بنافعة أبدا، بعدما قال في عائشة ما قال كما ~~تقدم في الحديث، فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس ~~المؤمنة واستقرت، وتاب الله على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم ~~الحد ms1696 على من أقيم عليه، شرع تبارك وتعالى - وله الفضل والمنة - يعطف ~~الصديق على قريبه ونسيبه، وهو مسطح بن أثاثة، فإنه كان ابن خالة الصديق، ~~وكان مسكينا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر رضي الله عنه وكان من ~~المهاجرين في سبيل الله وقد زلق زلقة تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها ~~وكان الصديق رضي الله عنه معروفا بالمعروف، له الفضل والأيادي على ~~الأقارب والأجانب، فلما نزلت هذه الآية، قال الصديق: بلى والله إنا نحب ~~أن تغفر لنا ربنا، ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة وقال: والله لا ~~أنزعها منه أبدا، فلهذا كان الصديق هو الصديق رضي الله عنه وعن بنته. ### || [24.23-25] # هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات، خرج مخرج الغالب ~~{ المؤمنات } فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا ~~سيما التي كانت سبب النزول وهي عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما، وقد ~~أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا، ورماها بما رماها ~~به بعد هذا الذي ذكر في الآية، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن، وقوله ~~تعالى: { لعنوا في الدنيا والآخرة } ، كقوله: # إن الذين يؤذون الله ورسوله # [الأحزاب: 57] الآية، وقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة رضي الله ~~عنها، قال ابن عباس: نزلت في عائشة خاصة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: # " رميت بما رميت به وأنا غافلة فبلغني بعد ذلك، قالت: فبينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جالس عندي، إذ أوحي إليه، قالت: وكان إذا أوحي إليه ~~أخذه كهيئة السبات، وإنه أوحى إليه وهو جالس عندي ثم استوى جالسا يمسح ~~على وجهه وقال: " يا عائشة أبشري " قالت: فقلت: بحمد الله لا بحمدك، ~~فقرأ: { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~المؤمنات } - حتى بلغ - { أولئك مبرءون مما ~~يقولون لهم مغفرة ورزق كريم } " # ، وقال الضحاك: المراد بها أزواج النبي خاصة دون غيرهن من النساء، وقال ~~العوفي عن ابن عباس في الآية { إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات } الآية: ms1697 يعني أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم رماهن أهل النفاق، فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباؤوا بسخط من ~~الله، فكان ذلك في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نزل بعد ذلك: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء # [النور: 4] إلى قوله # فإن الله غفور رحيم # [النور: 5] فأنزل الله الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد. # وقال ابن جرير: فسر ابن عباس سورة النور، فلما أتى على هذه الآية { ~~إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } ~~الآية قال: في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مبهمة ~~وليست لهم توبة، ثم قرأ: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء # [النور: 4] إلى قوله # إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا # [النور: 5] الآية، قال: فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لمن قذف أولئك توبة، ~~قال فهم بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن ما فسر به سورة ~~النور، وقد اختار ابن جرير عمومها، وهو الصحيح ويعضد العموم ما رواه أبي ~~حاتم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " اجتنبوا السبع الموبقات " قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: " الشرك ~~بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل ~~مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " # وقوله تعالى: { يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } ، عن ابن ~~عباس قال: إنهم يعني المشركين إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل ~~الصلاة، قالوا: تعالوا حتى نجحد فيجحدون فيختم على أفواههم، وتشهد أيديهم ~~وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثا. # وروى ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال: # " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: " ~~أتدرون مم أضحك؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " من مجادلة العبد ~~ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز علي ~~شاهدا إلا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام عليك ~~شهودا، فيختم على فيه ms1698 ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه ~~وبين الكلام، فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل " # وقال قتادة: ابن آدم، والله إن عليك لشهودا غير متهمة من بدنك فراقبهم، ~~واتق الله في سرك وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، الظلمة عنده ضوء، ~~والسر عنده علانية، فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل ولا ~~قوة إلا بالله. وقوله تعالى: { يومئذ يوفيهم الله ~~دينهم الحق } ، قال ابن عباس { دينهم }: أي حسابهم، وكذا قال ~~غير واحد، وقوله: { ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين } أي وعده ووعيده، وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه. ### || [24.26] # قال ابن عباس: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من ~~الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الرجال، ~~والطيبون من الرجال للطيبات من القول، قال: ونزلت في عائشة وأهل الإفك، ~~واختاره ابن جرير، ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس، ~~والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس، فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة من ~~كلام هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم! ولهذا قال تعالى: { ~~أولئك مبرءون مما يقولون }. وقال عبد الرحمن بن زيد ~~بن أسلم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال ~~للخبيثات من النساء؛ والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من ~~الرجال للطيبات من النساء؛ أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كان ~~خبيثة لما صلحت له لا شرعا ولا قدرا؛ ولهذا قال تعالى: { أولئك ~~مبرءون مما يقولون } أي هم بعداء عما يقوله أهل الإفك ~~والعدوان { لهم مغفرة } أي بسبب ما قيل فيهم من الكذب { ورزق ~~كريم } أي عند الله في جنات النعيم، وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الجنة. ### || [24.27-29] # هذه آداب شرعية أدب الله بها عباده المؤمنين، أمرهم أن لا يدخلوا بيوتا ~~غير بيوتهم حتى (يستأنسوا) أي يستأذنوا قبل الدخول ويسلموا بعده، ms1699 وينبغي ~~أن يستأذن ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا انصرف كما ثبت في " الصحيح " أن ~~أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثا، فلم يؤذن له انصرف، ثم قال عمر: ألم ~~تسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما ~~جاء بعد ذلك قال: ما أرجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، وإني ~~سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فلينصرف " # ، فقال عمر لتأتيني على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضربا، فذهب إلى ملإ من ~~الأنصار فذكر لهم ما قال عمر، فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، فقام معه ~~أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك، فقال: ألهاني عنه الصفق بالأسواق. وعن ~~أنس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن على (سعد بن عبادة) فقال: " ~~السلام عليك ورحمة الله " فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى سلم ثلاثا، ورد عليه سعد ثلاثا، ولم ~~يسمعه، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، فاتبعه سعد فقال: يا رسول الله ~~بأبي أنت وأمي ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، ~~وأردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت فقرب إليه زبيبا، ~~فأكل نبي الله فلما فرغ قال: " أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة ~~وأفطر عندكم الصائمون " # ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب ~~بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره، لما رواه أبو داود عن عبد ~~الله بن بشر قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من ~~تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: " السلام عليكم، ~~السلام عليكم " # ، وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور. و # " جاء رجل فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن، فقام على ~~الباب - يعني: مستقبل الباب - فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " هكذا ~~عنك - أو ms1700 هكذا - فإنما الاستئذان من النظر " ". # وفي " الصحيحين " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لو أن أمرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك ~~من جناح " # ، وعن جابر قال: # " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي، فدققت الباب، ~~فقال: " من ذا؟ " فقلت: أنا، قال: " أنا أنا " # كأنه كرهه، وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه ~~أو كنيته التي هي مشهور بها، وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بأنا، فلا يحصل ~~بها المقصود من الاستئذان المأمور به في الآية، قال ابن عباس: الاستئناس ~~الاستئذان، وكذا قال غير واحد وعن عمرو بن سعيد الثقفي # " أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أألج أو أنلج؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة: " قومي إلى هذا ~~فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن فقولي له يقول السلام عليكم أأدخل؟ " فسمعها ~~الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال: " ادخل " # وقال مجاهد: جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه الرمضاء، فأتى فسطاط امرأة من ~~قريش، فقال: السلام عليكم أأدخل، قالت: ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت وهو ~~يراوح بين قدميه قال: قولي ادخل، قالت ادخل، وروى هشيم عن ابن مسعود قال: ~~عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم، وقال أشعث عن (عدي بن ثابت) أن ~~امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي ~~لا أحب أن يراني أحد عليها، لا والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل علي رجل ~~من أهلي وأنا على تلك الحال، قال: فنزلت: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوتا } الآية. وقال ابن جريج: سمعت عطاء بن ~~أبي رباح يخبر عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ثلاث آيات جحدهن الناس، قال ~~الله تعالى: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات: 13] قال: ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتا، قال: ~~والأدب كله قد جحده الناس، قال، قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في ms1701 حجري ~~معي في بيت واحد؟ قال: نعم، فردت عليه ليرخص لي فأبى، فقال: تحب أن تراها ~~عريانة؟ قلت: لا، قال: فاستأذن، قال: فراجعته أيضا فقال: أتحب أن تطيع ~~الله؟ قال: قلت: نعم، قال: فاستأذن، وقال طاووس: ما من امرأة أكره إلي ~~أن أرى عورتها من ذات محرم قال: وكان يشدد في ذلك. وقال ابن مسعود: عليكم ~~الإذن على أمهاتكم، وقال ابن جريج: قلت لعطاء أيستأذن الرجل على امرأته؟ ~~قال: لا، وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا ~~يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها. # وروى ابن جرير عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله إذا ~~جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق، كراهة أن يهجم منا على أمر ~~يكرهه. وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: كان عبد الله إذا دخل الدار ~~استأنس تكلم ورفع صوته، وقال مجاهد: { حتى تستأنسوا } قال: ~~تنحنحوا أو تنخموا، وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: إذا دخل الرجل ~~بيته استحب له أن يتنحنح أو يحرك نعليه؛ ولهذا جاء في الصحيح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا - وفي رواية ~~- ليلا يتخوفهم، وفي الحديث الآخر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة نهارا فأناخ بظاهرها ~~وقال: " انتظروا حتى ندخل عشاء - يعني آخر النهار - حتى تمتشط الشعثة ~~وتستحد المغيبة " # وقال قتادة في قوله { حتى تستأنسوا }: هو الاستئذان ثلاثا، ~~فمن لم يؤذن له منهم فليرجع، أما الأولى فليسمع الحي، وأما الثانية ~~فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا، ولا ~~تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم، فإن للناس حاجات ولهم أشغال والله أولى ~~بالعذر. وقال مقاتل بن حيان في الآية: كان الرجل في الجاهلية إذا لقي ~~صاحبه لا يسلم عليه، ويقول: حييت صباحا وحييت مساء، وكان ذلك تحية القوم ~~بينهم، وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه، فلا يستأذن حتى يقتحم ويقول: ms1702 قد دخلت ~~ونحو ذلك، فيشق ذلك على الرجل، ولعله يكون مع أهله، فغير الله ذلك كله ~~في ستر وعفة، وجعله نقيا نزها من الدنس والقذر والدرن. فقال تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } ~~الآية، وهذا الذي قاله مقاتل حسن، ولهذا قال تعالى: { ذلكم خير ~~لكم } يعني الاستئذان، خير لكم بمعنى هو خير من الطرفين للمستأذن ~~ولأهل البيت { لعلكم تذكرون } ، وقوله تعالى: { فإن لم ~~تجدوا فيهآ أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم } ~~، وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فإن شاء أذن وإن شاء ~~لم يأذن، { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى ~~لكم } أي إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده { فارجعوا هو ~~أزكى لكم } أي رجوعكم أزكى لكم وأطهر { والله بما ~~تعملون عليم }؛ وقال قتادة: قال بعض المهاجرين: لقد طلبت عمري ~~كله هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني، فيقول لي: ارجع ~~فأرجع وأنا مغتبط، لقوله تعالى: { وإن قيل لكم ارجعوا ~~فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ~~} وقال سعيد بن جبير في الآية: أي لا تقفوا على أبواب الناس، وقوله ~~تعالى: { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير ~~مسكونة } الآية، هذه الآية الكريمة أخص من التي قبلها وذلك أنها ~~تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد إذا كان له متاع فيها ~~بغير إذن كالبيت المعد للضيف إذا أذن له فيه أول مرة كفى، قال ابن عباس: ~~{ لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } ، ثم نسخ واستثنى، فقال ~~تعالى: { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير ~~مسكونة فيها متاع لكم } ، وقال آخرون: هي بيوت التجار ~~كالخانات ومنازل الأسفار وبيوت مكة وغير ذلك. ### || [24.30] # هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين، أن يغضوا من أبصارهم عما حرم ~~عليهم، فلا ينظروا إلا لما أباح لهم النظر إليه، وأن يغمضوا أبصارهم عن ~~المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه ~~سريعا، ms1703 كما روي عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: # " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري. ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: " لا يا علي لا تتبع النظرة ~~النظرة، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة " " # وفي الصحيح عن أبي سعيد قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " إياكم والجلوس على الطرقات " قالوا: يا رسول الله لا بد لنا من ~~مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أبيتم ~~فأعطو الطريق حقه " قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: " غض البصر، ~~وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " " # ، ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، لذلك أمر الله بحفظ الفروج، كما ~~مر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال تعالى: { قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم } وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا كما قال تعالى: # والذين هم لفروجهم حافظون # [المؤمنون: 5] الآية، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في ~~الحديث: # " احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك " # { ذلك أزكى لهم } أي أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم، كما قيل: من ~~حفظ بصره أورثه الله نورا في بصيرته، وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة ~~يجد حلاوتها " # وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم من تركه مخافتي أبدلته إيمانا يجد ~~حلاوته في قلبه " # وقوله تعالى: { إن الله خبير بما يصنعون } ، كما قال ~~تعالى: # يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور # [غافر: 19]. وفي " الصحيح " عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين ms1704 النظر، ~~وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا ~~الرجلين الخطى، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " # ، وقد قال كثير من السلف: إنهم كانوا ينهون أن يحد الرجل نظره إلى ~~الأمرد، وقد شدد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحرمه طائفة من أهل ~~العلم، لما فيه من الافتتان، وشدد آخرون في ذلك كثيرا جدا. وفي الحديث: # " كل عين باكية يوم القيامة إلا عينا غضت عن محارم الله، وعينا سهرت ~~في سبيل الله، وعينا يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله " # عز وجل. ### || [24.31] # هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات وغيرة منه لأزواجهن المؤمنين، ~~وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات، وكان سبب نزول هذه ~~الآية ما ذكره (مقاتل بن حيان) قال: بلغنا أن أسماء بنت مرثد كانت في محل ~~لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متزرات، فيبدو ما في ~~أرجلهن من الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا، ~~فأنزل الله تعالى: { وقل للمؤمنات يغضضن من ~~أبصارهن } الآية، فقوله تعالى: { وقل للمؤمنات ~~يغضضن من أبصارهن } أي عما حرم الله عليهن من النظر إلى ~~غير أزواجهن؛ ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة النظر ~~إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا واحتج كثير منهم بما روي # " عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة، ~~قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعدما أمرنا ~~بالحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احتجبا منه " فقلت: يا ~~رسول الله أليس هو أعمى ولا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " أو عمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه " # وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة، كما ثبت ~~في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ينظر إلى الحبشة وهم ~~يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ~~ورائه وهو ms1705 يسترها منهم حتى ملت ورجعت، وقوله: { ويحفظن ~~فروجهن } قال سعيد بن جبير: عن الفواحش؛ وقال قتادة: عما لا يحل ~~لهن؛ وقال مقاتل: عن الزنا؛ وقال أبو العالية: كل آية نزلت في القرآن ~~يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنا، إلا هذه الآية: { ويحفظن ~~فروجهن } أن لا يراها أحد، وقوله تعالى: { ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها } أي لا يظهرن شيئا من الزينة ~~للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني ~~كل ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من ~~أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه، لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه، وقال ابن ~~عباس: وجهها وكفيها والخاتم، وهذا يحتمل أن يكون تفسيرا للزينة التي ~~نهين عن إبدائها، كما قال عبد الله بن مسعود: الزينة زينتان، فزينة لا ~~يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب، وهي الظاهر من ~~الثياب، وقال مالك { إلا ما ظهر منها }: الخاتم والخلخال، ~~ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين، ~~وهذا هو المشهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود # " عن عائشة رضي الله عنها أن (أسماء بنت أبي بكر) دخلت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: " يا أسماء إن المرأة ~~إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه " ~~". # وقوله تعالى: { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } ~~يعني المقانع يعمل لها صفات ضاربات على صدورهن لتواري ما تحتها من صدرها ~~وترائبها، ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية، فإنهن لم يكن يفعلن ذلك، بل ~~كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء وربما أظهرت ~~عنقها وذوائب شعرها وأقرطه آذانها، فأمر الله المؤمنات أن يستترن في ~~هيئاتهن وأحوالهن، كما قال تعالى: # يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك ~~أدنى أن يعرفن فلا يؤذين # [الأحزاب: 59]، وقال في هذه الآية الكريمة: { وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن } والخمر جمع خمار: ms1706 وهو ما يخمر به أي ~~يغطى به الرأس، وهي التي تسميها الناس المقانع، قال سعيد بن جبير { ~~وليضربن } وليشددن { بخمرهن على جيوبهن } يعني ~~على النحر والصدر فلا يرى منه شيء. وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله { وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن } شققن مروطهن فاختمرن بها. وروى ابن ~~أبي حاتم عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة قالت: فذكرنا نساء ~~قريش وفضلهن، فقالت عائشة رضي الله عنها: إن لنساء قريش لفضلا وإني ~~والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا لكتاب الله ولا إيمانا ~~بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: { وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن } انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ~~ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة ~~إلا قامت إلى مرطها المرحل، فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله ~~من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على ~~رؤوسهن الغربان. وقال ابن جرير عن عائشة قالت: يرحم الله النساء ~~المهاجرات الأول، لما أنزل الله: { وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن } شققن أكتف مروطهن فاختمرن بها، وقوله تعالى: { ولا ~~يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } أي أزواجهن { أو ~~آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو أبنآئهن أو ~~أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو بني ~~إخوانهن أو بني أخواتهن } كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز ~~لها أن تظهر عليهم بزينتها، ولكن من غير تبرج فأما الزوج فإنما ذلك كله ~~من أجله، فتتصنع له بما لا يكون بحضرة غيره، وقوله: { أو نسآئهن ~~} يعني تظهر بزينتها أيضا للنساء المسلمات، دون نساء أهل الذمة، لئلا ~~تصفهن لرجالهن، فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع؛ فأما المسلمة فإنها تعلم أن ~~ذلك حرام فتنزجر عنه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها ". # وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة: أما بعد، فإنه بلغني أن نساء ~~من نساء المسلمين يدخلن الحمامات ms1707 مع نساء أهل الشرك. فإنه من قبلك فلا ~~يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها، ~~وقال مجاهد في قوله: { أو نسآئهن } قال: نساؤهن المسلمات، ليس ~~المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة، وروي ~~عن ابن عباس: { أو نسآئهن } قال: هن المسلمات لا تبديه ليهودية ~~ولا نصرانية، وهو النحر والقرط والوشاح وما لا يحل أن يراه إلا محرم، ~~وروى سعيد عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة لأن الله تعالى ~~يقول: { أو نسآئهن } فليست من نسائهن، وعن مكحول وعبادة بن نسي: ~~أنهما كرها أن تقبل النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة. وقوله تعالى: ~~{ أو ما ملكت أيمانهن } قال ابن جرير: يعني من نساء ~~المشركين، فيجوز لها أن تظهر زينتها لها وإن كانت مشركة لأنها أمتها، ~~وإليه ذهب سعيد بن المسيب. وقال الأكثرون: بل يجوز أن تظهر على رقيقها من ~~الرجال والنساء، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود # " عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، قال: ~~وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها ~~لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: " إنه ~~ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك " # ، وروى الإمام أحمد عن أم سلمة ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا كان لإحداكن مكاتب وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه " # ، وقوله تعالى: { أو التابعين غير أولي الإربة من ~~الرجال } يعني كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، وهم مع ذلك في ~~عقولهم وله ولا همة لهم إلى النساء ولا يشتهونهن، قال ابن عباس: هو ~~المغفل الذي لا شهوة له. وقال مجاهد: هو الأبله، وقال عكرمة: هو المخنث ~~الذي لا يقوم ذكره، وكذلك قال غير واحد من السلف، وفي الصحيح # " عن عائشة أن مخنثا كان يدخل على أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكانوا يعدونه من غير أولي الأربة، فدخل النبي ms1708 صلى الله عليه وسلم وهو ~~ينعت امرأة يقول: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا ~~يدخلن عليكم " # فأخرجه، وروى الإمام أحمد # " عن أم سلمة أنها قالت: دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وعندها مخنث، وعندها (عبد الله بن أبي أمية) يعني أخاها والمخنث يقول: يا ~~عبد الله إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل ~~بأربع وتدبر بثمان، قال: فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لأم ~~سلمة: " لا يدخلن هذا عليك " ". # وقوله تعالى: { أو الطفل الذين لم يظهروا على ~~عورات النسآء } يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من ~~كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن، فإذا كان الطفل ~~صغيرا لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن كان مراهقا أو ~~قريبا منه بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن ~~من الدخول على النساء، وقد ثبت في " الصحيحين " عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " " إياكم والدخول على النساء " قيل: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: " ~~الحمو الموت " " # وقوله تعالى: { ولا يضربن بأرجلهن } الآية، كانت المرأة ~~في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوتها ~~ضربت برجلها الأرض، فيسمع الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، ~~وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل ~~في هذا النهي، لقوله تعالى: { ولا يضربن بأرجلهن } إلى ~~آخره، ومن ذلك أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها، فيشم ~~الرجال طيبها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا " # يعني زانية. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه لقي امرأة شم منها ريح ~~الطيب ولذيلها إعصار، فقال: يا أمة الجبار جئت من المسجد؟ قالت: نعم، قال ~~لها: تطيبت؟ قالت: نعم، قال: ms1709 إني سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " لا يقبل الله صلاة امرأة طيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغسل غسلها من ~~الجنابة " # وفي الحديث: # " الرافلة في الزينة من غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها " # ، ومن ذلك أيضا أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق لما فيه من التبرج، ~~فقد روي عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه # " أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو خارج من المسجد، وقد اختلط ~~الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: ~~" استأخرن فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق، عليكن بحافات الطريق " ، فكانت ~~المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به " # ، وقوله تعالى: { وتوبوا إلى الله جميعا أيه ~~المؤمنون لعلكم تفلحون } أي افعلوا ما أمركم به من هذه ~~الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من ~~الأخلاق والصفات الرذيلة، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ~~ورسوله، وترك ما نهى عنه والله تعالى المستعان. ### || [24.32-34] # اشتملت هذه الآيات الكريمات، على جمل من الأحكام المحكمة، فقوله تعالى: ~~{ وأنكحوا الأيامى منكم } أمر بالتزويج، وقد ذهب طائفة من ~~العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه، واحتجوا بظاهر قوله عليه السلام: # " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن ~~للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " # ، وقد جاء في السنن: # " تزوجوا الولود، تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة " # ، الأيامى جمع أيم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا ~~زوجة له، يقال: رجل أيم وامرأة أيم، وقوله تعالى: { إن يكونوا ~~فقرآء يغنهم الله من فضله } الآية، قال ابن عباس: رغبهم ~~الله في التزويج وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى، فقال: { ~~إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله } ، وقال أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، ينجز لكم ~~ما وعدكم من الغنى ms1710 يقول الله تعالى: { إن يكونوا فقرآء ~~يغنهم الله من فضله } ، وعن ابن مسعود: التمسوا الغنى في ~~النكاح، يقول الله تعالى: { إن يكونوا فقرآء يغنهم الله ~~من فضله } وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، ~~والغازي في سبيل الله " # ، وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي لا يجد عليه إلا ~~إزاره ولم يقدر على خاتم من حديد، ومع هذا فزوجه بتلك المرأة، وجعل ~~صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن، والمعهود من كرم الله تعالى ~~ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله، وقوله تعالى: { وليستعفف ~~الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من ~~فضله } هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجا بالتعفف عن الحرام، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " # وهذه الآية مطلقة والتي في سورة النساء أخص منها وهي قوله: # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات # [النساء: 25]، إلى قوله: # وأن تصبروا خير لكم # [النساء: 25] أي صبركم عن تزوج الإماء خير لكم لأن الولد يجيء رقيقا # والله غفور رحيم # [النساء: 25]، قال عكرمة في قوله: { وليستعفف الذين لا ~~يجدون نكاحا } قال: هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له ~~امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ~~ملكوت السماوات والأرض حتى يغنيه الله. # وقوله تعالى: { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت ~~أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } هذا أمر ~~من الله تعالى للسادة إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة أن يكاتبوهم، بشرط أن ~~يكون للعبد حيلة وكسب، يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه، وقد ~~ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب، لا أمر تحتم ~~وإيجاب، قال الشعبي: إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه، وذهب آخرون إلى أنه ~~يجب على السيد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه ms1711 إلى ما طلب آخذا بظاهر هذا ~~الأمر، وقال البخاري عن ابن جريج قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالا ~~أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبا، وقال عمرو بن دينار، قلت لعطاء: ~~أتأثره عن أحد؟ قال: لا، ثم أخبرني أن سيرين سأل أنسا المكاتبة، وكان ~~كثير المال، فأبى، فانطلق إلى عمر رضي الله عنه، فقال: كاتبه، فأبى، ~~فضربه بالدرة ويتلو عمر رضي الله عنه: { فكاتبوهم إن علمتم ~~فيهم خيرا } فكاتبه. # وذهب الشافعي في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله عليه السلام: # " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس " # ، وقال مالك: الأمر عندنا أنه ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ~~ذلك، ولم أسمع أحدا من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده، وكذا قال ~~الثوري وأبو حنيفة، وقوله تعالى: { إن علمتم فيهم خيرا } ~~قال بعضهم: أمانة، وقال بعضهم: صدقا، وقال بعضهم: مالا، وقال بعضهم: ~~حيلة وكسبا، وقوله تعالى: { وآتوهم من مال الله الذي ~~آتاكم } اختلف المفسرون فيه، فقال بعضهم: معناه اطرحوا لهم من الكتابة ~~بعضها، وقال آخرون: بل المراد هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال ~~الزكاة، وقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب، وقد تقدم ~~الحديث: # " ثلاثة حق على الله عونهم " # فذكر منهم المكاتب يريد الأداء، والقول الأول أشهر. وعن ابن عباس في ~~الآية { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } قال: ضعوا ~~عنهم من مكاتبتهم، وقال محمد بن سيرين في الآية: كان يعجبهم أن يدع الرجل ~~لمكاتبه طائفة من مكاتبته، وقوله تعالى: { ولا تكرهوا ~~فتياتكم على البغآء } الآية، كان أهل الجاهلية إذا كان ~~لأحدهم أمة أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء ~~الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة في ~~شأن (عبد الله بن أبي بن سلول) فإنه كان له إماء فكان يكرههن على البغاء ~~طلبا لخراجهن، ورغبة في أولادهن، ورياسة منه فيما يزعم. # (ذكر الآثار الواردة في ذلك) # قال الحافظ البزار في ms1712 " مسنده ": كانت جارية لعبد الله بن أبي بن سلول ~~يقال لها (معاذة) يكرهها على الزنا فلما جاء الإسلام نزلت: { ولا ~~تكرهوا فتياتكم على البغآء } الآية، وقال الأعمش: نزلت ~~في أمة لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها (مسيكة) كان يكرهها على الفجور ~~وكانت لا بأس بها فتأبى، فأنزل الله هذه الآية: { ولا تكرهوا ~~فتياتكم على البغآء } الآية، وروى النسائي عن جابر نحوه. # وعن الزهري أن رجلا من قريش أسر يوم بدر، وكان عند (عبد الله بن أبي) ~~أسيرا وكانت لعبد الله بن أبي جارية يقال لها (معاذة) وكان القرشي ~~الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، وكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان ~~عبد الله بن أبي يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل من القرشي فيطلب ~~فداء ولده، فقال تبارك وتعالى: { ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغآء إن أردن تحصنا } ، وقال السدي: أنزلت هذه الآية ~~الكريمة في (عبد الله بن أبي بن سلول) رأس المنافقين، وكانت له جارية ~~تدعى (معاذة) وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الثواب منه ~~والكرامة له، فأقبلت الجارية إلى أبي بكر رضي الله عنه فشكت إليه ذلك، ~~فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمره بقبضها، فصاح عبد الله بن ~~أبي من يعذرنا من محمد يغلبنا على مملوكتنا فأنزل الله فيهم هذا، وقوله ~~تعالى: { إن أردن تحصنا } هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، ~~وقوله تعالى: { لتبتغوا عرض الحياة الدنيا } أي من ~~خراجهن ومهورهن وأولادهن، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب ~~الحجام، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وفي رواية: # " مهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث " # ، وقوله تعالى: { ومن يكرههن فإن الله من بعد ~~إكراههن غفور رحيم } أي لهن، كما تقدم في الحديث عن جابر، ~~وقال ابن عباس: فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم، وإثمهن على من أكرههن، ~~وقال أبو عبيد عن الحسن في هذه الآية { فإن الله من بعد ~~إكراههن غفور رحيم } قال: لهن والله، لهن والله، ms1713 وفي ~~الحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # ولما فصل تبارك وتعالى هذه الأحكام وبينها قال تعالى: { ولقد ~~أنزلنآ إليكم آيات مبينات } يعني القرآن فيه آيات ~~واضحات مفسرات { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } أي ~~خبرا عن الأمم الماضية وما حل بهم في مخالفتهم أوامر الله تعالى كما قال ~~تعالى: # فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين # [الزخرف: 56] أي زاجرا عن ارتكاب المآثم والمحارم { وموعظة ~~للمتقين } أي لمن اتقى الله وخافه، قال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه في صفة القرآن: فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وهو ~~الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره ~~أضله الله. ### || [24.35] # قال ابن عباس { الله نور السموت والأرض } يقول: هادي ~~أهل السماوات والأرض، يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما. وقال ~~ابن جرير عن أنس بن مالك قال: إن الله يقول نوري هدى، واختار هذا القول ~~ابن جرير، وقال أبي بن كعب: هو المؤمن جعل الله الإيمان والقرآن في صدره ~~فضرب الله مثله فقال: { الله نور السموت والأرض } فبدأ ~~بنور نفسه، ثم ذكر نور المؤمن، فقال: مثل نور من آمن به، فهو المؤمن جعل ~~الإيمان والقرآن في صدره، وعن ابن عباس أنه قرأها { مثل نور من آمن بالله ~~} وقرأ بعضهم { الله منور السماوات والأرض } وقال السدي في قوله { ~~الله نور السموت والأرض } فبنوره أضاءت السماوات والأرض، ~~وفي الحديث: # " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات " # وفي " الصحيحين " عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا قام من الليل يقول: # " اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ~~قيوم السماوات والأرض ومن فيهن " # الحديث. وعن ابن مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش ~~من نور وجهه، وقوله تعالى: { مثل نوره } في هذا الضمير قولان: ~~(أحدهما) أنه عائد إلى الله ms1714 عز وجل أي مثل هداه في قلب المؤمن، قاله ~~ابن عباس { كمشكاة } (والثاني): أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل ~~عليه سياق الكلام، تقديره مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة، فشبه قلب ~~المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو ~~مفطور عليه، كما قال تعالى: # أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد ~~منه # [هود: 17] فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف ~~الجوهري، وما يستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق ~~المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف؛ فقوله { كمشكاة } قال ابن عباس ~~ومجاهد: هو موضع الفتيلة من القنديل. هذا هو المشهور، ولهذا قال بعده { ~~فيها مصباح } وهو الزبالة التي تضيء. # وقال مجاهد: هي الكوة بلغة الحبشة. وزاد بعضهم فقال: المشكاة الكوة التي ~~لا منفذ لها، وعن مجاهد: المشكاة الحدائد التي يعلق بها القنديل؛ والقول ~~الأول أولى، وهو أن المشكاة هو موضع الفتيلة من القنديل: ولهذا قال: { ~~فيها مصباح } وهو النور الذي في الزبالة، قال أبي بن كعب: المصباح ~~النور وهو القرآن والإيمان الذي في صدره، وقال السدي هو السراج { ~~المصباح في زجاجة } أي هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية، وهي ~~نظير قلب المؤمن { الزجاجة كأنها كوكب دري } أي كأنها ~~كوكب من در، قال أبي بن كعب: كوكب مضيء، وقال قتادة: مضيء مبين ضخم { ~~يوقد من شجرة مباركة } أي يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة ~~{ زيتونة } بدل أو عطف بيان { لا شرقية ولا غربية } ~~أي ليست في شرقي بقعتها فلا تصل إليها الشمس من أول النهار، ولا في غربها ~~فيقلص عنها الفيء قبل الغروب، بل هي في مكان وسط تعصرها الشمس من أول ~~النهار إلى آخره، فيجيء زيتها صافيا معتدلا مشرقا، عن ابن عباس في ~~قوله { زيتونة لا شرقية ولا غربية } قال: هي شجرة ~~بالصحراء لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف، ولا يواريها شيء، وهو أجود ~~لزيتها، وقال عكرمة: تلك زيتونة بأرض فلاة إذا أشرقت الشمس أشرقت ms1715 عليها، ~~فإذا غربت غربت عليها فذلك أصفى ما يكون من الزيت، وعن سعيد بن جبير في ~~قوله { زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد ~~زيتها يضيء } قال: هو أجود الزيت، قال إذا طلعت الشمس أصابتها من ~~صوب المشرق، فإذا أخذت في الغروب أصابتها الشمس، فالشمس تصيبها بالغداوة ~~والعشي فتلك لا تعد شرقية ولا غربية. # وقال الحسن البصري: لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ~~ولكنه مثل ضربه الله تعالى لنوره، وقال الضحاك عن ابن عباس { يوقد من ~~شجرة مباركة } قال: رجل صالح { زيتونة لا شرقية ~~ولا غربية } قال: لا يهودي ولا نصراني، وأولى هذه الأقوال: أنها ~~في مستوى من الأرض في مكان فسيح باد ظاهر ضاح للشمس، تقرعه من أول النهار ~~إلى آخره، ليكون ذلك أصفى لزيتها وألطف، ولهذا قال تعالى: { يكاد ~~زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } يعني لضوء إشراق ~~الزيت، وقوله تعالى: { نور على نور } قال ابن عباس: يعني بذلك ~~إيمان العبد وعمله، وقال أبي بن كعب { نور على نور } المؤمن ~~يتقلب في خمسة من النور، فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ~~ومصيره إلى نور يوم القيامة إلى الجنة. وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس ~~إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله تعالى { يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار } قال: يكاد محمد صلى الله عليه ~~وسلم يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت أن يضيء، وقال ~~السدي في قوله تعالى: { نور على نور } قال: نور النار ونور الزيت ~~حين اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحبه، كذلك نور القرآن ونور ~~الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه، وقوله تعالى: { ~~يهدي الله لنوره من يشآء } أي يرشد الله إلى هدايته من ~~يختاره، كما جاء في الحديث: # " إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ، فمن ~~أصاب من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأ ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم ~~الله عز ms1716 وجل " # وقوله تعالى: { ويضرب الله الأمثال للناس والله ~~بكل شيء عليم } لما ذكر تعالى هذا مثلا لنور هداه في قلب ~~المؤمن ختم الآية بقوله: { ويضرب الله الأمثال للناس ~~والله بكل شيء عليم } أي هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن ~~يستحق الإضلال، عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على ~~غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه ~~نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق ~~عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه ~~كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم ~~والقيح، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه ". ### || [24.36-38] # لما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم، بالمصباح ~~في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب وذلك كالقنديل مثلا، ذكر محلها ~~وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي ~~يعبد فيها ويوحد، فقال تعالى: { في بيوت أذن الله أن ترفع ~~} أي أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو، والأقوال ~~والأفعال التي لا تليق فيها، كما قال ابن عباس: نهى الله سبحانه عن اللغو ~~فيها وقال قتادة: هي هذه المساجد أمر الله سبحانه وتعالى ببنائها ~~وعمارتها ورفعها وتطهيرها، وقد ذكر لنا أن كعبا كان يقول: مكتوب في ~~التوراة إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه، ثم زارني ~~في بيتي أكرمته، وحق على المزور كرامة الزائر. وقد وردت أحاديث كثيرة في ~~بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطييبها وتبخيرها، فعن أمير المؤمنين ~~(عثمان بن عفان) رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة " # ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من بنى مسجدا ms1717 يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة " # وعن عائشة رضي الله عنها: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء ~~المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب. وعن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك؛ ~~وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك ". # وقد روى ابن ماجه وغيره من حديث ابن عمر مرفوعا قال: خصال لا تنبغي في ~~المسجد: لا يتخذ طريقا، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر ~~فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه حد، ولا يقتص فيه أحد، ولا ~~يتخذ سوقا. وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع ~~أصواتكم، وإقامة حدودكم وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، ~~وجمروها في الجمع " # أما أنه لا يتخذ طريقا فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا ~~وجد مندوحة عنه؛ وفي الأثر: إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا ~~يصلي فيه؛ وأما أنه لا يشهر فيه السلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه ~~نبل، فلما يخشى من إصابة بعض الناس به، وأما النهي عن المرور باللحم ~~النيء فيه فلما يخشى من تقاطر الدم منه، وأما أنه لا يضرب فيه حد ولا ~~يقتص منه فلما يخشى من إيجاد النجاسة فيه من المضروب أو المقطوع، وأما ~~أنه لا يتخذ سوقا فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه، فإنه إنما ~~بني لذكر الله والصلاة فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك ~~الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: # " إن المساجد لم تبن لهذا إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها " # ، وفي الحديث الثاني: " جنبوا مساجدكم صبيانكم ms1718 " وذلك لأنهم يلعبون فيه ~~ولا يناسبهم؛ وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا رأى صبيانا يلعبون ~~في المسجد ضربهم بالمخفقة وهي الدرة، وكان يفتش المسجد بعد العشاء فلا ~~يترك فيه أحدا، " ومجانينكم " يعني لأجل ضعف عقولهم، وسخر الناس بهم، ~~فيؤدي إلى اللعب فيها ولما يخشى من تقذيرهم المسجد ونحو ذلك " وبيعكم ~~وشراءكم " كما تقدم، " وخصوماتكم " يعني التحاكم والحكم فيه؛ ولهذا نص ~~كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد، بل يكون ~~في موضع غيره لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والألفاظ التي لا ~~تناسبه؛ ولهذا قال بعده: " ورفع أصواتكم ". # وروى البخاري عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائما في المسجد ~~فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته ~~بهما فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو ~~كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقال النسائي: سمع عمر صوت رجل في المسجد فقال: أتدري ~~أين أنت؟ وقوله: " واتخذوا على أبوابها المطاهر " يعني المراحيض التي ~~يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة، وقد كانت قريبا من مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم آبار يستقون منها فيشربون ويتطهرون ويتوضأون وغير ~~ذلك، وقوله: " وجمروها في الجمع " يعني بخروها في أيام الجمع لكثرة ~~اجتماع الناس يومئذ، وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن ابن عمر: أن ~~عمر كان يجمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل جمعة، وقد ثبت في " ~~الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ~~ضعفا. وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا ~~الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم ~~تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ~~ولا يزال في صلاة ms1719 ما انتظر الصلاة " # وعند الدارقطني مرفوعا: # " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " # ، وفي السنن: # " بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة ". # ويستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى، وأن يقول كما ثبت في " ~~صحيح البخاري " عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد يقول: # " أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم ~~" # قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم، وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج ~~فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك " # ، وعن أبي هريرة: رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: ~~اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم " # ، وعن فاطمة بنت الحسين عن جدتها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، ~~ثم قال: " اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك " ، وإذا خرج صلى ~~على محمد وسلم، ثم قال: " اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك " " # ، فهذا الذي ذكرناه داخل في قوله تعالى: { في بيوت أذن الله ~~أن ترفع } وقوله: { ويذكر فيها اسمه } أي اسم الله، ~~كقوله: # وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين ~~له الدين # [الأعراف: 29]، وقوله: # وأن المساجد لله # [الجن: 18] الآية، وقوله تعالى: { ويذكر فيها اسمه } قال ابن ~~عباس: يعني يتلى كتابه، وقوله تعالى: { يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال } أي في البكرات والعشيات، والآصال جمع أصيل وهو ~~آخر النهار، وقال ابن عباس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة، وقال علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس: يعني الغدو صلاة الغداة، ويعني بالآصال صلاة ~~العصر، وهما أول ما ms1720 افترض الله من الصلاة، فأحب أن يذكرهما وأن يذكر بهما ~~عباده، وعن الحسن والضحاك { يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال }: يعني الصلاة. # وقوله تعالى: { رجال } فيه إشعار بهممهم السامية، ونياتهم وعزائمهم ~~العالية، التي بها صاروا عمارا للمساجد، التي هي بيوت الله في أرضه، ~~ومواطن عبادته وشكره، وتوحيده وتنزيهه، كما قال تعالى: # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه # [الأحزاب: 23] الآية. وأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن، لما رواه ~~أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها ~~أفضل من صلاتها في بيتها " # ، وعن أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خير مساجد النساء قعر بيوتهن " # وروى أحمد # " عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، قال: " قد علمت أنك تحبين ~~الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير ~~من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في ~~مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي " قال: فأمرت فبنى لها مسجد في أقصى بيت ~~من بيوتها " # ، فكانت والله تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى. ويجوز للمرأة شهود جماعة ~~الرجال بشرط أن لا تؤذي أحدا من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب. كما ثبت ~~في الصحيح: # " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " # ، وفي رواية: # " وليخرجن وهن تفلات " # أي لا ريح لهن، وقد ثبت في " صحيح مسلم " عن زينب امرأة عبد الله بن ~~مسعود قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا " # ، وفي " الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان نساء ~~المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يرجعن متلفعات ~~بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وفي " الصحيحين ms1721 " عنها أيضا أنها قالت: لو ~~أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد كما ~~منعت نساء بني إسرائيل. # وقوله تعالى: { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ~~ذكر الله } ، كقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله # [المنافقون: 9] الآية، يقول تعالى: لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها ~~وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم، لأن الذي عنده خير لهم وأنفع مما ~~بأيديهم، ولهذا قال تعالى: { رجال لا تلهيهم تجارة ولا ~~بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة ~~} أي يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم، روى عمرو بن دينار: ~~أن ابن عمر رضي الله عنهما كان في السوق فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ~~ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت: { رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله } ، وقال ابن أبي حاتم قال ~~أبو الدرداء رضي الله عنه: إني قمت على هذا الدرج أبايع عليه، أربح كل ~~يوم ثلثمائة دينار، أشهد الصلاة في كل يوم في المسجد، أما إني لا أقول إن ~~ذلك ليس بحلال، ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله فيهم: { رجال ~~لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله }. # وقال عمرو بن دينار الأعور: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد ~~فمررنا بسوق المدينة، وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم، فنظر سالم إلى ~~أمتعتهم ليس فيها أحد، فتلا سالم هذه الآية: { رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله } ثم قال: هم هؤلاء؛ وقال ~~الضحاك: لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها، وقال مطر ~~الوراق: كانوا يبيعون ويشترون ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في ~~يده خفضه وأقبل إلى الصلاة، وقال ابن عباس { لا تلهيهم تجارة ~~ولا بيع عن ذكر الله } يقول: عن الصلاة المكتوبة، وقال ~~السدي: عن الصلاة في جماعة، وقال مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور ~~الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم الله، وأن يحافظوا على مواقيتها وما ms1722 ~~استحفظهم الله فيها. # وقوله تعالى: { يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار } أي يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار: أي من ~~شدة الفزع وعظمة الأهوال، كقوله: # إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # [إبراهيم: 42]، وقال تعالى: # إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا # [الإنسان: 10]، وقوله تعالى ههنا: { ليجزيهم الله أحسن ~~ما عملوا } أي هؤلاء من الذين يتقبل حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم. ~~وقوله: { ويزيدهم من فضله } أي يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم ~~كما قال تعالى: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160] الآية، وقال: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245] الآية، وقال: # والله يضاعف لمن يشآء # [البقرة: 261]، وقال ههنا: { والله يرزق من يشآء بغير ~~حساب } ، وعن ابن مسعود أنه جيء بلبن فعرضه على جلسائه واحدا واحدا ~~فكلهم لم يشربه لأنه كان صائما، فتناوله ابن مسعود فشربه لأنه كان ~~مفطرا، ثم تلا قوله: { يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار } ، وفي الحديث: # " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى بصوت يسمع ~~الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ~~ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلائق " # وروى الطبراني عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله # ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله # [فاطر: 30] قال: أجورهم يدخلم الجنة، ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت ~~له الشفاعة لمن صنع لهم المعروف في الدنيا. ### || [24.39-40] # هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار، فأما الأول من هذين المثلين ~~فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال ~~والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، فمثلهم في ذلك كالسراب الذي ~~يرى في القيعان من الأرض من بعد كأنه بحر طام، والقيعة جمع قاع كجار ~~وجيرة، وهي الأرض المستوية المتسعة المنبسطة وفيه يكون السراب، يرى كأنه ~~ماء بين السماء والأرض، فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء يحسبه ماء ~~قصده ليشرب منه، فلما انتهى إليه { لم يجده شيئا } ، فكذلك ~~الكافر، ms1723 يحسب أنه قد عمل عملا وأنه قد حصل شيئا، فإذا وافى الله يوم ~~القيامة وحاسبه عليها ونوقش على أفعاله لم يجد له شيئا بالكلية، كما قال ~~تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]، وقال ههنا: { ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه والله سريع الحساب } ، وفي " الصحيحين ": # " أنه يقال يوم القيامة لليهود ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزير ~~ابن الله، فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من ولد ماذا تبغون؟ فيقولون: يا رب ~~عطشنا فاسقنا، فيقال: ألا ترون؟ فتمثل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضها ~~بعضا فينطلقون فيتهافتون فيها " # وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب. فأما أصحاب الجهل البسيط، وهم ~~الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون فمثلهم كما قال ~~تعالى: { أو كظلمات في بحر لجي } قال قتادة: { ~~لجي } هو العميق، { يغشاه موج من فوقه موج من ~~فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذآ أخرج ~~يده لم يكد يراها } أي لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام، فهذا ~~مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يعرف حال من يقوده، ولا ~~يدري أين يذهب، بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم، قيل: ~~فإلى أين تذهبون؟ قال. لا أدري. وقال ابن عباس رضي الله عنهما { ~~يغشاه موج } يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهي ~~كقوله: # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة # [البقرة: 7] الآية. وكقوله: # وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره ~~غشاوة # [الجاثية: 23] فالكافر يتقلب في خمسة من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ~~ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى ~~النار، وقوله تعالى: { ومن لم يجعل الله له نورا فما ~~له من نور } أي من لم يهده الله فهو هالك جاهل بائر كافر، كقوله: # من يضلل الله فلا هادي له # [الأعراف: 186] وهذا في مقابلة ما قال في مثل المؤمنين # يهدي الله لنوره من يشآء # [النور: 35]، فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورا، وعن أيماننا ~~نورا، وعن ms1724 شمائلنا نورا، وأن يعظم لنا نورا. ### || [24.41-42] # يخبر تعالى أنه يسبح له من في السماوات والأرض أي من الملائكة والأناسي ~~والجان والحيوان حتى الجماد، كما قال تعالى: # تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن # [فصلت: 44] الآية. وقوله تعالى: { والطير صآفات } أي في حال ~~طيرانها، تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه وهو يعلم ما هي ~~فاعلة، ولهذا قال تعالى: { كل قد علم صلاته وتسبيحه } ~~أي كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله عز وجل، ثم أخبر أنه ~~عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولهذا قال تعالى: { والله ~~عليم بما يفعلون } ، ثم أخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض ~~فهو الحاكم المتصرف الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له ولا ~~معقب لحكمه، { وإلى الله المصير }: أي يوم القيامة فيحكم فيه ~~بما يشاء # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا # [النجم: 31] الآية، فهو الخالق المالك، له الحمد في الأولى والآخرة. ### || [24.43-44] # يذكر تعالى أنه يسوق السحاب بقدرته أول ما ينشئها وهي ضعيفة وهو ~~الإزجاء، { ثم يؤلف بينه } أي يجمعه بعد تفرقه، { ثم ~~يجعله ركاما } أي متراكما أي يركب بعضه بعضا، { فترى ~~الودق } أي المطر، { يخرج من خلاله } أي من خلله، وقوله: { ~~وينزل من السمآء من جبال فيها من برد } قال بعض ~~النحاة: { من } الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة ~~لبيان الجنس، ومعناه أن في السماء جبال برد ينزل الله منها البرد، وأما ~~من جعل الجبال ههنا كناية عن السحاب فإن " من " الثانية عنده لابتداء ~~الغاية لكنها بدل من الاولى والله أعلم، وقوله تعالى: { فيصيب به ~~من يشآء ويصرفه عن من يشآء } يحتمل أن يكون المراد بقوله ~~{ فيصيب به }: أي بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبرد، فيكون ~~قوله: { فيصيب به من يشآء } رحمة لهم { ويصرفه عن من ~~يشآء } أي يؤخر عنهم الغيث، ويحتمل أن يكون المراد بقوله { فيصيب ~~به } أي بالبرد نقمة على من يشاء لما فيه من إتلاف زروعهم وأشجارهم، { ~~ويصرفه عن من يشآء } رحمة بهم، ms1725 وقوله: { يكاد سنا ~~برقه يذهب بالأبصار } أي يكاد ضوء برقه من شدته يخطف ~~الأبصار إذا اتبعته وتراءته، وقوله تعالى: { يقلب الله الليل ~~والنهار } أي يتصرف فيهما فيأخذ من طول هذا في قصر هذا، حتى يعتدلا، ~~فهو المتصرف في ذلك بأمره وقهره وعزته وعلمه، { إن في ذلك ~~لعبرة لأولي الأبصار } أي لدليلا على عظمته تعالى. ### || [24.45] # يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه أنواع المخلوقات، على ~~اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها من ماء واحد، { فمنهم ~~من يمشي على بطنه } كالحية وما شاكلها، { ومنهم من ~~يمشي على رجلين } كالإنسان والطير، { ومنهم من يمشي ~~على أربع } كالأنعام وسائر الحيوانات، ولهذا قال: { يخلق ~~الله ما يشآء } أي بقدرته، لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ~~ولهذا قال: { إن الله على كل شيء قدير }. ### || [24.46] # يقرر تعالى أنه أنزل في هذا القرآن من الحكم والأمثال البينة المحكمة ~~كثيرا جدا، وأنه يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب والبصائر ~~والنهى، ولهذا قال: { والله يهدي من يشآء إلى صراط ~~مستقيم }. ### || [24.47-52] # يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون ~~قولا بألسنتهم { آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم ~~يتولى فريق منهم من بعد ذلك } أي يخالفون أقوالهم ~~بأعمالهم فيقولون ما لا يفعلون، ولهذا قال تعالى: { ومآ أولئك ~~بالمؤمنين } ، وقوله تعالى: { وإذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم } الآية، أي إذا طلبوا إلى اتباع ~~الهدى فيما أنزل الله على رسوله أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن ~~اتباعه، وهذه كقوله تعالى: # رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا # [النساء: 61]، وفي الطبراني عن سمرة مرفوعا: " من دعي إلى سلطان فلم ~~يجب فهو ظالم لا حق له ". وقوله تعالى: { وإن يكن لهم الحق ~~يأتوا إليه مذعنين } أي وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم ~~جاءوا سامعين مطيعين وهو معنى قوله { مذعنين } وإذا كانت الحكومة ~~عليه أعرض ودعا إلى غير الحق، وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليروج باطله، فإذعانه أولا لم يكن عن اعتقاد منه إن ذلك ms1726 هو ~~الحق، بل لأنه موافق لهواه، ولهذا لما خالف الحق قصده عدل عنه إلى غيره، ~~ولهذا قال تعالى: { أفي قلوبهم مرض } الآية، يعني لا يخرج ~~أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم لها، أو قد عرض لها شك في الدين، أو ~~يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم، وأيا ما كان فهو كفر محض ~~والله عليم بكل منهم، وما هو منطو عليه من هذه الصفات، وقوله تعالى: { ~~بل أولئك هم الظالمون } أي بل هم الظالمون الفاجرون، ~~والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور، تعالى الله ~~ورسوله عن ذلك. # قال الحسن: كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة، فدعي إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو محق أذعن، وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعرض، وقال: أنطلق إلى فلان، فأنزل الله هذه الآية، ثم أخبر تعالى عن صفة ~~المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله الذين لا يبغون دينا سوى كتاب الله ~~وسنة رسوله، فقال: { إنما كان قول المؤمنين إذا ~~دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا } أي سمعا وطاعة، ولهذا وصفهم تعالى ~~بالفلاح وهو نيل المطلوب والسلامة من المرهوب، فقال تعالى: { ~~وأولئك هم المفلحون } ، وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا ~~الدرداء قال: لا إسلام إلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة، والنصيحة ~~لله ولرسوله وللخليفة وللمؤمنين عامة، قال: وقد ذكر لنا أن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه كان يقول: عروة الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام ~~الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين. والأحاديث ~~والآثار في وجوب الطاعة لكتاب الله وسنة رسوله وللخلفاء الراشدين ~~والأئمة إذا أمروا بطاعة الله أكثر من أن تحصر في هذا المكان، وقوله: { ~~ومن يطع الله ورسوله } قال قتادة: فيما أمراه به وترك ما ~~نهياه عنه { ويخش الله } فيما مضى من ذنوبه { ويتقه } فيما ~~يستقبل، وقوله { فأولئك هم الفآئزون } يعني ms1727 الذين فازوا ~~بكل خير وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة. ### || [24.53-54] # يقول تعالى مخبرا عن أهل النفاق الذين كانوا يحلفون للرسول صلى الله ~~عليه وسلم لئن أمرتهم بالخروج في الغزو ليخرجن، قال الله تعالى: { قل ~~لا تقسموا } أي لا تحلفوا، وقوله: { طاعة معروفة } قيل: ~~معناه طاعتكم طاعة معروفة، أي قد علم طاعتكم إنما هي قول لا فعل معه، ~~وكلما حلفتم كذبتم، كما قال تعالى: # يحلفون لكم لترضوا عنهم # [التوبة: 96] الآية. وقال تعالى: # اتخذوا أيمانهم جنة # [المجادلة: 16] الآية، فهم من سجيتهم الكذب حتى فيما يختارونه، كما قال ~~تعالى: # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم ~~لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن ~~قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون # [الحشر: 11]، وقيل المعنى { طاعة معروفة } أي ليكن أمركم طاعة ~~معروفة، أي بالمعروف من غير حلف ولا أقسام، كما يطيع الله ورسوله ~~المؤمنون بغير حلف، فكونوا أنتم مثلهم { إن الله خبير بما ~~تعملون } أي هو خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة ~~وإن راج على المخلوق فالخالق تعالى يعلم السر وأخفى، لا يروج عليه شيء من ~~التدليس، بل هو خبير بضمائر عباده وإن أظهروا خلافها. ثم قال تعالى: { ~~قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } أي اتبعوا كتاب الله ~~وسنة رسوله، وقوله تعالى: { فإن تولوا } أي تتولوا عنه وتتركوا ~~ما جاءكم به { فإنما عليه ما حمل } أي إبلاغ الرسالة وأداء ~~الأمانة، { وعليكم ما حملتم } أي بقبول ذلك وتعظيمه ~~والقيام بمقتضاه، { وإن تطيعوه تهتدوا } وذلك لأنه يدعو إلى ~~صراط مستقيم # صراط الله الذي له ما في السموت وما في الأرض # [الشورى: 53] الآية، وقوله تعالى: { وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين } ، كقوله تعالى: # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40]. ### || [24.55] # هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته ~~خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم ~~العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعله ms1728 ~~تبارك وتعالى وله الحمد والمنة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى فتح ~~الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، ~~وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم ~~وصاحب مصر المقوقس، وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة، ثم قام بالأمر بعده ~~خليفته أبو بكر الصديق، فبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس صحبة (خالد بن ~~الوليد) رضي الله عنه، ففتحوا طرفا منها، وقتلوا خلقا من أهلها، وجيشا ~~آخر صحبة (أبي عبيدة) رضي الله عنه إلى أرض الشام، وثالثا صحبة (عمرو بن ~~العاص) رضي الله عنه إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ~~ودمشق، وتوفاه الله عز وجل واختار له ما عنده من الكرامة، ومن على ~~أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام بالأمر بعده ~~قياما تاما لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال ~~عدله، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها وديار مصر إلى آخرها ~~وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى، وأهانه غاية الهوان، وكسر قيصر وانتزع يده ~~عن بلاد الشام وانحدر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما ~~أخبر بذلك ووعد به رسول الله عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة. ثم لما ~~كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ~~ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص، وبلاد ~~القيروان وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى ~~بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان ~~والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وخذل الله ملكهم ~~الأعظم خاقان، وجبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على ~~حفظ القرآن؛ ولهذا ثبت في " الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي ~~لي منها ms1729 " # فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، فنسأل الله ~~الإيمان به وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا. # روي الإمام مسلم في " صحيحه " # " عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا ~~يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا " ثم تكلم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بكلمة خفيت عني، فسألت أبي ماذا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال، قال: " كلهم من قريش " # ، وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا بد من وجود اثني عشر خليفة عادلا، ~~وليسوا هم بأئمة الشيعة الاثني عشر، فإن كثيرا من أولئك لم يكن لهم من ~~الأمر شيء؛ فأما هؤلاء فإنهم يكونون من قريش يلون فيعدلون، وقد وقعت ~~البشارة بهم في الكتب المتقدمة، ثم لا يشترط أن يكونوا متتابعين، بل يكون ~~وجودهم في الأمة متتابعا ومتفرقا؛ وقد وجد منهم أربعة على الولاء وهم ~~أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، ثم كانت بعدهم فترة؛ ثم ~~وجد منهم من شاء الله، ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله ~~تعالى؛ ومنهم المهدي الذي اسمه يطابق اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكنيته كنيته، يملأ الأرض عدلا وقسطا، كما ملئت جورا وظلما، وقد روي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا عضوضا " # وقال أبو العالية في قوله: { وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~} الآية، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر ~~سنين يدعون إلى الله وحده وإلى عبادته وحده لا شريك له سرا، وهم خائفون ~~لا يؤمرون بالقتال، حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة فقدموها، فأمرهم الله ~~بالقتال، فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فصبروا ~~على ذلك ما شاء الله، ثم إن رجلا من الصحابة قال: يا رسول الله أبد ~~الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا ms1730 يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لن تصبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ~~ليست فيه حديدة " # وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فأمنوا ووضعوا ~~السلاح، ثم إن الله تعالى قبض نبيه صلى الله عليه وسلم فكانوا كذلك آمنين ~~في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، حتى وقعوا فيما وقعوا فيه، فأدخل عليهم ~~الخوف، فاتخذوا الحجزة والشرط وغيروا فغير بهم، وقال البراء بن عازب: ~~نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد، وهذه الآية الكريمة، كقوله تعالى: # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض # [الأنفال: 26] الآية، وقوله تعالى: { كما استخلف الذين من ~~قبلهم } كما قال تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه: # عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في ~~الأرض # [الأعراف: 129] الآية، وقال تعالى: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض # [القصص: 5] الآيتين. # وقوله تعالى: { وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى ~~لهم } الآية، كما # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم حين وفد عليه: " أتعرف ~~الحيرة؟ " قال: لم أعرفها، ولكن قد سمعت بها، قال: " فوالذي نفسي بيده ~~ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت من ~~غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز " قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: " ~~نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد " " # قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار ~~أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن ~~الثالثة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها، وقال الإمام أحمد عن ~~أبي بن كعب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، ~~فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب " # ، وقوله تعالى: { يعبدونني لا يشركون بي شيئا } ، وفي ~~الحديث: # " " يا معاذ بن جبل " قلت: لبيك يا ms1731 رسول الله وسعديك، قال: " هل تدري ما ~~حق الله على العباد؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " حق الله على العباد ~~أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " " # ، وقوله تعالى: { ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم ~~الفاسقون } أي فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك، فقد خرج عن أمر ربه وكفى ~~بذلك ذنبا عظيما، فالصحابة رضي الله عنهم لما كانوا أقوم الناس بأوامر ~~الله عز وجل، وأطوعهم لله كان نصرهم بحسبهم، أظهروا كلمة الله في ~~المشارق والمغارب، وأيدهم تأييدا عظيما، وحكموا سائر العباد والبلاد، ~~ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ظهورهم بحسبهم، ولكن قد ثبت في ~~" الصحيحين " من غير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من ~~خالفهم إلى يوم القيامة " # - وفي رواية # " حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ". ### || [24.56-57] # يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بإقامة الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا ~~شريك له، وإيتاء الزكاة وهي الإحسان إلى المخلوقين ضعفائهم وفقرائهم، وأن ~~يكونوا في ذلك مطيعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما به أمرهم، وترك ~~ما عنه زجرهم، لعل الله يرحمهم بذلك، كما قال تعالى في الآية الأخرى: # أولئك سيرحمهم الله # [التوبة: 71]، وقوله تعالى: { لا تحسبن } أي لا تظن يا محمد أن { ~~الذين كفروا } أي خالفوك وكذبوك { معجزين في الأرض } أي ~~لا يعجزون الله بل الله قادر عليهم، وسيعذبهم على ذلك أشد العذاب ولهذا ~~قال تعالى { ومأواهم } أي في الدار الآخرة { النار ولبئس ~~المصير } أي بئس المآل مآل الكافرين، وبئس القرار وبئس المهاد. ### || [24.58-60] # هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم ~~في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض، فأمر الله تعالى ~~المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا ~~الحلم منهم في ثلاثة أحوال: (الأول) من قبل صلاة الغداة لأن الناس إذ ذاك ~~يكونون نياما في فرشهم، { وحين تضعون ثيبكم من ~~الظهيرة } أي ms1732 في وقت القيلولة، لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك ~~الحال مع أهله، { ومن بعد صلوة العشآء } ، لأنه وقت النوم ~~فيؤمر الخدم والأطفال أن لا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال، لما ~~يخشى من أن يكون الرجل على أهله أو نحو ذلك من الأعمال، ولهذا قال: { ~~ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح ~~بعدهن } أي إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال، فلا جناح عليكم في ~~تمكينكم إياهم، ولا عليهم إن رأوا شيئا في غير تلك الأحوال، ولأنهم ~~طوافون عليكم أي في الخدمة وغير ذلك، ولهذا روى أهل السنن أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال في الهرة: # " إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم - أو الطوافات - " # عن ابن عباس أن رجلين سألاه عن الاستئذان في ثلاث عورات التي أمر الله ~~بها في القرآن؟ فقال ابن عباس: إن الله ستير يحب الستر، كان الناس ليس ~~لهم ستور على أبوابهم، ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ~~ولده أو يتيمه في حجره وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك ~~العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط الله عليهم الرزق ~~فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان ~~الذي أمروا به وقال السدي: كان أناس من الصحابة رضي الله عنهم يحبون أن ~~يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم ~~الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات ~~إلا بإذن، وقال مقاتل بن حيان: بلغنا والله أعلم أن رجلا من الأنصار ~~وامرأته أسماء بنت مرثد صنعا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما، فجعل ~~الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا، إنه ~~ليدخل على المرأة زوجها وهما في ثوب واحد غلامهما بغير إذن، فأنزل الله ~~في ذلك: { يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ~~ملكت أيمنكم } إلى آخرها، ومما يدل على أنها محكمة لم تنسخ ~~قوله: { كذلك يبين الله لكم ms1733 الأيت والله عليم ~~حكيم } ، ثم قال تعالى: { وإذا بلغ الأطفال منكم ~~الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من ~~قبلهم } يعني إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات ~~الثلاث إذا بلغوا الحلم، وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، وإن لم يكن ~~في الأحوال الثلاث. # قال الأوزاعي: إذا كان الغلام رباعيا فإنه يستأذن في العورات الثلاث ~~على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال، وقال في قوله: { كما ~~استأذن الذين من قبلهم } يعني كما استأذن الكبار من ولد ~~الرجل وأقاربه، وقوله: { والقواعد من النسآء } هن اللواتي ~~انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد { اللاتي لا يرجون نكاحا } ~~أي لم يبق لهن تشوف إلى التزوج، { فليس عليهن جناح أن ~~يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة } أي ليس عليهن ~~من الحجر في التستر كما على غيرهن من النساء، قال ابن مسعود في قوله: { ~~فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } قال: الجلباب ~~أو الرداء، وقال أبو صالح: تضع الجلباب وتقوم بين يدي الرجل في الدرع ~~والخمار، وقال سعيد بن جبير في الآية { غير متبرجات بزينة ~~} يقول: لا يتبرجن بوضع الجلباب ليرى ما عليهن من الزينة. عن أم الضياء ~~أنها قالت: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت: يا أم المؤمنين ما تقولين ~~في الخضاب والنفاض والصباغ والقرطين والخلخال وخاتم الذهب وثياب الرقاق؟ ~~فقالت: يا معشر النساء قصتكن كلها واحدة، أحل الله لكن الزينة غير ~~متبرجات، أي لا يحل لكن أن يروا منكن محرما. وقوله: { وأن ~~يستعففن خير لهن } أي وترك وضعهن لثيابهن وإن كان جائزا، ~~خير وأفضل لهن، والله سميع عليم. ### || [24.61] # اختلف المفسرون رحمهم الله في المعنى الذي رفع لأجله الحرج عن الأعمى ~~والأعرج والمريض ههنا، فقال عطاء بن أسلم: يقال إنها نزلت في الجهاد، ~~وجعلوا هذه الآية ههنا كالتي في سورة الفتح وتلك في الجهاد لا محالة، أي ~~إنهم لا إثم عليهم في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم، وكما قال تعالى في سورة ~~براءة: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين ms1734 لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور ~~رحيم # [الآية: 91] وقيل: المراد ههنا أنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى ~~لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات، فربما سبقه غيره إلى ذلك، ولا مع ~~الأعرج لأنه لا يتمكن من الجلوس فيفتات عليه جليسه، والمريض لا يستوفي من ~~الطعام كغيره، فكرهوا أن يؤاكلوهم لئلا يظلموهم، فأنزل الله هذه الآية ~~رخصة في ذلك، وقال الضحاك: كانوا قبل البعثة يتحرجون من الأكل مع هؤلاء ~~تقذرا وتعززا ولئلا يتفضلوا عليهم فأنزل الله هذه الآية. وقال السدي: ~~كان الرجل يدخل بيت أبيه أو أخيه أو ابنه فتتحفه المرأة بشيء من الطعام، ~~فلا يأكل من أجل أن رب البيت ليس ثم، فقال الله تعالى: { ليس على ~~الأعمى حرج } الآية. وقوله تعالى: { ولا على أنفسكم أن ~~تأكلوا من بيوتكم } إنما ذكر هذا وهذا معلوم ليعطف عليه غيره ~~في اللفظ، وليساوي به ما بعده في الحكم، وتضمن هذا بيوت الأبناء لأنه لم ~~ينص عليهم، ولهذا استدل بهذا من ذهب إلى أن مال الولد بمنزلة مال أبيه، ~~وقد جاء في المسند والسنن من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " أنت ومالك لأبيك ". # وقوله تعالى: { أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم } ~~إلى قوله: { أو ما ملكتم مفاتحه } هذا ظاهر، وقد يستدل به ~~من يوجب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، كما هو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد ~~بن حنبل في المشهور عنهما، وأما قوله: { أو ما ملكتم مفاتحه ~~} فقال سعيد بن جبير والسدي: هو خادم الرجل من عبد وقهرمان، فلا بأس أن ~~يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف. وقال الزهري عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: كان المسلمون يذهبون مع النفير مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما ~~احتجتم إليه، فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا أن نأكل، إنهم أذنوا لنا عن ~~غير طيب أنفسهم، وإنما ms1735 نحن أمناء، فأنزل الله: { أو ما ملكتم ~~مفاتحه } ، وقوله: { أو صديقكم } أي بيوت أصدقائكم وأصحابكم ~~فلا جناح عليكم في الأكل منها إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم ولا يكرهون ~~ذلك، وقال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه، وقوله: ~~{ ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } ~~قال ابن عباس: وذلك لما أنزل الله: # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل # [النساء: 29]، قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا ~~بالباطل والطعام هو أفضل من الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، ~~فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله: { ليس على الأعمى حرج } إلى ~~قوله { أو صديقكم } ، وكانوا أيضا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل ~~الطعام وحده حتى يكون معه غيره فرخص الله لهم في ذلك، فقال: { ليس ~~عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } ، وقال ~~قتادة: كان هذا الحي من (بني كنانة) يرى أحدهم أن مخزاة عليه أن يأكل ~~وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد ~~من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله: { ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا جميعا أو أشتاتا } فهذه رخصة من الله تعالى في أن ~~يأكل الرجل وحده ومع الجماعة، وإن كان الأكل مع الجماعة أبرك وأفضل، كما ~~روي # " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نأكل ولا نشبع، قال: " ~~لعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم ~~فيه " # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كلوا جميعا ولا تفرقوا، فإن البركة مع الجماعة ". # وقوله تعالى: { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ~~أنفسكم } يعني فليسلم بعضكم على بعض، وقال جابر بن عبد الله إذا ~~دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله طيبة مباركة، قال ابن جريج: ~~قلت لعطاء: أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم؟ قال: لا، ولا أوثر ~~وجوبه عن أحد، ولكن هو أحب إلي، وقال قتادة: إذا دخلت على أهلك فسلم ms1736 ~~عليهم، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين، فإنه كان يؤمر بذلك، وحدثنا أن الملائكة ترد عليه، وقال أنس بن ~~مالك: أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم بخمس خصال، قال: # " يا أنس أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وسلم على من لقيك من أمتي تكثر ~~حسناتك، وإذا دخلت - يعني بيتك - فسلم على أهلك يكثر خير بيتك، وصل صلاة ~~الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك، يا أنس ارحم الصغير، ووقر الكبير تكن ~~من رفقائي يوم القيامة " # وقوله: { تحية من عند الله مباركة طيبة }. عن ~~ابن عباس أنه كان يقول: ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله، سمعت الله ~~يقول: { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ~~تحية من عند الله مباركة طيبة } فالتشهد في ~~الصلاة: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، وقوله: { كذلك ~~يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون } لما ذكر ~~تعالى ما في هذه السور الكريمة من الأحكام المحكمة والشرائع المتقنة ~~المبرمة، نبه تعالى عباده على أنه يبين لعباده الآيات بيانا شافيا ~~ليتدبروها ويتعقلوها لعلهم يعقلون. ### || [24.62] # وهذا أيضا أدب أرشده الله عباده المؤمنين، فكما أمرهم بالاستئذان عند ~~الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف، لا سيما إذا كانوا في أمر ~~جامع مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه، من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو ~~اجتماع في مشورة ونحو ذلك، أمرهم الله تعالى أن لا يتفرقوا عنه والحالة ~~هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته، ثم أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه ~~إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء الله، ولهذا قال: { ~~فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم } الآية، وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست ~~الأولى بأحق من الآخرة ". ### || [24.63] # قال ابن عباس: كانوا يقولون يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز ~~وجل عن ذلك إعظاما لنبيه صلى الله عليه وسلم، قال: فقولوا يا نبي ~~الله، يا رسول الله، وقال قتادة: أمر الله ms1737 أن يهاب نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وأن يبجل وأن يعظم وأن يسود، وقال مقاتل في قوله: { لا ~~تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا ~~} يقول: لا تسموه إذا دعوتموه يا محمد، ولا تقولوا: يا ابن عبد الله، ~~ولكن شرفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهذا كقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون # [الحجرات: 2]، فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي صلى الله عليه ~~وسلم والكلام معه وعنده، كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته، والقول ~~الثاني في ذلك أن المعنى في: { لا تجعلوا دعآء الرسول ~~بينكم كدعآء بعضكم بعضا } أي لا تعتقدوا أن دعاءه على ~~غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا، حكاه ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن البصري، والأول أظهر، والله أعلم. # وقوله تعالى: { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم ~~لواذا } قال مقاتل: هم المنافقون كان يثقل عليهم الحديث في يوم ~~الجمعة، فيلوذون ببعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، حتى يخرجوا من ~~المسجد، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشار بأصبعه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل، وقال السدي: كانوا إذا كانوا معه ~~في جماعة لاذ بعضهم ببعض حتى يتغيبوا عنه فلا يراهم، وقال قتادة في قوله ~~{ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا } ~~يعني لواذا عن نبي الله وعن كتابه، وقال سفيان { قد يعلم الله ~~الذين يتسللون منكم لواذا } قال: من الصف، وقال مجاهد ~~في الآية: { لواذا } خلافا، وقوله: { فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره } أي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~سبيله منهجه وطريقته وسنته وشريعته، كما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # ، أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنا وظاهرا { أن ~~تصيبهم فتنة } أي في قلوبهم ms1738 من كفر أو نفاق أو بدعة { أو ~~يصيبهم عذاب أليم } أي في الدنيا بقتل أو حد أو حبس و نحو ~~ذلك، كما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش ~~وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ~~فيقتحمن فيها، قال: فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن ~~النار، فتغلبوني وتتقحمون فيها ". ### || [24.64] # يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة وهو ~~عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم فقال: { قد يعلم مآ ~~أنتم عليه } ، وقد للتحقيق، كما قال قبلها # قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا # [النور: 63]، وقال تعالى: # قد يعلم الله المعوقين منكم # [الأحزاب: 18] الآية، فكل هذه الآيات فيها تحقيق الفعل بقد، فقوله ~~تعالى: { قد يعلم مآ أنتم عليه } أي هو عالم به مشاهد له ~~لا يعزب عنه مثقال ذرة، كما قال تعالى: # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ~~في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين # [يونس: 61]، وقال تعالى: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # [الرعد: 33] أي هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر، وقال ~~تعالى: # سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به # [الرعد: 10] الآية. والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا. وقوله: { ~~ويوم يرجعون إليه } أي ويوم يرجع الخلائق إلى الله يوم ~~القيامة { فينبئهم بما عملوا } أي يخبرهم بما فعلوا في ~~الدنيا من جليل وحقير وصغير وكبير، كما قال تعالى: # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13]، وقال: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]، ولهذا ms1739 قال ههنا: { ويوم يرجعون إليه ~~فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم } ~~والحمد لله رب العالمين. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-2] # يقول تعالى حامدا لنفسه الكريمة على ما نزله على رسوله الكريم من ~~القرآن العظيم، كما قال تعالى: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب # [الكهف: 1]، وقال ههنا: { تبارك } وهو تفاعل من البركة المستقرة ~~الثابتة الدائمة، { الذي نزل الفرقان } نزل فعل من التكرر ~~والتكثر، كقوله: # والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي ~~أنزل من قبل # [النساء: 136] لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة، والقرآن نزل ~~منجما مفرقا مفصلا آيات بعد آيات، وأحكاما بعد أحكام، وسورا بعد ~~سور، وهذا أشد وأبلغ وأشد اعتناء بمن أنزل عليه، كما قال في هذه السورة: # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا # [الفرقان: 32] ولهذا سماه ههنا الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل، ~~والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام، وقوله: { على ~~عبده } هذه صفة مدح وثناء، لأنه أضافه إلى عبوديته، كما وصفه بها في ~~أشرف أحواله وهي ليلة الإسراء فقال: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1]، وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه # وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون ~~عليه لبدا # [الجن: 19]، وقوله: { ليكون للعالمين نذيرا } أي إنما خصه ~~بهذا الكتاب المفصل العظيم المبين المحكم الذي # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 42] الذي جعله فرقانا عظيما ليخصه بالرسالة إلى من يستظل ~~بالخضراء ويستقل على الغبراء، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " بعثت إلى الأحمر والأسود " # ، وقال: # " وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " # ، كما قال تعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158] الآية، وهكذا قال ههنا: { الذي له ملك ~~السموت والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له ~~شريك في الملك } ونزه نفسه عن الولد وعن الشريك، ثم أخبر أنه { ~~وخلق كل شيء فقدره تقديرا } أي كل شيء مما سواه ~~مخلوق مربوب، وهو خالق ms1740 كل شيء وربه، ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت قهره ~~وتدبيره وتسخيره وتقديره. ### || [25.3] # يخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، الخالق لكل ~~شيء المالك لأزمة الأمور الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومع هذا ~~عبدوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون لا ~~يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فكيف يملكون لعابديهم؟ { ولا ~~يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا } أي ليس لهم من ذلك ~~شيء بل ذلك كله مرجعه إلى الله عز وجل الذي هو يحيي ويميت، وهو الذي ~~يعيد الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم، # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28]، كقوله: # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر: 50]، وقوله: # فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة # [النازعات: 13-14] # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون # [يس: 53] فهو الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه ولا تنبغي العبادة ~~إلا له، وهو الذي لا ولد له ولا والد، ولا عديل ولا بديل ولا وزير ولا ~~نظير بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ### || [25.4-6] # يقول تعالى مخبرا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار في قولهم عن القرآن { ~~إن هذا إلا إفك } أي كذب { افتراه } يعنون النبي صلى ~~الله عليه وسلم { وأعانه عليه قوم آخرون } أي واستعان على ~~جمعه بقوم آخرين، فقال الله تعالى: { فقد جآءوا ظلما وزورا } ~~أي فقد افتروا هم قولا باطلا وهم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم ~~فيما زعموه، { وقالوا أساطير الأولين اكتتبها } يعنون ~~كتب الأوائل أي استنسخها { فهي تملى عليه } أي تقرأ عليه { ~~بكرة وأصيلا } أي أول النهار وآخره، وهذا الكلام لسخافته وكذبه ~~كل أحد يعلم بطلانه، فإنه قد علم بالتواتر أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن يعاني شيئا من الكتابة، لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين ~~أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوا ms1741 من أربعين سنة، وهم يعرفون ~~مدخله، ومخرجه، وصدقه ونزاهته وبره وأمانته، حتى إنهم كانوا يسمونه في ~~صغره، وإلى أن بعث: (الأمين) لما يعلمون من صدقه وبره، فلما أكرمه الله ~~بما أكرمه به، نصبوا له العداوة، ورموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل ~~براءته منها، وحاروا فيما يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون ساحر، وتارة ~~يقولون شاعر، وتارة يقولون مجنون، وتارة يقولون كذاب، وقال الله تعالى: # انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا # [الإسراء: 48]. وقال تعالى في جواب ما عاندوا ههنا وافتروا: { قل ~~أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض } ~~الآية: أي أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين { الذي ~~يعلم السر } ، أي الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ~~السرائر كعلمه بالظواهر، وقوله تعالى: { إنه كان غفورا ~~رحيما } ، دعاء لهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار لهم بأن رحمته واسعة ~~وأن حمله عظيم، مع أن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم ~~وفجورهم وبهتانهم، يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيه إلى الإسلام ~~والهدى، كما قال تعالى: # أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله ~~غفور رحيم # [المائدة: 74]، وقال تعالى: # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم ~~يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق # [البروج: 10]. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا ~~أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة. ### || [25.7-14] # يخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم، وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل ~~منهم، وإنما تعللوا بقولهم: { مال هذا الرسول يأكل ~~الطعام } يعنون كما نأكله، ويحتاج إليه كما نحتاج إليه { ويمشي ~~في الأسواق } أي يتردد فيها وإليها طلبا للتكسب والتجارة { لولا ~~أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } يقولون: هلا أنزل ~~إليه ملك من عند الله فيكون له شاهدا على صدق ما يدعيه؟ وهذا كما قال ~~فرعون: # فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جآء معه ~~الملائكة مقترنين # [الزخرف: 53] وكذلك قال هؤلاء على السواء تشابهت قلوبهم، ولهذا قالوا { ~~أو يلقى إليه كنز } أي علم كنز ينفق منه { أو تكون ~~له جنة ms1742 يأكل منها } أي تسير معه حيث سار، وهذا كله سهل يسير ~~على الله ولكن له الحكمة في ترك ذلك، وله الحجة البالغة، { وقال ~~الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } ، قال الله ~~تعالى: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا } أي ~~جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك، من قولهم ساحر، مجنون، كذاب، ~~شاعر؛ وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم ~~وافتراءهم في ذلك، ولهذا قال: { فضلوا } عن طريق الهدى { فلا ~~يستطيعون سبيلا } ، وذلك أن كل من خرج عن الحق وطريق الهدى فإنه ~~ضال حيثما توجه، لأن الحق واحد ومنهجه متحد يصدق بعضه بعضا؛ ثم قال ~~تعالى مخبرا نبيه أنه إن شاء لآتاه خيرا مما يقولون في الدنيا وأفضل ~~وأحسن، فقال: { تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ~~ذلك } الآية قال مجاهد: يعني في الدنيا، قال: وقريش يسمون كل بيت من ~~حجارة قصرا، كبيرا كان أو صغيرا. قال سفيان الثوري عن خيثمة قيل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعطه ~~نبيا قبلك، ولا نعطي أحدا من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله. ~~فقال: " اجمعوها لي في الآخرة " ، فأنزل الله عز وجل في ذلك { ~~تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك } الآية. # وقوله تعالى: { بل كذبوا بالساعة } أي إنما يقول هؤلاء هكذا ~~تكذيبا وعنادا، لا أنهم يطلبون ذلك تبصرا واسترشادا، بل تكذيبهم بيوم ~~القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال، { وأعتدنا } أي ~~أرصدنا { لمن كذب بالساعة سعيرا } أي عذابا أليما حارا ~~لا يطاق في نار جهنم، وقوله: { إذا رأتهم } أي جهنم { من ~~مكان بعيد } يعني في مقام المحشر، فقال السدي: من مسيرة مائة عام ~~{ سمعوا لها تغيظا وزفيرا } أي حنقا عليهم، كما قال ~~تعالى: # إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور * ~~تكاد تميز من الغيظ # [الملك: 7-8] أي يكاد ينفصل بعضها من بعض من شدة غيظها على من كفر ~~بالله. عن أبي ms1743 وائل قال: خرجنا مع عبد الله بن مسعود ومعنا الربيع بن ~~خيثم، فمروا على حداد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار، وينظر ~~الربيع بن خيثم إليها، فتمايل الربيع ليسقط، فمر عبد الله على أتون على ~~شاطئ الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية: { ~~إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا } فصعق، يعني الربيع، وحملوه إلى أهل بيته، فرابطه عبد الله ~~إلى الظهر، فلم يفق رضي الله عنه. وعن مجاهد بإسناده إلى ابن عباس قال: ~~إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض فيقول لها الرحمن: ~~مالك؟ قالت: إنه يستجير مني فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى ~~النار فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك فيقول: فما كان ظنك؟ فيقول: أن ~~تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه ~~النار شهقة البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. وقال ~~عبيد بن عمير في قوله: { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } قال: ~~إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه، ~~ترتعد فرائصه، حتى إن إبراهيم عليه السلام ليجثو على ركبتيه، ويقول: رب ~~لا أسألك اليوم إلا نفسي، وقوله: { وإذآ ألقوا منها مكانا ~~ضيقا مقرنين } قال قتادة: مثل الزج في الرمح أي من ضيقه، وسئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: { وإذآ ألقوا منها ~~مكانا ضيقا مقرنين } قال: # " والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط ~~" # وقوله: { مقرنين } يعني مكتفين { دعوا هنالك ثبورا } ~~أي بالويل والحسرة والخيبة، { لا تدعوا اليوم ثبورا ~~واحدا } الآية. روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " " أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من ~~خلفه، وذريته من بعده، وهو ينادي: يا ثبوراه، وينادون: يا ثبورهم، حتى ~~يقفوا على النار، فيقول: يا ثبوراه، ويقولون: يا ثبورهم، فيقال ms1744 لهم: { ~~لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا ~~كثيرا } " # عن ابن عباس: أي لا تدعوا اليوم ويلا واحدا وادعوا ويلا كثيرا، وقال ~~الضحاك: الثبور الهلاك، والأظهر أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخسار ~~والدمار، كما قال موسى لفرعون: # وإني لأظنك يفرعون مثبورا # [الإسراء: 102] أي هالكا. ### || [25.15-16] # يقول تعالى: يا محمد هذا الذي وصفناه لك من حال الأشقياء، الذين يحشرون ~~على وجوههم إلى جهنم، فتلقاهم بوجه عبوس وتغيظ وزفير، ويلقون في أماكنها ~~الضيقة مقرنين، لا يستطيعون حراكا ولا استنصارا ولا فكاكا مما هم فيه، ~~أهذ خير أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين من عباده، التي أعدها لهم ~~جزاء ومصيرا على ما أطاعوه في الدنيا وجعل مآلهم إليها؟! { لهم ~~فيها ما يشآءون } من الملاذ من مآكل ومشارب، وملابس ومساكن، ~~ومراكب ومناظر وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~أحد، وهم في ذلك خالدون أبدا دائما سرمدا، بلا انقطاع ولا زوال ولا ~~انقضاء، ولا يبغون عنها حولا، وهذا من وعد الله الذي تفضل به عليهم ~~وأحسن به إليهم، ولهذا قال: { كان على ربك وعدا مسئولا ~~} أي لا بد أن يقع وأن يكون، أي وعدا واجبا، وقال محمد بن كعب القرظي: ~~إن الملائكة تسأل لهم ذلك # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم # [غافر: 8]، وقال أبو حازم: إذا كان يوم القيامة قال المؤمنون: ربنا ~~عملنا لك بالذي أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا، فذلك قوله: { وعدا ~~مسئولا } وهذا المقام في هذه السورة كما ذكر تعالى في سورة الصافات ~~حال أهل الجنة وما فيها من النضرة والحبور؛ ثم قال # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم * إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين # [الصافات: 62-63] الآيات. ### || [25.17-19] # يقول تعالى مخبرا عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من ~~عبدوا من دون الله من الملائكة وغيرهم فقال: { ويوم يحشرهم ~~وما يعبدون من دون الله } ، قال مجاهد: هو عيسى والعزير. ~~والملائكة، { فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } ~~الآية، أي فيقول تبارك وتعالى للمعبودين: أأنتم دعوتم هؤلاء ms1745 إلى عبادتكم ~~من دوني، أم هم عبدوكم من تلقاء أنفسهم من غير دعوة منكم لهم؟ كما قال ~~الله تعالى: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق # [المائدة: 116] الآية. ولهذا قال تعالى مخبرا عما يجيب به المعبودون ~~يوم القيامة: { قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن ~~نتخذ من دونك من أوليآء } ، أي ليس للخلائق كلهم أن ~~يعبدوا أحدا سواك لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك بل هم فعلوا ~~ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا، ونحن برآء منهم ومن ~~عبادتهم، { ولكن متعتهم وآبآءهم } أي طال عليهم العمر ~~حتى نسوا الذكر، أي نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى ~~عبادتك وحدك لا شريك لك، { وكانوا قوما بورا } قال ابن عباس: أي ~~هلكى، وقال الحسن البصري: أي لا خير فيهم. قال الله تعالى: { فقد ~~كذبوكم بما تقولون } أي فقد كذبكم الذين عبدتم من دون الله، ~~فيما زعمتم أنهم لكم أولياء وأنهم يقربونكم إلى الله زلفى كقوله تعالى: # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6]. وقوله: { فما تستطيعون صرفا ولا نصرا } ~~أي لا يقدرون على صرف العذاب عنهم ولا الانتصار لأنفسهم، { ومن يظلم ~~منكم } أي يشرك بالله { نذقه عذابا كبيرا }. ### || [25.20] # يقول تعالى مخبرا عن جميع من بعثه من الرسل المتقدمين أنهم كانوا ~~يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمناف ~~لحالهم ومنصبهم، فإن الله تعالى جعل لهم من السمات الحسنة، والصفات ~~الجميلة، والأقوال الفاضلة، والأعمال الكاملة، والخوارق الباهرة، ما ~~يستدل به كل ذي لب سليم على صدق ما جاءوا به من الله، ونظير هذه الآية ~~الكريمة قوله تعالى: # وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام # [الأنبياء: 8] الآية، وقوله تعالى: { وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة أتصبرون }؟ أي اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض ~~لنعلم من يطيع ممن يعصي، ولهذا قال { أتصبرون وكان ربك ~~بصيرا ms1746 } أي بمن يستحق أن يوحى إليه، كما قال تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124] ومن يستحق أن يهديه الله ومن لا يستحق ذلك، وقال محمد بن ~~إسحاق في قوله: { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ~~أتصبرون }؟ قال: يقول الله: لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا ~~يخالفون لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم وأبتليكم بهم، وفي " ~~صحيح مسلم ": # " يقول الله تعالى إني مبتليك ومبتل بك " # ، وفي الصحيح أنه عليه أفضل الصلاة والسلام خير بين أن يكون نبيا ~~ملكا أو عبدا رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولا. ### || [25.21-24] # يقول تعالى مخبرا عن تعنت الكفار في كفرهم وعنادهم في قولهم: { لولا ~~أنزل علينا الملائكة } أي بالرسالة كما تنزل على الأنبياء، ~~كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى # قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل ~~الله # [الأنعام: 124]، ويحتمل أن يكون مرادهم ههنا { لولا أنزل ~~علينا الملائكة } فنراهم عيانا فيخبرونا أن محمدا رسول الله، ~~كقولهم # أو تأتي بالله والملائكة قبيلا # [الإسراء: 92]، ولهذا قالوا { أو نرى ربنا } ، ولهذا قال الله ~~تعالى: { لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا ~~كبيرا } ، وقوله تعالى: { يوم يرون الملائكة لا ~~بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا ~~} أي هم يوم يرونهم بشرى يومئذ لهم، وذلك يصدق على وقت الاحتضار، حين ~~تبشرهم الملائكة بالنار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه: أخرجي ~~أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، أخرجي إلى سموم وحميم وظل من ~~يحموم، فتأبى الخروج وتتفرق في البدن فيضربونه، كما قال الله تعالى: # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم # [الأنفال: 50] الآية. وقال تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم # [الأنعام: 93] أي بالضرب، ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: { يوم ~~يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين } ~~وهذا بخلاف حال المؤمنين حال احتضارهم فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول ~~المسرات، قال الله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30]، وفي ms1747 " الصحيح " عن البراء بن عازب: إن الملائكة تقول لروح ~~المؤمن: أخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب إن كنت تعمرينه، أخرجي ~~إلى روح وريحان ورب غير غضبان، وقال آخرون: بل المراد بقوله { يوم ~~يرون الملائكة لا بشرى } يعني يوم القيامة، قاله مجاهد ~~والضحاك وغيرهما، ولا منافاة بين هذا وما تقدم، فإن الملائكة في هذين ~~اليومين - يوم الممات ويوم المعاد - تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر ~~المؤمنين بالرحمة والرضوان وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران، فلا بشرى ~~يومئذ للمجرمين { ويقولون حجرا محجورا } أي وتقول الملائكة ~~للكافرين: حرام محرم عليكم الفلاح اليوم، وأصل الحجر المنع، ومنه يقال: ~~حجر القاضي على فلان إذا منعه التصرف، إما لسفه أو صغر أو نحو ذلك؛ ~~ومنه يقال للعقل (حجر) لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي ما لا يليق، والغرض أن ~~الضمير في قوله: { ويقولون } عائد على الملائكة، هذا قول مجاهد ~~وعكرمة والضحاك واختاره ابن جرير. # وقوله تعالى: { وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل } الآية، ~~هذا يوم القيامة حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من الخير والشر، ~~فأخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم ~~شيء، وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع ~~الله، فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل، ولهذا قال ~~تعالى: { وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هبآء منثورا } ، عن علي رضي الله عنه في قوله { هبآء ~~منثورا } قال: شعاع الشمس إذا دخل الكوة وكذا قال الحسن البصري: هو ~~الشعاع في كوة أحدكم ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع، وقال ابن عباس { ~~هبآء منثورا } قال: هو الماء المهراق، قال قتادة: أما رأيت يبس ~~الشجر إذا ذرته الريح؟ فهو ذلك الورق. # وروى عبد الله بن وهب عن عبيد بن يعلى قال: إن الهباء الرماد إذا ذرته ~~الريح، وحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا ~~أعمالا اعتقدوا أنها على شيء فلما عرضت على الملك الحكم العدل الذي لا ~~يجور ولا يظلم أحدا إذا بها ms1748 لا شيء بالكلية، وشبهت في ذلك بالشيء التافه ~~الحقير المتفرق، الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية، كما قال تعالى: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح # [إبراهيم: 18] الآية، وقال تعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا # [النور: 39]. # وقوله تعالى: { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا ~~وأحسن مقيلا } أي يوم القيامة # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب ~~الجنة هم الفآئزون # [الحشر: 20] وذلك أن أهل الجنة يصيرون إلى الدرجات العاليات، والغرفات ~~الآمنات، فهم في مقام أمين حسن المنظر طيب المقام # خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 76] وأهل النار يصيرون إلى الدركات السافلات، وأنواع العذاب ~~والعقوبات # إنها سآءت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 66] أي بئس المنزل منظرا وبئس المقيل مقاما، ولهذا قال ~~تعالى: { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا ~~وأحسن مقيلا } أي بما عملوه من الأعمال المتقبلة نالوا ما نالوا ~~وصاروا إلى ما صاروا إليه بخلاف أهل النار، فإنهم ليس لهم عمل واحد يقتضي ~~دخول الجنة لهم والنجاة من النار، فنبه تعالى بحال السعداء على حال ~~الأشقياء وأنه لا خير عندهم بالكلية، فقال تعالى: { أصحاب الجنة ~~يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } ، قال ابن عباس: ~~إنما هي ساعة فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء ~~الله مع الشياطين مقرنين، وقال سعيد بن جبير: يفرغ الله من الحساب نصف ~~النهار فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، قال الله تعالى: { ~~أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا } ، قال قتادة: أي مأوى ومنزلا. وقال ابن جرير عن سعيد الصواف: ~~أنه بلغه أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى ~~غروب الشمس، وإنهم يتقلبون في رياض الجنة، حتى يفرغ من الناس، وذلك قوله ~~تعالى: { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا ~~وأحسن مقيلا }. ### || [25.25-29] # يخبر تعالى عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظيمة، فمنها ~~انشقاق السماء وتفطرها، وانفراجها بالغمام وهو ظلل النور العظيم الذي ~~يبهر الأبصار، ونزول ملائكة ms1749 السماوات يومئذ، فيحيطون بالخلائق في مقام ~~المحشر. ثم يجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء، قال مجاهد: وهذا كما قال ~~تعالى: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة # [البقرة: 210] الآية. قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية، أربعة منهم ~~يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك. لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة منهم ~~يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. # وقوله تعالى: { الملك يومئذ الحق للرحمن } الآية. ~~كما قال تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] وفي " الصحيح ": أن الله تعالى يطوي السماوات بيمينه. ويأخذ ~~الأرضين بيده الأخرى ثم يقول: أنا الملك، أنا الديان، أين ملوك الأرض؟ ~~أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟. وقوله: { وكان يوما على ~~الكافرين عسيرا } أي شديدا صعبا لأنه يوم عدل وقضاء فصل. كما ~~قال تعالى: # فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير ~~يسير # [المدثر: 9-10] فهذا حال الكافرين في هذا اليوم. وأما المؤمنون فكما قال ~~تعالى: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103] الآية، وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال، قيل: ~~يا رسول الله # يوم كان مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4] ما أطول هذا اليوم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة ~~مكتوبة يصليها في الدنيا " # وقوله تعالى: { ويوم يعض الظالم على يديه } الآية، ~~يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ~~جاء من عند الله من الحق المبين الذي لا مرية فيه، وسلك طريقا أخرى غير ~~سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم، وعض على يديه ~~حسرة وأسفا، وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن معيط، أو غيره من ~~الأشقياء، فإنها عامة في كل ظالم كما قال تعالى: # يوم تقلب وجوههم في النار # [الأحزاب: 66] الآيتين، فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويعض على ~~يديه قائلا { يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * ~~يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } يعني ms1750 من ~~صرفه عن الهدى وعدل به إلى طريق الضلال من دعاة الضلالة، وسواء في ذلك ~~(أمية بن خلف) أو أخوه (أبي بن خلف) أو غيرهما { لقد أضلني ~~عن الذكر } وهو القرآن { بعد إذ جآءني } أي بعد بلوغه ~~إلي قال الله تعالى: { وكان الشيطان للإنسان خذولا } ~~أي يخذله عن الحق ويصرفه عنه ويستعمله في الباطل ويدعوه إليه. ### || [25.30-31] # يقول تعالى مخبرا عن رسوله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: { ~~يرب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا } ، ~~وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه، كما قال تعالى: # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه # [فصلت: 26] الآية، فكانوا إذا تلي عليهم القرآن، أكثروا اللغط والكلام ~~حتى لا يسمعونه؛ فهذا من هجرانه، وترك الإيمان به من هجرانه، وترك تدبره ~~وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر ~~أو قول، أو غناء أو لهو من هجرانه. وقوله تعالى: { وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين } أي كما حصل ~~لك يا محمد في قومك من الذين هجروا القرآن، كذلك كان في الأمم الماضين، ~~لأن الله جعل لكل نبي عدوا من المجرمين، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم، ~~كما قال تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن # [الأنعام: 112] الآية، ولهذا قال تعالى ههنا: { وكفى بربك ~~هاديا ونصيرا } أي لمن اتبع رسوله وآمن بكتابه وصدقه واتبعه، فإن ~~الله هاديه وناصره في الدنيا والآخرة. ### || [25.32-34] # يقول تعالى مخبرا عن كثرة اعتراض الكفار وتعنتهم وكلامهم فيما لا ~~يعنيهم حيث قالوا: { لولا نزل عليه القرآن جملة ~~واحدة } أي هلا أنزل عليه هذا الكتاب الذي أوحي إليه جملة واحدة، كما ~~نزلت الكتب قبله جملة واحدة كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب ~~الإلهية؟ فأجابهم الله تعالى عن ذلك بأنه إنما نزل منجما في ثلاث وعشرين ~~سنة بحسب الوقائع والحوادث وما يحتاج إليه من الأحكام ليثبت قلوب ~~المؤمنين به كقوله: # وقرآنا فرقناه # [الإسراء: 106] الآية، ولهذا قال: { لنثبت به فؤادك ~~ورتلناه ترتيلا ms1751 } ، وقال قتادة: بيناه تبيينا، وقال ابن زيد: ~~وفسرناه تفسيرا { ولا يأتونك بمثل } أي بحجة وشبهة { إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } أي: ولا يقولون قولا ~~يعارضون به الحق إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح ~~وأفصح من مقالتهم، قال ابن عباس: { ولا يأتونك بمثل } أي بما ~~يلتمسون به عيب القرآن والرسول { إلا جئناك بالحق } أي: إلا ~~نزل جبريل من الله تعالى بجوابهم، وما هذا إلا اعتناء وكبير شرف للرسول ~~صلى الله عليه وسلم، حيث كان يأتيه الوحي من الله عز وجل بالقرآن ~~صباحا ومساء، سفرا وحضرا، لا كإنزال ما قبله من الكتب المتقدمة؛ فهذا ~~المقام أعلى وأجل وأعظم مكانة من سائر إخوانه الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين؛ فالقرآن أشرف كتاب أنزله الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~أعظم نبي أرسله الله تعالى، وقد جمع القرآن للقرآن الصفتين معا: ففي ~~الملأ الأعلى أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء ~~الدنيا؛ ثم أنزل بعد ذلك إلى الأرض منجما بحسب الوقائع والحوادث. روي عن ~~ابن عباس أنه قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة ~~القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، قال الله تعالى: { ولا ~~يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ~~} ، وقال تعالى: # وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ~~ونزلناه تنزيلا # [الإسراء: 106]. # ثم قال تعالى مخبرا عن سوء حال الكفار في معادهم يوم القيامة، وحشرهم ~~إلى جهنم في أسوأ الحالات وأقبح الصفات. { الذين يحشرون على ~~وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل ~~سبيلا } ، وفي الصحيح عن أنس، أن رجلا قال: يا رسول الله! كيف يحشر ~~الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: # " إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ". ### || [25.35-40] # يقول تعالى متوعدا من كذب رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم من ~~مشركي قومه ومحذرهم من عقابه وأليم عذابه، مما أحله بالأمم الماضية ~~المكذبين لرسله؛ فبدأ بذكر موسى وأنه بعثه وجعل معه أخاه هارون وزيرا ms1752 أي ~~نبيا موازرا ومؤيدا وناصرا، فكذبهما فرعون وجنوده ف # دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها # [محمد: 10]، وكذلك فعل بقوم نوح حين كذبوا رسوله نوحا عليه السلام، ~~ولهذا قال تعالى: { وقوم نوح لما كذبوا الرسل } ولم ~~يبعث إليهم إلا نوح فقط، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم ~~إلى الله عز وجل ويحذرهم نقمه # ومآ آمن معه إلا قليل # [هود: 40]، ولهذا أغرقهم الله جميعا ولم يبق منهم أحدا، ولم يترك من ~~بني آدم على وجه الأرض سوى أصحاب السفينة فقط، { وجعلناهم ~~للناس آية } أي عبرة يعتبرون بها، كما قال تعالى: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية * ~~لنجعلها لكم تذكرة وتعيهآ أذن واعية # [الحاقة: 11-12] أي وأبقينا لكم من السفن ما تركبون في لجج البحار، ~~لتذكروا نعمة الله عليكم من إنجائكم من الغرق. وقوله تعالى: { وعادا ~~وثمودا وأصحاب الرس } قد تقدم الكلام على قصتيهما في غير ~~ما سورة كسورة الأعراف بما أغنى عن الإعادة، وأما أصحاب الرس فقال ابن ~~عباس: هم أهل قرية من قرى ثمود، وقال عكرمة: أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب ~~يس، وقال قتادة: فلج من قرى اليمامة، وعن عكرمة: الرس بئر رسوا فيها ~~نبيهم، أي دفنوه فيها. # وقوله تعالى: { وقرونا بين ذلك كثيرا } أي وأمما - أضعاف ~~من ذكر أهلكناهم - كثيرة، ولهذا قال: { وكلا ضربنا له ~~الأمثال } أي بينا لهم الحجج، ووضحنا لهم الأدلة، وأزحنا الأعذار ~~عنهم، { وكلا تبرنا تتبيرا } أي أهلكنا إهلاكا، كقوله ~~تعالى: # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح # [الإسراء: 17]، والقرن هو الأمة من الناس، كقوله: # ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين # [المؤمنون: 42]، وحده بعضهم بمائة، وقيل بثمانين، والأظهر أن القرآن ~~هو الأمة المتعاصرون في الزمن الواحد، وإذا ذهبوا وخلفهم جيل فهو قرن ~~آخر، كما ثبت " الصحيحين ": # " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " # الحديث. { ولقد أتوا على القرية التي أمطرت ~~مطر السوء } يعني قرية قوم لوط وهي (سدوم) التي أهلكها الله ~~بالقلب وبالمطر من الحجارة التي من سجيل، كما قال تعالى: # وأمطرنا ms1753 عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين # [الشعراء: 173]، وقال: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]، وقال تعالى: # وإنها لبسبيل مقيم # [الحجر: 76]، وقال: # وإنهما لبإمام مبين # [الحجر: 79]، ولهذا قال: { أفلم يكونوا يرونها }؟ أي ~~فيعتبروا بما حل بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم بالرسول ~~وبمخالفتهم أوامر الله، { بل كانوا لا يرجون نشورا } يعني ~~المارين بها من الكفار لا يعتبرون، لأنهم { لا يرجون نشورا } أي ~~معادا يوم القيامة. ### || [25.41-44] # يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأوه، ~~كما قال تعالى: # وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا # [الأنبياء: 36] الآية، يعنونه بالعيب والنقص، وقال ههنا: { وإذا ~~رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث ~~الله رسولا }؟ أي على سبيل التنقص والإزدراء، وقوله تعالى: { إن ~~كاد ليضلنا عن آلهتنا } يعنون أنه كاد يثنيهم عن عبادة ~~الأصنام، لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا عليها، قال الله تعالى متوعدا ~~لهم ومتهددا: { وسوف يعلمون حين يرون العذاب } ~~الآية، ثم قال تعالى لنبيه منبها: أن من كتب الله عليه الشقاوة ~~والضلال فإنه لا يهديه أحد إلا الله عز وجل، { أرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه } أي مهما استحسن من شيء ورآه حسنا في هوى ~~نفسه كان دينه ومذهبه، كما قال تعالى: # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله ~~يضل من يشآء # [فاطر: 8] الآية، ولهذا قال ههنا: { أفأنت تكون عليه ~~وكيلا }؟ قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض ~~زمانا فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول، ثم قال تعالى: { ~~أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون }؟ ~~الآية، أي هم أسوأ حالا من الأنعام السارحة، فإن تلك تفعل ما خلقت له، ~~وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده، وهم يعبدون غيره ويشركون به، مع قيام ~~الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم. ### || [25.45-47] # شرع سبحانه وتعالى في بيانه الأدلة الدالة على وجوده، وقدرته التامة على ~~خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، فقال تعالى: { ألم تر إلى ~~ربك كيف مد الظل }؟ قال ابن عباس ومجاهد: هو ما ms1754 بين طلوع ~~الفجر إلى طلوع الشمس { ولو شآء لجعله ساكنا } أي دائما لا ~~يزول، وقوله تعالى: { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } أي ~~لولا أن الشمس تطلع عليه لما عرف، وقال قتادة والسدي: دليلا تتلوه ~~وتتبعه حتى تأتي عليه كله، وقوله تعالى: { ثم قبضناه إلينا ~~قبضا يسيرا } أي الظل، وقيل الشمس، { يسيرا } أي سهلا، قال ابن ~~عباس: سريعا، وقال مجاهد خفيا حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو ~~تحت شجرة. وقال أيوب بن موسى { قبضا يسيرا }: قليلا قليلا. ~~وقوله: { وهو الذي جعل لكم اليل لباسا } أي يلبس ~~الوجود ويغشاه، كما قال تعالى: # والليل إذا يغشى # [الليل: 1] { والنوم سباتا } أي قاطعا للحركة لراحة الأبدان، ~~فإن الأعضاء والجوارح تكل من كثرة الحركة، فإذا جاء الليل وسكن سكنت ~~الحركات فاستراحت، فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معا، { ~~وجعل النهار نشورا } أي ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم ~~وأسبابهم. ### || [25.48-50] # وهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم، وهو أنه تعالى يرسل الرياح ~~مبشرات، أي بمجيء السحاب بعدها والرياح أنواع، فمنها ما يثير السحاب، ~~ومنها ما يحمله، ومنها ما يسوقه، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشرا، ~~ومنها ما يلقح السحاب ليمطر، ولهذا قال تعالى: { وأنزلنا من ~~السمآء مآء طهورا } أي آلة يتطهر بها كالسحور. فهذا أصح ما يقال ~~في ذلك، وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن خالد بن يزيد قال: كنا عند عبد ~~الملك بن مروان، فذكروا الماء، فقال خالد بن يزيد: منه من السماء، ومنه ~~ما يسوقه الغيم من البحر فيذبه الرعد والبرق؛ فأما ما كان من البحر فلا ~~يكون منه نبات فأما النبات فمما كان من السماء؛ وروي عن عكرمة قال: ما ~~أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في البحر ~~لؤلؤة. وقال غيره: في البر بر، وفي البحر در. وقوله تعالى: { ~~لنحيي به بلدة ميتا } أي أرضا قد طال انتظارها للغيث ~~فهي هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الحياء عاشت واكتست رباها ms1755 ~~أنواع الأزاهير والألوان، كما قال تعالى: # فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت # [فصلت: 39] الآية، { ونسقيه مما خلقنآ أنعاما ~~وأناسي كثيرا } أي وليشرب منه الحيوان من أنعام وأناسي محتاجين ~~إليه غاية الحاجة لشربهم وزروعهم وثمارهم، كما قال تعالى: # فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد ~~موتهآ # [الروم: 50] الآية. # وقوله تعالى: { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا } أي ~~أمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسقنا السحاب يمر على الأرض ويتعداها ~~ويتجاوزها إلى الأرض الأخرى، فيمطرها ويكفيها ويجعلها غدقا والتي وراءها ~~لم ينزل فيها قطرة من ماء، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة. ~~قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: ليس عام بأكثر مطرا من عام، ~~ولكن الله يصرفه كيف يشاء، ثم قرأ هذه الآية { ولقد صرفناه ~~بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا ~~}: أي ليذكروا بإحياء، الله الأرض الميتة أنه قادر على إحياء الأموات ~~والعظام الرفات، أو ليذكر من منع المطر إنما أصابه ذلك بذنب أصابه فيقلع ~~عما هو فيه. وقوله: { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } قال ~~عكرمة: يعني الذين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وفي " صحيح مسلم " عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوما على أثر سماء أصابتهم ~~من الليل: # " " أتدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، " قال أصبح من ~~عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي ~~كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن ~~بالكوكب " ". ### || [25.51-54] # يقول تعالى: { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ~~} يدعوهم إلى الله عز وجل، ولكنا خصصناك يا محمد بالبعثة إلى جميع ~~أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغهم هذا القرآن # لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19] # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158]، وفي " الصحيحين ": # " بعثت إلى الأحمر والأسود " # ، وفيهما # " وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " # ، ولهذا قال تعالى: { فلا تطع الكافرين وجاهدهم به } ~~يعني بالقرآن، قاله ابن عباس { جهادا كبيرا } ، كما قال ms1756 تعالى: # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين # [التوبة: 73] الآية، وقوله تعالى: { وهو الذي مرج ~~البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج } أي خلق ~~الماءين الحلو والملح، فالحلو كالأنهار والعيون والآبار. قاله ابن جريج ~~واختاره ابن جرير، وهذا المعنى لا شك فيه، فإنه ليس في الوجود بحر ساكن ~~وهو عذب فرات، والله سبحانه وتعالى إنما أخبر بالواقع لينبه العباد على ~~نعمه عليهم ليشكروه، فالبحر العذب فرقه الله تعالى بين خلقه لاحتياجهم ~~إليه أنهارا أو عيونا في كل أرض، بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم ~~وأراضيهم، وقوله تعالى: { وهذا ملح أجاج } أي مالح، مر، ~~زعاق لا يستساغ، وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب، البحر ~~المحيط وبحر فارس وبحر الصين والهند وبحر الروم وبحر الخزر، وما شاكلها ~~وشابهها من البحار الساكنة التي لا تجري، ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن ~~الشتاء وشدة الرياح، ومنها ما فيه مد وجزر، ففي أول كل شهر يحصل منها مد ~~وفيض، فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتى ترجع إلى غايتها الأولى، فأجرى ~~الله سبحانه وتعالى - وهو ذو القدرة التامة - العادة بذلك؛ فكل هذه ~~البحار الساكنة خلقها الله سبحانه وتعالى مالحة، لئلا يحصل بسببها نتن ~~الهواء، فيفسد الوجود بذلك، ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان، ~~ولما كان ماؤها ملحا كان هواؤها صحيحا وميتها طيبة؛ ولهذا قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن ماء البحر: أنتوضأ به؟ فقال: # " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " # وقوله تعالى: { وجعل بينهما برزخا وحجرا } أي بين ~~العذب والمالح { برزخا } أي حاجزا وهو اليبس من الأرض { وحجرا ~~محجورا } أي مانعا من أن يصل أحدهما إلى الآخر، كقوله تعالى: # مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا ~~يبغيان # [الرحمن: 19-20]، وقوله تعالى: # وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل ~~أكثرهم لا يعلمون # [النمل: 61]، وقوله تعالى: { وهو الذي خلق من المآء ~~بشرا } الآية، أي خلق الإنسان من نطفة ضعيفة فسواه وعدله، وجعله ~~كامل الخلقة ذكرا وأنثى كما يشاء، { فجعله نسبا وصهرا } فهو ~~في ابتداء أمره ولد ms1757 نسيب، ثم يتزوج فيصير صهرا، ثم يصير له أصهار وأختان ~~وقرابات، وكل ذلك من ماء مهين، ولهذا قال تعالى: { وكان ربك ~~قديرا }. ### || [25.55-60] # يخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام، التي لا ~~تملك لهم ضرا ولا نفعا بلا دليل قادهم إلى ذلك ولا حجة أدتهم إليه بل ~~بمجرد الآراء والأهواء، فهم يوالونهم ويقاتلون في سبيلهم ويعادون الله ~~ورسوله والمؤمنين فيهم، ولهذا قال تعالى: { وكان الكافر على ~~ربه ظهيرا } أي عونا في سبيل الشيطان على حزب الله، وحزب الله هم ~~الغالبون، قال مجاهد { وكان الكافر على ربه ظهيرا } ~~قال: يظاهر الشيطان على معصية الله ويعينه، وقال سعيد بن جبير: عونا ~~للشيطان على ربه بالعداوة والشرك، وقال زيد بن أسلم: مواليا، ثم قال ~~تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه: { ومآ أرسلناك إلا ~~مبشرا ونذيرا } أي بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين، مبشرا ~~بالجنة لمن أطاع الله، ونذيرا بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله، { ~~قل مآ أسألكم عليه من أجر } أي على هذا البلاغ وهذا ~~الإنذار من أجرة أطلبها من أموالكم، وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله ~~تعالى، { إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } أي ~~طريقا ومسلكا ومنهجا يقتدي فيها بما جئت به، ثم قال تعالى: { ~~وتوكل على الحي الذي لا يموت } أي في أمورك كلها، كن ~~متوكلا على الله الحي الذي لا يموت أبدا، الدائم الباقي السرمدي، ~~الأبدي الحي القيوم، رب كل شيء ومليكه، اجعله ذخرك وملجأك، فإنه كافيك ~~وناصرك ومؤيدك ومظهرك، كما قال تعالى: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]. # وقوله تعالى: { وسبح بحمده } أي أقرن بين حمده وتسبيحه، ولهذا ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك " # ، أي أخلص له العبادة والتوكل، كما قال تعالى: # رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا # [المزمل: 9]، وقال تعالى: # فاعبده وتوكل عليه # [هود: 123]، وقال تعالى: # قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا # [الملك: 29] وقوله تعالى: { وكفى به بذنوب عباده خبيرا ~~} أي بعلمه التام ms1758 لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة، وقوله ~~تعالى: { الذي خلق السموت والأرض } الآية، أي هو خالق ~~كل شيء وربه ومليكه، الذي خلق بقدرته وسلطانه السماوات السبع في ارتفاعها ~~واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها { في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش } ، يدبر الأمر ويقضي الحق وهو خير ~~الفاصلين، وقوله: { فسئل به خبيرا } أي استعلم عنه من هو خبير ~~به عالم به، فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر ~~به، من عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه سيد ولد آدم على ~~الإطلاق، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فما قاله فهو ~~الحق، وما أخبره به فهو الصدق، ولهذا قال تعالى: { فسئل به ~~خبيرا } ، قال مجاهد: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك، وقال شمر بن ~~عطية: هذا القرآن خبير به، ثم قال تعالى منكرا على المشركين الذين ~~يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد: { وإذا قيل لهم ~~اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن }؟ أي لا نعرف ~~الرحمن، وكانوا ينكرون أن يسمى الله باسمه الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم ~~الحديبية حين قال النبي صلى الله عليه وسلم للكاتب: # " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم " # ، فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، ولكن اكتب كما كنت تكتب: باسمك ~~اللهم؛ ولهذا أنزل الله تعالى: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء: 110] أي هو الله وهو الرحمن، وقال في هذه الآية: { وإذا ~~قيل لهم اسجدوا للرحمن } أي لا نعرفه ولا نقر به، { ~~أنسجد لما تأمرنا }؟ أي لمجرد قولك، { وزادهم نفورا ~~} فأما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم ويفردونه ~~بالإلهية ويسجدون له. ### || [25.61-62] # يقول تعالى ممجدا نفسه ومعظما على جميل ما خلق السماوات من البروج، ~~وهي الكواكب العظام، وقيل: هي قصور في السماء للحرس، والقول الأول أظهر، ~~اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس فيجتمع القولان، كما ~~قال تعالى: # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح # [الملك: 5] الآية، ولهذا ms1759 قال تعالى: { تبارك الذي جعل في ~~السمآء بروجا وجعل فيها سراجا } وهي الشمس المنيرة التي ~~هي كالسراج في الوجود، كما قال تعالى: # وجعلنا سراجا وهاجا # [النبأ: 13]، { وقمرا منيرا } أي مشرقا مضيئا بنور آخر من غير ~~نور الشمس، كما قال تعالى: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا # [يونس: 5]، وقال: # وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا # [نوح: 16]، ثم قال تعالى: { وهو الذي جعل اليل والنهار ~~خلفة } أي يخلف كل واحد منهما الآخر يتعاقبان لا يفتران، إذا ذهب هذا ~~جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك، كما قال تعالى: # وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين # [إبراهيم: 33] الآية، وقال: # يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا # [الأعراف: 54] الآية وقال: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر # [يس: 40] الآية وقوله تعالى: { لمن أراد أن يذكر أو ~~أراد شكورا } أي جعلهما يتعاقبان توقيتا لعبادة عباده، فمن فاته ~~عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في ~~الليل، وقد جاء في الحديث الصحيح: # " إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده ~~بالنهار ليتوب مسيء الليل " # قال ابن عباس في الآية: من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار، ~~أو من النهار أدركه بالليل، وقال مجاهد وقتادة: خلفة أي مختلفين: أي هذا ~~بسواده وهذا بضيائه. ### || [25.63-67] # هذه صفات عباد الله المؤمنين { الذين يمشون على الأرض ~~هونا } أي بسكينة ووقار من غير تجبر ولا استكبار، كقوله تعالى: # ولا تمش في الأرض مرحا # [الإسراء: 37] الآية. وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعا ورياء، فقد ~~كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب ~~وكأنما الأرض تطوى له، وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن ~~عمر أنه رأى شابا يمشي رويدا فقال: ما بالك! أأنت مريض؟ قال: لا يا ~~أمير المؤمنين، فعلاه بالدرة، وأمره أن يمشي بقوة، وإنما المراد بالهون ~~هنا السكينة والوقار، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها ms1760 وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة فما ~~أدركتم منها فصلوا وما فاتكم فأتموا " # ، وقوله تعالى: { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ~~أي إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيء لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ~~ويصفحون ولا يقولون إلا خيرا، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلما، وكما قال تعالى: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه # [القصص: 55] الآية، وقال مجاهد: { قالوا سلاما }: يعني قالوا ~~سدادا، وقال سعيد بن جبير: ردوا معروفا من القول، وقال الحسن البصري: ~~قالوا سلام عليكم، إن جهل عليهم حلموا، يصاحبون عباد الله نهارهم بما ~~يسمعون، ثم ذكر أن ليلهم خير ليل، فقال تعالى: { والذين يبيتون ~~لربهم سجدا وقياما } أي في طاعته وعبادته، كما قال تعالى: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار ~~هم يستغفرون # [الذاريات: 17-18]، وقوله: # تتجافى جنوبهم عن المضاجع # [السجدة: 16] الآية، وقال تعالى: # أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما يحذر ~~الآخرة ويرجوا رحمة ربه # [الزمر: 9] الآية، ولهذا قال تعالى: { والذين يقولون ربنا ~~اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما } أي ~~ملازما دائما كما قال الشاعر: # إن يعذب يكن غراما وإن يع # ط جزيلا فإنه لا يبالي # ولهذا قال الحسن في قوله { إن عذابها كان غراما }: كل شيء ~~يصيب ابن آدم ويزول عنه فليس بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت الأرض ~~والسماوات. { إنها سآءت مستقرا ومقاما } أي بئس المنزل ~~منزلا وبئس المقيل مقاما، وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد عن عبيد بن عمير ~~قال: إن في النار لجبابا فيها حيات أمثال البخت، وعقارب أمثال البغال ~~الدهم. فإذا قذف بهم في النار خرجت إليهم من أوطانها، فأخذت بشفاههم ~~وأبشارهم وأشعارهم، فكشطت لحومهم إلى أقدامهم، فإذا وجدت حر النار رجعت. ~~وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن عبدا في جهنم لينادي ألف سنة: يا حنان يا منان، فيقول الله عز ~~وجل لجبريل: اذهب فأتني بعبدي هذا، فينطلق جبريل، فيجد أهل ms1761 النار مكبين ~~يبكون، فيرجع إلى ربه عز وجل فيخبره، فيقول الله عز وجل: ائتني ~~به فإنه في مكان كذا وكذا، فيجئ به، فيوقفه على ربه عز وجل، فيقول ~~له: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا رب شر مكان وشر مقيل، ~~فيقول الله عز وجل: ردوا عبدي، فيقول: يا رب ما كنت أرجو إذا أخرجتني ~~منها أن تردني فيها، فيقول الله عز وجل: دعوا عبدي " # وقوله تعالى: { والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا } الآية، أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ~~ولا بخلاء على أهليهم، فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلا خيارا، ~~وخير الأمور أوسطها لا هذا ولا هذا { وكان بين ذلك قواما } ، ~~كما قال تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # [الإسراء: 29] الآية. وفي الحديث: # " من فقه الرجل فصده في معيشته " # ، وعن عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما عال من اقتصد " # ، وقال الحسن البصري: ليس في النفقة في سبيل الله سرف، وقال إياس بن ~~معاوية: ما جاوزت به أمر الله تعالى فهو سرف، وقال غيره: السرف النفقة في ~~معصية الله عز وجل. ### || [25.68-71] # عن عبد الله بن مسعود قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر؟ قال: " أن تجعل لله ~~أندادا وهو خلقك " ، قال: ثم أي؟ قال: " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ~~" ، قال: ثم أي؟ قال: " أن تزاني حليلة جارك " # ، قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك { والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر } الآية وعن سلمة بن قيس قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في حجة الوداع: # " ألا إنما هي أربع " فما أنا بأشح عليهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا " " # وروى الإمام أحمد عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال، # " قال رسول الله صلى الله ms1762 عليه وسلم لأصحابه: " ما تقولون في الزنا؟ " ~~قالوا: حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأصحابه: " لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن ~~يزني بامرأة جاره " قال: " فما تقولون في السرقة؟ " قالوا: حرمها الله ~~ورسوله فهي حرام، قال: " لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن ~~يسرق من بيت جاره " # وعن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل ~~له " # ، وقال ابن عباس: إن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا ~~ثم أتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه ~~لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت: { والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر } الآية، ونزلت: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر: 53] الآية. وقوله تعالى: { ومن يفعل ذلك يلق ~~أثاما } ، روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: أثاما: واد في جهنم، ~~وقال عكرمة { يلق أثاما } أودية في جهنم يعذب فيها الزناة، وقال ~~قتادة { يلق أثاما }: نكالا. كنا نحدث أنه واد في جهنم، وقال ~~السدي { يلق أثاما } جزاء، وهذا أشبه بظاهر الآية وبهذا فسره بما ~~بعده مبدلا منه، وهو قوله تعالى: { يضاعف له العذاب يوم ~~القيامة } أي يقرر عليه ويغلظ { ويخلد فيه مهانا } أي ~~حقيرا ذليلا، وقوله تعالى: { إلا من تاب وآمن وعمل ~~عملا صالحا } أي جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبيحة ما ذكر { ~~إلا من تاب } أي في الدنيا إلى الله عز وجل من جميع ذلك فإن ~~الله يتوب عليه، وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه ~~وبين آية النساء # ومن يقتل مؤمنا متعمدا # [النساء: 93] الآية، فإن هذه وإن كانت مدنية، إلا أنها مطلقة، فتحمل ~~على من لم يتب. # وقوله تعالى: { فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات وكان الله غفورا رحيما }. في معنى قوله: { ~~يبدل الله ms1763 سيئاتهم حسنات } قولان: أحدهما أنهم بدلوا ~~مكان عمل السيئات بعمل الحسنات، قال ابن عباس: هم المؤمنون كانوا من قبل ~~إيمانهم على السيئات فرغب الله بهم عن السيئات فحولهم إلى الحسنات ~~فأبدلهم مكان السيئات الحسنات. وقال سعيد بن جبير: أبدلهم الله بعبادة ~~الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم ~~بنكاح المشركات نكاح المؤمنات، وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل ~~السيء العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصا، وأبدلهم بالفجور إحصانا، ~~وبالكفر إسلاما، (والقول الثاني): أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس ~~التوبة النصوح حسنات، كما ثبتت السنة بذلك وصحت به الآثار المروية عن ~~السلف رضي الله عنهم. فعن أبي ذر رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا إلى ~~الجنة، يؤتى برجل فيقول: نحوا عنه كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال ~~فيقال له: عملت يوم كذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا، كذا وكذا، فيقول: نعم، ~~لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا، فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: يا ~~رب عملت أشياء لا أراها ههنا قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى بدت نواجذه " # وعن أبي هريرة قال: ليأتين الله عز وجل بأناس يوم القيامة رأوا أنهم ~~قد استكثروا من السيئات، قيل: من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات، وقال علي بن الحسين زين العابدين { يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات } قال: في الآخرة. وقال مكحول: يغفرها لهم ~~فيجعلها حسنات، قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو جابر أنه سمع مكحولا يحدث ~~قال: # " جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه فقال: يا رسول الله رجل غدر ~~وفجر ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطفها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل ~~الأرض لأوبقتهم فهل له من توبة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~أأسلمت؟ " قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن ~~محمدا عبده ورسوله فقال ms1764 النبي صلى الله عليه وسلم: " فإن الله غافر لك ~~ما كنت كذلك ومبدل سيئاتك حسنات " ، فقال: يا رسول الله وغدراتي وفجراتي؟ ~~فقال: " وغدراتك وفجراتك " ، فولى الرجل يكبر ويهلل " # ثم قال تعالى مخبرا عن عموم رحمته بعباده وأنه من تاب إليه منهم عليه ~~من أي ذنب كان جليلا أو حقيرا كبيرا أو صغيرا، فقال تعالى: { ومن ~~تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا } أي ~~فإن الله يقبل توبته، كما قال تعالى: # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده # [التوبة: 104] الآية، وقال تعالى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله # [الزمر: 53] الآية: أي لمن تاب إليه. ### || [25.72-74] # وهذه أيضا من صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور، قيل: هو الشرك ~~وعبادة الأصنام، وقيل: الكذب والفسق واللغو والباطل، وقال محمد بن ~~الحنفية: هو اللغو والغناء، وقال عمرو بن قيس: هي المجالس السوء والخنا، ~~وقيل: المراد بقوله تعالى: { لا يشهدون الزور } أي شهادة الزور، ~~وهي الكذب متعمدا على غيره كما في " الصحيحين ": # " " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر "؟ ثلاثا قلنا: بلى يا رسول الله قال: " ~~الشرك بالله عقوق الوالدين ". وكان متكئا فجلس، فقال: " ألا وقول الزور ~~ألا وشهادة الزور " فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " # ، والأظهر من السياق أن المراد لا يشهدون الزور أي لا يحضرونه، ولهذا ~~قال تعالى: { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ، أي لا ~~يحضرون الزور وإذا اتفق مرورهم به مروا ولم يتدنسوا منه بشيء ولهذا قال: ~~{ مروا كراما } وروى ابن أبي حاتم عن ميسرة قال: بلغني أن بلغني أن ~~ابن مسعود مر بلهو معرضا فلم يقف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما " ثم تلا إبراهيم بن ميسرة: { وإذا ~~مروا باللغو مروا كراما } وقوله تعالى: { والذين ~~إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما ~~وعميانا } وهذه أيضا من صفات المؤمنين # الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ~~يتوكلون # [الأنفال: 2] بخلاف الكافر، فإنه ms1765 إذا سمع كلام الله لا يؤثر فيه، ولا ~~يتغير عما كان عليه، بل يبقى مستمرا على كفره وطغيانه، وجهله وضلاله، ~~كما قال تعالى: # وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم # [التوبة: 125]، فقوله: { لم يخروا عليها صما وعميانا ~~} أي بخلاف الكافر الذي إذا سمع آيات الله فلا تؤثر فيه فيستمر على حاله ~~كأن لم يسمعها أصم أعمى، قال مجاهد قوله: { لم يخروا عليها ~~صما وعميانا } قال: لم يسمعوا ولم يبصروا ولم يفقهوا شيئا، وقال ~~الحسن البصري: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم وأعمى، وقال قتادة: لم ~~يصموا عن الحق ولم يعموا فيه، فهم والله قوم عقلوا عن الحق وانتفعوا بما ~~سمعوا من كتابه. # وقوله تعالى: { والذين يقولون ربنا هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } يعني الذين يسألون ~~الله أن يخرج من أصلابهم من ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له، ~~قال ابن عباس: يعنون من يعمل بطاعة الله فتقر به أعينهم في الدنيا ~~والآخرة، قال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالا، ولكن أرادوا أن ~~يكونوا مطيعين. وسئل الحسن البصري عن هذه الآية فقال: أن يرى الله العبد ~~المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة الله، لا والله لا شيء أقر لعين ~~المسلم من أن يرى ولدا، أو ولد ولد، أو أخا، أو حميما مطيعا لله عز ~~وجل. # وقال ابن أسلم: يعني يسألون الله تعالى لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم ~~للإسلام. وقوله تعالى: { واجعلنا للمتقين إماما } قال ابن ~~عباس والحسن والسدي: أئمة يقتدى بنا في الخير، وقال غيرهم: هداة مهتدين ~~دعاة إلى الخير، ولهذا ثبت في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو علم ~~ينتفع به من بعده، أو صدقة جارية ". ### || [25.75-77] # لما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من الصفات الجميلة، ~~والأقوال والأفعال الجليلة، قال بعد ذلك كله: { أولئك } أي ms1766 ~~المتصفون بهذه { يجزون } يوم القيامة { الغرفة } وهي الجنة ~~سميت بذلك لارتفاعها، { بما صبروا } أي على القيام بذلك، { ~~ويلقون فيها } أي في الجنة { تحية وسلاما } أي يبتدرون ~~فيها بالتحية والإكرام، ويلقون التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم ~~السلام، فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب # سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار # [الرعد: 24]، وقوله تعالى: { خالدين فيها } أي مقيمين لا يظعنون ~~ولا يحولون ولا يموتون، ولا يزولون عنها ولا يبتغون عنها حولا، كما قال ~~تعالى: # وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما ~~دامت السموت والأرض # [هود: 108] الآية، وقوله تعالى: { حسنت مستقرا ومقاما } ~~أي حسنت منظرا وطابت مقيلا ومنزلا، ثم قال تعالى: { قل ما يعبأ ~~بكم ربي } أي لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه، فإنه إنما خلق ~~الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلا. # قال ابن عباس: لولا دعاؤكم: أي لولا إيمانكم، وأخبر تعالى الكفار أنه لا ~~حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم ~~الإيمان كما حببه إلى المؤمنين. وقوله تعالى: { فقد كذبتم } ~~أيها الكافرون { فسوف يكون لزاما } أي فسوف يكون تكذيبكم لزاما ~~لكم، يعني مقتضيا لعذابكم وهلاككم ودماركم في الدنيا والآخرة. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-9] # أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تكلمنا عليه في أول ~~تفسير سورة البقرة، وقوله تعالى: { تلك آيات الكتاب المبين ~~} أي هذه آيات القرآن المبين، أي البين الواضح الجلي، الذي يفصل بين ~~الحق والباطل والغي والرشاد، وقوله تعالى: { لعلك باخع } أي مهلك ~~{ نفسك } أي مما تحرص وتحزن عليهم { ألا يكونوا مؤمنين ~~} ، وهذه تسلية من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في عدم إيمان من لم ~~يؤمن به من الكفار، كما قال تعالى: # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8]، كقوله: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم # [الكهف: 6] الآية. قال مجاهد وعكرمة { لعلك باخع نفسك }: ~~أي قاتل نفسك، ثم قال تعالى: { إن نشأ ننزل عليهم من ~~السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين } أي لو نشاء ~~لأنزلنا آية تضطرهم إلى ms1767 الإيمان قهرا، ولكن لا نفعل ذلك لأنا لا نريد من ~~أحد إلا الإيمان الاختياري، وقال تعالى: # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا # [يونس: 99]، وقال تعالى: # ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة # [هود: 118] الآية، فنفذ قدره ومضت حكمته، وقامت حجته البالغة على خلقه ~~بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم، ثم قال تعالى: { وما ~~يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا ~~عنه معرضين } أي كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس ~~كما قال تعالى: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103]، وقال تعالى: # يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزئون # [يس: 30]، وقال تعالى: # كل ما جآء أمة رسولها كذبوه # [المؤمنون: 44] الآية. ولهذا قال تعالى ههنا: { فقد كذبوا ~~فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } أي فقد ~~كذبوا بما جاءهم من الحق، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين، ثم نبه ~~تعالى على عظمة سلطانه وجلالة قدره، وهو القاهر العظيم القادر الذي خلق ~~الأرض وأنبت فيها من كل زوج كريم، من زروع وثمار وحيوان، قال الشعبي: ~~الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم، { ~~إن في ذلك لآية } أي دلالة على قدرة الخالق للأشياء، الذي بسط ~~الأرض، ورفع بناء السماء ومع هذا ما آمن أكثر الناس، بل كذبوا به وبرسله، ~~وقوله: { وإن ربك لهو العزيز } أي الذي عز كل شيء وقهره ~~وغلبه، { الرحيم } أي بخلقه فلا يعجل على من عصاه بل يؤجله وينظره ثم ~~يأخذ أخذ عزيز مقتدر، قال أبو العالية: العزيز في نقمته وانتصاره ممن ~~خالف أمره وعبد غيره الرحيم بمن تاب إليه وأناب. ### || [26.10-22] # يخبر تعالى عما أمر به عبده ورسوله كليمه (موسى بن عمران) عليه السلام ~~حين ناداه من جانب الطور الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره ~~بالذهاب إلى فرعون وملئه، ولهذا قال تعالى: { أن ائت القوم ~~الظالمين * قوم فرعون ألا يتقون * قال رب ~~إني أخاف أن يكذبون * ويضيق صدري ولا ينطلق ~~لساني فأرسل إلى ms1768 هارون * ولهم علي ذنب فأخاف ~~أن يقتلون } هذه أعذار سأل من الله إزاحتها عنه، كما قال في سورة ~~طه # قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري # [الآية:25-26] إلى قوله # قال قد أوتيت سؤلك يموسى # [الآية: 36]، وقوله تعالى: { ولهم علي ذنب فأخاف أن ~~يقتلون } أي بسبب قتل القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر، { ~~قال كلا } أي قال الله له: لا تخف من شيء من ذلك، كقوله: # سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا # [القصص: 35]، { فاذهبا بآياتنآ إنا معكم مستمعون ~~} ، كقوله: # إنني معكمآ أسمع وأرى # [طه: 46] أي إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي، { فأتيا ~~فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ، كقوله في ~~الآية الأخرى: # إنا رسولا ربك # [طه: 47] أي كل منا أرسل إليك، { أن أرسل معنا بني ~~إسرائيل } أي أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنهم عباد ~~الله المؤمنون وحزبه المخلصون، فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون هنالك ~~بالكلية، ونظر إليه بعين الأزدراء والغمص فقال: { ألم نربك ~~فينا وليدا } الآية، أي أما أنت الذي ربيناه فينا وفي بيتنا وعلى ~~فراشنا، وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك ~~الفعلة أن قتلت منا رجلا وجحدت نعمتنا عليك، ولهذا قال: { وأنت من ~~الكافرين } أي الجاحدين { قال فعلتهآ إذا } أي في تلك ~~الحال { وأنا من الضالين } أي قبل أن يوحي إلي وينعم الله ~~علي بالرسالة والنبوة، قال ابن عباس { وأنا من الضالين } أي ~~الجاهلين، { ففررت منكم لما خفتكم } الآية، أي انفصل ~~الحال الأول وجاء أمر آخر، فقد أرسلني الله إليك فإن أطعته سلمت، وإن ~~خالفته عطبت، ثم قال موسى: { وتلك نعمة تمنها علي أن ~~عبدت بني إسرائيل } أي وما أحسنت إلي وربيتني مقابل ما أسأت ~~إلى بني إسرائيل، فجعلتهم عبيدا وخدما، تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، ~~أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم؟ أي ليس ما ذكرته ~~شيئا بالنسبة إلى ما فعلت بهم. ### || [26.23-28] # يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون وتمرده وطغيانه وجحوده في قوله: ms1769 { وما ~~رب العالمين } ، وذلك أنه كان يقول لقومه: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] # فاستخف قومه فأطاعوه # [الزخرف: 54] وكانوا يجحدون الصانع جل وعلا، ويعتقدون أنه لا رب لهم ~~سوى فرعون، فلما قال له موسى: إني رسول رب العالمين، قال له فرعون: ومن ~~هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، ~~حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: # قال فمن ربكما يموسى # [طه: 49] فعند ذلك قال موسى لما سأله عن رب العالمين: { قال رب ~~السموت والأرض وما بينهمآ } أي خالق جميع ذلك ومالكه، ~~والمتصرف فيه، وإلهه لا شريك له، هو الذي خلق الأشياء كلها من بحار ~~وقفار، وجبال وأشجار، ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطير، وما ~~يحتوي عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون ذليلون { إن كنتم ~~موقنين } أي إن كانت لكم قلوب موقنة وأبصار نافذة، فعند ذلك التفت ~~فرعون إلى من حوله من ملئه، ورؤساء دولته قائلا على سبيل التهكم ~~والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله: { ألا تستمعون }؟ أي ألا ~~تعجبون من هذا في زعمه أن لكم إلها غيري؟ فقال لهم موسى: { ربكم ~~ورب آبآئكم الأولين } أي خالقكم وخالق آبائكم الأولين الذين ~~كانوا قبل فرعون وزمانه، { قال } أي فرعون لقومه { إن رسولكم ~~الذي أرسل إليكم لمجنون } أي ليس له عقل في دعواه أن ~~ثم ربا غيري، { قال } أي موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز ~~من الشبهة، فأجاب موسى بقوله: { رب المشرق والمغرب وما ~~بينهمآ إن كنتم تعقلون } أي هو الذي جعل المشرق مشرقا ~~تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربا تغرب فيه، الكواكب، فإن كان هذا الذي ~~يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقا فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغربا والمغرب ~~مشرقا، كما قال تعالى: # قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب # [البقرة: 258] الآية، ولهذا لما غلب فرعون وانقطعت حجته عدل إلى استعمال ~~جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى عليه السلام، ~~فقال ما أخبر الله تعالى عنه: ms1770 { قال لئن اتخذت إلها ~~غيري لأجعلنك من المسجونين... }. ### || [26.29-37] # لما قامت الحجة على فرعون بالبيان والعقل، عدل إلى أن يقهر موسى بيده ~~وسلطانه، فظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال فقال: { لئن اتخذت ~~إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، فعند ذلك ~~قال موسى: { أولو جئتك بشيء مبين }؟ أي ببرهان قاطع واضح، ~~{ قال فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه ~~فإذا هي ثعبان مبين } أي ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح، ~~ذات قوائم وفم كبير وشكل هائل مزعج، { ونزع يده } أي من جيبه { ~~فإذا هي بيضآء للناظرين } أي تتلألأ كقطعة من القمر، ~~فبادر فرعون بشقاوته إلى التكذيب والعناد، فقال للملأ حوله: { إن ~~هذا لساحر عليم } أي بارع في السحر، فروج عليهم أن هذا من ~~قبيل السحر لا من قبيل المعجزة، ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته والكفر به، ~~فقال: { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره } الآية، ~~أي أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه ~~ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم، فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به؟ ~~{ قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدآئن حاشرين * ~~يأتوك بكل سحار عليم } أي أخره وأخاه حتى تجمع له من مدائن ~~مملكتك، وأقاليم دولتك كل سحار عليم يقابلونه، ويأتون بنظير ما جاء به، ~~فتغلبه أنت وتكون لك النصرة والتأييد فأجابهم إلى ذلك، وكان هذا من تسخير ~~الله تعالى، ليجتمع الناس في صعيد واحد، وتظهر آيات الله وحججه وبراهينه ~~على الناس في النهار جهرة. ### || [26.38-48] # لما جاء السحرة وقد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر، وكانوا إذ ذاك أسحر ~~الناس وأصنعهم، وكان السحرة جمعا كثيرا وجما غفيرا، قيل: كانوا اثني ~~عشر ألفا، وقيل: خمسة عشر ألفا، وقيل: غير ذلك، والله أعلم بعدتهم. ~~واجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: { لعلنا ~~نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين } ، ولم يقولوا ~~نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم { ~~فلما جآء السحرة } أي إلى مجلس فرعون، وقد جمع خدمه وحشمه، ~~ووزراءه ms1771 ورؤساء دولته، وجنود مملكته، فقام السحرة بين يدي فرعون يطلبون ~~منه الإحسان إليهم إن غلبوا فقالوا: { أإن لنا لأجرا إن كنا ~~نحن الغالبين * قال نعم وإنكم إذا لمن ~~المقربين } أي وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي، ~~فعادوا إلى مقام المناظرة # قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول ~~من ألقى * قال بل ألقوا # [طه: 65-66] وقد اختصر هذا ههنا فقال لهم موسى: { ألقوا مآ ~~أنتم ملقون * فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا ~~بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } وهذا كما تقول ~~الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئا هذا بثواب فلان، { فألقى موسى ~~عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون } أي تخطفه وتجمعه من كل ~~بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئا. قال الله تعالى: # فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون # [الأعراف: 118] فكان هذا أمرا عظيما، وبرهانا قاطعا للعذر، وحجة ~~دامغة، وذلك أن الذين استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا غلبوا، وخضعوا ~~وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، وسجدوا لله رب العالمين الذي أرسل موى ~~وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة، فغلب فرعون غلبا لم يشاهد العالم مثله، ~~وكان وقحا جريئا عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فعدل إلى ~~المكابرة والعناد ودعوى الباطل، فشرع يتهددهم ويتوعدهم، ويقول: # إنه لكبيركم الذي علمكم السحر # [طه: 71]، وقال: # إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة # [الأعراف: 123] الآية. ### || [26.49-51] # تهددهم فلم ينفع ذلك فيهم، وتوعدهم فما زادهم إلا إيمانا وتسليما، ~~وذلك أنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر، وظهر لهم الحق من أن هذا الذي جاء ~~به موسى لا يصدر عن بشر، إلا أن يكون الله قد أيده به وجعله له حجة، ~~ودلالة على صدق ما جاء به من ربه، ولهذا لما قال لهم فرعون { آمنتم ~~له قبل أن آذن لكم }؟ أي كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم ~~ولا تفتاتوا علي في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم وإن منعتكم امتنعتم، فإني ~~أنا الحاكم المطاع { إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر }. وهذه مكابرة يعلم كل أحد بطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى ~~قبل ذلك اليوم، ms1772 فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله ~~عاقل، ثم توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب، فقالوا { لا ضير ~~} أي لا حرج ولا يضرنا ذلك ولا نبالي به، { إنآ إلى ربنا ~~منقلبون } أي المرجع إلى الله عز وجل، وهو لا يضيع أجر من أحسن ~~عملا، ولا يخفى عليه ما فعلت بنا وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء، ولهذا ~~قالوا: { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانآ } أي ~~من فارقنا من الذنوب وما أكرهتنا عليه من السحر، { أن كنآ أول ~~المؤمنين } أي بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان، فقتلهم ~~كلهم. ### || [26.52-59] # لما طال مقام موسى عليه السلام ببلاد مصر، وأقام بها حجج الله وبراهينه ~~على فرعون وملئه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبق لهم إلا العذاب ~~والنكال، فأمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يخرج ببني إسرائيل ليلا ~~من مصر، وأن يمضي بهم حيث يؤمر، ففعل موسى عليه السلام ما أمره به ربه ~~عز وجل. خرج بهم بعدما استعاروا من قوم فرعون حليا كثيرا، وكان ~~خروجه بهم فيما ذكره غير واحد من المفسرين وقت طلوع القمر، وأن موسى عليه ~~السلام سأل عن قبر يوسف عليه السلام، فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل ~~عليه، فاحتمل تابوته معهم، وكان يوسف عليه السلام قد أوصى بذلك إذا خرج ~~بنو إسرائيل أن يحتملوا معهم، فلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب، ~~غاظ ذلك لفرعون، واشتد غضبه على بني إسرائيل لما يريد الله به من الدمار، ~~فأرسل سريعا في بلاده حاشرين، أي من يحشر الجند ويجمعه كالنقباء والحجاب ~~ونادى فيهم: { إن هؤلاء } يعني بني إسرائيل { لشرذمة ~~قليلون } أي لطائفة قليلة، { وإنهم لنا لغآئظون } أي كل ~~وقت يصل منهم إلينا ما يغيظنا، { وإنا لجميع حاذرون } أي نحن ~~كل وقت نحذر من غائلتهم، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم وأبيد خضراءهم، ~~فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم، قال الله تعالى: { فأخرجناهم ~~من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم } أي فخرجوا من ~~هذا النعيم إلى ms1773 الجحيم، وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار ~~والأموال والأرزاق والملك والجاه الوافر في الدنيا، { كذلك ~~وأورثناها بني إسرائيل } ، كما قال تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها # [الأعراف: 137] الآية. ### || [26.60-68] # ذكر غير واحد من المفسرين: أن فرعون خرج في محفل عظيم وجمع كبير، من ~~الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء والجنود، { فأتبعوهم ~~مشرقين } أي وصلوا إليهم عند شروق الشمس وهو طلوعها، { فلما ~~تراءى الجمعان } أي رأى كل من الفريقين صاحبه فعند ذلك { قال ~~أصحاب موسى إنا لمدركون } ، وذلك أنهم انتهى بهم السير ~~إلى سيف البحر، وهو بحر القلزم فصار أمامهم البحر، وقد أدركهم فرعون ~~بجنوده، فلهذا قالوا: { إنا لمدركون * قال كلا إن ~~معي ربي سيهدين } أي لا يصل إليكم شيء مما تحذرون، فإن الله ~~سبحانه هو الذي أمرني أن أسير ههنا بكم، وهو سبحانه وتعالى لا يخالف ~~الميعاد، وكان هارون عليه السلام في المقدمة، ومعه (يوشع بن نون) ومؤمن ~~آل فرعون، وموسى عليه السلام في الساقة، فعند ذلك أمر الله نبيه موسى ~~عليه السلام أن يضرب بعصاه البحر فضربه، وقال: انفلق بإذن الله. وروى ابن ~~أبي حاتم عن عبد الله بن سلام: أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر ~~قال: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل ~~لنا مخرجا، فأوحى الله إليه: { أن اضرب بعصاك البحر }. ~~وقال محمد بن إسحاق: أوحى الله - فيما ذكر لي - إلى البحر أن إذا ضربك ~~موسى بعصاه فانفلق له، قال: فبات البحر يضطرب ويضرب بعضه بعضا فرقا من ~~الله تعالى وانتظارا لما أمره الله، وأوحى الله إلى موسى { أن اضرب ~~بعصاك البحر } فضربه بها، ففيها سلطان الله الذي أعطاه فانفلق، ~~قال الله تعالى: { فانفلق فكان كل فرق كالطود ~~العظيم } أي كالجبل الكبير، قاله ابن عباس، وقال عطاء الخراساني: هو ~~الفج بين الجبلين. وقال ابن عباس: صار البحر اثني عشر طريقا لكل سبط ~~طريق؛ وزاد السدي: وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء ms1774 على ~~حيله كالحيطان، وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته فصار يبسا كوجه ~~الأرض، قال الله تعالى: # فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ~~ولا تخشى # [طه: 77]، وقال في هذه القصة { وأزلفنا ثم الآخرين } أي ~~هنالك. قال ابن عباس { وأزلفنا } أي قربنا من البحر فرعون وجنوده ~~وأدنيناهم إليه، { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ~~ثم أغرقنا الآخرين } أي أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن اتبعهم ~~على دينهم فلم يهلك منهم أحد، وأغرق فرعون وجنوده فلم يبق منهم رجل إلا ~~هلك. عن عبد الله ابن مسعود قال: فلما خرج آخر أصحاب موسى وتكامل أصحاب ~~فرعون انطم عليهم البحر، فما رئي سواد أكثر من يومئذ، وغرق فرعون لعنه ~~الله، ثم قال تعالى: { إن في ذلك لآية } أي في هذه القصة وما ~~فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين لدلالة وحجة قاطعة ~~وحكمة بالغة { وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم } تقدم تفسيره. ### || [26.69-77] # هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم عليه السلام ~~إمام الحنفاء، أمر الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتلوه ~~على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له ~~والتبري من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من صغره، فإنه ~~من وقت نشأ وشب أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله عز وجل، { إذ ~~قال لأبيه وقومه ما تعبدون }؟ أي ما هذه التماثيل التي ~~أنتم لها عاكفون؟ { قالوا نعبد أصناما فنظل لها ~~عاكفين } أي مقيمين على عبادتها ودعائها، { قال هل ~~يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * ~~قالوا بل وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون } يعني اعترفوا ~~بأن أصنامكم لا تفعل شيئا من ذلك وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم ~~على آثارهم يهرعون، فعند ذلك قال لهم إبراهيم: { أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون * أنتم وآبآؤكم الأقدمون * ~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } أي إن كانت هذه ~~الأصنام شيئا ولها تأثير، فلتخلص إلي بالمساءة، فإني عدو لها لا أبالي ms1775 ~~بها ولا أفكر فيها، وهذه كما قال تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام # فأجمعوا أمركم وشركآءكم # [يونس: 71] الآية. وقال هود عليه السلام # فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون # [هود: 55]، وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم، قال تعالى: # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء ~~مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين # [الزخرف: 26-27]. ### || [26.78-82] # يعني لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء { الذي خلقني فهو ~~يهدين }: أي هو الخالق الذي قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه فكل يجري ~~على ما قدر له، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، { والذي هو ~~يطعمني ويسقين } أي هو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من الأسباب ~~السماوية والأرضية، { وإذا مرضت فهو يشفين } أسند المرض ~~إلى نفسه وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا، ~~كما قال الجن: # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ~~بهم ربهم رشدا # [الآية: 10]، وكذا قال إبراهيم: { وإذا مرضت فهو يشفين } ~~أي إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر من الأسباب ~~الموصلة إليه، { والذي يميتني ثم يحيين } أي هو الذي يحيي ~~ويميت لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد { والذي ~~أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } أي لا يقدر على ~~غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ وهو ~~الفعال لما يشاء. ### || [26.83-89] # وهذا سؤال من إبراهيم عليه السلام أن يؤتيه ربه حكما، قال ابن عباس: ~~وهو العلم، وقال عكرمة: هو اللب، وقال مجاهد: هو القرآن، وقال السدي: هو ~~النبوة، وقوله: { وألحقني بالصالحين } أي اجعلني مع الصالحين ~~في الدنيا والآخرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار: # " اللهم في الرفيق الأعلى " # ، قالها ثلاثا. وفي الحديث: # " اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا ~~مبدلين " # ، وقوله: { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } أي واجعل لي ~~ذكرا جميلا بعدي أذكر به ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: ms1776 # وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * ~~كذلك نجزي المحسنين # [الصافات: 108-110]. قال مجاهد وقتادة: يعني الثناء الحسن، قال ليث ابن ~~أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه، وقوله تعالى: { واجعلني من ~~ورثة جنة النعيم } أي أنعم علي في الدنيا ببقاء الذكر الجميل ~~بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم، وقوله: { واغفر ~~لأبي } الآية، كقوله: # ربنا اغفر لي ولوالدي # [إبراهيم: 41] وهذا مما رجع عنه إبراهيم عليه السلام، كما قال تعالى: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه # [التوبة: 114] إلى قوله # إن إبراهيم لأواه حليم # [التوبة: 114]، وقوله: { ولا تخزني يوم يبعثون } أي أجرني ~~من الخزي يوم القيامة، ويوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم، عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يلقى إبراهيم يوم القيامة أباه عليه الغبرة والقترة ". # وفي رواية أخرى: # " يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له ~~إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني، فيقول أبوه فاليوم لا أعصيك، فيقول ~~إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي ~~الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين؛ ثم يقول: يا ~~إبراهيم انظر تحت رجلك فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في ~~النار " # وقوله: { يوم لا ينفع مال ولا بنون } أي لا يقي المرء من ~~عذاب الله ماله ولو افتدى بملء الأرض ذهبا { ولا بنون } أي ولو ~~افتدى بمن على الأرض جميعا ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله، وإخلاص ~~الدين له، ولهذا قال: { إلا من أتى الله بقلب سليم } أي ~~سالم من الدنس والشرك، قال ابن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، ~~وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وقال ابن ~~عباس: القلب السليم أن يشهد أن لا إله إلا لله، وقال مجاهد والحسن: { ~~بقلب سليم } يعني من الشرك، وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو ~~القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن ms1777 لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله ~~تعالى: # في قلوبهم مرض # [البقرة: 10] قال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب السالم من البدعة ~~المطمئن إلى السنة. ### || [26.90-104] # { وأزلفت الجنة } أي قربت وأدنيت من أهلها مزخرفة مزينة ~~لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها وعملوا لها في الدنيا، { ~~وبرزت الجحيم للغاوين } أي أظهرت وكشف عنها، وبدت منها ~~عنق فزفرت زفرة بلغت منها القلوب الحناجر، وقيل لأهلها تقريعا وتوبيخا: ~~{ أين ما كنتم تعبدون * من دون الله هل ~~ينصرونكم أو ينتصرون }؟ أي ليست الآلهة التي عبدتموها من ~~دون الله من تلك الأصنام والأنداد تغني عنكم اليوم شيئا، ولا تدفع عن ~~أنفسها، فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون، وقوله: { ~~فكبكبوا فيها هم والغاوون } قال مجاهد: يعني فدهوروا ~~فيها، والمراد أنه ألقي بعضهم على بعض من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى ~~الشرك، { وجنود إبليس أجمعون } أي ألقوا فيها عن آخرهم، { ~~قالوا وهم فيها يختصمون * تالله إن كنا لفي ~~ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين } أي يقول ~~الضعفاء للذين استكبروا وقد عادوا على أنفسهم بالملامة: { تالله إن ~~كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب ~~العالمين } أي نجعل أمركم مطاعا كما يطاع أمر رب العالمين وعبدناكم ~~مع رب العالمين، { ومآ أضلنآ إلا المجرمون } أي ما دعانا ~~إلى ذلك إلا المجرمون، { فما لنا من شافعين } قال بعضهم يعني ~~من الملائكة، كما يقولون # فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ # [الأعراف: 53]؟ وكذا قالوا: { فما لنا من شافعين * ولا ~~صديق حميم } أي قريب، قال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان ~~صالحا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحا شفع { فلو أن لنا كرة ~~فنكون من المؤمنين } ، وذلك أنهم يتمنون أنهم يردون إلى دار ~~الدنيا ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، والله تعالى يعلم أنهم لو ردوا ~~إلى دار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، وقد أخبر الله تعالى ~~عن تخاصم أهل النار، ثم قال تعالى: { إن في ذلك لآية وما ~~كان أكثرهم مؤمنين } أي إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامة ~~الحجج عليهم ms1778 في التوحيد { لآية } أي لدلالة واضحة جلية على أن لا إله ~~إلا الله، { وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم }. ### || [26.105-110] # هذا إخبار من الله عز وجل عن عبده ورسوله نوح عليه السلام، وهو أول ~~رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعدما عبدت الأصنام والأنداد، فبعثه الله ~~ناهيا عن ذلك ومحذرا من وبيل عقابه، فكذبه قومه فاستمروا على ما هم ~~عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم مع الله تعالى، ونزل الله ~~تعالى تكذيبهم له منزلة تكذيبهم جميع الرسل، فلهذا قال تعالى: { ~~كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم ~~نوح ألا تتقون } أي ألا تخافون الله في عبادتكم غيره { إني ~~لكم رسول أمين } أي إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني ~~الله به، أبلغكم رسالات ربي ولا أزيد فيها ولا أنقص منها { فاتقوا ~~الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر } ~~الآية، أي لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم بل أدخر ثواب ذلك عند الله، { ~~فاتقوا الله وأطيعون } فقد وضح لكم وبان صدقي ونصحي وأمانتي ~~فيما بعثني الله به وائتمنني عليه. ### || [26.111-115] # يقولون: لا نؤمن لك ولا نتبعك ونتأسى في ذلك بهؤلاء الأرذلين، الذين ~~اتبعوك وصدقوك وهم أراذلنا، ولهذا { قالوا أنؤمن لك ~~واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا ~~يعملون } أي وأي شيء يلزمني من اتباع هؤلاء لي ولو كانوا على أي شيء ~~كانوا عليه. لا يلزمني التنقيب عنهم والبحث والفحص، إنما علي أن أقبل ~~منهم تصديقهم إياي، وأكل سرائرهم إلى الله عز وجل، { إن ~~حسابهم إلا على ربي لو تشعرون * ومآ أنا ~~بطارد المؤمنين } كأنهم سألوا منه أن يبعدهم عنه ويتابعوه فأبى ~~عليهم ذلك، وقال { ومآ أنا بطارد المؤمنين * إن أنا ~~إلا نذير مبين } أي إنما بعثت نذيرا، فمن أطاعني واتبعني ~~وصدقني كان مني وأنا منه سواء كان شريفا أو وضيعا، أو جليلا أو ~~حقيرا. ### || [26.116-122] # لما طال مقام نبي الله بين أظهرهم يدعوهم إلى الله تعالى ليلا ونهارا، ~~وسرا وجهارا، وكلما كرر عليهم الدعوة ms1779 صمموا على الكفر الغليظ والامتناع ~~الشديد، وقالوا في الآخر: { لئن لم تنته ينوح لتكونن ~~من المرجومين } أي لئن لم تنته عن دعوتك إيانا إلى دينك { ~~لتكونن من المرجومين } أي لنرجمنك، فعند ذلك دعا عليهم ~~دعوة استجاب الله منه فيقال: { رب إن قومي كذبون * ~~فافتح بيني وبينهم فتحا } الآية، كما قال في الآية ~~الأخرى # فدعا ربه أني مغلوب فانتصر # [القمر: 10] إلى آخر الآية، وقال ههنا { فأنجيناه ومن معه ~~في الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين } ~~والمشحون هو المملوء بالأمتعة والأزواج التي حمل فيها من كل زوجين اثنين، ~~أي أنجينا نوحا ومن اتبعه كلهم وأغرقنا من كفر به وخالف أمره كلهم ~~أجمعين { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ~~* وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. ### || [26.123-135] # وهذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله (هود) عليه السلام أنه دعا ~~قومه عادا، وكان قومه يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل قريبا من حضرموت ~~متاخمة بلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح، كما قال في سورة الأعراف: # واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح ~~وزادكم في الخلق بصطة # [الآية: 69]، وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش ~~الشديد، والأموال والجنات والأنهار، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ~~ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله هودا إليهم رجلا منهم رسولا ~~وبشيرا ونذيرا فدعاهم إلى الله وحده وحذرهم نقمته وعذابه، فقال لهم { ~~أتبنون بكل ريع آية تعبثون }؟ الريع: المكان المرتفع ~~عند جواد الطرق المشهورة، يبنون هناك بنيانا محكما هائلا باهرا، ~~ولهذا قال: { أتبنون بكل ريع آية } أي معلما بناء مشهورا، ~~{ تعبثون } أي وإنما تفعلون ذلك عبثا لا للاحتياج إليه، بل لمجرد ~~اللعب واللهو وإظهار القوة، ولهذا أنكر عليهم نبيهم عليه السلام، لأنه ~~تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في ~~الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: { وتتخذون مصانع ~~لعلكم تخلدون } قال مجاهد: والمصانع البروج المشيدة والبنيان ~~المخلد، وفي رواية عنه: بروج الحمام. وقال قتادة: هي مأخذ الماء، { ~~لعلكم تخلدون } أي لكي ms1780 تقيموا فيها أبدا، وذلك ليس بحاصل لكم ~~بل زائل عنكم، كما زال عمن كان قبلكم، روي أن أبا الدرداء رضي الله عنه ~~لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البنيان ونصب الشجر، قام في ~~مسجدهم فنادى يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ~~ألا تستحيون، ألا تستحيون، تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، ~~وتأملون ما لا تدركون، إنه قد كانت قبلكم قرون يجمعون فيوعون، ويبنون ~~فيوثقون ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غرورا، وأصبح جمعهم بورا، وأصبحت ~~مساكنهم قبورا، ألا إن عادا ملكت ما بين عدن وعمان خيلا، وركابا فمن ~~يشتري مني ميراث عاد بدرهمين؟ وقوله: { وإذا بطشتم بطشتم ~~جبارين } أي يصفهم بالقوة والغلظة والجبروت، { فاتقوا الله ~~وأطيعون } أي اعبدوا ربكم وأطيعوا رسولكم، ثم شرع يذكرهم نعم الله ~~عليهم فقال: { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون * ~~أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } أي إن كذبتم وخالفتم، ~~فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب فما نفع فيهم. ### || [26.136-140] # يقول تعالى مخبرا عن جواب قوم هود له، بعدما حذرهم وأنذرهم وبين لهم ~~الحق ووضحه { قالوا سوآء علينآ أوعظت أم لم تكن ~~من الواعظين } أي لا نرجع عما نحن عليه، # وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك ~~بمؤمنين # [هود: 53] وهكذا الأمر، فإن الله تعالى قال: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون # [يونس: 96] الآية، وقولهم { إن هذا إلا خلق الأولين } ~~، كما قال المشركون، # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5]، وقال: وقيل للذين كفروا # ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين # [النحل: 24] { خلق الأولين } بضم الخاء واللام. يعنون دينهم وما ~~هم عليه من الأمر هو دين الأولين من الآباء والأجداد. ونحن تابعون لهم ~~سالكون وراءهم نعيش كما عاشوا ونموت كما ماتوا ولا بعث ولا معاد. ولهذا ~~قالوا { وما نحن بمعذبين } ، قال ابن عباس: { إن هذا ~~إلا خلق الأولين } يقول: دين الأولين، وقوله تعالى: { ~~فكذبوه فأهلكناهم } أي استمروا على تكذيب نبي الله ms1781 هود ~~ومخالفته وعناده فأهلكهم الله، وقد بين سبب إهلاكه إياهم في غير موضع ~~من القرآن، بأنه أرسل عليهم ريحا صرصرا عاتية. أي ريحا شديدة الهبوب ~~ذات برد شديد جدا، فكان سبب إهلاكهم من جنسهم، فإنهم كانوا أعتى شيء ~~وأجبره، فسلط عليهم ما هو أعتى منهم وأشد قوة، كما قال تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد # [الفجر: 6-7]، وقال تعالى: # فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ~~وقالوا من أشد منا قوة # [فصلت: 15] فسلكت الريح فحصبت بلادهم، فحصبت كل شيء لهم كما قال تعالى: # تدمر كل شيء بأمر ربها # [الأحقاف: 25] الآية، وقال تعالى: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6] إلى قوله: # فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل ~~خاوية # [الحاقة: 7] أي بقوا أبدانا بلا رؤوس، وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل ~~منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخ دماغه، وتكسر ~~رأسه، وتلقيه، كأنهم أعجاز نخل منقعر، وقد كانوا تحصنوا في الجبال ~~والكهوف والمغارات، وحفروا لهم في الأرض إلى أنصافهم، فلم يغن عنهم ذلك ~~من أمر الله شيئا، # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر # [نوح: 4]، ولهذا قال تعالى: { فكذبوه فأهلكناهم } الآية. ### || [26.141-145] # وهذا إخبار من الله عز وجل عن عبده ورسوله (صالح) عليه السلام أنه ~~بعثه إلى قومه ثمود، وكانوا عربا يسكنون مدينة الحجر التي بين وادي ~~القرى وبلاد الشام، ومساكنهم معروفة مشهورة، وكانوا بعد عاد وقبل الخليل ~~عليه السلام، فدعاهم نبيهم صالح إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا ~~شريك له، وأن يطيعوه فيما بلغهم من الرسالة، فأبوا عليه وكذبوه وخالفوه، ~~وأخبرهم أنه لا يبتغي بدعوتهم أجرا منهم، وإنما يطلب ثواب ذلك من الله ~~عز وجل، ثم ذكرهم آلاء الله عليهم فقال: { أتتركون في ما ~~هاهنآ آمنين... } ### || [26.146-152] # يقول لهم واعظا لهم ومحذرهم نقم الله أن تحل لهم، ومذكرا بأنعم الله ~~عليهم فيما رزقهم من الأرزاق الدارة، وأنبت لهم من الجنات، وفجر لهم من ~~العيون الجاريات، وأخرج لهم من الزروع ms1782 والثمرات، ولهذا قال: { ونخل ~~طلعها هضيم } قال ابن عباس: أينع وبلغ فهو هضيم، وعنه يقول: ~~معشبة، وقال مجاهد: هو الذي إذا يبس تهشم وتفتت وتناثر، وقال ابن جريج عن ~~مجاهد { ونخل طلعها هضيم } قال: حين يطلع تقبض عليه فتهضمه، ~~فهو من الرطب الهضيم، ومن اليابس الهشيم، تقبض عليه فتهشمه، وقال عكرمة ~~وقتادة: الهضيم الرطب اللين. وقال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة وركب بعضها ~~بعضا فهو هضيم، وقال الحسن البصري: هو الذي لا نوى له، وقال أبو صخر: ما ~~رأيت الطلع حين ينشق عنه الكم فترى الطلع قد لصق بعضه ببعض فهو الهضيم. ~~وقوله: { وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين } قال ابن ~~عباس وغير واحد: يعني حاذقين، وفي رواية عنه: شرهين أشرين، وهو اختيار ~~مجاهد وجماعة، ولا منافاة بينهما، فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت ~~المنحوتة في الجبال أشرا وبطرا وعبثا من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا ~~حاذقين متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم، ~~ولهذا قال: { فاتقوا الله وأطيعون } أي أقبلوا على ما يعود ~~نفعه عليكم في الدنيا والآخرة، من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم، لتعبدوه ~~وتوحدوه وتسبحوه بكرة وأصيلا { ولا تطيعوا أمر المسرفين ~~* الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون } يعني رؤساءهم ~~وكبراءهم الدعاة إلى الشرك والكفر ومخالفة الحق. ### || [26.153-159] # يقول تعالى مخبرا عن ثمود في جوابهم لنبيهم (صالح) عليه السلام، حين ~~دعاهم إلى عبادة ربهم عز وجل أنهم { قالوا إنمآ أنت من ~~المسحرين } قال مجاهد وقتادة: يعنون من المسحورين، يقولون: إنما ~~أنت في قولك هذا مسحور لا عقل لك، ثم قالوا { مآ أنت إلا بشر ~~مثلنا } يعني فكيف أوحي إليك دوننا، كما قالوا في الآية الأخرى # أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر # [القمر: 25] ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ليعلموا صدقه بما ~~جاءهم به من ربهم، وقد اجتمع ملؤهم وطلبوا منه أن يخرج لهم الآن من هذه ~~الصخرة ناقة عشراء، وأشاروا إلى صخرة عندهم من صفتها كذا وكذا، فعند ذلك ~~أخذ عليهم نبي ms1783 الله صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم إلى ما سألوا ~~ليؤمنن به وليتبعنه، فأعطوه ذلك، فقام نبي الله صالح عليه السلام فصلى ثم ~~دعا الله عز وجل أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي ~~أشاروا إليها عن ناقة عشراء على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم وكفر ~~أكثرهم { قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم ~~معلوم } يعني ترد ماءكم يوما ويوما تردونه أنتم، { ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم } فحذرهم ~~نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينا من الدهر ترد ~~الماء، وتأكل الورق والمرعى وينتفعون بلبنها يحلبون منها ما يكفيهم شربا ~~وريا؛ فلما طال عليهم الأمد وحضر أشقاهم تمالأوا على قتلها وعقرها { ~~فعقروها فأصبحوا نادمين * فأخذهم العذاب } وهو ~~أن أرضهم زلزلت زلزالا شديدا، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب من ~~محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، وأصبحوا في ديارهم جاثمين ~~{ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. ### || [26.160-164] # يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله لوط عليه السلام، وهو ابن أخي إبراهيم ~~الخليل عليه السلام، وكان الله تعالى قد بعثه إلى أمة عظيمة في حياة ~~إبراهيم عليهما السلام، وكانوا يسكنون (سدوم) وأعمالها التي أهلكهم الله ~~بها، وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة، وهي مشهورة ببلاد الغور متاخمة ~~لجبال البيت المقدس، فدعاهم إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك ~~له، وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله، ~~وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه مما لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله من ~~إتيان الذكور دون الإناث، ولهذا قال تعالى: { أتأتون الذكران ~~من.... }. ### || [26.165-175] # لما نهاهم نبي الله عن ارتكاب الفواحش وغشيانهم الذكور، وأرشدهم إلى ~~إتيان نسائهم اللاتي خلقهن الله لهم ما كان جوابهم له إلا أن قالوا { ~~لئن لم تنته يلوط } أي عما جئتنا به { لتكونن من ~~المخرجين } أي ننفيك من بين أظهرنا، كما قال تعالى: # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل ~~لوط من ms1784 قريتكم إنهم أناس يتطهرون # [النمل: 56]، فلما رأى أنهم لا يرتدعون عما هم فيه وأنهم مستمرون على ~~ضلالتهم تبرأ منهم، وقال: { إني لعملكم من القالين } أي ~~المبغضين لا أحبه ولا أرضى به وإني بريء منكم، ثم دعا الله عليهم، فقال: ~~{ رب نجني وأهلي مما يعملون } قال الله تعالى: { ~~فنجيناه وأهله أجمعين } أي كلهم { إلا عجوزا في ~~الغابرين } وهي امرأته، وكانت عجوز سوء، بقيت فهلكت مع من بقي من ~~قومها، حين أمره الله أن يسري بأهله إلا امرأته، وأنهم لا يلتفتون إذا ~~سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه، فصبروا لأمر الله واستمروا، وأنزل الله ~~على أولئك العذاب الذي عم جميعهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا ~~قال تعالى: { ثم دمرنا الآخرين * وأمطرنا عليهم ~~مطرا } إلى قوله { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. ### || [26.176-180] # هؤلاء - يعني أصحاب الأيكة - هم " أهل مدين " على الصحيح، وكان نبي الله ~~شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل ههنا أخوهم شعيب، لأنهم نسبوا إلى عبادة ~~الأيكة، وهي شجرة، وقيل: شجر ملتف كالغيضة كانوا يعبدونها، فلهذا لما ~~قال: كذب أصحاب الأيكة المرسلين لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب وإنما ~~قال: { إذ قال لهم شعيب } فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي ~~نسبوا إليه وإن كان أخاهم نسبا، ومن الناس من لم يفطن لهذه النكتة، فظن ~~أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، والصحيح أنهم أمة واحدة وصفوا في كل مقام ~~بشيء، ولهذا وعظ هؤلاء، وأمرهم بوفاء المكيال والميزان كما في قصة مدين ~~سواء بسواء، فدل ذلك على أنهما أمة واحدة. ### || [26.181-184] # يأمرهم عليه السلام بإيفاء المكيال والميزان وينهاهم عن التطفيف فيهما ~~فقال: { أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين } أي ~~إذا دفعتم للناس فكملوا الكيل لهم، ولا تبخسوا الكيل فتعطوه ناقصا ~~وتأخذوه إذا كان لكم تاما وافيا، ولكن خذوا كما تعطون، وأعطوا كما ~~تأخذون { وزنوا بالقسطاس المستقيم } والقسطاس هو ~~الميزان، قال مجاهد: هو العدل بالرومية، وقال قتادة: القسطاط العدل، ~~وقوله: { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم } أي لا تنقصوهم ~~أموالهم { ولا تعثوا في الأرض ms1785 مفسدين } يعني قطع الطريق ~~كما قال في الآية الأخرى # ولا تقعدوا بكل صراط توعدون # [الأعراف: 86]، وقوله: { واتقوا الذي خلقكم والجبلة ~~الأولين } يخوفهم بأس الله الذي خلقهم وخلق آباءهم الأوائل، كما قال ~~موسى عليه السلام # ربكم ورب آبآئكم الأولين # [الشعراء: 26] قال ابن عباس ومجاهد: { والجبلة الأولين } ~~يقول: خلق الأولين، وقرأ ابن زيد # ولقد أضل منكم جبلا كثيرا # [يس: 62]. ### || [26.185-191] # يخبر تعالى عن جواب قومه له بمثل ما أجابت به ثمود لرسولها تشابهت ~~قلوبهم حيث قالوا: { إنمآ أنت من المسحرين } يعنون من ~~المسحورين كما تقدم، { ومآ أنت إلا بشر مثلنا وإن ~~نظنك لمن الكاذبين } أي تتعمد الكذب فيما تقوله لا أن الله ~~أرسلك إلينا، { فأسقط علينا كسفا من السمآء } قال ~~قتادة: قطعا من السماء، وقال السدي: عذابا من السماء، وهذا شبيه بما ~~قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا أو ~~تأتي بالله والملائكة قبيلا # [الإسراء: 92]. وقوله: # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] الآية. وهكذا قال هؤلاء الكفار الجهلة { فأسقط ~~علينا كسفا من السمآء } الآية، { قال ربي أعلم ~~بما تعملون } يقول: الله أعلم بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم ~~به وهو غير ظالم لكم، وهكذا وقع بهم كما سألوا جزاء وفاقا ولهذا قال ~~تعالى: { فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه ~~كان عذاب يوم عظيم } وهذا من جنس ما سألوه من إسقاط الكسف ~~عليهم، فإن الله سبحانه وتعالى جعل عقوبتهم أن أصابهم حر عظيم مدة سبعة ~~أيام لا يكنهم منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أظلتهم فجعلوا ينطلقون ~~إليها يستظلون بظلها من الحر، فلما اجتمعوا كلهم تحتها أرسل الله تعالى ~~عليهم منها شررا من نار ولهبا ووهجا عظيما، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم ~~صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم، ولهذا قال تعالى: { إنه كان عذاب ~~يوم عظيم } قال قتادة: قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: إن الله ~~سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى ما يظلهم منه ms1786 شيء، ثم إن الله تعالى أنشأ ~~لهم سحابة، فانطلق إليها أحدهم فاستظل بها، فأصاب تحتها بردا وراحة، ~~فأعلم بذلك قومه، فأتوها جميعا، فاستظلوا تحتها، فأججت عليهم نارا، ~~وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: بعث الله إليهم الظلة، حتى إذا اجتمعوا ~~كلهم كشف الله عنهم الظلة وأحمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد ~~في المقلى، وقال محمد بن جرير عن يزيد الباهلي سألت ابن عباس عن هذه ~~الآية { فأخذهم عذاب يوم الظلة } الآية، قال: بعث الله ~~عليهم رعدة وحرا شديدا، فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هربا إلى ~~البرية، فبعث الله عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردا ولذة، ~~فنادى بعضهم بعضا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارا. قال ~~ابن عباس: فذلك عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم { إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم } أي العزيز في انتقامه من الكافرين، الرحيم ~~بعباده المؤمنين. ### || [26.192-195] # يقول تعالى مخبرا عن الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله ~~عليه وسلم: { وإنه } أي القرآن الذي تقدم ذكره في أول السورة في ~~قوله: # وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث # [الشعراء: 5] الآية. { لتنزيل رب العالمين } أي أنزله الله ~~عليك وأوحاه إليك { نزل به الروح الأمين } وهو جبريل عليه ~~السلام، قال الزهري: وهذه كقوله: # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه # [البقرة: 97] { على قلبك لتكون من المنذرين } أي نزل ~~به ملك كريم أمين ذو مكانة عند الله مطاع في الملأ الأعلى { على ~~قلبك } يا محمد سالما من الدنس والزيادة والنقص، { لتكون من ~~المنذرين } أي لتنذر به بأس الله ونقمته على من خالفه وكذبه، وتبشر ~~به المؤمنين المتبعين له، وقوله تعالى: { بلسان عربي مبين } ~~أي هذا القرآن الذي أنزلناه إليك أنزلناه باللسان العربي الفصيح الكامل ~~الشامل، ليكون بينا واضحا ظاهرا، قاطعا للعذر، مقيما للحجة، دليلا ~~على المحجة، وقال سفيان الثوري: لم ينزل وحي إلا بالعربية، ثم ms1787 ترجم كل ~~نبي لقومه، واللسان يوم القيامة بالسريانية، فمن دخل الجنة تكلم ~~بالعربية. ### || [26.196-199] # يقول تعالى: وإن ذكر هذا القرآن والتنويه به لموجود في كتب الأولين ~~المأثورة عن أنبيائهم، الذين بشروا به في قديم الدهر وحديثه، كما أخذ ~~الله عليهم الميثاق بذلك حتى قام آخرهم خطيبا في ملئه بالبشارة بأحمد # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # [الصف: 6] والزبر ههنا هي الكتب، وهي جمع زبور، وكذلك الزبور هو كتاب ~~داود، قال الله تعالى: # وكل شيء فعلوه في الزبر # [القمر: 52] أي مكتوب عليهم في صحف الملائكة، ثم قال تعالى: { أو لم ~~يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل } أي ~~أو ليس يكفيهم من الشاهد الصادق على ذلك أن العلماء من بني إسرائيل، ~~يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها، والمراد العدول منهم الذين ~~يعترفون بما في أيديهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه وأمته، كما ~~أخبر بذلك من آمن منهم ك (عبد الله بن سلام) و (سلمان الفارسي) ومن ~~شاكلهم، قال الله تعالى: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي # [الأعراف: 157] الآية؛ ثم قال تعالى مخبرا عن شدة كفر قريش وعنادهم ~~لهذا القرآن: إنه لو نزل على رجل من الأعاجم ممن لا يدري من العربية كلمة ~~وأنزل عليه هذا الكتاب ببيانه وفصاحته لا يؤمنون به، ولهذا قال: { ولو ~~نزلناه على بعض الأعجمين * فقرأه عليهم ما ~~كانوا به مؤمنين } كما أخبر عنهم في الآية الأخرى، # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا # [الحجر: 14-15] الآية، وقال تعالى: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى # [الأنعام: 111] الآية، وقال تعالى: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون # [يونس: 96] الآية. ### || [26.200-209] # يقول تعالى: كذلك سلكنا التكذيب والكفر والجحود والعناد، أي أدخلناه في ~~قلوب المجرمين { لا يؤمنون به } أي بالحق { حتى يروا ~~العذاب الأليم } أي حيث لا ينفع الظالمين معذرتهم، { ~~فيأتيهم بغتة } أي عذاب الله فجأة { وهم لا يشعرون * ~~فيقولوا هل نحن منظرون } أي يتمنون حين يشاهدون ms1788 العذاب أن ~~لو أنظروا قليلا ليعملوا في زعمهم بطاعة الله، فكل ظالم وفاجر وكافر إذا ~~شاهد عقوبته ندم ندما شديدا؛ هذا فرعون لما دعا عليه الكليم بقوله: # ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا ~~في الحياة الدنيا ربنا # [يونس: 88] فأثرت هذه الدعوة في فرعون فما آمن حتى رأى العذاب الأليم # حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل # [يونس: 90] الآية، وقال تعالى: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده # [غافر: 84] الآية، وقوله تعالى: { أفبعذابنا يستعجلون } ~~إنكار عليهم وتهديد لهم، فإنهم كانوا يقولون للرسول تكذيبا واستبعادا: ~~ائتنا بعذاب الله، كما قال تعالى: # ويستعجلونك بالعذاب # [الحج: 47] الآيات، ثم قال: { أفرأيت إن متعناهم سنين ~~* ثم جآءهم ما كانوا يوعدون * مآ أغنى عنهم ما ~~كانوا يمتعون } أي لو أخرناهم وأنظرناهم وأمليناهم برهة من الدهر ~~وحينا من الزمان وإن طال، ثم جاءهم أمر الله، أي شيء يجدي عنهم ما كانوا ~~فيه من النعيم # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46]، وقال تعالى: # يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو ~~بمزحزحه من العذاب أن يعمر # [البقرة: 96]، وقال تعالى: # وما يغني عنه ماله إذا تردى # [الليل: 11]، ولهذا قال تعالى: { مآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يمتعون }. وفي الحديث الصحيح: # " " يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة ثم يقال له هل رأيت خيرا قط؟ هل ~~رأيت نعيما قط؟ فيقول: لا والله يا رب ". ويؤتى بأشد الناس بؤسا كان في ~~الدنيا فيصبغ في الجنة صبغة ثم يقال له: هل رأيت بؤسا قط؟ فيقول: لا ~~والله يا رب " # ثم قال تعالى مخبرا عن عدله في خلقه إنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد ~~الإعذار إليهم والإنذار لهم وبعثة الرسل إليهم، وقيام الحجة عليهم، ولهذا ~~قال تعالى: { ومآ أهلكنا من قرية إلا لها منذرون * ~~ذكرى وما كنا ظالمين } كما قال تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]، وقال تعالى: # وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا يتلو ms1789 عليهم آياتنا # [القصص: 59] إلى قوله # وأهلها ظالمون # [القصص: 59]. ### || [26.210-212] # يقول تعالى مخبرا عن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: أنه نزل به الروح الأمين المؤيد من الله ~~{ وما تنزلت به الشياطين } ، ثم ذكر أنه يمتنع عليهم ذلك ~~من ثلاثة أوجه: أحدها أنه ما ينبغي لهم لأن سجاياهم الفساد، وإضلال ~~العباد، وهذا فيه نور وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة ~~عظيمة، ولهذا قال تعالى: { وما ينبغي لهم } ، وقوله تعالى: { ~~وما يستطيعون } أي ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك، ثم بين أنه ~~لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن ~~استماع القرآن حال نزوله، لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في مدة ~~إنزال القرآن على رسول الله، فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف ~~واحد منه لئلا يشتبه الأمر، وهذا من رحمة الله بعباده، وحفظه لشرعه، ~~وتأييده لكتابه ولرسوله، ولهذا قال تعالى: { إنهم عن السمع ~~لمعزولون } كما قال تعالى مخبرا عن الجن # وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # [الجن: 9]. ### || [26.213-220] # يقول تعالى آمرا بعبادته وحده لا شريك له ومخبرا أن من أشرك به عذبه. ~~ثم قال تعالى آمرا لرسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين ~~أي الأدنين إليه، وأنه لا يخلص أحد منهم إلا إيمانه بربه عز وجل، ~~وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين، ومن عصاه من خلق ~~الله كائنا من كان فليتبرأ منه، ولهذا قال تعالى: { فإن عصوك ~~فقل إني بريء مما تعملون } ، وهذه النذارة الخاصة لا ~~تنافي العامة بل هي فرد من أجزائها، كما قال تعالى: # لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم فهم غافلون # [يس: 6]، وقال تعالى: # لتنذر أم القرى ومن حولها # [الشورى: 7]، وقال تعالى: # لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19 ]، كما قال تعالى: # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده # [هود: 17]، وفي " صحيح مسلم ": # " والذي نفسي بيده لا يسمع بي ms1790 أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا ~~يؤمن بي إلا دخل النار " # وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة، فلنذكرها، الحديث ~~الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله عز وجل { ~~وأنذر عشيرتك الأقربين } # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى: " يا صباحاه " ~~، فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، ~~أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ ~~" قالوا: نعم، قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال أبو لهب: ~~تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله: { تبت يدآ ~~أبي لهب وتب } " # ، الحديث الثاني: روى الإمام أحمد عن عائشة قالت: لما نزلت: { وأنذر ~~عشيرتك الأقربين } قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا ~~أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم " # الحديث الثالث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: { ~~وأنذر عشيرتك الأقربين } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قريشا فعم وخص، فقال: # " يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم ~~من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا معشر بني عبد ~~المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، ~~فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلاها " # وقال الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله، يا صفية عمة رسول الله ويا ~~فاطمة بنت رسول الله اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله ~~شيئا، سلاني من مالي ما شئتما ms1791 " # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " يا بني قصي، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، أنا النذير، والموت ~~المغير، والساعة الموعد " # ، الحديث الرابع: قال الإمام أحمد عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو ~~قالا: لما نزلت: { وأنذر عشيرتك الأقربين } صعد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رضمة من جبل على أعلاها حجر فجعل ينادي: # " يا بني عبد مناف إنما أنا نذير، إنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدوا ~~فذهب يربأ أهله رجاء أن يسبقوه فجعل ينادي ويهتف يا صباحاه " # وقوله تعالى: { وتوكل على العزيز الرحيم } أي في جميع ~~أمورك فإنه مؤيدك وحافظك وناصرك ومظفرك ومعلي كلمتك، وقوله تعالى: { ~~الذي يراك حين تقوم } أي هو معتن بك، كما قال تعالى: # واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا # [الطور: 48]، قال ابن عباس { الذي يراك حين تقوم }: يعني إلى ~~الصلاة. وقال عكرمة: يرى قيامه وركوعه وسجوده، وقال الحسن: إذا صليت ~~وحدك، وقال الضحاك: أي من فراشك أو مجلسك، وقال قتادة { الذي يراك ~~} قائما وجالسا وعلى حالاتك، وقوله تعالى: { وتقلبك في ~~الساجدين } ، قال قتادة: { الذي يراك حين تقوم * ~~وتقلبك في الساجدين } قال: في الصلاة يراك وحدك ويراك في ~~الجمع. وعن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: يعني تقلبه من صلب نبي إلى ~~صلب نبي، حتى أخرجه نبيا، وقوله تعالى: { إنه هو السميع ~~العليم } أي السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، كما قال ~~تعالى: # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه # [يونس: 61] الآية. ### || [26.221-227] # يقول تعالى مخاطبا لمن زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ليس بحق، وأنه شيء افتعله من تلقاء نفسه، أو أنه أتاه به رئي ~~الجان، فنزه الله سبحانه وتعالى جناب رسوله عن قولهم وافترائهم، ونبه أن ~~ما جاء به إنما هو من عند الله، وأنه تنزيله ووحيه نزل به ملك كريم أمين ~~عظيم، وأنه ليس من قبل الشياطين، فإنهم ليس لهم ms1792 رغبة في مثل هذا القرآن ~~العظيم وإنما ينزلون على من يشاكلهم ويشابههم من الكهان الكذبة. ولهذا ~~قال الله تعالى: { هل أنبئكم } أي أخبركم { على من ~~تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم } أي ~~كذوب في قوله وهو الأفاك { أثيم } وهو الفاجر في أفعاله، فهذا هو الذي ~~تنزل عليه الشياطين من الكهان وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة فإن ~~الشياطين أيضا كذبه فسقة { يلقون السمع } أي يسترقون السمع من ~~السماء فيسمعون الكلمة من علم الغيب، فيزيدون معها مائة كذبة ثم يلقونها ~~إلى أوليائهم من الإنس، فيحدثون بها فيصدقهم الناس في كل ما قالوه بسبب ~~صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء، كما روى البخاري عن عروة بن ~~الزبير قال، قالت عائشة رضي الله عنها: # " سأل ناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال: " إنهم ليسوا بشيء ~~" ، قالوا: يا رسول الله فإنهم يحدثون بالشيء يكون، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه ~~كقرقرة الدجاج فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة " # وروى البخاري أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، ~~كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: ~~الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم ~~فوق بعض - وصفه سفيان بيده فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة ~~فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان ~~الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل ~~أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: ~~كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء ". # وقوله تعالى: { والشعرآء يتبعهم الغاوون } قال ابن ~~عباس: يعني الكفار يتبعهم ضلال الإنس والجن؛ وكذا قال مجاهد رحمه الله، ~~وقال عكرمة: كان الشاعران يتهاجيان فينتصر لهذا فئام من الناس، ولهذا ~~فئام من الناس، ms1793 فأنزل الله تعالى: { والشعرآء يتبعهم ~~الغاوون }. # وقال الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالعرج إذ عرض شاعر ينشد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " خذوا الشيطان - أو أمسكوا الشيطان -، لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير ~~له من أن يمتلئ شعرا " # وقوله تعالى: { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } قال ~~ابن عباس: في كل لغو يخوضون، وقال الضحاك عن ابن عباس: في كل فن من ~~الكلام، وكذا قال مجاهد وغيره. وقال الحسن البصري: قد والله رأينا ~~أوديتهم التي يخوضون فيها مرة في شتيمة فلان ومرة في مديحة فلان، وقال ~~قتادة: الشاعر يمدح قوما بباطل ويذم قوما بباطل، وقوله تعالى: { ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون } قال ابن عباس: كان رجلان ~~على عهد رسول الله أحدهما من الأنصار والآخر من قوم آخرين، وإنهما تهاجيا ~~فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء، فقال الله تعالى: { ~~والشعرآء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في ~~كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون } ~~، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أكثر قولهم يكذبون فيه، وهذا الذي ~~قاله ابن عباس رضي الله عنه هو الواقع في نفس الأمر، فإن الشعراء يتبجحون ~~بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم فيتكثرون بما ليس لهم، ولهذا جاء في ~~الحديث: # " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خير له من أن يمتلئ شعرا " # ، والمراد من هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه هذا ~~القرآن ليس بكاهن ولا بشاعر، لأن حاله مناف لحالهم من وجوه ظاهرة، كما ~~قال تعالى: # وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ~~ذكر وقرآن مبين # [يس: 69]، وقال تعالى: # إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر ~~قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون * تنزيل من رب العالمين # [الحاقة: 40-43] وهكذا قال ههنا # وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح ~~الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان ~~عربي مبين ms1794 # [الشعراء: 192-195] إلى أن قال: # وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون # [الشعراء: 210-212]، إلى أن قال: { هل أنبئكم على من ~~تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * ~~يلقون السمع وأكثرهم كاذبون * والشعرآء ~~يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد ~~يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون }. وقوله: { ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا ~~الله كثيرا } الآية. # قال محمد بن إسحاق: # " لما نزلت { والشعرآء يتبعهم الغاوون } جاء حسان بن ~~ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهم يبكون قالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء، فتلا النبي ~~صلى الله عليه وسلم: { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } قال: " أنتم " { وذكروا الله كثيرا } قال: " ~~أنتم " ، { وانتصروا من بعد ما ظلموا } قال: " أنتم " # وروى أيضا عن عروة قال: لما نزلت { والشعرآء يتبعهم ~~الغاوون } ، إلى قوله: { وأنهم يقولون ما لا يفعلون ~~} قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد علم الله أني منهم، فأنزل الله ~~تعالى: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الآية، ~~وهكذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغير واحد من أن هذا استثناء مما تقدم. ~~ولهذا قال تعالى: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وذكروا الله كثيرا } قيل: معناه ذكروا الله كثيرا في كلامهم، ~~وقيل: في شعرهم، وكلاهما صحيح مكفر لما سبق، وقوله تعالى: { ~~وانتصروا من بعد ما ظلموا } قال ابن عباس: يردون على ~~الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين؛ وهذا كما ثبت في " الصحيح " أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حسان: # " اهجهم - أو قال - هاجهم وجبريل معك " # وقال الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل قد أنزل في الشعراء ما أنزل، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به ~~نضح النبل " # وقوله تعالى: { وسيعلم الذين ظلموا أي ms1795 منقلب ~~ينقلبون } ، كقوله تعالى: # يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم # [غافر: 52] الآية، وفي " الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة " # ، قال قتادة: يعني من الشعراء وغيرهم وقيل: المراد بهم أهل مكة، وقيل ~~الذين ظلموا من المشركين، والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ظالم، كما قال ~~ابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كتب أبي في وصيته سطرين: بسم ~~الله الرحمن الرحيم هذا ما وصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من ~~الدنيا حين يؤمن الكافر، وينتهي الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم ~~عمر بن الخطاب، فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه، وإن يجر ويبذل فلا أعلم ~~الغيب { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ~~}. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-6] # قد تقدم الكلام في سورة البقرة على الحروف المقطعة في أوائل السور، ~~وقوله تعالى: { تلك آيات } أي هذه آيات { القرآن وكتاب ~~مبين } أي بين واضح، { هدى وبشرى للمؤمنين } أي إنما ~~تحصل الهداية والبشارة من القرآن، لمن آمن به واتبعه وصدقه وعمل بما فيه، ~~وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وأيقن بالدار الآخرة، ~~والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها، والجنة والنار، كما ~~قال تعالى: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر # [فصلت: 44] الآية، وقال تعالى: # لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا # [مريم: 97]، ولهذا قال تعالى ههنا: { إن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة } أي يكذبون بها ويستبعدون وقوعها، { زينا لهم ~~أعمالهم فهم يعمهون } أي حسنا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم ~~في غيهم، فهم يتيهون في ضلالهم، كما قال تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110] الآية، { أولئك الذين لهم سوء ~~العذاب } أي في الدنيا والآخرة { وهم في الآخرة هم ~~الأخسرون } أي ليس يخسر سواهم من أهل المحشر، وقوله تعالى: { ~~وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم } أي { ~~وإنك } يا محمد { لتلقى } أي لتأخذ { القرآن من لدن ~~حكيم عليم } أي ms1796 من عند حكيم عليم أي حكيم في أمره ونهيه، عليم ~~بالأمور جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، ~~كما قال تعالى: # وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا # [الأنعام: 115]. ### || [27.7-14] # يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم مذكرا له ما كان من أمر ~~موسى عليه السلام، كيف اصطفاه الله وكلمه وناجاه، وأعطاه من الآيات ~~العظيمة الباهرة والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه فجحدوا بها ~~وكفروا، فقال تعالى: { إذ قال موسى لأهله } أي اذكر حين سار ~~موسى بأهله فأضل الطريق وذلك في ليل وظلام، فآنس من جانب الطور نارا، أي ~~رأى نارا تأجج وتضطرم، فقال: { لأهله إني آنست نارا ~~سآتيكم منها بخبر } أي عن الطريق، { أو آتيكم بشهاب ~~قبس لعلكم تصطلون } أي تستدفئون به وكان كما قال فإنه رجع ~~منها بخبر عظيم، واقتبس منها نورا عظيما، ولهذا قال تعالى: { فلما ~~جآءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها } أي ~~فلما أتاها ورأى منظرا هائلا عظيما، حيث انتهى إليها والنار تضطرم في ~~شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا توقدا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ~~ونضرة، ثم رفع رأسه فإذا نورها متصل بعنان السماء، قال ابن عباس وغيره: ~~لم تكن نارا وإنما كانت نورا يتوهج، وفي رواية عنه نور رب العالمين، ~~فوقف موسى متعجبا مما رأى { نودي أن بورك من في النار } قال ~~ابن عباس: تقدس { ومن حولها } أي من الملائكة، روى ابن أبي حاتم ~~عن أبي موسى رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه ~~عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل " # ، زاد المسعودي: # " وحجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره " # ثم قرأ أبو عبيدة { أن بورك من في النار ومن حولها } ، ~~وقوله تعالى: { وسبحان الله رب العالمين } أي الذي يفعل ~~ما يشاء ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو ms1797 ~~العلي العظيم المباين لجميع المخلوقات، ولا يكتنفه الأرض والسماوات، بل ~~هو الأحد الصمد المنزه عن مماثلة المحدثات. # وقوله تعالى: { يموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم ~~} أعلمه أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه، العزيز الذي عز كل شيء وقهره ~~وغلبه، الحكيم في أقواله وأفعاله، ثم أمره أن يلقي عصاه من يده، ليظهر له ~~دليلا واضحا على أنه الفاعل المختار القادر على كل شيء، فلما ألقى موسى ~~تلك العصا من يده انقلبت في الحال حية عظيمة هائلة، في غاية الكبر وسرعة ~~الحركة مع ذلك، ولهذا قال تعالى: { فلما رآها تهتز كأنها ~~جآن } والجان ضرب من الحيات أسرعه حركة وأكثره اضطرابا، فلما عاين ~~موسى ذلك { ولى مدبرا ولم يعقب } أي لم يلتفت من شدة ~~فرقه { يموسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون ~~} أي لا تخف مما ترى فإني أريد أن أصطفيك رسولا، وأجعلك نبيا وجيها، ~~وقوله تعالى: { إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ~~فإني غفور رحيم } هذا استثناء منقطع وفيه بشارة عظيمة للبشر، ~~وذلك أن من كان على عمل سيء، ثم أقلع عنه ورجع وتاب وأناب فإن الله يتوب ~~عليه، كما قال تعالى: # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى # [طه: 82]، وقوله تعالى: { وأدخل يدك في جيبك تخرج ~~بيضآء من غير سوء } هذه آية أخرى ودليل باهر على قدرة الله ~~الفاعل المختار وصدق من جعل له معجزة، وذلك أن الله تعالى أمره أن يدخل ~~يده في جيب درعه، فإذا أدخلها وأخرجها خرجت بيضاء ساطعة كأنها قطعة قمر، ~~لها لمعان تتلألأ كالبرق الخاطف، وقوله تعالى: { في تسع آيات } أي ~~هاتان ثنتان من تسع آيات، أؤيدك بهن وأجعلهن برهانا لك إلى فرعون وقومه ~~{ إنهم كانوا قوما فاسقين } وهذه هي الآيات التسع التي ~~قال الله تعالى: # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات # [الإسراء: 101] كما تقدم تقرير ذلك هنالك، وقوله تعالى: { فلما ~~جآءتهم آياتنا مبصرة } أي بينة واضحة ظاهرة { قالوا ~~هذا سحر مبين } أي علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله ms1798 ولكن ~~جحدوها وعاندوها وكابروها { ظلما وعلوا } ، أي ظلما من أنفسهم { ~~وعلوا } أي استكبارا عن اتباع الحق، ولهذا قال تعالى: { فانظر ~~كيف كان عاقبة المفسدين } أي انظر يا محمد كيف كان عاقبة ~~أمرهم في إهلاك الله إياهم، وفحوى الخطاب، يقول: احذروا أيها المكذبون ~~لمحمد الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى ~~والأحرى، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم أشرف وأعظم من موسى، وبرهانه أدل ~~وأقوى من برهان موسى، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام. ### || [27.15-19] # يخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه (داود) وابنه (سليمان) عليهما ~~السلام، من النعم الجزيلة والمواهب الجليلة، والصفات الجميلة، وما جمع ~~لهما بين سعادة الدنيا والآخرة، والملك والنبوة، ولهذا قال تعالى: { ~~ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد ~~لله الذي فضلنا على كثير من عباده ~~المؤمنين } ، وقوله تعالى: { وورث سليمان داوود } أي ~~في الملك والنبوة، وليس المراد وراثة المال إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان ~~وحده من بين سائر أولاد داود، ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة، فإن ~~الأنبياء لا نورث أموالهم، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في قوله: # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة " # ، { وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير ~~وأوتينا من كل شيء } أي أخبر سليمان بنعم الله عليه فيما وهبه ~~له من الملك التام والتمكين العظيم، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير، ~~وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضا على اختلاف أصنافها، ولهذا قال ~~تعالى: { علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء } ~~أي ما يحتاج إليه الملك، { إن هذا لهو الفضل المبين } ~~أي الظاهر البين لله علينا، وقوله تعالى: { وحشر لسليمان ~~جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون } أي ~~وجمع لسليمان جنوده من الجن، والإنس والطير، يعني ركب فيهم في أبهة وعظمة ~~كبيرة، في الإنس وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم في المنزلة، ~~والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حر أظلته منه بأجنحتها، وقوله { ~~فهم يوزعون } أي يكف ms1799 أولهم على آخرهم لئلا يتقدم أحد عن منزلته، ~~قال مجاهد: جعل على كل صنف وزعة لئلا يتقدموا في السير كما يفعل الملوك ~~اليوم. # وقوله تعالى: { حتى إذآ أتوا على واد النمل } أي حتى ~~إذا مر سليمان عليه السلام بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل { ~~قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون } أي ~~خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها فأمرتهم بالدخول إلى مساكنهم، ~~ففهم ذلك سليمان عليه السلام منها: { فتبسم ضاحكا من ~~قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ~~ترضاه } أي ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها علي من تعليمي منطق ~~الطير والحيوان، وعلى والدي بالإسلام لك، والإيمان بك { وأن أعمل ~~صالحا ترضاه } أي عملا تحبه وترضاه، { وأدخلني ~~برحمتك في عبادك الصالحين } أي إذا توفيتني فألحقني ~~بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك. والغرض أن سليمان عليه ~~السلام فهم قولها وتبسم ضاحكا من ذلك وهذا أمر عظيم جدا، وقد روى ابن ~~أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود عليهما السلام ~~يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي ~~تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا تهلكنا، ~~فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم. وقد ثبت في الصحيح عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قرصت نبيا من الأنبياء نملة فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله ~~إليه، أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ فهلا نملة واحدة؟ ". ### || [27.20-21] # قال ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندسا يدل سليمان عليه السلام على ~~الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، فإذا دلهم ~~عليه أمر سليمان عليه السلام الجان فحفروا له ذلك المكان، حتى يستنبط ~~الماء من قراره، فنزل سليمان عليه السلام يوما بفلاة من الأرض فتفقد ~~الطير ليرى الهدهد فلم يره { فقال مالي ms1800 لا أرى الهدهد أم ~~كان من الغآئبين } حدث يوما ابن عباس بنحو هذا وفي القوم رجل ~~من الخوارج يقال له (نافع بن الأزرق) وكان كثير الاعتراض على ابن عباس ~~فقال له: قف يا ابن عباس غلبت اليوم، قال: ولم؟ قال: إنك تخبر أن الهدهد ~~يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على ~~الفخ ترابا فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ فيصيده الصبي، فقال ابن ~~عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول رددت على ابن عباس لما أجبته، ثم قال له: ~~ويحك إنه إذا نزل القدر عمي البصر وذهب الحذر، فقال له نافع: والله لا ~~أجادلك في شيء من القرآن أبدا، وقال محمد بن إسحاق: كان سليمان عليه ~~السلام إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه تفقد الطير، وكان فيما ~~يزعمون يأتيه نوب من كل صنف من الطير كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف ~~الطير كلها من حضره إلا الهدهد { فقال مالي لا أرى الهدهد ~~أم كان من الغآئبين } أخطأه بصري من الطير أم غاب فلم يحضر؟ ~~وقوله: { لأعذبنه عذابا شديدا } قال ابن عباس يعني نتف ~~ريشه، وكذا قال غير واحد من السلف إنه نتف ريشه وتركه ملقى يأكله الذر ~~والنمل، وقوله: { أو لأاذبحنه } يعني قتله { أو ~~ليأتيني بسلطان مبين } بعذر بين واضح، وقال سفيان بن ~~عيينة: لما أقدم الهدهد قالت له الطير: ما خلفك فقد نذر سليمان دمك، ~~فقال: هل استثنى؟ قالوا: نعم، قال: { لأعذبنه عذابا شديدا ~~أو لأاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين } قال: ~~نجوت إذا. ### || [27.22-26] # يقول تعالى: { فمكث } الهدهد { غير بعيد } أي غاب زمانا ~~يسيرا ثم جاء فقال لسليمان { أحطت بما لم تحط به } أي اطلعت ~~على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك { وجئتك من سبإ بنبإ ~~يقين } أي بخبر صدق حق يقين، وسبأ هم ملوك اليمن، ثم قال: { إني ~~وجدت امرأة تملكهم } قال الحسن البصري: وهي بلقيس بنت ~~شراحيل ملكة سبأ، وعن قتادة في قوله تعالى: { إني وجدت امرأة ms1801 ~~تملكهم } كانت من بيت مملكة وكان أولو مشورتها ثلثمائة واثني عشر ~~رجلا، كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل، وكانت بأرض يقال لها (مأرب) على ~~ثلاثة أميال من صنعاء، وقوله: { وأوتيت من كل شيء } أي من ~~متاع الدنيا مما يحتاج إليه الملك المتمكن { ولها عرش عظيم } ~~يعني سرير تجلس عليه عظيم هائل، مزخرف بالذهب وأنواع الجواهر واللآليء، ~~قال علماء التاريخ: وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم، ~~وكان فيه ثلثمائة وستون طاقة من مشرقه، ومثلها من مغربه، وقد وضع بناؤه ~~على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة وتغرب من مقابلتها فيسجدون لها صباحا ~~ومساء، ولهذا قال: { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من ~~دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل } أي عن طريق الحق { فهم لا يهتدون } ، وقوله: ~~{ ألا يسجدوا لله } أي لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص ~~السجود لله وحده دون ما خلق من الكواكب وغيرها، كما قال تعالى: # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر لا ~~تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي ~~خلقهن إن كنتم إياه تعبدون # [فصلت: 37]. # وقوله تعالى: { الذي يخرج الخبء في السموت ~~والأرض } قال ابن عباس: يعلم كل خبيثة في السماء والأرض، وقال سعيد ~~بن المسيب: الخبء الماء، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: خبء السماوات ~~والأرض ما جعل فيهما من الأرزاق، المطر من السماء والنبات من الأرض، وهذا ~~مناسب من كلام الهدهد الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عباس ~~وغيره أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض وداخلها، وقوله: { ويعلم ~~ما تخفون وما تعلنون } أي يعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه ~~من الأقوال والأفعال، وهذا كقوله تعالى: # سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن ~~هو مستخف باليل وسارب بالنهار # [الرعد: 10]، وقوله: { الله لا إله إلا هو رب ~~العرش العظيم } الذي ليس في المخلوقات أعظم منه. ولما كان الهدهد ~~داعيا إلى الخير، وعبادة الله وحده، نهي عن قتله، كما روي عن أبي هريرة ~~رضي ms1802 الله عنه قال: # " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة ~~والهدهد والصرد. " ### || [27.27-31] # يقول تعالى مخبرا عن قيل سليمان للهدهد، حين أخبره عن أهل سبأ وملكهم { ~~قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين } أي أصدقت في ~~إخبارك هذا { أم كنت من الكاذبين } في مقالتك لتتخلص من ~~الوعيد الذي أوعدتك؟ { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ~~ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون } ، وذلك أن سليمان ~~عليه السلام كتب كتابا إلى بلقيس وقومها، وأعطاه ذلك الهدهد فحمله وذهب ~~إلى بلادهم، فجاء إلى قصر بلقيس فألقاه إليها من كوة هنالك بين يديها، ثم ~~تولى ناحية أدبا ورياسة فتحيرت مما رأت وهالها ذلك ثم عمدت إلى الكتاب ~~فأخذته ففتحت ختمه وقرأته، فإذا فيه: { إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا ~~علي وأتوني مسلمين } فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء ~~دولتها ومملكتها ثم قالت لهم: { يأيها الملأ إني ألقي ~~إلي كتاب كريم } تعين بكرمه ما رأته من عجيب أمره، كون طائر ~~ذهب به فألقاه إليها ثم تولى عنها أدبا وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من ~~الملوك ولا سبيل لهم إلى ذلك ثم قرأته عليهم { إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا ~~علي وأتوني مسلمين } فعرفوا أنه من نبي الله سليمان عليه ~~السلام، وأنه لا قبل لهم به وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة ~~والفصاحة فإنه حصل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها. قال العلماء: لم يكتب أحد ~~بسم الله الرحمن الرحيم قبل سليمان عليه السلام. وقوله: { ألا ~~تعلوا علي } قال قتادة يقول: لا تتجبروا علي { وأتوني ~~مسلمين } ، وقال ابن أسلم: لا تمتنعوا ولا تتكبروا علي وأتوني ~~مسلمين، قال ابن عباس: موحدين: وقال غيره: مخلصين، وقال سفيان بن عيينة: ~~طائعين. ### || [27.32-35] # لما قرأت عليهم كتاب سليمان استشارتهم في أمرها وما قد نزل بها، ولهذا ~~قالت: { يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت ~~قاطعة أمرا حتى تشهدون } أي حتى تحضرون وتشيرون { ~~قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس ms1803 شديد } أي منوا ~~عليها بعددهم وعددهم وقوتهم، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا: { ~~والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين }؟ أي نحن أشداء إن ~~شئت أن تقصديه وتحاربيه فما لنا عاقة عنه، وبعد هذا فالأمر إليك، مري ~~فينا رأيك نمتثله ونطيعه، قال الحسن البصري: فوضوا أمرهم إلى علجة تضطرب ~~ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا كانت هي أحزم رأيا منهم وأعلم بأمر ~~سليمان، وأنه لا قبل لها بجنوده وجيوشه وما سخر له من الجن والإنس ~~والطير، وقد شاهدت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرا عجيبا بديعا فقالت ~~لهم: إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه، فيقصدنا بجنوده ويهلكنا بمن معه، ~~ويخلص إلي وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا، ولهذا قالت: { إن ~~الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها } ، قال ابن عباس: أي ~~إذا دخلوا بلدا عنوة أفسدوه أي خربوه، { وجعلوا أعزة ~~أهلهآ أذلة } أي وقصدوا من فيها من الولاة والجنود فأهانوهم ~~غاية الهوان إما بالقتل أو بالأسر، قال ابن عباس، قالت بلقيس: { إن ~~الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا ~~أعزة أهلهآ أذلة } ، قال الرب عز وجل: { وكذلك ~~يفعلون } ، ثم عدلت إلى المصالحة والمهادنة والمسالمة فقالت: { ~~وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع ~~المرسلون } أي سأبعث إليه بهدية تليق بمثله، وأنظر ماذا يكون جوابه ~~بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك منا ويكف عنا، أو يضرب علينا خراجا نحمله إليه ~~في كل عام، ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا، قال قتادة: ما كان ~~أعقلها في إسلامها وشركها، علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس، وقال ابن ~~عباس: قالت لقومها: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو ~~نبي فاتبعوه. ### || [27.36-37] # ذكر غير واحد من المفسرين أنها بعثت إليه بهدية عظيمة، من ذهب وجواهر ~~ولآلئ وغير ذلك، والصحيح أنها أرسلت إليه بآنية من ذهب، فلم ينظر سليمان ~~إلى ما جاءوا به بالكلية ولا أعتنى به بل أعرض عنه، وقال منكرا عليهم { ~~أتمدونن بمال } أي أتصانعونني بمال لأترككم على شركم وملككم؟ { ~~فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم } أي ms1804 الذي أعطاني الله ~~من الملك والمال والجنود، خير مما أنتم فيه { بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون } أي أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، ~~وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف، قال ابن عباس رضي الله ~~عنه: أمر سليمان الشياطين فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة، فلما رأت رسلها ~~ذلك قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا؟ وفي هذا جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم ~~الزينة للرسل والقصاد { ارجع إليهم } أي بهديتهم، { ~~فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها } أي لا طاقة لهم ~~بقتالهم { ولنخرجنهم منهآ أذلة } أي ولنخرجنهم من ~~بلدتهم أذلة، { وهم صاغرون } أي مهانون مدحورون، فلما رجعت إليها ~~رسلها بهديتها وبما قال سليمان سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه ~~في جنودها خاضعة ذليلة معظمة لسليمان ناوية متابعته في الإسلام، ولما ~~تحقق سليمان عليه السلام قدومهم عليه ووفودهم إليه فرح بذلك وسره. ### || [27.38-40] # قال محمد بن إسحاق: فلما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان قالت: قد ~~والله عرفت ما هذا بملك وما لنا به من طاقة، وما نصنع بمكابرته شيئا، ~~وبعثت إليه إني قادمة عليك بملوك قومي لأنظر ما أمرك وما تدعونا إليه من ~~دينك، ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه، وكان من ذهب مفصص ~~بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ فجعل في سبعة أبيات، ثم أقفلت عليه الأبواب. ~~ثم قالت: لمان خلفت على سلطانها احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص ~~إليه أحد من عباد الله، ولا يرينه أحد حتى آتيك، ثم شخصت إلى سليمان في ~~اثني عشر ألف فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم ~~وليلة، حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس ممن تحت يده فقال: { ~~يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن ~~يأتوني مسلمين }. وقال قتادة: لما بلغ سليمان أنها جائية وكان ~~قد ذكر له عرشها فأعجبه، وكان من ذهب وقوائمه لؤلؤ وجوهر، وكان مسترا ~~بالديباج والحرير، وكانت عليه تسعة مغاليق فكره أن يأخذه بعد إسلامهم، ~~وقد علم نبي الله أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم ودماؤهم، ms1805 فقال: { ~~يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن ~~يأتوني مسلمين } ، وهكذا قال عطاء الخراساني والسدي { قبل ~~أن يأتوني مسلمين } فتحرم علي أموالهم بإسلامهم، { قال ~~عفريت من الجن } أي مارد من الجن، { أنا آتيك به قبل ~~أن تقوم من مقامك } قال ابن عباس: يعني قبل أن تقوم من مجلسك، ~~وقال مجاهد: مقعدك، وقال السدي وغيره: كان يجلس للناس للقضاء والحكومات ~~من أول النهار إلى أن تزول الشمس، { وإني عليه لقوي أمين ~~} قال ابن عباس: أي قوي على حمله { أمين } على ما فيه من الجوهر، فقال ~~سليمان عليه السلام: أريد أعجل من ذلك، ومن ههنا يظهر أن سليمان أراد ~~بإحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهب الله له من الملك، وما سخر له من ~~الجنود الذي لا يعطه أحد قبله، ولا يكون لأحد من بعده، وليتخذ ذلك حجة ~~على نبوته عند بلقيس وقومها، لأن هذا خارق عظيم، أن يأتي بعرشها كما هو ~~من بلادها قبل أن يقدموا عليه، هذا وقد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة، ~~فلما قال سليمان أريد أعجل من ذلك، { قال الذي عنده علم من ~~الكتاب } قال ابن عباس: وهو (آصف) كاتب سليمان عليه السلام. # وكذا روي عن يزيد بن رومان أنه (آصف بن برخياء) وكان صديقا يعلم الاسم ~~الأعظم، وقال قتادة: كان مؤمنا من الإنس واسمه آصف من بني إسرائيل، ~~وقوله: { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } ~~أي ارفع بصرك وانظر فإنه لا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك، وقال وهب بن ~~منبه: امدد بصرك فلا يبلغ مداه حت آتيك به، ثم قام فتوضأ ودعا الله ~~تعالى، قال مجاهد: قال يا ذا الجلال والإكرام. # وقال الزهري قال: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا ~~أنت ائتني بعرشها، قال: فمثل بين يديه، فلما عاين سليمان وملؤه ذلك ورآه ~~مستقرا عنده { قال هذا من فضل ربي } أي هذا من نعم الله ~~علي { ليبلوني } أي ليختبرني { أأشكر أم أكفر ومن ~~شكر فإنما يشكر لنفسه } ، كقوله: # من عمل صالحا ms1806 فلنفسه ومن أسآء فعليها # [فصلت: 46]، وكقوله: # ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون # [الروم: 44]، وقوله: { ومن كفر فإن ربي غني كريم } ~~أي هو غني عن العباد وعبادتهم، كريم: أي كريم في نفسه وإن لم يعبده أحد، ~~فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد، وهذا كما قال موسى: # إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله ~~لغني حميد # [إبراهيم: 8]، وفي " صحيح مسلم ": # " يقول الله تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على ~~أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي ~~شيئا، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد ~~خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ". ### || [27.41-44] # لما جيء سليمان عليه السلام بعرش بلقيس قبل قدومها، أمر به أن يغير بعض ~~صفاته ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته، هل تقدم على أنه عرشها أو أنه ~~ليس بعرشها، فقال: { نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي ~~أم تكون من الذين لا يهتدون } قال مجاهد: أمر به فغير ~~ما كان فيه أحمر جعل أصفر، وما كان أصفر جعل أحمر، وما كان أخضر جعل ~~أحمر، وغير كل شيء عن حاله، وقال عكرمة: زادوا فيه ونقصوا { فلما ~~جآءت قيل أهكذا عرشك } أي عرض عليها عرشها وقد غير ونكر ~~وزيد فيه ونقص منه فكان فيها ثبات وعقل، ولها لب ودهاء وحزم، فلم تقدم ~~على أنه هو لبعد مسافته عنها ولا أنه غيره لما رأت من أثاره وصفاته وإن ~~غير وبدل ونكر، فقالت { كأنه هو } أي يشبهه ويقاربه، وهذا غاية في ~~الذكاء والحزم. وقوله: { وأوتينا العلم من قبلها وكنا ~~مسلمين } قال مجاهد: يقوله سليمان، وقوله تعالى: { وصدها ما ~~كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم ~~كافرين } ، هذا من تمام كلام سليمان عليه السلام في قول مجاهد أي قال ~~سليمان { وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين } ، ~~وهي كانت قد ms1807 صدها أي منعها من عبادة الله وحده { ما كانت تعبد ~~من دون الله إنها كانت من قوم كافرين }. # قلت: ويؤيد قول مجاهد أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح كما ~~سيأتي، وقوله: { قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته ~~حسبته لجة وكشفت عن ساقيها } ، وذلك أن سليمان عليه ~~السلام أمر الشياطين فبنوا لها قصرا عظيما من قوارير أي من زجاج، وأجرى ~~تحته الماء، فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء، ولكن الزجاج يحول بين ~~الماشي وبينه، قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان: ثم قال لها ادخلي ~~الصرح ليريها ملكا هو أعز من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها، فلما ~~رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها { ~~إنه صرح ممرد من قوارير } فلما وقفت على سليمان، دعاها ~~إلى عبادة الله وحده وعاتبها في عبادة الشمس من دون الله، قالت: { رب ~~إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين } فأسلمت وحسن إسلامها. وأصل الصرح في كلام العرب هو القصر ~~وكل بناء مرتفع، قال الله سبحانه وتعالى إخبارا عن فرعون لعنه الله # ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب # [غافر: 36] الآية، والصرح قصر في اليمن عالي البناء، والممرد المبني ~~بناء محكما أملس { من قوارير } أي زجاج، والغرض أن سليمان عليه ~~السلام اتخذ قصرا عظيما منيفا من زجاج، لهذه الملكة ليريها عظمة ~~سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما آتاه الله وجلالة ما هو فيه، وتبصرت في أمره ~~انقادت لأمر الله تعالى وعرفت أنه نبي كريم، وملك عظيم، وأسلمت لله عز ~~وجل، وقالت: { رب إني ظلمت نفسي } أي بما سلف من كفرها ~~وشركها وعبادتها وقومها للشمس من دون الله { وأسلمت مع ~~سليمان لله رب العالمين } أي متابعة لدين سليمان في ~~عبادته لله وحده لا شريك له، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا. ### || [27.45-47] # يخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها (صالح) عليه السلام، حين ~~بعثه الله إليهم فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ms1808 { فإذا هم ~~فريقان يختصمون } قال مجاهد: مؤمن وكافر. { قال يقوم ~~لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة } أي لم تدعون ~~بحضور العذاب ولا تطلبون من الله رحمته، ولهذا قال: { لولا ~~تستغفرون الله لعلكم ترحمون * قالوا ~~اطيرنا بك وبمن معك } أي ما رأينا على وجهك ووجوه من ~~اتبعك خيرا، وذلك أنهم لشقائهم كان لا يصيب أحدا منهم سوء إلا قال هذا ~~من قبل صالح وأصحابه، قال مجاهد: تشاءموا بهم، وهذا كما قال الله تعالى ~~إخبارا عن قوم فرعون # وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # [الأعراف: 131] الآية، وقال تعالى: # وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ~~وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل ~~من عند الله # [النساء: 78] أي بقضائه وقدره، وقال تعالى: # قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا ~~لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم * ~~قالوا طائركم معكم # [يس: 18-19] الآية، وقال هؤلاء { اطيرنا بك وبمن معك ~~قال طائركم عند الله } أي الله يجازيكم على ذلك { بل ~~أنتم قوم تفتنون } قال قتادة: تبتلون بالطاعة والمعصية، ~~والظاهر أن المراد بقوله { تفتنون } أي: تستدرجون فيما أنتم فيه من ~~الضلال. ### || [27.48-53] # يخبر تعالى عن طغاة ثمود ورؤوسهم، الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلال ~~والكفر، وعقروا الناقة وهموا بقتل صالح أيضا، بأن يبيتوه في أهله ليلا ~~فيقتلوه غيلة، ثم يقولوا لأوليائه من أقربيه إنهم ما علموا بشيء من أمره، ~~وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به من أنهم لم يشاهدوا ذلك. فقال تعالى: { ~~وكان في المدينة } أي مدينة ثمود { تسعة رهط } أي تسعة ~~نفر { يفسدون في الأرض ولا يصلحون } وإنما غلبت هؤلاء ~~على أمر ثمود لأنهم كانوا كبراءهم ورؤساءهم، قال ابن عباس: هؤلاء هم ~~الذين عقروا الناقة أي الذين صدر ذلك عن رأيهم ومشورتهم قبحهم الله ~~ولعنهم، والغرض أن هؤلاء الكفرة الفسقة كان من صفاتهم الإفساد في الأرض ~~بكل طريق يقدرون عليها. # وقوله تعالى: { قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه ~~وأهله } أي تحالفوا وتبايعوا على قتل نبي الله (صالح) عليه السلام ~~من لقيه ليلا غيلة، فكادهم الله وجعل الدائرة ms1809 عليهم، قال مجاهد: تقاسموا ~~وتحالفوا على هلاكه فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين، وقال محمد ~~بن إسحاق: قال هؤلاء التسعة، بعدما عقروا الناقة هلم فلنقتل صالحا، فإن ~~كان صادقا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبا كنا قد ألحقناه بناقته، فأتوه ~~ليلا ليبيتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطأوا على ~~أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم منشدخين قد رضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح ~~أنت قتلتهم ثم هموا به، فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: ~~والله لا تقتلونه أبدا وقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان ~~صادقا فلا تزيدوا ربكم عليكم غضبا، وإن كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون ~~فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك. وقال ابن أبي حاتم: لما عقروا الناقة قال لهم ~~صالح: # تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير ~~مكذوب # [هود: 65] قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة أيام فنحن نفرغ منه ~~وأهله قبل ثلاث، وكان لصالح مسجد في الحجر عند شعب هناك يصلي فيه، فخرجوا ~~إلى كهف أي غار هناك ليلا فقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إذا ~~فرغنا منه إلى أهله، ففرغنا منهم، فبعث الله عليهم صخرة من الهضب حيالهم، ~~فخشوا أن تشدخهم فتبادروا فانطبقت عليهم الصخرة وهم في ذلك الغار، فلا ~~يدري قومهم أين هم، ولا يدرون ما فعل بقومهم: فعذب الله هؤلاء ههنا ~~وهؤلاء ههنا وأنجى الله صالحا ومن معه، ثم قرأ: { ومكروا مكرا ~~ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان ~~عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * ~~فتلك بيوتهم خاوية } أي فارغة ليس فيها أحد { بما ~~ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون * ~~وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون }. ### || [27.54-58] # يخبر تعالى عن عبده ورسوله (لوط) عليه السلام أنه أنذر قومه نقمة الله ~~بهم في فعلهم الفاحشة، التي لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي (إتيان ~~الذكور) دون الإناث، وذلك فاحشة عظيمة استغنى الرجال بالرجال والنساء ~~بالنساء، فقال { أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون } أي ~~يرى بعضكم بعضا وتأتون في ناديكم المنكر ms1810 { أإنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النسآء بل أنتم قوم ~~تجهلون } أي لا تعرفون شيئا لا طبعا ولا شرعا كما قال في الآية ~~الأخرى: # أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق ~~لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون # [الشعراء: 165-166] { فما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون } أي يتحرجون من فعل ما تفعلونه ومن إقراركم على صنيعكم، ~~فأخرجوهم من بين أظهركم فإنهم لا يصلحون لمجاورتكم في بلادكم، فعزموا على ~~ذلك فدمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، قال الله تعالى: { ~~فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من ~~الغابرين } أي من الهالكين مع قومها، لأنها كانت ردءا لهم على ~~دينهم، وعلى طريقتهم في رضاها بأفعالهم القبيحة، فكانت تدل قومها على ~~ضيفان لوط ليأتوا إليهم، وقوله تعالى: { وأمطرنا عليهم ~~مطرا } أي حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال: { فسآء مطر ~~المنذرين } أي الذين قامت عليهم الحجة، ووصل إليهم الإنذار، فخالفوا ~~الرسول وكذبوه وهموا بإخراجه من بينهم. ### || [27.59-60] # يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: { الحمد ~~لله } أي على نعمه على عباده من النعم التي لا تعد ولا تحصى وعلى ما ~~اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى، وأن يسلم على عباد الله الذين ~~اصطفاهم واختارهم وهم رسله وأنبياؤه الكرام، عليهم من الله أفضل الصلاة ~~والسلام، هكذا قال عبد الرحمن بن أسلم هم الأنبياء، قال: وهو كقوله: # سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام ~~على المرسلين * والحمد لله رب العالمين # [الصافات: 180-182]، وقال الثوري والسدي: هم أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم ورضي عنهم أجمعين، ولا منافاة فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين ~~اصطفى فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى، والقصد أن الله تعالى أمر رسوله ~~ومن اتبعه أن يحمدوه على جميع أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين ~~الأخيار، وقد روى أبو بكر البزار عن ابن عباس { وسلام على ~~عباده الذين اصطفى } قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~اصطفاهم الله لنبيه رضي الله عنهم. ms1811 وقوله تعالى: { آلله خير أما ~~يشركون }؟ استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة ~~أخرى. ثم شرع تعالى يبين أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، ~~فقال تعالى: { أمن خلق السموت } أي خلق تلك السماوات في ~~ارتفاعها وصفائها، وما جعل فيها من الكواكب النيرة، والنجوم الزاهرة، ~~والأفلاك الدائرة، وخلق الأرض وما فيها من الجبال والأطواد والسهول ~~والأوعار، والفيافي والقفار، والزروع والأشجار، والثمار والبحار، ~~والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك، وقوله تعالى: { ~~وأنزل لكم من السمآء مآء } أي جعله رزقا للعباد { ~~فأنبتنا به حدآئق } أي بساتين { ذات بهجة } أي منظر حسن ~~وشكل بهي { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } أي لم تكونوا ~~تقدرون على إنبات أشجارها، وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق دون ما سواه ~~من الأصنام والأنداد، كما يعترف به المشركون # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87] # ولئن سألتهم من نزل من السمآء مآء فأحيا ~~به الأرض من بعد موتها ليقولن الله # [العنكبوت: 63] أي هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ~~ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، ولهذا قال ~~تعالى: { أإله مع الله } أي أإله مع الله يعبد، وقد تبين لكم ~~ولكل ذي لب مما يعترفون به أيضا أنه الخالق الرازق، ومن المفسرين من ~~يقول: معنى قوله { أإله مع الله } فعل هذا؟ وهو يرجع إلى ~~معنى الأول، لأن تقدير الجواب أنهم يقولون: ليس ثم أحد فعل هذا معه بل ~~هو المتفرد به فيقال: فكيف تعبدون معه غيره وهو المستقل المتفرد بالخلق ~~والرزق والتدبير؟ كما قال تعالى: # أفمن يخلق كمن لا يخلق # [النحل: 17] الآية، وقوله تعالى ههنا: { أمن خلق السموت ~~والأرض } { أمن } في هذه الآيات كلها تقديره أمن يفعل هذه ~~الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر، ~~ثم قال: { بل هم قوم يعدلون } أي يجعلون لله عدلا ونظيرا، ~~وهكذا قال تعالى: # أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما يحذر ~~الآخرة ويرجوا ms1812 رحمة ربه # [الزمر: 9] أي أمن هو هكذا كمن ليس كذلك؟ ولهذا قال تعالى: # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~إنما يتذكر أولوا الألباب # [الزمر: 9]. ### || [27.61] # يقول تعالى: { أمن جعل الأرض قرارا } أي قارة ساكنة ثابتة ~~لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا ترجف بها، فإنها لو كانت كذلك لما طاب ~~عليها العيش والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته مهادا، ثابتة لا تتزلزل ~~ولا تتحرك، كما قال تعالى في الآية الأخرى: # الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسمآء ~~بنآء # [غافر: 64]، { وجعل خلالهآ أنهارا } أي جعل فيها الأنهار ~~العذبة الطيبة، شقها في خلالها وصرفها فيها ما بين أنهار كبار وصغار وبين ~~ذلك، وسيرها شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، بحسب مصالح عباده في أقاليمهم ~~وأقطارهم، حيث ذرأهم في أرجاء الأرض، وسير لهم أرزاقهم بحسب ما يحتاجون ~~إليه { وجعل لها رواسي } أي جبالا شامخة ترسي الأرض وتثبتها ~~لئلا تميد بكم { وجعل بين البحرين حاجزا } أي جعل بين ~~المياه العذبة والمالحة { حاجزا } أي مانعا يمنعها من الاختلاط، لئلا ~~يفسد هذا بهذا وهذا بهذا، فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقاء كل منهما على ~~صفته المقصودة منه، فإن البحر الحلو هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين ~~الناس، والمقصود منها أن تكون عذبة زلالا يسقى منها الحيوان والنبات ~~والثمار، والبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء والأقطار من كل جانب، ~~والمقصود منها أن يكون ماؤها ملحا أجاجا لئلا يفسد الهواء بريحها، كما ~~قال تعالى: # وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ~~ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا # [الفرقان: 53]، ولهذا قال تعالى: { أإله مع الله }؟ أي فعل هذا ~~أو يعبد على القول الأول والآخر؟ وكلاهما متلازم صحيح { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } أي في عبادتهم غيره. ### || [27.62] # ينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد، المرجو عند النوازل، كما قال ~~تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # [الإسراء: 67]، وقال تعالى: # ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون # [النحل: 53]، وهكذا قال ههنا: { أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه } أي من هو ms1813 الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر ~~المضرورين سواه؟ قال الإمام أحمد عن أبي تميمة الهجيمي عن رجل من هجيم ~~قال: # " قلت يا رسول الله إلام تدعو؟ قال: " أدعوا إلى الله وحده، الذي إن مسك ~~ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك، والذي إن ~~أصابتك سنة فدعوته أنبت لك " قال: قلت أوصني، قال: " لا تسبن أحدا ولا ~~تزهدن في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تفرغ ~~من دلوك في إناء المستقي، واتزر إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين، ~~وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة وإن الله لا يحب ~~المخيلة " # ، وفي رواية أخرى لأحمد عن جابر بن سليم الهجيمي قال: # " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محتب بشملة وقد وقع هدبها على ~~قدميه، فقلت: إيكم محمد رسول الله؟ فأومأ بيده إلى نفسه، فقلت: يا رسول ~~الله أنا من أهل البادية وفي جفاؤهم فأوصني، قال: " لا تحقرن من ~~المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في ~~إناء المستقي، وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه فإنه ~~يكون لك أجره وعليه وزره، وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من ~~المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة، ولا تسبن أحدا " قال: فما سببت بعده ~~أحدا ولا شاة ولا بعيرا " # وقال وهب بن منبه: قرأت في الكتاب الأول: إن الله تعالى يقول: بعزتي إنه ~~من اعتصم بي فإن كادته السماوات بمن فيهن، والأرض بمن فيها، فإني أجعل له ~~من بين ذلك مخرجا، ومن لم يعتصم بي، فإن أخسف به من تحت قدميه الأرض، ~~فأجعله في الهواء فأكله إلى نفسه. # وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر (محمد بن داود ~~الدينوري) المعروف بالدقي الصوفي، قال هذا الرجل: كنت أكاري على بغل لي ~~من دمشق إلى بلد الزبداني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض ms1814 الطريق ~~على طريق غير مسلوكة، فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب، لا خبرة لي فيها، ~~فقال: بل هي أقرب فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق وفيه قتلى ~~كثيرة، فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه ~~وسل سكينا معه وقصدني ففرت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله، وقلت: خذ ~~البغل بما عليه، فقال: هو لي، وإنما أريد قتلك، فخوفته الله والعقوبة فلم ~~يقبل، فاستسلمت بين يديه، وقلت إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين فقال: ~~عجل فقمت أصلي، فأرتج علي القرآن، فلم يحضرني منه حرف واحد فبقيت واقفا ~~متحيرا، وهو يقول: هيه افرغ، فأجرى الله على لساني قوله تعالى: { أمن ~~يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء } فإذا أنا ~~بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة، فرمى بها الرجل، فما أخطأت فؤاده ~~فخر صريعا، فتعلقت بالفارس، وقلت: بالله من أنت؟ فقال: أنا رسول الله ~~الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت ~~سالما. # وقوله تعالى: { ويجعلكم خلفآء الأرض } أي يخلف قرنا لقرن ~~قبلهم وخلفا لسلف، كما قال تعالى: # إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشآء ~~كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين # [الأنعام: 133]، وقال تعالى: # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم ~~فوق بعض # [الأنعام: 165]، وهكذا هذه الآية { ويجعلكم خلفآء الأرض } ~~أي أمة بعد أمة، وجيلا بعد جيل، وقوما بعد قوم، ولو شاء لأوجدهم كلهم ~~في وقت واحد، ولم يجعل بعضهم من ذرية بعض، بل لو شاء لخلقهم كلهم أجمعين، ~~كما خلق آدم من تراب، ولو شاء أن يجعلهم بعضهم من ذرية بعض، ولكن لا يميت ~~أحدا حتى تكون وفاة الجميع في وقت واحد لكانت تضيق عنهم الأرض وتضيق ~~عليهم معايشتهم وأكسابهم ويتضرر بعضهم ببعض، ولكن اقتضت حكمته وقدرته أن ~~يخلقهم من نفس واحدة، ثم يكثرهم غاية الكثرة ويجعلهم أمما بعد أمم، حتى ~~ينقضي الأجل وتفرغ البرية كما قدر ذلك تبارك وتعالى، وكما أحصاهم وعدهم ~~عدا، ثم يقيم القيامة ويوفي ms1815 كل عامل عمله إذا بلغ الكتاب أجله، ولهذا ~~قال تعالى: { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء ويجعلكم خلفآء الأرض أإله مع الله } ~~أي يقدر على ذلك، أو أإله مع الله بعد هذا! وقد علم أن الله هو المتفرد ~~بفعل ذلك وحده لا شريك له؟ { قليلا ما تذكرون } أي ما أقل ~~تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم. ### || [27.63] # يقول تعالى: { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر } ~~أي بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية، كما قال تعالى: # وعلامات وبالنجم هم يهتدون # [النحل: 61]، وقال تعالى: # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر # [الأنعام: 97] الآية، { ومن يرسل الرياح بشرا بين ~~يدي رحمته } أي بين يدي السحاب الذي فيه مطر يغيث الله به عباده ~~المجدبين القنطين { أإله مع الله تعالى الله عما ~~يشركون }. ### || [27.64] # أي هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخلق ثم يعيده، كما قال تعالى في الآية ~~الأخرى: # إنه هو يبدىء ويعيد # [البروج: 13]، وقال تعالى: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]، { ومن يرزقكم من السمآء والأرض } أي بما ~~ينزل من مطر السماء وينبت من بركات الأرض، كما قال تعالى: # يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السمآء وما يعرج فيها # [سبأ: 2]، فهو تبارك وتعالى ينزل من السماء ماء مباركا، فيسلكه ينابيع ~~في الأرض، ثم يخرج به أنواع الزروع والثمار والأزاهير، وغير ذلك من ألوان ~~شتى # كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي ~~النهى # [طه: 54]، ولهذا قال تعالى: { أإله مع الله } أي فعل هذا ~~وعلى القول الآخر بعد هذا { قل هاتوا برهانكم } على صحة ما ~~تدعونه من عبادة آلهة أخرى { إن كنتم صادقين } في ذلك، وقد علم ~~أنه لا حجة لهم ولا برهان كما قال تعالى: # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ~~فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون # [المؤمنون: 117]. ### || [27.65-66] # يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول معلما لجميع ms1816 الخلق ~~أنه لا يعلم أحد من أهل السماوات والأرض الغيب إلا الله. وقوله تعالى: { ~~إلا الله } استثناء منقطع أي لا يعلم أحد ذلك إلا الله عز ~~وجل، كما قال تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59] الآية، وقال تعالى: # إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث # [لقمان: 34] إلى آخر السورة، والآيات في هذا كثيرة. وقوله تعالى: { ~~وما يشعرون أيان يبعثون } أي وما يشعر الخلائق الساكنون ~~في السماوات والأرض بوقت الساعة، كما قال تعالى: # ثقلت في السموت والأرض لا تأتيكم إلا بغتة # [الأعراف: 187] أي ثقل علمها على أهل السماوات والأرض، وقالت عائشة رضي ~~الله عنها: من زعم أنه يعلم - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - ما يكون ~~في غد فقد أعظم على الله الفرية، لأن الله تعالى يقول: { قل لا ~~يعلم من في السموت والأرض الغيب إلا الله } ، ~~وقال قتادة: إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، ~~وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوما للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد ~~قال برأيه وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، وإن أناسا ~~جهلة بأمر الله قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا ~~كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن ولد بنجم كذا ~~وكذا كان كذا وكذا. ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود ~~والقصير والطويل والحسن والدميم، وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا ~~الطير بشيء من الغيب، وقضى الله تعالى أنه { لا يعلم من في ~~السموت والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون ~~أيان يبعثون }. # وقوله تعالى: { بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في ~~شك منها } أي انتهى علمهم وعجز عن معرفة وقتها. قال ابن عباس { ~~بل ادارك علمهم } أي غاب، وقال قتادة: { بل ادارك ~~علمهم في الآخرة } يعني بجهلهم بربهم، يقول: لم ينفذ لهم علم في ~~الآخرة، هذا قول، وقال ابن جريج عن ابن عباس { بل ادارك علمهم ~~في الآخرة } حين لم ms1817 ينفع العلم، وبه قال عطاء والسدي: أن علمهم إنما ~~يدرك ويكمل يوم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك، كما قال تعالى: # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون ~~اليوم في ضلال مبين # [مريم: 38]، وكان الحسن يقرأ { بل ادارك علمهم } قال: اضمحل ~~علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة، وقوله تعالى: { بل هم في شك ~~منها } عائد على الجنس والمراد الكافرون، كما قال قال تعالى: # بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا # [الكهف: 48] أي الكافرون منكم، وهكذا قال ههنا: { بل هم في شك ~~منها } أي شاكون في وجودها ووقوعها، { بل هم منها عمون } ~~أي في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها. ### || [27.67-70] # يقول تعالى مخبرا عن منكري البعث من المشركين، أنهم استبعدوا إعادة ~~الأجساد بعد صيرورتها عظاما ورفاتا وترابا، ثم قال: { لقد ~~وعدنا هذا نحن وآبآؤنا من قبل } أي ما زلنا نسمع بهذا ~~نحن وآباؤنا ولا نرى له حقيقة ولا وقوعا، وقولهم: { إن هذآ إلا ~~أساطير الأولين } يعنون ما هذا الوعد بإعادة الأبدان { إن ~~هذآ إلا أساطير الأولين } أي أخذه قوم عمن قبلهم من كتب، ~~يتلقاه بعض عن بعض وليس له حقيقة، قال الله تعالى مجيبا لهم عما ظنوه من ~~الكفر وعدم المعاد { قل } يا محمد لهؤلاء { سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين } أي المكذبين ~~بالرسل وبما جاءوهم به من أمر المعاد وغيره، كيف حلت بهم نقمة الله ~~وعذابه ونكاله، ونجى الله من بينهم رسله الكرام ومن اتبعهم من المؤمنين؟ ~~فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته، ثم قال تعالى مسليا لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: { ولا تحزن عليهم } أي المكذبين بما جئت به ~~ولا تأسف عليهم وتذهب نفسك عليهم حسرات، { ولا تكن في ضيق ~~مما يمكرون } أي في كيدك ورد ما جئت به، فإن الله مؤيدك وناصرك، ~~ومظهر دينك على من خالفه وعانده في المشارق والمغارب. ### || [27.71-75] # يقول تعالى مخبرا عن المشركين في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم ~~وقوع ذلك، { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين }؟ قال الله ms1818 تعالى مجيبا لهم: { قل } يا محمد { عسى أن ~~يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون } قال ابن عباس: أن ~~يكون قرب أو أن يقرب لكم بعض الذي تستعجلون، كقوله تعالى: # ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا # [الإسراء: 51]، وقال تعالى: # يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين # [العنكبوت: 54]، وإنما دخلت اللام في قوله: { ردف لكم } لأنه ضمن ~~معنى عجل لكم، كما قال مجاهد في رواية عنه { عسى أن يكون ردف ~~لكم } عجل لكم. ثم قال الله تعالى: { وإن ربك لذو فضل ~~على الناس } أي في إسباغه نعمه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم وهم مع ذلك ~~لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم، { وإن ربك ليعلم ما ~~تكن صدورهم وما يعلنون } أي يعلم الضمائر والسرائر كما ~~يعلم الظواهر، # سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به # [الرعد: 10]، # يعلم السر وأخفى # [طه: 7]، ثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السماوات والأرض وأنه عالم الغيب ~~والشهادة، وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه، فقال تعالى: { وما من ~~غآئبة } قال ابن عباس: يعني وما من شيء { في السمآء والأرض ~~إلا في كتاب مبين } ، وهذه كقوله: # ألم تعلم أن الله يعلم ما في السمآء والأرض ~~إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير # [الحج: 70]. ### || [27.76-81] # يقول تعالى مخبرا عن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من الهدى والبيان ~~والفرقان، أنه يقص على بني إسرائيل وهم حملة التوراة والإنجيل { أكثر ~~الذي هم فيه يختلفون } كاختلافهم في عيسى وتباينهم فيه، ~~فاليهود افتروا والنصارى غلوا، فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل أنه ~~عبد من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام، عليه أفضل الصلاة والسلام، كما ~~قال تعالى: # ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه ~~يمترون # [مريم: 34]، وقوله: { وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين } ~~أي هدى لقلوب المؤمنين به ورحمة لهم، ثم قال تعالى: { إن ربك ~~يقضي بينهم } أي يوم القيامة { بحكمه وهو العزيز } أي ~~في انتقامه { العليم } بأفعال عباده وأقوالهم { فتوكل على ~~الله } أي في جميع أمورك وبلغ رسالة ربك، { إنك على الحق ms1819 ~~المبين } أي أنت على الحق المبين وإن خالفك من خالفك ممن كتبت عليه ~~الشقاوة، وحقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، ولهذا ~~قال تعالى: { إنك لا تسمع الموتى } أي لا تسمعهم شيئا ~~ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة وفي آذانهم وقر الكفر، ولهذا قال ~~تعالى: { ولا تسمع الصم الدعآء إذا ولوا ~~مدبرين * ومآ أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن ~~تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } أي إنما ~~يستجيب لك من هو سميع بصير، السمع والبصر النافع في القلب، الخاضع لله ~~ولما جاء عنه على ألسنة الرسل عليهم السلام. ### || [27.82] # هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله ~~وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض. قيل: من مكة، وقيل من ~~غيرها كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى، فتكلم الناس على ذلك، قال ابن ~~عباس والحسن وقتادة: تكلمهم كلاما أي تخاطبهم مخاطبة وقال عطاء ~~الخراساني: تكلمهم فتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، ويروى ~~هذا عن علي واختاره ابن جرير، وقد ورد في ذكر الدابة أحاديث وآثار كثيرة، ~~فلنذكر منها ما تيسر والله المستعان، روى الإمام أحمد: عن حذيفة بن أسيد ~~الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن ~~نتذاكر أمر الساعة فقال: # " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ~~والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم عليه السلام، والدجال، ~~وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من ~~قعر عدن تسوق أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا " # حديث آخر: قال مسلم بن الحجاج عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ~~ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها ms1820 قريبا " # حديث آخر: وروى مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، ~~والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة " # ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام، فتخطم ~~أنف الكافر بالعصا، وتجلي وجه المؤمن بالخاتم حتى يجتمع الناس على الخوان ~~يعرف المؤمن من الكافر " # وعن وهب بن منبه أنه حكى من كلام عزير عليه السلام أنه قال: وتخرج من ~~تحت سدوم دابة تكلم الناس كل يسمعها، وتضع الحبالى قبل التمام، ويعود ~~الماء العذب أجاجا ويتعادى الأخلاء، وتحرق الحكمة ويرفع العلم وتكلم ~~الأرض التي تليها، وفي ذلك الزمان يرجو الناس ما لا يبلغون، ويتعبون فيما ~~لا ينالون، ويعملون فيما لا يأكلون. ### || [27.83-86] # يقول تعالى مخبرا عن يوم القيامة. وحشر الظالمين من المكذبين بآيات ~~الله ورسله، ليسألهم عما فعلوه في الدار الدنيا، تقريعا وتصغيرا ~~وتحقيرا، فقال تعالى: { ويوم نحشر من كل أمة فوجا } ~~أي من كل قوم وقرن فوجا أي جماعة { ممن يكذب بآياتنا } ، ~~كما قال تعالى: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22]، وقوله تعالى: { فهم يوزعون } قال ابن عباس: ~~سيدفعون، وقال قتادة: يرد أولهم على آخرهم، وقال عبد الرحمن بن زيد: ~~يساقون { حتى إذا جآءوا } ووقفوا بين يدي الله عز وجل في ~~مقام المساءلة { قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها ~~علما أما ذا كنتم تعملون } أي فيسألون عن اعتقادهم ~~وأعمالهم، فلما لم يكونوا من أهل السعادة وكانوا كما قال الله عنهم، # فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى # [القيامة: 31-32] فحينئذ قامت عليهم الحجة ولم يكن لهم عذر يعتذرون به، ~~كما قال الله تعالى: # هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 35-36] الآية، وهكذا قال ههنا { ووقع القول ~~عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون } أي بهتوا فلم يكن لهم ~~جواب، لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم، وقد ms1821 ردوا إلى عالم ~~الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية، ثم قال تعالى منبها على قدرته ~~التامة وسلطانه العظيم وشأنه الرفيع: { ألم يروا أنا جعلنا ~~الليل ليسكنوا فيه } أي في ظلام الليل لتسكن حركاتهم بسببه ~~وتهدأ أنفاسهم، ويستريحون من نصب التعب في نهارهم { والنهار ~~مبصرا } أي منيرا مشرقا، فبسبب ذلك يتصرفون في المعايش والمكاسب ~~والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شؤونهم التي يحتاجون إليها { إن في ~~ذلك لآيات لقوم يؤمنون }. ### || [27.87-90] # يخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفزع في الصور، وفي حديث الصور: إن إسرافيل ~~هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ فيه أولا نفخة الفزع ويطولها، ~~وذلك في آخر عمر الدنيا حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء، ~~فيفزع من في السماوات ومن في الأرض { إلا من شآء الله } وهم ~~الشهداء فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وفي حديث مسلم الطويل قال: # " فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ~~ينكرون منكرا فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستيجيبون؟ فيقولون: فما ~~تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم، ثم ~~ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا. قال - وأول من ~~يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله - أو قال ~~ينزل الله - مطرا كأنه الطل - أو قال الظل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ~~ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس هلموا إلى ~~ربكم { وقفوهم إنهم مسئولون } ثم يقال: أخرجوا بعث ~~النار: فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون قال: فذلك ~~يوم يجعل الولدان شيبا وذلك يوم يكشف عن ساق " # وقوله: ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا الليت هو ~~صفحة العنق أي أمال عنقه ليستمعه من السماء جيدا، فهذه (نفخة الفزع) ثم ~~بعد ذلك (نفخة الصعق) وهو الموت، ثم بعد ذلك (نفخة القيام لرب العالمين) ~~وهو النشور من القبور لجميع الخلائق، ولهذا قال ms1822 تعالى: { وكل ~~أتوه داخرين } أي صاغرين مطيعين لا يتخلف أحد عن أمره كما قال ~~تعالى: # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده # [الإسراء: 52]. # وقال تعالى: # ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم ~~تخرجون # [الروم: 25] وفي حديث الصور: أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح ~~فتوضع في ثقب في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فيه بعدما تنبت الأجساد في ~~قبورها وأماكنها، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح تتوهج، أرواح المؤمنين ~~نورا، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي ~~لترجعن كل روح إلى جسدها، فتجيء الأرواح إلى أجسادها فتدب فيها كما يدب ~~السم في اللديغ، ثم يقومون ينفضون التراب من قبورهم، قال الله تعالى: # يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى ~~نصب يوفضون # [المعارج: 43]، وقوله تعالى: { وترى الجبال تحسبها ~~جامدة وهي تمر مر السحاب } أي تراها كأنها ثابتة باقية ~~على ما كانت عليه، وهي تمر مر السحاب أي تزول عن أماكنها، كما قال تعالى: # يوم تمور السمآء مورا * وتسير الجبال سيرا # [الطور: 9-10]، وقال تعالى: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * ~~فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا # [طه: 105-107]، وقال تعالى: # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة # [الكهف: 47]، وقوله تعالى: { صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء } أي يفعل ذلك بقدرته العظيمة { الذي أتقن كل شيء } ~~أي أتقن كل ما خلق وأودع فيه من الحكمة ما أودع، { إنه خبير بما ~~تفعلون } أي هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر وسيجازيهم عليه أتم ~~الجزاء ثم بين تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذ فقال: { من جآء ~~بالحسنة فله خير منها } ، قال قتادة: بالإخلاص، وقال زين ~~العابدين: هي لا إله إلا الله. وقد بين تعالى في الموضع الآخر أن له ~~عشر أمثالها { وهم من فزع يومئذ آمنون } ، كما قال في ~~الآية الأخرى: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103]، وقال تعالى: # أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة # [فصلت: 40]، وقال تعالى: # وهم في الغرفات آمنون # [سبأ: 37]، وقوله تعالى: { ومن جآء بالسيئة ms1823 فكبت ~~وجوههم في النار } أي من لقي الله مسيئا لا حسنة له أو قد رجحت ~~سيئاته على حسناته كل بحسبه، ولهذا قال تعالى: { هل تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون }. وقال ابن مسعود وابن عباس والضحاك والحسن ~~وقتادة في قوله { ومن جآء بالسيئة } يعني بالشرك. ### || [27.91-93] # يقول تعالى مخبرا رسوله وآمرا له أن يقول: { إنمآ أمرت أن ~~أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل ~~شيء } وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها، ~~كما قال تعالى: # فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4]، وقوله تعالى: { الذي حرمها } أي الذي إنما صارت ~~حراما شرعا وقدرا بتحريمه لها كما ثبت في " الصحيحين " عن ابن عباس، ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: # " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله ~~إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من ~~عرفها، ولا يختلى خلاه " # الحديث بتمامه. وقوله تعالى: { وله كل شيء } من باب عطف العام ~~على الخاص أي هو رب هذه البلدة ورب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو، { ~~وأمرت أن أكون من المسلمين }. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-6] # قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة. وقوله: { تلك } أي هذه { آيات ~~الكتاب المبين } أي الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور وعلم ما ~~قد كان وما هو كائن، وقوله: { نتلوا عليك من نبإ موسى ~~وفرعون بالحق } أي نذكر لك الأمر على ما كان عليه كأنك تشاهد ~~وكأنك حاضر، ثم قال تعالى { إن فرعون علا في الأرض } أي ~~تكبر وتجبر وطغى، { وجعل أهلها شيعا } أي أصنافا قد صرف كل ~~صنف فيما يريد من أمور دولته، وقوله تعالى: { يستضعف طآئفة ~~منهم } يعني بني إسرائيل، وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم، هذا ~~وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العنيد يستعملهم في أخس الأعمال، ويقتل ~~مع هذا أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إهانة لهم واحتقارا وخوفا من أن ms1824 يوجد ~~منهم غلام يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه، فاحترز فرعون من ذلك، ~~وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل، ولن ينفع حذر من قدر لأن أجل الله إذا جاء ~~لا يؤخر ولكل أجل كتاب، ولهذا قال تعالى: { ونريد أن نمن على ~~الذين استضعفوا في الأرض } إلى قوله { يحذرون } وقد ~~فعل تعالى ذلك بهم، كما قال تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون # [الأعراف: 137] إلى قوله # يعرشون # [الأعراف: 137]، وقال تعالى: # كذلك وأورثناها بني إسرائيل # [الشعراء: 59] أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك مع ~~قدرة الإله العظيم الذي لا يخالف أمره ولا يغلب، بل نفذ حكمه في القدم ~~بأن يكون هلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده ~~وقتلت بسببه ألوفا من الولدان، إنما منشؤه ومرباه على فراشك، وفي دارك ~~وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتدلله وتتفداه وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك ~~على يديه، لتعلم أن رب السماوات العلا هو القاهر الغالب العظيم، القوي ~~العزيز الشديد المحال الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ### || [28.7-9] # ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يفنى ~~بني إسرائيل فيلون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة، فقالوا لفرعون: ~~أنه يوشك إن استمر هذا الحال أن يموت شيوخهم، وغلمانهم يقتلون، ونساؤهم ~~لا يمكن أن تقمن بما تقوم به رجالهم من الأعمال فيخلص إلينا ذلك. فأمر ~~بقتل الولدان عاما وتركهم عاما، فولد هارون عليه السلام في السنة التي ~~يتركون فيها الولدان، وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان ~~لفرعون ناس موكلون بذلك وقوابل يدرن على النساء، فمن رأينها قد حملت ~~أحصوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها لا يقبلها إلا نساء القبط، فإن ولدت ~~المرأة جارية تركنها وذهبن، وإن ولدت غلاما دخل أولئك الذباحون بأيديهم ~~الشفار المرهفة فقتلوه ومضوا، قبحهم الله تعالى، فلما حملت أم موسى به ~~عليه السلام لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها ولم تفطن لها الدايات، ~~ولكن لما وضعته ms1825 ذكرا ضاقت به ذرعا، وخافت عليه خوفا شديدا وأحبته ~~حبا زائدا، وكان موسى عليه السلام لا يراه أحد إلا أحبه، قال تعالى: # وألقيت عليك محبة مني # [طه: 39] فلما ضاقت به ذرعا ألهمت في سرها ونفث في روعها، كما قال ~~تعالى { وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا ~~خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا ~~تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين ~~} وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتا ومهدت فيه مهدا، ~~وجعلت ترضع ولدها، فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه ذهبت فوضعته في ذلك ~~التابوت، وسيرته في البحر وربطته بحبل عندها. فلما كان ذات يوم دخل عليها ~~من تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وأرسلته في البحر، وذهلت أن ~~تربطه، فذهب مع الماء واحتمله حتى مر به على دار فرعون فالتقطه الجواري، ~~فاحتملنه فذهبن به إلى امرأة فرعون ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتتن ~~عليها في فتحه دونها، فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله ~~وأحلاه وأبهاه. فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها ~~وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها، ولهذا قال: { فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } الآية، قال محمد بن ~~إسحاق: اللام هنا (لام العاقبة) لا (لام التعليل) لأنهم لم يريدوا ~~بالتقاطه ذلك، قال تعالى: { إن فرعون وهامان وجنودهما ~~كانوا خاطئين } ، وقوله تعالى: { وقالت امرأة فرعون ~~قرت عين لي ولك } الآية، يعني أن فرعون لما رآه هم بقتله ~~خوفا من أن يكون من بني إسرائيل فشرعت امرأته (آسية بنت مزاحم) تخاصم ~~عنه وتذب دونه وتحببه إلى فرعون، فقالت: { قرت عين لي ولك } ~~، فقال فرعون: أما لك فنعم. وأما لي فلا، فكان كذلك وهداها الله بسببه ~~وأهلكه على يديه، وقوله: { عسى أن ينفعنا } وقد حصل لها ذلك ~~وهداها الله به وأسكنها الجنة بسببه، وقوله: { أو نتخذه ولدا ~~} أي أرادت أن تتخذه ولدا وتتبناه، وذلك أنه لم يكن لها ولد منه، وقوله ~~تعالى: { وهم لا يشعرون } أي لا ms1826 يدرون ما أراد الله منه ~~بالتقاطهم إياه من الحكمة العظيمة البالغة والحجة القاطعة. ### || [28.10-13] # يقول تعالى مخبرا عن فؤاد أم موسى حين ذهب ولدها في البحر أنه أصبح ~~فارغا، أي من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى، قاله ابن عباس ومجاهد ~~{ إن كادت لتبدي به }: أي إن كادت من شدة وجدها وحزنها لتظهر ~~أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها لولا أن الله ثبتها وصبرها، قال الله ~~تعالى: { لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من ~~المؤمنين * وقالت لأخته قصيه } أي أمرت ابنتها وكانت ~~كبيرة تعي ما يقال لها فقالت لها { قصيه } أي اتبعي أثره وخذي خبره، ~~وتطلبي شأنه من نواحي البلد فخرجت لذلك { فبصرت به عن جنب } ~~قال ابن عباس: عن جانب، وقال مجاهد: بصرت به عن بعيد وقال قتادة: جعلت ~~تنظر إليه وكأنها لا تريده، وذلك أنه لما استقر موسى عليه السلام بدار ~~فرعون، وأحبته امرأة الملك عرضوا عليه المراضع التي في دارهم، فلم يقبل ~~ثديا وأبى أن يقبل شيئا من ذلك، فخرجوا به إلى السوق لعلهم يجدون امرأة ~~تصلح لرضاعته، فلما رأته بأيديهم عرفته، ولم تظهر ذلك ولم يشعروا بها، ~~قال الله تعالى: { وحرمنا عليه المراضع من قبل } أي ~~تحريما قدريا وذلك لكرامته عند الله وصيانته له أن يرتضع غير ثدي أمه، ~~ولأن الله سبحانه وتعالى جعل ذلك سببا إلى رجوعه إلى أمه لترضعه وهي ~~آمنة بعدما كانت خائفة فلما رأتهم حائرين فيمن يرضعه { فقالت هل ~~أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ~~ناصحون }؟ قال ابن عباس: فلما قالت ذلك أخذوها وشكوا في أمرها، ~~وقالوا لها: ما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟ فقالت لهم: نصحهم له ~~وشفقتهم عليه رغبتهم في سرور الملك ورجاء منفعته فأرسلوها، فلما قالت لهم ~~ذلك وخلصت من أذاهم ذهبوا معها إلى منزلهم، فدخلوا به على أمه، فأعطته ~~ثديها، فالتقمه ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير إلى امرأة الملك، ~~فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها وأعطتها عطاء جزيلا وهي لا تعرف أنها أمه ~~في ms1827 الحقيقة ولكن لكونه وافق ثديها، ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه ~~فأبت عليها وقالت: إن لي بعلا وأولادا ولا أقدر على المقام عندك، ولكن ~~إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت، فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك وأجرت ~~عليها النفقة والصلات والإحسان الجزيل، فرجعت أم موسى بولدها راضية ~~مرضية، قد أبدلها الله بعد خوفها أمنا في عز وجاه ورزق دار، ولهذا جاء ~~في الحديث: # " مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ ~~أجرها " # ، ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل يوم وليلة، فسبحان من بيده ~~الأمر، يجعل لمن اتقاه بعد كل هم فرجا، وبعد كل ضيق مخرجا، ولهذا قال ~~تعالى: { فرددناه إلى أمه كي تقر عينها } أي به { ~~ولا تحزن } أي عليه { ولتعلم أن وعد الله حق } ~~أي فيما وعدها من رده إليها وجعله من المرسلين، وقوله تعالى: { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي حكم الله في أفعاله ~~وعواقبها المحمودة، فربما يقع الأمر كريها إلى النفوس وعاقبته محمودة في ~~نفس الأمر، كما قال تعالى: # فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا # [النساء: 19]. ### || [28.14-17] # لما ذكر تعالى مبدأ أمر موسى عليه السلام، ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى ~~آتاه الله حكما وعلما، قال مجاهد: يعني النبوة { وكذلك نجزي ~~المحسنين } ، ثم ذكر تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قدره له من ~~النبوة والتكليم في قضية قتله ذلك القبطي، الذي كان سبب خروجه من الديار ~~المصرية إلى بلاد مدين، فقال تعالى: { ودخل المدينة على ~~حين غفلة من أهلها } قال ابن عباس: وذلك بين المغرب ~~والعشاء، وقال ابن المنكدر عن ابن عباس: كان ذلك نصف النهار، { فوجد ~~فيها رجلين يقتتلان } أي يتضاربان ويتنازعان، { هذا من ~~شيعته } أي إسرائيلي { وهذا من عدوه } أي قبطي، فاستغاث ~~الإسرائيلي بموسى عليه السلام، فوجد موسى فرصة وهي غفلة الناس فعمد إلى ~~القبطي { فوكزه موسى فقضى عليه } قال مجاهد: فوكزه أي ~~لعنه بجمع كفه، وقال قتادة: وكزه بعصا كانت معه فقضى عليه أي ms1828 كان فيها ~~حتفه فمات، { قال } موسى { هذا من عمل الشيطان إنه ~~عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي ~~فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال ~~رب بمآ أنعمت علي } أي بما جعلت لي من الجاه والعز والنعمة ~~{ فلن أكون ظهيرا } أي معينا { للمجرمين } أي الكافرين ~~بك، المخالفين لأمرك. ### || [28.18-19] # يقول تعالى مخبرا عن موسى عليه السلام لما قتل ذلك القبطي إنه أصبح { ~~في المدينة خآئفا } أي من معرة ما فعل { يترقب } أي يتلفت ~~ويتوقع ما يكون من هذا الأمر، فمر في بعض الطرق فإذا ذلك الذي استنصره ~~بالأمس على ذلك القبطي يقاتل آخر، فلما مر عليه موسى استصرخه على الآخر ~~فقال له موسى: { إنك لغوي مبين } أي ظاهر الغواية كثير ~~الشر، ثم عزم موسى على البطش بذلك القبطي، فاعتقد الإسرائيلي لخوره وضعفه ~~وذلته أن موسى إنما يريد قصده لما سمعه يقول ذلك، فقال يدفع عن نفسه { ~~يموسى } أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ وذلك لأنه لم يعلم ~~به إلا هو وموسى عليه السلام، فلما سمعها ذلك القبطي لقفها من فمه، ثم ~~ذهب إلى باب فرعون وألقاها عنده فعلم فرعون بذلك، فاشتد حنقه وعزم على ~~قتل موسى، فطلبوه فبعثوا وراءه ليحضروه لذلك. ### || [28.20] # قال تعالى: { وجآء رجل } وصفه بالرجولية لأنه خالف الطريق فسلك ~~طريقا أقرب من طريق الذين بعثوا وراءه فسبق إلى موسى، فقال له يا موسى { ~~إن الملأ يأتمرون بك } أي يتشاورون فيك { ليقتلوك ~~فاخرج } أي من البلد { إني لك من الناصحين }. ### || [28.21-24] # لما أخبره ذلك الرجل بما تمالأ عليه فرعون ودولته في أمره، خرج من مصر ~~وحده ولم يألف ذلك قبله، بل كان في رفاهية ونعمة ورياسة { فخرج ~~منها خآئفا يترقب } أي يتلفت { قال رب نجني من ~~القوم الظالمين } أي من فرعون وملئه، فذكروا أن الله سبحانه ~~وتعالى بعث إليه ملكا فأرشده إلى الطريق { ولما توجه تلقآء ~~مدين } أي أخذ طريقا سالكا فرح بذلك، { قال عسى ربي أن ~~يهديني سوآء السبيل } أي الطريق الأقوم، ففعل ms1829 الله به ذلك، ~~وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعله هاديا مهديا، { ~~ولما ورد مآء مدين } أي لما وصل إلى مدين وورد ماءها، وكان ~~لها بئر يرده رعاء الشاء { وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون } أي جماعة يسقون { ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان } أي تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يؤذيا، ~~فلما رآهما موسى عليه السلام رق لهما ورحمهما، { قال ما خطبكما ~~}؟ أي ما خبركما لا تردان مع هؤلاء، { قالتا لا نسقي حتى ~~يصدر الرعآء } أي لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء، { ~~وأبونا شيخ كبير } أي فهذا الحال الملجىء لنا إلى ما ترى، قال ~~الله تعالى: { فسقى لهما } روى عمرو بن ميمون الأودي عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: أن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة ~~من الناس يسقون، قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها ~~إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه فأتى ~~الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم. وقوله ~~تعالى: { ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لمآ ~~أنزلت إلي من خير فقير } قال ابن عباس: سار موسى من مصر ~~إلى مدين ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيا، فما وصل إلى ~~مدين حتى سقطت نعل قدميه، وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه ~~للاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه، وإنه لمحتاج ~~إلى شق تمرة، وقوله: { إلى الظل } جلس تحت شجرة، قال السدي: كانت ~~الشجرة من شجر السمر، وقال عطاء: لما قال موسى { رب إني لمآ ~~أنزلت إلي من خير فقير } أسمع المرأة. ### || [28.25-28] # لما رجعت المرأتان سريعا بالغنم إلى أبيهما أنكر حالهما بسبب مجيئهما ~~سريعا، فسألهما عن خبرهما فقصتا عليه ما فعل موسى عليه السلام، فبعث ~~إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها، قال الله تعالى: { فجآءته ~~إحداهما تمشي على استحيآء } أي مشي الحرائر، جاءت مستترة ms1830 ~~بكم درعها، قال عمر رضي الله عنه جاءت { تمشي على استحيآء } ~~قائلة بثوبها على وجهها ليست بسلفع من النساء ولاجة خراجة. { ~~قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } ~~وهذا تأدب في العبارة لم تطلبه طلبا مطلقا لئلا يوهم ريبة، بل قالت: { ~~إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } يعني ~~ليثيبك ويكافئك على سقيك لغنمنا، { فلما جآءه وقص عليه ~~القصص } أي ذكر له ما كان من أمره وما جرى له من السبب الذي خرج من ~~أجله من بلده { قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ~~} يقول: طب نفسا وقر عينا فقد خرجت من مملكتهم فلا حكم لهم في بلادنا، ~~ولهذا قال: { نجوت من القوم الظالمين }. وقد اختلف ~~المفسرون في الرجل من هو؟ على أقوال: أحدها أنه شعيب النبي عليه السلام ~~الذي أرسل إلى أهل مدين، وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب، وقيل: رجل ~~مؤمن من قوم شعيب، وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة ~~طويلة لأنه قال لقومه # وما قوم لوط منكم ببعيد # [هود: 89]، وعن ابن عباس قال: الذي استأجر موسى (يثرى) صاحب مدين رواه ~~ابن جرير، ثم قال: الصواب أن هذا لا يدرك إلا بخبر ولا خبر تجب به الحجة ~~في ذلك. وقوله تعالى: { قالت إحداهما يأبت استأجره ~~إن خير من استأجرت القوي الأمين } أي قالت إحدى ~~ابنتي هذا الرجل قيل: هي التي ذهبت وراء موسى عليه السلام قالت لأبيها: { ~~يأبت استأجره } أي لرعية هذه الغنم، { إن خير من ~~استأجرت القوي الأمين } قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ ~~قالت له: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإني لما ~~جئت معه تقدمت أمامه فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اختلف علي الطريق ~~فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه. وقال ابن مسعود: أفرس ~~الناس ثلاثة: أبو بكر حين تفرس في عمر، وصاحب يوسف حين قال أكرمي مثواه، ~~وصاحبة موسى حين قالت: { يأبت استأجره إن خير من ~~استأجرت القوي ms1831 الأمين } ، { قال إني أريد أن ~~أنكحك إحدى ابنتي هاتين } أي طلب إليه هذا الرجل الشيخ ~~الكبير أن يرعى غنمه ويزوجه إحدى بنتيه. # وقوله تعالى: { على أن تأجرني ثماني حجج فإن ~~أتممت عشرا فمن عندك } أي على أن ترعى غنمي ثماني سنين، ~~فإن تبرعت بزيادة سنتين فهو إليك، وإلا ففي الثمان كفاية، { ومآ ~~أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من ~~الصالحين } أي لا أشاقك ولا أؤاذيك ولا أماريك. # وفي الحديث: # " إن موسى عليه السلام آجر نفسه بعفة فرجه وطعمة بطنه " # ، وقوله تعالى إخبارا عن موسى عليه السلام { قال ذلك بيني ~~وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي ~~والله على ما نقول وكيل } يقول: إن موسى قال لصهره الأمر ~~على ما قلت من أنك استأجرتني على ثمان سنين، فإن أتممت عشرا فمن عندي ~~فأنا متى فعلت أقلهما، فقد برئت من العهد وخرجت من الشرط، ولهذا قال: { ~~أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي } أي فلا حرج ~~علي، وقد دل الدليل على أن موسى عليه السلام إنما فعل أكمل الأجلين ~~وأتمهما. روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال سألني يهودي من أهل ~~الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت لا أدري حتى أقدم على حبر العرب، ~~فأسأله، فقدمت على (ابن عباس) رضي الله عنه فسألته، فقال: قضى أكثرهما ~~وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل. وعن أبي ذر رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أوفاهما ~~وأبرهما، قال: وإن سئلت أي المرأتين تزوج فقل الصغرى منهما " # ، وروى ابن جرير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما دعا نبي الله ~~موسى عليه السلام صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما قال له صاحبه: كل شاة ~~ولدت على غير لونها فلك ولدها، فعمد موسى فرفع حبالا على الماء، فلما ~~رأت الخيال فزعت فجالت جولة، فولدن كلهن بلقا إلا شاة واحدة فذهب ~~بأولادهن كلهن ذلك العام. ### || [28.29-32] # قد تقدم أن موسى عليه السلام قضى أتم الأجلين ms1832 وأوفاهما وأبرهما ~~وأكملهما. قوله: { وسار بأهله } قالوا: كان موسى قد اشتاق إلى ~~بلاده وأهله، فعزم على زيارتهم خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله وما كان ~~معه من الغنم التي وهبها له صهره، فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، ~~فنزل منزلا فجعل كلما أورى زنده لا يضيء شيئا فتعجب من ذلك، فبينما هو ~~كذلك { آنس من جانب الطور نارا } أي رأى نارا تضيء على بعد { ~~قال لأهله امكثوا إني آنست نارا } أي حتى أذهب إليها ~~{ لعلي آتيكم منها بخبر } وذلك لأنه قد أضل الطريق { ~~أو جذوة من النار } أي قطعة منها { لعلكم تصطلون ~~} أي تستدفئون بها من البرد، قال الله تعالى: { فلمآ أتاها ~~نودي من شاطىء الوادي الأيمن } أي من جانب الوادي مما يلي ~~الجبل عن يمينه من ناحية الغرب، كما قال تعالى: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر # [القصص: 44] فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، ~~والجبل الغربي عن يمينه، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء، في لحف الجبل ~~مما يلي الوادي فوقف باهتا في أمرها فناداه ربه { أن يموسى إني ~~أنا الله رب العالمين } أي الذي يخاطبك ويكلمك هو { رب ~~العالمين } الفعال لما يشاء، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة ~~المخلوقات، في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله، وقوله: { وأن ألق ~~عصاك } أي التي في يدك، كما في قوله تعالى: # وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى # [طه: 17-18]، والمعنى: أما هذه عصاك التي تعرفها # ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى # [طه: 19-20]، فعرف وتحقق أن الذي يكلمه ويخاطبه هو الذي يقول للشيء كن ~~فيكون { فلما رآها تهتز } أي تضطرب، { كأنها جآن ~~ولى مدبرا } أي في حركتها السريعة مع عظم خلقتها واتساع فمها، ~~واصطكاك أنيابها بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها تنحدر في فيها، تتقعقع ~~كأنها حادرة في واد، فعند ذلك { ولى مدبرا ولم يعقب } أي ~~ولم يلتفت لأن طبع البشرية ينفر من ms1833 ذلك، فلما قال الله له: { يموسى ~~أقبل ولا تخف إنك من الآمنين } رجع فوقف في مقامه ~~الأول، ثم قال الله تعالى: { اسلك يدك في جيبك تخرج ~~بيضآء من غير سوء } أي إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها ~~فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق، ولهذا قال { من ~~غير سوء }: أي من غير برص. وقوله تعالى: { واضمم إليك ~~جناحك من الرهب } قال مجاهد: من الفزع، وقال قتادة: من الرعب ~~مما حصل لك من خوفك من الحية، والظاهر أنه أمر عليه السلام إذا خاف من ~~شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب، وهو يده فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده ~~من الخوف، وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يده على ~~فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجده. # عن مجاهد قال: كان موسى عليه السلام قد ملىء قلبه رعبا من فرعون، فكان ~~إذا رآه قال: " اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره " فنزع الله ~~ما كان في قلب موسى عليه السلام، وجعله في قلب فرعون فكان إذا رآه بال ~~كما يبول الحمار. وقوله تعالى: { فذانك برهانان من ربك } ~~يعني جعل العصا حية تسعة، وإدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، ~~دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار، وصحة نبوة من جرى هذا ~~الخارق على يديه، ولهذا قال تعالى: { إلى فرعون وملئه } أي ~~وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع، { إنهم كانوا قوما ~~فاسقين } أي خارجين عن طاعة الله مخالفين لأمره ودينه. ### || [28.33-35] # لما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون { قال رب إني قتلت ~~منهم نفسا } يعني ذلك القبطي، { فأخاف أن يقتلون } أي ~~إذا رأوني، { وأخي هارون هو أفصح مني لسانا } وذلك أن ~~موسى عليه السلام كان في لسانه لثغة بسبب ما كان تناول تلك الجمرة، فحصل ~~فيه شدة في التعبير، ولهذا قال: # واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي # [طه: 27-28] { فأرسله معي ردءا } أي وزيرا ومعينا ومقويا ~~لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به ms1834 عن الله عز وجل، لأن خبر الاثنين ~~أنجع في النفوس من خبر الواحد، ولهذا قال: { إني أخاف أن ~~يكذبون } ، وقال محمد بن إسحاق: { ردءا يصدقني } أي يبين ~~لهم عني ما أكلمهم به فإنه يفهم عني ما لا يفهمون، فلما سأل ذلك موسى، ~~قال الله تعالى: { سنشد عضدك بأخيك } أي سنقوي أمرك ونعز ~~جانبك بأخيك، الذي سألت له أن يكون نبيا معك، كما قال في الآية الأخرى: # قد أوتيت سؤلك يموسى # [طه: 36]. ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم منة على أخيه من (موسى) ~~على (هارون) عليهما السلام، فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيا ورسولا، ~~ولهذا قال تعالى في حق موسى # وكان عند الله وجيها # [الأحزاب: 69]، وقوله تعالى: { ونجعل لكما سلطانا } أي حجة ~~قاهرة { فلا يصلون إليكما بآياتنآ } أي لا سبيل لهم إلى ~~الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله، كما قال تعالى: # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك # [المائدة: 67] - إلى قوله - # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]، ولهذا أخبرهما أن العاقبة لهما ولمن اتبعهما في الدنيا ~~والآخرة فقال تعالى: { أنتما ومن اتبعكما الغالبون } ، ~~كما قال تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # [المجادلة: 21]، وقال تعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا # [غافر: 51] إلى آخر الآية. ### || [28.36-37] # يخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه، وعرضه ما آتاهما ~~الله من المعجزات الباهرة والدلالة القاهرة، على صدقهما فيما أخبرا به عن ~~الله عز وجل، من توحيده واتباع أوامره، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك ~~وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من عند الله، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى ~~العناد والمباهتة، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق، فقالوا: { ما ~~هذآ إلا سحر مفترى } أي مفتعل مصنوع، وأرادوا معارضته ~~بالحيلة والجاه، وقوله: { وما سمعنا بهذا في آبآئنا ~~الأولين } يعنون عبادة الله وحده لا شريك له، ويقولون ما رأينا ~~أحدا من آبائنا على هذا الدين، ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة ~~أخرى، فقال موسى عليه السلام مجيبا لهم: ms1835 { ربي أعلم بمن جآء ~~بالهدى من عنده } يعني مني ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم، ولهذا ~~قال: { ومن تكون له عاقبة الدار } أي من النصرة والظفر ~~والتأييد، { إنه لا يفلح الظالمون } أي المشركون بالله ~~عز وجل. ### || [28.38-42] # يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه، وافترائه في دعواه الإلهية لعنه الله، ~~كما قال الله تعالى: # فاستخف قومه فأطاعوه # [الزخرف: 54] الآية، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه ~~إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم، ولهذا قال: { يأيها الملأ ~~ما علمت لكم من إله غيري } ، وقال تعالى إخبارا عنه # فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 23-24] يعني أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مصرحا ~~لهم بذلك فأجابوه سامعين مطيعين، ولهذا انتقم الله تعالى منه فجعله عبرة ~~لغيره في الدنيا والآخرة، حتى إنه واجه موسى الكليم بذلك، فقال: # لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين # [الشعراء: 29]، وقوله: { فأوقد لي يهامان على الطين ~~فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى } ~~يعني أمر وزيره (هامان) مدير رعيته أو يوقد له على الطين يعني يتخذ له ~~آجرا لبناء الصرح، وهو القصر المنيف الرفيع العالي، كما قال في الآية ~~الأخرى: # وقال فرعون يهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ ~~الأسباب * أسباب السموت فأطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه كاذبا # [غافر: 36-37] الآية. وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح الذي لم ير في ~~الدنيا بناء أعلى منه إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما ~~زعمه من دعوى إله غير فرعون، ولهذا قال: { وإني لأظنه من ~~الكاذبين } أي في قوله إن ثم ربا غيري، لا أنه كذبه في أن الله ~~تعالى أرسله لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع جل وعلا، فإنه قال: # وما رب العالمين # [الشعراء: 23]؟ وقال: # لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين # [الشعراء: 29]، وقال: { يأيها الملأ ما علمت لكم من ~~إله غيري } وهذا قول ابن جرير، وقوله تعالى: { واستكبر ~~هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم ~~إلينا لا يرجعون } أي طغوا وتجبروا وأكثروا في الأرض ms1836 الفساد، ~~واعتقدوا أنه لا قيامة ولا معاد، # فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك ~~لبالمرصاد # [الفجر: 13-14]، ولهذا قال تعالى ههنا: { فأخذناه وجنوده ~~فنبذناهم في اليم } أي أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة فلم ~~يبق منهم أحد، { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } أي لمن سلك وراءهم ~~وأخذ بطريقتهم في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع، { ويوم القيامة لا ~~ينصرون } أي فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال ~~تعالى: # أهلكناهم فلا ناصر لهم # [محمد: 13]، وقوله تعالى: { وأتبعناهم في هذه الدنيا ~~لعنة } أي وشرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من ~~عباده المتبعين لرسله كما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء ~~وأتباعهم كذلك، { ويوم القيامة هم من المقبوحين } قال ~~قتادة: هذه الآية كقوله تعالى: # وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس ~~الرفد المرفود # [هود: 99]. ### || [28.43] # يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم، عليه من ربه أفضل ~~الصلاة والتسليم، من إنزال التوراة عليه بعدما أهلك فرعون وملأه، وقوله ~~تعالى: { من بعد مآ أهلكنا القرون الأولى } يعني أنه ~~بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء ~~الله من المشركين، كما قال تعالى: # وجآء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة * ~~فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية # [الحاقة: 9-10]، وروى ابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال: ما أهلك الله ~~قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض، ~~غير أهل القرية الذين مسخوا قردة بعد موسى، ثم قرأ: { ولقد آتينا ~~موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا القرون الأولى } ~~الآية، وقوله: { بصآئر للناس وهدى ورحمة } أي من العمى ~~والغي، { وهدى } إلى الحق، { ورحمة } أي إرشادا إلى العمل ~~الصالح، { لعلهم يتذكرون } أي لعل الناس يتذكرون ويهتدون ~~بسببه. ### || [28.44-47] # يقول تعالى منبها على برهان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر ~~بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم. وهو رجل أمي لا ~~يقرأ شيئا من الكتب، ms1837 نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك، كما أنه لما ~~أخبره عن مريم، قال تعالى: # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون # [آل عمران: 44]، ولما أخبره عن نوح وإغراق قومه، قال تعالى: # تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك ما كنت ~~تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن ~~العاقبة للمتقين # [هود: 49] الآية. وقال بعد ذكر قصة يوسف # ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون # [يوسف: 102] الآية، وقال في سورة طه: # كذلك نقص عليك من أنبآء ما قد سبق # [طه: 99] الآية، وقال ههنا بعدما أخبر عن قصة موسى { وما كنت ~~بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر } يعني ما ~~كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلم الله موسى من الشجرة على شاطىء ~~الوادي، { وما كنت من الشاهدين } لذلك، ولكن الله سبحانه ~~وتعالى أوحى إليك ذلك، ليكون حجة وبرهانا على قرون قد تطاول عهدها، ~~ونسوا حجج الله عليهم، وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين، وقوله تعالى: { ~~وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم ~~آياتنا } أي وما كنت مقيما في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا، حين أخبرت ~~عن نبيها شعيب وما قاله لقومه وما ردوا عليه، { ولكنا كنا ~~مرسلين } أي ولكن نحن أوحينا إليك ذلك، وأرسلناك إلى الناس رسولا، ~~{ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } قيل: المراد أمة ~~محمد، نودوا يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني وأجبتكم قبل أن تدعوني، ~~وقال قتادة: { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } موسى، ~~وهذا أشبه بقوله تعالى: { وما كنت بجانب الغربي إذ ~~قضينآ إلى موسى الأمر } ، ثم أخبر ههنا بصيغة أخرى أخص من ~~ذلك وهو النداء، كما قال تعالى: # وإذ نادى ربك موسى # [الشعراء: 10]، وقال تعالى: # إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى # [النازعات: 16] وقال تعالى: # وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه ~~نجيا # [مريم: 52]، وقوله تعالى: { ولكن رحمة من ربك } أي ما ~~كنت مشاهدا لشيء من ذلك، ولكن الله تعالى ms1838 أوحاه إليك وأخبرك به رحمة منه ~~بك وبالعباد بإرسالك إليهم، { لتنذر قوما مآ أتاهم من ~~نذير من قبلك لعلهم يتذكرون } أي لعلهم يهتدون ~~بما جئتهم به من الله عز وجل، { ولولا أن تصيبهم مصيبة ~~بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا } الآية، أي: وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة؛ ~~وينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم ~~رسول ولا نذير، كما قال تعالى: # أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من ~~قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين # [الأنعام: 156]، وقال تعالى: # يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم ~~على فترة من الرسل أن تقولوا ما جآءنا من ~~بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير # [المائدة: 19] والآيات في هذه كثيرة. ### || [28.48-51] # يقول تعالى مخبرا عن القوم أنه لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم لاحتجوا ~~بأنهم لم يأتهم رسول، فلما جاءهم الحق من عنده على لسان محمد صلى الله ~~عليه وسلم، قالوا على وجه التعنت والعناد، والكفر والإلحاد: { لولا ~~أوتي مثل مآ أوتي موسى } الآية، يعنون مثل العصا، واليد، ~~والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وتنقيص الزروع والثمار مما ~~يضيق على أعداء الله، وكفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى ~~إلى غير ذلك من الآيات الباهرة، والحجج القاهرة، التي أجراها الله تعالى ~~على يدي موسى عليه السلام، حجة وبرهانا له على فرعون وملئه، ومع هذا كله ~~لم ينجع في فرعون وملئه، بل كفروا بموسى وأخيه هارون، كما قالوا لهما: # أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا # [يونس: 78]، وقال تعالى: # فكذبوهما فكانوا من المهلكين # [المؤمنون: 48]، ولهذا قال ها هنا: { أولم يكفروا بمآ ~~أوتي موسى من قبل } أي أولم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك ~~الآيات العظيمة، { قالوا ساحران تظاهرا } أي تعاونا، { وقالوا ~~إنا بكل كافرون } أي بكل منهما كافرون، قال مجاهد: أمرت ~~اليهود قريشا أن يقولوا لمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال الله: { ~~أولم يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا } قال: يعني موسى ~~وهارون صلى ms1839 الله عليهما وسلم { تظاهرا } أي تعاونا وتناصرا وصدق كل ~~منهما الآخر؛ وهذا قول جيد قوي، وعن ابن عباس: { قالوا ساحران تظاهرا } ~~قال: يعنون موسى ومحمدا صلى الله عليهما وسلم وهذا رواية الحسن البصري، ~~وأما من قرأ { سحران تظاهرا } فروي عن ابن عباس: يعنون التوراة ~~والقرآن، قال السدي: يعني صدق كل واحد منهما الآخر، وقال عكرمة: يعنون ~~التوراة والإنجيل واختاره ابن جرير، والظاهر أنهم يعنون التوراة والقرآن ~~لأنه قال بعده: { قل فأتوا بكتاب من عند الله هو ~~أهدى منهمآ أتبعه } ، وكثيرا ما يقرن الله بين التوراة ~~والقرآن، كما في قوله تعالى: # قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى نورا ~~وهدى للناس # [الأنعام: 91] إلى أن قال # وهذا كتاب أنزلناه مبارك # [الأنعام: 92]، وقال في آخر السورة # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن # [الأنعام: 154] الآية، وقال: # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا ~~لعلكم ترحمون # [الأنعام: 155]. # وقد علم بالضرورة لذوي الألباب، أن الله تعالى لم ينزل كتابا من السماء ~~- فيما أنزل من الكتب المتعدده على أنبيائه - أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا ~~أعظم ولا أشرف، من الكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ~~القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتب الذي أنزله على موسى عليه السلام، ~~وهو الكتاب الذي قال الله فيه: # إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور # [المائدة: 44] والإنجيل إنما أنزل متمما للتوراة، ومحلا لبعض ما حرم ~~على بني إسرائيل. ولهذا قال تعالى: { قل فأتوا بكتاب من ~~عند الله هو أهدى منهمآ أتبعه إن كنتم ~~صادقين } أي فيما تدافعون به الحق وتعارضون به من الباطل، قال الله ~~تعالى: { فإن لم يستجيبوا لك } إي فإن لم يجيبوك عما قلت ~~لهم ولم يتبعوا الحق { فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم } ~~أي بلا دليل ولا حجة، { ومن أضل ممن اتبع هواه ~~بغير هدى من الله } أي بغير حجة مأخوذة من كتاب الله، { ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين } ، وقوله تعالى: { ~~ولقد وصلنا لهم القول } قال مجاهد: فصلنا لهم القول، ~~وقال السدي: بينا لهم القول، ms1840 وقال قتادة، يقول تعالى: أخبرهم كيف صنع ~~بمن مضى وكيف هو صانع { لعلهم يتذكرون }. ### || [28.52-55] # يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما ~~قال تعالى: # الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به # [البقرة: 121]، وقال تعالى: # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل ~~إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين لله # [آل عمران: 199]. قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم ~~النجاشي، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم: # يس * والقرآن الحكيم # [يس: 1-2] حتى خمتها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية ~~الآخرى: { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به ~~يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به ~~إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين } ~~يعني من قبل هذا القرآن كنا مسلمين أي موحدين مخلصين لله مستجيبين له، ~~قال الله تعالى: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما ~~صبروا } أي هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول، ثم ~~بالثاني، ولهذا قال: { بما صبروا } أي على اتباع الحق، فإن تجشم ~~مثل هذا شديد على النفوس، وقد ورد في الصحيح: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، ~~وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن ~~تأديبها ثم أعتقها فتزوجها " # ، وفي الحديث: # " من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا " # ، وقوله تعالى: { ويدرؤن بالحسنة السيئة } أي لا ~~يقابلون السيء بمثله ولكن يعفون ويصفحون، { ومما رزقناهم ~~ينفقون } أي ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق الله في الزكاة ~~المفروضة، وصدقات النفل والقربات، وقوله تعالى: { وإذا سمعوا ~~اللغو أعرضوا عنه } أي لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم، بل ~~كما قال تعالى: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72]، { وقالوا لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم ~~سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } أي إذا سفه عليهم سفيه ~~وكلمهم بما لا يليق أعرضوا عنه، ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا ~~يصدر عنهم ms1841 إلا كلام طيب، وقالوا: { لنآ أعمالنا ولكم ~~أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } أي لا ~~نريد طريق الجاهلين ولا نحبها. قال محمد بن إسحاق: ثم قدم على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى حين ~~بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه ~~ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عما أرادوا دعاهم إلى الله تعالى، وتلا عليهم القرآن، ~~فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به ~~وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه ~~اعترضهم (أبو جهل بن هشام) في نفر من قريش فقالوا لهم: خيبكم الله من ~~ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم ~~تطمئن مجالسكم عنده، حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركبا ~~أحمق منكم، فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما ~~أنتم عليه، قال ويقال: إن النفر النصارى من أهل نجران وفيهم نزلت هذه ~~الآيات { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به ~~يؤمنون } ، إلى قوله: { لا نبتغي الجاهلين } قال: وسألت ~~الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت؟ قال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن ~~في (النجاشي) وأصحابه رضي الله عنهم، والآيات اللاتي في سورة المائدة # ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا # [الآية: 82] إلى قوله # فاكتبنا مع الشاهدين # [الآية: 83]. ### || [28.56-57] # يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: إنك يا محمد { لا تهدي من ~~أحببت } أي ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ والله يهدي من يشاء، كما ~~قال تعالى: # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء # [البقرة: 272]، وقال تعالى: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103]. وقد ثبت في " الصحيحين " أنها نزلت في (أبي طالب) عم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان يحوطه وينصره، ويقوم في صفه ويحبه حبا ~~شديدا، فلما ms1842 حضرته الوفاة دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الإيمان والدخول في الإسلام، فاستمر على ما كان عليه من الكفر، ولله ~~الحكمة التامة، روى الزهري عن المسيب بن حزن المخزومي رضي الله عنه قال: # " لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد ~~عنده (أبا جهل بن هشام) و(عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة) فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها ~~عند الله " ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ~~ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ~~ويعودان عليه بتلك المقالة، حتى كان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، ~~وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " " # فأنزل الله تعالى: # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى # [التوبة: 113]، وأنزل في أبي طالب: { إنك لا تهدي من ~~أحببت ولكن الله يهدي من يشآء } ، وعن أبي هريرة ~~قال: # " لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا ~~عماه قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " فقال: لولا أن ~~تعيرني بها قريش يقولون ما حمله عليه إلا جزع الموت لأقررت بها عينك، لا ~~أقولها إلا لاقر بها عينك، فأنزل الله تعالى: { إنك لا تهدي ~~من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء وهو ~~أعلم بالمهتدين } ". # وقوله تعالى: { وقالوا إن نتبع الهدى معك ~~نتخطف من أرضنآ } يقول تعالى مخبرا عن اعتذار بعض الكفار في ~~عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: { إن ~~نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ } أن نخشى أن ~~اتبعنا ما جئت به من الهدى وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين، أن ~~يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، قال الله تعالى ms1843 مجيبا ~~لهم: { أولم نمكن لهم حرما آمنا } يعني هذا الذي ~~اعتذروا به كذب وباطل، لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين، وحرم معظم آمن ~~منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم آمنا لهم في حال كفرهم وشركهم. ولا يكون ~~آمنا لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق؟ وقوله تعالى: { يجبى إليه ~~ثمرات كل شيء } أي من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، ~~وكذلك المتاجر والأمتعة { رزقا من لدنا } أي من عندنا { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } ولهذا قالوا ما قالوا. ### || [28.58-59] # يقول تعالى معرضا بأهل مكة: { وكم أهلكنا من قرية ~~بطرت معيشتها } أي طغت وأشرت، وكفرت نعمة الله فيما أنعم به ~~عليهم من الأرزاق، كما قال: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان # [النحل: 112] - إلى قوله - # فأخذهم العذاب وهم ظالمون # [النحل: 113]، ولهذا قال تعالى: { فتلك مساكنهم لم تسكن ~~من بعدهم إلا قليلا } أي دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم، ~~وقوله تعالى: { وكنا نحن الوارثين } أي رجعت خرابا ليس فيها ~~أحد، ثم قال تعالى مخبرا عن عدله، وأنه لا يهلك أحدا ظالما له، وإنما ~~بعد قيام الحجة عليهم، ولهذا قال: { وما كان ربك مهلك ~~القرى حتى يبعث في أمها } وهي مكة { رسولا يتلو ~~عليهم آياتنا } فيه دلالة على أن النبي الأمي رسول إلى جميع ~~القرى من عرب وأعجام، كما قال تعالى: # لتنذر أم القرى ومن حولها # [الشورى: 7]، وقال تعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158]، وتمام الدليل قوله تعالى: # وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم ~~القيامة أو معذبوها عذابا شديدا # [الإسراء: 58] الآية، فأخبر تعالى أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة، ~~وقد قال تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى لأنه ~~مبعوث إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها، وثبت في " الصحيحين " عنه صلوات ~~الله وسلامه عليه أنه قال: # " بعثت إلى الأحمر والأسود " # ولهذا ختم به النبوة والرسالة، فلا نبي بعده ولا رسول، بل شرعه ms1844 باق بقاء ~~الليل والنهار إلى يوم القيامة، وقيل المراد بقوله: { حتى يبعث ~~في أمها رسولا } أي أصلها وعظيمتها كأمهات الرساتيق والأقاليم. ### || [28.60-61] # يقول تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة ~~الفانية، بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة، من ~~النعيم العظيم المقيم، كما قال تعالى: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96]، وقال: # وما عند الله خير للأبرار # [آل عمران: 198]، وقال: # وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع # [الرعد: 26]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والله ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم ~~فلينظر ماذا يرجع إليه " # ، وقوله تعالى: { أفلا تعقلون }؟ أي أفلا يعقل من يقدم الدنيا ~~على الآخرة، وقوله تعالى: { أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو ~~لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو ~~يوم القيامة من المحضرين } ، يقول تعالى: أفمن هو مؤمن ~~مصدق بما وعده الله على صالح الأعمال من الثواب، كمن هو كافر مكذب بلقاء ~~الله ووعده ووعيده فهو ممتع في الحياة الدنيا أياما قلائل { ثم هو ~~يوم القيامة من المحضرين }؟ قال مجاهد: من المعذبين، ~~وهذا كقوله تعالى: # ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين # [الصافات: 57]، وقال تعالى: # ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون # [الصافات: 158]. ### || [28.62-67] # يقول تعالى مخبرا عما يوبخ به المشركين يوم القيامة حيث يناديهم فيقول: ~~{ أين شركآئي الذين كنتم تزعمون }؟ يعني: أين الآلهة ~~التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا، من الأصنام والأنداد هل ينصرونكم أو ~~ينتصرون؟ وهذا على سبيل التقريع والتهديد كما قال تعالى: # وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم ~~فيكم شركآء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما ~~كنتم تزعمون # [الأنعام: 94]، وقوله: { قال الذين حق عليهم القول } ~~يعني الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر { ربنا هؤلاء ~~الذين أغوينآ أغويناهم كما غوينا تبرأنآ ~~إليك ما كانوا إيانا يعبدون } فشهدوا عليهم أنهم ~~أغووهم فاتبعوهم، ثم تبرأوا من عبادتهم، كما قال تعالى: # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82]، وقال تعالى: # وإذا حشر الناس كانوا لهم ms1845 أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6]، وقال الخليل عليه السلام لقومه # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25] الآية، وقال الله تعالى: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا # [البقرة: 166] الآية، ولهذا قال: { وقيل ادعوا شركآءكم } أي ~~ليخلصوكم مما أنتم فيه كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا، { ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب } ، أي ~~وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة، وقوله: { لو أنهم ~~كانوا يهتدون } أي فودوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من ~~المهتدين في الدار الدنيا، وهذا كقوله تعالى: # ويوم يقول نادوا شركآئي الذين زعمتم ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم ~~موبقا * ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم ~~مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا # [الكهف: 52-53]، وقوله: { ويوم يناديهم فيقول ماذآ ~~أجبتم المرسلين } النداء الأول سؤال عن التوحيد، وهذا عن ~~إثبات النبوات، ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم، وكيف كان حالكم معهم؟ ~~وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فأما المؤمن ~~فيشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول: ~~هاه هاه لا أدري، ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت، لأن من كان ~~في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا، ولهذا قال تعالى: { ~~فعميت عليهم الأنبآء يومئذ فهم لا يتسآءلون ~~} قال مجاهد: فعميت عليهم الحجج فهم لا يتساءلون بالأنساب، وقوله: { ~~فأما من تاب وآمن وعمل صالحا } أي في الدنيا { فعسى ~~أن يكون من المفلحين } أي يوم القيامة، و(عسى) من الله ~~موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنته لا محالة. ### || [28.68-70] # يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا ~~معقب، قال تعالى: { وربك يخلق ما يشآء ويختار } أي ما ~~يشاء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده ~~ومرجعها إليه، وقوله: { ما كان لهم الخيرة } نفي على أصح ~~القولين، كقوله تعالى: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة ms1846 من أمرهم # [الأحزاب: 36]، ولهذا قال: { سبحان الله وتعالى عما ~~يشركون } أي من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئا، ثم ~~قال تعالى: { وربك يعلم ما تكن صدورهم وما ~~يعلنون } أي يعلم ما تكن الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ~~ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق # سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن ~~هو مستخف باليل وسارب بالنهار # [الرعد: 10]، وقوله: { وهو الله لا إله إلا هو } أي هو ~~المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب سواه، { له الحمد ~~في الأولى والآخرة } أي في جميع ما يفعله هو المحمود عليه بعدله ~~وحكمته، { وله الحكم } أي الذي لا معقب له لقهره وغلبته وحكمته ~~ورحمته، { وإليه ترجعون } أي جميعكم يوم القيامة، فيجزي كل ~~عامل بعمله من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال. ### || [28.71-73] # يقول تعالى ممتنا على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا ~~قوام لهم بدونهما، وبين أنه لو جعل الليل دائما عليهم سرمدا إلى يوم ~~القيامة لأضر ذلك بهم، ولسئمته النفوس، ولهذا قال تعالى: { من إله ~~غير الله يأتيكم بضيآء } أي تبصرون به وتستأنسون بسببه { ~~أفلا تسمعون }؟ ثم أخبر تعالى أنه لو جعل النهار { سرمدا } ~~أي دائما مستمرا إلى يوم القيامة لأضر ذلك بهم، ولتعبت الأبدان وكلت ~~من كثرة الحركات والأشغال، ولهذا قال تعالى: { من إله غير ~~الله يأتيكم بليل تسكنون فيه }؟ أي تستريحون من ~~حركاتكم وأشغالكم، { أفلا تبصرون * ومن رحمته } أي بكم { ~~جعل لكم اليل والنهار } أي خلق هذا وهذا { لتسكنوا ~~فيه } أي في الليل، { ولتبتغوا من فضله } أي في النهار ~~بالأسفار والترحال والحركات والأشغال، وقوله: { ولعلكم ~~تشكرون } أي تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن ~~فاته شيء بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل، كما قال ~~تعالى: # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا # [الفرقان: 62] والآيات في هذا كثيرة. ### || [28.74-75] # وهذا أيضا نداء ثان على سبيل التوبيخ والتقريع لمن عبد مع الله ms1847 إلها ~~آخر، يناديهم الرب تعالى على رؤوس الأشهاد فيقول: { أين شركآئي ~~الذين كنتم تزعمون } أي في دار الدنيا، { ونزعنا من ~~كل أمة شهيدا } قال مجاهد: يعني رسولا، { فقلنا هاتوا ~~برهانكم } أي على صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء { فعلموا ~~أن الحق لله } أي لا إله غيره فلم ينطقوا ولم يحيروا جوابا، ~~{ وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي ذهبوا فلم ينفعوهم. ### || [28.76-77] # عن ابن عباس قال في قوله تعالى: { إن قارون كان من قوم ~~موسى } قال: كان ابن عمه، وقال ابن جريج: هو قارون بن يصهب بن قاهث، ~~وموسى بن عمران بن قاهث، وزعم محمد بن إسحاق أن قارون كان عم موسى بن ~~عمران عليه السلام، وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه والله أعلم، ~~وقال قتادة: كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمى المنور لحسن صوته ~~بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ~~ماله، وقوله: { وآتيناه من الكنوز } أي الأموال { مآ إن ~~مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة } أي ليثقل ~~حملها الفئام من الناس لكثرتها، قال الأعمش: كانت مفاتيح كنوز قارون من ~~جلود، كل مفتاح على خزانة على حدته، فإذا ركب حملت على ستين بغلا أغر ~~محجلا، وقيل غير ذلك والله أعلم، وقوله: { إذ قال له قومه لا ~~تفرح إن الله لا يحب الفرحين } أي وعظه فيما هو فيه ~~صالحو قومه، فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه، يعنون ~~لا تبطر بما أنت فيه من المال { إن الله لا يحب الفرحين ~~}. قال ابن عباس: يعني المرحين، وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين، الذين ~~لا يشكرون الله على ما أعطاهم، وقوله: { وابتغ فيمآ آتاك الله ~~الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } أي استعمل ~~ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب ~~إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة، { ولا ~~تنس نصيبك من الدنيا } أي مما أباح الله فيها من المآكل ~~والمشارب والملابس ms1848 والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقا ولنفسك عليك ~~حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزوجك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه، { ~~وأحسن كمآ أحسن الله إليك } أي أحسن إلى خلقه كما أحسن ~~هو إليك، { ولا تبغ الفساد في الأرض } أي لا تكن همتك بما ~~أنت فيه أن تفسد به في الأرض وتسيء إلى خلق الله { إن الله لا ~~يحب المفسدين }. ### || [28.78] # يقول تعالى مخبرا عن جواب قارون لقومه حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير { ~~قال إنمآ أوتيته على علم عندي } أي أنا لا أفتقر إلى ~~ما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه ~~ولمحبته لي، فتقديره إنما أعطيته لعلم الله في أني أهل له، وهذا كقوله ~~تعالى: # فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه ~~نعمة منا قال إنمآ أوتيته على علم # [الزمر: 49] أي على علم من الله بي، وقد روي عن بعضهم أنه أراد { ~~إنمآ أوتيته على علم عندي } أي أنه كان يعاني علم ~~الكيمياء وهذا القول ضعيف لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل، لأن قلب ~~الأعيان لا يقدر أحد عليه إلا الله عز وجل، وقال بعضهم: إن قارون ~~كان يعرف الاسم الأعظم فدعا الله به فتمول بسببه، والصحيح المعنى الأول، ~~ولهذا قال الله تعالى رادا عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما ~~أعطاه من المال { أولم يعلم أن الله قد أهلك من ~~قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر ~~جمعا }؟ أي قد كان من هو أكثر منه مالا، وما كان ذلك عن محبة منا له، ~~وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم، ولهذا قال: { ولا يسأل ~~عن ذنوبهم المجرمون } أي لكثرة ذنوبهم، قال قتادة { على ~~علم عندي } على خير عندي، وقال السدي: على علم أني أهل لذلك، وقد ~~أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه قال في ~~قوله: { قال إنمآ أوتيته على علم عندي } قال: لولا ~~رضا الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال، ms1849 وقرأ: { أولم ~~يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من ~~هو أشد منه قوة وأكثر جمعا } الآية، وهكذا يقول من ~~قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه، لولا أنه يستحق ذلك لما أعطي. ### || [28.79-80] # يقول تعالى مخبرا عن قارون أنه خرج ذات يوم على قومه، في زينة عظيمة ~~وتجمل باهر، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زخارفها وزينتها، ~~تمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي قالوا { يليت لنا مثل مآ ~~أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم } أي ذو حظ وافر من ~~الدنيا، فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم { ويلكم ~~ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا } أي جزاء الله ~~لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون. كما في الحديث ~~الصحيح: # " يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر واقرأوا إن شئتم: { فلا تعلم نفس مآ ~~أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا ~~يعملون } " # ، وقوله: { ولا يلقاهآ إلا الصابرون } قال السدي: ولا ~~يلقى الجنة إلا الصابرون، كأنه جعل ذلك من تمام كلام الذين أوتوا ~~العلم، وقال ابن جرير: ولا يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا ~~الراغبون في الدار الآخرة، وكأنه جعل ذلك مقطوعا من كلام أولئك وجعله من ~~كلام الله عز وجل وإخباره بذلك. ### || [28.81-82] # لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته وفخره على قومه وبغيه عليهم، عقب ~~ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت في الصحيح عند البخاري أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " بينما رجل يجر إزاره إذ خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة " # ، وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بينما رجل ممن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما أمر الله ~~الأرض فأخذته فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة " # وقد ذكر أن هلاك قارون كان من دعوة موسى نبي الله ms1850 عليه السلام، وقيل: إن ~~قارون لما خرج على قومه في زينته تلك وهو راكب على البغال الشهب وعليه ~~وعلى خدمه ثياب الأرجوان المصبغة، فمر في محفله ذلك على مجلس نبي الله ~~موسى عليه السلام وهو يذكرهم بأيام الله، فلما رأى الناس قارون انصرفت ~~وجوههم نحوه ينظرون إلى ما هو فيه، فدعاه موسى عليه السلام وقال: ما حملك ~~على ما صنعت؟ فقال: يا موسى أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة فلقد فضلت ~~عليك بالدنيا، فاستوت بهم الأرض، وعن ابن عباس قال: خسف بهم إلى الأرض ~~السابعة، وقال قتادة: ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة فهم يتجلجلون ~~فيها إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: { فما كان له من فئة ~~ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين } أي ~~ما أغنى عنه ماله ولا جمعه ولا خدمه وحشمه، ولا دفعوا عنه نقمة الله ~~وعذابه ونكاله، ولا كان هو في نفسه منتصرا لنفسه فلا ناصر له من نفسه ~~ولا من غيره، وقوله تعالى: { وأصبح الذين تمنوا مكانه ~~بالأمس } أي الذين لما رأوه في زينته: قالوا # يليت لنا مثل مآ أوتي قارون إنه لذو حظ ~~عظيم # [القصص: 79] فلما خسف به أصبحوا يقولون { ويكأن الله يبسط ~~الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر } أي ليس المال ~~بدال على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ~~ويرفع، وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود: «إن الله قسم بينكم ~~أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا ~~يعطي الإيمان إلا من يحب»، { لولا أن من الله علينا ~~لخسف بنا } أي لولا لطف الله بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا كما خسف ~~به لأنا وددنا أن نكون مثله، { ويكأنه لا يفلح الكافرون ~~} يعنون أنه كان كافرا ولا يفلح الكافرون عند الله لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة، وقد اختلف في معنى قوله ههنا { ويكأنه } فقال بعضهم: ~~معناه ويلك اعلم أن، ولكن خفف فقيل ويك، ودل فتح أن على حذف ms1851 اعلم، وهذا ~~القول ضعفه ابن جرير، والظاهر أنه قوي، ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في ~~المصاحف متصلة ويكأن، والكتابة أمر وضعي اصطلاحي والمرجع إلى اللفظ ~~العربي والله أعلم. وقيل: معناها { ويكأنه } أي ألم تر أن، قاله ~~قتادة: وقيل معناها وي كأن ففصلها، وجعل حرف وي للتعجب أو للتنبيه، وكأن ~~بمعنى أظن وأحتسب. قال ابن جرير: وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة إنها ~~بمعنى ألم تر أن، والله أعلم. ### || [28.83-84] # يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، ~~جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون { علوا في ~~الأرض } أي ترفعا على خلق الله وتعاظما عليهم وتجبرا بهم ولا ~~فسادا فيهم، قال عكرمة: العلو: التجبر، وقال سعيد بن جبير: العلو البغي، ~~وقال سفيان الثوري: العلو في الأرض التكبر بغير حق، والفساد أخذ المال ~~بغير حق، وقال ابن جرير { لا يريدون علوا في الأرض } تعظما ~~وتجبرا، { ولا فسادا } عملا بالمعاصي. وفي الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على ~~أحد " # وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل فهذا لا بأس به، فقد ثبت # " أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحب أن يكون ردائي حسنا ونعلي حسنة ~~أفمن الكبر ذلك؟ فقال: " لا، إن الله جميل يحب الجمال " " # ، وقال تعالى: { من جآء بالحسنة } أي يوم القيامة { فله ~~خير منها } أي ثواب الله خير من حسنة العبد فكيف والله يضاعفه ~~أضعافا كثيرة وهذا مقام الفضل، ثم قال: { ومن جآء بالسيئة ~~فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا ~~يعملون } ، كما قال في الآية الأخرى: # ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون # [النمل: 90] وهذا مقام الفضل والعدل. ### || [28.85-88] # يقول تعالى آمرا رسوله صلوات الله وسلامه عليه ببلاغ الرسالة وتلاوة ~~القرآن على الناس، ومخبرا له بأنه سيرده إلى معاد وهو يوم القيامة ~~فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة، ولهذا قال تعالى: ms1852 { إن الذي ~~فرض عليك القرآن } أي افترض عليك أداءه إلى الناس { ~~لرآدك إلى معاد } أي إلى يوم القيامة فيسألك عن ذلك، كما قال ~~تعالى # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين # [الأعراف: 6]، وقال تعالى: # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم # [المائدة: 109] وقال: # وجيء بالنبيين والشهدآء # [الزمر: 69]، وقال ابن عباس: { لرآدك إلى معاد } يقول: لرادك ~~إلى الجنة ثم سائلك عن القرآن، وقال مجاهد: يحييك يوم القيامة، وقال ~~الحسن البصري: إي الله إن له لمعادا فيبعثه الله يوم القيامة ثم يدخله ~~الجنة. وقد روي عن ابن عباس غير ذلك كما قال البخاري في التفسير عن ابن ~~عباس { لرآدك إلى معاد } قال: إلى مكة. وهكذا رواه العوفي عن ~~ابن عباس { لرآدك إلى معاد } أي لرادك إلى مكة كما أخرجك ~~منها، وقال محمد بن إسحاق عن مجاهد في قوله { لرآدك إلى معاد ~~}: إلى مولدك بمكة، وعن الضحاك قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من ~~مكة فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه: { إن الذي فرض ~~عليك القرآن لرآدك إلى معاد } إلى مكة، وهذا من كلام ~~الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان مجموع السورة مكيا، والله ~~أعلم. # ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة ~~وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجل النبي صلى الله ~~عليه وسلم، كما فسر ابن عباس سورة # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1] أنه أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه، ولهذا فسر ~~ابن عباس تارة أخرى قوله: { لرآدك إلى معاد } بالموت، وتارة ~~بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على ~~أداء رسالة الله، وإبلاغها إلى الثقلين الإنس والجن، ولأنه أكمل خلق الله ~~وأفصح خلق الله وأشرف خلق الله على الإطلاق، وقوله تعالى: { قل ربي ~~أعلم من جآء بالهدى ومن هو في ضلال مبين } أي ~~قل لمن خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين ومن تبعهم على ms1853 كفرهم قل: ~~ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني، وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار ولمن ~~تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى مذكرا لنبيه ~~نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم: { وما كنت ترجو ~~أن يلقى إليك الكتاب } أي ما كنت تظن قبل إنزال الوحي إليك ~~أن الوحي ينزل عليك، { إلا رحمة من ربك } أي إنما أنزل ~~الوحي عليك من الله من رحمته بك وبالعباد بسببك، فإذا منحك بهذه النعمة ~~العظيمة { فلا تكونن ظهيرا } أي معينا { للكافرين } ~~ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم، { ولا يصدنك عن آيات الله ~~بعد إذ أنزلت إليك } أي لا تتأثر لمخالفتهم لك وصدهم الناس ~~عن طريقك، فإن الله معل كلمتك، ومؤيد دينك، ومظهر ما أرسلك به على سائر ~~الأديان، ولهذا قال: { وادع إلى ربك } أي إلى عبادة ربك وحده ~~لا شريك له { ولا تكونن من المشركين }. # وقوله تعالى: { ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله ~~إلا هو } أي لا تليق العبادة إلا له ولا تنبغي الإلهية إلا ~~لعظمته، وقوله: { كل شيء هالك إلا وجهه } إخبار بأنه ~~الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: # كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام # [الرحمن: 26-27] فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: { كل ~~شيء هالك إلا وجهه } أي إلا إياه، وقد ثبت في الصحيح: أصدق ~~كلمة قالها الشاعر لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وقال مجاهد والثوري في قوله: { كل شيء هالك إلا وجهه } ~~أي إلا ما أريد به وجهه، وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا ~~إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة، إلا ما أريد به وجه الله تعالى من ~~الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات ~~فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل ~~شيء وبعد كل شيء، وكان ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف ~~على بابها فينادي بصوت حزين: فيقول أين ms1854 أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: { ~~كل شيء هالك إلا وجهه } ، وقوله: { له الحكم } أي ~~الملك والتصرف ولا معقب لحكمه { وإليه ترجعون } أي يوم معادكم ~~فيجزيكم بأعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-4] # أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقوله ~~تعالى: { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون } استفهام إنكار، ومعناه أن الله سبحانه وتعالى ~~لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين، بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في ~~الحديث الصحيح: # " أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى ~~الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلابة زيد له في البلاء " # وهذه الآية كقوله: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين # [آل عمران: 142]، وقال في البقرة: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء ~~والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله ~~قريب # [البقرة: 214]، ولهذا قال ههنا: { ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين } أي الذين صدقوا في دعوى الإيمان، ممن هو كاذب في قوله ~~ودعواه، والله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف ~~يكون. وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة، وبهذا يقول ابن عباس ~~وغيره في مثل قوله: # إلا لنعلم # [البقرة: 143] إلا لنرى، وذلك لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود والعلم ~~أعم من الرؤية فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود، وقوله تعالى: { أم حسب ~~الذين يعملون السيئات أن يسبقونا سآء ما ~~يحكمون } أي لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من ~~هذه الفتنة والامتحان، فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من ~~هذا وأطم، ولهذا قال: { أم حسب الذين يعملون السيئات ~~أن يسبقونا } أي يفوتونا { سآء ما يحكمون } أي بئس ما ~~يظنون. ### || [29.5-7] # يقول تعالى: { من كان يرجو لقآء الله } أي في الدار الآخرة ms1855 ~~وعمل الصالحات، ورجا ما عند الله من الثواب الجزيل، فإن سيحقق له رجاءه، ~~ويوفيه عمله كاملا موفرا، فإن ذلك كائن لا محالة لأنه سميع الدعاء، ~~بصير بكل الكائنات. ولهذا قال تعالى: { من كان يرجو لقآء ~~الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم } ، ~~وقوله تعالى: { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه } ، كقوله ~~تعالى: # من عمل صالحا فلنفسه # [فصلت: 46] أي من عمل صالحا فإنما يعود نفع عمله على نفسه، فإن الله ~~تعالى غني عن العباد ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل منهم، ولهذا قال ~~تعالى: { إن الله لغني عن العالمين }. قال الحسن ~~البصري: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يوما من الدهر بسيف، ثم أخبر تعالى أنه ~~مع غناه عن الخلائق جميعهم، ومع بره وإحسانه بهم، يجازي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أحسن الجزاء، وهو أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات ويثيب ~~عليها الواحدة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ويجزي على السيئة بمثلها أو ~~يعفو ويصفح، كما قال تعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40]، وقال ههنا: { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ~~ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون }. ### || [29.8-9] # يقول تعالى آمرا عباده بالإحسان إلى الوالدين، بعد الحث على التمسك ~~بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، ~~فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق، ولهذا قال تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23]، ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما في ~~مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: { وإن جاهداك لتشرك بي ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهمآ } أي وإن حرصا أن تتابعهما ~~على دينهما إذا كانا مشركين، فلا تطعهما في ذلك فإن مرجعكم إلي يوم ~~القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا ~~في زمرة والديك، ولهذا قال تعالى: { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لندخلنهم في الصالحين }. عن مصعب بن سعد ~~يحدث عن أبيه سعد قال: نزلت ms1856 في أربع آيات فذكر قصته، وقال، قالت أم ~~سعد: أليس الله قد أمرك بالبر؟ والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى ~~أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها، فنزلت: { ~~ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك ~~لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهمآ } الآية. ### || [29.10-11] # يقول تعالى مخبرا عن صفات المكذبين، الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ولم ~~يثبت الإيمان في قلوبهم، بأنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا، اعتقدوا ~~أن هذا من نقمة الله تعالى بهم فارتدوا عن الإسلام، ولهذا قال تعالى: { ~~ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذآ أوذي في ~~الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } قال ابن عباس: ~~يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله، وكذا قال غيره من علماء ~~السلف، وهذه الآية كقوله تعالى: # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه # [الحج: 11] - إلى قوله - # ذلك هو الضلال البعيد # [الحج: 12]، ثم قال عز وجل: { ولئن جآء نصر من ربك ~~ليقولن إنا كنا معكم } أي ولئن جاء نصر قريب من ربك يا ~~محمد وفتح ومغانم، ليقولن هؤلاء لكم إنا كنا معكم أي إخوانكم في الدين، ~~كما قال تعالى: # الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من ~~الله قالوا ألم نكن معكم # [النساء: 141] الاية، وقوله تعالى مخبرا عنهم ههنا: { ولئن جآء ~~نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم } ، ثم قال ~~تعالى: { أو ليس الله بأعلم بما في صدور ~~العالمين } أي أوليس الله بأعلم بما في قلوبهم، وما تكنه ضمائرهم، ~~وإن أظهروا لكم الموافقة؟ وقوله تعالى: { وليعلمن الله ~~الذين آمنوا وليعلمن المنافقين } أي وليختبرن الله ~~الناس بالضراء والسراء، ليتميز من يطيع الله في الضراء والسراء، ومن ~~يطيعه في حظ نفسه، كما قال تعالى: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلوا أخباركم # [محمد: 31]. ### || [29.12-13] # يقول تعالى مخبرا عن كفار قريش أنهم قالوا لمن آمن منهم واتبع الهدى: ~~ارجعوا عن دينكم إلى ديننا واتبعوا ms1857 سبيلنا { ولنحمل خطاياكم } ~~أي آثامكم إن كانت لكم آثام، كما يقول القائل: افعل هذا وخطيئتك في ~~رقبتي، قال الله تعالى تكذيبا لهم: { وما هم بحاملين من ~~خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون } أي فيما قالوه إنهم ~~يحتملون عن أولئك خطاياهم. فإنه لا يحمل أحد وزر أحد، قال الله تعالى: # وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ~~ولو كان ذا قربى # [فاطر: 18]، وقال تعالى: # ولا يسأل حميم حميما * يبصرونهم # [المعارج: 10-11]، وقوله تعالى: { وليحملن أثقالهم ~~وأثقالا مع أثقالهم } إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة، ~~أنهم يحملون يوم القيامة أوزار أنفسهم وأوزارا أخر، بسبب ما أضلوا من ~~الناس من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئا، كما قال تعالى: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25] الآية، وفي الصحيح: # " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من ~~غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل ~~آثام من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من آثامهم شيئا " # ، وفي الصحيح: # " ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول ~~من سن القتل " # وقوله تعالى: { وليسألن يوم القيامة عما كانوا ~~يفترون } أي يكذبون ويختلقون من البهتان. # وفي الحديث: # " إياكم والظلم فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول: وعزتي وجلالي لا ~~يجوزني اليوم ظلم ثم ينادي مناد فيقول: أين فلان بن فلان؟ فيأتي يتبعه من ~~الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس أبصارهم، حتى يقوم بين يدي الرحمن ~~عز وجل، ثم يأمر المنادي، فينادي من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان ~~بن فلان فهلم، فيقبلون حتى يجتمعوا قياما بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن: ~~اقضوا عن عبدي، فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول: خذوا لهم من حسناته فلا ~~يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى منها حسنة، وقد بقي من أصحاب الظلامات، ~~فيقول: اقضوا عن عبدي، فيقولون: لم يبق له حسنة. فيقول: ms1858 خذوا من سيئاتهم ~~فاحملوها عليه " # ثم نزع صلى الله عليه وسلم بهذه الآية الكريمة: { وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم ~~القيامة عما كانوا يفترون } وهذا الحديث له شاهد في ~~الصحيح من غير هذا الوجه: # " إن الرجل ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، وقد ظلم هذا وأخذ ~~مال هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم ~~تبق له حسنة أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ". ### || [29.14-15] # هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، يخبره عن نوح ~~عليه السلام أنه مكث في قومه هذه المدة، يدعوهم إلى الله تعالى ليلا ~~ونهارا وسرا وجهارا، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فرارا، وما آمن معه ~~منهم إلا قليل، ولهذا قال تعالى: { فلبث فيهم ألف سنة ~~إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون } ~~أي بعد هذه المدة الطويلة ما نجع فيهم البلاغ والإنذار، فأنت يا محمد لا ~~تأسف على من كفر بكل من قومك ولا تحزن عليهم، فإن الله يهدي من يشاء ويضل ~~من يشاء، وبيده الأمر وإليه ترجع الأمور واعلم أن الله سيظهرك وينصرك ~~ويؤيدك، ويذل عدوك ويكبتهم ويجعلهم أسفل السافلين. عن ابن عباس قال: بعث ~~نوح وهو لأربعين سنة ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وعاش بعد ~~الطوفان ستين عاما حتى كثر الناس وفشوا، وقوله تعالى: { فأنجيناه ~~وأصحاب السفينة } أي الذين آمنوا بنوح عليه السلام، وقد تقدم ~~تفسيره بما أغنى عن إعادته، وقوله تعالى: { وجعلناهآ آية ~~للعالمين } أي وجعلنا تلك السفينة باقية؛ إما عينها - كما قال ~~قتادة - إنها بقيت إلى أول الإسلام على جبل الجودي، أو نوعها جعله للناس ~~تذكرة لنعمه على الخلق كيف أنجاهم من الطوفان، كما قال تعالى: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون # [يس: 41] وقال تعالى: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية * ~~لنجعلها لكم تذكرة وتعيهآ أذن واعية # [الحاقة: 11-12]، وقال ههنا: { فأنجيناه وأصحاب السفينة ~~وجعلناهآ آية للعالمين }. ### || [29.16-18] # يخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله ms1859 (إبراهيم) إمام الحنفاء، أنه دعا قومه ~~إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإخلاص له في التقوى، وطلب الرزق منه ~~وحده لا شريك له، وتوحيده في الشكر فإنه المشكور على النعم لا مسدي ~~لها غيره، فقال لقومه: { اعبدوا الله واتقوه } أي أخلصوا له ~~العبادة والخوف { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } أي ~~إذا فعلتم ذلك حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة، ثم أخبر تعالى أن ~~الأصنام التي يعبدونها لا تضر ولا تنفع، وإنما هي مخلوقة مثلكم، قال ابن ~~عباس: { وتخلقون إفكا } أي تنحتونها أصناما، وهي لا تملك لكم ~~رزقا { فابتغوا عند الله الرزق } ، وهذا أبلغ في الحصر ~~كقوله: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5] ولهذا قال: { فابتغوا } أي فاطلبوا { عند الله ~~الرزق } أي لا عند غيره فإن غيره لا يملك شيئا، { واعبدوه ~~واشكروا له } أي كلوا من رزقه واعبدوه وحده واشكروا له على ما ~~أنعم به عليكم، { إليه ترجعون } أي يوم القيامة فيجازي كل عامل ~~بعمله. وقوله تعالى: { وإن تكذبوا فقد كذب أمم من ~~قبلكم } أي فبلغكم ما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل، { ~~وما على الرسول إلا البلاغ المبين } يعني إنما على ~~الرسول أن يبلغكم ما أمره الله تعالى به من الرسالة، والله يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء، فاحرصوا لأنفسكم أن تكونوا من السعداء، وقال قتادة في ~~قوله: { وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم } ، ~~قال: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، والظاهر مر السياق أن كل هذا من كلام ~~إبراهيم الخليل عليه السلام، يحتج عليهم لإثبات المعاد لقوله بعد هذا كله # فما كان جواب قومه # [العنكبوت: 24] والله أعلم. ### || [29.19-23] # يقول تعالى مخبرا عن الخليل عليه السلام، أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد ~~الذي ينكرونه، بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم بعد أن لم ~~يكونوا شيئا مذكورا، ثم وجدوا وصاروا أناسا سامعين مبصرين، فالذي بدأ ~~هذا قادر على إعادته، فإنه سهل عليه يسير لديه؛ ثم أرشدهم إلى الاعتبار ~~بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق ms1860 الله الأشياء: السماوات وما ~~فيها من الكواكب النيرة، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال، وأودية وبراري ~~وقفار، وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها، ~~وعلى وجود صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء كن فيكون، ولهذا قال: ~~{ أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ~~إن ذلك على الله يسير } ، كقوله تعالى: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]، ثم قال تعالى: { قل سيروا في الأرض فانظروا ~~كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } ~~أي يوم القيامة، { إن الله على كل شيء قدير } ، وهذا ~~المقام شبيه بقوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]، وكقوله تعالى: # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم ~~خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون # [الطور: 35-36]، وقوله تعالى: { يعذب من يشآء ويرحم من ~~يشآء } أي هو الحاكم المتصرف الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله ~~الخلق والأمر لأنه المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة، كما جاء في الحديث: # " إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم " # ، ولهذا قال تعالى: { يعذب من يشآء ويرحم من يشآء ~~وإليه تقلبون } أي ترجعون يوم القيامة، وقوله تعالى: { ومآ ~~أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السمآء } أي لا يعجزه ~~أحد من أهل سماواته وأرضه، بل هو القاهر فوق عباده، فكل شيء خائف منه ~~فقير إليه وهو الغني عما سواه { وما لكم من دون الله من ~~ولي ولا نصير * والذين كفروا بآيات الله ~~ولقآئه } أي جحدوها وكفروا بالمعاد، { أولئك يئسوا من ~~رحمتي } أي لا نصيب لهم فيها، { وأولئك لهم عذاب ~~أليم } أي موجع شديد في الدنيا والآخرة. ### || [29.24-25] # يقول تعالى مخبرا عن قوم إبراهيم في كفرهم وعنادهم ومكابرتهم، ودفعهم ~~الحق بالباطل، إنهم ما كان لهم جواب بعد مقالة إبراهيم هذه المشتملة على ~~الهدى والبيان { إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه } ، ~~وذلك لأنهم قام عليهم البرهان وتوجهت عليهم الحجة، فعدلوا إلى ms1861 استعمال ~~جاههم وقوة ملكهم، # قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم # [الصافات: 97] وذلك أنهم حشدوا في جمع أحطاب عظيمة مدة طويلة، ثم أضرموا ~~فيها النار، ثم عمدوا إلى إبراهيم فكتفوه وألقوه في كفة المنجنيق، ثم ~~قذفوه فيها فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وخرج منها سالما بعدما مكث ~~فيها أياما، ولهذا وأمثاله جعله الله للناس إماما، فإنه بذل نفسه ~~للرحمن، وجسده للنيران، ولهذا اجتمع على محبته جميع أهل الأديان، وقوله ~~تعالى: { فأنجاه الله من النار } أي سلمه منه بأن جعلها عليه ~~بردا وسلاما، { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون * ~~وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم في الحياة الدنيا } ، يقول لقومه مقرعا لهم وموبخا ~~على سوء صنيعهم في عبادتهم للأوثان، إنما اتخذتم هذه لتجتمعوا على ~~عباداتها في الدنيا صداقة وألفة منكم { ثم يوم القيامة } ~~ينعكس هذا الحال فتبقى هذه الصداقة والمودة بغضا وشنآنا، ثم { يكفر ~~بعضكم ببعض } أي تتجاحدون ما كان بينكم، { ويلعن ~~بعضكم بعضا } أي يلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع، # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف: 38]، وقال تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]، وقال ههنا: { ثم يوم القيامة يكفر ~~بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم ~~النار } الآية، أي ومصيركم ومرجعكم بعد عرصات القيامة إلى النار، وما ~~لكم من ناصر ينصركم، ولا منقذ ينقذكم من عذاب الله. ### || [29.26-27] # يقول تعالى مخبرا عن إبراهيم أنه آمن له (لوط) يقال: إنه ابن أخي ~~إبراهيم، وهو لوط بن هاران بن آزر، وهاجر معه إلى بلاد الشام، ثم أرسل في ~~حياة الخليل إلى أهل سدوم وإقليمها، وكان من أمرهم ما تقدم وما سيأتي، ~~وقوله تعالى: { وقال إني مهاجر إلى ربي } يحتمل عود ~~الضمير في قوله: { وقال } على (لوط) لأنه هو أقرب المذكورين، ويحتمل ~~عوده إلى (إبراهيم) وهو المكنى عنه بقوله: { فآمن له لوط } أي من ~~قومه، ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم، ابتغاء إظهار ~~الدين والتمكن من ذلك، ولهذا قال: { إنه هو العزيز الحكيم ~~} أي له العزة ms1862 ولرسوله وللمؤمنين به { الحكيم } في أقواله وأفعاله، ~~وقال قتادة: هاجرا جميعا من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى الشام، روى ~~الإمام أحمد عن قتادة عن شهر بن حوشب قال: لما جاءتنا بيعة (يزيد بن ~~معاوية) قدمت الشام، فأخبرت بمقام يقومه (نوف البكالي) فجئته إذ جاء رجل، ~~فانتبذ الناس وعليه خميصة، فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، فلما رآه ~~نوف أمسك عن الحديث، فقال عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إنها ستكون هجرة بعد هجرة فينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم لا يبقى في ~~الأرض إلا شرار أهلها، فتلفظهم أرضهم تقذرهم نفس الرحمن، تحشرهم النار ~~مع القردة والخنازير، فتبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل ~~من تخلف منهم " # قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ~~كلما خرج منهم قرن قطع، كلما خرج قطع حتى عدها زيادة على عشرين مرة ~~حتى يخرج الدجال في بقيتهم ". # وقوله تعالى: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } ، كقوله: # فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا ~~له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا # [مريم: 49] أي لما فارق قومه أقر الله عينه بوجود ولد صالح نبي، وولد له ~~ولد صالح نبي في حياة جده، وكذلك قال تعالى: # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة # [الأنبياء: 72] أي زيادة، كما قال تعالى: # فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71] أي يولد لهذا الولد ولد في حياتكما تقر به أعينكما، فأما ما ~~روي عن ابن عباس في قوله: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } ~~قال: هما ولدا إبراهيم، فمعناه أن ولد الولد بمنزلة الولد، فإن هذا الأمر ~~لا يكاد يخفى على من هو دون ابن عباس، وقوله تعالى: { وجعلنا في ~~ذريته النبوة والكتاب } هذه خلعة سنية عظيمة مع اتخاذ ~~الله إياه خليلا وجعله للناس إماما أن جعل في ذريته النبوة والكتاب، ~~فلم يوجد نبي بعد إبراهيم عليه السلام إلا وهو من سلالته، فجميع أنبياء ~~إسرائيل من ms1863 سلالة (يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) حتى كان آخرهم عيسى ابن ~~مريم، فقام مبشرا بالنبي العربي سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، الذي ~~اصطفاه الله من صميم العرب العرباء، من سلالة (إسماعيل بن إبراهيم) ~~عليهما السلام، ولم يوجد نبي من سلالة إسماعيل سواه عليه أفضل الصلاة ~~والسلام، وقوله: { وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين } أي جمع الله له بين سعادة الدنيا ~~الموصولة بسعادة الآخرة، فكان له في الدنيا الرزق الواسع الهني والمنزل ~~الرحب، والمورد العذب، والزوجة الحسنة الصالحة، والثناء الجميل، والذكر ~~الحسن وكل أحد يحبه ويتولاه، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم مع ~~القيام بطاعة الله من جميع الوجوه، كما قال تعالى: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37] أي قام بجميع ما أمر به وكمل طاعة ربه، ولهذا قال تعالى: { ~~وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين } ، وكما قال تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يك من المشركين # [النحل: 120] - إلى قوله -: # وإنه في الآخرة لمن الصالحين # [النحل: 122]. ### || [29.28-30] # يقول تعالى مخبرا عن نبيه (لوط) عليه السلام أنه أنكر على قومه سوء ~~صنيعهم، وما كانوا يفعلونه من قبيح الأعمال، في اتباعهم الذكران من ~~العالمين، ولم يسبقهم إلى هذه الفعلة أحد من بني آدم قبلهم، وكانوا مع ~~هذا يكفرون بالله ويكذبون رسوله ويخالفونه ويقطعون السبيل، أي يقفون في ~~طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم، { وتأتون في ناديكم ~~المنكر } أي يفعلون ما لا يليق من الأقوال والأفعال في مجالسهم التي ~~يجتمعون فيها، لا ينكر بعضهم على بعض شيئا من ذلك، فمن قائل: كانوا ~~يأتون بعضهم بعضا في الملأ قاله مجاهد، ومن قائل: كانوا يتضارطون ~~ويتضاحكون، روى الإمام أحمد عن أم هانىء قالت: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { وتأتون في ~~ناديكم المنكر } قال: " يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم وذلك ~~المنكر الذي كانوا يأتونه " " # وعن مجاهد { وتأتون في ناديكم المنكر } قال: الصفير ولعب ~~الحمام وحل أزرار القباء، وقوله تعالى: { فما كان جواب قومه ~~إلا ms1864 أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من ~~الصادقين } وهذا من كفرهم واستهزائهم وعنادهم، ولهذا استنصر عليهم ~~نبي الله فقال: { رب انصرني على القوم المفسدين }. ### || [29.31-35] # لما استنصر (لوط) عليه السلام بالله عز وجل عليهم بعث الله لنصرته ~~ملائكة، فمروا على (إبراهيم) عليه السلام في هيئة أضياف، فجاءهم بما ~~ينبغي للضيف، فلما رأى إبراهيم أنه لا همة لهم إلى الطعام نكرهم، وأوجس ~~منهم خيفة، فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بوجود ولد صالح من امرأته سارة، ~~وكانت حاضرة فتعجبت من ذلك، كما تقدم بيانه في سورة هود والحجر، فلما ~~جاءت إبراهيم بالبشرى وأخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط أخذ يدافع ~~لعلهم ينظرون؛ لعل الله أن يهديهم، ولما قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية ~~{ قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين } أي من الهالكين لأنها كانت تمالئهم على كفرهم وبغيهم، ثم ~~ساروا من عنده فدخلوا على (لوط) في صورة شبان حسان، فلما رآهم كذلك { ~~سيء بهم وضاق بهم ذرعا } أي اغتم بأمرهم إن هو أضافهم خاف ~~عليهم من قومه، وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم، ولم يعلم بأمرهم إلا في ~~الساعة الراهنة { قالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك ~~وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا ~~منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السمآء ~~بما كانوا يفسقون } ، وذلك أن جبريل عليه السلام اقتلع قراهم ~~من قرار الأرض ثم رفعها إلى عنان السماء ثم قلبها عليهم، وأرسل الله ~~عليهم حجارة من سجيل منضود، وجعل الله مكانها بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم ~~عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد، ولهذا قال ~~تعالى: { ولقد تركنا منهآ آية بينة } أي واضحة { ~~لقوم يعقلون } ، كما قال تعالى: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]؟. ### || [29.36-37] # يخبر تعالى عن عبده ورسوله (شعيب) عليه السلام أنه أنذر قومه أهل مدين ~~فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخافوا بأس الله ونقمته وسطوته ~~يوم القيامة، فقال: { يقوم ms1865 اعبدوا الله وارجوا اليوم ~~الأخر } قال ابن جرير: معناه واخشوا اليوم الآخر، كقوله تعالى: # لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر # [الأحزاب: 21، الممتحنة: 6]، وقوله: { ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين } نهاهم عن العيث في الأرض بالفساد، وهي السعي فيها والبغي ~~على أهلها، وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان، ويقطعون الطريق على ~~الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله، فأهلكهم الله برجفة عظيمة زلزلت عليهم ~~بلادهم، وصيحة أخرجت القلوب من حناجرها، وعذاب يوم الظلة الذي أزهق ~~الأرواح من مستقرها إنه كان عذاب يوم عظيم، وقد تقدمت قصتهم مبسوطة في ~~سورة الأعراف وهود والشعراء، وقوله: { فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين } قال قتادة: ميتين، وقال غيره: قد ألقي بعضهم على بعض. ### || [29.38-40] # يخبر تعالى عن هؤلاء الأمم المكذبة للرسل كيف أبادهم وتنوع في عذابهم؛ ~~وأخذهم بالانتقام منهم، فعاد قوم هود عليه السلام كانوا يسكنون (الأحقاف) ~~وهي قريبة من حضرموت بلاد اليمن، وثمود قوم صالح كانوا يسكنون (الحجر) ~~قريبا من وادي القرى، وكانت العرب تعرف مساكنهما جيدا وتمر عليها ~~كثيرا، وقارون صاحب الأموال الجزيلة والكنوز الثقيلة، وفرعون ووزيره ~~(هامان) القبطيان الكافران بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم { ~~فكلا أخذنا بذنبه } أي كانت عقوبته بما يناسبه { فمنهم ~~من أرسلنا عليه حاصبا } وهم عاد، وذلك أنهم قالوا من أشد ~~منا قوة؟ فجاءتهم ريح صرصر باردة شديدة البرد، عاتيه شديدة الهبوب، تحمل ~~عليهم حصباء الأرض فتلقيها عليهم، وتقتلعهم من الأرض، فترفع الرجل منهم ~~من الأرض إلى عنان السماء، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى بدنا بلا ~~رأس كأنهم أعجاز نخل منقعر، { ومنهم من أخذته الصيحة } ~~وهم ثمود قامت عليهم الحجة وظهرت لهم الدلالة على تلك الناقة التي انفلقت ~~عنها الصخرة مثل ما سألوا سواء بسواء، ومع هذا ما آمنوا بل استمروا على ~~طغيانهم وكفرهم وتهددوا نبي الله صالحا ومن آمن معه، وتوعدوهم بأن ~~يخرجوهم ويرجموهم فجاءتهم صيحة أخمدت الأصوات منهم والحركات، { ~~ومنهم من خسفنا به الأرض } وهو قارون الذي طغى وبغى ~~وعتا وعصى الرب الأعلى، ومشى في الأرض مرحا ms1866 واعتقد أنه أفضل من غيره، ~~واختال في مشيته، فخسف الله به وبداره الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم ~~القيامة، { ومنهم من أغرقنا } وهو فرعون ووزيره هامان ~~وجنودهما عن آخرهم أغرقوا في صبيحة واحدة فلم ينج منهم مخبر، { وما ~~كان الله ليظلمهم } أي فيما فعل بهم، { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } أي إنما فعل ذلك بهم جزاء وفاقا بما كسبت ~~أيديهم. ### || [29.41-43] # هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجون ~~نصرهم ورزقهم ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ~~ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه ~~لا يجدي عنه شيئا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، ~~وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع ~~الشرع، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها، ثم قال ~~تعالى متوعدا لمن عبد غيره وأشرك به: إنه تعالى يعلم ما هم عليه من ~~الأعمال ويعلم ما يشركون به من الأنداد وسيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم، ثم ~~قال تعالى: { وتلك الأمثال نضربها للناس وما ~~يعقلهآ إلا العالمون } أي وما يفهمها ويتدبرها إلا ~~الراسخون في العلم المتضلعون منه. عن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية من ~~كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني لأني سمعت الله تعالى يقول: { وتلك ~~الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون }. ### || [29.44-45] # يقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة أنه خلق السماوات والأرض بالحق، ~~يعني لا على وجه العبث واللعب # لتجزى كل نفس بما تسعى # [طه: 15]، # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى # [النجم: 31]، وقوله تعالى: { إن في ذلك لآية للمؤمنين ~~} أي لدلالة واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والإلهية، ثم ~~قال تعالى آمرا رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن وهو قراءته وإبلاغه ~~للناس، { وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشآء والمنكر ولذكر الله أكبر } يعني أن ~~الصلاة تشتمل على شيئين على ترك الفواحش والمنكرات، أي مواظبتها تحمل ms1867 على ~~ترك ذلك، وقد جاء في الحديث عن ابن عباس مرفوعا: # " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا ". # (ذكر الآثار الواردة في ذلك) # روى ابن أبي حاتم عن عمران بن حصين قال: # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله { إن الصلاة ~~تنهى عن الفحشآء والمنكر }؟ قال: " من لم تنهه صلاته عن ~~الفحشاء والمنكر فلا صلاة له " " # ، وعن ابن عباس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا ~~" # وروى الحافظ أبو بكر البزار قال، # " قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح ~~سرق، قال: إنه سينهاه ما تقول " # ، وتشتمل الصلاة أيضا على ذكر الله تعالى وهو المطلوب الأكبر، ولهذا ~~قال تعالى: { ولذكر الله أكبر } أي أعظم من الأول { ~~والله يعلم ما تصنعون } أي يعلم جميع أعمالكم وأقوالكم، ~~وقال أبو العالية: إن الصلاة فيها ثلاث خصال، فكل صلاة لا يكون فيها شيء ~~من هذه الخلال فليست بصلاة: الإخلاص، والخشية، وذكر الله، فالإخلاص يأمره ~~بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله (القرآن) يأمره وينهاه، ~~وقال ابن عون الأنصاري: إذا كنت في صلاة فأنت في معروف وقد حجزتك عن ~~الفحشاء والمنكر والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر، وعن ابن عباس في قوله ~~تعالى: { ولذكر الله أكبر } يقول: ولذكر الله لعباده أكبر ~~إذا ذكروه من ذكرهم إياه.وعنه أيضا قال: لها وجهان: ذكر الله عندما ~~حرمه، قال: وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه، وعن عبد الله بن ربيعة ~~قال، قال لي ابن عباس: هل تدري ما قوله تعالى: { ولذكر الله ~~أكبر }؟ قال، قلت: نعم، قال: فما هو؟ قلت: التسبيح والتحميد والتكبير ~~في الصلاة وقراءة القرآن ونحو ذلك، قال: لقد قلت قولا عجيبا وما هو ~~كذلك، ولكنه إنما يقول: ذكر الله إياكم عندما أمر به أو نهى عنه إذا ~~ذكرتموه أكبر من ذكركم أياه، وقد روي هذا من غير ms1868 وجه عن ابن عباس، ~~واختاره ابن جرير. ### || [29.46] # قال قتادة وغير واحد: هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولم يبق معهم ~~مجادلة، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف، وقال آخرون: بل هي باقية ~~محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين، فيجادل بالتي هي أحسن، ليكون ~~أنجع فيه، كما قال تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة # [النحل: 125] الآية. وهذا القول اختاره ابن جرير، وقوله تعالى: { إلا ~~الذين ظلموا منهم } أي حادوا عن وجه الحق، وعموا عن واضح ~~المحجة، وعاندوا وكابروا، فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجلاد، ويقاتلون ~~بما يمنعهم ويردعهم، قال جابر: أمرنا من خالف كتاب الله أن نضربه بالسيف، ~~قال مجاهد: { إلا الذين ظلموا منهم } يعني أهل الحرب ومن ~~امتنع منهم من أداء الجزية، وقوله تعالى: { وقولوا آمنا ~~بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم } يعني إذا أخبروا ~~بما لا نعلم صدقه ولا كذبه فهذا لا نقدم على تكذيبه لأنه قد يكون حقا ~~ولا تصديقه فلعله أن يكون باطلا، ولكن نؤمن به إيمانا مجملا، أخرج ~~البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل ~~الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا ~~تكذبوهم { وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون } " # وروى ابن جرير عن (عبد الله بن مسعود) قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن ~~شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل، فإنه ~~ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال، ~~وروى البخاري عن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم ~~الذي أنزل إليكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث، تقرأونه محضا ~~لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتاب، ~~وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا؟ ألا ينهاكم ما جاءكم من ~~العلم عن مسألتهم؟ لا والله ms1869 ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل ~~عليكم. وحدث معاوية رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار، فقال: إن ~~كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك ~~لنبلو عليه الكذب. ### || [29.47-49] # يقول الله تعالى كما أنزلنا الكتب على من قبلك يا محمد من الرسل، كذلك ~~أنزلنا إليك هذا الكتاب، وقوله تعالى: { فالذين آتيناهم ~~الكتاب يؤمنون به } أي الذين أخذوه فتلوه حق تلاوته، من ~~أحبارهم العلماء الأذكياء ك (عبد الله بن سلام) و(سلمان الفارسي) ~~وأشباههما، وقوله تعالى: { ومن هؤلاء من يؤمن به } يعني ~~العرب من قريش وغيرهم، { وما يجحد بآياتنآ إلا الكافرون ~~} أي ما يكذب بها ويجحد حقها إلا من يستر الحق بالباطل، ثم قال تعالى: { ~~وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك } أي قد لبثت في قومك يا محمد من قبل أن تأتي بهذا القرآن ~~عمرا لا تقرأ كتابا ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف ~~أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، وهكذا صفته في الكتب المتقدمة، كما قال ~~تعالى: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر # [الأعراف: 157] الآية، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائما ~~إلى يوم الدين لا يحسن الكتابة ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده، بل كان له ~~كتاب يكتبون بين يده الوحي والرسائل إلى الأقاليم، وما أورده بعضهم من ~~الحديث أنه لم يمت صلى الله عليه وسلم حتى تعلم الكتابة فضعيف لا أصل له، ~~قال الله تعالى: { وما كنت تتلوا } أي تقرأ { من قبله من ~~كتاب } لتأكيد النفي { ولا تخطه بيمينك } تأكيد أيضا ~~وخرج مخرج الغالب، كقوله تعالى: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]. # وقوله تعالى: { إذا لارتاب المبطلون } أي لو كنت تحسنها ~~لارتاب بعض الجهلة من الناس، فيقول: إنما تعلم هذا من كتب قبله مأثورة عن ~~الأنبياء، وقد قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة، # وقالوا أساطير الأولين ms1870 اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5]، قال الله تعالى: # قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض # [الفرقان: 6] الآية، وقال ههنا { بل هو آيات بينات في ~~صدور الذين أوتوا العلم } أي هذا القرآن آيات بينة واضحة ~~في الدلالة على الحق، يحفظه العلماء، يسره الله عليهم حفظا وتلاوة ~~وتفسيرا، كما قال تعالى: # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # [القمر: 17] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من نبي إلا وقد أعطى ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي ~~أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا " # ، وفي " صحيح مسلم " يقول الله تعالى: # " إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ~~ويقظانا " # ، أي لأنه محفوظ في الصدور، ميسر على الألسنة، مهيمن على القلوب، معجز ~~لفظا ومعنى، ولهذا جاء في الكتب المتقدمة في صفة هذه الأمة (أناجيلهم في ~~صدورهم)، وقوله تعالى: { وما يجحد بآياتنآ إلا ~~الظالمون } أي ما يكذب بها ويبخس حقها ويردها { إلا ~~الظالمون } أي المعتدون المكابرون الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه، ~~كما قال تعالى: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون * ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 96-97]. ### || [29.50-52] # يقول تعالى مخبرا عن المشركين في تعنتهم، وطلبهم آيات يعنون ترشدهم إلى ~~أن محمدا رسول الله، كما أتى صالح بناقته، قال الله تعالى: { قل } يا ~~محمد { إنما الآيات عند الله } أي إنما أمر ذلك إلى الله، ~~فإنه لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم، لأن هذا سهل عليه يسير ~~لديه، ولكنه يعلم منكم أنكم إنما قصدتم التعنت والامتحان، فلا يجيبكم إلى ~~ذلك، كما قال تعالى: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا ~~بها # [الإسراء: 59]، وقوله: { وإنمآ أنا نذير مبين } أي إنما ~~بعثت نذيرا لكم فعلي أن أبلغكم رسالة الله تعالى، و # من يهد الله فهو المهتدي # [الأعراف: 178]، ثم قال تعالى مبينا كثرة جهلهم وسخافة عقلهم، حيث ~~طلبوا آيات تدلهم على ms1871 صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم، وقد جاءهم ~~بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي هو ~~أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته، بل عن معارضة ~~سورة منه، فقال تعالى: { أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك ~~الكتاب يتلى عليهم } أي أو لم يكفهم آية أنا أنزلنا عليك ~~الكتاب العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم ونبأ ما بعدهم وحكم ما بينهم، وأنت ~~رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب ولم تخالط أحدا من أهل الكتاب، فجئتهم بأخبار ~~ما في الصحف الأولى ببيان الصواب مما اختلفوا فيه، وبالحق الواضح البين ~~الجلي، كما قال تعالى: # أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني ~~إسرائيل # [الشعراء: 197]، وقال تعالى: # وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم ~~تأتهم بينة ما في الصحف الأولى # [طه: 133] وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: # " ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه الشر، ~~وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم ~~تابعا يوم القيامة " # وقد قال تعالى: { إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون } أي إن في هذا القرآن { لرحمة } أي بيانا للحق وإزاحة ~~للباطل { وذكرى } بما فيه حلول النقمات ونزول العقاب بالمكذبين ~~والعاصين لقوم يؤمنون، ثم قال تعالى: { قل كفى بالله بيني ~~وبينكم شهيدا } أي هو أعلم بما تفيضون فيه من التكذيب، ويعلم ما ~~أقول لكم من إخباري عنه بأنه أرسلني، فلو كنت كاذبا عليه لانتقم مني، ~~كما قال تعالى: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم ~~من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 44-47]، وإنما أنا صادق عليه فيما أخبرتكم به، ولهذا أيدني ~~بالمعجزات الواضحات والدلائل القاطعات { يعلم ما في السموت ~~والأرض } أي لا تخفى عليه خافية، { والذين آمنوا ~~بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون } ~~أي يوم القيامة سيجزيهم على ما فعلوا ويقابلهم على ما صنعوا، في تكذيبهم ~~بالحق واتباعهم الباطل، كذبوا ms1872 برسل الله مع قيام الأدلة على صدقهم، ~~وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل، فسيجزيهم على ذلك إنه حكيم عليم. ### || [29.53-55] # يقول تعالى مخبرا عن جهل المشركين، في استعجالهم عذاب الله أن يقع بهم، ~~وبأس الله أن يحل عليهم، كما قال تعالى: # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال: 32]، وقال ههنا: { ويستعجلونك بالعذاب ~~ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب } أي لولا ما حتم ~~الله من تأخير العذاب إلى يوم القيامة لجاءهم العذاب قريبا سريعا كما ~~استعجلوه، ثم قال: { وليأتينهم بغتة } أي فجأة، { وهم ~~لا يشعرون * يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين } أي يستعجلون العذاب وهو واقع بهم لا ~~محالة، ثم قال عز وجل: { يوم يغشاهم العذاب من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم } ، كقوله تعالى: # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # [الأعراف: 41]، وقال تعالى: # لهم من فوقهم ظلل.. ومن تحتهم ظلل # [الزمر: 16]، فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم وهذا أبلغ في العذاب الحسي، ~~وقوله تعالى: { ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون } تهديد ~~وتقريع وتوبيخ وهذا عذاب معنوي على النفوس، كقوله تعالى: # يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر * إنا كل شيء خلقناه بقدر # [القمر: 48-49]، وقال تعالى: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا * هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون # [الطور: 13-14]. ### || [29.56-60] # هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين، بالهجرة من البلد الذي لا ~~يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة ~~الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم، ولهذا قال تعالى: { ~~يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي ~~فاعبدون }. عن الزبير بن العوام قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيرا فأقم " # ، ولهذا ما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض ~~الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك، فوجدوا خير المنزلين هناك (أصحمة ~~النجاشي) ملك الحبشة رحمه الله تعالى، فآواهم وأيدهم، ثم بعد ذلك هاجر ~~رسول ms1873 الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الباقون إلى المدينة المطهرة، ثم ~~قال تعالى: { كل نفس ذآئقة الموت ثم إلينا ~~ترجعون } أي أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله وحيث ~~أمركم الله فهو خير لكم، فإن الموت لا بد منه ولا محيد عنه، ثم إلى الله ~~المرجع والمآب، فمن كان مطيعا له جازاه أفضل الجزاء ووافاه أتم الثواب، ~~ولهذا قال تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها ~~الأنهار } أي لنسكننهم منازل عالية في الجنة، تجري من تحتها الأنهار ~~على اختلاف أصنافها، من ماء وخمر وعسل ولبن، يصرفونها ويجرونها حيث ~~شاءوا، { خالدين فيها } أي ماكثين فيها أبدا لا يبغون عنها حولا، ~~{ نعم أجر العاملين } نعمت هذه الغرف أجرا على أعمال ~~المؤمنين { الذين صبروا } أي على دينهم وهاجروا إلى الله، ~~ونابذوا الأعداء، وفارقوا الأهل والأقرباء، ابتغاء وجه الله ورجاء ما ~~عنده. # وفي الحديث: # " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها ~~الله تعالى لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وتابع الصلاة والصيام، وقام ~~بالليل والناس نيام " # { وعلى ربهم يتوكلون } في أحوالهم كلها في دينهم ~~ودنياهم. ثم أخبرهم تعالى أن الرزق لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام ~~لخلقه حيث كانوا وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر ~~وأوسع وأطيب، فإنهم بعد قليل صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار ~~والأمصار، ولهذا قال تعالى: { وكأين من دآبة لا تحمل ~~رزقها } أي لا تطيق جمعه وتحصيله ولا تدخر شيئا لغد، { الله ~~يرزقها وإياكم } أي الله يقيض لها رزقها على ضعفها وييسره ~~عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، ~~والطير في الهواء، والحيتان في الماء، قال تعالى: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ~~ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين # [هود: 6]، وروى ابن أبي حاتم # " عن ابن عمر قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض ~~حيطان المدينة، فجعل يلتقط من التمر ms1874 ويأكل، فقال لي: " يا ابن عمر مالك ~~لا تأكل؟ " قال، قلت: لا أشتهيه يا رسول الله، قال: " لكني أشتهيه وهذا ~~صبح رابعة منذ لم أذق طعاما، ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ~~ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ~~بضعف اليقين؟ " قال فوالله ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت: { وكأين ~~من دآبة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ~~وهو السميع العليم } ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~الله عز وجل لم يأمرني بكنز الدنيا، ولا باتباع الشهوات، فمن كنز ~~دنياه يريد بها حياة باقية، فإن الحياة بيد الله، ألا وإني لا أكنز ~~دينارا ولا درهما ولا أخبأ رزقا لغد " # ، وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سافروا تربحوا، وصوموا تصحوا واغزوا تغنموا " # وقوله: { وهو السميع العليم } أي السميع لأقوال عباده { ~~العليم } بحركاتهم وسكناتهم. ### || [29.61-63] # يقول تعالى مقررا أنه لا إله إلا هو، لأن المشركين الذين يعبدون معه ~~غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السماوات والأرض، والشمس والقمر، وتسخير ~~الليل والنهار، وأنه الخالق الرازق لعباده، ومقدر آجالهم وأرزاقهم فتفاوت ~~بينهم، فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يصلح كلا منهم ومن يستحق ~~الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستقل بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها، ~~فإذا كان الأمر كذلك فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد ~~في ملكه، فليكن الواحد في عبادته، وكثيرا ما يقرر تعالى " مقام الإلهية ~~" بالاعتراف بتوحيد الربوبية، وقد كان المشركون يعترفون بذلك، كما كانوا ~~يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. ### || [29.64-66] # يقول تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام ~~لها وغاية ما فيها لهو ولعب { وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان } أي الحياة الدائمة، الحق الذي لا زوال له ولا انقضاء، بل ~~هي مستمرة أبد الآباد، وقوله تعالى: { لو كانوا يعلمون } أي ~~لآثروا ما يبقى على ما يفنى. ثم أخبر تعالى عن ms1875 المشركين أنهم عند ~~الاضطرار يدعونه وحده لا شريك له، فلا يكون هذا منهم دائما { فإذا ~~ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين } ، ~~كقوله تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم # [الإسراء: 67] الآية. وقال ههنا: { فلما نجاهم إلى البر ~~إذا هم يشركون }. وقد ذكر محمد ابن إسحاق عن (عكرمة بن أبي جهل) ~~أنه لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ذهب فارا منها، فلما ركب ~~في البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة، فقال أهلها: يا قوم ~~أخلصوا لربكم الدعاء، فإنه لا ينجي ههنا إلا هو، فقال عكرمة: والله لئن ~~كان لا ينجي في البحر غيره فإنه لا ينجي في البر أيضا غيره، اللهم لك ~~علي عهد لئن خرجت لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد، فلأجدنه رؤوفا ~~رحيما، فكان كذلك. وقوله تعالى: { ليكفروا بمآ آتيناهم ~~وليتمتعوا } هذه اللام (لام العاقبة) لأنهم لا يقصدون ذلك ولا ~~شك أنها كذلك بالنسبة إليهم، وأما بالنسبة إلى تقدير الله عليهم ذلك، ~~وتقييضه إياهم لذلك فهي لام التعليل، وقد قدمنا تقرير ذلك في قوله: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. ### || [29.67-69] # يقول تعالى ممتنا على قريش فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواء ~~العاكف فيه والباد، ومن دخله كان آمنا، فهو أمن عظيم، والأعراب حوله ~~ينهب بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضا، كما قال تعالى: # لإيلاف قريش # [قريش: 1] إلى آخر السورة، وقوله تعالى: { أفبالباطل يؤمنون ~~وبنعمة الله يكفرون } أي أفكأن شكرهم على هذه النعمة ~~العظيمة أن أشركوا به وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد، # بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار ~~البوار # [إبراهيم: 28] فكفروا بنبي الله ورسوله فكذبوه، فقاتلوه، فأخرجوه من بين ~~أظهرهم، ولهذا سلبهم الله تعالى ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم ~~ببدر، ثم صارت الدولة لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله مكة ~~وأرغم انافهم وأذل رقابهم، ثم قال تعالى: { ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو كذب بالحق ms1876 لما جآءه ~~}؟ أي لا أحد أشد عقوبة ممن كذب على الله، فقال إن الله أوحى إليه ولم ~~يوح إليه شيء، وهكذا لا أحد أشد عقوبة ممن كذب بالحق لما جاءه، فالأول ~~مفتر والثاني مكذب، ولهذا قال تعالى: { أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين }. ثم قال تعالى: { والذين جاهدوا فينا } ~~يعني الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين { ~~لنهدينهم سبلنا } أي لنبصرنهم سبلنا أي طرقنا في الدنيا ~~والآخرة، وقوله: { وإن الله لمع المحسنين }. # روى ابن أبي حاتم بسنده عن الشعبي قال، قال عيسى ابن مريم عليه السلام: ~~إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن ~~إليك، والله أعلم. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-7] # نزلت هذه الآيات حين غلب الفرس على بلاد الشام، وما والاها من بلاد ~~الجزيرة وأقاصي بلاد الروم، فاضطر ملك الروم حتى لجأ إلى القسطنطينية ~~وحوصر فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل كما سيأتي. عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: # " كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أصحاب أوثان، وكان ~~المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل الكتاب، فذكر ذلك لأبي ~~بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " إما إنهم سيلغبون " ، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل ~~بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا ~~وكذا، فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: ألا جعلتها إلى دون العشر؟ " # ثم ظهرت الروم بعد، قال فذلك قوله: { الم * غلبت الروم * في ~~أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون }. حديث ~~آخر: عن مسروق قال، قال عبد الله: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، ~~والبطشة، والقمر، والروم. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: # " كانت فارس ظاهرة على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على ~~الروم، وكان المسلمون يحبون أن تظهر ms1877 الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وهم ~~أقرب إلى دينهم، فلما نزلت: { الم * غلبت الروم * في أدنى ~~الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع ~~سنين } قالوا: يا أبا بكر إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في ~~بضع سنين، قال: صدق، قالوا: هل لك أن نقامرك، فبايعوه على أربع قلائص إلى ~~سبع سنين فمضت السبع، ولم يكن شيء، ففرح المشركون بذلك، فشق على المسلمين ~~فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما بضع سنين عندكم "؟ قالوا: ~~دون العشر، قال: " اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل " قال: فما مضت ~~السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك " # وأنزل الله تعالى: { الم * غلبت الروم } - إلى قوله - { ~~وعد الله لا يخلف الله وعده }. # وقال عكرمة: # " لقي المشركون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنكم أهل كتاب، ~~والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم ~~من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله تعالى: { ~~الم * غلبت الروم في أدنى الأرض } - إلى قوله - { ~~ينصر من يشآء } فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال: أفرحتم ~~بظهور إخوانكم على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله ~~ليظهرن الله الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، فقام ~~إليه (أبي بن خلف) فقال: كذبت يا أبا فضيل، فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا ~~عدو الله، فقال: أناجيك عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم ~~على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين، ثم جاء أبو بكر إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: " ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين ~~الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر، وماده في الأجل " ، فخرج أبو بكر، ~~فلقي أبيا فقال: لعلك ندمت؟ فقال: لا، تعال أزايدك في الخطر وأمادك في ~~الأجل، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت، فظهرت الروم على ~~فارس قبل ذلك فغلبهم المسلمون ". # ولنتكلم على ms1878 كلمات هذه الآيات الكريمات، فقوله تعالى: { الم * ~~غلبت الروم } قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السورة ~~في أول سورة البقرة، وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، ~~ويقال لهم بنو الأصفر، وكانوا على دين اليونان، واليونان من سلالة بافث ~~بن نوح أبناء عم الترك، وكانوا يعبدون الكواكب السيارة، وهم الذين أسسوا ~~دمشق وبنوا معبدها، فكان الروم على دينهم إلى بعد مبعث المسيح بنحو من ~~ثلثمائة سنة، وكان من ملك منهم الشام مع الجزيرة يقال له (قيصر)، فكان ~~أول من دخل في دين النصارى من الروم (قسطنطين)، وأمه مريم الهيلانية من ~~أرض حران كانت قد تنصرت قبله فدعته إلى دينها، وكان قبل ذلك فيلسوفا، ~~فتابعها، واجتمعت به النصارى وتناظروا في زمانه مع عبد الله بن أريوس، ~~واختلفوا اختلافا كثيرا لا ينضبط، إلا أنه اتفق من جماعتهم ثلثمائة ~~وثمانية عشر أسقفا، فوضعوا لقسطنطين العقيدة، وهي التي يسمونها (الأمانة ~~الكبيرة) وإنما هي الخيانة الحقيرة، ووضعوا له القوانين يعنون كتب ~~الأحكام من تحريم وتحليل وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وغيروا دين المسيح ~~عليه السلام، وزادوا فيه ونقصوا منه، فصلوا إلى المشرق، واعتاضوا عن ~~السبت بالأحد، وعبدوا الصليب، وأحلوا الخنزير، واتخذوا أعيادا أحدثوها، ~~كعيد الصليب والقداس، والغطاس وغير ذلك من البواعيث والشعانين، وجعلوا له ~~الباب وهو كبيرهم، ثم البتاركة، ثم المطارنة، ثم الأساقفة والقساوسة، ثم ~~الشمامسة؛ وابتدعوا الرهبانية، وبنى لهم الملك الكنائس والمعابد، وأسس ~~المدينة المنسوبة إليه وهي القسطنطينية، يقال: إنه بنى في أيامه اثني عشر ~~ألف كنيسة، وبنى بيت لحم بثلاث محاريب، وبنت أمه القمامة، وهؤلاء هم ~~الملكية، يعنون الذين هم على دين الملك؛ ثم حدثت اليعقوبية أتباع يعقوب ~~الأسكاف ثم النسطورية أصحاب نسطورا، وهم فرق وطوائف كثيرة، كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إنهم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة " # والغرض أنهم استمروا على النصرانية كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده حتى ~~آخرهم (هرقل) وكان من عقلاء الرجال، ومن أحزم الملوك وأدهاهم وأبعدهم ~~غورا وأقصاهم رأيا، فتملك ms1879 عليهم في رياسة عظيمة وأبهة كثيرة، فناوأه ~~كسرى ملك الفرس، وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر، وكانوا مجوسا يعبدون ~~النار، فتقدم عن عكرمة أنه قال: بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه، والمشهور ~~أن كسرى غزاه بنفسه في بلاده فقهره وكسره وقصره حتى لم يبق معه سوى مدينة ~~قسطنطينية فحاصره بها مدة طويلة حتى ضاقت عليه، ولم يقدر كسرى على فتح ~~البلد ولا أمكنه ذلك لحصانتها، لأن نصفها من ناحية البر ونصفها الآخر من ~~ناحية البحر، فكانت تأتيهم الميرة والمدد من هنالك، ثم كان غلب الروم ~~لفارس بعد بضع سنين وهي تسع، فإن البضع في كلام العرب ما بين الثلاث إلى ~~التسع. # وقوله تعالى: { لله الأمر من قبل ومن بعد } أي من قبل ~~ذلك ومن بعده: { ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر ~~الله } أي للروم أصحاب قيصر ملك الشام على فارس أصحاب كسرى، وهم ~~المجوس، وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كثيرة من ~~العلماء كابن عباس والثوري والسدي وغيرهم، وقد ورد في الحديث عن أبي سعيد ~~قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين ففرحوا به، ~~وأنزل الله: { ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ~~ينصر من يشآء وهو العزيز الرحيم } ، وقال الآخرون: بل ~~كان نصر الروم على فارس عام الحديبية، والأمر في هذا سهل قريب، إلا أنه ~~لما انتصرت فارس على الروم ساء ذلك المؤمنين، فلما انتصرت الروم على فارس ~~فرح المؤمنون بذلك لأن الروم أهل كتاب في الجملة فهم أقرب إلى المؤمنين ~~من المجوس، كما قال تعالى: # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا ~~اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى # [المائدة: 82] - إلى قوله -: # ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين # [المائدة: 83]. وقال تعالى ههنا: { ويومئذ يفرح ~~المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشآء وهو ~~العزيز الرحيم } ، عن العلاء بن الزبير الكلابي عن أبيه قال: ~~رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين ~~فارس والروم كل ذلك في خمس ms1880 عشرة سنة. وقوله تعالى: { وهو العزيز } ~~أي في انتصاره وانتقامه من أعدائه، { الرحيم } بعباده المؤمنين، ~~وقوله تعالى: { وعد الله لا يخلف الله وعده } أي هذا ~~الذي أخبرناك به يا محمد من أنا سننصر الروم على فارس وعد من الله حق، ~~وخبر صدق لا يخلف، ولا بد من كونه ووقوعه، لأن الله قد جرت سنته أن ينصر ~~أقرب الطائفتين المقتتلتين إلى الحق ويجعل لها العاقبة، { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } أي بحكم الله في كونه وأفعاله ~~المحكمة الجارية على وفق العدل، وقوله تعالى: { يعلمون ظاهرا ~~من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون } أي ~~أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم ~~حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون في أمور الدين وما ~~ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة، قال الحسن ~~البصري: والله ليبلغ من أحدهم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك ~~بوزنه وما يحسن أن يصلي، وقال ابن عباس في قوله تعالى: { يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم ~~غافلون } يعني الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال. ### || [30.8-10] # يقول تعالى منبها على التفكير في مخلوقاته الدالة على وجوده، وأنه لا ~~إله غيره ولا رب سواه، { أولم يتفكروا في أنفسهم } ~~يعني به النظر والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء، من العالم العلوي و ~~السفلي، وما بينهما من المخلوقات المتنوعة، والأجناس المختلفة، فيعلموا ~~أنها ما خلقت سدى ولا باطلا بل بالحق، وأنها مؤجلة إلى أجل مسمى وهو يوم ~~القيامة، ولهذا قال تعالى: { وإن كثيرا من الناس بلقآء ~~ربهم لكافرون } ، ثم نبههم على صدق رسله فيما جاءوا به عنه، ~~بما أيدهم به من المعجزات والدلائل الواضحات، من إهلاك من كفر بهم، ونجاة ~~من صدقهم، فقال تعالى: { أولم يسيروا في الأرض } أي بأفهامهم ~~وعقولهم ونظرهم وسماع أخبار الماضين، ولهذا قال: { فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم ~~قوة } أي كانت الأمم الماضية والقرون السالفة أشد ms1881 منكم قوة وأكثر ~~أموالا وأولادا، ومكنوا في الدنيا تمكينا لم تبلغوا إليه، وعمروا فيها ~~أعمارا طوالا فعمروها أكثر منكم. واستغلوها أكثر من استغلالكم، ومع هذا ~~فلما جاءتهم رسلهم بالبينات وفرحوا بما أوتوا أخذهم الله بذنوبهم وما كان ~~لهم من الله من واق، ولا حالت أموالهم وأولادهم بينهم وبين بأس الله، ولا ~~دفعوا عنهم مثقال ذرة، وما كان الله ليظلمهم فيما أحل بهم من العذاب ~~والنكال، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث كذبوا ~~بآيات الله واستهزأوا بها، وما ذاك إلا بسبب ذنوبهم السالفة وتكذيبهم ~~المتقدم، ولهذا قال تعالى: { ثم كان عاقبة الذين أساءوا ~~السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها ~~يستهزئون } ، كما قال تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110]، وقال تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5] أي كانت السوأى عاقبتهم لأنهم كذبوا بآيات الله وكانوا بها ~~يستهزئون. ### || [30.11-16] # يقول تعالى: { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } أي كما هو ~~قادر على بداءته فهو قادر على إعادته، { ثم إليه ترجعون } أي ~~يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله، ثم قال: { ويوم تقوم ~~الساعة يبلس المجرمون } قال ابن عباس: ييأس المجرمون، وقال ~~مجاهد: يفتضح المجرمون، وفي رواية يكتئب المجرمون، { ولم يكن ~~لهم من شركآئهم شفعاء } أي ما شفعت فيهم الآلهة التي ~~كانوا يعبدونها من دون الله تعالى وكفروا بهم وخانوهم أحوج ما كانوا ~~إليهم، ثم قال تعالى: { ويوم تقوم الساعة يومئذ ~~يتفرقون } قال قتادة: هي والله الفرقة التي لا اجتماع بعدها، يعني ~~أنه إذا رفع هذا إلى عليين وخفض هذا إلى أسفل سافلين، فذلك آخر العهد ~~بينهما، ولهذا قال تعالى: { فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فهم في روضة يحبرون } قال مجاهد وقتادة: ~~ينعمون. ### || [30.17-19] # هذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده ~~في هذه الأوقات المتعاقبة، الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، عند ~~المساء وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح وهو إسفار النهار بضيائه، ثم ~~اعترض بحمده مناسبة للتسبيح وهو التحميد، فقال تعالى: { وله الحمد ~~في السموت ms1882 والأرض } أي هو المحمود على ما خلق في السماوات ~~والأرض، ثم قال تعالى: { وعشيا وحين تظهرون } فالعشاء هو ~~شدة الظلام والإظهار هو قوة الضياء، كما قال تعالى: # والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها # [الشمس: 3-4]، وقال تعالى: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2]، وقال تعالى: # والضحى * والليل إذا سجى # [الضحى: 1-2] والآيات في هذا كثيرة. وفي الحديث: # " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى، لأنه كان يقول كلما ~~أصبح وكلما أمسى: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في ~~السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون " # وقوله تعالى: { يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي } هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء ~~المتقابلة، فإنه يذكر خلقه الأشياء وأضدادها ليدل على كمال قدرته، فمن ~~ذلك إخراج النبات من الحب، والحب من النبات، والبيض من الدجاج، والدجاج ~~من البيض، والإنسان من النطفة، والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر، ~~والكافر من المؤمن. وقوله تعالى: { ويحي الأرض بعد موتها } ~~، كقوله تعالى: # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا ~~منها حبا فمنه يأكلون # [يس: 33]، وقال تعالى: # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # [الحج: 5]، ولهذا قال: { وكذلك تخرجون }. ### || [30.20-21] # يقول تعالى: { ومن آياته } الدالة على عظمته وكمال قدرته، أنه خلق ~~أباكم آدم من تراب، { ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون } فأصلكم ~~من تراب، ثم من ماء مهين، ثم تصور فكان علقة، ثم مضغة، ثم صار عظاما، ~~شكله على شكل الإنسان ثم كسا الله تلك العظام لحما، ثم نفخ فيه الروح ~~فإذا هو سميع بصير، ثم كلما طال عمره تكاملت قواه وحركاته، حتى آل به ~~الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون، ويدور أقطار الأرض، ويكتسب، ~~ويجمع الأموال، وله فكرة وغور، ودهاء ومكر، ورأي وعلم، واتساع في أمور ~~الدنيا والآخرة كل بحسبه، فسبحان من أقدرهم وسيرهم وسخرهم وصرفهم في ~~فنون المعايش والمكاسب وفاوت بينهم في العلوم والفكر، والحسن والقبح، ~~والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة، ولهذا قال ms1883 تعالى: { ومن آياته ~~أن خلقكم من تراب ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون ~~}. عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر ~~الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب والسهل ~~والحزن وبين ذلك " # وقوله تعالى: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا } أي خلق لكم من جنسكم إناثا تكون لكم أزواجا { ~~لتسكنوا إليها } ، كما قال تعالى: # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها ليسكن إليها # [الأعراف: 189] يعني بذلك حواء خلقها الله من آدم من ضلعه الأيسر، ولو ~~أنه تعالى جعل بني آدم كلهم ذكورا، وجعل إناثهم من جنس آخر من غيرهم، ~~إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت ~~تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس، ثم من تمام رحمته ببني آدم أن ~~جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن { مودة } وهي المحبة { ~~ورحمة } وهي الرأفة { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون }. ### || [30.22-23] # يقول تعالى: { ومن آياته } الدالة على قدرته العظيمة { خلق ~~السموت والأرض } أي خلق السماوات في ارتفاعها واتساعها، وشفوف ~~أجرامها وزهارة كواكبها، ونجومها الثوابت والسيارات، وخلق الأرض في ~~انخفاضها وكثافتها، وما فيها من جبال وأودية، وبحار وقفار وحيوان وأشحار، ~~وقوله تعالى: { واختلاف ألسنتكم } يعني اللغات، فهؤلاء بلغة ~~العرب، وهؤلاء تتر، وهؤلاء كرج، وهؤلاء روم، وهؤلاء فرنج، وهؤلاء بربر، ~~وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء أكراد، إلى ~~غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله من اختلاف لغات بني آدم واختلاف ألوانهم، ~~وهي حلاهم فجميع أهل الأرض بل أهل الدنيا منذ خلق الله آدم إلى قيام ~~الساعة، كل له عينان وحاجبان وأنف وجبين وفم وخدان وليس يشبه واحد منهم ~~الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام، ظاهرا ~~كان أو خفيا يظهر عند التأمل. كل وجه منهم أسلوب بذاته، وهيئة لا تشبه ms1884 ~~أخرى، ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح، لا بد من فارق بن كل واحد ~~منهم وبين الآخر { إن في ذلك لآيات للعالمين * ومن ~~آياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم من ~~فضله } أي ومن الآيات ما جعل الله من صفة النوم في الليل والنهار، ~~فيه تحصل الراحة، وسكون الحركة، وذهاب الكلال والتعب، وجعل لكم الانتشار ~~والسعي في الأسباب والأسفار في النهار وهذا ضد النوم، { إن في ذلك ~~لآيات لقوم يسمعون } أي يعون، روى الطبراني عن زيد بن ثابت ~~رضي الله عنه، قال: # " أصابني أرق من الليل فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: " قل: اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم، يا حي يا ~~قيوم، أنم عيني، وأهدىء ليلي " فقلتها فذهب عني ". ### || [30.24-25] # يقول تعالى: { ومن آياته } الدالة على عظمته أنه { يريكم ~~البرق خوفا وطمعا } أي تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار ~~مزعجة، وصواعق متلفة وتارة ترجون وميضه وما يأتي به من المطر المحتاج ~~إليه، ولهذا قال تعالى: { وينزل من السمآء مآء فيحيي ~~به الأرض بعد موتها } أي بعدما كانت هامدة لا نبات فيها ولا ~~شيء، فلما جاءها الماء # اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # [الحج: 5]، وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة عن المعاد وقيام الساعة، ولهذا ~~قال: { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } ، ثم قال ~~تعالى: { ومن آياته أن تقوم السمآء والأرض بأمره ~~} ، كقوله تعالى: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # [الحج: 65]، وقوله: # إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا # [فاطر: 41] وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا اجتهد في اليمين قال: ~~والذي تقوم السماء والأرض بأمره، أي هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره ~~إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وخرجت ~~الأموات من قبورها أحياء، بأمره تعالى ودعائه إياهم، ولهذا قال تعالى: { ~~ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم ~~تخرجون } أي من الأرض، كما قال تعالى: # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن ~~لبثتم إلا ms1885 قليلا # [الإسراء: 52]، وقال تعالى: # فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون * فإذا ~~هم بالساهرة # [النازعات: 13-14]. ### || [30.26-27] # يقول تعالى: { وله من في السموت والأرض } أي ملكه ~~وعبيده { كل له قانتون } أي خاضعون خاشعون طوعا وكرها، ~~وقوله: { وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو ~~أهون عليه } ، قال ابن عباس: يعني أيسر عليه، وقال مجاهد: ~~الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هينة، وروى البخاري عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ~~ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون ~~علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد ~~الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " # ، وقال آخرون: كلاهما بالنسبة إلى القدرة على السوء، وقال العوفي عن ابن ~~عباس: كل عليه هين، وقوله: { وله المثل الأعلى في ~~السموت والأرض } ، قال ابن عباس: كقوله تعالى: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره، قوله: { ~~وهو العزيز الحكيم } وهو العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع، بل ~~قد غلب كل شيء، وقهر كل شيء بقدرته وسلطانه { الحكيم } في أقواله ~~وأفعاله، وعن مالك في قوله تعالى: { وله المثل الأعلى } قال: ~~لا إله إلا الله. ### || [30.28-29] # هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين، العابدين معه غيره، وهم مع ذلك ~~معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له ملك له، كما كانوا ~~يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فقال تعالى: ~~{ ضرب لكم مثلا من أنفسكم } أي تشهدونه وتفهمونه من ~~أنفسكم { هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء ~~في ما رزقناكم فأنتم فيه سوآء } أي أيرضى أحدكم أن يكون ~~عبده شريكا له في ماله فهو وهو فيه على السواء؟ { تخافونهم ~~كخيفتكم أنفسكم } أي تخافون أن يقاسموكم الأموال، قال أبو ~~مجلز: إن مملوكك لا ms1886 تخاف أن يقاسمك مالك وليس له ذاك، كذلك الله لا شريك ~~له، والمعنى: أن أحدكم يأنف من ذلك فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟ ~~وهذا كقوله تعالى: # ويجعلون لله ما يكرهون # [النحل: 62] فهم يأنفون من البنات، وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا ~~إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم، فهذا أغلظ الكفر، وهكذا في هذا المقام جعلوا ~~له شركاء من عبيده وخلقه، وأحدهم يأبى غاية الإباء ويأنف غاية الأنفة، من ~~ذلك أن يكون عبده شريكه في ماله يساويه فيه ولو شاء لقاسمه عليه، تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا، ولما كان التنبيه بمثل هذا المثل على براءته ~~تعالى ونزاهته عن ذلك بطريق الأولى والأحرى، قال تعالى: { كذلك ~~نفصل الآيات لقوم يعقلون } ثم قال تعالى مبينا أن ~~المشركين إنما عبدوا غيره سفها من أنفسهم وجهلا: { بل اتبع ~~الذين ظلموا } أي المشركون { أهوآءهم } أي في عبادتهم ~~الأنداد بغير علم، { فمن يهدي من أضل الله }؟ أي فلا أحد ~~يهديهم إذا كتب الله ضلالهم، { وما لهم من ناصرين } أي ليس ~~لهم من قدرة الله منقذ ولا مجير. ### || [30.30-32] # يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من ~~الحنيفية، ملة إبراهيم الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، ولازم ~~فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على ~~معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره، وقوله تعالى: { لا تبديل ~~لخلق الله } قال بعضهم: معناه لا تبدلوا خلق الله، فتغيروا الناس ~~عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبرا بمعنى الطلب، كقوله تعالى: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97] وهو معنى حسن صحيح، وقال آخرون هو خبر على بابه، ومعناه ~~أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة، ولا تفاوت بين الناس في ذلك، ~~ولهذا قال ابن عباس { لا تبديل لخلق الله } أي لدين الله، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه سلم: # " ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها ms1887 من جدعاء " # ثم يقول: { فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم }. وروى الإمام ~~أحمد عن الأسود بن سريع قال: # " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت معه، فأصبت ظفرا. فقاتل ~~الناس يومئذ حتى قتلوا الولدان، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: " ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية "؟ فقال رجل: ~~يا رسول الله أما هم أبناء المشركين؟ فقال: لا إنما خياركم أبناء ~~المشركين، ثم قال: لا تقتلوا ذرية، لا تقتلوا ذرية، وقال: كل نسمة تولد ~~على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها " # ، وعن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا عبر عنه لسانه إما ~~شاكرا وإما كفورا ". # وروى الإمام أحمد عن عياض بن حمار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ~~ذات يوم فقال في خطبته: # " إن ربي عز وجل أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما عملني في يومي هذا: ~~كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم ~~الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن لا ~~يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، ثم إن الله عز وجل نظر إلى أهل ~~الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك ~~لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ~~ويقظان، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشا، فقلت: رب إذا يثلغوا رأسي ~~فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق ~~عليك، وابعث جيشا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل ~~الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي ~~قربى ومسلم، ورجل عفيف متعفف ذو عيال. قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي ~~لا زبر له، الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي ~~لا ms1888 يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو ~~يخادعك عن أهلك ومالك " # ، وذكر البخيل والكذاب والشنظير الفحاش. وقوله تعالى: { ذلك ~~الدين القيم } أي التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين ~~القيم المستقيم { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي ~~فلهذا لا يعرفه أكثر الناس فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103]، وقال تعالى: # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله # [الأنعام: 116] الآية. # وقوله تعالى: { منيبين إليه } قال ابن جريج: أي راجعين إليه { ~~واتقوه } أي خافوه وراقبوه { وأقيموا الصلاة } وهي الطاعة ~~العظيمة { ولا تكونوا من المشركين } أي بل كونوا من ~~الموحدين المخلصين له العبادة لا يريدون بها سواه، قال ابن جرير: مر عمر ~~رضي الله عنه بمعاذ بن جبل، فقال عمر: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث ~~وهن المنجيات: الإخلاص، وهي الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها، ~~والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر صدقت. وقوله تعالى: { ~~من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب ~~بما لديهم فرحون } أي لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا ~~دينهم أي بدلوه وغيروه وآمنوا ببعض وكفروا ببعض؛ كاليهود والنصارى ~~والمجوس وعبدة الأوثان وسائر أهل الأديان الباطلة مما عدا أهل الإسلام، ~~كما قال تعالى: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء إنمآ أمرهم إلى الله # [الأنعام: 159] الآية، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ~~باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضا اختلفوا فيما ~~بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة المتمسكون ~~بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما كان عليه الصدر ~~الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما ~~رواه الحاكم في " مستدركه " أنه: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية منهم قال: من كان ~~على ما أنا عليه اليوم وأصحابي ". ### || [30.33-37] # يقول تعالى مخبرا عن الناس أنهم ms1889 في حال الاضطرار يدعون الله وحده لا ~~شريك له، وأنه إذا أسبغ عليهم النعم إذا فريق منهم يشركون بالله ويعبدون ~~معه غيره، وقوله تعالى: { ليكفروا بمآ آتيناهم } هي لام ~~العاقبة عند بعضهم ولام التعليل عند آخرين، ولكنها تعليل لتقييض الله لهم ~~ذلك، ثم توعدهم بقوله: { فسوف تعلمون } ، قال بعضهم: والله لو ~~توعدني حارس لخفت منه، فكيف والمتوعد ههنا هو الذي يقول للشيء كن فيكون؛ ~~ثم قال تعالى منكرا على المشركين فيما اختلفوا فيه من عبادة غيره بلا ~~دليل ولا حجة ولا برهان: { أم أنزلنا عليهم سلطانا } أي ~~حجة، { فهو يتكلم } أي ينطق { بما كانوا به يشركون ~~}؟ وهذا استفهام إنكار، أي لم يكن لهم شيء من ذلك، ثم قال تعالى: { ~~وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم ~~سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون } ، هذا ~~إنكار على الإنسان من حيث هو إلا من عصمه الله ووفقه، فإن الإنسان إذا ~~أصابته نعمة بطر، وإذا أصابته شدة قنط وأيس، قال تعالى: # إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات # [هود: 11] أي صبروا في الضراء وعملوا الصالحات في الرخاء، كما ثبت في ~~الصحيح، # " عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء ~~شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " # وقوله تعالى: { أولم يروا أن الله يبسط الرزق ~~لمن يشآء ويقدر } أي هو المتصرف الفاعل لذلك بحكمته وعدله ~~فيوسع على قوم ويضيق على آخرين، { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون }. ### || [30.38-40] # يقول تعالى آمرا بإعطاء { ذا القربى حقه } أي من البر ~~والصلة، { والمسكين } وهو الذي لا شيء له ينفق عليه أو له شيء لا ~~يقوم بكفايته، { وابن السبيل } وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما ~~يحتاج إليه في سفره، { ذلك خير للذين يريدون وجه ~~الله } أي النظر إليه يوم القيامة وهو الغاية القصوى، { ~~وأولئك هم المفلحون } أي في الدنيا والآخرة، ثم قال ~~تعالى: { ومآ آتيتم من ربا ليربوا في أموال ~~الناس فلا يربوا عند الله } أي من أعطى عطية ms1890 يريد أن يرد ~~الناس عليه أكثر مما أهدى لهم فهذا لا ثواب له عند الله، بهذا فسره ابن ~~عباس ومجاهد والضحاك، وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه قد ~~نهي عنه بقوله تعالى: # ولا تمنن تستكثر # [المدثر: 6] أي لا تعط العطاء تريد أكثر منه، قال تعالى: { ومآ ~~آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم ~~المضعفون } أي الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء كما جاء في ~~الصحيح: # " وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه فيربيها ~~لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تصير التمرة أعظم من أحد " # ، وقوله عز وجل: { الله الذي خلقكم ثم رزقكم } ~~أي هو الخالق الرازق يخرج الإنسان من بطن أمه عريانا لا علم له ولا سمع ~~ولا بصر ولا قوى، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك، والرياش واللباس والمال ~~والأملاك والمكاسب. وقوله تعالى: { ثم يميتكم } أي بعد هذه ~~الحياة، { ثم يحييكم } أي يوم القيامة، وقوله تعالى: { هل من ~~شركآئكم } أي الذين تعبدونهم من دون الله { من يفعل من ~~ذلكم من شيء }؟ أي لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل ~~الله سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ثم يبعث ~~الخلائق يوم القيامة، ولهذا قال بعد هذا كله { سبحانه وتعالى ~~عما يشركون } أي تعالى وتقدس، وتنزه وتعاظم عن أن يكون له شريك ~~أو نظير، أو ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد. ### || [30.41-42] # قال ابن عباس وعكرمة: المراد بالبر ههنا الفيافي، وبالبحر الأمصار ~~والقرى، وفي رواية عنه: البحر الأمصار والقرى ما كان منها على جانب نهر، ~~وقال آخرون: بل المراد بالبر هو البر المعروف، وبالبحر هو البحر المعروف، ~~وعن مجاهد { ظهر الفساد في البر والبحر } قال: فساد ~~البر قتل ابن آدم، وفساد البحر أخذ السفينة غصبا، وقال عطاء: المراد ~~بالبر ما فيه من المدائن والقرى، وبالبحر جزائره، والقول الأول أظهر ~~وعليه الأكثرون؛ ومعنى قوله تعالى: { ظهر الفساد في البر ~~والبحر بما كسبت أيدي ms1891 الناس } أي بان النقص في الزروع ~~والثمار بسبب المعاصي، وقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد ~~في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، ولهذا جاء في الحديث: # " لحد يقام في الأرض أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحا " # والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت انكف الناس عن تعاطي المحرمات، وإذا ~~تكرت المعاصي كان سببا في حصول البركات من السماء والأرض؛ ولهذا إذا نزل ~~عيسى ابن مريم عليه السلام في آخر الزمان، قيل للأرض: أخرجي بركتك، فيأكل ~~من الرمانة الفئام من الناس ويستظلون بقحفها، ويكفي لبن اللقحة ~~الجماعة من الناس، وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير، ولهذا ثبت في " الصحيحين ": # " أن الفاجر إذا مات يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب " # ، وقوله تعالى: { ليذيقهم بعض الذي عملوا } الآية، أي ~~يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختبارا منه لهم ومجازاة على ~~صنيعهم { لعلهم يرجعون } أي عن المعاصي، كما قال تعالى: # وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون # [الأعراف: 168]، ثم قال تعالى: { قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل } أي من ~~قبلكم، { كان أكثرهم مشركين } أي فانظروا ما حل بهم من ~~تكذيب الرسل وكفر النعم. ### || [30.43-45] # يقول تعالى آمرا عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته والمبادرة إلى ~~الخيرات { فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن ~~يأتي يوم لا مرد له من الله } أي يوم القيامة إذا ~~أراد كونه فلا راد له، { يومئذ يصدعون } أي يتفرقون ففريق في ~~الجنة، وفريق في السعير، ولهذا قال تعالى: { من كفر فعليه ~~كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون * ~~ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله } ~~أي يجازيهم مجازاة الفضل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما ~~يشاء الله { إنه لا يحب الكافرين } ومع هذا هو العادل فيهم ~~الذي لا يجور. ### || [30.46-47] # يذكر تعالى نعمه على خلقه، في إرساله الرياح مبشرات بين يدي رحمته، ~~بمجيء الغيث عقبها، ولهذا قال تعالى: { وليذيقكم من ms1892 رحمته ~~} أي المطر الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد، { ولتجري ~~الفلك بأمره } أي في البحر وإنما سيرها بالريح { ~~ولتبتغوا من فضله } أي في التجارات والمعايش والسير من قطر ~~إلى قطر، { ولعلكم تشكرون } أي تشكرون الله على ما أنعم به ~~عليكم، من النعم الظاهرة والباطنة التي لا تعد ولا تحصى، ثم قال تعالى: { ~~ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجآءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا } ~~هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، بأنه وإن ~~كذبه كثير من قومه، فقد كذبت الرسل المتقدمون، مع ما جاءوا أممهم من ~~الدلائل الواضحات، ولكن انتقم الله ممن كذبهم وخالفهم، وأنجى المؤمنين ~~بهم، { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } أي هو حق أوجبه ~~على نفسه الكريمة تكرما وتفضلا، كقوله تعالى: # كتب ربكم على نفسه الرحمة # [الأنعام: 54]، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " ما من امرىء مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه ~~نار جهنم يوم القيامة " # ثم تلا هذه الآية: { وكان حقا علينا نصر المؤمنين }. ### || [30.48-51] # يبين تعالى كيف يخلق السحاب، الذي ينزل منه الماء، فقال تعالى: { ~~الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا } إما من البحر ~~أو مما يشاء الله عز وجل، { فيبسطه في السمآء كيف ~~يشآء } أي يمده فيكثره وينميه، ينشىء سحابة ترى في رأي العين مثل ~~الترس، ثم يبسطها حتى تملأ أرجاء الأفق، وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ~~ثقالا مملوءة كما قال تعالى: # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت # [الأعراف: 57] - إلى قوله - # كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون # [الأعراف: 57]، وكذلك قال ههنا { الله الذي يرسل الرياح ~~فتثير سحابا فيبسطه في السمآء كيف يشآء ~~ويجعله كسفا } ، قال مجاهد: يعني قطعا، وقال الضحاك: متراكما، ~~وقال غيره: أسود من كثرة الماء تراه مدلهما ثقيلا قريبا من الأرض، ~~وقوله تعالى: { فترى الودق يخرج من خلاله } أي فترى ~~المطر ms1893 وهو القطر، يخرج من بين ذلك السحاب { فإذآ أصاب به من ~~يشآء من عباده إذا هم يستبشرون } أي لحاجتهم إليه ~~يفرحون بنزوله عليهم ووصوله إليهم، وقوله تعالى: { وإن كانوا من ~~قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين } معنى ~~الكلام: أن هؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر، كانوا قانطين من نزول ~~المطر إليهم، فلما جاءهم، جاءهم على فاقة فوقع منهم موقعا عظيما، ~~فبعدما كانت أرضهم مقشعرة هامدة، أصبحت وقد اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج ~~بهيج، ولهذا قال تعالى: { فانظر إلى آثار رحمت الله } ~~يعني المطر { كيف يحي الأرض بعد موتهآ } ثم نبه بذلك على ~~إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها، فقال تعالى: { إن ذلك ~~لمحي الموتى } أي إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات { ~~وهو على كل شيء قدير }. # ثم قال تعالى: { ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا ~~لظلوا من بعده يكفرون } ، يقول تعالى: { ولئن ~~أرسلنا ريحا } يابسة على الزرع الذي زرعوه، ونبت وشب واستوى على ~~سوقه { فرأوه مصفرا } أي قد اصفر وشرع في الفساد { لظلوا ~~من بعده } أي بعد هذا الحال { يكفرون } أي يجحدون ما تقدم ~~إليهم من النعم، كقوله تعالى: # أفرأيتم ما تحرثون # [الواقعة: 63] - إلى قوله - # بل نحن محرومون # [الواقعة: 67]، قال ابن أبي حاتم عن عبيد الله بن عمرو قال: الرياح ~~ثمانية: أربعة منها رحمة، وأربعة منها عذاب، فأما الرحمة: فالناشرات، ~~والمبشرات، والمرسلات، والذاريات؛ وأما العذاب: فالعقيم، والصرصر وهما ~~في البر والعاصف والقاصف وهما في البحر، فإذا شاء سبحانه وتعالى حركه ~~بحركة الرحمة، فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته ولاقحا للسحاب ~~تلقحه بحمله الماء كما يلقح الذكر الأنثى بالحمل، وإن شاء حركه بحركة ~~العذاب، فجعله عقيما وأودعه عذابا أليما وجعله نقمة على من يشاء من ~~عباده، فيجعله صرصرا وعاتيا ومفسدا لما يمر عليه؛ والرياح مختلفة في ~~مهابها، صبا ودبور وجنوب وشمال، وفي منفعتها وتأثيرها أعظم اختلاف، ~~فريح لينة رطبة تغذي النبات وأبدان الحيوان، وأخرى تجففه، وأخرى تهلكه ~~وتعطبه، وأخرى تسيره وتصلبه، وأخرى توهنه وتضعفه. ### || [30.52-53] # يقول تعالى: ms1894 كما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أجداثها، ولا تبلغ ~~كلامك الصم الذين لا يسمعون، كذلك لا تقدر على هداية العميان عن الحق ~~وردهم عن ضلالتهم، بل ذلك إلى الله فإنه تعالى بقدرته يسمع الأموات إذا ~~شاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وليس ذلك لأحد سواه، ولهذا قال تعالى: ~~{ إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } ~~أي خاضعون مستجيبون مطيعون، فأولئك هم الذين يسمعون الحق ويتبعونه، وهذا ~~حال المؤمنين، والأول مثل الكافرين، كما قال تعالى: # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم ~~الله ثم إليه يرجعون # [الأنعام: 36]، وقد تواترت الآثار بأن الميت يعرف بزيارة الحي له ~~ويستبشر؛ فروى ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم ~~" # ، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام " # وقد شرع السلام على الموتى، والسلام على من لم يشعر ولا يعلم بالمسلم ~~محال، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته إذا رأوا القبور أن ~~يقولوا: سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم ~~العافية، فهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد وإن ~~لم يسمع المسلم الرد، والله أعلم. ### || [30.54] # ينبه تعالى على تنقل الإنسان في أطوار الخلق، حالا بعد حال، فأصله من ~~تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يصير عظاما، ثم تكسى ~~العظام لحما، وينفخ فيه الروح، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفا نحيفا واهن ~~القوى، ثم يشب قليلا قليلا حتى يكون صغيرا، ثم حدثا، ثم مراهقا، ثم ~~شابا وهو القوة بعد الضعف ثم يشرع في النقص فيكتهل، ثم يشيخ ثم يهرم ~~وهو الضعف بعد القوة فتضعف الهمة والحركة والبطش، وتشيب اللمة وتتغير ~~الصفات الظاهرة والباطنة، ولهذا ms1895 قال تعالى: { ثم جعل من بعد ~~قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشآء } أي يفعل ما يشاء ~~ويتصرف في عبيده بما يريد { وهو العليم القدير }. ### || [30.55-57] # يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا ~~من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضا، فمنه: إقسامهم ~~بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا، ومقصودهم بذلك عدم قيام ~~الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم، قال الله تعالى: { ~~كذلك كانوا يؤفكون * وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم ~~البعث } أي فيرد عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة كما أقاموا عليهم ~~حجة الله في الدنيا، فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة { لقد ~~لبثتم في كتاب الله } أي في كتاب الأعمال { إلى يوم ~~البعث } أي من يوم خلقتم إلى أن بعثتم، { ولكنكم كنتم لا ~~تعلمون } ، قال الله تعالى: { فيومئذ } أي يوم القيامة { لا ~~ينفع الذين ظلموا معذرتهم } أي اعتذارهم عما فعلوا، { ~~ولا هم يستعتبون } أي ولا هم يرجعون إلى الدنيا، كما قال ~~تعالى: # وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين # [فصلت: 24]. ### || [30.58-60] # يقول تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل } أي قد بينا لهم الحق ووضحناه لهم، وضربنا لهم فيه الأمثال ~~ليستبينوا الحق ويتبعوه، { ولئن جئتهم بآية ليقولن ~~الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } أي لو رأوا أي ~~آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره لا يؤمنون بها، ويعتقدون أنها سحر ~~وباطل، كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، ولهذا قال تعالى: { كذلك ~~يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون * فاصبر ~~إن وعد الله حق } أي اصبر على مخالفتهم وعنادهم، فإن الله ~~تعالى منجز لك ما وعدك، من نصره إياك عليهم، وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك ~~في الدنيا والآخرة { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } ~~أي بل اثبت على ما بعثك الله به، فإنه الحق الذي لا مرية فيه، قال ابن ~~أبي حاتم عن أبي يحيى: صلى علي بن أبي ms1896 طالب رضي الله عنه صلاة الفجر ~~فناداه رجل من الخوارج # لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين # [الزمر: 65] فأجابه علي رضي الله عنه وهو في الصلاة { فاصبر إن ~~وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ~~}. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-5] # تقدم في أول سورة البقرة عامة الكلام على ما يتعلق بصدر هذه الآية، وهو ~~أنه سبحانه وتعالى جعل هذا القرآن هدى وشفاء ورحمة للمحسنين، وهم الذين ~~أحسنوا العمل في اتباع الشريعة، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها ~~وأوقاتها، وما يتبعها من نوافل راتبة وغير راتبة، وآتوا الزكاة المفروضة ~~عليهم إلى مستحقيها، ووصلوا أرحامهم وقراباتهم، وأيقنوا بالجزاء في الدار ~~الآخرة، فرغبوا إلى الله في ثواب ذلك، لم يراؤوا ولا أرادوا جزاء من ~~الناس ولا شكورا، فمن فعل ذلك كذلك فهو من الذين قال الله تعالى: { ~~أولئك على هدى من ربهم } أي على بصيرة وبينة ومنهج ~~واضح جلي { وأولئك هم المفلحون } أي في الدنيا والآخرة. ### || [31.6-7] # لما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون ~~بسماعه عطف بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام ~~الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء، بالألحان وآلات الطرب. روى ~~ابن جرير عن أبي الصهباء البكري أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن ~~هذه الآية: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل ~~عن سبيل الله } فقال عبد الله ابن مسعود: الغناء، والله الذي لا ~~إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات، وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية { ~~ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل ~~الله بغير علم } في الغناء والمزامير، وقيل: أراد بقوله: { ~~يشتري لهو الحديث } اشتراء المغنيات من الجواري، قال ابن أبي ~~حاتم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن، وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنزل الله ~~عز وجل علي: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ~~ليضل عن سبيل الله } " # ، قال الضحاك: { لهو الحديث } يعني الشرك، وبه قال ابن أسلم، ~~واختار ابن جرير أنه ms1897 كل كلام يصد عن آيات الله واتباع سبيله، وقوله: { ~~ليضل عن سبيل الله } أي إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام ~~وأهله، وقوله تعالى: { ويتخذها هزوا } قال مجاهد: ويتخذ سبيل ~~الله هزوا يستهزىء بها، وقال قتادة: يعني ويتخذ آيات الله هزوا. وقول ~~مجاهد أولى. وقوله: { أولئك لهم عذاب مهين } أي كما ~~استهانوا بآيات الله وسبيله، أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم ~~المستمر، ثم قال تعالى: { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى ~~مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ~~} أي هذا المقبل على اللهو واللعب والطرب، إذا تليت عليه الآيات ~~القرآنية، ولى عنها وأعرض وأدبر، وتصامم وما به من صمم، كأنه ما سمعها ~~لأنه يتأذى بسماعها، إذ لا انتفاع له بها ولا أرب له فيها، { فبشره ~~بعذاب أليم } أي يوم القيامة يؤلمه كما تألم بسماع كتاب الله ~~وآياته. ### || [31.8-9] # هذا ذكر مآل الأبرار، من السعداء في الدار الآخرة، الذين آمنوا بالله ~~وصدقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة التابعة لشريعة الله { لهم ~~جنات النعيم } أي يتنعمون فيها بأنواع الملاذ، من المآكل ~~والمشارب والملابس والمساكن، والمراكب، والنساء، والنضرة، والسماع، الذي ~~لم يخطر ببال أحد، وهم في ذلك مقيمون دائما لا يظعنون ولا يبغون عنها ~~حولا. وقوله تعالى: { وعد الله حقا } أي هذا كائن لا محالة، ~~لأنه وعد الله، والله لا يخلف الميعاد لأنه الكريم المنان، الفعال لما ~~يشاء، القادر على كل شيء، { وهو العزيز } الذي قهر كل شيء ودان له ~~كل شيء، { الحكيم } في أقواله وأفعاله الذي جعل القرآن هدى للمؤمنين، # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء # [فصلت: 44]. ### || [31.10-11] # يبين سبحانه بهذا قدرته العظيمة على خلق السماوات والأرض، وما فيهما وما ~~بينهما، فقال تعالى: { خلق السموت بغير عمد } قال الحسن ~~وقتادة: ليس لها عمد، وقال ابن عباس: لها عمد لا ترونها، وقد تقدم تقرير ~~هذه المسألة في أول سورة الرعد، { وألقى في الأرض رواسي } ~~يعني الجبال أرست الأرض وثقلتها لئلا تضطرب بأهلها على وجه الماء، ولهذا ~~قال: { أن تميد بكم } أي لئلا تميد بكم، وقوله تعالى: ms1898 { وبث ~~فيها من كل دآبة } أي وذرأ فيها من أصناف الحيوانات مما لا ~~يعلم عدد أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها، ولما قرر سبحانه أنه الخالق ~~نبه على أنه الرازق، بقوله: { وأنزلنا من السمآء مآء ~~فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } أي من كل زوج من النبات ~~{ كريم } أي حسن المنظر، وقال الشعبي: من دخل الجنة فهو كريم ومن دخل ~~النار فهو لئيم، وقوله تعالى: { هذا خلق الله } أي هذا الذي ~~ذكره تعالى من خلق السماوات والأرض وما بينهما صادر عن فعل الله وخلقه ~~وتقديره وحده لا شريك له في ذلك، ولهذا قال تعالى: { فأروني ماذا ~~خلق الذين من دونه } أي مما تعبدون وتدعون من الأصنام ~~والأنداد، { بل الظالمون } يعني المشركين بالله العابدين معه غيره ~~{ في ضلال } أي جهل وعمى { مبين } أي واضح ظاهر لا خفاء به. ### || [31.12] # اختلف السلف في لقمان: هل كان نبيا أو عبدا صالحا؟ على قولين: ~~الأكثرون على الثاني، قال ابن عباس: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا، وقال ~~سعيد بن المسيب: كان لقمان من سودان مصر ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة ~~ومنعه النبوة، وقال ابن جرير عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدا حبشيا ~~نجارا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، قال أخرج أطيب مضغتين ~~فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال اذبح لنا هذه ~~الشاة فذبحها فقال: أخرج أخبث مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، فقال له ~~مولاه، أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث ~~مضغتين فيها فأخرجتهما: فقال لقمان؛ إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا ~~ولا أخبث منهما إذا خبثا، وقال مجاهد: كان لقمان عبدا صالحا ولم يكن ~~نبيا، غليظ الشفتين مصفح القدمين قاضيا على بني إسرائيل. وقوله: { ~~ولقد آتينا لقمان الحكمة } أي الفهم والعلم والتعبير، { ~~أن اشكر لله } أي أمرناه أن يشكر الله عز وجل على ما آتاه ~~الله ومنحه ووهبه من الفضل الذي خصصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل ~~زمانه، ms1899 ثم قال تعالى: { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } ~~أي إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين، لقوله تعالى: # ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون # [الروم: 44]، وقوله: { ومن كفر فإن الله غني حميد } ~~أي غني عن العباد لا يتضرر بذلك ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعا، فإنه ~~الغني عما سواه، فلا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه. ### || [31.13-15] # يقول تعالى مخبرا عن وصية لقمان لولده، وقد ذكره الله تعالى بأحسن ~~الذكر، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن ~~يمنحه أفضل ما يعرف، ولهذا أوصاه أولا بأن يعبد الله وحده لا يشرك به ~~شيئا، ثم قال محذرا له { إن الشرك لظلم عظيم } أي هو ~~أعظم الظلم عن عبد الله بن مسعود قال: # " لما نزلت { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم } شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا ~~لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه ليس بذلك، ~~ألا تسمع إلى قول لقمان { يبني لا تشرك بالله إن ~~الشرك لظلم عظيم } " # ، ثم قرن بوصيته إياه بعبادة الله وحده، البر بالوالدين كما قال تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23] وكثيرا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن؛ وقال ههنا: { ~~ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا ~~على وهن } ، قال مجاهد: مشقة وهن الولد؛ وقال قتادة: جهدا على ~~جهد؛ وقال عطاء الخراساني: ضعفا على ضعف، وقوله: { وفصاله في ~~عامين } أي تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة # [البقرة: 233] الآية، ومن ههنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل ~~مدة الحمل ستة أشهر، لأنه قال في الآية الأخرى: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15]، وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة، وتعبها ومشقتها في ~~سهرها ليلا ونهارا، ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال ~~تعالى: # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 24]، ولهذا قال: { أن اشكر لي ولوالديك ms1900 إلي ~~المصير } أي فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء. عن سعيد بن وهب قال: قدم ~~علينا معاذ بن جبل وكان بعثه النبي صلى الله عليه وسلم، فقام فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم أن ~~تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تطيعوني لا آلوكم خيرا، وإن ~~المصير إلى الله إلى الجنة أو إلى النار، إقامة فلا ظعن، وخلود فلا موت. # وقوله تعالى: { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس ~~لك به علم فلا تطعهما } أي إن حرصا عليك كل الحرص، على أن ~~تتابعهما على دينهما فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك أن تصاحبهما في ~~الدنيا { معروفا } أي محسنا إليهما، { واتبع سبيل من ~~أناب إلي } يعني المؤمنين، { ثم إلي مرجعكم ~~فأنبئكم بما كنتم تعملون } ، روى الطبراني عن داود بن ~~أبي هند أن سعد بن مالك قال: أنزلت في هذه الآية: { وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~} الآية، قال: كنت رجلا برا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الذي ~~أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فتعير ~~بي، فيقال: يا قاتل أمه، فقلت: لا تفعلي يا أمه، فإني لا أدع ديني هذا ~~لشيء؛ فمكثت يوما وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جهدت فمكثت يوما آخر وليلة ~~لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوما وليلة أخرى لا تأكل فأصبحت قد اشتد ~~جهدها، فلما رأيت ذلك قلت يا أمه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت ~~نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء؛ فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي، ~~فأكلت. ### || [31.16-19] # هذه وصايا نافعة حكاها الله سبحانه عن (لقمان الحكيم) ليمتثلها الناس ~~ويقتدوا بها، فقال: { يبني إنهآ إن تك مثقال حبة ~~من خردل } أي إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة خردل، ~~وكانت مخفية في السماوات أو في الأرض { يأت بها الله } أي أحضرها ~~الله يوم ms1901 القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيرا فخير، ~~وإن شرا فشر، كما قال تعالى: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا # [الأنبياء: 47] الآية، ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة ~~صماء، أو ذاهبة في أرجاء السماوات والأرض، فإن الله يأتي بها لأنه لا ~~تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. ~~ولهذا قال تعالى: { إن الله لطيف خبير } أي لطيف العلم فلا ~~تخفى عليه الأشياء، وإن دقت ولطفت وتضاءلت، { خبير } بدبيب النمل في ~~الليل البهيم، وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله { فتكن في صخرة } ~~أنها صخرة تحت الأرضين السبع، والظاهر والله أعلم أن المراد أن هذه ~~الحبة في حقارتها لو كانت داخل صخرة فإن الله سيبديها ويظهرها بلطيف ~~علمه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة. لخرج عمله للناس ~~كائنا ما كان " # ، ثم قال: { يبني أقم الصلاة } أي بحدودها وفروضها ~~وأوقاتها، { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر } أي بحسب ~~طاقتك وجهدك، { واصبر على مآ أصابك } لأن الآمر بالمعروف ~~والناهي عن المنكر، لا بد أن يناله من الناس أذى فأمره بالصبر، وقوله: { ~~إن ذلك من عزم الأمور } أي إن الصبر على أذى الناس لمن عزم ~~الأمور. # وقوله تعالى: { ولا تصعر خدك للناس } يقول: لا تعرض ~~بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك، احتقارا منك لهم واستكبارا عليهم، ~~ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث: # " ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط " # ، قال ابن عباس يقول: لا تتكبر فتحتقر عباد الله وعرض عنهم بوجهك إذا ~~كلموك، وقال زيد بن أسلم { ولا تصعر خدك للناس }: لا ~~تتكلم وأنت معرض، وقال إبراهيم النخعي: يعني بذلك التشدق في الكلام، ~~والصواب القول الأول، قال الشاعر: # وكنا إذا الجبار صعر خده # أقمنا له من ميله فتقوما # وقوله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا } أي خيلاء متكبرا ~~جبارا عنيدا، لا تفعل ذلك ms1902 يبغضك الله، ولهذا قال: { إن الله لا ~~يحب كل مختال فخور } أي مختال معجب في نفسه { فخور } أي ~~على غيره، وقال تعالى: # ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن ~~تبلغ الجبال طولا # [الإسراء: 37]. عن ثابت بن قيس بن شماس قال: ذكر الكبر عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فشدد فيه فقال: # " " إن الله لا يحب كل مختال فخور " فقال رجل من القوم: والله يا رسول ~~الله إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها ويعجبني شراك نعلي وعلاقة سوطي، ~~فقال: ليس ذلك الكبر، إنما الكبر أن تسفه الحق، وتغمط الناس " # ، وقوله: { واقصد في مشيك } أي امش مقتصدا مشيا ليس بالبطيء ~~المتثبط، ولا بالسريع المفرط بل عدلا وسطا بين بين، وقوله: { واغضض ~~من صوتك } أي لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه، ~~ولهذا قال: { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } قال ~~مجاهد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير، أي غاية من رفع صوته أنه يشبه ~~بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى، وهذا التشبيه ~~بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه " # ، وروى النسائي عند تفسير هذه الآية عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير ~~فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانا " # فهذه وصايا نافعة جدا، وهي من قصص القرآن العظيم، عن لقمان الحكيم، وقد ~~روي عنه من الحكم والمواعظ أشياء كثرة. ### || [31.20-21] # يقول تعالى منبها خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة، بأنه سخر لهم ~~ما في السماوات، من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وما يخلق فيها ~~من سحاب وأمطار، وما خلق لهم في الأرض من أنهار وأشجار وزروع وثمار، ~~وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة، ثم مع هذا كله ما آمن الناس كلهم، بل ~~منهم من يجادل في ms1903 الله أي في توحيده وإرساله الرسل، ومجادلته في ذلك بغير ~~علم ولا مستند، ومن حجة صحيحة ولا كتاب مأثور صحيح، ولهذا قال تعالى: { ~~ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير } أي مبين مضيء { وإذا قيل لهم } أي ~~لهؤلاء المجادلين في توحيد الله { اتبعوا مآ أنزل الله } أي ~~على رسوله من الشرائع المطهرة، { قالوا بل نتبع ما وجدنا ~~عليه آبآءنا } أي لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين، قال ~~الله تعالى: # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة: 170] أي فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم أنهم كانوا على ~~ضلالة وأنتم خلف لهم فيما كانوا فيه، ولهذا قال تعالى: { أولو كان ~~الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير }. ### || [31.22-24] # يقول تعالى مخبرا عمن أسلم وجهه لله أي أخلص له العمل، وانقاد لأمره ~~واتبع شرعه، ولهذا قال: { وهو محسن } أي في عمله باتباع ما به ~~أمر، وترك ما عنه زجر { فقد استمسك بالعروة الوثقى } ~~أي فقد أخذ موثقا من الله متينا أنه لا يعذبه، { وإلى الله ~~عاقبة الأمور * ومن كفر فلا يحزنك كفره } أي لا ~~تحزن عليهم يا محمد في كفرهم بالله وبما جئت به، فإن قدر الله نافذ فيهم، ~~وإلى الله مرجعهم { فننبئهم بما عملوا } أي فيجزيهم عليه، ~~{ إن الله عليم بذات الصدور } فلا تخفى عليه خافية، ثم ~~قال تعالى: { نمتعهم قليلا } أي في الدنيا، { ثم ~~نضطرهم } أي نلجئهم { إلى عذاب غليظ } أي فظيع صعب شاق ~~على النفوس، كما قال تعالى: # متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم ~~العذاب الشديد بما كانوا يكفرون # [يونس: 70]. ### || [31.25-26] # يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء المشركين، أنهم يعرفون أن الله خالق ~~السماوات والأرض، وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون ~~أنها خلق له وملك له، ولهذا قال تعالى: { ولئن سألتهم من ~~خلق السموت والأرض ليقولن الله قل الحمد ~~لله } أي إذا قامت عليكم الحجة باعترافكم { بل أكثرهم لا ~~يعلمون } ، ثم قال تعالى: { لله ما في السموت ms1904 ~~والأرض } أي هي خلقه وملكه، { إن الله هو الغني ~~الحميد } أي الغني عما سواه وكل شيء فقير إليه، { الحميد } في ~~جميع ما خلق له الحمد في السماوات والأرض، وهو المحمود في الأمور كلها. ### || [31.27-28] # يقول تعالى مخبرا عن عظمته وكبريائه، وجلاله وأسمائه الحسنى وصفاته ~~العلا، وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها ~~وإحصائها، كما قال سيد البشر: # " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " # ، فقال تعالى: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ~~والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله } أي ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاما، وجعل ~~البحر مدادا وأمده سبعة أبحر معه، فكتبت بها كلمات الله الدالة على ~~عظمته وصفاته وجلاله، لتكسرت الأقلام ونفد ماء البحر ولو جاء أمثالها ~~مددا، وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة ولم يرد الحصر، فقد قال تعالى ~~في الآية الأخرى: # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا # [الكهف: 109]، فليس المراد بقوله: { بمثله } آخر فقط، بل بمثله ثم ~~بمثله ثم بمثله، ثم هلم جرا، لأنه لا حصر لآيات الله وكلماته، قال الحسن ~~البصري: لو جعل شجر الأرض أقلاما وجعل البحر مدادا، وقال الله: إن من ~~أمري كذا ومن أمري كذا لنفد ماء البحر وتكسرت الأقلام، وقال الربيع بن ~~أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد ~~أنزل الله ذلك: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام } ~~الآية، وقوله تعالى: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة } أي ما خلق جميع الناس، وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته، ~~إلا كنسبة خلق نفس واحدة، الجميع هين عليه، # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]، # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر: 50] أي لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة فيكون ذلك الشيء لا يحتاج ~~إلى تكرره وتوكيده، # فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة ms1905 # [النازعات: 13-14]، وقوله: { إن الله سميع بصير } أي كما هو ~~سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم، كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة، كذلك ~~قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة، ولهذا قال تعالى: { ما خلقكم ~~ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } الآية. ### || [31.29-30] # يخبر تعالى أنه { يولج الليل في النهار } يعني يأخذ منه في ~~النهار فيطول ذلك وبقصر هذا، وهذا يكون زمن الصيف يطول النهار إلى ~~الغاية، ثم يشرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار وهذا يكون في الشتاء ~~{ وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل ~~مسمى } قيل إلى غاية محدودة، وقيل إلى يوم القيامة، وكلا المعنيين ~~صحيح ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " " يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ " قلت الله ورسوله أعلم؟ قال: ~~" فإنها تذهب فتسجد تحت العرش ثم تستأذن ربها فيوشك أن يقال لها ارجعي من ~~حيث جئت " " # ، وعن ابن عباس أنه قال: الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء ~~في فلكها، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، ~~قال: وكذلك القمر، وقوله. { وأن الله بما تعملون خبير } ~~المعنى أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء، وقوله تعالى: { ذلك ~~بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه ~~الباطل } أي إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق أي ~~الإله الحق، وأن كل ما سواه باطل، فإنه الغني عما سواه وكل شيء فقير ~~إليه، الجميع خلقه وعبيده، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه، ~~ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابا لعجزوا عن ذلك، ولهذا قال ~~تعالى: { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون ~~من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير } أي ~~العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، فالكل خاضع حقير ~~بالنسبة إليه. ### || [31.31-32] # يخبر تعالى أنه هو الذي سخر البحر، لتجري فيه الفلك بأمره، أي بلطفه ~~وتسخيره، فإنه لولا ما ms1906 جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن لما جرت، ~~ولهذا قال: { ليريكم من آياته } أي من قدرته { إن في ~~ذلك لآيات لكل صبار شكور } أي صبار في الضراء، شكور في ~~الرخاء، ثم قال تعالى: { وإذا غشيهم موج كالظلل } أي ~~كالجبال والغمام { دعوا الله مخلصين له الدين } ، كما ~~قال تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # [الإسراء: 67]، وقال تعالى: # فإذا ركبوا في الفلك # [العنكبوت: 65] الآية، ثم قال تعالى: { فلما نجاهم إلى ~~البر فمنهم مقتصد } قال مجاهد: أي كافر، كأنه فسر المقتصد ~~ههنا بالجاحد، كما قال تعالى: # فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # [العنكبوت: 65] وقال ابن زيد، هو المتوسط في العمل، وهذا الذي قاله ابن ~~زيد في المراد في قوله تعالى: # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد # [فاطر: 32] الآية، فالمقتصد ههنا هو المتوسط في العمل، ويكون من باب ~~الإنكار على من شاهد تلك الأهوال، والأمور العظام، والآيات الباهرات في ~~البحر؛ ثم بعدما أنعم الله عليه بالخلاص، كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل ~~التام، والدؤوب في العبادة، والمبادرة إلى الخيرات، فمن اقتصد بعد ذلك ~~كان مقصرا والله أعلم، وقوله تعالى: { وما يجحد بآياتنآ ~~إلا كل ختار كفور } الختار: هو الغدار، قاله مجاهد والحسن ~~وهو الذي كلما عاهد نقض عهده، والختر أتم الغدر وأبلغه. قال عمر بن معد ~~يكرب: # وإنك لو رأيت أبا عمير # ملأت يديك من غدر وختر # وقوله { كفور } أي جحود للنعم لا يشكرها بل يتناساها ولا يذكرها. ### || [31.33] # يقول تعالى منذرا للناس يوم المعاد، وآمرا لهم بتقواه والخوف منه، ~~والخشية من يوم القيامة حيث { لا يجزي والد عن ولده } أي لو ~~أراد أن يفديه بنفسه لما قبل منه، وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه ~~لم يقبل منه، ثم عاد بالموعظة عليهم بقوله: { فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا } أي لا تلهينكم بالطمأنينة فيها عن الدار الآخرة، ~~{ ولا يغرنكم بالله الغرور } يعني الشيطان، فإنه يغر ~~ابن آدم ويعده ويمنيه، وليس من ذلك شيء، بل كان كما قال تعالى: ms1907 # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا # [النساء: 120]، قال وهب بن منبه: قال عزير عليه السلام: لما رأيت بلاء ~~قومي اشتد حزني وكثر همي وأرق نومي، فتضرعت إلى ربي وصليت وصمت، فأنا في ~~ذلك التضرع أبكي إذ أتاني الملك، فقلت له: خبرني هل تشفع أرواح الصديقين ~~للظلمة، أو الآباء لأبنائهم؟ قال: إن القيامة فيها فصل القضاء، وملك ظاهر ~~ليس فيه رخصة لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الرحمن، ولا يؤخذ فيه والد عن ~~ولده ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه، ولا عبد عن سيده، ولا يهتم أحد ~~به بغيره، ولا يحزن لحزنه ولا أحد يرحمه، كل مشفق على نفسه، ولا يؤخذ ~~إنسان عن إنسان، كل يهمه همه ويبكي ذنبه، ويحمل وزره ولا يحمل وزره معه ~~غيره. ### || [31.34] # هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا ~~بعد إعلامه تعالى بها؛ فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب # لا يجليها لوقتهآ إلا هو # [الأعراف: 187]، وكذلك إنزال الغيب لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به ~~علمته الملائكة الموكلون بذلك، ومن يشاء الله من خلقه، وكذلك لا يعلم ما ~~في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرا أو ~~أنثى، شقيا أو سعيدا، علم الملائكة الموكلون بذلك، وكذا لا تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا في دنياها وأخراها، { وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت } في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد ~~بذلك وهي شبيهة بقوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59] الآية، وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب، ~~روى الإمام أحمد # " عن أبي بريدة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس لا يعلمهن ~~إلا الله عز وجل: { إن الله عنده علم الساعة ~~وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت إن الله عليم خبير } " # ، عن ابن عمر قال، قال ms1908 رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله { إن الله عنده علم ~~الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما ~~تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت إن الله عليم خبير } ". # وعن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني ما ~~تلد؟ وبلادنا مجدبة، فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرني ~~متى أموت؟ فأنزل الله عز وجل: { إن الله عنده علم ~~الساعة } - إلى قوله -: { عليم خبير } قال مجاهد وهي مفاتيح ~~الغيب التي قال الله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59]، وروى مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: من حدثك ~~أنه يعلم ما في غد، فقد كذب، ثم قرأت { وما تدري نفس ماذا ~~تكسب غدا }. وقوله تعالى: { وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت } قال قتادة: أشياء استأثر الله بهن فلن يطلع عليهن ملكا مقربا ~~ولا نبيا مرسلا { إن الله عنده علم الساعة } فلا يدري ~~أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة أو في أي شهر أو ليل أو نهار، { ~~وينزل الغيث } فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ليلا أو نهارا، { ~~ويعلم ما في الأرحام } فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم ~~أنثى، أحمر أو أسود وما هو، { وما تدري نفس ماذا تكسب ~~غدا } أخير أم شر، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت لعلك الميت غدا لعلك ~~المصاب غدا { وما تدري نفس بأي أرض تموت } أي ليس أحد ~~من الناس يدري أي مضجعه من الأرض، أفي بحر أم بر، أو سهل أو جبل. وقد جاء ~~في الحديث: # " إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة " # وروي مثله عن ابن مسعود، وبمعناه عن أسامة. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-3] # قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن ~~إعادته ههنا، وقوله: { تنزيل الكتاب لا ريب فيه } أي لا شك ~~فيه ولا مرية أنه منزل ms1909 { من رب العالمين } ، ثم قال تعالى ~~مخبرا عن المشركين { أم يقولون افتراه } بل يقولون افتراه أي ~~اختلقه من تلقاء نفسه، { بل هو الحق من ربك لتنذر ~~قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك لعلهم ~~يهتدون } أي يتبعون الحق. ### || [32.4-6] # يخبر تعالى أنه خالق الأشياء، فخلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش، وقد تقدم الكلام على ذلك، { ما لكم من ~~دونه من ولي ولا شفيع } أي بل هو المالك لأزمة الأمور، ~~الخالق لكل شيء، المدبر لكل شيء، القادر على كل شيء، فلا ولي لخلقه سواه، ~~ولا شفيع إلا من بعد إذنه، { أفلا تتذكرون } يعني أيها ~~العابدون غيره، المتوكلون على من عداه، تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له ~~نظير أو شريك أو وزير، لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقوله تعالى: { ~~يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه } أي يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، ~~كما قال تعالى: # الله الذي خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن # [الطلاق: 12] الآية، وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا، ومسافة ~~ما بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة، وسمك السماء خمسمائة سنة، وقال ~~مجاهد والضحاك: النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام، وصعوده في مسيرة ~~خمسمائة عام، ولكنه يقطعها في طرفة عين، ولهذا قال تعالى: { في يوم ~~كان مقداره ألف سنة مما تعدون * ذلك عالم ~~الغيب والشهادة } أي المدبر لهذه الأمور الذي هو شهيد على ~~أعمال عباده، يرفع إليه جليلها وحقيرها وصغيرها وكبيرها، هو العزيز الذي ~~قد عز كل شيء فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، { الرحيم } ~~بعباده المؤمنين. ### || [32.7-9] # يقول تعالى مخبرا أنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها قال زيد ~~بن أسلم: { الذي أحسن كل شيء خلقه } قال: أحسن خلق كل ~~شيء، كأنه جعله من المقدم والمؤخر؛ ثم لما ذكر تعالى خلق السماوات ~~والأرض، شرع في ذكر خلق الإنسان، فقال تعالى: { وبدأ خلق ~~الإنسان من طين } يعني خلق أبا البشر ms1910 آدم من طين، { ثم جعل ~~نسله من سلالة من مآء مهين } أي يتناسلون كذلك من ~~نطفة، تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة { ثم سواه } يعني آدم ~~لما خلقه من تراب خلقه سويا مستقيما، { ونفخ فيه من روحه ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } يعني العقول، ~~{ قليلا ما تشكرون } أي بهذه القوى التي رزقكموها الله عز ~~وجل، فالسعيد من استعملها في طاعة ربه عز وجل. ### || [32.10-11] # يقول تعالى مخبرا عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا { أإذا ~~ضللنا في الأرض } أي تمزقت أجسامنا، وتفرقت في أجزاء الأرض ~~وذهبت، { أإنا لفي خلق جديد } أي أئنا لنعود بعد تلك الحال؟ ~~يستبعدون ذلك، ولهذا قال تعالى: { بل هم بلقآء ربهم ~~كافرون } ، ثم قال تعالى: { قل يتوفاكم ملك الموت ~~الذي وكل بكم } ، الظاهر أن ملك الموت شخص معين، وقد سمي في ~~بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور، وله أعوان؛ وهكذا ورد في الحديث أن ~~أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إذا بلغت الحلقوم تناولها ملك ~~الموت، قال مجاهد: حويت له الأرض فجعلت مثل الطست يتناول منها متى يشاء، ~~وقال كعب الأحبار: والله ما من بيت فيه أحد من أهل الدنيا إلا وملك ~~الموت يقوم على بابه كل يوم سبع مرات ينظر هل فيه أحد أمر أن يتوفاه، ~~وقوله تعالى: { ثم إلى ربكم ترجعون } أي يوم معادكم ~~وقيامكم من قبوركم لجزائكم. ### || [32.12-14] # يخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة، حين عاينوا البعث وقاموا بين ~~يدي الله عز وجل، حقيرين ذليلين ناكسي رؤوسهم أي من الحياء والخجل، ~~يقولون { ربنآ أبصرنا وسمعنا } أي نحن الآن نسمع قولك ~~ونطيع أمرك كما قال تعالى: # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا # [مريم: 38] وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم: # لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير # [الملك: 10]، وهكذا هؤلاء يقولون { ربهم ربنآ أبصرنا ~~وسمعنا فارجعنا } أي إلى دار الدنيا { نعمل صالحا ~~إنا موقنون } أي قد أيقنا وتحققنا فيها أن وعدك حق ولقاءك حق، وقد ~~علم الرب تعالى ms1911 منهم أنه لو أعادهم إلى الدنيا لكانوا كفارا يكذبون ~~بآيات الله، ويخالفون رسله، كما قال تعالى: # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا # [الأنعام: 27] الآية، وقال ههنا: { ولو شئنا لآتينا كل ~~نفس هداها } ، كما قال تعالى: # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا # [يونس: 99]، { ولكن حق القول مني لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين } أي من الصنفين فدارهم النار لا ~~محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك { ~~فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ } أي يقال لأهل ~~النار على سبيل التقريع والتوبيخ، ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم به، ~~واستبعادكم وقوعه، { إنا نسيناكم } أي سنعاملكم معاملة الناسي، ~~لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة، كما قال ~~تعالى: # اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم هذا # [الجاثية: 34]، وقوله تعالى: { وذوقوا عذاب الخلد بما ~~كنتم تعملون } أي بسبب كفركم وتكذيبكم، كما قال تعالى: # فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا # [النبأ: 30]. ### || [32.15-17] # يقول تعالى: { إنما يؤمن بآياتنا } أي إنما يصدق بها { ~~الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا } أي استمعوا لها ~~وأطاعوها قولا وفعلا، { وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون } أي عن اتباعها والانقياد لها، كما يفعله الجهلة من ~~الكفرة الفجرة، قال الله تعالى: # إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين # [غافر: 60]، ثم قال تعالى: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع ~~} يعني بذلك قيام الليل وترك النوم، والاضطجاع على الفرش الوطيئة، قال ~~مجاهد والحسن: يعني بذلك قيام الليل، وعن أنس وعكرمة: هو الصلاة بين ~~العشاءين، وعن أنس أيضا: هو انتظار صلاة العتمة، وقال الضحاك: هو صلاة ~~العشاء في جماعة وصلاة الغداة في جماعة { يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا } أي خوفا من وبال عقابه، وطمعا في جزيل ثوابه { ومما ~~رزقناهم ينفقون } فيجمعون بين فعل القربات اللازمة والمتعدية، ~~عن معاذ بن جبل قال: # " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ~~ونحن نسير، فقلت: يا نبي الله ms1912 أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من ~~النار قال: " لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد ~~الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج ~~البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفىء ~~الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل - ثم قرأ - { تتجافى جنوبهم ~~عن المضاجع } حتى بلغ { جزآء بما كانوا يعملون } ، ~~ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ " فقلت: بلى يا رسول ~~الله، فقال: " رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في ~~سبيل الله، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله "؟ فقلت: بلى يا نبي الله، ~~فأخذ بلسانه ثم قال: " كف عليك هذا " فقلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون ~~بما نتكلم به، فقال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على ~~وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ". # وروى ابن أبي حاتم، عن معاذ بن جبل قال: # " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فقال: " إن شئت نبأتك ~~بأبواب الخير، الصوم جنة والصدقة تطفىء الخطيئة وقيام الرجل في جوف الليل ~~" # ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: { تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع } الآية، وعن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى بصوت يسمع ~~الخلائق " سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم " ثم يرجع فينادي: ليقم ~~الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع - الآية - فيقومون وهم قليل " # ، وقال بلال: لما نزلت هذه الآية { تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع } الآية، كنا نجلس في المجلس وناس من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يصلون بعد المغرب إلى العشاء، فنزلت هذه الآية { ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ، وقوله تعالى: { فلا ~~تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين } أي فلا ~~يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات، من النعيم المقيم، واللذات ~~التي لم يطلع على مثلها أحد، لما أخفوا أعمالهم، ms1913 كذلك أخفى الله لهم من ~~الثواب، جزاء وفاقا، فإن الجزاء من جنس العمل، قال الحسن البصري: أخفى ~~قوم عملهم فأخفى الله لهم ما لم تر عين ولم يخطر على قلب بشر، قال ~~البخاري: قوله تعالى: { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من ~~قرة أعين } الآية، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ~~ولا خطر على قلب بشر " # قال أبو هريرة اقرأوا إن شئتم { فلا تعلم نفس مآ أخفي ~~لهم من قرة أعين }. وفي الحديث: # " من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنة ~~ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " # ، وروى مسلم عن المغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: سأل موسى عليه السلام ربه عز وجل ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: ~~هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، ~~فيقول: أي رب كيف وقد أخذ الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له أترضى ~~أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول لك ذلك ومثله ~~ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت ربي، فيقول: هذا لك وعشرة ~~أمثاله معه، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول: رضيت رب، قال رب فأعلاهم ~~منزلة، قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ~~ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر. قال: ومصداقه من كتاب الله عز ~~وجل { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة ~~أعين } الآية. ### || [32.18-22] # يخبر تعالى عن عدله وكرمه، أنه لا يساوي في حكمه يوم القيامة، من كان ~~مؤمنا بآياته متبعا لرسله بمن كان فاسقا، أي خارجا عن طاعة ربه، ~~مكذبا رسل الله، كما قال تعالى: # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سوآء محياهم ~~ومماتهم سآء ما ms1914 يحكمون # [الجاثية: 21]، وقال تعالى: # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [ص: 28]؟ وقال تعالى: # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة # [الحشر: 20] الآية، ولهذا قال تعالى ههنا: { أفمن كان مؤمنا ~~كمن كان فاسقا لا يستوون } أي عند الله يوم القيامة، وقد ~~ذكر عطاء والسدي أنها نزلت في (علي بن أبي طالب) و(عقبة بن أبي معيط) ~~ولهذا فصل حكمهم فقال: { أما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي صدقت قلوبهم بآيات الله، وعملوا بمقتضاها وهي ~~الصالحات، { فلهم جنات المأوى } أي التي فيها المساكن ~~والدور والغرف العالية { نزلا } أي ضيافة وكرامة، { بما كانوا ~~يعملون * وأما الذين فسقوا } أي خرجوا عن الطاعة، { ~~فمأواهم النار كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ ~~أعيدوا فيها } ، كقوله: { كلمآ أرادوا أن يخرجوا ~~منهآ أعيدوا فيها } الآية، قال الفضيل بن عياض: والله إن الأيدي ~~لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللهب ليرفعهم والملائكة تقمعهم، { ~~وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ~~تكذبون } أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا، وقوله تعالى: { ~~ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر } ، قال ابن عباس: يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها ~~وآفاتها، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه، وقال ~~مجاهد: يعني به عذاب القبر، وقال عبد الله بن مسعود: العذاب الأدنى ما ~~أصابهم من القتل والسبي يوم بدر، قال السدي: لم يبق بيت بمكة إلا دخله ~~الحزن على قتيل لهم أو أسير فأصيبوا أو غرموا، ومنهم من جمع له الأمران، ~~وقوله تعالى: { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم ~~أعرض عنهآ } أي لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها له ووضحها، ~~ثم بعد ذلك تركها وجحدها، وأعرض عنها وتناساها كأنه لا يعرفها، قال ~~قتادة: إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر ~~الغرة وأعوز أشد العوز، ولهذا قال تعالى متهددا لمن فعل ذلك: { إنا ~~من المجرمين منتقمون } أي سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام. ### || [32.23-25] # يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله (موسى) عليه ms1915 السلام، أنه آتاه الكتاب ~~وهو التوراة، وقوله تعالى: { فلا تكن في مرية من لقآئه } ~~قال قتادة: يعني به ليلة الإسراء، وفي الحديث: # " رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلا آدم جعدا كأنه من رجال شنوءة، ~~ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت ~~مالكا خازن النار، والدجال " # في آيات أراهن الله إياها { فلا تكن في مرية من لقآئه } ~~أنه قد رأى موسى ولقي موسى ليلة أسري به. وروى ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قوله تعالى: { فلا تكن في مرية من ~~لقآئه } قال من لقاء موسى ربه عز وجل، وقوله تعالى: { ~~وجعلناه } أي الكتاب الذي آتيناه { هدى لبني إسرائيل } ~~، كما قال تعالى في الإسراء: # وآتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا # [الإسراء: 2]. وقوله تعالى: { وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } أي ~~لما كانوا صابرين على أوامر الله، وترك زواجره، وتصديق رسله، واتباعهم ~~فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ثم لما بدلوا وحرفوا سلبوا ~~ذلك المقام، وصارت قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا عمل صالحا ~~ولا اعتقادا صحيحا، ولهذا قال تعالى: { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب } قال قتادة: لما صبروا عن الدنيا، وقال سفيان: هكذا كان ~~هؤلاء، ولا ينبغي للرجل أن يكون إماما يقتدى به حتى يتحامى عن الدنيا، ~~وسئل سفيان عن قول علي رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من ~~الجسد، ألم تسمع قوله: { وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا }؟ قال: لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤساء، ~~قال بعض العلماء: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، ولهذا قال ~~تعالى: # ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم ~~والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم ~~على العالمين # [الجاثية: 16]، كما قال ههنا: { إن ربك هو يفصل ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } ~~أي من الاعتقادات والأعمال. ### || [32.26-27] # يقول تعالى أو لم يهد لهؤلاء ms1916 المكذبين بالرسل، ما أهلك الله قبلهم من ~~الأمم الماضية، بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم إياهم فيما جاؤوهم به، فلم يبق ~~منهم باقية ولا عين ولا أثر # هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا # [مريم: 98]، ولهذا قال: { يمشون في مساكنهم } أي وهؤلاء ~~المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين، فلا يرون فيها أحدا ممن كان ~~يسكنها ويعمرها ذهبوا منها كأن لم يغنوا فيها، كما قال: # فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا # [النمل: 52]، وقال: # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي ~~خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد # [الحج: 45]، ولهذا قال ههنا: { إن في ذلك لآيات } أي إن في ~~ذهاب أولئك القوم ودمارهم، وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن ~~بهم، لآيات وعبرا ومواعظ ودلائل { أفلا يسمعون } أي أخبار من ~~تقدم كيف كان من أمرهم. وقوله تعالى: { أولم يروا أنا نسوق ~~المآء إلى الأرض الجرز } يبين تعالى لطفه بخلقه وإحسانه ~~إليهم، في إرساله الماء من السماء أو من السيح، وهو ما تحمله الأنهار ~~ويتحدر من الجبال، إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته، ولهذا قال ~~تعالى: { إلى الأرض الجرز } وهي التي لا نبات فيها، كما قال ~~تعالى: # وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا # [الكهف: 8]، وأرض مصر رخوة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرا لتهدمت ~~أبنيتها فيسوق الله تعالى إليها النيل، بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من ~~أمطار بلاد الحبشة، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم، ~~وطين جديد من غير أرضهم فسبحان الحكيم الكريم المنان المحمود أبدا. روى ~~قيس بن حجاج قال: لما فتحت مصر أتى أهلها (عمرو بن العاص) وكان أميرا ~~بها، فقالوا أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها، قال وما ~~ذاك؟ قالوا إذا كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية ~~بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما ~~يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في ~~الإسلام، إن ms1917 الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا والنيل لا يجري حتى هموا ~~بالجلاء، فكتب (عمرو) إلى (عمر بن الخطاب) بذلك فكتب إليه عمر إنك قد ~~أصبت بالذي فعلت، قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا فألقها في النيل، ~~فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير ~~المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد: فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا ~~تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله أن يجريك، قال ~~فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ~~ذراعا في ليلة واحدة، وقد قطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم. # ولهذا قال تعالى: { أولم يروا أنا نسوق المآء إلى ~~الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه ~~أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون } ، كما قال تعالى: # فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا المآء ~~صبا # [عبس: 24-25] الآية، ولهذا قال ههنا: { أفلا يبصرون }؟ وقال ~~ابن عباس في قوله { إلى الأرض الجرز } قال: هي التي لا تمطر ~~إلا مطرا لا يغني عنها شيئا إلا ما يأتيها من السيول، وقال عكرمة ~~والضحاك: الأرض الجرز التي لا نبات فيها وهي مغبرة، قلت وهذا كقوله ~~تعالى: # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها # [يس: 33] الآيتين. ### || [32.28-30] # يقول تعالى مخبرا عن استعجال الكفار وقوع بأس الله بهم، وحلول غضبه ~~ونقمته عليهم، استبعادا وتكذيبا وعنادا { ويقولون متى هذا ~~الفتح } أي متى تنصر علينا يا محمد؟ كما تزعم أن لك وقتا تدال علينا ~~وينتقم لك منا، فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ~~ذليلين، قال الله تعالى: { قل يوم الفتح } أي إذا حل بكم بأس ~~الله وسخطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى { لا ينفع الذين ~~كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون } ، كما قال تعالى: # فلما جآءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم من العلم # [غافر: 83] الآيتين. والمراد بالفتح القضاء والفصل، كقوله: # فافتح بيني وبينهم فتحا # [الشعراء: 118] الآية، وكقوله: # قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا ms1918 بالحق # [سبأ: 26] الآية، ثم قال تعالى: { فأعرض عنهم وانتظر ~~إنهم منتظرون } أي أعرض عن هؤلاء المشركين، وبلغ ما أنزل ~~إليك من ربك، كقوله تعالى: # اتبع مآ أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو # [الأنعام: 106] الآية، وانتظر فإن الله سينجز لك ما وعدك، وسينصرك على ~~من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد، وقوله: { إنهم منتظرون } أي ~~أنت منتظر وهم منتظرون، ويتربصون بكم الدوائر # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون # [الطور: 30] وسترى عاقبة صبرك عليهم، وعلى أداء رسالة الله في نصرتك ~~وتأييدك، وسيجدون غب ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك، من وبيل عقاب الله لهم، ~~وحلول عذابه بهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-3] # قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ~~ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، مخافة عذاب الله، ~~وقوله تعالى: { ولا تطع الكافرين والمنافقين } أي لا ~~تسمع منهم ولا تستشرهم { إن الله كان عليما حكيما } أي فهو ~~أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله ~~وأفعاله، ولهذا قال تعالى: { واتبع ما يوحى إليك من ~~ربك } أي من قرآن وسنة، { إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } أي فلا تخفى عليه خافية، { وتوكل على الله } أي ~~في جميع أمورك أحوالك، { وكفى بالله وكيلا } أي وكفى به ~~وكيلا لمن توكل عليه وأناب إليه. ### || [33.4-5] # يقول تعالى موطئا قبل المقصود المعنوي، أمرا معروفا حسيا، وهو أنه ~~كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه ولا تصير زوجته التي يظاهر منها ~~بقوله أنت علي كظهر أمي أما له، كذلك لا يصير الدعي ولدا للرجل إذا ~~تبناه فدعاه ابنا له، فقال: { ما جعل الله لرجل من ~~قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي ~~تظاهرون منهن أمهاتكم } ، كقوله عز وجل: # ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم # [المجادلة: 2] الآية، وقوله تعالى: { وما جعل أدعيآءكم ~~أبنآءكم } هذا هو المقصود بالنفي، فإنها نزلت في شأن (زيد بن ~~حارثة) رضي الله عنه ms1919 مولى النبي صلى الله عليه وسلم، كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة، فكان يقال له (زيد بن محمد) فأراد الله ~~تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذا النسبة بقوله تعالى: { وما جعل ~~أدعيآءكم أبنآءكم } ، كما قال تعالى: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله وخاتم النبيين # [الأحزاب: 40]، وقال ههنا: { ذلكم قولكم بأفواهكم } ~~يعني تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنا حقيقيا فإنه مخلوق من صلب ~~رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد ~~قلبان، { والله يقول الحق } أي العدل، { وهو يهدي ~~السبيل } أي الصراط المستقيم. وقد ذكر غير واحد أن هذه الآية نزلت في ~~رجل من قريش كان يقال له ذو القلبين، وأنه كان يزعم أن له قلبين كل منهما ~~بعقل وافر، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليه. وقال عبد الرزاق عن ~~الزهري في قوله: { ما جعل الله لرجل من قلبين في ~~جوفه } ، قال: بلغنا أن ذلك كان في (زيد بن حارثة) ضرب له مثل، يقول ~~ليس ابن رجل آخر ابنك، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد: أنها نزلت في زيد ~~بن حارثة رضي الله عنه، وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير والله سبحانه ~~وتعالى أعلم، وقوله عز وجل: { ادعوهم لآبآئهم هو أقسط ~~عند الله } هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام، من جواز ادعاء ~~الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر تبارك وتعالى برد نسبهم إلى آبائهم ~~في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط والبر. # روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: إن زيد بن حارثة رضي الله عنه مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل ~~القرآن: { ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله }. وقد ~~كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه في الخلوة بالمحارم وغير ذلك، ~~ولهذا لما نسخ هذا الحكم أباح تبارك وتعالى زوجة الدعي، وتزوج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بزينب بنت ms1920 جحش مطلقة زيد بن حارثة رضي الله عنه، وقال ~~عز وجل: # لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا # [الأحزاب: 37]، وقال تبارك وتعالى في آية التحريم: # وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم # [النساء: 23] احترازا عن زوجة الدعي فإنه ليس من الصلب، فأما دعوة ~~الغير ابنا على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهي عنه في هذه الآية، ~~بدليل ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم - أغيلمة بني عبد المطلب - ~~على جمرات لنا من جمع، فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول: أبيني لا ترموا الجمرة ~~حتى تطلع الشمس " # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " يا بني " ، وقوله عز وجل: { فإن لم تعلموا ~~آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } أمر تعالى برد ~~أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عرفوا، فإن لم يعرفوا فهم إخوانهم في الدين ~~ومواليهم أي عوضا عما فاتهم من النسب، ولهذا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: # " أنت مني وأنا منك " # وقال لجعفر رضي الله عنه: # " أشبهت خلقي وخلقي " # ، وقال لزيد رضي الله عنه: # " أنت أخونا ومولانا " # كما قال تعالى: { فإخوانكم في الدين ومواليكم }. # وقد جاء في الحديث: # " ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر " # ؛ وهذا تشديد وتهديد، ووعيد أكيد، في التبري من النسب المعلوم، ولهذا ~~قال تعالى: { ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله فإن ~~لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم } ، ثم قال تعالى: { وليس عليكم جناح فيمآ ~~أخطأتم به } أي إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأ، ~~بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإن الله تعالى قد وضع الحرج في الخطأ، ~~ورفع إثمه كما أرشد إليه في قوله تبارك وتعالى: # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا # [البقرة: 286]، وفي الحديث: # " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " # ، وفي الحديث الآخر: # " إن الله تعالى رفع عن أمتي ms1921 الخطأ والنسيان والأمر الذي يكرهون عليه " # ، وقال تبارك وتعالى ههنا: { وليس عليكم جناح فيمآ ~~أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان ~~الله غفورا رحيما } أي إنما الإثم على من تعمد الباطل، كما قال ~~عز وجل: # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم # [البقرة: 225] الآية، وروى الإمام أحمد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن ~~الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان ~~فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا ~~بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: [ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ~~ترغبوا عن آبائكم]، وفي الحديث الآخر: # " ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، والاستسقاء ~~بالنجوم ". ### || [33.6] # علم الله تعالى شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على أمته ونصحه لهم، ~~فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مقدم على اختيارهم لأنفسهم، كما ~~قال تعالى: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما # [النساء: 65]، وفي الصحيح: # " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده ~~والناس أجمعين " # وفي الصحيح أيضا # " أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل ~~شيء إلا من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم: " لا يا عمر حتى أكون أحب ~~إليك من نفسك " فقال: يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من كل شيء حتى ~~من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر " # ؛ ولهذا قال تعالى في هذه الآية: { النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم } ، وقال البخاري عند هذه الآية ~~الكريمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، إقرأوا إن ~~شئتم: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم }. ~~فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينا أو ضياعا ~~فليأتني فأنا ms1922 مولاه " # وقال تعالى: { وأزواجه أمهاتهم } أي في الحرمة والاحترام، ~~والتوقير والإكرام والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن ولا ينتشر التحريم ~~إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع. # وقوله تعالى: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله } أي في حكم الله { من المؤمنين ~~والمهاجرين } أي القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، ~~وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، ~~كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي ~~رحمه للأخوة التي آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الزبير بن ~~العوام رضي الله عنه قال: أنزل الله عز وجل فينا خاصة معشر قريش ~~والأنصار: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض } ، ~~وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا من المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا ~~الأنصار نعم الإخوان فواخيناهم ووارثناهم، فآخى أبو بكر رضي الله عنه ~~(خارجة بن زيد)، وآخى عمر رضي الله عنه فلانا، وآخى عثمان رضي الله عنه ~~رجلا من بني زريق (ابن سعد الزرقي) ويقول بعض الناس غيره، قال الزبير ~~رضي الله عنه وواخيت أنا (كعب بن مالك) فجئته فابتعلته، فوجدت السلاح قد ~~ثقله فيما يرى، فوالله يا بني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى ~~أنزل الله تعالى هذه الآية فينا معشر قريش، والأنصار خاصة، فرجعنا إلى ~~مواريثنا. وقوله تعالى: { إلا أن تفعلوا إلى ~~أوليآئكم معروفا } أي ذهب الميراث وبقي النصر والبر والصلة ~~والإحسان والوصية، وقوله تعالى: { كان ذلك في الكتاب ~~مسطورا } أي هذا الحكم، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، حكم من ~~الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول الذي لا يبدل ولا يغير، وإن كان تعالى ~~قد شرع خلافه في وقت، لما له في ذلك من الحكمة البالغة وهو يعلم أنه ~~سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي وقضائه القدري الشرعي والله أعلم. ### || [33.7-8] # يقول تعالى مخبرا عن أولي العزم الخمسة وبقية الأنبياء، أنه أخذ عليهم ~~العهد والميثاق، في إقامة دين الله تعالى وإبلاغ رسالته، والتعاون ~~والتناصر والاتفاق، ms1923 كما قال تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه # [آل عمران: 81] الآية، فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم ، ~~وكذلك هذا، ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة وهم أولو العزم، وقد صرح ~~بذكرهم أيضا في قوله تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه # [الشورى: 13] فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها، كما قال ~~تعالى: { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ~~ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم } فبدأ ~~في هذه الآية بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه، ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات ~~الله عليهم، وقد قيل: إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا ~~في صورة الذر من صلب آدم عليه الصلاة والسلام، كما قال أبي بن كعب: ورفع ~~أباهم آدم فنظر إليهم يعني ذريته، وأن فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة ~~ودون ذلك فقال: رب لو سويت بين عبادك فقال: إني أحببت أن أشكر، ورأى فيهم ~~الأنبياء مثل السرج عليهم النور وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة وهو ~~الذي يقول الله تعالى: { وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ~~ابن مريم } وقال ابن عباس: الميثاق الغليظ العهد، وقوله تعالى: { ~~ليسأل الصادقين عن صدقهم } قال مجاهد: المبلغين المؤدين ~~عن الرسل، وقوله تعالى: { وأعد للكافرين } أي من أممهم { ~~عذابا أليما } أي موجعا، فنحن نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم ~~ونصحوا الأمم، وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين، والمارقين ~~والقاسطين. ### || [33.9-10] # يقول تعالى مخبرا عن نعمته وفضله وإحسانه، إلى عباده المؤمنين في صرفه ~~أعداءهم وهزمه إياهم، عام تألبوا عليهم وتحزبوا، وذلك عام الخندق، وكان ~~سبب قدوم الأحزاب أن نفرا من أشراف يهود بني النضير، الذين كانوا قد ~~أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر، منهم (سلام بن ~~أبي الحقيق) و(سلام بن مشكم) ms1924 و(كنانة بن الربيع) خرجوا إلى مكة، فاجتمعوا ~~بأشراف قريش، وألبوهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، ووعدوهم من ~~أنفسهم النصر والإعانة، فأجابوهم إلى ذلك، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم ~~فاستجابوا لهم أيضا، وخرجت قريش في أحابيشها ومن تابعها وقائدهم (أبو ~~سفيان) صخر بن حرب، وعلى غطفان عيينة بن حصن بن بدر، والجميع قريب من ~~عشرة آلاف، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم أمر المسلمين ~~بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق، وذلك بإشارة سلمان الفارسي رضي ~~الله عنه، فعمل المسلمون فيه واجتهدوا ونقل معهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم التراب وحفر، وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريبا من أحد، ~~ونزلت طائفة منهم في أعالي أرض المدينة، كما قال الله تعالى: { إذ ~~جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم } ، وخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين وهم نحو من ثلاثة آلاف، فأسندوا ~~ظهورهم إلى سلع ووجوههم نحو العدو، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم ~~وبينهم، يحجب الخيالة والرجالة أن تصل إليهم وجعل النساء والذراري في ~~آطام المدينة، وكانت بنو قريظة وهم طائفة من اليهود لهم حصن شرقي ~~المدينة، ولهم عهد من النبي صلى الله عليه وسلم وذمة، وهم قريب من ~~ثمانمائة مقاتل، فذهب إليهم (حيي بن أخطب) فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد، ~~ومالأوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعظم الخطب واشتد ~~الأمر، وضاق الحال، كما قال الله تبارك وتعالى: # هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا # [الأحزاب: 11] ومكثوا محاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قريبا ~~من شهر، إلا أنهم لا يصلون إليهم، ولم يقع بينهم قتال، ثم أرسل الله ~~عز وجل على الأحزاب ريحا شديدة الهبوب قوية حتى لم يبقى لهم خيمة ~~ولا شيء، ولا توقد لهم نار ولا يقر لهم قرار، حتى ارتحلوا خائبين خاسرين، ~~كما قال الله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ جآءتكم جنود فأرسلنا ~~عليهم ريحا وجنودا } قال مجاهد: وهي الصبا: ms1925 ويؤيده الحديث ~~الشريف: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ". # وقوله تعالى: { وجنودا لم تروها } هم الملائكة زلزلتهم وألقت ~~في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إلي ~~فيجتمعون إليه فيقول: النجاء لما ألقى الله عز وجل في قلوبهم من ~~الرعب، روى مسلم في " صحيحه " عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند ~~حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فقال له رجل: # " لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت، فقال له ~~حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ألا رجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة " فلم يجبه منا ~~أحد، ثم الثانية مثله، ثم قال صلى الله عليه وسلم: " يا حذيفة قم فأتنا ~~بخبر من القوم " فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم فقال: " ائتني بخبر ~~القوم ولا تذعرهم علي " ، قال فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، ~~فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد قوسي وأردت أن ~~أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذعرهم علي ولو ~~رميته لأصبته، قال: فرجعت كأنما أمشي في حمام فأتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت، فأخبرت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل نائما حتى ~~الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا نومان ". # وأخرج الحاكم والبيهقي في " الدلائل " عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال: # " ذكر حذيفة رضي الله عنه مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال جلساؤه: أما والله لو شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا، فقال حذيفة: لا ~~تمنوا ذلك لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودا وأبو سفيان ومن معه ~~من الأحزاب فوقنا، وقريظة لليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا، ms1926 وما أتت ~~علينا قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ~~ما يرى أحدنا أصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويقولون: أن بيوتنا عورة وما هي بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن ~~له، ويأذن لهم فيتسللون ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك إذا استقبلنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا، حتى أتى علي وما علي جنة من العدو ولا ~~من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، قال فأتاني صلى الله عليه ~~وسلم، وأنا جاث على ركتبي فقال:: " من هذا؟ " فقلت: حذيفة، قال: " حذيفة؟ ~~" فتقاصرت الأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم فقمت، فقال: " ~~إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم " قال: وأنا من أشد الناس فزعا ~~وأشدهم قرا قال: فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم ~~احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته " ، ~~قال: فوالله ما خلق الله تعالى فزعا ولا قرا في جوفي إلا خرج من جوفي، ~~فما أجد فيه شيئا، قال: فلما وليت قال صلى الله عليه وسلم: " يا حذيفة ~~لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني " قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر ~~القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، فإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ~~ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل الرحيل ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، ~~فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش، فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء ~~النار، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحدثن فيهم شيئا ~~حتى تأتيني " ، قال: فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي ثم إني شجعت نفسي حتى ~~دخلت المعسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل ~~الرحيل لا مقام لكم، وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا، فوالله ~~إني لأسم صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم الريح تضربهم بها، ثم خرجت نحو ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ms1927 فلما انتصفت في الطريق أو نحوا من ذلك، إذا ~~أنا بنحو من عشرين فارسا أو نحو ذلك معتمين فقالوا: أخبر صاحبك أن الله ~~تعالى كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل في ~~شملة يصلي فوالله ما عدا أن رجعت راجعني القر وجعلت أقرقف، فأومأ إلي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وهو يصلي، فدنوت منه، فأسبل علي شملة، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم ~~وأخبرته أني تركتهم يرتحلون " # ، وأنزل الله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ جآءتكم جنود فأرسلنا ~~عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما ~~تعملون بصيرا } ولأبي داود: # " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى " # ؛ وقوله تعالى: { إذ جآءوكم من فوقكم } أي الأحزاب { ~~ومن أسفل منكم } تقدم عن حذيفة رضي الله عنه أنهم بنو قريظة، { ~~وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر } أي من ~~شدة الخوف والفزع، { وتظنون بالله الظنونا } ظن بعض من ~~كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدائرة على المؤمنين، وقال محمد ~~بن إسحاق: ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق، حتى قال (معتب بن قشير): كان ~~محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى ~~الغائط، وقال الحسن في قوله عز وجل: { وتظنون بالله ~~الظنونا } ظنون مختلفة ظن المنافقون أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق وأنه سيظهره ~~على الدين كله ولو كره المشركون، وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال، # " قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب ~~الحناجر؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن ~~روعاتنا " # قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم بالريح. ### || [33.11-13] # يقول تعالى مخبرا عن ذلك الحال حين نزلت الأحزاب حول المدينة، ~~والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ms1928 ~~بين أظهرهم، أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالا شديدا، فحينئذ ظهر ~~النفاق وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم، { وإذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا ~~الله ورسوله إلا غرورا } ، أما المنافق فنجم نفاقه، والذي ~~في قلبه شبهة تنفس بما يجده من الوسواس في نفسه، لضعف إيمانه وشدة ما هو ~~فيه من ضيق الحال، قال الله تعالى: { وإذ قالت طآئفة منهم ~~يأهل يثرب } يعني المدينة كما جاء في الصحيح: # " أريت في المنام دار هجرتكم أرض بين حرتين فذهب وهلي أنها هجر فإذا ~~هي يثرب " # وفي لفظ المدينة، وقوله: { لا مقام لكم } أي ههنا يعنون عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة، { فارجعوا } أي إلى ~~بيوتكم ومنازلكم { ويستأذن فريق منهم النبي } ، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: هم بنو حارثة، قالوا: بيوتنا نخاف عليها ~~السراق، يعني اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة، أي ليس دونها ما ~~يحجبها من العدو، فهم يخشون عليها منهم، قال الله تعالى: { وما هي ~~بعورة } أي ليست كما يزعمون { إن يريدون إلا فرارا } أي ~~هربا من الزحف. ### || [33.14-17] # يخبر تعالى عن هؤلاء الذين # يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن ~~يريدون إلا فرارا # [الأحزاب: 13] أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة ~~وقطر من أقطارها، ثم سألوا الفتنة وهي الدخول في الكفر لكفروا سريعا، ~~وهم لا يحافظون على الإيمان ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع، وهذا ذم ~~لهم في غاية الذم، ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا ~~الخوف أن لا يولوا الأدبار ولا يفروا من الزحف: { وكان عهد الله ~~مسئولا } أي وإن الله سيسألهم عن ذلك العهد لا بد من ذلك، ثم أخبرهم ~~أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم ولا يطول أعمارهم، بل ربما كان ذلك سببا ~~في تعجيل أخذهم غرة، ولهذا قال تعالى: { وإذا لا تمتعون ~~إلا قليلا } أي بعد هربكم وفراركم، ثم قال تعالى: { قل من ذا ~~الذي يعصمكم من ms1929 الله } أي يمنعكم، { إن أراد بكم ~~سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا } أي ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله ~~مجير ولا مغيث. ### || [33.18-19] # يخبر تعالى عن إحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم من شهود الحرب، والقائلين ~~لإخوانهم أي أصحابهم وعشرائهم وخلطائهم { هلم إلينا } أي إلى ما ~~نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار وهم مع ذلك { ولا يأتون ~~البأس إلا قليلا * أشحة عليكم } أي بخلاء بالمودة ~~والشفقة عليكم، وقال السدي { أشحة عليكم } أي في الغنائم، { ~~فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت } أي من شدة ~~خوفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال { فإذا ذهب ~~الخوف سلقوكم بألسنة حداد } أي فإذا كان الأمن تكلموا ~~كلاما فصيحا عاليا، وادعوا لأنفسهم الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ~~ذلك، قال ابن عباس: { سلقوكم } أي استقبلوكم، وقال قتادة: أما عند ~~الغنيمة فأشح قوم وأسوأه مقاسمة أعطونا أعطونا، قد شهدنا معكم، وأما عند ~~البأس فأجبن قوم وأخذله للحق، وهم مع ذلك { أشحة على الخير } ~~أي ليس فيهم خير قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير، فهم كما قال في ~~أمثالهم الشاعر: # أفي السلم أعيار جفاء وغلظة # وفي الحرب أمثال النساء العوارك؟ # أي في حال المسألة كأنهم الحمر، وفي الحرب كأنهم النساء الحيض، ولهذا ~~قال تعالى: { أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله ~~أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا } أي سهلا هينا ~~عنده. ### || [33.20] # وهذا أيضا من صفاتهم القبيحة في الجبن والخور والخوف، { يحسبون ~~الأحزاب لم يذهبوا } بل هم قريب منهم وإن لهم عودة إليهم، { ~~وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسألون عن أنبآئكم } أي ويودون إذا جاءت الأحزاب ~~أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة، بل في البادية يسألون عن أخباركم ~~وما كان من أمركم مع عدوكم، { ولو كانوا فيكم ما قاتلوا ~~إلا قليلا } أي ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إلا قليلا، ~~لكثرة جبنهم وذلتهم وضعف يقينهم والله سبحانه وتعالى العالم ms1930 بهم. ### || [33.21-22] # هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته، ولهذا قال تعالى ~~للذين تضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: { لقد كان ~~لكم في رسول الله أسوة حسنة } أي هلا اقتديتم به ~~وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال تعالى: { لمن كان ~~يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } ثم ~~قال تعالى مخبرا عن عباده المؤمنين، المصدقين بموعود الله لهم، وجعله ~~العاقبة لهم في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: { ولما رأى ~~المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله وصدق الله ورسوله } قال ابن عباس: يعنون قوله ~~تعالى في سورة البقرة: # مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا ~~إن نصر الله قريب # [البقرة: 214] أي هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختيار ~~والامتحان الذي يعقبه النصر القريب، ولهذا قال تعالى: { وصدق الله ~~ورسوله } ، وقوله تعالى: { وما زادهم إلا إيمانا ~~وتسليما } دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس ~~وأحوالهم، ومعنى قوله جلت عظمته: { وما زادهم } أي ذلك الحال ~~والضيق والشدة { إلا إيمانا } بالله، { وتسليما } أي انقيادا ~~لأوامره وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم. ### || [33.23-24] # لما ذكر عز وجل عن المنافقين أنهم نقضوا العهد، وصف المؤمنين بأنهم ~~استمروا على العهد والميثاق، و { صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه فمنهم من قضى نحبه } قال بعضهم: أجله، وقال ~~البخاري: عهده، وهو يرجع إلى الأول { ومنهم من ينتظر وما ~~بدلوا تبديلا } أي وما غيروا عهد الله ولا نقضوه ولا بدلوه. روى ~~البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن ~~النضر رضي الله عنه { من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه } الآية، وروى الإمام أحمد عن ثابت قال: # " قال أنس عمي (أنس بن النضر) رضي الله عنه، لم يشهد مع رسول الله صلى ~~الله ms1931 عليه وسلم يوم بدر فشق عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله عز وجل ما أصنع، قال: فهاب أن ~~يقول غيرها، فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فاستقبل سعد ~~بن معاذ رضي الله عنه، فقال له أنس رضي الله عنه: يا أبا عمرو أين، واها ~~لريح الجنة إني أجده دون أحد، قال: فقاتلهم حتى قتل رضي الله عنه، قال: ~~فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته عمتي الربيع ~~ابنة النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه، قال: فنزلت هذه الآية { من ~~المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما ~~بدلوا تبديلا } قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه رضي ~~الله عنهم " # وعن طلحة رضي الله عنه قال: # " لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد صعد المنبر، فحمد الله ~~تعالى وأثنى عليه، وعزى المسلمين بما أصابهم، وأخبرهم بما لهم فيه من ~~الأجر والذخر، ثم قرأ هذه الآية: { من المؤمنين رجال ~~صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى ~~نحبه } الآية كلها، فقام إليه رجل من المسلمين فقال: يا رسول الله من ~~هؤلاء؟ فأقبلت وعلي ثوبان أخضران حضرميان فقال: أيها السائل هذا منهم ~~". # قال مجاهد في قوله تعالى: { فمنهم من قضى نحبه } يعني ~~عهده { ومنهم من ينتظر } يوما فيه القتال فيصدق في اللقاء، ~~وقال الحسن: { فمنهم من قضى نحبه } يعني موته على الصدق ~~والوفاء، ومنهم من ينتظر الموت على مثل ذلك، ومنهم من لم يبدلا تبديلا، ~~وقال بعضهم: نحبه نذره، وقوله تعالى: { وما بدلوا تبديلا } أي ~~وما غيروا عهدهم وبدلوا الوفاء بالغدر، بل استمروا على ما عاهدوا الله ~~عليه وما نقضوه كفعل المنافقين الذين # عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار # [الأحزاب: 15]، وقوله تعالى: { ليجزي الله الصادقين ~~بصدقهم ويعذب المنافقين إن شآء ms1932 أو يتوب ~~عليهم } أي إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال، ليميز الخبيث من ~~الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل وأمر هذا بالفعل، مع أنه تعالى يعلم الشيء ~~قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم. حتى يعملوا بما يعلمه منهم كما ~~قال تعالى: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلوا أخباركم # [محمد: 31]، فهذا علم بالشيء بعد كونه وإن كان العلم السابق حاصلا به ~~قبل وجوده، وكذا قال الله تعالى: # ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب # [آل عمران: 179]، ولهذا قال تعالى ههنا: { ليجزي الله ~~الصادقين بصدقهم } أي بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه، ~~وقيامهم به ومحافظتهم عليه { ويعذب المنافقين } وهم الناقضون ~~لعهد الله المخالفون لأوامره، فاستحقوا بذلك عقابه وعذابه، ولما كانت ~~رحمته ورأفته تبارك وتعالى بخلقه هي الغالبة لغضبه قال: { إن الله ~~كان غفورا رحيما }. ### || [33.25] # يقول تعالى مخبرا عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة بما أرسل عليهم من ~~الريح والجنود الإلهية، ولولا أن الله جعل رسوله رحمة للعالمين لكانت ~~هذه الريح عليهم أشد من الريح العقيم التي أرسلها على عاد، ولكن قال ~~تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33] فسلط عليهم هواء فرق شملهم، وردهم خائبين خاسرين بغيظهم ~~وحنقهم { لم ينالوا خيرا } لا في الدنيا من الظفر والمغنم، ولا ~~في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول صى الله عليه وسلم ~~بالعداوة وهمهم بقتله، وقوله تبارك وتعالى: { وكفى الله ~~المؤمنين القتال } أي لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى ~~يجلوهم عن بلادهم، بل كفى الله وحده ونصر عبده، وأعز جنده، ولهذا كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم ~~الأحزاب وحده فلا شيء بعده " # ، وفي " الصحيحين " عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: # " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال: اللهم منزل ~~الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم " # وفي قوله عز وجل: { وكفى ms1933 الله المؤمنين القتال } ، ~~إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش، وهكذا وقع بعدها لم يغزهم المشركون ~~بل غزاهم المسلمون في بلادهم، قال محمد بن إسحاق: لما انصرف أهل الخندق ~~عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا: # " لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم " # ، فلم تغز قريش بعد ذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يغزوهم ~~بعد ذلك حتى فتح الله تعالى مكة، وقوله تعالى: { وكان الله ~~قويا عزيزا } أي بحوله وقوته ردهم خائبين لم ينالوا خيرا، وأعز ~~الله الإسلام وأهله، فله الحمد والمنة. ### || [33.26-27] # قد تقدم أن (بني قريظة) لما قدمت الأحزاب، ونزلوا على المدينة نقضوا ما ~~كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد، وكان ذلك بسفارة ~~(حيي بن أخطب) لعنه الله دخل حصنهم، ولم يزل بسيدهم (كعب بن أسد) حتى نقض ~~العهد، وقال له فيما قال: ويحك قد جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش ~~وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون ههنا حتى يستأصلوا محمدا ~~وأصحابه، فقال له كعب: بل والله أتيتني بذل الدهر، فلم يزل يفتل في ~~الذروة والغارب، حتى أجابه، فلما نقضت قريظة وبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ساءه وشق عليه وعلى المسلمين جدا، فلما أيده الله تعالى ~~ونصره، وكبت الأعداء وردهم خائبين بأخسر صفقة، ورجع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة مؤيدا منصورا، ووضع الناس السلاح، # " فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من وعثاء تلك المرابطة، في ~~بيت أم سلمة رضي الله عنها، إذ تبدى له جبريل عليه الصلاة والسلام ~~متعجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوضعت ~~السلاح يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: " نعم " ، قال: لكن ~~الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم، ثم قال: إن الله ~~تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة، فنهض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من فوره، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة ms1934 وكانت على أميال من ~~المدينة وذلك بعد صلاة الظهر، وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يصلين أحد ~~منكم العصر إلا في بني قريظة " ، فسار الناس فأدركتهم الصلاة في الطريق، ~~فصلى بعضهم في الطريق، وقالوا: لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا تعجيل المسير، وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة، فلم يعنف ~~واحدا من الفريقين، وتبعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه، وأعطى الراية لعلي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم نازلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم (سعد بن ~~معاذ) سيد الأوس رضي الله عنه، لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية، فعند ~~ذلك استدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ليحكم فيهم، فلما ~~أقبل وهو راكب على حمار قد وطئوا له عليه جعل الأوس يلوذون به ويقولون: ~~يا سعد إنهم مواليك فأحسن فيهم، ويرققونه عليهم ويعطفونه، وهو ساكت لا ~~يرد عليهم، فلما أكثروا عليه قال رضي الله عنه: لقد آن لسعد أن لا تأخذه ~~في الله لومة لائم، فعرفوا أنه غير مستبقيهم، فلما دنا من الخيمة التي ~~فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~قوموا إلى سيدكم " فقام إليه المسلمون، فأنزلوه إعظاما وإكراما ~~واحتراما له في محل ولايته ليكون أنفذ لحكمه فيهم، فلما جلس قال له رسول ~~الله صلى الله عليه سلم: " إن هؤلاء وأشار إليهم قد نزلوا على حكمك ~~فاحكم فيهم بما شئت " فقال رضي الله عنه: وحكمي نافذ عليهم؟ قال صلى الله ~~عليه وسلم: " نعم " ، قال: وعلى من في هذه الخيمة؟ قال: " نعم " ، قال: ~~وعلى من ههنا، وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم " ، فقال رضي الله عنه: إني ~~أحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذريتهم وأموالهم، فقال له رسول الله ms1935 صلى ~~الله عليه وسلم: " لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة " ، ثم ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأخاديد، فخدت في الأرض وجيء بهم ~~مكتفين، فضرب أعناقهم، وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة، وسبي من ~~لم ينبت منهم مع النساء وأموالهم " # ، ولهذا قال تعالى: { وأنزل الذين ظاهروهم } أي عاونوا ~~الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم { من أهل ~~الكتاب } يعني بني قريظة من اليهود من بعض أسباط بني إسرائيل، كان قد ~~نزل آباؤهم الحجاز قديما طمعا في اتباع النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89] فعليهم لعنة الله، وقوله تعالى: { من صياصيهم } يعني ~~حصونهم، { وقذف في قلوبهم الرعب } وهو الخوف لأنهم كانوا ~~مالأوا المشركين على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخافوا المسلمين ~~وراموا قتلهم فانعكس عليهم الحال، ولهذا قال تعالى: { فريقا ~~تقتلون وتأسرون فريقا } فالذين قتلوا هم المقاتلة، ~~والأسراء هم الصغار والنساء، { وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم } أي جعلها لكم من قتلكم لهم { وأرضا لم ~~تطئوها } قيل: خيبر، وقيل: مكة، وقيل: فارس والروم، قال ابن جرير: ~~يجوز أن يكون الجميع مرادا { وكان الله على كل شيء ~~قديرا }. ### || [33.28-29] # هذا أمر من الله تبارك وتعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يخير ~~نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره، ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا ~~وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله تعالى في ~~ذلك الثواب الجزيل، فاخترن رضي الله عنهن وأرضاهن، الله ورسوله والدار ~~الآخرة، فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة، روى ~~البخاري # " عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه، قالت: ~~فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ~~أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك - وقد علم أن ms1936 أبوي لم يكونا يأمراني ~~بفراقه قالت: ثم قال: إن الله تعالى قال: { يأيها النبي قل ~~لأزواجك } إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ ~~فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة " # وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال، # " قالت عائشة رضي الله عنها: أنزلت آية التخيير فبدأ بي أول امرأة من ~~نسائه، فقال صلى الله عليه وسلم: " إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا ~~تعجلي حتى تستأمري أبويك " قالت وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه ~~قالت ثم قال: إن الله تبارك وتعالى قال: { يأيها النبي قل ~~لأزواجك } الآيتين، قالت عائشة رضي الله عنها فقلت أفي هذا أستأمر ~~أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ~~ما قالت عائشة رضي الله عنهن ". # وروى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: # " أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والناس ببابه جلوس، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل ~~عمر رضي الله عنه، فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه، وهو صلى الله ~~عليه وسلم ساكت، فقال عمر رضي الله عنه: لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعله يضحك، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد ~~امرأة عمر سألتني النفقة آنفا فوجأت عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى بدت نواجذه، وقال: " هن حولي يسألنني النفقة " ، فقام أبو بكر ~~رضي الله عنه إلى عائشة ليضربها، وقام عمر رضي الله عنه إلى حفصة كلاهما ~~يقولان: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده، فنهاهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقلن: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد هذا المجلس ما ليس عنده " # ، قال: وأنزل الله عز وجل الخيار، فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال: # " " إني ms1937 أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك " قالت ~~وما هو؟ قال فتلا عليها: { يأيها النبي قل لأزواجك } ~~الآية. قالت عائشة رضي الله عنها أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله تعالى ~~ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " إن الله تعالى لم يبعثني معنفا ولكن بعثني معلما ميسرا، لا ~~تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها " " # ، قوله تعالى: { فتعالين أمتعكن وأسرحكن ~~سراحا جميلا } أي أعطيكن حقوقكن وأطلق سراحكن، قال عكرمة: وكان ~~تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش (عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم ~~سلمة) رضي الله عنهن، وكانت تحته صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي ~~النضيرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية ~~بنت الحارث المصطلقية رضي الله عنهن وأرضاهن أجمعين. ### || [33.30-31] # يقول تعالى واعظا نساء النبي صلى الله عليه وسلم، اللاتي اخترن الله ~~ورسوله والدار الآخرة، بأن من يأت منهن { بفاحشة مبينة } قال ~~ابن عباس: هي النشوز وسوء الخلق، وهذا شرط والشرط لا يقتضي الوقوع، كقوله ~~تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]، وكقوله: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف: 81]، فلما كانت منزلتهن رفيعة ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن ~~مغلظا، ولهذا قال تعالى: { من يأت منكن بفاحشة ~~مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين } يعني في الدنيا ~~والآخرة، { وكان ذلك على الله يسيرا } أي سهلا هنيا؛ ثم ~~ذكر عدله وفضله في قوله: { ومن يقنت منكن لله ورسوله } ~~أي تطع الله ورسوله وتستجب { نؤتهآ أجرها مرتين ~~وأعتدنا لها رزقا كريما } أي في الجنة، فإنهن في منازل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق، في ~~الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش. ### || [33.32-34] # هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بأنهن إذا ~~اتقين الله عز وجل كما أمرهن، فإنه لا يشبهن أحد من النساء ولا ~~يلحقهن في الفضيلة والمنزلة، ثم قال تعالى: ms1938 { فلا تخضعن ~~بالقول } قال السدي: يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال، ~~ولهذا قال تعالى: { فيطمع الذي في قلبه مرض } أي دغل، { ~~وقلن قولا معروفا } قال ابن زيد: قولا حسنا جميلا معروفا ~~في الخير، ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي لا ~~تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها، وقوله تعالى: { وقرن في ~~بيوتكن } أي إلزمن بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج ~~الشرعية، الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهن تفلات " # ، وفي رواية: # " وبيوتهن خير لهن " # وروى الحافظ البزار عن أنس رضي الله عنه قال: # " جئن النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله ذهب ~~الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فما لنا عمل ندرك به عمل ~~المجاهدين في سبيل الله تعالى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ~~قعدت أو كلمة نحوها منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل ~~الله تعالى " # ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربها ~~وهي في قعر بيتها " # ، وفي الحديث: # " صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها ~~أفضل من صلاتها في حجرتها " # ، وقوله تعالى: { ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى } قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال فذلك تبرج ~~الجاهلية، وقال قتادة: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج فنهى الله تعالى عن ~~ذلك، وقال مقاتل: التبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيواري ~~قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها وذلك التبرج، ثم عمت نساء ~~المؤمنين في التبرج. # وقوله تعالى: { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن ~~الله ورسوله } نهاهن أولا عن الشر ثم أمرهن بالخير من إقامة ~~الصلاة وهي عبادة الله وحده، وإيتاء الزكاة وهي الإحسان إلى المخلوقين، { ~~وأطعن الله ورسوله } ، وهذا من باب عطف العام على الخاص، ~~وقوله تعالى: { إنما يريد الله ليذهب ms1939 عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا } نص في دخول أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم في أهل البيت ههنا، لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب ~~النزول داخل فيه قولا واحدا، روى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في ~~السوق: { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا } نزلت في نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة، وليس المراد أنهن المراد فقط دون غيرهن، فقد روى ابن أبي ~~حاتم عن العوام بن حوشب رضي الله عنه عن ابن عم له قال: # " دخلت مع أبي على عائشة رضي الله عنها فسألتها عن علي رضي الله عنه، ~~فقالت رضي الله عنها: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه؟ لقد رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا رضي الله عنهم فألقى ~~عليهم ثوبا فقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا " قالت: فدنوت منهم فقلت: يا رسول الله وأنا من أهل بيتك؟ فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " تنحي فإنك على خير " ". # وروى مسلم في " صحيحه " عن يزيد بن حبان قال: # " انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن سلمة إلى (زيد بن أرقم) رضي الله ~~عنه، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه، لقد ~~لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي ~~كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدثتكم فاقبلوا وما لا، ~~فلا تكلفوا فيه، ثم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ~~خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ~~ووعظ وذكر ثم قال: " أما بعد ألا أيها الناس، فإنما ms1940 أنا بشر يوشك أن ~~يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله تعالى ~~فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ~~عز وجل ورغب فيه، ثم قال: " وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ~~أذكركم الله في أهل بيتي " فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس ~~نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة ~~بعده. قال: ومن هم؟ هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس رضي الله عنهم، ~~قال: كل هؤلاء حرم الصدقة بعده؟ قال: نعم " # والذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم ~~داخلات في قوله تعالى: { إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } فإن سياق ~~الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: { واذكرن ما يتلى ~~في بيوتكن من آيات الله والحكمة } أي واعملن بما ~~ينزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم في بيوتكن من ~~الكتاب والسنة، واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس، أن ~~الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق رضي ~~الله عنهما أولاهن بهذه النعمة، فإنه لم ينزل على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه ~~عليه، فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه المرتبة العلية، ولكن ~~إذا كان أزواجه من أهل بيته فقرابته أحق بهذه التسمية كما تقدم في ~~الحديث: # " وأهل بيتي أحق " # ، وهذا يشبه ما ثبت في " صحيح مسلم " # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المسجد الذي أسس على ~~التقوى من أول يوم فقال: هو مسجدي هذا " # ، فهذا من هذا القبيل، فإن الآية إنما نزلت في مسجد قباء، كما ورد في ~~الأحاديث الأخر، ولكن إذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أولى ms1941 بتسميته بذلك والله أعلم. وقوله تعالى: { ~~إن الله كان لطيفا خبيرا } أي بلطفه بكن بلغتن هذه ~~المنزلة، وبخبرته أعطاكن ذلك وخصكن بذلك، قال ابن جرير: واذكروا نعمة ~~الله عليكن بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فاشكرن الله ~~تعالى على ذلك واحمدنه { إن الله كان لطيفا خبيرا } أي ذا ~~لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آيات الله والحكمة وهي ~~(السنة) خبيرا بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجا؟ ### || [33.35] # عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يا نبي ~~الله: ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء لا يذكرن؟ فأنزل الله ~~تعالى: { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين ~~والمؤمنات }. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال النساء للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ما له يذكر المؤمنين ولا يذكر والمؤمنات؟ فأنزل الله تعالى: { إن ~~المسلمين والمسلمات } الآية. وقوله تعالى: { إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات } ~~دليل على أن الإيمان غير الإسلام وهو أخص منه لقوله تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات: 14] وفي " الصحيحين ": # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " # فيسلبه الإيمان ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين، فدل على أنه أخص ~~منه. وقوله تعالى: { والقانتين والقانتات } القنوت هو الطاعة ~~في سكون، قال تعالى: # أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما # [الزمر: 9]، وقال تعالى: # كل له قانتون # [البقرة: 116، الروم: 26] فالإسلام بعده مرتبة يرتقي إليها وهو { ~~الإيمان } ثم القنوت ناشىء عنهما { والصادقين والصادقات } ~~هذا في الأقوال فإن الصدق خصلة محمودة، وهو علامة على الإيمان كما أن ~~الكذب أمارة على النفاق؛ ومن صدق نجا، # " عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر " # الحديث { والصابرين والصابرات } هذه سجية الأثبات، وهي ~~الصبر على المصائب، والعلم بأن المقدر كائن لا محالة، وتلقي ذلك بالصبر ~~والثبات وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، أي أصعبه في أول وهلة ثم ما بعده ~~أسهل منه وهو صدق السجية وثباتها { والخاشعين والخاشعات } ~~الخشوع هو السكون ms1942 والطمأنينة والتؤدة والوقار والتواضع، والحامل عليه ~~الخوف من الله تعالى ومراقبته كما في الحديث: # " اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # { والمتصدقين والمتصدقات } الصدقة هي الإحسان إلى ~~الناس المحاويج الضعفاء الذين لا كسب لهم، وقد ثبت في " الصحيحين ": # " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله - فذكر منهم - ورجل تصدق ~~بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " # وفي الحديث الآخر: # " والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار " # والأحاديث في الحث عليها كثيرة جدا. # { والصائمين والصائمات } والصوم زكاة البدن، يزكيه ويطهره ~~وينقيه من الأخلاط الرديئة، كما قال سعيد بن جبير: من صام رمضان وثلاثة ~~أيام من كل شهر دخل في قوله تعالى: { والصائمين والصائمات } ~~ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة، كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن ~~للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " # ناسب أن يذكر بعده { والحافظين فروجهم والحافظات } أي ~~عن المحارم والمآثم إلا عن المباح، كما قال عز وجل: # والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين # [المؤمنون: 5-6]، وقوله تعالى: { والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات } ، روى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ~~قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كانا تلك الليلة من ~~الذاكرين الله كثيرا والذاكرات " # وفي الحديث: # " ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير ~~لكم من تعاطي الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم غدا فتضربوا أعناقهم ~~ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: " ~~ذكر الله عز وجل " " # ، وروي أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " أي المجاهدين أعظم أجرا يا رسول الله؟ قال: صلى الله عليه وسلم: " ~~أكثرهم لله تعالى ذكرا " ، قال: فأي الصائمين أكثر أجرا؟ قال صلى الله ~~عليه ms1943 وسلم: " أكثرهم لله عز وجل ذكرا " ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج ~~والصدقة، كل ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكثرهم لله ذكرا ~~" فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " أجل " " # وقوله تعالى: { أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما } ~~خبر عن هؤلاء المذكورين كلهم، أي أن الله تعالى قد أعد لهم أي هيأ لهم { ~~مغفرة } منه لذنوبهم { وأجرا عظيما } وهو الجنة. ### || [33.36] # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(زينب بن جحش) لزيد بن حارثة رضي الله عنه، فاستنكفت منه، وقالت: أنا خير ~~منه حسبا، وكانت امرأة فيها حدة، فأنزل الله تعالى: { وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة } الآية كلها، وقال عبد الرحمن بن أسلم: # " نزلت في (أم كلثوم) بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها، وكانت أول من ~~هاجر من النساء يعني بعد صلح الحديبية فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: قد قبلت، فزوجها زيد بن حارثة رضي الله عنه يعني والله أعلم ~~ بعد فراقه زينب، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فزوجنا عبده " # ، قال فنزل القرآن: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا ~~قضى الله ورسوله أمرا } إلى آخر الآية، وروى الإمام أحمد عن ~~أنس رضي الله عنه قال: # " خطب النبي صلى الله عليه وسلم (جليبيب) امرأة من الأنصار إلى أبيها ~~فقال: حتى أستأمر أمها، فقال صلى الله عليه وسلم: " نعم إذا " قال، ~~فانطلق الرجل إلى امرأته، فذكر لها، فقالت: لاها الله إذن ما وجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا جليبيبا، وقد منعناها من فلان وفلان، قال: ~~والجارية في سترها تسمع، قال فانطلق الرجل يريد أن يخبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بذلك، فقالت الجارية: أتريدون أن تردوا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمره، إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه، قال: فكأنها جلت عن ~~أبويها، وقالا: صدقت، ms1944 فذهب أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إن كنت رضيته فقد رضيناه، قال صلى الله عليه وسلم: " فإني قد رضيته " " # ، قال فزوجها، ثم فزع أهل المدينة فركب جليبيب فوجدوه قد قتل، وحوله ناس ~~من المشركين قد قتلهم، قال أنس رضي الله عنه: فلقد رأيتها وإنها لمن أنفق ~~بيت بالمدينة. وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في " الاستيعاب " أن ~~الجارية لما قالت في خدرها: أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمره؟ نزلت هذه الآية: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا ~~قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم } وقال ابن جريج عن طاووس قال: إنه سأل ابن عباس عن ركعتين ~~بعد العصر، فنهاه وقرأ ابن عباس رضي الله عنه: { وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم } فهذه الآية عامة في جميع الأمور، ~~وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد ~~ههنا ولا رأي ولا قول، كما قال تبارك وتعالى: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما # [النساء: 65]، وفي الحديث: # " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " # ، ولهذا شدد في خلاف ذلك فقال: { ومن يعص الله ورسوله ~~فقد ضل ضلالا مبينا } ، كقوله تعالى: # فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم # [النور: 63]. ### || [33.37] # يقول تعالى مخبرا عن نبيه صلى الله عليه وسلم، أنه قال لمولاه (زيد بن ~~حارثة) رضي الله عنه، وهو الذي (أنعم الله عليه) أي بالإسلام ومتابعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم { وأنعمت عليه } أي بالعتق من الرق، ~~وكان سيدا كبير الشأن جليل القدر، حبيبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقال له (الحب) ويقال لابنه أسامة (الحب ابن الحب) قالت عائشة رضي الله ~~عنها: ما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية إلا ms1945 أمره عليهم، ~~ولو عاش بعده لاستخلفه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوجه ~~بابنة عمته (زينب بنت جحش) الأسدية رضي الله عنها، وأصدقها عشرة دنانير ~~وستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا؛ فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها، ~~ثم وقع بينهما فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: # " أمسك عليك زوجك واتق الله " # قال الله تعالى: { وتخفي في نفسك ما الله مبديه ~~وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه }. روى ابن أبي حاتم ~~عن علي بن زيد بن جدعان قال: سألني علي بن الحسين رضي الله عنهما ما يقول ~~الحسن في قوله تعالى: { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } ~~، فذكرت له، فقال لا، ولكن الله تعالى أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه ~~قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد رضي الله عنه ليشكوها إليه قال: # " اتق الله وأمسك عليك زوجك " # فقال: قد أخبرتك أني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه. # وروى ابن جرير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لو كتم محمد صلى الله ~~عليه وسلم شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله تعالى لكتم { وتخفي في ~~نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق ~~أن تخشاه } ، وقوله تعالى: { فلما قضى زيد منها ~~وطرا زوجناكها } الوطر: هو الحاجة والأرب، أي لما فرغ منها ~~وفارقها زوجناكها، وكان الذي ولي تزويجها منه الله عز وجل ، بمعنى ~~أنه أوحى إليه أن يدخل عليها بلا ولي ولا عقد ولا مهر ولا شهود من البشر، ~~عن أنس رضي الله عنه قال: # " لما انقضت عدة زينب رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لزيد بن حارثة: " اذهب فاذكرها علي " فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها ~~قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها وأقول: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، وقلت: ~~يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله ms1946 عليه وسلم يذكرك، قالت: ما أنا ~~بصانعة شيئا حتى أؤمر ربي عز وجل، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، ~~وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا ~~حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطعمنا عليها الخبز واللحم، ~~فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واتبعته، فجعل صلى الله عليه وسلم يتتبع حجر نسائه يسلم ~~عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم ~~قد خرجوا أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه، فألقى الستر ~~بيني وبينه ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به { لا تدخلوا ~~بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم } الآية كلها " # ، وقد روى البخاري رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: # " إن زينب بنت جحش رضي الله عنها كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات " # وقوله تعالى: { لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ~~أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا } أي إنما ~~أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات ~~الأدعياء، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة قد تبنى ~~(زيد بن حارثة) رضي الله عنه، فكان يقول له (زيد بن محمد) فلما قطع الله ~~تعالى هذه النسبة بقوله تعالى: # وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم # [الأحزاب: 4] زاد ذلك بيانا وتأكيدا بوقوع تزويج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها لما طلقها زيد بن حارثة، ولهذا ~~قال تعالى في آية التحريم # وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم # [النساء: 23] ليحترز من الابن الدعي، فإن ذلك كان كثيرا فيهم، وقوله ~~تعالى: { وكان أمر الله مفعولا } أي وكان هذا الأمر الذي ~~وقع قد قدره الله تعالى وحتمه، وهو كائن لا محالة، كانت زينب رضي الله ~~عنها في علم الله ستصير من أزواج ms1947 النبي صلى الله عليه سلم. ### || [33.38] # يقول تعالى: { ما كان على النبي من حرج فيما فرض ~~الله له } أي فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب رضي الله عنها ~~التي طلقها دعيه زيد بن حارثة رضي الله عنه، وقوله تعالى: { سنة ~~الله في الذين خلوا من قبل } أي هذا حكم الله تعالى في ~~الأنبياء قبله لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا رد من توهم ~~من المنافقين نقصا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيه الذي كان قد تبناه، ~~{ وكان أمر الله قدرا مقدورا } أي وكان أمره الذي يقدره ~~كائنا لا محالة، وواقعا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ ~~لم يكن. ### || [33.39-40] # يمدح تبارك وتعالى: { الذين يبلغون رسالات الله } أي ~~إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها { ويخشونه } أي يخافونه ولا يخافون ~~أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله تعالى { وكفى ~~بالله حسيبا } أي وكفى الله ناصرا ومعينا، وسيد الناس في هذا ~~المقام، بل وفي كل مقام (محمد) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قام ~~بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، ثم ورث مقام البلاغ ~~عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه رضي الله عنهم، ~~بلغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، ~~وحضره وسفره، وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم، ثم ورثه كل خلف عن ~~سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك ~~الموفقون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقوله، فيقول ~~الله: ما يمنعك أن تقول منه، فيقول رب خشية الناس فيقول فأنا أحق أن يخشى ~~" # وقوله تعالى: { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم } ~~نهى أن يقال بعد هذا (زيد بن محمد) أي لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، ~~فإنه صلى الله عليه وسلم لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم، فإنه ms1948 صلى الله ~~عليه وسلم ولد له القاسم والطيب والطاهر من خديجة رضي الله عنها فماتوا ~~صغارا، وولد له صلى الله عليه وسلم إبراهيم من مارية القبطية، فمات ~~أيضا رضيعا، وكان له صلى الله عليه وسلم من خديجة أربع بنات: زينب ~~ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين، فمات في حياته صلى الله ~~عليه وسلم ثلاث، وتأخرت فاطمة رضي الله عنها حتى أصيبت به صلى الله عليه ~~وسلم ثم ماتت بعده لستة أشهر، وقوله تعالى: { ولكن رسول الله ~~وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما } فهذه ~~الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده ~~بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة. # وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى ~~الإمام أحمد عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارا فأحسنها وأكملها وترك فيها موضع ~~لبنة لم يضعها فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ويقولون: لو تم ~~موضع هذه اللبنة؟ فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة " # حديث آخر: روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " " إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي " قال فشق ذلك ~~على الناس فقال: " ولكن المبشرات " قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ ~~قال: " رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة " " # ، حديث آخر: روى أبو داود الطيالسي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة ~~فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، فأنا موضع ~~اللبنة ختم بي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام " # حديث آخر: قال الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن مثلي ومثل الأنبياء ms1949 من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا فأكملها وأحسنها ~~وأجملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها فجعل الناس يطوفون ويعجبهم ~~البنيان ويقولون ألا وضعت ههنا لبنة فيتم بنيانك قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فكنت أنا اللبنة " # حديث آخر: قال الإمام أحمد عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال، قال ~~لي النبي صلى الله عليه وسلم: # " إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته " # حديث آخر: عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا ~~أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر ~~الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي " # فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، ثم ~~من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له، وقد ~~أخبر تبارك وتعالى في كتابه العزيز أنه لا نبي بعده ليعلموا أن كل من ~~ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال، ضال مضل. ### || [33.41-44] # يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بكثرة الذكر لربهم تبارك وتعالى، ~~المنعم عليهم بأنواع النعم وصنوف المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، ~~وجميل المآب، روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، ~~وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا ~~أعناقهم ويضربوا أعناقكم "؟ قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال صلى الله ~~عليه وسلم: " ذكر الله عز وجل " ". # وعن عبد الله بن بشر قال: # " جاء أعرابيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما: يا رسول ~~الله أي الناس خير؟ قال صلى الله عليه وسلم: " من طال عمره وحسن عمله " ، ~~وقال الآخر: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا فمرني بأمر ~~أتشبث به، قال صلى الله عليه وسلم: ms1950 " لا يزال لسانك رطبا بذكر الله ~~تعالى " " # وفي الحديث: # " أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقولوا مجنون " # ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه إلا رأوه حسرة يوم ~~القيامة " # ، وقال ابن عباس في قوله تعالى: { اذكروا الله ذكرا كثيرا ~~} إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة، إلا جعل لها حدا معلوما، ثم ~~عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهي ~~إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على تركه فقال: # فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم # [النساء: 103] بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، ~~والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقال عز ~~وجل: { وسبحوه بكرة وأصيلا } فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم ~~هو وملائكته، والأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله تعالى ~~كثيرة جدا. # وقوله تعالى: { وسبحوه بكرة وأصيلا } أي عند الصباح ~~والمساء، كقوله عز وجل: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17]، وقوله تعالى: { هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته } هذا تهييج إلى الذكر، أي أنه سبحانه يذكركم فاذكروه ~~أنتم، كقوله عز وجل: # فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون # [البقرة: 152]، وقال النبي صلى الله عليه سلم: # " يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ~~ذكرته في ملأ خير منه " # والصلاة من الله تعالى: ثناؤه على العبد عند الملائكة، حكاه البخاري عن ~~أبي العالية، وقال غيره: الصلاة من الله عز وجل: الرحمة، وأما الصلاة ~~من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار، كقوله تبارك وتعالى: # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ~~ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب ~~الجحيم # [غافر: 7]، وقوله تعالى: { ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور } أي بسبب رحمته بكم وثنائه عليكم ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ~~ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين، { وكان بالمؤمنين ~~رحيما } أي في الدنيا والآخرة، ms1951 أما في الدنيا فإنه هداهم إلى الحق ~~وبصرهم الطريق، الذي ضل عنه الدعاة إلى الكفر أو البدعة، وأما رحمته بهم ~~في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة ~~بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم. روى ~~الإمام البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأى امرأة من السبي، قد أخذت صبيا لها، فألصقته إلى صدرها ~~وأرضعته، فقال رسول الله صلى لله عليه وسلم: # " " أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك "؟ قالوا: لا، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها ~~" " # ، وقوله تعالى: { تحيتهم يوم يلقونه سلام } أي ~~تحيتهم من الله تعالى يوم يلقونه سلام، أي يوم يسلم عليهم، كما قال عز ~~وجل: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58] وقال قتادة: المراد أنهم يحيي بعضهم بعضا بالسلام يوم يلقون ~~الله في الدار الآخرة، واختاره ابن جرير. (قلت) وقد يستدل بقوله تعالى: # دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها ~~سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]، وقوله تعالى: { وأعد لهم أجرا كريما } يعني ~~الجنة وما فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والملاذ ~~والمناظر مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ### || [33.45-48] # عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ~~فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجل، ~~والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن { يأيها ~~النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } ، ~~وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا ~~سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، ولن ~~يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله ~~فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا. وقال وهب بن منبه: ~~إن الله تعالى أوحى إلى نبي ms1952 من أنبياء بني إسرائيل يقال له (شعياء) أن قم ~~في قومك بني إسرائيل، فإني منطق لسانك بوحي، وأبعث أميا من الأميين، ~~أبعثه ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، لو يمر إلى جنب سراج لم ~~يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرا ~~ونذيرا، لا يقول الخنا، أفتح به أعينا كمها وآذانا صما وقلوبا ~~غلفا، أسدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، ~~والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، ~~والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، ~~والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلال، وأعلم به بعد الجهالة، ~~وأرفع به بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني ~~به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة وقلوب ~~مختلفة، وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فئاما من الناس عظيمة من الهلكة ~~وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون المعروف وينهون عن المنكر، موحدين ~~مؤمنين مخلصين، مصدقين لما جاءت به رسلي، ألهمهم التسبيح والتحميد، ~~والثناء والتكبير والتوحيد، في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ~~ومثواهم، يصلون لي قياما وقعودا، ويقاتلون في سبيل الله صفوفا ~~وزحوفا، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتي ألوفا، يطهرون الوجوه ~~والأطراف، ويشدون الثياب في الأنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في ~~صدورهم، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، وأجعل في أهل بيته وذريته السابقين ~~والصديقين، والشهداء والصالحين، أمته من بعده يهدون بالحق وبه يعدلون، ~~وأعز من نصرهم وأؤيد من دعا لهم، وأجعل دائرة السوء على من خالفهم، أو ~~بغى عليهم، أو أراد أن ينتزع شيئا مما في أيديهم، أجعلهم ورثة لنبيهم، ~~والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة ويوفون بعهدهم، أختم بهم الخير الذي بدأته بأولهم، ذلك ~~فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم. # وقال ابن عباس: لما نزلت { يأيها النبي إنآ أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا } وقد كان أمر عليا ومعاذا رضي الله ~~عنهما أن يسيرا إلى اليمن، ms1953 فقال: # " انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، إنه قد أنزل علي: { ~~يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا } " # فقوله تعالى: { شاهدا } أي لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره وعلى ~~الناس بأعمالهم يوم القيامة، # وجئنا بك على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]، كقوله: # لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا # [البقرة: 143]، وقوله عز وجل { ومبشرا ونذيرا } أي بشيرا ~~للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيرا للكافرين من وبيل العقاب، وقوله جلت ~~عظمته { وداعيا إلى الله بإذنه } أي داعيا للخلق إلى ~~عبادة ربهم { وسراجا منيرا } أي وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق ~~كالشمس في إشراقها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند. وقوله جل وعلا: { ~~ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم } أي لا ~~تطعهم وتسمع منهم في الذي يقولونه، { ودع أذاهم } أي اصفح وتجاوز ~~عنهم وكل أمرهم إلى الله تعالى، ولهذا قال جل جلاله { وتوكل ~~على الله وكفى بالله وكيلا }. ### || [33.49] # هذه الآية الكريمة فيها أحكام كثيرة، منها إطلاق النكاح على العقد وحده، ~~وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، لقوله تبارك وتعالى: { من قبل ~~أن تمسوهن } وفيها دلالة لإباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها، ~~وقوله تعالى: { المؤمنات } خرج مخرج الغالب، إذ لا فرق في الحكم ~~بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالاتفاق، وقد استدل ابن عباس وجماعة من ~~السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح، لأن الله ~~تعالى قال: { إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن } ~~فعقب النكاح بالطلاق، وهذا مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل، وذهب مالك وأبو ~~حنيفة إلى صحة الطلاق قبل النكاح، فيما إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي ~~طالق، فعندهما متى تزوجها طلقت منه، فأما الجمهور فاحتجوا على عدم وقوع ~~الطلاق بهذه الآية، قال ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ~~قال: إذا قال (كل امرأة أتزوجها فهي طالق) ليس بشيء، من أجل أن الله ~~تعالى يقول: { يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن } ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح؟ ~~وقد ورد الحديث بذلك عن ms1954 عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك " # وفي رواية: # " لا طلاق قبل النكاح " # ، وقوله عز وجل: { فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها } هذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن المرأة إذا طلقت قبل ~~الدخول بها لا عدة عليها فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت، ولا يستثنى من ~~هذا إلا المتوفى عنها زوجها فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرا وإن لم يكن ~~دخل بها بالإجماع أيضا، وقوله تعالى: { فمتعوهن وسرحوهن ~~سراحا جميلا } المتعة ههنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى أو ~~المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمى لها، قال الله تعالى: # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237]، وقال عز وجل: # لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على ~~الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا ~~بالمعروف حقا على المحسنين # [البقرة: 236]. وفي " صحيح البخاري " عن سهل بن سعد # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج (أميمة بنت شراحيل) فلما أن ~~دخلت عليه صلى الله عليه وسلم بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا ~~أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين " # قال علي بن أبي طلحة: إن كان سمى لها صداقا فليس لها إلا النصف، وإن لم ~~يكن سمى لها صداقا أمتعها على قدر عسره ويسره وهو السراح الجميل. ### || [33.50] # يقول تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم، بأنه قد أحل له من النساء ~~أزواجه اللاتي أعطاهن مهورهن وهي الأجور ههنا كما قاله مجاهد وغير واحد، ~~وقد كان مهره لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونصف، فالجميع خمسمائة درهم إلا ~~(أم حبيبة بنت أبي سفيان) فإنه أمهرها عنه النجاشي رحمه الله تعالى ~~أربعمائة دينار، وإلا (صفية بنت حيي) فإنه اصطفاها من سبي خيبر، ثم ~~أعتقها وجعل عتقها صداقها، وكذلك (جويرية بنت الحارث) المصطلقية أدى عنها ~~كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها ms1955 رضي الله عنهن أجمعين وقوله ~~تعالى: { وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله عليك } أي ~~وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما ~~وتزوجهما، وملك ريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم ابنه ~~إبراهيم عليهما السلام، وكانتا من السراري رضي الله عنهما. وقوله تعالى: ~~{ وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات ~~خالاتك } الآية، كان النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل ~~بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدا، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت ~~أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح بنت ~~العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وحرم ما فرطت فيه اليهود من إباحة بنت ~~الأخ والأخت وهذا شنيع فظيع، روى ابن أبي حاتم عن أم هانىء قالت: خطبني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله تعالى: ~~{ إنآ أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ~~وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله عليك وبنات ~~عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك ~~اللاتي هاجرن معك } قالت: فلم أكن أحل له، ولم أكن ممن هاجر ~~معه، كنت من الطلقاء، وقال قتادة: المراد من هاجر معه إلى المدينة، وفي ~~رواية عنه { اللاتي هاجرن معك } أي أسلمن، وقوله تعالى: { ~~وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن ~~أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك } أي ويحل لك ~~أيها النبي المرأة المؤمنة، إن وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ~~ذلك، عن سهل بن سعد الساعدي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني ~~قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله ~~زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل ~~عندك من شيء تصدقها إياه "؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك فالتمس شيئا " ~~فقال: لا أجد شيئا، فقال: " التمس ولو خاتما من حديد " فالتمس فلم ms1956 يجد ~~شيئا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " هل معك من القرآن شيء "؟ ~~قال: نعم سورة كذا وسورة كذا السور يسميها فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " زوجتكها بما معك من القرآن " ". # وعن ثابت قال: # " كنت مع أنس جالسا وعنده ابنة له، فقال أنس: جاءت امرأة إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله هل لك في حاجة؟ فقالت ابنته: ما كان ~~أقل حياءها فقال: " هي خير منك، رغبت في النبي فعرضت عليه نفسها " " # وقال ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه ~~وسلم خولة بنت الحكيم، وعن عروة كنا نتحدث أن خولة بنت الحكيم كانت وهبت ~~نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة صالحة، والغرض من هذا ~~أن اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم كثير، كما روى البخاري ~~عن عائشة قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: # ترجي من تشآء منهن وتؤوي إليك من تشآء ومن ~~ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك # [الأحزاب: 51] قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وقد قال ابن عباس: لم ~~يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له، أي أنه لم ~~يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان ذلك مباحا له ومخصوصا به لأنه ~~مردود إلى مشيئته، كما قال الله تعالى: { إن أراد النبي أن ~~يستنكحها } أي إن اختار ذلك. وقوله تعالى: { خالصة لك من ~~دون المؤمنين } قال عكرمة: أي لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن ~~امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئا، أي أنها إذا فرضت ~~المرأة نفسها إلى رجل فإنه متى دخل بها وجب عليه لها مهر مثلها، ولهذا ~~قال قتادة في قوله: { خالصة لك من دون المؤمنين } يقول: ~~ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقوله تعالى: { قد ms1957 علمنا ما فرضنا عليهم في ~~أزواجهم وما ملكت أيمانهم } أي من حصرهم في أربع نسوة ~~حرائر، وما شاءوا من الإماء، واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم، وقد ~~رخصنا لك في ذلك فلم نوجب عليك شيئا منه { لكيلا يكون عليك ~~حرج وكان الله غفورا رحيما }. ### || [33.51] # { ترجي } أي تؤخر { من تشآء منهن } أي من الواهبات، { ~~وتؤوي إليك من تشآء } أي من شئت رددتها، ومن رددتها فأنت ~~فيها أيضا بالخيار بعد ذلك إن شئت عدت فيها فأويتها، ولهذا قال: { ~~ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك } ، قال ~~الشعبي: كن نساءا وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فدخل ببعضهن ~~وأرجأ بعضهن لم ينكحن بعده، منهن أم شريك، وقال آخرون: بل المراد بقوله: ~~{ ترجي من تشآء منهن } الآية، أي من أزواجك لا حرج عليك أن ~~تترك القسم لهن، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من ~~شئت؛ ومع هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لهن، ولهذا ذهب طائفة من ~~الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبا عليه صلى الله ~~عليه وسلم، واحتجوا بهذه الآية الكريمة، وروى البخاري # " عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في اليوم المرأة ~~منا بعد أن نزلت هذه الآية: { ترجي من تشآء منهن وتؤوي ~~إليك من تشآء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح ~~عليك } فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذلك إلي ~~فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا " # ، ولهذا قال تعالى: { ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا ~~يحزن ويرضين بمآ آتيتهن كلهن } أي إذا علمن أن ~~الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت وإن شئت لم تقسم، لا جناح ~~عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أن تقسم لهن اختيارا منك، لا أنه على ~~سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن واعترفن بمنتك عليهن، في قسمتك وإنصافك ~~لهن وعدلك فيهن، وقوله تعالى: { والله يعلم ما في قلوبكم } ~~أي ms1958 من الميل إلى بعضهن دون بعض مما لا يمكن دفعه، كما روي # " عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ~~فيعدل ثم يقول: " اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ~~" " # ، زاد أبو داود: يعني القلب ولهذا عقب ذلك بقوله تعالى: { وكان ~~الله عليما } أي بضمائر السرائر، { حليما } أي يحلم ويغفر. ### || [33.52] # هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم على حسن صنيعهن، ~~في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما تقدم، فلما اخترن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جزاؤهن ~~أن الله تعالى قصره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن أو يستبدل بهن ~~أزواجا غيرهن، ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك وأباح له التزوج، ولكن ~~لم يقع منه بعد ذلك تزوج، لتكون المنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عليهن، روي # " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما مات رسول صلى الله عليه وسلم ~~حتى أحل الله له النساء " # ، وروى ابن أبي حاتم # " عن أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل ~~له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، وذلك قول الله تعالى: { ~~ترجي من تشآء منهن } " # فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة كآيتي عدة الوفاة في البقرة، ~~الأولى ناسخة للتي بعدها والله أعلم. وقال آخرون: بل معنى الآية { لا ~~يحل لك النسآء من بعد } أي من بعدما ذكرنا لك من صفة ~~النساء، اللاتي أحللنا لك من نسائك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك، ~~وبنات العم والعمات، والخال والخالات، والواهبة، وما سوى ذلك من أصناف ~~النساء فلا يحل لك. # قال ابن جرير عن زياد عن رجل من الأنصار قال، قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو ~~أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توفين أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما ~~يمنعه من ذلك؟ قال، قلت: قول الله تعالى: ms1959 { لا يحل لك النسآء ~~من بعد } فقال: إنما أحل الله له ضربا من النساء، فقال تعالى: # يأيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك # [الأحزاب: 50] - إلى قوله - # إن وهبت نفسها للنبي # [الأحزاب: 50] ثم قيل له: { لا يحل لك النسآء من بعد } ~~، وروى الترمذي عن ابن عباس قال نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات بقوله تعالى: { لا ~~يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن من ~~أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك ~~} ، فأحل الله فتياتكم المؤمنات، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، وحرم ~~كل ذات دين غير الإسلام، ثم قال: # ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله # [المائدة: 5] الآية، وقال تعالى: # يأيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك اللاتي ~~آتيت أجورهن # [الأحزاب: 50] - إلى قوله - # خالصة لك من دون المؤمنين # [الأحزاب: 50] وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء. وقال مجاهد: { لا ~~يحل لك النسآء من بعد } أي من بعد ما سمى لك، لا مسلمة ولا ~~يهودية، ولا نصرانية، ولا كافرة، وقال عكرمة { لا يحل لك ~~النسآء من بعد } ، أي التي سمى الله، واختار ابن جرير رحمه الله ~~أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي النساء اللواتي في عصمته ~~وكن تسعا، وهذا الذي قاله جيد ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف ~~فإن كثيرا منهم روى عنه هذا وهذا ولا منافاة والله أعلم. ### || [33.53-54] # هذه آية الحجاب، وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه، كما ثبت ذلك في " الصحيحين " عنه أنه قال: # " وافقت ربي عز وجل في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام ~~إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى: { واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى } ، وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهم البر ~~والفاجر فلو حجبتهن فأنزل الله آية الحجاب، وقلت لأزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لما تمالأن عليه في الغيرة { عسى ربه إن ~~طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ms1960 } فنزلت كذلك ~~" # ، وفي رواية لمسلم: # " ذكر أسارى بدر " # وهي قضية رابعة. وفي البخاري عن أنس بن مالك قال، قال عمر بن الخطاب: يا ~~رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، ~~فأنزل الله آية الحجاب، وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بزينب بنت جحش، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة في قول ~~قتادة والواقدي وغيرهما، قال البخاري # " عن أنس بن مالك: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ~~دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا، ~~فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قام من قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا فجئت، ~~فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل، فذهبت ~~أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ~~إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم ~~فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا } " # الآية. # وروى ابن أبي حاتم # " عن أنس بن مالك قال: أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض نسائه، ~~فصنعت أم سليم حيسا ثم جعلته في تور، فقالت: اذهب بهذا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأقرئه مني السلام وأخبره أن هذا منا له قليل، قال ~~أنس: والناس يومئذ في جهد فجئت به، فقلت: يا رسول الله بعثت بهذا ~~أم سليم إليك، وهي تقرئك السلام وتقول أخبره أن هذا منا له قليل، فنظر ~~إليه ثم قال: " ضعه " فوضعه في ناحية البيت ثم قال: " اذهب فادع لي ~~فلانا وفلانا " فسمى رجالا كثيرا، وقال: " ومن لقيت من المسلمين " ، ~~فدعوت من قال لي ومن لقيت من المسلمين فجئت والبيت والصفة والحجرة ملأى ~~من الناس، فقلت: يا أبا عثمان كم كانوا؟ فقال: كانوا زهاء ثلاثمائة، قال ~~أنس: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " جىء به ms1961 " فجئت به إليه ~~فوضع يده عليه ودعا، وقال: " ما شاء الله " ثم قال: " ليتحلق عشرة عشرة ~~وليسموا، وليأكل كل إنسان مما يليه " فجعلوا يسمون ويأكلون حتى أكلوا ~~كلهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارفعه " قال: فجئت فأخذت ~~التور، فنظرت فيه فما أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت، قال: وتخلف ~~رجال يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط فأطالوا ~~الحديث، فشقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أشد الناس حياء، ~~ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~حجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه ابتدروا ~~الباب، فخرجوا، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل ~~البيت وأنا في الحجرة فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته يسيرا ~~وأنزل الله عليه القرآن فخرج وهو يتلو هذه الآية: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي } الآيات، قال أنس: فقرأهن ~~علي قبل الناس فأنا أحدث الناس بهن عهدا " # فقوله تعالى: { لا تدخلوا بيوت النبي } حظر على المؤمنين ~~أن يدخلوا منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن، كما كانوا قبل ~~ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه ~~الأمة فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة، ثم استثنى من ذلك ~~فقال تعالى: { إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه } أي غير متحينين نضجه واستواءه، أي لا ترقبوا الطعام ~~إذا طبخ حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإن هذا مما يكرهه الله ~~ويذمه؛ وهذا دليل على تحريم التطفيل وهو الذي تسميه العرب الضيفن، ثم قال ~~تعالى: { ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم ~~فانتشروا } ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو غيره ms1962 " # ، وفي الصحيح أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت، فإذا فرغتم من ~~الذي دعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل وانتشروا في الأرض " # ولهذا قال تعالى: { ولا مستأنسين لحديث } أي كما وقع ~~لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث، { إن ذلكم كان ~~يؤذي النبي فيستحيي منكم } وقيل: المراد أن دخولكم ~~منزله بغير إذنه كان يشق عليه ويتأذى به، ولكن كان يكره أن ينهاهم عن ~~ذلك، من شدة حيائه عليه السلام، حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك، ولهذا ~~قال تعالى: { والله لا يستحيي من الحق } أي ولهذا نهاكم ~~عن ذلك وزجركم عنه، ثم قال تعالى: { وإذا سألتموهن متاعا ~~فاسألوهن من ورآء حجاب } أي وكما نهيتكم عن الدخول عليهن ~~كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهم ~~فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب. # { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } أي هذا الذي أمرتكم ~~به وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب، وقوله تعالى: { وما كان لكم ~~أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من ~~بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما } قال ابن ~~عباس: نزلت في رجل هم أن يتزوج بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعده، قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذلك، وقال السدي: إن ~~الذي عزم على ذلك (طلحة بن عبيد الله) رضي الله عنه، حتى نزل التنبيه على ~~تحريم ذلك، ولهذا أجمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أزواجه أنه يحرم على غيره تزوجها من بعده، لأنهم ~~أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين كما تقدم، وقد عظم الله تبارك ~~وتعالى ذلك وشدد فيه وتوعد عليه بقوله: { إن ذلكم كان عند ~~الله عظيما } ، ثم قال تعالى: { إن تبدوا شيئا أو ~~تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما } أي مهما تكنه ~~ضمائركم وتنطوي عليه سرائركم، فإن الله يعلمه فإنه لا تخفى ms1963 عليه خافية # يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور # [غافر: 19]. ### || [33.55] # لما أمر تبارك وتعالى النساء بالحجاب من الأجانب، بين أن هؤلاء الأقارب ~~لا يجب الاحتجاب منهم كما استثناهم في سورة النور عند قوله تعالى: # ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبآئهن ~~أو آبآء بعولتهن # [النور: 31] الآية، وفيها زيادات على هذه وقد تقدم تفسيرها والكلام ~~عليها بما أغنى عن إعادته ههنا، وقوله تعالى: { ولا نسآئهن } ~~يعني بذلك عدم الاحتجاب من النساء المؤمنات، وقوله تعالى: { وما ~~ملكت أيمانهن } يعني به أرقاءهن من الإناث كما تقدم التنبيه ~~عليه، قال سعيد بن المسيب: إنما يعني به الإماء فقط، وقوله تعالى: { ~~واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا } ~~أي واخشينه في الخلوة والعلانية، فإنه شهيد على كل شيء، لا تخفى عليه ~~خافية، فراقبن الرقيب. ### || [33.56] # قال البخاري: قال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند ~~الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، وقال ابن عباس: يصلون يبركون، وقال ~~سفيان الثوري: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، والمقصود من ~~هذه الآية، أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في ~~الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي ~~عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع ~~الثناء عليه من أهل العالمين (العلوي) و(السفلي) جميعا، قال ابن عباس: ~~أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام: هل يصلي ربك؟ فناداه ربه عز ~~وجل: يا موسى سألوك هل يصلي ربك فقل نعم، أنا أصلي وملائكتي على ~~أنبيائي ورسلي، فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم: { ~~إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها ~~الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما }. وقد ~~أخبر سبحانه وتعالى بأنه يصلي على عباده المؤمنين في قوله تعالى: # هو الذي يصلي عليكم وملائكته # [الأحزاب: 43] الآية، وقال تعالى: # أولئك عليهم صلوات من ربهم # [البقرة: 157] الآية، وفي الحديث: # " إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف " # وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر ~~بالصلاة ms1964 عليه، ونحن نذكر منها إن شاء الله ما تيسر، روى البخاري عند ~~تفسير هذه الآية عن كعب بن عجرة قال: # " قيل يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف الصلاة؟ قال: " ~~قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك ~~حميد مجيد " " # ، وروى ابن أبي حاتم عن كعب بن عجرة قال: # " لما نزلت { إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما } قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا السلام عليك ~~فكيف الصلاة عليك، قال: " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ~~على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد " # ، ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفناه هو الذي في التشهد وفيه: ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. حديث آخر وروى البخاري # " عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال، قلنا: يا رسول الله هذا السلام ~~عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: " قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما ~~صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل ~~إبراهيم " ". # حديث آخر: قال مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: # " أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال ~~له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ ~~قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد ~~كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل ~~إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم " " # ومن ههنا ذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، فإن تركه ms1965 لم تصح صلاته، ~~على أن الجمهور على خلافه وحكوا الإجماع على خلافه وللقول بوجوبه ظواهر ~~الحديث، فلا إجماع في هذه المسألة لا قديما ولا حديثا، والله أعلم. # (فضائل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) # روى أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة " # حديث آخر: وروى الترمذي عن أبي بن كعب قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: " يا ~~أيها الناس اذكروا الله اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء ~~الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه " قال أبي: قلت يا رسول الله إني أكثر ~~الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: " ما شئت " قلت الربع، قال: " ما ~~شئت فإن زدت فهو خير لك " قلت فالنصف قال: " ما شئت فإن زدت فهو خير لك " ~~قلت: فالثلثين، قال: " ما شئت فإن زدت فهو خير لك " قلت: أجعل لك صلاتي ~~كلها، قال: " إذن تكفى همك ويغفر لك ذنبك " " # طريق أخرى: روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف قال: # " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوجه نحو صدقته فدخل فاستقبل ~~القبلة فخر ساجدا فأطال السجود حتى ظننت أن الله قد قبض نفسه فيها فدنوت ~~منه ثم جلست فرفع رأسه فقال: " من هذا قلت: عبد الرحمن، قال: " ما شأنك؟ ~~" قلت: يا رسول الله سجدت سجدة خشيت أن يكون الله قبض روحك فيها، فقال: " ~~إن جبريل أتاني فبشرني أن الله عز وجل يقول لك من صلى عليك صليت عليه ~~ومن سلم عليك سلمت فسجدت لله عز وجل شكرا " " # حديث آخر: قال الإمام أحمد عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والسرور يرى في وجهه، ~~فقالوا يا رسول الله إنا لنرى السرور في وجهك، فقال: " إنه أتاني الملك ~~فقال: يا محمد أما يرضيك أن ربك عز وجل يقول: ms1966 إنه لا يصلي عليك أحد ~~من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه ~~عشرا قلت: بلى " # حديث آخر: روى مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا " # حديث آخر: قال الإمام أحمد بن أبي قيس مولى عمرو بن العاص قال: # " سمعت عبد الله بن عمرو يقول: من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلاة صلى الله عليه وملائكته لها سبعين صلاة، فليقل عبد من ذلك أو ~~ليكثر، وسمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوما كالمودع، فقال: " أنا محمد النبي الأمي - قاله ثلاث ~~مرات - ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه، وعلمت كم خزنة ~~النار وحملة العرش، وتجوز بي عوفيت وعوفيت أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت ~~فيكم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله أحلوا حلاله وحرموا حرامه " " # حديث آخر: قال الإمام أحمد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات " # حديث آخر: قال الإمام أحمد عن علي بن الحسين عن أبيه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " البخيل من ذكرت عنده ثم لم يصل علي " # حديث آخر: قال إسماعيل القاضي عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي " # ، وروي عن الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " بحسب أمرىء من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي علي ". # حديث آخر: قال الترمذي عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه شهر ~~رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل ms1967 أدرك عنده أبواه الكبر فلم ~~يدخلاه الجنة " # وهذا الحديث والذي قبله دليل على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم كلما ذكر، وهو مذهب طائفة من العلماء منهم الطحاوي والحليمي؛ وذهب ~~آخرون إلى أنه تجب الصلاة عليه في المجلس مرة واحدة، ثم لا تجب في بقية ~~ذلك المجلس، بل تستحب، ويتأيد بالحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان ~~عليهم ترة يوم القيامة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم " # ، وحكي عن بعضهم: أنه إنما تجب الصلاة عليه - عليه الصلاة والسلام - في ~~العمر مرة واحدة امتثالا لأمر الآية، ثم هي مستحبة في كل حال، وهذا هو ~~الذي نصره القاضي عياض بعدما حكى الإجماع على وجوب الصلاة عليه صلى الله ~~عليه وسلم في الجملة. # فصل # وأما الصلاة على غير الأنبياء، فإن كانت على سبيل التبعية كما تقدم في ~~الحديث: اللهم صل على محمد وآله وأزواجه وذريته، فهذا جائز بالإجماع، ~~وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم، فقال ~~قائلون: يجوز ذلك، واحتجوا بقول الله تعالى: # هو الذي يصلي عليكم وملائكته # [الأحزاب: 43]، وبقوله: # أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة # [البقرة: 157]، وبقوله: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ~~وصل عليهم # [التوبة: 103] الآية. وبحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: # " كان رسول الله صلى اليه عليه سلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: " اللهم ~~صل عليهم " فأتاه أبي بصدقته فقال: " اللهم صل على آل أبي أوفى " " # ، وقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة، لأن ~~هذا قد صار شعارا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: ~~قال أبو بكر صلى الله عليه، أو قال علي صلى الله عليه، وإن كان المعنى ~~صحيحا، كما لا يقال: قال محمد عز وجل، وإن كان عزيزا جليلا، لأن ~~هذا من شعار ذكر الله عز وجل، وحملوا ما ورد في ذلك من ms1968 الكتاب ~~والسنة على الدعاء لهم، ولهذا لم يثبت شعارا لآل أبي أوفى ولا لجابر ~~وامرأته، وهذا مسلك حسن. وأما السلام، فقال الجويني من أصحابنا: هو في ~~معنى الصلاة فلا يستعمل في الغائب ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: ~~علي عليه السلام، وسواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به ~~فيقال: سلام عليك وسلام عليكم أو السلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه، ~~انتهى ما ذكره. # (قلت): وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب أن يفرد علي رضي الله ~~عنه بأن يقال عليه السلام من دون سائر الصحابة أو كرم الله وجهه، وهذا ~~وإن كان معناه صحيحا لكن ينبغي أن يسوى بين الصحابة في ذلك فإن هذا من ~~باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه رضي ~~الله عنهم أجمعين، قال عكرمة عن ابن عباس: لا تصح الصلاة على أحد إلا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالمغفرة، وكتب ~~عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أما بعد فإن ناسا من الناس قد التمسوا ~~الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناسا من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على ~~خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءك ~~كتابي هذا، فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين، ودعاؤهم للمسلمين عامة ~~ويدعوا ما سوى ذلك. # فرع قال النووي: إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فليجمع بين ~~الصلاة والتسليم، فلا يقتصر على أحدهما فلا يقول: صلى الله عليه فقط، ولا ~~عليه السلام فقط. وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة وهي قوله: { ~~يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما } فالأولى أن يقال صلى الله عليه وسلم تسليما. ### || [33.57-58] # يقول تعالى متهددا ومتوعدا من آذاه، بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره، ~~وإيذاء رسوله بعيب أو بنقص عياذا بالله من ذلك قال عكرمة { إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله } نزلت في المصورين، وفي " ~~الصحيحين " عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله ms1969 عز وجل: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر أقلب ~~ليله ونهاره " # ومعنى هذا أن الجاهلية كانوا يقولون: يا خيبة الدهر، فعل بنا كذا وكذا، ~~فيسندون أفعال الله تعالى إلى الدهر ويسبونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله ~~عز وجل فنهى عن ذلك، وقال ابن عباس في قوله تعالى: { إن الذين ~~يؤذون الله ورسوله } نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم في تزويجه صفية بنت حيي بن أخطب، والظاهر أن الآية عامة في كل ~~من آذاه بشيء، ومن آذاه فقد آذى الله كما أن من أطاعه فقد أطاع الله، كما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ~~ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ~~ومن آذى الله يوشك أن يأخذه " # وقوله تعالى: { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات ~~بغير ما اكتسبوا } أي ينسبون إليهم ما هم برآء منه لم يعملوه ~~ولم يفعلوه { فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } وهذا ~~هو البهت الكبير أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على ~~سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الرافضة الذين ~~يتنقصون الصحابة، ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما ~~أخبر الله عنهم، فإن الله عز وجل قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين ~~والأنصار ومدحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم، ويذكرون ~~عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدا، فهم في الحقيقة منكسو القلوب، يذمون ~~الممدوحين ويمدحون المذمومين، وقد روي # " عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأصحابه: " أي الربا أربى عند الله "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " ~~أربى الربا عند الله استحلال عرض امرىء مسلم " ثم قرأ: { والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ~~فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } ". ### || [33.59-62] # يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر النساء المؤمنات - ~~خاصة أزواجه وبناته لشرفهن - بأن يدنين عليهن ms1970 من جلابيبهن، ليتميزن عن ~~سمات نساء الجاهلية، والجلباب هو الرداء فوق الخمار، وهو بمنزلة الإزار ~~اليوم، قال الجوهري: الجلباب الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلا ~~لها: # تمشي النسور إليه وهي لاهية # مشي العذارى عليهن الجلابيب # قال ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن ~~يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة، وقال محمد بن ~~سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله عز وجل: { يدنين ~~عليهن من جلابيبهن } فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى، ~~وقال عكرمة: تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها، عن أم سلمة قالت: لما ~~نزلت هذه الآية { يدنين عليهن من جلابيبهن } خرج نساء ~~الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها. ~~وسئل الزهري هل على الوليدة خمار، متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها ~~الخمار إن كانت متزوجة، وتنهى عن الجلباب، لأنه يكره لهن أن يتشبهن ~~بالحرائر المحصنات، وقد قال الله تعالى: { يأيها النبي قل ~~لأزواجك وبناتك ونسآء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن }. # وروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة ~~وإنما نهي عن ذلك لخوف الفتنة لا لحرمتهن، واستدل بقوله تعالى: { ~~ونسآء المؤمنين } ، وقوله: { ذلك أدنى أن يعرفن ~~فلا يؤذين } أي إذا فعلن ذلك عرفن أنهن حرائر، لسن بإماء ولا ~~عواهر، قال السدي: كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط ~~الظلام إلى طرق المدينة، فيعرضون للنساء وكان مساكن أهل المدينة ضيقة، ~~فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق ~~يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا المرأة عليها جلباب قالوا: هذه حرة فكفوا ~~عنها، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا: هذه أمة فوثبوا عليها، ~~وقال مجاهد: يتجببن فيعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة، ~~وقوله تعالى: { وكان الله غفورا رحيما } أي لما سلف في أيام ~~الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك، ثم قال تعالى متوعدا للمنافقين وهم ~~الذين يظهرون الإيمان ويبطنون ms1971 الكفر { والذين في قلوبهم ~~مرض } قال عكرمة وغيره: هم الزناة ههنا، { والمرجفون في ~~المدينة } يعني الذين يقولون جاء الأعداء وجاءت الحروب، وهو كذب ~~وافتراء، لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق { لنغرينك ~~بهم } قال ابن عباس: أي لنسلطنك عليهم، وقال قتادة: لنحرشنك بهم، وقال ~~السدي: لنعلمنك بهم، { ثم لا يجاورونك فيهآ } أي في المدينة ~~{ إلا قليلا * ملعونين } حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة ~~مدة قريبة مطرودين مبعدين { أينما ثقفوا } أي وجدوا، { ~~أخذوا } لذلتهم وقلتهم، { وقتلوا تقتيلا }. ثم قال تعالى: ~~{ سنة الله في الذين خلوا من قبل } أي هذه سنته في ~~المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم، ولم يرجعوا عما هم فيه أن أهل ~~الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم، { ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا } أي وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير. ### || [33.63-68] # يقول تعالى مخبرأ لرسوله صلوات الله وسلامه عليه أنه لا علم له ~~بالساعة، وأرشده أن يرد علمها إلى الله عز وجل، لكن أخبره أنها قريبة ~~بقوله: { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } ، كما ~~قال تعالى: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1]، وقال: # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون # [الأنبياء: 1]، وقال: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1]، ثم قال: { إن الله لعن الكافرين } أي أبعدهم ~~من رحمته { وأعد لهم سعيرا } أي في الدار الآخرة { خالدين ~~فيهآ أبدا } أي ماكثين مستمرين فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم ~~عنها، { لا يجدون وليا ولا نصيرا } أي ليس لهم مغيث ولا ~~معين ينقذهم مما هم فيه، ثم قال: { يوم تقلب وجوههم في ~~النار يقولون يليتنآ أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا } أي يسحبون في النار على وجوههم، وتلوى وجوههم على جهنم، ~~يتمنون أن لو كانوا في الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول، كما أخبر الله ~~عنهم بقوله: # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا # [الفرقان: 27]، وقال تعالى: # ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين # [الحجر: 2]، وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يودون أن لو كانوا ~~أطاعو الله ms1972 وأطاعوا الرسول في الدنيا، { وقالوا ربنآ إنآ ~~أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا } قال ~~طاووس: { سادتنا } يعني الأشراف و { وكبرآءنا } يعني العلماء، ~~أي اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل { ~~ربنآ آتهم ضعفين من العذاب } أي بكفرهم وإغوائهم إيانا ~~{ والعنهم لعنا كبيرا } قرىء (كبيرا) وقرىء (كثيرا) وهما ~~متقاربان في المعنى. ### || [33.69] # أخرج الإمام البخاري عند تفسير هذه الآية عن أبي هريرة قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن موسى عليه السلام كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء ~~استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر هذا التستر ~~إلا من عيب في جلده إما برص وإما أدرة وإما آفة، وإن الله عز وجل ~~أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى عليه السلام، فخلا يوما وحده، فخلع ثيابه ~~على حجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا ~~بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى ~~انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله عز ~~وجل، وأبرأه مما يقولون: وقام الحجر، فأخذ ثوبه، فلبسه، وطفق بالحجر ~~ضربا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا ~~أو خمسا قال فذلك قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما ~~قالوا وكان عند الله وجيها } " # وعن ابن عباس في قوله: { لا تكونوا كالذين آذوا موسى } ~~قال، قال قومه له: إنك آدر، فخرج ذات يوم يغتسل فوضع ثيابه على صخرة ~~فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، وخرج يتبعها عريانا، حتى انتهت به إلى مجالس ~~بني إسرائيل، قال: فرأوه ليس بآدر فذلك قوله: { فبرأه الله ~~مما قالوا } ، وروى الإمام أحمد، عن عبد الله بن مسعود قال: # " قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قسما فقال رجل من الأنصار: ~~إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، قال، فقلت: يا عدو الله أما لأخبرن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1973 بما قلت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فاحمر وجهه ثم قال: " رحمة الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا ~~فصبر " " # وقوله تعالى: { وكان عند الله وجيها } أي له وجاهة وجاه عند ~~ربه عز وجل، قال الحسن البصري: كان مستجاب الدعوة عند الله، وقال ~~غيره من السلف: لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه، ولكن منع الرؤية لما يشاء ~~عز وجل، وقال بعضهم: من وجاهته العظيمة عند الله أنه شفع في أخيه ~~هارون أن يرسله الله معه فأجاب الله سؤاله فقال: # ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون نبيا # [مريم: 53]. ### || [33.70-71] # يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه، وأن يعبدوه عبادة من كأنه ~~يراه، وأن يقولوا { قولا سديدا } أي مستقيما لا اعوجاج فيه ولا ~~انحراف، ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه، بأن يصلح لهم أعمالهم أن ~~يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية، ثم قال تعالى: { ~~ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } وذلك ~~أنه يجار من نار الجحيم، ويصير إلى النعيم المقيم، عن أبي موسى الأشعري ~~قال: # " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر فلما انصرف أومأ ~~إلينا بيده فجلسنا فقال: " إن الله تعالى أمرني أن آمركم أن تتقوا الله ~~وتقولوا قولا سديدا " ثم أتى النساء فقال: " إن الله أمرني أن آمركن أن ~~تتقين الله وتقلن قولا سديدا " " # وعن ابن عباس موقوفا: " من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله " ، قال ~~عكرمة: القول السديد لا إله إلا الله، وقال غيره: السديد الصدق، وقال ~~مجاهد: هو السداد، وقال غيره: هو الصواب، والكل حق. ### || [33.72-73] # قال ابن عباس: يعني بالأمانة (الطاعة) عرضها عليهم قبل أن يعرضها على ~~آدم فلم يطقنها، فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن ~~أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم فحملها، فذلك قوله تعالى: { ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا } وعنه الأمانة ~~(الفرائض) عرضها الله ms1974 على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم وإن ~~ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك وأشفقوا عليه من غير معصية، ولكن تعظيما لدين ~~الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله ~~تعالى: { وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا } ~~يعني غرا بأمر الله. وهكذا قال مجاهد والضحاك والحسن البصري: إن الأمانة ~~هي الفرائض، وقال آخرون: هي الطاعة، وقال أبي بن كعب من الأمانة أن ~~المرأة اؤتمنت على فرجها، وقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود، ~~وقال زيد بن أسلم: الأمانة ثلاثة الصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة؛ ~~وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، وبل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف ~~وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها ~~عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله وبالله ~~المستعان. عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية. { إنا عرضنا ~~الأمانة على السموت والأرض والجبال } قال: عرضها ~~على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل ~~لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها إن أحسنت ~~جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا، ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد التي ~~شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ ~~قالت: وما فيها؟ قال، قيل لها: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، قالت: لا، ~~ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب، قال، قيل لها: هل ~~تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال لها: إن أحسنت جزيت وأن ~~أسأت عوقبت، قالت: لا. وقال مقاتل بن حيان: إن الله تعالى حين خلق خلقه ~~جمع بين الإنس والجن والسماوات والأرض والجبال، فبدأ بالسماوات فعرض ~~عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن أتحملن هذه الأمانة ولكن علي ~~الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ فقلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا ~~الأمر، وليس بنا قوة ولكنا لك مطيعون، ثم عرض الأمانة على الأرضين فقال ~~لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني وأعطيكن الفضل والكرامة في ms1975 الدنيا؟ ~~فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب ولا نطيق ولكنا لك سامعون مطيعون لا ~~نعصيك في شيء أمرتنا به، ثم قرب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها ~~حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم إن أحسنت وأطعت ~~ورعيت الأمانة فلك عندي الكرامة والفضل وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت ~~ولم ترعها حق رعايتها وأسأت فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار، قال: رضيت ~~يا رب، وتحملها فقال الله عز وجل عند ذلك: قد حملتكها فذلك قوله ~~تعالى: { وحملها الإنسان }. # وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها أو قال يكفر كل شيء إلا ~~الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك فيقول: أنى يا رب وقد ~~ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أنى يا رب، وقد ذهبت الدنيا؟ ~~فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول: اذهبوا ~~به إلى أمه الهاوية، فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى ~~قعرها فيجدها هنالك كهيئتها فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى ~~شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت قدمه فهوى في أثرها أبد الآبدين " # قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الوضوء، ~~والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع، فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع ما ~~يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق، ومما يتعلق بالأمانة ما روي عن حذيفة رضي ~~الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت ~~أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا # " أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن ~~وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة ~~فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على ~~رجلك، تراه منتبرا، وليس فيه شيء قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله ~~ قال: ms1976 فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في ~~بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال: للرجل ما أجلده وأظرفه وأعقله وما في ~~قلبه حبة خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان، وما أبالي أيكم بايعت إن ~~كان مسلما ليردنه علي دينه، وإن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ~~ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا " # وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا، حفظ أمانة، وصدق حديث، ~~وحسن خليقة، وعفة طعمة " # وقوله تعالى: { ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات } أي إنما حمل بني آدم الأمانة وهي ~~التكاليف { ليعذب الله المنافقين والمنافقات } ~~وهم الذين يظهرون الإيمان خوفا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله { ~~والمشركين والمشركات } وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك ~~بالله ومخالفة رسله، { ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات } أي وليرحم المؤمنين من الخلق الذين آمنوا بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله العاملين بطاعته، { وكان الله غفورا ~~رحيما }. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-2] # يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة، لأنه ~~المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في ~~جميع ذلك، ولهذا قال تعالى: { الحمد لله الذي له ما في ~~السموت وما في الأرض } أي الجميع ملكه وعبيده وتحت تصرفه ~~وقهره، كما قال تعالى: # وإن لنا للآخرة والأولى # [الليل: 13]، ثم قال تعالى: { وله الحمد في الآخرة } فهو ~~المعبود أبدا، المحمود على طول المدى، وقوله تعالى: { وهو الحكيم ~~} أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، { الخبير } الذي لا تخفى عليه ~~خافية ولا يغيب عنه شيء، وقال الزهري: خبير بخلقه حكيم بأمره، ولهذا قال ~~عز وجل: { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها ~~} أي يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور والكامن فيها، ~~ويعلم ما يخرج من ذلك عدده وكيفيته وصفاته { وما ينزل من ~~السمآء } أي من قطر ورزق، ms1977 { وما يعرج فيها } أي من الأعمال ~~الصالحة وغير ذلك، { وهو الرحيم الغفور } أي الرحيم بعباده ~~فلا يعاجل عصاتهم بالعقوبة { الغفور } عن ذنوب التائبين إليه ~~المتوكلين عليه. ### || [34.3-6] # هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهن، مما أمر الله تعالى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد، لما أنكره من أنكره ~~من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة يونس، وهي قوله تعالى: # ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق ~~ومآ أنتم بمعجزين # [يونس: 53]، والثانية هذه: { وقال الذين كفروا لا ~~تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم } ، ~~والثالثة في سورة التغابن وهي قوله تعالى: # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على ~~الله يسير # [التغابن: 7]، فقال تعالى: { قل بلى وربي لتأتينكم } ~~، ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره فقال: { عالم الغيب لا يعزب ~~عنه مثقال ذرة في السموت ولا في الأرض ولا ~~أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } قال ~~مجاهد وقتادة: { لا يعزب عنه } لا يغيب عنه، أي الجميع مندرج تحت ~~علمه فلا يخفى عليه شيء، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ~~ذهبت وأين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة فإنه بكل شيء عليم. ثم ~~بين حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة بقوله تعالى: { ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم ~~مغفرة ورزق كريم * والذين سعوا في آياتنا ~~معاجزين } أي سعوا في الصد عن سبيل الله تعالى وتكذيب رسله { ~~أولئك لهم عذاب من رجز أليم } أي لينعم السعداء من ~~المؤمنين ويعذب الأشقياء من الكافرين، كما قال الله عز وجل: # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب ~~الجنة هم الفآئزون # [الحشر: 20]. وقال تعالى: # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [ص: 28]؟ وقوله تعالى: { ويرى الذين أوتوا العلم الذي ~~أنزل إليك من ربك هو الحق } هذه حكمة أخرى معطوفة على ~~التي قبلها، وهي أن المؤمنين إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة ms1978 الأبرار ~~والفجار رأوه حينئذ عين اليقين، ويقولون يومئذ # لقد جآءت رسل ربنا بالحق # [الأعراف: 43]، { ويهدي إلى صراط العزيز الحميد } ~~العزيز هو المنيع الجناب الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء ~~وغلبه، الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وهو المحمود في ذلك ~~كله جل وعلا. ### || [34.7-9] # هذا إخبار من الله عز وجل عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة، ~~واستهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم في إخباره بذلك، { وقال ~~الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا ~~مزقتم كل ممزق } أي تفرقت أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل ~~مذهب وتمزقت كل ممزق، { إنكم } أي بعد هذا الحال { لفي خلق ~~جديد } أي تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك؟ { أفترى على الله ~~كذبا أم به جنة }؟ قال الله عز وجل رادا عليهم: { بل ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال ~~البعيد } أي ليس الأمر كما زعموا، بل محمد صلى الله عليه وسلم هو ~~الصادق البار الراشد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء، { في ~~العذاب } أي الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله تعالى، { والضلال ~~البعيد } من الحق في الدنيا، ثم قال تعالى منبها لهم على قدرته في ~~خلق السماوات والأرض، { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم ~~وما خلفهم من السمآء والأرض } ، أي حيثما توجهوا ~~وذهبوا، فالسماء مطلة عليهم والأرض تحتهم، كما قال عز وجل: # والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون * ~~والأرض فرشناها فنعم الماهدون # [الذاريات: 47-48] قال قتادة: إنك إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك أو من ~~بين يديك أو من خلفك رأيت السماء والأرض، وقوله تعالى: { إن نشأ ~~نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من ~~السمآء } أي لو شئنا لفعلنا بهم ذلك بظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ~~ذلك لحلمنا وعفونا، ثم قال: { إن في ذلك لآية لكل عبد ~~منيب } ، قال قتادة: { منيب } تائب، وعنه: المنيب المقبل إلى ~~الله تعالى، أي إن في النظر إلى خلق السماوات والأرض، لدلالة لكل عبد فطن ~~لبيب رجاع إلى الله، على قدرة الله تعالى ms1979 على بعث الأجساد ووقوع ~~المعاد، لأن من قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها، وهذه ~~الأرضين في انخفاضها، وأطوالها وأعراضها إنه لقادر على إعادة الأجسام ~~ونشر الرميم من العظام، كما قال تعالى: # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى # [يس: 81]، وقال تعالى: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. ### || [34.10-11] # يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام مما ~~آتاه من الفضل المبين وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي ~~العدد والمدد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم الذي كان إذا سبح به تسبح ~~معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات ~~والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات، وفي الصحيح # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري رضي الله ~~عنه يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال صلى الله عليه وسلم: " ~~لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود " " # ومعنى قوله تعالى: { أوبي } أي سبحي، والتأويب في اللغة الترجيع، ~~فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها، وقوله تعالى: { وألنا ~~له الحديد } قال الحسن البصري وقتادة: كان لا يحتاج أن يدخله نارا ~~ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط، ولهذا قال تعالى: { ~~أن اعمل سابغات } وهي الدروع، قال قتادة: وهو أول من عملها من ~~الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح، وقال ابن شوذب: كان داود عليه السلام ~~يرفع في كل يوم درعا فيبيعها بستة آلاف درهم، ألفين له ولأهله وأربعة ~~آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري، { وقدر في السرد ~~} هذا إرشاد من الله تعالى لنبيه داود عليه السلام في تعليمه صنعة ~~الدروع، قال مجاهد { وقدر في السرد } لا تدق المسمار فيقلق في ~~الحلقة، ولا تغلظه فيقصمها واجعله بقدر، وقال الحكم بن عيينة: لا تغلظه ~~فيقصم ولا تدقه فيقلق، وقال ابن عباس: السرد حلق الحديد: وقال بعضهم: ~~يقال درع مسرودة إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول ms1980 الشاعر: # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # وقد ذكر الحافظ ابن عساكر عن وهب بن منبه أن داود عليه السلام كان يخرج ~~متنكرا، فيسأل الركبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحدا إلا أثنى عليه ~~خيرا في عبادته وسيرته وعدله عليه السلام. قال وهب: حتى بعث الله تعالى ~~ملكا في صورة رجل فلقيه داود عليه الصلاة والسلام، فسأله كما كان يسأل ~~غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه ~~كان كاملا، قال: ما هي؟ قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين يعني بيت ~~المال، فعند ذلك نصب داود عليه السلام إلى ربه عز وجل في الدعاء أن ~~يعلمه عملا بيده يستغني به ويغني به عياله فألان الله عز وجل له ~~الحديد وعلمه صنعة الدروع فعمل الدروع وهو أول من عملها، فقال الله ~~تعالى: { أن اعمل سابغات وقدر في السرد } يعني مسامير ~~الحلق، قال: وكان يعمل الدرع فإذا ارتفع من عمله درع باعها فتصدق بثلثها ~~واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يوما بيوم إلى أن ~~يعمل غيرها، وقال: إن الله تعالى أعطى داود شيئا لم يعطه غيره من حسن ~~الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور تجتمع الوحوش إليه حتى يؤخذ بأعناقها وما ~~تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته ~~عليه السلام، وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ~~ينفخ في المزامير، وكان قد أعطي سبعين مزمارا في حلقه، وقوله تعالى: { ~~واعملوا صالحا } أي في الذي أعطاكم الله تعالى من النعم { إني ~~بما تعملون بصير } أي مراقب لكم بصير بأعمالكم وأقوالكم لا ~~يخفى علي من ذلك شيء. ### || [34.12-13] # لما ذكر تعالى ما أنعم به على (داود) عطف بذكر ما أعطى ابنه (سليمان) ~~عليهما الصلاة والسلام، من تسخير الريح له تحمل بساطه غدوها شهر ورواحها ~~شهر، قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق فينزل بأصطخر يتغدى ~~بها، ويذهب رائحا من إصطخر فيبيت بكابل، وبين ms1981 دمشق وإصطخر شهر كامل ~~للمسرع، وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع، وقوله تعالى: { وأسلنا ~~له عين القطر } قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وغير واحد: ~~القطر النحاس، قال قتادة: وكانت باليمن فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله ~~تعالى لسليمان عليه السلام، قال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام، وقوله ~~تعالى: { ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ~~} أي وسخرنا له الجن يعملون بين يديه { بإذن ربه } أي بقدره ~~وتسخيره لهم بمشيئته، ما يشاء من البنايات وغير ذلك { ومن يزغ ~~منهم عن أمرنا } أي ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة { نذقه ~~من عذاب السعير } وهو الحريق، وقوله تعالى: { يعملون له ~~ما يشآء من محاريب وتماثيل } أما المحاريب فهي البناء ~~الحسن وهو أشرف شيء في المسكن وصدره، وقال مجاهد: المحاريب بنيان دون ~~القصور، وقال الضحاك: هي المساجد، وقال قتادة: هي القصور والمساجد، وقال ~~ابن زيد: هي المساكن، وأما التماثيل، فقال الضحاك والسدي: التماثيل ~~الصور، قال مجاهد: وكانت من نحاس، وقال قتادة: من طين وزجاج. وقوله ~~تعالى: { وجفان كالجواب وقدور راسيات } الجواب جمع ~~جابية وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، قال الأعشى: # تروح على آل المحلق جفنة # كجابية الشيخ العراقي تفهق # وقال ابن عباس { كالجواب } كالحياض، والقدور الراسيات أي الثابتات ~~في أماكنها لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها، وقال عكرمة: أثافيها ~~منها، وقوله تعالى: { اعملوا آل داوود شكرا } أي وقلنا لهم ~~اعملوا شكرا على ما أنعم به عليكم في الدين والدنيا، قال السلمي: الصلاة ~~شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله عز وجل شكر، وأفضل الشكر الحمد. ~~وقال القرظي: الشكر تقوى الله تعالى والعمل الصالح، وهذا يقال لمن هو ~~متلبس بالفعل، وقد كان آل داود عليهم السلام كذلك قائمين بشكر الله تعالى ~~قولا وعملا، قال ابن أبي حاتم عن ثابت البناني قال: كان داود عليه ~~السلام قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي عليهم ساعة من ~~الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي فغمرتهم ms1982 هذه الآية { ~~اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور ~~}. وفي " الصحيحين " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ~~ثلثه وينام سدسه، وأحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم يوما ~~ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى " # وقد روي عن جابر رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قالت أم سليمان بن داود عليهم السلام لسليمان: يا بني لا تكثر النوم ~~بالليل فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرا يوم القيامة " # وقال فضيل في قوله تعالى: { اعملوا آل داوود شكرا } قال: ~~داود يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟ قال: " الآن شكرتني حين علمت أن ~~النعمة مني " ، وقوله تعالى: { وقليل من عبادي الشكور } ~~إخبار عن الواقع. ### || [34.14] # يذكر تعالى كيفية موت سليمان عليه السلام، وكيف عمى الله موته على ~~الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئا على عصاه وهي ~~منسأته مدة طويلة نحوا من سنة، فلما أكلتها دابة الأرض وهي (الأرضة) ~~ضعفت وسقط إلى الأرض وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة ، وتبينت الجن ~~والإنس أيضا أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ~~ذلك. # قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال سليمان عليه السلام لملك الموت: ~~إذا أمرت بي فأعلمني، فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك قد بقيت لك ~~سويعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير، وليس له باب، فقام ~~يصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متكىء على ~~عصاه، ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت، قال: والجن تعمل بين يديه ~~وينظرون إليه يحسبون أنه حي. قال: فبعث الله عز وجل دابة الأرض، قال: ~~والدابة تأكل العيدان يقال لها: القادح، فدخلت فيها فأكلتها، حتى إذا ~~أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر ميتا، فلما رأت الجن ذلك انفضوا ~~وذهبوا، قال: فذلك قوله تعالى: { ما دلهم ms1983 على موته إلا ~~دابة الأرض تأكل منسأته } قال أصبغ: بلغني أنها قامت سنة ~~تأكل منها قبل أن يخر، وذكر غير واحد من السلف نحوا من هذا، والله أعلم. ### || [34.15-17] # كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم، ~~واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم، وبعث الله تبارك وتعالى إليهم الرسل ~~تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء ~~الله تعالى، ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في ~~البلاد أيدي سبأ شذر مذر، كما سيأتي قريبا، روى الإمام أحمد عن عبد ~~الرحمن بن وعلة قال: سمعت ابن عباس يقول: # " إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ ما هو أرجل أم ~~امرأة أم أرض؟ قال صلى الله عليه وسلم: " بل هو رجل ولد له عشرة، فسكن ~~اليمن منهم ستة، والشام منهم أربعة، فأما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد ~~والأشعريون وأنمار وحمير، وأما الشامية فلخم وجذام وعاملة وغسان " " # ، قال علماء النسب: اسم سبأ (عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان) وإنما ~~سمي سبأ، لأنه أول من سبأ في العرب، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~كان رجلا من العرب " يعني من سلالة الخليل عليه السلام، وفي " صحيح ~~البخاري " # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنفر من أسلم ينتضلون فقال: " ~~ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا " " # ، فأسلم قبيلة من (الأنصار) والأنصار أوسها وخزرجها من غسان من عرب ~~اليمن من سبأ، نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد حين بعث الله عز ~~وجل عليهم سيل العرم، ونزلت طائفة منهم بالشام، وإنما قيل لهم غسان ~~بماء نزلوا عليه قريب من المشلل، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: # إما سألت فإنا معشر نجب # الأزد نسبتنا والماء غسان # ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: # " ولد له عشرة " # أي كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب ~~اليمن، لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه ms1984 الأبوان والثلاثة ~~والأقل والأكثر كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب، ومعنى قوله ~~تعالى صلى الله عليه وسلم: # " فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة " # أي بعدما أرسل الله تعالى عليهم سيل العرم، منهم من أقام ببلادهم، ومنهم ~~من نزح عنها إلى غيرها، وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين ~~جبلين، وتجتمع إليه أيضا سيول أمطارهم وأوديتهم، فعمد ملوكهم الأقادم، ~~فبنوا بينهما سدا عظيما محكما، حتى ارتفع الماء، وحكم على حافات ذينك ~~الجبلين، فغرسوا الأشجار، واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة ~~والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف، أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار ~~وعلى رأسها مكتل أو زنبيل وهو الذي تخترف فيه الثمار فيتساقط من ~~الأشجار في ذلك ما يملؤه، من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قطاف، لكثرته ~~ونضجه واستوائه، وكان هذا السد بمأرب. # ويذكر أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث ولا شيء ~~من الهوام، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج، وعناية الله بهم ليوحدوه ~~وبعبدوه، كما قال تبارك وتعالى: { لقد كان لسبإ في ~~مسكنهم آية } ثم فسرها بقوله عز وجل { جنتان عن ~~يمين وشمال } أي من ناحيتي الجبلين والبلدة بين ذلك، { كلوا ~~من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب ~~غفور } أي غفور لكم إن استمررتم على التوحيد، وقوله تعالى: { ~~فأعرضوا } أي عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، ~~وعدلوا إلى عبادة الشمس من دون الله كما قال الهدهد لسليمان عليه الصلاة ~~والسلام: # وجئتك من سبإ بنبإ يقين * إني وجدت امرأة ~~تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم * ~~وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل فهم لا يهتدون # [النمل: 22-24] قال السدي: أرسل الله عز وجل إليهم اثني عشر ألف نبي ~~والله أعلم. # وقوله تعالى: { فأرسلنا عليهم سيل العرم } المراد ~~بالعرم المياه، وقيل: الوادي، وقيل: الماء الغزير، وذكر غير واحد منهم ~~ابن عباس وقتادة والضحاك: أن ms1985 الله عز وجل لما أراد عقوبتهم بإرسال ~~العرم عليهم بعث على السد دابة من الأرض، يقال لها الجرذ، نقبته، وانساب ~~الماء في أسفل الوادي، وخرب ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك، ~~ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت، ~~وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة، كما قال الله تبارك وتعالى: ~~{ وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ~~} قال ابن عباس ومجاهد: هو الأراك وأكلة البربر { وأثل } هو الطرفاء، ~~وقال غيره: هو شجر يشبه الطرفاء، وقيل: هو السمر والله أعلم، وقوله: { ~~وشيء من سدر قليل } لما كان أجود هذه الأشجار المبدل بها هو ~~السدر، قال: { وشيء من سدر قليل } فهذا الذي صار أمر تينك ~~الجنتين إليه، بعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة والظلال العميقة ~~والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير ~~والثمر القليل، وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه ~~إلى الباطل، ولهذا قال تعالى: { ذلك جزيناهم بما كفروا ~~وهل نجزي إلا الكفور } أي عاقبناهم بكفرهم، قال مجاهد: ~~ولا يعاقب إلا الكفور. وقال الحسن البصري: صدق الله العظيم لا يعاقب بمثل ~~فعله إلا الكفور، وقال ابن أبي حاتم عن ابن خيرة وكان من أصحاب علي رضي ~~الله عنه قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، ~~والتعسر في اللذة، قيل: وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصادف لذة حلال إلا ~~جاءه من ينغصه إياها. ### || [34.18-19] # يذكر تعالى ما كانوا فيه من النعمه والغبطة والعيش الهني الرغيد، ~~والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة والقرى المتواصلة المتقاربة بعضها من ~~بعض، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث أن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل ~~زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى ~~بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم، ولهذا قال تعالى: { وجعلنا ~~بينهم وبين القرى التي باركنا فيها } قال وهب بن ~~منبه: هي قرى بصنعاء، وقال مجاهد والحسن: هي قرى الشام، يعنون أنهم كانوا ~~يسيرون من اليمن إلى الشام ms1986 في قرى ظاهرة متواصلة، وقال ابن عباس: القرى ~~التي باركنا فيها بيت المقدس، وعنه: هي قرى عربية بين المدينة والشام { ~~قرى ظاهرة } أي بينة واضحة يعرفها المسافرون، يقيلون في واحدة ~~ويبيتون في أخرى، ولهذا قال تعالى: { وقدرنا فيها السير } أي ~~جعلنا بحسب ما يحتاج المسافرون إليه، { سيروا فيها ليالي ~~وأياما آمنين } أي الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا ونهارا، { ~~فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا ~~أنفسهم } وذلك أنهم بطروا هذه النعمة، وأحبوا مفاوز ومهامه، يحتاجون ~~في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في المخاوف، كلما طلب بنو اسرائيل من ~~موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض # من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها # [البقرة: 61] مع أنهم كانوا في عيش رغيد، في من وسلوى وما يشتهون من ~~مآكل ومشارب وملابس ومشارب وملابس مرتفعة، قال تعالى: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]، وقال تعالى في حق هؤلاء { فقالوا ربنا باعد ~~بين أسفارنا وظلموا أنفسهم } أي بكفرهم، { ~~فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق } أي ~~جعلناهم حديثا للناس، وسمرا يتحدثون به من خبرهم، وكيف مكر الله بهم ~~وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء تفرقوا في البلاد ههنا ~~وههنا، ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: تفرقوا أيدي سبأ، وأيادي ~~سبأ، وتفرقوا شذر مذر، قال الشعبي: أما غسان فلحقوا بعمان فمزقهم الله كل ~~ممزق بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما ~~الأزد فلحقوا بعمان فمزقهم الله كل ممزق. # وقوله تعالى: { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } ~~أي إن في هذا الذي حل بهؤلاء من النقمة والعذاب، وتبديل النعمة وتحويل ~~العافية عقوبة على ما ارتكبوا من الكفر والآثام، لعبرة لكل عبد صبار على ~~المصائب، شكور على النعم، روى الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " عجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن إن أصابه ms1987 خير حمد ربه وشكر، وإن ~~أصابته مصيبة حمد ربه وصبر، يؤجر المؤمن في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها ~~إلى امرأته " # ، وهذا الحديث له شاهد في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: # " عجبا للمؤمن لا يقضي الله تعالى له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ~~سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك ~~لأحد إلا للمؤمن " # ، قال قتادة: { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } ~~كان مطرف يقول: نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي ~~صبر. ### || [34.20-21] # لما ذكر تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان، ~~أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى وخالف الرشاد والهدى فقال: ~~{ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } ، قال ابن عباس: هذه ~~الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبليس # أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن ~~إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا # [الإسراء: 62]، وقال # ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف: 17] والآيات في هذا كثيرة، وقال الحسن البصري: لما أهبط الله ~~آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة ومعه حواء، هبط إبليس فرحا بما أصاب ~~منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف، وكان ذلك ~~ظنا من إبليس، فأنزل الله عز وجل: { ولقد صدق عليهم ~~إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } ~~، فقال عند ذلك إبليس: لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح، أعده وأمنيه ~~وأخدعه، فقال الله تعالى: # " وعزتي وجلالي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا ~~أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفرني إلا غفرت له " # وقوله تبارك وتعالى: { وما كان له عليهم من سلطان } ~~قال ابن عباس: أي من حجة، وقال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا ولا ~~أكرههم على شيء، وما كان إلا غرورا وأماني، دعاهم إليها فأجابوه، وقوله ~~عز وجل: { إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو ~~منها في شك } أي إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن ms1988 بالآخرة ~~والحساب والجزاء، فيحسن عبادة ربه عز وجل في الدنيا ممن هو منها في ~~شك، وقوله تعالى: { وربك على كل شيء حفيظ } أي ومع حفظه ~~ضل من ضل من أتباع إبليس، وبحفظه وكلاءته سلم من سلم من المؤمنين أتباع ~~الرسل. ### || [34.22-23] # بين تبارك وتعالى أنه الإله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا نظير له ~~ولا شريك، بل هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك ولا منازع ولا معارض، ~~فقال: { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله } أي من ~~الآلهة التي عبدت من دونه، { لا يملكون مثقال ذرة في ~~السموت ولا في الأرض } ، كما قال تعالى: # والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير # [فاطر: 13]، وقوله تعالى: { وما لهم فيهما من شرك } أي لا ~~يملكون شيئا استقلالا ولا على سبيل الشركة { وما له منهم من ~~ظهير } أي وليس لله من هذه الأنداد من معين يستظهر به في الأمور، بل ~~الخلق كلهم فقراء إليه عبيد لديه، قال قتادة في قوله عز وجل { وما ~~له منهم من ظهير } من عون يعينه بشيء، ثم قال تعالى: { ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } أي لعظمته ~~وجلاله وكبريائه، لا يجترىء أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء، إلا بعد إذنه ~~له في الشفاعة، كما قال عز وجل: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255] وقال جل وعلا: # وكم من ملك في السموت لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ~~ويرضى # [النجم: 26]، وقال تعالى: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون # [الأنبياء: 28] ولهذا ثبت في " الصحيحين " من غير وجه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند الله تعالى، # " أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم، قال: " فأسجد لله ~~تعالى فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، ~~ثم يقال يا محمد ارفع رأسك، وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع " " # الحديث بتمامه. وقوله تعالى: { حتى ms1989 إذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق } ، وهذا أيضا مقام ~~رفيع في العظمة، وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السماوات كلامه ~~أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي، قال ابن مسعود { فزع عن ~~قلوبهم } أي زال الفزع عنها، وقال ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة ~~في قوله عز وجل: { حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ~~ماذا قال ربكم قالوا الحق } يقول: خلي عن قلوبهم، فإذا ~~كان كذلك سأل بعضهم بعضا: ماذا قال ربكم. فيخبر بذلك حملة العرش للذين ~~يلونهم، ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء ~~الدنيا، ولهذا قال تعالى: { قالوا الحق } أي أخبروا بما قال من ~~غير زيادة ولا نقصان { وهو العلي الكبير }. # وقال آخرون: بل معنى قوله تعالى: { حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم } يعني المشركين عند الاحتضار ويوم القيامة، إذا استيقظوا ~~مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا، قالوا: ماذا قال ربكم؟ فقيل لهم: ~~الحق، وأخبروا به مما كانوا عنه لاهين في الدنيا، قال مجاهد { حتى ~~إذا فزع عن قلوبهم } كشف عنها الغطاء يوم القيامة، وقال ~~الحسن: { حتى إذا فزع عن قلوبهم } يعني ما فيها من الشك ~~والتكذيب، وقال ابن أسلم { حتى إذا فزع عن قلوبهم } يعني ~~ما فيها من الشك قال فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم وما كان ~~يضلهم { قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو ~~العلي الكبير } قال: وهذا في بني آدم - هذا عند الموت - أقروا ~~حين لا ينفعهم الإقرار، وقد اختار ابن جرير القول الأول أن الضمير عائد ~~على (الملائكة) وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه لصحة الأحاديث فيه ~~والآثار، قال البخاري عند تفسير هذه الآية الكريمة في " صحيحه " عن سفيان ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا ~~لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ ~~قالوا للذي قال: الحق وهو العلي ms1990 الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق ~~السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بيده فحرفها ونشر بين أصابعه - ~~فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى ~~يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ~~وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا ~~يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء " # وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يوحي بأمره تكلم بالوحي، فإذا تكلم ~~أخذت السماوات منه رجفة - أو قال رعدة - شديدة من خوف الله تعالى، فإذا ~~سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه ~~(جبريل) عليه الصلاة والسلام، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به ~~جبريل عليه الصلاة والسلام على الملائكة، كلما مر بسماء سماء يسأله ~~ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل، فيقول عليه السلام: قال الحق وهو ~~العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى ~~حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض ". ### || [34.24-27] # يقول تعالى مقررا تفرده بالخلق والرزق، وانفراده بالإلهية أيضا، فكما ~~كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض إلا الله، فكذلك ~~فليعلموا أنه لا إله غيره، وقوله تعالى: { وإنآ أو إياكم ~~لعلى هدى أو في ضلال مبين } أي واحد من الفريقين مبطل، ~~والآخر محق، لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، ~~بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد فدل على بطلان ما ~~أنتم عليه من الشرك بالله تعالى، ولهذا قال: { وإنآ أو إياكم ~~لعلى هدى أو في ضلال مبين } قال قتادة قد قال ذلك أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم للمشركين، والله ما نحن وإياكم على أمر واحد، ~~إن أحد الفريقين لمهتد. وقال عكرمة: معناها إنا نحن لعلى هدى وإنكم لفي ~~ضلال مبين، وقوله تعالى: { قل ms1991 لا تسألون عمآ أجرمنا ~~ولا نسأل عما تعملون } معناه التبري منهم أي لستم منا ولا ~~نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله تعالى وإلى توحيده وإفراد العبادة له، فإن ~~أجبتم فأنتم منا ونحن منكم، وإن كذبتم فنحن برآء منكم وأنتم برآء منا كما ~~قال تعالى: # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم ~~بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما تعملون # [يونس: 41]، وقوله تعالى: { قل يجمع بيننا ربنا } أي يوم ~~القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد { ثم يفتح بيننا ~~بالحق } أي يحكم بيننا بالعدل، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير ~~وإن شرا فشر، وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصرة والسعادة الأبدية، كما ~~قال تعالى: # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون # [الروم: 14]، ولهذا قال عز وجل: { وهو الفتاح العليم } ~~أي الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور، وقوله تبارك وتعالى: { قل ~~أروني الذين ألحقتم به شركآء } أي أروني هذه الآلهة ~~التي جعلتموها لله أندادا وصيرتموها له عدلا، { كلا } أي ليس له ~~نظير ولا نديد ولا شريك ولا عديل، ولهذا قال تعالى: { بل هو الله ~~} أي الواحد الأحد الذي لا شريك له، { العزيز الحكيم } أي ذو ~~العزة الذي قد قهر بها كل شيء، وغلبت كل شيء، { الحكيم } في أفعاله ~~وأقواله وشرعه وقدره، تبارك وتعالى وتقدس عما يقولون علوا كبيرا. ### || [34.28-30] # يقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم تسليما { ومآ ~~أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا } أي إلى ~~جميع الخلائق من المكلفين كقوله تبارك وتعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158]، { بشيرا ونذير } أي تبشر من أطاعك بالجنة، وتنذر ~~من عصاك بالنار، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ، ~~كقوله عز وجل: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103]، # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله # [الأنعام: 116]، قال محمد بن كعب: يعني إلى الناس عامة، وقال قتادة: ~~أرسل الله تعالى محمدا إلى العرب والعجم، فأكرمهم على الله تبارك وتعالى ~~أطوعهم لله عز وجل، وقال ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: سمعت ms1992 ابن عباس ~~رضي الله عنهما يقول: إن الله تعالى فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على ~~أهل السماء وعلى الأنبياء، قالوا: يا ابن عباس فيم فضله على الأنبياء؟ ~~قال رضي الله عنه إن الله تعالى قال: # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم # [إبراهيم: 4] وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: { ومآ أرسلناك ~~إلا كآفة للناس } فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس، وهذا ~~كما ثبت في «الصحيحين»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، ~~وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث ~~إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " # ، وفي الصحيح أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " بعثت إلى الأسود والأحمر " # قال مجاهد: يعني الجن والإنس، وقال غيره يعني العرب والعجم، والكل صحيح، ~~ثم قال عز وجل مخبرا عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: { ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } وهذه ~~الآية، كقوله عز وجل: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها # [الشورى: 18] الآية، ثم قال تعالى: { قل لكم ميعاد يوم لا ~~تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } أي لكم ميعاد ~~مؤجل، لا يزاد ولا ينقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم، كما قال ~~تعالى: # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر # [نوح: 4]، وقال عز وجل: # وما نؤخره إلا لأجل معدود * يوم يأت لا ~~تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد # [هود: 104-105]. ### || [34.31-33] # يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم، وإصرارهم على عدم ~~الإيمان بالقرآن الكريم، وبما أخبر به من أمر المعاد، ولهذا قال تعالى: { ~~وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا ~~بالذي بين يديه } قال الله عز وجل متهددا لهم ومتوعدا ~~ومخبرا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم، { يرجع ~~بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا } ~~وهم الأتباع { للذين استكبروا } منهم ms1993 وهم قادتهم وسادتهم: { ~~لولا أنتم لكنا مؤمنين } أي لولا أنتم تصدونا لكنا اتبعنا ~~الرسل، وآمنا بما جاءونا به، فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا ~~{ أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جآءكم } ، أي ~~نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، ~~وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لشهوتكم واختياركم ~~لذلك، ولهذا قالوا: { بل كنتم مجرمين * وقال الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل ~~والنهار } أي بل كنتم تمكرون بنا ليلا ونهارا، وتغرونا وتخبرونا ~~أنا على هدى وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل وكذب مبين، قال قتادة وابن ~~زيد { بل مكر اليل والنهار } يقول: بل مكركم بالليل ~~والنهار، { إذ تأمروننآ أن نكفر بالله ونجعل له ~~أندادا } أي نظراء وآلهة معه وتقيموا لنا شبها وأشياء تضلونا بها، { ~~وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } أي الجميع من ~~السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه، { وجعلنا الأغلال في ~~أعناق الذين كفروا } وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع ~~أعناقهم، { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي إنما ~~نجازيكم بأعمالكم، كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم، # قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون # [الأعراف: 38] قال ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها، ثم لفحتهم لفحة فلم يبق ~~لحم إلا سقط على العرقوب ". ### || [34.34-39] # يقول تعالى مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم، وآمرا له بالتأسي بمن ~~قبله من الرسل، ومخبرا له بأنه ما بعث نبيا في قرية إلا كذبه مترفوها ~~واتبعه ضعفاءهم، كما قال قوم نوح: # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # [الشعراء: 111]، وقال الكبراء من قوم صالح: # للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن ~~صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بمآ أرسل به ~~مؤمنون * قال الذين استكبروا إنا بالذي ~~آمنتم به كافرون # [الأعراف: 75-76]، وقال تعالى: # وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ~~ليمكروا فيها # [الأنعام: 123]، وقال جل وعلا: # وإذآ أردنآ ms1994 أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها ~~تدميرا # [الإسراء: 16]، وقال جل وعلا ههنا: { ومآ أرسلنا في قرية ~~من نذير } أي نبي أو رسول { إلا قال مترفوهآ } وهم أولوا ~~النعمة والحشمة والثروة والرياسة، قال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ~~ورؤوسهم في الشر { إنا بمآ أرسلتم به كافرون } أي لا ~~نؤمن به ولا نتبعه، عن أبي رزين قال: # " كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل، فكتب إليه إنه لم يتبعه ~~أحد من قريش إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فترك تجارته ثم أتى ~~صاحبه، فقال؛ دلني عليه، وكان يقرأ الكتب أو بعض الكتب، قال: فأتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: إلام تدعو؟ قال: " أدعو إلى كذا وكذا " قال ~~أشهد أنك رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: " وما علمك بذلك "؟ قال: ~~إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه أراذل الناس ومساكينهم " # ، قال: فنزلت هذه الآية: { ومآ أرسلنا في قرية من ~~نذير إلا قال مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به ~~كافرون } ، وهكذا قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل قال ~~فيها: وسألتك أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم، فزعمت بل ضعفاؤهم وهم أتباع ~~الرسل. وقال تبارك وتعالى إخبارا عن المترفين المكذبين: { وقالوا ~~نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } ~~أي افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله ~~تعالى لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في ~~الآخرة، وهيهات لهم ذلك، قال الله تعالى: # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # [المؤمنون: 55-56]، وقال تبارك وتعالى: # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون # [التوبة: 55]، ولهذا قال عز وجل هاهنا: { قل إن ربي ~~يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } أي يعطي المال لمن يحب ~~ومن لا يحب، فيفقر من يشاء ويغني من ms1995 يشاء، وله الحكمة التامة البالغة، ~~والحجة القاطعة الدامغة { ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~} ، ثم قال تعالى: { ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي ~~تقربكم عندنا زلفى } أي ليست هذه دليلا على محبتنا لكم ~~ولا اعتنائنا بكم، ولهذا قال الله تعالى: { إلا من آمن وعمل ~~صالحا } أي إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح { ~~فأولئك لهم جزآء الضعف بما عملوا } أي تضاعف لهم ~~الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف { وهم في الغرفات ~~آمنون } أي في منازل الجنة العالية { آمنون } من كل بأس وخوف وأذى، ~~ومن كل شر يحذر منه. # عن علي رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها " فقال ~~أعرابي: لمن هي؟ قال صلى الله عليه وسلم: " لمن طيب الكلام، وأطعم ~~الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام " " # { والذين يسعون في آياتنا معاجزين } أي يسعون في ~~الصد عن سبيل الله واتباع رسله والتصديق بآياته، { أولئك في ~~العذاب محضرون } أي جميعهم مجزيون بأعمالهم فيها بحسبهم، وقوله ~~تعالى: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء من ~~عباده ويقدر له } أي بحسب ما له في ذلك من الحكمة، يبسط على ~~هذا من المال كثيرا، ويضيق على هذا ويقتر عليه رزقه جدا، وله في ذلك ~~من الحكمة ما لا يدركه غيره، كما قال تعالى: # انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة ~~أكبر درجات وأكبر تفضيلا # [الإسراء: 21] أي كما هم متفاوتون في الدنيا هذا فقير مدقع وهذا غني ~~موسع عليه، فكذلك هم في الآخرة، هذا في الغرفات في أعلى الدرجات، وهذا في ~~الغمرات في أسفل الدركات، وأطيب الناس في الدنيا، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه " # ، وقوله تعالى: { ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه } أي ~~مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبذل، ~~وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما ثبت في الحديث: # " يقول الله تعالى أنفق أنفق عليك " # ، وقال ms1996 رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنفق بلالا، ولا تخش من ذي العرش إقلالا " # ، وعن حديفة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده حذار ~~الإنفاق " # ، ثم تلا هذه الآية { ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه ~~وهو خير الرازقين } ، وفي الحديث: # " شرار الناس يبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطرين حرام، ألا إن بيع ~~المضطرين حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، إن كان عندك ~~معروف فعد به على أخيك، وإلا فلا تزده هلاكا إلى هلاكه " # ، وقال مجاهد: لا يتأولن أحدكم هذه الآية { ومآ أنفقتم من ~~شيء فهو يخلفه } إذا كان عند أحدكم ما يقيمه فليقصد فيه، فإن ~~الرزق مقسوم. ### || [34.40-42] # يخبر تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيسأل ~~الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على ~~صورهم ليقربوهم إلى الله زلفى، فيقول للملائكة { أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون } أي أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم، كما ~~قال تعالى في سورة الفرقان # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل # [الفرقان: 17]، وكما يقول لعيسى عليه الصلاة والسلام: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي ~~بحق # [المائدة: 116]، وهكذا تقول الملائكة: { سبحانك } أي تعاليت وتقدست ~~عن أن يكون معك إله { أنت ولينا من دونهم } أي نحن عبيدك ~~ونبرأ إليك من هؤلاء، { بل كانوا يعبدون الجن } يعنون ~~الشياطين لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان وأضلوهم { أكثرهم ~~بهم مؤمنون } ، كما قال تبارك وتعالى: # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا * لعنه الله # [النساء: 117-118]، قال الله عز وجل: { فاليوم لا يملك ~~بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا } أي لا يقع لكم نفع ممن كنتم ~~ترجون نفعه اليوم، من الأنداد والأوثان التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم ~~وكربكم، اليوم لا يملكون لكم نفعا ولا ضرا، { ونقول للذين ~~ظلموا } وهم المشركون { ذوقوا ms1997 عذاب النار التي كنتم ~~بها تكذبون } أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا. ### || [34.43-45] # يخبر تعالى عن الكفار أنهم يستحقون العقوبة والأليم من العذاب، لأنهم ~~كانوا إذا تتلى عليهم آياته بينات، يسمعونها غضة طرية من لسان رسوله صلى ~~الله عليه وسلم { قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن ~~يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم } يعنون أن دين آبائهم هو ~~الحق، وأن ما جاءهم به الرسول عندهم باطل، { وقالوا ما هذآ ~~إلا إفك مفترى } يعنون القرآن، { وقال الذين كفروا ~~للحق لما جآءهم إن هذآ إلا سحر مبين } ، قال ~~الله تعالى: { ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها ومآ ~~أرسلنا إليهم قبلك من نذير } أي ما أنزل الله على ~~العرب من كتاب قبل القرآن، وما أرسل إليهم نبيا قبل محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وقد كانوا يودون ذلك ويقولون: لو جاءنا نذير، أو أنزل علينا كتاب، ~~لكنا أهدى من غيرنا، فلما من الله عليهم بذلك كذبوه وجحدوه وعاندوه، ثم ~~قال تعالى: { وكذب الذين من قبلهم } أي من الأمم { وما ~~بلغوا معشار مآ آتيناهم } ، قال ابن عباس: أي من القوة في ~~الدنيا، كما قال تعالى: # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد ~~قوة # [غافر: 82] أي وما دفع ذلك عنهم عذاب الله ولا رده، بل دمر الله عليهم ~~لما كذبوا رسله، ولهذا قال: { فكذبوا رسلي فكيف كان ~~نكير } أي فكيف كان عقابي ونكالي وانتصاري لرسلي. ### || [34.46] # يقول تبارك وتعالى: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون: { ~~إنمآ أعظكم بواحدة } أي إنما آمركم بواحدة، وهي { أن ~~تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما ~~بصاحبكم من جنة } أي تقوموا قياما خالصا لله عز وجل من ~~غير هوى ولا عصبية فيسأل بعضكم بعضا: هل بمحمد من جنون؟ فينصح بعضكم ~~بعضا، { ثم تتفكروا } أي ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه ويتفكر في ~~ذلك، ولهذا قال تعالى: { أن تقوموا لله مثنى ms1998 وفرادى ~~ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة } ، وقوله تعالى: { ~~إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } ، قال ~~البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: # " صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال: " يا صباحاه " ~~فاجتمعت إليه قريش فقالوا: مالك؟ فقال: " أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو ~~يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني " قالوا: بلى؟ قال صلى الله عليه ~~وسلم: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " ، فقال أبو لهب: تبا لك ~~ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله عز وجل: { تبت يدآ أبي لهب ~~وتب } " # [المسد: 1]، وقد تقدم عند قوله تعالى: # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214]. وقال الإمام أحمد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي ~~الله عنه قال: # " خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فنادى ثلاث مرات فقال: ~~" أيها الناس تدرون ما مثلي ومثلكم "؟ قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم، ~~قال صلى الله عليه وسلم: " إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم، ~~فبعثوا رجلا يتراءى لهم، فبينما هو كذلك أبصر العدو، فأقبل لينذرهم وخشي ~~أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه فأهوى بثوبه: أيها الناس أوتيتم، أيها ~~الناس أوتيتم " ثلاث مرات ". ### || [34.47-50] # يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: { ما ~~سألتكم من أجر فهو لكم } ، أي لا أريد منكم جعلا ولا ~~عطاء على أداء رسالة الله عز وجل إليكم، ونصحي إياكم وأمركم بعبادة ~~الله { إن أجري إلا على الله } ، أي إنما أطلب ثواب ذلك من ~~عند الله { وهو على كل شيء شهيد } أي عالم بجميع الأمور ~~بما أنا عليه من إخباري عنه بإرساله إياي إليكم وما أنتم عليه، وقوله ~~عز وجل: { قل إن ربي يقذف بالحق علام ~~الغيوب } ، كقوله تعالى: # يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده # [غافر: 15] أي يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض، وهو علام ~~الغيوب، فلا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض، وقوله تبارك ~~وتعالى: { قل جآء الحق وما ms1999 يبدىء الباطل وما يعيد ~~} أي جاء الحق من الله والشرع العظيم، وذهب الباطل واضمحل، كقوله تعالى: # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق # [الأنبياء: 18]، ولهذا # " لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد ~~تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يطعن الصنم منها ويقرأ: { وقل ~~جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } ، ~~{ قل جآء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد } " # وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أي لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا ~~كلمة، وزعم قتادة والسدي أن المراد بالباطل هاهنا إبليس أي أنه لا يخلق ~~أحدا ولا يعيده ولا يقدر على ذلك، وهذا وإن كان حقا، ولكن ليس هو ~~المراد ههنا والله أعلم، وقوله تبارك وتعالى: { قل إن ضللت ~~فإنمآ أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي ~~إلي ربي } أي الخير كله من عند الله وفيما أنزل الله عز وجل، ~~من الوحي والحق المبين، فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضل فإنما يضل من ~~تلقاء نفسه، وقوله تعالى: { إنه سميع قريب } أي سميع لأقوال ~~عباده { قريب } يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وقد روي في " الصحيحين ": # " إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا مجيبا ". ### || [34.51-54] # يقول تبارك وتعالى: ولو ترى يا محمد إذا فزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة ~~{ فلا فوت } أي فلا مفر لهم ولا وزر لهم ولا ملجأ { وأخذوا من ~~مكان قريب } أي لم يمكنوا أن يمعنوا في الهرب، بل أخذوا من أول ~~وهلة، قال الحسن البصري: حين خرجوا من قبورهم، وقال مجاهد وقتادة: من تحت ~~أقدامهم، وعن ابن عباس والضحاك: يعني عذابهم في الدنيا، وقال عبد الرحمن ~~بن زيد: يعني قتلهم يوم بدر، والصحيح أن المراد بذلك يوم القيامة وهو ~~الطامة العظمى، وإن كان ما ذكر متصلا بذلك؛ { وقالوا آمنا به ~~} أي يوم القيامة يقولون آمنا بالله ورسله كما قال تعالى: # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون # [السجدة: 12]، ولهذا قال تعالى: { وأنى لهم التناوش من ~~مكان ms2000 بعيد } أي وكيف لهم تعاطي الإيمان، وقد بعدوا عن محل قبوله ~~منهم، وصاروا إلى الدار الآخرة، وهي (دار الجزاء) لا دار الابتلاء؟ فلو ~~كانوا آمنوا في الدنيا لكان ذلك نافعهم، ولكن بعد مصيرهم إلى الدار ~~الآخرة لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان، قال مجاهد: { وأنى لهم ~~التناوش } قال: التناول لذلك، وقال الزهري: التناوش تناولهم الإيمان ~~وهم في الآخرة، وقد انقطعت عنهم الدنيا، وقال الحسن البصري: أما إنهم ~~طلبوا الأمر من حيث لا ينال، تعاطوا الإيمان من مكان بعيد، وقال ابن ~~عباس: طلبوا الرجعة إلى الدنيا والتوبة مما هم فيه وليس بحين رجعة ولا ~~توبة. # وقوله تعالى: { وقد كفروا به من قبل } أي كيف يحصل لهم ~~الإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق في الدنيا وكذبوا الرسل، { ~~ويقذفون بالغيب من مكان بعيد } يعني بالظن، كما قال ~~تعالى: # رجما بالغيب # [الكهف: 22] فتارة يقولون شاعر، وتارة يقولون كاهن، وتارة يقولون ساحر، ~~وتارة يقولون مجنون، إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة، ويكذبون بالبعث ~~والنشور والمعاد، ويقولون # إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين # [الجاثية: 32] قال قتادة ومجاهد: يرجمون بالظن، لا بعث ولا جنة ولا نار، ~~وقوله تعالى: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } قال الحسن ~~البصري والضحاك وغيرهما: يعني الإيمان، وقال السدي: { وحيل بينهم ~~وبين ما يشتهون } وهي التوبة، وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله، ~~وقال مجاهد: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } من هذه ~~الدنيا من مال وزهرة وأهل، والصحيح أنه لا منافاة بين القولين فإنه قد ~~حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة فمنعوا منه. ~~وقوله تعالى: { كما فعل بأشياعهم من قبل } أي كما جرى ~~للأمم الماضية المكذبة بالرسل لما جاءهم بأس الله، تمنوا أن لو آمنوا فلم ~~يقبل منهم # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ~~سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك ~~الكافرون # [غافر: 85]، وقوله تبارك وتعالى: { إنهم كانوا في شك ~~مريب } أي كانوا في الدنيا في شك وريبة فلهذا لم يتقبل منهم الإيمان ~~عند معاينة العذاب، ms2001 قال قتادة: إياكم والشك والريبة، فإن من مات على شك ~~بعث عليه، ومن مات على يقين بعث عليه. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1] # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى ~~أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها أي ~~بدأتها، وقال ابن عباس: { فاطر السموت والأرض }: أي بديع ~~السماوات والأرض، وقال الضحاك: كل شيء في القرآن فاطر السماوات والأرض: ~~فهو خالق السماوات والأرض، وقوله تعالى: { جاعل الملائكة ~~رسلا } أي بينه وبين أنبيائه، { أولي أجنحة } أي يطيرون بها ~~ليبلغوا ما أمروا به سريعا { مثنى وثلاث ورباع } أي منهم ~~من له جناحان ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ~~ذلك، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه ~~السلام (ليلة الإسراء) وله ستمائة جناح بين كل جناحين كما بين المشرق ~~والمغرب، ولهذا قال جل وعلا: { يزيد في الخلق ما يشآء ~~إن الله على كل شيء قدير } قال السدي: يزيد في الأجنحة ~~وخلقهم ما يشاء، وقال الزهري: { يزيد في الخلق ما يشآء } ~~يعني حسن الصوت. ### || [35.2] # يخبر تعالى أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى ~~ولا معطي لما منع، روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقول إذا انصرف من الصلاة " لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ~~اللهم لا مانع لمن أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ~~" " # ، وفي " صحيح مسلم " عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع يقول: " سمع ~~الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء والأرض، وملء ما شئت من ~~شيء بعد، اللهم أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم ~~لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ms2002 ولا ينفع ذا الجد منك الجد " " # وهذه الآية كقوله تبارك وتعالى: # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا رآد لفضله # [يونس: 107] ولها نظائر كثيرة. ### || [35.3] # ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده، في إفراد العبادة ~~له، كما أنه المستقل بالخلق والرزق، فكذلك فليفرد بالعبادة ولا يشرك به ~~غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ولهذا قال تعالى: { لا إله ~~إلا هو فأنى تؤفكون } أي فكيف تؤفكون بعد هذا البيان، ~~ووضوح هذا البرهان، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان؟ والله أعلم. ### || [35.4-6] # يقول تبارك وتعالى: وإن يكذبوك يا محمد - هؤلاء المشركون بالله - ~~ويخالفوك فيما جئتهم به من التوحيد، فلك فيمن سلف قبلك من الرسل أسوة، ~~فإنهم كذلك جاءوا قومهم بالبينات، وأمروهم بالتوحيد فكذبوهم وخالفوهم، { ~~وإلى الله ترجع الأمور } أي وسنجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، ~~ثم قال تعالى: { يأيها الناس إن وعد الله حق } أي ~~المعاد كائن لا محالة، { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } ~~أي العيشة الدنيئة، بالنسبة إلى ما أعد الله لأوليائه وأتباع رسله من ~~الخير العظيم، فلا تتلهوا عن ذلك الباقي بهذه الزهرة الفانية، { ولا ~~يغرنكم بالله الغرور } وهو الشيطان، أي لا يفتننكم ~~الشيطان ويصرفكم عن اتباع رسل الله وتصديق كلماته، فإنه غرار كذاب أفاك. ~~وهذه كالآية التي في آخر لقمان: # فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور # [لقمان: 33]، وقال زيد بن أسلم: هو الشيطان، كما قال المؤمنون للمنافقين ~~يوم القيامة # وغرتكم الأماني حتى جآء أمر الله وغركم ~~بالله الغرور # [الحديد: 14] ثم بين تعالى عداوة إبليس لابن آدم، فقال: { إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } أي هو مبارز لكم ~~بالعداوة، فعادوه أنتم أشد العداوة وخالفوه، وكذبوه فيما يغركم به، { ~~إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } ~~أي إنما يقصد أن يضلكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب السعير، فهذا هو العدو ~~المبين، وهذه كقوله تعالى: # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو بئس للظالمين بدلا # [الكهف: 50]. ### || [35.7-8] # لما ذكر تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى ms2003 السعير، ذكر بعد ذلك أن الذين ~~كفروا لهم عذاب شديد لأنهم أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن، وأن الذين ~~آمنوا بالله ورسله { وعملوا الصالحات لهم مغفرة } أي ~~لما كان منهم من ذنب { وأجر كبير } على ما عملوه من خير، ثم قال ~~تعالى: { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا } يعني ~~كالكفار والفجار، يعملون أعمالا سيئة وهم في ذلك يعتقدون ويحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا، أي فمن كان هكذا قد أضله الله، ألك فيه حيلة؟ { فإن ~~الله يضل من يشآء ويهدي من يشآء } أي بقدره كان ذلك، ~~{ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } أي لا تأسف على ذلك، ~~فإن الله حكيم في قدره، ولهذا قال تعالى: { إن الله عليم بما ~~يصنعون } ، روى ابن أبي حاتم عند هذه الآية عن عبد الله بن الديلمي ~~قال: أتيت عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وهو في حائط بالطائف يقال له ~~الوهط، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ~~نوره يومئذ فقد اهتدى، ومن أخطأه منه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على ما ~~علم الله عز وجل ". ### || [35.9-11] # كثيرا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها، ينبه عباده ~~أن يعتبروا بهذا على ذلك، فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا ~~أرسل إليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليها، # اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # [الحج: 5]، كذلك الأجساد إذا أراد الله تعالى بعثها ونشورها أنزل من تحت ~~العرش مطرا يعم الأرض جميعا، ونبتت الأجساد في قبورها كما تنبت الحبة ~~في الأرض، ولهذا جاء في الصحيح: # " كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب " # ، ولهذا قال تعالى: { كذلك النشور }. وتقدم في الحج حديث أبي ~~رزين، قلت: # " يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال صلى ~~الله عليه وسلم: " يا أبا رزين أما مررت بوادي قومك ممحلا ثم مررت به ~~يهتز خضرا ms2004 " قلت: بلى، قال صلى الله عليه وسلم: " فكذلك يحيي الله ~~الموتى " " # ، وقوله تعالى: { من كان يريد العزة فلله العزة ~~جميعا } أي من كان يحب أن يكون عزيزا في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة ~~الله تعالى فإنه يحصل له مقصوده، لأن الله تعالى مالك الدنيا والآخرة، ~~وله العزة جميعا، كما قال تعالى: # أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا # [النساء: 139]، وقال عز وجل: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن ~~المنافقين لا يعلمون # [المنافقون: 8] قال مجاهد: { من كان يريد العزة } بعبادة ~~الأوثان { فلله العزة جميعا } ، وقال قتادة: { من كان ~~يريد العزة فلله العزة جميعا } أي فليتعزز بطاعة ~~الله عز وجل، وقوله تبارك وتعالى: { إليه يصعد الكلم ~~الطيب } يعني الذكر والتلاوة والدعاء؛ روى ابن جرير عن عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب ~~الله تعالى، إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر تبارك الله، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه، ثم ~~صعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا ~~لقائلهن، حتى يجيء بهن وجه الله عز وجل، ثم قرأ عبد الله رضي الله ~~عنه: { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه }. وقال كعب الأحبار: إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله ~~إلا الله، والله أكبر، لدويا حول العرش كدوي النحل، يذكرن لصاحبهن، ~~والعمل الصالح في الخزائن. # وقوله تعالى: { والعمل الصالح يرفعه } قال ابن عباس: ~~الكلم الطيب ذكر الله تعالى يصعد به إلى الله عز وجل، والعمل الصالح ~~أداء الفريضة، فمن ذكر الله تعالى في أداء فرائضه حمل عمله ذكر الله ~~تعالى يصعد به إلى الله عز وجل، ومن ذكر الله تعالى ولم يؤد فرائضه ~~رد كلامه على عمله فكان أولى به، وكذا قال مجاهد: العمل الصالح يرفع ~~الكلام الطيب، وقال إياس بن معاوية: لولا العمل الصالح لم يرفع الكلام، ~~وقال الحسن وقتادة: لا يقبل قول إلا بعمل، وقوله تعالى: { والذين ~~يمكرون السيئات } قال ms2005 مجاهد: هم المراؤون بأعمالهم يعني ~~يمكرون بالناس، يوهمون أنهم في طاعة الله تعالى وهم بغضاء إلى الله عز ~~وجل يراؤون بأعمالهم # ولا يذكرون الله إلا قليلا # [النساء: 142]، وقال ابن أسلم: هم المشركون، والصحيح أنها عامة، ~~والمشركون داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال تعالى: { لهم عذاب ~~شديد ومكر أولئك هو يبور } أي يفسد ويبطل، ويظهر زيفهم ~~عن قريب لأولي البصائر والنهى، فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله ~~تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله ~~تعالى رداءها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فالمرائي لا يروج أمره ويستمر ~~إلا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم بل ينكشف لهم عن ~~قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية، وقوله تبارك وتعالى: { والله ~~خلقكم من تراب ثم من نطفة } أي ابتدأ خلق أبيكم آدم ~~من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، { ثم جعلكم ~~أزواجا } أي ذكرا وأنثى لطفا منه ورحمة أن جعل لكم أزواجا من ~~جنسكم لتسكنوا إليها، وقوله عز وجل: { وما تحمل من أنثى ~~ولا تضع إلا بعلمه } أي هو عالم بذلك لا يخفى عليه من ذلك ~~شيء بل # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين # [الأنعام: 59]، وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: # الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام ~~وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار # [الرعد: 8] وقوله عز وجل: { وما يعمر من معمر ولا ~~ينقص من عمره إلا في كتاب } أي ما يعطى بعض النطف من ~~العمر الطويل يعلمه وهو عنده في الكتاب الأول { وما ينقص من ~~عمره } الضمير عائد على الجنس، لأن الطويل العمر في الكتاب وفي علم ~~الله تعالى لا ينقص من عمره، وإنما عاد الضمير على الجنس. قال ابن جرير: ~~وهذا كقولهم عندي ثوب ونصفه، أي ونصف ثوب آخر. # وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: { وما يعمر من معمر ~~ولا ينقص من ms2006 عمره } الآية، يقول: ليس أحد قضيت له بطول العمر ~~والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي ~~إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قدرت له أنه قصير العمر، ~~والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله ~~تعالى: { ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك ~~على الله يسير } يقول: كل ذلك في كتاب عنده، وقال زيد بن أسلم { ~~ولا ينقص من عمره إلا في كتاب } قال: ما لفظت الأرحام ~~من الأولاد من غير تمام وقال عبد الرحمن في تفسيرها، ألا ترى الناس يعيش ~~الإنسان مائة سنة وآخر يموت حين يولد فهذا هذا، وقال قتادة: والذي ينقص ~~من عمره فالذي يموت قبل ستين سنة. # وقال مجاهد { وما يعمر من معمر ولا ينقص من ~~عمره إلا في كتاب } أي في بطن أمه يكتب له ذلك لم يخلق الخلق ~~على عمر واحد، بل لهذا عمر، ولهذا عمر، فكل ذلك مكتوب لصاحبه بالغ ما ~~بلغ، وقال بعضهم: بل معناه { وما يعمر من معمر } أي ما ~~يكتب من الأجل { ولا ينقص من عمره } وهو ذهابه قليلا قليلا ~~الجميع معلوم عند الله تعالى سنة بعد سنة وشهرا بعد شهر، وجمعة بعد ~~جمعة، وساعة بعد ساعة الجميع مكتوب عند الله تعالى في كتابه، نقله ابن ~~جرير عن أبي مالك، واختار ابن جرير الأول، ويؤيده عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه " # ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # " إن الله تعالى لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر ~~بالذرية الصالحة يرزقها العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره ~~فذلك زيادة العمر " # ، وقوله عز وجل: { إن ذلك على الله يسير } أي سهل ~~عليه يسير لديه، فإن علمه شامل ms2007 للجميع لا يخفى عليه شيء منها. ### || [35.12] # يقول تعالى منبها على قدرته العظيمة في خلقه الأشياء المختلفة، خلق ~~البحرين العذب الزلال، وهو هذه الأنهار السارحة بين الناس من كبار وصغار، ~~بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار، وهي عذبة سائغ شرابها لمن أراد ~~ذلك { وهذا ملح أجاج } أي مر وهو البحر الساكن الذي تسير فيه ~~السفن الكبار، وإنما تكون مالحة زعاقا مرة، ولهذا قال: { وهذا ~~ملح أجاج } أي مر، ثم قال تعالى: { ومن كل تأكلون ~~لحما طريا } يعني السمك { وتستخرجون حلية ~~تلبسونها } ، كما قال عز وجل: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22]، وقوله جل وعلا: { وترى الفلك فيه مواخر } ~~أي تمخره وتشقه بحيزومها وهو مقدمها المسنم الذي يشبه جؤجؤ الطير وهو ~~صدره، وقال مجاهد: تمخر الريح السفن ولا يمخر الريح من السفن إلا العظام، ~~وقوله جل وعلا: { لتبتغوا من فضله } أي بأسفاركم بالتجارة ~~من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم، { ولعلكم تشكرون } أي ~~تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم وهو البحر، تتصرفون فيه كيف ~~شئتم وتذهبون أين أردتم، ولا يمتنع عليكم شيء منه، الجميع من فضله ~~ورحمته. ### || [35.13-14] # وهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم، في تسخيره الليل بظلامه ~~والنهار بضيائه، ويأخذ من طول هذا فيزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم يأخذ ~~من هذا في هذا فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفا وشتاء { وسخر ~~الشمس والقمر } أي والنجوم السيارات، الجميع يسيرون بمقدار ~~مبين، وعلى منهاج مقنن محرر، تقديرا من عزيز عليم، { كل يجري ~~لأجل مسمى } أي إلى يوم القيامة، { ذلكم الله ربكم } ~~أي الذي فعل هذا هو الرب العظيم الذي لا إله غيره، { والذين ~~تدعون من دونه } أي من الأصنام والأنداد التي هي على صورة من ~~تزعمون من الملائكة المقربين، { ما يملكون من قطمير } قال ابن ~~عباس: القطمير هو اللفافة التي تكون على نواة التمرة، أي لا يملكون من ~~السماوات والأرض شيئا ولا بمقدار هذا القطمير، ثم قال تعالى: { إن ~~تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم } يعني الآلهة التي تدعونها من ms2008 ~~دون الله لا تسمع دعاءكم لأنها جماد لا أرواح فيها { ولو سمعوا ~~ما استجابوا لكم } أي لا يقدرون على شيء مما تطلبون منها، { ~~ويوم القيامة يكفرون بشرككم } أي يتبرأون منكم، كما ~~قال تعالى: # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6]، وقال تعالى: # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا * ~~كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 81-82]، وقوله تعالى: { ولا ينبئك مثل خبير } أي ~~ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه، مثل خبير بها، قال قتادة: ~~يعني نفسه تبارك وتعالى فإنه أخبر بالواقع لا محالة. ### || [35.15-18] # يخبر تعالى بغنائه عما سواه وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بين ~~يديه، فقال تعالى: { يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى ~~الله } أي هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو تعالى الغني ~~عنهم بالذات، ولهذا قال عز وجل: { والله هو الغني ~~الحميد } أي هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ~~ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه، وقوله تعالى: { إن يشأ يذهبكم ~~ويأت بخلق جديد } أي لو شاء لأذهبكم أيها الناس وأتى بقوم ~~غيركم وما هذا عليه بصعب ولا ممتنع، ولهذا قال تعالى: { وما ذلك ~~على الله بعزيز } ، وقوله تعالى: { ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى } أي يوم القيامة، { وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها } أي وإن تدع نفس مثقلة بأوزارها إلى أن تساعد على حمل ما ~~عليها من الأوزار أو بعضه، { لا يحمل منه شيء ولو كان ~~ذا قربى } أي وإن كان قريبا إليها حتى ولو كان أباها أو ابنها، كل ~~مشغول بنفسه وحاله، قال عكرمة في قوله تعالى: { وإن تدع مثقلة ~~إلى حملها } الآية، قال: هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة، ~~فيقول: يا رب سل هذا لم كان يغلق بابه دوني، وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن ~~يوم القيامة فيقول له: يا مؤمن إن لي عندك يدا قد عرفت كيف كنت لك في ~~الدنيا، وقد احتجت إليك اليوم، فلا يزال المؤمن يشفع له عند ربه، حتى ~~يرده إلى منزل دون ms2009 منزله، وهو في النار، وإن الوالد ليتعلق بولده يوم ~~القيامة فيقول يا بني أي والد كنت لك فيثني خيرا، فيقول له يا بني إني ~~قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى، فيقول له ولده: يا ~~أبت ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل ما تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك ~~شيئا، ثم يتعلق بزوجته فيقول: يا فلانة أو يا هذه، أي زوج كنت لك فتثني ~~خيرا، فيقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة تهبين لي لعلي أنجو بها مما ~~ترين، قال: فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا إني ~~أتخوف مثل الذي تتخوف، يقول الله تعالى: { وإن تدع مثقلة ~~إلى حملها } الآية. ويقول تبارك وتعالى: # لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا # [لقمان: 33]، ويقول تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37]، ثم قال تبارك وتعالى: { إنما تنذر الذين ~~يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة } أي إنما ~~يتعظ بما جئت به أولو البصائر والنهى، الخائفون من ربهم الفاعلون ما ~~أمرهم به، { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } أي ومن ~~عمل صالحا فإنما يعود على نفسه، { وإلى الله المصير } أي ~~وإليه المرجع والمآب وهو سريع الحساب، وسيجزي كل عامل بعمله إن خيرا ~~فخير، وإن شرا فشر. ### || [35.19-26] # يقول تعالى: كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة كالأعمى ~~والبصير، لا يستويان بل بينهما فرق وبون كثير، وكما لا تستوي الظلمات ولا ~~النور ولا الظل ولا الحرور، كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات، وهذا مثل ~~ضربه الله تعالى للمؤمنين وهم الأحياء، وللكافرين وهم الأموات، كقوله ~~تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس ~~بخارج منها # [الأنعام: 122]، وقال عز وجل: # مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير ~~والسميع هل يستويان مثلا # [هود: 24] فالمؤمن بصير سميع في نور يمشي على صراط مستقيم، في الدنيا ~~والآخرة حتى يستقر ms2010 به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون، والكافر أعمى ~~وأصم في ظلمات يمشي لا خروج له منها، بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا ~~والآخرة، حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم # وظل من يحموم * لا بارد ولا كريم # [الواقعة: 43-44]، وقوله تعالى: { إن الله يسمع من يشآء } ~~أي يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها { ومآ أنت ~~بمسمع من في القبور } أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم ~~وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها، كذلك هؤلاء ~~المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم، ولا تستطيع هدايتهم { ~~إن أنت إلا نذير } ، أي إنما عليك البلاغ والإنذار والله يضل ~~من يشاء ويهدي من يشاء، { إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ~~ونذيرا } أي بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين، { وإن من ~~أمة إلا خلا فيها نذير } أي وما من أمة خلت من بني آدم إلا ~~وقد بعث الله تعالى إليهم النذر وأزاح عنهم العلل، كما قال تعالى: # إنمآ أنت منذر ولكل قوم هاد # [الرعد: 7]، وكما قال تعالى: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36] الآية، والآيات في هذا كثيرة. وقوله تبارك وتعالى: { وإن ~~يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جآءتهم ~~رسلهم بالبينات } وهي المعجزات الباهرات والأدلة القاطعات، { ~~وبالزبر } وهي الكتب، { وبالكتاب المنير } أي الواضح ~~البين، { ثم أخذت الذين كفروا } ، أي ومع هذا كله كذب ~~أولئك رسلهم فيما جاءوهم به فأخذتهم أي بالعقاب والنكال، { فكيف ~~كان نكير } أي فكيف رأيت إنكاري عليهم عظيما شديدا بليغا؟ والله ~~أعلم. ### || [35.27-28] # يقول تعالى منبها على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من ~~الشيء الواحد، وهو الماء الذي ينزله من السماء، يخرج به ثمرات مختلفا ~~ألوانها من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض، إلى غير ذلك من ألوان الثمار، كما هو ~~الشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها، كما قال تعالى في الآية ~~الأخرى: # يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون # [الرعد: 4]، وقوله تبارك ms2011 وتعالى: { ومن الجبال جدد بيض ~~وحمر مختلف ألوانها } أي وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان ~~كما هو المشاهد أيضا من بيض وحمر، وفي بعضها طرائق وهي الجدد جمع جدة ~~مختلفة الألوان أيضا، قال ابن عباس: الجدد الطرائق، ومنها غرابيب سود، ~~قال عكرمة: الغرابيب الجبال الطوال السود، وقال ابن جرير: والعرب إذا ~~وصفوا الأسود بكثرة السواد، قالوا أسود غربيب، ولهذا قال بعض المفسرين في ~~هذه الآية: هذا من المقدم والمؤخر في قوله تعالى: { وغرابيب سود } ~~أي سود غرابيب، وفيما قاله نظر. وقوله تعالى: { ومن الناس ~~والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك } أي كذلك ~~الحيوانات من الأناسي (والدواب) وهو كل ما دب على القوائم (والأنعام) من ~~باب عطف الخاص على العام كذلك هي مختلفة أيضا، فالناس منهم بربر وحبوش ~~في غاية السواد، وصقالبة وروم في غاية البياض، والعرب بين ذلك، والهنود ~~دون ذلك، وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان، حتى في الجنس الواحد بل ~~النوع الواحد، بل الحيوان الواحد يكون أبلق فيه من هذا اللون، وهذا ~~اللون، فتبارك الله أحسن الخالقين، وقد روى الحافظ البزار في " مسنده " ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أيصبغ ربك؟ قال صلى الله ~~عليه وسلم: " نعم صبغا لا ينفض أحمر وأصفر وأبيض " " # ، ولهذا قال تعالى بعد هذا { إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء } أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما ~~كانت المعرفة للعظيم القدير أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم ~~وأكثر. # قال ابن عباس في قوله تعالى: { إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء } قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير، وعنه قال: ~~العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئا، وأحل حلاله وحرم حرامه، ~~وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه ومحاسب بعمله، وقال سعيد بن جبير: الخشية ~~هي التي تحول بينك وبين معصية الله عز وجل، وقال الحسن البصري: ~~العالم من خشي الرحمن بالغيب ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط ~~الله ms2012 فيه، ثم تلا الحسن: { إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء إن الله عزيز غفور } وعن ابن مسعود رضي الله ~~عنه أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث ولكن العلم عن كثرة الخشية، وقال ~~مالك: إن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما العلم نور يجعله الله في القلب، ~~وقال سفيان الثوري: كان يقال: العلماء ثلاثة، عالم بالله عالم بأمر الله، ~~وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله، ~~فالعالم بالله وبأمر الله الذي يخشى الله تعالى ويعلم الحدود والفرائض، ~~والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ~~والفرائض، والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ~~ولا يخشى الله عز وجل. ### || [35.29-30] # يخبر تعالى عن عبادة المؤمنين، الذين يتلون كتابه ويؤمنون به، ويعملون ~~بما فيه من إقام الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله تعالى سرا وعلانية ~~بأنهم { يرجون تجارة لن تبور } أي يرجون ثوابا عند الله لا ~~بد من حصوله، ولهذا قال تعالى: { ليوفيهم أجورهم ~~ويزيدهم من فضله } أي ليوفيهم ثواب ما عملوه ويضاعفه لهم ~~بزيادات لم تخطر لهم، { إنه غفور } أي لذنوبهم { شكور } للقليل ~~من أعمالهم، قال قتادة: كان مطرف رحمه الله إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه ~~آية القرآء. ### || [35.31] # يقول تعالى: { والذي أوحينآ إليك } يا محمد من الكتاب وهو ~~القرآن { هو الحق مصدقا لما بين يديه } أي من الكتب ~~المتقدمة يصدقها، كما شهدت هي له بالتنويه وأنه منزل من رب العالمين { ~~إن الله بعباده لخبير بصير } أي هو خبير بهم بصير بمن ~~يستحق ما يفضله به على من سواه، ولهذا فضل الأنبياء والرسل على جميع ~~البشر، وفضل النبيين بعضهم على بعض ورفع بعضهم درجات، وجعل منزلة محمد ~~صلى الله عليه وسلم فوق جميعهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ### || [35.32] # يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم، المصدق لما بين يديه من ~~الكتب { الذين اصطفينا من عبادنا } وهم هذه الأمة ثم ~~قسمهم إلى ثلاثة أنواع فقال تعالى: { فمنهم ظالم لنفسه } ~~وهو ms2013 المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، { ومنهم ~~مقتصد } وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض ~~المستحبات ويفعل بعض المكروهات، { ومنهم سابق بالخيرات ~~بإذن الله } وهو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات ~~والمكروهات وبعض المباحات، قال ابن عباس في قوله تعالى: { ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } قال: ~~هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله، فظالمهم ~~يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب، ~~روى الطبراني عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات ~~يوم: # " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " # قال ابن عباس: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل ~~الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا روي عن غير واحد من السلف: أن الظالم ~~لنفسه من هذه الأمة من المصطفين على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون: ~~بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة ولا من المصطفين الوارثين للكتاب. روى ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { فمنهم ظالم ~~لنفسه } قال: هو الكافر، وقال مجاهد في قوله تعالى: { فمنهم ~~ظالم لنفسه } قال: هم أصحاب المشأمة، وقال الحسن وقتادة: هو ~~المنافق، ثم قد قال ابن عباس والحسن وقتادة: وهذه الأقسام الثلاثة ~~كالأقسام المذكورة في أول سورة الواقعة وآخرها. والصحيح أن الظالم لنفسه ~~من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير، كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به ~~الأحاديث # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضا " # ، ونحن إن شاء الله تعالى نورد منها ما تيسر: # الحديث الأول: قال الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: في هذه الآية: # " { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله } قال: " هؤلاء كلهم ~~بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة " # ، ومعنى قوله بمنزلة واحدة: أي ms2014 في أنهم من هذه الأمة وأنهم من أهل ~~الجنة، وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة. الحديث الثاني: قال ~~الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال، سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " قال الله تعالى: { ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ~~مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله } فأما ~~الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا ~~فأولئك الذين يحاسبون حسابا يسيرا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك ~~الذين يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحتمه، فهم الذين ~~يقولون: { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ~~ربنا لغفور شكور * الذي أحلنا دار المقامة ~~من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها ~~لغوب } " # الحديث الثالث: قال الحافظ الطبراني عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: { ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله } الآية، قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " كلهم من هذه الأمة " # ، الحديث الرابع: قال ابن أبي حاتم عن عوف بن مالك رضي الله عنه، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أمتي ثلاثة أثلاث، فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث ~~يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحصون ويكشفون، ثم تأتي ~~الملائكة فيقولون: وجدناهم يقولون لا إله إلا الله وحده، يقول الله ~~تعالى: صدقوا، لا إله إلا أنا أدخلوهم الجنة، بقولهم لا إله إلا الله ~~وحده واحملوا خطاياهم على أهل النار " # ، وهي التي قال الله تعالى: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13]. # (أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه) # قال ابن جرير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن هذه الأمة ~~ثلاثة أثلاث يوم القيامة، ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون ~~حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول الله عز وجل ما هؤلاء؟ ~~وهو أعلم تبارك وتعالى، فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلا أنهم ~~لم يشركوا بك شيئا، فيقول ms2015 الرب عز وجل: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، ~~وتلا عبد الله رضي الله عنه هذه الآية: { ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا } الآية. أثر آخر: قال أبو داود ~~الطيالسي، عن عقبة بن صهبان الهنائي قال: # " سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى: { ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه } الآية، فقالت لي: " يا بني، هؤلاء في الجنة، أما السابق ~~بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالحياة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع أثرا من ~~أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، قال: فجعلت نفسها ~~رضي الله عنها معنا " " # ، وهذا منها رضي الله عنها من باب الهضم والتواضع، وإلا فهي من أكبر ~~السابقين بالخيرات لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. ~~وقال عوف الأعرابي، عن كعب الأحبار رحمه الله قال: إن الظالم لنفسه من ~~هذه الأمة، والمقتصد، والسابق بالخيرات، كلهم في الجنة، ألم تر أن الله ~~تعالى قال: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو ~~الفضل الكبير * جنات عدن يدخلونها } إلى قوله عز ~~وجل { والذين كفروا لهم نار جهنم } قال: فهؤلاء أهل ~~النار، وعن محمد بن الحنفية رضي الله عنه قال: إنها أمة مرحومة، الظالم ~~مغفور له، والمقتصد في الجنان عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند ~~الله. # فهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام، وإذا ~~تقرر هذا فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة، والعلماء ~~أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة، فإنهم كما روى الإمام ~~أحمد رحمه الله عن قيس بن كثير قال: # " قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء رضي الله عنه وهو بدمشق، ~~فقال: ما أقدمك أي أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال: أما قدمت لتجارة؟ ms2016 قال: لا، قال: أما قدمت لحاجة؟ ~~قال: لا. قال أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: نعم، قال رضي الله ~~عنه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من سلك طريقا يطلب ~~فيها علما سلك الله تعالى به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع ~~أجنحتها رضا لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم من في السماوات والأرض ~~حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر ~~الكواكب، وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ~~ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر " # وقد تقدم في أول (سورة طه) حديث ثعلبة بن الحكم عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء إني لم أضع علمي وحكمتي فيكم إلا ~~وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي ". ### || [35.33-35] # يخبر تعالى أن هؤلاء المصطفين من عباده الذين أورثوا الكتاب المنزل من ~~رب العالمين يوم القيامة، مأواهم جنات عدن، أي جنات الإقامة يدخلونها يوم ~~معادهم وقدومهم على الله عز وجل { يحلون فيها من أساور ~~من ذهب ولؤلؤا } كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " # { ولباسهم فيها حرير } ، ولهذا كان محظورا عليهم في الدنيا ~~فأباحه الله تعالى لهم في الآخرة، وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " # وقال: # " هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " # وقال ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة رضي الله عنه حدث أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذكر حلي أهل الجنة فقال: # " مسورون بالذهب والفضة، مكللة بالدر، وعليهم أكاليل من در وياقوت ~~متواصلة، وعليهم تاج كتاج الملوك، شباب جرد مرد مكحولون " # { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } ~~وهو الخوف من المحذور أزاحه عنا وأراحنا مما كنا نتخوفه ms2017 ونحذره من هموم ~~الدنيا والآخرة، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا نشورهم، وكأني بأهل ~~(لا إله إلا الله) ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب ~~عنا الحزن " # وروى الطبراني، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت ولا في القبور ولا في ~~النشور، وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب يقولون: ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور " # ، قال ابن عباس: غفر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات ~~{ الذي أحلنا دار المقامة من فضله } يقولون: الذي ~~أعطانا هذه المنزلة، وهذا المقام من فضله ومنه ورحمته، لم تكن أعمالنا ~~تساوي ذلك، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة " قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ ~~قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل " " # { لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب } أي ~~لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء، والنصب واللغوب كل منهما يستعمل في التعب، ~~وكأن المراد ينفي هذا وهذا عنهم أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم ~~والله أعلم، فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، ~~فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة، قال الله تبارك ~~وتعالى: # كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام ~~الخالية # [الحاقة: 24]. ### || [35.36-37] # لما ذكر تبارك وتعالى حال السعداء شرع في بيان ما للأشقياء، فقال: { ~~والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا } ، كما قال تعالى: # لا يموت فيها ولا يحيى # [طه: 74]، وثبت في " صحيح مسلم " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون " # ، وقال عز وجل: # ونادوا يمالك ليقض علينا ms2018 ربك قال إنكم ~~ماكثون # [الزخرف: 77] فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحة لهم، ولكن لا سبيل إلى ~~ذلك، قال الله تعالى: { لا يقضى عليهم فيموتوا ولا ~~يخفف عنهم من عذابها } ، كما قال عز وجل: # إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون * لا يفتر ~~عنهم وهم فيه مبلسون # [الزخرف: 74-75]، وقال جل وعلا: # كلما خبت زدناهم سعيرا # [الإسراء: 97]، # فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا # [النبأ: 30] ثم قال تعالى: { كذلك نجزي كل كفور } أي هذا ~~جزاء كل من كفر بربه وكذب الحق، وقوله جلت عظمته: { وهم يصطرخون ~~فيها } أي ينادون فيها يجأرون إلى الله عز وجل بأصواتهم: { ربنآ ~~أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل } أي ~~يسألون الرجعة إلى الدنيا ليعملوا غير عملهم الأول، وقد علم الرب جل ~~جلاله أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا # لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون # [الأنعام: 28] فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم، ولذا قال ههنا: { أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجآءكم ~~النذير }؟ أي أو ما عشتم في الدنيا أعمارا، لو كنتم ممن ينتفع بالحق ~~لانتفعتم به في مدة عمركم؟ وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد ~~ههنا، فروي أنه مقدار سبع عشرة سنة، وقال قتادة: اعلموا أن طول العمر ~~حجة فنعوذ بالله أن نعير بطول العمر، قد نزلت هذه الآية: { أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } وإن فيهم لابن ~~ثماني عشرة سنة، وقال وهب بن منبه { أولم نعمركم ما ~~يتذكر فيه من تذكر } قال: عشرين سنة، وقال الحسن: أربعين ~~سنة، وقال مسروق: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله عز ~~وجل. وروى ابن جرير عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: ~~العمر الذي أعذر الله تعالى لابن آدم { أولم نعمركم ما ~~يتذكر فيه من تذكر } أربعون سنة، وهذا هو اختيار ابن جرير، ~~ثم روي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: العمر الذي أعذر الله ~~فيه لابن آدم في قوله: { أولم نعمركم ما يتذكر فيه ~~من تذكر } ستون سنة، ms2019 فهذه الرواية أصح عن ابن عباس رضي الله عنهما، ~~وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضا، لما ثبت في ذلك من الحديث عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لقد أعذر الله تعالى إلى عبد أحياه حتى بلغ ستين أو سبعين سنة، لقد ~~أعذر الله تعالى إليه، لقد أعذر الله تعالى إليه " # وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أعذر الله عز وجل إلى امرىء أخر عمره حتى بلغ ستين سنة " # ، وفي رواية: # " من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله عز وجل إليه في العمر " # وذكر بعضهم أن العمر الطبيعي عند الأطباء مائة وعشرون سنة، فالإنسان لا ~~يزال في ازدياد إلى كمال الستين، ثم يشرع بعد هذا في النقص والهرم، كما ~~قال الشاعر: # إذا بلغ الفتى ستين عاما # فقد ذهب المسرة والفتاء # ولما كان هذا هو العمر الذي يعذر الله تعالى إلى عباده به، ويزيح به ~~عنهم العلل، كان هو الغالب على أعمار هذه الأمة، كما ورد بذلك الحديث عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك " # وقوله تعالى: { وجآءكم النذير } روي عن ابن عباس وعكرمة وقتادة ~~أنهم قالوا: يعني الشيب، وقال السدي وعبد الرحمن بن زيد: يعني به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ ابن زيد: # هذا نذير من النذر الأولى # [النجم: 56] وهذا هو الصحيح عن قتادة أنه قال: احتج عليهم بالعمر ~~والرسل، وهذا اختيار ابن جرير وهو الأظهر، لقوله تعالى: # لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق ~~كارهون # [الزخرف: 78] أي لقد بينا لكم الحق على ألسنة الرسل فأبيتم وخالفتم، ~~وقال تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]، وقال تبارك وتعالى: # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير * قالوا بلى قد جآءنا نذير ~~فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم ~~إلا ms2020 في ضلال كبير # [الملك: 8-9]، وقوله تعالى: { فذوقوا فما للظالمين من ~~نصير } أي فذوقوا عذاب النار، جزاء على مخالفتكم للأنبياء في مدة ~~أعمالكم، فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه، من العذاب والنكال ~~والأغلال. ### || [35.38-39] # يخبر تعالى بعلمه غيب السماوات والأرض، وأنه يعلم ما تكنه السرائر، وما ~~تنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل عامل بعمله، ثم قال عز وجل { هو ~~الذي جعلكم خلائف في الأرض } أي يخلف قوم لآخرين وجيل ~~لجيل قبلهم، { فمن كفر فعليه كفره } أي فإنما يعود وبال ~~ذلك على نفسه دون غيره { ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ~~ربهم إلا مقتا } أي كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله ~~تعالى، وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بخلاف ~~المؤمنين، فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحسن عمله، ارتفعت درجته ومنزلته في ~~الجنة وزاد أجره، وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين. ### || [35.40-41] # يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: { أرأيتم ~~شركآءكم الذين تدعون من دون الله } أي من الأصنام ~~والأنداد، { أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك ~~في السموت } أي ليس لهم شيء من ذلك، ما يملكون من قطمير، وقوله: ~~{ أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه } أي أم ~~أنزلنا عليهم كتابا بما يقولونه من الشرك والكفر، ليس الأمر كذلك { بل ~~إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا } أي بل ~~إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم، وهي غرور ~~وباطل وزور، ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة، التي بها تقوم السماء ~~والأرض عن أمره، وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما فقال: { إن ~~الله يمسك السموت والأرض أن تزولا } أي أن تضطربا ~~عن أماكنهما كما قال عز وجل # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # [الحج: 65]، وقال تعالى: # ومن آياته أن تقوم السمآء والأرض بأمره # [الروم: 25]، { ولئن زالتآ إن أمسكهما من أحد من ~~بعده } ، أي لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو، وهو مع ذلك حليم ~~غفور، أي يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، ms2021 وهو يحلم فيؤخر وينظم ويؤجل ~~ولا يعجل، ويستر آخرين ويغفر، ولهذا قال تعالى: { إنه كان حليما ~~غفورا } ، وفي " الصحيحين " عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع ~~إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور أو ~~النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ". ### || [35.42-43] # يخبر تعالى عن قريش والعرب أنهم أقسموا بالله { جهد أيمانهم } ~~قبل إرسال الرسول إليهم { لئن جآءهم نذير ليكونن ~~أهدى من إحدى الأمم } أي من جميع الأمم الذين أرسل إليهم ~~الرسل، كقوله تعالى: # أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ ~~أهدى منهم فقد جآءكم بينة من ربكم وهدى ~~ورحمة # [الأنعام: 157]، وكقوله تعالى: # وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من ~~الأولين * لكنا عباد الله المخلصين * فكفروا ~~به فسوف يعلمون # [الصافات: 167-170]، قال الله تعالى: { فلما جآءهم نذير } ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم بما أنزل معه من الكتاب العظيم وهو القرآن ~~المبين { ما زادهم إلا نفورا } أي ما ازدادوا إلا كفرا إلى ~~كفرهم. ثم بين ذلك بقوله: { استكبارا في الأرض } أي استكبروا ~~عن اتباع آيات الله، { ومكر السيىء } أي ومكروا بالناس في صدهم ~~إياهم عن سبيل الله، { ولا يحيق المكر السيىء إلا ~~بأهله } أي وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم، قال محمد ~~بن كعب القرظي: ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به، من مكر، أو بغي، أو ~~نكث، وتصديقها في كتاب الله تعالى: { ولا يحيق المكر ~~السيىء إلا بأهله } ، # إنما بغيكم على أنفسكم # [يونس: 23]، # فمن نكث فإنما ينكث على نفسه # [الفتح: 10]، وقوله عز وجل: { فهل ينظرون إلا سنت ~~الأولين } يعني عقوبة الله لهم على تكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره، { ~~فلن تجد لسنت الله تبديلا } أي لا تغير ولا تبدل بل هي ~~جارية كذلك في كل مكذب { ولن تجد لسنت الله تحويلا } أي # وإذا أراد ms2022 الله بقوم سوءا فلا مرد له # [الرعد: 11] ولا يكشف ذلك عنهم ولا يتولهم عنهم أحد، والله أعلم. ### || [35.44-45] # يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين، بما جئتهم به من الرسالة، ~~سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل، كيف دمر الله ~~عليهم فخلت منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من النعيم، بعد كمال القوة ~~وكثرة العدد والعدد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئا ولا دفع ~~عنهم من عذاب الله من شيء، لأنه تعالى لا يعجزه شيء في السماوات والأرض، ~~{ إنه كان عليما قديرا } أي عليم بجميع الكائنات، قدير على ~~مجموعها، ثم قال تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة } أي لو آخذهم بجميع ~~ذنوبهم لأهلك جميع أهل السماوات والأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق، قال ~~سعيد بن جبير والسدي في قوله تعالى: { ما ترك على ظهرها من ~~دآبة } أي لما سقاهم المطر فماتت جميع الدواب { ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى } أي ولكن ينظرهم إلى يوم القيامة ~~فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة، ~~وبالعقاب أهل المعصية، ولهذا قال تبارك وتعالى: { فإذا جآء ~~أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا }. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-7] # قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة، وروي عن ابن ~~عباس أن { يس } بمعنى يا إنسان، وقال سعيد بن جبير: هو كذلك في لغة ~~الحبشة، وقال زيد بن أسلم: هو اسم من أسماء الله تعالى، { والقرآن ~~الحكيم } أي المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، { ~~إنك } أي يا محمد { لمن المرسلين * على صراط ~~مستقيم } أي على منهج ودين قويم وشرع مستقيم، { تنزيل ~~العزيز الرحيم } أي هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئت به، ~~تنزيل من رب العزة الرحيم بعباده المؤمنين، كما قال تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله ~~الذي له ما في السموت وما في الأرض # [الشورى: 52-53]، وقوله تعالى: { لتنذر قوما مآ أنذر ~~آبآؤهم فهم غافلون } يعني ms2023 بهم العرب، فإنه ما أتاهم من نذير ~~من قبله، وقوله تعالى: { لقد حق القول على أكثرهم } ، ~~قال ابن جرير: لقد وجب العذاب على أكثرهم، بأن الله تعالى قد حتم عليهم ~~في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون، { فهم لا يؤمنون } بالله ولا ~~يصدقون رسله. ### || [36.8-12] # يقول تعالى: إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء، كمن جعل في عنقه ~~غل، فجمع يديه مع عنقه تحت ذقنه، فارتفع رأسه فصار مقمحا، ولهذا قال ~~تعالى: { فهم مقمحون } والمقمح هو الرافع رأسه، كما قالت أم زرع ~~في كلامها: وأشرب فأتقمح، أي أشرب فأروى فأرفع رأسي تهنيئا وترويا، ~~واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين وإن كانتا مرادتين، كما قال ~~الشاعر: # فما أدري إذا يممت أرضا # أريد الخير أيهما يليني # فاكتفى بذكر الخير عن ذكر الشر، لما دل الكلام والسياق عليه، وهكذا هذا، ~~لما كان الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين مع العنق اكتفى بذكر العنق عن ~~اليدين، قال ابن عباس: هو كقوله عز وجل: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # [الإسراء: 29] يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم لا يستطيعون أن ~~يبسطوها بخير، وقال مجاهد: { فهم مقمحون } قال: رافعي رؤوسهم ~~وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير، وقوله تعالى: { ~~وجعلنا من بين أيديهم سدا } ، قال مجاهد عن الحق: { ~~ومن خلفهم سدا } عن الحق فهم يترددون، وقال قتادة: في ~~الضلالات، وقوله تعالى: { فأغشيناهم } أي أغشينا أبصارهم عن الحق ~~{ فهم لا يبصرون } أي لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه، قال عبد ~~الرحمن بن زيد: جعل الله تعالى هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، ~~فهم لا يخلصون إليه، وقرأ: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون * ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 96-97]، ثم قال: من منعه الله تعالى لا يستطيع، وقال عكرمة، قال ~~أبو جهل: لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن فأنزلت: { إنا جعلنا ~~في أعناقهم أغلالا } - إلى قوله -: { فهم لا يبصرون ~~} قال: وكانوا يقولون هذا محمد، فيقول: أين هو أين هو؟ ms2024 لا يبصره. # وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب قال: # " قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكا ~~فإذا متم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن، وأنكم إن ~~خالفتموه كان لكم منه ذبح ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تعذبون بها، ~~وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك وفي يده حفنة من تراب، ~~وقد أخذ الله تعالى على أعينهم دونه، فجعل يذروها على رؤوسهم ويقرأ: { ~~يس * والقرآن الحكيم } حتى انتهى إلى قوله تعالى: { ~~وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم فهم لا يبصرون } ، وانطلق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لحاجته وباتوا رصداء على بابه حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من ~~الدار، فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمدا، قال: قد خرج عليكم، فما بقي ~~منكم من رجل إلا وضع على رأسه ترابا، ثم ذهب لحاجته، فجعل كل رجل منهم ~~ينفض ما على رأسه من التراب، قال: وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول ~~أبي جهل فقال: " وأنا أقول ذلك إن لهم مني لذبحا وإنه لآخذهم " # وقوله تبارك وتعالى: { وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون } أي قد ختم الله عليهم بالضلالة، فما يفيد ~~فيهم الإنذار ولا يتأثرون به. { إنما تنذر من اتبع ~~الذكر } أي إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعون { الذكر } ~~وهو القرآن العظيم، { وخشي الرحمن بالغيب } أي حيث لا يراه ~~أحد إلا الله تبارك وتعالى، يعلم أن الله مطلع عليه وعالم بما يفعل، { ~~فبشره بمغفرة } أي لذنوبه { وأجر كريم } أي كثير واسع ~~حسن جميل كما قال تعالى: # إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة ~~وأجر كبير # [الملك: 12]. # ثم قال عز وجل: { إنا نحن نحيي الموتى } أي يوم ~~القيامة، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار، ~~الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، كما قال تعالى ~~بعد ذكر قسوة القلوب: # اعلموا أن الله ms2025 يحيي الأرض بعد موتها قد ~~بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون # [الحديد: 17]، وقوله تعالى: { ونكتب ما قدموا } أي من ~~الأعمال، وفي قوله تعالى: { وآثارهم } قولان: أحدهما: نكتب أعمالهم ~~التي باشروها بأنفسهم وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك ~~أيضا إن خيرا فخير وإن شرا فشر، كقوله صلى الله عليه وسلم: # " من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من ~~غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ~~ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا " # وهكذا الحديث الآخر: # " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد ~~صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده " # وقال مجاهد في قوله تعالى: { ونكتب ما قدموا وآثارهم } ~~قال: ما أورثوا من الضلالة، وقال سعيد بن جبير: { وآثارهم } يعني ما ~~أثروا، يقول: ما سنوا من سنة فعمل بها قوم من بعد موتهم، وهذا القول هو ~~اختيار البغوي. والقول الثاني: أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو ~~المعصية، قال مجاهد: { ما قدموا } أعمالهم { وآثارهم } قال: ~~خطاهم بأرجلهم. وقال قتادة: لو كان الله عز وجل مغفلا شيئا من شأنك ~~يا ابن آدم أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم ~~أثره وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله تعالى أو من ~~معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله تعالى فليفعل، وقد ~~وردت في هذا المعنى أحاديث. # الحديث الأول: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: # " خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: " إنه بلغني أنكم تريدون أن ~~تنتقلوا قرب المسجد " ، قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " يا بني سلمة: دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم ~~" " # الحديث ms2026 الثاني: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: # " كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من ~~المسجد فنزلت: { إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما ~~قدموا وآثارهم } فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " إن ~~آثاركم تكتب " " # فلم ينقلوا. وروى الحافظ البزار، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: إن بني ~~سلمة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منازلهم من المسجد ~~فنزلت: { ونكتب ما قدموا وآثارهم } فأقاموا في مكانهم # . الحديث الثالث: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الأنصار بعيدة ~~منازلهم من المسجد فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد فنزلت { ونكتب ~~ما قدموا وآثارهم } فثبتوا في منازلهم. الحديث الرابع: عن ~~عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: # " توفي رجل بالمدينة فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: " يا ~~ليته مات في غير مولده " فقال رجل من الناس: ولم يا رسول الله؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إن الرجل إذا توفي في غير مولده قيس له من ~~مولده إلى منقطع أثره في الجنة " " # وروى ابن جرير عن ثابت قال: مشيت مع أنس رضي الله عنه فأسرعت المشي ~~فأخذ بيدي فمشينا رويدا، فلما قضينا الصلاة قال أنس: مشيت مع زيد بن ~~ثابت فأسرعت المشي، فقال يا أنس أما شعرت أن الآثار تكتب؟ وهذا القول لا ~~تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى ~~والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة ~~بهم من خير أو شر بطريق الأولى، والله أعلم. وقوله تعالى: { وكل ~~شيء أحصيناه في إمام مبين } أي وجميع الكائنات مكتوب في ~~كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، (والإمام المبين) ههنا هو أم الكتاب، ~~قاله مجاهد وقتادة وكذا في قوله تعالى: # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم # [الإسراء: 71] أي بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير أو شر ~~كما قال عز وجل: # ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهدآء # [الزمر: 69]، وقال ms2027 تعالى: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]. ### || [36.13-17] # يقول تعالى واضرب يا محمد لقومك الذين كذبوك { مثلا أصحاب ~~القرية إذ جآءها المرسلون }. قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ~~ابن عباس وكعب الأحبار: إنها مدينة أنطاكية، وكان بها ملك يقال له: ~~(أنطيقس) كان يعبد الأصنام، فبعث الله تعالى إليه ثلاثة من الرسل وهم ~~(صادق) و(صدوق) و(شلوم) فكذبهم. # وقوله تعالى: { إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما ~~} أي بادروهما بالتكذيب، { فعززنا بثالث } أي قويناهما وشددنا ~~أزرهما برسول ثالث، { فقالوا }: أي لأهل تلك القرية { إنآ ~~إليكم مرسلون } أي من ربكم الذي خلقكم يأمركم بعبادته وحده لا ~~شريك له، { قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا } أي فكيف ~~أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر! فلم لا أوحي إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلا ~~لكنتم ملائكة، وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله تعالى ~~عنهم # ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فقالوا أبشر يهدوننا # [التغابن: 6] أي استعجبوا من ذلك وأنكروه، كما قال تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94] ولهذا قال هؤلاء: { مآ أنتم إلا بشر مثلنا ~~ومآ أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون ~~* قالوا ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون } أي ~~أجابتهم رسلهم الثلاثة قائلين الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبة ~~عليه لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم وستعلمون لمن ~~تكون عاقبة الدار كقوله تعالى: # قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا # [العنكبوت: 52]، { وما علينآ إلا البلاغ المبين } ~~يقولون: إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، فإذا أطعتم كانت ~~السعادة في الدنيا والأخرى، وإن لم تجيبوا فستعلمون غب ذلك، والله أعلم. ### || [36.18-19] # فعند ذلك قال لهم أهل القرية: { إنا تطيرنا بكم } أي لم نر ~~على وجوهكم خيرا في عيشنا، وقال قتادة: يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من ~~أجلكم، ms2028 وقال مجاهد: يقولون: لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عذب أهلها { ~~لئن لم تنتهوا لنرجمنكم } ، قال قتادة: بالحجارة، وقال ~~مجاهد: بالشتم { وليمسنكم منا عذاب أليم } أي عقوبة ~~شديدة، فقالت لهم رسلهم: { طائركم معكم } أي مردود عليكم، كقوله ~~تعالى في قوم فرعون: # وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~ألا إنما طائرهم عند الله # [الأعراف: 131]، وقال قوم صالح: # اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله # [النمل: 47]، وقال قتادة ووهب بن منبه: أي أعمالكم معكم، وقوله تعالى: { ~~أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون } أي من أجل أنا ~~ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، قابلتمونا بهذا الكلام ~~وتوعدتمونا وتهددتمونا، { بل أنتم قوم مسرفون } ، وقال ~~قتادة: أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم منا بل أنتم قوم مسرفون. ### || [36.20-25] # قال وهب بن منبه: إن أهل القرية هموا بقتل رسلهم، فجاءهم رجل من أقصى ~~المدينة يسعى لينصرهم من قومه، قالوا: وهو (حبيب) وكان يعمل الحرير وهو ~~الحباك، وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة يتصدق ~~بنصف كسبه مستقيم الفطرة، وقال ابن عباس: اسم صاحب يس (حبيب النجار) ~~فقتله قومه، وقال السدي: كان قصارا، وقال قتادة: كان يتعبد في غار هناك، ~~{ قال يقوم اتبعوا المرسلين } يحض قومه على اتباع الرسل ~~الذين أتوهم { اتبعوا من لا يسألكم أجرا } أي على إبلاغ ~~الرسالة { وهم مهتدون } فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده ~~لا شريك له، { وما لي لا أعبد الذي فطرني } أي وما ~~يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له، { وإليه ~~ترجعون } أي يوم المعاد فيجازيكم على أعمالكم إن خيرا فخير وإن ~~شرا فشر، { أأتخذ من دونه آلهة }؟ استفهام إنكار وتوبيخ ~~وتقريع { إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون } أي هذه الآلهة التي تعبدونها ~~من دونه، لا يملكون من الأمر شيئا، فإن الله تعالى لو أرادني بسوء، # فلا كاشف له إلا هو # [الأنعام: 17]، وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني ~~مما أنا فيه { إني إذا ms2029 لفي ضلال مبين } أي إن اتخذتها ~~آلهة من دون الله، وقوله تعالى: { إني آمنت بربكم ~~فاسمعون } قال ابن إسحاق: يقول لقومه: { إني آمنت بربكم ~~} الذي كفرتم به { فاسمعون } أي فاسمعوا قولي، ويحتمل أن يكون خطابه ~~للرسل بقوله: { إني آمنت بربكم } أي الذي أرسلكم { ~~فاسمعون } أي فاشهدوا لي بذلك عنده، وقد حكاه ابن جرير فقال: وقال ~~آخرون: بل خاطب بذلك الرسل وقال لهم: اسمعوا قولي لتشهدوا لي بما أقول ~~لكم عند ربي، إني آمنت بربكم واتبعتكم، وهذا القول أظهر في المعنى والله ~~أعلم، قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس: فلما قال ذلك وثبوا عليه ~~وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه، وقال قتادة: جعلوا ~~يرجمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، فلم يزالوا ~~به حتى أقعصوه، وهو يقول كذلك، فقتلوه رحمه الله. ### || [36.26-29] # قال ابن مسعود: إنهم وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصه من دبره وقال الله له: { ~~ادخل الجنة } فدخلها، فهو يرزق فيها قد أذهب الله عنه سقم الدنيا ~~وحزنها ونصبها، وقال مجاهد: قيل لحبيب النجار: ادخل الجنة، وذلك أنه قتل ~~فوجبت له، فلما رأى الثواب { قال يليت قومي يعلمون } قال ~~قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا لا تلقاه غاشا، لما عاين ما عاين من ~~كرامة الله تعالى: { قال يليت قومي يعلمون * بما غفر ~~لي ربي وجعلني من المكرمين } تمنى والله أن يعلم قومه ~~بما عاين من كرامة وما هجم عليه، وقال ابن عباس: نصح قومه في حياته ~~بقوله: # يقوم اتبعوا المرسلين # [يس: 20]، وبعد مماته في قوله: { قال يليت قومي يعلمون * ~~بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } ، وقال سفيان ~~الثوري عن أبي مجلز: { بما غفر لي ربي وجعلني من ~~المكرمين } بإيماني بربي وتصديقي المرسلين، ومقصوده أنهم لو اطلعوا ~~على ما حصل لي من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم، لقادهم ذلك إلى ~~اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي الله عنه، فلقد كان حريصا على هداية قومه. ~~وقال محمد بن إسحاق، عن كعب الأحبار أنه ms2030 ذكر له (حبيب بن زيد) الذي كان ~~مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة، حين جعل يسأله عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فجعل يقول له: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم، ثم يقول: ~~أتشهد أني رسول الله، فيقول: لا أسمع، فيقول له مسليمة لعنه الله: أتسمع ~~هذا ولا تسمع ذاك؟ فيقول: نعم، فجعل يقطعه عضوا عضوا كلما سأله لم يزده ~~على ذلك حتى مات في يديه، فقال كعب حين قيل له اسمه حبيب، وكان والله ~~صاحب يس اسمه حبيب. وقوله تبارك وتعالى: { ومآ أنزلنا على ~~قومه من بعده من جند من السمآء وما كنا ~~منزلين } يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه، غضبا منه ~~تبارك وتعالى عليهم، لأنهم كذبوا رسله وقتلوا وليه، ويذكر عز وجل أنه ~~ما أنزل عليهم وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة ~~عليهم، بل الأمر كان أيسر من ذلك، { إن كانت إلا صيحة ~~واحدة فإذا هم خامدون } فأهلك الله تعالى ذلك الملك، وأهلك ~~أهل أنطاكية فبادوا عن وجه الأرض، فلم يبق منهم باقية، وقيل: { وما ~~كنا منزلين } أي وما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم، ~~بل نبعث عليهم عذابا يدمرهم، وقيل: المعنى في قوله تعالى: { ومآ ~~أنزلنا على قومه من بعده من جند من السمآء } ~~أي من رسالة أخرى إليهم قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد ~~قتله { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون } ~~قال ابن جرير: والأول أصح لأن الرسالة لا تسمى جندا. # قال المفسرون: بعث الله تعالى إليهم جبريل عليه الصلاة والسلام، فأخذ ~~بعضادتي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة، فإذا هم خامدون عن آخرهم لم ~~تبق بهم روح تترد في جسد، وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي ~~(أنطاكية) وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عند المسيح عيسى ابن مريم ~~عليه الصلاة والسلام كما نص عليه قتادة وغيره، وفي ذلك نظر من وجوه: ~~أحدها: أن ظاهر القصة يدل على ms2031 أن هؤلاء كانوا رسل الله عز وجل لا من ~~جهة المسيح عليه السلام كما قال تعالى: # إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا ~~بثالث فقالوا إنآ إليكم مرسلون # [يس: 14]، ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند ~~المسيح عليه السلام، ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم # إن أنتم إلا بشر مثلنا # [إبراهيم: 10]. الثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانت ~~أول مدينة آمنت بالمسيح ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربع ~~اللاتي فيهن بتاركة، وهن (القدس) لأنها بلد المسيح، و(أنطاكية) لأنها أول ~~بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، و(الاسكندرية) لأن فيها اصطلحوا على ~~اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة، ثم (رومية) لأنها مدنية ~~الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأوطده، فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة ~~آمنت، فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله، وأنه أهلكهم ~~بصيحة واحدة أخمدتهم، والله أعلم. الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين ~~أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر غير واحد من السلف أن الله تبارك ~~وتعالى بعد إنزاله التوراة، لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه ~~عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين، ذكروه عند قوله تبارك ~~وتعالى: # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا ~~القرون الأولى # [القصص: 43] فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية ~~أخرى غير (انطاكية) كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا، أو تكون ~~انطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة ~~المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ~~ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || [36.30-32] # قال ابن عباس: { يحسرة على العباد } أي يا ويل العباد، وقال ~~قتادة: { يحسرة على العباد } أي يا حسرة العباد على أنفسهم، ~~على ما ضيعت من أمر الله وفرطت في جنب الله، والمعنى: يا حسرتهم وندامتهم ~~يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل الله وخالفوا أمر الله؟ ~~فإنهم كانوا { ما يأتيهم من ms2032 رسول إلا كانوا به ~~يستهزئون } أي يكذبونه ويستهزئون به ويجحدون ما أرسل به من الحق، ~~ثم قال تعالى: { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون أنهم إليهم لا يرجعون } أي ألم يتعظوا بمن ~~أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل، كيف لم يكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ~~ولا رجعة، وقوله عز وجل: { وإن كل لما جميع لدينا ~~محضرون } أي وإن جميع الأمم الماضية والآتية، ستحضر للحساب يوم ~~القيامة بين يدي الله جل وعلا، فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها، ~~ومعنى هذا كقوله جل وعلا # وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم # [هود: 111]. ### || [36.33-36] # يقول تبارك وتعالى: { وآية لهم } أي دلالة لهم على وجود الصانع ~~وقدرته التامة وإحيائه الموتى { الأرض الميتة } أي إذا كانت ميتة ~~هامدة لا شيء فيها من النبات، فإذا أنزل الله تعالى عليها الماء اهتزت ~~وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال تعالى: { أحييناها ~~وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون } أي جعلنا رزقا لهم ~~ولأنعامهم، { وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب ~~وفجرنا فيها من العيون } أي جعلنا فيها أنهارا سارحة في ~~أمكنة يحتاجون إليها { ليأكلوا من ثمره } لما امتن على خلقه ~~بإيجاد الزروع لهم، عطف بذكر الثمار وتنوعها وأصنافها، وقوله جل وعلا: { ~~وما عملته أيديهم } أي وما ذاك كله إلا من رحمة الله تعالى ~~بهم، لا بسعيهم ولا كدهم ولا بحولهم وقوتهم، ولهذا قال تعالى: { أفلا ~~يشكرون } أي فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي ~~لا تعد ولا تحصى، واختار ابن جرير أن (ما) في قوله تعالى: { وما ~~عملته أيديهم } بمعنى (الذي) تقديره: ليأكلوا من ثمره ومما ~~عملته أيديهم، أي غرسوه ونصبوه، قال: وهي كذلك في قراءة ابن مسعود رضي ~~الله تعالى عنه: { ليأكلوا من ثمره وما عملته ~~أيديهم أفلا يشكرون } ، ثم قال تبارك وتعالى: { سبحان ~~الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض } أي من ~~زروع وثمار ونبات، { ومن أنفسهم } فجعلهم ذكرا وأنثى { ومما ~~لا يعلمون } أي من مخلوقات شتى لا يعرفونها كما قال جلت عظمته: ms2033 # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون # [الذاريات: 49]. ### || [36.37-40] # يقول تعالى: ومن الدلالة لهم على قدرته تبارك وتعالى العظيمة، خلق الليل ~~والنهار، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وجعلهما يتعاقبان، يجيء هذا فيذهب هذا، ~~ويذهب هذا فيجيء هذا، كما قال تعالى: # يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا # [الأعراف: 54]، ولهذا قال عز وجل ههنا: { وآية لهم اليل ~~نسلخ منه النهار } أي نصرمه منه فيذهب فيقبل الليل، ولهذا قال ~~تبارك وتعالى: { فإذا هم مظلمون } كما جاء في الحديث: # " إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر ~~الصائم " # هذا هو الظاهر من الآية؛ وقوله جل جلاله: { والشمس تجري ~~لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم } في معنى ~~قوله: { لمستقر لها }: قولان: أحدهما: أن المراد مستقرها ~~المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي ~~تحت العرش، هي وجميع المخلوقات لأنه سقفها، فحينئذ تسجد وتستأذن في ~~الطلوع كما جاءت بذلك الأحاديث، روى البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال: # " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس "؟ قلت: الله ورسوله ~~أعلم، قال صلى الله عليه وسلم: " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك ~~قوله تعالى: { والشمس تجري لمستقر لها ذلك ~~تقدير العزيز العليم } " " # ، وروى البخاري أيضا عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تبارك وتعالى: { ~~والشمس تجري لمستقر لها } قال صلى الله عليه وسلم: " ~~مستقرها تحت العرش " " # وعنه قال: # " كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد حين غربت الشمس، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " يا أبا ذر أتدري أين تذهب الشمس؟ " قلت: الله ~~ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وسلم: " فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ~~ربها عز وجل، فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها ارجعي من ~~حيث جئت فترجع إلى مطلعها وذلك مستقرها - ثم قرأ ms2034 - { والشمس تجري ~~لمستقر لها } " " # والقول الثاني: أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها وهو يوم القيامة، ~~يبطل سيرها وتسكن حركتها وتكور وينتهي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو ~~مستقرها الزماني، قال قتادة: { لمستقر لها } أي لوقتها ولأجل ~~لا تعدوه، وقيل: المراد أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مدة ~~لا تزيد عليها، ثم تنتقل في مطلع الشتاء إلى مدة لا تزيد عليها، وقرأ ابن ~~مسعود وابن عباس رضي الله عنهم (والشمس تجري لا مستقر لها) أي لا قرار ~~لها ولا سكون، بل هي سائرة ليلا ونهارا لا تفتر ولا تقف، كما قال تبارك ~~وتعالى: # وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين # [إبراهيم: 33] أي لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة، و { ذلك ~~تقدير العزيز } أي الذي لا يخالف ولا يمانع { العليم } بجميع ~~الحركات والسكنات، وقد قدر ذلك ووقته على منوال، لا اختلاف فيه ولا ~~تعاكس، كما قال عز وجل: # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس ~~والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم # [الأنعام: 96]، ثم قال جل وعلا: { والقمر قدرناه منازل ~~} أي جعلناه يسير سيرا آخر، يستدل به على مضي الشهور، كما أن الشمس يعرف ~~بها الليل والنهار، كما قال عز وجل: # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج # [البقرة: 189]. # وقال تعالى: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب # [يونس: 5] الآية، وقال تبارك وتعالى: # وجعلنا اليل والنهار آيتين فمحونآ آية اليل ~~وجعلنآ آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ~~ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل ~~شيء فصلناه تفصيلا # [الإسراء: 12]، فجعل الشمس لها ضوء يخصها، والقمر له نور يخصه، وفاوت ~~بين سير هذه وهذا، فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد، ولكن ~~تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار ويقصر ~~الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وجعل سلطانها بالنهار فهي كوكب ~~نهاري، وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل ~~النور، ثم يزداد نورا في الليلة الثانية ويرتفع منزلة، ms2035 ثم كلما ارتفع ~~ازداد ضياء وإن كان مقتبسا من الشمس، حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة ~~عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير { كالعرجون ~~القديم } قال ابن عباس: وهو أصل العذق، وقال مجاهد { العرجون ~~القديم }: أي العذق اليابس، يعني ابن عباس أصل العنقود من الرطب إذا ~~عتق ويبس وانحنى، ثم بعد هذا يبديه الله تعالى جديدا في أول الشهر ~~الآخر. وقوله تبارك وتعالى: { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك ~~القمر } قال مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه، وإذا جاء ~~سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا، وقال الحسن في ~~قوله تعالى: { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر } قال: ~~ذلك ليلة الهلال، وقال الثوري: لا يدرك هذا ضوء هذا ولا هذا ضوء هذا، ~~وقال عكرمة في قوله عز وجل: { لا الشمس ينبغي لهآ أن ~~تدرك القمر } يعني أن لكل منهما سلطانا فلا ينبغي للشمس أن تطلع ~~بالليل، وقوله تعالى: { ولا اليل سابق النهار } يقول: لا ~~ينبغي إذا كان الليل أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار، فسلطان الشمس ~~بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقال الضحاك: لا يذهب الليل من ههنا حتى ~~يجيء النهار من ههنا وأومأ بيده إلى المشرق، وقال مجاهد: { ولا ~~اليل سابق النهار } المعنى أنه لا فترة بين الليل والنهار، بل ~~كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخ، لأنهما مسخران دائبين يتطالبان ~~طلبا حثيثا، وقوله تبارك وتعالى: { وكل في فلك يسبحون } ~~يعني الليل والنهار والشمس والقمر كلهم { يسبحون } أي يدورون في فلك ~~السماء، قال ابن عباس: في فلكة كفلكة المغزل، وقال مجاهد: الفلك كحديدة ~~الرحى أو كفلكة المغزل، لا يدور المغزل إلا بها ولا تدور إلا به. ### || [36.41-44] # يقول تبارك وتعالى: ودلالة لهم أيضا على قدرته تبارك وتعالى، وتسخيره ~~البحر ليحمل السفن، فمن ذلك بل أوله سفينة نوح عليه الصلاة والسلام، التي ~~أنجاه الله تعالى فيها بمن معه من المؤمنين، ولهذا قال عز وجل { ~~وآية لهم أنا حملنا ms2036 ذريتهم } أي آباءهم { في ~~الفلك المشحون } أي في السفينة المملوءة من الأمتعة والحيوانات، ~~التي أمره الله تبارك وتعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، قال ابن ~~عباس { المشحون } الموقر، وقال الضحاك وقتادة: هي سفينة نوح عليه ~~الصلاة والسلام، وقوله جل وعلا: { وخلقنا لهم من مثله ~~ما يركبون } قال ابن عباس: يعني بذلك الإبل، فإنها سفن البر يحملون ~~عليها ويركبونها، وقال السدي في رواية: هي الأنعام، وقال ابن جرير: عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتدرون ما قوله تعالى: { وخلقنا ~~لهم من مثله ما يركبون }؟ قلنا: لا، قال: هي السفن جعلت ~~من بعد سفينة نوح عليه الصلاة والسلام على مثلها، وكذا قال الضحاك ~~وقتادة: المراد بقوله تعالى: { وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون } أي السفن، ويقوي هذا المذهب في المعنى قوله جل وعلا: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية * ~~لنجعلها لكم تذكرة وتعيهآ أذن واعية # [الحاقة: 11-12]، وقوله عز وجل: { وإن نشأ نغرقهم } يعني ~~الذين في السفن، { فلا صريخ لهم } أي فلا مغيث لهم مما هم فيه، { ~~ولا هم ينقذون } أي مما أصابهم، { إلا رحمة منا } ~~وهذا استثناء منقطع تقديره: ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر ونسلمكم ~~إلى أجل مسمى، ولهذا قال تعالى: { ومتاعا إلى حين } أي إلى وقت ~~معلوم عند الله عز وجل. ### || [36.45-47] # يقول تعالى مخبرا عن تمادي المشركين في غيهم وضلالهم، وعدم اكتراثهم ~~بذنوبهم التي أسلفوها، وما يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة: { وإذا ~~قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم } قال ~~مجاهد: من الذنوب، { لعلكم ترحمون } أي لعل الله باتقائكم ذلك ~~يرحمكم ويؤمنكم من عذابه، وتقدير الكلام أنهم لا يجيبون إلى ذلك بل ~~يعرضون عنه، واكتفى عن ذلك بقوله تعالى: { وما تأتيهم من آية ~~من آيات ربهم }: أي على التوحيد وصدق الرسل، { إلا كانوا ~~عنها معرضين } أي لا يتأملونها ولا يقبلونها ولا ينتفعون بها، ~~وقوله عز وجل: { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم ~~الله } أي وإذا أمروا بالانفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحاويج ms2037 من ~~المسلمين { قال الذين كفروا للذين آمنوا } أي قالوا ~~لمن أمرهم من المؤمنين بالإنفاق، محاجين لهم فيما أمروهم به: { ~~أنطعم من لو يشآء الله أطعمه } أي هؤلاء الذين ~~أمرتمونا بالإنفاق عليهم، لو شاء الله لأغناهم ولأطعمهم من رزقه، فنحن ~~نوافق مشيئة الله تعالى فيهم { إن أنتم إلا في ضلال مبين ~~} أي في أمركم لنا بذلك. ### || [36.48-50] # يخبر تعالى عن استبعاد الكفرة لقيام الساعة في قولهم: { متى هذا ~~الوعد } ، كما قال تعالى: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها # [الشورى: 18]، قال الله عز وجل: { ما ينظرون إلا صيحة ~~واحدة تأخذهم وهم يخصمون } أي ما ينتظرون إلا صيحة ~~واحدة، وهذه والله أعلم: " نفخة الفزع " ينفخ في الصور نفخة الفزع، ~~والناس في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم، فبينما هم ~~كذلك إذ أمر الله عز وجل إسرافيل فنفخ في الصور نفخة يطولها ويمدها، ~~فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، وهي صفحة العنق ~~يتسمع الصوت من قبل السماء، ثم يساق الموجودون من الناس إلى محشر القيامة ~~بالنار تحيط بهم من جوانبهم، ولهذا قال تعالى: { فلا يستطيعون ~~توصية } أي على ما يملكونه، الأمر أهم من ذلك، { ولا إلى ~~أهلهم يرجعون } ، وقد وردت ههنا آثار وأحاديث ذكرناها في موضع ~~آخر، ثم يكون بعد هذا: " نفخة الصعق " التي تموت بها الأحياء كلهم ما عدا ~~الحي القيوم، ثم بعد ذلك، " نفخة البعث " والله أعلم. ### || [36.51-54] # هذه هي النفخة الثالثة وهي نفخة (البعث والنشور) للقيام من الأجداث ~~والقبور، ولهذا قال تعالى: { فإذا هم من الأجداث إلى ~~ربهم ينسلون } والنسلان هو المشي السريع، كما قال تعالى: # يوم يخرجون من الأجداث سراعا # [المعارج: 43] الآية، { قالوا يويلنا من بعثنا من ~~مرقدنا } يعنون قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا ~~يبعثون منها، فلما عاينوا ما كذبوا به في محشرهم { قالوا يويلنا ~~من بعثنا من مرقدنا }؟ وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم، لأنه ~~بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد، قال أبي بن كعب ومجاهد والحسن: ~~ينامون نومة ms2038 قبل البعث، قال قتادة. وذلك بين النفختين، فلذلك يقولون: { ~~من بعثنا من مرقدنا } فإذا قالوا ذلك أجابهم المؤمنون: { ~~هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } وقال الحسن: ~~إنما يجيبهم بذلك الملائكة؛ وقال عبد الرحمن بن زيد: الجميع من قول ~~الكفار: { يويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد ~~الرحمن وصدق المرسلون } نقله ابن جرير، واختار الأول وهو ~~أصح، وذلك كقوله تبارك وتعالى في الصافات: # وقالوا يويلنا هذا يوم الدين * هذا يوم ~~الفصل الذي كنتم به تكذبون # [الصافات: 20-21]، وقوله تعالى: { إن كانت إلا صيحة ~~واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون } ، كقوله عز ~~وجل: # فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة # [النازعات: 13-14]، وقال جلت عظمته: # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل: 77]، وقال جل جلاله: # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن ~~لبثتم إلا قليلا # [الإسراء: 52] أي إنما نأمرهم أمرا واحدا فإذا الجميع محضرون، { ~~فاليوم لا تظلم نفس شيئا } أي من عملها { ولا ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون }. ### || [36.55-58] # يخبر تعالى عن أهل الجنة: أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العرصات، ~~فنزلوا في روضات الجنات، أنهم في شغل عن غيرهم، بما هم فيه من النعيم ~~المقيم، والفوز العظيم، قال الحسن البصري: في شغل عما فيه أهل النار من ~~العذاب، وقال مجاهد: { في شغل فاكهون } أي في نعيم معجبون به، ~~وقال ابن عباس: { فاكهون } أي فرحون، قال ابن مسعود وابن عباس والحسن ~~وقتادة في قوله تبارك وتعالى: { إن أصحاب الجنة اليوم في ~~شغل فاكهون } قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار، وقال ابن عباس في ~~رواية عنه: { في شغل فاكهون } أي بسماع الأوتار، وقوله عز وجل: ~~{ هم وأزواجهم } قال مجاهد: وحلائلهم { في ظلال } أي في ~~ظلال الأشجار { على الأرآئك متكئون } قال ابن عباس ومجاهد ~~وعكرمة { الأرآئك } هي السرر تحت الحجال، وقوله عز وجل: { لهم ~~فيها فاكهة } أي من جميع أنواعها { ولهم ما يدعون } أي ~~مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذ، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما ~~قال: قال رسول الله صلى ms2039 الله عليه وسلم: # " ألا هل مشمر إلى الجنة! فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور ~~كلها يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة ~~حسناء جميلة، وجلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سلامة، وفاكهة خضرة، وخير ~~ونعمة في محلة عالية بهية، قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، ~~قال صلى الله عليه وسلم: " قولوا إن شاء الله " ، فقال القوم: إن شاء ~~الله " # وقوله تعالى: { سلام قولا من رب رحيم } قال ابن عباس: ~~فإن الله تعالى نفسه سلام على أهل الجنة، وهذا كقوله تعالى: # تحيتهم يوم يلقونه سلام # [الأحزاب: 44]، وقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع عليهم نور فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب ~~تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك ~~قوله تعالى: { سلام قولا من رب رحيم } ، قال فينظر إليهم ~~وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى ~~يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم ". ### || [36.59-62] # يقول تعالى مخبرا عما يؤول إليه حال الكفار يوم القيامة، من أمره لهم ~~(أن يمتازوا) بمعنى يتميزوا عن المؤمنين في موقفهم، كقوله تعالى: # ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركآؤكم فزيلنا بينهم # [يونس: 28]، وقال عز وجل: # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون # [الروم: 14]، وقال: # يومئذ يصدعون # [الروم: 43] أي يصيرون صدعين فرقتين، وقوله تعالى: { ألم أعهد ~~إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين } هذا تقريع من الله تعالى للكفرة من بني آدم، ~~الذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين، وعصوا الرحمن وهو الذي خلقهم ~~ورزقهم، ولهذا قال تعالى: { وأن اعبدوني هذا صراط ~~مستقيم } أي قد أمرتكم في دار الدنيا بعصيان الشيطان وأمرتكم ~~بعبادتي، وهذا هو الصراط المستقيم، فسلكتم غير ذلك واتبعتم الشيطان فيما ~~أمركم به، ولهذا قال عز وجل: { ولقد أضل منكم جبلا ~~كثيرا } يقال: جبلا بكسر الجيم ms2040 وتشديد اللام، والمراد بذلك الخلق ~~الكثير، وقوله تعالى: { أفلم تكونوا تعقلون } أي أفما كان ~~لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به وعدولكم إلى اتباع الشيطان؟ عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم ~~يقول: { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } فيتميز الناس ~~ويجثون، وهي التي يقول الله عز وجل: { وترى كل أمة ~~جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ~~ما كنتم تعملون } ". ### || [36.63-67] # يقال للكفرة من بني آدم يوم القيامة وقد برزت الجحيم لهم تقريعا ~~وتوبيخا { هذه جهنم التي كنتم توعدون } أي هذه التي ~~حذرتكم الرسل فكذبتموهم، { اصلوها اليوم بما كنتم ~~تكفرون } ، كما قال تعالى: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا * هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون # [الطور: 13-14]، وقوله تعالى: { اليوم نختم على ~~أفواههم وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما ~~كانوا يكسبون } ، هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة حين ~~ينكرون ما اجترموه في الدنيا ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم ~~ويستنطق جوارحهم بما عملت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: # " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال صلى ~~الله عليه وسلم: " أتدرون مم أضحك؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال صلى ~~الله عليه وسلم: " من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: رب ألم تجرني ~~من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي، فيقول: ~~كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم على فيه، ~~ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: ~~بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل " " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ~~القيامة الطويل قال فيه: # " ثم يلقى الثالث فيقول: ما أنت؟ فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك ~~وبكتابك، وصمت وصليت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع قال فيقال له: ~~ألا نبعث عليك شاهدنا؟ قال: فيفكر ms2041 في نفسه من الذي يشهد عليه، فيختم ~~على فيه، ويقال: لفخذه انطقي قال فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان ~~يعمل، وذلك المنافق، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك الذي يسخط الله تعالى عليه ~~" # روى ابن جرير عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: يدعى المؤمن للحساب ~~يوم القيامة، فيعرض عليه ربه عمله فيما بينه وبينه فيعترف فيقول: نعم أي ~~رب عملت عملت عملت، قال: فيغفر الله تعالى له ذنوبه ويستره منها، قال: ~~فما على الأرض خليقة ترى من تلك الذنوب شيئا، وتبدو حسناته فود الناس ~~كلهم يرونها، ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض عليه ربه عمله فيجحد، ~~ويقول: أي رب وعزتك، لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له ~~الملك، أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك أي رب ما ~~عملته، فإذا فعل ذلك ختم الله تعالى على فيه، قال أبو موسى الأشعري رضي ~~الله عنه: فإني أحسب أول ما ينطق منه الفخذ اليمنى، ثم تلا: { اليوم ~~نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم وتشهد ~~أرجلهم بما كانوا يكسبون }. # وقوله تبارك وتعالى: { ولو نشآء لطمسنا على أعينهم ~~فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون } ، قال ابن عباس في ~~تفسيرها يقول: ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى فكيف يهتدون؟ وقال مرة: ~~أعميناهم، وقال الحسن البصري: لو شاء الله لطمس على أعينهم، فجعلهم عميا ~~يترددون، وقال السدي: ولو نشاء أعمينا أبصارهم، وقال مجاهد وقتادة ~~والسدي: { فاستبقوا الصراط } يعني الطريق، وقال ابن زيد يعني ~~بالصراط ههنا الحق فأنى يبصرون وقد طمسنا على أعينهم؟ وقال ابن عباس: { ~~فأنى يبصرون } لا يبصرون الحق، وقوله عز وجل: { ولو ~~نشآء لمسخناهم على مكانتهم } قال ابن عباس: ~~أهلكناهم، وقال السدي: يعني لغيرنا خلقهم، وقال أبو صالح: لجعلناهم ~~حجارة، وقال الحسن البصري وقتادة: لأقعدهم على أرجلهم، ولهذا قال تبارك ~~وتعالى: { فما استطاعوا مضيا } أي إلى الإمام { ولا ~~يرجعون } إلى وراء بل يلزمون حالا واحدا لا يتقدمون ولا يتأخرون. ### || [36.68-70] # يخبر تعالى عن ابن آدم أنه كلما طال عمره، رد ms2042 إلى الضعف بعد القوة، ~~والعجز بعد النشاط، كما قال تعالى: # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ~~ما يشآء وهو العليم القدير # [الروم: 54]، وقال عز وجل: # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم ~~بعد علم شيئا # [النحل: 70، الحج: 5]، والمراد من هذا والله أعلم الإخبار عن هذه ~~الدار، بأنها دار زوال وانتقال، لا دار دوام واستقرار، ولهذا قال عز ~~وجل: { أفلا يعقلون }؟ أي يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم، ثم ~~صيرورتهم إلى سن الشيبة، ثم إلى الشيخوخة، ليعلموا أنهم خلقوا لدار أخرى، ~~لا زوال لها ولا انتقال منها، ولا محيد عنها وهي الدار الآخرة، وقوله ~~تبارك وتعالى: { وما علمناه الشعر وما ينبغي له } ~~يقول عز وجل مخبرا عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أنه ما علمه ~~الشعر { وما ينبغي له } أي ما هو في طبعه فلا يحسنه ولا يحبه ولا ~~تقتضيه جبلته، ولهذا ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يحفظ بيتا على ~~وزن منتظم، بل إن أنشده زحفه أو لم يتمه، قال الشعبي: ما ولد عبد المطلب ~~ذكرا ولا أنثى إلا يقول الشعر، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ~~الحسن البصري قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا ~~البيت: # (كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا) # ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، كفى الشيب والإسلام للمرء ~~ناهيا قال أبو بكر أو عمر رضي الله عنهما: أشهد أنك رسول الله، يقول ~~تعالى: { وما علمناه الشعر وما ينبغي له }. وروى ~~الأموي في " مغازيه " أن رسول الله صلى لله عليه وسلم جعل يمشي بين ~~القتلى يوم بدر، وهو يقول: # " نفلق هاما " # ، فيقول الصديق رضي الله عنه متمما للبيت: # .... من رجال أعزة # علينا وهم كانوا أعق وأظلما # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى لله عليه وسلم إذا ~~استراب الخبر تمثل فيه ببيت طرفة: # ويأتيك بالأخبار من لم تزود ms2043 # وهو في شعر (طرفة بن العبد) في معلقته المشهورة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # " ويأتيك بالأخبار من لم تزود " # وثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد ~~الله بن رواحة رضي الله عنه، ولكن تبعا لقول أصحابه رضي الله عنهم، ~~فإنهم كانوا يرتجزون وهم يحفرون فيقولون: # لا هم لولا أنت ما اهتدينا # ولا تصدقنا ولا صلينا # فأنزلن سكينة علينا # وثبت الأقدام إن لاقينا # إن أولاء قد بغوا علينا # إذا أرادوا فتنة أبينا # ويرفع صلى الله عليه وسلم صوته بقوله: أبينا، ويمدها، وقد روى هذا بزحاف ~~في " الصحيحين " أيضا، وكذا ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين ~~وهو راكب البغلة يقدم بها في نحور العدو: # أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب # لكن قالوا: هذا وقع اتفاقا من غير قصد لوزن شعر، بلى جرى على اللسان من ~~غير قصد إليه، وكذلك ما ثبت في " الصحيحين " عن جندب بن عبد الله رضي ~~الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار، فنكبت اصبعه، ~~فقال صلى لله عليه وسلم: # هل أنت إلا أصبع دميت # وفي سبيل الله ما لقيت # وكل هذا لا ينافي كونه صلى الله عليه وسلم ما علم شعرا وما ينبغي له، ~~فإن الله تعالى إنما علمه القرآن العظيم: الذي # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 42]، وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش، ولا كهانة ~~ولا سحر يؤثر، كما تنوعت فيه أقوال الضلال وآراء الجهال، وقد كانت سجيته ~~صلى الله عليه وسلم تأبى صناعة الشعر طبعا وشرعا. قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا " # على أن الشعر فيه ما هو مشروع وهو هجاء المشركين، الذي كان يتعاطاه ~~شعراء الإسلام، كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وأمثالهم ~~وأضرابهم رضي الله عنهم أجمعين، ومنه ما ms2044 فيه حكم ومواعظ وآداب، كما يوجد ~~في شعر جماعة من الجاهلية، ومنهم (أمية بن أبي الصلت) الذي قال فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " آمن شعره وكفر قلبه " # ، وقد أنشد بعض الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم مائة ~~بيت يقول صلى الله عليه وسلم عقب كل بيت: " هيه " ، يعني يستطعمه فيزيده ~~من ذلك، وفي الحديث: # " إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما " # ، ولهذا قال تعالى: { وما علمناه الشعر } يعني محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ما علمه الله الشعر، { وما ينبغي له } أي وما يصلح ~~له { إن هو إلا ذكر وقرآن مبين } أي ما هذا الذي ~~علمناه { إلا ذكر وقرآن مبين } أي بين واضح جلي لمن تأمله ~~وتدبره، ولهذا قال تعالى: { لينذر من كان حيا } أي لينذر هذا ~~القرآن المبين كل حي على وجه الأرض، كقوله: # لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19]، وإنما ينتفع بنذارته من هو حي القلب مستنير البصيرة، كما ~~قال قتادة: حي القلب، حي البصر، وقال الضحاك: يعني عاقلا، { ويحق ~~القول على الكافرين } أي وهو رحمة للمؤمنين وحجة على ~~الكافرين. ### || [36.71-73] # يذكر تعالى ما أنعم به على خلقه من هذه الأنعام التي سخرها لهم { فهم ~~لها مالكون } قال قتادة: مطيقون أي جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم، ~~لا تمتنع منهم بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه، ولو شاء لأقامه وساقه ~~وذاك ذليل منقاد معه، وكذا لو كان القطار مائة بعير أو أكثر لسار الجميع ~~بسير الصغير، وقوله تعالى: { فمنها ركوبهم ومنها ~~يأكلون } أي منها ما يركبون في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال إلى ~~سائر الجهات والأقطار، { ومنها يأكلون } إذا شاءوا نحروا ~~واجتزروا { ولهم فيها منافع } أي من أصوافها وأوبارها وأشعارها ~~أثاثا ومتاعا إلى حين { ومشارب } أي من ألبانها وأبوالها لمن ~~يتداوى ونحو ذلك، { أفلا يشكرون }؟ أي أفلا يوحدون خالق ذلك ~~ومسخره ولا يشركون به غيره؟ ### || [36.74-76] # يقول تعالى منكرا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله، ~~يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة، وترزقهم وتقربهم ms2045 إلى الله زلفى، قال ~~الله تعالى: { لا يستطيعون نصرهم } أي لا تقدر الآلهة على ~~نصر عابديها، بل هي أضعف من ذلك وأقل وأذل، وأحقر وأدحر، بل لا تقدر على ~~الاستنصار لأنفسها ولا الانتقام ممن أرادها بسوء، لأنها جماد لا تسمع ولا ~~تعقل، وقوله تبارك وتعالى: { وهم لهم جند محضرون } ، قال ~~مجاهد: يعني عند الحساب يريد أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة ~~محضرة عند حساب عابديها، ليكون ذلك أبلغ في حزنهم وأدل عليهم في إقامة ~~الحجة عليهم، وقال قتادة: { لا يستطيعون نصرهم } يعني ~~الآلهة، { وهم لهم جند محضرون } والمشركون يغضبون للآلهة ~~في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيرا ولا تدفع عنهم شرا إنما هي أصنام، ~~وهذا القول حسن، وهو اختيار ابن جرير، وقوله تعالى: { فلا يحزنك ~~قولهم } أي تكذيبهم لك وكفرهم بالله، { إنا نعلم ما ~~يسرون وما يعلنون } أي نحن نعلم جميع ما هم فيه وسنجزيهم ~~وصفهم، يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلا ولا حقيرا، ولا صغيرا، ولا ~~كبيرا، بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديما وحديثا. ### || [36.77-80] # قال مجاهد وعكرمة: # " جاء (أبي بن خلف) لعنه الله، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~يده عظم رميم، وهو يفته ويذروه في الهواء، وهو يقول: يا محمد أتزعم أن ~~الله يبعث هذا؟ قال صلى الله عليه وسلم: " نعم، يميتك الله تعالى ثم ~~يبعثك ثم يحشرك إلى النار " " # ، ونزلت هذه الآيات من آخر يس: { أولم ير الإنسان أنا ~~خلقناه من نطفة } إلى آخرهن، وقال ابن أبي حاتم، عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " إن العاص بن وائل أخذ عظما من البطحاء ففته بيده ثم قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أيحيي الله هذا بعد ما أرى؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: نعم: يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك جهنم " # ، قال: ونزلت الآيات من آخر يس، وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد ~~نزلت في (أبي بن خلف) أو (العاص بن وائل) ms2046 أو فيهما، فهي عامة في كل من ~~أنكر البعث، والألف واللام في قوله تعالى: { أولم ير الإنسان } ~~للجنس يعم كل منكر للبعث، { أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين } أي أو لم يستدل من أنكر البعث بالبدء على ~~الإعادة، فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء ~~حقير ضعيف مهين، كما قال عز وجل: # ألم نخلقكم من مآء مهين # [المرسلات: 20]، وقال تعالى: # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج # [الإنسان: 2] أي من نطفة من أخلاط متفرقة، فالذي خلقه من هذه النطفة ~~الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته؟ كما قال الإمام أحمد في " مسنده ~~" عن بشر بن جحاش قال: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما في كفه فوضع عليها إصبعه، ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله تعالى: ابن آدم أنى ~~تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين برديك ~~وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق وأنى ~~أوان الصدقة؟ " " # ، ولهذا قال تعالى: { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال ~~من يحيي العظام وهي رميم }؟ أي استبعد إعادة الله تعالى ذي ~~القدرة العظيمة، للأجساد والعظام الرميمة، ونسي نفسه وأن الله تعالى خلقه ~~من العدم إلى الوجود، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده، ~~ولهذا قال عز وجل: { قل يحييها الذي أنشأهآ أول ~~مرة وهو بكل خلق عليم } أي يعلم العظام في سائر أقطار ~~الأرض وأرجائها؛ أين ذهبت وأين تفرقت وتمزقت. # قال الإمام أحمد، قال عقبة بن عمرو لحذيفة رضي الله عنهما: # " ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سمعته صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " إن رجلا حضره الموت فلما أيس من الحياة أوصى ~~أهله إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبا كثيرا جزلا، ثم أوقدوا فيه نارا، ~~حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي، فامتحشت فخذوها فدقوها فذروها في ~~اليم، ففعلوا، فجمعه الله تعالى إليه، ms2047 ثم قال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من ~~خشيتك، فغفر الله عز وجل له " " # ، وفي " الصحيحين " # " بأنه أمر بنيه أن يحرقوه، ثم يسحقوه، ثم يذروا نصفه في البر ونصفه في ~~البحر في يوم رائح، أي كثير الهواء، ففعلوا ذلك، فأمر الله تعالى البحر ~~فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: كن فإذا هو رجل قائم، ~~فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك وأنت أعلم، فما تلافاه أن غفر ~~له " # وقوله تعالى: { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ~~فإذآ أنتم منه توقدون } أي الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء، ~~حتى صار خضرا نضرا، ذا ثمر وينع، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا ~~توقد به النار، كذلك هو فعال لما يشاء قادر على ما يريد لا يمنعه شيء، ~~قال قتادة: يقول: هذا الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادرعلى أن ~~يبعثه، وقيل: المراد بذلك شجر المرخ والغفار ينبت في أرض الحجاز فيأتي من ~~أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما ~~بالآخر، فتتولد النار بينهما كالزناد سواء، وفي المثل: لكل شجر نار ~~واستمجد المرخ والغفار. وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا العناب. ### || [36.81-83] # يقول تعالى مخبرا منبها على قدرته العظيمة، في خلق السماوات السبع بما ~~فيها من الكواكب السيارة والثوابت، والأرضين السبع وما فيها من جبال ~~ورمال وبحار وقفار وما بين ذلك، ومرشدا إلى الاستدلال على إعادة الأجساد ~~بخلق هذه الأشياء العظيمة كقوله تعالى: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57] وقال عز وجل ههنا { أوليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم } أي ~~مثل البشر فيعيدهم كما بدأهم، وهذه الآية الكريمة كقوله عز وجل: # أولم يروا أن الله الذي خلق السموت ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى إنه على كل شيء قدير # [الأحقاف: 33]، وقال تبارك وتعالى ههنا: { بلى وهو الخلاق ~~العليم * إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له ms2048 ~~كن فيكون } أي إنما يأمر بالشيء أمرا واحدا لا يحتاج إلى تكرار ~~وتأكيد كما قيل: # إذا ما أراد الله أمرا فإنما # يقول له { كن } قولة { فيكون } # عن أبي ذر رضي الله عنه، # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى يقول يا عبادي ~~كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم، وكلكم فقير إلا من أغنيت، ~~إني جواد ماجد واجد أفعل ما أشاء، عطائي كلام، وعذابي كلام، إذا أردت ~~شيئا فإنما أقول له كن فيكون " " # ، وقوله تعالى: { فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ~~وإليه ترجعون } أي تنزيه وتقديس للحي القيوم، الذي بيده مقاليد ~~السماوات والأرض، وإليه ترجع العباد يوم المعاد فيجازي كل معامل بعمله، ~~وهو العادل المنعم المتفضل، ومعنى قوله سبحانه: { فسبحان الذي ~~بيده ملكوت كل شيء } كقوله عز وجل: # تبارك الذي بيده الملك # [الملك: 1] فالملك والملكوت واحد في المعنى كرحمة ورحموت، ورهبة ورهبوت، ~~ومن الناس من زعم أن { الملك } هو عالم الأجساد، و { الملكوت } ~~هو عالم الأرواح، والصحيح الأول، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين ~~وغيرهم. روى الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: # " قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ السبع الطوال في ~~ركعات، وكان صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله ~~لمن حمده، ثم قال: الحمد لله، ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ~~وكان ركوعه مثل قيامه، وسجوده مثل ركوعه، فانصرف وقد كادت تنكسر رجلاي " # عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: # " قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام، فقرأ سورة البقرة، لا ~~يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ، قال: ثم ~~ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: " سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء ~~والعظمة " ، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ ~~بآل عمران، ثم قرأ سورة ". ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-5] # قال ابن مسعود رضي الله عنه ms2049 { والصافات صفا } ، { ~~فالزاجرات زجرا } ، { فالتاليات ذكرا }: هي الملائكة؛ ~~وقال قتادة: الملائكة صفوف في السماء، روى مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ " قلنا وكيف تصف الملائكة ~~عند ربهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: " يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون ~~في الصف " " # وقال السدي معنى قوله تعالى: { فالزاجرات زجرا }: أنها تزجر ~~السحاب، وقال الربيع بن أنس { فالزاجرات زجرا }: ما زجر الله ~~تعالى عنه في القرآن، { فالتاليات ذكرا } قال السدي: الملائكة ~~يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس، كقوله تعالى: # فالملقيات ذكرا * عذرا أو نذرا # [المرسلات: 5-6]، وقوله عز وجل: { إن إلهكم لواحد * ~~رب السموت والأرض } ، هذا هو المقسم عليه أنه تعالى لا ~~إله إلا هو رب السماوات والأرض { وما بينهما } أي من المخلوقات، ~~{ ورب المشارق } أي هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه ~~من كواكب تبدو من المشرق وتغرب من المغرب، واكتفى بذكر المشارق عن ~~المغارب لدلالتها عليه، وقد صرح بذلك في قوله عز وجل: # فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا ~~لقادرون # [المعارج: 40]، وقال تعالى: # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17] يعني في الشتاء والصيف، للشمس والقمر. ### || [37.6-10] # يخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض بزينة ~~الكواكب، فالكواكب السيارة والثوابت تضيء لأهل الأرض، كما قال تعالى: # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها ~~رجوما للشياطين # [الملك: 5]، وقال عز وجل: # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين * وحفظناها من كل شيطان رجيم # [الحجر: 16-17]، فقوله جل وعلا ههنا: { وحفظا } تقديره: وحفظناها ~~حفظا: { من كل شيطان مارد } يعني المتمرد العاتي، إذا أراد ~~أن يسترق السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه، ولهذا قال جل جلاله: { لا ~~يسمعون إلى الملإ الأعلى } أي لئلا يصلوا إلى { ~~الملإ الأعلى } وهي السماوات ومن فيها من الملائكة، كما تقدم بيان ~~ذلك، ولهذا قال تعالى: { ويقذفون } أي يرمون { من كل جانب } ~~أي من كل جهة يقصدون السماء منها، { دحورا } أي رجما يدحرون به ms2050 ~~ويزجرون، ويمنعون من الوصول إلى ذلك ويرجمون، { ولهم عذاب واصب ~~} أي في الدار الآخرة، لهم عذاب دائم موجع مستمر، كما قال جلت عظمته: # وأعتدنا لهم عذاب السعير # [الملك: 5]، وقوله تبارك وتعالى: { إلا من خطف الخطفة } أي ~~إلا من اختطف من الشياطين الخطفة، وهي الكلمة يسمعها من السماء، فيلقيها ~~إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن ~~يلقيها، ولهذا قال: { إلا من خطف الخطفة فأتبعه ~~شهاب ثاقب } أي مستنير، قال ابن عباس: كان للشياطين مقاعد في ~~السماء، فكانوا يستمعون الوحي، وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا ~~ترمي، فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعا، فلما ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاءه شهاب ~~فلم يخطئه حتى يحرقه، فشكوا ذلك إلى إبليس لعنه الله، فقال: ما هو إلا من ~~أمر حدث، فبعث جنوده فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي بين ~~جبلي نخلة، قال وكيع: يعني بطن نخلة، فرجعوا إلى إبليس، فأخبروه، فقال: ~~هذا الذي حدث. ### || [37.11-19] # يقول تعالى: فسل هؤلاء المنكرين للبعث أيما أشد خلقا هم أم السماوات ~~والأرض، وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ فإنهم ~~يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون ~~البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا، كما قال عز وجل: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57] ثم بين أنهم خلقوا من شيء ضعيف فقال: { إنا ~~خلقناهم من طين لازب } قال مجاهد والضحاك: هو الجيد الذي ~~يلتزق بعضه ببعض، وقال ابن عباس وعكرمة: هو اللزج الجيد، وقال قتادة: هو ~~الذي يلزق باليد، وقوله عز وجل: { بل عجبت ويسخرون } أي بل ~~عجبت يا محمد من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، وأنت موقن مصدق بما أخبر ~~الله تعالى من الأمر العجيب، وهو إعادة الأجسام بعد فنائها، وهم بخلاف ~~أمرك من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك، قال ms2051 قتادة: عجب محمد ~~صلى الله عليه وسلم وسخر ضلال بني آدم، { وإذا رأوا آية } أي ~~دلالة واضحة على ذلك { يستسخرون } ، قال مجاهد: يستهزئون، { ~~وقالوا إن هذآ إلا سحر مبين } أي ما هذا الذي جئت به ~~إلا سحر مبين، { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون * أو آبآؤنا الأولون }؟ يستبعدون ذلك ويكذبون ~~به { قل نعم وأنتم داخرون } ، أي قل لهم يا محمد: نعم ~~تبعثون يوم القيامة، بعدما تصيرون ترابا وعظاما، { وأنتم ~~داخرون } أي حقيرون تحت القدرة العظيمة، كما قال تعالى: # وكل أتوه داخرين # [النمل: 87]، وقال تعالى: # سيدخلون جهنم داخرين # [غافر: 60]، ثم قال جلت عظمته: { فإنما هي زجرة واحدة ~~فإذا هم ينظرون } أي فإنما هو أمر واحد من الله عز وجل، ~~يدعوهم أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم قيام بين يديه ينظرون إلى أهوال يوم ~~القيامة. ### || [37.20-26] # يخبر تعالى عن قيل الكفار يوم القيامة، أنهم يرجعون على أنفسهم ~~بالملامة، ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسم، فإذا عاينوا أهوال ~~القيامة، ندموا كل الندامة حيث لا ينفعهم الندم، { وقالوا ~~يويلنا هذا يوم الدين } ، فتقول لهم الملائكة والمؤمنون: ~~{ هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون } على وجه ~~التقريع والتوبيخ، ويأمر الله تعالى الملائكة أن تميز الكفار من ~~المؤمنين، في الموقف في محشرهم ومنشرهم، ولهذا قال تعالى: { احشروا ~~الذين ظلموا وأزواجهم } ، قال النعمان بن بشير: يعني ~~بأزواجهم أشباههم وأمثالهم؛ وعن عمر بن الخطاب: { وأزواجهم } قال: ~~إخوانهم، وقال النعمان: سمعت عمر يقول: { احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم } قال: أشباههم، قال: يجيء أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا، ~~وأصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر، وقال ابن ~~عباس: { وأزواجهم } قرناءهم، { وما كانوا يعبدون * من ~~دون الله } أي من الأصنام والأنداد تحشر معهم في أماكنهم، وقوله ~~تعالى: { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي أرشدوهم إلى طريق ~~جهنم، وهذا كقوله تعالى: # مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا # [الإسراء: 97]، وقوله تعالى: { وقفوهم إنهم مسئولون } ~~أي قفوهم حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم، التي صدرت عنهم في الدار ~~الدنيا، قال ابن عباس: يعني احبسوهم ms2052 إنهم محاسبون، وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفا معه إلى يوم القيامة لا يغادره ولا ~~يفارقه، وإن دعا رجل رجلا " # ، ثم قرأ: { وقفوهم إنهم مسئولون } ، وقال ابن المبارك: ~~" إن أول ما يسأل عنه الرجل جلساؤه " ثم يقال لهم على سبيل التقريع ~~والتوبيخ { ما لكم لا تناصرون }؟ أي كما زعمتم أنكم جميع ~~منتصر؟ { بل هم اليوم مستسلمون } أي منقادون لأمر الله لا ~~يخالفونه ولا يحيدون عنه، والله أعلم. ### || [37.27-37] # يذكر تعالى: أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة، كما يتخاصمون في ~~دركات النار، # فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا ~~لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار # [غافر: 47] كما قال تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين # [سبأ: 31] وهكذا قالوا لهم ههنا: { إنكم كنتم تأتوننا ~~عن اليمين } ، قال ابن عباس، يقولون: كنتم تقهروننا بالقدرة منكم ~~علينا، لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء، وقال مجاهد: يعني عن الحق، تقوله ~~الكفار للشياطين، وقال قتادة: قالت الإنس للجن: { إنكم كنتم ~~تأتوننا عن اليمين } ، قال: من قبل الخير فتنهونا عنه ~~وتبطئونا عنه، وقال السدي: تأتوننا من قبل الحق وتزينوا لنا الباطل، ~~وتصدونا عن الحق، قال الحسن: أي والله يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه، ~~وقال ابن زيد: معناه تحولون بيننا وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام ~~والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به. # وقوله تعالى: { قالوا بل لم تكونوا مؤمنين } تقول ~~القادة من الجن والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم ~~منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان، { وما كان لنا عليكم ~~من سلطان } أي من حجة على صحة ما دعوناكم إليه، { بل كنتم ~~قوما طاغين } ، أي بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق، فلهذا استجبتم ~~لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء، { فحق علينا قول ~~ربنآ إنا لذآئقون * فأغويناكم إنا كنا ~~غاوين } ، يقول الكبراء للمستضعفين: حقت علينا كلمة الله إنا من ~~الأشقياء الذائقين ms2053 للعذاب يوم القيامة، { فأغويناكم } أي دعوناكم ~~إلى الضلالة { إنا كنا غاوين } ، أي فدعوناكم إلى ما نحن فيه ~~فاستجبتم لنا، قال تعالى: { فإنهم يومئذ في العذاب ~~مشتركون } أي الجميع في النار كل بحسبه، { إنا كذلك ~~نفعل بالمجرمين * إنهم كانوا } أي في الدار الدنيا { ~~إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون } أي ~~يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون. # وفي الحديث: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله ~~إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل " # وروى ابن أبي حاتم عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال ~~لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله وعزيرا، فيقال لهم: خذوا ذات ~~الشمال؛ ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله ~~والمسيح، فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم: لا ~~إله إلا الله، فيستكبرون، ثم يقال لهم: لا إله إلا الله، فيستكبرون، ثم ~~يقال لهم: لا إله إلا الله، فيستكبرون، فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، قال ~~أبو نضرة: فينطلقون أسرع من الطير، قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين ~~فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله تعالى، فيقال لهم: هل ~~تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقال لهم: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ ~~فيقولون: نعلم أنه لا عدل له، قال: فيتعرف لهم تبارك وتعالى وتقدس وينجي ~~الله المؤمنين. # { ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ~~} أي أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول هذا الشاعر المجنون؟ ~~يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى تكذيبا لهم وردا ~~عليهم: { بل جآء بالحق } يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ~~بالحق، { وصدق المرسلين } أي صدقهم فيما أخبروا عنه من ~~الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله تعالى في شرعه وأمره، ~~كما أخبروا # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك # [فصلت: 43] الآية. ### || [37.38-49] # يقول تعالى مخاطبا للناس: { إنكم لذآئقو العذاب الأليم ~~* وما ms2054 تجزون إلا ما كنتم تعملون } ، ثم استثنى من ~~ذلك عباده المخلصين، كما قال تعالى: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر ~~الظالمين فيها جثيا # [مريم: 71-72]، وقال تعالى: # كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين # [المدثر: 38-39]، ولهذا قال جل وعلا ههنا { إلا عباد الله ~~المخلصين } أي ليسوا يذوقون العذاب الأليم، ولا يناقشون في الحساب، ~~بل يتجاوز عن سيئاتهم إن كان لهم سيئات، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى ~~سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وقوله جل وعلا { أولئك لهم ~~رزق معلوم } قال السدي: يعني الجنة، ثم فسره بقوله تعالى: { ~~فواكه } أي متنوعة { وهم مكرمون } أي يخدمون ويرفهون ~~وينعمون { في جنات النعيم * على سرر متقابلين } ، ~~قال مجاهد: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، وقوله تعالى: { يطاف ~~عليهم بكأس من معين * بيضآء لذة للشاربين ~~* لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون } ، كما قال تعالى: # لا يصدعون عنها ولا ينزفون # [الواقعة: 19] نزه الله سبحانه وتعالى خمر الجنة عن الآفات التي في خمر ~~الدنيا، من صدع الرأس، ووجع البطن، وهو (الغول) وذهابها بالعقل جملة، ~~فقال تعالى: { يطاف عليهم بكأس من معين } أي بخمر من ~~أنهار جارية، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها، قال زيد بن أسلم: خمر جارية ~~بيضاء، أي لونها مشرق حسن بهي، لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء، ~~من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة، إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم، ~~وقوله عز وجل: { لذة للشاربين } أي طعمها طيب كلونها، وطيب ~~الطعم دليل على طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك، وقوله تعالى: { ~~لا فيها غول } يعني وجع البطن، كما تفعله خمر الدنيا، وقيل: المراد ~~بالغول ههنا صداع الرأس، وروي عن ابن عباس، وقال قتادة: هو صداع الرأس ~~ووجع البطن؛ وقال السدي: لا تغتال عقولهم، كما قال الشاعر: # فما زالت الكأس تغتالنا # وتذهب بالأول الأول # وقال سعيد بن جبير: لا مكروه فيها ولا أذى، والصحيح قول مجاهد: أنه وجع ~~البطن، وقوله تعالى: ms2055 { ولا هم عنها ينزفون } قال مجاهد: لا ~~تذهب عقولهم، وقال ابن عباس: في الخمر أربع خصال: (السكر، والصداع، ~~والقيء، والبول)، فذكر الله تعالى خمر الجنة، فنزهها عن هذه الخصال، ~~وقوله تعالى: { وعندهم قاصرات الطرف } أي عفيفات لا ينظرن ~~إلى غير أزواجهن، كذا قال ابن عباس ومجاهد، وقوله تبارك وتعالى: { عين ~~} أي حسان الأعين، وقيل: ضخام الأعين، وهي النجلاء العيناء، فوصف عيونهن ~~بالحسن والعفة، كقول زليخا في يوسف عليه السلام # ولقد راودته عن نفسه فاستعصم # [يوسف: 32] أي هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي، وهكذا الحور العين # خيرات حسان # [الرحمن: 70]، ولهذا قال عز وجل: { وعندهم قاصرات الطرف ~~عين }. وقوله جل جلاله: { كأنهن بيض مكنون } وصفهن ~~بترافة الأبدان بأحسن الألوان، قال ابن عباس: { كأنهن بيض ~~مكنون } يقول: اللؤلؤ المكنون، وأنشد قول الشاعر: # وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوا # ص ميزت من جوهر مكنون # وقال الحسن: { كأنهن بيض مكنون } يعني مصون لم تسمه ~~الأيدي، وقال سعيد بن جبير: { كأنهن بيض مكنون } يعني بطن ~~البيض، وقال السدي: { كأنهن بيض مكنون } يقول: بياض البيض ~~حين ينزع قشره، واختاره ابن جرير لقوله { مكنون } قال: والقشرة ~~العليا يمسها جناح الطير والعش، وتنالها الأيدي بخلاف داخلها، وفي الحديث ~~عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم ~~إذا حزنوا وأنا شفيعهم إذا حبسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد ~~آدم على الله عز وجل ولا فخر، يطوف علي ألف خادم كأنهن البيض المكنون - ~~أو اللؤلؤ المكنون - ". ### || [37.50-61] # يخبر تعالى عن أهل الجنة أنه { فأقبل بعضهم على بعض ~~يتسآءلون } أي عن أحوالهم وكيف كانوا في الدنيا، وماذا كانوا ~~يعانون فيها، وذلك من حديثهم على شرابهم واجتماعهم في تنادمهم، ومعاشرتهم ~~في مجالسهم، وهم جلوس على السرر، والخدم بين أيديهم، يسعون ويجيئون بكل ~~خير عظيم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، { قال ~~قآئل منهم إني كان لي قرين } قال ms2056 مجاهد: يعني شيطانا، ~~وقال ابن عباس: هو الرجل المشرك يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا، ~~ولا تنافي بين كلام مجاهد وابن عباس رضي الله عنهما، فإن الشيطان يكون من ~~الجن فيوسوس في النفس، ويكون من الإنس، فيقول كلاما تسمعه الأذنان، ~~وكلاهما يتعاونان، قال الله تعالى: # يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا # [الأنعام: 112] وكل منهما يوسوس، كما قال الله عز وجل: # من شر الوسواس الخناس * الذى يوسوس في صدور ~~الناس * من الجنة والناس # [الناس: 46] ولهذا: { قال قآئل منهم إني كان لي ~~قرين * يقول أءنك لمن المصدقين } أي أأنت تصدق ~~بالبعث والنشور، والحساب والجزاء؟ يعني يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب ~~والاستبعاد، والكفر والعناد { أءذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أءنا لمدينون }؟ قال مجاهد والسدي: لمحاسبون، وقال ~~ابن عباس: لمجزيون بأعمالنا، قال تعالى: { قال هل أنتم ~~مطلعون } أي مشرفون، يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة { ~~فاطلع فرآه في سوآء الجحيم } قال ابن عباس والسدي: يعني ~~في وسط الجحيم، وقال الحسن البصري: في وسط الجحيم كأنه شهاب يتقدم، وقال ~~قتادة: ذكر أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي، وقال كعب الأحبار: في الجنة ~~كوى، إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار، اطلع فيها فازداد ~~شكرا لله، { قال تالله إن كدت لتردين } يقول المؤمن ~~مخاطبا للكافر: والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك، { ولولا نعمة ~~ربي لكنت من المحضرين } أي ولولا فضل الله علي لكنت مثلك ~~في سواء الجحيم، محضر معك في العذاب، ولكنه رحمني فهداني للإيمان، ~~وأرشدني إلى توحيده # وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله # [الأعراف: 43]. وقوله تعالى: { أفما نحن بميتين * إلا ~~موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين }؟ هذا من كلام ~~المؤمن، مغتبطا نفسه بما أعطاه الله تعالى، من الخلد في الجنة والإقامة ~~في دار الكرامة، بلا موت فيها ولا عذاب، ولهذا قال عز وجل: { إن ~~هذا لهو الفوز العظيم }. قال الحسن البصري: علموا أن كل ~~نعيم فإن الموت يقطعه، فقالوا: { أفما نحن بميتين * إلا ~~موتتنا الأولى وما ms2057 نحن بمعذبين }؟ قيل: لا، { إن ~~هذا لهو الفوز العظيم }. وقوله جل جلاله: { لمثل ~~هذا فليعمل العاملون } قال قتادة هذا من كلام أهل الجنة، ~~وقال ابن جرير: هو من كلام الله تعالى، ومعناه: لمثل هذا النعيم وهذا ~~الفوز فليعمل العاملون في الدنيا ليصيروا إليه في الآخرة. # قال السدي: كان شريكان في بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، ~~فافترقا على ستة آلاف دينار، لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، ثم افترقا ~~فمكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما ~~صنعت في مالك؟ أضربت به شيئا، اتجرت به في شيء؟ قال له المؤمن: لا، فما ~~صنعت أنت؟ فقال اشتريت به أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا بألف دينار - ~~قال - فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم، قال: فرجع المؤمن حتى إذا كان ~~الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها ~~بين يديه، ثم قال: اللهم إن فلانا - يعني شريكه الكافر - اشترى أرضا ~~ونخلا وثمارا وأنهارا بألف دينار ثم يموت غدا ويتركها. اللهم إني ~~اشتريت منك بهذه الألف دينار أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا في الجنة، ~~قال: ثم أصبح فقسمها في المساكين، قال: ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن ~~يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك أضربت به في شيء؟ ~~أتجرت به في شيء؟ قال: لا، قال: فما صنعت أنت؟ قال: كانت ضيعتي قد اشتد ~~علي مؤنتها، فاشتريت رقيقا بألف دينار، يقومون لي فيها ويعملون لي ~~فيها، فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم، قال: فرجع المؤمن حتى إذا كان ~~الليل صلى ما شاء تعالى أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين ~~يديه ثم قال: اللهم إن فلانا - يعني شريكه الكافر - اشترى رقيقا من ~~رقيق الدنيا بألف دينار يموت غدا فيتركهم أو يموتون فيتركونه، اللهم إني ~~اشتريت منك بهذه الألف دينار رقيقا في الجنة، قال: ثم أصبح، فقسمها في ~~المساكين قال: ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا، ثم ms2058 التقيا، فقال ~~الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك أضربت به في شيء، أتجرت به في شيء؟ قال: ~~لا، فما صنعت أنت؟ قال: كان أمري كله قد تم إلا شيئا واحدا، فلانة قد ~~مات عنها زوجها فأصدقتها ألف دينار، فجاءتني بها ومثلها معها، فقال له ~~المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم، قال: فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما ~~شاء الله تعالى أن يصلي، فلما انصرف أخذ الألف دينار الباقية فوضعها بين ~~يديه، وقال: اللهم إن فلانا - يعني شريكه الكافر - تزوج زوجة من أزواج ~~الدنيا بألف دنيار، فيموت غدا فيتركها أو تموت غدا فتتركه، اللهم وإني ~~أخطب إليك بهذه الألف دينار حوراء عيناء في الجنة - قال - ثم أصبح فقسهما ~~بين المساكين - قال - فبقي المؤمن ليس عنده شيء، فخرج شريكه الكافر وهو ~~راكب، فلما رآه عرفه، فوقف عليه وسلم عليه وصافحه، ثم قال له: ألم تأخذ ~~من المال مثل ما أخذت؟ قال: بلى، قال: وهذه حالي وهذه حالك؟ قال: أخبرني ~~ما صنعت في مالك؟ قال: أقرضته، قال: من؟ قال: المليء الوفي، قال: من؟ ~~قال: الله ربي، قال، فانتزع يده من يده، ثم قال: { أءنك لمن ~~المصدقين * أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أءنا لمدينون }؟ قال السدي: محاسبون، قال: فانطلق الكافر وتركه، ~~فلما رآه المؤمن وليس يلوي عليه رجع وتركه وجعل يعيش المؤمن في شدة من ~~الزمان، ويعيش الكافر في رخاء من الزمان، قال: فإذا كان يوم القيامة ~~وأدخل الله تعالى المؤمن الجنة، يمر فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار ~~فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هذا لك، فيقول: يا سبحان الله، أو بلغ من فضل ~~عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال، ثم يمر، فإذا هو برقيق لا تحصى عدتهم، ~~فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك، فيقول: يا سبحان الله أو بلغ من فضل ~~عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال: ثم يمر، فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء مجوفة ~~فيها حوراء عيناء، فيقول: لمن هذه؟ فيقال: هذه لك، فيقول: يا سبحان الله ~~أو بلغ من فضل ms2059 عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال: ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر، ~~فيقول: { إني كان لي قرين * يقول أءنك لمن ~~المصدقين * أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أءنا لمدينون } ، قال: فالجنة عالية، والنار هاوية، قال: فيريه ~~الله تعالى شريكه في وسط الجحيم من بين أهل النار، فإذا رآه المؤمن عرفه، ~~فيقول: { تالله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربي ~~لكنت من المحضرين * أفما نحن بميتين * إلا ~~موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين * إن هذا ~~لهو الفوز العظيم * لمثل هذا فليعمل ~~العاملون } بمثل ما قد من عليه، قال: فيتذكر المؤمن ما مر عليه ~~في الدنيا من شدة، فلا يذكر مما مر عليه في الدنيا من الشدة أشد عليه من ~~الموت. ### || [37.62-70] # يقول الله تعالى: أهذا الذي ذكر من نعيم الجنة، وما فيها من مآكل ومشارب ~~ومناكح، وغير ذلك من الملاذ خير ضيافة وعطاء { أم شجرة ~~الزقوم } أي التي في جهنم؟ وقوله عز وجل: { إنا جعلناها ~~فتنة للظالمين } ، قال قتادة: ذكرت شجرة الزقوم، فافتتن بها ~~أهل الضلالة، وقالوا: صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة والنار وتأكل ~~الشجر، فأنزل الله تعالى: { إنها شجرة تخرج في أصل ~~الجحيم } غذيت من النار ومنها خلقت، وقال مجاهد: { إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين }. قال أبو جهل لعنه الله: إنما ~~الزقوم التمر والزبد أتزقمه؟ قلت: ومعنى الآية: إنما أخبرناك يا محمد ~~بشجرة الزقوم، اختبارا تختبر به الناس، من يصدق منهم ممن يكذب، كقوله ~~تبارك وتعالى: # وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم ~~فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا # [الإسراء: 60] وقوله تعالى: { إنها شجرة تخرج في أصل ~~الجحيم } أي أصل منبتها في قرار النار: { طلعها كأنه ~~رءوس الشياطين } تبشيع لها وتكريه لذكرها، وإنما شبهها برؤوس ~~الشياطين، وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين، لأنه قد استقر في النفوس أن ~~الشياطين قبيحة المنظر، وقوله تعالى: { فإنهم لآكلون منها ~~فمالئون منها البطون } ، ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه ~~الشجرة التي لا أبشع منها ولا أقبح من منظرها، مع ما هي عليه من ms2060 سوء ~~الطعم والريح والطبع، فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها، لأنهم لا يجدون إلا ~~إياها وما هو في معناها، كما قال تعالى: # ليس لهم طعام إلا من ضريع * لا يسمن ولا ~~يغني من جوع # [الغاشية: 6-7]، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تلا هذه الآية وقال: # " اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا ~~لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه؟ ". # وقوله تعالى: { ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم } ~~، قال ابن عباس: يعني شرب الحميم على الزقوم، وعنه: { شوبا من ~~حميم } مزجا من حميم، وقال غيره: يعني يمزج لهم الحميم بصديد وغساق، ~~مما يسيل من فروجهم وعيونهم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: # " يقرب - يعني إلى أهل النار - ماء فيتكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ~~ووقعت فروة رأسه فيه، فإذا شربه قطع أمعاءه، حتى تخرج من دبره " # وروى ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: " إذا جاع أهل النار استغاثوا ~~بشجرة الزقوم، فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارا مر بهم ~~يعرفهم لعرفهم بوجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء ~~كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم ~~وجوههم، التي سقطت عنها الجلود ويصهر ما في بطونهم، فيمشون تسيل أمعاؤهم، ~~وتتساقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حياله يدعون ~~بالثبور " ، وقوله عز وجل: { ثم إن مرجعهم لإلى ~~الجحيم } أي ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج، وجحيم تتوقد، ~~وسعير تتوهج، كما قال تعالى: # يطوفون بينها وبين حميم آن # [الرحمن: 44] هكذا تلا قتادة هذه الآية عند هذه الآية، وهو تفسير حسن ~~قوي، وكان عبد الله رضي الله عنه يقول: والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار ~~يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. ثم قرأ: ms2061 # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24]. وقوله تعالى: { إنهم ألفوا آبآءهم ~~ضآلين } أي إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة، ~~فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك من غير دليل ولا برهان، ولهذا قال: { فهم ~~على آثارهم يهرعون } قال مجاهد: شبهه بالهرولة، وقال سعيد ~~بن جبير: يسفهون. ### || [37.71-74] # يخبر تعالى عن الأمم الماضية أن أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع الله آلهة ~~أخرى. وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين ينذرونهم بأس الله، ويحذرونهم ~~سطوته ونقمته، وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم، فأهلك الله ~~المكذبين ودمرهم، ونجى المؤمنين ونصرهم وظفرهم، ولهذا قال تعالى: { ~~فانظر كيف كان عاقبة المنذرين * إلا عباد الله ~~المخلصين }. ### || [37.75-82] # لما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة شرع يبين ذلك ~~مفصلا، فذكر نوحا عليه الصلاة والسلام وما لقي من قومه من التكذيب، ~~وأنه لم يؤمن منهم إلا القليل مع طول المدة، لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما، فلما طال عليه ذلك واشتد عليه تكذيبهم، وكلما دعاهم ازدادوا ~~نفرة # فدعا ربه أني مغلوب فانتصر # [القمر: 10]، فغضب الله تعالى لغضبه عليهم، ولهذا قال عز وجل: { ~~ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون } له، { ~~ونجيناه وأهله من الكرب العظيم } وهو التكذيب ~~والأذى، { وجعلنا ذريته هم الباقين } قال ابن عباس: لم ~~تبق إلا ذرية نوح عليه السلام، وقال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح عليه ~~السلام، وقد روى الترمذي عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله تعالى: { وجعلنا ذريته هم الباقين } قال: ~~سام وحام ويافث، وروى الإمام أحمد، عن سمرة رضي الله عنه # " أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ~~ويافث أبو الروم " # ، وقوله تبارك وتعالى: { وتركنا عليه في الآخرين } قال ابن ~~عباس: يذكر بخير، وقال مجاهد: يعني لسان صدق للأنبياء كلهم، وقال قتادة ~~والسدي: أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين، قال الضحاك: السلام ~~والثناء الحسن، وقوله تعالى: { سلام على نوح في العالمين } ~~مفسر لما أبقى ms2062 عليه من الذكر الجميل والثناء الحسن، أنه يسلم عليه في ~~جميع الطوائف والأمم، { إنا كذلك نجزي المحسنين } أي ~~هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله تعالى، نجعل له لسان صدق يذكر ~~به بعده، ثم قال تعالى: { إنه من عبادنا المؤمنين } أي ~~المصدقين الموحدين الموقنين، { ثم أغرقنا الآخرين } أي ~~أهلكناهم فلم تبق منهم عين تطرف، ولا ذكر ولا عين ولا أثر، ولا يعرفون ~~إلا بهذه الصفة القبيحة. ### || [37.83-87] # قال ابن عباس: { وإن من شيعته لإبراهيم } يقول: من أهل ~~دينه، وقال مجاهد: على منهاجه وسنته { إذ جآء ربه بقلب ~~سليم } ، قال ابن عباس: يعني شهادة أن لا إله الله، روى ابن أبي ~~حاتم، عن عوف قال: قلت لمحمد بن سيرين: «ما القلب السليم؟ قال: يعلم أن ~~الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور»، ~~وقال الحسن؛ سليم من الشرك، ثم قال تعالى: { إذ قال لأبيه ~~وقومه ماذا تعبدون }؟ أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد، ~~ولهذا قال عز وجل: { أئفكا آلهة دون الله تريدون * ~~فما ظنكم برب العالمين }؟ قال قتادة: يعني ما ظنكم أنه ~~فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم معه غيره؟ ### || [37.88-98] # إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك، ليقيم في البلد إذا ~~ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيدهم، فأحب أن يختلي ~~بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر، فهموا منه أنه ~~سقيم على مقتضى ما يعتقدونه، { فتولوا عنه مدبرين }. قال ~~قتادة: والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم، يعني قتادة أنه نظر إلى ~~السماء متفكرا فيما يلهيهم به، فقال: { إني سقيم } أي ضعيف، فأما ~~قوله عليه السلام: # " لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات ~~الله تعالى، قوله: [ { إني سقيم } ، وقوله: { بل فعله ~~كبيرهم هذا } ، وقوله في سارة: (هي أختي)] " # فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن، ولكن ليس من باب الكذب الحقيقي الذي ~~يذم فاعله حاشا وكلا؛ وإنما هو من المعاريض في ms2063 الكلام لمقصد شرعي ديني ~~كما جاء في الحديث: # " إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب " # قال ابن المسيب: رأى نجما طلع فقال: { إني سقيم } كابد نبي الله ~~عن دينه { فقال إني سقيم } وقيل: أراد { إني سقيم } أي ~~مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى، وقال الحسن البصري: ~~خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم فأرادوه على الخروج، فاضطجع على ظهره وقال: { ~~إني سقيم } وجعل ينظر في السماء، فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم ~~فكسرها، ولهذا قال تعالى: { فتولوا عنه مدبرين } ، وقوله ~~تعالى: { فراغ إلى آلهتهم } أي ذهب إليها بعد ما خرجوا في ~~سرعة واختفاء، { فقال ألا تأكلون }؟ وذلك أنهم كانوا قد وضعوا ~~بين أيديها طعاما قربانا لتبرك لهم فيه، قال السدي: دخل إبراهيم عليه ~~السلام إلى بيت الآلهة، فإذا هم في بهو عظيم، وإذا مستقبل باب البهو صنم ~~عظيم، إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه حتى ~~بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما ووضعوه بين أيدي الآلهة، ~~وقالوا: إذا كان حين نرجع وقد بركت الآلهة في طعامنا أكلناه، فلما نظر ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى ما بين أيديهم من الطعام قال: { ألا ~~تأكلون * ما لكم لا تنطقون } ، وقوله تعالى: { فراغ ~~عليهم ضربا باليمين } قال الفراء: معناه مال عليهم ضربا ~~باليمين، وقال قتادة والجوهري: فأقبل عليهم ضربا باليمين؛ وإنما ضربهم ~~باليمين لأنها أشد وأنكى، ولهذا تركهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه ~~يرجعون، كما تقدم في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تفسير ذلك. ~~وقوله تعالى ههنا: { فأقبلوا إليه يزفون } قال مجاهد: ~~أي يسرعون، فلما جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعيبهم فقال: { ~~أتعبدون ما تنحتون }؟ أي أتعبدون من دون الله من الأصنام ما ~~أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم. { والله خلقكم وما ~~تعملون } يحتمل أن تكون (ما) مصدرية، فيكون الكلام: خلقكم وعملكم، ~~ويحتمل أن تكون بمعنى (الذي) تقديره والله خلقكم والذي تعملونه، وكلا ~~القولين متلازم، والأول أظهر، لما رواه البخاري عن حذيفة رضي الله عنه ~~مرفوعا قال: # " إن ms2064 الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته " # فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر فقالوا: { ~~ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم } ، وكان من أمرهم ~~ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء، ونجاه الله من النار، وأظهره عليهم، ~~وأعلى حجته ونصرها، ولهذا قال تعالى: { فأرادوا به كيدا ~~فجعلناهم الأسفلين }. ### || [37.99-113] # يقول تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أنه بعدما ~~نصره الله تعالى على قومه، وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات ~~العظيمة، هاجر من بين أظهرهم وقال: { إني ذاهب إلى ربي ~~سيهدين * رب هب لي من الصالحين } يعني أولادا مطيعين ~~يكونون عوضا من قومه وعشيرته الذين فارقهم، قال الله تعالى: { ~~فبشرناه بغلام حليم } هذا الغلام هو (إسماعيل) عليه ~~السلام، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق ~~باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم، أن إسماعيل عليه السلام ~~ولد ولإبراهيم عليه السلام ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وعمر إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله تبارك وتعالى أمر إبراهيم ~~أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة أخرى: بكره، فأقحموا ههنا كذبا وبهتانا ~~(إسحاق) ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا إسحاق لأنه ~~أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ~~الذبيح هو (إسحاق) وحكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة ~~رضي الله عنهم أيضا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن ~~أحبار أهل الكتاب وأخذ ذلك مسلما من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ~~ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح، ~~ثم قال بعد ذلك: { وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين } ، ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا # إنا نبشرك بغلام عليم # [الحجر: 53]، وقال تعالى: # فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71] أي يولد في حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل، ~~فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر ms2065 بذبحه صغيرا؟ وإسماعيل وصف ههنا بالحليم ~~لأنه مناسب لهذا المقام، وقوله تعالى { فلما بلغ معه السعي ~~} أي كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه، قال ابن عباس ومجاهد: { ~~فلما بلغ معه السعي } بمعنى شب وارتحل، وأطاق ما يفعله ~~أبوه من السعي والعمل { قال يبني إني أرى في المنام ~~أني أذبحك فانظر ماذا ترى } قال عبيد بن عمير: رؤيا ~~الأنبياء وحي، ثم تلا هذه الآية: { قال يبني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى }؟، وإنما أعلم ~~ابنه بذلك ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة ~~الله تعالى وطاعة أبيه { قال يأبت افعل ما تؤمر } أي امض ~~لما أمرك الله من ذبحي، { ستجدني إن شآء الله من ~~الصابرين } أي سأصبر وأحتسب ذلك عند الله عز وجل، وصدق صلوات الله ~~وسلامه عليه فيما وعد، ولهذا قال الله تعالى: # واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد ~~وكان رسولا نبيا # [مريم: 54]، قال تعالى: { فلما أسلما وتله للجبين } ~~أي فلما تشهدا وذكرا الله تعالى (إبراهيم) على الذبح و(الولد) شهادة ~~الموت، وقيل: { أسلما } يعني استسلما وانقادا، إبراهيم امتثل أمر ~~الله تعالى وإسماعيل طاعة لله ولأبيه، ومعنى { تله للجبين }: أي ~~صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه، ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه، ~~قال ابن عباس { وتله للجبين } أكبه على وجهه. # عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام ~~بالمناسك عرض له الشيطان عند السعي فسابقه، فسبقه إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام، ثم ذهب به جبريل عليه السلام إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، ~~فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع ~~حصيات، وثم تله للجبين، وعلى إسماعيل عليه الصلاة والسلام قميص أبيض: ~~فقال له: يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفنني فيه، ~~فعالجه ليخلعه، فنودي من خلفه: { أن يإبراهيم قد صدقت ~~الرؤيآ } فالتفت إبراهيم، فإذا بكبش أبيض أقرن أعين. # وقوله تعالى: { وناديناه أن يإبراهيم ms2066 * قد صدقت ~~الرؤيآ } أي قد حصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح، وذكر السدي ~~وغيره أنه أمر السكين على رقبته فلم تقطع شيئا، بل حال بينها وبينه ~~صفحة من نحاس، ونودي إبراهيم عليه الصلاة والسلام عند ذلك { قد ~~صدقت الرؤيآ } ، وقوله تعالى: { إنا كذلك نجزي ~~المحسنين } أي هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد، ونجعل لهم ~~من أمرهم فرجا ومخرجا كقوله تعالى: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3]، قال تعالى: { إن هذا لهو البلاء ~~المبين } أي الاختبار الواضح الجلي حيث أمر بذبح ولده فسارع إلى ذلك، ~~مستسلما لأمر الله تعالى منقادا لطاعته ولهذا قال تعالى: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37]، وقوله تعالى: { وفديناه بذبح عظيم } عن علي ~~رضي الله عنه قال: بكبش أبيض أعين أقرن قد ربط بسمرة، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا، وروي عن سعيد بن جبير ~~أنه قال: كان الكبش يرتع في الجنة، حتى شقق عنه ثبير، وكان عليه عهن ~~أحمر، قال مجاهد: ذبحه بمنى عند النحر، وقال الثوري، عن ابن عباس في قوله ~~تعالى: { وفديناه بذبح عظيم } قال: وعل، وقال الحسن: ما فدي ~~إسماعيل عليه السلام إلا بتيس من الأروى، أهبط عليه من ثبير. # (ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام وهو الصحيح ~~المقطوع به) # تقدمت الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه إسحاق عليه الصلاة ~~والسلام، وروى مجاهد وعطاء وغير واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~(إسماعيل) عليه الصلاة والسلام، وروى ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح، عن ~~ابن عباس، أنه قال: المفدى إسماعيل عليه السلام، وزعمت اليهود أنه إسحاق ~~وكذبت اليهود، وروى مجاهد، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: الذبيح ~~إسماعيل، وقال مجاهد: هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وقد رأيت قرني ~~الكبش في الكعبة، وقال محمد بن إسحاق، عن الحسن البصري: أنه كان لا يشك ~~في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم (إسماعيل) عليه ms2067 السلام، قال ~~ابن إسحاق: وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول: إن الذي أمر الله تعالى ~~إبراهيم بذبحه من ابنيه (إسماعيل) وإنا لنجد ذلك في كتاب الله تعالى، ~~وذلك أن الله تعالى حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال تعالى ~~{ وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين } ، ويقول ~~الله تعالى: # فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71] يقول: بابن، وابن ابن، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من ~~الموعد بما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل، قال ابن إسحاق، سمعته ~~يقول ذلك كثيرا، وقال ابن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي: أنه حدثهم أنه ~~ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو خليفة إذ كان معه بالشام ~~فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل ~~إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا، فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه ~~من علمائهم، فسأله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عن ذلك، قال محمد بن ~~كعب: وأنا عند عمر بن عبد العزيز فقال له عمر: أي ابني إبراهيم أمر ~~بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك، ~~ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه، ~~والفضل الذي ذكر الله تعالى منه لصبره لما أمر به فهم يجحدون ذلك، ~~ويزعمون أنه إسحاق، لأن إسحاق أبوهم، والله أعلم أيهما كان، وكل قد كان ~~طاهرا طيبا مطيعا لله عز وجل، وقال عبد الله ابن الإمام أحمد بن ~~حنبل رحمه الله: سألت أبي عن الذبيح، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: ~~إسماعيل. # وقال ابن أبي حاتم، وسمعت أبي يقول: الصحيح أن الذبيح إسماعيل عليه ~~الصلاة والسلام، قال: وروي عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي الطفيل، ~~وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب ~~القرظي، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح رضي الله عنهم أنهم قالوا: ~~الذبيح إسماعيل، وإنما عول ms2068 ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله ~~تعالى: { فبشرناه بغلام حليم } فجعل هذه البشارة هي ~~البشارة بإسحاق في قوله تعالى: # وبشروه بغلام عليم # [الذاريات: 28]، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم، بل هو بعيد جدا، ~~والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه (إسماعيل) أثبت وأصح وأقوى، ~~والله أعلم. # وقوله تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين } لما تقدمت البشارة بالذبيح وهو إسماعيل عطف بذكر البشارة ~~بأخيه إسحاق وقد ذكرت في سورتي هود والحجر، وقوله تعالى: { نبيا } أي ~~سيصير منه نبي صالح، قال ابن عباس: بشر بنبوته، حين ولد، وحين نبىء، وقال ~~قتادة في قوله { وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين } قال: بعدما كان من أمره لما جاد لله تعالى بنفسه، وقوله ~~تعالى: { وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } كقوله تعالى: # قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى ~~أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم ~~منا عذاب أليم # [هود: 48]. ### || [37.114-122] # يذكر تعالى ما أنعم به على (موسى) و (هارون) من النبوة، والنجاة بمن آمن ~~معهما من قهر فرعون وقومه، وما كان يعتمد في حقهم من الإساءة العظيمة، من ~~قتل الأبناء واستحياء النساء، واستعمالهم في أخس الأشياء، ثم بعد هذا كله ~~نصرهم عليهم وأقر أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم، وما كانوا ~~جمعوه طول حياتهم، ثم أنزل الله عز وجل على موسى الكتاب العظيم، الواضح ~~الجلي المستبين وهو (التوراة) كما قال تعالى: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء # [الأنبياء: 48]. وقال عز وجل ههنا: { وآتيناهما الكتاب ~~المستبين * وهديناهما الصراط المستقيم } أي في ~~الأقوال والأفعال، { وتركنا عليهما في الآخرين } أي أبقينا ~~لهما من بعدهما ذكرا جميلا، وثناء حسنا، ثم فسره بقوله تعالى: { ~~سلام على موسى وهارون * إنا كذلك نجزي ~~المحسنين * إنهما من عبادنا المؤمنين }. ### || [37.123-132] # قال قتادة: يقال إلياس هو إدريس، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إلياس ~~هو إدريس، وكذا قال الضحاك، وقال وهب بن منبه: هو إلياس بن نسي بن ~~فنحاص، بعثه الله تعالى ms2069 في بني إسرائيل بعد (حزقيل) عليهما السلام، ~~وكانوا قد عبدوا صنما يقال له بعل، فدعاهم إلى الله تعالى، ونهاهم عن ~~عبادة ما سواه، وكان قد آمن به ملكهم، ثم ارتد، واستمروا على ضلالتهم، ~~ولم يؤمن به منهم أحد، فدعا الله عليهم فحبس عنهم القطر ثلاث سنين، ثم ~~سألوه أن يكشف ذلك عنهم ووعدوه بالإيمان به إن هم أصابهم المطر، فدعا ~~الله تعالى لهم، فجاءهم الغيث، فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من ~~الكفر، فسأل الله أن يقبضه إليه، وكان قد نشأ على يديه (اليسع بن أخطوب) ~~عليهما السلام. # { إذ قال لقومه ألا تتقون } أي ألا تخافون الله عز ~~وجل في عبادتكم غيره، { أتدعون بعلا وتذرون أحسن ~~الخالقين }؟ قال ابن عباس ومجاهد: { بعلا } يعني ربا، قال عكرمة ~~وقتادة: وهي لغة أهل اليمن، وقال ابن إسحاق: أخبرني بعض أهل العلم أنهم ~~كانوا يعبدون امرأة اسمها بعل، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو اسم صنم كان ~~يعبده أهل مدينة يقال لها بعلبك غربي دمشق، وقال الضحاك: هو صنم كانوا ~~يعبدونه، وقوله تعالى: { أتدعون بعلا }؟ أي أتعبدون صنما، { ~~وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب ~~آبآئكم الأولين } أي هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، قال ~~الله تعالى: { فكذبوه فإنهم لمحضرون } أي للعذاب يوم ~~الحساب، { إلا عباد الله المخلصين } أي الموحدين منهم، ~~وهذا استثناء منقطع، وقوله تعالى: { وتركنا عليه في الآخرين ~~} أي ثناء جميلا { سلام على إل ياسين } ، كما يقال في ~~إسماعيل إسماعين، وهي لغة بني أسد، وقوله تعالى: { إنا كذلك ~~نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين } قد ~~تقدم تفسيره، والله أعلم. ### || [37.133-138] # يخبر تعالى عن عبده ورسوله (لوط) عليه السلام أنه بعثه إلى قومه فكذبوه، ~~فنجاه الله تعالى من بين أظهرهم هو وأهله إلا امرأته، فإنها هلكت مع من ~~هلك من قومها، فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات، وجعل محلتهم من ~~الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح، وجعلها بسبيل مقيم يمر ~~بها المسافرون ليلا ونهارا، ولهذا قال تعالى: { وإنكم ~~لتمرون عليهم مصبحين ms2070 * وباليل أفلا ~~تعقلون }؟ أي أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن ~~للكافرين أمثالها..؟ ### || [37.139-148] # قد تقدمت قصة يونس عليه الصلاة والسلام في سورة الأنبياء، وفي " ~~الصحيحين " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " # ، ونسبه إلى أمه، وفي رواية إلى أبيه، وقوله تعالى: { إذ أبق إلى ~~الفلك المشحون } قال ابن عباس: هو الموقر أي المملوء بالأمتعة، ~~{ فساهم } أي قارع { فكان من المدحضين } أي المغلوبين، ~~وذلك أن السفينة تلعبت بها الأمواج من كل جانب، وأشرفوا على الغرق، ~~فساهموا على أن من تقع عليه القرعة يلقى في البحر، لتخف بهم السفينة، ~~فوقعت القرعة على نبي الله (يونس) عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات، وهم ~~يضنون به أن يلقى من بينهم، فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه، وهم يأبون عليه ~~ذلك، وأمر الله تعالى حوتا أن يلتقم يونس عليه السلام، فلا يهشم له ~~لحما، ولا يكسر له عظما، فجاء ذلك الحوت وألقي يونس عليه السلام، ~~فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلها، ولما استقر يونس في بطن ~~الحوت حسب أنه قد مات، ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه، فإذا هو حي، فقام ~~فصلى في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه: " يا رب اتخذت لك مسجدا في موضع ~~لم يبلغه أحد من الناس " ، واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت، فقيل: ~~ثلاثة أيام، وقيل: سبعة، وقيل أربعين يوما، وقال مجاهد: التقمه ضحى ~~ولفظه عشية، والله تعالى أعلم بمقدار ذلك. وقوله تعالى: { فلولا ~~أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى ~~يوم يبعثون } قيل: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء، قاله ~~الضحاك واختاره ابن جرير. وفي الحديث: # " تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة " # وقال ابن عباس والحسن وقتادة: { فلولا أنه كان من ~~المسبحين } يعني المصلين، وقال بعضهم كان المسبحين في جوف أبويه، ~~وقيل: المراد { فلولا أنه كان من المسبحين } هو قوله ~~عز وجل: # فنادى في الظلمات أن لا ms2071 إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين # [الأنبياء: 87]. روى ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك رضي الله عنه - يرفعه ~~-: # " إن يونس النبي عليه الصلاة والسلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات ~~وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين، فأقبلت الدعوة تحن بالعرش، قالت الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف ~~معروف من بلاد بعيدة غريبة، فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا ~~رب ومن هو؟ قال عز وجل: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع ~~له عمل متقبل ودعوة مستجابة، قالوا: يا رب أو لا ترحم ما كان يصنع في ~~الرخاء فتنجيه في البلاء؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه بالعراء " # ولهذا قال تعالى: { فنبذناه } أي ألقيناه { بالعرآء } ، قال ~~ابن عباس: وهي الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء، قيل: على جانب دجلة، ~~وقيل: بأرض اليمن، فالله أعلم، { وهو سقيم } أي ضعيف البدن، قال ~~ابن مسعود رضي الله عنه: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش، وقال السدي: كهيئة ~~الصبي حين يولد، وهو المنفوس، { وأنبتنا عليه شجرة من ~~يقطين } قال ابن مسعود وابن عباس: (اليقطين) هو القرع، وقال سعيد بن ~~جبير: كل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين، وفي رواية عنه: كل شجرة تهلك ~~من عامها فهي من اليقطين، وذكر بعضهم في القرع فوائد: منها سرعة نباته، ~~وتظليل ورقه لكبره ونعومته، وأنه لا يقربها الذباب، وجودة تغذية ثمره، ~~وأنه يؤكل نيئا ومطبوخا بلبه وقشره أيضا، وقد ثبت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يحب الدباء، ويتبعه من حواشي الصحفة، وقوله تعالى: { ~~وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون } ، روي عن ابن ~~عباس أنه قال: إنما كانت رسالة يونس عليه الصلاة والسلام بعدما نبذه ~~الحوت، وقال مجاهد: أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت. قلت: ولا مانع أن ~~يكون الذين أرسل إليهم أولا أمر بالعودة إليهم بعد خروجه من الحوت، ~~فصدقوه كلهم وآمنوا به، وحكى البغوي: أنه أرسل إلى أمة ms2072 أخرى بعد خروجه من ~~الحوت كانوا مائة ألف أو يزيدون، وقوله تعالى: { أو يزيدون } قال ~~ابن عباس: بل يزيدون، وكانوا مائة وثلاثين ألفا، وقال سعيد بن جبير: ~~يزيدون سبعين ألفا؛ وقال مكحول: كانوا مائة ألف وعشرة آلاف، وقال ابن ~~جرير، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن قوله تعالى: { وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون ~~} قال: يزيدون عشرين ألفا. وقد سلك ابن جرير ههنا ما سلكه عند قوله ~~تعالى: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ~~أو أشد قسوة # [البقرة: 74]، المراد ليس أنقص من ذلك بل أزيد، وقوله تعالى: { ~~فآمنوا } أي فآمن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم يونس عليه السلام ~~جميعهم، { فمتعناهم إلى حين } أي إلى وقت آجالهم، كقوله جلت ~~عظمته # فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ~~قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين # [يونس: 98]. ### || [37.149-160] # يقول تعالى منكرا على هؤلاء المشركين في جعلهم لله تعالى البنات # سبحانه ولهم ما يشتهون # [النحل: 57] أي من الذكور، أي يودون لأنفسهم الجيد، # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم # [النحل: 58] أي يسوؤه ذلك ولا يختار لنفسه إلا البنين، يقول عز وجل ~~فكيف نسبوا إلى الله تعالى القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم، ولهذا قال ~~تعالى: { فاستفتهم } أي سلهم على سبيل الإنكار عليهم { ~~ألربك البنات ولهم البنون }؟ كقوله عز وجل: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22]، وقوله تبارك وتعالى: { أم خلقنا الملائكة ~~إناثا وهم شاهدون } أي كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما ~~شاهدوا خلقهم كقوله جل وعلا: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون # [الزخرف: 19] أي يسألون عن ذلك يوم القيامة، وقوله جلت عظمته: { ألا ~~إنهم من إفكهم } أي من كذبهم { ليقولون ولد الله ~~} أي صدر منه الولد { وإنهم لكاذبون } ، فذكر الله تعالى عنهم ~~في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب: فأولا جعلوهم (بنات ms2073 ~~الله) فجعلوا لله ولدا تعالى وتقدس، ثم حجعلوا ذلك الولد (أنثى) ثم ~~عبدوهم من دون الله تعالى وتقدس وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم، ثم ~~قال تعالى منكرا عليهم: { أصطفى البنات على البنين } أي: ~~أي شيء يحمله على أن يختار البنات دون البنين؟ كقوله عز وجل: # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما # [الإسراء: 40]، ولهذا قال تبارك وتعالى: { ما لكم كيف ~~تحكمون }؟ أي ما لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون { أفلا ~~تذكرون * أم لكم سلطان مبين } أي حجة على ما تقولونه، ~~{ فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } أي هاتوا برهانا ~~على ذلك يكون مستندا إلى كتاب منزل من السماء، عن الله تعالى أنه اتخذ ~~ما تقولونه فإن ما تقولونه لا يمكن استناده إلى عقل، بل لا يجوزه العقل ~~بالكلية. وقوله تعالى: { وجعلوا بينه وبين الجنة ~~نسبا } قال مجاهد: قال المشركون: الملائكة بنات الله تعالى، فقال أبو ~~بكر رضي الله عنه: فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سروات الجن، ولهذا قال ~~تعالى: { ولقد علمت الجنة } أي الذين نسبوا إليهم ذلك { ~~إنهم لمحضرون } أي إن الذين قالوا ذلك { لمحضرون } في ~~العذاب يوم الحساب، لكذبهم في ذلك وافترائهم وقولهم الباطل بلا علم، قال ~~ابن عباس: زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان، تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا، وقوله جلت عظمته: { سبحان الله عما ~~يصفون } أي تعالى وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد، وعما يصفه به ~~الظالمون الملحدون علوا كبيرا، وقوله تعالى: { إلا عباد الله ~~المخلصين } استثنى منهم المخلصين وهم المتبعون للحق المنزل على كل ~~نبي مرسل، وجعل ابن جرير هذا الاستنثاء من قوله تعالى: { إنهم ~~لمحضرون.. إلا عباد الله المخلصين } وفي هذا الذي ~~قاله نظر، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || [37.161-170] # يقول تعالى مخاطبا المشركين: { فإنكم وما تعبدون * مآ ~~أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم } أي ~~إنما ينقاد لمقالتكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة، من هو ~~أضل منكم ممن ذرىء للنار، # لهم قلوب ms2074 لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بهآ أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون # [الأعراف: 179] فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر ~~والضلالة، كما قال تبارك وتعالى: # إنكم لفي قول مختلف * يؤفك عنه من أفك # [الذاريات: 8-9] أي إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل، ثم قال تبارك وتعالى ~~منزها للملائكة مما نسبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات ~~الله: { وما منآ إلا له مقام معلوم } أي له موضع مخصوص ~~في السماوات ومقام العبادات لا يتجاوزه ولا يتعداه، قال الضحاك. كان ~~مسروق يروي # " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم " فذلك قوله ~~تعالى: { وما منآ إلا له مقام معلوم } " # وقال الاعمش، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: # " إن في السماوات لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه، ~~ثم قرأ عبد الله رضي الله عنه: { وما منآ إلا له مقام ~~معلوم } ، قال ابن جريج: كانوا لا يصفون في الصلاة حتى نزلت: { ~~وإنا لنحن الصآفون } فصفوا، وقال أبو نضرة: كان عمر رضي ~~الله عنه إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه، ثم قال: أقيموا صفوفكم، ~~استووا قياما، يريد الله تعالى بكم هدي الملائكة، ثم يقول: { وإنا ~~لنحن الصآفون } ، تأخر يا فلان، تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر " # وفي " صحيح مسلم " عن حذيفة رضي الله عنه قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فضلنا على الناس بثلاث: جعلت ~~صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدا، وتربتها طهورا " " # الحديث، { وإنا لنحن المسبحون } أي نصطف فنسبح الرب ~~ونمجده ونقدسه وننزهه عن النقائص، فنحن عبيد له فقراء إليه خاضعون لديه، ~~وقال ابن عباس ومجاهد: { وما منآ إلا له مقام معلوم } ~~الملائكة، { وإنا لنحن الصآفون } الملائكة { وإنا ~~لنحن المسبحون } الملائكة تسبح الله عز وجل وقال قتادة: { ~~وإنا لنحن المسبحون } يعني المصلون يثبتون ms2075 بمكانهم من ~~العبادة. وقوله جل وعلا: { وإن كانوا ليقولون * لو أن ~~عندنا ذكرا من الأولين * لكنا عباد الله ~~المخلصين } ، أي قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان ~~عندهم من يذكرهم بأمر الله، وما كان من أمر القرون الأولى ويأتيهم بكتاب ~~الله كما قال جل جلاله: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جآءهم ~~نذير ما زادهم إلا نفورا # [فاطر: 42]، وقال تعالى: # أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من ~~قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين # [الأنعام: 156] ولهذا قال تعالى ههنا: { فكفروا به فسوف ~~يعلمون } وعيد أكيد وتهديد شديد، على كفرهم بربهم عز وجل وتكذيبهم ~~رسوله صلى الله عليه وسلم. ### || [37.171-179] # يقول تبارك وتعالى: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين } أي تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في ~~الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # [المجادلة: 21]، وقال: عز وجل: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # [غافر: 51]، ولهذا قال جل جلاله: { إنهم لهم المنصورون } ~~أي في الدنيا والآخرة كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم، ممن كذبهم ~~وخالفهم، كيف أهلك الله الكافرين ونجى عباده المؤمنين، { وإن ~~جندنا لهم الغالبون } أي تكون لهم العاقبة، وقوله جل وعلا: { ~~فتول عنهم حتى حين } أي اصبر على أذاهم لك وانتظر إلى وقت ~~مؤجل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر، وقوله جلت عظمته: { ~~وأبصرهم فسوف يبصرون } أي انظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من ~~العذاب والنكال بمخالفتك وتكذيبك، ولهذا قال تعالى على وجه التهديد ~~والوعيد: { فسوف يبصرون } ، ثم قال عز وجل: { ~~أفبعذابنا يستعجلون } أي هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم ~~وكفرهم بك، ومع هذا يستعجلون العذاب والعقوبة، قال الله تعالى: { فإذا ~~نزل بساحتهم فسآء صباح المنذرين } أي فإذا نزل ~~العذاب بمحلتهم فبئس ذلك اليوم يومهم، بإهلاكهم ودمارهم، وقال السدي: { ~~فإذا نزل بساحتهم } يعني بدارهم { فسآء صباح ~~المنذرين } أي فبئس ما يصبحون أي بئس الصباح صباحهم، ولهذا ثبت في ms2076 ~~" الصحيحين " عن أنس رضي الله عنه قال: # " صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم ~~ورأوا الجيش رجعوا، وهم يقولون: محمد والله، محمد والخميس، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ~~فساء صباح المنذرين " " # ، وقوله تعالى: { وتول عنهم حتى حين * وأبصر ~~فسوف يبصرون } تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### || [37.180-182] # ينزه تبارك وتعالى نفسه الكريمة ويقدسها، ويبرئها عما يقول الظالمون ~~المكذبون المعتدون، تعالى وتنزه وتقدس عن قولهم علوا كبيرا، ولهذا قال ~~تبارك وتعالى: { سبحان ربك رب العزة } أي ذي العزة التي ~~لا ترام { عما يصفون } أي عن قول هؤلاء المعتدين المفترين، { ~~وسلام على المرسلين } أي سلام الله عليهم في الدنيا ~~والآخرة، { والحمد لله رب العالمين } أي له الحمد في ~~الأولى والآخرة في كل حال، عن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين " # وعن أبي سعيد رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنه كان إذا أراد أن يسلم قال: " سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام ~~على المرسلين والحمد لله رب العالمين " " # ثم يسلم، وروى ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى ~~من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم: { سبحان ~~ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على ~~المرسلين * والحمد لله رب العالمين } " " # وقد وردت أحاديث في كفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا ~~أنت، أستغفرك وأتوب إليك، قال ابن كثير: وقد أفردت لها جزءا على حدة، ~~ولله الحمد والمنة. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-3] # أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن ~~إعادته ههنا، وقوله تعالى: { والقرآن ذي الذكر } أي والقرآن ~~المشتمل على ما فيه ذكر للعباد، ونفع لهم في المعاش والمعاد، قال الضحاك ~~{ ذي الذكر ms2077 } كقوله تعالى: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم # [الأنبياء: 10] أي تذكيركم. # وقال ابن عباس { ذي الذكر } ذي الشرف أي ذي الشأن والمكانة. ولا ~~منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف، مشتمل على التذكير والإعذار ~~والإنذار، واختلفوا في جواب هذا القسم: فقال قتادة: جوابه { بل ~~الذين كفروا في عزة وشقاق } واختاره ابن جرير، وقيل: ~~جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها، والله أعلم، وقوله تعالى: { بل ~~الذين كفروا في عزة وشقاق } أي إن في هذا القرآن لذكرى ~~لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر، وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم { في ~~عزة } أي استكبار عنه وحمية، { وشقاق } أي ومخالفة له ومعاندة ~~ومفارقة، ثم خوفهم ما أهلك به الأمم الكاذبة قبلهم فقال تعالى: { كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن } أي من أمة مكذبة، { فنادوا ~~} أي حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى، وليس ذلك بمجد ~~عنهم شيئا، كما قال عز وجل: # فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون # [الأنبياء: 12] أي يهربون، قال التميمي: سألت ابن عباس رضي الله عنهما ~~عن قول الله تبارك وتعالى: { فنادوا ولات حين مناص }! قال: ~~ليس بحين نداء ولا نزاع ولا فرار، وعن ابن عباس: ليس بحين مغاث، نادوا ~~النداء حين لا ينفعهم وأنشد: # تذكر ليلى لات حين تذكر # وقال محمد بن كعب: نادوا بالتوحيد حيث تولت الدنيا عنهم، واستناصوا ~~للتوبة حين تولت الدنيا عنهم، وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة ~~في غير حين النداء، وقال مجاهد: { فنادوا ولات حين مناص } ~~ليس بحين فرار ولا إجابة، وعن زيد بن أسلم: { ولات حين مناص } ~~ولا نداء في غير حين النداء، وهذه الكلمة، وهي (لات) هي (لا) التي للنفي ~~زيدت معها التاء، كما تزاد في ثم، فيقولون: ثمت، ورب، فيقولون: ربت. وأهل ~~اللغة يقولون: النوص: التأخر، والبوص: التقدم، ولهذا قال تبارك وتعالى: { ~~ولات حين مناص } أي ليس الحين حين فرار، ولا ذهاب، والله سبحانه ~~وتعالى الموفق للصواب. ### || [38.4-11] # يقول تعالى مخبرا عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله صلى الله ~~عليه ms2078 وسلم بشيرا ونذيرا، كما قال عز وجل: # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس # [يونس: 2] الآية، قال جل وعلا ههنا: { وعجبوا أن جآءهم ~~منذر منهم } أي بشر مثلهم، وقال الكافرون: { هذا ساحر ~~كذاب * أجعل الآلهة إلها واحدا } أي أزعم أن المعبود ~~واحد لا إله إلا هو؟ أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى وتعجبوا من ترك ~~الشرك بالله، فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته ~~قلوبهم، فلما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلع ذلك من قلوبهم ~~وإفراد الإله بالوحدانية، أعظموا ذلك وتعجبوا، وقالوا: { أجعل ~~الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب * ~~وانطلق الملأ منهم } وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم ~~قائلين { امشوا } أي استمروا على دينكم، { واصبروا على ~~آلهتكم } ، ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد، وقوله ~~تعالى: { إن هذا لشيء يراد } قال ابن جرير: إن هذا الذي ~~يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد لشيء يريد به الشرف ~~عليكم والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه. # (ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات) # روى ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم (أبو جهل) فقالوا: إن ابن ~~أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث ~~إليه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل البيت، وبينهم وبين أبو طالب ~~قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل، لعنه الله، إن جلس إلى جنب أبي طالب ~~أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ~~أين أخي، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟ قال: ~~وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا ~~عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم ~~بها العجم ms2079 الجزية " ، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة نعم ~~وأبيك عشرا، فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ ~~قال صلى الله عليه وسلم: " لا إله إلا الله " ، فقاموا فزعين ينفضون ~~ثيابهم، وهم يقولون: { أجعل الآلهة إلها واحدا إن ~~هذا لشيء عجاب } ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: { بل لما ~~يذوقوا عذاب } ". # وقولهم: { ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة } أي ما ~~سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال مجاهد ~~و قتادة: يعنون دين قريش، وقال السدي: يعنون النصرانية، وقال ابن عباس: { ~~ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة } يعني دين النصرانية، ~~قالوا: لو كان هذا القرآن حقا لأخبرتنا به النصارى { إن هذا ~~إلا اختلاق } قال مجاهد: كذب، وقال ابن عباس: تخرص، وقولهم: { ~~أأنزل عليه الذكر من بيننا } يعني أنهم يستبعدون تخصيصه ~~بإنزال القرآن عليه من بينهم كما قال في الآية الأخرى: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]، ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم وقلة عقلهم، في ~~استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم، قال الله تعالى: { بل ~~لما يذوقوا عذاب } أي إنما يقولون هذا، لأنهم ما ذاقوا عذاب ~~الله تعالى ونقمته، وسيعلمون غب ما قالوا وما كذبوا به. # ثم قال تعالى مبينا أنه المتصرف في ملكه، الفعال لما يشاء، الذي يهدي ~~من يشاء، ويضل من يشاء، وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده، وأن ~~العباد لا يملكون شيئا من الأمر وليس إليهم من التصرف في الملك ولا ~~مثقال ذرة، ولهذا قال تعالى منكرا عليهم: { أم عندهم خزآئن ~~رحمة ربك العزيز الوهاب } أي العزيز الذي لا يرام ~~جنابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد، وهذه الآية الكريمة شبيهة ~~بقوله تعالى: # أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس ~~نقيرا * أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من ~~فضله # [النساء: 53-54] الآية، كما أخبر عز وجل عن قوم صالح عليه السلام حين ~~قالوا: # أألقي ms2080 الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر ~~* سيعلمون غدا من الكذاب الأشر # [القمر: 25-26] وقوله تعالى: { أم لهم ملك السموت ~~والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب } أي إن ~~كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب، قال ابن عباس: يعني طرق السماء، وقال ~~الضحاك: فليصعدوا إلى السماء السابعة، ثم قال عز وجل: { جند ما ~~هنالك مهزوم من الأحزاب } أي هؤلاء الجند المكذبون سيهزمون ~~ويغلبون، ويكبتون كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين، وهذه ~~الآية كقوله جلت عظمته: # أم يقولون نحن جميع منتصر * سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر # [القمر: 44-45] كان ذلك يوم بدر # بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر # [القمر: 46]. ### || [38.12-16] # يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء القرون الماضية وما حل بهم من العذاب ~~والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ~~وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة، وقوله تعالى: { أولئك ~~الأحزاب } أي كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالا وأولادا، فما ~~دفع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك، ولهذا قال عز وجل: ~~{ إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب } فجعل علة ~~إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر، وقوله ~~تعالى: { وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها ~~من فواق } قال زيد بن أسلم: أي ليس لها مثنوية، أي ما ينظرون # إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جآء أشراطها # [محمد: 18] أي فقد اقتربت ودنت وأزفت، وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي ~~يأمر الله تعالى إسرافيل أن يطولها، فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض ~~إلا فزع إلا من استثنى الله عز وجل، وقوله جل جلاله: { وقالوا ~~ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } هذا إنكار ~~من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب، فإن ~~القط هو الكتاب، وقيل: هو الحظ والنصيب، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: ~~سألوا تعجيل العذاب كما قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب ms2081 أليم # [الأنفال: 32] وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة إن كانت موجودة ليلقوا ~~ذاك في الدنيا، وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب، قال ابن ~~جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا، وهذا الذي ~~قاله جيد، ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد قال ~~الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمرا له بالصبر على أذاهم، ~~ومبشرا له على صبره بالعاقبة والنصر والظفر. ### || [38.17-20] # يذكر تعالى عن عبده وسوله (داود) عليه الصلاة والسلام أنه كان ذا أيد، ~~و(الأيد) القوة في العلم والعمل، قال ابن عباس: الأيد القوة، وقرأ ابن ~~زيد: # والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون # [الذاريات: 47] وقال مجاهد: الأيد، القوة في الطاعة. وقال قتادة: أعطي ~~داود عليه الصلاة والسلام قوة في العبادة وفقها في الإسلام، وقد ذكر لنا ~~أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم ثلث الليل، ويصوم نصف الدهر، وهذا ثابت ~~في " الصحيحين " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله عز وجل ~~صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوما ~~ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى " # ، وإنه كان (أوابا) وهو الرجاع إلى الله عز وجل في جميع أموره ~~وشؤونه، وقوله تعالى: { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن ~~بالعشي والإشراق } أي أنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند ~~إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال عز وجل: # يجبال أوبي معه والطير # [سبأ: 10] وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه، إذا مر به ~~الطير وهو سابح في الهواء، فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا يستطيع ~~الذهاب بل يقف في الهواء، ويسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه ~~وتسبح تبعا له. # ولهذا قال عز وجل: { والطير محشورة } أي محبوسة في الهواء ~~{ كل له أواب } أي مطيع يسبح تبعا له، قال سعيد بن جبير ~~وقتادة { كل له أواب } أي مطيع، وقوله تعالى: { وشددنا ~~ملكه } أي جعلنا له ملكا كاملا من جميع ما يحتاج ms2082 إليه الملوك، قال ~~مجاهد: كان أشد أهل الدنيا سلطانا، وقال السدي: كان يحرسه كل يوم أربعة ~~آلاف، وقوله جل وعلا: { وآتيناه الحكمة } قال مجاهد: يعني ~~الفهم والعقل والفطنة، وعنه: { الحكمة } العدل، وقال قتادة: كتاب ~~الله واتباع ما فيه، وقال السدي: { الحكمة } النبوة، وقوله جل ~~جلاله: { وفصل الخطاب } قال شريح القاضي والشعبي: فصل الخطاب: ~~الشهود والأيمان، وقال قتادة: شاهدان على المدعي أو يمين المدعى عليه، ~~وقال مجاهد والسدي: هو إصابة القضاء وفهم ذلك، وقال مجاهد أيضا: هو ~~الفصل في الكلام وفي الحكم، وهذا يشمل كل ذلك، وهو المراد واختاره ابن ~~جرير، وعن أبي موسى رضي الله عنه، أول من قال: (أما بعد) داود عليه ~~السلام، وهو فصل الخطاب، وكذا قال الشعبي: فصل الخطاب: أما بعد. ### || [38.21-25] # قد ذكر المفسرون ها هنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت ~~فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا، لا ~~يصح سنده، لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه، ويزيد وإن ~~كان من الصالحين، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة؛ فالأولى أن يقتصر على ~~مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى الله عز وجل، فإن القرآن ~~حق، وما تضمن فهو حق أيضا، وقوله تعالى: { ففزع منهم } إنما كان ~~ذلك لأنه كان في محرابه، وهو أشرف مكان في داره، وكان قد أمر أن لا يدخل ~~عليه أحد ذلك اليوم، فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب، أي ~~احتاطا به، يسألانه عن شأنهما، وقوله عز وجل: { وعزني في ~~الخطاب } أي غلبني، يقال: عز يعز إذا قهر وغلب، وقوله تعالى: { ~~وظن داوود أنما فتناه } قال ابن عباس: أي اختبرناه، ~~وقوله تعالى: { وخر راكعا } أي ساجدا، { وأناب } أي رجع وتاب ~~ويحتمل أنه ركع أولا ثم سجد بعد ذلك { فغفرنا له ذلك } أي ما ~~كان منه مما يقال فيه: # " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". # وقد اختلف الأئمة في سجدة (ص) هل هي من عزائم السجود؟ على قولين: الجديد ~~من مذهب الشافعي ms2083 رضي الله عنه أنها ليست من عزائم السجود، بل هي سجدة ~~شكر؛ والدليل على ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: السجدة ~~في (ص) ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسجد فيها، وروى البخاري عند تفسيرها عن العوام قال: سألت مجاهدا عن ~~سجدة (ص) فقال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما من أين سجدت؟ فقال: أو ما ~~تقرأ: # ومن ذريته داوود وسليمان # [الأنعام: 84]، و # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]؟ فكان داود عليه الصلاة والسلام ممن أمر نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم أن يقتدي به، فسجدها داود عليه الصلاة السلام، فسجدها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { وإن له عندنا ~~لزلفى وحسن مآب } أي وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله ~~عز وجل بها، وحسن مرجع، وهو الدرجات العالية في الجنة لتوبته وعدله ~~التام في ملكه، كما جاء في الصحيح: # " المقسطون على منابر من نور، عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين ~~يقسطون في أهليهم وما ولوا " # وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم منه مجلسا إمام عادل، ~~وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر ". ### || [38.26] # هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور، أن يحكموا بين الناس بالحق ~~المنزل من عنده تبارك وتعالى، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله، وقد ~~توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد ~~والعذاب الشديد، روى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي زرعة وكان قد قرأ ~~الكتاب أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت ~~الكتاب الأول وقرأت القرآن وفقهت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل ~~في أمان الله، قلت: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود عليه ~~الصلاة والسلام؟ إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه ~~فقال ms2084 تعالى: { يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض ~~فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله } الآية، وقال عكرمة: { لهم عذاب ~~شديد بما نسوا يوم الحساب } هذا من المقدم والمؤخر: لهم ~~عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا، وقال السدي: لهم عذاب شديد بما تركوا أن ~~يعملوا ليوم الحساب، وهذا القول أظهر، والله سبحانه وتعالى الموفق ~~للصواب. ### || [38.27-29] # يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثا، وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه، ثم ~~يجمعهم يوم الجمع فيثيب المطيع ويعذب الكافر، ولهذا قال تبارك وتعالى: { ~~وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا } ، أي الذين لا يرون بعثا ولا ~~معادا، وإنما يعتقدون هذه الدار فقط، { فويل للذين كفروا ~~من النار } أي ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم، ثم ~~بين تعالى أنه عز وجل من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين ~~والكافرين، فقال تعالى: { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار } أي لا نفعل ذلك، ولا يستوون عند الله، ~~وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من دار أخرى يثاب فيها المطيع، ويعاقب فيها ~~هذا الفاجر، وتدل العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بد من معاد ~~وجزاء، فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه، ويموت كذلك، ~~ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده، فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل، ~~الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا، وإذا لم يقع هذا في هذه ~~الدار فتعين أن هناك دارا أخرى، لهذا الجزاء والمواساة، ولما كان القرآن ~~يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة قال تعالى: { كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولوا الألباب } أي ذوو العقول، وهي (الألباب) ~~جمع لب وهو العقل، قال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه، وإضاعة ~~حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا ~~عمل. ### || [38.30-33] # يقول تعالى مخبرا أنه وهب لداود (سليمان) أي نبيا، كما قال عز ms2085 وجل: # وورث سليمان داوود # [النمل: 16] أي في النبوة، وإلا فقد كان له بنون غيره، فإنه قد كان عنده ~~مائة امرأة حرائر، وقوله تعالى: { نعم العبد إنه أواب } ~~ثناء على سليمان بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله عز وجل، ~~وقوله تعالى: { إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ~~الجياد } أي إذ عرض على سليمان عليه الصلاة والسلام في حال مملكته ~~وسلطانه الخيل الصافنات، قال مجاهد: وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر ~~الرابعة، والجياد السراع، وعن إبراهيم التيمي قال: كانت الخيل التي شغلت ~~سليمان عليه الصلاة والسلام عشرين ألف فرس فعقرها، وعن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: # " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ~~ستر، فهبت الريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة رضي الله عنها لعب، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " ما هذا يا عائشة؟ " قالت رضي الله عنها: ~~بناتي، ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~ما هذا الذي أرى وسطهن "؟ قالت رضي الله عنها: فرس، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما هذا الذي عليه؟ قالت رضي الله عنها: جناحان، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " فرس له جناحان " قالت رضي الله عنها:! أما ~~سمعت أن سليمان عليه الصلاة والسلام كانت له خيل لها أجنحة؟ قالت رضي ~~الله عنها: فضحك صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه " # وقوله تبارك وتعالى: { فقال إني أحببت حب الخير عن ~~ذكر ربي حتى توارت بالحجاب } ذكر غير واحد من السلف ~~والمفسرين: أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر، والذي يقطع به أنه ~~لم يتركها عمدا، بل نسيانا، كما شغل النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~الخندق عن صلاة العصر، حتى صلاها بعد الغروب؛ وذلك ثابت في " الصحيحين " ~~عن جابر رضي الله عنه قال: # " جاء عمر رضي الله عنه يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار ~~قريش، ويقول: يا رسول الله، والله ما كدت أصلي العصر حتى كادت ms2086 الشمس ~~تغرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والله ما صليتها " ، فقال: ~~فقمنا إلى بطحان فتوضأ نبي الله صلى الله عليه وسلم للصلاة وتوضأنا لها، ~~فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب " # ، ويحتمل أنه كان سائغا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر والغزو والقتال، ~~والأول أقرب، لأنه قال بعده: { ردوها علي فطفق مسحا ~~بالسوق والأعناق } قال الحسن البصري: لا والله لا تشغليني عن ~~عبادة ربي آخر ما عليك، ثم أمر بها فعقرت، وقال السدي: ضرب أعناقها ~~وعراقيبها بالسيوف، ولهذا عوضه الله عز وجل ما هو خير منها، وهو الريح ~~التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، غدوها شهر ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير ~~من الخيل. ### || [38.34-40] # يقول تعالى: { ولقد فتنا سليمان } أي اختبرناه بأن سلبناه ~~الملك، { وألقينا على كرسيه جسدا }. قال ابن عباس ~~والحسن وقتادة: يعني شيطانا، { ثم أناب } أي رجع إلى ملكه وسلطانه ~~وأبهته، قال ابن جرير: وكان اسم ذلك الشيطان صخرا، وقيل: آصف، { قال ~~رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي إنك أنت الوهاب } قال بعضهم: معناه لا ينبغي لأحد من ~~بعدي أي لا يصلح لأحد أن يسلبنيه بعدي، والصحيح أنه سأل من الله تعالى ~~ملكا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من ~~الآية، وبذلك وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال البخاري عند تفسير هذه الآية، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة - أو كلمة نحوها - ليقطع علي ~~الصلاة فأمكنني الله تبارك وتعالى منه، وأردت أن أربطه إلى سارية من ~~سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان عليه ~~الصلاة والسلام: { رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعدي } " # قال روح: فرده خاسئا. وروى مسلم في " صحيحه " عن أبي الدرداء رضي الله ~~عنه قال: # " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms2087 فسمعناه يقول: " أعوذ بالله منك، ~~ثم قال: ألعنك بلعنة الله " ثلاثا، وبسط يده كأنه يتناول شيئا، فلما ~~فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك ~~تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال صلى الله عليه وسلم: " إن عدو ~~الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث ~~مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت ~~أن آخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به صبيان أهل ~~المدينة " ". # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يصلي صلاة الصبح، وأنا خلفه ~~فقرأ، فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: " لو رأيتموني ~~وإبليس فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين ~~الإبهام والتي تليها ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من ~~سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه ~~وبين القبلة أحد فليفعل " ". # وقوله تبارك وتعالى: { فسخرنا له الريح تجري بأمره ~~رخآء حيث أصاب } قال الحسن البصري: لما عقر سليمان عليه الصلاة ~~والسلام الخيل غضبا لله عز وجل، عوضه الله تعالى ما هو خير منها ~~وأسرع الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر، وقوله جل وعلا: { حيث ~~أصاب } أي حيث أراد من البلاد، وقوله جل جلاله: { والشياطين ~~كل بنآء وغواص } أي منهم ما هو مستعمل في الأبنية الهائلة من ~~محاريب وتماثيل إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، ~~وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما بها من اللآلىء والجواهر والأشياء ~~النفيسة التي لا توجد إلا فيها، { وآخرين مقرنين في ~~الأصفاد } أي موثوقون في الأغلال والأكبال ممن تمرد وعصى، وامتنع من ~~العمل وأبى، أو قد أساء في صنيعه واعتدى، وقوله عز وجل: { هذا ~~عطآؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } أي هذا الذي ~~أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا، فأعط من شئت، واحرم ~~من ms2088 شئت، لا حساب عليك، أي مهما فعلت فهو جائز لك، وقد ثبت في " الصحيحين ~~" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خير بين أن يكون (عبدا ~~رسولا)، وبين أن يكون (نبيا ملكا) يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، بلا ~~حساب ولا جناح، اختار المنزلة الأولى بعد ما استشار جبريل عليه السلام، ~~فقال له: تواضع فاختار المنزلة الأولى، لأنها أرفع قدرا عند الله عز ~~وجل وأعلى منزلة في المعاد، وإن كانت المنزلة الثانية وهي النبوة مع ~~الملك عظيمة أيضا في الدنيا والآخرة، ولهذا لما ذكر تبارك وتعالى ما ~~أعطى سليمان عليه الصلاة والسلام في الدنيا نبه تعالى أنه ذو حظ عظيم عند ~~الله يوم القيامة أيضا، فقال تعالى: { وإن له عندنا لزلفى ~~وحسن مآب } أي في الدار الآخرة. ### || [38.41-44] # يذكر تبارك وتعالى عبده ورسوله (أيوب) عليه الصلاة والسلام، وما كان ~~ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده، حتى لم يبق من جسده مغرز ~~إبرة سليما سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما ~~هو فيه، غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله تعالى ورسوله، فكانت تخدم ~~الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه، نحوا من ثماني عشرة سنة، وقد كان قبل ذلك ~~في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة من الدنيا، فسلب جميع ذلك حتى رفضه القريب ~~والبعيد سوى زوجته رضي الله عنها فإنها كانت لا تفارقه صباحا ومساء إلا ~~بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريبا، فلما طال المطال، واشتد الحال، ~~وانتهى القدر، وتم الأجل المقدر تضرع إلى رب العالمين وإله المرسلين ~~فقال: # أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين # [الأنبياء: 83]، وفي هذه الآية الكريمة قال { واذكر عبدنآ ~~أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب ~~وعذاب } قيل: { بنصب } في بدني و { وعذاب } في مالي وولدي، ~~فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين، وأمره أن يقوم من مقامه، وأن يركض ~~الأرض برجله، ففعل، فأنبع الله تعالى عينا وأمره أن يغتسل منها، فأذهبت ~~جميع ما كان في بدنه من ms2089 الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر، فأنبع له ~~عينا أخرى، وأمره أن يشرب منها، فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء، ~~وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا؛ ولهذا قال تبارك وتعالى: { اركض ~~برجلك هذا مغتسل بارد وشراب }. روى ابن جرير وابن ~~أبي حاتم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام لبث في بلائه ثماني عشرة سنة، ~~فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين كانا من أخص إخوانه به، كانا يغدوان إليه ~~ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه ~~أحد في العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم ~~يرحمه الله تعالى، فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ~~ذلك له، فقال أيوب عليه الصلاة والسلام: لا أدري ما تقول غير أن الله عز ~~وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله تعالى، فأرجع ~~إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق، قال: وكان ~~يخرج إلى حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات ~~يوم أبطأ عليها، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى أيوب عليه الصلاة والسلام ~~أن: { اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } ~~فاستبطأته، فالتفتت تنظر، فأقبل عليها، قد أذهب الله ما به من البلاء، ~~وهو على أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي ~~الله هذا المبتلى، فوالله القدير على ذلك، ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ ~~كان صحيحا، قال: فإني أنا هو ". # وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب عليه الصلاة ~~والسلام يحثو في ثوبه، فناداه ربه عز وجل: يا أيوب ألم أكن أغنيتك ~~عما ترى؟ قال عليه الصلاة والسلام: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك " # ، ولهذا قال تبارك وتعالى: ms2090 { ووهبنا له أهله ومثلهم ~~معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب } قال الحسن ~~وقتادة: أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم، وقوله عز ~~وجل " { رحمة منا } أي به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه ~~واستكانته، { وذكرى لأولي الألباب } أي لذوي العقول ليعلموا ~~أن عاقبة الصبر الفرج، وقوله جلت عظمته: { وخذ بيدك ضغثا ~~فاضرب به ولا تحنث } وذلك أن أيوب عليه الصلاة والسلام كان ~~قد غضب على زوجته ووجد في أمر فعلته، وحلف إن شفاه الله تعالى ليضربنها ~~مائة جلدة، فلما شفاه الله عز وجل وعافاه ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة ~~التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب، فأفتاه الله عز وجل ~~أن يأخذ { ضغثا } وهو الشمراخ فيه مائة قضيب، فيضربها به ضربة واحدة، ~~وقد برت يمينه، وخرج من حنثه ووفى بنذره، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى ~~الله تعالى وأناب إليه، ولهذا قال جل وعلا: { إنا وجدناه ~~صابرا نعم العبد إنه أواب } أثنى الله تعالى عليه ~~ومدحه بأنه { نعم العبد إنه أواب } أي رجاع منيب؛ ~~ولهذا قال جل جلاله: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3] الآية واستدل كثير من الفقهاء بهذه الآية الكريمة على ~~مسائل في الإيمان والله أعلم. ### || [38.45-48] # يقول تبارك وتعالى مخبرا عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين: { ~~واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي ~~الأيدي والأبصار } يعني بذلك العمل الصالح والعلم النافع والقوة ~~في العبادة والبصيرة النافذة، قال ابن عباس: { أولي الأيدي }: أولي ~~القوة، { والأبصار }: الفقه في الدين، وقال مجاهد: { أولي ~~الأيدي } يعني القوة في طاعة الله تعالى، { والأبصار } يعني ~~البصر في الحق، وقال قتادة والسدي: أعطوا قوة في العبادة وبصرا في ~~الدين، وقوله تبارك وتعالى: { إنآ أخلصناهم بخالصة ~~ذكرى الدار } قال مجاهد: أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم هم ~~غيرها، وقال مالك بن دينار: نزع الله تعالى من قلوبهم حب الدنيا وذكرها ~~وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها، وقال سعيد بن جبير: يعني بالدار (الجنة) ~~يقول: أخلصناها لهم بذكرهم لها، وقال ابن ms2091 زيد: جعل لهم خاصة أفضل شيء في ~~الدار الآخرة، وقوله تعالى: { وإنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار } أي المختارين المجتبين الأخيار، فهم أخيار ~~مختارون، وقوله تعالى: { واذكر إسماعيل واليسع وذا ~~الكفل وكل من الأخيار }. قد تقدم الكلام على قصصهم ~~وأخبارهم في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما أغنى عن إعادته ~~ههنا، وقوله عز وجل # هذا ذكر # [ص: 49] أي هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر، وقال السدي: يعني القرآن العظيم. ### || [38.49-54] # يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء أن لهم في الدار الآخرة { ~~لحسن مآب } وهو المرجع والمنقلب، ثم فسره بقوله تعالى: { جنات ~~عدن } أي جنات إقامة { مفتحة لهم الأبواب } والألف ~~واللام ههنا بمعنى الإضافة، كأنه يقول مفتحة لهم أبوابها، أي إذا جاءوها ~~فتحت لهم أبوابها، وقد ورد في ذكر أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من ~~وجوه عديدة، وقوله عز وجل: { متكئين فيها } قيل: متربعين على ~~سرير تحت الحجال، { يدعون فيها بفاكهة كثيرة } أي مهما ~~طلبوا وجدوا وأحضر كما أرادوا، { وشراب } أي من أي أنواعه شاءوا ~~أتتهم به الخدام # بأكواب وأباريق وكأس من معين # [الواقعة: 18]، { وعندهم قاصرات الطرف } أي عن غير أزواجهن ~~فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن { أتراب } أي متساويات في السن والعمر، { ~~هذا ما توعدون ليوم الحساب } أي هذا الذي ذكرنا من صفة ~~الجنة هي التي وعدها لعباده المتقين، التي يصيرون إليها بعد نشورهم ~~وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار، ثم أخبر تبارك وتعالى عن الجنة أنه ~~لا فراغ لها ولا زوال ولا انقضاء ولا انتهاء فقال تعالى: { إن هذا ~~لرزقنا ما له من نفاد } ، كقوله عز وجل: # عطآء غير مجذوذ # [هود: 108]، وكقوله تعالى: # لهم أجر غير ممنون # [فصلت: 8] أي غير مقطوع، وكقوله: # أكلها دآئم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا ~~وعقبى الكافرين النار # [الرعد: 35]، والآيات في هذا كثيرة جدا. ### || [38.55-64] # لما ذكر تبارك وتعالى مآل السعداء، ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ~~ومآبهم، فقال عز وجل: { هذا وإن للطاغين } وهم الخارجون عن ~~طاعة الله عز وجل، المخالفون لرسل الله صلى الله عليه وسلم ms2092 { لشر ~~مآب } أي لسوء منقلب ومرجع، ثم فسره بقوله جل وعلا: { جهنم ~~يصلونها } أي يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم { فبئس ~~المهاد * هذا فليذوقوه حميم وغساق } ، أما الحميم ~~فهو الحار الذي قد انتهى حره، وأما الغساق فهو ضده وهو البارد الذي لا ~~يستطاع من شدة برده المؤلم، ولهذا قال عز وجل: { وآخر من شكله ~~أزواج } أي وأشياء من هذا القبيل، الشيء وضده يعاقبون بها، عن أبي ~~سعيد رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا " # وقال كعب الأحبار { غساق } عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة ~~من حية، وعقرب وغير ذلك فيستنقع، فيؤتى بالآدمي، فيغمس فيها غمسة واحدة ~~فيخرج، وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه ~~وعقبيه، ويجر لحمه كله كما يجر الرجل ثوبه، وقال الحسن البصري: { وآخر ~~من شكله أزواج }: ألوان من العذاب، كالزمهرير، والسموم، وشرب ~~الحميم، وأكل الزقوم، والصعود والهوي، إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة ~~المتضادة، والجميع مما يعذبون به، ويهانون بسببه، وقوله عز وجل: { ~~هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم ~~صالوا النار } ، هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم ~~لبعض، كما قال تعالى: # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف: 38] يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون، ويكفر بعضهم ببعض، ~~فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى، إذا أقبلت مع الخزنة من الزبانية { ~~هذا فوج مقتحم } أي داخل { معكم لا مرحبا بهم ~~إنهم صالوا النار } أي لأنهم من أهل جهنم، { قالوا بل ~~أنتم لا مرحبا بكم أنتم } أي فيقول لهم الداخلون { بل ~~أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا } أي أنتم ~~دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير، { فبئس القرار } أي ~~فبئس المنزل والمستقر والمصير { قالوا ربنا من قدم لنا ~~هذا فزده عذابا ضعفا في النار } ، كما قال عز وجل: # قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا ~~فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ms2093 ~~ولكن لا تعلمون # [الأعراف: 38] أي لكل منكم عذاب بحسبه، { وقالوا ما لنا لا ~~نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار * ~~أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار }؟ هذا ~~إخبار عن الكفار في النار، أنهم يفتقدون رجالا كانوا يعتقدون أنهم على ~~الضلالة، وهم المؤمنون في زعمهم قالوا: ما لنا لا نراهم معنا في النار؟ ~~قال مجاهد: هذا قول أبي جهل يقول: ما لي لا أرى بلالا وعمارا وصهيبا ~~وفلانا وفلانا؟ وهذا ضرب مثل، وإلا فكل الكفار هذا حالهم، يعتقدون أن ~~المؤمنين يدخلون النار، فلما دخل الكفار النار، افتقدوهم فلم يجدوهم، ~~فقالوا: { وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم ~~من الأشرار * أتخذناهم سخريا } أي في الدار الدنيا { ~~أم زاغت عنهم الأبصار }؟ يسلون أنفسهم بالمحال، يقولون: أو ~~لعلهم معنا في جهنم، ولكن لم يقع بصرنا عليهم، فعند ذلك يعرفون أنهم في ~~الدرجات العاليات وهو قوله عز وجل: # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ~~ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة ~~الله على الظالمين # [الأعراف: 44]، وقوله تعالى: { إن ذلك لحق تخاصم أهل ~~النار } ، أي إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد، من تخاصم أهل النار ~~بعضهم في بعض، ولعن بعضهم لبعض، لحق لا مرية فيه ولا شك؟ ### || [38.65-70] # يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار بالله ~~المشركين به المكذبين لرسوله { قل إنمآ أنا منذر } لست كما ~~تزعمون، { وما من إله إلا الله الواحد القهار } ~~أي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه، { رب السموت والأرض وما ~~بينهما } أي هو مالك جميع ذلك ومتصرف فيه، { العزيز الغفار ~~} أي غفار مع عظمته وعزته، { قل هو نبأ عظيم } أي خبر عظيم ~~وشأن بليغ، وهو إرسال الله تعالى إياي إليكم، { أنتم عنه ~~معرضون } أي غافلون، قال مجاهد { قل هو نبأ عظيم }: يعني ~~القرآن، وقوله تعالى: { ما كان لي من علم بالملإ ~~الأعلى إذ يختصمون } أي لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف ~~الملأ ms2094 الأعلى؟ يعني في شأن آدم عليه الصلاة والسلام، وامتناع إبليس من ~~السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه، وغير ذلك. ### || [38.71-85] # هذه القصة ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة البقرة، وفي أول الأعراف، ~~وفي سورة الحجر، وسبحان، والكهف، وههنا، وهي أن الله سبحانه وتعالى، ~~أعلم الملائكة قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام، بأنه سيخلق بشرا من ~~صلصال من حمأ مسنون، وتقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته، ~~فليسجدوا له إكراما وإعظاما واحتراما وامتثالا لأمر الله عز وجل، ~~فامتثل الملائكة كلهم سوى إبليس ولم يكن منهم جنسا، كان من الجن، فخانه ~~طبعه وجبلته، فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه عز وجل فيه، وادعى أنه ~~خير من آدم، فإنه مخلوق من نار، وآدم خلق من طين، والنار خير من الطين في ~~زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله تعالى، وكفر بذلك فأبعده الله عز ~~وجل، وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه ~~(إبليس) إعلاما له بأنه قد أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذموما ~~مدحورا إلى الأرض، فسأل الله النظرة إلى يوم البعث فأنظره الحليم الذي ~~لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى، وقال: ~~{ فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين } ، كما قال عز وجل: # لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا # [الإسراء: 62] وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك ~~وكيلا # [الإسراء: 65]، وقوله تعالى: { قال فالحق والحق أقول * ~~لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } ، ~~قال السدي: هو قسم أقسم الله به، كقوله تعالى: # ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13]، وكقوله عز وجل: # قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم ~~جزاء موفورا # [الإسراء: 63]. ### || [38.86-88] # يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين ما أسألكم على هذا البلاغ، وهذا ~~النصح أجرا تعطوني إياه من عرض الحياة الدنيا { ومآ أنآ من ~~المتكلفين } أي وما أريد ms2095 على ما أرسلني الله تعالى به، ولا أبتغي ~~زيادة عليه، بل ما أمرت به أديته، لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما ~~أبتغي بذلك وجه الله عز وجل والدار الآخرة، قال مسروق: أتينا عبد الله ~~بن مسعود رضي الله عنه فقال: يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به، ومن ~~لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله ~~أعلم، فإن الله عز وجل قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم: { قل مآ ~~أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من المتكلفين ~~}. وقوله تعالى: { إن هو إلا ذكر للعالمين } يعني ~~القرآن ذكر لجميع المكلفين من الإنس والجن، قال ابن عباس { ~~للعالمين } قال: الجن والإنس، وهذه الآية كقوله تعالى: # لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19]، وقوله تعالى: { ولتعلمن نبأه } أي خبره ~~وصدقه { بعد حين } أي عن قريب، قال قتادة: بعد الموت، قال عكرمة: ~~يعني يوم القيامة، ولا منافاة بين القولين، فإن من مات فقد دخل في حكم ~~القيامة، وقال الحسن البصري: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-4] # يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو (القرآن العظيم) من عنده تبارك ~~وتعالى، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك كما قال عز وجل: # وإنه لتنزيل رب العالمين # [الشعراء: 192]، وقال تعالى: # تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 42]، وقال ها هنا { تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~} أي المنيع الجناب { الحكيم } أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، { ~~إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق فاعبد الله ~~مخلصا له الدين } أي فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق ~~إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، ولهذا قال تعالى: { ~~ألا لله الدين الخالص } أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص ~~فيه العامل لله وحده لا شريك له، وقال قتادة { ألا لله الدين ~~الخالص }: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم أخبر عز وجل عن عباد ~~الأصنام من المشركين أنهم يقولون: { ما نعبدهم إلا ~~ليقربونآ إلى الله ms2096 زلفى } أي إنما يحملهم على عبادتهم ~~لهم أنهم عمدوا إلى أصنام، اتخذوها على صورة الملائكة المقربين في زعمهم، ~~فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند ~~الله تعالى، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به، قال قتادة والسدي: ~~{ إلا ليقربونآ إلى الله زلفى } أي ليشفعوا لنا ~~ويقربونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في ~~جاهلتيهم: «لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه، وما ملك»، وهذه ~~الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل ~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد ~~العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند ~~أنفسهم، لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه، ونهى عنه كما قال ~~تعالى: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36]، وقال تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25]، وأخبر أن الملائكة التي في السماوات، كلهم عبيد خاضعون ~~لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ~~ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم # فلا تضربوا لله الأمثال # [النحل: 74] تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وقوله عز وجل: { إن الله يحكم بينهم } أي يوم القيامة ~~{ فيما هم فيه يختلفون } أي سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ~~ويجزي كل عامل بعمله، { إن الله لا يهدي من هو كاذب ~~كفار } أي لا يرشد إلى الهداية، من قصده الكذب والافتراء على الله ~~تعالى، وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه، ثم بين تعالى أنه لا ولد له ~~كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في ~~العزير وعيسى، فقال تبارك وتعالى: { لو أراد الله أن يتخذ ~~ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء } أي لكان الأمر على ~~خلاف ما يزعمون، وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه بل هو محال، وإنما قصد ~~تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال عز وجل: ms2097 # لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ ~~إن كنا فاعلين # [الأنبياء: 17]، فهذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل ~~لمقصد المتكلم، وقوله تعالى: { سبحانه هو الله الواحد ~~القهار } أي تعالى وتنزه وتقدس، على أن يكون له ولد، فإنه الواحد ~~الأحد الفرد الصمد، الذي قهر الأشياء، فدانت له وذلت وخضعت، تبارك وتعالى ~~عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. ### || [39.5-6] # يخبر تعالى أنه الخالق لما في السماوات والأرض، وما بين ذلك من الأشياء، ~~وبأنه مالك الملك المتصرف فيه يقلب ليله ونهاره { يكور الليل ~~على النهار ويكور النهار على الليل } أي سخرهما ~~يجريان متعاقبين، لا يفترقان، كل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا، كقوله ~~تعالى: # يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا # [الأعراف: 54]، وقوله عز وجل: { وسخر الشمس والقمر ~~كل يجري لأجل مسمى } أي إلى مدة معلومة عند الله تعالى، ~~ثم ينقضي يوم القيامة { ألا هو العزيز الغفار } أي مع عزته ~~وعظمته وكبريائه، هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه، وقوله: جلت عظمته: ~~{ خلقكم من نفس واحدة } أي خلقكم مع اختلاف أجناسكم ~~وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم { من نفس واحدة } وهو آدم عليه ~~الصلاة والسلام { ثم جعل منها زوجها } وهي حواء عليها ~~السلام كقوله تعالى: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونسآء # [النساء: 1] وقوله تعالى: { وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج } أي وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج، وهي ~~المذكورة في سورة الأنعام من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل ~~اثنين، ومن البقر اثنين، وقوله عز وجل: { يخلقكم في بطون ~~أمهاتكم } أي قدركم في بطون أمهاتكم { خلقا من بعد ~~خلق } يكون أحدكم أولا نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يخلق ~~فيكون لحما وعظما وعصبا وعروقا، وينفخ فيه الروح فيصير خلقا آخر # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]، وقوله جل وعلا: { في ظلمات ثلاث } يعني ظلمة ~~الرحم، وظلمة المشيمة، وظلمة البطن، كذا قال ابن عباس ومجاهد. وقوله جل ~~جلاله: { ذلكم الله ربكم } أي ms2098 هذا الذي خلقكم وخلق آباءكم، ~~هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك { لا إله إلا هو } أي ~~الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له { فأنى تصرفون ~~}؟ أي فكيف تعبدون معه غيره؟ وأين يذهب بعقولكم؟ ### || [39.7-8] # يقول تعالى مخبرا عن نفسه جل وعلا أنه الغني عما سواه من المخلوقات، ~~كما قال موسى عليه السلام لقومه: # إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله ~~لغني حميد # [إبراهيم: 8]، وفي الصحيح: # " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل ~~منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا " # ، وقوله تعالى: { ولا يرضى لعباده الكفر } أي لا يحبه ~~ولا يأمر به، { وإن تشكروا يرضه لكم } أي يحبه لكم، ويزدكم ~~من فضله، { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي لا تحمل نفس عن ~~نفس شيئا، بل كل مطالب بأمر نفسه، { ثم إلى ربكم ~~مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه ~~عليم بذات الصدور } أي فلا تخفى عليه خافية، وقوله عز وجل: { ~~وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه } أي ~~عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان ~~الإنسان كفورا # [الإسراء: 67]، ولهذا قال تعالى: { ثم إذا خوله نعمة ~~منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل } أي في حال ~~الرفاهية، ينسى ذلك الدعاء والتضرع، كما قال جل جلاله: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه # [يونس: 12]، وقوله تعالى: { وجعل لله أندادا ليضل عن ~~سبيله } أي في حال العافية يشرك بالله ويجعل له أندادا، { قل ~~تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار } أي قل ~~لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه { تمتع بكفرك قليلا } وهو ~~تهديد شديد، ووعيد أكيد، كقوله تعالى: # قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار # [إبراهيم: 30]. ### || [39.9] # يقول تعالى: أمن هذه صفته، كمن أشرك بالله وجعل له ms2099 أندادا؟ لا يستوون ~~عند الله، كما قال تعالى: # ليسوا سوآء # [آل عمران: 113]، وقال تعالى ههنا: { أمن هو قانت آنآء ~~اليل ساجدا وقآئما } أي في حال سجوده، وفي حال قيامه، ولهذا ~~استدل بهذه الآية، من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة، ليس هو ~~القيام وحده، قال ابن مسعود: " القانت المطيع لله عز وجل، ولرسوله صلى ~~الله عليه وسلم " ، وقال ابن عباس: { آنآء اليل } جوف الليل، وقال ~~الثوري: بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء، وقال الحسن وقتادة { آنآء ~~اليل } أوله وأوسطه وآخره، وقوله تعالى: { يحذر الآخرة ~~ويرجوا رحمة ربه } أي في حال عبادته خائف راج، ولا بد في ~~العبادة من هذا وهذا، وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب، ولهذا قال ~~تعالى: { يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه } فإذا كان ~~عند الاحتضار، فليكن الرجاء هو الغالب عليه، كما قال أنس رضي الله عنه: # " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت فقال له: " ~~كيف تجدك "؟ فقال: أرجو وأخاف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ~~يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله عز وجل الذي ~~يرجو، وأمنه الذي يخافه " # وعن يحيى البكاء أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقرأ: { أمن هو ~~قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما يحذر الآخرة ~~ويرجوا رحمة ربه } قال ابن عمر: ذاك (عثمان بن عفان) رضي ~~الله عنه وإنما قال ابن عمر رضي الله عنهما ذلك، لكثرة صلاة عثمان رضي ~~الله عنه بالليل وقراءته، حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة، قال الشاعر: # يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # وقوله تعالى: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون } أي هل يستوي هذا، والذي قبله ممن جعل لله أندادا ليضل ~~عن سبيله؟ { إنما يتذكر أولوا الألباب } أي إنما يعلم ~~الفرق بين هذا وهذا، من له لب، وهو العقل، والله أعلم. ### || [39.10-12] # يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين، بالاستمرار على طاعته وتقواه { قل ~~يعباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين ~~أحسنوا في ms2100 هذه الدنيا حسنة } أي لمن أحسن العمل في ~~هذه الدنيا، حسنة في دنياهم وأخراهم، { وأرض الله واسعة } قال ~~مجاهد: فهاجروا فيها وجاهدوا، واعتزلوا الأوثان، وقال: إذا دعيتم إلى ~~معصيته فاهربوا، ثم قرأ: # ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها # [النساء: 97] وقوله تعالى: { إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب } قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم ولا يكال، ~~إنما يغرف لهم غرفا، وقال ابن جريج: بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم ~~قط، ولكن يزادون على ذلك، وقال السدي: يعني في الجنة، وقوله: { قل ~~إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } أي ~~إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، { وأمرت لأن ~~أكون أول المسلمين } قال السدي: يعني من أمته صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [39.13-16] # يقول تعالى: قل يا محمد وأنت رسول الله { إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم } وهو يوم القيامة، ومعناه التعريض بغيره، ~~بطريق الأولى والأحرى، { قل الله أعبد مخلصا له ديني * ~~فاعبدوا ما شئتم من دونه } ، وهذا أيضا تهديد، وتبر ~~منهم، { قل إن الخاسرين } أي إنما الخاسرون كل الخسران { ~~الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } ~~أي تفارقوا فلا التقاء لهم أبدا، وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة، وذهبوا هم ~~إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار، ولكن الاجتماع لهم ولا سرور { ~~ألا ذلك هو الخسران المبين } أي هذا هو الخسران المبين، ~~الظاهر الواضح، ثم وصف حالهم في النار فقال: { لهم من فوقهم ~~ظلل من النار ومن تحتهم ظلل } ، كما قال عز وجل: # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك ~~نجزي الظالمين # [الأعراف: 41]، وقال تعالى: # يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون # [العنكبوت: 55] وقوله جل جلاله: { ذلك يخوف الله به ~~عباده } أي إنما يقص خبر هذا ليخوف به عباده، لينزجروا عن المحارم ~~والمآثم، وقوله تعالى: { يعباد فاتقون } أي اخشوا بأسي وسطوتي ~~وعذابي ونقمتي. ### || [39.17-18] # قال زيد بن أسلم: نزلت الآية في (زيد بن عمرو) و(أبي ذر) و(سلمان ~~الفارسي) رضي الله تعالى ms2101 عنهم، والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم، ممن ~~اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن، فهؤلاء لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثم قال عز وجل: { فبشر عباد * ~~الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } أي ~~يفهمونه ويعملون بما فيه كقوله تبارك وتعالى: # فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها # [الأعراف: 145]، { أولئك الذين هداهم الله } أي ~~المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة، { ~~وأولئك هم أولوا الألباب } أي ذوو العقول الصحيحة، ~~والفطر المستقيمة. ### || [39.19-20] # يقول تعالى: أفمن كتب الله أنه شقي هل تقدر أن تنقذه مما هو فيه من ~~الضلال والهلاك؟ أي لا يهديه أحد من بعد الله، ثم أخبر عز وجل عن عباده ~~السعداء أن لهم غرفا في الجنة، وهي القصور الشاهقة، { من فوقها ~~غرف مبنية } طباق فوق طباق، مبنيات محكمات، مزخرفات عاليات، ~~وفي الصحيح: # " إن في الجنة لغرفا يرى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونها، فقال ~~أعرابي: لمن هي يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: " لمن أطاب ~~الكلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام " " # وروى الإمام أحمد، عن سهل بن سعد رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة ~~في الجنة كما تراءون الكواكب في أفق السماء " " # وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " قلنا يا رسول الله! إنا إذا رأيناك رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، ~~فإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد، قال صلى الله عليه ~~وسلم: " لو أنكم تكونون على كل حال، على الحال التي أنتم عليها عندي ~~لصافحتكم الملائكة بأكفهم ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله ~~عز وجل بقوم يذنبون كي يغفر لهم " قلنا: يا رسول الله حدثنا عن الجنة ~~ما بناؤها؟ قال صلى الله عليه وسلم: لبنة ذهب ولبنة فضة، وبلاطها المسك ~~الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزغفران، من يدخلها ينعم ولا ~~يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد ~~دعوتهم: الإمام العادل، ms2102 والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على ~~الغمام، وتفتح لها أبواب السماوات، ويقول الرب تبارك وتعالى: " وعزتي ~~لأنصرك ولو بعد حين " " # وقوله تعالى: { تجري من تحتها الأنهار } أي تسلك الأنهار ~~بين خلال ذلك كما شاءوا، وأين أرادوا { وعد الله } أي هذا الذي ~~ذكرناه وعد وعده الله عباده المؤمنين # إن الله لا يخلف الميعاد # [الرعد: 31]. ### || [39.21-22] # يخبر تعالى أن أصل الماء في الأرض من السماء، كما قال عز وجل: # وأنزلنا من السمآء مآء طهورا # [الفرقان: 48] فإذا أنزل الماء من السماء كمن في الأرض، ثم يصرفه ~~تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء، وينبعه عيونا ما بين صغار وكبار، بحسب ~~الحاجة إليها، ولهذا قال تبارك وتعالى: { فسلكه ينابيع في ~~الأرض } ، عن ابن عباس قال: ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن ~~عروق في الأرض تغيره، فذلك قوله تعالى: { فسلكه ينابيع في ~~الأرض } فمن سره أن يعود الملح عذبا فليصعده، وقال سعيد بن جبير: ~~أصله من الثلج يعني أن الثلج يتراكم على الجبال، فيسكن في قرارها، فتنبع ~~العيون من أسافلها، وقوله تعالى: { ثم يخرج به زرعا ~~مختلفا ألوانه } ، أي ثم يخرج بالماء النازل من السماء، ~~والنابع من الأرض { زرعا مختلفا ألوانه } أي أشكاله ~~وطعومه، وروائحه ومنافعه، { ثم يهيج } أي بعد نضارته وشبابه ~~يكتهل، فنراه مصفرا قد خالطه اليبس، { ثم يجعله حطاما } أي ~~ثم يعود يابسا يتحطم، { إن في ذلك لذكرى لأولي ~~الألباب } أي الذين يتذكرون بهذا، فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا تكون ~~خضرة ناضرة حسناء، ثم تعود عجوزا شوهاء، والشاب يعود شيخا هرما، ~~كبيرا ضعيفا، وبعد ذلك كله الموت؛ فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير، ~~وقوله تبارك وتعالى: { أفمن شرح الله صدره للإسلام ~~فهو على نور من ربه } أي هل يستوي هذا، ومن هو قاسي القلب ~~بعيد من الحق؟ كقوله عز وجل: # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس ~~بخارج منها # [الأنعام: 122]؟ ولهذا قال تعالى: { فويل للقاسية ~~قلوبهم من ذكر الله ms2103 } أي فلا تلين عند ذكره، ولا تخشع ولا ~~تعي ولا تفهم { أولئك في ضلال مبين }. ### || [39.23] # هذا مدح من الله عز وجل لكتابه (القرآن الكريم) المنزل على رسوله ~~الكريم. قال الله تعالى: { الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني } قال مجاهد: يعني القرآن كله متشابه مثاني، ~~وقال قتادة: الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف، وقال الضحاك { ~~مثاني } ترديد القول ليفهموا عن ربهم تبارك وتعالى، وقال عبد ~~الرحمن بن زيد { مثاني } مردد، ردد موسى في القرآن وصالح وهود ~~والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمكنة كثيرة، وقال ابن عباس { ~~مثاني } أي القرآن يشبه بعضه بعضا ويرد بعضه على بعض. وقوله ~~تعالى: { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ~~ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } أي هذه ~~صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون ~~منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية ~~والخوف، { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله } ، لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من ~~الفجار من وجوه: أحدها: أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك ~~نغمات الأبيات من أصوات القينات. الثاني: أنهم إذا تليت عليهم آيات ~~الرحمن # خروا سجدا وبكيا # [مريم: 58] بأدب وخشية، ورجاء ومحبة، وفهم وعلم، كما قال تبارك وتعالى: # والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا ~~عليها صما وعميانا # [الفرقان: 73] أي لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها بل مصغين ~~إليها، ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم الثالث: أنهم ~~يلزمون الأدب عند سماعها، كما كان الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم كلام ~~الله تعالى تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله، لم يكونوا ~~يتصارخون، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية، ما لا يلحقهم أحد ~~في ذلك، تلا قتادة رحمه الله: { تقشعر منه جلود الذين ~~يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله } قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله عز وجل بأن ~~تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر ms2104 الله، ولم ينعتهم ~~بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان، ~~وقال السدي { إلى ذكر الله } أي إلى وعد الله، وقوله: # ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده # [الأنعام: 88] أي هذه صفة من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك، فهو ممن ~~أضله الله { ومن يضلل الله فما له من هاد }. ### || [39.24-26] # يقول تعالى: { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم ~~القيامة } ويقرع فيقال له ولأمثاله من الظالمين، { ذوقوا ما ~~كنتم تكسبون } كمن يأتي آمنا يوم القيامة؟ كما قال الله عز ~~وجل: # أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم # [الملك: 22] وقال تبارك وتعالى: # أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة # [فصلت: 40]، واكتفى في هذه الآية بأحد القسمين عن الآخر، وقوله جلت ~~عظمته: { كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون } يعني القرون الماضية المكذبة للرسل أهلكهم الله ~~بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق، وقوله جل وعلا { فأذاقهم ~~الله الخزي في الحياة الدنيا } أي بما أنزل بهم من ~~العذاب والنكال، وتشفي المؤمنين منهم. فليحذر المخاطبون من ذلك فإنهم قد ~~كذبوا أشرف الرسل وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، والذي أعده الله ~~جل جلاله لهم في الآخرة من العذاب الشديد، أعظم مما أصابهم في الدنيا، ~~ولهذا قال عز وجل: { ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا ~~يعلمون }. ### || [39.27-31] # يقول تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل } أي بينا للناس فيه بضرب الأمثال { لعلهم ~~يتذكرون } فإن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان كما قال تبارك ~~وتعالى: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # [العنكبوت: 43]، وقوله جل وعلا: { قرآنا عربيا غير ذي ~~عوج } أي هو قرآن بلسان عربي مبين لا اعوجاج فيه، ولا انحراف ولا لبس، ~~بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله تعالى كذلك، وأنزله بذلك { ~~لعلهم يتقون } أي يحذرون ما فيه من الوعيد ويعملون بما فيه ~~من الوعد، ثم قال: { ضرب الله ms2105 مثلا رجلا فيه شركآء ~~متشاكسون } أي يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، { ورجلا ~~سلما } أي سالما { لرجل } أي خالصا لا يملكه أحد غيره، { هل ~~يستويان مثلا }؟ أي لا يستوي هذا وهذا، كذلك لا يستوي المشرك ~~الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا ~~شريك له؟ فأين هذا من هذا؟ قال ابن عباس ومجاهد: هذه الآية ضربت مثلا ~~للمشرك والمخلص، ولما كان هذا المثل ظاهرا بينا جليا قال: { الحمد ~~لله } أي على إقامة الحجة عليهم { بل أكثرهم لا يعلمون ~~} أي فلهذا يشركون بالله، وقوله تبارك وتعالى: { إنك ميت ~~وإنهم ميتون } أي إنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة، ~~وستجتمعون عند الله تعالى في الدار الآخرة، وتختصمون فيما أنتم فيه في ~~الدينا من التوحيد والشرك بين يدي الله عز وجل، فيفصل بينكم، ويفتح ~~بالحق وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين، ويعذب ~~الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين، ثم إن هذه الآية وإن كان سياقها في ~~المؤمنين والكافرين، وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة، فإنها شاملة ~~لكل متنازعين في الدنيا، فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة. روي # " أنه لما نزلت { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم ~~تختصمون } قال الزبير رضي الله عنه: يا رسول الله! أتكرر علينا ~~الخصومة؟ قال صلى الله عليه وسلم: " نعم " ، قال رضي الله عنه: إن الأمر ~~إذا لشديد " # ، وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: # " لما نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إنك ~~ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة ~~عند ربكم تختصمون } ، قال الزبير رضي الله عنه: أي رسول ~~الله، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال صلى الله ~~عليه وسلم: " نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه " قال الزبير ~~رضي الله عنه: والله إن الأمر لشديد " # وفي الحديث: # ". أول الخصمين يوم القيامة جاران " # وفي " المسند " عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: # " رأى رسول الله صلى الله عليه ms2106 وسلم شاتين ينتطحان، فقال: " أتدري فيم ~~ينتطحان يا أبا ذر " ، قلت: لا، قال صلى الله عليه وسلم: " لكن الله يدري ~~وسيحكم بينهما " " # وقال الحافظ أبو بكر البزار، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " يجاء بالإمام الجائر الخائن يوم القيامة فتخاصمه الرعية، فيفلحون ~~عليه. فيقال له: سد ركنا من أركان جهنم " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما { ثم إنكم يوم القيامة ~~عند ربكم تختصمون } يقول: يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم ~~الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر، وقد روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه قال: يختصم الناس يوم القيامة حتى تختصم الروح مع الجسد: فتقول ~~الروح للجسد أنت فعلت، ويقول الجسد للروح: أنت أمرت، وأنت سولت، فيبعث ~~الله تعالى ملكا يفصل بينهما، فيقول لهما: إن مثلكما كمثل رجل مقعد ~~بصير، والآخر ضرير، دخلا بستانا، فقال المقعد للضرير: إني أرى ههنا ~~ثمارا، ولكن لا أصل إليهما، فقال له الضرير: اركبني فتناولها، فركبه ~~فتناولها، فأيهما المعتدي، فيقولان: كلاهما، فيقول لهما الملك: فإنكما قد ~~حكمتما على أنفسكما، يعني أن الجسد للروح كالمطية وهو راكبه، وروى ابن ~~أبي حاتم، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية وما نعلم في أي ~~شيء نزلت: { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم ~~تختصمون } قال، قلنا: من نخاصم؟ ليس بيننان وبين أهل الكتاب خصومة ~~فمن نخاصم؟ حتى وقعت الفتنة، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: هذا الذي ~~وعدنا ربنا عز وجل نختصم فيه، وقال أبو العالية: { ثم إنكم ~~يوم القيامة عند ربكم تختصمون } يعني أهل القبلة، ~~وقال ابن زيد: يعني أهل الإسلام وأهل الكفر، وقد قدمنا أن الصحيح العموم، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || [39.32-35] # يقول عز وجل مخاطبا للمشركين الذين افتروا على الله، وجعلوا معه آلهة ~~أخرى، وادعوا أن الملائكة بنات الله، وجعلوا لله ولدا - تعالى الله عن ~~قولهم علوا كبيرا - ومع هذا كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله ~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولهذا قال عز وجل: { فمن ms2107 أظلم ~~ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جآءه } أي لا ~~أحد أظلم من هذا، لأنه جمع بين طرفي الباطل: كذب على الله، وكذب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال الباطل، ورد الحق، ولهذا قال جلت عظمته ~~متوعدا لهم { أليس في جهنم مثوى للكافرين }؟ وهم ~~الجاحدون المكذبون، ثم قال جل وعلا { والذي جآء بالصدق ~~وصدق به } ، قال مجاهد وقتادة: { والذي جآء بالصدق } ~~هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال السدي: هو جبريل عليه السلام، { ~~وصدق به } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس: من جاء ~~بلا إله إلا الله { وصدق به } يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقيل: أصحاب القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة، فيقولون: هذا ما ~~أعطيتمونا فعملنا فيه بما أمرتمونا، وهذا القول يشمل كل المؤمنين، فإن ~~المؤمنين يقولون الحق ويعملون به، والرسول صلى الله عليه وسلم أولى الناس ~~بالدخول في هذه الآية، فإنه جاء بالصدق وصدق المرسلين، وآمن بما أنزل ~~إليه من ربه، وقال ابن زيد: { والذي جآء بالصدق } هو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { وصدق به } قال المسلمون { أولئك ~~هم المتقون } قال ابن عباس: اتقوا الشرك { لهم ما يشآءون ~~عند ربهم } يعني في الجنة، مهما طلبوا وجدوا { ذلك جزآء ~~المحسنين * ليكفر الله عنهم أسوأ الذي ~~عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا ~~يعملون } كما قال عز وجل في الآية الأخرى: # أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد ~~الصدق الذي كانوا يوعدون # [الأحقاف: 16]. ### || [39.36-40] # يقول الله تعالى: { أليس الله بكاف عبده } يعني أنه تعالى ~~يكفي من عبده وتوكل عليه، وفي الحديث: # " أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا، وقنع به " # { ويخوفونك بالذين من دونه } يعني المشركين يخوفون ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم، التي يدعونها من ~~دون الله جهلا منهم وضلالا، ولهذا قال عز وجل: { ومن يضلل ~~الله فما له من هاد * ومن يهد الله فما له من ~~مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ms2108 } أي منيع الجناب لا ~~يضام من استند إلى جنابه، ولجأ إلى بابه، فإنه العزيز الذي لا أعز منه، ~~ولا أشد انتقاما منه، ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~وقوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السموت ~~والأرض ليقولن الله } يعني المشركين كانوا يعترفون بأن الله ~~عز وجل هو الخالق للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره، مما لا يملك ~~لهم ضرا ولا نفعا، ولهذا قال تعالى: { قل أفرأيتم ما ~~تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل ~~هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ~~ممسكات رحمته }؟ أي لا تستطيع شيئا من الأمر، وفي الحديث: # " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء ~~يعرفك في الشدة " # الحديث. { قل حسبي الله } أي الله كافي، # عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون # [يوسف: 67]، كما قال (هود) عليه الصلاة والسلام: # إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة ~~إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي على صراط ~~مستقيم # [هود: 56]، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: " من أحب أن يكون أقوى الناس ~~فليتوكل على الله تعالى، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد ~~الله عز وجل أوثق منه بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق ~~الله عز وجل " ، وقوله تعالى: { قل يقوم اعملوا على ~~مكانتكم } أي على طريقتكم، وهذا تهديد ووعيد، { إني عامل } ~~أي على طريقي ومنهجي، { فسوف تعلمون } أي ستعلمون غب ذلك ~~ووباله، { من يأتيه عذاب يخزيه } أي في الدنيا، { ويحل ~~عليه عذاب مقيم } أي دائم مستمر، لا محيد له عنه، وذلك يوم ~~القيامة، أعاذنا الله منها. ### || [39.41-42] # يقول تعالى مخاطبا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم: { إنآ ~~أنزلنا عليك الكتاب } يعني القرآن { للناس بالحق } ~~أي لجميع الخلق من الإنس والجن، لتنذرهم به، { فمن اهتدى ~~فلنفسه } أي فإنما يعود نفع ذلك إلى نفسه، { ومن ضل ~~فإنما يضل عليها } أي إنما يرجع وبال ذلك على نفسه، { ومآ ~~أنت عليهم بوكيل } أي ms2109 بموكل أن يهتدوا، # إنمآ أنت نذير # [هود: 12]، # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40] ثم قال تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في ~~الوجود بما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى بما يرسل من الحفظة ~~الذين يقبضونها من الأبدان، والوفاة الصغرى عند المنام، كما قال تبارك ~~وتعالى: # وهو الذي يتوفاكم باليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار # [الأنعام: 60] الآية، وقال: # حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم ~~لا يفرطون # [الأنعام: 61]، فذكر الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، وفي هذه الآية ذكر ~~الكبرى ثم الصغرى، ولهذا قال تبارك وتعالى: { الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ~~فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى ~~إلى أجل مسمى } ، فيه دلالة على أنها تجتمع في الملأ الأعلى، ~~كما ورد في " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما ~~خلفه عليه، ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي ~~فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " # ، وقال بعض السلف: يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ~~ناموا، فتتعارف ما شاء الله تعالى أن تتعارف { فيمسك التي قضى ~~عليها الموت } التي قد ماتت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، قال ~~السدي: إلى بقية أجلها، وقال ابن عباس: يمسك أنفس الأموات، ويرسل أنفس ~~الأحياء، ولا يغلظ { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ~~}. ### || [39.43-45] # يقول تعالى ذاما للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام ~~والأنداد التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان، وهي لا تملك ~~شيئا من الأمر، وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر ~~به، بل هي جمادات أسوأ حالا من الحيوانات بكثير، ثم قال: { قل } أي يا ~~محمد لهؤلاء الزاعمين أن ما تخذوه شفعاء لهم عند الله تعالى، أخبرهم أن ~~الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له، فمرجعها كلها إليه ms2110 # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255]، { له ملك السموت والأرض } أي هو ~~المتصرف في جميع ذلك، { ثم إليه ترجعون } أي يوم القيامة ~~فيحكم بينكم بعدله ويجزي كلا بعمله، ثم قال تعالى ذاما للمشركين أيضا: ~~{ وإذا ذكر الله وحده } أي إذا قيل لا إله إلا الله وحده، ~~{ اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة } قال ~~مجاهد: اشمأزت انقبضت، وقال السدي: نفرت، وقال قتادة: كفرت واستكبرت، كما ~~قال تعالى: # إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون # [الصافات: 35] أي عن المتابعة والانقياد لها، فقلوبهم لا تقبل الخير، ~~ومن لا يقبل الخير يقبل الشر، ولذلك قال تبارك وتعالى: { وإذا ذكر ~~الذين من دونه } أي من الأصنام والأنداد { إذا هم ~~يستبشرون } أي يفرحون ويسرون. ### || [39.46-48] # يقول تبارك وتعالى، بعد ما ذكر عن المشركين ما ذكر، من المذمة لهم في ~~حبهم الشرك، ونفرتهم عن التوحيد { قل اللهم فاطر السموت ~~والأرض عالم الغيب والشهادة } أي ادع أنت الله وحده لا ~~شريك له الذي خلق السماوات والأرض وفطرها، أي جعلها على غير مثال سبق، { ~~عالم الغيب والشهادة } أي السر والعلانية، { أنت تحكم ~~بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون } أي في دنياهم، ~~ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم وقيامهم من قبورهم، روى مسلم في " صحيحه ~~" ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: # " سألت عائشة رضي الله عنها بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت رضي الله عنها: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته: " اللهم رب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين ~~عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك ~~تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قال: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد ~~إليك في هذه الدنيا، أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، ms2111 وأن ~~محمدا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من ~~الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، ~~إنك لا تخلف الميعاد، إلا قال الله عز وجل لملائكته يوم القيامة: إن ~~عبدي قد عهد إلي عهدا فأوفوه إياه، فيدخله الله الجنة " # وروى الإمام أحمد، عن أبي راشد الحبراني قال: # " أتيت (عبد الله بن عمرو) رضي الله عنهما فقلت له: حدثنا ما سمعت من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقى بين يدي صحيفة فقال: هذا ما كتب لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظرت فيها، فإذا فيها أن أبا بكر الصديق ~~رضي الله عنه قال: يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت؟ ~~فقال له رسول الله صلى لله عليه وسلم: " يا أبا بكر، قل: اللهم فاطر ~~السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه، ~~أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، أن أقترف على نفسي سوءا، أو ~~أجره إلى مسلم " " # وقوله عز وجل: { ولو أن للذين ظلموا } وهم المشركون { ~~ما في الأرض جميعا ومثله معه } أي ولو أن جميع ما في ~~الأرض وضعفه معه { لافتدوا به من سوء العذاب } الذي ~~أوجبه الله تعالى لهم يوم القيامة، ومع هذا لا يقبل منهم الفداء ولو كان ~~ملء الأرض ذهبا { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون } أي وظهر لهم من الله من العذاب والنكال بهم، ما لم يكن ~~في بالهم ولا في حسابهم، { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } أي ~~وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من المحارم والمآثم، { وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزئون } أي وأحاط بهم من العذاب ~~والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدنيا. ### || [39.49-52] # يقول تبارك وتعالى مخبرا عن الإنسان أنه في حال الضراء يتضرع إلى الله ~~عز وجل، وينيب إليه ويدعوه، وإذا خوله نعمة منه بغى وطغى، وقال: { ~~إنمآ أوتيته على علم } أي لما يعلم ms2112 الله تعالى من استحقاقي ~~له، ولولا أني عند الله خصيص لما خولني هذا، قال قتادة: # على علم عندي # [القصص: 78] على خبر عندي، قال الله عز وجل: { بل هي فتنة } ~~أي ليس الأمر كما زعم، بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما ~~أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي؟ مع علمنا المتقدم بذلك فهي { فتنة } أي ~~اختبار { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، فلهذا يقولون ~~ويدعون ما يدعون، { قد قالها الذين من قبلهم } أي قد قال ~~هذه المقالة وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم، { فمآ أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون } أي فما صح قولهم ولا نفعهم جمعهم ~~وما كانوا يكسبون، { فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ~~ظلموا من هؤلاء } أي من المخاطبين { سيصيبهم ~~سيئات ما كسبوا } ، أي كما أصاب أولئك { وما هم ~~بمعجزين } ، كما قال تبارك وتعالى مخبرا عن قارون # قال إنمآ أوتيته على علم عندي أولم يعلم ~~أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو ~~أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ~~ذنوبهم المجرمون # [القصص: 78] وقال تعالى: # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # [سبأ: 35]، وقوله تبارك وتعالى: { أولم يعلموا أن الله ~~يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } أي يوسعه على قوم ويضيقه ~~على آخرين، { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } أي ~~لعبرا وحججا. ### || [39.53-59] # هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة ~~والإنابة، وإخبار بأن الله تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ~~ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح ~~حمل هذه على غير توبة، لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه، عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا ~~فأكثروا، فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو ~~إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ms2113 # [الفرقان: 68]، ونزل: { قل يعبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله }. وعن ثوبان مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية { قل يعبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم } " # إلى آخر الآية. وعن عمرو بن عنبسة رضي الله عنه قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير يدعم على عصا له ~~فقال: يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات، فهل يغفر لي؟ فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " ألست تشهد أن لا إله إلا الله "؟ قال: بلى، وأشهد أنك رسول ~~الله، فقال صلى لله عليه وسلم: " قد غفر لك غدراتك وفجراتك " " # وروى الإمام أحمد، عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: # إنه عمل غير صالح # [هود: 46] وسمعته صلى الله عليه وسلم يقول: { قل يعبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو ~~الغفور الرحيم }. # فهذه الأحادث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة، ولا ~~يقنطن عبد من رحمة الله، وإن عظمت ذنوبه وكثرت، فإن باب الرحمة والتوبة ~~واسع، قال الله تعالى: # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده # [التوبة: 104]، وقال عز وجل: # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما # [النساء: 110]، وقال جل وعلا في حق المنافقين: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن ~~تجد لهم نصيرا * إلا الذين تابوا وأصلحوا # [النساء: 145-146]، وقال تبارك وتعالى: # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم ~~يتوبوا # [البروج: 10] قال الحسن البصري رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم والجود ~~قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، والآيات في هذا كثيرة ~~جدا، وفي " الصحيحين " عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حديث الذي قتل تسعا وتسعين نفسا، ثم ندم وسأل عابدا ms2114 من عباد ~~بني إسرائيل هل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله وأكمل به مائة، ثم سأل ~~عالما من علمائهم هل له من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم ~~أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها فقصدها، فأتاه الموت في أثناء ~~الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله عز وجل ~~أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فوجدوه أقرب إلى ~~الأرض التي هاجر إليها بشبر فقبضته ملائكة الرحمة، هذا معنى الحديث، وقد ~~كتبناه في موضع آخر بلفظه، وقال ابن عباس في قوله عز وجل: { قل ~~يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } الآية. # قال: قد دعا الله تعالى إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم ~~أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عزيرا ابن الله، ومن زعم أن الله ~~فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله ~~تعالى لهؤلاء: # أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله ~~غفور رحيم # [المائدة: 74]. ثم دعا إلى التوبة من هو أعظم قولا من هؤلاء، من قال: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] وقال: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] قال ابن عباس رضي الله عنهما: من آيس عباد الله من التوبة ~~بعد هذا فقد جحد كتاب الله عز وجل، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى ~~يتوب الله عليه، وروى الطبراني عن ابن مسعود قال: إن أعظم آية في كتاب ~~الله # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [البقرة: 255]، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر # إن الله يأمر بالعدل والإحسان # [النحل:90]، وإن أكثر آية في القرآن فرحا { قل يعبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } ~~، وإن أشد آية في كتاب الله تفويضا # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3]. ومر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على قاص وهو يذكر ~~الناس، فقال: يا مذكر لم تقنط الناس من رحمة الله؟ ms2115 ثم قرأ: { قل ~~يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله }. # ذكر أحاديث فيها نفي القنوط # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم ~~استغفرتم الله تعالى لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء ~~الله عز وجل بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم " # ، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال حين حضرته الوفاة: # " قد كنت كتمت منكم شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~" لولا أنكم تذنبون لخلق الله عز وجل قوما يذنبون فيغفر لهم " " # ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " كفارة الذنب الندامة " # ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيغفر لهم " # ثم استحث تبارك وتعالى عباده إلى المسارعة إلى التوبة، فقال: { ~~وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } الخ، أي ارجعوا ~~إلى الله واستسلموا له { من قبل أن يأتيكم العذاب ثم ~~لا تنصرون } أي بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة، { ~~واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم } وهو ~~القرآن العظيم { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ~~وأنتم لا تشعرون } أي من حيث لا تعلمون ولا تشعرون، ثم قال ~~تعالى: { أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب ~~الله } أي يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة ويود ~~لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله عز وجل، وقوله تبارك ~~وتعالى: { وإن كنت لمن الساخرين } أي إنما كان عملي في ~~الدنيا عمل ساخر مستهزىء غير موقن مصدق، { أو تقول لو أن ~~الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ~~ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ~~} أي تود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل، قال ابن عباس: أخبر الله ~~سبحانه وتعالى ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم ms2116 قبل أن يعملوه، ~~وقال تعالى: # ولا ينبئك مثل خبير # [فاطر: 14]، { أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في ~~جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو ~~أن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول ~~حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من ~~المحسنين } فأخبر الله عز وجل أن لو ردوا لما قدروا على الهدى ~~فقال: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]، وفي الحديث: # " كل أهل النار يرى مقعده من الجنة، فيقول: لو أن الله هداني فتكون عليه ~~حسرة، قال: وكان أهل الجنة يرعى مقعده من النار، فيقول: لولا أن الله ~~هداني قال: فيكون له الشكر " # ، ولما تمنى أهل الجرائم العود إلى الدنيا، وتحسروا على تصديق آيات الله ~~واتباع رسله، قال الله سبحانه وتعالى: { بلى قد جآءتك آياتي ~~فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } أي قد ~~جاءتك أيها العباد النادم آياتي في الدار الدنيا وقامت حججي عليك، فكذبت ~~بها واستكبرت عن اتباعها وكنت من الكافرين بها الجاحدين لها. ### || [39.60-61] # يخبر تعالى عن يوم القيامة أنه تسود فيه وجوه وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه ~~أهل الفرقة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة، قال تعالى: { ~~ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله } أي في ~~دعواهم له شريكا وولدا، { وجوههم مسودة } أي بكذبهم ~~وافترائهم. وقوله تعالى: { أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين }؟ أي أليست جهنم كافية سجنا وموئلا، لهم فيها ~~الخزي والهوان بسبب تكبرهم وتجبرهم عن الانقياد للحق؟ وفي الحديث # " إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل ~~شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنا من النار في واد يقال له (بولس) من نار ~~الأنيار، ويسقون من عصارة أهل النار ومن طينه الخبال " # ، وقوله تبارك وتعالى: { وينجي الله الذين اتقوا ~~بمفازتهم } أي بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله، { لا ~~يمسهم السوء } أي يوم القيامة { ولا هم يحزنون } أي ~~ولا يحزنهم الفزع الأكبر، بل هم آمنون من كل فزع، مزحزحون عن كل شر، ~~نائلون كل خير. ms2117 ### || [39.62-66] # يخبر تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكل ~~تحت تدبيره وقهره وكلاءته، قال مجاهد: المقاليد هي المفاتيح بالفارسية، ~~وقال السدي: { له مقاليد السموت والأرض } أي خزائن ~~السماوات والأرض، والمعنى على كلا القولين أن أزمة الأمور بيده تبارك ~~وتعالى له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولهذا قال جل وعلا: { ~~والذين كفروا بآيات الله } أي حججه وبراهينه { ~~أولئك هم الخاسرون } ، وقوله تعالى: { قل أفغير ~~الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون }؟ ذكروا في سبب ~~نزولها أن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~عبادة آلهتهم ويعبدوا معه إلهه فنزلت: { قل أفغير الله ~~تأمروني أعبد أيها الجاهلون * ولقد أوحي ~~إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } وهذه كقوله ~~تعالى: # ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون # [الأنعام: 88]، وقوله عز وجل: { بل الله فاعبد وكن من ~~الشاكرين } أي أخلص العبادة لله وحده لا شريك له أنت ومن اتبعك ~~وصدقك. ### || [39.67] # يقول تبارك وتعالى: { وما قدروا الله حق قدره } أي ما ~~قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره وهو العظيم القادر على كل ~~شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قدره وقدرته، قال مجاهد: نزلت في قريش، ~~وقال السدي: ما عظموه حق تعظيمه، وقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما ~~كذبوا، وقال ابن عباس: { وما قدروا الله حق قدره } هم ~~الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء ~~قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره، وقد ~~وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها ~~مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف، قال البخاري: ~~قوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } ، عن ابن مسعود ~~رضي الله عنه قال: # " جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ~~إنا نجد أن الله عز ms2118 و جل يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، ~~والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: ~~أنا الملك. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا ~~لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وما قدروا ~~الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة } " # الآية، وروى الإمام أحمد، عن عبد الله رضي الله عنه قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فقال: يا أبا ~~القاسم، أبلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع، والسماوات على إصبع، ~~والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، قال: فضحك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، قال: وأنزل الله عز وجل: ~~{ وما قدروا الله حق قدره } " # إلى آخر الآية. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " يقبض الله تعالى الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ~~ملوك الأرض؟ " # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: { ~~وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسموت مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } ، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر: يمجد الرب ~~نفسه أنا الجبار، أن المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم " # ، فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قلنا: ليخرن به. ### || [39.68-70] # يقول تبارك وتعالى مخبرا عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الآيات ~~العظيمة والزلازل الهائلة، فقوله تعالى: { ونفخ في الصور ~~فصعق من في السموت ومن في الأرض إلا من شآء ~~الله } هذه النفخة هي الثانية وهي (نفخة الصعق) وهي التي يموت بها ~~الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، كما جاء مصرحا به ~~مفسرا في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من ms2119 ~~يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولا، وهو الباقي آخرا ~~بالديمومة والبقاء، ويقول: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16] ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: # لله الواحد القهار # [غافر: 16] أنا الذي كنت وحدي، وقد قهرت كل شيء، وحكمت بالفناء على كل ~~شيء، ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن يفنخ في الصور أخرى وهي ~~النفخة الثالثة (نفخة البعث) قال الله عز وجل: { ثم نفخ فيه ~~أخرى فإذا هم قيام ينظرون } أي أحياء بعد ما كانوا ~~عظاما ورفاتا صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال ~~تعالى: # فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة # [النازعات: 13-14]، وقال تعالى: # ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم ~~تخرجون # [الروم: 25]. # روى الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين - لا أدري أربعين يوما، أو ~~أربعين شهرا، أو أربعين عاما، أو أربعين ليلة - فيبعث الله تعالى عيسى ~~ابن مريم عليهما الصلاة والسلام كأنه (عروة بن مسعود الثقفي)، فيظهر ~~فيهلكه الله تعالى، ثم يلبث الناس بعده سنين سبعا ليس بين اثنين عداوة، ~~ثم يرسل الله تعالى ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه ~~مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، إن أحدهم لو كان في كبد جبل لدخلت عليه ~~" # ، قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ويبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ~~ينكرون منكرا، قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم ~~بعبادة الأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارة أرزاقهم، حسن عيشهم، ثم ~~ينفخ في الصور؛ فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، وأول من يسمعه ~~رجل يلوط حوضه فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله تعالى - أو ~~ينزل الله عز وجل - مطرا كأنه الطل أو الظل - شك نعمان - فتنبت منه ~~الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: ms2120 أيها الناس هلموا ~~إلى ربكم { وقفوهم إنهم مسئولون } قال، ثم يقال: أخرجوا ~~بعث النار، فيقال: كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فيومئذ ~~تبعث الولدان شيبا ويومئذ يكشف عن ساق " # وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " ما بين النفختين أربعون " ، قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال ~~رضي الله تعالى عنه: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون ~~شهرا؟ قال: أبيت، ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه فيه يركب الخلق ~~". # وقوله تبارك وتعالى: { وأشرقت الأرض بنور ربها } أي ~~أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء، { ~~ووضع الكتاب } قال قتادة: كتاب الأعمال، { وجيء ~~بالنبيين } قال ابن عباس: يشهدون على الأمم بأنهم بلغوهم رسالات ~~الله إليهم، { والشهدآء } أي الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال ~~العباد من خير وشر، { وقضي بينهم بالحق } أي بالعدل، { ~~وهم لا يظلمون } ، كما قال تعالى: # فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من ~~خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء: 47]، وقال جل وعلا: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40]. ولهذا قال: { ووفيت كل نفس ما عملت } ~~أي من خير أو شر، { وهو أعلم بما يفعلون }. ### || [39.71-72] # يخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار، كيف يساقون إلى النار سوقا عنيفا، ~~بزجر وتهديد ووعيد، كما قال عز وجل: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13] أي يدفعون إليها دفعا وهم عطاش ظماء، كما قال جل وعلا في ~~الآية الأخرى: # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا * ونسوق ~~المجرمين إلى جهنم وردا # [مريم: 85-86]، وهم في تلك الحال صم بكم وعمي، كما قال تعالى: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم ~~سعيرا # [الإسراء: 97]، وقوله تبارك وتعالى: { حتى إذا جآءوها فتحت ~~أبوابها } أي بمجرد وصولهم إليها فتحت لهم أبوابها سريعا لتعجل لهم ~~العقوبة، ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية، الذين هم غلاظ الأخلاق شداد ~~القوى، على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل: { ألم يأتكم ms2121 رسل ~~منكم }؟ أي من جنسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم، { يتلون ~~عليكم آيات ربكم } أي يقيمون عليكم الحجج والبراهين على صحة ~~ما دعوكم إليه، { وينذرونكم لقآء يومكم هذا } أي ~~ويحذرونكم من شر هذا اليوم، فيقول الكفار لهم: { بلى } أي قد جاءونا ~~وأنذرونا وأقاموا علينا الحجج والبراهين، { ولكن حقت كلمة ~~العذاب على الكافرين } أي ولكن كذبناهم وخالفناهم لما سبق لنا ~~من الشقوة، كما قال عز وجل: # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير * قالوا بلى قد جآءنا نذير ~~فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم ~~إلا في ضلال كبير # [الملك: 8-9]. وقوله تعالى: { قيل ادخلوا أبواب جهنم ~~خالدين فيها } لم يسند هذا القول إلى قائل معين بل أطلقه ليدل على ~~أن الكون شاهد عليهم بأنهم يستحقون ما هم فيه، بما حكم العدل الخبير ~~عليهم به، ولهذا قال جل علا: { قيل ادخلوا أبواب جهنم ~~خالدين فيها } أي ماكثين فيها لا خروج لكم منها ولا زوال لكم عنها، ~~{ فبئس مثوى المتكبرين } أي فبئس المصير وبئس المقيل لكم ~~بسبب تكبركم في الدنيا وإبائكم عن اتباع الحق، فبئس الحال وبئس المآل. ### || [39.73-74] # وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين، حين يساقون على النجائب وفدا إلى ~~الجنة، { زمرا } أي جماعة بعد جماعة: المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين ~~يلونهم، ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء، ~~والصديقون مع أشكالهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، وكل زمرة ~~تناسب بعضها بعضا. { حتى إذا جآءوها } أي وصلوا إلى أبواب ~~الجنة بعد مجاوزة الصراط، حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم ~~مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول ~~الجنة، وقد ثبت في " صحيح مسلم " عن أنس رضي الله عنه قال؛ قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أنا أول شفيع في الجنة " # ؛ وفي لفظ: # " وأنا أول من يقرع باب الجنة " # وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى ms2122 ~~الله عليه وسلم: # " آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: ~~محمد قال فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك " # ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ~~ولا يمتخطون فيها ولا يتفلون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ~~ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ~~ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم ~~على قلب واحد يسبحون الله تعالى بكرة وعشيا " # وروى الحافظ أبو يعلى: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أول زمرة يدخلون الجنة على صورة ~~القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة، ~~لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم ~~المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل ~~واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء " # وقوله تعالى: { حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها ~~وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين } لم يذكر الجواب ههنا، وتقديره: إذا كان هذا سعدوا وطابوا ~~وسروا وفرحوا بقدر كل ما يكون لهم فيه نعيم، وإذا حذف الجواب ههنا ذهب ~~الذهن كل مذهب في الرجاء والأمل، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله تعالى دعي من أبواب الجنة ~~وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل ~~الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن ~~كان من أهل الصيام دعي من باب الريان " ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا ~~رسول الله: ما على أحد من ضرورة دعي من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد ~~يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: " نعم وأرجوا أن تكون منهم " # ، وفي " صحيح مسلم ms2123 " عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل ~~من أيها شاء " # ، وعن معاذ رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مفتاح الجنة لا إله إلا الله ". # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث الشفاعة الطويل: # " فيقول الله تعالى: يا محمد أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب ~~الأيمن، وهم شركاء الناس في الأبواب الأخر، والذي نفس محمد بيده إن ما ~~بين المصراعين من مصاريع الجنة ما بين عضادتي الباب لكما بين مكة أو هجر ~~ وهجر مكة وفي رواية مكة وبصرى " # ، وفي " صحيح مسلم " عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم خطبة فقال فيها، ولقد ~~ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين ~~عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، وقوله تبارك وتعالى: { وقال لهم ~~خزنتها سلام عليكم طبتم } أي طابت أعمالكم وأقوالكم ~~وطاب سعيكم وجزاؤكم، وقوله: { فادخلوها خالدين } أي ماكثين فيها ~~أبدا لا يبغون عنها حولا، { وقالوا الحمد لله الذي ~~صدقنا وعده } أي يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنة ذلك الثواب ~~الوافر، والعطاء العظيم، والنعيم المقيم والملك الكبير يقولون عند ذلك: { ~~الحمد لله الذي صدقنا وعده } أي الذي كان وعدنا على ~~ألسنة رسله الكرام كما دعوا في الدنيا # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا ~~يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد # [آل عمران: 194]، # وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ~~ربنا لغفور شكور * الذي أحلنا دار المقامة ~~من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها ~~لغوب # [فاطر: 34-35]، وقوله: { وأورثنا الأرض نتبوأ من ~~الجنة حيث نشآء فنعم أجر العاملين }. قال أبو ~~العالية وقتادة والسدي: أي أرض الجنة، فهذه الآية كقوله تعالى: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض ms2124 ~~يرثها عبادي الصالحون # [الأنبياء: 105]، ولهذا قالوا: { نتبوأ من الجنة حيث ~~نشآء } أي أين شئنا حللنا فنعم الأجر أجرنا على عملنا. # وفي " الصحيحين " عن أنس رضي الله عنه في قصة المعراج قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك " # ، وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: إن ابن صائد سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن تربة الجنة فقال: # " درمكة بيضاء مسك خالص ". # وروى ابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى: { ~~وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا } قال: ~~سيقوا حتى انتهوا إلى باب من أبواب الجنة، فوجدوا عندها شجرة يخرج من تحت ~~ساقها عينان، فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا منها، فجرت عليهم نضرة النعيم، ~~فلم تغير أبشارهم بعدها أبدا، ولم تشعث أشعارهم بعدها أبدا، فإنما ~~دهنوا بالدهان ثم عمدوا إلى الأخرى، كأنما أمروا بها فشربوا منها فأذهب ~~ما كان في بطونهم من أذى أو قذى، وتلقتهم الملائكة على أبواب الجنة: { ~~سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } ، وتلقى كل ~~غلمان صاحبهم يطوفون به فعل الولدان بالحميم جاء من الغيبة، أبشر قد أعد ~~الله لك من الكرامة كذا وكذا، قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قال: ~~وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين، فيقول: هذا فلان باسمه ~~في الدنيا، فيقلن: أنت رأيته، فيقول: نعم، فيستخفهن الفرح حتى تخرج إلى ~~أسكفة الباب، قال: فيجيء فإذا هو بنمارق مصفوفة وأكواب موضوعة وزرابي ~~مبثوثة، قال، ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه، فإذا هو قد أسس على جندل اللؤلؤ ~~بين أحمر وأخضر وأصفر وأبيض، ومن كل لون ثم يرفع طرفه إلى سقفه، فلولا أن ~~الله تعالى قدره له لألم أن يذهب ببصره إنه لمثل البرق، ثم ينظر إلى ~~أزواجه من الحور العين، ثم يتكىء إلى أريكة من أرائكه ثم يقول: # الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي ~~لولا أن هدانا الله # [الأعراف: 43]. ### || [39.75] # لما ذكر تعالى حكمه في أهل ms2125 الجنة والنار، وأنه نزل كلا في المحل الذي ~~يليق به ويصلح له، وهو العادل في ذلك الذي لا يجور، أخبر عن ملائكته أنهم ~~محدقون من حول العرش المجيد، يسبحون بحمد ربهم ويمجدونه، ويعظمونه ~~ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور، وقد فصل القضية وقضى الأمر وحكم ~~بالعدل، ولهذا قال عز وجل: { وقضي بينهم } أي بين الخلائق { ~~بالحق } ، ثم قال { وقيل الحمد لله رب العالمين ~~} أي نطق الكون أجمعه، ناطقه وبهيمه، لله رب العالمين بالحمد في حكمه ~~وعدله، ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل على أن جميع ~~المخلوقات شهدت له بالحمد. قال قتادة: افتتح الخلق بالحمد في قوله: # الحمد لله الذي خلق السموت والأرض # [الأنعام: 1]، واختتم بالحمد في قوله تبارك وتعالى: { وقضي ~~بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين }. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-3] # أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن ~~إعادته ههنا. # وقوله تعالى: { تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ~~} ، أي تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن من الله ذي العزة والعلم فلا يرام ~~جنابه، ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه، وقوله عز وجل: { غافر ~~الذنب وقابل التوب } أي يغفر ما سلف من الذنب ويقبل التوبة في ~~المستقبل لمن تاب إليه، وخضع لديه، وقوله جل وعلا { شديد العقاب } ~~أي لمن تمرد وطغى، وآثر الحياة الدنيا، وعتا عن أوامر الله تعالى وبغى، ~~وهذه كقوله: # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن ~~عذابي هو العذاب الأليم # [الحجر: 49-50] يقرن هذين الوصفين كثيرا في مواضع متعددة من القرآن ~~ليبقى العبد بين الرجاء والخوف، وقوله تعالى: { ذي الطول } قال ابن ~~عباس: يعني السعة والغنى، وقال يزيد بن الأصم { ذي الطول } يعني ~~الخير الكثير، وقال عكرمة: ذي المن، وقال قتادة: ذي النعم والفواضل، ~~والمعنى أنه المتفضل على عباده، المتطول عليهم بما هم فيه من المنن ~~والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها، # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] الآية، وقوله جلت عظمته: { لا إله إلا هو ms2126 } أي ~~لا نظير له في جميع صفاته فلا إله غيره ولا رب سواه، { إليه ~~المصير } أي المرجع والمآب، فيجازي كل عامل بعمله، وقال أبو بكر بن ~~عياش: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين ~~إني قتلت فهل لي من توبة؟ فقرأ عمر رضي الله عنه: { حم * تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب ~~وقابل التوب شديد العقاب } ، وقال: اعمل ولا تيأس، وعن ~~يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد إلى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، ففقده عمر فقال: ما فعل فلان ابن فلان؟ فقالوا: يا ~~أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب، قال، فدعا عمر كاتبه، فقال: اكتب " ~~من عمر بن الخطاب إلى فلان ابن فلان: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله ~~الذي لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، لا ~~إله إلا هو إليه المصير " ، ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يقبل ~~بقلبه ويتوب الله عليه، فلما بلغ الرجل كتاب عمر رضي الله عنه جعل يقرأه ~~ويردده ويقول: غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني عقوبته ~~ووعدني أن يغفر لي، فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع فأحسن ~~النزع، فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلة ~~فسددوه ووثقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا ~~للشيطان عليه. ### || [40.4-6] # يقول تعالى: ما يدفع الحق ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان { إلا ~~الذين كفروا } أي الجاحدون لآيات الله وحججه وبراهينه، { فلا ~~يغررك تقلبهم في البلاد } أي في أموالهم ونعيمها ~~وزهرتها، كما قال جل وعلا: # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد * ~~متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد # [آل عمران: 196-197]، وقال عز وجل: # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # [لقمان: 24]، ثم قال تعالى مسليا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في ~~تكذيب من كذبه من قومه، بأن له أسوة ms2127 من سلف من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام، فإنه قد كذبهم أممهم وخالفوهم وما آمن بهم منهم إلا قليل، فقال: ~~{ كذبت قبلهم قوم نوح } وهو أول رسول بعثه الله ينهى عن ~~عبادة الأوثان { والأحزاب من بعدهم } أي من كل أمة، { ~~وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه } أي حرصوا على ~~قتله بكل ممكن، ومنهم من قتل رسوله { وجادلوا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق } أي ما حلوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح ~~الجلي، روى ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أعان باطلا ليدحض به حقا فقد برئت منه ذمة الله تعالى، وذمة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم " # وقوله جلت عظمته { فأخذتهم } أي أهلكتهم على ما صنعوا من هذه ~~الآثام والذنوب العظام، { فكيف كان عقاب } أي فكيف بلغك عذابي ~~لهم ونكالي بهم لقد كان شديدا موجعا مؤلما؟ قال قتادة: كان شديدا ~~والله. وقوله جل جلاله: { وكذلك حقت كلمة ربك على ~~الذين كفروا أنهم أصحاب النار } أي كما حقت كلمة ~~العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة، كذلك حقت على المكذبين من ~~هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد، بطريق الأولى، لأن من كذبك فلا وثوق ~~له بتصديق غيرك، والله أعلم. ### || [40.7-9] # يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة، ومن حوله ~~الملائكة من الكروبيين، بأنهم { يسبحون بحمد ربهم } أي ~~يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات ~~المدح، { ويؤمنون به } أي خاشعون له أذلاء بين يديه، وأنهم { ~~ويستغفرون للذين آمنوا } أي من أهل الأرض ممن آمن ~~بالغيب، فقيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب، ~~ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم الصلاة والسلام كانوا يؤمنون على ~~دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، كما ثبت في الصحيح: # " إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك بمثله " # قال شهر بن حوشب رضي الله عنه: حملة العرش ثمانية، أربعة منهم يقولون: ~~سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك ~~اللهم وبحمدك، لك ms2128 الحمد على عفوك بعد قدرتك، ولهذا يقولون إذا استغفروا ~~للذين آمنوا: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } ~~أي رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم ~~وحركاتهم وسكناتهم { فاغفر للذين تابوا واتبعوا ~~سبيلك } ، أي فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا، وأقلعوا عما ~~كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخير وترك المنكرات، { وقهم ~~عذاب الجحيم } أي وزحزحهم عن عذاب الجحيم وهو العذاب الموجع ~~الأليم، { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم ~~وذرياتهم } أي اجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في ~~منازل متجاورة، كما قال تبارك وتعالى: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم ~~من شيء # [الطور: 21] أي ساوينا بين الكل في المنزلة لتقر أعينهم، وما نقصنا ~~العالي حتى يساوي الداني، بل رفعنا ناقص العمل فساويناه بكثير العمل، ~~تفضلا منا ومنة. وقال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن ~~أبيه وابنه وأخيه اين هم؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: ~~إني إنما عملت لي ولهم فيلحقون به في الدرجة، ثم تلا سعيد بن جبير هذه ~~الآية: { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ~~ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم وذرياتهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم } ، وقوله تبارك وتعالى: { أنت ~~العزيز الحكيم } أي الذي لا يمانع ولا يغالب، { وقهم ~~السيئات } أي فعلها، أو وبالها ممن وقعت منه، { ومن تق ~~السيئات يومئذ } أي يوم القيامة { فقد رحمته } أي ~~لطفت به ونجيته من العقوبة { وذلك هو الفوز العظيم }. ### || [40.10-14] # يقول تعالى مخبرا عن الكفار: أنهم ينادون يوم القيامة وهم في غمرات ~~النيران يتلظون، وذلك عندما باشروا من عذاب الله تعالى ما لا قبل لأحد ~~به، فمقتوا عند ذلك أنفسهم، وأبغضوها غاية البغض، بسبب ما أسلفوا من ~~الأعمال السيئة التي كانت سبب دخولهم إلى النار، فأخبرتهم الملائكة عند ~~ذلك بأن مقت الله تعالى لهم في الدنيا، حين كان يعرض عليهم الإيمان ~~فيكفرون، أشد من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم في هذه الحالة، ms2129 قال قتادة: ~~المعنى لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا فتركوه ~~وأبوا أن يقبلوه، أكبر مما مقتوا أنفسهم، حين عاينوا عذاب الله يوم ~~القيامة، وقوله: { قالوا ربنآ أمتنا اثنتين ~~وأحييتنا اثنتين } قال ابن مسعود رضي الله عنه: هذه الآية، ~~كقوله تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون # [البقرة: 28] وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية، والمقصود أن ~~الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله عز وجل في عرصات القيامة، ~~كما قال عز وجل: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون # [السجدة: 12] فلا يجابون، ثم إذا رأوا النار وعاينوها ووقفوا عليها ~~ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنكال، سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول ~~مرة، فلا يجابون، قال الله تعالى: # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين # [الأنعام: 27] فإذا دخلوا النار وذاقوا مسها وحسيسها ومقامعها وأغلالها، ~~كان سؤالهم للرجعة أشد وأعظم، # وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل # [فاطر: 37] كقوله: # ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون # [المؤمنون: 107]، وفي هذه الآية الكريمة تلطفوا في السؤال وقدموا بين ~~يدي كلامهم مقدمة، وهي قولهم: { ربنآ أمتنا اثنتين ~~وأحييتنا اثنتين } أي قدرتك عظيمة، فإنك أحييتنا بعد ما كنا ~~أمواتا ثم أمتنا ثم أحييتنا فأنت قادر على ما تشاء، وقد اعترفنا ~~بذنوبنا، وإننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا، { فهل إلى ~~خروج من سبيل } أي فهل أنت مجيبنا إلى أن تعيدنا إلى الدار ~~الدنيا؟ فإنك قادر على ذلك لنعمل غير الذي كنا نعمل، فإن عدنا إلى ما كنا ~~فيه فإنا ظالمون، فأجيبوا أن لا سبيل إلى عودكم ومرجعكم إلى الدار ~~الدنيا، ثم علل المنع من ذلك بأن سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه بل ~~تمجه وتنفيه، { ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده ~~كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا } أي أنتم هكذا ms2130 تكونون، وإن ~~رددتم إلى الدار الدنيا كما قال عز وجل # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]. # وقوله جل وعلا: { فالحكم لله العلي الكبير } أي هو ~~الحاكم في خلقه العادل الذي لا يجور، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويرحم ~~من يشاء ويعذب من يشاء، وقوله جل جلاله: { هو الذي يريكم ~~آياته } أي يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من ~~الآيات العظيمة، الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها، { وينزل ~~لكم من السمآء رزقا } وهو المطر الذي يخرج به من الزروع ~~والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله ~~وألوانه وهو ماء واحد، فالبقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء، { وما ~~يتذكر } أي يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة ~~خالقها { إلا من ينيب } أي من هو بصير منيب إلى الله تبارك ~~وتعالى. وقوله عز وجل: { فادعوا الله مخلصين له الدين ~~ولو كره الكافرون } أي فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء ~~وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم، قال الإمام أحمد: كان عبد الله بن ~~الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم " لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، ~~لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء ~~الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. قال: وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل بهن دبر كل صلاة " ، وقد ثبت في ~~الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عقب الصلوات المكتوبات: # " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله. ولا نعبد إلا إياه " # الحديث، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ادعوا الله تبارك وتعالى وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله ~~تعالى لا يستجيب دعاء من قلب غافل ms2131 لاه ". ### || [40.15-17] # يقول تعالى مخبرا عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على ~~جميع مخلوقاته، كالسقف لها كما قال تعالى: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4]. وقد ذكر غير واحد أن العرش من ياقوتة حمراء اتساع ما بين ~~قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف ~~سنة، وقوله تعالى: { يلقي الروح من أمره على من يشآء ~~من عباده } ، كقوله جلت عظمته: # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء ~~من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا ~~فاتقون # [النحل: 2]، وكقوله تعالى: # نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من ~~المنذرين # [الشعراء: 193-194]، ولهذا قال عز وجل: { لينذر يوم التلاق ~~} ، قال ابن عباس: { يوم التلاق } اسم من أسماء يوم القيامة حذر ~~الله منه عباده، يلتقي فيه آدم وآخر ولده، وقال ابن زيد: يلتقي فيه ~~العباد. وقال قتادة والسدي: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض والخالق ~~والخلق، وقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم، وقد يقال إن يوم ~~التلاق يشمل هذا كله ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عمله من خير وشر كما قاله ~~آخرون. وقوله جل جلاله: { يوم هم بارزون لا يخفى على ~~الله منهم شيء } أي ظاهرون بادون كلهم، لا شيء يكنهم ولا يظلهم ~~ولا يسترهم، { لمن الملك اليوم لله الواحد ~~القهار } قد تقدم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه تعالى يطوي ~~السماوات والأرض بيده، ثم يقول: أنا الملك، أنا الجبار، أنا المتكبر. أين ~~ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ وفي حديث الصور أنه عز وجل إذا قبض أرواح ~~جميع خلقه، فلم يبق سواه وحده لا شريك له، حينئذ يقول: { لمن ~~الملك اليوم }؟ ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه قائلا: { لله ~~الواحد القهار } أي الذي قهر كل شيء وغلبه، وقد قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة ~~فيسمعها الأحياء والأموات، قال، وينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا ~~ويقول: { لمن الملك ms2132 اليوم لله الواحد القهار } ~~، وقوله جلت عظمته: { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ~~لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب } ، يخبر تعالى ~~عن عدله في حكمه بين خلقه، أنه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر، بل ~~يجزي بالحسنة عشر أمثالها وبالسيئة واحدة، ولهذا قال تبارك وتعالى: { لا ~~ظلم اليوم } ، كما ثبت في " صيحيح مسلم ": # " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا - ~~إلى أن قال - يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، ~~فمن وجد خيرا فليحمد الله تبارك وتعالى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه " # ، وقوله عز وجل: { إن الله سريع الحساب } أي يحاسب ~~الخلائق كلهم كما يحاسب نفسا واحدة، كما قال جل وعلا: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28]. ### || [40.18-20] # يوم الآزفة: اسم من أسماء يوم القيامة، وسميت بذلك لاقترابها، كما قال ~~تعالى: # أزفت الآزفة * ليس لها من دون الله كاشفة # [النجم: 57-58]، وقال عز وجل: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1]، وقال جل وعلا: # فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا # [الملك: 27] الآية، وقوله تبارك وتعالى: { إذ القلوب لدى ~~الحناجر كاظمين }. قال قتادة: وقفت القلوب في الحناجر من الخوف، ~~فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها، ومعنى { كاظمين } أي ساكتين لا يتكلم ~~أحد إلا بإذنه # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا # [النبأ: 38]، وقال ابن جريج { كاظمين } أي باكين، وقوله سبحانه { ~~ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } ، أي ليس للذين ~~ظلموا من قريب ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من ~~كل خير، وقوله تعالى: { يعلم خآئنة الأعين وما تخفي ~~الصدور } يخبر عز وجل عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها ~~وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها ليحذر الناس ربهم، فيتقوه حق ~~تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه عز وجل يعلم العين ~~الخائنة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر، قال ابن ~~عباس { يعلم خآئنة الأعين وما ms2133 تخفي الصدور }: هو ~~الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به وبهم ~~المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، فإذا ~~غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض، وقد اطلع الله تعالى من قلبه أنه ود لو اطلع ~~على فرجها. وقال الضحاك { خآئنة الأعين }: هو الغمز، وقول الرجل ~~رأيت ولم ير، وقال ابن عباس: يعلم الله تعالى من العين في نظرها هل تريد ~~الخيانة أم لا؟ { وما تخفي الصدور } يعلم إذا أنت قدرت عليها هل ~~تزني بها أم لا؟ وقال السدي: { وما تخفي الصدور } أي من ~~الوسوسة، وقوله عز وجل { والله يقضي بالحق } أي يحكم ~~بالعدل. قال ابن عباس: قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة ~~{ إن الله هو السميع البصير } وهذا الذي فسر به ابن عباس ~~رضي الله عنهما هذه الآية، كقوله تبارك وتعالى: # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى # [النجم: 31]، وقوله جل وعلا: { والذين يدعون من دونه } أي ~~من الأصنام والأوثان والأنداد، { لا يقضون بشيء } أي لا يملكون ~~شيئا ولا يحكمون بشيء، { إن الله هو السميع البصير } أي ~~سميع لأقوال خلقه بصير بهم، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو الحاكم ~~العادل في جميع ذلك. ### || [40.21-22] # يقول تعالى: { أولم يسيروا } هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد { ~~في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا ~~من قبلهم } أي من الأمم المكذبة بالأنبياء، ما حل بهم من العذاب ~~والنكال، مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة { وآثارا في الأرض } أي ~~أثروا في الأرض من البنايات والمعالم ما لا يقدر هؤلاء عليه كما قال عز ~~وجل، # وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها # [الروم: 9] مع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد، { فأخذهم الله ~~بذنوبهم } وهي كفرهم برسلهم، { وما كان لهم من الله ~~من واق } أي وما دفع عنهم عذاب الله أحد ولا رده عنهم راد، ولا وقاهم ~~واق، ثم ذكر علة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها، فقال ~~تعالى: { ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات ms2134 } أي بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات، { ~~فكفروا } أي مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا، { فأخذهم ~~الله } تعالى أي أهلكهم ودمر عليهم، { إنه قوي شديد ~~العقاب } أي ذو قوة عظيمة وبطش شديد، وهو { شديد العقاب } أي ~~عقابه أليم شديد وجيع، أعاذنا الله تبارك وتعالى منه. ### || [40.23-27] # يقول تعالى مسليا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من ~~قومه، ومبشرا له بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة كما جرى ~~لموسى بن عمران عليه السلام، فإن الله تعالى أرسله بالآيات البينات، ~~والدلائل الواضحات ولهذا قال تعالى: { بآياتنا وسلطان مبين ~~} والسلطان هو الحجة والبرهان، { إلى فرعون } وهو ملك القبط ~~بالديار المصرية، { وهامان } وهو وزيره في مملكته { وقارون } ~~وكان أكثر الناس في زمانه مالا وتجارة، { فقالوا ساحر كذاب ~~} أي كذبوه وجعلوه ساحرا مجنونا، مموها كذابا في أن الله جل وعلا ~~أرسله وهذه كقوله تعالى: # كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون # [الذاريات: 52]، { فلما جآءهم بالحق من عندنا } أي ~~بالبرهان القاطع الدال على أن الله عز وجل أرسله إليهم، { قالوا ~~اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه واستحيوا ~~نسآءهم } ، وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل، أما الأول ~~فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى، أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم، أو ~~لمجموع الأمرين، وأما الأمر الثاني فلإهانة هذا الشعب، ولكي يتشاءموا ~~بموسى عليه السلام، ولهذا قالوا: # أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا # [الأعراف: 129]، قال الله عز وجل: { وما كيد الكافرين ~~إلا في ضلال } أي وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل ~~لئلا ينصروا عليهم إلا ذاهب وهالك في ضلال { وقال فرعون ~~ذروني أقتل موسى وليدع ربه } ، وهذا عزم من فرعون - ~~لعنه الله تعالى - على قتل موسى عليه الصلاة والسلام؛ أي قال لقومه دعوني ~~حتى أقتل لكم هذا { وليدع ربه } أي لا أبالي منه، وهذا في غاية ~~الجحد والعناد { إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن ~~يظهر في الأرض الفساد } يخشى فرعون أن ms2135 يضل موسى الناس ويغير ~~رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مذكرا، يعني ~~واعظا، يشفق على الناس من موسى عليه السلام، { وقال موسى إني ~~عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن ~~بيوم الحساب } أي لما بلغه قول فرعون { ذروني أقتل ~~موسى } قال موسى عليه السلام: استجرت بالله، وعذت به من شره وشر ~~أمثاله، ولهذا قال: { إني عذت بربي وربكم } أيها ~~المخاطبون { من كل متكبر } أي عن الحق مجرم { لا يؤمن ~~بيوم الحساب } ، ولهذا جاء في الحديث # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوما قال: " اللهم إنا ~~نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم " ". ### || [40.28-29] # المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان (قبطيا) من آل فرعون، قال السدي: كان ~~ابن عم فرعون، واختاره ابن جرير، ورد قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيليا، ~~لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه وكف عن قتل موسى عليه السلام، ولو كان ~~إسرائيليا لأوشك أن يعاجله بالعقوبة لأنه منهم، قال ابن عباس: لم يؤمن ~~من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون، والذي قال: # يموسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك # [القصص: 20]، وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر ~~إلا هذا اليوم حين قال فرعون: # ذروني أقتل موسى # [غافر: 26] فأخذت الرجل غضبة لله عز وجل، وأفضل الجهاد كلمة حق عند ~~سلطان جائر، كما ثبت بذلك الحديث، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون، وهي ~~قوله: { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } ، اللهم ~~إلا ما رواه البخاري في " صحيحه " عن عروة بن الزبير رضي الله تعالى ~~عنهما قال، قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أخبرني بأشد ~~شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل (عقبة بن أبي معيط) فأخذ ~~بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا ~~شديدا، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه، فأخذ ms2136 بمنكبه، ودفعه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم قال: { أتقتلون رجلا أن يقول ربي ~~الله وقد جآءكم بالبينات من ربكم }؟ وروى ابن ~~أبي حاتم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سئل: # " ما أشد ما رأيت قريشا بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ~~مر صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقالوا له: أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد ~~آباؤنا؟ فقال: " أنا ذاك " فقاموا إليه، فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيت أبا ~~بكر رضي الله عنه محتضنه من ورائه، وهو يصيح بأعلى صوته، وإن عينيه ~~ليسيلان وهو يقول: يا قوم: { أتقتلون رجلا أن يقول ربي ~~الله وقد جآءكم بالبينات من ربكم }؟ حتى فرغ من ~~الآية كلها " # ، وقوله تعالى: { وقد جآءكم بالبينات من ربكم } أي ~~كيف تقتلونه وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق؟ ثم تنزل ~~معهم في المخاطبة فقال: { وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن ~~يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم } ، يعني إذا لم ~~يظهر لكم صحة ما جاءكم به، فمن العقل والرأي والحزم أن تتركوه ونفسه، فلا ~~تؤذوه، فإن يك كاذبا فإن الله سبحانه سيجازيه على كذبه، وإن يك صادقا ~~وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم، فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في ~~الدنيا والآخرة، فينبغي أن لا تتعرضوا له بل اتركوه وشأنه. # وقوله جلا وعلا: { إن الله لا يهدي من هو مسرف ~~كذاب } أي لو كان هذا كاذبا كما تزعمون، لكان أمره بينا يظهر لكل ~~أحد في أقواله وأفعاله، وهذا نرى أمره سديدا ومنهجه مستقيما، ولو كان ~~من المسرفين الكذابين، لما هداه الله وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره ~~وفعله، ثم قال المؤمن محذرا قومه زوال نعمة الله عنهم وحلول نقمة الله ~~بهم: { يقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض } أي ~~قد أنعم الله عليكم بهذا الملك، والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه ~~العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله تعالى وتصديق رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله ms2137 { فمن ينصرنا من بأس ~~الله إن جآءنا } أي لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر ولا ترد ~~عنا شيئا من بأس الله إن أرادنا بسوء. { قال فرعون } لقومه رادا ~~على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد { مآ أريكم إلا ~~مآ أرى } أي ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي، وقد كذب ~~فرعون فإنه كان يتحقق صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من الرسالة، # قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب ~~السموت والأرض بصآئر # [الإسراء: 102]، وقال الله تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14]، فقوله: { مآ أريكم إلا مآ أرى } كذب فيه ~~وافترى، وخان رعيته فغشهم وما نصحهم، وكذا قوله: { ومآ أهديكم ~~إلا سبيل الرشاد } أي وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق ~~والرشد، وقد كذب أيضا في ذلك وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه، قال الله ~~تبارك وتعالى: # فاتبعوا أمر فرعون ومآ أمر فرعون برشيد # [هود: 97]، وقال جلت عظمته: # وأضل فرعون قومه وما هدى # [طه: 79]. وفي الحديث: # " ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة، وإن ~~ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام ". ### || [40.30-35] # هذا إخبار من الله عز وجل عن هذا الرجل الصالح (مؤمن آل فرعون) أنه ~~حذر قومه بأس الله تعالى في الدنيا والآخرة، فقال: { يقوم إني ~~أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب } أي الذين كذبوا رسل ~~الله في قديم الدهر كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من الأمم ~~المكذبة، كيف حل بهم بأس الله وما رده عنهم راد ولا صده عنهم صاد { وما ~~الله يريد ظلما للعباد } ، أي إنما أهلكهم الله تعالى ~~بذنوبهم وتكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره، فأنفذ فيهم قدره، ثم قال: { ~~ويقوم إني أخاف عليكم يوم التناد } يعني يوم ~~القيامة، وسمي بذلك لما جاء في حديث الصور إن الأرض إذا زلزلت وانشقت من ~~قطر إلى قطر، وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى ذلك ذهبوا هاربين ينادي بعضهم ~~بعضا، وقال الضحاك: بل ذلك إذا جيء بجهنم ms2138 ذهب الناس هرابا منهم، ~~فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر وهو قوله تعالى: # والملك على أرجآئهآ # [الحاقة: 17]، وقيل: لأن الميزان عنده ملك إذا وزن عمل العبد فرجح نادى ~~بأعلى صوته، ألا قد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خف ~~عمله نادى ألا قد شقي فلان بن فلان، وقيل: سمي بذلك لمناداة أهل الجنة ~~أهل النار # أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم # [الأعراف: 44]، ومناداة أهل النار أهل الجنة # أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم ~~الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين # [الأعراف: 50]، ولمناداة أصحاب الأعراف أهل الجنة، وأهل النار كما هو ~~مذكور في سورة الأعراف، واختار البغوي وغيره أنه سمي بذلك لمجموع ذلك، ~~وهو قول حسن جيد، والله أعلم. # وقوله تعالى: { يوم تولون مدبرين } أي ذاهبين هاربين، { ~~ما لكم من الله من عاصم } أي لا مانع يمنعكم من بأس الله ~~وعذابه { ومن يضلل الله فما له من هاد } أي من أضله ~~الله فلا هادي له غيره، وقوله تبارك وتعالى: { ولقد جآءكم ~~يوسف من قبل بالبينات } يعني أهل مصر قد بعث الله فيهم ~~رسولا من قبل موسى عليه الصلاة والسلام وهو (يوسف) عليه الصلاة والسلام ~~كان عزيز أهل مصر، وكان رسولا يدعو إلى الله تعالى أمته بالقسط، فما ~~أطاعوه تلك الطاعة إلا بمجرد الوزارة والجاه الدنيوي، ولهذا قال تعالى: { ~~فما زلتم في شك مما جآءكم به حتى إذا هلك ~~قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } أي يئستم فقلتم ~~طامعين { لن يبعث الله من بعده رسولا } وذلك لكفرهم ~~وتكذيبهم، { كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب } ~~أي كحالكم هذا يكون حال من يضله الله لإسرافه في أفعاله وارتياب قلبه، ثم ~~قال عز وجل: { الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم } أي الذين يدفعون الحق بالباطل ويجادلون الحجج بغير ~~دليل وحجة معهم من الله تعالى، فإن الله عز وجل يمقت على ذلك أشد ~~المقت، ولهذا قال تعالى: ms2139 { كبر مقتا عند الله وعند ~~الذين آمنوا } أي والمؤمنون أيضا يبغضون من تكون هذه صفته، فإن ~~من كانت هذه صفته يطبع الله على قلبه، فلا يعرف بعد ذلك معروفا ولا ينكر ~~منكرا، ولهذا قال تبارك وتعالى { كذلك يطبع الله على ~~كل قلب متكبر } أي على اتباع الحق { جبار } قال قتادة: ~~آية الجبابرة القتل بغير حق، والله تعالى أعلم. ### || [40.36-37] # يقول تعالى مخبرا عن فرعون وعتوه، وتمرده وافترائه في تكذيبه موسى عليه ~~الصلاة والسلام، أنه أمر وزيره { هامان } أن يبني له { صرحا } وهو ~~القصر العالي المنيف الشاهق، وكان اتخاذه من الآجر المضروب من الطين ~~المشوي، كما قال تعالى: # فأوقد لي يهامان على الطين فاجعل لي صرحا # [القصص: 38]، وقوله: { لعلي أبلغ الأسباب * أسباب ~~السموت } قال سعيد بن جبير: أبواب السماوات، وقيل: طرق السماوات { ~~فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا } ، ~~وهذا من كفره وتمرده أنه كذب موسى عليه الصلاة والسلام في أن الله عز ~~وجل أرسله إليه، قال تعالى { وكذلك زين لفرعون سوء ~~عمله وصد عن السبيل } أي بصنعه هذا الذي أراد أن يوهم به ~~الرعية، أنه يعمل شيئا يتوصل به إلى تكذيب موسى عليه الصلاة والسلام، ~~ولهذا قال تعالى: { وما كيد فرعون إلا في تباب } قال ~~ابن عباس ومجاهد: يعني إلا في خسار. ### || [40.38-40] # يقول المؤمن لقومه ممن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا ونسي الجبار الأعلى ~~فقال لهم: { يقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد } لا ~~كما كذب فرعون في قوله: # ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد # [غافر: 29]، ثم زهدهم في الدنيا التي قد آثروها على الأخرى، وصدتهم عن ~~التصديق برسول الله موسى عليه الصلاة والسلام، فقال: { يقوم إنما ~~هذه الحياة الدنيا متاع } أي قليلة زائلة فانية عن قريب ~~تذهب وتضمحل، { وإن الآخرة هي دار القرار } أي الدار ~~التي لا زوال لها ولا انتقال منها ولا ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم ~~وإما جحيم، ولهذا قال جلت عظمته { من عمل سيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها } أي واحدة مثلها، { ومن عمل صالحا ~~من ذكر ms2140 أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون ~~الجنة يرزقون فيها بغير حساب } أي لا يتقدر بجزاء، بل ~~يثيبه الله عز وجل ثوابا كثيرا، لا انقضاء له ولا نفاد. ### || [40.41-46] # يقول لهم المؤمن: ما بالي أدعوكم إلى النجاة، وهي عبادة الله وحده لا ~~شريك له، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم الذي بعثه { وتدعونني ~~إلى النار * تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ~~ليس لي به علم } أي على جهل بلا دليل { وأنا أدعوكم ~~إلى العزيز الغفار } أي هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب ~~إليه { لا جرم أنما تدعونني إليه } يقول: حقا، قال ~~ابن جرير: معنى قوله: { لا جرم }: حقا، وقال الضحاك { لا جرم }: ~~لا كذب، المعنى إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد { ليس له ~~دعوة في الدنيا ولا في الآخرة } قال مجاهد: الوثن ليس له ~~شيء، وقال قتادة: يعني الوثن لا ينفع ولا يضر. وقال السدي: لا يجيب داعيه ~~لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا كقوله تبارك وتعالى: # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم ~~غافلون # [الأحقاف: 5] وقوله: # إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم # [فاطر: 14]، وقوله: { وأن مردنآ إلى الله } أي في الدار ~~الآخرة فيجازي كلا بعمله، ولهذا قال { وأن المسرفين هم ~~أصحاب النار } أي خالدين فيها بإسرافهم وهو شركهم بالله عز وجل ~~{ فستذكرون مآ أقول لكم } أي سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ~~ونهيتكم عنه، ونصحتكم ووضحت لكم، وتتذكرونه وتندمون حيث لا ينفعكم الندم ~~{ وأفوض أمري إلى الله } أي وأتوكل على الله وأستعينه، ~~وأقاطعكم وأباعدكم، { إن الله بصير بالعباد } أي هو بصير ~~بهم تعالى وتقدس، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال، وله ~~الحجة البالغة، والحكمة التامة، والقدر النافذ. # وقوله تبارك وتعالى: { فوقاه الله سيئات ما مكروا } أي ~~في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فنجاه الله تعالى مع موسى عليه الصلاة ~~والسلام، وأما في الآخرة فبالجنة، { وحاق بآل فرعون سوء ~~العذاب } وهو ms2141 الغرق في اليم ثم النقلة منه إلى الجيحم، فإن أرواحهم ~~تعرض على النار صباحا ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة ~~اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار، ولهذا قال { ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } أي أشده ~~ألما وأعظمه نكالا، وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب ~~البرزخ في القبور، وهي قوله تعالى: { النار يعرضون عليها ~~غدوا وعشيا }. وقد روي عن عائشة رضي الله عنها # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة من اليهود، ~~وهي تقول: أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم؟ فارتاع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال: " إنما يفتن يهود " ، قالت عائشة: فلبثنا ليالي ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " ألا إنكم تفتنون في القبور " ، قالت عائشة ~~رضي الله عنها: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد، يستعيذ من عذاب ~~القبر " # وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها: # " أن يهودية دخلت عليها فقالت: نعوذ بالله من عذاب القبر، فسألت عائشة ~~رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن عذاب القبر، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " نعم عذاب القبر حق " قالت عائشة رضي الله عنها: فما ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب ~~القبر " # وأحاديث عذاب القبر كثيرة جدا. # وقال قتادة { غدوا وعشيا }: صباحا ومساء ما بقيت الدنيا، يقال ~~لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم، توبيخا ونقمة وصغارا لهم، وقال ابن زيد: ~~هم فيها يغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة، وقال ابن أبي حاتم، عن عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر ~~تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير ~~تسرح في الجنة حيث شاءت، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، وإن أرواح آل ~~فرعون في أجواف طيور سود تغدو على جهنم وتروح عليها، فذلك عرضها، وفي ~~حديث الإسراء، عن أبي سعيد الخدري رضي ms2142 الله عنه، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال فيه: # " ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق الله، رجال كل رجل منهم بطنه مثل ~~البيت الضخم، مصفدون على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار ~~غدوا وعيشا { ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب } وآل فرعون كالإبل المسومة يخبطون الحجارة والشجر ~~ولا يعقلون " # ، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " ما أحسن محسن من مسلم أو كافر إلا أثابه الله تعالى قال، قلنا: يا ~~رسول الله! ما إثابة الله الكافر؟ فقال: " إن كان قد وصل رحما أو تصدق ~~بصدقة أو عمل حسنة أثابه الله تبارك وتعالى المال والولد والصحة وأشباه ~~ذلك ". قلنا: فما إثابته في الآخرة؟ قال صلى الله عليه وسلم: " عذابا ~~دون العذاب " ، وقرأ { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } ~~" # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة، ~~فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى ~~يبعثك عز وجل إليه يوم القيامة ". ### || [40.47-50] # يخبر تعالى عن تحاج أهل النار وتخاصمهم وفرعون وقومه من جملتهم { ~~فيقول الضعفاء } وهم الأتباع { للذين استكبروا } ~~وهم القادة والسادة والكبراء { إنا كنا لكم تبعا } أي ~~أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، { فهل أنتم ~~مغنون عنا نصيبا من النار } أي قسطا تتحملونه عنا { ~~قال الذين استكبروا إنا كل فيهآ } أي لا نتحمل عنكم ~~شيئا كفى بنا ما عندنا وما حملنا من العذاب والنكال { إن الله ~~قد حكم بين العباد } أي فقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل ~~منا كما قال تعالى: # قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون # [الأعراف: 38]، { وقال الذين في النار لخزنة جهنم ~~ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } لما ~~علموا أن الله عز وجل لا يستجيب منهم، ولا يستمع لدعائهم، ms2143 بل قد قال: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] سألوا الخزنة وهم كالسجانين لأهل النار أن يدعوا لهم ~~الله تعالى في أن يخفف عن الكافرين ولو يوما واحدا من العذاب فقالت لهم ~~الخزنة رادين عليهم: { أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات }؟ أي أو ما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة ~~الرسل؟ { قالوا بلى قالوا فادعوا } أي أنتم لأنفسكم فنحن لا ~~ندعو لكم ولا نسمع منكم، ثم نخبركم أنه لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم، ~~ولهذا قالوا { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } أي لا ~~يقبل ولا يستجاب. ### || [40.51-56] # قد علم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه كيحيى وزكريا ~~وشعيا، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرا إلى الله كإبراهيم، وإما ~~إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟ أجاب ابن جرير على ذلك ~~بجوابين: (أحدهما) أن يكون الخبر خرج عاما، والمراد به البعض، وهذا سائغ ~~في اللغة. (الثاني) أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، كما ~~فعل بقتلة يحيى وزكريا، سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم. وقد ~~ذكر أن النمروذ أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب ~~المسيح عليه السلام من اليهود، فسلط الله تعالى عليهم الروم فأهانوهم ~~وأذلوهم، وهذه نصرة عظيمة، وسنة الله تعالى في خلقه في قديم الدهر، أنه ~~ينصر عباده المؤمنين في الدنيا ويقر أعينهم ممن آذاهم، ولهذا أهلك الله ~~عز وجل قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس، وقوم لوط وأهل مدين وأشباههم ~~وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق، وأنجى الله تعالى من بينهم المؤمنين ~~فلم يهلك منهم أحدا، وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحدا، قال السدي: " ~~لم يبعث الله عز وجل رسولا قط إلى قوم فيقتلونه أو قوما من المؤمنين ~~يدعون إلى الحق فيقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله تبارك وتعالى لهم ~~من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا قال: فكانت الأنبياء ~~والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها " ، وهكذا نصر الله نبيه ~~محمدا صلى ms2144 الله عليه وسلم فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على ~~سائر الأديان، وأمره بالهجرة إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارا ~~وأعوانا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر فنصره عليهم وخذلهم وقتل ~~صناديدهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة، فقرت عينه ببلده المشرف ~~المعظم، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين ~~الله أفواجا، ثم قبضه الله تعالى إليه فأقام الله تبارك وتعالى أصحابه ~~خلفاء بعده، فبلغوا عنه دين الله عز وجل، حتى انتشرت الدعوة المحمدية ~~في مشارق الأرض ومغاربها؛ ثم لا يزال هذا الدين قائما منصورا ظاهرا ~~إلى قيام الساعة، ولهذا قال تعالى: { إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد } أي يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل، قال مجاهد: ~~الأشهاد الملائكة { يوم لا ينفع الظالمين } وهم المشركون { ~~معذرتهم } أي لا يقبل منهم عذر ولا فدية { ولهم اللعنة ~~} أي الإبعاد والطرد من الرحمة، { ولهم سوء الدار } وهي النار، ~~قال السدي: بئس المنزل والمقيل، وقال ابن عباس: أي سوء العاقبة. # وقوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الهدى } وهو ما بعثه الله ~~عز وجل به من الهدى والنور، { وأورثنا بني إسرائيل ~~الكتاب } أي جعلنا لهم العاقبة، وأورثناهم ملك فرعون، وفي الكتاب ~~الذي أورثوه وهو التوراة { هدى وذكرى لأولي الألباب } وهي ~~العقول الصحيحة السليمة، وقوله عز وجل: { فاصبر } أي يا محمد { ~~إن وعد الله حق } أي وعدناك أنا سنعلي كلمتك، ونجعل العاقبة ~~لك ولمن اتبعك، والله لا يخلف الميعاد، وهذا الذي أخبرناك به حق لا مرية ~~فيه ولا شك، وقوله تبارك وتعالى: { واستغفر لذنبك } هذا تهييج ~~للأمة على الاستغفار، { وسبح بحمد ربك بالعشي } أي في ~~أواخر النهار وأوائل الليل { والإبكار } وهي أوائل النهار وأواخر ~~الليل. # وقوله تعالى: { إن الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم } أي يدفعون الحق بالباطل، ويردون الحجج ~~الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله، { إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } أي ما في صدورهم ms2145 إلا ~~كبر على اتباع الحق، واحتقار لمن جاءهم به، وليس ما يرومونه - من إخماد ~~الحق وإعلاء الباطل - بحاصل لهم، بل الحق هو المرفوع، وقولهم وقصدهم هو ~~الموضوع { فاستعذ بالله } أي من حال مثل هؤلاء { إنه هو ~~السميع البصير } ، أو من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات الله ~~بغير سلطان، هذا تفسير ابن جرير. ### || [40.57-59] # يقول تعالى منبها على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة، وأن ذلك سهل عليه ~~يسير لديه، بأنه خلق السماوات والأرض، وخلقهما أكبر من خلق الناس بدأة ~~وإعادة، فمن قدر على ذلك فهو قادر على ما دونه بطريق الأولى والأحرى، كما ~~قال تعالى: # أولم يروا أن الله الذي خلق السموت ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى إنه على كل شيء قدير # [الأحقاف: 33]، وقال ههنا: { لخلق السموت والأرض ~~أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } فلهذا لا يتدبرون هذه الحجة ولا يتأملونها، كما كان كثير ~~من العرب يعترفون بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض وينكرون المعاد ~~استبعادا وكفرا وعنادا، وقد اعترفوا بما هو أولى مما أنكروا، ثم قال ~~تعالى: { وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما ~~تتذكرون } أي كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا، والبصير ~~الذي يرى ما انتهى إليه بصره، بل بينهما فرق عظيم، كذلك لا يستوي ~~المؤمنون الأبرار، والكفرة الفجار { قليلا ما تتذكرون } أي ~~ما أقل ما يتذكر كثير من الناس، ثم قال تعالى: { إن الساعة ~~لآتية } أي لكائنة وواقعة، { لا ريب فيها ولكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون } أي لا يصدقون بها بل يكذبون ~~بوجودها. ### || [40.60] # هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه، أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم ~~بالإجابة، قال كعب الأحبار: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن أمة قبلها ~~إلا نبي: كان إذا أرسل الله نبيا قال له: أنت شاهد على أمتك، وجعلكم ~~شهداء على الناس، وكان يقال له: ليس عليك في الدين من حرج، وقال لهذه ~~الأمة: # وما جعل عليكم في ms2146 الدين من حرج # [الحج: 78] وكان يقال له: ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمة: { ~~ادعوني أستجب لكم } ، وروى الإمام أحمد، عن النعمان بن بشير ~~رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الدعاء هو العبادة " # ثم قرأ: { ادعوني أستجب لكم إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } ، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من لم يدع الله عز وجل غضب عليه " # وروى الحافظ الرامهرمزي، عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة ~~الأنصاري، وجدنا في ذؤابة سيفه كتابا، بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن لربكم في بقية أيام دهركم نفحات فتعرضوا له، لعل دعوة أن توافق ~~رحمة فيسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدا " # ، وقوله عز وجل: { إن الذين يستكبرون عن عبادتي } ~~أي عن دعائي وتوحيدي، { سيدخلون جهنم داخرين } أي صاغرين ~~حقيرين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يحشر المتكبرون يوم القيامة مثال الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من ~~الصغار، حتى يدخلوا سجنا في جهنم يقال له (بولس) تعلوهم نار الأنيار، ~~يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار " # وقال وهيب بن الورد، حدثني رجل قال: كنت أسير ذات يوم في أرض الروم، ~~فسمعت هاتفا من فوق رأس جبل وهو يقول: يا رب عجبت لمن عرفك كيف يرجو ~~أحدا غيرك، يا رب عجبت لمن عرفك يطلب حوائجه إلى أحد غيرك، قال: ثم عاد ~~الثانية فقال: يا رب عجبت لمن عرفك كيف يتعرض لشيء من سخطك يرضي غيرك، ~~قال، فناديته: أجني أنت أم إنسي؟ قال: بل إنسي، اشغل نفسك مما يعنيك عما ~~لا يعنيك وفي الحديث: # " من لم يسأل الله يغضب عليه ". ### || [40.61-65] # يقول تعالى ممتنا على خلقه بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه، ~~ويستريحون فيه من حركات ترددهم في المعايش بالنهار وجعل النهار مبصرا، ~~أي مضيئا ليتصرفوا فيه بالأسفار، وقطع الأقطار، والتمكن من الصناعات { ~~إن الله لذو فضل على الناس ولكن ms2147 أكثر ~~الناس لا يشكرون } أي لا يقومون بشكر نعم الله عليهم، ثم قال ~~عز وجل: { ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا ~~إله إلا هو } أي الذي فعل هذه الأشياء هو الواحد الأحد، خالق ~~الأشياء الذي لا إله غيره ولا رب سواه، { فأنى تؤفكون } أي ~~فكيف تعبدون غيره من الأصنام التي لا تخلق شيئا بل هي مخلوقة منحوتة! ~~وقوله عز وجل: { كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات ~~الله يجحدون } أي كما ضل هؤلاء بعبادة غير الله، كذلك أفك الذين ~~من قبلهم فعبدوا غيره، بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا ~~حجج الله وآياته، وقوله تعالى: { الله الذي جعل لكم ~~الأرض قرارا } أي جعلها لكم مستقرا، تعيشون عليها وتتصرفون فيها، ~~وتمشون في مناكبها، { والسمآء بنآء } أي سقفا للعالم محفوظا، ~~{ وصوركم فأحسن صوركم } أي فخلقكم في أحسن الأشكال، ~~ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم، { ورزقكم من الطيبات } ~~أي من المآكل والمشارب في الدنيا، فذكر أنه خلق الدار والسكان والأرزاق، ~~فهو الخالق الرزاق، كما قال تعالى في سورة البقرة: # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء ~~وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم ~~تعلمون # [الآية: 22]. وقال تعالى ههنا بعد خلق هذه الأشياء: { ذلكم الله ~~ربكم فتبارك الله رب العالمين } أي فتعالى وتقدس ~~وتنزه رب العالمين، ثم قال تعالى: { هو الحي لا إله إلا ~~هو } أي هو الحي أولا وأبدا، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن، { ~~لا إله إلا هو } أي لا نظير له ولا عديل له { فادعوه ~~مخلصين له الدين } أي موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو ~~الحمد لله رب العالمين، عن ابن عباس قال: من قال: لا إله إلا الله فليقل ~~على أثرها الحمد لله رب العالمين، وذلك قوله تعالى: { فادعوه ~~مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين }. ### || [40.66-68] # يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن الله عز وجل ينهى أن يعبد ~~أحد سواه من الأصنام والأنداد والأوثان، وقد بين تبارك ms2148 وتعالى أنه لا ~~يستحق العبادة أحد سواه في قوله جلت عظمته: { هو الذي خلقكم ~~من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم ~~يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم ~~لتكونوا شيوخا } أي هو الذي يقلبكم في هذه الأطوار كلها وحده لا ~~شريك له، وعن أمره وتدبيره وتقديره يكون ذلك كله، { ومنكم من ~~يتوفى من قبل } أي من قبل أن يوجد ويخرج إلى هذا العالم، بل ~~تسقطه أمه سقطا، ومنهم من يتوفى صغيرا وشابا وكهلا قبل الشيخوخة، ~~كقوله تعالى: # لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشآء إلى ~~أجل مسمى # [الحج: 5]، وقال عز وجل ههنا: { ولتبلغوا أجلا مسمى ~~ولعلكم تعقلون }. قال ابن جريج: تتذكرون البعث، ثم قال ~~تعالى: { هو الذي يحيي ويميت } أي هو المتفرد بذلك لا يقدر ~~على ذلك أحد سواه، { فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون } أي لا يخالف ولا يمانع بل ما شاء كان لا محالة. ### || [40.69-76] # يقول تعالى: ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله، ويجادلون ~~في الحق بالباطل، كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال؟ { الذين ~~كذبوا بالكتاب وبمآ أرسلنا به رسلنا } أي من ~~الهدى والبيان { فسوف يعلمون } هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، من ~~الرب جل جلاله لهؤلاء، كما قال تعالى: # ويل يومئذ للمكذبين # [المرسلات: 15]، وقوله عز وجل: { إذ الأغلال في أعناقهم ~~والسلاسل } أي متصلة بالأغلال بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوههم ~~تارة إلى الحميم، وتارة إلى الجحيم، ولهذا قال تعالى: { يسحبون * ~~في الحميم ثم في النار يسجرون } ، كما قال تبارك ~~وتعالى: # يطوفون بينها وبين حميم آن # [الرحمن: 44]، وقال تعالى: # ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون * لأكلون ~~من شجر من زقوم # [الواقعة: 51-52]، وقال عز وجل: # خذوه فاعتلوه إلى سوآء الجحيم * ثم صبوا ~~فوق رأسه من عذاب الحميم * ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم # [الدخان: 47-49] أي يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ، والتهكم ~~والاستهزاء بهم، وقوله تعالى: { ثم قيل لهم أين ما كنتم ~~تشركون * من دون الله }؟ أي قيل لهم: أين الأصنام التي كنتم ms2149 ~~تعبدونها من دون الله هل ينصرونكم اليوم؟ { قالوا ضلوا عنا } ~~أي ذهبوا فلم ينفعونا، { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا ~~} أي جحدوا عبادتهم، كقوله جلت عظمته: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]، ولهذا قال عز وجل: { كذلك يضل الله ~~الكافرين } ، وقوله: { ذلكم بما كنتم تفرحون في ~~الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون } أي تقول لهم ~~الملائكة: هذا الذي أنتم فيه جزاء على فرحكم في الدنيا بغير الحق، ومرحكم ~~وأشركم وبطركم، { ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فبئس مثوى المتكبرين } ، أي فبئس المنزل والمقيل الذي فيه ~~الهوان والعذاب الشديد، لمن استكبر عن آيات الله، واتباع دلائله وحججه، ~~والله أعلم. ### || [40.77-78] # يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على تكذيب من كذبه من ~~قومه: { فإما نرينك بعض الذي نعدهم } أي في الدنيا ~~وكذلك وقع، فإن الله تعالى أقر عينه يوم بدر ثم فتح الله عليه مكة وسائر ~~جزيرة العرب في حياته صلى الله عليه وسلم، وقوله عز وجل: { أو ~~نتوفينك فإلينا يرجعون } أي فنذيقهم العذاب الشديد في ~~الآخرة، ثم قال تعالى مسليا له: { ولقد أرسلنا رسلا من ~~قبلك منهم من قصصنا عليك } أي منهم من أوحينا إليك ~~خبرهم وقصصهم مع قومهم كيف كذبوهم، ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة، { ~~ومنهم من لم نقصص عليك } وهم أكثر ممن ذكر بأضعاف ~~أضعاف، كما تقدم التنبيه على ذلك في سورة النساء ولله الحمد والمنة، ~~وقوله تعالى: { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا ~~بإذن الله } أي ولم يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بخارق ~~للعادات إلا أن يأذن الله له في ذلك فيدل ذلك على صدقه فيما جاءهم به، { ~~فإذا جآء أمر الله } وهو عذابه ونكاله المحيط بالمكذبين، { ~~قضي بالحق } فينجي المؤمنين ويهلك الكافرين، ولهذا قال عز وجل: ~~{ وخسر هنالك المبطلون }. ### || [40.79-81] # يقول تعالى ممتنا على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي الإبل والبقر ~~والغنم، فمنها ركوبهم ومنها يأكلون، فالإبل تركب وتؤكل وتحلب، ويحمل ~~عليها ms2150 الأثقال في الأسفار والرحال، البلاد النائية والأقطار الشاسعة، ~~والبقر تؤكل ويشرب لبنها وتحرث عليها الأرض، والغنم تؤكل ويشرب لبنها، ~~والجميع تجز أصوافها وأشعارها وأوبارها فيتخذ منها الأثاث والثياب ~~والأمتعة ولذا قال عز وجل: { لتركبوا منها ومنها ~~تأكلون * ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها ~~حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون } ، ~~وقوله جل وعلا: { ويريكم آياته } أي حججه وبراهينه في الآفاق ~~وفي أنفسكم { فأي آيات الله تنكرون }؟ أي لا تقدرون على ~~إنكار شيء من آياته إلا أن تعاندوا وتكابروا. ### || [40.82-85] # يخبر تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر، وماذا حل بهم من ~~العذاب الشديد مع شدة قواهم، وما أثروه في الأرض وجمعوه من الأموال، فما ~~أغنى عنهم ذلك شيئا ولا رد عنهم ذرة من بأس الله، وذلك لأنهم لما جاءتهم ~~الرسل بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات، لم يلتفتوا إليهم ~~ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به ~~الرسل، قال مجاهد: قالوا: نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نعذب، وقال السدي: ~~فرحوا بما عندهم من العلم بحالتهم، فأتاهم من بأس الله تعالى ما لا قبل ~~لهم به، { وحاق بهم } أي أحاط بهم، { ما كانوا به ~~يستهزئون } أي يكذبون ويستبعدون وقوعه، { فلما رأوا ~~بأسنا } أي عاينوا وقوع العذاب بهم، { قالوا آمنا بالله ~~وحده وكفرنا بما كنا به مشركين } أي وحدوا الله ~~عز وجل وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تقال العثرات ولا تنفع المعذرة، ~~وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق # آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل وأنا من المسلمين # [يونس: 90] فلم يقبل الله منه لأنه قد استجاب لنبيه موسى عليه السلام، ~~وهكذا قال تعالى ههنا { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده } ~~أي هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه لا يقبل، ولهذا ~~جاء في الحديث: # " إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # ، ولهذا قال تعالى: { وخسر هنالك الكافرون }. ### | [41 - سورة ms2151 فصلت] ### || [41.1-5] # يقول تعالى: { حم * تنزيل من الرحمن الرحيم } يعني ~~القرآن منزل من الرحمن الرحيم، كقوله: # قل نزله روح القدس من ربك بالحق # [النحل: 102]، وقوله: { كتاب فصلت آياته } أي بينت معانيه ~~وأحكمت أحكامه، { قرآنا عربيا } أي في حال كونه قرآنا عربيا ~~بينا واضحا، فمعانيه مفصلة، وألفاظه واضحة، كقوله تعالى: # كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير # [هود: 1] أي هو معجز من حيث لفظه ومعناه، وقوله تعالى: { لقوم ~~يعلمون } أي إنما يعرف هذا العلماء الراسخون { بشيرا ونذيرا ~~} أي تارة يبشر المؤمنين، وتارة ينذر الكافرين، { فأعرض ~~أكثرهم فهم لا يسمعون } أي أكثر قريش فهم لا يفهمون منه ~~شيئا مع بيانه ووضوحه، { وقالوا قلوبنا في أكنة } أي في ~~غلف مغطاة، { مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } أي صمم ~~عما جئتنا به { ومن بيننا وبينك حجاب } فلا يصل إلينا شيء ~~مما تقول، { فاعمل إننا عاملون } أي اعمل أنت على طريقتك ~~ونحن على طريقتنا لا نتابعك، روى " البغوي في تفسيره " عن جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنه قال: # " اجتمعت قريش يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، ~~فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولننظر ~~ماذا يرد عليه، فقالوا: ما نعلم أحدا غير (عتبة بن ربيعة)، فقالوا: أنت ~~يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا ~~الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى يسمع قولك، إنا ~~والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا وشتت ~~أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ~~ساحرا، وأن في قريش كاهنا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم ~~بعضنا إلى بعض بالسيوف، حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة، ~~جمعنا ms2152 لك حتى تكون أغنى قريش رجلا واحدا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر ~~أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~فرغت "؟ قال: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { بسم الله ~~الرحمن الرحيم * حم * تنزيل من الرحمن ~~الرحيم } - حتى بلغ - { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم ~~صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } فأمسك عتبة على فيه، ~~وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم، فقال أبو ~~جهل: يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، ~~وما ذاك له إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فقال أبو جهل: يا ~~عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت بك حاجة ~~جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم أن لا يكلم ~~محمدا أبدا، وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا، ولكني ~~أتيته وقصصت عليه القصة، فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا ~~سحر، وقرأ السورة إلى قوله تعالى: { فإن أعرضوا فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } فأمسكت ~~بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، ~~فخشيت أن ينزل بكم العذاب ". # وروى محمد بن إسحاق في كتاب السيرة عن محمد بن كعب القرظي قال: # " حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيدا، قال يوما وهو جالس في نادي قريش ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا ~~أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا، لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها ~~شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه، ورأوا أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه ~~فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة والمكان في ms2153 النسب، ~~وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به ~~آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا ~~تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " قل يا أبا الوليد أسمع " ، قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما ~~جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، ~~وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت ~~تريد به ملكا ملكناك علينا، إن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا ~~تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، ~~فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له، حتى إذا ~~فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال: " أفرغت يا أبا ~~الوليد؟ " قال: نعم، قال: " فاستمع مني " ، قال: أفعل، قال: { بسم الله ~~الرحمن الرحيم * حم * تنزيل من الرحمن ~~الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون * بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا ~~يسمعون } ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وهو يقرؤها ~~عليه، فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع ~~منه، حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم ~~قال: " قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك " ، فقام عتبة إلى ~~أصحابه، فقال بعضهم لبعض، نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه ~~الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي ~~أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ~~ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، خلوا بين الرجل وبين ما ~~هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب، ~~فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم وكنتم ms2154 ~~أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي ~~فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. وهذا السياق أشبه من الذي قبله والله أعلم ". ### || [41.6-8] # يقول تعالى: { قل } يا محمد لهؤلاء المكذبين المشركين { إنمآ ~~أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إلهكم ~~إله واحد } لا ما تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب ~~المتفرقين، إنما الله إله واحد { فاستقيموا إليه } أي أخلصوا ~~له العبادة على منوال ما أمركم به على ألسنة الرسل، { واستغفروه } ~~أي لسالف الذنوب، { وويل للمشركين } أي دمار لهم وهلاك عليهم ~~{ الذين لا يؤتون الزكاة } قال ابن عباس: يعني الذين لا ~~يشهدون أن لا إله إلا الله، كقوله تبارك وتعالى: # فقل هل لك إلى أن تزكى # [النازعات: 18] والمراد بالزكاة هنا طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة، ~~ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك، وزكاة المال إنما سميت زكاة، لأنها ~~تطهره من الحرام، وتكون سببا لزيادته وبركته وكثرة نفعه، واستعماله في ~~الطاعات. وقال السدي: { وويل للمشركين * الذين لا ~~يؤتون الزكاة }: أي لا يؤدون الزكاة، وقال قتادة: يمنعون زكاة ~~أموالهم، وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير، ثم قال ~~جل جلاله بعد ذلك: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم أجر غير ممنون } قال مجاهد وغيره: غير ~~مقطوع ولا مجبوب، كقوله تعالى: # ماكثين فيه أبدا # [الكهف: 3]، وكقوله عز وجل: # عطآء غير مجذوذ # [هود: 108] وقال السدي: غير ممنون عليهم، وقد رد عليه بعض الأئمة، فإن ~~المنة لله تعالى على أهل الجنة، قال الله تعالى: # بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان # [الحجرات: 17]، وقال أهل الجنة: # فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم # [الطور: 27]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ". ### || [41.9-12] # هذا إنكار من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره، وهو الخالق ~~لكل شيء، المقتدر على كل شيء { قل أإنكم لتكفرون بالذي ~~خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا } أي نظراء ~~وأمثالا تعبدونها معه، { ذلك رب العالمين } أي الخالق ~~للأشياء هو رب العالمين ms2155 كلهم، وهذا المكان فيه تفصيل لقوله تعالى: # خلق السموت والأرض في ستة أيام # [الأعراف: 54] ففصل ههنا ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء، فذكر أنه ~~خلق الأرض أولا لأنها كالأساس، والأصل أن يبدأ بالأساس، ثم بعده بالسقف، ~~كما قال عز وجل: # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى ~~إلى السمآء فسواهن سبع سموت # [البقرة: 29] الآية، فأما قوله تعالى: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها # [النازعات: 27] إلى قوله: # والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها مآءها ~~ومرعاها # [النازعات: 30-31]، ففي هذه الآية أن دحو الأرض كان بعد خلق السماء، ~~فالدحو مفسر بقوله: # أخرج منها مآءها ومرعاها # [النازعات: 31] وكان هذا بعد خلق السماء، فأما خلق الأرض فقبل خلق ~~السماء بالنص، وبهذا أجاب ابن عباس فيما ذكره البخاري عن سعيد بن جبير ~~قال: قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: إني لأجد في القرآن أشياء تختلف ~~علي، قال: # فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101]، # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27، الطور: 25]، # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42]، # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فقد كتموا في هذه الآية، وقال تعالى: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها # [النازعات: 27] - إلى قوله - # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ثم قال: تعالى: { قل ~~أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } - ~~إلى قوله - { طآئعين } فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء، قال: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96]، # عزيزا حكيما # [النساء: 56]، # سميعا بصيرا # [النساء: 58] فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: # فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101] في النفخة الأولى، كما قال تعالى: # فصعق من في السموت ومن في الأرض إلا من شآء ~~الله # [الزمر: 68]، وفي النفخة الأخرى # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27، الطور: 25]. وأما قوله: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]، # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42]، فإن الله تعالى يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون: ~~تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فيختم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ms2156 ذلك ~~يعرف أن الله تعالى لا يكتم حديثا، وعنده # يود الذين كفروا # [النساء: 42، الحجر: 2] الآية، وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم ~~استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحى الأرض، ودحيها أن أخرج ~~منها الماء والمرعى وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما بينهما في ~~يومين آخرين، فذلك قوله تعالى: { دحاها } وقوله: { خلق الأرض ~~في يومين } فخلق الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلق ~~السماوات في يومين، # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96] سمى نفسه بذلك، وذلك قوله أي لم يزل كذلك، فإن الله تعالى ~~لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلفن عليك القرآن، فإن كلا من ~~عند الله عز وجل. # وقوله تعالى: { خلق الأرض في يومين } يعني يوم الأحد ويوم ~~الأثنين، { وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها } ~~أي جعلها مباركة قابلة للخير والبذر والغراس، وقدر فيها أقواتها، وهو ما ~~يحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس يعني يوم الثلاثاء ~~والأربعاء، فهما مع اليومين السابقين أربعة ولهذا قال: { في أربعة ~~أيام سوآء للسآئلين } أي لمن أراد السؤال، عن ذلك ليعلمه. ~~وقال عكرمة ومجاهد في قوله عز وجل { وقدر فيهآ أقواتها } ~~جعل في كل أرض ما لا يصلح في غيرها، ومنه العصب باليمن، والسابوري ~~بسابور، والطيالسة بالري. وقال ابن عباس وقتادة والسدي في قوله تعالى: { ~~سوآء للسآئلين } أي لمن أراد السؤال عن ذلك، وقال ابن زيد: { ~~وقدر فيهآ أقواتها } أي على وفق مراده، من له حاجة إلى رزق ~~أو حاجة، فإن الله تعالى قدر له ما هو محتاج إليه، وهذا القول يشبه قوله ~~تعالى: # وآتاكم من كل ما سألتموه # [إبراهيم: 34] والله أعلم. وقوله تبارك وتعالى: { ثم استوى إلى ~~السمآء وهي دخان } وهو بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت ~~الأرض، { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } أي ~~استجيبا لأمري طائعتين أو مكرهتين، قال ابن عباس في قوله تعالى: { ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } قال الله ~~تبارك وتعالى للسماوات أطلعي شمسي ms2157 وقمري ونجومي، وقال للأرض: شققي أنهارك ~~وأخرجي ثمارك، { قالتآ أتينا طآئعين } واختاره ابن جرير. ~~وقيل: تنزيلا لهن معاملة من يعقل بكلامهما، وقال الحسن البصري: لو أبيا ~~عليه أمره لعذبهما عذابا يجدان ألمه { فقضاهن سبع سموت ~~في يومين } أي ففرغ في تسويتهن سبع سماوات { في يومين } أي ~~آخرين وهما يوم الخميس ويوم الجمعة، { وأوحى في كل سمآء ~~أمرها } أي ورتب مقررا في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة وما ~~فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو، { وزينا السمآء ~~الدنيا بمصابيح } وهي الكواكب المنيرة المشرقة على أهل الأرض، { ~~وحفظا } أي حرسا من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى، { ذلك ~~تقدير العزيز العليم } أي العزيز الذي قد عز كل شيء فغلبه ~~وقهره، { العليم } بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم. روي # " أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فسألته عن خلق السماوات ~~والأرض، فقال صلى الله عليه وسلم: " خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ويوم ~~الاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع، وخلق يوم الأربعاء ~~الشجر والماء المدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة { قل أإنكم ~~لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون ~~له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي ~~من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في ~~أربعة أيام سوآء للسآئلين } لمن سأله، قال: وخلق يوم ~~الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ~~ساعات بقيت منه وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، ~~وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ~~ساعة " ، ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: " ثم استوى على العرش " ~~، قالوا قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح، فغضب النبي صلى الله عليه ~~وسلم غضبا شديدا " # فنزل: # ولقد خلقنا السموت والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب * فاصبر على ما ~~يقولون # [ق: 3839]. ### || [41.13-18] # يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق، ~~إن أعرضتم عما جئتكم به ms2158 من عند الله تعالى، فإني أنذركم حلول نقمة الله ~~بكم، كما حلت بالأمم الماضين من المكذبين بالمرسلين { صاعقة ~~مثل صاعقة عاد وثمود } أي ومن شاكلهما ممن فعل كفعلهما، { ~~إذ جآءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم } ~~، كقوله تعالى: # وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه # [الأحقاف: 21] أي ما أحل الله بأعدائه من النقم، وما ألبس أولياءه من ~~النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا بل كذبوا وجحدوا وقالوا: { لو شآء ~~ربنا لأنزل ملائكة } أي لو أرسل الله رسلا لكانوا ملائكة من ~~عنده { فإنا بمآ أرسلتم به } أي أيها البشر { كافرون } ~~أي لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا، قال الله تعالى: { فأما عاد ~~فاستكبروا في الأرض } أي بغوا وعتوا وعصوا { وقالوا من ~~أشد منا قوة }؟ أي منوا بشدة تركيبهم وقواهم واعتقدوا أنهم ~~يمتنعون بها من بأس الله، { أولم يروا أن الله الذي ~~خلقهم هو أشد منهم قوة } أي أفما يتفكرون فيمن ~~يبارزون بالعداوة، فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة ~~لها، وأن بطشه شديد فلهذا قال: { فأرسلنا عليهم ريحا ~~صرصرا } قال بعضهم: وهي شديدة الهبوب، وقيل: الباردة، وقيل: هي التي ~~لها صوت. والحق أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحا شديدة قوية، ~~وكانت باردة شديدة البرد جدا، وكانت ذات صوت مزعج. وقوله تعالى: { في ~~أيام نحسات } أي متتابعات كقوله: # في يوم نحس مستمر # [القمر: 19] أي ابتدئوا بهذا العذاب في يوم نحس عليهم واستمر بهم هذا ~~النحس # سبع ليال وثمانية أيام حسوما # [الحاقة: 7] حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة، ~~ولهذا قال: { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى } أشد خزيا لهم، { وهم ~~لا ينصرون } أي في الأخرى كما لم ينصروا في الدنيا، وقوله عز وجل: ~~{ وأما ثمود فهديناهم } قال ابن عباس: بينا لهم، وقال ~~الثوري: دعوناهم { فاستحبوا العمى على الهدى } أي ~~بصرناهم وبينا لهم ووضحنا لهم الحق على لسان نبيهم صالح عليه الصلاة ~~والسلام، فخالفوه وكذبوه وعقروا ناقة الله تعالى التي جعلها آية وعلامة ms2159 ~~على صدق نبيهم، { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } أي بعث ~~الله عليهم صيحة ورجفة، وذلا وهوانا، وعذابا ونكالا، { بما ~~كانوا يكسبون } أي من التكذيب والجحود، { ونجينا الذين ~~آمنوا } أي من بين أظهرهم لم يمسهم سوء، ولا نالهم من ذلك ضرر، بل ~~نجاهم الله تعالى مع نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام بإيمانهم وتقواهم ~~لله عز وجل. ### || [41.19-24] # يقول تعالى: { ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار ~~فهم يوزعون } أي اذكر لهؤلاء المشركين يوم يحشرون إلى النار { ~~يوزعون } أي تجمع الزبانية أولهم على آخرهم، كما قال تعالى: # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا # [مريم: 86] أي عطاشا، وقوله عز وجل: { حتى إذا ما جآءوها } ~~أي وقفوا عليها { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم ~~وجلودهم بما كانوا يعملون } أي بأعمالهم مما قدموه وأخروه ~~لا يكتم منه حرف، { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ~~} أي لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم فعند ذلك أجابتهم الأعضاء { ~~قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو ~~خلقكم أول مرة } أي فهو لا يخالف ولا يمانع وإليه ترجعون، ~~عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: # " " ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وتبسم، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت؟ " قالوا: يا رسول الله من أي شيء ~~ضحكت؟ قال صلى الله عليه وسلم: عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، ~~يقول: أي ربي أليس وعدتني أن لا تظلمني، قال: بلى، فيقول: فإنني لا أقبل ~~علي شاهدا إلا من نفسي، فيقول الله تبارك وتعالى: أو ليس كفى بي ~~شهيدا والملائكة الكرام الكاتبين - قال - فيردد هذا الكلام مرارا - قال ~~- فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بعدا لكن ~~وسحقا، عنكن كنت أجادل " # ، وقال أبو موسى: # " يدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه عز وجل عمله، فيجحد، ~~ويقول: أي رب وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له الملك: ~~أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك، أي رب ما عملته، ~~قال: ms2160 فإذا فعل ذلك ختم على فيه، قال الأشعري فإني لأحسب أول ما ينطق منه ~~فخذه اليمنى " # ، وروى الحافظ أبو يعلى، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقول: هؤلاء ~~جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا فيقول: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا، ~~فيقول: احلفوا، فيحلفون، ثم يصمتهم الله تعالى، وتشهد عليهم ألسنتهم ~~ويدخلهم النار ". # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين ~~لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون، حتى يؤذن لهم، فيختصمون، فيجحد ~~الجاحد بشركه بالله تعالى، فيحلفون له كما يحلفون لكم فيبعث الله تعالى ~~عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم، جلودهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم ~~ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه، فتخاصم الجوارح، فتقول: { ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم ~~أول مرة وإليه ترجعون } فتقر الألسنة بعد الجحود. # وقوله تعالى: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم ~~سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } أي تقول لهم الأعضاء ~~والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم: ما كنتم تكتمون منا الذي كنتم ~~تفعلونه، بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم ~~لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم، ولهذا قال تعالى: { ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما ~~تعملون * وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم } أي هذا الظن الفاسد وهو اعتقادكم أن الله تعالى لا يعلم ~~كثيرا مما تعملون، هو الذي أتلفكم وأرداكم عند ربكم { فأصبحتم ~~من الخاسرين } أي في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم. روى ~~الإمام أحمد، عن عبد الله رضي الله عنه قال: كنت مستترا بأستار الكعبة، ~~فجاء ثلاثة نفر قرشي وختناه ثقفيان - أو ثقفي وختناه قرشيان - كثير شحم ~~بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن ~~الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه وإذا لم ~~نرفعه لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله، قال: ms2161 فذكرت ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: { وما كنتم ~~تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ~~ولا جلودكم } إلى قوله { من الخاسرين }. وروى الإمام ~~أحمد، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن، فإن قوما قد أرادهم سوء ~~ظنهم بالله، فقال الله تعالى: { وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين } " # وقوله تعالى: { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن ~~يستعتبوا فما هم من المعتبين } أي سواء عليهم صبروا ~~أم لم يصبروا، هم في النار لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها، وإن ~~طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارا فما لهم أعذار، ولا تقال لهم عثرات، ~~قال ابن جرير: ومعنى قوله تعالى: { وإن يستعتبوا } أي يسألوا ~~الرجعة إلى الدنيا فلا جواب لهم، قال: وهذا كقوله تعالى إخبارا عنهم: # قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ~~ضآلين * ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ~~ظالمون * قال اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 106-108]. ### || [41.25-29] # يذكر تعالى أنه هو الذي أضل المشركين، وأن ذلك بمشيئته وكونه وقدرته، ~~وهو الحكيم في أفعاله بما قيض لهم من القرناء من شياطين الإنس والجن، { ~~فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم } أي حسنوا ~~لهم أعمالهم فلم يروا أنفسهم إلا محسنين، كما قال تعالى: # وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم ~~مهتدون # [الزخرف: 37]، وقوله: { وحق عليهم القول } أي كلمة العذاب ~~كما حق على أمم قد خلت من قبلهم، ممن فعل كفعلهم من الجن والإنس، { ~~إنهم كانوا خاسرين } أي استووا هم وإياهم في الخسار والدمار، ~~وقوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن } أي تواصوا فيما بينهم أن لا يطيعوا القرآن ولا ينقادوا ~~لأوامره، { والغوا فيه } أي إذا تلي لا تسمعوا له، كما قال مجاهد: ~~{ والغوا فيه } يعني بالمكاء والصفير والتخليط في المنطق على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن وكانت قريش تفعله، وقال الضحاك ~~عن ابن عباس: { والغوا ms2162 فيه } عيبوه، وقال قتادة: اجحدوا به ~~وأنكروه وعادوه، { لعلكم تغلبون } هذا حال هؤلاء الجهلة من ~~الكفار ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن، وقد أمر الله سبحانه وتعالى ~~عباده المؤمنين بخلاف ذلك، فقال تعالى: # وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~لعلكم ترحمون # [الأعراف: 204]، ثم قال عز وجل { فلنذيقن الذين كفروا ~~عذابا شديدا } أي في مقابلة ما اعتقدوه في القرآن وعند سماعه، { ~~ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } أي بشر ~~أعمالهم وسيء أفعالهم، { ذلك جزآء أعدآء الله النار ~~لهم فيها دار الخلد جزآء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون * وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين ~~أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ~~ليكونا من الأسفلين }. عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: { ~~الذين أضلانا } قال: إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه، فإبليس ~~الداعي إلى كل شر من شرك فما دونه، وابن آدم الأول كما ثبت في الحديث: # " ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من ~~سن القتل " # ، وقولهم: { نجعلهما تحت أقدامنا } أي أسفل منا في العذاب ~~ليكونا أشد عذابا منا، ولهذا قالوا { ليكونا من الأسفلين } ~~أي في الدرك الأسفل من النار، كما تقدم في الأعراف في سؤال الأتباع من ~~الله تعالى أن يعذب قادتهم أضعاف عذابهم، # قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون # [الأعراف: 38] أي أنه تعالى قد أعطى كلا منهم ما يستحقه من العذاب ~~والنكال بحسب عمله وإفساده، كما قال تعالى: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # [النحل: 88]. ### || [41.30-32] # يقول تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا } أي أخلصوا العمل لله، وعملوا بطاعة الله تعالى على ما ~~شرع الله لهم، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال: # " قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا } قد قالها ناس ثم كفر ~~أكثرهم، فمن قالها حتى يموت فقد استقام عليها " # وعن سعيد بن عمران قال: ms2163 # " قرأت عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه هذه الآية { إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا } قال: هم الذين لم ~~يشركوا بالله شيئا " # وقال عكرمة: سئل ابن عباس رضي الله عنهما: أي آية في كتاب الله تبارك ~~وتعالى أرخص؟ قال، قوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا } على شهادة أن لا إله إلا الله. وقال ~~الزهري: تلا عمر رضي الله عنه هذه الآية على المنبر، ثم قال: استقاموا ~~والله لله بطاعته ولم يروغوا روغان الثعالب. وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: { ثم استقاموا } على أداء فرائضه، وكان الحسن يقول: اللهم ~~أنت ربنا فارزقنا الاستقامة، وقال أبو العالية: { ثم استقاموا } ~~أخلصوا له الدين والعمل، وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال، # " قلت: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال صلى الله عليه وسلم: " قل ~~ربي الله ثم استقم " ، قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تخاف علي؟ فأخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بطرف لسان نفسه، ثم قال: " هذا " ، وفي رواية: ~~قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال ~~صلى الله عليه وسلم: " قل آمنت بالله ثم استقم " ". # وقوله تعالى: { تتنزل عليهم الملائكة } قال مجاهد ~~والسدي: يعني عند الموت قائلين: { ألا تخافوا } أي مما تقدمون ~~عليه من أمر الآخرة { ولا تحزنوا } على ما خلفتموه من أمر الدنيا ~~من ولد وأهل ومال أو دين، فإنا نخلفكم فيه، { وأبشروا بالجنة ~~التي كنتم توعدون } فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير، وهذا ~~كما جاء في حديث البراء رضي الله عنه قال: # " إن الملائكة تقول لروح المؤمن: اخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد ~~الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان " # ، وقيل: إن الملائكة تتنزل عليهم يوم خروجهم من قبورهم، وقال زيد بن ~~أسلم: يبشرونه عند موته وفي قبره وحين يبعث، وهذا القول يجمع الأقوال ~~كلها وهو حسن جدا، وقوله تبارك وتعالى: { نحن أوليآؤكم في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة } أي تقول الملائكة للمؤمنين ms2164 عند ~~الاحتضار: نحن كنا أولياءكم، أي قرناءكم في الحياة الدنيا، نسددكم ~~ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة ~~في القبور، وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، { ولكم ~~فيها ما تشتهي أنفسكم } أي في الجنة من جميع ما تختارون مما ~~تشتهيه النفوس وتقر به العيون { ولكم فيها ما تدعون } أي ~~مهما طلبتم وجدتم وحضر بين أيديكم كما اخترتم { نزلا من غفور ~~رحيم } أي ضيافة وعطاء { من غفور } لذنوبكم { رحيم } بكم ~~حيث غفر وستر، ورحم ولطف، وفي الحديث: # " " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ~~" ، قلنا: يا رسول الله: كلنا نكره الموت، قال صلى الله عليه سلم: " ليس ~~ذلك كراهية الموت ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من الله تعالى بما ~~هو صائر إليه، فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله تعالى، فأحب ~~الله لقاءه، قال: وإن الفاجر، أو الكافر، إذا حضر جاءه بما هو صائر إليه ~~من الشر أو ما يلقى من الشر، فكره لقاء الله فكره الله لقاءه " ". ### || [41.33-36] # يقول عز وجل: { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله ~~} أي دعا عباد الله إليه { وعمل صالحا وقال إنني من ~~المسلمين } أي وهو في نفسه مهتد فنفعه لنفسه ولغيره، وليس هو من ~~الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، بل يأتمر بالخير ويترك الشر، وهذه ~~عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد، وقيل: المراد بها المؤذنون ~~الصلحاء، كما ثبت في " صحيح مسلم ": # " " المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة " ، وقال عمر رضي الله ~~عنه: لو كنت مؤذنا لكمل أمري، وما باليت أن لا أنتصب لقيام الليل ولا ~~لصيام النهار، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم اغفر ~~للمؤذنين " ثلاثا، قال: فقلت: يا رسول الله تركتنا ونحن نجتلد على ~~الأذان بالسيوف، قال صلى الله عليه وسلم: " كلا يا عمر، إنه سيأتي على ~~الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم، وتلك لحوم حرمها الله ms2165 عز وجل ~~على النار لحوم المؤذنين ". # وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: { ومن أحسن قولا ~~ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من ~~المسلمين } قالت: فهو المؤذن إذا قال: حي على الصلاة فقد دعا إلى ~~الله، وهكذا قال ابن عمر رضي الله عنهما وعكرمة: إنها نزلت في المؤذنين، ~~والصحيح أن الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم، فأما حال نزول هذه الآية ~~فإنه لم يكن الأذان مشروعا بالكلية، لأنها مكية، والأذان إنما شرع ~~بالمدينة بعد الهجرة، وقوله تعالى: { ولا تستوي الحسنة ولا ~~السيئة } أي فرق عظيم بين هذه وهذه، { ادفع بالتي هي ~~أحسن } أي من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه، كما قال عمر رضي ~~الله عنه: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. # وقوله عز وجل: { فإذا الذي بينك وبينه عداوة ~~كأنه ولي حميم } وهو الصديق أي إذا أحسنت إلى من أساء إليك ~~قادته الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك والحنو عليك حتى يصير { كأنه ~~ولي حميم } أي قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك، ثم قال ~~عز جل: { وما يلقاها إلا الذين صبروا } أي وما ~~يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك، فإنه يشق على النفوس، { ~~وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم } أي ذو نصيب وافر من ~~السعادة في الدنيا والآخرة، قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله ~~المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا ~~فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم، وقوله ~~تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله } أي أن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان ~~الجن فإنه لا حلية فيه إذا وسوس، إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك، ~~فإذا استعذت بالله والتجأت إليه، كفه عنك، ورد كيده، وقد كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يقول: # " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ". ### || [41.37-39] # يقول ms2166 تعالى منبها خلقه على قدرته العظيمة، وأنه الذي لا نظير له وأنه ~~على ما يشاء قادر: { ومن آياته اليل والنهار والشمس ~~والقمر } أي أنه خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان ~~لا يفتران، والشمس ونورها وإشراقها والقمر وضياءه وتقدير منازله في فلكه، ~~واختلاف سيره في سمائه، ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل ~~والنهار، والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول أوقات العبادات والمعاملات، ~~ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي ~~والسفلي، نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره ~~فقال: { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا ~~لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون } أي ولا ~~تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك ~~به، ولهذا قال تعالى: { فإن استكبروا } أي عن إفراد العبادة له ~~وأبوا إلا أن يشركوا معه غيره، { فالذين عند ربك } يعني ~~الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار وهم لا ~~يسأمون } كقوله عز وجل: # فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين # [الأنعام: 89]. وروى الحافظ أبو يعلى، عن جابر رضي الله عنهما قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تسبوا الليل ولا النهار ولا الشمس ولا القمر ولا الرياح فإنها ترسل ~~رحمة لقوم وعذابا لقوم " # وقوله: { ومن آياته } أي على قدرته على إعادة الموتى { أنك ~~ترى الأرض خاشعة } أي هامدة لا نبات فيها بل هي ميتة، { فإذآ ~~أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت } أي أخرجت من جميع ~~ألوان الزروع والثمار، { إن الذي أحياها لمحى الموتى ~~إنه على كل شيء قدير }. ### || [41.40-43] # قوله تبارك وتعالى: { إن الذين يلحدون في آياتنا } قال ~~ابن عباس: الإلحاد وضع الكلام على غير مواضعه، وقال قتادة: هو الكفر ~~والعناد، وقوله عز وجل: { لا يخفون علينآ } فيه تهديد شديد ~~ووعيد أكيد أي أنه تعالى عالم بمن يلحد في آياته وأسمائه وصفاته، وسيجزيه ~~على ذلك بالعقوبة والنكال، ولهذا قال تعالى: { أفمن يلقى في ~~النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ms2167 }؟ أي ~~أيستوي هذا وهذا؟ لا يستويان، ثم قال عز وجل تهديدا للكفرة: { ~~اعملوا ما شئتم }. قال مجاهد { اعملوا ما شئتم } وعيد ~~أي من خير أو شر إنه عالم بكم وبصير بأعمالكم، ولهذا قال: { إنه ~~بما تعملون بصير } ثم قال جل جلاله: { إن الذين ~~كفروا بالذكر لما جآءهم } قال الضحاك هو القرآن، { ~~وإنه لكتاب عزيز } أي منيع الجناب لا يرام أن يأتي أحد ~~بمثله، { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه } أي ليس للبطلان إليه سبيل. لأنه منزل من رب العالمين، ولهذا ~~قال: { تنزيل من حكيم حميد } أي حكيم في أقواله وأفعاله، ~~حميد بمعنى محمود أي في جميع ما يأمر به وينهى عنه، ثم قال عز وجل: { ~~ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } ، ~~قال قتادة والسدي: ما يقال لك من التكذيب إلا كما قد قيل للرسل من قبلك ~~فكما كذبت كذبوا، وكما صبروا على أذى قومهم لهم فاصبر أنت على أذى قومك ~~لك، وهذا اختيار ابن جرير. وقوله تعالى: { إن ربك لذو ~~مغفرة } أي لمن تاب إليه، { وذو عقاب أليم } أي لمن استمر ~~على كفره وطغيانه، وعناده وشقاقه ومخالفته. قال سعيد بن المسيب: لما ~~نزلت هذه الآية: { إن ربك لذو مغفرة } قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل ~~كل أحد ". ### || [41.44-45] # لما ذكر تعالى القرآن وفصاحته وبلاغته ومع هذا لم يؤمن به المشركون، نبه ~~على أن كفرهم به كفر عناد وتعنت، كما قال عز وجل: # ولو نزلناه على بعض الأعجمين * فقرأه ~~عليهم ما كانوا به مؤمنين # [الشعراء: 198-199] الآيات، وكذلك لو أنزل القرآن كله بلغة العجم لقالوا ~~على وجه التعنت والعناد { لولا فصلت آياته ءاعجمي ~~وعربي } أي لقالوا هلا أنزل مفصلا بلغة العرب ولأنكروا ذلك، ~~فقالوا { ءاعجمي وعربي } أي كيف ينزل كلام أعجمي على مخاطب ~~عربي لا يفهمه؟ وقيل: المراد بقولهم { لولا فصلت آياته ~~ءاعجمي وعربي } أي هل أنزل بعضها بالأعجمي وبعضها بالعربي؟ ms2168 ~~هذا قول الحسن البصري وكان يقرؤها كذلك بلا استفهام في قوله أعجمي، وهو ~~في التعنت والعناد أبلغ، ثم قال عز وجل: { قل هو للذين ~~آمنوا هدى وشفآء } أي قل يا محمد: هذا القرآن لمن آمن به هدى ~~لقلبه، وشفاء، وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب، ثم قال تعالى: { ~~والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر } أي لا يفهمون ما ~~فيه، { وهو عليهم عمى } أي لا يهتدون إلى ما فيه من البيان كما ~~قال سبحانه وتعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء: 82]، { أولئك ينادون من مكان بعيد } قال ~~مجاهد: يعني بعيد من قلوبهم، قال ابن جرير: معناه كأن من يخاطبهم يناديهم ~~من مكان بعيد لا يفهمون ما يقول، قلت: وهذا كقوله تعالى: # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع إلا دعآء وندآء صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون # [البقرة: 171]، وقال الضحاك: ينادون يوم القيامة بأشنع أسمائهم، وقوله ~~تبارك وتعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ~~} أي كذب وأوذي، # ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى # [الشورى: 14] بتأخير الحساب إلى يوم المعاد { لقضي بينهم } أي ~~لعجل لهم العذاب، بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا، { وإنهم ~~لفي شك منه مريب } أي وما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم لما ~~قالوا، بل كانوا شاكين فيما قالوه غير محققيين لشيء كانوا فيه، هكذا وجهه ~~ابن جرير وهو محتمل والله أعلم. ### || [41.46-48] # يقول تعالى: { من عمل صالحا فلنفسه } أي إنما يعود نفع ~~ذلك على نفسه، { ومن أسآء فعليها } أي إنما يرجع وبال ذلك ~~عليه، { وما ربك بظلام للعبيد } أي لا يعاقب أحدا إلا ~~بذنبه، ولا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه، ثم ~~قال جل وعلا: { إليه يرد علم الساعة } أي لا يعلم ذلك ~~أحد سواه، كما قال سيد البشر لجبريل عليه السلام حين سأله عن الساعة، ~~فقال: # " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " # ، وكما قال عز وجل: # إلى ربك ms2169 منتهاهآ # [النازعات: 44]، وقال جل جلاله: # لا يجليها لوقتهآ إلا هو # [الأعراف: 187]، وقوله تبارك وتعالى: { وما تخرج من ثمرات ~~من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه } أي الجميع بعلمه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في ~~السماء، كقوله: # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها # [الأنعام: 59]، وقال تعالى: # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب إن ذلك على الله يسير # [فاطر: 11] وقوله جل وعلا: { ويوم يناديهم أين شركآئي } ~~أي يوم القيامة ينادي الله المشركين على رؤوس الخلائق، أين شركائي الذين ~~عبدتموهم معي؟ { قالوا آذناك } أي أعلمناك، { ما منا من ~~شهيد } أي ليس أحد منا يشهد اليوم أن معك شريكا، { وضل عنهم ~~ما كانوا يدعون من قبل } أي ذهبوا فلم ينفعوهم، { ~~وظنوا ما لهم من محيص } أي وأيقن المشركون يوم القيامة { ~~ما لهم من محيص } أي لا محيد لهم من عذاب الله، كقوله تعالى: # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ~~ولم يجدوا عنها مصرفا # [الكهف: 53]. ### || [41.49-51] # يقول تعالى: لا يمل الإنسان من دعاء ربه بالخير وهو المال وصحة الجسم ~~وغير ذلك، { وإن مسه الشر } وهو البلاء أو الفقر { فيئوس ~~قنوط } أي يقع في ذهنه أنه لا يتهيأ له بعد هذا خير، { ولئن ~~أذقناه رحمة منا من بعد ضرآء مسته ~~ليقولن هذا لي } أي إذا أصابه خير ورزق بعدما كان في شدة ~~ليقولن هذا لي إني كنت أستحقه عند ربي { ومآ أظن الساعة ~~قآئمة } أي يكفر بقيام الساعة، أي لأجل أنه خول نعمة يبطر ويفخر ~~ويكفر، كما قال تعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]، { ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده ~~للحسنى } أي ولئن كان ثم معاد فليحسنن إلي ربي كما أحسن إلي في ~~هذه الدار، يتمنى على الله عز وجل مع إساءته العمل وعدم اليقين، قال ~~الله تبارك وتعالى: { فلننبئن الذين كفروا بما ~~عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ } يتهدد تعالى من ~~كان هذا عمله واعتقاده بالعقاب والنكال، ثم قال ms2170 تعالى: { وإذآ ~~أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه } أي أعرض عن ~~الطاعة واستكبر عن الانقياد لأوامر الله عز وجل، كقوله جل جلاله: # فتولى بركنه # [الذاريات: 39]، { وإذا مسه الشر } أي الشدة { فذو دعآء ~~عريض } أي يطيل المسألة في الشيء الواحد، فالكلام العريض ما طال لفظه ~~وقل معناه، والوجيز عكسه وهو ما قل ودل، وقد قال تعالى: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه # [يونس: 12] الآية. ### || [41.52-54] # يقول تعالى: { قل } يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن { ~~أرأيتم إن كان } هذا القرآن { من عند الله ثم ~~كفرتم به } أي كيف ترون حالكم عند الذي أنزله على رسوله؟ ولهذا ~~قال عز وجل: { من أضل ممن هو في شقاق بعيد }؟ أي في ~~كفر وعناد ومشاقة للحق ومسلك بعيد من الهدى، ثم قال جل جلاله: { ~~سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } أي سنظهر لهم ~~دلالالتنا وحججنا على كون القرآن حقا منزلا من عند الله، على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بدلائل خارجية { في الآفاق } من الفتوحات وظهور ~~الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان. قال مجاهد والحسن والسدي: { وفي ~~أنفسهم } قالوا: وقعة بدر وفتح مكة ونحو ذلك، من الوقائع التي نصر ~~الله فيها محمدا صلى الله عليه وسلم وصحبه، وخذل فيها الباطل وحزبه، ~~ويحتمل أن يكون المراد ما الإنسان مركب منه، من المواد والأخلاط والهيئات ~~العجيبة، كما هو مبسوط في علم التشريح، الدال على حكمة الصانع تبارك ~~وتعالى. # وقوله تعالى: { حتى يتبين لهم أنه الحق أولم ~~يكف بربك أنه على كل شيء شهيد }؟ أي كفى بالله ~~شهيدا على أفعال عباده وأقوالهم، وهو يشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~صادق فيما أخبر به عنه، كما قال: # لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك أنزله ~~بعلمه # [النساء: 166] الآية. وقوله تعالى: { ألا إنهم في مرية من ~~لقآء ربهم } أي في شك من قيام الساعة، ولهذا لا يتفكرون فيه ولا ~~يعملون له وهو كائن لا محالة وواقع ms2171 لا ريب فيه، ثم قال تعالى مقررا أنه ~~على كل شيء قدير { ألا إنه بكل شيء محيط } أي المخلوقات ~~كلها تحت قهره وفي قبضته، وهو المتصرف فيها كلها بحكمه فما شاء كان وما ~~لم يشأ لم يكن. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-6] # قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة، وقوله عز وجل: { كذلك يوحي ~~إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ~~} أي كما أنزل إليك هذا القرآن كذلك أنزل على الأنبياء قبلك، وقوله ~~تعالى: { الله العزيز } أي في انتقامه، { الحكيم } في أقواله ~~وأفعاله، عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " إن (الحارث بن هشام) سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحيانا ~~يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، ~~وأحيانا يأتيني الملك رجلا، فيكلمني فأعي ما يقول ". قالت عائشة رضي ~~الله عنها: فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، ~~وإن جبينه صلى الله عليه وسلم ليتفصد عرقا " # وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله هل تحس ~~بالوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ~~ذلك، فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض " " # وقوله تبارك وتعالى: { له ما في السموت وما في الأرض } ~~أي الجميع عبيد له وملك له تحت قهره وتصريفه { وهو العلي ~~العظيم } كقوله تعالى: # الكبير المتعال # [الرعد: 9]، # وهو العلي الكبير # [سبأ: 23]، والآيات في هذا كثيرة. وقوله عز وجل: { تكاد ~~السموت يتفطرن من فوقهن } قال ابن عباس والسدي: أي ~~فرقا من العظمة، { والملائكة يسبحون بحمد ربهم ~~ويستغفرون لمن في الأرض } كقوله عز وجل: # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ~~ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما # [غافر: 7]، وقوله جل جلاله: { ألا إن الله هو الغفور ~~الرحيم } إعلام بذلك وتنويه به، ms2172 وقوله سبحانه وتعالى: { والذين ~~اتخذوا من دونه أوليآء } يعني المشركين { الله حفيظ ~~عليهم } أي شهيد على أعمالهم يحصيها ويعدها عدا، وسيجزيهم بها أوفر ~~الجزاء، { ومآ أنت عليهم بوكيل } أي إنما أنت نذير والله على ~~كل شيء وكيل. ### || [42.7-8] # يقول تعالى: وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك { أوحينآ إليك ~~قرآنا عربيا } أي واضحا جليا بينا { لتنذر أم ~~القرى } وهي مكة، { ومن حولها } أي من سائر البلاد شرقا ~~وغربا، وسميت مكة (أم القرى) لأنها أشرف من سائر البلاد لأدلة كثيرة ~~منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت ~~منك ما خرجت " # وقوله عز وجل: { وتنذر يوم الجمع } وهو يوم القيامة يجمع ~~الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، وقوله تعالى: { لا ريب فيه } ~~أي لا شك في وقوعه وأنه كائن لا محالة، { فريق في الجنة ~~وفريق في السعير } ، كقوله تعالى: # يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن # [التغابن: 9] أي يغبن أهل الجنة أهل النار، وكقوله عز وجل: # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم ~~شقي وسعيد # [هود: 105]. روى الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: # " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: " ~~أتدرون ما هذان الكتابان "؟ قلنا: لا، إلا أن تخبرنا يا رسول الله، قال ~~صلى الله عليه وسلم للذي في يمينه: هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل ~~الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص ~~منهم أبدا، ثم قال صلى الله عليه وسلم للذي في يساره: " هذا كتاب أهل ~~النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم " ، ثم أجمل على آخرهم لا يزاد ~~فيهم ولا ينقص منهم أبدا، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~فلأي شيء نعمل إن كان هذا أمر قد فرغ منه؟ قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل ~~أي عمل، ms2173 وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل " ، ثم ~~قال صلى الله عليه وسلم بيده فقبضها، ثم قال: " فرغ ربكم عز وجل من ~~العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى ~~وقال: فريق في السعير " ". # وقوله تبارك وتعالى: { ولو شآء الله لجعلهم أمة ~~واحدة } أي إما على الهداية أو على الضلالة، ولكنه تعالى فاوت بينهم، ~~فهدى من يشاء إلى الحق، وأضل من يشاء عنه، وله الحكمة والحجة البالغة، ~~ولهذا قال عز وجل: { ولكن يدخل من يشآء في رحمته ~~والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير } وقال ابن جرير: ~~إن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب خلقك الذين خلقتهم، جعلت منهم ~~فريقا في الجنة وفريقا في النار، لو ما أدخلتهم كلهم الجنة؟ فقال: يا ~~موسى ارفع درعك، فرفع، قال: قد رفعت، قال: ارفع، فرفع، فلم يترك شيئا، ~~قال: يا رب قد رفعت، قال: ارفع، قال: قد رفعت، إلا ما لا خير فيه، قال: ~~كذلك أدخل خلقي كلهم الجنة إلا ما لا خير فيه. ### || [42.9-12] # يقول تعالى منكرا على المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، ومخبرا ~~أنه الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، فإنه هو القادر على ~~إحياء الموتى، وهو على كل شيء قدير، ثم قال عز وجل: { وما ~~اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } أي مهما ~~اختلفتم فيه من الأمور، وهذا عام في جميع الأشياء { فحكمه إلى ~~الله } أي هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، كقوله ~~جل وعلا: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول # [النساء: 59]، { ذلكم الله ربي } أي الحاكم في كل شيء، { ~~عليه توكلت وإليه أنيب } أي أرجع في جميع الأمور. ~~وقوله جل جلاله: { فاطر السموت والأرض } أي خالقهما وما ~~بينهما { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } أي من جنسكم ~~وشكلكم، منة عليكم وتفضلا، جعل من جنسكم ذكرا وأنثى، { ومن ~~الأنعام أزواجا } أي وخلق لكم من الأنعام ثمانية أزواج، وقوله ~~تبارك ms2174 وتعالى: { يذرؤكم فيه } أي يخلقكم فيه على هذه الصفة، لا ~~يزال يذرؤكم فيه ذكورا وإناثا خلقا من بعد خلق، وجيلا بعد جيل، وقال ~~البغوي { يذرؤكم } أي في الرحم، وقيل: في هذا الوجه من الخلقة، قال ~~مجاهد: نسلا بعد نسل من الناس والأنعام. وقيل: " في " بمعنى الباء. أي ~~يذرؤكم به. { ليس كمثله شيء } أي ليس كخالق الأزواج كلها شيء، ~~لأنه الفرد الصمد الذي لا نظير له { وهو السميع البصير } ، ~~وقوله تعالى: { له مقاليد السموت والأرض } تقدم تفسيره ~~في سورة الزمر، وحاصل ذلك أنه المتصرف الحاكم فيهما، { يبسط ~~الرزق لمن يشآء ويقدر } أي يوسع على من يشاء ويضيق على من ~~يشاء، وله الحكمة والعدل التام. { إنه بكل شيء عليم }. ### || [42.13-14] # يقول تعالى لهذه الأمة: { شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا والذي أوحينآ إليك } ، فذكر أول الرسل بعد آدم وهو ~~(نوح) عليه السلام، وآخرهم وهو (محمد) صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر من بين ~~ذلك من أولي العزم، وهو: إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وهذه الآية ~~انتظمت ذكر الخمسة، كما اشتملت آية الأحزاب عليهم في قوله تبارك وتعالى: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم # [الأحزاب: 7] الآية، والدين الذي جاءت به الرسل كلهم، هو عبادة الله ~~وحده لا شريك له، كما قال عز وجل: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25]، وفي الحديث: # " نحن معشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد " # أي القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت ~~شرائعهم ومناهجهم، كقوله جل جلاله: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48]، ولهذا قال تعالى ههنا: { أن أقيموا الدين ~~ولا تتفرقوا فيه } أي أوصى الله تعالى جميع الأنبياء عليهم ~~السلام بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف. وقوله عز ~~وجل: { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } أي شق ~~عليهم، وأنكروا ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد، ثم قال جل جلاله: { ~~الله يجتبي إليه من ms2175 يشآء ويهدي إليه من ~~ينيب } أي هو الذي يقدر الهداية لمن يستحقها، ويكتب الضلالة على من ~~آثرها على طريق الرشد، ولهذا قال تعالى: { وما تفرقوا إلا ~~من بعد ما جآءهم العلم } أي إنما كان مخالفتهم للحق بعد ~~بلوغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد، ~~ثم قال عز وجل: { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى ~~أجل مسمى } أي لولا الكلمة السالفة من الله تعالى بإنظار العباد ~~إلى يوم المعاد، لعجل عليهم العقوبة في الدنيا سريعا، وقوله جلت عظمته: ~~{ وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } يعني الجيل ~~المتأخر بعد القرن الأول المكذب للحق { لفي شك منه مريب } أي ~~ليسوا على يقين من أمرهم وإيمانهم، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم، ~~بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم، وشك مريب وشقاق بعيد. ### || [42.15] # اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات، كل منها منفصلة عن ~~التي قبلها، حكم برأسها، قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنها ~~أيضا عشرة فصول كهذه، وقوله: { فلذلك فادع } أي فللذي أوحينا ~~إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك، أصحاب الشرائع المتبعة، ~~فادع الناس إليه، وقوله عز وجل: { واستقم كمآ أمرت } أي ~~واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله تعالى، كما أمركم الله عز وجل. ~~وقوله تعالى: { ولا تتبع أهوآءهم } يعني المشركين فيما ~~اختلقوه فيه وكذبوه وافتروا من عبادة الأوثان. وقوله جل وعلا: { وقل ~~آمنت بمآ أنزل الله من كتاب } أي صدقت بجميع الكتب المنزلة ~~من السماء على الأنبياء لا نفرق بين أحد منهم. وقوله: { وأمرت ~~لأعدل بينكم } أي في الحكم كما أمرني الله. وقوله جلت عظمته { ~~الله ربنا وربكم } أي هو المعبود لا إله غيره فنحن نقر ~~بذلك اختيارا، وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارا فله يسجد من في العالمين ~~طوعا وإجبارا. وقوله تبارك وتعالى: { لنآ أعمالنا ولكم ~~أعمالكم } أي نحن برآء منكم. قال سبحانه وتعالى: # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم ~~بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما ms2176 تعملون # [يونس: 41]، وقوله تعالى: { لا حجة بيننا وبينكم } قال ~~مجاهد: أي لا خصومة. قال السدي: وذلك قبل نزول آية السيف، وهذا متجه، لأن ~~هذه الآية مكية وآية السيف بعد الهجرة، وقوله عز وجل: { الله ~~يجمع بيننا } أي يوم القيامة كقوله: # قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق ~~وهو الفتاح العليم # [سبأ: 26]. وقوله جل وعلا: { وإليه المصير } أي المرجع والمآب ~~يوم الحساب. ### || [42.16-18] # يقول تعالى متوعدا الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به { والذين ~~يحآجون في الله من بعد ما استجيب له } أي يجادلون ~~المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى { ~~حجتهم داحضة عند ربهم } أي باطله عند الله { ~~وعليهم غضب } أي منه { ولهم عذاب شديد } أي يوم ~~القيامة، قال ابن عباس ومجاهد: جادلوا المؤمنين بعد ما استجابوا لله ~~ولرسوله، ليصدوهم عن الهدى، وطمعوا أن تعود الجاهلية، وقال قتادة: هم ~~اليهود والنصارى قالوا لهم: ديننا خير من دينكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن ~~خير منكم وأولى بالله منكم، وقد كذبوا في ذلك. ثم قال تعالى: { الله ~~الذي أنزل الكتاب بالحق } يعني الكتب المنزلة من عنده ~~على أنبيائه { والميزان } وهو العدل والإنصاف، وهذه كقوله تعالى: # وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط # [الحديد: 25]، وقوله: # ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن ~~بالقسط ولا تخسروا الميزان # [الرحمن: 8-9]. وقوله تعالى: { وما يدريك لعل الساعة ~~قريب } فيه ترهيب منها، وتزهيد في الدنيا، وقوله عز وجل: { ~~يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } أي يقولون: متى ~~هذا الوعد؟ وإنما يقولون ذلك تكذيبا واستبعادا وكفرا وعنادا، { ~~والذين آمنوا مشفقون منها } أي خائفون وجلون من وقوعها { ~~ويعلمون أنها الحق } أي كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها ~~عاملون من أجلها، وقد روي # " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري، وهو في بعض ~~أسفاره، فناداه، فقال: يا محمد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~نحوا من صوته: " هاؤم " ، فقال له: متى الساعة؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " ويحك إنها ms2177 كائنة فما أعددت لها "؟ فقال: حب الله ورسوله، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " أنت مع من أحببت " " # ، فقوله في الحديث: # " المرء مع من أحب " # ، هذا متواتر، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة بل أمره بالاستعداد ~~لها، وقوله تعالى: { ألا إن الذين يمارون في الساعة } ~~أي يجادلون في وجودها، ويدفعون وقوعها { لفي ضلال بعيد } أي في ~~جهل بين، لأن الذي خلق السماوات والأرض، قادر على إحياء الموتى بطريق ~~الأولى والأحرى، كما قال تعالى: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]. ### || [42.19-22] # يقول تعالى مخبرا عن لطفه بخلقه في رزقه إياهم سواء منهم البر والفاجر، ~~كقوله عز وجل: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6] الآية، وقوله جلا وعلا: { يرزق من يشآء } أي يوسع على ~~من يشاء { وهو القوي العزيز } أي لا يعجزه شيء، ثم قال ~~تعالى: { من كان يريد حرث الآخرة } أي عمل الآخرة { نزد ~~له في حرثه } أي نقويه ونعينه على ما هو بصدده، ونجزيه بالحسنة ~~عشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما يشاء الله، { ومن كان يريد ~~حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من ~~نصيب } أي ومن كان سعيه ليحصل له شيء من الدنيا، وليس له إلى الآخرة ~~هم بالكلية، حرمه الله الآخرة وفاز بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، ~~كقوله تبارك وتعالى: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا # [الإسراء: 18]، وفي الحديث: # " بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل ~~منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب " # وقوله جل وعلا: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله } أي هم لا يتبعون ما شرع الله ~~لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس، من ~~تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل ~~الميتة والدم والقمار، إلى نحو ذلك من الضلالات ms2178 والجهالات الباطلة، وقد ~~ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال؛ # " رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار " # ، لأنه أول من سيب السوائب، وكان هذا الرجل أحد ملوك خزاعة، وهو أول من ~~فعل هذه الأشياء، وهو الذي حمل قريشا على عبادة الأصنام لعنه الله ~~وقبحه، ولهذا قال تعالى: { ولولا كلمة الفصل لقضي ~~بينهم } أي لعوجلوا بالعقوبة لولا ما تقدم من الإنظار إلى يوم ~~المعاد، { وإن الظالمين لهم عذاب أليم } أي شديد موجع ~~في جهنم وبئس المصير، ثم قال تعالى: { ترى الظالمين مشفقين ~~مما كسبوا } أي في عرصات القيامة { وهو واقع بهم } أي ~~الذي يخافون منه واقع بهم لا محالة، هذا حالهم يوم معادهم { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ~~ما يشآءون عند ربهم } فأين هذا من هذا؟ أين من هو في الذل ~~والهوان، ممن هو في روضات الجنان، فيما يشاء من مآكل ومشارب وملاذ، مما ~~لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟ ولهذا قال تعالى: { ~~ذلك هو الفضل الكبير } أي الفوز العظيم والنعمة التامة، ~~الشاملة العامة. ### || [42.23-24] # يقول تعالى لما ذكر روضات الجنات، لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات { ~~ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } أي هذا حاصل لهم كائن لا محالة، ببشارة الله ~~تعالى لهم به، وقوله عز وجل: { قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من ~~كفار قريش، لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح مالا، وإنما أطلب أن تذروني ~~أبلغ رسالات ربي، فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة، روى البخاري، ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله تعالى: { إلا ~~المودة في القربى } فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد، فقال ~~ابن عباس: # " عجلت إن النبي صلى الله عليه وسلم: لم يكن بطن من قريش إلا كان له ~~فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة " # وروى الحافظ الطبراني، عن ابن عباس ms2179 قال: قال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم، وتحفظوا ~~القرابة بيني وبينكم " # وروى الإمام أحمد، عن مجاهد، عن ابن عباس: # " لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرا إلا أن توادوا الله ~~تعالى، وأن تقربوا إليه بطاعته " # ، وهذا كأنه تفسير بقول ثان، كأنه يقول: إلا المودة في القربى، أي إلا ~~أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى، وقول ثالث وهو ما حكاه ~~البخاري عن سعيد بن جبير أنه قال: معنى ذلك أن تودوني في قرابتي، أي ~~تحسنوا إليهم وتبروهم، قال السدي: لما جيء بعلي بن الحسين رضي الله عنه ~~أسيرا، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي ~~قتلكم، واستأصلكم، وقطع قرن الفتنة، فقال له علي بن الحسين رضي الله عنه: ~~أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: أقرأت آل حم؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل ~~حم، قال: ما قرأت: { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى }؟ قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم. والحق ~~تفسير هذه الآية بما فسرها به حبر الأمة وترجمان القرآن، عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما، كما رواه عنه البخاري، ولا ننكر الوصية بأهل البيت، ~~والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، من ~~أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرا وحسبا ونسبا. # وقد ثبت في الصحيح # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته بغدير خم: " إني تارك ~~فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض " # ، وفي الصحيح أن الصديق رضي الله عنه قال لعلي رضي الله عنه: والله ~~لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي، وقال ~~عمر بن الخطاب للعباس رضي الله عنهما: والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب ~~إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من إسلام الخطاب. # وروى ms2180 الإمام أحمد، عن يزيد بن حيان قال: # " انطلقت أنا والحصين بن ميسرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم رضي الله ~~عنه، فلما جلسنا إليه قال حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا: رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت معه. لقد رأيت يا ~~زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا ابن أخي لقد كبر سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من ~~رسول الله صلى الله عليه سلم، فما حدثتكم فاقبلوه، وما لا فلا تكلفونيه، ~~ثم قال رضي الله عنه: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطيبا ~~فينا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ~~وذكر ووعظ، ثم قال صلى الله عليه وسلم: " أما بعد أيها الناس إنما أنا ~~بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين، أولهما كتاب ~~الله تعالى فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث على ~~كتاب الله ورغب فيه. وقال صلى الله عليه وسلم: " وأهل بيتي أذكركم الله ~~في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي " ، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا ~~زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه لسن من أهل بيته، ولكن أهل ~~بيته من حرم عليه الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، ~~وآل جعفر، وآل العباس رضي الله عنهم، قال: كل هؤلاء حرم الله عليه ~~الصدقة؟ قال: نعم " # وروى الترمذي، عن زيد بن أبي أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: ~~كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والآخر عترتي أهل بيتي ولن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما " # وروى الترمذي أيضا، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: # " رأيت رسول الله ms2181 صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته ~~القصواء يخطب فسمعته يقول: " يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به ~~لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي " ". # وقوله عز وجل: { ومن يقترف حسنة نزد له فيها ~~حسنا } أي ومن يعمل حسنة { نزد له فيها حسنا } أي أجرا ~~وثوابا، كقوله تعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40]، وقوله تعالى: { إن الله غفور شكور } أي يغفر ~~الكثير من السيئات، ويكثر القليل من الحسنات، فيستر ويغفر ويضاعف فيشكر، ~~وقوله جل وعلا: { أم يقولون افترى على الله كذبا ~~فإن يشإ الله يختم على قلبك } أي لو افتريت عليه ~~كذبا كما يزعم هؤلاء الجاهلون { يختم على قلبك } ويسلبك ما ~~كان آتاك من القرآن، كقوله جل جلاله: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم ~~من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 44-47]، أي لانتقمنا منه أشد الانتقام، وما قدر أحد من الناس ~~أن يحجز عنه. وقوله جلت عظمته: { ويمح الله الباطل } مرفوع ~~على الابتداء وحذفت من كتابته الواو في رسم مصحف الإمام كما حذفت في ~~قوله: # سندع الزبانية # [العلق: 18]، وقوله عز وجل { ويحق الحق بكلماته } أي ~~يحققه ويثبته ويبينه ويوضحه { بكلماته } أي بحججه وبراهينه، { ~~إنه عليم بذات الصدور } أي بما تكنه الضمائر، وتنطوي عليه ~~السرائر. ### || [42.25-28] # يقول تعالى ممتنا على عباده بقبول توبتهم إذا تابوا ورجعوا إليه، أنه ~~من كرمه وحلمه يعفو ويصفح، ويستر ويغفر، كقوله عز وجل: # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما # [النساء: 110]، وقد ثبت في " صحيح مسلم " ، عن أنس بن مالك قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لله تعالى أشد فرحا بتوبة ~~عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها ~~طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، ~~فبينما هو كذلك إذ هو بها ms2182 قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة ~~الفرح: اللهم أنت عبدي وأبا ربك، أخطأ من شدة الفرح " " # ، وقوله عز وجل: { ويعفوا عن السيئات } أي يقبل التوبة ~~في المستقبل ويعفو عن السيئات في الماضي، { ويعلم ما تفعلون } ~~أي هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم، ومع هذا يتوب على من تاب إليه، ~~وقوله تعالى: { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } قال السدي: يعني يستجيب لهم، أي الدعاء لأنفسهم ~~ولأصحابهم وإخوانهم، { ويزيدهم من فضله } أي يستجيب دعاءهم ~~ويزيدهم فوق ذلك، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا بقية، حدثنا إسماعيل بن ~~عبد الله الكندي، حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في قوله تعالى: { ويزيدهم ~~من فضله } قيل: الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم معروفا ~~في الدنيا " " # وقال إبراهيم النخعي في قوله عز وجل: { ويستجيب الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } قال: يشفعون في إخوانهم، { ~~ويزيدهم من فضله } ، قال: يشفعون في إخوان إخوانهم، وقوله عز ~~وجل: { والكافرون لهم عذاب شديد } لما ذكر المؤمنين وما ~~لهم من الثواب الجزيل ذكر الكافرين وما لهم عنده يوم القيامة من العذاب ~~الشديد الموجع المؤلم يوم معادهم وحسابهم. # وقوله تعالى: { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ~~في الأرض } أي لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي ~~والطغيان، من بعضهم على بعض أشرا وبطرا، وقال قتادة: وكان يقال خير ~~العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك، وذكر قتادة حديث: " إنما أخاف عليكم ما ~~يخرج الله تعالى من زهرة الحياة الدنيا " ، وقوله عز وجل: { ولكن ~~ينزل بقدر ما يشآء إنه بعباده خبير بصير } ~~أي ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم وهو أعلم بذلك، فيغني ~~من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر، كما جاء في الحديث المروي: # " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن ~~من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه " # وقوله تعالى: { وهو ms2183 الذي ينزل الغيث من بعد ما ~~قنطوا } ، أي من بعد يأس الناس من نزول المطر، ينزله عليهم في وقت ~~حاجتهم وفقرهم إليه، كقوله عز وجل: # وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله ~~لمبلسين # [الروم: 49] وقوله جل جلاله: { وينشر رحمته } أي يعم بها ~~الوجود على أهل ذلك القطر وتلك الناحية، قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا قال ~~لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين قحط المطر، وقنط الناس، ~~فقال عمر رضي الله عنه: مطرتم، ثم قرأ: { وهو الذي ينزل ~~الغيث من بعد ما قنطوا وهو الولي الحميد } أي ~~هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في ~~جميع ما يقدره ويفعله. ### || [42.29-31] # يقول تعالى: { ومن آياته } الدالة على عظمته وقدرته العظيمة ~~وسلطانه القاهر { خلق السموت والأرض وما بث فيهما ~~} ، أي ذرأ فيهما، أي في السماوات والأرض { من دآبة } ، وهذا يشمل ~~الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات، على اختلاف أشكالهم وألوانهم ~~ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم، وقد فرقهم في أرجاء أقطار السماوات ~~والأرض، { وهو } مع هذا كله { على جمعهم إذا يشآء ~~قدير } أي يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين وسائر الخلائق في صعيد ~~واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق، وقوله ~~عز وجل: { ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم } أي مهما أصابكم أيها الناس من المصائب، فإنما هي عن سيئات ~~تقدمت لكم { ويعفوا عن كثير } أي من السيئات فلا يجازيكم عليها ~~بل يعفو عنها، # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة # [فاطر: 45]. وفي الحديث الصحيح: # " والذي نفسي بيده ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن إلا ~~كفر الله عنه بها من خطاياه حتى الشوكة يشاكها " # وعن أبي جحيفة قال: دخلت على (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه فقال: ألا ~~أحدثكم بحديث ينبغي لكل مؤمن أن يعيه؟ قال: فسألناه، فتلا هذه الآية: { ~~ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير } قال: ما عاقب ms2184 الله تعالى به في الدنيا، فالله ~~أحلم من أن يثني عليه العقوبة يوم القيامة، وما عفا الله عنه في الدنيا، ~~فالله أكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة. وروى الإمام أحمد، عن عائشة ~~رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله تعالى بالحزن ~~ليكفرها " # وقال الحسن البصري في قوله تعالى: { ومآ أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير } قال: لما نزلت ~~قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود، ولا اختلاج عرق، ولا عثرة قدم، ~~إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر " # وعن الضحاك قال: ما نعلم أحدا حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب، ثم قرأ: { ~~ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير } ، ثم قال الضحاك: وأي مصيبة أعظم من نسيان ~~القرآن؟ ### || [42.32-35] # يقول تعالى: ومن آياته الدالة على قدرته الباهرة وسلطانه، تسخيره البحر ~~لتجري فيه الفلك بأمره { كالأعلام } أي كالجبال، أي هذه في البحر ~~كالجبال في البر، { إن يشأ يسكن الريح } أي التي تسير في ~~البحر بالسفن، لو شاء لسكنها حتى لا تتحرك السفن بل تبقى راكدة لا تجيء ~~ولا تذهب، بل واقفة { على ظهره } أي على وجه الماء، { إن في ~~ذلك لآيات لكل صبار } أي في الشدائد { شكور } أي في ~~الرخاء. وقوله عز وجل { أو يوبقهن بما كسبوا } أي ولو شاء ~~لأهلك السفن وغرقها، بذنوب أهلها الذين هم راكبون فيها، { ويعف عن ~~كثير } أي من ذنوبهم، ولو آخذهم بجميع ذنوبهم لأهلك كل من ركب البحر، ~~وقال بعض علماء التفسير { أو يوبقهن بما كسبوا } أي لو شاء ~~لأرسل الريح قوية عاتية، فأخذت السفن وأحالتها عن سيرها المستقيم، ~~فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال، آبقة لا تسير على طريق ولا إلى جهة ~~مقصد، وهذا القول يتضمن هلاكها وهو مناسب للأول، وهو أنه تعالى لو شاء ~~لسكن الريح فوقفت، أو لقواه فشردت وأبقت ms2185 وهلكت، ولكن من لطفه ورحمته أنه ~~يرسله بحسب الحاجة كما يرسل المطر بقدر الكفاية، ولو أنزله كثيرا جدا ~~لهدم البنيان، أو قليلا لما أنبت الزرع والثمار. حتى إنه يرسل إلى مثل ~~(بلاد مصر) سيحا من أرض أخرى غيرها، لأنهم لا يحتاجون إلى مطر، ولو أنزل ~~عليهم لهدم بنيانهم وأسقط جدرانهم، وقوله تعالى: { ويعلم الذين ~~يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص } أي لا محيد لهم ~~عن بأسنا ونقمتنا، فإنهم مقهورون بقدرتنا. ### || [42.36-39] # يقول تعالى محقرا لشأن الحياة الدنيا وزينتها، وما فيها من الزهرة ~~والنعيم الفاني بقوله تعالى: { فمآ أوتيتم من شيء فمتاع ~~الحياة الدنيا } أي مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به، فإنما هو ~~متاع الحياة الدنيا، وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة، { وما عند ~~الله خير وأبقى } أي وثواب الله تعالى خير من الدنيا وهو باق ~~سرمدي، فلا تقدموا الفاني على الباقي، ولهذا قال تعالى: { للذين ~~آمنوا } أي للذين صبروا على ترك الملاذ في الدنيا { وعلى ~~ربهم يتوكلون } أي ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات وترك ~~المحرمات. ثم قال تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش } وقد قدمنا الكلام على الإثم والفواحش في سورة الأعراف، ~~{ وإذا ما غضبوا هم يغفرون } أي سجيتهم تقتضي الصفح ~~والعفو عن الناس، وقد ثبت في الصحيح: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك ~~حرمات الله " # وفي حديث آخر كان يقول لأحدنا عند المعتبة: # " ما له تربت يمينه " # ، وقوله عز وجل: { والذين استجابوا لربهم } أي اتبعوا ~~رسله وأطاعوا أمره واجتنبوا زجره، { وأقاموا الصلاة } وهي أعظم ~~العبادات لله عز وجل، { وأمرهم شورى بينهم } أي لا ~~يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى ~~مجراها، كما قال تبارك وتعالى: # وشاورهم في الأمر # [آل عمران: 159] الآية، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ~~ونحوها ليطيب بذلك، قلوبهم، { ومما رزقناهم ينفقون } وذلك ~~بالإحسان إلى خلق الله الأقرب إليهم منهم فالأقرب، وقوله عز وجل: { ~~والذين إذآ أصابهم البغي ms2186 هم ينتصرون } أي فيهم ~~قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين، بل ~~يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا، ~~كما عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولئك النفر الثمانين الذين ~~قصدوه عام الحديبية، وكذلك عفوه صلى الله عليه وسلم عن (غورث بن الحارث) ~~الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه وهو نائم، وكذلك عفا صلى الله عليه ~~وسلم عن (لبيد بن الأعصم) الذي سحره عليه السلام، ومع هذا لم يعرض له ولا ~~عاتبه مع قدرته عليه؛ والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### || [42.40-43] # قوله تبارك وتعالى: { وجزآء سيئة سيئة مثلها } كقوله ~~تعالى: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194]، وكقوله: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل: 126] الآية فشرع العدل وهو (القصاص) وندب إلى الفضل وهو { ~~العفو } كقوله جل وعلا: # والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له # [المائدة: 45]، ولهذا قال ههنا: { فمن عفا وأصلح فأجره ~~على الله } أي لا يضيع ذلك عند الله كما صح ذلك في الحديث: # " وما زاد الله تعالى عبدا بعفو إلا عزا " # وقوله تعالى: { إنه لا يحب الظالمين } أي المعتدين وهو ~~المبتدىء بالسيئة، ثم قال جل وعلا: { ولمن انتصر بعد ظلمه ~~فأولئك ما عليهم من سبيل } أي ليس عليهم جناح في ~~الانتصار ممن ظلمهم، روى النسائي، عن عروة قال: # " قالت عائشة رضي الله عنها: ما علمت حتى دخلت علي زينب بغير إذن وهي ~~غضبى، ثم قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبك إذا قلبت لك ابنة أبي ~~بكر درعها، ثم أقبلت علي، فأعرضت عنها حتى قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " دونك فانتصري " فأقبلت عليها حتى رأيت ريقها قد يبس في فمها ما ~~ترد علي شيئا فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه " # وروى البزار عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من دعا على من ظلمه فقد ms2187 انتصر " # وقوله عز وجل: { إنما السبيل } أي إنما الحرج والعنت { على ~~الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير ~~الحق } أي يبدأون الناس بالظلم، كما جاء في الحديث الصحيح: # " المستبان ما قالا، فعلى البادىء ما لم يعتد المظلوم " # { أولئك لهم عذاب أليم } أي شديد موجع، ثم إن الله ~~تعالى لما ذم الظلم وأهله وشرع القصاص قال نادبا إلى العفو والصفح: { ~~ولمن صبر وغفر } أي صبر على الأذى وستر السيئة { إن ذلك ~~لمن عزم الأمور } أي لمن الأمور المشكورة والأفعال الحميدة، ~~التي عليها ثواب جزيل وثناء جميل. وقال الفضيل بن عياض: " إذا أتاك رجل ~~يشكو إليك رجلا فقل: يا أخي اعف عنه، فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: ~~لا يحتمل قلبي العفو، ولكن انتصر كما أمرني الله عز وجل، فقل له: إن ~~كنت تحسن أن تنتصر، وإلا فارجع إلى باب العفو، فإن باب واسع، فإنه { ~~فمن عفا وأصلح فأجره على الله } ، وصاحب العفو ينام ~~على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور ". وروى الإمام أحمد، عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " إن رجلا شتم أبا بكر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم جالس؛ ~~فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويبتسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، ~~فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقام فلحقه أبو بكر رضي الله عنه فقال: ~~يا رسول الله إنه كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت، ~~وقمت، قال: " إنه كان معك ملك يرد عنك فلما رددت عليه بعض قوله حضر ~~الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان "! ثم قال: " يا أبا بكر، ثلاث كلهن ~~حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله إلا أعزه الله تعالى بها ونصره، ~~وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل ~~باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله عز وجل بها قلة " # ، وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى وهو مناسب للصديق رضي الله عنه. ### || [42.44-46] # يقول ms2188 تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة، أنه من هداه فلا مضل له، ومن يضلل ~~الله فلا هادي له، كما قال عز وجل: # ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا # [الكهف: 17]، ثم قال عز وجل مخبرا عن الظالمين وهم المشركون بالله { ~~لما رأوا العذاب } أي يوم القيامة تمنوا الرجعة إلى الدنيا، { ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل } ، كما قال جل وعلا: # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين # [الأنعام: 27]، وقوله عز وجل: { وتراهم يعرضون عليها } ~~أي على النار، { خاشعين من الذل } أي الذي قد اعتراهم بما ~~أسلفوا من عصيان الله تعالى: { ينظرون من طرف خفي } قال ~~مجاهد: يعني ذليل، أي ينظرون إليها مسارقة خوفا منها، والذي يحذرون منه ~~واقع بهم لا محالة، { وقال الذين آمنوا } أي يقولون يوم ~~القيامة { إن الخاسرين } أي الخسار الأكبر، { الذين ~~خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } أي ذهب بهم ~~إلى النار فعدموا لذتهم في دار الأبد، وفرق بينهم وبين أحبابهم وأصحابهم ~~فخسروهم، { ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } أي دائم ~~سرمدي أبدي، لا خروج لهم منها ولا محيد لهم عنها. وقوله تعالى: { وما ~~كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله } أي ~~ينقذونهم مما هم فيه من العذاب والنكال، { ومن يضلل الله فما ~~له من سبيل } أي ليس له الخلاص. ### || [42.47-48] # لما ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة من الأهوال والأمور العظام ~~الهائلة حذر منه وأمر بالاستعداد له، فقال: { استجيبوا لربكم ~~من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله } أي ~~إذا أمر بكونه، فإنه كلمح البصر يكون، وليس له دافع ولا مانع، وقوله عز ~~وجل: { ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من ~~نكير } أي ليس لكم حصن تتحصنون فيه، ولا مكان يستركم وتتنكرون فيه، ~~فتغيبون عن بصره تبارك وتعالى، بل هو محيط بكم بعلمه وبصره وقدرته، فلا ~~ملجأ منه إلا إليه # يقول الإنسان يومئذ أين المفر * كلا لا وزر * ~~إلى ربك يومئذ المستقر # [القيامة: 10-12]، ms2189 وقوله تعالى: { فإن أعرضوا } يعني المشركين { ~~فمآ أرسلناك عليهم حفيظا } أي لست عليهم بمصيطر، وقال ~~تعالى: # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40]، وقال جل وعلا ههنا: { إن عليك إلا البلاغ } ~~أي إنما كلفناك أن تبلغهم رسالة الله إليهم، ثم قال تعالى: { وإنآ ~~إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها } أي إذا أصابه ~~رخاء ونعمة فرح بذلك { وإن تصبهم سيئة } يعني الناس { ~~سيئة } أي جدب ونقمة وبلاء وشدة، { فإن الإنسان كفور } أي ~~يجحد ما تقدم من النعم، ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة ~~أشر وبطر، وإن أصابته محنة يئس وقنط، فالمؤمن كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا ~~له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ". ### || [42.49-50] # يخبر تعالى أنه خالق السماوات والأرض، ومالكهما والمتصرف فيهما، وأنه ~~يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وأنه ~~يخلق ما يشاء { يهب لمن يشآء إناثا } أي يرزقه البنات فقط { ~~ويهب لمن يشآء الذكور } أي يرزقه البنين فقط، { أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا } أي ويعطي لمن يشاء الزوجين (الذكر ~~والأنثى) أي من هذا وهذا، { ويجعل من يشآء عقيما } أي لا ~~يولد له، فجعل الناس أربعة أقسام: منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه ~~البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورا وإناثا، ومنهم من يمنعه هذا ~~وهذا، فيجعله عقيما لا نسل له ولا ولد له، { إنه عليم } أي بمن ~~يستحق كل قسم من هذه الأقسام، { قدير } أي على من يشاء من تفاوت الناس ~~في ذلك، فسبحان العليم القدير. ### || [42.51-53] # هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جناب الرب جل وعلا، فتارة يقذف في روع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحيا لا يتمارى فيه أنه من الله عز وجل، كما ~~جاء في " صحيح ابن حبان " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، ~~فاتقوا الله وأجملوا ms2190 في الطلب " # ، وقوله تعالى: { أو من ورآء حجاب } أي كما كلم موسى عليه ~~الصلاة والسلام، فإنه سأل الرؤية بعد التكليم فحجب عنها. وفي الصحيح أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما: # " ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحا " # كذا جاء في الحديث، وكان قد قتل يوم أحد ولكن هذا في عالم البرزخ، ~~والآية إنما هي في الدار الدنيا. وقوله عز وجل: { أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشآء } كما ينزل جبريل عليه الصلاة ~~والسلام وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، { إنه ~~علي حكيم } فهو علي عليم، خبير حكيم. وقوله عز وجل: { ~~وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا } يعني القرآن، ~~{ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } أي على التفصيل ~~الذي شرع لك في القرآن، { ولكن جعلناه } أي القرآن { نورا ~~نهدي به من نشآء من عبادنا } ، كقوله تعالى: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى # [فصلت: 44] الآية، وقوله تعالى: { وإنك } أي يا محمد { لتهدي ~~إلى صراط مستقيم } وهو الخلق القويم، ثم فسره بقوله تعالى: { ~~صراط الله } أي شرعه الذي أمر به الله، { الذي له ما في ~~السموت وما في الأرض } أي ربهما ومالكهما والمتصرف فيهما ~~والحاكم الذي لا معقب لحكمه، { ألا إلى الله تصير الأمور } ~~أي ترجع الأمور فيفصلها ويحكم فيها، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون ~~والجاحدون علوا كبيرا. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-8] # يقول تعالى: { حم * والكتاب المبين } أي البين الواضح ~~الجلي، المنزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات، ولهذا قال تعالى { إنا ~~جعلناه } أي أنزلناه { قرآنا عربيا } أي بلغة العرب، فصيحا ~~واضحا { لعلكم تعقلون } أي تفهمونه وتتدبرونه، كما قال عز ~~وجل # بلسان عربي مبين # [الشعراء: 195] وقوله تعالى: { وإنه في أم الكتاب ~~لدينا لعلي حكيم } بين شرفه في الملأ الأعلى، ليشرفه ~~ويعظمه ويطيعه أهل الأرض، فقال تعالى { وإنه } أي القرآن { في ~~أم الكتاب } أي اللوح المحفوظ { لدينا } أي ms2191 عندنا { لعلي ~~} أي ذو مكانة عظيمة، وشرف وفضل { حكيم } أي محكم بريء من اللبس ~~والزيغ، وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله، كما قال تبارك وتعالى: # إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه ~~إلا المطهرون # [الواقعة: 77-79]، وقال تعالى: # في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي ~~سفرة * كرام بررة # [عبس: 13-16]، ولهذا استنبط العلماء من هاتين الآيتين، أن المحدث لا يمس ~~المصحف، لأن الملائكة يعظمون المصاحف، المشتملة على القرآن في الملأ ~~الأعلى، فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى، لأنه نزل عليهم، وخطابه متوجه ~~إليهم، فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول ~~والتسليم، لقوله تعالى: { وإنه في أم الكتاب لدينا ~~لعلي حكيم } ، وقوله عز وجل: { أفنضرب عنكم الذكر ~~صفحا أن كنتم قوما مسرفين }؟ اختلف المفسرون في معناها ~~فقيل معناها: أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم، ولم تفعلوا ما أمرتم به، ~~قاله ابن عباس واختاره ابن جرير، وقال قتادة: والله لو أن هذا القرآن رفع ~~حين ردته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد بعائدته ورحمته ~~فكرره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك، وقول قتادة ~~لطيف المعنى جدا، وحاصله أنه يقول في معناه: أنه تعالى من لطفه ورحمته ~~بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير، وإلى الذكر الحكيم وهو (القرآن) وإن ~~كانوا مسرفين معرضين عنه، بل أمر به ليهتدي به من قدر هدايته، وتقوم ~~الحجة على من كتب شقاوته، ثم قال جل وعلا مسليا لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم في تكذيب من كذبه من قومه: { وكم أرسلنا من نبي في ~~الأولين } أي في شيع الأولين { وما يأتيهم من نبي ~~إلا كانوا به يستهزئون } أي يكذبونه ويسخرون به، { ~~فأهلكنآ أشد منهم بطشا } أي فأهلكنا المكذبين بالرسل، ~~وقد كانوا أشد بطشا من هؤلاء المكذبين لك يا محمد، كقوله عز وجل: # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد ~~قوة # [غافر: 82] والآيات في ذلك كثيرة جدا. وقوله جل جلاله { ومضى ~~مثل الأولين } قال ms2192 مجاهد: سنتهم، وقال قتادة: عقوبتهم، وقال ~~غيرهما: عبرتهم: أي جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما ~~أصابهم، كقوله تعالى: # فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين # [الزخرف: 56]، وكقوله جلت عظمته: # سنت الله التي قد خلت في عباده # [غافر: 85]، وقوله: # ولن تجد لسنة الله تبديلا # [الأحزاب: 62، الفتح: 23]. ### || [43.9-14] # يقول تعالى: ولئن سألت يا محمد، هؤلاء المشركون بالله العابدين معه غيره ~~{ من خلق السموت والأرض ليقولن خلقهن ~~العزيز العليم } أي ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله وحده، وهم ~~مع هذا يعبدون معه غيره، من الأصنام والأنداد، ثم قال تعالى: { الذي ~~جعل لكم الأرض مهدا } أي فراشا قرارا ثابتة، تسيرون عليها ~~وتقومون وتنامون، مع أنها مخلوقة على تيار الماء، لكنه أرساها بالجبال ~~لئلا تميد، { وجعل لكم فيها سبلا } أي طرقا بين الجبال ~~والأودية { لعلكم تهتدون } أي في سيركم من بلد إلى بلد، وقطر ~~إلى قطر، { والذي نزل من السمآء مآء بقدر } أي بحسب ~~الكفاية لزروعكم وثماركم، وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم، { فأنشرنا به ~~بلدة ميتا } أي أرضا ميتة، فلما جاءها الماء اهتزت وربت وأنبتت ~~من كل زوج بهيج، ثم نبه تعالى بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم ~~المعاد بعد موتها فقال: { كذلك تخرجون }. ثم قال عز وجل: { ~~والذي خلق الأزواج كلها } أي مما تنبت الأرض من سائر ~~الأصناف، من نبات وزروع وثمار وغير ذلك، ومن الحيوانات على اختلاف ~~أجناسها، وأصنافها، { وجعل لكم من الفلك } أي السفن { ~~والأنعام ما تركبون } أي ذللها لكم وسخرها ويسرها، لأكلكم ~~لحومها وشربكم ألبانها وركوبكم ظهورها، ولهذا قال جل وعلا { ~~لتستووا على ظهوره } أي لتستووا متمكنين مرتفقين { على ~~ظهوره } أي على ظهور هذا الجنس، { ثم تذكروا نعمة ~~ربكم } أي فيما سخر لكم { إذا استويتم عليه ~~وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين } أي مقاومين، ولولا تسخير الله لنا هذا ما قدرنا عليه. قال ~~ابن عباس: { مقرنين } أي مطيقين، { وإنآ إلى ربنا ~~لمنقلبون } أي لصائرون إليه بعد مماتنا، وإليه سيرنا الأكبر، وهذا ~~من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، ms2193 كما نبه بالزاد الدنيوي على ~~الزاد الأخروي في قوله تعالى: # وتزودوا فإن خير الزاد التقوى # [البقرة: 197] وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: # وريشا ولباس التقوى ذلك خير # [الأعراف: 26]. # (ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة) # (حديث علي بن أبي طالب): عن علي بن ربيعة قال: # " رأيت عليا رضي الله عنه أتي بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: ~~باسم الله، فلما استوى عليها قال: الحمد لله { سبحان الذي سخر ~~لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنآ إلى ربنا ~~لمنقلبون } ، ثم حمد الله تعالى ثلاثا وكبر ثلاثا، ثم قال ~~سبحانك لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي، فاغفر لي، ثم ضحك، فقلت له: مما ~~ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فعل مثل ما فعلت، ثم ضحك، فقلت: مم ضحكت يا رسول الله؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " يعجب الرب تبارك وتعالى من عبده إذا قال: رب اغفر لي، ~~ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري " ". # (حديث عبد الله بن عمر): روى الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما قال: # " إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركب راحلته كبر ثلاثا ثم قال: { ~~سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ~~* وإنآ إلى ربنا لمنقلبون } ، ثم يقول: " اللهم إني ~~أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا ~~السفر، واطو لنا البعد، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، ~~اللهم أصبحنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا ". وكان صلى الله عليه وسلم إذا ~~رجع إلى أهله قال: " آيبون تائبون إن شاء الله، عابدون لربنا حامدون " ". ### || [43.15-20] # يقول تعالى مخبرا عن المشركين فيما افتروه وكذبوه، في جعلهم بعض ~~الأنعام لطواغيتهم، وبعضها لله تعالى، وكذلك جعلوا له من الأولاد أخسهما ~~وأردأهما وهو البنات، كما قال تعالى: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22]، وقال جل وعلا ههنا: { وجعلوا له من ~~عباده جزءا ms2194 إن الإنسان لكفور مبين } ، ثم قال جل ~~وعلا: { أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم ~~بالبنين }؟ وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار، ثم ذكر تمام الإنكار ~~فقال جلت عظمته: { وإذا بشر أحدهم بما ضرب ~~للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم } أي ~~إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلوه لله من البنات، يأنف من ذلك غاية الأنفة، ~~وتعلوه كآبة من سوء ما بشر به، ويتوارى من القوم من خجله، من ذلك، ~~يقول تبارك وتعالى: فكيف تأنفون أنتم من ذلك، وتنسبونه إلى الله عز ~~وجل؟ ثم قال سبحانه وتعالى: { أومن ينشأ في الحلية وهو ~~في الخصام غير مبين } أي المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي، ~~منذ تكون طفلة، وإذا خاصمت فهي عاجزة عيية، أو من يكون هكذا ينسب ~~إلى جناب الله العظيم؟ فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن في الصورة والمعنى، ~~فيكمل نقص مظاهرها وصورتها بلبس الحلي، ليجبر ما فيها من نقص، كما قال ~~بعض شعراء العرب: # وما الحلي إلا زينة من نقيصة # يتمم من حسن إذا الحسن قصرا # وأما إذا كان الجمال موفرا # كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا # وأما نقص معناها فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار، كما قال بعض العرب وقد ~~بشر ببنت: " ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة ". وقوله تبارك ~~وتعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا } أي اعتقدوا فيهم ذلك فأنكر عليهم تعالى قولهم ~~ذلك فقال: { أشهدوا خلقهم }؟ أي شاهدوه وقد خلقهم الله إناثا؟ ~~{ ستكتب شهادتهم } أي بذلك { ويسألون } عن ذلك يوم ~~القيامة، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، { وقالوا لو شآء ~~الرحمن ما عبدناهم } أي لو أراد الله لحال بيننا وبين ~~عبادة هذه الأصنام، التي هي على صور الملائكة بنات الله، فإنه عالم بذلك ~~وهو يقرنا عليه، فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ: (أحدها): جعلهم لله ~~تعالى ولدا، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا، (الثاني): دعواهم ~~أنه اصطفى البنات على البنين، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا، (الثالث): عبادتهم لهم مع ذلك كله بلا دليل ولا برهان ms2195 بل بمجرد ~~الآراء والأهواء، والتقليد للأسلاف والكبراء، والخبط في الجاهلية ~~الجهلاء، (الرابع): احتجاجهم بتقديرهم على ذلك قدرا، وقد جهلوا في هذا ~~الاحتجاج جهلا كبيرا، فإنه منذ بعث الرسل وأنزل الكتب يأمر بعبادته ~~وحده لا شريك له وينهى عن عبادة ما سواه، قال تعالى: # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون # [الزخرف: 45] وقال جل وعلا في هذه الآية: { ما لهم بذلك من ~~علم } أي بصحة ما قالوه واحتجوا به { إن هم إلا يخرصون } ~~أي يكذبون ويتقولون، وقال مجاهد: يعني ما يعلمون قدرة الله تبارك وتعالى ~~على ذلك. ### || [43.21-25] # يقول تعالى منكرا على المشركين في عبادتهم غير الله، بلا برهان ولا ~~دليل ولا حجة { أم آتيناهم كتابا من قبله } أي من قبل ~~شركهم، { فهم به مستمسكون } أي ليس الأمر كذلك، كقوله عز ~~وجل # أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون # [الروم: 35] أي لم يكن ذلك، ثم قال تعالى: { بل قالوا إنا ~~وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مهتدون } أي ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك، سوى تقليد الآباء ~~والأجداد بأنهم كانوا على { أمة } والمراد بها الدين ههنا، وفي قوله ~~تبارك وتعالى: # إن هذه أمتكم أمة واحدة # [الأنبياء: 92]، وقولهم { وإنا على آثارهم } أي وراءهم { ~~مهتدون } دعوى منهم بلا دليل. ثم بين جل وعلا أن مقالة هؤلاء قد ~~سبقهم إليها أشباههم ونظراؤهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل تشابهت ~~قلوبهم فقالوا مثل مقالتهم # كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون # [الذاريات: 52] وهكذا قال ههنا: { وكذلك مآ أرسلنا من ~~قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا ~~وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون }. ثم قال عز وجل { قل } أي يا محمد لهؤلاء المشركين { ~~أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبآءكم ~~قالوا إنا بمآ أرسلتم به كافرون } أي ولو علموا ~~وتيقنوا صحة ما جئتهم به لما انقادوا لذلك لسوء قصدهم ومكابرتهم للحق ~~وأهله. قال الله تعالى ms2196 { فانتقمنا منهم } أي من الأمم المكذبة ~~بأنواع من العذاب كما فصله تبارك وتعالى في قصصهم { فانظر كيف ~~كان عاقبة المكذبين } أي كيف بادوا وهلكوا، وكيف نجى الله ~~المؤمنين. ### || [43.26-35] # يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء، ~~الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها، أنه تبرأ من أبيه وقومه في ~~عبادتهم الأوثان فقال: { إنني برآء مما تعبدون * إلا ~~الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها كلمة ~~باقية في عقبه } أي هذه الكلمة وهي # لا إله إلا الله # [الصافات: 35] أي جعلها دائمة في ذريته، يقتدي به فيها من هداه الله ~~تعالى، من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام { لعلهم يرجعون } ~~أي إليها، قال عكرمة ومجاهد { وجعلها كلمة باقية في ~~عقبه } يعني لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها، وقال ابن ~~زيد: كلمة الإسلام، وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة، ثم قال جل وعلا: { ~~بل متعت هؤلاء } يعني المشركين { وآبآءهم } فتطاول ~~عليهم العمر في ضلالهم { حتى جآءهم الحق ورسول مبين ~~} أي بين الرسالة والنذارة. { ولما جآءهم الحق قالوا ~~هذا سحر وإنا به كافرون } أي كابروه وعاندوه كفرا ~~وحسدا وبغيا، { وقالوا } أي كالمعترضين على الذي أنزله تعالى ~~وتقدس، { لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم } أي هلا كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم ~~كبير في أعينهم؟ { من القريتين } يعنون مكة والطائف، وقد ذكر ~~غير واحد من السلف أنهم أرادوا بذلك (الوليد بن المغيرة) و(عروة بن مسعود ~~الثقفي)، وعن مجاهد: يعنون (عتبة بن ربيعة) بمكة و(ابن عبد ياليل) ~~بالطائف، وقال السدي: عنوا بذلك (الوليد بن المغيرة) و(كنانة بن عمرو ~~الثقفي)، والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان، قال تعالى ردا ~~عليهم في هذا الاعتراض: { أهم يقسمون رحمت ربك }؟ أي ليس ~~الأمر مردودا إليهم، بل إلى الله عز وجل والله أعلم حيث يجعل رسالاته، ~~فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبا ونفسا، وأشرفهم بيتا، وأطهرهم ~~أصلا. ثم قال عز وجل مبينا أنه قد فاوت بين خلقه، ms2197 فيما أعطاهم من ~~الأموال والأرزاق والعقول والفهوم، وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة ~~فقال: { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا } الآية. # وقوله جلت عظمته: { ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } أي ~~ليسخر بعضهم بعضا في الأعمال، لاحتياج هذا إلى هذا وهذا إلى هذا، ثم ~~قال عز وجل: { ورحمت ربك خير مما يجمعون } أي ~~رحمة الله بخلقه، خير لهم مما بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا، ~~ثم قال سبحانه وتعالى { ولولا أن يكون الناس أمة ~~واحدة } أي لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة، أن إعطاءنا المال ~~دليل على محبتنا لمن أعطيناه، فيجتمعوا على الكفر لأجل المال { ~~لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومعارج } أي سلالم ودرجا من فضة { عليها يظهرون } ~~أي يصعدون { ولبيوتهم أبوابا } أي أغلاقا على أبوابهم { ~~وسررا عليها يتكئون } أي جميع ذلك يكون فضة { وزخرفا ~~} أي وذهبا، قاله ابن عباس والسدي، { وإن كل ذلك لما متاع ~~الحياة الدنيا } أي إنما ذلك من الدنيا الفانية، الزائلة الحقيرة ~~عند الله تعالى، أي يعجل لهم بحسناتهم التي يعملونها في الدنيا مآكل ~~ومشارب، ليوافوا الآخرة وليس لهم عند الله تبارك وتعالى حسنة يجزيهم بها. # ثم قال سبحانه وتعالى: { والآخرة عند ربك للمتقين } أي ~~هي لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد غيرهم، ولهذا # " لما قال عمر بن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه على ~~رمال حصير، قد أثر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء، وقال: يا رسول الله! ~~هذا كسرى وقيصر فيما هم فيه، وأنت صفوة الله من خلقه؟ وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم متكئا فجلس وقال: " أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ " ثم قال ~~صلى الله عليه وسلم: " أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا " " # ، وفي رواية: # " أما ترى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة " # ، وفي " الصحيحين " # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تشربوا في آنية الذهب ~~والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة " ~~وإنما خولهم الله تعالى في ms2198 الدنيا لحقارتها، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا ~~شربة ماء أبدا " ". ### || [43.36-45] # يقول تعالى: { ومن يعش } أي يتعامى ويتغافل ويعرض { عن ذكر ~~الرحمن } ، والعشا في العين ضعف بصرها، والمراد ههنا عشا ~~البصيرة، { نقيض له شيطانا فهو له قرين } كقوله ~~تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5] ولهذا قال تبارك وتعالى ههنا: { وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ~~}. { حتى إذا جآءنا } أي هذا الذي تغافل عن الهدى، إذا وافى ~~الله عز وجل يوم القيامة، يتبرم بالشيطان الذي وكل به { قال ~~يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ~~} والمراد بالمشرقين ههنا هو ما بين المشرق والمغرب، وإنما استعمل ههنا ~~تغليبا كما يقال: القمران والعمران والأبوان، قاله ابن جرير وغيره، ثم ~~قال تعالى: { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في ~~العذاب مشتركون } أي لا يغني عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم ~~في العذاب الأليم. وقوله جلت عظمته: { أفأنت تسمع الصم أو ~~تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين }؟ أي ليس ذلك إليك، ~~إنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ثم قال تعالى { فإما نذهبن ~~بك فإنا منهم منتقمون } أي لا بد أن ننتقم منهم ونعاقبهم ~~ولو ذهبت أنت، { أو نرينك الذي وعدناهم فإنا ~~عليهم مقتدرون } أي نحن قادرون على هذا ولم يقبض الله تعالى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقر عينه من أعدائه، وحكمه في ~~نواصيهم، واختاره ابن جرير، وقال قتادة: ذهب النبي صلى الله عليه وسلم: ~~وبقيت النقمة، ولن يري الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~في أمته شيئا يكرهه، حتى مضى ولم يكن نبي قط إلا وقد رأى العقوبة في ~~أمته إلا نبيكم صلى الله عليه وسلم، قال: وذكر لنا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أري ما يصيب أمته من بعده، فما رئي ضاحكا منبسطا حتى ~~قبضه الله عز وجل، ثم قال عز وجل: { فاستمسك بالذي ~~أوحي إليك إنك على صراط مستقيم } أي ms2199 خذ بالقرآن ~~المنزل على قبلك، فإنه هو الحق وما يهدي إليه هو الحق، المفضي إلى صراط ~~الله المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم. # ثم قال جل جلاله: { وإنه لذكر لك ولقومك } ، قيل ~~معناه لشرف لك ولقومك، وفي الحديث: # " إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا أكبه الله تعالى على ~~وجهه ما أقاموا الدين " # ، ومعناه أنه شرف لهم من حيث أنه أنزل بلغتهم، فهم أفهم الناس له، ~~فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به، وأعملهم بمقتضاه، وهكذا كان خيارهم ~~وصفوتهم من الخلص، من المهاجرين السابقين الأولين ومن شابههم وتابعهم، ~~وقيل معناه: { وإنه لذكر لك ولقومك } أي لتذكير لك ~~ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم، كقوله تعالى: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا ~~تعقلون # [الأنبياء: 10]، وكقوله تعالى: # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214]، { وسوف تسألون } ، أي عن هذا القرآن وكيف كنتم ~~في العمل به والاستجابة له، وقوله سبحانه وتعالى: { وسئل من ~~أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون }؟ أي جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت ~~الناس إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام ~~والأنداد، كما قال تعالى: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36]. ### || [43.46-50] # يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله { موسى } عليه الصلاة والسلام، أنه ~~ابتعثه إلى فرعون وملئه، من الأمراء والوزراء والقادة والأتباع من القبط ~~وبني إسرائيل، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأنه بعث معه آيات ~~عظاما كيده وعصاه، وما أرسل معه من الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم، ومن نقص الزروع والأنفس والثمرات، ومع هذا كله استكبروا عن ~~اتباعها والانقياد لها، وضحكوا ممن جاءهم بها، { وما نريهم من ~~آية إلا هي أكبر من أختها } ومع هذا ما رجعوا عن غيهم ~~وضلالهم، وجهلهم وخبالهم، وكلما جاءتهم آية من هذه الآيات يضرعون إلى ~~موسى عليه السلام، ويتلطفون له في العبارة بقولهم: { يأيه ~~الساحر } أي العالم، وكان علماء زمانهم هم السحرة ولم يكن السحر في ms2200 ~~زمانهم مذموما عندهم، ففي كل مرة يعدون موسى عليه السلام إن كشف عنهم ~~هذا أن يؤمنوا به ويرسلوا معه بني إسرائيل، وفي كل مرة ينكثون ما عاهدوا ~~عليه، وهذا كقوله تبارك وتعالى: # ولما وقع عليهم الرجز قالوا يموسى ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز ~~لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرآئيل * ~~فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه ~~إذا هم ينكثون # [الأعراف: 134-135]. ### || [43.51-56] # يقول تعالى مخبرا عن فرعون وتمرده وعتوه، إنه جمع قومه فنادى فيهم ~~متبجحا مفتخرا بملك مصر وتصرفه فيها: { أليس لي ملك مصر ~~وهذه الأنهار تجري من تحتي }؟ قال قتادة: قد كانت لهم ~~جنات وأنهار ماء { أفلا تبصرون }؟ أي أفلا ترون ما أنا فيه من ~~العظمة والملك؟ يعني وموسى وأتباعه فقراء ضعفاء، وقوله: { أم أنآ ~~خير من هذا الذي هو مهين } قال السدي: يقول: بل أنا ~~خير من هذا الذي هو مهين، وهكذا قال بعض نحاة البصرة: إن (أم) ههنا ~~بمعنى (بل) يعني فرعون لعنه الله بذلك أنه خير من موسى عليه الصلاة ~~والسلام، وقد كذب في قوله هذا كذبا بينا واضحا، ويعني بقوله: { ~~مهين } حقير، وقال قتادة: يعني ضعيف، وقال ابن جرير: يعني لا ملك له ~~ولا سلطان ولا مال، { ولا يكاد يبين } يعني لا يكاد يفصح عن ~~كلامه فهو عيي حصر، قال السدي: أي لا يكاد يفهم، وقال قتادة: عيي ~~اللسان، وقال سفيان: يعني في لسانه شيء من الجمرة حين وضعها في فمه وهو ~~صغير، وهذا الذي قاله فرعون لعنه الله كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا ~~الكفر والعناد، فهو ينظر إلى موسى بعين كافرة شقية، وقد كان موسى عليه ~~السلام من الجلالة والعظمة والبهاء، في صورة يبهر أبصار ذوي الألباب، ~~وقوله: { مهين } كذب بل هو المهين الحقير، وموسى هو الشريف الصادق ~~البار الراشد، وقوله: { ولا يكاد يبين } افتراء أيضا، فإنه وإن ~~كان قد أصاب لسانه في حال صغره شيء من جهة تلك الجمرة، فقد سأل الله عز ~~وجل أن يحل ms2201 عقدة من لسانه ليفقهوا قوله، وقد استجاب الله تبارك وتعالى ~~له ذلك في قوله: # قال قد أوتيت سؤلك يموسى # [طه: 36] وبتقدير أن يكون قد بقي شيء لم يسأل إزالته كما قاله الحسن ~~البصري، وإنما سأل زوال ما يحصل معه الإبلاغ والإفهام، وفرعون وإن كان ~~يفهم وله عقل فهو يدري هذا، وإنما أراد الترويج على رعيته فإنهم كانوا ~~جهلة أغبياء، وهكذا قوله: { فلولا ألقي عليه أسورة من ~~ذهب } وهي ما يجعل في الأيدي، من الحلي { أو جآء معه ~~الملائكة مقترنين } أي يكتنفونه خدمة له، ويشهدون بتصديقه، ~~نظر إلى الشكل الظاهر، ولم يفهم السر المعنوي الذي هو أظهر مما نظر إليه ~~لو كان يفهم، ولهذا قال تعالى: { فاستخف قومه فأطاعوه } ~~أي استخف عقولهم فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له { إنهم كانوا ~~قوما فاسقين }. # قال الله تعالى: { فلمآ آسفونا انتقمنا منهم ~~فأغرقناهم أجمعين } ، قال ابن عباس: { آسفونا } أسخطونا، ~~وعنه: أغضبونا، روى ابن أبي حاتم، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه سلم قال: # " إذا رأيت الله تبارك وتعالى يعطي العبد ما يشاء وهو مقيم على معاصيه، ~~فإنما ذلك استدراج منه له " # ثم تلا صلى الله عليه وسلم: { فلمآ آسفونا انتقمنا منهم ~~فأغرقناهم أجمعين }. وقال طارق بن شهاب: كنت عند عبد الله ~~رضي الله عنه فذكر عنده موت الفجأة، فقال: تخفيف على المؤمن وحسرة على ~~الكافر، ثم قرأ رضي الله عنه: { فلمآ آسفونا انتقمنا منهم ~~فأغرقناهم أجمعين } ، وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ~~وجدت النقمة مع الغفلة يعني قوله تبارك وتعالى: { فلمآ آسفونا ~~انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين } وقوله سبحانه ~~وتعالى: { فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين } قال أبو ~~مجلز: { سلفا } لمثل من عمل بعملهم، { مثلا } أي عبرة لمن بعدهم. ### || [43.57-65] # يقول تعالى مخبرا عن تعنت قريش في كفرهم وتعمدهم العناد والجدل: { ~~ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه ~~يصدون }. قال ابن عباس أي (يضحكون) أعجبوا بذلك، وقال قتادة: يجزعون ~~ويضحكون، وقال النخعي: يعرضون، وكان السبب في ذلك ما ms2202 ذكره محمد بن إسحاق ~~في " السيرة " حيث قال: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني ~~يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس ~~معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98] الآيات، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عبد ~~الله بن الزبعري حتى جلس فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام النضر ~~بن الحارث لابن عبد المطلب، وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من ~~آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته ~~لخصمته، سلوا محمدا أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن ~~نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن ~~مريم؛ فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري، ~~ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، فإنهم إنما يعبدون ~~الشيطان ومن أمرهم بعبادته " # فأنزل الله عز وجل: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # [الأنبياء: 101] أي عيسى وعزير ومن عبد معهما من الأحبار والرهبان الذين ~~مضوا على طاعة الله عز وجل، فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أربابا ~~من دون الله، ونزل فيما يذكر من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام وأنه يعبد ~~من دون الله { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك ~~منه يصدون } أي يصدون عن أمرك بذلك من قوله، ثم ذكر عيسى عليه ~~الصلاة والسلام فقال: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ~~وجعلناه مثلا لبني إسرائيل * ولو نشآء ~~لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون * وإنه ~~لعلم للساعة } أي ما وضع ms2203 على يديه من الآيات من إحياء الموتى ~~وإبراء الأسقام فكفى به دليلا على علم الساعة يقول: { فلا تمترن ~~بها واتبعون هذا صراط مستقيم }. عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير " فقالوا له: ~~ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا من عباد الله صالحا فقد كان يعبد من ~~دون الله؟ فأنزل الله عز وجل: { ولما ضرب ابن مريم ~~مثلا إذا قومك منه يصدون } " # ، وقال مجاهد في قوله تعالى: { ولما ضرب ابن مريم مثلا ~~إذا قومك منه يصدون } ، قالت قريش: إنما يريد محمد أن ~~نعبده كما عبد قوم عيسى (عيسى) عليه السلام، وقوله: { وقالوا ~~أآلهتنا خير أم هو }؟ قال قتادة: يقولون آلهتنا خير منه، ~~وقال قتادة: قرأ ابن مسعود رضي الله عنه: { وقالوا أآلهتنا ~~خير أم هذا }؟ يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم. # وقوله تبارك وتعالى: { ما ضربوه لك إلا جدلا } أي مراء ~~وهم يعلمون أنه ليس بوارد على الآية لأنها لما لا يعقل وهي قوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] ثم هي خطاب لقريش، وهم إنما كانوا يعبدون الأصنام ~~والأنداد، ولم يكونوا يعبدون المسيح حتى يوردوه فتعين أن مقالتهم إنما ~~كانت جدلا منهم ليسوا يعتقدون صحتها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما ضل قوم بعد هدى كانوا إلا أورثوا الجدل " # ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { ما ضربوه لك ~~إلا جدلا بل هم قوم خصمون }. وروى ابن جرير، عن أبي ~~أمامة رضي الله عنه قال: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يتنازعون في ~~القرآن، فغضب غضبا شديدا حتى كأنما صب وجهه الخل، ثم قال صلى الله عليه ~~وسلم: " لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإنه ما ضل قوم قط إلا أوتوا ~~الجدل " ، ثم تلا صلى الله عليه وسلم: { ما ضربوه لك إلا ~~جدلا بل هم ms2204 قوم خصمون } " # ، وقوله تعالى: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } يعني ~~عيسى عليه الصلاة والسلام ما هو إلا عبد من عباد الله عز وجل أنعم ~~الله عليه بالنبوة والرسالة { وجعلناه مثلا لبني ~~إسرائيل } أي دلالة وحجة وبرهانا على قدرتنا على ما نشاء، وقوله ~~عز وجل: { ولو نشآء لجعلنا منكم } أي بدلكم { ~~ملائكة في الأرض يخلفون } ، وقال السدي: يخلفونكم فيها، ~~وقال ابن عباس وقتادة: يخلف بعضهم بعضا كما يخلف بعضكم بعضا، وهذا ~~القول يستلزم الأول، وقال مجاهد: يعمرون الأرض بدلكم. # وقوله سبحانه وتعالى: { وإنه لعلم للساعة } تقدم تفسير ~~ابن إسحاق أن المراد من ذلك ما بعث به عيسى عليه الصلاة والسلام من إحياء ~~الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الأسقام وفيه نظر. الصحيح أنه ~~عائد على عيسى عليه الصلاة والسلام، فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك ~~نزوله قبل يوم القيامة، كما قال تبارك وتعالى: # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته # [النساء: 159] أي قبل موت عيسى عليه الصلاة والسلام، ثم # ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا # [النساء: 159] ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى { وإنه لعلم ~~للساعة } أي أمارة ودليل على وقوع الساعة، قال مجاهد: { وإنه ~~لعلم للساعة } أي آية للساعة خروج عيسى ابن مريم عليه السلام ~~قبل يوم القيامة، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه أخبر بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما ~~مقسطا، وقوله تعالى: { فلا تمترن بها } أي لا تشكوا فيها إنها ~~واقعة وكائنة لا محالة، { واتبعون } أي فيما أخبركم به { هذا ~~صراط مستقيم * ولا يصدنكم الشيطان } أي عن اتباع ~~الحق، { إنه لكم عدو مبين * ولما جآء عيسى ~~بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة } أي بالنبوة، { ~~ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } قال ابن جرير: ~~يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية، وهذا الذي قاله حسن جيد، وقوله عز ~~وجل { فاتقوا الله } أي فيما أمركم به { وأطيعون } فيما ~~جئتكم به، { إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا ~~صراط مستقيم } أي وأنا ms2205 وأنتم عبيد له فقراء إليه مشتركون في ~~عبادته وحده لا شريك له، { هذا صراط مستقيم } أي هذا الذي ~~جئتكم به هو الصراط المستقيم وهو عبادة الرب جل وعلا وحده وقوله سبحانه ~~وتعالى: { فاختلف الأحزاب من بينهم } أي اختلف الفرق ~~وصاروا شيعا فيه، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله وهو الحق، ومنهم من ~~يدعي أنه ولد الله، ومنهم من يقول إنه الله، تعالى الله عن قولهم علوا ~~كبيرا، ولهذا قال تعالى: { فويل للذين ظلموا من عذاب ~~يوم أليم }. ### || [43.66-73] # يقول تعالى: هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون للرسل { إلا ~~الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } أي فإنها ~~كائنة لا محالة وواقعة، وهؤلاء غافلون عنها، فإذا جاءت إنما تجيء وهم لا ~~يشعرون بها، فحينئذ يندمون كل الندم حيث لا ينفعهم ولا يدفع عنهم، وقوله ~~تعالى: { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين } أي كل صداقة وصحابة لغير الله، فإنها تنقلب يوم القيامة ~~عداوة إلا ما كان لله عز وجل، فإنه دائم بدوامه، وهذا كما قال إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام لقومه: # إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة ~~يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ~~ومأواكم النار وما لكم من ناصرين # [العنكبوت: 25] قال ابن عباس ومجاهد: صارت كل خلة عداوة يوم القيامة إلا ~~المتقين. وروى الحافظ ابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لو أن رجلين تحابا في الله أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب لجمع الله ~~تعالى بينهما يوم القيامة، يقول هذا الذي أحببته في " # وقوله تبارك وتعالى: { يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا ~~أنتم تحزنون } ثم بشرهم فقال: { الذين آمنوا بآياتنا ~~وكانوا مسلمين } أي آمنت قلوبهم وبواطنهم، وانقادت لشرع الله ~~جوارحهم وظواهرهم، قال المعتمر بن سليمان عن أبيه: إذا كان يوم القيامة ~~فإن الناس حين يبعثون لا يبقى أحد منهم إلا فزع فينادي مناد { يعباد ~~لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } فيرجوها ~~الناس كلهم، قال: فيتبعها: ms2206 { الذين آمنوا بآياتنا وكانوا ~~مسلمين } قال: فييأس الناس منها غير المؤمنين { ادخلوا ~~الجنة } أي يقال لهم: ادخلوا الجنة { أنتم وأزواجكم } أي ~~نظراؤكم { تحبرون } أي تتنعمون وتسعدون، وقد تقدم تفسيرها في سورة ~~الروم. { يطاف عليهم بصحاف من ذهب } أي زبادي آنية ~~الطعام { وأكواب } وهي آنية الشراب أي من ذهب لا خراطيم لها ولا عرى ~~{ وفيها ما تشتهيه الأنفس } ، وقرأ بعضهم تشتهي الأنفس: { ~~وتلذ الأعين } أي طيب الطعم والريح وحسن المنظر، روى عبد الرزاق ~~عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أدنى أهل الجنة منزلة وأسفلهم درجة لرجل لا يدخل الجنة بعده أحد، ~~يفسح له في بصره مسيرة مائة عام، في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ، ليس فيها ~~موضع شبر إلا معمور، يغدى عليه ويراح بسبعين ألف صحفة من ذهب ليس فيها ~~صحفة إلا فيها لون ليس في الأخرى مثله، شهوته في آخرها كشهوته في أولها، ~~لو نزل به جميع أهل الأرض لوسع عليهم مما أعطي، لا ينقص ذلك مما أوتي ~~شيئا ". # وقوله تعالى: { وأنتم فيها } أي في الجنة { خالدون } أي لا ~~تخرجون منها ولا تبغون عنها حولا، ثم قيل لهم على وجه التفضل والامتنان: ~~{ وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون } أي أعمالكم الصالحة كانت سببا لشمول رحمة الله إياكم، ~~فإنه لا يدخل أحدا عمله الجنة ولكن برحمة الله وفضله، وإنما الدرجات ~~ينال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات. # روى ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " " كل أهل النار يرى منزله من الجنة فيكون له حسرة، فيقول: { لو ~~أن الله هداني لكنت من المتقين } ، وكل أهل الجنة ~~يرى منزله من النار فيقول: { وما كنا لنهتدي لولا أن ~~هدانا الله } فيكون له شكرا " ، قال: وما من أحد إلا وله منزل في ~~الجنة ومنزل في النار، الكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث ~~الكافر منزله في الجنة " # وذلك قوله تعالى: { وتلك الجنة التي أورثتموها بما ~~كنتم تعملون ms2207 } ، وقوله تعالى: { لكم فيها فاكهة ~~كثيرة } أي من جميع الأنواع { منها تأكلون } أي مهما اخترتم ~~وأردتم، ولما ذكر الطعام والشراب ذكر بعده الفاكهة لتتمم النعمة والغبطة، ~~والله تعالى أعلم. ### || [43.74-80] # لما ذكر تعالى حال السعداء ثنى بذكر الأشقياء، فقال: { إن ~~المجرمين في عذاب جهنم خالدون * لا يفتر ~~عنهم } أي ساعة واحدة { وهم فيه مبلسون } أي آيسون من كل ~~خير، { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } أي ~~بأعمالهم السيئة بعد قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسل إليهم فكذبوا وعصوا ~~فجوزوا بذلك جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد، { ونادوا يمالك ~~} وهو خازن النار، { ليقض علينا ربك } أي يقبض أرواحنا ~~فيريحنا مما نحن فيه، فإنهم كما قال تعالى: # لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها # [فاطر: 36]، وقال عز وجل: # ثم لا يموت فيها ولا يحيا # [الأعلى: 13]، فلما سألوا أن يموتوا أجابهم مالك { قال إنكم ~~ماكثون } قال ابن عباس: مكث ألف سنة، ثم قال: { إنكم ~~ماكثون } أي لا خروج لكم منها ولا محيد لكم عنها، ثم ذكر سبب شقوتهم ~~وهو مخالفتهم للحق ومعاندتهم له فقال: { لقد جئناكم بالحق } ~~أي بيناه لكم ووضحناه وفسرناه { ولكن أكثركم للحق ~~كارهون } أي ولكن كانت سجاياكم لا تقبله ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد ~~للباطل وتعظمه، وتصد عن الحق وتأباه، فعودوا على أنفسكم بالملامة، ~~واندموا حيث لا تنفعكم الندامة، ثم قال تبارك وتعالى: { أم ~~أبرموا أمرا فإنا مبرمون } ، قال مجاهد: أرادوا كيد شر ~~فكدناهم، وذلك لأن المشركين كانوا يتحيلون في رد الحق بالباطل بحيل ومكر ~~يسلكونه، فكادهم الله تعالى ورد وبال ذلك عليهم، ولهذا قال: { أم ~~يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم } ، أي سرهم ~~وعلانيتهم { بلى ورسلنا لديهم يكتبون } أي نحن نعلم ما ~~هم عليه، والملائكة أيضا يكتبون أعمالهم صغيرها وكبيرها. ### || [43.81-89] # يقول تعالى: { قل } يا محمد { إن كان للرحمن ولد ~~فأنا أول العابدين } أي لو فرض هذا لعبدته على ذلك، لأني من ~~عبيده مطيع لجميع ما يأمرني به، ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، ~~فلو فرض هذا ms2208 لكان هذا، ولكن هذا ممتنع في حقه تعالى: والشرط لا يلزم منه ~~الوقوع ولا الجواز أيضا، كما قال عز وجل: # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهار # [الزمر: 4]، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: { فأنا أول ~~العابدين } أي الآنفين، وقال ابن عباس: { قل إن كان ~~للرحمن ولد } يقول: لم يكن للرحمن ولد فأنا أول الشاهدين، ~~وقال قتادة: هي كلمة من كلام العرب أي إن ذلك لم يكن فلا ينبغي، وقال أبو ~~صخر { فأنا أول العابدين } أي فأنا أول من عبده بأن لا ولد ~~له، وأول من وحده، وقال مجاهد: أي أول من عبده وحده وكذبكم، وقال ~~البخاري { فأنا أول العابدين } الآنفين وهما لغتان: رجل ~~عابد وعبد، والأول أقرب على أنه شرط وجزاء ولكن هو ممتنع، وقال السدي: ~~معناه ولو كان له ولد كنت أول من عبده بأن له ولدا، ولكن لا ولد له، وهو ~~اختيار ابن جرير، ولهذا قال تعالى: { سبحان رب السموت ~~والأرض رب العرش عما يصفون } أي تعالى وتقدس وتنزه ~~خالق الأشياء، عن أن يكون له ولد، فإنه فرد صمد، لا نظير له، ولا كفء له، ~~فلا ولد له، وقوله تعالى: { فذرهم يخوضوا } أي في جهلهم وضلالهم ~~{ ويلعبوا } في دنياهم { حتى يلاقوا يومهم الذي ~~يوعدون } وهو يوم القيامة، أي فسوف يعلمون كيف يكون مصيرهم ومآلهم ~~وحالهم في ذلك اليوم. # وقوله تبارك وتعالى: { وهو الذي في السمآء إله وفي ~~الأرض إله } أي هو إله من في السماء، وإله من في الأرض يعبده ~~أهلهما، وكلهم خاضعون له أذلاء بين يديه، { وهو الحكيم العليم ~~} وهذه الآية كقوله سبحانه وتعالى: # وهو الله في السموت وفي الأرض يعلم سركم ~~وجهركم ويعلم ما تكسبون # [الأنعام: 3] أي هو المدعو الله في السماوات والأرض { وتبارك ~~الذي له ملك السموت والأرض وما بينهما } أي هو ~~خالفهما ومالكهما والمتصرف فيهما بلا مدافعة ولا ممانعة، فسبحانه وتعالى ~~عن الولد { وتبارك } أي استقر له السلامة من العيوب والنقائص، لأن ~~الرب العلي ms2209 العظيم المالك للأشياء، الذي بيده أزمة الأمور نقضا ~~وإبراما، { وعنده علم الساعة } أي لا يجليها لوقتها إلا هو، ~~{ وإليه ترجعون } أي فيجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير، وإن ~~شرا فشر، ثم قال تعالى: { ولا يملك الذين يدعون من ~~دونه } أي من الأصنام والأوثان { الشفاعة } أي لا يقدرون على ~~الشفاعة لهم { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } هذا ~~استثناء منقطع، أي لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعته ~~عنده بإذنه له، ثم قال عز وجل: { ولئن سألتهم من ~~خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون } أي ولئن سألت ~~هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره { من خلقهم ليقولن ~~الله } أي هم يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعها وحده لا شريك له في ~~ذلك، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك شيئا ولا يقدر على شيء، فهم ~~في ذلك في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقل، ولهذا قال تعالى: { ~~فأنى يؤفكون }؟. # وقوله جل وعلا: { وقيله يرب إن هؤلاء قوم لا ~~يؤمنون } أي وقال محمد صلى الله عليه وسلم { وقيله } أي شكا إلى ~~ربه شكواه من قومه الذين كذبوه فقال: يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، كما ~~أخبر تعالى في الآية الأخرى: # وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا # [الفرقان: 30]، وقال مجاهد في قوله: { وقيله يرب إن ~~هؤلاء قوم لا يؤمنون } قال: يؤثر الله عز وجل قول محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة: هو قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو ~~قومه إلى ربه عز وجل، وقوله تعالى: { فاصفح عنهم } ، أي عن ~~المشركين، { وقل سلام } أي لا تجاوبهم بمثل ما يخاطبونك به من ~~الكلام السيء، ولكن تألفهم واصفح عنهم فعلا وقولا، { فسوف ~~يعلمون } هذا تهديد من الله تعالى لهم، ولهذا أحل بهم بأسه الذي لا ~~يرد، وأعلى دينه وكلمته، وشرع بعد ذلك الجهاد والجلاد، حتى دخل الناس في ~~دين الله أفواجا، وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب، والله أعلم. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-8] # يقول تعالى مخبرا عن القرآن العظيم، أنه أنزله ms2210 في ليلة مباركة وهي ليلة ~~القدر، كما قال عز وجل: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] وكان ذلك في شهر رمضان، كما قال تبارك وتعالى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185]، وقوله عز وجل: { إنا كنا منذرين } أي معلمين ~~الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعا لتقوم حجة الله على عباده، وقوله: { فيها ~~يفرق كل أمر حكيم } أي في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ ~~إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق وما يكون فيها ~~إلى آخرها، وقوله جل وعلا: { حكيم } أي محكم لا يبدل ولا يغير، ولهذا ~~قال جل جلاله: { أمرا من عندنآ } أي جميع ما يكون ويقدره الله ~~تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه { إنا كنا مرسلين } أي ~~إلى الناس رسولا يتلو عليهم آيات الله مبينات، فإن الحاجة كانت ماسة ~~إليه، ولهذا قال تعالى: { رحمة من ربك إنه هو ~~السميع العليم * رب السموت والأرض وما ~~بينهمآ } أي الذي أنزل القرآن هو رب السماوات والأرض وخالقهما ~~ومالكهما وما فيهما، { إن كنتم موقنين } أي إن كنتم متحققين، ثم ~~قال تعالى: { لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ~~ورب آبآئكم الأولين } وهذه الآية كقوله تعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ~~الذي له ملك السموت والأرض لا إله إلا هو ~~يحيي ويميت # [الأعراف: 158] الآية. ### || [44.9-16] # يقول تعالى: بل هؤلاء المشركون في شك يلعبون أي قد جاءهم الحق اليقين، ~~وهم يشكون فيه ويمترون ولا يصدقون به، ثم قال عز وجل متوعدا لهم ~~ومهددا: { فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين } ~~قال مسروق: دخلنا المسجد، يعني مسجد الكوفة، فإذا رجل يقص على أصحابه { ~~يوم تأتي السمآء بدخان مبين } تدرون ما ذلك الدخان؟ ~~ذلك دخان يأتي يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ ~~المؤمنين منه شبه الزكام، قال: فأتينا ابن مسعود رضي الله عنه فذكرنا ذلك ~~له، وكان مضطجعا ففزع فقعد، وقال: إن الله عز وجل قال لنبيكم صلى الله ~~عليه وسلم: # قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من ms2211 ~~المتكلفين # [ص: 86]، إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم، سأحدثكم عن ~~ذلك: إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام واستعصت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع، حتى ~~أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء، فلا يرون إلا ~~الدخان، وفي رواية: فجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها ~~كهيئة الدخان من الجهد، قال الله تعالى: { فارتقب يوم تأتي ~~السمآء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب ~~أليم } ، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله، ~~استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت، فاستسقى صلى الله عليه وسلم لهم، فسقوا، ~~فنزلت: { إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عآئدون } ، ~~قال ابن مسعود رضي الله عنه: أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة؟ فلما ~~أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله عز وجل: { يوم ~~نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } قال: يعني يوم ~~بدر. قال ابن مسعود رضي الله عنه، فقد مضى خمسة: الدخان والروم والقمر ~~والبطشة واللزام. وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد، بل هو من أمارات ~~الساعة، كما تقدم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: أشرف ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة، ونحن نتذاكر الساعة، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان ~~والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة ~~خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر ~~عدن تسوق الناس - أو تحشر الناس - تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث ~~قالوا " # وفي " الصحيحين " # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن صياد: " إني خبأت لك خبأ " ~~قال: هو الدخ، فقال صلى الله عليه وسلم له: " إخسأ فلن تعدو قدرك " ~~قال: وخبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم: { فارتقب يوم ~~تأتي السمآء بدخان مبين } " # وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول ms2212 الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر، ~~فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال ". # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن فيأخذه كالزكمة، وأما الكافر فينفخه ~~حتى يخرج من كل مسمع منه " # ، وقال ابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه قال: لم تمض آية الدخان بعد، ~~يأخذ المؤمن كهيئة الزكام وتنفخ الكافر حتى ينفذ، وروى ابن جرير، عن عبد ~~الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس رضي الله عنهما ذات يوم فقال: ~~ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قال، قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، ~~فخشيت أن يكون الدخان قد طرق فما نمت حتى أصبحت، وهذا إسناد صحيح إلى ابن ~~عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من ~~الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين من الأحاديث المرفوعة من الصحاح ~~والحسان وغيرهما التي أوردوها، مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان ~~من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تبارك وتعالى: { ~~فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين } أي بين واضح ~~يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود رضي الله عنه إنما هو خيال رأوه ~~في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: { يغشى الناس } ~~أي يتغشاهم ويعمهم، ولو كان أمرا خياليا يخص أهل مكة المشركين لما قيل ~~فيه { يغشى الناس } ، وقوله تعالى: { هذا عذاب أليم } أي ~~يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا كقوله عز وجل: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا * هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون # [الطور: 13-14]، أو يقول بعضهم لبعض ذلك. وقوله سبحانه وتعالى: { ~~ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } أي يقول ~~الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم كقوله جلت ~~عظمته: # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين ms2213 # [الأنعام: 27]، وكذا قوله جل وعلا: # وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ~~ظلموا ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب ~~دعوتك ونتبع الرسل # [إبراهيم: 44]، وهكذا قال جل وعلا ههنا: { أنى لهم الذكرى ~~وقد جآءهم رسول مبين * ثم تولوا عنه ~~وقالوا معلم مجنون }. يقول: كيف لهم بالتذكر وقد أرسلنا ~~إليهم رسولا بين الرسالة والنذارة، ومع هذا تولوا عنه وما وافقوه، بل ~~كذبوه وقالوا معلم مجنون، وهذا كقوله جلت عظمته: # يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى # [الفجر: 23]؟. # وقوله تعالى: { إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم ~~عآئدون } يحتمل معنيين: (أحدهما): أنه يقول تعالى: ولو كشفنا عنكم ~~العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا، لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر ~~والتكذيب. كقوله تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]. (والثاني): أن يكون المراد: إنا مؤخرو العذاب عنكم ~~قليلا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم، وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من ~~الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم كقوله تعالى: # إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب ~~الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين # [يونس: 98] ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم بل كان قد انعقد سببه ~~عليهم، ولا يلزم أيضا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه، قال ~~الله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام أنه قال لقومه حين قالوا: # لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا معك من ~~قريتنآ أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا ~~كارهين * قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ~~ملتكم بعد إذ نجانا الله منها # [الأعراف: 88-89]، وشعيب عليه السلام لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم وقال ~~قتادة: إنكم عائدون إلى عذاب الله. وقوله عز وجل: { يوم نبطش ~~البطشة الكبرى إنا منتقمون }: فسر ذلك ابن مسعود رضي ~~الله عنه بيوم بدر، وروي أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو محتمل، ~~والظاهر أن ذلك يوم القيامة وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضا، روى عكرمة ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال ابن مسعود رضي ms2214 الله عنه { ~~البطشة الكبرى } يوم بدر، وأنا أقول هي يوم القيامة. وهذا ~~إسناد صحيح عن ابن عباس، والله أعلم. ### || [44.17-33] # يقول تعالى ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون وهم قبط مصر، { ~~وجآءهم رسول كريم } يعني موسى الكليم عليه الصلاة والسلام { ~~أن أدوا إلي عباد الله } ، كقوله عز وجل: # فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم # [طه: 47] الآية، وقوله جل وعلا: { إني لكم رسول أمين } أي ~~مأمون على ما أبلغكموه، وقوله تعالى: { وأن لا تعلوا على ~~الله } أي لا تستكبروا عن اتباع آياته والانقياد لحججه والإيمان ~~ببراهينه، كقوله عز وجل: # إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين # [غافر: 60]، { إني آتيكم بسلطان مبين } أي بحجة ظاهرة ~~واضحة وهي ما أرسله الله تعالى به من الآيات البينات والأدلة القاطعات، { ~~وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون } قال ابن عباس: ~~هو الرجم باللسان وهو الشتم، وقال قتادة: الرجم بالحجارة أي أعوذ بالله ~~الذي خلقني وخلقكم من أن تصلوا إلي بسوء من قول أو فعل، { وإن لم ~~تؤمنوا لي فاعتزلون } أي فلا تتعرضوا لي ودعوا الأمر مسالمة ~~إلى أن يقضي الله بيننا، فلما طال مقامه صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ~~وأقام حجج الله تعالى عليهم، كل ذلك وما زادهم إلا كفرا وعنادا، دعا ~~ربه عليهم دعوة نفذت فيهم، كما قال تبارك وتعالى: # وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة ~~وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم * ~~قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما # [يونس: 88-89]، وهكذا قال ههنا { فدعا ربه أن هؤلاء ~~قوم مجرمون } فعند ذلك أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من ~~بين أظهرهم، من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه، ولهذا قال جل جلاله: ~~{ فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون } ، كما قال ~~تعالى: # ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب ~~لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا ~~تخشى # [طه: 77]، وقوله عز وجل: { واترك البحر رهوا إنهم ~~جند ms2215 مغرقون } ، وذلك أن موسى عليه الصلاة السلام لما جاوز هو ~~وبنو إسرائيل البحر أراد موسى أن يضربه بعصاه حتى يعود كما كان ليصير ~~حائلا بينهم وبين فرعون، فلا يصل إليهم، فأمره الله تعالى أن يتركه على ~~حاله ساكنا، وبشره بأنهم جند مغرقون فيه، وأنه لا يخاف دركا ولا يخشى، ~~قال ابن عباس: { واترك البحر رهوا } كهيئته وامضه، وقال مجاهد ~~{ رهوا } طريقا يبسا كهيئته، يقول لا تأمره يرجع اتركه حتى يرجع ~~آخرهم، ثم قال تعالى: { كم تركوا من جنات } وهي البساتين { ~~وعيون * وزروع } والمراد بها الأنهار والآبار { ومقام ~~كريم } وهي المساكن الحسنة، { ونعمة كانوا فيها فاكهين ~~} أي عيشة كانوا يتفكهون فيها، فيأكلون ما شاءوا ويلبسون ما أحبوا، مع ~~الأموال والجاهات والحكم في البلاد، فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة، ~~وفارقوا الدنيا، وصاروا إلى جهنم وبئس المصير واستولى على البلاد المصرية ~~والممالك القبطية بنو إسرائيل، كما قال تبارك وتعالى: # كذلك وأورثناها بني إسرائيل # [الشعراء: 59] وقال في الآية الأخرى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها # [الأعراف: 137] وقال عز وجل ههنا: { كذلك وأورثناها ~~قوما آخرين } وهم بنو إسرائيل كما تقدم. # وقوله سبحانه وتعالى: { فما بكت عليهم السمآء والأرض ~~} أي لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا ~~لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها فقدتهم، فلهذا استحقوا أن لا ~~ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم، روى الحافظ الموصلي، ~~عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل ~~منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه " # ، وتلا هذه الآية: { فما بكت عليهم السمآء والأرض } ~~وذكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملا صالحا يبكي عليهم، ولم يصعد ~~لهم إلى السماء من كلامهم، ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم ~~فتبكي عليهم، وروى ابن أبي حاتم، عن عباد بن عبد الله قال: سأل ms2216 رجل عليا ~~رضي الله عنه هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال له: لقد سألتني عن شيء ~~ما سألني عنه أحد قبلك؛ إنه ليس من عبد إلا له مصلى في الأرض ومصعد عمله ~~من السماء، وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض، ولا عمل يصعد في ~~السماء، ثم قرأ علي رضي الله عنه: { فما بكت عليهم السمآء ~~والأرض وما كانوا منظرين }. وقال ابن جرير، عن سعيد بن جبير ~~قال: أتى ابن عباس رضي الله عنهما رجل فقال: يا أبا العباس، أرأيت قول ~~الله تعالى: { فما بكت عليهم السمآء والأرض وما ~~كانوا منظرين } فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال رضي الله ~~عنه: نعم، إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه، ~~وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه ~~عمله وينزل منه رزقه ففقده بكى عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان ~~يصلي فيها ويذكر الله عز وجل فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن ~~لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى الله عز وجل منهم خير، ~~فلم تبك عليهم السماء والأرض. وقال سفيان الثوري: تبكي الأرض على المؤمن ~~أربعين صباحا، وقال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض ~~أربعين صباحا، فقلت له: أتبكي الأرض: فقال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي ~~على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان ~~لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل، وقال قتادة: كانوا أهون على الله ~~عز وجل من أن تبكي عليهم السماء والأرض. # وقوله تعالى: { ولقد نجينا بني إسرائيل من ~~العذاب المهين * من فرعون إنه كان عاليا من ~~المسرفين } يمتن عليهم تعالى بذلك حيث أنقذهم مما كانوا فيه من ~~إهانة فرعون وإذلاله لهم، وتسخيره إياهم في الأعمال المهينة الشاقة، ~~وقوله تعالى: { من فرعون إنه كان عاليا } أي مستكبرا ~~جبارا عنيدا كقوله عز وجل: # إن فرعون علا في الأرض # [القصص: ms2217 4]، وقوله جلت عظمته: # فاستكبروا وكانوا قوما عالين # [المؤمنون: 46]، { من المسرفين } أي مسرف في أمره سخيف الرأي ~~على نفسه، وقوله جل جلاله: { ولقد اخترناهم على علم ~~على العالمين } قال مجاهد: على من هم بين ظهريه، وقال قتادة: ~~اختيروا على أهل زمانهم ذلك، وكان يقال: إن لكل زمان عالما، وهذا كقوله ~~عز وجل لمريم عليها السلام # واصطفاك على نسآء العالمين # [آل عمران: 42] أي في زمنها، فإن خديجة رضي الله عنها أفضل منها، أو ~~مساوية لها في الفضل، وكذا آسية امرأة فرعون، وفضل عائشة رضي الله عنها ~~على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وقوله جل جلاله: { ~~وآتيناهم من الآيات } الحجج والبراهين وخوارق العادات { ما ~~فيه بلاء مبين } أي اختيار ظاهر جلي لمن اهتدى به. ### || [44.34-37] # يقول تعالى منكرا على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد، وأنه ما ~~ثم إلا هذه الحياة الدنيا، ولا حياة بعد الممات ولا بعث ولا نشور، ~~ويحتجون بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا، فإن كان البعث حقا { ~~فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين } وهذه حجة باطلة وشبهة ~~فاسدة، فإن المعاد إنما هو يوم القيامة، لا في الدار الدنيا، بل بعد ~~انقضائها وذهابها وفراغها يعيد الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل ~~الظالمين لنار جهنم وقودا، ثم قال تعالى متهددا لهم ومتوعدا ومنذرا ~~لهم بأسه الذي لا يرد، كما حل بأشباههم ونظرائهم من المشركين المنكرين ~~للبعث، كقوم تبع وهم (سبأ) حيث أهلكهم الله عز وجل وخرب بلادهم، ~~وشردهم في البلاد وفرقهم شذر مذر، كما تقدم ذلك في سورة سبأ. ### || [44.38-42] # يقول تعالى مخبرا عن عدله وتنزيهه نفسه عن اللعب والعبث والباطل { ~~وما خلقنا السموت والأرض وما بينهما لاعبين ~~} كقوله جل وعلا: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # [ص: 27]، وقال تعالى: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # [المؤمنون: 115] ثم قال تعالى: { إن يوم الفصل ميقاتهم ~~أجمعين } وهو يوم القيامة يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق، فيعذب ~~الكافرين ويثيب المؤمنين، وقوله عز وجل ms2218 { ميقاتهم أجمعين } ~~أي يجمعهم كلهم أولهم وآخرهم { يوم لا يغني مولى عن مولى ~~شيئا } أي لا ينفع قريب قريبا كقوله سبحانه وتعالى: # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101]، وكقوله جلت عظمته: # ولا يسأل حميم حميما * يبصرونهم # [المعارج: 10-11] أي لا يسأل أخ أخا له عن حاله وهو يراه عيانا، وقوله ~~جل وعلا: { ولا هم ينصرون } ، أي لا ينصر القريب قريبه ولا ~~يأتيه نصر من خارج، ثم قال: { إلا من رحم الله } أي لا ينفع ~~يومئذ إلا رحمة الله عز وجل بخلقه { إنه هو العزيز ~~الرحيم } أي عزيز ذو رحمة واسعة. ### || [44.43-50] # يقول تعالى مخبرا عما يعذب به الكافرين الجاحدين للقائه { إن ~~شجرة الزقوم * طعام الأثيم } و { الأثيم } أي في قوله ~~وفعله، وهو الكافر، وذكر غير واحد أنه (أبو جهل)، ولا شك في دخوله في هذه ~~الآية، ولكن ليست خاصة به، قال همام بن الحارث: إن أبا الدرداء كان يقرىء ~~رجلا: { إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم } فقال: طعام ~~اليتيم، فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: قل: إن شجرة الزقوم طعام الفاجر، ~~أي ليس له طعام من غيرها، قال مجاهد: ولو وقعت قطرة منها في الأرض لأفسدت ~~على أهل الأرض معايشهم، وقوله { كالمهل } كعكر الزيت { يغلي في ~~البطون * كغلي الحميم } أي من حرارتها ورداءتها، وقوله ~~تعالى: { خذوه } أي الكافر، وقد ورد أنه تعالى إذا قال للزبانية { ~~خذوه } ابتدره سبعون ألفا منهم، وقوله { فاعتلوه } أي سوقوه ~~سحبا ودفعا في ظهره، قال مجاهد { خذوه فاعتلوه } أي خذوه ~~فادفعوه، { إلى سوآء الجحيم } أي وسطها { ثم صبوا ~~فوق رأسه من عذاب الحميم } كقوله عز وجل: # يصب من فوق رءوسهم الحميم * يصهر به ما في ~~بطونهم والجلود # [الحج: 19-20]. وقد تقدم أن الملك يضربه بمقمعة من حديد فتفتح دماغه، ثم ~~يصب الحميم على رأسه فينزل في بدنه، فيسلت ما في بطنه من أمعائه حتى تمرق ~~من كعبيه، أعاذنا الله تعالى من ذلك، وقوله تعالى: { ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم } أي قولوا له ms2219 ذلك على وجه التهكم والتوبيخ، وقال ~~الضحاك عن ابن عباس: أي لست بعزيز ولا كريم، وقد قال الأموي في " مغازيه ~~" ، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال: # " لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل، لعنه الله فقال: إن الله ~~تعالى أمرني أن أقول لك: " أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى " ، قال، ~~فنزع ثوبه من يده وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء، ولقد علمت ~~أني أمنع أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم. قال: فقتله الله تعالى يوم ~~بدر وأذله، وعيره بكلمته، وأنزل: { ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم } " # وقوله عز وجل: { إن هذا ما كنتم به تمترون } كقوله ~~تعالى: # هذه النار التي كنتم بها تكذبون * أفسحر ~~هذا أم أنتم لا تبصرون # [الطور: 14-15]. ### || [44.51-59] # لما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر السعداء، ولهذا سمي القرآن مثاني، ~~فقال: { إن المتقين } أي لله في الدنيا { في مقام أمين } ~~أي في الآخرة، وهو الجنة وقد أمنوا فيها من الموت والخروج، ومن كل هم ~~وحزن وجزع وتعب ونصب، ومن الشيطان وكيده وسائر الآفات والمصائب { في ~~جنات وعيون } وهذا في مقابلة ما أولئك فيه من شجرة الزقوم وشرب ~~الحميم، وقوله تعالى: { يلبسون من سندس } وهو رفيع الحرير، ~~كالقمصان ونحوها، { وإستبرق } وهو ما فيه بريق ولمعان، وذلك ~~كالريش ما يلبس على أعالي القماش { متقابلين } أي على السرر لا ~~يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره، وقوله تعالى: { كذلك وزوجناهم ~~بحور عين } أي هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحسان الحور ~~العين اللاتي # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن # [الرحمن: 56] # كأنهن الياقوت والمرجان # [الرحمن: 58] روى ابن أبي حاتم، عن أنس رضي الله عنه رفعه قال: لو أن ~~حوراء بزقت في بحر لجي لعذب ذلك الماء لعذوبة ريقها، وقوله عز وجل: { ~~يدعون فيها بكل فاكهة آمنين } أي مهما طلبوا من أنواع ~~الثمار أحضر لهم، وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه بل يحضر إليهم كلما ~~أرادوا، وقوله: { لا يذوقون فيها الموت إلا ms2220 الموتة ~~الأولى } ، هذا استثناء يؤكد النفي، ومعناه أنهم لا يذوقون فيها الموت ~~أبدا، كما ثبت في " الصحيحين " # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ~~فيوقف بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت. ~~ويا أهل النار خلود فلا موت " " # وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقال لأهل الجنة إن لكم أن تصحوا ~~فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن ~~تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا " ". # وقوله تعالى: { ووقاهم عذاب الجحيم } أي مع هذا النعيم ~~العظيم المقيم، قد وقاهم ونجاهم وزحزحهم عن العذاب الأليم، في دركات ~~الجحيم، ولهذا قال عز وجل: { فضلا من ربك ذلك هو ~~الفوز العظيم } أي إنما كان هذا بفضله عليهم، وإحسانه إليهم، كما ~~ثبت في الصحيح # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اعملوا وسددوا وقاربوا ~~واعلموا أن أحدا لن يدخله عمله الجنة " ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ ~~قال صلى الله عليه وسلم: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ~~" " # وقوله تبارك وتعالى: { فإنما يسرناه بلسانك لعلهم ~~يتذكرون } أي إنما يسرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلا واضحا ~~بينا جليا بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها، { ~~لعلهم يتذكرون } أي يتفهمون ويعملون، ثم لما كان مع هذا ~~الوضوح والبيان، من الناس من كفر وخالف وعاند، قال الله تعالى لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم مسليا له وواعدا له بالنصر، ومتوعدا لمن كذبه بالعطف ~~والهلاك { فارتقب } أي انتظر { إنهم مرتقبون } أي ~~فسيعلمون لمن تكون النصرة والظفر، وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة، فإنها ~~لك يا محمد ولإخوانك من النبيين والمرسلين، ومن اتبعكم من المؤمنين، كما ~~قال تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21] الآية، وقال تعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد * يوم لا ينفع ~~الظالمين معذرتهم ms2221 ولهم اللعنة ولهم سوء ~~الدار # [غافر: 51-52]. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-5] # يرشد تعالى خلقه إلى التفكير في آلائه ونعمه، وقدرته العظيمة التي خلق ~~بها السماوات والأرض، وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع، ~~من الملائكة والجن والإنس والدواب، والطيور والوحوش والسباع والحشرات، ~~وما في البحر من الأصناف المتنوعة، واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما ~~دائبين لا يفتران، هذا بظلامه، وهذا بضيائه، وما أنزل الله تبارك وتعالى ~~من السحاب، من المطر في وقت الحاجة إليه، وسماه رزقا لأن به يحصل الرزق ~~{ فأحيا به الأرض بعد موتها } أي بعد ما كانت هامدة لا ~~نبات فيها ولا شيء، وقوله عز وجل: { وتصريف الرياح } أي ~~جنوبا وشمالا برية وبحرية، ليلية ونهارية، ومنها ما هو للمطر، ومنها ما ~~هو للقاح، ومنها ما هو غذاء للأرواح، ومنه ما هو عقيم لا ينتج، وقال ~~سبحانه أولا { لآيات للمؤمنين } ثم { يوقنون } ثم { ~~يعقلون } وهو ترق من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى، وهذه ~~الآيات شبيهة بآية البقرة وهي قوله تعالى: # إن في خلق السموت والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة ~~وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السمآء ~~والأرض لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164]. ### || [45.6-11] # يقول تعالى: { تلك آيات الله } يعني القرآن بما فيه من الحجج ~~والبينات { نتلوها عليك بالحق } أي متضمنة الحق من الحق، ~~فإذا كانوا لا يؤمنون بها ولا ينقادون لها { فبأي حديث بعد ~~الله وآياته يؤمنون }؟ ثم قال تعالى { ويل لكل ~~أفاك أثيم } أفاك في قوله أي كذاب { أثيم } في فعله وقلبه كافر ~~بآيات الله، ولهذا قال: { يسمع آيات الله تتلى عليه } ~~أي تقرأ عليه { ثم يصر } أي على كفره وجحوده، استكبارا وعنادا { ~~كأن لم يسمعها } كأنه ما سمعها { فبشره بعذاب ~~أليم } أي فأخبره أن له عند الله تعالى يوم القيامة عذابا أليما ~~موجعا، { وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا } ~~أي إذا حفظ ms2222 شيئا من القرآن كفر به، واتخذه سخريا وهزوا { أولئك ~~لهم عذاب مهين } أي في مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به، ~~ولهذا # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ~~مخافة أن يناله العدو " # ، ثم فسر العذاب الحاصل له يوم معاده فقال { من ورآئهم جهنم ~~} أي كل من اتصف بذلك سيصيرون إلى جهنم يوم القيامة { ولا يغني ~~عنهم ما كسبوا شيئا } أي لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم، { ~~ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء } أي ولا تغني عنهم ~~الآلهة التي عبدوها من دون الله شيئا { ولهم عذاب عظيم } ، ثم ~~قال تبارك وتعالى: { هذا هدى } يعني القرآن { والذين ~~كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم } وهو ~~المؤلم الموجع، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || [45.12-15] # يذكر تعالى نعمه على عبيده فيما سخر لهم من البحر { لتجري ~~الفلك } وهي السفن فيه بأمره تعالى فإنه هو الذي أمر البحر بحملها { ~~ولتبتغوا من فضله } أي في المتاجر والمكاسب، { ولعلكم ~~تشكرون } أي على حصول المنافع المجلوبة إليكم، من الأقاليم النائية ~~والآفاق القاصية، ثم قال عز وجل { وسخر لكم ما في ~~السموت وما في الأرض } أي من الكواكب والجبال والبحار ~~والأنهار، الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه، ولهذا قال { جميعا ~~منه } أي من عنده وحده لا شريك له، كما قال تبارك وتعالى: # وما بكم من نعمة فمن الله # [النحل: 53] { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } ، ~~وقوله تعالى: { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا ~~يرجون أيام الله } ، أي ليصفحوا عنهم، ويتحملوا الآذى منهم، ~~وكان هذا في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل ~~الكتاب، ليكون ذلك كالتأليف لهم، ثم لما أصروا على العناد، شرع الله ~~للمؤمنين الجلاد والجهاد، وقوله تعالى: { ليجزي قوما بما ~~كانوا يكسبون } أي إذا صفحوا عنهم في الدنيا، فإن الله عز وجل ~~مجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة، ولهذا قال تعالى: { من عمل ~~صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها ثم إلى ~~ربكم ترجعون } أي تعودون إليه يوم القيامة، فتعرضون بأعمالكم ~~عليه فيجزيكم ms2223 بأعمالكم خيرها وشرها، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || [45.16-20] # يذكر تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل، من إنزال الكتب عليهم. وإرسال ~~الرسل إليهم، وجعله الملك فيهم، ولهذا قال تبارك وتعالى: { ولقد ~~آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ~~ورزقناهم من الطيبات } أي من المآكل والمشارب، { ~~وفضلناهم على العالمين } أي في زمانهم { وآتيناهم ~~بينات من الأمر } أي حججا وبراهين وأدلة قاطعات، ثم اختلفوا ~~بعد ذلك من بعد قيام الحجة، وإنما كان ذلك بغيا منهم { إن ربك } ~~يا محمد { يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون } أي سيفصل بينهم بحكمه العدل، وهذا فيه تحذير لهذه الأمة، ~~أن تسلك مسلكهم، وأن تقصد منهجهم، ولهذا قال جل وعلا: { ثم ~~جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها } أي اتبع ما ~~أوحي إليك من ربك وأعرض عن المشركين، وقال جل جلاله ههنا: { ولا ~~تتبع أهوآء الذين لا يعلمون * إنهم لن ~~يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم ~~أوليآء بعض } أي وماذا تغني عنهم ولايتهم لبعضهم بعضا؟ فإنهم لا ~~يزيدونهم إلا خسارا ودمارا وهلاكا، { والله ولي المتقين ~~} وهو تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور، ثم قال عز وجل: { هذا ~~بصائر للناس } يعني القرآن { وهدى ورحمة لقوم ~~يوقنون }. ### || [45.21-23] # يقول تعالى: لا يستوي المؤمنون والكافرون كما قال في آية أخرى: # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب ~~الجنة هم الفآئزون # [الحشر: 20] وقال تبارك وتعالى: { أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات } أي عملوها وكسبوها { أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سوآء محياهم ومماتهم ~~}؟ أي نساويهم بها في الدنيا والآخرة { سآء ما يحكمون } أي ساء ~~ما ظنوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار، فكما لا يجتنى من ~~الشوك العنب، كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار، ذكر محمد بن إسحاق أنهم ~~وجدوا حجرا بمكة من أس الكعبة، مكتوب عليه «تعملون السيئات وترجون ~~الحسنات، أجل كما يجنى من الشوك العنب». وعن مسروق أن تميما الداري قام ~~ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية: { أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ms2224 ~~الصالحات } ولهذا قال تعالى: { سآء ما يحكمون } ، وقال عز ~~وجل: { وخلق الله السموت والأرض بالحق } أي ~~بالعدل، { ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا ~~يظلمون } ، ثم قال جل وعلا: { أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه } أي إنما يأتمر بهواه، فمهما رآه حسنا فعله، ومهما ~~رآه قبيحا تركه، لا يهوى شيئا إلا عبده، وقوله: { وأضله الله ~~على علم } يحتمل قولين: (أحدهما): وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك، ~~(والآخر): وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه، والثاني ~~يستلزم الأول ولا ينعكس { وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة } أي فلا يسمع ما ينفعه ولا يعي شيئا يهتدي ~~به، ولا يرى حجة يستضيء بها، ولهذا قال تعالى: { فمن يهديه من ~~بعد الله أفلا تذكرون }؟ كقوله تعالى: # من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في ~~طغيانهم يعمهون # [الأعراف: 186]. ### || [45.24-26] # يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في ~~إنكار المعاد { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا } أي ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، ~~وما ثم معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون المعاد، وتقوله ~~الفلاسفة الدهرية المنكرون للصانع، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف ~~سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، ~~فكابروا العقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: { وما يهلكنآ إلا ~~الدهر } قال الله تعالى: { وما لهم بذلك من علم إن ~~هم إلا يظنون } أي يتوهمون ويتخيلون، فأما الحديث الصحيح عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول تعالى يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب ~~ليله ونهاره " # ، وفي رواية: # " لا تسبوا الدهر فإن الله تعالى هو الدهر " # فقد قال الشافعي وأبو عبيدة في تفسير الحديث: كانت العرب في جاهليتها ~~إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة، قالوا: " يا خيبة الدهر " فيسندون تلك ~~الأفعال إلى الدهر، ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى، فكأنهم ms2225 إنما ~~سبوا الله عز وجل، لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر ~~بهذا الاعتبار، لأن الله تعالى هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك ~~الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد، والله أعلم. وقوله ~~تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } أي إذا ~~بين لهم الحق، وأن الله تعالى قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها ~~وتفرقها { ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا ~~بآبآئنآ إن كنتم صادقين } ، أي أحيوهم إن كان ما تقولونه ~~حقا، قال الله تعالى: { قل الله يحييكم ثم يميتكم } ~~أي كما تشاهدون ذلك يخرجكم من العدم إلى الوجود، # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم # [البقرة: 28]؟ أي الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى ~~والأحرى، # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]، { ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ~~ريب فيه } أي لا شك فيه { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } أي فلهذا ينكرون المعاد ويستبعدون قيام الأجساد، قال الله ~~تعالى: # إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا # [المعارج: 6-7] أي يرون وقوعه بعيدا، والمؤمنون يرون ذلك سهلا قريبا. ### || [45.27-29] # يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، والحاكم فيهما في الدنيا والآخرة، ~~ولهذا قال عز وجل: { ويوم تقوم الساعة } أي يوم القيامة { ~~يخسر المبطلون } وهم الكافرون بالله والجاحدون بما أنزله على ~~رسله، من الآيات البينات والدلائل الواضحات، ثم قال تعالى: { وترى ~~كل أمة جاثية } أي على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال: إن هذا ~~إذا جيء بجهنم، فإنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، حتى ~~إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ويقول نفسي نفسي نفسي، لا أسألك ~~اليوم إلا نفسي، وحتى إن عيسى عليه الصلاة والسلام ليقول: لا أسألك ~~اليوم إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني، قال مجاهد { كل أمة ~~جاثية } أي على الركب، وقال عكرمة { جاثية } متميزة على ناحيتها، ~~وليس على الركب، والأول أولى لما روي عن عبد الله بن باباه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms2226 قال: # " كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم " # ، وقال محمد بن كعب عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا في حديث الصور: ~~فيتميز الناس، وتجثو الأمم، وهي التي يقول الله تعالى: { وترى كل ~~أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها } وهذا فيه ~~جمع بين القولين، ولا منافاة والله أعلم، وقوله عز وجل: { كل أمة ~~تدعى إلى كتابها } يعني كتاب أعمالها كقوله جل جلاله: # ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهدآء # [الزمر: 69]، ولهذا قال سبحانه وتعالى: { اليوم تجزون ما ~~كنتم تعملون } أي تجازون بأعمالكم خيرها وشرها، كقوله عز وجل: # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13]، ولهذا قال جلت عظمته: { هذا كتابنا ينطق ~~عليكم بالحق } أي يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص، ~~كقوله جل جلاله: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]، وقوله عز جل: { إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون } أي إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم، قال ابن ~~عباس وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد، ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابل ~~الملائكة الذين في ديوان الأعمال على ما بأيدي الكتبة، مما قد أبرز لهم ~~من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر مما كتبه الله في القدم على العباد قبل ~~أن يخلقهم، فلا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا، ثم قرأ: { إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون }. ### || [45.30-37] # يخبر تعالى عن حكمه في خلقه يوم القيامة فقال تعالى: { فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي آمنت قلوبهم وعملت ~~جوارحهم الأعمال الصالحة، وهي الخالصة الموافقة للشرع { فيدخلهم ~~ربهم في رحمته } وهي الجنة، كما ثبت في الصحيح # " أن الله تعالى قال للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء " # { ذلك هو الفوز المبين } أي البين الواضح، ثم قال تعالى: { ~~وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى ~~عليكم فاستكبرتم }؟ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا، أما ~~قرئت عليكم آيات الله تعالى، فاستكبرتم عن اتباعها وأعرضتم ms2227 عن سماعها، ~~وكنتم قوما مجرمين في أفعالكم، مع ما اشتملت عليه قلوبكم من التكذيب؟ { ~~وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها ~~} أي إذا قال لكم المؤمنون ذلك { قلتم ما ندري ما الساعة } ~~أي لا نعرفها { إن نظن إلا ظنا } أي إن نتوهم وقوعها إلا ~~توهما أي مرجوحا، ولهذا قال: { وما نحن بمستيقنين } أي ~~بمتحققين، قال الله تعالى: { وبدا لهم سيئات ما عملوا } ~~أي وظهر لهم عقوبة أعمالهم السيئة { وحاق بهم } أي أحاط بهم { ما ~~كانوا به يستهزئون } أي من العذاب والنكال، { وقيل ~~اليوم ننساكم } أي نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم، { ~~كما نسيتم لقآء يومكم هذا } أي فلم تعملوا له لأنكم لم ~~تصدقوا به { ومأواكم النار وما لكم من ناصرين } ، ~~وقد ثبت في الصحيح # " أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: " ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ~~ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع "؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ~~أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول الله تعالى: " فاليوم أنساك كما ~~نسيتني " " # ، قال الله تعالى: { ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله ~~هزوا } أي إنما جازيناكم هذا الجزاء، لأنكم اتخذتم حجج الله عليكم ~~سخريا تسخرون وتستهزئون بها، { وغرتكم الحياة الدنيا } ~~أي خدعتكم فاطمأننتم إليها فأصبحتم من الخاسرين، ولهذا قال عز وجل: { ~~فاليوم لا يخرجون منها } أي من النار، { ولا هم ~~يستعتبون } أي لا يطلب منهم العتبى، بل يعذبون بغير حساب ولا ~~عتاب، كما تدخل طائفة من المؤمنين الجنة بغير عذاب ولا حساب. ثم لما ذكر ~~تعالى حكمه في المؤمنين والكافرين قال { فلله الحمد رب ~~السموت ورب الأرض } أي المالك لهما وما فيهما، ولهذا قال: ~~{ رب العالمين } ، ثم قال جل وعلا: { وله الكبريآء في ~~السماوات والأرض } ، قال مجاهد: يعني السلطان، أي هو العظيم ~~الممجد الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه، وقد ورد في الحديث الصحيح: # " يقول الله تعالى: العظمة إزاري، الكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا ~~منهما أسكنته ناري " # ، وقوله تعالى: { وهو العزيز } أي الذي لا يغالب ولا يمانع، { ~~الحكيم ms2228 } في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، تعالى وتقدس لا إله إلا ~~هو. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-6] # يخبر تعالى أنه أنزل الكتاب على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه ~~عليه دائما إلى يوم الدين، ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام والحكمة في ~~الأقوال والأفعال. ثم قال تعالى: { ما خلقنا السموت ~~والأرض وما بينهمآ إلا بالحق } أي لا على وجه العبث ~~والباطل، { وأجل مسمى } أي وإلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا ~~تنقص، وقوله تعالى: { والذين كفروا عمآ أنذروا ~~معرضون } أي لاهون عما يراد بهم، وقد أنزل الله تعالى إليهم كتابا، ~~وأرسل إليهم رسولا، وهم معرضون عن ذلك كله، أي وسيعلمون غب ذلك، ثم قال ~~تعالى { قل } أي لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره { أرأيتم ~~ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من ~~الأرض } أي أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض { أم ~~لهم شرك في السموت }؟ أي ولا شرك لهم في السماوات ولا في ~~الأرض وما يملكون من قطمير، إن الملك والتصرف كله إلا لله عز وجل، فكيف ~~تعبدون معه غيره وتشركون به؟ من أرشدكم إلى هذا؟ من دعاكم إليه؟ أهو ~~أمركم به؟ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال { ائتوني ~~بكتاب من قبل هذآ } أي هاتوا كتابا من كتب الله المنزلة ~~على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يأمركم بعبادة هذه الأصنام { أو ~~أثارة من علم } أي دليل بين على هذا المسلك الذي سلكتموه { ~~إن كنتم صادقين } أي لا دليل لكم لا نقليا ولا عقليا على ذلك، ~~قال مجاهد { أو أثارة من علم } أو أحد يأثر علما، وقال ابن ~~عباس: أو بينة من الأمر، وقال أبو بكر بن عياش: أو بقية من علم، وقال ابن ~~عباس ومجاهد { أو أثارة من علم } يعني الخط، وقال قتادة { ~~أو أثارة من علم } خاصة من علم، وكل هذه الأقوال متقاربة، ~~وهي راجعة إلى ما قلناه، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله، وقوله تبارك ~~وتعالى: { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ms2229 ~~يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم ~~غافلون }؟ أي لا أضل ممن يدعو من دون الله أصناما، ويطلب منها ما لا ~~تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول لا تسمع ولا تبصر، لأنها ~~جماد وحجارة صم، وقوله تبارك وتعالى: { وإذا حشر الناس كانوا ~~لهم أعدآء وكانوا بعبادتهم كافرين } كقوله عز ~~وجل: # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82] أي سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم، وقال تعالى: # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ~~ناصرين # [العنكبوت: 25]. ### || [46.7-9] # يقول عز وجل مخبرا عن المشركين في كفرهم وعنادهم، إنهم إذا تتلى ~~عليهم آيات الله { بينات } أي في حال بيانها ووضوحها وجلائها، ~~يقولون: { هذا سحر مبين } أي سحر واضح وقد كذبوا وافتروا ~~وضلوا وكفروا، { أم يقولون افتراه } يعنون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، قال الله عز وجل: { قل إن افتريته فلا ~~تملكون لي من الله شيئا } أي لو كذبت عليه وزعمت أنه ~~أرسلني، وليس كذلك لعاقبني أشد العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض لا ~~أنتم ولا غيركم أن يجيرني منه، كقوله تبارك وتعالى: # قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من ~~دونه ملتحدا # [الجن: 22]، وقال تعالى: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين # [الحاقة: 44-45] ولهذا قال سبحانه وتعالى ههنا: { قل إن ~~افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم ~~بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم } هذا ~~تهديد لهم ووعيد أكيد، وترهيب شديد، وقوله جل وعلا: { وهو الغفور ~~الرحيم } ترغيب لهم إلى التوبة والإنابة، أي ومع هذا كله إن رجعتم ~~وتبتم تاب الله عليكم، وعفا عنكم وغفر ورحم، وهذه الآية كقوله عز وجل: # قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ~~إنه كان غفورا رحيما # [الفرقان: 6]، وقوله تبارك وتعالى: { قل ما كنت بدعا من ~~الرسل } أي لست بأول رسول طرق العالم، بل قد جاءت الرسل من قبلي، فما ~~أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدون بعثتي ms2230 إليكم، فإنه ~~قد أرسل الله جل وعلا قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم، قال ابن عباس ومجاهد ~~{ قل ما كنت بدعا من الرسل } ما أنا بأول رسول بعث إلى ~~الناس. # وقوله تعالى: { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم } قال ابن ~~عباس: نزل بعدها # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] وقال الضحاك: { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم ~~} أي ما أدري بماذا أومر وبماذا أنهى بعد هذا؟ وقال الحسن البصري في قوله ~~تعالى: { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم } أما في الآخرة ~~فمعاذ الله وقد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم ~~في الدنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء؟ أم أقتل كما قتلت الأنبياء من ~~قبلي؟ ولا أدري أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة؟ ولا شك أن هذا هو اللائق به ~~صلى الله عليه وسلم، فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ~~ومن اتبعه؛ وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي ~~قريش، إلى ماذا أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون، فيستأصلون بكفرهم؟ فأما ~~الحديث الذي رواه ابن شهاب عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء - # " وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - قالت: طار لهم في السكنى ~~حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين (عثمان بن مظعون) رضي الله عنه، ~~فاشتكى عثمان فمرضناه حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي عليك، ~~لقد أكرمك الله عز وجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما ~~يدريك أن الله تعالى أكرمه؟ " فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو ~~له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي، قالت: فقلت: والله ~~لا أزكي أحدا بعده أبدا، وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان رضي الله عنه ~~عينا ms2231 تجري، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فقال ~~رسول والله صلى الله عليه سلم: " ذاك عمله " " " # وفي لفظ: # " ما أدري وأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفعل به " # - وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ، بدليل قولها؛ فأحزنني ذلك - ففي هذا ~~وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة، إلا الذي نص الشارع على ~~تعيينهم كالعشرة المبشرين بالجنة، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر ~~معونة وما أشبههم وقوله: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ~~أي إنما أتبع ما ينزله الله علي من الوحي، { ومآ أنا إلا ~~نذير مبين } أي بين النذارة أمري ظاهر، لكل ذي لب وعقل، والله ~~أعلم. ### || [46.10-14] # يقول تعالى: { قل } يا محمد لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن { ~~أرأيتم إن كان } هذا القرآن { من عند الله وكفرتم ~~به }؟ أي ما ظنكم أن الله صانع بكم، إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به ~~قد أنزله علي لأبلغكموه، وقد كفرتم به وكذبتموه؟ { وشهد شاهد ~~من بني إسرائيل على مثله } أي وقد شهدت بصدقه وصحته ~~الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبلي، بشرت به ~~وأخبرت بمثل ما أخبر هذا القرآن به. وقوله عز وجل: { فآمن } أي هذا ~~الذي شهد بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيقته، { واستكبرتم } ~~أنتم عن اتباعه، وقال مسروق: فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه وكفرتم أنتم ~~بنبيكم وكتابكم، { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } ~~وهذا يعم (عبد الله بن سلام) وغيره، كقوله تبارك وتعالى: # وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق ~~من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين # [القصص: 53] وقال: # إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى ~~عليهم يخرون للأذقان سجدا # [الإسراء: 107] الآية، وروى مالك، عن عامر بن سعد عن أبيه قال: # " ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض ~~إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام رضي الله عنه، قال: وفيه نزلت { ~~وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله } " # ، وكذا قال ابن عباس ms2232 ومجاهد والضحاك وقتادة: إنه عبد الله بن سلام، ~~وقوله تعالى: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو ~~كان خيرا ما سبقونآ إليه } أي قالوا عن المؤمنين بالقرآن ~~لو كان القرآن خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه، يعنون (بلالا) و(عمارا) ~~و(صهيبا) و(خبابا) رضي الله عنهم وأشباههم من المستضعفين والعبيد ~~والإماء. غلطوا في ذلك غلطا فاحشا وأخطأوا خطأ بينا كما قال تبارك ~~وتعالى: # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننآ # [الأنعام: 53] أي يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا ولهذا قالوا: { لو ~~كان خيرا ما سبقونآ إليه } ، وأما أهل السنة والجماعة ~~فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة رضي الله عنهم: هو بدعة، لأنه ~~لو كان خيرا لسبقونا إليه لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد ~~بادروا إليها، وقوله تعالى: { وإذ لم يهتدوا به } أي بالقرآن ~~{ فسيقولون هذآ إفك قديم } أي كذب قديم مأثور عن الناس ~~الأقدمين، فينتقصون القرآن وأهله، وهذا هو الكبر الذي قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " بطر الحق وغمط الناس " # ثم قال تعالى: { ومن قبله كتاب موسى } وهو التوراة { ~~إماما ورحمة وهذا كتاب } يعني القرآن { مصدق } أي ~~لما قبله من الكتب { لسانا عربيا } أي فصيحا بينا واضحا { ~~لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين } أي مشتمل ~~على النذارة للكافرين، والبشارة للمؤمنين، وقوله تعالى: { إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } تقدم تفسيرها ~~في سورة حم السجدة. وقوله تعالى: { فلا خوف عليهم } أي فيما ~~يستقبلون { ولا هم يحزنون } على ما خلفوا { أولئك ~~أصحاب الجنة خالدين فيها جزآء بما كانوا ~~يعملون } أي الأعمال سبب لنيل الرحمة لهم وسبوغها عليهم، والله ~~أعلم. ### || [46.15-16] # لما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيد له وإخلاص العبادة والاستقامة ~~إليه، عطف بالوصية بالوالدين، كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن ~~كقوله عز وجل: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23]، وقوله جل جلاله: # أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير # [لقمان: 14] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، وقال عز وجل ms2233 ههنا: { ~~ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا } أي أمرناه بالإحسان ~~إليهما والحنو عليهما، روى أبو داود الطيالسي، عن سعد رضي الله عنه قال: ~~قالت أم سعد لسعد: أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين؟ فلا آكل طعاما ولا ~~أشرب شرابا حتى تكفر بالله تعالى، فامتنعت من الطعام والشراب، حتى ~~جعلوا يفتحون فاها بالعصا، ونزلت هذه الآية: { ووصينا الإنسان ~~بوالديه إحسانا } الآية، { حملته أمه كرها } أي ~~قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبا، من وحم وغشيان وثقل وكرب إلى غير ~~ذلك، مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، { ووضعته كرها } أي ~~بمشقة أيضا من الطلق وشدته، { وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا } وقد استدل بهذه الآية مع التي في لقمان # وفصاله في عامين # [الآية: 14]، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح، روى ~~محمد بن إسحاق، عن معمر بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من ~~جهينة، فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان رضي الله عنه، ~~فذكر ذلك له، فبعث إليها فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها، فقالت: ما ~~يبكيك، فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط، فيقضي الله ~~سبحانه وتعالى في ما شاء، فلما أتى بها عثمان رضي الله عنه أمر برجمها، ~~فبلغ ذلك عليا رضي الله عنه، فأتاه فقال له: ما تصنع؟ قال: ولدت تماما ~~لستة أشهر وهل يكون ذلك؟ فقال له علي رضي الله عنه: أما تقرأ القرآن؟ ~~قال: بلى، قال: أما سمعت الله عز وجل يقول: { وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا } وقال: # حولين كاملين # [البقرة: 233] فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، قال، فقال عثمان رضي الله ~~عنه: والله ما فطنت بهذا، علي بالمرأة، فوجدوها قد فرغ منها، قال، فقال ~~معمر: فوالله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة أشبه منه بأبيه، ~~فلما رآه أبوه قال: ابني والله لا أشك فيه، قال، وابتلاه الله تعالى بهذه ~~القرحة بوجهه الآكلة، فما زالت تأكله حتى مات، وقال ابن عباس: إذا وضعت ~~المرأة لتسعة أشهر كفاه من ms2234 الرضاع أحد وعشرون شهرا، وإذا وضعته لسبعة ~~أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين ~~كاملين، لأن الله تعالى يقول: { وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا } { حتى إذا بلغ أشده } أي قوي وشب وارتجل، { ~~وبلغ أربعين سنة } أي تناهى عقله، وكمل فهمه وحلمه، ويقال ~~إنه لا يتغير غالبا عما يكون عليه ابن الأربعين، وروى الحافظ الموصلي، ~~عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف الله تعالى حسابه، وإذا بلغ ستين ~~سنة رزقه الله تعالى الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء، ~~وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله تعالى حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ ~~تسعين سنة غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفعه الله تعالى في أهل ~~بيته، وكتب في السماء أسير الله في أرضه ". # { قال رب أوزعني } أي ألهمني { أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل ~~صالحا ترضاه } أي في المستقبل، { وأصلح لي في ذريتي ~~} أي نسلي وعقبي، { إني تبت إليك وإني من المسلمين ~~} وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله ~~عز وجل ويعزم عليها، وقد روى أبو داود في " سننه " عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد: " ~~اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من ~~الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في ~~أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب ~~الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها، وأتممها علينا " ~~" # قال الله عز وجل: { أولئك الذين نتقبل عنهم ~~أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب ~~الجنة } أي هؤلاء المتصفون بما ذكرنا، التائبون إلى الله المنيبون ~~إليه، المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ~~ما عملوا، ونتجاوز عن سيئاتهم، فيغفر لهم الكثير من الزلل، ونتقبل منهم ~~اليسير ms2235 من العمل { في أصحاب الجنة } أي هم في جملة أصحاب الجنة، ~~وهذا حكمهم عند الله كما وعد الله عز وجل من تاب إليه وأناب، ولهذا ~~قال تعالى: { وعد الصدق الذي كانوا يوعدون } ، روى ابن ~~أبي حاتم، عن محمد بن حاطب قال: لقد شهدت أمير المؤمنين عليا رضي الله ~~عنه، وعنده (عمار) و(صعصعة) و(الأشتر) و(محمد بن أبي بكر) رضي الله عنهم، ~~فذكروا عثمان رضي الله عنه فنالوا منه، فكان علي على السرير ومعه عود في ~~يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم، فسألوه، فقال علي رضي الله ~~عنه: كان عثمان رضي الله عنه من الذين قال الله تعالى: { أولئك ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز ~~عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي ~~كانوا يوعدون } قال: والله عثمان وأصحاب عثمان رضي الله عنهم، ~~قالها ثلاثا. قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب: آلله لسمعت هذا من علي رضي ~~الله عنه؟ قال: آلله لسمعت هذا من علي رضي الله عنه. ### || [46.17-20] # لما ذكر تعالى حال الداعين للوالدين البارين بهما، وما لهم عنده من ~~الفوز والنجاة، عطف بحال الأشقياء العاقين للوالدين فقال: { والذي ~~قال لوالديه أف لكمآ } وهذا عام في كل من قال هذا، ومن ~~زعم أنها نزلت في (عبد الرحمن بن أبي بكر) رضي الله عنهما فقوله ضعيف، ~~لأن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه ~~وكان من خيار أهل زمانه، وإنما هذا عام في كل من عق والديه وكذب بالحق ~~فقال لوالديه: أف لكما: روى ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن المديني قال: ~~إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله تعالى قد أرى أمير المؤمنين ~~في يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه، فقد استخلف أبو بكر عمر رضي الله ~~عنهما، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما: أهرقلية؟ إن أبا بكر ~~رضي الله عنه والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحد من أهل بيته، ولا ~~جعلها معاوية ms2236 في ولده إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان: ألست الذي قال ~~لوالديه: أف لكما؟ فقال عبد الرحمن رضي الله عنه: ألست ابن اللعين ~~الذي لعن رسول الله صلى الله عليه سلم أباك، قال: وسمعتهما عائشة رضي ~~الله عنها فقالت: يا مروان! أنت القائل لعبد الرحمن رضي الله عنه كذا ~~وكذا؟ كذبت، ما فيه نزلت، ولكن نزل في فلان بن فلان، ثم انتحب مروان، ثم ~~نزل عن المنبر، حتى أتى باب حجرتها فجعل يكلمها حتى انصرف. وروى النسائي، ~~عن محمد بن زياد قال: قال لما بايع معاوية رضي الله عنه لابنه قال مروان: ~~سنة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله ~~عنهما: سنة هرقل وقيصر، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه: { ~~والذي قال لوالديه أف لكمآ } ، فبلغ ذلك عائشة رضي ~~الله عنها فقالت: كذب مروان، والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت ~~فيه لسميته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في ~~صلبه، فمروان فضض من لعنة الله. وقوله: { أتعدانني أن ~~أخرج }؟ أي أبعث، { وقد خلت القرون من قبلي } أي قد ~~مضى الناس فلم يرجع منهم مخبر، { وهما يستغثيان الله } أي ~~يسألان الله فيه أن يهديه ويقولان لولدهما: { ويلك آمن إن ~~وعد الله حق فيقول ما هذآ إلا أساطير ~~الأولين }. # قال الله تعالى: { أولئك الذين حق عليهم القول ~~في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ~~إنهم كانوا خاسرين } أي دخلوا في زمرة أشباههم وأضرابهم من ~~الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وقوله: { أولئك } ~~بعد قوله { والذي قال } دليل على ما ذكرناه من أنه جنس يعم كل من ~~كان كذلك، وقال الحسن وقتادة: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه المكذب ~~بالبعث، وقوله تبارك وتعالى: { ولكل درجات مما عملوا } ~~أي لكل عذاب بحسب عمله، { وليوفيهم أعمالهم وهم لا ~~يظلمون } أي لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها، قال عبد الرحمن بن ~~زيد: درجات النار تذهب سفالا، ودرجات ms2237 الجنة تذهب علوا، وقوله عز ~~وجل: { ويوم يعرض الذين كفروا على النار ~~أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها } ، أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا، وقد تورع ~~أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن كثير من طيبات المآكل ~~والمشارب وتنزه عنها وقال: إني أخاف أن أكون من الذين قال الله لهم: { ~~أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها } ، وقوله عز وجل: { فاليوم تجزون ~~عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تفسقون } جوزوا من جنس عملهم، فكما متعوا ~~أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق، وتعاطوا الفسق والمعاصي، جازاهم الله ~~تبارك وتعالى بعذاب الهون، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة، والحسرات ~~المتتابعة، والمنازل في الدركات المفظعة، أجارنا الله سبحانه وتعالى من ~~ذلك كله. ### || [46.21-25] # يقول تعالى مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم، في تكذيب من كذبه من قومه ~~{ واذكر أخا عاد } وهو (هود) عليه الصلاة والسلام. بعثه الله ~~عز وجل إلى عاد الأولى، وكانوا يسكنون الأحقاف، جمع حقف، وهو الجبل ~~من الرمل وقال عكرمة: الأحقاف: الجبل والغار، وقال قتادة ذكر لنا أن ~~عادا كانوا حيا باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها ~~الشحر، وقوله تعالى: { وقد خلت النذر من بين يديه ~~ومن خلفه } ، يعني وقد أرسل الله تعالى إلى من حول بلادهم في ~~القرى مرسلين ومنذرين، كقوله عز وجل: # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود * إذ جآءتهم الرسل من بين أيديهم ~~ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله # [فصلت: 13-14] { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } ~~أي قال لهم هود ذلك فأجابه قومه قائلين { أجئتنا لتأفكنا عن ~~آلهتنا }؟ أي لتصدنا عن آلهتنا، { فأتنا بما تعدنآ إن ~~كنت من الصادقين } استعجلوا عذاب الله وعقوبته، استبعادا منهم ~~وقوعه، كقوله جلت عظمته: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها # [الشورى: 18]، { قال إنما العلم عند الله } أي الله أعلم ~~بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فسيفعل ذلك بكم، وأما أنا فمن شأني أن ~~أبلغكم ما أرسلت به { ولكني أراكم ms2238 قوما تجهلون } أي ~~لا تعقلون ولا تفهمون، قال الله تعالى: { فلما رأوه عارضا ~~مستقبل أوديتهم } أي لما رأوا العذاب مستقبلهم، اعتقدوا ~~أنه عارض ممطر ففرحوا واستبشروا به، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر، ~~قال الله تعالى: { بل هو ما استعجلتم به ريح فيها ~~عذاب أليم } أي هو العذاب الذي قلتم فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين، { تدمر } أي تخرب { كل شيء } من بلادهم مما من شأنه ~~الخراب، { بأمر ربها } أي بإذن الله لها في ذلك، كقوله سبحانه ~~وتعالى: # ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # [الذاريات: 42] أي كالشيء البالي، ولهذا قال عز وجل: { فأصبحوا ~~لا يرى إلا مساكنهم } أي قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم تبق ~~لهم باقية، { كذلك نجزي القوم المجرمين } أي هذا حكمنا ~~فيمن كذب رسلنا وخالف أمرنا. # يروى أن عادا قحطوا فبعثوا وفدا يقال له (قيل) فمر بمعاوية بن بكر، ~~فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر، وتغنيه جاريتان، يقال لهما الجرادتان، ~~فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة، فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجىء إلى ~~مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه، فمرت ~~به سحابات سود، فنودي منها اختر، فأومأ إلى سحابة سوداء، فنودي منها خذها ~~رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا، فما أرسل عليهم من الريح إلا قدر ~~ما يجري في الخاتم حتى هلكوا، قال أبو وائل: وكانت المرأة والرجل إذا ~~بعثوا وافدا لهم، قالوا: لا تكن كوافد عاد، وروى الإمام أحمد، عن عائشة ~~رضي الله عنها أنها قالت: # " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه ~~لهواته، إنما كان يتبسم. وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه. قالت: يا رسول الله إن الناس إذا ~~رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك ~~الكراهية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عائشة ما يؤمنني أن ms2239 ~~يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب وقالوا هذا ~~عارض ممطرنا " " # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: " اللهم إني ~~أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما ~~فيها، وشر ما أرسلت به " ، قالت: وإذا تخبلت السماء تغير لونه، وخرج ~~ودخل، وأقبل وأدبر، وإذا أمطرت سري عنه، فعرفت ذلك عائشة رضي الله عنها، ~~فسألته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعله يا عائشة كما قال قوم ~~عاد: { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم ~~قالوا هذا عارض ممطرنا } " # ، وقد ذكرنا قصة هلاك قوم عاد في سورة الأعراف وهود بما أغنى عن إعادته ~~ههنا، ولله الحمد والمنة. ### || [46.26-28] # يقول تعالى: ولقد مكنا الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد، ~~وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبا منه، { وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة فمآ أغنى عنهم سمعهم ~~ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا ~~يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزئون } ، أي وأحاط بهم العذاب والنكال الذي كانوا يكذبون به ~~ويستبعدون وقوعه، أي فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم فيصيبكم مثل ~~ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة. # وقوله تعالى: { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى } ~~يعني أهل مكة، وقد أهلك الله الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد وكانوا ~~بالأحقاف بحضرموت عند اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، ~~وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك ~~بحيرة قوم لوط كانوا يمرون بها أيضا، وقوله عز وجل: { وصرفنا ~~الآيات } أي بيناها وأوضحناها { لعلهم يرجعون * فلولا ~~نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة ~~} أي فهل نصروهم عند احتياجهم إليهم، { بل ضلوا عنهم } أي بل ~~ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم، { وذلك إفكهم } أي كذبهم، { ~~وما كانوا يفترون } أي وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهة، وقد ~~خابوا وخسروا في عبادتهم لها واعتمادهم عليها، والله أعلم. ms2240 ### || [46.29-32] # روي عن الزبير { وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرآن } قال: بنخلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي العشاء الآخرة، # كادوا يكونون عليه لبدا # [الجن: 19] صلى الله عليه وسلم وكانوا سبعة من جن نصيبين. وروى الحافظ ~~البيهقي في كتابه " دلائل النبوة " عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: # " ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم، انطلق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وقد ~~حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين ~~إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت ~~علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا ~~مشارق الأرض ومغاربها وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، ~~فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين ~~خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه ~~صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال ~~بينكم وبين خبر السماء فهنالك حين رجعوا إلى قومهم { فقالوا إنا ~~سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ~~ولن نشرك بربنآ أحدا } " # ، وأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن # [الجن: 1] وإنما أوحي إليه قول الجن، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه قال: هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة ~~فلما سمعوه، قالوا: أنصتوا، قال: صه، وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة، فأنزل ~~الله عز وجل: { وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ~~فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين } - إلى - { ~~ضلال مبين } فهذا مع رواية ابن عباس يقتضي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، ms2241 وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا ~~إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا، قوما بعد قوم، وفوجا بعد ~~فوج، قال الحافظ البيهقي: وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي الله عنهما إنما ~~هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمت حاله، وفي ~~ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم ~~القرآن ودعاهم إلى الله عز وجل. # روى الإمام مسلم، عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود رضي الله ~~عنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: ~~أنا سألت ابن مسعود رضي الله عنه فقلت: # " هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ~~ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه ~~في الأودية والشعاب، فقيل: استطير؟ اغتيل؟ قال، فبتنا بشر ليلة بات بها ~~قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال، فقلنا: يا رسول الله ~~فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: " أتاني داعي ~~الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن " ، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم ~~وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: " كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في ~~أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم " ، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم " " # وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال، # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بت الليلة أقرأ على الجن ~~واقفا بالحجون " " # (طريق أخرى): قال ابن جرير، عن ابن شهاب، عن أبي عثمان بن شبة الخزاعي ~~- وكان من أهل الشام - قال: # " إن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأصحابه وهو بمكة: " من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل " ~~، فلم يحضر منهم أحد غيري، قال، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى ms2242 مكة خط برجله ~~خطا، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن، فغشيته ~~أسودة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل ~~قطع السحاب ذاهبين، حتى بقي منهم رهط ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مع الفجر، فانطلق فتبرز، ثم أتاني فقال: " ما فعل الرهط؟ " قلت: هم أولئك ~~يا رسول الله، فأعطاهم عظما وروثا زادا، ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو ~~عظم " # وعن قتادة في قوله تعالى: { وإذ صرفنآ إليك نفرا من ~~الجن يستمعون القرآن } قال: # " ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من (نينوى) وأن نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " إني أمرت أن أقرأ على الجن، فأيكم يتبعني؟ " فأطرقوا، ثم ~~استتبعهم، فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة، فقال رجل: يا رسول الله إن ذاك ~~لذو ندبة، فأتبعه ابن مسعود رضي الله عنه أخو هذيل، قال: فدخل صلى الله ~~عليه وسلم شعبا يقال له (شعب الحجون) وخط عليه، وخط على ابن مسعود رضي ~~الله عنه خطا ليثبته بذلك، قال: فجعلت أهال وأرى أمثال النسور تمشي في ~~دفوفها، وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~تلا القرآن، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: يا رسول الله ~~ما اللغط الذي سمعت؟ قال صلى الله عليه وسلم: " اختصموا في قتيل فقضي ~~بينهم بالحق " ". # فهذه الطريق تدل على أنه صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الجن قصدا، فتلا ~~عليهم القرآن ودعاهم إلى الله عز وجل، أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن ~~نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين، وقد قال الحافظ أبو بكر ~~البيهقي: # " كان أبو هريرة رضي الله عنه يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإداوة ~~لوضوئه وحاجته، فأدركه يوما فقال: " من هذا؟ " ، قال: أنا أبا هريرة، ~~قال صلى الله عليه وسلم: " ائتني بأحجار أستنج بها ولا تأتني بعظم ولا ~~روثة " ، فأتيته بأحجار في ثوبي، فوضعتها إلى جنبه، حتى إذا فرغ وقام ~~اتبعته، فقلت: يا ms2243 رسول الله ما بال العظم والروثة؟ قال صلى الله عليه ~~وسلم: " أتاني وفد جن نصيبين فسألوني الزاد، فدعوت الله تعالى لهم أن لا ~~يمروا بروثة ولا عظم، إلا وجدوه طعاما " " # وقال سفيان الثوري، عن ابن مسعود رضي الله عنه: كانوا تسعة أحدهم زوبعة، ~~أتوه من أصل نخلة، وفي رواية أنهم كانوا على ستين راحلة، وقيل كانوا ~~ثلثمائة، فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه صلى الله عليه ~~وسلم. ومما يدل على ذلك ما قاله البخاري في " صحيحه " ، عن عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنهما قال: ما سمعت عمر رضي الله عنه يقول لشيء قط إني ~~لأظنه هكذا، إلا كان كما يظن، بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه جالس إذ ~~مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، أو أن هذا على دينه في الجاهلية، أو ~~لقد كان كاهنهم، علي بالرجل، فدعي له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيت ~~كاليوم أستقبل به رجل مسلم، قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني، قال: ~~كنت كاهنهم في الجاهلية، قال فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال بينما أنا ~~يوما في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: # ألم تر الجن وإبلاسها # ويأسها من بعد إنكاسها # ولحوقها بالقلاص وأحلاسها # قال عمر رضي الله عنه: صدق، # " بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل، فذبحه، فصرخ به صارخ لم ~~أسمع صارخا قط أشد صوتا منه، يقول: يا جليح، أمر نجيح رجل فصيح يقول: ~~لا إله إلا الله، قال: فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ~~ثم نادى: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله، فقمت فما ~~نشبنا أن قيل: هذا نبي ". # وقوله تبارك وتعالى { وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن ~~} أي طائفة من الجن، { يستمعون القرآن فلما حضروه ~~قالوا أنصتوا } أي استمعوا وهذا أدب منهم، عن جابر بن عبد الله ~~رضي الله عنهما، قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ms2244 ثم قال: " ~~ما لي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه ~~الآية من مرة { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ~~ولا بشيء من آلائك أو نعمك ربنا نكذب فلك الحمد " " # وقوله عز وجل: { فلما قضي } أي فرغ كقوله تعالى: # فإذا قضيت الصلاة # [الجمعة: 10]، # فإذا قضيتم مناسككم # [البقرة: 200]، { ولوا إلى قومهم منذرين } أي رجعوا ~~إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله جل ~~وعلا: # ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون # [التوبة: 122]، وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذر وليس فيهم ~~رسل، فأما قوله تبارك وتعالى في الأنعام: # يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # [الآية: 130] فالمراد من مجموع الجنسين فيصدق على أحدهما وهو الإنس، ~~كقوله: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] أي أحدهما، ثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم، فقال ~~مخبرا عنهم: { قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل ~~من بعد موسى } ولم يذكروا عيسى، لأن عيسى عليه السلام أنزل عليه ~~الإنجيل، فيه مواعظ وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم ~~لشريعة التوراة، فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا { أنزل من بعد ~~موسى } { مصدقا لما بين يديه } أي من الكتب المنزلة ~~على الأنبياء قبله، { يهدي إلى الحق } أي في الاعتقاد ~~والإخبار، { وإلى طريق مستقيم } في الأعمال فإن القرآن ~~مشتمل على: خبر وطلب، فخبره صدق، وطلبه عدل كما قال تعالى: # وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا # [الأنعام: 115]، وهكذا قالت الجن { يهدي إلى الحق } في ~~الاعتقادات، { وإلى طريق مستقيم } أي في العمليات { ~~يقومنآ أجيبوا داعي الله } فيه دلالة على أنه تعالى أرسل ~~محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين، الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله ~~تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعدهم ~~ووعيدهم وهي " سورة الرحمن " ، ولهذا قال: { أجيبوا داعي الله ~~وآمنوا به }. # وقوله تعالى: { يغفر لكم من ذنوبكم } قبل إن { من } ~~ههنا زائدة، وفيه نظر، وقيل إنها للتبعيض، { ويجركم من عذاب ~~أليم } أي ويقيكم من عذابه ms2245 الأليم، ومؤمنو الجن يدخلون الجنة كمؤمني ~~الإنس، ويدل عليه قوله تعالى: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46] فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، ~~ولم يرد نص صريح ولا ظاهر عن الشارع، أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة وإن ~~أجيروا من النار، ولو صح لقلنا به. # وقد حكي فيهم أقوال غريبة، فمن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو ~~آدم ولا يروا بني آدم، بعكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا، ومن الناس من ~~قال: لا يأكلون في الجنة ولا يشربون، وإنما يلهمون التسبيح والتحميد ~~والتقديس عوضا عن الطعام والشراب، كالملائكة لأنهم من جنسهم، وكل هذه ~~الأقوال فيها نظر، ولا دليل عليها، ثم قال مخبرا عنهم: { ومن لا ~~يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض } أي بل قدرة ~~الله شاملة له ومحيطة له { وليس له من دونه أوليآء } أي ~~لا يجيرهم منه أحد { أولئك في ضلال مبين } وهذا مقام ~~تهديد وترهيب، فدعوا قومهم بالترغيب والترهيب، ولهذا نجع في كثير منهم، ~~وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفودا وفودا كما تقدم بيانه، ~~والله أعلم. ### || [46.33-35] # يقول تعالى: أو لم ير هؤلاء المنكرون للبعث، المستبعدون لقيام الأجساد ~~يوم المعاد { أن الله الذي خلق السموت والأرض ~~ولم يعي بخلقهن } أي ولم يكرثه خلقهن بل قال لها: كوني ~~فكانت، بلا ممانعة ولا مخالفة، بل طائعة مجيبة خائفة وجلة، أفليس ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى؟ كما قال عز وجل في الآية الأخرى: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]، ولهذا قال تعالى: { بلى إنه على كل شيء ~~قدير } ثم قال جل جلاله متهددا ومتوعدا لمن كفر به: { ويوم ~~يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا ~~بالحق }؟ أي يقال لهم: أما هذا حق؟ أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون؟ { ~~قالوا بلى وربنا } أي لا يسعهم إلا الاعتراف، { قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } ، ثم قال تبارك ~~وتعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم ms2246 بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه ~~{ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } أي على ~~تكذيب قومهم لهم، { ولا تستعجل لهم } أي لا تستعجل لهم حلول ~~العقوبة بهم كقوله تبارك وتعالى # ومهلهم قليلا # [المزمل: 11]، وكقوله تعالى: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17] { كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم ~~يلبثوا إلا ساعة من نهار } كقوله عز وجل: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46]، وكقوله عز وجل: # ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من ~~النهار يتعارفون بينهم # [يونس: 45] الآية، وقوله جل وعلا: { بلاغ } تقديره هذا القرآن بلاغ، ~~وقوله تعالى: { فهل يهلك إلا القوم الفاسقون }؟ أي لا ~~يهلك إلا هالك، وهذا من عدله عز وجل، أنه لا يعذب إلا من يستحق ~~العذاب والله أعلم. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-3] # يقول تعالى: { الذين كفروا } أي بآيات الله { وصدوا } ~~غيرهم { عن سبيل الله أضل أعمالهم } أي أبطلها وأذهبها، ~~ولم يجعل لها ثوابا ولا جزاء، كقوله تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]، ثم قال جل وعلا { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادت لشرع الله جوارحهم ~~وبواطنهم، { وآمنوا بما نزل على محمد } عطف خاص على ~~عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته صلى الله عليه وسلم، ~~وقوله تبارك وتعالى: { وهو الحق من ربهم } جملة معترضة ~~حسنة، ولهذا قال جل جلاله: { كفر عنهم سيئاتهم ~~وأصلح بالهم } قال ابن عباس: أي أمرهم، وقال مجاهد: شأنهم، وقال ~~قتادة: حالهم، والكل متقارب، وفي حديث تشميت العاطس # " يهديكم الله ويصلح بالكم " # ، ثم قال عز وجل: { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا ~~الباطل } أي إنما أبطلنا أعمال الكفار، وتجاوزنا عن سيئات الأبرار، ~~وأصلحنا شؤونهم؛ لأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، أي اختاروا الباطل على ~~الحق، { وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ~~كذلك يضرب الله للناس أمثالهم } أي يبين لهم مآل ~~أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || [47.4-9] # يقول تعالى مرشدا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه ms2247 في حروبهم مع المشركين: { ~~فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } أي إذا ~~واجهتموهم فاحصدوهم حصدا بالسيوف، { حتى إذآ أثخنتموهم } ~~أي أهلكتموهم قتلا، { فشدوا الوثاق } الأسارى الذين تأسرونهم، ~~ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم ~~مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه ~~منهم، والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله سبحانه وتعالى ~~عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ ليأخذوا منهم الفداء ~~فقال: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # [الأنفال: 67]، ثم قد ادعى بعض العلماء أن الآية منسوخة بقوله تعالى: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] الآية، روي عن ابن عباس والضحاك والسدي. وقال الأكثرون: ~~ليست بمنسوخة، والإمام مخير بين المن على الأسير ومفاداته، وله أن يقتله ~~إن شاء لحديث قتل النبي صلى الله عليه وسلم (النضر بن الحارث) و(عقبة بن ~~أبي معيط) من أسارى بدر، وقال الشافعي رحمه الله: الإمام مخير بين قتله ~~أو المن عليه أو مفاداته أو استرقاقه، وقوله عز وجل: { حتى ~~تضع الحرب أوزارها } قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه ~~الصلاة والسلام، وكأنه أخذه من قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال " # وهذا يقوي القول بعدم النسخ، كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى أن لا ~~يبقى حرب، وقال قتادة { حتى تضع الحرب أوزارها } حتى لا ~~يبقى شرك، وهذا كقوله تعالى: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله # [البقرة: 193] ثم قال بعضهم: حتى تضع الحرب أوزارها أي أوزار المحاربين ~~وهم المشركون بأن يتوبوا إلى الله عز وجل، وقيل: أوزار أهلها بأن ~~يبذلوا الوسع في طاعة الله تعالى، وقوله عز وجل: { ذلك ولو ~~يشآء الله لانتصر منهم } أي هذا ولو شاء الله لانتقم من ~~الكافرين بعقوبة ونكال من عنده { ولكن ليبلوا بعضكم ~~ببعض } أي ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء، ليختبركم ويبلو ~~أخباركم، كما ذكر حكمته ms2248 في شرعية الجهاد في قوله تعالى: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين # [آل عمران: 142]. # وقال تعالى: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # [التوبة: 14]، ثم لما كان من شأن القتال أن يقتل كثير من المؤمنين قال: ~~{ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل ~~أعمالهم } أي لن يذهبها بل يكثرها وينميها ويضاعفها، ومنهم من يجري ~~عليه عمله طول برزخه، كما ورد بذلك الحديث عن المقدام بن معد يكرب ~~الكندي رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن للشهيد عند الله ست خصال: أن يغفر له في أول دفقة من دمه، ويرى ~~مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان. ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب ~~القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار مرصع بالدر ~~والياقوت، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من ~~الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه " # وفي " صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين " # ، وفي الصحيح: # " يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته " # ، والأحاديث في فضل الشهيد كثيرة جدا. # وقوله تبارك وتعالى: { سيهديهم } أي إلى الجنة { ويصلح ~~بالهم } أي أمرهم وحالهم، { ويدخلهم الجنة عرفها ~~لهم } أي عرفهم بها وهداهم إليها، قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ~~ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، ~~وقال محمد بن كعب: يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة كما تعرفون بيوتكم إذا ~~انصرفتم من الجمعة، وقال مقاتل: بلغنا أن الملك الذي كان وكل بحفظ عمله ~~في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة، ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو ~~له فيعرفه كل شيء أعطاه الله تعالى في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله ~~في الجنة دخل إلى منزله وأزواجه وانصرف الملك عنه، وقد ورد الحديث الصحيح ~~بذلك عن أبي ms2249 سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار يتقاضون ~~مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، ~~والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في ~~الدنيا " # ، ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن تنصروا ~~الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ، كقوله عز وجل: # ولينصرن الله من ينصره # [الحج: 40] فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا قال تعالى: { ويثبت ~~أقدامكم } ، كما جاء في الحديث: # " من بلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله تعالى قدميه ~~على الصراط يوم القيامة " # ، ثم قال تبارك وتعالى: { والذين كفروا فتعسا لهم } ~~عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين. وقد ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم: تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا ~~شيك فلا انتقش " # أي فلا شفاه الله عز وجل، وقوله سبحانه وتعالى: { وأضل ~~أعمالهم } أي أحبطها وأبطلها، ولهذا قال: { ذلك بأنهم ~~كرهوا مآ أنزل الله } أي لا يريدونه ولا يحبونه { فأحبط ~~أعمالهم }. ### || [47.10-13] # يقول تعالى: { أفلم يسيروا } يعني المشركين بالله المكذبين ~~لرسوله { في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم دمر الله عليهم } أي عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم ~~أي ونجى المؤمنين من بين أظهرهم، ولهذا قال تعالى: { وللكافرين ~~أمثالها } ثم قال: { ذلك بأن الله مولى الذين ~~آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } ، ولهذا # " لما قال أبو سفيان رئيس المشركين يوم أحد: اعل هبل، اعل هبل، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا تجيبوه؟ " فقالوا: يا رسول ~~الله وما نقول؟ قال صلى الله عليه وسلم قولوا: " الله أعلى وأجل " ، ثم ~~قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال صلى الله عليه وسلم: " ألا ~~تجيبوه؟ " ، قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا ~~مولى لكم " # ، ثم قال سبحانه وتعالى: { إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ms2250 جنات تجري من تحتها الأنهار } ~~أي يوم القيامة { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون ~~كما تأكل الأنعام } أي في دنياهم يتمتعون بها ويأكلون منها ~~كأكل الأنعام، خضما وقضما ليس لهم همة إلا في ذلك، ولهذا ثبت في ~~الصحيح: " المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء " ، ثم ~~قال تعالى: { والنار مثوى لهم } أي يوم جزائهم، وقوله عز ~~وجل: { وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ~~التي أخرجتك } يعني مكة { أهلكناهم فلا ناصر ~~لهم } ، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل مكة، في تكذيبهم لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو سيد الرسل وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله عز ~~وجل قد أهلك الذين كذبوا الرسل قبله، فما ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في ~~الدنيا والأخرى؟ وقوله تعالى: { من قريتك التي أخرجتك ~~} أي الذين أخرجوك من بين أظهرهم، روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار وأتاه، فالتفت إلى مكة، ~~وقال: # " أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن ~~المشركين أخرجوني لم أخرج منك " # فأعدى الأعداء من عدا على الله تعالى في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل ~~بذحول الجاهلية، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم: { ~~وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي ~~أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم }. ### || [47.14-15] # يقول تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه } أي على ~~بصيرة ويقين في أمر الله ودينه، بما أنزل الله في كتابه من الهدى والعلم، ~~وبما جبله الله عليه من الفطرة المستقيمة، { كمن زين له سوء ~~عمله واتبعوا أهواءهم }؟ أي ليس هذا كهذا، كقوله تعالى: # أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق ~~كمن هو أعمى # [الرعد: 19] ثم قال عز وجل: { مثل الجنة التي وعد ~~المتقون } قال عكرمة { مثل الجنة } أي نعتها، { فيهآ ~~أنهار من مآء غير آسن } يعني غير متغير، والعرب تقول: ~~أسن الماء إذا تغير ريحه، وفي حديث مرفوع { غير ms2251 آسن } يعني ~~الصافي الذي لا كدر فيه، وقال عبد الله رضي الله عنه: أنهار الجنة تفجر ~~من جبل مسك { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } بل ~~في غاية البياض والحلاوة والدسومة، وفي حديث مرفوع: " لم يخرج من ضروع ~~الماشية " ، { وأنهار من خمر لذة للشاربين } أي ~~ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة، # لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون # [الصافات: 47] # لا يصدعون عنها ولا ينزفون # [الواقعة: 19]، وفي حديث مرفوع: " لم يعصرها الرجال بأقدامهم " { ~~وأنهار من عسل مصفى } أي وهو في غاية الصفاء وحسن اللون ~~والطعم والريح، وفي حديث مرفوع: " لم يخرج من بطون النحل ". روى الإمام ~~أحمد عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " في الجنة بحر اللبن وبحر الماء، وبحر العسل وبحر الخمر، ثم تشقق ~~الأنهار منها بعد " # وفي الصحيح: # " إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ~~ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن " # ، وقال الحافظ الطبراني عن عاصم # " أن لقيط بن عامر خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: ~~يا رسول الله فعلى ما نطلع من الجنة؟ قال صلى الله عليه وسلم: " على ~~أنهار من عسل مصفى، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله، ~~وأزواج مطهرة " ، قلت يا رسول الله أو لنا فيها أزواج مصلحات؟ قال: " ~~الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا ~~توالد " " # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة تجري في ~~أخدود في الأرض، والله إنها لتجري سائحة على وجه الأرض حافاتها قباب ~~اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر. # وقوله تعالى: { ولهم فيها من كل الثمرات } كقوله عز ~~وجل: # يدعون فيها بكل فاكهة آمنين # [الدخان: 55]، وقوله: سبحانه وتعالى: { ومغفرة من ربهم } ~~أي مع ذلك كله، وقوله سبحانه وتعالى: { كمن هو خالد ms2252 في النار ~~} أي أهؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة، كمن هو خالد في النار؟ ليس ~~هؤلاء كهؤلاء، وليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات، { وسقوا ~~مآء حميما } أي حارا شديد الحر لا يستطاع، { فقطع ~~أمعآءهم } أي قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء، عياذا بالله ~~تعالى من ذلك. ### || [47.16-19] # يقول تعالى: مخبرا عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا ~~يجلسون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستمعون كلامه فلا يفهمون منه ~~شيئا، فإذا خرجوا من عنده { قالوا للذين أوتوا العلم } ~~من الصحابة رضي الله عنهم { ماذا قال آنفا }؟ أي الساعة لا يعقلون ~~ما قال، ولا يكترثون له، قال الله تعالى: { أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوآءهم } أي ~~فلا فهم صحيح ولا قصد صحيح، ثم قال عز وجل: { والذين ~~اهتدوا زادهم هدى } أي والذين قصدوا الهداية، وفقهم الله ~~تعالى لها، فهداهم إليها وثبتهم عليها وزادهم منها، { وآتاهم ~~تقواهم } أي ألهمهم رشدهم. وقوله تعالى: { فهل ينظرون إلا ~~الساعة أن تأتيهم بغتة }؟ أي وهم غافلون عنها { فقد ~~جآء أشراطها } أي أمارات اقترابها، كقوله تعالى: # أزفت الآزفة # [النجم: 57]. وكقوله جلت عظمته: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1]، وقوله سبحانه وتعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1]. فبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة لأنه ~~خاتم الرسل، الذي أكمل الله تعالى به الدين، وأقام به الحجة على ~~العالمين، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمارات الساعة ~~وأشراطها وهو عليه السلام الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه، والعاقب ~~الذي ليس بعده نبي، روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: # " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأصبعيه - هكذا بالوسطى والتي ~~تليها - " بعثت أنا والساعة كهاتين " " # ثم قال تعالى: { فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم }؟ أي ~~فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة، حيث لا ينفعهم ذلك؟ كقوله ~~تعالى: # يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى # [الفجر: 23]، وقوله عز وجل: { فاعلم أنه لا إله إلا ~~الله ms2253 } هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله، ولهذا عطف عليه قوله عز ~~وجل: { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ~~وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، ~~اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي " # ، وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة: # " اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما ~~أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت " # ، وفي الصحيح أنه قال: # " يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم ~~أكثر من سبعين مرة " # ، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " وعليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن إبليس قال: ~~إنما أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما ~~رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون " # ، وفي الأثر المروي: # " قال إبليس: وعزتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، ~~فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني " # ، والأحاديث في فضل الاستغفار كثيرة جدا، وقوله تبارك وتعالى: { ~~والله يعلم متقلبكم ومثواكم } أي يعلم تصرفكم في ~~نهاركم، ومستقركم في ليلكم، كقوله تعالى: # وهو الذي يتوفاكم باليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار # [الأنعام: 60]، وقوله سبحانه وتعالى: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ~~ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين # [هود: 6] وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وعن ابن عباس رضي الله عنهما { ~~متقلبكم } في الدنيا و { ومثواكم } في الآخرة، وقال السدي: ~~متقلبكم في الدنيا ومثواكم في قبوركم، والأول أولى وأظهر، والله أعلم. ### || [47.20-23] # يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين، أنهم تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه ~~الله عز جل وأمر به، نكل عنه كثير من الناس كقوله تبارك وتعالى: # فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم ~~يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ~~وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا ~~أخرتنا إلى ms2254 أجل قريب # [النساء: 77] وقال عز وجل ههنا: { ويقول الذين آمنوا ~~لولا نزلت سورة } أي مشتملة على القتال { فإذآ أنزلت ~~سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في ~~قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه ~~من الموت } أي من فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء، ثم قال ~~مشجعا لهم: { فأولى لهم طاعة وقول معروف } أي وكان ~~الأولى بهم أن يسمعوا ويطيعوا، أي في الحالة الراهنة { فإذا عزم ~~الأمر } أي جد الحال، وحضر القتال { فلو صدقوا الله } أي ~~أخلصوا له النية { لكان خيرا لهم } ، وقوله سبحانه وتعالى: { ~~فهل عسيتم إن توليتم } أي عن الجهاد ونكلتم عنه { أن ~~تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم }؟ أي تعودوا ~~إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء، تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام، ~~ولهذا قال تعالى: { أولئك الذين لعنهم الله ~~فأصمهم وأعمى أبصارهم } وهذا نهي عن الإفساد في الأرض ~~عموما، وعن قطع الأرحام خصوصا، بل قد أمر الله تعالى بالإصلاح في الأرض ~~وصلة الأرحام، وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خلق الله تعالى الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم، فأخذت بحقوي الرحمن ~~عز وجل، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال ~~تعالى: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك ~~لك " # قال أبو هريرة رضي الله عنه: اقرأوا إن شئتم { فهل عسيتم إن ~~توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم }. وروى الإمام أحمد عن أبي بكرة رضي الله عنه قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من ذنب أحرى أن يعجل الله تعالى عقوبته في الدنيا مع ما يدخر ~~لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم " # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي ~~ذوي أرحام: أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون، أفاكافئهم؟ قال ms2255 ~~صلى الله عليه وسلم: " لا، إذن تتركون جميعا، ولكن جد بالفضل وصلهم، ~~فإنه لن يزال معك ظهير من الله عز وجل ما كنت على ذلك " " # وقال الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الرحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافىء، ولكن الواصل الذي إذا ~~قطعت رحمه وصلها " # ، وفي الحديث القدسي: # " قال الله عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، ~~فمن يصلها أصله، ومن يقطعها أقطعه فأبته " # ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " # وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسنة وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي ~~رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله وأصمهم وأعمى أبصارهم " # ، والأحاديث في هذا كثيرة، والله أعلم. ### || [47.23-28] # يقول تعالى آمرا بتدبر القرآن وتفهمه، وناهيا عن الإعراض عنه فقال: { ~~أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ } ~~أي بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه، ثم قال ~~تعالى: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي فارقوا ~~الإيمان ورجعوا إلى الكفر { من بعد ما تبين لهم الهدى ~~الشيطان سول لهم } أي زين لهم ذلك وحسنه { وأملى ~~لهم } أي غرهم وخدعهم، { ذلك بأنهم قالوا للذين ~~كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر } أي ~~مالأوهم وناصحوهم على الباطل، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون، ~~ولهذا قال الله عز وجل: { والله يعلم إسرارهم } أي ما ~~يسرون وما يخفون، الله مطلع عليه، عالم به، كقوله تبارك وتعالى: # والله يكتب ما يبيتون # [النساء: 81]، ثم قال تعالى: { فكيف إذا توفتهم ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } أي كيف حالهم ~~إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم، وتعاصت الأرواح في أجسادهم، ~~واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب. كما قال سبحانه وتعالى: # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم # [الأنفال: 50] الآية، وقال تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون في ms2256 غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم # [الأنعام: 93] أي بالضرب # أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما ~~كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ~~آياته تستكبرون # [الأنعام: 93]، ولهذا قال ههنا: { ذلك بأنهم اتبعوا مآ ~~أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم }. ### || [47.29-31] # يقول تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن ~~يخرج الله أضغانهم }؟ أي أيعتقد المنافقون أن الله لا يكشف ~~أمرهم لعباده المؤمنين؟ بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمه ذوو البصائر، ~~وقد أنزل الله تعالى في ذلك سورة براءة فبين فيها فضائحهم، ولهذا كانت ~~تسمى الفاضحة، والأضغان جمع ضغن وهو ما في النفوس من الحسد والحقد ~~للإسلام وأهله والقائمين بنصره، وقوله تعالى: { ولو نشآء ~~لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم } ، يقول عز وجل: ولو ~~نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عيانا، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في ~~جميع المنافقين، سترا منه على خلقه، وحملا للأمور على ظاهر السلامة، ~~وردا للسرائر إلى عالمها { ولتعرفنهم في لحن القول } ~~أي فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين ~~هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على ~~صفحات وجهه، وفلتات لسانه، وفي الحديث: # " ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله تعالى جلبابها، إن خيرا فخير، وإن ~~شرا فشر " # ، وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين، قال عقبة بن عمرو رضي ~~الله عنه: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة فحمد الله تعالى ~~وأثنى عليه، ثم قال: # " إن منكم منافقين فمن سميت فليقم - ثم قال - قم يا فلان، قم يا فلان، ~~قم يا فلان، حتى سمى ستة وثلاثين رجلا؟. ثم قال: - إن فيكم أو منكم - ~~منافقين فاتقوا الله " # ، قال فمر عمر رضي الله عنه برجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه، فقال: ما ~~لك؟ فحدثه بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بعدا لك سائر ~~اليوم. وقوله عز وجل: { ولنبلونكم } أي ms2257 لنختبرنكم بالأوامر ~~والنواهي { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ~~ونبلوا أخباركم } ، وليس في تقدم علم الله تعالى بما هو كائن ~~شك ولا ريب، فالمراد حتى نعلم وقوعه، ولهذا يقول ابن عباس في مثل هذا: ~~إلا لنعلم، أي لنرى. ### || [47.32-35] # يخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن ~~الإيمان من بعد ما تبين له الهدى، أنه لن يضر الله شيئا، وإنما يضر نفسه ~~ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله، فلا يثيبه على سالف ما تقدم من ~~عمله مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن ~~السيئات، وقد قال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل ~~فنزلت: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم } فخافوا أن يبطل الذنب العمل، وعن ابن عمر رضي الله عنهما ~~قال: كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من ~~الحسنات إلا مقبول، حتى نزلت: { أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } فقلنا: ما هذا الذي يبطل ~~أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزل قوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48، 116]، فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من ~~أصاب الكبائر والفواحش، ونرجو لمن لم يصبها، ثم أمر تبارك وتعالى عباده ~~المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم ~~عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال، ولهذا قال تعالى: { ولا ~~تبطلوا أعمالكم } أي بالردة، ولهذا قال بعدها: { إن ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا ~~وهم كفار فلن يغفر الله لهم } ، كقوله سبحانه وتعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48، 116] الآية، ثم قال جل وعلا لعباده المؤمنين: { فلا ~~تهنوا } أي لا تضعفوا عن الأعداء، { وتدعوا إلى السلم } ~~أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال ms2258 بينكم وبين الكفار في حال قوتكم، ~~ولهذا قال: { وأنتم الأعلون } أي في حال علوكم على عدوكم، فأما ~~إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام ~~في المهادنة والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين صده كفار قريش عن مكة ودعوه إلى الصلح ووضع الحرب ~~بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، وقوله جلت ~~عظمته: { والله معكم } فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على ~~الأعداء، { ولن يتركم أعمالكم } أي لن يحبطها ويبطلها ~~ويسلبكم إياها، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئا، والله أعلم. ### || [47.36-38] # يقول تعالى تحقيرا لأمر الدنيا وتهوينا لشأنها { إنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو } أي حاصلها ذلك إلا ما كان منها لله عز ~~وجل، ولهذا قال تعالى: { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم ~~أجوركم ولا يسألكم أموالكم } أي هو غني عنكم لا يطلب ~~منكم شيئا، وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال، مواساة لإخوانكم ~~الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم، ثم قال جل جلاله: { ~~إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا } أي يحرجكم تبخلوا { ~~ويخرج أضغانكم } قال قتادة: قد علم الله تعالى أن في إخراج ~~الأموال إخراج الأضغان، وصدق قتادة، فإن المال محبوب ولا يصرف إلا فيما ~~هو أحب إلى الشخص منه، وقوله تعالى: { ها أنتم هؤلاء ~~تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل } ~~أي لا يجيب إلى ذلك، { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ~~} أي إنما نقص نفسه من الأجر، وإنما يعود وبال ذلك عليه، { والله ~~الغني } أي عن ما سواه، وكل شيء فقير إليه دائما، { وأنتم ~~الفقرآء } أي بالذات إليه، فوصفه بالغنى وصف لازم له، ووصف الخلق ~~بالفقر وصف لازم لهم لا ينفكون عنه، وقوله تعالى: { وإن تتولوا ~~} أي عن طاعته واتباع شرعه، { يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم } أي ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره، ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: { وإن ms2259 ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم } قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ~~ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: ضرب بيده على كتف سلمان الفارسي رضي الله ~~عنه، ثم قال: هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس ~~". ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-3] # نزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الحديبية، في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن الوصول ~~إلى المسجد الحرام، وحالوا بينه وبين العمرة، ثم مالوا إلى المصالحة ~~والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلى ذلك على كره ~~من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما نحر هديه ~~حيث أحصر ورجع، أنزل الله عز وجل هذه السورة، وجعل ذلك الصلح فتحا ~~باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روى ابن مسعود رضي ~~الله عنه وغيره، أنه قال: إنكم تعدون الفتح (فتح مكة) ونحن نعد الفتح صلح ~~الحديبية، وروى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: # " تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح ~~بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ~~عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء، ~~فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما ~~شئنا نحن وركائبنا " # ، وروى الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: # " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قال: فسألته عن شيء ثلاث ~~مرات فلم يرد علي، قال: فقلت في نفسي ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، ألححت، ~~كررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فلم يرد عليك! قال: ~~فركبت راحلتي فحركت بعيري، فتقدمت مخافة أن يكون نزل في شيء، ms2260 قال: فإذا ~~أنا بمناد: يا عمر، قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل في شيء، قال، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " نزل علي البارحة سورة هي أحب إلي من ~~الدنيا وما فيها: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } " ~~" # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: # " نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: { ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر } مرجعه من الحديبية، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " لقد أنزلت علي الليلة آية أحب إلي مما على ~~الأرض، ثم قرأها عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هنيئا مريئا ~~يا نبي الله، بين الله عز وجل ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت ~~عليه صلى الله عليه وسلم: { ليدخل المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } - حتى بلغ - { فوزا ~~عظيما } " # وروى الإمام أحمد عن المغيرة بن شعبة قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى تورمت قدماه، فقيل له: أليس قد ~~غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " أفلا ~~أكون عبدا شكورا؟ " " # ، وروى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه، فقالت ~~له عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " يا عائشة أفلا أكون عبدا ~~شكورا؟ " ". # فقوله تعالى: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } أي بينا ~~ظاهرا، والمراد به (صلح الحديبية) فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس ~~واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع ~~والإيمان، وقوله تعالى: { ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر } هذا من خصائصه صلى الله عليه سلم التي لا ~~يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا فيه تشريف عظيم ms2261 لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة ~~التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو صلى الله ~~عليه وسلم أكمل البشر على الإطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة، ولما كان ~~أطوع خلق الله تعالى وأشدهم تعظيما لأوامره ونواهيه قال حين بركت به ~~الناقة، حبسها حابس الفيل، ثم قال صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم شيئا يعظمون به حرمات الله إلا ~~أجبتهم إليها " # فلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح قال الله تعالى له: { إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك } ~~أي في الدنيا والآخرة، { ويهديك صراطا مستقيما } أي بما ~~يشرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم، { وينصرك الله نصرا ~~عزيزا } أي بسبب خضوعك لأمر الله عز وجل يرفعك الله وينصرك على ~~أعدائك، كما جاء في الحديث الصحيح: # " وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله عز وجل إلا ~~رفعه الله تعالى " # ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ما عاقبت أحدا عصى الله ~~تعالى فيك بمثل أن تطيع الله تبارك وتعالى فيه. ### || [48.4-7] # يقول تعالى: { هو الذي أنزل السكينة } أي جعل الطمأنينة، ~~قاله ابن عباس، وعنه: الرحمة، وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين، ~~الذين استجابوا لله ولرسوله وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت ~~قلوبهم بذلك واستقرت، زادهم إيمانا مع إيمانهم؛ ثم ذكر تعالى أنه لو شاء ~~لانتصر من الكافرين، فقال سبحانه: { ولله جنود السموت ~~والأرض } أي ولو أرسل عليهم ملكا واحدا لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى ~~شرع لعباده المؤمنين الجهاد، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة ~~القاطعة، ولهذا قال جلت عظمته: { وكان الله عليما حكيما } ، ~~ثم قال عز وجل: { ليدخل المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } أي ~~ماكثين فيها أبدا، { ويكفر عنهم سيئاتهم } أي خطاياهم ~~وذنوبهم، فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح ms2262 ويغفر ويستر، { وكان ~~ذلك عند الله فوزا عظيما } ، كقوله جل وعلا: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران: 185]، وقوله تعالى: { ويعذب المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات الظآنين ~~بالله ظن السوء } أي يتهمون الله تعالى في حكمه، ويظنون ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا ~~قال تعالى: { عليهم دآئرة السوء وغضب الله ~~عليهم ولعنهم } أي أبعدهم من رحمته، { وأعد لهم ~~جهنم وسآءت مصيرا } ، ثم قال عز وجل مؤكدا لقدرته على ~~الانتقام من الأعداء؛ أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين { ولله ~~جنود السموت والأرض وكان الله عزيزا حكيما }. ### || [48.8-10] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { إنآ أرسلناك ~~شاهدا } أي على الخلق، { ومبشرا } أي للمؤمنين، { ونذيرا } ~~أي للكافرين، { لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه } ~~قال ابن عباس وغير واحد: تعظموه، { وتوقروه } من التوقير، وهو ~~الاحترام والإجلال والإعظام، { وتسبحوه } أي تسبحون الله، { ~~بكرة وأصيلا } أي أول النهار وآخره، ثم قال عز وجل لرسوله ~~تشريفا له وتعظيما وتكريما: { إن الذين يبايعونك ~~إنما يبايعون الله } ، كقوله جل وعلا: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80]، { يد الله فوق أيديهم } أي هو حاضر معهم، ~~يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع ~~بواسطة رسوله، كقوله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون # [التوبة: 111]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سل سيفه في سبيل الله فقد بايع الله " # ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الحجر: # " والله ليبعثنه الله عز وجل يوم القيامة له عينان ينظر بهما ولسان ~~ينطق به ويشهد على من استلمه بالحق، فمن استلمه فقد بايع الله تعالى " # ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إن الذين يبايعونك ~~إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } ، ~~ولهذا قال تعالى ههنا: { فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه } أي إنما يعود وبال ذلك على الناكث، والله غني عنه { ومن ~~أوفى ms2263 بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ~~} أي ثوابا جزيلا، وهذه البيعة هي (بيعة الرضوان) وكانت تحت شجرة سمرة ~~بالحديبية، وكان الصحابة رضي الله عنهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يومئذ ألفا وأربعمائة، روى البخاري ومسلم عن جابر رضي الله ~~عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء، فجعل ~~الماء ينبع من بين أصابعه، حتى رووا كلهم، وفي رواية في " الصحيحين " عن ~~جابر رضي الله عنه: أنهم كانوا خمس عشرة مائة. # " ذكر سبب هذه البيعة العظيمة " # قال محمد بن إسحاق في " السيرة ": ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليبعثه إلى مكة، ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء ~~له، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي ~~بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظي عليها، ولكني أدلك ~~على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان رضي الله عنه نبعثه إلى أبي سفيان ~~وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت ~~ومعظما لحرمته، فخرج عثمان رضي الله عنه إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن ~~العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره، حتى ~~بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان رضي الله عنه ~~حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما أرسله به، فقالوا لعثمان رضي الله عنه حين فرغ من رسالة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل ~~حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتبسته قريش عندها، فبلغ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان رضي الله عنه قد قتل. # قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال حين بلغه أن عثمان ms2264 قد قتل: # " لا نبرح حتى نناجز القوم " # ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة فكانت (بيعة ~~الرضوان) تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على الموت. وكان جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعهم على الموت ولكن بايعنا على أن لا ~~نفر، فبايع الناس، ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس فكان ~~جابر رضي الله عنه يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته قد صبأ ~~إليها، يستتر بها من الناس، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ~~كان من أمر عثمان رضي الله عنه باطل، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: لما ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، فبايع الناس، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله " فضرب بإحدى يديه ~~على الأخرى، فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه ~~خيرا من أيديهم لأنفسهم " # قال البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن الناس كانوا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يعني عمر رضي الله عنه، يا عبد الله ~~انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدهم ~~يبايعون، فبايع، ثم رجع إلى عمر رضي الله عنه فخرج فبايع، وروى البخاري ~~عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: بايعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال يزيد: قلت يا أبا مسلمة على أي ~~شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. # وثبت في " الصحيحين " عن سعيد بن المسيب قال: # " كان أبي ممن بايع رسول ms2265 الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قال: ~~فانطلقنا من قابل حاجين، فخفي علينا مكانها " # ، وروى الحميدي عن جابر رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفا ~~وأربعمائة، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنتم خير أهل الأرض اليوم " # قال جابر رضي الله عنه: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة. وروى الإمام ~~أحمد عن جابر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة " # ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم: { إن الذين يبايعونك ~~إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن ~~نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما ~~عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما }. ### || [48.11-14] # يقول تعالى مخبرا رسوله صلى الله عليه وسلم بما يعتذر به المخلفون من ~~الأعراب، الذين اختاروا المقام في أهليهم، وتركوا المسير مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وسألوا أن يستغفروا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لا على سبيل الاعتقاد، بل على وجه التقية والمصانعة، ولهذا قال تعالى: { ~~يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن ~~يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو ~~أراد بكم نفعا } أي لا يقدر أحد أن يرد ما أراده الله فيكم، وهو ~~العليم بسرائركم وضمائركم، وإن صانعتمونا ونافقتمونا، ولهذا قال تعالى: { ~~بل كان الله بما تعملون خبيرا } ، ثم قال تعالى: { بل ~~ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى ~~أهليهم أبدا } أي اعتقدتم أنهم يقتلون وتستأصل شأفتهم، وتستباد ~~خضراؤهم، ولا يرجع منهم مخبر، { وظننتم ظن السوء وكنتم ~~قوما بورا } أي هلكى، قاله ابن عباس ومجاهد، وقال قتادة: فاسدين، ثم ~~قال تعالى: { ومن لم يؤمن بالله ورسوله } أي من لم يخلص ~~العمل في الظاهر والباطن لله، فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، ثم بين ~~تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السماوات والأرض: { يغفر ~~لمن يشآء ويعذب من يشآء وكان الله غفورا ~~رحيما } أي لمن تاب إليه وأناب وخضع لديه. ### || [48.15] # يقول تعالى مخبرا ms2266 عن الأعراب، الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في عمرة الحديبية، إذ ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي ~~الله عنهم إلى خيبر يفتحونها، أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، ~~وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم، فأمر الله تعالى رسوله صلى ~~الله عليه سلم أن لا يأذن لهم في ذلك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم، فإن الله ~~تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم، لا يشاركهم فيها غيرهم من ~~الأعراب المتخلفين، ولهذا قال تعالى: { يريدون أن يبدلوا ~~كلام الله } قال مجاهد وقتادة: وهو الوعد الذي وعد به أهل ~~الحديبية، واختاره ابن جرير، وقال ابن زيد: هو قوله تعالى: # فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستأذنوك ~~للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا ~~معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ~~فاقعدوا مع الخالفين # [التوبة: 83] وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر، لأن هذه الآية التي في ~~براءة نزلت في غزوة تبوك، وهي متأخرة عن عمرة الحديبية، وقال ابن جريج: { ~~يريدون أن يبدلوا كلام الله } يعني بتثبيطهم المسلمين ~~عن الجهاد، { قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من ~~قبل } أي وعد الله أهل الحديبية قبل سؤالكم الخروج معهم، { ~~فسيقولون بل تحسدوننا } أي أن نشرككم في المغانم، { بل ~~كانوا لا يفقهون إلا قليلا } أي ليس الأمر كما زعموا، ~~ولكن لا فهم لهم. ### || [48.16-17] # اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين هم أولو بأس شديد على أقوال، ~~(أحدها): أنهم هوازن، قاله سعيد بن جبير وعكرمة، (الثاني): ثقيف، قاله ~~الضحاك، (الثالث): بنو حنيفة، قاله جويبر، وروي مثله عن سعيد وعكرمة، ~~(الرابع): هم أهل فارس، قاله ابن عباس ومجاهد: وقال كعب الأحبار: هم ~~الروم، وعن عطاء والحسن: هم فارس والروم، وعن مجاهد: هم أهل الأوثان، ~~وقال ابن أبي حاتم عن الزهري في قوله تعالى: { ستدعون إلى ~~قوم أولي بأس شديد } قال: لم يأت أولئك بعد، وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تقوم ms2267 الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين ذلف الأنوف كأن وجوههم ~~المجان المطرقة " # قال سفيان: هم الترك. وقوله تعالى: { تقاتلونهم أو يسلمون ~~} يعني شرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرا عليهم ولكم النصرة ~~عليهم، { أو يسلمون } فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار، ثم ~~قال عز وجل: { فإن تطيعوا } أي تستجيبوا وتنفروا في الجهاد ~~وتؤدوا الذي عليكم فيه { يؤتكم الله أجرا حسنا وإن ~~تتولوا كما توليتم من قبل } يعني زمن الحديبية حيث ~~دعيتم فتخلفتم، { يعذبكم عذابا أليما }. ثم ذكر تعالى ~~الأعذار في ترك الجهاد فمنها لازم كالعمى والعرج المستمر، وعارض كالمرض ~~الذي يطرأ أياما ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة ~~حتى يبرأ، ثم قال تبارك وتعالى مرغبا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: { ~~ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ومن يتول } أي ينكل عن الجهاد ويقبل على ~~المعاش { يعذبه عذابا أليما } في الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة ~~بالنار، والله تعالى أعلم. ### || [48.18-19] # يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين، الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تحت الشجرة، وقد تقدم أنهم كانوا ألفا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت ~~سمرة بأرض الحديبية، روى البخاري عن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: ~~انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون، فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة ~~حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن ~~المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، ~~فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها ~~وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم. # وقوله تعالى: { فعلم ما في قلوبهم } أي من الصدق والوفاء، ~~والسمع والطاعة { فأنزل السكينة } وهي الطمأنينة { عليهم ~~وأثابهم فتحا قريبا } وهو ما أجرى الله عز وجل على ~~أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام بفتح ~~خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد ms2268 والأقاليم، وما حصل لهم من العز ~~والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: { ومغانم ~~كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما } ، روى ابن ~~أبي حاتم عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: # " بينما نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها ~~الناس: البيعة البيعة، نزل روح القدس، قال: فسرنا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه، فذلك قول الله تعالى: { لقد ~~رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة } قال: فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله ~~عنه بإحدى يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئا لابن عفان يطوف بالبيت ~~ونحن ههنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو مكث كذا وكذا سنة ~~ما طاف حتى أطوف " ". ### || [48.20-24] # قال مجاهد في قوله تعالى: { وعدكم الله مغانم كثيرة ~~تأخذونها } هي جميع المغانم إلى اليوم { فعجل لكم هذه ~~} يعني فتح خيبر، وروى العوفي عن ابن عباس { فعجل لكم هذه } ~~يعني صلح الحديبية { وكف أيدي الناس عنكم } أي لم ينلكم ~~سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال، وكذلك كف أيدي ~~الناس عنكم الذين خلفتموهم وراء ظهوركم عن عيالكم وحريمكم { ولتكون ~~آية للمؤمنين } أي يعتبرون بذلك، فإن الله تعالى حافظهم ~~وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه ~~العالم بعواقب الأمور، وأن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه ~~في الظاهر، كما قال عز وجل: # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم # [البقرة: 216]، { ويهديكم صراطا مستقيما } أي بسبب ~~انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته وموافقتكم رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~وقوله تبارك وتعالى: { وأخرى لم تقدروا عليها قد ~~أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا } ~~أي وغنيمة أخرى وفتحا آخر معينا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يسرها الله ~~عليكم وأحاط بها لكم، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين من حيث لا يحتسبون، ~~وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة ما المراد بها؟ فقال ابن عباس: هي ~~خيبر، ms2269 وقال الضحاك وقتادة: هي مكة، واختاره ابن جرير، وقال الحسن البصري: ~~هي فارس والروم، وقال مجاهد هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة، وقوله ~~تعالى: { ولو قتلكم الذين كفروا لولوا ~~الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا } يقول عز ~~وجل مبشرا لعباده المؤمنين، بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله ~~وعباده المؤمنين عليهم، ولانهزم جيش الكفر فارا مدبرا { لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا } لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه المؤمنين، ~~ثم قال تبارك وتعالى: { سنة الله التي قد خلت من قبل ~~ولن تجد لسنة الله تبديلا } أي هذه سنة الله وعادته في ~~خلقه، ما تقابل الكفر والإيمان في موطن فيصل، إلا نصر الله الإيمان على ~~الكفر، فرفع الحق ووضع الباطل، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه المؤمنين، ~~نصرهم على أعدائه من المشركين، مع قلة عدد المسلمين وكثرة المشركين، ~~وقوله سبحانه وتعالى: { وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم ~~عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا } هذا امتنان من ~~الله تعالى على عباده المؤمنين، حين كف أيدي المشركين عنهم، فلم يصل ~~إليهم منهم سوء، وكف أيدي المؤمنين عن المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام، بل صان كلا من الفريقين وأوجد بينهم صلحا، فيه خيرة للمؤمنين ~~وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة، روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة بالسلاح، من قبل جبل التنعيم، يريدون ~~غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عليهم، فأخذوا، قال عفان: فعفا ~~عنهم، ونزلت هذه الآية: { وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم ~~عليهم }. # وقال أحمد أيضا عن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه قال: # " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل الشجرة التي قال الله ~~تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله صلى ms2270 ~~الله عليه سلم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وسهيل بن عمرو بين يديه، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: " اكتب بسم الله ~~الرحمن الرحيم " فأخذ سهيل بيده، وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في ~~قضيتنا ما نعرف، فقال: " اكتب باسمك اللهم - وكتب - هذا ما صالح عليه ~~محمد رسول الله أهل مكة " فأمسك سهيل بن عمرو بيده، وقال: لقد ظلمناك إن ~~كنت رسوله! اكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: " اكتب هذا ما صالح عليه محمد ~~بن عبد الله " فبينا نحن كذلك، إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، ~~فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله صلى عليه وسلم، فأخذ الله ~~بأسماعهم فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل ~~جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أمانا؟ " فقالوا: لا، فخلى سبيلهم ~~فأنزل الله تعالى: { وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم ~~عليهم } " # الآية. # وروى ابن إسحاق عن عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنه قال: إن قريشا ~~بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليصيبوا من أصحابه أحدا، فأخذوا أخذا، فأتي بهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعفا عنهم، وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا ~~إلى عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل، قال ابن إسحاق: ~~وفي ذلك أنزل الله تعالى: { وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم } الآية. ### || [48.25-26] # يقول تعالى مخبرا عن الكفار من مشركي العرب، من قريش ومن مالأهم على ~~نصرتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { هم الذين كفروا } ~~أي هم الكفار دون غيرهم { وصدوكم عن المسجد الحرام } أي ~~وأنتم أحق به وأنتم أهله في نفس الأمر { والهدي معكوفا أن ~~يبلغ محله } أي وصدوا الهدي أن يصل إلى محله، وهذا من بغيهم ~~وعنادهم، وكان الهدي سبعين بدنة، وقوله عز وجل: { ولولا رجال ~~مؤمنون ونسآء مؤمنات } أي بين ms2271 أظهرهم ممن يكتم إيمانه ~~ويخفيه منهم، خيفة على أنفسهم من قومهم، لكنا سلطناكم عليهم فقتلتموهم ~~وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا ~~تعرفونهم حالة القتل، ولهذا قال تعالى: { لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة } أي إثم وغرامة { ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء } أي ~~يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى ~~الإسلام، ثم قال تبارك وتعالى: { لو تزيلوا } أي لو تميز الكفار ~~من المؤمنين الذين بين أظهرهم { لعذبنا الذين كفروا ~~منهم عذابا أليما } أي لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلا ~~ذريعا. عن جنيد بن سبيع قال: " قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ~~النهار كافرا، وقاتلت معه آخر النهار مسلما، وفينا نزلت: { ولولا ~~رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات } ، قال: كنا تسعة نفر سبعة ~~رجال وامرأتين ". وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ~~تعالى: { لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما } يقول: لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله ~~عذابا أليما بقتلهم إياهم، وقوله عز وجل: { إذ جعل الذين ~~كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية } ~~وذلك حين أبوا أن يكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم، وأبوا أن يكتبوا: هذا ~~ما قاضى عليه محمد رسول الله { فأنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى } ~~وهي قول: لا إله إلا الله، كما قال ابن جرير # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { وألزمهم كلمة ~~التقوى } قال: " لا إله إلا الله " " # ، وقال ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب إن أبا هريرة رضي الله عنه أخبره ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال: لا إله ~~إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل " # ، وأنزل الله عز وجل في كتابه وذكر قوما فقال: # إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون # [الصافات: 35]، وقال الله جل ثناؤه: { وألزمهم كلمة ms2272 ~~التقوى وكانوا أحق بها وأهلها } وهي لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله، فاستكبروا عنها واستكبر عنها المشركون يوم ~~الحديبية، فكاتبهم رسول الله صلى الله عليه سلم على قضية المدة، وقال ~~مجاهد: كلمة التقوى الإخلاص، وقال عطاء: هي لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وقال علي رضي الله ~~عنه: { وألزمهم كلمة التقوى } قال: لا إله إلا الله ~~والله أكبر، وقال ابن عباس { وألزمهم كلمة التقوى } يقول ~~شهادة أن لا إله إلا الله وهي رأس كل تقوى، وقال سعيد بن جبير: { ~~وألزمهم كلمة التقوى } لا إله إلا الله والجهاد في ~~سبيله، { وكانوا أحق بها وأهلها } كان المسلمون أحق بها ~~وكانوا أهلها { وكان الله بكل شيء عليما } أي هو عليم ~~بمن يستحق الخير ممن يستحق الشر. # (ذكر الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقصة الصلح) # روى الإمام أحمد عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهما ~~قالا: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا، ~~وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن ~~عشرة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بعسفان، لقيه بشر ~~بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها ~~العوذ المطافيل، قد لبست جلود النمور، يعاهدون الله تعالى أن لا تدخلها ~~عليهم عنوة أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموه إلى كراع ~~الغميم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا ويح قريش قد أكلتهم ~~الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي ~~أرادوا، وإن أظهرني الله تعالى دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم ~~يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهدهم على ~~الذي بعثني الله تعالى به حتى يظهرني الله عز وجل أو تنفرد هذه ~~السالفة " ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على ms2273 طريق تخرجه ~~على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة، قال: فسلك بالجيش تلك الطريق، ~~فلما رأت خيل قريش فترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى ~~قريش، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا سلك ثنية المرار بركت ~~ناقته، فقال الناس: خلأت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما خلأت ~~" وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش ~~اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم قال صلى الله ~~عليه وسلم للناس: " انزلوا " قالوا: يا رسول الله ما بالوادي من ماء ينزل ~~عليه الناس، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما من كنانته، فأعطاه ~~رجلا من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب، فغرزه فيه، فجاش بالماء حتى ~~ضرب الناس عنه بعطن فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا (بديل ~~بن ورقاء) في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى ~~قريش، فقالوا: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد صلى الله عليه وسلم، إن ~~محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحقه فاتهموهم ". # وروى البخاري رحمه الله في " صحيحه " ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن ~~الحكم يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتى ذا الحليفة، قلد ~~الهدي وأشعره، وأحرم منها بعمرة، وبعث عينا من خزاعة وسار حتى إذا كان ~~بغدير الأشطاط أتاه عينه فقال: # " إن قريشا قد جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك ~~وصادوك ومانعوك فقال صلى الله عليه وسلم: " أشيروا أيها الناس علي، ~~أترون أن نميل على عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، ~~أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه "؟ فقال أبو بكر رضي الله ~~عنه: يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حربا، ~~فتوجه له، ms2274 فمن صدنا عنه قاتلناه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~فامضوا على اسم الله تعالى " ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: إن خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين ~~فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا ~~لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط ~~عليهم منها بركت به راحلته، فقالت الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت ~~القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما خلأت ~~القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل "؛ ثم قال صلى الله ~~عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله ~~تعالى إلا أعطيتهم إياها " ثم زجرها، فوثبت، فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى ~~الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضا فلم يلبث الناس حتى ~~نزحوه، وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع صلى الله ~~عليه وسلم من كنانته سهما، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال بجيش ~~لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء (بديل من ورقاء) الخزاعي ~~في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عبية نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا عدا مياه ~~الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن ~~قريشا قد نهكتهم الحرب فأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني ~~وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا ~~فقد حموا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى ~~تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره " قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق ~~حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئنا من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، ~~فإن شئتم أن نعرضه عليكم ms2275 فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه ~~بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول: كذا ~~وكذا، فحدثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عروة بن مسعود ~~فقال أي قوم: ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: وألست بالولد؟ قالوا بلى، ~~قال فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ ~~فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا ~~قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه فجعل ~~يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له نحوا ~~من قوله لبديل بن ورقاء، فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت ~~قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تك الأخرى فإني والله ~~لأرى وجوها، وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال ~~له أبو بكر رضي الله عنه: امصص بظر اللات، أنحن نفر وندعه؟ قال: من ذا؟ ~~قالوا: أبا بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد لك عندي لم أجزك بها ~~لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما كلمه أخذ بلحيته ~~صلى الله عليه وسلم والمغيرة بن شعبة رضي الله عنه قائم على رأس النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، وكلما أهوى عروة بيده إلى ~~لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن ~~لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرفع عروة رأسه، وقال: من هذا؟ قال: ~~المغيرة بن شعبة، قال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ - وكان المغيرة بن ~~شعبة رضي الله عنه صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء ~~فأسلم - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما الإسلام فأقبل، وأما المال ~~فلست منه في شيء " ، ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه ms2276 وسلم نخامة إلا ~~وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، ~~وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما ~~يحدون النظر إليه تعظيما له صلى الله عليه وسلم؛ فرجع عروة إلى ~~أصحابه. فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على كسرى وقيصر ~~والنجاشي، والله ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ~~محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه ~~وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، ~~وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له، وإنه قد ~~عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل منهم من بني كنانة: دعوني آته، ~~فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله ~~عنهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن ~~فابعثوها له " ، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: ~~سبحان الله ما ينبغي لهولاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه، ~~قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام رجل ~~منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف ~~عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذا مكرز وهو رجل فاجر " فجعل ~~يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلم إذ جاء سهيل بن عمرو، ~~وقال معمر: أخبرني أيوب عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل بن عمرو قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " قد سهل لكم من أمركم ". قال معمر، قال ~~الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابا، ~~فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بعلي رضي الله عنه، وقال: " اكتب بسم الله ~~الرحمن الرحيم " ، فقال سهيل بن عمرو: أما الرحمن فوالله ما أدري ما ~~هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا ~~نكتبها ms2277 إلا باسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~اكتب باسمك اللهم " ثم قال: " هذا ما قضى عليه محمد رسول الله " ، فقال ~~سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ~~ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " والله ~~إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله " ". # قال الزهري: # " وذلك لقوله: " والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى ~~إلا أعطيتهم إياها ". فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " على أن تخلوا ~~بيننا وبين البيت فنطوف به " ، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا ~~أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أن لا ~~يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان ~~الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك إذ جاء (أبو ~~جندل) بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه ~~بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده ~~إلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنا لم نقض الكتاب بعد " ، قال. ~~فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~فأجزه لي " ، قال: ما أنا بمجيز ذلك لك، قال: " بلى فافعل " ، قال: ما ~~أنا بفاعل، قال مكرز: بلى قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين ~~أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب ~~عذابا شديدا في الله عز وجل، قال عمر رضي الله عنه: فأتيت نبي الله ~~صلى لله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال صلى الله عليه وسلم: " ~~بلى " ، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال صلى الله عليه وسلم: ~~" بلى " ، قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذا؟ قال صلى الله عليه وسلم: ~~إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، قلت: أولست كنت ms2278 تحدثنا أنا سنأتي ~~البيت ونطوف به؟ قال صلى الله عليه وسلم: " بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام ~~" ، قلت: لا، قال صلى الله عليه وسلم: فإنك آتيه ومطوف به، قال، فأتيت ~~أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر! أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ~~ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطى الدنية في ~~ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره، ~~فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق، قلت: أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي ~~البيت ونطوف به؟ قال: بلى، قال: أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: ~~فإنك تأتيه وتطوف به ". # قال الزهري: # " قال عمر رضي الله عنه: فعملت لذلك أعمالا، قال: فلما فرغ من قضية ~~الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " قوموا فانحروا ثم ~~احلقوا " ، قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل صلى الله عليه وسلم ~~على أم سلمة رضي الله عنها، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت له أم سلمة ~~رضي الله عنها: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة، ~~حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ~~ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ~~ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله عز وجل: { يأيها الذين ~~آمنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات } - حتى بلغ - { ~~بعصم الكوافر } فطلق عمر رضي الله عنه يومئذ امرأتين كانتا له ~~في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، ~~ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه (أبو بصير) رجل من ~~قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، ~~فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به، حتى إذا بلغا ذا الحليفة ms2279 فنزلوا يأكلون من ~~تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان ~~جيدا، فاستله الآخر، فقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت منه، ثم جربت ~~فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر، ~~حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين رآه: " لقد رأى هذا ذعرا " ، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا رسول ~~الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم نجاني الله تعالى ~~منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد ~~" ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: ~~وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل ~~قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون ~~بعير خرجت لقريش إلى الشام، إلا اعترضوا لها فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، ~~فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم، لما أرسل ~~إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، ~~وأنزل الله عز وجل: { وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة } حتى بلغ { حمية ~~الجاهلية } وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه رسول الله ولم يقروا ~~ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت ". # وقال الإمام أحمد، عن أنس رضي الله عنه قال: # " إن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم (سهيل بن عمرو) فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: " اكتب بسم الله الرحمن ~~الرحيم " ، فقال سهيل: لا ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب: ~~باسمك اللهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " اكتب من محمد رسول الله " ، ~~قال: لو نعلم أنك رسول الله لأتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ms2280 " اكتب من محمد بن عبد الله " ، واشترطوا عليه ~~صلى الله عليه وسلم، أن من جاء منكم لا نرده عليكم، ومن جاءكم منا ~~رددتموه علينا، فقال: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال صلى الله عليه وسلم: " ~~نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله " " # وروى الإمام أحمد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية سبعين بدنة، فيها جمل ~~لأبي جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها ". ### || [48.27-28] # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف ~~بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم ~~يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع ما وقع من قضية ~~الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفس بعض الصحابة ~~رضي الله عنهم من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك ~~فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: " ~~بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ " قال: لا، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " فإنك آتيه ومطوف به " ، وبهذا أجاب الصديق رضي الله عنه أيضا " # ، ولهذا قال تبارك وتعالى: { لقد صدق الله رسوله ~~الرءيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شآء ~~الله } هذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من الاستثناء في شيء، ~~وقوله عز وجل: { آمنين } أي في حال دخولكم، وقوله: { محلقين ~~رءوسكم ومقصرين } حال مقدرة، لأنهم في حال دخولهم لم يكونوا ~~محلقين ومقصرين، وإنما كان هذا في ثاني الحال، كان منهم من حلق رأسه ~~ومنهم من قصره. # وثبت في " الصحيحن " # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رحم الله المحلقين " ، قالوا: ~~والمقصرين يا رسول الله؟، قال صلى الله عليه وسلم: " رحم الله المحلقين " ~~، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: " رحم الله ~~المحلقين " ، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال صلى الله علي وسلم: " ~~والمقصرين ms2281 " في الثالثة أو الرابعة " # ، وقوله سبحانه وتعالى: { لا تخافون } حال مؤكدة في المعنى، فأثبت ~~لهم الأمن حال الدخول، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد، لا ~~يخافون من أحد، وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة ~~فأقام بها ذا الحجة والمحرم، وخرج في صفر إلى خيبر، ففتحها الله عليه ~~بعضها عنوة، وبعضها صلحا، وقسمها بين (أهل الحديبية) وحدهم ولم يشهدها ~~أحد غيرهم إلا الذين قدموا من الحبشة (جعفر بن أبي طالب) وأصحابه (وأبو ~~موسى الأشعري) وأصحابه رضي الله عنهم ولم يغب منهم أحد، ثم رجع إلى ~~المدينة، فلما كان في ذي القعدة من سنة سبع # " خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة معتمرا، هو وأهل الحديبية، ~~فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدي، قيل: كان ستين بدنة، فلبى وصار ~~أصحابه يلبون، فلما كان صلى الله عليه وسلم قريبا من مر الظهران بعث ~~(محمد بن سلمة) بالخيل والسلاح أمامه، فلما رآه المشركون رعبوا رعبا ~~شديدا، وظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزوهم وأنه قد نكث العهد ~~الذي بينهم وبينه من وضع القتال عشر سنين، فذهبوا، فأخبروا أهل مكة، فلما ~~كان في أثناء الطريق بعثت قريش (مكرز بن حفص) فقال: يا محمد ما عرفناك ~~تنقض العهد، فقال صلى الله عليه وسلم: " وما ذاك؟ " قال: دخلت علينا ~~بالسلاح والقسي والرماح، فقال صلى الله عليه وسلم: " لم يكن ذلك وقد ~~بعثنا به إلى يأجج " ، فقال: بهذا عرفناك بالبر والوفاء، وخرجت رؤوس ~~الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى ~~أصحابه رضي الله عنهم غيظا وحنقا، وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء ~~والولدان، فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، فدخلها عليه الصلاة والسلام، وبين يديه أصحابه يلبون، ~~والهدي قد بعثه إلى ذي طوى وهو راكب (ناقته القصواء) التي كان ms2282 راكبها يوم ~~الحديبية، وعبد الله بن رواحة الأنصاري آخد بزمام ناقة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقودها وهو يقول: " # خلوا بني الكفار عن سبيله # إني شهيد أنه رسوله # خلوا فكل الخير في رسوله # يا رب إني مؤمن بقيله # نحن قتلناكم على تأويله # كما قتلناكم على تنزيله # ضربا يزيل الهام عن مقيله # ويذهل الخليل عن خليله # روى الإمام أحمد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب ~~ولقوا منها سوءا، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب ~~ولقوا منها شرا، وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر فأطلع الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه أن لا يرملوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون جلدهم، ~~قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم ~~المشركون، ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط كلها ~~إلا إبقاء عليهم، فقال المشركون: أهؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد ~~وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما سعى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت وبالصفا والمروة ليرى المشركون قوته، ~~وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه ~~بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليهم ~~إلا سيوفا ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر صلى الله عليه وسلم من ~~العام المقبل، فدخلها، كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثا، أمروه ~~أن يخرج فخرج صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: { فعلم ما لم ~~تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا } أي فعلم الله ~~عز وجل من الخيرة والمصلحة في صرفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك ~~ما لم تعلموا أنتم { فجعل من دون ذلك } أي قبل دخولكم ms2283 الذي ~~وعدتم به في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم فتحا قريبا، وهو الصلح الذي ~~كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين ". # ثم قال تبارك وتعالى مبشرا للمؤمنين بنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~على عدوه وعلى سائر أهل الأرض: { هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق } أي بالعلم النافع والعمل الصالح، فإن ~~الشريعة تشتمل على شيئين: علم، وعمل { ليظهره على الدين ~~كله } أي على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم، ~~ومليين ومشركين { وكفى بالله شهيدا } أي أنه رسوله وهو ناصره، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || [48.29] # يخبر تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسوله حقا بلا شك ولا ريب ~~فقال: { محمد رسول الله } وهو مشتمل على كل وصف جميل، ثم ~~ثنى بالثناء على أصحابه رضي الله عنهم فقال: { والذين معه ~~أشدآء على الكفار رحمآء بينهم } ، كما قال عز ~~وجل: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54] وهذه صفة المؤمنين، أن يكون أحدهم شديدا على الكفار، ~~رحيما بالأخيار، عبوسا في وجه الكافر، بشوشا في وجه المؤمن، كما قال ~~تعالى: # وليجدوا فيكم غلظة # [التوبة: 123]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو ~~تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " # وفي الصحيح: # " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " # ، وشبك بين أصابعه. # وقوله سبحانه وتعالى: { تراهم ركعا سجدا يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا } وصفهم بكثرة الصلاة، وهي خير ~~الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله عز وجل، والاحتساب عند الله تعالى ~~جزيل الثواب، وهو (الجنة) المشتملة على فضل الله عز وجل، ورضاه تعالى ~~عنهم وهو أكبر من الأول، كما قال جل وعلا: # ورضوان من الله أكبر # [التوبة: 72] وقوله جل جلاله: { سيماهم في وجوههم من ~~أثر السجود } قال ابن عباس: يعني السمت الحسن، وقال مجاهد: يعني ~~الخشوع والتواضع، وقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم، وقال بعض السلف: من ~~كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. وقال بعضهم: إن للحسنة نورا. في ~~القلب، وضياء في الوجه، ms2284 وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس. وقال عثمان ~~رضي الله عنه: " ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات ~~وجهه وفلتات لسانه " والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات ~~الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله تعالى، أصلح الله عز ~~وجل ظاهره للناس، كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: " من أصلح ~~سريرته أصلح الله تعالى علانيته " ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله تعالى رداءها إن خيرا فخير وإن ~~شرا فشر " # وفي الحديث: # " إن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا ~~من النبوة " # ، فالصحابة رضي الله عنهم خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم ~~أعجبوه في سمتهم وهديهم، وقال مالك رضي الله عنه: بلغني أن النصارى كانوا ~~إذا رأوا الصحابة رضي الله عنهم الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء ~~خير من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمة معظمة في ~~الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقد نوه الله تبارك وتعالى بذكرهم، في الكتب المنزلة والأخبار ~~المتداولة، ولهذا قال سبحانه وتعالى ههنا: { ذلك مثلهم في ~~التوراة } ، ثم قال: { ومثلهم في الإنجيل كزرع ~~أخرج شطأه } أي فراخه { فآزره } أي شده { فاستغلظ } ~~أي شب وطال { فاستوى على سوقه يعجب الزراع } أي ~~فكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه ~~كالشطء مع الزرع { ليغيظ بهم الكفار } ، ومن هذه الآية انتزع ~~الإمام مالك رحمه الله بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله ~~عنهم، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية، ووافقه ~~طائفة من العلماء رضي الله عنهم على ذلك. # والأحاديث في فضل الصحابة رضي الله عنهم، والنهي عن التعرض لهم بمساويهم ~~كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم، ورضاه عنهم، ثم قال تبارك وتعالى: { ~~وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم } ~~من هذه لبيان الجنس { مغفرة } أي لذنوبهم { وأجرا عظيما } ~~أي ثوابا ms2285 جزيلا، ورزقا كريما، ووعد الله حق وصدق، لا يخلف ولا يبدل، ~~وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم فهو في حكمهم، ولهم الفضل والسبق ~~والكمال، الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، رضي الله عنهم وأرضاهم، ~~وجعل جنات الفردوس مأواهم. ورى مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ~~ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ". ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1-3] # هذه آيات آدب الله تعالى بها عباده المؤمنين، فيما يعاملون به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام، والتبجيل والإعظام، فقال تبارك ~~وتعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي ~~الله ورسوله } أي لا تسرعوا في الأشياء بين يديه أي قبله، بل ~~كونوا تبعا له في جميع الأمور، قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي ~~كلامه، وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ~~حتى يقضي الله تعالى على لسانه، وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ~~ورسوله من شرائع دينكم، وقال الحسن البصري: لا تدعوا قبل الإمام، وقال ~~قتادة: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا، لو صح كذا، ~~فكره الله تعالى ذلك، { واتقوا الله } فيما أمركم به { إن ~~الله سميع } أي لأقوالكم { عليم } بنياتكم، وقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي } هذا أدب ثان أدب الله تعالى به المؤمنين، أن لا ~~يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فوق صوته، وقد روي أنها ~~نزلت في الشيخين (أبي بكر) و(عمر) رضي الله عنهما، روى البخاري عن ابن ~~أبي مليكة قال: # " كاد الخيران أن يهلكا (أبو بكر) و(عمر) رضي الله عنهما، رفعا ~~أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم، حين قدم عليه ركب بني تميم، ~~فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس رضي الله عنه أخي بني مجاشع، وأشار الآخر ~~برجل آخر، قال ms2286 نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: ما ~~أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل ~~الله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم ~~وأنتم لا تشعرون } قال ابن الزبير: فما كان عمر رضي الله عنه ~~يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه " # وفي رواية أخرى له قال: # " قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه: أمر (القعقاع بن معبد)، وقال عمر رضي الله عنه: بل أمر ~~(الأقرع بن حابس) فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما أردت إلا خلافي، فقال ~~عمر رضي الله عنه ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما: فنزلت في ~~ذلك: { يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي ~~الله ورسوله } حتى انقضت الآية { ولو أنهم صبروا ~~حتى تخرج إليهم } الآية " # ، أخرجه البخاري. # وروى الحافظ البزار، عن أبي بكر رضي الله عنه قال: # " لما نزلت هذه الآية: { يأيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } قلت: يا رسول ~~الله والله لا أكلمك إلا كأخي السرار " # وروى البخاري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد (ثابت بن قيس) رضي الله عنه، فقال ~~رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده في بيته منكسا رأسه، ~~فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقد حبط عمله فهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبره أنه قال: كذا وكذا، قال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة ~~عظيمة، فقال: " اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل ~~الجنة " ". # وروى الإمام أحمد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: # " لما نزلت هذه الآية: { يأيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق ms2287 صوت النبي } إلى قوله - { ~~وأنتم لا تشعرون } ، وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت، ~~فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا من ~~أهل النار، حبط عملي، وجلس في أهله حزينا، ففقده رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له: تفقدك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، مالك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأجهر له بالقول، حبط عملي أنا من أهل النار، فأتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبروه بما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا، ~~بل هو من أهل الجنة ". قال أنس رضي الله عنه: فكنا نراه يمشي بين ~~أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض ~~الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما ~~تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قتل رضي الله عنه. وفي رواية: فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أما ترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، ~~وتدخل الجنة؟ " فقال: رضيت ببشرى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ~~ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم " # ، قال: وأنزل الله تعالى: { إن الذين يغضون أصواتهم ~~عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى } الآية. # وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين، كذلك فقد نهى الله عز وجل ~~عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روينا عن أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد ارتفعت أصواتهما فجاء، فقال: أتدريان أين أنتما؟ ~~ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل ~~المدينة لأوجعتكما ضربا. # وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم كما كان يكره ~~في حياته عليه الصلاة والسلام، لأنه محترم حيا، وفي قبره صلى الله ms2288 عليه ~~وسلم دائما، ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن ~~عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم، ولهذا قال تبارك وتعالى: { ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض } ، كما قال ~~تعالى: # لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا # [النور: 63]، وقوله عز وجل: { أن تحبط أعمالكم وأنتم ~~لا تشعرون } أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده، خشية أن يغضب من ~~ذلك، فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء ~~في الصحيح: # " إن الرجل ليتكلم الكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يكتب ~~له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها ~~بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض " # ، ثم ندب الله تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك ورشد إليه ورغب ~~فيه، فقال: { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى } أي أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا { لهم مغفرة ~~وأجر عظيم }. وعن مجاهد قال: كتب إلى عمر، يا أمير المؤمنين رجل ~~لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ ~~فكتب عمر رضي الله عنه: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها { ~~أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ~~لهم مغفرة وأجر عظيم }. ### || [49.4-5] # ثم إنه تبارك وتعالى ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات، وهي بيوت نسائه ~~كما يصنع أجلاف الأعراب فقال: { أكثرهم لا يعقلون } ، ثم ~~أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك، فقال عز وجل: { ولو أنهم ~~صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم } أي ~~لكان لهم في ذلك الخيرة، والمصلحة في الدنيا والآخرة، ثم قال جل ثناؤه ~~داعيا لهم إلى التوبة والإنابة { والله غفور رحيم } وقد ذكر # " أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي رضي الله عنه نادى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا محمد يا محمد، وفي رواية: يا رسول الله ، فلم ~~يجبه، فقال: يا رسول الله إن ms2289 حمدي لزين، وإن ذمي لشين، فقال: " ذاك والله ~~عز وجل " " # وعن البراء في قوله تبارك وتعالى: { إن الذين ينادونك من ~~ورآء الحجرات } قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إن حمدي زين ~~وذمي شين، فقال صلى الله عليه وسلم: " ذاك الله عز وجل " " # ، وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: # " اجتمع أناس من العرب فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يك نبيا ~~فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكا نعش بجناحه، قال: فأتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا: فجاءوا إلى حجرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد.. يا محمد، فأنزل الله تعالى: ~~{ إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم ~~لا يعقلون } قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني فمدها، ~~فجعل يقول: " لقد صدق الله تعالى قولك يا زيد لقد صدق الله قولك يا زيد ~~" ". ### || [49.6-8] # يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له، وقد نهى الله عز وجل ~~عن اتباع سبيل المفسدين، ومن ها هنا امتنع طوائف من العلماء من قبول ~~رواية مجهول الحال، لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون، وقد ذكر ~~كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في (الوليد بن عقبة بن أبي معيط) حيث ~~بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق، وقد روي ذلك ~~من طرق: # قال الإمام أحمد، عن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي رضي الله عنه قال: # " قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه ~~وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله أرجع ~~إليهم، فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، ~~وترسل إلي يا رسول الله رسولا إبان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من ~~الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة من استجاب له، وبلغ الإبان الذي أراد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول، ms2290 ولم ~~يأته، وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله، فدعا بسروات ~~قومه، فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتا يرسل ~~إلي رسوله، ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه، فانطلقوا بنا نأتي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(الوليد بن عقبة) إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما ~~أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق - أي خاف - فرجع حتى أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الحارث قد منعني الزكاة وأراد ~~قتلي، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث البعث إلى الحارث رضي ~~الله عنه، وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة ~~لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ ~~قالوا: إليك، قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك ~~(الوليد بن عقبة) فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال رضي الله عنه: ~~لا والذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ما رأيته بتة، ولا أتاني، ~~فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " منعت الزكاة ~~وأردت قتل رسولي؟ " قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما ~~أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، خشيت أن ~~يكون كونت سخطة من الله تعالى ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: { يأيها ~~الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ } - إلى قوله - { ~~حكيم } ". # وروى ابن جرير، # " عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، ~~قالت: فرجع إلى رسول الله صلى الله ms2291 عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق قد ~~منعوني صدقاتهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، قالت: ~~فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصفوا له حين صلى ~~الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلا ~~مصدقا، فسررنا بذلك، وقرت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا ~~أن يكون ذلك غضبا من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، فلم ~~يزالوا يكلمونه، حتى جاء بلال رضي الله عنه، فأذن بصلاة العصر، قالت: ~~ونزلت: { يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا ~~على ما فعلتم نادمين } " # وقال مجاهد وقتادة: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم (الوليد بن عقبة) ~~إلى بني المصطلق ليصدقهم، فتلقوه بالصدقة فرجع، فقال: إن بني المصطلق قد ~~جمعت لك لتقاتلك، زاد قتادة: وإنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه إليهم، وأمره أن يتثبت ~~ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلا. فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالدا ~~رضي الله عنه أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما ~~أصبحوا أتاهم خالد رضي الله عنه فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وكذا ذكر غير ~~واحد من السلف: أنها نزلت في (الوليد بن عقبة)، والله أعلم. # وقوله تعالى: { واعلموا أن فيكم رسول الله } أي ~~اعلموا أن بين أظهركم رسول الله، فعظموه ووقروه، وتأدبوا معه وانقادوا ~~لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم ~~لأنفسكم، { لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } ~~أي لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم، كما قال ~~سبحانه: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت ~~والأرض ومن فيهن # [المؤمنون: 71]، وقوله عز وجل: { ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم } أي حببه إلى ~~نفوسكم، وحسنه في قلوبكم، عن أنس رضي الله عنه ms2292 قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الإسلام علانية والإيمان في ~~القلب " ، ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ثم يقول: " التقوى ههنا، ~~التقوى ههنا " # ، { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } أي ~~وبغض إليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار، والعصيان وهي جميع المعاصي ~~وهذا تدريج لكمال النعمة، وقوله تعالى: { أولئك هم ~~الراشدون } أي المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد آتاهم الله ~~رشدهم، عن أبي رفاعة الزرقي، عن أبيه قال: # " لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" استووا حتى أثني على ربي عز وجل " ، فصاروا خلفه صفوفا، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط ~~لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا ~~مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط ~~علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم، ~~الذي لا يحول ولا يزول، اللهم أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم ~~الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما منعتنا، اللهم حبب ~~إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، ~~واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا ~~بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون ~~رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة ~~الذين أوتوا الكتاب إله الحق " " # وفي الحديث المرفوع: " من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن " ، ثم قال: ~~{ فضلا من الله ونعمة } أي هذا العطاء الذي منحكموه، هو ~~فضل منه عليكم، ونعمة من لدنه { والله عليم حكيم } أي عليم بمن ~~يستحق الهداية، ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. ### || [49.9-10] # يقول تعالى آمرا بالإصلاح بين الفئتين الباغيتين بعضهم على بعض: { ~~وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما } فسماهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدل البخاري وغيره، ~~على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن ms2293 عظمت، لا كما يقوله الخوارج ~~والمعتزلة، وهكذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوما ومعه ~~على المنبر الحسن بن علي رضي الله عنهما، فجعل ينظر إليه مرة، وإلى الناس ~~أخرى ويقول: # " إن ابني هذا سيد ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من ~~المسلمين " # فكان كما قال صلى الله عليه وسلم، أصلح الله تعالى به بين أهل الشام ~~وأهل العراق، بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة، وقوله تعالى: { ~~فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } أي حتى ترجع إلى أمر ~~الله ورسوله، وتسمع للحق وتطيعه، كما ثبت في الصحيح: # " " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " قيل: يا رسول الله أنصره مظلوما ~~فكيف أنصره ظالما؟ قال صلى الله عليه وسلم: " تمنعه من الظلم فذاك نصرك ~~أياه " ". # وروى الإمام أحمد، عن أنس رضي الله عنه قال: # " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض ~~سبخة، فلما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم إليه قال: إليك عني فوالله ~~لقد آذاني ريح حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أطيب ريحا منك، قال: فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب ~~لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، ~~فبلغنا أنه أنزلت فيهم: { وإن طآئفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما } " # وذكر سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمر بالصلح بينهما، وقال السدي: كان رجل من ~~الأنصار يقال له عمران، كانت له امرأة تدعى أم زيد، وإن المرأة أرادت أن ~~تزور أهلها فحبسها زوجها، وجعلها في علية له، لا يدخل عليها أحد من ~~أهلها، وإن المرأة بعثت إلى أهلها فجاء قومها وأنزلوها، لينطلقوا بها، ~~وإن الرجل كان قد خرج، فاستعان أهل الرجل، فجاء بنو عمه ليحولوا بين ~~المرأة وبين أهلها ms2294 فتدافعوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت فيهم هذه الآية، ~~فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصلح بينهم وفاءوا إلى أمر ~~الله تعالى. وقوله عز وجل: { فإن فآءت فأصلحوا ~~بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين } أي اعدلوا بينهما بالقسط وهو العدل { إن الله ~~يحب المقسطين } روى ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو رضي ~~الله عنهما قال: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: إن المقسطين في الدنيا على ~~منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن عز وجل بما أقسطوا في الدنيا " # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور على يمين ~~العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا " # وقوله تعالى: { إنما المؤمنون إخوة } أي الجميع أخوة في ~~الدين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه " # ، وفي الصحيح: # " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " # ، وفي الصحيح أيضا: # " إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله " # والأحاديث في هذا كثيرة: وقوله تعالى: { فأصلحوا بين ~~أخويكم } يعني الفئتين المقتتلتين { واتقوا الله } أي في ~~جميع أموركم { لعلكم ترحمون }. وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة ~~لمن اتقاه. ### || [49.11] # ينهى تعالى عن السخرية بالناس وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في ~~الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الكبر بطر الحق، وغمط الناس " # ، والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم وهذا حرام، فإنه قد يكون المحتقر ~~أعظم قدرا عند الله تعالى وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له، ولهذا ~~قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من ~~قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من ~~نسآء عسى أن يكن خيرا منهن } فنص على نهي الرجال ~~وعطف بنهي النساء، وقوله تبارك وتعالى: { ولا تلمزوا أنفسكم ~~} أي لا تلمزوا الناس، والهماز واللماز من الرجال مذموم ملعون كما قال ~~تعالى: # ويل لكل همزة لمزة # [الهمزة: 1]، والهمز بالفعل واللمز بالقول، كما ms2295 قال عز وجل: # هماز مشآء بنميم # [القلم: 11] قال ابن عباس ومجاهد: { ولا تلمزوا أنفسكم } ~~أي لا يطعن بعضكم على بعض، وقوله تعالى: { ولا تنابزوا ~~بالألقاب } أي لا تداعوا بالألقاب وهي التي يسوء الشخص سماعها، قال ~~الشعبي: حدثني أبو جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة { ولا ~~تنابزوا بالألقاب } قال: # " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وليس فينا رجل إلا وله ~~اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدا منهم باسم من تلك الأسماء، قالوا: يا ~~رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت: { ولا تنابزوا بالألقاب } ~~" # ، وقوله جل وعلا: { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } أي ~~بئس الصفة والاسم الفسوق، وهو التنابز بالألقاب كما كان أهل الجاهلية ~~يتناعتون بعد ما دخلتم في الإسلام وعقلتموه { ومن لم يتب } أي من ~~هذا { فأولئك هم الظالمون }. ### || [49.12] # يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون ~~للأهل والناس في غير محله، لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا وأنت ~~تجد لها في الخير محملا، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: # " ما أطيبك وأطيب ريحك! ما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده ~~لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه وأن يظن به إلا ~~خيرا " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا ولا ~~تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا ~~". # وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله ~~إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام " # وروى الطبراني، عن حارثة بن النعمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله ms2296 عليه وسلم: # " " ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن " ، فقال رجل: وما ~~يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال صلى الله عليه وسلم: " إذا حسدت ~~فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض " " # وروى أبو داود، عن زيد رضي الله عنه قال: أتي ابن مسعود رضي الله عنه ~~برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال عبد الله رضي الله عنه: " ~~إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به ". # وروى الإمام أحمد، عن أبي الهيثم عن دجين كاتب عقبة قال: # " قلت لعقبة إن لنا جيرانا يشربون الخمر، وأنا داع لهم الشرط فيأخذونهم ~~قال: لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم، قال: ففعل فلم ينتهوا، قال: فجاءه ~~دجين، فقال: إني قد نهيتهم وإني داع لهم الشرط، فتأخذهم، فقال له عقبة: ~~ويحك لا تفعل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من ستر ~~عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها " " # { ولا تجسسوا } أي على بعضكم بعضا، والتجسس غالبا يطلق في ~~الشر ومنه الجاسوس، وأما التحسس فيكون غالبا في الخير، كما قال عز ~~وجل إخبارا عن يعقوب: # يبني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا ~~تيأسوا من روح الله # [يوسف: 87]. وقال الأوزاعي: التجسس البحث عن الشيء، والتحسس الاستماع ~~إلى حديث القوم، أو يتسمع على أبوابهم، والتدابر: الصرم. # وقوله تعالى: { ولا يغتب بعضكم بعضا } فيه نهي عن الغيبة، ~~وقد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، عن أبي هريرة، ~~قال: # " قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال صلى الله عليه وسلم: " ذكرك أخاك ~~بما يكره " قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: ~~" إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " " # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: # " قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا، تعني قصيرة، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ms2297 ". ~~قالت: وحكيت له إنسانا، فقال صلى الله عليه وسلم: " ما أحب أني حكيت ~~إنسانا، وإن لي كذا وكذا " " # والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في ~~الجرح والتعديل والنصيحة، # " كقوله صلى الله عليه وسلم، لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: " ~~ائذنوا له بئس أخو العشيرة " " # ، وكقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها وقد خطبها ~~معاوية وأبو الجهم: # " أما معاوية فصعلوك وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه " # ، وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها ~~الزجر الأكيد ولهذا شبهها تبارك وتعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت كما ~~قال عز وجل: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ~~ميتا فكرهتموه } أي كما تكرهون هذا طبعا فاكرهوا ذاك شرعا، ~~فإن عقوبته أشد من هذا، وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، وثبت في ~~الصحاح والحسان والمسانيد من غير وجه أنه صلى الله عليه وسلم قال في خطبة ~~حجة الوداع: # " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم ~~هذا، في بلدكم هذا ". # وروى أبو داود، عن أبي هريرة قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل المسلم على المسلم حرام، ماله، ~~وعرضه، ودمة، حسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم " # وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: # " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العواتق في بيوتها، أو ~~قال: في خدورها، فقال: " يا معشر من آمن بلسانه لا تغتابوا المسلمين، ولا ~~تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله ~~عورته يفضحه في جوف بيته " ". # طريق أخرى: عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تغتابوا المسليمن، ~~ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته ومن ~~يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله " # ، قال، ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة ms2298 فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، ~~وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك. # عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: ~~من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في ~~أعراضهم " # ، وروى ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الخدري قال: # " قلنا: يا رسول الله حدثنا ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: " ثم انطلق بي ~~إلى خلق من خلق الله كثير، رجال ونساء، موكل بهم رجال يعمدون إلى عرض جنب ~~أحدهم، فيجذون منه الجذة مثل النعل، ثم يضعونها في في أحدهم، فيقال له: ~~كل كما أكلت - وهو يجد من أكله الموت يا محمد لو يجد الموت وهو يكره عليه ~~- فقلت: يا جبرائيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون اللمازون أصحاب ~~النميمة، فيقال: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ~~ميتا فكرهتموه } وهو يكره على أكل لحمه " ". # وروى الحافظ البيهقي، # " عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأتين صامتا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله! إن ههنا امرأتين صامتا، وإنهما كادتا تموتان ~~من العطش. أراه قال بالهاجرة، فأعرض عنه أو سكت عنه، فقال: يا نبي الله ~~إنهما والله قد ماتتا، أو كادتا تموتان، فقال: " ادعمها " فجاءتا، قال: ~~فجيء بقدح أو عس، فقال لإحداهما: " قيئي " ، فقاءت من قيح ودم وصديد، حتى ~~قاءت نصف القدح، ثم قال للأخرى: " قيئي " ، فقاءت قيحا ودما وصديدا ~~ولحما ودما عبيطا وغيره، حتى ملأت القدح، ثم قال: " إن هاتين صامتا ~~عما أحل الله تعالى لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما ~~إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس " " # وروى الحافظ أبو يعلى، عن ابن عمر # " أن ماعزا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~إني قد زنيت، فأعرض عنه، حتى قالها أربعا، فلما كان في الخامسة قال: " ~~زنيت "؟ قال: ms2299 نعم، قال: " وتدري ما الزنا "؟ قال: نعم، أتيت منها حراما ~~ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: " ما تريد إلى هذا القول "؟ قال: ~~أريد أن تطهرني، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أدخلت ذلك ~~منك في ذلك منها، كما يغيب الميل في المكحلة والرشا في البئر "؟ قال: نعم ~~يا رسول الله، قال: فأمر برجمه فرجم. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه ~~نفسه حتى رجم رجم الكلب؟ ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم حتى مر ~~بجيفة حمار، فقال: " أين فلان وفلان؟ إنزلا، فكلا من جيفة هذا الحمار " ، ~~قال: غفر الله لك يا رسول الله، وهل يؤكل هذا؟ قال صلى الله عليه وسلم: " ~~فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي ~~أنهار الجنة ينغمس فيها " ". # وروى الإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: # " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح جيفة منتنة، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون ~~الناس؟ " " # وقوله عز وجل: { واتقوا الله } أي فيما أمركم به ونهاكم عنه ~~فراقبوه في ذلك واخشوا منه، { إن الله تواب رحيم } أي تواب ~~على من تاب إليه { رحيم } لمن رجع إليه واعتمد عليه، قال الجمهور من ~~العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته أن يقلع عن ذلك، ويعزم على أن لا ~~يعود، وهل يشترط الندم على ما فات؟ فيه نزاع، وأن يتحلل من الذي اغتابه، ~~وقال آخرون: لا يشترط أن يتحلله، فإنه إذا أعلمه بذلك ربما تأذى أشد مما ~~إذا لم يعلم بما كان منه، فطريقه إذا إن يثني عليه بما فيه في المجالس ~~التي كان يذمه فيها، وأن يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته، لتكون تلك بتلك؛ ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله تعالى إليه ملكا يحمي لحمه ms2300 ~~يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنا بشيء يريد سبه حبسه الله تعالى ~~على جسر جهنم حتى يخرج مما قال " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من امرىء يخذل امرءا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه ~~من عرضه، إلا خذله الله تعالى في مواطن يحب فيها نصرته، وما من امرىء ~~ينصر امرأ مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا ~~نصره الله عز وجل في مواطن يحب فيها نصرته ". ### || [49.13] # يقول تعالى مخبرا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها وهما ~~(آدم) و(حواء) وجعلهم شعوبا وهي أعم من القبائل، وبعدها مراتب أخر، ~~كالفصائل والعشائر والأفخاذ وغير ذلك، فجميع الناس في الشرف بالنسبة ~~الطينية، إلى آدم وحواء عليهما السلام سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور ~~الدينية، وهي طاعة الله تعالى ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا ~~قال تعالى بعد النهي عن الغيبة، واحتقار بعض الناس بعضا، منبها على ~~تساويهم في البشرية: { يأيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا ~~} أي ليحصل التعارف بينهم كل يرجع إلى قبيلته. وقال مجاهد: { ~~لتعارفوا } كما يقال فلان ابن فلان من قبيلة كذا وكذا، وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل ~~مثراة في المال منسأة في الأثر " # وقوله تعالى: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ، أي ~~إنما تتفاضلون عند الله تعالى بالتقوى لا بالأحساب. # وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى البخاري ~~عن أبي هريرة قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: " أكرمهم عند ~~الله أتقاهم " ، قالوا: ليس على هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي ~~الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: وليس عن هذا ~~نسألك، قال: " فعن معادن العرب تسألوني "؟ قالوا: نعم، قال: " فخياركم في ~~الجاهلية خياركم في الإسلام ms2301 إذا فقهوا " " # حديث آخر: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " # حديث آخر: وروى الإمام أحمد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال له: # " انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله " # حديث آخر: وعن حبيب بن خراش العصري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " المسلمون أخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى " # حديث آخر: وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن ~~أهون على الله تعالى من الجعلان " # حديث آخر: قال ابن أبي حاتم، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: # " طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته القصواء ~~يستلم الأركان بمحجن في يده، فما وجد لها مناخا في المسجد حتى نزل صلى ~~الله عليه وسلم على أيدي الرجال، فخرج بها إلى بطن المسيل فأنيخت، ثم إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته فحمد الله تعالى وأثنى ~~عليه بما هو له أهل، ثم قال: " يا أيها الناس إن الله تعالى قد أذهب عنكم ~~عيبة الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله ~~تعالى، ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى، إن الله عز وجل يقول: { ~~يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } ~~". ثم قال صلى الله عليه وسلم: " أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم " # وقوله تعالى: { إن الله عليم خبير } أي عليم بكم خبير ~~بأموركم، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء، وهو ~~الحكيم العليم الخبير. ### || [49.14-18] # يقول تعالى منكرا على الأعراب، الذين ادعوا لأنفسهم مقام ms2302 الإيمان، ولم ~~يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد: { قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم } ، وقد استفيد أن الإيمان أخص من الإسلام، ~~ويدل عليه حديث جبريل عليه الصلاة والسلام حين سأل عن الإسلام، ثم عن ~~الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم، إلى الأخص، روى الإمام أحمد، عن ~~سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: # " أعطى رسول الله صلى الله عليه سلم رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا، ~~فقال سعد رضي الله عنه: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط ~~فلانا شيئا وهو مؤمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أو مسلم؟ " حتى ~~أعادها سعد رضي الله عنه ثلاثا والنبي يقول: " أو مسلم؟ " ، ثم قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " إني لأعطي رجالا وأدع من هو أحب إلي ~~منهم، فلم أعطه شيئا مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم " # ، فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمن والمسلم، فدل على أن ~~الإيمان أخص من الإسلام، ودل على أن ذاك الرجل كان مسلما ليس منافقا، ~~لأنه تركه من العطاء، ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فهؤلاء الأعراب ~~المذكورون في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم ~~الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا ~~في ذلك، وإنما قلنا هذا لأن البخاري رحمه الله ذهب إلى أن هؤلاء كانوا ~~منافقين يظهرون الإيمان وليسوا كذلك، وقد روي عن سعيد بن جبير ومجاهد { ~~ولكن قولوا أسلمنا }: أي استسلمنا خوف القتل والسبي، قال ~~مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة، وقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا ~~بإيمانهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحيح الأول أنهم قوم ~~ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ولم يحصل لهم بعد فأدبوا وأعلموا أن ذلك لم ~~يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا، وإنما قيل لهؤلاء ~~تأديبا: { قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ~~ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } أي لم تصلوا إلى حقيقة ~~الإيمان ms2303 بعد، ثم قال تعالى: { وإن تطيعوا الله ورسوله لا ~~يلتكم من أعمالكم شيئا } أي لا ينقصكم من أجوركم شيئا ~~كقوله عز وجل: # ومآ ألتناهم من عملهم من شيء # [الطور: 21]، وقوله تعالى: { إن الله غفور رحيم } أي لمن ~~تاب إليه وأناب. # وقوله تعالى: { إنما المؤمنون } أي إنما المؤمنون الكمل { ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا } أي ~~لم يشكوا ولا تزلزلوا، بل ثبتوا على حال واحدة، وهي التصديق المحض، { ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } أي ~~وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه، { أولئك هم ~~الصادقون } أي في قولهم إذا قالوا إنهم مؤمنون، لا كبعض الأعراب ~~الذين ليس لهم من الإيمان إلا الكلمة الظاهرة، وقوله سبحانه وتعالى: { ~~قل أتعلمون الله بدينكم } أي أتخبرونه بما في ضمائركم؟ ~~{ والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض } أي لا ~~يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، { ~~والله بكل شيء عليم } ، ثم قال تعالى: { يمنون ~~عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم } ~~يعني الأعراب الذين يمنون بإسلامهم ومتابعتهم على الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، يقول الله تعالى ردا عليهم: { قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم } فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم ولله المنة عليكم فيه، { ~~بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم ~~صادقين } أي في دعواكم ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للأنصار يوم حنين: # " يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين ~~فألفكم الله بي؟ وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟ " # كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن. وروى الحافظ البزار، عن ابن ~~إبي عباس رضي الله عنهما قال: # " جاءت بنو أسد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ~~أسلمنا، وقاتلتك العرب ولم نقاتلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطلق على ألسنتهم " " # ، ونزلت هذه الآية: { يمنون عليك أن أسلموا قل لا ~~تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم ms2304 أن ~~هداكم للإيمان إن كنتم صادقين } ، ثم كرر الإخبار بعلمه ~~بجميع الكائنات، وبصره بأعمال المخلوقات فقال: { إن الله يعلم ~~غيب السموت والأرض والله بصير بما تعملون }. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-5] # { ق } حرف من حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور، كقوله تعالى: { ص ~~} و { ن } و { الم } ونحو ذلك قاله مجاهد وغيره، وقد أسلفنا الكلام ~~عليها في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقوله تعالى: { ~~والقرآن المجيد } ، أي الكريم العظيم الذي # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 42]، واختلفوا في جواب القسم ما هو؟ فحكى ابن جرير عن بعض النحاة ~~أنه قوله تعالى: { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ~~وعندنا كتاب حفيظ } وفي هذا نظر، بل الجواب هو مضمون الكلام ~~بعد القسم وهو إثبات النبوة وإثبات المعاد وتقريره وتحقيقه، وإن لم يكن ~~القسم يتلقى لفظا، وهذا كثير في أقسام القرآن كما تقدم في قوله: # ص والقرآن ذي الذكر * بل الذين كفروا في عزة ~~وشقاق # [ص: 1-2]، وهكذا قال ههنا { ق والقرآن المجيد * بل ~~عجبوا أن جآءهم منذر منهم فقال الكافرون ~~هذا شيء عجيب } أي تعجبوا من إرسال رسول إليهم من البشر، كقوله ~~جل جلاله: # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس # [يونس: 2] أي وليس هذا بعجيب، فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس، ثم قال عز وجل مخبرا عنهم في تعجبهم أيضا من المعاد ~~واستبعادهم لوقوعه { أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع ~~بعيد } أي يقولون أئذا متنا وبلينا وتقطعت الأوصال منا وصرنا ترابا، ~~كيف يمكن الرجوع بعد ذلك إلى هذه البنية والتركيب؟ { ذلك رجع ~~بعيد } أي بعيد الوقوع، والمعنى أنهم يعتقدون استحالته وعدم إمكانه، ~~قال الله تعالى رادا عليهم { قد علمنا ما تنقص الأرض ~~منهم } أي ما تأكل من أجسادهم في البلى، نعلم ذلك لا يخفى علينا أين ~~تفرقت الأبدان، وأين ذهبت وإلى أين صارت { وعندنا كتاب حفيظ } ~~أي حافظ لذلك، فالعلم شامل والكتاب أيضا فيه كل الأشياء ms2305 مضبوطة، قال ابن ~~عباس { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } أي ما تأكل من ~~لحومهم وأبشارهم، وعظامهم وأشعارهم؛ ثم بين تبارك وتعالى سبب كفرهم ~~وعنادهم واستبعادهم ما ليس ببعيد، فقال: { بل كذبوا بالحق ~~لما جآءهم فهم في أمر مريج } أي وهذا حال كل من خرج ~~عن الحق مهما قال بعد ذلك فهو باطل، و " المريج " المختلف المضطرب ~~المنكر، كقوله تعالى: # إنكم لفي قول مختلف * يؤفك عنه من أفك # [الذاريات: 8-9]. ### || [50.6-11] # يقول تعالى منبها للعباد على قدرته العظيمة، التي أظهر بها ما هو أعظم ~~مما تعجبوا مستبعدين لوقوعه { أفلم ينظروا إلى السمآء ~~فوقهم كيف بنيناها وزيناها }؟ أي بالمصابيح، { وما ~~لها من فروج } قال مجاهد: يعني من شقوق، وقال غيره: فتوق، وقال ~~غيره: صدوع، والمعنى متقارب، كقوله تبارك وتعالى: # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع ~~البصر هل ترى من فطور # [الملك: 3]. وقوله تبارك وتعالى: { والأرض مددناها } أي ~~وسعناها وفرشناها { وألقينا فيها رواسي } وهي الجبال لئلا ~~تميد بأهلها وتضطرب، فإنها مقرة على تيار الماء المحيط بها من جميع ~~جوانبها، { وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } أي من جميع ~~الزروع والثمار والنبات والأنواع، # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون # [الذاريات: 49] وقوله { بهيج } أي حسن المنظر، { تبصرة ~~وذكرى لكل عبد منيب } أي مشاهدة خلق السماوات والأرض وما ~~جعل الله فيهما من الآيات العظيمة { تبصرة } ودلالة وذكرى لكل { ~~عبد منيب } أي خاضع خائف وجل، رجاع إلى الله عز وجل، وقوله ~~تعالى: { ونزلنا من السمآء مآء مباركا } أي نافعا { ~~فأنبتنا به جنات } أي حدائق من بساتين ونحوها { وحب ~~الحصيد } وهو الزرع الذي يراد لحبه وادخاره. { والنخل ~~باسقات } أي طوالا شاهقات، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة: الباسقات ~~الطوال، { لها طلع نضيد } أي منضود، { رزقا للعباد } ~~أي للخلق، { وأحيينا به بلدة ميتا } وهي الأرض التي كانت ~~هامدة، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، من ~~أزاهير وغير ذلك مما يحار الطرف في حسنها، وذلك بعدما كانت لا نبات بها ~~فأصبحت تهتز ms2306 خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك، كذلك يحيي الله ~~الموتى، وهذا المشاهد من عظيم قدرته بالحس، أعظم مما أنكره الجاحدون ~~للبعث، كقوله عز وجل: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]، وقوله تعالى: # أولم يروا أن الله الذي خلق السموت ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى إنه على كل شيء قدير # [الأحقاف: 33] وقال سبحانه وتعالى: # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها ~~لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير # [فصلت: 39]. ### || [50.12-15] # يقول تعالى متهددا لكفار قريش، بما أحله بأشباههم ونظرائهم من المكذبين ~~قبلهم من النقمات والعذاب الأليم كقوم نوح، وما عذبهم الله تعالى به من ~~الغرق العام لجميع أهل الأرض، { وأصحاب الرس } وقد تقدمت قصتهم ~~في سورة الفرقان، { وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط ~~} وهم أمته الذين بعث إليهم من أهل سدوم، وكيف خسف الله تعالى بهم الأرض، ~~وأحال أرضهم بحيرة منتنة خبيثة، بكفرهم وطغيانهم ومخالفتهم الحق { ~~وأصحاب الأيكة } وهم قوم شعيب عليه الصلاة والسلام { وقوم ~~تبع } وهو اليماني، وقد ذكرنا من شأنه في سورة الدخان، { كل ~~كذب الرسل } أي كل من هذه الأمم وهؤلاء القرون كذب رسولهم، ومن ~~كذب رسولا فإنما كذب جميع الرسل كقوله جل وعلا: # كذبت قوم نوح المرسلين # [الشعراء: 105]، { فحق وعيد } أي فحق عليهم ما أوعدهم الله تعالى ~~على التكذيب من العذاب والنكال، فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم، ~~فإنهم قد كذبوا رسولهم كما كذب أولئك، وقوله تعالى: { أفعيينا ~~بالخلق الأول } أي أفأعجزنا ابتداء الخلق حتى هم في شك من ~~الإعادة؟ { بل هم في لبس من خلق جديد } ، والمعنى أن ~~ابتداء الخلق لم يعجزنا، والإعادة أسهل منه كما قال عز وجل: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]، وقال: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل ~~خلق عليم # [يس: 79]، وقد تقدم في الصحيح: # " يقول الله تعالى يؤذيني ابن آدم يقول لن يعيدني كما بدأني وليس أول ~~الخلق بأهون علي ms2307 من إعادته ". ### || [50.16-22] # يخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأن علمه محيط بجميع أموره، حتى إنه ~~تعالى يعلم ما توسوس به نفسه من الخير والشر، وقد ثبت في الصحيح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل " # وقوله عز وجل: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ~~يعني ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه، ومن تأوله على ~~العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع تعالى ~~الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل ~~الوريد، وإنما قال: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ~~} كما قال في المحتضر # ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون # [الواقعة: 85] يعني ملائكته، فالملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده ~~إليه، بإقدار الله جل وعلا لهم على ذلك، فللملك لمة من الإنسان كما أن ~~للشيطان لمة، ولهذا قال تعالى ههنا { إذ يتلقى المتلقيان ~~} يعني الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان { عن اليمين وعن ~~الشمال قعيد } أي مترصد، { ما يلفظ } أي ابن آدم { من ~~قول } أي ما يتكلم بكلمة { إلا لديه رقيب عتيد } أي إلا ~~ولها من يرقبها، معد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ~~ما تفعلون # [الإنفطار: 10-12] وقد اختلف العلماء هل يكتب الملك كل شيء من الكلام، ~~أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب على قولين: وظاهر الآية الأول لعموم قوله ~~تبارك وتعالى: { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد }. وقد روى الإمام أحمد، عن بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت ~~يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم ~~بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب ms2308 الله تعالى عليه ~~بها سخطه إلى يوم يلقاه " # فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث، وقال ~~الأحنف بن قيس: صاحب اليمين يكتب الخير وهو أمين على صاحب الشمال، فإن ~~أصاب العبد خطيئة قال له: أمسك، فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها ~~وإن أبى كتبها، وقال الحسن البصري، وتلا هذه الآية { عن اليمين ~~وعن الشمال قعيد }: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان ~~كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ ~~حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، ~~حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم ~~القيامة، فعند ذلك يقال لك: # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14] ثم يقول: " عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك ". وقال ~~ابن عباس { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ~~قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى أنه ليكتب قوله: أكلت، شربت، ~~ذهبت، جئت، رأيت. حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما ~~كان فيه من خير أو شر وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب # [الرعد: 39] وذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه، فبلغه عن طاووس ~~أنه قال: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين، فلم يئن أحمد حتى مات رحمه الله، ~~وقوله تبارك وتعالى: { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ~~ما كنت منه تحيد } يقول عز وجل: وجاءت أيها الإنسان سكرة ~~الموت بالحق أي كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه { ذلك ما كنت ~~منه تحيد } أي هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك، فلا محيد ولا مناص ~~ولا فكاك ولا خلاص. والصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو، وقيل: ~~الكافر، وقيل غير ذلك، روي أنه لما أن ثقل أبو بكر رضي الله عنه جاءت ~~عائشة رضي الله عنها فتمثلت ms2309 بهذا البيت: # لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # فكشف عن وجهه وقال رضي الله عنه: ليس كذلك، ولكن قولي: { وجاءت ~~سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } وقد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما تغشاه الموت جعل يمسح ~~العرق عن وجهه ويقول: # " سبحان الله إن للموت لسكرات " # وفي قوله: { ذلك ما كنت منه تحيد } قولان: # (أحدهما): أن (ما) ههنا موصولة أي الذي كنت منه تحيد بمعنى تبتعد وتفر، ~~وقد حل بك ونزل بساحتك. # (والقول الثاني): أن (ما) نافية بمعنى: ذلك ما كنت تقدر على الفراق منه ~~ولا الحيد عنه. # وقوله تبارك وتعالى: { ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ~~} قد تقدم الكلام على حديث النفخ في الصور وذلك يوم القيامة، وفي الحديث، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن ~~له ". قالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: " قولوا: ~~حسبنا الله ونعم الوكيل " ، فقال القوم: حسبنا الله ونعم الوكيل " # { وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد } أي ملك يسوقه ~~إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله، هذا هو الظاهر من الآية الكريمة وهو ~~اختيار ابن جرير، لما روي عن يحيى بن رافع قال: سمعت عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه يخطب فقرأ هذه الآية { وجآءت كل نفس معها سآئق ~~وشهيد } فقال: سائق يسوقها إلى الله تعالى، وشاهد يشهد عليها بما ~~عملت، وكذا قال مجاهد وقتادة، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد ~~العمل، وكذا قال الضحاك والسدي، وقال ابن عباس: السائق من الملائكة، ~~والشهيد الإنسان نفسه يشهد على نفسه. # وبه قال الضحاك أيضا. وقوله تعالى: { لقد كنت في غفلة من ~~هذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد } ~~قيل: إن المراد بذلك الكافر. وقيل: إن المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر، ~~لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة، والدنيا كالمنام، وهذا اختيار ~~ابن جرير، والظاهر من السياق ms2310 أن الخطاب مع الإنسان من حيث هو، والمراد ~~بقوله تعالى: { لقد كنت في غفلة من هذا } يعني من هذا ~~اليوم، { فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد } أي ~~قوي، لأن كل أحد يوم القيامة يكون مستبصرا، حتى الكفار في الدنيا يكونون ~~يوم القيامة على الاستقامة، لكن لا ينفعهم ذلك، قال الله تعالى: # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا # [مريم: 38]، وقال عز وجل: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون # [السجدة: 12]. ### || [50.23-29] # يقول تعالى مخبرا عن الملك الموكل بعمل آدم، أنه يشهد عليه يوم القيامة ~~بما فعل ويقول: { هذا ما لدي عتيد } أي معتد محضر بلا زيادة ~~ولا نقصان، وقال مجاهد: هذا كلام الملك السائق يقول: هذا ابن آدم الذي ~~وكلتني به قد أحضرته، وقد اختار ابن جرير أنه يعم السائق والشهيد، وله ~~اتجاه وقوة، فعند ذلك يحكم الله تعالى في الخليقة بالعدل فيقول: { ~~ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } ، وقد اختلف النحاة في ~~قوله: { ألقيا } فقال بعضهم: هي لغة لبعض العرب يخاطبون المفرد ~~بالتثنية، والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى ~~عرصة الحساب، فلما أدى الشهيد عليه، أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار ~~جهنم وبئس المصير { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } أي ~~كثير الكفر والتكذيب بالحق { عنيد } معاند للحق معارض له بالباطل مع ~~علمه بذلك، { مناع للخير } أي لا يؤدي ما عليه من الحقوق، لا ~~بر ولا صلة ولا صدقة، { معتد } أي فيما ينفقه ويصرفه، يتجاوز فيه ~~الحد. وقال قتادة: معتد في منطقه وسيره وأمره، { مريب } أي شاك في ~~أمره، مريب لمن نظر في أمره، { الذي جعل مع الله إلها ~~آخر } أي أشرك بالله فعبد معه غيره، { فألقياه في العذاب ~~الشديد } ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " يخرج عنق من النار يتكلم يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد. ومن ~~جعل مع الله إلها آخر، ومن قتل نفسا بغير نفس، فتنطوي ms2311 عليهم فتقذفهم في ~~غمرات جهنم " # { قال قرينه } قال ابن عباس ومجاهد: هو الشيطان الذي وكل به، { ~~ربنا مآ أطغيته } أي يقول عن الإنسان الذي قد وافى القيامة ~~كافرا يتبرأ منه شيطانه فيقول { ربنا مآ أطغيته } أي أضللته، ~~{ ولكن كان في ضلال بعيد } أي بل كان هو في نفسه ضالا، ~~معاندا للحق، كما أخبر سبحانه في قوله: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي # [إبراهيم: 22] الآية. وقوله تبارك وتعالى: { قال لا تختصموا ~~لدي } يقول الرب عز وجل للإنسي وقرينه من الجن، وذلك أنهما يختصمان ~~بين يدي الحق تعالى، فيقول الإنسي: يا رب هذا أضلني عن الذكر بعد إذ ~~جاءني، ويقول الشيطان: { ربنا مآ أطغيته ولكن كان في ~~ضلال بعيد } أي عن منهج الحق، فيقول الرب عز وجل لهما { لا ~~تختصموا لدي } أي عندي، { وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد } أي قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب وقامت ~~عليكم الحجج والبراهين، { ما يبدل القول لدي } قال مجاهد: ~~يعني قد قضيت ما أنا قاض، { ومآ أنا بظلام للعبيد } أي ~~لست أعذب أحدا بذنب أحد، ولكن لا أعذب أحدا إلا بذنبه، بعد قيام الحجة ~~عليه. ### || [50.30-35] # يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة هل امتلأت؟ وهي تقول: هل من ~~مزيد؟ أي هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه تدل ~~الأحاديث، روى البخاري عند تفسير هذه الآية، عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يلقى في النار وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها فتقول: قط قط " # وروى الإمام أحمد. عن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة قدمه فيها ~~فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل ~~حتى ينشىء الله لها خلقا ms2312 آخر فيسكنهم الله تعالى في فضول الجنة " # (حديث آخر): وروى البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين؛ وقالت ~~الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله عز وجل، ~~للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي ~~أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما النار فلا ~~تمتلىء حتى يضع رجله فيها فتقول: قط قط فهنالك تمتلىء وينزوي بعضها إلى ~~بعض، ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله عز ~~وجل ينشىء لها خلقا آخر " # (حديث آخر): روى مسلم في " صحيحه " ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " احتجت الجنة والنار فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت ~~الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى بينهما؛ فقال للجنة: إنما أنت ~~رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار، إنما أنت عذابي أعذب بك من ~~أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها " # وعن عكرمة { وتقول هل من مزيد }: وهل في مدخل واحد؟ قد ~~امتلأت. وقال مجاهد: لا يزال يقذف فيها حتى تقول قد امتلأت، فتقول: هل ~~في مزيد؟ وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو هذا، فعند هؤلاء أن قوله ~~تعالى: { هل امتلأت } إنما هو بعد ما يضع عليها قدمه فتنزوي وتقول ~~حينئذ: هل بقي في مزيد يسع شيئا؟ قال العوفي عن ابن عباس: وذلك حين ~~لا يبقى فيها موضع يسع إبرة، والله أعلم. # وقوله تعالى: { وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ~~} قال قتادة والسدي: { وأزلفت } أدنيت وقربت من المتقين، { غير ~~بعيد } وذلك يوم القيامة وليس ببعيد لأنه واقع لا محالة وكل ما هو آت ~~قريب، { هذا ما توعدون لكل أواب } أي رجاع تائب مقلع، { ~~حفيظ } أي يحفظ العهد فلا ينقضه ولا ينكثه، وقال عبيد بن عمير: الأواب ~~الحفيظ الذي لا يجلس مجلسا فيقوم ms2313 حتى يستغفر الله عز وجل، { من ~~خشي الرحمن بالغيب } أي من خاف الله في سره حيث لا يراه ~~أحد إلا الله عز وجل كقوله صلى الله عليه وسلم: # " ورجل ذكر الله تعالى خاليا ففاضت عيناه " # { وجآء بقلب منيب } أي ولقي الله عز وجل، يوم القيامة ~~بقلب منيب سليم إليه خاضع لديه { ادخلوها } أي الجنة { بسلام } ~~قال قتادة: سلموا من عذاب الله عز وجل وسلم عليهم ملائكة الله، ~~وقوله سبحانه وتعالى: { ذلك يوم الخلود } أي يخلدون في الجنة ~~فلا يموتون أبدا ولا يظعنون أبدا ولا يبغون عنها حولا، وقوله جلت ~~عظمته: { لهم ما يشآءون فيها } أي مهما اختاروا وجدوا من أي ~~أصناف الملاذ طلبوا أحضر لهم، عن كثير بن مرة قال: " من المزيد أن تمر ~~السحابة بأهل الجنة فتقول: ماذا تريدون فأمطره لكم؟ فلا يدعون بشيء إلا ~~أمطرتهم ". وفي الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال له: # " إنك لتشتهي الطير في الجنة فيخر بين يديك مشويا " # وروى الإمام أحمد، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة " # وقوله تعالى: { ولدينا مزيد } كقوله عز وجل: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]، وقد تقدم في " صحيح مسلم " عن صهيب بن سنان الرومي أنها ~~النظر إلى وجه الله الكريم، وقد روى البزار، عن أنس بن مالك في قوله عز ~~وجل { ولدينا مزيد } قال: " يظهر لهم الرب عز وجل في كل جمعة ~~". وروى الإمام أحمد، عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إن الرجل في الجنة ليتكىء في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول، ثم تأتيه ~~امرأة تضرب على منكبيه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى ~~لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد السلام، ~~فيسألها: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد، وإنه ليكون ms2314 عليها سبعون حلة ~~أدناها مثل النعمان من طوبى، فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، ~~وإن عليها من التيجان، إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب ~~". ### || [50.36-40] # يقول تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم } قبل هؤلاء المكذبين { ~~من قرن هم أشد منهم بطشا } أي كانوا أكثر منهم وأشد ~~قوة. ولهذا قال تعالى: { فنقبوا في البلاد هل من محيص ~~}. قال مجاهد: { فنقبوا في البلاد } ضربوا في الأرض. وقال ~~قتادة: فساروا في البلاد أي ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر ~~والمكاسب. ويقال لمن طوف في البلاد، نقب فيها، وقوله تعالى: { هل من ~~محيص } أي هل من مفر لهم من قضاء الله وقدره؟ وهل نفعهم ما جمعوه لما ~~كذبوا الرسل؟ فأنتم أيضا لا مفر لكم ولا محيد، وقوله عز وجل: { إن ~~في ذلك لذكرى } أي لعبرة { لمن كان له قلب } أي لب يعي ~~به، وقال مجاهد: عقل، { أو ألقى السمع وهو شهيد } أي ~~استمع الكلام فوعاه، وتعقله بعقله وتفهمه بلبه، وقال الضحاك: العرب ~~تقول: ألقى فلان سمعه إذ استمع بأذنيه وهو شاهد بقلب غير غائب، وقوله ~~سبحانه وتعالى: { ولقد خلقنا السموت والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب } فيه ~~تقرير للمعاد، لأن من قدر على خلق السماوات والأرض ولم يعي يخلقهن، قادر ~~على أن يحيي الموتى بطريق الأولى والأحرى. وقال قتادة: قالت اليهود - ~~عليهم لعائن الله - خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في ~~اليوم السابع وهو يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة فأنزل الله تعالى ~~تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه: { وما مسنا من لغوب } أي من ~~إعياء ولا تعب ولا نصب، كما قال تعالى: # أولم يروا أن الله الذي خلق السموت ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى إنه على كل شيء قدير # [الأحقاف: 33] وكما قال عز وجل: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]؟ وقال تعالى: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها # [النازعات: 27]. # وقوله عز وجل: { فاصبر على ما يقولون } يعني المكذبين ms2315 اصبر ~~عليهم واهجرهم هجرا جميلا { وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب } ، وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ~~ثنتان قبل طلوع الشمس في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر، وقيام ~~الليل كان واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته حولا، ثم نسخ ~~في حق الأمة وجوبه. ثم بعد ذلك نسخ الله تعالى ذلك كله ليلة الإسراء بخمس ~~صلوات. ولكن منهن صلاة (الصبح والعصر) فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، ~~وقد روى الإمام أحمد، عن جرير بن عبد الله رضي الله عنهما قال: # " كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر ~~فقال: " أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر لا تضامون ~~فيه، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ~~فافعلوا " # ، ثم قرأ: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل الغروب }. وقوله تعالى: { ومن الليل فسبحه } ~~أي فصل له كقوله: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79]، { وأدبار السجود } قال مجاهد، عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: هو التسبيح بعد الصلاة، ويؤيد هذا ما ثبت في " الصحيحين " عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: # " جاء فقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات ~~العلى والنعيم المقيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " وما ذاك؟ " ~~قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ~~ولا نعتق، قال صلى الله عليه وسلم: " أفلا أعلمكم شيئا إذا فعلتموه ~~سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون ~~وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين " قال، فقالوا: يا رسول الله ~~سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " # والقول الثاني أن المراد بقوله تعالى: { وأدبار السجود } هما ~~الركعتان بعد المغرب، وبه يقول مجاهد وعكرمة والشعبي. روى الإمام أحمد، ~~عن علي رضي الله عنه قال: # " كان رسول الله صلى ms2316 الله عليه وسلم يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين ~~إلا الفجر والعصر، وقال عبد الرحمن: دبر كل صلاة " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " بت ليلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين خفيفتين اللتين ~~قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال: يا ابن عباس: " ركعتين قبل صلاة ~~الفجر إدبار النجوم، وركعتين بعد المغرب إدبار السجود " ". ### || [50.41-45] # يقول تعالى: { واستمع } يا محمد { يوم يناد المناد من ~~مكان قريب } قال كعب الأحبار: يأمر الله تعالى ملكا أن ينادي على ~~صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، إن الله ~~تعالى يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء { يوم يسمعون الصيحة ~~بالحق } يعني النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي كان أكثرهم فيه ~~يمترون، { ذلك يوم الخروج } أي من الأجداث { إنا نحن ~~نحيي ونميت وإلينا المصير } ، أي هو الذي يبدأ الخلق ثم ~~يعيده، وإليه مصير الخلائق كلهم، فيجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير. وإن ~~شرا فشر. وقوله تعالى: { يوم تشقق الأرض عنهم سراعا } ~~وذلك أن الله عز وجل ينزل مطرا من السماء ينبت به أجساد الخلائق ~~كلها في قبورها كما ينبت الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أمر ~~الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور، فإذا نفخ فيه خرجت الأرواح تتوهج بين ~~السماء والأرض، فيقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى ~~الجسد الذي كانت تعمره، فترجع كل روح إلى جسدها، فتدب فيه كما يدب السم ~~في اللديغ، وتنشق الأرض عنهم فيقومون إلى موقف الحساب، سراعا مبادرين ~~إلى أمر الله عز وجل، # مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم ~~عسر # [القمر: 8]، وقال تعالى: # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن ~~لبثتم إلا قليلا # [الإسراء: 52]. وفي " صحيح مسلم " عن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا أول من تنشق عنه الأرض " # وقوله عز وجل: { ذلك حشر علينا يسير } أي تلك إعادة سهلة ~~علينا يسيرة لدينا، كما قال جل جلاله: # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح ms2317 بالبصر # [القمر: 50]، وقال سبحانه وتعالى: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن ~~الله سميع بصير # [لقمان: 28]، وقوله جل وعلا: { نحن أعلم بما يقولون } ، ~~أي علمنا محيط بما يقول لك المشركون، فلا يهولنك ذلك، كقوله # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون # [الحجر: 97] وقوله تبارك وتعالى: { ومآ أنت عليهم بجبار } ~~أي ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى، وليس ذلك مما كلفت به، وقال مجاهد ~~والضحاك: أي لا تتجبر عليهم، والقول الأول أولى، قال الفراء: سمعت العرب ~~تقول: جبر فلان فلانا على كذا بمعنى أجبره، ثم قال عز وجل: { فذكر ~~بالقرآن من يخاف وعيد } أي بلغ أنت رسالة ربك، فإنما يتذكر ~~من يخاف الله ووعيده كقوله تعالى: # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40]، وقوله جل جلاله: # فذكر إنمآ أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر # [الغاشية: 21-22]. # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء # [البقرة: 272]، # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56] ولهذا قال ههنا: { ومآ أنت عليهم بجبار ~~فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } كان قتادة يقول: اللهم ~~اجعلنا ممن يخاف وعيدك، ويرجو موعودك، يا بار يا رحيم. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-14] # قوله تعالى: { والذاريات ذروا } قال علي رضي الله عنه: الريح، ~~{ فالحاملات وقرا } قال: السحاب { فالجاريات يسرا } ~~قال: السفن { فالمقسمات أمرا } قال: الملائكة. # وقد روي عن سعيد بن المسيب قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه، قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الذاريات ذروا، فقال عمر رضي ~~الله عنه: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ~~ما قلته، قال: فأخبرني عن المقسمات أمرا، قال رضي الله عنه: هي ~~الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، ~~قال: فأخبرني عن الجاريات يسرا، قال رضي الله عنه: هي السفن، ولولا أني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. وهكذا فسرها ابن عباس ~~وابن عمر وغير واحد، ولم يحك ابن جرير غير ذلك، ms2318 وقد قيل: إن المراد ~~بالذاريات (الريح) وبالحاملات وقرا (السحاب) كما تقدم لأنها تحمل الماء، ~~فأما { فالجاريات يسرا } فالمشهور عن الجمهور أنها السفن. تجري ~~ميسرة في الماء جريا سهلا، وقال بعضهم: هي النجوم تجري يسرا في ~~أفلاكها، ليكون ذلك ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، فالرياح فوقها السحاب، ~~والنجوم فوق ذلك، والمقسمات أمرا، الملائكة فوق ذلك تنزل بأوامر الله ~~الشرعية والكونية، وهذا قسم من الله عز وجل على وقوع المعاد، ولهذا قال ~~تعالى: { إنما توعدون لصادق } أي لخبر صدق، { وإن ~~الدين } وهو الحساب { لواقع } أي لكائن لا محالة، ثم قال تعالى: { ~~والسمآء ذات الحبك } قال ابن عباس: ذات الجمال والبهاء، ~~والحسن والاستواء، وقال الضحاك: الرمل والزرع إذا ضربته الريح فينسج بعضه ~~بعضا طرائق طرائق، فذلك الحبك، وعن أبي صالح { ذات الحبك } الشدة، ~~وقال خصيف { ذات الحبك } ذات الصفاقة، وقال الحسن البصري: { ذات ~~الحبك } حبكت النجوم، وقال عبد الله بن عمرو { والسمآء ذات ~~الحبك } يعني السماء السابعة وكأنه - والله أعلم - أراد بذلك السماء ~~التي فيها الكواكب الثابتة. وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد وهو الحسن ~~والبهاء، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما فإنها من حسنها مرتفعة شفافة ~~صفيقة، شديدة البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكللة بالنجوم ~~الثوابت والسيارات، موشحة بالكواكب الزاهرات. وقوله تعالى: { إنكم ~~لفي قول مختلف } أي إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل { ~~لفي قول مختلف } مضطرب لا يلتئم ولا يجتمع، وقال قتادة: { ~~إنكم لفي قول مختلف } ما بين مصدق بالقرآن ومكذب به { ~~يؤفك عنه من أفك } أي إنما يروج على من هو ضال في نفسه، لأنه ~~قول باطل، ينقاد له ويضل بسببه من هو مأفوك ضال، غمر لا فهم له. قال ~~ابن عباس { يؤفك عنه من أفك } يضل عنه من ضل، وقال مجاهد: ~~يؤفن عنه من أفن، وقال الحسن البصري: يصرف عن هذا القرآن من كذب به، ~~وقوله تعالى: { قتل الخراصون } قال مجاهد: الكذابون، وهي مثل ~~التي في عبس، # قتل الإنسان مآ أكفره # [عبس: 17] والخراصون الذين يقولون: لا نبعث ولا ms2319 يوقنون، وقال ابن عباس: ~~{ قتل الخراصون } أي لعن المرتابون، وقال قتادة: الخراصون أهل ~~الغرة والظنون، وقوله تبارك وتعالى: { الذين هم في غمرة ~~ساهون } قال ابن عباس وغير واحد: في الكفر والشك غافلون لاهون { ~~يسألون أيان يوم الدين } وإنما يقولون هذا تكذيبا ~~وعنادا، وشكا واستبعادا قال الله تعالى: { يوم هم على النار ~~يفتنون } قال ابن عباس: يعذبون، قال مجاهد: كما يفتن الذهب على ~~النار، وقال جماعة آخرون: { يفتنون } يحرقون { ذوقوا ~~فتنتكم } قال مجاهد: حريقكم، وقال غيره: عذابكم { هذا الذي ~~كنتم به تستعجلون } أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا، ~~وتحقيرا وتصغيرا، والله أعلم. ### || [51.15-23] # يقول تعالى مخبرا عن المتقين لله عز وجل، أنهم يوم معادهم يكونون في ~~جنات وعيون، بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال والحريق ~~والأغلال، وقوله تعالى: { آخذين مآ آتاهم ربهم } ، قال ابن ~~جرير: أي عاملين بما آتاهم الله من الفرائض، { إنهم كانوا قبل ~~ذلك محسنين } أي قبل أن يفرض عليهم الفرائض كانوا محسنين في ~~الأعمال أيضا، والذي فسر به ابن جرير فيه نظر، لأن قوله تبارك وتعالى { ~~آخذين } حال من قوله { في جنات وعيون } فالمتقون في حال ~~كونهم في الجنان والعيون آخذين ما آتاهم ربهم، أي من النعيم والسرور ~~والغبطة. وقوله عز وجل: { إنهم كانوا قبل ذلك } أي في ~~الدار الدنيا، { محسنين } كقوله تعالى: # كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام ~~الخالية # [الحاقة: 24]، ثم إنه تعالى بين إحسانهم في العمل فقال جل وعلا: { ~~كانوا قليلا من الليل ما يهجعون }. اختلف المفسرون في ~~ذلك على قولين: أحدهما: أن (ما) نافية تقديره: كانوا قليلا من الليل لا ~~يهجعونه. قال ابن عباس: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو ~~شيئا، وقال قتادة: قل ليلة تأتي عليهم إلا يصلون فيها لله عز وجل، ~~إما من أولها أو من وسطها، وقال مجاهد: قل ما يرقدون ليلة حتى الصباح ~~لا يتهجدون، والقول الثاني: أن (ما) مصدرية تقديره: كانوا قليلا من ~~الليل هجوعهم ونومهم، واختاره ابن جرير، وقال الحسن البصري: { كانوا ~~قليلا ms2320 من الليل ما يهجعون } ، كابدوا قيام الليل فلا ~~ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر حتى كان الاستغفار ~~بسحر، وقال الأحنف بن قيس: { كانوا قليلا من الليل ما ~~يهجعون } كانوا لا ينامون إلا قليلا، ثم يقول: لست من أهل هذه ~~الآية، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يا ~~أبا أسامة صفة لا أجدها فينا ذكر الله تعالى قوما فقال: { كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون } ونحن والله قليلا من الليل ~~ما نقوم. فقال له أبي: " طوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى الله إذا استيقظ ". ~~وقال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه صلى الله عليه وسلم ~~عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: # " يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا ~~بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام " # وروى الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها " فقال أبو ~~موسى الأشعري رضي الله عنه: لمن هي يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه ~~وسلم: " لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائما والناس نيام " ~~". # وقوله عز وجل: { وبالأسحار هم يستغفرون } قال مجاهد: ~~يصلون، وقال آخرون: قاموا الليل وأخروا الاستغفار إلى الأسحار، كما قال ~~تبارك وتعالى: # والمستغفرين بالأسحار # [آل عمران: 17]، وقد ثبت في الصحاح، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل ~~الأخير، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من ~~سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر " # وقوله تعالى: { وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم ~~} لما وصفهم بالصلاة، ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة، فقال { وفي ~~أموالهم } أي جزء ms2321 مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم، أما السائل ~~فمعروف وهو الذي يبتدىء بالسؤال وله حق، كما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " للسائل حق وإن جاء على فرس " # وأما المحروم فقال ابن عباس ومجاهد: هو المحارب الذي ليس له في الإسلام ~~سهم، يعني لا سهم له في بيت المال ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها، وقالت ~~أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: هو المحارب الذي لا يكاد يتيسر له ~~مكسبه، وقال الضحاك: هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى الله تعالى له ~~ذلك، وقال ابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء: المحروم المحارف، وقال قتادة ~~والزهري: المحروم الذي لا يسأل الناس شيئا، وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ~~ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه " # وقال سعيد بن جبير: هو الذي يجيء وقد قسم المغنم فيرضخ له، وقال الشعبي: ~~أعياني أن أعلم ما المحروم، واختار ابن جرير أن المحروم الذي لا مال له ~~بأي سبب كان وقد ذهب ماله، سواء كان لا يقدر على الكسب، أو قد هلك ماله ~~بآفة أو نحوها. # وقوله عز وجل: { وفي الأرض آيات للموقنين } أي فيها من ~~الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة، مما فيها من صنوف النبات ~~والحيوانات والمهاد، والجبال والقفار والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة ~~الناس وألوانهم، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والسعادة ~~والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم، في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل ~~الذي هو محتاج إليه فيه، ولهذا قال عز وجل: { وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون }؟ قال قتادة: من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ~~ولينت مفاصله للعبادة، ثم قال تعالى: { وفي السمآء رزقكم } ~~يعني المطر { وما توعدون } يعني الجنة، قاله ابن عباس ومجاهد وغير ~~واحد، وقوله تعالى: { فورب السمآء والأرض إنه لحق ~~مثل مآ أنكم تنطقون } ، يقسم تعالى بنفسه الكريمة: أن ما ~~وعدهم به من أمر ms2322 القيامة، والبعث والجزاء كائن لا محالة، وهو حق لا مرية ~~فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون، وكان معاذ رضي ~~الله عنه إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه إن هذا لحق كما أنك ههنا. # وعن الحسن البصري قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا ". ### || [51.24-30] # هذه القصة قد تقدمت في سورة هود والحجر، فقوله: { هل أتاك حديث ~~ضيف إبراهيم المكرمين } أي الذين أرصد لهم الكرامة، وقد ~~ذهب الإمام أحمد إلى وجوب الضيافة للنزيل، وقد وردت السنة بذلك كما هو ~~ظاهر التنزيل، وقوله تعالى: { فقالوا سلاما قال سلام } الرفع ~~أقوى وأثبت من النصب، فرده أفضل من التسليم، ولهذا قال تعالى: # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ~~ردوهآ # [النساء: 86] فالخليل اختار الأفضل، وقوله تعالى: { قوم منكرون ~~} وذلك أن الملائكة، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، قدموا عليه في صورة ~~شبان حسان عليهم مهابة عظيمة، ولهذا قال { قوم منكرون }. وقوله ~~عز وجل: { فراغ إلى أهله } أي انسل خفية في سرعة، { فجآء ~~بعجل سمين } أي من خيار ماله، وفي الآية الأخرى: # فما لبث أن جآء بعجل حنيذ # [هود: 69] أي مشوي على الرضف { فقربه إليهم } أي أدناه ~~منهم، { قال ألا تأكلون }؟ تلطف في العبارة وعرض حسن، وهذه ~~الآية انتظمت آداب الضيافة فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة، وأتى ~~بأفضل ما وجد من ماله وهو عجل فتي سمين مشوي، فقربه إليهم لم يضعه ~~وقال اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة ~~الجزم، بل قال: { ألا تأكلون }؟ على سبيل العرض والتلطف، كما يقول ~~القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل. وقوله تعالى: { ~~فأوجس منهم خيفة } كقوله تعالى: # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس ~~منهم خيفة # [هود: 70] { قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم } ~~البشارة له بشارة لها، لأن الولد منهما فكل منهما بشر به، وقوله تعالى: { ~~فأقبلت امرأته في صرة } أي في صرخة ms2323 عظيمة ورنة ، وهي ~~قولها # ياويلتا # [المائدة: 31] { فصكت وجهها } أي ضربت بيدها على جبينها، قال ~~ابن عباس: لطمت أي تعجبا، كما تتعجب النساء من الأمر الغريب { وقالت ~~عجوز عقيم } أي كيف ألد وأنا عجوز وقد كنت في حال الصبا عقيما لا ~~أحبل؟ { قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم ~~العليم } أي عليم بما تستحقون من الكرامة، حكيم في أقواله وأفعاله. ### || [51.31-37] # قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: { قال فما ~~خطبكم أيها المرسلون }؟ أي ما شأنكم، وفيم جئتم؟ { ~~قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } يعنون قوم ~~لوط، { لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة } أي ~~معلمة، { عند ربك للمسرفين } أي مكتتبة عنده بأسمائهم، كل ~~حجر عليه اسم صاحبه، { فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين } وهو لوط وأهل بيته إلا امرأته { فما وجدنا فيها ~~غير بيت من المسلمين } ، وقوله تعالى: { وتركنا ~~فيهآ آية للذين يخافون العذاب الأليم } أي جعلناها ~~عبرة بما أنزلنا بهم من العذاب والنكال، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة ~~خبيثة، ففي ذلك عبرة للمؤمنين { للذين يخافون العذاب ~~الأليم }. ### || [51.38-46] # يقول تعالى: { وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون ~~بسلطان مبين } أي بدليل باهر وحجة قاطعة، { فتولى ~~بركنه } أي فأعرض فرعون عما جاءه به موسى من الحق المبين استكبارا ~~وعنادا، قال مجاهد: تعزز بأصحابه، وقال قتادة: غلب عدو الله على قومه، ~~وقال ابن زيد: { فتولى بركنه } أي بمجموعه التي معه، ثم قرأ: # لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد # [هود: 80] والمعنى الأول قوي، { وقال ساحر أو مجنون } أي لا ~~يخلو أمرك فيما جئتني به، من أن تكون ساحرا أو مجنونا، قال الله تعالى: ~~{ فأخذناه وجنوده فنبذناهم } أي ألقيناهم { في ~~اليم } وهو البحر، { وهو مليم } أي وهو ملوم جاحد، فاجر معاند. ~~ثم قال عز وجل: { وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح ~~العقيم } أي المفسدة التي لا تنتج شيئا ولهذا قال تعالى: { ما ~~تذر من شيء أتت عليه } أي مما تفسده الريح { إلا ~~جعلته كالرميم } أي كالشيء الهالك البالي، وقد ثبت ms2324 في الصحيح: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # { وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } قال ~~ابن جرير: يعني إلى وقت فناء آجالكم، والظاهر أن هذه كقوله تعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون # [فصلت: 17]، وهكذا قال ههنا: { وفي ثمود إذ قيل لهم ~~تمتعوا حتى حين * فعتوا عن أمر ربهم ~~فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون } وذلك أنهم انتظروا ~~العذاب ثلاثة أيام فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار، { فما ~~استطاعوا من قيام } أي من هرب ولا نهوض، { وما كانوا ~~منتصرين } أي لا يقدرون على أن ينتصروا مما هم فيه، وقوله عز وجل: ~~{ وقوم نوح من قبل } أي وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء { ~~إنهم كانوا قوما فاسقين } ، وكل هذه القصص قد تقدمت ~~مبسوطة في أماكن كثيرة من سور متعددة. والله تعالى أعلم. ### || [51.47-51] # يقول تعالى منبها على خلق العالم العلوي والسفلي: { والسمآء ~~بنيناها } أي جعلناها سقفا محفوظا رفيعا، { بأييد } أي بقوة ~~قاله ابن عباس ومجاهد، { وإنا لموسعون } أي قد وسعنا أرجاءها، ~~ورفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي، { والأرض فرشناها } أي ~~جعلناها فراشا للمخلوقات، { فنعم الماهدون } أي وجعلناها مهدا ~~لأهلها، { ومن كل شيء خلقنا زوجين } أي جميع المخلوقات ~~أزواج: سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان ~~وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات ~~ولهذا قال تعالى: { لعلكم تذكرون } أي لتعلموا أن الخالق ~~واحد لا شريك له، { ففروا إلى الله } أي الجأوا إليه واعتمدوا ~~عليه في أموركم عليه، { إني لكم منه نذير مبين * ولا ~~تجعلوا مع الله إلها آخر } أي لا تشركوا به شيئا { ~~إني لكم منه نذير مبين }. ### || [51.52-60] # يقول تعالى مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم: وكما قال لك هؤلاء ~~المشركون، قال المكذبون الأولون لرسلهم { كذلك مآ أتى الذين ~~من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } ~~قال الله عز وجل: { أتواصوا به }؟ أي أوصى بعضهم بعضا بهذه ~~المقالة؟ { بل هم قوم طاغون } ، أي لكن هم قوم ms2325 طغاة تشابهت ~~قلوبهم، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم، قال الله تعالى: { فتول ~~عنهم } أي فأعرض عنهم يا محمد، { فمآ أنت بملوم } يعني لا ~~نلومك على ذلك، { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ~~} أي إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة، ثم قال جل جلاله: { وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون } أي إنما خلقتهم لآمرهم ~~بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم، وقال ابن عباس: { إلا ليعبدون } أي ~~إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرها، وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن ~~جريج: إلا ليعرفون، وقال الربيع بن أنس إلا للعبادة، وقوله تعالى: { مآ ~~أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون * إن ~~الله هو الرزاق ذو القوة المتين } ، عن عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إني أنا ~~الرزاق ذو القوة المتين } ، ومعنى الآية أنه تبارك وتعالى خلق العباد ~~ليعبدوه واحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه ~~أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع ~~أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم، وفي الحديث القدسي: # " يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت ~~صدرك شغلا ولم أسد فقرك ". # وقد ورد في بعض الكتب الإلهية: يقول الله تعالى: # " ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، فاطلبني ~~تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من ~~كل شيء " # وقوله تعالى: { فإن للذين ظلموا ذنوبا } أي نصيبا من ~~العذاب، { مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون } ذلك ~~فإنه واقع لا محالة، { فويل للذين كفروا من يومهم ~~الذي يوعدون } يعني يوم القيامة. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-16] # يقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة، أن عذابه واقع بأعدائه ~~وأنه لا دافع له عنهم، والطور هو الجبل الذي يكون فيها أشجار مثل الذي ~~كلم الله عليه موسى، وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طورا، إنما يقال له ~~جبل، { وكتاب مسطور } قيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل: الكتب ms2326 ~~المنزلة المكتوبة، التي تقرأ على الناس جهارا، ولهذا قال: { في رق ~~منشور * والبيت المعمور } ، ثبت في " الصحيحين " أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء: # " ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفا لا ~~يعودون إليه آخر ما عليهم " # يعني يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، وهو كعبة أهل ~~السماء السابعة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها ويصلون إليه، والذي في ~~السماء الدنيا يقال له بيت العزة، والله أعلم. وقال ابن عباس: البيت ~~المعمور هو بيت حذاء العرش تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا ~~من الملائكة ثم لا يعودون إليه، وكذا قال عكرمة ومجاهد وغير واحد من ~~السلف، وقال قتادة والسدي: # " ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه: " هل ~~تدرون ما البيت المعمور؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإنه مسجد في ~~السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا ~~خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم " " # وقوله تعالى: { والسقف المرفوع } عن علي قال: يعني السماء، ثم ~~تلا: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا وهم عن آياتها ~~معرضون # [الأنبياء: 32]، وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي واختاره ابن جرير، وقال ~~الربيع بن أنس: هو العرش يعني أنه سقف لجميع المخلوقات، وقوله تعالى: { ~~والبحر المسجور } قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت ~~العرش الذي ينزل الله منه المطر الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم ~~معادها، وقال الجمهور: هو هذا البحر، واختلف في معنى قوله: { ~~المسجور } فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة نارا كقوله، # وإذا البحار سجرت # [التكوير: 6] أي أضرمت فتصير نارا تتأجج محيطة بأهل الموقف، وروي عن ~~علي وابن عباس. وقال العلاء بن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يشرب ~~منه ماء ولا يسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة، وعن سعيد بن جبير: { ~~والبحر المسجور } يعني المرسل، وقال قتادة: المسجور المملوء، ~~واختاره ابن جرير، وقيل: ms2327 المراد بالمسجور الممنوع المكفوف عن الأرض لئلا ~~يغمرها فيغرق أهلها، قاله ابن عباس وبه يقول السدي وغيره، وعليه يدل ~~الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن الله أن ينفضح ~~عليهم فيكفه الله عز وجل ". # وقوله تعالى: { إن عذاب ربك لواقع } هذا هو القسم عليه أي ~~لواقع بالمكافرين، { ما له من دافع } أي ليس له دافع يدفعه عنهم، ~~إذا أراد الله بهم ذلك، قال الحافظ ابن أبي الدنيا: خرج عمر يعس المدينة ~~ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين فوافقه قائما يصلي، فوقف يستمع ~~قراءته فقرأ: { والطور } - حتى بلغ - { إن عذاب ربك ~~لواقع * ما له من دافع } قال: قسم ورب الكعبة حق، فنزل عن ~~حماره، واستند إلى حائط، فمكث مليا، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده ~~الناس لا يدرون ما مرضه رضي الله عنه. وقوله تعالى: { يوم تمور ~~السمآء مورا } قال ابن عباس: تتحرك تحريكا، وقال مجاهد: تدور ~~دورا، وقال الضحاك: استدارتها وتحركها لأمر الله وموج بعضها في بعض، ~~وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة، قال وأنشد أبو عبيدة بيت ~~الأعشى فقال: # كأن مشيتها من بيت جارتها # مور السحابة لا ريث ولا عجل # { وتسير الجبال سيرا } أي تذهب فتصير هباء منبثا وتنسف ~~نسفا، { فويل يومئذ للمكذبين } أي ويل لهم ذلك اليوم ~~من عذاب الله ونكاله، { الذين هم في خوض يلعبون } أي هم ~~في الدنيا يخوضون في الباطل ويتخذون دينهم هزوا ولعبا { يوم ~~يدعون } أي يدفعون ويساقون { إلى نار جهنم دعا } ، قال ~~مجاهد والسدي: يدفعون فيها دفعا { هذه النار التي كنتم ~~بها تكذبون } أي تقول لهم الزبانية ذلك تقريعا وتوبيخا، { ~~أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون * اصلوها } أي ~~ادخلوها دخول من تغمره من جميع جهاته، { فاصبروا أو لا ~~تصبروا سوآء عليكم } ، أي سواء صبرتهم على عذابها ونكالها ~~أم لم تصبروا، لا محيد لكم عنها ولا خلاص لكم منها، { إنما ms2328 ~~تجزون ما كنتم تعملون } أي ولا يظلم الله أحدا بل يجازي ~~كلا بعمله. ### || [52.17-20] # أخبر الله تعالى عن حال السعداء فقال: { إن المتقين في ~~جنات ونعيم } وذلك بضد ما أولئك فيه من العذاب والنكال، { ~~فاكهين بمآ آتاهم ربهم } أي يتفكهون بما آتاهم الله من ~~النعيم، من أصناف الملاذ من مآكل ومشارب، وملابس ومساكن ومراكب وغير ذلك، ~~{ ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } أي وقد نجاهم من عذاب ~~النار، وتلك نعمة مستقلة بذاتها، مع ما أضيف إليها من دخول الجنة، التي ~~فيها من السرور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقوله ~~تعالى: { كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون } ، ~~كقوله تعالى: # كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام ~~الخالية # [الحاقة: 24] أي هذا بذاك تفضلا منه وإحسانا، وقوله تعالى: { ~~متكئين على سرر مصفوفة } قال ابن عباس: السرر في ~~الحجال، وفي الحديث: # " إن الرجل ليتكىء المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه ولا يمله يأتيه ~~ما اشتهت نفسه ولذت عينه " # وعن ثابت قال: # " بلغنا أن الرجل ليتكىء في الجنة سبعين سنة عنده من أزواجه وخدمه، وما ~~أعطاه الله من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة، فإذا أزواج له لم ~~يكن رآهن قبل ذلك فيقلن: قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيبا " # ومعنى { مصفوفة } أي وجوه بعضهم إلى بعض كقوله: # على سرر متقابلين # [الحجر: 47، الصافات: 44]، { وزوجناهم بحور عين } أي وجعلنا ~~لهم قرينات صالحات، وزوجات حسانا من الحور العين، وقال مجاهد { ~~وزوجناهم } أنكحناهم بحور عين، وقد تقدم وصفهن في غير موضع بما ~~أغنى عن إعادته ههنا. ### || [52.21-28] # يخبر تعالى عن فضله وكرمه وامتنانه، ولطفه بخلقه وإحسانه، أن المؤمنين ~~إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان، يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم ~~يبلغوا عملهم لتقر أعين الآباء بالأبناء، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه ~~بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته ~~للتساوي بينه وبين ذاك، ولهذا قال: { ألحقنا بهم ذريتهم ~~ومآ ألتناهم من عملهم من شيء } ، قال ابن عباس: إن ms2329 ~~الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم ~~عينه، ثم قرأ { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من ~~عملهم من شيء }. وروى ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، عن ابن ~~عباس في قوله الله تعالى: { والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم } ، قال: هم ~~ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ~~ألحقوا بآبائهم ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئا، وروى الحافظ ~~الطبراني عن ابن عباس أظنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فيقال: إنهم لم يبلغوا ~~درجتك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به " # ، وقرأ ابن عباس { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان } الآية، هذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء، وأما ~~فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذه؟ ~~فيقول؛ باستغفار ولدك لك " # وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع ~~به، أو ولد صالح يدعو له ". # وقوله تعالى: { كل امرىء بما كسب رهين } لما أخبر عن مقام ~~الفضل وهو رفع درجة الذرية إلى منزلة الآباء من غير عمل يقتضي ذلك، أخبر ~~عن مقام العدل، وهو أنه لا يؤاخذ أحدا بذنب أحد، فقال تعالى: { كل ~~امرىء بما كسب رهين } أي مرتهن بعمله لا يحمل عليه ذنب غيره ~~من الناس، سواء كان أبا أو ابنا، كما قال تعالى: # كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين * ~~في جنات يتسآءلون * عن المجرمين # [المدثر: 38-41]، وقوله: { وأمددناهم بفاكهة ولحم ~~مما يشتهون } أي وألحقناهم بفواكه ولحوم من أنواع شتى مما ~~يستطاب ويشتهى، وقوله: { يتنازعون فيها كأسا } أي يتعاطون ~~فيها كأسا أي من الخمر، قاله الضحاك: { لا لغو ms2330 فيها ولا ~~تأثيم } أي لا يتكلمون فيها بكلام لاغ، أي هذيان، ولا إثم، أي فحش ~~كما يتكلم به الشربة من أهل الدنيا. # قال ابن عباس: اللغو الباطل، والتأثيم الكذب، وقال مجاهد: لا يستبون ولا ~~يؤثمون؛ وقال قتادة: كان ذلك في الدنيا مع الشيطان، فنزه الله خمر الآخرة ~~عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها، فنفى عنها صداع الرأس ووجع البطن وإزالة ~~العقل بالكلية، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام السيء الفارغ عن الفائدة ~~المتضمن هذيانا وفحشا، وأخبر بحسن منظرها وطيب طعمها ومخبرها فقال: # بيضآء لذة للشاربين * لا فيها غول ولا هم ~~عنها ينزفون # [الصافات: 46-47] وقال: # لا يصدعون عنها ولا ينزفون # [الواقعة: 19]. وقال ههنا: { يتنازعون فيها كأسا لا ~~لغو فيها ولا تأثيم }. وقوله تعالى: { ويطوف عليهم ~~غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون } إخبار عن خدمهم ~~وحشمهم في الجنة، كأنهم اللؤلؤ الرطب المكنون، في حسنهم وبهائهم ونظافتهم ~~وحسن ملابسهم، كما قال تعالى: # يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق ~~وكأس من معين # [الواقعة: 17-18]. وقوله تعالى: { وأقبل بعضهم على بعض ~~يتسآءلون } أي أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في ~~الدنيا، كما يتحادث أهل الشراب على شرابهم، { قالوا إنا كنا ~~قبل في أهلنا مشفقين } أي كنا في الدار الدنيا ونحن بين ~~أهلينا خائفين من ربنا، مشفقين من عذابه وعقابه { فمن الله ~~علينا ووقانا عذاب السموم } أي فتصدق علينا وأجارنا مما ~~نخاف، { إنا كنا من قبل ندعوه } أي نتضرع إليه فاستجاب لنا ~~وأعطانا سؤالنا { إنه هو البر الرحيم } ، عن أنس قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان فيجيء سرير هذا حتى ~~يحاذي سرير هذا، فيتحدثان، فيتكىء هذا ويتكىء هذا فيتحدثان بما كان في ~~الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه: يا فلان تدري أي يوم غفر الله لنا؟ يوم كنا ~~في موضع كذا وكذا فدعونا الله عز و جل فغفر لنا " # وعن مسروق عن عائشة أنها قرأت هذه الآية: { فمن الله علينا ~~ووقانا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ندعوه ~~إنه ms2331 هو البر الرحيم } فقالت: اللهم من علينا، وقنا عذاب ~~السموم، إنك أنت البر الرحيم: قيل للأعمش: في الصلاة؟ قال: نعم. ### || [52.29-34] # يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يبلغ رسالته إلى عباده، ~~وأن يذكرهم بما أنزل الله عليه، ثم نفى عنه ما يرميه به أهل البهتان ~~والفجور فقال: { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن ~~ولا مجنون } ، أي لست بحمد الله بكاهن كما تقوله الجهلة من كفار ~~قريش، والكاهن الذي يأتيه الرئي من الجان بالكلمة يتلقاها من خبر ~~السماء، { ولا مجنون } وهو الذي يتخبطه الشيطان من المس. ثم قال ~~تعالى منكرا عليهم في قولهم في الرسول صلى الله عليه وسلم: { أم ~~يقولون شاعر نتربص به ريب المنون }؟ أي قوارع ~~الدهر، والمنون الموت، يقولون: ننتظره ونصبر عليه حتى يأتيه الموت ~~فنستريح منه. قال الله تعالى: { قل تربصوا فإني معكم ~~من المتربصين } أي انتظروا، فإني منتظر معكم وستعلمون لمن ~~تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~إن قريشا لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال قائل منهم: احتبسوه في وثاق وتربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك ~~من كان قبله من الشعراء (زهير) و(النابغة) إنما هو كأحدهم، فأنزل الله ~~تعالى ذلك من قولهم: { أم يقولون شاعر نتربص به ريب ~~المنون }؟ ثم قال تعالى: { أم تأمرهم أحلامهم ~~بهذآ } أي عقولهم تأمرهم بهذا الذي يقولونه فيك من الأقاويل ~~الباطلة، التي يعلمون في أنفسهم أنها كذب وزور { أم هم قوم ~~طاغون } أي ولكن هم قوم طاغون ضلال معاندون، فهذا هو الذي يحملهم على ~~ما قالوه فيك، وقوله تعالى: { أم يقولون تقوله } أي اختلقه ~~وافتراه من عند نفسه يعنون القرآن، قال تعالى: { بل لا يؤمنون } ~~أي كفرهم هو الذي يحملهم على هذه المقالة: { فليأتوا بحديث ~~مثله إن كانوا صادقين } أي إن كانوا صادقين في قولهم، تقوله ~~وافتراه: فليأتوا بمثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن، ~~فإنهم لو اجتمعوا ms2332 هم وجميع أهل الأرض، من الجن والإنس ما جاءوا بمثله ولا ~~بسورة من مثله. ### || [52.35-43] # هذا المقام في إثبات الربوبية، وتوحيد الألوهية، فقال تعالى: { أم ~~خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون }؟ أي أوجدوا من ~~غير موجد؟ أم هم أوجدوا أنفسهم؟ أي لا هذا ولا هذا، بل الله هو الذي ~~خلقهم وأنشأهم، بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، روى البخاري، عن جبير بن ~~مطعم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما ~~بلغ هذه الآية: { أم خلقوا من غير شيء أم هم ~~الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض بل لا ~~يوقنون * أم عندهم خزآئن ربك أم هم ~~المصيطرون }؟ كاد قلبي أن يطير. ثم قال تعالى: { أم خلقوا ~~السماوات والأرض بل لا يوقنون }؟ أي أهم خلقوا السماوات ~~والأرض؟ وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله وهم يعلمون أنه الخالق وحده لا ~~شريك له، { أم عندهم خزآئن ربك أم هم المصيطرون ~~}؟ أي أهم يتصرفون في الملك وبيدهم مفاتيح الخزائن { أم هم ~~المصيطرون } أي المحاسبون للخلائق، بل الله عز وجل هو المالك ~~المتصرف الفعال لما يريد. وقوله تعالى: { أم لهم سلم ~~يستمعون فيه }؟ أي مرقاة إلى الملأ الأعلى، { فليأت ~~مستمعهم بسلطان مبين } أي فليأت الذي يستمع لهم بحجة ~~ظاهرة. على صحة ما هم فيه من الفعال والمقال، ثم قال منكرا عليهم فيما ~~نسبوه إليه من البنات، واختيارهم لأنفسهم الذكور على الإناث، وقد جعلوا ~~الملائكة بنات الله وعبدوهم مع الله فقال: { أم له البنات ~~ولكم البنون }؟! وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، { أم ~~تسألهم أجرا }؟ أي أجرة على إبلاغك إياهم رسالة الله، أي لست ~~تسألهم على ذلك شيئا، { فهم من مغرم مثقلون } أي فهم من ~~أدنى شيء يتبرمون منه، ويثقلهم ويشق عليهم. { أم عندهم الغيب ~~فهم يكتبون } أي ليس الأمر كذلك فإنه لا يعلم أحد من أهل ~~السماوات والأرض الغيب إلا الله، { أم يريدون كيدا * ~~فالذين كفروا هم المكيدون } ، يقول تعالى: أم يريد هؤلاء ~~بقولهم هذا في الرسول، وفي الدين غرور الناس وكيد ms2333 الرسول وأصحابه، فكيدهم ~~إنما يرجع وباله على أنفسهم، فالذين كفروا هم المكيدون، { أم لهم ~~إله غير الله سبحان الله عما يشركون } ، وهذا ~~إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد مع الله. ثم نزه ~~نفسه الكريمة عما يقولون ويفترون، ويشركون، فقال: { سبحان الله ~~عما يشركون }. ### || [52.44-49] # يقول تعالى مخبرا عن المشركين بالعناد والمكابرة للمحسوس { وإن ~~يروا كسفا من السمآء ساقطا } أي عليهم يعذبون به لما ~~صدقوا ولما أيقنوا، بل يقولون هذا { سحاب مركوم } أي متراكم، ~~وهذا كقوله: # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن ~~قوم مسحورون # [الحجر: 14-15]، وقال الله تعالى { فذرهم } أي دعهم يا محمد { ~~حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون } وذلك يوم ~~القيامة، { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا } أي لا ~~ينفعهم كيدهم ولا مكرهم الذي استعملوه في الدنيا، لا يجزي عنهم يوم ~~القيامة شيئا، { ولا هم ينصرون }. ثم قال تعالى: { وإن ~~للذين ظلموا عذابا دون ذلك } أي قبل ذلك في الدار ~~الدنيا كقوله تعالى: # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر لعلهم يرجعون # [السجدة: 21]، ولهذا قال تعالى: { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } أي نعذبهم في الدنيا ونبتليهم فيها بالمصائب، لعلهم يرجعون ~~وينيبون، فلا يفهمون ما يراد بهم، بل إذا جلي عنهم مما كانوا عليه فيه، ~~عادوا إلى أسوأ مما كانوا كما جاء في بعض الأحاديث: # " إن المنافق إذا مرض وعوفي، مثله في ذلك كمثل البعير لا يدري فيما ~~عقلوه ولا فيما أرسلوه " # وقوله تعالى: { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } ~~أي اصبر على أذاهم ولا تبالهم فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا، والله يعصمك ~~من الناس، وقوله تعالى: { وسبح بحمد ربك حين تقوم } أي ~~إلى الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. ~~وروى مسلم في " صحيحه " عن عمر أنه كان يقول: هذا ابتداء الصلاة، وقال ~~أبو الجوزاء: { وسبح بحمد ربك حين تقوم } أي من نومك ~~من فراشك، واختاره ابن جرير، ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد، عن ms2334 ~~عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب اغفر لي - أو قال ثم ~~دعا - أستجيب له، فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته " # وقال مجاهد: { وسبح بحمد ربك حين تقوم } قال من كل ~~مجلس، وقال الثوري { وسبح بحمد ربك حين تقوم } قال إذا ~~أراد الرجل أن يقوم من مجلسه قال سبحانك اللهم وبحمدك، وهذا القول كفارة ~~المجالس، وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك ~~اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر الله ~~له ما كان في مجلسه ذلك " # وقوله تعالى: { ومن الليل فسبحه } أي أذكره وأعبده ~~بالتلاوة والصلاة في الليل، كما قال تعالى: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79]، وقوله تعالى: { وإدبار النجوم } قد تقدم عن ابن ~~عباس: أنهما الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر، فإنهما مشروعتان عند إدبار ~~النجوم أي عند جنوحها للغيبوبة، لحديث: # " لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل، يعني ركعتي الفجر " # وقد ثبت في " الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر، ~~وفي لفظ لمسلم: # " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ". ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-4] # قال الشعبي: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم ~~إلا بالخالق، واختلف المفسرون في معنى قوله: { والنجم إذا هوى ~~} فقال مجاهد: يعني بالنجم الثريا إذا سقطت مع الفجر، واختاره ابن جرير، ~~وزعم السدي: أنها الزهرة، وقال الضحاك: { والنجم إذا هوى } إذا ~~رمي به الشياطين. وهذه الآية ms2335 كقوله تعالى: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم * إنه لقرآن كريم # [الواقعة: 75-77]. وقوله تعالى: { ما ضل صاحبكم وما غوى } ~~هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه راشد، ~~تابع للحق ليس بضال، والغاوي: مر العالم بالحق العادل عنه قصدا إلى ~~غيره، فنزه الله رسوله عن مشابهة أهل الضلال، كالنصارى وطرائق اليهود، ~~وهي علم الشيء وكتمانه، والعمل بخلافه، بل هو صلاة الله وسلامه عليه، وما ~~بعثه الله به من الشرع العظيم، في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد، ~~ولهذا قال تعالى: { وما ينطق عن الهوى } أي ما يقول قولا عن ~~هوى وغرض { إن هو إلا وحي يوحى } أي إنما يقول ما أمر به، ~~يبلغه إلى الناس كاملا موفورا، من غير زيادة ولا نقصان، كما روى الإمام ~~أحمد، عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش، فقالوا: # " إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني ~~إلا الحق " وقال صلى الله عليه وسلم: " ما أخبرتكم أنه من عند الله فهو ~~الذي لا شك فيه " " # وعن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " لا أقول إلا حقا " قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ ~~قال: " إني لا أقول إلا حقا " ". ### || [53.5-18] # يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه علمه { ~~شديد القوى } وهو جبريل عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: # إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين # [التكوير: 19-20]. وقال هاهنا: { ذو مرة } أي ذو قوة، قاله مجاهد، ~~وقال ابن عباس: ذو منظر حسن، وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن، ولا منافاة ~~بين القولين فإنه عليه السلام ذو منظر ms2336 حسن وقوة شديدة، وقد ورد في الحديث ~~الصحيح: # " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي " # ، وقوله تعالى: { فاستوى } يعني جبريل عليه السلام { وهو ~~بالأفق الأعلى } يعني جبريل استوى في الأفق الأعلى، قال عكرمة { ~~الأفق الأعلى } الذي يأتي منه الصبح، وقال مجاهد: هو مطلع الشمس، ~~قال ابن مسعود: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين: أما ~~واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فسد الأفق، وأما الثانية فإنه كان معه ~~حيث صعد، فذلك قوله: { وهو بالأفق الأعلى } " # وهذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء بل قبلها ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الأرض، فهبط عليه جبريل عليه السلام وتدلى إليه، فاقترب منه ~~وهو على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، ثم رآه بعد ذلك ~~نزلة أخرى عند سدرة المنتهى يعني ليلة الإسراء، وكانت هذه الرؤية ~~الأولى في أوائل البعثة بعد ما جاءه جبريل عليه السلام أول مرة، فأوحى ~~الله إليه صدر سورة اقرأ، روى الإمام أحمد، عن عبد الله أنه قال: # " رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته، وله ستمائة جناح، ~~كل جناح منها قد سد الأفق يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما ~~الله به عليم ". # وقوله تعالى: { فكان قاب قوسين أو أدنى } أي فاقترب ~~جبريل إلى محمد لما هبط عليه إلى الأرض، حتى كان بينه وبين محمد صلى الله ~~عليه وسلم { قاب قوسين } أي يقدرهما إذا مدا، قال مجاهد وقتادة. ~~وقوله: { أو أدنى } هذه الصيغة تستعمل في اللغة لإثبات المخبر عنه، ~~ونفي ما زاد عليه كقوله تعالى: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ~~أو أشد قسوة # [البقرة: 74] أي ما هي بألين من الحجارة بل هي مثلها أو تزيد عليها في ~~الشدة والقسوة، وكذا قوله: # يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية # [النساء: 77]، وقوله: # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147] أي ليسوا أقل منها بل هم مائة ألف حقيقة أو يزيدون ~~عليها، ms2337 فهذا تحقيق للمخبر به لا شك، وهكذا هذه الآية { فكان قاب ~~قوسين أو أدنى } وهذا الذي قلناه من أن هذا المقترب الداني ~~إنما هو جبريل عليه السلام، هو قول عائشة وابن مسعود وأبي ذر كما سنورد ~~أحاديثهم قريبا إن شاء الله تعالى. # وروى مسلم في " صحيحه " عن ابن عباس أنه قال: # " رأى محمد ربه بفؤاده مرتين " # فجعل هذه إحداهما، وجاء في حديث الإسراء: # " ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى " # ولهذا قد تكلم كثير من الناس في متن هذه الرواية، فإن صح فهو محمول على ~~وقت آخر وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية، فإن هذه كانت ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الأرض لا ليلة الإسراء، ولهذا قال بعده: { ~~ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى } فهذه ~~هي ليلة الإسراء والأولى كانت في الأرض، وقال ابن جرير، قال عبد الله بن ~~مسعود في هذه الآية: { فكان قاب قوسين أو أدنى } قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت جبريل له ستمائة جناح " # وروى البخاري، عن الشيباني قال: سألت زرا عن قوله: { فكان قاب ~~قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده مآ أوحى } ~~قال: حدثنا عبد الله أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة ~~جناح. فعلى ما ذكرناه يكون قوله: { فأوحى إلى عبده مآ ~~أوحى } معناه فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى، أو فأوحى الله ~~إلى عبده محمد ما أوحى بواسطة جبريل؛ وكلا المعنيين صحيح، وقوله تعالى: { ~~ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى ~~} قال مسلم، عن أبي العالية، عن ابن عباس { ما كذب الفؤاد ما ~~رأى } ، { ولقد رآه نزلة أخرى } قال: رآه بفؤاده مرتين، ~~وقد خالفه ابن مسعود وغيره، ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب، وقول البغوي في ~~" تفسيره ": وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس والحسن وعكرمة ~~فيه نظر، والله أعلم. # وروى الترمذي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه، قلت: أليس الله ~~يقول: # لا تدركه الأبصار ms2338 وهو يدرك الأبصار # [الأنعام: 103]؟ قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ~~ربه مرتين. وقال أيضا: لقي ابن عباس كعبا بعرفة فسأله عن شيء فكبر حتى ~~جاوبته الجبال، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم، فقال كعب: إن الله قسم ~~رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، وقال ~~مسروق: دخلت على عائشة فقلت: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد تكلمت بشيء وقف ~~له شعري، فقلت: رويدا، ثم قرأت: { لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى } ، فقالت: أين يذهب بك؟ إنما هو جبريل، من أخبرك أن محمدا ~~رأى ربه، أو كتم شيئا مما أمر به، أو يعلم الخمس التي قال الله تعالى: # " { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث } ~~فقد أعظم على الله الفرية، ولكنه رأى جبريل؛ لم يره في صورته إلا مرتين؛ ~~مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد، وله ستمائة جناح قد سد الأفق " # وروى النسائي، عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، ~~والكلام لموسى، والرؤية لمحمد عليهم السلام؟ وفي " صحيح مسلم " ، عن أبي ~~ذر قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: " نور ~~أنى أراه " " # ؟ وفي رواية: # " رأيت نورا " # ، وروى ابن أبي حاتم، عن عباد بن منصور قال: سألت عكرمة عن قوله: { ما ~~كذب الفؤاد ما رأى } فقال عكرمة: تريد أن أخبرك أنه قد رآه؟ ~~قلت: نعم، قال: قد رآه، ثم قد رآه، قال: فسألت عنه الحسن، فقال: قد رأى ~~جلاله وعظمته ورداءه ". فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت ربي عز وجل " # ، فإنه حديث إسناده على شرط الصحيح، لكنه مختصر من حديث المنام، كما ~~رواه أحمد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أتاني ربي الليلة في أحسن صورة - أحسبه يعني في النوم - فقال: يا محمد ~~أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال، قلت: لا، فوضع يده بين ms2339 كتفي حتى ~~وجدت بردها بين ثديي - أو قال نحري - فعلمت ما في السماوات وما في ~~الأرض، ثم قال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال، قلت: نعم، ~~يختصمون في الكفارات والدرجات، قال: وما الكفارات؟ قال، قلت: المكث في ~~المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء في ~~المكاره، من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه. ~~وقال: قل يا محمد إذا صليت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات ~~وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك: فتنة أن تقبضني إليك غير مفتون، وقال: ~~والدرجات، بذل الطعام وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام ". # وقوله تعالى: { ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة ~~المنتهى * عندها جنة المأوى } هذه هي المرة الثانية ~~التي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها جبريل على صورته التي خلقه ~~الله عليها وكانت ليلة الإسراء، روى الإمام أحمد، عن عامر قال: # " أتى مسروق عائشة فقال: يا أم المؤمنين هل رأى محمد صلى الله عليه ~~وسلم ربه عز وجل؟ قالت: سبحان الله لقد قف شعري لما قلت! أين أنت من ~~ثلاث، من حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: { ~~لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } ، { وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء ~~حجاب } ، ومن أخبرك أنه يعلم ما في غد، فقد كذب، ثم قرأت { إن ~~الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما ~~في الأرحام } الآية، ومن أخبرك أن محمدا قد كتم فقد كذب، ثم قرأت { ~~يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك }؛ ~~ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين " # ، وروى الإمام أحمد أيضا عن مسروق قال: # " كنت عند عائشة فقلت أليس الله يقول { ولقد رآه بالأفق ~~المبين } ، { ولقد رآه نزلة أخرى } فقالت: أنا أول هذه ~~الأمة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: " إنما ذاك جبريل " ~~لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين، رآه منهبطا من السماء ms2340 إلى ~~الأرض سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ". # وقال مجاهد في قوله: { ولقد رآه نزلة أخرى } قال: رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته مرتين، وقوله تعالى: { إذ ~~يغشى السدرة ما يغشى } قد تقدم في أحاديث الإسراء أنه ~~غشيتها الملائكة مثل الغربان، وغشيها نور الرب، وغشيها ألوان ما أدري ما ~~هي. روى الإمام أحمد، عن عبد الله بن مسعود قال: # " لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى، ~~وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، ~~وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، { إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى } قال: فراش من ذهب، قال: وأعطي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، ~~وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات " # وعن مجاهد قال: # " كان أغصان السدرة لؤلؤا وياقوتا وزبرجدا، فرآها محمد صلى الله عليه ~~وسلم ورأى ربه بقلبه، وقال ابن زيد: قيل يا رسول الله أي شيء رأيت يغشى ~~تلك السدرة؟ قال: " رأيت يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ~~ملكا قائما يسبح الله عز وجل " " # وقوله تعالى: { ما زاغ البصر } قال ابن عباس: ما ذهب يمينا ولا ~~شمالا، { وما طغى } ما جاوز ما أمر به، ولا سأل فوق ما أعطي، وما ~~أحسن ما قال الناظم: # رأى جنة المأوى وما فوقها ولو # رأى غيره ما قد رآه لتاها # وقوله تعالى: { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } كقوله: # لنريه من آياتنآ # [الإسراء: 1] أي الدالة على قدرتنا وعظمتنا. ### || [53.19-26] # يقول تعالى مقرعا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأوثان، واتخاذهم لها ~~البيوت مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن، { أفرأيتم ~~اللات }؟ وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف، له أستار ~~وسدنة، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش، قال ابن جرير: ~~وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله فقالوا: اللات يعنون مؤنثة منه، ~~تعالى الله ms2341 عن قولهم علوا كبيرا، وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ~~{ اللات والعزى } قال: كان اللات رجلا يلت السويق سويق الحاج. ~~قال ابن جرير: وكذا العزى من العزيز وكانت الشجرة عليها بناء وأستار ~~بنخلة وهي بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم ~~أحد: # " لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قولوا ~~الله مولانا ولا مولى لكم " " # ، وروى البخاري، عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله، ومن قال ~~لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق " # ، فهذا محمول على من سبق لسانه في ذلك كما كانت ألسنتهم قد اعتادته من ~~زمن الجاهلية، كما قال النسائي، وأما مناة فكانت بالمشلل بين مكة ~~والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها ويهلون منها ~~للحج إلى الكعبة، وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها، قال ابن ~~إسحاق: كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها، كتعظيم ~~الكعبة، لها سدنة وحجاب تطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها، فكانت لقريش ~~ولبني كنانة (العزى) بنخلة، وكان سدنتها وحجابها (بني شيبان) من سليم ~~حلفاء بني هاشم، قلت: بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن ~~الوليد فهدمها وجعل يقول: # يا عز كفرانك لا سبحانك # إني رأيت الله قد أهانك # ولهذا قال تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى * ومناة ~~الثالثة الأخرى }؟ ثم قال تعالى: { ألكم الذكر وله ~~الأنثى }؟ أي أتجعلون له ولدا وتجعلون ولده أنثى، وتختارون لأنفسكم ~~الذكر، فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت { قسمة ~~ضيزى } أي جورا باطلة، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة، التي لو كانت ~~بين مخلوقين كانت جورا وسفها؟ # ثم قال تعالى منكرا عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من عبادة الأصنام ~~وتسميتها آلهة { إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم ~~وآبآؤكم } أي من تلقاء أنفسكم { مآ أنزل الله بها من ~~سلطان } أي من حجة { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس } أي ms2342 ليس له مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم، الذين سلكوا هذا ~~المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم وتعظيم آبائهم الأقدمين، { ولقد ~~جآءهم من ربهم الهدى } أي ولقد أرسل الله إليهم الرسل، ~~بالحق المنير والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاءهم به ولا انقادوا ~~له، ثم قال تعالى: { أم للإنسان ما تمنى } أي ليس كل من تمنى ~~خيرا حصل له، # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب # [النساء: 123] ولا كل من ود شيئا يحصل له، كما روى: # " إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته " # وقوله: { فلله الآخرة والأولى } أي إنما الأمر كله لله، مالك ~~الدنيا والآخرة والمتصرف فيهما، وقوله تعالى: { وكم من ملك في ~~السموت لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشآء ويرضى } ، كقوله: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255]، # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له # [سبأ: 23] فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون - أيها ~~الجاهلون - شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله؟ وهو تعالى لم يشرع ~~عبادتها ولا أذن فيها؟ ### || [53.27-30] # يقول تعالى منكرا على المشركين، في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى، ~~وجعلهم لها أنها بنات الله، تعالى الله عن ذلك، كما قال الله تعالى: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون # [الزخرف: 19] ولهذا قال تعالى: { وما لهم به من علم } أي ليس ~~لهم علم صحيح يصدق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع، { إن ~~يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا } أي لا يجدي شيئا ولا يقوم أبدا مقام الحق، وقد ثبت ~~في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " # وقوله تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } أي أعرض ~~عن الذي أعرض عن الحق واهجره، وقوله: { ولم يرد إلا الحياة ~~الدنيا } أي وإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا، فذاك هو غاية ما لا ~~خير فيه، ms2343 ولهذا قال تعالى: { ذلك مبلغهم من العلم } أي ~~طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه، وقد روي عن أم المؤمنين ~~عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له ~~" # ، وفي الدعاء المأثور: # " اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا " # ، وقوله تعالى: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } أي هو الخالق لجميع ~~المخلوقات، والعالم بمصالح عباده، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ~~وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته. ### || [53.31-32] # يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه الغني عما سواه، الحاكم في ~~خلقه بالعدل، وخلق الخلق بالحق { ليجزي الذين أساءوا بما ~~عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } أي يجازي ~~كلا بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ثم فسر المحسنين بأنهم الذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، أي لا يتعاطون المحرمات الكبائر، وإن وقع ~~منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم كما قال في الآية الأخرى: # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما # [النساء: 31]، وقال ههنا: { الذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش إلا اللمم } ، وهذا استثناء منقطع لأن ~~اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال، عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا ~~أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا ~~العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ~~ذلك أو يكذبه " # وقال عبد الرحمن بن نافع: سألت أبا هريرة عن قول الله: { إلا ~~اللمم } ، قال: القبلة، والغمزة، والنظرة، والمباشرة، فإذا مس ~~الختان الختان، فقد وجب الغسل وهو الزنا، وقال ابن عباس: { إلا ~~اللمم } إلا ما سلف، وكذا قال زيد بن أسلم، وروى ابن جرير، عن مجاهد ~~أنه قال في هذه الآية: { إلا اللمم } قال: الذي يلم ms2344 بالذنب ثم ~~يدعه، قال الشاعر: # إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لك ما ألما؟ # وعن الحسن في قول الله تعالى: { الذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش إلا اللمم } قال: اللمم من الزنا، أو ~~السرقة، أو شرب الخمر ثم لا يعود، وروى ابن جرير، عن عطاء، عن ابن عباس: ~~{ إلا اللمم } يلم بها في الحين. قلت: الزنا؟ قال: الزنا ثم يتوب. ~~وعنه قال: اللمم الذي يلم المرأة، وقال السدي، قال أبو صالح: سئلت عن ~~اللمم، فقلت: هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب، وأخبرت بذلك ابن عباس فقال: ~~لقد أعانك عليها ملك كريم. # وقوله تعالى: { إن ربك واسع المغفرة } أي رحمته وسعت كل ~~شيء، ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها، كقوله تعالى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم # [الزمر: 53]، وقوله تعالى: { هو أعلم بكم إذ أنشأكم ~~من الأرض } أي هو بصير بكم، عليم بأحوالكم وأفعالكم حين أنشأ أباكم ~~آدم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر، ثم قسمهم فريقين: ~~فريقا للجنة، وفريقا للسعير، وكذا قوله: { وإذ أنتم أجنة ~~في بطون أمهاتكم } قد كتب الملك الذي يوكل به رزقه وأجله ~~وعمله وشقي أم سعيد. # وقوله تعالى: { فلا تزكوا أنفسكم } أي تمدحوها وتشكروها ~~وتمنوا بأعمالكم { هو أعلم بمن اتقى } ، كما قال تعالى: # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم # [النساء: 49] الآية. روى مسلم في " صحيحه " ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ~~قال: # " سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسميت برة، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا تزكوا أنفسكم إن الله أعلم بأهل البر منكم " ، فقالوا: بما ~~نسميها؟ قال: " سموها زينب " " # وقد ثبت أيضا، عن أبي بكرة قال: مدح رجل رجلا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ويلك قطعت عنق صاحبك مرارا إذا كان أحدكم مادحا صاحبه ms2345 لا محالة ~~فليقل أحسب فلانا والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدا، أحسبه كذا وكذا ~~إن كان يعلم ذلك " # وروى الإمام أحمد، عن همام بن الحارث قال: # " جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه، قال: فجعل المقداد بن الأسود ~~يحثو في وجهه التراب، ويقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب ". ### || [53.33-41] # يقول تعالى ذاما لمن تولى عن طاعة الله # فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى # [القيامة: 31-32]، { وأعطى قليلا وأكدى } قال ابن عباس: ~~أطاع قليلا ثم قطعه، قال عكرمة: كمثل القوم إذا كانوا يحفرون بئرا ~~فيجدون في أثناء الحفر صخرة تمنعهم من تمام العمل، فيقولون: أكدينا ~~ويتركون العمل، وقوله تعالى: { أعنده علم الغيب فهو يرى ~~} أي أعند هذا الذي أمسك يده خشية الإنفاق، وقطع معروفه، أعنده علم الغيب ~~أنه سينفد ما في يده حتى أمسك عن معروفه فهو يرى ذلك عيانا؟ أي ليس ~~الأمر كذلك، وإنما أمسك عن الصدقة والبر والصلة بخلا وشحا وهلعا، ~~ولهذا جاء في الحديث: # " أنفق بلالا، ولا تخش من ذي العرش إقلالا " # ، وقد قال الله تعالى: # ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير ~~الرازقين # [سبأ: 39]، وقوله تعالى: { أم لم ينبأ بما في صحف ~~موسى * وإبراهيم الذي وفى }؟ أي بلغ جميع ما أمر به، ~~قال ابن عباس: { وفى } لله بالبلاغ، وقال سعيد بن جبير: { وفى } ~~ما أمر به، وقال قتادة: { وفى } طاعة الله وأدى رسالته إلى خلقه، ~~وهذا القول هو اختيار ابن جرير وهو يشمل الذي قبله، ويشهد له قوله تعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما # [البقرة: 124] فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على ~~التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماما يقتدى به. قال الله ~~تعالى: # ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين # [النحل: 123]. روى ابن حاتم، عن أبي أمامة قال: # " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { وإبراهيم ms2346 الذي ~~وفى } قال: " أتدري ما وفى "؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " وفى ~~عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار " " # وعن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: # " ألا أخبركم لم سمى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول ~~كلما أصبح وأمسى: { فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون } " # حتى ختم الآية. # ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال: { ألا ~~تزر وازرة وزر أخرى } أي كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من ~~الذنوب، فإنما عليها وزرها لا يحمله عنها أحد، كما قال: # وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ~~ولو كان ذا قربى # [فاطر: 18]، { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } أي كما لا ~~يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه، ومن هذه ~~الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله، أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها ~~إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثهم عليه، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ~~رضي الله عنهم، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، فأما الدعاء والصدقة فذاك ~~مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما، وأما الحديث الذي رواه مسلم ~~في " صحيحه " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو ~~صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به " # فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: # " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه " # ، والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: # إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم # [يس: 12] الآية، والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو ~~أيضا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح: ms2347 # " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من ~~أجورهم شيئا " # ، وقوله تعالى: { وأن سعيه سوف يرى } أي يوم القيامة، ~~كقوله تعالى: # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون # [التوبة: 105]، فيجزيكم عليه أتم الجزاء إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ~~وهكذا قال ههنا { ثم يجزاه الجزآء الأوفى } أي الأوفر. ### || [53.42-55] # يقول تعالى: { وأن إلى ربك المنتهى } أي المعاد يوم ~~القيامة، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا ~~بني أود! إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، تعلمون أن المعاد ~~إلى الله، إلى الجنة أو إلى النار، وذكر البغوي عن أبي بن كعب، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قوله: { وأن إلى ربك المنتهى } ~~قال: " لا فكرة في الرب " ، وفي الصحيح: # " يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ~~ربك؟ فإذا بلغ أحدكم ذلك فليستعذ بالله ولينته " # وفي الحديث الذي في " السنن ": # " تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذات الله، فإن الله تعالى خلق ~~ملكا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة ثلاثمائة سنة " # ، أو كما قال، وقوله تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي ~~خلق الضحك والبكاء وهما مختلفان { وأنه هو أمات وأحيا } ، ~~كقوله: # الذي خلق الموت والحياة # [الملك: 2]، { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى * ~~من نطفة إذا تمنى } ، كقوله: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من ~~مني يمنى # [القيامة: 36-37]؟ وقوله تعالى: { وأن عليه النشأة ~~الأخرى } ، أي كما خلق البداءة هو قادر على الإعادة، وهي النشأة ~~الآخرة يوم القيامة { وأنه هو أغنى وأقنى } ، أي ملك ~~عباده المال وجعله لهم (قنية) مقيما عندهم لا يحتاجون إلى بيعه، فهذا ~~تمام النعمة عليهم، وعن مجاهد { أغنى } مول { وأقنى } أخدم، ~~وقال ابن عباس { أغنى }: أعطى، { وأقنى }: رضى، وقوله: { ~~وأنه هو رب الشعرى } قال ابن عباس: هو هذا النجم الوقاد ~~الذي يقال له مرزم الجوزاء، كانت طائفة من العرب يعبدونه، ms2348 { وأنه ~~أهلك عادا الأولى } وهم قوم (هود) ويقال لهم (عاد بن إرم)، كما ~~قال تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 6-8]؟ فكانوا من أشد الناس وأقواهم، وأعتاهم على الله تعالى ~~وعلى رسوله فأهلكهم الله # بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6]، وقوله تعالى: { وثمود فمآ أبقى } أي دمرهم فلم ~~يبق منهم أحدا، { وقوم نوح من قبل } أي من قبل هؤلاء { ~~إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } أي أشد تمردا من الذين ~~بعدهم، { والمؤتفكة أهوى } يعني مدائن لوط قلبها عليهم فجعل ~~عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال: { ~~فغشاها ما غشى } يعني من الحجارة التي أرسلها عليهم { ~~فبأي آلاء ربك تتمارى }؟ أي ففي أي نعم الله عليك أيها ~~الإنسان تمتري قاله قتادة، وقال ابن جريج: { فبأي آلاء ربك ~~تتمارى }؟ يا محمد، والأول أولى وهو اختيار ابن جرير. ### || [53.56-62] # { هذا نذير } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، { من النذر ~~الأولى } أي من جنسهم أرسل كما أرسلوا، كما قال تعالى: # قل ما كنت بدعا من الرسل # [الأحقاف: 9]، { أزفت الآزفة } أي اقتربت القريبة وهي القيامة، { ~~ليس لها من دون الله كاشفة } أي لا يدفعها إذا من دون ~~الله أحد، ولا يطلع على علمها سواه، و(النذير) الحذر لما يعاين من الشر، ~~الذي يخشى وقوعه فيمن أنذرهم، وفي الحديث: # " أنا النذير العريان " # أي الذي أعجله شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس عليه شيئا، بل بادر إلى ~~إنذار قومه قبل ذلك، فجاءهم عريانا مسرعا وهو مناسب لقوله: { أزفت ~~الآزفة } أي اقتربت القريبة يعني يوم القيامة، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " مثلي ومثل الساعة كهاتين " # ، وفرق بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام. ثم قال تعالى منكرا على ~~المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وتلهيهم { أفمن هذا ~~الحديث تعجبون }؟ من أن يكون صحيحا، { وتضحكون } منه ~~استهزاء وسخرية، { ولا تبكون } أي كما يفعل الموقنون به كما أخبر ~~عنهم، # ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا # [الإسراء: 109]، وقوله تعالى: { وأنتم سامدون ms2349 } قال ابن عباس: { ~~سامدون } معرضون، وكذا قال مجاهد وعكرمة، وقال الحسن: غافلون، وهو ~~رواية عن علي بن أبي طالب، وفي رواية عن ابن عباس: تستكبرون، وبه يقول ~~السدي. ثم قال تعالى آمرا لعباده بالسجود له والعبادة: { فاسجدوا ~~لله واعبدوا } ، أي فاخضعوا له وأخلصوا ووحدوه. روى البخاري عن ~~ابن عباس قال: # " سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون ~~والجن والإنس ". ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-5] # يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها، كما قال تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1]، وقال: # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون # [الأنبياء: 1]، وقد وردت الأحاديث بذلك، روى الحافظ أبو بكر البزار، عن ~~أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أصحابه ذات يوم وقد كادت الشمس ~~أن تغرب فلم يبق منها إلا سف يسير فقال: # " والذي نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم ~~هذا فيما مضى منه وما نرى من الشمس إلا يسيرا " # ، وقال الإمام أحمد، عن سهل بن سعد قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بعثت أنا والساعة هكذا " ~~وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى " # ، وفي لفظ: # " بعثت أنا والساعة كهذه من هذه إن كادت لتسبقني " # وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى، وقال الإمام أحمد، عن خالد بن عمير، ~~قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم ~~قال: # " أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، ولم يبق منها إلا ~~صبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، ~~فانتقلوا منها بخير ما يحضرنكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير ~~جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرا، والله لتملؤنه أفعجبتم؟ ~~والله لقد ذكرنا لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين ~~عليه يوم وهو كظيظ من الزحام " # وذكر تمام الحديث. وعن عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها ~~على فرسخ فجاءت الجمعة ms2350 فحضر أبي وحضرت معه، فخطبنا حذيفة فقال: ألا إن ~~الله يقول: { اقتربت الساعة وانشق القمر } ، ألا وإن ~~الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ~~ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، فقلت لأبي أيستبق الناس غدا؟ فقال: ~~يا بني إنك لجاهل إنما هو السباق بالأعمال، وقوله تعالى: { وانشق ~~القمر } قد كان هذا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد ~~ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وقد ثبت في الصحيح عن ابن ~~مسعود أنه قال: # " خمس قد مضين: الروم والدخان واللزام والبطشة والقمر " # ، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. # (ذكر الأحاديث الواردة في ذلك) # (رواية أنس بن مالك): روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: # " سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر بمكة مرتين، ~~فقال: { اقتربت الساعة وانشق القمر } " # ، وعن أنس بن مالك # " أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم ~~القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما " # وروى الإمام أحمد، عن جبير بن مطعم قال: # " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين فرقة ~~على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا: إن كان ~~سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم " # وروى البخاري، عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقال ابن جرير، عن ابن عباس في قوله تعالى: { اقتربت ~~الساعة وانشق القمر } ، { وإن يروا آية يعرضوا ~~ويقولوا سحر مستمر } قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة ~~انشق القمر حتى رأوا شقيه، وقال الحافظ البيهقي، # " عن عبد الله بن عمر في قوله تعالى: { اقتربت الساعة ~~وانشق القمر } قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم انشق فلقتين، فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال ms2351 النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشهد " " # وقال الإمام أحمد، عن ابن مسعود قال: # " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى نظروا ~~إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اشهدوا " " # ، وعن عبد الله بن مسعود قال: # " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش: هذا سحر ~~ابن أبي كبشة، قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدا لا ~~يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء السفار، فقالوا ذلك " # وفي لفظ # " انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ~~مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به، قال: فسئل السفار، قال: وقدموا من كل ~~وجهة، فقالوا: رأينا، فأنزل الله عز وجل: { اقتربت الساعة ~~وانشق القمر } " # وروى الإمام أحمد، عن عبد الله قال: # " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى رأيت الجبل من ~~بين فرجتي القمر " # وقال ليث عن مجاهد: # " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: " اشهد يا أبا بكر " ، فقال ~~المشركون: سحر القمر حتى انشق " # ، وقوله تعالى: { وإن يروا آية } أي دليلا وحجة وبرهانا { ~~يعرضوا } أي لا ينقادوا له بل يعرضوا عنه، ويتركونه وراء ظهورهم { ~~ويقولوا سحر مستمر } أي ويقولون هذا الذي شاهدناه من ~~الحجج سحر سحرنا به، ومعنى { مستمر } أي ذاهب باطل مضمحل لا ~~دوام له، { وكذبوا واتبعوا أهوآءهم } أي كذبوا بالحق ~~إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به أراؤهم وأهواؤهم، من جهلهم وسخافة عقلهم، ~~وقوله: { وكل أمر مستقر } قال قتادة: معناه أن الخير واقع ~~بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر، وقال ابن جريج: مستقر بأهله، وقال ~~مجاهد: { وكل أمر مستقر } أي يوم القيامة، وقال السدي: ~~مستقر أي واقع. # وقوله تعالى: { ولقد جآءهم من الأنبآء } أي من الأخبار عن ~~قصص الأمم المكذبين بالرسل، وما حل بهم من العقاب والنكال والعذاب مما ~~يتلى عليهم في هذا القرآن { ما فيه ms2352 مزدجر } أي ما فيه واعظ لهم ~~عن الشرك والتمادي على التكذيب، وقوله تعالى: { حكمة بالغة } أي ~~في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله { فما تغن النذر } ~~يعني أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة وختم على قلبه؟ فمن ~~الذي يهديه من بعد الله؟ وهذه الآية كقوله تعالى: # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس: 101]. ### || [54.6-8] # يقول تعالى: فتول يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية يعرضوا ويقولوا ~~هذا سحر مستمر، أعرض عنهم وانتظرهم { يوم يدع الداع إلى ~~شيء نكر } أي إلى شيء منكر فظيع، وهو موقف الحساب، وما فيه من ~~البلاء والأهوال، { خشعا أبصارهم } أي ذليلة أبصارهم، { ~~يخرجون من الأجداث } وهي القبور { كأنهم جراد ~~منتشر } أي كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة ~~للداعي، جراد منتشر في الآفاق، ولهذا قال: { مهطعين } أي مسرعين { ~~إلى الداع } ، لا يخافون ولا يتأخرون { يقول الكافرون ~~هذا يوم عسر } أي يوم شديد الهول عبوس قمطرير، كقوله تعالى: # فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير ~~يسير # [المدثر: 9-10]. ### || [54.9-17] # يقول تعالى: { كذبت } قبل قومك يا محمد { قوم نوح ~~فكذبوا عبدنا } أي صرحوا له بالتكذيب واتهموه بالجنون، { ~~وقالوا مجنون وازدجر } قال مجاهد: أي استطير جنونا، وقيل: ~~{ وازدجر } أي انتهروه وزجروه وتواعدوه، # لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين # [الشعراء: 116] قاله ابن زيد وهذا متوجه حسن، { فدعا ربه أني ~~مغلوب فانتصر } أي إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت ~~لدينك، قال الله تعالى: { ففتحنآ أبواب السمآء بماء ~~منهمر } وهو الكثير، { وفجرنا الأرض عيونا } أي نبعت ~~جميع أرجاء الأرض حتى التنانير التي هي محال النيران نبعت عيونا، { ~~فالتقى المآء } أي من السماء والأرض { على أمر قد قدر } ~~أي أمر مقدر. قال ابن عباس: { ففتحنآ أبواب السمآء بماء ~~منهمر } كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من ~~السحاب، فتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالتقى الماءان ~~على أمر قد قدر، { وحملناه على ذات ألواح ودسر ms2353 } قال ~~ابن عباس: هي المسامير، وقال مجاهد: الدسر أضلاع السفينة، وقال عكرمة ~~والحسن: هو صدرها الذي يضرب به الموج. وقال الضحاك: الدسر طرفاها ~~وأصلها، وقال العوفي، عن ابن عباس: هو كلكلها أي صدرها، وقوله: { تجري ~~بأعيننا } أي بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا { جزآء ~~لمن كان كفر } أي جزاء لهم على كفرهم بالله، وانتصارا لنوح عليه ~~السلام، وقوله تعالى: { ولقد تركناها آية } قال قتادة: أبقى ~~الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة، والظاهر أن المراد من ذلك جنس ~~السفن كقوله تعالى: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون # [يس: 41]، وقال تعالى: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية # [الحاقة: 11]، ولهذا قال ههنا: { فهل من مدكر } أي فهل من ~~يتذكر ويتعظ؟ وقوله تعالى: { فكيف كان عذابي ونذر } أي كيف ~~كان عذابي لمن كفر بي وكذب رسلي ولم يتعظ بما جاءت به نذري، وكيف انتصرت ~~لهم وأخذت لهم بالثأر، { ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي ~~سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس، كما قال: # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولوا الألباب # [ص: 29]، وقال تعالى: # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين ~~وتنذر به قوما لدا # [مريم: 97]، قال مجاهد: { ولقد يسرنا القرآن للذكر } ~~يعني هونا قراءته، وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن، وقال ابن ~~عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن ~~يتكلم بكلام الله عز وجل، وقوله: { فهل من مدكر } أي فهل من ~~متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟ وقال القرظي: فهل من ~~منزجر عن المعاصي؟ وروى ابن أبي حاتم، عن مطر الوراق في قوله تعالى: { ~~فهل من مدكر } هل من طالب علم فيعان عليه. ### || [54.18-22] # يقول تعالى مخبرا عن عاد قوم (هود) أنهم كذبوا رسولهم، كما صنع قوم ~~(نوح) وأنه تعالى أرسل { عليهم ريحا صرصرا } ، وهي الباردة ~~الشديدة البرد، { في يوم نحس مستمر } عليهم نحسه ودماره، ~~لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي، وقوله تعالى: { تنزع ~~الناس كأنهم أعجاز ms2354 نخل منقعر } وذلك أن الريح كانت ~~تأتي أحدهم فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار، ثم تنكسه على أم رأسه فيسقط إلى ~~الأرض، فتثلغ رأسه فيبقى جثة بلا رأس، ولهذا قال: { كأنهم ~~أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابي ونذر * ~~ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }. ### || [54.23-32] # وهذا إخبار عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحا { فقالوا أبشرا ~~منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفي ضلال وسعر } ~~يقولون: لقد خبنا وخسرنا إن سلمنا كلنا قيادنا لواحد منا، ثم تعجبوا من ~~إلقاء الوحي عليه خاصة من دونهم، ثم رموه بالكذب. فقالوا { بل هو ~~كذاب أشر } أي متجاوز في حد الكذب، قال الله تعالى: { ~~سيعلمون غدا من الكذاب الأشر } وهذا تهديد لهم شديد ~~ووعيد أكيد، ثم قال تعالى: { إنا مرسلوا الناقة فتنة ~~لهم } أي اختبارا لهم، أخرج الله تعالى لهم ناقة عظيمة عشراء، من ~~صخرة صماء، طبق ما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في تصديق (صالح) عليه ~~السلام فيما جاءهم به، ثم قال تعالى آمرا لعبده ورسوله صالح { ~~فارتقبهم واصطبر } ، أي انتظر ما يؤول إليه أمرهم واصبر ~~عليهم، فإن العاقبة لك والنصر في الدنيا والآخرة { ونبئهم أن ~~المآء قسمة بينهم } أي يوم لهم ويوم للناقة، كقوله: # قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم ~~معلوم # [الشعراء: 155]، وقوله تعالى: { كل شرب محتضر } قال مجاهد: ~~إذا غابت حضروا الماء، وإذا جاءت حضروا اللبن، ثم قال تعالى: { ~~فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر } قال المفسرون: هو عاقر ~~الناقة واسمه (قدار بن سالف) وكان أشقى قومه، كقوله: # إذ انبعث أشقاها # [الشمس: 12]، { فتعاطى } أي حسر { فعقر * فكيف كان ~~عذابي ونذر } أي فعاقبتهم فكيف كان عقابي لهم على كفرهم بي ~~وتكذيبهم رسولي، { إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة ~~فكانوا كهشيم المحتظر } أي فبادوا عن آخرهم لم تبق منهم ~~باقية، وخمدوا وهمدوا كما يهمد يبيس الزرع والنبات، قاله غير واحد من ~~المفسرين و { المحتظر } قال السدي: هو المرعى بالصحراء حين ييبس ~~ويحترق وتسفيه الريح، وقال ابن زيد: كانت العرب يجعلون حظارا على الإبل ~~والمواشي من يبس ms2355 الشوك، فهو المراد من قوله: { كهشيم المحتظر ~~}. ### || [54.33-40] # يقول تعالى مخبرا عن قوم { لوط } كيف كذبوا رسولهم وخالفوه وارتكبوا ~~المكروه من إتيان الذكور وهي (الفاحشة) التي لم يسبقهم بها أحد من ~~العالمين، ولهذا أهلكهم الله هلاكا لم يهلكه أمة من الأمم، فإنه تعالى ~~أمر جبريل عليه السلام فحمل مدائنهم حتى وصل بها إلى عنان السماء، ثم ~~قلبها عليهم وأرسلها وأتبعت بحجارة من سجيل منضود، ولهذا قال ههنا: { ~~إنآ أرسلنا عليهم حاصبا } وهي الحجارة { إلا آل ~~لوط نجيناهم بسحر } أي خرجوا من آخر الليل فنجوا مما أصاب ~~قومهم، ولم يؤمن بلوط من قومه أحد، حتى ولا امرأته أصابها ما أصاب قومها، ~~وخرج نبي الله لوط من بين أظهرهم سالما لم يمسه سوء، ولهذا قال تعالى: { ~~كذلك نجزي من شكر * ولقد أنذرهم بطشتنا } أي ~~ولقد كان قبل حلول العذاب بهم، قد أنذرهم بأس الله وعذابه، فما التفتوا ~~إلى ذلك ولا أصغوا إليه، بل شكوا فيه وتماروا به { ولقد راودوه ~~عن ضيفه } وذلك ليلة ورد عليه الملائكة في صور شباب مرد حسان، محنة ~~من الله بهم، فأضافهم لوط عليه السلام، وبعثت امرأته العجوز السوء إلى ~~قومها، فأعلمتهم بأضياف لوط فأقبلوا يهرعون إليه من كل مكان، فأغلق لوط ~~دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب، ولوط عليه السلام يدافعهم ~~ويمانعهم دون أضيافه، فلما اشتد الحال وأبوا إلا الدخول خرج عليهم ~~(جبريل) عليه السلام فضرب أعينهم بطرف جناحه، فانطمست أعينهم، يقال إنها ~~غارت من وجوههم، وقيل: إنه لم يبق لهم عيون بالكلية، فرجعوا على أدبارهم ~~يتحسسون بالحيطان، ويتوعدون لوطا عليه السلام إلى الصباح، قال الله ~~تعالى: { ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر } أي لا ~~محيد لهم عنه ولا انفكاك لهم منه { فذوقوا عذابي ونذر * ~~ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }. ### || [54.41-46] # يقول تعالى مخبرا عن فرعون وقومه، إنهم جاءهم رسول (موسى) وأخوه ~~(هارون) وأيدهما بمعجزات عظيمة وآيات متعددة، فكذبوا بها كلها فأخذهم ~~الله أخذ عزيز مقتدر، أي فأبادهم الله ولم يبق منهم عين ولا أثر، ثم ms2356 قال ~~تعالى: { أكفاركم } أيها المشركون { خير من أولئكم } ~~يعني من الذين تقدم ذكرهم، ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل، أأنتم خير من ~~أولئكم؟ { أم لكم برآءة في الزبر } أي أم معكم من الله ~~براءة، أن لا ينالكم عذاب ولا نكال، ثم قال تعالى مخبرا عنهم: { أم ~~يقولون نحن جميع منتصر } أي يعتقدون أن جمعهم يغني عنهم ~~من أرادهم بسوء، قال الله تعالى: { سيهزم الجمع ويولون ~~الدبر } أي سيتفرق شملهم ويغلبون، روى البخاري، عن ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر: " أنشدك عهدك ~~ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبدا " فأخذ أبو بكر ~~رضي الله عنه بيده، وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك، فخرج وهو يثب ~~في الدرع، وهو يقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر * ~~بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر } " # وروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: # " لما نزلت { سيهزم الجمع ويولون الدبر } قال عمر: ~~أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول: { سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر } فعرفت تأويلها يومئذ ". ### || [54.47-55] # يخبرنا تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق { وسعر } مما هم فيه ~~من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كل من اتصف بذكر من كافر ~~ومبتدع من سائر الفرق، ثم قال تعالى: { يوم يسحبون في النار ~~على وجوههم } أي كما كانوا في سعر وشك وتردد أورثهم ذلك النار، ~~ويقال لهم تقريعا وتوبيخا { ذوقوا مس سقر } ، وقوله تعالى: { ~~إنا كل شيء خلقناه بقدر } ، كقوله # وخلق كل شيء فقدره تقديرا # [الفرقان: 2]، وكقوله تعالى # والذي قدر فهدى # [الأعلى: 3] أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدل بهذه الآية ~~الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء ~~قبل كونها، وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها على ~~الفرقة القدرية الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة، روى أحمد، عن ms2357 أبي ~~هريرة قال: # " جاء مشركو قريش إلى النبي صلى عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت: { ~~يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر * إنا كل شيء خلقناه بقدر } " # وعن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم وقد ابتلت ~~أسافل ثيابه فقلت له: قد تكلم في القدر، فقال: أو قد فعلوها؟ قلت: ~~نعم. قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: { ذوقوا مس سقر ~~* إنا كل شيء خلقناه بقدر } أولئك شرار هذه الأمة، فلا ~~تعودوا مرضاهم ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه ~~بأصبعي هاتين، وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، ~~وإن ماتوا فلا تشهدوهم " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل شيء بقدر حتى العجز والكيس ". # وفي الحديث الصحيح: # " استعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك أمر فقل: قدر الله وما شاء فعل، ولا ~~تقل لو أني فعلت لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان " # وروى الإمام أحمد، عن الوليد بن عبادة قال: # " دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني ~~واجتهد لي، فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه. قال: يا بني إنك لن تطعم الإيمان ~~ولن تبلغ حق حقيقة العلم بالله، حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا ~~أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ~~ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: " إن أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب، فجرى في ~~تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة " ، يا بني إن مت ولست على ذلك ~~دخلت النار " # وقد ثبت في " صحيح مسلم " ، عن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض ms2358 بخمسين ألف سنة ~~" # ، زاد ابن وهب: # وكان عرشه على المآء # [هود: 7]. وقوله تعالى: { ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح ~~بالبصر } وهذا إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه، كما أخبر بنفوذ قدره ~~فيهم، فقال: { ومآ أمرنآ إلا واحدة } أي إنما نأمر بالشيء ~~مرة واحدة، لا نحتاج إلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك موجودا كلمح البصر لا ~~يتأخر طرفة عين، وما أحسن ما قال بعض الشعراء: # إذا ما أراد الله أمرا فإنما # يقول له: كن - قولة - فيكون # وقوله تعالى: { ولقد أهلكنآ أشياعكم } يعني أمثالكم ~~وسلفكم من الأمم السابقة المكذبين بالرسل، { فهل من مدكر }؟ أي ~~فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك، وقدر لهم من العذاب، كما قال تعالى: # وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل ~~بأشياعهم من قبل # [سبأ: 54]، وقوله تعالى: { وكل شيء فعلوه في الزبر } أي ~~مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة عليهم السلام، { وكل ~~صغير وكبير } أي من أعمالهم { مستطر } أي مجموع عليهم ~~ومسطر في صحائفهم، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وقد روى ~~الإمام أحمد، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا " # وقوله تعالى: { إن المتقين في جنات ونهر } أي بعكس ما ~~الأشقياء فيه من الضلال والسعر، والسحب في النار على وجوههم، مع التوبيخ ~~والتقريع والتهديد، وقوله تعالى: { في مقعد صدق } أي في دار ~~كرامة الله ورضوانه، وفضله وامتنانه، وجوده وإحسانه { عند مليك ~~مقتدر } أي عند الملك العظيم، الخالق للأشياء كلها ومقدرها، وهو ~~مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون، وقد روى الإمام أحمد، عن عبد الله ~~بن عمرو يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه ~~يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ". ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-13] # يخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه، أنه أنزل على عباده القرآن، ويسر حفظه ~~وفهمه على من رحمه، فقال تعالى: { الرحمن * علم القرآن * ~~خلق الإنسان * علمه ms2359 البيان } قال الحسن: يعني النطق، وقال ~~الضحاك: يعني الخير والشر، وقول الحسن ههنا أحسن وأقوى، لأن السياق في ~~تعليمه تعالى القرآن وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على ~~الخلق، وتسهيل خروج الحروف من مواضعها، على اختلاف مخارجها وأنواعها، ~~وقوله تعالى: { الشمس والقمر بحسبان } أي يجريان متعاقبين ~~بحساب مقنن، لا يختلف ولا يضطرب. # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]، وقال تعالى: # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس ~~والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم # [الأنعام: 96]. وقوله تعالى: { والنجم والشجر يسجدان } ~~اختلف المفسرون في معنى قوله { والنجم } ، فروي عن ابن عباس { ~~والنجم } ما انبسط على وجه الأرض، يعني من النبات، وقال مجاهد: ~~النجم الذي في السماء، وكذا قال الحسن وقتادة، وهذا القول هو الأظهر ~~والله أعلم، لقوله تعالى: # ألم تر أن الله يسجد له من في السموت ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس # [الحج: 18] الآية، وقوله تعالى: { والسمآء رفعها ووضع ~~الميزان } يعني العدل، كما قال تعالى: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط # [الحديد: 25] وهكذا قال ههنا: { ألا تطغوا في الميزان } ~~أي خلق السماوات والأرض بالحق والعدل، لتكون الأشياء كلها بالحق والعدل، ~~ولهذا قال تعالى: { وأقيموا الوزن بالقسط ولا ~~تخسروا الميزان } أي لا تبخسوا الوزن بل زنوا بالحق والقسط، كما ~~قال تعالى: # وزنوا بالقسطاس المستقيم # [الإسراء: 35، الشعراء: 182]. # وقوله تعالى: { والأرض وضعها للأنام } أي السماء أرساها ~~بالجبال الشامخات، لتستقر بما على وجهها من الأنام، وهم الخلائق المختلفة ~~أنواعهم وأشكالهم وألوانهم في سائر أقطارها وأرجائها، قال ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة: الأنام: الخلق، { فيها فاكهة } أي مختلفة الألوان ~~والطعوم والروائح، { والنخل ذات الأكمام } أفرده بالذكر لشرفه ~~ونفعه رطبا ويابسا، والأكمام: قال ابن عباس: هي أوعية الطلع، وهو الذي ~~يطلع فيه القنو، ثم ينشق عن العنقود فيكون بسرا ثم رطبا، ثم ينضج ~~ويتناهى ينعه واستواؤه، وقيل الأكمام رفاتها، وهو الليف الذي على عنق ~~النخلة، وهو ms2360 قول الحسن وقتادة، { والحب ذو العصف ~~والريحان } قال ابن عباس: { ذو العصف } يعني التبن، وعنه: ~~العصف ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه، فهو يسمى العصف إذا يبس، وكذا ~~قال قتادة والضحاك: عصفة: تبنه، وقال ابن عباس ومجاهد: والريحان يعني ~~الورق، وقال الحسن: هو ريحانكم هذا، ومعنى هذا - والله أعلم - أن الحب ~~كالقمح والشعير ونحوهما، له في حال نباته عصف وهو ما على السنبلة، وريحان ~~وهو الورق الملتف على ساقها، وقيل: العصف الورق أول ما ينبت الزرع بقلا، ~~والريحان الورق يعني إذا أدجن وانعقد فيه الحب، كما قال زيد بن عمرو بن ~~نفيل في قصيدته المشهورة: # وقولا له: من ينبت الحب في الثرى # فيصبح منه البقل يهتز رابيا # ويخرج منه حبه في رؤوسه # ففي ذاك آيات لمن كان واعيا # وقوله تعالى: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي فبأي ~~الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس والجن تكذبان؟ أي النعم ظاهرة عليكم ~~وأنتم مغمورون بها، لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها، فنحن نقول كما قالت ~~الجن: # " اللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد " # وكان ابن عباس يقول: لا بأيها يا رب، أي لا نكذب بشيء منها. ### || [55.14-25] # يذكر تعالى خلقه الإنسان من صلصال كالفخار، وخلقه الجان من مارج من نار، ~~وهو طرف لهبها، قاله ابن عباس، وعنه: { من مارج من نار } من ~~لهب النار من أحسنها، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { من مارج ~~من نار } من خالص النار، وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم، ~~وروى الإمام أحمد عن عائشة قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما ~~وصف لكم " # وقوله تعالى: { فبأي آلاء ربكما تكذبان }؟ تقدم ~~تفسيره، { رب المشرقين ورب المغربين } يعني مشرقي ~~الصيف والشتاء، ومغربي الصيف والشتاء، وقال: # فلا أقسم برب المشارق والمغارب # [المعارج: 40] وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منه ~~إلى الناس، وقال: # رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا ms2361 # [المزمل: 9]، والمراد منه جنس المشارق والمغارب، ولما كان في اختلاف هذه ~~المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس قال: { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان }؟ وقوله تعالى: { مرج البحرين } قال ~~ابن عباس: أي أرسلهما، وقوله { يلتقيان } قال ابن زيد: أي منعهما ~~أن يلتقيا بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما، والمراد بقوله ~~{ البحرين }: الملح والحلو، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس؛ ~~وقد اختار ابن جرير: أن المراد بالبحرين بحر السماء، وبحر الأرض، لأن ~~اللؤلؤ يتولد من ماء السماء وأصداف بحر الأرض، وهذا لا يساعده اللفظ، ~~فإنه تعالى قد قال: { بينهما برزخ لا يبغيان } أي وجعل ~~بينهما برزخا وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا وهذا على هذا، ~~فيفسد كل واحد منهما الآخر، وما بين السماء والأرض لا يسمى برزخا وحجرا ~~محجورا. # وقوله تعالى: { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } أي من ~~مجموعهما، فإذا وجد ذلك من أحدهما كفى، كما قال تعالى # يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # [الأنعام: 130]؟ والرسل إنما كانوا في الإنس خاصة دون الجن، وقد صح هذا ~~الإطلاق، واللؤلؤ معروف، وأما المرجان فقيل: هو صغار اللؤلؤ، وقيل: كباره ~~وجيده، حكاه ابن جرير عن بعض السلف. وقيل: هو نوع من الجواهر أحمر اللون، ~~قال ابن مسعود: المرجان الخرز الأحمر، وأما قوله: # ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ~~تلبسونها # [فاطر: 12]، فاللحم من كل من الأجاج والعذب، والحلية إنما هي من المالح ~~دون العذب، قال ابن عباس: ما سقطت قط قطرة من السماء في البحر فوقعت في ~~صدفة إلا صار منها لؤلؤة، ولما كان اتخاذ هذه الحلية نعمة على أهل الأرض ~~امتن بها عليهم فقال: { فبأي آلاء ربكما تكذبان }؟ ~~وقوله تعالى: { وله الجوار المنشئات } يعني السفن التي تجري ~~{ في البحر } قال مجاهد: ما رفع قلعه من السفن فهي منشآت وما لم ~~يرفع قلعه فليس بمنشآت. # وقال قتادة: المنشآت يعني المخلوقات، وقال غيره: المنشئات بكسر الشين ~~يعني البادئات، { كالأعلام } أي كالجبال في كبرها وما فيها من ~~المتاجر والمكاسب المنقولة من قطر ms2362 إلى قطر وإقليم إلى إقليم، مما فيه ~~صلاح الناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع، ولهذا قال: { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان }؟ عن عمرة بن سويد قال: " كنت ~~مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه على شاطىء الفرات إذا أقبلت سفينة مرفوع ~~شراعها فبسط علي يديه، ثم قال: يقول الله عز وجل: { وله ~~الجوار المنشئات في البحر كالأعلام } والذي أنشأها ~~تجري في بحوره ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله ". ### || [55.26-30] # يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل ~~السماوات إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، فإن الرب ~~تعالى وتقدس هو الحي الذي لا يموت أبدا، قال قتادة: أنبأ بما خلق، ثم ~~أنبأ أن ذلك كله فان، وفي الدعاء المأثور: # " يا حي يا قيوم، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، لا ~~إله إلا أنت، برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا ~~طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك " # وقال الشعبي: إذا قرأت: { كل من عليها فان } فلا تسكت حتى ~~تقرأ: { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام }. وهذه ~~الآية كقوله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]، وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ذو ~~الجلال والإكرام، أي هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف، ~~كقوله تعالى: # يريدون وجهه # [الأنعام: 52، الكهف: 28]، وكقوله: # إنما نطعمكم لوجه الله # [الإنسان: 9]، قال ابن عباس: { ذو الجلال والإكرام } ذو ~~العظمة والكبرياء، ولما أخبر تعالى عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة، ~~وأنهم سيصيرون إلى الدار الآخرة، فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه ~~العدل، قال: { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. وقوله تعالى: ~~{ يسأله من في السموت والأرض كل يوم هو في ~~شأن } وهو إخبار عن غناه عما سواه، وافتقار الخلائق إليه وأنهم ~~يسألونه بلسان حالهم وقالهم، وأنه كل يوم هو في شأن، قال الأعمش: من شأنه ~~أن يجيب داعيا أو يعطي سائلا، أو يفك عانيا أو يشفي ms2363 سقيما، وقال ~~مجاهد: كل يوم هو يجيب داعيا ويكشف كربا، ويجيب مضطرا، ويغفر ذنبا، ~~وقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماوات والأرض يحيي حيا ويميت ميتا، ~~ويربي صغيرا ويفك أسيرا، وهو منتهى حاجات الصالحين وصريخهم ومنتهى ~~شكواهم، وروى ابن جرير عن منيب الأزدي قال: # " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { كل يوم هو في ~~شأن } فقلنا: يا رسول الله وما ذاك الشأن؟ قال: " أن يغفر ذنبا، ~~ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين " " # وقال ابن عباس: إن الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء دفتاه ياقوتة ~~حمراء قلمه نور، وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل ~~يوم ثلثمائة وستين نظرة، يخلق في كل نظرة، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ~~ما يشاء. ### || [55.31-36] # قال ابن عباس في قوله تعالى: { سنفرغ لكم أيه الثقلان ~~} قال: وعيد من الله تعالى للعباد، وليس بالله شغل وهو فارغ، وقال قتادة: ~~قد دنا من الله فراغ لخلقه، وقال ابن جريج: { سنفرغ لكم } أي ~~سنقضي لكم، وقال البخاري: سنحاسبكم لا يشغله شيء عن شيء، وهو معروف في ~~كلام العرب، يقال: لأفرغن لك، وما به شغل يقول: لآخذنك على غرتك، وقوله ~~تعالى: { أيه الثقلان } الثقلان: الإنس والجن كما جاء في ~~الصحيح: # " يسمعه كل شيء إلا الثقلين " # ، وفي رواية: # " إلا الإنس والجن " # وفي حديث الصور: # " الثقلان الإنس والجن " # { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ، ثم قال تعالى: { ~~يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان } أي لا تستطيعون هربا من أمر الله وقدره، بل هو محيط بكم ~~لا تقدرون على التخلص من حكمه، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام ~~الحشر، الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على ~~الذهاب { إلا بسلطان } أي إلا بأمر الله، # يقول الإنسان يومئذ أين المفر # [القيامة: 10]، ولهذا قال تعالى: { يرسل عليكما شواظ من ~~نار ونحاس فلا تنتصران } قال ابن عباس: الشواظ هو لهب ~~النار، وعنه: الشواظ الدخان، وقال ms2364 مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع، وقال ~~الضحاك: { شواظ من نار } سيل من نار، وقوله تعالى: { ونحاس } ~~قال ابن عباس: دخان النار، وقال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان نحاسا. ~~روى الطبراني عن الضحاك أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الشواظ فقال: ~~هو اللهب الذي لا دخان معه، فسأله شاهدا على ذلك من اللغة، فأنشده بيت ~~أمية بن أبي الصلت في حسان: # ألا من مبلغ حسان عني # مغلغلة تدب إلى عكاظ # أليس أبوك فينا كان قينا # لدى القينات فسلا في الحفاظ # يمانيا يظل يشد كيرا # وينفخ دائبا لهب الشواظ # قال: صدقت، فما النحاس؟ قال: هو الدخان الذي لا لهب له، قال: فهل تعرفه ~~العرب؟ قال: نعم أما سمعت نابغة بني ذبيان يقول: # يضيء كضوء سراج السلي # ط لم يجعل الله فيه نحاسا # وقال مجاهد: النحاس الصفر يذاب فيصب على رؤوسهم، والمعنى: لو ذهبتم ~~هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة والزبانية بارسال اللهب من النار ~~والنحاس المذاب عليكم لترجعوا، ولهذا قال: { فلا تنتصران * ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان }؟. ### || [55.37-45] # يقول تعالى: { فإذا انشقت السمآء } يوم القيامة كما دلت عليه ~~الآيات الواردة في معناها، كقوله تعالى: # وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية # [الحاقة: 16]، وقوله: # ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا # [الفرقان: 25]، وقوله: # إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت # [الإنشقاق: 1-2]، وقوله تعالى: { فكانت وردة كالدهان } أي ~~تذوب كما يذوب الدردي والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ ~~التي يدهن بها، فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء، وذلك من شدة الأمر ~~وهول يوم القيامة العظيم. عن أنس بن مالك قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يبعث الناس يوم القيامة والسماء تطش عليهم " # قال الجوهري: الطش المطر الضعيف، وقال ابن عباس: { وردة ~~كالدهان } كالأديم الأحمر. وعنه كالفرس الورد، وقال أبو صالح: ~~كالبرذون الورد، ثم كانت بعد كالدهان، وقال الحسن البصري: تكون ألوانا، ~~وقال السدي: تكون كلون البغلة الوردة، وتكون كالمهل كدردي الزيت، وقال ~~مجاهد: { كالدهان } كألوان الدهان، وقال عطاء الخراساني: كلون دهن ~~الورد في الصفرة، ms2365 وقال قتادة: هي اليوم خضراء ويومئذ لونها إلى الحمرة ~~يوم ذي ألوان، وقال أبو الجوزاء، في صفاء الدهن، وقال ابن جريج: تصير ~~السماء كالدهان الذائب، وذلك حين يصيبها حر جهنم، وقوله تعالى: { ~~فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن } ، وهذه ~~كقوله تعالى: # هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 35-36] فهذا في حال، و " ثم " في حال، يسأل الخلائق عن ~~جميع أعمالهم، قال الله تعالى: # فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا ~~يعملون # [الحجر: 92-93]، ولهذا قال قتادة { فيومئذ لا يسأل عن ~~ذنبه إنس ولا جآن } ، قال: قد كانت مسألة ثم ختم على أفواه ~~القوم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، قال ابن عباس: لا يسألهم ~~هل عملتم كذا وكذا لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لو عملتم كذا وكذا، ~~فهذا قول ثان، وقال مجاهد في هذه الآية: لا تسأل الملائكة عن المجرمين بل ~~يعرفون بسيماهم، وهذا قول ثالث، وكأن هذا بعد ما يؤمر بهم إلى النار فذلك ~~الوقت لا يسألون عن ذنوبهم، بل يقادون إليها ويلقون إليها ويلقون فيها ~~كما قال تعالى: { يعرف المجرمون بسيماهم } أي بعلامات ~~تظهر عليهم، وقال الحسن وقتادة: يعرفون باسوداد الوجوه وزرقة العيون، ~~(قلت): وهذا كما يعرف المؤمنون بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء. # وقوله تعالى: { فيؤخذ بالنواصي والأقدام } أي يجمع ~~الزبانية ناصيته مع قدميه ويلقونه في النار كذلك، وقال ابن عباس: يؤخذ ~~بناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور، وقال الضحاك: يجمع بين ~~ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره، وقال السدي: يجمع بين ناصية الكافر ~~وقدميه فتربط ناصيته بقدمه ويفتل ظهره، وقوله تعالى: { هذه ~~جهنم التي يكذب بها المجرمون } أي هذه النار التي ~~كنتم تكذبون بوجودها، هل هي حاضرة تشاهدونها عيانا، يقال لهم ذلك ~~تقريعا وتوبيخا وتحقيرا، وقوله تعالى: { يطوفون بينها ~~وبين حميم آن } أي تارة يعذبون في الجحيم، وتارة يسقون من ~~الحميم، وهو الشراب الذي هو كالنحاس المذاب يقطع الأمعاء والأحشاء، وهذه ~~كقوله تعالى: # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في ms2366 ~~الحميم ثم في النار يسجرون # [غافر: 71-72]. وقوله تعالى: { آن } أي حار قد بلغ الغاية في الحرارة ~~قال ابن عباس: قد انتهى غليه واشتد حره، وقال محمد بن كعب القرظي: يؤخذ ~~العبد فيحرك بناصيته في ذلك الحميم، حتى يذوب اللحم ويبقى العظم والعينان ~~في الرأس، وهي كالتي يقول الله تعالى: # في الحميم ثم في النار يسجرون # [غافر: 72] فقوله { حميم آن } أي حميم حار جدا، ولما كان معاقبة ~~العصاة المجرمين، وتنعيم المتقين من فضله ورحمته، وكان إنذاره لهم عن ~~عذابه وبأسه، مما يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصي، قال ممتنا بذلك ~~على بريته: { فبأي آلاء ربكما تكذبان }؟. ### || [55.46-53] # قال عطاء الخراساني: نزلت هذه الآية { ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان } في أبي بكر الصديق، وقال عطية بن قيس: نزلت في الذي قال: ~~أحرقوني بالنار لعلي أضل الله، قال تاب يوما وليلة، بعد أن تكلم بهذا ~~فقبل الله منه وأدخله الجنة، والصحيح أن هذه الآية عامة كما قاله ابن ~~عباس وغيره، يقول الله تعالى: { ولمن خاف مقام ربه } بين ~~يدي الله عز وجل يوم القيامة # ونهى النفس عن الهوى # [النازعات: 40] ولم يطع ولا آثر الحياة الدنيا، وعلم أن الآخرة خير ~~وأبقى، فأدى فرائض الله واجتنب محارمه، فله يوم القيامة عند ربه جنتان، ~~كما روى البخاري رحمه الله: عن عبد الله بن قيس، # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " جنتان من فضة آنيتهما وما ~~فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا ~~إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " # ، وقال حماد: ولا أعلمه إلا قد رفعه في قوله تعالى: { ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان } ، وفي قوله: # ومن دونهما جنتان # [الرحمن: 62]، جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين. ~~وقال عطاء بن يسار، أخبرني أبو الدرداء # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يوما هذه الآية { ولمن ~~خاف مقام ربه جنتان } فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: { ~~ولمن خاف مقام ms2367 ربه جنتان } فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ ~~فقال: { ولمن خاف مقام ربه جنتان } فقلت: وإن زنى وإن ~~سرق يا رسول الله؟ فقال: " وإن... رغم أنف أبي الدرداء " " # ، وهذه الآية عامة في الإنس والجن، فهي من أدل دليل على أن الجن يدخلون ~~الجنة إذا آمنوا واتقوا، ولهذا امتن الله تعالى على الثقلين بهذا الجزاء ~~فقال: { ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } ثم نعت هاتين الجنتين فقال: { ذواتآ ~~أفنان } أي أغصان نضرة حسنة، تحمل من كل ثمرة نضيجة، { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان }؟ هكذا قال عطاء وجماعة: أن الأفنان ~~أغصان الشجر يمس بعضها بعضا، وقال عكرمة { ذواتآ أفنان } يقول: ~~ظل الأغصان على الحيطان، ألم تسمع قول الشاعر: # ما هاج شوقك من هديل حمامة # تدعو على فنن الغصون حماما # وعن ابن عباس { ذواتآ أفنان }: ذواتا ألوان، ومعنى هذا القول أن ~~فيهما فنونا من الملاذ واختاره ابن جرير، وقال عطاء: كل غصن يجمع فنونا ~~من الفاكهة، وقال الربيع بن أنس: { ذواتآ أفنان } واسعتا الفناء، ~~وكل هذه الأقوال صحيحة ولا منافاة بينها والله أعلم، عن أسماء بنت أبي ~~بكر قالت: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر سدرة المنتهى فقال: " يسير في ~~ظل الفنن منها الراكب مائة سنة - أو قال يستظل في ظل الفنن منها مائة ~~راكب - فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال " # { فيهما عينان تجريان } أي تسرحان لسقي تلك الأشجار ~~والأغصان، فتثمر من جميع الألوان. قال الحسن البصري: إحداهما يقال لها ~~تسنيم، والأخرى السلسبيل، وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من ~~خمر لذة للشاربين، ولهذا قال بعد هذا: { فيهما من كل فاكهة ~~زوجان } أي من جميع أنواع الثمار، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا ~~خطر على قلب بشر { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال ابن ~~عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة، وليس في الدنيا ~~مما في الآخرة إلا الأسماء، يعني أن بين ذلك بونا عظيما وفرقا بينا ~~في التفاضل. ### || [55.54-61] # يقول تعالى: ms2368 { متكئين } ، يعني أهل الجنة، والمراد بالاتكاء ههنا ~~الاضطجاع، ويقال: الجلوس على صفة التربيع { على فرش بطآئنها ~~من إستبرق } وهو ما غلظ من الديباج، وقيل: هو الديباج المزين ~~بالذهب، فنبه على شرف الظهارة بشرف البطانة، فهذا من التنبيه بالأدنى على ~~الأعلى، قال ابن مسعود: هذه البطائن فكيف لو رأيتم الظواهر؟ قال مالك بن ~~دينار: بطائنها من إستبرق، وظواهرها من نور، وقال الثوري: بطائنها من ~~إستبرق وظواهرها من نور جامد، وقال القاسم بن محمد: بطائنها من إستبرق ~~وظواهرها من الرحمة { وجنى الجنتين دان } أي ثمرهما قريب ~~إليهم متى شاءوا تناولوه، على أي صفة كانوا كما قال تعالى: # قطوفها دانية # [الحاقة: 23]، وقال: # ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا # [الإنسان: 14] أي لا تمتنع ممن تناولها بل تنحط إليه من أغصانها { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولما ذكر الفرش وعظمتها قال ~~بعد ذلك { فيهن } أي في الفرش { قاصرات الطرف } أي غضيضات عن ~~غير أزواجهن، فلا يرين شيئا في الجنة أحسن من أزواجهن، وقد ورد أن ~~الواحدة منهن تقول لبعلها: والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، ولا في ~~الجنة شيئا أحب إلي منك، فالحمد لله الذي جعلك لي وجعلني لك، { لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن } أي بل هن أبكار عرب ~~أتراب، لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس والجن، وهذه أيضا من الأدلة ~~على دخول مؤمني الجن الجنة، سئل ضمرة بن حبيب هل يدخل الجن الجنة؟ قال: ~~نعم، وينكحون، للجن جنيات وللإنس إنسيات، وذلك قوله: { لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } ، ثم قال ينعتهن للخطاب { كأنهن ~~الياقوت والمرجان } قال مجاهد والحسن: في صفاء الياقوت وبياض ~~المرجان، فجعلوا المرجان ههنا اللؤلؤ، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " " إن المرأة من نساء الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من حرير ~~حتى يرى مخها " وذلك قوله تعالى: { كأنهن الياقوت ~~والمرجان } فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته ~~لرأيته من ورائه " # وروى الإمام ms2369 أحمد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين، على كل واحدة سبعون حلة ~~يرى مخ ساقها من وراء الثياب " # وعن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا، الرجال أكثر في الجنة ~~أم النساء، فقال أبو هريرة: أولم يقل أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: # " إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على ~~ضوء كوكب دري في السماء، لكل امرىء منهم زوجتان اثنتان يرى مخ ساقهما من ~~وراء اللحم وما في الجنة أعزب؟ " # وروى الإمام أحمد، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم ~~أو موضع قده - يعني سوطه - من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو اطلعت ~~امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا ولطاب ما ~~بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها ". # وقوله تعالى: { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان } أي ليس ~~لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة كما قال تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]. روى البغوي، عن أنس بن مالك قال، # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { هل جزآء الإحسان إلا ~~الإحسان } وقال: " هل تدرون ما قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، ~~قال: " يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة؟ " " # ولما كان في الذي ذكر نعم عظيمة لا يقاومها عمل، بل مجرد تفضل وامتنان ~~قال بعد ذلك كله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان }؟. ### || [55.62-78] # هاتان الجنتان دون اللتين قبلهما، في المرتبة والفضيلة والمنزلة بنص ~~القرآن قال الله تعالى: { ومن دونهما جنتان } وقد تقدم في ~~الحديث: # " جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما " # فالأوليان للمقربين، والأخريان لأصحاب اليمين. وقال أبو موسى: جنتان من ~~ذهب للمقربين، وجنتان من فضة لأصحاب اليمين. # وقال ابن عباس: { ومن دونهما جنتان } من دونهما في ms2370 الدرجة ~~وقال ابن زيد: من دونهما في الفضل؛ { مدهآمتان } أي سوداوان من ~~شدة الري من الماء، قال ابن عباس { مدهآمتان } قد اسودتا من ~~الخضرة من شدة الري من الماء، وعنه { مدهآمتان } قال: خضروان. ~~وقال محمد بن كعب: ممتلئتان من الخضرة، وقال قتادة: خضروان من الري ~~ناعمتان، ولا شك في نضارة الأغصان على الأشجار المشتبكة بعضها في بعض، ~~وقال هناك: # فيهما عينان تجريان # [الرحمن: 50] وقال ههنا: { نضاختان } قال ابن عباس: أي فياضتان ~~والجري أقوى من النضخ، وقال الضحاك { نضاختان } أي ممتلئتان ولا ~~تنقطعان، وقال هناك: # فيهما من كل فاكهة زوجان # [الرحمن: 52] وقال ههنا { فيهما فاكهة ونخل ورمان } ، ~~ولا شك أن الأولى أعم وأكثر في الأفراد والتنويع على { فاكهة } وهي ~~نكرة في سياق الإثبات لا تعم، ولهذا ليس قوله: { ونخل ورمان } ، ~~من باب عطف الخاص على العام، كما قرره البخاري وغيره، وإنما أفرد النخل ~~والرمان بالذكر لشرفهما على غيرهما، عن عمر بن الخطاب قال: # " جاء أناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ~~أفي الجنة فاكهة؟ قال: " نعم فيها فاكهة ونخل ورمان " ، قالوا: أفيأكلون ~~كما يأكلون في الدنيا؟ قال: " نعم، وأضعاف " ، قالوا: فيقضون الحوائج؟ ~~قال: " لا ولكنهم يعرقون ويرشحون فيذهب ما في بطونهم من أذى " " # وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: # " نخل الجنة سعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم ومنها حللهم، وورقها ~~ذهب أحمر، وجذوعها زمرد أخضر، وتمرها أحلى من العسل وألين من الزبد وليس ~~له عجم " # وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " نظرت إلى الجنة فإذا الرمانة من رمانها كالبعير المقتب " # ، ثم قال: { فيهن خيرات حسان } قيل: المراد خيرات كثيرة حسنة ~~في الجنة قاله قتادة، وقيل: { خيرات } جمع خيرة وهي المرأة الصالحة ~~الحسنة الخلق الحسنة الوجه قاله الجمهور، وفي الحديث الآخر الذي سنورده ~~في سورة الواقعة إن شاء الله أن الحور العين يغنين: " نحن الخيرات ~~الحسان. خلقنا لأزواج كرام " ولهذا قرأ بعضهم: { فيهن خيرات } بالتشديد ~~{ حسان * فبأي آلاء ms2371 ربكما تكذبان } ، ثم قال: { ~~حور مقصورات في الخيام } ، وهناك قال: # فيهن قاصرات الطرف # [الرحمن: 56] ولا شك أن التي قد قصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قصرت وإن ~~كان الجميع مخدرات، قال ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن مسعود قال: إن لكل ~~مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، تدخل عليه كل يوم تحفة ~~وكرامة وهدية، لم تكن قبل ذلك لا مرحات ولا طمحات، ولا بخرات، ولا زفرات، ~~حور عين كأنها بيض مكنون. # وقوله تعالى: { في الخيام } قال البخاري، عن عبد الله بن قيس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها ~~أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون " # ، ورواه مسلم بلفظ: # " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا ~~للمؤمن فيها أهل يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا " # وقال ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء قال: لؤلؤة واحدة فيها سبعون بابا ~~من در. وعن ابن عباس في قوله تعالى: { حور مقصورات في ~~الخيام } قال: خيام اللؤلؤ، وفي الجنة خيمة واحدة من لؤلؤة واحدة ~~أربع فراسخ في أربع فراسخ عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب، وقال عبد الله ~~بن وهب، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة ~~وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء " # وقوله تعالى: { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن } قد ~~تقدم مثله سواء إلا أنه زاد في وصف الأوائل بقوله: # كأنهن الياقوت والمرجان * فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان # [الرحمن: 58-59]، وقوله تعالى: { متكئين على رفرف خضر ~~وعبقري حسان } قال ابن عباس: الرفرف المحابس، وكذا قال مجاهد ~~وعكرمة هي المحابس، وقال عاصم الجحدري: { متكئين على رفرف ~~خضر } يعني الوسائد وهو قول الحسن البصري، وقال سعيد بن جبير: الرفرف ~~رياض الجنة، وقوله تعالى: { وعبقري حسان } قال ابن عباس ~~والسدي: العبقري الزرابي، ms2372 وقال سعيد بن جبير: هي عتاق الزرابي يعني ~~جيادها، وقال مجاهد: العبقري الديباج. # وسئل الحسن البصري عن قوله تعالى: { وعبقري حسان } فقال: هي ~~بسط أهل الجنة لا أبا لكم فاطلبوها، وقال أبو العالية: العبقري الطنافس ~~المحملة إلى الرقة ما هي، وقال القيسي: كل ثوب موشى عند العرب عبقري، ~~وعلى كل تقدير فصفة مرافق أهل الجنتين الأوليين أرفع وأعلى من هذه الصفة، ~~فإنه قد قال هناك: # متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق # [الرحمن: 54]، فنعت بطائن فرشهم وسكت عن ظهائرها اكتفاء بما مدح به ~~البطائن وتمام الخاتمة أنه قال بعد الصفات المتقدمة: # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60] فوصف أهلها بالإحسان وهو أعلى المراتب والنهايات كما في ~~حديث جبريل لما سأل عن الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان، فهذه وجوه عديدة ~~في تفضيل الجنتين الأوليين على هاتين الأخيرتين، ونسأل الله الكريم ~~الوهاب أن يجعلنا من أهل الأوليين. # ثم قال: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } أي ~~هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يكرم فيعبد، ويشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ~~ينسى، وقال ابن عباس { ذي الجلال والإكرام }: ذي العظمة ~~والكبرياء. # " أجلوا الله يغفر لكم " # وفي الحديث الآخر: # " ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام " # وفي رواية: # " ألظوا بذي الجلال والإكرام " # وقال الجوهري: ألظ فلان بفلان إذا لزمه، وقول ابن مسعود: ألظوا بياذا ~~الجلال والإكرام: أي الزموا، يقال: الإلظاظ هو الإلحاح، وفي " صحيح مسلم ~~" ، عن عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم لا يقعد يعني بعد الصلاة ~~إلا بقدر ما يقول: " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال ~~والإكرام " ". ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-12] # الواقعة من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها كما قال ~~تعالى: # فيومئذ وقعت الواقعة # [الحاقة: 15] وقوله تعالى: { ليس لوقعتها كاذبة } أي ليس ~~لوقوعها إذا أراد الله كونها صارف يصرفها ولا دافع يدفعها، كما قال: # استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا ~~مرد له من الله # [الشورى: 47]، وقال: # سأل سآئل بعذاب واقع * للكافرين ليس ms2373 له ~~دافع # [المعارج: 1-2]، ومعنى { كاذبة } أي لا بد أن تكون، قال قتادة: ليس ~~فيها ارتداد ولا رجعة، قال ابن جرير: والكاذبة مصدر كالعاقبة والعافية، ~~وقوله تعالى: { خافضة رافعة } أي تخفض أقواما إلى أسفل سافلين ~~إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليين إلى ~~النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وضعاء، وعن ابن عباس: { خافضة ~~رافعة } تخفض أقواما وترفع آخرين، وقال عثمان بن سراقة: الساعة ~~خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة، وقال محمد بن ~~كعب: تخفض رجالا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالا كانوا في الدنيا ~~مخفوضين، وقال السدي: خفضت المتكبرين ورفعت المتواضعين، وقوله تعالى: { ~~إذا رجت الأرض رجا } أي حركت تحريكا فاهتزت واضطربت بطولها ~~وعرضها، ولهذا قال ابن عباس ومجاهد { إذا رجت الأرض رجا } أي ~~زلزلت زلزالا، وقال الربيع بن أنس: ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه، ~~كقوله تعالى: # إذا زلزلت الأرض زلزالها # [الزلزلة: 1]، وقال تعالى: # إن زلزلة الساعة شيء عظيم # [الحج: 1]، وقوله تعالى: { وبست الجبال بسا } أي فتتت فتا، ~~قاله ابن عباس ومجاهد، وقال ابن زيد: صارت الجبال كما قال الله تعالى: # كثيبا مهيلا # [المزمل: 14]، وقوله تعالى: { فكانت هبآء منبثا } عن علي ~~رضي الله عنه: هباء منبثا كرهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء، ~~وقال ابن عباس: الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منه الشرر، ~~فإذا وقع لم يكن شيئا، وقال عكرمة: المنبث الذي قد ذرته الريح وبثته، ~~وقال قتادة: { هبآء منبثا } كيابس الشجر الذي تذروه الرياح، وهذه ~~الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة، وذهابها ~~ونسفها أي قلعها وصيرورتها كالعهن المنفوش. # وقوله تعالى: { وكنتم أزواجا ثلاثة } أي ينقسم الناس يوم ~~القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين يؤتون كتبهم ~~بأيمانهم، وهم جمهور أهل الجنة، وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين يؤتون ~~كتبهم بشمالهم ويؤخذ بهم ذات الشمال وهم عامة أهل النار، وطائفة سابقون ~~بين يديه عز وجل وهم ms2374 أحظى وأقرب من أصحاب اليمين، فيهم الرسل والأنبياء ~~والصديقون والشهداء، وهم أقل عددا من أصحاب اليمين، لهذا قال تعالى: { ~~فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة * وأصحاب ~~المشأمة مآ أصحاب المشأمة * والسابقون ~~السابقون } ، وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة ~~وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى: # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله # [فاطر: 32] الآية. وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم ~~بيانه، قال ابن عباس { وكنتم أزواجا ثلاثة } قال: هي التي في ~~سورة الملائكة # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا # [فاطر: 32] الآية. وقال يزيد الرقاشي: سألت ابن عباس عن قوله: { ~~وكنتم أزواجا ثلاثة } قال أصنافا ثلاثة، وقال مجاهد: { ~~وكنتم أزواجا ثلاثة } يعني فرقا ثلاثة، وقال ميمون بن ~~مهران: أفواجا ثلاثة، اثنان في الجنة وواحد في النار، قال مجاهد: { ~~والسابقون السابقون } هم الأنبياء عليهم السلام، وقال السدي: ~~هم أهل عليين، وقال ابن سيرين { والسابقون السابقون } الذين ~~صلوا إلى القبلتين، وقال الحسن وقتادة: { والسابقون السابقون ~~} أي من كل أمة، وقال الأوزاعي عن عثمان بن أبي سودة، أنه قرأ هذه الآية ~~{ والسابقون السابقون * أولئك المقربون } ثم ~~قال: أولهم رواحا إلى المسجد، وأولهم خروجا في سبيل الله، وهذه الأقوال ~~كلها صحيحة، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات، كما ~~أمروا، كما قال تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السموت والأرض # [آل عمران: 133]، وقال تعالى: # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~كعرض السمآء والأرض # [الحديد: 21]، فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من ~~السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان، ولهذا ~~قال تعالى: { أولئك المقربون * في جنات النعيم } ~~، وقال ابن أبي حاتم، قالت الملائكة: يا رب جعلت لبني آدم الدنيا فهم ~~يأكلون ويشربون ويتزوجون، فاجعل لنا الآخرة، فقال لا أفعل، فراجعوا ~~ثلاثا، فقال: لا أجعل من خلقت بيدي، كمن قلت له كن فكان؛ ثم قرأ عبد ~~الله: { والسابقون ms2375 السابقون * أولئك المقربون * ~~في جنات النعيم }. ### || [56.13-26] # يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء السابقين المقربين أنهم { ثلة } أي ~~جماعة من الأولين، وقليل من الآخرين: وقد اختلفوا في المراد بقوله ~~الأولين والآخرين فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية، وبالآخرين هذه ~~الأمة، وهو اختيار ابن جرير، واستأنس بقوله صلى الله عليه وسلم: # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة " # ، ولم يحك غيره، ومما يستأنس به لهذا القول ما رواه ابن أبي حاتم، عن ~~أبي هريرة قال: # " لما نزلت { ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين ~~} شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: { ثلة من ~~الأولين * وثلة من الآخرين } فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف ~~أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني " " # وهذا الذي اختاره ابن جرير فيه نظر بل هو قول ضعيف، لأن هذه الأمة هي ~~خير الأمم بنص القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللهم ~~إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر ~~من سائر الأمم والله أعلم، فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، وهو ~~أن يكون المراد بقوله تعالى: { ثلة من الأولين } أي من صدر ~~هذه الأمة، { وقليل من الآخرين } أي من هذه الأمة، قال ابن أبي ~~حاتم، عن عبد الله بن بكر المزني: سمعت الحسن أتى على هذه الآية # والسابقون السابقون * أولئك المقربون # [الواقعة: 10-11] فقال: أما السابقون فقد مضوا، ولكن اللهم اجعلنا من ~~أصحاب اليمين. ثم قرأ الحسن: { والسابقون السابقون * ~~أولئك المقربون * في جنات النعيم * ثلة من ~~الأولين } قال: ثلة ممن مضى من هذه الأمة. وعن محمد بن سيرين أنه ~~قال في هذه الآية { ثلة من الأولين * وقليل من ~~الآخرين } قال: كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة، ~~فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأمة. ولا شك أن أول كل أمة ~~خير من آخرها، فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم ms2376 كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت ~~في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " # الحديث بتمامه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن عمار بن ياسر ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره " # فهذا الحديث محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه ~~كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها، والفضل للمتقدم، وكذلك الزرع ~~هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على ~~الأول، واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض ولا تعلق ~~أساسه فيها، ولهذا قال عليه السلام: # " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من ~~خالفهم إلى قيام الساعة ". # وفي لفظ: # " حتى يأتي أمر الله تعالى وهم كذلك " # ، والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم، والمقربون فيها أكثر من ~~غيرها وأعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبيها، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفا يدخلون ~~الجنة بغير حساب، وفي لفظ: " مع كل ألف سبعون ألفا - وفي آخر - مع كل ~~واحد سبعون ألفا "؛ وقد روى الحافظ الطبراني، عن أبي ملاك قال، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أما والذي نفسي بيده ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود زمرة ~~جميعها يحيطون الأرض تقول الملائكة لما جاء مع محمد صلى الله عليه سلم ~~أكثر مما جاء مع الأنبياء عليهم السلام " # وقوله تعالى: { على سرر موضونة } قال ابن عباس: أي مرمولة ~~بالذهب يعني منسوجة به. وقال السدي: مرمولة بالذهب واللؤلؤ، وقال عكرمة: ~~مشبكة بالدر والياقوت، وقال ابن جرير: ومنه يسمى وضين الناقة الذي تحت ~~بطنها وهو فعيل بمعنى مفعول لأنه مضفور وكذلك السرر في الجنة مضفورة ~~بالذهب واللآلىء. # وقوله تعالى: { متكئين عليها متقابلين } أي وجوه بعضهم ~~إلى ms2377 بعض ليس أحد وراء أحد، { يطوف عليهم ولدان مخلدون ~~} أي مخلدون على صفة واحدة لا يشيبون ولا يتغيرون، { بأكواب ~~وأباريق وكأس من معين } أما الأكواب فهي الكيزان التي لا ~~خراطيم لها ولا آذان، والأباريق التي جمعت الوصفين، والكؤوس الهنابات ~~والجميع من خمر من عين جارية معين، ليس من أوعية تنقطع وتفرغ بل من عيون ~~سارحة، وقوله تعالى: { لا يصدعون عنها ولا ينزفون } أي ~~لا تصدع رؤوسهم ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة ~~الحاصلة، وروى ابن عباس أنه قال: في الخمر أربع خصال: " السكر، والصداع، ~~والقيء، والبول " فذكر الله تعالى خمر الجنة ونزهها عن هذه الخصال، وقال ~~مجاهد وعكرمة { لا يصدعون عنها } يقول: ليس لهم فيها صداع ~~رأس، وقالوا في قوله: { ولا ينزفون } أي لا تذهب بعقولهم، وقوله ~~تعالى: { وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما ~~يشتهون } أي ويطوفون عليهم بما يتخيرون من الثمار، وهذه الآية دليل ~~على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها، روى الطبراني عن ثوبان قال، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى " # ، وقوله تعالى: { ولحم طير مما يشتهون } عن أنس قال، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " إن طير الجنة كأمثال البخت يرعى في شجر الجنة " ، فقال أبو بكر: يا ~~رسول الله، إن هذه لطير ناعمة، فقال: " آكلها أنعم منها - قالها ثلاثا - ~~وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها " # وقال قتادة في قوله تعالى: { ولحم طير مما يشتهون } # " وذكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله! إني لأرى طيرها ناعما كأهلها ~~ناعمون، قال: " ومن يأكلها والله يا أبا بكر أنعم منها وإنها لأمثال ~~البخت وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر " " # وروى أبو بكر بن أبي الدنيا، عن أنس بن مالك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكوثر فقال: " نهر أعطانيه ~~ربي عز وجل في الجنة أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور ms2378 ~~أعناقها يعني كأعناق الجزر " فقال عمر: إنها لناعمة؟ قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " آكلها أنعم منها " " # وعن عبد الله بن مسعود قال، # " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك لتنظر إلى الطير في الجنة ~~فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا " # وقوله تعالى: { وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون } ~~بالرفع وتقديره: ولهم فيها حور عين، وقوله تعالى: { كأمثال ~~اللؤلؤ المكنون } أي كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه كما ~~تقدم، # كأنهن بيض مكنون # [الصافات: 49]، ولهذا قال: { جزآء بما كانوا يعملون } أي ~~هذا الذي أتحفناهم به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل. ### || [56.27-40] # لما ذكر تعالى مآل السابقين وهم المقربون، عطف عليهم بذكر أصحاب اليمين ~~وهم الأبرار، كما قال ميمون بن مهران: أصحاب اليمين منزلتهم دون ~~المقربين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين } أي ~~ما حالهم وكيف مآلهم؟ ثم فسر ذلك فقال تعالى: { في سدر مخضود } ~~قال ابن عباس وعكرمة: هو الذي لا شوك فيه، وعن ابن عباس: هو الموقر ~~بالثمر، وقال قتادة: كنا نحدث أنه الموقر الذي لا شوك فيه، والظاهر أن ~~المراد هذا وهذا، فإن سدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر، وفي الآخرة على ~~العكس من هذا لا شوك فيه، وفيه الثمر الكثير الذي قد أثقل أصله، كما روى ~~الحافظ أبو بكر النجار، عن سليم بن عامر قال: # " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إن الله لينفعنا ~~بالأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يوما فقال: يا رسول الله ذكر الله ~~في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما ~~هي؟ " قال: السدر، فإن له شوكا مؤذيا، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أليس الله تعالى يقول: { في سدر مخضود } خضد الله شوكه، ~~فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمرا تفتق الثمرة منها عن اثنين ~~وسبعين لونا من طعام ما فيها لون يشبه الآخر " # ، وقوله: { وطلح منضود } الطلح: شجر عظام يكون بأرض الحجاز، من ~~شجر العضاه واحدته طلحة، وهو شجر كثير ms2379 الشوك، وأنشد ابن جرير لبعض ~~الحداة: # بشرها دليلها وقالا # غدا ترين الطلح والجبالا # قال مجاهد: { منضود }: أي متراكم الثمر، يذكر بذلك قريشا لأنهم ~~كانوا يعجبون من وج ظلاله من طلح وسدر، قال ابن عباس: يشبه طلح الدنيا، ~~ولكن له ثمر أحلى من العسل، قال الجوهري: والطلح لغة في الطلع، (قلت): ~~وقد روي أن عليا يقول هذا الحرف في { وطلح منضود } قال: طلع ~~منضود، فعلى هذا يكون من صفة السدر، فكأنه وصفه بأنه مخضود وهو الذي لا ~~شوك له، وأن طلعه منضود، وهو كثرة ثمره والله أعلم. وعن أبي سعيد { ~~وطلح منضود } قال: الموز، وأهل اليمن يسمون الموز: الطلح، ولم ~~يحك ابن جرير غير هذا القول، وقوله تعالى: { وظل ممدود } روى ~~البخاري، عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرأوا إن ~~شئتم { وظل ممدود } " # وقال الإمام أحمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، إقرأوا إن شئتم { ~~وظل ممدود } " # وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد وسهل بن سعد # " عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن في الجنة شجرة يسير ~~الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها " # ، فهذا حديث ثابت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بل متواتر ~~مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد لتعدد طرقه وقوة أسانيده وثقة رجاله. ~~وقال الترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما في الجنة من شجرة إلا ساقها من ذهب " # وقال الضحاك والسدي في قوله تعالى: { وظل ممدود } لا ينقطع ~~ليس فيها شمس ولا حر مثل قبل طلوع الفجر، وقال ابن مسعود: الجنة سجسج ~~كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقد تقدمت الآيات كقوله تعالى: # وندخلهم ظلا ظليلا # [النساء: 57] وقوله: # أكلها دآئم وظلها # [الرعد: 35]، وقوله: # في ظلال وعيون # [المرسلات: 41] إلى ms2380 غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى: { ومآء ~~مسكوب } قال الثوري: يجري في غير أخدود، وقد تقدم الكلام عند تفسير ~~قوله تعالى: # فيهآ أنهار من مآء غير آسن # [محمد: 15] الآية، بما أغنى عن إعادته ههنا. # وقوله تعالى: { وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ~~ممنوعة } أي وعندهم من الفواكه الكثيرة المتنوعة في الألوان، مما لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما قال تعالى: # كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها # [البقرة: 25] أي يشبه الشكل الشكل، ولكن الطعم غير الطعم، وفي " ~~الصحيحين " في ذكر سدرة المنتهى: فإذا ورقها كآذان الفيلة ونبقها مثلا ~~قلال هجر، وروى الحافظ أبو يعلى، عن جابر قال: # " بينا نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدمنا ~~معه، ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة، قال له أبي بن ~~كعب: يا رسول الله صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما كنت تصنعه، قال: " إنه ~~عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفا من عنب ~~لآتيكم به فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض ~~لا ينقص منه " " # وقوله تعالى: { لا مقطوعة ولا ممنوعة } أي لا تنقطع شتاء ~~ولا صيفا، بل أكلها دائم مستمر أبدا، مهما طلبوا وجدوا لا يمتنع عليهم ~~بقدرة الله شيء، وقال قتادة: لا يمنعهم من تناولها عود ولا شوك ولا بعد، ~~وقد تقدم في الحديث: # " إذا تناول الرجل الثمرة عادت مكانها أخرى ". # وقوله تعالى: { وفرش مرفوعة } أي عالية وطيئة ناعمة، روى ~~النسائي، عن أبي سعيد # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { وفرش مرفوعة ~~} قال: ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام " # وعن الحسن: { وفرش مرفوعة } قال: ارتفاع فراش الرجل من أهل ~~الجنة مسيرة ثمانين سنة، وقوله تعالى: { إنآ أنشأناهن إنشآء ~~* فجعلناهن أبكارا * عربا أترابا * لأصحاب ~~اليمين } جرى الضمير على غير مذكور، لكن لما دل السياق وهو ms2381 ذكر الفرش ~~على النساء اللاتي يضاجعن فيها اكتفى بذلك عن ذكرهن وعاد الضمير عليهن، ~~قال الأخفش في قوله تعالى: { إنآ أنشأناهن } أضمرهن ولم يذكرن ~~قبل ذلك، وقال أبو عبيدة ذكرن في قوله تعالى: # وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون # [الواقعة: 22-23]، فقوله تعالى: { إنآ أنشأناهن } أي أعدناهن ~~في النشأة الأخرى بعد ما كن عجائز رمصا، صرن، { أبكارا * عربا } ~~أي بعد الثيوبة عدن أبكارا عربا، متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة ~~والظرافة والملاحة، وقال بعضهم { عربا } أي غنجات، عن أنس بن مالك ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنا أنشأناهن إنشاء قال: نساء عجائز كن في الدنيا عمشا رمصا " # وعن سلمة بن يزيد قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: { إنآ ~~أنشأناهن إنشآء } يعني الثيب والأبكار اللاتي كن في الدنيا، ~~وقال عبد بن حميد قال: أتت عجوز، فقالت: يا رسول الله ادع الله تعالى أن ~~يدخلني الجنة فقال: " يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز " قال: فولت ~~تبكي، قال: أخبروها إنها لا تدخلها، وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: { ~~إنآ أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا } ". # وعن أم سلمة قالت: # " قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى: { حور عين } قال: " ~~حور " بيض " عين " ضخام العيون، شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر، قلت: ~~أخبرني عن قوله تعالى: { كأمثال اللؤلؤ المكنون } قال: " ~~صفاؤهن صفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي " قلت: أخبرني عن ~~قوله: { فيهن خيرات حسان } قال: " خيرات الأخلاق حسان الوجوه ~~" ، قلت أخبرني عن قوله: { كأنهن بيض مكنون } قال: " ~~رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشر وهو الغرقيء " ~~قلت: يا رسول الله أخبرني عن قوله: { عربا أترابا } قال: " هن ~~اللواتي قبضن في الدار الدنيا عجائز رمصا شمطا خلقهن الله بعد الكبر، ~~فجعلهن عذارى عربا متعشقات محببات أترابا على ميلاد واحد " ، قلت: يا ~~رسول الله نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: " بل نساء الدنيا أفضل ~~من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة ms2382 " ، قلت: يا رسول الله وبم ذاك؟ ~~قال: " بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله عز وجل، ألبس الله وجوههن النور، ~~وأجسادهن الحرير، بيض الألوان خضر الثياب، صفر الحلي، مجامرهن الدر، ~~وأمشاطهن الذهب، يقلن: نحن الخالدات فلا نموت أبدا، ونحن الناعمات فلا ~~نبأس أبدا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا، ألا ونحن الراضيات فلا نسخط ~~أبدا، طوبى لمن كنا له وكان لنا " ، قلت: يا رسول الله المرأة منا تتزوج ~~الزوجين والثلاثة والأربعة، ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من يكون ~~زوجها؟ قال: " يا أم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقا، فتقول: يا رب ~~إن هذا كان أحسن خلقا معي فزوجنيه، يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير ~~الدنيا والآخرة " # وفي الحديث: # " إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا " # وعن أبي هريرة قال، # " قيل: يا رسول الله هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ قال: " إن الرجل ليصل ~~في اليوم إلى مائة عذراء " ". # وقوله تعالى: { عربا } ، قال ابن عباس: يعني متحببات إلى أزواجهن، ~~ألم تر إلى الناقة الضبعة هي كذلك، وقال الضحاك عنه: العرب العواشق ~~لأزواجهن، وأزواجهن لهن عاشقون، وقال عكرمة: سئل ابن عباس عن قوله { ~~عربا } قال: هي الملقة لزوجها، وقال عكرمة: هي الغنجة، وعنه هي ~~الشكلة، وقال عبد الله بن بريدة في قوله: { عربا } قال: الشكلة بلغة ~~أهل مكة، والغنجة بلغة أهل المدينة، وقال تميم بن حذلم: هي حسن التبعل، ~~وقوله: { أترابا } قال ابن عباس: يعني في سن واحدة ثلاث وثلاثين سنة، ~~وقال مجاهد: الأتراب: المستويات، وفي رواية عنه: الأمثال، وقال عطية: ~~الأقران، وقال السدي: { أترابا } أي في الأخلاق المتواخيات بينهن، ~~ليس بينهن تباغض ولا تحاسد، يعني لا كما كن ضرائر متعاديات، وقال ابن أبي ~~حاتم، عن الحسن ومحمد { عربا أترابا } قالا: المستويات الأسنان ~~يأتلفن جميعا ويلعبن جميعا، وقد روى الترمذي، عن علي رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن أصواتا لم تسمع الخلائق ~~بمثلها - قال - يقلن: " نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات ms2383 فلا نبأس، ~~ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له " " # وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الحور العين ليغنين في الجنة يقلن: نحن خيرات حسان خبئنا لأزواج ~~كرام " # وقوله تعالى: { لأصحاب اليمين } أي خلقنا لأصحاب اليمين أو زوجن ~~لأصحاب اليمين والأظهر أنه متعلق بقوله: { إنآ أنشأناهن ~~إنشآء * فجعلناهن أبكارا } فتقديره أنشأناهن لأصحاب ~~اليمين، وهذا توجيه ابن جرير، قلت: ويحتمل أن يكون قوله: { لأصحاب ~~اليمين } متعلقا بما قبله، وهو قوله: { أترابا * لأصحاب ~~اليمين } أي في أسنانهم، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم على ~~ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ~~ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب وريحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأرواحهم ~~الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذارعا ~~في السماء " # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث ~~وثلاثين وهم على خلق آدم ستون ذراعا في عرض سعبة أذرع " # وروى ابن وهب، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاث وثلاثين في الجنة ~~لا يزيدون عليها أبدا وكذلك أهل النار " # وروى ابن أبي الدنيا، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك! على حسن ~~يوسف وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة وعلى لسان محمد جرد مرد مكحلون " # ، وقال أبو بكر ابن أبي داود، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يبعث أهل الجنة على صورة آدم في ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين جردا مردا ~~مكحلين. ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة فيكسون منها لا تبلى ثيابهم ولا ms2384 ~~يفنى شبابهم " # وقوله تعالى: { ثلة من الأولين * وثلة من ~~الآخرين } أي جماعة من الأولين وجماعة من الآخرين. # وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " هما جميعا من أمتي ". ### || [56.41-56] # لما ذكر تعالى حال أصحاب اليمين، عطف عليهم بذكر أصحاب الشمال فقال: { ~~وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال } أي أي شيء هم فيه ~~أصحاب الشمال؟ ثم فسر ذلك فقال: { في سموم } وهو الهواء الحار، { ~~وحميم } وهو الماء الحار، { وظل من يحموم } قال ابن عباس: ~~ظل الدخان، وهذه كقوله تعالى: # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب * لا ظليل ولا ~~يغني من اللهب # [المرسلات: 30-31] ولهذا قال ههنا: { وظل من يحموم } وهو ~~الدخان الأسود { لا بارد ولا كريم } أي ليس طيب الهبوب، ولا ~~حسن المنظر { ولا كريم } أي ولا كريم المنظر، وقال الضحاك: كل شراب ~~ليس بعذب فليس بكريم، قال ابن جرير: العرب تتبع هذه اللفظة في النفي، ~~فيقولون: هذا الطعام ليس بطيب ولا كريم، هذا اللحم ليس بسمين ولا كريم، ~~ثم ذكر تعالى استحقاقهم لذلك فقال تعالى: { إنهم كانوا قبل ~~ذلك مترفين } أي كانوا في الدار الدنيا منعمين، مقبلين على لذات ~~أنفسهم، { وكانوا يصرون } أي يقيمون ولا ينوون توبة { على ~~الحنث العظيم } ، وهو الكفر بالله، قال ابن عباس: الحنث العظيم: ~~الشرك، وقال الشعبي: هو اليمين الغموس { وكانوا يقولون أإذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون * أو ~~آبآؤنا الأولون } يعني أنهم يقولون ذلك مكذبين به مستبعدين ~~لوقوعه، قال الله تعالى: { قل إن الأولين والآخرين * ~~لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } أي أخبرهم يا محمد ~~أن الأولين والآخرين من بني آدم سيجمعون إلى عرصات القيامة لا يغادر منهم ~~أحد، كما قال تعالى: # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود: 103]، ولهذا قال ههنا: { لمجموعون إلى ميقات يوم ~~معلوم } أي هو موقت بوقت محدود لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ~~ينقص، { ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون * ~~لأكلون من شجر من زقوم * فمالئون منها البطون ~~} ، وذلك أنهم يقبضون ms2385 ويسجرون حتى يأكلوا من شجر الزقوم حتى يملأوا منهم ~~بطونهم، { فشاربون عليه من الحميم * فشاربون شرب ~~الهيم } وهي الإبل العطاش واحدها أهيم والأنثى هيماء، ويقال: هائم ~~وهائمة، قال ابن عباس ومجاهد: الهيم الإبل العطاش الظماء، وقال السدي: ~~الهيم داء يأخذ الإبل فلا تروى أبدا حتى تموت، فكذلك أهل جهنم لا يروون ~~من الحميم أبدا، ثم قال تعالى: { هذا نزلهم يوم الدين } ~~أي هذا الذي وصفنا هو ضيافتهم عند ربهم يوم حسابهم، كما قال تعالى في حق ~~المؤمنين: # كانت لهم جنات الفردوس نزلا # [الكهف: 107] أي ضيافة وكرامة. ### || [56.57-62] # يقول تعالى مقررا للمعاد، ورادا على المكذبين به من أهل الزيغ ~~والإلحاد، { نحن خلقناكم } أي نحن ابتدأنا خلقكم بعد أن لم ~~تكونوا شيئا مذكورا، أفليس الذي قدر على البداءة، بقادر على الإعادة ~~بطريق الأولى والأحرى؟ ولهذا قال: { فلولا تصدقون }؟ أي فهلا ~~تصدقون بالبعث! ثم قال تعالى مستدلا عليهم بقوله: { أفرأيتم ما ~~تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون }؟ أي ~~أنتم تقرونه في الأرحام وتخلقونه فيها أم الله الخالق لذلك؟ ثم قال ~~تعالى: { نحن قدرنا بينكم الموت } أي صرفناه بينكم، ~~وقال الضحاك: ساوى فيه بين أهل السماء والأرض، { وما نحن ~~بمسبوقين } أي وما نحن بعاجزين { على أن نبدل ~~أمثالكم } أي نغير خلقكم يوم القيامة، { وننشئكم في ما ~~لا تعلمون } أي من الصفات والأحوال، ثم قال تعالى: { ولقد ~~علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } أي قد علمتم ~~أن الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، فخلقكم وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة وهي ~~البداءة قادر على النشأة الأخرى وهي الإعادة بطريق الأولى والأحرى، كما ~~قال تعالى: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]، وقال تعالى: # أولا يذكر الإنسن أنا خلقناه من قبل ولم يك ~~شيئا # [مريم: 67]، وقال تعالى: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل ~~خلق عليم # [يس: 79]، وقال تعالى: # فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى * أليس ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى # [القيامة: 39-40]. ms2386 ### || [56.63-74] # يقول تعالى: { أفرأيتم ما تحرثون }؟ وهو شق الأرض وإثارتها ~~والبذر فيها، { أأنتم تزرعونه }؟ أي تنبتونه في الأرض { أم ~~نحن الزارعون }؟ أي بل نحن الذي نقره قراره وننبته في الأرض، روي ~~عن حجر المدري أنه كان إذا قرأ { أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون } وأمثالها، يقول: بل أنت يا رب، وقوله تعالى: { لو ~~نشآء لجعلناه حطاما } أي نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا، ~~وأبقيناه لكم رحمة بكم، ولو نشاء لجعلناه حطاما، أي لأيبسناه قبل ~~استوائه واستحصاده، { فظلتم تفكهون }. ثم فسر ذلك بقوله: { ~~إنا لمغرمون * بل نحن محرومون } أي لو جعلناه حطاما ~~لظلتم تفكهون في المقالة تنوعون كلامكم، فتقولون تارة: { إنا ~~لمغرمون } أي لملقون، وقال مجاهد وعكرمة: إنا لمولع بنا، وقال ~~قتادة: معذبون، وتارة تقولون: { بل نحن محرومون } أي لا يثبت ~~لنا مال ولا ينتج لنا ربح، وقال مجاهد: { بل نحن محرومون } أي ~~مجدودون يعني لا حظ لنا، وقال ابن عباس ومجاهد: { فظلتم ~~تفكهون } تعجبون، وقال مجاهد أيضا: { فظلتم تفكهون } ~~تفجعون وتحزنون على ما فاتكم من زرعكم، وهذا يرجع إلى الأول، وهو التعجب ~~من السبب الذي من أجله أصيبوا في مالهم، وهذا اختيار ابن جرير. وقال ~~عكرمة: { فظلتم تفكهون } تلاومون، وقال الحسن وقتادة: { ~~فظلتم تفكهون } تندمون ومعناه إما على ما أنفقتم أو على ما ~~أسلفتم من الذنوب، قال الكسائي: تفكه من الأضداد، تقول العرب: تفكهت ~~بمعنى تنعمت، وتفكهت بمعنى حزنت. # ثم قال تعالى: { أفرأيتم المآء الذي تشربون * ~~أأنتم أنزلتموه من المزن } ، يعني السحاب، { أم نحن ~~المنزلون } ، يقول: بل نحن المنزلون، { لو نشآء جعلناه ~~أجاجا } أي زعافا مرا لا يصلح لشرب ولا زرع، { فلولا ~~تشكرون } أي فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم ~~عذبا زلالا، # لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون # [النحل: 10] روى ابن أبي حاتم، عن جابر، عن أبي جعفر، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان إذا شرب الماء قال: # " الحمد الله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته، ولم يجعله ملحا أجاجا ~~بذنوبنا " # ثم قال: { أفرأيتم النار التي تورون } أي ms2387 تقدحون من ~~الزناد وتستخرجونها من أصلها { أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم ~~نحن المنشئون } أي بل نحن الذين جعلناها مودعة في موضعها، وللعرب ~~شجرتان: إحداهما (المرخ) والأخرى (العفار) إذا أخذ منهما غصنان أخضران ~~فحك أحدهما بالآخر تناثر من بينهما شرر النار، وقوله تعالى: { نحن ~~جعلناها تذكرة } قال مجاهد وقتادة: أي تذكر النار الكبرى، وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم وضربت بالبحر، مرتين، ~~ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد " # ، وقال الإمام مالك، عن أبي هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " نار بني آدم التي يوقدون جزء ~~من سبعين جزء من نار جهنم " ، فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، ~~فقال: " إنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا " " # ، وفي لفظ: # " والذي نفسي بيده لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها ". # وقوله تعالى: { ومتاعا للمقوين } قال ابن عباس ومجاهد: يعني ~~بالمقوين المسافرين، واختاره ابن جرير، وقال ابن أسلم: المقوي ههنا ~~الجائع، وقال ليث، عن مجاهد { ومتاعا للمقوين }: للحاضر ~~والمسافر، لكل طعام لا يصلحه إلا النار، وعنه: { للمقوين } يعني ~~المستمتعين من الناس أجمعين، وهذا التفسير أعم من غيره، فإن الحاضر ~~والبادي من غني وفقير، الجميع محتاجون إليها للطبخ والاصطلاء والإضاءة، ~~وغير ذلك من المنافع، ثم من لطف الله تعالى أن أودعها في الأحجار وخالص ~~الحديد، بحيث يتمكن المسافر من حمل ذلك في متاعه وبين ثيابه، فإذا احتاج ~~إلى ذلك في منزله أخرج زنده وأورى وأوقد ناره فاطبخ بها واصطلى بها ~~واشتوى واستأنس بها، وانتفع بها سائر الانتفاعات، فلهذا أفرد المسافرون، ~~وإن كان ذلك عاما في حق الناس كلهم، وفي الحديث: # " المسلمون شركاء في ثلاثة: النار والكلأ والماء " # وفي رواية: # " ثلاثة لا يمنعن: الماء والكلأ والنار " # وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } أي الذي بقدرته ~~خلق هذه الأشياء المختلفة المتضادة، الماء الزلال العذب البارد، ولو شاء ~~لجعله ملحا أجاجا كالبحار المغرقة، وخلق النار المحرقة، وجعل ذلك مصلحة ~~للعباد، وجعل ms2388 هذه منفعة لهم في معاش دنياهم، وزجرا لهم في المعاد. ### || [56.75-82] # قال الضحاك: إن الله تعالى لا يقسم بشيء من خلقه، ولكنه استفتاح يستفتح ~~به كلامه، وهذا القول ضعيف، والذي عليه الجمهور أنه قسم من الله تعالى ~~يقسم بما شاء من خلقه وهو دليل على عظمته، ثم قال بعض المفسرين: (لا) ~~ههنا زائدة، وتقديره: أقسم بمواقع النجوم، ويكون جوابه: { إنه ~~لقرآن كريم } ، وقال آخرون: ليست (لا) زائدة بل يؤتى بها في أول ~~القسم إذا كان مقسما به على منفي، تقدير الكلام: لا أقسم بمواقع النجوم، ~~ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر أو كهانة بل هو قرآن كريم، وقال ~~بعضهم: معنى قوله: { فلا أقسم } فليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف ~~القسم بعد ذلك فقيل: اقسم، واختلفوا في معنى قوله: { بمواقع ~~النجوم } فقال ابن عباس: يعني نجوم القرآن، فإنه نزل جملة ليلة القدر ~~من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا في السنين بعد، ثم ~~قرأ ابن عباس هذه الآية، وقال مجاهد: { بمواقع النجوم } في ~~السماء ويقال مطالعها ومشارقها وهو اختيار ابن جرير، وعن قتادة: مواقعها: ~~منازلها، وعن الحسن: أن المراد بذلك انتثارها يوم القيامة، وقوله: { ~~وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } أي وإن هذا القسم الذي ~~أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم به، { إنه ~~لقرآن كريم } أي إن هذا القرآن الذي نزل على محمد لكتاب عظيم { ~~في كتاب مكنون } أي معظم في كتاب معظم محفوظ موقر، عن ابن عباس ~~قال: الكتاب الذي في السماء، { لا يمسه إلا المطهرون } ~~يعني الملائكة، وقال ابن جرير، عن قتادة { لا يمسه إلا ~~المطهرون } قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا ~~فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس، وقال أبو العالية: { لا ~~يمسه إلا المطهرون } ليس أنتم أصحاب الذنوب، وقال ابن ~~زيد: زعمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى ~~أنه لا يمسه إلا المطهرون، كما قال تعالى: # وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم ms2389 وما ~~يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون # [الشعراء: 210-212]، وهذا القول قول جيد، وهو لا يخرج عن الأقوال التي ~~قبله، وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، وقال آخرون: { لا ~~يمسه إلا المطهرون } أي من الجنابة والحدث، قالوا: ولفظ ~~الآية خبر، ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن ههنا المصحف، كما روى ~~مسلم عن ابن عمر: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ~~مخافة أن يناله العدو " # ، واحتجوا بما رواه الإمام مالك أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعمرو بن حازم أن " لا يمس القرآن إلا طاهر " وروى أبو ~~داود في " المراسيل " من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عبد الله بن أبي ~~بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ولا يمس القرآن إلا طاهر " # ، وهذه وجادة جيدة قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به. # وقوله تعالى: { تنزيل من رب العالمين } أي هذا القرآن ~~منزل من الله رب العالمين، وليس هو كما يقولون إنه سحر أو كهانة أو شعر، ~~بل هو الحق الذي لا مرية فيه، وليس وراءه حق نافع، وقوله تعالى: { ~~أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } قال ابن عباس: أي ~~مكذبون غير مصدقين، وقال مجاهد: { مدهنون } أي تريدون أن تمالئوهم ~~فيه وتركنوا إليهم { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ~~قال بعضهم: معنى { وتجعلون رزقكم } بمعنى شكركم أنكم تكذبون ~~بدل الشكر، عن علي رضي الله عنه قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وتجعلون " رزقكم يقول: شكركم ~~أنكم تكذبون، تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، بنجم كذا وكذا " # وقال مجاهد: { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } قال: ~~قولهم في الأنواء: مطرنا بنوء كذا وبنوء كذا يقول: قولوا هو من عند الله ~~وهو رزقه، وقال قتادة: أما الحسن فكان يقول: بئس ما أخذ قوم لأنفسهم، لم ~~يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب، فمعنى قول الحسن هذا وتجعلون حظكم من ~~كتاب الله أنكم تكذبون به، ms2390 ولهذا قال قبله: { أفبهذا الحديث ~~أنتم مدهنون * وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ~~}. ### || [56.83-87] # يقول تعالى: { فلولا إذا بلغت } أي الروح { الحلقوم } أي ~~الحلق وذلك حين الاحتضار كما قال تعالى: # كلا إذا بلغت التراقي * وقيل من راق # [القيامة: 26-27]، ولهذا قال ههنا { وأنتم حينئذ تنظرون } ~~أي إلى المحتضر وما يكابده من سكرات الموت، { ونحن أقرب إليه ~~منكم } أي بملائكتنا { ولكن لا تبصرون } أي ولكن لا ~~ترونهم كما قال تعالى في الآية الأخرى: # حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم ~~لا يفرطون # [الأنعام: 61]. وقوله تعالى: { فلولا إن كنتم غير مدينين ~~* ترجعونهآ } معناه فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم ~~إلى مكانها الأول، ومقرها من الجسد إن كنتم غير مدينين، قال ابن عباس: ~~يعني محاسبين، وقال سعيد بن جبير { غير مدينين } غير مصدقين أنكم ~~تدانون وتبعثون وتجزون فردوا هذه النفس، وعن مجاهد { غير مدينين } ~~غير موقنين، وقال ميمون بن مهران: غير معذبين مقهورين. ### || [56.88-96] # هذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم: إما أن يكون من ~~المقربين، أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين، وإما أن يكون من المكذبين ~~بالحق، الضالين عن الهدى، الجاهلين بأمر الله، ولهذا قال تعالى: { ~~فأمآ إن كان } أي المحتضر { من المقربين } وهم الذين ~~فعلوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات، { ~~فروح وريحان وجنت نعيم } أي فلهم روح وريحان وتبشرهم ~~الملائكة بذلك عند الموت كما تقدم في حديث البراء # " إن ملائكة الرحمة تقول: أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب، كنت ~~تعمرينه اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان " # ، قال ابن عباس { فروح } يقول: راحة { وريحان } يقول: مستراحة، ~~وكذا قال مجاهد: إن الروح الاستراحة، وقال أبو حرزة: الراحة من الدنيا، ~~وقال سعيد بن جبير: الروح الفرح، وعن مجاهد: { فروح وريحان } ~~جنة ورخاء، وقال قتادة: فروح فرحمة. وقال ابن عباس ومجاهد: { وريحان ~~}: ورزق؛ وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة، فإن من مات مقربا حصل له جميع ~~ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة والفرح والسرور والرزق الحسن { ~~وجنت نعيم } ، وقال أبو العالية: ms2391 لا يفارق أحد من المقربين حتى ~~يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيقبض روحه فيه، وقال محمد بن كعب: لا يموت أحد ~~من الناس حتى يعلم أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار، وقد قدمنا أحاديث ~~الاحتضار عند قوله تعالى في سورة إبراهيم # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت # [الآية: 27]. وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية. روى الإمام أحمد، # " عن أم هانىء أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتزاور إذا ~~متنا ويرى بعضنا بعضا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يكون النسم ~~طيرا يعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها " " # ، هذا الحديث فيه بشارة لكل مؤمن، ومعنى " يعلق " يأكل، ويشهد له ~~بالصحة أيضا ما رواه الإمام أحمد، عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك، ~~عن كعب بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم ~~يبعثه " # ، وهذا إسناد عظيم ومتن قويم، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في رياض الجنة حيث شاءت ثم ~~تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش " # الحديث. وروى الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أحب لقاء الله أحب ~~الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " قال: فأكب القوم يبكون ~~فقال: " ما يبكيكم؟ " فقالوا: إنا نكره الموت، قال: " ليس ذاك، ولكنه إذا ~~احتضر { فأمآ إن كان من المقربين * فروح وريحان ~~وجنت نعيم } ، فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله عز وجل، والله عز ~~وجل للقائه أحب { وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين ~~فنزل من حميم وتصلية جحيم } فإذا بشر بذلك كره لقاء ~~الله، والله تعالى للقائه أكره " ". # وقوله تعالى: { وأمآ إن كان من أصحاب اليمين } أي وأما ~~إن كان المحتضر من أصحاب اليمين { فسلام لك من أصحاب ~~اليمين } أي تبشرهم الملائكة بذلك ms2392 تقول لأحدهم: سلام لك أي لا بأس ~~عليك أنت إلى سلامة. وأنت من أصحاب اليمين، وقال قتادة: سلم من عذاب ~~الله وسلمت عليه ملائكة الله، كما قال عكرمة تسلم عليه الملائكة وتخبره ~~أنه من أصحاب اليمين، وهذا معنى حسن، ويكون ذلك كقول الله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30]. وقوله تعالى: { وأمآ إن كان من المكذبين ~~الضآلين فنزل من حميم وتصلية جحيم } أي وأما إن ~~كان المحتضر من المكذبين بالحق، الضالين عن الهدى { فنزل } أي ~~فضيافة. { من حميم } وهو المذاب الذي يصهر به ما في بطونهم ~~والجلود، { وتصلية جحيم } أي وتقرير له في النار التي تغمره من ~~جميع جهاته، ثم قال تعالى: { إن هذا لهو حق اليقين } أي ~~إن هذا الخبر لهو حق اليقين، الذي لا مرية فيه ولا محيد لأحد عنه، { ~~فسبح باسم ربك العظيم }. قال الإمام أحمد، عن عقبة بن ~~عامر الجهني قال: # " لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { فسبح باسم ~~ربك العظيم } قال: " اجعلوها في ركوعكم " ، ولما نزلت: { سبح ~~اسم ربك الأعلى } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجعلوها ~~في سجودكم " " # وفي الحديث: # " من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة " # وروى البخاري في آخر " صحيحه " ، عن أبي هريرة قال، قال رسول الله: # " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: ~~سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ". ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-3] # يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السماوات والأرض، أي من الحيوانات ~~والنباتات، كما قال في الآية الأخرى: # تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا # [الإسراء: 44] وقوله تعالى: { وهو العزيز } أي الذي قد خضع له كل ~~شيء، { الحكيم } في خلقه وأمره وشرعه، { له ملك السموت ~~والأرض يحيي ويميت } أي هو المالك المتصرف في خلقه، فيحيي ~~ويميت، { وهو على ms2393 كل شيء قدير } أي ما شاء كان وما لم يشأ ~~لم يكن، وقوله تعالى: { هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن } وهذه الآية هي المشار إليها في حديث العرباض بن سارية ~~أنها أفضل من ألف آية، روى أبو داود، عن أبي زميل قال: سألت ابن عباس ~~فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به. قال، ~~فقال لي: عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا ~~أتكلم به. قال، فقال لي: أشيء من شك؟ قال، وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، ~~قال: حتى أنزل الله تعالى: # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك # [يونس: 94]، الآية، قال، وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئا فقل: { هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء ~~عليم } ، وقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الآية، وأقوالهم على نحو ~~من بضعة عشر قولا، وقال البخاري، قال يحيى: الظاهر على كل شيء علما، ~~والباطن على كل شيء علما، روى الإمام أحمد، عن أبي هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو عند النوم: " اللهم رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة ~~والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر ~~كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك ~~شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا ~~الدين، وأغننا من الفقر " # وعن عائشة أنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بفراشه، فيفرش له مستقبل ~~القبلة، فإذا أوى إليه توسد كفه اليمنى ثم همس ما يدري ما يقول، فإذا كان ~~في آخر الليل رفع صوته فقال: " اللهم رب السماوات السبع ورب العرش ~~العظيم، إله كل شيء ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، ~~أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول الذي ليس قبلك ~~شيء، ms2394 وأنت الآخر الذي ليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت ~~الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر ". # وروى الترمذي، عن أبي هريرة قال: # " بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذا أتى عليهم سحاب، ~~فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " هل تدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: " هذا العنان، هذه روايا الأرض تسوقه إلى قوم لا ~~يشكرونه ولا يدعونه " ، ثم قال: " هل تدرون ما فوقكم؟ " قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: " فإنها الرفيع سقف محفوظ وموج مكفوف " ، ثم قال: " هل ~~تدرون كم بينكم وبينها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " بينكم وبينها ~~خمسمائة سنة " ، ثم قال: " هل تدرون ما فوق ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله ~~أعلم، قال: " فإن فوق ذلك سماء بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة - حتى عد ~~سبع سماوات - ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض " ، ثم قال: " هل ~~تدرون ما فوق ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإن فوق ذلك العرش ~~وبينه وبين السماء مثل ما بين السماءين " ثم قال: " هل تدرون ما الذي ~~تحتكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإنها الأرض " ، ثم قال: " هل ~~تدرون ما الذي تحت ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإن تحتها ~~أرضا أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع أرضين بين كل ~~أرضين مسيرة خمسمائة سنة " ، ثم قال: " والذي نفس محمد بيده لو أنكم ~~دليتم حبلا إلى الأرض السفلى لهبط على الله " ، ثم قرأ: { هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء ~~عليم } " # وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته ~~وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في ~~كتابه، انتهى كلامه. وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث بسنده، عن الحسن، عن ~~أبي هريرة، # " عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وعنده: " وبعد ما بين الأرضين ~~مسيرة سبعمائة عام " ، وقال: " لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى ~~السابعة لهبط على الله ms2395 " ، ثم قرأ: { هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } " # ، وقال ابن جرير عند قوله تعالى: # ومن الأرض مثلهن # [الطلاق: 12] عن قتادة قال: التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض، ~~فقال بعضهم لبعض: من أين جئت؟ قال أحدهم: أرسلني ربي عز وجل من السماء ~~السابعة وتركته ثم، قال الآخر: أرسلني ربي عز وجل من الأرض السابعة ~~وتركته ثم، قال الآخر: أرسلني ربي من المشرق وتركته ثم، قال الآخر: ~~أرسلني ربي من المغرب وتركته ثم. ### || [57.4-6] # يخبر تعالى عن خلقه السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم أخبر ~~تعالى باستوائه على العرش بعد خلقهن، وقد تقدم الكلام على هذه الآية ~~وأشباهها في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته ههنا، وقوله تعالى: { ~~يعلم ما يلج في الأرض } أي يعلم عدد ما يدخل فيها من حب ~~وقطر، { وما يخرج منها } من نبات وزرع وثمار، كما قال تعالى: # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين # [الأنعام: 59]، وقوله تعالى: { وما ينزل من السمآء } أي من ~~الأمطار، والثلوج والبرد والأقدار، والأحكام مع الملائكة الكرام، وقوله ~~تعالى: { وما يعرج فيها } أي من الملائكة والأعمال، كما جاء في ~~الصحيح: # " يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل " # ، وقوله تعالى: { وهو معكم أين ما كنتم والله بما ~~تعملون بصير } أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم، حيث كنتم وأين ~~كنتم من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في ~~علمه على السواء، فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم، كما قال ~~تعالى: # ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه عليم بذات الصدور # [هود: 5]، وقال تعالى: # سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن ~~هو مستخف باليل وسارب بالنهار # [الرعد: 10]، فلا إله غيره ولا رب سواه، وقد ثبت في الصحيح # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل لما سأله عن الإحسان: " ~~أن تعبد ms2396 الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " " # ، وفي الحديث، # " قال رجل: يا رسول الله ما تزكية المرء نفسه؟ فقال: " يعلم أن الله معه ~~حيث كان " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت " # وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ينشد هذين البيتين: # إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل # خلوت ولكن قل علي رقيب # ولا تحسبن الله يغفل ساعة # ولا أن ما تخفي عليه يغيب # وقوله تعالى: { له ملك السموت والأرض وإلى الله ~~ترجع الأمور } ، أي هو المالك للدنيا والآخرة كما قال تعالى: # وإن لنا للآخرة والأولى # [الليل: 13] وهو المحمود على ذلك، كما قال تعالى: # وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى ~~والآخرة # [القصص: 70]، وقال تعالى: # الحمد لله الذي له ما في السموت وما في ~~الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير # [سبأ: 1]، فجميع ما في السماوات والأرض ملك له، وأهلهما عبيد أرقاء ~~أذلاء بين يديه، كما قال تعالى: # إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93]، ولهذا قال: { وإلى الله ترجع الأمور } أي إليه ~~المرجع يوم القيامة فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور ولا ~~يظلم مثقال ذرة، كما قال تعالى: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء: 47]، وقوله تعالى: { يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل } أي هو المتصرف في الخلق، يقلب ~~الليل والنهار ويقدرهما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل ويقصر النهار، ~~وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين، وتارة يكون الفصل شتاء ثم ربيعا ~~ثم قيظا ثم خريفا، وكل ذلك بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه { وهو ~~عليم بذات الصدور } أي يعلم السرائر وإن دقت أو خفيت. ### || [57.7-11] # أمر تبارك وتعالى بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل، وحث على ~~الأنفاق { مما جعلكم مستخلفين فيه } أي مما هو معكم على ~~سبيل العارية، فإنه قد ms2397 كان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، فأرشد تعالى ~~إلى استعمال ما استخلفهم فيه من المال في طاعته، وقوله تعالى: { مما ~~جعلكم مستخلفين فيه } فيه إشارة إلى أنه سيكون مخلفا عنك، ~~فلعل وارثك أن يطيع الله فيه فيكون أسعد بما أنعم الله به عليك منك، أو ~~يعصى الله فيه فتكون قد سعيت في معاونته على الإثم والعدوان. روى مسلم، ~~عن عبد الله بن الشخير قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وهو يقول: # " ألهاكم التكاثر، يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما ~~أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت؟ أو تصدقت فأمضيت؟ وما سوى ذلك فذاهب وتاركه ~~للناس " # وقوله تعالى: { فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم ~~أجر كبير } ترغيب في الإيمان والإنفاق في الطاعة، ثم قال تعالى: { ~~وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم ~~لتؤمنوا بربكم } أي: وأي شيء يمنعكم من الإيمان، والرسول ~~بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم ~~به، وقد روينا في الحديث # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه: " أي المؤمنين ~~أعجب إليكم إيمانا؟ " قالوا: الملائكة، قال: " وما لهم لا يؤمنون وهم ~~عند ربهم؟ " قالوا: فالأنبياء، قال: " وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل ~~عليهم؟ " قالوا: فنحن، قال: " ومالكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن ~~أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها " # وقوله تعالى: { وقد أخذ ميثاقكم } كما قال تعالى: # واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي ~~واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا # [المائدة: 7] ويعني بذلك بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: ~~{ هو الذي ينزل على عبده آيات بينات } أي حججا ~~واضحات ودلائل باهرات وبراهين قاطعات، { ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور } أي من ظلمات الجهل والكفر، إلى نور الهدى ~~والإيمان، { وإن الله بكم لرءوف رحيم } أي في إنزاله ~~الكتب وإرساله الرسل لهداية الناس، ولما أمرهم أولا بالإيمان والإنفاق، ~~ثم حثهم على الإيمان، حثهم أيضا على الإنفاق، فقال: { وما لكم ms2398 ~~ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموت ~~والأرض }؟ أي أنفقوا ولا تخشوا فقرا وإقلالا، فإن الذي أنفقتم في ~~سبيله هو مالك السماوات والأرض، وهو القائل: # ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير ~~الرازقين # [سبأ: 39]، # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96]، فمن توكل على الله أنفق وعلم أن الله سيخلفه عليه، وقوله ~~تعالى: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ~~وقاتل } أي لا يستوي هذا ومن لم يفعل كفعله، وذلك أنه قبل فتح مكة ~~كان الحال شديدا، فلم يكن يؤمن حينئذ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح ~~فإنه ظهر الإسلام ظهورا عظيما، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ولهذا ~~قال تعالى: { أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا ~~من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى } ، ~~والجمهور على أن المراد بالفتح ههنا (فتح مكة)، وعن الشعبي: أن المراد ~~(صلح الحديبية). # وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد، عن أنس قال: # " كان بين (خالد بن الوليد) وبين (عبد الرحمن بن عوف) كلام، فقال خالد ~~لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغنا أن ذلك ذكر ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " ادعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو ~~أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهبا ما بلغتم أعمالهم " # ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد كان بين صلح الحديبية وفتح مكة. وعن ~~أبي سعيد الخدري # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يوشك أن يأتي قوم تحقرون ~~أعمالكم مع أعمالهم " ، قلنا: من هم يا رسول الله، قريش؟ قال: لا، ولكن ~~أهل اليمن لأنهم أرق أفئدة وألين قلوبا " ، وأشار بيده إلى اليمن فقال: ~~" هم أهل اليمن، ألا إن الإيمان يمان والحكمة يمانية " ، فقلنا: يا رسول ~~الله هم خير منا؟ قال: " والذي نفسي بيده لو كان لأحدهم جبل من ذهب ينفقه ~~ما أدى مد أحدكم ولا نصيفه " ، ثم جمع أصابعه ومد خنصره وقال: " ألا إن ~~هذا فضل ما بيننا وبين الناس { لا يستوي منكم من أنفق من ~~قبل الفتح وقاتل أولئك ms2399 أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله ~~الحسنى والله بما تعملون خبير } " # وقوله تعالى: { وكلا وعد الله الحسنى } يعني المنفقين ~~قبل الفتح وبعده كلهم لهم ثواب على ما عملوا، وإن كان بينهم تفاوت في ~~تفاضل الجزاء، كما قال تعالى: # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم # [النساء: 95] الآية، وهكذا الحديث الذي في الصحيح: # " المؤمن القوي خير، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير " # فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه، مع تفضيل الأول عليه، ولهذا قال ~~تعالى: { والله بما تعملون خبير } أي فلخبرته فاوت بين ~~ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذاك إلا ~~لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق، وفي ~~الحديث: # " سبق درهم مائة ألف " # ولا شك أن الصديق أبا بكر رضي الله عنه له الحظ الأوفر من هذه الآية، ~~فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله عز وجل، ولم يكن لأحد عنده نعمة ~~يجزيه بها. # وقوله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ~~قال عمر بن الخطاب: هو الإنفاق في سبيل الله، وقيل: هو النفقة على ~~العيال، والصحيح أنه أعم من ذلك، فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة، ~~وعزيمة صادقة دخل في عموم هذه الآية، ولهذا قال تعالى: { من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له } ، كما ~~قال في الآية الأخرى # أضعافا كثيرة # [البقرة: 245] { وله أجر كريم } أي جزاء جميل ورزق باهر وهو ~~الجنة يوم القيامة. عن عبد الله بن مسعود قال: # " لما نزلت هذه الآية { من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا فيضاعفه له } قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، ~~وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: " نعم يا أبا الدحداح " ، قال: أرني يدك ~~يا رسول الله، قال، فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله حائط ~~فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، قال، فجاء أبو الدحداح، ~~فناداها: ms2400 يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل ~~" # وفي رواية # " أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح " # ، ونقلت منه متاعها وصبيانها، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح ". ### || [57.12-15] # يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين المتصدقين، أنهم يوم القيامة يسعى نورهم ~~بين أيديهم بحسب أعمالهم، كما قال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: { ~~يسعى نورهم بين أيديهم } قال: على قدر أعمالهم يمرون على ~~الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من ~~نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ ~~مرة، وقال الضحاك: ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى ~~الصراط طفىء نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم ~~كما طفىء نور المنافقين، فقالوا: ربنا أتمم لنا نورنا، وقال الحسن { ~~يسعى نورهم بين أيديهم }: يعني على الصراط. وقد روى ابن ~~أبي حاتم، عن أبي الدرداء، # " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أنا أول من يؤذن له يوم القيامة ~~بالسجود، وأول من يؤذن له برفع رأسه فأنظر من بين يدي ومن خلفي وعن يميني ~~وعن شمالي، فأعرف أمتي من بين الأمم " ، فقال له رجل: يا نبي الله كيف ~~تعرف أمتك من بين الأمم؟ فقال: " أعرفهم، محجلون من أثر الوضوء، ولا ~~يكون لأحد من الأمم غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم ~~بسيماهم في وجوههم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم " " # وقوله: { وبأيمانهم } ، قال الضحاك: أي وبأيمانهم كتبهم كما قال ~~تعالى: # فمن أوتي كتابه بيمينه # [الإسراء: 71]، وقوله: { بشراكم اليوم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار } ، أي يقال لهم: بشراكم اليوم جنات، أي لكم ~~البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار، { خالدين فيها } أي ماكثين ~~فيها أبدا { ذلك هو الفوز العظيم }. وقوله { يوم ~~يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم } وهذا إخبار منه تعالى عما يقع ~~يوم القيامة في العرصات من الأهوال المزعجة، والزلازل العظيمة، ms2401 والأمور ~~الفظيعة، وأنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن بالله ورسوله وعمل بما أمر ~~الله به، وترك ما عنه زجر. # روى ابن أبي حاتم، عن سليم بن عامر قال: خرجنا على جنازة في باب دمشق، ~~ومعنا (أبو أمامة الباهلي) فلما صلي على الجنازة، وأخذوا في دفنها، قال ~~أبو أمامة: أيها الناس، إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه ~~الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر. وهو هذا - يشير ~~إلى القبر - بيت الوحدة، وبيت الظلمة، وبيت الدود، وبيت الضيق، إلا ما ~~وسع الله، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم في بعض تلك ~~المواطن حتى يغشى الناس أمر من الله، فتبيض وجوه، وتسود وجوه، ثم ~~تنتقلون منه إلى منزل آخر، فيغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى ~~المؤمن نورا، ويترك الكافر والمنافق، فلا يعطيان شيئا، وهو المثل الذي ~~ضربه الله تعالى في كتابه فقال: # أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه ~~موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذآ ~~أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور # [النور: 40] فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن، كما لا يستضيء ~~الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: { ~~انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم ~~فالتمسوا نورا } ، وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث ~~قال: # يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142]، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا ~~فينصرفون إليهم، وقد ضرب بينهم بسور له باب { باطنه فيه ~~الرحمة وظاهره من قبله العذاب } الآية، يقول سليم بن ~~عامر: فما يزال المنافق مغترا حتى يقسم النور، ويميز الله بين المنافق ~~والمؤمن، وقال ابن عباس: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نورا، فلما ~~رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلا من الله إلى الجنة، ~~فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم، فأظلم الله على ~~المنافقين، فقالوا حينئذ: { انظرونا نقتبس من نوركم } ~~فإنا كنا معكم في الدنيا ms2402 قال المؤمنون { ارجعوا ورآءكم } من حيث ~~جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور، وروى الطبراني عن ابن أبي مليكة عن ~~ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم سترا منه على عباده، ~~وأما عند الصراط، فإن الله تعالى يعطي كل مؤمن نورا وكل منافق نورا، ~~فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال ~~المنافقون: انظرونا نقتبس من نوركم، وقال المؤمنون: ربنا أتمم لنا نورنا ~~فلا يذكر عند ذلك أحد أحدا ". # وقوله تعالى: { فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه ~~الرحمة وظاهره من قبله العذاب } قال الحسن وقتادة: هو ~~حائط بين الجنة والنار، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو الذي قال الله ~~تعالى: # وبينهما حجاب # [الأعراف: 46]، وهكذا روي عن مجاهد وهو الصحيح { باطنه فيه ~~الرحمة } أي الجنة وما فيها { وظاهره من قبله العذاب ~~} أي النار، والمراد بذلك سور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين ~~والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا ~~دخولهم أغلق الباب، وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب، ~~كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وشك وحيرة، { ينادونهم ألم ~~نكن معكم } أي ينادي المنافقون المؤمنين: أما كنا معكم في الدار ~~الدنيا نشهد معكم الجمعات؟ ونصلي معكم الجماعات؟ ونقف معكم بعرفات؟ ونحضر ~~معكم الغزوات؟ ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ قالوا: بلى، أي فأجاب المؤمنون ~~المنافقين قائلين: بلى قد كنتم معنا { ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني } ~~، قال بعض السلف: أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات { ~~وتربصتم } أي أخرتم التوبة من وقت إلى وقت، وقال قتادة: { ~~وتربصتم } بالحق وأهله، { وارتبتم } أي بالبعث بعد الموت، ~~{ وغرتكم الأماني } أي قلتم: سيغفر لنا، وقبل غرتكم الدنيا { ~~حتى جآء أمر الله } أي ما زلتم في هذا حتى جاءكم الموت، { ~~وغركم بالله الغرور } أي الشيطان، وقال قتادة: كانوا على ~~خدعة من الشيطان والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار، ومعنى ~~هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين: إنكم كنتم معنا ms2403 أي بأبدان لا نية لها ~~ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك فكنتم تراءون الناس ولا تذكرون ~~الله إلا قليلا، وهذا القول من المؤمنين لا ينافي قولهم الذي أخبر الله ~~تعالى به عنهم حيث يقول: # كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين * ~~في جنات يتسآءلون * عن المجرمين * ما سلككم في ~~سقر # [المدثر: 38-42] فهذا إنما خرج منهم على وجه التقريع لهم والتوبيخ، ثم ~~قال تعالى: { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من ~~الذين كفروا } أي لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهبا ومثله معه ~~ليفتدي به من عذاب الله ما قبل منه. وقوله تعالى: { مأواكم النار ~~} أي هي مصيركم وإليها منقلبكم، وقوله تعالى: { هي مولاكم } أي هي ~~أولى بكم من كل منزل، على كفركم وارتيابكم وبئس المصير. ### || [57.16-17] # يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي تلين عند ~~الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه، قال ابن ~~عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول ~~القرآن، فقال: { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله } الآية. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ~~ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: { ألم يأن ~~للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } الآية ~~إلا أربع سنين، وقوله تعالى: { ولا يكونوا كالذين أوتوا ~~الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ~~} نهى الله تعالى المؤمنين، أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم، من ~~اليهود والنصارى لما تطاول عليهم الأمد، بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، ~~واشتروا به ثمنا قليلا، ونبذوه وراء ظهورهم، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين ~~قلوبهم بوعد ولا وعيد، { وكثير منهم فاسقون } أي في ~~الأعمال، فقلوبهم فاسدة وأعمالهم باطلة، كما قال تعالى: # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم ~~قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه # [المائدة: 13] أي فسدت قلوبهم فقست، وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن ~~مواضعه، ms2404 وتركوا الأعمال التي أمروا بها، وارتكبوا ما نهوا عنه، ولهذا نهى ~~الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصيلة والفرعية. # روى أبو جعفر الطبري، عن ابن مسعود قال: " إن بني إسرائيل لما طال عليهم ~~الأمد وقست قلوبهم، واخترعوا كتابا من بين أيديهم وأرجلهم استهوته ~~قلوبهم واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب، فمن ~~آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه، قال: فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن، ~~ثم جعل القرن بيد ثندوتيه فلما قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال: آمنت به ويومىء ~~إلى القرن بين ثندوتيه، ومالي لا أؤمن بهذا الكتاب؟ فمن خير مللهم اليوم ~~ملة صاحب القرن ". وقوله تعالى: { اعلموا أن الله يحيي ~~الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم ~~تعقلون } فيه إشارة إلى أن الله يلين القلوب بعد قسوتها ويهدي ~~الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة ~~المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين ~~القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها ~~الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، ~~الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكيم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير ~~الكبير المتعال. ### || [57.18-19] # يخبر الله تعالى عما يثيب به { المصدقين والمصدقات } ~~بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة { وأقرضوا الله ~~قرضا حسنا } أي دفعوه بنية خالصة ابتغاء مرضاة الله، لا يريدون ~~جزاء ممن أعطوه ولا شكورا، ولهذا قال: { يضاعف لهم } أي يقابل ~~لهم الحسنة بعشرة أمثالها، ويزاد إلى سبعمائة ضعف وفوق ذلك، { ولهم ~~أجر كريم } أي ثواب جزيل ومآب كريم، وقوله تعالى: { والذين ~~آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } هذا ~~تمام الجملة، وصف المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون، قال ابن عباس: { ~~أولئك هم الصديقون } هذه مفصولة، { والشهدآء عند ~~ربهم لهم أجرهم ونورهم } ، وقال أبو الضحى { ~~أولئك هم الصديقون }. ثم استأنف الكلام، فقال: { ~~والشهدآء عند ربهم } ، عن ابن مسعود قال: هم ثلاثة أصناف ~~يعني: (المصدقين، والصديقين، والشهداء) ms2405 كما قال تعالى: # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهدآء والصالحين # [النساء: 69] ففرق بين الصديقين والشهداء، فدل على أنهما صنفان، ولا شك ~~أن الصديق أعلى مقاما من الشهيد، كما روى الإمام مالك، عن أبي سعيد ~~الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري ~~الغابر في الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم " قال: يا رسول ~~الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده ~~رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " # وقال آخرون: بل المراد من قوله تعالى: { أولئك هم ~~الصديقون والشهدآء عند ربهم } فأخبر عن المؤمنين ~~بالله ورسوله بأنهم صديقون وشهداء، وقوله تعالى: { والشهدآء عند ~~ربهم } أي في جنات النعيم كما جاء في " الصحيحين ": # " إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت " # الحديث. وقوله تعالى: { لهم أجرهم ونورهم } أي لهم عند ~~الله أجر جزيل، ونور عظيم يسعى بين أيديهم، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما ~~كانوا في الدار الدنيا من الأعمال، كما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " " الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان، لقي العدو فصدق الله فقتل، ~~فذاك الذي ينظر الناس إليه هكذا " ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقلنسوة عمر، والثاني مؤمن لقي العدو فكأنما يضرب ~~ظهره بشوك الطلح جاءه سهم غرب فقتله فذاك في الدرجة الثانية، والثالث رجل ~~مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك في ~~الدرجة الثالثة، والرابع رجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافا كثيرا لقي ~~العدو فصدق الله حتى قتل فذاك في الدرجة الرابعة " # وقوله تعالى: { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ ~~أولئك أصحاب الجحيم } لما ذكر السعداء ومآلهم، عطف بذكر ~~الأشقياء وبين حالهم. ### || [57.20-21] # يقول تعالى موهنا أمر الحياة الدنيا ومحقرا لها: { أنما ~~الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم ~~وتكاثر في الأموال والأولاد } أي إنما ms2406 حاصل أمرها عند ~~أهلها هذا، كما قال تعالى: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع ~~الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب # [آل عمران: 14]، ثم ضرب تعالى مثل الحياة الدنيا في أنها زهرة فانية ~~ونعمة زائلة فقال: { كمثل غيث } وهو المطر الذي يأتي بعد قنوط ~~الناس، كما قال تعالى: # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا # [الشورى: 28]، وقوله تعالى: { أعجب الكفار نباته } أي يعجب ~~الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث، وكما يعجب الزراع ذلك، كذلك تعجب ~~الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها، { ثم ~~يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما } أي يهيج ذلك ~~الزرع فتراه مصفرا بعد ما كان خضرا نضرا، ثم يكون بعد ذلك كله حطاما، ~~أي يصير يبسا متحطما، هكذا الحياة الدنيا، تكون أولا شابة، ثم تكتهل، ~~ثم تكون عجوزا شوهاء، والإنسان يكون كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه ~~غضا طريا لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم يكبر فيصير شيخا كبيرا ضعيف ~~القوى، كما قال تعالى: # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة # [الروم: 54]، ولما كان هذا المثل دالا على زوال الدنيا وانقضائها ~~وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حذر من أمرها ورغب فيما ~~فيها من الخير، فقال: { وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة ~~من الله ورضوان } أي وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا عذاب ~~شديد، أو مغفرة من الله ورضوان، وقوله تعالى: { وما الحياة ~~الدنيآ إلا متاع الغرور } أي هي متاع فان، يغتر بها من ~~يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى ~~الدار الآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرأوا: { وما ~~الحياة الدنيآ إلا متاع الغرور } ". # وروى الإمام أحمد، عن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه سلم: # " للجنة أقرب إلى أحدكم ms2407 من شراك نعله والنار مثل ذلك " # ففي هذا الحديث دليل على اقتراب الخير والشر من الإنسان، فلهذا حثه الله ~~تعالى على المبادرة إلى الخيرات فقال الله تعالى: { سابقوا إلى ~~مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السمآء ~~والأرض } والمراد جنس السماء والأرض كما قال تعالى في الآية ~~الأخرى: # وجنة عرضها السموت والأرض أعدت للمتقين # [آل عمران: 133]، وقال ههنا: { أعدت للذين آمنوا ~~بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء ~~والله ذو الفضل العظيم } ، أي هذا الذي أهلهم الله له هو من ~~فضله عليهم، وإحسانه إليهم، كما قدمنا في الصحيح: # " أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، ~~بالدرجات العلى والنعيم المقيم، قال: " وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما ~~نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق قال: " ~~أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم ~~إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا ~~وثلاثين " ، قال، فرجعوا فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ~~ففعلوا مثله، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: " ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء " ". ### || [57.22-24] # يخبر تعالى عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأ البرية فقال: { مآ ~~أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم } أي في ~~الآفاق وفي نفوسكم، { إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ } ~~أي من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة، وقال بعضهم: الضمير عائد على ~~النفوس، وقيل عائد على المصيبة، والأحسن عوده على الخليقة والبرية لدلالة ~~الكلام عليها، كما روي عن منصور بن عبد الرحمن قال: كنت جالسا مع الحسن ~~فقال رجل: سله عن قوله تعالى: { مآ أصاب من مصيبة في الأرض ~~ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ ~~} ، فسألته عنها، فقال: سبحان الله، ومن يشك في هذا؟ كل مصيبة بين السماء ~~والأرض ففي كتاب الله من قبل أن يبرأ النسمة، وقال قتادة { مآ أصاب ~~من مصيبة في الأرض } قال: هي السنون يعني ms2408 الجدب { ولا في ~~أنفسكم } يقول: الأوجاع والأمراض، قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه ~~خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلخال عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر. ~~وهذه الآية الكريمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق - قبحهم ~~الله -. روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " # ، وزاد ابن وهب: # وكان عرشه على المآء # [هود: 7]، وقوله تعالى: { إن ذلك على الله يسير } أي أن ~~علمه تعالى الأشياء قبل كونها سهل عليه عز وجل، لأنه يعلم ما كان وما ~~يكون، وقوله تعالى: { لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا ~~تفرحوا بمآ آتاكم } أي أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا ~~للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها لتعلموا أن ما أصابكم ~~لم يكن ليخطئكم وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تيأسوا على ما فاتكم { ~~ولا تفرحوا بمآ آتاكم } أي لا تفخروا على الناس بما أنعم ~~الله به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا بكدكم، وإنما هو عن قدر الله ~~ورزقه لكم، فلا تتخذوا نعم الله أشرا وبطرا تفخرون بها على الناس، ~~ولهذا قال تعالى: { والله لا يحب كل مختال فخور } أي ~~مختال في نفسه متكبر فخور، أي على غيره، وقال عكرمة: " ليس أحد إلا وهو ~~يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا " ، ثم قال تعالى: { ~~الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } أي يفعلون ~~المنكر ويحضون الناس عليه، { ومن يتول } أي عن أمر الله وطاعته { ~~فإن الله هو الغني الحميد } ، كما قال: # إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله ~~لغني حميد # [إبراهيم: 8]. ### || [57.25] # يقول تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } أي ~~بالمعجزات، والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات { وأنزلنا معهم ~~الكتاب } وهو النقل الصدق { والميزان } وهو العدل الذي تشهد به ~~العقول الصحيحة المستقيمة، المخالفة للآراء السقيمة كما قال تعالى: # أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد ~~منه # [هود: 17]، وقال تعالى: # فطرت الله التي ms2409 فطر الناس عليها # [الروم: 30]، وقال تعالى: # والسمآء رفعها ووضع الميزان # [الرحمن: 7]، ولهذا قال في هذه الآية: { ليقوم الناس ~~بالقسط } أي بالحق والعدل، وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به، وطاعتهم ~~فيما أمروا به، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوأوا غرف الجنات، والمنازل ~~العاليات، # الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي ~~لولا أن هدانا الله لقد جآءت رسل ربنا ~~بالحق # [الأعراف: 43]، وقوله تعالى: { وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد } أي وجعلنا الحديد رادعا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة ~~عليه، ولهذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة ثلاث ~~عشرة سنة توحى إليه السور المكية وكلها جدال مع المشركين، وبيان إيضاح ~~للتوحيد، وبينات ودلالات، فلما قامت الحجة على من خالف، شرع الله الهجرة، ~~وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب، وقد روى الإمام أحمد، عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي ~~تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو ~~منهم " # ولهذا قال تعالى: { فيه بأس شديد } يعني السلاح كالسيوف والحراب ~~والسنان ونحوها { ومنافع للناس } أي في معايشهم كالسكة والفأس ~~والمنشار والآلات التي يستعان بها في الحراثة والحياكة والطبخ وغير ذلك، ~~قال ابن عباس: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم: السندان، والكلبتان، والميقعة ~~يعني المطرقة، وقوله تعالى: { وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب } أي من نيته في حمل السلاح نصرة الله ورسوله { ~~إن الله قوي عزيز } أي هو قوي عزيز ينصر من نصره من غير ~~احتياج منه إلى الناس، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض. ### || [57.26-27] # يخبر تعالى أنه منذ بعث نوحا عليه السلام، لم يرسل بعده رسولا ولا ~~نبيا إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، لم يرسل ~~رسولا إلا وهو من سلالته، كما قال تعالى في الآية الأخرى: # وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب # [العنكبوت: 27] حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل: # عيسى ابن مريم # [البقرة: 87] الذي ms2410 بشر من بعده بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولهذا ~~قال تعالى: { ثم قفينا على آثارهم برسلنا ~~وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل } وهو ~~الكتاب الذي أوحاه الله إليه، { وجعلنا في قلوب الذين ~~اتبعوه } وهم الحواريون { رأفة } أي رقة وهي الخشية { ~~ورحمة } بالخلق، وقوله: { ورهبانية ابتدعوها } أي ~~ابتدعها أمة النصارى، { ما كتبناها عليهم } أي ما شرعناها ~~وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم، وقوله تعالى: { إلا ابتغآء ~~رضوان الله } فيه قولان (أحدهما): أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، ~~قاله سعيد بن جبير وقتادة، (والآخر): ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا ~~عليهم ابتغاء رضوان الله، وقوله تعالى: { فما رعوها حق ~~رعايتها } أي فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من ~~وجهين: (أحدهما): الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله، (والثاني): ~~في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل. ~~وقد روى ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " " يا ابن مسعود " قلت: لبيك يا رسول الله، قال: " هل علمت أن بني ~~إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت ~~بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم عليه السلام، فدعت إلى دين الله ~~ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة ~~أخرى لم تكن لها قوة بالقتال فقامت بين الملوك والجبابرة، فدعوا إلى ~~دين الله ودين عيسى ابن مريم فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران فصبرت ~~ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة ولم تطق القيام بالقسط فلحقت ~~بالجبال فتعبدت وترهبت وهم الذين ذكر الله تعالى: { ورهبانية ~~ابتدعوها ما كتبناها عليهم } " # وروى الإمام أحمد، عن إياس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله عز وجل " # وفي رواية: # " لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله " # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه # " أن رجلا جاءه ms2411 فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من قبلك، أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء، وعليك ~~بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك ~~في السماء وذكرك في الأرض ". ### || [57.28-29] # عن أبي موسى الأشعري قال، # " قال رسول الله صلى الله عليه سلم: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من ~~أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق ~~مواليه فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها ~~فله أجران " # وقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل ~~الله تعالى عليه هذه الآية في حق هذه الأمة: { يأيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم ~~كفلين } أي ضعفين { من رحمته } ، وزادهم { ويجعل لكم ~~نورا تمشون به } يعني هدى يتبصر به من العمى والجهالة { ~~ويغفر لكم } ففضلهم بالنور والمغفرة. وهذه الآية كقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر ~~لكم والله ذو الفضل العظيم # [الأنفال: 29]، ومما يؤيد هذا القول ما رواه الإمام أحمد، عن ابن عمر ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا فقال: من يعمل لي ~~من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ألا فعملت اليهود، ثم ~~قال: من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا ~~فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على ~~قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين عملتم، فغضبت النصارى واليهود، وقالوا: ~~نحن أكثر عملا وأقل عطاء، قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئا؟ قالوا: لا، ~~قال: فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء " # وروى البخاري، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استعمل قوما يعملون له ~~عملا، يوما إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: ~~لا حاجة ms2412 لنا في أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا ~~أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين ~~بعدهم، فقال: أكملوا يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا ~~كان حين صلوا العصر، قالوا: ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، ~~فقال: أكملوا بقية عملكم، فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا، فاستأجر ~~قوما أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس ~~فاستكملوا أجرة الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور ~~" # ولهذا قال تعالى: { لئلا يعلم أهل الكتاب ألا ~~يقدرون على شيء من فضل الله } أي ليتحققوا أنهم لا ~~يقدرون على رد ما أعطاه الله ولا إعطاء ما منع الله، { وأن الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل ~~العظيم }. قال ابن جرير: { لئلا يعلم أهل الكتاب } ~~أي ليعلم، وعن ابن مسعود أنه قرأها: لكي يعلم لأن العرب تجعل (لا) صلة في ~~كل كلام دخل في أوله أو آخره جحد غير مصرح، فالسابق كقوله: # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12]، # وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون # [الأنعام: 109]. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1] # عن عائشة قالت: # " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم تكلمه. وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ~~عز وجل: { قد سمع الله قول التي تجادلك في ~~زوجها } " # إلى آخر الآية وفي رواية عنها أنها قالت: # " تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام (خولة بنت ثعلبة) ويخفى ~~علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ~~تقول: يا رسول الله أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت ~~سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل ~~جبريل بهذه الآية: { قد سمع الله قول التي تجادلك في ~~زوجها } ، قالت: وزوجها أوس بن الصامت " # وروى ابن أبي حاتم عن أبي ms2413 يزيد قال: " لقيت امرأة عمر يقال لها (خولة ~~بنت ثعلبة) وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها ودنا منها وأصغى ~~إليها رأسه ووضع يديه على منكبيها، حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: ~~يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز، قال: ويحك وتدري من ~~هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه ~~خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها حتى ~~تقضي حاجتها، إلا أن تحضر صلاة فأصليها، ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها ~~". وعن عامر قال: المرأة التي جادلت في زوجها خولة امرأة (أوس بن الصامت) ~~وأمها معاذة. ### || [58.2-4] # روى الإمام أحمد، عن خولة بنت ثعلبة، قالت: # " في والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة قالت: كنت ~~عنده، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، قالت: فدخل علي يوما فراجعته ~~بشيء فغضب، فقال: أنت علي كظهر أمي؛ قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ~~ساعة، ثم دخل علي، فإذا هو يريدني عن نفسي، قالت، قلت: كلا والذي نفس ~~خويلة بيده لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا ~~بحكمه، قالت: فواثبني فامتنعت بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته ~~عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابا، ثم خرجت حتى جئت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه ~~وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول؛ " يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه " قالت: ~~فوالله ما برحت، حتى نزل في قرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما كان يتغشاه، ثم سري عنه فقال لي: " يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي ~~صاحبك قرآنا " ثم قرأ علي { قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله ~~يسمع تحاوركمآ إن الله سميع بصير } إلى قوله تعالى: ms2414 ~~{ وللكافرين عذاب أليم } قالت، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه سلم: " مريه فليعتق رقبة " قالت، فقلت: يا رسول الله ما عنده ما ~~يعتق، قال: " فليصم شهرين متتابعين " ، قالت: فقلت: والله إنه لشيخ كبير ~~ما به من صيام، قال: " فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر " ، قالت، فقلت: ~~والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " فإنا سنعينه بفرق من تمر " ، قالت، فقلت: يا رسول الله وأنا ~~سأعينه بفرق آخر، قال: " قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه ثم استوصي ~~بابن عمك خيرا ". قالت: ففعلت " # هذا هو الصحيح في سبب نزول هذه السورة؛ قال ابن عباس: # " أول من ظاهر من امرأته (أوس بن الصامت) أخو عبادة بن الصامت وامرأته ~~(خولة بنت ثعلبة بن مالك) فلما ظاهر منها خشيت أن يكون ذلك طلاقا، فأتت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أوسا ظاهر ~~مني، وإنا إن افترقنا هلكنا. وقد نثرت بطني منه وقدمت صحبته، وهي تشكو ~~ذلك وتبكي، ولم يكن جاء في ذلك شيء، فأنزل الله تعالى: { قد سمع ~~الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى ~~الله } إلى قوله تعالى: { وللكافرين عذاب أليم } فدعاه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أتقدر على رقبة تعتقها "؟ قال: لا ~~والله يا رسول الله ما أقدر عليها، قال، فجمع له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أعتق عتقه، ثم راجع أهله ". # وقوله تعالى: { الذين يظاهرون منكم من نسآئهم } أصل ~~الظهار مشتق من الظهر، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا ظاهر أحدهم من امرأته ~~قال لها: أنت علي كظهر أمي، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقا فأرخص ~~الله لهذه الأمة وجعل فيه كفارة ولم يجعله طلاقا كما كانوا يعتمدونه ~~في جاهليتهم. هكذا قال غير واحد من السلف، وقال سعيد بن جبير: كان ~~الإيلاء والظهار من طلاق الجاهلية فوقت الله الإيلاء أربعة أشهر، وجعل ~~في الظهار الكفارة، وقوله تعالى: { ما هن أمهاتهم إن ~~أمهاتهم إلا اللائي ms2415 ولدنهم } أي لا تصير المرأة بقول ~~الرجل أنت علي كأمي، أو مثل أمي، أو كظهر أمي وما أشبه ذلك، لا تصير ~~أمه بذلك إنما أمه التي ولدته، ولهذا قال تعالى: { وإنهم ~~ليقولون منكرا من القول وزورا } أي كلاما فاحشا ~~باطلا، { وإن الله لعفو غفور } أي عما كان منكم في حال ~~الجاهلية، وهكذا أيضا عما خرج من سبق اللسان ولم يقصد إليه المتكلم، كما ~~روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول لامرأته: يا أختي، ~~فقال: " أختك هي؟ " " # فهذا إنكار، ولكن لم يحرمها عليه بمجرد ذلك لأنه لم يقصده، ولو قصده ~~لحرمت عليه، لأنه لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها من سائر ~~المحارم من أخت وعمة وخالة وما أشبه ذلك. # وقوله تعالى: { والذين يظاهرون من نسآئهم ثم ~~يعودون لما قالوا } اختلف السلف والأئمة في المراد بقوله تعالى ~~{ ثم يعودون لما قالوا } فقال بعض الناس: العود هو أن يعود ~~إلى لفظ الظهار فيكرره، وهذا القول باطل، وهو اختيار ابن حزم، وقال ~~الشافعي: هو أن يمسكها بعد المظاهرة زمانا يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق، ~~وقال أحمد بن حنبل: هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه فلا تحل له حتى ~~يكفر بهذه الكفارة، وقد حكي عن مالك أنه العزم على الجماع أو الإمساك ~~وعنه أنه الجماع، وقال أبو حنيفة: هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه ورفع ~~ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى ظاهر الرجل من امرأته فقد حرمها تحريما ~~لا يرفعه إلا الكفارة، وعن سعيد بن جبير { ثم يعودون لما ~~قالوا } يعني يريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرموه على أنفسهم. وقال ~~الحسن البصري: يعني الغشيان في الفرج وكان لا يرى بأسا أن يغشى فيما دون ~~الفرج قبل أن يكفر. # وقال ابن عباس: { من قبل أن يتمآسا } والمس النكاح. وقال ~~الزهري: ليس له أن يقبلها ولا يمسها حتى يكفر، وقد روى أهل السنن من حديث ~~عكرمة، عن ابن عباس # " أن رجلا قال: يا رسول الله إني ms2416 ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن ~~أكفر، فقال: " ما حملك على ذلك يرحمك الله؟ " قال: رأيت خلخالها في ضوء ~~القمر، قال: " فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله عز وجل " " # وقوله تعالى: { فتحرير رقبة } أي فإعتاق رقبة كاملة من قبل أن ~~يتماسا، فههنا الرقبة مطلقة غير مقيدة بالإيمان، وفي كفارة القتل مقيدة ~~بالإيمان، فحمل الشافعي رحمه الله ما أطلق ههنا على ما قيد هناك لاتحاد ~~الموجب، وهو عتق الرقبة، وقوله تعالى: { ذلكم توعظون به } أي ~~تزجرون به، { والله بما تعملون خبير } أي خبير بما يصلحكم ~~{ عليم } بأحوالكم، وقوله تعالى: { فمن لم يجد فصيام ~~شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا فمن لم ~~يستطع فإطعام ستين مسكينا } قد تقدمت الأحاديث الآمرة ~~بهذا على الترتيب، كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان ~~{ ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله } أي شرعنا هذا لهذا، ~~وقوله تعالى: { وتلك حدود الله } أي محارمه فلا تنتهكوها. ~~وقوله تعالى: { وللكافرين عذاب أليم } أي الذين لم يؤمنوا ~~ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجون من البلاء، كلا ~~ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم أي في الدنيا والآخرة. ### || [58.5-7] # يخبر تعالى عمن شاقوا الله ورسوله وعاندوا شرعه { كبتوا كما ~~كبت الذين من قبلهم } أي أهينوا ولعنوا وأخزوا كما فعل بمن ~~أشبههم ممن قبلهم، { وقد أنزلنآ آيات بينات } أي واضحات لا ~~يعاندها ولا يخالفها إلا كافر فاجر مكابر، { وللكافرين عذاب ~~مهين } أي في مقابلة ما استكبروا عن اتباع شرع الله. والانقياد له ~~والخضوع لديه، ثم قال تعالى: { يوم يبعثهم الله جميعا } ~~وذلك يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد { ~~فينبئهم بما عملوا } أي فيخبرهم بالذي صنعوا من خير وشر، ~~{ أحصاه الله ونسوه } أي ضبطه الله وحفظه عليهم، وهم قد نسوا ~~ما كانوا عملوا، { والله على كل شيء شهيد } أي لا يغيب ~~عنه شيء ولا يخفى ولا ينسى. ثم قال تعالى مخبرا عن إحاطة علمه بخلقه ~~واطلاعه عليهم وسماعه كلامهم ورؤيته مكانهم حيث كانوا ms2417 وأين كانوا. فقال ~~تعالى: { ألم تر أن الله يعلم ما في السموت ~~وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة } أي من سر ~~ثلاثة { إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ~~ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ~~ما كانوا } ، أي مطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله أيضا ~~مع ذلك تكتب ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه له، كما قال تعالى: # ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم ~~وأن الله علام الغيوب # [التوبة: 78]، وقال تعالى: # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون # [الزخرف: 80]، ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية ~~معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضا مع علمه محيط بهم ~~وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه وتعالى مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم ~~شيء، ثم قال تعالى: { ثم ينبئهم بما عملوا يوم ~~القيامة إن الله بكل شيء عليم } قال الإمام أحمد: ~~افتتح الآية بالعلم واختتمها بالعلم. ### || [58.8-10] # كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة، وكانوا إذا مر ~~بهم الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلسوا يتناجون بينهم، حتى ~~يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره المؤمن، فإذا رأى المؤمن ذلك ~~خشيهم فترك طريقه عليهم، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن النجوى، فلم ~~ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله تعالى: { ألم تر إلى ~~الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا ~~عنه }. وقوله تعالى: { ويتناجون بالإثم والعدوان ~~ومعصيت الرسول } أي يتحدثون فيما بينهم بالإثم وهو ما يختص ~~بهم، { والعدوان } وهو ما يتعلق بغيرهم، ومنه معصية الرسول ~~ومخالفته، يصرون عليها ويتواصون بها، وقوله تعالى: { وإذا جآءوك ~~حيوك بما لم يحيك به الله }. عن عائشة قالت: # " دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود، فقالوا: السام عليك يا ~~أبا القاسم، فقالت عائشة: وعليكم السام، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " يا عائشة إن الله ms2418 لا يحب الفحش ولا التفحش " ، قلت: ألا تسمعهم ~~يقولون: السام عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو سمعت ما ~~أقول وعليكم؟ " ، فأنزل الله تعالى: { وإذا جآءوك حيوك بما ~~لم يحيك به الله } " # وفي رواية في الصحيح # " أنها قالت لهم: عليكم السام والذام واللعنة، وأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " إنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا " " # وروى ابن جرير، عن أنس بن مالك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس مع أصحابه إذ أتى ~~عليهم يهودي، فسلم عليهم فردوا عليه، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ~~" هل تدرون ما قال؟ " قالوا: سلم يا رسول الله، قال: " بل قال: سام عليكم ~~" أي تسامون دينكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ردوه " ، فردوه ~~عليه، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " أقلت سام عليكم؟ " قال: نعم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب ~~فقولوا: عليك " " # ، أي عليك ما قلت. # وقوله تعالى: { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا ~~الله بما نقول } أي يفعلون هذا ويقولون في أنفسهم لو كان هذا ~~نبيا لعذبنا الله بما نقول له في الباطن لأن الله يعلم ما نسره، فلو كان ~~هذا نبيا حقا لأوشك الله أن يعاجلنا بالعقوبة في الدنيا، فقال الله ~~تعالى: { حسبهم جهنم } أي جهنم كفايتهم في الدار الآخرة { ~~يصلونها فبئس المصير } ، عن عبد الله بن عمرو: أن اليهود ~~كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سام عليك، ثم يقولون في ~~أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول؟ فنزلت هذه الآية: { وإذا جآءوك ~~حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في ~~أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم ~~جهنم يصلونها فبئس المصير }. # وقال ابن عباس: كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~حيوه: سام عليك، قال الله تعالى: { حسبهم جهنم يصلونها ~~فبئس المصير } ، ثم قال الله تعالى مؤدبا عباده المؤمنين أن لا ~~يكونوا مثل الكفرة والمنافقين: { يأيها ms2419 الذين آمنوا إذا ~~تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ~~ومعصيت الرسول } أي كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ~~ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين، { وتناجوا بالبر ~~والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون } أي ~~فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي قد أحصاها عليكم وسيجزيكم بها، روى ~~الإمام أحمد عن صفوان بن محرز قال: # " كنت آخذا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل، فقال: كيف سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كتفه ويستره من ~~الناس ويقرره بذنوبه، ويقول له أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب ~~كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أن قد هلك، قال: فإني قد سترتها ~~عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار ~~والمنافقون فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على ~~الظالمين " " # ، ثم قال تعالى: { إنما النجوى من الشيطان ليحزن ~~الذين آمنوا وليس بضآرهم شيئا إلا بإذن ~~الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي إنما ~~النجوى وهي المسارة حيث يتوهم مؤمن بها سوءا، { من الشيطان ~~ليحزن الذين آمنوا } يعني إنما يصدر هذا من المتناجين عن ~~تسويل الشيطان وتزيينه { ليحزن الذين آمنوا } أي ليسوءهم ~~وليس ذلك { بضآرهم شيئا إلا بإذن الله } ومن أحس من ~~ذلك شيئا فليستعذ بالله وليتوكل على الله، فإنه لا يضره شيء بإذن الله، ~~وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي حيث يكون في ذلك تأذ على مؤمن، كما روى ~~ابن مسعود، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه ". ### || [58.11] # يقول تعالى مؤدبا عباده المؤمنين، وآمرا لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض ~~في المجلس: { يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم ~~تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم } ، ~~وذلك أن الجزاء من جنس العمل، كما جاء في الحديث الصحيح: # " من بنى لله مسجدا بنى ms2420 الله له بيتا في الجنة " # ، قال قتادة نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، # " وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا ضنوا بمجالسهم عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فأمرهم الله تعالى أن يفسح بعضهم لبعض، وقال مقاتل ~~بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الجمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين ~~والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ~~ذلك، فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام، فلم يفسح لهم، فشق ذلك على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير ~~أهل بدر: " قم يا فلان وأنت يا فلان " فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين ~~هم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من ~~مجلسه، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجوههم، فقال ~~المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه ~~قبل عدل على هؤلاء، إن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم، ~~فأقامهم، وأجلس من أبطأ عنه، فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " رحم الله رجلا يفسح لأخيه " ، فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا ~~فيفسح القوم لإخوانهم " # ، ونزلت هذه الآية يوم الجمعة. وقد ورد عن ابن عمر # " أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: لا يقم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس ~~فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا " # وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم ~~" # وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال: فمنهم من ~~رخص في ذلك ms2421 محتجا بحديث: # " قوموا إلى سيدكم " # ، ومنهم من منع من ذلك محتجا بحديث: # " من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار " # ، ومنهم من فصل فقال: يجوز عنه القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته ~~كما دل عليه قصة سعد بن معاذ، # " فإنه لما استقدمه النبي صلى الله عليه وسلم حاكما في بني قريظة، فرآه ~~مقبلا قال للمسلمين: " قوموا إلى سيدكم " " # وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه والله أعلم، فأما اتخاذه ديدنا فإنه من ~~شعار العجم، وقد جاء في السنن أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكان إذا جاء لا يقومون له لما يعلمون من كراهته لذلك. # وفي الحديث المروي في السنن # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ولكن ~~حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس؛ فكان الصحابة رضي الله عنهم يجلسون منه ~~على مراتبهم، فالصديق رضي الله عنه يجلسه عن يمينه وعمر عن يساره، وبين ~~يديه غالبا عثمان وعلي لأنهما كانا ممن يكتب الوحي، وكان يأمرهما بذلك ~~" # ، كما روى مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم " # ، وما ذاك إلا ليعقلوا عنه ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه، وفي ~~الحديث الصحيح: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ أقبل ثلاثة نفر، فأما ~~أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فدخل فيها، وأما الآخر فجلس وراء الناس، وأدبر ~~الثالث ذاهبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أنبئكم بخبر ~~الثلاثة؟ أما الأول فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا، ~~فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض، فأعرض الله عنه " " # وروى الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما " # وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري في قوله تعالى: { إذا قيل لكم ~~تفسحوا في ms2422 المجالس فافسحوا يفسح الله لكم } ~~يعني في مجالس الحرب، قالوا: ومعنى قوله: { وإذا قيل انشزوا ~~فانشزوا } أي انهضوا للقتال، وقال قتادة: { وإذا قيل انشزوا ~~فانشزوا } أي إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا، وقال مقاتل: إذا دعيتم إلى ~~الصلاة فارتفعوا إليها، وقوله تعالى: { يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله ~~بما تعملون خبير } أي لا تعتقدوا أنه إذا فسح أحد منكم لأخيه ~~أن ذلك يكون نقصا في حقه، بل هو رفعة ورتبة عند الله، والله تعالى لا ~~يضيع ذلك له، بل يجزيه بها في الدنيا والآخرة، فإن من تواضع لأمر الله ~~رفع الله قدره ونشر ذكره، ولهذا قال تعالى: { يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله ~~بما تعملون خبير } ، أي خبير بمن يستحق ذلك وبمن لا يستحقه، ~~روى الإمام أحمد عن أبي الطفيل # " أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله ~~على مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ~~ابن أبزى رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين إنه قارىء لكتاب الله، عالم بالفرائض، قاض، فقال عمر رضي الله ~~عنه: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: " إن الله يرفع بهذا ~~الكتاب أقواما ويضع به آخرين " " # ، وقد ذكرت فضل العلم وأهله وما ورد في ذلك من الأحاديث مستقصاة في " ~~شرح كتاب العلم " من " صحيح البخاري " ، ولله الحمد والمنة. ### || [58.12-13] # يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أي يساره فيما بينه وبينه، أن يقدم بين يدي ذلك صدقة ~~تطهره وتزكيه وتؤهله لأن يصلح لهذا المقام، ولهذا قال تعالى: { ذلك ~~خير لكم وأطهر } ، ثم قال تعالى: { فإن لم تجدوا } ~~أي إلا من عجز عن ذلك لفقره، { فإن الله غفور رحيم } فما ~~أمر بها إلا من قدر عليها ثم قال تعالى: { ءأشفقتم أن ~~تقدموا بين يدي نجواكم صدقات } أي أخفتم من استمرار ~~هذا ms2423 الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول، { فإذ لم ~~تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير ~~بما تعملون } فنسخ وجوب ذلك عنهم، وقد قيل: إنه لم يعمل بهذه ~~الآية قبل نسخها سوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال مجاهد: نهوا عن ~~مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا علي بن أبي ~~طالب. قدم دينارا صدقة تصدق به، ثم ناجى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله ~~عن عشر خصال، ثم أنزلت الرخصة، وقال علي رضي الله عنه: آية في كتاب الله ~~عز وجل لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار ~~فصرفته بعشرة دراهم، فكنت إذا ناجيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقت ~~بدرهم، فنسخت، ولم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، ثم تلا هذه ~~الآية: { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة }. وقال ابن عباس: { ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة }. وذلك أن المسلمين ~~أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه. فأراد ~~أن يخفف عن نبيه عليه السلام، فلما قال ذلك جبن كثير من المسلمين، وكفوا ~~عن المسألة، فأنزل الله بعد هذا: { ءأشفقتم أن تقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب ~~الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } فوسع ~~الله عليهم ولم يضيق، وقال قتادة ومقاتل: سأل الناس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، ففطمهم الله بهذه الآية، فكان الرجل منهم ~~إذا كانت له الحاجة إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فلا يستطيع أن ~~يقضيها، حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ~~ذلك: { فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم }. ### || [58.14-19] # يقول الله تعالى منكرا على المنافقين في موالاتهم الكفار في الباطن، ~~وهم في نفس الأمر لا معهم ولا مع المؤمنين، كما قال تعالى: # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ms2424 ولا إلى ~~هؤلاء # [النساء: 143]، وقال ههنا: { ألم تر إلى الذين تولوا ~~قوما غضب الله عليهم } يعني اليهود الذين كان المنافقون ~~يمالئونهم ويوالونهم في الباطن، ثم قال تعالى: { ما هم منكم ولا ~~منهم } أي هؤلاء المنافقون ليسوا في الحقيقة منكم أيها المؤمنون، ولا ~~من الذين يوالونهم وهم اليهود، ثم قال تعالى: { ويحلفون على ~~الكذب وهم يعلمون } يعني المنافقين يحلفون على الكذب، وهم ~~عالمون بأنهم كاذبون فيما حلفوا وهي اليمين الغموس، ولا سيما في مثل ~~حالهم اللعين عياذا بالله منه، فإنهم كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا ~~آمنا، وإذا جاءوا الرسول حلفوا له أنهم مؤمنون، وهم في ذلك يعلمون أنهم ~~يكذبون فيما حلفوا به، لأنهم لا يعتقدون صدق ما قالوه، وإن كان في نفس ~~الأمر مطابقا، ولهذا شهد الله بكذبهم في أيمانهم وشهادتهم لذلك. ثم قال ~~تعالى: { أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم سآء ما ~~كانوا يعملون } أي أرصد الله لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم ~~على أعمالهم السيئة وهي موالاة الكافرين ونصحهم ومعاداة المؤمنين وغشهم، ~~ولهذا قال تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن ~~سبيل الله } أي أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر واتقوا بالأيمان ~~الكاذبة، فظن كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم صدقهم فاغتر بهم فحصل بهذا صد ~~عن سبيل الله لبعض الناس { فلهم عذاب مهين } ، أي في مقابلة ~~ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الحانثة، ثم ~~قال تعالى: { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~من الله شيئا } ، أي لن يدفع ذلك عنهم بأسا إذا جاءهم: { ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ثم قال تعالى: ~~{ يوم يبعثهم الله جميعا } أي يحشرهم يوم القيامة عن ~~آخرهم فلا يغادر منهم أحدا، { فيحلفون له كما يحلفون ~~لكم ويحسبون أنهم على شيء } أي يحلفون بالله عز ~~وجل أنهم كانوا على الهدى والاستقامة كما كانوا يحلفون للناس في ~~الدنيا، لأن من عاش على شيء مات عليه وبعث عليه ويعتقدون أن ذلك ينفعهم ~~عند الله كما كان ينفعهم عند الناس فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة، ولهذا ms2425 ~~قال: { ويحسبون أنهم على شيء } أي حلفهم ذلك لربهم عز ~~وجل، ثم قال تعالى منكرا عليهم حسبانهم { ألا إنهم هم ~~الكاذبون } فأكد الخبر عنهم بالكذب، روى ابن أبي حاتم، عن سعيد بن ~~جبير، أن ابن عباس حدثه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من ~~المسلمين، قد كاد يقلص عنهم الظل، قال: " إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعيني ~~شيطان فإذا أتاكم فلا تكلموه " ، فجاء رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فكلمه، فقال: " علام تشتمني أنت وفلان وفلان " نفر دعاهم ~~بأسمائهم قال، فانطلق الرجل فدعاهم فحلفوا له واعتذروا إليه، قال: فأنزل ~~الله عز وجل: { فيحلفون له كما يحلفون لكم ~~ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم ~~الكاذبون } " # ، ثم قال تعالى: { استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ~~ذكر الله } أي استحوذ على قلوبهم الشيطان حتى أنساهم أن يذكروا ~~الله عز وجل، وكذلك يصنع بمن استحوذ عليه، ولهذا قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا وقد استحوذ ~~عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية " # قال السائب: يعني الصلاة في الجماعة، ثم قال تعالى: { أولئك ~~حزب الشيطان } يعني الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر ~~الله، ثم قال تعالى: { ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون }. ### || [58.20-22] # يقول تعالى مخبرا عن الكفار المعاندين المحادين لله ورسوله يعني الذين ~~هم في حد والشرع في حد، أي مجانبون للحق مشاقون له، هم في ناحية والهدى ~~في ناحية { أولئك في الأذلين } أي في الأشقياء المبعدين ~~الأذلين في الدنيا والآخرة. { كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي } أي قد حكم وكتب في كتابه الأول، وقدره الذي لا يخالف ولا ~~يمانع ولا يبدل، بأن النصرة له ولكتبه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا ~~والآخرة، و # إن العاقبة للمتقين # [هود: 49]، كما قال تعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # [غافر: 51]، وقال ههنا: { كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي إن الله قوي ms2426 عزيز } أي كتب القوي العزيز أنه ~~الغالب لأعدائه، وهذا قدر محكم وأمر مبرم أن العاقبة والنصرة للمؤمنين في ~~الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ~~ورسوله ولو كانوا آبآءهم أو أبنآءهم أو ~~إخوانهم أو عشيرتهم } أي لا يوادون المحادين ولو كانوا من ~~الأقربين، كما قال تعالى: # قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونهآ أحب ~~إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا ~~يهدي القوم الفاسقين # [التوبة: 24] أنزلت هذه الآية { لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر } إلى آخرها، في (أبي عبيدة بن الجراح) ~~حين قتل أباه يوم بدر، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جعل ~~الأمر شورى بعده في أولئك الستة رضي الله عنهم: ولو كان أبو عبيدة حيا ~~لاستخلفته، وقيل: في قوله تعالى: { ولو كانوا آبآءهم } نزلت ~~في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر، { أو أبنآءهم } في الصديق، هم ~~يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن { أو إخوانهم } في مصعب بن عمير ~~قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ، { أو عشيرتهم } في عمر قتل قريبا ~~له يومئذ أيضا، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة ~~والوليد بن عتبة يومئذ، والله أعلم. # وقوله تعالى: { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ~~وأيدهم بروح منه } أي من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ~~ورسوله، ولو كان أباه أو أخاه فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان، أي كتب ~~له السعادة وقررها في قلبه، وزين الإيمان في بصيرته، قال السدي: { كتب ~~في قلوبهم الإيمان } جعل في قلوبهم الإيمان، وقال ابن عباس { ~~وأيدهم بروح منه } أي قواهم، وقوله تعالى: { ~~ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه } كل هذا تقدم تفسيره ~~غير مرة. # وفي قوله تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا عنه } سر بديع ~~وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى عوضهم ms2427 الله بالرضا ~~عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم، والفضل ~~العميم، وقوله تعالى: { أولئك حزب الله ألا إن حزب ~~الله هم المفلحون } أي هؤلاء حزب الله أي عباد الله وأهل ~~كرامته، وقوله تعالى: { ألا إن حزب الله هم المفلحون ~~} تنويه بفلاحهم وسعادتهم ونصرتهم في الدنيا والآخرة. # وفي الحديث: # " إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، ~~وإذا حضروا لم يدعوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة ~~" # ، فهؤلاء أولياء الله تعالى الذين قال الله: { أولئك حزب ~~الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } ، وقال الحسن، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدا ولا نعمة، فإني وجدت فيما ~~أوحيته إلي: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله } ". ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-5] # يخبر تعالى أن جميع ما في السماوات والأرض يسبح له ويمجده، ويقدسه ~~ويوحده كقوله تعالى: # تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]، وقوله تعالى: { وهو العزيز } أي منيع الجناب { ~~الحكيم } في قدره وشرعه، وقوله تعالى: { هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب } يعني يهود بني النضير، كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة هادنهم وأعطاهم عهدا وذمة ~~على أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، ~~فأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ظنوا ~~أنها مانعتهم من بأس الله، فما أغنى عنهم من الله شيئا، وجاءهم من الله ~~ما لم يكن ببالهم، وسيرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلاهم من ~~المدينة، فكان منهم طائفة ذهبوا إلى (أذرعات) من أعالي الشام، وهي أرض ~~المحشر والمنشر، ومنهم طائفة ذهبوا إلى (خيبر) وكان قد أنزلهم منها على ~~أن لهم ما حملت إبلهم، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي ~~يمكن أن تحمل معهم، ولهذا قال تعالى: { يخربون بيوتهم ms2428 ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يأولي ~~الأبصار } أي تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله، وكذب ~~كتابه، كيف يحل به من بأسه المخزي له في الدنيا، مع ما يدخره له في ~~الآخرة من العذاب الأليم، روى أبو داود، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ~~عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن كفار قريش كتبوا إلى (ابن أبي) ومن كان معه يعبد الأوثان من ~~الأوس والخزرج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة قبل رجعة ~~بدر إنكم أدنيتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لنقاتلنه أو لنخرجنكم، أو ~~لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونسبي نساءكم، فلما بلغ ذلك (عبد ~~الله بن أبي) ومن كان معه من عبدة الأوثان أجمعوا لقتال النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لقيهم فقال: " لقد بلغ ~~وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريد أن تكيدوا به ~~أنفسكم، يريدون أن يقاتلوا أبناءكم وإخوانكم " ، فلما سمعوا ذلك من النبي ~~صلى الله عليه وسلم تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، فكتبت كفار قريش بعد ~~وقعة بدر إلى اليهود، إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن مع صاحبنا ~~أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء، وهو الخلاخيل، ~~فلما بلغ كتابهم النبي صلى الله عليه وسلم أيقنت بنو النضير بالغدر، ~~فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من ~~أصحابك ليخرج منا ثلاثون حبرا، حتى نلتقي بمكان النصف، وليسمعوا منك، ~~فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك، فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالكتائب فحصرهم فقال لهم: " إنكم والله لا تؤمنون عندي ~~إلا بعهد تعاهدوني عليه " ، فأبوا أن يعطوه عهدا، فقاتلهم يومهم ذلك، ~~ثم غدا من الغد على بني قريظة بالكتائب، وترك بني النضير ودعاهم إلى أن ~~يعاهدوه فعاهدوه، فانصرف عنهم، وغدا إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى ~~نزلوا على الجلاء فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت ms2429 الإبل من أمتعتهم ~~وأبواب بيوتهم وخشبها، وكان نخل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خاصة أعطاه الله إياها وخصه بها، فقال تعالى: { ومآ أفآء ~~الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم عليه من ~~خيل ولا ركاب } نقول بغير قتال، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أكثرها للمهاجرين قسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار، وكانا ذوي ~~حاجة ولم يقسم من الأنصار غيرهما " # ، وبقي منها صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي في أيدي بني فاطمة. # وقوله تعالى: { ما ظننتم أن يخرجوا } أي في مدة حصاركم لهم ~~وكانت ستة أيام مع شدة حصونهم ومنعتها، ولهذا قال تعالى: { وظنوا ~~أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله ~~من حيث لم يحتسبوا } أي جاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في ~~بال كما قال تعالى في الآية الأخرى # وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون # [النحل: 26]، وقوله تعالى: { وقذف في قلوبهم الرعب } أي ~~الخوف والهلع والجزع، وكيف لا يحصل لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نصر بالرعب ~~مسيرة شهر صلوات الله وسلامه عليه، وقوله: { يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين } هو نقض ما استحسنوه من سقوفهم ~~وأبوابهم وحملها على الإبل، وقال مقاتل بن حيان: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقاتلهم، فإذا ظهر على درب أو دار هدم حيطانها ليتسع المكان ~~للقتال، وكان اليهود إذا علوا مكانا أو غلبوا على درب أو دار نقبوا من ~~أدبارها، ثم حصنوها ودربوها، يقول الله تعالى: { فاعتبروا ~~يأولي الأبصار } ، وقوله: { ولولا أن كتب الله ~~عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا } أي لولا أن الله ~~كتب عليهم هذا الجلاء وهو النفي من ديارهم وأموالهم، لكان لهم عند الله ~~عذاب آخر من القتل والسبي ونحو ذلك، لأن الله قد كتب عليهم أنه سيعذبهم ~~في الدار الدنيا مع ما أعد لهم في الدار الآخرة من العذاب في نار جهنم، ~~عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير قال: " ثم كانت وقعة بني النضير، ~~وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر ms2430 من وقعة بدر، وكان منزلهم بناحية ~~من المدينة فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء ~~وأن لهم ما أقلت الإبل من الأموال والأمتعة إلا الحلقة وهي السلاح، ~~فأجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الشام، قال: والجلاء أنه كتب ~~عليهم في آي من التوراة، وكانوا من سبط لم يصبهم الجلاء قبل ما سلط عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله فيهم: { سبح لله ما ~~في السموت وما في الأرض } - إلى قوله - { وليخزي ~~الفاسقين } ، قال قتادة: الجلاء خروج الناس من البلد إلى البلد، ~~وقال الضحاك: أجلاهم إلى الشام وأعطى كل ثلاثة بعيرا وسقاء فهذا ~~الجلاء، وقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي، عن ابن عباس قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، ~~فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ومن ديارهم ~~وأوطانهم، وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا ~~وسقاء، والجلاء إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى. # وعن محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني ~~النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام. # وقوله تعالى: { ولهم في الآخرة عذاب النار } أي حتم لازم ~~لا بد لهم منه، وقوله تعالى: { ذلك بأنهم شآقوا الله ~~ورسوله } أي إنما فعل الله بهم ذلك وسلط عليهم رسوله وعباده ~~المؤمنين، لأنهم خالفوا الله ورسوله وكذبوا بما أنزل الله على رسله ~~المتقدمين في البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهم يعرفون ذلك كما ~~يعرفون أبناءهم، ثم قال: { ومن يشآق الله فإن الله ~~شديد العقاب } ، وقوله تعالى: { ما قطعتم من لينة ~~أو تركتموها قآئمة على أصولها فبإذن الله ~~وليخزي الفاسقين } اللين نوع من التمر وهو جيد، قال أبو ~~عبيدة: وهو ما خالف العجوة والبرني من التمر، وقال كثيرون من المفسرين: ~~اللينة ألوان التمر سوى العجوة، قال ابن جرير: هو جميع النخل، وذلك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2431 لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم إهانة ~~لهم وإرعابا لقلوبهم، فبعث بنو قريظة يقولون لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنك تنهي عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه ~~الآية الكريمة، أي ما قطعتم من لينة وما تركتم من الأشجار فالجميع بإذنه ~~ومشيئته وقدره ورضاه، وفيه نكاية بالعدو وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم " # روى الإمام أحمد، عن ابن عمر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير وحرق " # ولفظ البخاري، عن ابن عمر قال: حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير، ~~وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة، فقتل من رجالهم وسبى وقسم نساءهم ~~وأموالهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فأمنهم ~~وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع، وهم رهط (عبد الله بن ~~سلام) ويهود بني حارثة وكل يهود بالمدينة. # وفي " الصحيحين " عن ابن عمر: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع، وهي ~~البويرة، فأنزل الله عز وجل: { ما قطعتم من لينة أو ~~تركتموها قآئمة على أصولها فبإذن الله ~~وليخزي الفاسقين } " # ولها يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه: # وهان على سراة بني لؤي # حريق بالبويرة مستطير # قال أبو إسحاق: كانت وقعة بني النضير بعد وقعة أحد وبعد بئر معونة، ~~وحكى البخاري عن الزهري عن عروة أنه قال: كانت وقعة بني النضير بعد بدر ~~بستة أشهر. ### || [59.6-7] # الفيء كل مال أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال ~~بني النضير هذه فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب أي لم ~~يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل نزل أولئك من الرعب الذي ~~ألقى الله في قلوبهم، فأفاءه الله على رسوله، ولهذا تصرف فيه كما يشاء ~~فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح، التي ذكرها الله عز وجل في ~~هذه الآيات فقال تعالى: { ومآ أفآء الله على رسوله ~~منهم } أي من بني النضير، { فمآ أوجفتم عليه من خيل ~~ولا ركاب } يعني الإبل، { ولكن ms2432 الله يسلط رسله ~~على من يشآء والله على كل شيء قدير } أي هو قدير ~~لا يغالب ولا يمانع بل هو القاهر لكل شيء، ثم قال تعالى: { مآ أفآء ~~الله على رسوله من أهل القرى } أي جميع البلدان التي ~~تفتح هكذا فحكمها حكم أموال بني النضير، ولهذا قال تعالى: { فلله ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل } إلى آخرها والتي بعدها، فهذه مصارف أموال الفيء ~~ووجوهه. # روى الإمام أحمد، عن عمر رضي الله عنه قال: كانت أموال بني النضير مما ~~أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة ~~سنته، وما بقي جعله في الكراع والسلاح في سبيل الله عز وجل. وقوله ~~تعالى: { كي لا يكون دولة بين الأغنيآء منكم } أي ~~جعلنا هذه المصارف لمال الفيء، كيلا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء، ~~ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منه شيئا إلى الفقراء. # وقوله تعالى: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا } أي مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه ~~فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر. عن مسروق قال: جاءت ~~امرأة إلى ابن مسعود فقالت: بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة أشيء ~~وجدته في كتاب الله تعالى أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بل ~~شيء وجدته في كتاب الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: والله ~~لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف، فما وجدت فيه الذي تقول، قال: فما وجدت ~~فيه: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا }؟ قالت: بلى، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة، قالت: فلعله في بعض أهلك، قال: ~~فادخلي فانظري، فدخلت فنظرت، ثم خرجت، قالت: ما رأيت بأسا، فقال لها: ~~أما حفظت وصية العبد الصالح: # ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه # [هود: 88]. وقال الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ms2433 قال: لعن الله ~~الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله ~~عز وجل. # قال: فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أم يعقوب، فجاءت إليه ~~فقالت: بلغني أنك قلت كيت وكيت، قال: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وفي كتاب الله تعالى؟ فقالت: إني لأقرأ ما بين لوحيه فما ~~وجدته، فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، أما قرأت: { ومآ آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ، قالت: بلى؟ ~~قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه، قالت: إني لأظن أهلك ~~يفعلونه، قال: اذهبي فانظري، فذهبت فلم تر من حاجتها شيئا، فجاءت فقالت: ~~ما رأيت شيئا، قال: لو كان كذا لم تجامعنا. وقد ثبت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه " # وقوله تعالى: { واتقوا الله إن الله شديد العقاب } ~~أي اتقوه في امتثال أوامره وترك زواجره، فإنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف ~~أمره وأباه، وارتكب ما عنه زجره ونهاه. ### || [59.8-10] # يقول تعالى مبينا حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم { الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من ~~الله ورضوانا } ، أي خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة ~~الله ورضوانه، { وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون } أي هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم، وهؤلاء هم سادات ~~المهاجرين. ثم قال تعالى مادحا للأنصار ومبينا فضلهم وشرفهم وكرمهم ~~وعدم حسدهم وإيثارهم مع الحاجة، فقال تعالى: { والذين تبوءوا ~~الدار والإيمان من قبلهم } أي سكنوا دار الهجرة من قبل ~~المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم، قال عمر: " وأوصي الخليفة بعدي ~~بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم كرامتهم، وأوصيه بالأنصار ~~خيرا الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم وأن يعفو ~~عن مسيئهم ". وقوله تعالى: { يحبون من هاجر إليهم } أي من ~~كرمهم وشرف أنفسهم، يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم، روى الإمام ~~أحمد، عن أنس قال: # " قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم ms2434 قدمنا عليهم، أحسن ~~مواساة في قليل ولا أحسن بذلا في كثير، لقد كفونا المؤنة وأشركونا في ~~المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال: " لا، ما أثنيتم عليهم ~~ودعوتم الله لهم ". ودعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار أن يقطع لهم ~~البحرين، قالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال: " ~~إما لا، فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم أثرة " " # وقال البخاري، عن أبي هريرة قال: # " قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: " لا " ، فقالوا: ~~أتكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا " # ، { ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا } أي ولا ~~يجدون في أنفسهم حسدا للمهاجرين، فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف ~~والتقديم في الذكر والرتبة، قال الحسن البصري: { ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة } يعني الحسد { ممآ أوتوا } قال قتادة: يعني ~~فيما أعطي إخوانهم، وقال عبد الرحمن بن زيد في قوله تعالى: { ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا } يعني مما أوتوا: ~~المهاجرون، قال: وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم في الأنصار ~~فعاتبهم الله في ذلك فقال تعالى: # ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم ~~عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط ~~رسله على من يشآء والله على كل شيء قدير # [الحشر: 6] قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم " ، فقالوا: ~~أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو غير ذلك؟ ~~" قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: " هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم ~~وتقاسمونهم الثمر " ، فقالوا: نعم يا رسول الله، وقوله تعالى: { ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } " # يعني حاجة، أي يقدموا المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدأون بالناس قبلهم ~~في حال احتياجهم إلى ذلك. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " أفضل الصدقة جهد المقل " # ، ومن هذا المقام # " تصدق الصديق رضي الله عنه بجميع ماله، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ms2435 " ما أبقيت لأهلك؟ " فقال رضي الله عنه: أبقيت لهم الله ~~ورسوله " # ، وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم يأمر ~~بدفعه إلى صاحبه وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى ~~الثالث، فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يشربه أحد منهم رضي ~~الله عنهم وأرضاهم، وقال البخاري، عن أبي هريرة قال: # " أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني ~~الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " ألا رجل يضيف هذه الليلة رحمه الله " فقام رجل من الأنصار فقال: ~~أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله، فقال لامرأته هذا ضيف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا تدخريه شيئا، فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، ~~قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا ~~الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ~~لقد عجب الله عز وجل - أو ضحك - من فلان وفلانة " " # ، وأنزل الله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة }. وفي رواية لمسلم تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة رضي ~~الله عنه. # وقوله تعالى: { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون } أي من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح، عن جابر بن عبد الله ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح ~~أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " # وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: # " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفحش فإن الله لا ~~يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم ~~بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا " # وقال ابن أبي حاتم، عن الأسود بن هلال قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: ~~يا أبا عبد الرحمن إني أخاف أن ms2436 أكون قد هلكت، فقال له عبد الله: وما ~~ذاك؟ قال: سمعت الله يقول: { ومن يوق شح نفسه فأولئك ~~هم المفلحون } وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من يدي شيئا، فقال ~~عبد الله: ليس ذلك بالشح الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشح الذي ذكر ~~الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذاك البخل، وبئس الشيء ~~البخل، وعن أبي الهياج الأسدي، قال: كنت أطوف بالبيت فرأيت رجلا يقول: ~~اللهم قني شح نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له: فقال إني إذا وقيت شح نفسي ~~لم أسرق ولم أزن ولم أفعل، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. # وفي الحديث: # " بريء من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة ". # وقوله تعالى: { والذين جآءوا من بعدهم يقولون ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا ~~تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنآ إنك ~~رءوف رحيم } هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال ~~الفيء، وهم المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان كما قال في آية ~~براءة: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه # [التوبة: 100]، فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة، ~~وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية، ولهذا قال تعالى في ~~هذه الآية الكريمة: { والذين جآءوا من بعدهم يقولون } ~~أي قائلين: { ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا } أي ~~بغضا وحسدا { للذين آمنوا ربنآ إنك رءوف رحيم ~~} ، وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة أن ~~الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح ~~الله به هؤلاء، وقال ابن أبي حاتم، عن عائشة أنها قالت: أمروا أن ~~يستغفروا لهم فسبوهم، ثم قرأت هذه الآية: { والذين جآءوا من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان } الآية، وقال ابن جرير: قرأ عمر بن الخطاب: # إنما الصدقات للفقرآء والمساكين # [التوبة: 60] حتى بلغ # عليم ms2437 حكيم # [التوبة: 60]، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى # [الأنفال: 41] الآية: ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: # مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ولذي القربى # [الحشر: 7] حتى بلغ { والذين تبوءوا الدار والإيمان ~~من قبلهم } - { والذين جآءوا من بعدهم } ثم قال: ~~استوعبت هذه المسلمين عامة، وليس أحد إلا وله فيها حق، ثم قال: لئن عشت ~~ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه فيها لم يعرق بها جبينه. ### || [59.11-17] # يخبر تعالى عن المنافقين كعبد الله بن أبي وأضرابه، حين بعثوا إلى يهود ~~بني النضير، يعدونهم النصر من أنفسهم، فقال تعالى: { ألم تر إلى ~~الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا ~~من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ~~ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم } ، قال الله تعالى: { والله يشهد إنهم ~~لكاذبون } أي لكاذبون فيما وعدوهم به، ولهذا قال تعالى: { ولئن ~~قوتلوا لا ينصرونهم } أي لا يقاتلون معهم، { ولئن ~~نصروهم } أي قاتلوا معهم { ليولن الأدبار ثم لا ~~ينصرون } ، وهذه بشارة مستقلة بنفسها، ثم قال تعالى: { لأنتم ~~أشد رهبة في صدورهم من الله } أي يخافون منكم أكثر ~~من خوفهم من الله، كقوله تعالى: # إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو ~~أشد خشية # [النساء: 77]، ولهذا قال تعالى: { ذلك بأنهم قوم لا ~~يفقهون } ، ثم قال تعالى: { لا يقاتلونكم جميعا إلا ~~في قرى محصنة أو من ورآء جدر } يعني أنهم من جبنهم ~~وهلعهم، لا يقدرون على مواجهة جيش الإسلام، بل إما في حصون أو من وراء ~~جدر محاصرين، فيقاتلون للدفع عنهم ضرورة، ثم قال تعالى: { بأسهم ~~بينهم شديد } أي عداوتهم فيما بينهم شديدة كما قال تعالى: # ويذيق بعضكم بأس بعض # [الأنعام: 65]، ولهذا قال تعالى: { تحسبهم جميعا وقلوبهم ~~شتى } أي تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين، وهم مختلفون غاية الاختلاف، ~~قال إبراهيم النخعي: يعني أهل الكتاب والمنافقين { ذلك بأنهم ~~قوم لا يعقلون } ، ثم قال تعالى: { كمثل الذين من ~~قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب ~~أليم ms2438 } ، قال مجاهد والسدي: يعني كمثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر، ~~وقال ابن عباس: كمثل الذين من قبلهم يعني يهود بني قينقاع، وهذا القول ~~أشبه بالصواب، فإن يهود بني قينقاع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~أجلاهم قبل هذا. # وقوله تعالى: { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ~~فلما كفر قال إني بريء منك } يعني مثل هؤلاء اليهود ~~في اغترارهم بالذين وعدوهم النصر من المنافقين، كمثل الشيطان إذا سول ~~للإنسان الكفر ثم تبرأ منه وتنصل، وقال: { إني أخاف الله رب ~~العالمين }. روى ابن جرير، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية: { ~~كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر ~~قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين } قال: كانت امرأة ترعى الغنم، وكان لها أربعة إخوة، وكانت ~~تأوي بالليل إلى صومعة راهب، قال: فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه ~~الشيطان فقال له: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يسمع قولك، فقتلها ثم ~~دفنها قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام فقال لهم: إن الراهب صاحب ~~الصومعة فجر بأختكم فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما ~~أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم ~~أم أترك؟ قالوا: بل قصها علينا، قال، فقصها؛ فقال الآخر: وأنا والله لقد ~~رأيت ذلك، فقال الآخر: وأنا والله قد رأيت ذلك، قالوا: فوالله ما هذا إلا ~~لشيء، قال: فانطلقوا، فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه، ~~ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ~~ينجيك منه غيري، فاسجد لي واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له، ~~فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل، واشتهر عند كثير من الناس أن هذا ~~العابد هو (برصيصا) فالله أعلم. # وقوله تعالى: { فكان عاقبتهمآ أنهما في النار ~~خالدين فيها } أي فكان عاقبة الأمر بالكفر مصيرهما إلى نار جهنم ~~خالدين فيها { وذلك جزآء الظالمين } أي جزاء كل ظالم. ### || [59.18-20] # عن جرير بن عبد الله قال: ms2439 كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر ~~النهار قال، فجاءه قوم حفاة عراة، مجتابي النمار أو العباء، متقلدي ~~السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتغير وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، لما رأى بهم من الفاقة، قال: فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن، ~~وأقام الصلاة فصلى، ثم خطب فقال: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة # [النساء: 1] - إلى آخر الآية، وقرأ الآية التي في الحشر - { ولتنظر ~~نفس ما قدمت لغد } - تصدق رجل من ديناره من درهمه، من ثوبه، ~~من صاع بر، من صاع تمرة - حتى قال - ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل من ~~الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت ~~كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه، ~~كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير ~~أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ~~ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء " # ، فقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله } ~~أمر بتقواه، وهو يشمل فعل ما به أمر، وترك ما عنه زجر، وقوله تعالى: { ~~ولتنظر نفس ما قدمت لغد } أي حاسبوا أنفسكم قبل أن ~~تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم ~~وعرضكم على ربكم، { واتقوا الله } تأكيد ثان { إن الله ~~خبير بما تعملون } أي اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم ~~لا تخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير، وقوله ~~تعالى: { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم ~~أنفسهم } أي لا تنسوا ذكر الله تعالى فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم، ~~فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا قال تعالى: { أولئك هم ~~الفاسقون } أي الخارجون عن طاعة الله، الهالكون يوم القيامة، ~~الخاسرون يوم معاهدهم، كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تلهكم ms2440 أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك ~~هم الخاسرون # [المنافقون: 9]. # خطب أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون ~~لأجل معلوم، فمن استطاع أن يقضي الأجل، وهو من عمل الله عز جل، فليفعل، ~~ولن تنالوا ذلك إلا بالله عز وجل، إن قوما جعلوا آجالهم لغيرهم فنهاكم ~~الله عز وجل أن تكونوا أمثالهم { ولا تكونوا كالذين نسوا ~~الله فأنساهم أنفسهم } ، أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا ~~على ما قدموا في أيام سلفهم، وخلوا بالشقوة والسعادة، أين الجبارون ~~الأولون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر ~~والآبار، هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه، فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، ~~واستضيئوا بسنائه وبيانه، إن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال ~~تعالى: # إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا ~~رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين # [الأنبياء: 90]، لا خير في قول لا يراد به وجه الله، ولا خير في مال لا ~~ينفق في سبيل الله، ولا خير فمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في ~~الله لومة لائم ". وقوله تعالى: { لا يستوي أصحاب النار ~~وأصحاب الجنة } أي لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم الله تعالى ~~يوم القيامة كما قال تعالى: # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سوآء محياهم ~~ومماتهم سآء ما يحكمون # [الجاثية: 21]، وقال تعالى: # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [ص: 28]، ولهذا قال تعالى ههنا: { أصحاب الجنة هم ~~الفآئزون } أي الناجون المسلمون من عذاب الله عز وجل. ### || [59.21-24] # يقول تعالى معظما لأمر القرآن ومبينا علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له ~~القلوب، وتتصدع عند سماعه لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأكيد: { لو ~~أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ~~متصدعا من خشية الله } أي فإذا كان الجبل في غلظته ~~وقساوته، لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله عز ~~وجل، فكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لا تلين ms2441 قلوبكم، وتخشع وتتصدع من ~~خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه؟ ولهذا قال تعالى: { ~~وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ~~} قال ابن عباس في قوله تعالى: { لو أنزلنا هذا القرآن ~~على جبل لرأيته خاشعا متصدعا } إلى آخرها، يقول: ~~لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه لتصدع وخشع من ثقله ومن خشية ~~الله، فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة ~~والتخشع، ثم قال تعالى: { وتلك الأمثال نضربها للناس ~~لعلهم يتفكرون } ، وقال الحسن البصري: إذا كانت الجبال الصم ~~لو سمعت كلام الله وفهمته لخشعت وتصدعت من خشيته، فكيف بكم وقد سمعتم ~~وفهمتم؟ وقد قال تعالى: # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به ~~الأرض أو كلم به الموتى # [الرعد: 31] الآية، وقد تقدم أن معنى ذلك أي لكان هذا القرآن، ثم قال ~~تعالى: { هو الله الذي لا إله إلا هو عالم ~~الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم } أخبر تعالى ~~أنه الذي لا إله إلا هو، فلا رب غيره ولا إله للوجود سواه، وكل ما يعبد ~~من دونه فباطل، وأنه عالم الغيب والشهادة أي يعلم جميع الكائنات ~~المشاهدات لنا والغائبات عنا، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ~~من جليل وحقير وصغير وكبير حتى الذر في الظلمات، وقوله تعالى: { هو ~~الرحمن الرحيم } المراد أنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع ~~المخلوقات، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وقد قال تعالى: # ورحمتي وسعت كل شيء # [الأعراف: 156]، وقال تعالى: # كتب ربكم على نفسه الرحمة # [الأنعام: 54] وقال تعالى: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]، ثم قال تعالى: { هو الله الذي لا إله إلا ~~هو الملك } أي المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة ولا ~~مدافعة. # وقوله تعالى: { القدوس } قال وهب بن منبه: أي الطاهر، وقال مجاهد ~~وقتادة: أي المبارك، وقال ابن جريج: تقدسه الملائكة الكرام، { السلام ~~} أي من جميع العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله، وقوله ~~تعالى: { المؤمن } قال ابن عباس: أي أمن ms2442 خلقه من أن يظلمهم، وقال ~~قتادة: أمن بقوله أنه حق. وقال ابن زيد: صدق عباده المؤمنين في إيمانهم ~~به، وقوله تعالى: { المهيمن } قال ابن عباس وغير واحد: أي الشاهد ~~على خلقه بأعمالهم، بمعنى هو رقيب عليهم، كقوله: # والله على كل شيء شهيد # [المجادلة: 6، البروج: 9]، وقوله: # ثم الله شهيد على ما يفعلون # [يونس: 46]، وقوله: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # [الرعد: 33] الآية، وقوله تعالى: { العزيز } أي الذي قد عز كل شيء ~~فقهره، وغلب الأشياء فلا ينال جنابه لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه، ~~ولهذا قال تعالى: { الجبار المتكبر } أي الذي لا تليق ~~الجبرية إلا له، ولا التكبر إلا لعظمته كما تقدم في الصحيح: # " العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته " # ، وقال قتادة: الجبار الذي جبر خلقه على ما يشاء، وقال ابن جرير: الجبار ~~المصلح أمور خلقه المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم، وقال قتادة: المتكبر ~~يعني عن كل سوء، ثم قال تعالى: { سبحان الله عما يشركون ~~}. وقوله تعالى: { هو الله الخالق البارىء المصور } ~~الخلق: التقدير، والبرء: التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس ~~كل من قدر شيئا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عز وجل. قال ~~الشاعر يمدح آخر: # ولأنت تفري ما خلقت وبعض # القوم يخلق ثم لا يفري # أي أنت تنفذ ما خلقت، أي قدرت بخلاف غيرك؛ فإنه لا يستطيع ما يريده ~~فالخلق: التقدير، والفري: التنفيذ، ومنه يقال: قدر الجلاد ثم فرى، أي قطع ~~على ما قدره بحسب ما يريده، وقوله تعالى: { الخالق البارىء ~~المصور } أي الذي إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، على الصفة التي ~~يريد، والصورة التي يختار، كقوله تعالى: # في أى صورة ما شآء ركبك # [الإنفطار: 8]، ولهذا قال المصور أي الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة ~~التي يريدها. # وقوله تعالى: { له الأسمآء الحسنى } قد تقدم الكلام على ذلك ~~في سورة الأعراف، ونذكر الحديث المروي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما، مائة إلا ms2443 واحدا، من أحصاها دخل ~~الجنة، وهو وتر يحب الوتر، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، ~~الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، ~~الخالق، البارىء، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، ~~العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، ~~الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، ~~الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، ~~الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، ~~المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبديء، المعيد، المحيي، المميت، الحي، ~~القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، ~~المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، ~~المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، ~~الجامع، الغني، المغني، المعطي، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، ~~البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور " # وقوله تعالى: { يسبح له ما في السموت والأرض } ~~كقوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا # [الإسراء: 44]، وقوله تعالى: { وهو العزيز } أي فلا يرام جنابه، ~~{ الحكيم } في شرعه وقدره، عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ~~الرجيم، ثم قرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله به سبعين ألف ملك ~~يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قالها حين ~~يمسي كان بتلك المنزلة ". ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1-3] # كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة (حاطب بن أبي بلتعة)، وذلك أن ~~حاطبا هذا كان رجلا من المهاجرين وكان من أهل بدر أيضا، وكان له بمكة ~~أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، فلما عزم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على فتح مكة لما نقض أهلها العهد، أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~المسلمين بالتجهيز لغزوهم. وقال: # " اللهم عم عليهم خبرنا " # ، فعمد حاطب هذا فكتب كتابا، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة ~~يعلمهم بما عزم رسول الله صلى الله عليه ms2444 وسلم من غزوهم ليتخذ بذلك عندهم ~~يدا. روى الإمام أحمد، عن علي رضي الله عنه قال: # " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: " ~~انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها " ، ~~فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: ~~أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين ~~الثياب، قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب، فأتينا به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من ~~المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " يا حاطب ما هذا؟ " قال: لا تعجل علي، إني ~~كنت امرأ ملصقا في قرش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين ~~لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن ~~أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ~~ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" إنه صدقكم " ، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل ~~بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " " # ونزلت فيه: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أوليآء }. وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير ~~واحد أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة. فقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أوليآء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما ~~جآءكم من الحق } يعني المشركين والكفار الذي هم محاربون لله ~~ولرسوله، نهى الله أن يتخذوهم أولياء وأصدقاء وأخلاء، كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أوليآء بعضهم أوليآء بعض ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم # [المائدة: 51] وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقال تعالى: # لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا # [المائدة: 57] الآية. وقال ms2445 تعالى: # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ~~إلا أن تتقوا منهم تقاة # [آل عمران: 28] ولهذا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عذر حاطب، لما ~~ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش، لأجل ما كان له عندهم من الأموال ~~والأولاد. # وقوله تعالى: { يخرجون الرسول وإياكم } هذا مع ما قبله ~~من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من ~~بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، ~~ولهذا قال تعالى: { أن تؤمنوا بالله ربكم } أي لم يكن لكم ~~عندهم ذنب إلا إيمانكم بالله رب العالمين، كقوله تعالى: # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد # [البروج: 8]، وكقوله تعالى: # الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن ~~يقولوا ربنا الله # [الحج: 40]، وقوله تعالى: { إن كنتم خرجتم جهادا في ~~سبيلي وابتغآء مرضاتي } أي إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، ~~إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي فلا توالوا أعدائي، وقد أخرجوكم من ~~دياركم وأموالكم، حنقا عليكم وسخطا لدينكم، وقوله تعالى: { تسرون ~~إليهم بالمودة وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ ~~أعلنتم } أي تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر، { ~~ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء السبيل * إن ~~يثقفوكم يكونوا لكم أعدآء ويبسطوا إليكم ~~أيديهم وألسنتهم بالسوء } أي لو قدروا عليكم لما ~~اتقوا فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعال، { وودوا لو ~~تكفرون } أي ويحرصون على أن لا تنالوا خيرا، فعداوتهم لكم كامنة ~~وظاهرة فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عداوتهم أيضا، وقوله ~~تعالى: { لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم ~~القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير } ~~أي قراباتكم لا تنفعكم عند الله، إذا أراد الله بكم سوءا ونفعهم لا يصل ~~إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم، ~~فقد خاب وخسر وضل عمله، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد. ### || [60.4-6] # يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين والتبري منهم: ~~{ قد كانت لكم ms2446 أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه } أي وأتباعه الذين آمنوا معه، { إذ قالوا لقومهم ~~إنا برءآؤا منكم } أي تبرأنا منكم { ومما تعبدون ~~من دون الله كفرنا بكم } أي بدينكم وطريقكم { وبدا ~~بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدا } يعني وقد ~~شرعت العداوة والبغضاء بيننا وبينكم، ما دمتم على كفركم فنحن أبدا نتبرأ ~~منكم ونبغضكم { حتى تؤمنوا بالله وحده } أي إلى أن ~~توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان ~~والأنداد، وقوله تعالى: { إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك } أي لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة،. تتأسون بها ~~إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه؛ فلما ~~تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم ~~الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم، ويقولون: إن إبراهيم كان يستغفر ~~لأبيه، فأنزل الله عز وجل: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم # [التوبة: 114]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: { إلا قول ~~إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ومآ أملك لك من ~~الله من شيء } أي ليس لكم في ذلك أسوة أي في الاستغفار للمشركين، ~~هكذا قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد، ثم قال تعالى مخبرا عن قول إبراهيم ~~والذين معه، حين فارقوا قومهم وتبرأوا منهم، فقالوا { ربنا عليك ~~توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير } أي توكلنا ~~عليك في جميع الأمور، وسلمنا أمورنا إليك وفوضناها إليك، وإليك المصير أي ~~المعاد في الدار الآخرة { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين ~~كفروا } قال مجاهد: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، ~~فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا، وقال قتادة: لا تظهرهم ~~علينا فيفتتنوا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه، واختاره ~~ابن جرير وقال ابن عباس: لا تسلطهم علينا فيفتنونا، وقوله تعالى: { ~~واغفر لنا ربنآ إنك أنت العزيز الحكيم } أي ~~واستر ذنوبنا عن غيرك، واعف عنها فيما بيننا ms2447 وبينك { إنك أنت ~~العزيز } أي الذي لا يضام من لاذ بجنابك، { الحكيم } في أقوالك ~~وأفعالك وشرعك وقدرك، ثم قال تعالى: { لقد كان لكم فيهم ~~أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } ، ~~وهذا تأكيد لما تقدم، وقوله تعالى: { لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر } تهييج إلى ذلك لكل مؤمن بالله والمعاد، وقوله ~~تعالى: { ومن يتول } أي عما أمر الله به، { فإن الله هو ~~الغني الحميد } ، كقوله تعالى: # إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله ~~لغني حميد # [إبراهيم: 8]، وقال ابن عباس: { الغني } الذي قد كمل في غناه، وهو ~~الله ليس كمثله شيء، و { الحميد } المستحمد إلى خلقه، أي هو المحمود ~~في جميع أقواله وأفعاله، لا إله غيره ولا رب سواه. ### || [60.7-9] # يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين: { عسى ~~الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم ~~مودة } أي محبة بعد البغضة، ومودة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة، { ~~والله قدير } أي على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة ~~والمختلفة، فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقساوة، فتصبح مجتمعة متفقة، ~~كما قال تعالى ممتنا على الأنصار # واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا # [آل عمران: 103]، وكذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: # " ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ " # ، وقال الله تعالى: # لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز ~~حكيم # [الأنفال: 63]، وفي الحديث: # " أحبب حبيبك هونا ما، فعسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ~~ما فعسى أن يكون حبيبك يوما ما ". # وقوله تعالى: { والله غفور رحيم } أي يغفر للكافرين كفرهم، ~~إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له، وهو الغفور الرحيم بكل من ~~تاب إليه من أي ذنب كان، وعن ابن شهاب # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان صخر بن حرب على بعض ~~اليمن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2448 أقبل، فلقي ذا الخمار ~~متردا، فقاتله فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين " # ، قال ابن شهاب: وهو ممن أنزل الله فيه: { عسى الله أن يجعل ~~بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة } الآية، ~~وقوله تعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم } ، أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى ~~الكفرة، الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة منهم { أن ~~تبروهم } أي تحسنوا إليهم، { وتقسطوا إليهم } أي ~~تعدلوا، { إن الله يحب المقسطين }. عن أسماء بنت أبي بكر ~~رضي الله عنهما قالت: # " قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: " نعم صلي ~~أمك " " # وقال الإمام أحمد حدثنا عارم، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مصعب بن ~~ثابت، حدثنا عن عبد الله بن الزبير قال: # " قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا ضباب وقرظ وسمن وهي ~~مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: { لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين } إلى آخر الآية، فأمرها أن ~~تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها " # ، وقوله تعالى: { إن الله يحب المقسطين } في الحديث ~~الصحيح: # " المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش الذين يعدلون في حكمهم ~~وأهاليهم وما ولوا " # وقوله تعالى: { إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم أن تولوهم } أي إنما ينهاكم عن موالاة ~~هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة، فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم، ~~ينهاكم الله عز وجل عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم، ثم أكد الوعيد ~~على موالاتهم، فقال: { ومن يتولهم فأولئك هم ~~الظالمون } ، كقوله تعالى: # ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين # [المائدة: 51]. ### || [60.10-11] # تقدم في سورة الفتح ذكر صلح الحديبية، الذي وقع بين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبين كفار قريش، فكان ms2449 فيه: على أن لا يأتيك منا أحد وإن ~~كان على دينك إلا رددته إلينا، فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة ~~للسنة، وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإن الله عز وجل أمر عباده ~~المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن علموهن مؤمنات فلا ~~يرجعوهن إلى الكفار { لا هن حل لهم ولا هم يحلون ~~لهن } ، وسبب النزول ما روي أنه لما هاجرت (أم كلثوم) بنت عقبة بن ~~أبي معيط، خرج أخواها (عمارة) و(الوليد) حتى قدما على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين ~~المشركين في النساء خاصة، فمنعهم أن يردوهن إلى المشركين وأنزل الله آية ~~الامتحان، روى ابن جرير، عن أبي نصر الأسدي قال: سئل ابن عباس كيف كان ~~امتحان رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء، قال: كان يمتحنهن بالله ما ~~خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت ~~التماس دنيا، والله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله. وقال ابن عباس في ~~قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم ~~المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن } كان امتحانهن أن يشهدن ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله، وقال مجاهد: { ~~فامتحنوهن } فاسألوهن عما جاء بهن، فإن كان جاء بهن غضب على ~~أزواجهن أو سخطة أو غيره ولم يؤمن فارجعوهن إلى أزواجهن، وقال عكرمة: ~~يقال لها ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، ما جاء بك عشق رجل منا، ولا ~~فرار من زوجك، فذلك قوله { فامتحنوهن } ، وقال قتادة: كانت ~~محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجكن النشوز، وما أخرجكن إلا حب الإسلام ~~وأهله، وحرص عليه، فإذا قلن ذلك قبل ذلك منهن. # وقوله تعالى: { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار } فيه دلالة على أن الإيمان يمكن ~~الاطلاع عليه يقينا، وقوله تعالى: { لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن } هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد ~~كان جائزا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ms2450 ولهذا كان أمر ~~(أبي العاص بن الربيع) زوج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زينب رضي الله ~~عنها، وقد كانت مسلمة وهو على دين قومه، فلما وقع في الأسارى يوم بدر ~~بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة، فلما رآها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال للمسلمين: # " إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا " # ففعلوا فأطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يبعث ابنته إليه، ~~فوفى له بذلك، وصدقه فيما وعده، وبعثها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مع زيد بن حارثة رضي الله عنه، فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر، وكانت ~~سنة (اثنتين) إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة (ثمان) فردها ~~إليه بالنكاح الأول، ولم يحدث لها صداقا؛ كما روى الإمام أحمد، عن ابن ~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص، ~~وكانت هجرتها قبل إسلامه بست سنين على النكاح، ولم يحدث شهادة ولا ~~صداقا. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ابنته على أبي العاص بن ~~الربيع بمهر جديد ونكاح جديد. والذي عليه الأكثرون أنها متى انقضت العدة ~~ولم يسلم انفسخ نكاحها منه، وقال آخرون: بل إذا انقضت العدة هي بالخيار ~~إن شاءت أقامت على النكاح واستمرت، وإن شاءت فسخته وذهبت فتزوجت، وحملوا ~~عليه حديث ابن عباس والله أعلم، وقوله تعالى: { وآتوهم مآ ~~أنفقوا } يعني أزواج المهاجرات من المشركين ادفعوا إليهم الذي غرموه ~~عليهن من الأصدقة، وقوله تعالى: { ولا جناح عليكم أن ~~تنكحوهن إذآ آتيتموهن أجورهن } يعني إذا أعطيتموهن ~~أصدقتهن فأنكحوهن بشرطه، من انقضاء العدة والولي وغير ذلك. # وقوله تعالى: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } تحريم من ~~الله عز وجل على عباده المؤمنين نكاح المشركات والاستمرار معهن، وفي ~~الصحيح # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية ~~جاءه نساء من المؤمنات فأنزل الله عز وجل: { يأيها الذين ~~آمنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات ms2451 } إلى قوله { ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر } فطلق عمر بن الخطاب يومئذ ~~امرأتين تزوج إحداهما (معاوية بن أبي سفيان) والأخرى (صفوان بن أمية) ~~" # ، وقال الزهري: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~بأسفل الحديبية. حين صالحهم على أنه من أتاه منهم رده إليهم، فلما جاء ~~النساء نزلت هذه الآية، وأمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن، وحكم على ~~المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين، أن يردوا الصداق إلى ~~أزواجهن وقال: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } وإنما حكم ~~الله بينهم بذلك لأجل ما كان بينهم وبينهم من العهد، وقوله تعالى: { ~~واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا } أي ~~وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم، اللاتي يذهبن إلى الكفار إن ذهبن، ~~وليطالبوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين، وقوله ~~تعالى: { ذلكم حكم الله يحكم بينكم } أي في الصلح ~~واستثناء النساء منه، والأمر بهذا كله هو حكم الله يحكم به بين خلقه، { ~~والله عليم حكيم } أي عليم بما يصلح عباده حكيم في ذلك، ثم قال ~~تعالى: { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ~~فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل مآ ~~أنفقوا } قال مجاهد وقتادة: هذا في الكفار الذين ليس لهم عهد، إذا ~~فرت إليهم امرأة، ولم يدفعوا إلى زوجها شيئا، فإذا جاءت منهم امرأة لا ~~يدفع إلى زوجها شيء، حتى يدفع إلى زوج الذاهبة إليهم مثل نفقته عليها، ~~وقال ابن عباس في هذه الآية: يعني إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين ~~بالكفار، أمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يعطي مثل ما أنفق من ~~الغنيمة، وهكذا قال مجاهد { فعاقبتم } أصبتم غنيمة من قريش أو ~~غيرهم { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل مآ ~~أنفقوا } يعني مهر مثلها، وهذا لا ينافي الأول، لأنه إن أمكن الأول ~~فهو الأولى، وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار، وهذا أوسع، ~~وهو اختيار ابن جرير. ### || [60.12] # روى البخاري، عن عروة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن ~~رسول الله صلى الله ms2452 عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه ~~الآية: { يأيها النبي إذا جآءك المؤمنات ~~يبايعنك } إلى قوله { غفور رحيم } ، قال عروة، قالت عائشة: # " فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " قد بايعتك " كلاما، ولا والله ما مست يده يد امرأة في المبايعة ~~قط، ما يبايعهن إلا بقوله: " قد بايعتك على ذلك " " # هذا لفظ البخاري. # وروى الإمام أحمد، عن أميمة بنت رقيقة قالت: # " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في ~~القرآن { أن لا يشركن بالله شيئا } الآية، وقال: " فيما ~~استطعتن وأطقتن " ، قلنا الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول ~~الله ألا تصافحنا؟ قال: " إني لا أصافح النساء إنما قولي لامرأة واحدة ~~قولي لمائة امرأة " " # وعن (سلمى بنت قيس) - وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~وقد صلت معه القبلتين، قالت: # " جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم. نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما ~~شرط علينا ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ~~ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه، في معروف، قال: " ~~ولا تغششن أزواجكن " قالت: فبايعناه، ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن: ~~ارجعي فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما غش أزواجنا؟ قال، فسألته ~~فقال: " تأخذ ماله فتحابي به غيره " # وقال الإمام أحمد، عن عائشة بنت قدامة - يعني ابن مظعون - قالت: # " أنا مع أمي رائطة ابنة سفيان الخزاعية والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يبايع النسوة ويقول: " أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا، ولا تسرقن ~~ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن ~~وأرجلكن، ولا تعصينني في معروف قلن نعم فيما استطعتن " فكن يقلن ~~وأقول معهن وأمي تقول لي: أي بنية نعم، فكنت أقول كما يقلن " # وقال البخاري، عن أم عطية قالت: # " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا { أن لا ~~يشركن بالله شيئا } ، ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة ms2453 يدها، ~~قالت: أسعدتني فلانة، فأريد أن أجزيها، فما قال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شيئا، فانطلقت ورجعت فبايعها " # ، وفي رواية: # " فما وفى منهن امرأة غيرها وغير أم سليم ابنة ملحان ". # وقد كان رسول الله صلى الله عليه سلم يتعاهد النساء بهذه البيعة يوم ~~العيد، كما روى البخاري، عن ابن عباس، قال: # " شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ~~وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم، فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجل بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى ~~النساء مع بلال فقال: { يأيها النبي إذا جآءك ~~المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله ~~شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن ~~أولادهن ولا يأتين ببهتن يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف } حتى فرغ ~~من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: " أنتن على ذلك؟ " ، فقالت امرأة واحدة ~~ولم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله، لا يدري حسن من هي، قال: فتصدقن، قال: ~~وبسط بلال ثوبه، فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال. وعن عبادة بن ~~الصامت قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال: " ~~تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا ~~أولادكم - قرأ الآية التي أخذت على النساء إذا جاءك المؤمنات - فمن وفى ~~منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له، ومن ~~أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء ~~عذبه " # وقد روى ابن جرير، عن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب فقال: " قل لهن إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا " ~~وكانت (هند بنت عتبة بن ربيعة) التي شقت بطن حمزة متنكرة في النساء، ~~فقالت هند وهي متنكرة: كيف تقبل من النساء شيئا لم تقبله ms2454 من الرجال؟ ~~فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لعمر: " قل لهن: " ولا ~~يسرقن " ، قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهنات ما أدري أيحلهن ~~لي أم لا، قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي فهو لك حلال، ~~فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفها، فقال: " ولا يزنين " ، ~~فقالت: يا رسول الله وهل تزني امرأة حرة، قال: " لا والله ما تزني الحرة ~~" قال: " ولا يقتلن أولادهن " ، قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر فأنت وهم ~~أبصر، قال: { ولا يأتين ببهتن يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن } قال: { ولا يعصينك في معروف ~~} قال: منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب، ويخدشن الوجوه، ~~ويقطعن الشعور، ويدعون بالويل والثبور " # ، وقال مقاتل بن حيان: # " أنزلت هذه الآية يوم الفتح، بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال ~~على الصفا، وعمر بايع النساء يحلفهن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فذكر بقيته كما تقدم، وزاد: فلما قال: " ولا تقتلن أولادكن " قالت هند: ~~ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى ". # فقوله تعالى: { يأيها النبي إذا جآءك المؤمنات ~~يبايعنك } أي من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعها، على أن ~~لا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن أموال الناس الأجانب، وقوله تعالى: { ~~ولا يزنين } كقوله تعالى: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # [الإسراء: 32]. وقال الإمام أحمد، عن عروة عن عائشة قالت: # " جاءت (فاطمة بنت عتبة) تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عليها ~~{ أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا ~~يزنين } الآية قال: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، ~~فقالت عائشة: أقري أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: ~~فنعم إذا، فبايعها بالآية " # ، وقوله تعالى: { ولا يقتلن أولادهن } وهذا يشمل قتله بعد ~~وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق، ويعم قتله وهو ~~جنين، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء، تطرح نفسها لئلا تحبل إما لغرض ~~فاسد ms2455 أو ما أشبهه، وقوله تعالى: { ولا يأتين ببهتن ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن } ، قال ابن عباس: ~~يعني لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم ويؤيد هذا الحديث الذي رواه أبو ~~داود، عن أبي هريرة # " أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين نزلت آية الملاعنة: " ~~أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها ~~الله الجنة، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على ~~رؤوس الأولين والآخرين " ". # وقوله تعالى: { ولا يعصينك في معروف } يعني فيما أمرتهن به ~~من معروف، ونهيتهن عنه من منكر، عن ابن عباس قال: إنما هو شرط شرطه الله ~~للنساء، وقال ابن زيد: أمر الله بطاعة رسوله وهو خيرة الله من خلقه في ~~المعروف، وقد قال غير واحد: نهاهن يومئذ عن النوح، وعن الحسن قال كان ~~فيما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم، ألا تحدثن الرجال إلا أن تكون ذات ~~محرم، فإن الرجل لا يزال يحدث المرأة حتى يمذي بين فخذيه، وقال ابن جرير، ~~عن أم عطية الأنصارية قالت: # " كان فيما اشترط علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعروف حين ~~بايعناه أن لا ننوح، فقالت امرأة من بني فلان: إن بني فلان أسعدوني، فلا ~~حتى أجزيهم، فانطلقت فأسعدتهم، ثم جاءت فبايعت، قالت: فما وفى منهن غيرها ~~وغير أم سليم ابنة ملحان أم أنس بن مالك " # وعن امرأة من المبايعات قالت: # " كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نعصيه في ~~معروف أن لا نخمش وجها، ولا ننشر شعرا، ولا نشق جيبا ولا ندعو ويلا " # وروى ابن جرير عن أم عطية قالت: # " لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع نساء الأنصار في بيت، ثم ~~أرسل إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام على الباب وسلم علينا فرددن، ~~أو فرددنا عليه السلام ثم قال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليكن، فقالت، فقلنا: مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله، ms2456 فقال: تبايعن ~~على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين: قالت: فقلنا: نعم، ~~قالت، فمد يده من خارج الباب أو البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ثم ~~قال: اللهم اشهد، قالت: وأمرنا في العيدين أن نخرج فيه الحيض والعواتق ~~ولا جمعة علينا، ونهى عن اتباع الجنائز " # ، قال إسماعيل: فسألت جدتي عن قوله تعالى: { ولا يعصينك في ~~معروف } قالت: النياحة. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية " # وعن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: { ~~ولا يعصينك في معروف } ، قال: النوح. ### || [60.13] # ينهى تبارك وتعالى عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة. كما نهى عنها ~~في أولها فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتولوا ~~قوما غضب الله عليهم } يعني اليهود والنصارى وسائر الكفار، ~~ممن غضب الله عليه ولعنه، واستحق من الله الطرد والإبعاد، فكيف توالونهم ~~وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء { قد يئسوا من الآخرة } أي من ثواب ~~الآخرة ونعيمها في حكم الله عز وجل، وقوله تعالى: { كما يئس ~~الكفار من أصحاب القبور } فيه قولان: أحدهما كما يئس ~~الكفار الأحياء من قراباتهم، الذين في القبور أن يجتمعوا بهم بعد ذلك، ~~لأنهم لا يعتقدون بعثا ولا نشورا، فقد انقطع رجاؤهم منهم فيما ~~يعتقدونه، قال ابن عباس: يعني من مات من الذين كفروا، فقد يئس الأحياء من ~~الذين كفروا أن يرجعوا إليهم أو يبعثهم الله عز وجل، وقال الحسن ~~البصري: الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات، وقال قتادة: كما يئس الكفار ~~أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا. والقول الثاني: معناه كما يئس ~~الكفار الذين هم في القبور من كل خير، قال ابن مسعود: { كما يئس ~~الكفار من أصحاب القبور } قال: كما يئس هذا الكافر إذا ~~مات وعاين ثوابه واطلع عليه، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-4] # قد تقدم الكلام على قوله تعالى: { سبح لله ما ms2457 في ~~السموت وما في الأرض وهو العزيز الحكيم } غير ~~مرة بما أغنى عن إعادته، وقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~لم تقولون ما لا تفعلون } إنكار على من يعد وعدا، أو يقول ~~قولا لا يفي به، وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان " # ، ولهذا أكد الله تعالى هذا الإنكار عليهم بقوله تعالى: { كبر ~~مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } نزلت حين ~~تمنوا فريضة الجهاد عليهم، فلما فرض نكل عنه بعضهم، كقوله تعالى: # فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم ~~يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية # [النساء: 77]، وقوله تعالى: # فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر ~~المغشي عليه من الموت # [محمد: 20] الآية، وهكذا هذه الآية كما قال ابن عباس: كان ناس من ~~المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله عز وجل دلنا على ~~أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا ~~شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا بالإيمان ولم يقروا به، فلما نزل ~~الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، فقال الله سبحانه ~~وتعالى: { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون }؟ وقال مقاتل بن حيان: قال المؤمنون لو نعلم أحب الأعمال ~~إلى الله لعملنا به، فدلهم الله على أحب الأعمال إليه فقال: { إن ~~الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا } فبين ~~لهم، فابتلوا يوم أحد بذلك فولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم مدبرين، ~~فأنزل الله في ذلك: { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما ~~لا تفعلون } ، وقال قتادة والضحاك: نزلت توبيخا لقوم كانوا ~~يقولون: قتلنا، ضربنا، طعنا، وفعلنا؛ ولم يكونوا فعلوا ذلك. وقال ابن ~~زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المسلمين النصر ولا يفون لهم ~~بذلك، وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار فيهم (عبد الله بن رواحة)، ~~قالوا في مجلس: لو ms2458 نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به حتى نموت؟ ~~فأنزل الله تعالى هذا فيهم، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيسا في ~~سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيدا. # ولهذا قال تعالى: { إن الله يحب الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } فهذا إخبار من الله ~~تعالى بمحبته عباده المؤمنين، إذا صفوا مواجهين لأعداء الله في حومة ~~الوغى، يقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لتكون كلمة الله هي العليا، ~~ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان، عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذ صفوا للصلاة، ~~والقوم إذا صفوا للقتال " # وقال مطرف: # " كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه، فلقيته فقلت: يا أبا ذر ~~كان يبلغني عنك حديث فكنت أشتهي لقاءك، فقال: لله أبوك، فقد لقيت فهات، ~~فقلت: كان يبلغني عنك أنك تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثكم أن ~~الله يبغض ثلاثة ويحب ثلاثة، قال: أجل فلا أخالني أكذب على خليلي صلى ~~الله عليه وسلم، قلت: فمن هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله عز وجل؟ قال: ~~رجل غزا في سبيل الله خرج محتسبا مجاهدا، فلقي العدو فقتل، وأنتم ~~تجدونه في كتاب الله المنزل، ثم قرأ: { إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } " # وذكر الحديث. وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: { إن الله يحب ~~الذين يقاتلون في سبيله صفا } قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يقاتل العدو إلا أن يصافهم، وهذا تعليم من الله ~~للمؤمنين، وقوله تعالى: { كأنهم بنيان مرصوص } أي ملتصق ~~بعضه في بعض، من الصف في القتال، وقال مقاتل بن حيان: ملتصق بعضه إلى ~~بعض، وقال ابن عباس: { كأنهم بنيان مرصوص } مثبت لا يزول ~~ملصق بعضه ببعض، وقال ابن جرير، عن يحيى بن جابر الطائي، عن أبي بحرية ~~قال: كانوا يكرهون القتال على الخيل، ويستحبون القتال على ms2459 الأرض لقول ~~الله عز وجل: { إن الله يحب الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } قال، وكان أبو بحرية ~~يقول: إذا رأيتموني التفت في الصف فجأوا في لحيي. ### || [61.5-6] # يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه (موسى بن عمران) عليه السلام ~~أنه قال لقومه: { لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول ~~الله إليكم } ، أي لم توصلون الأذى إلي وأنتم تعلمون صدقي فيما ~~جئتكم به من الرسالة؟ وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~أصابه من الكفار. وقوله تعالى: { فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم } أي فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به، أزاغ الله ~~قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة والخذلان، كما قال تعالى: # ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110]، وقال تعالى: # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وسآءت مصيرا # [النساء: 115]، ولهذا قال تعالى في هذه الآية: { والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين } وقوله تعالى: { وإذ قال عيسى ابن ~~مريم يبني إسرائيل إني رسول الله إليكم ~~مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا ~~برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } يعني التوراة، وقد ~~بشرت بي وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا مبشر بمن بعدي وهو الرسول النبي ~~الأمي العربي المكي (أحمد) فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني ~~إسرائيل، وقد أقام في ملأ بني إسرائيل مبشرا بمحمد وهو أحمد خاتم ~~الأنبياء والمرسلين الذي لا رسالة بعده ولا نبوة. وما أحسن ما أورد ~~البخاري، عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به ~~الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب " # قال ابن عباس: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد، لئن بعث محمد وهو ~~حي ليتبعنه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بعت محمد وهم أحياء ~~ليتبعنه وينصرنه. # وقال محمد بن إسحاق، عن خالد بن معدان، عن ms2460 أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، قال: # " " دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج ~~منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام " ، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، ~~وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي ~~رأت وكذلك أمهات النبيين يرين " " # وروى أحمد عن أبي أمامة قال، قلت: # " يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟ قال: " دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ~~ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام " # وقال عبد الله بن مسعود: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلا، منهم (عبد الله بن مسعود)، و(جعفر) ~~و(عبد الله بن رواحة) و(عثمان بن مظعون) و(أبو موسى) فأتوا النجاشي، ~~وبعثت قريش (عمرو بن العاص) و(عمارة بن الوليد) بهدية، فلما دخلا على ~~النجاشي سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إن نفرا ~~من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا، وعن ملتنا، قال: فأين هم؟ قالا: هم ~~في أرضك فابعث إليهم فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه، ~~فسلم ولم يسجد، فقالوا له: مالك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا ~~لله عز وجل، قال: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسوله، فأمرنا أن لا ~~نسجد لأحد إلا لله عز وجل، وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو بن العاص: ~~فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم ~~وأمه؟ قال: نقول كما قال الله عز وجل: هو كلمة الله، وروحه ألقاها ~~إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر، ولم يعترضها ولد، قال، فرفع عودا ~~من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون ~~على الذي نقول فيه ما يساوي هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه ~~رسول الله وأنه ms2461 الذي نجده في الإنجيل، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم، ~~انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا ~~أحمل نعليه، وأوضئه، وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما. والمقصد أن ~~الأنبياء عليهم السلام لم تزل تنعته وتحكيه في كتبها على أممها، وتأمرهم ~~باتباعه ونصره وموازرته إذا بعث، وكان أول ما اشتهر الأمر في أهل الأرض، ~~على لسان إبراهيم الخليل والد الأنبياء بعده، حين دعا لأهل مكة أن يبعث ~~الله فيهم رسولا منهم وكذا على لسان عيسى ابن مريم، ولهذا قال: # " دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى ابن مريم، ورؤيا أمي التي رأيت " # أي ظهر في أهل مكة أثر ذلك، والإرهاص، فذكره صلوات الله وسلامه عليه. ~~وقوله تعالى: { فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا ~~سحر مبين } قال ابن جريج، { فلما جاءهم } أحمد أي المبشر ~~به في الأعصار المتقادمة المنوه بذكره في القرون السالفة، لما ظهر أمره ~~وجاء بالبينات قال الكفرة والمخالفون { هذا سحر مبين }. ### || [61.7-9] # يقول تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله ~~الكذب وهو يدعى إلى الإسلام } ، أي لا أحد أظلم ممن ~~يفتري الكذب على الله، ويجعل له أندادا وشركاء وهو يدعى إلى التوحيد ~~والإخلاص، ولهذا قال تعالى: { والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } ، ثم قال تعالى: { يريدون ليطفئوا نور ~~الله بأفواههم } أي يحاولون أن يردوا الحق بالباطل، ومثلهم في ~~ذلك كمثل من يريد أن يطفىء شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل كذاك ذلك ~~مستحيل، ولهذا قال تعالى: { والله متم نوره ولو كره ~~الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون } ، وقد تقدم الكلام على هاتين الآيتين في سورة براءة ~~بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة. ### || [61.10-13] # فسر الله تعالى هذه التجارة العظيمة التي لا تبور، التي هي محصلة ~~للمقصود ومزيلة للمحذور فقال تعالى: { تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } ، أي من تجارة الدنيا ~~والكد لها والتصدي لها وحدها، ثم قال ms2462 تعالى: { يغفر لكم ~~ذنوبكم } أي إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه، غفرت لكم الزلات، ~~وأدخلتكم الجنات، والمساكن الطيبات، ولهذا قال تعالى: { ويدخلكم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في ~~جنات عدن ذلك الفوز العظيم } ، ثم قال تعالى: { ~~وأخرى تحبونها } أي وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها، وهي { ~~نصر من الله وفتح قريب } أي إذا قاتلتم في سبيله ونصرتم ~~دينه، تكفل الله بنصركم، قال الله تعالى: # إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم # [محمد: 7]، وقال تعالى: # ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز # [الحج: 40]، وقوله تعالى: { وفتح قريب } أي عاجل، فهذه الزيادة ~~هي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة، لمن أطاع الله ورسوله، ونصر الله ~~ودينه، ولهذا قال تعالى: { وبشر المؤمنين }. ### || [61.14] # يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين، أن يكونوا أنصار الله في جميع ~~أحوالهم، بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم وأموالهم، وأن يستجيبوا لله ولرسوله ~~كما استجاب الحواريون لعيسى، حين قال: { من أنصاري إلى الله ~~} أي من معيني في الدعوة إلى الله عز وجل، { قال الحواريون } ~~وهم أتباع عيسى عليه السلام { نحن أنصار الله } أي نحن أنصارك ~~على ما أرسلت به، وموازروك على ذلك، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول في أيام الحج: # " من رجل يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ ~~رسالة ربي " # حتى قيض الله عز وجل له الأوس والخزرج من أهل المدينة، فبايعوه ~~ووازروه وشارطوه أن يمنعوه من الأسود والأحمر إن هو هاجر إليهم، فلما ~~هاجر إليهم بمن معه من أصحابه، وفوا له بما عاهدوا الله عليه، ولهذا ~~سماهم الله ورسوله (الأنصار) وصار ذلك علما عليهم رضي الله عنهم ~~وأرضاهم. وقوله تعالى: { فآمنت طآئفة من بني إسرائيل ~~وكفرت طآئفة } أي لما بلغ عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام ~~رسالة ربه إلى قومه، ووازره من وازره من الحواريين، اهتدت طائفة من بني ~~إسرائيل بما جاءهم به وضلت طائفة، فخرجت عما جاءهم به، وجحدوا نبوته ~~ورموه وأمه بالعظائم، وهم اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم ms2463 ~~القيامة، وغلت فيه طائفة ممن اتبعه حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من ~~النبوة وافترقوا فرقا وشيعا، فمن قائل منهم: إنه ابن الله، وقائل: إنه ~~ثالث ثلاثة (الأب والابن وروح القدس) ومن قائل: إنه الله، وكل هذه ~~الأقوال مفصلة في صورة النساء. وقوله تعالى: { فأيدنا الذين ~~آمنوا على عدوهم } أي نصرناهم على من عاداهم من فرق النصارى ~~{ فأصبحوا ظاهرين } أي عليهم وذلك ببعثة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. قال ابن عباس: { فآمنت طآئفة من بني إسرائيل ~~وكفرت طآئفة } يعني الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في زمن ~~عيسى، والطائفة التي آمنت في زمن عيسى { فأيدنا الذين آمنوا ~~على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } بإظهار محمد صلى الله ~~عليه وسلم دينهم على دين الكفار، فأمة محمد صلى الله عليه وسلم لا ~~يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، وحتى يقاتل آخرهم ~~الدجال مع المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام كما وردت بذلك الأحاديث ~~الصحاح، والله أعلم. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-4] # يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض، أي من جميع ~~المخلوقات ناطقها وجامدها، كما قال تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44]، ثم قال تعالى: { الملك القدوس } أي هو مالك ~~السماوات والأرض، المتصرف فيهما بحكمه، وهو المقدس أي المنزه عن النقائص، ~~الموصوف بصفات الكمال، { العزيز الحكيم } ، وقوله تعالى: { هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم } ، الأميون: هم ~~العرب، كما قال تعالى: # وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم # [آل عمران: 20]؟ وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة ~~عليهم أبلغ وأكثر، كما قال تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به، وهذه الآية هي مصداق إجابة ~~الله لخليله إبراهيم، حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، ~~فبعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل، وطموس من السبل، وقد اشتدت ~~الحاجة إليه، ولهذا قال تعالى: { هو الذي بعث في الأميين ~~رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن ms2464 كانوا من قبل ~~لفي ضلال مبين } ، وذلك أن العرب كانوا متمسكين بدين إبراهيم ~~الخليل عليه السلام فبدلوه وغيروه. واستبدلوا بالتوحيد شركا، وباليقين ~~شكا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتاب قد بدلوا كتبهم ~~وحرفوها، وغيروها وأولوها، فبعث الله محمدا صلوات الله وسلامه عليه، ~~بشرع عظيم كامل شامل، فيه هدايته والبيان لجميع ما يحتاج الناس إليه من ~~أمر معاشهم ومعادهم، وجمع له تعالى جميع المحاسن ممن كان قبله، وأعطاه ما ~~لم يعط أحدا من الأولين ولا يعطيه أحدا من الآخرين، فصلوات الله وسلامه ~~عليه دائما إلى يوم الدين، وقوله تعالى: { وآخرين منهم لما ~~يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم }. روى الإمام البخاري، ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: # " كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزلت عليه سورة الجمعة { ~~وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } قالوا: من هم يا رسول ~~الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثا، وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يده على سلمان الفارسي، ثم قال: " لو كان الإيمان عند ~~الثريا لناله رجال - أو رجل - من هؤلاء " " # ففي هذا الحديث دليل على عموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس، ~~لأنه فسر قوله تعالى: { وآخرين منهم } بفارس، ولهذا قال مجاهد ~~في قوله تعالى { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } قال: ~~هم الأعاجم وكل من صدق النبي صلى الله عليه وسلم من غير العرب، وقوله ~~تعالى: { وهو العزيز الحكيم } أي ذو العزة والحكمة في شرعه ~~وقدره، وقوله تعالى: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء ~~والله ذو الفضل العظيم } يعني ما أعطاه الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم من النبوة العظيمة، وما خص به أمته من بعثه صلى الله ~~عليه وسلم إليهم. ### || [62.5-8] # يقول تعالى ذاما لليهود، الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها، ثم ~~لم يعملوا بها؛ مثلهم في ذلك { كمثل الحمار يحمل أسفارا ~~} أي كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملا حسيا ~~ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في ms2465 حملهم الكتاب الذي أوتوه، حفظوه لفظا ~~ولم يتفهموه، ولا عملوا بمقتضاه، فهم أسوأ حالا من الحمار، لأن الحمار ~~لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، كما قال تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون # [الأعراف: 179]، وقال تعالى ههنا: { بئس مثل القوم الذين ~~كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين }. عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب، فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، ~~والذي يقول له: أنصت ليس له جمعة " # ، ثم قال تعالى: { قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم ~~أنكم أوليآء لله من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين } أي إن كنتم تزعمون أنكم على هدى، ~~وأن محمدا وأصحابه على ضلالة، فادعوا بالموت على الضال من الفئتين { ~~إن كنتم صادقين } أي فيما تزعمونه، قال الله تعالى: { ولا ~~يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } أي بما يعملون من ~~الكفر والظلم والفجور { والله عليم بالظالمين } وقد قدمنا ~~الكلام في سورة البقرة على هذه المباهلة لليهود حيث قال تعالى: # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ~~من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ~~ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله ~~عليم بالظالمين # [البقرة: 94-95] كما تقدمت مباهلة النصارى في آل عمران # فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم فقل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبنآءكم # [آل عمران: 61] الآية. عن ابن عباس قال، # " قال أبو جهل لعنه الله: إن رأيت محمدا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على ~~عنقه، قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو فعل لأخذته الملائكة ~~عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو ~~خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ~~ولا مالا " " # ، وقوله تعالى: { قل إن الموت الذي تفرون منه ~~فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } ، كقوله ~~تعالى في سورة النساء: # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ms2466 ~~بروج مشيدة # [النساء: 78]، وفي " معجم الطبراني " عن الحسن عن سمرة مرفوعا: " مثل ~~الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيا ~~وانبهر دخل جحره: فقالت له الأرض، يا ثعلب ديني، فخرج له حصاص فلم يزل ~~كذلك حتى تقطعت عنقه فمات ". ### || [62.9-10] # إنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون ~~فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق، وفيه خلق ~~آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، كما ثبتت ~~بذلك الأحاديث الصحاح، وقد كان يقال له (يوم العروبة)، وثبت أن الأمم ~~قبلنا أمروا به فضلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق ~~آدم، واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدىء فيه الخلق، واختار الله لهذه ~~الأمة يوم الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة، كما أخرجه البخاري ومسلم. ~~عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم ~~إن هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس ~~لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد " # ولمسلم: # " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان ~~للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة ~~والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا ~~والأولون يوم القيامة، المقضي بينهم قبل الخلائق " # وقد أمر الله المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة فقال تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر } أي اقصدوا واعمدوا واهتموا في ~~سيركم إليها، وليس المراد بالسعي ههنا المشي السريع وإنما هو الاهتمام ~~بها، كقوله تعالى: # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن # [الإسراء: 19]، فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه لما أخرجاه في ~~الصحيحين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ms2467 وعليكم السكينة والوقار ولا ~~تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " # وعن أبي قتادة قال: # " بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال، فلما ~~صلى قال: " ما شأنكم؟ " قالوا: استعجلنا إلى الصلاة قال: " فلا تفعلوا. ~~إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم ~~فأتموا " " # وفي رواية: # " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها تمشون وعليكم السكينة ~~والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " # ، قال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا ~~الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع، وقال ~~قتادة في قوله تعالى: { فاسعوا إلى ذكر } يعني أن تسعى بقلبك ~~وعملك وهو المشي إليها، وكان يتأول قوله تعالى: # فلما بلغ معه السعي # [الصافات: 102] أي المشي معه. ويستحب لمن جاء إلى الجمعة أن يغتسل قبل ~~مجيئة إليها، لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل ~~" # ، ولهما عن أبي سعيد رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " # وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده " # وعن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من ~~الإمام واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من اغتسل يوم الجمعة غسل جنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب ~~بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة ~~الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب ~~دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب ms2468 بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت ~~الملائكة يستمعون الذكر " # ويستحب أن يلبس أحسن ثيابه ويتطيب ويتسوك ويتنظف ويتطهر. لما روى الإمام ~~أحمد عن أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله إن كان عنده. ولبس من أحسن ~~ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت ~~إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى " # وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم ~~الجمعة فرأى عليهم ثياب النمار، فقال: # " ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوب مهنته " # وقوله تعالى: { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } ~~المراد بهذا النداء هو (النداء الثاني) الذي كان يفعل بين يدي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا خرج فجلس على المنبر، فإنه كان حينئذ يؤذن بين ~~يديه، فهذا هو المراد، فأما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين (عثمان ~~بن عفان) رضي الله عنه، فإنما كان هذا لكثرة الناس، كما رواه البخاري ~~رحمه الله، عن السائب بن يزيد قال: # " كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبرعلى عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان بعد زمن وكثر ~~الناس، زاد النداء الثاني على الزوراء " # يعني يؤذن به على الدار التي تسمى بالزوراء، وكانت أرفع دار بالمدينة ~~بقرب المسجد. وذلك النداء الذي يحرم عنده الشراء والبيع إذا نودي به، ~~فأمر عثمان رضي الله عنه أن ينادى قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس، ~~وإنما يؤمر بحضور الجمعة الرجال الأحرار دون العبيد والنساء والصبيان، ~~ويعذر المسافر والمريض وما أشبه ذلك من الأعذار كما هو مقرر في كتب ~~الفروع. # وقوله تعالى: { وذروا البيع } أي اسعوا إلى ذكر الله واتركوا ~~البيع إذا نودي للصلاة، ولهذا اتفق العلماء رضي الله عنهم على تحريم ~~البيع بعد النداء الثاني، وقوله تعالى: { ذلكم خير لكم ms2469 إن ~~كنتم تعلمون } أي ترككم البيع وإقبالكم إلى ذكر الله وإلى الصلاة ~~{ خير لكم } أي في الدنيا والآخرة { إن كنتم تعلمون } ، ~~وقوله تعالى: { فإذا قضيت الصلاة } أي فرغ منها { ~~فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } لما حجر ~~عليهم في التصرف بعد النداء، وأمرهم بالاجتماع، أذن لهم بعد الفراغ في ~~الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، كما كان (عراك بن مالك) رضي ~~الله عنه إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: " اللهم إني ~~أجبت دعوتك وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير ~~الرازقين، وروي عن بعض السلف أنه قال: من باع واشترى في يوم الجمعة بعد ~~الصلاة بارك الله له سبعين مرة لقول الله تعالى: { فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ~~} ، وقوله تعالى: { واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون } أي في حال بيعكم وشرائكم وأخذكم وإعطائكم، اذكروا الله ~~ذكرا كثيرا، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة، ولهذا ~~جاء في الحديث: # " من دخل سوقا من الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا ~~عنه ألف ألف سيئة " # وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله ~~قائما وقاعدا ومضطجعا. ### || [62.11] # يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة ~~إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال تعالى: { وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قآئما } أي ~~على المنبر تخطب، عن جابر رضي الله عنه، قال: قدمت عير مرة المدينة ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يخطب فخرج الناس، وبقي اثنا عشر رجلا فنزلت: { ~~وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها }. وروى ~~الحافظ أبو يعلى، عن جابر بن عبد الله قال: # " بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى ~~المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم ms2470 يبق مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبقى منكم أحد لسال ~~بكم الوادي نارا " " # ونزلت هذه الآية: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا ~~انفضوا إليها وتركوك قآئما } ، وقال: كان في الاثني عشر ~~الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر وعمر رضي الله ~~عنهما، وفي قوله تعالى: { وتركوك قآئما } دليل على أن الإمام ~~يخطب يوم الجمعة قائما، وقد روى مسلم في " صحيحه " عن جابر بن سمرة قال: ~~كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر ~~الناس، ولكن ههنا شيء ينبغي أن يعلم وهو أن هذه القصة قد قيل إنها كانت ~~لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الصلاة يوم الجمعة على ~~الخطبة، كما رواه أبو داود في كتاب " المراسيل " ، عن مقاتل بن حبان ~~يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل ~~العيدين، حتى إذا كان يوم والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب وقد صلى الجمعة ~~فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة، يعني فانفضوا، ولم يبقى ~~معه إلا نفر يسير، وقوله تعالى: { قل ما عند الله } أي الذي عند ~~الله من الثواب في الدار الآخرة { خير من اللهو ومن ~~التجارة والله خير الرازقين } أي لمن توكل عليه وطلب ~~الرزق في وقته. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-4] # يقول تعالى مخبرا عن المنافقين، أنهم إنما يتفوهون بالإسلام ظاهرا ~~فأما في باطن الأمر فليسوا كذلك بل على الضد من ذلك، ولهذا قال تعالى: { ~~إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله } أي إذا حضروا عندك واجهوك بذلك، وأظهروا لك ذلك، وليس كما ~~يقولون ولهذا اعترض بجملة مخبرة أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~{ والله يعلم إنك لرسوله }. ثم قال تعالى: { والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون } أي فيما أخبروا به لأنهم ~~لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون ms2471 ولا صدقه، ولهذا كذبهم بالنسبة إلى ~~اعتقادهم، وقوله تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا ~~عن سبيل الله } أي اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة ليصدقوا فيما ~~يقولون فاغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون، وهم من ~~شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالا، فحصل بهذا ~~القدر ضرر كبير على كثير من الناس، ولهذا قال تعالى: { فصدوا عن ~~سبيل الله إنهم سآء ما كانوا يعملون } ، وقوله ~~تعالى: { ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون } أي إنما قدر عليهم النفاق لرجوعهم ~~عن الإيمان إلى الكفران، واستبدالهم الضلالة بالهدى، { فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون } أي فلا يصل إلى قلوبهم هدى، ولا ~~يخلص إليها خير فلا تعي ولا تهتدي. وقوله تعالى: { وإذا رأيتهم ~~تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم } أي ~~وكانوا أشكالا حسنة وذوي فصاحة وألسنة، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى ~~قولهم لبلاغتهم، وهم مع ذلك في غاية الضعف والخور والهلع والجزع، ولهذا ~~قال تعالى: { يحسبون كل صيحة عليهم } أي كلما وقع أمر ~~أو خوف، يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم، كما قال تعالى: # فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت # [الأحزاب: 19] فهم جهامات وصور بلا معاني، ولهذا قال تعالى: { هم ~~العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون } أي ~~كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال، وفي الحديث: # " إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم ~~غلول، ولا يقربون المساجد إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا، ~~مستكبرين، لا يألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل، صخب بالنهار ". ### || [63.5-8] # يقول تعالى مخبرا عن المنافقين عليهم لعائن الله أنهم { وإذا قيل ~~لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا ~~رءوسهم } أي صدوا وأعرضوا عما قيل لهم استكبارا عن ذلك واحتقارا ~~لما قيل لهم، ولهذا قال تعالى: { ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون } ثم جازاهم على ذلك فقال تعالى: { سوآء عليهم ~~أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر ~~الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفسقين }. ~~عن ms2472 سفيان { لووا رءوسهم } حول سفيان وجهه على يمينه، ونظر ~~بعينه شزرا، ثم قال: هو هذا، وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق ~~كله نزل في (عبد الله بن أبي سلول) كما سنورده قريبا إن شاء الله تعالى. ~~قال قتادة والسدي: # " أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، وذلك أن غلاما من قرابته انطلق ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت ~~الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعزلوه وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل ~~لعدو الله: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يلوي رأسه، أي ~~لست فاعلا ". # وقال أبو إسحاق في قصة بني المصطلق: # " فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم هناك اقتتل على الماء (جهجاه ~~بن سعيد الغفاري) وكان أجيرا لعمر بن الخطاب و(سنان بن يزيد)، فقال ~~سنان: يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، وزيد بن أرقم ~~ونفر من الأنصار عند (عبد الله بن أبي) فلما سمعها قال: قد ثاورونا في ~~بلادنا والله ما مثلنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سمن كلبك ~~يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل ~~على من عنده من قومه، وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم، ~~وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم من بلادكم إلى ~~غيرها، فسمعها (زيد بن أرقم) رضي الله عنه فذهب بها إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وهو غليم عنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخبره ~~الخبر، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله! مر عباد من بشر فليضرب ~~عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فكيف إذا تحدث الناس يا عمر ~~أن محمدا يقتل أصحابه، لا، ولكن ناد يا عمر: الرحيل " ، فلما بلغ عبد ~~الله بن أبي أن ذلك قد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاه ms2473 فاعتذر ~~إليه، وحلف بالله ما قال، ما قال عليه (زيد بن أرقم) وكان عند قومه ~~بمكان، فقالوا: يا رسول الله عسى أن يكون هذا الغلام أوهم ولم يثبت ما ~~قال الرجل، وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا في ساعة كان لا ~~يروح فيها، فلقيه (أسيد بن الحضير) رضي الله عنه، فسلم عليه بتحية ~~النبوة، ثم قال: والله لقد رحت في ساعة مبكرة ما كنت تروح فيها، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي؟ زعم ~~أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل " ، قال: فأنت يا رسول الله ~~العزيز وهو الذليل، ثم قال: ارفق به يا رسول الله، فوالله لقد جاء الله ~~بك، وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكا، فسار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه ~~حتى اشتد الضحى، ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن ~~الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا " # ، ونزلت سورة المنافقين، وقال الحافظ أبو بكر البيهقي، عن جابر بن عبد ~~الله يقول: # " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فكسع رجل من المهاجرين ~~رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا ~~للمهاجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بال دعوى الجاهلية؟ ~~دعوها فإنها منتنة " ، وقال (عبد الله بن أبي بن سلول) وقد فعلوها: ~~والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال جابر: وكان ~~الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين حين قدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم كثر المهاجرون بعد ذلك، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل ~~أصحابه " " # وروى الإمام أحمد، عن زيد بن أرقم قال: # " كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فقال عبد الله بن ~~أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ms2474 الأذل. قال: فأتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأخبرته قال، فحلف عبد الله بن أبي أنه لم يكن شيء ~~من ذلك، قال: فلامني قومي وقالوا: ما أردت إلى هذا؟ قال، فانطلقت فنمت ~~كئيبا حزينا، قال: فأرسل إلي نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن ~~الله قد أنزل عذرك وصدقك " ، قال: فنزلت هذه الآية: { هم الذين ~~يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا } حتى بلغ { لئن رجعنآ إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل } ". # طريق أخرى: قال الإمام أحمد رحمه الله، عن زيد بن أرقم قال: # " خرجت مع عمي في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول لأصحابه: لا ~~تنفقوا على من عند رسول الله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل، فذكرت ذلك لعمي، فذكره عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل ~~إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي ~~بن سلول وأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا، فكذبني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، وجلست في البيت، فقال ~~عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك! قال: حتى ~~أنزل الله: { إذا جآءك المنافقون } ، قال: فبعث إلي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم علي، ثم ~~قال: " إن الله قد صدقك " # وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة # " أن عبد الله بن عبد الله بن أبي لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد ~~الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك ~~رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني ~~أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن ~~أبي يمشي في الناس، ms2475 فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا " " # ، وذكر عكرمة # " أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف (عبد الله بن عبد الله) ~~على باب المدينة واستل سيفه، فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه (عبد ~~الله بن أبي) قال له ابنه: وراءك فقال: مالك ويلك؟ فقال: والله لا تجوز ~~من ههنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه العزيز وأنت ~~الذليل، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا إليه عبد الله بن ~~أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن ~~له، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما إذا أذن لك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجز الآن " # ، وقال الحميدي في " مسنده ": # " قال عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول لأبيه: والله لا تدخل ~~المدينة أبدا حتى تقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنا الأذل، ~~قال: وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك ~~تريد أن تقتل أبي، فوالذي بعثك بالحق لئن شئت أن آتيك برأسه لأتيتك، فإني ~~أكره أن أرى قاتل أبي ". ### || [63.9-11] # يقول تعالى آمرا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره، وناهيا لهم عن أن تشغلهم ~~الأموال والأولاد عن ذلك، ومخبرا لهم بأنه من التهى بمتاع الحياة الدنيا ~~وزينتها عن طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيامة ثم حثهم على الإنفاق في طاعته فقال: { وأنفقوا ~~من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ~~فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ~~فأصدق وأكن من الصالحين } ، فكل مفرط يندم عند ~~الاحتضار، ويسأل طول المدة ليستعتب ويستدرك ما فاته وهيهات، كما قال ~~تعالى: # وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ~~ظلموا ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب ~~دعوتك ونتبع الرسل # [إبراهيم: 44]، وقال تعالى: # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال ms2476 رب ارجعون * ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت # [المؤمنون: 99-100]، ثم قال تعالى: { ولن يؤخر الله نفسا ~~إذا جآء أجلهآ والله خبير بما تعملون } أي لا ينظر ~~أحدا بعد حلول أجله، وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقا في قوله وسؤاله، ~~ممن لو رد لعاد إلى شر ما كان عليه، ولهذا قال تعالى: { والله ~~خبير بما تعملون }. روى الترمذي عن ابن عباس قال: من كان له ~~مال يبلغه حج بيت ربه، أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل، سأل الرجعة عند ~~الموت، فقال رجل: يا ابن عباس اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: ~~سأتلو عليك بذلك قرآنا: { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم ~~أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ~~ذلك فأولئك هم الخاسرون * وأنفقوا من ما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ~~رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن ~~من الصالحين } إلى قوله: { والله خبير بما تعملون ~~} قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعدا، قال: فما ~~يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير. وروى ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء رضي ~~الله عنه قال: # " ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الزيادة في العمر فقال: " إن ~~الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما الزيادة في العمر أن يرزق الله ~~العبد ذرية صالحة يدعون له، فيلحقه دعاؤهم في قبره " ". ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-4] # هذه السورة هي آخر المسبحات، وقد تقدم الكلام على تسبيح المخلوقات ~~لبارئها ومالكها، ولهذا قال تعالى: { له الملك وله الحمد } ~~أي هو المتصرف في جميع الكائنات، المحمود على جميع ما يخلقه ويقدره. ~~وقوله تعالى: { وهو على كل شيء قدير } أي مهما أراد كان ~~بلا ممانع ولا مدافع، وما لم يشأ لم يكن، وقوله تعالى: { هو الذي ~~خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ، أي هو الخالق لكم ~~على هذه الصفة، فلا بد من وجود مؤمن وكافر، وهو البصير بمن يستحق الهداية ~~ممن يستحق الضلال، ولهذا قال تعالى: { والله بما تعملون ~~بصير } ، ثم قال تعالى: ms2477 { خلق السموت والأرض بالحق ~~} أي بالعدل والحكمة، { وصوركم فأحسن صوركم } أي أحسن ~~أشكالكم، كقوله تعالى: # الذي خلقك فسواك فعدلك * في أى صورة ما ~~شآء ركبك # [الإنفطار: 7-8]، وكقوله تعالى: # وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من ~~الطيبات # [غافر: 64] الآية، وقوله تعالى: { وإليه المصير } أي المرجع ~~والمآل. ثم أخبر تعالى عن علمه بجميع الكائنات السمائية والأرضية ~~والنفسية فقال تعالى: { يعلم ما في السموت والأرض ~~ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات ~~الصدور }. ### || [64.5-6] # يقول تعالى مخبرا عن الأمم الماضين، وما حل بهم من العذاب والنكال، ~~في مخالفة الرسل والتكذيب بالحق، فقال تعالى: { ألم يأتكم نبأ ~~الذين كفروا من قبل } أي خبرهم وما كان من أمرهم { ~~فذاقوا وبال أمرهم } أي وخيم تكذيبهم ورديء أفعالهم، وهو ما ~~حل بهم في الدنيا من العقوبة والخزي، { ولهم عذاب أليم } أي ~~في الدار الآخرة، ثم علل ذلك فقال: { ذلك بأنه كانت ~~تأتيهم رسلهم بالبينات } أي بالحجج والدلائل والبراهين، ~~{ فقالوا أبشر يهدوننا } أي استبعدوا أن تكون الرسالة في ~~البشر، وأن يكون هداهم على يدي بشر مثلهم، { فكفروا وتولوا } ~~أي كذبوا بالحق ونكلوا عن العمل، { واستغنى } أي عنهم، { ~~والله غني حميد }. ### || [64.7-10] # يقول تعالى مخبرا عن الكفار والمشركين والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا ~~يبعثون { قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما ~~عملتم } أي لتخبرن بجميع أعمالكم جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها { ~~وذلك على الله يسير } أي بعثكم ومجازاتكم، ثم قال تعالى: { ~~فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا } يعني ~~القرآن { والله بما تعملون خبير } أي فلا تخفى عليه من ~~أعمالكم خافية، وقوله تعالى: { يوم يجمعكم ليوم الجمع } ~~وهو يوم القيامة، سمي بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون، في صعيد واحد ~~يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، كما قال تعالى: # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود: 103]، وقال تعالى: # قل إن الأولين والآخرين * لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # [الواقعة: 49-50]، وقوله تعالى: { ذلك يوم التغابن } قال ابن ~~عباس: هو اسم من أسماء يوم القيامة، وذلك أن أهل الجنة يغبنون أهل النار، ~~وقال ms2478 مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة، ويذهب ~~بأولئك إلى النار. ### || [64.11-13] # يقول تعالى: { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله } ~~قال ابن عباس: بأمر الله يعني عن قدره ومشيئته، { ومن يؤمن ~~بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم } أي ومن ~~أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء وقدره، فصبر واحتسب عوضه عما فاته من ~~الدنيا، هدى في قلبه ويقينا صادقا، قال ابن عباس: يعني يهد قلبه ~~لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وقال ~~الأعمش عن علقمة { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } قال: هو ~~الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، وقال سعيد بن ~~جبير: يعني يسترجع يقول: # إنا لله وإنآ إليه راجعون # [البقرة: 156]، وفي الحديث المتفق عليه: # " عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء ~~صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا ~~للمؤمن " # ، وقوله تعالى: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } أمر ~~بطاعة الله ورسوله فيما شرع، وفعل ما به أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، ثم ~~قال تعالى: { فإن توليتم فإنما على رسولنا ~~البلاغ المبين } أي إن نكلتم عن العمل فإنما عليه ما حمل من ~~البلاغ، وعليكم ما حملتم من السمع والطاعة، قال الزهري: من الله ~~الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، ثم قال تعالى مخبرا أنه ~~الأحد الصمد: { الله لا إله إلا هو وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } أي وحدوا الإلهية له وأخلصوها لديه ~~وتوكلوا عليه، كما قال تعالى: # رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا # [المزمل: 9]. ### || [64.14-18] # يقول تعالى مخبرا عن الأزواج والأولاد، أن منهم من هو عدو الزوج ~~والوالد، بمعنى أنه يلتهي به عن العمل الصالح، كقوله تعالى: # لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ~~ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون # [المنافقون: 9]، ولهذا قال تعالى ههنا: { فاحذروهم } قال ابن ~~زيد: يعني على دينكم، وقال مجاهد: { إن من أزواجكم ms2479 ~~وأولادكم عدوا لكم } قال: يحمل الرجل على قطيعة الرحم، أو ~~معصية ربه، فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه، وقال ابن أبي حاتم: عن ~~ابن عباس، وسأله رجل عن هذه الآية: { يأيها الذين آمنوا ~~إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم } قال: # " فهؤلاء رجال أسلموا من مكة، فأرادوا أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية: { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا ~~فإن الله غفور رحيم } " # وقوله تعالى: { إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة ~~والله عنده أجر عظيم }. يقول تعالى: إنما الأموال والأولاد ~~{ فتنة } أي اختبار وابتلاء من الله تعالى لخلقه، ليعلم من يطيعه ممن ~~يعصيه، وقوله تعالى: { والله عنده } أي يوم القيامة { أجر ~~عظيم } كما قال تعالى: # ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن ~~المآب # [آل عمران: 14]. روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب، فجاء الحسن والحسين رضي ~~الله عنهما عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: " صدق الله ~~ورسوله { إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة } نظرت إلى ~~هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما " " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الولد ثمرة القلوب، وإنهم مجبنة مبخلة محزنة ". # وقوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم } أي جهدكم ~~وطاقتكم كما ثبت في الصحيحين: # " إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه " # ، وهذه الآية ناسخة للتي في آل عمران وهي قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102]، عن سعيد بن جبير في قوله: # اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون # [آل عمران: 102]، قال: لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا ~~حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تعالى هذه الآية تخفيفا ~~على المسلمين { فاتقوا الله ما استطعتم } فنسخت الآية ms2480 ~~الأولى، وقوله تعالى: { واسمعوا وأطيعوا } أي كونوا منقادين ~~لما يأمركم الله به ورسوله، ولا تحيدوا عنه يمنة ولا يسرة، وقوله تعالى: ~~{ وأنفقوا خيرا لأنفسكم } أي وابذلوا مما رزقكم الله على ~~الأقارب والفقراء والمساكين، وأحسنوا إلى خلق الله كما أحسن الله إليكم، ~~يكن خيرا لكم في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: { ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون } تقدم تفسيره في سورة ~~الحشر، وقوله تعالى: { إن تقرضوا الله قرضا حسنا ~~يضاعفه لكم ويغفر لكم } أي مهما أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه، ومهما تصدقتم من شيء فعليه جزاؤه، ونزل ذلك منزلة القرض له، كما ~~ثبت في الصحيحين أن الله تعالى يقول: # " من يقرض غير ظلوم ولا عديم " # ، ولهذا قال تعالى: { يضاعفه لكم } ، كما قال تعالى: # فيضاعفه له أضعافا كثيرة # [البقرة: 245] { ويغفر لكم } ، أي ويكفر عنكم السيئات، { ~~والله شكور } أي يجزي على القليل والكثير، { حليم } أي يصفح ~~ويغفر ويستر، ويتجاوز عن الذنوب والزلات، { عالم الغيب ~~والشهادة العزيز الحكيم } تقدم تفسيره غير مرة. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1] # خوطب النبي صلى الله عليه سلم أولا تشريفا وتكريما، ثم خاطب الأمة ~~تبعا فقال تعالى: { يأيها النبي إذا طلقتم النسآء ~~فطلقوهن لعدتهن } وعن أنس قال: # " طلق رسول الله حفصة فأتت أهلها فأنزل الله تعالى: { يأيها ~~النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن ~~} فقيل له: راجعها، فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة " # وروى البخاري # " أن عبد الله بن عمر طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " ليراجعها ~~ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا ~~قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر بها الله عز وجل " " # وفي رواية لهم: # " فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " # وقال عبد الله في قوله تعالى: { فطلقوهن لعدتهن } قال: ~~الطهر من غير جماع، وقال ابن عباس: لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد ~~جامعها فيه، ولكن يتركها ms2481 حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة، وقال عكرمة: { ~~فطلقوهن لعدتهن } العدة الطهر، والقرء الحيضة أن يطلقها ~~حبلى مستبينا حملها ولا يطلقها وقد طاف عليها ولا يدري حبلى هي أم لا؟ ~~ومن ههنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق، وقسموه إلى طلاق سنة، وطلاق بدعة، ~~فطلاق السنة أن يطلقها طاهرة من غير جماع، أو حاملا قد استبان حملها، ~~والبدعي هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري ~~أحملت أم لا، وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة وهو طلاق الصغيرة والآيسة ~~وغير المدخول بها، وتحرير الكلام مستقصى في كتب الفروع. # وقوله تعالى: { وأحصوا العدة } أي احفظوها واعرفوا ابتداءها ~~وانتهاءها لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج، { واتقوا ~~الله ربكم } أي في ذلك، وقوله تعالى: { لا تخرجوهن من ~~بيوتهن ولا يخرجن } أي في مدة العدة لها حق السكنى على ~~الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها ولا يجوز لها أيضا ~~الخروج لأنها متعلقة لحق الزوج أيضا، وقوله تعالى: { إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة } أي لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ~~ترتكب المرأة فاحشة مبينة، والفاحشة المبينة تشمل الزنا، وتشمل ما إذا ~~نشزت المرأة أو بذت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال، وقوله ~~تعالى: { وتلك حدود الله } أي شرائعه ومحارمه { ومن ~~يتعد حدود الله } أي يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر ~~بها { فقد ظلم نفسه } أي بفعل ذلك، وقوله تعالى: { لا تدرى ~~لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } أي لعل الزوج يندم على ~~طلاقها ويخلق الله تعالى في قلبه رجعتها، قال الزهري عن فاطمة بنت قيس في ~~قوله تعالى: { لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا } قالت: هي الرجعة، ومن ههنا ذهب من ذهب من السلف إلى أنه لا ~~تجب السكنى للمبتوتة أي المقطوعة، وكذا المتوفى عنها زوجها، واعتمدوا ~~أيضا على حديث (فاطمة بنت قيس) # " حين طلقها زوجها (أبو عمرو بن حفص) آخر ثلاث تطليقات، وكان غائبا ~~عنها باليمن، فأرسل إليها بذلك، فأرسل ms2482 إليها وكيله بشعير يعني نفقة ~~فتسخطته، فقال: والله ليس لك علينا نفقة، فأتت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: " ليس لك عليه نفقة " " # ، ولمسلم: " ولا سكنى " ، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: # " تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ~~ثيابك " # الحديث. ### || [65.2-3] # يقول تعالى: فإذا بلغت المعتدات أجلهن، أي شارفن على انقضاء العدة ~~وقاربن ذلك، ولكن لم تفرغ العدة بالكلية، فحينئذ إما أن يعزم الزوج على ~~إمساكها، وهو رجعتها إلى عصمة نكاحه والاستمرار بها على ما كانت عليه ~~عنده { بمعروف } أي محسنا إليها في صحبتها، وإما أن يعزم على ~~مفارقتها { بمعروف } أي من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف، بل ~~يطلقها على وجه جميل وسبيل حسن، وقوله تعالى: { وأشهدوا ذوى ~~عدل منكم } أي على الرجعة إذا عزمتم عليها، كما روي عن عمران بن ~~حصين أنه سئل عن الرجل يطلق المرأة، ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا ~~على رجعتها، فقال: طلقت لغير سنة، ورجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى ~~رجعتها ولا تعد، وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: { وأشهدوا ذوى ~~عدل منكم } قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا ~~عدل، كما قال الله عز وجل إلا أن يكون من عذر، وقوله تعالى: { ذلكم ~~يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر } أي هذا ~~الذي أمرناكم به من الإشهاد وإقامة الشهادة، إنما يأتمر به من يؤمن بالله ~~واليوم الآخر، ومن يخاف عقاب الله في الدار الآخرة، وقوله تعالى: { ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب } أي ومن يتق الله فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه، يجعل له ~~من أمره مخرجا { ويرزقه من حيث لا يحتسب } أي من جهة ~~لا تخطر بباله. # عن عبد الله بن مسعود قال: إن أجمع آية في القرآن: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان # [النحل: 90]، وإن أكبر آية في القرآن فرجا: { ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا ms2483 }. وفي المسند، عن عبد الله بن عباس قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ~~ورزقه من حيث لا يحتسب " # وقال ابن عباس: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } ~~يقول: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة، { ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب } ، وقال الربيع من خيثم: { يجعل له مخرجا } أي ~~من كل شيء ضاق على الناس، { من حيث لا يحتسب } أي من حيث لا ~~يدري، وقال قتادة { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } أي ~~من شبهات الأمور والكرب عند الموت، { ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب } من حيث يرجو ولا يأمل، وقال السدي: { ومن يتق الله ~~} يطلق للسنة، ويراجع للسنة، وزعم # " أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له عوف بن مالك ~~الأشجعي، كان له ابن وأن المشركين أسروه فكان فيهم، وكان أبوه يأتي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيشكو إليه مكان ابنه وحاله التي هو بها وحاجته، ~~فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بالصبر، ويقول له: " إن الله ~~سيجعل لك فرجا " ، فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا أن انفلت ابنه من أيدي ~~العدو، فمر بغنم من أغنام العدو فاستاقها، فجاء بها إلى أبيه وجاء معه ~~بغنم قد أصابه من المغنم " # ، فنزلت فيه هذه الآية: { ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب }. وروى الإمام ~~أحمد، عن ثوبان قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا ~~يزيد في العمر إلا البر " # وعن عمران بن حصين قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن ~~انقطع إلى الدنيا وكله إليها ". # وقوله تعالى: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } روى ~~الإمام أحمد، عن ابن عباس: # " أنه ركب خلف رسول الله صلى الله عليه ms2484 وسلم يوما، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ ~~الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم ~~أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ~~ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت ~~الأقلام وجفت الصحف " " # وقال الإمام أحمد، عن ابن مسعود، قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من نزل به حاجة فأنزلها بالناس كان قمنا أن لا تسهل حاجته، ومن ~~أنزلها بالله تعالى أتاه الله برزق عاجل أو بموت آجل " # وقوله تعالى: { إن الله بالغ أمره } أي منفذ قضاياه ~~وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاؤه { قد جعل الله لكل شيء ~~قدرا } كقوله تعالى: # وكل شيء عنده بمقدار # [الرعد: 8]. ### || [65.4-5] # يقول تعالى مبينا لعدة الآيسة، وهي التي قد انقطع عنها المحيض لكبرها، ~~أنها { ثلاثة أشهر } عوضا عن الثلاثة قروء في حق من تحيض، وكذا ~~الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض، أن عدتهن كعدة الآيسة ثلاثة أشهر، ~~ولهذا قال تعالى: { واللائي لم يحضن }. وقوله تعالى: { إن ~~ارتبتم } فيه قولان: أحدهما: وهو قول طائفة من السلف أي إن رأين ~~دما وشككتم في كونه حيضا أو استحاضه وارتبتم فيه، والقول الثاني: إن ~~ارتبتم في حكم عدتهن ولم تعرفوه فهو ثلاثة أشهر، وهذا مروي عن سعيد بن ~~جبير، وهو اختيار ابن جرير وهو أظهر في المعنى لما روي عن أبي بن كعب ~~قال: قلت: لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ناسا من أهل المدينة لما ~~أنزلت هذه الآية في البقرة في عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدة النساء ~~عدد لم يذكرن في البقرة: الصغار والكبار اللائي قد انقطع منهن الحيض، ~~وذوات الحمل، قال: فأنزلت التي في النساء القصرى: { واللائي يئسن ~~من المحيض من نسآئكم إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن }. وقوله تعالى: { ~~وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } يقول ~~تعالى ومن ms2485 كانت حاملا فعدتها بوضعه ولو كان بعد الطلاق أو الموت بفواق ~~ناقة، في قول جمهور العلماء كما هو نص هذه الآية الكريمة، وكما وردت به ~~السنة النبوية، وقد روي عن (علي) و(ابن عباس) رضي الله عنهم أنها تعتد ~~بأبعد الأجلين من الوضع والأشهر، عملا بهذه الآية والتي في سورة البقرة ~~روى البخاري، عن أبي سلمة قال: # " جاء رجل إلى ابن عباس - وأبو هريرة جالس - فقال: أفتني في امرأة ولدت ~~بعد زوجها بأربعين ليلة، فقال ابن عباس: آخر الأجلين، قلت: أنا { ~~وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ، قال ~~أبو هريرة: أنا مع ابن أخي - يعني أبا سلمة - فأرسل ابن عباس غلامه ~~كريبا إلى أم سلمة يسألها، فقالت: قتل زوج (سبيعة الأسلمية) وهي ~~حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وكان أبو السنابل فيمن خطبها ". # وروى البخاري ومسلم: # " أن سبيعة كانت تحت (سعد بن خولة) وكان ممن شهدا بدرا، فتوفي عنها في ~~حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من ~~نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال لها: ما لي ~~أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح! إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك ~~أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت علي ثيابي حين ~~أمسيت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني ~~قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج إن بدا لي " # هذا لفظ مسلم، ورواه البخاري مختصرا، ثم قال البخاري بعد روايته الحديث ~~الأول عند هذه الآية، وقال أبو سليمان بن حرب وأبو النعمان، حدثنا حماد ~~بن زيد عن أيوب، عن محمد هو ابن سيرين قال: كنت في حلقة فيها عبد الرحمن ~~بن أبي ليلى، وكان أصحابه يعظمونه فذكر آخر الأجلين، فحدثت بحديث سبيعة ~~بنت الحارث عن عبد الله بن عتبة قال: فضمز لي بعض أصحابه، قال محمد: ~~ففطنت له، فقلت له: إني لجريء أن أكذب على عبد ms2486 الله، وهو في ناحية الكوفة ~~قال: فاستحيا وقال: لكن عمه لم يقل ذلك، فلقيت أبا عطية مالك بن عامر، ~~فسألته، فذهب يحدثني بحديث سبيعة، فقلت: هل سمعت عن عبد الله فيها شيئا؟ ~~فقال: كنا عند عبد الله فقال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها ~~الرخصة؟ فنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: { وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن }. وروى ابن جرير عن علقمة بن قيس ~~أن عبد الله بن مسعود قال: من شاء لاعنته، ما نزلت { وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } إلا بعد آية المتوفى ~~عنها زوجها، قال: وإذا وضعت المتوفى عنها زوجها فقد حلت يريد بآية ~~المتوفى عنها # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # [البقرة: 234] وقال: ابن أبي حاتم، عن مسروق قال: بلغ ابن مسعود أن ~~عليا رضي الله عنه يقول آخر الأجلين، فقال: من شاء لاعنته إن التي في ~~النساء القصرى نزلت بعد البقرة { وأولات الأحمال أجلهن ~~أن يضعن حملهن } ، وقوله تعالى: { ومن يتق الله ~~يجعل له من أمره يسرا } أي يسهل له أمره وييسره عليه، ~~ويجعل له فرجا قريبا ومخرجا عاجلا، ثم قال تعالى: { ذلك أمر ~~الله أنزله إليكم } أي حكمه وشرعه أنزله إليكم بواسطة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { ومن يتق الله يكفر عنه ~~سيئاته ويعظم له أجرا } أي يذهب عنه المحذور، ويجزل له ~~الثواب على العمل اليسير. ### || [65.6-7] # يقول تعالى آمرا عباده، إذا طلق أحدهم المرأة أن يسكنها في منزل، حتى ~~تنقضي عدتها فقال: { أسكنوهن من حيث سكنتم } أي عندكم { ~~من وجدكم } قال ابن عباس: يعني سعتكم، وقال قتادة: إن لم تجد إلا ~~جنب بيتك فأسكنها فيه، وقوله تعالى: { ولا تضآروهن ~~لتضيقوا عليهن } قال مقاتل بن حيان: يعني يضاجرها لتفتدي ~~منه بمالها أو تخرج من مسكنه، وقال الثوري: يطلقها فإذا بقي يومان ~~راجعها. وقوله تعالى: { وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن } قال كثير من العلماء: هذه في ~~البائن إن كانت حاملا أنفق عليها حتى تضع حملها، قالوا: ms2487 بدليل أن ~~الرجعية تجب نفقتها سواء كانت حاملا أو حائلا، وقال آخرون: بل السياق ~~كله في الرجعيات، وإنما نص على الإنفاق على الحامل وإن كانت رجعية، لأن ~~الحمل تطول مدته غالبا، فاحتيج إلى النص على وجوب الإنفاق إلى الوضع، ~~لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة، وقوله تعالى: { فإن ~~أرضعن لكم } أي إذا وضعن حملهن وهو طوالق فقد بن بانقضاء ~~عدتهن، فإن أرضعت استحقت أجر مثلها، ولهذا قال تعالى: { فإن ~~أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } ، وقوله تعالى: { ~~وأتمروا بينكم بمعروف } أي ولتكن أموركم فيما بينكم ~~بالمعروف، من غير إضرار ولا مضارة، كما قال تعالى: # لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده # [البقرة: 233]، وقوله تعالى: { وإن تعاسرتم فسترضع له ~~أخرى } أي وإن اختلف الرجل والمرأة، فطلبت المرأة في أجرة الرضاع ~~كثيرا ولم يجبها الرجل إلى ذلك، أو بذل الرجل قليلا ولم توافقه عليه، ~~فليسترضع له غيرها، فلو رضيت الأم بما استؤجرت به الأجنبية فهي أحق ~~بولدها، وقوله تعالى: { لينفق ذو سعة من سعته } أي لينفق ~~على المولود والده أو وليه بحسب قدرته، { ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق ممآ آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ~~مآ آتاها } ، كقوله تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286]، روى ابن جرير، عن أبي سنان قال: # " سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة، فقيل: إنه يلبس الغليظ من الثياب، ~~ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها ~~إذا هو أخذها؟ فما لبث أن لبس اللين من الثياب، وأكل أطيب الطعام فجاءه ~~الرسول فأخبره، فقال رحمه الله تعالى: تأول هذه الآية { لينفق ذو ~~سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ ~~آتاه الله } " # ، وقوله تعالى: { سيجعل الله بعد عسر يسرا } وعد منه ~~تعالى، ووعده حق لا يخلفه، وهذه كقوله تعالى: # فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا # [الشرح: 5-6]، وقد روى الإمام أحمد، عن أبي هريرة قال: # " دخل رجل على أهله، فلما رأى ما بهم من ms2488 الحاجة خرج إلى البرية، فلما ~~رأت امرأته قامت إلى الرحى فوضعتها وإلى التنور فسجرته، ثم قالت: اللهم ~~ازرقنا، فنظرت، فإذا الجفنة قد امتلأت، قال: وذهبت إلى التنور فوجدته ~~ممتلئا، قال: فرجع الزوج فقال: أصبتم بعدي شيئا؟ قالت امرأته: نعم من ~~ربنا، فأم إلى الرحى فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " أما إنه لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة " ~~". ### || [65.8-11] # يقول تعالى متوعدا لمن خالف أمره، وكذب رسله وسلك غير ما شرعه، ~~ومخبرا عما حل بالأمم السالفة بسبب ذلك فقال تعالى: { وكأين من ~~قرية عتت عن أمر ربها ورسله } أي تمردت وطغت ~~واستكبرت عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله، { فحاسبناها حسابا ~~شديدا وعذبناها عذابا نكرا } أي منكرا فظيعا، { ~~فذاقت وبال أمرها } أي غب مخالفتها وندموا حيث لا ينفعهم ~~الندم، { وكان عاقبة أمرها خسرا * أعد الله لهم ~~عذابا شديدا } أي في الدار الآخرة مع ما عجل لهم من العذاب في ~~الدنيا، ثم قال تعالى بعد ما قص من خبر هؤلاء: { فاتقوا الله ~~يأولي الألباب } أي الأفهام المستقيمة لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ~~ما أصابهم يا أولي الألباب، { الذين آمنوا } أي صدقوا بالله ورسله ~~{ قد أنزل الله إليكم ذكرا } يعني القرآن، كقوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]، وقوله تعالى: { رسولا يتلوا عليكم آيات ~~الله مبينات } ، قال بعضهم: { رسولا } بدل اشتمال؛ لأن ~~الرسول هو الذي بلغ الذكر، وقال ابن جرير: الصواب أن الرسول ترجمة عن ~~الذكر يعني تفسيرا له، ولهذا قال تعالى: { رسولا يتلوا ~~عليكم آيات الله مبينات } أي في حال كونها بينة واضحة ~~جلية، { ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ~~الظلمات إلى النور } ، كقوله تعالى: # كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور # [إبراهيم: 1]، وقال تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257]، أي من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإيمان والعلم، وقد ~~سمى الله تعالى الوحي الذي أنزله { نورا } لما يحصل به من الهدى، كما ms2489 ~~سماه { روحا } لما يحصل به من حياة القلوب فقال تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52] الآية، وقوله تعالى: { ومن يؤمن بالله ويعمل ~~صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيهآ أبدا قد أحسن الله له رزقا } قد تقدم ~~تفسير مثل هذا ولله الحمد والمنة. ### || [65.12] # يقول تعالى مخبرا عن قدرته التامة وسلطانه العظيم، ليكون ذلك باعثا ~~على تعظيم ما شرع من الدين القويم: { الله الذي خلق سبع ~~سموت } ، كقوله تعالى: # ألم تروا كيف خلق الله سبع سموت طباقا # [نوح: 15]، وقوله تعالى: { ومن الأرض مثلهن } أي سبعا ~~أيضا، كما ثبت في الصحيحين: # " من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين " # وفي " صحيح البخاري ": # " خسف به إلى سبع أرضين " # وقد تقدم في سورة الحديد ذكر الأرضين السبع وبعد ما بينهن وكثافة كل ~~واحدة منهن خمسمائة عام، وهكذا قال ابن مسعود وغيره، وكذا في الحديث ~~الآخر: # " ما السماوات السبع وما فيهن وما بينهن والأرضون السبع وما فيهن وما ~~بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة " # ، وقال ابن جرير، عن ابن عباس في قوله تعالى: { سبع سموت ~~ومن الأرض مثلهن } قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم ~~تكذيبكم بها ". ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-5] # اختلف في سبب نزول صدر هذه السورة، فقيل: نزلت في شأن (مارية) وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد حرمها فنزل قوله تعالى: { يأيها ~~النبي لم تحرم مآ أحل الله لك } الآية، وقد روى ~~النسائي، عن أنس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة ~~وحفصة، حتى حرمها، فأنزل الله عز وجل: { يأيها النبي لم ~~تحرم مآ أحل الله لك } إلى آخر الآية " # ، وروى ابن جرير، عن زيد بن أسلم # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه، ~~فقالت: أي رسول الله في بيتي وعلى فراشي؟ فجعلها عليه حراما، فقالت: أي ~~رسول الله كيف يحرم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها، ms2490 فأنزل الله ~~تعالى: { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~} " # ؟! وعن مسروق قال: # " آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرم، فعوتب في التحريم، وأمر ~~بالكفارة باليمين " # ، وعن سعيد بن جبير: أن ابن عباس كان يقول في الحرام يمين تكفرها، وقال ~~ابن عباس: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم جاريته، فقال ~~الله تعالى: { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله ~~لك } إلى قوله: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ~~} فكفر يمينه فصير الحرام يمينا، ومن ههنا قال بعض الفقهاء بوجوب ~~الكفارة على من حرم جاريته، أو زوجته، أو طعاما، أو شرابا، أو شيئا ~~من المباحات وهو مذهب الإمام أحمد، وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة ~~فيما عدا الزوجة والجارية إذا حرم عينيهما، فأما إن نوى بالتحريم طلاق ~~الزوجة أو عتق الأمة نفذ فيهما، والآية نزلت في تحريمه العسل كما روى ~~البخاري عن عائشة قالت: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب عسلا عند (زينب بنت جحش) ويمكث ~~عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير؟ ~~إني أجد منك ريح مغافير، قال: " لا ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت ~~جحش، فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا " " # { تبتغي مرضات أزواجك }. # وقال البخاري في " كتاب الطلاق " عن عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل، وكان إذا انصرف ~~من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس ~~أكثر ما كان يحتبس، فغرت، فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها ~~عكة عسل، فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة، فقلت: أما والله ~~لنحتالن له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: ~~أكلت مغافير فإنه سيقول: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد؟ سيقول لك: ~~سقتني حفصة شربة عسل، فقولي: جرست نحله العرفط وسأقول ذلك، ms2491 وقولي له أنت ~~يا صفية ذلك، قالت: تقول سودة: فوالله ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت ~~أن أناديه بما أمرتني فرقا منك، فلما دنا منها، قالت له سودة: يا رسول ~~الله أكلت مغافير؟ قال: " لا " ، قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: ~~" سقتني حفصة شربة عسل " ، قالت: جرست نحلة العرفط، فلما دار إلي، قلت ~~نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: ~~يا رسول الله ألا أسقيك منه؟ قال: " لا حاجة لي فيه " # ، قالت: تقول سودة والله لقد حرمناه، قلت لها: اسكتي. هذا لفظ البخاري ~~ولمسلم، قالت: # " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح، يعني ~~الريح الخبيثة، ولهذا قلن له أكلت مغافير لأن ريحها فيه شيء، فلما قال: " ~~بل شربت عسلا " " # قلن: جرست نحلة العرفط، أي رعث نحله شجر العرفط الذي صمغه المغافير، ~~فلهذا ظهر ريحه في العسل الذي شربته، قال الجوهري: جرست النحل العرفط إذا ~~أكلته، ومنه قيل للنحل جوارس، وفي رواية عن عائشة أن (زينب بنت جحش) هي ~~التي سقته العسل، وأن عائشة وحفصة تواطأتا وتظاهرتا عليه فالله أعلم، وقد ~~يقال: إنهما واقعتان، ولا بعد في ذلك إلا أن كونهما سببا لنزول هذه ~~الآية فيه نظر، والله أعلم. # ومما يدل على أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما هما المتظاهرتان الحديث ~~الذي رواه الإمام أحمد عن ابن عباس: قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر ~~عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى: { ~~إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما } حتى حج عمر ~~وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر، وعدلت معه بالإداوة، فتبرز ثم ~~أتاني، فسكبت على يديه فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين: من المرأتان من ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى: { إن تتوبآ ~~إلى الله فقد صغت قلوبكما }؟ فقال عمر: واعجبا لك يا ~~ابن عباس، قال: الزهري: كره والله ms2492 ما سأله عنه ولم يكتمه، قال: هي (عائشة ~~وحفصة). قال: ثم أخذ يسوق الحديث، قال: # " كنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما ~~تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤها يتعلمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في دار ~~أمية بن زيد بالعوالي، فغضبت يوما على امرأتي، فإذا هي تراجعني، ~~فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، قال: ~~فانطلقت فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه سلم؟ ~~قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: قد ~~خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، ~~فإذا هي قد هلكت، لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تسأليه ~~شيئا، وسليني من مالي ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم (أي ~~أجمل) وأحب إلى رسول الله صلى الله وسلم منك يريد عائشة -، قال: وكان ~~لي جار من الأنصار، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ينزل يوما وأنزل يوما، فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك، ~~قال: وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي يوما، ثم أتى ~~عشاء، فضرب بابي، ثم ناداني، فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم، فقلت: وما ~~ذاك، أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأطول، طلق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نساءه، فقلت: قد خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن هذا كائنا، ~~حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي، ثم نزلت، فدخلت على حفصة وهي تبكي ~~فقلت: أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: لا أدري، هو هذا ~~معتزل في هذه المشربة، فأتيت غلاما له أسود فقلت استأذن لعمر، فدخل ~~الغلام ثم خرج إلي فقال: ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المنبر، فإذا ~~عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست عنده قليلا، ثم غلبني ما أجد فأتيت ~~الغلام، فقلت: استأذن ms2493 لعمر فدخل ثم خرج إلي، فقال: فقد ذكرتك له فصمت، ~~فخرجت فجلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن ~~لعمر: فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت فوليت مدبرا. فإذا الغلام ~~يدعوني. فقال: ادخل قد أذن لك. فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فإذا هو متكىء على رمال حصير وقد أثر في جنبه فقلت: أطلقت يا رسول ~~الله نساءك؟ فرفع رأسه إلي، وقال: " لا " ، فقلت: الله أكبر، ولو رأيتنا ~~يا رسول الله وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة ~~وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم. فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم. فغضبت على ~~امرأتي يوما، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني. فقالت: ما تنكر أن ~~أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره ~~إحداهن اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت، أفتأمن ~~إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت؟ فتبسم رسول الله ~~صلى عليه وسلم فقلت: يا رسول الله قد دخلت على حفصة، فقلت: لا يغرنك أن ~~كانت جارتك هي أوسم أو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، فتبسم ~~أخرى، فقلت: استأنس يا رسول الله؟ قال: " نعم " ، فجلست فرفعت رأسي في ~~البيت فوالله ما رأيت في البيت شيئا يرد البصر إلا أهب مقامه، فقلت: ~~ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم. وهم ~~لا يعبدون الله، فاستوى جالسا وقال: " أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك ~~قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا " ، فقلت: استغفر لي يا رسول ~~الله، وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن، حتى عاتبه ~~الله عز وجل ". # وروى البخاري: عن أنس قال، قال عمر: اجتمع نساء النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الغيرة عليه فقلت لهن: { عسى ربه إن طلقكن أن ~~يبدله أزواجا خيرا منكن } فنزلت هذه الآية، وقد تقدم ~~أنه وافق القرآن في أماكن ms2494 منها في نزول الحجاب ومنها في أسارى بدر، ومنها ~~قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى: # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى # [البقرة: 125]. وقد تبين مما أوردناه تفسير هذه الآيات الكريمات، ومعنى ~~قوله: { مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات } ~~ظاهر، وقوله تعالى: { سائحات } أي صائمات قاله ابن عباس وعكرمة ~~ومجاهد، وتقدم فيه حديث مرفوع، ولفظه # " سياحة هذه الأمة الصيام " # ، وقال زيد بن أسلم { سائحات } أي مهاجرات، وتلا # السائحون # [التوبة: 112] أي المهاجرون، والقول الأول أولى، والله أعلم. وقوله ~~تعالى: { ثيبات وأبكارا } أي منهن ثيبات، ومنهن أبكارا، ليكون ~~ذلك أشهى إلى النفس، فإن التنوع يبسط النفس، ولهذا قال: { ثيبات ~~وأبكارا } قال: وعند الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن ~~يزوجه، فالثيب آسية امرأة فرعون، وبالأبكار مريم بنت عمران، وذكر الحافظ ~~ابن عساكر، عن ابن عمر قال: # " جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت خديجة فقال: إن الله ~~يقرؤها السلام ويبشرها ببيت في الجنة من قصب: بعيد من اللهب لا نصب فيه ~~ولا صخب، من لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم ". ### || [66.6-8] # قال علي رضي الله عنه في قوله تعالى: { قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا } يقول أدبوهم وعلموهم، وقال ابن عباس: اعملوا ~~بطاعة الله واتقوا معاصي الله وأمروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من ~~النار، وقال مجاهد: اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله، وقال قتادة: ~~تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله ~~وتساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية قذعتهم عنها وزجرتهم عنها، وقال ~~الضحاك: حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه عبيده ما فرض الله ~~عليهم وما نهاهم الله عنه، وفي معنى هذه الآية الحديث الشريف: # " مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه ~~عليها " # ، قال الفقهاء: وهكذا في الصوم ليكون ذلك تمرينا له على العبادة لكي ~~يبلغ، وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر، وقوله ~~تعالى: { وقودها الناس والحجارة ms2495 } وقودها: أي حطبها الذي ~~يلقى فيها جثث بني آدم. { والحجارة } قيل: المراد بها الأصنام التي ~~تعبد لقوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98]، وقال ابن مسعود ومجاهد: هي حجارة من كبريت، أنتن من ~~الجيفة، وقوله تعالى: { عليها ملائكة غلاظ شداد } أي ~~طباعهم غليظة قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله { شداد } أي ~~تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج، كما روى ابن أبي حاتم. ~~عن عكرمة أنه قال: إذا وصل أول أهل النار إلى النار، وجدوا على الباب ~~أربعمائة ألف من خزنة جهنم سود وجوههم، كالحة أنيابهم، وقد نزع الله من ~~قلوبهم الرحمة، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة. لو طير الطير ~~من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، ثم يجدون على الباب ~~التسعة عشر، عرض صدر أحدهم سبعون خريفا، ثم يهوون من باب إلى باب ~~خمسمائة سنة، ثم يجدون على كل باب منها مثل ما وجدوا على الباب الأول حتى ~~ينتهوا إلى آخرها، وقوله: { لا يعصون الله مآ أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون } أي مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه، ~~لا يتأخرون عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه، وهؤلاء ~~هم الزبانية. # وقوله تعالى: { يأيها الذين كفروا لا تعتذروا ~~اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون } أي يقال للكفرة ~~يوم القيامة لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم، وإنما تجزون اليوم بأعمالكم، ~~ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله ~~توبة نصوحا } أي توبة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من السيئات، ~~وتلم شعث التائب وتجمعه وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات، قال عمر ~~(التوبة النصوح) أن يتوب من الذنب، ثم لا يعود فيه أو لا يريد أن يعود ~~فيه، وقال أبو الأحوص: سئل عمر عن التوبة النصوح، فقال: أن يتوب الرجل من ~~العمل السيء ثم لا يعود إليه أبدا، وقال ابن مسعود { توبة نصوحا ~~} قال: يتوب ثم لا يعود، ولهذا قال العلماء: التوبة النصوح هو أن يقلع ms2496 عن ~~الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل ~~في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي رده إليه بطريقه، وفي الحديث الصحيح: # " الندم توبة " # ، وعن أبي بن كعب قال: # " قيل لنا: أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة: منها نكاح ~~الرجل امرأته أو أمته في دبرها، وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله ~~عليه ورسوله، ومنها نكاح الرجل الرجل، وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت ~~الله عليه ورسوله، ومنها نكاح المرأة المرأة، وذلك مما حرم الله ورسوله ~~ويمقت الله عليه ورسوله، وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا حتى يتوبوا ~~إلى الله توبة نصوحا، قال زر: فقلت لأبي بن كعب: فما التوبة النصوح؟ ~~فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: " هو الندم على ~~الذنب حين يفرط منك فتستغفر الله بندامتك منه عند الحاضر ثم لا تعود إليه ~~أبدا " " # وقال الحسن: " التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحببته، وتستغفر منه إذا ~~ذكرته، فأما إذا جزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجب ما قبلها من الخطيئات، ~~كما ثبت في الصحيح: # " الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها " # وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات - كما تقدم في ~~الحديث وفي الأثر - ثم لا يعود فيه أبدا، أو يكفي العزم على أن لا يعود ~~في تكفير الماضي بحيث لو قوع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارا في ~~تكفير ما تقدم لعموم قوله عليه السلام: # " التوبة تجب ما قبلها " # ؟ وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضا: # " من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في ~~الإسلام أخذ بالأول والآخر " # فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة، فالتوبة بطريق الأولى، ~~والله أعلم. # وقوله تعالى: { عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ~~ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار } وعسى من ~~الله موجبة { يوم لا يخزى الله النبي والذين ~~آمنوا معه } أي ms2497 ولا يخزيهم معه يعني يوم القيامة { نورهم ~~يسعى بين أيديهم وبأيمانهم } ، كما تقدم في سورة ~~الحديد: { يقولون ربنآ أتمم لنا نورنا واغفر لنآ ~~إنك على كل شيء قدير } قال مجاهد والضحاك: هذا يقوله ~~المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طفىء روى الإمام أحمد عن ~~يحيى بن غسان عن رجل من بني كنانة قال: # " صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فسمعته يقول: " ~~اللهم لا تخزني يوم القيامة " " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأول من يؤذن له برفع ~~رأسه، فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن يميني فأعرف من ~~أمتي من بين الأمم، وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم " ، فقال ~~رجل: يا رسول الله: وكيف تعرف أمتك من بين الأمم؟ قال: " غر محجلون من ~~آثار الطهور، ولا يكون أحد من الأمم كذلك غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم ~~بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى ~~بين أيديهم " ". ### || [66.9-10] # يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين ~~هؤلاء بالسلاح والقتال، وهؤلاء بإقامة الحدود عليهم { واغلظ ~~عليهم } أي في الدنيا، { ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير } أي في الآخرة، ثم قال تعالى: { ضرب الله مثلا ~~للذين كفروا } أي في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم أن ذلك ~~لا يجدي عنهم شيئا، إن لم يكن الإيمان حاصلا في قلوبهم، ثم ذكر المثل ~~فقال: { امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين ~~من عبادنا صالحين } أي نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلا ~~ونهارا، يؤاكلانهما ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشد العشر والاختلاط، { ~~فخانتاهما } أي في الإيمان لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدقاهما ~~في الرسالة، فلم يجد ذلك كله شيئا ولا دفع عنهما محذورا، ولهذا قال ~~تعالى: { فلم يغنيا عنهما من الله شيئا } أي لكفرهما، ~~{ وقيل } أي للمرأتين { ادخلا النار مع الداخلين } ، ~~وليس المراد بقوله { فخانتاهما } في فاحشة بل في الدين، فإن نساء ~~الأنبياء معصومات عن الوقوع في ms2498 الفاحشة لحرمة الأنبياء، كما قدمنا في ~~سورة النور، قال ابن عباس { فخانتاهما } قال: ما زنتا، أما خيانة ~~امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها ~~على أضيافه، وقال الضحاك: عن ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت ~~خيانتهما في الدين. ### || [66.11-12] # وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين، أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا ~~محتاجين إليهم، كما قال تعالى: # إلا أن تتقوا منهم تقاة # [آل عمران: 28] قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفرهم، فوالله ما ~~ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها، ليعلموا أن الله تعالى حكم عدل لا ~~يؤاخذ أحدا إلا بذنبه، وروى ابن جرير، عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون ~~تعذب في الشمس، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى ~~بيتها في الجنة، فقولها: { رب ابن لي عندك بيتا في ~~الجنة } قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار، { ونجني من ~~فرعون وعمله } أي خلصني منه فإني أبرأ إليك من عمله { ~~ونجني من القوم الظالمين } وهذه المرأة هي (آسية بنت ~~مزاحم) رضي الله عنها، عذبها فرعون فشد يديها ورجليها بالأوتاد وهي ~~صابرة، فرأت بيتها في الجنة فضحكت حين رأته، فقال فرعون: ألا تعجبون من ~~جنونها! إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض الله روحها في الجنة رضي الله عنها، ~~وقوله تعالى: { ومريم ابنت عمران التي أحصنت ~~فرجها } أي حفظته وصانته، والإحصان: هو العفاف والحرية { فنفخنا ~~فيه من روحنا } أي بواسطة الملك وهو (جبريل) فإن الله بعثه إليها ~~فتمثل لها في صورة بشر سوي، وأمره الله تعالى أن ينفخ فيه بفيه في جيب ~~درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها، فكان منه الحمل بعيسى عليه السلام، ~~ولهذا قال تعالى: { فنفخنا فيه من روحنا وصدقت ~~بكلمات ربها وكتبه } أي بقدره وشرعه، { وكانت من ~~القانتين }. وفي الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ~~ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل ms2499 عائشة على النساء كفضل الثريد على ~~سائر الطعام ". ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-5] # يمجد تعالى نفسه الكريمة، ويخبر أنه { بيده الملك } أي هو ~~المتصرف في جميع المخلوقات، بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، ~~لقهره وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: { وهو على كل شيء ~~قدير } ، ثم قال تعالى: { الذي خلق الموت والحياة } ~~ومعنى الآية أنه أوجد الخلائق من العدم ليبلوهم، أي يختبرهم أيهم أحسن ~~عملا، عن قتادة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله أذل بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل ~~الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء " # ، وقوله تعالى: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } أي خير ~~عملا كما قال محمد بن عجلان، ولم يقل أكثر عملا، ثم قال تعالى: { ~~وهو العزيز الغفور } أي هو العزيز العظيم، المنيع الجناب، وهو ~~غفور لمن تاب إليه وأناب، بعد ما عصاه وخالف أمره، فهو مع ذلك يرحم ويصفح ~~ويتجاوز، ثم قال تعالى: { الذي خلق سبع سموت طباقا } ~~أي طبقة بعد طبقة، وقوله تعالى: { ما ترى في خلق الرحمن ~~من تفاوت } أي ليس فيه اختلاف ولا تنافر، ولا نقص ولا عيب ولا خلل، ~~ولهذا قال تعالى: { فارجع البصر هل ترى من فطور } أي ~~انظر إلى السماء فتأملها، هل ترى فيها عيبا أو نقصا أو خللا أو ~~فطورا؟ قال ابن عباس ومجاهد { هل ترى من فطور } أي شقوق، وقال ~~السدي: أي من خروق، وقال قتادة: أي هل ترى خللا يا ابن آدم؟ وقوله ~~تعالى: { ثم ارجع البصر كرتين } مرتين، { ينقلب ~~إليك البصر خاسئا } قال ابن عباس: ذليلا، وقال مجاهد صاغرا، ~~{ وهو حسير } يعني وهو كليل، وقال مجاهد: الحسير المنقطع من ~~الإعياء، ومعنى الآية: إنك لو كررت البصر مهما كررت، لانقلب إليك أي لرجع ~~إليك البصر { خاسئا } عن أن يرى عيبا أو خللا، { وهو حسير } ~~أي كليل قد انقطع من الإعياء، من كثرة التكرر ولا يرى نقصا، ولما نفى ~~عنها في خلقها النقص، بين كمالها وزينتها فقال: { ولقد ms2500 زينا ~~السمآء الدنيا بمصابيح } وهي الكواكب التي وضعت فيها من ~~السيارات والثوابت، وقوله تعالى: { وجعلناها رجوما ~~للشياطين } عاد الضمير في قوله { وجعلناها } على جنس ~~المصابيح لا على عينها، لأنه لا يرمى بالكواكب التي في السماء، بل بشهب ~~من دونها، وقد تكون مستمدة منها، والله أعلم. { وأعتدنا لهم ~~عذاب السعير } أي جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا، وأعتدنا ~~لهم عذاب السعير في الأخرى كما قال تعالى: # إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب # [الصافات: 10] قال قتادة: إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها الله ~~زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ~~ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. ### || [67.6-11] # يقول تعالى: وأعتدنا { وللذين كفروا بربهم عذاب ~~جهنم وبئس المصير } أي بئس المآل والمنقلب، { إذآ ~~ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا } يعني الصياح، { وهي ~~تفور } قال الثوري: تغلي بهم كما يغلي الحب القليل في الماء الكثير، ~~وقوله تعالى: { تكاد تميز من الغيظ } أي تكاد ينفصل بعضها ~~من بعض، من شدة غيظها عليهم وحنقها بهم، { كلما ألقي فيها ~~فوج سألهم خزنتهآ ألم يأتكم نذير * قالوا ~~بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل ~~الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير }. يذكر ~~تعالى عدله في خلقه، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، ~~وإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]، وقال تعالى: # وقال لهم خزنتهآ ألم يأتكم رسل منكم ~~يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقآء ~~يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة ~~العذاب على الكافرين # [الزمر: 71]، وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة، وندموا حيث لا تنفعهم ~~الندامة، فقالوا: { لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير } ، أي لو كانت لنا عقول ننتفع بها لما كنا على ما ~~كنا عليه، من الكفر بالله والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما ~~جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم، قال ms2501 الله تعالى: { ~~فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير }. وفي ~~الحديث: # " لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم " # ، وفي حديث آخر: # " لا يدخل أحد النار إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة ". ### || [67.12-15] # يقول تعالى مخبرا عمن يخاف مقام ربه، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات، ~~حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى، بأنه له { مغفرة وأجر كبير ~~} أي تكفر عنه ذنوبه، ويجازى بالثواب الجزيل، كما ثبت في الصحيحين: # " سبعة يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله " # فذكر منهم رجلا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلا ~~تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ثم قال تعالى ~~منبها على أنه مطلع على الضمائر والسرائر { وأسروا قولكم ~~أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور } أي بما يخطر ~~في القلوب { ألا يعلم من خلق } أي ألا يعلم الخالق؟ وقيل ~~معناه: ألا يعلم الله مخلوقه؟ والأول أولى لقوله: { وهو اللطيف ~~الخبير } ثم ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض. وتذليله إياها ~~لهم، بأن جعلها قارة ساكنة لا تميد ولا تضطرب، بما جعل فيها من الجبال، ~~وأنبع فيها من العيون، وسلك فيها من السبل، وهيأ فيها من المنافع ومواضع ~~الزروع والثمار فقال تعالى: { هو الذي جعل لكم الأرض ~~ذلولا فامشوا في مناكبها } أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها، ~~وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن ~~سعيكم لا يجدي عليكم شيئا إلا أن ييسره الله لكم، ولهذا قال تعالى: { ~~وكلوا من رزقه } فالسعي في السبب لا ينافي التوكل، كما قال ~~رسول الله: # " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو ~~خماصا وتروح بطانا " # فأثبت لها رواحا وغدوا لطلب الرزق مع توكلها على الله عز وجل، وهو ~~المسخر المسير المسبب { وإليه النشور } أي المرجع يوم القيامة، ~~قال ابن عباس ومجاهد: مناكبها: أطرافها وفجاجها ونواحيها. ### || [67.16-19] # وهذا أيضا من لطفه ورحمته بخلقه، أنه قادر على تعذيبهم بسبب كفر بعضهم، ~~وهو ms2502 مع هذا يحلم ويصفح، ويؤجل ولا يعجل، كما قال تعالى: # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة # [فاطر: 45] الآية، وقال ههنا: { أأمنتم من في السمآء أن ~~يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور } أي تذهب وتجيء وتضطرب، ~~{ أم أمنتم من في السمآء أن يرسل عليكم حاصبا ~~} أي ريحا فيها حصباء تدمغكم كما قال تعالى: # أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ~~عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا # [الإسراء: 68]، وهكذا توعدهم ههنا بقوله: { فستعلمون كيف ~~نذير } أي كيف يكون إنذاري، وعاقبة من تخلف عنه وكذب به، ثم قال ~~تعالى: { ولقد كذب الذين من قبلهم } أي من الأمم ~~السالفة والقرون الخالية، { فكيف كان نكير } أي فكيف كان إنكاري ~~عليهم ومعاقبتي لهم؟ أي عظيما شديدا أليما، ثم قال تعالى: { أولم ~~يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن } أي تارة ~~يصففن أجنحتهن في الهواء، وتارة تجمع جناحا وتنشر جناحا، { ما ~~يمسكهن } أي في الجو { إلا الرحمن } أي بما سخر لهن من ~~الهواء من رحمته ولطفه، { إنه بكل شيء بصير } أي بما يصلح ~~كل شيء من مخلوقاته. وهذه كقوله تعالى: # ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السمآء ~~ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون # [النحل: 79]. ### || [67.20-27] # يقول تعالى للمشركين الذين عبدوا معه غيره يبتغون عندهم نصرا ورزقا ~~منكرا عليهم: { أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم ~~من دون الرحمن }؟ أي ليس لكم من دونه من ولي ولا واق، ولا ~~ناصر لكم غيره، ولهذا قال تعالى: { إن الكافرون إلا في ~~غرور }. ثم قال تعالى: { أمن هذا الذي يرزقكم إن ~~أمسك رزقه }؟ أي من هذا الذي إذا قطع الله عنكم رزقه يرزقكم ~~بعده؟ أي لا أحد يعطي ويمنع، ويخلق ويرزق إلا الله وحده لا شريك له، قال ~~تعالى: { بل لجوا } أي استمروا في طغيانهم وإفكهم وضلالهم، { في ~~عتو } أي في معاندة واستكبار { ونفور } على إدبارهم عن الحق، لا ~~يسمعون له ولا يتبعونه، ثم قال تعالى: { أفمن يمشي مكبا ms2503 على ~~وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ~~}؟ وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من ~~يمشي { مكبا على وجهه } أي يمشي منحنيا لا مستويا { على ~~وجهه } أي لا يدري أين يسلك ولا كيف يذهب، بل تائه حائر ضال، أهذا ~~أهدى { أمن يمشي سويا } أي منتصب القامة { على صراط ~~مستقيم }؟ أي على طريق واضح بين، هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك ~~يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويا على صراط مستقيم، مفض به إلى ~~الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم # فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات: 23]. عن أنس بن مالك قال، # " قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: " أليس الذي ~~أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن يمشيهم على وجوههم " # وقوله تعالى: { قل هو الذي أنشأكم } أي ابتدأ خلقكم بعد أن ~~لم تكونوا شيئا مذكورا، { وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة } أي العقول والإدراك، { قليلا ما تشكرون } أي ~~قلما تستعملون هذه القوى، التي أنعم الله بها عليكم في طاعته وامتثال ~~أوامره وترك زواجره، { قل هو الذي ذرأكم في الأرض } أي ~~بثكم ونشركم في أقطار الأرض، منع اختلاف ألسنتكم ولغاتكم وألوانكم، { ~~وإليه تحشرون } أي تجمعون بعد هذا التفرق والشتات، يجمعكم كما ~~فرقكم ويعيدكم كما بدأكم، ثم قال تعالى مخبرا عن الكفار، المنكرين ~~للمعاد، المستبعدين وقوعه { ويقولون متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين }؟ أي متى يقع هذا الذي تخبرنا عنه، { قل إنما ~~العلم عند الله } أي لا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا الله ~~عز وجل، لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة فاحذروه { ~~وإنمآ أنا نذير مبين } أي وإنما علي البلاغ وقد أديته ~~إليكم، قال الله تعالى: { فلما رأوه زلفة سيئت وجوه ~~الذين كفروا } أي لما قامت القيامة وشاهدها الكفار، ورأوا أن ~~الأمر كان قريبا، فلما وقع ما كذبوا به ساءهم ذلك، وجاءهم من أمر الله ~~ما لم يكن لهم في بال ولا حساب، # وبدا لهم من ms2504 الله ما لم يكونوا يحتسبون # [الزمر: 47]، ولهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ { هذا ~~الذي كنتم به تدعون } أي تستعجلون. ### || [67.28-30] # يقول تعالى: { قل } يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الجاحدين لنعمه { ~~أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا ~~فمن يجير الكافرين من عذاب أليم } أي خلصوا أنفسكم، ~~فإنه لا منقذ لكم من الله إلا التوبة والإنابة، ولا ينفعكم وقوع ما ~~تتمنون لنا من العذاب والنكال، فسواء عذبنا الله أو رحمنا، فلا مناص لكم ~~من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم، ثم قال تعالى: { قل هو ~~الرحمن آمنا به وعليه توكلنا } أي آمنا برب ~~العالمين الرحمن الرحيم، وعليه توكلنا في جميع أمورنا، كما قال تعالى: # فاعبده وتوكل عليه # [هود: 123]، ولهذا قال تعالى: { فستعلمون من هو في ضلال ~~مبين } أي منا ومنكم، ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة؟ ثم قال ~~تعالى إظهارا للرحمة في خلقه { قل أرأيتم إن أصبح ~~مآؤكم غورا } أي ذاهبا في الأرض إلى أسفل، فلا ينال بالفؤوس ~~الحداد ولا السواعد الشداد، والغائر عكس النابع، ولهذا قال تعالى: { ~~فمن يأتيكم بمآء معين } أي نابع سائح جار على وجه الأرض، ~~أي لا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل، فمن فضله وكرمه أن أنبع لكم ~~المياه، وأجراها في سائر أقطار الأرض، بحسب ما يحتاج العباد إليه من ~~القلة والكثرة، فلله الحمد والمنة. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-7] # قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة، بما أغنى عن إعادته ~~ههنا، وقيل: المراد بقوله { ن } حوت عظيم وقيل: المراد بقوله { ن } ~~لوح من نور، وقيل: المراد بقوله { ن } الدواة، { والقلم } القلم، ~~روي عن الحسن وقتادة في قوله { ن } قالا: هي الدواة، وقوله تعالى: { ~~والقلم } الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله تعالى: # الذى علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم # [العلق: 4-5] فهو قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم، من ~~تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم، ولهذا قال: { وما يسطرون } ~~قال ابن عباس: يعني وما يكتبون، ms2505 وقال أبو الضحى عنه { وما يسطرون ~~} أي وما يعملون، وقال السدي { وما يسطرون } يعني الملائكة وما ~~تكتب من أعمال العباد، وقال آخرون: بل المراد ههنا بالقلم الذي أجراه ~~الله بالقدر، حين كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرضين ~~بخمسين ألف عام، روى ابن أبي حاتم عن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: # " دعاني أبي حين حضره الموت، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب، قال: يا رب وما ~~أكتب؟ قال اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد " # وعن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أول شيء خلقه الله القلم فأمره فكتب كل شيء " # وقال مجاهد { والقلم } يعني الذي كتب به الذكر، وقوله تعالى: { ~~وما يسطرون } أي يكتبون كما تقدم. # وقوله تعالى: { مآ أنت بنعمة ربك بمجنون } أي لست ولله ~~الحمد بمجنون، كما يقوله الجهلة من قومك، المكذبون بما جئتهم به من الهدى ~~حيث نسبوك إلى الجنون، { وإن لك لأجرا غير ممنون } أي بل ~~إن لك الأجر العظيم، والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد، على إبلاغك ~~رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم، ومعنى { غير ممنون } أي ~~غير مقطوع، كقوله: # عطآء غير مجذوذ # [هود: 108] { وإن لك لأجرا غير ممنون } أي غير مقطوع ~~عنهم، وقال مجاهد { غير ممنون }: أي غير محسوب، وهو يرجع إلى ما ~~قلناه، وقوله تعالى: { وإنك لعلى خلق عظيم } قال ابن ~~عباس: وإنك لعلى دين عظيم وهو الإسلام، وقال عطية: لعلى أدب عظيم، وقال ~~قتادة: # " ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان القرآن " # ، وروى الإمام أحمد عن الحسن قال: # " سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه ~~القرآن " # ، وقال ابن جرير، عن سعد بن هشام قال: # " أتيت عائشة ms2506 أم المؤمنين رضي الله عنها فقلت لها: أخبريني بخلق النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ: { وإنك ~~لعلى خلق عظيم } " # ؟ ومعنى هذا أنه عليه الصلاة والسلام صار امتثال القرآن سجية له وخلقا، ~~وترك طبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ~~ما جبله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة والصفح ~~والحلم، وكل خلق جميل، كما ثبت في الصحيحين عن أنس، قال: # " خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي: أف قط، ~~ولا قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله ألا فعلته؟ وكان ~~صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ولا مسست خزا ولا حريرا ولا ~~شيئا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكا ولا ~~عطرا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم " # ، وروى البخاري، # " عن البراء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها، ~~وأحسن الناس خلقا ليس بالطويل ولا بالقصير " # ، وروى الإمام أحمد، عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بيده خادما قط، ولا ضرب امرأة، ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن ~~يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما ~~حتى يكون إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم ~~لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله ~~عز وجل. # وقوله تعالى: { فستبصر ويبصرون * بأييكم المفتون ~~} أي فستعلم يا محمد وسيعلم مخالفوك ومكذبوك، من المفتون الضال منك ~~ومنهم. وهذا كقوله تعالى: # سيعلمون غدا من الكذاب الأشر # [القمر: 26]، قال ابن عباس في هذه الآية: ستعلم ويعلمون يوم القيامة، { ~~بأييكم المفتون } أي المجنون، وقال قتادة: { بأييكم ~~المفتون } أي أولى بالشيطان، ومعنى المفتون ظاهر أي الذي قد افتتن ~~عن الحق وضل عنه، وإنما دخلت الباء في قوله: { بأييكم } لتدل على ~~تضمين الفعل في ms2507 قوله { فستبصر ويبصرون } وتقديره: فستعلم ~~ويعلمون، أي فستخبر ويخبرون بأيكم المفتون، والله أعلم، ثم قال تعالى: { ~~إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين } أي هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي، ~~ويعلم الحزب الضال عن الحق. ### || [68.8-16] # يقول تعالى: كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم، والخلق العظيم { ~~فلا تطع المكذبين * ودوا لو تدهن فيدهنون } ~~قال ابن عباس: لو ترخص لهم فيرخصون، وقال مجاهد: تركن إلى آلهتهم وتترك ~~ما أنت عليه من الحق، ثم قال تعالى: { ولا تطع كل حلاف ~~مهين } وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته، يجترىء على أسماء الله تعالى، ~~باستعمالها في كل وقت في غير محلها، قال ابن عباس: المهين الكاذب، وقال ~~الحسن: { كل حلاف } مكابر { مهين } ضعيف، وقوله تعالى: { ~~هماز } يعني الاغتياب، { مشآء بنميم } يعني الذي يمشي بين ~~الناس ويحرش بينهم، وينقل الحديث لفساد ذات البين وهي الحالقة، وقد ثبت ~~في الصحيحين عن ابن عباس قال: # " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: " إنهما ليعذبان وما ~~يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرىء من البول، وأما الآخر فكان ~~يمشي بالنميمة " " # وعن همام بن الحارث قال: # " مر رجل على حذيفة فقيل: إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء، فقال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه سلم يقول: " لا يدخل الجنة قتات " " # وعن أبي وائل قال: # " بلغ حذيفة عن رجل أنه ينم الحديث فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " لا يدخل الجنة نمام " " # ، وروى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد بن السكن # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أخبركم بخياركم؟ " قالوا: بلى ~~يا رسول الله، قال: " الذين إذا رؤوا ذكر الله عز وجل " ، ثم قال: " ~~ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون ~~للبرآء العنت " ". # وقوله تعالى: { مناع للخير معتد أثيم } أي يمنع ما ~~عليه وما لديه من الخير { معتد } في تناول ما أحل الله له، يتجاوز ~~فيها الحد المشروع، { أثيم } أي يتناول المحرمات، وقوله تعالى: ms2508 { ~~عتل بعد ذلك زنيم } أما العتل فهو الفظ الغليظ، الجموع ~~المنوع. روى الإمام أحمد، عن حارثة بن وهب قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا ~~أنبئكم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر " # وفي رواية: # " كل جواظ جعظري مستكبر " # ، وفي أخرى لأحمد: # " كل جعظري، جواظ مستكبر، جماع، مناع " # وفي الحديث: # " تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه، وأرحب جوفه، وأعطاه من الدنيا ~~هضما، فكان للناس ظلوما، فذلك العتل الزنيم " # ، فالعتل هو الشديد القوي في المأكل والمشرب والمنكح وغير ذلك، وأما ~~الزنيم في لغة العرب فهو الدعي في القوم، ومنه قول (حسان بن ثابت) يذم ~~بعض كفار قريش: # وأنت زنيم نيط في آل هاشم # كما نيط خلف الراكب القدح الفرد # وقال ابن عباس في قوله { زنيم } قال: الدعي الفاحش اللئيم: وأنشد: # زنيم تداعاه الرجال زيادة # كما زيد في عرض الأديم الأكارع # والمراد به (الأخنس بن شريق)، وقال مجاهد عن ابن عباس: { الزنيم } ~~الملحق النسب، وقال سعيد بن المسيب: هو الملصق بالقوم ليس منهم؛ وسئل ~~عكرمة عن الزنيم فقال: هو ولد الزنا، وقال سعيد بن جبير: الزنيم الذي ~~يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها، والزنيم الملصق، وقال الضحاك: كانت ~~له زنمة في أصل أذنه، ويقال: هو اللئيم الملصق في النسب، والأقوال في هذا ~~كثيرة، وترجع إلى ما قلناه، وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر، الذي يعرف ~~به من بين الناس وغالبا يكون دعيا ولد زنا، فإنه في الغالب يتسلط ~~الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره، وقوله تعالى: { أن كان ذا مال ~~وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير ~~الأولين } يقول تعالى هذا مقابلة ما أنعم الله عليه من المال ~~والبنين، كفر بآيات الله عز وجل وأعرض عنها، وزعم أنها كذب مأخوذ من ~~أساطير الأولين، كقوله تعالى: # ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا ~~* وبنين شهودا * ومهدت له تمهيدا * ثم يطمع ~~أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيدا ms2509 # [المدثر: 11-16]. { سنسمه على الخرطوم } ، قال ابن جرير: ~~سنبين أمره بيانا واضحا، حتى يعرفوه ولا يخفى عليهم، كما لا نخفي عليهم ~~السمة على الخراطيم، وقال قتادة { سنسمه على الخرطوم }: شين ~~لا يفارقه آخر ما عليه، وعنه: سيما على أنفه، وقال ابن عباس: يقاتل يوم ~~بدر فيخطم السيف في القتال، وقال آخرون: { سنسمه } سمة أهل النار، ~~يعني نسود وجهه يوم القيامة، وعبر عن الوجه بالخرطوم، ولا مانع من اجتماع ~~الجميع عليه في الدنيا والآخرة، وفي الحديث: # " من مات همازا لمازا ملقبا للناس كان علامته يوم القيامة أن يسمه ~~الله على الخرطوم من كلا الشفتين ". ### || [68.17-33] # هذا مثل ضربه الله تعالى لكفار قريش، فيما أهدى إليهم من الرحمة ~~العظيمة، وهو بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، فقابلوه بالتكذيب ~~والرد والمحاربة، ولهذا قال تعالى: { إنا بلوناهم } أي ~~اختبرناهم { كما بلونآ أصحاب الجنة } وهي البستان المشتمل ~~على أنواع الثمار والفواكة، { إذ أقسموا ليصرمنها ~~مصبحين } أي حلفوا ليجذن ثمرها ليلا، لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ~~ولا يتصدقوا منه بشيء، { ولا يستثنون } أي فيما حلفوا به، { ~~فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون } أي أصابتها ~~آفة سماوية، { فأصبحت كالصريم } قال ابن عباس: أي كالليل ~~الأسود، وقال السدي: مثل الزرع إذا حصد أي هشيما يبسا، عن ابن مسعود ~~قال، # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إياكم والمعاصي، إن العبد ليذنب ~~الذنب فيحرم به رزقا قد كان هيء له " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: { فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * ~~فأصبحت كالصريم } " # قد حرموا خير جنتهم بذنبهم، { فتنادوا مصبحين } أي وقت الصبح ~~نادى بعضهم بعضا ليذهبوا إلى (الجذاذ) أي القطع، { أن اغدوا على ~~حرثكم إن كنتم صارمين } أي تريدون الصرام، قال مجاهد: كان ~~حرثهم عنبا، { فانطلقوا وهم يتخافتون } أي يتناجون فيما ~~بينهم، بحيث لا يسمعون أحدا كلامهم، ثم فسر عالم السر والنجوى ما ~~كانوا يتخافتون به، فقال تعالى: { فانطلقوا وهم يتخافتون * ~~أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } أي يقول ~~بعضهم لبعض ms2510 لا تمكنوا اليوم فقيرا يدخلها عليكم، قال تعالى: { ~~وغدوا على حرد } أي قوة وشدة، وقال مجاهد: على جد، وقال ~~عكرمة: على غيظ، { قادرين } أي عليها فيما يزعمون ويرومون، { ~~فلما رأوها قالوا إنا لضآلون } أي فلما وصلوا إليها ~~وأشرفوا عليها، وهي على الحالة التي قال الله عز وجل، قد استحالت عن ~~تلك النضارة والزهوة وكثرة الثمار، إلى أن صارت سوداء مدلهمة لا ينتفع ~~بشيء منها، فاعتقدوا أنهم قد أخطأوا الطريق، ولهذا قالوا: { إنا ~~لضآلون } أي قد سلكنا إليها غير الطريق فتهنا عنها، ثم تيقنوا أنها ~~هي فقالوا { بل نحن محرومون } أي بل هي هذه، ولكن نحن لا حظ ~~لنا ولا نصيب. # وقال تعالى: { قال أوسطهم } ، أي أعدلهم وخيرهم { ألم أقل ~~لكم لولا تسبحون }! قال مجاهد والسدي: أي لولا تستثنون، ~~وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحا، وقال ابن جرير: هو قول القائل (إن ~~شاء الله)، وقيل: { لولا تسبحون } أي هلا تسبحون الله وتشكرونه ~~على ما أعطاكم وأنعم به عليكم { قالوا سبحان ربنآ إنا ~~كنا ظالمين } أتوا بالطاعة حيث لا تنفع، وندموا واعترفوا حيث لا ~~ينجع، ولهذا قالوا: { إنا كنا ظالمين * فأقبل بعضهم ~~على بعض يتلاومون } أي يلوم بعضهم بعضا، وعلى ما كانوا ~~أصروا عليه من منع المساكين، فما كان جواب بعضهم لبعض إلا الاعتراف ~~بالخطيئة والذنب، { قالوا يويلنا إنا كنا طاغين } أي ~~اعتدينا وبغينا وجاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا { عسى ربنآ أن ~~يبدلنا خيرا منهآ إنآ إلى ربنا راغبون } قيل: ~~راغبون في بذلها لهم في الدنيا، وقيل: احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة، ~~والله أعلم. # ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد كانوا من أهل اليمن، وقيل: كانوا من أهل ~~الحبشة وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكان يسير فيها سيرة حسنة، فكان ~~ما يستغل منها يرد فيها ما تحتاج إليه، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق ~~بالفاضل، فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق، إذ كان يصرف من ~~هذه شيئا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا، فلما عزموا على ms2511 ذلك ~~عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية (رأس المال والربح ~~والصدقة) فلم يبق لهم شيء؛ قال الله تعالى { كذلك العذاب } أي ~~هكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حق ~~المسكين والفقير، وبدل نعمة الله كفرا، { ولعذاب الآخرة ~~أكبر لو كانوا يعلمون } أي هذه عقوبة الدنيا وعذاب الآخرة ~~أشق. ### || [68.34-41] # لما ذكر حال أهل الجنة الدنيوية، وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا ~~الله عز وجل، بين أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم، ~~التي لا تبيد ولا تفرغ ولا ينقضي نعيمها، ثم قال تعالى: { أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين }؟ أي أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في ~~الجزاء؟ كلا ورب الأرض والسماء، ولهذا قال: { ما لكم كيف ~~تحكمون }! أي كيف تظنون ذلك، ثم قال تعالى: { أم لكم كتاب ~~فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون } يقول تعالى ~~أفبأيديكم كتاب منزل من السماء، تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه، بنقل الخلف ~~عن السلف، متضمن حكما مؤكدا كما تدعونه؟ { إن لكم فيه لما ~~تخيرون * أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم ~~القيامة إن لكم لما تحكمون } أي أمعكم عهود منا ~~ومواثيق مؤكدة؟ { إن لكم لما تحكمون } أي أنه سيحصل لكم ما ~~تريدون وتشتهون، { سلهم أيهم بذلك زعيم } أي قل لهم من هو ~~المتضمن المتكفل بهذا! قال ابن عباس: أيهم بذلك كفيل { أم لهم ~~شركآء } أي من الأصنام والأنداد { فليأتوا بشركآئهم إن ~~كانوا صادقين }. ### || [68.42-47] # لما ذكر تعالى أن للمتقين عند ربهم جنات النعيم، بين متى ذلك كائن وواقع ~~فقال تعالى: { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ~~فلا يستطيعون } يعني يوم القيامة، وما يكون فيه من الأهوال، ~~والبلاء والامتحان والأمور العظام، روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: ~~سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " يكشف ربنا عن ساقه فيسجد، له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في ~~الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا " # وقال ابن عباس: هو يوم القيامة يوم كرب وشدة. وعن ms2512 ابن مسعود { يوم ~~يكشف عن ساق } قال: عن أمر عظيم كقول الشاعر: # شالت الحرب عن ساق # وقال ابن جرير عن مجاهد: { يوم يكشف عن ساق } قال: شدة الأمر ~~وجده، وقال ابن عباس قوله: { يوم يكشف عن ساق } هو الأمر ~~الشديد الفظيع من الهول يوم القيامة، وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: { ~~يوم يكشف عن ساق } يقول: حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال، وكشفه ~~دخول الآخرة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " { يوم يكشف عن ساق } يعني عن نور عظيم يخرون له سجدا " # ، وقوله تعالى: { خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة } أي في ~~الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، ~~ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم، كذلك ~~عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، إذا تجلى الرب عز وجل فيسجد له ~~المؤمنون، ولا يستطيع أحد من الكافرين أو المنافقين أن يسجد، بل يعود ظهر ~~أحدهم طبقا واحدا، كلما أراد أحدهم أن يسجد خر لقفاه، ثم قال تعالى: { ~~فذرني ومن يكذب بهذا الحديث } يعني القرآن، وهذا ~~تهديد شديد أي دعني وإياه أنا أعلم كيف أستدرجه ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر، ~~ولهذا قال تعالى: { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } ~~أي وهم لا يشعرون، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة، وهو في نفس الأمر ~~إهانة، كما قال تعالى: # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # [المؤمنون: 5556]، ولهذا قال ههنا: { وأملي لهم إن كيدي ~~متين } أي أؤخرهم وأمدهم، وذلك من كيدي ومكري بهم، ولهذا قال تعالى: { ~~إن كيدي متين } أي عظيم لمن خالف أمري، " وكذب رسلي، واجترأ على ~~معصيتي، وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # ، ثم قرأ: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]. وقوله تعالى: { أم تسألهم أجرا فهم من ~~مغرم مثقلون * أم عندهم الغيب فهم يكتبون ~~}! المعنى ms2513 أنك يا محمد تدعوهم إلى الله عز وجل بلا أجر تأخذه منهم، ~~بل ترجو ثواب ذلك عند الله تعالى، وهم يكذبون بما جئتهم به، بمجرد الجهل ~~والكفر والعناد. ### || [68.48-52] # يقول تعالى: { فاصبر } يا محمد على أذى قومك لك وتكذيبهم، فإن الله ~~سيحكم لك ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، { ولا تكن ~~كصاحب الحوت } يعني ذا النون وهو (يونس بن متى) عليه السلام حين ~~ذهب مغاضبا على قومه، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر، والتقام ~~الحوت له، وشرود الحوت به في البحار، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي ~~القدير، فحينئذ نادى في الظلمات: # أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87]، قال الله تعالى: # فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي ~~المؤمنين # [الأنبياء: 88]، وقال تعالى: # فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون # [الصافات: 143-144]، وقال ههنا: { إذ نادى وهو مكظوم } قال ~~ابن عباس ومجاهد: وهو مغموم، وقال عطاء: مكروب، وقد قدمنا في الحديث أنه ~~لما قال # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87] خرجت الكلمة تحن حول العرش، فقالت الملائكة: يا رب، هذا ~~صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال الله تبارك وتعالى: أما تعرفون هذا؟ ~~قالوا: لا، قال هذا يونس، قالوا: يا رب عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل ~~صالح ودعوة مجابة، قال: نعم، قالوا: أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء ~~فتنجيه من البلاء، فأمر الله الحوت فألقاه بالعراء، ولهذا قال الله ~~تعالى: { فاجتباه ربه فجعله من الصالحين } ، وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " # وقوله تعالى: { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك ~~بأبصارهم } قال ابن عباس ومجاهد { ليزلقونك } لينفذونك { ~~بأبصارهم } أي يحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك وحمايته ~~إياك منهم، وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر ~~الله عز وجل، كما وردت بذلك الأحاديث المروية، روى أبو ms2514 داود عن أنس ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم لا يرقأ " # وروى ابن ماجه، عن بريدة بن الحصيب قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا رقية إلا من عين أو حمة " # وروى مسلم في " صحيحه " ، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين وإذا استغسلتم فاغسلوا " # وعن ابن عباس قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول: " ~~أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة " ويقول: ~~" هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل عليهما السلام " ". # وروى الإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكى، فأتاه جبريل، فقال: باسم الله ~~أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من كل حاسد وعين والله يشفيك، وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " إن العين حق " " # ، حديث أسماء بنت عميس: قال الإمام أحمد، عن عبيد بن رفاعة الزرقي قال، ~~قالت أسماء: # " يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: " نعم. فلو ~~كان شيء يسبق القدر لسبقته العين " " # حديث عائشة رضي الله عنها: روى ابن ماجه، عن عائشة رضي الله عنها # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تسترقي من العين " # وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " استعيذوا بالله فإن النفس حق " # ، وقال أبو داود عن عائشة قالت: # " كان يؤمر العائن فيتوضأ ويغسل منه المعين " # حديث سهل بن حنيف: قال الإمام أحمد، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن ~~أباه حدثه: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو مكة، حتى إذا ~~كانوا بشعب الخرار من (الجحفة) اغتسل سهل بن الأحنف، وكان رجلا أبيض حسن ~~الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي بن كعب وهو يغتسل، ~~فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، ms2515 فلبط سهل، فأتى رسول الله صلى الله ~~عليه سلم، فقيل له: يا رسول الله هل لك في سهل؟ والله ما يرفع رأسه ولا ~~يفيق، قال: " هل تتهمون فيه من أحد؟ " قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة، ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامرا فتغيظ عليه، وقال: " علام يقتل ~~أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت؟ - ثم قال - اغتسل له " فغسل ~~وجهه ويديه ومرفقيه وركبته وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ~~ذلك الماء عليه، فصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يكفأ القدح وراءه ~~ففعل ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس " # حديث عبد الله بن عمرو: قال الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا حسد والعين حق " # وقوله تعالى: { ويقولون إنه لمجنون } أي يزدرونه بأعينهم، ~~ويؤذونه بألسنتهم، ويقولون { إنه لمجنون } أي لمجيئه بالقرآن، ~~قال الله تعالى: { وما هو إلا ذكر للعالمين }. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-12] # { الحاقة } من أسماء يوم القيامة، لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد، ~~ولهذا عظم الله أمرها فقال: { ومآ أدراك ما الحاقة } ، ثم ~~ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها فقال تعالى: { فأما ثمود ~~فأهلكوا بالطاغية } وهي الصيحة التي أسكتتهم والزلزلة التي ~~أسكنتهم، هكذا قال قتادة: { الطاغية } الصيحة، وهو اختيار ابن جرير ~~وقال مجاهد: { الطاغية } الذنوب، وكذا قال ابن زيد إنها الطغيان، ~~وقرأ: # كذبت ثمود بطغواهآ # [الشمس: 11]، { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر } أي ~~باردة، قال قتادة والسدي: { عاتية } أي شديدة الهبوب، عتت عليهم حتى ~~نقبت عن أفئدتهم، وقال الضحاك: { صرصر } باردة { عاتية } عتت ~~عليهم بغير رحمة ولا بركة، وقال علي: عتت على الخزنة فخرجت بغير حساب، { ~~سخرها عليهم } أي سلطها عليهم، { سبع ليال وثمانية ~~أيام حسوما } أي كوامل متتابعات مشائيم، قال ابن مسعود: { ~~حسوما } متتابعات، وعن عكرمة والربيع: مشائيم عليهم كقوله تعالى: # في أيام نحسات # [فصلت: 16] ويقال: إنها التي تسميها الناس الأعجاز، وكأن الناس أخذوا ~~ذلك من قوله ms2516 تعالى: { فترى القوم فيها صرعى كأنهم ~~أعجاز نخل خاوية }. وقيل: لأنها تكون في عجز الشتاء، قال ابن ~~عباس: { خاوية } خربة، وقال غيره: بالية، أي جعلت الريح تضرب بأحدهم ~~الأرض فيخر ميتا على أم رأسه، فينشدخ رأسه، وتبقى جثته هامدة، كأنها ~~قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما فتح الله على عاد من الريح التي هلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم، ~~فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم فجعلتهم بين السماء والأرض، ~~فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد، الريح وما فيها قالوا: هذا عارض ~~ممطرنا، فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة " # { فهل ترى لهم من باقية }؟ أي هل تحس منهم من أحد من ~~بقاياهم أو ممن ينتسب إليهم؟ بل بادوا عن آخرهم، ولم يجعل الله لهم ~~خلفا، ثم قال تعالى: { وجآء فرعون ومن قبله } أي ومن قبله ~~من الأمم المشبهين له، وقوله تعالى: { والمؤتفكات } وهم الأمم ~~المكذبون بالرسل، { بالخاطئة } وهي التكذيب بما أنزل الله، قال ~~الربيع { بالخاطئة } أي بالمعصية، وقال مجاهد: بالخطايا، ولهذا قال ~~تعالى: { فعصوا رسول ربهم } أي كل كذب رسول الله إليهم كما ~~قال تعالى: # إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب # [ص: 14]، ومن كذب برسول فقد كذب بالجميع، كما قال تعالى: # كذبت قوم نوح المرسلين # [الشعراء: 105]، # كذبت عاد المرسلين # [الشعراء: 123] وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد، ولهذا قال ههنا: { ~~فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية } أي ~~عظيمة شديدة أليمة، قال مجاهد { رابية }: شديدة، وقال السدي: مهلكة. # ثم قال تعالى: { إنا لما طغا المآء } أي ازداد على الحد، ~~وقال ابن عباس: { طغا المآء } كثر، وذلك بسبب دعوة نوح عليه السلام، ~~فاستجاب الله له، وعم أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في ~~السفينة، فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته، قال علي بن أبي طالب: لم تنزل ~~قطرة من ماء ms2517 إلا بكيل على يدي ملك، فلما كان يوم نوح أذن للماء دون ~~الخزان، فطغى الماء على الخزان، فخرج، فذلك قوله تعالى: { إنا لما ~~طغا المآء } أي زاد على الحد بإذن الله، { حملناكم في ~~الجارية } ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك إلا يوم عاد ~~فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت، فذلك قوله تعالى: { بريح صرصر ~~عاتية } ، ولهذا قال تعالى ممتنا على الناس { حملناكم في ~~الجارية } وهي السفينة الجارية على وجه الماء، { لنجعلها ~~لكم تذكرة } أي وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء ~~في البحار، كما قال: # وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون # [الزخرف: 12]، وقال تعالى: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون * وخلقنا لهم من مثله ما يركبون # [يس: 41-42] وقال قتادة: أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة، ~~والأول أظهر، ولهذا قال تعالى: { وتعيهآ أذن واعية } أي ~~وتفهم هذه النعمة وتذكرها أذن واعية، قال ابن عباس: حافظة سامعة، وقال ~~قتادة: { أذن واعية } عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب ~~الله. وقال الضحاك: { وتعيهآ أذن واعية } سمعتها أذن ووعت، ~~أي من له سمع صحيح وعقل رجيح، وهذا عام في كل من فهم ووعي. ### || [69.13-18] # يقول تعالى مخبرا عن أهوال يوم القيامة، وأول ذلك (نفخة الفزع)، ثم ~~يعقبها (نفخة الصعق) حين يصعق من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء ~~الله، ثم بعدها (نفخة القيامة)، لرب العالمين، وقد أكدها ههنا بأنها ~~واحدة لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع، ولا يحتاج إلى تكرار ولا تأكيد، ~~قال الربيع: هي النفخة الأخيرة، والظاهر ما قلناه، ولهذا قال ههنا: { ~~وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } أي ~~فمدت مد الأديم، وتبدلت الأرض غير الأرض، { فيومئذ وقعت ~~الواقعة } أي قامت القيامة، { وانشقت السمآء فهي ~~يومئذ واهية }. عن علي قال: تنشق السماء من المجرة، وقال ابن ~~جريج: هي كقوله: # وفتحت السمآء فكانت أبوابا # [النبأ: 19]، { والملك على أرجآئهآ } الملك اسم جنس أي ~~الملائكة، على أرجاء السماء: أي حافاتها، ms2518 وقال الضحاك: أطرافها، وقال ~~الحسن البصري: أبوابها، وقال الربيع بن أنس في قوله: { والملك ~~على أرجآئهآ } يقول: على ما استدق من السماء ينظرون إلى أهل ~~الأرض، وقوله تعالى: { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ~~ثمانية } أي يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة، عن جابر بن ~~عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين ~~شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام " # وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: { ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية } قال: ثمانية صفوف من الملائكة. ~~وقوله تعالى: { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } ~~أي تعرضون على عالم السر والنجوى، الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم، بل ~~هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر، ولهذا قال تعالى: { لا تخفى ~~منكم خافية } ، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا ~~أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم من ~~الحساب غدا، وتزينوا للعرض الأكبر { يومئذ تعرضون لا ~~تخفى منكم خافية } ، وروى الإمام أحمد، عن أبي موسى قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما ~~الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله ". ### || [69.19-24] # يخبر تعالى عن سعادة من يؤتى كتابه يوم القيامة بيمينه، وفرحه بذلك وأنه ~~من شدة فرحه يقول لكل من لقيه: { هآؤم اقرؤا كتابيه } أي خذوا ~~اقرأوا كتابيه، لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة، لأنه ممن بدل ~~الله سيئاته حسنات، وعن عبد الله بن عبد الله بن حنظلة (غسيل الملائكة) ~~قال: إن الله يوقف عبده يوم القيامة فيبدي أي يظهر سيئاته في ظهر صحيفته، ~~فيقول له: أنت عملت هذا فيقول: نعم أي رب، فيقول له: إني لم أفضحك به ~~وإني قد غفرت لك، فيقول عند ذلك: { هآؤم اقرؤا كتابيه } ، { ~~إني ظننت أني ملاق حسابيه } حين نجا من فضيحته يوم ms2519 ~~القيامة، وقد تقدم في الصحيح حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى فقال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يدني الله العبد يوم القيامة فيقرره بذنوبه كلها، حتى إذا رأى أنه قد ~~هلك، قال الله تعالى: إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ~~ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد هؤلاء ~~الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين " # ، وقوله تعالى: { إني ظننت أني ملاق حسابيه } أي قد ~~كنت موقنا في الدنيا، أن هذا اليوم كائن لا محالة، كما قال تعالى: # الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم # [البقرة: 46]، قال تعالى: { فهو في عيشة راضية } أي مرضية، ~~{ في جنة عالية } أي رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، ~~دائم حبورها، روى ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة قال: # " سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: " ~~نعم. إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى فيحيونهم ~~ويسلمون عليهم ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين تقصر بهم ~~أعمالهم " " # ، وقد ثبت في الصحيح: # " أن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض " # وقوله تعالى: { قطوفها دانية } قال البراء بن عازب: أي قريبة ~~يتناولها أحدهم وهو نائم على سريره، وكذا قال غير واحد، روى الطبراني، عن ~~سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من ~~الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية " # ؛ وفي رواية: # " يعطى المؤمن جوازا على الصراط: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من ~~الله العزيز الحكيم لفلان: أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية " # ، وقوله تعالى: { كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم ~~في الأيام الخالية } أي يقال لهم ذلك تفضلا عليهم وامتنانا، ~~وإنعاما وإحسانا، وإلا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " " اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة " ~~قالوا: ولا ms2520 أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة ~~منه وفضل " ". ### || [69.25-37] # وهذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم كتابه في العرصات بشماله ~~فحينئذ يندم غاية الندم، { فيقول يليتني لم أوت ~~كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * يليتها كانت ~~القاضية } قال الضحاك: يعني موتة لا حياة بعدها، وقال قتادة: تمنى ~~الموت ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه، { مآ أغنى عني ~~ماليه * هلك عني سلطانيه } أي لم يدفع عني مالي ولا ~~جاهي عذاب الله وبأسه، بل خلص الأمر إلي وحدي؛ فلا معين لي ولا مجير ~~فعندها يقول الله عز وجل: { خذوه فغلوه * ثم الجحيم ~~صلوه } أي يأمر الزبانية أن تأخذه عنفا من المحشر فتغله، أي تضع ~~الأغلال في عنقه، ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها، أي تغمره فيها. عن ~~المنهال بن عمرو قال: إذا قال الله تعالى: خذوه، ابتدره سبعون ألف ملك، ~~إن الملك منهم ليقول: هكذا، فيلقي سبعين ألفا في النار، وقال الفضيل بن ~~عياض إذا قال الرب عز وجل { خذوه فغلوه } ابتدره سبعون ألف ~~ملك أيهم يجعل الغل في عنقه، { ثم الجحيم صلوه } أي أغمروه ~~فيها، وقوله تعالى: { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ~~فاسلكوه } قال كعب الأحبار: كل حلقة منها قدر حديد الدنيا، وقال ابن ~~عباس: بذراع الملك، وقال العوفي عن ابن عباس: يسلك في دبره حتى يخرج من ~~منخريه حتى لا يقوم على رجليه، روى الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمرو ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو أن رضاضة مثل هذه - وأشار إلى جمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض ~~وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس ~~السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها " # وقوله تعالى: { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ~~ولا يحض على طعام المسكين } أي لا يقوم بحق الله عليه ~~من طاعته وعبادته، ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم، فإن لله على العباد أن ~~يوحدوه ولا ms2521 يشركوا به شيئا، وللعباد بعضهم على بعض حق الإحسان والمعاونة ~~على البر والتقوى، ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقبض ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: # " الصلاة، وما ملكت أيمانكم " # ، وقوله تعالى: { فليس له اليوم ها هنا حميم * ولا ~~طعام إلا من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون } ~~أي ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله تعالى؛ لا { حميم } وهو ~~القريب، ولا { شفيع } يطاع، ولا طعام له ههنا { إلا من ~~غسلين } قال قتادة: هو شر طعام أهل النار، وقال الضحاك: هو شجرة في ~~جهنم، وقال ابن عباس: ما أدري ما الغسلين؟ ولكني أظنه الزقوم، وقال عكرمة ~~عنه: الغسلين: الدم والماء يسيل من لحومهم، وعنه: الغسلين صديد أهل ~~النار. ### || [69.38-43] # يقول تعالى مقسما لخلقه، بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته، الدالة ~~على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات ~~عنهم، إن القرآن كلامه ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله، الذي اصطفاه ~~لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، فقال تعالى: { فلا أقسم بما ~~تبصرون * وما لا تبصرون * إنه لقول رسول كريم ~~} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، أضافه إليه على معنى التبليغ، { وما ~~هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون } فأضافه الله تارة إلى (جبريل) ~~الرسول الملكي، وتارة إلى (محمد) الرسول البشري، لأن كلا منهما مبلغ عن ~~الله، ما استأمنه عليه من وحيه وكلامه. ولهذا قال تعالى: { تنزيل من ~~رب العالمين } قال عمر بن الخطاب: # " خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم، فوجدته قد ~~سبقني إلى المسجد فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أعجب من تأليف ~~القرآن، قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال: فقرأ: { إنه ~~لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون } ، قال: فقلت: كاهن، قال: فقرأ: { ولا بقول كاهن ~~قليلا ما تذكرون * تنزيل من رب العالمين } إلى ~~آخر السورة، قال فوقع الإسلام في قلبي كل موقع " # فهذا من جملة الأسباب التي جعلها ms2522 الله تعالى مؤثرة في هداية عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه. ### || [69.44-52] # يقول تعالى: { ولو تقول علينا } أي محمد صلى الله عليه ~~وسلم، لو كان كما يزعمون مفتريا علينا، فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو ~~قال شيئا من عنده، فنسبه إلينا لعاجلناه بالعقوبة، ولهذا قال تعالى: { ~~لأخذنا منه باليمين } قيل: معناه لانتقمنا منه باليمين لأنها ~~أشد في البطش، وقيل: لأخذنا بيمينه، { ثم لقطعنا منه ~~الوتين } قال ابن عباس: وهو نياط القلب، وهو العرق الذي القلب معلق ~~فيه؛ وقال محمد بن كعب: هو القلب ومراقه وما يليه، وقوله تعالى: { فما ~~منكم من أحد عنه حاجزين } أي فما يقدر أحد منكم على أن ~~يحجز بيننا وبينه، إذا أردنا به شيئا من ذلك، والمعنى في هذا بل هو صادق ~~بار راشد، لأن الله عز وجل مقرر له ما يبلغه عنه، ومؤيد له بالمعجزات ~~الباهرات والدلالات القاطعات، ثم قال تعالى: { وإنه لتذكرة ~~للمتقين }. كما قال تعالى: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء # [فصلت: 44] ثم قال تعالى: { وإنا لنعلم أن منكم ~~مكذبين } أي مع هذا البيان والوضوح، سيوجد منكم من يكذب بالقرآن، ~~ثم قال تعالى: { وإنه لحسرة على الكافرين } قال ابن ~~جرير: وإن التكذيب لحسرة على الكافرين يوم القيامة، ويحتمل عود الضمير ~~على القرآن، أي وإن القرآن والإيمان به لحسرة في نفس الأمر على الكافرين، ~~كما قال تعالى: # كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به # [الشعراء: 200-201]، وقال تعالى: # وحيل بينهم وبين ما يشتهون # [سبأ: 54]، ولهذا قال ههنا: { وإنه لحق اليقين } أي الخبر ~~الصدق الحق، الذي لا مرية فيه ولا شك ولا ريب، ثم قال تعالى: { فسبح ~~باسم ربك العظيم } أي الذي أنزل هذا القرآن العظيم. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-7] # { سأل سآئل بعذاب واقع } أي استعجل سائل بعذاب واقع، كقوله ~~تعالى: # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده # [الحج: 47]. قال النسائي، عن ابن عباس في قوله تعالى: { سأل سآئل ~~بعذاب واقع } ، قال: (النضر بن الحارث) وقال العوفي عن ابن عباس { ~~سأل سآئل بعذاب واقع ms2523 } قال: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله ~~وهو واقع بهم، وقال مجاهد في قوله تعالى: { سأل سآئل } دعا داع ~~بعذاب واقع يقع في الآخرة، قال وهو قولهم: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]، وقوله تعالى: { للكافرين } أي مرصد معد للكافرين، ~~{ ليس له دافع } أي لا دافع له إذا أراد الله كونه، ولهذا قال ~~تعالى: { من الله ذي المعارج } قال ابن عباس: ذو الدرجات، ~~وعنه: ذو العلو والفواضل، وقال مجاهد { ذي المعارج } معارج السماء، ~~وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم، وقوله تعالى: { تعرج الملائكة ~~والروح إليه } قال قتادة: { تعرج }: تصعد، وأما الروح فيحتمل ~~أن يكون المراد به جبريل، ويكون من باب عطف الخاص على العام، ويحتمل أن ~~يكون اسم جنس لأرواح بني آدم، فإنها إذا قبضت يصعد بها إلى السماء، كما ~~دل عليه حديث البراء، في قبض الروح الطيبة وفيه. # " فلا يزال يصعد بها من سماء إلى سماء، حتى ينتهي بها إلى السماء التي ~~فيها الله ". # وقوله تعالى: { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ~~فيه أربعة أقوال: أحدها: أن المراد بذلك مسافة ما بين العرش العظيم إلى ~~أسفل السافلين، وهو قرار الأرض السابعة، وذلك مسيرة خمسين ألف سنة، عن ~~ابن عباس في قوله تعالى: { في يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة } قال: منتهى أمره من أسفل الأرضين، إلى منتهى أمره من فوق ~~السماوات خمسين ألف سنة. القول الثاني: أن المراد بذلك مدة بقاء الدنيا ~~منذ خلق الله هذا العالم إلى قيام الساعة، قال: الدنيا عمرها خمسون ألف ~~سنة، وذلك عمرها يوم سماها الله عز وجل يوما. وعن عكرمة: { في ~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } قال: الدنيا من ~~أولها إلى آخرها مقدار خمسين ألف سنة لا يدري أحدكم مضى ولا كم بقي إلا ~~الله عز وجل. القول الثالث: أنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة وهو ~~قول غريب جدا، روي عن محمد بن كعب قال: هو يوم الفصل بين الدنيا ms2524 ~~والآخرة. القول الرابع: أن المراد بذلك يوم القيامة، وبه قال الضحاك ~~وابن زيد وعكرمة، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: { تعرج ~~الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة } قال: هو يوم القيامة جعله الله تعالى على ~~الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، روى الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: # " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: { في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة } ما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من ~~صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا " " # وقال الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعل صفائح يحمى عليها في نار جهنم، ~~فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ". # وقوله تعالى: { فاصبر صبرا جميلا } أي اصبر يا محمد على تكذيب ~~قومك لك، واستعجالهم العذاب استبعادا لوقوعه كقوله تعالى: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ~~آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق # [الشورى: 18]، ولهذا قال: { إنهم يرونه بعيدا } أي وقوع ~~العذاب، وقيام الساعة يراه الكفرة بعيد الوقوع بمعنى مستحيل الوقوع { ~~ونراه قريبا } أي المؤمنون يعتقدون كونه قريبا وإن كان له أمد لا ~~يعلمه إلا الله عز وجل، ولكن كل ما هو آت فهو قريب وواقع لا محالة. ### || [70.8-18] # يقول تعالى العذاب واقع بالكافرين { يوم تكون السمآء ~~كالمهل } ، قال ابن عباس، ومجاهد: أي كدردي الزيت، { وتكون ~~الجبال كالعهن } أي كالصوف المنفوش، قاله مجاهد وقتادة، وهذه ~~الآية كقوله تعالى: # وتكون الجبال كالعهن المنفوش # [القارعة: 5]، وقوله تعالى: { ولا يسأل حميم حميما * ~~يبصرونهم } أي لا يسأل القريب قريبه عن حاله، وهو يراه في أسوأ ~~الأحوال فتشغله نفسه عن غيره. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضا ويتعارفون ~~بينهم، ثم يفر بعضهم ms2525 من بعض بعد ذلك، يقول الله تعالى: # لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس: 37]، وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: # واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود ~~هو جاز عن والده شيئا # [لقمان: 33]، وكقوله تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37]، وقوله تعالى: { يود المجرم لو يفتدي من ~~عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته ~~التي تؤويه * ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه * ~~كلا } أي لا يقبل منه فداء ولو جاء بأهل الأرض، وبأعز ما يجده من ~~المال، ولو بملء الأرض ذهبا، أو من ولده الذي كان في الدنيا حشاشة كبده، ~~يود يوم القيامة إذا رأى الأهوال أن يفتدي من عذاب الله به، قال مجاهد ~~والسدي: { فصيلته } قبيلته وعشيرته، وقال عكرمة: فخذه الذي هو منهم، ~~وقوله تعالى: { إنها لظى } يصف النار وشدة حرها { نزاعة ~~للشوى } ، قال ابن عباس ومجاهد: جلدة الرأس، وعن ابن عباس: { ~~نزاعة للشوى } الجلود والهام، وقال أبو صالح { نزاعة ~~للشوى } يعني أطراف اليدين والرجلين، وقال الحسن البصري: تحرق كل ~~شيء فيه ويبقى فؤاده يصيح، وقال الضحاك: تبري اللحم والجلد عن العظم، ~~حتى لا تترك منه شيئا، وقوله تعالى: { تدعوا من أدبر ~~وتولى * وجمع فأوعى } أي تدعو النار إليها أبناءها الذين ~~خلقهم الله لها، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذلق، ثم تلتقطهم من بين ~~أهل المحشر، كما يلتقط الطير الحب، وذلك أنهم كانوا ممن أدبر وتولى، أي ~~كذب بقلبه وترك العمل بجوارحه { وجمع فأوعى } أي جمع المال بعضه ~~على بعض، فأوعاه أي أوكاه ومنع حق الله منه، من الواجب عليه في النفقات ~~ومن إخراج الزكاة، وقد ورد في الحديث: # " ولا توعي فيوعي الله عليك " # ، وكان عبد الله بن عكيم لا يربط له كيسا، يقول، سمعت الله يقول: { ~~وجمع فأوعى } ، وقال الحسن البصري: يا ابن آدم سمعت وعيد الله ~~ثم أوعيت الدنيا، وقال قتادة في قوله: { وجمع فأوعى } قال: كان ~~جموعا قموما للخبيث. ### || [70.19-35] # يقول تعالى مخبرا عن ms2526 الإنسان، وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة { ~~إن الإنسان خلق هلوعا } ، ثم فسره بقوله: { إذا مسه ~~الشر جزوعا } أي إذا مسه الضر فزع وجزع، وانخلع قلبه من شدة ~~الرعب، وأيس أن يحصله له بعد ذلك خير { وإذا مسه الخير ~~منوعا } أي إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله ~~تعالى فيها. وفي الحديث: # " شر ما في الرجل: شح هالع وجبن خالع " # ثم قال تعالى: { إلا المصلين } أي إلا من عصمه الله ووفقه ~~وهداه إلى الخير، ويسر له أسبابه وهم المصلون { الذين هم على ~~صلاتهم دآئمون } قيل: معناه يحافظون على أوقاتها وواجباتها، ~~قاله ابن مسعود، وقيل: المراد بالدوام ههنا السكون والخشوع كقوله تعالى: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون # [المؤمنون: 1-2] قاله عقبة بن عامر، ومنه الماء الدائم وهو الساكن ~~والراكد؛ وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الصلاة؛ فإن الذي لا يطمئن في ~~ركوعه وسجوده لم يسكن فيها ولم يدم، بل ينقرها نقر الغراب، فلا يفلح في ~~صلاته؛ وقيل المراد بذلك الذين إذا عملوا عملا داوموا عليه، وأثبتوه كما ~~جاء في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل " # ، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا داوم عليه، ~~وقوله تعالى: { والذين في أموالهم حق معلوم * ~~للسآئل والمحروم } أي في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات، { ~~والذين يصدقون بيوم الدين } أي يوقنون بالمعاد والحساب ~~والجزاء، فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب، ولهذا قال تعالى: ~~{ والذين هم من عذاب ربهم مشفقون } أي خائفون ~~وجلون، { إن عذاب ربهم غير مأمون } أي لا يأمنه أحد ~~إلا بأمان من الله تبارك وتعالى، وقوله تعالى: { والذين هم ~~لفروجهم حافظون } أي يكفونها عن الحرام، ويمنعونها أن توضع في ~~غير ما أذن الله فيه، ولهذا قال تعالى: { إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم } أي من الإماء، { فإنهم غير ~~ملومين * فمن ابتغى ms2527 ورآء ذلك فأولئك هم ~~العادون } وقد تقدم تفسير هذا بما أغنى عن إعادته ههنا، وقوله ~~تعالى: { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } أي ~~إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، { والذين هم ~~بشهاداتهم قائمون } أي محافظون عليها لا يزيدون فيها، ولا ~~ينقصون منها ولا يكتمونها # ومن يكتمها فإنه آثم قلبه # [البقرة: 283]، ثم قال تعالى: { والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون } أي على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، فافتتح ~~الكلام بذكر الصلاة، واختتمه بذكرها، فدل على الاعتناء بها والتنويه ~~بشرفها، { أولئك في جنات مكرمون } أي مكرمون بأنواع ~~الملاذ والمسار. ### || [70.36-44] # يقول تعالى منكرا على الكفار الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وهم مشاهدون لما أيده الله به من المعجزات الباهرات، ثم هم شاردون ~~يمينا وشمالا فرقا فرقا، # كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة # [المدثر: 50-51]، قال تعالى: { فمال الذين كفروا قبلك ~~مهطعين } أي فما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد { مهطعين } ~~أي مسرعين نافرين منك، قال الحسن البصري { مهطعين } أي منطلقين، { ~~عن اليمين وعن الشمال عزين } واحدها عزة أي متفرقين، ~~وقال ابن عباس: { فمال الذين كفروا قبلك مهطعين } ~~قال: قبلك ينظرون { عن اليمين وعن الشمال عزين } العزين: ~~العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به، وعن الحسن في قوله: { ~~عن اليمين وعن الشمال عزين } أي متفرقين يأخذون يمينا ~~وشمالا يقولون: ما قال هذا الرجل؟ وفي الحديث: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم حلق فقال: " ما ~~لي أراكم عزين " " # ؟. وقوله تعالى: { أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل ~~جنة نعيم * كلا } أي أيطمع هؤلاء، والحالة هذه من فرارهم عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، ونفارهم عن الحق، أن يدخلوا جنات النعيم؟ ~~كلا، بل مأواهم جهنم، ثم قال تعالى مقررا لوقوع المعاد والعذاب بهم ~~مستدلا عليهم بالبداءة: { إنا خلقناهم مما يعلمون } أي ~~من المني الضعيف، كما قال تعالى: # ألم نخلقكم من مآء مهين # [المرسلات: 20]، وقال: # فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من مآء دافق * ~~يخرج من بين الصلب ms2528 والترآئب # [الطارق: 5-7]، ثم قال تعالى: { فلا أقسم برب المشارق ~~والمغارب } أي الذي خلق السماوات والأرض، وسخر الكواكب تبدو من ~~مشارقها وتغيب في مغاربها، { إنا لقادرون * على أن ~~نبدل خيرا منهم } أي يوم القيامة نعيدهم بأبدان خير من هذه ~~فإن قدرته صالحة لذلك، { وما نحن بمسبوقين } أي بعاجزين، كما ~~قال تعالى: # أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه * بلى قادرين ~~على أن نسوي بنانه # [القيامة: 3-4]، وقال تعالى: # نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * ~~على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا ~~تعلمون # [الواقعة: 60-61]، واختار ابن جرير { على أن نبدل خيرا ~~منهم } أي أمة تطيعنا ولا تعصينا وجعلها كقوله: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # [محمد: 38]، والمعنى الأول أظهر لدلالة الآيات الأخر عليه، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ثم قال تعالى: { فذرهم } أي يا محمد { يخوضوا ~~ويلعبوا } أي دعهم في تكذيبهم وكفرهم وعنادهم، { حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعدون } أي فسيعلمون غب ذلك ويذوقون ~~وباله، { يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم ~~إلى نصب يوفضون } أي يقومون من القبور، إذا دعاهم الرب تبارك ~~وتعالى لموقف الحساب، ينهضون سراعا { كأنهم إلى نصب ~~يوفضون } قال ابن عباس: إلى علم يسعون، وقال أبو العالية: إلى غاية ~~يسعون إليها. { نصب } بضم النون والصاد وهو الصنم، أي كأنهم في ~~إسراعهم إلى الموقف، كما كانوا في الدنيا يهرولون إلى النصب إذا عاينوه، ~~{ يوفضون } يبتدرون أيهم يستلمه أول، وهذا مروي عن مجاهد وقتادة ~~والضحاك وغيرهم، وقوله تعالى: { خاشعة أبصارهم } أي خاضعة { ~~ترهقهم ذلة } أي في مقابلة ما استكبروا في الدنيا عن الطاعة { ~~ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون }. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-4] # يقول تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام، أنه أرسله إلى قومه، آمرا له أن ~~ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم، ولهذا قال ~~تعالى: { أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب ~~أليم * قال يقوم إني لكم نذير مبين } أي بين ~~النذارة، ظاهر الأمر واضحه { أن اعبدوا الله واتقوه } أي ~~اتركوا محارمه ms2529 واجتنبوا مآثمه، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم ~~عنه، { يغفر لكم من ذنوبكم } أي إذا فعلتم ما آمركم به ~~وصدقتم ما أرسلت به إليكم غفر الله لكم ذنوبكم، { ويؤخركم إلى ~~أجل مسمى } أي يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب، وقد يستدل بهذه ~~الآية من يقول: إن الطاعة والبر وصلة الرحم يزاد بها في العمر حقيقة، كما ~~ورد به الحديث: # " صلة الرحم تزيد في العمر " # ، وقوله تعالى: { إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو ~~كنتم تعلمون } أي بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة، فإن أمره ~~تعالى لا يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قد قهر كل شيء، العزيز الذي ~~دانت لعزته جميع المخلوقات. ### || [71.5-20] # يخبر تعالى عن عبده ورسوله (نوح) عليه السلام، أنه اشتكى إلى ربه عز ~~وجل، ما لقي من قومه في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين ~~عاما، وما بين لقومه ووضح لهم فقال: { رب إني دعوت قومي ~~ليلا ونهارا } أي لم أترك دعاءهم في ليل ولا نهار، وامتثالا ~~لأمرك وابتغاء لطاعتك، { فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا } ~~أي كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق، فروا منه وحادوا عنه، { وإني ~~كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في ~~آذانهم واستغشوا ثيابهم } أي سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما ~~أدعوهم إليه، كما أخبر تعالى عن كفار قريش # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون # [فصلت: 26]، { واستغشوا ثيابهم } قال ابن عباس: تنكروا له ~~لئلا يعرفهم، وقال السدي: غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا ما يقول، { ~~وأصروا } أي استمروا على ما هم فيه من الشرك، والكفر العظيم ~~الفظيع، { واستكبروا استكبارا } أي واستنكفوا عن اتباع الحق ~~والانقياد له، { ثم إني دعوتهم جهارا } أي جهرة بين ~~الناس، { ثم إني أعلنت لهم } أي كلاما ظاهرا بصوت عال { ~~وأسررت لهم إسرارا } أي فيما بيني وبينهم، فنوع عليهم ~~الدعوة لتكون أنجع فيهم، { فقلت استغفروا ربكم إنه ~~كان غفارا } أي ارجعوا إليه وارجعوا عما أنتم فيه وتوبوا إليه من ~~قريب، فإنه من تاب إليه تاب الله عليه، { يرسل ms2530 السمآء عليكم ~~مدرارا } أي متواصلة الأمطار، قال ابن عباس: يتبع بعضه بعضا، وقوله ~~تعالى: { ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم ~~جنات ويجعل لكم أنهارا } أي إذا تبتم إلى الله وأطعتموه، ~~كثر الرزق عليكم وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، ~~وأمدكم { بأموال وبنين } أي أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم ~~جنات فيها أنواع الثمار وخللها بالأنهار الجارية بينها، هذا مقام الدعوة ~~بالترغيب، ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب، فقال: { ما لكم لا ~~ترجون لله وقارا }؟ أي عظمة قال ابن عباس: لم لا تعظمون الله ~~حق عظمته، أي لا تخافون من بأسه ونقمته { وقد خلقكم أطوارا } ~~قيل: معناه من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة قاله ابن عباس وقتادة. # وقوله تعالى: { ألم تروا كيف خلق الله سبع ~~سموت طباقا } أي واحدة فوق واحدة، ومعها يدور سائر الكواكب ~~تبعا، ولكن للسيارة حركة معاكسة لحركة أفلاكها، فإنها تسير من المغرب ~~إلى المشرق، وكل يقطع فلكه بحسبه فالقمر يقطع فلكه في كل شهر مرة، ~~والشمس في كل سنة مرة، وزحل في كل ثلاثين سنة مرة، وإنما المقصود أن الله ~~سبحانه وتعالى: { خلق الله سبع سموت طباقا * وجعل ~~القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا } أي فاوت بينهما ~~في الاستنارة، فجعل كلا منهما أنموذجا على حدة، ليعرف الليل والنهار ~~بمطلع الشمس ومغيبها، وقدر للقمر منازل وبروجا، وفاوت نوره، فتارة ~~يزداد حتى يتناهى، ثم يشرع في النقص حتى يستسر، ليدل على مضي الشهور ~~والأعوام، كما قال تعالى: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب # [يونس: 5] الآية، وقوله تعالى: { والله أنبتكم من الأرض ~~نباتا } هذا اسم مصدر والإتيان به ههنا أحسن، { ثم يعيدكم ~~فيها } أي إذا متم { ويخرجكم إخراجا } أي يوم القيامة ~~يعيدكم كما بدأكم أول مرة، { والله جعل لكم الأرض بساطا ~~} أي بسطها ومهدها وثبتها بالجبال الراسيات الشم الشامخات، { ~~لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أي خلقها لكم لتستقروا عليها، ~~وتسلكوا فيها أين شئتم من نواحيها وأرجائها، ينبههم نوح عليه السلام على ms2531 ~~قدرة الله وعظمته في خلق السماوات والأرض، ونعمه عليهم فيما جعل لهم من ~~المنافع السماوية والأرضية، فهو الخالق الرزاق جعل السماء بناء، والأرض ~~مهادا، وأوسع على خلقه من رزقه، فهو الذي يجب أن يعبد ويوحد ولا يشرك به ~~أحد. ### || [71.21-24] # يقول تعالى: مخبرا عن نوح عليه السلام، أنهم عصوه وخالفوه وكذبوه، ~~واتبعوا من غفل عن أمر الله، ومتع بمال وأولاد، وهي في نفس الأمر استدراج ~~لا إكرام، ولهذا قال: { واتبعوا من لم يزده ماله ~~وولده إلا خسارا } ، وقوله تعالى: { ومكروا مكرا ~~كبارا } قال مجاهد: { كبارا } أي عظيما، وقال ابن زيد: { ~~كبارا } أي كبيرا، والعرب تقول: أمر عجيب وعجاب وعجاب، بالتخفيف ~~والتشديد بمعنى واحد، { ومكروا مكرا كبارا } أي باتباعهم لهم ~~وهم على الضلال، كما يقولون لهم يوم القيامة: # بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا # [سبأ: 33]، ولهذا قال ههنا: { وقالوا لا تذرن آلهتكم ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا } وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، عن ابن ~~عباس: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما (ود) فكانت ~~لكلب بدومة الجندل، وأما (سواع) فكانت لهذيل، وأما (يغوث) فكانت لمراد ~~ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما (يعوق) فكانت لهمدان، وأما (نسر) ~~فكانت لحمير لال ذي كلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام، ~~فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا ~~يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك ~~أولئك ونسخ العلم عبدت. وقال ابن جرير عن محمد بن قيس { ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا } قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم ~~أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم، لو ~~صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب ~~إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، وقوله ~~تعالى: { وقد أضلوا كثيرا } يعني الأصنام التي اتخذوها أضلوا ~~بها ms2532 خلقا كثيرا، فإنه استمرت عبادتها إلى زماننا هذا، في العرب والعجم ~~وسائر صنوف بني آدم، وقد قال الخليل عليه السلام في دعائه: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35]. وقوله تعالى: { ولا تزد الظالمين إلا ~~ضلالا } دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم، كما دعا موسى على ~~فرعون وملئه في قوله: # ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 88] وقد استجاب الله لكل من النبيين في قومه، وأغرق أمته ~~بتكذيبهم لما جاءهم به. ### || [71.25-28] # يقول تعالى: { مما خطيئاتهم أغرقوا } أي من كثرة ذنوبهم ~~وعتوهم، وإصرارهم على كفرهم، ومخالفتهم رسولهم، { أغرقوا ~~فأدخلوا نارا } أي نقلوا من البحار إلى حرارة النار، { فلم ~~يجدوا لهم من دون الله أنصارا } أي لم يكن لهم معين ولا ~~مجير، ينقذهم من عذاب الله، كقوله تعالى: # قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم # [هود: 43]. { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا } أي لا تترك على وجه الأرض منهم أحدا، ولا { ~~ديارا } وهذه من صيغ تأكيد النفي، قال الضحاك { ديارا } واحدا، ~~وقال السدي: الديار الذي يسكن الدار، فاستجاب الله له فأهلك جميع من على ~~وجه الأرض من الكافرين، حتى ولد نوح لصلبه الذي اعتزل عن أبيه، وقال: # سآوي إلى جبل يعصمني من المآء # [هود: 43] عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم امرأة لما رأت الماء حملت ولدها، ~~ثم صعدت الجبل، فلما بلغها الماء صعدت به منكبها، فلما بلغ الماء منكبها ~~وضعت ولدها على رأسها، فلما بلغ الماء رأسها رفعت ولدها بيدها، فلو رحم ~~الله منهم أحدا لرحم هذه المرأة " # ، ونجى الله أصحاب السفينة الذين آمنوا مع نوح عليه السلام وهم الذين ~~أمره الله بحملهم معه، وقوله تعالى: { إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك } أي إنك إن أبقيت منهم أحدا، أضلوا عبادك أي الذين تخلقهم ~~بعدهم { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } أي فاجرا في ~~الأعمال كافر القلب، ms2533 وذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما ثم قال: { رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل ~~بيتي مؤمنا } قال الضحاك يعني مسجدي، ولا مانع من حمل الآية على ~~ظاهرها وهو أنه دعا لكل من دخل منزله وهو مؤمن، وقد روى الإمام أحمد، عن ~~أبي سعيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي " # ، وقوله تعالى: { وللمؤمنين والمؤمنات } دعاء لجميع ~~المؤمنين والمؤمنات وذلك يعم الأحياء منهم والأموات، ولهذا يستحب مثل هذا ~~الدعاء اقتداء بنوح عليه السلام، وبما جاء في الآثار، والأدعية المشهورة ~~المشروعة، وقوله تعالى: { ولا تزد الظالمين إلا تبارا } ~~قال السدي: إلا هلاكا. وقال مجاهد: إلا خسارا أي في الدنيا والآخرة. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-7] # يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يخبر قومه أن الجن ~~استمعوا القرآن، فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له فقال تعالى: { قل ~~أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا ~~إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد } أي إلى ~~السداد والنجاح { فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا } ~~كقوله تعالى: # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن # [الأحقاف: 29]، وقوله تعالى: { وأنه تعالى جد ربنا } ~~قال ابن عباس { جد ربنا } آلاؤه وقدرته ونعمته على خلقه، وقال ~~مجاهد: جلال ربنا، وقال قتادة: تعالى جلاله وعظمته وأمره، وقال السدي: ~~تعالى أمر ربنا، وقال سعيد بن جبير: { تعالى جد ربنا } أي ~~تعالى ربنا، وقوله تعالى: { ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } أي ~~تعالى عن اتخاذ الصاحبة والأولاد، أي قالت الجن: تنزه الرب جل جلاله عن ~~اتخاذ الصاحبة والولد، ثم قالوا: { وأنه كان يقول سفيهنا ~~على الله شططا } قال مجاهد { سفيهنا } يعنون إبليس، { ~~شططا } أي جورا، وقال ابن زيد: أي ظلما كبيرا، ويحتمل أن يكون ~~المراد بقولهم: سفيهنا اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة أو ولدا، ولهذا ~~قالوا: { وأنه كان يقول سفيهنا } أي قبل إسلامه، { على ~~الله شططا } أي باطلا وزورا، ولهذا قالوا: { وأنا ظننآ ms2534 ~~أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } أي ما ~~حسبنا أن الإنس والجن، يتمالأون على الكذب على الله تعالى، في نسبة ~~الصاحبة والولد إليه، فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به علمنا أنهم كانوا ~~يكذبون على الله في ذلك. # وقوله تعالى: { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن فزادوهم رهقا } ، كانت عادة العرب في ~~جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان، أن يصيبهم بشيء يسؤوهم، فلما ~~رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم { زادوهم رهقا } أي ~~خوفا وإرهابا وذعرا، حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم، كما ~~قال قتادة { فزادوهم رهقا } أي إثما، وازدادت الجن عليهم بذلك ~~جراءة، وقال الثوري { فزادوهم رهقا } أي ازدادت الجن عليهم جرأة، ~~وقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد ~~هذا الوادي من الجن أن أضر أنا فيه ومالي أو ولدي أو ماشيتي، قال قتادة: ~~فإذا عاذ بهم من دون الله رهقتهم الجن الأذى عند ذلك، وعن عكرمة قال: كان ~~الجن يفرقون من الإنس كما يفرق الإنس منهم أو أشد، فكان الإنس إذا نزلوا ~~واديا هرب الجن، فيقول سيد القوم: نعوذ بسيد أهل هذا الوادي، فقال الجن: ~~نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم، فدنوا من الإنس، فأصابوهم بالخبل ~~والجنون، فذلك قول الله عز وجل: { وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا } أي ~~إثما، وقال أبو العالية { رهقا } أي خوفا، وقال ابن عباس: أي إثما، ~~وقال مجاهد: زاد الكفار طغيانا، روى ابن أبي حاتم. # عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة، ~~وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فآوانا المبيت إلى ~~راعي غنم، فلما انتهى صف الليل جاء ذئب، فأخذ حملا من الغنم، فوثب ~~الراعي، فقال: يا عامر الوادي جارك فنادى مناد لا نراه، يقول: يا سرحان ~~أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة، وأنزل الله تعالى ~~على ms2535 رسوله بمكة: { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن فزادوهم رهقا }. وقوله تعالى: { ~~وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ~~} أي لن يبعث الله بعد هذه المدة رسولا. ### || [72.8-10] # يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل ~~عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرسا شديدا، وحفظت من ~~سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها لئلا يسترقون شيئا من القرآن، ~~وهذا من لطف الله تعالى بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ~~ولهذا قال الجن: { وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ~~ملئت حرسا شديدا وشهبا * وأنا كنا نقعد منها ~~مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا ~~رصدا } أي من يروم أن يسترق السمع اليوم، يجد له شهابا مرصدا له، ~~لا يتخطاه ولا يتعداه بل يمحقه ويهلكه، { وأنا لا ندري أشر ~~أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } أي ~~ما ندري هذا الأمر الذي قد حدث في السماء، لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ~~أم أراد بهم ربهم رشدا، وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشر إلى ~~غير فاعل، والخير أضافوه إلى الله عز وجل، وقد ورد في الصحيح: # " والشر ليس إليك " # وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، وهذا هو السبب الذي حملهم على تطلب ~~السبب في ذلك، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فوجدوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا أن هذا هو الذي حفظت من ~~أجله السماء، فآمن من آمن منهم، وتمرد في طغيانه من بقي، كما تقدم حديث ~~ابن عباس عند قوله في سورة الأحقاف: # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن # [الأحقاف: 29] الآية. ولا شك أنه لما حدث هذا الأمر، وهو كثرة الشهب في ~~السماء والرمي بها، هال ذلك الإنس والجن وانزعجوا له، وظنوا أن ذلك لخراب ~~العالم، فأتوا إبليس فحدثوه بالذي كان من أمرهم فقال: ائتوني من كل أرض ~~بقبضة من تراب أشمها، فأتوه، فشم فقال: صاحبكم ms2536 بمكة فبعث سبعة نفر من جن ~~نصيبين فقدموا فوجدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي في المسجد ~~الحرام، يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلاكلهم ~~تصيبه، ثم أسلموا فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم. ### || [72.11-17] # يقول تعالى مخبرا عن الجن { وأنا منا الصالحون ومنا ~~دون ذلك } أي غير ذلك، { كنا طرآئق قددا } أي طرائق ~~متعددة مختلفة وآراء متفرقة، قال ابن عباس ومجاهد { كنا طرآئق ~~قددا } أي منا المؤمن ومنا الكافر، وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة ~~العباس بن أحمد الدمشقي قال، سمعت بعض الجن وأنا في منزل لي بالليل ينشد: # قلوب براها الحب حتى تعلقت # مذاهبها في كل غرب وشارق # تهيم بحب الله والله ربها # معلقة بالله دون الخلائق # وقوله تعالى: { وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في ~~الأرض ولن نعجزه هربا } أي نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا، ~~وأنا لا نعجزه ولو أمعنا في الهرب، فإنه علينا قادر لا يعجزه أحد منا. { ~~وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به } يفتخرون بذلك وهو ~~مفخر لهم وشرف رفيع، وصفة حسنة، وقولهم: { فمن يؤمن بربه فلا ~~يخاف بخسا ولا رهقا } قال ابن عباس وقتادة: فلا يخاف أن ينقص ~~من حسناته أو يحمل عليه غير سيئاته، كما قال تعالى: # فلا يخاف ظلما ولا هضما # [طه: 112]، { وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون } ~~أي منا المسلم ومنا القاسط، وهو الجائر عن الحق الناكب عنه بخلاف المقسط، ~~فإنه العادل، { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } أي ~~طلبوا لأنفسهم النجاة، { وأما القاسطون فكانوا لجهنم ~~حطبا } أي وقودا تسعر بهم، { وألو استقاموا على ~~الطريقة لأسقيناهم مآء غدقا * لنفتنهم فيه } ~~اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين: (أحدهما): وأن لو استقام القاسطون ~~على طريقة الإسلام، واستمروا عليها { لأسقيناهم مآء غدقا } ~~أي كثيرا، والمراد بذلك سعة الرزق كقوله تعالى: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96]، وعلى هذا يكون معنى قوله: { لنفتنهم فيه } أي ~~لنختبرهم من يستمر على الهداية ms2537 ممن يرتد إلى الغواية. قال ابن عباس: { ~~وألو استقاموا على الطريقة } يعني بالاستقامة الطاعة، ~~وقال مجاهد: يعني الإسلام. وقال قتادة: { وألو استقاموا على ~~الطريقة } يقول: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا. قال مقاتل: ~~نزلت في كفار قريش حين منعوا المطر سبع سنين، (والقول الثاني): { ~~وألو استقاموا على الطريقة } الضلال { لأسقيناهم ~~مآء غدقا } أي لأوسعنا عليهم الرزق استدراجا، كما قال تعالى: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء # [الأنعام: 44] وهذا قول أبي مجلز، وحكاه البغوي عن الربيع، وزيد بن ~~أسلم، والكلبي، وله اتجاه ويتأيد بقوله { لنفتنهم فيه } ، ~~وقوله: { ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ~~} أي عذابا مشقا موجعا مؤلما، قال ابن عباس ومجاهد { عذابا ~~صعدا } أي مشقة لا راحة معها، وعن ابن عباس: جبل في جهنم. ### || [72.18-24] # قال قتادة في قوله تعالى: { وأن المساجد لله فلا ~~تدعوا مع الله أحدا } قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا ~~كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن ~~يوحده وحده، وقال ابن عباس: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد ~~إلا المسجد الحرام، ومسجد إيليا بيت المقدس، وروى ابن جرير، عن سعيد بن ~~جبير قال، قالت الجن لنبي الله صلى الله عليه وسلم: كيف لنا أن نأتي ~~المسجد ونحن ناؤون؟ أي بعيدون عنك، وكيف نشهد الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ ~~فنزلت: { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله ~~أحدا }. وقال عكرمة: نزلت في المساجد كلها، وقوله تعالى: { وأنه ~~لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه ~~لبدا } قال ابن عباس يقول: لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلو ~~القرآن، كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه يتلو القرآن، ودنوا منه فلم ~~يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه: # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن # [الجن: 1] يستمعون القرآن، وقال الحسن: لما قام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: لا إله إلا الله ويدعو الناس إلى ربهم كادت العرب تلبد عليه ~~جميعا، وقال ms2538 قتادة: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى ~~الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه، وهو الأظهر لقوله بعده: ~~{ قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا } أي قال ~~لهم الرسول لما آذوه وخالفوه وكذبوه، وتظاهروا عليه ليبطلوا ما جاء به من ~~الحق واجتمعوا على عداوته { إنمآ أدعو ربي } أي إنما أعبد ربي ~~وحده لا شريك له وأستجير به وأتوكل عليه { ولا أشرك به أحدا ~~}. # وقوله تعالى: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } ~~أي إنما أنا عبد من عباد الله، ليس إلي من الأمر شيء في هدايتكم ولا ~~غوايتكم، بل المرجع في ذلك كله إلى الله عز وجل، ثم أخبر عن نفسه ~~أيضا أنه لا يجيره من الله أحد، أي لو عصيته، فإنه لا يقدر أحد على ~~إنقاذي من عذابه { ولن أجد من دونه ملتحدا } قال مجاهد: ~~لا ملجأ، وقال قتادة: أي لا نصير ولا ملجأ، وفي رواية: لا ولي ولا موئل، ~~وقوله تعالى: { إلا بلاغا من الله ورسالاته } مستثنى ~~من قوله: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا... ~~إلا بلاغا } ويحتمل أن يكون استثناء من قوله: { لن يجيرني ~~من الله أحد } أي لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة ~~التي أوجب أداءها علي، كما قال تعالى: # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته # [المائدة: 67]، وقوله تعالى: { ومن يعص الله ورسوله ~~فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا } أي أنا رسول ~~الله أبلغكم رسالة الله فمن يعص بعد ذلك فله جزاء { نار جهنم ~~خالدين فيهآ أبدا } أي لا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها، ~~وقوله تعالى: { حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون ~~من أضعف ناصرا وأقل عددا } أي حتى إذا رأى هؤلاء ~~المشركون ما يوعدون يوم القيامة، فسيعلمون يومئذ { من أضعف ~~ناصرا وأقل عددا } هم أم المؤمنون الموحدون لله تعالى، أي بل ~~المشركين لا ناصر لهم بالكلية، وهم أقل عددا من جنود الله عز وجل. ### || [72.25-28] ms2539 # يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس: إنه لا علم ~~له بوقت الساعة، ولا يدري أقريب وقتها أم بعيد { قل إن أدري ~~أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا } أي مدة ~~طويلة، { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * ~~إلا من ارتضى من رسول } هذه كقوله تعالى: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255] وهذا يعم الرسول الملكي والبشري، ثم قال تعالى: { ~~فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا } أي ~~يخصه بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر الله، ويساوقونه على ما ~~معه من وحي الله، ولهذا قال: { ليعلم أن قد أبلغوا ~~رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل ~~شيء عددا } ، وقد اختلف المفسرون في الضمير في قوله { ليعلم ~~} إلى من يعود؟ فقيل: إنه عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، روى ابن ~~جرير، عن سعيد بن جبير في قوله: { فإنه يسلك من بين ~~يديه ومن خلفه رصدا } قال: أربعة حفظة من الملائكة مع ~~جبريل { ليعلم } محمد صلى الله عليه وسلم { أن قد أبلغوا ~~رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل ~~شيء عددا } ، وقال قتادة: { ليعلم أن قد أبلغوا ~~رسالات ربهم } قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلغت عن الله، ~~وأن الملائكة حفظتها ودفعت عنها، وقيل المراد: ليعلم أهل الشرك أن قد ~~أبلغوا رسالات ربهم، قال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم، وفي هذا نظر، ويحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى الله عز وجل، ~~ويكون المعنى في ذلك أنه يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته، ~~ويحفظ ما ينزله إليهم من الوحي ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ويكون ~~ذلك كقوله تعالى: # وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم ~~من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه # [البقرة: 143]، وكقوله تعالى: # وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين # [العنكبوت: 11] إلى أمثال ذلك، مع العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل ~~كونها قطعا لا محالة، ولهذا قال بعد ذلك: { وأحاط بما ms2540 لديهم ~~وأحصى كل شيء عددا }. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-9] # يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يترك التزمل، وهو التغطي، وينهض ~~إلى القيام لربه عز وجل، كما قال تعالى: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79]، فقال تعالى: { يأيها المزمل * قم اليل ~~إلا قليلا } ، قال ابن عباس { يأيها المزمل } يعني يا ~~أيها النائم، وقال قتادة: المزمل في ثيابه، وقال إبراهيم النخعي: نزلت ~~وهو متزمل بقطيفة ، وقوله تعالى: { نصفه } بدل من الليل { أو ~~انقص منه قليلا * أو زد عليه } أي أمرناك أن تقوم نصف ~~الليل بزيادة قليلة، أو نقصان قليل، لا حرج عليك في ذلك، وقوله تعالى: { ~~ورتل القرآن ترتيلا } أي اقرأه على تمهل، فإنه يكون عونا ~~على فهم القرآن وتدبره، وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، قالت ~~عائشة: كان يقرأ السورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها، وفي " صحيح ~~البخاري " عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~كانت مدا، ثم قرأ: # بسم الله الرحمن الرحيم # [الفاتحة: 1، النمل: 30] يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم، # " وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: كان يقطع قراءته آية آية: { بسم الله الرحمن ~~الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن ~~الرحيم * ملك يوم الدين } " # ، وفي الحديث: # " يقال لقارىء القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن ~~منزلتك عند آخر آية تقرؤها " # وقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل، وتحسين ~~الصوت بالقراءة، كما جاء في الحديث: # " زينوا القرآن بأصواتكم " # ، و # " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " # وقال ابن مسعود: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند ~~عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة، وقوله تعالى: { ~~إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } قال الحسن وقتادة: أي ~~العمل به، وقيل: ثقيل وقت نزوله من عظمته، كما قال زيد بن ثابت رضي الله ~~عنه: ms2541 أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي، فكادت ترض ~~فخذي، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها # " أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك ~~الوحي؟ فقال: " أحيانا يأتي في مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي فيفصم عني ~~وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما ~~يقول " قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي صلى الله عليه وسلم في ~~اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا " # وروى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " إن كان ليوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته فتضرب ~~بجرانها ". # وقوله تعالى: { إن ناشئة الليل هي أشد وطأ ~~وأقوم قيلا } قال عمر: الليل كله ناشئة، وقال مجاهد: نشأ إذا قام ~~من الليل، وفي رواية عنه: بعد العشاء، والغرض أن { ناشئة الليل } ~~هي ساعاته وأوقاته، وكل ساعة منه تسمى ناشئة، والمقصود أن قيام الليل هو ~~أشد مواطأة بين القلب واللسان، وأجمع على التلاوة، ولهذا قال تعالى: { ~~هي أشد وطأ وأقوم قيلا } أي أجمع للخاطر في أداء القراءة ~~وتفهمها من قيام النهار، لأنه وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات ~~المعاش، ولهذا قال تعالى: { إن لك في النهار سبحا طويلا ~~} ، قال أبو العالية ومجاهد: فراغا طويلا، وقال قتادة: فراغا وبغية ~~ومتقلبا، وقال السدي: { سبحا طويلا } تطوعا كثيرا، وقال عبد ~~الرحمن بن زيد { سبحا طويلا } قال: لحوائجك فأفرغ لدينك الليل، ~~وهذا حين كانت صلاة الليل فريضة، ثم إن الله تبارك وتعالى من على عباده ~~فخففها، ووضعها. روى الإمام أحمد، عن زرارة بن أوفى، عن سعيد بن هشام ~~قال: قلت: # " يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ~~ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان القرآن، فهممت أن أقوم، ثم بدا لي قيام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن قيام ms2542 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ قالت: ألست تقرأ هذه السورة: { يأيها المزمل }؟ قلت: ~~بلى، قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم " # ، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا، ثم أنزل الله التخفيف ~~في آخر هذه السورة فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة. وروي عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت: # " كنت أجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيرا يصلي عليه من الليل، ~~فتسامع الناس به فاجتمعوا فخرج كالمغضب وكان بهم رحيما فخشي أن يكتب ~~عليهم قيام الليل فقال: " يا أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن ~~الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل وخير الأعمال ما ديم عليه " # ونزل القرآن: { يأيها المزمل * قم اليل إلا ~~قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ~~} حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر فرأى الله ~~ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. # وقال ابن جرير: لما نزلت { يأيها المزمل } قاموا حولا حتى ~~ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت: # فاقرءوا ما تيسر منه # [المزمل: 20] قال: فاستراح الناس. وقوله تعالى: { واذكر اسم ~~ربك وتبتل إليه تبتيلا } أي أكثر من ذكره، وانقطع ~~إليه، وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك، كما قال تعالى: # فإذا فرغت فانصب # [الشرح: 7] أي إذا فرغت من أشغالك فانصب في طاعته، وعبادته لتكون فارغ ~~البال، { وتبتل إليه تبتيلا } أي أخلص له العبادة، وقال ~~الحسن: اجتهد وابتل إليه نفسك، وقال ابن جرير: يقال للعابد متبتل، ومنه ~~الحديث المروي (نهى عن التبتل) يعني الانقطاع إلى العبادة وترك التزوج، ~~وقوله تعالى: { رب المشرق والمغرب لا إله إلا ~~هو فاتخذه وكيلا } أي هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب ~~الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل فاتخذه ~~وكيلا، كما قال تعالى: # فاعبده وتوكل عليه # [هود: 123]، وكقوله: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. ### || [73.10-18] # يقول تعالى آمرا رسوله صلى ms2543 الله عليه وسلم بالصبر، على ما يقوله سفهاء ~~قومه، وأن يهجرهم هجرا جميلا، وهو الذي لا عتاب معه، ثم قال له متهددا ~~لكفار قومه: { وذرني والمكذبين أولي النعمة } أي ~~والمكذبين المترفين أصحاب الأموال، { ومهلهم قليلا } أي ~~رويدا، كما قال تعالى: # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # [لقمان: 24]، ولهذا قال ههنا: { إن لدينآ أنكالا } وهي ~~القيود، قاله ابن عباس وعكرمة والسدي وغير واحد، و { جحيما } وهي ~~السعير المضطرمة، { وطعاما ذا غصة } قال ابن عباس: ينشب في ~~الحلق فلا يدخل ولا يخرج، { وعذابا أليما * يوم ترجف ~~الأرض والجبال } أي تزلزل، { وكانت الجبال كثيبا ~~مهيلا } أي تصير ككثبان الرمال بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تنسف ~~نسفا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، حتى تصير الأرض # قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا # [طه: 106-107] أي واديا # ولا أمتا # [طه: 107] أي رابية، ومعناه لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع، ثم قال تعالى ~~مخاطبا لكفار قريش والمراد سائر الناس: { إنآ أرسلنآ إليكم ~~رسولا شاهدا عليكم } أي بأعمالكم، { كمآ أرسلنآ إلى ~~فرعون رسولا * فعصى فرعون الرسول فأخذناه ~~أخذا وبيلا } قال ابن عباس { أخذا وبيلا } أي شديدا، ~~فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول، فيصيبكم ما أصاب فرعون حيث أخذه الله ~~أخذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى: # فأخذه الله نكال الآخرة والأولى # [النازعات: 25]، وقوله تعالى: { فكيف تتقون إن كفرتم ~~يوما يجعل الولدان شيبا } أي فكيف تخافون أيها الناس يوما ~~يجعل الولدان شيبا إن كفرتم بالله ولم تصدقوا به؟ وكيف يحصل لكم أمان من ~~يوم هذا الفزع العظيم إن كفرتم؟ ومعنى قوله: { يوما يجعل ~~الولدان شيبا } أي من شدة أهواله وزلازله وبلابله، وذلك حين يقول ~~الله تعالى لآدم: ابعث بعث النار، فيقول: من كم؟ فيقول من كل ألف تسعمائة ~~وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، وقوله تعالى: { السمآء ~~منفطر به } قال الحسن وقتادة: أي بسببه من شدته، وهوله، وقوله ~~تعالى: { كان وعده مفعولا } أي كان وعد هذا اليوم مفعولا، أي ~~واقعا لا محالة وكائنا لا محيد ms2544 عنه. ### || [73.19-20] # يقول تعالى: { إن هذه } أي السورة { تذكرة } أي يتذكر بها ~~أولو الألباب، ولهذا قال تعالى: { فمن شآء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا } أي ممن شاء الله تعالى هدايته، ثم قال تعالى: { إن ربك ~~يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه ~~وثلثه وطآئفة من الذين معك } أي تارة هكذا وتارة ~~هكذا، وذلك كله من غير قصد منكم، ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما ~~أمركم به من قيام الليل، لأنه يشق عليكم، ولهذا قال: { والله ~~يقدر الليل والنهار } أي تارة يعتدلان، وتارة يأخذ هذا من ~~هذا، وهذا من هذا، { علم أن لن تحصوه } أي الفرض الذي أوجبه ~~عليكم { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } أي من غير تحديد ~~بوقت، أي ولكن قوموا من الليل ما تيسر، وعبر عن الصلاة بالقراءة كما قال: # ولا تجهر بصلاتك # [الإسراء: 110] أي بقراءتك # ولا تخافت بها # [الإسراء: 110]، وقد استدل أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية وهي قوله: { ~~فاقرءوا ما تيسر من القرآن } على أنه لا يجب تعين قراءة ~~الفاتحة في الصلاة، واعتضد بحديث المسيء صلاته: # " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " # ، وقد أجاب الجمهور بحديث عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " # وعن أبي هريرة مرفوعا: # " لا تجزىء صلاة من لم يقرأ بأم القرآن " # وقوله تعالى: { علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون ~~يقاتلون في سبيل الله } أي علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو ~~أعذار، من مرضى لا يستطيعون القيام ومسافرين يبتغون من فضل الله في ~~المكاسب والمتاجر، وآخرين مشغولين بالغزو في سبيل الله، ولهذا قال تعالى: ~~{ فاقرءوا ما تيسر منه } أي قوموا بما تيسرعليكم منه، روى ~~ابن جرير، عن أبي رجاء قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد ما تقول في رجل قد ~~استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه، ولا يقوم به إنما يصلي المكتوبة؟ قال: ~~يتوسد القرآن لعن الله ذاك، قال الله تعالى للعبد ms2545 الصالح: # وإنه لذو علم لما علمناه # [يوسف: 68]، # وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم # [الأنعام: 91]، قلت: يا أبا سعيد قال الله تعالى: { فاقرءوا ما ~~تيسر من القرآن } ، قال: نعم، ولو خمس آيات، وهذا ظاهر من ~~مذهب الحسن البصري، أنه كان يرى حقا واجبا على حملة القرآن، أن يقوموا ~~ولو بشيء منه في الليل، ولهذا جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " سئل عن رجل نام حتى أصبح؟ فقال: " ذاك رجل بال الشيطان في أذنه " # ، فقيل: معناه نام عن المكتوبة، وقيل: عن قيام الليل. # وقوله تعالى: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } أي ~~أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا يدل لمن قال ~~بأن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة ~~والله أعلم. وقد قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: إن هذه الآية نسخت الذي كان ~~الله قد أوجبه على المسلمين أولا من قيام الليل، وقد ثبت في الصحيحين # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لذلك الرجل: " خمس صلوات في ~~اليوم والليلة " ، قال: هل علي غيرها؟ قال: " لا، إلا أن تطوع " " # ، وقوله تعالى: { وأقرضوا الله قرضا حسنا } يعني من ~~الصدقات، فإن الله يجازي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره كما قال تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة # [البقرة: 245]، وقوله تعالى: { وما تقدموا لأنفسكم من ~~خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا } أي ~~جميع ما تقدموه بين أيديكم فهو لكم حاصل، وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم ~~في الدنيا، عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ " قالوا: يا رسول الله، ما منا من ~~أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: " اعلموا ما تقولون " ، قالوا: ~~ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله، قال: " إنما مال أحدكم ما قدم، ومال ~~وارثه ما أخر " " # ثم قال تعالى: { واستغفروا الله إن الله غفور ~~رحيم } أي أكثروا من ذكره واستغفاره ms2546 في أموركم كلها، فإنه غفور رحيم ~~لمن استغفره. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-10] # روى البخاري: عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " جاورت بحراء فلما قضيت جواري، هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني، فلم أر ~~شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت ~~خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني ~~وصبوا علي ماء باردا - قال - فدثروني وصبوا علي ماء باردا، قال: ~~فنزلت: { يأيها المدثر * قم فأنذر * وربك ~~فكبر } " # وعن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: # " فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، ~~فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه ~~حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني، زملوني، فزملوني، ~~فأنزل: { يأيها المدثر * قم فأنذر } - إلى - { ~~فاهجر } " # ، قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان، # " ثم حمي الوحي وتتابع " # وهذا السياق يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا لقوله: # " فإذا الملك الذي كان بحراء " # ، وهو جبريل حين أتاه بقوله: # اقرأ باسم ربك الذي خلق # [العلق: 1]، ثم إنه حصل بعد هذا فترة ثم نزل الملك بعد هذا، كما قال ~~الإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه سلم ~~يقول: # " ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت ~~بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء ~~والأرض، فجثثت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي، فقلت لهم: ~~زملوني، زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى: { يأيها المدثر ~~* قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * ~~والرجز فاهجر } ثم حمي الوحي وتتابع " # وروى الطبراني، عن ابن عباس قال: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما ~~فلما أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال ~~بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: ms2547 كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: ~~شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر، وقال بعضهم: بل ساحر يؤثر، فأجمع رأيهم على ~~أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه سلم، فحزن وقنع رأسه وتدثر، ~~فأنزل الله تعالى: { يأيها المدثر * قم فأنذر * ~~وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ~~ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر } وقوله تعالى: { ~~قم فأنذر } أي شمر عن ساق العزم وأنذر الناس { وربك فكبر ~~} أي عظم { وثيابك فطهر } سئل ابن عباس عن هذه الآية: { ~~وثيابك فطهر } فقال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم ~~قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: # فإني بحمد الله لا ثوب فاجر # لبست ولا من غدرة أتقنع # وفي رواية عنه: فطهر من الذنوب، وقال مجاهد: { وثيابك فطهر } ~~قال: نفسك ليس ثيابه، وفي رواية عنه: أي عملك فأصلح، وقال قتادة: { ~~وثيابك فطهر } أي طهرها من المعاصي، وقال محمد بن سيرين: { ~~وثيابك فطهر } أي اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: كان المشركون ~~لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه، وهذا القول اختاره ابن ~~جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب ~~عليه. وقال سعيد بن جبير { وثيابك فطهر } وقلبك ونيتك فطهر. # وقوله تعالى: { والرجز فاهجر } قال ابن عباس: والرجز وهو ~~الأصنام فاهجر، وقال الضحاك { والرجز فاهجر }: أي اترك ~~المعصية، وعلى كل تقدير، فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك كقوله تعالى: # يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين # [الأحزاب: 1]. وقوله تعالى: { ولا تمنن تستكثر } ، قال ابن ~~عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها، وقال الحسن البصري: لا تمتن بعملك ~~على ربك تستكثره، واختاره ابن جرير، وقال مجاهد: لا تضعف أن تستكثر من ~~الخير، قال: تمنن في كلام العرب تضعف، وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على ~~الناس تستكثرهم بها تأخذ عليه عوضا من الدنيا، فهذه أربعة أقوال، ~~والأظهر القول الأول، والله أعلم. وقوله تعالى: { ولربك فاصبر ~~} أي اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل، قاله مجاهد. وقال ms2548 إبراهيم ~~النخعي: اصبر عطيتك لله عز وجل. وقوله تعالى: { فإذا نقر في ~~الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين ~~غير يسير } قال ابن عباس ومجاهد: { الناقور } الصور، قال ~~مجاهد: وهو كهيئة القرن، وفي الحديث: # " " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر ~~فينفخ؟ " فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما تأمرنا يا رسول ~~الله؟ قال: " قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا " " # ، وقوله تعالى: { فذلك يومئذ يوم عسير } أي شديد، { ~~على الكافرين غير يسير } أي غير سهل عليهم، كما قال تعالى: # يقول الكافرون هذا يوم عسر # [القمر: 8]، وقد روينا عن (زرارة بن أوفى) قاضي البصرة أنه صلى بهم ~~الصبح فقرأ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله تعالى: { فإذا نقر في ~~الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين ~~غير يسير } شهق شهقة، ثم خر ميتا رحمه الله تعالى. ### || [74.11-30] # يقول تعالى متوعدا لهذا الخبيث، الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا، فكفر ~~بأنعم الله وبدلها كفرا، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، ~~وقد عدد الله عليه نعمه حيث قال تعالى: { ذرني ومن خلقت ~~وحيدا } أي خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد، ثم رزقه الله ~~تعالى: { مالا ممدودا } أي واسعا كثيرا، قيل: ألف دينار، وقيل: ~~مائة ألف دينار، وقيل أرضا يستغلها، وقيل غير ذلك، وجعل له { وبنين ~~شهودا } قال مجاهد: لا يغيبون، أي حضورا عنده لا يسافرون، وهم قعود ~~عند أبيهم يتمتع بهم ويتملى بهم، وكانوا فيما ذكره السدي ثلاثة عشر، وقال ~~ابن عباس ومجاهد: كانوا عشرة، وهذا أبلغ في النعمة، وهو إقامتهم عنده، { ~~ومهدت له تمهيدا } أي مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك، ~~{ ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيدا ~~} أي معاندا وهو الكفر على نعمه بعد العلم. قال الله تعالى: { ~~سأرهقه صعودا }. روى ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد # " عن النبي صلى الله عليه وسلم { سأرهقه صعودا } قال: " هو جبل ~~في النار من نار يكلف أن يصعده، ms2549 فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت " # ، وقال ابن عباس { صعودا } صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه، ~~وقال السدي: { صعودا }: صخرة ملساء في جهنم يكلف أن يصعدها، وقال ~~مجاهد: { سأرهقه صعودا } أي مشقة من العذاب، وقال قتادة: عذابا ~~لا راحة فيه، واختاره ابن جرير، وقوله تعالى: { إنه فكر ~~وقدر } أي إنما أرهقناه صعودا لبعده عن الإيمان لأنه فكر { ~~وقدر } أي تروى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن ففكر ماذا ~~يختلق من المقال { وقدر } أي تروى { فقتل كيف قدر * ~~ثم قتل كيف قدر } دعاء عليه { ثم نظر } أي أعاد ~~النظرة والتروي { ثم عبس } أي قبض بين عينيه وقطب { وبسر } أي ~~كلح وكره، ومنه قول توبة بن حمير: # وقد رابني منها صدود رأيته # وإعراضها عن حاجتي وبسورها # وقوله تعالى: { ثم أدبر واستكبر } أي صرف عن الحق، ورجع ~~القهقرى مستكبرا عن الانقياد للقرآن { فقال إن هذآ إلا ~~سحر يؤثر } أي هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن قبله ويحكيه عنهم، ~~ولهذا قال: { إن هذآ إلا قول البشر } أي ليس بكلام الله، ~~وهذا المذكور في هذا السياق هو (الوليد بن المغيرة) المخزومي، أحد رؤساء ~~قريش لعنه الله، قال ابن عباس: " دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر " ، ~~فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبا لما يقول ابن ~~أبي كبشة فوالله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن ~~كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا، وقالوا: والله لئن صبا ~~الوليد لتصبو قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم ~~شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال الوليد: ألم تر إلى قومك قد جمعوا ~~لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدثون ~~أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تحدث ~~به عشيرتي؟ فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، ~~وما قوله ms2550 إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: { ~~ذرني ومن خلقت وحيدا } إلى قوله: { لا تبقي ولا ~~تذر } وقال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل، ~~فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى ~~عليه وما أشك أنه سحر فأنزل الله: { فقتل كيف قدر } الآية، { ~~ثم عبس وبسر } قبض ما بين عينيه وكلح، وروى ابن جرير عن عكرمة: # " أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه ~~القرآن فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام، فأتاه فقال: أي عم إن ~~قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. قال: لم؟ قال: يعطونكه، فإنك أتيت ~~محمدا تعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا، قال: فقل فيه ~~قولا يعلم قومك أنك منكر لما قال، وأنك كاره له. قال: فماذا أقول فيه؟ ~~فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده، ولا ~~بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي ~~يقوله لحلاوة. وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى قال: والله لا ~~يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أتفكر فيه، فلما فكر قال: إن هذا ~~إلا سحر يؤثره عن غيره، فنزلت: { ذرني ومن خلقت وحيدا } حتى ~~بلغ { تسعة عشر } " # وقد زعم السدي أنهم لما اجتمعوا في دار الندوة ليجمعوا رأيهم على قول ~~يقولونه فيه قبل أن يقدم عليهم وفود العرب للحج ليصدوهم عنه، فقال ~~قائلون: شاعر. وقال آخرون: ساحر، وقال آخرون: كاهن، وقال آخرون: مجنون، ~~كما قال تعالى: # انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا # [الإسراء: 48، الفرقان: 9]، كل هذا والوليد يفكر فيما يقوله فيه، ففكر ~~وقدر، ونظر عبس وبسر، فقال: { إن هذآ إلا سحر يؤثر * ~~إن هذآ إلا قول البشر } قال الله تعالى: { سأصليه ~~سقر } أي سأغمره فيها من جميع جهاته، ثم قال تعالى: { ومآ أدراك ~~ما سقر }؟ وهذا تهويل ms2551 لأمرها وتفخيم، ثم فسر ذلك بقوله تعالى: { لا ~~تبقي ولا تذر } أي تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم. # ثم تبدل غير ذلك وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون. # وقوله تعالى: { لواحة للبشر } قال مجاهد: أي للجلد، وقال أبو ~~رزين: تلفح الجلد لفحة فتدعه أسود من الليل، وقال ابن عباس: تحرق بشرة ~~الإنسان، وقوله تعالى: { عليها تسعة عشر } أي من مقدمي ~~الزبانية، عظيم خلقهم، غليظ خلقهم، روى ابن أبي حاتم، عن البراء في قوله ~~تعالى: { عليها تسعة عشر } قال: # " إن رهطا من اليهود سألوا رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن خزنة جهنم، فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء رجل فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى عليه ساعتئذ { عليها تسعة ~~عشر } فأخبر أصحابه " # وروى الحافظ البزار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، غلب أصحابك ~~اليوم، فقال: " بأي شيء "؟ قال: سألتهم يهود: هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة ~~أهل النار؟ قالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " أفغلب قوم يسألون عما لا يعلمون فقالوا: لا ~~نعلم، حتى نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم؟ علي بأعداء الله، لكنهم قد ~~سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة " ، فأرسل إليهم فدعاهم، قالوا: يا أبا ~~القاسم كم عدة خزنة أهل النار؟ قال: " هكذا " وطبق كفيه، ثم طبق كفيه ~~مرتين وعقد واحدة، وقال لأصحابه: " إن سئلتم عن تربة الجنة فهي الدرمك " ~~فلما سألوه فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار، قال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " ما تربة الجنة " فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: خبزة يا أبا ~~القاسم، فقال: " الخبز من الدرمك " ". ### || [74.31-37] # يقول تعالى: { وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة } ~~أي خزانها { إلا ملائكة } أي زبانية غلاظا شدادا، وذلك رد على ~~مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة، فقال أبو جهل: يا معشر قريش أما يستطيع ~~كل عشرة منكم لواحد ms2552 منهم فتغلبونهم، فقال الله تعالى: { وما جعلنآ ~~أصحاب النار إلا ملائكة } أي شديدي الخلق لا يقاومون ولا ~~يغالبون، وقد قيل: إن (أبا الأشدين) قال: يا معشر قريش اكفوني منهم ~~اثنين، وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر إعجابا منه بنفسه، وكان قد بلغ من ~~القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة. ويجاذبه عشرة لينزعوه من ~~تحت قدميه، فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه، قال السهيلي: وهو الذي دعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى مصارعته وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه ~~النبي صلى الله عليه وسلم مرارا فلم يؤمن، وقوله تعالى: { وما ~~جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } أي إنما ~~ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختبارا منا للناس، { ليستيقن ~~الذين أوتوا الكتاب } أي يعلمون أن هذا الرسول حق، فإنه نطق ~~بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله ~~تعالى: { ويزداد الذين آمنوا إيمانا } أي إلى إيمانهم ~~بما يشهدون من صدق أخبار نبيهم صلى الله عليه وسلم، { ولا يرتاب ~~الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين ~~في قلوبهم مرض } أي من المنافقين، { والكافرون ماذآ ~~أراد الله بهذا مثلا } أي يقولون ما الحكمة في ذكر هذا ~~ههنا؟ قال الله تعالى: { كذلك يضل الله من يشآء ~~ويهدي من يشآء } وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وقوله ~~تعالى: { وما يعلم جنود ربك إلا هو } أي ما يعلم عددهم ~~وكثرتهم إلا هو تعالى، لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط، وقد ثبت في ~~حديث الإسراء في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: # " فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم ~~". # وروى الإمام أحمد، عن أبي ذر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء، وحق لها أن ~~تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم ~~لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم ~~إلى الصعدات تجأرون إلى ms2553 الله تعالى " فقال أبو ذر: والله لوددت أني شجرة ~~تعضد " # ، وعن جابر بن عبد الله قال، # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما في السماوات السبع موضع قدم ولا ~~شبر ولا كف، إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع، فإذا كان يوم ~~القيامة قالوا جميعا سبحانك ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لم نشرك بك ~~شيئا " # وعن ابن مسعود أنه قال: # " إن من السماوات سماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه ~~قائم، ثم قرأ: { وإنا لنحن الصآفون * وإنا لنحن ~~المسبحون } " # وروى محمد بن نصر، عن عباد بن منصور قال: سمعت عدي بن أرطأة وهو يخطبنا ~~على منبر المدائن قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن لله تعالى ملائكة ترعد فرائصهم من خيفته، ما منهم ملك تقطر منه ~~دمعة من عينه إلا وقعت على ملك يصلي، وإن منهم ملائكة سجودا منذ خلق ~~السماوات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا ~~رفعوا رؤوسهم نظروا إلى وجه الله عز وجل قالوا: سبحانك ما عبدناك حق ~~عبادتك " # وقوله تعالى: { وما هي إلا ذكرى للبشر } أي النار التي ~~وصفت { إلا ذكرى للبشر } ، ثم قال تعالى: { كلا ~~والقمر * والليل إذ أدبر } أي ولى { والصبح إذآ ~~أسفر } أي أشرق { إنها لإحدى الكبر } أي العظائم يعني ~~النار، قاله ابن عباس ومجاهد، { نذيرا للبشر * لمن شآء ~~منكم أن يتقدم أو يتأخر } أي لمن شاء أن يقبل النذارة ~~ويهتدي للحق، أو يتأخر عنها ويولي ويردها. ### || [74.38-56] # يقول تعالى مخبرا أن { كل نفس بما كسبت رهينة } أي ~~معتقلة بعملها يوم القيامة { إلا أصحاب اليمين } فإنهم { في ~~جنات يتسآءلون * عن المجرمين } أي يسألون المجرمين وهم ~~في الغرفات، وأولئك في الدركات قائلين لهم { ما سلككم في سقر * ~~قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم ~~المسكين } أي ما عبدنا ربنا ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا، { ~~وكنا نخوض مع الخآئضين ms2554 } أي نتكلم فيما لا نعلم، وقال ~~قتادة: كلما غوى غاو غوينا معه، { وكنا نكذب بيوم الدين ~~* حتى أتانا اليقين } يعني الموت كقوله تعالى: # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر: 99]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أما هو - يعني عثمان بن مظعون - فقد جاءه اليقين من ربه " # قال تعالى: { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } أي من كان ~~متصفا بمثل هذه الصفات، فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه، لأن ~~الشفاعة إنما تنجح إذا كان المحل قابلا، فأما من وافى الله كافرا، فإن ~~له النار لا محالة خالدا فيها. ثم قال تعالى: { فما لهم عن ~~التذكرة معرضين } أي فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك عما تدعوهم ~~إليه وتذكرهم به معرضين { كأنهم حمر مستنفرة * فرت ~~من قسورة } أي كأنهم في نفارهم عن الحق، وإعراضهم عنه، حمر من حمر ~~الوحش إذا فرت ممن يريد صيدها من أسد، وقوله تعالى: { بل يريد كل ~~امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة } أي بل يريد كل ~~واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتاب كما أنزل الله على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال مجاهد وغيره كقوله تعالى: # وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى ~~مثل مآ أوتي رسل الله # [الأنعام: 124]، وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل، ~~فقوله تعالى: { كلا بل لا يخافون الآخرة } أي إنما أفسدهم ~~عدم إيمانهم بها وتكذيبهم بوقوعها. ثم قال تعالى: { كلا إنه ~~تذكرة } أي حقا إن القرآن تذكرة، { فمن شآء ذكره * وما ~~يذكرون إلا أن يشآء الله } كقوله: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان: 30، التكوير: 29]، وقوله تعالى: { هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة } أي هو أهل أن يخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنب من ~~تاب إليه وأناب. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: # " قرأ رسول الله صلى عليه وسلم الآية { هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة } وقال: " قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي ~~إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن ms2555 أغفر له " ". ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-15] # قد تقدم أن المقسم عليه إذا كان منتفيا جاز الإتيان بلا قبل القسم ~~لتأكيد النفي، والمقسم عليه ههنا هو إثبات المعاد، والرد على ما يزعمه ~~الجهلة من عدم بعث الأجساد، ولهذا قال تعالى: { لا أقسم بيوم ~~القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة } قال الحسن: ~~أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة، وقال قتادة: بل أقسم بهما ~~جميعا، والصحيح أنه أقسم بهما معا وهو المروي عن ابن عباس وسعيد بن ~~جبير، واختاره ابن جرير، فأما يوم القيامة فمعروف، وأما النفس اللوامة ~~فقال الحسن البصري: إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت ~~بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي، وإن الفاجر يمضي قدما ~~قدما ما يعاتب نفسه، وعن سماك أنه سأل عكرمة عن قوله { ولا أقسم ~~بالنفس اللوامة } قال: يلوم على الخير والشر: لو فعلت كذا ~~وكذا، وعن سعيد بن جبير قال: تلوم على الخير والشر، وقال مجاهد: تندم على ~~ما فات وتلوم عليه، وقال ابن عباس: اللوامة المذمومة، وقال قتادة: { ~~اللوامة } الفاجرة، قال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى، ~~والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ~~ما فات. وقوله تعالى: { أيحسب الإنسان ألن نجمع ~~عظامه }؟ أي يوم القيامة، أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها ~~من أماكنها المتفرقة؟ { بلى قادرين على أن نسوي ~~بنانه } قال ابن عباس: أن نجعله خفا أو حافرا، والظاهر من الآية أن ~~قوله تعالى: { قادرين } حال من قوله تعالى: { نجمع } أي أيظن ~~الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نسوي بنانه، أي ~~قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فنجعل بنانه وهي ~~أطراف أصابعه مستوية، وهذا معنى قول ابن قتيبة والزجاج، وقوله: { بل ~~يريد الإنسان ليفجر أمامه } قال ابن عباس: يعني يمضي ~~قدما، وعنه: يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو ~~الكفر بالحق بين يدي القيامة، وقال مجاهد { ليفجر أمامه }: ~~ليمضي أمامه راكبا ms2556 رأسه، وقال الحسن: لا يلفى ابن آدم إلا تنزع نفسه ~~إلى معصية الله قدما إلا من عصمه الله تعالى، وروي عن غير واحد من ~~السلف: هو الذي يعجل الذنوب ويسوف التوبة، وقال ابن عباس: هو الكافر ~~يكذب بيوم الحساب، وهذا هو الأظهر من المراد، ولهذا قال بعده: { يسأل ~~أيان يوم القيامة }؟ أي يقول متى يكون يوم القيامة، وإنما ~~سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه وتكذيب لوجوده، كما قال تعالى: # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين * قل ~~لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا ~~تستقدمون # [سبأ: 29-30]، وقال تعالى ههنا: { فإذا برق البصر } بكسر ~~الراء أي حار كقوله تعالى: # لا يرتد إليهم طرفهم # [إبراهيم: 43]، والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل ~~من شدة الأهوال، ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور. # وقوله تعالى: { وخسف القمر } أي ذهب ضوؤه، { وجمع الشمس ~~والقمر } قال مجاهد: كورا، كقوله # إذا الشمس كورت # [التكوير: 1]، وقوله تعالى: { يقول الإنسان يومئذ أين ~~المفر } أي إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة، حينئذ يريد ~~أن يفر ويقول: { أين المفر }؟ أي هل من ملجأ أو موئل، قال الله ~~تعالى: { كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر ~~} قال ابن مسعود وابن عباس: أي لا نجاة، وهذه الآية كقوله تعالى: # ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير # [الشورى: 47] أي ليس لكم مكان تتنكرون فيه، وكذا قال ههنا: { لا ~~وزر } أي ليس لكم مكان تعتصمون فيه، ولهذا قال: { إلى ربك ~~يومئذ المستقر } أي المرجع والمصير، ثم قال تعالى: { ~~ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } أي يخبر ~~بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها كما قال ~~تعالى: # ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]، وهكذا قال ههنا: { بل الإنسان على نفسه ~~بصيرة * ولو ألقى معاذيره } أي هو شهيد على نفسه عالم ~~بما فعله ولو اعتذر وأنكر، كما قال تعالى: # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14] وقال ابن عباس { بل الإنسان على نفسه ~~بصيرة ms2557 } يقول: سمعه وبصره ويديه ورجليه وجوارحه، وقال قتادة: شاهد ~~على نفسه، وفي رواية قال: إذا شئت والله رأيته بصيرا بعيوب الناس ~~وذنوبهم، غافلا عن ذنوبه وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبا: يا ابن آدم ~~تبصر القذاة في عين أخيك. وتترك الجذع في عينك لا تبصره. وقال مجاهد: { ~~ولو ألقى معاذيره } ولو جادل عنها فهو يصير عليها، وقال ~~قتادة: { ولو ألقى معاذيره } ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل ~~منه، وقال السدي: { ولو ألقى معاذيره } حجته، واختاره ابن ~~جرير. وقال الضحاك ولو ألقى ستوره. وأهل اليمن يسمون الستر المعذار، ~~والصحيح قول مجاهد وأصحابه. كقوله تعالى: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]، وكقوله تعالى: # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما ~~يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا ~~إنهم هم الكاذبون # [المجادلة: 18]، وقال ابن عباس: { ولو ألقى معاذيره } هي ~~الاعتذار ألم تسمع أنه قال: # يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم # [غافر: 52]. ### || [75.16-25] # هذا تعليم من الله عز وجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية ~~تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، ~~فأمره الله عز وجل أن يستمع له، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره، وأن ~~يبينه له ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، ~~والثالثة تفسيره وإيضاح معناه، ولهذا قال تعالى: { لا تحرك به ~~لسانك لتعجل به } أي بالقرآن كما قال تعالى: # ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه # [طه: 114] الآية، ثم قال تعالى: { إن علينا جمعه } أي في ~~صدرك، { وقرآنه } أي أن تقرأه { فإذا قرأناه } أي إذا تلاه ~~عليك الملك عن الله تعالى { فاتبع قرآنه } أي فاستمع له ثم ~~اقرأه كما أقرأك، { ثم إن علينا بيانه } أي بعد حفظه ~~وتلاوته نبينه لك ونوضحه ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا. عن ابن عباس ~~قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة فكان يحرك ~~شفتيه، فأنزل الله عز وجل: { لا تحرك به ms2558 لسانك ~~لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه } قال: جمعه في ~~صدرك، ثم تقرأه { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } أي فاستمع ~~له وأنصت، { ثم إن علينا بيانه } فكان بعد ذلك إذا انطلق ~~جبريل قرأه كما أقرأه " # وفي رواية للبخاري: # " فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما ونعده الله عز وجل " # ، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي يلقى منه شدة، ~~وكان إذا نزل عليه عرف في تحريكه شفتيه، يتلقى أوله ويحرك به شفتيه، خشية ~~أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره، فأنزل الله تعالى: { لا تحرك ~~به لسانك لتعجل به } " # وقال ابن عباس: كان لا يفتر من القرآن مخافة أن ينساه، فقال الله تعالى: ~~{ لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا ~~جمعه } أن نجمعه لك { وقرآنه } أن نقرئك فلا تنسى، وقال ابن ~~عباس { ثم إن علينا بيانه } تبيين حلاله وحرامه، وكذا قال ~~قتادة. # وقوله تعالى: { كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون ~~الآخرة } أي إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة، أنهم إنما همتهم ~~إلى الدار الدنيا العاجلة، وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة، ثم قال تعالى: ~~{ وجوه يومئذ ناضرة } من النضارة أي حسنة بهية مشرقة ~~مسرورة، { إلى ربها ناظرة } أي تراه عيانا، كما رواه البخاري ~~في " صحيحه ": # " إنكم سترون ربكم عيانا " # وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة، في الأحاديث ~~الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها، لحديث ~~أبي هريرة وهما في الصحيحين # " أن ناسا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: " هل ~~تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ " قالوا: لا، قال: " إنكم ~~ترون ربكم كذلك " " # وفي الصحيحين عن جرير قال: # " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر، فقال: " إنكم ~~ترون ربكم كما ترون هذا القمر، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل ~~طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا " " # ، وفي الصحيحين ms2559 عن أبي موسى قال، # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، ~~وجنتان من فضة آنيتهما ما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله ~~عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " # وفي مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " إذا دخل أهل الجنة الجنة - قال - يقول الله تعالى تريدون شيئا ~~أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا! ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! ~~قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم وهي ~~الزيادة " ، ثم تلا هذه الآية: { للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة } " # [يونس: 26]، ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم عز وجل ~~في العرصات وفي روضات الجنات، وروى الإمام أحمد، عن ابن عمر قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى ~~أدناه، ينظر إلى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله كل ~~يوم مرتين " # ، قال الحسن { وجوه يومئذ ناضرة } قال: حسنة، { إلى ~~ربها ناظرة } قال: تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنضر وهي تنظر ~~إلى الخالق، وقوله تعالى: { ووجوه يومئذ باسرة * تظن ~~أن يفعل بها فاقرة } هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة، ~~قال قتادة: كالحة، وقال السدي: تغير ألوانها، وقال ابن زيد { باسرة } ~~أي عابسة { تظن } أي تستيقن { أن يفعل بها فاقرة } قال ~~مجاهد: داهية، وقال قتادة: شر، وقال السدي: تستيقن أنها هالكة، وقال ابن ~~زيد: تظن أن ستدخل النار، وهذا المقام كقوله تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106]، وكقوله تعالى: # وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة # [عبس: 38-39]، وكقوله تعالى: # وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية * في جنة ~~عالية # [الغاشية: 8-10] وأشباه ذلك من الآيات الكريمة. ### || [75.26-40] # يخبر تعالى عن حالة الاحتضار، وما عنده من الأهوال، ثبتنا الله هنالك ~~بالقول الثابت، فقال تعالى: { كلا إذا بلغت التراقي } إن ~~جعلنا (كلا) رادعة فمعناها: لست يا ابن آدم هناك ms2560 تكذب بما أخبرت به، بل ~~صار ذلك عندك عيانا، وإن جعلناها بمعنى (حقا) فظاهر أي حقا إذا بلغت ~~التراقي أي انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك، والتراقي جمع (ترقوة) وهي ~~العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق كقوله تعالى: # فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ ~~تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا ~~تبصرون # [الواقعة: 83-85]، { وقيل من راق }؟ قال ابن عباس: أي من راق ~~يرقي؟ وقال أبو قلابة؟ أي من طبيب شاف. وعن ابن عباس: { وقيل من ~~راق } قيل: من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ فعلى هذا ~~يكون من كلام الملائكة، وقال ابن عباس في قوله: { والتفت الساق ~~بالساق } قال: التفت عليه الدنيا والآخرة، وعنه { والتفت ~~الساق بالساق } يقول: آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام ~~الآخرة، فتلقي الشدة بالشدة إلا من رحمه الله، وقال عكرمة: { ~~والتفت الساق بالساق } الأمر العظيم بالأمر العظيم، وقال ~~مجاهد: بلاء ببلاء، وقال الحسن البصري: هما ساقاك إذا التفتا، وكذا قال ~~السدي عن الحسن: هو لفهما في الكفن، وقال الضحاك: { والتفت ~~الساق بالساق } اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة ~~يجهزون روحه. # وقوله تعالى: { إلى ربك يومئذ المساق } أي المرجع ~~والمآب، وذلك أن الروح ترفع إلى السماوات، فيقول الله عز وجل: ردوا ~~عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، منها أخرجهم تارة أخرى، ~~كما ورد في حديث البراء الطويل، وقوله جل وعلا: { فلا صدق ولا ~~صلى * ولكن كذب وتولى } هذا إخبار عن الكافر الذي كان ~~في الدار الدنيا مكذبا للحق بقلبه، متوليا عن العمل بقالبه، فلا خير ~~فيه باطنا ولا ظاهرا، ولهذا قال تعالى: { فلا صدق ولا صلى ~~* ولكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله ~~يتمطى } أي جذلان أشرا بطرا، لا همة له ولا عمل، كما قال تعالى: # وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين # [المطففين: 31]، وقال تعالى: # إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن أن لن ~~يحور # [الانشقاق: 13-14] أي يرجع، وقال ابن عباس: { ثم ذهب إلى ~~أهله يتمطى } أي يختال، ms2561 وقال قتادة: يتبختر، قال الله تعالى: { ~~أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى } وهذا تهديد ~~ووعيد من الله تعالى للكافر، المتبختر في مشيه، أي يحق لك أن تمشي هكذا ~~وقد كفرت بخالقك وبارئك، وذلك على سبيل التهكم والتهديد، كقوله تعالى: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]، وكقوله تعالى: # كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون # [المرسلات: 46] وكقوله جل جلاله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] إلى غير ذلك، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: { ~~أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى }؟ قال: قاله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل، ثم أنزله الله عز وجل. وقال ~~قتادة في قوله: { أولى لك فأولى * ثم أولى لك ~~فأولى } وعيد على أثر وعيد كما تسمعون، وزعموا أن عدو الله أبا جهل ~~أخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم بمجامع ثيابه ثم قال: { أولى لك ~~فأولى * ثم أولى لك فأولى } ، فقال عدو الله أبو جهل: ~~أتوعدني يا محمد؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئا، وإني لأعز من مشى ~~بين جبليها. # وقوله تعالى: { أيحسب الإنسان أن يترك سدى }؟ قال السدي: ~~يعني لا يبعث، وقال مجاهد: يعني لا يؤمر ولا ينهى، والظاهر أن الآية تعم ~~الحالين، أي ليس يترك في هذه الدنيا مهملا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك ~~في قبره سدى لا يبعث، بل هو مأمور منهي في الدنيا محشور إلى الله في ~~الدار الآخرة، والمقصود هنا إثبات المعاد، ولهذا قال تعالى مستدلا على ~~الإعادة بالبداءة { ألم يك نطفة من مني يمنى } أي ~~أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين { يمنى } أي يراق من الأصلاب ~~في الأرحام { ثم كان علقة فخلق فسوى } أي فصار علقة ثم ~~مضغة ثم شكل ونفخ فيه الروح فصار خلقا آخر سويا، سليم الأعضاء ذكرا أو ~~أنثى بإذن الله وتقديره: ولهذا قال تعالى: { فجعل منه ~~الزوجين الذكر والأنثى } ، ثم قال تعالى: { أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيي الموتى }؟ أي أما هذا الذي ~~أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة، ms2562 بقادر على أن يعيده كما ~~بدأه؟ كقوله تعالى: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]، روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ منكم بالتين والزيتون فانتهى إلى آخرها { أليس الله ~~بأحكم الحاكمين } فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين؛ ومن ~~قرأ: { لا أقسم بيوم القيامة } فانتهى إلى قوله: { ~~أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } فليقل: ~~بلى، ومن قرأ: { والمرسلات } فبلغ { فبأي حديث بعده ~~يؤمنون }؟ فليقل: آمنا بالله " # ، وعن قتادة قوله تعالى: { أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيي الموتى } ذكر لنا # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: " سبحانك وبلى " # وكان ابن عباس إذا مر بهذه الآية: { أليس ذلك بقادر على ~~أن يحيي الموتى }؟ قال: سبحانك فبلى. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-3] # يقول تعالى مخبرا عن الإنسان، أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئا يذكر ~~لحقارته وضعفه، فقال تعالى: { هل أتى على الإنسان حين من ~~الدهر لم يكن شيئا مذكورا } ثم بين ذلك فقال جل جلاله: ~~{ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج } أي أخلاط، ~~والمشج والمشيج، الشيء المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس: يعني ماء ~~الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، ~~وحال إلى حال، وقال عكرمة ومجاهد: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء ~~المرأة، وقوله تعالى: { نبتليه } أي نختبره كقوله جل جلاله: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [هود: 7، الملك: 2]، { فجعلناه سميعا بصيرا } أي جعلنا له ~~سمعا وبصرا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية، وقوله جل وعلا: { إنا ~~هديناه السبيل } أي بيناه له ووضحناه وبصرناه به كقوله جل ~~وعلا: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت: 17]، وكقوله جل وعلا: # وهديناه النجدين # [البلد: 10] أي بينا له طريق الخير وطريق الشر، وهذا قول عكرمة ومجاهد ~~والجمهور، وروي عن الضحاك والسدي { إنا هديناه السبيل } ~~يعني خروجه من الرحم، وهذا قول غريب، والصحيح المشهور الأول، وقوله ~~تعالى: { إما شاكرا وإما كفورا } منصوب على ms2563 الحال من الهاء ~~في قوله: { إنا هديناه السبيل } تقديره: فهو في ذلك إما شقي ~~وإما سعيد، كما جاء في الحديث الصحيح: # " كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها " # ، وقد تقدم من رواية جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لكل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا ~~" # ، وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، ~~فإن خرج لما يحب الله اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى ~~يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط الله اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت ~~راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته ". ### || [76.4-12] # يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه، من السلاسل والأغلال والسعير ~~وهو اللهب، والحريق في نار جهنم كما قال تعالى: # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في ~~الحميم ثم في النار يسجرون # [غافر: 71-72]، ولما ذكر ما أعده لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: { ~~إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا } ~~، وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك ~~من اللذاذة في الجنة، قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل، ولهذا ~~قال: { عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها ~~تفجيرا } أي هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور، هو عين يشرب ~~بها المقربون من عباد الله صرفا بلا مزج ويروون بها، قال بعضهم: هذا ~~الشراب في طيبه كالكافور، وقال بعضهم: هو من عين كافور، وقوله تعالى: { ~~يفجرونها تفجيرا } أي يتصرفون فيها حيث شاءوا وأين شاءوا، من ~~قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم، والتفجير هو الاتباع، كما قال تعالى: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # [الإسراء: 90]، وقال: # وفجرنا خلالهما نهرا # [الكهف: 33] وقال مجاهد: { يفجرونها تفجيرا } يقودونها حيث ~~شاءوا، وقال الثوري: يصرفونها حيث شاءوا، وقوله تعالى: { يوفون ~~بالنذر ms2564 ويخافون يوما كان شره مستطيرا } أي ~~يتعبدون الله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات وما أوجبوه على أنفسهم ~~بطريق النذر، وفي الحديث: # " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " # ، ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد وهو ~~اليوم الذي يكون { شره مستطيرا } أي منتشرا عاما على الناس ~~إلا من رحم الله، قال ابن عباس: فاشيا، وقال قتادة: استطار والله شر ~~ذلك اليوم ملأ السماوات والأرض. # وقوله تعالى: { ويطعمون الطعام على حبه } قيل: على حب ~~الله تعالى لدلالة السياق عليه، والأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي ~~ويطمعون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له، قاله مجاهد ومقاتل، واختاره ~~ابن جرير كقوله تعالى: # وآتى المال على حبه # [البقرة: 177]، وكقوله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92]، وروى البيهقي عن نافع قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنبا ~~أول ما جاء العنب، فأرسلت صفية يعني امرأته فاشترت عنقودا بدرهم، فاتبع ~~الرسول سائل، فلما دخل به قال السائل: السائل، فقال ابن عمر: أعطوه إياه ~~فأعطوه إياه، وفي الصحيح: # " أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر " # أي في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه، ولهذا قال تعالى: { ~~ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا } أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما، وأما الأسير ~~فقال الحسن والضحاك: الأسير من أهل القبلة، وقال ابن عباس: # " كان أسراؤهم يومئذ مشركين، يشهد لهذا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم ~~عند الغداء " # ، وقال عكرمة: هم العبيد، واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك، ~~وقد وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى الأرقاء حتى كان آخر ~~ما أوصى به أن جعل يقول: # " الصلاة وما ملكت أيمانكم " # قال مجاهد: هو المحبوس، أي يطعمون الطعام لهؤلاء، وهم يشتهونه ويحبونه ~~قائلين بلسان الحال: { إنما نطعمكم لوجه الله } أي رجاء ~~ثواب الله ورضاه { لا ms2565 نريد منكم جزآء ولا شكورا } أي لا ~~نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها ولا أن تشكرونا عند الناس، قال مجاهد: ~~أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم، فأتى عليهم ~~به، ليرغب في ذلك راغب { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا ~~قمطريرا } أي إنما نفعل هذا لعل الله أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه في ~~اليوم العبوس القمطرير، قال ابن عباس { عبوسا } ضيقا { قمطريرا ~~} طويلا، وقال عكرمة: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل ~~القطران، وقال مجاهد: { عبوسا } العابس الشفتين، { قمطريرا } ~~قال: يقبض الوجه باليسور، وقال سعيد بن جبير وقتادة: تعبس فيه الوجوه من ~~الهول { قمطريرا } تقلص الجبين وما بين العينين من الهول، وقال ابن ~~زيد: العبوس الشر، والقمطرير الشديد، وقال ابن جرير: والقمطرير هو ~~الشديد، يقال: هو يوم فمطرير ويوم قماطر، ويوم عصيب وعصبصب. # قال الله تعالى: { فوقاهم الله شر ذلك اليوم ~~ولقاهم نضرة وسرورا } وهذا من باب التجانس البليغ، { ~~فوقاهم الله شر ذلك اليوم } أي آمنهم مما خافوا منه، { ~~ولقاهم نضرة } أي في وجوههم، { وسرورا } أي في قلوبهم وهذه ~~كقوله تعالى: # وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة # [عبس: 38-39] وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه. قال كعب بن مالك في ~~حديثه الطويل: # " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه فلقة ~~قمر، وقالت عائشة رضي الله عنها، " دخل علي رسول الله صلى الله وسلم ~~مسرورا تبرق أسارير وجهه " " # الحديث. وقوله تعالى: { وجزاهم بما صبروا } أي بسبب صبرهم ~~أعطاهم ونولهم وبوأهم { جنة وحريرا } أي منزلا رحبا، وعيشا ~~رغدا، ولباسا حسنا. ### || [76.13-22] # يخبر تعالى عن أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، وما أسبغ عليهم ~~من الفضل العظيم فقال تعالى: { متكئين فيها على الأرائك ~~} تقدم الكلام على ذلك في سورة الصافات، وأن الأرائك هي السرر تحت ~~الحجال، وقوله تعالى: { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ~~} أي ليس عندهم حر مزعج، ولا برد مؤلم، { ودانية عليهم ~~ظلالها } أي قريبة إليهم أغصانها، { وذللت ms2566 قطوفها ~~تذليلا } أي متى تعاطاه دنا القطف إليه، تدلى من أعلى غصنه كأنه سامع ~~طائع، كما قال تعالى: # قطوفها دانية # [الحاقة: 23] قال مجاهد: إن قام ارتفعت معه بقدر، وإن قعد تذللت له حتى ~~ينالها، وإن اضطجع تذللت له حتى ينالها فذلك قوله تعالى: { تذليلا } ~~، وقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد، وقوله جلت عظمته: { ~~ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب } أي يطوف عليهم ~~الخدم بأواني الطعام، وهي من فضة، وأكواب الشراب وهي التي لا عرى لها ولا ~~خراطيم، وقوله: { قواريرا من فضة } فالأول منصوب بخبر كان، أي ~~كانت قوارير، والثاني منصوب إما على البدلية أو تمييز، قال ابن عباس: ~~بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج، فهذه ~~الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا ~~مما لا نظير له في الدنيا. قال ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد ~~أعطيتهم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة، وقوله تعالى: { قدروها ~~تقديرا } أي على قدر ريهم لا تزيد عنه ولا تنقص، بل هي معدة لذلك ~~مقدرة بحسب ري صاحبها، وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة، وقال ابن ~~عباس: { قدروها تقديرا } قدرت للكف، وقال الضحاك: على قدر كف ~~الخادم، وهذا لا ينافي القول الأول، فإنها مقدرة في القدر والري. # وقوله تعالى: { ويسقون فيها كأسا كان مزاجها ~~زنجبيلا } أي ويسقون - يعني الأبرار أيضا - في هذه الأكواب { ~~كأسا } أي خمرا، { كان مزاجها زنجبيلا } فتارة يمزج لهم ~~الشراب بالكافور وهو بارد، وتارة بالزنجبيل، وهو حار ليعتدل الأمر، ~~وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة، وأما المقربون فإنهم يشربون ~~من كل منهما صرفا كما قاله قتادة وغير واحد، وقد تقدم قوله جلا وعلا: # عينا يشرب بها عباد الله # [الإنسان: 6]، وقال ههنا: { عينا فيها تسمى سلسبيلا } ~~أي الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلا، قال عكرمة، اسم عين في الجنة. ~~وقال مجاهد: سميت بذلك لسلامة مسيلها وحدة جريها، وقوله تعالى: { ~~ويطوف عليهم ms2567 ولدان مخلدون إذا رأيتهم ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا } أي يطوف على أهل الجنة ولدان من ~~ولدان الجنة { مخلدون } أي على حالة واحدة، مخلدون عليها لا ~~يتغيرون عنها لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، وقوله تعالى: { إذا ~~رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا } أي إذا رأيتهم في ~~صباحة وجوههم، وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم { حسبتهم لؤلؤا ~~منثورا } ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من ~~اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن، قال قتادة: ما من أهل الجنة من أحد ~~إلا يسعى عليه ألف خادم كل خادم على عمل ما عليه صاحبه، وقوله جلا وعلا: ~~{ وإذا رأيت } أي وإذا رأيت يا محمد { ثم } أي هناك يعني في ~~الجنة ونعيمها، وسعتها وارتفاعها، وما فيها من الحبرة والسرور { رأيت ~~نعيما وملكا كبيرا } أي مملكة لله هناك عظيمة، وسلطانا ~~باهرا، وثبت في الصحيح # " أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة ~~دخولا إليها: " إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها " " # ، وفي الحديث عن ابن عمر مرفوعا: # " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة ينظر إلى ~~أقصاه كما ينظر إلى أدناه " # فإذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة، فما ظنك بما هو أعلى ~~منزلة وأحظى عنده تعالى؟. # وقوله جل جلاله: { عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق ~~} أي لباس أهل الجنة فيها الحرير (السندس) وهو رفيع الحرير كالقمصان ~~ونحوها مما يلي أبدانهم، و(الاستبرق) وهو ما فيه بريق ولمعان وهو مما يلي ~~الظاهر، كما هو المعهود في اللباس، { وحلوا أساور من فضة ~~} وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال تعالى: # يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ~~ولباسهم فيها حرير # [الحج: 23، فاطر: 33] ولما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي قال ~~بعده: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } أي طهر بواطنهم من ~~الحسد والحقد، والغل والأذى وسائر الأخلاق الرديئة، كما روينا عن أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إذا انتهى أهل الجنة إلى ~~باب الجنة وجدوا هنالك ms2568 عينين فكأنما ألهموا ذلك فشربوا من إحداهما، فأذهب ~~الله ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة ~~النعيم، فأخبر سبحانه وتعالى بحالهم الظاهر وجمالهم الباطن، وقوله تعالى: ~~{ إن هذا كان لكم جزآء وكان سعيكم مشكورا } ~~أي يقال لهم ذلك تكريما لهم وإحسانا إليهم كما قال تعالى: # كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام ~~الخالية # [الحاقة: 24]، وكقوله تعالى: # ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الأعراف: 43] وقوله تعالى: { وكان سعيكم مشكورا } أي جزاكم ~~الله تعالى على القليل بالكثير. ### || [76.23-31] # يقول تعالى ممتنا على رسوله صلى الله عليه وسلم بما أنزله عليه من ~~القرآن العظيم، { فاصبر لحكم ربك } أي كما أكرمتك بما أنزلت ~~عليك فاصبر على قضائه وقدره، واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره، { ولا ~~تطع منهم آثما أو كفورا } أي لا تطع الكافرين والمنافقين ~~إن أرادوا صدك عما أنزل إليك، بل بلغ ما أنزل إليك من ربك وتوكل على الله ~~فإن الله يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله والكفور هو الكافر ~~قلبه، { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا } أي أول النهار ~~وآخره، { ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ~~} ، كقوله تعالى: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79] الآية، وكقوله تعالى: # يأيها المزمل * قم اليل إلا قليلا # [المزمل: 1-2]، ثم قال تعالى منكرا على الكفار ومن أشبههم حب الدنيا ~~والإقبال عليها، وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم، { إن هؤلاء ~~يحبون العاجلة ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا } ~~يعني يوم القيامة، ثم قال تعالى: { نحن خلقناهم وشددنآ ~~أسرهم } ، قال ابن عباس ومجاهد: يعني خلقهم { وإذا شئنا ~~بدلنآ أمثالهم تبديلا } أي وإذا شئنا بعثناهم يوم ~~القيامة، وبدلناهم فأعدناهم خلقا جديدا، وهذا استدلال بالبداءة على ~~الرجعة، وقال ابن جرير: { وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم ~~تبديلا } أي وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم كقوله تعالى: # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان ~~الله على ذلك قديرا # [النساء: 133]، وكقوله تعالى: # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك ~~على الله بعزيز # [إبراهيم: 19-20، فاطر: ms2569 16-17] ثم قال تعالى: { إن هذه ~~تذكرة } يعني هذه السورة تذكرة، { فمن شآء اتخذ إلى ~~ربه سبيلا } أي طريقا ومسلكا، أي من شاء اهتدى بالقرآن، { وما ~~تشآءون إلا أن يشآء الله إن الله } أي لا يقدر أحد ~~أن يهدي نفسه ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعا { إلا أن ~~يشآء الله إن الله كان عليما حكيما } أي عليم بمن ~~يستحق الهداية فييسرها له ويقيض له أسبابها، ومن يستحق الغواية فيصرفه عن ~~الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، ولهذا قال تعالى: { إن ~~الله كان عليما حكيما } ، ثم قال: { يدخل من يشآء في ~~رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما } أي يهدي ~~من يشاء ويضل من يشاء، فمن يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-15] # روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة { والمرسلات عرفا } قال: هي ~~الملائكة، وروي عن أبي صالح أنه قال: هي الرسل. وقال الثوري، عن أبي ~~العبيدين قال: سألت ابن مسعود عن المرسلات عرفا، قال: الريح: وكذا قال ~~في: { العاصفات عصفا * والناشرات نشرا } إنها الريح، ~~وكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة، وتوقف ابن جرير في: { المرسلات ~~عرفا } هل هي الملائكة إذا أرسلت بالعرف، أو كعرف الفرس يتبع بعضهم ~~بعضا، أو هي الرياح إذا هبت شيئا فشيئا؟ وقطع بأن { العاصفات ~~عصفا } الرياح، وتوقف في { الناشرات نشرا } هل هي الملائكة أو ~~الريح كما تقدم، وعن أبي صالح أن { الناشرات نشرا } هي المطر، ~~والأظهر أن { المرسلات } هي الرياح، كما قال تعالى: # وأرسلنا الرياح لواقح # [الحجر: 22]، وقال تعالى: # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته # [الأعراف: 57]، وهكذا { العاصفات } هي الرياح، يقال: عصفت الرياح ~~إذا هبت بتصويت، وكذا { الناشرات } هي الرياح التي تنشر السحاب في ~~آفاق السماء كما يشاء الرب عز وجل، وقوله تعالى: { فالفارقات ~~فرقا * فالملقيات ذكرا * عذرا أو نذرا } يعني ~~الملائكة فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق والباطل، والهدى ~~والغي، والحلال والحرام، وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق، ~~وإنذار لهم ms2570 عقاب الله إن خالفوا أمره، وقوله تعالى: { إنما ~~توعدون لواقع } هذا هو المقسم عليه أي ما وعدتم به من قيام ~~الساعة والنفخ في الصور وبعث الأجساد وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ~~ومجازاة كل عامل بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، إن هذا كله لواقع أي ~~لكائن لا محالة، ثم قال تعالى: { فإذا النجوم طمست } أي ذهب ~~ضوءها كقوله تعالى: # وإذا النجوم انكدرت # [التكوير: 2]، وقوله: { وإذا السمآء فرجت } أي فطرت وانشقت ~~وتدلت أرجاؤها ووهت أطرافها، { وإذا الجبال نسفت } أي ذهب بها ~~فلا يبقى لها عين ولا أثر، كقوله تعالى: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105] الآية، وقال تعالى: # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ~~وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف: 47] وقوله تعالى: { وإذا الرسل أقتت } قال ابن ~~عباس: جمعت، كقوله تعالى: # يوم يجمع الله الرسل # [المائدة: 109] وقال مجاهد: { أقتت } أجلت، ثم قال تعالى: { لأي ~~يوم أجلت * ليوم الفصل * ومآ أدراك ما يوم ~~الفصل * ويل يومئذ للمكذبين } يقول تعالى: لأي يوم ~~أجلت الرسل وأرجىء أمرها حتى تقوم الساعة، كما قال تعالى: # فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله ~~عزيز ذو انتقام # [إبراهيم: 47] وذلك في يوم الفصل كما قال تعالى: { ليوم الفصل } ~~ثم قال تعالى معظما لشأنه: { ومآ أدراك ما يوم الفصل }؟ { ~~ويل يومئذ للمكذبين } أي ويل لهم من عذاب الله غدا. ### || [77.16-28] # يقول تعالى: { ألم نهلك الأولين } يعني المكذبين للرسل ~~المخالفين لما جاءوهم به، { ثم نتبعهم الآخرين } أي ممن ~~أشبههم، ولهذا قال تعالى: { كذلك نفعل بالمجرمين * ويل ~~يومئذ للمكذبين } ، ثم قال تعالى ممتنا على خلقه ومحتجا ~~على الإعادة بالبداءة: { ألم نخلقكم من مآء مهين } أي ~~ضعيف حقير بالنسبة إلى قدرة الباري عز وجل، كما تقدم في سورة يس: # " ابن آدم أنى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه؟ " # { فجعلناه في قرار مكين } يعني جمعناه في الرحم، وهو حافظ ~~لما أودع فيه من الماء، وقوله تعالى: { إلى قدر معلوم } يعني ~~إلى مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر، ms2571 ولهذا قال تعالى: { فقدرنا ~~فنعم القادرون * ويل يومئذ للمكذبين } ، ثم ~~قال تعالى: { ألم نجعل الأرض كفاتا * أحيآء وأمواتا ~~} قال مجاهد: يكفت الميت فلا يرى منه شيء، وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم ~~وظهرها لأحيائكم، { وجعلنا فيها رواسي شامخات } يعني ~~الجبال رسى بها الأرض لئلا تميد وتضطرب، { وأسقيناكم مآء ~~فراتا } أي عذبا زلالا من السحاب، أو مما أنبعه من عيون الأرض، { ~~ويل يومئذ للمكذبين } أي ويل لمن تأمل هذه المخلوقات، ~~الدالة على عظمة خالقها، ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره. ### || [77.29-40] # يقول تعالى مخبرا عن الكفار المكذبين بالمعاد والجزاء أنهم يقال لهم ~~يوم القيامة { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون * ~~انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب } يعني لهب النار إذا ~~ارتفع وصعد معه دخان، فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب، { لا ظليل ~~ولا يغني من اللهب } أي ظل الدخان المقابل للهب لا ظليل هو في ~~نفسه { ولا يغني من اللهب } يعني ولا يقيهم حر اللهب، وقوله ~~تعالى: { إنها ترمي بشرر كالقصر } أي يتطاير الشرر من ~~لهبها كالقصر، قال ابن مسعود: كالحصون، وقال ابن عباس ومجاهد: يعني أصول ~~الشجر { كأنه جملت صفر } أي كالإبل السود، قال مجاهد والحسن ~~واختاره ابن جرير، وعن ابن عباس { جملت صفر } يعني حبال السفن ~~وعنه { جملت صفر }: قطع نحاس، عن عبد الرحمن بن عابس: قال: سمعت ~~ابن عباس رضي الله عنهما: { إنها ترمي بشرر كالقصر } ~~قال: كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع، وفوق ذلك فنرفعه للبناء، فنسميه ~~القصر { كأنه جملت صفر } حبال السفن تجمع حتى تكون كأوساط ~~الرجال { ويل يومئذ للمكذبين } ثم قال تعالى: { هذا ~~يوم لا ينطقون } أي لا يتكلمون، { ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون } أي لا يقدرون على الكلام ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا بل ~~قد قامت عليهم الحجة، ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون، وعرصات ~~القيامة حالات، والرب تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة وعن هذه الحالة ~~تارة، ليدل على شدة الأهوال والزلازل يومئذ، ولهذا يقول بعد كل فصل من ~~هذا الكلام { ويل ms2572 يومئذ للمكذبين } ، وقوله تعالى: { ~~هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين * فإن كان ~~لكم كيد فكيدون } وهذه مخاطبة من الخالق تعالى لعباده يقول لهم: ~~{ هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين } يعني أنه ~~جمعهم بقدرته في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وقوله تعالى: { ~~فإن كان لكم كيد فكيدون } ، تهديد شديد ووعيد أكيد أي إن ~~قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي، وتنجوا من حكمي فافعلوا، فإنكم لا تقدرون ~~على ذلك، كما قال تعالى: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان # [الرحمن: 33]. عن عبادة بن الصامت أنه قال: إذا كان يوم القيامة جمع ~~الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ينفذهم ويسمعهم الداعي ويقول الله: { ~~هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين * فإن كان ~~لكم كيد فكيدون } اليوم لا ينجو مني جبار عنيد، ولا شيطان مريد. ### || [77.41-50] # يقول تعالى مخبرا عن عبادة المتقين، إنهم يوم القيامة يكونون في جنات ~~وعيون أي بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من ظل اليحموم وهو الدخان الأسود ~~المنتن، وقوله تعالى: { وفواكه مما يشتهون } أي ومن سائر ~~أنواع الثمار مهما طلبوا وجدوا، { كلوا واشربوا هنيئا بما ~~كنتم تعملون } أي يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم، ثم قال ~~تعالى: { إنا كذلك نجزي المحسنين } أي هذا جزاؤنا لمن ~~أحسن العمل، { ويل يومئذ للمكذبين } ، وقوله تعالى: { ~~كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون } خطاب للمكذبين ~~بيوم الدين، وأمرهم أمر تهديد ووعيد، فقال تعالى: { كلوا ~~وتمتعوا قليلا } أي مدة قليلة قريبة قصيرة. { إنكم ~~مجرمون } أي ثم تساقون إلى نار جهنم التي تقدم ذكرها، { ويل ~~يومئذ للمكذبين } ، كما قال تعالى: # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # [لقمان: 24]، وقال تعالى: # ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون # [يونس: 70]. وقوله تعالى: { وإذا قيل لهم اركعوا لا ~~يركعون } أي إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين ~~مع الجماعة امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه ولهذا قال تعالى: { ويل ~~يومئذ للمكذبين } ، ثم قال تعالى: { فبأي حديث ~~بعده يؤمنون }؟ أي إذا لم يؤمنوا ms2573 بهذا القرآن فبأي كلام يؤمنون ~~به؟ كقوله تعالى: # فبأي حديث بعد الله وءايته يؤمنون # [الجاثية: 6] روي عن أبي هريرة: # " إذا قرأ { والمرسلات عرفا } فقرا { فبأي حديث ~~بعده يؤمنون } فليقل آمنت بالله وبما أنزل ". ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-16] # يقول تعالى منكرا على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكارا ~~لوقوعها: { عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم } أي: عن ~~أي شيء يتساءلون عن أمر القيامة، وهو النبأ العظيم: يعني الخبر الهائل ~~المفظع الباهر، قال قتادة: النبأ العظيم: البعث بعد الموت، وقال مجاهد: ~~هو القرآن، والأظهر الأول، لقوله: { الذي هم فيه مختلفون } ~~يعني الناس فيه مؤمن به وكافر، ثم قال تعالى متوعدا لمنكري القيامة: { ~~كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون } وهذا تهديد شديد ~~ووعيد أكيد، ثم شرع تبارك وتعالى يبين قدرته العظيمة على خلق الأشياء ~~الغريبة والأمور العجيبة، الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد ~~وغيره، فقال: { ألم نجعل الأرض مهادا } أي ممهدة للخلائق ~~ذلولا لهم، قارة ساكنة ثابتة { والجبال أوتادا } أي جعلها لها ~~أوتادا، أرساها بها وثبتها وقررها، حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها، ثم ~~قال تعالى: { وخلقناكم أزواجا } يعني ذكرا وأنثى، يتمتع كل ~~منهما بالآخر، ويحصل التناسل بذلك كقوله: # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة # [الروم: 21]، وقوله تعالى: { وجعلنا نومكم سباتا } أي ~~قطعا للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد، والسعي في المعايش في عرض ~~النهار، { وجعلنا اليل لباسا } إي يغشى الناس بظلامه وسواده، ~~كما قال: # والليل إذا يغشاها # [الشمس: 4]، وقال قتادة { وجعلنا اليل لباسا } أي سكنا، ~~وقوله تعالى: { وجعلنا النهار معاشا } أي جعلناه مشرقا ~~نيرا مضيئا ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب ~~والتجارات وغير ذلك. # وقوله تعالى: { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } يعني ~~السماوات السبع في اتساعها وارتفاعها، وإحكامها وإتقانها وتزيينها ~~بالكواكب الثوابت والسيارات، ولهذا قال تعالى: { وجعلنا سراجا ~~وهاجا } يعني الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوءها لأهل ~~الأرض كلهم، وقوله تعالى: { وأنزلنا من المعصرات مآء ~~ثجاجا } قال ابن ms2574 عباس: المعصرات: الرياح، تستدر المطر من السحاب، ~~وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: من المعصرات أي من السحاب، وقال ~~الفراء: هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولم تمطر بعد، كما يقال: امرأة معصر ~~إذا دنا حيضها ولم تحض، وعن الحسن وقتادة: { من المعصرات } يعني ~~السماوات وهذا قول غريب، والأظهر أن المراد بالمعصرات السحاب، كما قال ~~تعالى: # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه ~~في السمآء كيف يشآء ويجعله كسفا فترى الودق ~~يخرج من خلاله # [الروم: 48] أي من بينه، وقوله جل وعلا: { مآء ثجاجا } قال ~~مجاهد: { ثجاجا }: منصبا، وقال الثوري: متتابعا، وقال ابن زيد: ~~كثيرا، قال ابن جرير: ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة الثج، وإنما ~~الثج الصب المتتابع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " أفضل الحج العج والثج " # يعني صب دماء البدن. قلت: وفي حديث المستحاضة: # " إنما أثج ثجا " # وهذا فيه دلالة على استعمال الثج في الصب المتتابع الكثير، والله أعلم. ~~وقوله تعالى: { لنخرج به حبا ونباتا وجنات ~~ألفافا } أي لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المبارك { حبا ~~} يدخر للأناسي والأنعام، { ونباتا } أي خضرا يؤكل رطبا، { ~~وجنات } أي بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة وألوان مختلفة وطعوم ~~وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعا، ولهذا قال: ~~{ وجنات ألفافا } قال ابن عباس وغيره: ألفافا مجتمعة، وهذه ~~كقوله تعالى: # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب ~~وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء ~~واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون # [الرعد: 4]. ### || [78.17-30] # يقول تعالى مخبرا عن يوم الفصل، وهو (يوم القيامة) أنه مؤقت بأجل ~~معدود، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله ~~عز وجل، كما قال تعالى: # وما نؤخره إلا لأجل معدود # [هود: 104] أنه { يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا } ~~قال مجاهد: زمرا زمرا. قال ابن جرير: يعني تأتي كل أمة مع رسولها، ~~كقوله تعالى: # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم # [الإسراء: 71] قال البخاري: ms2575 { يوم ينفخ في الصور فتأتون ~~أفواجا } عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " ما بين النفختين أربعون " قالوا: أربعون يوما، قال: " أبيت " ، ~~قالوا: أربعون شهرا؟ قال: " أبيت " ، قالوا: أربعون سنة؟ قال: " أبيت " ~~، قال: " ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من ~~الإنسان شيء إلا بلي إلا عظما واحدا، وهو (عجب الذنب) ومنه يركب الخلق ~~يوم القيامة " " # { وفتحت السمآء فكانت أبوابا } أي طرقا ومسالك لنزول ~~الملائكة، { وسيرت الجبال فكانت سرابا } كقوله تعالى: # وتكون الجبال كالعهن المنفوش # [القارعة: 5]، وقال ههنا { فكانت سرابا } أي يخيل إلى الناظر ~~أنها شيء وليست بشيء، وبعد هذا تذهب بالكلية فلا عين ولا أثر، كما قال ~~تعالى: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * ~~فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا # [طه: 105107]، وقال تعالى: # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة # [الكهف: 47]، وقوله تعالى: { إن جهنم كانت مرصادا } أي ~~مرصدة معدة { للطاغين } وهم المردة العصاة المخالفون للرسل، { ~~مآبا } أي مرجعا ومنقلبا ومصيرا ونزلاء، وقال الحسن وقتادة: لا يدخل ~~أحد الجنة حتى يجتاز النار، فإن كان معه جواز نجا وإلا احتبس، وقوله ~~تعالى: { لابثين فيهآ أحقابا } أي ماكثين فيها أحقابا وهي ~~جمع حقب وهو المدة من الزمان، وقد اختلفوا في مقداره، فقال ابن جرير، قال ~~علي بن أبي طالب لهلال الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب الله المنزل؟ قال: ~~نجده ثمانين سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ثلاثون يوما، كل يوم ~~ألف سنة، وعن الحسن والسدي: سبعون سنة. وعن عبد الله بن عمرو: الحقب ~~أربعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون، وقال بشير بن كعب: ذكر لي ~~أن الحقب الواحد ثلثمائة سنة، اثنا عشر شهرا، كل سنة ثلثمائة وستون ~~يوما، كل يوم منها كألف سنة. وقال السدي: { لابثين فيهآ ~~أحقابا } سبعمائة حقب، كل حقب سبعون سنة، كل سنة ثلثمائة وستون ~~يوما، كل يوم كألف سنة مما تعدون، وقال خالد بن معدان هذه الآية، وقوله ~~تعالى: # إلا ms2576 ما شآء ربك # [هود: 107-108] في أهل التوحيد، قال ابن جرير: والصحيح أنها لا انقضاء ~~لها، كما روي عن سالم: سمعت الحسن يسأل عن قوله تعالى: { لابثين ~~فيهآ أحقابا } قال أما الأحقاب فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ~~ولكن ذكروا أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون، وقال ~~قتادة، قال الله تعالى: { لابثين فيهآ أحقابا } وهو ما لا ~~انقطاع له وكلما مضى حقب جاء حقب بعده. وقال الربيع بن أنس: { ~~لابثين فيهآ أحقابا } لا يعلم عدة هذه الأحقاب إلا الله عز ~~وجل، وذكر لنا أن الحقب الواحد ثمانون سنة، والسنة ثلثمائة وستون ~~يوما، كل يوم كألف سنة مما تعدون. # وقوله تعالى: { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا } أي لا ~~يجدون في جهنم بردا لقلوبهم، ولا شرابا طيبا يتغذون به، ولهذا قال ~~تعالى: { إلا حميما وغساقا } ، وقال أبو العالية: استثنى من ~~البرد الحميم، ومن الشراب الغساق، قال الربيع بن أنس: فأما الحميم فهو ~~الحار الذي قد انتهى حره وحموه، والغساق هو ما اجتمع من صديد أهل النار ~~وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتنه، ~~وقوله تعالى: { جزآء وفاقا } أي هذا الذي صاروا إليه من هذه ~~العقوبة، وفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا، ثم قال ~~تعالى: { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } أي لم يكونوا ~~يعتقدون أن ثم دارا يجازون فيها ويحاسبون، { وكذبوا بآياتنا ~~كذابا } أي وكانوا يكذبون بحجج الله ودلائله على خلقه التي أنزلها ~~على رسله صلوات الله وسلامه عليهم فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة، ~~وقوله { كذابا } أي تكذيبا، وهو مصدر من غير الفعل، وقوله تعالى: { ~~وكل شيء أحصيناه كتابا } أي وقد علمنا أعمال العباد ~~وكتبناها عليهم، وسنجزيهم على ذلك إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وقوله ~~تعالى: { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } أي يقال لأهل ~~النار ذوقوا ما أنتم فيه فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه وآخر من شكله ~~أزواج قال قتادة: لم ينزل على أهل النار آية أشد من ms2577 هذه الآية { ~~فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } فهم في مزيد من العذاب ~~أبدا. ### || [78.31-36] # يقول تعالى مخبرا عن السعداء، وما أعد الله تعالى لهم من الكرامة ~~والنعيم المقيم، فقال تعالى: { إن للمتقين مفازا } قال ابن ~~عباس متنزها، وقال مجاهد: فازوا فنجوا من النار، والأظهر ههنا قول ابن ~~عباس لأنه قال بعده: { حدآئق } والحدائق البساتين من النخيل وغيرها، ~~{ وأعنابا * وكواعب أترابا } أي وحورا كواعب، قال ابن ~~عباس ومجاهد { كواعب } أي نواهد، يعنون أن ثديهن نواهد لم يتدلين، ~~لأنهن أبكار (عرب أتراب) أي في سن واحد، كما تقدم بيانه في سورة الواقعة، ~~روى ابن أبي حاتم، عن ابن أبي القاسم الدمشقي، عن أبي أمامة، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن قمص أهل الجنة لتبدو من رضوان الله، وأن السحابة لتمر بهم ~~فتناديهم: يا أهل الجنة ماذا تريدون أن أمطركم؟ حتى إنها لتمطرهم الكواعب ~~الأتراب " # وقوله تعالى: { وكأسا دهاقا } قال ابن عباس: مملوءة متتابعة، ~~وقال عكرمة: صافية، وقال مجاهد والحسن { دهاقا } الملأى المترعة، وقال ~~سعيد بن جبير: هي المتتابعة، وقوله تعالى: { لا يسمعون فيها ~~لغوا ولا كذابا } كقوله: # لا لغو فيها ولا تأثيم # [الطور: 23] أي ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة ولا إثم كذب، بل هي ~~دار السلام وكل ما فيها سالم من النقص، وقوله: { جزآء من ربك ~~عطآء حسابا } أي هذا الذي ذكرناه، جازاهم الله به بفضله ومنه ~~وإحسانه { عطآء حسابا } أي كافيا وافيا سالما كثيرا، ومنه حسبي ~~الله، أي الله كافي. ### || [78.37-40] # يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وأنه رب السماوات والأرض وما فيهما وما ~~بينهما، وأنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء، وقوله تعالى: { لا ~~يملكون منه خطابا } أي لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا ~~بإذنه، كقوله تعالى: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255]، وكقوله تعالى: # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه # [هود: 105]، وقوله تعالى: { يوم يقوم الروح والملائكة ~~صفا لا يتكلمون } اختلف المفسرون في المراد بالروح ههنا ما ~~هو؟ على أقوال: أحدها: ms2578 ما روي عن ابن عباس أنهم أرواح بني آدم. الثاني: ~~هم بنو آدم، قاله الحسن وقتادة. الثالث: أنهم خلق من خلق الله على صور ~~بني آدم وليسوا بملائكة ولا ببشر قاله ابن عباس ومجاهد. الرابع: هو ~~جبريل، قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك. الخامس أنه ملك من الملائكة ~~بقدر جميع المخلوقات، قال ابن عباس: هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقا. ~~والأشبه عندي - والله أعلم - أنهم بنو آدم، وقوله تعالى: { إلا من ~~أذن له الرحمن } كقوله: # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه # [هود: 105]، وكما ثبت في الصحيح: # " ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل " # ، وقوله تعالى: { وقال صوابا } أي حقا، ومن الحق # لا إله إلا الله # [الصافات: 35]، كما قاله عكرمة: وقوله تعالى: { ذلك اليوم ~~الحق } أي الكائن لا محالة، { فمن شآء اتخذ إلى ربه ~~مآبا } أي مرجعا وطريقا يهتدي إليه، ومنهجا يمر به عليه، وقوله ~~تعالى: { إنآ أنذرناكم عذابا قريبا } يعني يوم القيامة ~~لتأكد وقوعه صار قريبا، لأن كل ما هو آت قريب، { يوم ينظر ~~المرء ما قدمت يداه } أي يعرض عليه جميع أعماله خيرها ~~وشرها. قديمها وحديثها كقوله تعالى: # ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف: 49]، وكقوله تعالى: # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13]، { ويقول الكافر يليتني كنت ترابا } أي ~~يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابا، ولم يكن خلق ولا خرج ~~إلى الوجود، وذلك حين عاين عذاب الله، ونظر إلى أعماله الفاسدة قد سطرت ~~عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة، وقيل: إنما يود ذلك حين يحكم ~~الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا، فيفصل بينها بحكمه العدل الذي ~~لا يجور، حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من القرناء، فإذا فرع من الحكم ~~بينها قال لها: كوني ترابا فتصير ترابا فعند ذلك يقول الكافر { ~~يليتني كنت ترابا } أي كنت حيوانا فأرجع إلى التراب، وقد ورد ~~معنى هذا في حديث الصور المشهور، وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد الله ~~بن عمرو وغيرهما. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-14] # { والنازعات غرقا }: الملائكة حين ms2579 تنزع أرواح بني آدم، فمنهم ~~من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما ~~حلته من نشاط، وهو قوله: { والناشطات نشطا } قاله ابن عباس ~~وغيره، وعنه { والنازعات }: هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق ~~في النار، وقال مجاهد: { والنازعات غرقا }: الموت. وقال الحسن ~~وقتادة { والنازعات غرقا * والناشطات نشطا }: هي ~~النجوم، والصحيح الأول وعليه الأكثرون. وأما قوله تعالى: { ~~والسابحات سبحا } فقال ابن مسعود: هي الملائكة، وقال قتادة: هي ~~النجوم، وقال عطاء: هي السفن، وقوله تعالى: { فالسابقات سبقا }: ~~يعني الملائكة، قال الحسن: سبقت إلى الإيمان والتصديق، وقال قتادة: هي ~~النجوم، وقال عطاء: هي الخيل في سبيل الله، وقوله تعالى: { ~~فالمدبرات أمرا } قال علي ومجاهد: هي الملائكة تدبر الأمر من ~~السماء إلى الأرض، يعني بأمر ربها عز وجل، وقوله تعالى: { يوم ~~ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة } قال ابن عباس: هما ~~النفختان الأولى والثانية، قال مجاهد: أما الأولى { يوم ترجف ~~الراجفة } فكقوله جلت عظمته: # يوم ترجف الأرض والجبال # [المزمل: 14]، وأما الثانية وهي الرادفة، كقوله: # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة # [الحاقة: 14]، وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه " فقال رجل: يا ~~رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: " إذا يكفيك الله ما ~~أهمك من دنياك وآخرتك " " # رواه أحمد والترمذي، ولفظ الترمذي: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: " يا ~~أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه " ~~" # وقوله تعالى: { قلوب يومئذ واجفة } قال ابن عباس: يعني ~~خائفة { أبصارها خاشعة } أي أبصار أصحابها وإنما أضيفت إليها ~~للملابسة، أي ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال. # وقوله تعالى: { يقولون أءنا لمردودون في الحافرة } ~~يعني مشركي قريش، يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى { الحافرة } ~~وهي القبور وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها، ولهذا قالوا: { ~~أءذا كنا عظاما نخرة } وقرىء: ناخرة أي بالية، قال ابن ~~عباس: وهو العظم إذا بلي ودخلت الريح فيه، ms2580 { قالوا تلك إذا ~~كرة خاسرة }. وعن ابن عباس وقتادة: الحافرة الحياة بعد الموت، ~~وقال ابن زيد: الحافرة النار، وما أكثر أسماءها! هي النار والجحيم وسقر ~~وجهنم والهاوية والحافرة ولظى والحطمة، وأما قولهم: { تلك إذا ~~كرة خاسرة } فقال محمد بن كعب، قالت قريش: لئن أحيانا الله بعد ~~أن نموت لنخسرن، قال الله تعالى: { فإنما هي زجرة واحدة * ~~فإذا هم بالساهرة } أي فإنما هو أمر من الله لا مثنوية فيه ولا ~~تأكيد فإذا الناس قيام ينظرون، وهو أن يأمر تعالى إسرافيل فينفخ في الصور ~~نفخة البعث، فإذا الأولون والآخرون قيام بين يدي الرب عز وجل ينظرون، ~~كما قال تعالى: # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن ~~لبثتم إلا قليلا # [الإسراء: 52] وقال تعالى: # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر: 50] وقال تعالى: # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل: 77] قال مجاهد: { فإنما هي زجرة واحدة } صيحة ~~واحدة، وأشد ما يكون الرب عز وجل غضبا على خلقه يوم يبعثهم، قال ~~الحسن البصري: زجرة من الغضب، وقوله تعالى: { فإذا هم بالساهرة ~~} قال ابن عباس: الساهرة الأرض كلها، وقال عكرمة والحسن: الساهرة وجه ~~الأرض، قال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها، عن سهل بن سعد ~~الساعدي { فإذا هم بالساهرة } قال: أرض بيضاء عفراء خالية ~~كالخبزة النقي، وقال الربيع بن أنس: { فإذا هم بالساهرة } ~~يقول الله عز وجل: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [إبراهيم: 48]، ويقول تعالى: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * ~~فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا # [طه: 105-107]، ويقول تعالى: # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة # [الكهف: 47]، وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة ولم يهرق عليها دم. ### || [79.15-26] # يخبر تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم عن عبده ورسوله موسى عليه ~~السلام، أنه ابتعثه إلى فرعون وأيده الله بالمعجزات، ومع هذا استمر على ~~كفره وطغيانه حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وكذلك عاقبة من خالفك يا ~~محمد وكذب بما جئت به، ولهذا قال في ms2581 آخر القصة: { إن في ذلك ~~لعبرة لمن يخشى } ، فقوله تعالى: { هل أتاك حديث ~~موسى } أي هل سمعت بخبره { إذ ناداه ربه } أي كلمة نداء { ~~بالواد المقدس } أي المطهر، { طوى } وهو اسم الوادي على ~~الصحيح، فقال له: { اذهب إلى فرعون إنه طغى } أي تجبر ~~وتمرد وعتا، { فقل هل لك إلى أن تزكى } أي قل له هل لك ~~أن تجيب إلى طريقة ومسلك تزكى به أي تسلم وتطيع، { وأهديك إلى ~~ربك } أي أدلك إلى عبادة ربك { فتخشى } أي فيصير قلبك خاضعا له ~~مطيعا خاشعا، بعد ما كان قاسيا خبيثا بعيدا من الخير، { فأراه ~~الآية الكبرى } يعني فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية، ~~ودليلا واضحا على صدق ما جاءه به من عند الله، { فكذب وعصى } ~~أي فكذب بالحق، وخالف ما أمره به من الطاعة، { ثم أدبر يسعى } ~~أي في مقابلة الحق بالباطل وهو جمعه السحرة، ليقابلوا ما جاء به موسى ~~عليه السلام من المعجزات الباهرات { فحشر فنادى } أي في قومه، { ~~فقال أنا ربكم الأعلى } قال ابن عباس ومجاهد: وهذه الكلمة ~~قالها فرعون بعد قوله: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] بأربعين سنة، قال الله تعالى: { فأخذه الله نكال ~~الآخرة والأولى } أي انتقم الله منه انتقاما جعله به عبرة ~~ونكالا لأمثاله من المتمردين في الدنيا، # ويوم القيامة بئس الرفد المرفود # [هود: 99]، كما قال تعالى: # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم ~~القيامة لا ينصرون # [القصص: 41]، وهذا هو الصحيح في معنى الآية أن المراد بقوله: { نكال ~~الآخرة والأولى } أي الدنيا والآخرة، وقيل: المراد بذلك كلمتاه ~~الأولى والثانية، وقيل: كفره وعصيانه، والصحيح الأول، وقوله: { إن في ~~ذلك لعبرة لمن يخشى } أي لمن يتعظ وينزجر. ### || [79.27-33] # يقول تعالى محتجا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه { أأنتم ~~} أيها الناس { أشد خلقا أم السمآء } يعني بل السماء أشد ~~خلقا منكم كما قال تعالى: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]، وقوله تعالى: { بناها } فسره بقوله: { رفع سمكها ~~فسواها } أي جعلها عالية البناء، بعيدة ms2582 الفناء، مستوية الأرجاء، ~~مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء، وقوله تعالى: { وأغطش ليلها ~~وأخرج ضحاها } أي جعل ليلها مظلما أسود حالكا، ونهارها مضيئا ~~مشرقا واضحا، قال ابن عباس: أغطش ليلها أظلمه، { وأخرج ضحاها } ~~أي أنار نهارها، وقوله تعالى: { والأرض بعد ذلك دحاها } ~~فسره بقوله تعالى: { أخرج منها مآءها ومرعاها } وقد تقدم ~~في سورة " حم السجدة " أن الأرض خلقت قبل خلق السماء، ولكن إنما دحيت بعد ~~خلق السماء بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل، عن ابن عباس { ~~دحاها } ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وشقق فيها الأنهار، وجعل ~~فيها الجبال والرمال والسبل والآكام فذلك قوله: { والأرض بعد ~~ذلك دحاها } ، وقد تقدم تقرير ذلك هنالك، وقوله تعالى: { ~~والجبال أرساها } أي قررها وأثبتها في أماكنها، وهو الحكيم ~~العليم، الرؤوف بخلقه الرحيم. وقوله تعالى: { متاعا لكم ~~ولأنعامكم } أي دحا الأرض فأتبع عيونها، وأظهر مكنونها، وأجرى ~~أنهارها، وأنبت زروعها وأشجارها وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها، ~~كل ذلك متاعا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام، التي يأكلونها ~~ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار، إلى أن ينتهي الأمد وينقضي ~~الأجل. ### || [79.34-46] # يقول تعالى: { فإذا جآءت الطآمة الكبرى } وهو يقوم ~~القيامة، قاله ابن عباس سميت بذلك، لأنها تطم على كل أمر هائل مفظع، كما ~~قال تعالى: # والساعة أدهى وأمر # [القمر: 46]، { يوم يتذكر الإنسان ما سعى } أي حينئذ ~~يتذكر ابن آدم جميع عمله، خيره وشره كما قال تعالى: # يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى # [الفجر: 23]، و { وبرزت الجحيم لمن يرى } أي أظهرت ~~للناظرين فرآها الناس عيانا، { فأما من طغى } أي تمرد وعتا، { ~~وآثر الحياة الدنيا } أي قدمها على أمر دينه وأخراه، { ~~فإن الجحيم هي المأوى } ، أي فإن مصيره إلى الجحيم وإن ~~مطعمه من الزقوم ومشربه من الحميم، { وأما من خاف مقام ~~ربه ونهى النفس عن الهوى } أي خاف القيام بين يدي الله ~~عز وجل، وخاف حكم الله فيه، ونهى نفسه عن هواها، وردها إلى طاعة مولاها، ~~{ فإن الجنة هي المأوى } أي منقلبه ومصيره إلى الجنة ms2583 ~~الفيحاء، ثم قال تعالى: { يسألونك عن الساعة أيان ~~مرساها * فيم أنت من ذكراها * إلى ربك منتهاهآ } ~~أي ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق، بل مردها ومرجعها إلى الله عز ~~وجل، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين # قل إنما علمها عند الله # [الأحزاب: 63]، وقال ههنا: { إلى ربك منتهاهآ } ، ولهذا # " لما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة؟ قال: " ما ~~المسؤول عنها بأعلم من السائل " " # ، وقوله تعالى: { إنمآ أنت منذر من يخشاها } أي إنما ~~بعثتك لتنذر الناس، وتحذرهم من بأس الله وعذابه، فمن خشي الله وخاف مقامه ~~ووعيده اتبعك فأفلح وأنجح، والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك، وقوله ~~تعالى: { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا ~~عشية أو ضحاها } أي إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون ~~مدة الحياة الدنيا، حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضحى من يوم، قال ~~ابن عباس: أما عشية فما بين الظهر إلى غروب الشمس، { أو ضحاها } ما ~~بين طلوع الشمس إلى نصف النهار، وقال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم ~~حين عاينوا الآخرة. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-16] # ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما ~~يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ ~~أقبل ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديما، فجعل يسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن شيء ويلح عليه، وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ~~ساعته تلك، ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته وعبس في ~~وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله تعالى، { ~~عبس وتولى * أن جآءه الأعمى * وما يدريك ~~لعله يزكى } أي يحصل له زكاة وطهارة في نفسه، { أو ~~يذكر فتنفعه الذكرى } أي يحصل له اتعاظ وازدجار عن ~~المحارم. { أما من استغنى * فأنت له تصدى } أي أما ~~الغني فأنت تعرض له لعله يهتدي { وما عليك ألا يزكى } ~~أي ما أنت بمطالب به إذا ms2584 لم يزك نفسه. { وأما من جآءك يسعى * ~~وهو يخشى } أي يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له، { فأنت عنه ~~تلهى } أي تتشاغل. ومن ههنا أمر الله تعالى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن لا يخص بالإنذار أحدا، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف، ~~والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار، ثم ~~الله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة والحجة ~~الدامغة، روى الحافظ أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه في قوله: { عبس ~~وتولى } قال: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ~~يكلم (أبي بن خلف) فأعرض عنه، فأنزل الله عز وجل: { عبس ~~وتولى * أن جآءه الأعمى } فكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعد ذلك يكرمه، وعن عائشة قالت: # " أنزلت { عبس وتولى } في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول أرشدني. قالت: وعند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين قالت: فجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: " أترى بما أقول بأسا؟ فيقول: ~~لا، ففي هذا أنزلت: { عبس وتولى } " # ، وهكذا ذكر غير واحد من السلف والخلف: أنها نزلت في ابن أم مكتوم، ~~والمشهور أن اسمه عبد الله، وقوله تعالى: { كلا إنها تذكرة } ~~أي هذه الوصية بالمساواة بين الناس، في إبلاغ العلم بين شريفهم ووضيعهم، ~~وقال قتادة: { كلا إنها تذكرة } يعني القرآن { فمن شآء ~~ذكره } أي فمن شاء ذكر الله تعالى في جميع أموره، ويحتمل عود الضمير ~~إلى الوحي لدلالة الكلام عليه، وقوله تعالى: { في صحف مكرمة * ~~مرفوعة مطهرة } أي هذه السورة أو العظة { في صحف ~~مكرمة } أي معظمة موقرة، { مرفوعة } أي عالية القدرة، { ~~مطهرة } أي من الدنس والزيادة والنقص، وقوله تعالى: { بأيدي ~~سفرة } قال ابن عباس ومجاهد: هي الملائكة، وقال وهب بن منبه: هم ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة: هم القراء، وقال ابن جرير: ~~والصحيح أن السفرة الملائكة، والسفرة يعني بين الله تعالى وبين ms2585 خلقه، ~~ومنه السفير الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير، كما قال الشاعر: # وما أدع السفارة بين قومي # وما أمشي بغش إن مشيت # وقال البخاري: سفرة: الملائكة، سفرت أصلحت بينهم، وجعلت الملائكة إذا ~~نزلت بوحي الله تعالى وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم، وقوله تعالى: ~~{ كرام بررة } أي خلقهم كريم، وأخلاقهم بارة طاهرة، وفي الصحيح: # " الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه ~~وهو عليه شاق له أجران ". ### || [80.17-32] # يقول تعالى ذاما لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم: { قتل ~~الإنسان مآ أكفره } ، قال ابن عباس: لعن الإنسان، وهذا الجنس ~~الإنسان المكذب لكثرة تكذيبه { مآ أكفره } أي ما أشد كفره، وقال ~~ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد أي شيء جعله كافرا أي ما حمله على ~~التكذيب بالمعاد؟ وقال قتادة: { مآ أكفره } ما ألعنه، ثم بين تعالى ~~له كيف خلقه من الشيء الحقير، وأنه قادر على إعادته كما بدأه فقال تعالى: ~~{ من أي شيء خلقه * من نطفة خلقه فقدره } أي ~~قدر أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد { ثم السبيل يسره } قال ~~ابن عباس: ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه، وقال مجاهد: هذه كقوله تعالى: # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3] أي بيناه له وأوضحناه وسهلنا عليه علمه، وهذا هو الأرجح ~~والله أعلم، وقوله تعالى: { ثم أماته فأقبره } أي أنه بعد ~~خلقه له { أماته فأقبره } أي جعله ذا قبر، والعرب تقول قبرت ~~الرجل إذا ولي ذلك منه. وأقبره الله، وطردت عني فلانا وأطرده الله، أي ~~جعله طريدا، وقوله تعالى: { ثم إذا شآء أنشره } أي بعثه بعد ~~موته، ومنه يقال البعث والنشور، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " " يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه " ، قيل: وما هو يا ~~رسول الله؟ قال: " مثل حبة خردل منه تنشأون " " # وهذا الحديث ثابت في الصحيحين بدون هذه الزيادة، ولفظه: # " كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب " # ، وقوله تعالى: { كلا ms2586 لما يقض مآ أمره } قال ابن جرير: ~~يقول جل ثناؤه كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدى ~~حق الله عليه في نفسه وماله، { لما يقض مآ أمره } يقول: لم ~~يؤد ما فرض عليه من الفرائض لربه عز وجل، عن مجاهد قال: لا يقضي أحد ~~أبدا كل ما افترض عليه. # وقوله تعالى: { فلينظر الإنسان إلى طعامه } فيه امتنان، ~~وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة، على إحياء الأجسام بعدما ~~كانت عظاما بالية وترابا متمزقا، { أنا صببنا المآء صبا ~~} أي أنزلناه من السماء على الأرض، { ثم شققنا الأرض شقا } ~~أي أسكناه فيها فيدخل في تخومها، فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض، { ~~فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا } ، فالحب كل ما يذكر ~~من الحبوب، والعنب معروف، والقضب هو الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة، ~~ويقال لها القت أيضا، قال ذلك ابن عباس وقتادة، وقال الحسن البصري: ~~القضب العلف، { وزيتونا } وهو معروف، وهو أدم وعصيره أدم، ويستصبح ~~به ويدهن به، { ونخلا } يؤكل بلحا وبسرا، ورطبا وتمرا، ونيئا ~~ومطبوخا، ويعتصر منه رب وخل. # { وحدآئق غلبا } أي بساتين، قال الحسن وقتادة: غلبا نخل غلاظ ~~كرام، وقال ابن عباس ومجاهد: كل ما التفت واجتمع، وقال ابن عباس أيضا { ~~غلبا } الشجر الذي يستظل به، وقال عكرمة: { غلبا } أي غلاظ ~~الأوساط، وقوله تعالى: { وفاكهة وأبا } أما الفاكهة فكل ما ~~يتفكه به من الثمار، قال ابن عباس: الفاكهة كل ما أكل رطبا، والأب ما ~~أنبت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس، وفي رواية عنه: هو الحشيش ~~للبهائم، وقال مجاهد: الأب الكلأ، وعن مجاهد والحسن: الأب للبهائم ~~كالفاكهة لبني آدم، وعن عطاء كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أب، وقال ~~الضحاك: كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو الأب. وقال العوفي، عن ابن ~~عباس: الأب: الكلأ والمرعى. روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ # عبس وتولى # [عبس: 1] فلما أتى على هذه الآية: { وفاكهة وأبا } قال: قد ~~عرفنا الفاكهة فما الأب؟ فقال لعمرك يا ابن ms2587 الخطاب إن هذا لهو التكلف، ~~وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو يعلم أنه ~~من نبات الأرض لقوله: { فأنبتنا فيها حبا * وعنبا ~~وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدآئق غلبا * وفاكهة ~~وأبا }. وقوله تعالى: { متاعا لكم ولأنعامكم } أي ~~عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار، إلى يوم القيامة. ### || [80.33-42] # قال ابن عباس: { الصآخة } اسم من أسماء يوم القيامة، عظمه الله ~~وحذره عباده، وقال البغوي: { الصآخة } يعني يوم القيامة، سميت بذلك ~~لأنها تصخ الأسماع، أي تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها، { يوم ~~يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته ~~وبنيه } أي يراهم ويفر منهم؛ لأن الهول عظيم، والخطب جليل، قال ~~عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم ~~البعل كنت، وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليوم حسنة ~~واحدة تهبيها لي لعلي أنحو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت، ولكن لا ~~أطيق أن أعطيك شيئا أتخوف مثل الذي تخاف، قال: وإن الرجل ليلقى ابنه ~~فيعلق به فيقول: يا بني أي والد كنت لك؟ فيثني بخير، فيقول له: يا بني ~~إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى فيقول ولده: يا ~~أبت ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك ~~شيئا، يقول الله تعالى: { يوم يفر المرء من أخيه * ~~وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه } وفي الحديث الصحيح في ~~أمر الشفاعة: # " حتى عيسى ابن مريم يقول: لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم ~~التي ولدتني " # ، عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " تحشرون حفاة عراة مشاة غرلا " قال، فقالت زوجته: يا رسول الله ننظر ~~أو يرى بعضنا عورة بعض قال: " لكل امرىء يومئذ شأن يغنيه " أو قال: " ما ~~أشغله عن النظر " " # وروى النسائي عن عروة عن عائشة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يبعث الناس يوم القيامة حفاة ~~عراة غرلا " فقالت عائشة: يا رسول الله فكيف ms2588 بالعورات؟ فقال: " لكل ~~امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه " " # وعن أنس بن مالك قال: # " سألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله بأبي ~~أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث فتخبرني أنت به، قال: " إن كان عندي منه ~~علم " قالت يا نبي الله كيف يحشر الرجال؟ قال: " حفاة عراة " ثم انتظرت ~~ساعة، فقالت: يا رسول الله كيف يحشر النساء؟ قال: " كذلك حفاة عراة " ، ~~قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: " وعن أي ذلك تسألين إنه قد نزل علي ~~آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون " ، قالت: أية آية هي يا نبي الله؟ ~~قال: { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } " # ، وقال البغوي في " تفسيره ". # " عن سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله عليه وسلم: ~~" يبعث الناس حفاة عراة غرلا قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان " ، ~~فقلت: يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: قد شغل الناس { ~~لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } " # وقوله تعالى: { وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة ~~مستبشرة } أي يكون الناس هنالك فريقين، وجوه مسفرة أي مستنيرة { ~~ضاحكة مستبشرة } أي مسرورة فرحة، قد ظهر البشر على وجوههم، ~~وهؤلاء هم أهل الجنة، { ووجوه يومئذ عليها غبرة * ~~ترهقها قترة } أي يعلوها وتغشاها { قترة } أي سواد، وفي ~~الحديث: # " يلجم الكافر العرق ثم تقع الغبرة على وجوههم " # ، فهو قوله تعالى: { ووجوه يومئذ عليها غبرة } ، وقال ~~ابن عباس { ترهقها قترة } أي يغشاها سواد الوجوه، وقوله تعالى: ~~{ أولئك هم الكفرة الفجرة } أي الكفرة قلوبهم، الفجرة ~~في أعمالهم كما قال تعالى: # ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا # [نوح: 27]. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-14] # قال ابن عباس: { إذا الشمس كورت } يعني أظلمت، وقال العوفي ~~عنه: ذهبت، وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت، وقال قتادة: ذهب ضوءها، وقال سعيد ~~بن جبير: { كورت } غورت، وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض، قال ابن ~~جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض، ~~ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها إلى بعض، ms2589 فمعنى قوله تعالى: { ~~كورت } جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمى بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ~~ضوءها، روي عن ابن عباس أنه قال: # " يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله ~~ريحا دبورا فتضرمها نارا " # ، وروى البخاري، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " الشمس والقمر يكوران يوم القيامة " # وقوله تعالى: { وإذا النجوم انكدرت } أي انتثرت كما قال ~~تعالى: # وإذا الكواكب انتثرت # [الإنفطار: 2]. وأصل الانكدار الانصباب، قال أبي بن كعب: ست آيات قبل ~~يوم القيامة، بينا الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ ~~تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذا وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت ~~واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب ~~والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض، { وإذا الوحوش حشرت } ~~قال: اختلطت، { وإذا العشار عطلت } قال: أهملها أهلها، { ~~وإذا البحار سجرت } قال، قالت الجن: نحن نأتيكم بالخبر، قال: ~~فانطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تتأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت ~~الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، ~~قال: فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم. وقال ابن عباس: { وإذا ~~النجوم انكدرت } أي تغيرت، وعن يزيد بن أبي مريم مرفوعا: # " انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم، إلا ما كان من ~~عيسى وأمه، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها ". # وقوله تعالى: { وإذا الجبال سيرت } أي زالت عن أماكنها ~~ونسفت فتركت الأرض قاعا صفصفا، وقوله: { وإذا العشار عطلت ~~} عشار الإبل، قال مجاهد: { عطلت } تركت وسيبت، وقال أبي بن كعب، ~~أهملها أهلها، وقال الربيع بن خيثم: لم تحلب وتخلى عنها أربابها، والمعنى ~~في هذا كله متقارب، والمقصود أن العشار من الإبل وهي خيارها والحوامل ~~منها، واحدتها عشراء قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها، بما ~~دهمهم من الأمر العظيم الهائل، وهو أمر يوم القيامة ووقوع مقدماتها، ~~وقيل: بل يكون ذلك يوم القيامة يراها أصحابها، كذلك لا سبيل لهم ms2590 إليها، ~~وقد قيل في العشار: إنها السحاب تعطل عن المسير بين السماء والأرض لخراب ~~الدنيا، والراجح أنها الإبل، والله أعلم. # وقوله تعالى: { وإذا الوحوش حشرت } أي جمعت كما قال تعالى: # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ~~ثم إلى ربهم يحشرون # [الأنعام: 38] قال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب، وقال عكرمة: حشرها ~~موتها، وعن ابن عباس قال: حشر البهائم موتها وحشر كل شيء الموت غير الجن ~~والإنس. وعن الربيع بن خيثم { وإذا الوحوش حشرت } قال: أتى ~~عليها أمر الله، وعن أبي بن كعب أنه قال: { وإذا الوحوش ~~حشرت } اختلطت، قال ابن جرير: والأولى قول من قال حشرت جمعت، قال ~~الله تعالى: # والطير محشورة # [ص: 19] أي مجموعة، وقوله تعالى: { وإذا البحار سجرت } قال ~~ابن عباس: يرسل الله عليها الرياح الدبور فتسعرها وتصير نارا تأجج، وفي ~~" سنن أبي داود ": # " لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز، فإن تحت البحر نارا وتحت ~~النار بحرا " # الحديث، وقال مجاهد: { سجرت }: أوقدت، وقال الحسن: يبست، وقال ~~الضحاك وقتادة: غاض ماؤها فذهب فلم يبق فيها قطرة، وقال الضحاك أيضا: ~~{ سجرت } فجرت، وقال السدي: فتحت وصيرت، وقوله تعالى: { وإذا ~~النفوس زوجت } أي جمع كل شكل إلى نظيره كقوله تعالى: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22] أي الضرباء كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله، روى ~~النعمان بن بشير أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقرأ: { وإذا النفوس ~~زوجت } فقال: تزوجها أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم، يقرن بين الرجل ~~الصالح مع الرجل الصالح، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، ~~فذلك تزويج الأنفس، وعن ابن عباس في قوله تعالى: { وإذا النفوس ~~زوجت } قال: ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة، وقال مجاهد: { ~~وإذا النفوس زوجت } قال: الأمثال من الناس جمع بينهم، ~~واختاره ابن جرير، وقال الحسن البصري وعكرمة: زوجت الأرواح بالأبدان، ~~وقيل: زوج المؤمنون بالحور العين، وزوج الكافرون بالشياطين. # وقوله تعالى: { وإذا الموءودة ms2591 سئلت * بأى ذنب ~~قتلت } المؤودة هي التي كانت أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية ~~البنات، فيوم القيامة تسأل الموءودة على أي ذنب قتلت ليكون ذلك تهديدا ~~لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذا؟ وقال ابن عباس: { ~~وإذا الموءودة سئلت } أي سألت أي طالبت بدمها. وقد وردت ~~أحاديث تتعلق بالموءودة فقال الإمام أحمد عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة ~~قالت: # " حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس وهو يقول: لقد هممت أن أنهى ~~عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، ولا يضر ~~أولادهم ذلك شيئا " ، ثم سألوه عن العزل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ذلك الوأد الخفي وهو الموءودة سئلت " # وروى الإمام أحمد عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: # " انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول ~~الله إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم، وتقري الضيف، وتفعل، هلكت في ~~الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئا؟ قال: " لا " ، قلنا: فإنها كانت وأدت ~~أختا لنا في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئا؟ قال: " الوائدة والموءودة ~~في النار، إلا أن يدرك الوائدة الإسلام فيعفو الله عنها " " # وفي الحديث: # " النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في ~~الجنة " # وعن قرة قال: سمعت الحسن يقول: # " قيل، يا رسول الله من في الجنة؟ قال: " الموءودة في الجنة " " # وقال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار فقد ~~كذب؛ يقول الله تعالى: { وإذا الموءودة سئلت * بأى ~~ذنب قتلت } ، قال ابن عباس: هي المدفونة، وقال عبد الرزاق: # " جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~إني وأدت بنات لي في الجاهلية، قال: " أعتق عن كل واحدة منهن رقبة " قال: ~~يا رسول الله إني صاحب إبل، قال فانحر عن كل واحدة منهن بدنة " # وقوله تعالى: { وإذا الصحف نشرت } قال الضحاك: أعطى كل ~~إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله، وقال قتادة: يا ابن آدم تملي فيها ثم ms2592 ~~تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر رجل ماذا يملي في صحيفته، قوله ~~تعالى: { وإذا السمآء كشطت } قال مجاهد: اجتذبت؛ وقال السدي: ~~كشفت، وقال الضحاك: تنكشط فتذهب، وقوله تعالى: { وإذا الجحيم ~~سعرت } قال السدي: أحميت، وقال قتادة: أوقدت، قال: وإنما يسعرها غضب ~~الله وخطايا بني آدم، وقوله تعالى: { وإذا الجنة أزلفت } ~~قال الضحاك: أي قربت إلى أهلها، وقوله تعالى: { علمت نفس مآ ~~أحضرت } هذا هو الجواب أي إذا وقعت هذه الأمور حينئذ تعلم كل نفس ~~ما عملت، وأحضر ذلك لها كما قال تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا # [آل عمران: 30]، وقال تعالى: # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13]. عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما نزلت: { إذا ~~الشمس كورت } قال عمر: لما بلغ { علمت نفس مآ ~~أحضرت } قال: لهذا أجري الحديث. ### || [81.15-29] # { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس } قال علي: هي ~~النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل. وروى ابن جرير عن خالد بن عرعرة سمعت ~~عليا، وسئل عن { لا أقسم بالخنس * الجوار الكنس } ~~فقال: هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل، وكذا روي عن ابن عباس ومجاهد ~~والحسن: أنها النجوم، وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم الخنس، أي في حال ~~طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها كنس، من قول ~~العرب: أوى الظبي إلى كناسه، إذا تغيب فيه، وروى الأعمش عن عبد الله { ~~فلا أقسم بالخنس } قال: بقر الوحش، وقال ابن عباس { ~~الجوار الكنس } البقر تكنس إلى الظل، وقال العوفي عن ابن عباس: ~~هي الظباء، وقال أبو الشعثاء: هي الظباء والبقر، وتوقف ابن جرير في ~~المراد بقوله: { الخنس * الجوار الكنس } هل هو النجوم أو ~~الظباء وبقر الوحش؟ قال: ويحتمل أن يكون الجميع مرادا، وقوله تعالى: { ~~والليل إذا عسعس } فيه قولان (أحدهما): إقباله بظلامه، قال ~~مجاهد: أظلم: وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وقال الحسن البصري: إذا غشي ~~الناس، (والثاني): إدباره، قال ابن ms2593 عباس: { إذا عسعس } إذا أدبر، ~~وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك (إذا عسعس) أي إذا ذهب فتولى، وقد اختار ~~ابن جرير أن المراد بقوله: { إذا عسعس } إذا أدبر، قال: لقوله ~~تعالى: { والصبح إذا تنفس } أي أضاء، واستشهد بقول الشاعر ~~أيضا: # حتى إذا الصبح له تنفسا # وانجاب عنها ليلها وعسعسا # أي أدبر، وعندي أن المراد بقوله: { إذا عسعس } إذا أقبل، وإن كان ~~يصح استعماله في الإدبار أيضا، لكن الإقبال ههنا أنسب، كأنه أقسم ~~بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال تعالى: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2]، وقال تعالى: # والضحى * والليل إذا سجى # [الضحى: 1-2]، وقال تعالى: # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا # [الأنعام: 96] وغير ذلك من الآيات، وقوله تعالى: { والصبح إذا ~~تنفس } قال الضحاك: إذا طلع، وقال قتادة: إذا أضاء وأقبل، وقال ~~سعيد بن جبير: إذا نشأ، وقال ابن جرير: يعني ضوء النهار إذا أقبل وتبين. # وقوله تعالى: { إنه لقول رسول كريم } يعني إن هذا القرآن ~~لتبليغ رسول كريم، أي ملك شريف حسن الخلق بهي المنظر، وهو (جبريل) عليه ~~الصلاة والسلام، { ذي قوة } كقوله تعالى: # علمه شديد القوى * ذو مرة # [النجم: 5-6] أي شديد الخلق شديد البطش والفعل، { عند ذي العرش ~~مكين } أي له مكانة عند الله عز وجل ومنزلة رفيعة، { مطاع ~~ثم } أي له وجاهة وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى، قال قتادة: { ~~مطاع ثم } أي في السماوات، يعني ليس هو من أفناد الملائكة، بل هو ~~من السادة والأشراف، معتنى به انتخب لهذه الرسالة العظيمة، وقوله تعالى: ~~{ أمين } صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جدا، أن الرب عز وجل ~~يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل كما زكى عبده ورسوله البشري محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بقوله تعالى: { وما صاحبكم بمجنون } قال ~~الشعبي وميمون: المراد بقوله { وما صاحبكم بمجنون } يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: { ولقد رآه بالأفق ~~المبين } يعني ولقد رأى محمد (جبريل)، الذي يأتيه بالرسالة عن الله ~~عز وجل، على الصورة التي خلقه الله ms2594 عليها له ستمائة جناح، { ~~بالأفق المبين } أي البين، وهي الرؤية الأولى كانت بالبطحاء، وهي ~~المذكورة في قوله: # علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو ~~بالأفق الأعلى # [النجم: 5-7]، والظاهر أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء، لأنه لم ~~يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في ~~قوله تعالى: # ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * ~~عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى # [النجم: 13-16] فتلك إنما ذكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد سورة ~~الإسراء. وقوله تعالى: { وما هو على الغيب بضنين } أي ~~بمتهم، ومنهم من قرأ ذلك بالضاد، أي ببخيل، بل يبذله لكل أحد. قال سفيان ~~بن عيينة: (ظنين) و(ضنين) سواء، أي ما هو بفاجر، و(الظنين) المتهم، ~~و(الضنين) البخيل، وقال قتادة: كان القرآن غيبا فأنزله الله على محمد، ~~فما ضن به على الناس بل نشره وبلغه وبذله لكل من أراده، واختار ابن جرير ~~قراءة الضاد. (قلت): وكلاهما متواتر ومعناه صحيح كما تقدم، وقوله ~~تعالى: { وما هو بقول شيطان رجيم } أي وما هذا القرآن ~~بقول شيطان رجيم، أي لا يقدر على حمله ولا يريده ولا ينبغي له، كما قال ~~تعالى: # وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون # [الشعراء: 210-212]. وقوله تعالى: { فأين تذهبون }؟ فأين تذهب ~~عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن، مع ظهوره ووضوحه وبيان كونه حقا من عند ~~الله عز وجل! كما قال الصديق رضي الله عنه لوفد بني حنيفة حين قدموا ~~مسلمين، وأمرهم فتلوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة الكذاب الذي هو في غاية ~~الهذيان والركاكة فقال: ويحكم أين تذهب عقولكم؟ والله إن هذا الكلام لم ~~يخرج من إل " أي من إله، وقال قتادة: { فأين تذهبون } أي عن ~~كتاب الله وعن طاعته، وقوله تعالى: { إن هو إلا ذكر ~~للعالمين } أي هذا القرآن ذكر لجميع الناس يتذكرون به ويتعظون { ~~لمن شآء منكم أن يستقيم } أي لمن أراد الهداية فعليه بهذا ~~القرآن فإنه مناجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه، ms2595 { وما تشآءون ~~إلا أن يشآء الله رب العالمين } أي ليست المشيئة ~~موكولة إليكم، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله تعالى رب العالمين، قال سفيان ~~الثوري: لما نزلت هذه الآية: { لمن شآء منكم أن يستقيم } ~~قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل ~~الله تعالى: { وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب ~~العالمين }. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-12] # يقول تعالى: { إذا السمآء انفطرت } أي انشقت، كما قال تعالى: # السمآء منفطر به # [المزمل: 18]، { وإذا الكواكب انتثرت } أي تساقطت، { ~~وإذا البحار فجرت } قال ابن عباس: فجر الله بعضها في بعض، ~~وقال الحسن: فجر الله بعضها في بعض فذهب ماؤها، وقال قتادة: اختلط عذبها ~~بمالحها، وقال الكلبي: ملئت. { وإذا القبور بعثرت } قال ابن ~~عباس: بحثت. وقال السدي: تبعثر - تحرك فيخرج من فيها، { علمت نفس ~~ما قدمت وأخرت } أي إذا كان هذا حصل هذا، وقوله تعالى: { ~~يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم }؟ هذا تهديد من ~~الله للإنسان والمعنى: ما غرك يا ابن آدم { بربك الكريم } أي ~~العظيم، حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث: # " يقول الله تعالى يوم القيامة: يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا ~~أجبت المرسلين " # ؟ وعن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية: { يأيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم } قال ابن عمر: غره والله ~~جهله، وقال قتادة: ما غر ابن آدم غير هذا العدو الشيطان، وقال الفضل بن ~~عياض: لو قال لي، ما غرك بي؟ لقلت: ستورك المرخاة، وقال أبو بكر الوراق: ~~لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم، وقال بعض أهل ~~الإشارة: إنما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه وصفاته، كأنه لقنه ~~الإجابة، وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل، لأنه إنما أتى باسمه ~~الكريم، لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال ~~الفجور، وقوله تعالى: { الذي خلقك فسواك فعدلك } أي ~~جعلك سويا مستقيما معتدل القامة، منتصبها في أحسن ms2596 الهيئات والأشكال، ~~روى الإمام أحمد عن بشر بن جحاش القرشي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما في كفه، فوضع عليها إصبعه ~~ثم قال: " قال الله عز وجل: يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل ~~هذا؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، ~~حتى إذا بلغت التراقي: قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة؟ " ". # وقوله تعالى: { في أى صورة ما شآء ركبك } قال مجاهد: ~~في أي شبه أب أو أم، أو خال أو عم، وقال عكرمة في قوله تعالى: { في ~~أى صورة ما شآء ركبك } إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في ~~صورة خنزير، وكذا قال أبو صالح: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة ~~حمار، وإن شاء في صورة خنزير، وقال قتادة: قادر والله ربنا على ذلك، ~~ومعنى هذا القول عندهم أن الله عز وجل قادر على خلق النطفة على شكل ~~قبيح، من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه، يخلقه على ~~شكل حسن مستقيم، معتدل تام حسن المنظر والهيئة، وقوله تعالى: { كلا ~~بل تكذبون بالدين } أي إنما يحملكم على مواجهة الكريم ~~ومقابلته بالمعاصي، تكذيب قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب، وقوله تعالى: ~~{ وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ~~ما تفعلون } يعني وإن عليكم لملائكة حفظة كراما، فلا تقابلوهم ~~بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم، عن ابن عباس قال، قال رسول ~~الله صلى عليه وسلم: # " إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم ~~الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات: الغائط والجنابة ~~والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره ~~" # وفي الحديث: # " ما من حافظين يرفعان إلى الله عز وجل ما حفظا في يوم فيرى في أول ~~الصحيفة، وفي آخرها استغفارا إلا قال الله تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين ~~طرفي الصحيفة " # ، عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لله ملائكة يعرفون بني آدم - وأحسبه قال: ويعرفون ms2597 أعمالهم - فإذا ~~نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه، وقالوا: أفلح الليلة ~~فلان، نجا الليلة فلان، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم ~~وسموه وقالوا: هلك الليلة فلان ". ### || [82.13-19] # يخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا الله ~~عز وجل ولم يقابلوه بالمعاصي، ثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم ~~والعذاب المقيم، ولهذا قال: { يصلونها يوم الدين } أي يوم ~~الحساب والجزاء والقيامة، { وما هم عنها بغآئبين } أي لا ~~يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ~~ما يسألون من الموت أو الراحة ولو يوما واحدا، وقوله تعالى: { ومآ ~~أدراك ما يوم الدين } تعظيم لشأن يوم القيامة، ثم أكده بقوله ~~تعالى: { ثم مآ أدراك ما يوم الدين } ، ثم فسره بقوله: { ~~يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } أي لا يقدر أحد على نفع ~~أحد ولا خلاصه مما هو فيه، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، وفي الحديث ~~قال عليه السلام: # " يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار لا أملك لكم من الله شيئا " # ، ولهذا قال: { والأمر يومئذ لله } كقوله تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] قال قتادة: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ~~والأمر يومئذ لله } والأمر والله اليوم لله، لكنه لا ينازعه ~~فيه يومئذ أحد. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-6] # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، ~~فأنزل الله تعالى: { ويل للمطففين } فحسنوا الكيل بعد ذلك " # ، وروى ابن جرير، عن عبد الله قال: قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن إن ~~أهل المدينة ليوفون الكيل، قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل، وقد قال الله ~~تعالى: { ويل للمطففين } - حتى بلغ - { يوم يقوم ~~الناس لرب العالمين } ، والمراد بالتطفيف ههنا البخس في ~~المكيال والميزان. إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما النقصان إن ~~قضاهم، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك بقوله ~~تعالى: { إذا اكتالوا ms2598 على الناس } أي من الناس { ~~يستوفون } أي يأخذون حقهم بالوافي الزائد، { وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون } أي ينقصون، والأحسن أن يجعل " كالوا ~~ووزنوا " متعديا ويكون (هم) في محل نصب، وقد أمر الله تعالى بالوفاء في ~~الكيل والميزان فقال تعالى: # وأوفوا الكيل إذا كلتم # [الإسراء: 35]، وقال تعالى: # وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان # [الرحمن: 9]، وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في ~~الميزان والمكيال، ثم قال تعالى متوعدا لهم: { ألا يظن ~~أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم }؟ أي ما يخاف ~~أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر، في يوم عظيم ~~الهول، كثير الفزع جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارا حامية؟ وقوله ~~تعالى: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } أي يقومون ~~حفاة عراة، في موقف صعب حرج، ضيق على المجرم، ويغشاهم من أمر الله تعالى ~~ما تعجز القوى والحواس عنه، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " يوم يقوم الناس لرب العالمين " حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف ~~أذنيه " # ، وفي رواية لأحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يوم يقوم الناس لرب العالمين، لعظمة الرحمن عز وجل يوم القيامة، ~~حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم " # حديث آخر: وروى الإمام أحمد عن المقداد بن الأسود الكندي قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين ~~- قال - فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى ~~عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من ~~يلجمه إلجاما " # حديث آخر: روى الإمام أحمد، عن عقبة بن عامر قال، سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه، ~~ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ ~~العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ ms2599 وسط ~~فيه - وأشار بيده فألجمها فاه - رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير ~~بيده هكذا - ومنهم من يغطيه عرقه " # وضرب بيده، إشارة، وفي " سنن أبي داود " # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله من ضيق المقام يوم ~~القيامة " # ، وعن ابن مسعود: يقومون أربعين سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يكلمهم ~~أحد قد ألجم العرق برهم وفاجرهم. ### || [83.7-17] # يقول تعالى حقا: { إن كتاب الفجار لفي سجين } أي إن ~~مصيرهم ومأواهم { لفي سجين } فعيل من السجن، وهو الضيق كما يقال: ~~فسيق وخمير وسكير ونحو ذلك، ولهذا عظم أمره فقال تعالى: { ومآ ~~أدراك ما سجين }؟ أي هو أمر عظيم، وسجين مقيم، وعذاب أليم، ثم ~~قال قائلون: هي تحت الأرض السابعة، وقد تقدم في حديث البراء بن عازب # " يقول الله عز وجل في روح الكافر " اكتبوا كتابه في سجين " " # ، وقيل: بئر في جهنم، والصحيح أن سجينا مأخوذ من السجن وهو الضيق، فإن ~~المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق وكل ما تعالى منها اتسع، ولما كان مصير ~~الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين، كما قال تعالى: # ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات # [التين: 5-6] وقال ههنا: { كلا إن كتاب الفجار لفي ~~سجين * ومآ أدراك ما سجين } وهو يجمع الضيق والسفول كما ~~قال تعالى: # وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا ~~هنالك ثبورا # [الفرقان: 13]، وقوله تعالى: { كتاب مرقوم } ليس تفسيرا لقوله: ~~{ ومآ أدراك ما سجين } ، وإنما هو تفسير لما كتاب لهم من ~~المصير إلى سجين، أي مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد ولا ينقص ~~منه أحد، ثم قال تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين } أي إذا ~~صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين، { ويل ~~} لهم والمراد من ذلك الهلاك والدمار كما يقال: ويل لفلان، ثم قال تعالى: ~~مفسرا للمكذبين الفجار الكفرة: { الذين يكذبون بيوم ~~الدين } أي لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره، قال ~~الله تعالى: { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } أي ms2600 ~~معتد في أفعاله من تعاطي الحرام، والمجاوزة في تناول المباح، والأثيم في ~~أقواله إن حدث كذب، وإن وعد أخلف وإن خاصم فجر. # وقوله تعالى: { إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير ~~الأولين } أي إذا سمع كلام الله تعالى من الرسول يكذب به، ويظن به ~~ظن السوء، فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: # وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير ~~الأولين # [النحل: 24]، وقال تعالى: # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5] قال الله تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ~~ما كانوا يكسبون } أي ليس الأمر كما زعموا، ولا كما قالوا: إن ~~هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به، ما عليها من الرين الذي ~~قد لبس قلوبهم، من كثرة الذنوب والخطايا، ولهذا قال تعالى: { ما ~~كانوا يكسبون } والرين يعتري قلوب الكافرين، والغين للمقربين، ~~وقد روى الترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل ~~قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول الله تعالى: { كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون } " # ولفظ النسائي: # " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر ~~وتاب صقل قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي قال الله ~~تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون } " # وقال الحسن البصري: هو الذنب حتى يعمى القلب فيموت، وقوله تعالى: { ~~كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } أي ثم هم ~~يوم القيامة محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم، قال الإمام الشافعي: وفي هذه ~~الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ، وهذا الذي قاله في ~~غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله ~~تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]، وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح ms2601 المتواترة، في رؤية ~~المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة، قال الحسن: يكشف الحجاب فينظر ~~إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل ~~يوم غدوة وعشية، وقوله تعالى: { ثم إنهم لصالوا الجحيم } ~~أي ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن، من أهل النيران، { ثم ~~يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } أي يقال لهم ذلك، ~~على وجه التقريع والتوبيخ، والتصغير والتحقير. ### || [83.18-28] # يقول تعالى: حقا إن كتاب الأبرار - وهم بخلاف الفجار - { لفي ~~عليين } أي مصيرهم إلى عليين وهو بخلاف سجين، روى الأعمش عن هلال ~~بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبا - وأنا حاضر - عن سجين؟ قال: هي الأرض ~~السابعة وفيها أرواح الكفار، وسأله عن عليين؟ فقال: هي السماء السابعة ~~وفيها أرواح المؤمنين، وقال ابن عباس: { لفي عليين } يعني الجنة، ~~وفي رواية عنه: أعمالهم في السماء عند الله، وقال قتادة: عليون ساق العرش ~~اليمنى، وقال غيره: عليون عند سدرة المنتهى، والظاهر أن عليين مأخوذ من ~~العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع، ولهذا قال تعالى معظما ~~ومفخما شأنه: { ومآ أدراك ما عليون }؟ ثم قال تعالى مؤكدا ~~لما كتب لهم: { كتاب مرقوم * يشهده المقربون } وهم ~~الملائكة قاله قتادة، وقال ابن عباس: يشهده من كل سماء مقربوها، ثم قال ~~تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم } أي يوم القيامة هم في نعيم ~~مقيم، وجنات فيها فضل عميم { على الأرآئك } وهي السرر تحت الحجال { ~~ينظرون } قيل: معناه ينظرون في ملكهم، وما أعطاهم الله من الخير، ~~والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد، وقيل: معناه: { على الأرآئك ~~ينظرون } إلى الله عز وجل، كما تقدم في حديث ابن عمر: # " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة يرى أقصاه ~~كما يرى أدناه وإن أعلاهم لمن ينظر إلى الله عز وجل في اليوم مرتين " # وقوله تعالى: { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي تعرف ~~إذا نظرت إليهم في وجوههم { نضرة النعيم } أي صفة الترافة ~~والسرور، والدعة والرياسة، مما هم فيه من النعيم العظيم. وقوله ms2602 تعالى: { ~~يسقون من رحيق مختوم } أي يسقون من خمر من الجنة، والرحيق ~~من أسماء الخمر، وفي الحديث: # " أيما مؤمن سقى مؤمنا شربة ماء على ضمإ سقاه الله تعالى يوم القيامة ~~من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله من ثمار ~~الجنة، وأيما مؤمن كسا مؤمنا ثوبا على عري كساه الله من خضر الجنة " # ، وقال ابن مسعود في قوله: { ختامه مسك } أي خلطه مسك، وقال ابن ~~عياش: طيب الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها مسك ختم بمسك، وقال ~~الحسن: عاقبته مسك، وقال ابن جرير، عن أبي الدرداء: { ختامه مسك } ~~قال: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم، ولو أن رجلا من أهل الدنيا ~~أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها، وقال مجاهد: { ~~ختامه مسك } طيبه مسك، وقوله تعالى: { وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون } أي وفي مثل هذا الحال فليتفاخر ~~المتفاخرون، وليتباهى وليستبق إلى مثله المستبقون كقوله تعالى: # لمثل هذا فليعمل العاملون # [الصافات: 61]، وقوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم } أي مزاج هذا ~~الرحيق الموصوف { من تسنيم } أي من شراب يقال له تسنيم، وهو أشرف ~~شراب أهل الجنة وأعلاه، ولهذا قال: { عينا يشرب بها ~~المقربون } أي يشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين مزجا. ### || [83.29-36] # يخبر تعالى عن المجرمين، أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من ~~المؤمنين، أي يستهزئون بهم ويحتقرونهم، وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون ~~عليهم أي محتقرين لهم { وإذا انقلبوا إلى أهلهم ~~انقلبوا فكهين } أي وإذا انقلب: أي رجع هؤلاء المجرمون إلى ~~منازلهم انقلبوا إليها فاكهين، أي مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا ~~نعمة الله عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحقرونهم ويحسدونهم { ~~وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون } أي لكونهم ~~على غير دينهم، قال الله تعالى: { ومآ أرسلوا عليهم ~~حافظين } أي وما بعث هؤلاء المجرمون، حافظين على هؤلاء المؤمنين، ما ~~يصدر منهم من أعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم، فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم ~~نصب أعينهم؟ كما قال تعالى: # إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنآ ms2603 آمنا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين * ~~فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم ~~منهم تضحكون # [المؤمنون: 109-110]، ولهذا قال ههنا: { فاليوم } يعني يوم ~~القيامة { الذين آمنوا من الكفار يضحكون } أي في ~~مقابلة ما ضحك بهم أولئك { على الأرآئك ينظرون } أي إلى الله ~~عز وجل، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته، وقوله تعالى: { هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون }؟ أي هل جوزي الكفار على ما كانوا ~~يقابلون به المؤمنين، من الاستهزاء والسخرية أم لا؟ يعني قد جوزوا أوفر ~~الجزاء وأتمه وأكمله. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-15] # يقول تعالى: { إذا السمآء انشقت } وذلك يوم القيامة، { ~~وأذنت لربها } أي استمعت لربها وأطاعت أمره فيما أمرها به من ~~الانشقاق، وذلك يوم القيامة { وحقت } أي وحق لها أن تطيع أمره، لأنه ~~العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شيء وذل له كل شيء، ثم ~~قال: { وإذا الأرض مدت } أي بسطت وفرشت ووسعت، وفي الحديث # " إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم، حتى لا يكون لبشر من ~~الناس إلا موضع قدميه " # وقوله تعالى: { وألقت ما فيها وتخلت } أي ألقت ما في ~~بطنها من الأموات وتخلت عنهم، { وأذنت لربها وحقت } كما ~~تقدم، وقوله: { يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك ~~كدحا } أي إنك ساع إلى ربك سعيا وعامل عملا { فملاقيه } ثم إنك ~~ستلقى ما عملت من خير أو شر، عن جابر قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " قال جبريل: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحب ما شئت فإنك مفارقه، ~~واعمل ما شئت فإنك ملاقيه " # ، ومن الناس من يعيد الضمير على قوله { ربك } أي فملاق ربك ومعناه ~~فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك، قال ابن عباس: تعمل عملا تلقى الله به ~~خيرا كان أو شرا، وقال قتادة: { يأيها الإنسان إنك كادح ~~إلى ربك كدحا } إن كدحك يا ابن آدم لضعيف، فمن استطاع أن يكون ~~كدحه في طاعة الله فليفعل ولا قوة إلا بالله، ثم قال تعالى: { فأما ~~من أوتي كتابه بيمينه * فسوف ms2604 يحاسب حسابا ~~يسيرا } أي سهلا بلا تعسير أي لا يحقق عليه جميع دقائق أعماله، فإن ~~من حوسب كذلك هلك لا محالة، روى الإمام أحمد # " عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ~~نوقش الحساب عذب " ، قالت، فقلت: أفليس قال الله تعالى: { فسوف ~~يحاسب حسابا يسيرا } ، قال: " ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك ~~العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب " " # وروى ابن جرير، # " عن عائشة رضي الله عنها قالت؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذبا " ، فقلت: أليس الله يقول { ~~فسوف يحاسب حسابا يسيرا }؟ قال: " ذاك العرض، إنه من نوقش ~~الحساب عذب " ، وقال بيده على إصبعه كأنه ينكت " # وفي رواية عن عائشة قالت: # " من نوقش الحساب - أو من حوسب - عذب، ثم قالت: إنما الحساب اليسير عرض ~~الله تعالى وهو يراهم " # وقوله تعالى: { وينقلب إلى أهله مسرورا } أي ويرجع إلى ~~أهله في الجنة { مسرورا } أي فرحا مغتبطا بما أعطاه الله عز ~~وجل، وقد روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " إنكم تعملون أعمالا لا تعرف، ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله فمسرور ~~أو مكظوم " # وقوله تعالى: { وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره } أي ~~بشماله من وراء ظهره تثنى يده إلى ورائه، ويعطى كتابه بها كذلك { ~~فسوف يدعوا ثبورا } أي خسارا وهلاكا { ويصلى سعيرا ~~* إنه كان في أهله مسرورا } أي فرحا لا يفكر في ~~العواقب، ولا يخاف مما أمامه فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل، { ~~إنه ظن أن لن يحور } أي كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله، ~~ولا يعيده بعد موته، قال ابن عباس وقتادة وغيرهما، والحور هو الرجوع، ~~قال الله: { بلى إن ربه كان به بصيرا } يعني بلى سيعيده ~~الله كما بدأه ويجازيه على أعماله خيرها وشرها فإنه { كان به ~~بصيرا } أي عليما خبيرا. ### || [84.16-25] # قال علي وابن عباس: { الشفق } الحمرة، وقال عبد الرزاق، عن أبي ~~هريرة: { الشفق } البياض، فالشفق هو حمرة ms2605 الأفق، إما قبل طلوع الشمس، ~~كما قاله مجاهد، وإما بعد غروبها كما هو معروف عند أهل اللغة، قال ~~الخليل: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب ~~قيل: غاب الشفق، وفي الحديث: # " وقت المغرب ما لم يغب الشفق " # ، ولكن صح عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: { فلا أقسم بالشفق ~~} هو النهار كله، وإنما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى: { والليل ~~وما وسق } أي جمع، كأنه أقسم بالضياء والظلام، قال ابن جرير: أقسم ~~الله بالنهار مدبرا وبالليل مقبلا، وقال آخرون: الشفق اسم للحمرة ~~والبياض، وهو من الأضداد. قال ابن عباس ومجاهد: { وما وسق } وما ~~جمع، قال قتادة: وما جمع من نجم ودابة، وقال عكرمة: ما ساق من ظلمة إذا ~~كان الليل ذهب كل شيء إلى مأواه، وقوله تعالى: { والقمر إذا ~~اتسق } قال ابن عباس: إذا اجتمع واستوى، وقال الحسن: إذا اجتمع ~~وامتلأ، وقال قتادة: إذا استدار، ومعنى كلامهم إنه إذا تكامل نوره وأبدر ~~جعله مقابلا لليل وما وسق. # وقوله تعالى: { لتركبن طبقا عن طبق } قال البخاري، قال ابن ~~عباس: { لتركبن طبقا عن طبق } حالا بعد حال، قال: هذا ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم، وقال الشعبي { لتركبن طبقا عن ~~طبق } قال: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء، يعني ليلة الإسراء، وقيل: { ~~طبقا عن طبق } منزلا على منزل، ويقال: أمرا بعد أمر، وحالا بعد ~~حال، وقال السدي: { لتركبن طبقا عن طبق } أعمال من قبلكم ~~منزلا بعد منزل، وكأنه أراد معنى الحديث الصحيح: # " " لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لدخلتموه " ، قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟ " " # وقال ابن مسعود: { طبقا عن طبق } السماء مرة كالدهان، ومرة تنشق، ~~وقال سعيد بن جبير { لتركبن طبقا عن طبق } قال: قوم كانوا ~~في الدنيا خسيس أمرهم فارتفعوا في الآخرة، وآخرون كانوا أشرافا في ~~الدنيا فاتضعوا في الآخرة، وقال عكرمة: { طبقا عن طبق } حالا بعد ~~حال فطيما بعدما كان رضيعا، وشيخا بعد ما كان شابا، وقال ms2606 الحسن ~~البصري: { طبقا عن طبق } يقول: حالا بعد حال، رخاء بعد شدة، وشدة ~~بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقرا بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقما بعد صحة. ~~ثم قال ابن جرير: والصواب من التأويل قول من قال: لتركبن أنت يا محمد ~~حالا بعد حال، وأمرا بعد أمر من الشدائد، والمراد بذلك وإن كان ~~الخطاب موجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع الناس، وأنهم ~~يلقون من شدائد يوم القيامة وأحواله أهوالا، وقوله تعالى: { فما ~~لهم لا يؤمنون * وإذا قرىء عليهم القرآن لا ~~يسجدون } أي فماذا يمنعهم من الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ~~وما لهم إذا قرئت عليهم آيات الله وهو هذا القرآن لا يسجدون إعظاما ~~وإكراما واحتراما؟ وقوله تعالى: { بل الذين كفروا ~~يكذبون } أي من سجيتهم التكذيب والعناد والمخالفة للحق، { ~~والله أعلم بما يوعون } قال مجاهد وقتادة: يكتمون في ~~صدورهم، { فبشرهم بعذاب أليم } أي فأخبرهم يا محمد بأن ~~الله عز وجل قد أعد لهم عذابا إليما، وقوله تعالى: { إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات } هذا استثناء منقطع يعني ~~لكن الذين آمنوا أي بقلوبهم { وعملوا الصالحات } أي بجوارحهم { ~~لهم أجر } أي في الدار الآخرة { غير ممنون } قال ابن عباس: ~~غير منقوص، وقال مجاهد: غير محسوب، وحاصل قولهما: أنه غير مقطوع، كما قال ~~تعالى: # عطآء غير مجذوذ # [هود: 108]، وقال السدي: قال بعضهم: غير ممنون: غير منقوص، وقال بعضهم: ~~غير ممنون عليهم، وهذا القول قد أنكره غير واحد، فإن الله عز وجل له ~~المنة على أهل الجنة، في كل حال وآن ولحظة، وإنما دخلوها بفضله ورحمته لا ~~بأعمالهم، فله عليهم المنة دائما سرمدا، والحمد لله وحده أبدا. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-10] # يقسم تعالى بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام، قال ابن عباس: البروج ~~النجوم، وقال يحيى بن رافع: البروج قصور في السماء، وقال المنهال بن ~~عمرو: { والسمآء ذات البروج } الخلق الحسن، واختار ابن جرير ~~أنها منازل الشمس والقمر، وهي اثنا عشر برجا تسير الشمس في كل واحد منها ~~شهرا، ويسير القمر في كل واحد ms2607 منها يومين وثلثا، فذلك ثمانية وعشرون ~~منزلة ويستسر ليلتين، وقوله تعالى: { واليوم الموعود * ~~وشاهد ومشهود } اختلف المفسرون في ذلك فروي عن أبي هريرة ~~مرفوعا { واليوم الموعود } يوم القيامة، { وشاهد } يوم ~~الجمعة، { ومشهود } يوم عرفة. روى الإمام أحمد، عن أبي هريرة أنه ~~قال في هذه الآية { وشاهد ومشهود } قال: # " الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة " # وعن سعيد بن المسيب أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن سيد الأيام يوم الجمعة، وهو الشاهد، والمشهود يوم عرفة " # ، وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: الشاهد هو محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والمشهود يوم القيامة. ثم قرأ: # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود: 103]. وسأل رجل الحسن بن علي عن { وشاهد ومشهود } فقال: ~~سألت أحدا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عمر وابن الزبير فقالا: يوم الذبح ~~ويوم الجمعة، فقال: لا، ولكن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41] والمشهود يوم القايمة، ثم قرأ: # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود: 103] وهكذا قال الحسن البصري، وقال مجاهد والضحاك: الشاهد ابن ~~آدم، والمشهود يوم القيامة؛ وعن عكرمة: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والمشهود يوم الجمعة، وقال ابن عباس: الشاهد الله، والمشهود يوم القيامة، ~~وقال ابن أبي حاتم عن مجاهد عن ابن عباس { وشاهد ومشهود } قال: ~~الشاهد الإنسان، والمشهود يوم الجمعة، وقال ابن جرير، عن ابن عباس: { ~~وشاهد ومشهود } الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم القيامة، قال ابن ~~جرير: وقال آخرون: { المشهود } يوم الجمعة، لحديث أبي الدرداء قال، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أكثروا من الصلاة يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة " # ، وعن سعيد بن جبير: الشاهد الله، وتلا: # وكفى بالله شهيدا # [النساء: 79، 116، الفتح: 28] والمشهود نحن، وقال الأكثرون على أن ~~الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة. # وقوله تعالى: { قتل أصحاب الأخدود } أي لعن أصحاب الأخدود، ~~وجمعه أخاديد وهي الحفر في ms2608 الأرض، وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى ~~من عندهم من المؤمنين بالله عز وجل فقهروهم، وأرادوهم أن يرجعوا عن ~~دينهم فأبوا عليهم، فحفروا لهم في الأرض أخدودا، وأججوا فيه نارا، ~~وأعدوا لها وقودا يسعرونها به، ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم، فقذفوهم ~~فيها، ولهذا قال تعالى: { قتل أصحاب الأخدود * النار ذات ~~الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما ~~يفعلون بالمؤمنين شهود } أي مشاهدون لما يفعل بأولئك ~~المؤمنين * قال الله تعالى: { وما نقموا منهم إلا أن ~~يؤمنوا بالله العزيز الحميد } أي وما كان لهم عندهم ذنب ~~إلا إيمانهم بالله { العزيز } الذي لا يضام من لاذ بجنابه، { ~~الحميد } في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، ثم قال تعالى: { ~~الذي له ملك السماوات والأرض } من تمام الصفة أنه ~~المالك لجميع السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، { والله على ~~كل شيء شهيد } أي لا يغيب عنه شيء في جميع السماوات والأرض، ولا ~~تخفى عليه خافية، وقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة من هم؟ فعن علي ~~أنهم أهل فارس، حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم فامتنع عليه علماؤهم، ~~فعمد إلى حفر أخدود، فقذف فيه من أنكر عليه منهم، واستمر فيهم تحليل ~~المحارم إلى اليوم. # وعن ابن عباس قال: ناس من بني إسرائيل خدوا أخدودا في الأرض، ثم ~~أوقدوا فيه نارا، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالا ونساء، فعرضوا ~~عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه، وقيل غير ذلك. # وقد روى الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب الرومي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان فيمن كان قبلكم ملك، وكان ~~له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبر سني وحضر أجلي، فادفع ~~إلي غلاما لأعلمه السحر، فدفع إليه غلاما كان يعلمه السحر، وكان بين ~~الساحر وبين الملك راهب، فأتى الغلام على الراهب، فسمع من كلامه فأعجبه ~~نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه، وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ms2609 ~~ضربوه، وقالوا ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا أراد الساحر أن ~~يضربك فقل: حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر، ~~قال: فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا ~~يستطيعون أن يجوزوا، فقال: اليوم أعلم: أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر ~~الساحر؟ قال: فأخذ حجرا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى ~~من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها، ومضى ~~الناس، فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني أنت أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ~~ابتليت فلا تدل علي، فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ~~ويشفيهم، وكان للملك جليس، فعمي، فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ~~اشفني ولك ما ههنا أجمع، فقال: ما أنا أشفي أحدا، إنما يشفي الله عز ~~وجل، فإن آمنت به دعوت الله فشفاك، فآمن فدعا الله فشفاه، ثم أتى الملك ~~فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال الملك: يا فلان من رد عليك بصرك؟ فقال: ~~ربي؟ فقال: أنا! قال: لا، ربي وربك الله، قال: ولك رب غيري؟ قال: نعم، ~~ربي وربك الله، فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه فقال: أي بني ~~بلغ من سحرك أن تبرىء الأكمه والأبرص وهذه الأدواء؟ قال: ما أشفي أحدا ~~إنما يشفي الله عز وجل. قال: أنا؟ قال: لا، قال: أولك رب غيري؟ قال: ~~ربي وربك الله، فأخذه أيضا بالعذاب، فلم يزل به حتى دل على الراهب، فأتى ~~بالراهب، فقال: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع ~~شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، حتى ~~وقع شقاه إلى الأرض، وقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى، فبعث به مع نفر إلى ~~جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه، ~~فذهبوا به فلما علوا به الجبل قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم ~~الجبل، فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى ms2610 دخل على الملك، فقال: ما ~~فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى: فبعث به مع نفر في قرقور، فقال: ~~إذا لججتم به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه في البحر، فلججوا به ~~البحر، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام ~~حتى دخل الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى، ثم قال ~~للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به ~~قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي، قال: وما هو، قال: تجمع الناس في ~~صعيد واحد، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي، ثم قل: باسم الله ~~رب الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، ففعل ووضع السهم في كبد قوسه، ثم ~~رماه وقال: باسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على ~~موضع السهم، ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما ~~كنت تحذر؟ فقد والله نزل بك؛ قد آمن الناس كلهم، فأمر بأفواه السكك فخدت ~~فيها الأخاديد، وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا ~~فأقحموه فيها، قال: فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون، فجاءت امرأة بابن لها ~~ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: اصبري يا أماه فإنك ~~على الحق ". # وروى ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس في قوله تعالى: { قتل أصحاب ~~الأخدود } قال: سمعنا أنهم كانوا قوما في زمان الفترة، فلما رأوا ما ~~وقع في الناس من الفتنة والشر، وصاروا أحزابا كل حزب بما لديهم فرحون، ~~اعتزلوا إلى قرية سكنوها وأقاموا على عبادة الله مخلصين له الدين، فكان ~~هذا أمرهم حتى سمع بهم جبار من الجبارين وحدث حديثهم فأرسل إليهم، فأمرهم ~~أن يعبدوا الأوثان التي اتخذوا وأنهم أبوا عليه كلهم، وقالوا: لا نعبد ~~إلا الله وحده لا شريك له، فقال لهم: إن لم تعبدوا هذه الآلهة التي عبدت ~~فإني قاتلكم، فأبوا عليه، فخد أخدودا من نار، وقال لهم الجبار بعد أن ~~وقفهم عليها، اختاروا هذه أو الذي نحن ms2611 فيه، فقالوا: هذه أحب إلينا وفيهم ~~نساء وذرية، ففزعت الذرية، فقالوا لهم - أي آباؤهم: لا نار من بعد اليوم، ~~فوقعوا فيها، فقبضت أرواحهم، من قبل أن يمسهم حرها، وخرجت النار من ~~مكانها فأحاطت بالجبارين، فأحرقهم الله بها، ففي ذلك أنزل الله عز ~~وجل: { قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * ~~إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون ~~بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلا أن ~~يؤمنوا بالله العزيز الحميد * الذي له ملك ~~السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد } ، ~~وقوله تعالى: { إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات } أي حرقوا، قاله ابن عباس ومجاهد { ثم لم ~~يتوبوا } أي لم يقلعوا عما فعلوا ويندموا على ما أسلفوا { فلهم ~~عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق } وذلك أن الجزاء من جنس ~~العمل، قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو ~~يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. ### || [85.11-22] # يخبر تعالى عن عباده المؤمنين أن { لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار } بخلاف ما أعد لأعدائه من الحريق والجحيم. ولهذا ~~قال: { ذلك الفوز الكبير } ، ثم قال تعالى: { إن بطش ~~ربك لشديد } أي إن بطشه وانتقامه من أعدائه، الذين كذبوا رسله ~~وخالفوا أمره، لشديد عظيم قوي، فإنه تعالى ذو القوة المتين، ولهذا قال ~~تعالى: { إنه هو يبدىء ويعيد } أي من قوته وقدرته التامة، ~~يبدىء الخلق ويعيده، كما بدأه بلا ممانع ولا مدافع { وهو الغفور ~~الودود } أي يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه، و { الودود } قال ~~ابن عباس: هو الحبيب { ذو العرش } أي صاحب العرش العظيم العالي على ~~جميع الخلائق، و { المجيد } فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب ~~عز وجل، والجر على أنه صفة للعرش، وكلاهما معنى صحيح، { فعال ~~لما يريد } أي مهما أراد فعله لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل ~~لعظمته وقهره وعدله، كما روينا عن أبي بكر الصديق أنه قيل له وهو في مرض ~~الموت: هل نظر إليك الطبيب، قال: نعم، قالوا: فما قال لك؟ قال لي: إني ~~فعال لما أريد، وقوله تعالى: { هل أتاك حديث ms2612 الجنود * ~~فرعون وثمود } أي هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس، وأنزل ~~عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟ وهذا تقرير لقوله تعالى: { ~~إن بطش ربك لشديد } أي إذا أخذ الظالم أخذه أخذا أليما ~~شديدا أخذ عزيز مقتدر، عن عمرو بن ميمون قال: # " مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ: { هل أتاك ~~حديث الجنود } فقام يستمع فقال: " نعم قد جاءني " " # وقوله تعالى: { بل الذين كفروا في تكذيب } أي هم في شك ~~وريب وكفر وعناد، { والله من ورآئهم محيط } أي هو قادر ~~عليهم قاهر لا يفوتونه ولا يعجزونه، { بل هو قرآن مجيد } أي ~~عظيم كريم، { في لوح محفوظ } أي هو في الملأ الأعلى، محفوظ من ~~الزيادة والنقص، والتحريف والتبديل، روى ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن ~~سلمان قال: # " ما من شيء قضى الله، القرآن فما قبله وما بعده، إلا وهو في اللوح ~~المحفوظ، واللوح المحفوظ بين عيني إسرافيل لا يؤذن له بالنظر فيه " # وقال الحسن البصري: إن هذا القرآن المجيد عند الله في لوح محفوظ، ينزل ~~منه ما يشاء على من يشاء من خلقه، وقد روى البغوي عن ابن عباس قال: # " إن في صدر اللوح: لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ~~ورسوله، فمن آمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة " # وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة ~~حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، لله فيه في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة، ~~يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل ويفعل ما يشاء ". ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-10] # يقسم تبارك وتعالى بالسماء، وما جعل فيها من الكواكب النيرة، ولهذا قال ~~تعالى: { والسمآء والطارق } ، ثم قال: { ومآ أدراك ما ~~الطارق } ، ثم فسره بقوله: { النجم الثاقب } ، قال قتادة ~~وغيره: إنما سمي النجم طارقا لأنه إنما يرى بالليل ويختفي بالنهار، ~~ويؤيده ما جاء في الحديث: # " إلا طارقا بخير يا رحمن " # وقوله تعالى: { الثاقب } قال ms2613 ابن عباس: المضيء، وقال السدي: يثقب ~~الشياطين إذا أرسل عليها، وقال عكرمة: هو مضيء ومحرق للشيطان، وقوله ~~تعالى: { إن كل نفس لما عليها حافظ } أي كل نفس عليها ~~من الله حافظ يحرسها من الآفات، كما قال تعالى: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله # [الرعد: 11]، وقوله تعالى: { فلينظر الإنسان مم خلق } ~~تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه، وإرشاد له إلى الاعتراف ~~بالمعاد، لأن من قدر على البداءة، فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى، ~~كما قال تعالى: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]، وقوله تعالى: { خلق من مآء دافق } يعني المني ~~يخرج دفقا من الرجل ومن المرأة، فيتولد منهما الولد بإذن الله عز ~~وجل، ولهذا قال: { يخرج من بين الصلب والترآئب } ~~يعني صلب الرجل وترائب المرأة وهو (صدرها)، وقال ابن عباس: صلب الرجل ~~وترائب المرأة أصفر رقيق لا يكون الولد إلا منهما، وعنه قال: هذه ~~الترائب ووضع يده على صدره، وعن مجاهد: الترائب ما بين المنكبين إلى ~~الصدر، وعنه أيضا، الترائب أسفل من التراقي، وقال الثوري: فوق الثديين، ~~وقال قتادة: { يخرج من بين الصلب والترآئب } من بين ~~صلبه ونحره، وقوله تعالى: { إنه على رجعه لقادر } فيه ~~قولان: (أحدهما): على رجع هذا الماء الدافق إلى مقره الذي خرج منه لقادر ~~على ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما، (الثاني): إنه على رجع هذا الإنسان ~~المخلوق من ماء دافق، أي إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر، قال ~~الضحاك واختاره ابن جرير، ولهذا قال تعالى: { يوم تبلى ~~السرآئر } أي يوم القيامة تبلى فيه السرائر أي تظهر وتبدو، ويبقى ~~السر علانية والمكنون مشهورا، وقوله تعالى: { فما له } أي الإنسان ~~يوم القيامة { من قوة } أي في نفسه، { ولا ناصر } أي من خارج ~~منه، أي لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله، ولا يستطيع له أحد ذلك. ### || [86.11-17] # قال ابن عباس: الرجع المطر، وعنه: هو السحاب فيه المطر، وقال قتادة: ~~ترجع رزق العباد كل عام، ولولا ذلك ms2614 لهلكوا وهلكت مواشيهم، { والأرض ~~ذات الصدع } قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات، وقوله تعالى: { ~~إنه لقول فصل } قال ابن عباس: حق، وقال غيره: حكم عدل، { ~~وما هو بالهزل } أي بل هو جد حق، ثم أخبر عن الكافرين بأنهم ~~يكذبون به، ويصدون عن سبيله فقال: { إنهم يكيدون كيدا } أي ~~يمكرون بالناس، في دعوتهم إلى خلاف القرآن، ثم قال تعالى { فمهل ~~الكافرين } أي أنظرهم ولا تستعجل لهم، { أمهلهم رويدا } ~~أي قليلا وسترى ماذا أحل بهم، من العذاب والنكال، والعقوبة والهلاك كما ~~قال تعالى: # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # [لقمان: 24]. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-13] # عن ابن عباس: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ: { سبح اسم ~~ربك الأعلى } قال: (سبحان ربي الأعلى) " # وقوله تعالى: { الذي خلق فسوى } أي خلق الخليقة وسوى كل ~~مخلوق في أحسن الهيئات، وقوله تعالى: { والذي قدر فهدى }. ~~قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة. وهدى الأنعام لمراتعها، وهذه ~~الآية كقوله تعالى: # قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50] أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في " صحيح مسلم ": # " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف ~~سنة وكان عرشه على الماء " # وقوله تعالى: { والذي أخرج المرعى } أي من جميع صنوف ~~النباتات والزروع، { فجعله غثآء أحوى } قال ابن عباس: هشيما ~~متغيرا، وقوله تعالى: { سنقرئك } أي يا محمد { فلا تنسى } ~~وهذا إخبار من الله تعالى ووعد منه له، بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها { ~~إلا ما شآء الله } وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن قتادة: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئا إلا ما شاء الله " # ، وقوله تعالى: { إنه يعلم الجهر وما يخفى } أي يعلم ~~ما يجهر به العباد، وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه منه ~~ذلك شيء، وقوله تعالى: { ونيسرك لليسرى } أي نسهل عليك ~~أفعال الخير، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا، لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا ~~عسر، وقوله تعالى: { فذكر إن نفعت ms2615 الذكرى } أي ذكر حيث ~~تنفع التذكرة، ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله، ~~كما قال علي رضي الله عنه: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم ~~إلا كان فتنة لبعضهم. وقال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب ~~الله ورسوله؟ وقوله تعالى: { سيذكر من يخشى } أي سيتعظ بما ~~تبلغه يا محمد من قلبه يخشى الله ويعلم أنه ملاقيه، { ويتجنبها ~~الأشقى * الذى يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت ~~فيها ولا يحيا } أي لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه بل هي ~~مضرة عليه، لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال، ~~عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ~~أناس تصبيهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فيميتهم إماتة حتى إذا ما ~~صاروا فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة ~~فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل " # ونادوا يمالك ليقض علينا ربك قال إنكم ~~ماكثون # [الزخرف: 77]، وقال تعالى: # لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها # [فاطر: 36] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى. ### || [87.14-19] # يقول تعالى: { قد أفلح من تزكى } أي طهر نفسه من الأخلاق ~~الرذيلة، واتبع ما أنزل الله على الرسول صلوات الله وسلامه عليه، { ~~وذكر اسم ربه فصلى } أي أقام الصلاة في أوقاتها ابتغاء ~~رضوان الله وامتثالا لشرع الله، روي عن جابر بن عبد الله يرفعه { قد ~~أفلح من تزكى } قال: # " من شهد أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد. وشهد أني رسول الله { ~~وذكر اسم ربه فصلى } قال: " هي الصلوات الخمس والمحافظة ~~عليها والاهتمام بها " " # ، وكذا قال ابن عباس إن المراد بذلك الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير، ~~وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر، ويتلو هذه ~~الآية: { قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه ~~فصلى ms2616 } ، وقال قتادة في هذه الآية: { قد أفلح من تزكى * ~~وذكر اسم ربه فصلى } زكى ماله وأرضى خالقه، ثم قال تعالى: ~~{ بل تؤثرون الحياة الدنيا } أي تقدمونها على أمر الآخرة، ~~وتبدونها على ما فيه نفعكم وصلاحكم في معاشكم ومعادكم، { والآخرة ~~خير وأبقى } أي ثواب الله في الدار الآخرة، خير من الدنيا وأبقى، ~~فإن الدنيا دانية فانية، والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى ~~على ما يبقى، ويهتم بما يزول عنه قريبا ويترك الاهتمام بدار البقاء ~~والخلد؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له ~~" # عن عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود: { سبح اسم ربك ~~الأعلى } فلما بلغ { بل تؤثرون الحياة الدنيا } ترك ~~القراءة وأقبل على أصحابه وقال: آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم، ~~فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت ~~عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل، وهذا منه على وجه التواضع ~~والهضم، وفي الحديث: # " من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى ~~على ما يفنى " # وقوله تعالى: { إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف ~~إبراهيم وموسى } كقوله في سورة النجم: # أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي ~~وفى * ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم ~~يجزاه الجزآء الأوفى * وأن إلى ربك المنتهى # [النجم: 36-42] الآيات إلى آخرهن؛ وهكذا قال عكرمة في قوله تعالى: { ~~إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم ~~وموسى } يقول: الآيات التي في { سبح اسم ربك الأعلى } ~~، وقال أبو العالية: قصة هذه السورة في الصحف الأولى، واختار ابن جرير أن ~~المراد بقوله: { إن هذا } إشارة إلى قوله: { قد أفلح من ~~تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون ~~الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى } ، ثم قال ~~تعالى: { إن هذا } أي مضمون هذا الكلام { لفي الصحف ~~الأولى * صحف إبراهيم وموسى } وهذا الذي اختاره حسن قوي، ms2617 ~~وقد روي عن قتادة وابن زيد نحوه، والله أعلم. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-7] # الغاشية من أسماء يوم القيامة، لأنها تغشى الناس وتعمهم، روي عن عمرو بن ~~ميمون أنه قال: # " مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ: { هل أتاك ~~حديث الغاشية } فقام يستمع، ويقول: " نعم قد جاءني " " # وقوله تعالى: { وجوه يومئذ خاشعة } أي ذليلة، وقال ابن ~~عباس: تخشع ولا ينفعها عملها، وقوله تعالى: { عاملة ناصبة } أي ~~قد عملت عملا كثيرا ونصبت فيه، وصليت يوم القيامة نارا حامية، عن أبي ~~عمران الجوني قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بدير راهب، ~~قال: فناداه: يا راهب، فأشرف، قال: فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فقيل له: ~~يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله عز وجل في ~~كتابه: { عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية } فذاك الذي ~~أبكاني، قال ابن عباس: { عاملة ناصبة } النصارى، وعن عكرمة ~~والسدي: عاملة في الدنيا بالمعاصي، ناصبة في النار بالعذاب والإهلاك. قال ~~ابن عباس: { تصلى نارا حامية } أي حارة شديدة الحر، { تسقى ~~من عين آنية } أي قد انتهى حرها وغليانها، وقوله تعالى: { ~~ليس لهم طعام إلا من ضريع } قال ابن عباس: شجر من ~~النار، وقال سعيد بن جبير: هو الزقوم، وعنه أنها الحجارة، وقال البخاري، ~~قال مجاهد: الضريع نبت يقال له الشبرق يسميه أهل الحجاز الضريع إذا يبس، ~~وهو سم، وقال قتادة: { ليس لهم طعام إلا من ضريع } من ~~شر الطعام وأبشعه وأخبثه، وقوله تعالى: { لا يسمن ولا يغني ~~من جوع } يعني لا يحصل به مقصود ولا يندفع به محذور. ### || [88.8-16] # لما ذكر حال الأشقياء ثنى بذكر السعداء فقال: { وجوه يومئذ } ~~أي يوم القيامة، { ناعمة } أي يعرف النعيم فيها، وإنما حصل لها ذلك ~~بسعيها، { لسعيها راضية } قد رضيت عملها، وقوله تعالى: { في ~~جنة عالية } أي رفيعة بهية في الغرفات آمنون، { لا تسمع ~~فيها لاغية } أي لا تسمع في الجنة التي هم فيها كلمة لغو، كما قال ~~تعالى: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما # [الواقعة: ms2618 25]، وقال تعالى: # لا لغو فيها ولا تأثيم # [الطور: 23]، { فيها عين جارية } أي سارحة وليس المراد بها ~~عينا واحدة وإنما هذا جنس يعني فيها عيون جاريات، وعن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنهار الجنة تفجر من تحت تلال - أو من تحت جبال - المسك " # ، { فيها سرر مرفوعة } أي عالية ناعمة، كثيرة الفرش مرتفعة ~~السمك عليها الحور العين، فإذا أراد ولي الله أن يجلس على تلك السرر ~~العالية تواضعت له، { وأكواب موضوعة } يعني أواني الشرب معدة ~~مرصدة لمن أرادها، { ونمارق مصفوفة } قال ابن عباس: النمارق ~~الوسائد، وقوله تعالى: { وزرابي مبثوثة } قال ابن عباس: ~~الزرابي البسط، ومعنى مبثوثة: أي ههنا وههنا لمن أراد الجلوس عليها، عن ~~أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " ألا هل من مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور ~~يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء ~~جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ~~ونعمة، في محلة عالية بهية "!، قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون ~~لها، قال: " قولوا: إن شاء الله " قال القوم إن شاء الله ". ### || [88.17-26] # يقول تعالى آمرا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته: { ~~أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت }؟ فإنها خلق عجيب ~~وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة، وهي مع ذلك تنقاد للقائد ~~الضعيف، وتؤكل وينتفع بوبرها ويشرب لبنها، ونبهوا بذلك لأن العرب غالب ~~دوابهم كانت الإبل، وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا حتى ننظر إلى ~~الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت! أي كيف رفعها لله عز وجل عن ~~الأرض هذا الرفع العظيم، كما قال تعالى: # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج # [ق: 6]، { وإلى الجبال كيف نصبت } أي جعلت منصوبة فإنها ~~ثابتة راسية لئلا تميد الأرض بأهلها: " وجعل فيها ما جعل من المنافع ~~والمعادن، { وإلى الأرض كيف سطحت }! أي كيف بسطت ومدت ~~ومهدت، فنبه البدوي ms2619 على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب ~~عليه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته، على ~~قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الرب العظيم الخالق المالك المتصرف، وأنه ~~الإله الذي لا يستحق العبادة سواه، عن أنس قال: # " كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل شيء، فكان ~~يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله، ونحن نسمع، فجاء رجل ~~من أهل البادية فقال: يا محمد إنا أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن ~~الله أرسلك، قال: " صدق " قال: فمن خلق السماء؟ قال: " الله " ، قال: فمن ~~خلق الأرض؟ قال: " الله " ، قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ ~~قال: " الله " ، قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب هذه الجبال آلله ~~أرسلك؟ قال: " نعم ". قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا ~~وليلتنا؟ قال: " صدق " ، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا، قال: " نعم " ~~، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا؟ قال: " صدق ~~" ، قال: ثم ولى، فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئا ولا أنقص ~~منهن شيئا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن صدق ليدخلن الجنة " ". # وقوله تعالى: { فذكر إنمآ أنت مذكر * لست عليهم ~~بمصيطر } أي فذكر يا محمد الناس بما أرسلت به إليهم # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40]، ولهذا قال: { لست عليهم بمصيطر }؛ قال ابن ~~عباس ومجاهد: لست عليهم بجبار، أي لست تخلق الإيمان في قلوبهم، وقال ابن ~~زيد: لست بالذي تكرههم على الإيمان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل " ، ثم ~~قرأ: { فذكر إنمآ أنت مذكر * لست عليهم ~~بمصيطر } " # وقوله تعالى: { إلا من تولى وكفر } أي تولى عن العمل ~~بأركانه، وكفر بالحق بجنانه ولسانه، وهذه كقوله تعالى: # فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى # [القيامة: 31-32]، ولهذا قال: ms2620 { فيعذبه الله العذاب ~~الأكبر } ، روى الإمام أحمد: # " أن أبا أمامة الباهلي مر على خالد بن يزيد بن معاوية، فسأله عن ~~ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: " ألا كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله ~~شراد البعير عن أهله " " # وقوله تعالى: { إن إلينآ إيابهم } أي مرجعهم ومنقلبهم، { ~~ثم إن علينا حسابهم } أي نحن نحاسبهم على أعمالهم ~~ونجازيهم بها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-14] # أما الفجر فمعروف وهو الصبح، وعن مسروق: المراد به فجر يوم النحر خاصة، ~~وهو خاتمة الليالي العشر، وقيل: المراد بذلك الصلاة التي تفعل عنده، ~~والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة، وقد ثبت في " صحيح البخاري ": # " " ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام " يعني ~~عشر ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: " ولا الجهاد في ~~سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء " " # وقيل: المراد بذلك العشر الأول من المحرم، عن ابن عباس: { وليال ~~عشر } قال: هو العشر الأول من رمضان، والصحيح القول الأول. روي عن ~~جابر يرفعه: # " إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر " # وقوله تعالى: { والشفع والوتر } الوتر يوم عرفة لكونه التاسع، ~~والشفع يوم النحر لكونه العاشر، قاله ابن عباس: قول ثان: عن واصل بن ~~السائب قال: سألت عطاء عن قوله: { والشفع والوتر } قلت: صلاتنا ~~وترنا هذا؟ قال: لا، ولكن الشفع يوم عرفة والوتر ليلة الأضحى. قول ثالث: ~~عن أبي سعيد بن عوف قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب الناس فقام إليه ~~رجل، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الشفع والوتر؟ فقال: الشفع قول ~~الله تعالى: # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه # [البقرة: 203]، والوتر قوله تعالى: # ومن تأخر فلا إثم عليه # [البقرة: 203]. وفي الصحيحين: # " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة، وهو ~~وتر يحب الوتر ms2621 " # قول رابع: قال الحسن البصري: الخلق كلهم شفع ووتر، أقسم تعالى بخلقه، ~~وقال ابن عباس: { والشفع والوتر } قال: الله وتر واحد، وأنتم ~~شفع، ويقال: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب. قول خامس: عن مجاهد ~~{ والشفع والوتر } قال: الشفع الزوج، والوتر الله عز وجل، ~~وعنه: الله الوتر وخلقه الشفع الذكر والأنثى، وعنه: كل شيء خلقه الله ~~شفع: السماء والأرض، والبر والبحر، والجن والإنس، والشمس والقمر، ونحو ~~هذا، كقوله تعالى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون # [الذاريات: 49] أي لتعلموا أن خالق الأزواج واحد. قول سادس: قال الحسن: ~~{ والشفع والوتر } هو العدد منه شفع، ومنه وتر. قول سابع: قال ~~أبو العالية والربيع بن أنس؛ هي الصلاة منها شفع كالرباعية والثنائية، ~~ومنها وتر كالمغرب، فإنها ثلاث، وهي وتر النهار، وكذلك صلاة الوتر في آخر ~~التهجد من الليل، ولم يجزم ابن جرير بشيء من الأقوال في الشفع والوتر. # وقوله تعالى: { واليل إذا يسر } قال ابن عباس: أي إذا ذهب، ~~وقال مجاهد وأبو العالية { واليل إذا يسر }: إذا سار أي ذهب، ~~ويحتمل إذا سار، أي أقبل، وهذا أنسب لأنه في مقابلة قوله: { والفجر ~~} فإن الفجر هو إقبال النهار، وإدبار الليل، فإذا حمل قوله: { واليل ~~إذا يسر } على إقباله كان قسما بإقبال الليل وإدبار النهار ~~وبالعكس. # كقوله: # والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس # [التكوير: 17-18] وقال الضحاك: { واليل إذا يسر } أي يجري، ~~وقال عكرمة: { واليل إذا يسر } يعني ليلة جمع ليلة المزدلفة، ~~وقوله تعالى: { هل في ذلك قسم لذى حجر } أي لذي عقل ولب ~~وحجى، وإنما سمي العقل (حجرا) لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به ~~من الأفعال والأقوال، وحجر الحاكم على فلان إذا منعه التصرف، وهذا القسم ~~هو بأوقات العبادة، وبنفس العبادة من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القرب، ~~التي يتقرب إليه عباده المتقون المطيعون له، الخائفون منه، المتواضعون ~~لديه، الخاشعون لوجهه الكريم، ولما ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم قال بعده: ~~{ ألم تر كيف فعل ربك بعاد }؟ وهؤلاء كانوا متمردين ~~عتاة جبارين، خارجين ms2622 عن طاعته مكذبين لرسله، فذكر تعالى كيف أهلكهم ~~ودمرهم وجعلهم أحاديث وعبرا، فقال: { ألم تر كيف فعل ربك ~~بعاد * إرم ذات العماد }؟ وهؤلاء (عاد الأولى) وهم الذين بعث ~~الله فيهم رسوله هودا عليه السلام فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين ~~أظهرهم ومن آمن معه منهم وأهلكهم # بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6]، وقد ذكر الله قصتهم في القرآن، ليعتبر بمصرعهم المؤمنون، ~~فقوله تعالى: { إرم ذات العماد } عطف بيان زيادة تعريف بهم، ~~وقوله تعالى: { ذات العماد } لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ~~ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم ~~بطشا، ولهذا ذكرهم (هود) بتلك النعمة، وأرشدهم إلى أن يستعملوها في ~~طاعة ربهم الذي خلقهم فقال: # واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح ~~وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلآء الله... ~~ولا تعثوا في الأرض مفسدين # [الأعراف: 69-74]. # وقوله تعالى: # فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ~~وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله ~~الذي خلقهم هو أشد منهم قوة # [فصلت: 15]، وقال ههنا: { التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد } أي القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم لقوتهم وشدتهم ~~وعظم تركيبهم، وقال مجاهد: إرم أمة قديمة يعني عادا الأولى، قال قتادة ~~والسدي: إن إرم بيت مملكة عاد، وكانوا أهل عمد لا يقيمون، وقال ابن عباس: ~~إنما قيل لهم ذات العماد لطولهم، واختار الأول ابن جرير، وقوله تعالى: { ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد } الضمير يعود على ~~القبيلة، أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد يعني في زمانهم، روي عن ~~المقدام أنه ذكر { إرم ذات العماد } فقال: # " كان الرجل منهم يأتي على الصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم " # ، وسواء كانت العماد أبنية بنوها، أو أعمدة بيوتهم للبدو، أو سلاحهم ~~يقاتلون به، أو طول الواحد منهم، فهم قبيلة وأمة من الأمم، وهم المذكورون ~~في القرآن في غير ما موضع، المقرونون بثمود كما ههنا، والله أعلم. ومن ~~زعم أن المراد بقوله: { إرم ذات العماد } مدينة إما دمشق، أو ~~اسكندرية أو غيرهما، ms2623 فضعيف لأنه لا يتسق الكلام حينئذ، ثم المراد إنما ~~هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وما أحل الله بهم من بأسه ~~الذي لا يرد، لا أن المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم، وقول ابن جرير: ~~يحتمل أن يكون المراد بقوله: { إرم ذات العماد } قبيلة أو بلدة ~~كانت عاد تسكنها فلذلك لم تصرف، فيه نظر، لأن المراد من السياق إنما هو ~~الإخبار عن القبيلة، ولهذا قال بعده: { وثمود الذين جابوا ~~الصخر بالواد } يعني يقطعون الصخر بالوادي، قال ابن عباس: ~~ينحتونها ويخرقونها، يقال: اجتاب الثوب: إذا فتحه، وقال تعالى: # وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين # [الشعراء: 149]، وقال ابن إسحاق: كانوا عربا وكان منزلهم بوادي القرى، ~~وقد ذكرنا قصة عاد مستقصاة في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته. وقوله ~~تعالى: { وفرعون ذى الأوتاد } قال ابن عباس: الأوتاد الجنود ~~الذين يشدون له أمره، ويقال: كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من ~~حديد يعلقهم بها، وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد، وقال السدي: ~~كان يربط الرجل كل قائمة من قوائمه في وتد ثم يرسل عليه صخرة عظيمة ~~فيشدخه، وقال ثابت البناني: قيل لفرعون ذي الأوتاد، لأنه ضرب لامرأته ~~أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت، وقوله تعالى: { ~~الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد } ~~أي تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس، { فصب ~~عليهم ربك سوط عذاب } أي أنزل عليهم رجزا من السماء، ~~وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين، وقوله تعالى: { إن ~~ربك لبالمرصاد } قال ابن عباس: يسمع ويرى يعني يرصد خلقه فيما ~~يعملون، ويجازي كلا بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه ~~فيحكم فيهم بعدله ويقابل كلا بما يستحقه وهو المنزه عن الظلم والجور. ### || [89.15-20] # يقول تعالى منكرا على الإنسان، إذا وسع الله تعالى عليه في الرزق ~~ليختبره، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له، وليس كذلك بل هو ابتلاء ~~وامتحان، كما قال تعالى: # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * ~~نسارع لهم في الخيرات ms2624 بل لا يشعرون # [المؤمنون: 55-56] وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه ~~في الرزق، يعتقد أن ذلك من الله إهانة له، قال الله تعالى: { كلا } أي ~~ليس الأمر كما زعم لا في هذا ولا في هذا، فإن الله تعالى يعطي المال من ~~يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على ~~طاعة الله في كل من الحالين، إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا ~~كان فقيرا بأن يصبر، وقوله تعالى: { بل لا تكرمون اليتيم } ~~فيه أمر بالإكرام له كما جاء في الحديث: # " خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت ~~في يتيم يساء إليه " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة " وقرن بين أصبعيه الوسطى والتي ~~تلي الإبهام " # ، { ولا تحآضون على طعام المسكين } يعني لا يأمرون ~~بالإحسان إلى الفقراء والمساكين ويحث بعضهم على بعض في ذلك { ~~وتأكلون التراث } يعني الميراث { أكلا لما } أي من أي ~~جهة حصل لهم من حلال أو حرام { وتحبون المال حبا جما } أي ~~كثيرا فاحشا. ### || [89.21-30] # يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة فقال تعالى: { ~~كلا } أي حقا { إذا دكت الأرض دكا دكا } أي وطئت ~~ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم { وجآء ~~ربك } يعني لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد ~~آدم على الإطلاق، محمد صلوات الله وسلامه عليه، فيجيء الرب تبارك وتعالى ~~لفصل القضاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا، وقوله تعالى: { ~~وجيء يومئذ بجهنم } روى الإمام مسلم في " صحيحه ": عن عبد ~~الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك ~~يجرونها " # ، وقوله تعالى: { يومئذ يتذكر الإنسان } أي عمله وما كان ~~أسلفه في قديم دهره وحديثه، { وأنى له الذكرى } أي وكيف ~~تنفعه الذكرى، { يقول يليتني قدمت لحياتي } يعني يندم ~~على ما كان ms2625 سلف منه من المعاصي إن كان عاصيا، ويود لو كان ازداد من ~~الطاعات إن كان طائعا، كما قال الإمام أحمد بن حنبل عن جبير بن نفير عن ~~محمد بن عمرة، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أن عبدا ~~خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة الله لحقره يوم القيامة، ~~ولود أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب، وقال الله ~~تعالى: { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي ليس أحد أشد ~~عذابا من تعذيب الله من عصاه، { ولا يوثق وثاقه أحد } أي ~~وليس أحد أشد قبضا ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم عز وجل، وهذا ~~في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي ~~الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق، فيقال لها: { يأيتها النفس ~~المطمئنة * ارجعي إلى ربك } أي إلى جواره وثوابه وما ~~أعد لعباده في جنته { راضية } أي في نفسها، { مرضية } أي قد ~~رضيت عن الله، ورضي الله عنها وأرضاها، { فادخلي في عبادي } أي ~~في جملتهم، { وادخلي جنتي } وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم ~~القيامة أيضا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من ~~قبره فكذلك ههنا، ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروي أنها ~~نزلت في عثمان بن عفان، وقيل: إنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله ~~عنه، وقال ابن عباس في قوله تعالى: { يأيتها النفس ~~المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية } ~~قال: # " نزلت وأبو بكر جالس فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا؟ فقال: " أما إنه ~~سيقال لك هذا " " # وروى الحافظ ابن عساكر، عن أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لرجل: # " قل: اللهم إني أسألك نفسا بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، ~~وتقنع بعطائك ". ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-10] # هذا قسم من الله تبارك وتعالى بمكة (أم القرى) في حال كون الساكن فيها ~~حلالا، لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها، قال مجاهد: { لا ~~أقسم بهذا البلد } لا، رد ms2626 عليهم. أقسم بهذا البلد، وقال ابن ~~عباس: { لا أقسم بهذا البلد } يعني مكة { وأنت حل ~~بهذا البلد } قال: أنت يا محمد يحل لك أن تقاتل به، وقال مجاهد: ~~ما أصبت فيه فهو حلال لك، وقال الحسن البصري: أحلها الله له ساعة من ~~نهار، وهذا المعنى قد ورد به الحديث المتفق على صحته: # " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله ~~إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه، وإنما أحلت لي ساعة من ~~نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب " # وفي لفظ آخر: # " فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن ~~لكم " # ، وقوله تعالى: { ووالد وما ولد } قال ابن عباس: الوالد الذي ~~يلد { وما ولد } العاقر الذي لا يولد له، وقال مجاهد وقتادة ~~والضحاك: يعني بالوالد آدم { وما ولد } ولده، وهذا الذي ذهب إليه ~~مجاهد وأصحابه حسن قوي، لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى وهي المساكن، ~~أقسم بعده بالساكن، وهو (آدم) أبو البشر وولده، واختار ابن جرير أنه عام ~~في كل ولد وولده وهو محتمل أيضا، وقوله تعالى: { لقد خلقنا ~~الإنسان في كبد } روي عن ابن مسعود وابن عباس: يعني منتصبا، زاد ~~ابن عباس: منتصبا في بطن أمه، والكبد: الاستواء والاستقامة، ومعنى هذا ~~القول: لقد خلقناه سويا مستقيما، كقوله تعالى: # الذي خلقك فسواك فعدلك * في أى صورة ما ~~شآء ركبك # [الانفطار: 7-8]، وكقوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] وقال ابن عباس: { في كبد } في شدة خلق، ألم ترى إليه ~~وذكر مولده ونبات أسنانه، وقال مجاهد: { في كبد } نطفة، ثم علقة، ثم ~~مضغة، يكبد في الخلق، وهو كقوله تعالى: # حملته أمه كرها ووضعته كرها # [الأحقاف: 15] فهو يكابد ذلك، وقال سعيد بن جبير: { في كبد } في شدة ~~وطلب معيشة، وقال قتادة: في مشقة، وقال الحسن: يكابد أمر الدنيا وأمر من ~~الآخرة، وفي رواية: يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة، واختار ابن جرير ~~أن المراد بذلك ms2627 مكابدة الأمور ومشاقها. # وقال تعالى: { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } قال ~~الحسن البصري: يعني يأخذ ماله، وقال قتادة: يظن أن لن يسأل عن هذا المال ~~من أين اكتسبه وأين أنفقه، وقال السدي: { أيحسب أن لن يقدر ~~عليه أحد } قال: الله عز وجل يظن أن لن يقدر عليه ربه، وقوله ~~تعالى: { يقول أهلكت مالا لبدا } أي يقول ابن آدم: أنفقت { ~~مالا لبدا } أي كثيرا قاله مجاهد والحسن، { أيحسب أن لم ~~يره أحد } قال مجاهد: أي أيحسب أن لم يره الله عز وجل، وكذا ~~قال غيره من السلف، وقوله تعالى: { ألم نجعل له عينين } أي ~~يبصر بهما { ولسانا } أي ينطق به فيعبر عما في ضميره { وشفتين ~~} يستعين بهما على الكلام، وأكل الطعام، وجمالا لوجهه وفمه. # وقد روى الحافظ ابن عساكر عن مكحول قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تعالى: يا ابن آدم، قد أنعمت عليك نعما عظاما، لا تحصي ~~عددها ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما، ~~وجعلت لهما غطاء، فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيت ما حرمت عليك، ~~فأطبق عليهما غطاءهما، وجعلت لك لسانا وجعلت له غلافا، فانطق بما ~~أمرتك، وأحللت لك فإن عرض عليك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك، وجعلت لك ~~فرجا وجعلت لك سترا، فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عرض عليك ما حرمت ~~عليك فأرخ عليك سترك، يا ابن آدم إنك لا تحمل سخطي ولا تطيق انتقامي " # ، { وهديناه النجدين }: الطريقين، قال ابن مسعود: الخير ~~والشر، وعن أبي رجاء قال: # " سمعت الحسن يقول: { وهديناه النجدين } قال: ذكر لنا أن نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " يا أيها الناس إنهما النجدان: نجد ~~الخير، ونجد الشر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير " # ، وقال ابن عباس: { وهديناه النجدين } قال: الثديين، قال ابن ~~جرير: والصواب القول الأول، نظير هذه الآية قوله تعالى: # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3]. ### || [90.11-20] # روى ابن جرير عن ms2628 ابن عمر في قوله تعالى: { فلا اقتحم } أي دخل { ~~العقبة } قال: جبل في جهنم، وقال كعب الأحبار، هو سبعون درجة في ~~جهنم، وقال الحسن البصري: عقبة في جهنم، وقال قتادة: إنها عقبة قحمة ~~شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى: { ومآ أدراك ما العقبة }؟ ~~ثم أخبر تعالى عن اقتحامها فقال: { فك رقبة * أو إطعام } ، ~~وقال ابن زيد: { فلا اقتحم العقبة } أي أفلا سلك الطريق التي ~~فيها النجاة والخير، ثم بينها فقال تعالى: { ومآ أدراك ما ~~العقبة * فك رقبة } ، عن سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب - أو عضو - منها إربا منه من ~~النار حتى إنه ليعتق باليد اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج " ، فقال ~~علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال: سعيد: نعم، فقال علي بن ~~الحسين لغلام له أفره غلمانه، ادع مطرفا، فلما قام بين يديه، قال: اذهب ~~فأنت حر لوجه الله " # وعند مسلم أن هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين بن زين العابدين كان ~~قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم، وعن عمرو بن عبسة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من بنى مسجدا ليذكر الله فيه بنى الله له بيتا في الجنة، ومن أعتق ~~نفسا مسلمة كانت فديته من جهنم، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا ~~يوم القيامة " # وفي الحديث: # " من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله ~~الله الجنة بفضل رحمته إياهم، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا ~~يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ به العدو أصاب أو أخطأ كان ~~له عتق رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من ~~النار، و من أعتق زوجين في سبيل الله فإن للجنة ثمانية أبواب يدخله الله ~~من أي باب شاء منها " # وهذه أسانيد جيدة قوية ولله الحمد. # وقوله تعالى: { أو إطعام في يوم ذي ms2629 مسغبة } قال ابن ~~عباس: ذي مجاعة، والسغب: هو الجوع، وقال النخعي: في يوم الطعام فيه ~~عزيز، وقال قتادة: في يوم مشتهى فيه الطعام، وقوله تعالى: { يتيما } ~~أي أطعم في مثل هذا اليوم يتيما { ذا مقربة } أي ذا قرابة منه، ~~كما جاء في الحديث الصحيح: # " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة " # وقوله تعالى: { أو مسكينا ذا متربة } أي فقيرا مدقعا ~~لاصقا بالتراب، وهو الدقعاء أيضا، قال ابن عباس: ذا متربة هو المطروح ~~في الطريق، الذي لا بيت له ولا شيء يقيه من التراب، وفي رواية: هو الذي ~~لصق بالدقعاء من الفقر والحاجة ليس له شيء، وقال عكرمة: هو الفقير المدين ~~المحتاج، وقال سعيد بن جبير: هو الذي لا أحد له، وقال قتادة: هو ذو ~~العيال، وكل هذه قريبة المعنى، وقوله تعالى: { ثم كان من ~~الذين آمنوا } أي ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمن ~~بقلبه، محتسب ثواب ذلك عند الله عز وجل، كما قال تعالى: # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا # [الإسراء: 19]، وقاله تعالى: { وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة } أي كان من المؤمنين العاملين صالحا، " المتواصين ~~بالصبر على أذى الناس، وعلى الرحمة بهم " ، كما جاء في الحديث: # " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " # وعن عبد الله بن عمرو يرويه قال: # " من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا " # ، وقوله تعالى: { أولئك أصحاب الميمنة } أي المتصفون ~~بهذه الصفات من أصحاب اليمين، ثم قال: { والذين كفروا ~~بآياتنا هم أصحاب المشأمة } أي أصحاب الشمال، { ~~عليهم نار مؤصدة } أي مطبقة عليهم فلا محيد لهم عنها، ولا ~~خروج لهم منها، قال أبو هريرة { مؤصدة } أي مطبقة، وقال ابن عباس: ~~مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب أي أغلقه، وقال الضحاك { ~~مؤصدة } حيط لا باب له، وقال قتادة: { مؤصدة }: مطبقة فلا ~~ضوء فيها ولا فرج ولا خروج منها آخر الأبد، وقال أبو عمران الجوني: إذا ~~كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار ms2630 وكل شيطان، وكل من كان يخاف الناس في ~~الدنيا شره، فأوثقوا بالحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم ثم أوصدوها عليهم أي ~~أطبقوها، قال: فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرار أبدا، ولا والله لا ~~ينظرون فيها إلى أديم سماء أبدا، ولا والله لا تلتقي جفون أعينهم على ~~غمض نوم أبدا، ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبدا. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-10] # قال مجاهد { والشمس وضحاها }: أي وضوئها، وقال قتادة: { ~~وضحاها } النهار كله. قال ابن جرير: والصواب أن يقال: أقسم الله ~~بالشمس ونهارها، لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار، { والقمر إذا ~~تلاها } قال مجاهد: تبعها، وقال ابن عباس: { والقمر إذا ~~تلاها } قال: يتلو النهار، وقال قتادة: إذا تلاها ليلة الهلال إذا ~~سقطت الشمس رؤي الهلال. وقال ابن زيد: هو يتلوها في النصف الأول من ~~الشهر، ثم هي تتلوه وهو يتقدمها في النصف الأخير من الشهر، وقوله تعالى: ~~{ والنهار إذا جلاها } قال مجاهد: أضاءها، وقال قتادة: إذا ~~غشيها النهار، وتأول بعضهم ذلك بمعنى: والنهار إذا جلا الظلمة لدلالة ~~الكلام عليها. (قلت): ولو أن القائل تأول ذلك بمعنى { والنهار إذا ~~جلاها } أي البسيطة لكان أولى، ولصح تأويله في قوله تعالى: { ~~والليل إذا يغشاها } فكان أجود وأقوى، والله أعلم. ولهذا قال ~~مجاهد: { والنهار إذا جلاها } إنه كقوله تعالى: # والنهار إذا تجلى # [الليل: 2]، وأما ابن جرير فاختار عود الضمير ذلك كله على الشمس لجريان ~~ذكرها، وقالوا في قوله تعالى: { والليل إذا يغشاها } يعني إذا ~~يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق. وقال بقية: إذا جاء الليل قال الرب ~~جل جلاله: غشي عبادي خلقي العظيم، فالليل تهابه، والذي خلقه أحق أن ~~يهاب. وقوله تعالى: { والسمآء وما بناها } يحتمل أن تكون (ما) ~~ههنا مصدرية بمعنى: والسماء وبنائها، وهو قول قتادة، ويحتمل أن تكون ~~بمعنى (من) يعني: والسماء وبانيها، وهو قول مجاهد، وكلاهما متلازم ~~والبناء هو الرفع كقوله تعالى: { والسمآء بنيناها بأييد } ~~- أي بقوة - { وإنا لموسعون } ، وقوله تعالى: { والأرض ~~وما طحاها } قال مجاهد: { طحاها } دحاها، وقال ابن عباس: ms2631 أي خلق ~~فيها، وقال مجاهد وقتادة والضحاك: { طحاها } بسطها، وهذا أشهر ~~الأقوال، وعليه الأكثر من المفسرين وهو المعروف عند أهل اللغة، قال ~~الجوهري: طحوته مثل دحوته أي بسطته، وقوله تعالى: { ونفس وما ~~سواها } أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة كما قال تعالى: # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله # [الروم: 30]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة " # وفي " صحيح مسلم ": # " يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين ~~فاجتالتهم عن دينهم " # وقوله تعالى: { فألهمها فجورها وتقواها } أي فأرشدها إلى ~~فجورها وتقواها أي بين ذلك لها وهداها إلى ما قدر لها، قال ابن عباس: ~~بين لها الخير والشر، وقال سعيد بن جبير: ألهمها الخير والشر، وقال ابن ~~زيد: جعل فيها فجورها وتقواها. وفي الحديث: # " أن رجلا من مزينة أو جهينة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون، أشيء قضي عليهم من قدر ~~قد سبق، أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم ~~وأكدت به عليهم الحجة؟ قال: " بل شيء قد قضي عليهم " ، قال: ففيم نعمل؟ ~~قال: " من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه لها، وتصديق ذلك في كتاب ~~الله تعالى: { ونفس وما سواها * فألهمها فجورها ~~وتقواها } " ". # وقوله تعالى: { قد أفلح من زكاها * وقد خاب من ~~دساها } المعنى قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، وطهرها من الأخلاق ~~الدنيئة والرذائل، كقوله: # قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى # [الأعلى: 14-15] { وقد خاب من دساها } أي دسسها أي أخملها حتى ~~ركب المعاصي وترك طاعة الله عز وجل، وقد يحتمل أن يكون المعنى: قد ~~أفلح من زكى نفسه، وقد خاب من دسى الله نفسه، كما قال ابن عباس، وروى ~~ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: { فألهمها فجورها ~~وتقواها } قال: " اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت ms2632 خير من زكاها، ~~أنت وليها ومولاها " " # ، وفي رواية # " عن عائشة أنها فقدت النبي صلى الله عليه وسلم من مضجعه، فلمسته بيدها ~~فوقعت عليه وهو ساجد، وهو يقول: " رب أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من ~~زكاها، أنت وليها ومولاها " " # حديث آخر: روى الإمام أحمد، عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب ~~القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ~~ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، وعلم لا ~~ينفع، ودعوة لا يستجاب لها " # قال زيد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمناهن ونحن نعلمكموهن. ### || [91.11-15] # يخبر تعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم، بسبب ما كانوا عليه من الطغيان ~~والبغي، فأعقبهم ذلك تكذيبا في قلوبهم بما جاءهم به رسولهم عليه الصلاة ~~والسلام من الهدى واليقين { إذ انبعث أشقاها } أي أشقى القبيلة ~~وهو (قدار بن سالف) عاقر الناقة، وهو الذي قال الله تعالى: # فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر # [القمر: 29] الآية، وكان هذا الرجل عزيزا شريفا في قومه، نسيبا ~~رئيسا مطاعا، كما قال الإمام أحمد: # " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، ~~فقال: " { إذ انبعث أشقاها } انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في ~~رهطه مثل أبي زمعة " " # وروى ابن أبي حاتم، عن عمار بن ياسر قال، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعلي: # " ألا أحدثك بأشقى الناس؟ " قال: بلى، قال: " رجلان أحيمر ثمود الذي عقر ~~الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه " ~~يعني لحيته " # وقوله تعالى: { فقال لهم رسول الله } يعني صالحا عليه ~~السلام { ناقة الله } أي احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء، { ~~وسقياها } أي لا تعتدوا عليها في سقياها فإن لها شرب يوم، ولكم شرب ~~يوم معلوم، قال الله تعالى: { فكذبوه فعقروها } أي كذبوه فيما ~~جاءهم به، فأعقبهم ذلك أن عقروا الناقة، التي ms2633 أخرجها الله من الصخرة آية ~~لهم وحجة عليهم، { فدمدم عليهم ربهم بذنبهم } أي غضب ~~عليهم فدمر عليهم، { فسواها } أي فجعل العقوبة نازلة عليهم على ~~السواء. قال قتادة: بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة حتى تابعه صغيرهم ~~وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم ~~بذنبهم فسواها، وقوله تعالى: { ولا يخاف عقباها } قال ابن عباس: ~~لا يخاف الله من أحد تبعة، وقال الضحاك والسدي: { ولا يخاف ~~عقباها } أي لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع، والقول الأول أولى ~~لدلالة السياق عليه، والله أعلم. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-11] # أقسم تعالى بالليل { إذا يغشى } أي إذا غشى الخليقة بظلامه، { ~~والنهار إذا تجلى } أي بضيائه وإشراقه، { وما خلق ~~الذكر والأنثى } كقوله تعالى: # وخلقناكم أزواجا # [النبأ: 8]، { إن سعيكم لشتى } أي أعمال العباد التي ~~اكتسبوها متضادة ومتخالفة، فمن فاعل خيرا ومن فاعل شرا، قال الله ~~تعالى: { فأما من أعطى واتقى } أي أعطى ما أمر بإخراجه، ~~واتقى الله في أموره، { وصدق بالحسنى } بالمجازاة على ذلك أي ~~بالثواب. وقال ابن عباس، ومجاهد: { وصدق بالحسنى } أي ~~بالخلف، وقال الضحاك: بلا إله إلا الله، وقال أبي بن كعب: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسنى قال: " الحسنى: الجنة " ~~" # وقوله تعالى: { فسنيسره لليسرى } قال ابن عباس: يعني ~~للخير، وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة، { وأما من بخل } أي بما ~~عنده { واستغنى } قال ابن عباس: أي بخل بماله واستغنى عن ربه عز ~~وجل: { وكذب بالحسنى } أي بالجزاء في الدار الآخرة { ~~فسنيسره للعسرى } أي لطريق الشر، كما قال تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110]، والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله عز ~~وجل يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك ~~بقدر مقدر، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة. روى البخاري عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه قال: # " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقيع الغرقد في ms2634 جنازة فقال: " ~~ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ". فقالوا: ~~يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " ، ثم قرأ: ~~{ فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * ~~فسنيسره لليسرى } - إلى قوله - { للعسرى } " # ، وفي رواية أخرى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: # " كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد ~~وقعدنا حوله معه مخصرة فنكس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: " ما منكم من ~~أحد - أو ما من نفس منفوسة - إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد ~~كتبت شقية أو سعيدة " ، فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا ~~وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان ~~منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: " أما أهل السعادة ~~فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون إلى عمل أهل الشقاء " ~~، ثم قرأ: { فأما من أعطى واتقى * وصدق ~~بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل ~~واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى ~~} " # وعن جابر بن عبد الله # " أنه قال: يا رسول الله أنعمل لأمر قد فرغ منه أو لأمر نستأنفه؟ فقال: ~~" لأمر قد فرغ منه " فقال سراقة: ففيم العمل إذا؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " كل عامل ميسر لعمله " " # وفي الحديث: # " " ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق ~~الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا " ~~وأنزل الله في ذلك القرآن: { فأما من أعطى واتقى * ~~وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من ~~بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره ~~للعسرى } " # وذكر أن هذه الآية نزلت في (أبي بكر الصديق) رضي الله عنه كان يعتق على ~~الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني ~~أراك تعتق أناسا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالا جلداء يقومون معك، ~~ويمنعونك ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد ما عند الله، فنزلت الآية: ms2635 ~~{ فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * ~~فسنيسره لليسرى } ، وقوله تعالى: { وما يغني عنه ~~ماله إذا تردى } قال مجاهد: أي إذا مات، وقال زيد بن أسلم: إذا ~~تردى في النار. ### || [92.12-21] # قال قتادة { إن علينا للهدى }: أي نبين الحلال والحرام، ~~وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله، وجعله كقوله تعالى: # وعلى الله قصد السبيل # [النحل: 9]، وقوله تعالى: { وإن لنا للآخرة والأولى } أي ~~الجميع ملكنا وأنا المتصرف فيهما، وقوله تعالى: { فأنذرتكم نارا ~~تلظى } قال مجاهد: أي توهج، وفي الحديث: # " إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان ~~يغلي منهما دماغه " # أخرجه البخاري. وفي رواية لمسلم: # " إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما ~~دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم ~~عذابا " # ، وقوله تعالى: { لا يصلاهآ إلا الأشقى } أي لا يدخلها إلا ~~الأشقى، ثم فسره فقال: { الذي كذب } أي بقلبه { وتولى } أي ~~عن العمل بجوارحه وأركانه، عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " " لا يدخل النار إلا شقي " ، قيل: ومن الشقي؟ قال: " الذي لا يعمل ~~بطاعة، ولا يترك لله معصية " " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى " ، قالوا: ومن يأبى يا ~~رسول الله؟ قال: " من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى " " # ، وقوله تعالى: { وسيجنبها الأتقى } أي وسيزحزح عن النار ~~التقي النقي، الأتقى ثم فسره بقوله: { الذى يؤتي ماله ~~يتزكى } أي يصرف ماله في طاعة ربه ليزكي نفسه { وما لأحد ~~عنده من نعمة تجزى } أي ليس بذله في مكافأة من أسدى إليه ~~معروفا، وإنما دفعه ذلك { ابتغآء وجه ربه الأعلى } أي ~~طمعا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات، قال الله ~~تعالى: { ولسوف يرضى } أي ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات، وقد ~~ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حتى إن ~~بعضهم ms2636 حكى الإجماع. على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها ~~فإنه كان صديقا تقيا، كريما جوادا، بذالا لأمواله في طاعة مولاه، ~~ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فضله وإحسانه على السادات ~~والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له (عروة بن مسعود) وهو سيد ثقيف ~~يوم صلح الحديبية: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، وكان ~~الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء ~~القبائل فكيف بمن عداهم؟ ولهذا قال تعالى: { وما لأحد عنده من ~~نعمة تجزى * إلا ابتغآء وجه ربه الأعلى * ~~ولسوف يرضى }. وفي الصحيحين # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أعتق زوجين في سبيل الله، ~~دعته خزنة الجنة يا عبد الله هذا خير " ، فقال أبو بكر: يا رسول الله ما ~~على من يدعى منها ضرورة، فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: " نعم وأرجو أن ~~تكون منهم " ". ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-11] # روى الإمام أحمد، عن جندب بن عبد الله قال: # " اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة ~~فقالت: يا محمد ما آرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله عز وجل: { ~~والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى } " # وفي رواية: أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~المشركون: ودع محمدا ربه، فأنزل الله تعالى: { والضحى * ~~والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى } ، وهذا ~~قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء { والليل إذا سجى ~~} أي سكن فأظلم وادلهم، وذلك دليل ظاهر على قدرته تعالى، كما قال تعالى: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2]، وقال تعالى: # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس ~~والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم # [الأنعام: 96]، وقوله تعالى: { ما ودعك ربك } أي ما تركك { ~~وما قلى } أي وما أبغضك، { وللآخرة خير لك من ~~الأولى } أي وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان رسول الله ~~صلى الله ms2637 عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها إطراحا، كما هو ~~معلوم بالضرورة من سيرته، ولما خير عليه السلام في آخر عمره، بين الخلد ~~في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله عز وجل، اختار ~~ما عند الله على هذه الدنيا الدنية، ورى الإمام أحمد، عن عبد الله بن ~~مسعود قال: # " اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر في جنبه، فلما ~~استيقظ جعلت أمسح جنبه، وقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على ~~الحصير شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما لي وللدنيا إنما ~~مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها " " # وقوله تعالى: { ولسوف يعطيك ربك فترضى } أي في الدار ~~الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعده له من الكرامة، ومن جملته ~~نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف وطينه مسك أذفر كما سيأتي. ~~وروي عن ابن عباس أنه قال: # " عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده ~~كنزا كنزا فسر بذلك، فأنزل الله { ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى } فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر في كل قصر ما ينبغي له من ~~الأزواج والخدم " # ، وقال السدي عن ابن عباس: من رضاء محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل ~~أحد من أهل بيته النار، قال الحسن: يعني بذلك الشفاعة، ثم قال تعالى ~~يعدد نعمه على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: { ألم ~~يجدك يتيما فآوى } وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، ثم ~~توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبد ~~المطلب إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم ~~يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه ~~الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة ~~الأوثان، وكل ذلك بقدر الله ms2638 وحسن تدبيره، إلى أن توفي أبو طالب قبل ~~الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم، فاختار الله له الهجرة من ~~بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سنته على ~~الوجه الأتم الأكمل، فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه ~~رضي الله عنهم أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به. # وقوله تعالى: { ووجدك ضآلا فهدى } كقوله: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى: 52] الآية، ومنهم من قال: إن المراد بهذا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ضل في شعاب مكة وهو صغير ثم رجع، وقيل: إنه ضل وهو مع عمه في ~~طريق الشام وكان راكبا ناقة في الليل، فجاء إبليس فعدل بها عن الطريق، ~~فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل بالراحلة إلى ~~الطريق، حكاهما البغوي، وقوله تعالى: { ووجدك عآئلا فأغنى } ~~أي كنت فقيرا ذا عيال فأغناك الله عمن سواه، فجمع له بين مقامي الفقير ~~الصابر، والغني الشاكر، صلوات الله وسلامه عليه، وفي الصحيحين عن أبي ~~هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس " # وفي " صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه " # ثم قال تعالى: { فأما اليتيم فلا تقهر } أي كما كنت ~~يتيما فآواك الله، فلا تقهر اليتيم، أي لا تذله وتنهره وتهنه، ولكن أحسن ~~إليه وتلطف به، وقال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم، { وأما ~~السآئل فلا تنهر } أي وكما كنت ضالا فهداك الله، فلا تنهر ~~السائل في العلم المسترشد، قال ابن إسحاق: { وأما السآئل فلا ~~تنهر } أي فلا تكن جبارا ولا متكبرا، ولا فحاشا ولا فظا على ~~الضعفاء من عباد الله، وقال قتادة: يعني رد المسكين برحمة ولين، { ~~وأما بنعمة ربك فحدث } أي وكما كنت عائلا فقيرا ~~فأغناك الله، فحدث بنعمة الله ms2639 عليك، كما جاء في الدعاء المأثور: # " واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، قابليها وأتمها علينا " # وعن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها، وفي ~~الصحيحين عن أنس # " أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله، قال: لا، ~~ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم " # ، وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يشكر الله من لا يشكر الناس " # وقال مجاهد: يعني النبوة التي أعطاك ربك، وفي رواية عنه: القرآن، وقال ~~الحسن بن علي: ما عملت من خير فحدث إخوانك، وقال ابن إسحاق: ما جاءك من ~~الله من نعمة وكرامة من النبوة، فحدث بها واذكرها وادع إليها. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-8] # يقول تعالى: { ألم نشرح لك صدرك } يعني قد شرحنا لك صدرك ~~أي نورناه، وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا كقوله: # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام # [الأنعام: 125]، وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا سمحا سهلا، ~~لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق، وقيل: المراد بقوله: { ألم نشرح لك ~~صدرك } شرح صدره ليلة الإسراء، وهذا وإن كان واقعا ليلة الإسراء ~~ولكن لا منافاة، فإن من جملة شرح صدره الحسي الشرح المعنوي أيضا، وقوله ~~تعالى: { ووضعنا عنك وزرك } ، بمعنى # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2]، { الذي أنقض ظهرك } الإنقاض الصوت أي أثقلك ~~حمله، وقوله تعالى: { ورفعنا لك ذكرك } قال مجاهد: لا أذكر ~~إلا ذكرت معي " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله " ~~وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا ~~صاحب صلاة إلا ينادي بها، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، روى ابن جرير عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول، كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم، ~~قال: إذا ذكرت ذكرت معي " # وحكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد ms2640 أن المراد بذلك الأذان، يعني ذكره فيه، ~~كما قال حسان بن ثابت: # وضم الإله اسم النبي إلى اسمه # إذا قال في الخمس المؤذن أشهد # وشق له من اسمه ليجله # فذو العرش محمود وهذا محمد # وقال آخرون: رفع الله ذكره في الأولين والآخرين، ونوه به حين أخذ ~~الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، ~~ثم شهر ذكره في أمته، فلا يذكر الله إلا ذكر معه. # وقوله تعالى: { فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر ~~يسرا } أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر، ثم أكد هذا الخبر، بقوله { ~~إن مع العسر يسرا } ، قال الحسن: كانوا يقولون: لا يغلب عسر ~~واحد يسرين اثنين، وعن قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بشر أصحابه بهذه الآية فقال: # " لن يغلب عسر يسرين " # ، ومعنى هذا أن العسر معرف في الحالين، فهو مفرد، واليسر منكر، فتعدد، ~~ولهذا قال: # " لن يغلب عسر يسرين " # يعني قوله: { فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر ~~يسرا } فالعسر الأول عين الثاني، واليسر تعدد، ومما يروى عن الشافعي ~~أنه قال: # صبرا جميلا ما أقرب الفرجا # من راقب الله في الأمور نجا # من صدق الله لم ينله أذى # ومن رجاه يكون حيث رجا # وقال الشاعر: # ولرب نازلة يضيق بها الفتى # ذرعا وعند الله منها المخرج # كملت فلما استحكمت حلقاتها # فرجت وكان يظنها لا تفرج # وقوله تعالى: { فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب ~~} أي إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها فانصب إلى ~~العبادة، وقم إليها نشيطا فارغ البال، واخلص لربك النية والرغبة، قال ~~مجاهد في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فانصب لربك، ~~وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، وفي رواية عنه ~~{ فانصب } بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس، وقال ابن عباس { فإذا ~~فرغت فانصب } يعني في الدعاء، وقال الضحاك { فإذا فرغت } ~~أي من الجهاد { فانصب } أي في العبادة { وإلى ربك فارغب } ~~قال الثوري: اجعل نيتك ms2641 ورغبتك إلى الله عز وجل. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # اختلف المفسرون ههنا على أقوال كثيرة فقيل: المراد بالتين دمشق، وقيل: ~~الجبل الذي عندها، وقال القرطبي: هو مسجد أصحاب الكهف، وروي عن ابن عباس: ~~أنه مسجد نوح الذي على الجودي، وقال مجاهد: هو تينكم هذا { ~~والزيتون } قال قتادة: هو مسجد بيت المقدس، وقال مجاهد وعكرمة: هو ~~هذا الزيتون الذي تعصرون، { وطور سينين } هو الجبل الذي كلم الله ~~عليه موسى عليه السلام، { وهذا البلد الأمين } يعني مكة، ~~قاله ابن عباس ومجاهد، وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة، بعث الله في كل ~~واحد منها نبيا مرسلا من أولي العزم، أصحاب الشرائع الكبار. (فالأول) ~~محلة التين والزيتون وهي (بيت المقدس) التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم ~~عليه السلام، (والثاني) طور سينين وهو (طور سيناء) الذي كلم الله عليه ~~موسى بن عمران، (والثالث) مكة وهو (البلد الأمين) الذي من دخله كان ~~آمنا، وهو الذي أرسل فيه محمدا صلى الله عليه وسلم، قالوا: وفي آخر ~~التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء - يعني الذي كلم ~~الله عليه موسى بن عمران - وأشرق من ساعير - يعني جبل المقدس الذي بعث ~~الله منه عيسى - واستعلن من جبال فاران - يعني جبال مكة التي أرسل الله ~~منها محمدا صلى الله عليه وسلم، فذكرهم مخبرا عنهم على الترتيب ~~الوجودي، بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه، ثم ~~بالأشرف منهما، وقوله تعالى: { لقد خلقنا الإنسان في ~~أحسن تقويم } هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في ~~أحسن صورة وشكل؛ منتصب القامة، سوي الأعضاء حسنها. { ثم رددناه ~~أسفل سافلين } أي إلى النار. أي بعد هذا الحسن والنضارة، مصيره ~~إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل، ولهذا قال: { إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } ، وقال بعضهم: { ثم رددناه ~~أسفل سافلين } أي إلى أرذل العمر. واختار ذلك ابن جرير، ولو كان ~~هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك، لأن الهرم قد يصيب ~~بعضهم، وإنما المراد ms2642 ما ذكرناه كقوله تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات # [العصر: 1-3]، وقوله: { فلهم أجر غير ممنون } أي غير ~~مقطوع، ثم قال: { فما يكذبك } أي يا ابن آدم { بعد بالدين ~~}؟ أي بالجزاء في المعاد، ولقد علمت البدأة وعرفت أن من قدر على البدأة ~~فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى: فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد ~~وقد عرفت هذا؟ روى ابن أبي حاتم عن منصور قال: قلت لمجاهد: { فما ~~يكذبك بعد بالدين } عنى به النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ~~" معاذ الله " عنى به الإنسان، وقوله تعالى: { أليس الله ~~بأحكم الحاكمين } أي أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا ~~يظلم أحدا، ومن عدله أن يقيم القيامة فينتصف للمظلوم في الدنيا ممن ~~ظلمه، وقد قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعا: فإذا قرأ أحدكم والتين ~~والزيتون فأتى على آخرها { أليس الله بأحكم الحاكمين } ~~فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-5] # عن عائشة قالت: # " أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة ~~في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه ~~الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، ~~ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى فجأه الوحي، وهو في ~~غار حراء فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " فقلت: ما أنا بقارىء - قال - فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجهد، ~~ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقالت: ما أنا بقارىء، فغطني الثانية، حتى بلغ ~~مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فغطني الثالثة ~~حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق - حتى بلغ - ~~ما لم يعلم ". قال: فرجع بها ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة فقال: " ~~زملوني زملوني " ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: يا خديجة: " مالي ~~"؟! وأخبرها الخبر، وقال: " قد خشيت على نفسي ". فقالت له: " كلا أبشر ~~فوالله ms2643 لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، ~~وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق " ، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ~~(ورقة بن نوفل) بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، ~~وكان أمرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية ~~من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت خديجة: ~~أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بما رأى فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على ~~موسى، ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " أو مخرجي هم؟ " فقال ورقة: نعم لم يأت رجل قط بما ~~جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة ~~أن توفي، وفتر الوحي " # فأول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهن أول رحمة ~~رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ~~ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم ~~يعلم فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على ~~الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة ~~يكون في الكتابة بالبنان، ذهني، ولفظي، ورسمي، فلهذا قال: { اقرأ ~~وربك الأكرم * الذى علم بالقلم * علم ~~الإنسان ما لم يعلم } ، وفي الأثر: من عمل بما علم ورثه الله ~~علم ما لم يكن يعلم. ### || [96.6-19] # يخبر تعالى عن الإنسان، أنه ذو أشر وبطر وطغيان، إذا رأى نفسه قد استغنى ~~وكثر ماله، ثم تهدده وتوعده ووعظه فقال: { إن إلى ربك ~~الرجعى } أي إلى الله المصير والمرجع، وسيحاسبك على مالك من أين ~~جمعته وفيم صرفته، عن عبد الله بن مسعود قال: منهومان لا يشبعان: صاحب ~~العلم وصاحب الدنيا، ولا يستويان، فأما صاحب العلم فيزداد رضى الرحمن، ~~وأما صاحب الدنيا ms2644 فيتمادى في الطغيان، قال، ثم قرأ عبد الله: { إن ~~الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى } ، وقال للآخر: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28]، وقد روي هذا مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب الدنيا " # ، ثم قال تعالى: { أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى ~~} نزلت في (أبي جهل) لعنه الله، توعد النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الصلاة عند البيت، فوعظه تعالى بالتي هي أحسن أولا. فقال: { أرأيت ~~إن كان على الهدى } أي فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على ~~الطريق المستقيمة في فعله { أو أمر بالتقوى } بقوله وأنت ~~تزجره وتتوعده على صلاته؟ ولهذا قال: { ألم يعلم بأن الله ~~يرى }؟ أي أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه، ~~وسيجازيه على فعله أتم الجزاء، ثم قال تعالى متوعدا ومتهددا { كلا ~~لئن لم ينته } أي لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد { ~~لنسفعا بالناصية } أي لنسمنها سوادا يوم القيامة، ثم قال: { ~~ناصية كاذبة خاطئة } يعني ناصية (أبي جهل) كاذبة في مقالها، ~~خاطئة في أفعالها، { فليدع ناديه } أي قومه وعشيرته أي ليدعهم ~~يستنصر بهم، { سندع الزبانية } وهم ملائكة العذاب حتى يعلم من ~~يغلب، أحزبنا أو حزبه؟ روى البخاري عن ابن عباس قال، قال أبو جهل: # " لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: " لئن فعل لأخذته الملائكة " " # عن ابن عباس قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام. فمر به أبو جهل ~~بن هشام. فقال: يا محمد ألم أنهك عن هذا؟ وتوعده فأغلظ له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وانتهره. فقال: يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما والله إني ~~لأكثر هذا الوادي ناديا، فأنزل الله: { فليدع ناديه * سندع ~~الزبانية } وقال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ~~ساعته " # وروى ابن جرير: عن أبي هريرة قال؛ # " قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، ms2645 قال، فقال: ~~واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في ~~التراب، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته، ~~قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له ~~مالك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة! قال، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " لو دنا من لاختطفته الملائكة عضوا عضوا " ، ~~قال: وأنزل الله: { كلا إن الإنسان ليطغى } " # إلى أخر السورة، وقوله تعالى: { كلا لا تطعه } يعني يا محمد لا ~~تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها، وصل حيث شئت ولا ~~تباله، فإن الله حافظك وناصرك وهو يعصمك من الناس، { واسجد ~~واقترب } كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء " # وتقدم أيضا # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسجد في { إذا السمآء ~~انشقت } و { اقرأ باسم ربك الذي خلق } ". ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # يخبر تعالى أنه أنزل القرآن { ليلة القدر } وهي الليلة المباركة ~~التي قال الله عز وجل: # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة # [الدخان: 3] وهي من شهر رمضان، كما قال تعالى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185]، قال ابن عباس: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح ~~المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ~~ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال تعالى معظما ~~لشأن ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها، فقال: { ومآ ~~أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ~~ألف شهر }. روى ابن أبي حاتم، عن مجاهد # " أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في ~~سبيل الله ألف شهر، قال: فعجب المسلمون من ذلك قال: فأنزل الله عز ~~وجل: { إنا أنزلناه في ليلة القدر * ومآ أدراك ~~ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ms2646 ألف شهر ~~} " # التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر، وورى ابن جرير، عن ~~مجاهد قال: # " كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار ~~حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية { ليلة القدر ~~خير من ألف شهر } قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل " # ، وقال سفيان الثوري: بلغني عن مجاهد ليلة القدر خير من ألف شهر قال: ~~عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر، وعن مجاهد: ليلة القدر خير من ألف ~~شهر ليس في تلك الشهور ليلة القدر، وقال عمرو بن قيس: عمل فيها خير من ~~علم ألف شهر، وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة ~~القدر هو اختيار ابن جرير، وهو الصواب، كقوله صلى الله عليه وسلم: # " رباط ليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل " # وفي الحديث الصحيح في فضائل رمضان قال عليه السلام: # " فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم " # ولما كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر، ثبت في الصحيحين عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " # " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " # وقوله تعالى: { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ~~ربهم من كل أمر } أي يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة ~~بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند ~~تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم تعظيما ~~له، وأما الروح فقيل: المراد به ههنا جبريل عليه السلام، فيكون من باب ~~عطف الخاص على العام، وقيل: هم ضرب من الملائكة كما تقدم في سورة النبأ، ~~والله أعلم, وقوله تعالى: { من كل أمر } قال مجاهد: سلام هي من ~~كل أمر، وقال سعيد بن منصور عن مجاهد في قوله: { سلام هي } قال: هي ~~سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا، أو يعمل فيها أذى، وقال ~~قتادة: تقضى فيها الأمور، ms2647 وتقدر الآجال والأرزاق، كما قال تعالى: # فيها يفرق كل أمر حكيم # [الدخان: 4]، وروى أبو داود الطيالسي، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: # " إنها ليلة سابعة، أو تاسعة وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض ~~أكثر من عدد الحصى " # وقال قتادة وابن زيد في قوله: { سلام هي } يعني هي خير كلها ليس ~~فيها شر إلى مطلع الفجر، وأمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة، كأن فيها ~~قمرا ساطعا، ساكنة ساجية لا برد فيها ولا حر، والشمس صبيحتها تخرج ~~مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، عن ابن عباس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: في ليلة القدر: # " ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء " # وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إني رأيت ليلة القدر فأنسيتها وهي في العشر الأواخر من لياليها وهي ~~طلقة بلجة. لا حارة ولا باردة، كأن فيها قمرا لا يخرج شيطانها حتى يضيء ~~فجرها ". # فصل # اختلف العلماء هل كانت ليلة القدر في الأمم السالفة أو هي من خصائص هذه ~~الأمة؟ فقال الزهري: حدثنا مالك أنه بلغه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله أو ما شاء ~~الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ ~~غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر " # وهذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأمة بليلة القدر. وقيل: إنها ~~كانت في الأمم الماضين كما هي في امتنا. ثم هي باقية إلى يوم القيامة وفي ~~رمضان خاصة لا كما روي عن ابن مسعود ومن تابعه من علماء أهل الكوفة من ~~أنها توجد في جميع السنة، وترتجى في جميع الشهور على السواء، وقد ترجم ~~أبو داود في " سننه " على هذا فقال: (باب بيان أن ليلة القدر في كل ~~رمضان)، ثم روى بسنده عن عبد الله بن عمر قال: # " سئل ms2648 رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر؟ فقال: هي ~~في كل رمضان " # ، وقد حكي عن أبي حنيفة رحمه الله رواية أنها ترتجى في كل شهر رمضان وهو ~~وجه حكاه الغزالي. # فصل # ثم قد قيل: إنها تكون في أول ليلة من شهر رمضان، وقيل: إنها تقع ليلة ~~سبع عشرة، وهو قول الشافعي، ويحكى عن الحسن البصري، ووجهوه بأنها ليلة ~~بدر، وكانت ليلة جمعة هي السابعة عشرة من شهر رمضان، وفي صبيحتها كانت ~~وقعة بدر، وهو اليوم الذي قال الله تعالى فيه: # يوم الفرقان # [الأنفال: 41]. قيل: ليلة تسع عشرة، يحكى عن علي وابن مسعود، وقيل: ليلة ~~إحدى وعشرين لحديث أبي سعيد الخدري قال: # " اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأول من رمضان، ~~واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر ~~الأوسط. فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: الذي تطلب أمامك، ثم قام النبي ~~صلى الله عليه وسلم خطيبا صبيحة عشرين من رمضان، فقال: " من كان اعتكف ~~معي فليرجع فإني رأيت ليلة القدر، وإني أنسيتها وإنها في العشر الأواخر ~~في وتر. وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء ". وكان سقف المسجد جريدا من ~~النخل. وما نرى في السماء شيئا، فجاءت قزعة، فمطرنا فصلى بنا النبي صلى ~~الله عليه وسلم، حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تصديق رؤياه في صبح إحدى وعشرين " # قال الشافعي: وهذا الحديث أصح الروايات. وقيل: ليلة ثلاث وعشرين. وقيل: ~~تكون ليلة خمس وعشرين لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في ~~خامسة تبقى " # فسره كثيرون بليالي الأوتار، وهو أظهر وأشهر، وحمله آخرون على الأشفاع. ~~وقيل: إنها تكون ليلة سبع وعشرين، لما رواه مسلم في " صحيحه " عن أبي بن ~~كعب # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ليلة سبع وعشرين " # ، قال الإمام أحمد: ms2649 عن زر: سألت أبي بن كعب قلت: أبا المنذر إن أخاك ~~ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، قال: يرحمه الله لقد علم ~~أنها في شهر رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف، قلت: وكيف تعلمون ~~ذلك؟ قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا بها، تطلع ذلك اليوم لا شعاع ~~لها يعني الشمس، وهو قول طائفة من السلف، ومذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه ~~الله، وهو رواية عن أبي حنيفة أيضا، وقيل: إنها تكون في ليلة تسع ~~وعشرين، روى الإمام أحمد بن حنبل # " عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة ~~القدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في رمضان فالتمسوها في ~~العشر الأواخر فإنها في وتر إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو ~~سبع وعشرين أو تسع وعشرين أو في آخر ليلة " # ، وعن أبي هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: " إنها في ليلة ~~سابعة أو تاسعة وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد ~~الحصى " # وقيل: إنها تكون في آخر ليلة لما تقدم من هذا الحديث آنفا، ولما رواه ~~الترمذي والنسائي من حديث عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بكرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " في تسع يبقين أو سبع يبقين أو خمس يبقين أو ثلاث أو آخر ليلة يعني ~~التمسوا ليلة القدر " # وفي " المسند " من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ليلة القدر: # " إنها آخر ليلة ". # فصل # قال الشافعي في هذه الروايات: صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم جوابا ~~للسائل إذا قيل له: أنلتمس ليلة القدر في الليلة الفلانية؟ يقول: " نعم " ~~، وإنما ليلة القدر ليلة معينة لا تنتقل، وروي عن أبي قلابة أنه قال: ~~ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر، وهذا الذي حكاه عن أبي قلابة هو ~~الأشبه، والله أعلم. وقد يستأنس لهذا القول بما ثبت في ms2650 الصحيحين عن عبد ~~الله بن عمر # " أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في ~~المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر. فمن كان متحريها، فليتحرها في ~~السبع الأواخر " # ، وفيهما أيضا عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان " # ، ويحتج الشافعي أنها لا تنتقل وأنها معينة من الشهر بما رواه البخاري ~~في " صحيحه " عن عبادة بن الصامت قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان ~~من المسلمين فقال: " خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت، ~~وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة " " # ، وجه الدلالة منه أنها لو لم تكن معينة مستمرة التعيين لما حصل لهم ~~العلم بعينها في كل سنة، إذ لو كانت تنتقل لما علموا تعيينها إلا ذلك ~~العام فقط، اللهم إلا أن يقال إنه إنما خرج ليعلمهم بها تلك السنة فقط، ~~وقوله: # " فتلاحى فلان وفلان فرفعت " # فيه استئناس لما يقال: إن المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع، كما جاء ~~في الحديث: # " إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " # وقوله: " فرفعت " أي رفع علم تعيينها لكم، لا أنها رفعت بالكلية من ~~الوجود، كما يقوله جهلة الشيعة، لأنه قد قال بعد هذا: # " فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة " # ، وقوله: # " وعسى أن يكون خيرا لكم " # يعني عدم تعيينها لكم فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طلابها في ابتغائها في ~~جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة بخلاف ما إذا علموا عينها، فإنها ~~كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط، وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم ~~العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر، ~~ولهذا # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى ~~توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه بعده " # عن ابن عمر: # " كان رسول الله صلى الله عليه ms2651 وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان " # ، وقالت عائشة: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ ~~أهله، وشد المئزر " # ، ولمسلم عنها: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره ~~" # ، وهذا معنى قولها وشد المئزر، وقيل: المراد بذلك اعتزال النساء، ويحتمل ~~أن يكون كناية عن الأمرين لما رواه الإمام أحمد، عن عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بقي عشر من رمضان شد مئزره، ~~واعتزل نساءه " # ، وقد حكي عن مالك رحمه الله أن جميع ليالي العشر في تطلب ليلة القدر ~~على السواء، لا يترجح منها ليلة على أخرى، والمستحب الإكثار من الدعاء ~~في جميع الأوقات وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير منه، ثم في أوتاره ~~أكثر، والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف ~~عني، لما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن بريدة أن عائشة قالت: # " يا رسول الله: إن وافقت ليلة القدر فما أدعو؟ قال: " قولي: اللهم إنك ~~عفو تحب العفو فاعف عني " ". ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-5] # أما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، والمشركون عبدة الأوثان والنيران ~~من العرب ومن العجم، قال مجاهد: لم يكونوا { منفكين } يعني منتهين ~~حتى يتبين لهم الحق { حتى تأتيهم البينة } أي هذا ~~القرآن، ولهذا قال تعالى: { لم يكن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم ~~البينة } ثم فسر البينة بقوله: { رسول من الله يتلوا ~~صحفا مطهرة } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وما يتلوه من ~~القرآن العظيم الذي هو مكتتب في الملأ الأعلى في صحف مطهرة. كقوله تعالى: # في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي ~~سفرة * كرام بررة # [عبس: 13-16]، وقوله تعالى: { فيها كتب قيمة } قال ابن جرير: ~~أي في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ لأنها ~~من عند الله عز وجل، قال قتادة { رسول من الله يتلوا ~~صحفا مطهرة } يذكر القرآن بأحسن الذكر. ويثني عليه بأحسن ~~الثناء، ms2652 وقال ابن زيد: { فيها كتب قيمة } مستقيمة معتدلة، ~~وقوله تعالى: { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا ~~من بعد ما جآءتهم البينة } كقوله تعالى: # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ~~ما جآءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم # [آل عمران: 105]، يعني بذلك أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا، وبعد ما ~~أقام الله عليهم الحجج والبينات تفرقوا، واختلفوا في الذي أراده الله من ~~كتبهم، واختلفوا اختلافا كبيرا، كما جاء في الحديث المروي من طرق: # " " إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على ~~اثنين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في ~~النار إلا واحدة " ، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: " ما أنا عليه ~~وأصحابي " " # ، وقوله تعالى: { ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين } كقوله: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25]، ولهذا قال: { حنفآء } أي متحنفين من الشرك إلى ~~التوحيد، كقوله: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36]، وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة الأنعام بما أغنى عن إعادته ~~ها هنا، { ويقيموا الصلاة } وهي أشرف عبادات البدن، { ~~ويؤتوا الزكاة } وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج { وذلك ~~دين القيمة } أي الملة القائمة العادلة، أو الأمة المستقيمة ~~المعتدلة. ### || [98.6-8] # يخبر تعالى عن مآل الفجار من كفرة أهل الكتاب والمشركين، المخالفين لكتب ~~الله المنزلة وأنبياء الله المرسلة، أنهم يوم القيامة في نار جهنم { ~~خالدين فيهآ } أي ماكثين فيها لا يحولون عنها ولا يزولون، { ~~أولئك هم شر البرية } أي شر الخليقة التي برأها الله ~~وذرأها، ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا ~~الصالحات بأبدانهم بأنهم خير البرية، و قد استدل بهذه الآية أبو هريرة ~~وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة لقوله: { ~~أولئك هم خير البرية } ، ثم قال تعالى: { جزآؤهم ~~عند ربهم } أي يوم القيامة { جنات عدن تجرى من ~~تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا } أي بلا انفصال ولا ~~انقضاء ms2653 ولا فراغ { رضى الله عنهم ورضوا عنه } ومقام ~~رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم القيم { ورضوا عنه } فيما ~~منحهم من الفضل العميم. وقوله تعالى: { ذلك لمن خشي ربه } ~~أي هذا الجزاء حاصل لمن خشي الله واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه، عن ~~أبي هريرة قال، # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبركم بخير البرية؟ " ~~قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما ~~كانت هيعة استوى عليه، ألا أخبركم بخير البرية؟ قالوا: بلى يا رسول الله، ~~قال: " رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، " ألا أخبركم بخير ~~البرية "؟ قالوا: بلى، قال: " الذي يسأل بالله ولا يعطي به " ". ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-8] # قال ابن عباس { إذا زلزلت الأرض زلزالها }: أي تحركت من ~~أسفلها { وأخرجت الأرض أثقالها } يعني ألقت ما فيها من ~~الموتى، كقوله تعالى: # إن زلزلة الساعة شيء عظيم # [الحج: 1]، وكقوله: # وألقت ما فيها وتخلت # [الانشقاق: 4]، وفي الحديث: # " تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل ~~فيقول في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق ~~فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا " # ، وقوله عز وجل: { وقال الإنسان ما لها } أي استنكر أمرها ~~بعدما كانت قارة ساكنة ثابتة، وهو مستقر على ظهرها أي تقلبت الحال، فصارت ~~متحركة مضطربة، قد جاءها من أمر الله تعالى ما قد أعده لها، من الزلزال ~~الذي لا محيد لها عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين ~~والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، ~~وبرزوا لله الواحد القهار، وقوله تعالى: { يومئذ تحدث ~~أخبارها } أي تحدث بما عمل العاملون على ظهرها، عن أبي هريرة قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { يومئذ تحدث ~~أخبارها } قال: " أتدرون ما أخبارها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، ~~قال: " فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: ~~عمل كذا ms2654 وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها " # ، وفي " معجم الطبراني " ، # " تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرا أو ~~شرا إلا وهي مخبرة " # وقوله تعالى: { بأن ربك أوحى لها } قال البخاري: أوحى ~~لها، وأوحى إليها، ووحى لها، ووحى إليها، وكذا قال ابن عباس { أوحى ~~لها } أي أوحى إليها، والظاهر أن هذا مضمن بمعنى أذن لها، وقال ابن ~~عباس: { يومئذ تحدث أخبارها } قال، قال لها ربها قولي، ~~فقالت؛ وقال مجاهد { أوحى لها } أي أمرها، وقال القرظي: أمرها أن ~~تنشق عنهم، وقوله تعالى: { يومئذ يصدر الناس أشتاتا } أي ~~يرجعون عن موقف الحساب { أشتاتا } أي أنواعا وأصنافا ما بين شقي ~~وسعيد، مأمور به إلى الجنة ومأمور به إلى النار، قال ابن جريج: يتصدعون ~~أشتاتا فلا يجتمعون آخر ما عليهم، وقال السدي { أشتاتا } فرقا. # وقوله تعالى: { ليروا أعمالهم } أي ليجازوا بما عملوه في ~~الدنيا من خير وشر، ولهذا قال: { فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره }. ~~روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر " # الحديث. فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر؟ فقال: # " ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: { فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره } " # وروى الإمام أحمد عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه: { فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره } قال: حسبي أن لا أسمع غيرها " # ، وفي " صحيح البخاري " عن عدي مرفوعا: # " اتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة " # ، وله أيضا في الصحيح: # " لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو ~~أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط " # وفي الصحيح أيضا: # " يا معشر نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة " # يعني ظلفها، وفي الحديث الآخر: # " ردوا السائل ms2655 ولو بظلف محرق " # وعن عائشة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا عائشة استتري من النار ولو ~~بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان " " # وروي عن عائشة أنها تصدقت بعنبة وقالت: كم فيها من مثقال ذرة، وروى ابن ~~جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: # " لما نزلت { إذا زلزلت الأرض زلزالها } وأبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه قاعد، فبكى حين أنزلت، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ما يبكيك يا أبا بكر "؟ قال يبكيني هذه السورة. فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر الله لكم ~~لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم " ". # وروى ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: { فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره } وذلك لما نزلت هذه الآية: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا # [الإنسان: 8] كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا ~~أعطوه، فيجيء المسكين إلى أبوابهم، فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة ~~والجوزة ونحو ذلك فيردونه ويقولون: ما هذا بشيء إنما نؤجر على ما نعطي ~~ونحن نحبه، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير: الكذبة ~~والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، يقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر، ~~فرغبهم في القليل من الخير أن يعملوه فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير ~~من الشر، فإنه يوشك أن يكثر، فنزلت { فمن يعمل مثقال ذرة } ~~يعني وزن أصغر النمل { خيرا يره } يعني في كتابه ويسره ذلك قال: ~~يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان ~~يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمنين أيضا بكل واحدة عشرا ويمحو عنه ~~بكل حسنة عشر سيئات فمن زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة. ~~وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن ~~يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه ms2656 " وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن ~~مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء ~~بالعود والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادا، وأججوا نارا، وأنضجوا ما ~~قذفوا فيها ". ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-11] # يقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله، فعدت وضبحت، وهو الصوت الذي يسمع ~~من الفرس حين تعدو، { فالموريات قدحا } يعني اصطكاك نعالها ~~للصخر، فتقدح منه النار، { فالمغيرات صبحا } يغني الإغارة وقت ~~الصباح كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير صباحا ويستمع الأذان، ~~فإن سمع أذانا وإلا أغار، وقوله تعالى: { فأثرن به نقعا } ~~يعني غبارا في مكان معترك الخيول، { فوسطن به جمعا } أي توسطن ~~ذلك المكان كلهن جمع، روى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: بينا أنا في ~~الحجر جالسا جاءني رجل فسألني عن: { والعاديات ضبحا } فقلت له: ~~الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم، ويورون ~~نارهم، فانفتل عني، فذهب إلى علي رضي الله عنه وهو عند سقاية زمزم، فسأله ~~عن العاديات ضبحا، فقال: سألت عنهم أحدا قبلي؟ قال: نعم سألت ابن عباس، ~~فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله، قال: اذهب فادعه لي، فلما وقف على ~~رأسه، قال: أتفتي الناس بما لا علم لك؟ والله لئن كان أول غزوة في ~~الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف ~~تكون العاديات ضبحا؟ إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة ومن ~~المزدلفة إلى منى، وفي لفظ: إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة، ~~فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران، فمذهب ابن عباس أنها الخيل. وقال ~~(علي) إنها الإبل. قال عطاء: ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب، وقال ~~عطاء: سمعت ابن عباس يصف الضبح: أح أح، وقال أكثر هؤلاء في قوله: { ~~فالموريات قدحا } يعني بحوافرها، وقيل: أسعرت الحرب بين ركبانهن، ~~وقيل: هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل، وقيل: المراد بذلك ~~نيران القبائل، قال ابن جرير: والصواب الأول: ms2657 الخيل حين تقدح بحوافرها، ~~وقوله تعالى: { فالمغيرات صبحا } قال ابن عباس ومجاهد: يعني ~~إغارة الخيل صبحا في سبيل الله، وقال: من فسرها بالإبل هو الدفع صبحا ~~من المزدلفة إلى منى، وقالوا كلهم في قوله: { فأثرن به نقعا } ~~هو المكان الذي حلت فيه أثارت به الغبار إما في حج أو غزو، وقوله تعالى: ~~{ فوسطن به جمعا } قال ابن عباس وعطاء: يعني جمع الكفار من ~~العدو، ويحتمل أن يكون فوسطن بذلك المكان جميعا ويكون منصوبا على الحال ~~المؤكدة، وقوله تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } هذا هو ~~المقسم عليه، بمعنى أنه لنعم ربه لكفور جحود، قال ابن عباس ومجاهد: ~~الكنود الكفور. قال الحسن: الكنود هو الذي يعد المصائب وينسى نعم الله ~~عليه، وقوله تعالى: { وإنه على ذلك لشهيد } قال قتادة ~~والثوري: وإن الله على ذلك لشهيد، ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان ~~فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنودا لشهيد، أي بلسان حاله، أي ~~ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله كما قال تعالى: # شاهدين على أنفسهم بالكفر # [التوبة: 17] وقوله تعالى: { وإنه لحب الخير لشديد } ~~أي وإنه لحب الخير وهو المال { لشديد } ، وفيه مذهبان: (أحدهما): أن ~~المعنى وإنه لشديد المحبة للمال، (والثاني) وإنه لحريص بخيل من محبة ~~المال، وكلاهما صحيح، ثم قال تبارك وتعالى مزهدا في الدنيا، ومرغبا في ~~الآخرة، ومنبها على ما هو كائن بعد هذه الحال، وما يستقبله الإنسان من ~~الأهوال { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور } أي أخرج ~~ما فيها من الأموات، { وحصل ما في الصدور } يعني أبرز وأظهر ~~ما كانوا يسرون في نفوسهم، { إن ربهم بهم يومئذ ~~لخبير } أي لعالم بجميع ما كانوا يصنعون، ومجازيهم عليه أوفر ~~الجزاء، ولا يظلم مثقال ذرة. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-11] # القارعة من أسماء يوم القيامة، كالحاقة والطامة والصاخة والغاشية وغير ~~ذلك. ثم قال تعالى معظما أمرها ومهولا لشأنها { ومآ أدراك ما ~~القارعة }؟ ثم فسر ذلك بقوله: { يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث } أي في انتشارهم وتفرقهم وذهابهم ومجيئهم، من ~~حيرتهم مما هم فيه كأنهم ms2658 فراش مبثوث، كما قال تعالى: # كأنهم جراد منتشر # [القمر: 7] وقوله تعالى: { وتكون الجبال كالعهن ~~المنفوش } يعني صارت كأنها الصوف المنفوش الذي قد شرع في الذهاب ~~والتمزق، قال مجاهد: { العهن } الصوف، ثم أخبر تعالى عما يؤول إليه ~~عمل العاملين، وما يصيرون إليه من الكرامة والإهانة بحسب أعمالهم، فقال: ~~{ فأما من ثقلت موازينه } أي رجحت حسناته على سيئاته، { ~~فهو في عيشة راضية } يعني في الجنة، { وأما من خفت ~~موازينه } أي رجحت سيئاته على حسناته، { فأمه هاوية } قيل: ~~معناه فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم، وعبر عنه بأمه يعني (دماغه)، ~~قال قتادة: يهوي في النار على رأسه، وقيل: معناه فأمه التي يرجع إليها ~~ويصير في المعاد إليها (هاوية) وهي اسم من أسماء النار، قال ابن جرير: ~~وإنما قيل للهاوية أمه لأنه لا مأوى له غيرها، وقال ابن زيد: الهاوية ~~النار هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها، وقرأ: # ومأواهم النار # [آل عمران: 151، النور: 57]. وروي عن قتادة أنه قال: هي النار وهي ~~مأواهم، ولهذا قال تعالى مفسرا للهاوية: { ومآ أدراك ما هيه * ~~نار حامية } ، روى ابن جرير عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال: إذا ~~مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين، فيقولون: روحوا أخاكم، فإنه ~~كان في غم الدنيا، قال: ويسألونه ما فعل فلان؟ فيقول: مات أو ما جاءكم؟ ~~فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية، وقوله تعالى: { نار حامية } أي ~~حارة شديدة الحر، قوية اللهب والسعير، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " " نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم " ، قالوا: ~~يا رسول الله إن كانت لكافية؟ فقال: " إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا ~~" " # وفي رواية: # " كلهن مثل حرها " # وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ~~ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد " # ، وروى الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة قال، قال رسول ms2659 الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ~~ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة " # وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين ~~نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها، وأشد ~~ما تجدون في الصيف من حرها " # وفي الصحيحين: # " إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم ". ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # يقول تعالى: أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، ~~وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها، عن زيد ~~بن أسلم قال، # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ألهاكم التكاثر } عن ~~الطاعة، { حتى زرتم المقابر } حتى يأتيكم الموت " # ، وقال الحسن البصري: { ألهاكم التكاثر } في الأموال ~~والأولاد، وعن أبي بن كعب قال: # " كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت: { ألهاكم التكاثر } يعني: ~~" لو كان لابن آدم واد من ذهب " " # وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن الشخير قال: انتهيت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يقول: # " { ألهاكم التكاثر } يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من ~~مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ " # وروى مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال؛ قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس ~~فأبلى، أو تصدق فأمضى، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس " # ، وروى البخاري عن أنس بن مالك قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله ~~وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله " # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنتان: الحرص والأمل " # ، وذكر الحافظ ابن عساكر في ms2660 ترجمة الأحنف بن قيس أنه رأى في يد رجل ~~درهما فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي، فقال: إنما هو لك إذا ~~أنفقته في أجر، أو ابتغاء شكر، ثم أنشد الأحنف متمثلا قول الشاعر: # أنت للمال إذا أمسكته # فإذا أنفقته فالمال لك # وقال ابن بريدة: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار (بني حارثة) و(بني ~~الحارث) تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان وفلان، ~~وقال الآخرون: مثل ذلك تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى ~~القبور فجعلت إحدى الطائفتين، تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور، ~~ومثل فلان. وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: { ألهاكم ~~التكاثر * حتى زرتم المقابر } لقد كان لكم فيما رأيتم ~~عبرة وشغل، وقال قتادة: كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من ~~بني فلان، حتى صاروا من أهل القبور كلهم، والصحيح أن المراد قوله: { ~~زرتم المقابر } أي صرتم إليها ودفنتم فيها، كما جاء في الصحيح # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من الأعراب يعوده، فقال: ~~" لا بأس طهور إن شاء الله " ، فقال، قلت: طهور، بل هي حمى تفور، على شيخ ~~كبير، تزيره القبور، قال: " فنعم إذن " # وعن ميمون بن مهران قال: كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ: { ~~ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر } فلبث هنهية ~~ثم قال: يا ميمون ما أرى المقابر إلا زيارة وما للزائر بد من أن يرجع ~~إلى منزله يعني أن يرجع إلى منزله أي إلى جنة أو إلى نار، وهكذا ذكر أن ~~بعض الأعراب سمع رجلا يتلو هذه الآية: { حتى زرتم المقابر ~~} فقال: بعث اليوم ورب الكعبة، أي أن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى ~~غيره، وقوله تعالى: { كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف ~~تعلمون } قال الحسن البصري هذا وعيد بعد وعيد، وقال الضحاك { ~~كلا سوف تعلمون } يعني أيها الكفار، { ثم كلا سوف ~~تعلمون } يعني أيها المؤمنون، وقوله تعالى: { كلا لو ~~تعلمون علم اليقين } أي لو علمتم حق العلم لما ألهاكم ~~التكاثر عن طلب ms2661 الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر ثم قال: { لترون ~~الجحيم * ثم لترونها عين اليقين } هذا تفسير الوعيد ~~المتقدم، وهو قوله: { كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف ~~تعلمون } توعدهم بهذا الحال وهو رؤية أهل النار، التي إذا زفرت زفرة ~~واحدة، خر كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبتيه، من المهابة والعظمة ~~ومعاينة الأهوال، على ما جاء به الأثر المروي في ذلك. # وقوله تعالى: { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } أي ثم ~~لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق ~~وغير ذلك، ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته. روى ابن جرير، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: # " بينما أبو بكر وعمر جالسان إذا جاءهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~" ما أجلسكما ههنا؟ " ، قالا: والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا ~~إلا الجوع، قال: " والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره " ، فانطلقوا حتى ~~أتوا بيت رجل من الأنصار، فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " أين فلان؟ " فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء، فجاء صاحبهم يحمل ~~قربته، فقال: مرحبا ما زار العباد شيء أفضل من نبي زارني اليوم، فعلق ~~قربته بكرب نخلة، وانطلق فجاءهم بعذق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~ألا كنت اجتنيت " ، فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم، ثم ~~أخذ الشفرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " إياك والحلوب " فذبح ~~لهم يومئذ، فأكلوا فقال النبي صلى عليه وسلم: " لتسألن عن هذا يوم ~~القيامة أخرجكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم " # وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال: # " أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رطبا وشربوا ماء، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا من النعيم الذي تسألون عنه " " # وروى الإمام أحمد عن محمود بن الربيع قال: # " لما نزلت { ألهاكم التكاثر } فقرأ حتى بلغ { لتسألن ~~يومئذ عن النعيم } قالوا: يا رسول الله عن أي نعيم نسأل؟ ~~وإنما هما الأسودان الماء والتمر، ms2662 وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن ~~أي نعيم نسأل؟ قال: " أما إن ذلك سيكون " ". # وروى الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن أول ما يسأل عنه العبد من النعيم أن يقال له ألم نصح لك بدنك، ~~ونروك من الماء البارد " # ؟ وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال، قال الزبير: # " لما نزلت { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } قالوا: ~~يا رسول الله لأي نعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: " ~~إن ذلك سيكون " " # وفي رواية عن عكرمة: # " قالت الصحابة: يا رسول الله، وأي نعيم نحن فيه؟ وإنما نأكل في أنصاف ~~بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: أليس ~~تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم " # وعن ابن مسعود مرفوعا: " الأمن والصحة ". وقال زيد بن أسلم # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ثم لتسألن يومئذ ~~عن النعيم } يعني شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، ~~واعتدال الخلق ولذة النوم " # ، وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا، وقال الحسن البصري: من النعيم ~~الغداء والعشاء، وقول مجاهد أشمل هذه الأقوال، وقال ابن عباس: { ثم ~~لتسألن يومئذ عن النعيم } قال: النعيم صحة الأبدان ~~والأسماع والأبصار، يسأل الله العباد فيما استعملوها، وهو أعلم بذلك ~~منهم، وهو قوله تعالى: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # [الإسراء: 36]. وثبت في " صحيح البخاري " و " سنن الترمذي " عن ابن عباس ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ " # ، ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين لا يقومون بواجبهما، ومن ~~لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر، وقال زيد بن ~~أسلم: هو العصر، والمشهور الأول، فأقسم تعالى بذلك على أن الإنسان لفي ~~خسر أي في خسارة وهلاك { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } فاستثنى من جنس ms2663 الإنسان عن الخسران، الذين آمنوا ~~بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم { وتواصوا بالحق } وهو ~~أداء الطاعات، وترك المحرمات، { وتواصوا بالصبر } أي على ~~المصائب والأقدار، وأذى من يؤذي، ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن ~~المنكر. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # الهماز بالقول، واللماز بالفعل، يعني يزدري الناس وينتقص بهم، قال ابن ~~عباس: { همزة لمزة } طعان معياب، وقال الربيع بن أنس: الهمزة: ~~يهمزه في وجهه، واللمزة: من خلفه، وقال قتادة: الهمزة واللمزة لسانه ~~وعينه، ويأكل لحوم الناس ويطعن عليهم، وقال مجاهد: الهمزة باليد والعين، ~~واللمزة باللسان، ثم قال بعضهم: المراد بذلك (الأخنس بن شريق)، وقال ~~مجاهد: هي عامة، وقوله تعالى: { الذى جمع مالا وعدده } أي ~~جمعه بعضه على بعض وأحصى عدده كقوله تعالى: # وجمع فأوعى # [المعارج: 18] قال محمد بن كعب: ألهاه ماله بالنهار، فإذا كان الليل نام ~~كأنه جيفة منتنة. وقوله تعالى: { يحسب أن ماله أخلده } أي ~~يظن أن جمعه المال يخلده في هذه الدار، { كلا } أي ليس الأمر كما زعم ~~ولا كما حسب، ثم قال تعالى: { لينبذن في الحطمة } أي ليلقين ~~هذا الذي جمع مالا فعدده { في الحطمة } وهي اسم من أسماء النار، ~~لأنها تحطم من فيها، ولهذا قال: { ومآ أدراك ما الحطمة * ~~نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة } ~~قال ثابت البناني: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء، وقال محمد بن كعب: تأكل ~~كل شيء من جسده، حتى إذا بلغت فؤاده حذو حلقه ترجع على جسده. وقوله ~~تعالى: { إنها عليهم مؤصدة } أي مطبقة كما تقدم تفسيره في ~~سورة البلد. وقوله تعالى: { في عمد ممددة } أي عمد من حديد، ~~وقال السدي: من نار، قال ابن عباس: { في عمد ممددة } يعني ~~الأبواب هي الممددة، وعنه: أدخلهم في عمد ممدة عليهم بعماد. في أعناقهم ~~السلاسل. فسدت بها الأبواب. وقال قتادة: كان نحدث أنهم يعذبون بعمد في ~~النار، واختاره ابن جرير، وقال أبو صالح: { في عمد ممددة } ~~يعني القيود الثقال. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش، فيما صرف عنهم من أصحاب ~~الفيل، ms2664 الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، ~~فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم وردهم بشر خيبة، هذه ~~قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار. يروى أن أبرهة الأشرم بنى ~~كنيسة هائلة بصنعاء، رفيعة البناء عالية الفناء مزخرفة الأرجاء، سمتها ~~العرب (القليس) لارتفاعها، لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه ~~من ارتفاع بنائها، وعزم أبرهة على أن يصرف حج العرب إليها كما يحج إلى ~~الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته، فكرهت العرب ذلك، وغضبت قريش، لذلك ~~غضبا شديدا، حتى قصدها بعضهم وتوصل إلى أن دخلها، فأحدث فيها وكر ~~راجعا، فلما رأى السدنة ذلك الحدث رفعوا أمره إلى ملكهم (أبرهة) وقالوا ~~له: إنما صنع هذا بعض قريش غضبا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به، فأقسم أبرهة ~~ليسيرن إلى بيت مكة وليخربنه حجرا حجرا، وذكر مقاتل أن فتية من قريش ~~دخلوها، فأججوا فيها نارا، وكان يوما فيه هواء شديد فاحترقت، فتأهب ~~أبرهة لذلك، وصار في جيش كثيف عرمرم لئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه ~~فيلا عظيما كبير الجثة لم ير مثله، يقال له (محمود)، ويقال: كان معه ~~اثنا عشر فيلا غيره، فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدا، ورأوا أن ~~حقا عليهم المحاجبة دون البيت، ورد من أراده بكيد، فخرج إليه رجل من ~~أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له (ذو نفر) فدعا قومه إلى حرب أبرهة ~~وجهاده عن بيت الله، فأجابوه وقاتلوا أبرهة فهزمهم، ثم مضى لوجهه حتى إذا ~~كان بأرض خثعم اعترض له (نفيل بن حبيب) الخثعمي في قومه فقاتلوه، فهزمهم ~~أبرهة وأسر نفيل بن حبيب، فأراد قتله ثم عفا عنه، واستصحبه معه ليدله في ~~بلاد الحجاز، فلما اقترب من أرض الطائف خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة ~~على بيتهم الذي عندهم الذي يسمونه اللات، فأكرمهم وبعثوا معه (أبا رغال) ~~دليلا، فلما انتهى أبرهة إلى المغمس وهو قريب من مكة نزل به، وأغار جيشه ~~على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه، وكان في السرح مائتا ms2665 بعير لعبد ~~المطلب، وبعث أبرهه حناطة الحميري إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف ~~قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجىء لقتالكم إلا أن تصدوه عن البيت، ~~فجاء حناطة فدل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له ~~عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله ~~الحرام وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه ~~وبينه، فوالله ما عندنا دفع عنه، فقال له حناطة: فاذهب معي إليه، فذهب ~~معه، فلما رآه أبرهة أجله - وكان عبد المطلب رجلا جسيما حسن المنظر - ~~ونزل أبرهة عن سريره وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه: قل له ما ~~حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي، ~~فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك ~~حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين ~~آبائك، قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب: إني أنا رب ~~الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه، قال: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك، ~~ويقال: إنه ذهب معه عبد المطلب جماعة من أشراف العرب، فعرضوا على أبرهة ~~ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، ورد أبرهة على عبد ~~المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش، فأمرهم بالخروج من مكة، والتحصن ~~في رؤوس الجبال تخوفا عليهم من معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ ~~بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله، ويستنصرون على أبرهة ~~وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: # اللهم إن المرء يمنع # رحله فامنح رحالك # وانصر على آل الصليب # وعابديه اليوم آلك # لا يغلبن صليبهم # ومحالهم أبدا محالك # ثم خرجوا إلى رؤوس الجبال. وذكر مقاتل أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة ~~مقلدة، لعل بعض الجيش ينال منها شيئا بغير حق فينتقم الله منهم، فلما ~~أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ جيشه، ms2666 فلما وجهوا الفيل نحو مكة، برك ~~الفيل، وخرج (نفيل بن حبيب) يشتد حتى صعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم، ~~فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين وأدخلوا محاجن لهم في مراقه، فنزعوه بها ~~ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه الى الشام، ~~ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، ~~وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر ~~منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص ~~والعدس، لا يصيب منهم أحدا إلا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين ~~يبتدرون الطريق، ويسألون عن (نفيل) ليدلهم على الطريق، هذا ونفيل على ~~رأس الجبل مع قريش، وعرب الحجاز ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من ~~النقمة، وجعل نفيل يقول: # أين المفر والإله الطالب # والأشرم المغلوب ليس الغالب # وذكر الواقدي بإسناده: أنهم لما تعبأوا لدخول الحرم، وهيأوا الفيل جعلوا ~~لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب فيها، فإذا وجهوه إلى الحرم ~~ربض وصاح، وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه ليقهر الفيل على ~~دخول الحرم، وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة على حراء ينظرون ما الحبشة ~~يصنعون، وماذا يلقون من أمر الفيل وهو العجب العجاب، فبينما هم كذلك إذ ~~بعث الله عليهم { طيرا أبابيل } أي قطعا قطعا صفرا دون الحمام ~~وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاثة أحجار، وجاءت حلقت عليهم، وأرسلت تلك ~~الأحجار عليهم فهلكوا، قال عطاء: ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة ~~الراهنة، بل منهم من هلك سريعا، ومنهم من جعل يتساقط عضوا عضوا، وهم ~~هاربون، وكان أبرهة ممن تساقط عضوا عضوا حتى مات ببلاد خثعم، قال ابن ~~إسحاق: فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، كان فيما يعد به على ~~قريش من نعمته عليهم وفضله، ما رد عليهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ~~ومدتهم فقال: { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ~~} إلى قوله: { فجعلهم كعصف مأكول } ، وقوله: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * ~~فليعبدوا ms2667 رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 4]. قال ابن هشام: " الأبابيل " الجماعات ولم تتكلم العرب بواحدة ~~قال: وأما " السجيل " فأخبرني يونس النحوي أنه عند العرب الشديد الصلب، " ~~والعصف " ورق الزرع الذي يقضب واحدته عصفة. انتهى ما ذكره. وقال ابن عباس ~~والضحاك: أبابيل يتبع بعضها بعضا، وقال الحسن البصري وقتادة: الأبابيل ~~الكثيرة، وقال مجاهد " أبابيل " شتى متتابعة مجتمعة، وقال ابن زيد: " ~~الأبابيل " المختلفة تأتي من ههنا، ومن ههنا، أتتهم من كل مكان، وقال ~~عكرمة: كانت طيرا خضرا خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع. وعن ابن ~~عباس ومجاهد: كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها عنقاء مغرب، وقال ~~عبيد بن عمير: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا أنشئت ~~من البحر أمثال الخطاطيف، كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار حجرين في رجليه ~~وحجرا في منقاره، قال: فجاءت حتى صفت على رؤوسهم ثم صاحت وألقت ما في ~~أرجلها ومناقيرها، فما يقع على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على ~~شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحا شديدة فضربت ~~الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعا. وقال ابن عباس { حجارة من ~~سجيل } قال: طين من حجارة. # وقوله تعالى: { فجعلهم كعصف مأكول } قال سعيد بن جبير: ~~يعني التبن الذي تسميه العامة هبور، وقال ابن عباس: العصف القشرة التي ~~على الحبة كالغلاف على الحنطة، وقال ابن زيد: العصف ورق الزرع، وورق ~~البقل إذا أكلته البهائم فراثته فصار درينا، المعنى أن الله سبحانه ~~وتعالى أهلكهم ودمرهم وردهم بكيدهم وغيظهم، لم ينالوا خيرا، وأهلك ~~عامتهم ولم يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح، كما يروى لأمية بن أبي الصلت ~~بن ربيعة قوله: # إن آيات ربنا باقيات # ما يماري فيهن إلا الكفور # خلق الليل والنهار فكل # مستبين حسابه مقدور # ثم يجلو النهار رب رحيم # بمهاة شعاعها منشور # حبس الفيل بالمغمس حتى # صار يحبو كأنه معقور # خلفوه ثم ابذعروا جميعا # كلهم عظم ساقه مكسور # كل دين يوم القيامة عند ms2668 # الله إلا دين الحنيفة بور # وقد قدمنا في تفسير سورة الفتح # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أطل يوم الحديبية على الثنية ~~التي تهبط به على قريش بركت ناقته، فزجرها فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، ~~أي حرنت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما خلأت القصواء وما ذاك ~~لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل " ، ثم قال: " والذي نفسي بيده لا ~~يسألوني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها " ، ثم ~~زجرها فقامت " # وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: # " إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت ~~حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فيبلغ الشاهد الغائب ". ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # هذه السورة مفصولة عن التي قبلها من المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطر ~~(بسم الله الرحمن الرحيم) وإن كانت متعلقة بما قبلها، كما صرح بذلك محمد ~~بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد، لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل، ~~وأهلكنا أهله { لإيلاف قريش } أي لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم ~~آمنين، وقيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى ~~اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم ~~آمنين في أسفارهم، لعظمتهم عند الناس لكونهم سكان حرم الله، فمن عرفهم ~~احترمهم ومن سار معهم أمن بهم، وهذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم ~~وصيفهم، وأما في حال إقامتهم في البلد فكما قال الله تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67]، ولهذا قال تعالى: { لإيلاف قريش * إيلافهم ~~} بدل من الأول ومفسر له، ولهذا قال تعالى: { إيلافهم رحلة ~~الشتآء والصيف } وقال ابن جرير: الصواب أن اللام لام التعجب، ~~كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك، قال: وذلك لإجماع ~~المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان، ثم أرشدهم إلى شكر هذه ~~النعمة العظيمة فقال: { فليعبدوا رب هذا البيت } أي ~~فليوحدوه بالعبادة كما جعل لهم حرما آمنا وبيتا محرما، كما قال ms2669 ~~تعالى: # إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي ~~حرمها # [النمل: 91] وقوله تعالى: { الذي أطعمهم من جوع } أي هو رب ~~البيت وهو الذي أطعمهم من جوع { وآمنهم من خوف } أي تفضل عليهم ~~بالأمن والرخص، فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه ~~صنما ولا ندا ولا وثنا، ولهذا من استجاب لهذا الأمر، جمع الله له بين ~~أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]، عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: { لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء ~~والصيف } ويحكم يا معشر قريش اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من ~~جوع وآمنكم من خوف. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # يقول تعالى: { أرأيت } يا محمد { الذي يكذب بالدين } ~~وهو المعاد والجزاء والثواب { فذلك الذي يدع اليتيم } أي ~~هو الذي يقهر اليتيم ولا يطعمه ولا يحسن إليه { ولا يحض على ~~طعام المسكين } كقوله # ولا تحآضون على طعام المسكين # [الفجر: 18]، ثم قال تعالى: { فويل للمصلين * الذين ~~هم عن صلاتهم ساهون } قال ابن عباس: يعني المنافقين الذين ~~يصلون في العلانية، ولا يصلون في السر، ولهذا قال: { للمصلين } ~~الذين من أهل الصلاة ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية، أو يخرجها ~~عن وقتها، وقال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: { عن صلاتهم ~~ساهون } ولم يقل { في صلاتهم ساهون } فيؤخرونها إلى آخر الوقت، أو لا ~~يؤدونها بأركانها وشروطها عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ~~ذلك كله، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب ~~الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا، لا يذكر الله ~~فيها إلا قليلا " # ، فهذا أخر صلاة العصر التي هي الوسطى - كما ثبت به النص - إلى آخر ~~وقتها، وهو ms2670 وقت كراهة، ثم قال إليها فنقرها نقر الغراب، لم يطمئن ولا خشع ~~فيها أيضا، ولهذا قال: # " لا يذكر الله فيها إلا قليلا " # ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس، لا ابتغاء وجه الله، ~~فهو كما إذا لم يصل بالكلية، قال الله تعالى: # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا ~~قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون الناس ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا # [النساء: 142]، وقال تعالى ههنا: { الذين هم يرآءون } ، وروى ~~الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في جهنم لواديا تستعيذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة ~~مرة، أعد ذلك الوادي للمرائين من أمة محمد: لحامل كتاب الله، وللمصدق في ~~غير ذات الله، وللحاج إلى بيت الله، وللخارج في سبيل الله " # وروى الإمام أحمد عن عمرو بن مرة قال: كنا جلوسا عند أبي عبيدة، فذكروا ~~الرياء، فقال رجل يكنى بأبي يزيد: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من سمع بعمله سمع الله به سامع خلقه وحقره وصغره " # ، ومما يتعلق بقوله تعالى: { الذين هم يرآءون } أن من عمل ~~عملا لله فاطلع عليه الناس فأعجبه ذلك أن هذا لا يعد رياء، لما روي عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " كنت أصلي، فدخل علي رجل، فأعجبني ذلك فذكرته لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: " كتب لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية " # وفي رواية عنه قال، # " قال رجل: يا رسول الله! الرجل يعمل العمل يسره فإذا اطلع عليه أعجبه ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " له أجران: أجر السر وأجر ~~العلانية " " # وعن سعد بن أبي وقاص قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن { الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون } قال: " هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها " " # ، قلت: وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية، ويحتمل صلاتها بعد ~~وقتها شرعا، أو تأخيرها عن أول الوقت. # وقوله تعالى: { ويمنعون الماعون } أي لا أحسنوا عبادة ms2671 ربهم، ~~ولا أحسنوا إلى خلقه، حتى ولا بإعارة ما ينتفع به من بقاء عينه ورجوعه ~~إليهم، فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى. وقد قال مجاهد { ~~الماعون } الزكاة، وقال الحسن البصري: إن صلى راءى، وإن فاتته لم يأس ~~عليها، ويمنع زكاة ماله، وفي لفظ: صدقة ماله، وقال زيد بن أسلم: هم ~~المنافقون ظهرت الصلاة فصلوها، وخفيت الزكاة فمنعوها. وسئل ابن مسعود عن ~~الماعون؟ فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم من الفأس والقدر والدلو وأشباه ~~ذلك، وقال ابن جرير، عن عبد الله قال: " كنا أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم نتحدث أن الماعون الدلو والفأس والقدر لا يستغنى عنهن " ، ولفظ ~~النسائي عن عبد الله قال: كل معروف صدقة، وكنا نعد الماعون على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر، وعن ابن عباس: { ~~ويمنعون الماعون } يعني متاع البيت، وكذا قال مجاهد والنخعي ~~أنها العارية للأمتعة، وقد اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: يمنعون ~~الزكاة، ومنهم من قال: يمنعون الطاعة، ومنهم من قال: يمنعون العارية، وعن ~~علي: الماعون منع الناس الفأس والقدر والدلو، وقال عكرمة: رأس الماعون ~~زكاة المال وأدناه المنخل والدلو والإبرة، وهذا الذي قاله عكرمة حسن، ~~فإنه يشمل الأقوال كلها، وترجع كلها إلى شيء واحد، وهو ترك المعاونة بمال ~~أو منفعة، ولهذا جاء في الحديث: # " كل معروف صدقة ". ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا في المسجد إذا أغفى ~~إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسما قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: " لقد ~~أنزلت علي آنفا سورة " فقرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم * ~~إنآ أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن ~~شانئك هو الأبتر } ، ثم قال: " أتدرون ما الكوثر؟ " قلنا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر في الجنة وعدنيه ربي عز وجل عليه خير ~~كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم في السماء ~~فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من ms2672 أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدث ~~بعدك " # وقد استدل كثير من القراء على أن هذه السورة مدنية، فأما قوله تعالى: { ~~إنآ أعطيناك الكوثر } فقد تقدم في هذا الحديث أنه نهر في ~~الجنة، وقد رواه الإمام أحمد عن أنس أنه قرأ هذه الآية: { إنآ ~~أعطيناك الكوثر } قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعطيت الكوثر فإذا هو نهر يجري ولم يشق شقا، وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ ~~فضربت بيدي في تربته، فإذا مسك أذفر، وإذا حصباؤه اللؤلؤ " # وعن أنس بن مالك قال: # " لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال: أتيت على نهر ~~حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر " # وروى ابن جرير، عن أنس بن مالك قال: # " لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم مضى به جبريل في السماء ~~الدنيا، فإذا هو بنهر عليه قصر من اللؤلؤ وزبرجد، فذهب يشم ترابه، فإذا ~~هو مسك، قال: " يا جبريل ما هذا النهر؟ " قال: هو الكوثر الذي خبأ لك ربك ~~" # ؛ وفي رواية عن أنس قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكوثر؟ فقال: " هو نهر أعطانيه ~~الله تعالى في الجنة ترابه مسك، أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، ترده طير ~~أعناقها مثل أعناق الجزر " ، قال أبو بكر: يا رسول الله إنها لناعمة؟ ~~قال: " أكلها أنعم منها " " # وقال البخاري: حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي. حدثنا إسرائيل عن أبي ~~إسحاق عن أبي عبيدة عن عائشة رضي الله عنها قال: # " سألتها عن قوله تعالى: { إنآ أعطيناك الكوثر } قالت: ~~نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم شاطئاه عليه در مجوف آنيته كعدد ~~النجوم " # وعن عائشة قالت: # " الكوثر نهر في الجنة شاطئاه در مجوف، وقال إسرائيل: نهر في الجنة عليه ~~من الآنية عدد نجوم السماء " # ، وعن مسروق قال، قلت لعائشة: # " يا أم المؤمنين حدثيني عن الكوثر؟ قالت: نهر في بطنان الجنة، قلت: ~~وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه ~~المسك، وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت ". # وقال ms2673 البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الكوثر: هو الخير ~~الذي أعطاه الله إياه قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناسا يزعمون ~~أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه ~~الله إياه. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكوثر الخير الكثير، ~~وهذا التفسير يعم النهر وغيره، لأن الكوثر من الكثرة وهو الخير الكثير، ~~ومن ذلك النهر كما قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد، حتى قال مجاهد: هو الخير ~~الكثير في الدنيا والآخرة، وقال عكرمة: هو النبوة والقرآن وثواب الآخرة، ~~وقد صح عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضا، فقال ابن جرير: عن ابن عباس ~~قال: " الكوثر نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ~~ماؤه أبيض من الثلج، وأحلى من العسل ". وعن ابن عمر أنه قال: الكوثر نهر ~~في الجنة حافتاه ذهب وفضة، يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضا من ~~اللبن، وأحلى من العسل. وقد روي مرفوعا فقال الإمام أحمد: عن ابن عمر ~~قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه ~~أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل " # وروى ابن جرير عن عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار ما قال سعيد ~~بن جبير في الكوثر. قلت: حدثنا عن ابن عباس أنه قال: هو الخير الكثير، ~~فقال: صدق الله إنه للخير الكثير؛ ولكن حدثنا ابن عمر قال: لما نزلت { ~~إنآ أعطيناك الكوثر } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت " # وهكذا روي عن أنس وأبي العالية ومجاهد وغير واحد من السلف أن الكوثر ~~نهر في الجنة، وقال عطاء: هو حوض في الجنة. # وقوله تعالى: { فصل لربك وانحر } أي كما أعطيناك الخير ~~الكثير في الدنيا والآخرة ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته، فأخلص لربك ~~صلاتك المكتوبة والنافلة، ونحرك فاعبده وحده لا شريك ms2674 له، وانحر على اسمه ~~وحده لا شريك له، كما قال تعالى: # قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول ~~المسلمين # [الأنعام: 162-163] قال ابن عباس: يعني بذلك نحر البدن ونحوها، وقيل: ~~المراد بقوله: { وانحر } وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر، ~~وقيل: { وانحر } أي استقبل بنحرك القبلة، والصحيح القول الأول: أن ~~المراد بالنحر ذبح المناسك، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~العيد ثم ينحر نسكه ويقول: # " من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك ~~له " # الحديث. قال ابن جرير: والصواب قول من قال: إن معنى ذلك فاجعل صلاتك ~~كلها لربك خالصا، دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له ~~دون الأوثان، شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفاء له ~~وخصك به، وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقوله تعالى: { إن شانئك ~~هو الأبتر } أي إن مبغضك يا محمد، ومبغض ما جئت به من الهدى والحق، ~~والبرهان الساطع والنور المبين { هو الأبتر } الأقل الأذل المنقطع ~~ذكره، قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في العاص بن وائل، وقال يزيد بن رومان: ~~قال، كان العاص بن وائل إذا ذكر سول الله صلى الله عليه وسلم يقول: دعوه ~~فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره، فأنزل الله هذه السورة، ~~وقيل: نزلت في عقبة بن أبي معيط، وقال عطاء: نزلت في (أبي لهب) وذلك حين ~~مات ابن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب أبو لهب إلى المشركين، ~~فقال: بتر محمد الليلة فأنزل الله في ذلك: { إن شانئك هو ~~الأبتر } ، وعن ابن عباس: نزلت في (أبي جهل) وعنه { إن شانئك ~~} يعني عدوك، وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذكر وغيرهم، وقال عكرمة: ~~الأبتر الفرد، وقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل، قالوا: بتر، فلما ~~مات أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: بتر محمد، فأنزل الله: { ~~إن شانئك ms2675 هو الأبتر } ، وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن ~~الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره. فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ~~ذكره، وحاشا وكلا، بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه ~~على رقاب العباد، مستمرا على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، ~~صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # هذه سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، فقوله تعالى: { قل ~~يأيها الكافرون } يشمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن الموجهون ~~بهذا الخطاب هم (كفار قريش) دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة ~~أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة وأمر رسوله صلى ~~الله عليه وسلم فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية. فقال: { لا أعبد ~~ما تعبدون } يعني من الأصنام والأنداد، { ولا أنتم عابدون ~~مآ أعبد } وهو الله وحده لا شريك له، ثم قال: { ولا أنآ عابد ~~ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ أعبد } ، أي ولا ~~أعبد عبادتكم أي ولا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه ~~الذي يحبه ويرضاه، ولهذا قال: { ولا أنتم عابدون مآ أعبد } ~~أي لا تقتدون بأوامر وشرعه، في عبادته، بل قد اخترعتم شيئا من تلقاء ~~أنفسكم، كما قال: # إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس # [النجم: 23] فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، ولهذا كان كلمة الإسلام " لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله " أي لا معبود إلا الله، ولا طريق إليه ~~إلا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والمشركون يعبدون غير الله ~~عبادة لم يأذن الله بها، ولهذا قال: { لكم دينكم ولي دين } ، ~~كما قال تعالى: # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم # [يونس: 41]، وقال: # لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم # [القصص: 55، الشورى: 15]، وقال البخاري { لكم دينكم } الكفر، { ~~ولي دين } الإسلام، ولم يقل: ديني، لأن الآيات بالنون فحذف الياء، ~~كما قال: # فهو يهدين # [الشعراء: 78] و # يشفين # [الشعراء: 80]، وقال غيره: { لا أعبد ما تعبدون } الآن ولا ~~أجيبكم بما بقي من عمري ms2676 { ولا أنتم عابدون مآ أعبد } ، ~~ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد كقوله: # فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا # [الشرح: 5-6] فهذه ثلاثة أقوال: أولهما: ما ذكرناه أولا. الثاني: ما ~~حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد: { لا أعبد ما ~~تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد } في الماضي { ~~ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ ~~أعبد } في المستقبل. الثالث: أن ذلك تأكيد محض. وثم قول رابع: نصره ~~ابن تيمية في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: { لا أعبد ما ~~تعبدون } نفي الفعل لأنها جملة فعلية، { ولا أنآ عابد ما ~~عبدتم } نفي قبوله لذلك بالكلية، لأن النفي بالجملة الإسمية آكد، ~~فكأنه نفي الفعل، وكونه قابلا لذلك، ومعناه نفي الوقوع، ونفي الإمكان ~~الشرعي أيضا، وهو قول حسن أيضا، والله أعلم. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # روى البخاري، عن ابن عباس قال: # " كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل ~~هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم ~~فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في ~~قول الله عز وجل { إذا جآء نصر الله والفتح }؟ فقال ~~بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم ~~فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما ~~تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له قال: { إذا ~~جآء نصر الله والفتح } فذلك علامة أجلك { فسبح ~~بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } فقال عمر بن ~~الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول " # وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: # " لما نزلت { إذا جآء نصر الله والفتح } قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " نعيت إلي نفسي " # وأنه مقبوض في تلك السنة، وهكذا قال مجاهد والضحاك وغير واحد إنها أجل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه، وعن ابن عباس ms2677 قال: لما نزلت: { ~~إذا جآء نصر الله والفتح } حتى ختم السورة قال: نعيت ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين نزلت، قال: فأخذ بأشد ما كان قط ~~اجتهادا في أمر الآخرة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: # " " جاء الفتح ونصر الله، وجاء أهل اليمن " ، فقال رجل: يا رسول الله ~~وما أهل اليمن؟ قال: " قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان ~~والفقه يمان " " # ، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح: # " لا هجرة ولكن جهاد ونية، ولكن إذا استنفرتم فانفروا " # ، فالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر رضي الله عنهم أجمعين من أنه ~~قد أمرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون، أن نحمد الله ونشكره ~~ونسبحه، يعني نصلي له ونستغفره، معنى مليح صحيح، وقد ثبت له شاهد من ~~صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات، ~~فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات، ~~وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن، وأما ما فسر به ابن عباس ~~وعمر رضي الله تعالى عنهما من أن هذه السورة نعي فيها إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم روحه الكريمة، وأعلم أنك إذا فتحت مكة وهي قريتك التي ~~أخرجتك ودخل الناس في دين الله أفواجا، فقد فرغ شغلنا بك في الدنيا ~~فتهيأ للقدوم علينا والوفود إلينا فللآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى، ولهذا قال: { فسبح بحمد ربك واستغفره ~~إنه كان توابا }. # روى البخاري، عن مسروق، عن عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: " ~~سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي " يتأول القرآن " # ، وقالت عائشة: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر في آخر أمره من قول: " سبحان ~~الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه " ، وقال: " إن ربي كان أخبرني أني ~~سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره ms2678 إنه كان ~~توابا، فقد رأيتها { إذا جآء نصر الله والفتح * ~~ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } " ~~" # والمراد بالفتح ههنا فتح مكة قولا واحدا، فإن أحياء العرب كانت تتلوم ~~بإسلامها فتح مكة يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه ~~مكة دخلوا في دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب ~~إيمانا ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام ولله الحمد ~~والمنة، وقد روى البخاري في " صحيحه " عن عمرو بن سلمة قال: # " لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون: دعوه وقومه، فإن ظهر عليهم ~~فهو نبي " # ، الحديث. وقال الإمام أحمد بسنده: حدثني جار لجابر بن عبد الله قال: ~~قدمت من سفر فجاءني (جابر بن عبد الله) فسلم علي، فجعلت أحدثه عن ~~افتراق الناس وما أحدثوا، فجعل جابر يبكي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا، وسيخرجون منه أفواجا ". ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # روى البخاري: عن ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى: " يا ~~صباحاه " فاجتمعت إليه قريش، فقال: " أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم ~~أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟ " قالوا: نعم، قال: " فإني نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد " ، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك، فأنزل الله: { ~~تبت يدآ أبي لهب وتب } إلى آخرها " # وفي رواية: فقام ينفض يديه وهو يقول: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ ~~فأنزل الله: { تبت يدآ أبي لهب وتب } الأول دعاء عليه، ~~والثاني خبر عنه، فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، واسمه (عبد العزى بن عبد المطلب) وكان كثير الأذية لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والبغض له، والتنقص له ولدينه، روى الإمام أحمد عن أبي ~~الزناد قال: # " أخبرني رجل يقال له (ربيعة بن ms2679 عباد) من بني الديل وكان جاهليا فأسلم ~~قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو ~~يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " والناس مجتمعون ~~عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه، أحول ذو غديرتين، يقول: إنه صابيء كاذب، ~~يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فقالوا: هذا عمه أبو لهب " # وقال محمد بن إسحاق. عن ربيعة بن عباد: # " إني لمع أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع ~~القبائل، ووراءه رجل أحول وضيء الوجه ذو جمة، يقف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على القبيلة فيقول: " يا بني فلان إني رسول الله إليكم آمركم ~~أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا، وأن تصدقوني وتمنعوني حق أنفذ عن ~~الله ما بعثني به " ، وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان ~~هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن إلى ما جاء به من ~~البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له، ولا تتبعوه، فقلت لأبي: من هذا؟ قال عمه ~~أبو لهب " # فقوله تعالى: { تبت يدآ أبي لهب } أي خسرت وخابت وضل عمله ~~وسعيه، { وتب } أي وقد تب تحقق خسارته وهلاكه. # وقوله تعالى: { مآ أغنى عنه ماله وما كسب } قال ابن ~~عباس: { وما كسب } يعني ولده، يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما دعا قومه إلى الإيمان قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني ~~أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي، فأنزل الله تعالى: { مآ ~~أغنى عنه ماله وما كسب }. # وقوله تعالى: { سيصلى نارا ذات لهب } أي ذات شرر ولهب ~~وإحراق شديد، { وامرأته حمالة الحطب } وكانت زوجته من ~~سادات نساء قريش، وهي (أم جميل) واسمها (أروى بنت حرب بن أمية) وهي أخت ~~أبي سفيان، وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فلهذا تكون يوم ~~القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم، ولهذا قال تعالى: { حمالة ~~الحطب * في جيدها حبل من مسد } يعني تحمل ms2680 الحطب فتلقي ~~على زوجها ليزداد على ما هو فيه، هي مهيأة لذلك مستعدة له، { في ~~جيدها حبل من مسد } قال مجاهد: من مسد النار، وعن مجاهد ~~وعكرمة، { حمالة الحطب } كانت تمشي بالنميمة. وقال ابن عباس ~~والضحاك: كانت تضع الشوك في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ~~سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة، فقالت: لأنفقنها في عداوة محمد، ~~فأعقبها الله منها حبلا في جيدها من مسد النار، والمسد الليف، وقيل: هو ~~قلادة من نار طولها سبعون ذراعا، قال الجوهري: المسد الليف، والمسد ~~أيضا حبل من ليف أو خوص، وقال مجاهد: { حبل من مسد } أي طوق من ~~حديد، أخرج ابن أبي حاتم عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت: { ~~تبت يدآ أبي لهب وتب } أقبلت العوراء (أم جميل) بنت حرب ~~ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول: # مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا # ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها ~~أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إنها لن تراني " ، وقرأ قرآنا اعتصم به، كما ~~قال تعالى: # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا # [الإسراء: 45]، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، قال: لا ورب هذا ~~البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها، قال: فعثرت ~~أم جميل في مرطها وهي تطوف بالبيت، فقالت: تعس مذمم. وقد قال بعض أهل ~~العلم في قوله تعالى: { في جيدها حبل من مسد } أي في عنقها ~~حبل من نار جهنم ترفع به إلى سفيرها، ثم ترمى إلى أسفلها، ثم لا تزال ~~كذلك دائما. # قال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه ~~منذ نزل قوله تعالى: { سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في ms2681 جيدها حبل من مسد } فأخبر عنهما ~~بالشقاء وعدم الإيمان لم يقيض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما لا باطنا ~~ولا ظاهرا، لا سرا ولا علنا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة، على ~~النبوة الظاهرة. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # قال عكرمة: لما قالت اليهود: نحن نعبد عزير بن الله، وقالت النصارى: نحن ~~نعبد المسيح بن الله، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقالت ~~المشركون: نحن نعبد الأوثان أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~{ قل هو الله أحد } يعني هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا ~~وزير، ولا شبيه ولا عديل، لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله، وقوله ~~تعالى: { الله الصمد } يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ~~ومسائلهم، قال ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد ~~كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في ~~حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو ~~الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، ليس له كفء وليس ~~كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار، وقال الأعمش { الصمد } السيد ~~الذي قد انتهى سؤدده، وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه، وقال الحسن ~~أيضا { الصمد } الحي القيوم الذي لا زوال له، وقال الربيع بن أنس: ~~هو الذي لم يلد ولم يولد كأنه جعل ما بعده تفسيرا له، وهو قوله: { لم ~~يلد ولم يولد } وهو تفسير جيد، وقال ابن مسعود والضحاك والسدي: ~~{ الصمد } الذي لا جوف له، وقال مجاهد { الصمد } المصمت الذي لا ~~جوف له، وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب. وقد قال ~~الحافظ أبو القاسم الطبراني في " كتاب السنة " بعد إيراده كثيرا من هذه ~~الأقوال في تفسير الصمد: وكل هذه صحيحة وهي صفات ربنا عز وجل، هو ~~الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا ~~جوف له ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد ms2682 خلقه، وقال البيهقي نحو ذلك، ~~وقوله تعالى: { لم يلد ولم يولد * ولم يكن له ~~كفوا أحد } أي ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة، قال مجاهد: { ولم ~~يكن له كفوا أحد } يعني لا صاحبة له، وهذا كما قال تعالى: # بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة وخلق كل شيء # [الأنعام: 101] أي هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظير ~~يساميه، أو قريب يدانيه؟ تعالى وتقدس وتنزه، قال تعالى: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا ~~إدا # [مريم: 88-89]، وقال تعالى: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون # [الأنبياء: 26-27]، وفي " صحيح البخاري ": # " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ~~ويعافيهم " # وفي الحديث القدسي: # " كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه ~~إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته. ~~وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم ~~أولد ولم يكن لي كفوا أحد ". ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # قال ابن عباس { الفلق }: الصبح، وقال ابن جرير: وهي كقوله تعالى: # فالق الإصباح # [الأنعام: 96]، وقال ابن عباس: { الفلق } الخلق، أمر الله نبيه أن ~~يتعوذ من الخلق كله، وقال كعب الأحبار: { الفلق } بيت في جهنم، إذا ~~فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، قال ابن جرير: والصواب القول، إنه ~~فلق الصبح، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري رحمه الله تعالى، { من ~~شر ما خلق } أي من شر جميع المخلوقات، قال الحسن البصري: جهنم ~~وإبليس وذريته مما خلق، { ومن شر غاسق إذا وقب } قال مجاهد ~~{ غاسق } الليل { إذا وقب } غروب الشمس، وقال الحسن وقتادة: إنه ~~الليل إذا أقبل بظلامه، وقال الزهري: الشمس إذا غربت، وعن عطية وقتادة: { ~~إذا وقب } الليل إذا ذهب، وقال أبو هريرة { ومن شر غاسق ~~إذا وقب } الكوكب، قال ابن جرير، وقال آخرون: هو ms2683 القمر، قالت عائشة ~~رضي الله عنها: # " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأراني القمر حين طلع، وقال: " ~~تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب " " # ، ولفظ النسائي: # " تعوذي بالله من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب " # ، قال الأولون: هذا لا ينافي قولنا، لأن القمر آية الليل، ولا يوجد له ~~سلطان إلا فيه، وكذلك النجوم لا تضيء إلا بالليل، فهو يرجع إلى ما ~~قلناه، والله أعلم. # وقوله تعالى: { ومن شر النفاثات في العقد } قال مجاهد ~~وعكرمة: يعني السواحر، قال مجاهد: إذا رقين ونفثن في العقد، وفي الحديث: # " أن جبريل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اشتكيت يا محمد؟ ~~فقال: " نعم " ، فقال: باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر كل حاسد ~~وعين، الله يشفيك " # ولعل هذا كان من شكواه صلى الله عليه وسلم حين سحر، ثم عافاه الله تعالى ~~وشفاه، ورد كيد السحرة الحساد من اليهود في رؤوسهم وجعل تدميرهم في ~~تدبيرهم. روى البخاري في كتاب الطب من " صحيحه " ، عن عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء، ~~ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا فقال: " ~~يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد ~~أحدهما عند رأسي، والآخر عن رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال ~~الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال (لبيد بن أعصم) رجل من بني زريق ~~حليف اليهود كان منافقا، قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وأين؟ ~~قال: في جف طلعة ذكر، تحت راعوفة في بئر ذروان، قالت: فأتى البئر حتى ~~استخرجه، فقال: " هذه بئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة الحناء وكأن ~~نخلها رؤوس الشياطين " ، قال: فاستخرج، فقلت: أفلا تنشرت؟ فقال: " أما ~~الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا " # وروى الثعلبي في " تفسيره " ، قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما: # " كان غلام من اليهود يخدم رسول الله ms2684 صلى الله عليه وسلم. فدبت إليه ~~اليهود. فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وعدة ~~من أسنان مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وكان الذي تولى ذلك رجل منهم ~~يقال له (ابن أعصم) ثم دسها في بئر لبني زريق، يقال له ذروان، فمرض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وانتثر شعر رأسه ولبث ستة أشهر يرى أنه يأتي ~~النساء ولا يأتيهن، وجعل يذوب، ولا يدري ما عراه، فبينما هو نائم إذ أتاه ~~ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي ~~عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طب، قال: وما طب؟ قال: سحر، قال: ومن ~~سحره؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: وبم طبه؟ قال: بمشط ومشاطة، ~~قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان، والجف قشر ~~الطلع، والراعوفة حجر في أسفل البئر ناتىء يقوم عليه الماتح، فانتبه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: مذعورا، وقال: " يا عائشة أما شعرت أن الله ~~أخبرني بدائي " ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا والزبير ~~وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء البئر، كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة، ~~وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه، وإذا فيه وتر معقود ~~فيه اثنا عشرة عقدة مغروزة بالإبر، فأنزل الله السورتين، فجعل كلما قرآ ~~آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة حين انحلت العقدة ~~الأخيرة، فقام كأنما نشط من عقال، وجعل جبريل عليه السلام يقول: باسم ~~الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من حاسد وعين، الله يشفيك، فقالوا: يا رسول ~~الله أفلا نأخذ الخبيث نقتله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما ~~أنا فقد شفاني الله، وأكره أن يثير على الناس شرا " ". ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # هذه ثلاث صفات من صفات الرب عز وجل: (الربوبية) و(الملك) ~~و(الإلهية)، فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له ~~مملوكة، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات ms2685 { من شر ~~الوسواس الخناس } وهو الشيطان الموكل بالإنسان فإنه ما من أحد ~~من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش، ولا يألوه جهدا في الخبال، ~~والمعصوم من عصمه الله، وقد ثبت في الصحيح: # " " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه " قالوا: وأنت يا رسول الله؟ ~~قال: " نعم إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير " " # وثبت في الصحيحين # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما ~~شيئا - أو قال - شرا " # وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي، عن أنس بن مالك، قال، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي ~~التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس " # وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغلب، وإن لم يذكر ~~الله تعاظم وغلب، قال ابن عباس في قوله: { الوسواس الخناس } ~~قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله ~~خنس. # وقوله تعالى: { الذى يوسوس في صدور الناس } هل يختص هذا ~~ببني آدم كما هو الظاهر، أو يعم بني آدم والجن؟ فيه قولان، ويكونون قد ~~دخلوا في لفظ الناس تغليبا، وقوله: { من الجنة والناس } هل ~~هو تفصيل لقوله: { الذى يوسوس في صدور الناس } ثم بينهم ~~فقال: { من الجنة والناس } وهذا يقوي القول الثاني، وقيل ~~قوله: { من الجنة والناس } تفسير للذي يوسوس في صدور الناس من ~~شياطين الإنس والجن كما قال تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا # [الأنعام: 112]، وكما قال الإمام أحمد عن أبي ذر قال: # " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فجلست فقال: " يا ~~أبا ذر هل صليت؟ " قلت: لا، قال: " قم فصل " قال: فقمت فصليت، ثم جلست ~~فقال: " يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن " ، قال، فقلت: ~~يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: " نعم " " # ، وروى الإمام أحمد، ms2686 عن ابن عباس قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لأحدث ~~نفسي بالشيء، لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به، قال؛ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد ~~كيده إلى الوسوسة " ". ms2687