######OpenITI# #META# Author: الصابوني #META# Title: صفوة التفاسير #META# Date: م 1930م - #META# Tafsir_type: تفاسير ميسرة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1-7] # بين يدي السورة: هذه السورة الكريمة مكية وآياتها سبع ~~بالإجماع، وتسمى " الفاتحة " لافتتاح الكتاب العزيز بها حيث إنها أول ~~القرآن في الترتيب لا في النزول، وهي - على قصرها ووجازتها - قد حوت ~~معاني القرآن العظيم، واشتملت على مقاصده الأساسية بالإجمال، فهي تتناول ~~أصول الدين وفروعه، تتناول العقيدة، والعبادة، والتشريع، والاعتقاد ~~باليوم الآخر، والإيمان بصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة ~~والاستعانة والدعاء، والتوجه إليه جل وعلا بطلب الهداية إلى الدين ~~الحق والصراط المستقيم، والتضرع إليه بالتثبيت على الإيمان ونهج سبيل ~~الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين، وفيها الاخبار عن قصص ~~الأمم السابقين، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء، وفيها ~~التعبد بأمر الله سبحانه ونهيه، إلى غير ما هنالك من مقاصد وأغراض ~~وأهداف، فهي كالأم بالنسبة لبقية السور الكريمة ولهذا تسمى " أم الكتاب ~~" لأنها جمعت مقاصده الأساسية. # فضلها: أ - روى الإمام أحمد في المسند أن " أبي بن كعب " قرأ على ~~النبي صلى الله عليه وسلم أم القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ~~ولا في الفرقان مثلها، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ~~" # فهذا الحديث الشريف يشير إلى قوله تعالى في سورة الحجر # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم # [الآية: 87]. # ب - وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد بن ~~المعلى: # " لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن: الحمد لله رب العالمين، هي ~~السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ". # التسمية: تسمى " الفاتحة، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والشافية، ~~والوافية، والكافية، والأساس، والحمد " وقد عددها العلامة القرطبي وذكر ~~أن لهذه السورة اثني عشر إسما. # اللغة: { الحمد } الثناء بالجميل على جهة التعظيم، والتبجيل ~~مقرونا بالمحبة وهو نقيض الذم وأعم من الشكر، لأن الشكر يكون مقابل ~~النعمة بخلاف الحمد { الله } اسم علم للذات المقدسة لا يشاركه فيه غيره، ~~قال القرطبي: هذا الاسم { الله } أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، وهو اسم ~~للموجود الحق، الجامع لصفات الإلهية، ms0001 المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد ~~بالوجود الحقيقي لا إله إلا هو سبحانه { رب } الرب: مشتق من ~~التربية وهي إصلاح شئون الغير ورعاية أمره قال الهروي: " يقال لمن قام ~~بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربه ومنه الربانيون لقيامهم بالكتب " والرب ~~يطلق على عدة معان وهي " المالك، والمصلح، والمعبود، والسيد المطاع " { ~~العالمين } العالم: اسم جنس لا واحد له من لفظه كالرهط، وهو يشمل: ~~الإنس والجن والملائكة والشياطين كذا قال الفراء، وهو مشتق من العلامة ~~لأن العالم علامة على وجود الخالق جل وعلا { الرحمن الرحيم } ~~صفتان مشتقتان من الرحمة، وقد روعي في كل من { الرحمن } و { ~~الرحيم } معنى لم يراع في الآخر فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة لأن " ~~فعلان " صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته ولا يلزم منه الدوام كغضبان ~~وسكران، والرحيم بمعنى دائم الرحمة لأن صيغة فعيل تستعمل في الصفات ~~الدائمة ككريم وظريف فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائم الإحسان. # قال الخطابي: الرحمن ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم ~~ومصالحهم وعمت المؤمن والكافر، والرحيم خاص بالمؤمن كما قال تعالى: # وكان بالمؤمنين رحيما # [الأحزاب: 43]، { الدين } الجزاء ومنه الحديث (كما تدين تدان) أي ~~كما تفعل تجزى { نعبد } قال الزمخشري: العبادة أقصى غاية الخضوع ~~والتذلل ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لأنه مولي أعظم النعم ~~فكان حقيقا بأقصى الخضوع { الصراط } الطريق وأصله بالسين من ~~الاستراط بمعنى الابتلاع كأن الطريق يبتلع السالك قال الشاعر: # شحنا أرضهم بالخيل حتى # تركناهم أذل من الصراط # { المستقيم } الذي لا عوج فيه ولا انحراف { آمين } أي استجب ~~دعاءنا وهي ليست من القرآن الكريم إجماعا. # التفسير: علمنا الباري جل وعلا كيف ينبغي أن نحمده ونقدسه ونثني عليه ~~بما هو أهله فقال { الحمد لله رب العالمين } أي قولوا يا ~~عبادي إذا أردتم شكري وثنائي الحمد لله، اشكروني على إحساني وجميلي ~~إليكم، فأنا الله ذو العظمة والمجد والسؤدد، المتفرد بالخلق والإيجاد، ~~رب الإنس والجن والملائكة، ورب السماوات والأرضين، فالثناء والشكر لله ~~رب العالمين دون ما يعبد من دونه { الرحمن الرحيم } أي الذي ~~وسعت رحمته ms0002 كل شيء، وعم فضله جميع الأنام، بما أنعم على عباده من الخلق ~~والرزق والهداية إلى سعادة الدارين، فهو الرب الجليل عظيم الرحمة دائم ~~الإحسان { ملك يوم الدين } أي هو سبحانه المالك للجزاء ~~والحساب، المتصرف في يوم الدين تصرف المالك في ملكه # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله # [الانفطار: 19] { إياك نعبد وإياك نستعين } أي نخصك ~~يا ألله بالعبادة، ونخصك بطلب الإعانة، فلا نعبد أحدا سواك، لك وحدك ~~نذل ونخضع ونستكين ونخشع، وإياك ربنا نستعين على طاعتك ومرضاتك، ~~فإنك المستحق لكل إجلال وتعظيم، ولا يملك القدرة على عوننا أحد سواك { ~~اهدنا الصراط المستقيم } أي دلنا وأرشدنا يا رب إلى طريقك ~~الحق ودينك المستقيم، وثبتنا على الإسلام الذي بعثت به أنبياءك ورسلك، ~~وأرسلت به خاتم المرسلين، واجعلنا ممن سلك طريق المقربين { صراط ~~الذين أنعمت عليهم } أي طريق من تفضلت عليهم بالجود ~~والإنعام، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك ~~رفيقا { غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } أي لا ~~تجعلنا يا ألله من زمرة أعدائك الحائدين عن الصراط المستقيم، السالكين ~~غير المنهج القويم، من اليهود المغضوب عليهم أو النصارى الضالين، الذين ~~ضلوا عن شريعتك القدسية، فاستحقوا الغضب واللعنة الأبدية. # اللهم آمين. # البلاغة: 1- { الحمد لله } الجملة خبرية لفظا إنشائية معنى ~~أي قولوا " الحمد لله " وهي مفيدة لقصر الحمد عليه تعالى كقولهم: الكرم ~~في العرب. 2 - { إياك نعبد وإياك نستعين } فيه إلتفات ~~من الغيبة إلى الخطاب ولو جرى الكلام على الأصل لقال: إياه نعبد، ~~وتقديم المفعول يفيد القصر أي لا نعبد سواك كما في قوله: # وإيي فارهبون # [البقرة: 40] 3 - قال في البحر المحيط: وفي هذه السورة الكريمة من أنواع ~~الفصاحة والبلاغة أنواع: # الأول: حسن الافتتاح وبراعة المطلع. # الثاني: المبالغة في الثناء لإفادة " أل " الاستغراق. # الثالث: تلوين الخطاب إذ صيغته الخبر ومعناه الأمر أي قولوا الحمد لله. # الرابع: الاختصاص في قوله { لله } # الخامس: الحذف كحذف صراط من قوله { غير المغضوب عليهم } ~~تقديره غير صراط المغضوب عليهم وغير صراط الضالين. # السادس: التقديم والتأخير في { إياك نعبد ms0003 }. # السابع: التصريح بعد الإبهام { الصراط المستقيم } ثم فسره ~~بقوله: { صراط الذين أنعمت عليهم }. # الثامن: الالتفات في { إياك نعبد وإياك نستعين }. # التاسع: طلب الشيء والمراد به دوامه واستمراره في { اهدنا الصراط ~~} أي ثبتنا عليه. # العاشر: السجع المتوازي في قوله: { الرحمن الرحيم * ~~الصراط المستقيم } وقوله { نستعين * * الضآلين }. # الفوائد: الأولى: الفرق بين { الله } و { الإله } أن الأول اسم علم ~~للذات المقدسة ذات الباري جل وعلا ومعناه المعبود بحق والثاني معناه ~~المعبود بحق أو باطل فهو اسم يطلق على الله تعالى وعلى غيره. # الثانية: وردت الصيغة بلفظ الجمع " نعبد ونستعين " ولم يقل " إياك أعبد ~~وإياك أستعين " بصيغة المفرد وذلك للإعتراف بقصور العبد عن الوقوف في ~~باب ملك الملوك فكأنه يقول: أنا يا رب العبد الحقير الذليل، لا يليق بي ~~أن أقف هذا الموقف في مناجاتك بمفردي، بل أنضم إلى سلك المؤمنين ~~الموحدين فتقبل دعائي في زمرتهم فنحن جميعا نعبدك ونستعين بك. # الثالثة: نسب النعمة إلى الله عز وجل { أنعمت عليهم } ولم ~~ينسب إليه الإضلال والغضب فلم يقل: غضبت عليهم أو الذين أضللتهم وذلك ~~لتعليم العباد الأدب مع الله تعالى، فالشر لا ينسب إلى الله تعالى أدبا ~~وإن كان منه تقديرا " الخير كله بيديك والشر لا ينسب إليك ". # خاتمة # في بيان الأسرار القدسية في فاتحة الكتاب العزيز # يقول شهيد الإسلام الشيخ حسن البنا في رسالته القيمة " مقدمة في ~~التفسير " ما نصه: " لا شك أن من تدبر الفاتحة الكريمة رأى من غزارة ~~المعاني وجمالها، وروعة التناسب وجلاله ما يأخذ بلبه، ويضيء جوانب قلبه، ~~فهو يبتدئ ذاكرا تاليا متيمنا باسم الله، الموصوف بالرحمة التي تظهر ~~آثار رحمته متجددة في كل شيء، فإذا استشعر هذا المعنى ووقر في نفسه ~~انطلق لسانه بحمد هذا الإله { الرحمن الرحيم } وذكره الحمد ~~بعظيم نعمه وكريم فضله، وجميل آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعا، ~~فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له، ثم تذكر من جديد أن هذه ~~النعم الجزيلة والتربية الجليلة، ليست عن رغبة ولا رهبة، ولكنها عن تفضل ~~ورحمة، فنطق ms0004 لسانه مرة ثانية ب { الرحمن الرحيم } ومن كمال ~~هذا الإله العظيم أن يقرن الرحمن ب " العدل " ويذكر بالحساب بعد الفضل ~~فهو مع رحمته السابغة المتجددة سيدين عباده ويحاسب خلقه يوم الدين # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله # [الانفطار: 19] فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب ~~بالعدالة والحساب { ملك يوم الدين } وإذا كان الأمر كذلك فقد ~~أصبح العبد مكلفا بتحري الخير، والبحث عن وسائل النجاة، وهو في هذا أشد ~~ما يكون حاجة إلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إلى الصراط المستقيم، ~~وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه فليلجأ إليه وليعتمد عليه وليخاطبه ~~بقوله { إياك نعبد وإياك نستعين } وليسأله الهداية من ~~فضله إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، ~~غير المغضوب عليهم بالسلب بعد العطاء، والنكوص بعد الاهتداء، وغير ~~الضالين التائهين، الذين يضلون عن الحق أو يريدون الوصول إليه فلا ~~يوفقون للعثور عليه، آمين. ولا جرم أن " آمين " براعة مقطع في غاية ~~الجمال والحسن، وأي شيء أولى بهذه البراعة من فاتحة الكتاب، والتوجه إلى ~~الله بالدعاء؟ فهل رأيت تناسقا أدق، أو ارتباطا أوثق، مما تراه بين ~~معاني هذه الآية الكريمة؟ وتذكر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه في الحديث القدسي # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل.. " # الحديث وأدم هذا التدبير والإنعام، واجتهد أن تقرأ في الصلاة وغيرها ~~على مكث وتمهل، وخشوع وتذلل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطي التلاوة ~~حقها من التجويد أو النغمات، من غير تكلف ولا تطريب، واشتغال بالألفاظ عن ~~المعاني، فإن ذلك يعين على الفهم، ويثير ما غاض من شآبيب الدمع، وما نفع ~~القلب شيء أفضل من تلاوة في تدبر وخشوع ". ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-5] # التفسير: ابتدأت السورة الكريمة بذكر أوصاف المتقين، وابتداء السورة ~~بالحروف المقطعة { الم } وتصديرها بهذه الحروف الهجائية يجذب أنظار ~~المعرضين عن هذا القرآن، إذ يطرق أسماعهم لأول وهلة ألفاظ غير مألوفة ~~في تخاطبهم، فينتبهوا ms0005 إلى ما يلقى إليهم من آيات بينات، وفي هذه ~~الحروف وأمثالها تنبيه على " إعجاز القرآن " فإن هذا الكتاب منظوم من ~~عين ما ينظمون منه كلامهم، فإذا عجزوا عن الإتيان بمثله، فذلك أعظم ~~برهان على إعجاز القرآن. يقول العلامة ابن كثير رحمه الله: إنما ذكرت ~~هذه الحروف في أوائل السور بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن ~~معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، ~~وهو قول جمع من المحققين، وقد قرره الزمخشري في تفسيره الكشاف ونصره أتم ~~نصر، وإليه ذهب الإمام " ابن تيمية " ثم قال: ولهذا كل سورة افتتحت ~~بالحروف، فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته ~~مثل { الم * ذلك الكتاب } # المص * كتاب أنزل إليك # [الأعراف: 1-2] # الم * تلك آيات الكتاب الحكيم # [لقمان: 1-2] # حم * والكتاب المبين * إنآ أنزلناه في ليلة ~~مباركة إنا كنا منذرين # [الدخان: 1-3] وغير ذلك من الآيات الدالة على إعجاز القرآن. ثم قال ~~تعالى { ذلك الكتاب لا ريب فيه } أي هذا القرآن المنزل عليك ~~يا محمد هو الكتاب الذي لا يدانيه كتاب { لا ريب فيه } أي لا شك ~~في أنه من عند الله لمن تفكر وتدبر، أو ألقى السمع وهو شهيد { هدى ~~للمتقين } أي هاد للمؤمنين المتقين، الذين يتقون سخط الله ~~بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويدفعون عذابه بطاعته، قال ابن عباس: ~~المتقون هم الذين يتقون الشرك، ويعملون بطاعة الله، وقال الحسن البصري: ~~اتقوا ما حرم عليهم، وأدوا ما افترض عليهم.. ثم بين تعالى صفات ~~هؤلاء المتقين فقال { الذين يؤمنون بالغيب } أي يصدقون بما ~~غاب عنهم ولم تدركه حواسهم من البعث، والجنة، والنار، والصراط، والحساب، ~~وغير ذلك من كل ما أخبر عنه القرآن أو النبي عليه الصلاة والسلام { ~~ويقيمون الصلوة } أي يؤدونها على الوجه الأكمل بشروطها ~~وأركانها، وخشوعها وآدابها قال ابن عباس: إقامتها: إتمام الركوع ~~والسجود والتلاوة والخشوع { ومما رزقناهم ينفقون } أي ومن ~~الذي أعطيناهم من الأموال ينفقون ويتصدقون في وجوه البر والإحسان، ~~والآية عامة تشمل الزكاة، والصدقة، وسائر النفقات، ms0006 وهذا اختيار ابن جرير، ~~وروي عن ابن عباس أن المراد بها زكاة الأموال، قال ابن كثير: كثيرا ما ~~يقرن تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال، لأن الصلاة حق الله وهي ~~مشتملة على توحيده وتمجيده والثناء عليه، والإنفاق هو الإحسان إلى ~~المخلوقين وهو حق العبد، فكل من النفقات الواجبة، والزكاة المفروضة داخل ~~في الآية الكريمة { والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك } أي ~~يصدقون بكل ما جئت به عن الله تعالى { ومآ أنزل من قبلك } أي ~~وبما جاءت به الرسل من قبلك، لا يفرقون بين كتب الله ولا بين رسله { ~~وبالآخرة هم يوقنون } أي ويعتقدون اعتقادا جازما لا يلابسه ~~شك أو ارتياب بالدار الآخرة التي تتلو الدنيا، بما فيها من بعث وجزاء، ~~وجنة، ونار، وحساب، وميزان، وإنما سميت الدار الآخرة لأنها بعد الدنيا ~~{ أولئك على هدى من ربهم } أي أولئك المتصفون بما ~~تقدم من الصفات الجليلة، على نور وبيان وبصيرة من الله { وأولئك ~~هم المفلحون } أي وأولئك هم الفائزون بالدرجات العالية في جنات ~~النعيم. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- المجاز العقلي { هدى للمتقين } أسند الهداية للقرآن وهو من ~~الإسناد للسبب، والهادي في الحقيقة هو الله رب العالمين ففيه مجاز ~~عقلي. # 2 - الإشارة بالبعيد عن القريب { ذلك الكتاب } للإيذان بعلو ~~شأنه، وبعد مرتبته في الكمال، فنزل بعد المرتبة منزلة البعد الحسي. # 3 - تكرير الإشارة { أولئك على هدى } { وأولئك ~~هم المفلحون } للعناية بشأن المتقين، وجيء بالضمير { هم } ~~ليفيد الحصر كأنه قال: هم المفلحون لا غيرهم. # 4 - التيئيس من إيمان الكفار { سوآء عليهم أأنذرتهم ~~أم لم تنذرهم لا يؤمنون } فالجملة سيقت للتنبيه على ~~غلوهم في الكفر والطغيان، وعدم استعدادهم للإيمان، ففيها تيئيس وإقناط ~~من إيمانهم. # 5 - الاستعارة التصريحية اللطيفة { ختم الله على قلوبهم } ~~شبه قلوبهم لتأبيها عن الحق، وأسماعهم وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور ~~الهداية، بالوعاء المختوم عليه، المسدود منافذه، المغشى بغشاء يمنع أن ~~يصله ما يصلحه، واستعار لفظ الختم والغشاوة لذلك بطريق الاستعارة ~~التصريحية. ### || [2.6-7] # المناسبة: لما ذكر تعالى ms0007 صفات المؤمنين في الآيات السابقة، أعقبها ~~بذكر صفات الكافرين، ليظهر الفارق الواضح بين الصنفين، على طريقة القرآن ~~الكريم في المقارنة بين الأبرار والفجار، والتمييز بين أهل السعادة وأهل ~~الشقاوة " وبضدها تتميز الأشياء ". # التفسير: { إن الذين كفروا } أي إن الذين جحدوا بآيات الله ~~وكذبوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم { سوآء عليهم } أي يتساوى ~~عندهم { أأنذرتهم أم لم تنذرهم } أي سواء أحذرتهم يا ~~محمد من عذاب الله وخوفتهم منه أم لم تحذرهم { لا يؤمنون } أي لا ~~يصدقون بما جئتهم به، فلا تطمع في إيمانهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، ~~وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه له... ثم بين ~~تعالى العلة في سبب عدم الإيمان فقال { ختم الله على ~~قلوبهم } أي طبع على قلوبهم فلا يدخل فيها نور، ولا يشرق فيها ~~إيمان قال المفسرون: الختم التغطية والطبع، وذلك أن القلوب إذا كثرت ~~عليها الذنوب طمست نور البصيرة فيها، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ~~ولا للكفر عنها مخلص كما قال تعالى: # بل طبع الله عليها بكفرهم # [النساء: 155] { وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ~~} أي وعلى أسماعهم وعلى أبصارهم غطاء، فلا يبصرون هدى، ولا يسمعون ولا ~~يفقهون ولا يعقلون، لأن أسماعهم وأبصارهم كأنها مغطاة بحجب كثيفة، لذلك ~~يرون الحق فلا يتبعونه، ويسمعونه فلا يعونه قال أبو حيان: شبه تعالى ~~قلوبهم لتأبيها عن الحق، وأسماعهم لإضرابها عن سماع داعي الفلاح، ~~وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور الهداية، بالوعاء المختوم عليه، المسدود ~~منافذه، المغطى بغشاء يمنع أن يصله ما يصلحه، وذلك لأنها كانت - مع ~~صحتها وقوة إدراكها - ممنوعة عن قبول الخير وسماعه، وتلمح نوره، وهذا ~~بطريق الاستعارة { ولهم عذاب عظيم } أي ولهم في الآخرة عذاب ~~شديد لا ينقطع، بسبب كفرهم وإجرامهم وتكذيبهم بآيات الله. ### || [2.8-20] # المناسبة: لما ذكر تعالى في أول السورة صفات المؤمنين، وأعقبها بذكر ~~صفات الكافرين، ذكر هنا " المنافقين " وهم الصنف الثالث، الذين يظهرون ~~الإيمان ويبطنون الكفر، وأطنب بذكرهم في ثلاث عشرة آية لينبه إلى عظيم ~~خطرهم، وكبير ضررهم، ثم عقب ms0008 ذلك بضرب مثلين زيادة في الكشف والبيان، ~~وتوضيحا لما تنطوي عليه نفوسهم من ظلمة الضلال والنفاق، وما يئول إليه ~~حالهم من الهلاك والدمار. # اللغة: { يخادعون } الخداع: المكر والاحتيال وإظهار خلاف ~~الباطن، وأصله الإخفاء ومنه سمي الدهر خادعا لما يخفي من غوائله، ~~وسمي المخدع مخدعا لتستر أصحاب المنزل فيه { مرض } المرض: ~~السقم وهو ضد الصحة وقد يكون حسيا كمرض الجسم، أو معنويا كمرض ~~النفاق ومرض الحسد والرياء، قال ابن فارس: المرض كل ما خرج به ~~الإنسان عن حد الصحة من علة، أو نفاق، أو تقصير في أمر { تفسدوا } ~~الفساد: العدول عن الاستقامة وهو ضد الصلاح { السفهآء } جمع سفيه ~~وهو الجاهل، الضعيف الرأي، القليل المعرفة، بمواضع المنافع والمضار، وأصل ~~السفه، الخفة، والسفيه: الخفيف العقل قال علماء اللغة: السفه خفة ~~وسخافة رأي يقتضيان نقصان العقل، والحلم يقابله { طغيانهم } ~~الطغيان: مجاوزة الحد في كل شيء ومنه # إنا لما طغا المآء # [الحاقة: 11] أي ارتفع وعلا وجاوز حده، والطاغية: الجبار العنيد { ~~يعمهون } العمه: التحير والتردد في الشيء يقال: عمه يعمه ~~فهو عمه قال رؤبة: " أعمى الهدى بالحائرين العمه " قال الفخر ~~الرازي: العمه مثل العمى، إلا أن العمى عام في البصر والرأي، ~~والعمه في الرأي خاصة، وهو التردد والتحير لا يدري أين يتوجه { ~~اشتروا } حقيقة الاشتراء: الاستبدال، وأصله بذل الثمن لتحصيل الشيء ~~المطلوب، والعرب تقول لمن استبدل شيئا بشيء اشتراه قال الشاعر: # فإن تزعميني كنت أجهل فيكم # فإني اشتريت الحلم بعدك بالجهل # { صم } جمع أصم وهو الذي لا يسمع { بكم } جمع أبكم وهو الأخرس ~~الذي لا ينطق { عمي } جمع أعمى وهو الذي فقد بصره { صيب } ~~الصيب: المطر الغزير مأخوذ من الصوب وهو النزول بشدة قال الشاعر " ~~سقتك روايا المزن حيث تصوب " { الصواعق } جمع صاعقة وهي نار ~~محرقة لا تمر بشيء إلا أتت عليه، مشتقة من الصعق وهو شدة الصوت { ~~السمآء } السماء في اللغة: كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف ~~البيت سماء، ويسمى المطر سماء لنزوله من السماء قال الشاعر: # إذا سقط السماء بأرض قوم # رعيناه وإن ms0009 كانوا غضابا # { يخطف } الخطف: الأخذ بسرعة ومنه # إلا من خطف الخطفة # [الصافات: 10] وسمي الطير خطافا لسرعته، والخاطف الذي يأخذ الشيء ~~بسرعة شديدة. # سبب النزول: قال ابن عباس: نزلت هذه الآيات في منافقي أهل الكتاب ~~منهم " عبد الله بن أبي ابن سلول، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس " كانوا ~~إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون: إنا لنجد في ~~كتابنا نعته وصفته. # التفسير: { ومن الناس من يقول آمنا بالله } أي ومن ~~الناس فريق يقولون بألسنتهم صدقنا بالله وبما أنزل على رسوله من الآيات ~~البينات { وباليوم الآخر } أي وصدقنا بالبعث والنشور { وما ~~هم بمؤمنين } أي وما هم على الحقيقة بمصدقين ولا مؤمنين، لأنهم ~~يقولون ذلك قولا دون اعتقاد، وكلاما دون تصديق قال البيضاوي: هذا هو ~~القسم الثالث المذبذب بين القسمين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله، لأنهم موهوا الكفر وخلطوا ~~به خداعا واستهزاء، ولذلك أطال في بيان خبثهم وجهلهم، واستهزأ بهم ~~وتهكم بأفعالهم، وسجل عليهم الضلال والطغيان، وضرب لهم الأمثال { ~~يخادعون الله والذين آمنوا } أي يعملون عمل المخادع ~~بإظهار ما أظهروه من الإيمان مع إصرارهم على الكفر، يعتقدون - بجهلهم ~~- أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما قد ~~يروج على بعض المؤمنين، وما علموا أن الله لا يخدع لأنه لا تخفى عليه ~~خافية قال ابن كثير: النفاق هو إظهار الخير، وإسرار الشر وهو أنواع: ~~اعتقادي وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي وهو من أكبر الذنوب ~~والأوزار، لأن المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، وإنما نزلت ~~صفات المنافقين في السور المدنية لأن مكة لم يكن بها نفاق بل كان خلافه { ~~وما يخدعون إلا أنفسهم } أي وما يخدعون في الحقيقة إلا ~~أنفسهم لأن وبال فعلهم راجع عليهم { وما يشعرون } أي ولا ~~يحسون بذلك ولا يفطنون إليه، لتمادي غفلتهم، وتكامل حماقتهم { في ~~قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا } أي في قلوبهم شك ونفاق ~~فزادهم الله رجسا فوق رجسهم، وضلالا فوق ضلالهم، والجملة دعائية قال ms0010 ~~ابن أسلم: هذا مرض في الدين، وليس مرضا في الجسد، وهو الشك الذي دخلهم ~~في الإسلام فزادهم الله رجسا وشكا { ولهم عذاب أليم بما ~~كانوا يكذبون } أي ولهم عذاب مؤلم بسبب كذبهم في دعوى الإيمان، ~~واستهزائهم بآيات الرحمن.. ثم شرع تعالى في بيان قبائحهم، وأحوالهم ~~الشنيعة فقال { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } أي ~~وإذا قال لهم بعض المؤمنين: لا تسعوا في الأرض بالإفساد بإثارة الفتن، ~~والكفر والصد عن سبيل الله قال ابن مسعود: الفساد في الأرض هو ~~الكفر، والعمل بالمعصية، فمن عصى الله فقد أفسد في الأرض { قالوا ~~إنما نحن مصلحون } أي ليس شأننا الإفساد أبدا، وإنما نحن ~~أناس مصلحون، نسعى للخير والصلاح فلا يصح مخاطبتنا بذلك قال البيضاوي: ~~تصوروا الفساد بصورة الصلاح، لما في قلوبهم من المرض فكانوا كمن قال ~~الله فيهم # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا # [فاطر: 8] ولذلك رد الله عليهم أبلغ رد بتصدير الجملة بحرفي ~~التأكيد { ألا } المنبهة و { إن } المقررة، وتعريف الخبر، وتوسيط ~~الفصل، والاستدراك بعدم الشعور فقال { ألا إنهم هم ~~المفسدون ولكن لا يشعرون } أي ألا فانتبهوا أيها ~~الناس، إنهم هم المفسدون حقا لا غيرهم، ولكن لا يفطنون ولا يحسون، ~~لانطماس نور الإيمان في قلوبهم { وإذا قيل لهم آمنوا كمآ ~~آمن الناس } أي وإذا قيل للمنافقين: آمنوا إيمانا صادقا لا ~~يشوبه نفاق ولا رياء، كما آمن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وأخلصوا ~~في إيمانكم وطاعتكم لله { قالوا أنؤمن كمآ آمن ~~السفهآء } الهمزة للإنكار مع السخرية والاستهزاء أي قالوا أنؤمن ~~كإيمان هؤلاء الجهلة أمثال " صهيب، وعمار، وبلال " ناقصى العقل ~~والتفكير؟! قال البيضاوي: وإنما سفهوهم لاعتقادهم فساد رأيهم، أو ~~لتحقير شأنهم، فإن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي كصهيب وبلال { ~~ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا يعلمون } أي ألا ~~إنهم هم السفهاء حقا، لأن من ركب متن الباطل كان سفيها بلا امتراء، ~~ولكن لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أبلغ في العمى، والبعد عن ~~الهدى. # أكد ونبه وحصر السفاهة فيهم، ثم قال ms0011 تعالى منبها إلى مصانعتهم ~~ونفاقهم { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } أي ~~وإذا رأوا المؤمنين وصادفوهم أظهروا لهم الإيمان والموالاة نفاقا ~~ومصانعة { وإذا خلوا إلى شياطينهم } أي وإذا انفردوا ~~ورجعوا إلى رؤسائهم وكبرائهم، أهل الضلال والنفاق { قالوا إنا ~~معكم إنما نحن مستهزئون } أي قالوا لهم نحن على دينكم ~~وعلى مثل ما أنتم عليه من الاعتقاد، وإنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم ~~بإظهار الإيمان، قال تعالى ردا عليهم { الله يستهزىء بهم ~~} أي الله يجازيهم على استهزائهم بالإمهال ثم بالنكال قال ابن عباس: ~~يسخر بهم للنقمة منهم ويملي لهم كقوله # وأملي لهم إن كيدي متين # [الأعراف: 183] قال ابن كثير: هذا إخبار من الله أنه مجازيهم جزاء ~~الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج الخبر عن الجزاء مخرج الخبر عن ~~الفعل الذي استحقوا العقاب عليه، فاللفظ متفق والمعنى مختلف، وإليه ~~وجهوا كل ما في القرآن من نظائر مثل # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] ومثل # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # [البقرة: 194] فالأول ظلم والثاني عدل { ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون } أي ويزيدهم - بطريق الإمهال والترك - في ~~ضلالهم وكفرهم يتخبطون ويترددون حيارى، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا ~~لأن الله طبع على قلوبهم وأعمى أبصارهم، فلا يبصرون رشدا ولا يهتدون ~~سبيلا { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } ~~أي استبدلوا الكفر بالإيمان، وأخذوا الضلالة ودفعوا ثمنها الهدى { ~~فما ربحت تجارتهم } أي ما ربحت صفقتهم في هذه المعارضة ~~والبيع { وما كانوا مهتدين } أي وما كانوا راشدين في صنيعهم ~~ذلك، لأنهم خسروا سعادة الدارين، ثم ضرب تعالى مثلين وضح فيهما خسارتهم ~~الفادحة فقال { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } أي ~~مثالهم في نفاقهم وحالهم العجيبة فيه كحال شخص أوقد نارا ليستدفئ بها ~~ويستضيء، فما اتقدت حتى انطفأت، وتركته في ظلام دامس وخوف شديد { ~~فلمآ أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم } أي فلما ~~أنارت المكان الذي حوله فأبصر وأمن، واستأنس بتلك النار المشعة المضيئة ~~ذهب الله بنورهم أي أطفأها الله بالكلية، فتلاشت النار وعدم النور { ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون } أي وأبقاهم في ظلمات ~~كثيفة ms0012 وخوف شديد، يتخبطون فلا يهتدون قال ابن كثير: ضرب الله للمنافقين ~~هذا المثل، فشبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة ~~إلى العمى، بمن استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها، وتأنس بها ~~وأبصر ما عن يمينه وشماله. # . فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، ~~فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضا عن الهدى، واستحبابهم ~~الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، ولذلك ~~ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات الشك والكفر والنفاق لا يهتدون إلى ~~سبيل خير، ولا يعرفون طريق النجاة { صم } أي هم كالصم لا يسمعون ~~خيرا { بكم } أي كالخرس لا يتكلمون بما ينفعهم { عمي } أي كالعمي ~~لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله { فهم لا يرجعون } أي لا ~~يرجعون عما هم فيه من الغي والضلال، ثم ثنى تعالى بتمثيل آخر لهم ~~زيادة في الكشف والإيضاح فقال { أو كصيب من السمآء } أي ~~أو مثلهم في حيرتهم وترددهم كمثل قوم أصابهم مطر شديد، أظلمت له الأرض، ~~وأرعدت له السماء، مصحوب بالبرق والرعد والصواعق { فيه ظلمات ~~ورعد وبرق } أي في ذلك السحاب ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق ~~خاطف { يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق } ~~أي يضعون رءوس أصابعهم في آذانهم لدفع خطر الصواعق، وذلك من فرط الدهشة ~~والفزع كأنهم يظنون أن ذلك ينجيهم { حذر الموت } أي خشية الموت من ~~تلك الصواعق المدمرة { والله محيط بالكافرين } جملة اعتراضية ~~أي والله تعالى محيط بهم بقدرته، وهم تحت إرادته ومشيئته لا يفوتونه، ~~كما لا يفوت من أحاط به الأعداء من كل جانب { يكاد البرق ~~يخطف أبصارهم } أي يقارب البرق لشدته وقوته وكثرة لمعانه أن ~~يذهب بأبصارهم فيأخذها بسرعة { كلما أضآء لهم مشوا فيه ~~} أي كلما أنار لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه { وإذآ أظلم ~~عليهم قاموا } أي وإذا اختفى البرق وفتر لمعانه وقفوا عن السير ~~وثبتوا في مكانهم.. وفي هذا تصوير لما هم فيه من غاية التحير والجهل، ~~فإذا صادفوا من البرق ms0013 لمعة - مع خوفهم أن يخطف أبصارهم - انتهزوها فرصة ~~فخطوا خطوات يسيرة، وإذا خفي وفتر لمعانه وقفوا عن السير، وثبتوا ~~في أماكنهم خشية التردي في حفرة { ولو شآء الله لذهب ~~بسمعهم وأبصارهم } أي لو أراد الله لزاد في قصف الرعد ~~فأصمهم وذهب بأسماعهم، وفي ضوء البرق فأعماهم وذهب بأبصارهم { إن ~~الله على كل شيء قدير } أي إنه تعالى قادر على كل شيء، ~~لا يعجزه أحد في الأرض ولا في السماء، قال ابن جرير: إنما وصف تعالى ~~نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذر المنافقين بأسه ~~وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قادر. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البلاغة والبديع نوجزها ~~فيما يلي: # أولا: المبالغة في التكذيب لهم { وما هم بمؤمنين } كان الأصل ~~أن يقول: " وما آمنو " ليطابق قوله " من يقول آمنا " ولكنه عدل عن الفعل ~~إلى الاسم لإخراج ذواتهم من عداد المؤمنين وأكده بالباء للمبالغة في نفي ~~الإيمان عنهم. # ثانيا: الاستعارة التمثيلية { يخادعون الله } شبه حالهم مع ~~ربهم في إظهار الإيمان وإخفاء الكفر بحال رعية تخادع سلطانها واستعير ~~اسم المشبه به للمشبه بطريق الاستعارة. # ثالثا: صيغة القصر { إنما نحن مصلحون } وهذا من نوع " قصر ~~الموصوف على الصفة " أي نحن مصلحون ليس إلا. # رابعا: الكناية اللطيفة { في قلوبهم مرض } المرض في الأجسام ~~حقيقة وقد كنى به عن النفاق لأن المرض فساد للبدن، والنفاق فساد للقلب. # خامسا: تنويع التأكيد { ألا إنهم هم المفسدون } جاءت ~~الجملة مؤكدة بأربع تأكيدات { ألا } التي تفيد التنبيه، و { إن } ~~التي هي للتأكيد، وضمير الفصل { هم } ثم تعريف الخبر { المفسدون ~~} ومثلها في التأكيد { ألا إنهم هم السفهآء } وهذا رد من ~~الله تعالى عليهم بأبلغ رد وأحكمه. # سادسا: المشاكلة { الله يستهزىء بهم } سمى الجزاء على ~~الاستهزاء استهزاء بطريق المشاكلة وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في ~~المعنى. # سابعا: الاستعارة التصريحية { اشتروا الضلالة بالهدى } ~~المراد استبدلوا الغي بالرشاد، والكفر بالإيمان فخسرت صفقتهم ولم تربح ~~تجارتهم فاستعار لفظ الشراء للاستبدال ثم زاده توضيحا بقوله { فما ms0014 ~~ربحت تجارتهم } وهذا هو الترشيح الذي يبلغ بالاستعارة الذروة ~~العليا. # ثامنا: التشبيه التمثيلي { مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا } وكذلك في { أو كصيب من السمآء فيه ظلمات } ~~شبه في المثال الأول المنافق بالمستوقد للنار، وإظهاره الإيمان ~~بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، وفي المثال الثاني شبه ~~الإسلام بالمطر لأن القلوب تحيا به كحياة الأرض بالماء، وشبه شبهات ~~الكفار بالظلمات، وما في القرآن من الوعد والوعيد بالرعد والبرق.. الخ. # تاسعا: التشبيه البليغ { صم بكم عمي } أي هم كالصم البكم ~~العمي في عدم الاستفادة من هذه الحواس حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه ~~فأصبح بليغا. # عاشرا: المجاز المرسل { يجعلون أصابعهم في آذانهم } ~~وهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء أي رؤوس أصابعهم لأن دخول الأصبع كلها في ~~الأذن لا يمكن. # الحادي عشر: توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات، وهذا له وقع في الأذن ~~حسن، وأثر في النفس رائع مثل { ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون } { إنما نحن مصلحون } { ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون } الخ وهو من المحسنات البديعية. # الفوائد: الأولى: الغاية من ضرب المثل: تقريب البعيد، وتوضيح الغامض ~~حتى يصبح كالأمر المشاهد المحسوس، وللأمثال تأثير عجيب في النفس # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # [العنكبوت: 43]. # الثانية: وصف تعالى المنافقين في هذه الآيات بعشرة أوصاف كلها شنيعة ~~وقبيحة تدل على رسوخهم في الضلال وهي (الكذب، الخداع، المكر، السفه، ~~الاستهزاء، الإفساد في الأرض، الجهل، الضلال، التذبذب، السخرية ~~بالمؤمنين) أعاذنا الله من صفات المنافقين. # الثالثة: حكمة كفه عليه الصلاة والسلام عن قتل المنافقين مع أنهم كفار ~~وعلمه صلى الله عليه وسلم بأعيان بعضهم ما أخرجه البخاري أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لعمر: # " أكره أن يتحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه ". # لطيفة: قال العلامة ابن القيم: تأمل قوله تعالى { ذهب الله ~~بنورهم } ولم يقل: " ذهب الله بنارهم " مع أنه مقتضى السياق ليطابق ~~أول الآية { استوقد نارا } فإن النار فيها إشراق وإحراق، ~~فذهب الله بما فيها من الإشراق وهو " النور " وأبقى ما فيها من الإحراق ~~وهو " النارية "!! وتأمل كيف ms0015 قال { بنورهم } ولم يقل بضوئهم، لأن ~~الضوء زيادة في النور، فلو قيل: ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة ~~فقط دون الأصل!! وتأمل كيف قال { ذهب الله بنورهم } فوحد ~~النور ثم قال { وتركهم في ظلمات } فجمعها، فإن الحق واحد ~~هو صراط الله المستقيم، الذي لا صراط يوصل سواه، بخلاف طرق الباطل ~~فإنها متعددة ومتشعبة، ولهذا أفرد سبحانه " الحق " وجمع " الباطل " في ~~آيات عديدة مثل قوله تعالى # ويخرجهم من الظلمات إلى النور # [المائدة: 16] وقوله # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام: 1] وقوله # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام: 153] فجمع سبل الباطل ووحد سبيل الحق. ### || [2.21-25] # المناسبة: لما ذكر تعالى الأصناف الثلاثة " المؤمنين، والكافرين، ~~والمنافقين " وذكر ما تميزوا به من سعادة أو شقاوة، أو إيمان أو نفاق، ~~وضرب الأمثال ووضح طرق الضلال أعقبه هنا بذكر الأدلة والبراهين على ~~وحدانية رب العالمين، وعرف الناس بنعمه ليشكروه عليها، وأقبل عليهم ~~بالخطاب { ياأيها الناس } وهو خطاب لجميع الفئات ممتنا عليهم ~~بما خلق ورزق، وأبرز لهم " معجزة القرآن " بأنصع بيان وأوضح برهان، ~~ليقتلع من القلوب جذور الشك والارتياب. # اللغة: { خلقكم } الخلق: الإيجاد والاختراع بلا مثال، وأصله في ~~اللغة التقدير يقال: خلق النعل إذا قدرها وسواها بالمقياس، وخلق ~~الأديم للسقاء إذا قدره قال الحجاج " ما خلقت إلا فريت، ولا وعدت ~~إلا وفيت " أي ما قدرت شيئا إلا أمضيته، ولا وعدت بشيء إلا وفيت به. ~~{ فراشا } الفراش: الوطاء والمهاد الذي يقعد عليه الإنسان وينام { ~~بنآء } البناء: ما يبنى من قبة أو خباء أو بيت { أندادا } جمع ~~ند وهو الكفء والمثيل والنظير ومنه قول علماء التوحيد " ليس لله ند ~~ولا ضد " قال حسان: # أتهجوه ولست له بند # فشركما لخيركما الفداء # وقال الزمخشري: " الند: المثل ولا يقال إلا للمخالف المناوئ قال ~~جرير: أتيما تجعلون إلى ندا؟ { وقودها } الوقود: الحطب الذي ~~توقد به النار قال القرطبي: الوقود بالفتح الحطب، وبالضم مصدر بمعنى ~~التوقد { أعدت } هيئت، وأعددنا هيأنا قال البيضاوي: { أعدت } ~~هيئت لهم وجعلت عدة لعذابهم { وبشر } البشارة: الخبر ms0016 السار ~~الذي يتغير به بشرة الوجه من السرور، وإذا استعمل في الشر فهو تهكم مثل # فبشرهم بعذاب أليم # [الانشقاق: 24] { أزواج } جمع زوج ويطلق على الذكر والأنثى # اسكن أنت وزوجك الجنة # [البقرة: 35] فالمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة قال الأصمعي: لا ~~تكاد العرب تقول زوجة { خالدون } باقون دائمون. # التفسير: يقول تعالى منبها العباد إلى دلائل القدرة والوحدانية { ~~ياأيها الناس اعبدوا ربكم } أي يا معشر بني آدم اذكروا ~~نعم الله الجليلة عليكم، واعبدوا الله ربكم الذي رباكم وأنشأكم بعد ~~أن لم تكونوا شيئا، اعبدوه بتوحيده، وشكره، وطاعته { الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم } أي الذي أوجدكم بقدرته من العدم، وخلق من ~~قبلكم من الأمم { لعلكم تتقون } أي لتكونوا في زمرة المتقين، ~~الفائزين بالهدى والفلاح قال البيضاوي: لما عدد تعالى فرق المكلفين، ~~أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات، هزا للسامع، وتنشيطا له، ~~واهتماما بأمر العبادة وتفخيما لشأنها، وإنما كثر النداء في القرآن ب ~~{ ياأيها } لاستقلاله بأوجه من التأكيد، وكل ما نادى الله له ~~عباده من حيث إنها أمور عظام من حقها أن يتفطنوا لها، ويقبلوا بقلوبهم ~~عليها وأكثرهم عنها غافلون حقيق بأن ينادى له بالآكد الأبلغ، ثم ~~عدد تعالى نعمه عليهم فقال { الذي جعل لكم الأرض ~~فراشا } أي جعلها مهادا وقرارا، تستقرون عليها وتفترشونها كالبساط ~~المفروش مع كرويتها، وإلا ما أمكنكم العيش والاستقرار عليها قال ~~البيضاوي: جعلها مهيأة لأن يقعدوا ويناموا عليها كالفراش المبسوط، وذلك ~~لا يستدعي كونها مسطحة لأن كروية شكلها مع عظم حجمها لا يأبى الافتراش ~~عليها { والسماء بنآء } أي سقفا للأرض مرفوعا فوقها كهيئة ~~القبة { وأنزل من السمآء مآء } أي مطرا عذبا فراتا أنزله ~~بقدرته من السحاب { فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } ~~أي فأخرج بذلك المطر أنواع الثمار والفواكه والخضار غذاء لكم { فلا ~~تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } أي فلا تتخذوا ~~معه شركاء من الأصنام والبشر تشركونهم مع الله في العبادة، وأنتم تعلمون ~~أنها لا تخلق شيئا ولا ترزق، وأن الله هو الخالق الرازق وحده، ~~ذو القوة المتين قال ابن ms0017 كثير: شرع تعالى في بيان وحدانية ألوهيته بأنه ~~هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم، وإسباغه عليهم النعم، ~~والمراد بالسماء هنا السحاب، فهو تعالى الذي أنزل المطر من السحاب في ~~وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به أنواع الزروع والثمار رزقا لهم ~~ولأنعامهم، ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، ~~فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره. # ثم ذكر تعالى بعد أدلة التوحيد الحجة على النبوة، وأقام البرهان على ~~إعجاز القرآن فقال { وإن كنتم في ريب مما نزلنا ~~على عبدنا } أي وإذا كنتم أيها الناس في شك وارتياب من صدق هذا ~~القرآن، المعجز في بيانه، وتشريعه، ونظمه، الذي أنزلناه على عبدنا ~~ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم { فأتوا بسورة من مثله } ~~أي فأتوا بسورة واحدة من مثل هذا القرآن، في البلاغة والفصاحة والبيان ~~{ وادعوا شهدآءكم من دون الله } أي وادعوا أعوانكم ~~وأنصاركم الذين يساعدونكم على معارضة القرآن غير الله سبحانه، والمراد ~~استعينوا بمن شئتم غيره تعالى قال البيضاوي: المعنى أدعوا للمعارضة من ~~حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله سبحانه ~~وتعالى، فإنه لا يقدر أن يأتي بمثله إلا الله { إن كنتم ~~صادقين } أي أنه مختلق وأنه من كلام البشر، وجوابه محذوف دل عليه ~~ما قبله { فإن لم تفعلوا } أي فإن لم تقدروا على الإتيان ~~بمثل سورة من سوره، وعجزتم في الماضي عن الإتيان بما يساويه أو يدانيه، ~~مع استعانتكم بالفصحاء والعباقرة والبلغاء { ولن تفعلوا } أي ولن ~~تقدروا في المستقبل أيضا على الإتيان بمثله، والجملة اعتراضية ~~للإشارة إلى عجز البشر في الحاضر والمستقبل كقوله # لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا # [الإسراء: 88] أي معينا قال ابن كثير: تحداهم القرآن وهم أفصح الأمم ~~ومع هذا عجزوا، و { لن } لنفي التأبيد في المستقبل أي ولن تفعلوا ذلك ~~أبدا، وهذه أيضا معجزة أخرى وهو أنه أخبر خبرا جازما قاطعا، غير ~~خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ودهر ~~الداهرين، وكذلك وقع الأمر لم ms0018 يعارض من لدنه إلى زماننا هذا، ومن تدبر ~~القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونا ظاهرة وخفية، من حيث اللفظ ومن ~~حيث المعنى، والقرآن جميعه فصيح في غاية نهايات الفصاحة والبيان عند من ~~يعرف كلام العرب، ويفهم تصاريف الكلام { فاتقوا النار } أي ~~فخافوا عذاب الله، واحذروا نار الجحيم التي جعلها الله جزاء المكذبين { ~~التي وقودها الناس والحجارة } أي اتقوا النار التي ~~مادتها التي تشعل بها وتضرم لإيقادها هي الكفار والأصنام التي عبدوها ~~من دون الله كقوله تعالى # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] قال مجاهد: حجارة من كبريت أنتن من الجيفة يعذبون بها ~~مع النار { أعدت للكافرين } أي هيئت تلك النار وأرصدت ~~للكافرين الجاحدين، ينالون فيها ألوان العذاب المهين. # ثم لما ذكر ما أعده لأعدائه، عطف عليه بذكر ما أعده لأوليائه، على ~~طريقة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب، للمقارنة بين حال الأبرار ~~والفجار فقال { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~أي وبشر يا محمد المؤمنين المتقين، الذين كانوا في الدنيا محسنين، ~~والذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح { أن لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار } أي بأن لهم حدائق وبساتين ذات ~~أشجار ومساكن، تجري من تحت قصورها ومساكنها أنهار الجنة { كلما ~~رزقوا منها من ثمرة رزقا } أي كلما أعطوا عطاء ورزقوا ~~رزقا من ثمار الجنة { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } ~~أي هذا مثل الطعام الذي قدم إلينا قبل هذه المرة قال المفسرون: إن ~~أهل الجنة يرزقون من ثمارها، تأتيهم به الملائكة، فإذا قدم لهم مرة ~~ثانية قالوا: هذا الذي أتيتمونا به من قبل فتقول الملائكة: كل يا عبد ~~الله فاللون واحد والطعم مختلف قال تعالى { وأتوا به ~~متشابها } أي متشابها في الشكل والمنظر، لا في الطعم والمخبر قال ~~ابن جرير: يعني في اللون والمرأى وليس يشبهه في الطعم قال ابن عباس: لا ~~يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء { ولهم فيهآ ~~أزواج مطهرة } أي ولهم في الجنة زوجات من الحور العين ~~مطهرات من ms0019 الأقذار والأدناس الحسية والمعنوية قال ابن عباس: مطهرة من ~~القذر والأذى وقال مجاهد: مطهرة من الحيض والنفاس، والغائط والبول ~~والنخام، وورد أن نساء الدنيا المؤمنات يكن يوم القيامة أجمل من الحور ~~العين كما قال تعالى # إنآ أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا * ~~عربا أترابا # [الواقعة: 35 - 37] { وهم فيها خالدون } أي دائمون، وهذا هو ~~تمام السعادة، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين، يعيشون مع زوجاتهم في ~~هناء خالد لا يعتريه انقطاع. # البلاغة: 1- ذكر الربوبية { اعبدوا ربكم } مع إضافته إلى ~~المخاطبين للتفخيم والتعظيم. # 2 - الإضافة { على عبدنا } للتشريف والتخصيص، وهذا أشرف وصف ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # 3 - التعجيز { فأتوا بسورة } خرج الأمر عن صيغته إلى معنى ~~التعجيز، وتنكير السورة لإرادة العموم والشمول. # 4 - المقابلة اللطيفة { جعل لكم الأرض فراشا والسماء ~~بنآء } فقد قابل بين الأرض والسماء، والفراش والبناء، وهذا من ~~المحسنات البديعية. # 5 - الجملة الاعتراضية { ولن تفعلوا } لبيان التحدي في الماضي ~~والمستقبل وبيان العجز التام في جميع العصور والأزمان. # 6 - الإيجاز البديع بذكر الكناية { فاتقوا النار } أي فإن عجزتم ~~فخافوا نار جهنم بتصديقكم بالقرآن. ### || [2.26-29] # المناسبة: لما بين تعالى بالدليل الساطع، والبرهان القاطع، أن ~~القرآن كلام الله لا يتطرأ إليه شك، وإنه كتاب معجز أنزله على خاتم ~~المرسلين، وتحداهم أن يأتوا بمثل سورة من أقصر سوره، ذكر هنا شبهة ~~أوردها الكفار للقدح فيه وهي أنه جاء في القرآن ذكر (النحل، والذباب، ~~والعنكبوت، والنمل) الخ وهذه الأمور لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فضلا ~~عن كلام رب الأرباب، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة، ورد عليهم بأن ~~صغر هذه الأشياء لا يقدح في فصاحة القرآن وإعجازه، إذا كان ذكر المثل ~~مشتملا على حكم بالغة. # اللغة: { لا يستحى } الحياء: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ~~ما يعاب به ويذم، والمراد به هنا لازمه وهو الترك، قال الزمخشري: أي لا ~~يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي من ذكرها لحقارتها { فما ~~فوقها } فما دونها في الصغر { الفاسقين } أصل الفسق في كلام ~~العرب: الخروج عن الشيء، ms0020 والمنافق فاسق لخروجه عن طاعة ربه، قال الفراء: ~~الفاسق مأخوذ من قولهم فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت، ويسمى الفاسق ~~فاسقا لخروجه عن طاعة الله، وتسمى الفأرة فويسقة لخروجها لأجل المضرة. { ~~ينقضون } النقض: فسخ التركيب وإفساد ما أبرمته من بناء، أو حبل، ~~أو عهد قال تعالى # ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها # [النحل: 92] وقال # فبما نقضهم ميثاقهم # [النساء: 155] أي فبنقضهم الميثاق { عهد } العهد: الموثق الذي ~~يعطيه الإنسان لغيره ويقال عهد إليه أي أوصاه # الميثاق # [الرعد: 20] العهد المؤكد باليمين وهو أبلغ من العهد. { استوى } ~~الاستواء في الأصل: الاعتدال والاستقامة يقال: استوى العود إذا قام ~~واعتدل، واستوى إليه كالسهم إذا قصده قصدا مستويا، وقال ثعلب: ~~الاستواء: الإقبال على الشيء. { فسواهن } خلقهن وأتقنهن وقيل ~~معناه: صيرهن. # سبب النزول: لما ذكر الله تعالى الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب ~~للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، وما أراد ~~بذكر هذه الأشياء الخسيسة؟ فأنزل الله الآية. # التفسير: يقول تعالى في الرد على مزاعم اليهود والمنافقين { إن ~~الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما } أي إن الله لا ~~يستنكف ولا يمتنع عن أن يضرب أي مثل كان، بأي شيء كان، صغيرا كان أو ~~كبيرا { بعوضة فما فوقها } أي سواء كان هذا المثل بالبعوضة أو ~~بما هو دونها في الحقارة والصغر، فكما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا ~~يستنكف عن ضرب المثل بها { فأما الذين آمنوا فيعلمون ~~أنه الحق من ربهم } أما المؤمنون فيعلمون أن الله حق، لا ~~يقول غير الحق، وأن هذا المثل من عند الله { وأما الذين ~~كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا }؟ ~~وأما الذين كفروا فيتعجبون ويقولون: ماذا أراد الله من ضرب الأمثال بمثل ~~هذه الأشياء الحقيرة؟ قال تعالى في الرد عليهم { يضل به كثيرا ~~ويهدي به كثيرا } أي يضل بهذا المثل كثيرا من الكافرين لكفرهم ~~به، ويهدي به كثيرا من المؤمنين لتصديقهم به، فيزيد أولئك ضلالة، وهؤلاء ~~هدى { وما يضل به إلا الفاسقين } أي ما يضل بهذا المثل ~~أو بهذا ms0021 القرآن إلا الخارجين عن طاعة الله، الجاحدين بآياته، ثم عدد ~~تعالى أوصاف هؤلاء الفاسقين فقال { الذين ينقضون عهد الله ~~من بعد ميثاقه } أي ينقضون ما عهده إليهم في الكتب السماوية، من ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعد توكيده عليهم، أو ينقضون كل ~~عهد وميثاق من الإيمان بالله، والتصديق بالرسل، والعمل بالشرائع { ~~ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } من صلة الأرحام ~~والقرابات، واللفظ عام في كل قطيعة لا يرضاها الله كقطع الصلة بين ~~الأنبياء، وقطع الأرحام، وترك موالاة المؤمنين { ويفسدون في ~~الأرض } بالمعاصي، والفتن، والمنع عن الإيمان، وإثارة الشبهات حول ~~القرآن { أولئك هم الخاسرون } أي أولئك المذكورون، ~~الموصوفون بتلك الأوصاف القبيحة هم الخاسرون لأنهم استبدلوا الضلالة ~~بالهدى، والعذاب بالمغفرة، فصاروا إلى النار المؤبدة { كيف ~~تكفرون بالله } استفهام للتوبيخ والإنكار والمعنى كيف تجحدون ~~الخالق، وتنكرون الصانع { وكنتم أمواتا } أي وقد كنتم في العدم ~~نطفا في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات { فأحياكم } أي أخرجكم إلى ~~الدنيا { ثم يميتكم } عند انقضاء الآجال { ثم يحييكم } ~~بالبعث من القبور { ثم إليه ترجعون } للحساب والجزاء يوم ~~النشور. # ثم ذكر تعالى برهانا على البعث فقال { هو الذي خلق لكم ما ~~في الأرض جميعا } أي خلق لكم الأرض وما فيها لتنتفعوا بكل ما ~~فيها، وتعتبروا بأن الله هو الخالق الرازق { ثم استوى إلى ~~السمآء } أي ثم وجه إرادته إلى السماء { فسواهن سبع ~~سموت } أي صيرهن وقضاهن سبع سماوات محكمة البناء وذلك دليل القدرة ~~الباهرة { وهو بكل شيء عليم } أي وهو عالم بكل ما خلق وذرأ، ~~أفلا تعتبرون بأن القادر على خلق ذلك - وهي أعظم منكم - قادر على ~~إعادتكم؟! بلى إنه على كل شيء قدير. # البلاغة: 1 - قوله { لا يستحى } مجاز من باب إطلاق الملزوم ~~وإرادة اللازم، المعنى: لا يترك فعبر بالحياء عن الترك، لأن الترك من ~~ثمرات الحياء، ومن استحيا من فعل شيء تركه. # 2 - قوله { ينقضون عهد الله } فيه (استعارة مكنية) حيث شبه ~~العهد بالحبل، وحذف المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو النقض على ms0022 سبيل ~~الاستعارة المكنية. # 3 - قوله { كيف تكفرون بالله } هو من باب (الالتفات) ~~للتوبيخ والتقريع، فقد كان الكلام بصيغة الغيبة ثم التفت فخاطبهم بصيغة ~~الحضور، وهو ضرب من ضروب البديع. # 4 - قوله { عليم } من صيغ المبالغة، ومعناه الواسع العلم الذي أحاط ~~علمه بجميع الأشياء، قال أبو حيان: وصف تعالى نفسه ب (عالم وعليم وعلام) ~~وهذان للمبالغة، وقد أدخلت العرب الهاء لتأكيد المبالغة في (علامة) ولا ~~يجوز وصفه به تعالى. # الفوائد: الأولى: قال الزمخشري: التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من ~~كشف المعنى، ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، فليس العظم والحقارة في ~~المضروب به المثل إلا أمرا تستدعيه حال المتمثل له، ألا ترى إلى ~~الحق لما كان أبلج واضحا جليا، كيف تمثل له بالضياء والنور؟ وإلى ~~الباطل لما كان بضد صفته كيف تمثل له بالظلمة؟ ولما كان حال الآلهة التي ~~جعلها الكفار أندادا لله تعالى ليس أحقر منها وأقل، لذلك ضرب لها المثل ~~ببيت العنكبوت في الضعف والوهن # كمثل العنكبوت اتخذت بيتا # [العنكبوت: 41] وجعلت أقل من الذباب وأخس قدرا # لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم ~~الذباب شيئا لا يستنقذوه منه # [الحج: 73] والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال ~~بالبهائم والطيور، والحشرات والهوام، وهذه أمثال العرب بين أيديهم سائرة ~~في حواضرهم وبواديهم. # الثانية: قدم الإضلال على الهداية { يضل به كثيرا ويهدي ~~به كثيرا } ليكون أول ما يقرع أسماعهم من الجواب أمرا فظيعا ~~يسوءهم ويفت في أعضادهم، وأوثرت صيغة الاستقبال إيذانا بالتجدد ~~والاستمرار، أفاده العلامة أبو السعود. # الثالثة: قال ابن جزي في التسهيل: وهذه الآية { خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا ثم استوى إلى السمآء } تقتضي أنه خلق ~~السماء بعد الأرض، وقوله تعالى # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] ظاهره خلاف ذلك، والجواب من وجهين: أحدهما أن الأرض خلقت ~~قبل السماء، ودحيت بعد ذلك فلا تعارض، والآخر تكون { ثم } لترتيب ~~الأخبار. ### || [2.30-33] # المناسبة: لما امتن تعالى على العباد بنعمة الخلق والإيجاد وأنه ~~سخر لهم ما في الأرض جميعا، وأخرجهم من ms0023 العدم إلى الوجود، أتبع ذلك ~~ببدء خلقهم، وامتن عليهم بتشريف أبيهم وتكريمه، بجعله خليفة، وإسكانه ~~دار الكرامة، وإسجاد الملائكة تعظيما لشأنه، ولا شك أن الإحسان إلى ~~الأصل إحسان إلى الفرع، والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء، ولهذا ~~ناسب أن يذكرهم بذلك، لأنه من وجوه النعم التي أنعم بها عليهم. # اللغة: { إذ } ظرف زمان منصوب بفعل محذوف تقديره: اذكر حين أو اذكر ~~وقت، وقد يصرح بالمحذوف كقوله تعالى # واذكروا إذ أنتم قليل # [الأنفال: 26] قال المبرد: إذا جاء " إذ " مع مستقبل كان معناه ماضيا ~~نحو قوله # وإذ يمكر بك # [الأنفال: 30] معناه إذ مكروا، وإذا جاء " إذا " مع الماضي كان ~~معناه مستقبلا كقوله # فإذا جآءت الطآمة # [النازعات: 34] و # إذا جآء نصر الله # [النصر: 1] أي يجيء. { خليفة } الخليفة: من يخلف غيره وينوب منابه، ~~فعيل بمعنى فاعل والتاء للمبالغة، سمي خليفة لأنه مستخلف عن الله عز وجل ~~في إجراء الأحكام وتنفيذ الأوامر الربانية قال تعالى # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض # [ص: 26] الآية { يسفك } السفك: الصب والإراقة ولا يستعمل إلا في ~~الدم قال في المصباح: وسفك الدم: أراقه وبابه ضرب { نسبح } التسبيح: ~~تنزيه الله وتبرئته عن السوء، وأصله من السبح وهو الجري والذهاب قال ~~تعالى # إن لك في النهار سبحا طويلا # [المزمل: 7] فالمسبح جار في تنزيه الله تعالى { ونقدس } ~~التقديس: التطهير ومنه الأرض المقدسة، وروح القدس، وضده التنجيس، وتقديس ~~الله معناه: تمجيده وتعظيمه وتطهير ذكره عما لا يليق به وفي صحيح مسلم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده # " سبوح قدوس رب الملائكة والروح " # { أنبئوني } أخبروني والنبأ: الخبر الهام ذو الفائدة العظيمة قال ~~تعالى # قل هو نبأ عظيم # [ص: 67] و { تبدون } تظهرون { تكتمون } تخفون ومنه كتم العلم ~~أي اخفاؤه. # التفسير: { وإذ قال ربك للملائكة } أي اذكر يا محمد ~~حين قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك { إني جاعل في الأرض ~~خليفة } أي خالق في الأرض ومتخذ فيها خليفة يخلفني في تنفيذ أحكامي ~~فيها وهو آدم أو قوما يخلف بعضهم بعضا ms0024 قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل { ~~قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } أي قالوا على سبيل ~~التعجب والاستعلام: كيف تستخلف هؤلاء، وفيهم من يفسد في الأرض بالمعاصي { ~~ويسفك الدمآء } أي يريق الدماء بالبغي والاعتداء!! { ونحن ~~نسبح بحمدك } أي ننزهك عما لا يليق بك متلبسين بحمدك { ~~ونقدس لك } أي نعظم أمرك ونطهر ذكرك مما نسبه إليك الملحدون { ~~قال إني أعلم ما لا تعلمون } أي أعلم من المصالح ما هو ~~خفي عليكم، ولي حكمة في خلق الخليقة لا تعلمونها { وعلم ءادم ~~الأسمآء كلها } أي أسماء المسميات كلها قال ابن عباس: علمه اسم ~~كل شيء حتى القصعة والمغرفة { ثم عرضهم على الملائكة } ~~أي عرض المسميات على الملائكة وسألهم على سبيل التبكيت { فقال ~~أنبئوني } أي أخبروني { بأسمآء هؤلاء } أي بأسماء هذه ~~المخلوقات التي ترونها { إن كنتم صادقين } أي في زعمكم أنكم أحق ~~بالخلافة ممن استخلفته، والحاصل أن الله تعالى أظهر فضل آدم للملائكة ~~بتعليمه ما لم تعلمه الملائكة، وخصه بالمعرفة التامة دونهم، من معرفة ~~الأسماء والأشياء، والأجناس، واللغات، ولهذا اعترفوا بالعجز والقصور { ~~قالوا سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ } أي ~~ننزهك يا ألله عن النقص ونحن لا علم لنا إلا ما علمتنا إياه { إنك ~~أنت العليم } أي الذي لا تخفى عليه خافية { الحكيم } الذي لا ~~يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة { قال يآءادم أنبئهم ~~بأسمآئهم } أي أعلمهم بالأسماء التي عجزوا عن علمها، واعترفوا ~~بتقاصر هممهم عن بلوغ مرتبتها { فلمآ أنبأهم بأسمآئهم } ~~أي أخبرهم بكل الأشياء، وسمى كل شيء باسمه، وذكر حكمته التي خلق لها { ~~قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموت ~~والأرض } أي قال تعالى للملائكة: ألم أنبئكم بأني أعلم ما غاب في ~~السماوات والأرض عنكم { وأعلم ما تبدون } أي ما تظهرون { وما ~~كنتم تكتمون } أي تسرون من دعواكم أن الله لا يخلق خلقا أفضل ~~منكم. # روي أنه تعالى لما خلق آدم عليه السلام رأت الملائكة فطرته العجيبة، ~~وقالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أكرم عليه منه. # البلاغة: 1- التعرض ms0025 بعنوان الربوبية { وإذ قال ربك } مع ~~الإضافة إلى الرسول عليه السلام للتشريف والتكريم لمقامه العظيم وتقديم ~~الجار والمجرور { للملائكة } للاهتمام بما قدم، والتشويق إلى ~~ما أخر. # 2- الأمر في قوله تعالى { أنبئوني } خرج عن حقيقته إلى التعجيز ~~والتبكيت. # 3- { فلمآ أنبأهم بأسمآئهم } فيه مجاز بالحذف ~~والتقدير: فأنبأهم بها فلما أنبأهم حذف لفهم المعنى. # 4- { ثم عرضهم } هو من باب التغليب لأن الميم علامة الجمع ~~للعقلاء الذكور، ولو لم يغلب لقال { ثم عرضهم } أو عرضهن. # 5- إبراز الفعل في قوله { إني أعلم غيب السموت } ثم ~~قال { وأعلم ما تبدون } للإهتمام بالخبر والتنبيه على إحاطة ~~علمه تعالى بجميع الأشياء، ويسمى هذا بالإطناب. # 6- تضمنت آخر هذه الآية من علم البديع ما يسمى ب " الطباق " وذلك في ~~كلمتي { تبدون } و { تكتمون }. # الفوائد: الأولى: قال بعض العلماء: في إخبار الله تعالى للملائكة عن ~~خلق آدم واستخلافه في الأرض، تعليم لعباده المشاورة في أمورهم قبل أن ~~يقدموا عليها. # الثانية: الحكمة من جعل آدم عليه السلام خليفة هي الرحمة بالعباد - لا ~~لافتقار الله - وذلك أن العباد لا طاقة لهم على تلقي الأوامر والنواهي من ~~الله بلا واسطة، ولا بواسطة ملك، فمن رحمته ولطفه وإحسانه إرسال ~~الرسل من البشر. # الثالثة: قال الحافظ ابن كثير: وقول الملائكة { أتجعل فيها من ~~يفسد فيها } الآية ليس هذا على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه ~~الحسد لبني آدم، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عين الحكمة في ذلك، ~~يقولون: ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض؟ وقال في ~~التسهيل: وإنما علمت الملائكة أن بني آدم يفسدون بإعلام الله إياهم ~~بذلك، وقيل: كان في الأرض جن فأفسدوا، فبعث الله إليهم ملائكة فقتلتهم، ~~فقاس الملائكة بني آدم عليهم. # الرابعة: سئل الشعبي: هل لإبليس زوجة؟ قال: ذلك عرس لم أشهده؟ قال: ثم ~~قرأت قوله تعالى: # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني # [الكهف: 50] فعلمت أنه لا يكون له ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم. ### || [2.34-39] # المناسبة: أشارت الآيات السابقة إلى أن الله تعالى خص آدم عليه ms0026 ~~السلام بالخلافة، كما خصه بعلم غزير وقفت الملائكة عاجزة عنه، وأضافت ~~هذه الآيات الكريمة بيان نوع آخر من التكريم أكرمه الله به ألا وهو أمر ~~الملائكة بالسجود له، وذلك من أظهر وجوه التشريف والتكريم لهذا النوع ~~الإنساني ممثلا في أصل البشرية آدم عليه السلام. # اللغة: { اسجدوا } أصل السجود: الانحناء لمن يسجد له والتعظيم، ~~وهو في اللغة: التذلل والخضوع، وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض { ~~إبليس } اسم للشيطان وهو أعجمي، وقيل إنه مشتق من الإبلاس وهو ~~الإياس { أبى } امتنع، والإباء: الامتناع مع التمكن من الفعل { ~~واستكبر } الاستكبار: التكبر والتعاظم في النفس { رغدا } واسعا ~~كثيرا لا عناء فيه، والرغد: سعة العيش، يقال: رغد عيش القوم إذا كانوا ~~في رزق واسع قال الشاعر: # بينما المرء تراه ناعما # يأمن الأحداث في عيش رغد # { فأزلهما } أصله من الزلل وهو عثور القدم يقال: زلت قدمه أي ~~زلقت ثم استعمل في ارتكاب الخطيئة مجازا يقال: زل الرجل إذا أخطأ وأتى ~~ما ليس له إتيانه، وأزله غيره: إذا سبب له ذلك { مستقر } موضع ~~استقرار { ومتاع } المتاع ما يتمتع به من المأكول والمشروب والملبوس ~~ونحوه { فتلقى } التلقي في الأصل: الاستقبال تقول خرجنا نتلقى ~~الحجيج أي نستقبلهم، ثم استعمل في أخذ الشيء وقبوله تقول: تلقيت رسالة من ~~فلان أي أخذتها وقبلتها { فتاب } التوبة في أصل اللغة الرجوع، وإذا ~~عديت بعن كان معناها الرجوع عن المعصية، وإذا عديت بعلى كان معناها قبول ~~التوبة. # التفسير: { وإذ قلنا للملائكة } أي اذكر يا محمد لقومك ~~حين قلنا للملائكة { اسجدوا لأدم } أي سجود تحية وتعظيم لا سجود ~~عبادة { فسجدوا إلا إبليس } أي سجدوا جميعا له غير إبليس { ~~أبى واستكبر } أي امتنع مما أمر به وتكبر عنه { وكان من ~~الكافرين } أي صار بإبائه واستكباره من الكافرين حيث استقبح أمر ~~الله بالسجود لآدم { وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة } أي اسكن في جنة الخلد مع زوجك حواء { وكلا منها ~~رغدا } أي كلا من ثمار الجنة أكلا رغدا واسعا { حيث شئتما } ~~أي من أي مكان في الجنة أردتما ms0027 الأكل فيه { ولا تقربا هذه ~~الشجرة } أي لا تأكلا من هذه الشجرة قال ابن عباس: هي الكرمة { ~~فتكونا من الظالمين } أي فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم ~~بمعصية الله { فأزلهما الشيطان عنها } أي أوقعهما في ~~الزلة بسببها وأغواهما بالأكل منها هذا إذا كان الضمير عائدا إلى ~~الشجرة، أما إذا كان عائدا إلى الجنة فيكون المعنى أبعدهما وحولهما ~~من الجنة { فأخرجهما مما كانا فيه } أي من نعيم الجنة { ~~وقلنا اهبطوا } أي اهبطوا من الجنة إلى الأرض والخطاب لآدم ~~وحواء وإبليس { بعضكم لبعض عدو } أي الشيطان عدو لكم ~~فكونوا أعداء له كقوله # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا # [فاطر: 6] { ولكم في الأرض مستقر } أي لكم في الدنيا موضع ~~استقرار بالإقامة فيها { ومتاع إلى حين } أي تمتع بنعيمها إلى ~~وقت انقضاء آجالكم { فتلقى ءادم من ربه كلمات } أي ~~استقبل آدم دعوات من ربه ألهمه إياها فدعاه بها وهذه الكلمات مفسرة في ~~موطن آخر في سورة الأعراف # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الآية: 23] الآية { فتاب عليه } أي قبل ربه توبته { إنه ~~هو التواب الرحيم } أي إن الله كثير القبول للتوبة، واسع ~~الرحمة للعباد { قلنا اهبطوا منها جميعا } كرر الأمر ~~بالهبوط للتأكيد ولبيان أن إقامة آدم وذريته في الأرض لا في الجنة { ~~فإما يأتينكم مني هدى } أي رسول أبعثه لكم، وكتاب أنزله ~~عليكم { فمن تبع هداي } أي من آمن بي وعمل بطاعتي { فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } أي لا ينالهم خوف ولا حزن في الآخرة ~~{ والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ } أي جحدوا بما أنزلت ~~وبما أرسلت { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ~~أي هم مخلدون في الجحيم أعاذنا الله منها. # البلاغة: أولا: صيغة الجمع { وإذ قلنا } للتعظيم، وهي معطوفة ~~على قوله # وإذ قال ربك # [البقرة: 30] وفيه التفات من الغائب إلى المتكلم لتربية المهابة وإظهار ~~الجلالة. # ثانيا: أفادت الفاء في قوله { فسجدوا } أنهم سارعوا في الامتثال ~~ولم يتثبطوا فيه، وفي الآية إيجاز بالحذف أي فسجدوا له وكذلك { أبى } ~~مفعوله محذوف أي أبى السجود. # ثالثا: قوله { ولا تقربا هذه ms0028 الشجرة } المنهي عنه هو ~~الأكل من ثمار الشجرة، وتعليق النهي بالقرب منها { ولا تقربا } ~~لقصد المبالغة في النهي عن الأكل، إذ النهي عن القرب نهي عن الفعل بطريق ~~أبلغ كقوله تعالى # ولا تقربوا الزنى # [الإسراء: 32] فنهى عن القرب من الزنى ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه. # رابعا: التعبير بقوله { مما كانا فيه } أبلغ في الدلالة على ~~فخامة الخيرات مما لو قيل: من النعيم أو الجنة، فإن من أساليب البلاغة في ~~الدلالة على عظم الشيء أن يعبر عنه بلفظ مبهم نحو { مما كانا فيه ~~} لتذهب نفس السامع في تصور عظمته وكماله إلى أقصى ما يمكنها أن تذهب ~~إليه. # خامسا: { التواب الرحيم } من صيغ المبالغة أي كثير التوبة ~~واسع الرحمة. # الفوائد: الأولى: كيف يصح السجود لغير الله؟ والجواب أن سجود الملائكة ~~لآدم كان للتحية وكان سجود تعظيم وتكريم لا سجود صلاة وعبادة، قال ~~الزمخشري: السجود لله تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكرمة ~~كما سجدت الملائكة لآدم، ويعقوب وأبناؤه ليوسف. # الثانية: قال بعض العارفين: سابق العناية لا يؤثر فيه حدوث الجناية، ولا ~~يحط عن رتبة الولاية، فمخالفة آدم التي أوجبت له الإخراج من دار الكرامة ~~لم تخرجه عن حظيرة القدس، ولم تسلبه رتبة الخلافة، بل أجزل الله له في ~~العطية فقال # ثم اجتباه ربه # [طه: 122] وقال الشاعر: # وإذا الحبيب أتى بذنب واحد # جاءت محاسنه بألف شفيع # الثالثة: هل كان إبليس من الملائكة؟ الجواب: اختلف المفسرون على قولين: ~~ذهب بعضهم إلى أنه من الملائكة بدليل الاستثناء { فسجدوا إلا ~~إبليس } وقال آخرون: الاستثناء منقطع وإبليس من الجن وليس من ~~الملائكة وإليه ذهب الحسن وقتادة واختاره الزمخشري، قال الحسن البصري: ~~لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين، ونحن نرجح القول الثاني للأدلة ~~الآتية: 1 - الملائكة منزهون عن المعصية # لا يعصون الله مآ أمرهم # [التحريم: 6] وإبليس قد عصى أمر ربه 2- الملائكة خلقت من نور وإبليس ~~خلق من نار فطبيعتهما مختلفة 3 - الملائكة لا ذرية لهم وإبليس له ذرية # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني # [الكهف: 50]؟ 4 - النص الصريح ms0029 الواضح في سورة الكهف على أنه من الجن وهو ~~قوله تعالى # إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه # [الآية: 50] وكفى به حجة وبرهانا. ### || [2.40-43] # المناسبة: من بداية هذه الآية إلى آية /142/ ورد الكلام عن بني ~~إسرائيل، وقد تحدث القرآن الكريم بالإسهاب عنهم فيما يقرب من جزء ~~كامل، وذلك يدل على عناية القرآن بكشف حقائق اليهود، وإظهار ما انطوت ~~عليه نفوسهم الشريرة من خبث وكيد وتدمير حتى يحذرهم المسلمون، أما وجه ~~المناسبة فإن الله تعالى لما دعا البشر إلى عبادته وتوحيده، وأقام ~~للناس الحجج الواضحة على وحدانيته ووجوده، ثم ذكرهم بما أنعم به على ~~أبيهم آدم عليه السلام، دعا بني إسرائيل خصوصا - وهم اليهود - إلى ~~الإيمان بخاتم الرسل وتصديقه فيما جاء به عن الله، لأنهم يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة، وقد تفنن في مخاطبتهم، فتارة دعاهم بالملاطفة، وتارة ~~بالتخويف، وتارة بالتذكير بالنعم عليهم وعلى آبائهم، وأخرى بإقامة الحجة ~~والتوبيخ على سوء أعمالهم وهكذا انتقل من التذكير بالنعم العامة على ~~البشرية في تكريم أبي الإنسانية، إلى التذكير بالنعم الخاصة على بني ~~إسرائيل. # اللغة: { إسرائيل } اسم أعجمي ومعناه: عبد الله وهو اسم { يعقوب } ~~عليه السلام، وقد صرح به في آل عمران # إلا ما حرم إسرائيل على نفسه # [الآية: 93] { أوفوا } الوفاء: الإتيان بالشيء على التمام والكمال، ~~يقال أوفى ووفى أي أداه وافيا تاما. { تلبسوا } اللبس: الخلط ~~تقول العرب: لبست الشيء بالشيء خلطته، والتبس به اختلط، قال تعالى # وللبسنا عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9] وفي المصباح: لبس الثوب من باب تعب لبسا بضم اللام، ~~ولبست عليه الأمر لبسا من باب ضرب خلطته، والتبس الأمر: أشكل. { ~~الزكاة } مشتقة من زكا الزرع يزكو أي نما لأن إخراجها يجلب البركة، ~~أو هي من الزكاة أي الطهارة لأنها تطهر المال قال تعالى # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # [التوبة: 106]. # التفسير: { يابني إسرائيل } أي يا أولاد النبي الصالح يعقوب { ~~اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } اذكروا ما أنعمت ~~به عليكم وعلى آبائكم من نعم لا تعد ولا تحصى { وأوفوا ms0030 بعهدي } ~~أي أدوا ما عاهدتموني عليه من الإيمان والطاعة { أوف بعهدكم } ~~بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب { وإياي فارهبون } أي اخشوني ~~دون غيري { وآمنوا بمآ أنزلت } من القرآن العظيم { مصدقا ~~لما معكم } أي من التوراة في أمور التوحيد والنبوة { ولا ~~تكونوا أول كافر به } أي أول من كفر من أهل الكتاب فحقكم ~~أن تكونوا أول من آمن { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } ~~أي لا تستبدلوا بآياتي البينات التي أنزلتها عليكم حطام الدنيا الفانية { ~~وإياي فاتقون } أي خافون دون غيري { ولا تلبسوا ~~الحق بالباطل } أي لا تخلطوا الحق المنزل من الله بالباطل الذي ~~تخترعونه، ولا تحرفوا ما في التوراة بالبهتان الذي تفترونه { ~~وتكتموا الحق } أي ولا تخفوا ما في كتابكم من أوصاف محمد عليه ~~السلام { وأنتم تعلمون } أنه حق أو حال كونكم عالمين بضرر ~~الكتمان { وأقيموا الصلوة وآتوا الزكاة واركعوا ~~مع الراكعين } أي أدوا ما وجب عليكم من الصلاة والزكاة، وصلوا مع ~~المصلين بالجماعة، أو مع أصحاب محمد عليه السلام. # البلاغة: أولا: في إضافة النعمة إليه سبحانه { نعمتي } ~~إشارة إلى عظم قدرها، وسعة برها، وحسن موقعها لأن الإضافة تفيد ~~التشريف كقوله (بيت الله) و # ناقة الله # [الأعراف: 73]. # ثانيا: قوله { ولا تشتروا بآياتي } الشراء هنا ليس حقيقيا ~~بل هو على سبيل الاستعارة كما تقدم في قوله # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى # [البقرة: 16]. # ثالثا: تكرير الحق في قوله { تلبسوا الحق } وقوله { ~~وتكتموا الحق } لزيادة تقبيح المنهي عنه إذ في التصريح ما ليس ~~في الضمير من التأكيد ويسمى هذا الإطناب أضعف من سواه. # رابعا: قوله { واركعوا مع الراكعين } هو من باب تسمية الكل ~~باسم الجزء أي صلوا مع المصلين أطلق الركوع وأراد به الصلاة ففيه مجاز ~~مرسل. # خامسا: { وإياي فارهبون } و { إياي فاتقون } يفيد ~~الاختصاص. # فائدة: قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون، ~~فالله تعالى ذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم، حتى يعرفوا نعمة المنعم فقال ~~{ اذكروا نعمتي } وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد ذكرهم ~~بالمنعم فقال # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152] ليتعرفوا ms0031 من المنعم على النعمة وشتان بين الأمرين. ### || [2.44-48] # اللغة: { بالبر } البر: سعة الخير والمعروف ومنه البر ~~والبرية للسعة، وهو اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو ~~طاعتهما وفي الحديث # " البر لا يبلى والذنب لا ينسى " # { وتنسون }: تتركون والنسيان يأتي بمعنى الترك كقوله # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67] وهو المراد هنا ويأتي بمعنى ذهاب الشيء من الذاكرة كقوله # فنسي ولم نجد له عزما # [طه: 115] { تتلون }: تقرءون وتدرسون { الخاشعين } الخاشع: ~~المتواضع وأصله من الاستكانة والذل قال الزجاج: الخاشع الذي يرى أثر ~~الذل والخشوع عليه، وخشعت الأصوات: سكنت { يظنون } الظن هنا بمعنى ~~اليقين لا الشك، وهو من الأضداد قال أبو عبيدة: العرب تقول لليقين ظن، ~~وللشك ظن وقد كثر استعمال الظن بمعنى اليقين ومنه # إني ظننت أني ملاق حسابيه # [الحاقة: 20] # فظنوا أنهم مواقعوها # [الكهف: 53]، { شفاعة } الشفاعة مأخوذة من الشفع ضد الوتر، وهي ضم ~~غيرك إلى جاهك ووسيلتك ولهذا سميت شفاعة، فهي إذا إظهار لمنزلة ~~الشفيع عند المشفع { عدل } بفتح العين فداء وبكسرها معناه: المثل ~~يقال: عدل وعديل للذي يماثلك. # المناسبة: لا تزال الآيات تتحدث عن بني إسرائيل، وفي هذه الآيات ذم ~~وتوبيخ لهم على سوء صنيعهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون ~~الناس إلى الهدى والرشاد ولا يتبعونه. # سبب النزول: نزلت هذه الآية في بعض علماء اليهود، كانوا يقولون ~~لأقربائهم الذين أسلموا: اثبتوا على دين محمد فإنه حق، فكانوا يأمرون ~~الناس بالإيمان ولا يفعلونه. # التفسير: يخاطب الله أحبار اليهود فيقول لهم على سبيل التقريع والتوبيخ ~~{ أتأمرون الناس بالبر } أي أتدعون الناس إلى الخير وإلى ~~الإيمان بمحمد { وتنسون أنفسكم } أي تتركونها فلا تؤمنون ~~ولا تفعلون الخير { وأنتم تتلون الكتاب } أي حال كونكم ~~تقرءون التوراة وفيها صفة ونعت محمد عليه السلام { أفلا تعقلون } ~~أي أفلا تفطنون وتفقهون أن ذلك قبيح فترجعون عنه؟! ثم بين لهم تعالى ~~طريق التغلب على الأهواء والشهوات، والتخلص من حب الرياسة وسلطان المال ~~فقال { واستعينوا } أي اطلبوا المعونة على أموركم كلها { ~~بالصبر والصلاة } أي بتحمل ما يشق على النفس من ms0032 تكاليف شرعية، ~~وبالصلاة التي هي عماد الدين { وإنها } أي الصلاة { لكبيرة } ~~أي شاقة وثقيلة { إلا على الخاشعين } أي المتواضعين المستكينين ~~الذين صفت نفوسهم لله { الذين يظنون } أي يعتقدون اعتقادا ~~جازما لا يخالجه شك { أنهم ملقوا ربهم } أي سيلقون ربهم ~~يوم البعث فيحاسبهم على أعمالهم { وأنهم إليه راجعون } أي ~~معادهم إليه يوم الدين. ثم ذكرهم تعالى بنعمه وآلائه العديدة مرة أخرى ~~فقال { يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم } بالشكر عليها بطاعتي { وأني فضلتكم } أي فضلت ~~آباءكم { على العالمين } أي عالمي زمانهم بإرسال الرسل، وإنزال ~~الكتب، وجعلهم سادة وملوكا، وتفضيل الآباء شرف للأبناء { واتقوا ~~يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا } أي خافوا ذلك اليوم ~~الرهيب الذي لا تقضي فيه نفس عن أخرى شيئا من الحقوق { ولا يقبل ~~منها شفاعة } أي لا تقبل شفاعة في نفس كافرة بالله أبدا { ولا ~~يؤخذ منها عدل } أي لا يقبل منها فداء { ولا هم ~~ينصرون } أي ليس لهم من يمنعهم وينجيهم من عذاب الله. # البلاغة: أولا: { أتأمرون } الاستفهام خرج عن حقيقته إلى ~~معنى التوبيخ والتقريع. # ثانيا: أتى بالمضارع { أتأمرون } وإن كان قد وقع ذلك منهم لأن ~~صيغة المضارع تفيد التجدد والحدوث، وعبر عن ترك فعلهم بالنسيان { ~~وتنسون أنفسكم } مبالغة في الترك فكأنه لا يجري لهم على بال، ~~وعلقه بالأنفس توكيدا للمبالغة في الغفلة المفرطة، ولا يخفى ما في ~~الجملة الحالية { وأنتم تتلون الكتاب } من التبكيت والتقريع ~~والتوبيخ. # ثالثا: { وأني فضلتكم على العالمين } هو من باب عطف ~~الخاص على العام لبيان الكمال، لأن النعمة اندرج تحتها التفضيل المذكور، ~~فلما قال # اذكروا نعمتي # [البقرة: 40] عم جميع النعم فلما عطف { وأني فضلتكم } كان ~~من باب عطف الخاص على العام. # رابعا: { واتقوا يوما } التنكير للتهويل أي يوما شديد الهول، ~~وتنكير النفس { نفس عن نفس } ليفيد العموم والاقناط الكلي. # الفوائد: الفائدة الأولى: قال القرطبي: إنما خص الصلاة بالذكر من ~~بين سائر العبادات تنويها بذكرها وقد كان عليه السلام إذ حزبه (أغمه) ~~أمر فزع إلى الصلاة، وكان يقول: # " أرحنا بها يا ms0033 بلال " # الثانية: قال علي كرم الله وجهه: " قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل ~~متنسك " ومن دعا غيره إلى الهدى ولم يعمل به كان كالسراج يضيء للناس ~~ويحرق نفسه قال الشاعر: # ابدأ بنفسك فانهها عن غيها # فإذا انتهت عنه فأنت حكيم # فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى # بالرأي منك وينفع التعليم # وقال أبو العتاهية: # وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى # وريح الخطايا من ثيابك تسطع # وقال آخر: # وغير تقي يأمر الناس بالتقى # طبيب يداوي الناس وهو عليل ### || [2.49-54] # المناسبة: لما قدم تعالى ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالا، بين ~~بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل، ليكون أبلغ في التذكير وأدعى ~~إلى الشكر، فكأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون، ~~واذكروا إذ فرقنا بكم البحر.. إلى آخره وكل هذه النعم تستدعي شكر ~~المنعم جل وعلا لا كفرانه وعصيانه. # اللغة: { آل فرعون } أصل " آل " أهل ولذلك يصغر بأهيل فأبدلت ~~هاؤه ألفا، وخص استعماله بأولي الخطر والشأن كالملوك وأشباههم، فلا ~~يقال آل الإسكاف والحجام، و { فرعون } علم لمن ملك العمالقة كقيصر ~~لملك الروم وكسرى لملك الفرس، ولعتو الفراعنة اشتقوا تفرعن إذا عتا ~~وتجبر { يسومونكم } يذيقونكم من سامه إذا أذاقه وأولاه قال ~~الطبري: يوردونكم ويذيقونكم. { يستحيون } يستبقون الإناث على قيد ~~الحياة { بلاء } اختبار ومحنة، ويستعمل في الخير والشر كما قال تعالى # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35] { فرقنا } الفرق: الفصل والتمييز ومنه # وقرآنا فرقناه # [الإسراء: 106] أي فصلناه وميزناه بالبيان { بارئكم } الباري هو ~~الخالق للشيء على غير مثال سابق، والبرية: الخلق. # التفسير: { وإذ نجيناكم } أي اذكروا يا بني اسرائيل نعمتي ~~عليكم حين نجيت آباءكم { من آل فرعون } أي من بطش فرعون وأشياعه ~~العتاة، والخطاب للأبناء المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن ~~النعمة على الآباء نعمة على الأبناء { يسومونكم سوء العذاب ~~} أي يولونكم ويذيقونكم أشد العذاب وأفظعه { يذبحون أبنآءكم ~~} أي يذبحون الذكور من الأولاد { ويستحيون نسآءكم } أي ~~يستبقون الإناث على قيد الحياة للخدمة { وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم } أي فيما ذكر ms0034 من العذاب المهين من الذبح والاستحياء، ~~محنة واختبار عظيم لكم من جهته تعالى بتسليطهم عليكم ليتميز البر من ~~الفاجر { وإذ فرقنا بكم البحر } أي اذكروا أيضا إذ فلقنا ~~لكم البحر حتى ظهرت لكم الأرض اليابسة فمشيتم عليها { فأنجيناكم ~~وأغرقنا آل فرعون } أي نجيناكم من الغرق وأغرقنا فرعون وقومه ~~{ وأنتم تنظرون } أي وأنتم تشاهدون ذلك فقد كان آية باهرة من ~~آيات الله في إنجاء أوليائه وإهلاك أعدائه { وإذ واعدنا موسى ~~أربعين ليلة } أي وعدنا موسى أن نعطيه التوراة بعد أربعين ليلة ~~وكان ذلك بعد نجاتكم وإهلاك فرعون { ثم اتخذتم العجل } أي ~~عبدتم العجل { من بعده } أي بعد غيبته عنكم حين ذهب لميقات ربه { ~~وأنتم ظالمون } أي معتدون في تلك العبادة ظالمون لأنفسكم { ~~ثم عفونا عنكم } أي تجاوزنا عن تلك الجريمة الشنيعة { من ~~بعد ذلك } أي من بعد ذلك الاتخاذ المتناهي في القبح { لعلكم ~~تشكرون } أي لكي تشكروا نعمة الله عليكم وتستمروا بعد ذلك على ~~الطاعة { وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان } أي واذكروا ~~نعمتي أيضا حين أعطيت موسى التوراة الفارقة بين الحق والباطل وأيدته ~~بالمعجزات { لعلكم تهتدون } أي لكي تهتدوا بالتدبر فيها ~~والعمل بما فيها من أحكام. # ثم بين تعالى كيفية وقوع العفو المذكور بقوله { وإذ قال ~~موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم } أي ~~واذكروا حين قال موسى لقومه بعدما رجع من الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد ~~عبدوا العجل يا قوم لقد ظلمتم أنفسكم { باتخاذكم العجل } أي ~~بعبادتكم للعجل { فتوبوا إلى بارئكم } أي توبوا إلى من ~~خلقكم بريئا من العيب والنقصان { فاقتلوا أنفسكم } أي ليقتل ~~البريء منكم المجرم { ذلكم } أي القتل { خير لكم عند ~~بارئكم } أي رضاكم بحكم الله ونزولكم عند أمره خير لكم عند الخالق ~~العظيم { فتاب عليكم } أي قبل توبتكم { إنه هو التواب ~~الرحيم } أي عظيم المغفرة واسع التوبة. # البلاغة: قال ابن جزي: { يسومونكم سوء العذاب } أي ~~يلزمونهم به وهو استعارة من السوم في البيع وفسر سوء العذاب بقوله ~~{ يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } ولذلك لم ~~يعطفه هنا. # ثانيا: التنكير ms0035 في كل من { بلاء } و { عظيم } للتفخيم والتهويل. # ثالثا: صيغة المفاعلة في قوله { وإذ واعدنا } ليست على بابها ~~لأنها لا تفيد المشاركة من الطرفين، وإنما هي بمعنى الثلاثي { وإذ ~~واعدنا }. # رابعا: قال أبو السعود: { فتوبوا إلى بارئكم } التعرض ~~بذكر البارئ للإشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها ومن الغواية ~~منتهاها، حيث تركوا عبادة العليم الحكيم، الذي خلقهم بلطيف حكمته، إلى ~~عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة. # الفوائد: الأولى: العطف في قوله { الكتاب والفرقان } هو من ~~باب عطف الصفات بعضها على بعض، لأن الكتاب هو التوراة والفرقان هو ~~التوراة أيضا وحسن العطف لكون معناه أنه آتاه جامعا بين كونه كتابا ~~منزلا وفرقانا يفرق بين الحق والباطل. # الثانية: سبب تقتيل الذكور من بني إسرائيل ما رواه المفسرون أن فرعون ~~رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر، وأحرقت كل ~~قبطي بها ولم تتعرض لبني إسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة عن رؤياه ~~فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام يكون هلاكك وزوال ملكك على يده، فأمر ~~فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل. # الثالثة: قال القشيري: من صبر في الله على قضاء الله، عوضه الله صحبة ~~أوليائه، هؤلاء بنو إسرائيل، صبروا على مقاساة الضر من فرعون وقومه، ~~فجعل منهم أنبياء، وجعل منهم ملوكا، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين. ### || [2.55-59] # المناسبة: بعد أن ذكرهم تعالى بالنعم، بين لونا من ألوان طغيانهم ~~وجحودهم، وتبديلهم لأوامر الله، وهم مع الكفر والعصيان، يعاملون باللطف ~~والإحسان، فما أقبحهم من أمة وما أخزاهم!! قال الطبري: لما تاب بنو ~~إسرائيل من عبادة العجل أمر الله تعالى موسى أن يختار من قومه رجالا ~~يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلا من خيارهم كما ~~قال تعالى # واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا # [الأعراف: 155] وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم ففعلوا، وخرج ~~بهم إلى " طور سيناء " فقالوا لموسى: اطلب لنا أن نسمع كلام ربنا فقال: ~~أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى ms0036 الجبل كله، ودنا ~~القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، فسمعوا الله يكلم موسى ~~يأمره وينهاه، فلما انكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم فقالوا لموسى { لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة }. # اللغة: { جهرة } علانية، وأصل الجهر: الظهور، ومنه الجهر بالقراءة ~~والجهر بالمعاصي يعني المظاهرة بها، تقول: رأيت الأمير جهارا وجهرة أي ~~غير مستتر بشيء، وقال ابن عباس: جهرة: عيانا. { الصاعقة } صيحة ~~العذاب أو هي نار محرقة { بعثناكم } أحييناكم قال الطبري: وأصل ~~البعث: إثارة الشيء من محله { الغمام } جمع غمامة كسحابة وسحاب ~~وزنا ومعنى، لأنها تغم السماء أي تسترها، وكل مغطى فهو مغموم، وغم ~~الهلال: إذا غطاه الغيم فلم ير { حطة }: مصدر من حط عنا ذنوبنا، ~~وهي كلمة استغفار ومعناها: اغفر خطايانا. { رجزا } عذابا ومنه # لئن كشفت عنا الرجز # [الأعراف: 134] أي العذاب { يفسقون } الفسق: الخروج عن الطاعة وقد ~~تقدم. # التفسير: { وإذ قلتم ياموسى } أي اذكروا يا بني إسرائيل ~~حين خرجتم مع موسى لتعتذروا إلى الله من عبادة العجل فقلتم { لن ~~نؤمن لك } أي لن نصدق لك بأن ما نسمعه كلام الله { حتى ~~نرى الله جهرة } أي حتى نرى الله علانية { فأخذتكم ~~الصاعقة } أي أرسل الله عليهم نارا من السماء فأحرقهم { وأنتم ~~تنظرون } أي ما حل بكم ثم لما ماتوا قام موسى يبكي ويدعو الله ~~ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم، وما زال يدعو ربه ~~حتى أحياهم قال تعالى { ثم بعثناكم من بعد موتكم } أي ~~أحييناكم بعد أن مكثتم ميتين يوما وليلة، فقاموا وعاشوا ينظر بعضهم إلى ~~بعض كيف يحيون { لعلكم تشكرون } أي لتشكروا الله على إنعامه ~~عليكم بالبعث بعد الموت. # ثم ذكرهم تعالى بنعمته عليهم وهم في التيه لما امتنعوا من دخول مدينة ~~الجبارين وقتالهم وقالوا لموسى # فاذهب أنت وربك فقاتلا # [المائدة: 24] فعوقبوا على ذلك بالضياع أربعين سنة يتيهون في الأرض ~~فقال تعالى: { وظللنا عليكم الغمام } أي سترناكم بالسحاب ~~من حر الشمس وجعلناه عليكم كالظلة { وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى } أي أنعمنا عليكم بأنواع من الطعام والشراب ms0037 من غير كد ~~ولا تعب، والمن كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه، ~~والسلوى: طير يشبه السماني لذيذ الطعم { كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم } أي وقلنا لهم كلوا من لذائذ نعم الله { وما ظلمونا ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أي أنهم كفروا هذه النعم ~~الجليلة، وما ظلمونا ولكن ظلموا أنفسهم، لأن وبال العصيان راجع عليهم { ~~وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } أي واذكروا أيضا ~~نعمتي عليكم حين قلنا لكم بعد خروجكم من التيه، ادخلوا بيت المقدس { ~~فكلوا منها حيث شئتم رغدا } أي كلوا منها أكلا واسعا ~~هنيئا { وادخلوا الباب سجدا } أي وادخلوا باب القرية ساجدين ~~لله شكرا على خلاصكم من التيه { وقولوا حطة } أي قولوا يا ربنا ~~حط عنا ذنوبنا واغفر لنا خطايانا { نغفر لكم خطاياكم } أي ~~نمح ذنوبكم ونكفر سيئاتكم { وسنزيد المحسنين } أي نزيد من ~~أحسن إحسانا، بالثواب العظيم، والأجر الجزيل { فبدل الذين ~~ظلموا } أي غير الظالمون أمر الله فقالوا { قولا غير الذي ~~قيل لهم } حيث دخلوا يزحفون على أستاههم أعني " أدبارهم " وقالوا ~~على سبيل الاستهزاء: " حبة في شعيرة " وسخروا من أوامر الله { ~~فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء } أي ~~أنزلنا عليهم طاعونا وبلاء { بما كانوا يفسقون } أي بسبب ~~عصيانهم وخروجهم عن طاعة الله، روي أنه مات بالطاعون في ساعة واحدة منهم ~~سبعون ألفا. # البلاغة: أولا: إنما قيد البعث بعد الموت { ثم بعثناكم ~~من بعد موتكم } لزيادة التأكيد على أنه موت حقيقي، ولدفع ما ~~عساه يتوهم أن بعثهم كان بعد إغماء أو بعد نوم. # ثانيا: في الآية إيجاز بالحذف في قوله { كلوا } أي قلنا لهم كلوا ~~وفي قوله { وما ظلمونا } تقديره فظلموا أنفسهم بأن كفروا وما ~~ظلمونا بذلك دل على هذا الحذف قوله { ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون } والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع { ظلمونا } و { ~~يظلمون } للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم على الكفر. # ثالثا: وضع الظاهر مكان الضمير في قوله { فأنزلنا على الذين ~~ظلموا } ولم يقل " فأنزلنا عليهم " لزيادة التقبيح والمبالغة في الذم ~~والتقريع، وتنكير { رجزا } للتهويل والتفخيم. ms0038 # تنبيه: قال الراغب: تخصيص قوله { رجزا من السمآء } هو أن ~~العذاب ضربان: ضرب قد يمكن دفاعه وهو كل عذاب جاء على يد آدمي، أو من ~~جهة المخلوقات كالهدم والغرق، وضرب لا يمكن دفاعه بقوة آدمي كالطاعون ~~والصاعقة والموت وهو المراد بقوله { رجزا من السمآء }. ### || [2.60-62] # المناسبة: لا تزال الآيات تعدد النعم على بني إسرائيل، وهذه إحدى ~~النعم العظيمة عليهم حين كانوا في التيه، وعطشوا عطشا شديدا كادوا ~~يهلكون معه، فدعا موسى ربه أن يغيثهم فأوحى الله إليه أن يضرب بعصاه ~~الحجر، فتفجرت منه عيون بقدر قبائلهم، وكانوا اثنتي عشرة قبيلة فجرى لكل ~~منهم جدول خاص، يأخذون منه حاجتهم لا يشاركهم فيه غيرهم، وكان موضوع ~~السقيا آية باهرة ومعجزة ظاهرة لسيدنا موسى عليه السلام ومع ذلك كفروا ~~وجحدوا. # اللغة: { استسقى } طلب السقيا لقومه لأن السين والتاء للطلب مثل: ~~استنصر واستخبر قال أبو حيان: الاستسقاء: طلب الماء عند عدمه أو قلته، ~~ومفعوله محذوف أي استسقى موسى ربه. { فانفجرت } الانفجار: ~~الإنشقاق ومنه سمي الفجر لانشقاق ضوئه، وانفجر وانبجس بمعنى واحد قال ~~تعالى # فانبجست منه # [الأعراف: 160]، { مشربهم } جهة وموضع الشرب { تعثوا } ~~العيث: شدة الفساد، قال: عثي يعثى: وعثا يعثو إذا أفسد فهو عاث، ~~قال الطبري: معناه تطغوا وأصله شدة الإفساد { فومها } الفوم: الثوم ~~وقيل: الحنطة { أتستبدلون } الاستبدال: ترك شيء لآخر وأخذ غيره ~~مكانه { أدنى } أخس وأحقر يقال رجل دنيء إذا كان يتتبع الخسائس { ~~الذلة } الذل والهوان والحقارة { والمسكنة } الفاقة والخشوع ~~مأخوذة من السكون لأن المسكين قليل الحركة لما به من الفقر { بآءو } ~~رجعوا وانصرفوا قال الرازي: ولا يقال باء إلا بشر { يعتدون } ~~الإعتداء: تجاوز الحد في كل شيء واشتهر في الظلم والمعاصي. # التفسير: { وإذ استسقى موسى لقومه } أي اذكروا يا بني ~~إسرائيل حين طلب موسى السقيا لقومه وقد عطشوا في التيه { فقلنا ~~اضرب بعصاك الحجر } أي اضرب أي حجر كان تتفجر بقدرتنا العيون ~~منه { فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } أي فضرب فتدفق ~~الماء منه بقوة وخرجت منه اثنتا عشرة عينا بقدر قبائلهم { قد علم ms0039 ~~كل أناس مشربهم } أي علمت كل قبيلة مكان شربها لئلا ~~يتنازعوا { كلوا واشربوا من رزق الله } أي قلنا لهم: ~~كلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء، من غير كد منكم ولا تعب، ~~بل هو من خالص إنعام الله { ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~} أي ولا تطغوا في الأرض بأنواع البغي والفساد. { وإذ قلتم ~~ياموسى } أي اذكروا يا بني إسرائيل حين قلتم لنبيكم موسى وأنتم في ~~الصحراء تأكلون من المن والسلوى { لن نصبر على طعام واحد ~~} أي على نوع واحد من الطعام وهو المن والسلوى { فادع لنا ~~ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض } أي ادع الله أن ~~يرزقنا غير ذلك الطعام فقد سئمنا المن والسلوى وكرهناه ونريد ما تخرجه ~~الأرض من الحبوب والبقول { من بقلها } من خضرتها كالنعناع والكرفس ~~والكراث { وقثآئها } يعني القتة التي تشبه الخيار { وفومها } ~~أي الثوم { وعدسها وبصلها } أي العدس والبصل المعروفان { قال ~~أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } أي قال ~~لهم موسى منكرا عليهم: ويحكم أتستبدلون الخسيس بالنفيس! وتفضلون البصل ~~والبقل والثوم على المن والسلوى؟ { اهبطوا مصرا فإن لكم ~~ما سألتم } أي ادخلوا مصرا من الأمصار وبلدا من البلدان أيا ~~كان لتجدوا فيه مثل هذه الأشياء. # . ثم قال تعالى منبها على ضلالهم وفسادهم وبغيهم وعدوانهم { وضربت ~~عليهم الذلة والمسكنة } أي لزمهم الذل والهوان وضرب ~~عليهم الصغار والخزي الأبدي الذي لا يفارقهم مدى الحياة { وبآءو ~~بغضب من الله } أي انصرفوا ورجعوا بالغضب والسخط الشديد من ~~الله { ذلك } أي ما نالوه من الذل والهوان والسخط والغضب بسبب ما ~~اقترفوه من الجرائم الشنيعة { بأنهم كانوا يكفرون بآيات ~~الله ويقتلون النبيين بغير الحق } أي بسبب كفرهم ~~بآيات الله جحودا واستكبارا، وقتلهم رسل الله ظلما وعدوانا { ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون } أي بسبب عصيانهم وطغيانهم ~~وتمردهم على أحكام الله ثم دعا تعالى أصحاب الملل والنحل " المؤمنين، ~~واليهود، والنصارى، والصابئين " إلى الإيمان الصادق وإخلاص العمل لله ~~وساقه بصيغة الخبر فقال { إن الذين آمنوا } المؤمنون أتباع ~~محمد { والذين هادوا } اليهود أتباع موسى ms0040 { والنصارى } ~~أتباع عيسى { والصابئين } قوم عدلوا عن اليهودية والنصرانية وعبدوا ~~الملائكة { من آمن بالله واليوم الآخر } أي من آمن من هذه ~~الطوائف إيمانا صادقا فصدق بالله، وأيقن بالآخرة { وعمل ~~صالحا } أي عمل بطاعة الله في دار الدنيا { فلهم أجرهم عند ~~ربهم } أي لهم ثوابهم عند الله لا يضيع منه مثقال ذرة { ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } أي ليس على هؤلاء المؤمنين ~~خوف في الآخرة، حين يخاف الكفار من العقاب، ويحزن المقصرون على تضييع ~~العمر وتفويت الثواب. # البلاغة: أولا: في إضافة الرزق إلى الله تعالى { كلوا ~~واشربوا من رزق الله } تعظيم للمنة والإنعام وإيماء ~~إلى أنه رزق حاصل من غير تعب ولا مشقة. # ثانيا: في التصريح بذكر الأرض { ولا تعثوا في الأرض } ~~مبالغة في تقبيح الفساد وقوله { مفسدين } حال مؤكدة ووجه فصاحة ~~هذا الأسلوب أن المتكلم قد تشتد عنايته بأن يجعل الأمر أو النهي لا يحوم ~~حوله لبس أو شك، ومن مظاهر هذه العناية التوكيد فقوله { مفسدين } ~~يكسو النهي عن الفساد قوة، ويجعله بعيدا من أن يغفل عنه أو ينسى. # ثالثا: قوله تعالى { مما تنبت الأرض } المنبت الحقيقي هو ~~الله سبحانه ففيه مجاز يسمى (المجاز العقلي) وعلاقته السببية لأن الأرض ~~لما كانت سببا للنبات أسند إليها. # رابعا: قوله { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } ~~كناية عن إحاطتهما بهم كما تحيط القبة بمن ضربت عليه كما قال الشاعر: # إن السماحة والمروءة والندى # في قبة ضربت على ابن الحشرج # خامسا: تقييد قتل الأنبياء بقوله { بغير الحق } مع أن قتلهم لا ~~يكون بحق البتة إنما هو لزيادة التشنيع بقبح عدوانه. # الفوائد: الأولى: حكى المفسرون أقوالا كثيرة في الحجر الذي ضربه موسى ~~فجرت منه العيون ما هو؟ وكيف وصفه؟ وقد ضربنا صفحا عن هذه الأقوال والذي ~~يكفي في فهم معنى الآية أن واقعة انفجار الماء إنما كان على وجه " ~~المعجزة " وأن الحجر الذي ضربه موسى كان من الصخر الأصم الذي ليس من شأنه ~~الانفجار بالماء، وهنا تكون المعجزة أوضح، والبرهان أسطع قال الحسن ~~البصري: لم يأمره ms0041 أن يضرب حجرا بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في ~~القدرة. # الثانية: فإن قيل ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عينا؟ والجواب: ~~أن قوم موسى كانوا كثيرين وكانوا في الصحراء، والناس إذا اشتدت بهم ~~الحاجة إلى الماء ثم وجدوه فإنه يقع بينهم تشاجر وتنازع، فأكمل الله هذه ~~النعمة بأن عين لكل سبط منهم ماء معينا على عددهم لأنهم كانوا اثني ~~عشر سبطا، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر والله أعلم. # الثالثة: ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالفوم في قوله { وفومها ~~} الحنطة والأرجح أن المراد به الثوم بدليل قراءة ابن مسعود { وثومها } ~~وبدليل اقتران البصل بعده قال الفخر الرازي: الثوم أوفق للعدس والبصل من ~~الحنطة، واستدل القرطبي على ذلك بقول حسان: # وأنتم أناس لئام الأصول # طعامكم الفوم والحوقل # يعني الثوم والبصل. ### || [2.63-66] # المناسبة: لما ذكرهم تعالى بالنعم الجليلة العظيمة، أردف ذلك ببيان ~~ما حل بهم من نقم، جزاء كفرهم وعصيانهم وتمردهم على أوامر الله، فقد ~~كفروا النعمة، ونقضوا الميثاق، واعتدوا في السبت فمسخهم الله إلى قردة، ~~وهكذا شأن كل أمة عتت عن أمر ربها وعصت رسله. # اللغة: { ميثاقكم } الميثاق: العهد المؤكد بيمين ونحوه، والمراد ~~به هنا العمل بأحكام التوراة { الطور } هو الجبل الذي كلم الله عليه ~~موسى عليه السلام { بقوة } بحزم وعزم { توليتم } التولي: ~~الإعراض عن الشيء والإدبار عنه { خاسئين } جمع خاسئ وهو الذليل ~~المهين قال أهل اللغة: الخاسئ: الصاغر المبعد المطرود كالكلب إذا دنا من ~~الناس قيل له: اخسأ أي تباعد وانطرد صاغرا. { نكالا } النكال: ~~العقوبة الشديدة الزاجرة ولا يقال لكل عقوبة نكال حتى تكون زاجرة رادعة. # التفسير: { وإذ أخذنا ميثاقكم } أي اذكروا يا بني إسرائيل ~~حين أخذنا منكم العهد المؤكد على العمل بما في التوراة { ورفعنا ~~فوقكم الطور } أي نتقناه حتى أصبح كالظلة فوقكم وقلنا لكم { ~~خذوا مآ ءاتينكم بقوة } أي اعملوا بما في التوراة بجد ~~وعزيمة { واذكروا ما فيه } أي احفظوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه { ~~لعلكم تتقون } أي لتتقوا الهلاك في الدنيا والعذاب في ms0042 الآخرة، ~~أو رجاء منكم أن تكونوا من فريق المتقين { ثم توليتم من ~~بعد ذلك } أي أعرضتم عن الميثاق بعد أخذه { فلولا فضل ~~الله عليكم } أي بقبول التوبة { ورحمته } بالعفو عن الزلة ~~{ لكنتم من الخاسرين } أي لكنتم من الهالكين في الدنيا ~~والآخرة { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في ~~السبت } أي عرفتم ما فعلنا بمن عصى أمرنا حين خالفوا واصطادوا يوم ~~السبت وقد نهيناهم عن ذلك { فقلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين } أي مسخناهم قردة بعد أن كانوا بشرا مع الذلة والإهانة { ~~فجعلناها } أي المسخة { نكالا لما بين يديها } أي ~~عقوبة زاجرة لمن يأتي بعدها من الأمم { وما خلفها } أي جعلنا مسخهم ~~قردة عبرة لمن شهدها وعاينها، وعبرة لمن جاء بعدها ولم يشاهدها { ~~وموعظة للمتقين } أي عظة وذكرى لكل عبد صالح متق لله ~~سبحانه وتعالى. # البلاغة: أولا: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } فيه إيجاز ~~بالحذف أي قلنا لهم خذوا فهو كما قال الزمخشري على إرادة القول. # ثانيا: { كونوا قردة خاسئين } خرج الأمر عن حقيقته إلى ~~معنى الإهانة والتحقير، وقال بعض المفسرين: هذا أمر تسخير وتكوين، فهو ~~عبارة عن تعلق القدرة بنقلهم من حقيقة البشرية إلى حقيقة القردة. # ثالثا: { لما بين يديها وما خلفها } كناية عمن أتى ~~قبلها أو أتى بعدها من الأمم والخلائق، أو عبرة لمن تقدم ومن تأخر. # الفوائد: الأولى: قال القفال: إنما قال { ميثاقكم } ولم يقل " ~~مواثيقكم " لأنه أراد ميثاق كل واحد منكم كقوله # ثم يخرجكم طفلا # [غافر: 67] أي يخرج كل واحد منكم طفلا. # الثانية: قال بعض أهل اللطائف: كانت نفوس بني إسرائيل من ظلمات عصيانها ~~تخبط في عشواء حالكة الجلباب، وتخطر من غلوائها وعلوها في حلتي كبر ~~وإعجاب، فلما أمروا بأخذ التوراة ورأوا ما فيها من أثقال ثارت نفوسهم ~~فرفع الله عليهم الجبل فوجدوه أثقل مما كلفوه، فهان عليهم حمل التوراة ~~قال الشاعر: # إلى الله يدعى بالبراهين من أبى # فإن لم يجب نادته بيض الصوارم # الثالثة: إنما خص المتقين بإضافة الموعظة إليهم { وموعظة ~~للمتقين } لأنهم هم الذين ينتفعون بالعظة والتذكير قال ms0043 تعالى # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات: 55]. ### || [2.67-74] # المناسبة: لما ذكر تعالى بعض قبائح اليهود وجرائمهم، من نقض ~~المواثيق، واعتدائهم في السبت، وتمردهم على الله عز وجل في تطبيق شريعته ~~المنزلة، أعقبه بذكر نوع آخر من مساوئهم ألا وهو مخالفتهم للأنبياء ~~وتكذيبهم لهم، وعدم مسارعتهم لامتثال الأوامر التي يوحيها الله إليهم، ~~ثم كثرة اللجاج والعناد للرسل صلوات الله عليهم، وجفاؤهم في مخاطبة ~~نبيهم الكريم موسى عليه السلام، إلى آخر ما هنالك من قبائح ومساوئ. # اللغة: { هزوا } الهزؤ: السخرية بضم الزاي وقلب الهمزة واوا { ~~هزوا } مثل # كفوا أحد # [الإخلاص: 4] والمعنى على حذف مضاف أي أأتخذنا موضع هزؤ، أو يحمل ~~المصدر على معنى اسم المفعول أي أتجعلنا مهزوءا بنا { فارض } الفارض: ~~الهرمة المسنة التى كبرت وطعنت فى السن كذا فى لسان العرب قال الشاعر: # لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضا # تساق إليه ما تقوم على رجل # ولم تعطه بكرا فيرضى سمينة # فكيف تجازى بالمودة والفضل؟ # { عوان } وسط ليست بمسنة ولا صغيرة، وقيل هي التي ولدت بطنا أو ~~بطنين، { فاقع } الفقوع: شدة الصفرة يقال: أصفر فاقع أي شديد ~~الصفرة كما يقال: أحمر قان أي شديد الحمرة قال الطبري: وهو نظير النصوع ~~في البياض { ذلول } أي مذللة للعمل يقال: دابة ذلول أي ريضة زالت ~~صعوبتها فقوله { لا ذلول } أي لم تذلل لإثارة الأرض أي لحرثها { ~~مسلمة } من السلامة أي خالصة ومبرأة من العيوب { شية } الشية: ~~اللمعة المخالفة لبقية اللون الأصلي قال الطبري: { لا شية فيها } ~~أي لا بياض ولا سواد يخالف لونها { فادارأتم } أي تدافعتم ~~واختلفتم وتنازعتم وأصلها تدارأتم أدغمت التاء في الدال، وأتي بهمزة ~~الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالساكن فصار ادارأتم، ومعنى الدرء: الدفع ~~لأن كلا من الفريقين كان يدرأ على الآخر أي يدفع وفي الحديث # " ادرءوا الحدود بالشبهات " # { قست } القسوة: الصلابة ونقيضها الرقة { يشقق } التشقق: ~~التصدع بطول أو عرض { يهبط } الهبوط: النزول من أعلى إلى أسفل. # " معجزة إحياء الميت وقصة البقرة " # ذكر القصة: روى ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني قال: " كان ms0044 رجل من بني ~~إسرائيل عقيما لا يولد له وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه فقتله ~~ثم احتمله ليلا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا ~~وركب بعضهم على بعض، فقال ذوو الرأي منهم والنهى: علام يقتل بعضنا ~~بعضا وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى عليه السلام فذكروا ذلك له فقال: ~~{ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } قال: ولو لم ~~يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم حتى ~~انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة ~~غيرها، فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا، فاشتروها بملء جلدها ~~ذهبا فذبحوها فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك؟ قال: هذا وأشار على ~~ابن أخيه ثم مال ميتا، فلم يعط من ماله شيئا فلم يورث قاتل بعد " وفي ~~رواية " فأخذوا الغلام فقتلوه ". # التفسير: { وإذ قال موسى لقومه إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة } أي اذكروا يا بني إسرائيل حين ~~قال لكم نبيكم موسى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة { قالوا ~~أتتخذنا هزوا } أي فكان جوابكم الوقح لنبيكم أن قلتم: أتهزأ ~~بنا يا موسى { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ~~} أي ألتجئ إلى الله أن أكون في زمرة المستهزئين الجاهلين { قالوا ~~ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } أي ما هي هذه البقرة وأي ~~شيء صفتها؟ { قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ~~ولا بكر } أي لا كبيرة هرمة، ولا صغيرة لم يلقحها الفحل { عوان ~~بين ذلك } أي وسط بين الكبيرة والصغيرة { فافعلوا ما ~~تؤمرون } أي افعلوا ما أمركم به ربكم ولا تتعنتوا ولا تشددوا فيشدد ~~الله عليكم { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~لونها } أي ما هو لونها أبيض أم أسود أم غير ذلك؟ { قال إنه ~~يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها تسر ~~الناظرين } أي إنها بقرة صفراء شديدة الصفرة، حسن منظرها تسر كل من ~~رآها. { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } أعادوا ~~السؤال عن حال البقرة ms0045 بعد أن عرفوا سنها ولونها ليزدادوا بيانا لوصفها، ~~ثم اعتذروا بأن البقر الموصوف بكونه عوانا وبالصفرة الفاقعة كثير { ~~إن البقر تشابه علينا } أي التبس الأمر علينا فلم ندر ما ~~البقرة المأمور بذبحها { وإنآ إن شآء الله لمهتدون } أي ~~سنهتدي إلى معرفتها إن شاء الله، ولو لم يقولوا ذلك لم يهتدوا إليها ~~أبدا كما ثبت في الحديث { قال إنه يقول إنها بقرة ~~لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث } أي ليست هذه ~~البقرة مسخرة لحراثة الأرض، ولا لسقاية الزرع { مسلمة لا شية ~~فيها } أي سليمة من العيوب ليس فيها لون آخر يخالف لونها فهي صفراء ~~كلها { قالوا الآن جئت بالحق } أي الآن بينتها لنا بيانا ~~شافيا لا غموض فيه ولا لبس قال تعالى # إخبارا عنهم { فذبحوها وما كادوا يفعلون } لغلاء ثمنها ~~أو خوف الفضيحة ثم أخبر تعالى عن سبب أمرهم بذبح البقرة، وعما شهدوه من ~~آيات الله الباهرة، فقال { وإذ قتلتم نفسا } أي اذكروا يا بني ~~إسرائيل حين قتلتم نفسا { فادارأتم فيها } أي تخاصمتم ~~وتدافعتم بشأنها، وأصبح كل فريق يدفع التهمة عن نفسه وينسبها لغيره { ~~والله مخرج ما كنتم تكتمون } أي مظهر ما تخفونه { ~~فقلنا اضربوه ببعضها } أي اضربوا القتيل بشيء من البقرة ~~يحيا ويخبركم عن قاتله { كذلك يحيي الله الموتى } أي كما ~~أحيا هذا القتيل أمام أبصاركم يحي الموتى من قبورهم { ويريكم ~~آياته لعلكم تعقلون } أي يريكم دلائل قدرته لتتفكروا ~~وتتدبروا وتعلموا أن الله على كل شيء قدير. # ثم أخبر تعالى عن جفائهم وقسوة قلوبهم فقال { ثم قست قلوبكم ~~} أي صلبت قلوبكم يا معشر اليهود فلا يؤثر فيها وعظ ولا تذكير { من ~~بعد ذلك } أي من بعد رؤية المعجزات الباهرة { فهي ~~كالحجارة أو أشد قسوة } أي بعضها كالحجارة وبعضها أشد ~~قسوة من الحجارة كالحديد { وإن من الحجارة لما يتفجر ~~منه الأنهار } أي تتدفق منها الأنهار الغزيرة { وإن منها ~~لما يشقق فيخرج منه المآء } أي من الحجارة ما يتصدع ~~إشفاقا من عظمة الله فينبع منه الماء { وإن منها لما يهبط ~~من ms0046 خشية الله } أي ومنها ما يتفتت ويتردى من رءوس الجبال من ~~خشية الله، فالحجارة تلين وتخشع وقلوبكم يا معشر اليهود لا تتأثر ولا ~~تلين { وما الله بغافل عما تعملون } أي أنه تعالى رقيب ~~على أعمالهم لا تخفى عليه خافية، وسيجازيهم عليها يوم القيامة، وفي هذا ~~وعيد وتهديد. # البلاغة: أولا: قوله تعالى { فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون } من إيجاز القرآن أن حذف من صدر هذه الجملة جملتين ~~مفهومتين من نظم الكلام والتقدير: فطلبوا البقرة الجامعة للأوصاف السابقة ~~وحصلوها، فلما اهتدوا إليها ذبحوها وهذا من الإيجاز بالحذف. # ثانيا: قوله تعالى { والله مخرج ما كنتم تكتمون } ~~هذه الجملة اعتراضية بين قوله { فادارأتم } وقوله { فقلنا ~~اضربوه } والجملة المعترضة بين ما شأنهما الاتصال تجيء تحلية يزداد ~~بها الكلام البليغ حسنا، وفائدة الاعتراض هنا إشعار المخاطبين بأن ~~الحقيقة ستنجلي لا محالة. # ثالثا: { ثم قست قلوبكم } وصف القلوب بالصلابة والغلظ يراد ~~منه نبوها عن الاعتبار، وعدم تأثرها بالمواعظ ففيه استعارة تصريحية ~~قال أبو السعود: القسوة عبارة عن الغلظ والجفاء والصلابة كما في الحجر ~~استعيرت لنبو قلوبهم عن التأثر بالعظات والقوارع التي تميع منها ~~الجبال وتلين بها الصخور. # رابعا: { فهي كالحجارة } فيه تشبيه يسمى (مرسلا مجملا) لأن ~~أداة الشبه مذكورة ووجه الشبه محذوف. # خامسا: { لما يتفجر منه الأنهار } أي ماء الأنهار، ~~والعرب يطلقون اسم المحل كالنهر على الحال فيه كالماء والقرينة ظاهرة لأن ~~التفجر إنما يكون للماء ويسمى هذا مجازا مرسلا. # الفوائد: الفائدة الأولى: نبه قوله تعالى { قال أعوذ بالله ~~أن أكون من الجاهلين } على أن الاستهزاء بأمر من أمور الدين ~~جهل كبير، وقد منع المحققون من أهل العلم استعمال الآيات كأمثال يضربونها ~~في مقام المزح والهزل، وقالوا إنما أنزل القرآن للتدبر والخشوع لا ~~للتسلي والتفكه والمزاح. # الثانية: الخطاب في قوله { وإذ قتلتم نفسا } لليهود ~~المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وقد جرى على الأسلوب المعروف في ~~مخاطبة الأقوام، إذ ينسب إلى الخلف ما فعل السلف إذا كانوا سائرين على ~~نهجهم، راضين بفعلهم، وفيه توبيخ وتقريع للغابرين والحاضرين. # الثالثة: ms0047 هذه الواقعة واقعة (قتل النفس) جرت قبل أمرهم بذبح البقرة، وإن ~~وردت في الذكر بعده، والسر في ذلك التشويق إلى معرفة السبب في ذبح ~~البقرة، والتكرير في التقريع والتوبيخ قال العلامة أبو السعود: وإنما ~~غير الترتيب لتكرير التوبيخ وتثنية التقريع، فإن كل واحد من قتل ~~النفس المحرمة، والاستهزاء بموسى عليه السلام والافتيات على أمره جناية ~~عظيمة جديرة بأن تنعى عليهم. # الرابعة: ذكر تعالى إحياء الموتى في هذه السورة الكريمة في خمسة مواضع: ~~أ - في قوله # ثم بعثناكم من بعد موتكم # [البقرة: 56] ب - وفي هذه القصة { فقلنا اضربوه ببعضها } ج ~~- وفي قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف # فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم # [البقرة: 243] د - وفي قصة عزير # فأماته الله مئة عام ثم بعثه # [البقرة: 259] ه وفي قصة إبراهيم # رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة: 260]. # الخامسة: { أو } في قوله تعالى { فهي كالحجارة أو أشد ~~قسوة } بمعنى " بل " أي بل أشد قسوة كقوله تعالى # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147] وقال بعضهم: هي للترديد، أو التخيير فمن عرف حالها شبهها ~~بالحجارة أو بما هو أقسى كالحديد، ومن لم يعرفها شبهها بالحجارة أو قال: ~~هي أقسى من الحجارة. # السادسة: ذهب بعض المفسرين إلى أن الخشية هنا حقيقية، وأن الله تعالى ~~جعل لهذه الأحجار خشية بقدرها كقوله تعالى # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44] وقال آخرون: بل هو من باب المجاز كقول القائل: قال الحائط ~~للمسمار لم تشقني؟ قال: سل من يدقني والله أعلم؟ ### || [2.75-82] # المناسبة: لما ذكر تعالى عناد اليهود، وعدم امتثالهم لأوامرالله ~~تعالى، ومجادلتهم للأنبياء الكرام، وعدم الانقياد والإذعان، عقب ذلك ~~بذكر بعض القبائح والجرائم التي ارتكبوها كتحريف كلام الله تعالى، ~~وادعائهم بأنهم أحباب الله، وأن النار لن تمسهم إلا بضعة أيام قليلة، ~~إلى آخر ما هم عليه من أماني كاذبة ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، وقد بدأ ~~تعالى الآيات بتيئيس المسلمين من إيمانهم لأنهم فطروا على الضلال، ~~وجبلوا على العناد والمكابرة. # اللغة: { أفتطمعون } الطمع: تعلق النفس بشيء مطلوب تعلقا ms0048 ~~قويا، فإذا اشتد فهو طمع، وإذا ضعف كان رجاء ورغبة { فريق } ~~الفريق: الجماعة وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه كالرهط والقوم. { ~~يحرفونه } التحريف: التبديل والتغيير وأصله من الانحراف عن الشيء ~~{ عقلوه } عقل الشيء أدركه بعقله والمراد فهموه وعرفوه { أميون ~~} جمع أمي وهو الذي لا يحسن القراءة والكتابة، سمي بذلك نسبة إلى ~~الأم، لأنه باق على ما ولدته عليه أمه من عدم المعرفة { أماني } جمع ~~أمنية وهي ما يتمناه الإنسان ويشتهيه، أو يقدره في نفسه من منى ولذلك ~~تطلق على الكذب قال أعرابي لإنسان: " أهذا شيء رأيته أم تمنيته " أي ~~اختلقته، وتأتي بمعنى قرأ قال حسان: تمنى كتاب الله أول ليلة { فويل ~~} الويل: الهلاك والدماء وقيل: الفضيحة والخزي، وهي كلمة تستعمل في الشر ~~والعذاب قال القاضي: هي نهاية الوعيد والتهديد كقوله # ويل للمطففين # [المطففين: 1] وقال سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف ~~عليها. # سبب النزول: 1 - نزلت في الأنصار كانوا حلفاء لليهود وبينهم جوار ~~ورضاعة وكانوا يودون لو أسلموا فأنزل الله تعالى { أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم.. } الآية. # 2 - وروى مجاهد عن ابن عباس أن اليهود كانوا يقولون: إن هذه الدنيا ~~سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما في النار، وإنما هي سبعة ~~أيام معدودة فأنزل الله تعالى { وقالوا لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودة }. # التفسير: يخاطب الله تعالى عباده المؤمنين فيقول { أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم } أي أترجون يا معشر المؤمنين أن يسلم اليهود ويدخلوا ~~في دينكم { وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ~~} أي والحال قد كان طائفة من أحبارهم وعلمائهم يتلون كتاب الله ويسمعونه ~~بينا جليا { ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه } أي ~~يغيرون آيات التوراة بالتبديل أو التأويل، من بعد ما فهموه وضبطوه ~~بعقولهم { وهم يعلمون } أنهم يرتكبون جريمة أي أنهم يخالفونه على ~~بصيرة لا عن خطأ أو نسيان { وإذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا آمنا } أي إذا اجتمعوا بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال المنافقون من اليهود آمنا بأنكم على الحق، وأن ms0049 محمدا هو الرسول ~~المبشر به { وإذا خلا بعضهم إلى بعض } أي إذا انفرد ~~واختلى بعضهم ببعض { قالوا أتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم } أي قالوا عاتبين عليهم أتخبرون أصحاب محمد بما بين الله ~~لكم في التوراة من صفة محمد عليه السلام { ليحآجوكم به عند ~~ربكم } أي لتكون الحجة للمؤمنين عليكم في الآخرة في ترك اتباع ~~الرسول مع العلم بصدقه { أفلا تعقلون }؟ أي أفليست لكم عقول ~~تمنعكم من أن تحدثوهم بما يكون لهم فيه حجة عليكم؟ والقائلون ذلك هم ~~اليهود لمن نافق منهم قال تعالى ردا عليهم وتوبيخا { أولا ~~يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ~~أي ألا يعلم هؤلاء اليهود أن الله يعلم ما يخفون وما يظهرون، وأنه تعالى ~~لا تخفى عليه خافية، فكيف يقولون ذلك ثم يزعمون الإيمان!! # ولما ذكر تعالى العلماء الذين حرفوا وبدلوا، ذكر العوام الذين قلدوهم ~~ونبه أنهم في الضلال سواء فقال: { ومنهم أميون لا ~~يعلمون الكتاب } أي ومن اليهود طائفة من الجهلة العوام، الذين ~~لا يعرفون القراءة والكتابة ليطلعوا على ما في التوراة بأنفسهم ويتحققوا ~~بما فيها { إلا أماني } أي إلا ما هم عليه من الأماني التي ~~مناهم بها أحبارهم، من أن الله يعفو عنهم ويرحمهم، وأن النار لن تمسهم ~~إلا أياما معدودة، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأنهم أبناء الله ~~وأحباؤه، إلى غير ما هنالك من الأماني الفارغة { وإن هم إلا ~~يظنون } أي ما هم على يقين من أمرهم، بل هم مقلدون للآباء تقليد ~~أهل العمى والغباء. # ثم ذكر تعالى جريمة أولئك الرؤساء المضلين، الذين أضلوا العامة في ~~سبيل حطام الدنيا فقال { فويل للذين يكتبون الكتاب ~~بأيديهم } أي هلاك وعذاب لأولئك الذين حرفوا التوراة، وكتبوا تلك ~~الآيات المحرفة بأيديهم { ثم يقولون هذا من عند الله ~~} أي يقولون لأتباعهم الأميين هذا الذي تجدونه هو من نصوص التوراة التي ~~أنزلها الله على موسى عليه السلام، مع أنهم كتبوها بأيديهم ونسبوها إلى ~~الله كذبا وزورا { ليشتروا به ثمنا قليلا } أي لينالوا ~~به عرض الدنيا وحطامها الفاني { فويل ms0050 لهم مما كتبت ~~أيديهم } أي فشدة عذاب لهم على ما فعلوا من تحريف الكتاب { وويل ~~لهم مما يكسبون } أي وويل لهم مما يصيبون من الحرام والسحت ~~{ وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ~~أي لن ندخل النار إلا أياما قلائل، هي مدة عبادة العجل، أو سبعة أيام ~~فقط { قل أتخذتم عند الله عهدا } أي قل لهم يا محمد على ~~سبيل الإنكار والتوبيخ: هل أعطاكم الله الميثاق والعهد بذلك؟ فإذا كان ~~قد وعدكم بذلك { فلن يخلف الله عهده } لأن الله لا يخلف ~~الميعاد { أم تقولون على الله ما لا تعلمون } أي أم ~~تكذبون على الله فتقولون عليه ما لم يقله، فتجمعون بين جريمة التحريف ~~لكلام الله، والكذب والبهتان عليه جل وعلا. # ثم بين تعالى كذب اليهود، وأبطل مزاعمهم بأن النار لن تمسهم وأنهم لا ~~يخلدون فيها فقال: { بلى من كسب سيئة } أي بلى تمسكم النار ~~وتخلدون فيها، كما يخلد الكافر الذي عمل الكبائر، وكذلك كل من اقترف ~~السيئات { وأحاطت به خطيئته } أي غمرته من جميع جوانبه، ~~وسدت عليه مسالك النجاة، بأن فعل مثل فعلكم أيها اليهود { ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } أي فالنار ~~ملازمة لهم لا يخرجون منها أبدا { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي وأما المؤمنون الذين جمعوا بين الإيمان، والعمل ~~الصالح فلا تمسهم النار، بل هم في روضات الجنات يحبرون { أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون } أي مخلدون في الجنان لا ~~يخرجون منها أبدا، اللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين. # البلاغة: أولا: قوله { وهم يعلمون } جملة مفيدة لكمال قبح ~~صنيعهم، فتحريفهم للتوراة كان عن قصد وتصميم لا عن جهل أو نسيان، ومن ~~يرتكب المعصية عن علم يستحق الذم والتوبيخ أكثر ممن يرتكبها وهو جاهل. # ثانيا: قوله { يكتبون الكتاب بأيديهم } ذكر الأيدي هنا ~~لدفع توهم المجاز، وللتأكيد بأن الكتابة باشروها بأنفسهم كما يقول ~~القائل: كتبته بيميني، وسمعته بأذني. # ثالثا: قوله { ما يسرون وما يعلنون } فيه من المحسنات ~~البديعية ما يسمى ب (الطباق) حيث جمع بين لفظتي " يسرون " و " يعلنون " ~~وهو ms0051 من نوع طباق الإيجاب. # رابعا: التكرير في قوله { فويل للذين يكتبون الكتاب ~~} وقوله { فويل لهم مما كتبت أيديهم } وقوله { ~~وويل لهم مما يكسبون } للتوبيخ والتقريع ولبيان أن ~~جريمتهم بلغت من القبح والشناعة الغاية القصوى. # خامسا: قوله { وأحاطت به خطيئته } هو من باب الاستعارة ~~حيث شبه الخطايا بجيش من الأعداء نزل على قوم من كل جانب فأحاط به ~~إحاطة السوار بالمعصم، واستعار لفظة الإحاطة لغلبة السيئات على ~~الحسنات، فكأنها أحاطت بها من جميع الجهات. # الفوائد: الفائدة الأولى: تحريف كلام الله يصدق بتأويله تأويلا ~~فاسدا، ويصدق بمعنى التغيير وتبديل كلام بكلام، وقد وقع من أحبار اليهود ~~التحريف بالتأويل، وبالتغيير، كما فعلوا في صفته عليه السلام قال العلامة ~~أبو السعود: روي أن أحبار اليهود خافوا زوال رياستهم فعمدوا إلى صفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وكانت هي فيها " حسن الوجه، حسن ~~الشعر، أكحل العينين، أبيض ربعة " فغيروها وكتبوا مكانها " طوال، أزرق، ~~سبط الشعر " فإذا سألهم العامة عن ذلك قرءوا ما كتبوا فيجدونه مخالفا ~~لما في التوراة فيكذبونه. # الثانية: التحريف بقسميه وقع في الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل كما ~~قال تعالى # يحرفون الكلم عن مواضعه # [النساء: 46] أما التحريف بمعنى التأويل الباطل فقد وقع في القرآن من ~~الجهلة أو الملاحدة، وأما التحريف بمعنى إسقاط الآية ووضع كلام بدلها ~~فقد حفظ الله منه كتابه العزيز # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. # الثالثة: روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال # " لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجمعوا لي من كان من اليهود هنا، ~~فقال لهم رسول الله: من أبوكم؟ قالوا: فلان قال: كذبتم بل أبوكم فلان ~~فقالوا: صدقت وبررت ثم قال لهم: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ ~~قالوا نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، ~~فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها ms0052 ~~يسيرا ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخسئوا ~~والله لا نخلفكم فيها أبدا، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: ~~هل جعلتم في هذه الشاة سما؟ فقالوا نعم قال: فما حملكم على ذلك؟ فقالوا: ~~أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك ". ### || [2.83-86] # المناسبة: لا تزال الآيات الكريمة تعدد جرائم اليهود، وفي هذه ~~الآيات أمثلة صارخة على عدوانهم وطغيانهم وإفسادهم في الأرض، فقد نقضوا ~~الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة، وقتلوا النفس التي حرم الله، ~~واستباحوا أكل أموال الناس بالباطل، واعتدوا على إخوانهم في الدين ~~فأخرجوهم من الديار، فاستحقوا اللعنة والخزي والدمار. # اللغة: { ميثاق } الميثاق: العهد المؤكد باليمين غاية التأكيد، فإن ~~لم يكن مؤكدا سمي عهدا { حسنا } الحسن: اسم عام جامع لمعاني ~~الخير، ومنه لين القول، والأدب الجميل، والخلق الكريم، وضده القبح ~~والمعنى: قولوا قولا حسنا فهو صفة لمصدر محذوف { توليتم } ~~التولي عن الشيء: الإعراض عنه ورفضه وعدم قبوله كقوله # فأعرض عن من تولى عن ذكرنا # [النجم: 29] وفرق بعضهم بين التولي والإعراض فقال: التولي بالجسم، ~~والإعراض بالقلب { تظاهرون } تتعاونون وهو مضارع حذف منه أحد ~~التاءين، كأن المتظاهرين يسند كل واحد منهما ظهره إلى الآخر، والظهير: ~~المعين { الإثم } الذنب الذي يستحق صاحبه الملامة وجمعه آثام { ~~العدوان } تجاوز الحد في الظلم { خزي } الخزي: الهوان والمقت ~~والعقوبة. # التفسير: { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل } أي ~~اذكروا حين أخذنا على أسلافكم يا معشر اليهود العهد المؤكد غاية التأكيد ~~{ لا تعبدون إلا الله } بأن لا تعبدوا غير الله { ~~وبالوالدين إحسانا } أي وأمرناهم بأن يحسنوا إلى الوالدين ~~إحسانا { وذي القربى واليتامى والمساكين } أي وأن ~~يحسنوا أيضا إلى الأقرباء، واليتامى الذين مات آباؤهم وهم صغار، ~~والمساكين الذين عجزوا عن الكسب { وقولوا للناس حسنا } أي ~~قولا حسنا بخفض الجناح، ولين الجانب، مع الكلام الطيب { وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة } أي صلوا وزكوا كما فرض الله ms0053 عليكم من ~~أداء الركنين العظيمين " الصلاة، والزكاة " لأنهما أعظم العبادات البدنية ~~والمالية { ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم ~~معرضون } أي ثم رفضتم وأسلافكم الميثاق رفضا باتا، وأعرضتم عن ~~العمل بموجبه إلا قليلا منكم ثبتوا عليه { وإذ أخذنا ~~ميثاقكم لا تسفكون دمآءكم } أي واذكروا أيضا يا بني ~~إسرائيل حين أخذنا عليكم العهد المؤكد بأن لا يقتل بعضكم بعضا { ولا ~~تخرجون أنفسكم من دياركم } ولا يعتدي بعضكم على بعض ~~بالإخراج من الديار، والإجلاء عن الأوطان { ثم أقررتم ~~وأنتم تشهدون } أي ثم اعترفتم بالميثاق وبوجوب المحافظة عليه، ~~وأنتم تشهدون بلزومه { ثم أنتم هؤلاء تقتلون ~~أنفسكم } أي ثم نقضتم أيضا الميثاق يا معشر اليهود بعد إقراركم ~~به، فقتلتم إخوانكم في الدين، وارتكبتم ما نهيتم عنه من القتل { ~~وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } أي كما طردتموهم من ~~ديارهم من غير التفات إلى العهد الوثيق { تظاهرون عليهم ~~بالإثم والعدوان } أي تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم { وإن ~~يأتوكم أسارى تفادوهم } أي إذا وقعوا في الأسر فاديتموهم، ~~ودفعتم المال لتخليصهم من الأسر { وهو محرم عليكم ~~إخراجهم } أي فكيف تستبيحون القتل والإخراج من الديار، ولا ~~تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم؟ { أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب وتكفرون ببعض }؟ أي أفتؤمنون ببعض أحكام التوراة ~~وتكفرون ببعض؟ والغرض التوبيخ لأنهم جمعوا بين الكفر والإيمان، والكفر ~~ببعض آيات الله كفر بالكتاب كله ولهذا عقب تعالى ذلك بقوله { فما ~~جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة ~~الدنيا } أي ما عقوبة من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض إلا ذل ~~وهوان، ومقت وغضب في الدنيا { ويوم القيامة يردون إلى ~~أشد العذاب } أي وهم صائرون في الآخرة إلى عذاب أشد منه، لأنه ~~عذاب خالد لا ينقضي ولا ينتهي { وما الله بغافل عما ~~تعملون } وفيه وعيد شديد لمن عصى أوامر الله، ثم أخبر تعالى عن سبب ~~ذلك العصيان والعدوان فقال { أولئك الذين اشتروا ~~الحياة الدنيا بالآخرة } أي أولئك الموصوفون بما ذكر من ~~الأوصاف القبيحة هم الذين استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة بمعنى اختاروها ~~وآثروها على الآخرة { فلا يخفف عنهم ms0054 العذاب } أي لا ~~يفتر عنهم العذاب ساعة واحدة { ولا هم ينصرون } أي وليس لهم ~~ناصر ينصرهم، ولا مجير ينقذهم من عذاب الله الأليم. # تنبيه: كانت (بنو قريظة) و (بنو النضير) من اليهود، فحالفت بنو قريظة ~~الأوس، وبنو النضير الخزرج، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق من ~~اليهود مع حلفائه، فيقتل اليهودي أخاه اليهودي من الفريق الآخر، ~~ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والمتاع والمال، وذلك ~~حرام عليهم في دينهم وفي نص التوراة، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها ~~افتكوا الأسارى من الفريق المغلوب عملا بحكم التوراة ولهذا قال تعالى ~~{ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض }. # البلاغة: 1 - { لا تعبدون إلا الله } خبر في معنى ~~النهي، وهو أبلغ من صريح النهي كما قال أبو السعود لما فيه من إيهام أن ~~المنهي حقه أن يسارع إلى الانتهاء فكأنه انتهى عنه، فجاء بصيغة الخبر ~~وأراد به النهي. # 2 - { وقولوا للناس حسنا } وقع المصدر موقع الصفة أي قولا ~~حسنا أو ذا حسن للمبالغة فإن العرب تضع المصدر مكان اسم الفاعل أو ~~الصفة بقصد المبالغة فيقولون: هو عدل. # 3 - التنكير في قوله { خزي في الحياة الدنيا } للتفخيم ~~والتهويل. # 4 - { تقتلون أنفسكم } عبر عن قتل الغير بقتل النفس لأن من ~~أراق دم غيره فكأنما أراق دم نفسه فهو من باب المجاز لأدنى ملابسة. # 5 - { أفتؤمنون } الهمزة للإنكار التوبيخي. # الفوائد: الفائدة الأولى: جاء الترتيب في الآية بتقديم الأهم فالأهم، ~~فقدم حق الله تعالى لأنه المنعم في الحقيقة على العباد، ثم قدم ذكر ~~الوالدين لحقهما الأعظم في تربية الولد، ثم القرابة لأن فيهم صلة الرحم ~~وأجر الإحسان، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين لضعفهم ومسكنتهم. # الثانية: { وقولوا للناس حسنا } ولم يقل: وقولوا لإخوانكم ~~أو قولوا للمؤمنين حسنا ليدل على أن الأمر بالإحسان عام لجميع الناس، ~~المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وفي هذا حض على مكارم الأخلاق، بلين ~~الكلام، وبسط الوجه، والأدب الجميل، والخلق الكريم قال أحد الأدباء: # بني إن البر شيء هين # وجه طليق ولسان لين ### || [2.87-92] ms0055 # اللغة: { الكتاب } التوراة { وقفينا } أردفنا وأتبعنا وأصله ~~من القفا يقال: قفاه إذا أتبعه، وقفاه بكذا إذا أتبعه إياه { ~~البينات } المعجزات الباهرات كإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء ~~الموتى { أيدناه } قويناه مأخوذ من الأيد وهو القوة { روح ~~القدس } جبريل عليه السلام، والقدس: الطهر والبركة { تهوى } تحب ~~من هوي إذا أحب ومصدره الهوى { غلف } جمع أغلف، والغلاف: الغطاء، ~~يقال سيف أغلف إذا كان في غلافه، وقلب أغلف أي مستور عن الفهم والتمييز، ~~مستعار من الأغلف الذي لم يختن { لعنهم } أصل اللعن في كلام العرب: ~~الطرد والإبعاد يقال: ذئب لعين أي مطرود مبعد والمراد: أقصاهم وأبعدهم ~~عن رحمته { يستفتحون } يستنصرون من الاستفتاح وهو طلب الفتح أي ~~النصرة { بئسما } أصلها بئس ما أي بئس الذي، وبئس فعل للذم، كما أن ~~" نعم " للمدح { بغيا } البغي: الحسد والظلم، وأصله الفساد من بغى ~~الجرح إذا فسد قاله الأصمعي { بآءو } رجعوا وأكثر ما يستعمل في الشر { ~~مهين } مخز مذل مأخوذ من الهوان بمعنى الذل. # المناسبة: لا تزال الآيات تتحدث عن بني إسرائيل، وفي هذه الآيات ~~الكريمة تذكير لهم بضرب من النعم التي أمدهم الله بها ثم قابلوها ~~بالكفر والإجرام، كعادتهم في مقابلة الإحسان بالإساءة، والنعمة ~~بالكفران والجحود. # التفسير: { ولقد آتينا موسى الكتاب } أي أعطينا موسى ~~التوراة { وقفينا من بعده بالرسل } أي أتبعنا وأرسلنا ~~على أثره الكثير من الرسل { وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات } أي أعطينا عيسى الآيات البينات والمعجزات الواضحات ~~الدالة على نبوته { وأيدناه بروح القدس } أي قويناه وشددنا ~~أزره بجبريل عليه السلام { أفكلما جآءكم رسول بما لا ~~تهوى أنفسكم } أي أفكلما جاءكم يا بني إسرائيل رسول بما لا ~~يوافق هواكم { استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا ~~تقتلون } أي تكبرتم عن اتباعه فطائفة منهم كذبتموهم، وطائفة ~~قتلتموهم.. ثم أخبر تعالى عن اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وبين ضلالهم في اقتدائهم بالأسلاف فقال حكاية عنهم { وقالوا ~~قلوبنا غلف } أي في أكنة لا تفقه ولا تعي ما تقوله يا محمد، ~~والغرض إقناطه عليه السلام من إيمانهم، قال تعالى ردا عليهم { بل ~~لعنهم ms0056 الله بكفرهم } أي طردهم وأبعدهم من رحمته بسبب ~~كفرهم وضلالهم { فقليلا ما يؤمنون } أي فقليل من يؤمن منهم، ~~أو يؤمنون إيمانا قليلا وهو إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم بالبعض الآخر ~~{ ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم } وهو القرآن العظيم الذي أنزل على خاتم المرسلين، مصدقا لما ~~في التوراة { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا } أي وقد كانوا قبل مجيئه يستنصرون به على أعدائهم ويقولون: ~~اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة { ~~فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به } أي فلما بعث محمد ~~صلى الله عليه وسلم الذي عرفوه حق المعرفة كفروا برسالته { فلعنة ~~الله على الكافرين } أي لعنة الله على اليهود الذين كفروا بخاتم ~~المرسلين { بئسما اشتروا به أنفسهم } أي بئس الشيء ~~التافه الذي باع به هؤلاء اليهود أنفسهم { أن يكفروا بمآ أنزل ~~الله } أي كفرهم بالقرآن الذي أنزله الله { بغيا } أي حسدا وطلبا ~~لما ليس لهم { أن ينزل الله من فضله على من يشآء ~~من عباده } أي حسدا منهم لأجل أن ينزل الله وحيا من فضله على من ~~يشاء ويصطفيه من خلقه { فبآءو بغضب على غضب } أي رجعوا بغضب ~~من الله زيادة على سابق غضبه عليهم { وللكافرين عذاب مهين ~~} أي ولهم عذاب شديد مع الإهانة والإذلال لأن كفرهم سببه التكبر والحسد ~~فقوبلوا بالإهانة والصغار { وإذا قيل لهم آمنوا بما ~~أنزل الله } أي آمنوا بما أنزل الله من القرآن وصدقوه واتبعوه { ~~قالوا نؤمن بمآ أنزل علينا } أي يكفينا الإيمان بما ~~أنزل علينا من التوراة { ويكفرون بما ورآءه وهو الحق ~~مصدقا لما معهم } أي يكفرون بالقرآن مع أنه هو الحق موافقا ~~لما معهم من كلام الله { قل فلم تقتلون أنبيآء الله ~~من قبل إن كنتم مؤمنين } أي قل لهم يا محمد إذا كان ~~إيمانكم بما في التوراة صحيحا فلم كنتم تقتلون أنبياء الله من قبل إذا ~~كنتم فعلا مؤمنين؟ { ولقد جآءكم موسى بالبينات } أي ~~بالحجج الباهرات { ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ~~ظالمون } أي عبدتم ms0057 العجل من بعد ذهابه إلى الطور، وأنتم ظالمون في ~~هذا الصنيع. # البلاغة: 1- تقديم المفعول في الموضعين { فريقا كذبتم } و { ~~فريقا تقتلون } للإهتمام وتشويق السامع إلى ما يلقى إليه. # 2- التعبير بالمضارع { وفريقا تقتلون } ولم يقل قتلتم كما قال ~~كذبتم، لأن الفعل المضارع - كما هو المألوف في أساليب البلاغة - يستعمل ~~في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغا عظيما، فكأنه أحضر صورة ~~قتل الأنبياء أمام السامع، وجعله ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها ~~أبلغ، واستفظاعه لها أعظم. # 3- وضع الظاهر مكان الضمير { فلعنة الله على الكافرين } ~~ولم يقل " عليهم " ليشعر بأن سبب حلول اللعنة هو كفرهم. # 4- الخبر في قوله { ولقد جآءكم موسى بالبينات } يراد ~~به التبكيت والتوبيخ على عدم اتباع الرسول. # 5- أسندت الإهانة إلى العذاب فقال { عذاب مهين } لأن الإهانة ~~تحصل بعذابهم، ومن أساليب البيان إسناد الأفعال إلى أسبابها. # فائدة: قال الحسن البصري: إنما سمي جبريل " روح القدس " لأن القدس ~~هو الله، وروحه جبريل، فالإضافة للتشريف، قال الرازي: ومما يدل على أن ~~روح القدس جبريل قوله تعالى في سورة النحل # قل نزله روح القدس من ربك بالحق # [الآية: 102]. ### || [2.93-98] # المناسبة: هذه طائفة أخرى من جرائم اليهود، فقد نقضوا الميثاق حتى ~~رفع جبل الطور عليهم وأمروا أن يأخذوا بما في التوراة، فأظهروا القبول ~~والطاعة ثم عادوا إلى الكفر والعصيان، فعبدوا العجل من دون الله، وزعموا ~~أنهم أحباب الله، وأن الجنة خالصة لهم من دون الناس لا يدخلها أحد سواهم، ~~وعادوا الملائكة الأطهار وعلى رأسهم جبريل عليه السلام، وكفروا ~~بالأنبياء والرسل، وهكذا شأنهم في سائر العصور والدهور. # اللغة: { ميثاقكم } الميثاق: العهد المؤكد بيمين { الطور } هو ~~الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام { بقوة } بعزم وجد { ~~أشربوا } أشرب: سقي أي جعلت قلوبهم تشربه، يقال: أشرب قلبه ~~حب كذا قال زهير: # فصحوت عنها بعد حب داخل # والحب تشربه فؤادك داء # { خالصة } مصدر كالعافية والعاقبة بمعنى الخلوص أي خاصة بكم لا ~~يشارككم فيها أحد { أحرص } الحرص: شدة الرغبة في الشيء وفي الحديث # " إحرص على ما ينفعك " # { بمزحزحه ms0058 } الزحزحة: الإبعاد والتنحية قال تعالى # فمن زحزح عن النار # [آل عمران: 185] أي أبعد وقال الشاعر: # خليلي ما بال الدجى لا يزحزح # وما بال ضوء الصبح لا يتوضح # التفسير: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم ~~الطور } أي اذكروا يا بني إسرائيل حين أخذنا عليكم العهد المؤكد على ~~العمل بما في التوراة، ورفعنا فوقكم جبل الطور قائلين { خذوا مآ ~~ءاتينكم بقوة } أي بعزم وحزم وإلا طرحنا الجبل فوقكم { ~~واسمعوا } أي سماع طاعة وقبول { قالوا سمعنا وعصينا } ~~أي سمعنا قولك، وعصينا أمرك { وأشربوا في قلوبهم العجل } ~~أي خالط حبه قلوبهم، وتغلغل في سويدائها والمراد أن حب عبادة العجل ~~امتزج بدمائهم ودخل في قلوبهم، كما يدخل الصبغ في الثوب، والماء في ~~البدن { بكفرهم } أي بسبب كفرهم { قل بئسما يأمركم ~~به إيمانكم } أي قل لهم على سبيل التهكم بهم بئس هذا الإيمان ~~الذي يأمركم بعبادة العجل { إن كنتم مؤمنين } أي إن كنتم ~~تزعمون الإيمان فبئس هذا العمل والصنيع والمعنى: لستم بمؤمنين لأن ~~الإيمان لا يأمر بعبادة العجل { قل إن كانت لكم الدار ~~الآخرة عند الله خالصة من دون الناس } أي قل لهم يا ~~محمد إن كانت الجنة لكم خاصة لا يشارككم في نعيمها أحد كما زعمتم { ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } أي اشتاقوا الموت ~~الذي يوصلكم إلى الجنة، لأن نعيم هذه الحياة لا يساوي شيئا إذا قيس ~~بنعيم الآخرة. ومن أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها قال تعالى رادا ~~عليهم تلك الدعوى الكاذبة { ولن يتمنوه أبدا بما ~~قدمت أيديهم } أي لن يتمنوا الموت ما عاشوا بسبب ما اجترحوه من ~~الذنوب والآثام { والله عليم بالظالمين } أي عالم بظلمهم ~~وإجرامهم وسيجازيهم على ذلك { ولتجدنهم أحرص الناس ~~على حياة ومن الذين أشركوا } أي ولتجدن اليهود أشد ~~الناس حرصا على الحياة، وأحرص من المشركين أنفسهم، وذلك لعلمهم بأنهم ~~صائرون إلى النار لإجرامهم { يود أحدهم لو يعمر ألف ~~سنة } أي يتمنى الواحد منهم أن يعيش ألف سنة { وما هو ~~بمزحزحه من العذاب أن يعمر } أي وما طول العمر - مهما ~~عمر ms0059 - بمبعده ومنجيه من عذاب الله { والله بصير بما ~~يعملون } أي مطلع على أعمالهم فيجازيهم عليها { قل من كان ~~عدوا لجبريل } أي قل لهم يا محمد من كان عدوا لجبريل فإنه ~~عدو لله، لأن الله جعله واسطة بينه وبين رسله فمن عاداه فقد عادى الله { ~~فإنه نزله على قلبك بإذن الله } أي فإن جبريل ~~الأمين نزل هذا القرآن على قلبك يا محمد بأمر الله تعالى { مصدقا ~~لما بين يديه } أي مصدقا لما سبقه من الكتب السماوية { ~~وهدى وبشرى للمؤمنين } أي وفيه الهداية الكاملة، والبشارة ~~السارة للمؤمنين بجنات النعيم { من كان عدوا لله ~~وملائكته ورسله وجبريل وميكال } أي من عادى الله ~~وملائكته ورسله، وعادى على الوجه الأخص " جبريل وميكائيل " فهو كافر عدو ~~لله { فإن الله عدو للكافرين } لأن الله يبغض من عادى ~~أحدا من أوليائه، ومن عاداهم عاداه الله، ففيه الوعيد والتهديد الشديد. # سبب النزول: روي # " أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليس نبي من ~~الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي، فمن ~~صاحبك حتى نتابعك؟ قال: جبريل قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال ذاك ~~عدونا! لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك فأنزل الله { ~~قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك... } " # الآية. # البلاغة: 1- { وأشربوا في قلوبهم العجل } فيه ~~استعارة مكنية، شبه حب عبادة العجل بمشروب لذيذ سائغ الشراب، وطوى ذكر ~~المشبه به ورمز بشيء من لوازمه وهو الإشراب على طريق الاستعارة المكنية. ~~قال في تلخيص البيان: " وهذه استعارة والمراد وصف قلوبهم بالمبالغة في حب ~~العجل فكأنها تشربت حبه فمازجها ممازجة المشروب، وخالطها مخالطة الشيء ~~الملذوذ ". # 2- { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } إسناد الأمر ~~إلى الإيمان تهكم بهم كقوله # أصلوتك تأمرك # [هود: 87] وكذلك إضافة الإيمان إليهم، أفاده الزمخشري. # 3- التنكير في قوله { على حياة } للتنبيه على أن المراد بها حياة ~~مخصوصة، وهي الحياة المتطاولة التي يعمر فيها الشخص آلاف السنين. # 4- { فإن الله عدو للكافرين } الجملة واقعة في جواب ~~الشرط وجيء بها إسمية لزيادة التقبيح ms0060 لأنها تفيد الثبات، ووضع الظاهر ~~موضع الضمير فقال { عدو للكافرين } بدل عدو لهم لتسجيل صفة ~~الكفر عليهم، وأنهم بسبب عداوتهم للملائكة أصبحوا من الكافرين. # 5- { وجبريل وميكال } جاء بعد ذكر الملائكة فهو من باب ذكر ~~الخاص بعد العام للتشريف والتعظيم. # الفوائد: الأولى: ليس معنى السمع في قوله { واسمعوا } إدراك ~~القول فقط، بل المراد سماع ما أمروا به في النوراة سماع تدبر وطاعة ~~والتزام فهو مؤكد ومقرر لقوله { خذوا مآ ءاتينكم بقوة }. # الثانية: خص القلب بالذكر { نزله على قلبك } لأنه موضع ~~العقل والعلم وتلقي المعارف كما قال تعالى # لهم قلوب يعقلون بهآ # [الحج: 46]. # الثالثة: الحكمة في الإتيان هنا ب " لن " { ولن يتمنوه ~~أبدا } وفي الجمعة ب " لا " # ولا يتمنونه أبدا # [الآية: 7] أن ادعاءهم هنا أعظم من ادعائهم هناك، فإنهم ادعوا هنا ~~اختصاصهم بالجنة، وهناك كونهم أولياء لله من دون الناس، فناسب هنا ~~التوكيد بلن المفيدة للنفي في الحاضر والمستقبل، وأما هناك فاكتفى ~~بالنفي. # الرابعة: الآية الكريمة من المعجزات لأنها إخبار بالغيب وكان الأمر كما ~~أخبر، ويكفي في تحقق هذه المعجزة أن لا يقع تمني الموت من اليهود الذين ~~كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم وفي الحديث الشريف # " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار ". ### || [2.99-103] # المناسبة: لما ذكر تعالى ما جبل عليه اليهود، من خبث السريرة ونقض ~~العهود، والتكذيب لرسل الله ومعاداة أوليائه، حتى انتهى بهم الحال إلى ~~عداوة السفير بين الله وبين خلقه وهو " جبريل " الأمين عليه السلام، أعقب ~~ذلك ببيان أن من عادة اليهود عدم الوفاء بالعقود، وتكذيب الرسل، واتباع ~~طرق الشعوذة والضلال، وفي ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ~~سلكوا معه هذه الطريقة، في عدم الأخذ بما انطوى عليه كتاب الله من ~~التبشير ببعثة السراج المنير، وإلزامهم الإيمان به واتباعه، فنبذوا ~~الكتاب وراء ظهورهم، واتبعوا ما ألقت إليهم الشياطين من كتب السحر ~~والشعوذة، ونسبوها إلى سليمان عليه السلام وهو منها بريء، وهكذا حالهم ~~مع جميع الرسل الكرام، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. ms0061 # اللغة: { نبذ } النبذ: الطرح والإلقاء ومنه سمي اللقيط منبوذا لأنه ~~ينبذ على الطريق قال الشاعر: # إن الذين أمرتهم أن يعدلوا # نبذوا كتابك واستحلوا المحرما # { تتلوا } تحدث وتروي من التلاوة بمعنى القراءة، أو من التلاوة ~~بمعنى الاتباع قال الطبري: ولقول القائل: " هو يتلو كذا " في كلام العرب ~~معنيان: أحدهما الاتباع كما تقول: تلوت فلانا إذا مشيت خلفه وتبعت ~~أثره، والآخر: القراءة والدراسة كقولك: فلان يتلو القرآن أي يقرؤه { ~~السحر } قال الجوهري: كل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر، وسحره أيضا ~~بمعنى خدعه وفي الحديث # " إن من البيان لسحرا " # { فتنة } الفتنة: الابتلاء والاختبار ومنه قولهم: فتنت الذهب إذا ~~امتحنته بالنار لتعرف سلامته أو غشه { خلاق } الخلاق: النصيب قال ~~الزجاج: هو النصيب الوافر من الخير، وأكثر ما يستعمل في الخير { ~~لمثوبة } المثوبة: الثواب والجزاء. # التفسير: { ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات } أي ~~والله لقد أنزلنا إليك يا محمد آيات واضحات دالات على نبوتك { وما ~~يكفر بهآ إلا الفاسقون } أي وما يجحد بهذه الآيات ويكذب ~~بها إلا الخارجون عن الطاعة الماردون على الكفر { أوكلما ~~عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم } أي أيكفرون بالآيات وهي ~~في غاية الوضوح وكلما أعطوا عهدا نقضه جماعة منهم؟ { بل أكثرهم ~~لا يؤمنون } أي بل أكثر اليهود لا يؤمن بالتوراة الإيمان الصادق ~~لذلك ينقضون العهود والمواثيق { ولمآ جآءهم رسول من عند ~~الله } وهو محمد صلى الله عليه وسلم { مصدق لما معهم } أي ~~مصدقا للتوراة وموافقا لها في أصول الدين ومقررا لنبوة موسى عليه ~~السلام { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب ~~الله ورآء ظهورهم } أي طرح أحبارهم وعلماؤهم التوارة وأعرضوا ~~عنها بالكلية لأنها تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فجحدوا وأصروا ~~على إنكار نبوته { كأنهم لا يعلمون } أي كأنهم لا يعلمون من ~~دلائل نبوته شيئا { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ~~ملك سليمان } أي اتبعوا طرق السحر والشعوذة التي كانت تحدثهم بها ~~الشياطين في عهد ملك سليمان { وما كفر سليمان } أي وما كان ~~سليمان ساحرا ولا كفر بتعلمه السحر { ولكن الشياطين ms0062 ~~كفروا يعلمون الناس السحر } أي ولكن الشياطين هم الذين ~~علموا الناس السحر حتى فشا أمره بين الناس { ومآ أنزل على ~~الملكين ببابل هاروت وماروت } أي وكما اتبع رؤساء ~~اليهود السحر كذلك اتبعوا ما أنزل على الملكين وهما هاروت وماروت ~~بمملكة بابل بأرض الكوفة، وقد أنزلهما الله ابتلاء وامتحانا للناس { ~~وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر } أي إن الملكين لا يعلمان أحدا من الناس ~~السحر حتى يبذلا له النصيحة ويقولا إن هذا الذي نصفه لك إنما هو امتحان ~~من الله وابتلاء، فلا تستعمله للإضرار ولا تكفر بسببه، فمن تعلمه ليدفع ~~ضرره عن الناس فقد نجا، ومن تعلمه ليلحق ضرره بالناس فقد هلك وضل. # . قال تعالى { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين ~~المرء وزوجه } أي يتعلمون منهما من علم السحر ما يكون سببا في ~~التفريق بين الزوجين، فبعد أن كانت المودة والمحبة بينهما يصبح الشقاق ~~والفراق { وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن ~~الله } أي وما هم بما استعملوه من السحر يضرون أحدا إلا إذا شاء ~~الله { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم } أي والحال ~~أنهم بتعلم السحر يحصلون على الضرر لا على النفع { ولقد علموا ~~لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق } أي ولقد علم ~~اليهود الذين نبذوا كتاب الله واستبدلوا به السحر، أنهم ليس لهم حظ من ~~رحمة الله ولا من الجنة لأنهم آثروا السحر على كتاب الله { ولبئس ~~ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } أي ولبئس ~~هذا الشيء الذي باعوا به أنفسهم لو كان لهم علم أو فهم وإدراك { ولو ~~أنهم آمنوا واتقوا } أي ولو أن أولئك الذين يتعلمون السحر ~~آمنوا بالله وخافوا عذابه { لمثوبة من عند الله خير ~~لو كانوا يعلمون } أي لأثابهم الله ثوابا أفضل مما شغلوا به ~~أنفسهم من السحر، الذي لا يعود عليهم إلا بالويل والخسار والدمار. # سبب النزول: لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم سليمان في ~~المرسلين، قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون لمحمد يزعم ms0063 أن ابن داود كان ~~نبيا!! والله ما كان إلا ساحرا فنزلت هذه الآية { وما كفر ~~سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ~~السحر }. # البلاغة: 1- { رسول من عند الله } التنكير للتفخيم ووصف ~~الرسول بأنه آت من عند الله لإفادة مزيد التعظيم. # 2- { ورآء ظهورهم } مثل يضرب للإعراض عن الشيء جملة تقول ~~العرب: جعل هذا الأمر وراء ظهره أي تولى عنه معرضا، لأن ما يجعل وراء ~~الظهر لا ينظر إليه، فهو كناية عن الإعراض عن التوراة بالكلية. # 3- { لو كانوا يعلمون } هذا جار على الأسلوب المعروف في ~~فنون البلاغة، من أن العالم بالشيء إذا لم يجر على موجب علمه قد ينزل ~~منزلة الجاهل به، وينفى عنه العلم كما ينفى عن الجاهلين. # 4- { لمثوبة من عند الله } جيء بالجملة الإسمية بدل ~~الفعلية للدلالة على الثبوت والاستقرار. # فائدة: الحكمة من تعليم الملكين الناس السحر، أن السحرة كثروا في ذلك ~~العهد واخترعوا فنونا غريبة من السحر، وربما زعموا أنهم أنبياء، فبعث ~~الله تعالى الملكين ليعلما الناس وجوه السحر حتى يتمكنوا من التمييز ~~بينه وبين المعجزة، ويعرفوا أن الذين يدعون النبوة كذبا إنما هم سحرة ~~لا أنبياء. ### || [2.104-110] # المناسبة: لما ذكر تعالى قبائح اليهود، وما اختصوا به من ضروب السحر ~~والشعوذة، أعقبه ببيان نوع آخر من السوء والشر، الذي يضمرونه للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمين، من الطعن والحقد والحسد، وتمني زوال النعمة عن ~~المؤمنين، واتخاذهم الشريعة الغراء هدفا للطعن والتجريح بسبب النسخ لبعض ~~الأحكام الشرعية. # اللغة: { راعنا } من المراعاة وهي الإنظار والإمهال، وأصلها من ~~الرعاية وهي النظر في مصالح الإنسان، وقد حرفها اليهود فجعلوها كلمة ~~مسبة مشتقة من الرعونة وهي الحمق ولذلك نهي عنها المؤمنون { انظرنا ~~} من النظر والانتظار تقول: نظرت الرجل إذا انتظرته وارتقبته أي ~~انتظرنا وتأن بنا { يود } يتمنى ويحب { ننسخ } النسخ في اللغة: ~~الإبطال والإزالة يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته وفي الشرع: رفع حكم ~~شرعي وتبديله بحكم آخر { ننسها } من أنسى الشيء جعله منسيا فهو من ~~النسيان الذي هو ضد الذكر أي نمحها من القلوب ms0064 { ولي } الولي: من ~~يتولى أمور الإنسان ومصالحه { نصير } النصير: المعين مأخوذ من قولهم ~~نصره إذا أعانه { أم } بمعنى بل وهي تفيد الانتقال من جملة إلى جملة ~~كقوله تعالى # أم يقولون افتراه # [يونس: 38] أي بل يقولون { يتبدل } يقال: بدل وتبدل واستبدل أي ~~جعل شيئا موضع آخر، وتبدل الكفر بالإيمان معناه أخذه بدل الإيمان { ~~سوآء السبيل } أي وسط الطريق، والسواء من كل شيء: الوسط، والسبيل ~~معناه الطريق { فاعفوا } العفو: ترك المؤاخذة على الذنب { ~~واصفحوا } والصفح: ترك التأنيب عنه. # سبب النزول: روي أن اليهود قالوا: ألا تعجبون لأمر محمد؟! يأمر ~~أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه ~~غدا، فما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، يناقض بعضه ~~بعضا فنزلت { ما ننسخ من آية }. # التفسير: { ياأيها الذين آمنوا } هذا نداء من الله جل شأنه ~~للمؤمنين يخاطبهم فيه فيقول { لا تقولوا راعنا } أي راقبنا ~~وأمهلنا حتى نتمكن من حفظ ما تلقيه علينا { وقولوا انظرنا } أي ~~انتظرنا وارتقبنا { واسمعوا } أي أطيعوا أوامر الله ولا تكونوا ~~كاليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا { وللكافرين عذاب أليم } أي ~~ولليهود الذين نالوا من الرسول وسبوه، عذاب أليم موجع { ما يود ~~الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ~~ينزل عليكم من خير من ربكم } أي ما يحب الكافرون ~~من اليهود والنصارى ولا المشركون أن ينزل عليكم شيء من الخير، بغضا ~~فيكم وحسدا لكم { والله يختص برحمته من يشآء } أي ~~يختص بالنبوة والوحي والفضل والإحسان من شاء من عباده { والله ذو ~~الفضل العظيم } والله واسع الفضل والإحسان ثم قال تعالى ردا ~~على اليهود حين طعنوا في القرآن بسبب النسخ { ما ننسخ من آية ~~أو ننسها } أي ما نبدل من حكم آية فنغيره بآخر أو ننسها يا محمد ~~أي نمحها من قلبك { نأت بخير منها أو مثلها } أي نأت ~~بخير لكم منها أيها المؤمنون بما هو أنفع لكم في العاجل أو الآجل، إما ~~برفع المشقة عنكم، أو بزيادة الأجر والثواب لكم { ألم تعلم أن ~~الله ms0065 على كل شيء قدير } أي ألم تعلم أيها المخاطب أن الله ~~عليم حكيم قدير، لا يصدر منه إلا كل خير وإحسان للعباد!! { ألم ~~تعلم أن الله له ملك السموت والأرض } أي ألم ~~تعلم أن الله هو المالك المتصرف في شئون الخلق يحكم بما شاء ويأمر بما ~~شاء؟ { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } أي ~~ما لكم ولي يرعى شئونكم أو ناصر ينصركم غير الله تعالى فهو نعم الناصر ~~والمعين { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل ~~موسى من قبل } أي بل أتريدون يا معشر المؤمنين أن تسألوا نبيكم ~~كما سأل قوم موسى نبيهم من قبل ويكون مثلكم مثل اليهود الذين قالوا ~~لنبيهم # أرنا الله جهرة # [النساء: 153] فتضلوا كما ضلوا { ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان } أي يستبدل الضلالة بالهدى ويأخذ الكفر بدل الإيمان { ~~فقد ضل سوآء السبيل } أي فقد حاد عن الجادة وخرج عن الصراط ~~السوي { ود كثير من أهل الكتاب } أي تمنى كثير من اليهود ~~والنصارى { لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا } أي ~~لو يصيرونكم كفارا بعد أن آمنتم { حسدا من عند أنفسهم } ~~أي حسدا منهم لكم حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة { من بعد ما ~~تبين لهم الحق } أي من بعد ما ظهر لهم بالبراهين الساطعة أن ~~دينكم هو الحق { فاعفوا واصفحوا } أي اتركوهم وأعرضوا عنهم فلا ~~تؤاخذوهم { حتى يأتي الله بأمره } أي حتى يأذن الله لكم ~~بقتالهم { إن الله على كل شيء قدير } أي قادر على كل ~~شيء فينتقم منهم إذا حان الأوان { وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة } أي حافظوا على عمودي الإسلام وهما " الصلاة والزكاة " ~~وتقربوا إليه بالعبادة البدنية والمالية { وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } أي ما تتقربوا إلى ~~الله من صلاة أو صدقة أو عمل صالح فرضا كان أو تطوعا تجدوا ثوابه عند ~~الله { إن الله بما تعملون بصير } أي رقيب عليكم مطلع ~~على أعمالكم فيجازيكم عليها يوم الدين. # البلاغة: 1- الإضافة في قوله { من ربكم } للتشريف. وفيها ~~تذكير للعباد بتربيته لهم. # 2- تصدير الجملتين بلفظ ms0066 الجلالة { والله يختص } { والله ~~ذو الفضل } للإيذان بفخامة الأمر. # 3- { ألم تعلم } الاستفهام للتقرير والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد أمته بدليل قوله تعالى { وما لكم من دون الله ~~}. # 4- وضع الاسم الجليل موضع الضمير { إن الله } و { من دون ~~الله } لتربية الروعة والمهابة في النفوس. # 5- { ضل سوآء السبيل } من إضافة الصفة للموصوف أي الطريق ~~المستوي، وفي التعبير به نهاية التبكيت والتشنيع لمن ظهر له الحق فعدل ~~عنه إلى الباطل. # الفوائد: الأولى: خاطب الله المؤمنين بقوله تعالى { ياأيها ~~الذين آمنوا } في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن، وهذا أول خطاب ~~خوطب به المؤمنون في هذه السورة بالنداء الدال على الإقبال عليهم، ونداء ~~المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى ~~أوامر الله ونواهيه بحسن الطاعة والامتثال. # الثانية: نهي المسلمون أن يقولوا في خطاب النبي عليه السلام { راعنا ~~} وأمروا بأن يقولوا مكانها { انظرنا } وفي ذلك تنبيه لأدب جميل هو ~~أن الإنسان يتجنب في مخاطباته الألفاظ التي توهم الجفاء أو التنقيص في ~~مقام يقتضي إظهار المودة أو التعظيم. # الثالثة: كانت اليهود تستعمل كلمة { راعنا } يعنون بها المسبة ~~والشتيمة وروى أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال يا أعداء الله: عليكم لعنة ~~الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن ~~عنقه فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت هذه الآية { لا تقولوا ~~راعنا وقولوا انظرنا }. ### || [2.111-115] # المناسبة: في هذه الآيات الكريمة بيان آخر لأباطيل أهل الكتاب، حيث ~~ادعى كل من الفريقين اليهود والنصارى أن الجنة خاصة به وطعن في دين ~~الآخر، فاليهود يعتقدون بكفر النصارى وضلالهم، ويكفرون بعيسى وبالإنجيل، ~~والنصارى يعتقدون بكفر اليهود لعدم إيمانهم بالمسيح وقد جاء لإتمام ~~شريعتهم، ونشأ عن هذا النزاع عداوة اشتدت بها الأهواء حتى صار كل فريق ~~يطعن في دين الآخر ويزعم أن الجنة وقف عليه، فأكذب الله الفريقين، وبين ~~أن الجنة إنما يفوز بها المؤمن التقي الذي عمل الصالحات. # اللغة: { هودا } أي يهودا جمع هائد، والهائد: التائب الراجع مشتق من ~~هاد إذا تاب # إنا ms0067 هدنآ إليك # [الأعراف: 156]، { أمانيهم } جمع أمنية وهي ما يتمناه الإنسان ~~ويشتهيه، { برهانكم } البرهان: الدليل والحجة الموصلان إلى اليقين، ~~{ أسلم } استسلم وخضع، { خرابهآ } الخراب: الهدم والتدمير وهو ~~حسي كتخريب بيوت الله، ومعنوي كتعطيل إقامة الشعائر فيها، { خزي } ~~هوان وذلة، { ثم } بفتح الثاء أي هناك ظرف للمكان، { وجه الله ~~} الوجه: الجهة والمراد بوجه الله: الجهة التي ارتضاها وأمر بالتوجه ~~إليها. # سبب النزول: عن ابن عباس قال: لما قدم أهل نجران من النصارى على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أتتهم أحبار اليهود فتنازعوا عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال رافع بن حرملة: ما أنتم على شيء وكفر بعيسى ~~وبالإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء ~~وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة فأنزل الله { وقالت اليهود ~~ليست النصارى على شيء } الآية. # التفسير: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى } أي قال اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان ~~يهوديا، وقال النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا { تلك ~~أمانيهم } أي تلك خيالاتهم وأحلامهم { قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين } أي قل لهم يا محمد أئتوني ~~بالحجة الساطعة على ما تزعمون إن كنتم صادقين في دعواكم { بلى من ~~أسلم وجهه لله } أي بلى يدخل الجنة من استسلم وخضع وأخلص نفسه ~~لله { وهو محسن } أي وهو مؤمن مصدق متبع لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون } أي فله ثواب عمله ولا خوف عليهم في الآخرة ولا ~~يعتريهم حزن أو كدر بل هم في نعيم مقيم { وقالت اليهود ليست ~~النصارى على شيء } أي كفر اليهود بعيسى وقالوا ليس النصارى ~~على دين صحيح معتد به فدينهم باطل { وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شيء } أي وقال النصارى في اليهود مثل ذلك وكفروا ~~بموسى { وهم يتلون الكتاب } أي والحال أن اليهود يقرءون ~~التوراة والنصارى يقرءون الإنجيل فقد كفروا عن علم { كذلك قال ~~الذين لا يعلمون مثل قولهم } أي كذلك ms0068 قال مشركو العرب ~~مثل قول أهل الكتاب قالوا: ليس محمد على شيء { فالله يحكم ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } ~~أي يحكم بين اليهود والنصارى ويفصل بينهم بقضائه العادل فيما اختلفوا فيه ~~من أمر الدين { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن ~~يذكر فيها اسمه } استنكار واستبعاد لأن يكون أحد أظلم ممن فعل ~~ذلك أي لا أحد أظلم ممن منع الناس من عبادة الله في بيوت الله، وعمل ~~لخرابها بالهدم كما فعل الرومان ببيت المقدس، أو بتعطيلها من العبادة كما ~~فعل كفار قريش { أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا ~~خآئفين } أي ما ينبغي لأولئك أن يدخلوها إلا وهم في خشية وخضوع ~~فضلا عن التجرؤ على تخريبها أو تعطيلها { لهم في الدنيا خزي ~~} أي لأولئك المذكورين هوان وذلة في الدنيا { ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم } وهو عذاب النار. # { ولله المشرق والمغرب } أي لله مكان شروق الشمس ومكان ~~غروبها والمراد جميع الأرض { فأينما تولوا فثم وجه ~~الله } أي إلى أي جهة توجهتم بأمره فهناك قبلته التي رضيها لكم، وقد ~~نزلت الآية فيمن أضاع جهة القبلة { إن الله واسع عليم } أي ~~يسع الخلق بالجود والإفضال، عليم بتدبير شئونهم، لا تخفى عليه خافية من ~~أحوالهم. # البلاغة: 1- { تلك أمانيهم } الجملة اعتراضية وفائدتها ~~بيان بطلان الدعوى وأنها دعوى كاذبة. # 2- { قل هاتوا برهانكم } الأمر هنا للتبكيت والتقريع. # 3- { من أسلم وجهه لله } خص الوجه بالذكر لأنه أشرف ~~الأعضاء والوجه ههنا (استعارة) أي من أقبل على عبادة الله وجعل توجهه ~~إليه بجملته. # 4- { عند ربه } العندية للتشريف ووضع اسم الرب مضافا إلى ضمير ~~من أسلم موضع ضمير الجلالة لإظهار مزيد اللطف به. # 5- { قال الذين لا يعلمون } فيه توبيخ عظيم لأهل الكتاب ~~لأنهم نظموا أنفسهم - مع علمهم - في سلك من لا يعلم أصلا. # 6- { ومن أظلم } الاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد أظلم منه. # 7- { لهم في الدنيا خزي } التنكير للتهويل أي خزي هائل فظيع ~~لا يكاد يوصف لهوله. # 8- { عليم } صيغة فعيل للمبالغة. أي واسع العلم. # فائدة: قال الإمام الفخر: إسلام ms0069 الوجه لله يعني إسلام النفس لطاعة ~~الله وقد يكنى بالوجه عن النفس كما قال تعالى # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] وقال زيد بن نفيل: # وأسلمت وجهي لمن أسلمت # له الأرض تحمل صخرا ثقالا # وأسلمت وجهي لمن أسلمت # له المزن تحمل عذبا زلالا ### || [2.116-123] # المناسبة: لما ذكر تعالى افتراء اليهود والنصارى وزعمهم أن الجنة ~~خاصة بهم لا يشاركهم فيها أحد أعقبه بذكر بعض قبائحهم وقبائح المشركين في ~~ادعائهم أن لله ولدا حيث زعم اليهود أن عزيرا ابن الله، وزعم النصارى ~~أن المسيح ابن الله، وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله فأكذبهم الله ~~ورد دعواهم بالحجة الدامغة والبرهان القاطع. # اللغة: { سبحانه } سبحان مصدر سبح بمعنى نزه ومعناه التبرئة ~~والتنزيه عما لا يليق بجلاله تعالى { قانتون } مطيعون خاضعون من ~~القنوت وهو الطاعة والخضوع { بديع } البديع: المبدع من الإبداع، ~~والإبداع: اختراع الشيء على غير مثال سبق { قضى } أراد وقدر { ~~بشيرا } البشير: المبشر وهو المخبر بالأمر الصادق السار { نذيرا } ~~النذير: المنذر وهو المخبر بالأمر المخوف ليحذر منه { الجحيم } ~~المتأجج من النار { ملتهم } أي دينهم وجمعها ملل وأصل الملة: ~~الطريقة المسلوكة ثم جعلت اسما للشريعة التي أنزلها الله { عدل } ~~فداء. # التفسير: { وقالوا اتخذ الله ولدا } هو قول اليهود ~~والنصارى والمشركين فاليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: ~~المسيح ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله فأكذب الله الجميع ~~في دعواهم فقال { سبحانه } أي تقدس وتنزه عما زعموا تنزها بليغا ~~{ بل له ما في السموت والأرض } بل للإضراب أي ليس ~~الأمر كما زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح ~~والملائكة { كل له قانتون } أي الكل منقادون له لا يستعصي شيء ~~منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته { بديع السموت والأرض } ~~أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق { وإذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون } أي إذا أراد إيجاد شيء حصل من ~~غير امتناع ولا مهلة فمتى أراد شيئا وجد بلمح البصر، فمراده نافذ وأمره ~~لا يتخلف # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر: ms0070 50] { وقال الذين لا يعلمون } المراد بهم جهلة ~~المشركين وهم كفار قريش { لولا يكلمنا الله } أي هلا يكلمنا ~~الله مشافهة أو بإنزال الوحي علينا بأنك رسوله { أو تأتينآ آية ~~} أي تكون برهانا وحجة على صدق نبوتك، قالوا ذلك استكبارا وعنادا { ~~كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم } أي مثل ~~هذا الباطل الشنيع قال المكذبون من أسلافهم لرسلهم { تشابهت ~~قلوبهم } أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد والتكذيب ~~للأنبياء وفي هذا تسلية له صلى الله عليه وسلم { قد بينا الآيات ~~لقوم يوقنون } أي قد وضحنا الأدلة وأقمنا البراهين لقوم يطلبون ~~الحق واليقين، وكلها ناطقة بصدق ما جئت به { إنا أرسلناك ~~بالحق بشيرا ونذيرا } أي أرسلناك يا محمد بالشريعة النيرة ~~والدين القويم بشيرا للمؤمنين بجنات النعيم، ونذيرا للكافرين من عذاب ~~الجحيم { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } أي أنت لست مسئولا ~~عمن لم يؤمن منهم بعد أن بذلت الجهد في دعوتهم # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40] { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ~~حتى تتبع ملتهم } أى لن ترضى عنك الطائفتان " اليهود ~~والنصارى " حتى تترك الإسلام المنير وتتبع دينهم الأعوج { قل إن ~~هدى الله هو الهدى } أي قل لهم يا محمد إن الإسلام هو الدين ~~الحق وما عداه فهو ضلال { ولئن اتبعت أهوآءهم بعد ~~الذي جآءك من العلم } أي ولئن سايرتهم على آرائهم الزائفة ~~وأهوائهم الفاسدة بعدما ظهر لك الحق بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة { ~~ما لك من الله من ولي ولا نصير } أي ليس لك من يحفظك ~~أو يدفع عنك عقابة الأليم { الذين آتيناهم الكتاب } مبتدأ ~~وهم طائفة من اليهود والنصارى أسلموا { يتلونه حق تلاوته } ~~أي يقرءونه قراءة حقة كما أنزل { أولئك يؤمنون به } هذا ~~خبر المبتدأ أي فأولئك هم المؤمنون حقا دون المعاندين المحرفين لكلام ~~الله { ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون } أي ومن ~~كفر بالقرآن فقد خسر دنياه وآخرته { يا بني إسرائيل اذكروا ~~نعمتي التي أنعمت عليكم } أي اذكروا نعمي الكثيرة ~~عليكم وعلى آبائكم { وأني فضلتكم على العالمين } أي ~~واذكروا تفضيلي ms0071 لكم على سائر الأمم في زمانكم { واتقوا يوما لا ~~تجزي نفس عن نفس شيئا } أي خافوا ذلك اليوم الرهيب الذي لا ~~تغني فيه نفس عن نفس ولا تدفع عنها من عذاب الله شيئا، لأن كل نفس بما ~~كسبت رهينة { ولا يقبل منها عدل } أي لا يقبل منها فداء { ~~ولا تنفعها شفاعة } أي لا تفيدها شفاعة أحد لأنها كفرت بالله # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # [المدثر: 48] { ولا هم ينصرون } أي لا يدفع عنهم أحد عذاب الله ~~ولا يجيرهم من سطوة عقابه. # البلاغة: 1- { سبحانه } جملة اعتراضية وفائدتها بيان بطلان دعوى ~~الظالمين الذين زعموا لله الولد قال أبو السعود: وفيه من التنزيه البليغ ~~من حيث الاشتقاق من " السبح " ومن جهة النقل إلى التفعيل " التسبيح " ~~ومن جهة العدول إلى المصدر ما لا يخفى والمراد أنزهه تنزيها لائقا به. # 2- { كل له قانتون } صيغة جمع العقلاء في { قانتون } ~~للتغليب أي تغليب العقلاء على غير العقلاء، والتغليب من الفنون المعدودة ~~في محاسن البيان. # 3- التعبير عن الكافرين والمكذبين بكلمة { أصحاب الجحيم } ~~إيذان بأن أولئك المعاندين من المطبوع على قلوبهم فلا يرجى منهم الرجوع ~~عن الكفر والضلال إلى الإيمان والإذعان. # 4- إيراد الهدى معرفا بأل في قوله { هو الهدى } مع اقترانه ~~بضمير الفصل " هو " يفيد قصر الهداية على دين الله فهو من باب قصر الصفة ~~على الموصوف فالإسلام هو الهدى كله وما عداه فهو هوى وعمى. # 5- { ولئن اتبعت أهوآءهم } هذا من باب التهييج ~~والإلهاب. # تنبيه: قال القرطبي: { بديع السموت والأرض } أي منشئها ~~وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق ~~إليه قيل له مبدع، ومنه أصحاب البدع، وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ~~ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام وفي البخاري # " نعمت البدعة هذه " # يعني قيام رمضان.. ثم قال: وكل بدعة صدرت من مخلوق فلا يخلو أن يكون ~~لها أصل في الشرع أولا؟ فإن كان لها أصل فهي في حيز المدح ويعضده قول ~~عمر " نعمت البدعة هذه " وإلا فهي في حيز الذم والإنكار وقد بين ms0072 هذا ~~الحديث الشريف # " من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها.. ومن ~~سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها.. ". ### || [2.124-129] # المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة نعمه على بني ~~إسرائيل، وبين كيف كانوا يقابلون النعم بالكفر والعناد، ويأتون منكرات ~~في الأقوال والأعمال، وصل حديثهم بقصة إبراهيم أبي الأنبياء الذي يزعم ~~اليهود والنصارى انتماءهم إليه ويقرون بفضله، ولو كانوا صادقين لوجب ~~عليهم اتباع هذا النبي الكريم " محمد " صلى الله عليه وسلم ودخولهم في ~~دينه القويم لأنه أثر دعوة إبراهيم الخليل حين دعا لأهل الحرم، ثم هو من ~~ولد اسماعيل عليه السلام فكان أولى بالاتباع والتمسك بشريعته الحنيفية ~~السمحة التي هي شريعة الخليل عليه السلام. # اللغة: { ابتلى } امتحن والابتلاء: الاختبار { فأتمهن } ~~أتى بهن على التمام والكمال { إماما } الإمام: القدوة الذي يؤتم به ~~في الأقوال والأفعال { مثابة } مرجعا من ثاب يثوب إذا رجع أي أنهم ~~يترددون إليه لا يقضون منه وطرهم قال الشاعر: # جعل البيت مثابا لهم # ليس منه الدهر يقضون الوطر # { وأمنا } الأمن: السلامة من الخوف والطمأنينة في النفس والأهل { ~~وعهدنآ } أمرنا وأوحينا { للطائفين } جمع طائف من الطواف وهو ~~الدوران حول الشيء { والعاكفين } جمع عاكف من العكوف وهي الإقامة ~~على الشيء والملازمة له والمراد المقيمون في الحرم بقصد العبادة { ~~فأمتعه } من التمتيع وهو إعطاء الإنسان ما ينتفع به # قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار # [إبراهيم: 30] { القواعد } جمع قاعدة وهي الأساس { مناسكنا } ~~جمع منسك وهي العبادة والطاعة { الحكمة } العلم النافع المصحوب ~~بالعمل والمراد بها السنة النبوية المطهرة { ويزكيهم } من التزكية ~~وهي في الأصل التنمية يقال: زكى الزرع إذا نما ثم استعملت في معنى ~~الطهارة النفسية قال تعالى # قد أفلح من زكاها # [الشمس: 9]. # التفسير: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ~~فأتمهن } أي اذكر يا محمد حين اختبر الله عبده إبراهيم الخليل، ~~وكلفه بجملة من التكاليف الشرعية " أوامر ونواه " فقام بهن خير قيام { ~~قال إني جاعلك للناس إماما } أي قال له ربه إني ms0073 جاعلك ~~قدوة للناس ومنارا يهتدي بك الخلق { قال ومن ذريتي } أي قال ~~إبراهيم واجعل يا رب أيضا أئمة من ذريتي { قال لا ينال عهدي ~~الظالمين } أي لا ينال هذا الفضل العظيم أحد من الكافرين { وإذ ~~جعلنا البيت مثابة للناس } أي واذكر حين جعلنا الكعبة ~~المعظمة مرجعا للناس يقبلون عليه من كل جانب { وأمنا } أي مكان أمن ~~يأمن من لجأ إليه، وذلك لما أودع الله في قلوب العرب من تعظيمه وإجلاله ~~{ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } أي وقلنا للناس ~~اتخذوا من المقام - وهو الحجر الذي كان يقوم عليه إبراهيم لبناء الكعبة ~~مصلى أي صلوا عنده { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } ~~أي أوصينا وأمرنا إبراهيم وولده إسماعيل { أن طهرا بيتي ~~للطائفين والعاكفين والركع السجود } أي أمرناهما ~~بأن يصونا البيت من الأرجاس والأوثان ليكون معقلا للطائفين حوله ~~والمعتكفين الملازمين له والمصلين فيه، فالآية جمعت أصناف العابدين في ~~البيت الحرام: الطائفين، والمعتكفين، والمصلين. # . ثم أخبر تعالى عن دعوة الخليل إبراهيم فقال { وإذ قال ~~إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا } أي اجعل هذا المكان ~~- والمراد مكة المكرمة - بلدا ذا أمن يكون أهله في أمن واستقرار { ~~وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر } أي وارزق يا رب المؤمنين من أهله وسكانه من أنواع ~~الثمرات، ليقبلوا على طاعتك ويتفرغوا لعبادتك وخص بدعوته المؤمنين فقط ~~قال تعالى جوابا له { قال ومن كفر فأمتعه قليلا } أي ~~قال الله وأرزق من كفر أيضا كما أرزق المؤمن، أأخلق خلقا ثم لا أرزقهم؟ ~~أما الكافر فأمتعه في الدنيا متاعا قليلا وذلك مدة حياته فيها { ثم ~~أضطره إلى عذاب النار } أي ثم ألجئه في الآخرة وأسوقه ~~إلى عذاب النار فلا يجد عنها محيصا { وبئس المصير } أي وبئس ~~المآل والمرجع للكافر أن يكون مأواه نار جهنم. قاس الخليل الرزق على ~~الإمامة فنبهه تعالى على أن الرزق رحمة دنيوية شاملة للبر والفاجر ~~بخلاف الإمامة فإنها خاصة بالخواص من المؤمنين، ثم قال تعالى حكاية عن ~~قصة بناء البيت العتيق { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من ms0074 ~~البيت وإسماعيل } أي واذكر يا محمد ذلك الأمر الغريب وهو رفع ~~الرسولين العظيمين " إبراهيم وإسماعيل " قواعد البيت وقيامهما بوضع ~~أساسه ورفع بنائه وهما يقولان بخضوع وإجلال { ربنا تقبل منآ ~~إنك أنت السميع العليم } أي يبنيان ويدعوان بهذه الدعوات ~~الكريمة قائلين يا ربنا تقبل منا أي اقبل منا عملنا هذا واجعله خالصا ~~لوجهك الكريم فإنك أنت السميع لدعائنا العليم بنياتنا { ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك } أي اجعلنا خاضعين لك منقادين لحكمك { ~~ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك } أي واجعل من ذريتنا من ~~يسلم وجهه لك ويخضع لعظمتك { وأرنا مناسكنا } أي وعلمنا شرائع ~~عبادتنا ومناسك حجنا { وتب علينآ إنك أنت التواب ~~الرحيم } أي تب علينا وارحمنا فإنك عظيم المغفرة واسع الرحمة { ~~ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } أي ابعث في الأمة ~~المسلمة رسولا من أنفسهم وهذا من جملة دعواتهما المباركة فاستجاب الله ~~الدعاء ببعثة السراج المنير محمد صلى الله عليه وسلم { يتلوا ~~عليهم آياتك } أي يقرأ آيات القرآن { ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة } أي يعلمهم القرآن العظيم والسنة المطهرة { ~~ويزكيهم } أي يطهرهم من رجس الشرك { إنك أنت العزيز ~~الحكيم } العزيز الذي لا يقهر ولا يغلب، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما ~~تقتضيه الحكمة والمصلحة. # البلاغة: 1- التعرض لعنوان الربوبية { ابتلى إبراهيم ~~ربه } تشريف له عليه السلام وإيذان بأن ذلك الابتلاء تربية له ~~وترشيح لأمر خطير، والمعنى عامله سبحانه معاملة المختبر حيث كلفه بأوامر ~~ونواهي يظهر بها استحقاقه للإمامة العظمى. # 2- إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل في قوله { وأمنا } للمبالغة ~~والإسناد مجازي أي آمنا من دخله كقوله تعالى # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 98] وخير ما فسرته بالوارد. # 3- إضافة البيت إلى ضمير الجلالة # وطهر بيتي # [الحج: 26] للتشريف والتعظيم. # 4- قوله تعالى { وإذ يرفع إبراهيم } ورد التعبير بصيغة ~~المضارع حكاية عن الماضي ولذلك وجه معروف في محاسن البيان وهو استحضار ~~الصورة الماضية وكأنها مشاهدة بالعيان فكأن السامع ينظر ويرى إلى ~~البنيان وهو يرتفع والبناء هو إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قال أبو ~~السعود: وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها العجيبة ~~المنبئة عن ms0075 المعجزة الباهرة. # 5- { التواب الرحيم } صيغتان من صيغ المبالغة لأن فعال وفعيل ~~من صيغ المبالغة. # الفوائد: الفائدة الأولى: تقديم المفعول في قوله { ابتلى ~~إبراهيم ربه } واجب لاتصال الفاعل بضمير يعود على المفعول، فلو ~~قدم الفاعل لزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة قال ابن مالك: # وشاع نحو خاف ربه عمر # وشذ نحو زان نوره الشجر # الثانية: الاختبار في الأصل الامتحان بالشيء ليعلم صدق ذلك الشخص أو ~~كذبه وهو مستحيل على الله لأنه عالم بذلك قبل الاختبار، فالمراد أنه ~~عامله معاملة المختبر ليظهر ذلك للخلق. # الثالثة: اختلف المفسرون في الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم عليه ~~السلام وأصح هذه الأقوال ما روي عن ابن عباس أنه قال: " الكلمات التي ~~ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ~~ومحاجة نمرود في الله، وصبره على قذفهم إياه في النار ليحرقوه، والهجرة ~~من وطنه حين أمر بالخروج عنهم، وما ابتلى به من ذبح ابنه حين أمر بذبحه ~~". # الرابعة: المراد من الإمامة في الآية الكريمة " الإمامة في الدين " ~~وهي النبوة التي حرمها الظالمون، ولو كانت الإمامة الدنيوية لخالف ذلك ~~الواقع إذ نالها كثير من الظالمين، فظهر أن المراد الإمامة في الدين ~~خاصة. # الخامسة: ذكر العلامة ابن القيم أن السر في تفضيل البيت العتيق ظاهر ~~في انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب ومحبتها له، فجذبه للقلوب أعظم من جذب ~~المغناطيس للحديد، فهم يثوبون إليه من جميع الأقطار ولا يقضون منه ~~وطرا، بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له اشتياقا. # لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها # حتى يعود إليها الطرف مشتاقا ### || [2.130-134] # المناسبة: لما ذكر تعالى مآثر الخليل إبراهيم عليه السلام، وقصة ~~بنائه للبيت العتيق منار التوحيد، أعقبه بالتوبيخ الشديد للمخالفين لملة ~~الخليل من اليهود والنصارى والمشركين، وأكد أنه لا يرغب عن ملته إلا كل ~~شقي سفيه الرأي، خفيف العقل، متبع لخطوات الشيطان. # اللغة: { سفه نفسه } امتهنها واستخف بها وأصل السفه: الخفة ~~ومنه زمام سفيه أي خفيف { اصطفيناه } أي جعلناه صافيا من الأدناس ~~مشتق من الصفوة ms0076 ومعناه تخير الأصفى والمراد اصطفاؤه بالرسالة والخلة ~~والإمامة العظمى { وصى } التوصية: إرشاد الغير إلى ما فيه صلاح ~~وقربة { شهدآء } جمع شاهد أي حاضر { خلت } مضت وانقرضت. # التفسير: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من ~~سفه نفسه } أي لا يرغب عن دين إبراهيم وملته الواضحة الغراء إلا ~~من استخف نفسه وامتهنها { ولقد اصطفيناه في الدنيا } أي ~~اخترناه من بين سائر الخلق بالرسالة والنبوة والإمامة { وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين } أي من المقربين الذين لهم الدرجات ~~العلى { إذ قال له ربه أسلم } أي استسلم لأمر ربك وأخلص ~~نفسك له { قال أسلمت لرب العالمين } أي استسلمت لأمر ~~الله وخضعت لحكمه { ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب } ~~أي وصى الخليل أبناءه باتباع ملته وكذلك يعقوب أوصى بملة إبراهيم { ~~يابني إن الله اصطفى لكم الدين } أي اختار لكم دين ~~الإسلام دينا وهذا حكاية لما قال إبراهيم ويعقوب لأبنائهما { فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي اثبتوا على الإسلام حتى ~~يدرككم الموت وأنتم متمسكون به { أم كنتم شهدآء إذ حضر ~~يعقوب الموت } أي بل أكنتم شهداء حين احتضر يعقوب وأشرف على ~~الموت وأوصى بنيه باتباع ملة إبراهيم { إذ قال لبنيه ما ~~تعبدون من بعدي }؟ أي أي شيء تعبدونه بعدي؟ { قالوا ~~نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق إلها واحدا } أي لا نعبد إلا إلها واحدا هو الله ~~رب العالمين إله آبائك وأجدادك السابقين { ونحن له مسلمون } ~~أي نحن له وحده مطيعون خاضعون، والغرض تحقيق البراءة من الشرك، قال تعالى ~~مشيرا إلى تلك الذرية الطيبة { تلك أمة قد خلت } والإشارة ~~إلى إبراهيم وبنيه أي تلك جماعة وجيل قد سلف ومضى { لها ما كسبت ~~ولكم ما كسبتم } أي لها ثواب ما كسبت ولكم ثواب ما كسبتم { ~~ولا تسألون عما كانوا يعملون } أي لا تسألون يوم ~~القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا بل كل نفس تتحمل وحدها تبعة ما ~~اكتسبت من سوء. # البلاغة: 1- { ومن يرغب } استفهام يراد به الإنكار والتقريع، ~~وقع فيه معنى النفي أي لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا ms0077 السفيه والجملة واردة ~~مورد التوبيخ للكافرين. # 2- التأكيد ب " إن " و " اللام " { وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين } لأنه لما كان إخبارا عن حالة مغيبة في الآخرة احتاجت ~~إلى تأكيد بخلاف حال الدنيا فإنه معلوم ومشاهد. # 3- { إذ قال له ربه أسلم } هو من باب الالتفات إذ السياق ~~{ إذ قال } والالتفات من محاسن البيان، والتعرض بعنوان الربوبية { ~~ربه } لإظهار مزيد اللطف والإعتناء بتربيته كما أن جواب إبراهيم ~~جاء على هذا المنوال { أسلمت لرب العالمين } ولم يقل: ~~أسلمت لك للإيذان بكمال قوة إسلامه وللإشارة إلى أن من كان ربا ~~للعالمين لا يليق إلا أن يتلقى أمره بالخضوع وحسن الطاعة. # 4- قوله { آبائك } شمل العم والأب والجد، فالجد إبراهيم والعم ~~إسماعيل والأب إسحاق وهو من باب " التغليب " وهو من المجازات المعهودة ~~في فصيح الكلام. # فائدة: قال أبو حيان: " كنى بالموت عن مقدماته لأنه إذا حضر الموت ~~نفسه لا يقول المحتضر شيئا، وفي قوله { حضر الموت } كناية غريبة ~~وهو أنه غائب ولا بد أن يقدم ولذلك يقال في الدعاء: واجعل الموت خير ~~غائب ننتظره ". # تنبيه: ظاهر قوله تعالى { فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون } النهي عن الموت إلا على هذه الحالة من الإسلام، ~~والمقصود الأمر بالثبات على الإسلام إلى حين الموت، أي فاثبتوا على ~~الإسلام ولا تفارقوه أبدا واستقيموا على محجته البيضاء حتى يدرككم ~~الموت وأنتم على الإسلام الكامل كقولك لا تصل إلا وأنت خاشع. ### || [2.135-141] # المناسبة: لما ذكر تعالى أن ملة إبراهيم هي ملة الحنيفية السمحة، ~~وأن من لم يؤمن بها ورغب عنها فقد بلغ الذروة العليا في الجهالة ~~والسفاهة، ذكر تعالى ما عليه أهل الكتاب من الدعاوى الباطلة من زعمهم أن ~~الهداية في اتباع اليهودية والنصرانية، وبين أن تلك الدعوى لم تكن عن ~~دليل أو شبهة بل هي مجرد جحود وعناد، ثم عقب ذلك بأن الدين الحق هو في ~~التمسك بالإسلام، دين جميع الأنبياء والمرسلين. # اللغة: { حنيفا } الحنيف: المائل عن الدين الباطل إلى الدين الحق، ~~والحنف الميل وبه سمي الأحنف لميل في إحدى قدميه قال الشاعر: ms0078 # ولكنا خلقنا إذ خلقنا # حنيفا ديننا عن كل دين # { الأسباط } جمع سبط وهم حفدة يعقوب أي ذريات أبنائه وكانوا اثني ~~عشر سبطا وهم في بني إسرائيل كالقبائل في العرب { شقاق } الشقاق: ~~المخالفة والعداوة وأصله من الشق وهو الجانب أي صار هذا في شق وهذا في شق ~~{ فسيكفيكهم } من الكفاية بمعنى الوقاية { صبغة الله } ~~الصبغة مأخوذة من الصبغ وهو تغيير الشيء بلون من الألوان والمراد بها ~~الدين { أتحآجوننا } أتجادلوننا من المحاجة وهي المجادلة { ~~مخلصون } الإخلاص أن يقصد بالعمل وجه الله وحده. # التفسير: { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } ~~أي قال اليهود كونوا على ملتنا يهودا تهتدوا وقال النصارى كونوا نصارى ~~تهتدوا فكل من الفريقين يدعو إلى دينه المعوج { قل بل ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } أي قل لهم يا ~~محمد بل نتبع ملة الحنيفية السمحة وهي ملة إبراهيم حال كونه مائلا عن ~~الأديان كلها إلى الدين القيم وما كان إبراهيم من المشركين بل كان ~~مؤمنا موحدا وفيه تعريض بأهل الكتاب وإيذان بأن ما هم عليه إنما ~~هو شرك وضلال. { قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا } ~~أي قولوا أيها المؤمنون آمنا بالله وما أنزل إلينا من القرآن العظيم { ~~ومآ أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط } أي وآمنا بما أنزل إلى إبراهيم من الصحف ~~والأحكام التي كان الأنبياء متعبدين بها وكذلك حفدة إبراهيم وإسحاق وهم ~~الأسباط حيث كانت النبوة فيهم { ومآ أوتي موسى وعيسى } أي من ~~التوراة والإنجيل { وما أوتي النبيون من ربهم } أي ~~ونؤمن بما أنزل على غيرهم من الأنبياء جميعا ونصدق بما جاءوا به من عند ~~الله من الآيات البينات والمعجزات الباهرات { لا نفرق بين ~~أحد منهم } أي لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعلت اليهود ~~والنصارى { ونحن له مسلمون } أي منقادون لأمر الله خاضعون ~~لحكمه { فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به فقد اهتدوا ~~} أي إن آمن أهل الكتاب بنفس ما آمنتم به معشر المؤمنين فقد اهتدوا إلى ~~الحق كما اهتديتم { وإن تولوا فإنما هم في شقاق } أي ms0079 ~~وإن أعرضوا عن الإيمان بما دعوتهم إليه فاعلم أنهم إنما يريدون ~~عداوتك وخلافك، وليسوا من طلب الحق في شيء { فسيكفيكهم الله } ~~أي سيكفيك يا محمد شرهم وأذاهم ويعصمك منهم { وهو السميع ~~العليم } أي هو تعالى يسمع ما ينطقون به ويعلم ما يضمرونه في قلوبهم ~~من المكر والشر { صبغة الله ومن أحسن من الله ~~صبغة } أي ما نحن عليه من الإيمان هو دين الله الذي صبغنا به وفطرنا ~~عليه فظهر أثره علينا كما يظهر الصبغ في الثوب، ولا أحد أحسن من الله ~~صبغة أي دينا { ونحن له عابدون } أي ونحن نعبده جل وعلا ولا ~~نعبد أحدا سواه { قل أتحآجوننا في الله } أي أتجادلوننا في ~~شأن الله زاعمين أنكم أبناء الله وأحباؤه، وأن الأنبياء منكم دون غيركم؟ ~~{ وهو ربنا وربكم } أي رب الجميع على السواء وكلنا ~~عبيده { ولنآ أعمالنا ولكم أعمالكم } أي لنا جزاء ~~أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم لا يتحمل أحد وزر غيره { ونحن له ~~مخلصون } أي قد أخلصنا الدين والعمل لله { أم تقولون إن ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~كانوا هودا أو نصارى }؟ أي أم تدعون يا معشر أهل الكتاب أن ~~هؤلاء الرسل وأحفادهم كانوا يهودا أو نصارى { قل أأنتم أعلم ~~أم الله } أي هل أنتم أعلم بديانتهم أم الله؟ وقد شهد الله لهم بملة ~~الإسلام وبرأهم من اليهودية والنصرانية # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما # [آل عمران: 67] فكيف تزعمون أنهم على دينكم؟ { ومن أظلم ممن ~~كتم شهادة عنده من الله } أي لا أحد أظلم ممن أخفى وكتم ~~ما اشتملت عليه آيات التوراة والإنجيل من البشارة برسول الله، أو لا أحد ~~أظلم ممن كتم ما أخبر الباري عنه من أن الأنبياء الكرام كانوا على ~~الإسلام { وما الله بغافل عما تعملون } أي مطلع على ~~أعمالهم ومجازيهم عليها وفيه وعيد شديد { تلك أمة قد خلت ~~لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما ~~كانوا يعملون } كررها لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي ~~إذا كان أولئك الأنبياء على فضلهم ms0080 وجلالة قدرهم يجازون بكسبهم فأنتم ~~أحرى، وقد تقدم تفسيرها فأغنى عن الإعادة. # البلاغة: 1- { وقالوا كونوا هودا أو نصارى } فيه ~~إيجاز بالحذف أي قال اليهود كونوا يهودا وقال النصارى كونوا نصارى، ~~وليس المعنى أن الفريقين قالوا ذلك لأن كل فريق يعد دين الآخر باطلا. # 2- { فسيكفيكهم الله } فيه إيجاز ظاهر أي يكفيك الله شرهم، ~~وتصدير الفعل بالسين دون سوف مشعر بأن ظهوره عليهم واقع في زمن قريب. # 3- { السميع العليم } من صيغ المبالغة ومعناه الذي أحاط سمعه ~~وعلمه بجميع الأشياء. # 4- { صبغة الله } سمي الدين صبغة بطريق الاستعارة حيث تظهر سمته ~~على المؤمن كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. # 5- { أتحآجوننا في الله } الاستفهام وارد على جهة التوبيخ ~~والتقريع. # الفوائد: الفائدة الأولى: تكرر ورود هذه الآية في مواطن من القرآن { ~~وما الله بغافل عما تعملون } قال أبو حيان: ولا تأتي ~~الجملة إلا عقب ارتكاب معصية فتجيء متضمنة وعيدا ومعلمة أن الله لا ~~يترك أمرهم سدى. # الثانية: قال ابن عباس: إن النصارى كان إذا ولد لأحدهم ولد فأتى عليه ~~سبعة أيام صبغوه في ماء لهم يقال له: المعمودي ليطهروه بذلك، ويقولون ~~هذا طهور مكان الختان فإذا فعلوا ذلك صار نصرانيا حقا فأنزل الله هذه ~~الآية. # الثالثة: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية ~~لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا " # رواه البخاري. ### || [2.142-144] # المناسبة: زعم اليهود والنصارى أن إبراهيم والأنبياء معه كانوا ~~يهودا ونصارى وقد كانت قبلة الأنبياء بيت المقدس وكان صلوات الله عليه ~~وهو بمكة يستقبل بيت المقدس فلما أمر صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى ~~الكعبة المشرفة طعن اليهود في رسالته واتخذوا ذلك ذريعة للنيل من ~~الإسلام وقالوا: لقد اشتاق محمد إلى مولده وعن قريب يرجع إلى دين ~~قومه، فأخبر الله رسوله الكريم بما سيقوله السفهاء ولقنه الحجة الدامغة ~~ليرد عليهم، ويوطن نفسه على تحمل الأذى منهم عند مفاجأة المكروه، وكان ~~هذا الإخبار قبل تحويل القبلة معجزة له عليه ms0081 السلام. # اللغة: { السفهآء } جمع سفيه وهو الجاهل ضعيف الرأي، قليل المعرفة ~~بالمنافع والمضار، وأصل السفه الخفة والرقة من قولهم ثوب سفيه إذا كان ~~خفيف النسج { ولاهم } صرفهم يقال: ولى عن الشيء وتولى عنه أي ~~انصرف { وسطا } قال الطبري: الوسط في كلام العرب: الخيار وقيل: العدل، ~~وأصل هذا أن خير الأشياء أوساطها وأن الغلو والتقصير مذمومان { ~~عقبيه } تثنية عقب وهو مؤخر القدم { كبيرة } شاقة وثقيلة { ~~شطر } الشطر في اللغة يأتي بمعنى الجهة كقول الشاعر: # تعدو بنا شطر نجد وهي عاقدة، # ويأتي بمعنى النصف ومنه الحديث # " الطهور شطر الإيمان ". # سبب النزول: عن البراء قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجه نحو الكعبة فأنزل الله تعالى { ~~قد نرى تقلب وجهك في السمآء } الآية فقال السفهاء من ~~الناس - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ قال تعالى { ~~قل لله المشرق والمغرب } إلى آخر الآية، أخرجه البخاري. # التفسير: { سيقول السفهآء من الناس } أي سيقول ضعفاء ~~العقول من الناس { ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها } أي ما صرفهم وحولهم عن القبلة التي كانوا يصلون إليها وهي ~~بيت المقدس، قبلة المرسلين من قبلهم؟ { قل لله المشرق ~~والمغرب } أي قل لهم يا محمد الجهات كلها لله له المشرق والمغرب ~~فأينما ولينا وجوهنا فهناك وجه الله { يهدي من يشآء إلى ~~صراط مستقيم } أي يهدي عباده المؤمنين إلى الطريق القويم ~~الموصل لسعادة الدارين { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } أي ~~كما هديناكم إلى الإسلام كذلك جعلناكم يا معشر المؤمنين أمة عدولا ~~خيارا { لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا } أي لتشهدوا على الأمم يوم القيامة أن رسلهم ~~بلغتهم، ويشهد عليكم الرسول أنه بلغكم { وما جعلنا القبلة ~~التي كنت عليهآ } أي وما أمرناك بالتوجه إلى بيت المقدس ثم ~~صرفناك عنها إلى الكعبة { إلا لنعلم من يتبع الرسول ~~ممن ينقلب على عقبيه } أي إلا لنختبر إيمان ms0082 الناس ~~فنعلم من يصدق الرسول، ممن يشكك في الدين ويرجع إلى الكفر لضعف يقينه ~~{ وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } أي ~~وإن كان هذا التحويل لشاقا وصعبا إلا على الذين هداهم الله { وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم } أي ما صح ولا استقام أن يضيع ~~الله صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليها، وذلك حين سألوه صلى الله ~~عليه وسلم عمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة فنزلت، ~~وقوله تعالى { إن الله بالناس لرءوف رحيم } تعليل ~~للحكم أي أنه تعالى عظيم الرحمة بعباده لا يضيع أعمالهم الصالحة التي ~~فعلوها { قد نرى تقلب وجهك في السمآء } لأنه كثيرا ~~ما رأينا تردد بصرك يا محمد جهة السماء تشوقا لتحويل القبلة { ~~فلنولينك قبلة ترضاها } أي فلنوجهنك إلى قبلة تحبها، ~~- وهي الكعبة - قبلة أبيك إبراهيم { فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام } أي توجه في صلاتك نحو الكعبة المعظمة { ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } أي وحيثما ~~كنتم أيها المؤمنون فتوجهوا في صلاتكم نحو الكعبة أيضا { وإن ~~الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ~~ربهم } أي إن اليهود والنصارى ليعلمون أن هذا التحويل للقبلة حق ~~من عند الله ولكنهم يفتنون الناس بإلقاء الشبهات { وما الله ~~بغافل عما يعملون } أي لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ~~وسيجازيهم عليها، وفيه وعيد وتهديد لهم. # البلاغة: 1- في قوله { ينقلب على عقبيه } استعارة تمثيلية ~~حيث مثل لمن يرتد عن دينه بمن ينقلب على عقبيه أفاده الإمام الفخر. # 2- { لرءوف رحيم } الرأفة: شدة الرحمة وقدم الأبلغ مراعاة ~~للفاصلة وهي الميم في قوله { صراط مستقيم } وقوله { رءوف ~~رحيم } وكلاهما من صيغ المبالغة. # 3- { فول وجهك } أطلق الوجه وأراد به الذات كقوله # ويبقى وجه ربك # [الرحمن: 27] وهذا النوع يسمى " المجاز المرسل " من باب إطلاق الجزء ~~وإرادة الكل. # الفوائد: الأولى: أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: ~~هل بلغت؟ فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم؟ فيقولون ms0083 ما جاءنا من نذير ~~فيقول من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلغ فذلك قوله عز ~~وجل { لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا } ". # الثانية: سمى الله تعالى الصلاة " إيمانا " في قوله { وما كان ~~الله ليضيع إيمانكم } أي صلاتكم لأن الإيمان لا يتم إلا ~~بها، ولأنها تشتمل على نية وقول وعمل. # الثالثة: في التعبير عن الكعبة بالمسجد الحرام إشارة إلى أن الواجب ~~مراعاة الجهة دون العين، لأن في إصابة عين الكعبة من البعيد حرجا ~~عظيما على الناس. ### || [2.145-150] # المناسبة: لما ذكر تعالى ما قاله السفهاء من اليهود عند تحويل القبلة ~~من بيت المقدس إلى الكعبة المعظمة، وأمر رسوله بأن يتوجه في صلاته نحو ~~البيت العتيق، ذكر في هذه الآيات أن أهل الكتاب قد انتهوا في العناد ~~والمكابرة إلى درجة اليأس من إسلامهم، فإنهم ما تركوا قبلتك لشبهة ~~عارضة تزيلها الحجة، وإنما خالفوك عنادا واستكبارا، وفي ذلك تسلية له ~~صلى الله عليه وسلم من جحود وتكذيب أهل الكتاب. # اللغة: { آية } الآية: الحجة والعلامة { أهواءهم } جمع هوى ~~مقصور، وهوى النفس: ما تحبه وتميل إليه { الممترين } الامتراء: ~~الشك، امترى في الشيء شك فيه ومنه المراء والمرية # ولا يزال الذين كفروا في مرية منه # [الحج: 55] أي شك { وجهة } قال الفراء: وجهة وجهة ووجه بمعنى ~~واحد والمراد بها القبلة { هو موليها } أي هو موليها وجهه ~~فاستغنى عن ذكر الوجه قال الفراء: أي مستقبلها { فاستبقوا } أي ~~بادروا وسارعوا { الخيرات } الأعمال الصالحة جمع خيرة { ~~تخشوهم } تخافوهم والخشية: الخوف. # التفسير: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل ~~آية ما تبعوا قبلتك } أي والله لئن جئت اليهود والنصارى بكل ~~معجزة على صدقك في أمر القبلة ما اتبعوك يا محمد ولا صلوا إلى قبلتك { ~~ومآ أنت بتابع قبلتهم } أي ولست أنت بمتبع قبلتهم بعد أن ~~حولك الله عنها، وهذا لقطع أطماعهم الفارغة حيث قالت اليهود: لو ثبت ~~على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره تغريرا له عليه السلام ~~{ وما بعضهم بتابع قبلة بعض } أي إن النصارى ms0084 لا يتبعون ~~قبلة اليهود، كما أن اليهود لا يتبعون قبلة النصارى، لما بينهم من ~~العداوة والخلاف الشديد مع أن الكل من بني إسرائيل { ولئن ~~اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم } أي ~~ولئن فرض وقدر أنك سايرتهم على أهوائهم، واتبعت ما يهوونه ويحبونه بعد ~~وضوح البرهان الذي جاءك بطريق الوحي { إنك إذا لمن ~~الظالمين } أي تكون ممن ارتكب أفحش الظلم، والكلام وارد على سبيل ~~الفرض والتقدير وإلا فحاشاه صلى الله عليه وسلم من اتباع أهواء الكفرة ~~المجرمين، وهو من باب التهييج للثبات على الحق. { الذين آتيناهم ~~الكتاب } أي اليهود والنصارى { يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم } أي يعرفون محمدا معرفة لا امتراء فيها كما يعرف الواحد ~~منهم ولده معرفة يقين { وإن فريقا منهم ليكتمون ~~الحق وهم يعلمون } أي وإن جماعة منهم - وهم رؤساؤهم ~~وأحبارهم - ليخفون الحق ولا يعلنونه ويخفون صفة النبي مع أنه منعوت لديهم ~~بأظهر النعوت # الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل # [الأعراف: 157] فهم يكتمون أوصافه عن علم وعرفان { الحق من ~~ربك فلا تكونن من الممترين } أي ما أوحاه الله إليك ~~يا محمد من أمر القبلة والدين هو الحق فلا تكونن من الشاكين، والخطاب ~~للرسول والمراد أمته { ولكل وجهة هو موليها ~~فاستبقوا الخيرات } أي لكل أمة من الأمم قبلة هو موليها ~~وجهه أي مائل إليها بوجهه فبادروا وسارعوا أيها المؤمنون إلى فعل ~~الخيرات { أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } أي في ~~أي موضع تكونوا من أعماق الأرض أو قمم الجبال يجمعكم الله للحساب فيفصل ~~بين المحق والمبطل { إن الله على كل شيء قدير } أي هو ~~قادر على جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسامكم وأبدانكم { ومن حيث ~~خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام } أي من أي ~~مكان خرجت إليه للسفر فتوجه بوجهك في صلاتك جهة الكعبة { وإنه ~~للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون } ~~تقدم تفسيره وكرره لبيان تساوي حكم السفر والحضر { ومن حيث ~~خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما ~~كنتم فولوا وجوهكم شطره } هذا أمر ms0085 ثالث باستقبال ~~الكعبة المشرفة، وفائدة هذا التكرار أن القبلة كان أول ما نسخ من الأحكام ~~الشرعية، فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة ~~قال تعالى { لئلا يكون للناس عليكم حجة } أي عرفكم ~~أمر القبلة لئلا يحتج عليكم اليهود فيقولوا: يجحد ديننا ويتبع قبلتنا ~~فتكون لهم حجة عليكم أو كقول المشركين: يدعى محمد ملة إبراهيم ويخالف ~~قبلته { إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم ~~واخشوني } أي إلا الظلمة المعاندين الذين لا يقبلون أي تعليل فلا ~~تخافوهم وخافوني { ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم ~~تهتدون } أي أتم فضلي عليكم بالهداية إلى قبلة أبيكم إبراهيم ~~والتوفيق لسعادة الدارين. # البلاغة: 1- وضع اسم الموصول موضع الضمير في قوله { أوتوا ~~الكتاب } للإيذان بكمال سوء حالهم من العناد. # 2- { ولئن اتبعت أهواءهم } هذا من باب التهييج والإلهاب ~~للثبات على الحق. # 3- { ومآ أنت بتابع قبلتهم } هذه الجملة أبلغ في النفي من ~~قوله { ما تبعوا قبلتك } لأنها جملة اسمية أولا ولتأكيد ~~نفيها بالباء ثانيا ذكره صاحب الفتوحات الإلهية. # 4- { كما يعرفون أبناءهم } فيه تشبيه " مرسل مفصل " أي ~~يعرفون محمدا معرفة واضحة كمعرفة أبنائهم الذين من أصلابهم. # الفوائد: الأولى: روي أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام: أتعرف ~~محمدا كما تعرف ولدك؟ قال وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في ~~الأرض بنعته فعرفته ولست أشك فيه أنه نبي، وأما ولدي فلا أدري ما كان ~~من أمه فلعلها خانت، فقبل عمر رأسه. # الثانية: توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم، ولهذا زاد ~~الله في ذم أهل الكتاب بقوله { وهم يعلمون } فإنه ليس المرتكب ~~ذنبا عن جهل كمن يرتكبه عن علم. # الثالثة: تكرر الأمر باستقبال الكعبة ثلاث مرات قال القرطبي: والحكمة في ~~هذا التكرار أن الأول لمن هو بمكة، والثاني لمن هو ببقية الأمصار، ~~والثالث لمن خرج في الأسفار. ### || [2.151-157] # المناسبة: بدأت الآيات الكريمة بمخاطبة المؤمنين، وتذكيرهم بنعمة ~~الله العظمى عليهم، ببعثة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، بعد أن ~~تحدثت الآيات السابقة عن بني إسرائيل، وذكرت بالتفصيل نعم الله ms0086 عليهم ~~التي قابلوها بالجحود والكفران فيما يزيد على ثلث السورة الكريمة، وقد ~~عدد القرآن الكريم جرائمهم ليعتبر ويتعظ بها المؤمنون، ولما انتهى ~~الحديث عن اليهود بعد ذلك البيان الواضح جاء دور التذكير للمؤمنين بالنعم ~~الجليلة والتشريعات الحكيمة التي بها سعادتهم في الدارين. # اللغة: { الكتاب } القرآن العظيم { الحكمة } السنة النبوية { ~~فاذكروني } أصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور، وسمي الذكر باللسان ~~ذكرا لأنه علامة على الذكر القلبي { ولنبلونكم } أصل البلاء ~~المحنة، ثم قد يكون بالخير أو بالشر # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35] { مصيبة } المصيبة: كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه في ~~نفسه أو ماله أو ولده { صلوات } الأصل في الصلاة الدعاء وهي من الله ~~بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الاستغفار. # التفسير: { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم } الكلام ~~متعلق بما سبق في قوله # ولأتم نعمتي # [البقرة: 150] والمعنى كما أتممت عليكم نعمتي كذلك أرسلت فيكم رسولا ~~منكم { يتلوا عليكم آياتنا } أي يقرأ عليكم القرآن { ~~ويزكيكم } أي يطهركم من الشرك وقبيح الفعال { ويعلمكم ~~الكتاب والحكمة } أي يعلمكم أحكام الكتاب المجيد، والسنة ~~النبوية المطهرة { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } أي ~~يعلمكم من أمور الدنيا والدين الشيء الكثير الذي لم تكونوا تعلمونه { ~~فاذكروني أذكركم } أي اذكروني بالعبادة والطاعة أذكركم ~~بالثواب والمغفرة { واشكروا لي ولا تكفرون } أي اشكروا ~~نعمتي عليكم ولا تكفروها بالجحود والعصيان، روي أن موسى عليه السلام قال: ~~يا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: " تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد ~~شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني " ثم نادى تبارك وتعالى عباده المؤمنين ~~بلفظ الإيمان ليستنهض هممهم إلى امتثال الأوامر الإلهية، وهو النداء ~~الثاني الذي جاء في هذه السورة الكريمة فقال { يآأيها الذين ~~آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة } أي استعينوا على أمور ~~دنياكم وآخرتكم بالصبر والصلاة، فبالصبر تنالون كل فضيلة، وبالصلاة ~~تنتهون عن كل رذيلة { إن الله مع الصابرين } أي معهم بالنصر ~~والمعونة والحفظ والتأييد { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل ~~الله أموات } أي لا تقولوا للشهداء إنهم أموات { بل أحياء ~~ولكن لا تشعرون } أي بل هم أحياء عند ربهم ms0087 يرزقون ولكن لا ~~تشعرون بذلك لأنهم في حياة برزخية أسمى من هذه الحياة { ~~ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات } أي ولنختبرنكم بشيء يسير من ~~ألوان البلاء مثل الخوف والجوع، وذهاب بعض الأموال، وموت بعض الأحباب، ~~وضياع بعض الزروع والثمار { وبشر الصابرين } أي بشر الصابرين ~~على المصائب والبلايا بجنات النعيم ثم بين تعالى تعريف الصابرين بقوله { ~~الذين إذآ أصابتهم مصيبة } أي نزل بهم كرب أو بلاء أو ~~مكروه { قالوا إنا لله وإنآ إليه راجعون } أي ~~استرجعوا وأقروا بأنهم عبيد لله يفعل بهم ما يشاء { أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون } أي أولئك الموصوفون بما ذكر لهم ثناء وتمجيد ورحمة من ~~الله، وهم المهتدون إلى طريق السعادة. # البلاغة: 1- بين كلمتي { أرسلنا } و { رسولا } جناس الاشتقاق ~~وهو من المحسنات البديعية. # 2- قوله { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } بعد قوله ~~{ ويعلمكم الكتاب والحكمة } هو من باب ذكر العام بعد ~~الخاص لإفادة الشمول ويسمى هذا في البلاغة ب (الإطناب). # 3- { أموات بل أحياء } فيه إيجاز بالحذف أي لا تقولوا هم ~~أموات بل هم أحياء (وبينهما طباق). # 4- التنكير في قوله { بشيء من الخوف } للتقليل أي بشيء قليل. # 5- { صلوات من ربهم ورحمة } التنوين فيهما للتفخيم، ~~والتعرض بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم { ربهم } لإظهار ~~مزيد العناية بهم. # 6- { هم المهتدون } صيغة قصر وهو من نوع قصر الصفة على الموصوف. # الفوائد: الأولى: روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: " ما ~~أصابتني مصيبة إلا وجدت فيها ثلاث نعم: الأولى: أنها لم تكن في ديني، ~~الثانية: أنها لم تكن أعظم مما كانت، الثالثة: أن الله يجازي عليها ~~الجزاء الكبير ثم تلا قوله تعالى: { أولئك عليهم صلوات ~~من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } ". # الثانية: قال صلى الله عليه وسلم # " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: ~~نعم، فيقول قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ ~~فيقولون حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة ~~وسموه ms0088 بيت الحمد ". ### || [2.158-162] # المناسبة: لما أمر تعالى بذكره وشكره ودعا المؤمنين إلى الاستعانة ~~بالصبر والصلاة، أعقب ذلك ببيان أهمية الحج وأنه من شعائر دين الله، ثم ~~نبه تعالى على وجوب نشر العلم وعدم كتمانه، وذكر خطر كتمان ما أنزل الله ~~من البينات والهدى، كما فعل اليهود والنصارى في كتبهم فاستحقوا اللعنة ~~والغضب والدمار. # اللغة: { شعآئر الله } جمع شعيرة وهي في اللغة: العلامة ومنه ~~الشعار، وأشعر الهدي جعل له علامة ليعرف بها، والشعائر: كل ما ~~تعبدنا الله به من أمور الدين كالطواف والسعي والأذان ونحوه. { حج } ~~الحج في اللغة: القصد، وفي الشرع: قصد البيت العتيق لأداء المناسك من ~~الطواف والسعي { اعتمر } العمرة في اللغة: الزيارة ثم صار علما ~~لزيارة البيت للنسك { جناح } الجناح: الميل إلى الإثم وقيل: هو ~~الإثم نفسه سمي به لأنه ميل إلى الباطل يقال: جنح إلى كذا إذا مال ~~قال ابن الأثير وأينما ورد فمعناه الإثم والميل { يكتمون } ~~الكتمان: الإخفاء والستر { ينظرون } يمهلون. # التفسير: { إن الصفا والمروة } اسم لجبلين بمقربة من ~~البيت الحرام { من شعآئر الله } أي من أعلام دينه ومناسكه التي ~~تعبدنا الله بها { فمن حج البيت أو اعتمر } أي من قصد ~~بيت الله للحج أو قصده للزيارة بأحد النسكين " الحج " أو " العمرة " { ~~فلا جناح عليه أن يطوف بهما } أي لا حرج ولا إثم ~~عليه أن يسعى بينهما، فإذا كان المشركون يسعون بينهما ويتمسحون ~~بالأصنام، فاسعوا أنتم لله رب العالمين، ولا تتركوا الطواف بينهما خشية ~~التشبه بالمشركين { ومن تطوع خيرا } أي من تطوع بالحج والعمرة ~~بعد قضاء حجته المفروضة عليه، أو فعل خيرا فرضا كان أو نفلا { فإن ~~الله شاكر عليم } أي إنه سبحانه شاكر له طاعته ومجازيه عليها ~~خير الجزاء، لأنه عليم بكل ما يصدر من عباده من الأعمال فلا يضيع عنده ~~أجر المحسنين { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من ~~البينات والهدى } أي يخفون ما أنزلناه من الآيات البينات، ~~والدلائل الواضحات التي تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم { من ~~بعد ما بيناه للناس في ms0089 الكتاب } أي من بعد توضيحه لهم ~~في التوراة أو في الكتب السماوية كقوله تعالى # الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل # [الأعراف: 157] { أولئك يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون } أي أولئك الموصوفون بقبيح الأعمال، الكاتمون لأوصاف ~~الرسول، المحرفون لأحكام التوراة يلعنهم الله فيبعدهم من رحمته، وتلعنهم ~~الملائكة والمؤمنون { إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~وبينوا فأولئك أتوب عليهم } أي إلا الذين ندموا ~~على ما صنعوا، وأصلحوا ما أفسدوه بالكتمان، وبينوا للناس حقيقة ما أنزل ~~الله فأولئك يقبل الله توبتهم ويشملهم برحمته { وأنا التواب ~~الرحيم } أي كثير التوبة على عبادي، واسع الرحمة بهم، أصفح عما فرط ~~منهم من السيئات { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } ~~أي كفروا بالله واستمروا على الكفر حتى داهمهم الموت وهم على تلك الحالة ~~{ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين } أي يلعنهم الله وملائكته وأهل الأرض جميعا، حتى الكفار ~~فإنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا { خالدين فيها } أي خالدين في ~~النار - وفي إضمارها تفخيم لشأنها - { لا يخفف عنهم ~~العذاب } أي إن عذابهم في جهنم دائم لا ينقطع لا يخف عنهم طرفة عين # لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون # [الزخرف: 75] { ولا هم ينظرون } أي ولا يمهلون أو يؤجلون بل ~~يلاقيهم العذاب حال مفارقة الحياة الدنيا. # سبب النزول: عن أنس رضي الله عنه أنه سئل عن الصفا والمروة فقال: ~~كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل ~~الله { إن الصفا والمروة من شعآئر الله }. # البلاغة: 1- { من شعآئر الله } أي من شعائر دين الله ففيه ~~إيجاز بالحذف. # 2- { شاكر عليم } أي يثيب على الطاعة قال أبو السعود: عبر عن ذلك ~~بالشكر مبالغة في الإحسان على العباد فأطلق الشكر وأراد به الجزاء بطريق ~~المجاز. # 3- { يلعنهم الله } فيه التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة إذ ~~الأصل " نلعنهم " ولكن في إظهار الاسم الجليل { يلعنهم الله } ~~إلقاء الروعة والمهابة في القلب. # 4- { يلعنهم اللاعنون } فيه جناس الاشتقاق. وهو من المحسنات ~~البديعية. # 5- { خالدين فيها } أي في اللعنة أو في النار وأضمرت النار ~~تفخيما لشأنها وتهويلا لأمرها. ms0090 # 6- { ولا هم ينظرون } إيثار الجملة الإسمية لإفادة دوام ~~النفي واستمراره. # الفوائد: الأولى: كان على الصفا صنم يقال له " إساف " وعلى المروة ~~صنم يقال له " نائلة " فكان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما فخشي ~~المسلمون أن يتشبهوا بأهل الجاهلية ولذلك تحرجوا من الطواف لهذا السبب ~~فنزلت الآية تبين أنهما من شعائر الله وأنه لا حرج عليهم في السعي ~~بينهما فالمسلمون يسعون لله لا للأصنام. # الثانية: الشكر معناه مقابلة النعمة والإحسان بالثناء والعرفان، وهذا ~~المعنى محال على الله إذ ليس لأحد عنده يد ونعمة حتى يشكره عليها ~~ولهذا حمله العلماء على الثواب والجزاء أي أنه تعالى يثيبه ولا يضيع أجر ~~العاملين أقول: والصحيح ما عليه السلف من إثبات الصفات كما وردت، فهو شكر ~~يليق بجلاله وكماله. ### || [2.163-167] # المناسبة: لما ذكر تعالى حال الكافرين الجاحدين لآيات الله وما لهم ~~من العذاب والنكال في الآخرة، ذكر هنا أدلة القدرة والوحدانية، وأتى ~~بالبراهين على وجود الخالق الحكيم، فبدأ بذكر العالم العلوي ثم بالعالم ~~السفلي، ثم بتعاقب الليل والنهار، ثم بالسفن التي تمخر عباب البحار، ثم ~~بالأمطار التي فيها حياة الزروع والنفوس، ثم بما بث في الأرض من أنواع ~~الحيوانات العجيبة، ثم بالرياح والسحب التي سخرها الله لفائدة الإنسان ~~وختم ذلك بالأمر بالتفكر في بدائع صنع الله، وإعمال العقل في جميل خلقه، ~~ليستدل العاقل بالأثر على وجود المؤثر، وبالصنعة على عظمة الخالق المدبر ~~الحكيم. # اللغة: { وإلهكم } الإله: المعبود بحق أو باطل والمراد به ~~هنا المعبود بحق وهو الله رب العالمين { الفلك } ما عظم من السفن وهو ~~اسم يطلق على المفرد والجمع { وبث } فرق ونشر ومنه # كالفراش المبثوث # [القارعة: 4] { دآبة } الدابة في اللغة: كل ما يدب على الأرض من ~~إنسان وحيوان مأخوذ من الدبيب وهو المشي رويدا وقد خصه العرف ~~بالحيوان، ويدل على المعنى اللغوي قوله تعالى # والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي ~~على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم ~~من يمشي على أربع # [النور: 45] فجمع بين الزواحف والإنسان والحيوان { تصريف ~~الرياح } الرياح: جمع ms0091 ريح وهي نسيم الهواء، وتصريفها تقليبها في ~~الجهات ونقلها من حال إلى حال، فتهب حارة وباردة، وعاصفة ولينة، وملقحة ~~للنبات وعقيما { المسخر } من التسخير وهو التذليل والتيسير { ~~أندادا } جمع ند وهو المماثل والمراد بها الأوثان والأصنام { ~~الأسباب } جمع سبب وأصله الحبل والمراد به ما يكون بين الناس من ~~روابط كالنسب والصداقة { كرة } الكرة: الرجعة والعودة إلى ~~الحالة التي كان فيها { حسرات } جمع حسرة وهي أشد الندم على شيء ~~فائت وفي التنزيل # أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب الله # [الزمر: 56]. # سبب النزول: عن عطاء قال: أنزلت بالمدينة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم { وإلهكم إله واحد } فقالت كفار قريش بمكة كيف يسع ~~الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى { إن في خلق السموت ~~والأرض... إلى قوله لآيات لقوم يعقلون } # التفسير: { وإلهكم إله واحد } أي إلهكم المستحق ~~للعبادة إله واحد، لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله { ~~لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } أي لا معبود بحق ~~إلا هو جل وعلا مولي النعم ومصدر الإحسان { إن في خلق ~~السموت والأرض } أي إن في إبداع السماوات والأرض بما فيهما ~~من عجائب الصنعة ودلائل القدرة { واختلاف الليل والنهار } ~~أي تعاقبهما بنظام محكم، يأتي الليل فيعقبه النهار، وينسلخ النهار فيعقبه ~~الليل، ويطول النهار ويقصر الليل والعكس { والفلك التي تجري ~~في البحر } أي السفن الضخمة الكبيرة التي تسير في البحر على وجه ~~الماء وهي موقرة بالأثقال { بما ينفع الناس } أي بما فيه مصالح ~~الناس من أنواع المتاجر والبضائع { ومآ أنزل الله من ~~السمآء من مآء } أي وما أنزل الله من السحاب من المطر الذي به ~~حياة البلاد والعباد { فأحيا به الأرض بعد موتها } أي ~~أحيا بهذا الماء الزروع والأشجار، بعد أن كانت يابسة مجدبة ليس فيها حبوب ~~ولا ثمار { وبث فيها من كل دآبة } أي نشر وفرق في الأرض ~~من كل ما يدب عليها من أنواع الدواب، المختلفة في أحجامها وأشكالها ~~وألوانها وأصواتها { وتصريف الرياح } أي تقليب الرياح في هبوبها ms0092 ~~جنوبا وشمالا، حارة وباردة، ولينة وعاصفة { والسحاب المسخر ~~بين السمآء والأرض } أي السحاب المذلل بقدرة الله، يسير حيث ~~شاء الله وهو يحمل الماء الغزير ثم يصبه على الأرض قطرات قطرات، قال ~~كعب الأحبار: السحاب غربال المطر ولولا السحاب لأفسد المطر ما يقع عليه ~~من الأرض { لآيات لقوم يعقلون } أي لدلائل وبراهين عظيمة ~~دالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، والرحمة الواسعة لقوم لهم ~~عقول تعي وأبصار تدرك، وتتدبر بأن هذه الأمور من صنع إله قادر حكيم. # ثم أخبر تعالى عن سوء عاقبة المشركين الذين عبدوا غير الله فقال { ~~ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } أي ومن ~~الناس من تبلغ بهم الجهالة أن يتخذ من غير الله أندادا أي رؤساء ~~وأصناما { يحبونهم كحب الله } أي يعظمونهم ويخضعون لهم ~~كحب المؤمنين لله { والذين آمنوا أشد حبا لله } أي حب ~~المؤمنين لله أشد من حب المشركين للأنداد { ولو يرى الذين ~~ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا } ~~أي لو رأى الظالمون حين يشاهدون العذاب المعد لهم يوم القيامة أن ~~القدرة كلها لله وحده { وأن الله شديد العذاب } أي وأن ~~عذاب الله شديد أليم وجواب " لو " محذوف أي لرأوا ما لا يوصف من الهول ~~والفظاعة { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا } أي تبرأ الرؤساء من الأتباع { ورأوا العذاب ~~وتقطعت بهم الأسباب } أي حين عاينوا العذاب وتقطعت بينهم ~~الروابط وزالت المودات { وقال الذين اتبعوا لو أن ~~لنا كرة فنتبرأ منهم } أي تمنى الأتباع لو أن لهم ~~رجعة إلى الدنيا ليتبرءوا من هؤلاء الذين أضلوهم السبيل { كما ~~تبرءوا منا } أي كما تبرأ الرؤساء من الأتباع في ذلك اليوم ~~العصيب.. قال تعالى { كذلك يريهم الله أعمالهم ~~حسرات عليهم } أي أنه تعالى كما أراهم شدة عذابه كذلك يريهم ~~أعمالهم القبيحة ندامات شديدة وحسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم { ~~وما هم بخارجين من النار } أي ليس لهم سبيل إلى الخروج من ~~النار، بل هم في عذاب سرمدي وشقاء أبدي. # البلاغة: 1- { وإلهكم إله واحد } ورد الخبر ms0093 خاليا ~~من التأكيد تنزيلا للمنكر منزلة غير المنكر، وذلك لأن بين أيديهم من ~~البراهين الساطعة والحجج القاطعة ما لو تأملوه لوجدوا فيه غاية الإقناع. # 2- { لآيات } التنكير في آيات للتفخيم أي آيات عظيمة دالة على قدرة ~~قاهرة وحكمة باهرة. # 3- { كحب الله } فيه تشبيه (مرسل مجمل) حيث ذكرت الأداة وحذف وجه ~~التشبيه. # 4- { أشد حبا لله } التصريح بالأشدية أبلغ من أن يقال " ~~أحب لله " كقوله # فهي كالحجارة أو أشد قسوة # [البقرة: 74] مع صحة أن يقال: أو أقسى. # 5- { ولو يرى الذين ظلموا } وضع الظاهر موضع الضمير { ولو ~~يرون } لإحضار الصورة في ذهن السامع وتسجيل السبب في العذاب الشديد وهو ~~الظلم الفادح. # 6- في قوله { رأوا العذاب } و { تقطعت بهم الأسباب ~~} من علم البديع ما يسمى ب " الترصيع " وهو أن يكون الكلام مسجوعا. # 7- { وما هم بخارجين من النار } الجملة إسمية وإيرادها ~~بهذه الصيغة لإفادة دوام الخلود. # الفوائد: الأولى: ذكر تعالى في الآية من عجائب مخلوقاته ثمانية أنواع ~~تنبيها على ما فيها من العبر واستدلالا على الوحدانية من الأثر، الأول: ~~خلق السماوات وما فيها من الكواكب والشمس والقمر، الثاني: الأرض وما فيها ~~من جبال وبحار وأشجار وأنهار ومعادن وجواهر، الثالث: اختلاف الليل ~~والنهار بالطول والقصر والنور والظلمة والزيادة والنقصان، الرابع: السفن ~~العظيمة كأنها الراسيات من الجبال وهي موقرة بالأثقال والرجال تجري بها ~~الريح مقبلة ومدبرة، الخامس: المطر الذي جعله الله سببا لحياة الموجودات ~~من حيوان ونبات وإنزاله بمقدار، السادس: ما بث في الأرض من إنسان ~~وحيوان مع اختلاف الصور والأشكال والألوان، السابع: تصريف الرياح ~~والهواء جسم لطيف وهو مع ذلك في غاية القوة بحيث يقلع الصخر والشجر ~~ويخرب البنيان العظيم وهو مع ذلك حياة الوجود فلو أمسك طرفة عين لمات كل ~~ذي روح وأنتن ما على وجه الأرض، الثامن: السحاب مع ما فيه من المياه ~~العظيمة التي تسيل منها الأودية الكبيرة يبقى معلقا بين السماء والأرض ~~بلا علاقة تمسكه ولا دعامة تسنده فسبحان الواحد القهار. # الثانية: ورد لفظ الرياح في القرآن مفردة ومجموعة، فجاءت مجموعة مع ~~الرحمة ms0094 مفردة مع العذاب كقوله # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات # [الروم: 46] وقوله # وهو الذي أرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته # [الفرقان: 48] وجاءت مفردة في العذاب كقوله # بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6] وقوله # الريح العقيم # [الذاريات: 41] وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا هبت ~~الريح # " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا ". ### || [2.168-176] # المناسبة: لما بين تعالى التوحيد ودلائله، وما للمؤمنين المتقين ~~والكفرة العاصين، أتبع ذلك بذكر إنعامه على الكافر والمؤمن، ليدل على أن ~~الكفر لا يؤثر في قطع الإنعام، لأنه تعالى رب العالمين، فإحسانه عام ~~لجميع الأنام دون تمييز بين مؤمن وكافر وبر وفاجر، ثم دعا المؤمنين ~~إلى شكر المنعم جل وعلا والأكل من الطيبات التي أباحها الله، واجتناب ~~ما حرمه الله من أنواع الخبائث. # اللغة: { خطوات الشيطان } جمع خطوة وهي في الأصل ما بين ~~القدمين عند المشي وتستعمل مجازا في تتبع الآثار { السوء } أصل ~~السوء ما يسوء الإنسان أي يحزنه ويطلق على المعصية قولا أو فعلا أو ~~اعتقادا لأنها تسوء صاحبها أي تحزنه في الحال أو المآل { الفحشآء } ~~ما يستعظم ويستفحش من المعاصي فهي أقبح أنواع المعاصي { ألفينا } ~~وجدنا ومنه # وألفيا سيدها # [يوسف: 25] # إنهم ألفوا آبآءهم ضآلين # [الصافات: 69] أي وجدوا { ينعق } يصيح يقال: نعق الراعي بغنمه ينعق ~~نعيقا إذا صاح بها وزجرها قال الأخطل: # فانعق بضأنك يا جرير فإنما # منتك نفسك في الخلاء ضلالا # { أهل } الإهلال: رفع الصوت يقال: أهل المحرم إذا رفع صوته ~~بالتلبية ومنه إهلال الصبي وهو صياحه عند الولادة، وكان المشركون إذا ~~ذبحوا ذكروا اللات والعزى ورفعوا بذلك أصواتهم { اضطر } ألجئ أي ~~ألجأته الضرورة إلى الأكل من المحرمات { باغ ولا عاد } الباغي من ~~البغي والعادي من العدوان، وهما بمعنى الظلم وتجاوز الحد { يزكيهم ~~} يطهرهم من التزكية وهي التطهير { شقاق } الشقاق: الخلاف والعداوة. # التفسير: { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا ~~طيبا } الخطاب عام لجميع البشر أي كلوا مما أحله الله لكم من ~~الطيبات حال كونه مستطابا في نفسه غير ضار بالأبدان والعقول { ولا ~~تتبعوا ms0095 خطوات الشيطان } أي لا تقتدوا بآثار الشيطان فيما ~~يزينه لكم من المعاصي والفواحش { إنه لكم عدو مبين } أي ~~إنه عظيم العداوة لكم وعداوته ظاهرة لا تخفى على عاقل { إنما ~~يأمركم بالسوء والفحشآء } أي لا يأمركم الشيطان بما فيه ~~خير إنما يأمركم بالمعاصي والمنكرات وما تناهى في القبح من الرذائل { ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } أي وأن تفتروا على ~~الله بتحريم ما أحل لكم وتحليل ما حرم عليكم فتحلوا وتحرموا من تلقاء ~~أنفسكم { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله } أي ~~وإذا قيل للمشركين اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الوحي والقرآن ~~واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل { قالوا بل نتبع مآ ~~ألفينا عليه آبآءنآ } أي بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، قال ~~تعالى في الرد عليهم { أولو كان آباؤهم لا يعقلون ~~شيئا ولا يهتدون } أي أيتبعون آباءهم ولو كانوا سفهاء أغبياء ~~ليس لهم عقل يردعهم عن الشر ولا بصيرة تنير لهم الطريق؟ والاستفهام ~~للإنكار والتوبيخ والتعجيب من حالهم في تقليدهم الأعمى للآباء، ثم ضرب ~~تعالى مثلا للكافرين في غاية الوضوح والجلاء فقال تعالى { ومثل ~~الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ~~إلا دعآء وندآء } أي ومثل الكفار في عدم انتفاعهم بالقرآن ~~وحججه الساطعة ومثل من يدعوهم إلى الهدى كمثل الراعي الذي يصيح بغنمه ~~ويزجرها فهي تسمع الصوت والنداء دون أن تفهم الكلام والمراد، أو تدرك ~~المعنى الذي يقال لها، فهؤلاء الكفار كالدواب السارحة لا يفهمون ما ~~تدعوهم إليه ولا يفقهون، يسمعون القرآن ويصمون عنه الآذان # إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا # [الفرقان: 44] ولهذا قال تعالى { صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون } أي صم عن سماع الحق، بكم أي خرس عن النطق به عمي عن ~~رؤيته فهم لا يفقهون ما يقال لهم لأنهم أصبحوا كالدواب فهم في ضلالهم ~~يتخبطون. وخلاصة المثل - والله أعلم - مثل الذين كفروا كالبهائم التي لا ~~تفقه ما يقول الراعي أكثر من سماع الصوت دون أن تفهم المعنى وهو خلاصة ~~قول ms0096 ابن عباس { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم } خاطب المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بالتوجيهات ~~الربانية والمعنى كلوا يا أيها المؤمنون من المستلذات وما طاب من الرزق ~~الحلال الذي رزقكم الله إياه { واشكروا لله إن كنتم ~~إياه تعبدون } أي واشكروا الله على نعمه التي لا تحصى إن كنتم ~~تخصونه بالعبادة ولا تعبدون أحدا سواه { إنما حرم عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير } أي ما حرم عليكم إلا ~~الخبائث كالميتة والدم ولحم الخنزير { ومآ أهل به لغير ~~الله } أي وما ذبح للأصنام فذكر عليه اسم غير الله كقولهم باسم اللات ~~والعزى { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } أي فمن ألجأته ~~ضرورة إلى أكل شيء من المحرمات بشرط ألا يكون ساعيا في فساد، ولا ~~متجاوزا مقدار الحاجة { فلا إثم عليه } أي فلا عقوبة عليه في ~~الأكل { إن الله غفور رحيم } أي يغفر الذنوب ويرحم العباد ~~ومن رحمته أن أباح المحرمات وقت الضرورة { إن الذين يكتمون ~~مآ أنزل الله من الكتاب } أي يخفون صفة النبي عليه السلام ~~المذكورة في التوراة وهم اليهود قال ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود حين ~~كتموا نعت النبي صلى الله عليه وسلم { ويشترون به ثمنا ~~قليلا } أي يأخذون بدله عوضا حقيرا من حطام الدنيا { أولئك ~~ما يأكلون في بطونهم إلا النار } أي إنما يأكلون ~~نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة لأن أكل ذلك المال الحرام يفضي بهم ~~إلى النار { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } أي لا ~~يكلمهم كلام رضى كما يكلم المؤمنين بل يكلمهم كلام غضب كقوله # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] { ولا يزكيهم } أي يطهرهم من دنس الذنوب { ~~ولهم عذاب أليم } أي عذاب مؤلم وهو عذاب جهنم { أولئك ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى } أي أخذوا الضلالة بدل ~~الهدى والكفر بدل الإيمان { والعذاب بالمغفرة } أي ~~واستبدلوا الجحيم بالجنة { فمآ أصبرهم على النار } أي ما ~~أشد صبرهم على نار جهنم؟ وهو تعجيب للمؤمنين من جراءة أولئك الكفار على ~~اقتراف أنواع المعاصي ثم قال تعالى مبينا سبب النكال والعذاب { ذلك ~~بأن ms0097 الله نزل الكتاب بالحق } أي ذلك العذاب الأليم ~~بسبب أن الله أنزل كتابه # التوراة # [آل عمران: 3] ببيان الحق فكتموا وحرفوا ما فيه { وإن الذين ~~اختلفوا في الكتاب } أي اختلفوا في تأويله وتحريفه { لفي ~~شقاق بعيد } أي في خلاف بعيد عن الحق والصواب، مستوجب لأشد ~~العذاب. # سبب النزول: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود: كعب بن ~~الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، ~~فلما بعث محمد عليه السلام خافوا انقطاع تلك المنافع فكتموا أمر محمد ~~وأمر شرائعه فنزلت { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله ~~من الكتاب.. } الآية. # البلاغة: 1- { خطوات الشيطان } استعارة عن الاقتداء به ~~واتباع آثاره قال في تلخيص البيان: وهي أبلغ عبارة عن التحذير من طاعته ~~فيما يأمر به وقبول قوله فيما يدعو إلى فعله. # 2- { السوء والفحشآء } هو من باب " عطف الخاص على العام " لأن ~~السوء يتناول جميع المعاصي، والفحشاء أقبح وأفحش المعاصي. # 3- { ومثل الذين كفروا } فيه تشبيه (مرسل ومجمل) مرسل لذكر ~~الأداة ومجمل لحذف وجه الشبه فقد شبه الكفار بالبهائم التي تسمع صوت ~~المنادي دون أن تفقه كلامه وتعرف مراده. # 4- { صم بكم عمي } حذفت أداة الشبه ووجه الشبه فهو " تشبيه ~~بليغ " أي هم كالصم في عدم سماع الحق وكالعمي وكالبكم في عدم الانتفاع ~~بنور القرآن. # 5- { ما يأكلون في بطونهم إلا النار } مجاز مرسل ~~باعتبار ما يؤول إليه أي إنما يأكلون المال الحرام الذي يفضي بهم إلى ~~النار وقوله { في بطونهم } زيادة تشنيع وتقبيح لحالهم وتصويرهم بمن ~~يتناول رضف جهنم، وذلك أفظع سماعا وأشد إيجاعا. # 6- { اشتروا الضلالة بالهدى } استعارة والمراد استبدلوا ~~الكفر بالإيمان وقد تقدم في أول السورة إجراء هذه الاستعارة. # الفوائد: الأولى: عن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا ~~طيبا } فقام سعد بن أبي وقاص فقال يا رسول الله: أدع الله أن يجعلني ~~مستجاب الدعوة! فقال يا سعد: أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي ~~نفس محمد بيده إن ms0098 الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه ~~أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به. # الثانية: قال بعض السلف: " يدخل في اتباع خطوات الشيطان كل معصية لله، ~~وكل نذر في المعاصي قال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه فأفتاه مسروق ~~بذبح كبش وقال: هذا من خطوات الشيطان ". # الثالثة: قال ابن القيم في أعلام الموقعين عن قوله تعالى { ومثل ~~الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ~~إلا دعآء وندآء } قال: لك أن تجعل هذا من التشبيه المركب، وأن ~~تجعله من التشبيه المفرق، فإن جعلته من المركب كان تشبيها للكفار - في ~~عدم فقههم وانتفاعهم - بالغنم التي ينعق بها الراعي فلا تفقه من قوله ~~شيئا غير الصوت المجرد الذي هو الدعاء والنداء، وإن جعلته من التشبيه ~~المفرق: فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى ~~بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعق، وإدراكهم مجرد ~~الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق والله أعلم. ### || [2.177-182] # المناسبة: من هنا بداية النصف الثاني من السورة الكريمة على وجه ~~التقريب، ونصف السورة السابق كان متعلقا بأصول الدين وبقبائح بني ~~إسرائيل، وهذا النصف غالبه متعلق بالأحكام التشريعية الفرعية، ووجه ~~المناسبة أنه تعالى ذكر في الآية السابقة أن أهل الكتاب اختلفوا في ~~دينهم اختلافا كبيرا صاروا بسببه في شقاق بعيد، ومن أسباب شقاقهم أمر ~~القبلة إذ أكثروا الخوض فيه وأنكروا على المسلمين التحول إلى استقبال ~~الكعبة، وادعى كل من الفريقين - اليهود والنصارى - أن الهدى مقصور على ~~قبلته، فرد الله عليهم بين أن العبادة الحقة وعمل البر ليس بتوجه ~~الإنسان جهة المشرق والمغرب، ولكن بطاعة الله وامتثال أوامره وبالإيمان ~~الصادق الراسخ. # اللغة: { البر } اسم جامع للطاعات وأعمال الخير { الرقاب } جمع ~~رقبة وهي في الأصل العنق، وتطلق على البدن كله كما تطلق العين على ~~الجاسوس والمراد في الآية الأسرى والأرقاء { البأسآء } الفقر { ~~الضراء } السقم والوجع { البأس } القتال وأصل البأس في اللغة: ~~الشدة { كتب } فرض { القصاص } العقوبة بالمثل من قتل أو جرح ms0099 ~~مأخوذ من القص وهو تتبع الأثر # وقالت لأخته قصيه # [القصص: 11] أي اتبعى أثره { القتلى } جمع قتيل يستوي فيه المذكر ~~والمؤنث يقال: رجل قتيل وامرأة قتيل { الألباب } العقول جمع لب مأخوذ ~~من لب النخلة { إثما } الإثم: الذنب { جنفا } الجنف: العدول عن ~~الحق على وجه الخطأ. # سبب النزول: عن قتادة أن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة ~~للشيطان، وكان الحي منهم إذا كان فيهم منعة فقتل عبدهم عبد آخرين ~~قالوا لن نقتل به إلا حرا، وإذا قتلت امرأة منهم امرأة من آخرين ~~قالوا لن نقتل بها إلا رجلا فأنزل الله { الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى }. # التفسير: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب } أي ليس فعل الخير وعمل الصالح محصورا في ~~أن يتوجه الإنسان في صلاته جهة المشرق أو المغرب { ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر } أي ولكن البر الصحيح هو ~~الإيمان بالله واليوم الآخر { والملائكة والكتاب ~~والنبيين } أي وأن يؤمن بالملائكة والكتب والرسل { وآتى ~~المال على حبه ذوي القربى } أي أعطى المال على محبته له ~~ذوي قرابته فهم أولى بالمعروف { واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل } أي وأعطى المال أيضا لليتامى الذين فقدوا آباءهم والمساكين ~~الذين لا مال لهم، وابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله { ~~والسآئلين وفي الرقاب } أي الذين يسألون المعونة بدافع ~~الحاجة وفي تخليص الأسرى والأرقاء بالفداء { وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة } أي وأتى بأهم أركان الإسلام وهما الصلاة والزكاة { ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } أي ومن يوفون بالعهود ولا ~~يخلفون الوعود { والصابرين في البأسآء والضراء وحين ~~البأس } أي الصابرين على الشدائد وحين القتال في سبيل الله وهو منصوب ~~على المدح { أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون } أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم وأولئك ~~هم الكاملون في التقوى، وفي الآية ثناء على الأبرار وإيحاء إلى ما ~~يلاقونه من اطمئنان وخيرات حسان. # { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في ~~القتلى } أي فرض عليكم أن تقتصوا للمقتول من قاتله بالمساواة دون بغي ~~أو عدوان { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى ms0100 ~~بالأنثى } أي اقتصوا من الجاني فقط فإذا قتل الحر الحر فاقتلوه ~~به، وإذا قتل العبد العبد فاقتلوه به، وكذلك الأنثى إذا قتلت الأنثى، ~~مثلا بمثل ولا تعتدوا فتقتلوا غير الجاني، فإن أخذ غير الجاني ليس ~~بقصاص بل هو ظلم واعتداء { فمن عفي له من أخيه شيء } أي ~~فمن ترك له من دم أخيه المقتول شيء، بأن ترك وليه القود وأسقط القصاص ~~راضيا بقبول الدية { فاتباع بالمعروف وأدآء إليه ~~بإحسان } أي فعلى العافي اتباع للقاتل بالمعروف بأن يطالبه بالدية ~~بلا عنف ولا إرهاق، وعلى القاتل أداء للدية إلى العافي - ولي المقتول ~~- بلا مطل ولا بخس { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة } أي ~~ما شرعته لكم من العفو إلى الدية تخفيف من ربكم عليكم ورحمة منه بكم، ~~ففي الدية تخفيف على القاتل ونفع لأولياء القتيل، وقد جمع الإسلام في ~~عقوبة القتل بين العدل والرحمة، فجعل القصاص حقا لأولياء المقتول إذا ~~طالبوا به وذلك عدل، وشرع الديه إذا أسقطوا القصاص عن القاتل وذلك رحمة ~~{ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } أي فمن اعتدى ~~على القاتل بعد قبول الدية فله عذاب أليم في الآخرة { ولكم في ~~القصاص حيوة يأولي الألباب } أي ولكم - يا أولي العقول - ~~فيما شرعت من القصاص حياة وأي حياة لأنه من علم أنه إذا قتل نفسا ~~قتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله وبذلك ~~تصان الدماء وتحفظ حياة الناس { لعلكم تتقون } أي لعلكم ~~تنزجرون وتتقون محارم الله ومآثمه { كتب عليكم إذا حضر ~~أحدكم الموت } أي فرض عليكم إذا أشرف أحدكم على الموت وقد ترك ~~مالا كثيرا { الوصية للوالدين والأقربين } أي وجب ~~عليه الإيصاء للوالدين والأقربين { بالمعروف حقا على ~~المتقين } أي بالعدل بأن لا يزيد على الثلث وألا يوصي للأغنياء ~~ويترك الفقراء، حقا لازما على المتقين لله وقد كان هذا واجبا قبل نزول ~~آية المواريث ثم نسخ بآية المواريث { فمن بدله بعد ما ~~سمعه } أي من غير هذه الوصية بعد ما علمها من وصي أو شاهد { ~~فإنما ms0101 إثمه على الذين يبدلونه } أي إثم هذا ~~التبديل على الذين بدلوه لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع { إن الله ~~سميع عليم } فيه وعيد شديد للمبدلين { فمن خاف من موص ~~جنفا } أي فمن علم أو ظن من الموصي ميلا عن الحق بالخطأ { أو ~~إثما } أي ميلا عن الحق عمدا { فأصلح بينهم فلا إثم ~~عليه } أي أصلح بين الموصي والموصى له فلا ذنب عليه بهذا التبديل { ~~إن الله غفور رحيم } أي واسع المغفرة والرحمة لمن قصد بعمله ~~الإصلاح. # البلاغة: 1- { ولكن البر من آمن } جعل البر نفس من ~~آمن على طريق المبالغة وهذا معهود في كلام البلغاء إذ تجدهم يقولون: ~~السخاء حاتم، والشعر زهير أي أن السخاء سخاء حاتم، والشعر شعر زهير، ~~وعلى هذا خرجه سيبويه حيث قال في كتابه قال جل وعز: { ولكن ~~البر من آمن } وإنما هو ولكن البر بر من آمن بالله انتهى ~~ونظير ذلك أن تقول: ليس الكرم أن تبذل درهما ولكن الكرم بذل الآلاف ~~فلا يناسب ولكن الكريم من يبذل الآلاف. # 2- { وفي الرقاب } إيجاز بالحذف أي وفي فك الرقاب يعني فداء ~~الأسرى، وفي لفظ الرقاب " مجاز مرسل " حيث أطلق الرقبة وأراد به النفس ~~وهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل. # 3- { والصابرين في البأسآء } الأصل أن يأتي مرفوعا كقوله { ~~والموفون بعهدهم } وإنما نصب على الاختصاص أي وأخص بالذكر ~~الصابرين وهذا الأسلوب معروف بين البلغاء فإذا ذكرت صفات للمدح أو ~~الذم وخولف الإعراب في بعضها فذلك تفنن ويسمى قطعا لأن تغيير المألوف ~~يدل على مزيد اهتمام بشأنه وتشويق لسماعه. # 4- { أولئك الذين صدقوا } الجملة جاء الخبر فيها فعلا ~~ماضيا " صدقوا " لإفادة التحقيق وأن ذلك وقع منهم واستقر، وأتى بخبر ~~الثانية في جملة اسمية { أولئك هم المتقون } ليدل على ~~الثبوت وأنه ليس متجددا بل صار كالسجية لهم ومراعاة للفاصلة أيضا. # 5- { حقا على المتقين } ذكر المتقين من باب الإلهاب ~~والتهييج. # 6- الطباق بين { اتباع } و { أدآء } وبين { الحر } و { ~~العبد }. # الفوائد: الأولى: في ذكر الأخوة تعطف داع إلى العفو فقد سمى الله ~~القاتل أخا لولي المقتول ms0102 { فمن عفي له من أخيه شيء } ~~تذكيرا بالأخوة الدينية والبشرية حتى يهز عطف كل واحد منهما إلى ~~الآخر فيقع بينهم العفو والاتباع بالمعروف والأداء بالإحسان. # الثانية: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، وكان في ~~النصارى الدية ولم يكن فيهم القصاص، فأكرم الله هذه الأمة المحمدية ~~وخيرها بين القصاص والدية والعفو، وهذا من يسر الشريعة الغراء التي جاء ~~بها سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم. # الثالثة: اتفق علماء البيان على أن هذه الآية { ولكم في القصاص ~~حيوة } بالغة أعلى درجات البلاغة، ونقل عن العرب في هذا المعنى ~~قولهم: القتل أنفى للقتل، ولكن لورود الحكمة في القرآن فضل من ناحية ~~حسن البيان، وإذا شئت أن تزداد خبرة بفضل بلاغة القرآن وسمو مرتبته على ~~مرتبة ما نطق به بلغاء البشر فانظر إلى العبارتين فإنك تجد من نفحات ~~الإعجاز ما ينبهك لأن تشهد الفرق بين كلام الخالق وكلام المخلوق، أما ~~الحكمة القرآنية فقد جعلت سبب الحياة القصاص وهو القتل عقوبة على وجه ~~التماثل، والمثل العربي جعل سبب الحياة القتل، ومن القتل ما يكون ظلما ~~فيكون سببا للفناء وتصحيح العبارة أن يقال: القتل قصاصا أنفى للقتل ~~ظلما، والآية جاءت خالية من التكرار اللفظي والمثل كرر فيه لفظ القتل ~~فمسه بهذا التكرار من الثقل ما سلمت منه الآية، ومن الفروق الدقيقة ~~بينهما أن الآية جعلت القصاص سببا للحياة والمثل جعل القتل سببا لنفي ~~القتل وهو لا يستلزم الحياة الخ وقد عد العلماء عشرين وجها من وجوه ~~التفريق بين الآية القرآنية واللفظة العربية وقد ذكرها السيوطي في ~~الإتقان فارجع إليه تجد فيه شفاء الغليل. ### || [2.183-187] # المناسبة: ذكر تعالى في الآيات السابقة حكم القصاص ثم عقبه بحكم ~~الوصية للوالدين والأقربين، ثم بأحكام الصيام على وجه التفصيل لأن هذا ~~الجزء من السورة الكريمة يتناول جانب الأحكام التشريعية ولما كان الصوم ~~من أهم الأركان ذكره الله تعالى هنا ليهيء عباده إلى منازل القدس ومعارج ~~المتقين الأبرار. # اللغة: { الصيام } في اللغة: الإمساك عن الشيء قال أبو عبيدة: كل ms0103 ~~ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم قال الشاعر: # خيل صيام وخيل غير صائمة # تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما # وفي الشرع: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع في النهار مع النية { ~~يطيقونه } أي يصومونه بعسر ومشقة قال الراغب: الطاقة اسم لمقدار ما ~~يمكن للإنسان أن يفعله مع المشقة وشبه بالطوق المحيط بالشيء { ~~فدية } ما يفدي به الإنسان نفسه من مال وغيره { شهر } من ~~الاشتهار وهو الظهور { رمضان } من الرمض وهو شدة الحر والرمضاء شدة ~~حر الشمس وسمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها { الرفث } الجماع ~~ودواعيه وأصله قول الفحش ثم كني به عن الجماع قال الشاعر: # ويرين من أنس الحديث زوانيا # وبهن عن رفث الرجال نفار # { تختانون } قال في اللسان: خانه واختانه والمخانة مصدر من الخيانة ~~وهي ضد الأمانة وسئل بعضهم عن السيف فقال: أخوك وإن خانك { عاكفون } ~~الإعتكاف في اللغة: اللبث واللزوم وفي الشرع: المكث في المسجد للعبادة { ~~حدود الله } الحد في اللغة: المنع وأصله الحاجز بين الشيئين ~~المتقابلين وسميت الأحكام حدودا لأنها تحجز بين الحق والباطل. # سبب النزول: روي أن جماعة من الأعراب سألوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: يا محمد أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله { ~~وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } الآية. # التفسير: { يأيها الذين آمنوا } ناداهم بلفظ الإيمان ~~ليحرك فيهم مشاعر الطاعة ويذكي فيهم جذوة الإيمان { كتب ~~عليكم الصيام } أي فرض عليكم صيام شهر رمضان { كما كتب ~~على الذين من قبلكم } أي كما فرض على الأمم قبلكم { ~~لعلكم تتقون } أي لتكونوا من المتقين لله المجتنبين لمحارمه { ~~أياما معدودات } أي والصيام أيامه معدودات وهي أيام قلائل، فلم ~~يفرض عليكم الدهر كله تخفيفا ورحمة بكم { فمن كان منكم مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام أخر } أي من كان به مرض ~~أو كان مسافرا فأفطر فعليه قضاء عدة ما أفطر من أيام غيرها { وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } أي وعلى الذين ~~يستطيعون صيامه مع المشقة لشيخوخة أو ضعف إذا أفطروا عليهم فدية ms0104 بقدر ~~طعام مسكين لكل يوم { فمن تطوع خيرا } أي فمن زاد على القدر ~~المذكور في الفدية { فهو خير له } ثم قال تعالى { وأن ~~تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون } أي والصوم خير لكم ~~من الفطر والفدية إن كنتم تعلمون ما في الصوم من أجر وفضيلة، ثم بين ~~تعالى وقت الصيام فقال { شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان } أي والأيام المعدودات التي فرضتها عليكم أيها المؤمنون ~~هي شهر رمضان الذي أبتدأ فيه نزول القرآن حال كونه هداية للناس لما فيه ~~من إرشاد وإعجاز وآيات واضحات تفرق بين الحق والباطل { فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه } أي من حضر منكم الشهر فليصمه { ومن ~~كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } أي ~~ومن كان مريضا أو مسافرا فأفطر فعليه صيام أيام أخر، وكرر لئلا يتوهم ~~نسخه بعموم لفظ شهود الشهر { يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر } أي يريد الله بهذا الترخيص التيسير عليكم لا ~~التعسير { ولتكملوا العدة } أي ولتكملوا عدة شهر رمضان بقضاء ~~ما أفطرتم { ولتكبروا الله على ما هداكم } أي ~~ولتحمدوا الله على ما أرشدكم إليه من معالم الدين { ولعلكم ~~تشكرون } أي ولكي تشكروا الله على فضله وإحسانه. # . ثم بين تعالى أنه قريب يجيب دعوة الداعين ويقضي حوائج السائلين فقال ~~{ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } أي أنا معهم أسمع ~~دعاءهم، وأرى تضرعهم وأعلم حالهم كقوله # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16] { أجيب دعوة الداع إذا دعان } أي أجيب دعوة من ~~دعاني إذا كان عن إيمان وخشوع قلب { فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } أي إذا كنت أنا ربكم ~~الغني عنكم أجيب دعاءكم فاستجيبوا أنتم لدعوتي بالإيمان بي وطاعتي ~~ودوموا على الإيمان لتكونوا من السعداء الراشدين.. ثم شرع تعالى في بيان ~~تتمة أحكام الصيام بعد أن ذكر آية القرب والدعاء فقال { أحل لكم ~~ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم } أي أبيح لكم أيها ~~الصائمون غشيان النساء في ليالي الصوم { هن لباس لكم ~~وأنتم ms0105 لباس لهن } قال ابن عباس: هن سكن لكم وأنتم سكن ~~لهن { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } أي ~~تخونونها بمقارفة الجماع ليلة الصيام وكان هذا محرما في صدر الإسلام ثم ~~نسخ، روى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: لما نزل صوم رمضان كانوا ~~لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله { ~~علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } الآية { ~~فتاب عليكم وعفا عنكم } أي فقبل توبتكم وعفا عنكم لما ~~فعلتموه قبل النسخ { فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب ~~الله لكم } أي جامعوهن في ليالي الصوم واطلبوا بنكاحهن الولد ولا ~~تباشروهن لقضاء الشهوة فقط { وكلوا واشربوا حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } ~~أي كلوا واشربوا إلى طلوع الفجر { ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل } أي أمسكوا عن الطعام والشراب والنكاح إلى غروب الشمس { ~~ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } أي لا ~~تقربوهن ليلا أو نهارا ما دمتم معتكفين في المساجد { تلك حدود ~~الله فلا تقربوها } أي تلك أوامر الله وزواجره وأحكامه التي ~~شرعها لكم فلا تخالفوها { كذلك يبين الله آياته للناس ~~لعلهم يتقون } أي يتقون المحارم. # البلاغة: 1- { كما كتب } التشبيه في الفرضية لا في الكيفية أي ~~فرض الصيام عليكم كما فرض على الأمم قبلكم وهذا التشبيه يسمى " مرسلا ~~مجملا ". # 2- { فمن كان منكم مريضا أو على سفر } فيه إيجاز ~~بالحذف أي من كان مريضا فأفطر، أو على سفر فأفطر فعليه قضاء أيام بعدد ~~ما أفطر. # 3- { وعلى الذين يطيقونه } في تفسير الجلالين قدره بحذف " ~~لا " أي لا يطيقونه، ولا ضرورة لهذا الحذف لأن معنى الآية يطيقونه بجهد ~~شديد وذلك كالشيخ الهرم والحامل والمرضع فهم يستطيعونه لكن مع المشقة ~~الزائدة، والطاقة اسم لمن كان قادرا على الشيء مع الشدة والمشقة. # 4- { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~} فيه من المحسنات البديعية ما يسمى ب " طباق السلب ". # 5- { الرفث إلى نسآئكم } الرفث كناية عن الجماع وعدي ب " ~~إلى " لتضمنه معنى الإفضاء وهو من الكنايات الحسنة كقوله # فلما تغشاها # [الأعراف: 189] وقوله ms0106 # فأتوا حرثكم # [البقرة: 223] وقوله { فالآن باشروهن } قال ابن عباس: إن الله ~~عز وجل كريم حليم يكني. # 6- { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } استعارة ~~بديعة شبه كل واحد من الزوجين لاشتماله على صاحبه في العناق والضم ~~باللباس المشتمل على لابسه قال في تلخيص البيان: " المراد قرب بعضهم من ~~بعض واشتمال بعضهم على بعض كما تشتمل الملابس على الأجسام فاللباس ~~استعارة. # 7- { الخيط الأبيض من الخيط الأسود } قال الشريف ~~الرضي: وهذه استعارة عجيبة والمراد بها بياض الصبح وسواد الليل والخيطان ~~ههنا مجاز وإنما شبههما بذلك لأن بياض الصبح يكون في أول طلوعه مشرقا ~~خافيا، ويكون سواد الليل منقضيا موليا، فهما جميعا ضعيفان إلا أن ~~هذا يزداد انتشارا وهذا يزداد استسرارا، وذهب الزمخشري إلى أنه من ~~التشبيه البليغ. # الفوائد: الأولى: روي عن الحسن أنه قال: إن الله تعالى فرض صيام ~~رمضان على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت ~~يوما من السنة زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وأما النصارى فإنهم صاموا ~~رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إلى وقت لا يتغير ثم قالوا عند ~~ذلك نزيد فيه فزادوا عشرا، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعا فزادوه، ~~ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمه خمسين يوما وهذا ~~معنى قوله تعالى # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا # [التوبة: 31]. # الثانية: قال الحافظ ابن كثير: وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على ~~الدعاء متخللة بين أحكام الصيام { وإذا سألك عبادي عني } ~~إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر لحديث # " إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد " # وكان عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي ~~وسعت كل شيء أن تغفر لي. # الثالثة: ظاهر نظم الجملة { وإذا سألك عبادي عني } أنهم ~~سألوا عن الله، والسؤال لا يكون عن الذات وإنما يكون عن شأن من شئونها ~~فقوله في الجواب { فإني قريب } يدل على أنهم سألوا عن جهة القرب ~~أو البعد، ولم يصدر الجواب ب ms0107 " قل " أو فقل كما وقع في أجوبة مسائلهم ~~الواردة في آيات أخرى نحو # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105] بل تولى جوابهم بنفسه إشعارا بفرط قربه منهم، وحضوره مع كل ~~سائل بحيث لا تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من ذوي ~~الحاجات. # الرابعة: قال الإمام ابن تيمية " وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه ~~مهيمن عليهم مطلع إليهم فدخل في ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه " وفي ~~الصحيح # " إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " # وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه ~~وفوقيته فإنه سبحانه ليس كمثله شيء. # الخامسة: عبر المولى جل وعلا عن المباشرة الجنسية التي تكون بين ~~الزوجين بتعبير سام لطيف، لتعليمنا الأدب في الأمور التي تتعلق بالجنس ~~والنساء ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه: إن الله عز وجل كريم حليم ~~يكني. ### || [2.188-195] # المناسبة: لما بين تعالى في الآيات السابقة أحكام الصيام وأباح ~~للمؤمنين الاستمتاع بالطعام والشراب والنكاح في ليالي رمضان عقبه بالنهي ~~عن أكل الأموال بغير حق لأن المسلم لا يصح له أن يستمتع بالمال الحرام لا ~~في ليالي رمضان ولا غيره، ولما كان حديث الصيام يتصل برؤية الهلال وهذا ~~ما يحرك في النفوس خاطر السؤال عن الأهلة جاءت الآيات الكريمة تبين أن ~~الأهلة مواقيت لعبادات الناس في الصيام وسائر أنواع القربات. # اللغة: { الباطل } في اللغة: الزائل الذاهب يقال: بطل الشيء بطولا ~~فهو باطل وفي الشرع هو المال الحرام كالغصب والسرقة والقمار والربا { ~~وتدلوا } الإدلاء في الأصل: إرسال الدلو في البئر ثم جعل كل ~~إلقاء أو دفع لقول أو فعل إدلاء يقال: أدلى بحجته أي أرسلها والمراد ~~بالإدلاء هنا الدفع إلى الحاكم بطريق الرشوة { الأهلة } جمع هلال ~~وهو أول حال القمر حين يراه الناس ثم يصبح قمرا ثم بدرا حين يتكامل ~~نوره { مواقيت } جمع ميقات وهو الوقت كالميعاد بمعنى الوعد وقيل: ~~الميقات منتهى الوقت { ثقفتموهم } ثقف الشيء إذا ظفر به ووجده ~~على جهة ms0108 الأخذ والغلبة، ورجل ثقف سريع الأخذ لأقرانه قال الشاعر: # فإما تثقفوني فاقتلوني # فمن أثقف فليس إلى خلود # { التهلكة } الهلاك يقال هلك يهلك هلاكا وتهلكة. # سبب النزول: روي أن بعض الصحابة قالوا يا رسول الله: ما بال الهلال ~~يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى ~~يعود كما بدا لا يكون على حالة واحدة كالشمس فنزلت { يسألونك عن ~~الأهلة... } الآية. # ثانيا: روي أن الأنصار كانوا إذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية لم يدخل ~~بيتا من بابه بل كان يدخل من نقب في ظهره، أو يتخذ سلما يصعد فيه ~~فنزل قوله تعالى { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ~~ظهورها }. # التفسير: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~} أي لا يأكل بعضكم أموال بعض بالوجه الذي لم يبحه الله { وتدلوا ~~بها إلى الحكام } أي تدفعوها إلى الحكام رشوة { لتأكلوا ~~فريقا من أموال الناس بالإثم } أي ليعينوكم على أخذ ~~طائفة من أموال الناس بالباطل { وأنتم تعلمون } أنكم مبطلون ~~تأكلون الحرام { يسألونك عن الأهلة } أي يسألونك يا محمد عن ~~الهلال لم يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يعظم ويستدير ثم ينقص ويدق حتى يعود ~~كما كان؟ { قل هي مواقيت للناس والحج } أي فقل لهم ~~إنها أوقات لعباداتكم ومعالم تعرفون بها مواعيد الصوم والحج والزكاة { ~~وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } أي ليس ~~البر بدخولكم المنازل من ظهورها كما كنتم تفعلون في الجاهلية { ~~ولكن البر من اتقى } أي ولكن العمل الصالح الذي ~~يقربكم من الله في اجتناب محارم الله { وأتوا البيوت من ~~أبوابها } ادخلوها كعادة الناس من الأبواب { واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون } أي اتقوا الله لتسعدوا وتظفروا برضاه { ~~وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } أي ~~قاتلوا لإعلاء دين الله من قاتلكم من الكفار { ولا تعتدوا إن ~~الله لا يحب المعتدين } أي لا تبدءوا بقتالهم فإنه تعالى ~~لا يحب من ظلم أو اعتدى، وكان هذا في بدء أمر الدعوة ثم نسخ بآية براءة # وقاتلوا المشركين كآفة # [الآية: 36] وقيل نسخ بالآية التي بعدها وهي ms0109 قوله { واقتلوهم ~~حيث ثقفتموهم } أي اقتلوهم حيث وجدتموهم في حل أو حرم { ~~وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } أي شردوهم من أوطانهم ~~وأخرجوهم منها كما أخرجوكم من مكة { والفتنة أشد من ~~القتل } أي فتنة المؤمن عن دينه أشد من قتله، أو كفر الكفار أشد ~~وأبلغ من قتلكم لهم في الحرم، فإذا استعظموا القتال فيه فكفرهم أعظم { ~~ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه } أي لا نبدءوهم بالقتال في الحرم حتى يبدءوا هم ~~بقتالكم فيه { فإن قاتلوكم فاقتلوهم } أي إن بدءوكم ~~بالقتال فلكم حينئذ قتالهم لأنهم انتهكوا حرمته والبادي بالشر أظلم { ~~كذلك جزآء الكافرين } أي هذا الحكم جزاء كل من كفر بالله { ~~فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } أي فإن انتهوا عن ~~الشرك وأسلموا فكفوا عنهم فإن الله يغفر لمن تاب وأناب { ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ~~} أي قاتلوا المحاربين حتى تكسروا شوكتهم ولا يبقى شرك على وجه الأرض ~~ويصبح دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان { فإن انتهوا ~~فلا عدوان إلا على الظالمين } أي فإن انتهوا عن قتالكم ~~فكفوا عن قتلهم فمن قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان إلا على ~~الظالمين، أو فإن انتهوا عن الشرك فلا تعتدوا عليهم ثم بين تعالى أن ~~قتال المشركين في الشهر الحرام يبيح للمؤمنين دفع العدوان فيه فقال { ~~الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } ~~أي إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام، فكما هتكوا ~~حرمة الشهر واستحلوا دماءكم فافعلوا بهم مثله { فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ~~أي ردوا عن أنفسكم العدوان فمن قاتلكم في الحرم أو في الشهر الحرام ~~فقابلوه وجازوه بالمثل { واتقوا الله واعلموا أن الله ~~مع المتقين } أي راقبوا الله في جميع أعمالكم وأفعالكم واعلموا ~~أن الله مع المتقين بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة { وأنفقوا ~~في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~} أي أنفقوا في الجهاد وفي سائر وجوه القربات ولا تبخلوا في الانفاق ~~فيصيبكم الهلاك ويتقوى عليكم الأعداء وقيل معناه: ms0110 لا تتركوا الجهاد في ~~سبيل الله وتشتغلوا بالأموال والأولاد فتهلكوا { وأحسنوا إن ~~الله يحب المحسنين } أي أحسنوا في جميع أعمالكم حتى يحبكم ~~الله وتكونوا من أوليائه المقربين. # البلاغة: 1- { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت ~~للناس والحج } هذا النوع من البديع يسمى " الأسلوب الحكيم " فقد ~~سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الهلال لم يبدو صغيرا ثم يزداد حتى ~~يتكامل نوره؟ فصرفهم إلى بيان الحكمة من الأهلة وكأنه يقول: كان الأولى ~~بكم أن تسألوا عن حكمة خلق الأهلة لا عن سبب تزايدها في أول الشهر ~~وتناقصها في آخره، وهذا ما يسميه علماء البلاغة " الأسلوب الحكيم ". # 2- { الشهر الحرام بالشهر الحرام } فيه إيجاز بالحذف ~~تقديره: هتك حرمة الشهر الحرام تقابل بهتك حرمة الشهر الحرام ويسمى حذف ~~الإيجاز. # 3- { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه } سمي جزاء ~~العدوان عدوانا من قبيل " المشاكلة " وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف ~~في المعنى كقوله # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] قال الزجاج: العرب تقول ظلمني فلان فظلمته أي جازيته ~~بظلمه. # فائدة: لا يذكر في القرآن الكريم لفظ القتال أو الجهاد إلا ويقرن ~~بكلمة " سبيل الله " وفي ذلك دلالة واضحة على أن الغاية من القتال غاية ~~شريفة نبيلة هي إعلاء كلمة الله لا السيطرة أو المغنم أو الاستعلاء في ~~الأرض أو غيرها من الغايات الدنيئة. # تنبيه: كل ما ورد في القرآن بصيغة السؤال أجيب عنه ب " قل " بلا فاء ~~إلا في طه # فقل ينسفها ربي نسفا # [الآية: 105] فقد وردت بالفاء، والحكمة أن الجواب في الجميع كان بعد ~~وقوع السؤال وفي طه كان قبله إذ تقديره إن سئلت عن الجبال فقل ينسفها ربي ~~نسفا. # فائدة: روي أن رجلا من المسلمين حمل على جيش الروم حتى دخل فيهم ~~فصاح الناس: سبحان الله ألقى بيديه إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري ~~إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار حين أعز الله الإسلام وكثر ~~ناصروه فقلنا: لو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فنزلت { ~~وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة } فكانت ms0111 التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وترك ~~الجهاد في سبيل الله فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى استشهد ~~ودفن بأرض الروم. ### || [2.196-203] # المناسبة: لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحكام الصيام، أعقب ~~ذلك بذكر أحكام الحج لأن شهوره تأتي مباشرة بعد شهر الصيام، وأما آيات ~~القتال فقد ذكرت عرضا لبيان حكم هام وهو بيان الأشهر الحرم والقتال ~~فيها وفيما لو تعرض المشركون للمؤمنين وهم في حالة الإحرام هل يباح لهم ~~رد العدوان عن أنفسهم والقتال في الأشهر الحرم؟ فقد وردت الآيات ~~السابقة تبين حكمة الأهلة وأنها مواقيت للصيام والحج ثم بينت الآيات ~~بعدها موقف المسلمين من القتال في الشهر الحرام وذلك حين أراد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم العمرة وصده المشركون ومنعوه من دخول مكة ووقع صلح ~~الحديبية ثم لما أراد القضاء في العام القابل وخشي أصحابه غدر المشركين ~~بهم وهم في حالة الإحرام نزلت الآيات تبين أنه ليس لهم أن ينتهكوا هذه ~~الحرمات على سبيل الابتداء بل على سبيل القصاص ودفع العدوان، ثم عاد ~~الكلام إلى أحكام الحج وحكم الإحصار فيه فهذا هو الإرتباط بين الآيات ~~السابقة واللاحقة. # اللغة: { أحصرتم } الإحصار: معناه المنع والحبس يقال حصره عن ~~السفر وأحصره إذا حبسه ومنعه قال الأزهري: حصر الرجل في الحبس، وأحصر ~~في السفر من مرض أو انقطاع به { الهدي } هو ما يهدى إلى بيت الله ~~من أنواع النعم كالإبل والبقر والغنم وأقله شاة { محله } المحل: ~~الموضع الذي يحل به نحر الهدي وهو الحرم أو مكان الإحصار للمحصر { ~~النسك } جمع نسيكة وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى { جناح } ~~إثم وأصله من الجنوح وهو الميل عن القصد { أفضتم } أي دفعتم وأصله ~~من فاض الماء إذا سال منصبا ومعنى { أفضتم من عرفات } أي ~~دفعتم منها بقوة تشبيها بفيض الماء. { خلاق } نصيب من رحمة الله ~~تعالى { تحشرون } تجمعون للحساب. # سبب النزول: أولا: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان أهل اليمن يحجون ~~ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة ms0112 سألوا الناس فأنزل ~~الله عز وجل { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى }. # ثانيا: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون ~~بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس وسائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء ~~الإسلام أمر الله تعالى نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، ~~وكانت قريش تفيض من جمع من المشعر الحرام فأنزل الله تعالى { ثم ~~أفيضوا من حيث أفاض الناس }. # التفسير: { وأتموا الحج والعمرة لله } أي أدوهما ~~تامين بأركانهما وشروطهما لوجه الله تعالى { فإن أحصرتم فما ~~استيسر من الهدي } أي إذا منعتم عن إتمام الحج أو العمرة ~~بمرض أو عدو وأردتم التحلل فعليكم أن تذبحوا ما تيسر من بدنة أو بقرة ~~أو شاة { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله } أي لا تتحللوا من إحرامكم بالحلق أو التقصير حتى يصل الهدي ~~المكان الذي يحل ذبحه فيه وهو الحرم أو مكان الإحصار { فمن كان ~~منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك } أي فمن كان منكم معشر المحرمين ~~مريضا مرضا يتضرر معه بالشعر فحلق، أو كان به أذى من رأسه كقمل وصداع ~~فحلق في الإحرام، فعليه فدية وهي إما صيام ثلاثة أيام أو يتصدق بثلاثة ~~آصع على ستة مساكين أو يذبح ذبيحة وأقلها شاة { فإذآ أمنتم } أي ~~كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين { فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } أي من ~~اعتمر في أشهر الحج واستمتع بما يستمتع به غير المحرم من الطيب والنساء ~~وغيرها، فعليه ما تيسر من الهدي وهو شاة يذبحها شكرا لله تعالى { فمن ~~لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم } أي من لم يجد ثمن الهدي فعليه صيام عشرة أيام، ثلاثة حين ~~يحرم بالحج وسبعة إذا رجع إلى وطنه { تلك عشرة كاملة } أي ~~عشرة أيام كاملة تجزئ عن الذبح، وثوابها كثوابه من غير نقصان { ذلك ~~لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } أي ذلك ~~التمتع أو ms0113 الهدي خاص بغير أهل الحرم، أما سكان الحرم فليس لهم تمتع ~~وليس عليهم هدي { واتقوا الله واعلموا أن الله ~~شديد العقاب } أي خافوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ~~واعلموا أن عقابه شديد لمن خالف أمره. # ثم بين تعالى وقت الحج فقال: { الحج أشهر معلومات } أي ~~وقت الحج هو تلك الأشهر المعروفة بين الناس وهي: شوال وذو القعده وعشر ~~من ذي الحجة { فمن فرض فيهن الحج } أي من ألزم نفسه الحج ~~بالإحرام والتلبية { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في ~~الحج } أي لا يقرب النساء ولا يستمتع بهن فإنه مقبل على الله قاصد ~~لرضاه، فعليه أن يترك الشهوات، وأن يترك المعاصي والجدال والخصام مع ~~الرفقاء { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } أي وما ~~تقدموا لأنفسكم من خير يجازيكم عليه الله خير الجزاء { وتزودوا ~~فإن خير الزاد التقوى } أي تزودوا لآخرتكم بالتقوى فإنها ~~خير زاد { واتقون يأولي الألباب } أي خافون واتقوا عقابي يا ~~ذوي العقول والأفهام { ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم } أي لا حرج ولا إثم عليكم في التجارة في أثناء ~~الحج فإن التجارة الدنيوية لا تنافي العبادة الدينية، وقد كانوا يتأثمون ~~من ذلك فنزلت الآية تبيح لهم الاتجار في أشهر الحج { فإذآ أفضتم ~~من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام } أي ~~إذا دفعتم من عرفات بعد الوقوف بها فاذكروا الله بالدعاء والتضرع ~~والتكبير والتهليل عند المشعر الحرام بالمزدلفة { واذكروه كما ~~هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضآلين } أي اذكروه ~~ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة، واشكروه على نعمة الهداية والإيمان ~~فقد كنتم قبل هدايته لكم في عداد الضالين، الجاهلين بالإيمان وشرائع ~~الدين { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } أي ثم انزلوا ~~من عرفة حيث ينزل الناس لا من المزدلفة، والخطاب لقريش حيث كانوا يترفعون ~~على الناس أن يقفوا معهم وكانوا يقولون: نحن أهل الله وسكان حرمه فلا ~~نخرج منه فيقفون في المزدلفة لأنها من الحرم ثم يفيضون منها وكانوا يسمون ~~" الحمس " فأمر الله تعالى الرسول صلى الله ms0114 عليه وسلم أن يأتي عرفة ثم ~~يقف بها ثم يفيض منها { واستغفروا الله إن الله غفور ~~رحيم } أي استغفروا الله عما سلف منكم من المعاصي فإن الله عظيم ~~المغفرة واسع الرحمة { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا ~~الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا } أي إذا فرغتم من ~~أعمال الحج وانتهيتم منها فأكثروا ذكره وبالغوا في ذلك كما كنتم تذكرون ~~آباءكم وتعدون مفاخرهم بل أشد، قال المفسرون: كانوا يقفون بمنى بين ~~المسجد والجبل بعد قضاء المناسك فيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن أيامهم ~~فأمروا أن يذكروا الله وحده { فمن الناس من يقول ربنآ ~~آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق } أي من ~~الناس من تكون الدنيا همه فيقول: اللهم اجعل عطائي ومنحتي في الدنيا ~~خاصة وما له في الآخرة من حظ ولا نصيب { ومنهم من يقول ~~ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة } أي ~~ومنهم من يطلب خيري الدنيا والآخرة وهو المؤمن العاقل، وقد جمعت هذه ~~الدعوة كل خير وصرفت كل شر، فالحسنة في الدنيا تشمل الصحة والعافية، ~~والدار الرحبة، والزوجة الحسنة، والرزق الواسع إلى غير ما هنالك والحسنة ~~في الآخرة تشمل الأمن من الفزع الأكبر، وتيسير الحساب ودخول الجنة، ~~والنظر إلى وجه الله الكريم الخ { وقنا عذاب النار } أي نجنا ~~من عذاب جهنم { أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله ~~سريع الحساب } أي هؤلاء الذين طلبوا سعادة الدارين لهم حظ وافر ~~مما عملوا من الخيرات والله سريع الحساب يحاسب الخلائق بقدر لمحة بصر { ~~واذكروا الله في أيام معدودات } أي كبروا الله في ~~أعقاب الصلوات وعند رمي الجمرات في أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر { ~~فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } أي من استعجل ~~بالنفر من منى بعد تمام يومين فنفر فلا حرج عليه { ومن تأخر فلا ~~إثم عليه } أي ومن تأخر حتى رمى في اليوم الثالث - وهو النفر ~~الثاني - فلا حرج عليه أيضا { لمن اتقى } أي ما ذكر من الأحكام ~~لمن أراد أن يتقي الله فيأتي بالحج على الوجه الأكمل { واتقوا ms0115 ~~الله واعلموآ أنكم إليه تحشرون } أي خافوا الله ~~تعالى واعلموا أنكم مجموعون إليه للحساب فيجازيكم بأعمالكم. # البلاغة: 1- { يبلغ الهدي محله } كناية عن ذبحه في مكان ~~الإحصار. # 2- { فمن كان منكم مريضا } فيه إيجاز بالحذف أي كان مريضا ~~فحلق أو به أذى من رأسه فحلق فعليه فدية. # 3- { وسبعة إذا رجعتم } فيه التفات من الغائب إلى المخاطب ~~وهو من المحسنات البديعية. # 4- { تلك عشرة كاملة } فيه إجمال بعد التفصيل وهذا من باب " ~~الإطناب " وفائدته زيادة التأكيد والمبالغة في المحافظة على صيامها وعدم ~~التهاون بها أو تنقيص عددها. # 5- { واتقوا الله واعلموا أن الله } إظهار الاسم ~~الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة. # 6- { فلا رفث ولا فسوق } صيغته نفي وحقيقته نهي أي لا يرفث ~~ولا يفسق وهو أبلغ من النهي الصريح لأنه يفيد أن هذا الأمر مما لا ~~ينبغي أن يقع أصلا فإن ما كان منكرا مستقبحا في نفسه ففي أشهر الحج ~~يكون أقبح وأشنع ففي الإتيان بصيغة الخبر وإرادة النهي مبالغة واضحة. # 7- { فاذكروا الله كذكركم آبآءكم } فيه تشبيه تمثيلي ~~يسمى (مرسلا مجملا). # 8- المقابلة اللطيفة بين { فمن الناس من يقول ربنآ آتنا ~~في الدنيا } وبين { ومنهم من يقول ربنآ آتنا في ~~الدنيا حسنة... } الآية. # فائدة: أصل النسك: العبادة، وسميت ذبيحة الأنعام نسكا لأنها من أشرف ~~العبادات التي يتقرب بها المؤمن إلى الله تعالى. # فائدة ثانية: زاد الدنيا يوصل إلى مراد النفس وشهواتها، وزاد الآخرة ~~يوصل إلى النعيم المقيم في الآخرة ولهذا ذكر تعالى زاد الآخرة وهو الزاد ~~النافع وفي هذا المعنى يقول الأعشى: # إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى # ولاقيت بعد الموت من قد تزودا # ندمت على ألا تكون كمثله # وأنك لم ترصد كما كان أرصدا ### || [2.204-212] # المناسبة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة العبادات التي تطهر ~~القلوب، وتزكي النفوس كالصيام، والصدقة، والحج، وذكر أن من الناس من ~~يطلب الدنيا ولا غاية له وراءها، ومنهم من تكون غايته نيل رضوان الله ~~تبارك وتعالى، أعقبها بذكر نموذج عن الفريقين: فريق الضلالة الذي باع ~~نفسه للشيطان، ms0116 وفريق الهدى الذي باع نفسه للرحمن، ثم حذر تبارك وتعالى ~~من اتباع خطوات الشيطان، وبين لنا عداوته الشديدة. # اللغة: { ألد } اللدد: شدة الخصومة قال الطبري: الألد: ~~الشديد الخصومة وفي الحديث: # " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " # { الحرث }: الزرع لأنه يزرع ثم يحرث. { النسل } الذرية والولد، ~~وأصله الخروج بسرعة ومنه # إلى ربهم ينسلون # [يس: 51] وسمي نسلا لأنه ينسل - يسقط - من بطن أمه بسرعة. { العزة ~~} الأنفة والحمية. { حسبه } حسب اسم فعل بمعنى كافيه. { المهاد ~~}: الفراش الممهد للنوم. { يشري }: يبيع. { ابتغآء } طلب. { ~~السلم } بكسر السين بمعنى الإسلام وبفتحها بمعنى الصلح، وأصله من ~~الاستسلام وهو الخضوع والانقياد قال الشاعر: # دعوت عشيرتي للسلم حتى # رأيتهم تولوا مدبرينا # { زللتم } الزلل: الانحراف عن الطريق المستقيم وأصله في القدم ثم ~~استعمل في الأمور المعنوية. { ظلل } جمع ظلة وهي ما يستر الشمس ويحجب ~~أشعتها عن الرؤية. # سبب النزول: 1- روي أن الأخنس بن شريق أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأظهر له الإسلام وحلف أنه يحبه، وكان منافقا حسن العلانية خبيث الباطن، ~~ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر بزرع لقوم من المسلمين ~~وحمر فأحرق الزرع وقتل الحمر فأنزل الله تعالى فيه الآيات { ومن ~~الناس من يعجبك قوله... } الآية وإلى قوله: { وإذا ~~تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث ~~والنسل... } الآية. # 2- وروي أن صهيبا الرومي لما أراد الهجرة إلى المدينة المنورة لحقه ~~نفر من قريش من المشركين ليردوه فنزل عن راحلته ونثر ما في كنانته وأخذ ~~قوسه ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلا، وأيم الله ~~لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي ~~منه شيء ثم افعلوا ما شئتم، قالوا: جئتنا صعلوكا لا تملك شيئا وأنت ~~الآن ذو مال كثير!! فقال: أرأيتم إن دللتكم على مالي تخلون سبيلي؟ ~~قالوا: نعم، فدلهم على ماله بمكة فلما قدم المدينة دخل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم: # " ربح البيع ms0117 صهيب ربح البيع صهيب " # وأنزل الله عز وجل فيه { ومن الناس من يشري نفسه ~~ابتغآء مرضات الله... } الآية. # التفسير: { ومن الناس من يعجبك قوله } أي ومن الناس ~~فريق يروقك كلامه يا محمد ويثير إعجابك بخلابة لسانه وقوة بيانه، ولكنه ~~منافق كذاب { في الحياة الدنيا } أي في هذه الحياة فقط أما ~~الآخرة فالحاكم فيها علام الغيوب الذي يطلع على القلوب والسرائر { ~~ويشهد الله على ما في قلبه } أي يظهر لك الإيمان ~~ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق { وهو ألد الخصام } ~~أي شديد الخصومة يجادل بالباطل ويتظاهر بالدين والصلاح بكلامه المعسول { ~~وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها } أي وإذا ~~انصرف عنك عاث في الأرض فسادا، وقد نزلت في الأخنس ولكنها عامة في كل ~~منافق يقول بلسانه ما ليس في قلبه [كقوله]: # يعطيك من طرف اللسان حلاوة # ويروغ فيك كما يروغ الثعلب # { ويهلك الحرث والنسل } أي يهلك الزرع وما تناسل من ~~الإنسان والحيوان ومعناه أن فساده عام يشمل الحاضر والباد، فالحرث محل ~~نماء الزروع والثمار، والنسل وهو نتاج الحيوانات التي لا قوام للناس إلا ~~بهما، فإفسادهما تدمير للإنسانية { والله لا يحب الفساد } ~~أي يبغض الفساد ولا يحب المفسدين { وإذا قيل له اتق الله ~~أخذته العزة بالإثم } أي إذا وعظ هذا الفاجر وذكر وقيل ~~له انزع عن قولك وفعلك القبيح، حملته الأنفة وحمية الجاهلية على الفعل ~~بالإثم والتكبر عن قبول الحق، فأغرق في الإفساد وأمعن في العناد { ~~فحسبه جهنم ولبئس المهاد } أي يكفيه أن تكون له جهنم ~~فراشا ومهادا، وبئس هذا الفراش والمهاد { ومن الناس من يشري ~~نفسه ابتغآء مرضات الله } هذا هو النوع الثاني وهم ~~الأخيار الأبرار، فبعد أن ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة أتبعه بذكر ~~صفات المؤمنين الحميدة والمعنى ومن الناس فريق من أهل الخير والصلاح باع ~~نفسه لله، طلبا لمرضاته ورغبة في ثوابه لا يتحرى بعمله إلا وجه الله { ~~والله رؤوف بالعباد } أي عظيم الرحمة بالعباد يضاعف الحسنات ~~ويعفو عن السيئات ولا يعجل العقوبة لمن عصاه.. ثم أمر ms0118 تعالى المؤمنين ~~بالانقياد لحكمه والاستسلام لأمره والدخول في الإسلام الذي لا يقبل الله ~~دينا سواه فقال: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في ~~السلم كآفة } أي ادخلوا في الإسلام بكليته في جميع أحكامه ~~وشرائعه، فلا تأخذوا حكما وتتركوا حكما، لا تأخذوا بالصلاة وتمنعوا ~~الزكاة مثلا فالإسلام كل لا يتجزأ { ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين } أي لا تتبعوا طرق ~~الشيطان وإغواءه فإنه عدو لكم ظاهر العداوة { فإن زللتم من ~~بعد ما جآءتكم البينات } أي إن انحرفتم عن الدخول في ~~الإسلام من بعد مجيء الحجج الباهرة والبراهين القاطعة على أنه حق { ~~فاعلموا أن الله عزيز حكيم } أي اعلموا أن الله غالب ~~لا يعجزه الانتقام ممن عصاه حكيم في خلقه وصنعه { هل ينظرون إلا ~~أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ~~} أي ما ينتظرون شيئا إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة لفصل القضاء بين ~~الخلائق حيث تنشق السماء وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام وحملة ~~العرش والملائكة الذين لا يعلم كثرتهم إلا الله ولهم زجل من التسبيح ~~يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي ~~الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة ~~والروح { وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور } أي ~~انتهى أمر الخلائق بالفصل بينهم فريق في الجنة وفريق في السعير، وإلى ~~الله وحده مرجع الناس جميعا. # والمقصود تصوير عظمة يوم القيامة وهولها وشدتها وبيان أن الحاكم فيها هو ~~ملك الملوك جل وعلا الذي لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه وهو أحكم ~~الحاكمين.. ثم قال تعالى مخاطبا رسوله الكريم { سل بني ~~إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة } أي سل يا محمد ~~بني إسرائيل - توبيخا لهم وتقريعا - كم شاهدوا مع موسى من معجزات ~~باهرات وحجج قاطعات تدل على صدقه ومع ذلك كفروا ولم يؤمنوا { ومن ~~يبدل نعمة الله من بعد ما جآءته فإن الله ~~شديد العقاب } أي من يبدل نعم الله بالكفر والجحود بها فإن عقاب ~~الله له أليم وشديد { زين ms0119 للذين كفروا الحياة ~~الدنيا } أي زينت لهم شهوات الدنيا ونعيمها حتى نسوا الآخرة وأشربت ~~محبتها في قلوبهم حتى تهافتوا عليها وأعرضوا عن دار الخلود. { ~~ويسخرون من الذين آمنوا } أي وهم مع ذلك يهزؤون ويسخرون ~~بالمؤمنين يرمونهم بقلة العقل لتركهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة كقوله: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون # [المطففين: 29] قال تعالى ردا عليهم: { والذين اتقوا ~~فوقهم يوم القيامة } أي والمؤمنون المتقون لله فوق أولئك ~~الكافرين منزلة ومكانة، فهم في أعلى عليين وأولئك في أسفل سافلين، ~~والمؤمنون في الآخرة في أوج العز والكرامة والكافرون في حضيض الذل ~~والمهانة { والله يرزق من يشآء بغير حساب } أي والله ~~يرزق أولياءه رزقا واسعا رغدا، لا فناء له ولا انقطاع كقوله: # يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب # [غافر: 40] أو يرزق في الدنيا من شاء من خلقه ويوسع على من شاء مؤمنا ~~كان أو كافرا، برا أو فاجرا على حسب الحكمة والمشيئة دون أن يكون له ~~محاسب سبحانه وتعالى. # البلاغة: 1- { أخذته العزة بالإثم } ذكر لفظ الإثم بعد ~~قوله العزة يسمى عند علماء البديع ب " التتميم " لأنه ربما يتوهم أن ~~المراد عزة الممدوح فذكر بالإثم ليشير إلى أنها عزة مذمومة. # 2- { ولبئس المهاد } هذا من باب التهكم أي جعلت لهم جهنم غطاء ~~ووطاء فأكرم بذلك كما تكرم الأم ولدها بالغطاء والوطاء اللينين. # 3- { هل ينظرون } استفهام إنكاري في معنى النفي بدليل مجيء إلا ~~بعدها أي ما ينتظرون. # 4- { في ظلل من الغمام } التنكير للتهويل فهي في غاية الهول ~~والمهابة لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها وقوله: { ~~وقضي الأمر } هو عطف على المضارع { يأتيهم الله } وإنما ~~عدل إلى صيغة الماضي دلالة على تحققه فكأنه قد كان. # 5- { فإن الله شديد العقاب } إظهار الاسم الجليل لتربية ~~المهابة وإدخال الروعة. # 6- { زين... ويسخرون } أورد التزيين بصيغة الماضي لكونه ~~مفروغا منه مركوزا في طبيعتهم وعطف عليه بالفعل المضارع { ~~ويسخرون } للدلالة على استمرار السخرية منهم لأن صيغة المضارع تفيد ~~الدوام والاستمرار. # تنبيه: قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في ms0120 رسالته التدمرية: " وصفه تعالى ~~نفسه بالإتيان في ظلل من الغمام كوصفه بالمجيء في آيات أخر ونحوهما مما ~~وصف به نفسه في كتابه أو صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم والقول في ~~جميع ذلك من جنس واحد وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها، إنهم يصفونه سبحانه ~~بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا ~~تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، والقول في صفاته كالقول في ذاته والله تعالى ~~ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فلو سأل سائل: كيف ~~يجيء سبحانه؟ فليقل له: كما لا تعلم كيفية ذاته كذلك لا تعلم كيفية صفاته ~~". ### || [2.213-218] # المناسبة: ذكر سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن الناس فريقان: ~~فريق يسعى في الأرض فسادا ويضل الناس بخلابة لسانه وقوة بيانه، وفريق ~~باع نفسه للحق يبتغي به رضى الله ولا يرجو أحدا سواه، ولما كان لا بد ~~من التنازع بين الخير والشر - ولا بد للحق من سيف مصلت إلى جانبه - ~~لذا شرع الله للمؤمنين أن يحملوا السيف مناضلين وشرع الجهاد دفعا ~~للعدوان وردعا للظلم والطغيان. # اللغة: { بغيا } البغي: العدوان والطغيان. { وزلزلوا } مأخوذ ~~من زلزلة الأرض وهو اضطرابها والزلزلة: التحريك الشديد. { كره } ~~مكروه تكرهه نفوسكم قال ابن قتيبة: الكره بالضم المشقة وبالفتح ~~الإكراه والقهر. { صد } الصد: المنع يقال: صده عن الشيء أي منعه ~~عنه. { يرتدد } يرجع والردة الرجوع من الإيمان إلى الكفر قال ~~الراغب: الارتداد والردة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه لكن الردة ~~تختص بالكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره قال تعالى: # فارتدا على آثارهما قصصا # [الكهف: 64] { حبطت } بطلت وذهبت قال في اللسان: حبط عمل عملا ثم ~~أفسده وفي التنزيل # فأحبط أعمالهم # [محمد: 9] أي أبطل ثوابهم. { يرجون } الرجاء: الأمل والطمع في حصول ~~ما فيه نفع ومصلحة. # سبب النزول: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش على ~~سرية ليترصدوا عيرا لقريش فيها " عمرو بن الحضرمي " وثلاثة معه فقتلوه ~~وأسروا اثنين واستاقوا العير بما ms0121 فيها من تجارة، وكان ذلك أول يوم من رجب ~~وهم يظنونه من جمادى الآخرة فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، ~~شهرا يأمن فيه الخائف ويتفرق فيه الناس إلى معايشهم وعظم ذلك على ~~المسلمين فنزلت { يسألونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه.... } الآية. # التفسير: { كان الناس أمة واحدة } أي كانوا على الإيمان ~~والفطرة المستقيمة فاختلفوا وتنازعوا { فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين } أي بعث الله الأنبياء لهداية الناس مبشرين ~~للمؤمنين بجنات النعيم ومنذرين للكافرين بعذاب الجحيم { وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه } أي وأنزل معهم الكتب السماوية لهداية البشرية حال ~~كونها منزلة بين الناس في أمر الدين الذي اختلفوا فيه { وما اختلف ~~فيه إلا الذين أوتوه } أي وما اختلف في الكتاب الهادي المنير ~~المنزل لإزالة الاختلاف إلا الذين أعطوا الكتاب أي إنهم عكسوا الأمر حيث ~~جعلوا ما أنزل لإزالة الاختلاف سببا لاستحكامه ورسوخه { من بعد ~~ما جآءتهم البينات } أي من بعد ظهور الحجج الواضحة والدلائل ~~القاطعة على صدق الكتاب فقد كان خلافهم عن بينة وعلم لا عن غفلة وجهل { ~~بغيا بينهم } أي حسدا من الكافرين للمؤمنين { فهدى الله ~~الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه } ~~أي هدى الله المؤمنين للحق الذي اختلف فيه أهل الضلالة بتيسيره ولطفه { ~~والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } أي يهدي من ~~يشاء هدايته إلى طريق الحق الموصل إلى جنات النعيم { أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة } أي بل ظننتم يا معشر المؤمنين أن تدخلوا ~~الجنة بدون ابتلاء وامتحان واختبار { ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم } أي والحال لم ينلكم مثل ما نال من ~~سبقكم من المؤمنين من المحن الشديدة، ولم تبتلوا بمثل ما ابتلوا به من ~~النكبات { مستهم البأسآء والضرآء } أي أصابتهم الشدائد ~~والمصائب والنوائب { وزلزلوا حتى يقول الرسول ~~والذين آمنوا معه متى نصر الله }؟ أي أزعجوا إزعاجا ~~شديدا شبيها بالزلزلة حتى وصل بهم الحال أن يقول الرسول والمؤمنون معه ~~متى نصر الله؟ أي متى يأتي نصر الله وذلك استبطاء منهم ms0122 للنصر لتناهي ~~الشدة عليهم، وهذا غاية الغايات في تصوير شدة المحنة، فإذا كان الرسل - ~~مع علو كعبهم في الصبر والثبات - قد عيل صبرهم وبلغوا هذا المبلغ من ~~الضجر والضيق كان ذلك دليلا على أن الشدة بلغت منتهاها قال تعالى جوابا ~~لهم: { ألا إن نصر الله قريب } أي ألا فأبشروا بالنصر فإنه ~~قد حان أوانه # ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز # [الحج: 40] ثم قال تعالى: { يسألونك ماذا ينفقون } أي ~~يسألونك يا محمد ماذا ينفقون وعلى من ينفقون؟ وقد نزلت لما قال بعض ~~الصحابة يا رسول الله: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ { قل مآ ~~أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل } أي قل لهم يا محمد ~~اصرفوها في هذه الوجوه { وما تفعلوا من خير فإن الله ~~به عليم } أي وكل معروف تفعلونه يعلمه الله وسيجزيكم عليه أوفر ~~الجزاء، ثم قال تعالى مبينا حكمة مشروعية القتال في الإسلام { كتب ~~عليكم القتال وهو كره لكم } أي فرض عليكم قتال الكفار ~~أيها المؤمنون وهو شاق ومكروه على نفوسكم لما فيه من بذل المال وخطر هلاك ~~النفس { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } أي ~~ولكن قد تكره نفوسكم شيئا وفيه كل النفع والخير { وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم } أي وقد تحب نفوسكم شيئا وفيه ~~كل الخطر والضرر عليكم، فلعل لكم في القتال - وإن كرهتموه - خيرا لأن ~~فيه إما الظفر والغنيمة أو الشهادة والأجر، ولعل لكم في تركه - وإن ~~أحببتموه - شرا لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر { والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون } أي الله أعلم بعواقب الأمور منكم وأدرى بما ~~فيه صلاحكم في دنياكم وآخرتكم فبادروا إلى ما يأمركم به { يسألونك ~~عن الشهر الحرام قتال فيه } أي يسألك أصحابك يا محمد عن ~~القتال في الشهر الحرام أيحل لهم القتال فيه؟ { قل قتال فيه ~~كبير } أي قل لهم القتال فيه أمره كبير ووزره عظيم ولكن هناك ما هو ~~أعظم وأخطر وهو { وصد عن سبيل الله وكفر به ~~والمسجد الحرام وإخراج ms0123 أهله منه أكبر عند ~~الله } أي ومنع المؤمنين عن دين الله وكفرهم بالله وصدهم عن المسجد ~~الحرام - يعني مكة - وإخراجكم من البلد الحرام وأنتم أهله وحماته، كل ~~ذلك أعظم وزرا وذنبا عند الله من قتل من قتلتم من المشركين، فإذا ~~استعظموا قتالكم لهم في الشهر الحرام فليعلموا أن ما ارتكبوه في حق ~~النبي والمؤمنين أعظم وأشنع { والفتنة أكبر من القتل } ~~أي فتنة المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه أكبر عند الله من ~~القتل { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن ~~دينكم إن استطاعوا } أي ولا يزالون جاهدين في قتالكم حتى ~~يعيدوكم إلى الكفر والضلال إن قدروا فهم غير نازعين عن كفرهم وعدوانهم ~~{ ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } أي ~~ومن يستجب لهم منكم فيرجع عن دينه ويرتد عن الإسلام ثم يموت على الكفر ~~فقد بطل عمله الصالح في الدارين وذهب ثوابه { وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون } أي وهم مخلدون في جهنم لا يخرجون منها ~~أبدا { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا ~~في سبيل الله } أي إن المؤمنين الذين فارقوا الأهل والأوطان ~~وجاهدوا الأعداء لإعلاء دين الله { أولئك يرجون رحمت ~~الله والله غفور رحيم } أي أولئك الموصوفون بما ذكرهم ~~الجديرون بأن ينالوا رحمة الله والله عظيم المغفرة، واسع الرحمة. # البلاغة: 1- { كان الناس أمة واحدة } فيه إيجاز بالحذف ~~أي كانوا أمة واحدة على الإيمان متمسكين بالحق فاختلفوا فبعث الله ~~النبيين ودل على المحذوف قوله: { ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه }. # 2- { أم حسبتم } أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار والاستبعاد أي ~~بل أحسبتم ففيه استفهام إنكاري. # 3- { ولما يأتكم } لما تدل على النفي مع توقع وقوع المنفي كما ~~قال الزمخشري والمعنى: لما ينزل بكم مثل ما نزل بمن قبلكم وسينزل فإن ~~نزل فاصبروا قال المبرد: إذا قال القائل: لم يأتني زيد فهو نفي لقولك ~~أتاك زيد؟ وإذا قال: لما يأتني فمعناه أنه لم يأتني بعد وأنا أتوقعه ~~وعلى هذا يكون إتيان الشدائد على المؤمنين ms0124 متوقعا منتظرا. # 4- { ألا إن نصر الله قريب } في هذه الجملة عدة مؤكدات ~~تدل على تحقق النصر أولا: بدء الجملة بأداة الاستفتاح " ألا " التي تفيد ~~التأكيد. ثانيا: ذكر " إن " الدالة على التوكيد أيضا. ثالثا: إيثار ~~الجملة الاسمية على الفعلية فلم يقل " ستنصرون " والتعبير بالجملة ~~الاسمية يفيد التأكيد. رابعا: إضافة النصر إلى رب العالمين القادر على ~~كل شيء. # 5- { وهو كره لكم } وضع المصدر موضع اسم المفعول " كره " ~~مكان " مكروه " للمبالغة كقول الخنساء: # فإنما هي إقبال وإدبار # 6- { وعسى أن تكرهوا شيئا... وعسى أن تحبوا ~~شيئا } بين الجملتين من المحسنات البديعية ما يسمى ب " المقابلة " ~~فقد قابل بين الكراهية والحب، وبين الخير والشر. # 7- { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } طباق بالسلب. # فائدة: عبر تعالى بصيغة الواحد عن كتب النبيين { وأنزل معهم ~~الكتاب } للإشارة إلى أن كتب النبيين وإن تعددت هي في لبها ~~وجوهرها كتاب واحد لاشتمالها على شرع واحد في أصله كما قال تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك... # [الشورى: 13] الآية. # تنبيه: روى البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: # " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل ~~الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ ~~الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه ~~فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن ~~دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ~~لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ". ### || [2.219-225] # المناسبة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة أحكام القتال، وبين ~~الهدف السامي من مشروعيته وهو نصرة الحق وإعزاز الدين وحماية الأمة من ~~أن يلتهمها العدو الخارجي، ذكر بعدها ما يتعلق بإصلاح المجتمع الداخلي ~~على أسس من الفضيلة والخلق الكريم، ولا بد للدولة من الإصلاح الداخلي ~~والخارجي لتقوم دعائمها على أسس متينة وتبقى صرحا شامخا لا تؤثر فيه ~~الأعاصير. # اللغة: { الخمر } المسكر ms0125 من الأشربة سميت خمرا لأنها تستر العقل ~~وتغطيه ومنه خمرت الإناء أي غطيته. { الميسر } القمار وأصله من ~~اليسر لأنه كسب من غير كد ولا تعب، وقيل من اليسار لأنه سبب الغنى. { ~~إثم } الإثم: الذنب وجمعه آثام وتسمى الخمر ب " الإثم " لأن شربها ~~سبب في الإثم قال الشاعر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي # كذاك الإثم تذهب بالعقول # { العفو } الفضل والزيادة على الحاجة. { أعنتكم } أوقعكم في ~~الحرج والمشقة، وأصل العنت: المشقة. { أمة } الأمة: المملوكة بملك ~~اليمين وهي تقابل الحرة وجمعها إماء. { المحيض } مصدر بمعنى الحيض ~~كالمعيش بمعنى العيش، وأصل الحيض: السيلان يقال: حاض السيل وفاض وحاضت ~~الشجرة أي سالت ويقال للمرأة حائض وحائضة وأنشد الفراء: # كحائضة يزنى بها غير طاهر # { حرث } الحرث: إلقاء البذر في الأرض قاله الراغب، وقال الجوهري: ~~الحرث: الزرع، والحارث الزارع ومعنى حرث أي مزرع ومنبت للولد على سبيل ~~التشبيه. { عرضة } مانعا وكل ما يعترض فيمنع عن الشيء فهو عرضة ~~ولهذا يقال للسحاب: عارض لأنه يمنع رؤية الشمس. { اللغو } الساقط الذي ~~لا يعتد به سواء كان كلاما أو غيره ولغو الطائر: تصويته. # سبب النزول: أ - جاء جماعة من الأنصار فيهم عمر بن الخطاب إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة ~~للعقل مسلبة للمال فأنزل الله { يسألونك عن الخمر ~~والميسر... } الآية. # ب - عن ابن عباس قال: لما أنزل الله # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الأنعام: 152] انطلق من كان عنده مال يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه ~~من شرابه، فجعل يفضل الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد واشتد ~~ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله { ~~ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير... } ~~الآية. # ج - عن أنس أن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة أخرجوها من البيت فلم ~~يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيت، فسئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله عز وجل { ويسألونك عن المحيض ~~قل هو أذى.. ms0126 } الآية. # التفسير: { يسألونك عن الخمر والميسر } أي يسألونك ~~يا محمد عن حكم الخمر وحكم القمار { قل فيهمآ إثم كبير ~~ومنافع للناس } أي قل لهم إن في تعاطي الخمر والميسر ضررا ~~عظيما وإثما كبيرا ومنافع مادية ضئيلة { وإثمهمآ أكبر من ~~نفعهما } أي وضررهما أعظم من نفعهما فإن ضياع العقل وذهاب المال ~~وتعريض البدن للمرض في الخمر، وما يجره القمار من خراب البيوت ودمار ~~الأسر وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين، كل ذلك محسوس مشاهد وإذا ~~قيس الضرر الفادح بالنفع التافه ظهر خطر المنكر الخبيث { ويسألونك ~~ماذا ينفقون قل العفو } أي ويسألونك ماذا ينفقون وماذا ~~يتركون من أموالهم؟ قل لهم: أنفقوا الفاضل عن الحاجة ولا تنفقوا ما ~~تحتاجون إليه وتضيعوا أنفسكم { كذلك يبين الله لكم ~~الآيات } أي كما يبين لكم الأحكام يبين لكم المنافع والمضار والحلال ~~والحرام { لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة } أي ~~لتتفكروا في أمر الدنيا والآخرة فتعلموا أن الأولى فانية والآخرة باقية ~~فتعملوا لما هو أصلح، والعاقل من آثر ما يبقى على ما يفنى. # { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } ~~أي ويسألونك يا محمد عن مخالطة اليتامى في أموالهم أيخالطونهم أم ~~يعتزلونهم؟ فقل لهم: مداخلتهم على وجه الإصلاح خير من اعتزالهم { وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم } أي إذا خلطتم أموالهم بأموالكم على ~~وجه المصلحة لهم فهم إخوانكم في الدين، وأخوة الدين أقوى من أخوة ~~النسب، ومن حقوق هذه الأخوة المخالطة بالإصلاح والنفع { والله ~~يعلم المفسد من المصلح } أي والله تعالى أعلم وأدرى بمن ~~يقصد بمخالطتهم الخيانة والإفساد لأموالهم، ويعلم كذلك من يقصد لهم ~~الإصلاح فيجازي كلا بعمله { ولو شآء الله لأعنتكم } أي ~~لو شاء تعالى لأوقعكم في الحرج والمشقة وشدد عليكم ولكنه يسر عليكم ~~الدين وسهله رحمة بكم { إن الله عزيز حكيم } أي هو تعالى ~~الغالب الذي لا يمتنع عليه شيء الحكيم فيما يشرع لعباده من الأحكام ثم ~~قال تعالى محذرا من زواج المشركات اللواتي ليس لهن دين سماوي { ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن } أي لا تتزوجوا أيها ~~المسلمون بالمشركات من غير ms0127 أهل الكتاب حتى يؤمن بالله واليوم الآخر { ~~ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم } ~~أي ولأمة مؤمنة خير وأفضل من حرة مشركة، ولو أعجبتكم المشركة بجمالها ~~ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها من حسب أو جاه أو سلطان { ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } أي ولا تزوجوا بناتكم ~~من المشركين - وثنيين كانوا أو أهل كتاب - حتى يؤمنوا بالله ورسوله { ~~ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم } أي ~~ولأن تزوجوهن من عبد مؤمن خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك مهما ~~أعجبكم في الحسب والنسب والجمال { أولئك يدعون إلى النار ~~} أي أولئك المذكورون من المشركين والمشركات الذين حرمت عليكم مصاهرتهم ~~ومناكحتهم يدعونكم إلى ما يوصلكم إلى النار وهو الكفر والفسوق فحقكم ألا ~~تتزوجوا منهم ولا تزوجوهم { والله يدعوا إلى الجنة ~~والمغفرة بإذنه } أي هو تعالى يريد بكم الخير ويدعوكم إلى ما ~~فيه سعادتكم وهو العمل الذي يوجب الجنة ومغفرة الذنوب { ويبين ~~آياته للناس لعلهم يتذكرون } أي يوضح حججه وأدلته ~~للناس ليتذكروا فيميزوا بين الخير والشر والخبيث والطيب. # . ثم بين تعالى أحكام الحيض فقال: { ويسألونك عن المحيض ~~قل هو أذى } ويسألونك يا محمد عن إتيان النساء في حالة الحيض أيحل ~~أم يحرم؟ فقل لهم: إنه شيء مستقذر ومعاشرتهن في هذه الحالة فيه أذى ~~للزوجين { فاعتزلوا النسآء في المحيض } أي اجتنبوا معاشرة ~~النساء في حالة الحيض { ولا تقربوهن حتى يطهرن } أي لا ~~تجامعوهن حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويغتسلن. والمراد التنبيه على أن ~~الغرض عدم المعاشرة لا عدم القرب منهن وعدم مؤاكلتهن ومجالستهن كما كان ~~يفعل اليهود إذا حاضت عندهم المرأة { فإذا تطهرن فأتوهن ~~من حيث أمركم الله } أي فإذا تطهرن بالماء فأتوهن في ~~المكان الذي أحله الله لكم، وهو مكان النسل والولد القبل لا الدبر { ~~إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } أي ~~يحب التائبين من الذنوب، المتنزهين عن الفواحش والأقذار { نسآؤكم ~~حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } أي نساؤكم مكان ~~زرعكم وموضع نسلكم وفي أرحامهن يتكون الولد، فأتوهن في موضع النسل ~~والذرية ms0128 ولا تتعدوه إلى غيره قال ابن عباس: اسق نباتك من حيث ينبت. ~~ومعنى { أنى شئتم } أي كيف شئتم قائمة وقاعدة ومضطجعة بعد أن ~~يكون في مكان الحرث " الفرج " وهو رد لقول اليهود: إذا أتى الرجل ~~امرأته في قبلها من دبرها جاء الولد أحول { وقدموا لأنفسكم ~~} أي قدموا صالح الأعمال التي تكون لكم ذخرا في الآخرة { واتقوا ~~الله واعلموا أنكم ملاقوه } أي خافوا الله باجتناب ~~معاصيه وأيقنوا بأن مصيركم إليه فيجازيكم بأعمالكم { وبشر ~~المؤمنين } أي بشرهم بالفوز العظيم في جنات النعيم { ولا ~~تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } أي لا تجعلوا الحلف بالله ~~سببا مانعا عن فعل الخير فتتعللوا باليمين بأن يقول أحدكم: قد حلفت ~~بالله ألا أفعله وأريد أن أبر بيميني بل افعلوا الخير وكفروا عن ~~أيمانكم قال ابن عباس: لا تجعلن الله عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير ~~ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير { أن تبروا وتتقوا ~~وتصلحوا بين الناس } أي لا تجعلوه تعالى سببا مانعا عن ~~البر والتقوى والإصلاح بين الناس وقد نزلت في " عبد الله بن رواحة " حين ~~حلف ألا يكلم ختنه " النعمان بن بشير " ولا يصلح بينه وبين أخته { ~~والله سميع عليم } أي سميع لأقوالكم عليم بأحوالكم.. ثم قال ~~تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } ~~أي لا يؤاخذكم بما جرى على لسانكم من ذكر اسم الله من غير قصد الحلف كقول ~~أحدكم: بلى والله، ولا والله لا يقصد به اليمين { ولكن يؤاخذكم ~~بما كسبت قلوبكم } أي يؤاخذكم بما قصدتم إليه وعقدتم القلب ~~عليه من الإيمان إذا حنثتم فيها { والله غفور حليم } أي واسع ~~المغفرة لا يعاجل عباده بالعقوبة. # البلاغة: 1- { يسألونك عن الخمر والميسر } فيه ~~إيجاز بالحذف أي عن شرب الخمر وتعاطي الميسر. # 2- { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } هذا من باب التفصيل بعد ~~الإجمال وهو ما يسمى في البلاغة ب " الإطناب ". # 3- { كذلك يبين الله لكم الآيات } فيه تشبيه مرسل ~~مجمل. # 4- { المفسد من المصلح } في الآية طباق بين كلمة " المفسد ~~" و " المصلح " وهو من المحسنات البديعية. # 5- { يدعون إلى النار والله ms0129 يدعوا إلى الجنة } ~~كذلك يوجد طباق بين كلمة " النار " وكلمة " الجنة ". # 6- { قل هو أذى } فيه تشبيه بليغ حيث حذفت أداة التشبيه ووجه ~~الشبه فأصبح بليغا وأصله الحيض شيء مستقذر كالأذى فحذف ذلك مبالغة على ~~حد قولهم: علي أسد. # 7- { ولا تقربوهن } كناية عن الجماع. # 8- { نسآؤكم حرث } على حذف مضاف أي موضع حرث أو على سبيل ~~التشبيه فالمرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج، فالحرث ~~بمعنى المحترث سمي به على سبيل المبالغة. # الفوائد: الأولى: تسمى الخمر أم الخبائث لأنها سبب في كل فعل قبيح، ~~روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال " اجتنبوا الخمر فإنها أم ~~الخبائث، إنه كان رجل ممن قبلكم متعبد فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه ~~جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة فانطلق مع جاريتها، فطفقت كلما دخل ~~بابا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة، عندها غلام وباطية خمر ~~فقالت: إني ما دعوتك للشهادة ولكن دعوتك لتقع علي أو تشرب من هذه ~~الخمر كأسا أو تقتل هذا الغلام، قال فاسقيني من هذه الخمر كأسا فسقته ~~كأسا فقال: زيدوني فزادوه فلم يبرح حتى وقع عليها وقتل النفس، فاجتنبوا ~~الخمر فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج ~~أحدهما صاحبه ". # الثانية: كيف يكون في الخمر منافع مع أنها تذهب بالعقل والمال؟ والجواب ~~أن المراد بالمنافع في الآية " المنافع المادية " حيث كانوا يتاجرون بها ~~فيربحون منها الربح الفاحش ويحتمل أن يراد بالنفع تلك اللذة والنشوة ~~المزعومة التي عبر عنها الشاعر بقوله: # ونشربها فتتركنا ملوكا # وأسدا ما ينهنهنا اللقاء # قال القرطبي: وشارب الخمر يصير ضحكة للعقلاء فيلعب ببوله وعذرته وربما ~~يمسح وجهه حتى رئي بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول: اللهم اجعلني من ~~التوابين واجعلني من المتطهرين، ورئي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول: ~~أكرمك الله كما أكرمتني. # الثالثة: قال الزمخشري: { فاعتزلوا النسآء } { من حيث ~~أمركم الله } { فأتوا حرثكم أنى شئتم } من ~~الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة، وهذه وأشباهها في كلام الله آداب ~~حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها ويتأدبوا بها ويتكلفوا ms0130 مثلها في محاورتهم ~~ومكاتبتهم. ### || [2.226-230] # المناسبة: ذكر تعالى في الآيات السابقة بعض الأمراض الاجتماعية التي ~~تنخر جسم الأمة وتحل عرى الجماعة وتوقع بينهم العداوة والبغضاء كالخمر ~~والميسر، ثم انتقل إلى الحديث عن الأسرة باعتبار أنها النواة الأولى ~~لبناء المجتمع الفاضل، فبصلاح الأسرة يصلح المجتمع وبفسادها يفسد ~~المجتمع، وابتدأ من أحكام الأسرة بالعلاقة الزوجية ونبه على ضرورة أن ~~يكون الاختيار على أساس الدين لتظل العلاقة موثقة بروابط المودة والرحمة ~~والإخلاص، فالمشركة لا يحل لها أن تكون في حجر المسلم، والمؤمنة لا يحل ~~لها أن تكون تحت سلطان الرجل المشرك ولهذا حرم الإسلام الزواج ~~بالمشركات وتزويج المشركين بالمؤمنات، ثم بين في هذه الآيات الكريمة بعض ~~الأمراض التي تحل بالأسرة وتهدد كيانها فذكر منها الإيلاء، والطلاق، ~~والخلع وبين العلاج الناجع لمثل هذه المشاكل التي تقوض بنيان الأسرة. # اللغة: { يؤلون } الإيلاء لغة: الحلف يقال: آلى يؤالي إيلاء قال ~~الشاعر: # فآليت لا أنفك أحدو قصيدة # تكون وإياها بها مثلا بعدي # وفي الشرع: اليمين على ترك وطء الزوجة. { تربص } التربص: الانتظار ~~ومنه # قل تربصوا فإني معكم من المتربصين # [الطور: 31] أي انتظروا. { فآءو } الفيء: الرجوع ومنه قيل للظل فيء ~~لأنه يرجع بعد أن تقلص قال الفراء: العرب تقول فلان سريع الفيء أي سريع ~~الرجوع بعد الغضب قال الشاعر: # ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له # ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا # { قروء } جمع قرء اسم يقع على الحيض والطهر فهو من الأضداد وأصل ~~القرء: الاجتماع سمي به الحيض لاجتماع الدم في الرحم قال في القاموس: ~~القرء بالفتح ويضم: الحيض والطهر والوقت، وجمع الطهر قروء، وجمع ~~الحيض أقراء. { بعولتهن } جمع بعل ومعناه الزوج. # وهذا بعلي شيخا # [هود: 72] والمرأة بعلة. { درجة } الدرجة: المنزلة الرفيعة. { ~~الطلاق } مصدر طلقت المرأة ومعنى الطلاق: حل عقد النكاح وأصله ~~الانطلاق والتخلية يقال: ناقة طالق أي مهملة تركت في المرعى بلا قيد ولا ~~راعي، فسميت المرأة المخلى سبيلها طالقا لهذا المعنى. { تسريح } ~~التسريح: إرسال الشيء ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض، وسرح ~~الماشية أرسلها، قال ms0131 الراغب: والتسريح في الطلاق مستعار من تسريح الإبل ~~كالطلاق مستعار من إطلاق الإبل. # سبب النزول: كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ما شاء من الطلاق ثم ~~يراجعها قبل أن تنقضي عدتها ولو طلقها ألف مرة كان له الحق في مراجعتها، ~~فعمد رجل لامرأته فقال لها: لا آويك ولا أدعك تحلين قالت: وكيف؟ قال ~~أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك، فشكت المرأة أمرها للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله { الطلاق مرتان.. } الآية. # التفسير: { للذين يؤلون من نسآئهم تربص ~~أربعة أشهر } أي للذين يحلفون ألا يجامعوا نساءهم للإضرار بهن ~~انتظار أربعة أشهر { فإن فآءو فإن الله غفور رحيم } ~~أي إن رجعوا إلى عشرة أزواجهن بالمعروف - وهو كناية عن الجماع - أي ~~رجعوا عن اليمين إلى الوطء فإن الله يغفر ما صدر منهم من إساءة ~~ويرحمهم { وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ~~} أي وإن صمموا على عدم المعاشرة والامتناع عن الوطء فإن الله سميع ~~لأقوالهم عليم بنياتهم، والمراد من الآية أن الزوج إذا حلف ألا يقرب ~~زوجته تنتظره الزوجة مدة أربعة أشهر فإن عاشرها في المدة فبها ونعمت ~~ويكون قد حنث في يمينه وعليه الكفارة، وإن لم يعاشرها وقعت الفرقة ~~والطلاق بمضي تلك المدة عند أبي حنيفة، وقال الشافعي: ترفع أمره إلى ~~الحاكم فيأمره إما بالفيئة أو الطلاق فإن امتنع عنهما طلق عليه الحاكم ~~هذا هو خلاصة حكم الإيلاء. # . ثم قال تعالى مبينا أحكام العدة والطلاق الشرعي { والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } أي الواجب على ~~المطلقات الحرائر المدخول بهن أن ينتظرن مدة ثلاثة أطهار - على قول ~~الشافعي ومالك - أو ثلاث حيض على قول أبي حنيفة وأحمد ثم تتزوج إن ~~شاءت بعد انتهاء عدتها، وهذا في المدخول بها أما غير المدخول بها فلا عدة ~~عليها لقوله تعالى: # فما لكم عليهن من عدة # [الأحزاب: 49] { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق ~~الله في أرحامهن } أي لا يباح للمطلقات أن يخفين ما في ~~أرحامهن من حبل أو حيض استعجالا في العدة وإبطالا لحق الزوج في ms0132 ~~الرجعة { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } أي إن ~~كن حقا مؤمنات بالله ويخشين من عقابه، وهذا تهديد لهن حتى يخبرن ~~بالحق من غير زيادة ولا نقصان لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن { ~~وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا ~~إصلاحا } أي وأزواجهن أحق بهن في الرجعة من التزويج للأجانب إذا ~~لم تنقض عدتهن وكان الغرض من الرجعة الإصلاح لا الإضرار، وهذا في ~~الطلاق الرجعي { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } ~~أي ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، بالمعروف الذي أمر ~~تعالى به من حسن العشرة وترك الضرار ونحوه { وللرجال عليهن ~~درجة } أي وللرجال على النساء ميزة وهي فيما أمر تعالى به من ~~القوامة والإنفاق والإمرة ووجوب الطاعة فهي درجة تكليف لا تشريف لقوله ~~تعالى: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات: 13] { والله عزيز حكيم } أي غالب ينتقم ممن عصاه ~~حكيم في أمره وتشريعه ثم بين تعالى طريقة الطلاق الشرعية فقال: { ~~الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان } أي الطلاق المشروع الذي يملك به الزوج الرجعة مرتان وليس ~~بعدهما إلا المعاشرة بالمعروف مع حسن المعاملة أو التسريح بإحسان بألا ~~يظلمها من حقها شيئا ولا يذكرها بسوء ولا ينفر الناس عنها { ولا ~~يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا } أي لا ~~يحل لكم أيها الأزواج أن تأخذوا مما دفعتم إليهن من المهور شيئا ولو ~~قليلا { إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله } أي إلا ~~أن يخاف الزوجان سوء العشرة وألا يرعيا حقوق الزوجية التي أمر الله تعالى ~~بها { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به } أي فإن خفتم سوء العشرة بينهما ~~وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها أو بدفع شيء من المال لزوجها ~~حتى يطلقها فلا إثم على الزوج في أخذه ولا على الزوجة في بذله { تلك ~~حدود الله فلا تعتدوها } أي هذه الأحكام العظيمة من الطلاق ~~والرجعة والخلع وغيرها هي شرائع الله وأحكامه فلا تخالفوها ولا تتجاوزوها ~~إلى غيرها مما لم يشرعه ms0133 الله { ومن يتعد حدود الله ~~فأولئك هم الظالمون } أي من خالف أحكام الله فقد عرض ~~نفسه لسخط الله وهو من الظالمين المستحقين للعقاب الشديد { فإن ~~طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره } أي فإن طلق الرجل المرأة ثالث مرة فلا تحل له بعد ذلك حتى ~~تتزوج غيره وتطلق منه، بعد أن يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته كما صرح به ~~الحديث الشريف، وفي ذلك زجر عن طلاق المرأة ثلاثا لمن له رغبة في زوجته ~~لأن كل ذي مروءة يكره أن يفترش امرأته آخر { فإن طلقها فلا ~~جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود ~~الله } أي إن طلقها الزوج الثاني فلا بأس أن تعود إلى زوجها الأول ~~بعد انقضاء العدة إن كان ثمة دلائل تشير إلى الوفاق وحسن العشرة { ~~وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون } أي تلك ~~شرائع الله وأحكامه يوضحها ويبينها لذوي العلم والفهم الذين ينظرون في ~~عواقب الأمور. # البلاغة: 1- { فإن الله سميع عليم } خرج الخبر عن ظاهره ~~إلى معنى الوعيد والتهديد. # 2- { والمطلقات يتربصن } خبر في معنى الأمر وأصل الكلام ~~وليتربص المطلقات، قال الزمخشري: وإخراج الأمر في صيغة الخبر تأكيد ~~للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن ~~امتثلن الأمر فهو يخبر عنه موجودا، وبناؤه على المبتدأ مما زاده فضل ~~تأكيد. # 3- { إن كن يؤمن بالله } ليس الغرض منه التقييد بالإيمان ~~بل هو للتهييج وتهويل الأمر في نفوسهن. # 4- { ولهن مثل الذي عليهن } فيه إيجاز وإبداع لا ~~يخفى على المتمكن من علوم البيان، فقد حذف من الأول بقرينة الثاني، ومن ~~الثاني بقرينة الأول والمعنى: لهن على الرجال من الحقوق مثل الذي للرجال ~~عليهن من الحقوق، وفيه من المحسنات البديعية أيضا الطباق بين " لهن " ~~و " عليهن " وهو طباق بين حرفين. # 5- { فإمساك بمعروف } بين لفظ " إمساك " ولفظ " تسريح " ~~طباق أيضا. # 6- { تلك حدود الله } وضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية ~~المهابة وإدخال الروعة في النفوس، وتعقيب النهي بالوعيد للمبالغة في ~~التهديد. # 7- { فأولئك هم الظالمون } قصر صفة على موصوف. # فائدة: ms0134 أول خلع كان في الإسلام في امرأة (ثابت بن قيس) # " أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: لا يجمع الله ~~رأسي ورأسه شيء أبدا، والله ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكن أكره ~~الكفر بعد الإسلام فقال لها عليه السلام: " أتردين عليه ~~حديقته؟ " قالت: نعم ففرق بينهما ". # لطيفة: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إني لأحب أن أتزين ~~لامرأتي كما تتزين لي لأن الله تعالى يقول: { ولهن مثل الذي ~~عليهن بالمعروف }. ### || [2.231-232] # المناسبة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن أحكام الطلاق وتوضح ~~طريقته وشروطه وآدابه وتنهى عن الإيذاء والإضرار فوجه المناسبة إذا ~~ظاهر. # اللغة: { فبلغن أجلهن } أي قاربن من الانتهاء من العدة. { ~~ضرارا } أي بقصد الإضرار، قال القفال: الضرار هو المضارة كقوله: # مسجدا ضرارا # [التوبة: 107] أي ليضاروا المؤمنين. { تعضلوهن } العضل: المنع ~~والتضييق يقال: أعضل الأمر أي أشكل وضاقت فيه الحيل وداء عضال أي عسير ~~أعيا الأطباء، قال الأزهري: وأصله من عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم ~~يسهل خروجه. { يوعظ به } يوصى ويؤمر به. { أزكى } أنمى وأنفع ~~يقال: زكا الزرع إذا نما بكثرة وبركة. { وأطهر } الطهارة: التنزه ~~عن الدنس والمعاصي. # سبب النزول: روي أن " معقل بن يسار " زوج أخته رجلا من المسلمين ~~على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة ~~لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب فقال ~~له: يا لكع، أي " يا لئيم " أكرمتك بها وزوجتك فطلقتها!! والله لا ترجع ~~إليك أبدا فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله { ~~وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن.. } الآية فلما سمعها معقل قال: سمعا لربي وطاعة ثم دعاه ~~فقال: أزوجك وأكرمك. # التفسير: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن } ~~أي إذا طلقتم يا معشر الرجال النساء طلاقا رجعيا وقاربن انقضاء العدة ~~{ فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف } أي ~~فراجعوهن من غير ضرار ولا أذى أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن بإحسان من ~~غير تطويل العدة عليهن ms0135 { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ~~} أي لا تراجعوهن إرادة الإضرار بهن لتظلموهن بالإلجاء إلى ~~الافتداء، وفيه زجر لما كان عليه الناس حيث كان الزوج يترك المعتدة حتى ~~إذا شارفت انقضاء العدة يراجعها للإضرار بها ليطول عليها العدة لا ~~للرغبة فيها { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } أي من ~~يمسكها للإضرار بها أو ليكرهها على الافتداء فقد ظلم بذلك العمل نفسه ~~لأنه عرضها لعذاب الله { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } ~~أي لا تهزؤوا بأحكام الله وأوامره ونواهيه فتجعلوا شريعته مهزوءا بها ~~بمخالفتكم لها { واذكروا نعمت الله عليكم ومآ أنزل ~~عليكم من الكتاب والحكمة } أي اذكروا فضل الله عليكم ~~بهدايتكم للإسلام وما أنعم به عليكم من القرآن العظيم والسنة المطهرة ~~{ يعظكم به } أي يرشدكم ويذكركم بكتابه وهدي رسوله إلى سعادتكم ~~في الدارين { واتقوا الله واعلموا أن الله بكل ~~شيء عليم } أي خافوا الله وراقبوه في أعمالكم واعلموا أنه تعالى لا ~~تخفى عليه خافية من أحوالكم ثم أمر تعالى الأولياء بعدم عضل النساء ~~الراغبات في العودة إلى أزواجهن فقال: { وإذا طلقتم النسآء ~~فبلغن أجلهن } أي إذا طلقتم النساء وانقضت عدتهن { فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف } أي فلا تمنعوهن يا معشر الأولياء من العودة ~~لأزواجهن إذا صلحت الأحوال بين الزوجين وظهرت أمارات الندم ورضي كل ~~منهما إلى العودة لصاحبه والسير بما يرضي الله { ذلك يوعظ به ~~من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } أي ما ~~نهيتكم عنه من الإضرار والعضل ينصح به ويوعظ من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر لأنه هو المنتفع بالمواعظ الشرعية { ذلكم أزكى لكم ~~وأطهر } أي الاتعاظ بما ذكر والتمسك بأوامر الله خير وأنفع لكم ~~وأطهر من الآثام وأوضار الذنوب { والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون } أي والله يعلم ما هو أصلح لكم من الأحكام والشرائع وأنتم ~~لا تعلمون ذلك، فامتثلوا أمره تعالى ونهيه في جميع ما تأتون وما تذرون. # البلاغة: 1- { فبلغن أجلهن } أي قاربن انقضاء عدتهن أطلق ~~اسم الكل على الأكثر فهو مجاز مرسل لأنه لو انقضت العدة ms0136 لما جاز له ~~إمساكها والله تعالى يقول: { فأمسكوهن بمعروف }. # 2- { واذكروا نعمت الله عليكم ومآ أنزل ~~عليكم من الكتاب والحكمة } هو من باب عطف الخاص على ~~العام لأن النعمة يراد بها نعم الله والكتاب والسنة من أفراد هذه النعم. # 3- { واعلموا أن الله بكل شيء عليم } بين كلمة " ~~اعلموا " و " عليم " من المحسنات البديعية ما يسمى بجناس الاشتقاق. # 4- { أن ينكحن أزواجهن } يراد بأزواجهن " المطلقين " لهن ~~فهو من باب المجاز المرسل والعلاقة اعتبار ما كان. # فائدة: قال الإمام الفخر: الحكمة في إثبات حق الرجعة أن الإنسان ~~ما دام مع صاحبه لا يدري هل تشق عليه المفارقة أو لا؟ فإذا فارقه فعند ~~ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة ~~على الإنسان إذ قد تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة ~~لا يحصل بالمرة الواحدة أثبت تعالى حق المراجعة مرتين، وهذا يدل على كمال ~~رحمته تعالى ورأفته بعباده. ### || [2.233-237] # المناسبة: لما ذكر تعالى جملة من الأحكام المتعلقة بالنكاح والطلاق ~~والعدة والرجعة والعضل، ذكر في هذه الآية الكريمة حكم الرضاع لأن ~~الطلاق يحصل به الفراق فقد يطلق الرجل زوجته ويكون لها طفل ترضعه وربما ~~أضاعت الطفل أو حرمته الرضاع انتقاما من الزوج وإيذاء له في ولده، لذلك ~~وردت هذه الآية لندب الوالدات المطلقات إلى رعاية الأطفال والاهتمام ~~بشأنهم، ثم أعقب ذلك ببيان حكم الفراق بين الزوجين بالموت وما يجب على ~~المرأة من العدة فيه رعاية لحق الزوج، كما ذكر تعالى موضوع خطبة ~~المرأة في حالة العدة، وموضوع استحقاق المرأة لنصف المهر أو كامل المهر ~~بعد الفراق أو الطلاق. # اللغة: { فصالا } الفصال والفصل: الفطام سمي به لأن الولد ينفصل ~~عن لبن أمه إلى غيره من الأقوات، قال المبرد: الفصال أحسن من الفصل ~~لأنه إذا انفصل عن أمه فقد انفصلت عنه فبينهما فصال كالقتال والضراب. ~~{ تشاور } التشاور: استخراج الرأي ومثله المشاورة والمشورة مأخوذ من ~~الشور وهو استخراج العسل. { يذرون } يتركون وهذا الفعل لا يستعمل ~~منه الماضي ولا المصدر. { عرضتم } التعريض: الإيماء ms0137 والتلويح من ~~غير كشف وإظهار، مأخوذ من عرض الشيء أي جانبه كقول الفقير للمحسن: جئت ~~لأنظر إلى وجهك الكريم. { خطبة } بكسر الخاء طلب النكاح وبالضم ~~الموعظة كخطبة الجمعة والعيدين. { أكننتم } سترتم وأضمرتم ~~والإكنان: السر والخفاء. { عقدة النكاح } من العقد وهو الشد ~~وفي المثل " يا عاقد اذكر حلا " قال الراغب: العقدة اسم لما يعقد من ~~نكاح أو يمين أو غيرهما. { حليم } يمهل العقوبة فلا يعجل بها للعاصي. ~~{ المقتر } الفقير يقال: أقتر الرجل إذا افتقر. # سبب النزول: روي # " أن رجلا من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم ~~طلقها قبل أن يمسها فنزلت الآية { لا جناح عليكم إن ~~طلقتم النسآء ما لم تمسوهن } فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم " متعها ولو بقلنسوتك ". # التفسير: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين } أي الواجب على الأمهات أن يرضعن أولادهن لمدة سنتين ~~كاملتين { لمن أراد أن يتم الرضاعة } أي إذا شاء ~~الوالدان إتمام الرضاعة ولا زيادة عليه { وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف } أي وعلى الأب نفقة ~~الوالدات المطلقات وكسوتهن بما هو متعارف بدون إسراف ولا تقتير لتقوم ~~بخدمته حق القيام { لا تكلف نفس إلا وسعها } أي تكون ~~النفقة بقدر الطاقة لأنه تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها { لا تضآر ~~والدة بولدها ولا مولود له بولده } أي لا يضر ~~الوالدان بالولد فيفرطا في تعهده ويقصرا في ما ينبغي له، أو يضار ~~أحدهما الآخر بسبب الولد فترفض الأم إرضاعه لتضر أباه بتربيته، وينتزع ~~الأب الولد منها إضرارا بها مع رغبتها في إرضاعه ليغيظ أحدهما صاحبه، ~~قاله مجاهد { وعلى الوارث مثل ذلك } أي وعلى الوارث مثل ما ~~على والد الطفل من الإنفاق على الأم والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها ~~والمراد به وارث الأب وقيل: وارث الصبي، والأول اختيار الطبري { فإن ~~أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح ~~عليهما } أي فإذا اتفق الوالدان على فطامه قبل الحولين ورأيا في ~~ذلك مصلحة له بعد التشاور فلا إثم عليهما { وإن أردتم أن ~~تسترضعوا أولادكم فلا جناح ms0138 عليكم إذا ~~سلمتم مآ آتيتم بالمعروف } أي وإن أردتم أيها الآباء أن ~~تطلبوا مرضعة لولدكم غير الأم بسبب عجزها أو إرادتها الزواج فلا إثم ~~عليكم شريطة أن تدفعوا لها ما اتفقتم عليه من الأجر، فإن المرضع إذا لم ~~تكرم لا تهتم بالطفل ولا تعنى بإرضاعه { واتقوا الله ~~واعلموا أن الله بما تعملون بصير } أي راقبوا الله ~~في جميع أفعالكم فإنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأحوالكم { ~~والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } أي على النساء اللواتي ~~يموت أزواجهن أن يمكثن في العدة أربعة أشهر وعشرة أيام حدادا على ~~أزواجهن وهذا الحكم لغير الحامل أما الحامل فعدتها، وضع الحمل لقوله ~~تعالى: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4] { فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } أي فإذا انقضت ~~عدتهن فلا إثم عليكم أيها الأولياء في الإذن لهن بالزواج وفعل ما ~~أباحه لهن الشرع من الزينة والتعرض للخطاب { والله بما ~~تعملون خبير } أي عليم بجميع أعمالكم فيجازيكم عليها { ولا ~~جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء } ~~أي لا إثم عليكم أيها الرجال في التعريض بخطبة النساء المتوفى عنهن ~~أزواجهن في العدة، بطريق التلميح لا التصريح، قال ابن عباس: كقول الرجل: ~~وددت أن الله يسر لي امرأة صالحة، وإن النساء لمن حاجتي { أو ~~أكننتم في أنفسكم } أي ولا إثم عليكم أيضا فيما أخفيتموه ~~في أنفسكم من رغبة الزواج بهن { علم الله أنكم ~~ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا } أي قد علم الله أنكم ستذكرونهن في ~~أنفسكم ولا تصبرون عنهن فرفع عنكم الحرج، فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن ~~بالنكاح سرا إلا بطريق التعريض والتلويح وبالمعروف الذي أقره لكم ~~الشرع { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ ~~الكتاب أجله } أي ولا تعقدوا عقد النكاح حتى تنتهي العدة { ~~واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم ~~فاحذروه } أي احذروا عقابه في مخالفتكم أمره { واعلموا أن ~~الله غفور حليم } أي يمحو ذنب من أناب ولا ms0139 يعاجل العقوبة لمن ~~عصاه. ثم ذكر تعالى حكم المطلقة قبل المساس فقال: { لا جناح ~~عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن أو ~~تفرضوا لهن فريضة } أي لا إثم عليكم أيها الرجال إن طلقتم ~~النساء قبل المسيس " الجماع " وقبل أن تفرضوا لهن مهرا، فالطلاق في ~~مثل هذه الحالة غير محظور إذا كان لمصلحة أو ضرورة { ومتعوهن ~~على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا ~~بالمعروف حقا على المحسنين } أي فإذا طلقتموهن ~~فادفعوا لهن المتعة تطييبا لخاطرهن وجبرا لوحشة الفراق، على قدر حال ~~الرجل في الغنى والفقر، الموسر بقدر يساره، والمعسر بقدر إعساره، ~~تمتيعا بالمعروف حقا على المؤمنين المحسنين { وإن طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ~~فنصف ما فرضتم } أي وإذا طلقتموهن قبل الجماع وقد كنتم ذكرتم ~~لهن مهرا معينا فالواجب عليكم أن تدفعوا نصف المهر المسمى لهن لأنه ~~طلاق قبل المسيس { إلا أن يعفون أو يعفوا الذي ~~بيده عقدة النكاح } أي إلا إذا أسقطت المطلقة حقها أو ~~أسقط ولي أمرها الحق إذا كانت صغيرة، وقيل: هو الزوج لأنه هو الذي ~~يملك عقدة النكاح وذلك بأن يسامحها بكامل المهر الذي دفعه لها واختاره ~~ابن جرير، وقال الزمخشري: القول بأنه الولي ظاهر الصحة { وأن ~~تعفوا أقرب للتقوى } الخطاب عام للرجال والنساء، قال ابن ~~عباس: أقربهما للتقوى الذي يعفو { ولا تنسوا الفضل بينكم ~~إن الله بما تعملون بصير } أي لا تنسوا أيها المؤمنون ~~الجميل والإحسان بينكم، فقد ختم تعالى الآيات بالتذكير بعدم نسيان ~~المودة والإحسان والجميل بين الزوجين، فإذا كان الطلاق قد تم لأسباب ~~ضرورية قاهرة فلا ينبغي أن يكون هذا قاطعا لروابط المصاهرة ووشائج ~~القربى. # البلاغة: 1- { والوالدات يرضعن } أمر أخرج مخرج الخبر ~~مبالغة في الحمل على تحقيقه أي ليرضعن كالآية السابقة # والمطلقات يتربصن # [البقرة: 228]. # 2- { أن تسترضعوا أولادكم } فيه إيجاز بالحذف أي ~~تسترضعوا المراضع لأولادكم، كما أن فيه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ~~لأن ما قبله { فإن أرادا فصالا } وفائدة هذا الالتفات هز مشاعر ~~الآباء نحو الأبناء. # 3- { ولا تعزموا عقدة النكاح } ذكر ms0140 العزم للمبالغة في ~~النهي عن مباشرة النكاح، فإذا نهي عنه كان النهي عن الفعل من باب أولى. # 4- { ما لم تمسوهن } كنى تعالى بالمس عن الجماع تأديبا ~~للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به. # 5- { وأن تعفوا } و { لا تنسوا الفضل } الخطاب عام ~~للرجال والنساء ولكنه ورد بطريق التغليب. # 6- { واعلموا أن الله } إظهار الاسم الجليل في موضع ~~الإضمار لتربية المهابة والروعة. # الفوائد الأولى: التعبير بلفظ " الوالدات " دون قوله " والمطلقات " أو ~~النساء المطلقات لاستعطافهن نحو الأولاد، فحصول الطلاق لهن لا ينبغي أن ~~يحرمهن عاطفة الأمومة. # الثانية: أضاف تعالى الولد في الآية الكريمة إلى كل من الأبوين في ~~قوله: { والدة بولدها } و { مولود له بولده } وذلك ~~لطلب الاستعطاف والإشفاق عليه، فالولد ليس أجنبيا عن الوالدين هذه أمه ~~وذاك أبوه فمن حقهما أن يشفقا عليه ولا تكون العداوة بينهما سببا ~~للإضرار به. # الثالثة: الحكمة في إيجاب المتعة للمطلقة هي جبر إيحاش الطلاق قال ابن ~~عباس: إن كان معسرا متعها بثلاثة أثواب، وإن كان موسرا متعها بخادم. # الرابعة: روي أن الحسن بن علي متع زوجته بعشرة آلاف درهم فقالت ~~المرأة: " متاع قليل من حبيب مفارق " وسبب طلاقه إياها ما روي أنه ~~لما أصيب علي كرم الله وجهه وبويع الحسن بالخلافة قالت له: لتهنك ~~الخلافة يا أمير المؤمنين! فقال: يقتل علي وتظهرين الشماتة؟ اذهبي ~~فأنت طالق ثلاثا، فتلفعت بجلبابها وقعدت حتى انقضت عدتها فبعث إليها ~~بعشرة آلاف متعة وبقية ما بقي لها من صداقها فقالت ذلك، فلما أخبره ~~الرسول بكى وقال: لولا أنني طلقتها ثلاثا لراجعتها. ### || [2.238-242] # المناسبة: توسطت آيات المحافظة على الصلاة خلال الآيات الكريمة ~~المتعلقة بأحكام الأسرة وعلاقات الزوجين عند الطلاق أو الافتراق وذلك ~~لحكمة بليغة، وهي أن الله تعالى لما أمر بالعفو والتسامح وعدم نسيان ~~الفضل بعد الطلاق بين بعد ذلك أمر الصلاة، لأنها أعظم وسيلة إلى نسيان ~~هموم الدنيا وأكدارها ولهذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه هم فزع ~~إلى الصلاة فالطلاق يولد الشحناء والبغضاء، والصلاة تدعو إلى الإحسان ~~والتسامح وتنهى ms0141 عن الفحشاء والمنكر، وذلك أفضل طريق لتربية النفس ~~الإنسانية. # اللغة: { حافظوا } المحافظة: المداومة على الشيء والمواظبة عليه. { ~~الوسطى } مؤنث الأوسط، ووسط الشيء خيره وأعدله قال أعرابي يمدح ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: # يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم # وأكرم الناس أما برة وأبا # { قانتين } أصل القنوت في اللغة: المداومة على الشيء وقد خصه ~~القرآن بالدوام على الطاعة والملازمة لها على وجه الخشوع والخضوع قال ~~تعالى: # يمريم اقنتي لربك # [آل عمران: 43]. { فرجالا } جمع راجل وهو القائم على القدمين قال ~~الراغب: اشتق من الرجل راجل للماشي بالرجل ويقال: رجل راجل أي قوي ~~على المشي. { ركبانا } جمع راكب وهو من يركب الفرس والدابة ونحوهما. # التفسير: { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } ~~أي واظبوا أيها المؤمنون وداوموا على أداء الصلوات في أوقاتها وخاصة صلاة ~~العصر فإن الملائكة تشهدها { وقوموا لله قانتين } أي داوموا ~~على العبادة والطاعة بالخشوع والخضوع أي قوموا لله في صلاتكم خاشعين { ~~فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } أي فإذا كنتم في خوف من ~~عدو أو غيره فصلوا ماشين على الأقدام أو راكبين على الدواب { فإذآ ~~أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون } أي فإذا زال الخوف وجاء الأمن فأقيموا الصلاة مستوفية ~~لجميع الأركان كما أمركم الله وعلى الوجه الذي شرعه لكم وهذه كقوله: # فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة # [النساء: 103] والذكر في الآية يراد به الصلاة الكاملة المستوفية ~~للأركان، قال الزمخشري: المعنى اذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما ~~علمكم من الشرائع وكيف تصلون في حال الخوف والأمن. ثم قال تعالى مبينا ~~أحكام العدة { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } ~~أي والذين يموتون من رجالكم ويتركون زوجاتهم على هؤلاء أن يوصوا قبل أن ~~يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا - ينفق عليهن من ~~تركته ولا يخرجن من مساكنهن - وكان ذلك في أول الإسلام ثم نسخت المدة ~~إلى أربعة أشهر وعشرة أيام { فإن خرجن فلا جناح عليكم ~~في ما فعلن في أنفسهن من معروف } أي فإن خرجن ~~مختارات راضيات ms0142 فلا إثم عليكم يا أولياء الميت في تركهن أن يفعلن ما لا ~~ينكره الشرع كالتزين والتطيب والتعرض للخطاب { والله عزيز ~~حكيم } أي هو سبحانه غالب في ملكه حكيم في صنعه { وللمطلقات ~~متاع بالمعروف حقا على المتقين } أي واجب على ~~الأزواج أن يمتعوا المطلقات بقدر استطاعتهم جبرا لوحشة الفراق وهذه ~~المتعة حق لازم على المؤمنين المتقين لله { كذلك يبين الله ~~لكم آياته لعلكم تعقلون } أي مثل ذلك البيان الشافي ~~الذي يوجه النفوس نحو المودة والرحمة يبين الله سبحانه لكم آياته الدالة ~~على أحكامه الشرعية لتعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها. # البلاغة: 1- { الصلاة الوسطى } عطف خاص على عام؛ لبيان مزيد ~~فضلها. # 2- { فإن خفتم } { فإذآ أمنتم } بين لفظ خفتم وأمنتم طباق ~~وهو من المحسنات البديعية، قال أبو السعود: وفي إيراد الشرطية بكلمة " ~~إن " المنبئة عن عدم تحقق وقوع الخوف، وإيراد الثانية بكلمة " إذا " ~~المنبئة عن تحقق وقوع الأمن وكثرته مع الإيجاز في جواب الأولى والإطناب ~~في جواب الثانية من الجزالة ولطف الاعتبار ما فيه عبرة لأولي الأبصار. # تنبيه: الصلاة الوسطى على الراجح من الأقوال هي صلاة العصر لأنها وسط ~~بين الفجر والظهر والمغرب والعشاء ويقوي هذا ما ورد في الصحيحين: # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله ~~قلوبهم وبيوتهم نارا " # وفي الحديث: # " الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ~~وماله " # أخرجه الشيخان وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة. ### || [2.243-252] # المناسبة: لما ذكر تعالى أحكام الأسرة بالتفصيل والنظم التي تربط بين ~~أفرادها، وسعى لإصلاحها باعتبار أنها النواة واللبنة التي يشاد منها صرح ~~المجتمع الفاضل، ذكر بعدها أحكام الجهاد وذلك لحماية العقيدة وصيانة ~~المقدسات، وتأمين البيئة الصالحة للأسرة المسلمة التي تنشد الحياة ~~الكريمة، فلا صلاح للأسرة إلا بصلاح المجتمع، ولا بقاء لها ولا خلود ~~إلا ببقاء الحق وأنصاره، ولهذا أمر تعالى بالقتال وضرب عليه الأمثال ~~بالأمم السابقة، كيف جاهدت في سبيل الحق وانتصرت القلة مع إيمانها على ~~الكثرة مع كفرها وطغيانها، فليست العبرة بكثرة أنصار الباطل بل بصمود أهل ~~الحق والتزامهم له وجهادهم في سبيله. # اللغة: ms0143 { ألوف } جمع ألف جمع كثرة وفي القلة آلاف، ومعناه كثرة ~~كاثرة وألوف مؤلفة. { حذر } خشية وخوف { يقبض ويبسط } القبض: ~~ضم الشيء والجمع عليه والمراد به التقتير والبسط ضده والمراد به ~~التوسيع قال أبو تمام: # تعود بسط الكف حتى لو أنه # دعاها لقبض لم تجبه أنامله # { الملإ } الأشراف من الناس سموا بذلك لأنهم يملؤون العين مهابة ~~وإجلالا. { فصل } انفصل من مكانه يقال: فصل عن الموضع انفصل عنه ~~وجاوزه. { مبتليكم } مختبركم. { يظنون } يستيقنون ويعلمون. { ~~فئة } الفئة: الجماعة من الناس لا واحد له كالرهط والنفر. { أفرغ ~~} أفرغ الشيء صبه وأنزله. # التفسير: { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ~~وهم ألوف } أي ألم يصل إلى سمعك يا محمد أو أيها المخاطب حال ~~أولئك القوم الذين خرجوا من وطنهم وهم ألوف مؤلفة { حذر الموت } ~~أي خوفا من الموت وفرارا منه، والغرض من الاستفهام التعجيب والتشويق ~~إلى سماع قصتهم وكانوا سبعين ألفا { فقال لهم الله موتوا ~~ثم أحياهم } أي أماتهم الله ثم أحياهم، وهم قوم من بني إسرائيل ~~دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا خوفا من الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ~~ثم أحياهم بدعوة نبيهم " حزقيل " فعاشوا بعد ذلك دهرا، وقيل: هربوا من ~~الطاعون فأماتهم الله قال ابن كثير: وفي هذه القصة عبرة على أنه لا يغني ~~حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه { إن الله لذو ~~فضل على الناس } أي ذو إنعام وإحسان على الناس حيث يريهم من ~~الآيات الباهرة والحجج القاطعة ما يبصرهم بما فيه سعادتهم في الدنيا ~~والآخرة { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } أي لا يشكرون ~~الله على نعمه بل ينكرون ويجحدون { وقاتلوا في سبيل الله ~~واعلموا أن الله سميع عليم } أي قاتلوا الكفار لإعلاء ~~دين الله، لا لحظوظ النفس وأهوائها واعلموا أن الله سميع لأقوالكم، عليم ~~بنياتكم وأحوالكم فيجازيكم عليها، وكما أن الحذر لا يغني من القدر ~~فكذلك الفرار من الجهاد لا يقرب أجلا ولا يبعده { من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة } أي من الذي ms0144 يبذل ماله وينفقه في سبيل الخير ابتغاء وجه الله، ~~ولإعلاء كلمة الله في الجهاد وسائر طرق الخير، فيكون جزاؤه أن يضاعف ~~الله تعالى له ذلك القرض أضعافا كثيرة؟ لأنه قرض لأغنى الأغنياء رب ~~العالمين جل جلاله وفي الحديث # " من يقرض غير عديم ولا ظلوم " # { والله يقبض ويبسط } أي يقتر على من يشاء ويوسع على من ~~يشاء ابتلاء وامتحانا { وإليه ترجعون } أي يوم القيامة ~~فيجازيكم على أعمالكم { ألم تر إلى الملإ من بني ~~إسرائيل من بعد موسى } أي ألم يصل خبر القوم إليك؟ وهو تعجيب ~~وتشويق للسامع كما تقدم وكانوا من بني إسرائيل وبعد وفاة موسى عليه ~~السلام كما دلت عليه الآية { إذ قالوا لنبي لهم ابعث ~~لنا ملكا نقاتل في سبيل الله } أي حين قالوا لنبيهم " ~~شمعون " - وهو من نسل هارون أقم لنا أميرا واجعله قائدا لنا لنقاتل معه ~~الأعداء في سبيل الله { قال هل عسيتم إن كتب عليكم ~~القتال ألا تقاتلوا } أي قال لهم نبيهم: أخشى أن يفرض ~~عليكم القتال ثم لا تقاتلوا عدوكم وتجبنوا عن لقائه { قالوا وما ~~لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ~~ديارنا وأبنآئنا } أي أي سبب لنا في ألا نقاتل عدونا وقد ~~أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد؟ قال تعالى بيانا لما انطوت عليه نفوسهم ~~من الهلع والجبن { فلما كتب عليهم القتال تولوا ~~إلا قليلا منهم } أي لما فرض عليهم القتال نكل أكثرهم عن ~~الجهاد إلا فئة قليلة منهم صبروا وثبتوا، وهم الذين عبروا النهر مع ~~طالوت، قال القرطبي: وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة، ~~تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإذا حضرت الحرب جبنت وانقادت لطبعها { ~~والله عليم بالظالمين } وعيد لهم على ظلمهم بترك الجهاد ~~عصيانا لأمره تعالى { وقال لهم نبيهم إن الله قد ~~بعث لكم طالوت ملكا } أي أخبرهم نبيهم بأن الله تعالى قد ~~ملك عليهم طالوت ليكونوا تحت إمرته في تدبير أمر الحرب واختاره ليكون ~~أميرا عليهم { قالوا أنى يكون له الملك علينا ~~ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من ms0145 ~~المال } أي قالوا معترضين على نبيهم كيف يكون ملكا علينا والحال ~~أننا أحق بالملك منه لأن فينا من هو من أولاد الملوك وهو مع هذا فقير ~~لا مال له فكيف يكون ملكا علينا؟ { قال إن الله اصطفاه ~~عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم } أي أجابهم ~~نبيهم على ذلك الاعتراض فقال: إن الله اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح ~~منكم، والعمدة في الاختيار أمران: العلم ليتمكن به من معرفة أمور ~~السياسة، والأمر الثاني قوة البدن ليعظم خطره في القلوب، ويقدر على ~~مقاومة الأعداء ومكابدة الشدائد، وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر، ~~قال ابن كثير: ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوة ~~شديدة في بدنه ونفسه، { والله يؤتي ملكه من يشآء } أي ~~يعطي الملك لمن شاء من عباده من غير إرث أو مال { والله واسع ~~عليم } أي واسع الفضل عليم بمن هو أهل له فيعطيه إياه. # . ولما طلبوا آية تدل على اصطفاء الله لطالوت أجابهم إلى ذلك { ~~وقال لهم نبيهم إن آية ملكه } أي علامة ملكه ~~واصطفائه عليكم { أن يأتيكم التابوت } أي يرد الله إليكم ~~التابوت الذي أخذ منكم، وهو كما قال الزمخشري: صندوق التوراة الذي كان ~~موسى عليه السلام إذا قاتل قدمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا ~~يفرون { فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل ~~موسى وآل هارون تحمله الملائكة } أي في التابوت ~~السكون والطمأنينة والوقار وفيه أيضا بقية من آثار آل موسى وآل هارون ~~وهي عصا موسى وثيابه وبعض الألواح التي كتبت فيها التوراة تحمله ~~الملائكة، قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض ~~حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون { إن في ذلك لآية ~~لكم إن كنتم مؤمنين } أي إن في نزول التابوت لعلامة واضحة ~~أن الله اختاره ليكون ملكا عليكم إن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر { ~~فلما فصل طالوت بالجنود } أي خرج بالجيش وانفصل عن بيت ~~المقدس وجاوزه وكانوا ثمانين ألفا أخذ بهم في أرض قفرة فأصابهم حر ~~وعطش شديد ms0146 { قال إن الله مبتليكم بنهر } أي مختبركم ~~بنهر وهو نهر الشريعة المشهور بين الأردن وفلسطين { فمن شرب منه ~~فليس مني } أي من شرب منه فلا يصحبني - وأراد بذلك أن يختبر ~~إرادتهم وطاعتهم قبل أن يخوض بهم غمار الحرب - { ومن لم يطعمه ~~فإنه مني } أي من لم يشرب منه ولم يذقه فإنه من جندي الذين ~~يقاتلون معي { إلا من اغترف غرفة بيده } أي لكن من ~~اغترف قليلا من الماء ليبل عطشه وينقع غلته فلا بأس بذلك، فأذن لهم ~~برشفة من الماء تذهب بالعطش { فشربوا منه إلا قليلا ~~منهم } أي شرب الجيش منه إلا فئة قليلة صبرت على العطش، قال السدي: ~~شرب منه ستة وسبعون ألفا وتبقى معه أربعة آلاف { فلما جاوزه ~~هو والذين آمنوا معه } أي لما اجتاز النهر مع الذين صبروا ~~على العطش والتعب ورأوا كثرة عدوهم اعتراهم الخوف فقال فريق منهم { ~~قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } أي لا ~~قدرة لنا على قتال الأعداء مع قائد جيشهم جالوت فنحن قلة وهم كثرة كاثرة ~~{ قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } أي قال ~~الذين يعتقدون بلقاء الله وهم الصفوة الأخيار والعلماء الأبرار من أتباع ~~طالوت { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله } أي كثيرا ما غلبت الجماعة القليلة الجماعة الكثيرة بإرادة ~~الله ومشيئته، فليس النصر عن كثرة العدد وإنما النصر من عند الله { ~~والله مع الصابرين } أي معهم بالحفظ والرعاية والتأييد ومن ~~كان الله معه فهو منصور بحول الله { ولما برزوا لجالوت ~~وجنوده } أي ظهروا في الفضاء المتسع وجها لوجه أمام ذلك الجيش ~~الجرار جيش جالوت المدرب على الحروب { قالوا ربنآ أفرغ ~~علينا صبرا } دعوا الله ضارعين إليه بثلاث دعوات تفيد إدراك ~~أسباب النصر فقالوا أولا: ربنا أفض علينا صبرا يعمنا في جمعنا وفي ~~خاصة نفوسنا لنقوى على قتال أعدائك { وثبت أقدامنا } أي ثبتنا ~~في ميدان الحرب ولا تجعل للفرار سبيلا إلى قلوبنا وهي الدعوة الثانية { ~~وانصرنا على القوم الكافرين } أي انصرنا على من كفر بك ~~وكذب رسلك ms0147 وهم جالوت وجنوده وهي الدعوة الثالثة قال تعالى إخبارا عنهم ~~{ فهزموهم بإذن الله } أي هزموا جيش جالوت بنصر الله ~~وتأييده إجابة لدعائهم وانكسر عدوهم رغم كثرته { وقتل داود ~~جالوت } أي وقتل داود - وكان في جيش المؤمنين مع طالوت - رأس الطغيان ~~جالوت واندحر جيشه { وآتاه الله الملك والحكمة ~~وعلمه مما يشآء } أي أعطى الله تعالى داود الملك والنبوة ~~وعلمه ما يشاء من العلم النافع الذي أفاضه عليه، قال ابن كثير: كان ~~طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته، ويشركه في ~~أمره، فوفى له ثم آل الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله به من ~~النبوة العظيمة { ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض لفسدت الأرض } أي لولا أن يدفع الله شر الأشرار بجهاد ~~الأخيار لفسدت الحياة، لأن الشر إن غلب كان الخراب والدمار { ~~ولكن الله ذو فضل على العالمين } أي ذو تفضل ~~وإنعام على البشر حيث لم يمكن للشر من الاستعلاء { تلك آيات ~~الله نتلوها عليك بالحق } أي ما قصصنا عليك يا محمد من ~~الأمور الغريبة والقصص العجيبة التي وقعت في بني إسرائيل هي من آيات ~~الله وأخباره المغيبة التي أوحاها إليك بالحق بواسطة جبريل الأمين { ~~وإنك لمن المرسلين } أي وإنك يا محمد لمن جملة الرسل ~~الذين أرسلهم الله لتبليغ دعوة الله عز وجل. # البلاغة: 1- قال أبو حيان: تضمنت الآية الكريمة من ضروب البلاغة ~~وصنوف البيان أمورا كثيرة منها الاستفهام الذي أجري مجرى التعجب في ~~قوله: { ألم تر إلى الذين } والحذف بين { موتوا ثم ~~أحياهم } أي فماتوا ثم أحياهم، والطباق في قوله: { موتوا } و { ~~أحياهم } وكذلك في قوله: { يقبض } و { يبسط } والتكرار في ~~قوله: { فضل على الناس } و { لكن أكثر الناس } ~~والالتفات في { وقاتلوا في سبيل الله } والتشبيه بدون الأداة ~~في قوله: { قرضا حسنا } شبه قبوله تعالى إنفاق العبد في سبيله ~~بالقرض الحقيقي فأطلق اسم القرض عليه، والتجنيس المغاير في قوله: { ~~فيضاعفه } وقوله: { أضعافا }. # 2- { أفرغ علينا صبرا } فيه استعارة تمثيلية فقد شبه حالهم ~~والله تعالى يفيض ms0148 عليهم بالصبر بحال الماء يصب ويفرغ على الجسم فيعمه ~~كله، ظاهره وباطنه فيلقي في القلب بردا وسلاما وهدوءا واطمئنانا. # الفوائد: الأولى: أسند الاستقراض إلى الله في قوله: { من ذا ~~الذي يقرض الله } وهو المنزه عن الحاجات ترغيبا في الصدقة كما ~~أضاف الإحسان إلى المريض والجائع والعطشان إلى نفسه تعالى في قوله جل ~~وعلا في الحديث القدسي: # " ابن آدم مرضت فلم تعدني " و " استطعمتك فلم تطعمني " و " استسقيتك ~~فلم تسقني " # الحديث الذي رواه الشيخان. # الثانية: روي أنه لما نزلت الآية الكريمة # " جاء أبو الدحداح الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~رسول الله: وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: " نعم يا أبا ~~الدحداح! " قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده قال: فإني قد ~~أقرضت ربي حائطي - أي بستاني وكان فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه ~~وعيالها - فجاء أبو الدحداح فنادها: يا أم الدحداح قالت: لبيك، قال: ~~اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل " # ، وفي رواية قالت: ربح بيعك يا أبا الدحداح وخرجت منه مع عيالها. # الثالثة: قال البقاعي: ولعل ختام بني إسرائيل بهذه القصة لما فيها ~~للنبي صلى الله عليه وسلم من واضح الدلالة على صحة رسالته لأنها مما لا ~~يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل. ### || [2.253-254] # المناسبة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة اصطفاء طالوت على بني ~~إسرائيل، وتفضيل داود عليهم بالملك والنبوة ثم خاطب رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بأنه من المرسلين، وكان ظاهر اللفظ يقتضي التسوية بين الرسل، ~~ذكر في هذه الآية أن المرسلين ليسوا في درجة واحدة بل بعضهم أفضل من بعض ~~كما يكون التفاضل بين البشر. # اللغة: { درجات } جمع درجة وهي المنزلة الرفيعة السامية. { ~~البينات } المعجزات. { وأيدناه } قويناه من التأييد بمعنى ~~التقوية. { روح القدس } القدس: الطهارة وروح القدس جبريل عليه ~~السلام وقد تقدم. { خلة } الخلة: الصداقة والمودة سميت بذلك لأنها ~~تتخلل الأعضاء أي تدخل خلالها ومنه الخليل. { شفاعة } مأخوذة من ~~الشفع بمعنى الضم، والشفاعة الانضمام إلى آخر ناصرا له وسائلا عونه. ms0149 # التفسير: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } أي ~~أولئك الرسل الكرام الذين قصصنا عليك من أنبائهم يا محمد هم رسل الله ~~حقا، وقد فضلنا بعضهم على بعض في الرفعة والمنزلة والمراتب العالية { ~~منهم من كلم الله } أي منهم من خصه الله بالتكليم بلا ~~واسطة كموسى عليه السلام { ورفع بعضهم درجات } أي ومنهم من ~~خصه الله بالمرتبة الرفيعة السامية كخاتم المرسلين محمد صلى الله عليه ~~وسلم فهو سيد الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة، وكأبي الأنبياء ~~إبراهيم الخليل { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } أي ~~ومنهم من أعطاه الله المعجزات الباهرات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~والأبرص والإخبار عن المغيبات { وأيدناه بروح القدس } أي ~~قويناه بجبريل الأمين وهو عيسى بن مريم { ولو شآء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم ~~البينات } أي لو أراد الله ما اقتتل الأمم الذين جاءوا بعد الرسل ~~من بعد الحجج الباهرة والبراهين الساطعة التي جاءتهم بها رسلهم، فلو شاء ~~الله ما تنازعوا ولا اختلفوا ولا تقاتلوا، ولجعلهم متفقين على اتباع ~~الرسل كما أن الرسل متفقون على كلمة الحق { ولكن اختلفوا ~~فمنهم من آمن ومنهم من كفر } أي ولكن الله لم يشأ ~~هدايتهم بسبب اختلافهم في الدين وتشعب مذاهبهم وأهوائهم، فمنهم من ثبت ~~على الإيمان ومنهم من حاد وكفر { ولو شآء الله ما اقتتلوا ~~ولكن الله يفعل ما يريد } أي لو شاء الله لجعل البشر ~~على طبيعة الملائكة لا يتنازعون ولا يقتتلون ولكن الله حكيم يفعل ما فيه ~~المصلحة، وكل ذلك عن قضاء الله وقدره فهو الفعال لما يريد { يأيها ~~الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } أي أنفقوا في ~~سبيل الله من مال الله الذي منحكم إياه، ادفعوا الزكاة وأنفقوا في وجوه ~~الخير والبر والصالحات { من قبل أن يأتي يوم لا بيع ~~فيه ولا خلة ولا شفاعة } أي من قبل مجيء ذلك اليوم الرهيب ~~الذي لا تستطيعون أن تفتدوا نفوسكم بمال تقدمونه فيكون كالبيع، ولا ~~تجدون صديقا يدفع عنكم العذاب، ولا شفيعا يشفع لكم ليحط عنكم من ~~سيئاتكم ms0150 إلا أن يأذن الله رب العالمين { والكافرون هم ~~الظالمون } أي لا أحد أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرا، والكافر ~~بالله هو الظالم المعتدي الذي يستحق العقاب. # البلاغة: 1- { تلك الرسل } الإشارة بالبعيد لبعد مرتبتهم في ~~الكمال. # 2- { منهم من كلم الله... } الآية تفصيل لذلك التفضيل ~~ويسمى هذا في البلاغة: التقسيم وكذلك في قوله { فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر } وبين لفظ " آمن " و " كفر " طباق. # 3- الإطناب وذلك في قوله: { ولو شآء الله ما اقتتلوا } ~~حيث كرر جملة { ولو شآء الله }. # 4 - { والكافرون هم الظالمون } قصر الصفة على الموصوف، وقد ~~أكدت بالجملة الإسمية وبضمير الفصل. # فائدة: روي عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: { ~~والكافرون هم الظالمون } ولم يقل: " والظالمون هم الكافرون ~~" ومراده أنه لو نزل هكذا لكان قد حكم على كل ظالم بالكفر فلم يخلص منه ~~إلا من عصمه الله. # تنبيه: يحتمل أن يراد بالكفر المعنى الحقيقي أو المجازي فيكون المراد ~~بالكافر تارك الزكاة كما ذهب إليه الزمخشري حيث قال: أراد والتاركون ~~للزكاة هم الظالمون، وإيثاره عليه للتغليظ والتهديد كما في آية الحج # ومن كفر # [البقرة: 126] مكان " ومن لم يحج " ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار ~~في قوله # وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة # [فصلت: 6 - 7]. ### || [2.255-257] # المناسبة: لما ذكر تعالى تفضيل بعض الأنبياء على بعض، وبين أن ~~الخلائق قد اختلفوا من بعدهم وتنازعوا وتقاتلوا بسبب الدين، ذكر أن هذا ~~التفضيل بين الأنبياء لا يستدعي الصراع بين الأتباع ولا الخصام والنزاع، ~~فالرسل صلوات الله عليهم وإن كانوا متفاوتين في الفضل إلا أنهم جميعا ~~جاءوا بدعوة واحدة هي " دعوة التوحيد " فرسالتهم واحدة ودينهم واحد، ~~وأنه لا إكراه في الدين فقد سطع نور الحق وأشرق ضياؤه. # اللغة: { الحي } ذو الحياة الكاملة ومعناه الباقي الدائم الذي لا ~~سبيل للفناء عليه { القيوم } القائم بتدبير الخلق { سنة } بكسر ~~السين النعاس وهو ما يسبق النوم من فتور قال الشاعر: # وسنان أقصده النعاس فرنقت # في عينه سنة وليس بنائم # { يؤوده } يثقله ويتعبه { العلي } المراد علو ms0151 المنزلة والشأن ~~الذي تعالى في جلاله وعظم في سلطانه { إكراه } الإكراه: حمل الشخص ~~على ما يكره بطريق القسر والجبر { الطاغوت } من الطغيان وهو كل ما ~~يطغي الإنسان ويضله عن طريق الحق والهدى { الوثقى } مؤنث الأوثق ~~وهو الشيء المحكم الموثق { انفصام } الانفصام: الانكسار قال الفراء: ~~الانفصام والانقصام لغتان وبالفاء أفصح وقال بعضهم: الفصم انكسار بغير ~~بينونة والقصم انكسار ببينونة. # سبب النزول: كان لرجل من الأنصار ابنان تنصرا قبل بعثة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من التجار يحملون الزيت، فلزمهما ~~أبوهما وقال: لا أدعكما حتى تسلما فنزلت { لا إكراه في الدين ~~قد تبين الرشد من الغي }. الآية. # التفسير: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ~~أي هو الله جل جلاله الواحد الأحد الفرد الصمد، ذو الحياة الكاملة، ~~الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم على تدبير شئون الخلق بالرعاية ~~والحفظ والتدبير { لا تأخذه سنة ولا نوم } أي لا يأخذه ~~نعاس ولا نوم كما ورد في الحديث # " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه " # ، { له ما في السموت وما في الأرض } أي جميع ما في ~~السماوات والأرض ملكه وعبيده وتحت قهره وسلطانه { من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه } أي لا أحد يستطيع أن يشفع لأحد ~~إلا إذا أذن له الله تعالى قال ابن كثير: وهذا بيان لعظمته وجلاله ~~وكبريائه بحيث لا يتجاسر أحد على الشفاعة إلا بإذن المولى { يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم } أي يعلم ما هو حاضر مشاهد لهم ~~وهو الدنيا وما خلفهم أي أمامهم وهو الآخرة فقد أحاط علمه بالكائنات ~~والعوالم { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء ~~} أي لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا بما أعلمهم إياه على ألسنة ~~الرسل { وسع كرسيه السموت والأرض } أي أحاط كرسيه ~~بالسماوات والأرض لبسطته وسعته، والسماوات السبع والأرضون بالنسبة ~~للكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، وروي عن ابن عباس { وسع كرسيه } ~~قال: علمه بدلالة قوله تعالى # ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما # [غافر: ms0152 7] فأخبر أن علمه وسع كل شيء وقال الحسن البصري: الكرسي هو العرش ~~قال ابن كثير: والصحيح أن الكرسي غير العرش وأن العرش أكبر منه كما دلت ~~على ذلك الآثار والأخبار { ولا يؤوده حفظهما وهو ~~العلي العظيم } أي لا يثقله ولا يعجزه حفظ السماوات والأرض ومن ~~فيهما وهو العلي فوق خلقه ذو العظمة والجلال كقوله # الكبير المتعال # [الرعد: 9] { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من ~~الغي } أي لا إجبار ولا إكراه لأحد على الدخول في دين الإسلام، ~~فقد بان ووضح الحق من الباطل والهدى من الضلال { فمن يكفر ~~بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى } أي من كفر بما يعبد من غير الله كالشيطان والأوثان وآمن ~~بالله فقد تمسك من الدين بأقوى سبب { لا انفصام لها } أي لا انقطاع ~~لها ولا زوال { والله سميع عليم } أي سميع لأقوال عباده عليم ~~بأفعالهم { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور } أي الله ناصر المؤمنين وحافظهم ومتولي ~~أمورهم، يخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية { ~~والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمات } أي وأما الكافرون فأولياؤهم ~~الشياطين يخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمات الشك والضلال { ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } أي ماكثون في ~~نار جهنم لا يخرجون منها أبدا. # البلاغة: 1- في آية الكرسي أنواع من الفصاحة وعلم البيان منها حسن ~~الافتتاح لأنها افتتحت بأجل أسماء الله تعالى، وتكرار اسمه ظاهرا ~~ومضمرا في ثمانية عشر موضعا، والإطناب بتكرير الصفات، وقطع الجمل حيث ~~لم يصلها بحرف العطف، والطباق في { ما بين أيديهم وما ~~خلفهم } أفاده صاحب البحر المحيط. # 2- { استمسك بالعروة الوثقى } استعارة تمثيلية حيث شبه ~~المستمسك بدين الإسلام بالمستمسك بالحبل المحكم، وعدم الانفصام ترشيح. # 3- { من الظلمات إلى النور } استعارة تصريحية حيث شبه ~~الكفر بالظلمات والإيمان بالنور قال في تلخيص البيان: وذلك من أحسن ~~التشبيهات لأن الكفر كالظلمة التي يتسكع فيها الخابط ويضل القاصد، ~~والإيمان كالنور الذي يؤمه الجائر ويهتدي به الحائر، وعاقبة الإيمان ~~مضيئة بالنعيم والثواب، وعاقبة الكفر ms0153 مظلمة بالجحيم والعذاب. # فائدة: أفرد النور وجمع الظلمات لأن الحق واحد لا يتعدد وأما طرق ~~الضلال فكثيرة ومتشعبة. # تنبيه: آية الكرسي لها شأن عظيم وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بأنها أفضل آية في كتاب الله وفيها اسم الله الأعظم كما جاء في ~~الحديث الشريف: # " اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به أجاب في ثلاث: سورة البقرة وآل ~~عمران وطه " # قال هشام: أما البقرة فقوله { الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم } وفي آل عمران # الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [الآيات: 1 - 2] وفي طه # وعنت الوجوه للحي القيوم # [الآية: 111] قال ابن كثير: وقد اشتملت على عشر جمل مستقلة، متعلقة ~~بالذات الإلهية وفيها تمجيد الواحد الأحد. ### || [2.258-260] # المناسبة: لما ذكر تعالى الإيمان بالله وصفاته القدسية العلية، وذكر ~~ولايته للمؤمنين وولاية الطاغوت للكافرين، ذكر هنا نموذجا عن تحكم ~~الطغيان في نفوس الكفرة المعاندين ومجادلتهم في وحدانية الله، فذكر ههنا ~~قصصا ثلاثة: الأولى في بيان إثبات الخالق الحكيم والثانية والثالثة في ~~إثبات الحشر، والبعث بعد الفناء. # اللغة: { حآج } المحاجة: المغالبة يقال: حاججته فحججته، وحاجه أي ~~بادله الحجة { فبهت } انقطع وسكت متحيرا قال العذري: # فما هو إلا أن أراها فجاءة # فأبهت حتى ما أكاد أجيب # { خاوية } ساقطة { عروشها } العرش: سقف البيت، وكل ما يهيأ ~~ليظل أو يكن فهو عريش { يتسنه } يتغير ويتبدل من تسنهت ~~النخلة إذا أتت عليها السنون وغيرتها { ننشزها } نركب بعضها فوق ~~بعض من النشاز وهو الرفع يقال لما ارتفع من الأرض نشز ومنه نشوز المرأة { ~~فصرهن } ضمهن إليك ثم اقطعهن من صار الشيء يصوره إذا قطعه. # التفسير: { ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه ~~} تعجيب للسامع من أمر هذا الكافر، المجادل في قدرة الله أي ألم ينته ~~علمك إلى ذلك المارد وهو " النمروذ بن كنعان " الذي جادل إبراهيم في ~~وجود الله؟ { أن آتاه الله الملك } أي لأن آتاه الله الملك ~~حيث حمله بطره بنعم الله على إنكار وجود الله، فقابل الجود والإحسان ~~بالكفر ms0154 والطغيان { إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت } أي حين قال له إبراهيم مستدلا على وجود الله إن ربي هو ~~الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهو وحده رب العالمين { قال ~~أنا أحيي وأميت } أي قال ذلك الطاغية وأنا أيضا أحيي وأميت، ~~روي أنه دعا برجلين حكم عليهما بالإعدام فأمر بقتل أحدهما فقال: هذا ~~قتلته، وأمر بإطلاق الآخر وقال: هذا أحييته، ولما رأى الخليل حماقته ~~ومشاغبته في الدليل عدل إلى دليل آخر أجدى وأروع وأشد إفحاما { قال ~~إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ~~فأت بها من المغرب } أي إذا كنت تدعي الألوهية وأنك تحيي ~~وتميت كما يفعل رب العالمين جل جلاله فهذه الشمس تطلع كل يوم من المشرق ~~بأمر الله ومشيئته فأطلعها من المغرب بقدرتك وسلطانك ولو مرة واحدة { ~~فبهت الذي كفر } أي أخرس ذلك الفاجر بالحجة القاطعة، وأصبح ~~مبهوتا دهشا لا يستطيع الجواب { والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } أي لا يلهمهم الحجة والبيان في مقام المناظرة والبرهان ~~بخلاف أوليائه المتقين { أو كالذي مر على قرية وهي ~~خاوية على عروشها } وهذه هي القصة الثانية وهي مثل لمن أراد ~~الله هدايته والمعنى ألم ينته إلى علمك كذلك مثل الذي مر على قرية وقد ~~سقطت جدرانها على سقوفها وهي قرية بيت المقدس لما خر بها بختنصر { ~~قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها } أي قال ذلك ~~الرجل الصالح واسمه " عزير " على الرأي الأشهر: كيف يحيي الله هذه البلدة ~~بعد حرابها ودمارها؟ قال ذلك استعظاما لقدرة الله تعالى وتعجبا من حال ~~تلك المدينة وما هي عليه من الخراب والدمار، وكان راكبا على حماره حينما ~~مر عليها { فأماته الله مئة عام ثم بعثه } أي أمات ~~الله ذلك السائل واستمر ميتا مائة سنة ثم أحياه الله ليريه كمال قدرته { ~~قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم } أي قال ~~له ربه بواسطة الملك كم مكثت في هذه الحال؟ قال يوما ثم نظر حوله فرأى ~~الشمس باقية لم تغب فقال: أو بعض يوم أي ms0155 أقل من يوم فخاطبه ربه بقوله { ~~قال بل لبثت مئة عام } أي بل مكثت ميتا مائة سنة كاملة { ~~فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } أي إن شككت ~~فانظر إلى طعامك لم يتغير بمرور الزمان، وكان معه عنب وتين وعصير ~~فوجدها على حالها لم تفسد { وانظر إلى حمارك } أي كيف تفرقت ~~عظامه ونخرت وصار هيكلا من البلي { ولنجعلك آية للناس } أي ~~فعلنا ما فعلنا لتدرك قدرة الله سبحانه ولنجعلك معجزة ظاهرة تدل على كمال ~~قدرتنا { وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها ~~لحما } أي تأمل في عظام حمارك النخرة كيف نركب بعضها فوق بعض وأنت ~~تنظر ثم نكسوها لحما بقدرتنا { فلما تبين له قال أعلم ~~أن الله على كل شيء قدير } أي فلما رأى الآيات ~~الباهرات قال أيقنت وعلمت علم المشاهدة أن الله على كل شيء قدير { وإذ ~~قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى } وهذه هي ~~القصة الثالثة وفيها الدليل الحسي على الإعادة بعد الفناء والمعنى: اذكر ~~حين طلب إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، سأل الخليل عن الكيفية ~~مع إيمانه الجازم بالقدرة الربانية، فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان ~~يوقن به بالوجدان، ولهذا خاطبه ربه بقوله { قال أولم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي } أي أولم تصدق بقدرتي على ~~الإحياء؟ قال بلى آمنت ولكن أردت أن أزداد بصيرة وسكون قلب برؤية ذلك { ~~قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك } أي خذ ~~أربعة طيور فضمهن إليك ثم اقطعهن ثم اخلط بعضهن ببعض حتى يصبحن كتلة ~~واحدة { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } أي ~~فرق أجزاءهن على رءوس الجبال { ثم ادعهن يأتينك سعيا } ~~أي نادهن يأتينك مسرعات قال مجاهد: كانت طاووسا وغرابا وحمامة وديكا ~~فذبحهن ثم فعل بهن ما فعل ثم دعاهن فأتين مسرعات { واعلم أن ~~الله عزيز حكيم } أي لا يعجز عما يريده حكيم في تدبيره وصنعه. # قال المفسرون: ذبحهن ثم قطعهن ثم خلط بعضهن ببعض حتى اختلط ريشها ~~ودماؤها ولحومها ثم أمسك برءوسها عنده وجزأها ms0156 أجزاء على الجبال ثم دعاهن ~~كما أمره تعالى فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، ~~واللحم إلى اللحم حتى عادت طيرا كما كانت وأتينه يمشين سعيا ليكون أبلغ ~~له في الرؤية لما سأل. # ذكره ابن كثير. # البلاغة: 1- { ألم تر } الرؤية قلبية والاستفهام للتعجيب. # 2- { يحيي ويميت } التعبير بالمضارع يفيد التجدد والاستمرار، ~~والصيغة تفيد القصر { ربي الذي يحيي ويميت } لأن المبتدأ ~~والخبر وردا معرفتين والمعنى أنه وحده سبحانه هو الذي يحيي ويميت، وبين ~~كلمتي " يحيي " و " يميت " طباق وهو من المحسنات البديعية وكذلك بين لفظ ~~" المشرق " و " المغرب ". # 3- { فبهت الذي كفر } التعبير بالنص السامي يشعر بالعلة وأن ~~سبب الحيرة هو كفره ولو قال: فبهت الكافر لما أفاد ذلك المعنى الدقيق. # 4- { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } موت القرية ~~هو موت السكان فهو من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال ويسمى المجاز ~~المرسل. # 5- { ثم نكسوها لحما } نسترها به كما يستر الجسد باللباس قال ~~أبو حيان: الكسوة حقيقة هي ما وراء الجسد من الثياب واستعارها هنا لما ~~أنشأ من اللحم الذي غطى العظم وهي استعارة في غاية الحسن. # الفوائد: الأولى: قال مجاهد: ملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: ~~مؤمنان، وكافران فالمؤمنان " سليمان بن داود " و " ذو القرنين " ~~والكافران " النمرود " و " بختنصر " الذي خرب بيت المقدس. # الثانية: لما رأى الخليل تجاهل الطاغية معنى الحياة والموت وسلوكه مسلك ~~التلبيس والتمويه على الرعاع، وكان بطلان جوابه من الجلاء بحيث لا يخفى ~~على أحد، انتقل إبراهيم إلى حجة أخرى لا تجري فيها المغالطة ولا يتيسر ~~للطاغية أن يخرج عنها بمكابرة أو مشاغبة فقال { إن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب } فلوى خليل ~~الله عنقه حتى أراه عجزه وأخرس لسانه. # الثالثة: سؤال الخليل ربه بقوله { كيف تحيي الموتى } ليس عن ~~شك في قدرة الله ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء ويدل عليه وروده بصيغة { ~~كيف } وموضوعها السؤال عن الحال ويؤيد المعنى قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " نحن أحق بالشك من إبراهيم " # ومعناه: ونحن لم نشك ms0157 فلأن لا يشك إبراهيم أحرى وأولى. ### || [2.261-269] # المناسبة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة أن الناس فريقان: أولياء ~~الله وهم المؤمنون، وأولياء الطاغوت وهم الكافرون ثم أعقبه بذكر نموذج ~~للإيمان ونموذج للطغيان، ذكر هنا ما يرغب في الإنفاق في سبيل الله ~~وخاصة في أمر الجهاد لأعداء الله، لأن الجهاد في سبيل الحق له ميادين ~~ثلاثة: أولها الإقناع بالحجة والبرهان وثانيها الجهاد بالنفس وثالثها ~~الجهاد بالمال، فلما ذكر فيما سبق جهاد الدعوة وجهاد النفس شرع الآن في ~~ذكر الجهاد بالمال. # اللغة: { المن } أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه، وأن يذكره ~~النعمة على سبيل التطاول والتفضل قال الشاعر: # أفسدت بالمن ما أسديت من حسن # ليس الكريم إذا أسدى بمنان # { رئآء الناس } لا يريد بإنفاقه رضى الله وإنما يريد ثناء الناس ~~وأصله من الرؤية وهو أن يري الناس ما يفعله حتى يثنوا عليه ويعظموه { ~~صفوان } الصفوان: الحجر الأملس الكبير قال الأخفش: وهو جمع واحده ~~صفوانه وقيل: هو اسم جنس كالحجر { وابل } الوابل: المطر الشديد { ~~صلدا } الصلد: الأملس من الحجارة وهو كل ما لا ينبت شيئا ومنه ~~جبين أصلد { بربوة } الربوة: المكان المرتفع من الأرض يقال: ربوة ~~ورابية وأصله من ربا الشيء إذا زاد وارتفع { طل } الطل: المطر ~~الخفيف الذي تكون قطراته صغيرة وقال قوم منهم مجاهد: الطل الندى { ~~إعصار } الإعصار: الريح الشديدة التي تهب من الأرض وترتفع إلى ~~السماء كالعمود ويقال لها: الزوبعة { تيمموا } تقصدوا { ~~تغمضوا } من أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه وهذا كالإغضاء ~~عند المكروه. # سبب النزول: نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف في غزوة ~~تبوك، حيث جهز عثمان ألف بعير بأحلاسها وأقتابها ووضع بين يدي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ألف دينار، فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقلبها ويقول: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، وأتى عبد الرحمن بن عوف ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم فقال يا رسول الله: كان عندي ~~ثمانية آلاف درهم فأمسكت منها لنفسي ms0158 ولعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف ~~أقرضتها ربي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " # ، فنزلت فيهما الآية { مثل الذين ينفقون أموالهم في ~~سبيل الله... } الآية. # التفسير: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل } قال ابن كثير: ~~هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء ~~مرضاته وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف أي مثل نفقتهم ~~كمثل حبة زرعت فأنبتت سبع سنابل { في كل سنبلة مئة حبة ~~} أي كل سنبلة منها تحتوي على مائة حبة فتكون الحبة قد أغلت سبعمائة ~~حبة، وهذا تمثيل لمضاعفة الأجر لمن أخلص في صدقته ولهذا قال تعالى { ~~والله يضاعف لمن يشآء } أي يضاعف الأجر لمن أراد على حسب ~~حال المنفق من إخلاصه وابتغائه بنفقته وجه الله { والله واسع ~~عليم } أي واسع الفضل عليم بنية المنفق { الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ ~~أنفقوا منا ولا أذى } أي لا يقصدون بإنفاقهم إلا وجه الله، ~~ولا يعقبون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات بالمن على من أحسنوا إليه ~~كقوله قد أحسنت إليك وجبرت حالك، ولا بالأذى كذكره لغيره فيؤذيه بذلك { ~~لهم أجرهم عند ربهم } أي لهم ثواب ما قدموا من الطاعة ~~عند الله { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } أي لا ~~يعتريهم فزع يوم القيامة ولا هم يحزنون على فائت من زهرة الدنيا { ~~قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى ~~} أي رد السائل بالتي هي أحسن والصفح عن إلحاحه، خير عند الله وأفضل ~~من إعطائه ثم إيذائه أو تعييره بذل السؤال { والله غني حليم ~~} أي مستغن عن الخلق حليم لا يعاجل العقوبة لمن خالف أمره. # . ثم أخبر تعالى عما يبطل الصدقة ويضيع ثوابها فقال { يأيها ~~الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ~~} أي لا تحبطوا أجرها بالمن والأذى { كالذي ينفق ماله ~~رئآء الناس } أي كالمرائي الذي يبطل إنفاقه بالرياء { ولا ~~يؤمن بالله واليوم الآخر } أي لا يصدق ms0159 بلقاء الله ليرجو ~~ثوابا أو يخشى عقابا { فمثله كمثل صفوان عليه تراب ~~} أي مثل ذلك المرائي بإنفاقه كمثل الحجر الأملس الذي عليه شيء من ~~التراب يظنه الظان أرضا طيبة منبتة { فأصابه وابل ~~فتركه صلدا } أي فإذا أصابه مطر شديد أذهب عنه التراب فيبقى ~~صلدا أملس ليس عليه شيء من الغبار أصلا كذلك هذا المنافق يظن أن له ~~أعمالا صالحة فإذا كان يوم القيامة اضمحلت وذهبت ولهذا قال تعالى { ~~لا يقدرون على شيء مما كسبوا } أي لا يجدون له ~~ثوابا في الآخرة فلا ينتفع بشيء منها أصلا { والله لا يهدي ~~القوم الكافرين } أي لا يهديهم إلى طريق الخير والرشاد.. ثم ~~ضرب تعالى مثلا آخر للمؤمن المنفق ماله ابتغاء مرضاة الله فقال { ~~ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات ~~الله وتثبيتا من أنفسهم } أي ينفقونها طلبا لمرضاته ~~وتصديقا بلقائه تحقيقا للثواب عليه { كمثل جنة بربوة } أي ~~كمثل بستان كثير الشجر بمكان مرتفع من الأرض، وخصت بالربوة لحسن ~~شجرها وزكاء ثمرها { أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين } ~~أي أصابها مطر غزير فأخرجت ثمارها جنية مضاعفة، ضعفي ثمر غيرها من ~~الأرض { فإن لم يصبها وابل فطل } أي فإن لم ينزل عليها ~~المطر الغزير فيكفيها المطر الخفيف أو يكفيها الندى لجودتها وكرم منبتها ~~ولطافة هوائها فهي تنتج على كل حال { والله بما تعملون ~~بصير } أي لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد { أيود أحدكم ~~أن تكون له جنة من نخيل وأعناب } أي أيحب أحدكم أن ~~تكون له حديقة غناء فيها من أنواع النخيل والأعناب والثمار الشيء الكثير ~~{ تجري من تحتها الأنهار } أي تمر الأنهار من تحت أشجارها { ~~له فيها من كل الثمرات } أي ينبت له فيها جميع الثمار ومن ~~كل زوج بهيج { وأصابه الكبر وله ذرية ضعفآء } أي ~~أصابته الشيخوخة فضعف عن الكسب وله أولاد صغار لا يقدرون على الكسب { ~~فأصابهآ إعصار فيه نار فاحترقت } أي أصاب تلك الحديقة ~~ريح عاصفة شديدة معها نار فأحرقت الثمار والأشجار أحوج ما يكون الإنسان ~~إليها { كذلك يبين الله لكم الآيات ms0160 لعلكم ~~تتفكرون } أي مثل هذا البيان الواضح في هذا المثل الرائع المحكم ~~يبين الله لكم آياته في كتابه الحكيم لكي تتفكروا وتتدبروا بما فيها من ~~العبر والعظات { يأيها الذين آمنوا أنفقوا من ~~طيبات ما كسبتم } أي أنفقوا من الحلال الطيب من المال الذي ~~كسبتموه { وممآ أخرجنا لكم من الأرض } أي ومن طيبات ما ~~أخرجنا لكم من الحبوب والثمار { ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون } أي ولا تقصدوا الرديء الخسيس فتتصدقوا منه { ولستم ~~بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } أي لستم تقبلونه لو أعطيتموه ~~إلا إذا تساهلتم وأغمضتم البصر فكيف تؤدون منه حق الله!! { ~~واعلموا أن الله غني حميد } أي أنه سبحانه غني عن ~~نفقاتكم حميد يجازي المحسن أفضل الجزاء. # . ثم حذر تعالى من وسوسة الشيطان فقال { الشيطان يعدكم ~~الفقر ويأمركم بالفحشآء } أي الشيطان يخوفكم من الفقر ~~إن تصدقتم ويغريكم بالبخل ومنع الزكاة { والله يعدكم ~~مغفرة منه وفضلا } أي وهو سبحانه يعدكم على إنفاقكم في ~~سبيله مغفرة للذنوب وخلفا لما أنفقتموه زائدا عن الأصل { والله ~~واسع عليم } أي واسع الفضل والعطاء عليم بمن يستحق الثناء { ~~يؤتي الحكمة من يشآء } أي يعطي العلم النافع المؤدي إلى ~~العمل الصالح من شاء من عباده { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي ~~خيرا كثيرا } أي من أعطي الحكمة فقد أعطي الخير الكثير لمصير ~~صاحبها إلى السعادة الأبدية { وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب } أي ما يتعظ بأمثال القرآن وحكمه إلا أصحاب العقول النيرة ~~الخالصة من الهوى. # البلاغة: 1- { كمثل حبة } شبه سبحانه الصدقة التي تنفق في ~~سبيله بحبة زرعت وباركها المولى فأصبحت سبعمائة حبة، ففيه تشبيه " مرسل ~~مجمل " لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه قال أبو حيان: وهذا التمثيل ~~تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر. # 2- { أنبتت سبع سنابل } إسناد الإنبات إلى الحبة إسناد ~~مجازي ويسمى " المجاز العقلي " لأن المنبت في الحقيقة هو الله تعالى. # 3- { منا ولا أذى } من باب ذكر العام بعد الخاص لإفادة الشمول ~~لأن الأذى يشمل المن. # 4- { كمثل صفوان عليه تراب } فيه تشبيه يسمى " تشبيها ~~تمثيليا " لأن وجه ms0161 الشبه منتزع من متعدد وكذلك يوجد تشبيه تمثيلي في ~~قوله { كمثل جنة بربوة }. # 5- { أيود أحدكم أن تكون له جنة... } الآية، لم ~~يذكر المشبه ولا أداة التشبيه وهذا النوع يسميه علماء البلاغة " استعارة ~~تمثيلية " وهي تشبيه حال بحال لم يذكر فيه سوى المشبه به فقط وقامت ~~قرائن تدل على إرادة التشبيه، والهمزة للاستفهام والمعنى على التبعيد ~~والنفي أي ما يود أحد ذلك. # 6- { تغمضوا فيه } المراد به هنا التجاوز والمساهلة لأن الإنسان ~~إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ففي الكلام مجاز مرسل أو ~~استعارة. # الفوائد: الأولى: قال الزمخشري: المن أن يعتد على من أحسن إليه ~~بإحسانه، وفي نوابغ الكلم " صنوان من منح سائله ومن، ومن منع نائله ~~وضن " و " طعم الآلاء أحلى من المن وهي أمر من الألاء مع المن " ~~وقال الشاعر: # وإن امرء أسدى إلي صنيعة # وذكر فيها مرة للئيم # الثانية: المطر أوله رش ثم طش ثم طل نم نضح ثم هطل ثم وبل والمطر ~~الوابل الشديد الغزير. # الثالثة: قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " ~~فيمن ترون هذه الآية نزلت { أيود أحدكم أن تكون له ~~جنة } قالوا: الله أعلم فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ~~ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي قل ~~ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس ضربت مثلا بعمل لرجل غني يعمل بطاعة الله ~~ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله " أخرجه البخاري. # الرابعة: قال الحسن البصري: هذا مثل قل والله من يعقله: شيخ كبير، ضعف ~~جسمه، وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته فجاءها الإعصار فأحرقها، وإن ~~أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا. ### || [2.270-274] # المناسبة: لا تزال الآيات تتحدث عن الإنفاق في وجوه البر والخير، ~~وأعلاها الجهاد في سبيل الله والإنفاق لإعلاء كلمته، وترغب في إخفاء ~~الصدقات لأنها أبعد عن الرياء، فوجه المناسبة ظاهر. # اللغة: { فنعما } أصلها " نعم ما " أدغمت الميمان فصارت ms0162 نعما قال ~~الزجاج: أي نعم الشيء هو { أحصروا } الحصر: الحبس أي حبسوا أنفسهم ~~على الجهاد وقد تقدم معنى الحصر { التعفف } من العفة يقال: عف عن ~~الشيء أمسك عنه وتنزه عن طلبه والمراد التعفف عن السؤال { بسيماهم ~~} السيما: العلامة التي يعرف بها الشيء ويقال: سيمياء كالكيمياء وأصلها ~~من السمة بمعنى العلامة قال تعالى # سيماهم في وجوههم من أثر السجود # [الفتح: 29] { إلحافا } الإلحاف: الإلحاح في السؤال يقال: ألحف: ~~إذا ألح ولج في السؤال والطلب. # سبب النزول: عن سعيد بن جبير أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء ~~أهل الذمة فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم " # فنزلت هذه الآية { ليس عليك هداهم } مبيحة للصدقة على من ~~ليس من دين الإسلام. # التفسير: { ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من ~~نذر فإن الله يعلمه } أي ما بذلتم أيها المؤمنون من مال ~~أو نذرتم من شيء في سبيل الله فإن الله يعلمه ويجازيكم عليه { وما ~~للظالمين من أنصار } أي وليس لمن منع الزكاة أو صرف المال في ~~معاصي الله، من معين أو نصير ينصرهم من عذاب الله { إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي } أي إن تظهروا صدقاتكم فنعم هذا الشيء ~~الذي تفعلونه { وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو ~~خير لكم } أي وإن تخفوها وتدفعوها للفقراء فهو أفضل لكم لأن ذلك ~~أبعد عن الرياء { ويكفر عنكم من سيئاتكم } أي يزيل ~~بجميل أعمالكم سيء آثامكم { والله بما تعملون خبير } أي هو ~~سبحانه مطلع على أعمالكم يعلم خفاياكم، والآية ترغيب في الإسرار { ~~ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء } ~~أي ليس عليك يا محمد أن تهدي الناس فإنك لست بمؤاخذ بجريرة من لم يهتد، ~~إنما أنت ملزم بتبليغهم فحسب، والله يهدي من شاء من عباده إلى الإسلام ~~{ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } أي أي شيء تنفقونه ~~من المال فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم لأن ثوابه لكم { وما ~~تنفقون إلا ابتغآء وجه الله } خبر بمعنى النهي أي لا ~~تجعلوا إنفاقكم ms0163 إلا لوجه الله لا لغرض دنيوي { وما تنفقوا من ~~خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } أي فإن أجره ~~وثوابه أضعافا مضاعفة تنالونه أنتم ولا تنقصون شيئا من حسناتكم { ~~للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله } أي اجعلوا ما ~~تنفقونه للفقراء الذين حبسوا أنفسهم للجهاد والغزو في سبيل الله { لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض } أي لا يستطيعون بسبب الجهاد السفر ~~في الأرض للتجارة والكسب { يحسبهم الجاهل أغنيآء من ~~التعفف } أي يظنهم الذي لا يعرف حالهم أغنياء موسرين من شدة تعففهم ~~{ تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا } أي ~~تعرف حالهم أيها المخاطب بعلامتهم من التواضع وأثر الجهد، وهم مع ذلك لا ~~يسألون الناس شيئا أصلا فلا يقع منهم إلحاح وقيل معناه: إن سألوا ~~سألوا بلطف ولم يلحوا { وما تنفقوا من خير فإن الله ~~به عليم } أي ما أنفقتموه في وجوه الخير فإن الله يجازيكم عليه ~~أحسن الجزاء { الذين ينفقون أموالهم بالليل ~~والنهار سرا وعلانية } أي الذين ينفقون في سبيل الله ~~ابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات، من ليل أو نهار، وفي جميع الأحوال من سر ~~وجهر { فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون } أي لهم ثواب ما أنفقوا ولا خوف عليهم يوم ~~القيامة ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا. # البلاغة: 1- { ومآ أنفقتم من نفقة } بين أنفقتم ونفقة ~~جناس الاشتقاق وكذلك بين نذرتم ونذر. # 2- { إن تبدوا الصدقات } في الإبداء والإخفاء طباق لفظي، ~~وكذلك بين لفظ " الليل والنهار " و " السر والعلانية " وهو من المحسنات ~~البديعية. # 3- { وأنتم لا تظلمون } إطناب لورودها بعد قوله { يوف ~~إليكم } الذي معناه يصلكم وافيا غير منقوص. # فائدة: قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا اصطنع ~~إليك فانشره وأنشدوا: # يخفي صنائعه والله يظهرها # إن الجميل إذا أخفيته ظهرا ### || [2.275-281] # المناسبة: لما أمر تعالى بالإنفاق من طيبات ما كسبوا، وحض على ~~الصدقة ورغب في الإنفاق في سبيل الله، ذكر هنا ما يقابل ذلك وهو الربا ~~الكسب الخبيث ذو الوجه الكالح الطالح، الذي هو شح وقذارة ودنس، بينما ~~الصدقة ms0164 عطاء وسماحة وطهارة، وقد جاء عرضه مباشرة بعد عرض ذلك الوجه الطيب ~~من الإنفاق في سبيل الله ليظهر الفارق بجلاء بين الكسب الطيب والكسب ~~الخبيث وكما قيل " وبضدها تتميز الأشياء ". # اللغة: { الربا } لغة: الزيادة يقال: ربا الشيء إذا زاد ومنه ~~الربوة والرابية، وشرعا: زيادة على أصل المال يأخذها الدائن من المدين ~~مقابل الأجل { يتخبطه } التخبط: الضرب على غير استواء كخبط البعير ~~الأرض بأخفافه ويقال للذي يتصرف ولا يهتدي: خبط في عشواء وتورط في ~~عمياء، وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل أو جنون { المس } الجنون ~~وأصله من المس باليد كأن الشيطان يمس الإنسان فيحصل له الجنون { ~~سلف } مضى وانقضى ومنه سالف الدهر أي ماضيه { يمحق } المحق: نقصان ~~الشيء حالا بعد حال ومنه المحاق في الهلال يقال: محقه الله فانمحق ~~وامتحق { أثيم } كثير الإثم المتمادي في الذنوب والآثام. # سبب النزول: كان لبني عمرو من ثقيف ديون ربا على بني المغيرة فلما ~~حل الأجل أرادوا أن يتقاضوا الربا منهم فنزلت الآية { يأيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله.. } الآية فقالت ثقيف: ~~لا يد لنا " أي لا طاقة لنا " بحرب الله ورسوله وتابوا وأخذوا رءوس ~~أموالهم فقط. # التفسير: { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا ~~كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } أي ~~الذين يتعاملون بالربا ويمتصون دماء الناس لا يقومون من قبورهم يوم ~~القيامة إلا كما يقوم المصروع من جنونه، يتعثر ويقع ولا يستطيع أن يمشي ~~سويا، يقومون مخبلين كالمصروعين تلك سيماهم يعرفون بها عند الموقف هتكا ~~لهم وفضيحة { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ~~الربا } أي ذلك التخبط والتعثر بسبب استحلالهم ما حرمه الله، وقولهم: ~~الربا كالبيع فلماذا يكون حراما؟ قال تعالى ردا عليهم { وأحل ~~الله البيع وحرم الربا } أي أحل الله البيع لما فيه من ~~تبادل المنافع، وحرم الربا لما فيه من الضرر الفادح بالفرد والمجتمع، ~~لأن فيه زيادة مقتطعة من جهد المدين ولحمه { فمن جآءه موعظة ~~من ربه ms0165 فانتهى فله ما سلف } أي من بلغه نهي الله عن ~~الربا فانتهى عن التعامل به فله ما مضى قبل التحريم { وأمره إلى ~~الله } أي أمره موكول إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه { ~~ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~} أي ومن عاد إلى التعامل بالربا واستحله بعد تحريم الله له فهو من ~~المخلدين في نار جهنم { يمحق الله الربا ويربي ~~الصدقات } أي يذهب ريعه ويمحو خيره وإن كان زيادة في الظاهر، ~~ويكثر الصدقات وينميها وإن كانت نقصانا في الشاهد { والله لا ~~يحب كل كفار أثيم } أي لا يحب كل كفور القلب، أثيم القول ~~والفعل، وفي الآية تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار، ثم ~~قال تعالى مادحا المؤمنين المطيعين أمره في إقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } أي صدقوا بالله وعملوا ~~الصالحات التي من جملتها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة { لهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } أي لهم ثوابهم الكامل في الجنة، ولا يخافون يوم الفزع ~~الأكبر ولا يحزنون على ما فاتهم في الدنيا { يأيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين } أي اخشوا ربكم وراقبوه فيما تفعلون، واتركوا ما ~~لكم من الربا عند الناس إن كنتم مؤمنين بالله حقا { فإن لم ~~تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } أي وإن ~~لم تتركوا التعامل بالربا فأيقنوا بحرب الله ورسوله لكم قال ابن عباس: ~~يقال لآكل الربا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب { وإن تبتم فلكم ~~رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } أي إن رجعتم ~~عن الربا وتركتموه فلكم أصل المال الذي دفعتموه من غير زيادة ولا نقصان { ~~وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } أي إذا كان ~~المستدين معسرا فعليكم أن تمهلوه إلى وقت اليسر لا كما كان أهل ~~الجاهلية يقول أحدهم لمدينه: إما أن تقضي وإما أن تربي { وأن ~~تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } أي إن تجاوزتم ~~عما لكم ms0166 عنده فهو أكرم وأفضل، إن كنتم تعلمون ما فيه من الذكر الجميل ~~والأجر العظيم ثم حذر تعالى عباده من ذلك اليوم الرهيب الذي لا ينفع فيه ~~إلا العمل الصالح فقال { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون } أي احذروا يوما سترجعون فيه إلى ربكم ثم توفى كل نفس ~~حسابها وأنتم لا تظلمون، وقد ختمت هذه الآيات الكريمة بهذه الآية الجامعة ~~المانعة التي كانت آخر ما نزل من القرآن وبنزولها انقطع الوحي، وفيها ~~تذكير العباد بذلك اليوم العصيب الشديد قال ابن كثير: هذه الآية آخر ما ~~نزل من القرآن العظيم وقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها تسع ~~ليال ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى. # البلاغة: 1- { إنما البيع مثل الربا } فيه تشبيه يسمى ~~(التشبيه المقلوب) وهو أعلى مراتب التشبيه حيث يجعل المشبه مكان المشبه ~~به كقول الشاعر: # كأن ضياء الشمس غرة جعفر # والأصل في الآية أن يقال: الربا مثل البيع ولكنه بلغ من اعتقادهم في حل ~~الربا أن جعلوه أصلا يقاس عليه فشبهوا به البيع. # 2- { أحل الله البيع وحرم الربا } بين لفظ " أحل " ~~و " حرم " طباق وكذلك بين لفظ " يمحق " و " يربي ". # 3- { كفار أثيم } صيغة فعال وفعيل للمبالغة فقوله { كفار ~~أثيم } أي عظيم الكفر شديد الإثم. # 4- { فأذنوا بحرب } التنكير للتهويل أي بنوع من الحرب عظيم لا ~~يقادر قدره كائن من عند الله أفاده أبو السعود. # 5- { لا تظلمون ولا تظلمون } فيه من المحسنات البديعية ما ~~يسمى " الجناس الناقص " لاختلاف الشكل. # 6- { واتقوا يوما } التنكير للتفخيم والتهويل. # الفوائد: الأولى: عبر بقوله { يأكلون الربا } عن الانتفاع به ~~لأن الأكل هو الغالب في المنافع وسواء في ذلك المعطي والآخذ لقول جابر ~~في الحديث الشريف # " لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء ". # الثانية: شبه تعالى المرابين بالمصروعين الذين تتخبطهم الشياطين، وذلك ~~لأن الله عز وجل أربى في بطونهم ما أكلوا من الربا فأثقلهم فصاروا مخبلين ~~ينهضون ويسقطون قال سعيد بن جبير تلك علامة آكل ms0167 الربا يوم القيامة. # الثالثة: يقول شهيد الإسلام سيد قطب عليه الرحمة عند هذه الآية { لا ~~يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس } ما نصه " إنها الحملة المفزعة والتصوير المرعب، وما كان ~~أي تهديد معنوي ليبلغ إلى الحس ما تبلغه هذه الصورة الحية المجسمة، ~~صورة الممسوس المصروع، ولقد مضت معظم التفاسير على أن المقصود بالقيام في ~~هذه الصورة المفزعة هو القيام يوم البعث، ولكنها - فيما نرى - واقعة في ~~هذه الأرض أيضا على البشرية الضالة التي تتخبط كالممسوس في حكم النظام ~~الربوي، إن العالم الذي نعيش فيه اليوم هو عالم القلق والاضطراب والخوف ~~والأمراض العصبية والنفسية، وذلك على الرغم من كل ما بلغته الحضارة ~~المادية وعلى الرغم من كل مظاهر الرخاء المادي، ثم هو عالم الحروب ~~الشاملة والتهديد الدائم بالحروب المبيدة وحرب الأعصاب والاضطرابات التي ~~لا تنقطع هنا وهناك " وهذا رأي حسن. # الرابعة: أخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه ~~لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه ". ### || [2.282-283] # المناسبة: لما ذكر تعالى الربا وبين ما فيه من قباحة وشناعة، لأنه ~~زيادة مقتطعة من عرق المدين ولحمه وهو كسب خبيث يمقته الإسلام ويحرمه، ~~أعقبه بذكر القرض الحسن بلا فائدة وذكر الأحكام الخاصة بالدين والتجارة ~~والرهن، وكلها طرق شريفة لتنمية المال وزيادته بما فيه صلاح الفرد ~~والمجتمع، وآية الدين أطول آيات القرآن على الإطلاق مما يدل على عناية ~~الإسلام بالنظم الاقتصادية. # اللغة: { وليملل } من الإملاء وهو أن يلقي عليه ما يكتبه ~~يقال: أمل وأملى { يبخس } البخس: النقص { تسأموا } السأم ~~والسآمة: الملل من الشيء والضجر منه { أقسط } القسط: بكسر القاف ~~العدل يقال: أقسط الرجل إذا عدل، وبفتح القاف الجور يقال: قسط أي جار ~~ومنه # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15] { تضل } قال أبو عبيد: معنى تضل أي تنسى والضلال عن ~~الشهادة نسيان جزء منها { أدنى } أقرب { ترتابوا } تشكوا من ~~الريب بمعنى الشك { فرهان ms0168 } جمع رهن وهو ما يدفع إلى الدائن توثيقا ~~للدين. # التفسير: { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ~~إلى أجل مسمى فاكتبوه } أي إذا تعاملتم بدين مؤجل ~~فاكتبوه، وهذا إرشاد منه تعالى لعباده بكتابة المعاملات المؤجلة ليكون ~~ذلك أحفظ وأوثق لمقدارها وميقاتها { وليكتب بينكم كاتب ~~بالعدل } أي وليكتب لكم كاتب عادل مأمون لا يجور على أحد الطرفين { ~~ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } أي ولا ~~يمتنع أحد من الكتابة بالعدل كما علمه الله { فليكتب وليملل ~~الذي عليه الحق } أي وليمل على الكاتب ويلقي عليه المدين وهو ~~الذي عليه الحق لأنه المقر المشهود عليه { وليتق الله ربه ~~ولا يبخس منه شيئا } أي وليخش الله رب العالمين ولا ينقص ~~من الحق شيئا { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا } أي إن كان المدين ناقص العقل مبذرا أو كان صبيا أو شيخا ~~هرما { أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه ~~بالعدل } أي لا يستطيع الإملاء بنفسه لعي أو خرس أو عجمة ~~فليملل قيمه أو وكيله بالعدل من غير نقص أو زيادة { واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم } أي اطلبوا مع الكتابة أن يشهد لكم ~~شاهدان من المسلمين زيادة في التوثقة { فإن لم يكونا رجلين ~~فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء } أي فإن ~~لم يكن الشاهدان رجلين، فليشهد رجل وامرأتان ممن يوثق بدينهم وعدالتهم ~~{ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } أي ~~تنسى إحدى المرأتين الشهادة فتذكرها الأخرى، وهذا علة لوجوب الأثنتين ~~لنقص الضبط فيهن { ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا } أي ولا ~~يمتنع الشهداء عن أداء الشهادة أو تحملها إذا طلب منهم ذلك { ولا ~~تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله } ~~أي لا تملوا أن تكتبوا الدين صغيرا كان أو كبيرا، قليلا أو كثيرا ~~إلى وقت حلول ميعاده { ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابوا } أي ما أمرناكم به من ~~كتابة الدين أعدل في حكمه تعالى، وأثبت للشهادة لئلا تنسى، وأقرب أن لا ~~تشكوا في قدر الدين والأجل { إلا أن تكون ms0169 تجارة حاضرة ~~تديرونها بينكم } أي إلا إذا كان البيع حاضرا يدا بيد ~~والثمن مقبوضا { فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } أي ~~فلا بأس بعدم كتابتها لانتفاء المحذور { وأشهدوا إذا ~~تبايعتم } أي أشهدوا على حقكم مطلقا سواء كان البيع ناجزا أو ~~بالدين لأنه أبعد عن النزاع والاختلاف { ولا يضآر كاتب ولا ~~شهيد } أي لا يضر صاحب الحق الكتاب والشهود { وإن تفعلوا ~~فإنه فسوق بكم } أي إن فعلتم ما نهيتم عنه فقد فسقتم بخروجكم ~~عن طاعة الله { واتقوا الله ويعلمكم الله } أي خافوا ~~الله وراقبوه يمنحكم العلم النافع الذي به سعادة الدارين { والله ~~بكل شيء عليم } أي عالم بالمصالح والعواقب فلا يخفى عليه شيء ~~من الأشياء { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا ~~فرهان مقبوضة } أي إن كنتم مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى ~~ولم تجدوا من يكتب لكم، فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة يقبضها صاحب الحق ~~وثيقة لدينه { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ~~اؤتمن أمانته وليتق الله ربه } أي فإن أمن الدائن ~~المدين فاستغنى عن الرهن ثقة بأمانة صاحبه فليدفع ذاك المؤتمن الدين الذي ~~عليه وليتق الله في رعاية حقوق الأمانة { ولا تكتموا الشهادة ~~ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } أي إذا دعيتم إلى أداء ~~شهادة فلا تكتموها فإن كتمانها إثم كبير، يجعل القلب آثما وصاحبه ~~فاجرا، وخص القلب بالذكر لأنه سلطان الأعضاء، إذا صلح صلح الجسد كله ~~وإذا فسد فسد الجسد كله { والله بما تعملون عليم } أي لا ~~يخفى عليه شيء من أعمال وأفعال العباد. # البلاغة: 1- في الآية من ضروب الفصاحة " الجناس المغاير " في قوله { ~~تداينتم بدين } وفي { واستشهدوا شهيدين } وفي { ~~اؤتمن أمانته } وفي { ويعلمكم...وعليم }. # 2- الطباق في قوله { صغيرا أو كبيرا } وفي { أن ~~تضل...فتذكر } لأن الضلال هنا بمعنى النسيان. # 3- وفي الآية أيضا الإطناب في قوله { فاكتبوه وليكتب ~~بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب } وفي { ~~وليملل الذي عليه الحق.. فإن كان الذي عليه ~~الحق } وفي { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما ~~الأخرى }. 4- الإيجاز بالحذف وذلك كثير وقد ذكر أمثلته صاحب البحر ~~المحيط. # 5- كرر لفظ ms0170 الجلالة في الجمل الثلاث { واتقوا الله } { ~~ويعلمكم الله } { والله بكل شيء عليم } ~~لإدخال الروعة وتربية المهابة في النفوس. # 6- { وليتق الله ربه } جمع ما بين الإسم الجليل والنعت ~~الجميل مبالغة في التحذير. # فائدة: العلم نوعان: كسبي ووهبي، أما الأول فيكون تحصيله ~~بالاجتهاد والمثابرة والمذاكرة، وأما الثاني فطريقه تقوى الله والعمل ~~الصالح كما قال تعالى { واتقوا الله ويعلمكم الله } ~~وهذا العلم يسمى العلم اللدني { وآتيناه من لدنا علما } وهو العلم ~~النافع الذي يهبه الله لمن شاء من عباده المتقين وإليه أشار الإمام ~~الشافعي بقوله: # شكوت إلى وكيع سوء حفظي # فأرشدني إلى ترك المعاصي # وأخبرني بأن العلم نور # ونور الله لا يهدى لعاصي ### || [2.284-286] # المناسبة: ناسب ختم هذه السورة الكريمة بهذه الآيات لأنها اشتملت على ~~تكاليف كثيرة في الصلاة والزكاة والقصاص والصوم والحج والجهاد والطلاق ~~والعدة وأحكام الربا والبيع والدين الخ فناسب تكليفه إيانا بهذه الشرائع ~~أن يذكر أنه تعالى مالك لما في السماوات وما في الأرض فهو يكلف من يشاء ~~بما يشاء، والجزاء على الأعمال إنما يكون في الدار الآخرة، فختم هذه ~~السورة بهذه الآيات على سبيل الوعيد والتهديد.. # اللغة: { إصرا } الإصر في اللغة: الثقل والشدة قال النابغة: # يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم # والحامل الإصر عنهم بعد ما عرفوا # وسميت التكاليف الشاقة إصرا لأنها تثقل كاهل صاحبها كما يسمى العهد ~~إصرا لأنه ثقيل. { طاقة } الطاقة: القدرة على الشيء من أطاق الشيء ~~وهو مصدر جاء على غير قياس الفعل { اعف عنا } ، العفو: الصفح عن ~~الذنب { واغفر لنا } الغفران: ستر الذنب ومحوه. # سبب النزول: لما نزل قوله تعالى { وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } الآية، اشتد ~~ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله فقالوا: ~~كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت ~~عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال صلى الله عليه وسلم: # " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: { سمعنا ~~وعصينا } قولوا { سمعنا وأطعنا } (فلما قرأها القوم وجرت ~~بها ms0171 ألسنتهم أنزل الله تعالى { آمن الرسول بمآ أنزل إليه ~~من ربه } ونسخها الله تعالى فأنزل { لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } " # الآية). # التفسير: { لله ما في السموت وما في الأرض } أي هو ~~سبحانه المالك لما في السماوات والأرض المطلع على ما فيهن { وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله } أي إن أظهرتم ما في أنفسكم من السوء أو أسررتموه فإن الله ~~يعلمه ويحاسبكم عليه { فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء ~~والله على كل شيء قدير } أي يعفو عمن يشاء ويعاقب من ~~يشاء وهو القادر على كل شيء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون { آمن ~~الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون } أي ~~صدق محمد صلى الله عليه وسلم بما أنزل الله إليه من القرآن والوحى ~~وكذلك المؤمنون { كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله } أي الجميع من النبي والأتباع صدق بوحدانية الله، وآمن ~~بملائكته وكتبه ورسله { لا نفرق بين أحد من رسله } أي ~~لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعل اليهود والنصارى بل نؤمن بجميع رسل ~~الله دون تفريق { وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا ~~وإليك المصير } أي أجبنا دعوتك وأطعنا أمرك فنسألك يا ألله ~~المغفرة لما اقترفناه من الذنوب وإليك وحدك يا ألله المرجع والمآب. # { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } أي لا يكلف المولى ~~تعالى أحدا فوق طاقته { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ~~} أي لكل نفس جزاء ما قدمت من خير، وجزاء ما اقترفت من شر { ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } أي قولوا ذلك في ~~دعائكم والمعنى لا تعذبنا يا ألله بما يصدر عنا بسبب النسيان أو الخطأ { ~~ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا } أي ولا تكلفنا بالتكاليف الشاقة التي نعجز ~~عنها كما كلفت بها من قبلنا من الأمم كقتل النفس في التوبة وقرض موضع ~~النجاسة { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } أي ~~لا تحملنا ما لا قدرة لنا عليه ms0172 من التكاليف والبلاء { واعف عنا ~~واغفر لنا وارحمنآ } أي امح عنا ذنوبنا واستر سيئاتنا فلا ~~تفضحنا يوم الحشر الأكبر وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء { أنت ~~مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } أي أنت يا ألله ~~ناصرنا ومتولي أمورنا فلا تخذلنا، وانصرنا على أعدائنا وأعداء دينك من ~~القوم الكافرين، الذين جحدوا دينك وأنكروا وحدانيتك وكذبوا برسالة نبيك ~~صلى الله عليه وسلم. روي أنه عليه السلام لما دعا بهذه الدعوات قيل له ~~عند كل دعوة: قد فعلت. # البلاغة: 1- تضمنت الآية من أنواع الفصاحة وضروب البلاغة أشياء منها ~~" الطباق " في قوله { وإن تبدوا... أو تخفوه } وبين " يغفر " ~~و " يعذب " ومنها الطباق المعنوي بين { كسبت } و { اكتسبت } لأن ~~كسب في الخير واكتسب في الشر. # 2- ومنها الجناس ويسمى جناس الاشتقاق في قوله { آمن... ~~والمؤمنون }. # 3- ومنها الإطناب في قوله { لا نفرق بين أحد من ~~رسله }. # 4- ومنها الإيجاز بالحذف في قوله { والمؤمنون } أي آمنوا بالله ~~ورسله ومواضع أخرى. # فائدة: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " # أخرجه البخاري وفي رواية لمسلم # " أن ملكا نزل من السماء فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: " ~~أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم ~~سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته " ". ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-9] # اللغة: { الحي } الباقي الدائم الذي لا يفنى ولا يموت { ~~القيوم } القائم على تدبير شئون العباد { يصوركم } التصوير: ~~جعل الشيء على صورة معينة أي يخلقكم كما يريد { الأرحام } جمع رحم ~~وهو محل تكون الجنين { محكمات } المحكم: ما كان واضح المعنى قال ~~القرطبي: " المحكم ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره، والمتشابه: ما لم ~~يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر تعالى بعلمه دون خلقه مثل الحروف ~~المقطعة في أوائل السور، هذا أحسن ما قيل فيه " { أم الكتاب } أصل ~~الكتاب وأساسه وعموده { زيغ } ميل عن الحق يقال: زاغ زيغا أي مال ~~ميلا { تأويله } التأويل: التفسير ms0173 وأصله المرجع والمصير من قولهم ~~آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه { والراسخون } الرسوخ: الثبوت في ~~الشيء والتمكن منه قال الشاعر: # لقد رسخت في القلب مني مودة # لليلى أبت أيامها أن تغيرا # سبب النزول: نزلت هذه الآيات في وفد نصارى نجران وكانوا ستين ~~راكبا، فيهم أربعة عشر من أشرافهم ثلاثة منهم أكابرهم " عبد المسيح " ~~أميرهم و " الأيهم " مشيرهم و " أبو حارثة بن علقمة " حبرهم، فقدموا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم منهم أولئك الثلاثة معه فقالوا تارة ~~عيسى هو " الله " لأنه كان يحيي الموتى، وتارة هو " ابن الله " إذ لم ~~يكن له أب، وتارة إنه " ثالث ثلاثة " لقوله تعالى " فعلنا وقلنا " ولو ~~كان واحدا لقال " فعلت وقلت " فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يموت!! قالوا: بلى، قال ~~ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه!! قالوا بلى، قال ألستم ~~تعلمون أن ربنا قائم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه فهل يملك عيسى شيئا ~~من ذلك؟ قالوا: لا، قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ~~ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئا من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا، قال ~~ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث وأن ~~عيسى كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث!! قالوا بلى فقال صلى ~~الله عليه وسلم فكيف يكون كما زعمتم؟ فسكتوا وأبوا إلا الجحود فأنزل ~~الله من أول السورة إلى نيف وثمانين آية. # التفسير: { الم } إشارة إلى إعجاز القرآن وأنه منظوم من أمثال هذه ~~الحروف الهجائية وقد تقدم في أول البقرة { الله لا إله إلا ~~هو } أي لا رب سواه ولا معبود بحق غيره { الحي القيوم } أي ~~الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم على تدبير شئون عباده { نزل ~~عليك الكتاب بالحق } أي نزل عليك يا محمد القرآن بالحجج ~~والبراهين القاطعة { مصدقا لما بين يديه } أي من الكتب ~~المنزلة قبله المطابقة لما ms0174 جاء به القرآن { وأنزل التوراة ~~والإنجيل * من قبل هدى للناس } أي أنزل الكتابين ~~العظيمين " التوراة " و " الإنجيل " من قبل إنزال هذا القرآن هداية ~~لبني إسرائيل { وأنزل الفرقان } أي جنس الكتب السماوية لأنها ~~تفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وقيل: المراد بالفرقان القرآن ~~وكرر تعظيما لشأنه { إن الذين كفروا بآيات الله } أي ~~جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل { لهم عذاب شديد } أي عظيم ~~أليم في الآخرة { والله عزيز ذو انتقام } أي غالب على أمره ~~لا يغلب، منتقم ممن عصاه { إن الله لا يخفى عليه شيء ~~في الأرض ولا في السمآء } أي لا يغيب ولا يغرب عن علمه أمر ~~من الأمور، فهو مطلع على كل ما في الكون لا تخفى عليه خافية { هو ~~الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء } أي يخلقكم في ~~أرحام أمهاتكم كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح { لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم } أي لا رب سواه، متفرد بالوحدانية ~~والألوهية، العزيز في ملكه الحكيم في صنعه، وفي الآية رد على النصارى ~~حيث ادعوا ألوهية عيسى فنبه تعالى بكونه مصورا في الرحم، وأنه لا يعلم ~~الغيب على أنه عبد كغيره من العباد { هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب } أي أنزل عليك يا محمد القرآن العظيم { منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب } أي فيه آيات بينات واضحات ~~الدلالة، لا التباس فيها ولا غموض كآيات الحلال والحرام، هن أصل الكتاب ~~وأساسه { وأخر متشابهات } أي وفيه آيات أخر فيها اشتباه في ~~الدلالة على كثير من الناس، فمن رد المتشابه إلى الواضح المحكم فقد ~~اهتدى، وإن عكس فقد ضل ولهذا قال تعالى { فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه } أي فأما من ~~كان في قلبه ميل عن الهدى إلى الضلال فيتبع المتشابه منه ويفسره على ~~حسب هواه { ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } أي طلبا ~~لفتنة الناس في دينهم، وإيهاما للأتباع بأنهم يبتغون تفسير كلام الله، ~~كما فعل النصارى الضالون حيث احتجوا بقوله تعالى في شأن عيسى # وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه # [النساء: 171] على ms0175 أن عيسى ابن الله أو هو جزء من الله فادعوا ألوهيته ~~وتركوا المحكم وهو قوله تعالى # إن هو إلا عبد أنعمنا عليه # [الزخرف: 59] الدال على أنه عبد من عباد الله ورسول من رسله { وما ~~يعلم تأويله إلا الله } أي لا يعلم تفسير المتشابه ومعناه ~~الحقيقي إلا الله وحده { والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به } أي الثابتون المتمكنون من العلم يؤمنون بالمتشابه وأنه من ~~عند الله { كل من عند ربنا } أي كل من المتشابه والمحكم حق ~~وصدق لأنه كلام الله، قال تعالى { وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب } أي ما يتعظ ويتدبر إلا أصحاب العقول السليمة المستنيرة { ~~ربنا لا تزغ قلوبنا } أي لا تملها عن الحق ولا تضلنا { ~~بعد إذ هديتنا } أي بعد أن هديتنا إلى دينك القويم وشرعك ~~المستقيم { وهب لنا من لدنك رحمة } أي امنحنا من فضلك ~~وكرمك رحمة تثبتنا بها على دينك الحق { إنك أنت الوهاب } أي ~~أنت يا رب المتفضل على عبادك بالعطاء والإحسان { ربنآ إنك ~~جامع الناس ليوم لا ريب فيه } أي جامع الخلائق في ذلك ~~اليوم الرهيب " يوم الحساب " الذي لا شك فيه { إن الله لا ~~يخلف الميعاد } أي وعدك حق وأنت يا رب لا تخلف الموعد، كقوله ~~تعالى # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا # [النساء: 87]؟! # البلاغة: 1- { نزل عليك الكتاب } عبر عن القرآن بالكتاب ~~الذي هو اسم جنس إيذانا بكمال تفوقه على بقية الكتب السماوية كأنه هو ~~الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب. # 2- { لما بين يديه } كناية عما تقدمه وسبقه من الكتب ~~السماوية فسمى ما مضى بين يديه لغاية ظهوره واشتهاره. # 3- { وأنزل الفرقان } أي أنزل سائر ما يفرق بين الحق والباطل ~~فهو من باب عطف العام على الخاص حيث ذكر أولا الكتب الثلاثة ثم عم ~~الكتب كلها لإفادة الشمول مع العناية بالخاص. # 4- { هن أم الكتاب } قال الشريف الرضي: هذه استعارة والمراد ~~بها أن هذه الآيات جماع الكتاب وأصله فهي بمنزلة الأم له، وكأن سائر ~~القرآن ms0176 يتبعها أو يتعلق بها كما يتعلق الولد بأمه ويفزع إليها في مهمه. # 5- { والراسخون في العلم } وهذه استعارة والمراد بها ~~المتمكنون في العلم تشبيها برسوخ الشىء الثقيل في الأرض الخوارة وهو ~~أبلغ من قوله والثابتون في العلم. # الفوائد: الأولى: روى مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تلا { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } الآية ثم ~~قال: # " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله ~~فاحذروهم ". # الثانية: قال القرطبي: أحسن ما قيل في المتشابه والمحكم: أن المحكم ما ~~عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره، والمتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه ~~دون خلقه ولم يكن لأحد إلى علمه سبيل، قال بعضهم: وذلك مثل وقت قيام ~~الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدجال، وعيسى، ونحو الحروف المقطعة ~~في أوائل السور. # الثالثة: آيات القرآن قسمان: محكمات ومتشابهات كما دلت عليه الآية ~~الكريمة، فإن قيل: كيف يمكن التوفيق بين هذه الآية وبين ما جاء في سورة ~~هود أن القرآن كله محكم # كتاب أحكمت آياته # [الآية: 1] وما جاء في الزمر أن القرآن كله متشابه # نزل أحسن الحديث كتابا متشابها # [الآية: 23]؟! فالجواب أنه لا تعارض بين الآيات إذ كل آية لها معنى خاص ~~غير ما نحن في صدده فقوله # أحكمت آياته # [هود: 1] بمعنى أنه ليس به عيب، وأنه كلام حق فصيح الألفاظ، صحيح ~~المعاني وقوله # كتابا متشابها # [الزمر: 23] بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن ويصدق بعضه بعضا، فلا ~~تعارض بين الآيات. # الرابعة: روى البخاري عن سعيد بن جبير أن رجلا قال لابن عباس: إني أجد ~~في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ما هو؟ قال قوله تعالى: # فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101] وقال: # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27] وقال تعالى: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42] وقال # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فقد كتموا في هذه الآية، وفي النازعات ذكر خلق السماء ~~قبل خلق الأرض، وفي فصلت ذكر خلق الأرض قبل خلق السماء، ms0177 وقال: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96] # وكان الله عزيزا حكيما # [النساء: 158] # وكان الله سميعا بصيرا # [النساء: 134] فكأنه كان ثم مضى.. فقال ابن عباس: # فلا أنساب بينهم # [المؤمنون: 101] في النفخة الأولى # فصعق من في السموت ومن في الأرض إلا من شآء ~~الله # [الزمر: 68] فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة ~~أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وأما قوله # ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42] فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون ~~تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم ~~بأعمالهم فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا وعنده يود الذين كفروا لو ~~كانوا مسلمين، وخلق الله الأرض في يومين ثم استوى إلى السماء فسواهن ~~سبع سماوات في يومين، ثم دحا الأرض أي بسطها فأخرج منها الماء والمرعى ~~وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين فذلك قوله # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] فخلقت الأرض وما فيها في أربعة ايام وخلقت السماء في ~~يومين، وقوله # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96] فسمى نفسه ذلك أي لم يزل ولا يزال كذلك، ويحك فلا يختلف ~~عليك القرآن فإن كلا من عند الله. ### || [3.10-17] # المناسبة: لما حكى تعالى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم أن يثبتهم الله ~~على الإيمان، حكى عن الكافرين سبب كفرهم وهو اغترارهم في هذه الحياة ~~بكثرة المال والبنين، وبين أنها لن تدفع عنهم عذاب الله، كما لن تغني ~~عنهم شيئا في الدنيا، وضرب على ذلك الأمثال بغزوة بدر حيث التقى فيها ~~جند الرحمن بجند الشيطان، وكانت النتيجة اندحار الكافرين مع كثرتهم ~~وانتصار المؤمنين مع قلتهم، فلم تنفعهم الأموال ولا الأولاد، ثم أعقب ~~تعالى ذلك بذكر شهوات الدنيا ومتع الحياة التي يتنافس الناس فيها، ثم ~~ختمها بالتذكير بأن ما عند الله خير للأبرار. # اللغة: { تغني } الإغناء: الدفع والنفع { وقود النار } ~~الوقود بفتح الواو الحطب الذي توقد به النار وبالضم مصدر بمعنى الاتقاد ~~{ دأب } الدأب: العادة والشأن وأصله من دأب الرجل في عمله ms0178 إذا جد ~~فيه واجتهد ثم أطلق الدأب على العادة والشأن لأن من دأب على شيء أمدا ~~طويلا صار له عادة { آية } علامة { فئة } جماعة وسميت الجماعة من ~~الناس فئة لأنه يفاء إليها في وقت الشدة { عبرة } العبرة: ~~الاتعاظ ومنه يقال: اعتبر، واشتقاقها من العبور وهو مجاوزة الشيء إلى ~~الشيء ومنه عبور النهر، فالاعتبار انتقال من حالة الجهل إلى حالة العلم ~~{ زين } التزيين: تحسين الشيء وتجميله في عين الإنسان { ~~الشهوات } الشهوة: ما تدعو النفس إليه وتشتهيه والفعل منه اشتهى ~~ويجمع على شهوات { والقناطير } جمع قنطار وهو العقدة الكبيرة من ~~المال أو المال الكثير الذي لا يحصى { المقنطرة } المضعفة وهو ~~للتأكيد كقولك ألوف مؤلفة وأضعاف مضاعفة قاله الطبري، وروي عن الفراء ~~أنه قال: القناطير جمع القنطار، والمقنطرة جمع الجمع فيكون تسع قناطير { ~~المسومة } المعلمة بعلامة تجعلها حسنة المنظر تجتلب الأنظار وقيل ~~المسومة: الراعية وقال مجاهد وعكرمة: إنها الخيل المطهمة الحسان { ~~المآب } المرجع يقال: آب الرجل إيابا ومآبا قال تعالى { إن إلينا ~~إيابهم } { الأسحار } السحر: الوقت الذي قبل طلوع الفجر. # سبب النزول: # " لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ببدر، ورجع إلى ~~المدينة جمع اليهود فقال لهم: يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله ~~بما أصاب قريشا فقد عرفتم أني نبي مرسل، فقالوا يا محمد: لا يغرنك من ~~نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا - يعني جهالا - لا علم لهم ~~بالحرب، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الرجال، وأنك لم تلق مثلنا ~~فأنزل الله { قل للذين كفروا ستغلبون } " # الآية. # التفسير: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم } أي لن تفيدهم الأموال والأولاد، ولن ~~تدفع عنهم من عذاب الله في الآخرة { من الله شيئا } أي من عذاب ~~الله وأليم عقابه { وأولئك هم وقود النار } أي هم حطب ~~جهنم الذي تسجر وتوقد به النار { كدأب آل فرعون } أي حال ~~هؤلاء الكفار وشأنهم كحال وشأن آل فرعون، وصنيعهم مثل صنيعهم { ~~والذين من قبلهم } أي من قبل آل فرعون من ms0179 الأمم الكافرة كقوم ~~هود وصالح وشعيب { كذبوا بآياتنا } أي كذبوا بالآيات التي تدل ~~على رسالات الرسل { فأخذهم الله بذنوبهم } أي أهلكهم ~~وعاقبهم بسبب الكفر والمعاصي { والله شديد العقاب } أي أليم ~~العذاب شديد البطش، والغرض من الآية أن كفار قريش كفروا كما كفر أولئك ~~المعاندون من آل فرعون ومن سبقهم، فكما لم تنفع أولئك أموالهم ولا ~~أولادهم فكذلك لن تنفع هؤلاء. # { قل للذين كفروا } أي قل يا محمد لليهود ولجميع الكفار { ~~ستغلبون } أي تهزمون في الدنيا { وتحشرون إلى جهنم ~~} أي تجمعون وتساقون إلى جهنم { وبئس المهاد } أي بئس المهاد ~~والفراش الذي تمتهدونه نار جهنم { قد كان لكم آية } أي قد كان ~~لكم يا معشر اليهود عظة وعبرة { في فئتين التقتا } أي في ~~طائفتين التقتا للقتال يوم بدر { فئة تقاتل في سبيل الله } ~~أي طائفة مؤمنة تقاتل لإعلاء دين الله { وأخرى كافرة } أي ~~وطائفة أخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت وهم كفار قريش { يرونهم ~~مثليهم } أي يرى الكافرون المؤمنين أكثر منهم مرتين { رأي ~~العين } أي رؤية ظاهرة مكشوفة بالعين المجردة لا بالوهم والخيال، ~~وقيل: المراد يرى المؤمنون الكافرين ضعفيهم في العدد، وذلك أن الله أكثر ~~المؤمنين في أعين الكافرين ليرهبوهم ويجبنوا عن قتالهم، والقول الأول ~~اختيار ابن جرير وهو الأظهر لقوله تعالى { رأي العين } أي رؤية ~~حقيقية لا بالخيال { والله يؤيد بنصره من يشآء } أي ~~يقوي بنصره من يشاء { إن في ذلك لعبرة } أي لآية وموعظة { ~~لأولي الأبصار } أي لذوي العقول السليمة والأفكار المستقيمة. ~~ومغزى الآية أن القوة المادية ليست كل شيء، وأن النصر لا يكون بكثرة ~~العدد والعتاد، وإنما يكون بمعونة الله وتأييده كقوله # إن ينصركم الله فلا غالب لكم # [آل عمران: 160] ثم أخبر تعالى عن اغترار الناس بشهوات الحياة الفانية ~~فقال { زين للناس حب الشهوات من النساء } أي ~~حسن إليهم وحبب إلى نفوسهم الميل نحو الشهوات، وبدأ بالنساء لأن ~~الفتنة بهن أشد، والإلتذاذ بهن أكثر وفي الحديث # " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " # ثم ذكر ما يتولد ms0180 منهن فقال { والبنين } وإنما ثنى بالبنين لأنهم ~~ثمرات القلوب وقرة الأعين كما قال القائل: # وإنما أولادنا بيننا # أكبادنا تمشي على الأرض # لو هبت الريح على بعضهم # لامتنعت عيني عن الغمض # وقدموا على الأموال لأن حب الإنسان لولده أكثر من حبه لماله { ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة } أي ~~الأموال الكثيرة المكدسة من الذهب والفضة، وإنما كان المال محبوبا ~~لأنه يحصل به غالب الشهوات، والمرء يرتكب الأخطار في تحصيله # وتحبون المال حبا جما # [الفجر: 2] والذهب والفضة أصل التعامل ولذا خصا بالذكر { والخيل ~~المسومة } أي الأصيلة الحسان { والأنعام } أي الإبل والبقر ~~والغنم فمنها المركب والمطعم والزينة { والحرث } أي الزرع والغراس ~~لأن فيه تحصيل أقواتهم { ذلك متاع الحياة الدنيا } أي ~~إنما هذه الشهوات زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة { ~~والله عنده حسن المآب } أي حسن المرجع والثواب { قل ~~أؤنبئكم بخير من ذلكم } أي قل يا محمد أأخبركم بخير ~~مما زين للناس من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها الزائل؟ والاستفهام ~~للتقرير { للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار } أي للمتقين يوم القيامة جنات فسيحات تجري من ~~خلال جوانبها وأرجائها الأنهار { خالدين فيها } أي ماكثين فيها أبد ~~الآباد { وأزواج مطهرة } أي منزهة عن الدنس والخبث، الحسي ~~والمعنوي، لا يتغوطن ولا يتبولن ولا يحضن ولا ينفسن، ولا يعتريهن ما ~~يعتري نساء الدنيا { ورضوان من الله } أي ولهم مع ذلك النعيم ~~رضوان من الله وأي رضوان، وقد جاء في الحديث # " أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا " # { والله بصير بالعباد } أي عليم بأحوال العباد يعطي كلا ~~بحسب ما يستحقه من العطاء. ثم بين تعالى صفات هؤلاء المتقين الذين ~~أكرمهم بالخلود في دار النعيم فقال { الذين يقولون ربنآ ~~إننآ آمنا } أي آمنا بك وبكتبك ورسلك { فاغفر لنا ~~ذنوبنا وقنا عذاب النار } أي اغفر لنا بفضلك ورحمتك ذنوبنا ~~ونجنا من عذاب النار { الصابرين والصادقين والقانتين } ~~أي الصابرين على البأساء والضراء، والصادقين في إيمانهم وعند اللقاء، ~~والمطيعين لله في الشدة والرخاء { والمنفقين } أي الذين يبذلون ~~أموالهم في وجوه الخير ms0181 { والمستغفرين بالأسحار } أي وقت ~~السحر قبيل طلوع الفجر. # البلاغة: { من الله } فيه إيجاز بالحذف أي من عذاب الله { ~~شيئا } التنكير للتقليل أي لن تنفعهم أي نفع ولو قليلا { ~~وأولئك هم وقود النار } الجملة إسمية للدلالة على ثبوت ~~الأمر وتحققه { كذبوا بآياتنا فأخذهم الله } فيه ~~التفات من الغيبة إلى الحاضر والأصل فأخذناهم { لكم آية } الأصل " ~~آية لكم " وقدم للإعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، والتنكير في ~~آية للتفخيم والتهويل أي آية عظيمة ومثله التنكير في { رضوان من ~~الله } وقوله تعالى { يرونهم } و { رأي العين } بينهما ~~جناس الاشتقاق { حب الشهوات } يراد به المشتهيات قال الزمخشري: ~~عبر بالشهوات مبالغة كأنها نفس الشهوات، وتنبيها على خستها لأن الشهوة ~~مسترذلة عند الحكماء { بخير من ذلكم } إبهام الخير لتفخيم ~~شأنه والتشويق لمعرفته { للذين اتقوا عند ربهم } قال أبو ~~السعود: التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المتقين لإظهار ~~مزيد اللطف بهم { والقناطير المقنطرة } بينهما من المحسنات ~~البديعية ما يسمى بالجناس الناقص. # فائدة: الأولى: من هو المزين للشهوات؟ قيل: هو الشيطان ويدل عليه ~~قوله تعالى # وزين لهم الشيطان أعمالهم # [النمل: 24] وتزيين الشيطان: وسوسته وتحسينه الميل إليها وقيل: المزين ~~هو الله ويدل عليه # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7] وتزيين الله للابتلاء ليظهر عبد الشهوة من عبد المولى وهو ~~ظاهر قول عمر: " اللهم لا صبر لنا على ما زينت لنا إلا بك ". # الثانية: تخصيص الأسحار بالاستغفار لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة، ~~لأن النفس أصفى، والروح أجمع، والعبادة أشق فكانت أقرب إلى القبول، قال ~~ابن كثير: كان عبد الله بن عمر يصلى من الليل ثم يقول يا نافع: هل جاء ~~السحر؟ فإذا قال نعم أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح. ### || [3.18-25] # المناسبة: لما مدح تعالى المؤمنين وأثنى عليهم بقوله { الذين يقولون ~~ربنا إننا آمنا } أردفه بأن بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية فقال ~~{ شهد الله أنه لا إله إلا هو } ثم بين أن ~~الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده، وأمر الرسول ms0182 بأن يعلن ~~استسلامه لله وانقياده لدين الله، وأعقبه بذكر ضلالات أهل الكتاب ~~واختلافهم في أمر الدين اختلافا كبيرا، وإعراضهم عن قبول حكم الله. # اللغة: { شهد } الشهادة: الإقرار والبيان { القسط } العدل { ~~الدين } أصل الدين في اللغة: الجزاء ويطلق على الملة وهو المراد هنا ~~{ الإسلام } الاسلام في اللغة: الاستسلام والانقياد التام قال ابن ~~الأنباري: المسلم معناه المخلص لله عبادته من قولهم: سلم الشيء لفلان أي ~~خلص له فالإسلام معناه إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى { حآجوك } ~~جادلوك ونازعوك { غرهم } فتنهم { يفترون } يكذبون. # سبب النزول: لما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم ~~عليه حبران من أحبار الشام، فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة والنعت فقالا ~~له: أنت محمد؟ قال نعم، قالا: وأنت أحمد؟ قال نعم، قالا نسألك عن شهادة ~~فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك، فقال لهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: سلاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فنزلت { ~~شهد الله أنه لا إله إلا هو } الآية فأسلم الرجلان ~~وصدقا برسول الله صلى الله عليه وسلم. # التفسير: { شهد الله أنه لا إله إلا هو } أي بين ~~وأعلم تعالى عباده بانفراده بالوحدانية، قال الزمخشري: شبهت دلالته على ~~وحدانيته بشهادة الشاهد في البيان والكشف { والملائكة وأولوا ~~العلم } أي وشهدت الملائكة وأهل العلم بوحدانيته بدلائل خلقه وبديع ~~صنعه { قآئما بالقسط } أي حال كونه مقيما للعدل فيما يقسم من ~~الآجال والأرزاق { لا إله إلا هو } أي لا معبود في الوجود بحق ~~إلا هو { العزيز الحكيم } أي العزيز في ملكه الحكيم في صنعه { ~~إن الدين عند الله الإسلام } أي الشرع المقبول عند الله ~~هو الإسلام، ولا دين يرضاه الله سوى الإسلام { وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم ~~العلم } أي وما اختلف اليهود والنصارى في أمر الإسلام ونبوة محمد ~~عليه السلام، إلا بعد أن علموا بالحجج النيرة والآيات الباهرة حقيقة ~~الأمر، فلم يكن كفرهم عن شبهة وخفاء وإنما كان عن استكبار وعناد، فكانوا ~~ممن ضل عن علم { بغيا بينهم ms0183 } أي حسدا كائنا بينهم حملهم ~~عليه حب الرئاسة { ومن يكفر بآيات الله فإن الله ~~سريع الحساب } وهو وعيد وتهديد أي من يكفر بآياته تعالى فإنه ~~سيصير إلى الله سريعا فيجازيه على كفره { فإن حآجوك فقل ~~أسلمت وجهي لله } أي إن جادلوك يا محمد في شأن الدين فقل ~~لهم: أنا عبد لله قد استسلمت بكليتي لله، وأخلصت عبادتي له وحده، لا ~~شريك له ولا ند ولا صاحبة ولا ولد { ومن اتبعن } أي أنا ~~وأتباعي على ملة الإسلام، مستسلمون منقادون لأمر الله { وقل ~~للذين أوتوا الكتاب والأميين } أي قل لليهود ~~والنصارى والوثنيين من العرب { أأسلمتم } أي هل أسلمتم أم أنتم ~~باقون على كفركم فقد أتاكم من البينات ما يوجب إسلامكم { فإن ~~أسلموا فقد اهتدوا } أي فإن أسلموا كما أسلمتم فقد نفعوا ~~أنفسهم بخروجهم من الضلال إلى الهدى ومن الظلمة إلى النور { وإن ~~تولوا فإنما عليك البلاغ } أي وإن أعرضوا فلن يضروك ~~يا محمد إذ لم يكلفك الله بهدايتهم وإنما أنت مكلف بالتبليغ فحسب ~~والغرض منها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم { والله بصير ~~بالعباد } أي عالم بجميع أحوالهم فيجازيهم عليها، روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية على أهل الكتاب ~~قالوا: أسلمنا فقال عليه السلام لليهود: أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ~~ورسوله! فقالوا: معاذ الله، فقال للنصارى: أتشهدون أن عيسى عبد الله ~~ورسوله! فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبدا وذلك قوله عز وجل { وإن ~~تولوا } " # { إن الذين يكفرون بآيات الله } أي يكذبون بما أنزل ~~الله { ويقتلون النبيين بغير حق } أي يقتلون أنبياء ~~الله بغير سبب ولا جريمة إلا لكونهم دعوهم إلى الله، وهم اليهود قتلوا ~~زكريا وابنه يحيى وقتلوا أنبياء الله، قال ابن كثير: " قتلت بنو إسرائيل ~~ثلاثمائة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق بقلهم من آخره " { ~~ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } أي ~~يقتلون الدعاة إلى الله الذين يأمرون بالخير والعدل { فبشرهم ~~بعذاب أليم } أي أخبرهم بما يسرهم وهو العذاب الموجع المهين، ~~والأسلوب للتهكم ms0184 وقد استحقوا ذلك لأنهم جمعوا ثلاثة أنواع من الجرائم: ~~الكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء، وقتل الدعاة إلى الله قال تعالى ~~مبينا عاقبة إجرامهم { أولئك الذين حبطت أعمالهم ~~في الدنيا والآخرة } أي بطلت أعمالهم التي عملوها من البر ~~والحسنات، ولم يبق لها أثر في الدارين، بل بقي لهم اللعنة والخزي في ~~الدنيا والآخرة { وما لهم من ناصرين } أي ليس لهم من ينصرهم ~~من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.. ثم ذكر تعالى طرفا من لجاج وعناد ~~أهل الكتاب فقال { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب } أي ألا تعجب يا محمد من أمر هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب! فالصيغة صيغة تعجيب للرسول أو لكل مخاطب قال الزمخشري: يريد ~~أحبار اليهود وأنهم حصلوا نصيبا وافرا من التوراة { يدعون إلى ~~كتاب الله ليحكم بينهم } أي يدعون إلى التوراة كتابهم ~~الذي بين أيديهم والذي يعتقدون صحته، ليحكم بينهم فيما تنازعوا فيه ~~فيأبون { ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } أي ~~ثم يعرض فريق منهم عن قبول حكم الله، وهو استبعاد لتوليهم بعد علمهم ~~بوجوب الرجوع إليه، وجملة { وهم معرضون } تأكيد للتولي أي وهم ~~قوم طبيعتهم الإعراض عن الحق، والإصرار على الباطل، والآية كما يقول ~~المفسرون تشير إلى قصة تحاكم اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~زنى منهم إثنان فحكم عليهما بالرجم فأبوا وقالوا: لا نجد في كتابنا إلا ~~التحميم فجيء بالتوراة فوجد فيها الرجم فرجما، فغضبوا فشنع تعالى عليهم ~~بهذه الآية { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودات } أي ذلك التولي والإعراض بسبب افترائهم ~~على الله وزعمهم أنهم أبناء الأنبياء وأن النار لن تصيبهم إلا مدة يسيرة ~~- أربعين يوما - مدة عبادتهم للعجل { وغرهم في دينهم ما ~~كانوا يفترون } أي غرهم كذبهم على الله { فكيف إذا ~~جمعناهم ليوم لا ريب فيه } أي كيف يكون حالهم يوم ~~القيامة حين يجمعهم الله للحساب!! وهو استعظام لما يدهمهم من الشدائد ~~والأهوال { ووفيت كل نفس ما كسبت } أي نالت كل نفس ~~جزاءها العادل { وهم ms0185 لا يظلمون } أي لا يظلمون بزيادة العذاب أو ~~نقص الثواب. # البلاغة: 1- { إن الدين عند الله الإسلام } الجملة ~~معرفة الطرفين فتفيد الحصر أي لا دين إلا الإسلام. # 2- { الذين أوتوا الكتاب } التعبير عن اليهود والنصارى بقوله ~~" أوتوا الكتاب " لزيادة التشنيع والتقبيح عليهم فإن الاختلاف مع علمهم ~~بالكتاب في غاية القبح والشناعة. # 3- { بآيات الله فإن الله } إظهار الاسم الجليل لتربية ~~المهابة وإدخال الروعة في النفس. # 4- { أسلمت وجهي } أطلق الوجه وأراد الكل فهو مجاز مرسل من ~~إطلاق الجزء وإرادة الكل. # 5- { فبشرهم بعذاب أليم } الأصل في البشارة أن تكون في ~~الخير واستعمالها في الشر للتهكم ويسمى " الأسلوب التهكمي " حيث نزل ~~الإنذار منزلة البشارة السارة كقوله # بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما # [النساء: 138] وهو أسلوب مشهور. # فائدة: قال القرطبي: في هذه الآية دليل على فضل العلم، وشرف العلماء، ~~فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما ~~قرن اسم العلماء، ويكفي في شرف العلم قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: # وقل رب زدني علما # [طه: 114] وقوله صلى الله عليه وسلم: # " إن العلماء ورثة الأنبياء " # وفي حديث ابن مسعود أن من قرأ قوله تعالى { شهد الله أنه ~~لا إله إلا هو } الآية فإنه يجاء به يوم القيامة فيقول الله ~~تعالى: عبدي عهد إلي عهدا وأنا أحق من وفى، أدخلوا عبدي الجنة. # لطيفة: من أطرف ما قرأت في بيان فضل العلم تلك المحاورة اللطيفة بين ~~العقل والعلم حيث يقول القائل وقد أبدع وأجاد: # علم العليم وعقل العاقل اختلفا # من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا # فالعلم قال: أنا أحرزت غايته # والعقل قال: أنا الرحمن بي عرفا # فأفصح العلم إفصاحا وقال له # بأينا الله في فرقانه اتصفا # فبان للعقل أن العلم سيده # فقبل العقل رأس العلم وانصرفا ### || [3.26-32] # المناسبة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة دلائل التوحيد والنبوة ~~وصحة دين الإسلام، أعقبه بذكر البشائر التي تدل على قرب نصر الله ~~للإسلام والمسلمين، فالأمر كله بيد الله يعز من يشاء ويذل من يشاء، وأمر ~~رسوله بالدعاء ms0186 والابتهال إلى الله بأن يعز جند الحق وينصر دينه المبين. # اللغة: { اللهم } أصله يا ألله حذفت أداة النداء واستعيض عنها ~~بالميم المشددة هكذا قال الخليل وسيبويه { تنزع } تسلب ويعبر به عن ~~الزوال يقال: نزع الله عنه الشر أي أزاله { تولج } الإيلاج: الإدخال ~~يقال: ولج يلج ولوجا ومنه # حتى يلج الجمل في سم الخياط # [الأعراف: 40] { أمدا } الأمد: غاية الشيء ومنتهاه وجمعه آماد { ~~تقاة } تقية وهي مداراة الإنسان مخافة شره. # سبب النزول: أ - لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ووعد ~~أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ~~ملك فارس والروم!! هم أعز وأمنع من ذلك ألم يكفه مكة حتى طمع في ملك ~~فارس والروم فأنزل الله { قل اللهم مالك الملك تؤتي ~~الملك من تشآء... } الآية. # ب - عن ابن عباس أن " عبادة بن الصامت " - وكان بدريا تقيا - كان له ~~حلف مع اليهود، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال له ~~عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي ~~فأستظهر بهم على العدو فأنزل الله { لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين أوليآء } الآية. # التفسير: { قل اللهم مالك الملك } أي قل: يا ألله يا ~~مالك كل شيء { تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ~~ممن تشآء } أي أنت المتصرف في الأكوان، تهب الملك لمن تشاء وتخلع ~~الملك ممن تشاء { وتعز من تشآء وتذل من تشآء } أي تعطي ~~العزة لمن تشاء والذلة لمن تشاء { بيدك الخير إنك على ~~كل شيء قدير } أي بيدك وحدك خزائن كل خير وأنت على كل شيء قدير ~~{ تولج الليل في النهار وتولج النهار في ~~الليل } أي تدخل الليل في النهار كما تدخل النهار في الليل، فتزيد ~~في هذا وتنقص في ذاك والعكس، وهكذا في فصول السنة شتاء وصيفا { ~~وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من ~~الحي } أي تخرج الزرع من الحب والحب من الزرع، والنخلة من النواة ~~والنواة من النخلة، والبيضة من الدجاجة والدجاجة من البيضة، والمؤمن ms0187 من ~~الكافر والكافر من المؤمن هكذا قال ابن كثير، وقال الطبري: " وأولى ~~التأويلات بالصواب تأويل من قال: يخرج الإنسان الحي والأنعام والبهائم ~~من النطف الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي والأنعام ~~والبهائم الأحياء " { وترزق من تشآء بغير حساب } أي تعطي ~~من تشاء عطاء واسعا بلا عد ولا تضييق. # . ثم نهى تعالى عن اتخاذ الكافرين أنصارا وأحبابا فقال { لا ~~يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين } أي لا توالوا أعداء الله وتتركوا أولياءه فمن غير ~~المعقول أن يجمع الإنسان بين محبة الله وبين محبة أعدائه قال الزمخشري: ~~نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة أو غير ذلك من الأسباب ~~التي يتصادق بها ويتعاشر { ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شيء } أي من يوال الكفرة فليس من دين الله في شيء { ~~إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي إلا أن تخافوا منهم ~~محذورا أو تخافوا أذاهم وشرهم، فأظهروا موالاتهم باللسان دون القلب، ~~لأنه من نوع مداراة السفهاء كما روي " إنا لنبش في وجوه أقوام وقلوبنا ~~تلعنهم " { ويحذركم الله نفسه } أي يخوفكم الله عقابه ~~الصادر منه تعالى { وإلى الله المصير } أي المنقلب والمرجع ~~فيجازي كل عامل بعمله { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو ~~تبدوه يعلمه الله } أي إن أخفيتم ما في قلوبكم من موالاة ~~الكفار أو أظهرتموه فإن الله مطلع عليه لا تخفى عليه خافية { ويعلم ~~ما في السموت وما في الأرض } أي عالم بجميع الأمور، يعلم ~~كل ما هو حادث في السماوات والأرض { والله على كل شيء ~~قدير } أي وهو سبحانه قادر على الانتقام ممن خالف حكمه وعصى أمره، وهو ~~تهديد عظيم { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ~~محضرا } أي يوم القيامة يجد كل إنسان جزاء عمله حاضرا لا يغيب ~~عنه، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فإن كان عمله حسنا سره ذلك وأفرحه ~~{ وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه ~~أمدا بعيدا } أي وإن كان عمله سيئا تمنى أن لا يرى عمله، ~~وأحب أن ms0188 يكون بينه وبين عمله القبيح غاية في نهاية البعد أي مكانا ~~بعيدا كما بين المشرق والمغرب { ويحذركم الله نفسه } أي ~~يخوفكم عقابه { والله رؤوف بالعباد } أي رحيم بخلقه يحب لهم ~~أن يستقيموا على صراطه المستقيم { قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله } أي قل لهم يا محمد إن كنتم حقا ~~تحبون الله فاتبعوني لأني رسوله يحبكم الله { ويغفر لكم ~~ذنوبكم والله غفور رحيم } أي باتباعكم الرسول وطاعتكم ~~لأمره يحبكم الله ويغفر لكم ما سلف من الذنوب قال ابن كثير: " هذه الآية ~~الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، ~~فإنه كاذب في دعواه تلك حتى يتبع الشرع المحمدي في جميع أقواله وأفعاله ~~" ثم قال تعالى: { قل أطيعوا الله والرسول } أي أطيعوا أمر ~~الله وأمر رسوله { فإن تولوا } أي أعرضوا عن الطاعة { فإن ~~الله لا يحب الكافرين } أي لا يحب من كفر بآياته وعصى رسله ~~بل يعاقبه ويخزيه # يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه # [التحريم: 8]. # البلاغة: جمعت هذه الآيات الكريمة من ضروب الفصاحة وفنون البلاغة ما ~~يلي: # 1- الطباق في مواضع مثل " تؤتي وتنزع " و " تعز وتذل " و " الليل ~~والنهار " و " الحي والميت " و " تخفوا وتبدوا " وفي " خير وسوء " و " ~~محضرا وبعيدا ". # 2- والجناس الناقص في " مالك الملك " وفي " تحبون ويحببكم " وجناس ~~الاشتقاق بين " تتقوا وتقاة " وبين " يغفر وغفور ". # 3- رد العجز على الصدر في { تولج الليل في النهار } { ~~وتولج النهار في الليل }. # 4- التكرار في جمل للتفخيم والتعظيم كقوله { تؤتي الملك من ~~تشآء وتنزع الملك ممن تشآء }. # 5- الإيجاز بالحذف في مواطن عديدة كقوله { تؤتي الملك من ~~تشآء } أي من تشاء أن تؤتيه ومثلها وتنزع، وتعز، وتذل. # 6- { تولج الليل في النهار } قال في تلخيص البيان: وهذه ~~استعارة عجيبة وهي عبارة عن إدخال هذا على هذا، وهذا على هذا فما ينقصه ~~من الليل يزيده في النهار والعكس، ولفظ الإيلاج أبلغ لأنه يفيد إدخال ~~كل واحد منهما في الآخر بلطيف الممازجة وشديد الملابسة. # 7- { تخرج الحي من الميت وتخرج الميت ms0189 من ~~الحي } الحي والميت مجاز عن المؤمن والكافر فقد شبه المؤمن بالحي ~~والكافر بالميت والله أعلم. # فائدة: في الاقتصار على ذكر الخير { بيدك الخير } دون ذكر ~~الشر تعليم لنا الأدب مع الله فالشر لا ينسب إلى الله تعالى أدبا وإن ~~كان منه خلقا وتقديرا # قل كل من عند الله # [النساء: 78]. # تنبيه: روى مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه ~~قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه ~~قال فيحبه أهل السماء، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض ~~فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض ~~فلانا فأبغضوه فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض ". ### || [3.33-41] # المناسبة: لما بين تعالى أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل ~~وطاعتهم، بين علو درجات الرسل وشرف مناصبهم، فبدأ بآدم أولهم، وثنى ~~بنوح أبي البشر الثاني، ثم أتى ثالثا بآل إبراهيم فاندرج فيهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأنه من ولد إسماعيل، ثم أتى رابعا بآل عمران ~~فاندرج فيه عيسى عليه السلام، وأعقب ذلك بذكر ثلاث قصص: قصة ولادة مريم، ~~وقصة ولادة يحيى، وقصة ولادة عيسى، وكلها خوارق للعادة تدل على قدرة ~~العلي القدير. # اللغة: { اصطفى } اختار وأصله من الصفوة أي جعلهم صفوة خلقه { ~~محررا } مأخوذ من الحرية وهو الذي يجعل حرا خالصا، والمراد ~~الخالص لله عز وجل الذي لا يشوبه شيء من أمر الدنيا { أعيذها } عاذ ~~بكذا: اعتصم به { وكفلها } الكفالة: الضمان يقال كفل يكفل فهو ~~كافل، وهو الذي ينفق على إنسان ويهتم بمصالحه وفي الحديث # " أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين " # { المحراب } الموضع العالي الشريف، قال أبو عبيدة: سيد المجالس ~~وأشرفها ومقدمها وكذلك هو من المسجد { حصورا } من الحصر وهو الحبس، ~~وهو الذي يحبس نفسه عن الشهوات، وللمفسرين في معناه قولان نختار منهما ما ~~اختاره المحققون: أنه الذي لا يأتي النساء لا لعجز ms0190 بل للعفة { عاقر } ~~عقيم لا تلد والعاقر من لا يولد له من رجل أو امرأة { رمزا } الرمز: ~~الإشارة باليد أو بالرأس أو بغيرهما قال الطبري: الإيماء بالشفتين وقد ~~يستعمل في الحاجبين والعينين { العشي } من حين زوال الشمس إلى ~~غروبها { الإبكار } من طلوع الشمس إلى وقت الضحى قال الشاعر: # فلا الظل من برد الضحى تستطيعه # ولا الفيء من برد العشي تذوق # التفسير: { إن الله اصطفى ءادم } أي اختار للنبوة صفوة ~~خلقه منهم آدم أبو البشر { ونوحا } شيخ المرسلين { وآل إبراهيم ~~} أي عشيرته وذوي قرباه وهم إسماعيل وإسحاق والأنبياء من أولادهما ومن ~~جملتهم خاتم المرسلين { وآل عمران } أي أهل عمران ومنهم عيسى بن ~~مريم خاتم أنبياء بني إسرائيل { على العالمين } أي عالمي زمانهم ~~قال القرطبي: وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء لأن الأنبياء والرسل ~~جميعا من نسلهم { ذرية بعضها من بعض } أي اصطفاهم ~~متجانسين في الدين والتقى والصلاح { والله سميع عليم } أي ~~سميع لأقوال العباد عليم بضمائرهم { إذ قالت امرأت عمران } ~~أي اذكر لهم وقت قول امرأة عمران واسمها " حنة بنت فاقود " { رب ~~إني نذرت لك ما في بطني } أي نذرت لعبادتك وطاعتك ما أحمله ~~في بطني { محررا } أي مخلصا للعبادة والخدمة { فتقبل مني ~~إنك أنت السميع العليم } أي السميع لدعائي العليم بنيتي { ~~فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ أنثى } أي ~~لما ولدتها قالت على وجه التحسر والاعتذار يا رب إنها أنثى قال ابن ~~عباس: إنما قالت هذا لأنه لم يكن يقبل في النذر إلا الذكور فقبل الله ~~مريم قال تعالى { والله أعلم بما وضعت } أي والله أعلم ~~بالشيء الذي وضعت قالت ذلك أولم تقله { وليس الذكر كالأنثى ~~} أي ليس الذكر الذي طلبته كالأنثى التي وهبتها بل هذه أفضل ~~والجملتان معترضتان من كلامه تعالى تعظيما لشأن هذه المولودة وما علق ~~بها من عظائم الأمور وجعلها وابنها آية للعالمين { وإني سميتها ~~مريم } من تتمة كلام امرأة عمران والأصل إني وضعتها أنثى وإني ~~سميتها مريم أي أسميت هذه الأنثى مريم ومعناه في لغتهم العابدة ms0191 خادمة ~~الرب { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان ~~الرجيم } أي أجيرها بحفظك وأولادها من شر الشيطان الرجيم، فاستجاب ~~الله لها ذلك قال تعالى { فتقبلها ربها بقبول حسن } أي ~~قبلها الله قبولا حسنا قال ابن عباس: سلك بها طريق السعداء { ~~وأنبتها نباتا حسنا } أي رباها تربية كاملة ونشأها تنشئة ~~صالحة { وكفلها زكريا } أي جعل زكريا كافلا لها ومتعهدا ~~للقيام بمصالحها، حتى إذا بلغت مبلغ النساء انزوت في محرابها تتعبد الله ~~{ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا } أي كلما دخل عليها زكريا حجرتها ومكان عبادتها وجد عندها فاكهة ~~وطعاما، قال مجاهد: وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في ~~الصيف { قال يمريم أنى لك هذا }؟ أي من أين لك هذا؟ { ~~قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء ~~بغير حساب } أي رزقا واسعا بغير جهد ولا تعب { هنالك دعا ~~زكريا ربه } أي في ذلك الوقت الذي رأى فيه زكريا كرامة الله ~~لمريم دعا ربه متوسلا ومتضرعا { قال رب هب لي من لدنك ~~ذرية طيبة } أي أعطني من عندك ولدا صالحا - وكان شيخا ~~كبيرا وامرأته عجوزا وعاقرا - ومعنى طيبة صالحة مباركة { إنك ~~سميع الدعآء } أي مجيب لدعاء من ناداك { فنادته ~~الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب } أي ناداه ~~جبريل حال كون زكريا قائما في الصلاة { أن الله يبشرك ~~بيحيى } أي يبشرك بغلام اسمه يحيى { مصدقا بكلمة من ~~الله } أي مصدقا بعيسى مؤمنا برسالته، وسمي عيسى كلمة الله لأنه خلق ~~بكلمة " كن " من غير أب { وسيدا } أي يسود قومه ويفوقهم { ~~وحصورا } أي يحبس نفسه عن الشهوات عفة وزهدا ولا يقرب النساء مع ~~قدرته على ذلك، وما قاله بعض المفسرين أنه كان عنينا فباطل لا يجوز على ~~الأنبياء لأنه نقص وذم والآية وردت مورد المدح والثناء { ونبيا ~~من الصالحين } أي ويكون نبيا من الأنبياء الصالحين قال ابن ~~كثير: وهذه بشارة ثانية بنبوته بعد البشارة بولادته وهي أعلى من الأولى ~~كقوله لأم موسى # إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7] { قال ms0192 رب أنى يكون لي غلام } أي كيف يأتينا ~~الولد { وقد بلغني الكبر } أي أدركتني الشيخوخة وكان عمره ~~حينذاك مائة وعشرين سنة { وامرأتي عاقر } أي عقيم لا تلد وكانت ~~زوجته بنت ثمان وتسعين سنة، فقد اجتمع فيهما الشيخوخة والعقم في الزوجة ~~وكل من السببين مانع من الولد { قال كذلك الله يفعل ما ~~يشآء } أي لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر { قال رب اجعل لي ~~آية } أي علامة على حمل امرأتي { قال آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } أي علامتك عليه أن لا تقدر ~~على كلام الناس إلا بالإشارة ثلاثة أيام بلياليها مع أنك سوي صحيح ~~والغرض أنه يأتيه مانع سماوي يمنعه من الكلام بغير ذكر الله { واذكر ~~ربك كثيرا } أي اذكر الله ذكرا كثيرا بلسانك شكرا على النعمة، ~~فقد منع عن الكلام ولم يمنع عن الذكر لله والتسبيح له وذلك أبلغ في ~~الإعجاز { وسبح بالعشي والإبكار } أي نزه الله عن صفات ~~النقص بقولك سبحان الله في آخر النهار وأوله. # وقيل: المراد صل لله، قال الطبري: يعني عظم ربك بعبادته بالعشي ~~والإبكار. # البلاغة: 1- { والله أعلم بما وضعت } { وليس ~~الذكر كالأنثى } جملتان معترضتان لتعظيم الموضوع ورفع منزلة ~~المولود. # 2- { وإني أعيذها } صيغة المضارع للدلالة على الاستمرار ~~والتجدد. # 3- { وأنبتها نباتا حسنا } شبهها في نموها وترعرعها بالزرع ~~الذي ينمو شيئا فشيئا، والكلام مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع ~~أحوالها بطريق الاستعارة التبعية. # 4- { فنادته الملائكة } المنادي جبريل وعبر عنه باسم ~~الجماعة تعظيما له لأنه رئيسهم. # 5- { بالعشي والإبكار } بين كلمتي العشي والإبكار طباق ~~وهو من المحسنات البديعية. # الفوائد: الأولى: روي أن " حنة " امرأة عمران كانت عجوزا عاقرا ~~فبينما هي ذات يوم تحت ظل شجرة إذ رأت طائرا يطعم فرخه فحنت إلى ~~الولد وتمنته وقالت: اللهم إن لك علي نذرا إن رزقتني ولدا أن أتصدق ~~به على بيت المقدس فيكون من سدنته ثم هلك عمران وهي حامل وهذا سر النذر. # الثانية: قال ابن كثير عند قوله تعالى { كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا } قال: ms0193 والآية فيها ~~دلالة على كرامات الأولياء، وفي السنة بهذا نظائر كثيرة وساق بسنده عن ~~جابر قصة الجفنة وخلاصتها # " أن النبي صلى الله عليه وسلم جاع أياما فدخل على ابنته فاطمة الزهراء ~~يسألها عن الطعام فلم يكن عندها شيء وأرسلت إليها جارتها برغيفين وقطعة ~~لحم فوضعتها في جفنة ثم رأت الجفنة وقد امتلأت لحما وخبزا ". ### || [3.42-51] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصة ولادة " يحيى بن زكريا " من عجوز عاقر ~~وشيخ قد بلغ من الكبر عتيا، وذلك بمقتضى السنن الكونية شيء خارق ~~للعادة، أعقبها بما هو أبلغ وأروع في خرق العادات، فذكر قصة ولادة السيد ~~المسيح عيسى من غير أب وهي شيء أعجب من الأول، والغرض من ذكر هذه القصة ~~الرد على النصارى الذين ادعوا ألوهية عيسى، فذكر ولادته من مريم البتول ~~ليدل على بشريته، وأعقبه بذكر ما أيده به من المعجزات ليشير إلى رسالته، ~~وأنه أحد الرسل الكرام الذين أظهر الله على أيديهم خوارق العادات، وليس ~~له شيء من أوصاف الربوبية. # اللغة: { أنبآء } جمع نبأ وهو الخبر الهام { نوحيه } الوحي: ~~إلقاء المعنى في النفس في خفاء { أقلامهم } القلم معروف وهو الذي ~~يكتب به وقد يطلق على السهم الذي يقترع به وهو المراد هنا { المسيح } ~~لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق وأصله مشيحا بالعبرانية ~~ومعناه المبارك { وجيها } شريفا ذا جاه وقدر، والوجاهة الشرف ~~والقدر { المهد } فراش الطفل { كهلا } الكهل: ما بين الشاب والشيخ ~~والمرأة كهلة { الأكمه } الذي يولد أعمى { الأبرص } المصاب ~~بالبرص وهو بياض يعتري الجلد وداء عضال. # التفسير: { وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله ~~اصطفاك } أي اذكر وقت قول الملائكة أي جبريل يا مريم إن الله اختارك ~~من بين سائر النساء فخصك بالكرامات { وطهرك } من الأدناس ~~والأقذار ومما اتهمك به اليهود من الفاحشة { واصطفاك على ~~نسآء العالمين } أي اختارك على سائر نساء العالمين لتكوني مظهر ~~قدرة الله في إنجاب ولد بدون أب { يمريم اقنتي لربك } أي ~~إلزمي عبادته وطاعته شكرا على اصطفائه { واسجدي واركعي مع ~~الراكعين } أي صلي لله مع المصلين { ذلك ms0194 من أنبآء ~~الغيب نوحيه إليك } أي هذا الذي قصصناه عليك من قصة امرأة ~~عمران وابنتها مريم البتول ومن قصة زكريا يحيى إنما هو من الانباء ~~المغيبة والأخبار الهامة التي أوحينا بها إليك يا محمد ما كنت تعلمها من ~~قبل { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم ~~يكفل مريم } أي ما كنت عندهم إذ يختصمون ويتنافسون على كفالة ~~مريم حين ألقوا سهامهم للقرعة كل يريدها في كنفه ورعايته { وما كنت ~~لديهم إذ يختصمون } أي يتنازعون فيمن يكفلها منهم، والغرض ~~أن هذه الأخبار كانت وحيا من عند الله العليم الخبير.. روي أن حنة حين ~~ولدتها لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار وهم في ~~بيت المقدس كالحجبة في الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا ~~فيها لأنها كانت بنت إمامهم ثم اقترعوا فخرجت في كفالة زكريا فكفلها قال ~~ابن كثير: وإنما قدر الله كون زكريا كافلا لها لسعادتها لتقتبس منه ~~علما جما وعملا صالحا { إذ قالت الملائكة يمريم ~~إن الله يبشرك بكلمة منه } أي بمولود يحصل بكلمة ~~من الله بلا واسطة أب { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } أي ~~اسمه عيسى ولقبه المسيح، ونسبه إلى أمه تنبيها على أنها تلده بلا أب { ~~وجيها في الدنيا والآخرة } أي سيدا ومعظما فيهما { ومن ~~المقربين } عند الله { ويكلم الناس في المهد ~~وكهلا } أي طفلا قبل وقت الكلام ويكلمهم كهلا قال الزمخشري " ~~ومعناه يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين ~~حال الطفولة وحال الكهولة " ولا شك أن ذلك غاية في الاعجاز { ومن ~~الصالحين } أي وهو من الكاملين في التقى والصلاح { قالت رب ~~أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } أي كيف يأتيني ~~الولد وأنا لست بذات زوج؟ { قال كذلك الله يخلق ما يشآء ~~} أي هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شيء يخلق بسبب من الوالدين وبغير سبب ~~{ إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } أي ~~إذا أراد شيئا حصل من غير تأخر ولا حاجة إلى سبب، يقول له كن فيكون ms0195 ~~{ ويعلمه الكتاب } أي الكتابة { والحكمة } أي السداد في ~~القول والعمل أو سنن الأنبياء { والتوراة والإنجيل } أي ~~ويجعله يحفظ التوراة والإنجيل قال ابن كثير: وقد كان عيسى يحفظ هذا وهذا ~~{ ورسولا إلى بني إسرائيل } أي ويرسله رسولا إلى بني ~~إسرائيل قائلا لهم { أني قد جئتكم بآية من ربكم } ~~أي بأني قد جئتكم بعلامة تدل على صدقي وهي ما أيدني الله به من ~~المعجزات، وآية صدقي { أني أخلق لكم من الطين ~~كهيئة الطير } أي أصور لكم من الطين مثل صورة الطير { ~~فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله } أي أنفخ في تلك ~~الصورة فتصبح طيرا بإذن الله. # قال ابن كثير: وكذلك كان يفعل، يصور من الطين شكل طير ثم ينفخ فيه ~~فيطير عيانا بإذن الله عز وجل الذي جعل هذا معجزة له تدل على أنه ~~أرسله، وهذه المعجزة الأولى { وأبرىء الأكمه والأبرص } أي ~~أشفي الذي ولد أعمى كما أشفي المصاب بالبرص، وهذه المعجزة الثانية { ~~وأحي الموتى بإذن الله } أي أحيي بعض الموتى لا بقدرتي ~~ولكن بمشيئة الله وقدرته، وقد أحيا أربعة أنفس: عازر وكان صديقا له، ~~وابن العجوز، وبنت العاشر، وسام بن نوح هكذا ذكر القرطبي وغيره، وكرر لفظ ~~" بإذن الله " دفعا لتوهم الألوهية، وهذه المعجزة الثالثة { ~~وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } ~~أي وأخبركم بالمغيبات من أحوالكم التي لا تشكون فيها فكان يخبر الشخص ~~بما أكل وما ادخر في بيته وهذه هي المعجزة الرابعة { إن في ذلك ~~لآية لكم إن كنتم مؤمنين } أي فيما أتيتكم به من المعجزات ~~علامة واضحة تدل على صدقي إن كنتم مصدقين بآيات الله، ثم أخبرهم أنه ~~جاء مؤيدا لرسالة موسى فقال { ومصدقا لما بين يدي من ~~التوراة } أي وجئتكم مصدقا لرسالة موسى، مؤيدا لما جاء به في ~~التوراة { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } أي ~~ولأحل لكم بعض ما كان محرما عليكم في شريعة موسى قال ابن كثير: وفيه ~~دليل على أن عيسى نسخ بعض شريعة التوراة وهو الصحيح { وجئتكم ~~بآية من ربكم } أي جئتكم بعلامة ms0196 شاهدة على صحة رسالتي وهي ما ~~أيدني الله به من المعجزات وكرر تأكيدا { فاتقوا الله ~~وأطيعون } أي خافوا الله وأطيعوا أمري { إن الله ربي ~~وربكم فاعبدوه } أي أنا وأنتم سواء في العبودية له جل وعلا ~~{ هذا صراط مستقيم } أي فإن تقوى الله وعبادته، والإقرار ~~بوحدانيته هو الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. # البلاغة: 1- { وإذ قالت الملائكة } أطلق الملائكة وأريد ~~به جبريل فهو من باب تسمية الخاص باسم العام تعظيما له ويسمى المجاز ~~المرسل. # 2- { اصطفاك وطهرك واصطفاك } تكرر لفظ اصطفاك كما تكرر ~~لفظ " مريم " وهذا من باب الإطناب. # 3- { ولم يمسسني بشر } كنى عن الجماع بالمس كما كنى عنه ~~بالحرث واللباس والمباشرة. # 4- { ولأحل لكم بعض الذي حرم } بين لفظ { أحل } و ~~{ حرم } من المحسنات البديعية الطباق، كما ورد الحذف في عدة مواضع ~~والإطناب في عدة مواضع، وهناك نواح بلاغية أخرى ضربنا عنها صفحا خشية ~~الإطالة. # فائدة: جاء التعبير هنا بقوله { كذلك الله يخلق ما ~~يشآء } وفي قصة يحيى # كذلك الله يفعل ما يشآء # [آل عمران: 40] والسر في ذلك هو أن خلق عيسى من غير أب إيجاد واختراع ~~من غير سبب عادي فناسبه ذكر الخلق، وهناك الزوجة والزوج موجودان ولكن ~~وجود الشيخوخة والعقم مانع في العادة من وجود الولد فناسبه ذكر الفعل ~~والله أعلم. # تنبيه: قال بعض العلماء: الحكمة في أن الله لم يذكر في القرآن امرأة ~~باسمها إلا " مريم " هي الإشارة من طرف خفي إلى رد ما قاله النصارى ~~من أنها زوجته فإن العظيم يأنف من ذكر اسم زوجته بين الناس ولينسب ~~إليها عيسى باعتبار عدم وجود أب له ولهذا قال في الآية { اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم }. ### || [3.52-63] # المناسبة: لا تزال الآيات تتحدث عن قصة المسيح عيسى بن مريم عليه ~~السلام، وقد ذكر تعالى في الآيات السابقة بشارة مريم بالسيد المسيح، ثم ~~أعقبها بذكر معجزاته وكلها براهين ساطعة تدل على نبوته عليه السلام، ومع ~~كل البراهين والمعجزات التي أيده الله بها فإن الكثيرين من بني ~~إسرائيل لم يؤمنوا به وقد عزم ms0197 أعداء الله " اليهود " على قتله فنجاه ~~الله من شرهم ورفعه إلى السماء. # اللغة: { أحس } عرف وتحقق وأصله من الإحساس وهو الإدراك ببعض ~~الحواس الخمس { الحواريون } جمع حواري وهو صفوة الرجل وخاصته ومنه ~~قيل للحضريات حواريات لخلوص ألوانهن وبياضهن قال الشاعر: # فقل للحواريات يبكين غيرنا # ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح # والحواريون أتباع عيسى كالصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم سموا ~~حواريين لصفاء قلوبهم ونقاء سرائرهم { مكروا } المكر: الخداع وأصله ~~السعي بالفساد في خفية قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم، ~~ومكر الله استدراجه لعباده من حيث لا يعلمون حكي عن الفراء وغيره { ~~نبتهل } نتضرع في الدعاء، وأصل الابتهال: الاجتهاد في الدعاء ~~باللعن، والبهلة اللعنة. # سبب النزول: لما قدم وفد نصارى نجران، وجادلوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في أمر عيسى، قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: مالك تشتم ~~صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ قالوا: تقول إنه عبد قال: أجل إنه عبد الله ~~ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، فغضبوا وقالوا: هل رأيت ~~إنسانا قط من غير أب؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله فأنزل الله { إن ~~مثل عيسى عند الله كمثل ءادم } الآية وروي أنه عليه ~~السلام لما دعاهم إلى الإسلام قالوا: قد كنا مسلمين قبلك، فقال: كذبتم ~~يمنعكم من الإسلام ثلاث: قولكم اتخذ الله ولدا، وأكلكم الخنزير، ~~وسجودكم للصليب فقالوا: فمن أبوه فأنزل الله { إن مثل عيسى.. ~~إلى قوله ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على ~~الكاذبين } فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة، فقال ~~بعضهم لبعض: إن فعلتم اضطرم الوادي عليكم نارا فقالوا أما تعرض علينا ~~سوى هذا؟ فقال: الإسلام أو الجزية أو الحرب فأقروا بالجزية. # التفسير: { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر } أي استشعر ~~من اليهود التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال وإرادتهم قتله { ~~قال من أنصاري إلى الله } أي من أنصاري في الدعوة إلى الله ~~قال مجاهد: أي من يتبعني إلى الله { قال الحواريون نحن ~~أنصار الله } أي قال المؤمنون الأصفياء من أتباعه نحن أنصار دين ~~الله ms0198 { آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون } أي صدقنا ~~بالله وبما جئتنا به واشهد بأننا منقادون لرسالتك مخلصون في نصرتك { ~~ربنآ آمنا بمآ أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا ~~مع الشاهدين } أي آمنا بآياتك واتبعنا رسولك عيسى فاكتبنا مع من ~~شهد لك بالوحدانية ولرسولك بالصدق، ثم أخبر تعالى عن اليهود المتآمرين ~~الذين أرادوا قتل عيسى فقال { ومكروا ومكر الله } أي أرادوا ~~قتله فنجاه الله من شرهم ورفعه إلى السماء دون أن يمس بأذى وألقى ~~شبهه على ذلك الخائن " يهوذا " وسمي مكرا من باب المشاكلة ولهذا قال { ~~والله خير الماكرين } أي أقواهم مكرا بحيث جعل تدميرهم في ~~تدبيرهم وفي الحديث # " اللهم امكر لي ولا تمكر علي " # { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك ~~إلي } أي إني رافعك إلى السماء ثم مميتك بعد استيفائك كامل أجلك ~~والمقصود بشارته بنجاته من اليهود ورفعه إلى السماء سالما دون أذى قال ~~قتادة: هذا من المقدم والمؤخر تقديره إني رافعك إلي ثم متوفيك بعد ~~ذلك، وقد ذكره الطبري فقال: وقال آخرون معنى ذلك: إذ قال الله يا عيسى ~~إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك ~~إلى الدنيا { ومطهرك من الذين كفروا } أي مخلصك من شر ~~الأشرار الذين أرادوا قتلك قال الحسن: طهره من اليهود والنصارى والمجوس ~~ومن كفار قومه { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين ~~كفروا إلى يوم القيامة } أي جاعل أتباعك الذين آمنوا بك ~~فوق الذين جحدوا نبوتك ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة وقال في ~~تفسير الجلالين: { الذين اتبعوك } أي صدقوا بنبوتك من المسلمين ~~والنصارى { فوق الذين كفروا } وهم اليهود يعلونهم بالحجة ~~والسيف { ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما ~~كنتم فيه تختلفون } أي ثم مصيركم إلى الله فأقضي بين جميعكم ~~بالحق فيما كنتم تختلفون فيه من أمر عيسى { فأما الذين كفروا ~~فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة } أي أما ~~الكافرون بنبوتك المخالفون لملتك فإني معذبهم عذابا شديدا في الدنيا ~~بالقتل والسبي، وبالآخرة بنار جهنم { وما لهم من ناصرين } أي ~~ليس لهم ناصر يمنع عنهم ms0199 عذاب الله { وأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم } أي وأما ~~المؤمنون فيعطيهم جزاء أعمالهم الصالحة كاملة غير منقوصة { والله ~~لا يحب الظالمين } أي لا يحب من كان ظالما فكيف يظلم عباده؟ { ~~ذلك نتلوه عليك } أي هذه الأنباء التي نقصها عليك يا محمد { ~~من الآيات والذكر الحكيم } أي من آيات القرآن الكريم ~~المحكم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه { إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل ءادم } أي إن شأن عيسى إذ خلقه بلا ~~أب - وهو في بابه غريب - كشأن آدم { خلقه من تراب ثم قال ~~له كن فيكون } أي خلق آدم من غير أب ولا أم ثم قال له كن فكان، ~~فليس أمر عيسى بأعجب من أمر آدم { الحق من ربك فلا تكن ~~من الممترين } أي هذا هو القول الحق في عيسى فلا تكن من الشاكين ~~{ فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم } أي من ~~جادلك في أمر عيسى بعدما وضح لك الحق واستبان { فقل تعالوا ~~ندع أبناءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم } أي هلموا نجتمع ويدعو كل منا ومنكم ~~أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة وفي صحيح مسلم لما نزلت هذه الآية دعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء ~~أهلي { ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على ~~الكاذبين } أي نتضرع إلى الله فنقول: اللهم العن الكاذب منا في شأن ~~عيسى، فلما دعاهم إلى المباهلة امتنعوا وقبلوا بالجزية عن ابن عباس أنه ~~قال " لو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا ~~يجدون أهلا ولا مالا " قال أبو حيان: " وفي ترك النصارى الملاعنة ~~لعلمهم بصدقه شاهد عظيم على صحة نبوته " ثم قال تعالى { إن هذا ~~لهو القصص الحق } أي هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن ~~عيسى هو الحق الذي لا شك فيه { وما من إله إلا الله } أي ~~لا يوجد إله غير الله، وفيه رد على النصارى في قولهم بالتثليث { ~~وإن الله لهو العزيز الحكيم ms0200 } أي هو جل شأنه العزيز في ~~ملكه الحكيم في صنعه { فإن تولوا فإن الله عليم ~~بالمفسدين } أي إن أعرضوا عن الإقرار بالتوحيد فإنهم مفسدون ~~والله عليم بهم وسيجازيهم على ذلك شر الجزاء. # البلاغة: 1- { فلمآ أحس } قال أبو حيان: فيها استعارة إذ ~~الكفر ليس بمحسوس وإنما يعلم ويفطن به فإطلاق الحس عليه من نوع ~~الاستعارة. # 2- { والله خير الماكرين } بين لفظ مكروا والماكرين جناس ~~الاشتقاق وهو من باب المشاكلة. # 3- { فيوفيهم أجورهم } فيه التفات من ضمير التكلم إلى ضمير ~~الغيبة للتنوع في الفصاحة. # 4- { الحق من ربك } التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ~~الرسول لتشريفه عليه الصلاة والسلام. # 5- { فلا تكن من الممترين } هو من باب الإلهاب والتهييج ~~لزيادة التثبيت أفاده أبو السعود. # لطيفة: قال صاحب البحر المحيط: سأل رجل الجنيد فقال: كيف رضي الله ~~سبحانه لنفسه المكر وقد عاب به غيره، فقال: لا أدري ما تقول ولكن أنشدني ~~فلان الظهراني: # ويقبح من سواك الفعل عندي # فتفعله فيحسن منك ذاكا # ثم قال له: قد أجبتك إن كنت تعقل. ### || [3.64-74] # المناسبة: لما أقام القرآن الحجة على النصارى وأبطل دعواهم في شأن ~~ألوهية المسيح، دعا الفريقين " اليهود والنصارى " إلى التوحيد، ~~والاقتداء بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، إذ كانت ملته الحنيفية ~~السمحة وهي ملة الإسلام، ولم يكن يهوديا ولا نصرانيا كما زعم كل من ~~الفريقين، ثم بين أن أحق الناس بالانتساب إلى إبراهيم محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأمته. # اللغة: { سوآء } السواء: العدل والنصف قال أبو عبيدة: يقال قد ~~دعاك إلى السواء فاقبل منه قال زهير: # أروني خطة لا ضيم فيها # يسوى بيننا فيها السواء # { أولى } أحق { ودت } تمنت { تلبسون } اللبس: الخلط ~~يقال: لبس الأمر عليه إذا اشتبه واختلط { وجه النهار } أوله ~~سمي وجها لأن أول ما يواجه من النهار أوله قال الشاعر: # من كان مسرورا بمقتل مالك # فليأت نسوتنا بوجه نهار # سبب النزول: روي عن ابن عباس أن أحبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا في إبراهيم فقالت اليهود: ما ~~كان ms0201 إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا فأنزل الله { ما ~~كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما } الآية. # التفسير: { قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سوآء بيننا وبينكم } أي قل لهم يا معشر اليهود والنصارى ~~هلموا إلى كلمة عادلة مستقيمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض { ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } أي أن نفرد الله ~~وحده بالعبادة ولا نجعل له شريكا { ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله } أي لا يعبد بعضنا بعضا كما عبد اليهود ~~والنصارى عزيرا وعيسى، وأطاعوا الأحبار والرهبان فيما أحلوا لهم ~~وحرموا، روي أن الآية لما نزلت قال عدي بن حاتم ما كنا نعبدهم يا رسول ~~الله، فقال صلى الله عليه وسلم أما كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون ~~بقولهم؟ فقال: نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو ذاك { فإن ~~تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } أي فإن ~~أعرضوا عن التوحيد ورفضوا قبول تلك الدعوة العادلة فقولوا أنتم اشهدوا يا ~~معشر أهل الكتاب بأننا موحدون مسلمون، مقرون لله بالوحدانية مخلصون له ~~العبادة { يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم } أي ~~يا معشر اليهود والنصارى لم تجادلون وتنازعون في إبراهيم وتزعمون أنه ~~على دينكم { ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده } أي والحال أنه ما حدثت هذه الأديان إلا من بعده بقرون كثيرة ~~فكيف يكون من أهلها؟ { أفلا تعقلون } بطلان قولكم؟ فقد كان بين ~~إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألفا سنة فكيف يقول بذلك عاقل؟ ~~والاستفهام للتوبيخ { هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم ~~به علم } أي ها أنتم يا معشر اليهود والنصارى جادلتم وخاصمتم في شأن ~~عيسى وقد عشتم زمانه فزعمتم ما زعمتموه { فلم تحآجون فيما ~~ليس لكم به علم } أي فلم تخاصمون وتجادلون في شأن إبراهيم ~~ودينه وتنسبونه إلى اليهودية أو النصرانية بدون علم؟ أفليست هذه سفاهة ~~وحماقة؟ { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } أي والله ~~يعلم الحق من أمر إبراهيم وأنتم لا تعلمون ذلك، قال أبو حيان: " وهذا ~~استدعاء لهم أن ms0202 يسمعوا كما تقول لمن تخبره بشيء لا يعلمه: اسمع فإني ~~أعلم ما لا تعلم " ثم أكذبهم الله تعالى في دعوى إبراهيم فقال { ما ~~كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا } أي ما كان ~~إبراهيم على دين اليهودية ولا على دين النصرانية، فإن اليهودية ملة ~~محرفة عن شرع موسى، وكذلك النصرانية ملة محرفة عن شرع عيسى { ولكن ~~كان حنيفا مسلما } أي مائلا عن الأديان كلها إلى الدين ~~القيم { وما كان من المشركين } أي كان مسلما ولم يكن ~~مشركا، وفيه تعريض بأنهم مشركون في قولهم عزير بن الله، والمسيح بن ~~الله، ورد لدعوى المشركين أنهم على ملة إبراهيم { إن أولى ~~الناس بإبراهيم للذين اتبعوه } أي أحق الناس ~~بالانتساب إلى إبراهيم أتباعه الذين سلكوا طريقه ومنهاجه في عصره وبعده ~~{ وهذا النبي } أي محمد صلى الله عليه وسلم { والذين ~~آمنوا } أي المؤمنون من أمة محمد فهم الجديرون بأن يقولوا نحن على ~~دينه لا أنتم { والله ولي المؤمنين } أي حافظهم وناصرهم. # . ولما دعا اليهود بعض الصحابة إلى اليهودية نزل قوله { ودت ~~طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } أي تمنوا ~~إضلالكم بالرجوع إلى دينهم حسدا وبغيا { وما يضلون إلا ~~أنفسهم } أي لا يعود وبال ذلك إلا عليهم إذ يضاعف به عذابهم { ~~وما يشعرون } أي ما يفطنون لذلك، ثم وبخهم القرآن على فعلهم ~~القبيح فقال { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله } ~~أي بالقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم { وأنتم تشهدون ~~} أي تعلمون أنه حق { يأهل الكتاب لم تلبسون الحق ~~بالباطل } أي لم تخلطون بين الحق والباطل بإلقاء الشبه والتحريف ~~والتبديل؟ { وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } أي تكتمون ~~ما في كتبكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تعلمون ذلك، ثم حكى ~~تعالى نوعا آخر من مكرهم وخبثهم، وهو أن يظهروا الإسلام في أول النهار ~~ثم يرتدوا عنه في آخره ليشككوا الناس في دين الإسلام فقال { وقالت ~~طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على ~~الذين آمنوا وجه النهار } قال ابن كثير: وهذه مكيدة ~~أرادوها ليلبسوا على الضعفاء ms0203 من الناس أمر دينهم، وهو أنهم تشاوروا بينهم ~~أن يظهروا الإيمان أول النهار ويصلوا مع المسلمين فإذا جاء آخر النهار ~~ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم ~~على نقيصة وعيب في دين المسلمين { واكفروا آخره } أي اكفروا ~~بالإسلام آخر النهار { لعلهم يرجعون } أي لعلهم يشكون في ~~دينهم فيرجعون عنه { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } ~~هذا من تتمة كلام اليهود حكاه الله عنهم والمعنى: لا تصدقوا ولا تظهروا ~~سركم وتطمئنوا لأحد إلا إذا كان على دينكم { قل إن الهدى ~~هدى الله } أي قل لهم يا محمد الهدى ليس بأيديكم وإنما الهدى هدى ~~الله، يهدي من يشاء إلى الإيمان ويثبته عليه كما هدى المؤمنين، والجملة ~~اعتراضية، ثم ذكر تعالى بعد ذلك الاعتراض بقية كلام اليهود فقال { أن ~~يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم أو يحآجوكم عند ~~ربكم } أي يقول اليهود بعضهم لبعض: لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم، ~~وانظروا فيمن ادعى النبوة فإن كان متبعا لدينكم فصدقوه وإلا فكذبوه، ~~ولا تقروا ولا تعترفوا لأحد بالنبوة إلا إذا كان على دينكم، خشية أن ~~يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وخشية أن يحاجوكم به عند ربكم، فإذا أقررتم ~~بنبوة محمد ولم تدخلوا في دينه تكون له الحجة عليكم يوم القيامة، وغرضهم ~~نفي النبوة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قل إن الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشآء } أي قل لهم يا محمد أمر النبوة ~~ليس إليكم وإنما هو بيد الله والفضل والخير كله بيد الله يؤتيه من يشاء ~~{ والله واسع عليم } أي كثير العطاء واسع الإنعام يعلم من هو ~~أهل له { يختص برحمته من يشآء } أي يختص بالنبوة من شاء { ~~والله ذو الفضل العظيم } أي فضله واسع عظيم لا يحد ولا ~~يمنع. # البلاغة: جمعت هذه الآيات من ضروب الفصاحة والبلاغة ما يأتي: ~~المجاز في قوله { إلى كلمة } حيث أطلق اسم الواحد على الجمع، ~~والتشبيه في قوله { أربابا } حيث شبه طاعتهم لرؤساء الدين في أمر ~~التحليل بالرب المستحق للعبادة، والطباق ms0204 في قوله { الحق ~~بالباطل } والجناس التام في قوله { يضلونكم وما يضلون ~~} وجناس الاشتقاق في { أولى } و { ولي } والتكرار في عدة مواطن، ~~والحذف في عدة مواطن. # فائدة: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا إلى " هرقل " ملك ~~الروم يدعوه فيه إلى الإسلام واستشهد فيه بالآية الكريمة التي فيها ~~إخلاص الدعوة لعبادة الله وحده، ونص الكتاب كما هو في صحيح مسلم # " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، ~~سلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم ~~تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم ~~الأريسيين - يعني الفلاحين والخدم - و { يأهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا ~~الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون } ". ### || [3.75-80] # المناسبة: لما حكى تعالى قبائح أهل الكتاب، وما هم عليه من الخبث ~~والكيد والمكر، أعقبه بذكر بعض أوصاف اليهود خاصة وهي خيانتهم من ~~الناحيتين: المالية والدينية، فقد خانوا الله والناس بتحريفهم كلام الله ~~عن معناه، واستحلالهم أكل أموال الناس بالباطل. # اللغة: { قنطار } القنطار المال الكثير وقد تقدم { قآئما } ~~ملازما ومداوما على مطالبته { الأميين } المراد بهم العرب وأصل ~~الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب والعرب كانوا كذلك { يلوون } من اللي ~~وهو اللف والفتل تقول: لويت يده إذا فتلتها والمراد أنهم يفتلون ~~ألسنتهم ليميلوها عن الآيات المنزلة إلى العبارات المحرفة { لا ~~خلاق } أي لا نصيب لهم من رحمة الله { ربانيين } جمع رباني وهو ~~المنسوب إلى الرب قال الطبري معناه: كونوا حكماء علماء. # سبب النزول: عن الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجل من اليهود ~~أرض فجحدني فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هل لك بينة؟ قلت: لا، قال لليهودي: احلف قلت: إذا ~~يحلف فيذهب بما لي فأنزل الله { إن الذين يشترون بعهد ~~الله... } الآية. # التفسير: { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ms0205 بقنطار ~~يؤده إليك } أي من اليهود من إذا ائتمنته على المال الكثير ~~أداه إليك لأمانته كعبد الله بن سلام أودعه قرشي ألف أوقية ذهبا فأداها ~~إليه { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده ~~إليك } أي ومنهم من لا يؤتمن على دينار لخيانته كفنحاص بن عازوراء ~~ائتمنه قرشي على دينار فجحده { إلا ما دمت عليه قآئما } أي ~~إلا إذا كنت ملازما له ومشهدا عليه { ذلك بأنهم قالوا ~~ليس علينا في الأميين سبيل } أي إنما حملهم على ~~الخيانة زعمهم أن الله أباح لهم أموال الأميين - يعني العرب - روي أن ~~اليهود قالوا # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] والخلق لنا عبيد، فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال ~~عبيدنا، وقيل إنهم قالوا إن الله أباح لنا مال من خالف ديننا { ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } أي يكذبون ~~على الله بادعائهم ذلك وهم يعلمون أنهم كاذبون مفترون، روي أنهم لما ~~قالوا { ليس علينا في الأميين سبيل } قال نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم: كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا هو تحت ~~قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر، ثم قال ~~تعالى { بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله ~~يحب المتقين } أي ليس كما زعموا بل عليهم فيه إثم لكن من ~~أدى الأمانة منهم وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم واتقى الله واجتنب ~~محارمه فإن الله يحبه ويكرمه { إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا } أي يستبدلون بالعهد الذي ~~عاهدوا عليه من التصديق بمحمد وبأيمانهم الكاذبة حطام الدنيا وعرضها ~~الخسيس الزائل { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } أي ليس ~~لهم حظ ولا نصيب من رحمة الله تعالى { ولا يكلمهم الله ولا ~~ينظر إليهم يوم القيامة } أي لا يكلمهم كلام أنس ولطف، ~~ولا ينظر إليهم بعين الرحمة يوم القيامة { ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم } أي لا يطهرهم من أوضار الأوزار، ولهم عذاب مؤلم على ما ~~ارتكبوه من المعاصي { وإن منهم لفريقا يلوون ~~ألسنتهم بالكتاب } أي وإن من اليهود طائفة ms0206 يفتلون ألسنتهم ~~في حال قراءة الكتاب لتحريف معانيه وتبديل كلام الله عن المراد منه قال ~~ابن عباس: يحرفونه بتأويله على غير مراد الله { لتحسبوه من ~~الكتاب وما هو من الكتاب } أي لتظنوا أن هذا المحرف من ~~كلام الله وما هو إلا تضليل وبهتان { ويقولون هو من عند ~~الله وما هو من عند الله } أي ينسبونه إلى الله وهو كذب ~~على الله { وهم يعلمون } أنهم كذبوا وافتروا على الله، ثم قال ~~تعالى ردا على النصارى لما زعموا أن عيسى أمرهم أن يعبدوه { ما كان ~~لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة } ~~أي لا يصح ولا ينبغي لأحد من البشر أعطاه الله الكتاب والحكمة والنبوة { ~~ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } أي ~~ثم يقول للناس اعبدوني من دون الله، والنفي في مثل هذه الصيغة { ما ~~كان } إنما يؤتى به للنفي العام الذي لا يجوز عقلا ثبوته والغرض أنه ~~لا يصح أصلا ولا يتصور عقلا صدور دعوى الألوهية من نبي قط أعطاه الله ~~النبوة والشريعة فضلا عن أن يحصل ذلك بالفعل لأن الرسول سفير بين الله ~~وخلقه ليرشد الناس إلى عبادة الله فكيف يدعوهم إلى عبادة نفسه؟ { ~~ولكن كونوا ربانيين } أي ولكن يقول لهم كونوا ربانيين ~~قال ابن عباس: حكماء علماء حلماء والمعنى: لا أدعوكم إلى أن تكونوا ~~عبادا لي ولكن أدعوكم أن تكونوا علماء فقهاء مطيعين لله { بما كنتم ~~تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } أي بتعليمكم ~~الناس الكتاب ودراستكم إياه { ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا } أي وما كان له أن يأمركم ~~بعبادة غير الله - ملائكة أو أنبياء - لأن مهمة الرسل الدعوة إلى الله ~~وإخلاص العبادة له { أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون } أي أيأمركم نبيكم بالكفر وجحود وحدانية الله، بعد أن ~~أسلمتم ودخلتم في دين الله؟ والاستفهام إنكاري تعجبي. # البلاغة: 1- { ذلك بأنهم قالوا } الإشارة بالبعيد ~~للإيذان بكمال غلوهم في الشر والفساد. # 2- { ليس علينا في الأميين سبيل } فيه إيجاز بالحذف ~~أي ليس علينا في أكل أموال الأميين سبيل. ms0207 # 3- { يشترون بعهد الله } فيه استعارة فقد استعار لفظ الشراء ~~للاستبدال. # 4- { ولا يكلمهم الله } مجاز عن شدة غضبه وسخطه تعالى عليهم ~~وكذلك في الآتي بعدها. # 5- { ولا ينظر إليهم } قال الزمخشري: مجاز عن الاستهانة بهم ~~والسخط عليهم لأن من اعتد بإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه. # 6- بين لفظ { اتقى } و { المتقين } جناس الاشتقاق وبين لفظ { ~~الكفر } و { مسلمون } طباق. # فائدة: روي أن رجلا قال لابن عباس: " إنا نصيب في الغزو من أموال ~~أهل الذمة الدجاجة والشاة، قال ابن عباس: فماذا تقولون؟ قالوا نقول ليس ~~علينا بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب { ليس علينا في ~~الأميين سبيل } إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا ~~بطيب أنفسهم " ذكره ابن كثير. ### || [3.81-91] # المناسبة: لما ذكر تعالى خيانة أهل الكتاب بتحريفهم كلام الله عن ~~مواضعه، وتغييرهم أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم الموجودة في كتبهم ~~حتى لا يؤمنوا به، ذكر تعالى هنا ما تقوم به الحجة عليهم وهو أن الله قد ~~أخذ الميثاق على أنبيائهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إن أدركوا ~~حياته، وأن يكونوا من أتباعه وأنصاره، فإذا كان الأنبياء قد أخذ عليهم ~~العهد أن يؤمنوا به ويبشروا بمبعثه فكيف يصح من أتباعهم التكذيب برسالته؟ ~~ثم ذكر تعالى أن الإيمان بجميع الرسل شرط لصحة الإيمان وبين أن ~~الإسلام هو الدين الحق الذي لا يقبل الله دينا سواه. # اللغة: { ميثاق } الميثاق: العهد المؤكد بيمين ونحوه وقد تقدم { ~~إصري } عهدى وأصله في اللغة الثقل قال الزمخشري: وسمي إصرا لأنه مما ~~يؤصر أي يشد ويعقد { الفاسقون } الخارجون عن طاعة الله { طوعا } ~~انقيادا عن رغبة { وكرها } إجبارا وهو كاره { الأسباط } جمع ~~سبط وهو ابن الإبن والمراد به هنا قبائل بني إسرائيل من أولاد يعقوب { ~~ينظرون } يمهلون يقال: أنظره يعني أمهله والنظرة الإمهال { ~~الخاسرين } الخسران: انتقاص رأس المال يقال: خسر فلان أي أضاع من ~~رأس ماله { الضآلون } التائهون في مهامه الكفر. # سبب النزول: عن ابن عباس قال: ارتد رجل من الأنصار عن الإسلام ms0208 ولحق ~~بالشرك ثم ندم، فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هل لي من توبة فإني قد ندمت؟ فنزلت الآية { كيف يهدي الله ~~قوما كفروا... إلى قوله إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } فكتب بها قومه ~~إليه فرجع فأسلم. # التفسير: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } أي اذكروا ~~يا أهل الكتاب حين أخذ الله العهد المؤكد على النبيين { لمآ ~~آتيتكم من كتاب وحكمة } أي لمن أجل ما آتيتكم من الكتاب ~~والحكمة قال الطبري: المعنى لمهما آتيتكم أيها النبيون من كتاب وحكمة { ~~ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم } أي ثم جاءكم رسول ~~من عندي بكتاب مصدق لما بين أيديكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم { ~~لتؤمنن به ولتنصرنه } أي لتصدقنه ولتنصرنه، قال ابن ~~عباس: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله ~~محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته { ~~قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري } أي أأقررتم ~~واعترفتم بهذا الميثاق وأخذتم عليه عهدي؟ { قالوا أقررنا } أي ~~اعترفنا { قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } ~~أي اشهدوا على أنفسكم وأتباعكم وأنا من الشاهدين عليكم وعليهم { فمن ~~تولى بعد ذلك } أي أعرض ونكث عهده { فأولئك هم ~~الفاسقون } أي هم الخارجون عن طاعة الله { أفغير دين الله ~~يبغون } الهمزة للإنكار التوبيخي أي أيبتغي أهل الكتاب دينا غير ~~الإسلام الذي أرسل الله به رسله؟ { وله أسلم من في ~~السموت والأرض } أي ولله استسلم وانقاد وخضع أهل السماوات ~~والأرض { طوعا وكرها } أي طائعين ومكرهين قال قتادة: المؤمن أسلم ~~طائعا والكافر أسلم كارها حين لا ينفعه ذلك قال ابن كثير: فالمؤمن ~~مستسلم بقلبه وقالبه لله طوعا، والكافر مستسلم لله كرها فإنه تحت ~~التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع { وإليه ~~يرجعون } أي يوم المعاد فيجازي كلا بعمله { قل آمنا بالله ~~ومآ أنزل علينا } أي قل يا محمد أنت وأمتك آمنا بالله وبالقرآن ~~المنزل علينا { ومآ أنزل على إبراهيم ms0209 وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط } أي آمنا بما أنزل على هؤلاء من ~~الصحف والوحي، والأسباط هم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد يعقوب { ~~ وما أوتي موسى وعيسى } أي من التوراة والإنجيل { ~~والنبيون من ربهم } أي وما أنزل على الأنبياء جميعهم { لا ~~نفرق بين أحد منهم } أي لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما ~~فعل اليهود والنصارى بل نؤمن بالكل { ونحن له مسلمون } أي ~~مخلصون في العبادة مقرون له بالألوهية والربوبية لا نشرك معه أحدا ~~أبدا، ثم أخبر تعالى بأن كل دين غير الإسلام باطل ومرفوض فقال { ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } أي يطلب ~~شريعة غير شريعة الإسلام بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ليدين بها ~~فلن يتقبل الله منه { وهو في الآخرة من الخاسرين } أي ~~مصيره إلى النار مخلدا فيها { كيف يهدي الله قوما ~~كفروا بعد إيمانهم } استفهام للتعجيب والتعظيم لكفرهم أي كيف ~~يستحق الهداية قوم كفروا بعد إيمانهم { وشهدوا أن الرسول ~~حق } أي بعد أن جاءتهم الشواهد ووضح لهم الحق أن محمدا رسول الله { ~~وجآءهم البينات } أي جاءتهم المعجزات والحجج البينات على صدق ~~النبي { والله لا يهدي القوم الظالمين } أي لا يوفقهم ~~لطريق السعادة، قال الحسن: هم اليهود والنصارى رأوا صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم في كتابهم، وشهدوا أنه حق فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب ~~فكفروا بعد إيمانهم { أولئك جزآؤهم أن عليهم ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } أي جزاؤهم ~~على كفرهم اللعنة من الله والملائكة والخلق أجمعين { خالدين فيها ~~لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } أي ماكثين في ~~النار أبد الآبدين، لا يفتر عنهم العذاب ولا هم يمهلون { إلا ~~الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا } أي إلا من تاب ~~وأناب وأصلح ما أفسد من عمله { فإن الله غفور رحيم } أي متفضل ~~عليه بالرحمة والغفران { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ~~ثم ازدادوا كفرا } نزلت في اليهود كفروا بعيسى بعد إيمانهم ~~بموسى ثم ازدادوا كفرا حيث كفروا بمحمد والقرآن { لن تقبل ~~توبتهم } أي لا تقبل منهم توبة ms0210 ما أقاموا على الكفر { ~~وأولئك هم الضآلون } أي الخارجون عن منهج الحق إلى طريق ~~الغي، ثم أخبر تعالى عمن كفر ومات على الكفر فقال { إن الذين ~~كفروا وماتوا وهم كفار } أي كفروا ثم ماتوا على الكفر ولم ~~يتوبوا وهو عام في جميع الكفار { فلن يقبل من أحدهم ملء ~~الأرض ذهبا ولو افتدى به } أي لن يقبل من أحدهم فدية ولو ~~افتدى بملء الأرض ذهبا { أولئك لهم عذاب أليم } أي مؤلم ~~موجع { وما لهم من ناصرين } أي ما لهم من أحد ينقذهم من عذاب ~~الله ولا يجيرهم من أليم عقابه. # البلاغة: 1- الالتفات { لمآ آتيتكم } فيه التفات من الغيبة ~~إلى الحاضر لأن قبله { ميثاق النبيين }. # 2- بين لفظ { اشهدوا } و { الشاهدين } جناس الاشتقاق وكذلك بين ~~لفظ { كفروا } و { كفرا } وهو من المحسنات البديعية. # 3- الطباق بين { طوعا } و { وكرها } وكذلك يوجد الطباق بين لفظ ~~الكفر والإيمان. # 4- { وأولئك هم الضآلون } قصر صفة على موصوف ومثله { ~~فأولئك هم الفاسقون }. # 5- { وما أوتي موسى وعيسى والنبيون } هو من باب عطف ~~العام على الخاص. # 6- و { لهم عذاب أليم } أي مؤلم والعدول إلى صيغة فعيل ~~للمبالغة. # فائدة: الآيات الكريمة قسمت الكفار إلى ثلاثة أقسام: # 1- قسم تاب توبة صادقة فنفعته وإليهم الإشارة بقوله { إلا ~~الذين تابوا من بعد ذلك }. # 2- وقسم تاب توبة فاسدة فلم تنفعه وإليهم الإشارة بقوله { كفروا ~~بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا }. # 3- وقسم لم يتب أصلا ومات على الكفر وإليهم الإشارة بقوله { إن ~~الذين كفروا وماتوا وهم كفار }. # تنبيه: روى الشيخان عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض ~~من شيء أكنت مفتديا به؟ قال فيقول: نعم فيقول الله: قد أردت منك أهون من ~~ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن ~~تشرك ". ### || [3.92-103] # المناسبة: لما ذكر تعالى حال الكفار ومآلهم في الآخرة، وبين أن ~~الكافر لو أراد أن يفتدى نفسه بملء الأرض ذهبا ms0211 ما نفعه ذلك، ذكر هنا - ~~استطرادا - ما ينفع المؤمن لنيل رضى الله والفوز بالجنة، ثم عاد الكلام ~~لرفع الشبهات التي أوردها أهل الكتاب حول النبوة والرسالة وصحة دين ~~الإسلام، ثم جاء بعده التحذير من مكائدهم ودسائسهم التي يدبرونها ~~للإسلام والمسلمين لتفرقة الصف وتشتيت الشمل. # اللغة: { البر } كلمة جامعة لوجوه الخير والمراد بها هنا الجنة { ~~حلا } حلالا وهو مصدر نعت به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر ~~والمؤنث { إسرائيل } هو يعقوب عليه السلام { بكة } اسم لمكة ~~فتسمى " بكة " و " مكة " سميت بذلك لأنها تبك أي تدق أعناق الجبابرة فلم ~~يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله { مباركا } البركة: الزيادة وكثرة ~~الخير { مقام إبراهيم } محل قيام ابراهيم وهو الحجر الذي قام ~~عليه لما ارتفع بناء البيت { عوجا } العوج: الميل قال أبو عبيدة: في ~~الدين والكلام والعمل، وبالفتح عوج في الحائط والجذع { يعتصم } ~~يتمسك ويلتجئ وأصله المنع قال القرطبي: وكل متمسك بشيء معتصم وكل مانع ~~شيئا فهو عاصم # قال لا عاصم اليوم من أمر الله # [هود: 43] { شفا } الشفا: حرف كل شيء وحده ومثله الشفير: وشفا ~~الحفرة: حرفها قال تعالى # على شفا جرف هار # [التوبة: 109]. # سبب النزول: يروى أن " شاس بن قيس " اليهودي مر على نفر من ~~الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم ~~وصلاح ذات بينهم بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة فقال: ما لنا ~~معهم إذا اجتمعوا من قرار، ثم أمر شابا من اليهود أن يجلس إليهم ~~ويذكرهم يوم " بعاث " وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار - وكان يوما ~~اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس - ففعل فتنازع القوم عند ~~ذلك وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا: السلاح السلاح، فبلغ النبي صلى الله ~~عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال: # " أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام وقطع ~~به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم؟ " # فعرف القوم أنها كانت نزعة من الشيطان وكيدا من عدوهم، فألقوا السلاح ~~وبكوا وعانق بعضهم بعضا ثم ms0212 انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل { يأيها الذين آمنوا إن ~~تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } الآية. # التفسير: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون } أي لن تكونوا من الأبرار ولن تدركوا الجنة حتى تنفقوا من ~~أفضل أموالكم { وما تنفقوا من شيء فإن الله به ~~عليم } أى وما تبذلوا من شيء في سبيل الله فهو محفوظ لكم تجزون عنه ~~خير الجزاء { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل } ~~أي كل الأطعمة كانت حلالا لبني إسرائيل { إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه } أي إلا ما حرمه يعقوب على نفسه وهو لحم ~~الإبل ولبنها ثم حرمت عليهم أنواع من الأطعمة كالشحوم وغيرها عقوبة لهم ~~على معاصيهم { من قبل أن تنزل التوراة } أي كانت حلالا ~~لهم قبل نزول التوراة { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن ~~كنتم صادقين } أي قل لهم يا محمد ائتوني بالتوراة واقرءوها علي ~~إن كنتم صادقين في دعواكم أنها لم تحرم عليكم بسبب بغيكم وظلمكم قال ~~الزمخشري: وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصد عن سبيل ~~الله فلما حاجهم بكتابهم وبكتهم بهتوا وانقلبوا صاغرين ولم يجسر أحد ~~منهم على إخراج التوراة، وفي ذلك الحجة البينة على صدق النبي صلى الله ~~عليه وسلم { فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك ~~} أي اختلق الكذب من بعد قيام الحجة وظهور البينة { فأولئك هم ~~الظالمون } أي المعتدون المكابرون بالباطل { قل صدق الله } ~~أي صدق الله في كل ما أوحى إلى محمد وفي كل ما أخبر { فاتبعوا ~~ملة إبراهيم } أي اتركوا اليهودية واتبعوا ملة الإسلام التي هي ~~ملة إبراهيم { حنيفا } أي مائلا عن الأديان الزائفة كلها { وما ~~كان من المشركين } برأه مما نسبه اليهود والنصارى إليه من ~~اليهودية والنصرانية، وفيه تعريض بإشراكهم { إن أول بيت وضع ~~للناس للذي ببكة } أي أول مسجد بني في الأرض لعبادة الله ~~المسجد الحرام الذي هو بمكة { مباركا وهدى للعالمين } أي ~~وضع مباركا كثير الخير والنفع لمن حجه واعتمره، ومصدر الهداية والنور ms0213 ~~لأهل الأرض لأنه قبلتهم، ثم عدد تعالى من مزاياه ما يستحق تفضيله على ~~جميع المساجد فقال { فيه آيات بينات مقام إبراهيم } ~~أي فيه علامات واضحات كثيرة تدل على شرفه وفضله على سائر المساجد منها { ~~مقام إبراهيم } وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت، ~~وفيه زمزم والحطيم، وفيه الصفا والمروة والحجر الأسود، أفلا يكفي برهانا ~~على شرف هذا البيت وأحقيته أن يكون قبلة للمسلمين؟ { ومن دخله ~~كان آمنا } وهذه آية أخرى وهي أمن من دخل الحرم بدعوة الخليل ~~ابراهيم # رب اجعل هذا البلد آمنا # [إبراهيم: 35] { ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا } أي فرض لازم على المستطيع حج بيت الله ~~العتيق { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } أي من ~~ترك الحج فإن الله مستغن عن عبادته وعن الخلق أجمعين، وعبر عنه بالكفر ~~تغليظا عليه قال ابن عباس: من جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه، ثم ~~أخذ يبكت أهل الكتاب على كفرهم فقال { قل يأهل الكتاب لم ~~تكفرون بآيات الله } أي لم تجحدون بالقرآن المنزل على محمد مع ~~قيام الدلائل والبراهين على صدقه { والله شهيد على ما ~~تعملون } أي مطلع على جميع أعمالكم فيجازيكم عليها { قل يأهل ~~الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن } أي لم ~~تصرفون الناس عن دين الله الحق، وتمنعون من أراد الإيمان به؟ { ~~تبغونها عوجا } أي تطلبون أن تكون الطريق المستقيمة معوجة، وذلك ~~بتغيير صفة الرسول، والتلبيس على الناس بإيهامهم أن في الإسلام خللا ~~وعوجا { وأنتم شهدآء } أي عالمون بأن الإسلام هو الحق والدين ~~المستقيم { وما الله بغافل عما تعملون } تهديد ووعيد، ~~وقد جمع اليهود والنصارى الوصفين: الضلال والإضلال كما أشارت الآيتان ~~الكريمتان فقد كفروا بالإسلام ثم صدوا الناس عن الدخول فيه بإلقاء ~~الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من الناس { يأيها الذين آمنوا ~~إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } أي إن ~~تطيعوا طائفة من أهل الكتاب { يردوكم بعد إيمانكم ~~كافرين } أي يصيروكم كافرين بعد أن هداكم الله للإيمان، والخطاب ms0214 ~~للأوس والخزرج إذ كان اليهود يريدون فتنتهم كما في سبب النزول واللفظ في ~~الآية عام { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات ~~الله وفيكم رسوله } إنكار واستبعاد أي كيف يتطرق إليكم الكفر ~~والحال أن آيات الله لا تزال تتنزل عليكم والوحي لم ينقطع ورسول الله ~~حي بين أظهركم؟ { ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى ~~صراط مستقيم } أي من يتمسك بدينه الحق الذي بينه بآياته على ~~لسان رسوله فقد اهتدى إلى أقوم طريق، وهي الطريق الموصلة إلى جنات النعيم ~~{ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } أي ~~اتقوا الله تقوى حقة أو حق تقواه قال ابن مسعود: " هو أن يطاع فلا يعصى، ~~وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر " والمراد بالآية { حق ~~تقاته } أي كما يحق أن يتقى وذلك باجتناب جميع معاصيه { ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي تمسكوا بالإسلام وعضوا ~~عليه بالنواجذ حتى يدرككم الموت وأنتم على تلك الحالة فتموتون على ~~الإسلام والمقصود الأمر بالإقامة على الإسلام { واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } أي تمسكوا بدين الله ~~وكتابه جميعا ولا تتفرقوا عنه ولا تختلفوا في الدين كما اختلف من قبلكم ~~من اليهود والنصارى { واذكروا نعمت الله عليكم } أي ~~اذكروا إنعامه عليكم يا معشر العرب { إذ كنتم أعدآء فألف ~~بين قلوبكم } أي حين كنتم قبل الإسلام أعداء ألداء فألف بين ~~قلوبكم بالإسلام وجمعكم على الإيمان { وكنتم على شفا ~~حفرة من النار فأنقذكم منها } أي وكنتم مشرفين على ~~الوقوع في نار جهنم فأنقذكم الله منها بالإسلام { كذلك يبين ~~الله لكم آياته } أي مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم سائر ~~الآيات { لعلكم تهتدون } أي لكي تهتدوا بها إلى سعادة ~~الدارين. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البلاغة نوجزها فيما يلي: # 1- { قل فأتوا بالتوراة } الأمر للتبكيت والتوبيخ للدلالة ~~على كمال القبح. # 2- { للذي ببكة } أي للبيت الذي ببكة وفي ترك الموصوف من ~~التفخيم ما لا يخفى. # 3- { ومن كفر } وضع هذا اللفظ " موضع ومن لم يحج " تأكيدا لوجوبه ~~وتشديدا على تاركه قال أبو السعود: " ولقد ms0215 حازت الآية الكريمة من فنون ~~الاعتبارات ما لا مزيد عليه وهي قوله { ولله على الناس حج ~~البيت } حيث أوثرت صيغة الخبر الدالة على التحقيق وأبرزت في صورة ~~الجملة الإسمية الدالة على الثبات والاستمرار، على وجه يفيد أنه حق واجب ~~لله سبحانه في ذمم الناس، وسلك بهم مسلك التعميم ثم التخصيص، والإبهام ~~ثم التبيين، والإجمال ثم التفصيل " # 4- { واعتصموا بحبل الله } شبه القرآن بالحبل واستعير اسم ~~المشبه به وهو الحبل للمشبه وهو القرآن على سبيل الاستعارة التصريحية ~~والجامع بينهما النجاة في كل. # 5- { شفا حفرة } شبه حالهم الذي كانوا عليه بالجاهلية بحال من كان ~~مشرفا على حفرة عميقة وهوة سحيقة ففيه استعارة تمثيلية والله أعلم. # تنبيه: وردت الآيات الكريمة لدفع شبهتين من شبه أهل الكتاب: # الشبهة الأولى: أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنك تدعي أنك على ~~دين إبراهيم وقد خالفت شريعته فأنت تبيح لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك ~~كان حراما في دين إبراهيم؟ فرد الله عليهم بقوله { كل الطعام ~~كان حلا لبني إسرائيل } الآية. # الشبهة الثانية: قالوا إن " بيت المقدس " قبلة جميع الأنبياء وهو أول ~~المساجد وأحق بالاستقبال فكيف تترك يا محمد التوجه اليه ثم تزعم أنك ~~مصدق لما جاء به الأنبياء فرد الله تعالى بقوله { إن أول بيت ~~وضع للناس للذي ببكة } الآية. ### || [3.104-112] # المناسبة: لما حذر تعالى من مكايد أهل الكتاب، وأمر بالاعتصام بحبل ~~الله والتمسك بشرعه القويم، دعا المؤمنين إلى القيام بواجب الدعوة إلى ~~الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمر بالائتلاف وعدم الاختلاف، ~~ثم ذكر ما حل باليهود من الذل والصغار بسبب البغي والعدوان. # اللغة: { أمة } طائفة وجماعة { البينات } الآيات الواضحات { ~~المعروف } ما أمر به الشرع واستحسنه العقل السليم { المنكر } ~~ما نهى عنه الشرع واستقبحه العقل السليم { الأدبار } جمع دبر وهو ~~مؤخر كل شيء يقال: ولاه دبره أي هرب من وجهه { ثقفوا } وجدوا ~~وصودفوا { حبل من الله } الحبل معروف والمراد به هنا: العهد ~~وسمي حبلا لأنه سبب يحصل به الأمن وزوال الخوف { بآءوا } رجعوا { ~~المسكنة } الفقر. ms0216 # التفسير: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } ~~أي ولتقم منكم طائفة للدعوة إلى الله { ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر } أي للأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر { ~~وأولئك هم المفلحون } أي هم الفائزون { ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جآءهم ~~البينات } أي لا تكونوا كاليهود والنصارى الذين تفرقوا في الدين ~~واختلفوا فيه بسبب اتباع الهوى من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحات { ~~وأولئك لهم عذاب عظيم } أي لهم بسبب الاختلاف عذاب شديد ~~يوم القيامة { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } أي يوم ~~القيامة تبيض وجوه المؤمنين بالإيمان والطاعة، وتسود وجوه الكافرين ~~بالكفر والمعاصي { فأما الذين اسودت وجوههم ~~أكفرتم بعد إيمانكم } هذا تفصيل لأحوال الفريقين بعد ~~الإجمال والمعنى أما أهل النار الذين اسودت وجوههم فيقال لهم على سبيل ~~التوبيخ: أكفرتم بعد إيمانكم أي بعد ما وضحت لكم الآيات والدلائل { ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أي ذوقوا العذاب ~~الشديد بسبب كفركم { وأما الذين ابيضت وجوههم } أي ~~وأما السعداء الأبرار الذين ابيضت وجوههم بأعمالهم الصالحات { ففي ~~رحمة الله هم فيها خالدون } أي فهم في الجنة مخلدون لا ~~يخرجون منها أبدا { تلك آيات الله نتلوها عليك ~~بالحق } أي هذه آيات الله نتلوها عليك يا محمد حال كونها متلبسة ~~بالحق { وما الله يريد ظلما للعالمين } أي وما كان ~~الله ليظلم أحدا ولكن الناس أنفسهم يظلمون { ولله ما في ~~السموت وما في الأرض } أي الجميع ملك له وعبيد { وإلى ~~الله ترجع الأمور } أي هو الحاكم المتصرف في الدنيا والآخرة { ~~كنتم خير أمة أخرجت للناس } أي أنتم يا أمة محمد خير ~~الأمم لأنكم أنفع الناس للناس ولهذا قال { أخرجت للناس } أي ~~أخرجت لأجلهم ومصلحتهم، روى البخاري عن أبي هريرة { كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس } قال: خير الناس تأتون بهم في السلاسل في ~~أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام { تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } وهذا بيان ~~لوجه الخيرية كأنه قيل السبب في كونكم خير أمة هذه الخصال الحميدة روي عن ~~عمر رضي الله عنه أنه قال " من ms0217 سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط ~~الله فيها " ثم قال تعالى { ولو آمن أهل الكتاب لكان ~~خيرا لهم } أي لو آمنوا بما أنزل على محمد وصدقوا بما جاء به ~~لكان ذلك خيرا لهم في الدنيا والآخرة { منهم المؤمنون ~~وأكثرهم الفاسقون } أي منهم فئة قليلة مؤمنة كالنجاشي وعبد ~~الله بن سلام، والكثرة الكثيرة فاسقة خارجة عن طاعة الله، { لن ~~يضروكم إلا أذى } أي لن يضروكم إلا ضررا يسيرا بألسنتهم من ~~سب وطعن { وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار } أي ينهزمون ~~من غير أن ينالوا منكم شيئا { ثم لا ينصرون } أي ثم شأنهم الذي ~~أبشركم به أنهم مخذولون لا ينصرون والجملة استئنافية { ضربت ~~عليهم الذلة أين ما ثقفوا } أي لزمهم الذل والهوان ~~أينما وجدوا وأحاط بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه { إلا بحبل ~~من الله وحبل من الناس } أي إلا إذا اعتصموا بذمة الله ~~وذمة المسلمين قال ابن عباس: بعهد من الله وعهد من الناس { وبآءوا ~~بغضب من الله } أي رجعوا مستوجبين للغضب الشديد من الله { ~~وضربت عليهم المسكنة } أي لزمتهم الفاقة والخشوع فهي ~~محيطة بهم من جميع جوانبهم { ذلك بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيات الله ويقتلون الأنبيآء بغير حق } أي ذلك ~~الذل والصغار والغضب والدمار، بسبب جحودهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء ~~ظلما وطغيانا { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } أي ~~بسبب تمردهم وعصيانهم أوامر الله تعالى. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } فيه ~~من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة. # 2- { وأولئك هم المفلحون } فيه قصر صفة على موصوف حيث ~~قصر الفلاح عليهم. # 3- { تبيض وجوه وتسود وجوه } بين كلمتي { تبيض } ~~و { تسود } طباق. # 4- { ففي رحمة الله } مجاز مرسل أطلق الحال وأريد المحل أي ~~ففي الجنة لأنها مكان تنزل الرحمة. # 5- { ضربت عليهم الذلة } فيه استعارة حيث شبه الذل ~~بالخباء المضروب على أصحابه وقد تقدمت في البقرة. # 6- { وبآءوا بغضب } التنكير للتفخيم والتهويل. # فائدة: قوله تعالى { ثم لا ينصرون } جملة مستأنفة ولهذا ثبتت ~~فيها النون قال الزمخشري: " وعدل ms0218 به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ~~ابتداء كأنه قيل: ثم أخبركم أنهم مخذولون منتف عنهم النصر، ولو جزم ~~لكان نفي النصر مقيدا لقتالهم بينما النصر وعد مطلق ". # تنبيه: الاختلاف الذي أشارت إليه الآية { ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا } إنما يراد به الاختلاف في العقيدة وفي ~~أصول الدين وأما الاختلاف في الفروع كما اختلف الأئمة المجتهدون فذلك من ~~اليسر في الشريعة كما نبه على ذلك العلماء ولابن تيمية رحمه الله رسالة ~~قيمة اسماها " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " فارجع إليها فإنها رائعة ~~ومفيدة. ### || [3.113-120] # المناسبة: لما وصف تعالى أهل الكتاب بالصفات الذميمة، ذكر هنا أنهم ~~ليسوا بدرجة واحدة ففيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر، ثم ذكر تعالى ~~عقاب الكافرين وأن أموالهم وأولادهم لن تنفعهم يوم القيامة شيئا، وأعقب ~~ذلك بالنهي عن اتخاذ أعداء الدين أولياء ونبه إلى ما في ذلك من الضرر ~~الجسيم في الدنيا والدين. # اللغة: { آنآء } أوقات وساعات مفردها إنى على وزن معى { ~~يكفروه } يجحدوه من الكفر بمعنى الجحود، سمي منع الجزاء كفرا لأنه ~~بمنزلة الجحد والستر { صر } الصر: البرد الشديد قاله ابن عباس ~~وأصله من الصرير الذي هو الصوت ويراد به الريح الشديدة الباردة { حرث ~~} زرع وأصله من حرث الأرض إذا شقها للزرع والبذر { بطانة } بطانة ~~الرجل: خاصته الذين يفضي إليهم بأسراره شبه ببطانة الثوب لأنه يلي البدن ~~{ لا يألونكم } أي لا يقصرون قال الزمخشري: يقال ألا في الأمر ~~يألو إذا قصر فيه { خبالا } الخبال: الفساد والنقصان ومنه رجل مخبول ~~إذا كان ناقص العقل { عنتم } العنت: شدة الضرر والمشقة { ~~الأنامل } أطراف الأصابع. # سبب النزول: لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه قال أحبار اليهود: ~~ما آمن بمحمد إلا شرارنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وقالوا ~~لهم: لقد كفرتم وخسرتم فأنزل الله { ليسوا سوآء من أهل ~~الكتاب أمة قآئمة } الآية. # التفسير: { ليسوا سوآء } أي ليس أهل الكتاب مستوين في المساوئ، ~~وهنا تم الكلام ثم ابتدأ تعالى بقوله { من أهل الكتاب أمة ~~قآئمة } أي منهم طائفة مستقيمة ms0219 على دين الله { يتلون آيات ~~الله آنآء الليل وهم يسجدون } أي يتهجدون في الليل ~~بتلاوة آيات الله حال الصلاة { يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر } أي يؤمنون بالله على الوجه الصحيح { ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر } أي يدعون إلى الخير ~~وينهون عن الشر ولا يداهنون { ويسارعون في الخيرات } أي ~~يعملونها مبادرين غير متثاقلين { وأولئك من الصالحين } أي ~~وهم في زمرة عباد الله الصالحين { وما يفعلوا من خير فلن ~~يكفروه } أي ما عملوا من عمل صالح فلن يضيع عند الله { والله ~~عليم بالمتقين } أي لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر ~~المتقين، ثم أخبر تعالى عن مآل الكافرين فقال { إن الذين ~~كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~من الله شيئا } أي لن تدفع عنهم أموالهم التي تهالكوا على ~~اقتنائها ولا أولادهم الذين تفانوا في حبهم من عذاب الله شيئا { ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } أي مخلدون ~~في عذاب جهنم { مثل ما ينفقون في هذه الحياة ~~الدنيا كمثل ريح فيها صر } أي مثل ما ينفقونه في الدنيا ~~بقصد الثناء وحسن الذكر كمثل ريح عاصفة فيها برد شديد { أصابت ~~حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته } أي أصابت تلك ~~الريح المدمرة زرع قوم ظلموا أنفسهم بالمعاصي فأفسدته وأهلكته فلم ~~ينتفعوا به؛ فكذلك الكفار يمحق الله أعمالهم الصالحة كما يذهب هذا الزرع ~~بذنوب صاحبه { وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم ~~يظلمون } أي وما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ~~ما يستوجب العقاب، ثم حذر تعالى من اتخاذ المنافقين بطانة يطلعونهم على ~~أسرارهم فقال { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم } أي لا تتخذوا المنافقين أصدقاء تودونهم ~~وتطلعونهم على أسراركم وتجعلونهم أولياء من غير المؤمنين { لا ~~يألونكم خبالا } أي لا يقصرون لكم في الفساد { ودوا ما ~~عنتم } أي تمنوا مشقتكم وما يوقعكم في الضرر الشديد { قد بدت ~~البغضآء من أفواههم } أي ظهرت أمارات العداوة لكم على ~~ألسنتهم فهم لا يكتفون ببغضكم بقلوبهم حتى يصرحوا بذلك بأفواههم { وما ~~تخفي صدورهم أكبر } أي وما يبطنونه ms0220 لكم من البغضاء أكثر مما ~~يظهرونه { قد بينا لكم الآيات } أي وضحنا لكم الآيات الدالة ~~على وجوب الإخلاص في الدين، وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين { إن ~~كنتم تعقلون } أي إن كنتم عقلاء، وهذا على سبيل الهز والتحريك ~~للنفوس كقولك إن كنت مؤمنا فلا تؤذ الناس وقال ابن جرير المعنى: إن كنتم ~~تعقلون عن الله أمره ونهيه، ثم بين سبحانه ما هم عليه من كراهية ~~المؤمنين فقال { هآأنتم أولاء تحبونهم ولا ~~يحبونكم } أي ها أنتم يا معشر المؤمنين خاطئون في موالاتكم إذ ~~تحبونهم ولا يحبونكم، تريدون لهم النفع وتبذلون لهم المحبة وهم يريدون ~~لكم الضر ويضمرون لكم العداوة { وتؤمنون بالكتاب كله } أي ~~وأنتم تؤمنون بالكتب المنزلة كلها وهم مع ذلك يبغضونكم، فما بالكم ~~تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم؟ وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم ~~أصلب منكم في حقكم { وإذا لقوكم قالوا آمنا } أي وهذا من ~~خبثهم إذ يظهرون أمامكم الإيمان نفاقا { وإذا خلوا عضوا ~~عليكم الأنامل من الغيظ } أي وإذا خلت مجالسهم منكم عضوا ~~أطراف الأصابع من شدة الحنق والغضب لما يرون من ائتلافكم، وهو كناية عن ~~شدة الغيظ والتأسف لما يفوتهم من إذاية المؤمنين { قل موتوا ~~بغيظكم } هو دعاء عليهم أي قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن ~~تموتوا { إن الله عليم بذات الصدور } أي إن الله عالم ~~بما تكنه سرائركم من البغضاء والحسد للمؤمنين، ثم أخبر تعالى بما يترقبون ~~نزوله من البلاء والمحنة بالمؤمنين فقال { إن تمسسكم حسنة ~~تسؤهم } أي إن أصابكم ما يسركم من رخاء وخصب ونصرة وغنيمة ونحو ~~ذلك ساءتهم { وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها } أي وإن ~~أصابكم ما يضركم من شدة وجدب وهزيمة وأمثال ذلك سرتهم، فبين تعالى ~~بذلك فرط عداوتهم حيث يسوءهم ما نال المؤمنين من الخير ويفرحون بما ~~يصيبهم من الشدة { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا } أي إن صبرتم على أذاهم واتقيتم الله في أقوالكم ~~وأعمالكم لا يضركم مكرهم وكيدهم، فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى { ~~إن الله بما يعملون ms0221 محيط } أي هو سبحانه عالم بما ~~يدبرونه لكم من مكائد فيصرف عنكم شرهم ويعاقبهم على نواياهم الخبيثة. # البلاغة: 1- { من أهل الكتاب أمة } جيء بالجملة اسمية ~~للدلالة على الاستمرار كما جيء بعدها بصيغة المضارع { يتلون آيات ~~الله } للدلالة على التجدد ومثله في { يسجدون }. # 2- { وأولئك من الصالحين } الإشارة بالبعيد لبيان علو ~~درجتهم وسمو منزلتهم في الفضل. # 3- { كمثل ريح فيها صر } فيه تشبيه وهو من نوع التشبيه ~~التمثيلي شبه ما كانوا ينفقونه في المفاخر وكسب الثناء بالزرع الذي ~~أصابته الريح العاصفة الباردة فدمرته وجعلته حطاما. # 4- { لا تتخذوا بطانة } شبه دخلاء الرجل وخواصه بالبطانة ~~لأنهم يستبطنون دخيل أمره ويلازمونه ملازمة شعاره لجسمه ففيه استعارة ~~أفاده في تلخيص البيان. # 5- { عضوا عليكم الأنامل } قال أبو حيان: يوصف المغتاظ ~~والنادم بعض الأنامل فيكون حقيقة ويحتمل أنه من مجاز التمثيل عبر بذلك ~~عن شدة الغيظ والتأسف لما يفوتهم من إذاية المؤمنين. # 6- في الآيات من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة وذلك في قوله { ~~إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها } حيث قابل الحسنة بالسيئة والمساءة بالفرح وهي مقابلة ~~بديعة، كما أن فيها جناس الاشتقاق في { ظلمهم } و { يظلمون } ~~وفي { الغيظ } و { غيظكم } وفي { تؤمنون } و { آمنا }. # لطيفة: عبر بالمس في قوله { إن تمسسكم حسنة } وبالإصابة ~~في قوله { وإن تصبكم سيئة } وذلك للإشارة إلى أن الحسنة ~~تسوء الأعداء وحتى ولو كانت بأيسر الأشياء ولو مسا خفيفا وأما السيئة ~~فإذا تمكنت الإصابة بها إلى الحد الذي يرثي له الشامت فإنهم لا يرثون ~~بل يفرحون ويسرون وهذا من أسرار بلاغة التنزيل، نقلا عن حاشية الكشاف. ### || [3.121-132] # المناسبة: يبدأ الحديث عن الغزوات من هذه الآيات الكريمة، وقد انتقل ~~السياق من معركة الجدل والمناظرة إلى معركة الميدان والقتال، والآيات ~~تتحدث عن غزوة " أحد " بالإسهاب وقد جاء الحديث عن غزوة بدر في أثنائها ~~اعتراضا ليذكرهم بنعمته تعالى عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة قليلون ~~في العدد والعدد، وهذه الآية هي افتتاح القصة عن غزوة أحد وقد أنزل ~~فيها ستون آية، ومناسبة الآيات لما ms0222 قبلها أنه تعالى لما حذر من اتخاذ ~~بطانة السوء ذكر هنا أن السبب في هم الطائفتين من الأنصار بالفشل إنما ~~كان بسبب تثبيط المنافقين لهم وعلى رأسهم أبي بن سلول رأس النفاق ~~فالمناسبة واضحة، روى الشيخان عن جابر قال " فينا نزلت { إذ همت ~~طآئفتان منكم أن تفشلا والله وليهما } قال نحن ~~الطائفتان: بنو حارثة، وبنو سلمة وما نحب أنها لم تنزل لقوله تعالى { ~~والله وليهما } ". # اللغة: { غدوت } خرجت غدوة وهي الساعات الأولى من الصبح { ~~تفشلا } الفشل: الجبن والضعف { تبوىء } تنزل يقال: بوأته منزلا ~~وبوأت له منزلا أي أنزلته فيه وأصل التبوئ اتخاذ المنزل { أذلة } ~~أي قلة في العدد والسلاح { فورهم } الفور: السرعة وأصله شدة الغليان ~~من فارت القدر إذا غلت ثم استعملت للسرعة تقول: من فوره أي من ساعته { ~~مسومين } بفتح الواو بمعنى معلمين على القتال وبكسرها بمعنى لهم ~~علامة وكانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضاء { طرفا } طائفة وقطعة { ~~يكبتهم } الكبت: الهزيمة والإهلاك وقد يأتي بمعنى الغيظ ~~والإذلال { خآئبين } الخيبة: عدم الظفر بالمطلوب. # سبب النزول: ثبت في صحيح مسلم # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه، ~~فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا ~~رباعيته وهو يدعوهم إلى الله تعالى؟ " # فأنزل الله { ليس لك من الأمر شيء }. # التفسير: { وإذ غدوت من أهلك } أي اذكر يا محمد حين خرجت ~~إلى أحد من عند أهلك { تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال ~~} أي تنزل المؤمنين أماكنهم لقتال عدوهم { والله سميع عليم } ~~أي سميع لأقوالكم عليم بأحوالكم { إذ همت طآئفتان منكم ~~أن تفشلا } أي حين كادت طائفتان من جيش المسلمين أن تجبنا وتضعفا ~~وهمتا بالرجوع وهما " بنو سلمة " و " بنو حارثة " وذلك حين حرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأحد بألف من أصحابه فلما قاربوا عسكر الكفرة وكانوا ~~ثلاثة آلاف انخذل " عبد الله بن أبي " بثلث الجيش وقال: علام نقتل ~~أنفسنا وأولادنا؟ فهم الحيان من الأنصار بالرجوع فعصمهم الله فمضوا مع ~~رسول الله صلى الله ms0223 عليه وسلم وذلك قوله تعالى { والله وليهما ~~} أي ناصرهما ومتولي أمرهما { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } أي في جميع أحوالهم وأمورهم، ثم ذكرهم تعالى بالنصر ~~يوم بدر لتقوى قلوبهم ويتسلوا عما أصابهم من الهزيمة يوم أحد فقال { ~~ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } أي نصركم ~~يوم بدر مع قلة العدد والسلاح لتعلموا أن النصر من عند الله لا بكثرة ~~العدد والعدد { فاتقوا الله لعلكم تشكرون } أي ~~اشكروه على ما من به عليكم من النصر { إذ تقول للمؤمنين ~~ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ءالف ~~من الملائكة منزلين } أي إذ تقول يا محمد لأصحابك أما ~~يكفيكم أن يعينكم الله بإمداده لكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ~~لنصرتكم { بلى إن تصبروا وتتقوا } بلى تصديق للوعد أي بلى ~~يمدكم بالملائكة إن صبرتم في المعركة واتقيتم الله وأطعتم أمره { ~~ويأتوكم من فورهم هذا } أي يأتيكم المشركون من ساعتهم ~~هذه { يمددكم ربكم بخمسة ءالف من الملائكة ~~مسومين } أي يزدكم الله مددا من الملائكة معلمين على السلاح ~~ومدربين على القتال { وما جعله الله إلا بشرى لكم } ~~أي وما جعل الله ذلك الإمداد بالملائكة إلا بشارة لكم أيها المؤمنون ~~لتزدادوا ثباتا { ولتطمئن قلوبكم به } أي ولتسكن قلوبكم ~~فلا تخافوا من كثرة عدوكم وقلة عددكم { وما النصر إلا من ~~عند الله } أي فلا تتوهموا أن النصر بكثرة العدد والعدد، ما ~~النصر في الحقيقة إلا بعون الله وحده، لا من الملائكة ولا من غيرهم { ~~العزيز الحكيم } أي الغالب الذي لا يغلب في أمره الحكيم الذي ~~يفعل ما تقتضيه حكمته الباهرة { ليقطع طرفا من الذين ~~كفروا } أي ذلك التدبير الإلهي ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر، ~~ويهدم ركنا من أركان الشرك { أو يكبتهم } أي يغيظهم ويخزيهم ~~بالهزيمة { فينقلبوا خآئبين } أي يرجعوا غير ظافرين بمبتغاهم، ~~وقد فعل تعالى ذلك بهم في بدر حيث قتل المسلمون من صناديدهم سبعين وأسروا ~~سبعين وأعز الله المؤمنين وأذل الشرك والمشركين { ليس لك من ~~الأمر شيء } هذه الآية وردت اعتراضا وهي في قصة أحد، وذلك لما ~~كسرت رباعيته ms0224 صلى الله عليه وسلم وشج وجهه الشريف قال: # " كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم؟! " # فنزلت { ليس لك من الأمر شيء } أي ليس لك يا محمد من أمر ~~تدبير العباد شيء وإنما أمرهم إلى الله { أو يتوب عليهم أو ~~يعذبهم فإنهم ظالمون } أي فالله مالك أمرهم فإما أن ~~يهلكهم، أو يهزمهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على ~~الكفر فإنهم ظالمون يستحقون العذاب { ولله ما في السموت ~~وما في الأرض يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء ~~والله غفور رحيم } أي له جل وعلا ملك السماوات والأرض يعذب من ~~يشاء ويغفر لمن يشاء وهو الغفور الرحيم { يآ أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } هذا نهي ~~من الله تعالى لعباده المؤمنين عن تعاطي الربا مع التوبيخ بما كانوا عليه ~~في الجاهلية من تضعيفه قال ابن كثير: كانوا في الجاهلية إذا حل أجل ~~الدين يقول الدائن: إما أن تقضي وإما أن تربي! فإن قضاه وإلا ~~زاده في المدة وزاده في القدر وهكذا كل عام فربما تضاعف القليل حتى يصير ~~كثيرا مضاعفا { واتقوا الله } أي اتقوا عذابه بترك ما نهى عنه ~~{ لعلكم تفلحون } أي لتكونوا من الفائزين { واتقوا ~~النار التي أعدت للكافرين } أي احذروا نار جهنم التي ~~هيئت للكافرين { وأطيعوا الله والرسول لعلكم ~~ترحمون } أي اطيعوا الله ورسوله لتكونوا من الأبرار الذين تنالهم ~~رحمة الله. # البلاغة: 1- { إذ تقول } صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية ~~باستحضار صورتها في الذهن. # 2- { أن يمدكم ربكم } التعرض لعنوان الربوبية مع إضافته ~~للمخاطبين لإظهار كمال العناية بهم أفاده أبو السعود. # 3- { يغفر ويعذب } بينهما طباق. # 4- { أضعافا مضاعفة } جناس الاشتقاق. # 5- { لا تأكلوا الربا } سمي الأخذ أكلا لأنه يئول إليه فهو ~~مجاز مرسل. # تنبيه: ذكر الأضعاف المضاعفة في الآية ليس للقيد ولا للشرط، وإنما هو ~~لبيان الحالة التي كان الناس عليها في الجاهلية، وللتشنيع عليهم بأن في ~~هذه المعاملة ظلما صارخا وعدوانا مبينا حيث كانوا يأخذون الربا ~~أضعافا مضاعفة قال أبو حيان: " نهوا عن الحالة الشنعاء التي يوقعون ~~الربا ms0225 عليها فربما استغرق بالنزر اليسير مال المدين، وأشار بقوله { ~~مضاعفة } إلى أنهم كانوا يكررون التضعيف عاما بعد عام، والربا ~~محرم بجميع أنواعه، فهذه الحال ليس قيدا في النهي ". ### || [3.133-148] # المناسبة: لما حث تعالى على الصبر والتقوى ونبه المؤمنين إلى إمداد ~~الله لهم بالملائكة في غزوة بدر، عقبه بالأمر بالمسارعة إلى نيل رضوان ~~الله، ثم ذكر بالتفصيل غزوة أحد وما نال المؤمنين فيها من الهزيمة بعد ~~النصر بسبب مخالفة أمر الرسول، ثم بين أن الابتلاء سنة الحياة، وأن قتل ~~الأنبياء لا ينبغي أن يدخل الوهن إلى قلوب المؤمنين، ثم توالت الآيات ~~الكريمة في بيان الدروس والعبر من غزوة أحد. # اللغة: { وسارعوا } بادروا { السرآء } الرخاء { الضرآء ~~} الشدة والضيق { والكاظمين } كظم الغيظ: رده في الجوف يقال: كظم ~~غيظه أي لم يظهره مع قدرته على إيقاعه بالعدو مأخوذ من كظم القربة إذا ~~ملأها وشد رأسها { فاحشة } الفاحشة: العمل الذي تناهى في القبح { ~~خلت } مضت { سنن } السنن: جمع سنة وهي الطريقة التي يقتدى بها ~~ومنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم والمراد بها هنا الوقائع التي حصلت ~~للمكذبين { قرح } جرح بالفتح والضم قال الفراء: هو بالفتح الجرح ~~وبالضم ألمه، وأصل الكلمة الخلوص ومنه ماء قراح { نداولها } ~~نصرفها والمداولة: نقل الشيء من واحد إلى آخر يقال: تداولته الأيدي إذا ~~انتقل من شخص إلى شخص { وليمحص } التمحيص: التخليص يقال: محصته ~~إذا خلصته من كل عيب وأصله في اللغة: التنقية والإزالة { ويمحق } ~~المحق: نقص الشيء قليلا قليلا { أعقابكم } جمع عقب وهو مؤخر ~~الرجل يقال: انقلب على عقبه أي رجع إلى ما كان عليه { مؤجلا } له ~~وقت محدد لا يتقدم ولا يتأخر { وكأين } كم وهي للتكثير وأصلها أي ~~دخلت عليها كاف التشبيه فأصبح معناها التكثير { ربيون } جمع ربي ~~نسبة إلى الرب كالربانيين وهم العلماء الأتقياء العابدون لربهم وقيل: ~~نسبة إلى الربة وهي الجماعة { استكانوا } خضعوا وذلوا وأصله من ~~السكون لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليصنع به ما يريد. # التفسير: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } أي ~~بادروا إلى ما يوجب المغفرة ms0226 بطاعة الله وامتثال أوامره { وجنة ~~عرضها السموت والأرض } أي وإلى جنة واسعة عرضها كعرض ~~السماء والأرض كما قال في سورة " الحديد " # عرضها كعرض السمآء والأرض # [الآية: 21] والغرض بيان سعتها فإذا كان هذا عرضها فما ظنك بطولها؟ { ~~أعدت للمتقين } أي هيئت للمتقين لله { الذين ينفقون ~~في السرآء والضرآء } أي يبذلون أموالهم في اليسر والعسر، وفي ~~الشدة والرخاء، { والكاظمين الغيظ } أي يمسكون غيظهم مع قدرتهم ~~على الانتقام { والعافين عن الناس } أي يعفون عمن أساء إليهم ~~أو ظلمهم { والله يحب المحسنين } أي يحب المتصفين بتلك ~~الأوصاف الجليلة وغيرها { والذين إذا فعلوا فاحشة } أي ~~ارتكبوا ذنبا قبيحا كالكبائر { أو ظلموا أنفسهم } بإتيان ~~أي ذنب { ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } أي تذكروا ~~عظمة الله ووعيده لمن عصاه فأقلعوا عن الذنب وتابوا وأنابوا { ومن ~~يغفر الذنوب إلا الله } استفهام بمعنى النفي أي لا يغفر ~~الذنوب إلا الله وهي جملة اعتراضية لتطييب نفوس العباد وتنشيطهم للتوبة ~~ولبيان أن الذنوب - وإن جلت - فإن عفوه تعالى أجل ورحمته أوسع { ~~ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } أي لم ~~يقيموا على قبيح فعلهم وهم عالمون بقبحه بل يقلعون ويتوبون { ~~أولئك جزآؤهم مغفرة من ربهم } أي الموصوفون ~~بتلك الصفات الحميدة جزاؤهم وثوابهم العفو عما سلف من الذنوب { ~~وجنات تجري من تحتها الأنهار } أي ولهم جنات تجري خلال ~~أشجارها الأنهار { خالدين فيها } أي ماكثين فيها أبدا { ونعم ~~أجر العاملين } أي نعمت الجنة جزاء لمن أطاع الله، ثم ذكر تعالى ~~تتمة تفصيل غزوة أحد بعد تمهيد مبادئ الرشد والصلاح فقال { قد خلت ~~من قبلكم سنن } أي قد مضت سنة الله في الأمم الماضية بالهلاك ~~والاستئصال بسبب مخالفتهم الأنبياء { فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } أي تعرفوا أخبار ~~المكذبين وما نزل بهم لتتعظوا بما ترون من آثار هلاكهم { هذا بيان ~~للناس } أي هذا القرآن فيه بيان شاف للناس عامة { وهدى ~~وموعظة للمتقين } أي وهداية لطريق الرشاد وموعظة وذكرى ~~للمتقين خاصة، وإنما خص المتقين بالذكر لأنهم هم المنتفعون به دون سائر ~~الناس، ثم أخذ ms0227 يسليهم عما أصابهم من الهزيمة في وقعة أحد فقال { ولا ~~تهنوا ولا تحزنوا } أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا تحزنوا على ما ~~أصابكم من قتل أو هزيمة { وأنتم الأعلون } أي وأنتم الغالبون ~~لهم المتفوقون عليهم فإن كانوا قد أصابوكم يوم أحد فقد أبليتم فيهم يوم ~~بدر { إن كنتم مؤمنين } أي إن كنتم حقا مؤمنين فلا تهنوا ~~ولا تحزنوا { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح ~~مثله } أي إن أصابكم قتل أو جراح فقد أصاب المشركين مثل ما أصابكم ~~{ وتلك الأيام نداولها بين الناس } أي الأيام دول، ~~يوم لك ويوم عليك، ويوم تساء ويوم تسر { وليعلم الله ~~الذين آمنوا } أي فعل ذلك ليمتحنكم فيرى من يصبر عند الشدائد ~~ويميز بين المؤمنين والمنافقين { ويتخذ منكم شهدآء } أي ~~وليكرم بعضكم بنعمة الشهادة في سبيل الله { والله لا يحب ~~الظالمين } أي لا يحب المعتدين ومنهم المنافقون الذين انخذلوا عن ~~نبيه يوم أحد { وليمحص الله الذين آمنوا } أي ينقيهم ~~ويطهرهم من الذنوب ويميزهم عن المنافقين { ويمحق الكافرين } أي ~~يهلكهم شيئا فشيئا { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } ~~استفهام على سبيل الإنكار أي هل تظنون يا معشر المؤمنين أن تنالوا الجنة ~~بدون ابتلاء وتمحيص؟ { ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم ويعلم الصابرين } أي ولما تجاهدوا في سبيله فيعلم الله ~~جهادكم وصبركم على الشدائد؟ قال الطبري المعنى: أظننتم يا معشر أصحاب ~~محمد أن تنالوا كرامة ربكم ولما يتبين لعبادي المؤمنين المجاهدون منكم ~~في سبيل الله والصابرون عند البأس على ما ينالهم في ذات الله من ألم ~~ومكروه!! { ولقد كنتم تمنون الموت } أي كنتم تتمنون ~~لقاء الأعداء لتحظوا بالشهادة { من قبل أن تلقوه } أي من قبل ~~أن تذوقوا شدته، والآية عتاب في حق من انهزم { فقد رأيتموه ~~وأنتم تنظرون } أي رأيتموه بأعينكم حين قتل من إخوانكم ~~وشارفتم أن تقتلوا، ونزل لما أشاع الكافرون أن محمدا قد قتل وقال ~~المنافقون: إن كان قد قتل فتعالوا نرجع إلى ديننا الأول { وما ~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } أي ليس ms0228 ~~محمد إلا رسول مضت قبله رسل، والرسل منهم من مات ومنهم من قتل { ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } أفإن ~~أماته الله أو قتله الكفار ارتددتم كفارا بعد إيمانكم؟ { ومن ~~ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا } أي ومن ~~يرتد عن دينه فلا يضر الله، وإنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب { ~~وسيجزي الله الشاكرين } أي يثيب الله المطيعين وهم الذين ~~ثبتوا ولم ينقلبوا، ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل نفس أجلا لا يتقدم ولا ~~يتأخر فقال { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } ~~أي بإرادته ومشيئته { كتابا مؤجلا } أي كتب لكل نفس أجلها ~~كتابا مؤقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر، والغرض تحريضهم على الجهاد ~~وترغيبهم في لقاء العدو، فالجبن لا يزيد في الحياة، والشجاعة لا تنقص ~~منها، والحذر لا يدفع القدر والإنسان لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خاض ~~المهالك واقتحم المعارك { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته ~~منها } أي من أراد بعمله أجر الدنيا أعطيناه منها وليس له في الآخرة ~~من نصيب، وهو تعريض بالذين رغبوا في الغنائم، فبين تعالى أن حصول الدنيا ~~للإنسان ليس بموضع غبطة لأنها مبذولة للبر والفاجر { ومن يرد ~~ثواب الآخرة نؤته منها } أي ومن أراد بعمله أجر الآخرة ~~أعطيناه الأجر كاملا مع ما قسمنا له من الدنيا كقوله # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه # [الشورى: 20] { وسنجزي الشاكرين } أي سنعطيهم من فضلنا ~~ورحمتنا بحسب شكرهم وعملهم { وكأين من نبي قاتل معه ~~ربيون كثير } أي كم من الأنبياء قاتل لإعلاء كلمة الله وقاتل ~~معه علماء ربانيون وعباد صالحون قاتلوا فقتل منهم من قتل { فما ~~وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله } أي ما جبنوا ولا ضعفت ~~هممهم لما أصابهم من القتل والجراح { وما ضعفوا } عن الجهاد { ~~وما استكانوا } أي ما ذلوا ولا خضعوا لعدوهم { والله يحب ~~الصابرين } أي يحب الصابرين على مقاساة الشدائد والأهوال في سبيل ~~الله { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر ~~لنا ذنوبنا } أي ما كان قولهم مع ms0229 ثباتهم وقوتهم في الدين إلا طلب ~~المغفرة من الله { وإسرافنا في أمرنا } أي وتفريطنا وتقصيرنا ~~في واجب طاعتك وعبادتك { وثبت أقدامنا } أي ثبتنا في مواطن ~~الحرب { وانصرنا على القوم الكافرين } أي انصرنا على ~~الكفار { فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب ~~الآخرة } أي جمع الله لهم بين جزاء الدنيا بالغنيمة والعز والظفر ~~والتمكين لهم بالبلاد وبين جزاء الآخرة بالجنة ونعيمها { والله ~~يحب المحسنين } أي يحب من أحسن عمله وأخلص نيته، وخص ثواب ~~الآخرة بالحسن إشعارا بفضله وأنه المعتد به عند الله. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- { عرضها السموت والأرض } أي كعرض السماوات والأرض ~~حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه يسمى هذا " التشبيه البليغ ". # 2- { سارعوا إلى مغفرة } من باب تسمية الشيء باسم سببه أي ~~إلى موجبات المغفرة. # 3- { السرآء والضرآء } فيه الطباق وهو من المحسنات البديعية. # 4- { ومن يغفر الذنوب إلا الله } استفهام يقصد منه ~~النفي أي لا يغفر. # 5- { أولئك جزآؤهم مغفرة } الإشارة بالبعيد للإشعار ~~ببعد منزلتهم وعلو طبقتهم في الفضل. # 6- { ونعم أجر العاملين } المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم أجر ~~العاملين ذلك. # 7- { وليعلم الله } هو من باب الالتفات لأنه جاء بعد لفظ { ~~نداولها } فهو التفات من الحاضر إلى الغيبة، والسر في هذا ~~الالتفات تعظيم شأن الجهاد في سبيل الله. # 8- { وما محمد إلا رسول } قصر موصوف على صفة. # 9- { انقلبتم على أعقابكم } قال في تلخيص البيان: هذه ~~استعارة والمراد بها الرجوع عن دينه، فشبه سبحانه الرجوع في الإرتياب ~~بالرجوع على الأعقاب. # الفوائد: الأولى: في هذه الآيات الكريمة { وسارعوا إلى ~~مغفرة } أمهات مكارم الأخلاق من البذل وكظم الغيظ والعفو عن ~~المسيئين والتوبة من الذنوب، وكل منها مصدر لفضائل لا تدخل تحت الحصر. # الثانية: قدم المغفرة على الجنة لأن التخلية مقدمة على التحلية فلا ~~يستحق دخول الجنة من لم يتطهر من الذنوب والآثام. # الثالثة: تخصيص العرض بالذكر للمبالغة في وصف الجنة بالسعة والبسطة ~~فإذا كان هذا عرضها فكيف يكون طولها؟ قال ابن عباس: كسبع سماوات وسبع ~~أرضين لو وصل بعضها ببعض. # الرابعة: كتب ms0230 هرقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنك دعوتني إلى جنة ~~عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال عليه السلام: # " سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار ". # الخامسة: أمر تعالى بالمسارعة إلى عمل الآخرة في آيات عديدة { ~~وسارعوا إلى مغفرة } و # سابقوا إلى مغفرة # [الحديد: 21] # فاستبقوا الخيرات # [البقرة: 148] # فاسعوا إلى ذكر الله # [الجمعة: 9] # وفي ذلك فليتنافس المتنافسون # [المطففين: 26] وأما لعمل الدنيا فأمر بالهوينى # فامشوا في مناكبها # [الملك: 15] # وآخرون يضربون في الأرض # [الزمر: 20] فتدبر السر الدقيق. ### || [3.149-158] # المناسبة: لا تزال الآيات الكريمة تتناول سرد أحداث غزوة أحد وما ~~فيها من العظات والعبر، فهي تتحدث عن أسباب الهزيمة وموقف المنافقين ~~الفاضح في تلك الغزوة، وتآمرهم على الدعوة الإسلامية بتثبيط عزائم ~~المؤمنين. # اللغة: { سلطانا } حجة وبرهانا وأصله القوة ومنه قيل للوالي سلطان ~~{ مثوى } المثوى: المكان الذي يكون مقر الإنسان ومأواه من قولهم ثوى ~~بالمكان إذا أقام فيه { تحسونهم } تقتلونهم قال الزجاج: الحس ~~الإستئصال بالقتل وأصله الضرب على مكان الحس قال الشاعر: # حسناهم بالسيف حسا فأصبحت # بقيتهم قد شردوا وتبددوا # { تصعدون } الإصعاد: الذهاب والإبعاد في الأرض، والفرق بينه وبين ~~الصعود أن الإصعاد يكون في مستوى من الأرض، والصعود يكون في ارتفاع { ~~لا تلوون } أي لا تلتفتون إلى أحد كما يفعل المنهزم وأصله من لي ~~العنق للإلتفات { أخراكم } آخركم { أثابكم } جازاكم { ~~أمنة } أمنا واطمئنانا { يغشى } يستر ويغطي { وليمحص } ~~التمحيص: التنقية وتخليص الشيء مما فيه من عيب { استزلهم } أوقعهم ~~في الزلة وهي الخطيئة { غزى } جمع غاز وهو الخارج في سبيل الله. # سبب النزول: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد ~~أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد ~~وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله { ولقد صدقكم الله وعده... ~~إلى قوله منكم من يريد الدنيا } يعني الرماة الذين فعلوا ما ~~فعلوا يوم أحد. # التفسير: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين ~~كفروا } أي إن أطعتم الكفار والمنافقين فيما يأمرونكم به { ~~يردوكم على أعقابكم } أي يردوكم إلى الكفر { ~~فتنقلبوا خاسرين ms0231 } أي ترجعوا إلى الخسران، ولا خسران أعظم من ~~أن تتبدلوا الكفر بالإيمان قال ابن عباس: هم المنافقون قالوا للمؤمنين ~~لما رجعوا من أحد لو كان نبيا ما أصابه الذي أصابه فارجعوا إلى ~~إخوانكم { بل الله مولاكم } بل للإضراب أي ليسوا أنصارا ~~لكم حتى تطيعوهم بل الله ناصركم فأطيعوا أمره { وهو خير ~~الناصرين } أي هو سبحانه خير ناصر وخير معين فلا تستنصروا بغيره، ثم ~~بشر تعالى المؤمنين بإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم فقال { سنلقي في ~~قلوب الذين كفروا الرعب } أي سنقذف في قلوبهم الخوف ~~والفزع { بمآ أشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا } أي بسبب إشراكهم بالله وعبادتهم معه آلهة أخرى من غير حجة ~~ولا برهان { ومأواهم النار } أي مستقرهم النار { وبئس ~~مثوى الظالمين } أي بئس مقام الظالمين نار جهنم، فهم في الدنيا ~~مرعوبون وفي الآخرة معذبون وفي الحديث # " نصرت بالرعب مسيرة شهر " # { ولقد صدقكم الله وعده } أي وفى الله لكم ما وعدكم به ~~من النصر على عدوكم { إذ تحسونهم بإذنه } أي تقتلونهم ~~قتلا ذريعا وتحصدونهم بسيوفكم بإرادة الله وحكمه { حتى إذا ~~فشلتم وتنازعتم في الأمر } أي حتى إذا جبنتم وضعفتم ~~واختلفتم في أمر المقام في الجبل { وعصيتم من بعد مآ ~~أراكم ما تحبون } أي عصيتم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ~~أن كان النصر حليفكم، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع خمسين من ~~الرماة فوق الجبل وأمرهم أن يدفعوا عن المسلمين وقال لهم: لا تبرحوا ~~أماكنكم حتى ولو رأيتمونا تخطفتنا الطير، فلما التقى الجيشان لم تقو خيل ~~المشركين على الثبات بسبب السهام التي أخذتهم في جوههم من الرماة فانهزم ~~المشركون، فلما رأى الرماة ذلك قالوا: الغنيمة الغنيمة ونزلوا لجمع ~~الأسلاب، وثبت رئيسهم ومعه عشرة فجاءهم المشركون من خلف الجبل فقتلوا ~~البقية من الرماة ونزلوا على المسلمين بسيوفهم من خلف ظهورهم فانقلب ~~النصر إلى هزيمة للمسلمين فذلك قوله تعالى { من بعد مآ أراكم ~~ما تحبون } أي من بعد النصر { منكم من يريد الدنيا } ~~أي الغنيمة وهم الذين تركوا ms0232 الجبل { ومنكم من يريد الآخرة } ~~أي ثواب الله وهم العشرة الذين ثبتوا في مركزهم مع أميرهم " عبد الله بن ~~جبير " ثم استشهدوا { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } أي ~~ردكم بالهزيمة عن الكفار ليمتحن إيمانكم { ولقد عفا عنكم } أي ~~صفح عنكم مع العصيان، وفيه إعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل بهم ~~لولا عفو الله عنهم ولهذا قال { والله ذو فضل على ~~المؤمنين } أي ذو من ونعمة على المؤمنين في جميع الأوقات ~~والأحوال { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد } أي اذكروا ~~يا معشر المؤمنين حين وليتم الأدبار تبعدون في الفرار ولا تلتفتون إلى ~~ما وراءكم ولا يقف واحد منكم لآخر { والرسول يدعوكم في ~~أخراكم } أي ومحمد صلى الله عليه وسلم يناديكم من وراءكم يقول # " إلي عباد الله، إلي عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله ~~الجنة " # وأنتم تمعنون في الفرار { فأثابكم غما بغم } أي جازاكم ~~على صنيعكم غما بسبب غمكم للرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفتكم أمره { ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } أي لكيلا تحزنوا على ما ~~فاتكم من الغنيمة { ولا مآ أصابكم } أي من الهزيمة، والغرض بيان ~~الحكمة من الغم، وهو أن ينسيهم الحزن على ما فاتهم وما أصابهم وذلك من ~~رحمته تعالى بهم { والله خبير بما تعملون } أي يعلم المخلص ~~من غيره { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ~~نعاسا } وهذا امتنان منه تعالى عليهم أي ثم أرسل عليكم بعد ذلك الغم ~~الشديد النعاس للسكينة والطمأنينة ولتأمنوا على أنفسكم من عدوكم فالخائف ~~لا ينام، روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال: " غشينا النعاس ونحن في ~~مصافنا يوم أحد، قال فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه " ثم ذكر ~~سبحانه أن تلك الأمنة لم تكن عامة بل كانت لأهل الإخلاص، وبقى أهل ~~النفاق في خوف وفزع فقال { يغشى طآئفة منكم } أي يغشى النوم ~~فريقا منكم وهم المؤمنون المخلصون { وطآئفة قد أهمتهم ~~أنفسهم } أي وجماعة أخرى حملتهم أنفسهم على الهزيمة فلا رغبة لهم ~~إلا نجاتها وهم المنافقون، وكان ms0233 السبب في ذلك توعد المشركين بالرجوع ~~إلى القتال، فقعد المؤمنون متهيئين للحرب فأنزل الله عليهم الأمنة ~~فناموا، وأما المنافقون الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم فقد ~~طار النوم من أعينهم من الفزع والجزع { يظنون بالله غير ~~الحق ظن الجاهلية } أي يظنون بالله الظنون السيئة مثل ظن ~~أهل الجاهلية، قال ابن كثير: وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا ~~تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب ~~والشك، إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة { ~~يقولون هل لنا من الأمر من شيء } أي ليس لنا من الأمر ~~شيء، ولو كان لنا اختيار ما خرجنا لقتال { قل إن الأمر كله ~~لله } أي قل يا محمد لأولئك المنافقين الأمر كله بيد الله يصرفه كيف ~~شاء { يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك } أي يبطنون ~~في أنفسهم ما لا يظهرون لك { يقولون لو كان لنا من الأمر ~~شيء ما قتلنا هاهنا } أي لو كان الاختيار لنا لم نخرج فلم ~~نقتل ولكن أكرهنا على الخروج، وهذا تفسير لما يبطنونه قال الزبير: أرسل ~~علينا النوم ذلك اليوم وإني لأسمع قول " معتب بن قشير " والنعاس ~~يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا { قل لو ~~كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم } أي قل لهم يا محمد لو لم تخرجوا من بيوتكم وفيكم ~~من قدر الله عليه القتل لخرج أولئك إلى مصارعهم، فقدر الله لا مناص ~~منه ولا مفر { وليبتلي الله ما في صدوركم } أي ليختبر ~~ما في قلوبكم من الإخلاص والنفاق { وليمحص ما في قلوبكم } ~~أي ولينقي ما في قلوبكم ويطهره فعل بكم ذلك { والله عليم ~~بذات الصدور } أي عالم بالسرائر مطلع على الضمائر وما فيها خير ~~أو شر، ثم ذكر سبحانه الذين انهزموا يوم أحد فقال { إن الذين ~~تولوا منكم } أي انهزموا منكم من المعركة { يوم التقى ~~الجمعان } أي جمع المسلمين وجمع المشركين { إنما استزلهم ~~الشيطان ببعض ما كسبوا ms0234 } أي إنما أزلهم الشيطان بوسوسته ~~وأوقعهم في الخطيئة ببعض ما عملوا من الذنوب وهو مخالفة أمر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم { ولقد عفا الله عنهم } أي تجاوز عن عقوبتهم ~~وصفح عنهم { إن الله غفور حليم } أي واسع المغفرة حليم لا ~~يعجل العقوبة لمن عصاه، ثم نهى سبحانه عن الاقتداء بالمنافقين في أقوالهم ~~وأفعالهم فقال { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين كفروا } أي لا تكونوا كالمنافقين { وقالوا ~~لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض } أي وقالوا لإخوانهم من ~~أهل النفاق إذا خرجوا في الأسفار والحروب { أو كانوا غزى } أو ~~خرجوا غازين في سبيل الله { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما ~~قتلوا } أي لو أقاموا عندنا ولم يخرجوا لما ماتوا ولا قتلوا، قال ~~تعالى ردا عليهم { ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ~~} أي قالوا ذلك ليصير ذلك الاعتقاد الفاسد حسرة في نفوسهم { والله ~~يحيي ويميت } رد على قولهم واعتقادهم أي هو سبحانه المحيي ~~المميت فلا يمنع الموت قعود { والله بما تعملون بصير } أي ~~مطلع على أعمال العباد فيجازيهم عليها { ولئن قتلتم في سبيل ~~الله } أي استشهدتم في الحرب والجهاد { أو متم } أي جاءكم الموت ~~وأنتم قاصدون قتالهم { لمغفرة من الله ورحمة خير ~~مما يجمعون } أي ذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها ~~الفاني { ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون } ~~أي وسواء متم على فراشكم أو قتلتم في ساحة الحرب فإن مرجعكم إلى الله ~~فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقربكم إلى الله ويوجب لكم رضاه من الجهاد ~~في سبيل الله والعمل بطاعته، ولله در القائل حيث يقول: # فإن تكن الأبدان للموت أنشئت # فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل # البلاغة: 1- { يردوكم على أعقابكم } أي يرجعوكم من ~~الإيمان إلى الكفر وهو من باب الاستعارة وقد تقدم. # 2- بين لفظ { آمنوا } و { كفروا } في الآية طباق وكذلك بين { ~~يخفون } و { يبدون } وبين { فاتكم } و { أصابكم } وهو ~~من المحسنات البديعية. # 3- { وبئس مثوى الظالمين } لم يقل وبئس مثواهم بل وضع ~~الظاهر مكان الضمير للتغليظ وللإشعار بأنهم ظالمون لوضعهم الشيء في ms0235 غير ~~موضعه والمخصوص بالذم محذوف أي بئس مثوى الظالمين النار أفاده أبو ~~السعود. # 4- { ذو فضل على المؤمنين } التنكير للتفخيم وقوله { على ~~المؤمنين } دون عليهم فيه الإظهار في موضع الإضمار للتشريف ~~والإشعار بعلة الحكم. # 5- { يظنون بالله.. ظن } بينهما جناس الاشتقاق وكذلك في # فتوكل... المتوكلين # [آل عمران: 159]. # 6- { إذا ضربوا في الأرض } فيه استعارة تشبيها للمسافر في ~~البر بالسابح الضارب في البحر. لأنه يضرب بأطرافه في غمرة الماء شقا لها ~~واستعانة على قطعها كذا في تلخيص البيان. # فائدة: من الذين ثبتوا في المعركة بأحد الأسد المقدام " أنس بن ~~النضر " عم أنس بن مالك، فلما هزم المسلمون وأشاع المنافقون أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم قد قتل قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - ~~يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما فعل هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم ~~بسيفه فلقيه " سعد بن معاذ " فقال: أين يا سعد؟ والله إني لأجد ريح ~~الجنة دون أحد، فمضى فقتل ومثل به المشركون فلم يعرفه أحد إلا أخته ~~عرفته من بنانه ورؤي وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم. # فائدة: روى ابن كثير عن ابن مسعود قال: إن النساء كن يوم أحد خلف ~~المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ~~ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله { منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة } فلما خالف أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعصوا ما أمروا به أفرد النبي صلى الله عليه وسلم في تسعة ~~وهو عاشرهم فلما أرهقوه قال: رحم الله رجلا ردهم عنا فلم يزل يقول ذلك ~~حتى قتل سبعة منهم، فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده ~~فلاكتها فلم تستطيع أن تأكلها، وحزن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حزنا شديدا، وصلى عليه يومئذ سبعين صلاة. ### || [3.159-168] # المناسبة: لا تزال الآيات تتحدث عن غزوة أحد، فقد ذكر تعالى فيما ~~سبق انهزام المسلمين وما أصيبوا به من غم واضطراب، وأرشدهم إلى موطن ~~الداء ووصف لهم الدواء، وفي ms0236 هذه الآيات الكريمة اشادة بالقيادة الحكيمة، ~~فمع مخالفة بعض الصحابة لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم فقد وسعهم عليه ~~السلام بخلقه الكريم وقلبه الرحيم، ولم يخاطبهم بالغلظة والشدة وإنما ~~خاطبهم باللطف واللين، ولذلك اجتمعت القلوب حول دعوته، وتوحدت تحت ~~قيادته، والآيات تتحدث عن أخلاق النبوة، وعن المنة العظمى ببعثة الرسول ~~الرحيم والقائد الحكيم وعن بقية الأحداث الهامة في تلك الغزوة. # اللغة: { فظا } الفظ: الغليظ الجافي قال الواحدي هو الغليظ سيئ ~~الخلق قال الشاعر: # أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ # وكنت أخشى عليها من أذى الكلم # { غليظ القلب } هو الذي لا يتأثر قلبه ولا يرق ومن ذلك قول ~~الشاعر: # يبكى علينا ولا نبكي على أحد؟ # لنحن أغلظ أكبادا من الإبل # { انفضوا } تفرقوا وأصل الفض الكسر ومنه قولهم: لا يفضض الله فاك ~~{ يغل } الغلول: الخيانة وأصله أخذ الشيء في الخفية يقال: غل فلان ~~في الغنيمة أي أخذ شيئا منها في خفية { بآء } رجع { سخط } السخط: ~~الغضب الشديد { مأواه } منزله ومثواه { يزكيهم } يطهرهم { ~~من } المنة: الإنعام والإحسان { فادرءوا } الدرء: الدفع ومنه # ويدرؤا عنها العذاب # [النور: 8]. # سبب النزول: فقدت قطيفة حمراء يوم بدر من المغنم فقال بعض الناس ~~لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها فأنزل الله { وما كان لنبي ~~أن يغل.. } الآية. # التفسير: { فبما رحمة من الله لنت لهم } أي فبسبب ~~رحمة من الله أودعها الله في قلبك يا محمد كنت هينا لين الجانب مع ~~أصحابك مع أنهم خالفوا أمرك وعصوك { ولو كنت فظا غليظ ~~القلب لانفضوا من حولك } أي لو كنت جافي الطبع قاسي ~~القلب، تعاملهم بالغلظة والجفا، لتفرقوا عنك ونفروا منك، ولما كانت ~~الفظاظة في الكلام نفى الجفاء عن لسانه والقسوة عن قلبه { فاعف ~~عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر } أي فتجاوز ~~عما نالك من أذاهم يا محمد، واطلب لهم من الله المغفرة، وشاورهم في جميع ~~أمورك ليقتدي بك الناس قال الحسن " ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد ~~أمورهم " وكان عليه السلام كثير المشاورة لأصحابه { فإذا عزمت ~~فتوكل على الله ms0237 } أي إذا عقدت قلبك على أمر بعد الاستشارة ~~فاعتمد على الله وفوض أمرك إليه { إن الله يحب ~~المتوكلين } أي يحب المعتمدين عليه، المفوضين أمورهم إليه { إن ~~ينصركم الله فلا غالب لكم } أي إن أراد الله نصركم فلا ~~يمكن لأحد أن يغلبكم { وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم ~~من بعده } أي وإن أراد خذلانكم وترك معونتكم فلا ناصر لكم، فمهما ~~وقع لكم من النصر كيوم بدر أو من الخذلان كيوم أحد بمشيئته سبحانه ~~فالأمر كله لله، بيده العزة والنصرة والإذلال والخذلان { وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون } أي وعلى الله وحده فليلجأ ~~وليعتمد المؤمنون { وما كان لنبي أن يغل } أي ما صح ولا ~~استقام شرعا ولا عقلا لنبي من الأنبياء أن يخون في الغنيمة، والنفي ~~هنا نفي للشأن وهو أبلغ من نفي الفعل لأن المراد أنه لا يتأتى ولا ~~يصح أن يتصور فضلا عن أن يحصل ويقع { ومن يغلل يأت بما ~~غل يوم القيامة } أي ومن يخن من غنائم المسلمين شيئا يأت ~~حاملا له على عنقه يوم القيامة فضيحة له على رءوس الأشهاد { ثم ~~توفى كل نفس ما كسبت } أي تعطى جزاء ما عملت وافيا غير ~~منقوص { وهم لا يظلمون } أي تنال جزاءها العادل دون زيادة أو ~~نقص، فلا يزاد في عقاب العاصي، ولا ينقص من ثواب المطيع { أفمن ~~اتبع رضوان الله كمن بآء بسخط من الله } أي لا ~~يستوي من أطاع الله وطلب رضوانه، ومن عصى الله فاستحق سخطه وباء بالخسران ~~{ ومأواه جهنم وبئس المصير } أي مصيره ومرجعه جهنم ~~وبئست النار مستقرا له { هم درجات عند الله } أي متفاوتون في ~~المنازل قال الطبري: هم مختلفو المنازل عند الله، فلمن اتبع رضوان الله ~~الكرامة والثواب الجزيل، ولمن باء بسخط من الله المهانة والعقاب ~~الأليم { والله بصير بما يعملون } أي لا تخفى عليه أعمال ~~العباد وسيجازيهم عليها، ثم ذكر تعالى المؤمنين بالمنة العظمى عليهم ~~ببعثة خاتم المرسلين فقال { لقد من الله على المؤمنين ~~إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } أي والله لقد أنعم ~~الله ms0238 على المؤمنين حين أرسل إليهم رسولا عربيا من جنسهم، عرفوا أمره ~~وخبروا شأنه، وخص تعالى المؤمنين بالذكر وإن كان رحمة للعالمين، لأنهم ~~هم المنتفعون ببعثته { يتلوا عليهم آياته } أي يقرأ عليهم ~~الوحي المنزل { ويزكيهم } أي يطهرهم من الذنوب ودنس الأعمال { ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة } أي يعلمهم القرآن المجيد ~~والسنة المطهرة { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } أي ~~وإنه الحال والشأن كانوا قبل بعثته في ضلال ظاهر، فنقلوا من الظلمات ~~إلى النور، وصاروا أفضل الأمم { أو لما أصابتكم مصيبة } ~~أي أو حين أصابتكم أيها المؤمنون كارثة يوم أحد فقتل منكم سبعون { قد ~~أصبتم مثليها } أي في بدر حيث قتلتم سبعين وأسرتم سبعين { ~~قلتم أنى هذا }؟ أي من أين هذا البلاء، ومن أين جاءتنا ~~الهزيمة وقد وعدنا بالنصر، وموضع التقريع قولهم { أنى هذا }؟ مع ~~أنهم سبب النكسة والهزيمة { قل هو من عند أنفسكم } أي قل ~~لهم يا محمد: إن سبب المصيبة منكم أنتم بمعصيتكم أمر الرسول وحرصكم على ~~الغنيمة { إن الله على كل شيء قدير } أي يفعل ما يشاء ~~لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه { ومآ أصابكم يوم التقى ~~الجمعان فبإذن الله } أي وما أصابكم يوم أحد، يوم التقى ~~جمع المسلمين وجمع المشركين فبقضاء الله وقدره وبإرادته الأزلية وتقديره ~~الحكيم، ليتميز المؤمنون عن المنافقين { وليعلم المؤمنين } ~~أي ليعلم أهل الإيمان الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا { وليعلم ~~الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل ~~الله أو ادفعوا } أي وليعلم أهل النفاق كعبد الله بن أبي ابن ~~سلول وأصحابه الذين انخذلوا يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ورجعوا وكانوا نحوا من ثلاثمائة رجل فقال لهم المؤمنون: تعالوا قاتلوا ~~المشركين معنا أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا { قالوا لو نعلم ~~قتالا لاتبعناكم } أي قال المنافقون لو نعلم أنكم تلقون ~~حربا لقاتلنا معكم، ولكن لا نظن أن يكون قتال { هم للكفر ~~يومئذ أقرب منهم للإيمان } أي بإظهارهم هذا القول ~~صاروا أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان { يقولون بأفواههم ~~ما ليس في قلوبهم } أي يظهرون ms0239 خلاف ما يضمرون { والله ~~أعلم بما يكتمون } أي بما يخفونه من النفاق والشرك { ~~الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا } أي وليعلم الله أيضا ~~المنافقين الذين قالوا لإخوانهم الذين هم مثلهم وقد قعدوا عن القتال { ~~لو أطاعونا ما قتلوا } أي لو أطاعنا المؤمنون وسمعوا نصيحتنا ~~فرجعوا كما رجعنا ما قتلوا هنالك { قل فادرءوا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين } أي قل يا محمد لأولئك المنافقين إن ~~كان عدم الخروج ينجي من الموت فادفعوا الموت عن أنفسكم إن كنتم صادقين ~~في دعواكم، والغرض منه التوبيخ والتبكيت وأن الموت آت إليكم ولو كنتم ~~في بروج مشيدة. # البلاغة: 1- { إن ينصركم... وإن يخذلكم } بينهما ~~مقابلة وهي من المحسنات البديعية. # 2- { وعلى الله فليتوكل } تقديم الجار والمجرور لإفادة ~~الحصر. # 3- { وما كان لنبي أن يغل } أي ما صح ولا استقام والنفي ~~هنا للشأن وهو أبلغ من نفي الفعل. # 4- { أفمن اتبع رضوان الله كمن بآء بسخط من ~~الله } قال أبو حيان: " هذا من الاستعارة البديعة جعل ما شرعه الله ~~كالدليل الذي يتبعه من يهتدي به، وجعل العاصي كالشخص الذي أمر بأن يتبع ~~شيئا فنكص عن اتباعه ورجع بدونه ". # 5- { بسخط من الله } التنكير للتهويل أي بسخط عظيم لا يكاد ~~يوصف. # 6- { هم درجات } على حذف مضاف أي ذوو درجات متفاوتة، فالمؤمن ~~درجته مرتفعة والكافر درجته متضعة. # 7- { للكفر... وللإيمان } بينهما طباق وكذلك بين # يبدون.. ويخفون # [آل عمران: 154]. # 8- { أصابتكم مصيبة } بينهما جناس الاشتقاق، وهو من المحسنات ~~البديعية. # تنبيه: في هذه الآية { فبما رحمة من الله لنت لهم } ~~دلالة على اختصاص نبينا بمكارم الأخلاق، ومن عجيب أمره صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان أجمع الناس لدواعي العظمة ثم كان أدناهم إلى التواضع، فكان ~~أشرف الناس نسبا وأوفرهم حسبا وأزكاهم عملا وأسخاهم كرما وأفصحهم ~~بيانا وكلها من دواعي العظمة، ثم كان من تواضعه عليه السلام أنه كان ~~يرقع الثوب ويخصف النعل ويركب الحمار ويجلس على الأرض ويجيب دعوة العبد ~~المملوك فصلوات الله وسلامه على السراج المنير بحر المكارم والفضائل. # فائدة: التوكل على الله من أعلى المقامات لوجهين: ms0240 أحدهما محبة الله ~~للعبد { إن الله يحب المتوكلين } والثاني الضمان في ~~كنف الرحمن # ومن يتوكل على الله فهو حسبه # [آل عمران: 3]. ### || [3.169-180] # المناسبة: لا تزال الآيات الكريمة تتابع أحداث أحد، وتكشف عن أسرار ~~المنافقين ومواقفهم المخزية، وتوضح الدروس والعبر من تلك الغزوة ~~المجيدة. # اللغة: { يستبشرون } يفرحون وأصله من البشرة لأن الإنسان إذا ~~فرح ظهر أثر السرور في وجهه قال ابن عطية: وليست استفعل في هذا الموضع ~~بمعنى طلب البشارة وإنما هي بمعنى الفعل المجرد كقوله تعالى # واستغنى الله # [التغابن: 6] { القرح } بالفتح الجرح وبالضم ألم الجرح وقد تقدم { ~~حسبنا } كافينا مأخوذ من الإحساب بمعنى الكفاية قال الشاعر: # فتملأ بيتنا أقطا وسمنا # وحسبك من غنى شبع وري # { حظا } الحظ: النصيب ويستعمل في الخير والشر وإذا لم يقيد يكون ~~للخير { نملي } الإملاء: التأخير والإمهال قال القرطبي: والمراد ~~بالإملاء هنا طول العمر ورغد العيش { يميز } يميز يقال: ماز وميز ~~أي فصل الشيء من الشيء ومنه # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59] { يجتبي } يختار { سيطوقون } من الطوق وهو القلادة ~~أي يلزمون به لزوم الطوق في العنق. # سبب النزول: أ - عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر، ترد ~~أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل ~~العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ ~~إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ~~ينكلوا عند الحرب فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله { ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا } " # الآية. # ب - عن جابر بن عبد الله قال: # " لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا جابر: ما لي أراك منكسا ~~مهتما؟ قلت يا رسول الله: استشهد أبي وترك عيالا وعليه دين فقال: ~~ألا أبشرك بما لقي الله عز وجل به أباك؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: إن ~~الله أحيا أباك وكلمه كفاحا - وما كلم أحدا قط إلا ms0241 من وراء حجاب - ~~فقال له: يا عبد الله تمن أعطك قال يا رب: أسألك أن تردني الى الدنيا ~~فأقتل فيك ثانية فقال الرب تبارك وتعالى: إنه قد سبق مني أنهم إليها ~~لا يرجعون، قال يا رب: فأبلغ من ورائي فأنزل الله { ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا } ". # التفسير: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا } أي لا تظنن الذين استشهدوا في سبيل الله لإعلاء دينه ~~أمواتا لا يحسون ولا يتنعمون { بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون } أي بل هم أحياء متنعمون في جنان الخلد يرزقون من نعيمها ~~غدوا وعشيا قال الواحدي: الأصح في حياة الشهداء ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أن أرواحهم في أجواف طيور خضر وأنهم يرزقون ويأكلون ~~ويتنعمون { فرحين بمآ آتاهم الله من فضله } أي هم ~~منعمون في الجنة فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة { ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~} أي يستبشرون بإخوانهم المجاهدين الذين لم يموتوا في الجهاد بما ~~سيكونون عليه بعد الموت إن استشهدوا فهم لذلك فرحون مستبشرون { ألا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } أي بأن لا خوف عليهم في ~~الآخرة ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا لأنهم في جنات النعيم { ~~يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا ~~يضيع أجر المؤمنين } أكد استبشارهم ليذكر ما تعلق به من ~~النعمة والفضل والمعنى: يفرحون بما حباهم الله تعالى من عظيم كرامته وبما ~~أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب، فالنعمة ما استحقوه بطاعتهم، والفضل ~~ما زادهم من المضاعفة في الأجر { الذين استجابوا لله ~~والرسول من بعد مآ أصابهم القرح } أي الذين أطاعوا ~~الله وأطاعوا الرسول من بعد ما نالهم الجراح يوم أحد قال ابن كثير: وهذا ~~كان يوم " حمراء الأسد " وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من ~~المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم ثم ندموا لم لا تمموا على أهل ~~المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب ~~المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم ms0242 أن بهم قوة وجلدا، ولم ~~يأذن لأحد سوى من حضر أحدا فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح ~~والإثخان طاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم. # { للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم } أي لمن ~~أطاع منهم أمر الرسول وأجابه إلى الغزو - على ما به من جراح وشدائد - ~~الأجر العظيم والثواب الجزيل { الذين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا } ~~أي الذين أرجف لهم المرجفون من أنصار المشركين فقالوا لهم: إن قريشا قد ~~جمعت لكم جموعا لا تحصى فخافوا على أنفسكم فما زادهم هذا التخويف إلا ~~إيمانا { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } أي قال ~~المؤمنون الله كافينا وحافظنا ومتولي أمرنا ونعم الملجأ والنصير لمن توكل ~~عليه جل وعلا { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل } أي ~~فرجعوا بنعمة السلامة وفضل الأجر والثواب { لم يمسسهم سوء } ~~أي لم ينلهم مكروه أو أذى { واتبعوا رضوان الله } أي نالوا ~~رضوان الله الذي هو سبيل السعادة في الدارين { والله ذو فضل ~~عظيم } أي ذو إحسان عظيم على العباد { إنما ذلكم ~~الشيطان يخوف أولياءه } أي إنما ذلكم القائل { إن ~~الناس قد جمعوا لكم } بقصد تثبيط العزائم هو الشيطان يخوفكم ~~أولياءه وهم الكفار لترهبوهم { فلا تخافوهم وخافون إن ~~كنتم مؤمنين } أي فلا تخافوهم ولا ترهبوهم فإني متكفل لكم ~~بالنصر عليهم، ولكن خافوا إن كنتم مؤمنين حقا أن تعصوا أمري فتهلكوا، ~~والمراد بالشيطان " نعيم ابن مسعود الأشجعي " الذي أرسله أبو سفيان ~~ليثبط المسلمين، قال أبو حيان: وإنما نسب إلى الشيطان لأنه ناشيء عن ~~وسوسته وإغوائه وإلقائه { ولا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر } تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا تحزن ولا تتألم يا ~~محمد لأولئك المنافقين الذين يبادرون نحو الكفر بأقوالهم وأفعالهم، ولا ~~تبال بما يظهر منهم من آثار الكيد للإسلام وأهله { إنهم لن ~~يضروا الله شيئا } أي إنهم بكفرهم لن يضروا الله شيئا ~~وإنما يضرون أنفسهم { يريد الله ألا يجعل لهم حظا ~~في الآخرة } أي يريد تعالى بحكمته ومشيئته ألا يجعل لهم ms0243 نصيبا من ~~الثواب في الآخرة { ولهم عذاب عظيم } أي ولهم فوق الحرمان من ~~الثواب عذاب عظيم في نار جهنم { إن الذين اشتروا الكفر ~~بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم } ~~أي الذين استبدلوا الكفر بالإيمان وهم المنافقون المذكورون قبل، لن ~~يضروا الله بكفرهم وارتدادهم ولهم عذاب مؤلم { ولا يحسبن ~~الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم } أي ~~لا يظنن الكافرون أن إمهالنا لهم بدون جزاء وعذاب، وإطالتنا لأعمارهم ~~خير لهم { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } أي إنما ~~نمهلهم ونؤخر آجالهم ليكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم { ولهم عذاب ~~مهين } أي ولهم في الآخرة عذاب يهينهم { ما كان الله ليذر ~~المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث ~~من الطيب } هذا وعد من الله لرسوله بأنه سيميز له المؤمن من ~~المنافق والمعنى لن يترك الله المؤمنين مختلطين بالمنافقين حتى يبتليهم ~~فيفصل بين هؤلاء وهؤلاء، كما فعل في غزوة أحد حيث ظهر أهل الإيمان وأهل ~~النفاق قال ابن كثير " أي لا بد أن يعقد شيئا من المحنة يظهر فيها ~~وليه ويفضح بها عدوه، يعرف به المؤمن الصابر من المنافق الفاجر، كما ~~ميز بينهم يوم أحد ". # { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } قال الطبري: ~~وأولى الأقوال بتأويله: أي وما كان الله ليطلعكم على قلوب عباده فتعرفوا ~~المؤمن من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والإبتلاء كما ميز ~~بينهم يوم أحد بالبأساء وجهاد عدوه { ولكن الله يجتبي من ~~رسله من يشآء } أي يختار من رسله من يشاء فيطلعهم على غيبه كما ~~أطلع النبي صلى الله عليه وسلم على حال المنافقين { فآمنوا بالله ~~ورسله } أي آمنوا إيمانا صحيحا بأن الله وحده المطلع على الغيب ~~وأن ما يخبر به الرسول من أمور الغيب إنما هو بوحي من الله { وإن ~~تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم } أي وإن تصدقوا ~~رسلي وتتقوا ربكم بطاعته فلكم ثواب عظيم { ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بمآ آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم } ~~لما بالغ تعالى في التحريض على بذل النفس في الجهاد شرع ms0244 هنا في التحريض ~~على بذل المال في سبيل الله، وذكر الوعيد الشديد لمن يبخل بماله والمعنى ~~لا يحسبن البخيل أن جمعه المال وبخله بإنفاقه ينفعه، بل هو مضرة ~~عليه في دينه ودنياه { بل هو شر لهم } أي ليس كما يظنون بل ~~ذلك البخل شر لهم { سيطوقون ما بخلوا به يوم ~~القيامة } أي سيجعل الله ما بخلوا به طوقا في أعناقهم يعذبون به ~~يوم القيامة كما جاء في صحيح البخاري # " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع ~~- أي ثعبانا عظيما - له زبيبتان فيأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم ~~يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا صلى الله عليه وسلم { ولا يحسبن ~~الذين يبخلون } الآية { ولله ميراث السموت ~~والأرض } " # أي جميع ما في الكون ملك له يعود إليه بعد فناء خلقه { والله بما ~~تعملون خبير } أي مطلع على أعمالكم. # البلاغة: قال في البحر: تضمنت هذه الآيات فنونا من البلاغة والبديع: ~~الإطناب في { يستبشرون } وفي { لن يضروا } وفي اسم ~~الجلالة في مواضع، والطباق في { أمواتا بل أحياء } وفي { ~~الكفر بالإيمان } والاستعارة في { اشتروا الكفر } وفي { ~~يسارعون في الكفر } وفي { الخبيث والطيب } إذ يراد ~~به المؤمن والمنافق والحذف في مواضع. # فائدة: قوله تعالى { حسبنا الله ونعم الوكيل } هي ~~الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار قال السيوطي ~~في الإكليل: يستحب قول هذه الكلمة عند الغم والأمور العظيمة. ### || [3.181-189] # المناسبة: بعد أن انتهى الاستعراض القرآني لمعركة أحد وما فيها من ~~أحداث جسيمة، وتناولت الآيات ضمن ما تناولت مكائد المنافقين ودسائسهم، ~~وما انطوت عليه نفوسهم من الكيد للإسلام والغدر بالمسلمين وتثبيط ~~عزائمهم عن الجهاد في سبيل الله، أعقبه تعالى بذكر دسائس اليهود ~~وأساليبهم الخبيثة في محاربة الدعوة الإسلامية عن طريق التشكيك ~~والبلبلة، والكيد والدس، ليحذر المؤمنين من خطرهم كما حذرهم من ~~المنافقين، والآيات الكريمة تتحدث عن اليهود وموقفهم المخزي من الذات ~~الإلهية، واتهامهم لله عز وجل بأشنع الاتهامات بالبخل والفقر، ثم نقضهم ~~للعهود، وقتلهم للأنبياء، وخيانتهم للأمانة التي ms0245 حملهم الله إياها، ~~إلى آخر ما هنالك من جرائم وشنائع اتصف بها هذا الجنس الملعون. # اللغة: { عهد إلينا } أوصانا { بقربان } القربان: ما يذبح ~~من الأنعام تقربا إلى الله تعالى { البينات } الآيات الواضحات ~~والمراد به هنا المعجزات { الزبر } جمع زبور وهو الكتاب من الزبر ~~وهو الكتابة، والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب كالركوب بمعنى المركوب ~~قال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة { زحزح } الزحزحة: التنحية ~~والإبعاد تكرير الزح وهو الجذب بعجلة { فاز } ظفر بما يؤمل ونجا مما ~~يخاف { الغرور } مصدر غره يغره غرورا أي خدعه { متاع } ~~المتاع: ما يتمتع به وينتفع ثم يزول { لتبلون } لتمتحنن من ~~بلاه أي امتحنه { عزم الأمور } أصل العزم ثبات الرأي على الشيء ~~والمراد هنا صواب التدبير والرأي وهو مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه { ~~بمفازة } بمنجاة من قولهم فاز فلان إذا نجا. # سبب النزول: أ - عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق ذات يوم بيت ~~مدراس اليهود، فوجد ناسا من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له " ~~فنحاص بن عازوراء " وكان من علمائهم وأحبارهم فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك ~~اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول من عند الله قد ~~جاءكم بالحق من عنده تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل، فقال ~~فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر وإنه إلينا ~~لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء، ولو كان ~~غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان ~~غنيا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر وضرب وجه " فنحاص " ضربة شديدة ~~وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو ~~الله، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد: انظر ~~إلى ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ~~ما صنعت يا أبا بكر؟ فقال يا رسول الله: إن عدو الله قال قولا ~~عظيما، زعم أن ms0246 الله فقير وأنهم أغنياء، فغضبت لله وضربت وجهه فجحد ذلك ~~فنحاص فأنزل الله ردا على فنحاص وتصديقا لأبي بكر { لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن ~~أغنيآء } الآية. # ب - عن ابن عباس قال: جاء جماعة من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - منهم كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وفنحاص بن عازوراء - وغيرهم ~~فقالوا: يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتابا، وقد ~~عهد الله إلينا في التوراة ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله ~~النار، فإن جئتنا بهذا صدقناك فنزلت هذه الآية { الذين قالوا ~~إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى ~~يأتينا بقربان تأكله النار } الآية. # التفسير: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن ~~الله فقير ونحن أغنيآء } هذه المقالة الشنيعة مقالة أعداء ~~الله اليهود عليهم لعنة الله زعموا أن الله فقير، وذلك حين نزل قوله ~~تعالى # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245] قالوا: إن الله فقير يقترض منا كما قالوا # يد الله مغلولة # [المائدة: 64] قال القرطبي: وإنما قالوا هذا تمويها على ضعفائهم لا ~~أنهم يعتقدون هذا، وغرضهم تشكيك الضعفاء من المؤمنين وتكذيب النبي صلى ~~الله عليه وسلم أي إنه فقير على قول محمد لأنه اقترض منا { سنكتب ~~ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق } أي سنأمر ~~الحفظة بكتابة ما قالوه في صحائف أعمالهم ونكتب جريمتهم الشنيعة بقتل ~~الأنبياء بغير حق، والمراد بقتلهم الأنبياء رضاهم بفعل أسلافهم { ~~ونقول ذوقوا عذاب الحريق } أي ويقول الله لهم في الآخرة ~~على لسان الملائكة: ذوقوا عذاب النار المحرقة الملتهبة { ذلك بما ~~قدمت أيديكم } أي ذلك العذاب بما اقترفته أيديكم من الجرائم { ~~وأن الله ليس بظلام للعبيد } أي وأنه سبحانه عادل ~~ليس بظالم للخلق، والمراد أن ذلك العقاب حاصل بسبب معاصيكم، وعدل الله ~~تعالى فيكم، قال الزمخشري: ومن العدل أن يعاقب المسيء ويثيب المحسن { ~~الذين قالوا إن الله عهد إلينا } أي هم الذين قالوا ~~إن الله أمرنا وأوصانا في التوراة { ألا نؤمن لرسول حتى ms0247 ~~يأتينا بقربان تأكله النار } أي أمرنا بأن لا نصدق ~~لرسول حتى يأتينا بآية خاصة وهي أن يقدم قربانا فتنزل نار من السماء ~~فتأكله، وهذا افتراء على الله حيث لم يعهد إليهم بذلك { قل قد ~~جآءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم } ~~أي قل لهم يا محمد توبيخا وإظهارا لكذبهم: قد جاءتكم رسل قبلي ~~بالمعجزات الواضحات والحجج الباهرات الدالة على صدق نبوتهم وبالذي ادعيتم ~~{ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين } أي فلم كذبتموهم ~~وقتلتموهم إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بالله والتصديق برسله؟ ثم ~~قال تعالى مسليا لرسوله صلى الله عليه وسلم { فإن كذبوك فقد ~~كذب رسل من قبلك } أي لا يحزنك يا محمد تكذيب هؤلاء لك، ~~فإنهم إن فعلوا ذلك فقد كذبت أسلافهم من قبل رسل الله فلا تحزن فلك ~~بهم أسوة حسنة { جآءوا بالبينات } أي كذبوهم مع أنهم جاءوهم ~~بالبراهين القاطعة والمعجزات الواضحة { والزبر والكتاب ~~المنير } أي بالكتب السماوية المملوءة بالحكم والمواعظ، والكتاب ~~الواضح الجلي كالتوراة والإنجيل { كل نفس ذآئقة الموت } ~~أي مصير الخلائق إلى الفناء وكل نفس ميتة لا محالة كقوله # كل من عليها فان # [الرحمن: 26] { وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ~~} أي تعطون جزاء أعمالكم وافيا يوم القيامة { فمن زحزح عن ~~النار وأدخل الجنة فقد فاز } أي فمن نحي عن النار ~~وأبعد عنها، وأدخل الجنة فقد فاز بالسعادة السرمدية والنعيم المخلد ~~{ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } أي ليست ~~الدنيا إلا دار الفناء يستمتع بها الأحمق المغرور قال ابن كثير: الآية ~~فيها تصغير لشأن الدنيا وتحقير لأمرها وأنها فانية زائلة { لتبلون ~~في أموالكم وأنفسكم } أي والله لتمتحنن وتختبرن في ~~أموالكم بالفقر والمصائب، وفي أنفسكم بالشدائد والأمراض { ~~ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } أي ولينالنكم من اليهود ~~والنصارى والمشركين - أعدائكم - الأذى الكثير، وهذا إخبار منه جل وعلا ~~للمؤمنين بأنه سينالهم بلايا وأكدار من المشركين والفجار، وأمر لهم ~~بالصبر عند وقوع ذلك لأن الجنة حفت بالمكاره ولهذا قال { وإن ~~تصبروا وتتقوا } أي وإن تصبروا على ms0248 المكاره وتتقوا الله في ~~الأقوال والأعمال { فإن ذلك من عزم الأمور } أي الصبر ~~والتقوى من الأمور التي ينبغي أن تعزموا وتحزموا عليها لأنها مما أمر ~~الله بها { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب } أي اذكر يا محمد حين أخذ الله العهد المؤكد على اليهود في ~~التوراة { لتبيننه للناس ولا تكتمونه } أي لتظهرن ~~ما في الكتاب من أحكام الله ولا تخفونها، قال ابن عباس: هي لليهود أخذ ~~عليهم العهد والميثاق في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتموه ونبذوه ~~{ فنبذوه ورآء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا ~~} أي طرحوا ذلك العهد وراء ظهورهم واستبدلوا به شيئا حقيرا من حطام ~~الدنيا { فبئس ما يشترون } أي بئس هذا الشراء وبئست تلك الصفقة ~~الخاسرة { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا } أي لا ~~تظنن يا محمد الذين يفرحون بما أتوا من إخفاء أمرك عن الناس { ~~ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } أي ويحبون أن ~~يحمدهم الناس على تمسكهم بالحق وهم على ضلال { فلا تحسبنهم ~~بمفازة من العذاب } أي فلا تظننهم بمنجاة من عذاب الله { ~~ولهم عذاب أليم } أي عذاب مؤلم قال ابن عباس: نزلت في أهل ~~الكتاب سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه ~~بغيره وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه { ولله ملك ~~السموت والأرض } أي له سبحانه جميع ما في السماوات والأرض ~~فكيف يكون من له ما في السماوات والأرض فقيرا؟ والآية رد على الذين ~~قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء { والله على كل شيء ~~قدير } أي هو تعالى قادر على عقابهم. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يأتي: 1- { إن الله فقير ونحن أغنيآء } أكد اليهود ~~الجملة ب { إن الله فقير } على سبيل المبالغة، فحيث نسبوا الى ~~أنفسهم الغنى لم يؤكدوا بل أخرجوا الجملة مخرج ما لا يحتاج الى تأكيد ~~كأن الغنى وصف لهم لا يمكن فيه نزاع فيحتاج إلى تأكيد وهذا دليل على ~~تمردهم في الكفر والطغيان. # 2- { سنكتب ما قالوا } فيه ms0249 مجاز يسمى المجاز العقلي أي ستكتب ~~ملائكتنا ولما كان الله لا يكتب وإنما يأمر بالكتابة أسند الفعل إليه ~~مجازا. # 3- { ذلك بما قدمت أيديكم } فيه مجاز مرسل من إطلاق اسم ~~الجزء وإرادة الكل وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال تزوال بهن. # 4- { تأكله النار } إسناد الأكل إلى النار بطريق الاستعارة ~~إذ حقيقة الأكل إنما تكون في الإنسان والحيوان وكذلك توجد استعارة في ~~قوله { ذآئقة الموت } لأن حقيقة الذوق ما يكون بحاسة اللسان. # 5- { متاع الغرور } قال الزمخشري: " شبه الدنيا بالمتاع الذي ~~يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه والشيطان هو المدلس الغرور " ~~فهو من باب الاستعارة. # 6- { فنبذوه ورآء ظهورهم واشتروا به ثمنا ~~قليلا } كذلك توجد استعارة في النبذ والاشتراء شبه عدم التمسك والعمل ~~به بالشيء الملقى خلف ظهر الإنسان وباشتراء ثمن قليل ما تعوضوه من ~~الحطام على كتم آيات الله. # 7- وفي الآيات الكريمة من المحسنات البديعية الطباق في (فقير ~~وأغنيآء) والمقابلة { زحزح عن النار وأدخل الجنة ~~} وفي { لتبيننه... ولا تكتمونه } والجناس المغاير في { ~~قول الذين قالوا } وفي { كذبوك فقد كذب }. # فائدة: صيغة فعال في الآية # وما ربك بظلام # [فصلت: 46] ليست للمبالغة وإنما هي للنسب مثل عطار ونجار وتمار كلها ~~ليست للمبالغة وإنما هي للنسب قال ابن مالك. # ومع فاعل وفعال فعل # في نسب أغنى من الياء قبل # تنبيه: إنما وصف تعالى عيش الدنيا ونعيمها بأنه متاع الغرور، لما ~~تمنيه لذاتها وشهواتها من طول البقاء وأمل الدوام فتخدعه ثم تصرعه، ~~ولهذا قال بعض السلف: الدنيا متاع متروك يوشك أن يضمحل ويزول، فخذوا من ~~هذا المتاع واعملوا فيه بطاعة الله ما استطعتم والله المستعان. ### || [3.190-200] # المناسبة: بدأ تعالى هذه السورة الكريمة بذكر أدلة التوحيد والألوهية ~~والنبوة، وختمها بذكر دلائل الوحدانية والقدرة ودلائل الخلق والإيجاد، ~~ليستدل منها الإنسان على البعث والنشور فكان ختام مسك، ولما كان المقصود ~~من هذا الكتاب العظيم جذب القلوب والأرواح عن الاشتغال بالخلق إلى معرفة ~~الإله الحق، جاءت الآيات الكريمة تنير القلوب بأدلة التوحيد والإلهية ~~والكبرياء والجلال، فلفتت الأنظار إلى التفكر والتدبر في ms0250 ملكوت السماوات ~~والأرض، ليخلص الإنسان إلى الاعتراف بوحدانية الله وباهر قدرته وهو ~~يتأمل في كتاب الله المنظور " الكون الفسيح " بعد أن تأمل في كتاب الله ~~المسطور " القرآن العظيم " وفي الكتاب المسطور إشارات عديدة لآيات ~~الكتاب المنظور وهو يدعو إلى معرفة الحقائق باستخدام الحواس # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. # اللغة: { الألباب } العقول { باطلا } عبثا بدون حكمة { ~~سبحانك } تنزيه لله عن السوء { أخزيته } أذللته وأهنته { ~~كفر عنا } استر وامح { الأبرار } جمع بر أو بار وهم ~~المستمسكون بالشريعة { فاستجاب } بمعنى أجاب { نزلا } النزل: ~~ما يهيأ للنزيل وهو الضيف من أنواع الإكرام { رابطوا } المرابطة: ~~ترصد العدو في الثغور. # سبب النزول: عن أم سلمة قالت قلت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر ~~النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله { فاستجاب لهم ربهم ~~أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~} الآية. # التفسير: { إن في خلق السموت والأرض } أي إن في خلق ~~السماوات والأرض على ما بهما من إحكام وإبداع { واختلاف اليل ~~والنهار } أي وتعاقب الليل والنهار على الدوام { لآيات لأولي ~~الألباب } أي علامات واضحة على الصانع وباهر حكمته، ولا يظهر ذلك ~~إلا لذوي العقول الذين ينظرون إلى الكون بطريق التفكر والاستدلال لا ~~كما تنظر البهائم، ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال { الذين ~~يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } أي ~~يذكرون الله بألسنتهم وقلوبهم في جميع الأحوال في حال القيام والقعود ~~والاضطجاع فلا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم، لاطمئنان قلوبهم بذكره ~~واستغراق سرائرهم في مراقبته { ويتفكرون في خلق ~~السموت والأرض } أي يتدبرون في ملكوت السماوات والأرض، في ~~خلقهما بهذه الأجرام العظام وما فيهما من عجائب المصنوعات وغرائب ~~المبتدعات قائلين { ربنآ ما خلقت هذا باطلا } أي ما خلقت ~~هذا الكون وما فيه عبثا من غير حكمة { سبحانك فقنا عذاب ~~النار } أي ننزهك يا ألله عن العبث فأجرنا واحمنا من عذاب جهنم { ~~ربنآ إنك من تدخل النار فقد أخزيته } أي من ~~أدخلته النار فقد أذللته وأهنته غاية الإهانة ms0251 وفضحته على رءوس الأشهاد { ~~وما للظالمين من أنصار } أي ليس لهم من يمنعهم من عذاب ~~الله، والمراد بالظالمين الكفار كما قال ابن عباس وجمهور المفسرين وقد ~~صرح به في البقرة # والكافرون هم الظالمون # [البقرة: 254] { ربنآ إننآ سمعنا مناديا ينادي ~~للإيمان } أي داعيا يدعو إلى الإيمان وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~{ أن آمنوا بربكم فآمنا } أي يقول هذا الداعي أيها الناس ~~آمنوا بربكم واشهدوا له بالوحدانية فصدقنا بذلك واتبعناه { ربنا ~~فاغفر لنا ذنوبنا } أي استر لنا ذنوبنا ولا تفضحنا بها { ~~وكفر عنا سيئاتنا } أي امح بفضلك ورحمتك ما ارتكبناه من ~~سيئات { وتوفنا مع الأبرار } أي ألحقنا بالصالحين قال ابن ~~عباس: الذنوب هي الكبائر والسيئات هي الصغائر ويؤيده # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم # [النساء: 31] فلا تكرار إذا { ربنا وآتنا ما وعدتنا ~~على رسلك } تكرير النداء للتضرع ولإظهار كمال الخضوع أي أعطنا ما ~~وعدتنا على ألسنة رسلك وهي الجنة لمن أطاع قاله ابن عباس { ولا ~~تخزنا يوم القيامة } أي لا تفضحنا كما فضحت الكفار { إنك ~~لا تخلف الميعاد } أي لا تخلف وعدك وقد وعدت من آمن بالجنة { ~~فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل ~~منكم من ذكر أو أنثى } أي أجاب الله دعاءهم بقوله إني ~~لا أبطل عمل من عمل خيرا ذكرا كان العامل أو أنثى قال الحسن: ما ~~زالوا يقولون ربنا، ربنا، حتى استجاب لهم { بعضكم من بعض } أي ~~الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر، فإذا كنتم مشتركين في الأصل فكذلك ~~أنتم مشتركون في الأجر { فالذين هاجروا وأخرجوا من ~~ديارهم } أي هجروا أوطانهم فارين بدينهم، وألجأهم المشركون إلى ~~الخروج من الديار { وأوذوا في سبيلي } أي تحملوا الأذى من أجل ~~دين الله { وقاتلوا وقتلوا } أي وقاتلوا أعدائي وقتلوا في ~~سبيلي { لأكفرن عنهم سيئاتهم } أي الموصوفون بما تقدم ~~لأمحون ذنوبهم بمغفرتي ورحمتي { ولأدخلنهم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله } أي ولأدخلنهم ~~جنات النعيم جزاء من عند الله على أعمالهم الصالحة { والله عنده ~~حسن الثواب } أي ms0252 عنده حسن الجزاء وهي الجنة التي فيها ما لا عين ~~رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم نبه تعالى إلى ما عليه ~~الكفار في هذه الدار من النعمة والغبطة والسرور، وبين أنه نعيم زائل ~~فقال { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد } ~~أي لا يخدعنك أيها السامع تنقل الذين كفروا في البلاد طلبا لكسب الأموال ~~والجاه والرتب { متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس ~~المهاد } أي إنما يتنعمون بذلك قليلا ثم يزول هذا النعيم، ومصيرهم ~~في الآخرة إلى النار، وبئس الفراش والقرار نار جهنم. { لكن الذين ~~اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها } أي لكن المتقون لله لهم النعيم المقيم في جنات ~~النعيم مخلدين فيها أبدا { نزلا من عند الله } أي ضيافة ~~وكرامة من عند الله { وما عند الله خير للأبرار } أي وما ~~عند الله من الثواب والكرامة للأخيار الأبرار، خير مما يتقلب فيه الأشرار ~~الفجار من المتاع القليل الزائل، ثم أخبر تعالى عن إيمان بعض أهل الكتاب ~~فقال { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ ~~أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم } أي ومن اليهود والنصارى ~~فريق يؤمنون بالله حق الإيمان، ويؤمنون بما أنزل إليكم وهو القرآن وبما ~~أنزل إليهم وهو التوراة والإنجيل كعبد الله بن سلام وأصحابه، والنجاشي ~~وأتباعه { خاشعين لله } أي خاضعين متذللين لله { لا يشترون ~~بآيات الله ثمنا قليلا } أي لا يحرفون نعت محمد ولا أحكام ~~الشريعة الموجودة في كتبهم لعرض من الدنيا خسيس كما فعل الأحبار ~~والرهبان { أولئك لهم أجرهم عند ربهم } أي ثواب ~~إيمانهم يعطونه مضاعفا كما قال # أولئك يؤتون أجرهم مرتين # [القصص: 54] { إن الله سريع الحساب } أي سريع حسابه ~~لنفوذ علمه بجميع المعلومات، يعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب، قال ~~ابن عباس والحسن: # " نزلت في النجاشي وذلك أنه لما مات نعاه جبريل لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فصلوا على أخيكم ~~النجاشي، فقال بعضهم لبعض: يأمرنا أن نصلي على علج ms0253 من علوج الحبشة فأنزل ~~الله { وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله } الآية ~~" # ثم ختم تعالى السورة الكريمة بهذه الوصية الجامعة لسعادة الدارين فقال: ~~{ يا أيها الذين آمنوا اصبروا } أي اصبروا على مشاق ~~الطاعات وما يصيبكم من الشدائد { وصابروا } أي غالبوا أعداء الله ~~بالصبر على أهوال القتال وشدائد الحروب { ورابطوا } أي لازموا ~~ثغوركم مستعدين للكفاح والغزو { واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون } أي خافوا الله فلا تخالفوا أمره لتفوزوا بسعادة الدارين. # البلاغة: تضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والبديع ما يلي: # 1- الإطناب في قوله { ربنآ } حيث كرر خمس مرات والغرض منه المبالغة ~~في التضرع. # 2- الطباق في قوله { السموت والأرض } و { اليل ~~والنهار } و { قياما وقعودا } و { ذكر أو أنثى }. # 3- الإيجاز بالحذف { ما وعدتنا على رسلك } أي على ألسنة ~~رسلك وكذلك في قوله { ويتفكرون في خلق السموت ~~والأرض ربنآ } أي قائلين ربنا. # 4- الجناس المغاير في قوله { آمنوا... فآمنا } وفي { عمل ~~عامل } وفي { مناديا ينادي }. # 5- { لآيات لأولي الألباب } التنكير للتفخيم ودخلت اللام في ~~خبر إن لزيادة التأكيد. # 6- الاستعارة في قوله { لا يغرنك تقلب الذين كفروا ~~} استعير التقلب للضرب في الأرض لطلب المكاسب والله أعلم. # الفوائد: الأولى: إنما خصص التفكر بالخلق للنهي عن التفكر في الخالق ~~ففي الحديث الشريف # " تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون الله قدره " # وذلك لعدم الوصول إلى كنه ذاته وصفاته قال بعض العلماء: المتفكر في ذات ~~الله كالناظر في عين الشمس لأنه تعالى ليس كمثله شيء. # الثانية: تكرر النداء بهذا الاسم الجليل { ربنآ } خمس مرات كل ذلك ~~على سبيل الاستعطاف وتطلب رحمة الله بندائه بهذا الاسم الشريف الدال على ~~التربية والملك والإصلاح. # الثالثة: سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن أعجب ما رأته من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فبكت وقالت: كل أمره كان عجبا، # " أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي ثم قال " ذريني أتعبد لربي عز وجل ~~" فقلت: والله إني لأحب قربك وأحب هواك، فقام إلى قربة من ماء في البيت ~~فتوضأ ولم يكثر ms0254 صب الماء ثم قام يصلي فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى ~~حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة ~~الصبح فقال يا رسول الله: ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر؟ فقال " ويحك يا بلال وما يمنعني أن أبكر وقد أنزل الله علي في ~~هذه الليلة { إن في خلق السموت والأرض.... } الآيات ثم ~~قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها " ". ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1-10] # اللغة: { بث } نشر وفرق ومنه # وزرابي مبثوثة # [الغاشية: 16] { الأرحام } جمع رحم وهو في الأصل مكان تكون الجنين ~~في بطن أمه ثم أطلق على القرابة { رقيبا } الرقيب: الحفيظ المطلع على ~~الأعمال { حوبا } الحوب: الذنب والإثم { تعولوا } تميلوا ~~وتجوروا يقال: عال الميزان إذا مال، وعال الحاكم إذا جار { ~~صدقاتهن } جمع صدقة وهو المهر { نحلة } هبة وعطية { ~~السفهآء } ضعفاء العقول والمراد به هنا المبذرون للأموال { ~~آنستم } أبصرتم من آنس الشيء أبصره { بدارا } أي مبادرة بمعنى ~~مسارعة أي يسارع في تبذيرها قبل أن يكبر اليتيم فيتسلمها منه { سديدا ~~} من السداد بمعنى الاستقامة. # سبب النزول: أ - عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى ~~{ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } فقالت: يا ابن ~~أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، ويعجبه مالها ~~وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ~~ما يعطيها غيره، فنهوا عن ذلك إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن ~~أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، ~~وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل ~~الله { ويستفتونك في النسآء } الآية. # ب - عن مقاتل بن حيان أن رجلا من غطفان يقال له " مرثد بن زيد " ولي ~~مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله فأنزل الله { إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما... } الآية. # التفسير: افتتح الله جل ثناؤه سورة النساء بخطاب الناس جميعا ودعوتهم ~~إلى عبادة الله وحده ms0255 لا شريك له، منبها لهم على قدرته ووحدانيته فقال { ~~يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة } أي خافوا الله الذي أنشأكم من أصل واحد وهو نفس ~~أبيكم آدم { وخلق منها زوجها } أي أوجد من تلك النفس الواحدة ~~زوجها وهي حواء { وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء } أي ~~نشر وفرق من آدم وحواء خلائق كثيرين ذكورا وإناثا { واتقوا ~~الله الذي تسآءلون به والأرحام } أي خافوا الله الذي ~~يناشد بعضكم بعضا به حيث يقول: أسألك بالله، وأنشدك بالله، واتقوا ~~الأرحام أن تقطعوها { إن الله كان عليكم رقيبا } أي ~~حفيظا مطلعا على جميع أحوالكم وأعمالكم، وقد أكد تعالى الأمر بتقوى ~~الله في موطنين: في أول الآية، وفي آخرها ليشير إلى عظم حق الله على ~~عباده، كما قرن تعالى بين التقوى وصلة الرحم ليدل على أهمية هذه الرابطة ~~الإنسانية، فالناس جميعا من أصل واحد، وهم إخوة في الإنسانية والنسب، ~~ولو أدرك الناس هذا لعاشوا في سعادة وأمان، ولما كانت هناك حروب طاحنة ~~مدمرة تلتهب الأخضر واليابس، وتقضي على الكهل والوليد، ثم ذكر تعالى ~~اليتامى فأوصى بهم خيرا وأمر بالمحافظة على أموالهم فقال { وآتوا ~~اليتامى أموالهم } أي أعطوا اليتامى الذين مات آباؤهم وهم ~~صغار أموالهم إذا بلغوا { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ~~} أي لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم { ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } أي لا تخلطوا أموال ~~اليتامى بأموالكم فتأكلوها جميعا { إنه كان حوبا كبيرا } أي ~~ذنبا عظيما، فإن اليتيم بحاجة إلى رعاية وحماية لأنه ضعيف، وظلم ~~الضعيف ذنب عظيم عند الله، ثم أرشد تعالى إلى ترك التزوج من اليتيمة ~~إذا لم يعطها مهر المثل فقال { وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى } أي إذا كانت تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر ~~مثلها فليتركها إلى ما سواها فإن النساء كثير ولم يضيق الله عليه { ~~فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ~~ورباع } أي انكحوا ما شئتم من النساء سواهن إن شاء أحدكم اثنتين ~~وإن شاء ثلاثا وإن شاء أربعا ms0256 { فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة } أي إن خفتم من عدم العدول بين الزوجات فالزموا الاقتصار ~~على واحدة { أو ما ملكت أيمانكم } أي اقتصروا على نكاح ~~الإماء لملك اليمين إذ ليس لهن من الحقوق كما للزوجات { ذلك ~~أدنى ألا تعولوا } أي ذلك الاقتصار على الواحدة أو على ملك ~~اليمين أقرب ألا تميلوا وتجوروا { وآتوا النسآء صدقاتهن ~~نحلة } أي أعطوا النساء مهورهن عطية عن طيب نفس { فإن طبن ~~لكم عن شيء منه نفسا } أي فإن طابت نفوسهن بهبة شيء من ~~الصداق { فكلوه هنيئا مريئا } أي فخذوا ذلك الشيء الموهوب ~~حلالا طيبا { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي ~~جعل الله لكم قياما } أي لا تعطوا المبذرين من اليتامى ~~أموالهم التي جعلها الله قياما للأبدان ولمعايشكم فيضيعوها قال ابن ~~عباس: السفهاء هم الصبيان والنساء وقال الطبري: لا تؤت سفيها ماله وهو ~~الذي يفسده بسوء تدبيره، صبيا كان أو رجلا، ذكرا كان أو أنثى { ~~وارزقوهم فيها واكسوهم } أي أطعموهم منها واكسوهم { ~~وقولوا لهم قولا معروفا } أي قولا لينا كقولكم إذا ~~رشدتم سلمنا إليكم أموالكم { وابتلوا اليتامى حتى ~~إذا بلغوا النكاح } أي اختبروا اليتامى حتى إذا بلغوا سن ~~النكاح وهو بلوغ الحلم الذي يصلحون عنده للنكاح { فإن آنستم ~~منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } أي إن ~~أبصرتم منهم صلاحا في دينهم ومالهم فادفعوا إليهم أموالهم بدون تأخير ~~{ ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا } أي لا ~~تسرعوا في إنفاقها وتبذروها قائلين ننفق كما نشتهي قبل ان يكبر اليتامى ~~فينتزعوها من أيدينا { ومن كان غنيا فليستعفف } أي من ~~كان منكم غنيا أيها الأولياء فليعف عن مال اليتيم ولا يأخذ أجرا على ~~وصايته { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } أي ومن كان ~~فقيرا فليأخذ بقدر حاجته الضرورية وبقدر أجرة عمله { فإذا دفعتم ~~إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } أي فإذا سلمتم ~~إلى اليتامى أموالهم بعد بلوغهم الرشد فأشهدوا على ذلك لئلا يجحدوا ~~تسلمها { وكفى بالله حسيبا } أي كفى بالله محاسبا ورقيبا، ~~ثم بين تعالى أن للرجال والنساء نصيبا من تركة الأقرباء فقال { ~~للرجال نصيب ms0257 مما ترك الوالدان والأقربون ~~وللنسآء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } ~~أي للأولاد والأقرباء حظ من تركة الميت كما للبنات والنساء حظ أيضا ~~الجميع فيه سواء يستوون في أصل الوارثة وإن تفاوتوا في قدرها، وسببها أن ~~بعض العرب كانوا لا يورثون النساء والأطفال وكانوا يقولون: إنما يرث من ~~يحارب ويذب عن الحوزة فأبطل الله حكم الجاهلية { مما قل منه ~~أو كثر } أي سواء كانت التركة قليلة أو كثيرة { نصيبا ~~مفروضا } أي نصيبا مقطوعا فرضه الله بشرعه العادل وكتابه المبين { ~~وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه } أي إذا حضر قسمة التركة ~~الفقراء من قرابة الميت واليتامى والمساكين من غير الوارثين فأعطوهم ~~شيئا من هذه التركة تطييبا لخاطرهم { وقولوا لهم قولا ~~معروفا } أي قولا جميلا بأن تعتذروا إليهم أنه للصغار وأنكم لا ~~تملكونه { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ~~ذرية ضعافا خافوا عليهم } نزلت في الأوصياء أي تذكر ~~أيها الوصي ذريتك الضعاف من بعدك وكيف يكون حالهم وعامل اليتامى الذين في ~~حجرك بمثل ما تريد أن يعامل به أبناؤك بعد فقدك { فليتقوا ~~الله وليقولوا قولا سديدا } أي فليتقوا الله في أمر ~~اليتامى وليقولوا لهم ما يقولونه لأولادهم من عبارات العطف والحنان { ~~إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } أي ~~يأكلونها بدون حق { إنما يأكلون في بطونهم نارا } أي ما ~~يأكلون في الحقيقة إلا نارا تتأجج في بطونهم يوم القيامة { ~~وسيصلون سعيرا } أي سيدخلون نارا هائلة مستعرة وهي نار ~~السعير. # البلاغة: تضمنت الآيات من ضروب الفصاحة والبيان ما يلي: # 1- الطباق في { غنيا وفقيرا } وفي { قل أو كثر } وفي { ~~رجالا ونسآء } وفي { الخبيث بالطيب }. # 2- والجناس المغاير في { دفعتم فادفعوا } وفي { قولوا ~~قولا }. # 3- والإطناب في { فادفعوا إليهم أموالهم.. فإذا ~~دفعتم إليهم أموالهم } وفي { للرجال نصيب ~~مما ترك الوالدان.. وللنسآء نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون }. # 4- والمجاز المرسل في { وآتوا اليتامى أموالهم } أي الذين ~~كانوا يتامى فهو باعتبار ما كان وكذلك { يأكلون في بطونهم ~~نارا } مجاز مرسل وهو باعتبار ما يئول إليه كقوله # إني أراني أعصر ms0258 خمرا # [يوسف: 36] أي عنبا يئول إلى الخمر. # 5- المقابلة اللطيفة بين { ومن كان غنيا فليستعفف.. ~~ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف }. # 6- والإيجاز في مواضع مثل { رجالا كثيرا ونسآء } أي ونساء ~~كثيرات... الخ. # الفوائد: الأولى: في الافتتاح بتذكير الناس أنهم خلقوا من نفس واحدة ~~تمهيد جميل وبراعة مطلع لما في السورة من أحكام الأنكحة والمواريث ~~والحقوق الزوجية وأحكام المصاهرة والرضاع وغيرها من الأحكام الشرعية. # الثانية: الأغلب أنه إذا كان الخطاب ب { يأيها الناس } وكان ~~للكافرين فقط أو للكافرين وغيرهم أعقب بدلائل الوحدانية والربوبية مثل # ياأيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] و # يأيها الناس إن وعد الله حق # [فاطر: 5] وإذا كان الخطاب للمؤمنين أعقب بذكر النعم كما هنا أفاده ~~صاحب البحر. # الثالثة: ذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها للتأكيد والمبالغة ~~فهو كقولك: أبصرت بعيني وسمعت بأذني ومثله قوله تعالى # ذلكم قولكم بأفواهكم # [الأحزاب: 4]. # الرابعة: أضاف تعالى أموال اليتامى إلى الأوصياء مع أنها أموال اليتامى ~~للتنبيه إلى " التكافل بين الأمة " والحث على حفظ الأموال وعدم تضييعها ~~فإن تبذير السفيه للمال فيه مضرة للمجتمع كله. # " كلمة حول تعدد الزوجات " # مسألة تعدد الزوجات ضرورة اقتضتها ظروف الحياة وهي ليست تشريعا جديدا ~~انفرد به الإسلام، وإنما جاء الإسلام فوجده بلا قيود ولا حدود وبصورة ~~غير إنسانية فنظمه وشذبه وجعله علاجا ودواء لبعض الحالات الاضطرارية ~~التي يعاني منها المجتمع وفي الحقيقة فإن تشريع التعدد مفخرة من مفاخر ~~الإسلام لأنه استطاع ان يحل " مشكلة اجتماعية " هي من أعقد المشاكل التي ~~تعانيها الأمم والمجتمعات اليوم فلا تجد لها حلا.. إن المجتمع كالميزان ~~يجب أن تتعادل كفتاه فماذا نصنع حين يختل التوازن ويصبح عدد النساء أضعاف ~~عدد الرجال؟ أنحرم المرأة من نعمة الزوجية و " نعمة الأمومة " ونتركها ~~تسلك طريق الفاحشة والرذيلة، أم نحل هذه المشكلة بطرق فاضلة نصون فيها ~~كرامة المرأة وطهارة الاسرة وسلامة المجتمع؟ وأقرب الأمثلة شاهدا على ما ~~نقول ما حدث في المانيا بعد الحرب العالمية الثانية حيث زاد عدد النساء ~~زيادة فاحشة على عدد الرجال فأصبح مقابل ms0259 كل شاب ثلاث فتيات وهي حالة ~~اختلال اجتماعي فكيف يواجهها المشرع؟ لقد حل الإسلام المشكلة بتشريعه ~~الإسلامي الرائع، بينما وقفت المسيحية حائرة مكتوفة الأيدي لا تبدي ~~ولا تعيد.. إن الرجل الأوروبي لا يبيح له دينه التعدد، لكنه يبيح لنفسه ~~مصاحبة المئات من الفتيات بطريق الرذيلة، يرى الوالد منهم فتاته مع ~~عشيقها فيسر ويغتبط بل ويمهد لهما جميع السبل المؤدية لراحتهما حتى ~~أصبح ذلك عرفا ساريا اضطرت معه الدول إلى الاعتراف بمشروعية العلاقات ~~الآثمة بين الجنسين ففتحت باب التدهور الخلقي على مصراعيه، ووافقت على ~~قبول مبدأ " تعدد الزوجات " ولكن تحت ستار المخادنة وهو زواج حقيقي لكنه ~~غير مسجل بعقد، ويستطيع الرجل ان يطردها متى شاء دون أن يتقيد حيالها بأي ~~حق من الحقوق، والعلاقة بينها علاقة جسد لا علاقة أسرة وزوجية، فأعجب من ~~منع " تعدد الزوجات " بالحلال وإباحته بالحرام حتى نزلوا بالمرأة من ~~مرتبة الإنسانية إلى مرتبة الحيوانية. # رب إن الهدى هداك وآيا # تك حق تهدي بها من تشاء ### || [4.11-14] # المناسبة: لما أوصى تعالى في الآيات السابقة بالأيتام وذكر ضمنها حق ~~الأقارب بالإجمال، أعقبه بذكر أحكام المواريث بالتفصيل ليكون ذلك ~~توضيحا لما سبق من الإجمال فذكر نصيب الأولاد بنين وبنات، ثم ذكر نصيب ~~الآباء والأمهات، ثم نصيب الأزواج والزوجات، ثم نصيب الإخوة والأخوات. # اللغة: { يوصيكم } الوصية: العهد بالشيء والأمر به ولفظ الإيصاء ~~أبلغ وأدل على الاهتمام من لفظ الأمر لأنه طلب الحرص على الشيء والتمسك ~~به { فريضة } أي حقا فرضه الله وأوجبه { كلالة } أن يموت الرجل ~~ولا ولد له ولا والد أي لا أصل له ولا فرع لأنها مشتقة من الكل بمعنى ~~الضعف يقال: كل الرجل إذا ضعف وذهبت قوته { حدود الله } أحكامه ~~وفرائضه المحدودة التي لا تجوز مجاوزتها. # سبب النزول: روي # " أن امرأة " سعد بن الربيع " جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بإبنتيها فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما سعد ~~معك بأحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا، ولا ~~تنكحان إلا ms0260 بمال فقال صلى الله عليه وسلم: يقضي الله في ذلك فنزلت آية ~~المواريث { يوصيكم الله في أولادكم } الآية فأرسل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما أن أعط إبنتي سعد الثلثين، وأمهما ~~الثمن، وما بقي فهو لك ". # التفسير: { يوصيكم الله في أولادكم } أي يأمركم الله ~~ويعهد إليكم بالعدل في شأن ميراث أولادكم { للذكر مثل حظ ~~الأنثيين } أي للإبن من الميراث مثل نصيب البنتين { فإن كن ~~نسآء فوق اثنتين } أي إن كان الوارث إناثا فقط اثنتين ~~فأكثر { فلهن ثلثا ما ترك } أي فللبنتين فأكثر ثلثا التركة { ~~وإن كانت واحدة فلها النصف } أي وإن كانت الوارثة بنتا ~~واحدة فلها نصف التركة.. بدأ تعالى بذكر ميراث الأولاد ثم ذكر ميراث ~~الأبوين لأن الفرع مقدم في الإرث على الأصل فقال تعالى { ولأبويه ~~لكل واحد منهما السدس } أي للأب السدس وللأم السدس { ~~مما ترك } أي من تركة الميت { إن كان له ولد } أي إن وجد ~~للميت ابن أو بنت لأن الولد يطلق على الذكر والأنثى { فإن لم يكن ~~له ولد وورثه أبواه } أي فإن لم يوجد للميت أولاد وكان ~~الوارث أبواه فقط أو معهما أحد الزوجين { فلأمه الثلث } أي ~~فللأم ثلث المال أو ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين والباقي للأب { فإن ~~كان له إخوة فلأمه السدس } أي فإن وجد مع الأبوين ~~إخوة للميت " اثنان فأكثر " فالأم ترث حينئذ السدس فقط والباقي للأب، ~~والحكمة أن الأب مكلف بالنفقة عليهم دون أمهم فكانت حاجته إلى المال ~~أكثر { من بعد وصية يوصي بهآ أو دين } أي إن حق ~~الورثة يكون بعد تنفيذ وصية الميت وقضاء ديونه فلا تقسم التركة إلا بعد ~~ذلك { آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم ~~نفعا فريضة من الله } أي إنه تعالى تولى قسمة المواريث ~~بنفسه وفرض الفرائض على ما علمه من الحكمة، فقسم حيث توجد المصلحة وتتوفر ~~المنفعة ولو ترك الأمر إلى البشر لم يعلموا أيهم أنفع لهم فيضعون ~~الأموال على غير حكمة ولهذا أتبعه بقوله { إن الله كان عليما ~~حكيما ms0261 } أي إنه تعالى عليم بما يصلح لخلقه حكيم فيما شرع وفرض. # . ثم ذكر تعالى ميراث الزوج والزوجة فقال { ولكم نصف ما ترك ~~أزواجكم إن لم يكن لهن ولد } أي ولكم أيها الرجال ~~نصف ما ترك أزواجكم من المال إن لم يكن لزوجاتكم أولاد منكم أو من غيركم ~~{ فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن } أي ~~من ميراثهن، وألحق بالولد في ذلك ولد الإبن بالإجماع { من بعد ~~وصية يوصين بهآ أو دين } أي من بعد الوصية وقضاء الدين { ~~ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ~~} أي ولزوجاتكم واحدة فأكثر الربع مما تركتم من الميراث إن لم يكن لكم ~~ولد منهن أو من غيرهن { فإن كان لكم ولد فلهن الثمن ~~مما تركتم } أي فإن كان لكم ولد منهن أو من غيرهن فلزوجاتكم ~~الثمن مما تركتم من المال { من بعد وصية توصون بهآ أو ~~دين } وفي تكرير ذكر الوصية والدين من الاعتناء بشأنهما ما لا يخفي. { ~~وإن كان رجل يورث كلالة } أي وإن كان الميت يورث كلالة أي ~~لا والد له ولا ولد وورثه أقاربه البعيدون لعدم وجود الأصل أو الفرع { ~~أو امرأة } عطف على رجل والمعنى أو امرأة تورث كلالة { وله أخ ~~أو أخت } أي وللمورث أخ أو أخت من أم { فلكل واحد ~~منهما السدس } أي فللأخ من الأم السدس وللأخت للأم السدس أيضا ~~{ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في الثلث } ~~أي فإن كان الإخوة والأخوات من الأم أكثر من واحد فإنهم يقتسمون الثلث ~~بالسوية ذكورهم وإناثهم في الميراث سواء، قال في البحر: وأجمعوا على أن ~~المراد في هذه الآية الإخوة للأم { من بعد وصية يوصى بهآ ~~أو دين غير مضآر } أي بقصد أن تكون الوصية للمصلحة لا بقصد ~~الإضرار بالورثة أي في حدود الوصية بالثلث لقوله عليه السلام # " الثلث والثلث كثير " # { وصية من الله } أي أوصاكم الله بذلك وصية { والله ~~عليم حليم } أي عالم بما شرع حليم لا يعاجل العقوبة لمن خالف أمره ~~{ تلك حدود الله ms0262 } أي تلك الأحكام المذكورة شرائع الله التي ~~حدها لعباده ليعملوا بها ولا يعتدوها { ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار } أي ~~من يطع أمر الله فيما حكم وأمر رسوله فيما بين، يدخله جنات النعيم التي ~~تجري من تحت أشجارها وأبنيتها الأنهار { خالدين فيها } أي ماكثين ~~فيها أبدا { وذلك الفوز العظيم } أي الفلاح العظيم { ومن ~~يعص الله ورسوله ويتعد حدوده } أي ومن يعص أمر الله ~~وأمر الرسول ويتجاوز ما حده تعالى له من الطاعات { يدخله نارا ~~خالدا فيها } أي يجعله مخلدا في نار جهنم لا يخرج منها أبدا { ~~وله عذاب مهين } أي وله عذاب شديد مع الإهانة والإذلال ~~والعذاب والنكال. # البلاغة: تضمنت الآيات من أصناف البديع ما يلي: # 1- الطباق في لفظ { الذكر والانثى } وفي { ومن يطع ومن يعص } ~~وفي { آبآؤكم وأبناؤكم }. # 2- الإطناب في { من بعد وصية توصون بهآ أو دين } و ~~{ من بعد وصية يوصين بهآ أو دين } والفائدة التأكيد ~~على تنفيذ ما ذكر. # 3- جناس الاشتقاق في { وصية يوصي }. # 4- المبالغة في { عليم ، حليم }. # فائدة: استنبط بعض العلماء من قوله تعالى { يوصيكم الله في ~~أولادكم } أنه تعالى أرحم من الوالدة بولدها حيث أوصى الوالدين ~~بأولادهم ويؤيده ما ورد " لله أرحم بعباده من هذه بولدها ". # تنبيه: وجه الحكمة في تضعيف نصيب الذكر هو احتياجه إلى مؤنة النفقة ~~ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق، فنفقاته أكثر والتزاماته أضخم فهو ~~إلى المال أحوج. ### || [4.15-21] # المناسبة: لما بين سبحانه وتعالى حكم الرجال والنساء في باب النكاح ~~والميراث، بين حكم الحدود فيهن إذا ارتكبن الحرام، ثم أعقبه بالتحدير ~~عن عادات الجاهلية من ظلم النساء، وأكل مهورهن، وعدم معاملتهن المعاملة ~~الإنسانية الشريفة. # اللغة: { واللاتي } جمع التي على غير قياس { الفاحشة } الفعلة ~~القبيحة والمراد بها هنا الزنا { واللذان } تثنية الذي { ~~التوبة } أصل التوبة الرجوع وحقيقتها الندم على فعل القبيح { ~~كرها } بفتح الكاف بمعنى الإكراه وبضمها بمعنى المشقة # حملته أمه كرها # [الأحقاف: 15] { تعضلوهن } تمنعوهن يقال عضل المرأة إذا منعها ~~الزواج { بهتانا } ظلما وأصله الكذب الذي يتحير منه صاحبه ms0263 { ~~أفضى } وصل إليها، وأصله من الفضاء وهو السعة { ميثاقا غليظا ~~} عهدا شديدا مؤكدا وهو عقد النكاح. # سبب النزول: روي أن أهل الجاهلية كانوا إذا مات الرجل جاء ابنه من ~~غيرها أو وليه فورث امرأته كما يرث ماله وألقى عليها ثوبا، فإن شاء ~~تزوجها بالصداق الأول وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها فأنزل الله { ~~يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النسآء كرها.. }. # التفسير: { واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } أي اللواتي يزنين من ~~أزواجكم فاطلبوا أن يشهد على اقترافهن الزنا أربعة رجال من المسلمين ~~الأحرار { فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت } أي فإن ~~ثبتت بالشهود جريمتهن فاحبسوهن في البيوت { حتى يتوفاهن ~~الموت } أي احبسوهن فيها إلى الموت { أو يجعل الله ~~لهن سبيلا } أي يجعل الله لهن مخلصا بما يشرعه من الأحكام قال ~~ابن كثير: كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها ~~بالبينة العادلة حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ~~حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم { واللذان ~~يأتيانها منكم } أي واللذان يفعلان الفاحشة والمراد به الزاني ~~والزانية بطريق التغليب { فآذوهما } أي بالتوبيخ والتقريع والضرب ~~بالنعال { فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهمآ } أي فإن ~~تابا عن الفاحشة وأصلحا سيرتهما فكفوا عن الإيذاء لهما { إن الله ~~كان توابا رحيما } أي مبالغا في قبول التوبة واسع الرحمة. قال ~~الفخر الرازي: " خص الحبس في البيت بالمرأة وخص الإيذاء بالرجل لأن ~~المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز فإذا حبست في البيت ~~انقطعت مادة هذه المعصية، وأما الرجل فإنه لا يمكن حبسه في البيت لأنه ~~يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه واكتساب قوت عياله فلا جرم جعلت ~~عقوبتهما مختلفة " { إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة } أي إنما التوبة التي كتب الله على ~~نفسه قبولها هي توبة من فعل المعصية سفها وجهالة مقدرا قبح المعصية ~~وسوء عاقبتها ثم ندم وأناب { ثم يتوبون من قريب } أي يتوبون ~~سريعا قبل مفاجأة الموت ms0264 { فأولئك يتوب الله عليهم } ~~أي يتقبل الله توبتهم { وكان الله عليما حكيما } أي عليما ~~بخلقه حكيما في شرعه { وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني ~~تبت الآن } أي وليس قبول التوبة ممن ارتكب المعاصي واستمر عليها حتى ~~إذا فاجأه الموت تاب وأناب فهذه توبة المضطر وهي غير مقبولة وفي الحديث # " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # { ولا الذين يموتون وهم كفار } أي يموتون على الكفر ~~فلا يقبل إيمانهم عند الاحتضار { أولئك أعتدنا لهم ~~عذابا أليما } أي هيأنا وأعددنا لهم عذابا مؤلما { يا أيها ~~الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها ~~} أي لا يحل لكم أن تجعلوا النساء كالمتاع ينتقل بالإرث من إنسان إلى ~~آخر وترثوهن بعد موت أزواجهن كرها عنهن قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية ~~إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاءوا تزوجها أحدهم، وإن ~~شاءوا زوجوها غيرهم، وإن شاءوا منعوها الزواج { ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن } أي ولا يحل لكم أن تمنعوهن ~~من الزواج أو تضيقوا عليهن لتذهبوا ببعض ما دفعتموه لهن من الصداق { ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } أي إلا في حال ~~إتيانهن بفاحشة الزنا وقال ابن عباس: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان { ~~وعاشروهن بالمعروف } أي صاحبوهن بما أمركم الله به من طيب ~~القول والمعاملة بالإحسان { فإن كرهتموهن فعسى أن ~~تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } أي ~~فإن كرهتم صحبتهن فاصبروا عليهن واستمروا في الإحسان إليهن فعسى أن ~~يرزقكم الله منهن ولدا صالحا تقر به أعينكم، وعسى أن يكون في الشيء ~~المكروه الخير الكثير وفي الحديث الصحيح # " لا يفرك " أي لا يبغض " مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها ~~آخر " # ثم حذر تعالى من أخذ شيء من المهر بعد الطلاق فقال { وإن ~~أردتم استبدال زوج مكان زوج } أي وإن أردتم أيها ~~المؤمنون نكاح امرأة مكان امرأة طلقتموها { وآتيتم إحداهن ~~قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } أي والحال انكم كنتم قد ~~دفعتم مهرا كبيرا يبلغ قنطارا ms0265 { فلا تأخذوا منه شيئا } ~~أي فلا تأخذوا ولو قليلا من ذلك المهر { أتأخذونه بهتانا ~~وإثما مبينا } استفهام إنكاري أي أتأخذونه باطلا وظلما؟ { ~~وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض } أي ~~كيف يباح لكم أخذه وقد استمتعتم بهن بالمعاشرة الزوجية؟ { وأخذن ~~منكم ميثاقا غليظا } أي أخذن منكم عهدا وثيقا مؤكدا هو " عقد ~~النكاح " قال مجاهد: الميثاق الغليظ عقدة النكاح وفي الحديث # " اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله ". # البلاغة: تضمنت الآيات أنواعا من البيان والبديع وهي بإيجاز كما ~~يلي: # 1- المجاز العقلي في قوله { يتوفاهن الموت } والمراد ~~يتوفاهن الله أو ملائكته. # 2- الاستعارة في { وأخذن منكم ميثاقا غليظا } استعار لفظ ~~الميثاق للعقد الشرعي. # 3- الجناس المغاير في { فإن تابا... توابا } وفي { ~~كرهتموهن... أن تكرهوا }. # 4- المبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده { وآتيتم إحداهن ~~قنطارا } لتعظيم الأمر والمبالغة فيه. # فائدة: كنى الله تعالى عن الجماع بلفظ الإفضاء { وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض } لتعليم المؤمنين الأدب الرفيع قال ابن عباس: ~~" الإفضاء في هذه الآية الجماع ولكن الله كريم يكني ". # تنبيه: خطب عمر رضي الله عنه فقال: أيها الناس لا تغالوا في مهور النساء ~~فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق امرأة من نسائه ولا أحدا من بناته ~~فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله ~~وتحرمنا؟ يقول تعالى { وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا } فقال رضي الله عنه: أصابت امرأة وأخطأ عمر ~~". ### || [4.22-31] # المناسبة: لما أوصى تعالى بحسن معاشرة الأزواج، وحذر من إيذائهن أو ~~أكل مهورهن، عقبه بذكر المحرمات من النساء اللواتي لا يجوز الزواج بهن ~~بسبب القرابة أو المصاهرة أو الرضاع. # اللغة: { سلف } مضى { مقتا } المقت: البغض الشديد لمن تعاطى ~~القبيح وكان العرب يسمون زواج الرجل امرأة أبيه " نكاح المقت " { ~~ربائبكم } جمع ربيبة وهي بنت المرأة من آخر سميت به لأنها تتربى ~~في حجر الزوج { حجوركم } جمع حجر أي في تربيتكم يقال: فلان ms0266 في حجر ~~فلان إذا كان في تربيته قال أبو عبيدة: في حجوركم أي في بيوتكم { ~~حلائل } جمع حليلة بمعنى الزوجة سميت بذلك لأنها تحل لزوجها { ~~محصنين } متعففين عن الزنى { مسافحين } السفاح: الزنى وأصله ~~في اللغة من السفح وهو الصب وسمي سفاحا لأنه لا غرض للزاني إلا سفح ~~النطفة وقضاء الشهوة { طولا } سعة وغنى { أخدان } جمع خدن وهو ~~الصديق للمرأة يزني بها سرا { العنت } الفجور وأصله الضرر والفساد { ~~سنن } جمع سنة وهي الطريقة { نصليه } ندخله. # سبب النزول: أ - لما توفي " أبو قيس بن الأسلت " وكان من صالحي ~~الأنصار، خطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت: إني أعدك ولدا!! ولكني آتي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم استأمره فأتته فأخبرته فأنزل الله { ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء.... } الآية. # ب - عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم اوطاس لهن أزواج، فكرهنا ~~أن نقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم: { والمحصنات من ~~النسآء إلا ما ملكت أيمانكم... } الآية قال: ~~فاستحللناهن. # التفسير: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء ~~إلا ما قد سلف } أي لا تتزوجوا ما تزوج آباؤكم من النساء لكن ما ~~سبق فقد عفا الله عنه { إنه كان فاحشة ومقتا } أي فإن ~~نكاحهن أمر قبيح قد تناهى في القبح والشناعة، وبلغ الذروة العليا في ~~الفظاعة والبشاعة، إذ كيف يليق بالإنسان أن يتزوج امرأة أبيه وأن ~~يعلوها بعد وفاته وهي مثل أمه؟ { وسآء سبيلا } أي بئس ذلك النكاح ~~القبيح الخبيث طريقا، ثم بين تعالى المحرمات من النساء فقال { ~~حرمت عليكم أمهاتكم } أي حرم عليكم نكاح الأمهات وشمل ~~اللفظ الجدات من قبل الأب أو الأم { وبناتكم } وشمل بنات الأولاد ~~وإن نزلن { وأخواتكم } أي شقيقة كانت أو لأب أو لأم { ~~وعماتكم } أي أخوات آبائكم وأجدادكم { وخالاتكم وبنات ~~الأخ وبنات الأخت } أي بنت الأخ وبنت الأخت ويدخل فيهن أولادهن، ~~وهؤلاء المحرمات بالنسب وهن كما تقدم " الأمهات، البنات، الأخوات، ~~العمات، الخالات، بنات الأخ، بنات الأخت " ثم شرع تعالى في ذكر المحرمات ~~من الرضاع فقال { وأمهاتكم ms0267 اللاتي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة } نزل الله الرضاعة منزلة النسب حتى ~~سمى المرضعة أما للرضيع أي كما يحرم عليك أمك التي ولدتك، كذلك يحرم ~~عليك أمك التي أرضعتك، وكذلك أختك من الرضاع، ولم تذكر الآية من المحرمات ~~بالرضاع سوى " الأمهات والأخوات " وقد وضحت السنة النبوية أن المحرمات ~~بالرضاع سبع كما هو الحال في النسب لقوله عليه السلام # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # ثم ذكر تعالى المحرمات بالمصاهرة فقال { وأمهات نسآئكم } أي ~~وكذلك يحرم نكاح أم الزوجة سواء دخل بالزوجة أو لم يدخل لأن مجرد العقد ~~على البنت يحرم الأم { وربائبكم اللاتي في حجوركم } أي ~~بنات أزواجكم اللاتي ربيتموهن، وذكر الحجر ليس للقيد وإنما هو للغالب ~~لأن الغالب أنها تكون مع أمها ويتولى الزوج تربيتها وهذا بالإجماع { ~~من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم } الدخول هنا كناية عن ~~الجماع أي من نسائكم اللاتي أدخلتموهن الستر قاله ابن عباس فإن لم ~~تكونوا أيها المؤمنون قد دخلتم بأمهاتهن وفارقتموهن فلا جناح عليكم في ~~نكاح بناتهن { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } ~~أي وحرم عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم بخلاف من ~~تبنيتموهم فلكم نكاح حلائلهم { وأن تجمعوا بين الأختين ~~إلا ما قد سلف } أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا في ~~النكاح إلا ما كان منكم في الجاهلية فقد عفا الله عنه { إن الله ~~كان غفورا رحيما } أي غفورا لما سلف رحيما بالعباد { ~~والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم } ~~أي وحرم عليكم نكاح المتزوجات من النساء إلا ما ملكتموهن بالسبي فيحل ~~لكم وطؤهن بعد الاستبراء ولو كان لهن أزواج في دار الحرب لأن بالسبي ~~تنقطع عصمة الكافر # ولا تمسكوا بعصم الكوافر # [الممتحنة: 10] { كتاب الله عليكم } أي هذا فرض الله عليكم { ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم } أي أحل لكم نكاح ما سواهن { ~~أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين } أي ~~إرادة أن تطلبوا النساء بطريق شرعي فتدفعوا لهن المهور حال كونكم ~~متزوجين غير زانين { فما ms0268 استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن فريضة } أي فلما تلذذتم به من النساء بالنكاح فآتوهن ~~مهورهن فريضة فرضها الله عليكم بقوله # وآتوا النسآء صدقاتهن نحلة # [النساء: 4] ثم قال تعالى { ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به من بعد الفريضة } أي لا إثم عليكم فيما ~~أسقطن من المهر برضاهن كقوله # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # [النساء: 4] قال ابن كثير: أي إذا فرضت لها صداقا فأبرأتك منه أو عن ~~شيء منه فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك { إن الله كان عليما ~~حكيما } أي عليما بمصالح العباد حكيما فيما شرع لهم من الأحكام { ~~ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات } أي من لم يكن منكم ذا سعة وقدرة أن يتزوج الحرائر ~~المؤمنات { فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات } أي فله أن ينكح من الإماء المؤمنات اللاتي يملكهن ~~المؤمنون { والله أعلم بإيمانكم } جملة معترضة لبيان أنه ~~يكفي في الإيمان معرفة الظاهر والله يتولى السرائر { بعضكم من ~~بعض } أي إنكم جميعا بنو آدم ومن نفس واحدة فلا تستنكفوا من نكاحهن ~~فرب أمة خير من حرة، وفيه تأنيس لهم بنكاح الإماء فالعبرة بفضل ~~الإيمان لا بفضل الأحساب والأنساب { فانكحوهن بإذن ~~أهلهن } أي تزوجوهن بأمر أسيادهن وموافقة مواليهن { وآتوهن ~~أجورهن بالمعروف } أي ادفعوا لهن مهورهن عن طيب نفس ولا ~~تبخسوهن منه شيئا استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات { محصنات ~~غير مسافحات } أي عفيفات غير مجاهرات بالزنى { ولا ~~متخذات أخدان } أي ولا متسترات بالزنى مع أخدانهن قال ابن ~~عباس: الخدن هو الصديق للمرأة يزني بها سرا فنهى الله تعالى عن ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن { فإذآ أحصن فإن أتين ~~بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب } أي فإذا أحصن بالزواج ثم زنين فعليهن نصف ما على ~~الحرائر من عقوبة الزنى { ذلك لمن خشي العنت منكم } أي ~~إنما يباح نكاح الإماء لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى { وأن ~~تصبروا خير لكم } أي صبركم وتعففكم عن نكاحهن أفضل لئلا يصير ~~الولد ms0269 رقيقا وفي الحديث # " من أراد أن يلقي الله طاهرا مطهرا فلينكح الحرائر " # { والله غفور رحيم } أي واسع المغفرة عظيم الرحمة { يريد ~~الله ليبين لكم } أي يريد الله أن يفصل لكم شرائع دينكم ~~ومصالح أموركم { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي ~~يرشدكم إلى طرائق الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم { ويتوب ~~عليكم } أي يقبل توبتكم فيما اقترفتموه من الإثم والمحارم { ~~والله عليم حكيم } أي عليم بأحوال العباد حكيم في تشريعه لهم { ~~والله يريد أن يتوب عليكم } كرره ليؤكد سعة رحمته تعالى ~~على العباد أي يحب بما شرع من الأحكام أن يطهركم من الذنوب والآثام، ~~ويريد توبة العبد ليتوب عليه { ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } أي ويريد الفجرة أتباع ~~الشيطان أن تعدلوا عن الحق إلى الباطل وتكونوا فسقة فجرة مثلهم { ~~يريد الله أن يخفف عنكم } أي يريد تعالى بما يسر أن ~~يسهل عليكم أحكام الشرع { وخلق الإنسان ضعيفا } أي عاجزا عن ~~مخالفة هواه لا يصبر عن إتباع الشهوات، ثم حذر تعالى من أكل أموال الناس ~~بالباطل فقال { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل } أي يا أيها الذين صدقوا الله ~~ورسوله لا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل وهو كل طريق لم تبحه الشريعة ~~كالسرقة والخيانة والغصب والربا والقمار وما شاكل ذلك { إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم } أي إلا ما كان بطريق شرعي ~~شريف كالتجارة التي أحلها الله قال ابن كثير: الاستثناء منقطع أي لا ~~تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال لكن المتاجر المشروعة التي ~~تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها { ولا تقتلوا ~~أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } أي لا يسفك بعضكم دم ~~بعض، والتعبير عنه بقتل النفس للمبالغة في الزجر، أو هو على ظاهره بمعنى ~~الانتحار وذلك من رحمته تعالى بكم { ومن يفعل ذلك عدوانا ~~وظلما } أي ومن يرتكب ما نهى الله عنه معتديا ظالما لا سهوا ولا ~~خطأ { فسوف نصليه نارا } أي ندخله نارا عظيمة يحترق فيها { ~~وكان ذلك على الله يسيرا } أي هينا ms0270 يسيرا لا عسر فيه ~~لأنه تعالى لا يعجزه شيء { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم } أي إن تتركوا أيها المؤمنون ~~الذنوب الكبائر التي نهاكم الله عز وجل عنها نمح عنكم صغائر الذنوب ~~بفضلنا ورحمتنا { وندخلكم مدخلا كريما } أي ندخلكم الجنة ~~دار الكرامة والنعيم، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر ~~على قلب بشر!. # البلاغة: تضمنت الآيات أنواعا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- المجاز المرسل في { حرمت عليكم أمهاتكم } أي حرم ~~عليكم نكاح الأمهات فهو على حذف مضاف. # 2- الطباق في { حرمت... وأحل } وفي { محصنين... ~~ومسافحين } وفي { كبآئر... وسيئاتكم } لأن المراد ~~بالسيئات الصغائر من الذنوب. # 3- الكناية في { اللاتي دخلتم بهن } فهو كناية عن الجماع ~~كقولهم بنى عليها، وضرب عليها الحجاب. # 4- الاستعارة في { وآتوهن أجورهن } استعار لفظ الأجور ~~للمهور، لأن المهر يشبه الاجر في الصورة. # 5- الجناس المغاير في { تنكحوا ما نكح } وفي { ~~أرضعنكم... من الرضاعة } وفي { محصنات... فإذآ ~~أحصن } والإطناب في مواضع، والحذف في مواضع. # الفوائد: الأولى: استنبط العلماء من آية المحرمات القاعدة الآتية وهي ~~" العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات ". # الثانية: حمل بعض الروافض والشيعة قوله تعالى { فما استمتعتم ~~به منهن } على نكاح المتعة وهو خطأ فاحش لأن الغرض من الاستمتاع ~~هنا التمتع بالأزواج عن طريق الجماع لا نكاح المتعة فقد ثبت حرمة نكاح ~~المتعة بالسنة والإجماع ولا عبرة بما خالف ذلك. # الثالثة: قال ابن عباس: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو ~~لعنة، أو عذاب. # الرابعة: روى سعيد بن جبير أن رجلا قال لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: ~~هي إلى السبعمأة أقرب منها إلى السبع، ولكن لا كبيرة مع استغفار، ولا ~~صغيرة مع إصرار، ذكره القرطبي. ### || [4.32-43] # المناسبة: لما ذكر تعالى المحرمات من النساء وذكر قبلها تفضيل الله ~~الرجال عليهن في الميراث، جاءت الآيات تنهى عن تمني ما خص الله به كلا ~~من الجنسين لأنه سبب للحسد والبغضاء، ثم ذكر تعالى حقوق كل من الزوجين ~~على الآخر، وأرشد ms0271 إلى الخطوات التي ينبغي التدرج بها في حالة النشوز ~~والعصيان. # اللغة: { موالي } المولى: الذي يتولى غيره يقال للعبد مولى ~~وللسيد مولى لأن كلا منهما يتولى الآخر والمراد به هنا الورثة والعصبة ~~{ قوامون } قوام: مبالغة من القيام على الأمر بمعنى حفظه ورعايته ~~أي يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية { قانتات } مطيعات وأصل ~~القنوت دوام الطاعة { نشوزهن } عصيانهن وترفعهن وأصله المكان ~~المرتفع ومنه تل ناشز ويقال: نشزت المرأة إذا ترفعت على زوجها وعصته { ~~المضاجع } جمع مضجع وهو المرقد { شقاق } الشقاق: الخلاف والعداوة ~~مأخوذ من الشق بمعنى الجانب لأن كلا من المتشاقين يكون في شق غير شق ~~صاحبه أي في ناحية { الجنب } البعيد الذي ليس له قرابة تربطه بجاره، ~~وأصل الجنابة: البعد { مختالا } المختال: ذو الخيلاء والكبر { ~~مثقال } وزن { الغآئط } الحدث وأصله المطمئن من الأرض وكانوا ~~إذا أرادوا قضاء الحاجة أتوا منخفضا من الأرض فكني عن الحدث بالغائط. # سبب النزول: أ - عن مجاهد قال: قالت " أم سلمة " يا رسول الله: يغزو ~~الرجال ولا نغزو وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله { ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } ~~الآية. # ب - روي # " أن سعد بن الربيع - وكان نقيبا من نقباء الأنصار - نشزت عليه امرأته ~~" حبيبة بنت زيد " فلطمها فانطلق أبوها معها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: أفرشته كريمتي فلطمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لتقتص منه فنزلت { الرجال قوامون على النسآء } فقال صلى ~~الله عليه وسلم: (أردنا أمرا وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير) ". # التفسير: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم ~~على بعض } أي لا تتمنوا أيها المؤمنون ما خص الله تعالى به غيركم ~~من أمر الدنيا أو الدين ذلك يؤدي إلى التحاسد والتباغض قال الزمخشري: ~~نهوا عن الحسد وعن تمني ما فضل الله بعض الناس على بعض من الجاه والمال ~~لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد { ~~للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنسآء نصيب ~~مما اكتسبن } أي لكل من الفريقين في ms0272 الميراث نصيب معين ~~المقدار قال الطبري: كل له جزاء على عمله بحسبه إن خيرا فخير وإن ~~شرا فشر { واسألوا الله من فضله } أي وسلوا الله من فضله ~~يعطكم فإنه كريم وهاب { إن الله كان بكل شيء عليما } ~~أي ولذلك جعل الناس طبقات ورفع بعضهم درجات { ولكل جعلنا ~~موالي مما ترك الوالدان والأقربون } أي ولكل ~~إنسان جعلنا عصبة يرثون ماله مما تركه الوالدان والأقارب من الميراث ~~{ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } أي ~~والذين حالفتموهم في الجاهلية على النصرة والإرث فأعطوهم حظهم من ~~الميراث، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام ثم نسخ قال الحسن: كان الرجل ~~يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر فنسخ الله ذلك بقوله # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الأنفال: 75] وقال ابن عباس: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث ~~المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بينهم فلما نزلت { ولكل جعلنا موالي } نسخت { ~~إن الله كان على كل شيء شهيدا } أي مطلعا على كل ~~شيء وسيجازيكم عليه.. ثم بين تعالى أن الرجال يتولون أمر النساء في ~~المسئولية والتوجيه فقال { الرجال قوامون على النسآء } أي ~~قائمون عليهن بالأمر والنهي، والإنفاق والتوجيه كما يقوم الولاة على ~~الرعية { بما فضل الله بعضهم على بعض وبمآ ~~أنفقوا من أموالهم } أي بسبب ما منحهم الله من العقل ~~والتدبير، وخصهم به من الكسب والإنفاق، فهم يقومون على النساء بالحفظ ~~والرعاية والإنفاق والتأديب قال أبو السعود: " والتفضيل للرجل لكمال ~~العقل وحسن التدبير ورزانة الرأي ومزيد القوة، ولذلك خصوا بالنبوة ~~والإمامة والولاية والشهادة والجهاد وغير ذلك " { فالصالحات ~~قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله } هذا تفصيل ~~لحال النساء تحت رياسة الرجل، وقد ذكر تعالى أنهن قسمان: قسم صالحات ~~مطيعات، وقسم عاصيات متمردات، فالنساء الصالحات مطيعات لله ولأزواجهن، ~~قائمات بما عليهن من حقوق، يحفظن أنفسهن عن الفاحشة وأموال أزواجهن عن ~~التبدير كما أنهن حافظات لما يجري بينهن وبين أزواجهن مما يجب كتمه ويجمل ~~ستره وفي الحديث # " إن من شر الناس عند ms0273 الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى ~~امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه " # { واللاتي تخافون نشوزهن } هذا القسم الثاني وهن النساء ~~العاصيات المتمردات أي واللاتي يتكبرن ويتعالين عن طاعة الأزواج فعليكم ~~أيها الرجال أن تسلكوا معهن سبل الإصلاح { فعظوهن واهجروهن ~~في المضاجع واضربوهن } أي فخوفوهن الله بطريق النصح ~~والإرشاد، فإن لم ينجح الوعظ والتذكير فاهجروهن في الفراش فلا ~~تكلموهن ولا تقربوهن قال ابن عباس: الهجر ألا يجامعها وأن يضاجعها على ~~فراشها ويوليها ظهره، فإن لم يرتدعن فاضربوهن ضربا غير مبرح { فإن ~~أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } أي فإن أطعن أمركم ~~فلا تلتمسوا طريقا لإيذائهن { إن الله كان عليا كبيرا } ~~أي فإن الله تعالى أعلى منكم وأكبر وهو وليهن ينتقم ممن ظلمهن وبغى ~~عليهن.. انظر كيف يعلمنا سبحانه أن نؤدب نساءنا وانظر إلى ترتيب ~~العقوبات ودقتها حيث أمرنا بالوعظ ثم بالهجران ثم بالضرب ضربا غير مبرح ~~ثم ختم الآية بصفة العلو والكبر لينبه العبد على أن قدرة الله فوق قدرة ~~الزوج عليها وأنه تعالى عون الضعفاء وملاذ المظلومين!! { وإن خفتم ~~شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما ~~من أهلهآ } أي وإن خشيتم أيها الحكام مخالفة وعداوة بين ~~الزوجين فوجهوا حكما عدلا من أهل الزوج وحكما عدلا من أهل الزوجة ~~يجتمعان فينظران في أمرهما ويفعلان ما فيه المصلحة { إن يريدآ ~~إصلاحا يوفق الله بينهمآ } أي إن قصدا إصلاح ذات ~~البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في وساطتهما ~~وأوقع الله بين الزوجين الوفاق والألفة وألقى في نفوسهما المودة والرحمة ~~{ إن الله كان عليما خبيرا } أي عليما بأحوال العباد ~~حكيما في تشريعه لهم { واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا وبالوالدين إحسانا } أي وحدوه وعظموه ولا تشركوا به ~~شيئا من الأشياء صنما أو غيره، واستوصوا بالوالدين برا وإنعاما ~~وإحسانا وإكراما { وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين } أي وأحسنوا إلى الأقارب عامة وإلى اليتامى والمساكين ~~خاصة { والجار ذي القربى } أي الجار القريب فله عليك حق الجوار ~~وحق القرابة { والجار الجنب } أي الجار الأجنبي ms0274 الذي لا قرابة ~~بينك وبينه { والصاحب بالجنب } قال ابن عباس: هو الرفيق في ~~السفر، وقال الزمخشري: " هو الذي صحبك إما رفيقا في سفر، أو جارا ~~ملاصقا، أو شريكا في تعلم علم، أو قاعدا إلى جنبك في مجلس أو غير ~~ذلك، من له أدنى صحبة التأمت بينك وبينه فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا ~~تنساه وقيل: هي المرأة " { وابن السبيل } أي المسافر الغريب الذي ~~انقطع عن بلده وأهله { وما ملكت أيمانكم } أي المماليك من ~~العبيد والإماء { إن الله لا يحب من كان مختالا ~~فخورا } أي متكبرا في نفسه يأنف عن أقاربه وجيرانه فخورا على الناس ~~مترفعا عليهم يرى أنه خير منهم، وهذه آية جامعة جاءت حثا على الإحسان ~~واستطرادا لمكارم الأخلاق، ومن تدبرها حق التدبر أغنته عن كثير من ~~مواعظ البلغاء، ونصائح الحكماء. # ثم بين تعالى صفات هؤلاء الذين يبغضهم الله فقال { الذين ~~يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } أي يمنعون ما أوجب ~~الله عليهم من الإنفاق في سبيل الله ويأمرون غيرهم بترك الإنفاق، ~~والآية في اليهود نزلت في جماعة منهم كانوا يقولون للأنصار لا تنفقوا ~~أموالكم في الجهاد والصدقات، وهي مع ذلك عامة { ويكتمون مآ ~~آتاهم الله من فضله } أي يخفون ما عندهم من المال والغنى، ~~ويخفون نعته عليه السلام الموجود في التوراة { وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا } أي هيأنا للجاحدين نعمة الله عذابا ~~أليما مع الخزي والإذلال لهم { والذين ينفقون أموالهم ~~رئآء الناس } أي ينفقونها للفخار والشهرة لا ابتغاء وجه الله { ~~ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } أي ولا يؤمنون ~~الإيمان الصحيح بالله واليوم الآخر، والآية في المنافقين { ومن يكن ~~الشيطان له قرينا فسآء قرينا } أي من كان الشيطان صاحبا ~~له وخليلا يعمل بأمره فساء هذا القرين والصاحب { وماذا عليهم ~~لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما ~~رزقهم الله } الإستفهام للإنكار والتوبيخ أي ماذا يضيرهم وأي ~~تبعة ووبال عليهم في الإيمان بالله والإنفاق في سبيله؟ قال الزمخشري: ~~وهذا كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت؟ وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت ~~بارا؟ ms0275 وهو ذم وتوبيخ وتجهيل بمكان المنفعة { وكان الله بهم ~~عليما } وعيد لهم بالعقاب أي سيجازيهم بما عملوا { إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة } أي لا يبخس أحدا من عمله شيئا ولو كان ~~وزن ذرة وهي الهباءة وذلك على سبيل التمثيل تنبيها بالقليل على الكثير { ~~وإن تك حسنة يضاعفها } أي وإن كانت تلك الذرة حسنة ينمها ~~ويجعلها أضعافا كثيرة { ويؤت من لدنه أجرا عظيما } أي ~~ويعط من عنده تفضلا وزيادة على ثواب العمل أجرا عظيما وهو الجنة { ~~فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا } أي كيف يكون حال الكفار والفجار حين نأتي ~~من كل أمة بنبيها يشهد عليها، ونأتي بك يا محمد على العصاة والمكذبين من ~~أمتك تشهد عليهم بالجحود والعصيان؟! كيف يكون موقفهم؟ وكيف يكون حالهم؟ ~~والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع { يومئذ يود الذين ~~كفروا وعصوا الرسول } أي في ذلك اليوم العصيب يتمنى الفجار ~~الذين جحدوا وجدانية الله وعصوا رسوله { لو تسوى بهم الأرض ~~} أي لو يدفنوا في الأرض ثم تسوى بهم كما تسوى بالموتى، أو لو تنشق ~~الأرض فتبتلعهم ويكونون ترابا كقوله # يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ~~يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40] وذلك لما يرون من أهوال يوم القيامة { ولا يكتمون ~~الله حديثا } أي لا يستطيعون أن يكتموا الله حديثا لأن جوارحهم ~~تشهد عليهم بما فعلوه.. ثم أمر تعالى باجتناب الصلاة في حال السكر ~~والجنابة فقال { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } ~~أي لا تصلوا في حالة السكر لأن هذه الحالة لا يتأتى معها الخشوع والخضوع ~~بمناجاته سبحانه وتعالى، وقد كان هذا قبل تحريم الخمر روى الترمذي عن علي ~~كرم الله وجهه أنه قال " صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا ~~من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت " قل يا أيها ~~الكافرون * أعبد ما تعبدون. ونحن نعبد ما تعبدون " فأنزل الله { يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى } الآية { ولا ms0276 جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا } أي ولا تقربوها وأنتم جنب أي غير طاهرين بإنزال أو ~~إيلاج إلا إذا كنتم مسافرين ولم تجدوا الماء فصلوا على تلك الحالة ~~بالتيمم { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء ~~أحد منكم من الغآئط } أي وإن كنتم مرضى ويضركم الماء، أو ~~مسافرين وأنتم محدثون أو أحدثتم ببول أو غائط ونحوهما حدثا أصغر ولم ~~تجدوا الماء { أو لامستم النسآء } قال ابن عباس: هو الجماع { ~~فلم تجدوا مآء } أي فلم تجدوا الماء الذي تتطهرون به { ~~فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم } أي اقصدوا عند عدم وجود الماء التراب الطاهر فتطهروا به ~~وامسحوا وجوهكم وأيديكم بذلك التراب { إن الله كان عفوا ~~غفورا } أي يرخص ويسهل على عباده لئلا يقعوا في الحرج. # البلاغة: تضمنت هذه الآيات من الفصاحة والبيان والبديع ما يلي: # 1- الإطناب في قوله { نصيب مما اكتسبوا } و { نصيب ~~مما اكتسبن } وفي { حكما من أهله وحكما من ~~أهلهآ } وفي { والجار ذي القربى والجار الجنب }. # 2- الاستعارة في { مما اكتسبوا } شبه استحقاقهم للإرث وتملكهم ~~له بالإكتساب واشتق من لفظ الاكتساب اكتسبوا على طريقة الاستعارة ~~التبعية. # 3- الكناية في { واهجروهن في المضاجع } فقد كنى بذلك عن ~~الجماع وكذلك في { لامستم النسآء } قال ابن عباس معناه: جامعتم ~~النساء كما كنى عن الحدث بالغائط في قوله { أو جآء أحد منكم ~~من الغآئط }. # 4- صيغة المبالغة في { الرجال قوامون } لأن فعال من صيغ ~~المبالغة ومجيء الجملة إسمية لإفادة الدوام والاستمرار. # 5- السؤال عن المعلوم لتوبيخ السامع في قوله { فكيف إذا جئنا } ~~يراد بها التقريع والتوبيخ. # 6- جناس الاشتقاق في { حافظات... بما حفظ } وفي قوله { ~~بشهيد.... وشهيدا }. # 7- التعريض في { مختالا فخورا } عرض بذلك إلى ذم الكبر المؤدي ~~لاحتقار الناس. # 8- الحذف في عدة مواضع مثل { وبالوالدين إحسانا } أي أحسنوا ~~إلى الوالدين إحسانا. # الفوائد: الأولى: لم يذكر الله تعالى في الآية إلا " الإصلاح " في ~~قوله { إن يريدآ إصلاحا } ولم يذكر ما يقابله وهو التفريق وفي ~~ذلك إشارة لطيفة إلى أنه ينبغي على الحكمين أن يبذلا جهدهما للإصلاح ~~لأن في ms0277 التفريق خراب البيوت وتشتيت الأولاد وذلك مما ينبغي أن يجتنب. # الثانية: ختم تعالى الآية بهذين الإسمين العظيمين { إن الله ~~كان عليا كبيرا } وذلك لتهديد الأزواج عند التعسف في استعمال ~~الحق فكأن الآية تقول: لا تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن وأكبر درجة منهن ~~فإن الله علي قاهر ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فالله أعلى منكم وأقدر ~~عليكم منكم عليهن فاحذروا عقابه. # الثالثة: روى البخاري # " عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إقرأ علي القرآن فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ ~~قال: نعم فإني أحب أن أسمعه من غيري!! فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى ~~هذه الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } فقال: حسبك الآن فنظرت ~~فإذا عيناه تذرفان ". # تنبيه: ورد النظم الكريم { بما فضل الله بعضهم على ~~بعض } ولو قال: بتفضيلهم عليهن لكان أخصر وأوجز ولكن التعبير ورد ~~بتلك الصيغة لحكمة جليلة وهي إفادة أن المرأة من الرجل بمنزلة عضو من ~~جسم الإنسان وكذلك العكس، فالرجل بمنزلة الرأس، والمرأة بمنزلة البدن ~~ولا ينبغي أن يتكبر عضو على عضو، فالأذن لا تغني عن العين، واليد لا ~~تغني عن القدم، ولا عار على الشخص أن يكون قلبه أفضل من معدته ورأسه أشرف ~~من يده فالكل يؤدي دوره بانتظام ولا غنى لواحد عن الآخر وهذا هو سر ~~التعبير بقوله { بعضهم على بعض } فظهر أن الآية في نهاية ~~الإيجاز والإعجاز. # " كلمة حول تأديب النساء " # لعل أخبث ما يتخذه أعداء الإسلام للطعن في الشريعة الإسلامية زعمهم أن ~~الإسلام أهان المرأة حين سمح للرجل أن يضربها ويقولون: كيف يسمح القرآن ~~بضرب المرأة { واهجروهن في المضاجع واضربوهن } أفليس ~~هذا إهانة للمرأة واعتداء على كرامتها؟! # والجواب: نعم لقد أذن الحكيم العليم بضربها ولكن متى يكون الضرب؟ ولمن ~~يكون؟ إن الضرب - ضربا غير مبرح - كما ورد به الحديث الشريف أحد ~~الطرق في معالجة نشوز المرأة وعصيانها لأمر الزوج، فحين تسيء المرأة ms0278 عشرة ~~زوجها وتركب رأسها وتسير بقيادة الشيطان وتقلب الحياة الزوجية إلى جحيم ~~لا يطاق فماذا يصنع الرجل في مثل هذه الحالة؟! لقد أرشدنا القرآن الكريم ~~إلى الدواء فأمر بالصبر والأناة، ثم بالوعظ والإرشاد، ثم بالهجر في ~~المضاجع، فإذا لم تنجح كل هذه الوسائل فلا بد من سلوك طريق آخر هو ~~الضرب غير المبرح لكسر الغطرسة والكبرياء، وهذا أقل ضررا من إيقاع ~~الطلاق عليها، وإذا قيس الضرر الأخف بالضرر الأكبر كان حسنا وجميلا ~~وما أحسن ما قيل " وعند ذكر العمى يستحسن العور " فالضرب طريق من طرق ~~العلاج ينفع في بعض الحالات التي يستعصي فيها الإصلاح باللطف والإحسان ~~والجميل # فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا # [النساء: 78]!! ### || [4.44-57] # سبب النزول: روي أن أبا سفيان قال لكعب بن الأشرف - أحد أحبار ~~اليهود - إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى ~~طريقا نحن أم محمد؟ فقال: اعرضوا علي دينكم فقال أبو سفيان: نحن ننحر ~~للحجيج الكوماء، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونعمر بيت ربنا، ومحمد فارق ~~دين آبائه وقطع الرحم!! فقال: دينكم خير من دينه وأنتم والله أهدى سبيلا ~~مما هو عليه فأنزل الله { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب... } الآية. # المناسبة: لما ذكر تعالى شيئا من أحوال الكفار في الآخرة وأنهم ~~يتمنون لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا.. أعقبه بذكر ما عليه ~~اليهود من الكفر والجحود والتكذيب بآيات الله، ثم ذكر طائفة من عقائد أهل ~~الكتاب الزائغة وما أعد لهم من العذاب المقيم في دار الجحيم أعاذنا الله ~~منها. # اللغة: { راعنا } راقبنا وانظرنا وهي كلمة سب في العبرية وكان ~~اليهود يقولونها ويعنون بها معنى الرعونة { أقوم } أعدل وأصوب { ~~نطمس } الطمس: المحو وإذهاب أثر الشيء { فتيلا } الفتيل: الخيط ~~الذي في شق النواة { الجبت } اسم الصنم ثم صار مستعملا لكل باطل { ~~الطاغوت } كل ما عبد من دون الله من حجر أو بشر أو شيطان وقيل هو اسم ~~للشيطان { نقيرا } النقير: النقطة التي على ظهر النواة { نصليهم } ~~ندخلهم. # التفسير: { ألم ms0279 تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب } الاستفهام للتعجيب من سوء حالهم والتحذير عن موالاتهم أي ~~ألم تنظر يا محمد إلى الذين أعطوا حظا من علم التوراة وهم أحبار اليهود ~~{ يشترون الضلالة } أي يختارون الضلالة على الهدى ويؤثرون ~~الكفر على الإيمان { ويريدون أن تضلوا السبيل } أي ~~ويريدون لكم يا معشر المؤمنين أن تضلوا طريق الحق لتكونوا مثلهم { ~~والله أعلم بأعدائكم } أي هو تعالى أعلم بعداوة هؤلاء ~~اليهود الضالين منكم فاحذروهم { وكفى بالله وليا وكفى ~~بالله نصيرا } أي حسبكم أن يكون الله وليا وناصرا لكم فثقوا به ~~واعتمدوا عليه وحده فهو تعالى يكفيكم مكرهم.. ثم ذكر تعالى طرفا من ~~قبائح اليهود اللعناء فقال { من الذين هادوا يحرفون ~~الكلم عن مواضعه } أي من هؤلاء اليهود فريق يبدلون كلام الله ~~في التوراة ويفسرونه بغير مراد الله قصدا وعمدا فقد غيروا نعت محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأحكام الرجم وغير ذلك { ويقولون سمعنا ~~وعصينا } أي ويقولون لك إذا دعوتهم للإيمان سمعنا قولك وعصينا ~~أمرك قال مجاهد: سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه، وهذا أبلغ في ~~الكفر والعناد { واسمع غير مسمع } أي اسمع ما نقول لا سمعت ~~والكلام ذو وجهين يحتمل الخير والشر وأصله للخير أي لا سمعت مكروها ~~ولكن اليهود الخبثاء كانوا يقصدون به الدعاء على الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أي لا أسمعك الله وهو دعاء بالصمم أو بالموت { وراعنا } أي ~~ويقولون في أثناء خطابهم راعنا وهي كلمة سب من الرعونة وهي الحمق، ~~فكانوا سخرية وهزؤا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه بكلام محتمل ~~ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام ولهذا قال ~~تعالى { ليا بألسنتهم وطعنا في الدين } أي فتلا ~~وتحريفا عن الحق إلى الباطل وقدحا في الإسلام قال ابن عطية: وهذا ~~موجود حتى الآن في اليهود وقد شاهدناهم يربون أولادهم الصغار على ذلك ~~ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير ~~{ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا } أي عوضا من قولهم ~~سمعنا وعصينا { واسمع وانظرنا ms0280 } أي عوضا عن قولهم غير مسمع ~~وراعنا أي لو أن هؤلاء اليهود قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم ذلك القول ~~اللطيف بدل ذلك القول الشنيع { لكان خيرا لهم وأقوم } أي ~~لكان ذلك القول خيرا لهم عند الله وأعدل وأصوب { ولكن لعنهم ~~الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } أي أبعدهم ~~الله عن الهدى وعن رحمته بسبب كفرهم السابق فلا يؤمنون إلا إيمانا ~~قليلا قال الزمخشري: أي ضعيفا ركيكا لا يعبأ به وهو إيمانهم ببعض ~~الكتب والرسل. # . ثم توعدهم تعالى بالطمس وإذهاب الحواس فقال { يا أيهآ الذين ~~أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا } أي يا معشر اليهود ~~آمنوا بالقرآن الذي نزلناه على محمد صلى الله عليه وسلم { مصدقا ~~لما معكم } أي مصدقا للتوراة { من قبل أن نطمس ~~وجوها فنردها على أدبارهآ } أي نطمس منها الحواس من ~~أنف أو عين أو حاجب حتى تصير كالأدبار، وهذا تشويه عظيم لمحاسن الإنسان ~~وهو قول ابن عباس { أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب ~~السبت } أي نمسخهم كما مسخنا أصحاب السبت وهم الذين اعتدوا في السبت ~~فمسخهم الله قردة وخنازير { وكان أمر الله مفعولا } أي إذا ~~أمر بأمر فإنه نافذ كائن لا محالة { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } أي لا يغفر ~~الشرك ويغفر ما سوى ذلك من الذنوب لمن شاء من عباده { ومن يشرك ~~بالله فقد افترى إثما عظيما } أي من أشرك بالله فقد ~~اختلق إثما عظيما قال الطبري: قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ~~ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته ~~شركا بالله.. ثم ذكر تعالى تزكية اليهود أنفسهم مع كفرهم وتحريفهم ~~الكتاب فقال { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } أي ~~ألم يبلغك خبر هؤلاء الذين يمدحون أنفسهم ويصفونها بالطاعة والتقوى؟ ~~والاستفهام للتعجيب من أمرهم قال قتادة: ذلكم أعداء الله اليهود زكوا ~~أنفسهم فقالوا # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] وقالوا: لا ذنوب لنا { بل الله يزكي من يشآء ~~} أي ليس ms0281 الأمر بتزكيتهم بل بتزكية الله فهو أعلم بحقائق الأمور وغوامضها ~~يزكي المرتضين من عباده وهم الأطهار الأبرار لا اليهود الأشرار { ولا ~~يظلمون فتيلا } أي لا ينقصون من أعمالهم بقدر الفتيل وهو الخيط ~~الذي في شق النواة وهو مثل للقلة كقوله # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40] { انظر كيف يفترون على الله الكذب } هذا ~~تعجيب من افترائهم وكذبهم أي انظر يا محمد كيف اختلقوا على الله الكذب في ~~تزكيتهم أنفسهم وادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه؟ { وكفى به ~~إثما مبينا } أي كفى بهذا الافتراء وزرا بينا وجرما عظيما { ~~ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت } الاستفهام للتعجيب والمراد بهم ~~أيضا اليهود أعطوا حظا من التوراة وهم مع ذلك يؤمنون بالأوثان ~~والأصنام وكل ما عبد من دون الرحمن { ويقولون للذين كفروا ~~هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا } أي يقول اليهود ~~لكفار قريش أنتم أهدى سبيلا من محمد وأصحابه قال ابن كثير: يفضلون ~~الكفار على المسلمين بجهلهم وقلة دينهم وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم ~~قال تعالى إخبارا عن ضلالهم { أولئك الذين لعنهم ~~الله } أي طردهم وأبعدهم عن رحمته { ومن يلعن الله فلن ~~تجد له نصيرا } أي من يطرده من رحمته فمن ينصره من عذاب الله؟ ~~ويمنع عنه آثار اللعنة وهو العذاب العظيم { أم لهم نصيب من ~~الملك } أي أم لهم حظ من الملك؟ وهذا على وجه الإنكار يعني ليس لهم ~~من الملك شيء { فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } أي لو كان ~~لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون أحدا مقدار نقير لفرط بخلهم، والنقير ~~مثل في القلة كالفتيل والقطمير وهو النكتة في ظهر النواة، ثم انتقل إلى ~~خصلة ذميمة أشد من البخل فقال { أم يحسدون الناس على مآ ~~آتاهم الله من فضله } قال ابن عباس: حسدوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم على النبوة وحسدوا أصحابه على الإيمان والمعنى: بل أيحسدون ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على النبوة التي فضل الله بها محمدا ~~وشرف بها العرب ويحسدون المؤمنين على ms0282 ازدياد العز والتمكين؟ { فقد ~~آتينآ آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ~~ملكا عظيما } أي فقد أعطينا أسلافكم من ذرية إبراهيم النبوة ~~وأنزلنا عليهم الكتب وأعطيناهم الملك العظيم مع النبوة كداود وسليمان ~~فلأي شيء تخصون محمدا صلى الله عليه وسلم بالحسد دون غيره ممن أنعم الله ~~عليهم؟ والمقصود الرد على اليهود في حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وإلزام لهم بما عرفوه من فضل الله على آل إبراهيم { فمنهم من ~~آمن به ومنهم من صد عنه } أي من اليهود من آمن بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وهم قلة قليلة ومنهم من أعرض فلم يؤمن وهم الكثرة ~~كقوله # فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون # [الحديد: 26] { وكفى بجهنم سعيرا } أي كفى بالنار المسعرة ~~عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم.. ثم أخبر تعالى بما أعده للكفرة الفجرة من ~~الوعيد والعذاب الشديد فقال { إن الذين كفروا بآياتنا ~~سوف نصليهم نارا } أي سوف ندخلهم نارا عظيمة هائلة تشوي ~~الوجوه والجلود { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ليذوقوا العذاب } أي كلما انشوت جلودهم واحترقت ~~احتراقا تاما بدلناهم جلودا غيرها ليدوم لهم ألم العذاب، قال الحسن: ~~تنضجهم النار في اليوم سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فعادوا ~~كما كانوا وقال الربيع: جلد أحدهم أربعون ذراعا، وبطنه لو وضع فيه جبل ~~لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودا غيرها وفي الحديث # " يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة ~~سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعا وإن ضرسه مثل أحد " # { إن الله كان عزيزا حكيما } أي عزيز لا يمتنع عليه شيء ~~حكيم لا يعذب إلا بعدل { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيهآ أبدا } هذا إخبار عن مآل السعداء أي ~~سندخلهم جنات تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها وأرجائها حيث شاءوا وأين ~~أرادوا مقيمين في الجنة لا يموتون { لهم فيهآ أزواج ~~مطهرة } أي لهم في الجنة زوجات مطهرات من الأقذار والأذى قال ~~مجاهد: مطهرات من البول والحيض والنخام والبزاق ms0283 والمني والولد { ~~وندخلهم ظلا ظليلا } أي ظلا دائما لا تنسخه الشمس ولا حر ~~فيه ولا برد قال الحسن: وصف بأنه ظليل لأنه لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا ~~من الحر والسموم، وفي الحديث # " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ". # البلاغة: تضمنت هذه الآيات من الفصاحة والبلاغة والبديع ما يلي ~~بالإيجاز: # 1- المجاز المرسل في { أم يحسدون الناس } المراد به محمد صلى ~~الله عليه وسلم من باب تسمية الخاص باسم العام إشارة إلى أنه جمعت فيه ~~كمالات الأولين والآخرين. # 2- الاستعارة في { يشترون الضلالة } وفي { ليذوقوا ~~العذاب } لأن أصل الذوق باللسان فاستعير إلى الألم الذي يصيب ~~الإنسان وفي { ليا بألسنتهم } لأن أصل اللي فتل الحبل ~~فاستعير للكلام الذي قصد به غير ظاهره وفي { نطمس وجوها } وهي ~~عبارة عن مسخ الوجوه تشبيها بالصحيفة المطموسة التي عميت سطورها ~~وأشكلت حروفها. # 3- الاستفهام الذي يراد به التعجب في { ألم تر } في موضعين. # 4- التعجب بلفظ الأمر في { انظر كيف يفترون } وتلوين الخطاب في ~~{ يفترون } وإقامته مقام الماضي للدلالة على الدوام والاستمرار. # 5- الاستفهام الذي يراد منه التوبيخ والتقريع في { أم لهم نصيب ~~} وفي { أم يحسدون }. # 6- التعريض في { فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } عرض بشدة ~~بخلهم. # 7- الطباق في { وجوه.. وأدبار } وفي { آمنوا.. وكفروا }. # 8- جناس الاشتقاق في { نلعنهم.. ولعنآ } وفي { يؤتون... ~~وآتاهم } وفي { ظلا ظليلا }. # 9- الإطناب في مواضع، والحذف في مواضع. ### || [4.58-70] # المناسبة: لما ذكر تعالى حال اليهود وما هم عليه من الحسد والعناد ~~والجحود، وذكر ما أعده لهم من العذاب والنكال في الآخرة، أعقبه بتوجيه ~~المؤمنين إلى طريق السعادة بطاعة الله ورسوله وأداء الأمانات والحكم ~~بالعدل بين الناس، ثم ذكر صفات المنافقين التي ينبغي الحذر منها والبعد ~~عنها. # اللغة: { نعما } أصلها نعم ما أي نعم الشيء يعظكم به { تأويلا ~~} مآلا وعاقبة { يزعمون } الزعم: الاعتقاد الظني قال الليث: أهل ~~العربية يقولون: زعم فلان إذا شكوا فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق ~~وقال ابن دريد: أكثر ما يقع على الباطل ومنه قولهم " زعموا مطية الكذب ~~" { توفيقا ms0284 } تأليفا والوفاق والوفق ضد المخالفة { بليغا } ~~مؤثرا { شجر } اختلف واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه واختلاط بعضها ~~في بعض { حرجا } ضيقا وشكا قال الواحدي: يقال للشجر الملتف الذي لا ~~يكاد يوصل إليه حرج. # سبب النزول: أ - روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة ~~يوم الفتح أغلق " عثمان بن طلحة " باب الكعبة وصعد السطح وأبى أن يدفع ~~المفتاح لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لو علمت أنه رسول الله لم ~~أمنعه فلوى علي يده وأخذه منه وفتح بابها فدخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وصلى ركعتين فلما خرج أمر عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ~~ويعتذر إليه فقال له عثمان: آذيت وأكرهت ثم جئت تترفق!! فقال لقد أنزل ~~الله في شأنك قرآنا { إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها.. } وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إلا ظالم ". # ب - عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له " بشر " كان بينه وبين ~~يهودي خصومة فقال اليهودي: تعال نتحاكم إلى محمد فقال المنافق: بل ~~نتحاكم إلى " كعب بن الأشرف " - وهو الذي سماه الله الطاغوت - فأبى ~~اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول ~~الله لليهودي على المنافق، فلما خرج من عنده لم يرض المنافق وقال: تعالى ~~نتحاكم إلى عمر بن الخطاب فأتيا عمر فقال اليهودي: كان بيني وبين هذا ~~خصومة فتحاكمنا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصمني ~~إليك فقال عمر للمنافق: أكذلك هو؟ فقال: نعم فقال عمر: مكانكما حتى أخرج ~~إليكما فدخل عمر فاشتمل عليه سيفه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد - أي ~~مات - وقال: هكذا أقضي فيمن لم يرض بقضاء الله ورسوله فنزلت الآية { ~~ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ ~~أنزل إليك. # . } الآية. # التفسير: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها } الخطاب عام لجميع المكلفين كما ms0285 أن الأمانات تعم جميع ~~الحقوق المتعلقة بالذمم سواء كانت حقوق الله أو العباد قال الزمخشري: ~~الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة، والمعنى يأمركم الله أيها المؤمنون ~~بأداء الأمانات إلى أربابها قال ابن كثير: يأمر تعالى بأداء الأمانات ~~إلى أهلها وهو يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله عز ~~وجل على عباده من الصلاة والزكاة والصيام والكفارات وغيرها، ومن حقوق ~~العباد بعضهم على بعض كالودائع وغيرها { وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل } أي ويأمركم أن تعدلوا بين الناس ~~في أحكامكم { إن الله نعما يعظكم به } أي نعم الشيء ~~الذي يعظكم به { إن الله كان سميعا بصيرا } فيه وعد ووعيد ~~أي سميع لأقوالكم بصير بأفعالكم { يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~} أي أطيعوا الله وأطيعوا رسوله بالتمسك بالكتاب والسنة، وأطيعوا الحكام ~~إذا كانوا مسلمين متمسكين بشرع الله إذ لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق، وفي قوله { منكم } دليل على أن الحكام الذين تجب طاعتهم يجب ~~ان يكونوا مسلمين حسا ومعنى، لحما ودما، لا أن يكونوا مسلمين صورة ~~وشكلا { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول } أي فإن اختلفتم في أمر من الأمور فاحتكموا فيه إلى ~~كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم { إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر } أي إن كنتم مؤمنين حقا وهو شرط حذف ~~جوابه لدلالة ما سبق أي فردوه إلى الله والرسول والغرض منه الحث على ~~التمسك بالكتاب والسنة كما يقول القائل: إن كنت ابني فلا تخالفني { ~~ذلك خير وأحسن تأويلا } أي الرجوع إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله خير لكم وأصلح وأحسن عاقبة ومآلا.. ثم ذكر تعالى صفات المنافقين ~~الذين يدعون الإيمان وقلوبهم خاوية منه فقال { ألم تر إلى ~~الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ أنزل إليك ومآ ~~أنزل من قبلك } تعجيب من أمر من يدعي الإيمان ثم لا يرضى بحكم ~~الله أي ألا تعجب من صنيع هؤلاء المنافقين الذين يزعمون الإيمان بما ~~أنزل إليك وهو القرآن وما أنزل ms0286 من قبلك وهو التوراة والإنجيل { ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } أي يريدون أن ~~يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت قال ابن عباس هو " كعب بن الأشرف " أحد ~~طغاة اليهود سمي به لإفراطه في الطغيان وعداوته للرسول عليه السلام { ~~وقد أمروا أن يكفروا به } أي والحال أنهم قد أمروا ~~بالإيمان بالله والكفر بما سواه كقوله # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى # [البقرة: 256] { ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا ~~بعيدا } أي ويريد الشيطان بما زين لهم أن يحرفهم عن الحق والهدى { ~~وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول } أي وإذا قيل لأولئك المنافقين تعالوا فتحاكموا إلى كتاب ~~الله وإلى الرسول ليفصل بينكم فيما تنازعتم فيه { رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا } أي رأيتهم لنفاقهم يعرضون ~~عنك إعراضا { فكيف إذآ أصابتهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم } أي كيف يكون حالهم إذا عاقبهم الله بذنوبهم وبما جنته ~~أيديهم من الكفر والمعاصي أيقدرون أن يدفعوا عنهم العذاب؟ { ثم ~~جآءوك يحلفون بالله إن أردنآ إلا إحسانا ~~وتوفيقا } أي ثم جاءك هؤلاء المنافقون للإعتذار عما اقترفوه من ~~الأوزار يقسمون بالله ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك إلا الصلح والتأليف ~~بين الخصمين وما أردنا رفض حكمك قال تعالى تكذيبا لهم { أولئك ~~الذين يعلم الله ما في قلوبهم } أي هؤلاء المنافقون ~~يكذبون والله يعلم ما في قلوبهم من النفاق والمكر والخديعة وهم يريدون أن ~~يخدعوك بهذا الكلام المعسول { فأعرض عنهم } أي فأعرض عن ~~معاقبتهم للمصلحة ولا تظهر لهم علمك بما في بواطنهم ولا تهتك سترهم حتى ~~يبقوا على وجل وحذر { وعظهم } أي ازجرهم عن الكيد والنفاق بقوارع ~~الآيات { وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } أي انصحهم ~~فيما بينك وبينهم بكلام بليغ مؤثر يصل إلى سويداء قلوبهم يكون لهم ~~رادعا ولنفاقهم زاجرا، ثم أخبر تعالى عن بيان وظيفة الرسل فقال { ومآ ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } أي لم ~~نرسل رسولا من الرسل إلا ليطاع بأمر الله تعالى فطاعته طاعة لله ~~ومعصيته معصية لله { ولو أنهم إذ ظلموا ms0287 أنفسهم ~~جآءوك فاستغفروا الله } أي لو أن هؤلاء المنافقين حين ظلموا ~~أنفسهم بعدم قبول حكمك جاءوك تائبين من النفاق مستغفرين الله من ذنوبهم ~~معترفين بخطئهم { واستغفر لهم الرسول } أي واستغفرت لهم يا ~~محمد أي سألت الله أن يغفر لهم ذنوبهم { لوجدوا الله توابا ~~رحيما } أي لعلموا كثرة توبة الله على عباده وسعة رحمته لهم ثم بين ~~تعالى طريق الإيمان الصادق فقال { فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم } اللام لتأكيد القسم أي ~~فوربك يا محمد لا يكونون مؤمنين حتى يجعلوك حكما بينهم ويرضوا بحكمك ~~فيما تنازعوا فيه واختلفوا من الأمور { ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } أي ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقا من حكمك وينقادوا انقيادا تاما كاملا ~~لقضائك، من غير معارضة ولا مدافعة ولا منازعة، فحقيقة الإيمان الخضوع ~~والإذعان { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا ~~أنفسكم أو اخرجوا من دياركم } أي لو فرضنا على هؤلاء ~~المنافقين ما فرضنا على من قبلهم من المشقات وشددنا التكليف عليهم ~~فأمرناهم بقتل النفس والخروج من الأوطان كما فرض ذلك على بني إسرائيل { ~~ما فعلوه إلا قليل منهم } أي ما استجاب ولا انقاد إلا ~~قليل منهم لضعف إيمانهم { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون ~~به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا } أي ولو أنهم فعلوا ~~ما يؤمرون به من طاعة الله وطاعة رسوله لكان خيرا لهم في عاجلهم وآجلهم ~~وأشد تثبيتا لإيمانهم، وأبعد لهم عن الضلال والنفاق { وإذا ~~لأتيناهم من لدنآ أجرا عظيما } أي أعطيناهم ثمرة ~~الطاعة ثوابا كثيرا { ولهديناهم صراطا مستقيما } ثم ذكر ~~تعالى ثمرة الطاعة لله ورسوله فقال { ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم } أي ومن يعمل ~~بما أمره الله به ورسوله ويجتنب ما نهى الله عنه ورسوله، فإن الله عز ~~وجل يسكنه دار كرامته في دار الخلد مع المقربين { من النبيين ~~والصديقين والشهدآء والصالحين } أي مع أصحاب المنازل ~~العالية في الآخرة وهم الأنبياء الأطهار والصديقون الأبرار وهم أفاضل ~~أصحاب الأنبياء والشهداء الأخيار ms0288 وهم الذين استشهدوا في سبيل الله ثم مع ~~بقية عباد الله الصالحين { وحسن أولئك رفيقا } أي ونعمت ~~رفقة هؤلاء وصحبتهم، وحسن رفيق أولئك الأبرار، عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في شكواه التي قبض فيها يقول { ~~مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهدآء والصالحين } فعلمت أنه خير { ~~ذلك الفضل من الله } أي ما أعطيه المطيعون من الأجر العظيم ~~إنما هو بمحض فضله تعالى { وكفى بالله عليما } أي وكفى به ~~تعالى مجازيا لمن أطاع عالما بمن يستحق الفضل والإحسان. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من ضروب الفصاحة والبديع ما يلي ~~باختصار: # 1- الاستفهام المراد به التعجب في { ألم تر إلى الذين ~~يزعمون }. # 2- الالتفات في { واستغفر لهم الرسول } تفخيما لشأن ~~الرسول وتعظيما لاستغفاره ولو جرى على الأصل لقال { واستغفرت لهم }. # 3- إيراد الأمر بصورة الإخبار وتصديره ب " إن " المفيدة للتحقيق ~~في قوله { إن الله يأمركم } للتفخيم وتأكيد وجوب العناية ~~والامتثال. # 4- الجناس المغاير في { يضلهم ضلالا } وفي { قل لهم.. ~~قولا } وفي { يسلموا تسليما } وفي { يصدون.. صدودا ~~} وفي # فأفوز فوزا # [النساء: 73]. # 5- الاستعارة في قوله { فيما شجر بينهم } استعار ما اشتبك ~~وتضايق من الشجر للتنازع الذي يدخل به بعض الكلام في بعض استعارة للمعقول ~~بالمحسوس. # 6- تكريم الاسم الجليل { إن الله يأمركم } { إن الله ~~نعما يعظكم } { إن الله كان سميعا } لتربية المهابة ~~في النفوس. # 7- الإطناب في مواضع والحذف في مواضع. # فائدة: عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله: إنك لأحب إلي من نفسي وأحب إلي من ~~أهلي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ~~ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإن ~~دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى أنزل الله { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم.. } الآية. ### || [4.71-87] # المناسبة: لما حذر تعالى من النفاق والمنافقين وأوصى بطاعة الله ms0289 ~~وطاعة رسوله، أمر هنا بأعظم الطاعات والقربات وهو الجهاد في سبيل الله ~~لإعلاء كلمته وإحياء دينه، وأمر بالاستعداد والتأهب حذرا من مباغتة ~~الكفار، ثم بين حال المتخلفين عن الجهاد المثبطين للعزائم من المنافقين ~~وحذر المؤمنين من شرهم. # اللغة: { ثبات } جمع ثبتة وهي الجماعة أي جماعة بعد جماعة { ~~بروج } جمع برج وهو البناء المرتفع والقصر العظيم والمراد به هنا ~~الحصون { مشيدة } مرتفعة البناء { بيت } دبر الأمر ليلا، ~~والبيات أن يأتي العدو ليلا ومنه قول العرب: أمر بيت بليل { ~~أذاعوا به } أشاعوه ونشروه { يستنبطونه } يستخرجونه مأخوذ ~~من استنبطت الماء إذا استخرجته ومنه استنباط الأحكام من الكتاب والسنة { ~~حرض } التحريض: الحث على الشيء { تنكيلا } تعذيبا والنكال: ~~العذاب { كفل } نصيب وأكثر ما يستعمل الكفل في الشر { مقيتا } ~~مقتدرا من أقات على الشيء قدر عليه قال الشاعر: # وذي ضعن كففت النفس عنه # وكنت على مساءته مقيتا # سبب النزول: عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا نبي الله لقد كنا في عز ~~ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة؟ فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا ~~القوم، فلما حوله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا فأنزل ~~الله { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~وأقيموا الصلاة... } الآية. # التفسير: { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم } أي ~~يا معشر المؤمنين احترزوا من عدوكم واستعدوا له { فانفروا ثبات ~~أو انفروا جميعا } أي اخرجوا إلى الجهاد جماعات متفرقين، سرية ~~بعد سرية أو اخرجوا مجتمعين في الجيش الكثيف، فخيرهم تعالى في الخروج ~~إلى الجهاد متفرقين ومجتمعين { وإن منكم لمن ليبطئن ~~} أي ليتثاقلن ويتخلفن عن الجهاد، والمراد بهم المنافقون وجعلوا من ~~المؤمنين باعتبار زعمهم وباعتبار الظاهر { فإن أصابتكم ~~مصيبة } أي قتل وهزيمة { قال قد أنعم الله علي إذ ~~لم أكن معهم شهيدا } أي قال ذلك المنافق قد تفضل الله ~~علي إذ لم أشهد الحرب معهم فأقتل ضمن من قتلوا { ولئن ~~أصابكم فضل من الله } أي ولئن أصابكم أيها المؤمنون نصر ms0290 وظفر ~~وغنيمة { ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة يليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } أي ~~ليقولن هذا المنافق قول نادم متحسر كأن لم يكن بينكم وبينه معرفة ~~وصداقة يا ليتني كنت معهم في الغزو لأنال حظا وافرا من الغنيمة، وجملة ~~{ كأن لم تكن } اعتراضية للتنبيه على ضعف إيمانهم، وهذه المودة ~~في ظاهر المنافق لا في اعتقاده فهو يتمنى أن لو كان مع المؤمنين لا من ~~أجل عزة الإسلام بل طلبا للمال وتحصيلا للحطام، ولما ذم تعالى ~~المبطئين عن القتال في سبيل الله رغب المؤمنين فيه فقال { فليقاتل ~~في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا ~~بالآخرة } أي فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم وأموالهم في سبيل ~~الله الذين يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية { ومن يقاتل في ~~سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما } وهذا وعد منه سبحانه بالأجر العظيم لمن قاتل في سبيل الله ~~سواء غلب أو غلب أي من يقاتل في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ~~فيستشهد أو يظفر على الأعداء فسوف نعطيه ثوابا جزيلا فهو فائز بإحدى ~~الحسنيين: الشهادة أو الغنيمة كما في الحديث # " تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان ~~وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي ~~خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة " # { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ~~والمستضعفين من الرجال والنسآء والولدان } ~~الاستفهام للحث والتحريض على الجهاد أي وما لكم أيها المؤمنون لا تقاتلون ~~في سبيل الله وفي سبيل خلاص المستضعفين من إخوانكم الذين صدهم ~~المشركون عن الهجرة فبقوا مستذلين مستضعفين يلقون أنواع الأذى الشديد؟! ~~وقوله { من الرجال والنسآء والولدان } بيان للمستضعفين ~~قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين، وهم الذين كان يدعو لهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن ~~هشام الخ كما في الصحيح { الذين يقولون ربنآ أخرجنا ~~من هذه القرية } أي الذين يدعون ربهم لكشف الضر عنهم ~~قائلين: ربنا ms0291 أخرجنا من هذه القرية وهي مكة إذ أنها كانت موطن الكفر ~~ولذا هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم منها { الظالم أهلها } ~~بالكفر وهم صناديد قريش الذين منعوا المؤمنين من الهجرة ومنعوا من ظهور ~~الإسلام فيها { واجعل لنا من لدنك وليا واجعل ~~لنا من لدنك نصيرا } أي اجعل لنا من هذا الضيق فرجا ومخرجا ~~وسخر لنا من عندك وليا وناصرا، وقد استجاب الله دعاءهم فجعل لهم خير ~~ولي وناصر وهو محمد صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة ولما خرج منها ولى ~~عليهم " عتاب بن أسيد " فأنصف مظلومهم من ظالمهم، ثم شجع تعالى ~~المجاهدين ورغبهم في الجهاد فقال { الذين آمنوا يقاتلون في ~~سبيل الله } أي المؤمنون يقاتلون لهدف سام وغاية نبيلة وهي نصرة ~~دين الله وإعلاء كلمته ابتغاء مرضاته فهو تعالى وليهم وناصرهم { ~~والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت } أي وأما ~~الكافرون فيقاتلون في سبيل الشيطان الداعي إلى الكفر والطغيان { ~~فقاتلوا أولياء الشيطان } أي قاتلوا يا أولياء الله ~~أنصار واعوان الشيطان فإنكم تغلبونهم، فشتان بين من يقاتل لإعلاء كلمة ~~الله وبين من يقاتل في سبيل الشيطان، فمن قاتل في سبيل الله فهو الذي ~~يغلب لأن الله وليه وناصره، ومن قاتل في سبيل الطاغوت فهو المخذول ~~المغلوب ولهذا قال { إن كيد الشيطان كان ضعيفا } أي سعي ~~الشيطان في حد ذاته ضعيف فكيف بالقياس إلى قدرة الله؟! قال الزمخشري: ~~كيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه { ~~ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } أي ألا تعجب يا محمد من ~~قوم طلبوا القتال وهم بمكة فقيل لهم: أمسكوا عن قتال الكفار فلم يحن وقته ~~وأعدوا نفوسكم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة { فلما كتب ~~عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس ~~كخشية الله أو أشد خشية } أي فلما فرض عليهم قتال ~~المشركين إذا جماعة منهم يخافون ويجبنون ويفزعون من الموت كخشيتهم من ~~عذاب الله أو أشد من ذلك، قال ابن كثير: كان المؤمنون في إبتداء ~~الإسلام وهم ms0292 بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة والصبر على أذى المشركين ~~وكانوا يتحرقون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم فلما أمروا بما ~~كانوا يودونه جزع بعضهم وخاف من مواجهة الناس خوفا شديدا { وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال } أي وقالوا جزعا من الموت ~~ربنا لم فرضت علينا القتال؟ { لولا أخرتنا إلى أجل ~~قريب } لولا للتحضيض بمعنى هلا أي هلا أخرتنا إلى أجل قريب حتى ~~نموت بآجالنا ولا نقتل فيفرح بنا الأعداء! { قل متاع الدنيا ~~قليل والآخرة خير لمن اتقى } أي قل لهم يا محمد إن ~~نعيم الدنيا فان ونعيم الآخرة باق فهو خير من ذلك المتاع الفاني لمن ~~اتقى الله وامتثل أمره { ولا تظلمون فتيلا } أي لا تنقصون من ~~أجور أعمالكم أدنى شيء ولو كان فتيلا وهو الخيط الذي في شق النواة قال ~~في التسهيل: إن الآية في قوم من الصحابة كانوا قد أمروا بالكف عن ~~القتال فتمنوا أن يؤمروا به، فلما أمروا به كرهوه لا شكا في دينهم ولكن ~~خوفا من الموت، وقيل هي في المنافقين وهو أليق في سياق الكلام { ~~أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج ~~مشيدة } أي في أي مكان وجدتم فلا بد أن يدرككم الموت عند انتهاء ~~الأجل ويفاجئكم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة فلا تخشوا القتال خوف ~~الموت { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند ~~الله } أي إن تصب هؤلاء المنافقين حسنة من نصر وغنيمة وشبه ذلك ~~يقولوا هذه من جهة الله ومن تقديره لما علم فينا من الخير { وإن ~~تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } أي وإن تنلهم ~~سيئة من هزيمة وجوع وشبه ذلك يقولوا هذه بسبب اتباعنا لمحمد ودخولنا في ~~دينه يعنون بشؤم محمد ودينه قال السدي: يقولون هذا بسبب تركنا ديننا ~~واتباعنا محمدا أصابنا هذا البلاء كما قال تعالى عن قوم فرعون # وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # [الأعراف: 131] { قل كل من عند الله } أمر صلى الله عليه ~~وسلم بأن يرد زعمهم الباطل ويلقمهم الحجر ببيان أن الخير والشر بتقدير ~~الله أي ms0293 قل يا محمد لهؤلاء السفهاء: الحسنة والسيئة والنعمة والنقمة ~~كل ذلك من عند الله خلقا وإيجادا لا خالق سواه فهو وحده النافع ~~الضار وعن إرادته تصدر جميع الكائنات { فمال هؤلاء القوم ~~لا يكادون يفقهون حديثا } أي ما شأنهم لا يفقهون أن الأشياء ~~كلها بتقدير الله؟ وهو توبيخ لهم على قلة الفهم.. ثم قال تعالى مبينا ~~حقيقة الإيمان { مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ ~~أصابك من سيئة فمن نفسك } الخطاب لكل سامع أي ما أصابك ~~يا إنسان من نعمة وإحسان فمن الله تفضلا منه وإحسانا وامتنانا ~~وامتحانا، وما أصابك من بلية ومصيبة فمن عندك لأنك السبب فيها بما ~~ارتكبت يداك كقوله # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير # [الشورى: 30].. ثم قال تعالى مخاطبا الرسول { وأرسلناك ~~للناس رسولا وكفى بالله شهيدا } أي وأرسلناك يا محمد ~~رسولا للناس أجمعين تبلغهم شرائع الله وحسبك أن يكون الله شاهدا على ~~رسالتك، ثم رغب تعالى في طاعة الرسول فقال { من يطع الرسول ~~فقد أطاع الله } أي من أطاع أمر الرسول فقد أطاع الله لأنه ~~مبلغ عن الله { ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم ~~حفيظا } أي ومن أعرض عن طاعتك فما أرسلناك يا محمد حافظا لأعمالهم ~~ومحاسبا لهم عليها إن عليك إلا البلاغ { ويقولون طاعة فإذا ~~برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذي ~~تقول } أي ويقول المنافقون: أمرك يا محمد طاعة كقول القائل " سمعا ~~وطاعة " فإذا خرجوا من عندك دبر جماعة منهم غير الذي تقوله لهم وهو ~~الخلاف والعصيان لأمرك { والله يكتب ما يبيتون } أي يأمر ~~الحفظة بكتابته في صحائف أعمالهم ليجازوا عليه { فأعرض عنهم ~~وتوكل على الله } أي اصفح عنهم وفوض أمرك إلى الله وثق به { ~~وكفى بالله وكيلا } أي فهو سبحانه ينتقم لك منهم وكفى به ~~ناصرا ومعينا لمن توكل عليه، ثم عاب تعالى المنافقين بالإعراض عن ~~التدبر في القرآن في فهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة ففي تدبره يظهر ~~برهانه ويسطع نوره وبيانه { ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه ms0294 اختلافا كثيرا } أي لو كان هذا القرآن مختلقا ~~كما يزعم المشركون والمنافقون لوجدوا فيه تناقضا كبيرا في أخباره ونظمه ~~ومعانيه ولكنه منزه عن ذلك فأخباره صدق، ونظمه بليغ، ومعانيه محكمة، ~~فدل على أنه تنزيل الحكيم الحميد { وإذا جآءهم أمر من ~~الأمن أو الخوف أذاعوا به } أي إذا جاء المنافقين خبر ~~من الأخبار عن المؤمنين بالظفر والغنيمة أو النكبة والهزيمة أذاعوا به أي ~~أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته وكان في إذاعتهم له ~~مفسدة على المسلمين { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } أي ~~لو ترك هؤلاء الكلام بذلك الأمر الذي بلغهم وردوه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإلى كبراء الصحابة وأهل البصائر منهم لعلمه الذين ~~يستخرجونه منهم أي من الرسول وأولي الأمر { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } ~~أي لولا فضل الله عليكم أيها المؤمنون بإرسال الرسول ورحمته بإنزال ~~القرآن لاتبعتم الشيطان فيما يأمركم به من الفواحش إلا قليلا منكم، ثم ~~أمر الرسول بالجهاد فقال { فقاتل في سبيل الله لا تكلف ~~إلا نفسك } أي قاتل يا محمد لإعلاء كلمة الله ولو وحدك فإنك ~~موعود بالنصر ولا تهتم بتخلف المنافقين عنك { وحرض المؤمنين } ~~أي شجعهم على القتال ورغبهم فيه { عسى الله أن يكف بأس ~~الذين كفروا } هذا وعد من الله بكفهم و { عسى } من الله تفيد ~~التحقيق أي بتحريضك المؤمنين يكف الله شر الكفرة الفجار، وقد كفهم الله ~~بهزيمتهم في بدر وبفتح مكة { والله أشد بأسا وأشد ~~تنكيلا } أي هو سبحانه أشد قوة وسطوة، وأعظم عقوبة وعذابا { من ~~يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها } أي من يشفع ~~بين الناس شفاعة موافقة للشرع يكن له نصيب من الأجر { ومن يشفع ~~شفاعة سيئة يكن له كفل منها } أي ومن يشفع شفاعة ~~مخالفة للشرع يكن له نصيب من الوزر بسببها { وكان الله على ~~كل شيء مقيتا } أي مقتدرا فيجازي كل أحد بعمله { وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ ms0295 } ~~أي إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه بأفضل مما سلم أو ردوا عليه ~~بمثل ما سلم { إن الله كان على كل شيء حسيبا } أي ~~يحاسب العباد على كل شيء من أعمالهم الصغيرة والكبيرة { الله لا ~~إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ~~ريب فيه } هذا قسم من الله بجمع الخلائق يوم المعاد أي الله الواحد ~~الذي لا معبود سواه ليحشرنكم من قبوركم إلى حساب يوم القيامة الذي لا شك ~~فيه وسيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد للجزاء والحساب { ومن ~~أصدق من الله حديثا } لفظه استفهام ومعناه النفي أي لا أحد ~~أصدق في الحديث والوعد من الله رب العالمين. # البلاغة: تضمنت هذه الآيات أنواعا من الفصاحة والبيان والبديع ~~نوجزها فيما يلي: # 1- الاستعارة في قوله { يشرون الحياة الدنيا بالآخرة } ~~أي يبيعون الفانية بالباقية فاستعار لفظ الشراء للمبادلة وهو من لطيف ~~الاستعارة. # 2- الاعتراض في { كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ~~}. # 3- التشبيه المرسل المجمل في { يخشون الناس كخشية الله ~~}. # 4- الطباق بين { الأمن أو الخوف }. # 5- جناس الاشتقاق في { أصابتكم مصيبة } وفي { حييتم ~~فحيوا } وفي { يشفع شفاعة } وفي { بيت..و.. ~~يبيتون }. # 6- الاستفهام الذي يراد به الإنكار في { أفلا يتدبرون ~~القرآن }؟ # 7- المقابلة في قوله { الذين آمنوا يقاتلون في سبيل ~~الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت } ~~وكذلك في قوله { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب ~~منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل ~~منها } وهذه من المحسنات البديعية وهي أي يؤتى بمعنيين أو أكثر ثم ~~يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب. # تنبيه: لا تعارض بين قوله تعالى { قل كل من عند الله } أي ~~كل من الحسنة والسيئة وبين قوله { ومآ أصابك من سيئة فمن ~~نفسك } إذ الأولى على الحقيقة أي خلقا وإيجادا والثانية تسببا ~~وكسبا بسبب الذنوب # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30] أو نقول: نسبة الحسنة إلى الله، والسيئة إلى العبد هو من ~~باب الأدب مع الله في الكلام وإن كان كل شيء منه في الحقيقة كقوله صلى ~~الله عليه وسلم # " الخير كله ms0296 بيديك والشر ليس إليك " # والله أعلم. ### || [4.88-96] # المناسبة: لما ذكر تعالى مواقف المنافقين المخزية، عقبه بذكر نوع ~~آخر من أحوال المنافقين الشنيعة، ثم ذكر حكم القتل الخطأ والقتل العمد، ~~وأمر بالتثبت قبل الإقدام على قتل إنسان لئلا يفضي إلى قتل أحد من ~~المسلمين، ثم ذكر تعالى مراتب المجاهدين ومنازلهم الرفيعة في الآخرة. # اللغة: { أركسهم } ردهم إلى الكفر أو نكسهم وأصل الركس رد ~~الشيء مقلوبا قال الشاعر: # فأركسوا في حميم النار إنهم # كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا # { حصرت } ضاقت من الحصر وهو الضيق { السلم } الاستسلام ~~والإنقياد { ثقفتموهم } صادفتموهم ووجدتموهم { فتبينوا } ~~فتثبتوا { أركسوا فيها } قلبوا فيها. # سبب النزول: أ - عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ~~إلى أحد فرجع ناس ممن كان معه، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيهم فرقتين فقال بعضهم: نقتلهم، وقال بعضهم: لا، فأنزل الله { فما ~~لكم في المنافقين فئتين.. } الآية فقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " إنها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الحديد " # أخرجه الشيخان. # ب - يروى أن " الحارث بن يزيد " كان شديدا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجاء مهاجرا وهو يريد الإسلام فلقيه " عياش بن أبي ربيعة " - ~~والحارث يريد الإسلام وعياش لا يشعر - فقتله فأنزل الله { وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا }. الآية. # ج - عن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلا في غنيمة له فقال: السلام ~~عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته فنزلت هذه الآية { ولا تقولوا لمن ~~ألقى إليكم السلام لست مؤمنا.. } الآية. # التفسير: { فما لكم في المنافقين فئتين والله ~~أركسهم بما كسبوا } أي ما لكم أيها المؤمنون أصبحتم فرقتين ~~في شأن المنافقين، بعضكم يقول نقتلهم وبعضكم يقول لا نقتلهم والحال أنهم ~~منافقون والله نكسهم وردهم إلى الكفر بسبب النفاق والعصيان { ~~أتريدون أن تهدوا من أضل الله } أي أتريدون هداية من ~~أضله الله، والاستفهام للإنكار والتوبيخ في الموضعين والمعنى لا تختلفوا ~~في أمرهم ولا تظنوا فيهم الخير لأن الله حكم بضلالهم { ومن يضلل ~~الله فلن تجد له سبيلا ms0297 } أي من يضلله الله فلن تجد له ~~طريقا إلى الهدى والإيمان { ودوا لو تكفرون كما ~~كفروا فتكونون سوآء } أي تمنى هؤلاء المنافقون أن تكفروا ~~مثلهم فتستووا أنتم وهم وتصبحوا جميعا كفارا { فلا تتخذوا ~~منهم أوليآء حتى يهاجروا في سبيل الله } أي لا ~~توالوا ولا تصادقوا منهم أحدا حتى يؤمنوا ويحققوا إيمانهم بالهجرة ~~والجهاد في سبيل الله { فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم ~~حيث وجدتموهم } أي إن أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله فخذوهم ~~أيها المؤمنون واقتلوهم حيث وجدتموهم في حل أو حرم { ولا ~~تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } أي لا تستنصروهم ولا ~~تستنصحوهم ولا تستعينوا بهم في الأمور ولو بذلوا لكم الولاية والنصرة { ~~إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق } أي إلا الذين ينتهون ويلجأون إلى قوم عاهدوكم فدخلوا فيهم ~~بالحلف فحكمهم حكم أولئك في حقن دمائهم { أو جآءوكم حصرت ~~صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم } وهذا ~~استثناء أيضا من القتل أي وإلا الذين جاءوكم وقد ضاقت صدورهم عن قتالكم ~~وقتال قومهم فهم قوم ليسوا معكم ولا عليكم { ولو شآء الله ~~لسلطهم عليكم فلقاتلوكم } أي من لطفه بكم أن كفهم ~~عنكم ولو شاء لقواهم وجرأهم عليكم فقاتلوكم { فإن اعتزلوكم ~~فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل ~~الله لكم عليهم سبيلا } أي فإن لم يتعرضوا لكم بقتال ~~وانقادوا واستسلموا لكم فليس لكم أن تقاتلوهم طالما سالموكم { ~~ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا ~~قومهم } أي ستجدون قوما آخرين من المنافقين يريدون أن يأمنوكم ~~بإظهار الإيمان ويأمنوا قومهم بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم قال أبو ~~السعود: هم قوم من " أسد وغطفان " كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا ~~وعاهدوا ليأمنوا من المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ~~ليأمنوا قومهم { كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا ~~فيها } أي كلما دعوا إلى الكفر أو قتال المسلمين عادوا إليه وقلبوا ~~فيه على اسوأ شكل فهم شر من كل عدو شرير { فإن لم يعتزلوكم ~~ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم } أي فإن ~~لم يجتنبوكم ويستسلموا إليكم ويكفوا أيديهم عن ms0298 قتالكم { فخذوهم ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي فأسروهم واقتلوهم حيث ~~وجدتموهم وأصبتموهم { وأولئكم جعلنا لكم عليهم ~~سلطانا مبينا } أي جعلنا لكم على أخذهم وقتلهم حجة واضحة ~~وبرهانا بينا بسبب غدرهم وخيانتهم { وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطئا } أي لا ينبغي لمؤمن ولا يليق به أن ~~يقتل مؤمنا إلا على وجه الخطأ لأن الإيمان زاجر عن العدوان { ومن ~~قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية ~~مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا } أي ومن قتل ~~مؤمنا على وجه الخطأ فعليه إعتاق رقبة مؤمنة لأن إطلاقها من قيد الرق ~~كإحيائها، وعليه كذلك دية مؤداة إلى ورثة المقتول إلا إذا عفا ~~الورثة عن القاتل فأسقطوا الدية، وقد أوجب الشارع في القتل الخطأ شيئين: ~~الكفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة في مال القاتل، والدية وهي مائة من الإبل ~~على العاقلة { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة } أي إن كان المقتول خطأ مؤمنا ~~وقومه كفارا أعداء وهم المحاربون فإنما على قاتله الكفارة فقط دون ~~الدية لئلا يستعينوا بها على المسلمين { وإن كان من قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى ~~أهله وتحرير رقبة مؤمنة } أي وإن كان المقتول خطأ ~~من قوم كفرة بينكم وبينهم عهد كأهل الذمة فعلى قاتله دية تدفع إلى أهله ~~لأجل معاهدتهم ويجب أيضا على القاتل إعتاق رقبة مؤمنة { فمن لم ~~يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله } ~~أي فمن لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين عوضا عنها شرع تعالى ~~لكم ذلك لأجل التوبة عليكم { وكان الله عليما حكيما } أي ~~عليما بخلقه حكيما فيما شرع. # . ثم بين تعالى حكم القتل العمد وجريمته النكراء وعقوبته الشديدة فقال { ~~ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا ~~فيها } أي ومن يقدم على قتل مؤمن عالما بإيمانه متعمدا لقتله فجزاؤه ~~جهنم مخلدا فيها على الدوام، وهذا محمول عند الجمهور على من استحل قتل ~~المؤمن كما قال ابن عباس لأنه باستحلال القتل يصبح كافرا { وغضب ~~الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } أي ms0299 ~~ويناله السخط الشديد من الله والطرد من رحمة الله والعذاب الشديد في ~~الآخرة { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل ~~الله فتبينوا } أي إذا سافرتم في الجهاد لغزو الأعداء فتثبتوا ~~ولا تعجلوا في القتل حتى يتبين لكم المؤمن من الكافر { ولا تقولوا ~~لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } أي ولا تقولوا ~~لمن حياكم بتحية الإسلام لست مؤمنا وإنما قلت هذا خوفا من القتل ~~فتقتلوه { تبتغون عرض الحياة الدنيا } أي حال كونكم ~~طالبين لماله الذي هو حطام سريع الزوال { فعند الله مغانم ~~كثيرة } أي فعند الله ما هو خير من ذلك وهو ما أعده لكم من جزيل ~~الثواب والنعيم { كذلك كنتم من قبل فمن الله ~~عليكم فتبينوا } أي كذلك كنتم كفارا فهداكم للإسلام ومن ~~عليكم بالإيمان فتبينوا أن تقتلوا مؤمنا وقيسوا حاله بحالكم { إن ~~الله كان بما تعملون خبيرا } أي مطلعا على أعمالكم ~~فيجازيكم عليها، ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين فقال { لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين - غير أولي الضرر - ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم } ~~أي لا يتساوى من قعد عن الجهاد من المؤمنين مع من جاهد بماله ونفسه في ~~سبيل الله غير أهل الأعذار كالأعمى والأعرج والمريض قال ابن عباس: هم ~~القاعدون عن بدر والخارجون إليها، ولما نزلت الآية قام ابن أم مكتوم ~~فقال يا رسول الله: هل لي من رخصة فوالله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - ~~وكان أعمى - فأنزل الله { غير أولي الضرر } { فضل الله ~~المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ~~درجة } أي فضل الله المجاهدين على القاعدين من أهل الأعذار درجة ~~لاستوائهم في النية كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم ~~معكم فيه قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم حبسهم العذر " # { وكلا وعد الله الحسنى } أي وكلا من المجاهدين ~~والقاعدين بسبب ضرر لحقهم وعدهم الله الجزاء الحسن في الآخرة { ~~وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ~~} أي وفضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين ms0300 بغير عذر بالثواب ~~الوافر العظيم { درجات منه ومغفرة ورحمة وكان ~~الله غفورا رحيما } أي منازل بعضها أعلى من بعض مع المغفرة ~~والرحمة وفي الحديث # " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كل ~~درجتين كما بين السماء والأرض ". # البلاغة: تضمنت هذه الآيات من البلاغة والبيان والبديع أنواعا ~~نوجزها فيما يلي: # 1- الاستفهام بمعنى الإنكار في { فما لكم في المنافقين }؟ ~~وفي { أتريدون أن تهدوا }؟. # 2- الطباق في { أن تهدوا من أضل الله } وكذلك { ~~القاعدون.. والمجاهدون }. # 3- والجناس المغاير في { تكفرون كما كفروا } وفي { ~~مغفرة.. وغفورا }. # 4- الإطناب في { فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم.. وفضل الله المجاهدين على القاعدين ~~} وكذلك في { أن يقتل مؤمنا إلا خطئا } { ومن قتل ~~مؤمنا خطئا }. # 5- الاستعارة في { إذا ضربتم في سبيل الله } استعار الضرب ~~للسعي في قتال الأعداء واستعار السبيل لدين الله، ففيه استعارة الضرب ~~للجهاد، واستعارة السبيل لدين الله. # 6- المجاز المرسل في { فتحرير رقبة } أطلق الجزء وأراد الكل أي ~~عتق مملوك. # الفوائد: القتل العمد من أعظم الجرائم في نظر الإسلام ولهذا كانت ~~عاقبته في غاية التغليظ والتشديد وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " من أعان على قتل مسلم مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين ~~عينيه آيس من رحمة الله " # وفي الحديث أيضا # " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مؤمن " # ولهذا أفتى ابن عباس بعدم قبول توبة القاتل، أعاذنا الله من ذلك. # تنبيه: أمر تعالى في القتل الخطأ بإعتاق رقبة مؤمنة والحكمة في هذا - ~~والله أعلم - أنه لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل ~~نفسا مثلها في جملة الأحرار إذ أن إطلاقها من قيد الرق إحياء لها، ~~والعبد الرقيق في الإسلام له من الحقوق ما ليس للأحرار في الأمم الأخرى ~~وليس أدل على ذلك من قوله تعالى # فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت ~~أيمانهم فهم فيه سوآء # [النحل: 71] وقوله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه # " الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون ms0301 " # ومن يطلع على معاملة الزنوج في أمريكا يتضح له جليا صحة ما نقول وها ~~هي الأمم الغربية تحرم استرقاق العبيد في حين أنها تسترق الأحرار، وتحرم ~~استرقاق الأفراد وتسترق الجماعات والأمم والشعوب، باسم الاستعمار ~~والانتداب، فأين هذه الحضارة المزعومة والمدنية الزائفة من حضارة ~~الإسلام ومدنيته الصادقة التي حررت الشعوب والأمم والأفراد؟! ### || [4.97-113] # المناسبة: لما ذكر تعالى ثواب المجاهدين الأبرار، أتبعه بذكر عقاب ~~القاعدين عن الجهاد الذين سكنوا في بلاد الكفر، ثم رغب تعالى في الهجرة ~~من دار الكفر إلى دار الإيمان وذكر ما يترتب عليها من السعة والأجر ~~والثواب، ثم لما كان الجهاد والهجرة سببا لحدوث الخوف بين تعالى صلاة ~~المسافر وطريقة صلاة الخوف، ثم أتبع ذلك بذكر أروع مثل في الانتصار ~~للعدالة سجله التاريخ ألا وهو إنصاف رجل يهودي اتهم ظلما بالسرقة ~~وإدانة الذين تآمروا عليه وهم أهل بيت من الأنصار في المدينة المنورة. # اللغة: { مراغما } مذهبا ومتحولا مشتق من الرغام وهو التراب قال ~~ابن قتيبة: المراغم والمهاجر واحد وأصله أن الرجل كان إذا أسلم خرج ~~عن قومه مراغما لهم أي مغاضبا فقيل للمذهب مراغما وسمي مصيره إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم هجرة { سعة } اتساعا في الرزق { ~~تقصروا } القصر: النقص يقال قصر صلاته إذا صلى الرباعية ركعتين ~~قال أبو عبيد: فيها ثلاث لغات قصرت الصلاة وقصرتها وأقصرتها { ~~تغفلون } الغفلة: السهو الذي يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ ~~{ موقوتا } محدود الأوقات لا يجوز إخراجه عن وقته { تهنوا } ~~تضعفوا { خصيما } الخصيم بمعنى المخاصم أي المنازع والمدافع { ~~خوانا } مبالغا في الخيانة. # سبب النزول: أ - عن ابن عباس قال: كان قوم من المسلمين أقاموا بمكة ~~- وكانوا يستخفون بالإسلام - فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم فأصيب بعضهم ~~فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا على الخروج فنزلت { ~~إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم.. } ~~الآية. # ب - كان ضمرة بن القيس من المستضعفين بمكة وكان مريضا فلما سمع ما أنزل ~~الله في الهجرة قال لأولاده احملوني فإني لست من المستضعفين وإني ~~لأهتدي الطريق، والله لا أبيت ms0302 الليلة بمكة فحملوه على سرير ثم خرجوا به ~~فمات في الطريق بالتنعيم فأنزل الله { ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد ~~وقع أجره على الله }. # ج - روي أن رجلا من الأنصار يقال له " طعمة بن أبيرق " من بني ظفر ~~سرق درعا من جاره " قتادة ابن النعمان " في جراب دقيق، فجعل الدقيق ~~ينتثر من خرق فيه فخبأها عند " زيد بن السمين " اليهودي فالتمست الدرع ~~عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر ~~الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إلي طعمة ~~وشهد له ناس من اليهود فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وشهدوا ببراءته وسرقة اليهودي ~~فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل فنزلت الآية { إنآ ~~أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ~~بمآ أراك الله. # . } الآية وهرب طعمة إلى مكة وارتد ونقب حائطا بمكة ليسرق أهله فسقط ~~الحائط عليه فقتله. # التفسير: { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم } أي تتوفاهم الملائكة حال كونهم ظالمي أنفسهم بالإقامة مع ~~الكفار في دار الشرك وترك الهجرة إلى دار الإيمان { قالوا فيم ~~كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض } أي تقول لهم ~~الملائكة في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ وهو سؤال توبيخ وتقريع قالوا ~~معتذرين: كنا مستضعفين في أرض مكة عاجزين عن إقامة الدين فيها { ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ~~}؟ أي قالت لهم الملائكة توبيخا: أليست أرض الله واسعة فتهاجروا من دار ~~الكفر إلى دار تقدرون فيها على إقامة دين الله كما فعله من هاجر إلى ~~المدينة وإلى الحبشة؟ قال تعالى بيانا لجزائهم { فأولئك ~~مأواهم جهنم وسآءت مصيرا } أي مقرهم النار وساءت مقرا ~~ومصيرا، ثم استثنى تعالى منهم الضعفة والعاجزين عن الهجرة فقال { إلا ~~المستضعفين من الرجال والنسآء والولدان لا ~~يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا } أي لكن من كان منهم ~~مستضعفا كالرجال والنساء والأطفال الذين استضعفهم ms0303 المشركون وعجزوا ~~لإعسارهم وضعفهم عن الهجرة ولا يستطيعون الخلاص ولا يهتدون الطريق ~~الموصل لدار الهجرة { فأولئك عسى الله أن يعفو ~~عنهم } أي لعل الله أن يعفو عنهم لأنهم لم يتركوا الهجرة اختيارا { ~~وكان الله عفوا غفورا } أي يعفو ويغفر لأهل الأعذار، وعسى ~~في كلام الله تفيد التحقيق { ومن يهاجر في سبيل الله يجد ~~في الأرض مراغما كثيرا وسعة } هذا ترغيب في الهجرة أي من ~~يفارق وطنه ويهرب فرارا بدينه من كيد الأعداء يجد مهاجرا ومتجولا في ~~الأرض كبيرا يراغم به أنف عدوه ويجد سعة في الرزق فأرض الله واسعة ~~ورزقه سابغ على العباد # يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي ~~فاعبدون # [العنكبوت: 56] { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على ~~الله } أخبر تعالى أن من خرج من بلده مهاجرا من أرض الشرك فارا ~~بدينه إلى الله ورسوله ثم مات قبل بلوغه دار الهجرة فقد ثبت أجر هجرته ~~على الله تعالى { وكان الله غفورا رحيما } أي ساترا على ~~العباد رحيما بهم { وإذا ضربتم في الأرض فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } أي وإذا سافرتم ~~للغزو أو التجارة أو غيرهما فلا إثم عليكم أن تقصروا من الصلاة فتصلوا ~~الرباعية ركعتين { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ~~} أي إن خشيتم أن ينالكم مكروه من أعدائكم الكفرة، وذكر الخوف ليس ~~للشرط وإنما هو لبيان الواقع حيث كانت أسفارهم لا تخلو من خوف العدو ~~لكثرة المشركين ويؤيده حديث " يعلى بن أمية " قال قلت لعمر بن الخطاب: ~~إن الله يقول { إن خفتم } وقد أمن الناس فقال: عجبت مما عجبت ~~منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال # " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " # { إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا } أي إن ~~الكافرين أعداء لكم مظهرون للعداوة ولا يمنعهم فرصة اشتغالكم بمناجاة ~~الله أن يقتلوكم { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ~~فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~} أي وإذا كنت معهم يا محمد وهم يصلون ms0304 صلاة الخوف في الحرب فلتأتم بك ~~طائفة منهم وهم مدججون بأسلحتهم احتياطا ولتقم الطائفة الأخرى في وجه ~~العدو { فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت ~~طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } أي فإذا ~~فرغت الطائفة الأولى من الصلاة فلتأت الطائفة التي لم تصل إلى مكانها ~~لتصلي خلفك { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } أي وليكونوا ~~حذرين من عدوهم متأهبين لقتالهم بحملهم السلاح { ود الذين ~~كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة } أي تمنى أعداؤكم أن ~~تنشغلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم فيأخذوكم غرة، ويشدوا عليكم شدة واحدة ~~فيقتلونكم وأنتم تصلون والمعنى لا تتشاغلوا بأجمعكم بالصلاة فيتمكن عدوكم ~~منكم ولكن أقيموها على ما أمرتم به { ولا جناح عليكم إن ~~كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا ~~أسلحتكم } أي لا إثم عليكم في حالة المطر أو المرض أن لا تحملوا ~~أسلحتكم إذا ضعفتم عنها { وخذوا حذركم } أي كونوا متيقظين ~~واحترزوا من عدوكم ما استطعتم { إن الله أعد للكافرين ~~عذابا مهينا } أي أعد لهم عذابا مخزيا مع الإهانة، روى ابن ~~كثير عند هذه الآية عن أبي عياش الزرقي قال: # " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان فاستقبلنا المشركون ~~عليهم خالد بن الوليد - وهم بيننا وبين القبلة - فصلى بنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الظهر فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ثم ~~قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم قال: ~~فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر " # { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } الآية ثم أمر ~~تعالى بكثرة ذكره عقب صلاة الخوف فقال { فإذا قضيتم الصلاة ~~فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم } أي ~~فإذا فرغتم من الصلاة فأكثروا من ذكر الله في حال قيامكم وقعودكم ~~واضطجاعكم واذكروه في جميع الحالات لعله ينصركم على عدوكم { فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة } أي فإذا أمنتم وذهب الخوف ~~فأتموا الصلاة وأقيموها كما أمرتم بخشوعها وركوعها وسجودها وجميع شروطها ~~{ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } ~~أي فرضا محدودا بأوقات معلومة ms0305 لا يجوز تأخيرها عنه، ثم حث تعالى على ~~الجهاد والصبر عند الشدائد فقال { ولا تهنوا في ابتغآء ~~القوم } أي لا تضعفوا في طلب عدوكم بل جدوا فيهم وقاتلوهم واقعدوا ~~لهم كل مرصد { إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما ~~تألمون وترجون من الله ما لا يرجون } أي إن كنتم ~~تتألمون من الجراح والقتال فإنهم يتألمون أيضا منه كما تتألمون ولكنكم ~~ترجون من الله الشهادة والمثوبة والنصر حيث لا يرجونه هم { وكان ~~الله عليما حكيما } أي عليما بمصالح خلقه حكيما في تشريعه ~~وتدبيره، قال القرطبي: نزلت هذه الآية في حرب أحد حيث أمر صلى الله عليه ~~وسلم بالخروج في آثار المشركين وكان بالمسلمين جراحات وكان أمر ألا يخرج ~~معه إلا من حضر في تلك الوقعة، وقيل: هذا في كل جهاد. # { إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله } أي إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن ~~متلبسا بالحق لتحكم بين الناس بما عرفك الله وأوحى به إليك { ولا ~~تكن للخآئنين خصيما } أي لا تكن مدافعا ومخاصما عن ~~الخائنين تجادل وتدافع عنهم، والمراد به " طعمة بن أبيرق " وجماعته { ~~واستغفر الله } أي استغفر الله مما هممت به من الدفاع عن ~~طعمة اطمئنانا لشهادة قومه بصلاحه { إن الله كان غفورا ~~رحيما } أي مبالغا في المغفرة والرحمة لمن يستغفره { ولا ~~تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } أي لا تخاصم ~~وتدافع عن الذين يخونون أنفسهم بالمعاصي { إن الله لا يحب من ~~كان خوانا أثيما } أي لا يحب من كان مفرطا في الخيانة منهمكا ~~في المعاصي والآثام { يستخفون من الناس ولا يستخفون ~~من الله } أي يستترون من الناس خوفا وحياء ولا يستحيون من الله ~~وهو أحق بأن يستحيا منه ويخاف من عقابه { وهو معهم إذ ~~يبيتون ما لا يرضى من القول } أي وهو معهم جل وعلا ~~عالم بهم وبأحوالهم يسمع ما يدبرونه في الخفاء ويضمرونه في السر من رمي ~~البريء وشهادة الزور والحلف الكاذب { وكان الله بما يعملون ~~محيطا } أي لا يعزب عنه شيء منها ولا يفوت.. ms0306 ثم قال تعالى توبيخا ~~لقوم طعمة { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في ~~الحياة الدنيا } أي ها أنتم يا معشر القوم دافعتم عن السارق ~~والخائنين في الدنيا { فمن يجادل الله عنهم يوم ~~القيامة } أي فمن يدافع عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه؟ { ~~أم من يكون عليهم وكيلا }؟؟ أي من يتولى الدفاع عنهم ~~ونصرتهم من بأس الله وانتقامه؟ ثم دعاهم الله تعالى إلى الإنابة ~~والتوبة فقال { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه } أي من ~~يعمل أمرا قبيحا يسوء به غيره كاتهام بريء أو يرتكب جريمة يظلم بها ~~نفسه كالسرقة { ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما } أي ثم يتوب من ذنبه يجد الله عظيم المغفرة واسع الرحمة قال ~~ابن عباس: عرض الله التوبة بهذه الآية على بني أبيرق { ومن يكسب ~~إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما ~~حكيما } أي من يقترف إثما متعمدا فإنما يعود وبال ذلك على نفسه ~~وكان الله عليما بذنبه حكيما في عقابه { ومن يكسب خطيئة ~~أو إثما } أي من يفعل ذنبا صغيرا أو إثما كبيرا { ثم يرم ~~به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا } أي ثم ~~ينسب ذلك إلى بريء ويتهمه به فقد تحمل جرما وذنبا واضحا، ثم بين ~~تعالى فضله على رسوله فقال { ولولا فضل الله عليك ~~ورحمته لهمت طآئفة منهم أن يضلوك } أي لولا ~~فضل الله عليك بالنبوة ورحمته بالعصمة لهمت جماعة منهم أن يضلوك عن الحق، ~~وذلك حين سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبرئ صاحبهم " طعمة " من ~~التهمة ويلحقها باليهودي فتفضل الله عز وجل على رسوله بأن أطلعه على ~~الحقيقة { وما يضلون إلا أنفسهم } أي وبال إضلالهم راجع ~~عليهم { وما يضرونك من شيء } أي وما يضرونك يا محمد لأن الله ~~عاصمك من ذلك { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } ~~أي أنزل الله عليك القرآن والسنة فكيف يضلونك وهو تعالى ينزل عليك ~~الكتاب ويوحي إليك بالأحكام { وعلمك ما لم تكن تعلم ~~وكان فضل الله عليك عظيما } أي علمك ما لم تكن تعلمه من ms0307 ~~الشرائع والأمور الغيبية وكان فضله تعالى عليك كبيرا بالوحي والرسالة ~~وسائر النعم الجسيمة. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من البلاغة والبيان والبديع أنواعا ~~نوجزها فيما يلي: # 1- الاستفهام الذي يراد به التوبيخ والتقريع في { قالوا فيم ~~كنتم }؟ وفي { ألم تكن أرض الله واسعة }؟ # 2- إطلاق العام وإرادة الخاص { فإذا قضيتم الصلاة } أريد ~~بها صلاة الخوف. # 3- الجناس المغاير في { يعفو.. عفوا } وفي { يهاجر.. ~~مهاجرا } وفي { يختانون.. خوانا } وفي { يستغفر.. ~~غفورا }. # 4- إطلاق الجمع على الواحد في { توفاهم الملائكة } يراد به ~~ملك الموت وذكر بصيغة الجمع تفخيما له وتعظيما لشأنه. # 5- طباق السلب { يستخفون من الناس ولا يستخفون من ~~الله }. # 6- الاطناب بتكرار لفظ الصلاة تنبيها على فضلها { فأقيموا ~~الصلوة إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبا ~~موقوتا }. ### || [4.114-134] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصة طعمة وحادثة السرقة التي اتهم بها ~~اليهودي البريء ودفاع قومه عنه وتآمرهم في السر لإيقاع البرئ بها، ذكر ~~تعالى هنا أن موضوع النجوى لا يخفى على الله وأن كل تدبير في السر يعلمه ~~الله، وأنه لا خير في التناجي إلا ما كان بقصد الخير والإصلاح، ثم ذكر ~~تعالى أن مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم جرم عظيم وحذر من ~~الشيطان وطرق إغوائه، ثم عاد الحديث إلى التحذير من ظلم النساء في ~~ميراثهن ومهورهن وأكد على وجوب الإحسان إليهن، وأعقبه بذكر النشوز ~~والطريق إلى الإصلاح بين الزوجين إما بالوفاق أو بالفراق. # اللغة: { نجواهم } النجوى: السر بين الإثنين قال الواحدي: ولا ~~تكون النجوى إلا بين اثنين { يشاقق } يخالف والشقاق: الخلاف مع ~~العداوة لأن كلا من المتخالفين يكون في شق غير شق الآخر { مريدا } ~~المريد: العاتي المتمرد من مرد إذا عتا وتجبر قال الأزهري: مرد الرجل ~~إذا عتا وخرج عن الطاعة فهو مارد ومريد { فليبتكن } البتك: ~~القطع ومنه سيف باتك أي قاطع { محيصا } مهربا من حاص إذا هرب ونفر ~~وفي المثل " وقعوا في حيص بيص " أي فيما لا يقدر على التخلص منه { ~~خليلا } من الخلة وهي صفاء المودة قال ثعلب: سمي الخليل خليلا لأن ~~محبته تتخلل القلب ms0308 فلا تدع فيه خللا إلا ملأته قال بشار: # قد تخللت مسلك الروح مني # وبه سمي الخليل خليلا # { الشح } شدة البخل { المعلقة } هي التي ليست ذات بعل ولا ~~مطلقة. # سبب النزول: أ - لما سرق " طعمة بن أبيرق " وحكم النبي صلى الله ~~عليه وسلم عليه بالقطع هرب إلى مكة وارتد عن الإسلام فأنزل الله { ~~ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى } ~~الآية. # ب - قال قتادة: تفاخر المؤمنون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبينا قبل ~~نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم ونحن أحق بالله منكم، وقال المؤمنون: نبينا ~~خاتم النبيين وكتابنا يقضي على سائر الكتب فنزلت { ليس ~~بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } الآية. # التفسير: { لا خير في كثير من نجواهم } أي لا خير في ~~كثير مما يسره القوم ويتناجون به في الخفاء { إلا من أمر ~~بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس } أي إلا ~~نجوى من أمر بصدقة ليعطيها سرا أو أمر بطاعة الله قال الطبري: المعروف ~~هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير، والإصلاح هو ~~الإصلاح بين المختصمين { ومن يفعل ذلك ابتغآء مرضات ~~الله } أي ومن يفعل ما أمر به من البر والمعروف والإصلاح طلبا لرضى ~~الله تعالى لا لشيء من أغراض الدنيا { فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما } أي فسوف نعطيه ثوابا جزيلا هو الجنة قال الصاوي: والتعبير ~~بسوف إشارة إلى أن جزاء الأعمال الصالحة في الآخرة لا في الدنيا لأنها ~~ليست دار جزاء { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى } أي يخالف أمر الرسول فيما جاء به عن الله من بعد ما ظهر ~~له الحق بالمعجزات { ويتبع غير سبيل المؤمنين } أي ~~يسلك طريقا غير طريق المؤمنين ويتبع منهاجا غير منهاجهم { نوله ~~ما تولى ونصله جهنم } أي نتركه مع اختياره الفاسد وندخله ~~جهنم عقوبة له { وسآءت مصيرا } أي وساءت جهنم مرجعا لهم { إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشآء } أي لا يغفر ذنب الشرك ويغفر ما دونه من الذنوب ms0309 لمن يريد ~~{ ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا } أي فقد ~~بعد عن طريق الحق والسعادة بعدا كبيرا { إن يدعون من دونه ~~إلا إناثا } أي ما يدعو هؤلاء المشركون وما يعبدون من دون الله إلا ~~أوثانا سموها بأسماء الإناث " اللات والعزى ومناة " قال في التسهيل: ~~كانت العرب تسمي الأصنام بأسماء مؤنثة { وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا } أي وما يعبدون إلا شيطانا متمردا بلغ الغاية في ~~العتو والفجور وهو إبليس الذي فسق عن أمر ربه { لعنه الله ~~وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } أي أبعده ~~الله عن رحمته فأقسم الشيطان قائلا: لأتخذن من عبادك الذين أبعدتني من ~~أجلهم نصيبا أي حظا مقدرا معلوما أدعوهم إلى طاعتي من الكفرة والعصاة ~~وفي صحيح مسلم يقول الله تعالى لآدم يوم القيامة # " إبعث بعث النار فيقول: وما بعث النار؟ فيقول من كل ألف تسعمائة ~~وتسعة وتسعون " # { ولأضلنهم ولأمنينهم } لأصرفنهم عن طريق الهدى ~~وأعدهم الأماني الكاذبة وألقي في قلوبهم طول الحياة وأن لا بعث ولا حساب ~~{ ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } أي ولآمرنهم ~~بتقطيع آذان الأنعام قال قتادة: يعني تشقيقها وجعلها علامة للبحيرة ~~والسائبة كما كانوا يفعلون في الجاهلية { ولأمرنهم ~~فليغيرن خلق الله } أي ولآمرنهم بتغيير خلق الله كخصاء ~~العبيد والحيوان والوشم وغيره وقيل: المراد به تغيير دين الله بالكفر ~~والمعاصي وإحلال ما حرم الله وتحريم ما أحل { ومن يتخذ ~~الشيطان وليا من دون الله } أي ومن يتول الشيطان ويطعه ~~ويترك أمر الله { فقد خسر خسرانا مبينا } أي خسر دنياه ~~وآخرته لمصيره إلى النار المؤبدة وأي خسران أعظم من هذا؟ ثم قال تعالى ~~عن إبليس { يعدهم ويمنيهم } أي يعدهم بالفوز والسعادة ~~ويمنيهم بالأكاذيب والأباطيل قال ابن كثير: هذا إخبار عن الواقع فإن ~~الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة وقد ~~كذب وافترى في ذلك { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } أي ~~وما يعدهم إلا باطلا وضلالا قال ابن عرفة: الغرور ما له ظاهر محبوب ~~وباطن مكروه، فهو مزين الظاهر فاسد الباطن { أولئك مأواهم ~~جهنم } أي ms0310 مصيرهم ومآلهم يوم القيامة نار جهنم { ولا يجدون ~~عنها محيصا } أي ليس لهم منها مفر ولا مهرب، ثم ذكر تعالى حال ~~السعداء الأبرار وما لهم من الكرامة في دار القرار فقال { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا } أي مخلدين في دار ~~النعيم بلا زوال ولا انتقال { وعد الله حقا } أي وعدا لا شك ~~فيه ولا ارتياب { ومن أصدق من الله قيلا } أي ومن أصدق من ~~الله قولا؟ والاستفهام معناه النفي أي لا أحد أصدق قولا من الله قال ~~أبو السعود: والمقصود معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله ~~الصادق لأوليائه { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب } أي ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصل بأمانيكم أيها ~~المسلمون ولا بأماني أهل الكتاب وإنما يحصل بالإيمان والعمل الصالح قال ~~الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، ~~إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحسن ~~الظن بالله، وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل { من يعمل ~~سوءا يجز به } أي من يعمل السوء والشر ينال عقابه عاجلا أو ~~آجلا { ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } ~~أي لا يجد من يحفظه أو ينصره من عذاب الله { ومن يعمل من ~~الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } أي ومن يعمل ~~الأعمال الصالحة سواء كان ذكرا أو أنثى بشرط الإيمان { فأولئك ~~يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا } أي يدخلهم الله ~~الجنة ولا ينقصون شيئا حقيرا من ثواب أعمالهم كيف لا والمجازي أرحم ~~الراحمين!! وإنما قال { وهو مؤمن } ليبين أن الطاعة لا تنفع من ~~دون الإيمان، ثم قال تعالى { ومن أحسن دينا ممن أسلم ~~وجهه لله }؟ أي لا أحد أحسن دينا ممن انقاد لأمر الله وشرعه وأخلص ~~عمله لله { وهو محسن } أي مطيع لله مجتنب لنواهيه { واتبع ~~ملة إبراهيم حنيفا } أي واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم ~~خليل الرحمن، مستقيما على منهاجه وسبيله وهو دين الإسلام { واتخذ ms0311 ~~الله إبراهيم خليلا } أي صفيا اصطفاه لمحبته وخلته قال ابن ~~كثير: فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة وما ذاك إلا ~~لكثرة طاعته لربه { ولله ما في السموت وما في الأرض } ~~أي جميع ما في الكائنات ملكه وعبيده وخلقه وهو المتصرف في جميع ذلك، لا ~~راد لما قضى ولا معقب لما حكم { وكان الله بكل شيء ~~محيطا } أي علمه نافذ في جميع ذلك لا تخفى عليه خافية { ~~ويستفتونك في النسآء } أي يسألونك عما يجب عليهم في أمر ~~النساء { قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم ~~في الكتاب } أي قل لهم يا محمد: يبين الله لكم ما سألتم في شأنهن ~~ويبين لكم ما يتلى في القرآن من أمر ميراثهن { في يتامى النسآء ~~اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن ~~تنكحوهن } أي ويفتيكم أيضا في اليتيمات اللواتي ترغبون في نكاحهن ~~لجمالهن أو لمالهن ولا تدفعون لهن مهورهن كاملة فنهاهم الله عز وجل ~~عن ذلك قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي ~~عليها ثوبه فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا فإن كانت جميلة ~~واحبها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال حتى تموت فإذا ~~ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونهى عنه { والمستضعفين من ~~الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط } أي ويفتيكم ~~في المستضعفين الصغار أن تعطوهم حقوقهم وأن تعدلوا مع اليتامى في الميراث ~~والمهر، وقد كان أهل الجاهلية لا يورثون الصغار ولا النساء ويقولون: كيف ~~نعطي المال من لا يركب فرسا ولا يحمل سلاحا ولا يقاتل عدوا! فنهاهم ~~الله عن ذلك وأمرهم أن يعطوهم نصيبهم من الميراث { وما تفعلوا ~~من خير فإن الله كان به عليما } أي وما تفعلوه من ~~عدل وبر في أمر النساء واليتامى فإن الله يجازيكم عليه قال ابن كثير: ~~وهذا تهييج على فعل الخيرات وامتثال الأوامر وأن الله سيجزي عليه أوفر ~~الجزاء، ثم ذكر تعالى حكم نشوز الرجل فقال { وإن امرأة خافت ~~من بعلها نشوزا أو إعراضا } أي ms0312 وإذا علمت امرأة أو شعرت من ~~زوجها الترفع عليها أو الإعراض عنها بوجهه بسبب الكره لها لدمامتها أو ~~لكبر سنها وطموح عينه إلى من هي أشب وأجمل منها { فلا جناح ~~عليهمآ أن يصلحا بينهما صلحا } أي فلا حرج ولا إثم على ~~كل واحد من الزوجين من المصالحة والتوفيق بينهما بإسقاط المرأة بعض ~~حقوقها من نفقة أو كسوة أو مبيت لتستعطفه بذلك وتستديم مودته وصحبته، ~~روى ابن جرير عن عائشة أنها قالت: هذا الرجل يكون له امرأتان إحداهما قد ~~عجزت أو هي دميمة وهو لا يحبها فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني { ~~والصلح خير } أي والصلح خير من الفراق { وأحضرت الأنفس ~~الشح } أي جبلت الأنفس على الشح وهو شدة البخل فالمرأة لا تكاد تسمح ~~بحقها من النفقة والاستمتاع، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن ~~يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها { وإن تحسنوا وتتقوا } أي ~~وإن تحسنوا في معاملة النساء وتتقوا الله بترك الجور عليهن { فإن ~~الله كان بما تعملون خبيرا } أي فإن الله عالم بما تعملون ~~وسيجزيكم عليه أوفر الجزاء. # . ثم ذكر تعالى أن العدل المطلق بين النساء بالغ من الصعوبة مبلغا لا ~~يكاد يطاق، وهو كالخارج عن حد الاستطاعة فقال { ولن تستطيعوا ~~أن تعدلوا بين النسآء } أي لن تستطيعوا أيها الرجال أن ~~تحققوا العدل التام الكامل بين النساء وتسووا بينهن في المحبة والأنس ~~والاستمتاع { ولو حرصتم } أي ولو بذلتم كل جهدكم لأن التسوية في ~~المحبة وميل القلب ليست بمقدور الإنسان { فلا تميلوا كل ~~الميل فتذروها كالمعلقة } أي لا تميلوا عن المرغوب عنها ~~ميلا كاملا فتجعلوها كالمعلقة التي ليست بذات زوج ولا مطلقة، شبهت ~~بالشيء المعلق بين السماء والأرض، فلا هي مستقرة على الأرض ولا هي في ~~السماء، وهذا من أبلغ التشبيه { وإن تصلحوا وتتقوا } أي وإن ~~تصلحوا ما مضى من الجور وتتقوا الله بالتمسك بالعدل { فإن الله ~~كان غفورا رحيما } أي يغفر ما فرط منكم ويرحمكم { وإن ~~يتفرقا يغن الله كلا من سعته } أي وإن ms0313 يفارق كل ~~واحد منهما صاحبه، فإن الله يغنيه بفضله ولطفه، بأن يرزقه زوجا خيرا من ~~زوجه، وعيشا أهنأ من عيشه { وكان الله واسعا حكيما } أي ~~واسع الفضل على العباد حكيما في تدبيره لهم { ولله ما في ~~السموت وما في الأرض } أي ملكا وخلقا وعبيدا { ولقد ~~وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم } ~~أي وصينا الأولين والآخرين وأمرناكم بما أمرناهم به من امتثال الأمر ~~والطاعة { أن اتقوا الله } أي وصيناكم جميعا بتقوى الله وطاعته ~~{ وإن تكفروا فإن لله ما في السموت وما في ~~الأرض } أي وإن تكفروا فلا يضره تعالى كفركم لأنه مستغن عن العباد ~~وهو المالك لما في السماوات والأرض { وكان الله غنيا حميدا ~~} أي غنيا عن خلقه، محمودا في ذاته، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره ~~معصية العاصين { ولله ما في السموت وما في الأرض ~~وكفى بالله وكيلا } أي كفى به حافظا لأعمال عباده { إن ~~يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين } أي لو أراد ~~الله لأهلككم وأفناكم وأتى بآخرين غيركم { وكان الله على ذلك ~~قديرا } أي قادرا على ذلك { من كان يريد ثواب الدنيا ~~فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله ~~سميعا بصيرا } أي من كان يريد بعمله أجر الدنيا فعند الله ما هو ~~أعلى وأسمى وهو أجر الدنيا والآخرة فلم يطلب الأخس ولا يطلب الأعلى؟ ~~فليسأل العبد ربه خيري الدنيا والآخرة فهو تعالى سميع لأقوال العباد بصير ~~بأعمالهم. # البلاغة: تضمنت الآيات أنواعا من الفصاحة والبيان والبديع نوجزها ~~فيما يلي: # 1- الاستعارة في { أسلم وجهه لله } استعار الوجه للقصد والجهة ~~وكذلك في قوله { وأحضرت الأنفس الشح } لأن الشح لما كان غير ~~مفارق للأنفس ولا متباعد عنها كان كأنه أحضرها وحمل على ملازمتها فاستعار ~~الإحضار للملازمة. # 2- الجناس المغاير في { ضل... ضلالا } وفي { خسر... خسرانا ~~} وفي { أحسن... محسن } وفي { صلحا... والصلح } وفي { ~~تميلوا كل الميل }. # 3- التشبيه في { فتذروها كالمعلقة } وهو مرسل مجمل. # 4- الإطناب والإيجاز في عدة مواضع. # تنبيه: العدل المقصود في هذه الآية هو العدل في المحبة القلبية فقط وإلا ~~لتناقضت الآية ms0314 مع الآية السابقة # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ~~ورباع # [النساء: 3] وقد كان صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول # " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك " # يعني بذلك المحبة القلبية ويدل على هذا قوله تعالى { فتذروها ~~كالمعلقة } ، وأما ما يدعو إليه بعض من يتسمون ب " المجددين " ~~من وجوب التزوج بواحدة فقط بدليل هذه الآية فلا عبرة به لأنه جهل بفهم ~~النصوص وهو باطل محض ترده الشريعة الغراء، والسنة النبوية المطهرة، ~~وكفانا الله شر علماء السوء. ### || [4.135-147] # المناسبة: لما أمر تعالى بالإحسان إلى النساء والعدل في معاملتهن، ~~أمر هنا بالعدل العام في جميع الأحكام، ودعا إلى أداء الشهادة على الوجه ~~الأكمل سواء كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا، وحذر من اتباع الهوى، ثم ~~دعا إلى الإيمان بجميع الملائكة والكتب والرسل، ثم أعقب ذلك بذكر أوصاف ~~المنافقين المخزية وما لهم من العذاب والنكال في دركات الجحيم. # اللغة: { تلووا } اللي: الدفع يقال لويت فلانا حقه إذا دفعته ~~ومطلته ومنه الحديث # " لي الواجد ظلم " # أي مطل الغني ظلم { يخوضوا } الخوض: الاقتحام في الشيء ومنه خوض ~~الماء { نستحوذ } الاستحواذ: الاستيلاء والتغلب يقال استحوذ على ~~كذا إذا غلب عليه ومنه قوله تعالى # استحوذ عليهم الشيطان # [المجادلة: 19] { مذبذبين } الذبذبة: التحريك والاضطراب يقال ~~ذبذبته فتذبذب والمذبذب المتردد بين أمرين { الدرك } بسكون الراء ~~وفتحها بمعنى الطبقة وهي لما تسافل قال ابن عباس: الدرك لأهل النار ~~كالدرج لأهل الجنة إلا أن الدرجات بعضها فوق بعض، والدركات بعضها أسفل ~~من بعض. # التفسير: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~بالقسط } أي يا من آمنتم بالله وصدقتم بكتابه كونوا مجتهدين في ~~إقامة العدل والاستقامة وأتى بصيغة المبالغة في { قوامين } حتى لا ~~يكون منهم جور أبدا { شهدآء لله } أي تقيمون شهاداتكم لوجه الله ~~دون تحيز ولا محاباة { ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين } أي ولو كانت تلك الشهادة على أنفسكم أو على آبائكم أو ~~أقربائكم فلا تمنعنكم القرابة ولا المنفعة عن أداء الشهادة على الوجه ms0315 ~~الأكمل فإن الحق حاكم على كل إنسان { إن يكن غنيا أو ~~فقيرا } أي إن يكن المشهود عليه غنيا فلا يراعى لغناه، أو فقيرا ~~فلا يمتنع من الشهادة عليه ترحما وإشفاقا { فالله أولى ~~بهما } أي فالله أولى بالغني والفقير وأعلم بما فيه صلاحهما فراعوا ~~أمر الله فيما أمركم به فإنه أعلم بمصالح العباد منكم { فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا } أي فلا تتبعوا هوى النفس مخافة ~~أن تعدلوا بين الناس قال ابن كثير: أي لا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض ~~الناس إليكم على ترك العدل في شئونكم بل الزموا العدل على كل حال { ~~وإن تلووا أو تعرضوا } أي وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق ~~أو تعرضوا عن إقامتها رأسا { فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } فيجازيكم عليه { يا أيها الذين آمنوا آمنوا ~~بالله ورسوله } أي اثبتوا على الإيمان ودوموا عليه { ~~والكتاب الذي نزل على رسوله } أي آمنوا بالقرآن الذي ~~نزل على محمد صلى الله عليه وسلم { والكتاب الذي أنزل من ~~قبل } أي وبالكتب السماوية التي أنزلها من قبل القرآن قال أبو السعود: ~~المراد بالكتاب الجنس المنتظم لجميع الكتب السماوية { ومن يكفر ~~بالله وملآئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~فقد ضل ضلالا بعيدا } أي ومن يكفر بشيء من ذلك فقد خرج عن ~~طريق الهدى، وبعد عن القصد كل البعد { إن الذين آمنوا ثم ~~كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا } ~~هذه الآية في المنافقين آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم ماتوا على ~~الكفر قال ابن عباس: دخل في هذه الآية كل منافق كان في عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم في البر والبحر وقال ابن كثير: يخبر تعالى عمن دخل في ~~الإيمان ثم رجع فيه ثم عاد إلى الإيمان ثم رجع واستمر على ضلاله ~~وازداد حتى مات فإنه لا توبة له بعد موته ولا يغفر الله له ولا يجعل له ~~مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى ولهذا قال تعالى { ~~لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا } ~~أي ms0316 لم يكن الله ليسامحهم على ذلك ولا ليهديهم طريقا إلى الجنة قال ~~الزمخشري: ليس المعنى انهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردة لم يقبل ~~منهم ولم يغفر لهم ولكنه استبعاد له واستغراب كأنه أمر لا يكاد يكون، ~~وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع لا يكاد يرجى منه ~~الثبات، والغالب أنه يموت على شر حال، ثم أخبر تعالى عن مآل المنافقين ~~فقال { بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما } عبر ~~تعالى بلفظ { بشر } تهكما بهم أي أخبر يا محمد المنافقين بعذاب ~~النار الأليم { الذين يتخذون الكافرين أوليآء من ~~دون المؤمنين } أي أولئك هم الذين يوالون الكافرين ويتخذونهم ~~أعوانا وأنصارا لما يتوهمونه فيهم من القوة ويتركون ولاية المؤمنين { ~~أيبتغون عندهم العزة } أي أيطلبون بموالاة الكفار القوة ~~والغلبة؟ والاستفهام إنكاري أي إن الكفار لا عزة لهم فكيف تبتغى ~~منهم! { فإن العزة لله جميعا } أي العزة لله ولأوليائه قال ~~ابن كثير والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله { وقد ~~نزل عليكم في الكتاب } أي نزل عليكم في القرآن، والخطاب ~~لمن أظهر الإيمان من مؤمن ومنافق { أن إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها ويستهزأ بها } أي أنزل عليكم أنه إذا ~~سمعتم القرآن يكفر به الكافرون ويستهزئ به المستهزئون { فلا ~~تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره } أي لا ~~تجلسوا مع الكافرين الذين يستهزئون بآيات الله حتى يتحدثوا بحديث آخر ~~ويتركوا الخوض في القرآن { إنكم إذا مثلهم } أي إنكم إن ~~قعدتم معهم كنتم مثلهم في الكفر { إن الله جامع المنافقين ~~والكافرين في جهنم جميعا } أي يجمع الفريقين الكافرين ~~والمنافقين في الآخرة في نار جهنم لأن المرء مع من أحب، وهذا الوعيد منه ~~تعالى للتحذير من مخالطتهم ومجالستهم. # . ثم ذكر تعالى تربصهم السوء بالمؤمنين فقال { الذين يتربصون ~~بكم } أي ينتظرون بكم الدوائر { فإن كان لكم فتح من ~~الله } أي غلبة على الأعداء وغنيمة { قالوا ألم نكن ~~معكم } أي فأعطونا مما غنمتموه من الكافرين { وإن كان ~~للكافرين نصيب } أي ظفر عليكم ms0317 يا معشر المؤمنين { قالوا ~~ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين } ~~أي قالوا للمشركين ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم ~~وثبطنا عزائم المؤمنين حتى انتصرتم عليهم؟ فهاتوا نصيبنا مما أصبتم لأننا ~~نواليكم ولا نترك أحدا يؤذيكم قال تعالى بيانا لمآل الفريقين { ~~فالله يحكم بينكم يوم القيامة } أي يحكم بين ~~المؤمنين والكافرين ويفصل بينهم بالحق { ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا } أي لن يمكن الكفرة من ~~رقاب المؤمنين فيبيدوهم ويستأصلوهم قال ابن كثير: وذلك بأن يسلطوا عليهم ~~استيلاء استئصال بالكلية وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان، فإن العاقبة ~~للمتقين في الدنيا والآخرة { إن المنافقين يخادعون الله ~~وهو خادعهم } أي يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان ~~وإبطان الكفر والله يجازيهم على خداعهم ويستدرجهم بأمر المؤمنين بحقن ~~دمائهم، وقد أعد لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة، فسمى تعالى ~~جزاءهم خداعا بطريق المشاكلة لأن وبال خداعهم راجع عليهم { وإذا ~~قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } أي يصلون وهم متثاقلون ~~متكاسلون، لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا { يرآءون الناس } أي ~~يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ولا يقصدون وجه الله { ولا يذكرون ~~الله إلا قليلا } أي لا يذكرون الله سبحانه إلا ذكرا قليلا { ~~مذبذبين بين ذلك } أي مضطربين مترددين بين الكفر والإيمان، ~~وصفهم تعالى بالحيرة في دينهم { لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء } أي لا ينتسبون إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين { ومن ~~يضلل الله فلن تجد له سبيلا } أي ومن يضلله الله فلن ~~تجد له طريقا الى السعادة والهدى، ثم حذر تعالى المؤمنين من موالاة ~~أعداء الدين فقال { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~الكافرين أوليآء من دون المؤمنين } أي لا تتركوا ~~موالاة المؤمنين وتوالوا الكفرة المجرمين بالمصاحبة والمصادقة { ~~أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } ~~أي أتريدون أن تجعلوا لله حجة بالغة عليكم أنكم منافقون؟ قال ابن عباس: ~~كل سلطان في القرآن حجة، ثم أخبر تعالى عن مآل المنافقين فقال { إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار } أي في الطبقة ~~التي في ms0318 قعر جهنم وهي سبع طبقات قال ابن عباس: أي في أسفل النار، وذلك ~~لأنهم جمعوا مع الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله، والنار دركات كما أن ~~الجنة درجات { ولن تجد لهم نصيرا } أي لن تجد لهؤلاء ~~المنافقين ناصرا ينصرهم من عذاب الله { إلا الذين تابوا } ~~وهذا استثناء أي تابوا عن النفاق { وأصلحوا } أي أعمالهم ونياتهم { ~~واعتصموا بالله } أي تمسكوا بكتاب الله ودينه { وأخلصوا ~~دينهم لله } أي لم يبتغوا بعملهم إلا وجه الله { فأولئك ~~مع المؤمنين } أي في زمرتهم يوم القيامة { وسوف يؤت ~~الله المؤمنين أجرا عظيما } أي يعطيهم الأجر الكبير في ~~الآخرة وهو الجنة { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ~~وآمنتم } أي أي منفعة له سبحانه في عذابكم؟ أيتشفى به من الغيظ، ~~أم يدرك به الثأر، أم يدفع به الضر ويستجلب النفع وهو الغنى عنكم؟ { ~~وكان الله شاكرا عليما } أي شاكرا لطاعة العباد مع غناه ~~عنهم يعطي على العمل القليل الثواب الجزيل. # البلاغة: تضمنت الآيات أنواعا من الفصاحة والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- المبالغة في الصيغة في { قوامين بالقسط } أي مبالغين في ~~العدل. # 2- الطباق بين { غنيا وفقيرا } وبين { آمنوا ثم كفروا ~~}. # 3- الجناس الناقص في { آمنوا آمنوا } لتغير الشكل. # 4- جناس الاشتقاق في { يخادعون.. خادعهم } وفي { جامع.. ~~جميعا } وفي { شكرتم.. شاكرا }. # 5- الأسلوب التهكمي في { بشر المنافقين } حيث استعمل لفظ ~~البشارة مكان الإنذار تهكما. # 6- الاستعارة في { وهو خادعهم } استعار اسم الخداع للمجازاة على ~~العمل، والله تعالى منزه عن الخداع. # 7- الاستفهام الإنكاري في { أيبتغون عندهم العزة }؟ ~~والغرض منه التقريع والتوبيخ. # الفوائد: الأولى: قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا ~~آمنوا } ليس تكرارا وإنما معناه اثبتوا على الإيمان ودوموا عليه ~~كقول المؤمن # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6] أي ثبتنا على الصراط المستقيم. # الثانية: سمى تعالى ظفر المؤمنين فتحا عظيما ونسبه إليه { فتح ~~من الله } وظفر الكافرين نصيبا { وإن كان للكافرين ~~نصيب } ولم ينسبه إليه وذلك لتعظيم شأن المسلمين، وتخسيس حظ ~~الكافرين. # الثالثة: قال المفسرون: النار سبع دركات أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ~~ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم ms0319 الهاوية وقد تسمى بعض الطبقات باسم بعض ~~لأن لفظ النار يجمعها، كذا في البحر. # تنبيه: المنافق أخطر من الكافر ولهذا كان عذابه أشد { إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد ~~لهم نصيرا } وقد شرط تعالى للتوبة على الكافر الانتهاء عن الكفر ~~فقط { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما ~~قد سلف } وأما المنافق فشرط عليه أربعا: التوبة، والإصلاح، ~~والاعتصام، وإخلاص الدين له فقال { إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ~~} فدل على أن المنافقين شر من كفر به وأولاهم بمقته، وأبعدهم من ~~الإنابة إليه ثم قال { فأولئك مع المؤمنين } ولم يقل ~~فأولئك هم المؤمنون ثم قال { وسوف يؤت الله المؤمنين ~~أجرا عظيما } ولم يقل " وسوف يؤتيهم " بغضا لهم وإعراضا عنهم ~~وتفظيعا لما كانوا عليه من عظم كفر النفاق، زادنا الله فهما لأسرار ~~كتابه. ### || [4.148-162] # المناسبة: لما ذكر تعالى المنافقين وفضحهم في الآيات السابقة، ذكر ~~هنا أنه لا يحب إظهار الفضائح والقبائح، إلا في حق من زاد ضرره وعظم ~~خطره، فلا عجب أن يكشف الله عن المنافقين الستر، ثم تحدث عن اليهود ~~وعدد بعض جرائمهم الشنيعة مثل طلبهم لرؤية الله، وعبادتهم للعجل ~~وادعائهم صلب المسيح، واتهامهم مريم البتول بالفاحشة إلى غير ما هنالك من ~~قبائح وجرائم شنيعة. # اللغة: { جهرة } عيانا { بهتانا } البهتان: الكذب الذي يتحير ~~فيه من شدته وعظمته { شبه } وقع الشبه بين عيسى والمقتول الذي ~~صلبوه { وأعتدنا } هيأنا { الراسخون } المتمكنون من العلم. # سبب النزول: روي أن كعب بن الأشرف وجماعة من اليهود قالوا يا محمد: ~~إن كنت نبيا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة جملة ~~فأنزل الله { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا من السمآء... } الآية. # التفسير: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ~~إلا من ظلم } أي لا يحب الله الفحش في القول والإيذاء باللسان ~~إلا المظلوم فإنه يباح له أن يجهر بالدعاء على ظالمه وأن يذكره بما فيه ~~من السوء قال ابن عباس: المعنى لا يحب الله أن يدعو ms0320 أحد على أحد إلا أن ~~يكون مظلوما { وكان الله سميعا عليما } أي سميعا لدعاء ~~المظلوم عليما بالظالم { إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو ~~تعفوا عن سوء } أي إن أظهرتم أيها الناس عمل الخير أو أخفيتموه ~~أو عفيتم عمن أساء إليكم { فإن الله كان عفوا قديرا } ~~أي كان مبالغا في العفو مع كمال قدرته على المؤاخذة، قال الحسن: يعفو عن ~~الجانين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى حث ~~تعالى على العفو وأشار إلى أنه عفو مع قدرته فكيف لا تعفون مع ضعفكم ~~وعجزكم؟! { إن الذين يكفرون بالله ورسله } الآية في ~~اليهود والنصارى لأنهم آمنوا بأنبيائهم وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وغيره، جعل كفرهم ببعض الرسل كفرا بجميع الرسل، وكفرهم بالرسل كفرا ~~بالله تعالى { ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ~~} التفريق بين الله ورسله أن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله، وكذلك التفريق ~~بين الرسل هو الكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم وقد فسره تعالى بقوله بعده { ~~ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض } أي نؤمن ببعض الرسل ~~ونكفر ببعض قال قتادة: أولئك أعداء الله اليهود والنصارى، آمنت اليهود ~~بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل وعيسى، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى ~~وكفروا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وتركوا الإسلام دين الله الذي ~~بعث به رسله { ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا } ~~أي طريقا وسطا بين الكفر والإيمان ولا واسطة بينهما { أولئك ~~هم الكافرون حقا } أي هؤلاء الموصوفون بالصفات القبيحة هم ~~الكافرون يقينا ولو ادعوا الإيمان { وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا } أي هيأنا لهم عذابا شديدا مع الإهانة والخلود في ~~نار جهنم { والذين آمنوا بالله ورسله ولم ~~يفرقوا بين أحد منهم } أي صدقوا الله وأقروا بجميع ~~الرسل وهم المؤمنون أتباع محمد صلى الله عليه وسلم لم يفرقوا بين أحد من ~~رسله بل آمنوا بجميعهم { أولئك سوف يؤتيهم أجورهم } ~~أي سنعطيهم ثوابهم الكامل على الإيمان بالله ورسله { وكان الله ~~غفورا رحيما } أي غفورا لما سلف منهم من المعاصي والآثام متفضلا ~~عليهم بأنواع الإنعام { يسألك أهل الكتاب أن تنزل ms0321 ~~عليهم كتابا من السمآء } نزلت في أحبار اليهود حين قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت نبيا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما ~~أتى به موسى جملة، وإنما طلبوا ذلك على وجه التعنت والعناد، فذكر تعالى ~~سؤالهم ما هو أفظع وأشنع تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم للتأسي بالرسل ~~فقال { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة } أي سألوا موسى رؤية الله عز وجل عيانا { ~~فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } أي جاءتهم من السماء نار ~~فأهلكتهم بسبب ظلمهم { ثم اتخذوا العجل من بعد ما ~~جآءتهم البينات } أي ثم اتخذوا العجل إلها وعبدوه من بعد ما ~~جاءتهم المعجزات والحجج الباهرات من العصا واليد وفلق البحر وغيرها قال ~~أبو السعود: وهذه المسألة - وهي طلب رؤية الله - وإن صدرت عن أسلافهم ~~لكنهم لما كانوا مقتدين بهم في كل ما يأتون ويذرون أسندت إليهم { ~~فعفونا عن ذلك } أي عفونا عما ارتكبوه مع عظم جريمتهم وخيانتهم ~~{ وآتينا موسى سلطانا مبينا } أي حجة ظاهرة تظهر صدقه ~~وصحة نبوته قال الطبري: وتلك الحجة هي الآيات البينات التي آتاه الله ~~إياها { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم } أي رفعنا ~~الجبل فوقهم لما امتنعوا عن قبول شريعة التوراة بسبب الميثاق ليقبلوه { ~~وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا } أي ادخلوا باب بيت ~~المقدس مطأطئين رءوسكم خضوعا لله فخالفوا ما أمروا به ودخلوا يزحفون ~~على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعرة استهزاء { وقلنا لهم لا ~~تعدوا في السبت } أي لا تعتدوا باصطياد الحيتان يوم السبت ~~فخالفوا واصطادوا { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } أي عهدا ~~وثيقا مؤكدا { فبما نقضهم ميثاقهم } أي فبسبب نقضهم ~~الميثاق لعناهم وأذللناهم و { ما } لتأكيد المعنى { وكفرهم ~~بآيات الله } أي وبجحودهم بالقرآن العظيم { وقتلهم ~~الأنبيآء بغير حق } كزكريا ويحيى عليه السلام { وقولهم ~~قلوبنا غلف } أي قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم قلوبنا مغشاة ~~بأغشية لا تعي ما تقوله يا محمد، قال تعالى ردا عليهم { بل طبع ~~الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } أي ~~بل ختم تعالى عليها بسبب الكفر ms0322 والضلال فلا يؤمن منهم إلا القليل كعبد ~~الله بن سلام وأصحابه { وبكفرهم وقولهم على مريم ~~بهتانا عظيما } أي وبكفرهم بعيسى عليه السلام أيضا ورميهم مريم ~~بالزنى وقد فضلها الله على نساء العالمين { وقولهم إنا ~~قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } أي قتلنا ~~هذا الذي يزعم أنه رسول الله، وهذا إنما قالوه على سبيل " التهكم ~~والاستهزاء " كقول فرعون # إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 27] وإلا فهم يزعمون أن عيسى ابن زنى وأمه زانية ولا ~~يعتقدون أنه رسول الله قال تعالى { وما قتلوه وما صلبوه ~~ولكن شبه لهم } أي وما قتلوا عيسى ولا صلبوه ولكن قتلوا ~~وصلبوا من ألقي عليه شبهه قال البيضاوي: روي أن رجلا كان ينافق ~~لعيسى فخرج ليدل عليه فألقى الله عليه شبهه فأخذ وصلب وهم يظنون أنه ~~عيسى { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } أي ~~وإن الذين اختلفوا في شأن عيسى لفي شك من قتله، روي أنه لما رفع عيسى ~~وألقي شبهه على غيره فقتلوه قالوا: إن كان هذا المقتول عيسى فأين ~~صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فاختلفوا فقال بعضهم هو عيسى ~~وقال بعضهم ليس هو عيسى بل هو غيره، فأجمعوا أن شخصا قد قتل واختلفوا من ~~كان { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } أي ما ~~لهم بقتله علم حقيقي ولكنهم يتبعون فيه الظن الذي تخيلوه { وما ~~قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه } أي وما قتلوه ~~متيقنين أنه هو بل شاكين متوهمين ونجاه الله من شرهم فرفعه إلى السماء ~~حيا بجسده وروحه كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة { وكان الله ~~عزيزا حكيما } أي عزيزا في ملكه حكيما في صنعه { وإن من ~~أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } أي ليس ~~أحد من اليهود والنصارى إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى وبأنه عبد الله ~~ورسوله حين يعاين ملائكة الموت ولكن لا ينفعه إيمانه قال ابن عباس: لا ~~يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى قيل له: أرأيت إن ضربت عنق أحدهم؟ قال: ~~يلجلج بها لسانه ms0323 وكذا صح عن مجاهد وعكرمة وابن سيرين { ويوم ~~القيامة يكون عليهم شهيدا } أي يشهد عيسى على اليهود ~~بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله { فبظلم من ~~الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ~~أي بسبب ظلم اليهود وما ارتكبوه من الذنوب العظيمة حرمنا عليهم أنواعا ~~من الطيبات التي كانت محللة لهم { وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا } أي وبمنعهم كثيرا من الناس عن الدخول في دين الله قال مجاهد: ~~صدوا أنفسهم وغيرهم عن الحق { وأخذهم الربا وقد نهوا ~~عنه } أي تعاطيهم الربا وقد حرمه الله عليهم في التوراة { ~~وأكلهم أموال الناس بالباطل } أي بالرشوة وسائر الوجوه ~~المحرمة { وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } أي ~~وهيأنا لمن كفر من هؤلاء اليهود العذاب المؤلم الموجع { لكن ~~الراسخون في العلم منهم } أي لكن المتمكنون في العلم منهم ~~والثابتون فيه كعبد الله بن سلام وجماعته { والمؤمنون } أي من ~~المهاجرين والأنصار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من غير أهل الكتاب { ~~يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك } أي ~~يؤمنون بالكتب والأنبياء { والمقيمين الصلاة } أي أمدح ~~المقيمين الصلاة فهو نصب على المدح { والمؤتون الزكاة } أي ~~المعطون زكاة أموالهم { والمؤمنون بالله واليوم الآخر ~~} أي والمؤمنون بوحدانية الله وبالبعث بعد الموت { أولئك ~~سنؤتيهم أجرا عظيما } أي هؤلاء الموصوفون بالأوصاف الجليلة ~~سنعطيهم ثوابا جزيلا على طاعتهم وهو الخلود في الجنة. # البلاغة: تضمنت الآيات أنواعا من الفصاحة والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- الطباق بين { تبدوا.. أو تخفوه } وبين { نؤمن.. ~~ونكفر }. # 2- التعريض والتهكم في { قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله } قالوه على سبيل التهكم والاستهزاء لأنهم لا يؤمنون ~~برسالته. # 3- زيادة الحرف لمعنى التأكيد { فبما نقضهم } أي فبنقضهم. # 4- الاستعارة في { الراسخون في العلم } استعار الرسوخ للثبوت ~~في العلم والتمكن فيه وكذلك الاستعارة في { قلوبنا غلف } استعار ~~الغلاف بمعنى الغطاء لعدم الفهم والإدراك أي لا يتوصل إليها شيء من ~~الذكر والموعظة. # 5- الاعتراض في { بل طبع الله عليها بكفرهم } ردا ~~لمزاعمهم الفاسدة. # 6- الإلتفات في { أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } ~~والأصل سيؤتيهم وتنكير الأجر للتفخيم. ms0324 # 7- المجاز المرسل في { وقتلهم الأنبياء } حيث أطلق الكل ~~وأريد البعض وكذلك في { كفرهم بآيات الله } لأنهم كفروا ~~بالقرآن والإنجيل ولم يكفروا بغيرهما. # الفوائد: قال في التسهيل: إن قيل كيف قالوا فيه رسول الله وهم يكفرون ~~به ويسبونه؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم قالوا ذلك على وجه ~~التهكم والاستهزاء، والثاني: أنهم قالوه على حسب اعتقاد المسلمين فيه ~~كأنهم قالوا: رسول الله عندكم أو بزعمكم والثالث: أنه من قول الله لا من ~~قولهم فيوقف قبله وفائدته تعظيم ذنبهم وتقبيح قولهم إنا قتلناه وقوله ~~تعالى { وما قتلوه وما صلبوه } رد على اليهود وتكذيب لهم ~~ورد على النصارى في قولهم إنه صلب حتى عبدوا الصليب من أجل ذلك، والعجب ~~كل العجب من تناقضهم في قولهم إنه إله أو ابن إله ثم يقولون إنه ~~صلب. # تنبيه: دل قوله تعالى { وما قتلوه وما صلبوه ولكن ~~شبه لهم } على أن الله تعالى نجى رسوله عيسى من شر اليهود ~~الخبثاء فلم يقتل ولم يصلب وإنما صلبوا شخصا غيره ظنوه عيسى وهو الذي ~~ألقى الله الشبه عليه فقتلوه وهم يحسبونه عيسى، وهذا هو الاعتقاد الحق ~~الذي يتفق مع العقل والنقل، وأما النصارى فيعتقدون أنه صلب وأن اليهود ~~أهانوه ووضعوا الشوك على رأسه وأنه تضرع وبكى مع زعمهم أنه هو " الله " ~~أو " ابن الله " وأنه جاء ليخلص البشرية من أوزارها إلى غير ما هنالك ~~من التناقض العجيب الغريب ولقد أحسن من قال: # عجبا للمسيح بين النصارى # وإلى أي والد نسبوه! # أسلموه إلى اليهود وقالوا # إنهم بعد ضربه صلبوه # فإذا كان ما يقولون حقا # وصحيحا فأين كان أبوه؟ # حين خلى ابنه رهين الأعادي # أتراهم أرضوه أم أغضبوه؟ # فلئن كان راضيا بأذاهم # فاحمدوهم لأنهم عذبوه # ولئن كان ساخطا فاتركوه # واعبدوهم لأنهم غلبوه ### || [4.163-176] # المناسبة: لما حكى تعالى جرائم اليهود التي من ضمنها كفرهم بعيسى ~~ومحمد وزعمهم أنهم صلبوا المسيح، ذكر تعالى هنا أن الإيمان بجميع الرسل ~~شرط لصحة الإيمان، وأنه أرسل سائر المرسلين مبشرين ومنذرين، ثم دعا ~~النصارى إلى عدم الغلو ms0325 في شأن المسيح باعتقادهم فيه أنه ابن الله أو ~~ثالث ثلاثة، فليس هو ابن الله كما يزعم النصارى وليس ابن زنى كما يزعم ~~اليهود فكلا الفريقين واقع بين الإفراط والتفريط، ثم ختمت السورة ~~الكريمة بما ابتدأت به من رعاية حقوق الورثة من الأقرباء. # اللغة: { تغلوا } الغلو: مجاوزة الحد ومنه غلا السعر { ~~يستنكف } يأنف والاستنكاف الأنفة والترفع قال الزجاج: مأخوذ من ~~نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك عن خدك { برهان } البرهان: الدليل ~~والمراد به هنا المعجزات { واعتصموا } لاذوا ولجأوا والعصمة ~~الامتناع { الكلالة } من لا ولد له ولا والد وقد تقدم. # سبب النزول: جاء وفد من النصارى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا يا محمد: لم تعيب صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا عيسى قال: وأي ~~شيء أقول فيه؟ قالوا تقول: إنه عبد الله ورسوله، فقال لهم: إنه ليس ~~بعار أن يكون عبدا لله قالوا: بلى فأنزل الله { لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله } الآية. # التفسير: { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى ~~نوح والنبيين من بعده } أي نحن أوحينا إليك يا محمد كما ~~أوحينا إلى نوح والأنبياء من بعده، وإنما قدم صلى الله عليه وسلم في ~~الذكر وإن تأخرت نبوته لتقدمه في الفضل { وأوحينآ إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان } أي وأوحينا ~~إلى سائر النبيين إبراهيم وإسماعيل الخ خص تعالى بالذكر هؤلاء ~~تشريفا وتعظيما لهم وبدأ بعد محمد صلى الله عليه وسلم بنوح لأنه شيخ ~~الأنبياء وأبو البشر الثاني ثم ذكر إبراهيم لأنه الأب الثالث ومنه تفرعت ~~شجرة النبوة كما قال تعالى # وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب # [العنكبوت: 27] وقدم عيسى على أنبياء كانوا قبله لشدة العناية بأمره ~~لغلو اليهود في الطعن فيه والنصارى في تقديسه { وآتينا داوود ~~زبورا } أي وخصصنا داود بالزبور قال القرطبي: كان فيه مائة وخمسون ~~سورة ليس فيها حكم من الأحكام وإنما هي حكم ومواعظ { ورسلا قد ~~قصصناهم عليك من قبل } أي وأرسلنا رسلا منهم من ذكرنا ~~أخبارهم لك يا محمد في غير ms0326 هذه السورة { ورسلا لم نقصصهم ~~عليك } أي ورسلا آخرين لم نخبرك عن أحوالهم { وكلم الله ~~موسى تكليما } أي وخص الله موسى بأن كلمه بلا واسطة ولهذا سمي ~~الكليم، وإنما أكد { تكليما } رفعا لاحتمال المجاز قال ثعلب: ~~لولا التأكيد لجاز أن تقول: قد كلمت لك فلانا بمعنى كتبت إليه رقعة أو ~~بعثت إليه رسولا فلما قال تكليما لم يكن إلا كلاما مسموعا من الله ~~تعالى { رسلا مبشرين ومنذرين } أي يبشرون بالجنة من أطاع ~~وينذرون بالنار من عصى { لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل } أي بعثهم الله ليقطع حجة من يقول لو أرسل ~~إلي رسول لآمنت وأطعت فقطع الله حجة البشر بإرسال الرسل وإنزال ~~الكتب { وكان الله عزيزا حكيما } أي عزيزا في ملكه حكيما ~~في صنعه، ثم ذكر تعالى ردا على اليهود حين أنكروا نبوة محمد فقال { ~~لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك } أي إن لم يشهد لك ~~هؤلاء بالنبوة فالله يشهد لك بذلك بما أنزل إليك من القرآن المعجز { ~~أنزله بعلمه والملائكة يشهدون } أي أنزله بعلمه ~~الخاص الذي لا يعلمه غيره بأسلوب يعجز عنه كل بليغ، والملائكة يشهدون ~~كذلك بما أنزل الله إليك ويشهدون بنبوتك { وكفى بالله شهيدا ~~} أي كفى الله شاهدا فشهادته تعالى تغنيك وتكفيك وإن لم يشهد غيره { ~~إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ~~ضللا بعيدا } أي كفروا بأنفسهم ومنعوا الناس عن الدخول في دين ~~الله قد ضلوا عن طريق الرشاد ضلالا بعيدا لأنهم جمعوا بين الضلال ~~والإضلال فضلالهم في أقصى الغايات { إن الذين كفروا ~~وظلموا } قال الزمخشري: أي جمعوا بين الكفر والمعاصي { لم يكن ~~الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا } أي لن يعفو ~~الله عنهم ولن يهديهم إلى طريق الجنة لأنهم ماتوا على الكفر { إلا ~~طريق جهنم خالدين فيهآ أبدا } أي لن يهديهم إلا إلى ~~الطريق الموصلة إلى جهنم جزاء لهم على ما أسلفوه من الكفر والظلم ~~مخلدين فيها أبدا { وكان ذلك على الله يسيرا } أي ~~تخليدهم في جهنم لا يصعب عليه ولا ms0327 يستعظمه { يأيها الناس قد ~~جآءكم الرسول بالحق من ربكم } أي يا أيها الناس قد ~~جاءكم محمد بالدين الحق والشريعة السمحة من عند ربكم { فآمنوا ~~خيرا لكم } أي صدقوا ما جاءكم من عند ربكم يكن الإيمان خيرا ~~لكم { وإن تكفروا فإن لله ما في السموت ~~والأرض } أي وإن تستمروا على الكفر فإن الله غني عنكم لا يضره ~~كفركم إذ له ما في الكون ملكا وخلقا وعبيدا { وكان الله ~~عليما حكيما } أي عليما بأحوال العباد حكيما فيما دبره لهم، ولما ~~رد تعالى على شبه اليهود فيما سبق أخذ في الرد على ضلالات النصارى في ~~إفراطهم في تعظيم المسيح حيث عبدوه من دون الله فقال { يأهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم } أي يا معشر النصارى لا ~~تتجاوزوا الحد في أمر الدين بافراطكم في شأن المسيح وادعاء ألوهيته { ~~ولا تقولوا على الله إلا الحق } أي لا تصفوا الله بما ~~لا يليق من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد { إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله } أي ما عيسى إلا رسول من رسل ~~الله وليس ابن الله كما زعمتم { وكلمته ألقاها إلى مريم ~~} أي وقد خلق بكلمته تعالى " كن " من غير واسطة أب ولا نطفة { وروح ~~منه } أي ذو روح مبتدأة من الله وهو أثر نفخة جبريل في صدر مريم حيث ~~حملت بتلك النفخة بعيسى، وإنما أضيف إلى الله تشريفا وتكريما { ~~فآمنوا بالله ورسله } أي آمنوا بوحدانيته وصدقوا رسله ~~أجمعين { ولا تقولوا ثلاثة } أي لا تقولوا الآلهة ثلاثة: الله، ~~والمسيح، ومريم، أو الله ثلاثة: الأب والإبن وروح القدس، فنهاهم تعالى ~~عن التثليث وأمرهم بالتوحيد لأن الإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب ~~إليه { انتهوا خيرا لكم } أي انتهوا عن التثليث يكن ذلك خيرا ~~لكم { إنما الله إله واحد } أي منفرد في ألوهيته ليس كما ~~تزعمون أنه ثالث ثلاثة { سبحانه أن يكون له ولد } أي تنزه ~~الله عن أن يكون له ولد { له ما في السموت وما في ~~الأرض } خلقا وملكا وعبيدا وهو تعالى لا يماثله شيء ms0328 حتى يتخذه ~~ولدا { وكفى بالله وكيلا } تنبيه على غناه عن الولد أي كفى ~~الله أن يقوم بتدبير مخلوقاته وحفظها فلا حاجة له إلى ولد أو معين لأنه ~~مالك كل شيء، ثم رد تعالى على النصارى مزاعمهم الباطلة فقال { لن ~~يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله } أي لن يأنف ويتكبر ~~المسيح الذي زعمتم أنه إله عن أن يكون عبدا لله { ولا ~~الملائكة المقربون } أي لا يستنكفون أيضا أن يكونوا عبيدا ~~لله { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ~~فسيحشرهم إليه جميعا } أي ومن يأنف ويتكبر عن عبادة الله ~~سبحانه فسيبعثهم يوم القيامة للحساب والجزاء { فأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم } أي ~~يوفيهم ثواب أعمالهم { ويزيدهم من فضله } أي بإعطائهم ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { وأما الذين ~~استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما } أي ~~وأما الذين أنفوا وتعظموا عن عبادته فسيعذبهم عذابا موجعا شديدا { ~~ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } أي ~~ليس لهم من يتولاهم أو ينصرهم من عذاب الله { يا أيها الناس قد ~~جآءكم برهان من ربكم } أي أتاكم حجة من الله وهو محمد ~~رسول الله المؤيد بالمعجزات الباهرة { وأنزلنآ إليكم نورا ~~مبينا } أي أنزلنا عليكم القرآن ذلك النور الوضاء { فأما ~~الذين آمنوا بالله واعتصموا به } أي صدقوا بوحدانية ~~الله وتمسكوا بكتابه المنير { فسيدخلهم في رحمة منه ~~وفضل } أي سيدخلهم في جنته دار الخلود { ويهديهم إليه ~~صراطا مستقيما } أي يهديهم إلى دين الإسلام في الدنيا وإلى ~~طريق الجنة في الآخرة { يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة } أي يستفتونك يا محمد في شأن الميت إذا لم يكن له والد أو ~~ولد من يرثه؟ { إن امرؤ هلك ليس له ولد } أي قل لهم من ~~مات وليس له والد أو ولد وهي الكلالة { وله أخت فلها نصف ~~ما ترك } أي وله أخت شقيقة أو أخت لأب فلها نصف ما ترك أخوها { ~~وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد } أي وأخوها الشقيق أو ~~لأب يرث جميع ما ms0329 تركت إن لم يكن لها ولد { فإن كانتا اثنتين ~~فلهما الثلثان مما ترك } أي إن كانت الأختان اثنتين ~~فأكثر فلهما الثلثان مما ترك أخوهما { وإن كانوا إخوة ~~رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ الأنثيين } أي وإن ~~كان الورثة مختلطين إخوة وأخوات فللذكر منهم مثل نصيب الأختين { ~~يبين الله لكم أن تضلوا } أي يبين الله لكم أحكامه ~~وشرائعه خشية أن تضلوا { والله بكل شيء عليم } أي يعلم ما ~~فيه مصلحتكم ومنفعتكم فهو تعالى العالم بمصالح العباد في المحيا والممات. # البلاغة: 1- تخصيص بعض الأنبياء بالذكر { كمآ أوحينآ إلى ~~نوح } الخ للتشريف وإظهار فضل المذكورين وفيه تشبيه يسمى " مرسلا ~~مفصلا ". # 2- قوله { يأهل الكتاب } اللفظ للعموم ويراد منه الخصوص وهم " ~~النصارى " بدليل قوله بعده { ولا تقولوا ثلاثة } وهي قولة ~~النصارى. # 3- قوله { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } ~~فيه قصر وهو من نوع قصر موصوف على صفة. # 4- في قوله { يشهدون... وشهيدا } جناس الاشتقاق. # الفوائد: لفظة " من " تكون للتبعيض وقد تأتي لابتداء الغاية كما في ~~قوله تعالى { وروح منه } يحكى أن طبيبا نصرانيا للرشيد ناظر ~~الإمام الواقدي ذات يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء ~~من الله وتلا هذه الآية { وروح منه } فقال الواقدي قال تعالى # وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13] فيجب إذا كان عيسى جزءا من الله أن يكون ما في السماوات ~~وما في الأرض جزءا منه فانقطع النصراني وأسلم، وفرح الرشيد بذلك فرحا ~~شديدا ووصل الواقدي بصلة عظيمة. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1-10] # اللغة: { العقود } أصل العقد في اللغة: الربط تقول عقدت الحبل ~~بالحبل ثم استعير للمعاني قال الزمخشري: العقد العهد الموثق شبه بعقد ~~الحبل قال الحطيئة: # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم # شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا # { بهيمة الأنعام } البهيمة ما لا نطق له لما في صوته من ~~الإبهام والأنعام جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم { القلائد } ~~جمع قلادة وهي ما يقلد به الهدي من لحاء الشجر ليعلم أنه هدي { ~~يجرمنكم } يكسبنكم يقال: جرم ms0330 ذنبا أي كسبه وأجرم اكتسب الإثم { ~~شنآن } الشنآن: البغض { الموقوذة } الوقذ: ضرب الشيء حتى يسترخي ~~ويشرف على الموت { النصب } صنم وحجر كانت الجاهلية تنصبه وتذبح عنده ~~وجمعه أنصاب كذا في اللسان { الأزلام } القداح جمع زلم كان أحدهم ~~إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة ضرب بالقداح وهو الاستقسام بالأزلام { ~~مخمصة } مجاعة لأن البطون فيها تخمص أي تضمر والخمص ضمور البطن { ~~الجوارح } الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والصقر ~~والشاهين. # سبب النزول: عن ابن عباس أن المشركين كانوا يحجون البيت ويهدون ~~الهدايا ويعظمون الشعائر وينحرون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنزلت ~~{ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله.. } ~~الآية. # التفسير: { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } ~~الخطاب بلفظ الإيمان للتكريم والتعظيم أي يا معشر المؤمنين أوفوا ~~بالعقود وهو لفظ يشمل كل عقد وعهد بين الإنسان وربه وبين الإنسان ~~والإنسان قال ابن عباس: العقود العهود وهي ما أحل الله وما حرم وما ~~فرض في القرآن كله من التكاليف والأحكام { أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم } أي أبيح لكم أكل الأنعام ~~وهي الإبل والبقر والغنم بعد ذبحها إلا ما حرم عليكم في هذه السورة ~~وهي الميتة والدم ولحم الخنزير الخ { غير محلي الصيد ~~وأنتم حرم } أي أحلت لكم هذه الأشياء من غير أن تستحلوا الصيد ~~وأنتم محرمون { إن الله يحكم ما يريد } أي يقضي في خلقه ~~بما يشاء لأنه الحكيم في أمره ونهيه { يا أيها الذين آمنوا ~~لا تحلوا شعآئر الله } أي لا تستحلوا حرمات الله ولا ~~تعتدوا حدوده قال الحسن: يعني شرائعه التي حدها لعباده وقال ابن عباس: ما ~~حرم عليكم في حال الإحرام { ولا الشهر الحرام ولا ~~الهدي ولا القلائد } أي ولا تستحلوا الشهر الحرام بالقتال ~~فيه، ولا ما أهدي إلى البيت أو قلد بقلادة ليعرف أنه هدي بالتعرض له ~~ولأصحابه { ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ~~ربهم ورضوانا } أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله ~~الحرام لحج أو عمرة، نهى تعالى عن الإغارة عليهم ms0331 أو صدهم عن البيت كما ~~كان أهل الجاهلية يفعلون { وإذا حللتم فاصطادوا } أي إذا ~~تحللتم من الإحرام فقد أبيح لكم الصيد { ولا يجرمنكم شنآن ~~قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا } أي ~~لا يحملنكم بغض قوم كانوا قد صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا ~~عليهم { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا ~~على الإثم والعدوان } أي تعاونوا على فعل الخيرات وترك ~~المنكرات، وعلى كل ما يقرب إلى الله { واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب } أي خافوا عقابه فإنه تعالى شديد العقاب ~~لمن عصاه { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير } أي حرم عليكم أيها المؤمنون أكل الميتة وهي ما مات حتف ~~أنفه من غير ذكاة والدم المسفوح ولحم الخنزير قال الزمخشري: كان أهل ~~الجاهلية يأكلون هذه المحرمات: البهيمة التي تموت حتف أنفها والفصيد وهو ~~الدم في الأمعاء يشوونه ويقولون لم يحرم من فزد - أي فصد - له وإنما ~~ذكر لحم الخنزير ليبين أنه حرام بعينه حتى ولو ذبح بالطريق الشرعي { ~~ومآ أهل لغير الله به } أي ما ذكر عليه غير اسم الله أو ~~ذبح لغير الله كقولهم باسم اللات والعزى { والمنخنقة } هي التي ~~تخنق بحبل وشبهه { والموقوذة } هي المضروبة بعصا أو حجر { ~~والمتردية } هي التي تسقط من جبل ونحوه { والنطيحة } هي ~~التي نطحتها بهيمة أخرى فماتت بالنطح { ومآ أكل السبع } أي أكل ~~بعضه السبع فمات { إلا ما ذكيتم } أي إلا ما أدركتم فيه ~~الروح من هذه الأشياء فذبحتموه الذبح الشرعي قبل الموت قال الطبري معناه: ~~إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورا { وما ذبح على ~~النصب } أي وما ذبح على الأحجار المنصوبة قال قتادة: النصب ~~حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها ويذبحون لها فنهى الله عن ذلك قال ~~الزمخشري: كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم ~~عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها فنهى الله المؤمنين عن هذا ~~الصنيع { وأن تستقسموا بالأزلام } أي وحرم عليكم ~~الاستقسام بالأزلام أي طلب معرفة ما قسم له من الخير والشر بواسطة ضرب ~~القداح ms0332 قال في الكشاف: كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو ~~نكاحا أو أمرا من معاظم الأمور ضرب بالقداح وهي مكتوب على بعضها: نهاني ~~ربي، وعلى بعضها أمرني ربي، وبعضها غفل فإن خرج الآمر مضى لغرضه ~~وإن خرج الناهي أمسك وإن خرج الغفل أعاد { ذلكم فسق } أي تعاطيه ~~فسق وخروج عن طاعة الله لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر الله به ~~علام الغيوب { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } أي ~~انقطع طمع الكافرين منكم ويئسوا أن ترجعوا عن دينكم قال ابن عباس: يئسوا ~~أن ترجعوا إلى دينهم أبدا { فلا تخشوهم واخشون } أي لا ~~تخافوا المشركين ولا تهابوهم وخافون أنصركم عليهم وأجعلكم فوقهم في ~~الدنيا والآخرة { اليوم أكملت لكم دينكم } أي أكملت لكم ~~الشريعة ببيان الحلال والحرام { وأتممت عليكم نعمتي } ~~بالهداية والتوفيق إلى أقوم طريق { ورضيت لكم الإسلم دينا ~~} أي اخترت لكم الإسلام دينا من بين الأديان وهو الدين المرضي الذي لا ~~يقبل الله دينا سواه # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85] { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف ~~لإثم فإن الله غفور رحيم } أي فمن ألجأته الضرورة إلى ~~تناول شيء من المحرمات المذكورة، في مجاعة حال كونه غير مائل إلى ~~الإثم ولا متعمد لذلك، فإن الله لا يؤاخذه بأكله، لأن الضرورات تبيح ~~المحظورات { يسألونك ماذآ أحل لهم } أي يسألونك يا محمد ~~ما الذي أحل لهم من المطاعم والمآكل؟ { قل أحل لكم ~~الطيبات } أي قل لهم أبيح لكم المستلذات وما ليس منها بخبيث، ~~وحرم كل مستقذر كالخنافس والفئران وأشباهها { وما علمتم من ~~الجوارح } أي وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح وهي الكلاب ونحوها ~~مما يصطاد به { مكلبين } أي معلمين للكلاب الاصطياد قال ~~الزمخشري: المكلب مؤدب الجوارح ورائضها واشتقاقه من الكلب لأن ~~التأديب أكثر ما يكون في الكلاب { تعلمونهن مما علمكم ~~الله } أي تعلمونهن طرق الاصطياد وكيفية تحصيل الصيد، وهذا جزء مما ~~علمه الله للإنسان { فكلوا ممآ أمسكن عليكم } أي ~~فكلوا مما أمسكن لكم من ms0333 الصيد إذا لم تأكل منه، فإن أكلت فلا يحل أكله ~~لحديث # " إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل، وإذا أكل فلا تأكل فإنما ~~أمسكه على نفسه " # وعلامة المعلم أن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وأن يمسك ~~الصيد فلا يأكل منه، وأن يذكر اسم الله عند إرساله فهذه أربع شروط لصحة ~~الأكل من صيد الكلب المعلم { واذكروا اسم الله عليه } أي ~~عند إرساله { واتقوا الله إن الله سريع الحساب } ~~أي راقبوا الله في أعمالكم فإنه سريع المجازاة للعباد { اليوم ~~أحل لكم الطيبات } أي أبيح لكم المستلذات من الذبائح وغيرها ~~{ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } أي ذبائح ~~اليهود والنصارى حلال لكم { وطعامكم حل لهم } أي ذبائحكم ~~حلال لهم فلا حرج أن تطعموهم وتبيعوه لهم { والمحصنات من ~~المؤمنات } أي وأبيح لكم أيها المؤمنون زواج الحرائر العفيفات من ~~المؤمنات { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم } أي وزواج الحرائر من الكتابيات (يهوديات أو نصرانيات) وهذا ~~رأي الجمهور وقال عطاء: قد أكثر الله المسلمات وإنما رخص لهم يومئذ { ~~إذآ آتيتموهن أجورهن } أي إذا دفعتم لهن مهورهن { ~~محصنين غير مسافحين } أي حال كونكم أعفاء بالنكاح غير ~~مجاهرين بالزنى { ولا متخذي أخدان } أي وغير متخذين عشيقات ~~وصديقات تزنون بهن سرا قال الطبري: المعنى ولا منفردا ببغية قد خادنها ~~وخادنته واتخذها لنفسه صديقة يفجر بها { ومن يكفر بالإيمان ~~فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين } أي ~~ومن يرتد عن الدين ويكفر بشرائع الإيمان فقد بطل عمله وهو من الهالكين، ~~ثم أمر تعالى بإسباغ الوضوء عند الصلاة فقال { يا أيها الذين ~~آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } أي إذا أردتم القيام إلى ~~الصلاة وأنتم محدثون { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق } أي اغسلوا الوجوه والأيدي مع المرافق { وامسحوا ~~برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } أي امسحوا رءوسكم ~~واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين أي معهما قال الزمخشري: وفائدة المجيء ~~بالغاية { إلى الكعبين } لدفع ظن من يحسبها ممسوحة لأن المسح لم ~~تضرب له غاية في الشريعة وفي الحديث # " ويل للأعقاب من النار " # وهذا الحديث ms0334 يرد على الإمامية الذين يقولون بأن الرجلين فرضهما ~~المسح لا الغسل، والآية صريحة لأنها جاءت بالنصب { وأرجلكم } فهي ~~معطوفة على المغسول وجيء بالمسح بين المغسولات لإفادة الترتيب { وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا } أي إن كنتم في حالة جنابة فتطهروا ~~بغسل جميع البدن { وإن كنتم مرضى أو على سفر } أي إن ~~كنتم مرضى ويضركم الماء، أو كنتم مسافرين ولم تجدوا الماء { أو جآء ~~أحد منكم من الغائط } أي أتى من مكان البراز { أو ~~لامستم النسآء } أي جامعتموهن { فلم تجدوا مآء ~~فتيمموا صعيدا طيبا } أي ولم تجدوا الماء بعد طلبه فاقصدوا ~~التراب الطاهر للتيمم به { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه } أي امسحوا وجوهكم وأيديكم بالتراب بضربتين كما وضحت السنة ~~النبوية { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } أي ~~ما يريد بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم تضييقا عليكم { ~~ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ~~لعلكم تشكرون } أي يطهركم من الذنوب وأدناس الخطايا بالوضوء ~~والتيمم، وليتم نعمته عليكم ببيان شرائع الإسلام ولتشكروه على نعمه التي ~~لا تحصى { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه ~~الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا } الخطاب ~~للمؤمنين والنعمة هنا الإسلام وما صاروا إليه من اجتماع الكلمة والعزة ~~أي اذكروا يا أيها المؤمنون نعمة الله العظمى عليكم بالإسلام وعهده الذي ~~عاهدكم عليه رسوله حين بايعتموه على السمع والطاعة في العسر واليسر، ~~والمنشط والمكره { واتقوا الله إن الله عليم بذات ~~الصدور } أي اتقوا الله فإنه عالم بخفايا نفوسكم فيجازيكم عليها { ~~يا أيهآ الذين آمنوا كونوا قوامين لله } أي كونوا ~~مبالغين في الإستقامة بشهادتكم لله وصيغة قوام للمبالغة { شهدآء ~~بالقسط } أي تشهدون بالعدل { ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~على ألا تعدلوا } أي لا يحملنكم شدة بغضكم للأعداء على ترك ~~العدل فيهم والاعتداء عليهم { اعدلوا هو أقرب للتقوى } ~~أي العدل مع من تبغضونهم أقرب لتقواكم لله { واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون } أي مطلع على أعمالكم ومجازيكم عليها ~~قال الزمخشري: وفي هذا تنبيه عظيم على أن العدل إذا كان واجبا مع ~~الكفار الذين هم ms0335 أعداء الله وكان بهذه الصفة من القوة، فما الظن بوجوبه ~~مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه؟! { وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } أي وعد الله المؤمنين المطيعين { ~~لهم مغفرة وأجر عظيم } أي لهم في الآخرة مغفرة للذنوب ~~وثواب عظيم وهو الجنة { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ ~~أولئك أصحاب الجحيم } لما ذكر مآل المؤمنين المتقين ~~وعاقبتهم ذكر مآل الكافرين المجرمين وأنهم في دركات الجحيم دائمون في ~~العذاب قال أبو حيان: وقد جاءت الجملة فعلية بالنسبة للمؤمنين متضمنة ~~الوعد بالماضي الذي هو الدليل على الوقوع، وفي الكافرين جاءت الجملة ~~إسمية دالة على ثبوت هذا الحكم لهم وأنهم أصحاب النار فهم دائمون في ~~عذاب الجحيم. # البلاغة: 1- { لا تحلوا شعآئر الله } فيه استعارة ~~استعار الشعيرة وهي العلامة للمتعبدات التي تعبد الله بها العباد من ~~الحلال والحرام. # 2- { ولا القلائد } أي ذوات القلائد وهي من باب عطف الخاص على ~~العام لأنها أشرف الهدي كقوله # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال # [البقرة: 98]. # 3- { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا ~~على الإثم والعدوان } فيه من المحسنات البديعية ما يسمى ~~بالمقابلة. # 4- { وطعام الذين أوتوا الكتاب } أطلق العام وأراد به ~~الخاص وهو الذبائح. # 5- { محصنين غير مسافحين } بينهما طباق لأن معنى محصنين أي ~~أعفاء ومسافحين أي زناة. # 6- { إذا قمتم إلى الصلاة } أي إذا أردتم القيام إلى ~~الصلاة فعبر عن إرادة الفعل بالفعل وأقام المسبب مقام السبب للملابسة ~~بينهما، وفي الآية إيجاز بالحذف أيضا إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم ~~محدثون. # الفوائد: الأولى: يحكى أن أصحاب الكندي - الفيلسوف - قال له ~~أصحابه: أيها الحكيم إعمل لنا مثل هذا القرآن فقال: نعم أعمل مثل بعضه، ~~فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، إني ~~فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن ~~النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء، ثم أخبر عن قدرته ~~وحكمته في سطرين ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في مجلدات. # الثانية: جرت سنة الجاهلية على مبدأ العصبية العمياء الذي عبر ms0336 عنه ~~الشاعر الجاهلي بقوله: # وهل أنا إلا من غزية إن غوت # غويت وأن ترشد غزية أرشد # وجاء الإسلام بهذا المبدأ الإنساني الكريم { وتعاونوا على ~~البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ~~} وشتان بين المبدأين. # الثالثة: روي أن رجلا من اليهود جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فقال يا أمير المؤمنين: آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود ~~نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا! قال أي آية تعني؟ قال { اليوم ~~أكملت لكم دينكم } الآية فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم ~~الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، والساعة التي نزلت ~~فيها، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة. ### || [5.11-26] # المناسبة: لما ذكر تعالى ما شرعه لعباده المؤمنين في هذه السورة ~~الكريمة من الأحكام، ومن أعظمها بيان الحلال والحرام، ذكر هنا نعمته ~~عليهم بالهداية إلى الإسلام ودفع الشرور عنهم والآثام، ثم أعقبه ببيان ~~نعمته تعالى على أهل الكتاب " اليهود والنصارى " وأخذه العهد والميثاق ~~عليهم ولكنهم نقضوا العهد فألزمهم الله العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة، ثم دعا الفريقين إلى الاهتداء بنور القرآن، والتمسك بشريعة ~~خاتم المرسلين، وترك ما هم عليه من ضلالات وأوهام. # اللغة: { نقيبا } النقيب: كبير القوم الذي يبحث عن أحوالهم ومصالحهم ~~فهو كالكفيل عن الجماعة { وعزرتموهم } التعزير: التعظيم ~~والتوقير { سوآء السبيل } قصد الطريق ووسطه { قاسية } صلبة ~~لا تعي خيرا والقاسية والعاتية بمعنى واحد { خآئنة } خيانة ويجوز أن ~~يكون صفة للخائن كما يقال: رجل طاغية وراوية للحديث { فأغرينا } ~~هيجنا وألزمنا مأخوذ من الغراء، وغري بالشيء إذا لصق به { فترة } ~~انقطاع { يتيهون } التيه: الحيرة والضياع. # سبب النزول: أراد بنو النضير أن يلقوا على رأس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الرحى وأن يغدروا به وبأصحابه فأنزل الله { يا أيهآ ~~الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم ~~قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم.. } الآية. # التفسير: { يا أيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمت ~~الله عليكم } أي اذكروا فضل الله عليكم بحفظه إياكم من أعدائكم ~~{ إذ ms0337 هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } أي ~~يبطشوا بكم بالقتل والإهلاك { فكف أيديهم عنكم } أي عصمكم ~~من شرهم ورد أذاهم عنكم { واتقوا الله } بامتثال أوامره ~~واجتناب نواهيه { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي ~~فليثق المؤمنون بالله فإنه كافيهم وناصرهم، ثم ذكر تعالى أحوال اليهود ~~وما تنطوي عليه نفوسهم من الخيانة ونقض الميثاق فقال { ولقد أخذ ~~الله ميثاق بني إسرآئيل } أي عهدهم المؤكد باليمين { ~~وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا } أي وأمرنا موسى بأن يأخذ ~~اثني عشر نقيبا - والنقيب كبير القوم القائم بأمورهم - من كل سبط ~~نقيب يكون كفيلا على قومه بالوفاء بالعهد توثقة عليهم قال الزمخشري: ~~لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله تعالى بالسير ~~إلى " أريحاء " بأرض الشام كان يسكنها الكنعانيون الجبابرة وقال لهم: ~~إني كتبتها لكم دارا وقرارا فجاهدوا من فيها فإني ناصركم، وأمر موسى ~~بأن يأخذ من كل سبط نقيبا فاختار النقباء وسار بهم فلما دنا من أرض ~~كنعان بعثهم يتجسسون الأخبار فرأوا قوما أجسامهم عظيمة ولهم قوة وشوكة ~~فهابوهم ورجعوا وحدثوا قومهم وكان موسى قد نهاهم أن يتحدثوا بما يرون ~~فنكثوا الميثاق وتحدثوا إلا إثنين منهم { وقال الله إني ~~معكم } أي ناصركم ومعينكم { لئن أقمتم الصلاة ~~وآتيتم الزكاة } اللام للقسم أي وأقسم لكم يا بني إسرائيل لئن ~~أديتم ما فرضت عليكم من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة { وآمنتم ~~برسلي وعزرتموهم } أي وصدقتم برسلي ونصرتموهم ومنعتموهم من ~~الأعداء { وأقرضتم الله قرضا حسنا } أي بالإنفاق في ~~سبيل الخير ابتغاء مرضاة الله { لأكفرن عنكم سيئاتكم } ~~أي لأمحون عنكم ذنوبكم، وهذا جواب القسم قال البيضاوي: وقد سد مسد ~~جواب الشرط { ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } أي تجري من تحت غرفها وأشجارها أنهار الماء واللبن والخمر ~~والعسل { فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سوآء ~~السبيل } أي من كفر بعد ذلك الميثاق، فقد أخطأ الطريق السوي وضل ~~ضلالا لا شبهة فيه { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } أي ~~بسبب نقضهم الميثاق طردناهم من رحمتنا { وجعلنا قلوبهم ~~قاسية } أي جافة جافية لا تلين ms0338 لقبول الإيمان { يحرفون ~~الكلم عن مواضعه } قال ابن كثير: تأولوا كتابه - التوراة - ~~على غير ما أنزله وحملوه على غير مراده وقالوا على الله ما لم يقل، ولا ~~جرم أعظم من الاجتراء على تغيير كلام الله عز وجل { ونسوا حظا ~~مما ذكروا به } أي تركوا نصيبا وافيا مما أمروا به في ~~التوراة { ولا تزال تطلع على خآئنة منهم إلا ~~قليلا منهم } أي لا تزال يا محمد تظهر على خيانة منهم بنقض ~~العهود وتدبير المكايد، فالغدر والخيانة عادتهم وعادة أسلافهم إلا ~~قليلا منهم ممن أسلم { فاعف عنهم واصفح إن الله ~~يحب المحسنين } أي لا تعاقبهم واصفح عمن أساء منهم، وهذا منسوخ ~~بآية السيف والجزية كما قال الجمهور { ومن الذين قالوا إنا ~~نصارى أخذنا ميثاقهم } أي ومن الذين ادعوا أنهم أنصار الله ~~وسموا أنفسهم بذلك أخذنا منهم أيضا الميثاق على توحيد الله والإيمان ~~بمحمد رسول الله { فنسوا حظا مما ذكروا به } أي فتركوا ~~ما أمروا به في الإنجيل من الإيمان بالأنبياء ونقضوا الميثاق { ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم ~~القيامة } أي ألزمنا وألصقنا بين فرق النصارى العداوة والبغضاء ~~إلى قيام الساعة قال ابن كثير: ولا يزالون متباغضين متعادين، يكفر ~~بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، وكل فرقة تمنع الأخرى دخول معبدها. # . وهكذا نجد الأمم الغربية - وهم أبناء دين واحد - يتفنن بعضهم في ~~إهلاك بعض، فمن مخترع للقنبلة الذرية إلى مخترع للقنبلة الهيدروجينية ~~وهي مواد مدمرة لا يمكن أن يتصور العقل ما تحدثه من تلف بالغ وهلاك ~~شامل # إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون # [التوبة: 85] ثم قال تعالى { وسوف ينبئهم الله بما ~~كانوا يصنعون } تهديد لهم أي سيلقون جزاء عملهم القبيح { يا ~~أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا ~~مما كنتم تخفون من الكتاب } الخطاب لليهود والنصارى أي ~~يا معشر أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بالدين الحق ~~يبين لكم الكثير مما كنتم تكتمونه في كتابكم من الإيمان به، ومن آية ~~الرجم، ومن قصة ms0339 أصحاب السبت الذين مسخوا قردة وغير ذلك مما كنتم تخفونه { ~~ويعفوا عن كثير } أي يتركه ولا يبينه وإنما يبين لكم ما فيه ~~حجة على نبوته وشهادة على صدقه، ولو ذكر كل شيء لفضحكم قال في التسهيل: ~~وفي الآية دليل على صحة نبوته لأنه بين ما أخفوه في كتبهم وهو أمي لم ~~يقرأ كتبهم { قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين } ~~أي جاءكم نور هو القرآن لأنه مزيل لظلمات الشرك والشك وهو كتاب مبين ظاهر ~~الإعجاز { يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل ~~السلام } أي يهدي بالقرآن من اتبع رضا الله طرق النجاة والسلامة ~~ومناهج الاستقامة { ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~بإذنه } أي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بتوفيقه ~~وإرادته { ويهديهم إلى صراط مستقيم } هو دين الإسلام، ~~ثم ذكر تعالى إفراط النصارى في حق عيسى حيث اعتقدوا ألوهيته فقال { ~~لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم } أي جعلوه إلها وهم فرقة من النصارى زعموا أن الله حل في ~~عيسى ولهذا نجد في كتبهم " وجاء الرب يسوع " وأمثاله، ويسوع عندهم هو ~~عيسى { قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن ~~يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض ~~جميعا } أي قل لهم يا محمد لقد كذبتم فمن الذي يستطيع أن يدفع عذاب ~~الله لو أراد أن يهلك المسيح وأمه وأهل الأرض جميعا؟ فعيسى عبد مقهور ~~قابل للفناء كسائر المخلوقات ومن كان كذلك فهو بمعزل عن الألوهية ولو ~~كان إلها لقدر على تخليص نفسه من الموت { ولله ملك ~~السموت والأرض وما بينهما } أي من الخلق والعجائب { ~~يخلق ما يشآء } أي هو قادر على أن يخلق ما يريد ولذلك خلق عيسى ~~من غير أب { والله على كل شيء قدير } أي لا يعجزه شيء، ~~ثم حكى عن اليهود والنصارى افتراءهم فقال { وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه } أي نحن من ~~الله بمنزلة الأبناء من الآباء ونحن أحباؤه لأننا على دينه قال ابن كثير: ~~أي نحن منتسبون إلى أنبيائه ms0340 وهم بنوه وله بهم عناية وهو يحبنا { قل ~~فلم يعذبكم بذنوبكم }؟ أي لو كنتم كما تدعون أبناءه ~~وأحباءه فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وافترائكم؟ { بل أنتم ~~بشر ممن خلق } أي أنتم بشر كسائر الناس وهو سبحانه الحاكم في ~~جميع عباده { يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء } أي يغفر ~~لمن شاء من عباده ويعذب من شاء لا اعتراض لحكمه ولا راد لأمره { ~~ولله ملك السموت والأرض وما بينهما وإليه ~~المصير } أي الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه وإليه المرجع والمآب، ثم ~~دعاهم إلى الإيمان بخاتم المرسلين فقال { يا أهل الكتاب قد ~~جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ~~} أي يا معشر اليهود والنصارى لقد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم يوضح ~~لكم شرائع الدين على انقطاع من الرسل ودروس من الدين، وكانت الفترة بين ~~عيسى ومحمد ومدتها خمسمائة وستون سنة لم يبعث فيها رسول { أن ~~تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير } أي لئلا تحتجوا ~~وتقولوا: ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر { فقد جاءكم ~~بشير ونذير } هو محمد صلى الله عليه وسلم { والله على ~~كل شيء قدير } قال ابن جرير: أي قادر على عقاب من عصاه وثواب ~~من أطاعه، ثم ذكر تعالى ما عليه اليهود من العناد والجحود فقال { وإذ ~~قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله ~~عليكم } أي اذكر يا محمد حين قال موسى لبني إسرائيل يا قوم تذكروا ~~نعمة الله العظمى عليكم واشكروه عليها { إذ جعل فيكم أنبيآء ~~وجعلكم ملوكا } أي حين بعث فيكم الأنبياء يرشدونكم إلى معالم ~~الدين وجعلكم تعيشون كالملوك لا يغلبكم غالب بعد أن كنتم مملوكين لفرعون ~~مقهورين فأنقذكم منه بإغراقه قال البيضاوي: لم يبعث في أمة ما بعث في ~~بني إسرائيل من الأنبياء { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين } أي من أنواع الإنعام والإكرام من فلق البحر وتظليل ~~الغمام وإنزال المن والسلوى ونحوها { ياقوم ادخلوا الأرض ~~المقدسة التي كتب الله لكم } قال البيضاوي: هي أرض بيت ~~المقدس سميت بذلك ms0341 لأنها كانت قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين ومعنى { ~~التي كتب الله لكم } أي التي وعدكموها على لسان أبيكم ~~اسرائيل وقضى أن تكون لكم { ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين } أي ولا ترجعوا مدبرين خوفا من الجبابرة قال ~~في التسهيل: روي أنه لما أمرهم موسى بدخول الأرض المقدسة خافوا من ~~الجبارين الذين فيها وهموا أن يرجعوا إلى مصر { قالوا ياموسى ~~إن فيها قوما جبارين } أى عظام الأجسام طوال القامة لا قدرة ~~لنا على قتالهم وهم العمالقة من بقايا عاد { وإنا لن ندخلها ~~حتى يخرجوا منها } أي لن ندخلها حتى يسلموها لنا من غير ~~قتال { فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } أي لا يمكننا ~~الدخول ما داموا فيها فإن خرجوا منها دخلناها { قال رجلان من ~~الذين يخافون أنعم الله عليهما } أي فلما جبنوا ~~حرضهم رجلان من النقباء ممن يخاف أمر الله ويخشى عقابه وفيهما الصلاح ~~واليقين { ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه ~~فإنكم غالبون } أي قالا لهم لا يهولنكم عظم أجسامهم، ~~فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة فإذا دخلتم عليهم باب المدينة غلبتموهم ~~بإذن الله { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } ~~أي اعتمدوا على الله فإنه ناصركم إن كنتم حقا مؤمنين { قالوا ~~ياموسى إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها ~~فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } وهذا ~~إفراط في العصيان ومع سوء الأدب بعبارة تقتضي الكفر والاستهانة بالله ~~ورسوله، وأين هؤلاء من الصحابة الأبرار الذين قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل ولكن نقول لك اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون؟! { قال رب إني لا أملك ~~إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين } أي قال موسى حينذاك معتذرا إلى الله متبرءا من مقالة ~~السفهاء: يا رب لا أملك قومي، لا أملك إلا نفسي وأخي هارون فافصل بيننا ~~وبين الخارجين عن طاعتك بحكمك العادل { قال فإنها محرمة ~~عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض } استجاب الله ~~دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة والمعنى: قال الله لموسى إن الأرض ~~المقدسة ms0342 محرم عليهم دخولها مدة أربعين سنة يتيهون في الأرض ولا يهتدون ~~إلى الخروج منها { فلا تأس على القوم الفاسقين } أي لا ~~تحزن عليهم فإنهم فاسقون مستحقون للعقاب قال في التسهيل: روي أنهم كانوا ~~يسيرون الليل كله فإذا أصبحوا وجدوا أنفسهم في الموضع الذي كانوا فيه. # البلاغة: 1- { أن يبسطوا إليكم أيديهم } بسط الأيدي ~~كناية عن البطش والفتك، وكف الأيدي كناية عن المنع والحبس. # 2- { وبعثنا منهم } فيه التفات عن الغيبة إلى المتكلم ومقتضى ~~الظاهر وبعث وإنما التفت اعتناء بشأنه. # 3- { ويخرجهم من الظلمات إلى النور } فيه استعارة ~~استعار الظلمات للكفر والنور للإيمان. # 4- { وجعلكم ملوكا } فيه تشبيه بليغ أي كالملوك في رغد العيش ~~وراحة البال فحذف أداة الشبه ووجه الشبه فأصبح بليغا. # 5- الطباق بين { يغفر.. ويعذب }. # 6- { أنعم الله عليهما } جملة اعتراضية لبيان فضل الله على ~~عباده الصالحين. # الفوائد: الأولى: إنما سميت الأرض المقدسة أي المطهرة لسكنى الأنبياء ~~المطهرين فيها فشرفت وطهرت بهم فالظرف طاب بالمظروف. # الثانية: قال بعض العارفين لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب ~~لا يعذب حبيبه؟ فسكت ولم يرد عليه فتلا عليه هذه الآية { قل فلم ~~يعذبكم بذنوبكم } ففي الآية دليل على أن المحب لا يعذب حبيبه ~~ذكره ابن كثير. ### || [5.27-40] # المناسبة: لما ذكر تعالى تمرد بني إسرائيل وعصيانهم لأمر الله في ~~قتال الجبارين، ذكر قصة ابني آدم وعصيان " قابيل " أمر الله وإقدامه على ~~قتل النفس البريئة التي حرمها الله، فاليهود اقتفوا في العصيان أول ~~عاص لله في الأرض، فطبيعة الشر فيهم مستقاة من ولد آدم الأول، فاشتبهت ~~القصتان من حيث التمرد والعصيان، ثم ذكر تعالى عقوبة قطاع الطريق ~~والسراق الخارجين على أمن الدولة والمفسدين في الأرض. # اللغة: { قربانا } القربان ما يتقرب به إلى الله { تبوء } ~~ترجع يقال: باء إذا رجع إلى المباءة وهي المنزل { فطوعت } سولت ~~وسهلت يقال: طاع الشيء إذا سهل وانقاد وطوعه له أي سهله { ~~يبحث } يفتش وينقب { سوءة } السوأة: العورة { ياويلتا } ~~كلمة تحسر وتلهف قال سيبويه: كلمة تقال عند الهلكة { ينفوا } نفاه: ~~طرده وأصله الإهلاك ومنه ms0343 النفاية لرديء المتاع { خزي } الخزي: ~~الفضيحة والذل يقال أخزاه الله أي فضحه وأذله { الوسيلة } كل ما ~~يتوسل به إلى الله { نكالا } عقوبة. # سبب النزول: عن أنس أن رهطا من عرينة قدموا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فاجتووا المدينة - استوخموها - فبعثهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى إبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما ~~صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم فأرسل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فجيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم ~~وأرجلهم وسمرت أعينهم وألقوا في الحرة حتى ماتوا فنزلت { إنما ~~جزآء الذين يحاربون الله ورسوله.. } الآية. # التفسير: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق } أي ~~اقرأ يا محمد على هؤلاء الحسدة من اليهود وأشباههم خبر " قابيل وهابيل " ~~ابني آدم ملتبسة بالحق والصدق وذكرهم بهذه القصة فهي قصة حق { إذ ~~قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل ~~من الآخر } أي حين قرب كل منهما قربانا فتقبل من هابيل ولم ~~يتقبل من قابيل قال المفسرون: سبب هذا القربان أن حواء كانت تلد في كل ~~بطن ذكرا وأنثى وكان يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر ~~فلما أراد آدم أن يزوج قابيل أخت هابيل ويزوج هابيل أخت قابيل رضي ~~هابيل وأبى قابيل لأن توأمته كانت أجمل فقال لهما آدم: قربا قربانا فمن ~~أيكما تقبل تزوجها، وكان قابيل صاحب زرع فقرب أرذل زرعه وكان هابيل ~~صاحب غنم فقرب أحسن كبش عنده فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته ~~فازداد قابيل حسدا وسخطا وتوعده بالقتل { قال لأقتلنك } أي ~~قال قابيل لأخيه هابيل لأقتلنك قال: لم؟ قال لأنه تقبل قربانك ولم يتقبل ~~قرباني قال: وما ذنبي؟ { قال إنما يتقبل الله من ~~المتقين } أي إنما يتقبل ممن اتقى ربه وأخلص نيته قال البيضاوي: ~~توعده بالقتل لفرط الحسد له على تقبل قربانه فأجابه بأنك أتيت من قبل ~~نفسك بترك التقوى لا من قبلي وفيه إشارة إلى أن الطاعة لا تقبل إلا ~~من مؤمن متق ms0344 لله { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ ~~أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } أي لئن مددت إلي يدك ~~ظلما لأجل قتلي ما كنت لأقابلك بالمثل قال ابن عباس المعنى: ما أنا ~~بمنتصر لنفسي { إني أخاف الله رب العالمين } أي لا ~~أمد يدي إليك لأني أخاف رب العالمين قال الزمخشري: قيل: كان هابيل ~~أقوى من القاتل ولكنه تحرج عن قتل أخيه خوفا من الله { إني أريد ~~أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار } ~~أي إن قتلتني فذاك أحب إلي من أن أقتلك قال أبو حيان: المعنى إن ~~سبق بذلك قدر فاختياري أن أكون مظلوما ينتصر الله لي لا ظالما وقال ~~ابن عباس: المعنى لا أبدؤك بالقتل لترجع بإثم قتلي إن قتلتني، وإثمك ~~الذي كان منك قبل قتلي فتصير من أهل النار { وذلك جزآء ~~الظالمين } أي عقاب من تعدى وعصى أمر الله { فطوعت له ~~نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين } أي ~~زينت له نفسه وسهلت له قتل أخيه فقتله فخسر وشقي قال ابن عباس: خوفه ~~بالنار فلم ينته ولم ينزجر { فبعث الله غرابا يبحث في ~~الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه } أي أرسل الله ~~غرابا يحفر بمنقاره ورجله الأرض ليري القاتل كيف يستر جسد أخيه قال ~~مجاهد: بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر له فدفنه، ~~وكان ابن آدم هذا أول من قتل، وروي أنه لما قتله تركه بالعراء ولم يدر ~~كيف يدفنه حتى رأى الغراب يدفن صاحبه فلما رآه { قال ياويلتا ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة ~~أخي } أي قال قابيل متحسرا يا ويلي ويا هلاكي أضعفت أن أكون مثل هذا ~~الطير فأستر جسد أخي في التراب كما فعل هذا الغراب؟ { فأصبح من ~~النادمين } أي صار نادما على عدم الاهتداء إلى دفن أخيه لا على ~~قتله قال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة له { ~~من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من ~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ms0345 } أي من أجل ~~حادثة " قابيل وهابيل " وبسبب قتله لأخيه ظلما فرضنا وحكمنا على بني ~~إسرائيل أن من قتل منهم نفسا ظلما بغير أن يقتل نفسا فيستحق القصاص ~~وبغير فساد يوجب إهدار الدم كالردة وقطع الطريق { فكأنما قتل ~~الناس جميعا } أي فكأنه قتل جميع الناس قال البيضاوي: من حيث انه ~~هتك حرمة الدماء وسن القتل وجرأ الناس عليه، والمقصود منه تعظيم قتل ~~النفس وإحيائها في القلوب ترهيبا عن التعرض لها وترغيبا في المحاماة ~~عليها { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } أي ~~ومن تسبب لبقاء حياتها واستنقذها من الهلكة فكأنه أحيا جميع الناس ~~قال ابن عباس في تفسير الآية: من قتل نفسا واحدة حرمها الله فهو مثل ~~من قتل الناس جميعا ومن امتنع عن قتل نفس حرمها الله وصان حرمتها خوفا ~~من الله فهو كمن أحيا الناس جميعا { ولقد جآءتهم رسلنا ~~بالبينت } أي بعدما كتبنا على بني إسرائيل هذا التشديد العظيم ~~وجاءتهم رسلنا بالمعجزات الساطعات والآيات الواضحات { ثم إن ~~كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون } أي ثم ~~إنهم بعد تلك الزواجر كلها يسرفون في القتل ولا يبالون بعظمته قال ابن ~~كثير: هذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها وقال ~~الرازي: إن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل ~~الأنبياء والرسل وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة ~~الله تعالى، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لأنهم عزموا على الفتك به وبأصحابه كان تخصيص بني إسرائيل بهذه ~~المبالغة العظيمة مناسبا للكلام ومؤكدا للمقصود، ثم ذكر تعالى عقوبة ~~قطاع الطريق فقال { إنما جزآء الذين يحاربون الله ~~ورسوله } أي يحاربون شريعة الله ودينه وأولياءه ويحاربون رسوله { ~~ويسعون في الأرض فسادا } أي يفسدون في الأرض بالمعاصي وسفك ~~الدماء { أن يقتلوا } أي يقتلوا جزاء بغيهم { أو ~~يصلبوا } أي يقتلوا ويصلبوا زجرا لغيرهم، والصيغة للتكثير { ~~أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } معناه أن تقطع ~~أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى { أو ينفوا من الأرض ms0346 } أي ~~يطردوا ويبعدوا من بلد إلى بلد آخر { ذلك لهم خزي في ~~الدنيا } أي ذلك الجزاء المذكور ذل لهم وفضيحة في الدنيا { ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم } هو عذاب النار، قال بعض العلماء: ~~الإمام بالخيار إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع الأيدي ~~والأرجل، وإن شاء نفى وهو مذهب مالك. # وقال ابن عباس: لكل رتبة من الحرابة رتبة من العقاب فمن قتل ~~قتل، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده ~~ورجله من خلاف، ومن أخاف فقط نفي من الأرض، وهذا قول الجمهور { إلا ~~الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } أي لكن ~~الذين تابوا من المحاربين وقطاع الطريق قبل القدرة على أخذهم وعقوبتهم ~~{ فاعلموا أن الله غفور رحيم } أي واسع المغفرة ~~والرحمة لمن تاب وأناب يقبل توبته ويغفر زلته، ثم أمر تعالى المؤمنين ~~بالتقوى والعمل الصالح فقال { يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وابتغوا إليه الوسيلة } أي خافوا عقابه واطلبوا ما ~~يقربكم إليه من طاعته وعبادته قال قتادة: تقربوا إليه بطاعته والعمل ~~بما يرضيه { وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون } أي ~~جاهدوا لإعلاء دينه لتفوزوا بنعيم الأبد { إن الذين كفروا ~~لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه } أي لو ~~كان لكل كافر جميع ما في الأرض من خيرات وأموال ومثله معه { ~~ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل ~~منهم ولهم عذاب أليم } أي وأراد أن يفتدي بها نفسه من عذاب ~~الله ما نفعه ذلك وله عذاب مؤلم موجع { يريدون أن يخرجوا من ~~النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } أي ~~دائم لا ينقطع وفي الحديث # " يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ~~ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول نعم فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر ~~من ذلك ألا تشرك بي فأبيت فيؤمر به إلى النار " # ثم ذكر تعالى عقوبة السارق فقال { والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما } أي كل من سرق رجلا كان أو امرأة ms0347 فاقطعوا ~~يده { جزآء بما كسبا } أي مجازاة لهما على فعلهما القبيح { ~~نكالا من الله } أي عقوبة من الله { والله عزيز حكيم ~~} أي حكيم في شرعه فلا يأمر بقطع اليد ظلما { فمن تاب من بعد ~~ظلمه } أي رجع عن السرقة { وأصلح } أي أصلح سيرته وعمله { ~~فإن الله يتوب عليه } أي يقبل توبته فلا يعذبه في الآخرة { ~~إن الله غفور رحيم } أي مبالغ في المغفرة والرحمة، ثم نبه ~~تعالى على واسع ملكه وأنه لا معقب لحكمه فقال { ألم تعلم أن ~~الله له ملك السموت والأرض } أي ألم تعلم أيها ~~المخاطب أن الله تعالى له السلطان القاهر والملك الباهر وبيده ملكوت ~~السماوات والأرض والاستفهام للتقرير { يعذب من يشآء ويغفر ~~لمن يشآء والله على كل شيء قدير } أي يعذب من يشاء ~~تعذيبه ويغفر لمن يشاء غفران ذنبه وهو القادر على كل شيء الذي لا يعجزه ~~شيء. # البلاغة: 1- الطباق بين كلمة { قتل... وأحيا } وهو من المحسنات ~~البديعية وكذلك بين { يعذب.. ويغفر }. # 2- { يحاربون الله } هو على حذف مضاف أي يحاربون أولياء الله ~~لأن الله لا يحارب ولا يغالب فالكلام على سبيل المجاز. # 3- الاستعارة { ومن أحياها } لأن المراد استبقاها ولم يتعرض ~~لقتلها، وإحياء النفس بعد موتها لا يقدر عليه إلا الله تعالى. # 4- { لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به } قال الزمخشري: هذا تمثيل للزوم العذاب لهم وأنه لا ~~سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه من الوجوه. # 5- طباق السلب { لئن بسطت.. مآ أنا بباسط يدي }. # الفوائد: الأولى: النفي من الأرض كما يكون بالطرد والإبعاد يكون ~~بالحبس ولهذا قال مالك رحمه الله: النفي: السجن ينفى من سعة الدنيا ~~إلى ضيقها قال الشاعر وهو في السجن: # خرجنا عن الدنيا وعن وصل أهلها # فلسنا من الأحيا ولسنا من الموتى # إذا جاءنا السجان يوما لحاجة # عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا # الثانية: السر في تقديم السارق على السارقة هنا وتقديم الزانية على ~~الزاني في قوله # الزانية والزاني فاجلدوا # [النور: 2] أن الرجل على السرقة أجرأ، والزنى من المرأة أشنع ms0348 وأقبح ~~فناسب ذكر كل منهما المقام. # الثالثة: قال الأصمعي: قرأت يوما هذه الآية { والسارق ~~والسارقة } وإلى جنبي أعرابي فقلت # والله غفور رحيم # [البقرة: 218] سهوا فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله قال: ~~ليس هذا بكلام الله أعد فأعدت وتنبهت فقلت { والله عزيز ~~حكيم } فقال: نعم هذا كلام الله فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. قلت: ~~فمن أين علمت أني أخطأت؟ فقال يا هذا: عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم ~~لما قطع. # الرابعة: اعترض بعض الملحدين على الشريعة الغراء في قطع يد السارق ~~بالقليل من المال ونظم ذلك شعرا فقال: # يد بخمس مئين عسجد وديت # ما بالها قطعت في ربع دينار؟ # تحكم مالنا إلا السكوت له # وأن نعوذ بمولانا من النار # فأجابه بعض العلماء بقوله: # عز الأمانة أغلاها وأرخصها # ذل الخيانة فافهم حكمة الباري # أي لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت، ويا له من قول سديد. # " كلمة وجيزة حول قطع يد السارق " # يعيب بعض الغربيين على الشريعة الإسلامية قطع يد السارق ويزعمون أن هذه ~~العقوبة صارمة لا تليق بمجتمع متحضر ويقولون: يكفي في عقوبته السجن ردعا ~~له، وكان من أثر هذه الفلسفة التي لا تستند على منطق سليم أن زادت ~~الجرائم وكثرت العصابات وأصبحت السجون ممتلئة بالمجرمين وقطاع الطريق ~~الذين يهددون الأمن والاستقرار، يسرق السارق وهو آمن مطمئن لا يخشى ~~شيئا اللهم إلا ذلك السجن الذي يطعم ويكسى فيه فيقضي مدة العقوبة ~~التي فرضها عليه القانون الوضعي ثم يخرج منه وهو إلى الإجرام أميل وعلى ~~الشر أقدر، يؤكد هذا ما نقرؤه ونسمعه عن تعداد الجرائم وزيادتها يوما ~~بعد يوم، وذلك لقصور العقل البشري عن الوصول إلى الدواء الناجع والشفاء ~~النافع لمعالجة مثل هذه الأمراض الخطيرة، أما الإسلام فقد استطاع أن ~~يقتلع الشر من جذوره ويد واحدة تقطع كافية لردع المجرمين فيا له من ~~تشريع حكيم!! ### || [5.41-50] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصة ابني آدم وإقدام الأخ على قتل أخيه ~~بسبب البغي والحسد وذكر أحكام الحرابة والسرقة، أعقبه بذكر أمر المنافقين ms0349 ~~وأمر اليهود في حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم وتربصهم به وبأصحابه ~~الدوائر، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ألا يحزن لما يناله من أذى من ~~أعداء الإنسانية فالله سيعصمه من شرهم، وينجيه من مكرهم، ثم ذكر ما أنزل ~~الله من أحكام نورانية في شريعة التوراة. # اللغة: { يحزنك } الحزن والحزن خلاف السرور { السحت }: ~~الحرام سمي بذلك لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها وأصل السحت: ~~الهلاك قال تعالى # فيسحتكم بعذاب # [طه: 61] أي يستأصلكم ويهلككم { الأحبار } جمع حبر وهو العالم ~~مأخوذ من التحبير وهو التحسين { وقفينا } أتبعنا { مهيمنا } ~~المهيمن: الرقيب على الشيء الحافظ له، من هيمن عليه أي راقبه ويأتي بمعنى ~~العالي والمرتفع على الشيء { شرعة } الشرعة: السنة والطريقة ~~يقال: شرع لهم أي سن لهم { منهاجا } المنهاج: الطريق الواضح # سبب النزول: عن البراء بن عازب قال: # " مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما مجلودا فدعاهم ~~فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا نعم فدعا رجلا من علمائهم ~~فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في ~~كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم ولكنه كثر ~~في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا ~~عليه الحد فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ~~فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم " # فأنزل الله { يأيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر } إلى قوله { إن أوتيتم هذا ~~فخذوه } يقولون: ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن ~~أفتاكم بالرجم فاحذروا. # التفسير: { يأيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر } الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم على وجه ~~التسلية أي لا تتأثر يا محمد ولا تحزن لصنيع الذين يتسابقون نحو الكفر ~~ويقعون فيه بسرعة { من الذين قالوا آمنا بأفواههم ~~ولم تؤمن قلوبهم } أي من المنافقين الذين لم يجاوز الإيمان ~~أفواههم يقولون بألسنتهم آمنا ms0350 وقلوبهم كافرة { ومن الذين هادوا ~~} أي ومن اليهود { سماعون للكذب } أي هم مبالغون في سماع ~~الأكاذيب والأباطيل وفي قبول ما يفتريه أحبارهم من الكذب على الله وتحريف ~~كتابه { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } أي مبالغون في ~~قبول كلام قوم آخرين لم يحضروا مجلسك تكبرا وإفراطا في العداوة ~~والبغضاء وهم يهود خيبر، والسماعون للكذب بنو قريظة { يحرفون ~~الكلم من بعد مواضعه } أي يزيلونه ويميلونه عن مواضعه بعد ~~أن وضعه الله تعالى فيها والمراد تحريف أحكام الله وتغييرها بأحكام أخرى ~~قال ابن عباس: هي حدود الله في التوراة غيروا الرجم بالجلد والتحميم - ~~يعني تسويد الوجه - { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ~~وإن لم تؤتوه فاحذروا } أي إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوا ~~وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا قال تعالى ردا عليهم { ومن يرد ~~الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } أي ومن ~~يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه { أولئك ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } أي لم يرد ~~الله أن يطهر قلوبهم من رجس الكفر وخبث الضلالة لقبح صنيعهم وسوء ~~اختيارهم { لهم في الدنيا خزي } أي ذل وفضيحة { ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم } هو الخلود في نار جهنم قال أبو حيان: والآية ~~جاءت تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتخفيفا عنه من ثقل حزنه على ~~مسارعتهم في الكفر وقطعا لرجائه من فلاحهم { سماعون للكذب } ~~أي الباطل كرره تأكيدا وتفخيما { أكالون للسحت } أي الحرام ~~من الرشوة والربا وشبه ذلك { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم } أي إن تحاكموا إليك يا محمد فيما شجر بينهم من ~~الخصومات فأنت مخير بين أن تحكم بينهم وبين أن تعرض عنهم قال ابن كثير: ~~أي إن جاءوك يتحاكمون إليك فلا عليك ألا تحكم بينهم لأنهم لا يقصدون ~~بتحاكمهم إليك اتباع الحق بل ما يوافق أهواءهم { وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا } أي لأن الله عاصمك وحافظك من الناس ~~{ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله ~~يحب المقسطين } أي فاحكم بينهم بالعدل والحق ms0351 وإن كانوا ظلمة ~~خارجين عن طريق العدل لأن الله يحب العادلين، ثم قال تعالى منكرا عليهم ~~مخالفتهم لأحكام التوراة { وكيف يحكمونك وعندهم ~~التوراة فيها حكم الله } أي كيف يحكمك يا محمد هؤلاء ~~اليهود ويرضون بحكمك وعندهم التوراة فيها حكم الله يرونه ولا يعملون به؟ ~~قال الرازي: هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بتحكيم ~~اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني ثم تركهم قبول ذلك ~~الحكم، فعدلوا عما يعتقدونه حكما حقا إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا ~~للرخصة فظهر بذلك جهلهم وعنادهم { ثم يتولون من بعد ذلك ~~} أي يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد أن وضح لهم الحق وبان { ومآ ~~أولئك بالمؤمنين } أي ليسوا بمؤمنين لأنهم لا يؤمنون ~~بكتابهم " التوراة " لإعراضهم عنه وعن حكمك الموافق لما فيه قال في ~~التسهيل: وهذا إلزام لهم لأن من خالف كتاب الله وبدله فدعواه الإيمان ~~باطلة، ثم مدح تعالى التوراة بأنها نور وضياء فقال { إنآ أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور } أي أنزلنا التوراة على موسى فيها ~~بيان واضح ونور ساطع يكشف ما اشتبه من الأحكام { يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا } أي يحكم بالتوراة أنبياء بني ~~إسرائيل الذين انقادوا لحكم الله { للذين هادوا } أي يحكمون ~~بالتوراة لليهود لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها { ~~والربانيون والأحبار } أي العلماء منهم والفقهاء { بما ~~استحفظوا من كتاب الله } أي بسبب أمر الله إياهم بحفظ ~~كتابه من التحريف والتضييع { وكانوا عليه شهدآء } أي رقباء ~~لئلا يبدل ويغير { فلا تخشوا الناس واخشون } أي لا ~~تخافوا يا علماء اليهود الناس في إظهار ما عندكم من نعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم والرجم بل خافوا مني في كتمان ذلك { ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا } أي ولا تستبدلوا بآياتي حطام الدنيا الفاني ~~من الرشوة والجاه والعرض الخسيس { ومن لم يحكم بمآ أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون } أي من لم يحكم بشرع الله ~~كائنا من كان فقد كفر وقال الزمخشري: ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~مستهينا به ms0352 فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون وصف لهم بالعتو في ~~كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهزاء والاستهانة وتمردوا بأن حكموا ~~بغيرها قال أبو حيان: والآية وإن كان الظاهر من سياقها أن الخطاب فيها ~~لليهود إلا أنها عامة في اليهود وغيرهم. # . وكل آية وردت في الكفار تجر بذيلها على عصاة المؤمنين { وكتبنا ~~عليهم فيهآ أن النفس بالنفس } أي فرضنا على اليهود في ~~التوراة أن النفس تقتل بالنفس { والعين بالعين } أي تفقأ ~~بالعين إذا فقئت بدون حق { والأنف بالأنف } أي يجدع بالأنف ~~إذا قطع ظلما { والأذن بالأذن } أي تقطع بالأذن { والسن ~~بالسن } أي يقلع بالسن { والجروح قصاص } أي يقتص من ~~جانيها بأن يفعل به مثل ما فعله بالمجني عليه وهذا في الجراح التي يمكن ~~فيها المماثلة ولا يخاف على النفس منها { فمن تصدق به فهو ~~كفارة له } قال ابن عباس: أي فمن عفا عن الجاني وتصدق عليه فهو ~~كفارة للمطلوب وأجر للطالب وقال الطبري: من تصدق من أصحاب الحق وعفا ~~فهو كفارة له أي للمتصدق ويكفر الله ذنوبه لعفوه وإسقاطه حقه { ومن ~~لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون } ~~أي المبالغون في الظلم لمخالفة شرع الله { وقفينا على آثارهم ~~بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة } أي أتبعنا على آثار النبيين بعيسى بن مريم وأرسلناه ~~عقيبهم مصدقا لما تقدمه من التوراة { وآتيناه الإنجيل فيه ~~هدى ونور } أي أنزلنا عليه الإنجيل فيه هدى إلى الحق ونور يستضاء ~~به في إزالة الشبهات { ومصدقا لما بين يديه من ~~التوراة } أي معترفا بأنها من عند الله، والتكرير لزيادة التقرير { ~~وهدى وموعظة للمتقين } أي وهاديا وواعظا للمتقين { ~~وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه } أي ~~وآتينا عيسى بن مريم الإنجيل وأمرناه وأتباعه بالحكم به { ومن لم ~~يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } أي ~~المتمردون الخارجون عن الإيمان وطاعة الله { وأنزلنآ إليك ~~الكتاب بالحق } أي وأنزلنا إليك يا محمد القرآن بالعدل والصدق ~~الذي لا ريب فيه { مصدقا لما بين يديه من الكتاب } ~~أي مصدقا للكتب ms0353 السماوية التي سبقته { ومهيمنا عليه } أي ~~مؤتمنا عليه وحاكما على ما قبله من الكتب قال الزمخشري: أي رقيبا على ~~سائر الكتب لأنه يشهد لها بالصحة والثبات قال ابن كثير: اسم المهيمن ~~يتضمن ذلك فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله جمع الله فيه محاسن ~~ما قبله وزاده من الكمالات ما ليس في غيره { فاحكم بينهم بمآ ~~أنزل الله } أي فاحكم يا محمد بين الناس بما أنزل الله إليك في ~~هذا الكتاب العظيم { ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من ~~الحق } أي لا توافقهم على أغراضهم الفاسدة عادلا عما جاءك في هذا ~~القرآن قال ابن كثير: أي لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء ~~هؤلاء من الجهلة الأشقياء { لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا } أي لكل أمة جعلنا شريعة وطريقا بينا واضحا خاصا بتلك ~~الأمة قال أبو حيان: لليهود شرعة ومنهاج وللنصارى كذلك والمراد في ~~الأحكام وأما المعتقد فواحد لجميع الناس توحيد وإيمان بالرسل وجميع ~~الكتب وما تضمنته من المعاد والجزاء { ولو شآء الله لجعلكم ~~أمة واحدة } أي لو أراد الله لجمع الناس كلهم على دين واحد ~~وشريعة واحدة لا ينسخ شيء منها الآخر { ولكن ليبلوكم في ~~مآ آتاكم } أي شرع الشرائع مختلفة ليختبر العباد هل يذعنون لحكم الله ~~أم يعرضون، فخالف بين الشرائع لينظر المطيع من العاصي { فاستبقوا ~~الخيرات } أي فسارعوا إلى ما هو خير لكم من طاعة الله واتباع شرعه ~~{ إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون } أي معادكم ومصيركم أيها الناس إلى الله يوم القيامة ~~فيخبركم بما اختلفتم فيه من أمر الدين ويجازيكم بأعمالكم { وأن احكم ~~بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم } أي ~~أحكم بين أهل الكتاب بهذا القرآن ولا تتبع أهواءهم الزائفة { ~~واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل الله إليك ~~} أي احذر هؤلاء الأعداء أن يصرفوك عن شريعة الله فإنهم كذبة كفرة ~~خونة { فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن ~~يصيبهم ببعض ذنوبهم } أي فإن أعرضوا عن الحكم بما أنزل ~~الله ms0354 وأرادوا غيره فاعلم يا محمد أنما يريد الله أن يعاقبهم ببعض ~~إجرامهم { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } أي أكثر ~~الناس خارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق منهمكون في المعاصي { أفحكم ~~الجاهلية يبغون } الاستفهام للإنكار والتوبيخ والمعنى ~~أيتولون عن حكمك ويبتغون غير حكم الله وهو حكم الجاهلية؟ { ومن ~~أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } أي ومن أعدل من ~~الله في حكمه، وأصدق في بيانه، وأحكم في تشريعه لقوم يصدقون بالعلي ~~الحكيم!! # البلاغة: 1- { يأيها الرسول } الخطاب بلفظ الرسالة للتشريف ~~والتعظيم. # 2- { يسارعون في الكفر } إيثار كلمة " في " على كلمة " إلى ~~" للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه وإنما ينتقلون ~~بالمسارعة عن بعض فنونه إلى بعض آخر. # 3- { سماعون للكذب } صيغة فعال للمبالغة أي مبالغون في سماع ~~الكذب. # 4- { لهم في الدنيا خزي } تنكير الخزي للتفخيم وتكرير لهم { ~~ولهم في الآخرة } لزيادة التقرير والتأكيد وبين كلمتي " الدنيا ~~والآخرة " طباق. # 5- { وكيف يحكمونك } تعجيب من تحكيمهم لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهم لا يؤمنون به ولا بكتابه. # 6- { ومآ أولئك بالمؤمنين } الإشارة بالبعيد للإيذان ~~ببعد درجتهم في العتو والمكابرة. # 7- { فلا تخشوا الناس } خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق ~~الإلتفات والأصل " فلا يخشوا ". # 8- { فاستبقوا الخيرات } أي بادروا فعل الخيرات وفيه استعارة ~~حيث شبهه بالمتسابقين على ظهور الخيل إذ كل واحد ينافس صاحبه في السبق ~~لبلوغ الغاية المقصودة. # الفوائد: قال الفخر الرازي: خاطب الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بقوله # يأيها النبي # [الأحزاب: 1] في مواضع كثيرة وما خاطبه بقوله { يأيها الرسول } ~~إلا في موضعين أحدهما { يأيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر } والثاني في هذه السورة أيضا وهو قوله # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك # [المائدة: 67] وهذا الخطاب لا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم. # تنبيه: يقول شهيد الإسلام " سيد قطب " طيب الله ثراه في تفسير الظلال ~~ما نصه " إن الجاهلية في ضوء هذا النص القرآني البليغ { أفحكم ~~الجاهلية يبغون } هي حكم البشر للبشر وعبودية البشر للبشر ~~ورفض ألوهية الله والخروج من عبوديته إلى عبودية غير الله، إنه مفرق ~~الطريق ms0355 فإما حكم الله، وإما حكم الجاهلية ولا وسط ولا بديل، إما أن تنفذ ~~شريعة الله في حياة الناس أو ينفذ حكم الجاهلية وشريعة الهوى ومنهج ~~العبودية لغير الله، والجاهلية ليست فترة من الزمان ولكنها وضع من ~~الأوضاع يوجد بالأمس واليوم وغدا والناس إما أنهم يحكمون بشريعة الله ~~ويقبلونها ويسلمون بها تسليما فهم إذا مسلمون وإما أنهم يحكمون بشريعة ~~من صنع البشر فهم في جاهلية وهم خارجون عن شريعة الله ". ### || [5.51-66] # المناسبة: لما حكى تعالى عن أهل الكتاب أنهم تركوا العمل بالتوراة ~~والإنجيل وحكم عليهم بالكفر والظلم والفسوق، حذر تعالى في هذه الآيات ~~من موالاة اليهود والنصارى، ثم عدد جرائم اليهود وما اتهموا به الذات ~~الإلهية المقدسة من شنيع الأقوال وقبيح الفعال. # اللغة: { دآئرة } واحدة الدوائر وهي صروف الدهر ونوازله قال ~~الراجز: # ترد عنك القدر المقدورا # ودائرت الدهر أن تدورا # { حبطت } بطلت وذهبت { تنقمون } تنكرون وتعيبون { السحت } ~~الحرام وقد تقدم { مغلولة } مقبوضة والغل: القيد يوضع في اليد وهو ~~كناية عن البخل، وغله وضع القيد في يده { أطفأها } الإطفاء: ~~الإخماد حتى لا يبقى هناك أثر { مقتصدة } أي عادلة غير متغالية ~~من القصد وهو الاعتدال. # سبب النزول: أ - عن ابن عباس قال: كان " رفاعة بن زيد " و " ~~سويد بن الحارث " قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين ~~يوادونهما فأنزل الله { يأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا... } ~~الآية. # ب - عن ابن عباس قال: جاء نفر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام، فقال: أومن بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله " ونحن له مسلمون " ~~فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في ~~الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا من دينكم فأنزل الله { قل هل ~~أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله } الآية. # التفسير: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أوليآء } نهى تعالى المؤمنين عن موالاة ~~اليهود والنصارى ينصرونهم ms0356 ويستنصرون بهم ويصافونهم ويعاشرونهم معاشرة ~~المؤمنين { بعضهم أوليآء بعض } أي هم يد واحدة على ~~المسلمين لاتحادهم في الكفر والضلال، وملة الكفر واحدة { ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم } أي من جملتهم وحكمه حكمهم ~~قال الزمخشري: وهذا تغليظ من الله وتشديد في مجانبة المخالف في الدين ~~واعتزاله كما قال صلى الله عليه وسلم # " لا تراءى نارهما " # { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } أي لا يهديهم ~~إلى الإيمان { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون ~~فيهم } أي شك ونفاق كعبد الله بن أبي وأصحابه يسارعون في موالاتهم ~~ومعاونتهم { يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة } أي يقولون ~~معتذرين عن موالاة الكافرين نخاف حوادث الدهر وشروره أن يظفر اليهود ~~بالمسلمين فلا يتم الأمر لمحمد قال تعالى ردا على مزاعمهم الفاسدة { ~~فعسى الله أن يأتي بالفتح } يعني فتح مكة وهذه بشارة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بوعده تعالى بالفتح والنصرة { أو ~~أمر من عنده } أي يهلكهم بأمر من عنده لا يكون فيه تسبب ~~لمخلوق كإلقاء الرعب في قلوبهم كما فعل ببني النضير { فيصبحوا ~~على مآ أسروا في أنفسهم نادمين } أي يصير المنافقون ~~نادمين على ما كان منهم من موالاة أعداء الله من اليهود والنصارى { ~~ويقول الذين آمنوا } أي يقول المؤمنون تعجبا من حال ~~المنافقين إذا هتك الله سترهم { أهؤلاء الذين أقسموا ~~بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم } أي حلفوا لكم يا ~~معشر اليهود بأغلظ الإيمان إنهم لمعكم بالنصرة والمعونة كما حكى تعالى ~~عنهم # وإن قوتلتم لننصرنكم # [الحشر: 11] { حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين } أي ~~بطلت أعمالهم بنفاقهم فصاروا خاسرين في الدنيا والآخرة { يأيها ~~الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } خطاب على وجه ~~التحذير والوعيد والمعنى: يا معشر المؤمنين من يرجع منكم عن دينه الحق ~~ويبدله بدين آخر ويرجع عن الإيمان إلى الكفر { فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه } أي فسوف يأتي الله مكانهم ~~بأناس مؤمنين يحبهم الله ويحبون الله { أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين } أي رحماء متواضعين ~~للمؤمنين أشداء متعززين على الكافرين قال ابن كثير: وهذه صفات المؤمنين ms0357 ~~الكمل أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه متعززا على عدوه كقوله تعالى # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29] ومن علامة حب الله تعالى للمؤمن أن يكون لين الجانب ~~متواضعا لإخوانه المؤمنين متسربلا بالعزة حيال الكافرين والمنافقين { ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } ~~أي يجاهدون لإعلاء كلمة الله ولا يبالون بمن لامهم فهم صلاب في دين الله ~~لا يخافون في ذات الله أحدا { ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشآء } أي من اتصف بهذه الأوصاف الحميدة فإنما هو من فضل الله عليه ~~وتوفيقه له { والله واسع عليم } أي واسع الإفضال والإحسان ~~عليم بمن يستحق ذلك، ثم لما نهاهم تعالى عن موالاة الكفرة ذكر هنا من ~~هم حقيقون بالموالاة فقال { إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا } أي ليس اليهود والنصارى بأوليائكم إنما أولياؤكم ~~الله ورسوله والمؤمنون { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون } أي المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف ~~الجليلة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون متواضعون لله عز وجل ~~قال في التسهيل: ذكر تعالى الولي بلفظ المفرد إفرادا لله تعالى بهما، ~~ثم عطف على اسمه تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على سبيل ~~التبع، ولو قال " إنما أولياؤكم " لم يكن في الكلام أصل وتبع { ومن ~~يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ~~الله هم الغالبون } أي من يتول الله ورسوله والمؤمنين فإنه ~~من حزب الله وهم الغالبون القاهرون لأعدائهم { يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا } أي لا تتخذوا أعداء الدين الذين يسخرون من دينكم ويهزءون { ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار ~~أوليآء } أي من هؤلاء المستهزئين اليهود والنصارى وسائر الكفرة ~~أولياء لكم تودونهم وتحبونهم وهم أعداء لكم، فمن اتخذ دينكم سخرية لا ~~يصح لكم أن تصادقوه أو توالوه بل يجب أن تبغضوه وتعادوه { واتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين } أي اتقوا الله في موالاة الكفار ~~والفجار إن كنتم مؤمنين حقا، ثم بين تعالى جانبا من استهزائهم فقال ~~{ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ~~} أي وإذا ms0358 أذنتم إلى الصلاة ودعوتم إليها سخروا منكم ومن صلاتكم قال ~~في البحر: حسد اليهود الرسول صلى الله عليه وسلم حين سمعوا الأذان ~~وقالوا: ابتدعت شيئا لم يكن للأنبياء فمن أين لك الصياح كصياح العير ~~فما أقبحه من صوت فأنزل الله هذه الآية نبه تعالى على أن من استهزأ ~~بالصلاة ينبغي أن لا يتخذ وليا بل يهجر ويطرد، وهذه الآية جاءت ~~كالتوكيد للآية قبلها { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } أي ~~ذلك الفعل منهم بسبب أنهم فجرة لا يعقلون حكمة الصلاة ولا يدركون غايتها ~~في تطهير النفوس، ونفى العقل عنهم لكونهم لم ينتفعوا به في أمر الدين ~~وإن كان لهم عقول يدركون بها مصالح الدنيا { قل يأهل الكتاب ~~هل تنقمون منآ } أي قل يا محمد: يا معشر اليهود والنصارى هل ~~تعيبون علينا وتنكرون منا { إلا أن آمنا بالله ومآ أنزل ~~إلينا ومآ أنزل من قبل } أي إلا إيماننا بالله وبما جاء ~~به رسل الله قال ابن كثير: أي هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ~~ليس بعيب ولا مذمة فيكون الاستثناء منقطعا { وأن أكثركم ~~فاسقون } أي خارجون عن الطريق المستقيم { قل هل أنبئكم ~~بشر من ذلك } أي هل أخبركم بما هو شر من هذا الذي تعيبونه ~~علينا؟ { مثوبة عند الله } أي ثوابا وجزاء ثابتا عند الله ~~قال في التسهيل: ووضع الثواب موضع العقاب تهكما بهم نحو قوله # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21] { من لعنه الله } أي طرده من رحمته { وغضب ~~عليه } أي سخط عليه بكفره وانهماكه في المعاصي بعد وضوح الآيات { ~~وجعل منهم القردة والخنازير } أي ومسخ بعضهم قردة ~~وخنازير { وعبد الطاغوت } أي وجعل منهم من عبد الشيطان بطاعته ~~{ أولئك شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل } أي ~~هؤلاء الملعونون الموصوفون بتلك القبائح والفضائح شر مكانا في الآخرة ~~وأكثر ضلالا عن الطريق المستقيم قال ابن كثير والمعنى: يا أهل الكتاب ~~الطاعنين في ديننا الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادة دون ما سواه كيف ~~يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ms0359 ما ذكر؟ قال القرطبي: ولما نزلت ~~هذه الآية قال المسلمون لهم: يا إخوة القردة والخنازير فنكسوا رءوسهم ~~افتضاحا وفيهم يقول الشاعر: # فلعنة الله على اليهود # إن اليهود إخوة القرود # { وإذا جآءوكم قالوا آمنا } الضمير يعود إلى المنافقين ~~من اليهود أي إذا جاءوكم أظهروا الإسلام { وقد دخلوا ~~بالكفر وهم قد خرجوا به } أي والحال قد دخلوا إليك ~~كفارا وخرجوا كفارا لم ينتفعوا بما سمعوا منك يا محمد من العلم، ولا ~~نجعت فيهم المواعظ والزواجر { والله أعلم بما كانوا ~~يكتمون } أي من كفرهم ونفاقهم وفيه وعيد شديد لهم { وترى ~~كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان } أي وترى ~~كثيرا من اليهود يسابقون في المعاصي والظلم { وأكلهم السحت } ~~أي أكلهم الحرام { لبئس ما كانوا يعملون } أي بئس أعمالهم ~~القبيحة تلك الأخلاق الشنيعة { لولا ينهاهم الربانيون ~~والأحبار } أي هلا يزجرهم علماؤهم وأحبارهم { عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت } أي عن المعاصي والآثام وأكل الحرام { ~~لبئس ما كانوا يصنعون } أي بئس صنيعهم ذلك تركهم النهي عن ~~ارتكاب محارم الله قال ابن عباس: ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه ~~الآية - يعني على العلماء - وقال أبو حيان: تضمنت هذه الآية توبيخ ~~العلماء والعباد على سكوتهم عن النهي عن معاصي الله وأنشد ابن المبارك: # وهل أفسد الدين إلا الملو # ك وأحبار سوء ورهبانها # { وقالت اليهود يد الله مغلولة } أي قال اليهود ~~اللعناء إن الله بخيل يقتر الرزق على العباد قال ابن عباس: مغلولة أي ~~بخيلة أمسك ما عنده بخلا ليس يعنون أن يد الله موثقة ولكنهم يقولون إنه ~~بخيل { غلت أيديهم } دعاء عليهم بالبخل المذموم والفقر والنكد ~~{ ولعنوا بما قالوا } أي أبعدهم الله من رحمته بسبب تلك ~~المقالة الشنيعة { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء } ~~أي بل هو جواد كريم سابغ الإنعام يرزق ويعطي كما يشاء قال أبو السعود: ~~وتضييق الرزق ليس لقصور في فيضه بل لأن إنفاقه تابع لمشيئته المبنية ~~على الحكم وقد اقتضت الحكمة بسبب ما فيهم من شؤم المعاصي أن يضيق ~~عليهم { وليزيدن كثيرا منهم ms0360 مآ أنزل إليك من ~~ربك طغيانا وكفرا } أي وليزيدنهم هذا القرآن الذي أنزل ~~عليك يا محمد كفرا فوق كفرهم وطغيانا فوق طغيانهم إذ كلما نزلت آية ~~كفروا بها فيزداد طغيانهم وكفرهم كما أن الطعام للأصحاء يزيد المرضى ~~مرضا قال الطبري: أعلم تعالى نبيه أنهم أهل عتو وتمرد على ربهم وأنهم ~~لا يذعنون لحق وإن علموا صحته ولكنهم يعاندونه يسلي بذلك نبيه صلى ~~الله عليه وسلم في ذهابهم عن الله وتكذيبهم إياه { وألقينا ~~بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة } أي ~~ألقينا بين اليهود العداوة والبغضاء فكلمتهم مختلفة وقلوبهم شتى لا ~~يزالون متباغضين متعادين إلى قيام الساعة { كلمآ أوقدوا نارا ~~للحرب أطفأها الله } أي كلما أرادوا إشعال حرب على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أطفأها الله { ويسعون في الأرض ~~فسادا } أي يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله ويسعون لإثارة الفتن بين ~~المسلمين قال ابن كثير: أي من سجيتهم أنهم دائما يسعون في الإفساد في ~~الأرض { والله لا يحب المفسدين } أي لا يحب من كانت هذه ~~صفته { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا } أي لو أن ~~اليهود والنصارى آمنوا بالله وبرسوله حق الإيمان واتقوا محارم الله ~~فاجتنبوها { لكفرنا عنهم سيئاتهم } أي محونا عنهم ~~ذنوبهم التي اقترفوها { ولأدخلناهم جنات النعيم } أي ~~ولأدخلناهم مع ذلك في جنان النعيم { ولو أنهم أقاموا ~~التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم } ~~أي ولو أنهم استقاموا على أمر الله وعملوا بما في التوراة والإنجيل وبما ~~أنزل إليهم في هذا الكتاب الجليل الذي نزل على خاتم الرسل صلى الله ~~عليه وسلم { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } أي ~~لوسع الله عليهم الأرزاق وأغدق عليهم الخيرات بإفاضة بركات السماء ~~والأرض عليهم { منهم أمة مقتصدة } أي منهم جماعة معتدلة ~~مستقيمة غير غالية ولا مقصرة، وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~كعبد الله بن سلام والنجاشي وسلمان { وكثير منهم سآء ما ~~يعملون } أي وكثير منهم أشرار بئس ما يعملون من قبيح الأقوال وسوء ~~الفعال. # البلاغة: 1- { أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين ms0361 } بين لفظ " أعزة " و " أذلة " طباق وهو من المحسنات ~~البديعية وكذلك بين لفظ { من فوقهم.. ومن تحت أرجلهم }. # 2- { لومة لائم } في تنكير لومة ولائم مبالغة لا تخفى لأن ~~اللومة المرة من اللوم. # 3- { إن كنتم مؤمنين } هذا على سبيل التهييج. # 4- { هل تنقمون منآ إلا أن آمنا } يسمى مثل هذا عند ~~علماء البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس فقد جعلوا التمسك ~~بالإيمان موجبا للإنكار والنقمة مع أن الأمر بالعكس. # 5- { مثوبة عند الله من لعنه الله } هذا من باب ~~التهكم حيث استعملت المثوبة في العقوبة. # 6- { شر مكانا } نسب الشر للمكان وهو في الحقيقة لأهله وذلك ~~مبالغة في الذم. # 7- { يد الله مغلولة } غل اليد كناية عن البخل وبسطها كناية ~~عن الجود. # 8- { أوقدوا نارا للحرب } إيقاد النار في الحرب استعارة ~~لأن الحرب لا نار لها وإنما شبهت بالنار لأنها تأكل أهلها كما تأكل ~~النار حطبها. # 9- { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } استعارة ~~أيضا عن سبوغ النعم وتوسعة الرزق عليهم كما يقال: عمه الرزق من فوقه ~~إلى قدمه. # الفوائد: الأولى: روي أن عمر بلغه أن كاتبا نصرانيا قد استعمله أبو ~~موسى الأشعري فكتب إلى أبي موسى: لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا ~~تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله فقال له أبو ~~موسى: لا قوام للبصرة إلا به فقال عمر: مات النصراني فماذا تفعل. # الثانية: قتل مسيلمة الكذاب في عهد أبي بكر على يد " وحشي " قاتل ~~حمزة وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية - يريد حمزة - وشر الناس ~~في الإسلام - يريد مسيلمة الكذاب. # الثالثة: قال المفسرون: " عسى " من الله واجب لأن الكريم إذا أطمع في ~~خير فعله فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به. # الرابعة: قال البيضاوي في قوله تعالى { لولا ينهاهم ~~الربانيون } فيها تحضيض لعلمائهم للنهي عن ذلك فإن { لولا ~~} إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ وإذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض. ### || [5.67-81] # المناسبة: لما حذر تعالى المؤمنين من موالاة الكافرين، وكانت رسالته ~~صلى الله عليه وسلم تتضمن الطعن في أحوال الكفرة والمخالفين، ms0362 وهذا يستدعي ~~مناصبتهم العداء له ولأتباعه أمره تعالى في هذه الآيات بتبليغ الدعوة، ~~ووعده بالحفظ والنصرة، ثم ذكر تعالى طرفا من عقائد أهل الكتاب الفاسدة ~~وبخاصة النصارى الذين يعتقدون بألوهية عيسى وأنه ثالث ثلاثة، ورد عليهم ~~بالدليل القاطع والبرهان الساطع. # اللغة: { يعصمك } العصمة: الحفظ والحماية { طغيانا } الطغيان: ~~تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه { تأس } تحزن يقال: أسي يأسى، ~~والأسى: الحزن قال: # وانحلبت عيناه من فرط الأسى # { خلت } مضت { صديقة } الصديق: المبالغ في الصدق وفعيل من ~~أبنية المبالغة كما يقال رجل سكيت أي مبالغ في السكوت وسكير أي ~~كثير السكر { يؤفكون } يصرفون عن الحق يقال: أفكه إذا صرفه ومنه # أجئتنا لتأفكنا # [الأحقاف: 22] { تغلوا } الغلو: التجاوز في الحد والتشدد في الأمر ~~يقال: غلا في دينه غلوا تشدد فيه حتى جاوز الحد. سبب النزول: أ - ~~عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا وعرفت أن من الناس من يكذبني ~~فأنزل الله { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ~~ربك } الآية ". # ب - وعن ابن عباس قال: # " جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ألست ~~تقر أن التوراة حق من عند الله؟ قال: بلى فقالوا: فإنا نؤمن بها ~~ولا نؤمن بما عداها فأنزل الله { قل يأهل الكتاب لستم ~~على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل.. } " # الآية. # التفسير: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ~~ربك } هذا نداء تشريف وتعظيم ناداه تعالى بأشرف الأوصاف بالرسالة ~~الربانية أي بلغ رسالة ربك غير مراقب أحدا ولا خائف أن ينالك مكروه { ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } قال ابن عباس: ~~المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك فإن كتمت شيئا منه فما بلغت ~~رسالته، وهذا تأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته ~~{ والله يعصمك من الناس } أي يمنعك من أن ينالوك بسوء قال ~~الزمخشري: هذا وعد من الله بالحفظ والكلاءة والمعنى: والله يضمن لك ~~العصمة من أعدائك فما عذرك في مراقبتهم؟ ms0363 # " روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرس حتى نزلت فأخرج رأسه ~~من قبة أدم وقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله عز وجل " # { إن الله لا يهدي القوم الكافرين } أي إنما عليك ~~البلاغ والله هو الذي يهدي من يشاء فمن قضي له بالكفر لا يهتدي أبدا { ~~قل يأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا ~~التوراة والإنجيل } أي قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى ~~لستم على شيء من الدين أصلا حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل ~~وتقيموا أحكامهما على الوجه الأكمل، ومن إقامتهما الإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم { ومآ أنزل إليكم من ربكم } قال ابن ~~عباس: يعني القرآن العظيم { وليزيدن كثيرا منهم مآ ~~أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } اللام للقسم أي ~~وأقسم ليزيدن هذا القرآن المنزل عليك يا محمد الكثير منهم غلوا في ~~التكذيب وجحودا لنبوتك وإصرارا على الكفر والضلال { فلا تأس ~~على القوم الكافرين } أي لا تحزن عليهم فإن تكذيب الأنبياء ~~عادتهم ودأبهم، وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وليس بنهي عن ~~الحزن ثم قال تعالى { إن الذين آمنوا } أي صدقوا الله ورسوله ~~وهم المسلمون { والذين هادوا } وهم اليهود { والصابئون } ~~وهم طائفة من النصارى عبدوا الكواكب { والنصارى } وهم أتباع عيسى { ~~من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا } أي من ~~آمن من هؤلاء المذكورين إيمانا صحيحا خالصا لا يشوبه ارتياب بالله ~~وباليوم الآخر وعمل صالحا يقربه من الله { فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون } أي فلا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال ~~يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا بعد معاينتهم ~~جزيل ثواب الله قال ابن كثير: والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله واليوم ~~الآخر وعملت عملا صالحا - ولا يكون ذلك كذلك حتى يوافق الشريعة ~~المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين - فمن اتصف بذلك ~~فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما تركوه وراء ظهورهم { ~~لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل } أي أخذنا من اليهود ~~العهد المؤكد ms0364 على الإيمان بالله ورسله قال في البحر: هذا إخبار بما صدر ~~من أسلاف اليهود من نقض الميثاق الذي أخذه تعالى عليهم وما اجترحوه من ~~الجرائم العظام من تكذيب الأنبياء وقتل بعضهم، وهؤلاء أخلاف أولئك فغير ~~بدع ما يصدر منهم للرسول من الأذى والعصيان إذ ذاك شنشنة من ~~أسلافهم { وأرسلنآ إليهم رسلا } أي أرسلنا لهم الرسل ~~ليرشدوهم ويبينوا لهم أمر الدين { كلما جآءهم رسول بما لا ~~تهوى أنفسهم } أي كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما يخالف ~~أهواءهم وشهواتهم { فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } أي ~~كذبوا طائفة من الرسل يقتلون طائفة أخرى منهم قال البيضاوي: وإنما جيء ~~ب " وقتلوا " موضع " قتلوا " على حكاية الحال الماضية استحضارا لها ~~واستفظاعا للقتل وتنبيها على أن ذلك من ديدنهم ماضيا ومستقبلا ~~ومحافظة على رءوس الآي { وحسبوا ألا تكون فتنة } أي ~~وظن بنو إسرائيل أن لا يصيبهم بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل ~~اغترارا بإمهال الله عز وجل لهم { فعموا وصموا } أي تمادوا ~~في الغي والفساد فعموا عن الهدى وصموا عن سماع الحق وهذا على التشبيه ~~بالأعمى والأصم لأنه لا يهتدي إلى طريق الرشد في الدين لإعراضه عن ~~النظر { ثم تاب الله عليهم } قال القرطبي: في الكلام ~~إضمار أي أوقعت بهم الفتنة فتابوا فتاب الله عليهم { ثم عموا ~~وصموا كثير منهم } أي عمي كثير منهم وصم بعد تبين الحق ~~له { والله بصير بما يعملون } أي عليم بما عملوا وهذا ~~وعيد لهم وتهديد، ثم ذكر تعالى عقائد النصارى الضالة في المسيح فقال { ~~لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم } قال أبو السعود: هذا شروع في تفصيل قبائح النصارى وإبطال ~~أقوالهم الفاسدة بعد تفصيل قبائح اليهود وهؤلاء الذين قالوا إن مريم ~~ولدت إلها هم " اليعقوبية " زعموا أن الله تعالى حل في ذات عيسى ~~واتحد به، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا { وقال المسيح ~~يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم } أي أنا ~~عبد مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم الذي يذل له كل شيء ويخضع له كل موجود ~~قال ms0365 ابن كثير: كان أول كلمة نطق بها وهو صغير أن قال # إني عبد الله # [مريم: 30] ولم يقل: إني أنا الله، ولا ابن الله بل قال # إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا # [مريم: 30] وقال القرطبي: رد الله عليهم ذلك بحجة قاطعة مما يقرون ~~به فقال { وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ~~ربي وربكم } فإذا كان المسيح يقول: يا رب، ويا ألله فكيف يدعو ~~نفسه أم كيف يسألها؟ هذا محال { إنه من يشرك بالله فقد ~~حرم الله عليه الجنة } أي من يعتقد بألوهية غير الله فلن ~~يدخل الجنة أبدا لأنها دار الموحدين { ومأواه النار } أي مصيره ~~نار جهنم { وما للظالمين من أنصار } أي فلا ناصر ولا منقذ ~~له من عذاب الله { لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة } أي أحد ثلاثة آلهة وهذا قول فرقة من النصارى يسمون ~~" النسطورية والملكانية " القائلين بالتثليث وهم يقولون: إن الإلهية ~~مشتركة بين الله، وعيسى، ومريم وكل واحد من هؤلاء إله ولهذا اشتهر ~~قولهم " الأب والإبن وروح القدس " { وما من إله إلا ~~إله واحد } أي والحال أنه ليس في الوجود إلا إله واحد موصوف ~~بالوحدانية متعال عن المثيل والنظير { وإن لم ينتهوا عما ~~يقولون } أي وإن لم يكفوا عن القول بالتثليث { ليمسن ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم } أي ليمسنهم عذاب أليم في ~~الدنيا والآخرة { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ~~} الاستفهام للتوبيخ أي أفلا ينتهون عن تلك العقائد الزائفة والأقاويل ~~الباطلة ويستغفرون الله مما نسبوه إليه من الاتحاد والحلول؟ { والله ~~غفور رحيم } أي يغفر لهم ويرحمهم إن تابوا قال البيضاوي: وفي هذا ~~الاستفهام { أفلا يتوبون } تعجيب من إصرارهم على الكفر { ما ~~المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل } أي ما المسيح إلا رسول كالرسل الخالية الذين تقدموه خصه ~~الله تعالى ببعض الآيات الباهرات إظهارا لصدقه كما خص بعض الرسل، فإن ~~أحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا في يد موسى. # وجعلت حية تسعى وهو أعجب، وإن خلق من غير أب فقد خلق آدم ms0366 من غير أب ~~ولا أم وهو أغرب، وكل ذلك من جنابه عز وجل وإنما موسى وعيسى مظاهر ~~شئونه وأفعاله { وأمه صديقة } أي مبالغة في الصدق { كانا ~~يأكلان الطعام } أي أنه مخلوق كسائر المخلوقين مركب من عظم ~~ولحم وعروق وأعصاب وفيه إشارة لطيفة إلى أن من يأكل الطعام لا بد أن ~~يكون في حاجة إلى إخراجه ومن يكن هذا حاله فكيف يعبد، أو كيف يتوهم ~~أنه إله؟ { انظر كيف نبين لهم الآيات } تعجيب من حال ~~الذين يدعون ألوهيته هو وأمه أي أنظر كيف نوضح لهم الآيات الباهرة ~~على بطلان ما اعتقدوه { ثم انظر أنى يؤفكون } أي كيف ~~يصرفون عن استماع الحق وتأمله بعد هذا البيان مع أنه أوضح من الشمس في ~~رابعة النهار { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك ~~لكم ضرا ولا نفعا } أي قل يا محمد أتوجهون عبادتكم الى من لا ~~يقدر لكم على النفع والضر؟ { والله هو السميع العليم } أي ~~السميع لأقوالكم العليم بأحوالكم وتضمنت الآية الإنكار عليهم حيث عبدوا ~~من هو متصف بالعجز عن دفع ضر أو جلب نفع { قل يأهل الكتاب ~~لا تغلوا في دينكم غير الحق } أي يا معشر اليهود ~~والنصارى لا تتجاوزوا الحد في دينكم وتفرطوا كما أفرط أسلافكم فتقولوا ~~عن عيسى إنه إله أو ابن إله قال القرطبي: وغلو اليهود قولهم في عيسى ~~إنه ليس ولد رشدة - أي هو ابن زنا - وغلو النصارى قولهم إنه إله { ~~ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل } أي لا ~~تتبعوا أسلافكم وأئمتكم الذين كانوا على الضلال قبل بعثة النبي صلى الله ~~عليه وسلم { وأضلوا كثيرا } أي أضلوا كثيرا من الخلق بإغوائهم ~~لهم { وضلوا عن سوآء السبيل } أي ضلوا عن الطريق الواضح ~~المستقيم قال القرطبي: وتكرير ضلوا للإشارة إلى أنهم ضلوا من قبل وضلوا ~~من بعد، والمراد الأسلاف الذين سنوا الضلالة وعملوا بها من رؤساء ~~اليهود والنصارى { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ~~على لسان داوود وعيسى ابن مريم } أي لعنهم الله عز وجل ~~في الزبور، ms0367 والإنجيل قال ابن عباس: لعنوا بكل لسان، لعنوا على عهد موسى ~~في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل وعلى ~~عهد محمد في القرآن قال المفسرون: إن اليهود لما اعتدوا في السبت دعا ~~عليهم داود فمسخهم الله قردة، وأصحاب المائدة لما كفروا بعيسى دعا عليهم ~~عيسى فمسخوا خنازير { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } ~~أي ذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم، ثم بين تعالى حالهم الشنيع ~~فقال { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } أي لا ينهى ~~بعضهم بعضا عن قبيح فعلوه { لبئس ما كانوا يفعلون } أي ~~بئس شيئا فعلوه قال الزمخشري: تعجيب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم فيا حسرتا ~~على المسلمين في إعراضهم عن التناهي عن المنكر كأنه ليس من الإسلام في ~~شيء مع ما يتلون من كتاب الله من المبالغات في هذا الباب وقال في البحر: ~~وذلك أنهم جمعوا بين فعل المنكر، والتجاهر به، وعدم النهي عنه، والمعصية ~~إذا فعلت ينبغي أن يستتر بها لحديث # " من ابتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر " # فإذا فعلت جهارا وتواطأ الناس على عدم الإنكار كان ذلك تحريضا على ~~فعلها وسببا مثيرا لإفشائها وكثرتها { ترى كثيرا منهم ~~يتولون الذين كفروا } أي ترى كثيرا من اليهود يوالون ~~المشركين بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والمراد " كعب ~~بن الأشرف " وأصحابه { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } أي ~~بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة { أن سخط الله ~~عليهم } وهذا هو المخصوص بالذم أي بئس ما قدموه لآخرتهم سخط الله ~~وغضبه عليهم { وفي العذاب هم خالدون } أي وفي عذاب جهنم ~~مخلدون أبد الآبدين { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي ~~وما أنزل إليه ما اتخذوهم أوليآء } أي لو كان ~~هؤلاء اليهود يصدقون بالله ونبيهم وما جاءهم من الكتاب ما اتخذوا ~~المشركين أولياء { ولكن كثيرا منهم فاسقون } أي ~~ولكن أكثرهم خارجون عن الإيمان وطاعة الله عز وجل. # البلاغة: 1- { لستم على شيء } في هذا التعبير من التحقير ~~والتصغير ما لا غاية وراءه. # 2- { ومآ أنزل إليكم من ms0368 ربكم } أضاف الاسم الجليل ~~إليهم تلطفا معهم في الدعوة. # 3- { فلا تأس على القوم الكافرين } لم يقل عليهم ~~وإنما وضع الظاهر مكان الضمير للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر. # 4- { والله بصير بما يعملون } صيغة المضارع بدل الماضي { ~~بما عملوا } لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورتها الفظيعة ومراعاة ~~لرءوس الآيات. # 5- { فقد حرم الله عليه الجنة } إظهار الاسم الجليل ~~في موضع الإضمار لتهويل الأمر وتربية المهابة. # 6- الاستعارة { فعموا وصموا } استعار العمى والصمم للإعراض عن ~~الهداية والإيمان. # 7- { انظر كيف نبين } { ثم انظر أنى يؤفكون ~~} قال أبو السعود: تكرير الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب ولفظ " ثم " ~~لإظهار ما بين العجبين من التفاوت أي إن بياننا للآيات أمر بديع بالغ ~~أقصى الغايات من الوضوح والتحقيق وإعراضهم عنها أعجب وأبدع. # 8- { لبئس ما كانوا يفعلون } تقبيح لسوء أعمالهم وتعجيب ~~منه بالتوكيد مع القسم. # الفوائد: قال بعض المحققين في قوله تعالى { قل أتعبدون من ~~دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا } إذا كان ~~هذا في حق عيسى النبي فما ظنك بولي من الأولياء هل يملك لهم نفعا أو ~~ضرا؟! # تنبيه: قال ابن كثير: دلت الآية { وأمه صديقة } على أن مريم ~~بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة " سارة " ونبوة " أم ~~موسى " استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم والذي عليه الجمهور أن ~~الله لم يبعث نبيا إلا من الرجال # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم # [يوسف: 109] وحكى الأشعري الإجماع على ذلك. ### || [5.82-96] # المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال اليهود والنصارى وما هم عليه من ~~الزيغ والضلال، ذكر هنا أن اليهود في غاية العداوة للمسلمين، ولذلك ~~جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة، وذكر أن النصارى ألين عريكة من ~~اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم، ثم لما استقصى المناظرة مع أهل الكتاب ~~عاد إلى بيان الأحكام الشرعية فذكر منها كفارة اليمين، وتحريم الخمر ~~والميسر، وجزاء قتل الصيد في حالة الإحرام. # اللغة: { قسيسين } القس والقسيس اسم لرئيس النصارى ومعناه ~~العالم { رهبانا } جمع راهب وأصله من الرهبة بمعنى المخافة، ~~والرهبانية والترهب ms0369 التعبد في الصومعة { تفيض } الفيض أن يمتلئ ~~الإناء ويسيل من شدة الامتلاء يقال: فاض الماء وفاض الدمع قال الشاعر: # ففاضت دموع العين مني صبابة # على النحر حتى بل دمعي محملي # { رجس } قال الزجاج: الرجس اسم لكل ما استقذر من عمل ويقال للعذرة ~~والأقذار رجس لأنها قذارة ونجاسة { الجحيم } النار الشديدة الاتقاد { ~~الصيد } كل ما يصطاد من حيوان وطير وغيره فالصيد يطلق على المصيد ~~قال الشاعر: # صيد الملوك أرانب وثعالب # وإذا ركبت فصيدي الأبطال # سبب النزول: أ - عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا رسول الله: إني إذا أكلت هذا اللحم انتشرت للنساء وأخذتني ~~شهوتي وإني حرمت علي اللحم فأنزل الله { يأيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } ~~الآية. # ب - عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت " أبي طلحة " ~~وما شرابهم إلا الفضيخ والبسر والتمر، وإذا مناد ينادي إن الخمر قد ~~حرمت قال: فأريقت في سكك المدينة فقال أبو طلحة إذهب فأهرقها فقال بعض ~~القوم قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله { ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا }. # التفسير: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~آمنوا اليهود والذين أشركوا } اللام للقسم أي قسما ~~لتجدن يا محمد اليهود والمشركين أشد الناس عداوة للمؤمنين { ~~ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى } نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحابه قال ~~الزمخشري: وصف الله شدة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق، ولين ~~عريكة النصارى وسهولة ميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين ~~في شدة العداوة للمؤمنين بل نبه على زيادة عداوتهم بتقديمهم على الذين ~~أشركوا { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا } تعليل ~~لقرب مودتهم أي كونهم أقرب مودة بسبب أن منهم علماء وعبادا { ~~وأنهم لا يستكبرون } أي يتواضعون لوداعتهم ولا يتكبرون ~~كاليهود قال البيضاوي: وفيه دليل على أن التواضع والإقبال على العلم ~~والعمل والإعراض عن الشهوات، محمود وإن كان من كافر { وإذا ~~سمعوا مآ أنزل إلى الرسول } أي إذا سمعوا ms0370 القرآن ~~المنزل على محمد رسول الله { ترى أعينهم تفيض من ~~الدمع } أي فاضت أعينهم بالدمع من خشية الله لرقة قلوبهم وتأثرهم ~~بكلام الله الجليل { مما عرفوا من الحق } أي من أجل معرفتهم ~~أنه كلام الله وأنه حق { يقولون ربنآ آمنا } أي يقولون يا ~~ربنا صدقنا بنبيك وكتابك { فاكتبنا مع الشاهدين } أي مع أمة ~~محمد عليه السلام الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة قال ابن عباس: نزلت ~~هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم " جعفر بن أبي طالب " ~~بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم { وما لنا لا نؤمن ~~بالله وما جآءنا من الحق } أي ما الذي يمنعنا عن الإيمان ~~ويصدنا عن اتباع الحق وقد لاح لنا الصواب وظهر الحق المنير؟ قالوا ذلك ~~في جواب من عيرهم بالإسلام من اليهود قال في البحر: هذا إنكار ~~واستبعاد لانتفاء الإيمان منهم مع قيام موجبه وهو عرفان الحق { ~~ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } أي ~~والحال أننا نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة بصحبة الصالحين من عباده الأبرار ~~{ فأثابهم الله بما قالوا } أي جازاهم على إيمانهم ~~وتصديقهم واعترافهم بالحق { جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها } أي ماكثين فيها أبدا لا يحولون عنها ولا يزولون { ~~وذلك جزآء المحسنين } أي ذلك الأجر والثواب جزاء من أحسن ~~عمله وأصلح نيته، ثم أخبر تعالى عن حال الأشقياء فقال { والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } ~~أي جحدوا بآيات الله وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهم أهل ~~الجحيم المعذبون فيها قال أبو السعود: وذكرهم بمقابلة المصدقين بآيات ~~الله جمعا بين الترغيب والترهيب { يأيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } روى الطبري عن ~~عكرمة قال: كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هموا بالخصاء ~~وترك اللحم والنساء فنزلت هذه الآية أي لا تمنعوا أنفسكم تلك اللذائذ ~~وتقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة في تركها وتقشفا وتزهدا { ولا ~~تعتدوا } أي ولا تتعدوا حدود ما أحل الله لكم بتجاوز الحلال إلى ~~الحرام { إن الله ms0371 لا يحب المعتدين } أي يبغض المتجاوزين ~~الحد، والإسلام يدعو إلى القصد بدون إفراط أو تفريط ولهذا قال { ~~وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } أي كلوا ما ~~حل لكم وطاب مما رزقكم الله قال في التسهيل: أي تمتعوا بالمآكل الحلال ~~وبالنساء وغير ذلك، وإنما خص الأكل بالذكر لأنه أعظم حاجات الإنسان { ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } هذا استدعاء ~~إلى التقوى بألطف الوجوه كأنه يقول: لا تضيعوا إيمانكم بالتقصير في ~~طاعة الله عز وجل فتكون عليكم الحسرة العظمى فإن الإيمان بالله تعالى ~~يوجب المبالغة في تقوى الله { لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم } أي لا يؤاخذكم بما يسبق إليه اللسان من غير قصد ~~الحلف كقولكم لا والله، وبلى والله { ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان } أي ولكن يؤاخذكم بما وثقتم الأيمان عليه ~~بالقصد والنية إذا حنثتم { فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم } أي كفارة اليمين ~~عند الحنث أن تطعموا عشرة مساكين من الطعام الوسط الذي تطعمون منه ~~أهليكم قال ابن عباس: أي من أعدل ما تطعمون أهليكم وقال ابن عمر: ~~الأوسط الخبز والتمر، والخبز والزبيب، وخير ما نطعم أهلينا الخبز ~~واللحم { أو كسوتهم } أي كسوة المساكين لكل مسكين ثوب يستر ~~البدن { أو تحرير رقبة } أي إعتاق عبد مملوك لوجه الله قال في ~~البحر: وأجمع العلماء على أن الحانث مخير بين الإطعام والكسوة والعتق ~~{ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } أي فمن لم يجد ~~شيئا من الأمور المذكورة فكفارته صيام ثلاثة أيام { ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم } أي هذه كفارة اليمين الشرعية عند الحنث ~~{ واحفظوا أيمانكم } أي احفظوها عن الابتذال ولا تحلفوا إلا ~~لضرورة قال ابن عباس: أي لا تحلفوا وقال ابن جرير: أي لا تتركوها بغير ~~تكفير { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تشكرون } أي مثل ذلك التبيين يبين الله لكم الأحكام الشرعية ~~ويوضحها لتشكروه على هدايته وتوفيقه لكم { يأيها الذين ~~آمنوا إنما الخمر والميسر } قال ابن عباس: الخمر جمع ~~الأشربة التي تسكر، والميسر القمار كانوا يتقامرون به في ms0372 الجاهلية { ~~والأنصاب والأزلام } أي الأصنام المنصوبة للعبادة والأقداح التي ~~كانت عند سدنة البيت وخدام الأصنام قال ابن عباس ومجاهد: الأنصاب ~~حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها والأزلام: قداح كانوا يستقسمون بها ~~{ رجس من عمل الشيطان } أي قذر ونجس تعافه العقول، وخبيث ~~مستقذر من تزيين الشيطان { فاجتنبوه لعلكم تفلحون } أي ~~اتركوه وكونوا في جانب آخر بعيدين عن هذه القاذورات لتفوزوا بالثواب ~~العظيم { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضآء في الخمر والميسر } أي ما يريد ~~الشيطان بهذه الرذائل إلا إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين في ~~شربهم الخمر ولعبهم بالقمار { ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة } أي ويمنعكم بالخمر والميسر عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم ~~وآخرتكم وعن الصلاة التي هي عماد دينكم قال أبو حيان: ذكر تعالى في الخمر ~~والميسر مفسدتين: إحداهما دنيوية، والأخرى دينية، فأما الدنيوية فإن ~~الخمر تثير الشرور والأحقاد وتئول بشاربها إلى التقاطع، وأما الميسر ~~فإن الرجل لا يزال يقامر حتى يبقى سليبا لا شيء له وينتهي إلى أن ~~يقامر حتى على أهله وولده، وأما الدينية فالخمر لغلبة السرور والطرب بها ~~تلهي عن ذكر الله وعن الصلاة، والميسر - سواء كان غالبا أو مغلوبا - ~~يلهي عن ذكر الله { فهل أنتم منتهون } الصيغة للاستفهام ~~ومعناه الأمر أي انتهوا ولذلك قال عمر: انتهينا ربنا انتهينا قال في ~~البحر: وهذا الاستفهام من أبلغ ما ينهى به كأنه قيل: قد تلي عليكم ما ~~فيهما من المفاسد التي توجب الانتهاء فهل أنتم منتهون أم باقون على ~~حالكم؟ { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا } ~~أي أطيعوا أمر الله وأمر رسوله واحذروا مخالفتهما { فإن توليتم ~~} أي أعرضتم ولم تعملوا بأمر الله ورسوله { فاعلموا أنما ~~على رسولنا البلاغ المبين } أي ليس عليه هدايتكم وإنما ~~عليه تبليغكم الرسالة وجزاؤكم علينا قال الطبري: وهذا من الله وعيد لمن ~~تولى عن أمره ونهيه يقول تعالى ذكره لهم: فإن توليتم عن أمري ونهي ~~فتوقعوا عقابي واحذروا سخطي وقال أبو حيان: وفي هذا من الوعيد البالغ ما ~~لا خفاء به إذ تضمن ms0373 أن عقابكم إنما يتولاه المرسل لا الرسول { ~~ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا } قال ابن عباس: لما نزل تحريم الخمر قال قوم كيف بمن ~~مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر فنزلت فأخبر تعالى أن الإثم والذم ~~إنما يتعلق بفعل المعاصي والذين ماتوا قبل التحريم ليسوا بعاصين { إذا ~~ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات } أي ليس عليهم ~~جناح فيما تناولوه من المأكول والمشروب إذا اتقوا المحرم وثبتوا على ~~الإيمان والأعمال الصالحة { ثم اتقوا وآمنوا } أي اتقوا ~~المحرم وآمنوا بتحريمه بمعنى اجتنبوا ما حرمه الله معتقدين حرمته { ~~ثم اتقوا وأحسنوا } أي ثم استمروا على تقوى الله واجتناب ~~المحارم وعملوا الأعمال الحسنة التي تقربهم من الله { والله يحب ~~المحسنين } أي يحب المتقربين إليه بالأعمال الصالحة قال في ~~التسهيل: كرر التقوى مبالغة وقيل: الرتبة الأولى: إتقاء الشرك، ~~والثانية: اتقاء المعاصي، والثالثة: اتقاء ما لا بأس به حذرا مما به ~~البأس { يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله ~~بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم } أي ~~ليختبرنكم الله في حال إحرامكم بالحج أو العمرة بشيء من الصيد تنال ~~صغاره الأيدي وكباره الرماح قال البيضاوي: نزل في عام الحديبية ابتلاهم ~~الله سبحانه وتعالى: بالصيد وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث يتمكنون ~~من صيدها أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم وهم محرمون قال في البحر: وكان ~~الصيد مما تعيش به العرب وتتلذذ باقتناصه ولهم فيه الأشعار والأوصاف ~~الحسنة { ليعلم الله من يخافه بالغيب } أي ليتميز ~~الخائف من الله بطريق الغيب لقوة إيمانه ممن لا يخاف الله لضعف إيمانه ~~{ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } أي فمن تعرض ~~للصيد بعد هذا الإعلام والإنذار فله عذاب مؤلم موجع { يأيها ~~الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } أي لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة { ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزآء مثل ما قتل من النعم } أي من قتل ~~الصيد في حالة الإحرام فعليه جزاء يماثل ما قتل من النعم وهي الإبل ~~والبقر والغنم { يحكم به ذوا عدل منكم } أي يحكم ~~بالمثل ms0374 حكمان عادلان من المسلمين { هديا بالغ الكعبة } أي ~~حال كونه هديا ينحر ويتصدق به على مساكينه فإن لم يكن للصيد مثل ~~من النعم كالعصفور والجراد فعليه قيمته { أو كفارة طعام ~~مساكين } أي وإذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم فيقوم ~~الصيد المقتول ثم يشترى به طعام فيصرف لكل مسكين مد منه { أو ~~عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره } أي عليه مثل ذلك ~~الطعام صياما يصومه عن كل مد يوما ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة ~~الإحرام قال في التسهيل: عدد تعالى ما يجب في قتل المحرم للصيد، فذكر ~~أولا الجزاء من النعم، ثم الطعام، ثم الصيام ومذهب مالك والجمهور أنها ~~على التخيير وهو الذي يقتضيه العطف ب " أو " وعن ابن عباس أنها على ~~الترتيب { عفا الله عما سلف } أي من قتل الصيد قبل التحريم { ~~ومن عاد فينتقم الله منه } أي ومن عاد إلى قتل الصيد ~~وهو محرم فينتقم الله منه في الآخرة { والله عزيز ذو انتقام ~~} أي غالب على أمره منتقم ممن عصاه { أحل لكم صيد البحر } ~~أي أحل لكم أيها الناس صيد البحر سواء كنتم محرمين أو غير محرمين { ~~وطعامه متاعا لكم وللسيارة } أي وما يطعم من صيده ~~كالسمك وغيره منفعة وقوتا لكم وزادا للمسافرين يتزودونه في أسفارهم { ~~وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } أي وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم محرمين { واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون } أي خافوا الله الذي تبعثون إليه يوم القيامة فيجازيكم على ~~أعمالكم وهو وعيد وتهديد. # البلاغة: 1- بين لفظ { عداوة.. ومودة } طباق وهو من ~~المحسنات البديعية. # 2- { تفيض من الدمع } أي تمتلئ بالدمع فاستعير له الفيض الذي ~~هو الانصباب عن امتلاء مبالغة أو جعلت أعينهم من فرط البكاء تفيض ~~بأنفسها. # 3- { تحرير رقبة } مجاز مرسل أطلق الجزء وأراد الكل أي عتق ~~إنسان. # 4- { فهل أنتم منتهون } الاستفهام يراد به الأمر أي انتهوا ~~وهو من أبلغ ما ينهى به قال أبو السعود: ولقد أكد تحريم الخمر والميسر ~~في هذه الآية الكريمة بفنون التأكيد حيث صدرت الجملة ms0375 ب " إنما " ~~وقرنا بالأصنام والأزلام، وسميا رجسا من عمل الشيطان، وأمر ~~بالاجتناب عن عينهما وجعل ذلك سببا للفلاح، ثم ذكر ما فيهما من المفاسد ~~الدنيوية والدينية، ثم أعيد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام { فهل ~~أنتم منتهون } إيذانا بأن الأمر في الزجر والتحذير قد بلغ ~~الغاية القصوى. # فائدة: التعبير بقوله تعالى { فاجتنبوه } نص في التحريم ولكنه ~~أبلغ في النهي والتحريم من لفظ " حرم " لأن معناه البعد عنه بالكلية ~~فهو مثل قوله تعالى # ولا تقربوا الزنى # [الإسراء: 32] لأن القرب منه إذا كان حراما فيكون الفعل محرما من باب ~~أولى وكذلك هنا. # تنبيه: لم يذكر في القرآن الكريم تعليل الأحكام الشرعية إلا بالإيجاز ~~أما هنا فقد ذكرت العلة بالتفصيل فذكر تعالى منها إلقاء العداوة ~~والبغضاء بين المؤمنين، والصد عن سبيل الله وذكره، وشغل المؤمنين عن ~~الصلاة، ووصف الخمر والميسر بأنهما رجس وأنهما من عمل الشيطان وأن ~~الشيطان يريد إغواء الإنسان وكل ذلك ليشير إلى ضرر وخطر هاتين ~~الرذيلتين " القمار والخمر " فتدبر أسرار القرآن العظيم. ### || [5.97-108] # المناسبة: لما ذكر تعالى في الآية المتقدمة أن الصيد على المحرم ~~حرام، ونهى عن قتل الطير والوحش في حالة الإحرام، ذكر تعالى في هذه ~~الآية أنه جعل الكعبة قياما للناس إذ ركز في قلوبهم تعظيمها بحيث لا ~~يقع فيها أذى لأحد، فكما أن الحرم سبب لأمن الوحش والطير فكذلك هو سبب ~~لأمن الناس عن الآفات والمخافات، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا ~~والآخرة. # اللغة: { البحيرة } من البحر وهو الشق قال أبو عبيدة: وهي الناقة ~~إذا نتجت خمسة أبطن في آخرها ذكر شقوا أذنها وخلوا سبيلها فلا تركب ~~ولا تحلب { السآئبة } البعير يسيب بنذر ونحوه { وصيلة } ~~الوصيلة من الغنم كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن وكان السابع ذكرا ~~وأنثى قالوا قد وصلت أخاها فلم تذبح { حام }: الفحل إذا نتج من ~~صلبه عشرة أبطن يقال قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلأ ولا ماء { ~~عثر } ظهر يقال: عثرت منه على خيانة أي اطلعت وظهرت لي { ~~الأوليان } تثنية أولى ms0376 بمعنى أحق. # سبب النزول: أ - عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون النبي صلى الله ~~عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ~~ناقتي فأنزل الله { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن ~~أشيآء إن تبد لكم تسؤكم.. } الآية. # ب - وعن ابن عباس قال: كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى ~~مكة فخرج معهما فتى من " بني سهم " فتوفي بأرض ليس بها مسلم، فأوصى ~~إليهما فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب، ~~فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتمتما ولا اطلعتما!! ثم ~~وجد الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم فجاء رجلان من ورثة ~~السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما ~~اعتدينا فأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآية { يا أيها الذين ~~آمنوا شهادة بينكم.. } الآية. # التفسير: { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما ~~للناس } أي جعل الله الكعبة المشرفة وهي البيت المحرم صلاحا ~~ومعاشا للناس لقيام أمر دينهم ودنياهم إذ هو سبب لانتعاشهم في أمور ~~معاشهم ومعادهم، يلوذ به الخائف، ويأمن فيه الضعيف، ويربح فيه التجار، ~~ويتوجه إليه الحجاج والعمار { والشهر الحرام } أي الأشهر ~~الحرم " ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب " قياما لهم لأمنهم القتال ~~فيها { والهدي والقلائد } أي الهدي الذي يهدى للحرم من ~~الأنعام، والبدن ذوات القلائد التي تقلد من شجر الحرم لتأمن هي ~~وأصحابها جعلها الله أيضا قياما للناس { ذلك لتعلموا أن ~~الله يعلم ما في السموت وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم } أي جعل هذه الحرمة للبيت الحرام والشهر ~~الحرام والهدي والقلائد لتعلموا أيها الناس أن الله يعلم تفاصيل أمور ~~السماوات والأرض ويعلم مصالحكم لذلك جعل الحرم آمنا يسكن فيه كل شيء، ~~فانظروا لطفه بالعباد مع كفرهم وضلالهم { اعلموا أن الله ~~شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } أي اعلموا أيها ~~الناس أن الله شديد العقاب لمن عصاه وأنه غفور رحيم لمن تاب وأطاع ~~وأناب، فلا تيئسنكم نقمته ولا تطمعنكم رحمته { ما على ~~الرسول ms0377 إلا البلاغ } أي ليس على الرسول إلا أداء الرسالة ~~وتبليغ الشريعة وقد بلغ ما وجب عليه فلا عذر لأحد في التفريط { ~~والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } أي لا يخفى عليه ~~شيء من أحوالكم وأعمالكم وسيجازيكم عليها قال أبو حيان: الجملة فيها ~~تهديد إذ أخبر تعالى أنه مطلع على حال العبد ظاهرا وباطنا فهو مجازيه ~~على ذلك ثوابا أو عقابا { قل لا يستوي الخبيث والطيب ~~ولو أعجبك كثرة الخبيث } أي قل يا محمد لا يتساوى الخبيث ~~والطيب ولو أعجبك أيها السامع كثرة الخبيث وهو مثل ضربه الله للتمييز ~~بين الحلال والحرام، والمطيع والعاصي، والرديء والجيد قال القرطبي: اللفظ ~~عام في جميع الأمور يتصور في المكاسب، والأعمال، والناس، والمعارف من ~~العلوم وغيرها، فالخبيث من هذا كله لا يفلح ولا ينجب ولا تحسن له ~~عاقبة وإن كثر، والطيب - وإن قل - نافع حميد جميل العاقبة وقال أبو ~~حيان: الظاهر أن الخبيث والطيب عامان فيندرج تحتهما المال وحرامه، ~~وصالح العمل وفاسده، وجيد الناس ورديئهم، وصحيح العقائد وفاسدها ونظير ~~هذه الآية قوله تعالى # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي ~~خبث لا يخرج إلا نكدا # [الأعراف: 85] { فاتقوا الله يأولي الألباب لعلكم ~~تفلحون } أي فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يا ذوي ~~العقول لتفلحوا وتفوزوا برضوان الله والنعيم المقيم { يأيها ~~الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم ~~تسؤكم } أي لا تسألوا الرسول عن أمور لا حاجة لكم بها إن طهرت لكم ~~ساءتكم قال الزمخشري: أي لا تكثروا مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم إن أفتاكم بها وكلفكم إياها تغمكم وتشق ~~عليكم وتندموا على السؤال عنها { وإن تسألوا عنها حين ~~ينزل القرآن تبد لكم } أي وإن تسألوا عن هذه التكاليف ~~الصعبة في زمان نزول الوحي تظهر لكم تلك التكاليف التي تسؤكم فلا تسألوا ~~عنها { عفا الله عنها } أي عفا الله عن مسائلكم السالفة التي لا ~~ضرورة لها وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية فلا تعودوا إلى مثلها { والله ~~غفور حليم ms0378 } أي واسع المغفرة عظيم الفضل والإحسان ولذلك عفا عنكم ~~ولم يعاجلكم بالعقوبة { قد سألها قوم من قبلكم } أي سأل ~~أمثال هذه المسائل قوم قبلكم فلما أعطوها وفرضت عليهم كفروا بها ولهذا ~~قال { ثم أصبحوا بها كافرين } أي صاروا بتركهم العمل بها ~~كافرين وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء فإذا ~~أمروا بها تركوها فهلكوا { ما جعل الله من بحيرة ولا ~~سآئبة ولا وصيلة ولا حام } كان أهل الجاهلية إذا أنتجت ~~الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها وحرموا ركوبها وهي ~~البحيرة، وكان الرجل يقول: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي ~~سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وإذا ولدت الشاة أنثى فهي ~~لهم وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها ~~وهي الوصيلة، وإذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره وهو ~~الحام، فلما جاء الإسلام أبطل هذه العادات كلها فلا بحيرة ولا سائبة ولا ~~وصيلة ولا حام، { ولكن الذين كفروا يفترون على ~~الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } أي ولكن الذين ~~كفروا بالله يختلقون الكذب على الله وينسبون التحريم إليه فيقولون الله ~~أمرنا بهذا وأكثرهم لا يعقلون أن هذا افتراء لأنهم يقلدون فيه الآباء ~~ولهذا قال تعالى: { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل ~~الله وإلى الرسول } أي وإذا قيل لهؤلاء الضالين هلموا إلى حكم ~~الله ورسوله فيما حللتم وحرمتم { قالوا حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنآ } أي يكفينا دين آبائنا { أولو كان آباؤهم ~~لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } الهمزة للإنكار والغرض ~~التوبيخ أي أيتبعون آباءهم فيما هم عليه من الضلال ولو كانوا لا يعلمون ~~شيئا من الدين ولا يهتدون إلى الحق؟ { يأيها الذين آمنوا ~~عليكم أنفسكم } أي احفظوها عن ملابسة المعاصي والإصرار على ~~الذنوب والزموا إصلاحها { لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم } أي لا يضركم ضلال من ضل من الناس إذا كنتم مهتدين قال ~~الزمخشري: كان المسلمون تذهب أنفسهم حسرة على الكفرة يتمنون دخولهم في ~~الإسلام ms0379 فقيل لهم عليكم أنفسكم بإصلاحها والمشي بها في طرق الهدى لا ~~يضركم الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين كما قال تعالى لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8] وقال أبو السعود: ولا يتوهمن أحد أن في الآية رخصة في ترك ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن من جملة الاهتداء أن ينكر وقد روي ~~أن الصديق قال يوما على المنبر: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية ~~وتضعونها غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بعقابه " # { إلى الله مرجعكم جميعا } أي مصيركم ومصير جميع الخلائق ~~إلى الله { فينبئكم بما كنتم تعملون } أي فيجازيكم ~~بأعمالكم قال البيضاوي: هذا وعد ووعيد للفريقين، وتنبيه على أن أحدا لا ~~يؤاخذ بذنب غيره { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ~~إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } أي يا أيها ~~المؤمنون إذا شارف أحدكم على الموت وظهرت علائمه فينبغي أن يشهد على ~~وصيته { اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ~~} أي يشهد على الوصية شخصين عدلين من المسلمين أو أثنان من غير المسلمين ~~إن لم تجدوا شاهدين منكم { إن أنتم ضربتم في الأرض ~~فأصابتكم مصيبة الموت } أي إن أنتم سافرتم فقاربكم الأجل ~~ونزل بكم الموت { تحبسونهما من بعد الصلاة } أي توقفونهما ~~من بعد صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وكذا فعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم استحلف عديا وتميما بعد العصر عند المنبر { فيقسمان ~~بالله إن ارتبتم } أي يحلفان بالله إن شككتم وارتبتم في ~~شهادتهما قال أبو السعود: أي إن ارتاب بهما الوارث منكم بخيانة وأخذ شيء ~~من التركة فاحبسوهما وحلفوهما بالله { لا نشتري به ثمنا ولو ~~كان ذا قربى } أي يحلفان بالله قائلين: لا نحابي بشهادتنا أحدا ~~ولا نستبدل بالقسم بالله عرضا من الدنيا أي لا نحلف بالله كاذبين من أجل ~~المال ولو كان من نقسم له قريبا لنا { ولا نكتم شهادة ~~الله إنآ إذا لمن الآثمين } أي ولا ms0380 نكتم الشهادة التي ~~أمرنا الله تعالى بإقامتها إنا إن فعلنا ذلك كنا من الآثمين { فإن ~~عثر على أنهما استحقآ إثما } أي فإن اطلع بعد ~~حلفهما على خيانتهما أو كذبهما في الشهادة { فآخران يقومان ~~مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان } أي ~~فرجلان آخران من الورثة المستحقين للتركة يقومان مقام الشاهدين الخائنين ~~وليكونا من أولى من يستحق الميراث { فيقسمان بالله ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما } أي يحلفان بالله لشهادتنا ~~أصدق وأولى بالسماع والاعتبار من شهادتهما لأنهما خانا { وما ~~اعتدينآ إنا إذا لمن الظالمين } أي وما اعتدينا فيما ~~قلنا فيهما من الخيانة إنا إذا كذبنا عليهم نكون من الظالمين { ذلك ~~أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ } أي ذلك الحكم ~~أقرب أن يأتوا بالشهادة على حقيقتها من غير تغيير ولا تبديل { أو ~~يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } أي يخافوا أن ~~يحلف غيرهم بعدهم فيفتضحوا { واتقوا الله واسمعوا } أي خافوا ~~ربكم وأطيعوا أمره { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي ~~والله لا يهدي الخارجين عن طاعته إلى جنته ورحمته. # البلاغة: 1- { الهدي والقلائد } عطف القلائد على الهدي من ~~عطف الخاص على العام، خصت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر، وبهاء الحج بها ~~أظهر. # 2- { ما على الرسول إلا البلاغ } أطلق المصدر البلاغ ~~وأراد به التبليغ للمبالغة. # 3- { الخبيث والطيب } بينهما طباق، وبين { أصابتكم ~~مصيبة } جناس الاشتقاق وكلاهما من المحسنات البديعية. # 4- { شهادة بينكم } جملة خبرية لفظا إنشائية معنى يراد منها ~~الأمر أي ليشهد بينكم. # الفوائد: قال الإمام الشاطبي: الإكثار من الأسئلة مذموم وله مواضع ~~نذكر منها عشرة: # أحدها: السؤال عما لا ينفع في الدين كسؤال بعضهم: من أبي؟ # ثانيها: أن يسأل ما يزيد عن الحاجة كسؤال الرجل عن الحج: أكل عام؟ # ثالثها: السؤال من غير احتياج إليه في الوقت ويدل عليه: " ذروني ما ~~تركتكم ". # رابعها: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها كما جاء في النهي عن ~~الأغلوطات. # خامسها: أن يسأل عن علة الحكم في التعبدات كالسؤال عن قضاء الصوم للحائض ~~دون الصلاة. # سادسها: أن يبلغ بالسؤال حد التكلف والتعمق كسؤال بني ms0381 إسرائيل عن ~~البقرة وما هي وما لونها؟ # سابعها: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي ولذلك قال سعيد: ~~أعراقي أنت؟ # ثامنها: السؤال عن المتشابهات ومن ذلك سؤال مالك عن الاستواء فقال: ~~الاستواء معلوم.. الخ. # تاسعها: السؤال عما حصل بين السلف وقد قال عمر بن عبد العزيز: تلك دماء ~~كف الله عنها يدي فلا ألطخ بها لساني. # عاشرها: سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام ففي الحديث: # " أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ". ### || [5.109-120] # المناسبة: لما ذكر تعالى الوصية عند دنو الأجل وأمر بتقوى الله ~~والسمع والطاعة، أعقبه بذكر اليوم المهول المخيف وهو يوم القيامة الذي ~~يجمع الله فيه الأولين والآخرين للجزاء والحساب، ثم ذكر المعجزات التي ~~أيد بها عبده ورسوله " عيسى " ومنها المائدة من السماء، وختم السورة ~~الكريمة ببراءة السيد المسيح من دعوى الألوهية. # اللغة: { كففت } منعت وصرفت ومنه الكفيف لأنه منع الرؤية { ~~أيدتك } قويتك مأخوذ من الأيد وهو القوة { أوحيت } الوحي: ~~إلقاء المعنى الى النفس خفية وهو على أقسام: وحي بمعنى الإلهام ووحي ~~بمعنى الإعلام في اليقظة والمنام، ووحي بمعنى إرسال جبريل إلى الرسل ~~عليهم السلام { مائدة } المائدة: الخوان الذي عليه الطعام أي السفرة ~~فإن لم يكن عليه طعام فليس بمائدة { الرقيب } المراقب الشاهد على ~~الأفعال { أبدا } أي بلا انقطاع. # التفسير: { يوم يجمع الله الرسل } أي اذكروا أيها الناس ~~ذلك اليوم الرهيب يوم القيامة حين يجمع الله الرسل والخلائق للحساب ~~والجزاء { فيقول ماذآ أجبتم } أي ما الذي أجابتكم به أممكم؟ ~~وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى الإيمان والتوحيد؟ { ~~قالوا لا علم لنآ } أي لا علم لنا إلى جنب علمك قال ابن عباس: ~~أي لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا { إنك أنت علام ~~الغيوب } أي تعلم ما لا نعلم مما ظهر وبطن قال أبو السعود: وفيه ~~إظهار للشكوى ورد للأمر إلى علمه تعالى بما لقوا من قومهم من الخطوب ~~وكابدوا من الكروب والتجاء إلى ربهم في الانتقام منهم { إذ قال ~~الله يعيسى ابن مريم ms0382 اذكر نعمتي عليك وعلى ~~والدتك } قال ابن كثير: يذكر تعالى ما من به على عبده ورسوله عيسى ~~بن مريم عليه السلام بما أجراه على يديه من المعجزات وخوارق العادات أي ~~اذكر نعمتي عليك في خلقي إياك من أم بلا ذكر وجعلي إياك آية قاطعة ~~على كمال قدرتي، وعلى والدتك حيث جعلتك برهانا على براءتها مما اتهمها ~~به الظالمون من الفاحشة وقال القرطبي: هذا من صفة يوم القيامة كأنه قال: ~~اذكر يوم يجمع الله الرسل وإذ يقول لعيسى كذا وذكر بلفظ الماضي { إذ ~~قال } تقريبا للقيامة لأن ما هو آت قريب { إذ أيدتك بروح ~~القدس } أي حين قويتك بالروح الطاهرة المقدسة " جبريل " عليه السلام ~~{ تكلم الناس في المهد وكهلا } أي تكلم الناس في المهد ~~صبيا وفي الكهولة نبيا { وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل } أي واذكر نعمتي عليك حين علمتك الكتابة ~~والحكمة وهي العلم النافع مع التوراة والإنجيل { وإذ تخلق من ~~الطين كهيئة الطير بإذني } أي واذكر أيضا حين كنت تصور ~~الطين كصورة الطير بتيسيري وأمري { فتنفخ فيها فتكون طيرا ~~بإذني } أي فتنفخ في تلك الصورة والهيئة فتصبح طيرا بأمر الله ~~ومشيئته { وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني } أي تشفي ~~الأعمى الذي لا يبصر والأبرص الذي استعصى شفاؤه بأمري ومشيئتي { وإذ ~~تخرج الموتى بإذني } أي تحيي الموتى بأمري ومشيئتي، وكرر ~~لفظ { بإذني } مع كل معجزة ردا على من نسب الربوبية إلى عيسى ~~ولبيان أن تلك الخوارق من جهته سبحانه أظهرها على يديه معجزة له { وإذ ~~كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات } ~~أي واذكر حين منعت اليهود من قتلك لما هموا وعزموا على الفتك بك حين ~~جئتهم بالحجج والمعجزات { فقال الذين كفروا منهم إن ~~هذا إلا سحر مبين } أي قال الذين جحدوا نبوتك ولم يؤمنوا ~~بك ما هذه الخوارق إلا سحر ظاهر واضح { وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي } وهذا أيضا من ~~الامتنان على عيسى أي واذكر حين أمرت الحواريين وقذفت في قلوبهم أن ~~صدقوا بي وبرسولي عيسى بن مريم { قالوا ms0383 آمنا واشهد ~~بأننا مسلمون } أي قال الحواريون صدقنا يا رب بما أمرتنا ~~واشهد بأننا مخلصون في هذا الإيمان خاضعون لأمر الرحمن { إذ قال ~~الحواريون يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ~~ينزل علينا مآئدة من السمآء } أي واذكر حين قال ~~الحواريون يا عيسى هل يقدر ربك على إنزال مائدة من السماء علينا؟ قال ~~القرطبي: وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عز ~~وجل ويجوز أن يكون ذلك صدر ممن كان معهم من الجهال كما قال بعض قوم موسى # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138] وقال أبو حيان: وهذا اللفظ يقتضي ظاهره الشك في قدرة ~~الله تعالى على أن ينزل مائدة من السماء وهذا ما ذهب إليه الزمخشري ~~وأما غيره من أهل التفسير فأطبقوا على أن الحواريين كانوا مؤمنين وهم ~~خواص عيسى وأنهم لم يشكوا في ذلك حتى قال الحسن: لم يشكوا في قدرة الله ~~وإنما سألوه سؤال مستخبر هل ينزل أم لا؟ فإن كان ينزل فاسأله لنا ~~فسؤالهم كان للاطمئنان والتثبت { قال اتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين } أي اتقوا الله في أمثال هذه الأسئلة إن كنتم مصدقين ~~بكمال قدرته تعالى { قالوا نريد أن نأكل منها ~~وتطمئن قلوبنا } أي قال الحواريون نريد بسؤالنا المائدة أن ~~نأكل منها تبركا وتسكن نفوسنا بزيادة اليقين { ونعلم أن قد ~~صدقتنا } أي ونعلم علما يقينا لا يحوم حوله شائبة من الشك بصدقك ~~في دعوى النبوة { ونكون عليها من الشاهدين } أي نشهد بها ~~عند من لم يحضرها من الناس { قال عيسى ابن مريم اللهم ~~ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء } أجابهم عيسى ~~إلى سؤال المائدة لإلزامهم بالحجة الدامغة وروي أنه لما أراد الدعاء ~~لبس جبة شعر ورداء شعر وقام يصلي ويدعو ربه ويبكي قال أبو السعود: نادى ~~عيسى ربه مرتين: مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع الكمالات، ومرة بوصف ~~الربوبية المنبئة عن التربية إظهارا لغاية التضرع { تكون لنا ~~عيدا لأولنا وآخرنا } أي يكون يوم فرح وسرور لنا ولمن يأتي ~~بعدنا { وآية منك وارزقنا وأنت ms0384 خير الرازقين } أي ~~ودلالة وحجة شاهدة على صدق رسولك وارزقنا يا ألله فإنك خير من يعطي ~~ويرزق لأنك الغني الحميد { قال الله إني منزلها عليكم ~~} أي أجاب الله دعاءه فقال إني سأنزل عليكم هذه المائدة من السماء { ~~فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين } أي من كفر بعد تلك الآية ~~الباهرة فسوف أعذبه عذابا شديدا لا أعذب مثل ذلك التعذيب أحدا من ~~البشر وفي الحديث # " أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا ألا يدخروا لغد ولا ~~يخونوا فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير " # قال في التسهيل: جرت عادة الله عز وجل بعقاب من كفر بعد اقتراح آية ~~فأعطيها، ولما كفر بعض هؤلاء مسخهم الله خنازير { وإذ قال الله ~~يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله } هذا عطف قصة على قصة { إذ قال ~~الحواريون } { وإذ قال الله يعيسى } قال ابن عباس: ~~هذا القول يكون من الله يوم القيامة على رءوس الخلائق ليعلم الكفار أنهم ~~كانوا على باطل والمعنى: اذكر للناس يوم يخاطب الله عبده ورسوله عيسى بن ~~مريم في الآخرة توبيخا للكفرة وتبكيتا لهم قائلا: يا عيسى أأنت دعوت ~~الناس إلى عبادتك والاعتقاد بألوهيتك وألوهية أمك؟! قال القرطبي: إنما ~~سأله عن ذلك توبيخا لمن ادعى ذلك عليه ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ ~~في التكذيب وأشد في التوبيخ والتقريع { قال سبحانك ما يكون ~~لي أن أقول ما ليس لي بحق } أي أنزهك عما لا يليق بك يا ~~رب فما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله { إن كنت قلته ~~فقد علمته } أي إن كان ذلك صدر مني فإنك لا يخفى عليك شيء وأنت ~~العالم بأني لم أقله، وهذا اعتذار وبراءة من ذلك القول ومبالغة في ~~الأدب وإظهار الذلة والمسكنة في حضرة ذي الجلال { تعلم ما في ~~نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام ~~الغيوب } أي تعلم حقيقة ذاتي وما انطوت عليه ولا أعلم حقيقة ذاتك وما ms0385 ~~احتوت عليه من صفات الكمال إنك أنت العالم بالخفايا والنوايا وعلمك محيط ~~بما كان وما يكون { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به } أي ~~ما أمرتهم إلا بما أمرتني به قال الرازي: وضع القول موضع الأمر نزولا ~~على موجب الأدب لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معا { أن اعبدوا ~~الله ربي وربكم } أي قلت لهم اعبدوا الله خالقي وخالقكم ~~فأنا عبد مثلكم { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } أي ~~كنت شاهدا على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم { فلما توفيتني ~~كنت أنت الرقيب عليهم } أي فلما قبضتني إليك بالرفع إلى ~~السماء كنت يا ألله الحفيظ لأعمالهم، والشاهد على أفعالهم { وأنت ~~على كل شيء شهيد } أي وأنت المطلع على كل شيء لا يخفى عليك ~~شيء { إن تعذبهم فإنهم عبادك } أي إن تعذبهم فأنت ~~مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك { وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم } أي وإن تغفر لمن تاب منهم ~~فإنك أنت الغالب على أمره الحكيم في صنعه { قال الله هذا ~~يوم ينفع الصادقين صدقهم } أي يوم القيامة ينفع الصادقين ~~في الدنيا صدقهم لأنه يوم الجزاء { لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا } أي لهم جنات تجري من ~~تحت غرفها وأشجارها الأنهار ماكثين فيها لا يخرجون منها أبدا { رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم } أي ~~نالوا رضوان الله لصدقهم ورضوا عن الله فيما أثابهم وجازاهم ذلك هو الظفر ~~والفوز الكبير بجنات النعيم { لله ملك السموت والأرض ~~وما فيهن وهو على كل شيء قدير } أي الجميع ملكه ~~وتحت قهره ومشيئته وهو القادر على كل شيء. # تنبيه: روى الإمام مسلم في صحيحه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم { رب ~~إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني ~~فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } وقول ~~عيسى { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم } فرفع يديه وقال: اللهم أمتي ~~أمتي وبكى فقال الله تعالى يا جبريل: اذهب إلى ms0386 محمد - وربك أعلم - ~~فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله يا جبريل: اذهب إلى محمد ~~فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ". ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1-18] # اللغة: { يعدلون } يسوون به غيره ويجعلون له عدلا وشريكا ~~يقال: عدل فلانا بفلان أى سواه به { تمترون } تشكون يقال امترى في ~~الأمر إذا شك فيه { قرن } القرن: الأمة المقترنة في مدة من الزمان ~~ومنه حديث # " خير القرون قرني " # وأصل القرن مائة سنة ثم أصبح يطلق على الأمة من الناس التي تعيش في ذلك ~~العصر قال الشاعر: # إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم # وخلفت في قرن فأنت غريب # { مدرارا } غزيرة دائمة { قرطاس } القرطاس: الصحيفة التي يكتب ~~فيها { لبسنا } خلطنا يقال لبست عليه الأمر أي خلطته عليه حتى ~~اشتبه { حاق } نزل بهم وأصابهم { وليا } ناصرا ومعينا. # سبب النزول: روي أن مشركي مكة قالوا: يا محمد والله لا نؤمن لك حتى ~~تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند ~~الله وأنك رسوله فأنزل الله { ولو نزلنا عليك كتابا في ~~قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن ~~هذآ إلا سحر مبين }. # التفسير: { الحمد لله الذي خلق السموت والأرض ~~} بدأ تعالى هذه السورة بالحمد لنفسه تعليما لعباده أن يحمدوه بهذه ~~الصيغة الجامعة لصنوف التعظيم والتبجيل والكمال وإعلاما بأنه المستحق ~~لجميع المحامد فلا ند له ولا شريك، ولا نظير ولا مثيل ومعنى الآية: ~~احمدوا الله ربكم المتفضل عليكم بصنوف الإنعام والإكرام الذي أوجد ~~وأنشأ وابتدع خلق السماوات والأرض بما فيهما من أنواع البدائع وأصناف ~~الروائع، وبما اشتملا عليه من عجائب الصنعة وبدائع الحكمة، بما يدهش ~~العقول والأفكار تبصرة وذكرى لأولي الأبصار { وجعل الظلمات ~~والنور } أي وأنشأ الظلمات والأنوار وخلق الليل والنهار يتعاقبان في ~~الوجود لفائدة العوالم بما لا يدخل تحت حصر أو فكر، وجمع الظلمات لأن شعب ~~الضلال متعددة، ومسالكه متنوعة، وأفرد النور لأن مصدره واحد هو الرحمن ~~منور الأكوان ms0387 قال في التسهيل: وفي الآية رد على المجوس في عبادتهم ~~للنار وغيرها من الأنوار، وقولهم إن الخير من النور والشر من الظلمة، ~~فإن المخلوق لا يكون إلها ولا فاعلا لشيء من الحوادث { ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون } أي ثم بعد تلك الدلائل ~~الباهرة والبراهين القاطعة على وجود الله ووحدانيته يشرك الكافرون بربهم ~~فيساوون به أصناما نحتوها بأيديهم، وأوهاما ولدوها بخيالهم، ففي ذلك ~~تعجيب من فعلهم وتوبيخ لهم قال ابن عطية: والآية دالة على قبح فعل ~~الكافرين لأن المعنى أن خلقه السماوات والأرض وغيرها قد تقرر، وآياته قد ~~سطعت، وإنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد هذا كله قد عدلوا بربهم فهذا كما ~~تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني؟ أي بعد وضوح ~~هذا كله { هو الذي خلقكم من طين } أي خلق أباكم آدم من طين ~~{ ثم قضى أجلا } أي حكم وقدر لكم أجلا من الزمن تموتون عند ~~انتهائه { وأجل مسمى عنده } أي وأجل آخر مسمى عنده لبعثكم ~~جميعا، فالأجل الأول الموت والثاني البعث والنشور { ثم أنتم ~~تمترون } أي ثم أنتم أيها الكفار تشكون في البعث وتنكرونه بعد ظهور ~~تلك الآيات العظيمة { وهو الله في السموت وفي الأرض } ~~أي هو الله المعظم المعبود في السماوات والأرض قال ابن كثير: أي يعبده ~~ويوحده ويقر له بالألوهية من في السماوات والأرض ويدعونه رغبا ورهبا ~~ويسمونه الله { يعلم سركم وجهركم } أي يعلم سركم وعلنكم ~~{ ويعلم ما تكسبون } أي من خير أو شر وسيجازيكم عليه، ثم أخبر ~~تعالى عن عنادهم وإعراضهم فقال { وما تأتيهم من آية من ~~آيات ربهم } أي ما يظهر لهم دليل من الأدلة أو معجزة من المعجزات ~~أو آية من آيات القرآن { إلا كانوا عنها معرضين } أي إلا ~~تركوا النظر فيها ولم يلتفتوا إليها قال القرطبي: والمراد تركهم النظر في ~~الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله عز وجل، والمعجزات التي ~~أقامها لنبيه صلى الله عليه وسلم التى يستدل بها على صدقه في جميع ما أتى ~~به عن ربه ms0388 { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم } أي كذبوا ~~بالقرآن الذي جاءهم من عند الله { فسوف يأتيهم أنباء ما ~~كانوا به يستهزءون } أي سوف يحل بهم العقاب ان عاجلا أو ~~آجلا ويظهر لهم خبر ما كانوا به يستهزئون، وهذا وعيد بالعذاب والعقاب ~~على استهزائهم، ثم حضهم تعالى على الاعتبار بمن سبقهم من الأمم فقال { ~~ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } أي ألا ~~يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم الأنبياء ألم يعرفوا ذلك؟ { ~~مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } أي منحناهم من ~~أسباب السعة والعيش والتمكين في الأرض ما لم نعطكم يا أهل مكة { ~~وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا } أي أنزلنا المطر ~~غزيرا متتابعا يدر عليهم درا { وجعلنا الأنهار تجري ~~من تحتهم } أي من تحت أشجارهم ومنازلهم حتى عاشوا في الخصب والريف ~~بين الأنهار والثمار { فأهلكناهم بذنوبهم } أي فكفروا ~~وعصوا فأهلكناهم بسبب ذنوبهم، وهذا تهديد للكفار أن يصيبهم مثل ما أصاب ~~هؤلاء على حال قوتهم وتمكينهم في الأرض { وأنشأنا من بعدهم ~~قرنا آخرين } أي أحدثنا من بعد إهلاك المكذبين قوما آخرين غيرهم ~~قال أبو حيان: وفيه تعريض للمخاطبين بإهلاكهم إذا عصوا كما أهلك من ~~قبلهم { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس } أي لو ~~نزلنا عليك يا محمد كتابا مكتوبا على ورق كما اقترحوا { فلمسوه ~~بأيديهم } أي فعاينوا ذلك ومسوه باليد ليرتفع عنهم كل إشكال ~~ويزول كل ارتياب { لقال الذين كفروا إن هذآ إلا ~~سحر مبين } أي لقال الكافرون عند رؤية تلك الآية الباهرة تعنتا ~~وعنادا ما هذا إلا سحر واضح، والغرض أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم أوضح ~~الآيات وأظهر الدلائل { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } أي ~~هلا أنزل على محمد ملك يشهد بنبوته وصدقه و { لولا } بمعنى هلا للتحضيض ~~قال أبو السعود: أي هلا أنزل عليه ملك بحيث نراه ويكلمنا أنه نبي وهذا ~~من أباطيلهم المحققة وخرافاتهم الملفقة التي يتعللون بها كلما ضاقت ~~عليهم الحيل وعييت بهم العلل { ولو أنزلنا ملكا لقضي ~~الأمر } أي لو أنزلنا الملك كما اقترحوا وعاينوه ms0389 ثم كفروا لحق ~~إهلاكهم كما جرت عادة الله بأن من طلب آية ثم لم يؤمن أهلكه الله حالا ~~{ ثم لا ينظرون } أي ثم لا يمهلون ولا يؤخرون، والآية كالتعليل ~~لعدم إجابة طلبهم، فإنهم - في ذلك الإقتراح - كالباحث عن حتفه بظلفه ~~{ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } أي لو جعلنا ~~الرسول ملكا لكان في صورة رجل لأنهم لا طاقة لهم على رؤية الملك في ~~صورته { وللبسنا عليهم ما يلبسون } أي لخلطنا عليهم ما ~~يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم، فإنهم لو رأوا الملك في صورة إنسان ~~قالوا هذا إنسان وليس بملك قال ابن عباس: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا ~~في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور، ثم قال ~~تعالى تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم { ولقد استهزىء برسل ~~من قبلك } أي والله لقد استهزأ الكافرون من كل الأمم بأنبيائهم ~~الذين بعثوا إليهم { فحاق بالذين سخروا منهم ما ~~كانوا به يستهزءون } أي أحاط ونزل بهؤلاء المستهزئين بالرسل ~~عاقبة استهزائهم، وفي هذا الإخبار تهديد للكفار { قل سيروا في ~~الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } أي ~~قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين الساخرين: سافروا في الأرض فانظروا وتأملوا ~~ماذا حل بالكفرة قبلكم من العقاب وأليم العذاب لتعتبروا بآثار من خلا من ~~الأمم كيف أهلكهم الله وأصبحوا عبرة للمعتبرين { قل لمن ما في ~~السموت والأرض } أي قل يا محمد لمن الكائنات جميعا خلقا ~~وملكا وتصرفا؟ والسؤال لإقامة الحجة على الكفار فهو سؤال تبكيت { قل ~~لله } أي قل لهم تقريرا وتنبيها هي لله لأن الكفار يوافقون على ذلك ~~بالضرورة لأنه خالق الكل إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم { كتب ~~على نفسه الرحمة } أي ألزم نفسه الرحمة تفضلا وإحسانا ~~والغرض التلطف في دعائهم إلى الإيمان وإنابتهم إلى الرحمن { ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه } أي ~~ليحشرنكم من قبوركم مبعوثين إلى يوم القيامة الذي لا شك فيه ليجازيكم ~~بأعمالكم { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } ~~أي أضاعوها بكفرهم وأعمالهم السيئة في الدنيا فهم لا ms0390 يؤمنون ولهذا لا ~~يقام لهم وزن في الآخرة وليس لهم نصيب فيها سوى الجحيم والعذاب الأليم { ~~وله ما سكن في الليل والنهار } أي لله عز وجل ما حل ~~واستقر في الليل والنهار الجميع عباده وخلقه وتحت قهره وتصرفه، والمراد ~~عموم ملكه تعالى لكل شيء { وهو السميع العليم } أي السميع ~~لأقوال العباد العليم بأحوالهم { قل أغير الله أتخذ ~~وليا } الاستفهام للتوبيخ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين أغير الله ~~أتخذ معبودا؟ { فاطر السموت والأرض } أي خالقهما ومبدعهما ~~على غير مثال سابق { وهو يطعم ولا يطعم } أي هو جل وعلا ~~يرزق ولا يرزق قال ابن كثير: أي هو الرازق لخلقه من غير احتياج إليهم ~~{ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } أي قل لهم ~~يا محمد إن ربي أمرني أن أكون أول من أسلم لله من هذه الأمة { ولا ~~تكونن من المشركين } أي وقيل لي: لا تكونن من المشركين ~~قال الزمخشري ومعناه: أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك { قل إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } أي قل لهم أيضا ~~إنني أخاف إن عبدت غير ربي عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة { من ~~يصرف عنه يومئذ فقد رحمه } أي من يصرف عنه العذاب فقد ~~رحمه الله { وذلك الفوز المبين } أي النجاة الظاهرة { وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } أي إن ~~تنزل بك يا محمد شدة من فقر أو مرض فلا رافع ولا صارف له إلا هو ولا ~~يملك كشفه سواه { وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء ~~قدير } أي وإن يصبك بخير من صحة ونعمة فلا راد له لأنه وحده القادر ~~على إيصال الخير والضر قال في التسهيل: والآية برهان على الوحدانية ~~لانفراد الله تعالى بالضر والخير وكذلك ما بعد هذا من الأوصاف براهين ورد ~~على المشركين { وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم ~~الخبير } قال ابن كثير: أي هو الذي خضعت له الرقاب وذلت له الجبابرة ~~وعنت له الوجوه وقهر كل شيء وهو الحكيم في جميع أفعاله الخبير ms0391 بمواضع ~~الأشياء. # البلاغة: 1- { الحمد لله } الصيغة تفيد القصر أي لا يستحق ~~الحمد والثناء إلا الله رب العالمين. # 2- { وجعل الظلمت والنور } فيه من المحسنات البديعية ~~الطباق. # 3- { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } فيه استبعاد ~~أن يعدلوا به غيره بعد وضوح آيات قدرته ووضع الرب { ربهم } موضع ~~الضمير لزيادة التشنيع والتقبيح. # 4- { سركم وجهركم } بينهما طباق. # 5- { من قرن } أي أهل قرن فهو مجاز مرسل. # 6- { وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا } أي المطر عبر ~~عنه بالسماء لأنه ينزل من السماء فهو مجاز أيضا. # 7- { استهزىء برسل } تنكير رسل للتفخيم والتكثير. # 8- { السميع العليم } من صيغ المبالغة. # فائدة: في القرآن العظيم خمس سور ابتدأت ب { الحمد لله } وهي ~~سورة الفاتحة # الحمد لله رب العالمين # [الآية: 2] والأنعام { الحمد لله الذي خلق السموت ~~والأرض } [الآية: 1] وسورة الكهف # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب # [الآية: 1] وسورة سبأ # الحمد لله الذي له ما في السموت وما في ~~الأرض # [الآية: 1] وسورة فاطر # الحمد لله فاطر السموت والأرض # [الآية: 1]. ### || [6.19-35] # المناسبة: لما أفاض جل ذكره في إقامة الدلائل والبراهين على قدرته ~~ووحدانيته من أول السورة الكريمة ذكر هنا شهادته تعالى على صدق نبوة محمد ~~عليه السلام ثم ذكر موقف الجاحدين للقرآن المكذبين للوحي، وحسرتهم ~~الشديدة يوم القيامة. # اللغة: { لأنذركم } الإنذار: إخبار فيه تخويف { فتنتهم } ~~الفتنة الاختبار { أكنة } جمع كنان وهو الغطاء { وقرا } ثقلا ~~يقال وقرت أذنه إذا ثقلت أو صمت { أساطير } خرافات وأباطيل جمع ~~أسطورة قال الجوهري الأساطير: الأباطيل والترهات { ينأون } يبعدون ~~يقال نأى عنه إذا ابتعد { بغتة } فجأة يقال: بغته إذا فجأه { ~~فرطنا } فرط: قصر مع القدرة على ترك التقصير قال أبو عبيد: فرط: ~~ضيع { أوزارهم } ذنوبهم جمع وزر { يزرون } يحملون { لهو } ~~اللهو: صرف النفس عن الجد إلى الهزل، وكل ما شغلك فقد ألهاك. # سبب النزول: أ - روي أن رؤساء مكة قالوا يا محمد: ما نرى أحدا ~~يصدقك بما تقول من أمر الرسالة، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا ~~أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم؟ ms0392 ~~فأنزل الله { قل أي شيء أكبر شهادة؟ قل الله شهيد ~~بيني وبينكم.. } الآية. # ب - عن ابن عباس أن " أبا سفيان " و " الوليد بن المغيرة " و " النضر بن ~~الحارث " جلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ~~فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ فقال أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن ~~القرون الماضية فأنزل الله { ومنهم من يستمع إليك ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه.. } الآية. # ج - روي أن " الأخنس بن شريق " التقى ب " أبي جهل بن هشام " فقال ~~له: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس عندنا ~~أحد غيرنا فقال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ~~ذهب " بنو قصي " باللواء، والسقاية، والحجابة، والنبوة فماذا يكون لسائر ~~قريش؟ فأنزل الله { قد نعلم إنه ليحزنك الذي ~~يقولون فإنهم لا يكذبونك.. } الآية. # التفسير: { قل أي شيء أكبر شهادة } أي قل لهم يا محمد ~~أي شيء أعظم شهادة حتى يشهد لي بأني صادق في دعوى النبوة؟ { قل ~~الله شهيد بيني وبينكم } أي أجبهم أنت وقل لهم الله يشهد ~~لي بالرسالة والنبوة وكفى بشهادة الله لي شهادة قال ابن عباس: قال الله ~~لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل لهم أي شيء أكبر شهادة فإن أجابوك ~~وإلا فقل لهم الله شهيد بيني وبينكم { وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم به ومن بلغ } أي وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم إلى يوم ~~القيامة قال ابن جزي: والمقصود بالآية الاستشهاد بالله - الذي هو أكبر ~~شهادة - على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهادة الله بهذا هي علمه ~~بصحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإظهار معجزته الدالة على صدقه ~~{ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى } ~~استفهام توبيخ أي أئنكم أيها المشركون لتقرون بوجود آلهة مع الله؟ فكيف ~~تشهدون أن مع الله آلهة أخرى بعد وضوح الأدلة وقيام الحجة على وحدانية ~~الله؟ { قل ms0393 لا أشهد } أي قل لهم لا أشهد بذلك { قل إنما ~~هو إله واحد } أي قل يا محمد إنما أشهد بأن الله واحد أحد، ~~فرد صمد { وإنني بريء مما تشركون } أي وأنا بريء من هذه ~~الأصنام، ثم ذكر تعالى أن الكفار بين جاهل ومعاند فقال { الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم ~~} يعني اليهود والنصارى الذين عرفوا وعاندوا يعرفون النبي صلى الله عليه ~~وسلم بحليته ونعته على ما هو مذكور في التوراة والإنجيل كما يعرف الواحد ~~منهم ولده لا يشك في ذلك أصلا قال الزمخشري: وهذا استشهاد لأهل مكة ~~بمعرفة أهل الكتاب وبصحة نبوته { الذين خسروا أنفسهم ~~فهم لا يؤمنون } أي أولئك هم الخاسرون لأنهم لم يؤمنوا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم بعد وضوح الآيات { ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا أو كذب بآياته } الاستفهام إنكاري ~~ومعناه النفي أي لا أحد أظلم ممن اختلق على الله الكذب أو كذب بالقرآن ~~والمعجزات الباهرة وسماها سحرا قال أبو السعود: وكلمة { أو } ~~للإيذان بأن كلا من الافتراء والتكذيب وحده بالغ غاية الإفراط في ~~الظلم، فكيف وهم قد جمعوا بينهما فأثبتوا ما نفاه الله ونفوا ما أثبته! ~~قاتلهم الله أنى يؤفكون { إنه لا يفلح الظالمون } أي لا ~~يفلح المفتري ولا المكذب وفيه إشارة إلى أن مدعي الرسالة لو كان ~~كاذبا لكان مفتريا على الله فلا يكون محلا لظهور المعجزات { ويوم ~~نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا } أي اذكر ~~يوم نحشرهم جميعا للحساب ونقول لهم على رءوس الأشهاد { أين ~~شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } أي أين آلهتكم التي ~~جعلتموها شركاء لله؟ قال البيضاوي: والمراد من الاستفهام التوبيخ و { ~~تزعمون } أي تزعمونهم آلهة وشركاء مع الله فحذف المفعولان ولعله ~~يحال بينهم وبين آلهتهم حينئذ ليفقدوها في الساعة التي علقوا بها الرجاء ~~فيها قال ابن عباس: كل زعم في القرآن فهو كذب { ثم لم تكن ~~فتنتهم } أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال ورأوا الحقائق ~~{ إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } أي ~~أقسموا كاذبين بقولهم ms0394 والله يا ربنا ما كنا مشركين قال القرطبي: تبرءوا ~~من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين قال ابن عباس: ~~يغفر الله لأهل الإخلاص ذنوبهم فإذا رأى المشركون ذلك قالوا تعالوا ~~نقول: إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين، فيختم على أفواههم وتنطق ~~أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون { انظر كيف كذبوا على ~~أنفسهم } أي انظر يا محمد كيف كذبوا على أنفسهم بنفي الإشراك عنها ~~أمام علام الغيوب، وهذا للتعجيب من كذبهم الصريح { وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون } أي تلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من شفاعة ~~آلهتهم وغاب عنهم ما كانوا يفترونه على الله من الشركاء، ثم وصف تعالى ~~حال المشركين حين استماع القرآن فقال { ومنهم من يستمع ~~إليك } أي ومن هؤلاء المشركين من يصغي إليك يا محمد حين تتلو القرآن ~~{ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } أي جعلنا ~~على قلوبهم أغطية لئلا يفقهوا القرآن { وفي آذانهم وقرا } أي ~~ثقلا وصمما يمنع من السمع قال ابن جزي: والمعنى أن الله حال بينهم ~~وبين فهم القرآن إذا استمعوه وعبر بالأكنة والوقر مبالغة { وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها } أي مهما رأوا من الآيات ~~والحجج البينات لا يؤمنوا بها لفرط العناد { حتى إذا جآءوك ~~يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذآ إلا ~~أساطير الأولين } أي بلغوا من التكذيب والمكابرة إلى أنهم إذا ~~جاءوك مجادلين يقولون عن القرآن ما هذا إلا خرافات وأباطيل الأولين { ~~وهم ينهون عنه وينأون عنه } أي هؤلاء المشركون ~~المكذبون ينهون الناس عن القرآن وعن اتباع محمد عليه السلام ويبعدون هم ~~عنه { وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } أي وما ~~يهلكون بهذا الصنيع إلا أنفسهم وما يشعرون بذلك قال ابن كثير: فهم قد ~~جمعوا بين الفعلين القبيحين لا ينتفعون ولا يدعون أحدا ينتفع ولا يعود ~~وباله إلا عليهم وما يشعرون { ولو ترى إذ وقفوا على ~~النار } أي لو ترى يا محمد هؤلاء المشركين إذ عرضوا على النار لرأيت ~~أمرا عظيما تشيب لهوله الرءوس قال البيضاوي: وجواب { لو } محذوف ms0395 ~~تقديره لرأيت أمرا شنيعا وإنما حذف ليكون أبلغ ما يقدره السامع { ~~فقالوا يليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا } أي ~~تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليعملوا عملا صالحا ولا يكذبوا بآيات الله { ~~ونكون من المؤمنين } أي إذا رجعنا إلى الدنيا نصدق ونؤمن ~~بالله إيمانا صادقا فتمنوا العودة ليصلحوا العمل ويتداركوا الزلل قال ~~تعالى ردا لذلك التمني { بل بدا لهم ما كانوا يخفون ~~من قبل } أي ظهر لهم يوم القيامة ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم ~~وقبائحهم فتمنوا ذلك { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ~~وإنهم لكاذبون } أي لو ردوا - على سبيل الفرض لأنه لا رجعة ~~إلى الدنيا بعد الموت - لعادوا إلى الكفر والضلال وإنهم لكاذبون في ~~وعدهم بالإيمان { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا ~~وما نحن بمبعوثين } أي قال أولئك الكفار الفجار ما هي إلا ~~هذه الحياة الدنيا ولا بعث ولا نشور { ولو ترى إذ وقفوا ~~على ربهم } أي لو ترى حالهم إذ حبسوا للحساب أمام رب الأرباب ~~كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده للعقاب، وجواب { لو } محذوف ~~للتهويل من فظاعة الموقف { قال أليس هذا بالحق } أي أليس ~~هذا المعاد بحق؟ والهمزة للتقريع على التكذيب { قالوا بلى ~~وربنا } أي قالوا بلى والله إنه لحق { قال فذوقوا العذاب ~~بما كنتم تكفرون } أي ذوقوا العذاب بسبب كفركم في الدنيا ~~وتكذيبكم رسل الله، ثم أخبر تعالى عن هؤلاء الكفار فقال { قد خسر ~~الذين كذبوا بلقآء الله } أي لقد خسر هؤلاء المكذبون ~~بالبعث { حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة } أي حتى إذا ~~جاءتهم القيامة فجأة من غير أن يعرفوا وقتها قال القرطبي: سميت القيامة ~~بالساعة لسرعة الحساب فيها { قالوا يحسرتنا على ما ~~فرطنا فيها } أي قالوا يا ندامتنا على ما قصرنا وضيعنا في ~~الدنيا من صالح الأعمال { وهم يحملون أوزارهم على ~~ظهورهم } أي والحال أنهم يحملون أثقال ذنوبهم على ظهورهم قال ~~البيضاوي: وهذا تمثيل لاستحقاقهم آصار الآثام وقال { على ظهورهم ~~} لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، قال ابن جزي: وهذا كناية عن تحمل ~~الذنوب، وقيل ms0396 إنهم يحملونها على ظهورهم حقيقة فقد روي أن الكافر يركبه ~~عمله بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله بعد أن يتمثل ~~له في أحسن صورة { ألا سآء ما يزرون } أي بئس ما يحملونه من ~~الأوزار { وما الحياة الدنيآ إلا لعب ولهو } أي باطل ~~وغرور لقصر مدتها وفناء لذتها { وللدار الآخرة خير ~~للذين يتقون } أي الآخرة وما فيها من أنواع النعيم خير لعباد ~~الله المتقين من دار الفناء لأنها دائمة لا يزول عنهم نعيمها ولا يذهب ~~عنهم سرورها { أفلا تعقلون } أي أفلا تعقلون أن الآخرة خير من ~~الدنيا؟ ثم سلى تعالى نبيه لتكذيب قومه له فقال { قد نعلم ~~إنه ليحزنك الذي يقولون } أي قد أحطنا علما بتكذيبهم ~~لك وحزنك وتأسفك عليهم قال الحسن: كانوا يقولون إنه ساحر وشاعر وكاهن ~~ومجنون { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين ~~بآيات الله يجحدون } أي فإنهم في دخيلة نفوسهم لا يكذبونك بل ~~يعتقدون صدقك ولكنهم يجحدون عن عناد فلا تحزن لتكذيبهم قال ابن عباس: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب فى شىء ~~ولكنهم كانوا يجحدون فكان أبو جهل يقول: ما نكذبك يا محمد وإنك عندنا ~~لمصدق وإنما نكذب ما جئتنا به { ولقد كذبت رسل من ~~قبلك فصبروا على ما كذبوا } أي صبروا على ما نالهم من ~~قومهم من التكذيب والاستهزاء { وأوذوا حتى أتاهم نصرنا } ~~أي وأوذوا في الله حتى نصرهم الله، وفي الآية إرشاد إلى الصبر، ووعد ~~له بالنصر { ولا مبدل لكلمات الله } قال ابن عباس: أي ~~لمواعيد الله، وفي هذا تقوية للوعد { ولقد جآءك من نبإ ~~المرسلين } أي ولقد جاءك بعض أخبار المرسلين الذين كذبوا وأوذوا ~~كيف أنجيناهم ونصرناهم على قومهم فتسل ولا تحزن فإن الله ناصرك كما ~~نصرهم { وإن كان كبر عليك إعراضهم } أي إن كان ~~إعراضهم عن الإسلام قد عظم وشق عليك يا محمد { فإن استطعت أن ~~تبتغي نفقا في الأرض } أي إن قدرت أن تطلب سربا ومسكنا ~~في جوف الأرض { أو سلما ms0397 في السمآء فتأتيهم بآية } ~~أي مصعدا تصعد به إلى السماء فتأتيهم بآية مما اقترحوه فافعل { ~~ولو شآء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن ~~من الجاهلين } أي لو أراد الله لهداهم إلى الإيمان فلا تكونن ~~يا محمد من الذين يجهلون حكمة الله ومشيئته الأزلية. # البلاغة: 1- { كما يعرفون أبنآءهم } فيه تشبيه يسمى " ~~المرسل المجمل ". # 2- { الذين كنتم تزعمون } فيه إيجاز بالحذف أي تزعمونهم ~~شركاء. # 3- { انظر كيف كذبوا } الصيغة للتعجيب من كذبهم الغريب. # 4- { وفي آذانهم وقرا } عبر بالأكنة في القلوب والوقر في ~~الآذان وهو تمثيل بطريق الاستعارة لإعراضهم عن القرآن. # 5- { يقول الذين كفروا } وضع الظاهر موضع الضمير لتسجيل ~~الكفر عليهم. # 6- { ينهون وينأون } بينهما من المحسنات البديعية الجناس ~~الناقص. 7- { وإنهم لكاذبون } وردت الصيغة مؤكدة بمؤكدين " ~~إن " و " اللام " للتنبيه على أن الكذب طبيعتهم. # 8- { وما الحياة الدنيآ إلا لعب ولهو } تشبيه بليغ ~~حيث جعلت الدنيا نفس اللعب واللهو مبالغة كقول الخنساء: " فإنما هي ~~إقبال وإدبار ". # 9- { أفلا تعقلون } الاستفهام للتوبيخ. # 10- { كذبت رسل } تنوين رسل للتفخيم والتكثير. # تنبيه: قال الإمام الفخر: قوله تعالى { ولو ترى إذ وقفوا ~~على النار } يقتضي له جوابا وقد حذف تفخيما للأمر وتعظيما ~~للشأن، وأشباهه كثير في القرآن والشعر، وحذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ ~~في المعنى من إظهاره ألا ترى أنك لو قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك - ~~وسكت عن الجواب - ذهب فكره إلى أنواع المكروه من الضرب، والقتل، ~~والكسر، وعظم خوفه لأنه لم يدر أي الأقسام تبغي، ولو قلت: والله لئن قمت ~~إليك لأضربنك فأتيت بالجواب لعلم أنك لم تبلغ شيئا غير الضرب، فثبت أن ~~حذف الجواب أقوى تأثيرا في حصول الخوف. ### || [6.36-58] # المناسبة: لما ذكر الله تعالى إعراض المشركين عن القرآن وعن الإيمان ~~بالنبي عليه السلام، ذكر في هذه الآيات السبب في ذلك وهو أن القرآن نور ~~وشفاء يهتدي به المؤمنون، وأما الكافرون فهم بمنزلة الموتى الذين لا ~~يسمعون ولا يستجيبون، ثم ذكر اقتراح المشركين بعض الآيات وشبههم بالصم ~~البكم الذين لا يعقلون. # اللغة: { تضرعوا } التضرع من الضراعة وهي الذلة يقال: ms0398 ضرع فهو ~~ضارع { البأسآء } من البؤس وهو الفقر { الضرآء } من الضر وهو ~~البلاء قال القرطبي: البأساء في الأموال، والضراء في الأبدان، هذا قول ~~الأكثر { مبلسون } المبلس: اليائس من الخير من أبلس الرجل إذا يئس ~~ومنه " إبليس " لأنه أبلس من رحمة الله عز وجل { دابر } الدابر: الآخر ~~ودابر القوم: خلفهم من نسلهم قال قطرب: يعني استؤصلوا وأهلكوا قال ~~الشاعر: # فأهلكوا بعذاب حص دابرهم # فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا # { يصدفون } صدف عن الشيء أعرض عنه { تطرد } الطرد: الإبعاد ~~مع الإهانة { الفاصلين } الحاكمين. # سبب النزول: عن ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعنده " صهيب، وخباب، وبلال، وعمار " وغيرهم من ضعفاء ~~المسلمين فقالوا يا محمد: أرضيت بهؤلاء من قومك! أفنحن نكون تبعا لهم! ~~أهؤلاء الذين من الله عليهم! اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم إتبعناك ~~فأنزل الله تعالى { ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه } الآية. # التفسير: { إنما يستجيب الذين يسمعون } أي إنما ~~يستجيب للإيمان الذين يسمعون سماع قبول وإصغاء، وهنا تم الكلام ثم ~~ابتدأ فقال { والموتى يبعثهم الله } قال ابن كثير: يعني ~~بذلك الكفار لأنهم موتى القلوب فشبههم الله بأموات الأجساد، وهذا من باب ~~التهكم بهم والإزراء عليهم وقال الطبري: يعني والكفار يبعثهم الله مع ~~الموتى، فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتا، ولا ~~يعقلون دعاء، ولا يفقهون قولا، إذ كانوا لا يتدبرون حجج الله ولا ~~يعتبرون بآياته ولا يتذكرون فينزجرون عن تكذيب رسل الله { ثم إليه ~~يرجعون } أي ثم مرجعهم إلى الله فيجازيهم بأعمالهم { وقالوا ~~لولا نزل عليه آية من ربه } أي قال كفار مكة هلا ~~نزل على محمد معجزة تدل على صدقه كالناقة والعصا والمائدة قال القرطبي ~~وكان هذا منهم تعنتا بعد ظهور البراهين وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا ~~أن يأتوا بسورة من مثله { قل إن الله قادر على أن ~~ينزل آية } أي هو تعالى قادر على أن يأتيهم بما اقترحوا { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي لا يعلمون ms0399 ان إنزالها ~~يستجلب لهم البلاء لأنه لو أنزلها وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا لعاجلهم ~~بالعقوبة كما فعل بالأمم السابقة { وما من دآبة في الأرض } أي ~~ما من حيوان يمشي على وجه الأرض { ولا طائر يطير بجناحيه } ~~أي ولا من طائر يطير في الجو بجناحيه { إلا أمم أمثالكم } أي ~~إلا طوائف مخلوقة مثلكم خلقها الله وقدر أحوالها وأرزاقها وآجالها قال ~~البيضاوي: والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته وشمول علمه وسعة ~~تدبيره ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزل آية { ما فرطنا ~~في الكتاب من شيء } أي ما تركنا وما أغفلنا في القرآن شيئا من ~~أمر الدين يحتاج الناس إليه في أمورهم إلا بيناه وقيل: إن المراد ~~بالكتاب اللوح المحفوظ ويكون المعنى: ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئا ~~فلم نكتبه { ثم إلى ربهم يحشرون } أي يجمعون فيقضي بينهم ~~قال الزمخشري: يعني الأمم كلها من الدواب والطير فيعوضها وينصف بعضها من ~~بعض كما روي أنه يأخذ للجماء من القرناء { والذين كذبوا ~~بآياتنا صم وبكم في الظلمات } أي والذين كذبوا بالقرآن ~~صم لا يسمعون كلام الله سماع قبول بكم لا ينطقون بالحق خابطون في ظلمات ~~الكفر قال ابن كثير: وهذا مثل أي مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم ~~كمثل أصم وهو الذي لا يسمع، أبكم وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلمات ~~لا يبصر، فكيف يهتدى مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه! { من ~~يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم } أي من يشأ الله إضلاله يضلله ومن يشأ هدايته يرشده إلى ~~الهدى ويوفقه لدين الإسلام { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب ~~الله أو أتتكم الساعة } استفهام تعجيب أي أخبروني إن أتاكم ~~عذاب الله كما أتى من قبلكم أو أتتكم القيامة بغتة من تدعون؟ { أغير ~~الله تدعون إن كنتم صادقين } أي أتدعون غير الله لكشف ~~الضر عنكم؟ إن كنتم صادقين في أن الأصنام تنفعكم { بل إياه ~~تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شآء } أي بل ms0400 تخصونه ~~تعالى بدعائكم في الشدائد فيكشف الضر الذي تدعونه إلى كشفه إن شاء كشفه { ~~وتنسون ما تشركون } أي تتركون الآلهة فلا تدعونها لاعتقادكم ~~أن الله تعالى هو القادر على كشف الضر وحده دون سواه { ولقد ~~أرسلنآ إلى أمم من قبلك } هذه تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أي والله لقد أرسلنا رسلا إلى أمم كثيرين من قبلك فكذبوهم { ~~فأخذناهم بالبأسآء والضرآء } أي بالفقر والبؤس ~~والأسقام والأوجاع { لعلهم يتضرعون } أي لكي يتضرعوا إلى ~~الله بالتذلل والإنابة { فلولا إذ جآءهم بأسنا ~~تضرعوا } لولا للتحضيض أي فهلا تضرعوا حين جاءهم العذاب، وهذا عتاب ~~على ترك الدعاء وإخبار عنهم أنهم لم يتضرعوا مع قيام ما يدعوهم إلى ~~التضرع { ولكن قست قلوبهم } أي ولكن ظهر منهم النقيض حيث ~~قست قلوبهم فلم تلن للإيمان { وزين لهم الشيطان ما ~~كانوا يعملون } أي زين لهم المعاصي والإصرار على الضلال { ~~فلما نسوا ما ذكروا به } أي لما تركوا ما وعظوا به { ~~فتحنا عليهم أبواب كل شيء } أي من النعم والخيرات ~~استدراجا لهم { حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا } أي فرحوا ~~بذلك النعيم وازدادوا بطرا { أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون } أي أخذناهم بعذابنا فجأة فإذا هم يائسون قانطون من كل خير ~~{ فقطع دابر القوم الذين ظلموا } أي استؤصلوا وهلكوا ~~عن آخرهم { والحمد لله رب العالمين } أي على نصر الرسل ~~وإهلاك الكافرين قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم ~~أخذوا وفي الحديث # " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو ~~استدراج ثم قرأ { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا ~~عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ ~~أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } { قل ~~أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } " # أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين المعاندين من أهل مكة أخبروني لو أذهب ~~الله حواسكم فأصمكم وأعماكم { وختم على قلوبكم } أي طبع على ~~قلوبكم حتى زال عنها العقل والفهم { من إله غير الله ~~يأتيكم به } أي هل أحد غير الله يقدر على رد ذلك ms0401 إليكم إذا سلبه ~~الله منكم؟ { انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ~~} أي انظر كيف نبين ونوضح الآيات الدالة على وحدانيتنا ثم هم بعد ذلك ~~يعرضون عنها فلا يعتبرون { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب ~~الله بغتة أو جهرة } أي قل لهؤلاء المكذبين أخبروني إن ~~أتاكم عذاب الله العاجل فجأة أو عيانا بالليل أو بالنهار { هل ~~يهلك إلا القوم الظالمون } الاستفهام إنكاري بمعنى النفي ~~أي ما يهلك بالعذاب إلا أنتم لأنكم كفرتم وعاندتم { وما نرسل ~~المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } أي ما نرسل الرسل إلا ~~لتبشير المؤمنين بالثواب، وإنذار الكافرين بالعقاب، وليس إرسالهم ~~ليأتوا بما يقترحه الكافرون من الآيات { فمن آمن وأصلح فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } أي فمن آمن بهم وأصلح عمله ~~فلا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون والمراد أنهم لا يخافون ولا ~~يحزنون لأن الآخرة دار الجزاء للمتقين { والذين كذبوا ~~بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون } أي ~~وأما المكذبون بآيات الله فيمسهم العذاب الأليم بسبب فسقهم وخروجهم عن ~~طاعة الله قال ابن عباس: يفسقون أي يكفرون { قل لا أقول لكم ~~عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب } أي قل يا محمد ~~لهؤلاء الكفرة الذين يقترحون عليك تنزيل الآيات وخوارق العادات لست أدعي ~~أن خزائن الله مفوضة إلي حتى تقترحوا علي تنزيل الآيات ولا أدعي ~~أيضا أني أعلم الغيب حتى تسألوني عن وقت نزول العذاب { ولا أقول ~~لكم إني ملك } أي ولست أدعي أني من الملائكة حتى تكلفوني الصعود ~~إلى السماء وعدم المشي في الأسواق وعدم الأكل والشرب قال الصاوي: وهذه ~~الآية نزلت حين قالوا له إن كنت رسولا فاطلب من ربك أن يوسع علينا ~~ويغني فقرنا وأخبرنا بمصالحنا ومضارنا فأخبر أن ذلك بيد الله سبحانه لا ~~بيده. # والمعنى: إني لا أدعي شيئا من هذه الأشياء الثلاثة حتى تجعلوا عدم ~~إجابتي إلى ذلك دليلا على عدم صحة رسالتي { إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي } أي ما أتبع فيما أدعوكم إليه إلا وحي الله الذي ~~يوحيه إلي { قل هل يستوي ms0402 الأعمى والبصير } أي هل ~~يتساوى الكافر والمؤمن والضال والمهتدي؟ { أفلا تتفكرون } ~~تقريع وتوبيخ أي أتسمعون فلا تتفكرون؟ { وأنذر به الذين ~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم } أي خوف يا محمد بهذا ~~القرآن المؤمنين المصدقين بوعد الله ووعيده الذين يتوقعون عذاب الحشر قال ~~أبو حيان: وكأنه قيل: أنذر بالقرآن من يرجى إيمانه وأما الكفرة ~~المعرضون فدعهم ورأيهم { ليس لهم من دونه ولي ولا ~~شفيع } أي ليس لهم غير الله ولي ينصرهم ولا شفيع يشفع لهم { ~~لعلهم يتقون } أي أنذرهم لكي يتقوا الكفر والمعاصي { ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه } أي لا تطرد هؤلاء المؤمنين الضعفاء من مجلسك يا ~~محمد الذين يعبدون ربهم دوما في الصباح والمساء يلتمسون بذلك القرب من ~~الله والدنو من رضاه قال الطبري: نزلت الآية في سبب جماعة من ضعفاء ~~المسلمين قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو طردت هؤلاء عنك ~~لغشيناك وحضرنا مجلسك وأراد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك طمعا في ~~إسلامهم { ما عليك من حسابهم من شيء } أي لا تؤاخذ ~~بأعمالهم وذنوبهم كقول نوح # إن حسابهم إلا على ربي # [الشعراء: 113] قال الصاوي: هذا كالتعليل لما قبله والمعنى لا تؤاخذ ~~بذنوبهم ولا بما في قلوبهم إن أرادوا بصحبتك غير وجه الله، وهذا على فرض ~~تسليم ما قاله المشركون وإلا فقد شهد الله لهم بالإخلاص بقوله { ~~يريدون وجهه } { وما من حسابك عليهم من شيء } ~~وهذا التأكيد لمطابقة الكلام والمعنى لا تؤاخذ أنت بحسابهم ولا هم بحسابك ~~فلم تطردهم؟ وقيل إن المراد بالحساب الرزق، والمعنى ليس رزقهم عليك ولا ~~رزقك عليهم وإنما يرزقك وإياهم الله رب العالمين { فتطردهم ~~فتكون من الظالمين } أي لا تطردهم فإنك إن طردتهم تكون من ~~الظالمين، وهذا لبيان الأحكام وحاشاه من وقوع ذلك منه عليه السلام قال ~~القرطبي: وهذا كقوله تعالى # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] وقد علم الله منه أنه لا يشرك ولا يحبط عمله { وكذلك ~~فتنا بعضهم ببعض } أي ابتلينا الغني بالفقير والشريف ~~بالوضيع { ليقولوا أهؤلاء من الله ms0403 عليهم من ~~بيننآ } أي ليقول الأشراف والأغنياء أهؤلاء الضعفاء والفقراء من ~~الله عليهم بالهداية والسبق إلى الإسلام من دوننا!! قالوا ذلك إنكارا ~~واستهزاء كقولهم # أهذا الذي بعث الله رسولا # [الفرقان: 41] قال تعالى ردا عليهم { أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين }؟ أي الله أعلم بمن يشكر فيهديه ومن يكفر فيخزيه، ~~والاستفهام للتقرير { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا ~~فقل سلام عليكم } قال القرطبي: نزلت في الذين نهى الله نبيه ~~عليه الصلاة والسلام عن طردهم فكان إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال # " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام " # وأمر صلى الله عليه وسلم بأن يبدأهم بالسلام إكراما لهم وتطييبا ~~لقلوبهم { كتب ربكم على نفسه الرحمة } أي ألزم نفسه ~~الرحمة تفضلا منه وإحسانا { أنه من عمل منكم سوءا ~~بجهالة } أي خطيئة من غير قصد قال مجاهد: أي لا يعلم حلالا من حرام ~~ومن جهالته ركب الأمر { ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~غفور رحيم } أي ثم تاب من بعد ذلك الذنب وأصلح عمله فإن الله يغفر ~~له، وهو وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح { وكذلك نفصل ~~الآيات } أي كما فصلنا في هذه السورة الدلائل والحجج على ضلالات ~~المشركين كذلك نبين ونوضح لكم أمور الدين { ولتستبين سبيل ~~المجرمين } أي ولتتوضح وتظهر طريق المجرمين فينكشف أمرهم وتستبين ~~سبلهم { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من ~~دون الله } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إني نهيت أن أعبد هذه ~~الأصنام التي زعمتموها آلهة وعبدتموها من دون الله { قل لا أتبع ~~أهوآءكم } أي في عبادة غير الله، وفيه تنبيه على سبب ضلالهم { قد ~~ضللت إذا ومآ أنا من المهتدين } أي قد ضللت إن ~~أتبعت أهواءكم ولا أكون في زمرة المهتدين { قل إني على ~~بينة من ربي } أي على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إلي ~~{ وكذبتم به } أي وكذبتم بالحق الذي جاءني من عند الله { ما ~~عندي ما تستعجلون به } أي ليس عندي ما أبادركم به من العذاب ~~قال الزمخشري: يعني العذاب الذي استعجلوه في ms0404 قولهم # فأمطر علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] { إن الحكم إلا لله } أي ما الحكم في أمر ~~العذاب وغيره إلا لله وحده { يقص الحق وهو خير ~~الفاصلين } أي يخبر الخبر الحق ويبينه البيان الشافي وهو خير ~~الحاكمين بين عباده { قل لو أن عندي ما تستعجلون به } ~~أي لو أن بيدي أمر العذاب الذي تستعجلونه { لقضي الأمر بيني ~~وبينكم } أي لعجلته لكم لأستريح منكم ولكنه بيد الله قال ابن عباس: ~~لم أهملكم ساعة ولأهلكتكم { والله أعلم بالظالمين } أي هو ~~تعالى أعلم بهم إن شاء عاجلهم وإن شاء آخر عقوبتهم، وفيه وعيد وتهديد. # البلاغة: 1- { والموتى يبعثهم الله } فيه استعارة لأن ~~الموتى عبارة عن الكفار لموت قلوبهم. # 2- { يطير بجناحيه } تأكيد لدفع توهم المجاز لأن الطائر قد ~~يستعمل مجازا للعمل كقوله # ألزمناه طآئره في عنقه # [الإسراء: 13]. # 3- { صم وبكم } تشبيه بليغ أي كالصم البكم في عدم السماع وعدم ~~الكلام فحذفت منه الأداة ووجه الشبه. # 4- { إياه تدعون } فيه قصر أي لا تدعون غيره لكشف الضر، فهو قصر ~~صفة على موصوف. # 5- { فقطع دابر } كناية عن إهلاكهم بعذاب الاستئصال. # 6- { الأعمى والبصير } استعارة عن الكافر والمؤمن. # 7- { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك ~~عليهم من شيء } في هاتين الجملتين من أنواع البديع ما يسمى رد ~~الصدر على العجز. # فائدة: قال الزمخشري في قوله تعالى { فقطع دابر القوم ~~الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين } هذا إيذان ~~بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة وأنه من أجل النعم وأجزل القسم. # فائدة: قال بعض المفسرين: إن الواجب في الدعاء الإخلاص به لأنه ~~تعالى قال { يريدون وجهه } وهكذا جميع الطاعات لا ينبغي أن تكون ~~لشيء من أغراض الدنيا. ### || [6.59-73] # المناسبة: لما أقام تعالى الأدلة والبراهين على وجوده ووحدانيته، ~~أعقبه بذكر الأدلة على صفاته القدسية: علمه، وقدرته، وعظمته، وجلاله، ~~وسائر صفات الجلال والجمال، ثم ذكر نعمته على العباد بإنجائهم من ~~الشدائد، وقدرته على الانتقام ممن خالف أمره وعصى رسله. # اللغة: { كرب } الكرب: الغم الذي يأخذ بالنفس { شيعا } الشيعة: ~~الفرقة تتبع الأخرى ويجمع على شيع وأشياع ms0405 { أبسلوا } الإبسال: ~~تسليم الإنسان نفسه للهلاك { عدل } فدية { حميم } الحميم: الماء ~~الحار { حيران } الحيرة: التردد في الأمر لا يهتدي إلى مخرج منه ~~{ الغيب } ما غاب عن الحواس { الشهادة } ما كان مشاهدا ظاهرا ~~للعيان { تحشرون } تجمعون. # التفسير: { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ~~} أي عند الله خزائن الغيب وهي الأمور المغيبة الخفية لا يعلمها ولا ~~يحيط بها إلا هو { ويعلم ما في البر والبحر } أي ويعلم ~~ما في البر والبحر من الحيوانات جملة وتفصيلا وفي كل عوالم وعجائب ~~وسعها علمه وقدرته { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } ~~مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات أي لا تسقط ورقة من الشجر إلا يعلم ~~وقت سقوطها والأرض التي تسقط عليها { ولا حبة في ظلمات ~~الأرض } أي ولا حبة صغيرة في باطن الأرض إلا يعلم مكانها وهل تنبت أو ~~لا وكم تنبت ومن يأكلها { ولا رطب ولا يابس إلا في ~~كتاب مبين } أي ولا شيء فيه رطوبة أو جفاف إلا وهو معلوم عند ~~الله ومسجل في اللوح المحفوظ قال أبو حيان: وانظر إلى حسن ترتيب هذه ~~المعلومات: بدأ أولا بأمر معقول لا ندركه نحن بالحس وهو { مفاتح ~~الغيب } ثم ثانيا بأمر ندرك كثيرا منه بالحس وهو { البر ~~والبحر } ثم ثالثا بجزأين لطيفين أحدهما علوي وهو سقوط الورقة من ~~علو والثاني سفلي وهو اختفاء حبة في بطن الأرض فدل ذلك على أنه تعالى ~~عالم بالكليات والجزئيات { وهو الذي يتوفكم باليل ~~ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي ينيمكم بالليل ويعلم ما ~~كسبتم من العمل بالنهار قال القرطبي: وليس ذلك موتا حقيقة بل هو قبض ~~الأرواح، قال ابن عباس: يقبض أرواحكم في منامكم، وفي هذا اعتبار ~~واستدلال على البعث الأخروي { ثم يبعثكم فيه ليقضى ~~أجل مسمى } أي ثم يوقظكم في النهار لتبلغوا الأجل المسمى ~~لانقطاع حياتكم، والضمير عائد على النهار لأن غالب اليقظة فيه وغالب ~~النوم بالليل { ثم إليه مرجعكم } أي ثم مرجعكم إليه يوم ~~القيامة { ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } أي يخبركم ~~بأعمالكم ويجزيكم عليها إن خيرا فخير، ms0406 وإن شرا فشر، ثم ذكر تعالى ~~جلال عظمته وكبريائه فقال { وهو القاهر فوق عباده } أي هو ~~الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء { ويرسل ~~عليكم حفظة } أي ملائكة تحفظ أعمالكم وهم الكرام الكاتبون قال ~~أبو السعود: وفي ذلك حكمة جميلة ونعمة جليلة لأن المكلف إذا علم أن ~~أعماله تحفظ عليه وتعرض على رءوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن تعاطي ~~المعاصي والقبائح { حتى إذا جآء أحدكم الموت ~~توفته رسلنا } أي حتى إذا انتهى أجل الإنسان توفته الملائكة ~~الموكلون بقبض الأرواح والمعنى أن حفظ الملائكة للأشخاص ينتهي عند نهاية ~~الأجل فهم مأمورون بحفظ ابن آدم ما دام حيا فإذا انتهى أجله فقد انتهى ~~حفظهم له { وهم لا يفرطون } أي لا يقصرون في شيء مما أمروا ~~به من الحفظ والتوفي { ثم ردوا إلى الله مولاهم ~~الحق } أي ثم يرد العباد بعد البعث إلى الله خالقهم ومالكهم الذي ~~له الحكم والتصرف والذي لا يقضي إلا بالعدل { ألا له الحكم ~~وهو أسرع الحاسبين } أي له جل وعلا الحكم وحده يوم القيامة ~~وله الفصل والقضاء لا يشغله حساب عن حساب ولا شأن عن شأن، يحاسب الخلائق ~~كلهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا كما ورد به الحديث وروي أنه يحاسب ~~الناس في مقدار حلب شاة { قل من ينجيكم من ظلمات البر ~~والبحر } أي قل يا محمد لهؤلاء الكفرة من ينقذكم ويخلصكم في أسفاركم ~~من شدائد وأهوال البر والبحر؟ { تدعونه تضرعا وخفية } أي ~~تدعون ربكم عند معاينة هذه الأهوال مخلصين له الدعاء مظهرين الضراعة، ~~تضرعا بألسنتكم وخفية في أنفسكم قال ابن عباس المعنى: تدعون ربكم ~~علانية وسرا قائلين { لئن أنجانا من هذه لنكونن ~~من الشاكرين } أي لئن خلصتنا من هذه الظلمات والشدائد لنكونن ~~من المؤمنين الشاكرين والغرض: إذا خفتم الهلاك دعوتموه فإذا نجاكم ~~كفرتموه قال القرطبي: وبخهم الله في دعائهم إياه عند الشدائد وهم ~~يدعون معه في حالة الرخاء غيره { قل الله ينجيكم منها ~~ومن كل كرب } أي الله وحده ينجيكم من ms0407 هذه الشدائد ومن كل كرب ~~وغم { ثم أنتم تشركون } تقريع وتوبيخ أي ثم أنتم بعد ~~معرفتكم بهذا كله وتحققه تشركون به ولا تؤمنون { قل هو القادر ~~على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } أي قل يا ~~محمد لهؤلاء الكفرة إنه تعالى قادر على إهلاككم بإرسال الصواعق من ~~السماء وما تلقيه البراكين من الأحجار والحمم وكالرجم بالحجارة ~~والطوفان والصيحة والريح كما فعل بمن قبلكم { أو من تحت ~~أرجلكم } بالخسف والزلازل والرجفة كما فعل بقارون وأصحاب مدين { ~~أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } أي ~~يجعلكم فرقا متحزبين يقاتل بعضكم بعضا قال البيضاوي: أي يخلطكم فرقا ~~متحزبين على أهواء شتى فينشب القتال بينكم وقال ابن عباس: أي يبث فيكم ~~الأهواء المختلفة فتصيرون فرقا، والكل متقارب والغرض منه الوعيد { ~~انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون } أي انظر ~~كيف نبين ونوضح لهم الآيات بوجوه العبر والعظات ليفهموا ويتدبروا عن ~~الله آياته وبراهينه وحججه، عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية ~~{ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك { أو من ~~تحت أرجلكم } قال: أعوذ بوجهك { أو يلبسكم شيعا ~~ويذيق بعضكم بأس بعض } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~هذه أهون أو أيسر { وكذب به قومك وهو الحق } أي وكذب ~~بهذا القرآن قومك يا محمد - وهم قريش - وهو الكتاب المنزل بالحق { قل ~~لست عليكم بوكيل } أي لست عليكم بحفيظ ومتسلط إنما أنا ~~منذر { لكل نبإ مستقر } أي لكل خبر من أخبار الله عز وجل ~~وقت يقع فيه من غير خلف ولا تأخير { وسوف تعلمون } مبالغة ~~في الوعيد والتهديد أي سوف تعلمون ما يحل بكم من العذاب { وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا } أي إذا رأيت هؤلاء ~~الكفار يخوضون في القرآن بالطعن والتكذيب والاستهزاء { فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } أي لا تجالسهم وقم ~~عنهم حتى يأخذوا في كلام آخر ويدعوا الخوض والاستهزاء بالقرآن قال ~~السدي: كان المشركون إذا جالسوا ms0408 المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه ~~وسلم والقرآن فسبوه واستهزءوا به فأمرهم الله ألا يقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره { وإما ينسينك الشيطان } أي إن ~~أنساك الشيطان النهي عن مجالستهم فجالستهم ثم تذكرت { فلا تقعد ~~بعد الذكرى مع القوم الظالمين } أي لا تجلس بعد تذكر ~~النهي مع الكفرة والفساق الذين يهزءون بالقرآن والدين قال ابن عباس: أي ~~قم إذا ذكرت النهي ولا تقعد مع المشركين { وما على الذين ~~يتقون من حسابهم من شيء } أي ليس على المؤمنين شيء من ~~حساب الكفار على استهزائهم وإضلالهم إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم { ~~ولكن ذكرى لعلهم يتقون } أي ولكن عليهم أن يذكروهم ~~ويمنعوهم عما هم عليه من القبائح بما أمكن من العظة والتذكير، ويظهروا ~~لهم الكراهة لعلهم يجتنبون الخوض في القرآن حياء من المؤمنين إذا رأوهم ~~قد تركوا مجالستهم قال ابن عطية: ينبغي للمؤمن أن يمتثل حكم هذه الآية مع ~~الملحدين وأهل الجدل والخوض فيه { وذر الذين اتخذوا ~~دينهم لعبا ولهوا } أي اترك هؤلاء الفجرة الذين اتخذوا الدين ~~الذي كان ينبغي احترامه وتعظيمه لعبا ولهوا باستهزائهم به { ~~وغرتهم الحياة الدنيا } أي خدعتهم هذه الحياة الفانية حتى ~~زعموا أن لا حياة بعدها أبدا { وذكر به أن تبسل نفس ~~بما كسبت } أي وذكر بالقرآن الناس مخافة أن تسلم نفس للهلاك ~~وترهن بسوء عملها { ليس لها من دون الله ولي ولا ~~شفيع } أي ليس لها ناصر ينجيها من العذاب ولا شفيع يشفع لها عند الله ~~{ وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ } أي وإن تعط ~~تلك النفس كل فدية لا يقبل منها قال قتادة: لو جاءت بملء الأرض ذهبا لم ~~يقبل منها { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } أي ~~أسلموا لعذاب الله بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الشنيعة { لهم ~~شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } ~~أي لهؤلاء الضالين شراب من ماء مغلي يتجرجر في بطونهم وتتقطع به ~~أمعاؤهم، ونار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم المستمر فلهم مع الشراب الحميم ~~العذاب الأليم والهوان المقيم { قل أندعوا من ms0409 دون الله ما ~~لا ينفعنا ولا يضرنا } الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي قل ~~لهم يا محمد أنعبد ما لا ينفعنا إن دعوناه ولا يضرنا إن تركناه؟ ~~والمراد به الأصنام { ونرد على أعقابنا } أي نرجع إلى ~~الضلالة بعد الهدى { بعد إذ هدانا الله } أي بعد أن هدانا ~~الله للإسلام { كالذي استهوته الشياطين في الأرض } ~~أي فيكون مثلنا كمثل الذي اختطفته الشياطين وأضلته وسارت به في المفاوز ~~والمهالك فألقته في هوة سحيقة { حيران } أي متحيرا لا يدري أين ~~يذهب { له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا } أي إلى ~~الطريق الواضح يقولون ائتنا فلا يقبل منهم ولا يستجيب لهم { قل إن ~~هدى الله هو الهدى } أي قل لهؤلاء الكفار إن ما نحن عليه ~~من الإسلام هو الهدى وحده وما عداه ضلال { وأمرنا لنسلم ~~لرب العالمين } أي أمرنا بأن نستسلم لله عز وجل ونخلص له ~~العبادة في جميع أمورنا وأحوالنا، وهذا تمثيل لمن ضل عن الهدى وهو ~~يدعى إلى الإسلام فلا يجيب قال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله للآلهة ~~ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل ضل عن الطريق ~~تائها ضالا إذ ناداه مناد يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق وله ~~أصحاب يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق ~~به حتى يلقيه في الهلكة وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى الى الطريق ~~يقول: مثل من يعبد هؤلاء الآلهة من دون الله فإنه يرى أنه في شيء حتى ~~يأتيه الموت فيستقبل الهلكة والندامة { وأن أقيموا الصلاة ~~واتقوه } أي وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقوى الله في جميع الأحوال { ~~وهو الذي إليه تحشرون } أي تجمعون إليه يوم القيامة ~~فيجازي كل عامل بعمله { وهو الذي خلق السموت والأرض ~~بالحق } أي هو سبحانه الخالق المالك المدبر للسماوات والأرض ومن ~~فيهما خلقهما بالحق ولم يخلقهما باطلا ولا عبثا { يوم يقول كن ~~فيكون } أي واتقوه واتقوا عقابه والشدائد يوم يقول كن فيكون قال أبو ~~حيان: وهذا تمثيل لإخراج الشيء من العدم إلى الوجود وسرعته ms0410 لا أن ~~ثم شيئا يؤمر { قوله الحق وله الملك } أي قوله الصدق ~~الواقع لا محالة وله الملك يوم القيامة { يوم ينفخ في الصور } ~~أي يوم ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية وهي نفخة الإحياء { ~~عالم الغيب والشهادة } أي يعلم ما خفي وما ظهر وما يغيب عن ~~الحواس والأبصار وما تشاهدونه بالليل والنهار { وهو الحكيم ~~الخبير } أي الحكيم في أفعاله الخبير بشئون عباده. # البلاغة: 1- { وعنده مفاتح الغيب } استعار المفاتح ~~للأمور الغيبية كأنها مخازن خزنت فيها المغيبات قال الزمخشري: جعل للغيب ~~مفاتح على طريق الاستعارة لأن المفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن ~~المغلقة بالأقفال، فهو سبحانه العالم بالمغيبات وحده. # 2- { وهو الذي يتوفاكم بالليل } استعير التوفي من ~~الموت للنوم لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس والتمييز. # 3- { فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } ~~وضع الظاهر موضع الضمير " معهم " للتسجيل عليهم بشناعة ما ارتكبوا حيث ~~وضعوا التكذيب والاستهزاء مكان التصديق والتعظيم. # 4- { ونرد على أعقابنا } عبر بالرد على الأعقاب عن الشرك ~~لزيادة تقبيح الأمر وتشنيعه. # 5- { تعدل كل عدل } بينهما جناس الاشتقاق. # 6- من المحسنات البديعية الطباق في كل من { رطب..و.. يابس } و { ~~الليل... والنهار } و { فوق..و.. تحت } و { ينفعنا.. ~~و.. يضرنا } و { الغيب والشهادة } والسجع في { شراب ~~من حميم وعذاب أليم } والله أعلم. # تنبيه: قال الحاكم: دل قوله تعالى { وعنده مفاتح الغيب } ~~على بطلان قول الإمامية: إن الإمام يعلم شيئا من الغيب، انتهى أقول: ~~هذا كذب وبهتان لأن الغيب لا يعلمه إلا الله. ### || [6.74-94] # المناسبة: لما ذكر تعالى الحجج الدامغة الدالة على التوحيد وبطلان ~~عبادة الأوثان، ذكر هنا قصة أب الأنبياء " إبراهيم " لإقامة الحجة على ~~مشركي العرب في تقديسهم الأصنام، فإنه جاء بالتوحيد الخالص الذي يتنافى ~~مع الإشراك بالله، وجميع الطوائف والملل معترفة بفضل إبراهيم وجلالة ~~قدره، ثم ذكر شرف الرسل من أبناء إبراهيم، وأمر رسوله بالاقتداء بهديهم ~~الكريم. # اللغة: { ملكوت } ملك والواو والتاء للمبالغة في الوصف كالرغبوت ~~والرهبوت من الرغبة والرهبة { جن } ستره بظلمته قال الواحدي: جن ~~عليه الليل وأجنه الليل ويقال لكل ms0411 ما سترته جن وأجن ومنه الجنة، ~~والجن والجنون، والجنين وكل هذا يعود أصله إلى الستر والاستتار { ~~بازغا } طالعا يقال: بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع قال الأزهري: ~~كأنه مأخوذ من البزغ وهو الشق لأنه بنوره يشق الظلمة شقا { أفل } غاب ~~يقال: أفل أفولا إذا غاب { سلطانا } حجة { يلبسوا } يخلطوا يقال: ~~لبس الأمر خلطه ولبس الثوب اكتسى به { اجتبيناهم } اصطفيناهم { ~~قراطيس } جمع قرطاس وهو الورق قال الشاعر: # استودع العلم قرطاسا فضيعه # فبئس مستودع العلم القراطيس # { غمرات } الغمرة: الشدة المذهلة وأصله من غمرة الماء وهي ما يغطي ~~الشيء { خولناكم } أعطيناكم وملكناكم والتخويل: المنح والإعطاء ~~{ ضل عنكم } ضاع وبطل. # سبب النزول: # " عن سعيد بن جبير أن " مالك بن الصيف " من اليهود جاء يخاصم النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالذي أنزل ~~التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟ - ~~وكان حبرا سمينا - فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فقال ~~له أصحابه الذين معه ويحك ولا على موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على ~~بشر من شيء فأنزل الله { وما قدروا الله حق قدره إذ ~~قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء.. } " # الآية. # التفسير: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ ~~أصناما آلهة } أي واذكر يا محمد لقومك عبدة الأوثان وقت قول ~~إبراهيم - الذي يدعون أنهم على ملته - لأبيه آزر منكرا عليه أتتخذ ~~أصناما آلهة تعبدها وتجعلها ربا دون الله الذي خلقك فسواك ورزقك؟ { ~~إني أراك وقومك في ضلال مبين } أي فأنت وقومك في ~~ضلال عن الحق مبين واضح لا شك فيه { وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السموت والأرض } أي نرى إبراهيم الملك العظيم ~~والسلطان الباهر { وليكون من الموقنين } أي وليكون من ~~الراسخين في اليقين أريناه تلك الآيات الباهرة قال مجاهد: فرجت له ~~السماوات والأرض فرأى ببصره الملكوت الأعلى والملكوت الأسفل { فلما ~~جن عليه الليل رأى كوكبا } أي فلما ستر الليل بظلمته ~~كل ضياء رأى كوكبا مضيئا في السماء هو ms0412 الزهرة أو المشتري { قال ~~هذا ربي } أي على زعمكم قاله على سبيل الرد عليهم والتوبيخ لهم ~~واستدراجا لهم لأجل أن يعرفهم جهلهم وخطأهم في عبادة غير الله قال ~~الزمخشري: كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب فأراد أن ينبههم على ~~ضلالتهم ويرشدهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر ~~الصحيح مؤد إلى ألا يكون شيء منها إلها وأن وراءها محدثا أحدثها، ~~ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وقوله { هذا ربي } ~~قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكي قوله كما هو غير متعصب ~~لمذهبه لأن ذلك أدعى إلى الحق ثم يكر عليه فيبطله بالحجة { فلمآ ~~أفل قال لا أحب الآفلين } أي فلما غاب الكوكب قال لا أحب ~~عبادة من كان كذلك، لأن الرب لا يجوز عليه التغير والانتقال لأن ذلك من ~~صفات الأجرام { فلمآ رأى القمر بازغا قال هذا ربي ~~} أي فلما رأى القمر طالعا منتشر الضوء قال هذا ربي على الأسلوب المتقدم ~~لفتا لأنظار قومه إلى فساد ما يعبدونه وتسفيها لأحلامهم { فلمآ ~~أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم ~~الضالين } أي فلما غاب القمر قال إبراهيم لئن لم يثبتني ربي على ~~الهدى لأكونن من القوم الضالين، وفيه تعريض لقومه بأنهم على ضلال { ~~فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذآ ~~أكبر } أى هذا أكبر من الكوكب والقمر { فلمآ أفلت قال ~~يقوم إني بريء مما تشركون } أي فلما غابت الشمس قال ~~أنا بريء من إشراككم وأصنامكم قال أبو حيان: لما أوضح لهم أن هذا الكوكب ~~الذي رآه لا يصلح أن يكون ربا ارتقب ما هو أنور منه وأضوأ فرأى القمر ~~أول طلوعه، ثم لما غاب ارتقب الشمس إذ كانت أنور من القمر وأضوأ، وأكبر ~~جرما وأعم نفعا، فقال ذلك على سبيل الاحتجاج عليهم وبين أنها مساوية ~~للنجم في صفة الحدوث وقال ابن كثير: والحق أن إبراهيم عليه السلام كان في ~~هذا المقام مناظرا لقومه مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة ~~الأصنام والكواكب السيارة وأشدهن ms0413 إضاءة الشمس ثم القمر ثم الزهرة فلما ~~انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار ~~وتحقق ذلك بالدليل القاطع { قال يقوم إني بريء مما ~~تشركون } { إني وجهت وجهي } أي قصدت بعبادتي وتوحيدي { ~~للذي فطر السموت والأرض } أي الله الذي ابتدع العالم ~~وخلق السماوات والأرض { حنيفا } أي مائلا عن الأديان الباطلة إلى ~~الدين الحق { ومآ أنا من المشركين } أي لست ممن يعبد مع ~~الله غيره { وحآجه قومه } أي جادلوه وناظروه في شأن التوحيد قال ~~ابن عباس: جادلوه في آلهتهم وخوفوه بها فأجابهم منكرا عليهم { قال ~~أتحاجوني في الله } أي أتجادلونني في وجود الله ووحدانيته { ~~وقد هدان } أي وقد بصرني وهداني إلى الحق { ولا أخاف ما ~~تشركون به } أي لا أخاف هذه الآلهة المزعومة التي تعبدونها من دون ~~الله لأنها لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع وليست قادرة على شيء مما ~~تزعمون { إلا أن يشآء ربي شيئا } أي إلا إذا أراد ربي أن ~~يصيبني شيء من المكروه فيكون { وسع ربي كل شيء علما } أي ~~أحاط علمه بجميع الأشياء { أفلا تتذكرون } استفهام للتوبيخ أي ~~أفلا تعتبرون وتتعظون؟ وفي هذا تنبيه لهم على غفلتهم التامة حيث عبدوا ~~ما لا يضر ولا ينفع وأشركوا مع ظهور الدلائل الساطعة على وحدانيته سبحانه ~~{ وكيف أخاف مآ أشركتم } أي كيف أخاف آلهتكم التي ~~أشركتموها مع الله في العبادة! { ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا } أي وأنتم لا ~~تخافون الله القادر على كل شيء الذي أشركتم به بدون حجة ولا برهان { ~~فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } أي ~~أينا أحق بالأمن أنحن وقد عرفنا الله بأدلة وخصصناه بالعبادة أم أنتم ~~وقد أشركتم معه الأصنام وكفرتم بالواحد الديان؟ { الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } أي لم يخلطوا إيمانهم بشرك ~~{ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } أي لهم الأمن من ~~العذاب وهم على هداية ورشاد، روي # " أن هذه الآية لما نزلت أشفق منها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ms0414 ~~فقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " ليس كما تظنون ~~وإنما هو كما قال لقمان لابنه { يبني لا تشرك بالله إن ~~الشرك لظلم عظيم } " # { وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه } ~~الإشارة إلى ما تقدم من الحجج الباهرة التي أيد الله بها خليله عليه ~~السلام أي هذا الذي احتج به إبراهيم على وحدانية الله من أفول الكواكب ~~والشمس والقمر من أدلتنا التي أرشدناه لها لتكون له الحجة الدامغة على ~~قومه { نرفع درجات من نشآء } أي بالعلم والفهم والنبوة { ~~إن ربك حكيم عليم } أي حكيم يضع الشيء في محله عليم لا يخفى ~~عليه شيء { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } أي وهبنا لإبراهيم ~~ولدا وولد ولد لتقر عينه ببقاء العقب { كلا هدينا } أي كلا ~~منهما أرشدناه إلى سبيل السعادة وآتيناه النبوة والحكمة قال ابن كثير: ~~يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحق بعد أن طعن في السن وأيس من الولد، ~~وبشر بنبوته وبأن له نسلا وعقبا وهذا أكمل في البشارة وأعظم في ~~النعمة، وكان هذا مجازاة لإبراهيم حين اعتزل قومه وهاجر من بلادهم ~~لعبادة الله، فعوضه الله عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه لتقر ~~بهم عينه { ونوحا هدينا من قبل } أي من قبل إبراهيم، وذكر ~~تعالى نوحا لأنه أب البشر الثاني فذكر شرف أبناء إبراهيم ثم ذكر شرف ~~آبائه { ومن ذريته داوود وسليمان } أي ومن ذرية ~~إبراهيم هؤلاء الأنبياء الكرام، وبدأ تعالى بذكر داود وسليمان لأنهما ~~جمعا الملك مع النبوة وسليمان بن داود فذكر الأب والإبن { وأيوب ~~ويوسف } قرنهما لاشتراكهما في الإمتحان والبلاء { وموسى ~~وهارون } قرنهما لاشتراكهما في الأخوة وقدم موسى لأنه كليم الله { ~~وكذلك نجزي المحسنين } أي مثل ذلك الجزاء الكريم لإبراهيم ~~نجزي من كان محسنا في عمله صادقا في إيمانه { وزكريا ويحيى ~~وعيسى وإلياس } قرن بينهم لاشتراكهم في الزهد الشديد والإعراض ~~عن الدنيا { كل من الصالحين } أي الكاملين في الصلاح { ~~وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا } اسماعيل هو ابن ~~إبراهيم، ويونس بن متى، ولوط بن هاران وهو ابن أخ إبراهيم { وكلا ms0415 ~~فضلنا على العالمين } أي كلا من هؤلاء المذكورين في هذه ~~الآية فضلناه بالنبوة على عالمي عصرهم { ومن آبائهم ~~وذرياتهم وإخوانهم } أي وهدينا من آبائهم وذرياتهم ~~وإخوانهم جماعات كثيرة { واجتبيناهم وهديناهم إلى ~~صراط مستقيم } أي اصطفيناهم وهديناهم إلى الطريق الحق المستقيم ~~الذي لا عوج فيه قال ابن عباس: هؤلاء الأنبياء كلهم مضافون إلى ذرية ~~إبراهيم وإن كان فيهم من لا يلحقه بولادة من قبل أم ولا أب { ذلك ~~هدى الله يهدي به من يشآء من عباده } أي ذلك الهدى ~~إلى الطريق المستقيم هو هدى الله يهدي به من أراد من خلقه { ولو ~~أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } أي لو أشرك ~~هؤلاء الأنبياء مع فضلهم وعلو قدرهم لبطل عملهم فكيف بغيرهم؟ { ~~أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم ~~والنبوة } أي أنعمنا عليهم بإنزال الكتب السماوية والحكمة ~~الربانية والنبوة والرسالة { فإن يكفر بها هؤلاء فقد ~~وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } أي فإن يكفر ~~بآياتنا كفار عصرك يا محمد فقد استحفظناها واسترعيناها رسلنا وأنبياءنا { ~~أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } أي ~~هؤلاء الرسل المتقدم ذكرهم هم الهداة المهديون فتأس واقتد بسيرتهم ~~العطرة { قل لا أسألكم عليه أجرا } أي قل يا محمد لقومك ~~لا أسألكم على تبليغ القرآن شيئا من الأجر والمال { إن هو إلا ~~ذكرى للعالمين } أي ما هذا القرآن إلا عظة وتذكير لجميع ~~الخلق { وما قدروا الله حق قدره } أي ما عرفوا الله حق ~~معرفته ولا عظموه حق تعظيمه { إذ قالوا مآ أنزل الله ~~على بشر من شيء } أي حين أنكروا الوحي وبعثة الرسل، والقائلون ~~هم اليهود اللعناء تفوهوا بهذه العظيمة الشنعاء مبالغة في إنكار نزول ~~القرآن على محمد عليه السلام { قل من أنزل الكتاب الذي ~~جآء به موسى نورا وهدى للناس } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~المعاندين من أنزل التوراة على موسى نورا يستضاء به وهداية لبني ~~إسرائيل؟ { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ~~} أي تكتبونه في قراطيس مقطعة وورقات مفرقة تبدون منها ما تشاءون وتخفون ~~ما تشاءون قال الطبري: ومما كانوا يكتمونه ms0416 إياهم ما فيها من أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم ونبوته { وعلمتم ما لم تعلموا ~~أنتم ولا آباؤكم } أي علمتم يا معشر اليهود من دين الله ~~وهدايته في هذا القرآن ما لم تعلموا به من قبل لا أنتم ولا آباؤكم { قل ~~الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } أي قل لهم في ~~الجواب: الله أنزل هذا القرآن ثم اتركهم في باطلهم الذي يخوضون فيه ~~يهزءون ويلعبون، وهذا وعيد لهم وتهديد على إجرامهم { وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك } أي وهذا القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله ~~عليه وسلم مبارك كثير النفع والفائدة { مصدق الذي بين ~~يديه } أي يصدق كتب الله المنزلة كالتوراة والإنجيل { ولتنذر ~~أم القرى ومن حولها } أي لتنذر به يا محمد أهل مكة ومن ~~حولها وهم سائر أهل الأرض قاله ابن عباس { والذين يؤمنون ~~بالآخرة يؤمنون به } أي والذين يصدقون بالحشر والنشر يؤمنون ~~بهذا الكتاب لما انطوى عليه من ذكر الوعد والوعيد والتبشير والتهديد { ~~وهم على صلاتهم يحافظون } أي يؤدون الصلاة على الوجه ~~الأكمل في أوقاتها قال الصاوي: خص الصلاة بالذكر لأنها أشرف العبادات { ~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } استفهام ~~معناه النفي أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له شركاء وأندادا { ~~أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } أي زعم أن ~~الله بعثه نبيا كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي مع أن الله لم يرسله { ~~ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله } أي ومن ادعى أنه ~~سينظم كلاما يماثل ما أنزله الله كقول الفجار # لو نشآء لقلنا مثل هذا # [الأنفال: 31] قال أبو حيان: نزلت في النضر بن الحارث ومن معه من ~~المستهزئين لأنه عارض القرآن بكلام سخيف لا يذكر لسخفه { ولو ترى ~~إذ الظالمون في غمرات الموت } أي ولو ترى يا محمد هؤلاء ~~الظلمة وهم في سكرات الموت وشدائده، وجواب { لو } محذوف للتهويل أي ~~لرأيت أمرا عظيما { والملائكة باسطوا أيديهم ~~أخرجوا أنفسكم } أي وملائكة العذاب يضربون وجوههم وأدبارهم ~~لتخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم: خلصوا أنفسكم ms0417 من العذاب قال ~~الزمخشري: المعنى يقولون هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم، وهذه ~~عبارة عن العنف في السياق والإلحاح الشديد في الإزهاق من غير تنفيس ~~وإمهال { اليوم تجزون عذاب الهون } أي تجزون العذاب ~~الذي يقع به الهوان الشديد مع الخزي الأكيد { بما كنتم تقولون ~~على الله غير الحق } أي بافترائكم على الله ونسبتكم إليه ~~الشريك والولد { وكنتم عن آياته تستكبرون } أي تتكبرون ~~عن الإيمان بآيات الله فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون { ولقد ~~جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } أي ~~جئتمونا للحساب منفردين عن الأهل والمال والولد حفاة عراة غرلا كما ورد ~~في الحديث # " أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول ~~خلق نعيده.. " # { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } أي تركتم ما ~~أعطيناكم من الأموال في الدنيا فلم تنفعكم في هذا اليوم العصيب { وما ~~نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم ~~شركآء } أي وما نرى معكم آلهتكم الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم والذين ~~اعتقدتم أنهم شركاء لله في استحقاق العبادة { لقد تقطع ~~بينكم } أي تقطع وصلكم وتشتت جمعكم { وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون } أي ضاع وتلاشى ما زعمتوه من الشفعاء والشركاء. # البلاغة: 1- { وكذلك نري إبراهيم } حكاية حال ماضية أي ~~أريناه. # 2- { لأكونن من القوم الضالين } فيه تعريض بضلال قومه، ~~وبين لفظ { الهداية والضلالة } طباق وهو من المحسنات البديعية. # 3- { وجهت وجهي } بينهما جناس الاشتقاق. # 4- { هدى الله } الإضافة للتشريف وبين { هدى } و { يهدي } ~~جناس الاشتقاق أيضا. # 5- { مآ أنزل الله على بشر من شيء } مبالغة في إنكار ~~نزول شيء من الوحي على أحد من الرسل. # 6- { من أنزل الكتاب } استفهام للتبكيت والتوبيخ. # 7- { تبدونها وتخفون } بينهما طباق. # 8- { أم القرى } مكة المكرمة وفيه استعارة حيث شبهت بالأم لأنها ~~أصل المدن والقرى. # 9- { في غمرات الموت } قال الشريف الرضي: هذه استعارة عجيبة ~~حيث شبه سبحانه ما يعتورهم من كرب الموت وغصصه بالذين تتقاذفهم غمرات ~~الماء ولججه وسميت غمرة لأنها تغمر قلب الإنسان. # تنبيه: ذهب بعض المفسرين إلى أن { آزر } عم إبراهيم وليس أباه وقال ~~آخرون: إنه ms0418 اسم للصنم، والصحيح كما قال المحققون من المفسرين أنه اسم ~~لوالد إبراهيم وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، والآية صريحة في أن آزر ~~كان كافرا ولا يقدح ذلك في مقام إبراهيم عليه السلام وفي صحيح البخاري # " يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة.. " # الحديث ودعوى إيمانه مرفوضة بنص الكتاب والسنة والله أعلم. ### || [6.95-110] # المناسبة: لما ذكر تعالى أمر التوحيد وأردفه بتقرير أمر النبوة، ذكر ~~هنا الأدلة الدالة على وجود الخالق وكمال علمه وقدرته وحكمته، تنبيها ~~على أن المقصود الأصلي إنما هو معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله. # اللغة: { فالق } الفلق: الشق، وانفلق الصبح انشق { سكنا } ~~السكن ما يسكن إليه الإنسان ويأنس به، والسكن: الرحمة { حسبانا ~~} أي بحساب قال الزمخشري: الحسبان مصدر حسب كما أن الحسبان مصدر ~~حسب ونظيره الكفران والشكران { متراكبا } بعضه فوق بعض { ~~قنوان } جمع قنو وهو العذق أي عنقود النخلة { وينعه } أي ~~نضجه وإدراكه يقال: ينعت الشجرة وأينعت إذا نضجت { خرقوا } ~~اختلقوا كذبا وإفكا { بديع } مبدع وهو الخالق على غير مثال سابق، ~~والإبداع الإتيان بشيء لم يسبق إليه ولهذا يقال لمن أتى في فن من ~~الفنون لم يسبقه فيه غيره إنه أبدع { نصرف } التصريف: نقل الشيء من ~~حال إلى حال. # سبب النزول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال كفار قريش لأبي ~~طالب إما أن تنهى محمدا وأصحابه عن سب آلهتنا والنيل منها وإما أن ~~نسب إلهه ونهجوه فنزلت { ولا تسبوا الذين يدعون من ~~دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم.. } الآية ~~وفي رواية أخرى أن المشركين قالوا يا محمد: لتنتهين عن سبك آلهتنا أو ~~لنهجون ربك فنزلت. # التفسير: عاد الكلام إلى الاحتجاج على المشركين بعجائب الصنع ولطائف ~~التدبير فقال سبحانه: { إن الله فالق الحب والنوى } أي ~~يفلق الحب تحت الأرض لخروج النبات منها ويفلق النوى لخروج الشجر منها ~~قال القرطبي: أي يشق النواة الميتة فيخرج منها ورقا أخضر وكذلك الحبة { ~~يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ~~} أي يخرج النبات الغض الطري ms0419 من الحب اليابس، ويخرج الحب اليابس من ~~النبات الحي النامي وعن ابن عباس: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من ~~المؤمن، وعلى هذا فالحي والميت استعارة عن المؤمن والكافر { ذلكم ~~الله فأنى تؤفكون } أي ذلكم الله الخالق المدبر فكيف ~~تصرفون عن الحق بعد هذا البيان! { فالق الإصباح } أي شاق ~~الضياء عن الظلام وكاشفه قال الطبري: شق عمود الصبح عن ظلمة الليل ~~وسواده { وجعل الليل سكنا } أي يسكن الناس فيه عن الحركات ~~ويستريحون { والشمس والقمر حسبانا } أي بحساب دقيق يتعلق ~~به مصالح العباد، ويعرف بهما حساب الأزمان والليل والنهار { ذلك ~~تقدير العزيز العليم } أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم تقدير ~~الغالب القاهر الذي لا يستعصي عليه شيء العليم بمصالح خلقه وتدبيرهم { ~~وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر } أي خلق لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~أسفاركم في ظلمات الليل في البر والبحر، وإنما امتن عليهم بالنجوم لأن ~~سالكي القفار، وراكبي البحار إنما يهتدون في الليل لمقاصدهم بها { قد ~~فصلنا الآيات لقوم يعلمون } أي بينا الدلائل على قدرتنا ~~لقوم يتدبرون عظمة الخالق { وهو الذي أنشأكم من نفس ~~واحدة } أي خلقكم وأبدعكم من نفس واحدة هي آدم عليه السلام { ~~فمستقر ومستودع } قال ابن عباس: المستقر في الأرحام ~~والمستودع في الأصلاب، أي لكم استقرار في أرحام أمهاتكم وأصلاب آبائكم، ~~وقال ابن مسعود: مستقر في الرحم ومستودع في الأرض التي تموت فيها { قد ~~فصلنا الآيات لقوم يفقهون } أي بينا الحجج لقوم يفقهون ~~الأسرار والدقائق قال الصاوي: عبر هنا ب { يفقهون } إشارة إلى أن ~~أطوار الإنسان وما احتوى عليه أمر خفي تتحير فيه الألباب، بخلاف ~~النجوم فأمرها ظاهر مشاهد، ولذا عبر فيها ب { يعلمون } { وهو ~~الذي أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به نبات ~~كل شيء } أي أنزل من السحاب المطر فأخرج به كل ما ينبت من الحبوب ~~والفواكه والثمار والبقول والحشائش والشجر قال الطبري: أي أخرجنا به ما ~~ينبت به كل شيء وينمو عليه ويصلح { فأخرجنا منه خضرا } أي ~~أخرجنا من النبات شيئا غضا ms0420 أخضر { نخرج منه حبا ~~متراكبا } أي نخرج من الخضر حبا متراكبا بعضه فوق بعض كسنابل ~~الحنطة والشعير قال ابن عباس: يريد القمح والشعير والذرة والأرز { ومن ~~النخل من طلعها قنوان دانية } أي وأخرجنا من طلع النخل ~~- والطلع أول ما يخرج من التمر في أكمامه - عناقيد قريبة سهلة التناول ~~قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية ممن يجتنيها ~~{ وجنات من أعناب } أي وأخرجنا بالماء بساتين وحدائق من ~~أعناب { والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه ~~} أي وأخرجنا به أيضا شجر الزيتون وشجر الرمان مشتبها في المنظر وغير ~~متشابه في الطعم قال قتادة: مشتبها ورقه مختلفا ثمره، وفي ذلك دليل ~~قاطع على الصانع المختار العليم القدير { انظروا إلى ثمره ~~إذآ أثمر وينعه } أي انظروا أيها الناس نظر اعتبار واستبصار ~~إلى خروج هذه الثمار من ابتداء خروجها إلى انتهاء ظهورها ونضجها كيف ~~تنتقل من حال إلى حال في اللون والرائحة والصغر والكبر، وتأملوا ابتداء ~~الثمر حيث يكون بعضه مرا وبعضه مالحا لا ينتفع بشيء منه، ثم إذا انتهى ~~ونضج فإنه يعود حلوا طيبا نافعا مستساغ المذاق! فسبحان القدير ~~الخلاق!! { إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } أي إن ~~في خلق هذه الثمار والزروع مع اختلاف الأجناس والأشكال والألوان لدلائل ~~باهرة على قدرة الله ووحدانيته لقوم يصدقون بوجود الله قال ابن عباس: ~~يصدقون أن الذي أخرج هذا النبات قادر على أن يحيي الموتى { وجعلوا ~~لله شركآء الجن } أي وجعلوا الجن شركاء لله حيث أطاعوهم في ~~عبادة الأوثان { وخلقهم } أي وقد علموا أنه تعالى هو الذي خلقهم ~~وانفرد بإيجادهم فكيف يجعلونهم شركاء له؟ وهذه غاية الجهالة { ~~وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } أي واختلقوا ~~ونسبوا إليه تعالى البنين والبنات حيث قالوا: عزير ابن الله والملائكة ~~بنات الله سفها وجهالة { سبحانه وتعالى عما يصفون } ~~أي تنزه الله وتقدس عن هذه الصفات التي نسبها إليه الظالمون وتعالى ~~علوا كبيرا { بديع السموت والأرض } أي مبدعهما من غير ~~مثال سبق { أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ms0421 ~~} أي كيف يكون له ولد وليس له زوجة؟ والولد لا يكون إلا من زوجة { ~~وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم } أي وما من شيء إلا ~~هو خالقه والعالم به ومن كان كذلك كان غنيا عن كل شيء قال في التسهيل: ~~والغرض الرد على من نسب لله الولد من وجهين: أحدهما أن الولد لا يكون إلا ~~من جنس والده والله تعالى متعال عن الأجناس لأنه مبدعها فلا يصح أن يكون ~~له ولد، والثاني: أن الله خلق السماوات والأرض ومن كان هكذا فهو غني عن ~~الولد وعن كل شيء ثم أكد تعالى على وحدانيته وتفرده بالخلق والإيجاد ~~فقال { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو } أي ذلكم ~~الله خالقكم ومالككم ومدبر أموركم لا معبود بحق سواه { خالق كل ~~شيء فاعبدوه } أي هو الخالق لجميع الموجودات ومن كان هكذا فهو ~~المستحق للعبادة وحده { وهو على كل شيء وكيل } أي وهو ~~الحافظ والمدبر لكل شيء ففوضوا أموركم إليه وتوسلوا إليه بعبادته { لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } أي لا تصل إليه ~~الأبصار ولا تحيط به وهو يراها ويحيط بها لشمول علمه تعالى للخفيات { ~~وهو اللطيف الخبير } أي اللطيف بعباده الخبير بمصالحهم قال ~~ابن كثير: ونفي الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة إذ يتجلى ~~لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه تعالى وتقدس ~~فلا تدركه الأبصار ولهذا كانت عائشة تثبت الرؤية في الآخرة وتنفيها في ~~الدنيا وتحتج بهذه الآية { قد جآءكم بصآئر من ربكم } أي ~~قد جاءكم البينات والحجج التي تبصرون بها الهدى من الضلال وتميزون بها ~~بين الحق والباطل قال الزجاج: المعنى قد جاءكم القرآن الذي فيه البيان ~~والبصائر { فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها } ~~قال الزمخشري: المعنى من أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر وإياها نفع ومن عمي ~~عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر بالعمى { ومآ أنا عليكم ~~بحفيظ } أي لست عليكم بحافظ ولا رقيب وإنما أنا منذر والله هو الحفيظ ~~عليكم { وكذلك نصرف الآيات } أي وكما بينا ms0422 ما ذكر نبين ~~الآيات ليعتبروا { وليقولوا درست } أي وليقول المشركون درست يا ~~محمد في الكتب وقرأت فيها وجئت بهذا القرآن، واللام لام العاقبة { ~~ولنبينه لقوم يعلمون } أي ولنوضحه لقوم يعلمون الحق ~~فيتبعونه { اتبع مآ أوحي إليك من ربك } أي اتبع يا ~~محمد القرآن الذي أوحاه الله إليك قال القرطبي: أي لا تشغل قلبك وخاطرك ~~بهم بل اشتغل بعبادة الله { لا إله إلا هو } أي لا معبود بحق ~~إلا هو { وأعرض عن المشركين } أي لا تحتفل بهم ولا تلتفت ~~إلى آرائهم { ولو شآء الله مآ أشركوا } أي لو شاء الله ~~هدايتهم لهداهم فلم يشركوا ولكنه سبحانه يفعل ما يشاء # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء: 23] { وما جعلناك عليهم حفيظا } أي وما ~~جعلناك رقيبا على أعمالهم تجازيهم عليها { ومآ أنت عليهم ~~بوكيل } أي ولست بموكل على أرزاقهم وأمورهم قال الصاوي: وهذا تأكيد ~~لما قبله أي لست حفيظا مراقبا لهم فتجبرهم على الإيمان وهذا كان قبل ~~الأمر بالقتال { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ~~} أي لا تسبوا آلهة المشركين وأصنامهم { فيسبوا الله عدوا ~~بغير علم } أي فيسبوا الله جهلا واعتداء لعدم معرفتهم بعظمة ~~الله قال ابن عباس: قال المشركون: لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ~~ربك فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم { كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم } أي كما زينا لهؤلاء أعمالهم كذلك زينا لكل أمة عملهم قال ~~ابن عباس: زينا لأهل الطاعة الطاعة ولأهل الكفر الكفر { ثم إلى ~~ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } ~~أي ثم معادهم ومصيرهم إلى الله فيجازيهم بأعمالهم، وهو وعيد بالجزاء ~~والعذاب { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } أي حلف كفار ~~مكة بأغلظ الأيمان وأشدها { لئن جآءتهم آية ليؤمنن ~~بها } أي لئن جاءتهم معجزة أو أمر خارق مما اقترحوه ليؤمنن بها { ~~قل إنما الآيات عند الله } أي قل لهم يا محمد أمر هذه ~~الآيات عند الله لا عندي هو القادر على الإتيان بها دوني { وما ~~يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } أي وما يدريكم ~~أيها المؤمنون لعلها إذا جاءتهم ms0423 لا يصدقون بها!! { ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة } أي ونحول قلوبهم عن الإيمان كما لم يؤمنوا بما أنزل من ~~القرآن أول مرة قال الصاوي: وهو استئناف مسوق لبيان أن خالق الهدى ~~والضلال هو الله لا غيره فمن أراد له الهدى حول قلبه له، ومن أراد الله ~~شقاوته حول قلبه لها { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } أي ~~ونتركهم في ضلالهم يتخبطون ويترددون متحيرين. # البلاغة: 1- { يخرج الحي من الميت } بين لفظ الحي ~~والميت طباق وهو من المحسنات البديعية وفي الآية أيضا من المحسنات ما ~~يسمى رد العجز على الصدر في قوله { ومخرج الميت من الحي ~~}. # 2- { فأنى تؤفكون } استفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا وجه ~~لصرفكم عن الإيمان بعد قيام البرهان. # 3- { فأخرجنا به } فيه التفات عن الغيبة والأصل فأخرج به ~~والنكتة هي الاعتناء بشأن المخرج والإشارة إلى أن نعمه عظيمة. # 4- { والزيتون والرمان } من عطف الخاص على العام لمزيد ~~الشرف لأنهما من أعظم النعم. # 5- { بصآئر من ربكم } مجاز مرسل من باب تسمية المسبب باسم ~~السبب أي حجج وبراهين تبصرون بها الحقائق. # 6- بين لفظ { أبصر وعمي } طباق وبين لفظ { بصآئر وأبصر } ~~جناس الاشتقاق. # تنبيه: قوله تعالى { لا تدركه الأبصار } الآية نفت الإحاطة ~~ولم تنف الرؤية فلم يقل تعالى: لا تراه الأبصار فمن ذهب إلى عدم رؤية ~~الله في الآخرة كالمعتزلة فقد جانب الحق وضل السبيل بمخالفة ما دل عليه ~~كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المتواترة أما الكتاب فقوله ~~تعالى # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22 - 23] وأما السنة فما أخرجه البخاري # " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته.. " # الحديث وكفى بالكتاب والسنة دليلا وهاديا. ### || [6.111-127] # المناسبة: لما ذكر تعالى دلائل التوحيد والنبوة والبعث، واقتراح ~~المشركين بعض الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر هنا أن رؤية ~~المعجزات لن تفيد من عميت بصيرته، وأنه لو أتاهم بالآيات التي اقترحوها ~~من إنزال الملائكة، وإحياء الموتى حتى يكلموهم، وحشر السباع والدواب ~~والطيور وشهادتهم بصدق الرسول ms0424 ما آمنوا بمحمد والقرآن لتأصلهم في الضلال. # اللغة: { قبلا } مقابلة ومواجهة ومنه قولهم أتيتك قبلا لا ~~دبرا أي من قبل وجهك { وحشرنا } الحشر: الجمع مع سوق وكل جمع ~~حشر ومنه # فحشر فنادى # [النازعات: 23]. { زخرف } قال الزجاج: الزخرف الزينة وقال أبو ~~عبيدة: كل ما حسنته وزينته وهو باطل فهو زخرف { ولتصغى } صغى ~~إلى الشيء مال إليه ومثله أصغى وفي الحديث # " فأصغى إليها الإناء " # وأصله الميل { يقترفون } اقترف: اكتسب وأكثر ما يكون في الشر ~~يقال: قرف الذنب واقترفه أي اكتسبه { يخرصون } يكذبون قال الأزهري: ~~أصله الظن فيما لا يستيقن { صغار } ذلة وهوان { يشرح } يوسع ~~والشرح: البسط والتوسعة { حرجا } الحرج: شدة الضيق قال ابن قتيبة: ~~الحرج الذي ضاق فلم يجد منفذا. # سبب النزول: عن ابن عباس أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بفرث - وحمزة لم يؤمن من بعد - فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو ~~راجع من قنصه وبيده قوس فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس فقال أبو ~~جهل: أما ترى ما جاء به سفه عقولنا، وسب آلهتنا، وخالف آباءنا قال ~~حمزة: ومن أسفه منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا عبده ورسوله فأنزل الله { أومن كان ميتا ~~فأحييناه.. } الآية. # التفسير: { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى } هذا بيان لكذب المشركين في أيمانهم الفاجرة ~~حين أقسموا # لئن جآءتهم آية ليؤمنن بها # [الأنعام: 109] والمعنى: ولو أننا لم نقتصر على إيتاء ما اقترحوه من ~~آية واحدة من الآيات بل نزلنا إليهم الملائكة وأحيينا لهم الموتى ~~فكلموهم وأخبروهم بصدق محمد صلى الله عليه وسلم كما اقترحوا { ~~وحشرنا عليهم كل شيء قبلا } أي وجمعنا لهم كل شيء من ~~الخلائق عيانا ومشاهدة { ما كانوا ليؤمنوا إلا أن ~~يشآء الله } أي لو أعطيناهم هذه الآيات التي اقترحوها وكل آية لم ~~يؤمنوا إلا أن يشاء الله، والغرض التيئيس من إيمانهم { ولكن ~~أكثرهم يجهلون } أي ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون ذلك ~~قال الطبري: أي يجهلون أن الأمر بمشيئة ms0425 الله، يحسبون أن الإيمان إليهم ~~والكفر بأيديهم متى شاءوا آمنوا، ومتى شاءوا كفروا، وليس الأمر كذلك، ذلك ~~بيدي لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته، ولا يكفر إلا من خذلته ~~فأضللته { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين ~~الإنس والجن } أي كما جعلنا هؤلاء المشركين أعداءك يعادونك ~~ويخالفونك كذلك جعلنا لمن قبلك من الأنبياء أعداء من شياطين الإنس ~~والجن، فاصبر على الأذى كما صبروا قال ابن الجوزي: أي كما ابتليناك ~~بالأعداء ابتلينا من قبلك من الأنبياء ليعظم الثواب عند الصبر على الأذى ~~{ يوحي بعضهم إلى بعض } أي يوسوس بعضهم إلى بعض بالضلال ~~والشر { زخرف القول غرورا } أي يوسوسون بالكلام المزين ~~والأباطيل المموهة ليغروا الناس ويخدعوهم قال مقاتل: وكل إبليس ~~بالإنس شياطين يضلونهم فإذا التقى شيطان الإنس بشيطان الجن قال ~~أحدهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا فأضلل أنت صاحبك بكذا ~~وكذا، فذلك وحي بعضهم إلى بعض { ولو شآء ربك ما فعلوه } ~~أي لو شاء الله ما عادى هؤلاء أنبياءهم ولكن حكمة الله اقتضت هذا ~~الابتلاء قال ابن كثير: وذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن ~~يكون لكل نبي عدو من هؤلاء { فذرهم وما يفترون } أي اتركهم ~~وما يدبرونه من المكائد فإن الله كافيك وناصرك عليهم { ولتصغى ~~إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي ولتميل ~~إلى هذا القول المزخرف قلوب الكفرة الذين لا يصدقون بالآخرة { ~~وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } أي وليرضوا ~~بهذا الباطل وليكتسبوا ما هم مكتسبون من الآثام { أفغير الله ~~أبتغي حكما } أي قل لهم يا محمد أفغير الله أطلب قاضيا بيني ~~وبينكم؟ قال أبو حيان: قال مشركو قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اجعل بيننا وبينك حكما إن شئت من أحبار اليهود أو النصارى ليخبرنا ~~عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت { وهو الذي أنزل إليكم ~~الكتاب مفصلا } أي أنزل إليكم القرآن بأوضح بيان، مفصلا فيه ~~الحق والباطل موضحا الهدى من الضلال { والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } أي ~~وعلماء اليهود والنصارى يعلمون ms0426 حق العلم أن القرآن حق لتصديقه ما عندهم ~~{ فلا تكونن من الممترين } أي فلا تكونن من الشاكين قال ~~أبو السعود: وهذا من باب التهييج والإلهاب وقيل: الخطاب للرسول والمراد ~~به الأمة { وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا } أي تم كلام ~~الله المنزل صدقا فيما أخبر، وعدلا فيما قضى وقدر { لا مبدل ~~لكلماته } أي لا مغير لحكمه ولا راد لقضائه { وهو السميع ~~العليم } أي السميع لأقوال العباد العليم بأحوالهم { وإن تطع ~~أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } أي إن تطع ~~هؤلاء الكفار وهم أكثر أهل الأرض يضلوك عن سبيل الهدى قال الطبري: ~~وإنما قال { أكثر من في الأرض } لأنهم كانوا حينئذ كفارا ~~ضلالا والمعنى: لا تطعهم فيما دعوك إليه فإنك إن أطعتهم ضللت ~~ضلالهم وكنت مثلهم لأنهم لا يدعونك إلى الهدى وقد أخطأوه { إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } أي ما ~~يتبعون في أمر الدين إلا الظنون والأوهام يقلدون آباءهم ظنا منهم أنهم ~~كانوا على الحق وما هم إلا قوم يكذبون { إن ربك هو أعلم ~~من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } أي إن ~~ربك يا محمد أعلم بالفريقين بمن ضل عن سبيل الرشاد وبمن اهتدى إلى طريق ~~الهدى والسداد قال في البحر: وهذه الجملة خبرية تتضمن الوعيد والوعد لأن ~~كونه تعالى عالما بالضال والمهتدي كناية عن مجازاتهما { فكلوا ~~مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته ~~مؤمنين } أي كلوا مما ذبحتم وذكرتم اسم الله عليه إن كنتم حقا ~~مؤمنين قال ابن عباس: قال المشركون للمؤمنين إنكم تزعمون أنكم تعبدون ~~الله فما قتله الله - يريدون الميتة - أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم ~~فنزلت الآية { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم ~~الله عليه } أي وما المانع لكم من أكل ما ذبحتموه بأيديكم بعد أن ~~ذكرتم اسم ربكم عليه عند ذبحه؟ { وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم إلا ما اضطررتم إليه } أي وقد بين لكم ربكم ~~الحلال والحرام ووضح لكم ما يحرم عليكم من الميتة والدم الخ في آية ms0427 ~~المحرمات إلا في حالة الاضطرار فقد أحل لكم ما حرم أيضا فما لكم ~~تستمعون إلى الشبهات التي يثيرها أعداؤكم الكفار؟ { وإن كثيرا ~~ليضلون بأهوائهم بغير علم } أي وإن كثيرا من ~~الكفار المجادلين ليضلون الناس بتحريم الحلال وتحليل الحرام بغير شرع ~~من الله بل بمجرد الأهواء والشهوات { إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين } أي المجاوزين الحد في الاعتداء فيحللون ويحرمون ~~بدون دليل شرعي من كتاب أو سنة، وفيه وعيد شديد وتهديد أكيد لمن اعتدى ~~حدود الله { وذروا ظاهر الإثم وباطنه } أي اتركوا المعاصي ~~ظاهرها وباطنها وسرها وعلانيتها قال مجاهد: هي المعصية في السر ~~والعلانية وقال السدي: ظاهره الزنى مع البغايا وباطنه الزنى مع الصدائق ~~والأخدان { إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما ~~كانوا يقترفون } أي يكسبون الإثم والمعاصي ويأتون ما حرم الله ~~سيلقون في الآخرة جزاء ما كانوا يكتسبون { ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه } أي لا تأكلوا أيها المؤمنون مما ~~ذبح لغير الله أو ذكر اسم غير الله عليه كالذي يذبح للأوثان { وإنه ~~لفسق } أي وإن الأكل منه لمعصية وخروج عن طاعة الله { وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم } أي ~~وإن الشياطين ليوسوسون إلى المشركين أوليائهم في الضلال لمجادلة ~~المؤمنين بالباطل في قولهم: أتأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله؟ ~~يعني الميتة { وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } أي وإن ~~أطعتم هؤلاء المشركين في استحلال الحرام وساعدتموهم على أباطيلهم إنكم ~~إذا مثلهم قال الزمخشري: لأن من اتبع غير الله تعالى في دينه فقد أشرك ~~به، ومن حق ذي البصيرة في دينه ألا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه كيفما ~~كان للتشديد العظيم { أو من كان ميتا فأحييناه } قال أبو ~~حيان: لما تقدم ذكر المؤمنين والكافرين مثل تعالى بأن شبه المؤمن ~~بالحي الذي له نور يتصرف به كيفما سلك، والكافر بالمتخبط في الظلمات ~~المستقر فيها ليظهر الفرق بين الفريقين والمعنى: أو من كان بمنزلة الميت ~~أعمى البصيرة كافرا ضالا، فأحيا الله قلبه بالإيمان، وأنقذه من ~~الضلالة بالقرآن { وجعلنا له نورا يمشي ms0428 به في الناس } ~~أي وجعلنا مع تلك الهداية النور العظيم الوضاء الذي يتأمل به الأشياء ~~فيميز به بين الحق والباطل { كمن مثله في الظلمات ليس ~~بخارج منها } أي كمن هو يتخبط في ظلمات الكفر والضلالة لا يعرف ~~المنفذ ولا المخلص؟ قال البيضاوي: وهو مثل لمن بقي في الضلالة لا ~~يفارقها بحال { كذلك زين للكافرين ما كانوا ~~يعملون } أي وكما بقي هذا في الظلمات يتخبط فيها كذلك حسنا ~~للكافرين وزينا لهم ما كانوا يعملون من الشرك والمعاصي { وكذلك ~~جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا ~~فيها } أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك جعلنا في كل ~~بلدة مجرميها من الأكابر والعظماء ليفسدوا فيها قال ابن الجوزي: وإنما ~~جعل الأكابر فساق كل قرية لأنهم أقرب إلى الكفر بما أعطوا من ~~الرياسة والسعة { وما يمكرون إلا بأنفسهم وما ~~يشعرون } أي وما يدرون أن وبال هذا المكر يحيق بهم { وإذا ~~جآءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ ~~أوتي رسل الله } أي وإذا جاءت هؤلاء المشركين حجة قاطعة ~~وبرهان ساطع على صدق محمد صلى الله عليه وسلم قالوا لن نصدق برسالته ~~حتى نعطى من المعجزات مثل ما أعطي رسل الله، قال في البحر: وإنما ~~قالوا ذلك على سبيل التهكم والاستهزاء ولو كانوا موقنين غير معاندين ~~لاتبعوا رسل الله تعالى، وروي أن أبا جهل قال: زاحمنا بني عبد مناف في ~~الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يوحى إليه! والله ~~لا نرضى به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت الآية { ~~الله أعلم حيث يجعل رسالته } أي الله أعلم من هو أهل ~~للرسالة فيضعها فيه وقد وضعها فيمن اختاره لها وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم دون أكابر مكة كأبي جهل والوليد بن المغيرة { سيصيب الذين ~~أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا ~~يمكرون } أي سيصيب هؤلاء المجرمين الذل والهوان، والعذاب الشديد يوم ~~القيامة بسبب استكبارهم ومكرهم المستمر قال في البحر: وقدم الصغار على ~~العذاب لأنهم ms0429 تمردوا عن اتباع الرسول وتكبروا طلبا للعز والكرامة ~~فقوبلوا بالهوان والذل أولا ثم بالعقاب الشديد ثانيا { فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } أي من شاء الله ~~هدايته قذف في قلبه نورا فينفسح له وينشرح وذاك علامة الهداية للإسلام ~~قال ابن عباس: معناه يوسع قلبه للتوحيد والإيمان، وحين سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية قال: إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح ~~قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، ~~والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله { ومن يرد أن ~~يضله } أي ومن يرد شقاوته وإضلاله { يجعل صدره ضيقا ~~حرجا } أي يجعل صدره ضيقا شديد الضيق لا يتسع لشيء من الهدى، ولا ~~يخلص إليه شئ من الإيمان قال عطاء: ليس للخير فيه منفذ { كأنما ~~يصعد في السمآء } أي كأنما يحاول الصعود إلى السماء ويزاول ~~أمرا غير ممكن قال ابن جرير: وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في ~~شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه، مثل امتناعه من الصعود إلى السماء ~~وعجزه عنه لأنه ليس في وسعه { كذلك يجعل الله الرجس على ~~الذين لا يؤمنون } أي مثل جعل صدر الكافر شديد الضيق كذلك يلقي ~~الله العذاب والخذلان على الذين لا يؤمنون بآياته قال مجاهد: الرجس كل ~~ما لا خير فيه وقال الزجاج: الرجس اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة { ~~وهذا صراط ربك مستقيما } أي وهذا الدين الذي أنت عليه ~~يا محمد هو الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه فاستمسك به { قد ~~فصلنا الآيات لقوم يذكرون } أي بينا ووضحنا الآيات ~~والبراهين لقوم يتدبرون بعقولهم { لهم دار السلام عند ~~ربهم } أي لهؤلاء الذين يؤمنون ويعتبرون وينتفعون بالآيات دار ~~السلام أي السلامة من المكاره وهي الجنة في نزل الله وضيافته { وهو ~~وليهم بما كانوا يعملون } أي هو تعالى حافظهم وناصرهم ~~ومؤيدهم جزاء لأعمالهم الصالحة قال ابن كثير: وإنما وصف تعالى الجنة ~~هنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم، المقتفي أثر ~~الأنبياء وطرائقهم، فكما ms0430 سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام. # البلاغة: 1- { ولو شآء ربك } التعرض لوصف الربوبية ~~والإضافة إلى ضميره عليه السلام { ربك } لتشريف مقامه وللمبالغة في ~~اللطف في التسلية. # 2- # فلا تكن من الممترين # [آل عمران: 60] الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم على طريق التهييج ~~والإلهاب. # 3- { وتمت كلمت ربك } أي تم كلامه ووحيه أطلق الجزء ~~وأراد الكل فهو مجاز مرسل. # 4- { وذروا ظاهر الإثم وباطنه } بين لفظ { ظاهر } و { ~~باطن } طباق. # 5- { أو من كان ميتا فأحييناه } الموت والحياة، والنور ~~والظلمة كلها من باب الاستعارة فقد استعار الموت للكفر والحياة للإيمان ~~وكذلك النور والظلمات للهدى والضلال. # 6- { يشرح صدره للإسلام } الشرح كناية عن قبول النفس للحق ~~والهدى الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبين لفظ الشرح والضيق ~~طباق وهو من المحسنات البديعية. # فائدة: الحكم أبلغ من الحاكم وأدل على الرسوخ لأنه لا يطلق إلا ~~على العادل وعلى من تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم. # تنبيه: قال الرازي: دلت هذه الآية { وإن كثيرا ليضلون ~~بأهوائهم بغير علم } على أن القول في الدين بمجرد التقليد ~~حرام، لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، والآية دلت على أن ~~ذلك حرام. ### || [6.128-140] # المناسبة: لما ذكر سبحانه أن البشر فريقان: مهتد وضال، وذكر أن منهم ~~من شرح الله صدره وأنار قلبه فآمن واهتدى، ومنهم من اتبع الهوى وسار ~~بقيادة الشيطان فضل وغوى، ذكر هنا أنه سيحشر الخلائق جميعا يوم القيامة ~~للحساب، لينال كل جزاءه العادل على ما قدم في هذه الحياة. # اللغة: { مثواكم } مأواكم يقال ثوى بالمكان إذا أقام فيه { ~~يقصون } يحكون يقال قص الخبر يقصه قصا أي حكاه { ذرأ } خلق ~~{ الحرث } الزرع { ليردوهم } الإرداء: الإهلاك يقال أرداه ~~يرديه أي أهلكه { حجر } الحجر: الحرام وأصله المنع يقال حجره أي منعه ~~والحجر: العقل سمي به لأنه يمنع عن القبائح قال تعالى # هل في ذلك قسم لذى حجر # [الفجر: 5] { سفها } حماقة وجهالة والسفه: خفة العقل. # التفسير: { ويوم يحشرهم جميعا } أي اذكر يوم يجمع الله ~~الثقلين: الإنس والجن جميعا للحساب قائلا { يامعشر ms0431 الجن ~~قد استكثرتم من الإنس } أي استكثرتم من إضلالهم ~~وإغوائهم قال ابن عباس: أضللتم منهم كثيرا، وهذا بطريق التوبيخ ~~والتقريع { وقال أوليآؤهم من الإنس ربنا استمتع ~~بعضنا ببعض } أي وقال الذين أطاعوهم من الإنس ربنا انتفع بعضنا ~~ببعض قال البيضاوي: انتفع الإنس والجن بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل ~~به إليها، وانتفع الجن بالإنس بأن أطاعوهم وحصلوا مرادهم { ~~وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا } أي وصلنا إلى الموت ~~والقبر ووافينا الحساب، وهذا منهم اعتذار واعتراف بما كان منهم من طاعة ~~الشياطين واتباع الهوى وتحسر على حالهم { قال النار مثواكم } ~~أي قال تعالى ردا عليهم النار موضع مقامكم وهي منزلكم { خالدين ~~فيهآ إلا ما شآء الله } أي ماكثين في النار في حال خلود دائم ~~إلا الزمان الذي شاء الله أن لا يخلدوا فيها قال الطبري: هي المدة التي ~~بين حشرهم إلى دخولهم النار وقال الزمخشري: يخلدون في عذاب النار الأبد ~~كله إلا ما شاء الله أي إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار ~~إلى عذاب الزمهرير فقد روي أنهم يدخلون واديا من الزمهرير فيتعاوون ~~ويطلبون الرد إلى الجحيم { إن ربك حكيم عليم } أي حكيم في ~~أفعاله عليم بأعمال عباده { وكذلك نولي بعض الظالمين ~~بعضا بما كانوا يكسبون } أي كما متعنا الإنس والجن بعضهم ~~ببعض نسلط بعض الظالمين على بعض بسبب كسبهم للمعاصي والذنوب قال ~~القرطبي: وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالما ~~آخر قال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، وإذا سخط ~~الله على قوم ولى أمرهم شرارهم وعن مالك بن دينار قال: قرأت في بعض كتب ~~الحكمة إن الله تعالى يقول: # " إني أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه ~~رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن ~~توبوا إلي أعطفهم عليكم " # { يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ~~يقصون عليكم آياتي } هذا النداء أيضا يوم القيامة ~~والاستفهام للتوبيخ والتقريع أي ألم تأتكم الرسل ms0432 يتلون عليكم آيات ربكم؟ ~~{ وينذرونكم لقآء يومكم هذا } أي يخوفونكم عذاب هذا ~~اليوم الشديد؟ { قالوا شهدنا على أنفسنا } أي لم يجدوا ~~إلا الإعتراف فقالوا: بلى شهدنا على أنفسنا بأن رسلك قد أتتنا وأنذرتنا ~~لقاء يومنا هذا قال ابن عطية: وهذا إقرار منهم بالكفر واعتراف على ~~أنفسهم بالتقصير كقولهم # قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا # [الملك: 9] { وغرتهم الحياة الدنيا } أي خدعتهم الدنيا ~~بنعيمها وبهرجها الكاذب { وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~كانوا كافرين } أي اعترفوا بكفرهم قال البيضاوي: وهذا ذم لهم على ~~سوء نظرهم وخطأ رأيهم، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيا ولذاتها الفانية، ~~وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا بالشهادة على ~~أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذيرا للسامعين من مثل حالهم ~~{ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ~~وأهلها غافلون } أي إنما فعلنا هذا بهم من إرسال الرسل إليهم ~~لإنذارهم سوء العاقبة لأن ربك عادل لم يكن ليهلك قوما حتى يبعث إليهم ~~رسولا قال الطبري: أي إنما أرسلنا الرسل يا محمد يقصون عليهم آياتي ~~وينذرونهم لقاء معادهم من أجل أن ربك لم يكن ليهلكهم دون التنبيه ~~والتذكير بالرسل والآيات والعبر { ولكل درجات مما ~~عملوا } أي ولكل عامل بطاعة الله أو معصيته، منازل ومراتب من عمله ~~يلقاها في آخرته إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر، قال ابن الجوزي: ~~وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع والانحطاط كتفاضل الدرج { وما ~~ربك بغافل عما يعملون } أي ليس الله بلاه أو ساه عن ~~أعمال عباده، وفي ذلك تهديد ووعيد { وربك الغني }. أي هو جل ~~وعلا المستغني عن الخلق وعبادتهم، لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية { ~~ذو الرحمة } أي ذو التفضل التام قال ابن عباس: ذو الرحمة بأوليائه ~~وأهل طاعته، وقال غيره: بجميع الخلق ومن رحمته تأخير الانتقام من ~~المخالفين قال أبو السعود: وفيه تنبيه على أن ما سلف ذكره من الإرسال ~~ليس لنفعه بل لترحمه على العباد { إن يشأ يذهبكم } أي لو شاء ~~لأهلككم أيها العصاة بعذاب الاستئصال { ويستخلف من بعدكم ~~ما ms0433 يشآء } أي وأتى بخلق آخر أمثل منكم وأطوع { كمآ أنشأكم ~~من ذرية قوم آخرين } أي كما خلقكم وابتدأكم من بعد خلق ~~آخرين كانوا قبلكم قال أبو حيان: وتضمنت الآية التحذير من بطش الله في ~~التعجيل بالإهلاك { إن ما توعدون لآت } أي ما توعدونه من مجيء ~~الساعة والحشر لواقع لا محالة { ومآ أنتم بمعجزين } أي لا ~~تخرجون عن قدرتنا وعقابنا وإن ركبتم في الهرب متن كل صعب وذلول { قل ~~ياقوم اعملوا على مكانتكم } أي قل لهم يا محمد يا قوم ~~اثبتوا على كفركم ومعاداتكم لي واعملوا ما أنتم عاملون، والأمر هنا ~~للتهديد كقوله # اعملوا ما شئتم # [فصلت:40] { إني عامل } أي عامل ما أمرني به ربي من الثبات على ~~دينه { فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار } أي ~~فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة في الدار الآخرة أنحن أم ~~أنتم؟ { إنه لا يفلح الظالمون } أي لا ينجح ولا يفوز ~~بمطلوبه من كان ظالما قال الزمخشري: في الآية طريق من الإنذار لطيف ~~المسلك، فيه إنصاف في المقال وأدب حسن، مع تضمن شدة الوعيد، والوثوق ~~بأن المنذر محق، والمنذر مبطل { وجعلوا لله مما ذرأ ~~من الحرث والأنعام نصيبا } أي جعل مشركو قريش لله مما خلق ~~من الزرع والأنعام نصيبا ينفقونه على الفقراء ولشركائهم نصيبا يصرفونه ~~إلى سدنتها قال ابن كثير: هذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين الذين ~~ابتدعوا بدعا وكفرا وشركا، وجعلوا لله شركاء وهو خالق كل شيء سبحانه { ~~وجعلوا لله مما ذرأ } أي خلق وبرأ من الزرع والثمار ~~والأنعام جزءا وقسما { فقالوا هذا لله بزعمهم } أي ~~قالوا: هذا نصيب الله بزعمهم أي بدعواهم وقولهم من غير دليل ولا شرع قال ~~في التسهيل: وأكثر ما يقال الزعم في الكذب { وهذا لشركآئنا } ~~أي وهذا النصيب لآلهتنا وأصنامنا قال ابن عباس: إن أعداء الله كانوا ~~إذا حرثوا حرثا أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منه جزءا وللوثن جزءا، ~~فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، وإن سقط ~~منه شيء ms0434 فيما سمي لله ردوه إلى ما جعلوه للوثن وقالوا إن الله غني ~~والأصنام أحوج ولهذا قال: { فما كان لشركآئهم فلا يصل ~~إلى الله } أي ما كان للأصنام فلا يصل إلى الله منه شيء { وما ~~كان لله فهو يصل إلى شركآئهم } وما كان من نصيب الله ~~فهو يصل إلى أصنامهم قال مجاهد: كانوا يسمون جزءا من الحرث لله ~~وجزءا لشركائهم وأوثانهم فما ذهبت به الريح من نصيب الله إلى أوثانهم ~~تركوه وما ذهب من نصيب أوثانهم إلى نصيب الله ردوه، وكانوا إذا أصابتهم ~~سنة " قحط " أكلوا نصيب الله وتحاموا نصيب شركائهم { سآء ما ~~يحكمون } أي بئس هذا الحكم الجائر حكمهم { وكذلك زين ~~لكثير من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم } أي ~~مثل ذلك التزيين في قسمة القربان بين الله وبين آلهتهم زين شياطينهم ~~لهم قتل أولادهم بالوأد أو بنحرهم لآلهتهم قال الزمخشري: كان الرجل في ~~الجاهلية يحلف لئن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب ~~{ ليردوهم } أي ليهلكوهم بالإغواء { وليلبسوا عليهم ~~دينهم } أي وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل عليه ~~السلام { ولو شآء الله ما فعلوه } أي لو شاء الله ما فعلوا ~~ذلك القبيح { فذرهم وما يفترون } أي دعهم وما يختلقونه من ~~الإفك على الله، وهو تهديد ووعيد { وقالوا هذه أنعام ~~وحرث حجر } هذه حكاية عن بعض قبائحهم وجرائمهم أيضا أي قال ~~المشركون هذه أنعام وزروع أفردناها لآلهتنا حرام ممنوعة على غيرهم { لا ~~يطعمهآ إلا من نشآء } أي من خدمة الأوثان وغيرهم { ~~بزعمهم } أي بزعمهم الباطل من غير حجة ولا برهان { وأنعام ~~حرمت ظهورها } أي لا تركب كالبحائر والسوائب والحوامي { ~~وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها } أي عند الذبح ~~وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام { افترآء عليه } أي كذبا ~~واختلاقا على الله { سيجزيهم بما كانوا يفترون } أي ~~سيجزيهم على ذلك الافتراء، وهو تهديد شديد ووعيد { وقالوا ما في ~~بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا } هذا إشارة إلى ~~نوع آخر من أنواع قبائحهم أي قالوا ما في بطون هذه البحائر والسوائب ms0435 حلال ~~لذكورنا خاصة { ومحرم على أزواجنا } أي لا تأكل منه ~~الإناث { وإن يكن ميتة فهم فيه شركآء } أي وإن كان ~~هذا المولود منها ميتة اشترك فيه الذكور والإناث { سيجزيهم ~~وصفهم } أي سيجزيهم جزاء وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم ~~{ إنه حكيم عليم } أي حكيم في صنعه عليم بخلقه { قد خسر ~~الذين قتلوا أولادهم } أي والله لقد خسر هؤلاء السفهاء ~~الذين قتلوا أولادهم قال الزمخشري: نزلت في ربيعة ومضر والعرب الذين ~~كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر { سفها بغير علم } أي ~~جهالة وسفاهة لخفة عقلهم وجهلهم بأن الله هو الرازق لهم ولأولادهم { ~~وحرموا ما رزقهم الله } أي حرموا على أنفسهم البحيرة ~~والسائبة وشبهها { افترآء على الله } أي كذبا واختلاقا على ~~الله { قد ضلوا وما كانوا مهتدين } أي لقد ضلوا عن ~~الطريق المستقيم بصنيعهم القبيح وما كانوا من الأصل مهتدين لسوء سيرتهم، ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما ~~فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام { قد خسر الذين ~~قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما ~~رزقهم الله افترآء على الله قد ضلوا وما ~~كانوا مهتدين }. # البلاغة: 1- { قد استكثرتم من الإنس } أي أفرطتم في ~~إضلال وإغواء الإنس، ففيه إيجاز بالحذف ومثله { استمتع ~~بعضنا ببعض } أي استمتع بعض الإنس ببعض الجن، وبعض الجن ببعض ~~الإنس. # 2- { النار مثواكم } تعريف الطرفين لإفادة الحصر. # 3- { ألم يأتكم رسل } الاستفهام للتوبيخ والتقريع. # 4- { ولكل } أي لكل من العاملين فالتنوين عوض عن محذوف. # 5- { إن ما توعدون لآت } صيغة الاستقبال { توعدون } ~~للدلالة على الاستمرار التجددى، ودخول إن واللام على الجملة للتأكيد ~~لأن المخاطبين منكرون للبعث فلذا أكد الخبر بمؤكدين. # 6- { ما رزقهم الله افترآء على الله } إظهار الاسم ~~الجليل في موضع الإضمار لإظهار كمال عتوهم وضلالهم أفاده أبو السعود. # الفوائد: الأولى: قال السيوطي في الإكليل: قوله تعالى { وكذلك ~~نولي بعض الظالمين بعضا } الآية في معنى حديث # " كما تكونون يولى عليكم " # وقال الفضيل بن عياض: إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف وانظر ~~متعجبا. # الثانية: ms0436 الجمهور على أن الرسل من الإنس ولم يكن من الجن رسول وقوله ~~تعالى { ألم يأتكم رسل منكم } هو من باب التغليب كقوله # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما يخرجان من البحر المالح دون العذب. # الثالثة: ذكر القرطبي في تفسيره # " أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزال مغتما بين ~~يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول: مالك تكون محزونا؟ ~~فقال يا رسول الله: إني أذنبت في الجاهلية ذنبا فأخاف ألا يغفره الله ~~لي وإن أسلمت! فقال له: أخبرني عن ذنبك؟ فقال يا رسول الله: إني كنت من ~~الذين يقتلون بناتهم فولدت لي بنت فتشفعت إلي امرأتي أن أتركها ~~فتركتها حتى كبرت وأدركت وصارت من أجمل النساء فخطبوها فدخلتني الحمية ~~ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج فقلت للمرأة: إني ~~أريد أن أذهب لزيارة أقربائي فابعثيها معي فسرت بذلك وزينتها بالحلي ~~والثياب، وأخذت علي المواثيق بألا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت ~~في البئر ففطنت الجارية بأني أريد أن ألقيها في البئر فالتزمتني وجعلت ~~تبكي فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية حتى غلبني الشيطان ~~فألقيتها في البئر منكوسة ومكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت فبكى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال: لو أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل ~~في الجاهلية لعاقبتك ". ### || [6.141-150] # المناسبة: لما أخبر تعالى عن المشركين أنهم حرموا أشياء مما رزقهم ~~الله وحكى طرفا من قبائحهم وجرائمهم، ذكر تعالى هنا ما امتن به عليهم ~~من الرزق الذي تصرفوا فيه بغير إذنه تعالى افتراء منهم عليه واختلاقا، ~~ثم أعقبه باحتجاجهم على الشرك وعدم الإيمان بالقضاء والقدر، وهذا أيضا ~~من جملة الكذب والبهتان والافتراء على الله. # اللغة: { معروشات } مرفوعات على ما يحملها من العيدان { حصاده ~~} الحصاد: جمع الثمر كالجذاذ { حمولة } الحمولة: الإبل التي تحمل ~~الأثقال على ظهورها { فرشا } الفرش: الصغار التي لا تصلح للحمل ~~كالفصلان والعجاجيل قال الزجاج: الفرش صغار الإبل قال الشاعر: # أورثني حمولة ms0437 وفرشا # أمشها في كل يوم مشا # { الحوايآ } قال الواحدي: هي المباعر والمصارين واحدتها حاوية ~~وحوية وقيل: الحوايا الأمعاء التي عليها الشحوم سميت حوايا لأن البطن ~~يحويها { هلم } هاتوا { يعدلون } يشركون به. # التفسير: { وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير ~~معروشات } أي هو الذي أنعم عليكم بأنواع النعم لتعبدوه وحده، فخلق ~~لكم بساتين من الكروم منها مرفوعات على عيدان، ومنها متروكات على وجه ~~الأرض لم تعرش { والنخل والزرع مختلفا أكله } أي ~~وأنشأ لكم شجر النخيل المثمر بما هو فاكهة وقوت، وأنواع الزرع المحصل ~~لأنواع القوت مختلفا ثمره وحبه في اللون والطعم والحجم والرائحة { ~~والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه } أي ~~متشابها في اللون والشكل وغير متشابه في الطعم { كلوا من ثمره ~~إذآ أثمر } أي كلوا أيها الناس من ثمر كل واحد مما ذكر إذا أدرك ~~من رطبه وعنبه { وآتوا حقه يوم حصاده } أي أعطوا الفقير ~~والمسكين من ثمره يوم الحصاد ما تجود به نفوسكم وقال ابن عباس: يعني ~~الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله { ولا تسرفوا إنه لا ~~يحب المسرفين } أي ولا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل ~~والبدن قال الطبري: المختار قول عطاء أنه نهي عن الإسراف في كل شيء { ~~ومن الأنعام حمولة وفرشا } أي وخلق لكم من الأنعام ما ~~يحمل الأثقال وما يفرش للذبح " أي يضجع " قال ابن أسلم: الحمولة ما ~~تركبون، والفرش ما تأكلون وتحلبون { كلوا مما رزقكم ~~الله } أي كلوا من الثمار والزروع والأنعام فقد جعلها الله لكم رزقا ~~{ ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي طريقه وأوامره في ~~التحليل والتحريم كفعل أهل الجاهلية { إنه لكم عدو مبين } ~~أي إن الشيطان ظاهر العداوة للإنسان فاحذروا كيده { ثمانية ~~أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } أي ~~وأنشأ لكم من الأنعام ثمانية أنواع أحل لكم أكلها، من الضأن ذكرا ~~وأنثى، ومن المعز ذكرا وأنثى قال القرطبي: يعني ثمانية أفراد، وكل ~~فرد عند العرب يحتاج إلى آخر يسمى زوجا فيقال للذكر: زوج وللأنثى ~~زوج ويراد بالزوجين من الضأن: الكبش والنعجة، ومن المعز: ms0438 التيس والعنز ~~{ قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين }؟ هذا إنكار لما ~~كانوا يفعلونه من تحريم ما أحل الله أي قل لهم يا محمد على وجه التوبيخ ~~والزجر: آلذكرين من الضأن والمعز حرم الله عليكم أيها المشركون أم ~~الانثيين منهما؟ { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ~~} أي أو ما حملت إناث الجنسين ذكرا كان أو أنثى؟ { نبئوني ~~بعلم إن كنتم صادقين } تعجيز وتوبيخ أي أخبروني عن الله ~~بأمر معلوم لا بافتراء ولا بتخرص إن كنتم صادقين في نسبة ذلك التحريم ~~إلى الله { ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } أي ~~وأنشأ لكم من الإبل اثنين هما الجمل والناقة ومن البقر اثنين هما ~~الجاموس والبقرة { قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين ~~أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين }؟ كرره هنا ~~مبالغة في التقريع والتوبيخ قال أبو السعود: والمقصود إنكار أن الله ~~سبحانه حرم عليهم شيئا من الأنواع الأربعة وإظهار كذبهم في ذلك فإنهم ~~كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة، وإناثها تارة، وأولادها تارة أخرى { ~~أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهذا } زيادة في ~~التوبيخ أي هل كنتم حاضرين حين وصاكم الله بهذا التحريم؟ وهذا من باب ~~التهكم { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~ليضل الناس بغير علم } أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله ~~فنسب إليه تحريم ما لم يحرم بغير دليل ولا برهان { إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين } عموم في كل ظالم، ثم أمر تعالى رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بأن يبين لهم ما حرمه الله عليهم فقال { قل لا ~~أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ~~إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم ~~خنزير فإنه رجس } أي قل يا محمد لكفار مكة لا أجد فيما أوحاه ~~الله إلي من القرآن شيئا محرما على أي إنسان إلا أن يكون ذلك ~~الطعام ميتة أو دما سائلا مصبوبا أو يكون لحم خنزير فإنه قذر ونجس ~~لتعوده أكل النجاسات { أو فسقا أهل لغير الله به } أي ~~أو يكون المذبوح فسقا ذبح على اسم غير ms0439 الله كالمذبوح على النصب، سمي ~~فسقا مبالغة كأنه نفس الفسق لأنه ذبح على اسم الأصنام { فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } ~~أي من أصابته الضرورة واضطرته إلى أكل شيء من المحرمات فلا إثم عليه ~~إن كان غير باغ أي غير قاصد التلذذ بأكلها بدون ضرورة ولا عاد أي ~~مجاوز قدر الضرورة التي تدفع عنه الهلاك فالله غفور رحيم بالعباد، ثم ~~بين تعالى أن ما حرمه على اليهود إنما كان بسبب بغيهم وعصيانهم فقال { ~~وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } أي وعلى ~~اليهود خاصة حرمنا عليهم كل ذي ظفر قال ابن عباس: هي ذوات الظلف ~~كالإبل والنعام وما ليس بذي أصابع منفرجة كالبط والأوز { ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ } أي وحرمنا ~~عليهم أكل شحوم البقر وشحوم الغنم { إلا ما حملت ظهورهما } ~~أي إلا الشحم الذي علق بالظهر منهما { أو الحوايآ } أي الأمعاء ~~والمصارين { أو ما اختلط بعظم } كشحم الألية والمعنى أن الشحم ~~الذي تعلق بالظهور أو احتوت عليه المصارين أو اختلط بعظم كشحم الألية ~~جائز لهم { ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون } أي ~~ذلك التحريم بسبب ظلمهم وعدوانهم الذي سبق من قتل الأنبياء وأكل الربا ~~واستحلال أموال الناس بالباطل وإنا لصادقون فيما قصصنا عليك يا محمد، ~~وفي ذلك تعريض بكذب من حرم ما لم يحرم الله والتعريض بكذب اليهود { ~~فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة } أي فإن ~~كذبك يا محمد هؤلاء اليهود فيما جئت به من بيان التحريم فقل متعجبا من ~~حالهم ربكم ذو رحمة واسعة حيث لم يعاجلكم بالعقوبة مع شدة إجرامكم قال ~~في البحر: وهذا كما تقول عند رؤية معصية عظيمة: ما أحلم الله تعالى! ~~وأنت تريد ما أحلمه لإمهاله العاصي، ثم أعقب وصفه بالرحمة الواسعة ~~بالوعيد الشديد فقال { ولا يرد بأسه عن القوم ~~المجرمين } أي لا تغتروا بسعة رحمته فإنه لا يرد عذابه وسطوته ~~عمن اكتسبوا الذنوب واجترحوا السيئات فهو مع رحمته ذو بأس شديد، وقد جمعت ~~الآية بين الترغيب والترهيب حتى ms0440 لا يقنط المذنب من الرحمة ولا يغتر ~~العاصي بحلم الله. # { سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } أي سيقول مشركو العرب لو ~~أراد الله ما كفرنا ولا أشركنا لا نحن ولا آباؤنا يريدون أن شركهم ~~وتحريمهم لما حرموا كان بمشيئة الله ولو شاء ألا يفعلوا ذلك ما فعلوه، ~~فاحتجوا على ذلك بإرادة الله كما يقول الواقع في معصية إذا طلب منه ~~الإقلاع عنها: هذا قدر الله لا مهرب ولا مفر منه، ولا حجة في هذا ~~لأنهم مكلفون مأمورون بفعل الخير وترك القبيح ولكنها نزعة جبرية يحتج ~~بها السفهاء عندما تدمغهم الحجة قال تعالى في الرد عليهم { كذلك ~~كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا } أي كذلك ~~كذب من سبقهم من الأمم حتى أنزلنا عليهم العذاب { قل هل عندكم ~~من علم فتخرجوه لنآ } استفهام إنكاري يقصد به التهكم أي ~~قل لهم هل عندكم حجة أو برهان على صدق قولكم فتظهروه لنا { إن ~~تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } أي ما ~~تتبعون في ذلك إلا الظنون والأوهام وما أنتم في الحقيقة إلا تكذبون على ~~الله عز وجل { قل فلله الحجة البالغة فلو شآء ~~لهداكم أجمعين } أي قل لهم إن لم تكن لكم حجة فلله الحجة ~~البينة الواضحة التي بلغت غاية الظهور والإقناع، فلو شاء لهداكم إلى ~~الإيمان أجمعين ولكنه تعالى ترك للخلق أمر الاختيار في الإيمان والكفر ~~ليتم التكليف # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر # [الكهف: 29] { قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن ~~الله حرم هذا } أي قل لهم يا محمد احضروا لي من يشهد لكم على ~~صحة ما تزعمون أن الله تعالى حرم هذه الأشياء التي تدعونها من ~~البحيرة والسائبة وغيرهما { فإن شهدوا فلا تشهد معهم } ~~أي فإن حضروا وكذبوا في شهادتهم وزوروا فلا تشهد بمثل شهادتهم ولا ~~تصدقهم فإنه كذب بحت { ولا تتبع أهوآء الذين ~~كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة } أي ~~ولا تتبع أهواء المكذبين بآيات الرحمن الذين ms0441 لا يصدقون بالآخرة { وهم ~~بربهم يعدلون } أي وهم يشركون بالله غيره فيعبدون الأوثان. # البلاغة: 1- { حمولة وفرشا } بينهما طباق لأن الحمولة ~~الكبار الصالحة للحمل، والفرش الصغار الدانية من الأرض كأنها فرش. # 2- { خطوات الشيطان } هذا من لطيف الاستعارة وهي أبلغ عبارة ~~للتحذير من طاعة الشيطان والسير في ركابه. # 3- { غفور رحيم } من صيغ المبالغة أي مبالغ في المغفرة والرحمة. # 4- { ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن ~~القوم المجرمين } جاءت الأولى جملة اسمية لأنها أبلغ في ~~الإخبار من الفعلية فناسبت وصفه تعالى بالرحمة الواسعة وجاءت الجملة ~~الثانية فعلية { ولا يرد } لئلا يتعادل الإخبار عن الوصفين، وباب ~~الرحمة أوسع أفاده في البحر. # فائدة: في قوله تعالى { قل لا أجد في مآ أوحي إلي ~~محرما } إيذان بأن التحريم إنما يعلم بالوحي لا بالهوى، وأن الله ~~جل وعلا هو المشرع للأحكام والرسول مبلغ عن الله ذلك التشريع كقوله # وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 2 - 3] ### || [6.151-165] # المناسبة: لما ذكر تعالى ما حرمه الكفار افتراء عليه وذكر ما أباحه ~~تعالى لهم من الحبوب والفواكه والحيوان، ذكر هنا ما حرمه تعالى عليهم ~~حقيقة من الأمور الضارة، وذكر الوصايا العشر التي اتفقت عليها الشرائع ~~السماوية وبها سعادة البشرية. # اللغة: { أتل } أقرأ وأقص { إملاق } فقر يقال أملق الرجل إذا ~~افتقر { أشده } قوته وهو بلوغ سن النكاح والرشد، والأشد جمع لا ~~واحد له { بالقسط } بالعدل بلا بخس ولا نقصان { السبل } جمع ~~سبيل وهي الطريق { شيعا } فرقا وأحزابا جمع شيعة وهي الفرقة تتشيع ~~وتتعصب لمذهبها { قيما } مستقيما لا عوج فيه { نسكي } النسك ~~جمع نسيكة وهي الذبيحة وقال الزجاج: عبادتي ومنه الناسك الذي يتقرب إلى ~~الله بالعبادة. # التفسير: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ~~} أي قل يا محمد تعالوا أقرأ الذي حرمه ربكم عليكم باليقين لا بالظن ~~والتخمين { ألا تشركوا به شيئا } أي لا تعبدوا معه غيره { ~~وبالوالدين إحسانا } أي وأحسنوا إلى الوالدين إحسانا، ~~وذكر ضمن المحرمات لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فكأنه قال: ولا تسيئوا ~~إلى ms0442 الوالدين قال أبو السعود: والسر في ذلك المبالغة والدلالة على أن ~~ترك الإساءة إليهما غير كاف في قضاء حقوقهما { ولا تقتلوا ~~أولادكم من إملاق } أي ولا تقتلوا أولادكم خشية الفقر قال ~~ابن الجوزي: المراد دفن البنات أحياء من خوف الفقر { نحن ~~نرزقكم وإياهم } أي رزقكم ورزقهم علينا فإن الله هو الرازق ~~للعباد { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن } أي لا تقربوا المنكرات الكبائر علانيتها وسرها قال ابن عباس: ~~كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنى بأسا في السر ويستقبحونه في العلانية ~~فحرمه الله في السر والعلانية { ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق } أي لا تقتلوا النفس البريئة التي ~~حرم الله قتلها إلا بموجب وقد فسره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس ~~بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " # { ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون } أي ذلكم المذكور ~~هو ما أوصاكم تعالى بحفظه وأمركم به أمرا مؤكدا لعلكم تسترشدون بعقولكم ~~إلى فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا قال أبو حيان: وفي ~~لفظ وصاكم من اللطف والرأفة وجعلهم أوصياء له تعالى ما لا يخفى من ~~الإحسان { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي ~~أحسن حتى يبلغ أشده } أي لا تقربوا مال اليتيم بوجه من ~~الوجوه إلا بالخصلة التي هي أنفع له حتى يصير بالغا رشيدا، والنهي عن ~~القرب يعم وجوه التصرف لأنه إذا نهي عن أن يقرب المال فالنهي عن ~~أكله أولى وأحرى والتي هي أحسن منفعة اليتيم وتثمير ماله قال ابن عباس: ~~هو أن يعمل له عملا مصلحا فيأكل منه بالمعروف { وأوفوا الكيل ~~والميزان بالقسط } أي بالعدل والتسوية في الأخذ والعطاء { لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها } أي لا نكلف أحدا إلا بمقدار ~~طاقته بما لا يعجز عنه قال البيضاوي: أي إلا ما يسعها ولا يعسر عليها، ~~وذكره بعد وفاء الكيل لأن إيفاء الحق عسر فعليكم بما في وسعكم وما ~~وراءه معفو عنكم { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا ms0443 ~~قربى } أي اعدلوا في حكومتكم وشهادتكم ولو كان المشهود عليه من ذوي ~~قرابتكم { وبعهد الله أوفوا } أي أوفوا بالعهد إذا عاهدتم ~~قال القرطبي: وهذا عام في جميع ما عهده الله إلى عباده ويحتمل أن يراد ~~به ما انعقد بين الناس وأضيف إلى الله من حيث أمر بحفظه والوفاء به { ~~ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } أي لعلكم تتعظون { ~~وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله } أي وبأن هذا ديني المستقيم ~~شرعته لكم فتمسكوا به ولا تتبعوا الأديان المختلفة والطرق الملتوية ~~فتفرقكم وتزيلكم عن سبيل الهدى عن ابن مسعود قال: # " خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا ثم قال هذا سبيل ~~الله، ثم خط خطوطا عن يمينه ويساره ثم قال: هذه سبل على كل سبيل ~~منها شيطان يدعو إليها ثم قرأ { وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه.. } الآية " # { ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } كرر الوصية على ~~سبيل التوكيد أي لعلكم تتقون النار بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه ~~قال ابن عطية: لما كانت المحرمات الأولى لا يقع فيها عاقل جاءت العبارة # لعلكم تعقلون # [البقرة: 73] والمحرمات الأخر شهوات وقد ويقع فيها من لم يتذكر جاءت ~~العبارة { لعلكم تذكرون } والسير في الجادة المستقيمة يتضمن ~~فعل الفضائل ولا بد لها من تقوى الله جاءت العبارة # لعلكم تتقون # [البقرة: 63] { ثم آتينا موسى الكتاب تماما على ~~الذي أحسن } أي أعطينا موسى التوراة تماما للكرامة والنعمة على ~~من كان محسنا وصالحا قال الطبري: أي آتينا موسى الكتاب تماما لنعمتنا ~~عليه في قيامه بأمرنا ونهينا فإن إيتاء موسى الكتاب نعمة من الله عليه ~~ومنة عظيمة لما سلف منه من صالح العمل وحسن الطاعة { وتفصيلا ~~لكل شيء } أي وبيانا مفصلا لكل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل في ~~الدين { وهدى ورحمة لعلهم بلقآء ربهم ~~يؤمنون } أي وهدى لبني إسرائيل ورحمة عليهم ليصدقوا بلقاء الله ~~قال ابن عباس: كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعذاب { وهذا ~~كتاب أنزلناه مبارك } أي وهذا القرآن الذي أنزلناه على محمد ~~كتاب ms0444 عظيم الشأن كثير المنافع مشتمل على أنواع الفوائد الدينية ~~والدنيوية { فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون } أي ~~تمسكوا به واجعلوه إماما واحذروا أن تخالفوه لتكونوا راجين للرحمة { ~~أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين } أي ~~أنزلناه بهذا الوصف العظيم الجامع لخيرات الدنيا والآخرة كراهة أن تقولوا ~~يوم القيامة ما جاءنا كتاب فنتبعه وإنما نزلت الكتب المقدسة على اليهود ~~والنصارى قال ابن جرير: فقطع الله بإنزاله القرآن على محمد صلى الله ~~عليه وسلم حجتهم تلك { وإن كنا عن دراستهم لغافلين } أي ~~وإنه الحال والشأن كنا عن معرفة ما في كتبهم ودراستهم غافلين لا نعلم ما ~~فيها لأنها لم تكن بلغتنا { أو تقولوا لو أنآ أنزل ~~علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم } أو تقولوا لو أننا ~~أنزل علينا الكتاب كما أنزل على هاتين الطائفتين لكنا أهدى منهم إلى ~~الحق وأسرع إجابة لأمر الرسول لمزيد ذكائنا وجدنا في العمل { فقد ~~جآءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة } أي فقد جاءكم ~~من الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قرآن عظيم، فيه بيان للحلال ~~والحرام وهدى لما في القلوب ورحمة من الله لعباده قال القرطبي: أي قد زال ~~العذر بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس: بينة أي حجة وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن { فمن أظلم ممن كذب ~~بآيات الله } أي من أكفر ممن كذب بالقرآن ولم يؤمن به { وصدف ~~عنها } أي أعرض عن آيات الله قال أبو السعود: أي صرف الناس عنها فجمع ~~بين الضلال والإضلال { سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا ~~سوء العذاب بما كانوا يصدفون } وعيد لهم أي سنثيب ~~هؤلاء المعرضين عن آيات الله وحججه الساطعة شديد العقاب بسبب إعراضهم عن ~~آيات الله وتكذيبهم لرسله { هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة } أي ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا أن تأتيهم الملائكة ~~لقبض أرواحهم وتعذيبها وهو وقت لا تنفع فيه توبتهم { أو يأتي ~~ربك أو يأتي بعض آيات ربك } قال ابن عباس: أي يأتي ~~أمر ربك فيهم بالقتل أو غيره وقال الطبري: المراد ms0445 أن يأتيهم ربك في موقف ~~القيامة للفصل بين خلقه أو يأتيهم بعض آيات ربك وهو طلوع الشمس من مغربها ~~{ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ~~لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ~~} أي يوم يأتي بعض أشراط الساعة وحينئذ لا ينفع الإيمان نفسا كافرة ~~آمنت في ذلك الحين ولا نفسا عاصية لم تعمل خيرا قال الطبري: أي لا ~~ينفع من كان قبل ذلك مشركا بالله أن يؤمن بعد مجيء تلك الآية لعظيم ~~الهول الوارد عليهم من أمر الله، فحكم إيمانهم كحكم إيمانهم عند قيام ~~الساعة وفي الحديث # " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس ~~آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " # { قل انتظروا إنا منتظرون } أي انتظروا ما يحل بكم وهو ~~أمر تهديد ووعيد { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا } أي فرقوا الدين فأصبحوا شيعا وأحزابا قال ابن عباس: هم ~~اليهود والنصارى فرقوا دين إبراهيم الحنيف { لست منهم في ~~شيء } أي أنت يا محمد بريء منهم { إنمآ أمرهم إلى الله ~~} أي جزاؤهم وعقابهم على الله هو يتولى جزاءهم { ثم ينبئهم ~~بما كانوا يفعلون } أي يخبرهم بشنيع فعالهم قال الطبري: أي ~~أخبرهم في الآخرة بما كانوا يفعلون وأجازي كلا منهم بما كان يفعل { من ~~جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } أي من جاء يوم القيامة ~~بحسنة واحدة جوزي عنها بعشر حسنات أمثالها فضلا من الله وكرما وهو ~~أقل المضاعفة للحسنات فقد تنتهي إلى سبعمائة أو أزيد { ومن جآء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } أي ومن جاء بالسيئة ~~عوقب بمثلها دون مضاعفة { وهم لا يظلمون } أي لا ينقصون من ~~جزائهم شيئا وفي الحديث القدسي: # " يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء ~~بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر " # فالزيادة في الحسنات من باب الفضل، والمعاملة بالمثل في السيئات من باب ~~العدل { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } ~~أي قل ms0446 يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين إن ربي هداني إلى الطريق ~~القويم وأرشدني إلى الدين الحق دين إبراهيم { دينا قيما ملة ~~إبراهيم حنيفا } أي دينا مستقيما لا عوج فيه هو دين الحنيفية ~~السمحة الذي جاء به إمام الحنفاء إبراهيم الخليل { وما كان من ~~المشركين } أي وما كان إبراهيم مشركا، وفيه تعريض بإشراك من ~~خالف دين الإسلام لخروجه عن دين إبراهيم { قل إن صلاتي } أي قل ~~يا محمد إن صلاتي التي أعبد بها ربي { ونسكي } أي ذبحي { ~~ومحياي ومماتي } أي حياتي ووفاتي وما أقدمه في هذه الحياة من ~~خيرات وطاعات { لله رب العالمين } أي ذلك كله لله خالصا له ~~دون ما أشركتم به { لا شريك له } أي لا أعبد غير الله { وبذلك ~~أمرت } أي بإخلاص العبادة لله وحده أمرت { وأنا أول ~~المسلمين } أي أول من أقر وأذعن وخضع لله جل وعلا { قل ~~أغير الله أبغي ربا } تقرير وتوبيخ للكفار، وسببها أنهم ~~دعوه إلى عبادة آلهتهم والمعنى: قل يا محمد أأطلب ربا غير الله تعالى؟ ~~{ وهو رب كل شيء } أي والحال هو خالق ومالك كل شيء فكيف يليق ~~أن أتخذ إلها غير الله؟ { ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها } أي لا تكون جناية نفس من النفوس إلا عليها { ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى } أي لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يؤاخذ إنسان ~~بجريرة غيره { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم ~~بما كنتم فيه تختلفون } وهذا وعيد وتهديد أي مرجعكم ~~إليه يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم ويميز بين المحسن والمسيء { ~~وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } أي جعلكم خلفا للأمم ~~الماضية والقرون السالفة يخلف بعضكم بعضا قال الطبري: أي استخلفكم بعد ~~أن أهلك من كان قبلكم من القرون والأمم الخالية فجعلكم خلائف منهم في ~~الأرض تخلفونهم فيها { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } أي ~~خالف بين أحوالكم في الغنى والفقر، والعلم والجهل، والقوة والضعف وغير ~~ذلك مما وقع فيه التفضيل بين العباد { ليبلوكم في مآ آتاكم ~~} أي ليختبر شكركم على ما أعطاكم قال ابن الجوزي: أي ليختبركم ms0447 فيظهر منكم ~~ما يكون به الثواب والعقاب { إن ربك سريع العقاب وإنه ~~لغفور رحيم } أي إن ربك سريع العقاب لمن عصاه وغفور رحيم لمن ~~أطاعه، قال في التسهيل: جمع بين الخوف والرجاء، وسرعة العقاب إما في ~~الدنيا بتعجيل الأخذ أو في الآخرة لأن كل ما هو آت قريب. # البلاغة: 1- { ولا تتبعوا السبل } السبل استعارة عن ~~البدع والضلالات والمذاهب المنحرفة. # 2- { لا نكلف نفسا } التنكير لإفادة العموم والشمول. # 3- { وبعهد الله } الإضافة للتشريف والتعظيم. # 4- { يصدفون عن آياتنا } وضع الظاهر مكان الضمير { عنها } ~~لتسجيل شناعة وقباحة طغيانهم. # 5- { قل انتظروا } الأمر للتهديد والوعيد. # 6- { لا ينفع نفسا إيمانها.. } الآية اشتمل هذا الكلام على ~~النوع المعروف من علم البيان باللف وأصل الكلام: يوم يأتي بعض آيات ربك ~~لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد، ولا نفسا لم تكسب في ~~إيمانها خيرا قبل ما تكسبه من الخير بعد، إلا أنه لف الكلامين ~~فجعلهما كلاما واحدا بلاغة واختصارا وإعجازا، أفاده صاحب الانتصاف. # 7- بين { ظهر } و { بطن } طباق وبين { الحسنة } و { ~~السيئة } طباق كذلك وهو من المحسنات البديعية. # 8- { ولا تزر وازرة وزر أخرى } قال الشريف الرضي: ليس ~~هناك على الحقيقة أحمال على الظهور وإنما هي أثقال الآثام والذنوب فهو ~~من الاستعارة اللطيفة. # فائدة: وحد تعالى { سبيله } لأن الحق واحد وجمع { السبل } ~~لأن طرق الضلالة كثيرة ومتشعبة. # تنبيه: قال الحافظ ابن كثير: كثيرا ما يقرن تبارك وتعالى في القرآن بين ~~هاتين الصفتين { إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور ~~رحيم } كقوله تعالى # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم # [الحجر: 49 - 50] إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب ~~والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما ~~لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة ~~وأهوالها، وتارة بهما لينجع في كل بحسبه. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-30] # اللغة: { حرج } ضيق يقال: حرج المكان أو الصدر إذا ضاق { ~~بياتا } قال الراغب: البيات والتبيت: قصد العدو ليلا { ~~قآئلون } من القيلولة وهي النوم وسط النهار، والقائلة: ms0448 الظهيرة { ~~مذءوما } مذموما يقال ذأمه أي ذمه وحقره { مدحورا } مطرودا ~~يقال دحره أي طرده وأبعده { سوءاتهمآ } السوأة: العورة سميت بذلك ~~لأن الإنسان يسوءه ظهورها { طفقا } شرعا وأخذا يقال: طفق يطفق إذا ~~ابتدأ وأخذ { يخصفان } يرقعان ويلزقان { ريشا } لباسا تتجملون به ~~وأصل الريش: المال والجمال ومنه ريش الطير لأنه زينة له وجمال { ~~قبيله } جنوده وأصل القبيل: الجماعة سواء كانوا من أصل أو أصول ~~شتى { فاحشة } الفاحشة هي الشيء الذي تناهى قبحه والمراد بها هنا ~~الطواف حول البيت عراة وكل أمر قبيح يسمى فاحشة، والفحشاء ما اشتد ~~قبحه من الذنوب كالفاحشة. # التفسير: { المص } تقدم في أول سورة البقرة الكلام عن الحروف ~~المقطعة وأن الحكمة في ذكرها بيان " إعجاز القرآن " بالإشارة إلى أنه ~~مركب من أمثال هذه الحروف ومع ذلك فقد عجز بلغاؤهم وفصحاؤهم وعباقرتهم عن ~~الإتيان بمثله وروي عن ابن عباس معناه: أنا الله أعلم وأفصل، وقال ~~أبو العالية: الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح ~~اسمه مجيد والصاد مفتاح اسمه صادق { كتاب أنزل إليك } أي هذا ~~كتاب أنزله الله إليك يا محمد وهو القرآن { فلا يكن في صدرك ~~حرج منه } أي لا يضق صدرك من تبليغه خوفا من تكذيب قومك { ~~لتنذر به وذكرى للمؤمنين } أي لتنذر بالقرآن من يخاف ~~الرحمن، ولتذكر وتعظ به المؤمنين لأنهم المنتفعون به { اتبعوا مآ ~~أنزل إليكم من ربكم } أي اتبعوا أيها الناس القرآن الذي ~~فيه الهدى والنور والبيان المنزل إليكم من ربكم { ولا تتبعوا ~~من دونه أوليآء } أي ولا تتخذوا أولياء من دون الله كالأوثان ~~والرهبان والكهان تولونهم أموركم وتطيعونهم فيما يشرعون لكم { قليلا ~~ما تذكرون } أي تتذكرون تذكرا قليلا قال الخازن: أي ما تتعظون ~~إلا قليلا { وكم من قرية أهلكناها } أي وكثير من القرى ~~أهلكناها والمراد بالقرية أهلها { فجآءها بأسنا بياتا } أي ~~جاءها عذابنا ليلا { أو هم قآئلون } أي جاءهم العذاب في وقت ~~القيلولة وهي النوم في وسط النهار قال أبو حيان: وخص مجيء البأس بهذين ~~الوقتين لأنهما وقتان للسكون والدعة والاستراحة ms0449 فمجيء العذاب فيهما أشق ~~وأفظع لأنه يكون على غفلة من المهلكين { فما كان دعواهم إذ ~~جآءهم بأسنآ } أي ما كان دعاؤهم واستغاثتهم حين شاهدوا العذاب ~~ورأوا أماراته { إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } أي ~~إلا اعترافهم بظلمهم تحسرا وندامة، وهيهات أن ينفع الندم { ~~فلنسألن الذين أرسل إليهم } أي لنسألن الأمم قاطبة ~~هل بلغكم الرسل وماذا أجبتم؟ والمقصود من هذا السؤال التقريع والتوبيخ ~~للكفار { ولنسألن المرسلين } أي ولنسألن الرسل أيضا هل ~~بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة؟ قال في البحر: وسؤال الأمم تقرير وتوبيخ ~~يعقب الكفار والعصاة نكالا وعذابا، وسؤال الرسل تأنيس يعقب الأنبياء ~~كرامة وثوابا { فلنقصن عليهم بعلم } أي فلنخبرنهم بما ~~فعلوا عن علم منا قال ابن عباس: يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما ~~كانوا يعملون { وما كنا غآئبين } أي ما كنا غائبين عنهم حتى ~~يخفى علينا شيء من أحوالهم قال ابن كثير: يخبر تعالى عباده يوم القيامة ~~بما قالوا وبما عملوا من قليل وكثير، وجليل وحقير، لأنه تعالى الشهيد على ~~كل شيء، لا يغيب عنه شيء بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور { ~~والوزن يومئذ الحق } أي والوزن للأعمال يوم القيامة كائن ~~بالعدل ولا يظلم ربك أحدا { فمن ثقلت موازينه } أي فمن رجحت ~~موازين أعماله بالإيمان وكثرة الحسنات { فأولئك هم ~~المفلحون } أي الناجون غدا من العذاب الفائزون بجزيل الثواب { ~~ومن خفت موازينه } أي ومن خفت موازين أعماله بسبب الكفر ~~واجتراح السيئات { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } أي ~~خسروا أنفسهم وسعادتهم { بما كانوا بآياتنا يظلمون } أي ~~بسبب كفرهم وجحودهم بآيات الله، قال ابن كثير: والذي يوضع في الميزان يوم ~~القيامة قيل: الأعمال وإن كانت أعراضا إلا أن الله تعالى يقلبها يوم ~~القيامة أجساما يروى هذا عن ابن عباس، وقيل: يوزن كتاب الأعمال كما جاء ~~في حديث البطاقة، وقيل: يوزن صاحب العمل كما في الحديث # " يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة " # والكل صحيح فتارة توزن الأعمال، وتارة محالها، وتارة يوزن فاعلها ~~والله أعلم أقول: لا غرابة في وزن ms0450 الأعمال ووزن الحسنات والسيئات بالذات، ~~فإذا كان العلم الحديث قد كشف لنا عن موازين للحر والبرد، واتجاه الرياح ~~والأمطار، أفيعجز القادر على كل شيء عن وضع موازين لأعمال البشر؟ { ~~ولقد مكناكم في الأرض } أي جعلنا لكم أيها الناس في الأرض ~~مكانا وقرارا قال البيضاوي: أي مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها { ~~وجعلنا لكم فيها معايش } أي ما تعيشون به وتحيون من ~~المطاعم والمشارب وسائر ما تكون به الحياة { قليلا ما تشكرون } ~~أي ومع هذا الفضل والإنعام قليل منكم من يشكر ربه كقوله # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13] { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } أي خلقنا ~~أباكم آدم طينا غير مصور ثم صورناه أبدع تصوير وأحسن تقويم، وإنما ~~ذكر بلفظ الجمع تعظيما له لأنه أبو البشر { ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم } أي ثم أمرنا الملائكة بالسجود لآدم ~~تكريما له ولذريته { فسجدوا إلا إبليس لم يكن من ~~الساجدين } أي سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس امتنع من ~~السجود تكبرا وعنادا، والاستثناء منقطع لأنه استثناء من غير الجنس وقد ~~تقدم قول الحسن البصري: لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين { قال ما ~~منعك ألا تسجد إذ أمرتك } أي قال تعالى لإبليس أي ~~شيء منعك أن تدع السجود لآدم؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ { قال ~~أنا خير منه } أي قال إبليس اللعين أنا أفضل من آدم وأشرف منه ~~فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟ ثم ذكر العلة في الامتناع فقال { خلقتني ~~من نار وخلقته من طين } أي أنا أشرف منه لشرف عنصري على ~~عنصره، لأنني مخلوق من نار والنار أشرف من الطين، ولم ينظر المسكين لأمر ~~من أمره بالسجود وهو الله تعالى قال ابن كثير: نظر اللعين إلى أصل ~~العنصر ولم ينظر إلى التشريف والتعظيم وهو أن الله خلق آدم بيده، ونفخ ~~فيه من روحه، وقاس قياسا فاسدا فأخطأ قبحه الله في قياسه في دعواه أن ~~النار أشرف من الطين، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم، والنار من ~~شأنها الإحراق والطيش، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح ~~والنار محل العذاب ms0451 ولهذا خان إبليس عنصره فأورثه الهلاك والشقاء والدمار ~~قال ابن سيرين: أول من قاس إبليس فأخطأ فمن قاس الدين برأيه قرنه الله ~~مع إبليس { قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر ~~فيها } أي اهبط من الجنة فما يصح ولا يستقيم ولا ينبغي أن تستكبر عن ~~طاعتي وأمري وتسكن دار قدسي { فاخرج إنك من الصاغرين } أي ~~الذليلين الحقيرين قال الزمخشري: وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبسه الله ~~الذل والصغار فمن تواضع لله رفعه ومن تكبر على الله وضعه { قال ~~أنظرني إلى يوم يبعثون } استدرك اللعين فطلب من الله ~~الإمهال إلى يوم البعث لينجو من الموت لأن يوم البعث لا موت بعده ~~فأجابه تعالى بقوله { قال إنك من المنظرين } قال ابن عباس: ~~أنظره إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم وكان طلب الإنظار إلى ~~النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين فأبى الله ذلك عليه ويؤيده ~~الآية الأخرى # قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم # [الحجر: 37 - 38] { قال فبمآ أغويتني لأقعدن لهم ~~صراطك المستقيم } أي فبسبب إغوائك وإضلالك لي لأقعدن لآدم ~~وذريته على طريق الحق وسبيل النجاة الموصل للجنة كما يقعد القطاع ~~للسابلة { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم } أي آتي عبادك من ~~كل جهة من الجهات الأربع لأصدهم عن دينك قال الطبري: معناه لآتينهم من ~~جميع وجوه الحق والباطل، فأصدهم عن الحق وأحسن لهم الباطل قال ابن عباس: ~~ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم لئلا يحول بين العبد وبين رحمة الله تعالى { ~~ولا تجد أكثرهم شاكرين } أي مؤمنين مطيعين شاكرين لنعمك { ~~قال اخرج منها مذءوما مدحورا } أي اخرج من الجنة ~~مذموما معيبا مطرودا من رحمتي { لمن تبعك منهم لأملأن ~~جهنم منكم أجمعين } اللام موطئة للقسم أي لمن أطاعك من ~~الإنس والجن لأملأن جهنم من الأتباع الغاوين أجمعين، وهو وعيد بالعذاب ~~لكل من انقاد للشيطان وترك أمر الرحمن { ويآءادم اسكن أنت ~~وزوجك الجنة } أي وقلنا يا آدم اسكن مع زوجك حواء الجنة بعد أن ~~أهبط ms0452 منها إبليس وأخرج وطرد { فكلا من حيث شئتما } أي كلا ~~من ثمارها من أي مكان شئتما { ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين } أباح لهما الأكل من جميع ثمارها إلا ~~شجرة واحدة عينها لهما ونهاهما عن الأكل منها ابتلاء وامتحانا فعند ~~ذلك حسدهما الشيطان وسعى في الوسوسة والمكر والخديعة { فوسوس ~~لهما الشيطان } أي ألقى لهما بصوت خفي لإغرائهما بالأكل من ~~الشجرة { ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما } ~~أي ليظهر لهما ما كان مستورا من العورات التي يقبح كشفها { وقال ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين } وهذا توضيح لوسوسة اللعين ~~أي قال في وسوسته لهما: ما نهاكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا ~~كراهية أن تكونا ملكين أو تصبحا من المخلدين في الجنة { ~~وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين } أي حلف لهما بالله ~~على ذلك حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله قال الألوسي: وإنما عبر ~~بصيغة المفاعلة للمبالغة لأن من يباري أحدا في فعل يجد فيه { ~~فدلاهما بغرور } أي خدعهما بما غرهما به من القسم بالله قال ~~ابن عباس: غرهما باليمين وكان آدم يظن أنه لا يحلف أحد بالله كاذبا ~~فغرهما بوسوسته وقسمه لهما { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما ~~سوءاتهما } أي فلما أكلا من الشجرة ظهرت عوراتهما قال الكلبي: ~~تهافت عنهما لباسهما فأبصر كل منهما عورة صاحبه فاستحيا { وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي أخذا وشرعا يلصقان ~~ورقة على ورقة ليستترا به بعد أن كانت كسوتهما من حلل الجنة قال القرطبي: ~~أي جعلا يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به ومنه خصف النعل وعن وهب ابن ~~منبه قال: كان لباس آدم وحواء نورا على فروجهما لا يرى هذا عورة هذه، ~~ولا هذه عورة هذا فلما أصابا الخطيئة بدت لهما سوآتهما { وناداهما ~~ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل ~~لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين } أي ناداهما الله ~~بطريق العتاب والتوبيخ قائلا: ألم أحذركما من الأكل من هذه الشجرة ~~وأخبركما بعداوة الشيطان اللعين؟ روى ms0453 أنه تعالى قال لآدم: ألم يكن لك ~~فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى وعزتك ولكن ~~ما ظننت أن أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا قال: فوعزتي لأهبطنك إلى ~~الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا { قالا ربنا ظلمنآ ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين } اعترفا بالخطيئة وتابا من الذنب وطلبا من الله المغفرة ~~والرحمة قال الطبري: وهذه الآية هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه { ~~قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو } الخطاب لآدم وحواء ~~وإبليس ولهذا جاء بصيغة الجمع أي اهبطوا من سماء القدس إلى الأرض حال ~~كون بعضكم عدوا لبعض، فالشيطان عدو للإنسان، والإنسان عدو للشيطان ~~كقوله # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا # [فاطر: 6] { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ~~} أي لكم في الأرض موضع استقرار وتمتع وانتفاع إلى حين انقضاء آجالكم { ~~قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } أي ~~في الأرض تعيشون وفيها تقبرون ومنها تخرجون للجزاء كقوله # منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى # [طه: 55] ثم ذكر تعالى ما امتن به على ذرية آدم من اللباس والرياش ~~والمتاع فقال { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يواري سوءاتكم وريشا } أي أنزلنا عليكم لباسين: لباسا يستر ~~عوراتكم، ولباسا يزينكم وتتجملون به قال الزمخشري: الريش لباس الزينة ~~استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته { ولباس التقوى ذلك ~~خير } أي ولباس الورع والخشية من الله تعالى خير ما يتزين به المرء ~~فإن طهارة الباطن أهم من جمال الظاهر قال الشاعر: # وخير لباس المرء طاعة ربه # ولا خير فيمن كان لله عاصيا # { ذلك من آيات الله } أي إنزال اللباس من الآيات العظيمة ~~الدالة على فضل الله ورحمته على عباده { لعلهم يذكرون } أي ~~لعلهم يذكرون هذه النعم فيشكرون الله عليها { يابني ءادم لا ~~يفتننكم الشيطان } أي لا يغوينكم الشيطان بإضلاله وفتنته { ~~كمآ أخرج أبويكم من الجنة } أي كما أغوى أبويكم ~~بالأكل من الشجرة حتى أخرجهما من الجنة { ينزع عنهما لباسهما ~~ليريهما سوءاتهمآ } أي ينزع ms0454 عنهما اللباس لتظهر العورات، ~~ونسب النزع إليه لأنه المتسبب، وهذا هدف اللعين أن يهتك الستر عن ~~الإنسان ويعريه من جميع الفضائل الحسية والمعنوية { إنه يراكم ~~هو وقبيله من حيث لا ترونهم } أي إن الشيطان يبصركم ~~هو وجنوده من الجهة التي لا تبصرونه منها، فهو لكم بالمرصاد فاحذروا كيده ~~ومكره لأن العدو إذا أتى من حيث لا يرى كان أشد وأخوف { إنا ~~جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون } أي ~~جعلنا الشياطين أعوانا وقرناء للكافرين { وإذا فعلوا فاحشة } ~~أي وإذا فعل المشركون فاحشة وهي الفعلة المتناهية في القبح كالطواف حول ~~البيت عراة { قالوا وجدنا عليهآ آباءنا } أي اعتذروا عن ~~ذلك الفعل القبيح بتقليد الآباء { والله أمرنا بها } أي أمرنا ~~بالتجرد من الثياب إذ كيف نطوف في ثياب عصينا فيها الله! وهذا افتراء ~~على ذي الجلال قال البيضاوي: احتجوا بأمرين: تقليد الآباء، والافتراء على ~~الله سبحانه، فأعرض عن الأول لظهور فساده، ورد الثاني بقوله { قل ~~إن الله لا يأمر بالفحشآء } أي قل لهم يا محمد: الله ~~منزه عن النقص لا يأمر عباده بقبائح الأفعال ومساوئ الخصال { ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون } الاستفهام للإنكار ~~والتوبيخ أي أتكذبون على الله وتنسبون إليه القبيح دون علم ونظر صحيح؟ ~~{ قل أمر ربي بالقسط } أي بالعدل والاستقامة { وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد } أي توجهوا بكليتكم إليه عند كل سجود ~~{ وادعوه مخلصين له الدين } أي واعبدوه مخلصين له العبادة ~~والطاعة قال ابن كثير: أي أمركم بالاستقامة في عبادته وهي متابعة ~~المرسلين المؤيدين بالمعجزات وبالإخلاص لله في العبادة فإن الله تعالى ~~لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، ~~وأن يكون خالصا من الشرك { كما بدأكم تعودون } أي كما بدأكم ~~من الأرض تعودون إليها { فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة } أي هدى فريقا منكم وأضل فريقا منكم وهو الفعال لما ~~يريد لا يسأل عما يفعل { إنهم اتخذوا الشياطين ~~أوليآء من دون الله } هذا تعليل للفريق الذين حقت عليهم ~~الضلالة أي اتخذوا الشياطين نصراء من دون ms0455 الله { ويحسبون أنهم ~~مهتدون } أي يظنون أنهم على بصيرة وهداية. # البلاغة: 1- { حرج منه } أي ضيق من تبليغه فهو على حذف مضاف ~~مثل # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # 2- { من ربكم } التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة لضمير ~~المخاطبين لمزيد اللطف بهم وترغيبهم في امتثال الأوامر. # 3- { فمن ثقلت موازينه } بين { ثقلت } و { خفت } ~~طباق وكذلك بين { بياتا } و { قآئلون } لأن البيات معناه ليلا و ~~{ قآئلون } معناه نهارا وقت الظهيرة. # 4- { خلقناكم ثم صورناكم } هو على حذف مضاف أي خلقنا ~~أباكم وصورنا أباكم. # 5- { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } استعار الصراط ~~المستقيم لطريق الهداية الموصل إلى جنان النعيم. # 6- { ويآءادم } فيه إيجاز بالحذف أي وقلنا يا آدم. # 7- { ولا تقربا هذه الشجرة } عبر عن الأكل بالقرب ~~مبالغة في النهي عن الأكل منها. # 8- { وقاسمهمآ إني لكما } أكد الخبر بالقسم وبإن واللام ~~لدفع شبهة الكذب وهو من الضرب الذي يسمى " إنكاريا " لأن السامع متردد. # 9- { فيها تحيون وفيها تموتون } بين الجملتين طباق وهو ~~من المحسنات البديعية. # تنبيه: سميت العورة سوأة لأن كشفها يسوء صاحبها قال العلماء: في الآية ~~دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور وأنه مستهجن في الطباع ولذلك ~~سميت سوأة أقول: إن الآية قد أوضحت هدف إبليس اللعين { ينزع ~~عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهمآ } فمن دعا إلى تعري ~~المرأة وشجع على ذلك كما هو حال من يزعم التقدمية ويدعو المرأة الى نزع ~~الحجاب بدعوى الحرية والمساواة فإنما هو عدو للمرأة ومن أنصار وأعوان ~~إبليس لأن الهدف واحد، وهي دعوة مكشوفة غايتها التفسخ والانحلال الخلقي، ~~وليست التقدمية بالتكشف والتعري وإنما هي بصيانة الشرف والعفاف ولله در ~~القائل: # يا ابنتي إن أردت آية حسن # وجمالا يزين جسما وعقلا # فانبذي عادة التبرج نبذا # فجمال النفوس أسمى وأعلى # يصنع الصانعون وردا ولكن # وردة الروض لا تضارع شكلا ### || [7.31-51] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصة آدم عليه السلام، وذكر ما امتن به على ~~بنيه وما أنعم به عليهم من اللباس الذي يستر العورات، أمر هنا بأخذ ~~الزينة والتجمل في المناسبات وعند إرادة الصلاة، ثم ذكر أحوال الآخرة ~~وانقسام ms0456 الناس إلى طوائف: " أهل الجنة، وأهل النار، وأهل الأعراف " ومآل ~~كل فريق من سعادة أو شقاء في دار العدل والجزاء. # اللغة: { زينتكم } الزينة: ما يتزين به المرء ويتجمل من ثياب ~~وغيرها { الفواحش } جمع فاحشة وهي ما تناهى قبحه من المعاصي { ~~البغي } الظلم والاستطالة على الناس { سلطانا } حجة وبرهانا { ~~سم الخياط } ثقب الإبرة { مهاد } فراش يمتهده الإنسان { ~~غواش } أغطية جمع غاشية قال ابن عباس: هي اللحف { الأعراف } السور ~~المضروب بين الجنة والنار جمع عرف مستعار من عرف الديك { بسيماهم } ~~بعلامتهم. # سبب النزول: عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة ~~وتقول: من يعيرني تطوافا تجعله على فرجها وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله # فما بدا منه فلا أحله # فنزلت هذه الآية { يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد } وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا يطوف بالبيت ~~عريان. # التفسير: { يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد } أي البسوا أفخر ثيابكم وأطهرها عند كل صلاة أو طواف { ~~وكلوا واشربوا ولا تسرفوا } أي لا تسرفوا في الزينة ~~والأكل والشرب بما يضر بالنفس والمال { إنه لا يحب ~~المسرفين } أي المتعدين حدود الله فيما أحل وحرم { قل من ~~حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات ~~من الرزق } أي قل يا محمد لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يطوفون ~~بالبيت عراة ويحرمون على أنفسهم ما أحللت لهم من الطيبات، من حرم عليكم ~~التجمل بالثياب التي خلقها الله لنفعكم من النبات، والمستلذات من المآكل ~~والمشارب! والاستفهام للإنكار والتوبيخ { قل هي للذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة } أي هذه ~~الزينة والطيبات في الدنيا مخلوقة للمؤمنين وإن شاركهم فيها الكفار، ~~وستكون خالصة لهم يوم القيامة لا يشركهم فيها أحد لأن الله حرم الجنة على ~~الكافرين { كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } أي نبين ~~ونوضح الآيات التشريعية لقوم يتدبرون حكمة الله ويفقهون تشريعه { قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~} أي قل لهم يا محمد ما حرم الله إلا القبائح من الأشياء التي تفاحش ms0457 ~~قبحها وتناهى ضررها، سواء ما كان منها في السر أو في العلن { والإثم ~~والبغي بغير الحق } أي وحرم المعاصي كلها والعدوان على ~~الناس { وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~} أي تجعلوا له شركاء في عبادته بدون حجة أو برهان { وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون } أي تفتروا على الله الكذب في ~~التحليل والتحريم { ولكل أمة أجل } أي لكل أمة كذبت رسلها ~~مدة مضروبة لهلاكها قال في البحر: هذا وعيد للمشركين بالعذاب إذا خالفوا ~~أمر ربهم { فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون } أي فإذا جاء وقت هلاكهم المقدر لهم لا يتأخر عنهم ~~برهة من الزمن ولا يتقدم كقوله # وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا ~~لمهلكهم موعدا # [الكهف: 59] والساعة مثل في غاية القلة من الزمان { يابني ءادم ~~إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي } ~~المراد ببني آدم جميع الأمم والمعنى إن يجئكم رسلي الذين أرسلتهم إليكم ~~يبينون لكم الأحكام والشرائع { فمن اتقى وأصلح فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } أي فمن اتقى منكم ربه بفعل الطاعات ~~وترك المحرمات فلا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون { والذين ~~كذبوا بآياتنا واستكبروا عنهآ أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون } أي وأما من كذب واستكبر عن الإيمان ~~بما جاء به الرسل فأولئك في نار جهنم ماكثون لا يخرجون منها أبدا { ~~فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته } الاستفهام للإنكار أي من أقبح وأشنع ممن تعمد الكذب على ~~الله أو كذب بآياته المنزلة؟ { أولئك ينالهم نصيبهم ~~من الكتاب } أي يصيبهم حظهم في الدنيا مما كتب لهم وقدر من ~~الأرزاق والآجال قال مجاهد: ما وعدوا به من خير أو شر { حتى إذا ~~جآءتهم رسلنا يتوفونهم } أي جاءت ملائكة الموت تقبض ~~أرواحهم { قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله } ~~أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله أدعوهم ليخلصوكم من ~~العذاب، والسؤال للتبكيت والتوبيخ { قالوا ضلوا عنا } أي قال ~~الأشقياء المكذبون لقد غابوا عنا فلا نرجوا نفعهم ولا ms0458 خيرهم { ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } أي ~~أقروا واعترفوا على أنفسهم بالكفر والضلال، وإنما قالوا ذلك على سبيل ~~التحسر والاعتراف بما هم عليه من الخيبة والخسران { قال ادخلوا ~~في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في ~~النار } أي يقول الله تعالى يوم القيامة لهؤلاء المكذبين بآياته: ~~ادخلوا مع أمم أمثالكم من الفجرة في نار جهنم من كفار الأمم الماضية من ~~الإنس والجن { كلما دخلت أمة لعنت أختها } أي كلما ~~دخلت طائفة النار لعنت التي قبلها لضلالها بها قال الألوسي: يلعن الأتباع ~~القادة يقولون: أنتم أوردتمونا هذه الموارد فلعنكم الله تعالى، والمراد ~~أن أهل النار يلعن بعضهم بعضا كقوله تعالى # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25] { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } أي ~~تلاحقوا واجتمعوا في النار كلهم { قالت أخراهم لأولاهم ~~ربنا هؤلاء أضلونا } أي قال الأتباع للقادة والرؤساء ~~الذين أضلوهم يا ربنا هؤلاء هم الذين أضلونا عن سبيلك وزينوا لنا طاعة ~~الشيطان { فآتهم عذابا ضعفا من النار } أي أذقهم العذاب ~~مضاعفا لأنهم تسببوا في كفرنا ونظير هذه الآية # ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا ~~السبيلا * ربنآ آتهم ضعفين من العذاب # [الأحزاب: 67 - 68] { قال لكل ضعف } أي لكل من القادة ~~والأتباع عذاب مضاعف أما القادة فلضلالهم وإضلالهم، وأما الأتباع فلكفرهم ~~وتقليدهم { ولكن لا تعلمون } أي لا تعلمون هوله ولهذا تسألون ~~لهم مضاعفة العذاب { وقالت أولاهم لأخراهم فما كان ~~لكم علينا من فضل } أي قال القادة للأتباع: لا فضل لكم علينا ~~في تخفيف العذاب فنحن متساوون في الضلال وفي استحقاق العذاب الأليم { ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } أي فذوقوا عذاب جهنم ~~بسبب إجرامكم، قالوه لهم على سبيل التشفي لأنهم دعوا عليهم بمضاعفة ~~العذاب { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا ~~عنها } أي كذبوا بإياتنا مع وضوحها واستكبروا عن الإيمان بها والعلم ~~بمقتضاها { لا تفتح لهم أبواب السمآء } أي لا يصعد لهم ~~عمل صالح كقوله تعالى # إليه يصعد الكلم الطيب # [فاطر: 10] قال ابن عباس: لا يرفع لهم منها عمل ms0459 صالح ولا دعاء، وقيل: لا ~~تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا قبضت أرواحهم ويؤيده حديث # " إن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا يجيئه ملك الموت حتى ~~يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب، ~~ويخرج منها كأنتن ريح جيفة فلا يمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما ~~هذه الروح الخبيثة؟ حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فلا يفتح ~~له.. " # الحديث { ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في ~~سم الخياط } أي لا يدخلون يوم القيامة الجنة حتى يدخل الجمل في ~~ثقب الإبرة، وهذا تمثيل لاستحالة دخول الكفار الجنة كاستحالة دخول الجمل ~~على ضخامته في ثقب الإبرة على دقته مبالغة في التصوير { وكذلك ~~نجزي المجرمين } أي ومثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي أهل العصيان ~~والإجرام { لهم من جهنم مهاد } أي لهم فراش من النار من ~~تحتهم { ومن فوقهم غواش } أي ومن فوقهم أغطية من النار { ~~وكذلك نجزي الظالمين } أي ومثل ذلك الجزاء الشديد نجزي كل ~~من ظلم وتعدى حدود الله، ولما ذكر تعالى وعيد الكافرين وما أعده لهم في ~~الآخرة أتبعه بذكر وعد المؤمنين وما أعد لهم فقال { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } أي والذين صدقوا الله ورسوله ~~وعملوا بما أمرهم به وأطاعوه { لا نكلف نفسا إلا وسعها } ~~أي لا نكلف أحدا بما هو فوق طاقته أو بما يعجز عنه بل بما هو في وسعه ~~والجملة اعتراضية بين المبتدأ والخبر قال في البحر: وفائدته التنبيه على ~~أن ذلك العمل في وسعهم وغير خارج عن قدرتهم وفيه تنبيه للكفار على أن ~~الجنة مع عظم ما فيها يوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة { ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } هذا هو ~~الخبر أي هؤلاء المؤمنون السعداء هم المستحقون للخلود الأبدي في جنات ~~النعيم لا يخرجون منها أبدا { ونزعنا ما في صدورهم من ~~غل } أي طهرنا قلوبهم من الحسد والبغضاء حتى لا يكون بينهم إلا المحبة ~~والتعاطف كما ورد في الحديث # " يدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على ms0460 بعض غل " # وصيغة الماضي تفيد التحقق والتثبت { تجري من تحتهم الأنهار ~~} أي تجري أنهار الجنة من تحت قصورهم زيادة في نعيمهم { وقالوا ~~الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي ~~لولا أن هدانا الله } أي وفقنا لتحصيل هذا النعيم العظيم ~~ولولا هداية الله تعالى وتوفيقه لما وصلنا إلى هذه السعادة { لقد ~~جآءت رسل ربنا بالحق } أي والله لقد صدقنا الرسل فيما ~~أخبرونا به عن الله عز وجل { ونودوا أن تلكم الجنة ~~أورثتموها بما كنتم تعملون } أي وتناديهم الملائكة أن ~~هذه هي الجنة التي أعطيتموها بسبب أعمالكم الصالحة فى الدنيا قال ~~القرطبي: ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله وفي ~~الحديث # " لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة.. " # الحديث { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد ~~وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ~~ربكم حقا قالوا نعم } هذا النداء إنما يكون بعد استقرار ~~أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وعبر بالماضي عن المستقبل ~~لتحقق وقوعه أي ينادي أهل الجنة أهل النار يقولون: إنا قد وجدنا ما ~~وعدنا ربنا على ألسنة رسله من النعيم والكرامة حقا، فهل وجدتم ما وعدكم ~~ربكم من الخزي والهوان والعذاب حقا؟ قال أهل النار مجيبين: نعم وجدناه ~~حقا قال الزمخشري: وإنما قالوا لهم ذلك اغتباطا بحالهم، وشماتة بأهل ~~النار، وزيادة في غمهم لمجرد الإخبار والاستخبار { فأذن مؤذن ~~بينهم أن لعنة الله على الظالمين } أي أعلن معلن ~~ونادى مناد بين الفريقين بأن لعنة الله على كل ظالم بالله ثم وصفه بقوله ~~{ الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا } أي ~~الذين كانوا في الدنيا يمنعون الناس عن اتباع دين الله ويبغون أن تكون ~~السبيل معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها أحد { وهم بالآخرة ~~كافرون } أي وهم بلقاء الله في الدار الآخرة مكذبون جاحدون { ~~وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا ~~بسيماهم } أي بين الفريقين حجاب وهو السور الذي ذكره بقوله # فضرب بينهم بسور له باب # [الحديد: 13] يمنع من وصول أهل النار للجنة، وعلى هذا السور ms0461 رجال يعرفون ~~كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم أي بعلامتهم التي ميزهم الله بها ~~قال قتادة: يعرفون أهل النار بسواد وجوههم وأهل الجنة ببياض وجوههم { ~~ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم } أي ونادى ~~أصحاب الأعراف أهل الجنة حين رأوهم أن سلام عليكم أي قالوا لهم: سلام ~~عليكم قال تعالى { لم يدخلوها وهم يطمعون } أي لم يدخل ~~أصحاب الأعراف الجنة وهم يطمعون في دخولها { وإذا صرفت ~~أبصارهم تلقآء أصحاب النار قالوا ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين } قال المفسرون: أصحاب الأعراف ~~قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فليسوا من أهل الجنة ولا من أهل النار، ~~يحبسون هناك على السور حتى يقضي الله فيهم فإذا نظروا إلى أهل الجنة ~~سلموا عليهم، وإذا نظروا إلى أهل النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين، سألوا الله ألا يجعلهم معهم قال أبو حيان: وفي التعبير بقوله ~~{ صرفت } دليل على أن أكثر أحوالهم النظر إلى أهل الجنة وأن نظرهم ~~إلى أصحاب النار ليس من قبلهم بل هم محمولون عليه والمعنى أنهم إذا ~~حملوا على صرف أبصارهم ورأوا ما عليه أهل النار من العذاب استغاثوا ~~بربهم من أن يجعلهم معهم { ونادى أصحاب الأعراف رجالا ~~يعرفونهم بسيماهم } أي من أهل النار وهم رؤساء الكفرة { ~~قالوا مآ أغنى عنكم جمعكم وما كنتم ~~تستكبرون } أي أي شيء نفعكم جمعكم للمال واستكباركم عن ~~الإيمان؟ والاستفهام للتوبيخ { أهؤلاء الذين أقسمتم ~~لا ينالهم الله برحمة } أي أهولاء المؤمنون الضعفاء الذين ~~كنتم في الدنيا تسخرون منهم وتحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة، والاستفهام ~~استفهام تقرير وتوبيخ وشماتة يوبخونهم بذلك { ادخلوا الجنة لا ~~خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } أي يقولون للمؤمنين ~~ادخلوا الجنة رغم أنوف الكافرين قال الألوسي: هذا من كلام أصحاب الأعراف ~~يقولون لأهل الجنة المشار إليهم: دوموا في الجنة غير خائفين ولا محزونين ~~على أكمل سرور وأتم كرامة { ونادى أصحاب النار أصحاب ~~الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما ~~رزقكم الله } يخبر تعالى عن المحاورة بين أهل النار وأهل الجنة ~~بعد أن ms0462 استقر بكل من الفريقين القرار واطمأنت به الدار، وعن استغاثتهم ~~بهم عند نزول عظيم البلاء من شدة العطش والجوع والمعنى ينادونهم يوم ~~القيامة أغيثونا بشيء من الماء لنسكن به حرارة النار والعطش أو مما رزقكم ~~الله من غيره من الأشربة فقد قتلنا العطش { قالوا إن الله ~~حرمهما على الكافرين } أي منع الكافرين شراب الجنة وطعامها ~~قال ابن عباس: ينادي الرجل أخاه وأباه فيقول: قد احترقت فأفض علي من ~~الماء! فيقال لهم أجيبوهم فيقولون: إن الله حرمهما على الكافرين، ثم وصف ~~تعالى الكافرين بقوله { الذين اتخذوا دينهم لهوا ~~ولعبا } أي هزءوا من دين الله وجعلوا الدين سخرية ولعبا { ~~وغرتهم الحياة الدنيا } أي خدعتهم بزخارفها العاجلة ~~وشهواتها القاتلة وهذا شأنها مع أهلها تغر وتضر، وتخدع ثم تصرع { ~~فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هذا } أي ~~ففي هذا اليوم نتركهم في العذاب كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا فلم ~~يخطر ببالهم ولم يهتموا به قال الألوسي: الكلام خارج مخرج التمثيل أي ~~نتركهم في النار وننساهم مثل نسيانهم لقاء هذا اليوم العظيم الذي ينبغي ~~ألا ينسى وقال ابن كثير: أي يعاملهم معاملة من نسيهم لأنه تعالى لا يشذ ~~عن علمه شيء ولا ينساه { وما كانوا بآياتنا يجحدون } أي ~~وكما كانوا منكرين لآيات الله في الدنيا، يكذبون بها ويستهزءون، ننساهم ~~في العذاب. # البلاغة: 1- { عند كل مسجد } مجاز مرسل علاقته المحلية لأن ~~المراد بالمسجد هنا الصلاة والطواف، ولما كان المسجد مكان الصلاة أطلق ~~ذلك عليه. # 2- { لا تفتح لهم أبواب السمآء } كناية عن عدم قبول ~~العمل، فلا يقبل لهم دعاء أو عمل. # 3- { حتى يلج الجمل في سم الخياط } فيه تشبيه ضمني ~~أي لا يدخلون الجنة بحال من الأحوال إلا إذا أمكن دخول الجمل في ثقب ~~الإبرة، وهو تمثيل للاستحالة. # 4- { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } قال ~~صاحب البحر: هذه استعارة لما يحيط بهم من النار من كل جانب كقوله # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # [الزمر: 16]. # 5- { ما ظهر منها وما بطن } بين " ظهر ms0463 " و " بطن " طباق ~~وهو من المحسنات البديعية. # فائدة: يروى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال ذلك الطبيب ~~لأحد العلماء: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان: علم الأبدان ~~وعلم الأديان فقال له العالم: قد جمع الله تعالى الطب كله في نصف آية ~~من كتابه قال وما هي؟ قال قوله تعالى { وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا } فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب فقال ~~العالم: قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ يسيرة قال وما هي؟ قال قوله # " ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه " # الحديث فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. ### || [7.52-72] # المناسبة: لما ذكر تعالى حال الكفار الأشقياء وخسارتهم الفادحة في ~~الآخرة، ذكر هنا أنه لا حجة لأحد فقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لهداية ~~البشرية، ثم ذكر قصص بعض الأنبياء فبدأ بنوح عليه السلام شيخ الأنبياء ثم ~~أعقبه بذكر هود عليه السلام وموقف المشركين من دعوة الرسل الكرام. # اللغة: { تأويله } عاقبة أمره وما يئول إليه من آل يئول إذا صار ~~إليه { استوى } الاستواء: العلو والاستقرار قال الجوهري: استوى على ~~ظهر الدابة استقر، واستوى إلى السماء قصد، واستوى الشيء إذا اعتدل { ~~يغشي } يغطي { حثيثا } سريعا والحث: الإعجال والسرعة { ~~تبارك } تفاعل من البركة وهي الكثرة والاتساع قال الأزهري: تبارك أي ~~تعالى وتعاظم وارتفع { تضرعا } تذللا واستكانة وهو إظهار الذل الذي ~~في النفس مع الخشوع { وخفية } سرا { بشرا } مبشرة بالمطر { ~~أقلت } حملت { نكدا } العسر القليل # آلاء # [النجم: 55] الآلاء النعم واحدها " لى " كمعى. # التفسير: { ولقد جئناهم بكتاب } أي ولقد جئنا أهل مكة ~~بكتاب هو القرآن العظيم { فصلناه على علم } أي بينا معانيه ~~ووضحنا أحكامه على علم منا حتى جاء قيما غير ذي عوج { هدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون } أي هداية ورحمة وسعادة لمن آمن به { هل ~~ينظرون إلا تأويله } أي ما ينتظر أهل مكة إلا عاقبة ما ~~وعدوا به من العذاب والنكال قال قتادة: تأويله عاقبته { يوم يأتي ~~تأويله ms0464 } هو يوم القيامة { يقول الذين نسوه من قبل } ~~أي يقول الذين ضيعوا وتركوا العمل به في الدنيا { قد جآءت رسل ~~ربنا بالحق } أي جاءتنا الرسل بالأخبار الصادقة وتحقق لنا صدقهم ~~فلم نؤمن بهم ولم نتبعهم قال الطبري: أقسم المساكين حين حل بهم العقاب ~~أن رسل الله قد بلغتهم الرسالة ونصحت لهم وصدقتهم حين لا ينفعهم ولا ~~ينجيهم من سخط الله كثرة القيل والقال { فهل لنا من شفعآء ~~فيشفعوا لنآ } أي هل لنا اليوم شفيع يخلصنا من هذا العذاب؟ ~~استفهام فيه معنى التمني { أو نرد فنعمل غير الذي ~~كنا نعمل } أو هل لنا من عودة إلى الدنيا لنعمل صالحا غير ما كنا ~~نعمله من المعاصي وقبيح الأعمال؟ قال تعالى ردا عليهم { قد ~~خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } ~~أي خسروا أنفسهم حيث ابتاعوا الخسيس الفاني من الدنيا بالنفيس الباقي من ~~الآخرة، وبطل عنهم ما كانوا يزعمونه من شفاعة الآلهة والأصنام، ثم ذكر ~~تعالى دلائل القدرة والوحدانية فقال { إن ربكم الله الذي ~~خلق السموت والأرض في ستة أيام } أي إن معبودكم ~~وخالقكم الذي تعبدونه هو المنفرد بقدرة الإيجاد الذي خلق السماوات ~~والأرض في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا قال القرطبي: لو أراد لخلقها في ~~لحظة ولكنه أراد أن يعلم العباد التثبت في الأمور { ثم استوى ~~على العرش } أي استواء يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا ~~تعطيل ولا تحريف كما هو مذهب السلف وكما قال الإمام مالك رحمه الله: ~~الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ~~وقال الإمام أحمد رحمه الله: أخبار الصفات تمر كما جاءت بلا تشبيه ~~ولا تعطيل فلا يقال: كيف؟ ولم؟ نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء، وكما ~~شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحدها حاد، نقرأ الآية والخبر ~~ونؤمن بما فيهما ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله عز وجل وقال ~~القرطبي: لم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وإنما ~~جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا ms0465 تعلم حقيقته { يغشي اليل ~~النهار يطلبه حثيثا } أي يغطي الليل على النهار فيذهب بضوئه ~~ويطلبه سريعا حتى يدركه { والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره } أي الجميع تحت قهره ومشيئته وتسخيره { ألا ~~له الخلق والأمر } أي له الملك والتصرف التام في الكائنات { ~~تبارك الله رب العالمين } أي تعظم وتمجد الخالق المبدع ~~رب العالمين { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } أي أدعو الله ~~تذللا وسرا بخشوع وخضوع { إنه لا يحب المعتدين } أي لا ~~يحب المعتدين في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت وفي الحديث # " إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا " # { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } أي لا تفسدوا ~~في الأرض بالشرك والمعاصي بعد أن أصلحها الله ببعثة المرسلين { ~~وادعوه خوفا وطمعا } أي خوفا من عذابه وطمعا في رحمته { ~~إن رحمت الله قريب من المحسنين } أي رحمته تعالى ~~قريبة من المطيعين الذين يمتثلون أوامره ويتركون زواجره { وهو الذي ~~يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } أي يرسل الرياح ~~مبشرة بالمطر قال في البحر: ومعنى بين يدي رحمته أي أمام نعمته وهو المطر ~~الذي هو من أجل النعم وأحسنها أثرا على الإنسان { حتى إذآ ~~أقلت سحابا ثقالا } أي حتى إذا حملت الرياح سحابا مثقلا ~~بالماء { سقناه لبلد ميت } أي سقنا السحاب إلى أرض ميتة ~~مجدبة لا نبات فيها { فأنزلنا به المآء فأخرجنا به ~~من كل الثمرات } أي أنزلنا في ذلك البلد الميت الماء فأخرجنا ~~بذلك الماء من كل أنواع الثمرات { كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون } أي مثل هذا الإخراج نخرج الموتى من قبورهم ~~لعلكم تعتبرون وتؤمنون قال ابن كثير: وهذا المعنى كثير في القرآن يضرب ~~الله المثل ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها ولهذا قال لعلكم تذكرون ~~{ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } أي ~~الأرض الكريمة التربة يخرج النبات فيها وافيا حسنا غزير النفع ~~بمشيئة الله وتيسيره، وهذا مثل للمؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها { ~~والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } أي والأرض إذا كانت ~~خبيثة التربة كالحرة أو السبخة لا يخرج النبات فيها إلا بعسر ومشقة ~~وقليلا لا خير ms0466 فيه، وهذا مثل للكافر الذي لا ينتفع بالموعظة قال ابن ~~عباس: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالمؤمن طيب وعمله طيب كالأرض ~~الطيبة ثمرها طيب، والكافر خبيث وعمله خبيث كالأرض السبخة المالحة لا ~~ينتفع بها { كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون } أي كما ~~ضربنا هذا المثل كذلك نبين وجوه الحجج ونكررها آية بعد آية، وحجة بعد ~~حجة لقوم يشكرون الله على نعمه، وإنما خص الشاكرين بالذكر لأنهم ~~المنتفعون بسماع القرآن قال الألوسي: أي مثل هذا التصريف البديع نردد ~~الآيات الدالة على القدرة الباهرة ونكررها لقوم يشكرون نعم الله تعالى، ~~وشكرها بالتفكر والاعتبار بها { لقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه } اللام جواب قسم محذوف أي والله لقد أرسلنا نوحا، ونوح شيخ ~~الأنبياء لأنه أطولهم عمرا وهو أول نبي بعثه الله بعد إدريس، ولم يلق ~~نبي من الأذى مثل نوح { فقال ياقوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره } أي وحدوا الله ولا تشركوا به فما لكم ~~إله مستحق للعبادة غيره { إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم } أي إن أشركتم به ولم تؤمنوا فأنا أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ~~هو يوم القيامة { قال الملأ من قومه إنا لنراك في ~~ضلال مبين } أي قال الأشراف والسادة من قومه إنا لنراك يا نوح في ~~ذهاب عن طريق الحق والصواب واضح جلي قال أبو حيان: ولم يجبه من قومه إلا ~~أشرافهم وسادتهم وهم الذين يتعاصون على الرسل لانغماس عقولهم بالدنيا ~~وطلب الرياسة، وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة { قال ~~ياقوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب ~~العالمين } أي ما أنا بضال ولكن أنا مرسل إليكم من عند ربكم المالك ~~لأموركم الناظر لكم بالمصلحة { أبلغكم رسالات ربي ~~وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } أي أنا ~~أبلغكم ما أرسلني الله به إليكم وأقصد صلاحكم وخيركم وأعلم من الأمور ~~الغيبية أشياء لا علم لكم بها قال ابن كثير: وهذا شأن الرسول أن يكون ~~مبلغا فصيحا ناصحا عالما بالله لا يدركه أحد من خلق الله في ms0467 هذه ~~الصفات { أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على ~~رجل منكم } أي لا تعجبوا من هذا فإن هذا ليس بعجيب أن يوحي الله ~~إلى رجل منكم رحمة بكم ولطفا وإحسانا إليكم { لينذركم ~~ولتتقوا ولعلكم ترحمون } أي ليخوفكم هذا الرسول من ~~العذاب إن لم تؤمنوا ولتتقوا ربكم وتنالكم الرحمة بتقواه { فكذبوه ~~فأنجيناه والذين معه في الفلك } أي كذبوا نوحا مع ~~طول مدة إقامته فيهم فأنجاه الله والمؤمنين معه في السفينة { ~~وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ } أي أهلكنا المكذبين ~~منهم بالغرق { إنهم كانوا قوما عمين } أي عميت قلوبهم عن ~~الحق فهم لا يبصرونه ولا يهتدون له قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة ~~التوحيد والنبوة والمعاد { وإلى عاد أخاهم هودا } أي وأرسلنا ~~إلى قوم عاد أخاهم هودا وكانت مساكنهم بالأحقاف باليمن { قال ~~ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } أي ~~قال لهم رسولهم وحدوا الله فليس لكم إله غيره { أفلا تتقون } أي ~~أفلا تخافون عذابه؟ { قال الملأ الذين كفروا من قومه } ~~أي قال السادة والقادة منهم { إنا لنراك في سفاهة وإنا ~~لنظنك من الكاذبين } أي نراك في خفة حلم وسخافة عقل وإننا ~~لنظنك من الكاذبين في ادعائك الرسالة { قال ياقوم ليس بي ~~سفاهة ولكني رسول من رب العالمين } أي ليس بي كما ~~تزعمون نقص في العقل ولكني مرسل إليكم بالهداية من رب العالمين { ~~أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } أي ~~أبلغكم أوامر الله وأنا ناصح لكم فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لا ~~أكذب فيه قال الزمخشري: وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام ممن نسبهم ~~إلى السفاهة والضلالة - بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم وترك ~~المقابلة - أدب حسن وخلق عظيم، وتعليم للعباد كيف يخاطبون السفهاء ~~ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم { أو عجبتم أن جآءكم ~~ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } أي لا ~~تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولا من أنفسكم لينذركم لقاء الله ويخوفكم ~~عذابه { واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح ~~} أي اذكروا نعمة ms0468 الله حين استخلفكم في الأرض بعد إهلاك قوم نوح { ~~وزادكم في الخلق بصطة } أي زاد في أجسامكم قوة وضخامة { ~~فاذكروا آلآء الله لعلكم تفلحون } أي اذكروا نعم ~~الله عليكم كي تفلحوا وتفوزوا بالسعادة { قالوا أجئتنا ~~لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } أي ~~أجئتنا يا هود تتوعدنا بالعذاب كي نعبد الله وحده ونهجر عبادة الآلهة ~~والأصنام ونتبرأ منها؟ { فأتنا بما تعدنآ إن كنت من ~~الصادقين } أي فأتنا بما تعدنا به من العذاب فلن نؤمن لك إن كنت من ~~الصادقين في قولك { قال قد وقع عليكم من ربكم رجس ~~وغضب } أي قد حل بكم عذاب وغضب من الله { أتجدلونني في ~~أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم ما نزل الله ~~بها من سلطان } أي أتخاصمونني في أصنام لا تضر ولا تنفع ما أنزل ~~الله بعبادتها من حجة أو برهان { فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين } أي فانتظروا نزول العذاب إني من المنتظرين لما يحل ~~بكم وهذا غاية الوعيد والتهديد { فأنجيناه والذين معه ~~برحمة منا } أي أنجينا هودا والذين معه من المؤمنين رحمة منا ~~لهم { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } أي ~~استأصلناهم بالكلية ودمرناهم عن آخرهم { وما كانوا مؤمنين } أي ~~كذبوا ولم يؤمنوا فاستحقوا العذاب قال أبو السعود: أي أصروا على الكفر ~~والتكذيب ولم يرعووا عن ذلك أبدا فأهلكهم الله بالريح العقيم. # البلاغة: 1- { ألا له الخلق والأمر } الآية على قلة ~~ألفاظها جمعت معاني كثيرة استوعبت جميع الأشياء والشئون على وجه ~~الاستقصاء حتى قال ابن عمر: من بقي له شيء فليطلبه وهذا الأسلوب البليغ ~~يسمى " إيجاز قصر " ومداره على جمع الألفاظ القليلة للمعاني الكثيرة. # 2- { سقناه لبلد ميت } وصف البلد بالموت استعارة حسنة ~~لجدبه وعدم نباته كأنه كالجسد الذي لا روح فيه من حيث عدم الانتفاع به. # 3- { كذلك نخرج الموتى } أي مثل إخراج النبات من الأرض نخرج ~~الموتى من قبورهم فهو تشبيه " مرسل مجمل " ذكرت الأداة ولم يذكر وجه ~~الشبه. # 4- { وقطعنا دابر } قطع الدابر كناية لطيفة عن استئصالهم ~~جميعا بالهلاك. # تنبيه: ذكر العلامة الألوسي عند قوله تعالى ms0469 { ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية } عن الحسن البصري أنه قال: لقد كان المسلمون ~~يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم ~~وذلك أنه تعالى يقول { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } وأنه ~~سبحانه ذكر عبدا صالحا فقال # إذ نادى ربه ندآء خفيا # [مريم: 3] ثم قال: وذكروا للدعاء آدابا كثيرة منها: أن يكون على طهارة، ~~وأن يستقبل القبلة، وتخلية القلب من الشواغل، وافتتاحه واختتامه بالصلاة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم ورفع اليدين نحو السماء، وإشراك المؤمنين ~~فيه، وتحري ساعات الإجابة كثلث الليل الأخير، ووقت إفطار الصائم، ويوم ~~الجمعة وغير ذلك. ### || [7.73-93] # المناسبة: لما ذكر تعالى في أول السورة قصة آدم، وما اتصل بها من ~~آثار قدرته، وغرائب صنعته، الدالة على توحيده وربوبيته، وأقام الحجة ~~الدامغة على صحة البعث بعد الموت، أتبع ذلك بقصص الأنبياء وما جرى لهم مع ~~أممهم، فذكر نوحا وهودا وأعقبه هنا بذكر قصة صالح وشعيب، وموقف ~~المعاندين للرسل الكرام. # اللغة: { ناقة } الناقة: الأنثى من الجمال، وعقر الناقة ضرب قوائمها ~~بالسيف { عتوا } استكبروا عتا عتوا أي استكبر والليل العاتي: ~~الشديد الظلمة { جاثمين } لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم كما يجثم ~~الطائر { الرجفة } الطامة التي يرجف لها الإنسان أي يتزعزع ويضطرب ~~وأصل الرجف الاضطراب رجفت الأرض اضطربت { الغابرين } الباقين في ~~عذاب الله، والغابر بمعنى الباقي ويجيء بمعنى الماضي والذاهب ومنه قول ~~الأعشى: في الزمن الغابر فهو من الأضداد كما في الصحاح { يغنوا } ~~يقيموا يقال غنى بالمكان إذا أقام به دهرا طويلا { عفوا } كثروا ~~ونموا من عفا النبات إذا كثر. # التفسير: { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } أي وحدوا الله ~~ولا تشركوا به { قد جآءتكم بينة من ربكم } أي معجزة ~~ظاهرة جلية تدل على صحة نبوتي { هذه ناقة الله لكم آية } ~~هذا بيان للمعجزة أي هذه الناقة معجزتي إليكم وإضافتها إلى الله للتشريف ~~والتعظيم لأنها خلقت بغير واسطة قال القرطبي: أخرج لهم الناقة حين سألوه ~~من حجر صلد { فذروها تأكل في ms0470 أرض الله } أي اتركوها تأكل ~~من رزق ربها { ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب ~~أليم } أي لا تتعرضوا لها بشيء من السوء أصلا إكراما لها لأنها آية ~~الله، والعذاب الأليم هو ما حل بهم حين عقروها { واذكروا إذ ~~جعلكم خلفآء من بعد عاد } أي خلفاء في الأرض قال الشهاب: ~~لم يقل خلفاء عاد إشارة إلى أن بينهما زمانا طويلا { وبوأكم في ~~الأرض تتخذون من سهولها قصورا } أي أسكنكم في أرض ~~الحجر تبنون في سهولها قصورا رفيعة { وتنحتون الجبال ~~بيوتا } أي تنحتون الجبال لسكناكم قال القرطبي: اتخذوا البيوت في ~~الجبال لطول أعمارهم فإن الأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم { ~~فاذكروا آلآء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ~~أي اذكروا نعم الله عليكم واشكروه على ما تفضل به ولا تعيثوا في الأرض ~~فسادا { قال الملأ الذين استكبروا من قومه ~~للذين استضعفوا لمن آمن منهم } أي قال الأشراف ~~المستكبرون من قوم صالح للمؤمنين المستضعفين من أتباع صالح عليه السلام { ~~أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه } أي أن الله ~~أرسله إلينا وإليكم، وهذا قالوه على سبيل السخرية والاستهزاء { ~~قالوا إنا بمآ أرسل به مؤمنون } أي أجابوهم بالأسلوب ~~الحكيم بالإيمان برسالته قال أبو حيان: وعدولهم عن قولهم هو مرسل إلى ~~قولهم { إنا بمآ أرسل به مؤمنون } في غاية الحسن إذ أمر ~~رسالته معلوم واضح مسلم لا يدخله ريب لما أتى به من هذا المعجز الخارق ~~العظيم فلا يحتاج أن يسأل عن رسالته { قال الذين استكبروا ~~إنا بالذي آمنتم به كافرون } أي قال المستكبرون نحن ~~كافرون بما صدقتم به من نبوة صالح وإنما لم يقولوا إنا بما أرسل به ~~كافرون إظهارا لمخالفتهم إياهم وردا لمقالتهم { فعقروا الناقة ~~وعتوا عن أمر ربهم } أي نحروا الناقة واستكبروا عن امتثال ~~أمر الله { وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت ~~من المرسلين } أي جئنا يا صالح بما تعدنا من العذاب الذي تخوفنا ~~به إن كنت يا صالح حقا رسولا، قالوا ذلك استهزاء به وتعجيزا { ~~فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين } ~~أخذتهم ms0471 الزلزلة الشديدة فصاروا في منازلهم هامدين موتى لا حراك بهم قال ~~في البحر: أخذتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء له صوت ~~في الأرض فقطعت قلوبهم وهلكوا { فتولى عنهم وقال ياقوم ~~لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا ~~تحبون الناصحين } أي أدبر عنهم صالح بعد هلاكهم ومشاهدة ما جرى ~~عليهم وقال على سبيل التفجع والتحسر عليهم: لقد بلغتكم الرسالة وحذرتكم ~~عذاب الله وبذلت وسعي في نصيحتكم ولكن شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين ~~وعداوتهم قال الزمخشري { ولكن لا تحبون الناصحين } حكاية ~~حال ماضية قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت - وكان قد نصحه حيا فلم يسمع ~~منه حتى ألقى بنفسه في التهلكة -: يا أخي كم نصحتك وكم قلت لك فلم تقبل ~~مني؟ { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين } أي واذكر وقت أن قال ~~لوط لقومه أهل سدوم على سبيل الإنكار والتوبيخ: أتفعلون تلك الفعلة ~~الشنيعة المتناهية في القبح التي ما عملها أحد قبلكم في زمن من الأزمان! ~~والفاحشة هي إتيان الذكور في الأدبار، أنكر عليهم أولا فعلها ثم وبخهم ~~بأنهم أول من فعلها قال أبو حيان: ولما كان هذا الفعل معهودا قبحه، ~~ومركوزا في العقول فحشه أتى به معرفا بالألف واللام { الفاحشة } ~~بخلاف الزنى فإنه قال فيه # إنه كان فاحشة # [النساء: 22] فأتى به منكرا، والجملة المنفية { ما سبقكم } تدل ~~على أنهم أول من فعل هذه الفعلة القبيحة وأنهم مبتكروها، والمبالغة في { ~~من أحد } حيث زيدت من لتأكيد نفي الجنس، وفي الإتيان بعموم { ~~العالمين } جمعا قال عمرو بن دينار: ما رؤي ذكر على ذكر قبل قوم ~~لوط { إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء ~~} هذا بيان للفاحشة وهو توبيخ آخر أشنع مما سبق لتأكيده بإن وباللام ~~أي إنكم أيها القوم لتأتون الرجال في أدبارهم شهوة منكم لذلك الفعل ~~الخبيث المكروه دون ما أحله الله لكم من النساء ثم أضرب عن الإنكار إلى ~~الإخبار عنهم بالجال التي توجب ارتكاب القبائح واتباع الشهوات ms0472 فقال { ~~بل أنتم قوم مسرفون } أي لا عذر لكم بل أنتم عادتكم ~~الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء قال أبو السعود: وفي التقييد بقوله { ~~شهوة } وصف لهم بالبهيمية الصرفة وتنبيه على أن العاقل ينبغي أن ~~يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النسل لاقضاء الشهوة { ~~وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من ~~قريتكم إنهم أناس يتطهرون } أي ما كان جوابهم للوط ~~إذ وبخهم على فعلهم القبيح إلا أن قال بعضهم لبعض: أخرجوا لوطا وأتباعه ~~المؤمنين من بلدتكم لأنهم أناس يتنزهون عما نفعله نحن من إتيان الرجال في ~~الأدبار، قال ابن عباس ومجاهد: { إنهم أناس يتطهرون } أي ~~يتقذرون عن إتيان أدبار الرجال والنساء، قالوا ذلك سخرية واستهزاء بلوط ~~وقومه وعابوهم بما يمدح به الإنسان { فأنجيناه وأهله إلا ~~امرأته كانت من الغابرين } أي أنجيناه من العذاب الذي حل ~~بقومه وأهله المؤمنين إلا امرأته فلم تنج وكانت من الباقين في ديارهم ~~الهالكين قال الطبري: أي أنجينا لوطا وأهله المؤمنين به إلا امرأته ~~فإنها كانت للوط خائنة وبالله كافرة فهلكت مع من هلك من قوم لوط حين ~~جاءهم العذاب { وأمطرنا عليهم مطرا } أي أرسلنا عليهم ~~نوعا من المطر عجيبا هو حجارة من سجيل كما في الآية الأخرى # وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل # [الحجر: 74] وشبه العذاب بالمطر المدرار لكثرته حيث أرسل إرسال المطر { ~~فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } أي انظر أيها السامع ~~إلى عاقبة هؤلاء المجرمين كيف كانت؟ وإلى أي شيء صارت؟ هل كانت إلا ~~البوار والهلاك؟! { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ~~ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } أي ~~وأرسلنا إلى أهل مدين شعيبا داعيا لهم إلى توحيد الله وعبادته قال ابن ~~كثير: ومدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة وهي التي بقرب " معان " من ~~طريق الحجاز وهم أصحاب الأيكة كما سنذكره { قد جآءتكم بينة ~~من ربكم } أي معجزة تدل على صدقي { فأوفوا الكيل ~~والميزان } أي أتموا للناس حقوقهم بالكيل الذي تكيلون به والوزن ~~الذي تزنون به { ولا تبخسوا الناس أشياءهم ms0473 } أي لا ~~تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياها { ولا تفسدوا في ~~الأرض بعد إصلاحها } أي لا تعملوا بالمعاصي بعد إصلاحها ببعثة ~~الرسل { ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } أي ما ~~أمرتكم به من إخلاص العبادة لله وإيفاء الناس حقوقهم وترك الفساد في ~~الأرض خير لكم إن كنتم مصدقين لي في قولي { ولا تقعدوا بكل ~~صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به } ~~أي لا تجلسوا بكل طريق تخوفون من آمن بالقتل قال ابن عباس: كانوا يقعدون ~~على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ~~ويقولون: إنه كذاب فلا تذهب إليه على نحو ما كانت تفعله قريش مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { وتبغونها عوجا } أي تريدون أن تكون ~~السبيل معوجة غير مستقيمة بمعنى تصويرهم أن دين الله غير مستقيم كما يقول ~~الضالون في هذا الزمان: " هذا الدين لا ينطبق مع العقل " لأنه لا يتمشى ~~مع أهوائهم الفاجرة { واذكروا إذ كنتم قليلا ~~فكثركم } أي كنتم قلة مستضعفين فأصبحتم كثرة أعزة فاشكروا الله ~~على نعمته { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } هذا ~~تهديد لهم أي انظروا ما حل بالأمم السابقة حين عصوا الرسل كيف انتقم ~~الله منهم واعتبروا بهم { وإن كان طآئفة منكم آمنوا ~~بالذي أرسلت به وطآئفة لم يؤمنوا فاصبروا ~~حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين } أي ~~إذا كان فريق صدقوني فيما جئتهم به وفريق لم يصدقوني فاصبروا حتى يفصل ~~الله بحكمه العادل بيننا وهو خير الفاصلين قال أبو حيان: هذا الكلام من ~~أحسن ما تلطف به في المحاورة إذ برز المتحقق في صورة المشكوك وهو من ~~بارع التقسيم فيكون وعدا للمؤمنين بالنصر ووعيدا للكافرين بالعقوبة ~~والخسار { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } أي ~~قال أشراف قومه المستكبرين عن الإيمان بالله ورسله { لنخرجنك ~~يشعيب والذين آمنوا معك من قريتنآ أو ~~لتعودن في ملتنا } أقسموا على أحد الأمرين: إما إخراج شعيب ~~وأتباعه وإما العودة إلى ملتهم أي إلى الكفر والمعنى لنخرجنك يا شعيب ومن ~~آمن بك من ms0474 بين أظهرنا أو لترجعن أنت وهم إلى ديننا قال شعيب مجيبا لهم { ~~قال أولو كنا كارهين } أي أتجبروننا على الخروج من الوطن أو ~~العودة في ملتكم ولو كنا كارهين لذلك؟ والاستفهام للإنكار { قد ~~افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد ~~إذ نجانا الله منها } أي إن عدنا إلى دينكم بعد أن أنقذنا ~~الله منه بالإيمان وبصرنا بالهدى نكون مختلقين على الله أعظم أنواع ~~الكذب، وهذا تيئيس للكفار من العودة إلى دينهم { وما يكون لنآ ~~أن نعود فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا } أي لا ينبغي ~~ولا يصح لنا أن نعود إلى ملتكم ودينكم إلا إذا شاء الله لنا الانتكاس ~~والخذلان فيمضي فينا قضاؤه { وسع ربنا كل شيء علما } أي ~~وسع علمه كل الأشياء { على الله توكلنا } أي اعتمادنا على ~~الله وهو الكافي لمن توكل عليه { ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } أي احكم بيننا ~~وبينهم بحكمك الحق الذي لا جور فيه ولا ظلم وأنت خير الحاكمين { وقال ~~الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم ~~شعيبا إنكم إذا لخاسرون } أي قال الأشراف من قومه ~~الفجرة الكفرة: إذا اتبعتم شعيبا وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه إنكم إذا ~~لخاسرون لاستبدالكم الضلالة بالهدى قال تعالى { فأخذتهم ~~الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين } أي فأخذتهم ~~الزلزلة العظيمة فأصبحوا ميتين جاثمين على الركب { الذين كذبوا ~~شعيبا كأن لم يغنوا فيها } أي أهلك الله المكذبين كأنهم ~~لم يقيموا في ديارهم منعمين { الذين كذبوا شعيبا كانوا ~~هم الخاسرين } إخبار عنهم بالخسار بعد الهلاك والدمار { ~~فتولى عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم رسالات ~~ربي ونصحت لكم } قاله تأسفا لشدة حزنه عليهم لأنهم لم يتبعوا ~~نصحه { فكيف آسى على قوم كافرين } أي كيف أحزن على من لا ~~يستحق أن يحزن عليه قال الطبري: أي كيف أحزن على قوم جحدوا وحدانية الله ~~وكذبوا رسوله وأتوجع لهلاكهم؟ # البلاغة: 1- { هذه ناقة الله } الإضافة للتشريف ~~والتكريم. # 2- { ولا تمسوها بسوء } التنكير للتقليل والتحقير أي لا ~~تمسوها بأدنى سوء. # 3- { أتأتون الفاحشة } الاستفهام للإنكار ms0475 والتوبيخ والتشنيع. # 4- { إنهم أناس يتطهرون } يسمى هذا النوع في علم البديع ~~التعريض بما يوهم الذم ولذلك قال ابن عباس: عابوهم بما يمدح به. # 5- { على الله توكلنا } إظهار الاسم الجليل للمبالغة في ~~التضرع وتقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر. # 6- بين لفظ { مؤمنون } و { كافرون } طباق. # فائدة: الذي عقر الناقة هو " قدار بن سالف " وإنما نسب الفعل إليهم ~~جميعا في قوله تعالى { فعقروا الناقة } لأنه كان برضاهم ~~وأمرهم، والراضي بالعمل القبيح شريك في الجريمة. ### || [7.94-129] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصص الأنبياء (نوح، هود، صالح، لوط، شعيب) ~~وما حل بأقوامهم من العذاب والنكال حين لم تجد فيهم الموعظة، ذكر ~~تعالى هنا سنته الإلهية في الانتقام ممن كذب أنبياءه وذلك بالتدرج معهم ~~بالبأساء والضراء، ثم بالنعمة والرخاء، ثم بالبطش بهم إن لم يؤمنوا ثم ~~أعقب ذلك بقصة موسى مع الطاغية فرعون وفيها كثير من العبر والعظات. # اللغة: { البأسآء } شدة الفقر { الضرآء } الضر والمرض { ~~عفوا } كثروا ونموا { بغتة } فجأة { ملئه } أشراف قومه { ~~أرجه } أخر { صاغرين } أذلاء { تلقف } تبتلع وتلتقم { ~~يأفكون } الإفك: الكذب { أفرغ } الإفراغ: الصب أي اصببه ~~علينا. # التفسير: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي } في الكلام ~~حذف أي وما أرسلنا في قرية من نبي فكذبه أهلها { إلا أخذنا ~~أهلها بالبأسآء والضرآء } أي عاقبناهم بالبؤس والفقر، ~~والمرض وسوء الحال { لعلهم يضرعون } أي كي يتضرعوا ويخضعوا ~~ويتوبوا من ذنوبهم { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ~~} أي ثم أبدلناهم بالفقر والمرض، الغنى والصحة { حتى عفوا } أي ~~حتى كثروا ونموا { وقالوا قد مس آباءنا الضرآء ~~والسرآء } أي أبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا كفرانا لها: هذه عادة ~~الدهر وقد مس آباءنا مثل ذلك من المصائب ومن الرخاء وليست بعقوبة من ~~الله فلنبق على ديننا، والغرض أن الله ابتلاهم بالسيئة لينيبوا إليه فما ~~فعلوا، ثم بالحسنة ليشكروا فما فعلوا، فلم يبق إلا أن يأخذهم بالعذاب ~~ولهذا قال تعالى { فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } أي ~~أخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة من حيث لا يدرون { ولو أن أهل ~~القرى آمنوا واتقوا } أي ولو أن أهل تلك ms0476 القرى الذين ~~كذبوا وأهلكوا آمنوا بالله ورسله واتقوا الكفر والمعاصي { ~~لفتحنا عليهم بركت من السمآء والأرض } أي ~~لوسعنا عليهم الخير من كل جانب وقيل: بركات السماء المطر، وبركات ~~الأرض الثمار، قال السدي: فتحنا عليهم أبواب السماء والأرض بالرزق { ~~ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } أي ~~ولكن كذبوا الرسل فعاقبناهم بالهلاك بسوء كسبهم { أفأمن أهل ~~القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نآئمون } ~~الهمزة للإنكار أي هل أمن هؤلاء المكذبون أن يأتيهم عذابنا ليلا وهم ~~نائمون غافلون عنه؟ { أو أمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى وهم يلعبون }؟ أم هل أمنوا أن يأتيهم عذابنا ~~ونكالنا نهارا جهارا وهم يلهون ويشتغلون بما لا يجدي كأنهم يلعبون؟ { ~~أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون } أي أفأمنوا استدراجه إياهم بالنعمة حتى يهلكوا ~~في غفلتهم؟ فإنه لا يأمن ذلك إلا القوم الذين خسروا عقولهم وإنسانيتهم ~~فصاروا أخس من البهائم قال الحسن البصري: المؤمن يعمل بالطاعات وهو ~~مشفق خائف وجل، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو مطمئن آمن { أولم ~~يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلهآ } أي أولم ~~يتضح ويتبين للذين يخلفون الأرض بعد هلاك أهلها الذين كانوا يعمرونها ~~قبلهم، والمراد بها كفار مكة ومن حولهم { أن لو نشآء ~~أصبناهم بذنوبهم } أي لو أردنا لأهلكناهم بسبب ذنوبهم كما ~~أهلكنا من قبلهم قال في البحر: أي قد علمتم ما حل بهم أفما تحذرون أن ~~يحل بكم ما حل بهم فذلك ليس بممتنع علينا لو شئنا { ونطبع على ~~قلوبهم فهم لا يسمعون } أي ونختم على قلوبهم فلا يقبلون ~~موعظة ولا تذكيرا سماع منتفع بهما { تلك القرى نقص عليك ~~من أنبآئها } أي تلك القرى المذكورة نقص عليك يا محمد بعض ~~أخبارها وما حصل لأهلها من الخسف والرجفة والرجم بالحجارة ليعتبر بذلك من ~~يسمع وما حدث أهول وأفظع { ولقد جآءتهم رسلهم ~~بالبينات } أي جاءتهم بالمعجزات والحجج القاطعات { فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } أي ما كانوا ليؤمنوا بما ~~جاءتهم به الرسل لتكذيبهم إياهم قبل مجيئهم بالمعجزات وبعد مجيئهم بها ms0477 ~~فحالهم واحد في العتو والضلال قال الزمخشري: أي استمروا على التكذيب من ~~لدن مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرين لا يرعوون مع تكرر المواعظ ~~عليهم وتتابع الآيات { كذلك يطبع الله على قلوب ~~الكافرين } أي مثل ذلك الطبع الشديد المحكم نطبع على قلوب الكافرين ~~فلا يكاد يؤثر فيهم النذر والآيات، وفيه تحذير للسامعين { وما ~~وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنآ أكثرهم ~~لفاسقين } أي ما وجدنا لأكثر الناس من وفاء للعهد بل وجدناهم خارجين ~~عن الطاعة والامتثال قال ابن كثير: والعهد الذي أخذه هو ما فطرهم عليه ~~وأخذه عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم فخالفوه وعبدوا مع الله غيره ~~بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع { ثم بعثنا من بعدهم ~~موسى بآياتنآ } أي ثم بعثنا من بعد الرسل المتقدم ذكرهم موسى بن ~~عمران بالمعجزات الباهرات والحجج الساطعات { إلى فرعون ~~وملئه } أي أرسلناه إلى فرعون - ملك مصر في زمن موسى - وقومه { ~~فظلموا بها } أي كفروا وجحدوا بها ظلما وعنادا { فانظر ~~كيف كان عاقبة المفسدين } أي انظر أيها السامع ما آل إليه ~~أمر المفسدين الظالمين كيف أغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا ~~أبلغ في النكال لأعداء الله، وأشفى لقلوب أولياء الله { وقال موسى ~~يفرعون إني رسول من رب العالمين } أي إني رسول ~~إليك من الخالق العظيم رب كل شيء وخالقه ومليكه { حقيق على أن ~~لا أقول على الله إلا الحق } أي جدير بي وحق علي أن ~~لا أخبر عن الله إلا بما هو حق وصدق لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه { ~~قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني ~~إسرائيل } أي جئتكم بحجة قاطعة من الله تشهد على صدقي فخل واترك ~~سبيل بني إسرائيل حتى يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطن آبائهم ~~قال أبو حيان: ولما كان فرعون قد ادعى الربوبية فاتحه موسى بقوله { ~~إني رسول من رب العالمين } لينبهه على الوصف الذي ادعاه ~~وأنه فيه مبطل لا محق، ولما كان قوله { حقيق على أن لا ~~أقول على ms0478 الله إلا الحق } أردفها بما يدل على صحتها وهو ~~قوله { قد جئتكم ببينة من ربكم } ولما قرر رسالته ~~فرع عليها تبليغ الحكم وهو قوله { فأرسل معي بني ~~إسرائيل } { قال إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن ~~كنت من الصادقين } أي قال فرعون لموسى: إن كنت جئت بآية من ربك ~~كما تدعي فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك في دعواك، قال ذلك على سبيل ~~التعجيز لموسى { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } ~~أي فإذا بها حية ضخمة طويلة قال ابن عباس: تحولت إلى حية عظيمة فاغرة ~~فاها مسرعة نحو فرعون و { مبين } أي ظاهر لا متخيل { ونزع ~~يده فإذا هي بيضآء للناظرين } أي أخرجها من جيبه فإذا ~~هي بيضاء بياضا نورانيا عجيبا يغلب نورها نور الشمس قال ابن عباس: كان ~~ليده نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض { قال الملأ من قوم ~~فرعون إن هذا لساحر عليم } أي قال الأشراف منهم وهم ~~أصحاب مشورته إن هذا عالم بالسحر ماهر فيه، وقولهم { عليم } أي ~~بالغ الغاية في علم السحر وخدعه وفنونه { يريد أن يخرجكم ~~من أرضكم } أي يخرجكم من أرض مصر بسحره { فماذا تأمرون } ~~أي بأي شيء تأمرون أن نفعل في أمره؟ وبأي شيء تشيرون فيه؟ قال القرطبي: ~~قال فرعون: فماذا تأمرون وقيل: هو من قول الملأ أي قالوا لفرعون وحده { ~~فماذا تأمرون } كما يخاطب الجبارون والرؤساء: ما ترون في كذا، { ~~قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدآئن حاشرين } ~~أي أخر أمرهما حتى ترى رأيك فيهما وأرسل في أنحاء البلاد من يجمع لك ~~السحرة { يأتوك بكل ساحر عليم } أي يأتوك بكل ساحر مثله ~~ماهر في السحر، وكان رؤساء السحرة بأقصى صعيد مصر { وجآء السحرة ~~فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين } في الكلام محذوف يدل عليه السياق وهو أنه بعث إلى ~~السحرة وطلب أن يجمعوا له فلما جاءوا فرعون قالوا: إن لنا لأجرا ~~عظيما إن نحن غلبنا موسى وهزمناه وأبطلنا سحره؟ { قال نعم ~~وإنكم لمن المقربين } أي قال فرعون: نعم لكم الأجر ms0479 ~~وأزيدكم على ذلك بأن أجعلكم من المقربين أي من أعز خاصتي وأهل مشورتي ~~قال القرطبي: زادهم على ما طلبوا { قالوا يموسى إمآ أن ~~تلقي وإمآ أن نكون نحن الملقين } أي قال السحرة ~~لموسى: اختر إما أن تلقي عصاك أو نلقي نحن عصينا قال الزمخشري: ~~تخييرهم إياه أدب حسن كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا كالمتناظرين ~~قبل أن يخوضوا في الجدال هذا ما قاله الزمخشري، والأظهر أنهم قالوا ذلك ~~من باب الاعتزاز بالنفس وتوهم الغلبة وعدم الاكتراث بأمر موسى كما يقول ~~المعتد بنفسه: أبدأ أو تبدأ { قال ألقوا فلمآ ألقوا ~~سحروا أعين الناس } أي قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ~~فلما ألقوا العصي والحبال سحروا أعين الناس أي خيلوا إليهم ما لا حقيقة ~~له كما قال تعالى # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66] { واسترهبوهم وجآءوا بسحر عظيم } أي أفزعوهم ~~وأرهبوهم إرهابا شديدا حيث خيلوها حيات تسعى وجاءوا بسحر عظيم يهابه ~~من رآه قال ابن اسحاق: صف خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحر حباله ~~وعصيه وفرعون في مجلسه مع أشراف مملكته فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر ~~موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد ثم ألقى رجل منهم ما في يده من ~~العصي والحبال فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها ~~بعضا { وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي ~~تلقف ما يأفكون } أي أوحينا إليه بأن ألق عصاك فألقاها فإذا ~~هي تبتلع بسرعة ما يزورونه من الكذب قال ابن عباس { تلقف ما ~~يأفكون } لا تمر بشيء من حبالهم وخشبهم التي ألقوها إلا التقمته { ~~فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون } أي ثبت وظهر الحق ~~لمن شهده وحضره، وبطل إفك السحر وكذبه ومخايله { فغلبوا هنالك ~~وانقلبوا صاغرين } أي غلب فرعون وقومه في ذلك المجمع العظيم ~~وصاروا ذليلين { وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا ~~برب العالمين رب موسى وهارون } أي خروا ساجدين ~~معلنين إيمانهم برب العالمين لأن الحق بهرهم قال قتادة: كانوا أول ~~النهار كفارا سحرة وفي آخره شهداء ms0480 بررة { قال فرعون آمنتم ~~به قبل أن آذن لكم } أي قال فرعون الجبار للسحرة آمنتم بموسى ~~قبل أن تستأذنوني؟ والمقصود بالجملة التوبيخ { إن هذا لمكر ~~مكرتموه في المدينة لتخرجوا منهآ أهلها } أي ~~صنيعكم هذا حيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد ~~لتخرجوا منها القبط وتسكنوا بني اسرائيل، قال هذا تمويها على الناس لئلا ~~يتبعوا السحرة في الإيمان { فسوف تعلمون } أي فسوف تعلمون ما ~~يحل بكم، وهذا وعيد وتهديد ساقه بطريق الإجمال للتهويل ثم عقبه ~~بالتفصيل فقال { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف } أي لأقطعن من كل واحد منكم يده ورجله من خلاف قال الطبري: ~~ومعنى { من خلاف } هو أن يقطع من أحدهم يده اليمنى ورجله اليسرى، ~~أو يقطع يده اليسرى ورجله اليمنى فيخالف بين العضوين في القطع { ثم ~~لأصلبنكم أجمعين } أي ثم أصلبكم جميعا تنكيلا لكم ~~ولأمثالكم، والصلب التعليق على الخشب حتى الموت { قالوا إنآ ~~إلى ربنا منقلبون } إنا راجعون إلى الله بالموت لا محالة ~~فلا نخاف مما تتوعدنا به ولا نبالي بالموت وحبذا الموت في سبيل الله { ~~وما تنقم منآ إلا أن آمنا بآيات ربنا لما ~~جآءتنا } أي ما تكره منا ولا تعيب علينا إلا إيماننا بالله وآياته!! ~~كقوله # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد # [البروج: 8] قال الزمخشري: أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب ~~والمفاخر كلها وهو الإيمان { ربنآ أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين } أي أفض علينا صبرا يغمرنا عند تعذيب فرعون ~~إيانا وتوفنا على ملة الإسلام غير مفتونين { وقال الملأ من ~~قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في ~~الأرض ويذرك وآلهتك } أي قال الأشراف لفرعون: أتترك موسى ~~وجماعته ليفسدوا في الأرض بالخروج عن دينك وترك عبادة آلهتك!! وفي هذا ~~إغراء لفرعون بموسى وقومه وتحريض له على قتلهم وتعذيبهم { قال ~~سنقتل أبنآءهم ونستحيي نسآءهم وإنا ~~فوقهم قاهرون } أي قال فرعون مجيبا لهم: سنقتل أبناءهم الذكور ~~ونستبقي نساءهم للاستخدام كما كنا نفعل بهم ذلك وإنا عالون فوقهم بالقهر ~~والسلطان { قال موسى ms0481 لقومه استعينوا بالله ~~واصبروا } أي قال موسى لقومه تسلية لهم حين تضجروا مما سمعوا: ~~استعينوا بالله على فرعون وقومه فيما ينالكم من أذاهم واصبروا على حكم ~~الله { إن الأرض لله يورثها من يشآء من عباده } ~~أي الأرض كلها لله يعطيها من أراد من عباده، أطمعهم في أن يورثهم الله ~~أرض مصر { والعاقبة للمتقين } أي النتيجة المحمودة لمن اتقى ~~الله { قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما ~~جئتنا } أي أوذينا من قبل أن تأتينا بالرسالة ومن بعدما جئتنا بها ~~يعنون أن المحنة لم تفارقهم فهم في العذاب والبلاء قبل بعثة موسى وبعد ~~بعثته { قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ~~ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون } أي لعل ~~ربكم أن يهلك فرعون وقومه ويجعلكم تخلفونهم في أرضهم بعد هلاكهم وينظر ~~كيف تعملون بعد استخلافكم من الإصلاح والإفساد، والغرض تحريضهم على ~~طاعة الله، وقد حقق الله رجاء موسى فأغرق فرعون وملك بن إسرائيل أرض مصر ~~قال في البحر: سلك موسى طريق الأدب مع الله وساق الكلام مساق الرجاء. # البلاغة: 1- { بدلنا مكان السيئة الحسنة } بين ~~لفظ الحسنة والسيئة طباق وكذلك بين لفظ { الضرآء والسرآء }. # 2- { لفتحنا عليهم بركات من السمآء } شبه تيسير ~~البركات عليهم بفتح الأبواب في سهولة التناول فهو من باب الاستعارة أي ~~وسعنا عليهم الخير من جميع الأطراف. # 3- { أفأمن أهل القرى } تكررت الجملة والغرض منها الإنذار ~~ويسمى هذا في علم البلاغة الإطناب ومثلها { أفأمنوا مكر ~~الله فلا يأمن مكر الله } قال ابو السعود: تكرير للنكير ~~لزيادة التقرير، ومكر الله استعارة لاستدراجه العبد وأخذه من حيث لا ~~يحتسب. # 4- { وإنكم لمن المقربين } أكد الجملة بإن واللام ~~لإزالة الشك من نفوس السحرة ويسمى هذا النوع من أضرب الخبر إنكاريا. # 5- { فوقع الحق } فيه استعارة استعير الوقع للثبوت والحصول ~~والله أعلم. # تنبيه: لما عجز فرعون عن دفع الحجة بالبرهان عدل إلى البطش والفتك ~~بالسنان، وهكذا حال كل ضال مبتدع إذا أعيته الحجة مال إلى التهديد ~~والوعيد. ### || [7.130-149] # المناسبة: لما كانت قصة الكليم مع الطاغية فرعون مملوءة ms0482 بالعبر ~~والعظات لذلك استطردت الآيات في الحديث عنهم فتحدثت عما حل بقوم فرعون ~~من البلايا والنكبات، وما ابتلاهم الله به من القحط والجدب، والطوفان ~~والجراد وغير ذلك من المصائب نتيجة إصرارهم على الكفر وتكذيبهم بآيات ~~الله، ثم ذكرت أنواع النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل ومن ~~أعظمها إهلاك عدوهم وقطعهم البحر مع السلامة والأمان. # اللغة: { السنين } جمع سنة وهي الجدب والقحط { يطيروا } ~~يتشاءموا والأصل يتطيروا مأخوذ من الطيرة وهي زجر الطير ثم استعمل في ~~التشاؤم { الطوفان } السيل المتلف المدمر { القمل } السوس وهي ~~حشرات صغيرة تكون في الحنطة وغيرها تفسد الحبوب { الرجز } العذاب، ~~والرجس بالسين: النجس وقد يستعمل بمعنى العذاب { اليم } البحر { ~~يعكفون } عكف على الشيء أقام عليه ولزمه { متبر } مهلك ~~والتبار: الهلاك { صعقا } مغشيا عليه يقال: صعق الرجل إذا أغمي ~~عليه. # التفسير: { ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين } اللام ~~موطئة لقسم محذوف أي والله لقد ابتلينا واختبرنا فرعون وأتباعه بالجدب ~~والقحط { ونقص من الثمرات } أي وابتليناهم بإذهاب الثمار من ~~كثرة الآفات قال المفسرون: كانت النخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة { ~~لعلهم يذكرون } أي لعلهم يتعظون وترق قلوبهم فإن الشدة ~~تجلب الإنابة والخشية ورقة القلب، ثم بين تعالى أنهم مع تلك المحن ~~والشدائد لم يزدادوا إلا تمردا وكفرا فقال { فإذا جآءتهم ~~الحسنة قالوا لنا هذه } أي إذا جاءهم الخصب والرخاء ~~قالوا هذه لنا وبسعدنا ونحن مستحقون لذلك { وإن تصبهم سيئة ~~يطيروا بموسى ومن معه } أي وإذا جاءهم الجدب والشدة ~~تشاءموا بموسى ومن معه من المؤمنين أي قالوا: هذا بشؤمهم قال تعالى ردا ~~عليهم { ألا إنما طائرهم عند الله } أي إن ما يصيبهم من ~~خير أو شر بتقدير الله وليس بشؤم موسى قال ابن عباس: الأمر من قبل الله ~~ليس شؤمهم إلا من قبله وحكمه { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } أي لا يعلمون أن ما لحقهم من القحط والشدائد من عند الله ~~بسبب معاصيهم لا من عند موسى { وقالوا مهما تأتنا به من ~~آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين } أي قال ms0483 ~~قوم فرعون لموسى: أي شيء تأتينا به يا موسى من المعجزات لتصرفنا عما نحن ~~عليه فلن نؤمن لك قال الزمخشري: فإن قلت كيف سموها آية ثم قالوا { ~~لتسحرنا بها } قلت: ما سموها آية لاعتقادهم أنها آية وإنما ~~قصدوا بذلك الاستهزاء والتلهي قال تعالى { فأرسلنا عليهم ~~الطوفان } أي أرسلنا عليهم المطر الشديد حتى عاموا فيه وكادوا يهلكون ~~قال ابن عباس: الطوفان كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار { ~~والجراد } أي وأرسلنا عليهم كذلك الجراد فأكل زروعهم وثمارهم حتى ~~أكل ثيابهم { والقمل } وهو السوس حتى نخر حبوبهم وتتبع ما تركه ~~الجراد وقيل: هو القمل المشهور كان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيمصه { ~~والضفادع } جمع ضفدع حتى ملأت بيوتهم وطعامهم وإذا تكلم أحدهم ~~وثبت الضفدع إلى فمه { والدم } أي صارت مياههم دما فما يستقون من ~~بئر ولا نهر إلا وجدوه دما { آيات مفصلات } أي علامات ظاهرات ~~فيها عبر وعظات ومع ذلك استكبروا عن الإيمان { فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين } أي استكبروا عن الإيمان بها لغلوهم ~~في الإجرام { ولما وقع عليهم الرجز } أي وحين نزل بهم ~~العذاب المذكور { قالوا يموسى ادع لنا ربك بما عهد ~~عندك } أي ادع لنا ربك ليكشف عنا البلاء بحق ما أكرمك به من النبوة ~~قال الزمخشري: أي أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك ~~من عهد الله وكرامته بالنبوة { لئن كشفت عنا الرجز ~~لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرآئيل } اللام ~~لام القسم أي والله لئن رفعت عنا العذاب الذي نحن فيه يا موسى لنصدقن ~~بما جئت به ولنطلقن سراح بني إسرائيل، وقد كانوا يستخدمونهم في أرذل ~~الأعمال { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم ~~بالغوه } أي فلما كشفنا بدعاء موسى عنهم العذاب إلى حد من الزمان ~~هم واصلون إليه ولا بد قال ابن عباس: هو وقت الغرق { إذا هم ~~ينكثون } أي إذا هم ينقضون عهودهم ويصرون على الكفر { ~~فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم } أي فانتقمنا ~~منهم بالإغراق في البحر { بأنهم كذبوا بآياتنا ~~وكانوا عنها غافلين } أي بسبب ms0484 تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم ~~عنها وعدم مبالاتهم بها { وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها } أي وأورثنا بني ~~إسرائيل الذين كانوا يستذلون بالخدمة أرض الشام وملكناهم جميع جهاتها ~~ونواحيها: مشارقها ومغاربها { التي باركنا فيها } بالخيرات ~~وكثرة الثمرات { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني ~~إسرآئيل } أي تم وعد الله الصادق بالتمكين لبني إسرائيل في الأرض ~~ونصره إياهم على عدوهم قال الطبري: وكلمته الحسنى هي قوله جل ثناؤه # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة.. # [القصص: 5] الآية { بما صبروا } أي بسبب صبرهم على الأذى { ~~ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا ~~يعرشون } أي خربنا ودمرنا القصور والعمارات التي كان يشيدها فرعون ~~وجماعته وما كانوا يعرشون من الجنات والمزارع، وإلى هنا تنتهي قصة ~~فرعون وقومه ويبتدئ الحديث عن بني إسرائيل وما أغدق الله عليهم من النعم ~~الجسام، وأراهم من الآيات العظام، تسلية لرسوله عليه الصلاة والسلام مما ~~رآه منهم قال تعالى { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر } أي ~~عبرنا ببني إسرائيل البحر وهو بحر القلزم عند خليج السويس الآن { ~~فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم } أي ~~مروا على قوم يلازمون على عبادة أصنام لهم { قالوا يموسى اجعل ~~لنآ إلها كما لهم آلهة } أي اجعل لنا صنما نعبده كما ~~لهم أصنام يعبدونها قال ابن عطية: الظاهر أنهم استحسنوا ما رأوا فأرادوا ~~ان يكون ذلك في شرع موسى وفي جملة ما يتقرب به إلى الله وإلا فبعيد أن ~~يقولوا لموسى اجعل لنا إلها نفرده بالعبادة { قال إنكم قوم ~~تجهلون } أي إنكم قوم تجهلون عظمة الله وما يجب أن ينزه عنه من ~~الشريك والنظير قال الزمخشري: تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآية ~~العظمى، والمعجزة الكبرى فوصفهم بالجهل المطلق وأكده، لأنه لا جهل أعظم ~~مما رأى منهم ولا أشنع { إن هؤلاء متبر ما هم فيه } ~~أي هالك مدمر ما هم فيه من الدين الباطل وهو عبادة الأصنام { وباطل ~~ما كانوا يعملون } أي باطل عملهم مضمحل بالكلية لأنهم عبدوا ~~ما لا ms0485 يستحق العبادة { قال أغير الله أبغيكم إلها ~~وهو فضلكم على العالمين } أي أأطلب لكم معبودا غير الله ~~المستحق للعبادة والحال أن الله فضلكم على غيركم بالنعم الجليلة!! ~~قال الطبري: فضلكم على عالمي دهركم وزمانكم { وإذ أنجيناكم ~~من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب } أي واذكروا يا ~~بني إسرائيل النعم التي سلفت مني إليكم حين أنجيتكم من قوم فرعون ~~يذيقونكم أفظع أنواع العذاب وأسوأه ثم فسره بقوله { يقتلون ~~أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } أي يذبحون الذكور ويستبقون ~~الإناث لامتهانهن في الخدمة { وفي ذلكم بلاء من ربكم ~~عظيم } أي وفي هذا العذاب اختبار وابتلاء من الله لكم عظيم فنجاكم منه ~~أفلا تشكرونه؟ { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ~~وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ~~ليلة } أي وعدنا موسى لمناجاتنا بعد مضي ثلاثين ليلة وأكملناها بعشر ~~ليال فتمت المناجاة بعد أربعين ليلة قال الزمخشري: روي أن موسى وعد بني ~~إسرائيل وهو بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه ~~بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره ~~بصوم ثلاثين يوما وهو شهر ذي القعدة فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه ~~" تغير رائحته " فتسوك فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم ~~الصائم أطيب عندي من ريح المسك! فأمره تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ~~ذي الحجة { وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي } ~~أي كن خليفتي فيهم إلى أن أرجع { وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين } أي وأصلح أمرهم ولا تسلك طريق الذين يفسدون في الأرض ~~بمعصيتهم لله { ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ~~ربه } أي ولما جاء موسى للوقت الذي وعدناه فيه وناجاه ربه وكلمه من ~~غير واسطة { قال رب أرني أنظر إليك } أي أرني ذاتك ~~المقدسة أنظر إليها قال القرطبي: اشتاق إلى رؤية ربه لما أسمعه كلامه ~~فسأل النظر إليه { قال لن تراني ولكن انظر إلى ~~الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني } أي أجابه ربه ~~لن تستطيع رؤيتي في الدنيا فإن هذه البنية البشرية لا طاقة لها بذلك ms0486 ~~ولكن سأتجلى لما هو أقوى منك وهو الجبل فإن ثبت الجبل مكانه ولم ~~يتزلزل فسوف تراني أي تثبت لرؤيتي وإلا فلا طاقة لك { فلما ~~تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا } ~~أي فلما ظهر من نور الله قدر نصف أنملة الخنصر اندك الجبل وتفتت وسقط ~~موسى مغشيا عليه من هول ما رأى قال ابن عباس: ما تجلى منه سبحانه للجبل ~~إلا قدر الخنصر فصار ترابا وخر موسى مغشيا عليه وفي الحديث: فساخ ~~الجبل { فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا ~~أول المؤمنين } أي فلما صحا من غشيته قال تنزيها لك يا رب ~~وتبرئة أن يراك أحد في الدنيا تبت إليك من سؤالي رؤيتك في الدنيا وأنا ~~أول المؤمنين بعظمتك وجلالك { قال يموسى إني اصطفيتك ~~على الناس برسالاتي وبكلامي } أي اخترتك على أهل زمانك ~~بالرسالة الإلهية وبتكليمي إياك بدون واسطة { فخذ مآ آتيتك } ~~أي خذ ما أعطيتك من شرف النبوة والحكمة { وكن من الشاكرين } ~~واشكر ربك على ما أعطاك من جلائل النعم قال أبو السعود: والآية مسوقة ~~لتسليته عليه السلام من عدم الإجابة إلى سؤال الرؤية كأنه قيل: إن ~~منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظام ما لم أعط أحدا من العالمين ~~فاغتنمها وثابر على شكرها { وكتبنا له في الألواح من كل ~~شيء } أي كتبنا له كل شيء كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من ~~المواعظ وتفصيل الأحكام مبينة للحلال والحرام كل ذلك في ألواح التوراة ~~{ موعظة وتفصيلا لكل شيء } أي ليتعظوا بها ويزدجروا ~~وتفصيلا لكل التكاليف الشرعية { فخذها بقوة } أي خذ التوراة ~~بجد واجتهاد شأن أولي العزم { وأمر قومك يأخذوا ~~بأحسنها } أي وأمر بني إسرائيل بالحث على اختيار الأفضل كالأخذ ~~بالعزائم دون الرخص فالعفو أفضل من القصاص، والصبر أفضل من الانتصار كما ~~قال تعالى # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] قال ابن عباس: أمر موسى أن يأخذها بأشد مما أمر به قومه ~~{ سأوريكم دار الفاسقين } أي سترون منازل الفاسقين - فرعون ~~وقومه - كيف أقفرت منهم ودمروا ms0487 لفسقهم لتعتبروا فلا تكونوا مثلهم، ~~فإن رؤيتها وهي خالية عن أهلها موجبة للاعتبار والانزجار { سأصرف ~~عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } ~~أي سأمنع المتكبرين عن فهم آياتي فلا يتفكرون) ولا يتدبرون بما فيها، ~~وأطمس على قلوبهم عقوبة لهم على تكبرهم قال الزمخشري: وفيه إنذار ~~للمخاطبين من عاقبة الذين يصرفون عن آيات الله لتكبرهم وكفرهم بها لئلا ~~يكونوا مثلهم فيسلك بهم سبيلهم { وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها } أي وإن يشاهدوا كل آية قرآنية من الآيات المنزلة ~~عليهم أو يروا كل معجزة ربانية لا يصدقوا بها { وإن يروا سبيل ~~الرشد لا يتخذوه سبيلا } أي وإن يروا طريق الهدى والفلاح ~~لا يسلكوه { وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا } أي ~~وإن يروا طريق الضلال والفساد سلكوه كقوله # فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى # [فصلت: 17] { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا } أي ذلك ~~الانحراف عن هدي الله وشرعه بسبب تكذيبهم بآيات الله { وكانوا ~~عنها غافلين } أي وغفلتهم عن الآيات التي بها سعادتهم حيث لا ~~يتفكرون فيها ولا يعتبرون { والذين كذبوا بآياتنا } أي ~~جحدوا بما أنزل الله { ولقآء الآخرة } أي وكذبوا بلقاء الله في ~~الآخرة أي لم يؤمنوا بالبعث بعد الموت { حبطت أعمالهم } أي ~~بطلت أعمالهم الخيرية التي عملوها في الدنيا من إحسان وصلة رحم وصدقة ~~وأمثالها وذهب ثوابها لعدم الإيمان { هل يجزون إلا ما ~~كانوا يعملون } أي هل يثابون أو يعاقبون إلا بما عملوا في ~~الدنيا؟ { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم ~~عجلا جسدا له خوار } قال الحافظ ابن كثير: يخبر تعالى عن ~~ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري ~~من الحلي، فشكل لهم منه عجلا جسدا لا روح فيه وقد احتال بإدخال ~~الريح فيه حتى صار يسمع له خوار أي صوت كصوت البقر ومعنى { من ~~بعده } أي من بعد ذهاب موسى إلى الطور لمناجاة ربه { ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا } ~~الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي كيف عبدوا العجل واتخذوه إلها مع أنه ~~ليس فيه ms0488 شيء من صفات الخالق الرازق، فإنه لا يملك قدرة الكلام ولا قدرة ~~هدايتهم إلى سبيل السعادة فكيف يتخذ إلها؟ { اتخذوه وكانوا ~~ظالمين } أي عبدوا العجل واتخذوه إلها فكانوا ظالمين لأنفسهم حيث ~~وضعوا الأشياء في غير موضعها، وتكرير لفظ { اتخذوه } لمزيد التشنيع ~~عليهم { ولما سقط في أيديهم } أي ندموا على جنايتهم واشتد ~~ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل { ورأوا أنهم قد ضلوا } ~~أي تبينوا ضلالهم تبينا جليا كأنهم أبصروه بعيونهم { قالوا لئن ~~لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا } أي لئن لم يتداركنا الله ~~برحمته ومغفرته { لنكونن من الخاسرين } أي لنكونن من ~~الهالكين قال ابن كثير: وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله عز ~~وجل. # البلاغة: 1- { فإذا جآءتهم الحسنة } بين لفظ الحسنة ~~والسيئة طباق كما أن بين لفظ { طائرهم } و { يطيروا } جناس ~~الاشتقاق وكلاهما من المحسنات البديعية. # 2- { ودمرنا ما كان يصنع } عدل عن الماضي إلى المضارع ~~لاستحضار الصورة في ذهن المخاطب ومثله { وما كانوا يعرشون } ~~والأصل ما صنعوا وما عرشوا. # 3- { إنكم قوم تجهلون } أتى بلفظ تجهلون ولم يقل: جهلتم ~~إشعارا بأن ذلك منهم كالطبع والغريزة لا ينتقلون عنه في ماض ولا ~~مستقبل. # 4- { سأوريكم دار الفاسقين } فيه التفات من الغيبة إلى ~~الخطاب للمبالغة في الحض على نهج سبيل الصالحين، والأصل أن يقال: سأريهم. # 5- { ولما سقط في أيديهم } هذا من باب الكناية فهو كناية ~~عن شدة الندم لأن النادم يعض على يده غما. # 6- بين لفظ { مشارق } و { مغارب } طباق. # تنبيه: مذهب أهل السنة قاطبة على أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة ~~وأنكرت المعتزلة ذلك واستدلوا بالآية الكريمة { لن تراني } وليس لهم ~~في هذه الآية متمسك بل هي دليل لأهل السنة والجماعة على إمكان الرؤية، ~~لأنها لو كانت محالا لم يسألها موسى فإن الأنبياء عليهم السلام يعلمون ~~ما يجوز على الله وما يستحيل، ولو كانت الرؤية مستحيلة لكان في الجواب ~~زجر وإغلاظ كما قال تعالى لنوح # فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن ~~تكون من الجاهلين # [هود: 46] فهذا المنع من رؤية الله إنما هو ms0489 في الدنيا لضعف البنية ~~البشرية عن ذلك قال مجاهد: إن الله قال لموسى: لن تراني، لأنك لا تطيق ~~ذلك ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشد، فإن استقر وأطاق الصبر ~~لهيبتي أمكن أن تراني أنت، وإن لم يطق الجبل فأحرى ألا تطيق أنت فعلى ~~هذا جعل الله الجبل مثالا لموسى ولم يجعل الرؤية مستحيلة على الإطلاق، ~~وقد صرح بوقوع الرؤية في الآخرة كتاب الله # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22 - 23] فلا ينكرها إلا مبتدع. # فائدة: لما سمع الكليم موسى كلام الله اشتاق إلى رؤيته، لأن التلذذ ~~بسماع كلام الحبيب يزيد في الشوق إليه والحنين وقد أحسن من قال: # وأفرح ما يكون الشوق يوما # إذا دنت الديار من الديار # لطيفة: السعادة والشقاوة بيد الله فموسى بن عمران رباه فرعون فكان ~~مؤمنا، وموسى السامري رباه جبريل وكان كافرا، فلم تنفع تربية الأمين ~~لموسى السامري، ولم تضر تربية اللعين لموسى الكليم عليه السلام، وقد أنشد ~~بعضهم في هذا المعنى: # إذا المرء لم يخلق سعيدا من الأزل # فقد خاب من ربى وخاب المؤمل # فموسى الذي رباه جبريل كافر # وموسى الذي رباه فرعون مرسل ### || [7.150-170] # المناسبة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن قصة موسى عليه السلام مع ~~بني إسرائيل، وما أغدق الله عليهم من النعم، وما قابلوها به من الجحود ~~والعصيان، وقد ذكرت الآيات قصة # أصحاب القرية # [يس: 13] واعتداءهم يوم السبت بالاصطياد فيه وكيف أن الله تعالى مسخهم ~~قردة، وفي ذلك عبرة للمعتبرين. # اللغة: { أسفا } الأسف: شدة الحزن أو الغضب يقال هو أسف وأسيف { ~~ابن أم } أصلها ابن أمي وهي استعطاف ولين { تشمت } الشماتة: ~~السرور بما يصيب الإنسان من مكروه وفي الحديث # " وأعوذ بك من شماتة الأعداء " # { الرجفة } الزلزلة الشديدة { هدنآ } تبنا يقال: هاد يهود ~~إذا تاب ورجع فهو هائد قال الشاعر: إني امرؤ مما جنيت هائد { ~~إصرهم } التكاليف الشاقة وأصل الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه عن ~~الحراك { الأغلال } جمع غل وهو ما يوضع في العنق أو اليد من ~~الحديد { عزروه } وقروه ms0490 ونصروه { أسباطا } جمع سبط وهو ولد ~~الولد أو ولد البنت ثم أطلق على كل قبيلة من بني إسرائيل { تأذن } ~~آذن من الإيذان بمعنى الإعلام { يسومهم } يذيقهم { خلف } بسكون ~~اللام من يخلف غيره بالسوء والشر وأما بفتح اللام فهو من يخلف غيره ~~بالخير ومنه قولهم: " جعلك الله خير خلف لخير سلف ". # التفسير: { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ~~} أي ولما رجع موسى من المناجاة { غضبان } مما فعلوه من عبادة العجل ~~{ أسفا } أي شديد الحزن { قال بئسما خلفتموني من ~~بعدي } أي بئس ما فعلتموه بعد غيبتي حيث عبدتم العجل { أعجلتم ~~أمر ربكم } أي أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حتى يرجع من ~~الطور؟ والاستفهام للإنكار { وألقى الألواح وأخذ برأس ~~أخيه يجره إليه } أي طرح الألواح لما عراه من شدة الغضب، ~~وفرط الضجر غضبا لله من عبادة العجل، وأخذ بشعر رأس أخيه هارون يجره ~~إليه ظنا منه أنه قصر في كفهم عن ذلك وكان عليه السلام شديد الغضب لله ~~سبحانه قال ابن عباس: لما عاين قومه وقد عكفوا على العجل ألقى الألواح ~~فكسرها غضبا لله وأخذ برأس أخيه يجره إليه { قال ابن أم إن ~~القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني } أي قال هارون يا ~~ابن أمي - وهو نداء استعطاف وترفق - إن القوم استذلوني وقهروني وقاربوا ~~قتلي حين نهيتهم عن ذلك فأنا لم أقصر في نصحهم { فلا تشمت بي ~~الأعدآء ولا تجعلني مع القوم الظالمين } أي لا ~~تسئ إلي حتى يسر الأعداء بي ويشمتوا بإهانتك إلي ولا تجعلني في ~~عداد الظالمين بالمؤاخذة أو النسبة إلى التقصير قال مجاهد: { ~~الظالمين } أي الذين عبدوا العجل { قال رب اغفر لي ~~ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين } ~~لما تحقق لموسى براءة ساحة هارون عليه السلام من التقصير طلب عند ذلك ~~المغفرة له ولأخيه فقال { اغفر لي ولأخي } الآية قال الزمخشري: ~~استغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، ولأخيه مما عسى أن يكون فرط منه في ~~حين الخلافة، وطلب ألا يتفرقا عن رحمته، ولا تزال منتظمة لهما في ms0491 الدنيا ~~والآخرة { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب ~~من ربهم وذلة في الحياة الدنيا } أي إن الذين عبدوا ~~العجل - ذكر البقر - واتخذوه إلها سيصيبهم غضب شديد من الرحمن، وينالهم ~~في الدنيا الذل والهوان قال ابن كثير: أما الغضب الذي نال بني إسرائيل ~~فهو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة حتى قتل بعضهم بعضا، وأما الذلة ~~فأعقبهم ذلك ذلا وصغارا في الحياة الدنيا { وكذلك نجزي ~~المفترين } أي كما جازينا هؤلاء بإحلال الغضب والإذلال كذلك نجزي ~~كل من افترى الكذب على الله قال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل { ~~والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها ~~وآمنوا } أي عملوا القبائح والمعاصي ثم تابوا ورجعوا إلى الله من ~~بعد اقترافها وداموا على إيمانهم وأخلصوا فيه { إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم } أي إن ربك يا محمد من بعد تلك التوبة ~~لغفور لذنوبهم رحيم بهم قال الألوسي: وفي الآية إعلام بأن الذنوب وإن ~~جلت وعظمت فإن عفو الله تعالى وكرمه أعظم وأجل، وما ألطف قول أبي ~~نواس غفر الله تعالى له: # يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة # فلقد علمت بأن عفوك أعظم # إن كان لا يرجوك إلا محسن # فبمن يلوذ ويستجير المجرم؟ # { ولما سكت عن موسى الغضب } أي سكن غضب موسى على أخيه ~~وقومه { أخذ الألواح } أي ألواح التوراة التي كان ألقاها { وفي ~~نسختها هدى ورحمة } أي وفيما نسخ فيها وكتب هداية للحق ~~ورحمة للخلق بإرشادهم إلى ما فيه سعادة الدارين { للذين هم ~~لربهم يرهبون } أي هذه الرحمة للذين يخافون الله ويخشون عقابه ~~على معاصيه { واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا } أي اختار موسى من قومه سبعين رجلا ممن لم يعبدوا العجل ~~للوقت الذي وعده ربه الإتيان فيه للاعتذار عن عبادة العجل { فلما ~~أخذتهم الرجفة } أي فلما رجف بهم الجبل وصعقوا { قال رب ~~لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } أي قال موسى على ~~وجه التضرع والإستسلام لأمر الله: لو شئت يا رب أن تهلكنا قبل ذلك ~~لفعلت فإنا عبيدك وتحت قهرك وأنت ms0492 تفعل ما تشاء { أتهلكنا بما ~~فعل السفهآء منآ }؟ أي أتهلكنا وسائر بني إسرائيل بما فعل ~~هؤلاء السفهاء السبعون في قولهم: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153]؟ والاستفهام استفهام استعطاف وتذلل فكأنه يقول: لا تعذبنا ~~يا ألله بذنوب غيرنا قال الطبري في رواية السدي: إن الله أمر موسى عليه ~~السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ~~ووعدهم موعدا فاختار موسى من قومه سبعين رجلا على عينه ثم ذهب بهم ~~ليعتذروا فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله ~~جهرة، فإنك قد كلمته فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ~~ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني اسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت ~~خيارهم لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي " أقول: إذا كان هذا قول الأخيار من ~~بني اسرائيل فكيف حال الأشرار منهم؟ نعوذ بالله من خبث اليهود { إن ~~هي إلا فتنتك } أي ما هذه الفتنة التي حدثت لهم إلا محنتك ~~وابتلاؤك تمتحن بها عبادك { تضل بها من تشآء وتهدي من ~~تشآء } أي تضل بهذه المحنة من تشاء إضلاله وتهدي من تشاء هدايته { ~~أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا } أي أنت يا رب متولي ~~أمورنا وناصرنا وحافظنا فاغفر لنا ما قارفناه من المعاصي وارحمنا برحمتك ~~الواسعة الشاملة { وأنت خير الغافرين } أي أنت خير من صفح ~~وستر، تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة { واكتب لنا في هذه ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة } هذا من جملة دعاء موسى عليه ~~السلام أي حقق وأثبت لنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة { إنا ~~هدنآ إليك } أي تبنا ورجعنا إليك من جميع ذنوبنا { قال ~~عذابي أصيب به من أشآء ورحمتي وسعت كل شيء ~~} أي قال تعالى أما عذابي فأصيب به من أشاء من عبادي وأما رحمتي فقد ~~عمت خلقي كلهم قال أبو السعود: وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة ~~المضارع ونسبة السعة إلى الرحمة بصيغة الماضي إيذان بأن الرحمة مقتضى ~~الذات، وأما العذاب فبمقتضى معاصي العباد { فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم ms0493 بآياتنا ~~يؤمنون } أي سأجعل هذه الرحمة خاصة في الآخرة بالذين يتقون الكفر ~~والمعاصي ويعطون زكاة أموالهم ويصدقون بجميع الكتب والأنبياء { ~~الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } أي هؤلاء ~~الذين تنالهم الرحمة هم الذين يتبعون محمدا صلى الله عليه وسلم النبي ~~العربي الأمي أي الذي لا يقرأ ولا يكتب قال البيضاوي: وإنما سماه رسولا ~~بالإضافة إلى الله تعالى، ونبيا بالإضافة إلى العباد { الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } أي ~~الذي يجدون نعته وصفته في التوراة والإنجيل قال ابن كثير: هذه صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء، بشروا أممهم ببعثته وأمروهم ~~بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم { ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر } أي لا يأمر ~~إلا بكل شيء مستحسن ولا ينهي إلا عن كل شيء قبيح { ويحل لهم ~~الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث } أي يحل لهم ما حرم ~~عليهم من الأشياء الطيبة بشؤم ظلمهم ويحرم عليهم ما يستخبث من نحو الدم ~~والميتة ولحم الخنزير { ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التي كانت عليهم } أي يخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة ~~التي تشبه الأغلال كقتل النفس في التوبة وقطع موضع النجاسة من الثوب ~~والقصاص من القاتل عمدا كان القتل أو خطأ وشبه ذلك { فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه } أي فالذين صدقوا بمحمد وعظموه ~~ووقروه ونصروا دينه { واتبعوا النور الذي أنزل معه } ~~أي واتبعوا قرآنه المنير وشرعه المجيد { أولئك هم ~~المفلحون } أي هم الفائزون بالسعادة السرمدية { قل يأيها ~~الناس إني رسول الله إليكم جميعا } هذا بيان لعموم ~~رسالته صلى الله عليه وسلم لجميع الخلق أي قل يا محمد للناس إني رسول من ~~عند الله إلى جميع أهل الأرض { الذي له ملك السموت ~~والأرض } أي المالك لجميع الكائنات { لا إله إلا هو ~~يحيي ويميت } أي لا رب ولا معبود سواه فهو الإله القادر على ~~الإحياء والإفناء { فآمنوا بالله ورسوله } أي صدقوا ~~بآيات الله وصدقوا برسوله المبعوث إلى جميع خلقه { النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلماته } أي آمنوا بالنبي الأمي صاحب ms0494 ~~المعجزات الذي لا يقرأ ولا يكتب المصدق بالكتب التي أنزلها الله عليه ~~وعلى غيره من الأنبياء { واتبعوه لعلكم تهتدون } أى ~~اسلكوا طريقه واقتفوا أثره رجاء اهتدائكم إلى المطلوب { ومن قوم ~~موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } أى ومن بنى ~~إسرائيل جماعة مستقيمون على شريعة الله يهدون الناس بكلمة الحق لا يجورون ~~قال الزمخشري: لما ذكر تعالى الذين تزلزلوا منهم في الدين وارتابوا حتى ~~أقدموا على العظيمتين: عبادة العجل، وطلب رؤية الله، ذكر أن منهم أمة ~~موقنين ثابتين يهدون الناس بكلمة الحق ويدلونهم ويرشدونهم على الاستقامة ~~{ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما } أي وفرقنا ~~بني اسرائيل فجعلناهم قبائل شتى اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولدا من ~~أولاد يعقوب قال أبو حيان: أي فرقناهم وميزناهم أسباطا ليرجع أمر كل ~~سبط أي " قبيلة " إلى رئيسه ليخف أمرهم على موسى لئلا يتحاسدوا فيقع ~~الهرج، ولهذا فجر لهم اثنتي عشرة عينا لئلا يتنازعوا ويقتتلوا على ~~الماء، وجعل لكل سبط نقيبا ليرجعوا في أمورهم إليه { وأوحينآ ~~إلى موسى إذ استسقاه قومه } أي حين استولى عليهم العطش ~~في التيه { أن اضرب بعصاك الحجر } أي أوحينا إليه أن يضرب ~~الحجر بعصاه فضربه { فانبجست منه اثنتا عشرة عينا } أي ~~انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينا من الماء بعدد الأسباط { قد علم ~~كل أناس مشربهم } أي قد عرف كل سبط وجماعة منهم عينهم ~~الخاصة بهم قال الطبري: لا يدخل سبط على غيره في شربه { وظللنا ~~عليهم الغمام } أي جعلنا الغمام يكنهم من حر الشمس ويقيهم من ~~أذاها قال الألوسي: وكان الظل يسير بسيرهم ويسكن بإقامتهم { ~~وأنزلنا عليهم المن والسلوى } أي وأكرمناهم بطعام ~~شهي هو { المن } وهي شيء حلو ينزل على الشجر يجمعونه ويأكلونه و { ~~والسلوى } وهو طائر لذيذ اللحم يسمى السماني، كل ذلك من إفضال ~~الله وإنعامه عليهم دون جهد منهم { كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم } أي وقلنا لهم كلوا من هذا الشيء الطيب اللذيذ الذي ~~رزقناكم إياه { وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون } في الكلام محذوف تقديره: فكفروا بهذه ms0495 النعم الجليلة وما ~~ظلمونا بذلك ولكن ظلموا أنفسهم حيث عرضوها بالكفر لعذاب الله { وإذ ~~قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث ~~شئتم } أي واذكر لهم حين قلنا لأسلافهم اسكنوا بيت المقدس وكلوا من ~~مطاعمها وثمارها من أي جهة ومن أي مكان شئتم منها { وقولوا حطة } ~~أي وقولوا حين دخولكم: يا ألله حط عنا ذنوبنا { نغفر لكم ~~خطيئاتكم } أي نمح عنكم جميع الذنوب التي سلفت منكم { سنزيد ~~المحسنين } أي وسنزيد من أحسن عمله بامتثال أمر الله وطاعته فوق ~~الغفران دخول الجنان { فبدل الذين ظلموا منهم قولا ~~غير الذي قيل لهم } أي غير الظالمون منهم أمر الله بقولهم ~~كلاما لا يليق حيث قالوا بدل { حطة } حنطة في شعيرة وبدل أن يدخلوا ~~ساجدين خشوعا لله دخلوا يزحفون على أستاههم " أدبارهم " سخرية واستهزاء ~~بأوامر الله { فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء بما ~~كانوا يظلمون } أي فأرسلنا عليهم عذابا من السماء بسبب ظلمهم ~~وعدوانهم المستمر سابقا ولاحقا قال أبو السعود: والمراد بالعذاب " ~~الطاعون " روي أنه مات منهم في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا { ~~وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر } أي ~~واسأل يا محمد اليهود عن أخبار أسلافهم وعن أمر القرية التي كانت بقرب ~~البحر وعلى شاطئه ماذا حل بهم لما عصوا أمر الله واصطادوا يوم السبت؟ ~~ألم يمسخهم الله قردة وخنازير؟ قال ابن كثير: وهذه القرية هي (أيلة) وهي ~~على شاطئ بحر القلزم { إذ يعدون في السبت } أي يتجاوزون حد ~~الله فيه وهو اصطيادهم يوم السبت { إذ تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم شرعا } أي حين كانت الحيتان " الأسماك " تأتيهم يوم السبت ~~- وقد حرم عليهم الصيد فيه - كثيرة ظاهرة على وجه الماء { ويوم ~~لا يسبتون لا تأتيهم } أي وفي غير يوم السبت وهي سائر الأيام ~~لا تأتيهم بل تغيب عنهم وتختفي { كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون } أي مثل ذلك البلاء العجيب نختبرهم ونمتحنهم بإظهار السمك ~~لهم على وجه الماء في اليوم المحرم عليهم صيده وإخفائها عنهم في اليوم ~~الحلال بسبب فسقهم وانتهاكهم حرمات الله قال القرطبي: ms0496 روي أنها كانت في ~~زمن داود عليه السلام وأن إبليس أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أخذها ~~يوم السبت فاتخذوا الحياض فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة فتبقى ~~فيها فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء فيأخذونها يوم الأحد ويحتالون في ~~صيدها { وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما ~~الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا } قال ابن ~~كثير: يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ~~ارتكبت المحظور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك ~~واعتزلتهم، وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة { لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم } أي لم تنهون هؤلاء وقد علمتم ~~أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم؟ { ~~قالوا معذرة إلى ربكم } أي قال الناهون: إنما نعظهم ~~لنعذر عند الله بقيامنا بواجب النصح والتذكير { ولعلهم يتقون ~~} أي ينزعون عما هم فيه من الإجرام قال الطبري: أي لعلهم أن يتقوا ~~الله فينيبوا إلى طاعته ويتوبوا من معصيتهم إياه وتعديهم الاعتداء في ~~السبت { فلما نسوا ما ذكروا به } أي فلما تركوا ما ذكرهم ~~به صلحاؤهم ترك الناسي للشيء وأعرضوا عن قبول النصيحة إعراضا كليا { ~~أنجينا الذين ينهون عن السوء } أي نجينا الناهين عن ~~الفساد في الأرض { وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس } ~~أي وأخذنا الظالمين العصاة بعذاب شديد وهم الذين ارتكبوا المنكر { بما ~~كانوا يفسقون } أي بسبب فسقهم وعصيانهم لأمر الله { فلما ~~عتوا عن ما نهوا عنه } أي فلما استعصوا وتكبروا عن ترك ما ~~نهوا عنه { قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } أي مسخناهم ~~إلى قردة وخنازير؛ والمعنى أنهم عذبوا أولا بعذاب شديد فلما لم يرتدعوا ~~وتمادوا في الطغيان مسخوا قردة وخنازير، والحاصل أن أصحاب القرية انقسموا ~~ثلاث فرق: فرقة عصت فحل بها العذاب، وفرقة نهت ووعظت فنجاها الله من ~~العذاب، وفرقة اعتزلت فلم تنه ولم تقارف المعصية وقد سكت عنها القرآن ~~قال ابن عباس: ما أدري ما فعل بالفرقة الساكتة أنجوا أم هلكوا؟ قال ~~عكرمة: فلم أزل ms0497 به حتى عرفته أنهم قد نجوا لأنهم كرهوا ما فعله أولئك، ~~فكساني حلة { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى ~~يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب } أي واذكر يا ~~محمد حين أعلم ربك ليسلطن على اليهود إلى قيام الساعة من يذيقهم أسوأ ~~العذاب بسبب عصيانهم ومخالفتهم أمر الله واحتيالهم على المحارم، وقد سلط ~~الله عليهم بختنصر فقتلهم وسباهم، وسلط عليهم النصارى فأذلوهم وضربوا ~~عليهم الجزية، وسلط عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فطهر الأرض من ~~رجسهم وأجلاهم عن الجزيرة العربية، وسلط عليهم أخيرا " هتلر " فاستباح ~~حماهم وكاد أن يبيدهم ويفنيهم بالقتل والتشريد في الأرض، ولا يزال وعد ~~الله بتسليط العذاب عليهم ساريا إلى أن يقتلهم المسلمون في المعركة ~~الفاصلة إن شاء الله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله { إن ربك ~~لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } أي سريع العقاب لمن ~~عصاه وغفور رحيم لمن أطاعه { وقطعناهم في الأرض أمما } ~~أي فرقناهم في البلاد طوائف وفرقا ففي كل بلدة فرقة منهم، وليس لهم ~~إقليم يملكونه حتى لا تكون لهم شوكة، وما اجتمعوا في الأرض المقدسة في ~~هذه الأيام إلا ليذبحوا بأيدي المؤمنين إن شاء الله كما وعد بذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: # " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود.. " # الحديث أخرجه مسلم ثم بين تعالى أنهم ليسوا جميعا فجارا بل فيهم ~~الأخيار وفيهم الأشرار فقال { منهم الصالحون ومنهم دون ~~ذلك } أي منهم من آمن وهم قلة قليلة ومنهم من انحط عن درجة الصلاح ~~بالكفر والفسوق وهم الكثرة الغالبة { وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات لعلهم يرجعون } أي اختبرناهم بالنعم والنقم ~~والشدة والرخاء لعلهم يرجعون عن الكفر والمعاصي { فخلف من ~~بعدهم خلف ورثوا الكتاب } قال ابن كثير: أي خلف من بعد ~~ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح خلف آخر لا خير فيهم ورثوا الكتاب ~~وهو التوراة عن آبائهم { يأخذون عرض هذا الأدنى ~~ويقولون سيغفر لنا } أي يأخذون ذلك الشيء الدنيء من حطام ~~الدنيا من حلال وحرام ويقولون متبجحين: سيغفر الله لنا ما فعلناه، وهذا ms0498 ~~اغترار منهم وكذب على الله { وإن يأتهم عرض مثله ~~يأخذوه } أي يرجون المغفرة وهم مصرون على الذنب كلما لاح لهم شيء ~~من حطام الدنيا أخذوه لا يبالون من حلال كان أو حرام { ألم يؤخذ ~~عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله ~~إلا الحق } الاستفهام للتوبيخ والتقريع أي ألم يؤخذ عليهم العهد ~~المؤكد في التوراة أن يقولوا الحق ولا يكذبوا على الله؟ فكيف يزعمون أنه ~~سيغفر لهم مع إصرارهم على المعاصي وأكل الحرام؟ { ودرسوا ما فيه ~~} في هذا أعظم التوبيخ لهم أي والحال أنهم درسوا ما في الكتاب وعرفوا ما ~~فيه المعرفة التامة من الوعيد على قول الباطل والافتراء على الله { ~~والدار الآخرة خير للذين يتقون } أي والآخرة خير ~~للذين يتقون الله بترك الحرام { أفلا تعقلون }؟ الاستفهام ~~للإنكار أي فلا ينزجرون ويعقلون؟ والمراد أنهم لو كانوا عقلاء لما آثروا ~~الفانية على الباقية { والذين يمسكون بالكتاب ~~وأقاموا الصلاة } أي يتمسكون في أمور دينهم بما أنزله الله ~~ويحافظون على أداء الصلاة في أوقاتها { إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين } أي لا نضيع أجرهم بل نجزيهم على تمسكهم وصلاحهم أفضل ~~وأكرم الجزاء. # البلاغة: 1- { ولما سكت عن موسى الغضب } شبه الغضب ~~بإنسان يرعد ويزبد ويزمجر بصوته آمرا بالانتقام ثم اختفى هذا الصوت ~~وسكت، ففي الكلام " استعارة مكنية " ويا له من تصوير لطيف يستشعر جماله ~~كل ذي طبع سليم وذوق صحيح. # 2- بين لفظ " تضل " و " تهدي " طباق وكذلك بين لفظ " يحيي " و " يميت ~~". # 3- { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ~~ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث } ~~فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة، وهي أن يؤتى بمعنيين أو ~~أكثر ثم يؤتى بما يقابلها على الترتيب. # 4- { ويضع عنهم إصرهم والأغلال } استعار الإصر ~~والأغلال للأحكام والتكاليف الشاقة. # 5- { أفلا تعقلون } التفات من الغيبة إلى الخطاب زيادة في ~~التوبيخ والتأنيب. # فائدة: الخلف بفتح اللام من يخلف غيره بالخير، والخلف بسكون ~~اللام من يخلف غيره في الشر ومنه قوله تعالى # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا # [مريم: 59] وهذه ms0499 الآية { فخلف من بعدهم خلف ورثوا ~~الكتاب } والله أعلم. ### || [7.171-186] # المناسبة: لما حكى تعالى عن بني إسرائيل عصيانهم وتمردهم على أوامر ~~الله، حكى هنا ما عاقبهم به من اقتلاع جبل الطور وسحقهم به إن لم يعملوا ~~بأحكام التوراة، ثم ذكر تعالى مثلا لعلماء السوء في قصة الذي انسلخ ~~عن آيات الله طمعا في حطام الدنيا وضرب له مثلا بالكلب اللاهث في ~~حالتي التعب والراحة، وكفى به تصويرا لنفسية اليهود في تكالبهم على ~~الدنيا وعبادتهم للمال. # اللغة: { نتقنا } النتق: الجذب بقوة قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع ~~الشيء من موضعه والرمي به { ظلة } الظلة: كل ما أظلك من سقف أو ~~سحابة أو جناح حائط والجمع ظلل وظلال { وظنوا } علموا أو ~~أيقنوا { انسلخ } الانسلاخ: الخروج يقال لكل من فارق شيئا بالكلية ~~انسلخ منه وانسلخت الحية من جلدها أي خرجت منه { أخلد } مال الى ~~الشيء وركن إليه وأصله اللزوم يقال أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة ~~به ومنه الخلود في الجنة { يلهث } قال الجوهري: لهث الكلب ~~يلهث إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش { ذرأنا } خلقنا { ~~يلحدون } الإلحاد: الميل عن القصد والاستقامة يقال: ألحد في الدين ~~ولحد فهو ملحد لانحرافه عن تعاليم الدين. # التفسير: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم } أي اذكر حين ~~اقتلعنا جبل الطور ورفعناه فوق رءوس بني إسرائيل { كأنه ظلة } ~~أي كأنه سقيفة أو ظلة غمام { وظنوا أنه واقع بهم } أي ~~أيقنوا أنه ساقط عليهم إن لم يمتثلوا الأمر قال المفسرون: روي أنهم أبوا ~~أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها فرفع الله الطور على رءوسهم وقيل ~~لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم فلما نظروا إلى الجبل ~~خر كل واحد منهم ساجدا خوفا من سقوطه ثم قال تعالى { خذوا مآ ~~ءاتينكم بقوة } أي وقلنا لهم خذوا التوراة بجد وعزيمة { ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون } أي اذكروا ما فيه ~~بالعمل واعملوا به لتكونوا في سلك المتقين { وإذ أخذ ربك من ~~بني ءادم من ظهورهم ذريتهم } قال الطبري: أي واذكر ~~يا محمد إذ ms0500 استخرج ربك أولاد آدم من أصلاب آبائهم فقررهم بتوحيده وأشهد ~~بعضهم على بعض بذلك قال ابن عباس: مسح الله ظهر آدم فاستخرج منه كل ~~نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة. { وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ } أي وقررهم على ~~ربوبيته ووحدانيته فأقروا بذلك والتزموه { أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } أي لئلا تقولوا ~~يوم الحساب إنا كنا عن هذا الميثاق والإقرار بالربوبية غافلين لم ننبه ~~عليه { أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل ~~وكنا ذرية من بعدهم } أي ولكيلا تقولوا يوم القيامة ~~أيضا نحن ما أشركنا وإنما قلدنا آباءنا واتبعنا منهاجهم فنحن معذورون { ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون } أي أفتهلكنا بإشراك من ~~أشرك من آبائنا المضلين بعد اتباعنا منهاجهم على جهل منا بالحق؟ { ~~وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون } أي وكما بينا ~~الميثاق نبين الآيات ليتدبرها الناس وليرجعوا عما هم عليه من الإصرار ~~على الباطل وتقليد الآباء { واتل عليهم نبأ الذي ~~ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها } أي واتل يا محمد على ~~اليهود خبر وقصة ذلك العالم الذي علمناه علم بعض كتب الله فانسلخ من ~~الآيات كما تنسلخ الحية من جلدها بأن كفر بها وأعرض عنها { فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين } أي فلحقه الشيطان واستحوذ عليه ~~حتى جعله في زمرة الضالين الراسخين في الغواية بعد أن كان من المهتدين ~~قال ابن عباس: هو " بلعم بن باعوراء " كان عنده اسم الله الأعظم وقال ابن ~~مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى إلى ملك " مدين " داعيا إلى ~~الله فرشاه الملك وأعطاه الملك على أن يترك دين موسى ويتابع الملك على ~~دينه ففعل وأضل الناس بذلك { ولو شئنا لرفعناه بها ~~ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه } أي لو شئنا ~~لرفعناه إلى منزل العلماء الأبرار ولكنه مال إلى الدنيا وسكن إليها وآثر ~~لذتها وشهواتها على الآخرة واتبع ما تهواه نفسه فانحط أسفل سافلين { ~~فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث } أي فمثله في الخسة والدناءة كمثل الكلب إن طردته ms0501 ~~وزجرته فسعى لهث، وإن تركته على حاله لهث، وهو تمثيل بادي الروعة ~~ظاهر البلاغة { ذلك مثل القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا } أي هذا المثل السيء هو مثل لكل من كذب بآيات الله، وفيه ~~تعريض باليهود فقد أوتوا التوراة وعرفوا صفة النبي عليه الصلاة والسلام ~~فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وانسلخوا من حكم التوراة { فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون } أي اقصص على أمتك ما أوحينا إليك ~~لعلهم يتدبرون فيها ويتعظون { سآء مثلا القوم الذين ~~كذبوا بآياتنا } أي بئس مثلا مثل القوم المكذبين بآيات الله { ~~وأنفسهم كانوا يظلمون } أي وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم ~~فإن وباله لا يتعداها { من يهد الله فهو المهتدي ومن ~~يضلل فأولئك هم الخاسرون } أي من هداه الله فهو ~~السعيد الموفق، ومن أضله فهو الخائب الخاسر لا محالة، والغرض من الآية ~~بيان أن الهداية والإضلال بيد الله { ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس } أي خلقنا لجهنم ليكونوا حطبا لها ~~خلقا كثيرا كائنا من الجن والإنس، والمراد بهم الذين حقت عليهم ~~الكلمة الأزلية بالشقاوة { لهم قلوب لا يفقهون بها } أي ~~لهم قلوب لا يفهمون بها الحق { ولهم أعين لا يبصرون بها ~~} أي لا يبصرون بها دلائل قدرة الله بصر اعتبار { ولهم آذان لا ~~يسمعون بهآ } أي لا يسمعون بها الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ، ~~وليس المراد نفي السمع والبصر بالكلية وإنما المراد نفيها عما ينفعها في ~~الدين { أولئك كالأنعام بل هم أضل } أي هم ~~كالحيوانات في عدم الفقه والبصر والاستماع هم أسوأ حالا من الحيوانات ~~فإنها تدرك منافعها ومضارها وهؤلاء لا يميزون بين المنافع والمضار ولهذا ~~يقدمون على النار { أولئك هم الغافلون } أي الغارقون في ~~الغفلة { ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها } أي لله ~~الأسماء التي هي أحسن الأسماء وأجلها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها ~~فسموه بتلك الأسماء { وذروا الذين يلحدون في أسمآئه ~~} أي اتركوا الذين يميلون في أسمائه تعالى عن الحق كما فعل المشركون حيث ~~اشتقوا لآلهتهم أسماء منها كاللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة ~~من المنان { سيجزون ms0502 ما كانوا يعملون } أي سينالون جزاء ~~ما عملوا في الآخرة { وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون } أي ومن بعض الأمم التي خلقنا أمة مستمسكة بشرع الله ~~قولا وعملا يدعون الناس إلى الحق وبه يعملون ويقضون قال ابن كثير: ~~والمراد في الآية هذه الأمة المحمدية لحديث # " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من ~~خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " # وهذه الطائفة لا تختص بزمان دون زمان بل هم في كل زمان وفي كل مكان، ~~فالإسلام دائما يعلو ولا يعلى عليه وإن كثر الفساق وأهل الشر فلا ~~عبرة فيهم ولا صولة لهم، وفي الحديث بشارة عظيمة لهذه الأمة المحمدية ~~بأن الإسلام في علو شرف وأهله كذلك إلى قرب الساعة { والذين ~~كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~} أي والذين كذبوا بالقرآن من أهل مكة وغيرهم سنأخذهم قليلا وندنيهم من ~~الهلاك من حيث لا يشعرون قال البيضاوي: وذلك بأن تتواتر عليهم النعم، ~~فيظنوا أنها لطف من الله تعالى بهم فيزدادوا بطرا وانهماكا في الغي ~~حتى تحق عليهم كلمة العذاب { وأملي لهم } أي وأمهلهم ثم آخذهم أخذ ~~عزيز مقتدر كما في الحديث الشريف # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # { إن كيدي متين } أي أخذي وعقابي قوي شديد وإنما سماه كيدا ~~لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان { أولم يتفكروا ما ~~بصاحبهم من جنة } أي أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بآيات الله ~~فيعلموا أنه ليس بمحمد صلى الله عليه وسلم جنون بل هو رسول الله حقا ~~أرسله الله لهدايتهم، وهذا نفي لما نسبه له المشركون من الجنون في قولهم # يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر: 6] { إن هو إلا نذير مبين } أي ليس محمد إلا رسول ~~منذر أمره بين واضح لمن كان له لب أو قلب يعقل به ويعي { أولم ~~ينظروا في ملكوت السموت والأرض } أي أولم ينظروا ~~نظر استدلال في ملك الله الواسع مما يدل على عظم الملك وكمال القدرة، ~~والاستفهام للإنكار والتعجب ms0503 والتوبيخ { وما خلق الله من شيء ~~} أي وفي جميع مخلوقات الله الجليل فيها والدقيق فيستدلوا بذلك على كمال ~~قدرة صانعها وعظم شأن مالكها ووحدة خالقها ومبدعها؟ { وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم } أي وأن يتفكروا لعلهم يموتون عن ~~قريب فينبغي لهم أن يسارعوا إلى النظر والتدبر فيما يخلصهم عند الله قبل ~~حلول الأجل { فبأي حديث بعده يؤمنون } أي فبأي حديث بعد ~~القرآن يؤمنون إذا لم يؤمنوا به وهو النهاية في الظهور والبيان { من ~~يضلل الله فلا هادي له } أي من كتب الله عليه الضلالة فإنه ~~لا يهديه أحد { ويذرهم في طغيانهم يعمهون } أي ويتركهم ~~في كفرهم وتمردهم يترددون ويتحيرون. # البلاغة: 1 - { وإذ أخذ ربك } فيه التفات من المتكلم إلى ~~المخاطب والأصل وإذ أخذنا والنكتة في ذلك تعظيم شأن الرسول بتوجيه ~~الخطاب له، ولا يخفى أيضا ما في الإضافة إلى ضميره عليه السلام { ~~ربك } من التكريم والتشريف، وفي الآية البيان بعد الإبهام والتفصيل ~~بعد الإجمال { فانسلخ منها } أي خرج منها بالكلية انسلاخ الجلد ~~من الشاة قال أبو السعود: التعبير عن الخروج منها بالانسلاخ للإيذان ~~بكمال مباينته للآيات بعد أن كان بينهما كمال الاتصال { فمثله ~~كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه ~~يلهث } فيه تشبيه تمثيلي أي حاله التي هي مثل في السوء كحال أخس ~~الحيوانات وأسفلها وهي حالة الكلب في دوام لهثه في حالتي التعب والراحة ~~فالصورة منتزعة من متعدد ولهذا يسمى التشبيه التمثيلي { أولئك ~~كالأنعام } التشبيه هنا مرسل مجمل. # فائدة: روي عن ابن عباس في قوله تعالى { ألست بربكم ~~قالوا بلى } أنه قال: لو قالوا نعم لكفروا، ووجهه أن " نعم " ~~تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب فكأنهم أقروا أنه ليس ربهم بخلاف " بلى " ~~فإنها حرف جواب وتختص بالنفي وتفيد إبطاله فالمعنى بلى أنت ربنا ولو ~~قالوا نعم لصار المعنى نعم لست ربنا فهذا وجه قول ابن عباس فتنبه له ~~فإنه دقيق. # تنبيه: في الحديث الشريف # " إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة " # رواه الترمذي قال العلماء: معناه ms0504 من حفظها وتفكر في مدلولها دخل الجنة ~~وليس المراد حصر أسمائه تعالى في هذه التسعة والتسعين بدليل ما جاء في ~~الحديث الآخر # " اسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " # وقد ذكر ابن العربي عن بعضهم أن لله تعالى ألف اسم. ### || [7.187-206] # المناسبة: لما ذكر تعالى موقف المستهزئين من دعوة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ذكر هنا طرفا من عنادهم واستهزائهم بسؤالهم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عن وقت قيام الساعة، ثم ذكر الحجج والبراهين على بطلان عقيدة ~~المشركين في عبادة الأوثان والأصنام، وختم السورة الكريمة ببيان عظمة شأن ~~القرآن ووجوب الاستماع والإنصات عند تلاوته. # اللغة: { مرساها } استقرارها وحصولها من أرساه إذا أثبته وأقره ~~ومنه رست السفينة إذا ثبتت ووقفت { يجليها } يظهرها، والتجلية: ~~الكشف والإظهار { حفي } الحفي: المستقصي للشيء المعتني بأمره قال ~~الأعشى: # فإن تسألي عني فيا رب سائل # حفي عن الأعشى به حيث أصعدا # والإحفاء الاستقصاء ومنه إحفاء الشوارب وحفي عن الشيء إذا بحث للتعرف ~~عن حاله { العرف } المعروف وهو كل خصلة حميدة ترتضيها العقول وتطمئن ~~إليها النفوس { الآصال } جمع أصيل قال الجوهري: والأصيل الوقت بعد ~~العصر إلى المغرب. # سبب النزول: روي أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن ~~كنت نبيا فأخبرنا عن الساعة متى تقوم؟ فأنزل الله { يسألونك عن ~~الساعة أيان مرساها }. # التفسير: { يسألونك عن الساعة } أي يسألونك يا محمد عن ~~القيامة { أيان مرساها } أي متى وقوعها وحدوثها؟ وسميت القيامة ~~ساعة لسرعة ما فيها من الحساب كقوله # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل: 77] { قل إنما علمها عند ربي } أي قل لهم يا ~~محمد لا يعلم الوقت الذي يحصل قيام القيامة فيه إلا الله سبحانه ثم أكد ~~ذلك بقوله { لا يجليها لوقتهآ إلا هو } أي لا يكشف أمرها ~~ولا يظهرها للناس إلا الرب سبحانه بالذات فهو العالم بوقتها { ثقلت ~~في السموت والأرض } أي عظمت على أهل السماوات والأرض حيث ~~يشفقون منها ويخافون شدائدها وأهوالها { يسألونك كأنك حفي ~~عنها ms0505 } أي يسألونك يا محمد عن وقتها كأنك كثير السؤال عنها شديد الطلب ~~لمعرفتها { قل إنما علمها عند الله } أي لا يعلم وقتها ~~إلا الله لأنها من الأمور الغيبية التي استأثر بها علام الغيوب { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي لا يعلمون السبب ~~الذي لأجله أخفيت قال الإمام الفخر: والحكمة في إخفاء الساعة عن ~~العباد أنهم إذا لم يعلموا متى تكون كانوا على حذر منها فيكون ذلك أدعى ~~إلى الطاعة وأزجر عن المعصية { قل لا أملك لنفسي نفعا ~~ولا ضرا إلا ما شآء الله } أي لا أملك أن أجلب إلى نفسي ~~خيرا ولا أدفع عنها شرا إلا بمشيئته تعالى فكيف أملك علم الساعة؟ { ~~ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } أي لو ~~كنت أعرف أمور الغيب لحصلت كثيرا من منافع الدنيا وخيراتها ودفعت عني ~~آفاتها ومضراتها { وما مسني السوء } أي لو كنت أعلم الغيب ~~لاحترست من السوء ولكن لا أعلمه فلهذا يصيبني ما قدر لي من الخير ~~والشر { إن أنا إلا نذير وبشير } أي ما أنا إلا عبد مرسل ~~للإنذار والبشارة { لقوم يؤمنون } أي لقوم يصدقون بما جئتهم ~~به من عند الله { هو الذي خلقكم من نفس واحدة } أي ~~هو سبحانه ذلك العظيم الشأن الذي خلقكم جميعا وحده من غير معين من نفس ~~واحدة هي آدم عليه السلام { وجعل منها زوجها } أي وخلق منها ~~حواء { ليسكن إليها } أي ليطمئن إليها ويستأنس بها { فلما ~~تغشاها حملت حملا خفيفا } أي فلما جامعها حملت بالجنين ~~حملا خفيفا دون إزعاج لكونه نطفة في بادئ الأمر قال ابو السعود: فإنه ~~عند كونه نطفة أو علقة أخف عليها بالنسبة إلى ما بعد ذلك من المراتب، ~~والتعرض لذكر خفته للإشارة الى نعمته تعالى عليهم في إنشائه إياهم ~~متدرجين في أطوار الخلق من العدم إلى الوجود، ومن الضعف إلى القوة { ~~فمرت به } أي استمرت به إلى حين ميلاده { فلمآ أثقلت } ~~أي ثقل حملها وصارت به ثقيلة لكبر الحمل في بطنها { دعوا الله ~~ربهما } أي دعوا الله مربيهما ومالك أمرهما ms0506 { لئن آتيتنا ~~صالحا لنكونن من الشاكرين } أي لئن رزقتنا ولدا صالحا ~~سوي الخلقة لنشكرنك على نعمائك { فلمآ آتاهما صالحا } أي ~~فلما وهبهما الولد الصالح السوي { جعلا له شركآء فيمآ ~~آتاهما } أي جعل هؤلاء الأولاد والذرية شركاء مع الله فعبدوا الأوثان ~~والأصنام { فتعالى الله عما يشركون } أي تنزه وتقدس ~~الله عما ينسبه إليه المشركون { أيشركون ما لا يخلق شيئا ~~} الاستفهام للتوبيخ أي أيشركون مع الله ما لا يقدر على خلق شيء أصلا { ~~وهم يخلقون } أي والحال أن تلك الأوثان والآلهة مخلوقة فكيف ~~يعبدونها مع الله؟ قال القرطبي: وجمع الضمير بالواو والنون لأنهم اعتقدوا ~~أن الأصنام تضر وتنفع فأجريت مجرى الناس { ولا يستطيعون لهم ~~نصرا } أي لا تستطيع هذه الأصنام نصر عابديها { ولا أنفسهم ~~ينصرون } أي ولا ينصرون أنفسهم ممن أرادهم بسوء، فهم في غاية العجز ~~والذلة فكيف يكونون آلهة؟ { وإن تدعوهم إلى الهدى لا ~~يتبعوكم } أي أن الأصنام لا تجيب إذا دعيت إلى خير أو رشاد لأنها ~~جمادات { سوآء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صمتون ~~} أي يتساوى في عدم الإفادة دعاؤكم لهم وسكوتكم قال ابن كثير: يعني أن ~~هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها كما ~~قال إبراهيم # يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا # [مريم: 42] { إن الذين تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم } أي إن الذين تعبدونهم من دونه تعالى من الأصنام وتسمونهم ~~آلهة مخلوقون مثلكم بل الأناس أكمل منها لأنها تسمع وتبصر وتبطش وتلك لا ~~تفعل شيئا من ذلك فلهذا قال { فادعوهم فليستجيبوا لكم ~~إن كنتم صادقين } أمر على جهة التعجيز والتبكيت أي أدعوهم في ~~جلب نفع أو دفع ضر إن كنتم صادقين في دعوى أنها آلهة { ألهم ~~أرجل يمشون بهآ } توبيخ إثر توبيخ وكذلك ما بعده من الاستفهام ~~للتقريع والتوبيخ أي هل لهذه الأصنام { أم لهم أيد يبطشون ~~بهآ } أي أم هل لهم أيد تفتك وتبطش بمن أرادها بسوء؟ { أم لهم ~~أعين يبصرون بهآ } أي أم هل لهم ms0507 أعين تبصر بها الأشياء؟ { ~~أم لهم آذان يسمعون بها } أي أم هل لهم آذان تسمع بها ~~الأصوات؟ والغرض بيان جهلهم وتسفيه عقولهم في عبادة جمادات لا تسمع ولا ~~تبصر ولا تغني عن عابدها شيئا لأنها فقدت الحواس وفاقد الشيء لا يعطيه، ~~والإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام لوجود العقل والحواس فيه فكيف يليق ~~بالأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون الذي لا يحس منه فائدة ~~أبدا لا في جلب منفعة ولا في دفع مضرة؟! { قل ادعوا شركآءكم ~~} أي قل لهم يا محمد أدعوا أصنامكم واستنصروا واستعينوا بها علي { ~~ثم كيدون فلا تنظرون } أي ابذلوا جهدكم أنتم وهم في الكيد لي ~~وإلحاق الأذى والمضرة بي ولا تمهلون طرفة عين، فإني لا أبالي بكم ~~لاعتمادي على الله قال الحسن: خوفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بآلهتهم ~~فأمره تعالى أن يجابههم بذلك { إن وليي الله الذي نزل ~~الكتاب } أي إن الذي يتولى نصري وحفظي هو الله الذي نزل علي ~~القرآن { وهو يتولى الصالحين } أي هو جل وعلا يتولى عباده ~~الصالحين بالحفظ والتأييد، وهو وليهم في الدنيا والآخرة { والذين ~~تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ~~ينصرون } كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر { وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا } أي وإن تدعوا هذه ~~الأصنام إلى الهداية والرشاد لا يسمعوا دعاءكم فضلا عن المساعدة ~~والإمداد { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } ~~أي وتراهم يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد لا تبصر لأن لهم ~~صورة الأعين وهم لا يرون بها شيئا { خذ العفو } أمر له عليه ~~الصلاة والسلام بمكارم الأخلاق أي خذ بالسهل اليسير في معاملة الناس ~~ومعاشرتهم قال ابن كثير: وهذا أشهر الأقوال ويشهد له قول جبريل للرسول ~~صلى الله عليه وسلم # " إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك " # { وأمر بالعرف } أي بالمعروف والجميل المستحسن من الأقوال ~~والأفعال { وأعرض عن الجاهلين } أي لا تقابل السفهاء بمثل ~~سفههم بل احلم عليهم قال القرطبي: وهذا وإن ms0508 كان خطابا لنبيه عليه الصلاة ~~والسلام فهو تأديب لجميع خلقه { وإما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ } أي وإما يصيبنك يا محمد طائف من الشيطان ~~بالوسوسة والتشكيك في الحق { فاستعذ بالله } أي فاستجر بالله ~~والجأ إليه في دفعه عنك { إنه سميع عليم } أي سميع لما تقول ~~عليم بما تفعل { إن الذين اتقوا } أي الذين اتصفوا بتقوى ~~الله { إذا مسهم طائف من الشيطان } أي إذا أصابهم ~~الشيطان بوسوسته وحام حولهم بهواجسه { تذكروا } أي تذكروا عقاب ~~الله وثوابه { فإذا هم مبصرون } أي يبصرون الحق بنور البصيرة ~~ويتخلصون من وساوس الشيطان { وإخوانهم يمدونهم في ~~الغي } أي إخوان الشياطين الذين لم يتقوا الله وهم الكفرة الفجرة فإن ~~الشياطين تغويهم وتزين لهم سبل الضلال { ثم لا يقصرون } أي لا ~~يمسكون ولا يكفون عن إغوائهم { وإذا لم تأتهم بآية } أي ~~وإذا لم تأتهم بمعجزة كما اقترحوا { قالوا لولا اجتبيتها } ~~أي هلا اختلقتها يا محمد واخترعتها من عند نفسك؟! وهو تهكم منهم لعنهم ~~الله { قل إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ربي } أي قل ~~لهم يا محمد ليس الأمر إلي حتى آتي بشيء من عند نفسي وإنما أنا عبد ~~امتثل ما يوحيه الله إلي { هذا بصآئر من ربكم } أي هذا ~~القرآن الجليل حجج بينة، وبراهين نيرة يغني عن غيره من المعجزات فهو ~~بمنزلة البصائر للقلوب به يبصر الحق ويدرك { وهدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون } أي وهداية ورحمة للمؤمنين لأنهم المقتبسون من ~~أنواره والمنتفعون من أحكامه { وإذا قرىء القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا } أي وإذا تليت آيات القرآن فاستمعوها ~~بتدبر واسكتوا عند تلاوته إعظاما للقرآن وإجلالا { لعلكم ~~ترحمون } أي لكي تفوزوا بالرحمة { واذكر ربك في نفسك } ~~أي واذكر ربك سرا مستحضرا لعظمته وجلاله { تضرعا وخيفة } أي ~~متضرعا إليه وخائفا منه { ودون الجهر من القول } أي وسطا ~~بين الجهر والسر { بالغدو والآصال } أي في الصباح والعشي { ~~ولا تكن من الغافلين } أي ولا تغفل عن ذكر الله { إن ~~الذين عند ربك } أي الملائكة الأطهار { لا يستكبرون ~~عن عبادته } أي لا يتكبرون عن عبادة ربهم ms0509 { ويسبحونه } أي ~~ينزهونه عما لا يليق به { وله يسجدون } أي لا يسجدون إلا لله. # البلاغة: 1- { كأنك حفي عنها } التشبيه مرسل مجمل لذكر ~~أداة التشبيه وحذف وجه الشبه. # 2- { فلما تغشاها } التغشي هنا كناية عن الجماع وهو من ~~الكنايات اللطيفة. # 3- { ألهم أرجل يمشون بهآ.. } الخ هذا الأسلوب يسمى " ~~الإطناب " وفائدته زيادة التقريع والتوبيخ. # 4- { ينزغنك من الشيطان نزغ } شبه وسوسة الشيطان ~~وإغراءه الناس على المعاصي بالنزغ وهو إدخال الإبرة وما شابهها في ~~الجلد ففيه استعارة لطيفة. # 5- { هذا بصآئر من ربكم } فيه تشبيه بليغ وأصله هذا ~~كالبصائر، حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فهو بليغ ويرى بعض العلماء أنه ~~من قبيل المجاز المرسل حيث أطلق المسبب على السبب لأن القرآن لما كان ~~سببا لتنوير العقول أطلق عليه لفظ البصيرة. # لطيفة: حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول ~~لك الخطايا؟ قال: أجاهده قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده قال: فإن عاد؟ قال: ~~أجاهده، قال إن هذا يطول، أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنعك من ~~العبور ماذا تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي قال: هذا يطول عليك ولكن استغث ~~بصاحب الغنم يكفه عنك، فهذه فائدة الإستعاذة. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1-23] # اللغة: { الأنفال } الغنائم جمع نفل بالفتح وهو الزيادة وسميت ~~الغنائم به لأنها زيادة على القيام بحماية الدين والأوطان، وتسمى صلاة ~~التطوع نفلا، وولد الولد نافلة لهذا المعنى قال لبيد: # إن تقوى ربنا خير نفل # وبإذن الله ريثي والعجل # { وجلت } الوجل: الخوف والفزع { ذات الشوكة } الشوكة: السلاح ~~وأصلها من الشوك قال أبو عبيدة: ومجاز الشوكة الحد يقال: ما أشد شوكة ~~بني فلان أي حدهم { تستغيثون } الاستغاثة: طلب النصرة والعون { ~~مردفين } متتابعين يتلو بعضهم بعضا وردف وأردف بمعنى واحد أي تبع ~~قال الطبري: العرب تقول: أردفته وردفته بمعنى تبعته وأتبعته قال الشاعر: # إذا الجوزاء أردفت الثريا # { بنان } البنان: جمع بنانة وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين قال ~~عنترة: # وكان فتى الهيجاء يحمي ذمارها # ويضرب عند الكرب كل بنان # { زحفا } الزحف: الدنو قليلا مأخوذ من زحف الصبي ms0510 إذا مشى على أليته ~~قليلا قليلا ثم سمي به الجيش الكثير العدد لأنه لكثرته وتكاثفه يرى ~~كأنه يزحف زحفا { متحيزا } منضما يقال: تحيز أي انضم واجتمع ~~إلى غيره { بآء } رجع { موهن } مضعف { تستفتحوا } استفتح: ~~أي طلب الفتح والنصرة على عدوه. # سبب النزول: أ - عن ابن عباس قال: # " لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلا فله ~~كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا، فأما المشيخة فثبتوا تحت ~~الرايات، وأما الشبان فتسارعوا الى القتل والغنائم فقال المشيخة للشبان: ~~أشركونا معكم فإننا كنا لكم ردءا ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا فأبوا ~~واختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت { يسألونك عن ~~الأنفال } الآية فقسم صلى الله عليه وسلم الغنائم بينهم بالسوية ". # ب - روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ قبضة من تراب يوم بدر فرمى بها في ~~وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه فما بقي أحد من المشركين إلا أصاب عينيه ~~ومنخريه تراب من تلك القبضة وولوا مدبرين فنزلت { وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى.. } " # الآية. # التفسير: { يسألونك عن الأنفال } أي يسألك أصحابك يا محمد ~~عن الغنائم التي غنمتها من بدر لمن هي؟ وكيف تقسم؟ { قل الأنفال ~~لله والرسول } أي قل لهم: الحكم فيها لله والرسول لا لكم { ~~فاتقوا الله } أي اتقوا الله بطاعته واجتناب معاصيه { ~~وأصلحوا ذات بينكم } أي أصلحوا الحال التي بينكم بالائتلاف ~~وعدم الاختلاف { وأطيعوا الله ورسوله } أي أطيعوا أمر الله ~~وأمر رسوله في الحكم في الغنائم قال عبادة بن الصامت: نزلت فينا أصحاب ~~بدر حين اختلفنا وساءت أخلاقنا، فنزع الله الأنفال من أيدينا وجعلها ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمها على السواء فكان في ذلك تقوى الله، ~~وطاعة رسوله، وإصلاح ذات البين { إن كنتم مؤمنين } شرط حذف ~~جوابه أي إن كنتم حقا مؤمنين كاملين في الإيمان فأطيعوا الله ورسوله { ~~إنما المؤمنون } أي إنما الكاملون في الإيمان المخلصون فيه { ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } أي إذا ذكر اسم ms0511 ~~الله فزعت قلوبهم لمجرد ذكره، استعظاما لشأنه، وتهيبا منه جل وعلا { ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } أي إذا ~~تليت عليهم آيات القرآن ازداد تصديقهم ويقينهم بالله { وعلى ~~ربهم يتوكلون } أي لا يرجون غير الله ولا يرهبون سواه قال في ~~البحر: أخبر عنهم باسم الموصول بثلاث مقامات عظيمة وهي: مقام الخوف، ~~ومقام الزيادة في الإيمان، ومقام التوكل على الرحمن { الذين ~~يقيمون الصلاة } أي يؤدون الصلاة على الوجه الأكمل بخشوعها ~~وفروضها وآدابها { ومما رزقناهم ينفقون } أي وينفقون في ~~طاعة الله مما أعطاهم الله، وهو عام في الزكاة ونوافل الصدقات { ~~أولئك هم المؤمنون حقا } أي المتصفون بما ذكر من ~~الصفات الحميدة هم المؤمنون إيمانا حقا لأنهم جمعوا بين الإيمان ~~وصالح الأعمال { لهم درجات عند ربهم } أي لهم منازل رفيعة ~~في الجنة { ومغفرة } أي تكفير لما فرط منهم من الذنوب { ورزق ~~كريم } أي رزق دائم مستمر مقرون بالإكرام والتعظيم { كمآ ~~أخرجك ربك من بيتك بالحق } الكاف تقتضي مشبها قال ~~ابن عطية: شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي ~~هي سؤالهم عن الأنفال وكراهتهم لما وقع فيها، والمعنى: حالهم في كراهة ~~تنفيل الغنائم كحالهم في حالة خروجك للحرب وقال الطبري: المعنى: كما ~~أخرجك ربك بالحق على كره من فريق من المؤمنين كذلك يجادلونك في الحق ~~بعد ما تبين، والحق الذي كانوا يجادلون فيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد ما تبينوه هو القتال { وإن فريقا من المؤمنين ~~لكارهون } أي والحال أن فريقا منهم كارهون للخروج لقتال العدو ~~خوفا من القتل أو لعدم الاستعداد { يجادلونك في الحق بعد ~~ما تبين } أي يجادلونك يا محمد في شأن الخروج للقتال بعد أن وضح ~~لهم الحق وبان، وكان جدالهم هو قولهم: ما كان خروجنا إلا للعير ولو ~~عرفنا لاستعددنا للقتال { كأنما يساقون إلى الموت وهم ~~ينظرون } قال البيضاوي: أي يكرهون القتال كراهة من ينساق إلى الموت ~~وهو يشاهد أسبابه، وذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم، وفيه إيماء إلى أن ~~مجادلتهم إنما كانت لفرط فزعهم ورعبهم ms0512 { وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفتين أنها لكم } أي اذكروا حين وعدكم الله يا ~~أصحاب محمد إحدى الفرقتين أنها لكم غنيمة إما العير أو النفير { ~~وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم } أي وتحبون ~~أن تلقوا الطائفة التي لا سلاح لها وهي العير لأنها كانت محملة بتجارة ~~قريش قال المفسرون: # " روي أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها تجارة عظيمة برآسة أبي سفيان، ~~ونزل جبريل عليه السلام فقال يا محمد: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين: ~~إما العير وإما قريشا، فاستشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ~~فاختاروا العير لخفة الحرب وكثرة الغنيمة، فلما خرجوا بلغ الخبر أهل مكة ~~فنادى أبو جهل: يا أهل مكة النجاء النجاء، عيركم أموالكم إن أصابها ~~محمد فلن تفلحوا بعدها أبدا، فخرج المشركون على كل صعب وذلول ومعهم أبو ~~جهل حتى وصلوا بدرا، ونجت القافلة فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه وقال لهم: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد ~~أقبل، فقالوا يا رسول الله: عليك بالعير ودع العدو فغضب رسول الله فقام ~~سعد بن عبادة فقال: امض بنا لما شئت فإنا متبعوك، وقام سعد بن معاذ ~~فقال: والذي بعثك بالحق لو خضت بنا البحر لخضناه معك فسر بنا على بركة ~~الله، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه: سيروا على بركة ~~الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى ~~مصارع القوم " # { ويريد الله أن يحق الحق بكلماته } أي يظهر الدين ~~الحق وهو الإسلام بقتل الكفار وإهلاكهم يوم بدر { ويقطع دابر ~~الكافرين } أي يستأصل الكافرين ويهلكهم جملة من أصلهم قال في البحر: ~~والمعنى أنكم ترغبون في الفائدة العاجلة، وسلامة الأحوال، وسفساف الأمور، ~~والله تعالى يريد معالي الأمور، وإعلاء الحق، والفوز في الدارين، وشتان ~~ما بين المرادين، ولذلك اختار لكم ذات الشوكة وأراكهم عيانا خذلانهم، ~~فنصركم وهزمهم، وأذلهم وأعزكم { ليحق الحق ويبطل ~~الباطل } متعلق بمحذوف تقديره: ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ما فعل ~~والمراد إظهار الإسلام وإبطال ms0513 الكفر { ولو كره المجرمون } ~~أي ولو كره المشركون ذلك أي إظهار الإسلام وإبطال الشرك { إذ ~~تستغيثون ربكم } أي اذكروا حين تطلبون من ربكم الغوث بالنصر ~~على المشركين، روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى المشركين وهم ألف، وإلى ~~أصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو: اللهم ~~أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلن تعبد ~~في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأخذه أبو بكر فألقاه ~~على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك ~~فإنه سينجز لك ما وعدك فنزلت هذه الآية { فاستجاب لكم أني ~~ممدكم بألف من الملائكة } " # أي استجاب الله الدعاء بأني معينكم بألف من الملائكة { مردفين } أي ~~متتابعين يتبع بعضهم بعضا قال المفسرون: ورد أن جبريل نزل بخمسمائة ~~وقاتل بها في يمين الجيش، ونزل ميكائيل بخمسمائة وقاتل بها في يسار ~~الجيش، ولم يثبت أن الملائكة قاتلت في وقعة إلا في بدر، وأما في غيرها ~~فكانت تنزل الملائكة لتكثير عدد المسلمين ولا تقاتل { وما جعله ~~الله إلا بشرى } أي وما جعل إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم ~~بالنصر { ولتطمئن به قلوبكم } أي ولتسكن بهذا الإمداد ~~نفوسكم { وما النصر إلا من عند الله } أي وما النصر في ~~الحقيقة إلا من عند الله العلي الكبير فثقوا بنصره ولا تتكلوا على قوتكم ~~وعدتكم { إن الله عزيز حكيم } أي غالب لا يغلب يفعل ما ~~تقضي به الحكمة { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } أي ~~يلقي عليكم النوم أمنا من عنده سبحانه وتعالى، وهذه معجزة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حيث غشي الجميع النوم في وقت الخوف قال علي رضي ~~الله عنه: " ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا ~~إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى ~~أصبح " قال ابن كثير: وكأن ذلك كان للمؤمنين عند شدة البأس، لتكون قلوبهم ~~آمنة مطمئنة بنصر الله ms0514 { وينزل عليكم من السمآء مآء } ~~تعديد لنعمة أخرى، وذلك أنهم عدموا الماء في غزوة بدر فأنزل الله عليهم ~~المطر حتى سالت الأودية، وكان منهم من أصابته جنابة فتطهر بماء المطر { ~~ليطهركم به } أي من الأحداث والجنابات { ويذهب عنكم ~~رجز الشيطان } أي يدفع عنكم وسوسته وتخويفه إياكم من العطش، قال ~~البيضاوي: روي أنهم نزلوا في كثيب أعفر، تسوخ فيه الأقدام على غير ماء، ~~وناموا فاحتلم أكثرهم فوسوس إليهم الشيطان وقال: كيف تنصرون وقد غلبتم ~~على الماء، وأنتم تصلون محدثين مجنبين وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم ~~رسوله؟ فأنزل الله المطر حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الوسوسة { ~~وليربط على قلوبكم } أي يقويها بالثقة بنصر الله { ~~ويثبت به الأقدام } أي يثبت بالمطر الأقدام حتى لا تسوخ في ~~الرمل قال الطبري: ثبت بالمطر أقدامهم لأنهم كانوا التقوا مع عدوهم على ~~رملة ميثاء فلبدها المطر حتى صارت الأقدام عليها ثابتة لا تسوخ فيها { ~~إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم } تذكير ~~بنعمة أخرى أي يوحي إلى الملائكة بأني معكم بالعون والنصر { ~~فثبتوا الذين آمنوا } أي ثبتوا المؤمنين وقووا أنفسهم على ~~أعدائهم { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } أي ~~سأقذف في قلوب الكافرين الخوف والفزع حتى ينهزموا { فاضربوا فوق ~~الأعناق } أي اضربوهم على الأعناق كقوله # فضرب الرقاب # [محمد: 4] وقيل: المراد الرءوس لأنها فوق الأعناق { واضربوا ~~منهم كل بنان } أي اضربوهم على أطراف الأصابع قال في التسهيل: ~~وفائدة ذلك أن المقاتل إذا ضربت أصابعه تعطل عن القتال فأمكن أسره ~~وقتله { ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله } أي ذلك ~~العذاب الفظيع واقع عليهم بسبب مخالفتهم وعصيانهم لأمر الله وأمر رسوله { ~~ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ~~} أي ومن يخالف أمر الله وأمر رسوله بالكفر والعناد فإن عذاب الله شديد ~~له { ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار } أي ~~ذلكم العقاب فذوقوه يا معشر الكفار في الدنيا، مع أن لكم العقاب الآجل في ~~الآخرة وهو عذاب النار { يآأيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم الذين كفروا زحفا } أي إذا لقيتم أعداءكم الكفار ms0515 ~~مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون زحفا { فلا تولوهم الأدبار } ~~أي فلا تنهزموا أمامهم بل اثبتوا واصبروا { ومن يولهم يومئذ ~~دبره } أي ومن يولهم يوم اللقاء ظهره منهزما { إلا متحرفا ~~لقتال } أي إلا في حال التوجه إلى قتال طائفة أخرى، أو بالفر ~~للكر بأن يخيل إلى عدوه أنه منهزم ليغره مكيدة وهو من باب " الحرب ~~خدعة " { أو متحيزا إلى فئة } أي منضما إلى جماعة ~~المسلمين يستنجد بهم { فقد بآء بغضب من الله } أي فقد رجع ~~بسخط عظيم { ومأواه جهنم } أي مقره ومسكنه الذي يأوي إليه ~~نار جهنم { وبئس المصير } أي بئس المرجع والمآل { فلم ~~تقتلوهم ولكن الله قتلهم } أي فلم تقتلوهم أيها ~~المسلمون ببدر بقوتكم وقدرتكم، ولكن الله قتلهم بنصركم عليهم وإلقاء ~~الرعب في قلوبهم { وما رميت إذ رميت } أي وما رميت في ~~الحقيقة أنت يا محمد أعين القوم بقبضة من تراب لأن كفا من تراب لا يملأ ~~عيون الجيش الكبير قال ابن عباس: # " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه ~~المشركين وقال: شاهت الوجوه " # ، فلم يبق أحد منهم إلا أصاب عينيه ومنخريه من تلك الرمية فولوا مدبرين ~~{ ولكن الله رمى } أي بإيصال ذلك إليهم فالأمر في الحقيقة ~~من الله { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } أي فعل ~~ذلك ليقهر الكافرين وينعم على المؤمنين بالأجر والنصر والغنيمة { إن ~~الله سميع عليم } أي سميع لأقوالهم عليم بنياتهم وأحوالهم { ~~ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين } أي ذلك الذي ~~حدث من قتل المشركين ونصر المؤمنين حق، والغرض منه إضعاف وتوهين كيد ~~الكافرين حتى لا تقوم لهم قائمة { إن تستفتحوا فقد جآءكم ~~الفتح } هذا خطاب لكفار قريش أي إن تطلبوا يا معشر الكفار الفتح ~~والنصر على المؤمنين فقد جاءكم الفتح وهو الهزيمة والقهر، وهذا على سبيل ~~التهكم بهم قال الطبري في رواية الزهري: قال أبو جهل يوم بدر: اللهم أينا ~~كان أفجر، وأقطع للرحم، فأحنه اليوم - أي أهلكه - فأنزل الله { إن ~~تستفتحوا فقد جآءكم الفتح } فكان أبو جهل هو المستفتح ms0516 ~~{ وإن تنتهوا فهو خير لكم } أي وإن تكفوا يا معشر قريش ~~عن حرب الرسول ومعاداته، وعن الكفر بالله ورسوله فهو خير لكم في دنياكم ~~وآخرتكم { وإن تعودوا نعد } أي وإن تعودوا لحربه وقتاله نعد ~~لنصره عليكم { ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو ~~كثرت } أي لن تدفع عنكم جماعتكم التي تستنجدون بها شيئا من عذاب ~~الدنيا مهما كثر الأعوان والأنصار { وأن الله مع المؤمنين ~~} أي لأن الله سبحانه مع المؤمنين بالنصر والعون والتأييد { يأيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله } أي دوموا على طاعة ~~الله وطاعة رسوله يدم لكم العز الذي حصل ببدر { ولا تولوا عنه ~~} أي لا تعرضوا عنه بمخالفة أمره وأصله تتولوا حذفت منه إحدى التاءين { ~~وأنتم تسمعون } أي تسمعون القرآن والمواعظ { ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } أي لا تكونوا ~~كالكفار الذين سمعوا بآذانهم دون قلوبهم، فسماعهم كلا سماع لأن الغرض من ~~السماع التدبر والاتعاظ { إن شر الدواب عند الله } أي ~~شر الخلق وشر البهائم التي تدب على وجه الأرض { الصم البكم ~~} أي الصم الذين لا يسمعون الحق، البكم أي الخرس الذين لا ينطقون به { ~~الذين لا يعقلون } أي الذين فقدوا العقل الذي يميز به المرء ~~بين الخير والشر، نزلت في جماعة من بني عبد الدار كانوا يقولون: نحن صم ~~بكم عما جاء به محمد، وتوجهوا لقتال الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبي ~~جهل، وفي الآية غاية الذم للكافرين بأنهم أشر من الكلب والخنزير ~~والحمير، لأنهم لم يستفيدوا من حواسهم فصاروا أخس من كل خسيس { ولو ~~علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } أي لو علم الله فيهم ~~شيئا من الخير لأسمعهم سماع تفهم وتدبر { ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون } أي ولو فرض أن الله أسمعهم - وقد ~~علم أن لا خير فيهم - لتولوا وهم معرضون عنه جحودا وعنادا، وفي هذا ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على عدم إيمان الكافرين. # البلاغة: 1- { أولئك هم المؤمنون } الإشارة بالبعيد ~~عن القريب لعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الشرف. # 2- { لهم درجات عند ربهم ms0517 } استعار الدرجات للمراتب ~~الرفيعة والمنازل العالية في الجنة. # 3- { كأنما يساقون إلى الموت } التشبيه هنا تمثيلي. # 4- { أن يحق الحق } بينهما جناس الاشتقاق. # 5- { ذات الشوكة } استعيرت الشوكة للسلاح بجامع الشدة والحدة ~~بينهما. # 6- { ويقطع دابر الكافرين } كناية عن استئصالهم بالهلاك. # 7- { إذ تستغيثون } صيغة المضارع لاستحضار صورتها الغريبة في ~~الذهن. # 8- { وينزل عليكم من السمآء مآء } تقديم الجار ~~والمجرور على المفعول به للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر. # 9- { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح } الخطاب للمشركين ~~على سبيل التهكم كقوله # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. # 10- { إن شر الدواب عند الله } شبه الكفار بالبهائم بل ~~جعلهم شرا منها، وذلك منتهى البلاغة ونهاية الإعجاز، إذ أن الكافر لا ~~يسمع الحق والبهائم لا تسمع، ولا ينطق به والبهائم لا تنطق، ويأكل ~~والبهائم تأكل، بقي أنه يضر والبهائم لا تضر فكيف لا يكون شرا منها؟ # تنبيه: ذكر تعالى في هذه السورة أنه أمد المؤمنين بألف من الملائكة، ~~وذكر في سورة آل عمران أنه أمدهم بثلاثة آلاف، ولا تعارض بين الآيات ~~فإنه تعالى ذكر هنا لفظ { مردفين } ومعناه متتابعين فأمدهم أولا ~~بألف ثم بثلاثة آلاف والله الموفق. ### || [8.24-40] # المناسبة: لما ذكر تعالى الكافرين، وشبههم بالأنعام السارحة لأنهم ~~أعرضوا عن قبول دعوة الله، أمر المؤمنين هنا بالاستجابة لله والرسول، ~~وقبول دعوته التي فيها حياة القلوب، وبها السعادة الكاملة في الدنيا ~~والآخرة. # اللغة: { مكآء } المكاء: الصفير قال أبو عبيدة: والكثير في الأصوات ~~أن تكون على فعال كالصراخ والخوار والدعاء والنباح { تصدية } ~~التصدية: التصفيق يقال: صدى تصدية إذا صفق بيديه وأصله من الصدى وهو ~~الصوت الذي يرجع من الجبل { فيركمه } الركم: الجمع قال الليث: هو ~~أن تجمع الشيء فوق الشيء حتى تجعله ركاما مركوما كركام الرمل والسحاب { ~~سلف } مضى { سنة الأولين } عادة الله وسنته في إهلاك ~~المكذبين من الأمم السالفة { مولاكم } ناصركم ومعينكم. # سبب النزول: أخرج ابن جرير عن الزهري # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حاصر يهود بني قريظة طلبوا الصلح ~~فأمرهم أن ينزلوا على حكم " سعد بن معاذ " فقالوا: أرسل ms0518 لنا " أبا لبابة ~~" فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ~~ترى؟ أننزل على حكم سعد؟ فأشار إلى حلقه يعني أنه الذبح، قال أبو لبابة: ~~والله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله فقال: ~~لا والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي فنزلت ~~الآية " # { يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول.. ~~} الآية ثم نزلت توبته. # التفسير: { يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } أي أجيبوا دعاء رسوله ~~إذا دعاكم للإيمان الذي به تحيا النفوس، وبه تحيون الحياة الأبدية قال ~~قتادة: هو القرآن فيه الحياة، والثقة، والنجاة، والعصمة في الدنيا ~~والآخرة { واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه } أي أنه تعالى المتصرف في جميع الأشياء، يصرف القلوب كيف ~~يشاء بما لا يقدر عليه صاحبها، فيفسخ عزائمه، ويغير مقاصده، ويلهمه ~~رشده، أو يزيغ قلبه عن الصراط السوي، وفي الحديث: # " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " # قال ابن عباس: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان قال أبو ~~حيان: وفي ذلك حض على المراقبة، والخوف من الله تعالى والمبادرة إلى ~~الاستجابة له جل وعلا { وأنه إليه تحشرون } أي وأنه ~~سبحانه إليه مرجعكم ومصيركم فيجازيكم بأعمالكم { واتقوا فتنة ~~لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة } أي احذروا بطش ~~الله وانتقامه إن عصيتم أمره واحذروا فتنة إن نزلت بكم لم تقتصر على ~~الظالم خاصة بل تعم الجميع، وتصل إلى الصالح والطالح، لأن الظالم يهلك ~~بظلمه وعصيانه، وغير الظالم يهلك لعدم منعه وسكوته عليه وفي الحديث # " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله ~~بعذاب من عنده " # قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم ~~الله بالعذاب، فيصيب الظالم وغير الظالم { واعلموا أن الله ~~شديد العقاب } وهذا وعيد شديد أي شديد العذاب لمن عصاه { ~~واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض } أي ~~اذكروا نعمة الله عليكم وقت أن كنتم ms0519 قلة أذلة يستضعفكم الكفار في أرض مكة ~~فيفتنونكم عن دينكم وينالونكم بالأذى والمكروه { تخافون أن ~~يتخطفكم الناس } أي تخافون المشركين أن يختطفوكم بالقتل ~~والسلب، والخطف: الأخذ بسرعة { فآواكم } أي جعل لكم مأوى تتحصنون به ~~من أعدائكم وهو المدينة المنورة { وأيدكم بنصره } أي أعانكم ~~وقواكم يوم بدر بنصره المؤزر حتى هزمتموهم { ورزقكم من ~~الطيبات } أي منحكم غنائمهم حلالا طيبة ولم تكن تحل لأحد من قبل { ~~لعلكم تشكرون } أي لتشكروا الله على هذه النعم الجليلة، ~~والغرض التذكير بالنعمة فإنهم كانوا قبل ظهور الرسول صلى الله عليه وسلم ~~في غاية القلة والذلة، وبعد ظهوره صاروا في غاية العزة والرفعة، فعليهم ~~أن يطيعوا الله ويشكروه على هذه النعمة { يأيها الذين آمنوا ~~لا تخونوا الله والرسول } أي لا تخونوا دينكم ورسولكم ~~بإطلاع المشركين على أسرار المؤمنين { وتخونوا أماناتكم } ~~أي ما ائتمنكم عليه من التكاليف الشرعية كقوله # إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال... # [الأحزاب: 72] الآية قال ابن عباس: خيانة الله سبحانه بترك فرائضه، ~~والرسول صلى الله عليه وسلم بترك سنته وارتكاب معصيته، والأمانات: ~~الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد { وأنتم تعلمون } أي ~~تعلمون أنه خيانة وتعرفون تبعة ذلك ووباله { واعلموا أنمآ ~~أموالكم وأولادكم فتنة } أي محنة من الله ليختبركم كيف ~~تحافظون معها على حدوده قال الإمام الفخر: وإنما كانت فتنة لأنها تشغل ~~القلب بالدنيا، وتصير حجابا عن خدمة المولى { وأن الله عنده ~~أجر عظيم } أي ثوابه وعطاؤه خير لكم من الأموال والأولاد فاحرصوا ~~على طاعة الله { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا ~~الله يجعل لكم فرقانا } أي إن أطعتم الله واجتنبتم معاصيه ~~يجعل لكم هداية ونورا في قلوبكم، تفرقون به بين الحق والباطل كقوله # ويجعل لكم نورا تمشون به # [الحديد: 28] وفي الآية دليل على أن التقوى تنور القلب، وتشرح الصدر، ~~وتزيد في العلم والمعرفة { ويكفر عنكم سيئاتكم } أي يمحو ~~عنكم ما سلف من ذنوبكم { ويغفر لكم } أي يسترها عليكم فلا ~~يؤاخذكم بها { والله ذو الفضل العظيم } أي واسع الفضل عظيم ~~العطاء { وإذ يمكر بك الذين ms0520 كفروا } هذا تذكير بنعمة ~~خاصة على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد تذكير المؤمنين بالنعمة العامة ~~عليهم والمعنى: اذكر يا محمد حين تآمر عليك المشركون في دار الندوة { ~~ليثبتوك } أي يحبسوك { أو يقتلوك } أي بالسيف ضربة رجل واحد ~~ليتفرق دمه صلى الله عليه وسلم بين القبائل { أو يخرجوك } أي من ~~مكة { ويمكرون ويمكر الله } أي يحتالون ويتآمرون عليك يا ~~محمد ويدبر لك ربك ما يبطل مكرهم ويفضح أمرهم { والله خير ~~الماكرين } أي مكره تعالى أنفذ من مكرهم وأبلغ تأثيرا قال الطبري ~~في روايته عن ابن عباس: إن نفرا من أشراف قريش اجتمعوا في دار الندوة ~~فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال شيخ من ~~العرب، سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح قالوا: ~~أجل فادخل، فقال انظروا في شأن هذا الرجل - يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم - فقال قائل: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك، ~~فصرخ عدو الله وقال: والله ما هذا لكم برأي، فليوشكن أن يثب أصحابه عليه ~~حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم ~~تستريحوا منه فإنه إذا خرج فلن يضركم ما صنع وأين وقع، فقال الشيخ ~~المذكور: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، ~~وأخذه القلوب بحديثه؟ والله لئن فعلتم لتجتمعن عليكم العرب حتى يخرجوكم ~~من بلادكم ويقتلوا أشرافكم، قالوا صدق فانظروا رأيا غير هذا، فقال أبو ~~جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره! قالوا: وما هو؟ قال نأخذ من ~~كل قبيلة غلاما شابا جلدا، ونعطي كل واحد سيفا صارما، ثم يضربونه ~~ضربة رجل واحد، ويتفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن بني هاشم يقدرون على ~~حرب قريش كلها فيقبلون الدية ونستريح منه ونقطع عنا أذاه، فصرخ عدو الله ~~إبليس: هذا والله الرأي لا أرى غيره، فتفرقوا على ذلك فأتى جبريل النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأخبره وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن له ms0521 بالهجرة، ~~وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة يذكره نعمته عليه { وإذ يمكر ~~بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو ~~يخرجوك. # . } الآية { وإذا تتلى عليهم آياتنا } أي وإذا قرئت ~~عليهم آيات القرآن المبين { قالوا قد سمعنا لو نشآء ~~لقلنا مثل هذا } أي قالوا مكابرة وعنادا: قد سمعنا هذا ~~الكلام ولو أردنا لقلنا مثله { إن هذآ إلا أساطير ~~الأولين } أي ما هذا القرآن الذي تتلوه علينا إلا أكاذيب وأباطيل ~~وحكايات الأمم السابقة سطروها وليس كلام الله تعالى قال أبو السعود: وهذا ~~غاية المكابرة ونهاية العناد، كيف لا، ولو استطاعوا لما تأخروا! فما الذي ~~كان يمنعهم وقد تحداهم عشر سنين؟ وقرعوا على العجز، ثم قورعوا بالسيف ~~فلم يعارضوه، مع أنفتهم، وفرط استنكافهم أن يغلبوا لا سيما في باب ~~البيان؟! { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق ~~من عندك } أي إن كان هذا القرآن حقا منزلا من عندك { فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء } أي أنزل علينا حاصبا وحجارة من ~~السماء كما أنزلتها على قوم لوط { أو ائتنا بعذاب أليم } أي ~~بعذاب مؤلم أهلكنا به، وهذا تهكم منهم واستهزاء قال ابن كثير: وهذا من ~~كثرة جهلهم وشدة تكذيبهم وعنادهم، وكان الأولى لهم أن يقولوا: اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه، ولكنهم استعجلوا ~~العقوبة والعذاب لسفههم { وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم } هذا جواب لكلمتهم الشنعاء وبيان للسبب الموجب لإمهالهم أي ~~إنهم مستحقون للعذاب ولكنه لا يعذبهم وأنت فيهم إكراما لك يا محمد، ~~فقد جرت سنة الله وحكمته ألا يعذب أمة ونبيها بين ظهرانيها قال ابن عباس: ~~لم تعذب أمة قط ونبيها فيها، والمراد بالعذاب عذاب الاستئصال { وما ~~كان الله معذبهم وهم يستغفرون } أي وما كان الله ~~ليعذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون الله، وهو إشارة الى استغفار ~~من بقي بين أظهرهم من المسلمين المستضعفين قال ابن عباس: كان فيهم ~~أمانان: نبي الله صلى الله عليه وسلم، والاستغفار، أما النبي فقد مضى، ~~وأما الاستغفار فهو باق إلى يوم القيامة ms0522 { وما لهم ألا ~~يعذبهم الله } أي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم؟ وكيف لا ~~يعذبون وهم على ما هم عليه من العتو والضلال؟ { وهم يصدون عن ~~المسجد الحرام } أي وحالهم الصد عن المسجد الحرام كما صدوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وكما اضطروه والمؤمنين إلى ~~الهجرة من مكة، { وما كانوا أوليآءه } أي ما كانوا أهلا ~~لولاية المسجد الحرام مع إشراكهم { إن أوليآؤه إلا ~~المتقون } أي إنما يستأهل ولايته من كان برا تقيا { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } أي ولكن أكثرهم جهلة سفلة فقد كانوا ~~يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، نصد من نشاء، وندخل من نشاء. # . والغرض من الآية بيان استحقاقهم لعذاب الاستئصال بسبب جرائمهم ~~الشنيعة، ولكن الله رفعه عنهم إكراما لرسوله عليه السلام، ولاستغفار ~~المسلمين المستضعفين { وما كان صلاتهم عند البيت إلا ~~مكآء وتصدية } هذا من جملة قبائحهم أي ما كانت عبادة المشركين ~~وصلاتهم عند البيت الحرام إلا تصفيرا وتصفيقا، وكانوا يفعلونهما إذا ~~صلى المسلمون ليخلطوا عليهم صلاتهم، والمعنى أنهم وضعوا مكان الصلاة ~~والتقرب إلى الله التصفير والتصفيق قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون ~~بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون { فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون } أي فذوقوا عذاب القتل والأسر بسبب كفركم وأفعالكم ~~القبيحة، وهو إشارة إلى ما حصل لهم يوم بدر { إن الذين ~~كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله } ~~أي يصرفون أموالهم ويبذلونها لمنع الناس عن الدخول في دين الإسلام، ~~ولحرب محمد عليه السلام، قال الطبري: لما أصيب كفار قريش يوم بدر، ورجع ~~فلهم إلى مكة قالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، ~~فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا فنزلت ~~الآية { فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة } أي ~~فسينفقون هذه الأموال ثم تصير ندامة عليهم، لأن أموالهم تذهب ولا يظفرون ~~بما كانوا يطمعون من إطفاء نور الله وإعلاء كلمة الكفر { ثم ~~يغلبون } إخبار بالغيب أي ثم نهايتهم الهزيمة والاندحار # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21] { والذين كفروا إلى جهنم ms0523 يحشرون ~~} أي والذين ماتوا على الكفر منهم يساقون إلى جهنم، فأعظم بها حسرة ~~وندامة لمن عاش منهم ومن هلك { ليميز الله الخبيث من ~~الطيب } أي ليفرق الله بين جند الرحمن وجند الشيطان، ويفصل بين ~~المؤمنين الأبرار والكفرة الأشرار، والمراد بالخبيث والطيب الكافر ~~والمؤمن { ويجعل الخبيث بعضه على بعض } أي يجعل ~~الكفار بعضهم فوق بعض { فيركمه جميعا } أي يجعلهم كالركام ~~متراكما بعضهم فوق بعض لشدة الازدحام { فيجعله في جهنم } أي ~~فيقذف بهم في نار جهنم { أولئك هم الخاسرون } أي الكاملون ~~في الخسران لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم، ثم دعاهم تعالى إلى التوبة ~~والإنابة، وحذرهم من الإصرار على الكفر والضلال فقال سبحانه { قل ~~للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ~~} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك، إن ينتهوا عن الكفر ويؤمنوا ~~بالله ويتركوا قتالك وقتال المؤمنين، يغفر لهم ما قد سلف من الذنوب ~~والآثام { وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين } أي ~~وإن عادوا إلى قتالك وتكذيبك فقد مضت سنتي في تدمير وإهلاك المكذبين ~~لأنبيائي، فكذلك نفعل بهم، وهذا وعيد شديد لهم بالدمار إن لم يقلعوا عن ~~المكابرة والعناد { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } أي ~~قاتلوا يا معشر المؤمنين أعداءكم المشركين حتى لا يكون شرك ولا يعبد إلا ~~الله وحده، قال ابن عباس: الفتنة: الشرك، أي حتى لا يبقى مشرك على وجه ~~الأرض وقال ابن جريج: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه { ويكون الدين ~~كله لله } أي تضمحل الأديان الباطلة ولا يبقى إلا دين الإسلام قال ~~الألوسي: واضمحلالها إما بهلاك أهلها جميعا، أو برجوعهم عنها خشية ~~القتل، لقوله عليه السلام # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " # { فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير } أي ~~فإن انتهوا عن الكفر وأسلموا فإن الله مطلع على قلوبهم، يثيبهم على ~~توبتهم وإسلامهم { وإن تولوا فاعلموا أن الله ~~مولاكم } أي وإن لم ينتهوا عن كفرهم وأعرضوا عن الإيمان فاعلموا ~~يا معشر المؤمنين أن الله ناصركم ومعينكم عليهم، فثقوا بنصرته وولايته ~~ولا ms0524 تبالوا بمعاداتهم لكم { نعم المولى ونعم النصير } أي ~~نعم الله أن يكون مولاكم فإنه لا يضيع من تولاه، ونعم النصير لكم فإنه ~~لا يغلب من نصره الله. # البلاغة: 1- { يحول بين المرء وقلبه } الكلام من باب ~~الاستعارة التمثيلية، شبه تمكنه تعالى من قلوب العباد وتصريفها كما يشاء، ~~بمن يحول بين الشيء والشيء، وهي استعارة لطيفة. # 2- { وإذ يمكر بك } صيغة المضارع لاستحضار الصورة العجيبة من ~~تآمر المشركين على صاحب الرسالة عليه السلام. # 3- { ويمكر الله } إضافة المكر إليه تعالى على طريق " ~~المشاكلة " بمعنى إحباط ما دبروا من كيد ومكر، والمشاكلة ان يتفق اللفظ ~~ويختلف المعنى وقد تقدم. # 4- { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء ~~وتصدية } تأمل التعبير الرائع في أسلوب القرآن حيث وضعوا المكاء ~~والتصدية " التصفير والتصفيق " موضع الصلاة التي ينبغي أن تؤدى عند البيت ~~فكانوا كالأنعام التي لا تفقه معنى العبادة، ولا تعرف حرمة بيوت الله، ~~وهو على حد قول القائل: " تحية بينهم ضرب وجيع ". # 5- { الخبيث من الطيب } كناية عن المؤمن والكافر وبين لفظ " ~~الخبيث " و " الطيب " طباق وهو من المحسنات البديعية. # تنبيه: روى الحافظ ابن كثير عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: # " كنت أصلي فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فلم آته حتى صليت، ~~ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله تعالى { يأيها ~~الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ~~لما يحييكم }؟ ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج، ~~فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرت له ذلك فقال { الحمد ~~لله رب العالمين } هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي ~~أوتيته ". # لطيفة: حكي عن معاوية رضي الله عنه أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك ~~حين ملكوا عليهم امرأة! فقال الرجل: أجهل من قومي قومك حين قالوا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الحق { اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم } ولم ~~يقولوا: إن كان ms0525 هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، فسكت معاوية رضي الله ~~عنه. ### || [8.41-60] # المناسبة: لما أمر تعالى بقتال المشركين، وذكر فيما تقدم طرفا من ~~غزوة بدر، وكان لا بد بعد القتال من أن يغنم المجاهدون الغنائم - وهي ~~أموال المشركين - على طريق القهر والظفر، ذكر سبحانه هنا حكم الغنائم ~~وكيفية قسمتها، ثم سرد بقية الأحداث الهامة في تلك الغزوة المجيدة " غزوة ~~بدر ". # اللغة: { العدوة الدنيا } عدوة الوادي: جانبه وشفيره، والدنيا ~~تأنيث الأدنى أي الأقرب والمراد ما يلي جانب المدينة { العدوة ~~القصوى } القصوى: تأنيث الأقصى أي الأبعد، وكل شيء تنحى عن شيء فقد ~~قصا والمراد ما يلي جانب مكة { نكص } النكوص: الإحجام عن الشيء { ~~كدأب } الدأب: العادة، وأصله في اللغة إدامة العمل يقال: فلان يدأب ~~في كذا أي يدوم عليه ويواظب ثم سميت العادة دأبا لأن الإنسان مداوم على ~~عادته { تثقفنهم } قال الليث: يقال ثقفنا فلانا في موضع كذا أي ~~أخذناه وظفرنا به { فشرد } التشريد: التفريق والتبديد يقال: شردت ~~القوم إذا قاتلتهم وطردتهم عنها حتى فارقوها. # التفسير: { واعلموا أنما غنمتم من شيء } أي اعلموا ~~أيها المؤمنون أنما غنمتوه من أموال المشركين في الحرب سواء كان قليلا ~~أو كثيرا { فأن لله خمسه } قال الحسن: هذا مفتاح كلام، ~~الدنيا والآخرة لله أي أن ذكر اسم الله على جهة التبرك والتعظيم كقوله # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] قال المفسرون: تقسم الغنيمة خمسة أقسام، فيعطى الخمس لمن ~~ذكر الله تعالى في هذه الآية، والباقي يوزع على الغانمين { وللرسول ~~} أي سهم من الخمس يعطى للرسول صلى الله عليه وسلم { ولذي القربى ~~} أي قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم وبنو المطلب { ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل } أي ولهؤلاء الأصناف ~~من اليتامى الذين مات آباؤهم، والفقراء من ذوي الحاجة، والمنقطع في سفره ~~من المسلمين { إن كنتم آمنتم بالله } جواب الشرط محذوف ~~تقديره: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن هذا هو حكم الله في الغنائم ~~فامتثلوا أمره بطاعته { ومآ أنزلنا على عبدنا } أي وبما ~~أنزلنا على محمد ms0526 صلى الله عليه وسلم { يوم الفرقان } أي يوم بدر ~~لأن الله فرق به بين الحق والباطل { يوم التقى الجمعان } أي ~~جمع المؤمنين وجمع الكافرين، والتقى فيه جند الرحمن بجند الشيطان { ~~والله على كل شيء قدير } أي قادر لا يعجزه شيء، ومنه ~~نصركم مع قلتكم وكثرتهم { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } هذا ~~تصوير للمعركة أي وقت كنتم يا معشر المؤمنين بجانب الوادي القريب الى ~~المدينة { وهم بالعدوة القصوى } أي وأعداؤكم المشركون بجانب ~~الوادي الأبعد عن المدينة { والركب أسفل منكم } أي والعير ~~التي فيها تجارة قريش في مكان أسفل من مكانكم فيما يلي ساحل البحر { ~~ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد } أي ولو تواعدتم ~~أنتم والمشركون على القتال لاختلفتم له ولكن الله بحكمته يسر وتمم ذلك ~~قال كعب بن مالك: إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ~~يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد قال ~~الرازي: المعنى لو تواعدتم أنتم وأهل مكة على القتال لخالف بعضكم بعضا ~~لقلتكم وكثرتهم، { ولكن ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا } أي ولكن جمع بينكم على غير ميعاد ليقضي الله ما أراد ~~بقدرته، من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، فكان أمرا ~~متحققا واقعا لا محالة قال أبو السعود: والغرض من الآية أن يتحققوا أن ~~ما اتفق لهم من الفتح، ليس إلا صنعا من الله عز وجل خارقا للعادات، ~~فيزدادوا إيمانا وشكرا، وتطمئن نفوسهم بفرض الخمس { ليهلك من ~~هلك عن بينة } أي فعل ذلك تعالى ليكفر من كفر عن وضوح وبيان { ~~ويحيى من حي عن بينة } أي ويؤمن من آمن عن وضوح وبيان، ~~فإن وقعة بدر من الآيات الباهرات على نصر الله لأوليائه وخذلانه لأعدائه ~~{ وإن الله لسميع عليم } أي سميع لأقوال العباد عليم ~~بنياتهم { إذ يريكهم الله في منامك قليلا } أي اذكر يا ~~محمد حين أراك الله في المنام أعداءك قلة، فأخبرت بها أصحابك حتى قويت ~~نفوسهم وتشجعوا على حربهم قال مجاهد: أراه الله إياهم في منامه قليلا، ~~فأخبر النبي صلى الله ms0527 عليه وسلم أصحابه بذلك فكان تثبيتا لهم { ولو ~~أراكهم كثيرا لفشلتم } أي ولو أراك ربك عدوك كثيرا لجبن ~~أصحابك ولم يقدروا على حرب القوم، وانظر إلى محاسن القرآن فإنه لم يسند ~~الفشل إليه صلى الله عليه وسلم لأنه معصوم بل قال { لفشلتم } ~~إشارة إلى أصحابه { ولتنازعتم في الأمر } أي ولاختلفتم يا ~~معشر الصحابة في أمر قتالهم { ولكن الله سلم } أي ولكن ~~الله أنعم عليكم بالسلامة من الفشل والتنازع { إنه عليم بذات ~~الصدور } أي عليم بما في القلوب يعلم ما يغير أحوالها من الشجاعة ~~والجبن، والصبر والجزع { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم } هذه الرؤية ~~باليقظة لا بالمنام أي واذكروا يا معشر المؤمنين حين التقيتم في المعركة ~~فقلل الله عدوكم في أعينكم لتزداد جرأتكم عليهم، وقللكم في أعينهم حتى ~~لا يستعدوا ويتأهبوا لكم قال ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر ~~حتى قلت لرجل: أتراهم يكونون مائة؟ وهذا قبل التحام الحرب فلما التحم ~~القتال كثر الله المؤمنين في أعين الكفار فبهتوا وهابوا، وفلت ~~شوكتهم، ورأوا ما لم يكن في الحسبان، وهذا من عظائم آيات الله في تلك ~~الغزوة { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } أي فعل ذلك ~~فجرأ المؤمنين على الكافرين، والكافرين على المؤمنين، لتقع الحرب ~~ويلتحم القتال، وينصر الله جنده ويهزم الباطل وحزبه، وتكون كلمة الله هي ~~العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى { وإلى الله ترجع الأمور ~~} أي مصير الأمور كلها إلى الله يصرفها كيف يريد، لا معقب لحكمه وهو ~~الحكيم المجيد، { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ~~فاثبتوا } هذا إرشاد إلى سبيل النصر في مبارزة الأعداء أي إذا ~~لقيتم جماعة من الكفرة فاثبتوا لقتالهم ولا تنهزموا { واذكروا ~~الله كثيرا لعلكم تفلحون } أي أكثروا من ذكر الله ~~بألسنتكم لتستمطروا نصره وعونه وتفوزوا بالظفر عليهم { وأطيعوا ~~الله ورسوله } أي في جميع أقوالكم وأفعالكم ولا تخالفوا أمرهما ~~في شيء { ولا تنازعوا فتفشلوا } أي ولا تختلفوا فيما بينكم ~~فتضعفوا وتجبنوا عن لقاء عدوكم { وتذهب ريحكم } أي تذهب قوتكم ~~وبأسكم، ويدخلكم ms0528 الوهن والخور { واصبروا إن الله مع ~~الصابرين } أي واصبروا على شدائد الحرب وأهوالها، فإن الله مع ~~الصابرين بالنصر والعون { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ~~ديارهم بطرا ورئآء الناس } أي لا تكونوا ككفار قريش حين ~~خرجوا لبدر عتوا وتكبرا، وطلبا للفخر والثناء، والآية إشارة إلى قول ~~أبي جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنشرب فيها الخمور وننحر الجزور، ~~وتعزف علينا القيان - المغنيات - وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا ~~أبدا قال الطبري: فسقوا مكان الخمر كؤوس المنايا، وناحت عليهم النوائح ~~مكان القيان { ويصدون عن سبيل الله } أي ويمنعون الناس عن ~~الدخول في الإسلام { والله بما يعملون محيط } أي وهو ~~سبحانه عالم بجميع ذلك وسيجازيهم عليه { وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم } أي واذكر وقت أن حسن لهم الشيطان أعمالهم ~~القبيحة من الشرك وعبادة الأصنام، وخروجهم لحرب الرسول عليه السلام { ~~وقال لا غالب لكم اليوم من الناس } أي لن يغلبكم محمد ~~وأصحابه { وإني جار لكم } أي مجير ومعين لكم { فلما ~~ترآءت الفئتان نكص على عقبيه } أي فلما تلاقى ~~الفريقان ولى الشيطان هاربا موليا الأدبار { وقال إني بريء ~~منكم } أي بريء من عهد جواركم، وهذا مبالغة في الخذلان لهم { ~~إني أرى ما لا ترون } أي أرى الملائكة نازلين لنصرة ~~المؤمنين وأنتم لا ترون ذلك وفي الحديث # " ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر، ولا أغيظ منه ~~في يوم عرفة، إلا ما رأى يوم بدر، فإنه رأى جبريل يزع الملائكة " # أي يصفها للحرب { إني أخاف الله والله شديد العقاب ~~} أي إني أخاف الله أن يعذبني لشدة عقابه قال ابن عباس: جاء إبليس يوم ~~بدر في جند من الشياطين معه رأيته في صورة " سراقة بن مالك " فقال ~~الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، فلما اصطف ~~الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها وجوه ~~المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس، فلما رآه ~~- وكانت يده في يد رجل من المشركين ms0529 - انتزع يده ثم ولى مدبرا وشيعته، ~~فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: إني أرى ما لا ترون إني ~~أخاف الله، وكذب عدو الله فإنه علم أنه لا قوة له ولا منعة وذلك حين رأى ~~الملائكة { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض } أي حين قال أهل النفاق الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ~~لضعف اعتقادهم بالله { غر هؤلاء دينهم } أي اغتر المسلمون ~~بدينهم فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به قال تعالى في جوابهم { ومن ~~يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم } أي ومن ~~يعتمد على الله ويثق به فإن الله ناصره لأن الله عزيز أي غالب لا يذل من ~~استجار به، حكيم في أفعاله وصنعه { ولو ترى إذ يتوفى ~~الذين كفروا الملائكة } أي لو رأيت وشاهدت أيها المخاطب أو ~~أيها السامع حالتهم ببدر حين تقبض ملائكة العذاب أرواح الكفرة المجرمين، ~~وجواب { لو } محذوف للتهويل أي لرأيت أمرا فظيعا وشأنا هائلا قال ~~أبو حيان: وحذف جواب لو جائز بليغ حذفه في مثل هذا لأنه يدل على التهويل ~~والتعظيم أي لرأيت أمرا فظيعا لا يكاد يوصف { يضربون وجوههم ~~وأدبارهم } أي تضربهم الملائكة من أمامهم وخلفهم، على وجوههم ~~وظهورهم بمقامع من حديد { وذوقوا عذاب الحريق } أي ويقولون ~~لهم: ذوقوا يا معشر الفجرة عذاب النار المحرق، وهذا بشارة لهم بعذاب ~~الآخرة وقيل: كانت معهم أسواط من نار يضربونهم بها فتشتعل جراحاتهم نارا ~~{ ذلك بما قدمت أيديكم } أي ذلك العذاب بسبب ما كسبتم من ~~الكفر والآثام { وأن الله ليس بظلام للعبيد } أي ~~وانه تعالى عادل ليس بذي ظلم لأحد من العباد حتى يعذبه بغير ذنب، وصيغة { ~~ظلام } ليست للمبالغة وإنما هي للنسب أي ليس منسوبا إلى الظلم فقد ~~انتفى أصل الظلم عنه تعالى فتدبره { كدأب آل فرعون والذين ~~من قبلهم } أي دأب هؤلاء الكفرة في الإجرام يعني عملهم وطريقهم ~~الذي دأبوا فيه كعمل وطريق آل فرعون ومن تقدمهم من الأمم كقوم نوح وعاد ~~وثمود في العناد والتكذيب والكفر والإجرام { كفروا بآيات الله ms0530 ~~} أي جحدوا ما جاءهم به الرسل من عند الله { فأخذهم الله ~~بذنوبهم } أي أهلكهم بكفرهم وتكذيبهم { إن الله قوي ~~شديد العقاب } أي قوي البطش شديد العذاب، لا يغلبه غالب ولا يفوته ~~هارب { ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة ~~أنعمها على قوم } أي ذلك الذي حل بهم من العذاب بسبب أن الله ~~عادل في حكمه لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه، وأنه ~~لا يبدل النعمة بالنقمة { حتى يغيروا ما بأنفسهم } أي ~~حتى يبدلوا نعمة الله بالكفر والعصيان، كتبديل كفار قريش نعمة الله من ~~الخصب والسعة والأمن والعافية، بالكفر والصد عن سبيل الله وقتال المؤمنين ~~قال السدي: نعمة الله على قريش محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به ~~وكذبوه، فنقله الله إلى المدينة وحل بالمشركين العقاب { وأن الله ~~سميع عليم } أي وأنه سبحانه سميع لما يقولون عليم بما يفعلون { ~~كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ~~ربهم } كرره لزيادة التشنيع والتوبيخ على إجرامهم أي شأن هؤلاء ~~وحالهم كشأن وحال المكذبين السابقين حيث غيروا حالهم فغير الله نعمته ~~عليهم { فأهلكناهم بذنوبهم } أي أهلكناهم بسبب ذنوبهم ~~بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالحجارة، وبعضهم بالغرق ولهذا قال ~~{ وأغرقنآ آل فرعون } أي أغرقنا فرعون وقومه معه { وكل ~~كانوا ظالمين } أي وكل من الفرق المكذبة كانوا ظالمين لأنفسهم ~~بالكفر والمعاصي حيث عرضوها للعذاب { إن شر الدواب عند ~~الله } أي شر من يدب على وجه الأرض في علم الله وحكمه { الذين ~~كفروا فهم لا يؤمنون } أي الذين أصروا على الكفر ورسخوا فيه ~~فهم لا يتوقع منهم إيمان لذلك قال ابن عباس: نزلت في بني قريظة من ~~اليهود، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ألا يحاربوه فنقضوا العهد { الذين عاهدت منهم } أي الذين ~~عاهدتهم يا محمد على ألا يعينوا المشركين { ثم ينقضون عهدهم ~~في كل مرة } أي يستمرون على النقض مرة بعد مرة { وهم لا ~~يتقون } أي لا يتقون الله في نقض العهد قال المفسرون: كان رسول ms0531 الله ~~صلى الله عليه وسلم قد عاهد يهود بني قريظة ألا يحاربوه ولا يعاونوا عليه ~~المشركين، فنقضوا العهد وأعانوا عليه كفار مكة بالسلاح يوم بدر، ثم ~~قالوا: نسينا وأخطأنا فعاهدهم مرة أخرى فنقضوا العهد ومالئوا الكفار يوم ~~الخندق { فإما تثقفنهم في الحرب } أي فإن تظفر بهم في ~~الحرب { فشرد بهم من خلفهم } أي فاقتلهم ونكل بهم تنكيلا ~~شديدا يشرد غيرهم من الكفرة المجرمين { لعلهم يذكرون } أي ~~لعلهم يتعظون بما شاهدوا فيرتدعوا والمعنى: اجعلهم عبرة لغيرهم حتى لا ~~يبقى لهم قوة على محاربتك { وإما تخافن من قوم خيانة } ~~أي وإن أحسست يا محمد من قوم معاهدين خيانة للعهد ونكثا بأمارات ظاهرة ~~{ فانبذ إليهم على سوآء } أي اطرح إليهم عهدهم على بينة ~~ووضوح من الأمر قال النحاس: هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في ~~الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه والمعنى: وإما تخافن من قوم - ~~بينك وبينهم عهد - خيانة فانبذ إليهم العهد أي قل لهم قد نبذت إليكم ~~عهدكم وأنا مقاتلكم، ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم ~~وبينك وبينهم عهد وهم يثقون بك فيكون ذلك خيانة وغدرا { إن الله ~~لا يحب الخائنين } وهذا كالتعليل للأمر بنبذ العهد أي لا يحب من ~~ليس عنده وفاء ولا عهد { ولا يحسبن الذين كفروا ~~سبقوا } أي لا يظنن هؤلاء الكفار الذين أفلتوا يوم بد من القتل أنهم ~~فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم في قبضتنا وتحت مشيئتنا وقهرنا { إنهم ~~لا يعجزون } كلام مستأنف أي إنهم لا يعجزون ربهم، بل هو قادر على ~~الانتقام منهم في كل لحظة، لا يعجزه أحد في الأرض ولا في السماء { ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } أي أعدوا لقتال ~~أعدائكم جميع أنواع القوة: المادية، والمعنوية قال الشهاب: وإنما ذكر ~~القوة هنا لأنه لم يكن لهم في بدر استعداد تام، فنبهوا على أن النصر من ~~غير استعداد لا يتأتى في كل زمان { ومن رباط الخيل } أي الخيل ~~التي تربط في سبيل الله { ترهبون به عدو ms0532 الله ~~وعدوكم } أي تخيفون بتلك القوة الكفار أعداء الله وأعداءكم { ~~وآخرين من دونهم } أي وترهبون به آخرين غيرهم قال ابن زيد: هم ~~المنافقون وقال مجاهد: هم اليهود من بني قريظة والأول أصح لقوله { لا ~~تعلمونهم الله يعلمهم } أي لا تعلمون ما هم عليه من ~~النفاق ولكن الله يعلمهم { وما تنفقوا من شيء في سبيل ~~الله } أي وما تنفقوا في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات { يوف ~~إليكم } أي تعطون جزاءه وافيا كاملا يوم القيامة { وأنتم ~~لا تظلمون } أي لا تنقصون من ذلك الأجر شيئا. # البلاغة: 1- { من شيء } التنكير للتقليل. # 2- { على عبدنا } ذكره صلى الله عليه وسلم بلفظ العبودية ~~وإضافته إلى الله للتشريف والتكريم. # 3- { بالعدوة الدنيا } بين لفظ " الدنيا " و " القصوى " طباق. # 4- { ليهلك... ويحيى } استعار الهلاك والحياة للكفر ~~والإيمان، وبين " يهلك " و " يحيا " طباق. # 5- { وتذهب ريحكم } أي تذهب قوتكم وشوكتكم وهو من باب ~~الاستعارة أيضا. # تنبيه: يأمرنا الله تعالى بإعداد القوة لقتال الأعداء، وقد جاء التعبير ~~عاما { من قوة } ليشمل القوة المادية، والقوة الروحية، وجميع ~~أسباب القوة، وكيف لا يطمع العدو بالممالك الإسلامية وهو لا يرى عندنا ~~معامل للأسلحة، وذخائر للحرب، بل كلها مما يشتريه المسلمون من بلاد ~~العدو؟ فلا بد لنا من العودة إلى تعاليم الإسلام إذا ما أردنا حياة ~~العزة والكرامة. ### || [8.61-75] # المناسبة: لما أمر الله تعالى بإعداد العدة لإرهاب الأعداء، أمر ~~هنا بالسلم بشرط العزة والكرامة متى وجد السبيل إليه، لأن الحرب ضرورة ~~اقتضتها ظروف الحياة لرد العدوان، وحرية الأديان، وتطهير الأرض من الظلم ~~والطغيان، ثم تناولت الآيات الكريمة حكم الأسرى، وختمت السورة بوجوب ~~مناصرة المؤمنين بعضهم لبعض، بسبب الولاية الكاملة وأخوة الإيمان. # اللغة: { جنح } مال يقال: جنح الرجل إلى فلان إذا مال إليه وخضع ~~له، وجنحت الإبل: إذا مالت أعناقها في السير، ومنه قيل للأضلاع جوانح { ~~السلم } المسالمة والصلح قال الزمخشري: وهي تؤنث تأنيث ضدها وهي ~~الحرب قال الشاعر: # السلم تأخذ منها ما رضيت به # والحرب تكفيك من أنفاسها جرع # { حرض } التحريض: الحث على الشيء وتحريك الهمة نحوه ms0533 كالتحضيض { ~~يثخن } قال الواحدي: الإثخان في كل شيء عبارة عن قوته وشدته، يقال: ~~قد أثخنه المرض إذا اشتدت قوته عليه، وأثخنته الجراح، والثخانة: الغلظة، ~~والمراد بالإثخان هنا المبالغة في القتل والجراحات. # سبب النزول: أ - عن عمر رضي الله عنه قال: # " لما هزم الله المشركين يوم بدر، وقتل منهم سبعون وأسر منهم سبعون، ~~استشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا فقال أبو بكر: يا ~~نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ~~ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا ~~عضدا، فقال رسول الله: ما ترى يا ابن الخطاب! قلت: والله ما أرى ما رأى ~~أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن ~~عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله ~~أن ليس في قلوبنا هوادة على المشركين، هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فأخذ منهم ~~الفداء، فلما كان من الغد غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ~~هو قاعد وأبو بكر الصديق وهما يبكيان، فقلت يا رسول الله: أخبرني ماذا ~~يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: (أبكي للذي عرض علي أصحابك من الفداء، لقد عرض علي ~~عذابهم أدنى من هذه الشجرة) لشجرة قريبة فأنزل الله { ما كان ~~لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض.. } ~~" # الآية. # ب - لما # " وقع العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم في الأسر كان معه عشرون أوقية ~~من ذهب، فلم تحسب له من فدائه، وكلف أن يفدي ابني أخيه فأدى عنهما ثمانين ~~أوقية من ذهب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أضعفوا على العباس الفداء) ~~فأخذوا منه ثمانين أوقية فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ~~تركتني أتكفف قريشا ما بقيت، فقال ms0534 له صلى الله عليه وسلم: وأين الذهب ~~الذي تركته عند أم الفضل؟ فقال: أي الذهب؟ فقال: إنك قلت لها: إني لا ~~أدري ما يصيبني في وجهي هذا! فإن حدث بي حدث فهو لك ولولدك، فقال يا ابن ~~أخي: من أخبرك بهذا؟ قال: الله أخبرني فقال العباس: أشهد أنك صادق، وما ~~علمت أنك رسول الله قبل اليوم، وأمر ابني أخيه فأسلما ففيهما نزلت { ~~يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى.. } ~~" # الآية. # التفسير: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } أي إن مالوا ~~إلى الصلح والمهادنة فمل إليه وأجبهم إلى ما طلبوا إن كان فيه مصلحة ~~{ وتوكل على الله } أي فوض الأمر إلى الله ليكون عونا لك ~~على السلامة { إنه هو السميع العليم } أي هو سبحانه السميع ~~لأقوالهم العليم بنياتهم { وإن يريدوا أن يخدعوك } أي وإن ~~أرادوا بالصلح خداعك ليستعدوا لك { فإن حسبك الله } أي فإن ~~الله يكفيك وهو حسبك، ثم ذكره بنعمته عليه فقال { هو الذي ~~أيدك بنصره وبالمؤمنين } أي قواك وأعانك بنصره وشد ~~أزرك بالمؤمنين قال ابن عباس: يعني الأنصار { وألف بين ~~قلوبهم } أي جمع بين قلوبهم على ما كان بينهم من العداوة والبغضاء، ~~فأبدلهم بالعداوة حبا، وبالتباعد قربا قال القرطبي: وكان تأليف القلوب ~~مع العصبية الشديدة في العرب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومعجزاته، لأن أحدهم كان يلطم اللطمة فيقاتل عليها، وكانوا أشد خلق الله ~~حمية، فألف الله بينهم بالإيمان، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين ~~{ لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين ~~قلوبهم } أي لو أنفقت في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال ~~ما قدرت على تأليف قلوبهم واجتماعها على محبة بعضها بعضا { ولكن ~~الله ألف بينهم } أي ولكنه سبحانه بقدرته البالغة جمع بينهم ~~ووفق، فإنه المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء { إنه عزيز حكيم } ~~أي غالب على أمره لا يفعل شيئا إلا عن حكمة { يأيها النبي ~~حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } أي الله وحده ~~كافيك، وكافي اتباعك، فلا تحتاجون معه إلى ms0535 أحد وقال الحسن البصري: ~~المعنى حسبك أي كافيك الله والمؤمنون { يأيها النبي حرض ~~المؤمنين على القتال } أي حض المؤمنين ورغبهم بكل جهدك على ~~قتال المشركين { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مئتين } قال أبو السعود: هذا وعد كريم منه تعالى بغلبة كل جماعة من ~~المؤمنين على عشرة أمثالهم والمعنى: إن يوجد منكم يا معشر المؤمنين ~~عشرون صابرون على شدائد الحرب يغلبوا مائتين من عدوهم، بعون الله وتأييده ~~{ وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين ~~كفروا } أي وإن يوجد منكم مائة - بشرط الصبر عند اللقاء - تغلب ~~ألفا من الكفار بمشيئة الله { بأنهم قوم لا يفقهون } ~~الباء سببية أي سبب ذلك بأن الكفار قوم جهلة لا يفقهون حكمة الله، ولا ~~يعرفون طريق النصر وسببه، فهم يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب، ~~فلذلك يغلبون قال ابن عباس: كان ثبات الواحد للعشرة فرضا، ثم لما شق ~~ذلك عليهم نسخ وأصبح ثبات الواحد للاثنين فرضا { الآن خفف الله ~~عنكم } أي رفع عنكم ما فيه مشقة عليكم { وعلم أن فيكم ~~ضعفا } أي وعلم ضعفكم فرحمكم في أمر القتال { فإن يكن منكم ~~مئة صابرة يغلبوا مئتين } أي إن يوجد منكم مائة صابرة ~~على الشدائد يتغلبوا على مائتين من الكفرة { وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين } أي وإن يوجد منكم ألف صابرون في ساحة اللقاء، ~~يتغلبوا على ألفين من الأعداء { بإذن الله } أي بتيسيره وتسهيله { ~~والله مع الصابرين } هذا ترغيب في الثبات وتبشير بالنصر أي ~~الله معهم بالحفظ والرعاية والنصرة، ومن كان الله معه فهو الغالب { ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض } عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أخذ الفداء ~~والمعنى: لا ينبغي لنبي من الأنبياء أن يأخذ الفداء من الأسرى إلا بعد ~~أن يكثر القتل ويبالغ فيه { تريدون عرض الدنيا } أي تريدون ~~أيها المؤمنون بأخذ الفداء حطام الدنيا ومتاعها الزائل؟ { والله ~~يريد الآخرة } أي يريد لكم الباقي الدائم، وهو ثواب الآخرة، ~~بإعزاز دينه وقتل أعدائه { والله عزيز حكيم ms0536 } أي عزيز في ملكه ~~لا يقهر ولا يغلب، حكيم في تدبير مصالح العباد { لولا كتاب من ~~الله سبق } أي لولا حكم في الأزل من الله سابق وهو ألا يعذب المخطئ ~~في اجتهاده { لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم } أي ~~لأصابكم في أخذ الفداء من الأسرى عذاب عظيم، وروي أنها لما نزلت قال عليه ~~السلام # " لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر " # { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا } أي كلوا يا معشر ~~المجاهدين مما أصبتموه من أعدائكم من الغنائم في الحرب حال كونه حلالا ~~أي محللا لكم { طيبا } أي من أطيب المكاسب لأنه ثمرة جهادكم، وفي ~~الصحيح # " وجعل رزقي تحت ظل رمحي " # { واتقوا الله } أي خافوا الله في مخالفة أمره ونهيه { إن ~~الله غفور رحيم } أي مبالغ في المغفرة لمن تاب، رحيم بعباده ~~حيث أباح لهم الغنائم { يأيها النبي قل لمن في ~~أيديكم من الأسرى } أي قل لهؤلاء الذين وقعوا في الأسر من ~~الأعداء، والمراد بهم أسرى بدر { إن يعلم الله في قلوبكم ~~خيرا } أي إن يعلم الله في قلوبكم إيمانا وإخلاصا، وصدقا في ~~دعوى الإيمان { يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم } أي يعطكم ~~أفضل مما أخذ منكم من الفداء { ويغفر لكم } أي يمحو عنكم ما سلف ~~من الذنوب { والله غفور رحيم } أي واسع المغفرة، عظيم الرحمة ~~لمن تاب وأناب قال البيضاوي: نزلت في العباس رضي الله عنه حين كلفه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يفدي نفسه وابني أخويه " عقيل " و " نوفل " ~~فقال يا محمد: تركتني أتكفف قريشا ما بقيت، فقال: أين الذهب الذي دفعته ~~إلى أم الفضل وقت خروجك وقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في جهتي هذه، ~~فإن حدث بي حدث فهو لك ولعيالك!! فقال العباس: ما يدريك؟ قال: أخبرني به ~~ربي تعالى، قال: فأشهد أنك صادق، وأن لا إله إلا الله وأنك رسوله، ~~والله لم يطلع عليه أحد، ولقد دفعته إليها في سواد الليل!! قال العباس: ~~فأبدلني الله خيرا من ذلك، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي ms0537 بها جميع أموال ~~مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي - يعني الموعود - بقوله تعالى { ~~ويغفر لكم } { وإن يريدوا خيانتك } وإن كان هؤلاء ~~الأسرى يريدون خيانتك يا محمد بما أظهروا من القول ودعوى الإيمان { ~~فقد خانوا الله من قبل } أي فقد خانوا الله تعالى قبل هذه ~~الغزوة غزوة بدر { فأمكن منهم } أي فقواك ونصرك الله عليهم ~~وجعلك تتمكن من رقابهم، فإن عادوا إلى الخيانة فسيمكنك منهم أيضا { ~~والله عليم حكيم } أي عالم بجميع ما يجري، يفعل ما تقضي به ~~حكمته البالغة { إن الذين آمنوا } أي صدقوا الله ورسوله { ~~وهاجروا } أي تركوا وهجروا الديار والأوطان حبا في الله ورسوله { ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } أي ~~جاهدوا الأعداء بالأموال والأنفس لإعزاز دين الله، وهم المهاجرون { ~~والذين آووا ونصروا } أي آووا المهاجرين في ديارهم ونصروا ~~رسول الله وهم الأنصار { أولئك بعضهم أوليآء بعض } ~~أي أولئك الموصوفون بالصفات الفاضلة بعضهم أولياء بعض في النصرة والإرث، ~~ولهذا أخى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار { والذين ~~آمنوا ولم يهاجروا } أي آمنوا وأقاموا بمكة فلم يهاجروا إلى ~~المدينة { ما لكم من ولايتهم من شيء حتى ~~يهاجروا } أي لا إرث بينكم وبينهم ولا ولاية حتى يهاجروا من بلد ~~الكفر { وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر } ~~أي وإن طلبوا منكم النصرة لأجل إعزاز الدين، فعليكم أن تنصروهم على ~~أعدائهم لأنهم إخوانكم { إلا على قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق } أي إلا إذا استنصروكم على من بينكم وبينهم عهد ومهادنة فلا ~~تعينوهم عليهم { والله بما تعملون بصير } أي رقيب على ~~أعمالكم فلا تخالفوا أمره. # ذكر تعالى المؤمنين وقسمهم إلى ثلاثة أقسام: المهاجرين، الأنصار، الذين ~~لم يهاجروا، فبدأ بالمهاجرين لأنهم أصل الإسلام وقد هجروا الديار ~~والأوطان ابتغاء رضوان الله، وثنى بالأنصار لأنهم نصروا الله ورسوله ~~وجاهدوا بالنفس والمال، وجعل بين المهاجرين والأنصار الولاية والنصرة، ثم ~~ذكر حكم المؤمنين الذين لم يهاجروا وبين أنهم حرموا الولاية حتى يهاجروا ~~في سبيل الله، وبعد ذكر هذه الأقسام الثلاثة ذكر حكم الكفار فقال { ~~والذين كفروا بعضهم أوليآء ms0538 بعض } أي هم في الكفر ~~والضلال ملة واحدة فلا يتولاهم إلا من كان منهم { إلا تفعلوه } ~~أي وإن لم تفعلوا ما أمرتم به من تولي المؤمنين وقطع الكفار { تكن ~~فتنة في الأرض وفساد كبير } أي تحصل في الأرض فتنة عظيمة ~~ومفسدة كبيرة، لأنه يترتب على ذلك قوة الكفار وضعف المسلمين، ثم عاد ~~بالذكر والثناء على المهاجرين والأنصار فقال { والذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله } وهم المهاجرون أصحاب ~~السبق إلى الإسلام { والذين آووا ونصروا } وهم الأنصار ~~أصحاب الإيواء والإيثار { أولئك هم المؤمنون حقا } أي ~~هؤلاء هم الكاملون في الإيمان، المتحققون في مراتب الإحسان { لهم ~~مغفرة ورزق كريم } أي لهم مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم في جنات ~~النعيم قال المفسرون: ليس في هذه الآيات تكرار، فالآيات السابقة تضمنت ~~الولاية والنصرة بين المؤمنين، وهذه تضمنت الثناء والتشريف، ومآل حال ~~أولئك الأبرار من المغفرة والرزق الكريم في دار النعيم { والذين ~~آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك ~~منكم } هذا قسم رابع وهم المؤمنون الذين هاجروا بعد الهجرة الأولى ~~فحكمهم حكم المؤمنين السابقين في الثواب والأجر { وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } أي ~~أصحاب القرابات بعضهم أحق بإرث بعض من الأجانب في حكم الله وشرعه قال ~~العلماء: هذه ناسخة للإرث بالحلف والإخاء { إن الله بكل ~~شيء عليم } أي أحاط بكل شيء علما، فكل ما شرعه الله حكمة وصواب ~~وصلاح، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهو ختم للسورة في غاية ~~البراعة. # البلاغة: 1- { وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في ~~الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم ولكن ~~الله ألف بينهم } هذا الأسلوب يسمى ب " الإطناب " وفائدته ~~التذكير بالمنة الكبرى والنعمة العظمى على الرسول والمؤمنين. # 2- { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين.. ~~} الآيات قال في البحر: انظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث أثبت في الشرطية ~~الأولى قيد الصبر، وحذف نظيره من الثانية، وأثبت في الثانية قيد كونهم من ~~الكفرة، وحذفه من الأولى، ولما كان الصبر شديد الطلب أثبت في جملتي ~~التخفيف، ثم ms0539 ختمت الآيات بقوله { والله مع الصابرين } مبالغة ~~في شدة المطلوبية، وهذا النوع من البديع يسمى " الاحتباك ". فلله در ~~التنزيل ما أحلى فصاحته وأنضر بلاغته!! ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-22] # اللغة: { برآءة } برئت من الشيء: إذا قطعت ما بينك وبينه من سبب ~~وأزلته عن نفسك، قال الزجاج: برئت من الرجل والدين براءة، وبرئت من المرض ~~بروءا { فسيحوا } السياحة: السير في الأرض والذهاب فيها للتجارة أو ~~العبادة أو غيرهما { أذان } الأذان: الإعلام ومنه أذان الصلاة { ~~مرصد } المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو من قولهم: رصدت فلانا ~~إذا ترقبته قال الشاعر: إن المنية للفتى بالمرصد { استجارك } طلب ~~جوارك أي أمانك { إلا } الإل: العهد والقرابة وأنشد أبو عبيدة: # أفسد الناس خلوف خلفوا # قطعوا الإل وأعراف الرحم # { نكثوا } النكث: النقض وأصله في كل ما فتل ثم حل { وليجة } ~~بطانة ودخيلة، قال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة ~~وأصله من الولوج، فالداخل في القوم وليس منهم يسمى وليجة وقال الفراء: ~~الوليجة: البطانة من المشركين يفشي إليهم سره، ويعلمهم أمره. سبب ~~النزول: روي أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر، وفيهم " العباس بن ~~عبد المطلب " فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فعيروهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بقتال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقطيعة الرحم، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا ~~وتكتمون محاسننا؟ فقال: وهل لكم من محاسن؟ فقال: نعم، إنا لنعمر المسجد ~~الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني - الأسير - فنزلت هذه ~~الآية { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ~~شاهدين على أنفسهم بالكفر.. } الآية. # التفسير: { برآءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين } أي هذه براءة من المشركين ومن عهودهم ~~كائنة من الله ورسوله قال المفسرون: أخذت العرب تنقض عهودا عقدتها مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره الله بإلقاء عهودهم إليهم، فبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج ليقيم للناس ~~المناسك، ثم أتبعه ms0540 عليا ليعلم الناس بالبراءة، فقام علي فنادى في الناس ~~بأربع: ألا يقرب البيت الحرام بعد العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان، ~~وأنه لا يدخل الجنة إلا مسلم، ومن كان بينه وبين رسول الله مدة فأجله ~~إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسوله { فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر } أي سيروا آمنين أيها المشركون مدة أربعة أشهر لا ~~يقع بكم منا مكروه، وهو أمر إباحة وفي ضمنه تهديد { واعلموا ~~أنكم غير معجزي الله } أي لا تفوتونه تعالى وإن أمهلكم ~~هذه المدة { وأن الله مخزي الكافرين } أي مذلهم في الدنيا ~~بالأسر والقتل، وفي الآخرة بالعذاب الشديد { وأذان من الله ~~ورسوله إلى الناس } أي إعلام الى كافة الناس بتبرئ الله تعالى ~~ورسوله من المشركين { يوم الحج الأكبر } أي يوم النحر الذي هو ~~أفضل أيام المناسك قال الزمخشري: وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج ~~الأصغر { أن الله بريء من المشركين ورسوله } أي ~~إعلام لهم بأن الله بريء من المشركين وعهودهم، ورسوله بريء منهم أيضا { ~~فإن تبتم فهو خير لكم } أي فإن تبتم عن الكفر ورجعتم ~~إلى توحيد الله فهو خير لكم من التمادي في الضلال { وإن توليتم ~~فاعلموا أنكم غير معجزي الله } أي وإن أعرضتم عن ~~الإسلام وأبيتم إلا الاستمرار على الغي والضلال، فاعلموا أنكم لا ~~تفوتون الله طلبا، ولا تعجزونه هربا { وبشر الذين كفروا ~~بعذاب أليم } أي بشر الكافرين بعذاب مؤلم موجع يحل بهم قال أبو ~~حيان: جعل الإنذار بشارة على سبيل الاستهزاء بهم، وفي هذا وعيد عظيم لهم ~~{ إلا الذين عاهدتم من المشركين } أي إلا الذين ~~عاهدتموهم ولم ينقضوا العهد فأتموا إليهم عهدهم قال في الكشاف: وهو ~~استثناء بمعنى الاستدراك أي لكن من وفى ولم ينكث فأتموا عليهم عهدهم، ولا ~~تجروهم مجراهم، ولا تجعلوا الوفي كالغادر { ثم لم ينقصوكم ~~شيئا } أي لم ينقصوا من شروط الميثاق شيئا { ولم يظاهروا ~~عليكم أحدا } أي لم يعينوا عليكم أحدا من أعدائكم { ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } أي وفوا العهد ~~كاملا إلى انقضاء مدته { إن الله ms0541 يحب المتقين } أي يحب ~~المتقين لربهم الموفين لعهودهم قال البيضاوي: هذا تعليل وتنبيه على أن ~~إتمام عهدهم من باب التقوى قال ابن عباس: كان قد بقي لحي من كنانة من ~~عهدهم تسعة أشهر، فأتم صلى الله عليه وسلم إليهم عهدهم { فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم } أي مضت وخرجت الأشهر الأربعة التي حرم ~~فيها قتالهم { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } أي ~~اقتلوهم في أي مكان أو زمان من حل أو حرم، قال ابن عباس: في الحل ~~والحرم وفي الأشهر الحرم { وخذوهم } أي بالأسر { واحصروهم } ~~أي احبسوهم وامنعوهم من التقلب في البلاد قال ابن عباس: إن تحصنوا ~~فاحصروهم أي في القلاع والحصون حتى يضطروا إلى القتل أو الإسلام { ~~واقعدوا لهم كل مرصد } أي اقعدوا لهم في كل طريق يسلكونه، ~~وارقبوهم في كل ممر يجتازون منه في أسفارهم قال في البحر: وهذا تنبيه على ~~أن المقصود إيصال الأذى إليهم بكل وسيلة بطريق القتال أو بطريق ~~الاغتيال { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~} أي فإن تابوا عن الشرك وأدوا ما فرض عليهم من الصلاة والزكاة { ~~فخلوا سبيلهم } أي كفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم { إن الله ~~غفور رحيم } أي واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب { وإن ~~أحد من المشركين استجارك } أي إن استأمنك مشرك وطلب ~~منك جوارك { فأجره حتى يسمع كلام الله } أي أمنه حتى ~~يسمع القرآن ويتدبره قال الزمخشري: المعنى إن جاءك أحد من المشركين بعد ~~انقضاء الأشهر، لا عهد بينك وبينه، واستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من ~~التوحيد والقرآن، فأمنه حتى يسمع كلام الله ويتدبره ويطلع على حقيقة ~~الأمر أقول: هذا غاية في حسن المعاملة وكرم الأخلاق، لأن المراد ليس ~~النيل من الكافرين، بل إقناعهم وهدايتهم حتى يعرفوا الحق فيتبعوه، ~~ويتركوا ما هم عليه من الضلال { ثم أبلغه مأمنه } أي ثم إن ~~لم يسلم فأوصله إلى ديار قومه التي يأمن فيها على نفسه وماله من غير ~~غدر ولا خيانة { ذلك بأنهم قوم لا يعلمون } أي ذلك ~~الأمر بالإجارة للمشركين، بسبب أنهم لا يعلمون حقيقة دين ms0542 الإسلام، فلا ~~بد من أمانهم حتى يسمعوا ويتدبروا، ثم بين تعالى الحكمة من البراءة من ~~عهود المشركين فقال { كيف يكون للمشركين عهد عند ~~الله وعند رسوله } استفهام بمعنى الانكار والاستبعاد أي كيف ~~يكون لهم عهد معتد به عند الله ورسوله، ثم استدرك فقال { إلا ~~الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } أي لكن من عاهدتم ~~من المشركين عند المسجد الحرام ولم ينقضوا العهد قال ابن عباس: هم أهل ~~مكة وقال ابن اسحاق: هم قبائل بني بكر كانوا دخلوا وقت الحديبية في المدة ~~التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فأمر بإتمام ~~العهد لمن لم يكن نقض عهده منهم { فما استقاموا لكم ~~فاستقيموا لهم } أي فما داموا مستقيمين على عهدهم فاستقيموا لهم ~~على العهد قال الطبري: أي فما استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على ~~الوفاء { إن الله يحب المتقين } أي يحب من اتقى ربه، ~~ووفى عهده، وترك الغدر والخيانة { كيف وإن يظهروا عليكم } ~~تكرار لاستبعاد ثباتهم على العهد أي كيف يكون لهم عهد وحالهم هذه أنهم ~~إن يظفروا بكم { لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة } أي لا ~~يراعوا فيكم عهدا ولا ذمة، لأنه لا عهد لهم ولا أمان قال أبو حيان: وهذا ~~كله تقرير واستبعاد لثبات قلوبهم على العهد { يرضونكم ~~بأفواههم } أي يرضونكم بالكلام الجميل إن كان الظفر لكم عليهم { ~~وتأبى قلوبهم } أي وتمتنع قلوبهم من الإذعان والوفاء بما ~~أظهروه وقال الطبري: المعنى يعطونكم بألسنتهم من القول خلاف ما يضمرونه ~~لكم في نفوسهم من العداوة والبغضاء، وتأبى قلوبهم أن يذعنوا بتصديق ما ~~يبدونه لكم بألسنتهم { وأكثرهم فاسقون } أي وأكثرهم ناقضون ~~للعهد خارجون عن طاعة الله { اشتروا بآيات الله ثمنا ~~قليلا } أي استبدلوا بالقرآن عرضا يسيرا من متاع الدنيا الخسيس { ~~فصدوا عن سبيله } أي منعوا الناس عن اتباع دين الإسلام { ~~إنهم سآء ما كانوا يعملون } أي بئس هذا العمل القبيح ~~الذي عملوه { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } أي لا ~~يراعون في قتل مؤمن لو قدروا عليه عهدا ms0543 ولا ذمة { وأولئك هم ~~المعتدون } أي وأولئك الجامعون لتلك الأوصاف الذميمة هم المجاوزون ~~الحد في الظلم والبغي { فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة } أي فإن تابوا عن الكفر وأقاموا الصلاة وأعطوا ~~الزكاة { فإخوانكم في الدين } أي فهم إخوانكم في الدين، لهم ~~ما لكم، وعليهم ما عليكم { ونفصل الآيات لقوم يعلمون } ~~أي ونبين الحجج والأدلة لأهل العلم والفهم، والجملة اعتراضية للحث على ~~التدبر والتأمل { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ~~} أي وإن نقضوا عهودهم الموثقة بالأيمان { وطعنوا في دينكم } ~~أي عابوا الإسلام بالقدح والذم { فقاتلوا أئمة الكفر } ~~أي رؤساء وصناديد الكفر { إنهم لا أيمان لهم } أي لا أيمان ~~لهم ولا عهود يوفون بها { لعلهم ينتهون } أي كي يكفوا عن ~~الإجرام، وينتهوا عن الطعن في الإسلام، قال البيضاوي: وهو متعلق ب " ~~قاتلوا " أي ليكن غرضكم في المقاتلة الانتهاء عما هم عليه، لا إيصال ~~الأذية بهم كما هو طريقة المؤذين { ألا تقاتلون قوما ~~نكثوا أيمانهم } تحريض على قتالهم أي ألا تقاتلون يا معشر ~~المؤمنين قوما نقضوا العهود وطعنوا في دينكم؟ { وهموا بإخراج ~~الرسول } أي عزموا على تهجير الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة حين ~~تشاوروا بدار الندوة على إخراجه من بين أظهركم { وهم بدءوكم ~~أول مرة } أي هم البادئون بالقتال حيث قاتلوا حلفاءكم خزاعة، ~~والبادئ أظلم، فما يمنعكم أن تقاتلوهم؟ { أتخشونهم فالله ~~أحق أن تخشوه }؟ أي أتخافونهم فتتركون قتالهم خوفا على أنفسكم ~~منهم؟ فالله أحق أن تخافوا عقوبته إن تركتم أمره { إن كنتم ~~مؤمنين } أي إن كنتم مصدقين بعذابه وثوابه قال الزمخشري: يعني أن ~~قضية الإيمان الصحيح ألا يخشى المؤمن إلا ربه ولا يبالي بما سواه. # . ثم بعد الحض والحث أمرهم بقتالهم صراحة فقال { قاتلوهم ~~يعذبهم الله بأيديكم } أي قاتلوهم يا معشر المؤمنين ~~فقتالكم لهم عذاب بأيدي أولياء الله وجهاد لمن قاتلهم { ويخزهم } ~~أي يذلهم بالأسر والقهر { وينصركم عليهم } أي يمنحكم الظفر ~~والغلبة عليهم { ويشف صدور قوم مؤمنين } أي يشف قلوب ~~المؤمنين بإعلاء دين الله وتعذيب الكفار وخزيهم قال ابن عباس: هم ms0544 قوم من ~~اليمن قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى كثيرا فشكوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: أبشروا فإن الفرج قريب { ويذهب غيظ ~~قلوبهم } أي يذهب ما بها من غيظ، وغم، وكرب، وهو كالتأكيد لشفاء ~~الصدور وفائدته المبالغة في جعلهم مسرورين بما يمن الله عليهم من تعذيب ~~أعدائهم قال الرازي: أمر تعالى بقتالهم وذكر فيه خمسة أنواع من الفوائد، ~~كل واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد، فكيف بها إذا اجتمعت؟ { ويتوب ~~الله على من يشآء } كلام مستأنف أي يمن الله على من يشاء منهم ~~بالتوبة والدخول في الإسلام كأبي سفيان { والله عليم حكيم } ~~أي عالم بالأسرار لا تخفى عليه خافية، حكيم لا يفعل إلا ما فيه حكمة ~~ومصلحة قال أبو السعود: ولقد أنجز الله سبحانه جميع ما وعدهم به على أجمل ~~ما يكون، فكان إخباره عليه السلام بذلك قبل وقوعه معجزة عظيمة { أم ~~حسبتم أن تتركوا } أي منقطعة بمعنى بل والهمزة أي بل أحسبتم ~~يا معشر المؤمنين أن تتركوا بغير امتحان وابتلاء يعرف الصادق منكم في ~~دينه من الكاذب فيه! { ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم } أي والحال أنه لم يتبين المجاهد منكم من غيره، والمراد بالعلم ~~علم ظهور لا علم خفاء فإنه تعالى يعلم ذلك غيبا فأراد إظهار ما علم ~~ليجازي على العمل { ولم يتخذوا من دون الله ولا ~~رسوله ولا المؤمنين وليجة } أي جاهدوا في سبيل الله ولم ~~يتخذوا بطانة وأولياء من المشركين يفشون إليهم أسرارهم ويوالونهم من دون ~~المؤمنين، والغرض من الآية: ان الله تعالى لا يترك الناس دون تمحيص يظهر ~~فيه الطيب من الخبيث { والله خبير بما تعملون } أي يعلم ~~جميع أعمالكم لا يخفى عليه شيء منها { ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله } أي لا يصح ولا يستقيم ولا ينبغي ولا يليق ~~بالمشركين أن يعمروا شيئا من المساجد { شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر } أي حال كونهم مقرين بالكفر، ناطقين به بأقوالهم وأفعالهم ~~حيث كانوا يقولون في تلبيتهم: " لبيك لا شريك لك، إلا شريكا ms0545 هو لك، ~~تملكه وما ملك " يعنون الأصنام، وكانوا قد نصبوا أصنامهم خارج البيت، ~~وكانوا يطوفون عراة كلما طافوا طوفة سجدوا للأصنام والمعنى: ما استقام ~~لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة مساجد الله، مع الكفر بالله ~~وبعبادته { أولئك حبطت أعمالهم } أي بطلت أعمالهم بما ~~قارنها من الشرك { وفي النار هم خالدون } أي ماكثون في نار ~~حهنم أبدا { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر } أي إنما تستقيم عمارة المساجد وتليق بالمؤمن ~~المصدق بوحدانية الله، الموقن بالآخرة { وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة } أي أقام الصلاة المكتوبة بحدودها، وأدى الزكاة المفروضة ~~بشروطها { ولم يخش إلا الله } أي خاف الله ولم يرهب أحدا ~~سواه { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } أي ~~فعسى أن يكونوا في زمرة المهتدين يوم القيامة قال ابن عباس: كل عسى في ~~القرآن واجبة قال الله لنبيه # عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79] يقول: إن ربك سيبعثك مقاما محمودا وهي الشفاعة قال أبو ~~حيان: وعسى من الله تعالى واجبة حيثما وقعت في القرآن، وفي التعبير بعسى ~~قطع لأطماع المشركين أن يكونوا مهتدين، إذ من جمع هذه الخصال الأربعة ~~جعل حاله حال من ترجى له الهداية، فكيف بمن هو عار منها؟ وفيه ترجيح ~~الخشية على الرجاء، ورفض الاغترار بالأعمال الصالحة { أجعلتم ~~سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله } الخطاب ~~للمشركين، والاستفهام للإنكار والتوبيخ والمعنى: أجعلتم يا معشر ~~المشركين سقاية الحجيج وسدانة البيت، كإيمان من آمن بالله وجاهد في ~~سبيله؟ وهو رد على العباس حين قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة، ~~فلقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج فنزلت قال الطبري: هذا توبيخ ~~من الله تعالى لقوم افتخروا بالسقاية وسدانة البيت الحرام، فأعلمهم أن ~~الفخر في الإيمان بالله، واليوم الآخر، والجهاد في سبيله { لا ~~يستوون عند الله } أي لا يتساوى المشركون بالمؤمنين، ولا أعمال ~~أولئك بأعمال هؤلاء ومنازلهم { والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } هذا كالتعليل أي لا يوفق الظالمين إلى معرفة الحق، قال ms0546 ~~في البحر: ومعنى الآية إنكار أن يشبه المشركون بالمؤمنين، وأعمالهم ~~المحبطة بأعمالهم المثبتة، ولما نفى المساواة بينهم أوضحها بأن الكافرين ~~بالله هم الظالمون، ظلموا أنفسهم بعدم الإيمان، وظلموا المسجد الحرام ~~إذ جعلوه متعبدا لأوثانهم، وأثبت للمؤمنين الهداية في الآية السابقة، ~~ونفاها عن المشركين هنا فقال { والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } ثم قال تعالى { الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله } هذا زيادة توضيح وبيان لأهل الجهاد ~~والإيمان والمعنى: إن الذين طهروا أنفسهم من دنس الشرك بالإيمان، ~~وطهروا أبدانهم بالهجرة من الأوطان، وبذلوا أنفسهم وأموالهم للجهاد في ~~سبيل الرحمن، هؤلاء المتصفون بالأوصاف الجليلة أعظم أجرا، وأرفع ذكرا ~~من سقاة الحاج، وعمار المسجد الحرام وهم بالله مشركون { وأولئك ~~هم الفائزون } أي وأولئك هم المختصون بالفوز العظيم في جنات ~~النعيم { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان } أي ~~يبشرهم المولى برحمة عظيمة، ورضوان كبير من رب عظيم { وجنات ~~لهم فيها نعيم مقيم } أي وجنات عالية، قطوفها دانية، لهم في ~~تلك الجنات نعيم دائم لا زوال له { خالدين فيهآ أبدا } أي ~~ماكثين في الجنان إلى ما لا نهاية { إن الله عنده أجر ~~عظيم } أي ثوابهم عند الله عظيم، تعجز العقول عن وصفه قال أبو حيان: ~~لما وصف المؤمنين بثلاث صفات: الإيمان، والهجرة، والجهاد بالنفس والمال، ~~قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاثة: الرحمة، الرضوان، والجنان، فبدأ بالرحمة ~~لأنها أعم النعم في مقابلة الإيمان، وثنى بالرضوان الذي هو نهاية ~~الإحسان في مقابلة الجهاد، وثلث بالجنان في مقابلة الهجرة وترك ~~الأوطان وقال الألوسي: ولا يخفى أن وصف الجنات بأن لهم فيها نعيم مقيم ~~جاء في غاية اللطافة، لأن الهجرة فيها السفر، الذي هو قطعة من العذاب. # البلاغة: 1- { برآءة من الله ورسوله } التنوين ~~للتفخيم والتقييد بأنها من الله ورسوله لزيادة التفخيم والتهويل. # 2- { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } هذا يسمى " ~~الأسلوب التهكمي " لأن البشارة بالعذاب تهكم به. # 3- { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } شبه مضي الأشهر ~~وانقضاءها بالإنسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده فهو من باب الاستعارة. # 4- { والله عليم ms0547 حكيم } ذكر الاسم الجليل مكان الضمير لتربية ~~المهابة وإدخال الروعة في القلب. # 5- { وأولئك هم الفائزون } الجملة مفيدة للحصر أي هم ~~الفائزون لا غيرهم. # 6- { وأقام الصلاة وآتى الزكاة } في تخصيص الصلاة ~~والزكاة بالذكر تفخيم لشأنهما وحث على التنبه لهما. # 7- { برحمة منه ورضوان } تنكير الرحمة والرضوان للتفخيم ~~والتعظيم أي برحمة لا يبلغها وصف واصف. # فائدة: عمارة المساجد نوعان: حسية، ومعنوية، فالحسية بالتشييد ~~والبناء، والمعنوية بالصلاة وذكر الله، وقد ربط الباري جل وعلا بين ~~العمارة والإيمان وفي الحديث # " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان لأن الله تعالى ~~يقول { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر } " # فالعمارة الحقيقية بالصلاة وذكر الله. # لطيفة: ذكر القرطبي أن أعرابيا قدم المدينة المنورة فقال: من يقرئني ~~مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأقرأه رجل سورة براءة حتى أتى ~~الآية الكريمة { أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله } فقرأها عليه بالجر { ورسوله } فقال الأعرابي: وأنا ~~أيضا أبرأ من رسوله، فاستعظم الناس الأمر وبلغ ذلك عمر فدعاه فقال يا ~~أعرابي: أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال يا أمير المؤمنين: ~~قدمت المدينة فأقرأني رجل سورة براءة فقلت إن يكن الله برئ من رسوله ~~فأنا أبرأ منه، فقال: ما هكذا الآية يا أعرابي؟ قال فكيف يا أمير ~~المؤمنين! فقرأها عليه بالضم { ورسوله } فقال الأعرابي: وأنا والله ~~أبرأ مما برئ الله ورسوله منه، فأمر عمر ألا يقرئ الناس إلا عالم بلغة ~~العرب. ### || [9.23-33] # المناسبة: لما ذكر تعالى قبائح المشركين، وأثنى على المهاجرين ~~المؤمنين الذين هجروا الديار والأوطان حبا في الله ورسوله، حذر هنا من ~~ولاية الكافرين وذكر أن الانقطاع عن الآباء والأقارب واجب بسبب الكفر، ثم ~~استطرد إلى تذكير المؤمنين بنصرهم في مواطن كثيرة ليعتزوا بدينهم، ثم ~~عاد إلى الحديث عن قبائح أهل الكتاب للتحذير من موالاتهم، وأنهم ~~كالمشركين يسعون لإطفاء نور الله. # اللغة: { أوليآء } جمع ولي: وهو الناصر والمعين الذي يتولى شئون ~~الغير وينصره ويقويه { وعشيرتكم } العشيرة: الجماعة التي يعتز ~~ويحتمي بها الإنسان قال ms0548 الواحدي: عشيرة الرجل أهله الأدنون وهو من ~~العشرة أي الصحبة لأنها من شأن القربى { كسادها } كسد الشيء كسادا ~~وكسودا إذا بار ولم يكن له تفاق { عيلة } فقرا يقال: عال الرجل ~~يعيل إذا افتقر قال الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل # { الجزية } ما أخذ من أهل الذمة سميت جزية لأنهم أعطوها جزاء ما ~~منحوا من الأمن { يضاهئون } يشابهون والمضاهاة المماثلة والمحاكاة ~~{ يؤفكون } يصرفون عن الحق والإفك الصرف يقال: أفك الرجل أي قلب ~~وصرف. # سبب النزول: قال الكلبي: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالهجرة الى المدينة، جعل الرجل يقول لأبيه وأخيه وامرأته: لقد أمرنا ~~بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته وولده ~~فيقولون: نشدناك الله إن تدعنا من غير شيء فنضيع، فيرق فيجلس معهم ويدع ~~الهجرة فنزلت الآية تعاتبهم { يأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا آبآءكم وإخوانكم أوليآء.. } الآية. # التفسير: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~آبآءكم وإخوانكم أوليآء } النداء بلفظ الإيمان للتكريم ~~ولتحريك الهمة للمسارعة إلى امتثال أوامر الله قال ابن مسعود: " إذا ~~سمعت الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك، فإنه خير ~~تؤمر به، أو شر تنهى عنه " والمعنى: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم الكافرين ~~أنصارا وأعوانا تودونهم وتحبونهم { إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان } أي إن فضلوا الكفر واختاروه على الإيمان وأصروا عليه ~~إصرارا { ومن يتولهم منكم فأولئك هم ~~الظالمون } قال ابن عباس: هو مشرك مثلهم، لأن من رضي بالشرك فهو ~~مشرك { قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم } أي إن كان هؤلاء الأقارب من الآباء، والأبناء، ~~والإخوان، والزوجات ومن سواهم { وعشيرتكم } أي جماعتكم التي ~~تستنصرون بهم { وأموال اقترفتموها } أي وأموالكم التي ~~اكتسبتموها { وتجارة تخشون كسادها } أي تخافون عدم نفاقها ~~{ ومساكن ترضونهآ } أي منازل تعجبكم الإقامة فيها { أحب ~~إليكم من الله ورسوله } هذا هو جواب كان أي إن كانت هذه ~~الأشياء المذكورة أحب إليكم من الهجرة إلى الله ورسوله { وجهاد في ~~سبيله } أي وأحب إليكم من الجهاد لنصرة ms0549 دين الله { فتربصوا } ~~أي انتظروا وهو وعيد شديد وتهديد { حتى يأتي الله بأمره ~~} أي بعقوبته العاجلة أو الآجلة { والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين } أي لا يهدي الخارجين عن طاعته إلى طريق السعادة، وهذا ~~وعيد لمن آثر أهله، أو ماله، أو وطنه، على الهجرة والجهاد، ثم ذكرهم ~~تعالى بالنصر على الأعداء في مواطن اللقاء فقال { لقد نصركم ~~الله في مواطن كثيرة } أي نصركم في مشاهد كثيرة، وحروب عديدة ~~{ ويوم حنين } أي ونصركم أيضا يوم حنين بعد الهزيمة التي منيتم ~~بها بسبب اغتراركم بالكثرة { إذ أعجبتكم كثرتكم فلم ~~تغن عنكم شيئا } أي حين أعجبكم كثرة عددكم فقلتم: لن نغلب اليوم ~~من قلة، وكنتم اثني عشر ألفا وأعداؤكم أربعة آلاف، فلم تنفعكم الكثرة ~~ولم تدفع عنكم شيئا { وضاقت عليكم الأرض بما رحبت } ~~أي وضاقت الأرض على رحبها وكثرة اتساعها بكم من شدة الخوف { ثم ~~وليتم مدبرين } أي وليتم على أدباركم منهزمين قال الطبري: ~~يخبرهم تبارك وتعالى أن النصر بيده ومن عنده، وأنه ليس بكثرة العدد، وأنه ~~ينصر القليل على الكثير إذا شاء، ويخلي القليل فيهزم الكثير، قيل للبراء ~~بن عازب: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ فقال البراء: ~~أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، ولقد رأيته على بغلته ~~البيضاء - وأبو سفيان آخذ بلجامها يقودها - فلما غشيه المشركون نزل فجعل ~~يقول: # أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب # ثم أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه المشركين وقال: شاهت الوجوه ~~ففروا، فما بقي أحد إلا ويمسح القذى عن عينيه، وقال البراء: # " كنا والله إذا حمي البأس نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ~~الشجاع منا الذي يحاذيه " # { ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين } أي أنزل بعد الهزيمة الأمن والطمأنينة على المؤمنين حتى ~~سكنت نفوسهم قال أبو السعود: أي أنزل رحمته التي تسكن بها القلوب وتطمئن ~~إليها { وأنزل جنودا لم تروها } قال ابن عباس: يعني ~~الملائكة { وعذب الذين كفروا } أي بالقتل والأسر ms0550 وسبي النساء ~~والذراري { وذلك جزآء الكافرين } أي وذلك عقوبة الكافرين ~~بالله. { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء } ~~أي يتوب على من يشاء فيوفقه للإسلام، وهو إشارة إلى إسلام هوازن { ~~والله غفور رحيم } أي عظيم المغفرة واسع الرحمة { يأيها ~~الذين آمنوا إنما المشركون نجس } أي قذر لخبث ~~باطنهم قال ابن عباس: أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وقال الحسن: من ~~صافح مشركا فليتوضأ، والجمهور على أن هذا على التشبيه أي هم بمنزلة ~~النجس أو كالنجس لخبث اعتقادهم وكفرهم بالله جعلوا كأنهم النجاسة بعينها ~~مبالغة في الوصف على حد قولهم: علي أسد أي كالأسد { فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا } أي فلا يدخلوا الحرم، ~~أطلق المسجد الحرام وقصد به الحرم كله قال أبو السعود: وقيل: المراد ~~المنع عن الحج والعمرة أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا وهو عام ~~تسع من الهجرة ويؤيده حديث # " وألا يحج بعد هذا العام مشرك " # وهو العام الذي نزلت فيه سورة براءة ونادى بها علي في المواسم { ~~وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } ~~أي وإن خفتم أيها المؤمنون فقرا بسبب منعهم من دخول الحرم أو من الحج ~~فإن الله سبحانه يغنيكم عنهم بطريق آخر من فضله وعطائه قال المفسرون: ~~لما منع المسلمون من تمكين المشركين من دخول الحرم، وكان المشركون ~~يجلبون الأطعمة والتجارات اليهم في المواسم، ألقى الشيطان في قلوبهم ~~الحزن فقال لهم: من أين تأكلون؟ وكيف تعيشون وقد منعت عنكم الأرزاق ~~والمكاسب؟ فأمنهم الله من الفقر والعيلة، ورزقهم الغنائم والجزية { إن ~~شآء } أي يغنيكم بإرادته ومشيئته { إن الله عليم حكيم } ~~قال ابن عباس: عليم بما يصلحكم، حكيم فيما حكم في المشركين.. ولما ذكر ~~حكم المشركين ذكر حكم أهل الكتاب فقال { قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } أي قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون إيمانا صحيحا بالله واليوم الآخر وإن زعموا الإيمان، فإن ~~اليهود يقولون عزير ابن الله، والنصارى يعتقدون بألوهية المسيح ويقولون ~~بالتثليث { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } أي ms0551 لا ~~يحرمون ما حرم الله في كتابه، ولا رسوله في سنته، بل يأخذون بما شرعه لهم ~~الأحبار والرهبان ولهذا يستحلون الخمر والخنزير وما شابههما { ولا ~~يدينون دين الحق } أي لا يعتقدون بدين الإسلام الذي هو دين ~~الحق { من الذين أوتوا الكتاب } هذا بيان للمذكورين أي من ~~هؤلاء المنحرفين من اليهود والنصارى الذين نزلت عليهم التوراة والإنجيل ~~{ حتى يعطوا الجزية عن يد } أي حتى يدفعوا إليكم الجزية ~~منقادين مستسلمين { وهم صاغرون } أي أذلاء حقيرون مقهورون بسلطان ~~الإسلام، ثم ذكر تعالى طرفا من قبائحهم فقال { وقالت اليهود ~~عزير ابن الله } أي نسب اللعناء إلى الله الولد، وهو واحد أحد ~~فرد صمد قال البيضاوي: وإنما قالوا ذلك لأنه لم يبق فيهم بعد بختنصر من ~~يحفظ التوراة، فلما أحياه الله بعد مائة عام أملى عليهم التوراة حفظا ~~فتعجبوا من ذلك وقالوا: ما هذا إلا لأنه ابن الله { وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله } أي وزعم النصارى - أعداء الله - ~~أن المسيح ابن الله قالوا: لأن عيسى ولد بدون أب، ولا يمكن أن يكون ولد ~~بدون أب، فلا بد أن يكون ابن الله، قال تعالى ردا عليهم { ذلك ~~قولهم بأفواههم } أي ذلك القول الشنيع هو مجرد دعوى باللسان ~~من غير دليل ولا برهان قال في التسهيل: يتضمن معنيين: أحدهما إلزامهم ~~هذه المقالة والتأكيد في ذلك، والثاني أنهم لا حجة لهم في ذلك، وإنما هو ~~مجرد دعوى كقولك لمن تكذبه: هذا قولك بلسانك { يضاهئون قول ~~الذين كفروا من قبل } أي يشابهون بهذا القول الشنيع قول ~~المشركين قبلهم: الملائكة بنات الله # تشابهت قلوبهم # [البقرة: 118] { قاتلهم الله أنى يؤفكون } دعاء عليهم ~~بالهلاك أي أهلكهم الله كيف يصرفون عن الحق الى الباطل بعد وضوح الدليل ~~حتى يجعلوا لله ولدا! قال الرازي: الصيغة للتعجب وهو راجع إلى الخلق ~~على عادة العرب في مخاطباتهم، والله تعالى عجب نبيه من تركهم الحق ~~وإصرارهم على الباطل { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله } أي أطاع اليهود أحبارهم والنصارى ~~رهبانهم في التحليل والتحريم وتركوا أمر الله ms0552 فكأنهم عبدوهم من دون الله ~~والمعنى: أطاعوهم كما يطاع الرب وإن كانوا لم يعبدوهم وهو التفسير ~~المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عدي ابن حاتم: # " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: يا عدي ~~إطرح عنك هذا الوثن، قال وسمعته يقرأ سورة براءة { اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } فقلت يا ~~رسول الله: لم يكونوا يعبدونهم فقال عليه السلام: أليس يحرمون ما أحل ~~الله تعالى فيحرمونه، ويحلون ما حرم الله فيستحلون؟! فقلت: بلى، قال: ~~فذلك عبادتهم " # { والمسيح ابن مريم } أي اتخذه النصارى ربا معبودا { ومآ ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا } أي والحال أن ~~أولئك الكفرة ما أمروا على لسان الأنبياء إلا بعبادة إله واحد هو الله ~~رب العالمين { لا إله إلا هو } لا معبود بحق سواه { ~~سبحانه عما يشركون } أي تنزه الله عما يقول المشركون وتعالى ~~علوا كبيرا { يريدون أن يطفئوا نور الله ~~بأفواههم } أي يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب أن ~~يطفئوا نور الإسلام وشرع محمد عليه السلام بأفواههم الحقيرة، بمجرد ~~جدالهم وافترائهم، وهو النور الذي جعله الله لخلقه ضياء، فمثلهم في ذلك ~~كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخه بفمه ولا سبيل إلى ~~ذلك { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } أي ويأبى الله ~~إلا أن يعليه ويرفع شأنه { ولو كره الكافرون } أي ولو كره ~~الكافرون ذلك { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق } أي أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بالهداية التامة والدين ~~الكامل وهو الإسلام { ليظهره على الدين كله } أي ليعليه ~~على سائر الأديان { ولو كره المشركون } جوابه محذوف أي ولو ~~كره المشركون ظهوره. # البلاغة: 1- { فتربصوا حتى يأتي الله بأمره } ~~صيغته أمر وحقيقته وعيد كقوله # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40]. # 2- { ويوم حنين } من باب عطف الخاص على العام للتنويه بشأنه حيث ~~جاء النصر بعد اليأس، والفرج بعد الشدة. # 3- { وضاقت عليكم الأرض بما رحبت } شبه ما حل بهم من ~~الكرب والهزيمة والضيق النفسي بضيق ms0553 الأرض على سعتها على سبيل الاستعارة. # 4- { إنما المشركون نجس } الصيغة لإفادة الحصر واللفظ فيه ~~تشبيه بليغ أي كالنجس في خبث الباطن وخبث الاعتقاد حذفت منه أداة الشبه ~~ووجه الشبه فأصبح بليغا ومثله { اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا } أي كالأرباب في طاعتهم وامتثال أوامرهم في ~~التحريم والتحليل. # 5- { فلا يقربوا المسجد } عبر عن الدخول بالقرب للمبالغة. # 6- { يطفئوا نور الله } أراد به نور الإسلام فإن الإسلام ~~بنوره المضيء وحججه القاطعة يشبه الشمس الساطعة في نورها وضيائها فهو من ~~باب الاستعارة. وهي من لطائف الاستعارات. # لطيفة: قال العلامة القرطبي دل قوله تعالى { لا تتخذوا ~~آبآءكم وإخوانكم أوليآء } على أن القرب قرب الأديان لا ~~قرب الأبدان، وقد أنشدوا في ذلك أبياتا: # يقولون لي دار الأحبة قد دنت # وأنت كئيب إن ذا لعجيب # فقلت: وما تغني ديار قريبة # إذا لم يكن بين القلوب قريب ### || [9.34-45] # المناسبة: لما وصف تعالى رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر ~~وادعاء الربوبية، وصفهم هنا بالطمع والجشع والحرص على أكل أموال الناس، ~~تحقيرا لشأنهم وتسفيها لأحلامهم، لأنهم اتخذوا الدين مطية لنيل الدنيا، ~~وذلك نهاية الذل والدناءة، ثم ذكر تعالى قبائحهم وقبائح المشركين، ثم دعا ~~إلى النفير العام وذكر موقف المنافقين المثبطين عن الجهاد في سبيل الله. # اللغة: { الأحبار } علماء اليهود { الرهبان } علماء النصارى ~~قال ابن المبارك: # وهل أفسد الدين إلا الملوك # وأحبار سوء ورهبانها # { يكنزون } أصل الكنز في اللغة: الجمع والضم ومنه حديث # " ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة " # أي يضمه لنفسه ويجمعه، ثم غلب استعماله على المدفون من الذهب والفضة قال ~~الطبري: الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها ~~{ تكوى } الكي: إلصاق المحمي من الحديد وشبهه بالعضو حتى يتمزق ~~الجلد وفي الأمثال " آخر الدواء لكي " { النسيء } التأخير يقال: ~~نسأه وأنسأه إذا أخره ومنه حديث # " وينسأ له في أثره " # أي يؤخر له في أجله قال الزمخشري: النسيء: تأخير حرمة الشهر إلى شهر ~~آخر { ليواطئوا } أي ليوافقوا والمواطأة: الموافقة يقال: تواطأ ~~القوم: إذا اتفقوا على أمر ms0554 خفية { انفروا } النفر: الخروج بسرعة ومنه # ولوا على أدبارهم نفورا # [الإسراء: 46] { اثاقلتم } أصله تثاقلتم بمعنى تباطأتم ولم تسرعوا ~~{ عرضا } العرض: ما يعرض للانسان من منافع الدنيا سمي عرضا لأنه لا ~~يدوم وفي الحديث # " الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر " # { الشقة } المسافة البعيدة التي لا تقطع إلا بمشقة قال الجوهري: ~~الشقة السفر البعيد، وكأنه مأخوذ من المشقة يقال: شقة شاقة. # سبب النزول: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف وغزوة ~~حنين، أمر الناس بالجهاد، لغزو الروم، وذلك في زمن عسرة من البأس، وجدب ~~من البلاد، وشدة من الحر، حين أثمرت النخل، وطابت الثمار، فعظم على ~~الناس غزو الروم، وأحبوا الظلال والمقام في المساكن والمال، وشق عليهم ~~الخروج إلى القتال فأنزل الله { يأيها الذين آمنوا ما ~~لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم ~~إلى الأرض.. } الآية. # التفسير: { يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من ~~الأحبار والرهبان } أي يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله إن ~~كثيرا من علماء اليهود " الأحبار " وعلماء النصارى " الرهبان " { ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل ~~الله } أي ليأخذون أموال الناس بالحرام، ويمنعونهم عن الدخول في دين ~~الإسلام قال ابن كثير: والمقصود التحذير من علماء السوء، وعباد الضلال ~~قال ابن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من ~~عبادنا كان في شبه من النصارى { والذين يكنزون الذهب ~~والفضة } أي يجمعون الأموال ويدخرون الثروات { ولا ينفقونها ~~في سبيل الله } أي لا يؤدون زكاتها ولا يبذلون منها في وجوه الخير ~~قال ابن عمر: الكنز ما لم تؤد زكاته، وما أديت زكاته فليس بكنز { ~~فبشرهم بعذاب أليم } أسلوب تهكم أي أخبرهم بالعذاب الأليم ~~في دار الجحيم قال الزمخشري: وإنما قرن بين الكانزين وبين اليهود ~~والنصارى تغليظا عليهم ودلالة على أن من يأخذ منهم السحت، ومن لا يعطي ~~من المسلمين من طيب ماله، سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم { ~~يوم يحمى عليها في نار جهنم } أي يوم يحمى عليها ~~بالنار المستعرة حتى تصبح ms0555 حامية كاوية { فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم } أي تحرق بها الجباه والجنوب والظهور بالكي ~~عليها قال ابن مسعود: والذي لا إله غيره لا يكوى عبد بكنز فيمس دينار ~~دينارا، ولا درهم درهما، ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على ~~حدته، وخصت هذه الأماكن بالكي لأن البخيل يرى الفقير قادما فيقطب جبهته، ~~فإذا جاءه أعرض بجانبه، فإذا طالبه بإحسان ولاه ظهره، قال القرطبي: ~~الكي في الوجه أشهر وأشنع، وفي الظهر والجنب آلم وأوجع، فلذلك خصها ~~بالذكر من بين سائر الأعضاء { هذا ما كنزتم لأنفسكم ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون } أي يقال لهم تبكيتا وتقريعا: هذا ~~ما كنزتموه لأنفسكم فذوقوا وبال ما كنتم تكنزونه وفي صحيح مسلم # " ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار، ~~فيكون بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي ~~بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " # { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } أي ~~إن عدد الشهور المعتد بها عند الله في شرعه وحكمه هي اثنا عشر شهرا على ~~منازل القمر، فالمعتبر به الشهور القمرية إذ عليها يدور فلك الأحكام ~~الشرعية { في كتاب الله } أي في اللوح المحفوظ { يوم خلق ~~السموت والأرض } قال ابن عباس: كتبه يوم خلق السماوات والأرض ~~في الكتاب الإمام الذي عند الله { منهآ أربعة حرم } أي منها ~~أربعة شهور محرمة هي: " ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب " وسميت ~~حرما لأنها معظمة محترمة تتضاعف فيها الطاعات ويحرم القتال فيها { ~~ذلك الدين القيم } أي ذلك الشرع المستقيم { فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم } أي لا تظلموا في هذه الأشهر المحرمة أنفسكم بهتك ~~حرمتهن وارتكاب ما حرم الله من المعاصي والآثام { وقاتلوا ~~المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة } أي قاتلوهم ~~جميعا مجتمعين غير متفرقين كما يقاتلكم المشركون جميعا { واعلموا ~~أن الله مع المتقين } أي معهم بالنصرة والتأييد، وهو بشارة ~~وضمان لأهل التقوى { إنما النسيء زيادة في الكفر } أي ~~إنما تأخير حرمة شهر ms0556 لشهر آخر زيادة في الكفر لأنه تحريم ما أحله الله ~~وتحليل ما حرمه فهو كفر آخر مضموم إلى كفرهم قال المفسرون: كان العرب ~~أهل حروب وغارات، وكان القتال محرما عليهم في الأشهر الحرم، فإذا جاء ~~الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة، فيحلونه ويحرمون مكانه ~~شهرا آخر، كأنهم يستقرضون حرمة شهر لشهر غيره، فربما أحلوا المحرم ~~وحرموا صفر حتى يكمل في العام أربعة أشهر محرمة { يضل به الذين ~~كفروا } أي يضل بسببه الكافرين ضلالا على ضلالهم { يحلونه ~~عاما ويحرمونه عاما } أي يحلون المحرم عاما والشهر الحلال ~~عاما فيجعلون هذا مكان هذا والعكس { ليواطئوا عدة ما ~~حرم الله } أي ليوافقوا عدة الأشهر الحرم الأربعة { فيحلوا ~~ما حرم الله } أي فيستحلوا بذلك ما حرمه الله قال مجاهد: كان رجل ~~من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له، فيقول أيها الناس: ~~إني لا أعاب ولا أجاب، ولا مرد لما أقول، إنا قد حرمنا المحرم، وأخرنا ~~صفر، ثم يجيء العام المقبل ويقول: إنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم فذلك ~~قوله تعالى { ليواطئوا عدة ما حرم الله } { زين ~~لهم سوء أعمالهم } أي زين الشيطان لهم أعمالهم القبيحة حتى ~~حسبوها حسنة { والله لا يهدي القوم الكافرين } أي لا ~~يرشدهم إلى طريق السعادة { يأيها الذين آمنوا ما لكم ~~إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض } استفهام للتقريع والتوبيخ، وهو توبيخ على ترك الجهاد وعتاب ~~لمن تخلف عن غزوة تبوك والمعنى: ما لكم أيها المؤمنون إذا قيل لكم ~~اخرجوا لجهاد أعداء الله تباطأتم وتثاقلتم، وملتم إلى الدنيا وشهواتها ~~وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه؟! { أرضيتم بالحياة الدنيا من ~~الآخرة } أي أرضيتم بنعيم الدنيا ومتاعها الفاني بدل نعيم الآخرة ~~وثوابها الباقي؟ { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ~~إلا قليل } أي فما التمتع بلذائذ الدنيا في جنب الآخرة إلا شيء ~~مستحقر قليل لا قيمة له، ثم توعدهم على ترك الجهاد فقال { إلا ~~تنفروا يعذبكم عذابا أليما } أي إن لا تخرجوا إلى ~~الجهاد مع رسول الله ms0557 يعذبكم الله عذابا أليما موجعا، باستيلاء العدو ~~عليكم في الدنيا، وبالنار المحرقة في الآخرة وقال ابن عباس: هو حبس المطر ~~عنهم { ويستبدل قوما غيركم } أي يهلككم ويستبدل قوما ~~آخرين خيرا منكم، يكونون أسرع استجابة لرسوله وأطوع { ولا تضروه ~~شيئا } ولا تضروا الله شيئا بتثاقلكم عن الجهاد فإنه سبحانه غني عن ~~العالمين { والله على كل شيء قدير } أي قادر على كل ما ~~يشاء ومنه الانتصار على الأعداء بدونكم قال الرازي: وهو تنبيه على شدة ~~الزجر من حيث إنه تعالى قادر لا يجوز عليه العجز، فإذا توعد بالعقاب ~~فعل { إلا تنصروه فقد نصره الله } أي إن لا تنصروا ~~رسوله فإن الله ناصره وحافظه وجواب الشرط محذوف تقديره: فسينصره الله دل ~~عليه قوله { فقد نصره الله } والمعنى: إن لم تنصروه أنتم ~~فسينصره الله الذي نصره حين كان ثاني اثنين، حيث لم يكن معه أنصار ولا ~~أعوان { إذ أخرجه الذين كفروا } أي حين خروجه من مكة ~~مهاجرا إلى المدينة، وأسند إخراجه إلى الكفار لأنهم ألجئوه إلى ~~الخروج وتآمروا على قتله حتى اضطر إلى الهجرة { ثاني اثنين } أي ~~أحد اثنين لا ثالث لهما هو أبو بكر الصديق { إذ هما في الغار } ~~أي حين كان هو والصديق مختبئين في النقب في جبل ثور { إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } أي حين يقول لصاحبه ~~وهو أبو بكر الصديق تطمينا وتطييبا: لا تخف فالله معنا بالمعونة ~~والنصر، روى الطبري عن أنس أن أبا بكر رضي الله عنه قال # " بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، وأقدام المشركين ~~فوق رءوسنا فقلت يا رسول الله: لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا فقال يا أبا ~~بكر: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " # وكان سبب حزن أبي بكر خوفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه ~~الرسول تسكينا لقلبه { فأنزل الله سكينته عليه } أي ~~أنزل الله السكون والطمأنينة على رسوله { وأيده بجنود لم ~~تروها } أي قواه بجنود من عنده من الملائكة يحرسونه في الغار لم ~~تروها ms0558 أنتم { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } أي ~~جعل كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة، أذل بها الشرك والمشركين { وكلمة ~~الله هي العليا } أي وكلمة التوحيد " لا إله إلا الله " هي ~~الغالبة الظاهرة، أعز الله بها المسلمين، وأذل الشرك والمشركين { ~~والله عزيز حكيم } أي قاهر غالب لا يغلب، لا يفعل إلا ما فيه ~~الحكمة والمصلحة { انفروا خفافا وثقالا } أي اخرجوا للقتال يا ~~معشر المؤمنين شيبا وشبانا، مشاة وركبانا، في جميع الظروف والأحوال، ~~في اليسر والعسر، والمنشط والمكره { وجاهدوا بأموالكم ~~وأنفسكم في سبيل الله } أي جاهدوا بالأموال والأنفس ~~لإعلاء كلمة الله { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } ~~أي هذا النفير والجهاد خير من التثاقل إلى الأرض والخلود إليها والرضا ~~بالقليل من متاع الحياة الدنيا إن كنتم تعلمون ذلك قال في البحر: ~~والخيرية في الدنيا بغلبة العدو ووراثة الأرض، وفي الآخرة بالثواب العظيم ~~ورضوان الله، ثم ذكر تعالى أحوال المخلفين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، ~~وموقف المثبطين المنافقين منهم فقال { لو كان عرضا قريبا } أي ~~لو كان ما دعوا إليه غنما قريبا سهل المنال { وسفرا قاصدا } ~~أي وسفرا وسطا ليس ببعيد { لاتبعوك } أي لخرجوا معك لا لوجه ~~الله بل طمعا في الغنيمة { ولكن بعدت عليهم الشقة } ~~أي ولكن بعدت عليهم الطريق والمسافة الشاقة ولذلك اعتذروا عن الخروج لما ~~في قلوبهم من النفاق { وسيحلفون بالله لو استطعنا ~~لخرجنا معكم } أي وسيحلفون لكم معتذرين بأعذار كاذبة لو قدرنا ~~على الخروج معكم لما تأخرنا، ولو كان لنا سعة في المال او قوة في الأبدان ~~لخرجنا للجهاد معكم، قال تعالى ردا عليهم وتكذيبا لهم { يهلكون ~~أنفسهم } أي يوقعون أنفسهم في الهلاك بأيمانهم الكاذبة { والله ~~يعلم إنهم لكاذبون } أي لكاذبون في دعواهم حيث كانوا ~~مستطيعين للخروج ولم يخرجوا { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ~~تلطف في عتاب الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قدم العفو على العتاب ~~إكراما له عليه السلام والمعنى سامحك الله يا محمد لم أذنت لهؤلاء ~~المنافقين في التخلف عن الخروج معك بمجرد الاعتذار!! { حتى ~~يتبين ms0559 لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } أي ~~وهلا تركتهم حتى يظهر لك الصادق منهم في عذره من الكاذب المنافق قال ~~مجاهد: نزلت في المنافقين قال أناس منهم استأذنوا رسول الله، فإن أذن ~~لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا، فقد كانوا مصرين على القعود عن ~~الغزو وإن لم يأذن لهم، ولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه أهل الإيمان ~~فقال { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر } أي لا يستأذنك يا محمد عن الجهاد والغزو من يؤمن بالله واليوم ~~الآخر { أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم } أي كراهية ~~الجهاد بالمال والنفس لأنهم يعلمون ما أعده الله للمجاهدين الأبرار من ~~الأجر الجزيل فكيف يتخلفون عنه؟ { والله عليم بالمتقين } ~~أي عليم بهم لأنهم مخلصون في الإيمان متقون للرحمن { إنما ~~يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~} أي إنما يستأذنك يا محمد المنافقون الذين لم يثبت الإيمان في قلوبهم ~~{ وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون } أي ~~شكت قلوبهم في الله وثوابه فهم يترددون حيارى لا يدرون ما يصنعون. # البلاغة: 1- { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } بين ~~يحلون ويحرمون طباق وهو من المحسنات البديعية. # 2- { ما لكم إذا قيل لكم } استفهام يقصد به الإنكار ~~والتوبيخ. # 3- { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } فيه إيجاز ~~بالحذف أي أرضيتم بنعيم الدنيا ولذائذها بدل نعيم الآخرة. # 4- { فما متاع الحياة الدنيا } أظهر في مقام الإضمار ~~لزيادة التقرير والمبالغة في بيان حقارة الدنيا ودناءتها بالنسبة للآخرة. # 5- { يعذبكم عذابا } بينهما جناس الاشتقاق. # 6- { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } " كلمة الذين ~~كفروا " استعارة عن الشرك كما أن " كلمة الله " استعارة عن الإيمان ~~والتوحيد. # 7- { خفافا وثقالا } بينهما طباق. # 8- { بعدت عليهم الشقة } استعار الشقة للمسافة الطويلة ~~البعيدة التي توجب المشقة على النفس. # 9- { عفا الله عنك } خبر بقصد تقديم المسرة على المضرة وقد أحسن ~~من قال: إن من لطف الله بنبيه أن بدأه بالعفو قبل العتب. # فائدة: روي أن اعرابيا قال لابن عمر: أخبرني عن قول الله تعالى { ~~والذين يكنزون الذهب والفضة } فقال ابن عمر: من ~~كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان ms0560 هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما ~~أنزلت جعلها الله طهرة للأموال، وما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبا ~~أزكيه، وأعمل فيه بطاعة الله تعالى!! # تنبيه: دلت الآية { إذ يقول لصاحبه لا تحزن } على عظيم ~~فضل الصديق وجليل قدره، إذ جعله الله صاحب الرسول في الغار، ورفيقه في ~~الهجرة، ولهذا قال العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر لأنه رد كتاب ~~الله تعالى. # لطيفة: عن حيان بن زيد قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو، فرأيت شيخا ~~كبيرا هرما، قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار ~~فأقبلت عليه فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك قال: فرفع حاجبيه فقال يا ~~ابن أخي: استنفرنا الله خفافا وثقالا، ألا إنه من يحبه الله يبتليه، ~~ثم يعيده الله فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر، ولم ~~يعبد إلا الله عز وجل. # أقول: رحم الله تلك الأنفس الزكية التي باعت أرواحها في مرضاة الله ~~تعالى. ### || [9.46-60] # المناسبة: لما ذكر تعالى المنافقين وتباطؤهم عن الخروج للجهاد، ذكر ~~هنا بعض أعمالهم القبيحة من الكيد، والمكر، وإثارة الفتن بين المسلمين، ~~والفرح بأذاهم. وذكر تعالى أنهم لو خرجوا مع المؤمنين ما زادوا الجيش ~~إلا ضعفا واندحارا بتفريق الجماعة وتشتيت الكلمة، وذكر كثيرا من ~~مثالبهم وجرائمهم الشنيعة. # اللغة: { انبعاثهم } الانبعاث: الانطلاق في الأمر { فثبطهم ~~} التثبيط: رد الإنسان عن الفعل الذي هم به { خبالا } الخبال: الشر ~~والفساد في كل شيء ومنه المخبول للمعتوه الذي فسد عقله { ولأوضعوا } ~~الإيضاع: سرعة السير قال الراجز: # يا ليتني فيها جذع # أخب فيها وأضع # يقال: وضع البعير إذا أسرع السير، وأوضع الرجل إذا سار بنفسه سيرا ~~حثيثا { يجمحون } جمح: نفر بإسراع من قولهم فرس جموح أي لا يرده ~~اللجام { يلمزك } اللمز: العيب يقال: لمزه إذا عابه قال الجوهري: ~~وأصله الإشارة بالعين ونحوها ورجل لماز أي عياب { الغارمين } ~~الغارم: المديون قال الزجاج: أصل الغرم لزوم ما يشق، والغرام العذاب ~~اللازم الشاق وسمي العشق غراما لكونه أمرا شاقا ولازما، ms0561 وسمي الدين ~~غراما لكونه شاقا على الإنسان. # سبب النزول: # " لما أراد صلى الله عليه وسلم الخروج إلى تبوك قال " للجد بن قيس " - ~~وكان منافقا - يا أبا وهب: هل لك في جلاد بني الأصفر - يعني الروم - ~~تتخذ منهم سراري ووصفاء؟ فقال يا رسول الله: لقد عرف قومي أني مغرم ~~بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بني الأصفر ألا أصبر عنهن فلا تفتني وأذن ~~لي في القعود وأعينك بمالي، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: قد ~~أذنت لك فأنزل الله { ومنهم من يقول ائذن لي ولا ~~تفتني } " # الآية. # التفسير: { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة } ~~أي ولو أراد هؤلاء المنافقون الخروج معك للجهاد أو كانت لهم نية في الغزو ~~لاستعدوا له بالسلاح والزاد، فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف ~~{ ولكن كره الله انبعاثهم } أي ولكن كره الله خروجهم معك ~~{ فثبطهم } أي كسر عزمهم وجعل في قلوبهم الكسل { وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين } أي اجلسوا مع المخلفين من النساء ~~والصبيان وأهل الأعذار، وهو ذم لهم لإيثارهم القعود على الخروج للجهاد، ~~والآية تسلية له صلى الله عليه وسلم على عدم خروج المنافقين معه إذ لا ~~فائدة فيه ولا مصلحة بل فيه الأذى والمضرة ولهذا قال { لو خرجوا ~~فيكم ما زادوكم إلا خبالا } أي لو خرجوا معكم ما زادوكم ~~إلا شرا وفسادا { ولأوضعوا خلالكم } أي أسرعوا بينكم بالمشي ~~بالنميمة { يبغونكم الفتنة } أي يطلبون لكم الفتنة بإلقاء ~~العداوة بينكم { وفيكم سماعون لهم } أي وفيكم ضعفاء قلوب ~~يصغون إلى قولهم ويطيعونهم { والله عليم بالظالمين } أي ~~عالم بالمنافقين علما محيطا بضمائرهم وظواهرهم { لقد ابتغوا ~~الفتنة من قبل } أي طلبوا لك الشر بتشتيت شملك وتفريق صحبك عنك ~~من قبل غزوة تبوك كما فعل ابن سلول حين انصرف بأصحابه يوم أحد { ~~وقلبوا لك الأمور } أي دبروا لك المكايد والحيل وأداروا ~~الآراء في إبطال دينك { حتى جآء الحق وظهر أمر الله ~~} أي حتى جاء نصر الله وظهر دينه وعلا على سائر الأديان { وهم ~~كارهون } أي والحال أنهم كارهون لذلك لنفاقهم { ومنهم ms0562 من ~~يقول ائذن لي ولا تفتني } أي ومن هؤلاء المنافقين من يقول ~~لك يا محمد ائذن لي في القعود ولا تفتني بسبب الأمر بالخروج قال ابن ~~عباس: نزلت في " الجد ابن قيس " حين دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~جلاد بني الأصفر، فقال يا رسول الله: ائذن لي في القعود عن الجهاد ولا ~~تفتني بالنساء { ألا في الفتنة سقطوا } أي ألا إنهم قد سقطوا ~~في عين الفتنة فيما أرادوا الفرار منه، بل فيما هو أعظم وهي فتنة التخلف ~~عن الجهاد وظهور كفرهم ونفاقهم قال أبو السعود: وفي التعبير عن الافتتان ~~بالسقوط في الفتنة تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة، المفصحة عن ترديهم ~~في دركات الردى أسفل سافلين { وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين } أي لا مفر لهم منها لأنها محيطة بهم من كل جانب إحاطة ~~السوار بالمعصم، وفيه وعيد شديد { إن تصبك حسنة تسؤهم } أي ~~إن تصبك في بعض الغزوات حسنة، سواء كانت ظفرا أو غنيمة، يسؤهم ذلك { ~~وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من ~~قبل } أي وإن تصبك مصيبة من نكبة وشدة، أو هزيمة ومكروه يفرحوا به ~~ويقولوا: قد احتطنا لأنفسنا وأخذنا بالحذر والتيقظ فلم نخرج للقتال من ~~قبل أن يحل بنا البلاء { ويتولوا وهم فرحون } أي وينصرفوا ~~عن مجتمعهم وهم فرحون مسرورون { قل لن يصيبنآ إلا ما كتب ~~الله لنا } أي لن يصيبنا خير ولا شر، ولا خوف ولا رجاء، ولا شدة ولا ~~رخاء، إلا وهو مقدر علينا مكتوب عند الله { هو مولانا } أي ناصرنا ~~وحافظنا { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي ليفوض ~~المؤمنون أمورهم إلى الله، ولا يعتمدوا على أحد سواه { قل هل ~~تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين } أي قل لهم هل ~~تنتظرون بنا يا معشر المنافقين إلا إحدى العاقبتين الحميدتين: إما ~~النصر، وإما الشهادة، وكل واحدة منهما شيء حسن!! { ونحن نتربص ~~بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو ~~بأيدينا } أي ونحن ننتظر لكم أسوأ العاقبتين الوخيمتين: أن يهلككم ~~الله بعذاب من عنده يستأصل به شأفتكم، أو يقتلكم ms0563 بأيدينا { ~~فتربصوا إنا معكم متربصون } أي انتظروا ما يحل ~~بنا ونحن ننتظر ما يحل بكم، وهو أمر يتضمن التهديد والوعيد { قل ~~أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم } أي قل لهم ~~انفقوا يا معشر المنافقين طائعين أو مكرهين، فمهما أنفقتم الأموال فلن ~~يتقبل الله منكم قال الطبري: وهو أمر معناه الخبر كقوله # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم # [التوبة: 80] والمعنى لن يتقبل منكم سواء أنفقتم طوعا أو كرها { ~~إنكم كنتم قوما فاسقين } تعليل لرد إنفاقهم أي لأنكم ~~كنتم عتاة متمردين خارجين عن طاعة الله، ثم أكد هذا المعنى بقوله { وما ~~منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم ~~كفروا بالله وبرسوله } أي وما منع من قبول النفقات منهم ~~إلا كفرهم بالله ورسوله { ولا يأتون الصلاة إلا وهم ~~كسالى } أي ولا يأتون إلى الصلاة إلا وهم متثاقلون { ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون } أي ولا ينفقون أموالهم إلا ~~بالإكراه لأنهم يعدونها مغرما قال في البحر: ذكر تعالى السبب المانع من ~~قبول نفقاتهم وهو الكفر واتبعه بما هو مستلزم له وهو إتيانهم الصلاة ~~كسالى، وإيتاء النفقة وهم كارهون، لأنهم لا يرجون بذلك ثوابا ولا ~~يخافون عقابا، وذكر من أعمال البر هذين العملين الجليلين وهما: الصلاة، ~~والنفقة، لأن الصلاة أشرف الأعمال البدنية، والنفقة في سبيل الله أشرف ~~الأعمال المالية { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ~~إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة ~~الدنيا } أي لا تستحسن أيها السامع ولا تفتتن بما أوتوا من زينة ~~الدنيا، وبما أنعمنا عليهم من الأموال والأولاد، فظاهرها نعمة وباطنها ~~نقمة، إنما يريد الله بذلك استدراجهم ليعذبهم بها في الدنيا قال ~~البيضاوي: وعذابهم بها بسبب ما يكابدون لجمعها وحفظها من المتاعب، وما ~~يرون فيها من الشدائد والمصائب { وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون } أي ويموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع بزينة الدنيا عن النظر ~~في العاقبة فيشتد في الآخرة عذابهم { ويحلفون بالله إنهم ~~لمنكم وما هم منكم } أي ويقسمون بالله لكم إنهم لمؤمنون ~~مثلكم، وما هم بمؤمنين لكفر قلوبهم { ولكنهم قوم يفرقون ~~} أي ولكنهم يخافون منكم ms0564 أن تقتلوهم كما تقتلون المشركين، فيظهرون ~~الإسلام تقية ويؤيدونه بالأيمان الفاجرة { لو يجدون ملجئا } ~~أي حصنا يلجأون إليه { أو مغارات } أي سراديب يختفون فيها { أو ~~مدخلا } أي مكانا يدخلون فيه ولو ضيقا { لولوا إليه ~~وهم يجمحون } أي لأقبلوا إليه يسرعون إسراعا كالفرس الجموح، ~~والمراد من الآية تنبيه المؤمنين إلى أن المنافقين لو قدروا على الهروب ~~منهم ولو في شر الأمكنة وأخسها لفعلوا لشدة بغضهم لكم فلا تغتروا ~~بأيمانهم الكاذبة أنهم معكم ومنكم { ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات } أي ومنهم من يعيبك يا محمد في قسمة الصدقات { فإن ~~أعطوا منها رضوا } أي فإن أعطيتهم من تلك الصدقات استحسنوا ~~فعلك { وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } أي وإن ~~لم تعطهم منها ما يرضيهم سخطوا عليك وعابوك قال المفسرون: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين فجاء إليه رجل من ~~المنافقين يقال له " ذو الخويصرة " فقال: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " ويلك إن لم أعدل فمن يعدل؟ " # ، الحديث { ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ورسوله ~~} أي ولو أن هؤلاء الذين عابوك يا محمد رضوا بما أعطيتهم من الصدقات ~~وقنعوا بتلك القسمة وإن قلت قال أبو السعود: وذكر الله عز وجل ~~للتعظيم والتنبيه على أن ما فعله الرسول كان بأمره سبحانه { وقالوا ~~حسبنا الله } أي كفانا فضل الله وإنعامه علينا { سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله } أي سيرزقنا الله صدقة أو غنيمة أخرى ~~خيرا وأكثر مما آتانا { إنآ إلى الله راغبون } أي إنا إلى ~~طاعة الله وإفضاله وإحسانه لراغبون، وجواب { لو } محذوف تقديره لكان ~~خيرا لهم قال الرازي: وترك الجواب في هذا المعرض أدل على التعظيم ~~والتهويل وهو كقولك للرجل: لو جئتنا.. ثم لم تذكر الجواب أي لو فعلت ذلك ~~لرأيت أمرا عظيما، ثم ذكر تعالى مصرف الصدقات فقال { إنما ~~الصدقات للفقرآء والمساكين } قال الطبري: أي لا تنال ~~الصدقات إلا للفقراء والمساكين ومن سماهم الله جل ثناؤه والآية تقتضي ~~حصر الصدقات وهي الزكاة في هذه ms0565 الأصناف الثمانية فلا يجوز أن يعطى منها ~~غيرهم، والفقير الذي له بلغة من العيش، والمسكين الذي لا شيء له قال ~~يونس: سألت اعرابيا أفقير أنت؟ فقال: لا والله بل مسكين، وقيل: المسكين ~~أحسن حالا من الفقير، والمسألة خلافية { والعاملين عليها } أي ~~الجباة الذين يجمعون الصدقات { والمؤلفة قلوبهم } هم قوم من ~~أشراف العرب أعطاهم صلى الله عليه وسلم ليتألف قلوبهم على الإسلام، وروى ~~الطبري عن صفوان بن أمية قال: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي { ~~وفي الرقاب } أي وفي فك الرقاب لتخليصهم من الرق { والغارمين ~~} أي المديونين الذين أثقلهم الدين { وفي سبيل الله } أي ~~المجاهدين والمرابطين وما تحتاج إليه الحرب من السلاح والعتاد { وابن ~~السبيل } أي الغريب الذي انقطع في سفره { فريضة من الله } ~~أي فرضها الله جل وعلا وحددها { والله عليم حكيم } أي عليم ~~بمصالح العباد، حكيم لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة قال في التسهيل: ~~وإنما حصر مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع طمع المنافقين فيها فاتصلت ~~هذه في المعنى بآية اللمز في الصدقات. # البلاغة: 1- { أعدوا له عدة } بينهما جناس الاشتقاق وكذلك ~~في قوله { اقعدوا مع القاعدين }. # 2- { ولأوضعوا خلالكم } قال الطيبي: فيه استعارة تبعية حيث ~~شبه سرعة إفسادهم ذات البين بالنميمة بسرعة سير الراكب ثم استعير لها ~~الإيضاع وهو للإبل، والأصل ولأوضعوا ركائب نمائمهم خلالكم. # 3- { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } فيه استعارة حيث ~~شبه وقوعهم في جهنم بإحاطة العدو بالجند أو السوار بالمعصم، وإيثار ~~الجملة الإسمية للدلالة على الثبات والاستمرار. # 4- { إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة.. } ~~الآية فيها من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة. # 5- { وعلى الله فليتوكل } تقديم الجار والمجرور على الفعل ~~لإفادة القصر، وإظهار الاسم الجليل مكان الاضمار لتربية الروعة ~~والمهابة. # 6- { طوعا أو كرها } بينهما طباق وكذلك بين الرضا والسخط في ~~قوله { رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون }. # 7- { عليم حكيم } صيغة فعيل للمبالغة أي عظيم العلم والحكمة. # لطيفة: قال الزمخشري في قوله ms0566 تعالى { وقيل اقعدوا مع ~~القاعدين } هذا ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى ~~الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت على حد قول القائل: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # تنبيه: قال ابن كثير: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة رمته ~~العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله ~~يوم بدر وأعلى كلمته قال ابن أبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه - يعني أقبل - ~~فدخلوا في الإسلام ظاهرا، ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله، أغاظهم ذلك ~~وساءهم ولهذا قال تعالى { وظهر أمر الله وهم كارهون }. ### || [9.61-74] # المناسبة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن المنافقين توضيحا ~~لخطرهم، وتحذيرا للمؤمنين من مكائدهم، وفي هذه الآيات ذكر تعالى نوعا ~~آخر من قبائحهم، وهو إيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وإقدامهم على ~~الأيمان الكاذبة، واستهزاؤهم بآيات الله وشريعته المطهرة، إلى غير ما ~~هنالك من الأعمال المنكرة، والأفعال الخبيثة. # اللغة: { أذن } قال الجوهري: يقال رجل أذن إذا كان يسمع مقال كل ~~أحد، يستوي فيه الواحد والجمع وقال الزمخشري: الأذن: الرجل الذي يصدق كل ~~ما يسمع، ويقبل قول كل أحد، سمي بالجارحة التي هي آلة السماع. قال ~~الشاعر: # قد صرت أذنا للوشاة سميعة # ينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا # { يحادد } المحادة: المخالفة والمعاداة كالمشاقة وهي أن يكون كل ~~واحد من المتخاصمين في حد وشق غير ما عليه صاحبه { بخلاقهم } ~~الخلاق: النصيب كقوله # وما له في الآخرة من خلاق # [البقرة: 200] وقد تقدم { وخضتم } الخوض: الدخول في اللهو والباطل ~~وهو مستعار من الخوض في الماء { حبطت } بطلت وذهب ثوابها { ~~والمؤتفكات } الائتفاك: الانقلاب ويراد بهم قوم لوط لأن أرضهم ~~ائتكفت بهم أي انقلبت، وقيل هو مجاز عن انقلاب حالها من الخير إلى الشر ~~كقول ابن الرومي: # وما الخسف أن تلقى أسافل بلدة # أعاليها بل أن تسود الأراذل # سبب النزول: أ - كان جماعة من المنافقين يؤذون رسول الله ويقولون ~~فيه ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما ms0567 تقولون ~~فيقع بنا، فقال " الجلاس بن سويد ": نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما ~~نقول فإنما محمد أذن سامعة فأنزل الله { ومنهم الذين يؤذون ~~النبي ويقولون هو أذن.. }. # ب - قال مجاهد: كان المنافقون يعيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشي سرنا فأنزل الله { يحذر ~~المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما ~~في قلوبهم.. } الآية. # التفسير: { ومنهم الذين يؤذون النبي } أي ومن ~~المنافقين أناس يؤذون الرسول بأقوالهم وأفعالهم { ويقولون هو ~~أذن } أي يصدق بكل خبر يسمعه { قل أذن خير لكم } أي هو ~~أذن خير لا أذن شر، يسمع الخير فيعمل به، ولا يعمل بالشر إذا سمعه { ~~يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } أي يصدق الله فيما ~~يقول، ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه به لعلمه بإخلاصهم { ورحمة ~~للذين آمنوا منكم } أي وهو رحمة للمؤمنين لأنه كان سبب ~~إيمانهم { والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب ~~أليم } أي والذين يعيبون الرسول ويقولون ما لا يليق بجنابه الشريف لهم ~~عذاب موجع في الآخرة { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } أي ~~يحلفون لكم أنهم ما قالوا شيئا فيه انتقاص للرسول ليرضوكم بتلك الأيمان ~~{ والله ورسوله أحق أن يرضوه } أي والحال أنه تعالى ~~ورسوله أحق بالإرضاء، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة، والمتابعة، وتعظيم ~~أمره عليه السلام { إن كانوا مؤمنين } أي إن كانوا حقا مؤمنين ~~فليرضوا الله ورسوله { ألم يعلموا أنه من يحادد ~~الله ورسوله } أي ألم يعلم هؤلاء المنافقون أنه من يعادي ويخالف ~~الله والرسول، والاستفهام للتوبيخ { فأن له نار جهنم ~~خالدا فيها } أي فقد حق دخوله جهنم وخلوده فيها { ذلك الخزي ~~العظيم }. # أي ذلك هو الذل العظيم، والشقاء الكبير، المقرون بالفضيحة حيث يفتضحون ~~على رءوس الأشهاد { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم ~~سورة تنبئهم بما في قلوبهم } أي يخشى المنافقون أن تنزل ~~فيهم سورة تكشف عما في قلوبهم من النفاق { قل استهزءوا } أي ~~استهزئوا بدين الله كما تشتهون وهو أمر للتهديد كقوله # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] { إن الله مخرج ما تحذرون } أي مظهر ms0568 ما ~~تخفونه وتحذرون ظهوره من النفاق، قال الزمخشري: كانوا يستهزئون بالإسلام ~~ويحذرون أن يفضحهم الله بالوحي، حتى قال بعضهم: والله لا أرانا إلا شر ~~خلق الله، ولوددت أني جلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا { ولئن ~~سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } أي ولئن ~~سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عما قالوا من الباطل والكذب، في حقك وفي حق ~~الإسلام، ليقولون لك ما كنا جادين، وإنما كنا نمزح ونلعب للترويح عن ~~النفس قال الطبري: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوته إلى ~~تبوك وبين يديه ناس من المنافقين، فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن ~~يفتتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات!! فأطلع الله نبيه فأتاهم فقال: ~~قلتم كذا وكذا فقالوا يا نبي الله: إنما كنا نخوض ونلعب فنزلت { قل ~~أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون } أي قل ~~لهؤلاء المنافقين: أتستهزئون بدين الله وشرعه، وكتابه ورسوله؟ والاستفهام ~~للتوبيخ، ثم كشف تعالى أمرهم وفضح حالهم فقال { لا تعتذروا قد ~~كفرتم بعد إيمانكم } أي لا تعتذروا بتلك الأيمان الكاذبة ~~فإنها لا تنفعكم بعد ظهور أمركم، فقد أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول بعد ~~إظهاركم الإيمان { إن نعف عن طآئفة منكم } أي إن نعف ~~عن فريق منكم لتوبتهم وإخلاصهم { نعذب طآئفة بأنهم ~~كانوا مجرمين } أي نعذب فريقا آخر لأنهم أصروا على النفاق ~~والإجرام { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } ~~أي المنافقون والمنافقات صنف واحد، وهم متشابهون في النفاق والبعد عن ~~الإيمان، كتشابه أجزاء الشيء الواحد قال في الكشاف: وأريد بقوله { ~~بعضهم من بعض } نفي أن يكونوا من المؤمنين، وتكذيبهم في قولهم # ويحلفون بالله إنهم لمنكم # [التوبة: 56] ثم وصفهم بما يدل على مخالفة حالهم لحال المؤمنين فقال { ~~يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف } أي يأمرون ~~بالكفر والمعاصي وينهون عن الإيمان والطاعة { ويقبضون ~~أيديهم } أي يمسكون أيديهم عن الانفاق في سبيل الله { نسوا ~~الله فنسيهم } أي تركوا طاعته فتركهم من رحمته وفضله وجعلهم ~~كالمنسيين { إن المنافقين هم الفاسقون } أي الكاملون في ~~التمرد والعصيان، والخروج عن طاعة الرحمن، وكفى ms0569 به زجرا لأهل النفاق { ~~وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار ~~جهنم } أي وعد الله المنافقين والمتجاهرين بالكفر بإصلائهم في نار ~~جهنم { خالدين فيها } أي ماكثين فيها أبدا { هي حسبهم } أي ~~هي كفايتهم في العذاب، إذ ليس هناك عذاب يعادلها { ولعنهم الله ~~} أي أبعدهم من رحمته وأهانهم { ولهم عذاب مقيم } أي دائم لا ~~ينقطع { كالذين من قبلكم } أي حالكم يا معشر المنافقين كحال ~~من سبقكم من المكذبين، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب { كانوا ~~أشد منكم قوة } أي كانوا أقوى منكم أجساما وأشد بطشا { ~~وأكثر أموالا وأولادا } أي وكانوا أوفر أموالا، وأكثر ~~أولادا، ومع ذلك أهلكهم الله فاحذروا أن يحل بكم ما حل بهم { ~~فاستمتعوا بخلاقهم } أي تمتعوا بنصيبهم وحظهم من ملاذ الدنيا ~~{ فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من ~~قبلكم بخلاقهم } أي استمتعتم بملاذ الدنيا وشهواتها كما ~~استمتع أولئك الذين سبقوكم بنصيبهم منها { وخضتم كالذي ~~خاضوا } أي وخضتم في الباطل والضلال كما خاضوا هم فيه قال الطبري: ~~المعنى سلكتم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع بالدنيا كما استمتع ~~الأمم الذين كانوا من قبلكم، وخضتم في الكذب والباطل على الله كخوض تلك ~~الأمم قبلكم، فاحذروا أن يحل بكم من عقوبة الله مثل الذي حل بهم { ~~أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } أي ~~أولئك الموصوفون بما ذكر من قبيح الفعال ذهبت أعمالهم باطلا فلا ثواب ~~لها إلا النار { وأولئك هم الخاسرون } أي وأولئك هما ~~الكاملون في الخسران { ألم يأتهم نبأ الذين من ~~قبلهم } أي ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر الأمم السابقين حين عصوا ~~الرسل ماذا حل بهم من العقوبة؟ { قوم نوح وعاد وثمود } أي ~~قوم نوح الذين أهلكوا بالطوفان وقوم هود " عاد " الذين أهلكوا بالريح، ~~وقوم صالح " ثمود " الذين أهلكوا بالصيحة { وقوم إبراهيم } ~~الذين أهلكوا بسلب النعمة { وأصحاب مدين } قوم شعيب الذين ~~أهلكوا بعذاب يوم الظلة { والمؤتفكات } قرى قوم لوط الذين انقلبت ~~بهم فصار عاليها سافلها، وأمطروا حجارة من سجيل { أتتهم رسلهم ~~بالبينات } أي جاءتهم رسلهم بالمعجزات فكذبوهم { فما كان ~~الله ليظلمهم } أي فما ms0570 أهلكهم الله ظلما إنما أهلكهم ~~بإجرامهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أي ولكن ~~ظلموا أنفسهم بالكفر وارتكاب المعاصي، أفأمن هؤلاء المنافقون أن يسلك ~~بهم في الانتقام سبيل أسلافهم المكذبين من أهل الإجرام؟ ولما ذكر تعالى ~~صفات المنافقين الذميمة أعقبها بذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال { ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض } أي ~~هم إخوة في الدين يتناصرون ويتعاضدون { يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر } أي يأمرون الناس بكل خير وجميل يرضي ~~الله، وينهونهم عن كل قبيح يسخط الله، فهم على عكس المنافقين الذين ~~يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف { ويقيمون الصلاة } أي ~~يؤدونها على الوجه الكامل { ويؤتون الزكاة } أي يعطونها إلى ~~مستحقيها ابتغاء وجه الله { ويطيعون الله ورسوله } أي في كل ~~أمر ونهي { أولئك سيرحمهم الله } أي سيدخلهم في رحمته، ~~ويفيض عليهم جلائل نعمته { إن الله عزيز } أي غالب لا يغلب من ~~أطاعه ويذل من عصاه { حكيم } أي يضع كل شيء في موضعه على أساس الحكمة، ~~في النعمة والنقمة { وعد الله المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } أي وعدهم على إيمانهم ~~بجنات وارفة الظلال، تجري من تحت أشجارها الأنهار { خالدين فيها } ~~أي لابثين فيها أبدا، لا يزول عنهم نعيمها ولا يبيد { ومساكن ~~طيبة في جنات عدن } أي ومنازل يطيب فيها العيش في جنات ~~الخلد والاقامة قال الحسن: هي قصور من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد { ~~ورضوان من الله أكبر } أي وشيء من رضوان الله أكبر من ذلك ~~كله، وفي الحديث يقول الله تعالى لأهل الجنة: # " يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ~~وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك! فيقول: أعطيكم ~~أفضل من ذلك فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا ~~أسخط عليكم بعده أبدا " # { ذلك هو الفوز العظيم } أي ذلك هو الظفر العظيم الذي لا ~~سعادة بعده { يأيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين } قال ابن عباس: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين ~~باللسان { واغلظ عليهم } أي اشدد عليهم بالجهاد والقتال ~~والارعاب { ومأواهم جهنم } أي ms0571 مسكنهم ومثواهم جهنم { وبئس ~~المصير } أي بئس المكان الذي يصار إليه جهنم { يحلفون بالله ~~ما قالوا } أي يحلف المنافقون أنهم ما قالوا الذي بلغك عنهم من السب ~~قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي، وذلك أنه اقتتل رجلان: جهني ~~وانصاري، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال ابن سلول للأنصار: ألا تنصرون ~~أخاكم؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل " سمن كلبك يأكلك " ~~فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه يسأله ~~فجعل يحلف بالله ما قاله فأنزل الله فيه هذه الآية { ولقد قالوا ~~كلمة الكفر } هي قول ابن سلول " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل " { وكفروا بعد إسلامهم } أي أظهروا ~~الكفر بعد إظهار الإسلام { وهموا بما لم ينالوا } قال ابن ~~كثير: هم نفر من المنافقين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم عند ~~عودته من تبوك وكانوا بضعة عشر رجلا { وما نقموا إلا أن ~~أغناهم الله ورسوله من فضله } أي ما عابوا على الرسول ~~وما له عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته، ويمن سعادته، وهذه الصيغة ~~تقال حيث لا ذنب. # . ثم دعاهم تبارك وتعالى إلى التوبة فقال { فإن يتوبوا يك ~~خيرا لهم } أي فإن يتوبوا عن النفاق يكن رجوعهم وتوبتهم خيرا ~~لهم وأفضل { وإن يتولوا } أي يعرضوا ويصروا على النفاق { ~~يعذبهم الله عذابا أليما } أي يعذبهم عذابا شديدا { ~~في الدنيا والآخرة } أي في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة ~~بالنار وسخط الجبار { وما لهم في الأرض من ولي ولا ~~نصير } أي ليس لهم من ينقذهم من العذاب، أو يشفع لهم فيخلصهم وينجيهم ~~يوم الحساب. # البلاغة: 1- { هو أذن } أصله هو كالأذن يسمع كل ما يقال له، ~~فحذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه فصار تشبيها بليغا مثل زيد أسد. # 2- { يؤذون رسول الله } أبرز اسم الرسول ولم يأت به ضميرا { ~~يؤذونه } تعظيما لشأنه عليه السلام وجمعا له بين الرتبتين ~~العظيمتين " النبوة والرسالة " وإضافته إليه زيادة في التكريم ~~والتشريف. # 3- { ذلك الخزي العظيم } الإشارة بالبعيد عن ms0572 القريب للإيذان ~~ببعد درجته في الهول والفظاعة. # 4- { ويقبضون أيديهم } قبض اليد كناية عن الشح والبخل، كما ~~أن بسطها كناية عن الجود والكرم. # 5- { نسوا الله فنسيهم } من باب المشاكلة لأن الله لا ينسى ~~أي تركوا طاعته فتركهم تعالى من رحمته. # 6- { كالذين من قبلكم } إلتفات من الغيبة إلى الخطاب ~~لزيادة التقريع والعتاب. # 7- { فاستمتعوا بخلاقهم.. } الآية فيه إطناب والغرض منه ~~الذم والتوبيخ لاشتغالهم بالمتاع الخسيس، عن الشيء النفيس. # 8- { وما نقموا إلا أن أغناهم الله.. } في الآية ~~تأكيد المدح بما يشبه الذم على حد قول القائل " ولا عيب فيهم غير أن ~~سيوفهم " البيت. # فائدة: روى ابن كثير عن علي كرم الله وجهه قال: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأربعة أسياف: سيف للمشركين # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5] وسيف لأهل الكتاب # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر.. # [التوبة: 29] وسيف للمنافقين { جاهد الكفار والمنافقين ~~} وسيف للبغاة # فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله # [الحجرات: 9]. # لطيفة: قال الإمام الفخر: لما وصف تعالى المؤمنين بكون بعضهم أولياء ~~بعض، ذكر بعده خمسة أمور بها يتميز المؤمن، عن المنافق، فالمنافق يأمر ~~بالمنكر، وينهى عن المعروف، ولا يقوم إلى الصلاة إلا بكسل، ويبخل ~~بالزكاة وسائر الواجبات، وإذا أمر بالمسارعة إلى الجهاد فإنه يتخلف ~~ويثبط غيره، والمؤمن بالضد منه فإنه يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ~~ويؤدي الصلاة على الوجه الأكمل، ويؤتي الزكاة، ويسارع إلى طاعة الله ~~ورسوله، ولهذا قابل تعالى بين صفات المؤمنين، وصفات المنافقين بقوله { ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله } ~~كما قابل في الجزاء بين نار جهنم والجنة فكانت مقابلة لطيفة. ### || [9.75-93] # المناسبة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن المنافقين، وتفضح ~~أسرارهم، وتكشف أحوالهم، باعتبار خطرهم الداهم على الإسلام والمسلمين. # اللغة: { أعقبهم } قال الليث: يقال أعقبت فلانا ندامة إذا ~~صارت عاقبة أمره ذلك، ويقال: أكل أكلة أعقبته سقما أي حصل له بها السقم ~~قال الهذلي: # أودى بني وأعقبوني حسرة # بعد الرقاد وعبرة ms0573 لا تقلع # { سرهم } السر: ما ينطوي عليه الصدر { نجواهم } النجوى: ما ~~يكون بين شخصين أو أكثر من الحديث مأخوذ من النجوة وهو الكلام الخفي، كأن ~~المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما { يلمزون } يعيبون واللمز: ~~العيب { المخلفون } المخلف، المتروك الذي تخلف عن الجهاد { ~~الطول } الغنى { المعذرون } جمع معذر كمقصر وهو الذي يعتذر ~~بغير عذر قال الجوهري: هو الذي يعتذر بالكذب وأصله من العذر وفي الأمثال ~~" أعذر من أنذر " أي بالغ في العذر من تقدم إليك فأنذرك. # سبب النزول: أ - روي # " أن رجلا يسمى ثعلبة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~الله: ادع الله أن يرزقني مالا فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره، خير ~~من كثير، لا تطيقه، فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني ~~مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فلم يزل يراجعه حتى دعا له، فاتخذ غنما ~~فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من ~~أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمت ~~وكثرت حتى ترك الجمعة والجماعة، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ~~فأخبروه يخبره فقال: يا ويح ثعلبة ثلاثا، فأنزل الله { ومنهم من ~~عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن.. } الآية ~~" # فهلك في خلافة عثمان. # ب - عن ابن عمر قال: # " لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه فقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فقال يا رسول الله: ~~أعلى عدو الله تصلي؟ فقال: أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت فقيل لي { ~~استغفر لهم } الآية ولو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له ~~لزدت، ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره فما كان إلا يسيرا حتى أنزل ~~الله { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا.. } " # الآية. # التفسير: { ومنهم من عاهد الله } أي ومن المنافقين ms0574 من ~~أعطى الله عهده وميثاقه { لئن آتانا من فضله } أي لئن أعطانا ~~الله من فضله ووسع علينا في الرزق { لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين } أي لنصدقن على الفقراء والمساكين، ولنعملن فيها بعمل أهل ~~الخير والصلاح { فلمآ آتاهم من فضله } أي فلما رزقهم الله ~~وأغناهم من فضله { بخلوا به وتولوا وهم معرضون } ~~أي بخلوا بالإنفاق ونقضوا العهد وأعرضوا عن طاعة الله ورسوله { ~~فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } ~~أي جعل الله عاقبتهم رسوخ النفاق في قلوبهم إلى يوم لقاء الله { بمآ ~~أخلفوا الله ما وعدوه } أي بسبب إخلافهم ما عاهدوا الله ~~عليه من التصدق والصلاح { وبما كانوا يكذبون } أي وبسبب كذبهم ~~في دعوى الإيمان والإحسان { ألم يعلموا أن الله يعلم ~~سرهم ونجواهم } الاستفهام للتوبيخ والتقريع أي ألم يعلم هؤلاء ~~المنافقون أن الله يعلم أسرارهم وأحوالهم, ما يخفونه في صدورهم، وما ~~يتحدثون به بينهم؟ { وأن الله علام الغيوب } أي لا يخفى ~~عليه شيء مما غاب عن الأسماع والأبصار والحواس؟ { الذين يلمزون ~~المطوعين من المؤمنين في الصدقات } أي يعيبون ~~المتطوعين المتبرعين من المؤمنين في صدقاتهم { والذين لا يجدون ~~إلا جهدهم فيسخرون منهم } أي ويعيبون الذين لا يجدون ~~إلا طاقتهم فيهزءون منهم روى الطبري عن ابن عباس قال: جاء عبد الرحمن بن ~~عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء رجل من ~~الأنصار بصاع من تمر، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما ~~جاء به إلا رياء، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع فنزلت { ~~سخر الله منهم } أي جازاهم على سخريتهم وهو من باب المشاكلة { ~~ولهم عذاب أليم } أي عذاب موجع، هو عذاب الآخرة المقيم { ~~استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } أمر ومعناه الخبر أي ~~سواء يا محمد استغفرت لهؤلاء المنافقين أم لم تستغفر لهم فلن يغفر الله ~~لهم { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ~~لهم } قال الزمخشري: والسبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير ~~والمعنى مهما أكثرت من الاستغفار لهم وبالغت فيه فلن ms0575 يغفر الله لهم أبدا ~~{ ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله } أي عدم المغفرة ~~لهم بسبب كفرهم بالله ورسوله كفرا شنيعا حيث أظهروا الإيمان وأبطنوا ~~الكفر { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي لا يوفق ~~للإيمان الخارجين عن طاعته، ولا يهديهم إلى سبيل السعادة { فرح ~~المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله } أي فرح ~~المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك بقعودهم بعد خروج ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفة له حين سار وأقاموا { وكرهوا أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } أي ~~وكرهوا الخروج إلى الجهاد إيثارا للراحة وخوف إتلاف النفس والمال لما ~~في قلوبهم من الكفر والنفاق { وقالوا لا تنفروا في الحر } ~~أي قال بعضهم لبعض: لا تخرجوا إلى الجهاد في وقت الحر، وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم استنفرهم إلى هذه الغزوة في حر شديد، قال أبو ~~السعود: وإنما قال { وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله } على قوله " وكرهوا أن يخرجوا إلى ~~الغزو " إيذانا بأن الجهاد في سبيل الله مع كونه من أجل الرغائب، ~~وأشرف المطالب، التي يجب ان يتنافس فيها المتنافسون قد كرهوه، كما فرحوا ~~بأقبح القبائح الذي هو القعود خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا ~~لإخوانهم تواصيا فيما بينهم بالشر والفساد لا تنفروا في الحر، فقد ~~جمعوا ثلاث خصال من الكفر والضلال: الفرح بالقعود، وكراهية الجهاد، ونهي ~~الغير عن ذلك، قال تعالى ردا عليهم { قل نار جهنم أشد ~~حرا } أي قل لهم يا محمد: نار جهنم التي تصيرون إليها بتثاقلكم عن ~~الجهاد أشد حرا مما تحذرون من الحر المعهود، فإن حر الدنيا يزول ولا ~~يبقى، وحر جهنم دائم لا يفتر، فما لكم لا تحذرون نار جهنم؟ قال الزمخشري: ~~وهذا استجهال لهم، لأن من تصون من مشقة ساعة، فوقع بذلك التصون في مشقة ~~الأبد كان أجهل من كل جاهل { لو كانوا يفقهون } أي لو كانوا ~~يفهمون لنفروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الحر، ليتقوا به حر جهنم ~~الذي هو أضعاف أضعاف هذا ms0576 ولكنهم " كالمستجير من الرمضاء بالنار " { ~~فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } أمر يراد به الخبر ~~معناه: فسيضحكون قليلا، وسيبكون كثيرا، قال ابن عباس: الدنيا قليل ~~فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله عز وجل ~~استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا { جزآء بما كانوا يكسبون } ~~أي جزاء لهم على ما اجترحوا من فنون المعاصي { فإن رجعك الله ~~إلى طآئفة منهم } أي فإن ردك الله من غزوة تبوك إلى طائفة ~~من المنافقين الذين تخلفوا بغير عذر { فاستأذنوك للخروج } أي ~~طلبوا الخروج معك لغزوة أخرى { فقل لن تخرجوا معي أبدا } ~~أي قل لهم لن تخرجوا معي للجهاد أبدا { ولن تقاتلوا معي ~~عدوا } أي لن يكون لكم شرف القتال معي لأعداء الله، وهو خبر معناه ~~النهي للمبالغة، جار مجرى الذم لهم لإظهار نفاقهم { إنكم ~~رضيتم بالقعود أول مرة } أي قعدتم عن الخروج معي أول ~~مرة حين لم تخرجوا إلى تبوك { فاقعدوا مع الخالفين } أي ~~فاقعدوا مع المتخلفين عن الغزو من النساء والصبيان { ولا تصل ~~على أحد منهم مات أبدا } أي لا تصل يا محمد على أحد من ~~هؤلاء المنافقين إذا مات، لأن صلاتك رحمة، وهم ليسوا أهلا للرحمة { ~~ولا تقم على قبره } أي لا تقف على قبره للدفن، أو للزيارة ~~والدعاء { إنهم كفروا بالله ورسوله } أي لأنهم كانوا ~~في حياتهم منافقين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر { وماتوا وهم ~~فاسقون } أي وماتوا وهم على نفاقهم خارجون من الإسلام متمردون في ~~العصيان، نزلت في ابن سلول { ولا تعجبك أموالهم ~~وأولادهم } أي لا تستحسن ما أنعمنا به عليهم من الأموال والأولاد ~~{ إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا } أي ~~لا يريد بهم الخير إنما يريد أن يعذبهم بها في الدنيا بالمصائب والنكبات ~~{ وتزهق أنفسهم وهم كافرون } أي تخرج أرواحهم ويموتوا ~~على الكفر منشغلين بالتمتع بالأموال والأولاد عن النظر والتدبر في ~~العواقب { وإذآ أنزلت سورة } التنكير للتفخيم أي وإذا أنزلت ~~سورة جليلة الشأن { أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله ~~} أي بأن آمنوا بالله بصدق ويقين، وجاهدوا مع الرسول ms0577 لنصرة الحق وإعزاز ~~الدين { استأذنك أولوا الطول منهم } أي استأذنك في ~~التخلف أولوا الغنى والمال الكثير { وقالواذرنا نكن مع ~~القاعدين } أي دعنا نكن مع الذين لم يخرجوا للغزو وقعدوا لعذر، قال ~~تعالى تقبيحا لهم وذما { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } ~~أي رضوا بأن يكونوا مع النساء والمرضى والعجزة الذين تخلفوا في البيوت { ~~وطبع على قلوبهم } أي ختم عليها { فهم لا يفقهون } ~~أي فهم لا يفهمون ما في الجهاد وطاعة الرسول من السعادة، وما في التخلف ~~عنه من الشقاوة { لكن الرسول والذين آمنوا معه ~~جاهدوا بأموالهم وأنفسهم } قال الرازي: لما شرح حال ~~المنافقين، بين حال الرسول والمؤمنين بالضد منه، حيث بذلوا المال والنفس ~~في طلب رضوان الله والتقرب إليه والمعنى: إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا، ~~فقد جاهد من هو خير منهم وأخلص نية واعتقادا { وأولئك لهم ~~الخيرات } أي لهم منافع الدارين: النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة ~~والكرامة في الآخرة { وأولئك هم المفلحون } أي الفائزون ~~بالمطلوب { أعد الله لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } أي أعد الله لهم على إيمانهم وجهادهم بساتين تجري من تحت ~~قصورها الأنهار { خالدين فيها } أي لابثين في الجنة أبدا { ذلك ~~الفوز العظيم } أي ذلك هو الظفر العظيم الذي لا فوز وراءه { ~~وجآء المعذرون من الأعراب } أي جاء المعتذرون من الأعراب ~~الذين انتحلوا الأعذار وتخلفوا عن الجهاد { ليؤذن لهم } أي في ~~ترك الجهاد، وهذا بيان لأحوال المنافقين من الأعراب بعد بيان أحوال ~~المنافقين من أهل المدينة، قال البيضاوي: هم " أسد " و " غطفان " ~~استأذنوا في التخلف معتذرين بالجهد وكثرة العيال { وقعد الذين ~~كذبوا الله ورسوله } أي وقعد عن الجهاد الذين كذبوا الله ~~ورسوله في دعوى الإيمان، وهم قوم لم يجاهدوا ولم يعتذروا عن تخلفهم { ~~سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } وعيد لهم شديد ~~أي سينال هؤلاء المتخلفين الكاذبين في دعوى الإيمان عذاب أليم بالقتل ~~والأسر في الدنيا، والنار في الآخرة { ليس على الضعفآء ولا ~~على المرضى } أي ليس على الشيوخ المسنين، ولا على المرضى ~~العاجزين الذين لا يستطيعون الجهاد ms0578 لعجزهم أو مرضهم { ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون } أي الفقراء الذين لا يجدون ~~نفقة للجهاد { حرج } أي إثم في القعود { إذا نصحوا لله ~~ورسوله } أي أخلصوا الإيمان والعمل الصالح، فلم يرجفوا بالناس ولم ~~يثبطوهم، ولم يثيروا الفتن، فليس على هؤلاء حرج إذا تركوا الغزو لأنهم ~~أصحاب أعذار { ما على المحسنين من سبيل } أي ليس عليهم جناح ~~ولا إلى معاتبتهم سبيل قال في التسهيل: وصفهم بالمحسنين لأنهم نصحوا لله ~~ورسوله، ورفع عنهم العقوبة والتعنيف واللوم، وهذا من بليغ الكلام لأن ~~معناه: لا سبيل لعاتب عليهم، وهو جار مجرى المثل { والله غفور ~~رحيم } أي عظيم المغفرة والرحمة حيث وسع على أهل الأعذار { ولا ~~على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم } نزلت في البكائين ~~الذين أرادوا الغزو مع رسول الله ولم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم ما ~~يحملهم عليه قال البيضاوي: هم البكاءون سبعة من الأنصار أتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد نذرنا الخروج فاحملنا نغزو معك، فقال عليه ~~السلام: لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم يبكون { قلت لا أجد مآ ~~أحملكم عليه } أي ليس عندي ما أحملكم عليه من الدواب { ~~تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا } أي انصرفوا ~~وأعينهم تسيل دمعا من شدة الحزن { ألا يجدوا ما ينفقون } ~~أي لأنهم لم يجدوا ما ينفقونه لغزوهم، ولم يكن عند الرسول ما يحملهم عليه ~~{ إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم ~~أغنيآء } أي إنما الإثم والحرج على الذين يستأذنونك في التخلف وهم ~~قادرون على الجهاد وعلى الإنفاق لغناهم { رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف } أي رضوا بأن يكونوا مع النساء والمرضى والعجزة { وطبع ~~الله على قلوبهم فهم لا يعلمون } أي ختم عليها فهم ~~لذلك لا يهتدون. # البلاغة: 1- { يعلم.. وعلام الغيوب } بين يعلم وعلام ~~جناس الاشتقاق. # 2- { ولهم عذاب أليم } التنوين في عذاب للتهويل والتفخيم. # 3- { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } بينهما طباق ~~السلب، وقد خرج الأمر عن حقيقته إلى التسوية. # 4- { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } فيه من ~~المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة. ms0579 # 5- { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } الخوالف: النساء ~~المقيمات في دار الحي بعد رحيل الرجال ففيه استعارة، وإنما سمي النساء ~~خوالف تشبيها لهن بالخوالف وهي الأعمدة تكون في أواخر بيوت الحي فشبههن ~~لكثرة لزوم البيوت بالخوالف التي تكون في البيوت. # 6- { ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم } هو من ~~عطف الخاص على العام اعتناء بشأنهم أفاده الألوسي. # فائدة: قال الزمخشري عند قوله تعالى { إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة } لفظ السبعين جار مجرى المثل في كلام العرب للتكثير ~~قال علي بن أبي طالب: # لأصبحن العاص وابن العاصي # سبعين ألفا عاقدي النواصي # فذكرها ليس لتحديد العدد، وإنما هو للمبالغة جريا على أساليب العرب. # تنبيه: إنما منع صلى الله عليه وسلم من الصلاة على المنافقين، لأن ~~الصلاة على الميت دعاء واستغفار واستشفاع له، والكافر ليس بأهل لذلك. # لطيفة: # " اشتهر " حذيفة بن اليمان " بأنه صاحب سر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وقد قال له صلى الله عليه وسلم: إني مسر إليك سرا فلا تذكره لأحد، إني ~~نهيت أن أصلي على فلان وفلان، لرهط ذوي عدد من المنافقين، ولذلك كان عمر ~~رضي الله عنه يأتيه فيقول: أسألك بالله هل عدني رسول الله من ~~المنافقين؟! ". ### || [9.94-110] # المناسبة: لا تزال الآيات تتحدث عن المنافقين، الذين تخلفوا عن ~~الجهاد وجاءوا يؤكدون تلك الأعذار بالأيمان الكاذبة، وقد ذكر تعالى من ~~مكائد المنافقين " مسجد الضرار " الذي بنوه ليكون وكرا للتآمر على ~~الإسلام والمسلمين، وحذر نبيه صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه، لأنه ~~لم يشيد على أساس من التقوى، وإنما بني ليكون مركزا لأهل الشقاق ~~والنفاق، ولتفريق وحدة المسلمين، وقد اشتهر باسم مسجد الضرار. # اللغة: { انقلبتم } رجعتم { رجس } الرجس: الشيء الخبيث ~~المستقذر، وقد يطلق على النجس { ومأواهم } قال الجوهري: المأوى كل ~~مكان يأوي إليه ليلا أو نهارا { الأعراب } جمع أعرابي قال أهل ~~اللغة: يقال رجل عربي إذا كان نسبه في العرب وجمعه العرب، ورجل أعرابي ~~إذا كان بدويا يطلب مساقط الغيث والكلأ، سواء كان من العرب أو من ~~مواليهم، فمن استوطن ms0580 القرى العربية فهم عرب، ومن نزل البادية فهم أعراب { ~~أجدر } أولى وأحق { مغرما } المغرم: الغرم والخسران وأصله من ~~الغرام وهو لزوم الشيء { مردوا } ثبتوا واستمروا وأصل الكلمة من ~~اللين والملامسة والتجرد فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه رملة مرداء لا نبت ~~فيها، وغصن أمرد لا ورق عليه، وغلام أمرد لا لحية له { مرجون } ~~الإرجاء: التأخير يقال: ارجأته أي أخرته ومنه المرجئة لأنهم أخروا العمل ~~{ ضرارا } الضرار: محاولة الضر وفي الحديث # " لا ضرر ولا ضرار " # { إرصادا } الإرصاد: الترقب والانتظار يقال أرصدت له كذا إذا ~~أعددته مرتقبا له به { شفا } الشفا: الحرف والشفير ومنه أشفى على كذا ~~إذا دنا منه { جرف }: ما تجرفه السيول من الأودية ويبقى على الأطراف ~~طين مشرف على السقوط وأصله من الجرف وهو اقتلاع الشيء من أصله { هار } ~~ساقط يقال: تهور البناء إذا سقط وأصله هائر. # سبب النزول: # " روي أن " أبا عامر الراهب " قد تنصر في الجاهلية وترهب، فلما خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عاداه لأنه ذهبت رياسته وقال: لا أجد قوما ~~يقاتلونك إلا قاتلتك معهم - وسماه النبي صلى الله عليه وسلم أبا عامر ~~الفاسق - فلما انهزمت هوازن في حنين خرج إلى الشام، وأرسل إلى ~~المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، وابنو لي مسجدا فإني ~~ذاهب إلى قيصر فآتي بجند الروم فأخرج محمدا وأصحابه، فبنوا مسجدا ~~إلى جانب مسجد قباء، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا ~~بنينا مسجدا لذي العلة، والحاجة، والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا ~~فتصلي لنا فيه، فدعا بثوبه ليلبسه فيأتيهم فنزل عليه القرآن، وأخبر الله ~~رسوله خبر مسجد الضرار وما هموا به، فدعا صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة ~~وقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله واحرقوه، فذهبوا إليه ~~فحرقوه وهدموه وتفرق عنه أهله، وفيه نزلت { والذين اتخذوا ~~مسجدا ضرارا.. } " # الآية. # التفسير: { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم } ~~أي يعتذر إليكم هؤلاء المتخلفون عن غزوة تبوك إذا رجعتم إليهم من ~~سفركم وجهادكم { قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم } أي ms0581 قل ~~لهم لا تعتذروا فلن نصدقكم فيما تقولون { قد نبأنا الله من ~~أخباركم } أي قد أخبرنا الله بأحوالكم وما في ضمائركم من الخبث ~~والنفاق { وسيرى الله عملكم ورسوله } أي وسيرى الله ~~ورسوله عملكم فيما بعد، أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه؟ { ثم ~~تردون إلى عالم الغيب والشهادة } أي ثم ترجعون بعد ~~مماتكم إلى الله تعالى الذي يعلم السر والعلانية، ولا تخفى عليه خافية { ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } أي فيخبركم عند وقوفكم بين ~~يديه بأعمالكم كلها، ويجازيكم عليها الجزاء العادل { سيحلفون ~~بالله لكم } أي سيحلف لكم بالله هؤلاء المنافقون { إذا ~~انقلبتم إليهم } أي إذا رجعتم إليهم من تبوك معتذرين ~~بالأعذار الكاذبة { لتعرضوا عنهم } أي لتصفحوا عنهم ولتعرضوا ~~عن ذمهم { فأعرضوا عنهم } أي فأعرضوا عنهم إعراض مقت ~~واجتناب، وخلوهم وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق قال ابن عباس: ~~يريد ترك الكلام والسلام ثم ذكر تعالى العلة فقال: { إنهم رجس } ~~أي لأنهم كالقذر لخبث باطنهم { ومأواهم جهنم } أي مصيرهم إلى ~~جهنم هي مسكنهم ومأواهم { جزآء بما كانوا يكسبون } أي جزاء ~~لهم على نفاقهم في الدنيا، وما اكتسبوه من الآثام { يحلفون لكم ~~لترضوا عنهم } كرره لبيان كذبهم وللتحذير من الاغترار ~~بمعاذيرهم الكاذبة، أي يحلفون لكم بأعظم الأيمان لينالوا رضاكم { فإن ~~ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين } أي فإن رضيتم عنهم فإن رضاكم لا ينفعهم لأن الله ساخط ~~عليهم قال أبو السعود: ووضع الفاسقين موضع الضمير للتسجيل عليهم بالفسق ~~والخروج عن الطاعة { الأعراب أشد كفرا ونفاقا } الأعراب - ~~أهل البدو - أشد كفرا وأعظم نفاقا من أهل الحضر، لجفائهم وقسوة قلوبهم، ~~وقلة مشاهدتهم لأهل الخير والصلاح { وأجدر ألا يعلموا ~~حدود مآ أنزل الله على رسوله } أي وهم أولى بألا يعلموا ~~ما أنزل الله على رسوله من الأحكام والشرائع قال في البحر: وإنما كانوا ~~أشد كفرا ونفاقا لفخرهم وطيشهم وتربيتهم بلا سائس ولا مؤدب، فقد نشأوا ~~كما شاءوا، ولبعدهم عن مشاهدة العلماء ومعرفة كتاب الله وسنة رسوله، ~~فكانوا أطلق لسانا بالكفر من منافقي المدينة { والله ms0582 عليم ~~حكيم } أي عليم بخلقه حكيم في صنعه { ومن الأعراب من ~~يتخذ ما ينفق مغرما } أي ومن هؤلاء الأعراب الجهلاء من ~~يعد ما يصرفه في سبيل الله ويتصدق به غرامة وخسرانا، لأنه لا ينفقه ~~احتسابا فلا يرجو له ثوابا { ويتربص بكم الدوائر } أي ~~ينتظر بكم مصائب الدنيا ليتخلص من أعباء النفقة { عليهم دآئرة ~~السوء } جملة اعتراضية للدعاء عليهم أي عليهم يدور العذاب والهلاك { ~~والله سميع عليم } أي سميع لأقوالهم عليم بأفعالهم { ومن ~~الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر } أي ومن ~~الأعراب من يصدق بوحدانية الله وبالبعث بعد الموت على عكس أولئك ~~المنافقين { ويتخذ ما ينفق قربات عند الله } أي ويتخذ ~~ما ينفق في سبيل الله ما يقربه من رضا الله ومحبته { وصلوات ~~الرسول } أي دعاء الرسول واستغفاره له { ألا إنها قربة ~~لهم } { ألا } أداة استفتاح للتنبيه على الاعتناء بالأمر أي ألا ~~إن هذا الإنفاق قربة عظيمة تقربهم لرضا ربهم حيث أنفقوها مخلصين { ~~سيدخلهم الله في رحمته } أي سيدخلهم الله في جنته التي ~~أعدها للمتقين { إن الله غفور رحيم } أي غفور لأهل طاعته ~~رحيم بهم حيث وفقهم للطاعة { والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار } أي والسابقون الأولون في الهجرة ~~والنصرة، الذين سبقوا إلى الإيمان من الصحابة { والذين ~~اتبعوهم بإحسان } أي سلكوا طريقهم واقتدوا بهم في سيرتهم ~~الحسنة، وهم التابعون ومن سار على نهجهم إلى يوم القيامة { رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه } وعد بالغفران والرضوان أي رضي الله ~~عنهم وأرضاهم، وهذا أرقى المراتب التي يسعى إليها المؤمنون، ويتنافس ~~فيها المتنافسون أن يرضى الله تعالى عنهم ويرضيهم قال الطبري: رضي الله ~~عنهم لطاعتهم إياه وإجابتهم نبيه، ورضوا عنه لما أجزل لهم من الثواب ~~على الطاعة والإيمان { وأعد لهم جنات تجري تحتها ~~الأنهار } أي وأعد لهم في الآخرة جنات تجري من تحت أشجارها وقصورها ~~الأنهار { خالدين فيهآ أبدا } أي مقيمين فيها من غير انتهاء { ~~ذلك الفوز العظيم } أي ذلك هو الفوز الذي لا فوز وراءه قال في ~~البحر: لما بين تعالى فضائل الأعراب المؤمنين، بين ms0583 حال هؤلاء السابقين، ~~ولكن شتان ما بين الثناءين فهناك قال { ألا إنها قربة لهم ~~} وهنا قال { وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار } ~~وهناك ختم { إن الله غفور رحيم } وهنا ختم { ذلك ~~الفوز العظيم } { وممن حولكم من الأعراب ~~منافقون } أي وممن حولكم يا أهل المدينة منافقون من الأعراب منازلهم ~~قريبة من منازلكم { ومن أهل المدينة } أي ومن أهل المدينة ~~منافقون أيضا { مردوا على النفاق } أي لجوا في النفاق ~~واستمروا عليه قال ابن عباس: مرنوا عليه وثبتوا منهم ابن سلول، والجلاس، ~~وأبو عامر الراهب { لا تعلمهم نحن نعلمهم } أي لا تعلمهم ~~أنت يا محمد لمهارتهم في النفاق بحيث يخفى أمرهم على كثيرين، ولكن نحن ~~نعلمهم ونخبرك عن أحوالهم { سنعذبهم مرتين } أي في الدنيا ~~بالقتل والأسر، وعند الموت بعذاب القبر { ثم يردون إلى ~~عذاب عظيم } أي ثم في الآخرة يردون إلى عذاب النار، الذي أعده ~~الله للكفار والفجار { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } أي وقوم ~~آخرون أقروا بذنوبهم ولم يعتذروا عن تخلفهم بالمعاذير الكاذبة قال ~~الرازي: هم قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا لنفاقهم بل لكسلهم، ~~ثم ندموا على ما فعلوا وتابوا { خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا } أي خلطوا جهادهم السابق وخروجهم مع الرسول لسائر الغزوات ~~بالعمل السيء وهو تخلفهم عن غزوة تبوك هذه المرة { عسى الله أن ~~يتوب عليهم } أي لعل الله يتوب عليهم قال الطبري: وعسى من الله ~~واجب ومعناه: سيتوب الله عليهم، ولكنه في كلام العرب بمعنى الترجي على ما ~~وصفت { إن الله غفور رحيم } أي ذو عفو لمن تاب، عظيم ~~الرحمة لمن أناب { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها } أي خذ يا محمد من هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم ~~صدقة تطهرهم بها من الذنوب والأوضار، وتنمي بتلك الصدقة حسناتهم حتى ~~يرتفعوا بها إلى مراتب المخلصين الأبرار { وصل عليهم إن ~~صلوتك سكن لهم } أي وادع لهم بالمغفرة فإن دعاءك واستغفارك ~~طمأنينة لهم قال ابن عباس: { سكن لهم } رحمة لهم { والله ~~سميع عليم } أي سميع لقولهم عليم بنياتهم { ألم يعلموا ~~أن ms0584 الله هو يقبل التوبة عن عباده } الاستفهام ~~للتقرير أي ألم يعلم أولئك التائبون أن الله تعالى هو الذي يقبل توبة من ~~تاب من عباده، { ويأخذ الصدقات } أي يتقبلها ممن أخلص النية { ~~وأن الله هو التواب الرحيم } أي وأن الله وحده ~~المستأثر بقبول التوبة والرحمة، لقوله # غافر الذنب وقابل التوب # [غافر: 3] { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون } صيغة أمر متضمنة للوعيد أي اعملوا ما ~~شئتم من الأعمال فأعمالكم لا تخفى على الله، وستعرض يوم الحساب على ~~الرسول والمؤمنين { وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة } أي وستردون إلى الله الذي لا تخفى عليه خافية { ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } أي فيجازيكم على أعمالكم ~~إن خيرا فخير، وإن شرا فشر { وآخرون مرجون لأمر الله ~~} أي وآخرون من المتخلفين مؤخرون إلى أن يظهر أمر الله فيهم قال ابن ~~عباس: هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، لم يسارعوا إلى ~~التوبة والاعتذار، وكانوا من أصحاب بدر، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن كلامهم والسلام عليهم، فصاروا مرجئين لأمره تعالى إلى أن يتجاوز عن ~~سيئاتهم، فهو تعالى وحده الذي يقبل التوبة ويتوب على العبد دون غيره { ~~إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } أي إما أن يعذبهم ~~إن لم يتوبوا، وإما أن يوفقهم للتوبة ويغفر لهم { والله عليم ~~حكيم } أي عليم بأحوالهم حكيم فيما يفعله بهم، وهؤلاء الثلاثة ~~المذكورون في قوله تعالى # وعلى الثلاثة الذين خلفوا # [التوبة: 118] وقد وقف أمرهم خمسين ليلة وهجرهم الناس حتى نزلت توبتهم ~~بعد { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا } أي ومن المنافقين ~~جماعة بالغوا في الإجرام حتى ابتنوا مجمعا يدبرون فيه الشر، وسموه ~~مسجدا مضارة للمؤمنين، وقد اشتهر باسم " مسجد الضرار " { وكفرا } أي ~~نصرة للكفر الذي يخفونه { وتفريقا بين المؤمنين } أي ~~يفرقون بواسطته جماعة المؤمنين، ويصرفونهم عن مسجد قباء { وإرصادا ~~لمن حارب الله ورسوله من قبل } أي ترقبا وانتظارا ~~لقدوم أبي عامر الفاسق الذي قال لرسول الله: لا أجد قوما يقاتلونك إلا ~~قاتلتك معهم، وهو الذي أمرهم ببناء المسجد ليكون معقلا له ms0585 قال الطبري في ~~رواية الضحاك: هم ناس من المنافقين بنوا مسجدا بقباء يضارون به نبي الله ~~والمسلمين وكانوا يقولون: إذا رجع أبو عامر صلى فيه، وإذا قدم ظهر على ~~محمد وتغلب عليه { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى } ~~أي وليقسمن ما أردنا ببنائه إلا الخير والإحسان، من الرفق بالمسكين، ~~والتوسعة على المصلين { والله يشهد إنهم لكاذبون } أي ~~والله يعلم كذبهم في ذلك الحلف، وأتى بإن واللام لزيادة التأكيد، ثم نهى ~~تعالى رسوله عن الصلاة في مسجد الضرار فقال { لا تقم فيه أبدا } ~~أي لا تصل فيه يا محمد أبدا لأنه لم يبن إلا ليكون معقلا لأهل ~~النفاق { لمسجد أسس على التقوى } اللام لام القسم أي ~~لمسجد قباء الذي بني على تقوى الله وطاعته { من أول يوم } أي من ~~أول يوم ابتدئ في بنائه { أحق أن تقوم فيه } أي أولى وأجدر بأن ~~تصلي فيه من مسجد الضرار { فيه رجال يحبون أن يتطهروا ~~} أي في هذا المسجد رجال أتقياء - وهم الأنصار - يحبون أن يتطهروا من ~~الذنوب والمعاصي { والله يحب المطهرين } أي المبالغين في ~~الطهارة الظاهرة والباطنة، ثم أشار تعالى إلى فضل مسجد التقوى على مسجد ~~الضرار فقال: { أفمن أسس بنيانه على تقوى من ~~الله ورضوان } الاستفهام للإنكار والمعنى: هل من أسس بنيانه على ~~تقوى وخوف من الله تعالى وطلب لمرضاته بالطاعة { خير أم من ~~أسس بنيانه على شفا جرف هار } أي هل ذاك خير أم هذا ~~الذي أسس بنيانه على طرف واد متصدع مشرف على السقوط؟ { فانهار به ~~في نار جهنم } أي فسقط به البناء في نار جهنم { والله لا ~~يهدي القوم الظالمين } أي لا يوفق الظالمين إلى السداد، ولا ~~يهديهم سبيل الرشاد، والآية الكريمة على سبيل التشبيه والتمثيل لعمل أهل ~~الإخلاص، والإيمان، وعمل أهل النفاق والضلال، والمعنى هل من أسس بنيان ~~دينه على التقوى والإخلاص كمن أسسه على الباطل والنفاق الذي يشبه طرف ~~الوادي أو الجبل الذي أشفى على السقوط؟ { لا يزال بنيانهم ~~الذي بنوا ريبة في قلوبهم } أي لا يزال في ms0586 قلوب أهل مسجد ~~الضرار شك ونفاق، وغيظ وارتياب بسبب هدمه، يحسبون أنهم كانوا في بنائه ~~محسنين، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى ذلك المسجد من هدمه ~~وحرقه وأمر بإلقاء الجيف والنتن والقمامة فيه إهانة لأهله، فلذلك اشتد ~~غيظ المنافقين وحقدهم { إلا أن تقطع قلوبهم } أي لا يزالون ~~في ارتياب وغيظ إلا أن تتصدع قلوبهم فيموتوا { والله عليم ~~حكيم } أي والله سبحانه عليم بأحوال المنافقين، حكيم في تدبيره إياهم ~~ومجازاتهم بسوء نياتهم. # البلاغة: 1- { الغيب والشهادة } بين الكلمتين طباق. # 2- { لا يرضى عن القوم الفاسقين } الإظهار في موضع ~~الإضمار لزيادة التشنيع والتقبيح وأصله لا يرضى عنهم. # 3- { سيدخلهم الله في رحمته } فيه مجاز مرسل أي يدخلهم ~~في جنته التي هي محل الرحمة وهو من إطلاق الحال وإرادة المحل. # 4- { عملا صالحا وآخر سيئا } بين { صالحا وسيئا } ~~طباق. # 5- { إن صلوتك سكن لهم } فيه تشبيه بليغ حيث جعل الصلاة ~~نفس السكن والاطمئنان مبالغة وأصله كالسكن حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه ~~فأصبح بليغا. # 6- { هار فانهار } بينهما جناس ناقص وهو من المحسنات البديعية. # 7- { أفمن أسس بنيانه على تقوى } في الكلام استعارة ~~مكنية حيث شبهت التقوى والرضوان بأرض صلبة يعتمد عليها البنيان وطوي ذكر ~~المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو التأسيس. # تنبيه: كلمة " عسى " من الله واجب قال الإمام الرازي: وتحقيق القول فيه ~~أن القرآن نزل على عرف الناس في الكلام، والسلطان العظيم إذا التمس ~~المحتاج منه شيئا فإنه لا يجيبه إلا على سبيل الترجي مع كلمة " عسى " ~~أو " لعل " تنبيها على أنه ليس لأحد أن يلزمه بشيء، بل كل ما يفعله ~~فإنما هو على سبيل التفضل والتطول، وفيه فائدة أخرى وهو أن يكون المكلف ~~على الطمع والإشفاق لأنه أبعد من الإتكال والإهمال. # لطيفة: روى الأعمش أن أعرابيا جلس إلى " زيد بن صوحان " وهو يحدث ~~أصحابه - وكانت يده أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ~~ليعجبني، وإن يدك لتريبني! فقال زيد: ما يريبك من يدي إنها الشمال، ~~فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون ms0587 أم الشمال فقال زيد: صدق ~~الله { الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا ~~يعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله.. } الآية، ~~معنى تريبني أي تدخل إلى قلبي الشك هل قطعت في سرقة وهذا من جهل ~~الأعرابي. ### || [9.111-129] # المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال المنافقين، المتخلفين عن الجهاد، ~~المثبطين عنه، ذكر صفات المؤمنين المجاهدين، الذين باعوا أنفسهم لله.. ثم ~~ذكر قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وتوبة الله عليهم، وختم ~~السورة بتذكير المؤمنين بالنعمة العظمى، ببعثة السراج المنير، النبي ~~العربي، الذي أرسله الله رحمة للعالمين. # اللغة: { أواه } كثير التأوه ومعناه الخاشع المتضرع، يقال: تأوه ~~الرجل تأوها إذا توجع قال الشاعر: # إذا ما قمت أرحلها بليل # تأوه آهة الرجل الحزين # { حليم } الحليم: الكثير الحلم وهو الذي يصفح عن الذنب ويصبر على ~~الأذى { العسرة } الشدة وصعوبة الأمر وتسمى غزوة تبوك " غزوة العسرة ~~" لما فيها من المشقة والشدة { يزيغ } الزيغ: الميل: يقال زاغ قلبه ~~إذا مال عن الهدى والإيمان { ظمأ } الظمأ: شدة العطش { نصب } ~~النصب: الإعياء والتعب { مخمصة } مجاعة شديدة يظهر بها ضمور البطن ~~{ ينالون } يصيبون، نال الشيء إذا أدركه وأصابه { غلظة } شدة ~~وقوة وحمية { عزيز } صعب وشاق { عنتم } العنت: الشدة والمشقة. # سبب النزول: أ - # " لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة - وكانوا ~~سبعين رجلا - قال عبد الله بن رواحة يا رسول الله: اشترط لربك ولنفسك ما ~~شئت، فقال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، واشترط لنفسي أن ~~تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: ~~الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت { إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم.. } " # الآية. # ب - # " لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: أي عم قل " لا إله إلا ~~الله " كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا ~~طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول ms0588 الله صلى الله عليه وسلم ~~يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو ~~على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول " لا إله إلا الله " فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله عز ~~وجل { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين.. } " # ونزلت # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56]. # التفسير: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة } أي اشترى أموال المؤمنين ~~وأنفسهم بالجنة وهو تمثيل في ذروة البلاغة والبيان لأجر المجاهدين، ~~مثل تعالى جزاءهم بالجنة على بذلهم الأموال والأنفس في سبيله بصورة ~~عقد فيه بيع وشراء قال الحسن: بايعهم فأغلى لهم الثمن وانظروا إلى كرم ~~الله، أنفسا هو خلقها، وأموالا هو رزقها، ثم وهبها لهم، ثم اشتراها ~~منهم بهذا الثمن الغالي فإنها لصفقة رابحة وقال بعضهم: ناهيك عن بيع ~~البائع فيه المؤمن، والمشتري فيه رب العزة والثمن فيه الجنة، والصك فيه ~~الكتب السماوية، والواسطة فيه محمد عليه الصلاة والسلام { يقاتلون ~~في سبيل الله } أي يجاهدون لإعزاز دين الله وإعلاء كلمته { ~~فيقتلون ويقتلون } أي في حالتي الظفر بالأعداء بقتلهم، أو ~~الاستشهاد في المعركة بموتهم { وعدا عليه حقا } أي وعدهم به ~~المولى وعدا قاطعا { في التوراة والإنجيل والقرآن } أي ~~وعدا مثبتا في الكتب المقدسة " التوراة، والإنجيل، والقرآن " { ومن ~~أوفى بعهده من الله } الاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا ~~أحد أوفى من الله جل وعلا قال الزمخشري: لأن إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم ~~عليه الكرام من الخلق، فكيف بالغني الذي لا يجوز عليه القبيح؟ ولا ترى ~~ترغيبا في الجهاد أحسن منه وأبلغ { فاستبشروا ببيعكم ~~الذي بايعتم به } أي أبشروا بذلك البيع الرابح وافرحوا به غاية ~~الفرح { وذلك هو الفوز العظيم } هو الفوز الذي لا فوز أعظم ~~منه { التائبون العابدون الحامدون } كلام مستأنف قال ~~الزجاج: مبتدأ خبره محذوف أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضا وإن ~~لم يجاهدوا كقوله # وكلا وعد الله الحسنى # [النساء: 95] والمعنى التائبون ms0589 عن المعاصي، العابدون أي المخلصون في ~~العبادة، الحامدون لله في السراء والضراء { السائحون } أي السائرون ~~في الأرض للغزو أو طلب العلم، من السياحة وهي السير والذهاب في المدن ~~والقفار للعظة والاعتبار { الراكعون الساجدون } أي المصلون { ~~الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر } أي الداعون ~~إلى الله، يدعون الناس إلى الرشد والهدى، وينهونهم عن الفساد والردى { ~~والحافظون لحدود الله } أي المحافظون على فرائض الله، ~~المتمسكون بما شرع الله من حلال وحرام قال الطبري: أي المؤدون فرائض ~~الله، المنتهون إلى أمره ونهيه { وبشر المؤمنين } أي بشرهم ~~بجنات النعيم، وحذف المبشر به إشارة إلى أنه لا يدخل تحت حصر، بل لهم ~~ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر { ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ~~} أي لا ينبغي ولا يصح للنبي والمؤمنين أن يطلبوا من الله المغفرة ~~للمشركين { ولو كانوا أولي قربى } أي ولو كان المشركون ~~أقرباء لهم { من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب ~~الجحيم } أي من بعد ما وضح لهم أنهم من أهل الجحيم لموتهم على الكفر، ~~والآية نزلت في أبي طالب { وما كان استغفار إبراهيم ~~لأبيه } هذا بيان للسبب الذي حمل إبراهيم على الاستغفار لأبيه آزر أي ~~ما أقدم إبراهيم على الاستغفار { إلا عن موعدة وعدهآ ~~إياه } أي إلا من أجل وعد تقدم له بقوله # سأستغفر لك ربي # [مريم: 47] وأنه كان قبل أن يتحقق إصراره على الشرك { فلما ~~تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } أي فلما تبين ~~لإبراهيم أن أباه مصر على الكفر ومستمر على الكفر، تبرأ من أبيه ~~بالكلية فضلا عن الاستغفار له، ثم بين تعالى بأن الذي حمل إبراهيم على ~~الاستغفار هو فرط ترحمه وصبره على أبيه فقال { إن إبراهيم ~~لأواه } أي كثير التأوه من فرط الرحمة ورقة القلب { حليم } أي ~~صبور على ما يعترضه من الأذى ولذلك حلم عن أبيه مع توعده له بقوله # لئن لم تنته لأرجمنك # [مريم: 46] فليس لغيره أن يتأسى به في ذلك قال أبو حيان: ولما كان ~~استغفار ms0590 إبراهيم لأبيه بصدد أن يقتدى به بين تعالى العلة في استغفار ~~إبراهيم لأبيه، وهو الوعد الذي كان وعده به، فكان يرجو إيمانه فلما ~~تبين له من جهة الوحي أنه عدو لله، وأنه يموت كافرا، وانقطع رجاؤه منه ~~تبرأ منه وقطع استغفاره { وما كان الله ليضل قوما } نزلت ~~الآية في قوم من المسلمين استغفروا للمشركين، فخافوا على أنفسهم من ذلك ~~فنزلت الآية تأنيسا لهم أي ما كان الله ليقضي على قوم بالضلال { بعد ~~إذ هداهم } أي بعد أن وفقهم للإيمان { حتى يبين لهم ~~ما يتقون } أي حتى يبين لهم ما يجتنبونه فإن خالفوا بعد النهي ~~استحقوا العقوبة { إن الله بكل شيء عليم } أي عليم بجميع ~~الأشياء ومنها أنه يعلم من يستحق الهداية، ومن يستحق الإضلال { إن ~~الله له ملك السموت والأرض } أي له سلطان السماوات ~~والأرض وملكهما، وكل من فيهما عبيده ومماليكه { يحيي ويميت } أي ~~بيده وحده حياتهم وموتهم { وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير } أي ما لكم أيها الناس من أحد غير الله تلجأون إليه أو ~~تعتمدون عليه قال الألوسي: لما منعهم سبحانه عن الاستغفار للمشركين وإن ~~كانوا أولي قربى، وتضمن ذلك وجوب التبري عنهم، بين لهم أن الله سبحانه ~~مالك كل موجود، ومتولي أمره، والغالب عليه، ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصر ~~إلا منه تعالى، ليتوجهوا إليه بكليتهم، متبرئين عما سواه، غير قاصدين ~~إلا إياه { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار } أي تاب الله على النبي من إذنه للمنافقين في التخلف، ~~وتاب على المهاجرين والأنصار لما حصل منهم من بعض الهفوات في غزوة تبوك، ~~حيث تباطأ بعضهم، وتثاقل عن الجهاد آخرون، والغرض التوبة على من تخلفوا ~~من المؤمنين عن غزوة تبوك ثم تابوا وأنابوا، وعلم الله صدق توبتهم فقبلها ~~منهم، وصدرها بتوبته على رسوله وكبار صحبه جبرا لقلوبهم، وتنويها ~~لشأنهم، وبعثا للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج ~~إلى التوبة والاستغفار، حتى النبي والمهاجرون والأنصار { الذين ~~اتبعوه في ساعة العسرة } أي اتبعوه ms0591 في غزوة تبوك وقت ~~العسرة في شدة الحر، وقلة الزاد، والضيق الشديد روى الطبري عن عمر رضي ~~الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ ~~شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن ~~الرجل لينحر البعير فيعصر فرثه فيشربه، فقال أبو بكر يا رسول الله: إن ~~الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا، قال: تحب ذلك؟ قال: نعم فرفع ~~يديه فلم يرجعهما حتى سكبت السماء فملأوا ما معهم، فرجعنا ننظر فلم نجدها ~~جاوزت العسكر { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ~~} أي من بعد ما كادت قلوب بعضهم تميل عن الحق وترتاب، لما نالهم من ~~المشقة والشدة { ثم تاب عليهم } أي وفقهم للثبات على الحق وتاب ~~عليهم لما ندموا { إنه بهم رءوف رحيم } أي لطيف رحيم ~~بالمؤمنين { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } أي وتاب كذلك ~~على الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزو، وهم " كعب، وهلال، ومرارة " { ~~حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } أي ضاقت ~~عليهم مع سعتها { وضاقت عليهم أنفسهم } أي ضاقت نفوسهم بما ~~اعتراها من الغم والهم، بحيث لا يسعها أنس ولا سرور، وذلك بسبب # " أن الرسول عليه السلام دعا لمقاطعتهم، فكان أحدهم يفشي السلام لأقرب ~~أقربائه فلا يرد عليه، وهجرتهم نساؤهم وأهلوهم وأهملوهم حتى تاب الله ~~عليهم " # { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } أي ~~وأيقنوا أنه لا معتصم لهم من الله ومن عذابه، إلا بالرجوع والإنابة ~~إليه سبحانه { ثم تاب عليهم ليتوبوا } أي رجع عليهم ~~بالقبول والرحمة، ليستقيموا على التوبة ويدوموا عليها { إن الله ~~هو التواب الرحيم } أي المبالغ في قبول التوبة وإن كثرت ~~الجنايات وعظمت، المتفضل على العباد بالرحمة الشاملة { يأيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } ~~أي راقبوا الله في جميع أقوالكم وأفعالكم، وكونوا مع أهل الصدق واليقين، ~~الذين صدقوا في الدين نية وقولا وعملا { ما كان لأهل ~~المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ~~عن رسول الله } عتاب لمن ms0592 تخلف عن غزوة تبوك أي ما صح ولا استقام ~~لأهل المدينة ومن حولهم من سكان البوادي أن يتخلفوا عن الغزو مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { ولا يرغبوا بأنفسهم عن ~~نفسه } أي لا يترفعوا بأنفسهم عن نفسه بأن يكرهوا لها المكاره ولا ~~يكرهوها له عليه السلام، بل عليهم أن يفدوه بالمهج والأرواح، وأن ~~يكابدوا معه ما يكابده من الأهوال والخطوب قال الزمخشري: أمروا بأن ~~يصحبوه على البأساء والضراء، وأن يلقوا من الشدائد ما تلقاه نفسه، علما ~~بأنها أعز نفس على الله وأكرمها عليه، لا أن يضنوا بأنفسهم على ما سمح ~~بنفسه عليه، وهذا نهي بليغ، وتهييج لمتابعته عليه السلام { ذلك ~~بأنهم لا يصيبهم ظمأ } أي ذلك النهي عن التخلف بسبب أنهم ~~لا يصيبهم عطش { ولا نصب } أي ولا تعب { ولا مخمصة } أي ولا ~~مجاعة { في سبيل الله } أي في طريق الجهاد { ولا يطأون ~~موطئا } أي ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بأرجلهم أو حوافر ~~خيولهم { يغيظ الكفار } أي يغضب الكفار وطؤها { ولا ينالون ~~من عدو نيلا } أي ولا يصيبون أعداءهم بشيء بقتل أو أسر أو ~~هزيمة قليلا كان أو كثيرا { إلا كتب لهم به عمل صالح ~~} أي إلا كان ذلك قربة لهم عند الله { إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين } أي لا يضيع أجر من أحسن عملا { ولا ينفقون ~~نفقة صغيرة ولا كبيرة } قال ابن عباس: تمرة فما فوقها { ~~ولا يقطعون واديا } أي ولا يجتازون للجهاد في سيرهم أرضا ~~ذهابا أو إيابا { إلا كتب لهم } أي أثبت لهم أجر ذلك { ~~ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون } أي ليجزيهم ~~على كل عمل لهم جزاء أحسن أعمالهم قال الألوسي: على معنى أن لأعمالهم ~~جزاء حسنا وجزاء أحسن، وهو سبحانه اختار لهم أحسن جزاء { وما كان ~~المؤمنون لينفروا كآفة } أي لا ينبغي خروج جميع المؤمنين ~~للغزو بحيث تخلو منهم البلاد، روي عن ابن عباس انه تعالى لما شدد على ~~المتخلفين قالوا: لا يتخلف منا أحد عن جيش أو سرية أبدا، فلما قدم ms0593 ~~الرسول المدينة وأرسل السرايا إلى الكفار، نفر المسلمون جميعا إلى ~~الغزو وتركوه وحده بالمدينة فنزلت هذه الآية { فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طآئفة } أي فإذا لم يمكن نفير الجميع ولم ~~يكن فيه مصلحة فهلا نفر من كل جماعة كثيرة فئة قليلة { ليتفقهوا ~~في الدين } أي ليصبحوا فقهاء ويتكلفوا المشاق في طلب العلم { ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم ~~يحذرون } أي وليخوفوا قومهم ويرشدوهم إذا رجعوا إليهم من الغزو، ~~لعلهم يخافون عقاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه قال الألوسي: وكان ~~الظاهر أن يقال (ليعلموا) بدل { لينذروا } و (يفقهون) بدل { ~~يحذرون } لكنه اختير ما في النظم الجليل للإشارة الى أنه ينبغي أن ~~يكون غرض المعلم: الإرشاد والإنذار، وغرض المتعلم: اكتساب الخشية لا ~~التبسط والاستكبار { يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين ~~يلونكم من الكفار } أي قاتلوا القريبين منكم وطهروا ما ~~حولكم من رجس المشركين ثم انتقلوا الى غيرهم، والغرض إرشادهم إلى ~~الطريق الأصوب والأصلح، وهو أن يبتدئوا من الأقرب فالأقرب حتى يصلوا الى ~~الأبعد فالأبعد { وليجدوا فيكم غلظة } أي وليجد هؤلاء ~~الكفار منكم شدة عليهم { واعلموا أن الله مع المتقين ~~} أي واعلموا أن من اتقى الله كان الله معه بالنصر والعون { وإذا مآ ~~أنزلت سورة } أي من سور القرآن { فمنهم من يقول ~~أيكم زادته هذه إيمانا } أي فمن هؤلاء المنافقين من ~~يقول استهزاء: أيكم زادته هذه إيمانا؟ على وجه الاستخفاف بالقرآن كأنهم ~~يقولون: أي عجب في هذا وأي دليل في هذا؟ يقول تعالى { فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا } أي فأما المؤمنون فزادتهم تصديقا ~~وذلك لما يتجدد عندهم من البراهين والأدلة عند نزول كل سورة { وهم ~~يستبشرون } أي وهم يفرحون لنزولها لأنه كلما نزل شيء من القرآن ~~ازدادوا إيمانا { وأما الذين في قلوبهم مرض } أي وأما ~~المنافقون الذين في قلوبهم نفاق وشك في دين الله { فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم } أي زادتهم نفاقا إلى نفاقهم وكفرا إلى كفرهم، ~~فازدادوا رجسا وضلالا فوق ما هم فيه من الرجس والضلال { وماتوا ~~وهم كافرون } أي ماتوا على الكفر ms0594 { أولا يرون أنهم ~~يفتنون في كل عام مرة أو مرتين } الهمزة ~~للإنكار والتوبيخ أي أولا يرى هؤلاء المنافقون الذين تفضح سرائرهم كل ~~سنة مرة أو مرتين حين ينزل فيهم الوحي؟ { ثم لا يتوبون ولا ~~هم يذكرون } أي ثم لا يرجعون عما هم فيه من النفاق ولا يعتبرون ~~{ وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل ~~يراكم من أحد ثم انصرفوا } أي وإذا أنزلت سورة من ~~القرآن فيها عيب المنافقين وهم في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم نظر ~~بعضهم لبعض هل يراكم أحد من المسلمين لننصرف، فإنا لا نصبر على استماعه ~~وهو يفضحنا ثم قاموا فانصرفوا { صرف الله قلوبهم } جملة دعائية ~~أي صرفها عن الهدى والإيمان { بأنهم قوم لا يفقهون } أي ~~لأجل أنهم لا يفهمون الحق ولا يتدبرون فهم حمقى غافلون { لقد ~~جآءكم رسول من أنفسكم } أي لقد جاءكم أيها القوم رسول ~~عظيم القدر، من جنسكم عربي قرشي، يبلغكم رسالة الله { عزيز عليه ~~ما عنتم } أي يشق عليه عنتكم وهو المشقة ولقاء المكروه { حريص ~~عليكم } أي حريص على هدايتكم { بالمؤمنين رءوف رحيم } ~~أي رءوف بالمؤمنين رحيم بالمذنبين، شديد الشفقة والرحمة عليهم قال ابن ~~عباس: سماه باسمين من أسمائه { فإن تولوا فقل حسبي ~~الله } أي فإن أعرضوا عن الإيمان بك يا محمد فقل يكفيني ربي { لا ~~إله إلا هو } أي لا معبود سواه { عليه توكلت } أي ~~عليه اعتمدت فلا أرجو ولا أخاف أحدا غيره { وهو رب العرش ~~العظيم } أي هو سبحانه رب العرش المحيط بكل شيء، لكونه أعظم الأشياء؛ ~~الذي لا يعلم مقدار عظمته إلا الله تعالى. # البلاغة: 1- { إن الله اشترى } استعارة تبعية شبه بذلهم ~~الأموال والأنفس وإثابتهم عليها بالجنة بالبيع والشراء. # 2- { فيقتلون ويقتلون } فيه جناس ناقص لاختلافهما في الشكل ~~وهو من المحسنات البديعية. # 3- { الراكعون الساجدون } يعني المصلون فيه مجاز مرسل من ~~إطلاق الجزء وإرادة الكل، وخص الركوع والسجود بالذكر لشرفهما (أقرب ما ~~يكون العبد من ربه وهو ساجد). # 4- { وبشر المؤمنين } الإظهار في مقام الإضمار للاعتناء ~~بهم وتكريمهم. # 5- { موعدة وعدهآ ms0595 } بينهما جناس الاشتقاق. # 6- { ليضل.. إذ هداهم } بينهما طباق وكذلك بين { يحيي.. ~~ويميت } وكذلك { ضاقت.. ورحبت }. # 7- { التواب الرحيم } من صيغ المبالغة. # 8- { يطأون موطئا } جناس الاشتقاق وكذلك { ينالون نيلا ~~}. # 9- { صغيرة ولا كبيرة } طباق. # 10- { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } قال في تلخيص البيان: ~~السورة لا تزيد الأرجاس رجسا، ولا القلوب مرضا، بل هي شفاء للصدور ~~وجلاء للقلوب، ولكن المنافقين لما ازدادوا عند نزولها عمى، حسن أن يضاف ~~ذلك إلى السورة على طريق الاستعارة. # تنبيه: # " روي أن أبا خيثمة الأنصاري رضي الله عنه بلغ بستانه وكانت له امرأة ~~حسناء فرشت له في الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب والماء ~~البارد، فنظر فقال: ظل ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الحر والريح! ما هذا بخير، فقام فرحل ناقته، ~~وأخذ سيفه ورمحه، ومر كالريح فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه ~~فإذا براكب وراء السراب، فقال: كن أبا خيثمة! فكان ففرح به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم واستغفر له ". ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1-20] # اللغة: { قدم صدق } قال الليث: القدم السابقة قال ذو الرمة: # وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة # لهم قدم معروفة ومفاخر # وقال أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شر فهو قدم وقال الأخفش: سابقة ~~إخلاص { يدبر } التدبير القضاء والتقدير على حسب الحكمة { ~~القسط } العدل { حميم } الحميم: الماء الحار الذي سخن بالنار حتى ~~انتهى حره { يفصل } التفصيل: التبيين والتوضيح { مأواهم } ~~مثواهم ومقامهم { طغيانهم } الطغيان العلو والارتفاع { يعمهون ~~} يتحيرون { خلائف } جمع خليفة وهو الذي يخلف غيره في شئونه. # سبب النزول: قال ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أنكرت الكفار وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، أما وجد ~~الله من يرسله إلا يتيم أبي طالب؟ فأنزل الله { أكان للناس ~~عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر ~~الناس.. } الآية. # التفسير: { الر } إشارة إلى أن هذا الكلام البليغ المعجز، مكون من ~~جنس الأحرف التي يتكون منها كلامكم، فمن هذه الحروف ms0596 وأمثالها تتألف آيات ~~الكتاب الحكيم، وهي في متناول أيديهم ثم يعجزون عن الإتيان بمثل آية ~~واحدة منه { تلك آيات الكتاب الحكيم } أي هذه آيات القرآن ~~المحكم المبين الذي لا يدخله شك، ولا يعتريه كذب ولا تناقض { أكان ~~للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم } أي أكان ~~عجبا لأهل مكة إيحاؤنا إلى رجل منهم هو محمد عليه السلام؟ والهمزة ~~للإنكار أي لا عجب في ذلك فهي عادة الله في الأمم السالفة أوحى إلى ~~رسلهم ليبلغوهم رسالة الله { أن أنذر الناس } أي أوحينا إليه ~~بأن خوف الكفار عذاب النار { وبشر الذين آمنوا أن ~~لهم قدم صدق عند ربهم } أي وأن بشر المؤمنين بأن ~~لهم سابقة ومنزلة رفيعة عند ربهم بما قدموا من صالح الأعمال { قال ~~الكافرون إن هذا لساحر مبين } أي ومع وضوح صدق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن، قال المشركون: إن محمدا ~~لساحر ظاهر السحر، مبطل فيما يدعيه قال البيضاوي: وفيه اعتراف بأنهم ~~صادفوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أمورا خارقة للعادة، معجزة إياهم ~~عن المعارضة، وهو اعتراف من حيث لا يشعرون بأن ما جاء به خارج عن طوق ~~البشر { إن ربكم الله الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام } أي إن ربكم ومالك أمركم الذي ينبغي ~~أن تفردوه بالعبادة هو الذي خلق الكائنات في مقدار ستة أيام من أيام ~~الدنيا، ولو شاء لخلقهن في لمحة ولكنه أراد تعليم العباد التأني ~~والتثبت في الأمور { ثم استوى على العرش } استواء يليق ~~بجلاله من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل قال ابن كثير: نسلك في هذا ~~المقام مذهب السلف الصالح، وهو إمرارها كما جاءت من غير تشبيه ولا ~~تعطيل، والمتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا ~~يشبهه شيء من خلقه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة، ~~والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله، فقد سلك سبيل الهدى ~~وقال أبو السعود: استوى على العرش على الوجه الذي عناه، وهو صفة له ~~سبحانه بلا كيف، ms0597 منزها عن التمكن والاستقرار، وهذا بيان لجلالة ملكه ~~وسلطانه، بعد بيان عظمة شأنه { يدبر الأمر } أي يدبر أمر ~~الخلائق على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة قال ابن عباس: لا يشغله في تدبير ~~خلقه أحد { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } أي لا يشفع ~~عنده شافع يوم القيامة إلا بعد أن يأذن له في الشفاعة، وفي هذا رد على ~~المشركين في زعمهم أن الأصنام تشفع لهم { ذلكم الله ربكم ~~فاعبدوه } أي ذلكم العظيم الشأن هو ربكم وخالقكم لا رب سواه، ~~فوحدوه بالعبادة { أفلا تذكرون } أي أفلا تتعظون وتعتبرون؟ ~~تعلمون أنه المتفرد بالخلق ثم تعبدون معه غيره { إليه مرجعكم ~~جميعا } أي إلى ربكم مرجعكم أيها الناس يوم القيامة جميعا { وعد ~~الله حقا } أي وعدا من الله لا يتبدل، وفيه رد على منكري البعث ~~حيث قالوا # ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنآ إلا الدهر # [الجاثية: 24] { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } أي كما ~~ابتدأ الخلق كذلك يعيده { ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات بالقسط } أي ليجزي المؤمنين بالعدل، ويوفيهم أجورهم ~~بالجزاء الأوفى { والذين كفروا } أي والذين جحدوا بالله وكذبوا ~~رسله { لهم شراب من حميم } أي لهم في جهنم شراب من حيمم، ~~بالغ النهاية في الحرارة { وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ~~} أي ولهم عذاب موجع بسبب كفرهم وإشراكهم قال البيضاوي: والآية كالتعليل ~~لما سبق فإنه لما كان المقصود من البدء والإعادة مجازاة المكلفين على ~~أعمالهم كان مرجع الجميع إليه لا محالة { هو الذي جعل الشمس ~~ضيآء } الآية للتنبيه على دلائل القدرة والوحدانية أي هو تعالى بقدرته ~~جعل الشمس مضيئة ساطعة بالنهار كالسراج الوهاج { والقمر نورا } ~~أي وجعل القمر منيرا بالليل وهذا من كمال رحمته بالعباد، ولما كانت ~~الشمس أعظم جرما خصت بالضياء، لأنه هو الذي له سطوع ولمعان قال ~~الطبري: المعنى أضاء الشمس وأنار القمر { وقدره منازل } أي ~~قدر سيره في منازل وهي البروج { لتعلموا عدد السنين ~~والحساب } أي لتعلموا أيها الناس حساب الأوقات، فبالشمس تعرف ~~الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام { ما ms0598 خلق الله ذلك ~~إلا بالحق } أي ما خلق تعالى ذلك عبثا بل لحكمة عظيمة، وفائدة ~~جليلة { يفصل الآيات لقوم يعلمون } أي يبين الآيات ~~الكونية ويوضحها لقوم يعلمون قدرة الله، ويتدبرون حكمته قال أبو السعود: ~~أي يعلمون الحكمة في إبداع الكائنات، فيستدلون بذلك على شئون مبدعها جل ~~وعلا { إن في اختلاف اليل والنهار } أي في تعاقبهما يأتي ~~الليل فيذهب النهار، ويأتي النهار فيذهب الليل { وما خلق الله ~~في السموت والأرض } أي وما أوجد فيهما من أصناف المصنوعات { ~~لآيات لقوم يتقون } أي لآيات عظيمة وبراهين جليلة، على وجود ~~الصانع ووحدته، وكمال علمه وقدرته، لقوم يتقون الله ويخافون عذابه { ~~إن الذين لا يرجون لقآءنا } أي لا يتوقعون لقاء الله ~~أصلا ولا يخطر ببالهم، فقد أعمتهم الشهوات عن التصديق بما بعد الممات { ~~ورضوا بالحياة الدنيا } أي رضوا بالدنيا عوضا من الآخرة، ~~وآثروا الخسيس على النفيس { واطمأنوا بها } أي فرحوا بها وسكنوا ~~إليها { والذين هم عن آياتنا غافلون } أي وهم عن الأدلة ~~المنبثة في صحائف الأكوان غافلون، لا يعتبرون فيها ولا يتفكرون { ~~أولئك مأواهم النار } أي مثواهم ومقامهم النار { بما ~~كانوا يكسبون } أي بسبب كفرهم وإجرامهم، وبعد أن ذكر الله حال ~~الأشقياء أردفه بذكر حال السعداء فقال { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم } أي ~~يهديهم إلى طريق الجنة بسبب إيمانهم { تجري من تحتهم ~~الأنهار في جنات النعيم } أي تجري من تحت قصورهم الأنهار أو ~~من تحت أسرتهم وهم مقيمون في جنات النعيم { دعواهم فيها ~~سبحانك اللهم } أي دعاؤهم في الجنة سبحانك اللهم وفي الحديث # " يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس " # أي كلامهم في الجنة تسبيح الله { وتحيتهم فيها سلام } أي ~~وتحية بعضهم بعضا سلام عليكم كما تحييهم بذلك الملائكة # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد: 23 - 24] { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين } أي وآخر دعائهم أن يقولوا: الحمد لله رب العالمين { ~~ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير } قال مجاهد: هو دعاء الرجل على نفسه أو ولده إذا غضب، ms0599 ~~اللهم أهلكه، اللهم لا تبارك فيه قال الطبري: المعنى لو يعجل الله ~~إجابة دعاء الناس في الشر وفيما عليهم فيه مضرة، كاستعجاله لهم في ~~الخير بالإجابة إذا دعوه به { لقضي إليهم أجلهم } أي ~~لهلكوا وعجل لهم الموت { فنذر الذين لا يرجون لقآءنا ~~} أي فنترك المكذبين بلقائنا الذين لا يؤمنون بالبعث { في طغيانهم ~~يعمهون } أي في تمردهم وعتوهم يترددون تحيرا والمعنى: نترك ~~المجرمين ونمهلهم ونفيض عليهم النعم مع طغيانهم لتلزمهم الحجة { وإذا ~~مس الإنسان الضر } أي وإذا أصاب الإنسان الضر من مرض أو ~~فقر أو نحو ذلك { دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما } أي ~~دعانا في جميع الحالات: مضطجعا أو قاعدا أو قائما لكشف ذلك الضر عنه ~~{ فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ~~ضر مسه } أي فلما أزلنا ما به من ضر استمر على عصيانه، ونسي ~~ما كان فيه من الجهد والبلاء أو تناساه، وهو عتاب لمن يدعو الله عند ~~الضر، ويغفل عنه عند العافية { كذلك زين للمسرفين ما ~~كانوا يعملون } أي كما زين لذلك الإنسان الدعاء عند الضر ~~والإعراض عند الرخاء، كذلك زين للمسرفين المتجاوزين الحد في ~~الإجرام، ما كانوا يعملون من الإعراض عن الذكر، ومتابعة الشهوات { ~~ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا } أي ~~ولقد أهلكنا الأمم من قبلكم أيها المشركون لما كفروا وأشركوا وتمادوا في ~~الغي والضلال { وجآءتهم رسلهم بالبينات } أي جاءوهم ~~بالمعجزات الباهرة التي تدل على صدقهم { وما كانوا ليؤمنوا } ~~أي وما آمنوا بما جاءتهم به الرسل، أي أنهم ظلموا وما آمنوا فكان سبب ~~إهلاكهم شيئان: ظلمهم، وعدم إيمانهم { كذلك نجزي القوم ~~المجرمين } أي مثل ذلك الجزاء - يعني الإهلاك - نجزي كل مجرم، وهو ~~وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم { ثم ~~جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم } أي ثم استخلفناكم ~~في الأرض يا أهل مكة من بعد إهلاك أولئك القرون، التي تسمعون أخبارها ~~وتشاهدون آثارها { لننظر كيف تعملون } أي لننظر أتعملون ~~خيرا أم شرا فنجازيكم على حسب عملكم قال القرطبي: ms0600 والمعنى: يعاملكم ~~معاملة المختبر إظهارا للعدل وقال في التسهيل: معناه ليظهر في الوجود ~~عملكم فتقوم عليكم به الحجة والغرض أن الله تعالى عالم بأعمالهم من قبل ~~ذلك ولكن يختبرهم ليتبين في الوجود ما علمه تعالى أزلا { وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا بينات } أي وإذا قرئت على المشركين ~~آيات القرآن المبين، حال كونها واضحات لا لبس فيها ولا إشكال { قال ~~الذين لا يرجون لقآءنا } أي قال الذين لا يؤمنون بالبعث ~~والحساب، ولا يرجون الأجر والثواب { ائت بقرآن غير هذآ } أي ~~ائت يا محمد بكتاب آخر غير هذا القرآن، ليس فيه ما نكرهه من عيب آلهتنا، ~~وتسفيه أحلامنا، { أو بدله } بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة، ~~ومكان سب آلهتنا مدحهم، ومكان الحرام حلالا، وإنما قالوه على سبيل ~~الاستهزاء والسخرية قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين بالقرآن من أهل مكة ~~قالوا يا محمد: ائتنا بقرآن غير هذا فيه ما نسألك { قل ما يكون ~~لي أن أبدله من تلقآء نفسي } أي قل لهم يا محمد ما ~~ينبغي ولا يصح لي أن أغير أو أبدل شيئا من قبل نفسي { إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي } أي لا أتبع إلا ما يوحيه إلي ربي، ~~فأنا عبد مأمور، ورسول مبلغ، أبلغكم رسالة الله { إني أخاف ~~إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } أي إني أخشى إن خالفت ~~أمره، وبدلت وحيه، عذاب يوم شديد الهول هو يوم القيامة، وهذا ~~كالتعليل لما سبق { قل لو شآء الله ما تلوته عليكم } ~~أي قل لهم يا محمد لو شاء الله ما تلوت هذا القرآن عليكم، وما تلوته ~~إلا بمشيئته تعالى، لأنه من عنده وما هو من عندي { ولا أدراكم ~~به } أي ولا أعلمكم به على لساني { فقد لبثت فيكم عمرا ~~من قبله } أي فقد مكثت بين أظهركم زمنا طويلا، مدة أربعين سنة ~~من قبل القرآن لا أعلمه أنا ولا أتلوه عليكم { أفلا تعقلون } أي ~~أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر لتعلموا أن مثل هذا الكتاب ~~المعجز ليس إلا من عند الله؟ قال الإمام ms0601 الفخر: إن الكفار شاهدوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أول عمره إلى ذلك الوقت، وكانوا عالمين ~~بأحواله، وأنه ما طالع كتابا، ولا تتلمذ لأستاذ، ولا تعلم من أحد، ثم ~~بعد انقراض أربعين سنة جاءهم بهذا الكتاب العظيم، المشتمل على نفائس علم ~~الأصول، ودقائق علم الأحكام، ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأولين، ~~وعجز عن معارضته العلماء، والفصحاء، والبلغاء، وكل من له عقل سليم يعلم ~~أن مثل هذا لا يكون إلا على سبيل الوحي والتنزيل { فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا } استفهام انكاري بمعنى النفي ~~أي لا أحد أظلم ممن اختلق على الله الكذب والمقصود منه نفي الكذب عن ~~مقامه الشريف صلى الله عليه وسلم حيث زعم المشركون أن هذا القرآن من صنع ~~محمد { أو كذب بآياته } أي كذب بالحق الذي جاءت به الرسل { ~~إنه لا يفلح المجرمون } أي لا يفوز بالسعادة من ارتكب ~~الإجرام وكذب الرسل الكرام { ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم } بيان لقبائح المشركين أي ويعبدون ~~الأوثان التي هي جمادات لا تقدر على جلب نفع أو دفع ضر { ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله } أي يزعمون أن الأصنام تشفع لهم ~~مع أنها حجارة لا تبصر ولا تسمع { قل أتنبئون الله بما لا ~~يعلم في السموت ولا في الأرض }؟ أي قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين أتخبرون الله تعالى بشريك أو شفيع كائن في السماوات أو الأرض ~~لا يعلمه جل وعلا، وهو علام الغيوب الذي أحاط علمه بجميع الكائنات؟ ~~والاستفهام للتهكم والهزء بهم { سبحانه وتعالى عما ~~يشركون } أي تنزه الله وتقدس عما يقول الظالمون، وينسبه إليه ~~المشركون { وما كان الناس إلا أمة واحدة ~~فاختلفوا } أي وما كان الناس إلا على دين واحد هو الإسلام من لدن ~~آدم إلى نوح فاختلفوا في دينهم وتفرقوا شيعا وأحزابا قال ابن عباس: ~~كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ثم وقع الاختلاف بين ~~الناس وعبدت الأوثان والأصنام فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين { ~~ولولا كلمة سبقت من ربك } أي ms0602 ولولا قضاء الله بتأخير ~~الجزاء إلى يوم القيامة { لقضي بينهم فيما فيه ~~يختلفون } أي لعجل عقابهم في الدنيا باختلافهم في الدين { ~~ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه } أي ويقول ~~هؤلاء الكفرة المعاندون هلا أنزل على محمد معجزة من ربه كما كان ~~للأنبياء من الناقة والعصا واليد { فقل إنما الغيب لله } ~~أي قل لهم أمر الغيب لله وحده ولا يأتي بالآيات إلا هو وإنما أنا مبلغ ~~{ فانتظروا إني معكم من المنتظرين } أي فانتظروا ~~قضاء الله بيننا فأنا ممن ينتظر ذلك. # البلاغة: 1- { الكتاب الحكيم } فعيل بمعنى مفعول أي المحكم ~~الذي لا يتطرق إليه الفساد ولا يعتريه الكذب والتناقض. # 2- { أنذر.. وبشر } بينهما طباق. # 3- { قدم صدق } كناية عن المنزلة الرفيعة، والعبارة غاية في ~~البلاغة لأن بالقدم يكون السبق والتقدم، كما سميت النعمة يدا لأنها ~~تعطى بها. # 4- { يبدأ الخلق ثم يعيده } بين كلمتي البدء والإعادة ~~طباق. # 5- { لا يرجون لقآءنا } فيه التفات مع الإضافة إلى ضمير ~~الجلالة لتعظيم الأمر وتهويله. # 6- { الشر استعجالهم بالخير } أي كاستعجالهم أو مثل ~~استعجالهم بالخير ففيه تشبيه مؤكد مجمل، وبين الشر والخير طباق. # 7- { لننظر كيف تعملون } في الكلام استعارة تمثيلية حيث ~~شبه حال العباد مع ربهم بحال رعية مع سلطانها في إمهالهم للنظر في ~~أعمالهم، واستعير الاسم الدال على المشبه به للمشبه على سبيل التمثيل ~~والتقريب، ولله المثل الأعلى. # 8- { أفلا تعقلون } الاستفهام للإنكار والتوبيخ. # فائدة: قال السيوطي في قوله تعالى { جعل الشمس ضيآء ~~والقمر نورا } إن هذه الآية أصل في علم المواقيت، والحساب، ~~والتاريخ، ومنازل القمر. # لطيفة: قال الحافظ ابن كثير: من قال مقالة صادقا أو كاذبا فلا بد ~~أن ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس، فإن ~~الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر ~~من الفرق بين الضحى وحندس الظلماء، قال عبد الله بن سلام: # " لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس (أي تفرق ~~اليهود عنه) فكنت فيمن انجفل، فلما رأيته عرفت أن وجهه ms0603 ليس بوجه كذاب، ~~فكان أول ما سمعته يقول " يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، ~~وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام " # فقد أيقن بصدقه صلوات الله وسلامه عليه بما رأى من الدلائل قال حسان: # لو لم تكن فيه آيات مبينة # لكان منظره ينبيك بالخبر ### || [10.21-39] # المناسبة: لما ذكر تعالى الأدلة على فساد عبادة الأوثان، وشبهات ~~المشركين حول الرسالة والقرآن، ذكر هنا أن عادة هؤلاء الأشقياء المكر، ~~والجحود، والعناد، فإن أصابتهم الشدة تضرعوا، وإن جاءتهم الرحمة ~~بطروا وكفروا، ثم ضرب تعالى المثل بالحياة الدنيا في الزوال والفناء، ثم ~~عاد إلى ذكر الأدلة والبراهين، على وحدانية الله رب العالمين. # اللغة: { عاصف } العاصف: الريح الشديدة التي تعصف بالأوراق ~~والأشجار، قال الفراء: يقال عصفت الريح وأعصفت أي اشتدت قال الشاعر: # إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت # عيدان نجد ولا يعبأن بالرتم # { الموج } ما ارتفع من الماء فوق البحر، سمي موجا لاضطرابه { ~~زخرفها } الزخرف: كمال حسن الشيء ونضارته، سمي زخرفا لبهجته ~~ونضارته { تغن } غني بالمكان إذا أقام به وعمره { يرهق } يغشى ~~ويعلو يقال: رهقه الذل أي غشيه { قتر } القتر والقترة: الغبار الذي ~~معه سواد قال تعالى # ترهقها قترة # [عبس: 41] أي تعلوها غبرة جهنم، وقيل: القتر الغبار وإن لم يكن معه ~~سواد قال الفرزدق: # متوج برداء الملك يتبعه # موج ترى فوقه الرايات والقترا # { زيلنا } فرقنا وميزنا { تؤفكون } تصرفون عن الحق إلى ~~الباطل. # التفسير: { وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء ~~مستهم } المراد بالناس كفار مكة روي أن الله سلط عليهم القحط سبع ~~سنين حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بالخصب ~~ووعدوه بالإيمان فلما رحمهم الله بإنزال المطر رجعوا إلى الكفر والعناد ~~والمعنى: وإذا أذقنا هؤلاء المشركين رخاء بعد شدة، وخصبا بعد جدب ~~أصابهم { إذا لهم مكر في آياتنا } قال مجاهد: استهزاء ~~وتكذيب { قل الله أسرع مكرا } أي أعجل عقوبة على جزاء مكرهم ~~{ إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } أي إن الملائكة ~~الحفظة يكتبون مكركم ويسجلون إجرامكم، وفيه تنبيه ms0604 على أن ما دبروه ~~غير خاف على الحفظة فضلا عن العليم الخبير { هو الذي يسيركم ~~في البر والبحر } أي هو تعالى بقدرته الذي يحملكم في البر على ~~الدواب، وفي البحر على السفن التي تسير على وجه الماء { حتى إذا ~~كنتم في الفلك } أي حتى إذا كنتم في البحر على ظهور هذه السفن { ~~وجرين بهم بريح طيبة } فيه التفات أي وجرين بهم بالريح ~~اللينة الطرية التي تسير السفن { وفرحوا بها } أي فرح الركاب ~~بتلك الريح الطيبة { جآءتها ريح عاصف } أي وفجأة جاءتها الريح ~~الشديدة العاصفة المدمرة { وجآءهم الموج من كل مكان } ~~أي وأحاطت بهم أمواج البحار من كل جهة { وظنوا أنهم أحيط ~~بهم } أي أيقنوا بالهلاك { دعوا الله مخلصين له ~~الدين } أي أخلصوا الدعاء لله وتركوا ما كانوا يعبدون، قال القرطبي: ~~وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن ~~المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا، لانقطاع الأسباب، ورجوعه إلى رب ~~الأرباب { لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين } أي لئن أنقذتنا من هذه الشدائد والأهوال لنكونن من ~~الشاكرين لك على نعمائك، والعاملين بطاعتك ومرضاتك قال في البحر: ومعنى ~~الإخلاص إفراده بالدعاء من غير إشراك أصنام وغيرها وقال الحسن: مخلصين ~~لا إخلاص إيمان ولكن لأجل العلم بأنهم لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ~~ذلك جاريا مجرى الإيمان الاضطراري { فلمآ أنجاهم إذا هم ~~يبغون في الأرض بغير الحق } أي فلما خلصهم وأنقذهم إذا ~~هم يعملون في الأرض بالفساد والمعاصي قال ابن عباس: يبغون بالدعاء فيدعون ~~غير الله ويعملون بالمعاصي قال تعالى ردا عليهم { يأيها الناس ~~إنما بغيكم على أنفسكم } أي وبال البغي عليكم، ولا ~~يجني ثمرته إلا أنتم { متاع الحياة الدنيا } أي تتمتعون في ~~هذه الحياة بالشهوات الفانية، التي تعقبها الحسرات الباقية { ثم ~~إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون } أي ~~مرجعكم بعد الموت إلينا فنجازيكم عليها، وفي هذا وعيد وتهديد. # والآية الكريمة تمثيل لطبيعة الإنسان الجحود، لا يذكر الله إلا في ~~ساعة العسرة، ولا يرجع إليه ms0605 إلا وقت الكرب والشدة، فإذا نجاه الله من ~~الضيق، وكشف عنه الكرب، رجع إلى الكفر والعصيان، وتمادى في الشر ~~والطغيان. ثم ضرب تعالى مثلا للحياة الدنيا الزائلة الفانية وقصر مدة ~~التمتع بها فقال { إنما مثل الحياة الدنيا كمآء ~~أنزلناه من السمآء فاختلط به نبات الأرض } أي ~~صفة الحياة الدنيا وحالها العجيبة في فنائها وزوالها، وذهاب نعيمها ~~واغترار الناس بها كمثل مطر نزل من السماء فنبت به أنواع من النبات مختلط ~~بعضها ببعض قال ابن عباس: اختلط فنبت بالماء كل لون { مما يأكل ~~الناس والأنعام } أي مما يأكله الناس من الحبوب والثمار والبقول، ~~والأنعام من الكلأ والتبن والشعير { حتى إذآ أخذت الأرض ~~زخرفها } أي أخذت حسنها وبهجتها { وازينت } أي تزينت بالحبوب ~~والثمار والأزهار، وهو تمثيل بالعروس إذا تزينت بالحلي والثياب { ~~وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ } أي وظن أصحابها ~~أنهم متمكنون من الانتفاع بها، محصلون لثمرتها وغلتها { أتاهآ ~~أمرنا ليلا أو نهارا } أي جاءها قضاؤنا بهلاك ما عليها من ~~النبات إما ليلا وإما نهارا { فجعلناها حصيدا } أي محصودة ~~مقطوعة لا شيء فيها كالذي حصد بالمناجل { كأن لم تغن بالأمس ~~} أي كأنها لم تكن عامرة قائمة على ظهر الأرض قبل ذلك { كذلك ~~نفصل الآيات لقوم يتفكرون } أي مثل ما بينا هذا المثل ~~الرائع للحياة الدنيا نبين الآيات ونضرب الأمثال لقوم يتفكرون فيعتبرون ~~بهذه الأمثال قال الألوسي: وتخصيصهم بالذكر لأنهم المنتفعون { والله ~~يدعوا إلى دار السلام } أي يدعو إلى الجنة دار السرور ~~والإقامة { ويهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } أي ~~يوصل من شاء هدايته إلى الطريق المستقيم وهو دين الإسلام { للذين ~~أحسنوا الحسنى } أي للذين أحسنوا بالإيمان والعمل الصالح لهم ~~الحسنى أي الجنة { وزيادة } وهي النظر إلى وجه الله الكريم { ولا ~~يرهق وجوههم قتر } أي ولا يغشى وجوههم غبار ولا سواد كما ~~يعتري وجوه أهل النار { ولا ذلة } أي هوان وصغار { أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون } أي دائمون لا زوال فيها ~~ولا انقراض لنعيمها بخلاف الدنيا وزخارفها { والذين كسبوا ~~السيئات جزآء سيئة بمثلها ms0606 } أي والذين عملوا السيئات ~~في الدنيا فعصوا الله وكفروا فسيجزون على السيئة بمثلها لا يزادون على ~~ذلك، فالحسنات مضاعفة بفضل الله، والسيئات جزاؤها بالمثل عدلا منه ~~تعالى { وترهقهم ذلة } أي تغشاهم ذلة وهوان { ما لهم ~~من الله من عاصم } أي ليس لهم أحد يعصمهم أو يمنعهم من سخط ~~الله تعالى وعقابه { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من ~~الليل مظلما } أي كأنما ألبست وجوههم من فرط السواد والظلمة ~~قطعا من ظلام الليل { أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } أي لا يخرجون منها أبدا { ويوم نحشرهم جميعا ~~ثم نقول للذين أشركوا } أي نجمع الفريقين للحساب: ~~المؤمنين والكافرين ثم نقول للذين أشركوا بالله { مكانكم أنتم ~~وشركآؤكم } أي الزموا مكانكم أنتم والذين عبدتموهم لا تبرحوا حتى ~~تنظروا ما يفعل الله بكم { فزيلنا بينهم } أي ففرقنا وميزنا ~~بينهم وبين المؤمنين كقوله # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59] { وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا تعبدون } ~~أي تبرأ منهم الشركاء وهم الأصنام الذين عبدوهم من دون الله قال مجاهد: ~~ينطق الله الأوثان فتقول: ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون وما أمرناكم ~~بعبادتنا كقوله # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة: 166] { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم } ~~أي تقول الشركاء للمشركين يوم القيامة: حسبنا الله شاهدا بيننا وبينكم { ~~إن كنا عن عبادتكم لغافلين } أي ما كنا عن عبادتكم لنا ~~إلا غافلين، لا نسمع ولا نبصر ولا نعقل، لأنا كنا جمادا لا روح فينا { ~~هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت } أي في ذلك الوقت ~~تختبر كل نفس بما قدمت من خير أو شر، وتنال جزاء ما عملت { ~~وردوا إلى الله مولاهم الحق } أي ردوا إلى الله ~~تعالى المتولي جزاءهم بالعدل والقسط { وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } أي ضاع وذهب عنهم ما كانوا يزعمونه من أن الأوثان تشفع ~~لهم، وفي الآية تبكيت شديد للمشركين الذين عبدوا ما لا يسمع ولا يبصر ~~ولا يغني عنهم شيئا { قل من يرزقكم من السمآء ~~والأرض } في هذه الآيات الأدلة على وحدانية الله ms0607 وربوبيته أي قل يا ~~محمد لهؤلاء المشركين من ينزل لكم الغيث والقطر، ويخرج لكم الزروع ~~والثمار؟ { أمن يملك السمع والأبصار } أي من ذا الذي يملك ~~أسماعكم وأبصاركم، التي تسمعون وتبصرون بها؟ ومن يستطيع أن يردها لكم إذا ~~أراد الله أن يسلبكموها؟ كقوله # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم # [الأنعام: 46] الآية { ومن يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي }؟ أي من يخرج الإنسان من النطفة، ~~والطير من البيضة، والسنبلة من الحبة، والنبات من الأرض، والمؤمن من ~~الكافر؟ { ومن يدبر الأمر } أي ومن يدبر أمر الخلائق، ويصرف ~~شئون الكائنات؟ { فسيقولون الله } أي فسيقرون بأن فاعل ذلك ~~كله هو الله رب العالمين، إذ لا مجال للمكابرة والعناد لغاية وضوحه { ~~فقل أفلا تتقون } أي قل لهم يا محمد أفلا تخافون عقابه ~~ونقمته بإشراككم وعبادتكم غير الله؟ { فذلكم الله ربكم ~~الحق } أي هذا الذي يفعل هذه الأشياء الجليلة هو ربكم الحق، الثابت ~~ربوبيته ووحدانيته بالبراهين القاطعة { فماذا بعد الحق ~~إلا الضلال } استفهام انكاري أي ليس بعد الحق إلا الضلال، فمن ~~تخطى الحق الذي هو عبادة الله تعالى وقع في الضلال { فأنى ~~تصرفون } أي فكيف تصرفون عن عبادة الله، إلى عبادة ما لا يخلق ولا ~~يرزق، ولا يحيي ولا يميت؟ { كذلك حقت كلمت ربك } أي كذلك ~~وجب قضاء الله وحكمه السابق { على الذين فسقوا } أي على الذين ~~خرجوا عن الطاعة وكفروا وكذبوا { أنهم لا يؤمنون } أي لأنهم ~~لا يصدقون بوحدانية الله ورسالة نبيه، فلذلك حقت عليهم كلمة العذاب ~~لشقاوتهم وضلالتهم { قل هل من شركآئكم من يبدأ ~~الخلق ثم يعيده } أي قل لهم يا محمد على جهة التوبيخ ~~والتقريع: هل من الأوثان والأصنام من ينشيء الخلق من العدم ثم يفنيه، ثم ~~يعيده ويحييه؟ قال الطبري: ولما كانوا لا يقدرون على دعوى ذلك، وفيه ~~الحجة القاطعة، والدلالة الواضحة على أنهم في دعوى الأرباب كاذبون ~~مفترون، أمر صلى الله عليه وسلم بالجواب { قل الله يبدأ ~~الخلق ثم يعيده } أي قل لهم يا محمد: الله وحده هو الذي ms0608 يحيي ~~ويميت، ويبدأ ويعيد، وليس أحد من هؤلاء الآلهة المزعومة يفعل ذلك { ~~فأنى تؤفكون } أي فكيف تنقلبون وتنصرفون عن الحق إلى الباطل؟ { ~~قل هل من شركآئكم من يهدي إلى الحق } توبيخ آخر ~~في صورة استفهام أي قل لهؤلاء المشركين هل من هذه الآلهة التي تعبدونها ~~من يرشد ضالا؟ أو يهدي حائرا؟ أو يدل على طريق الحق وسبيل الاستقامة؟ { ~~قل الله يهدي للحق } أي فقل لهم: إن عجزت آلهتكم عن ذلك ~~فالله هو القادر على هداية الضال، وإنارة السبيل، وبيان الحق { أفمن ~~يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي ~~إلا أن يهدى } أي أفمن يرشد إلى الحق وهو الله سبحانه وتعالى ~~أحق بالاتباع أم هذه الأصنام التي لا تهدي أحدا؟ ولا تستطيع هداية ~~نفسها فضلا عن هداية غيرها؟ { فما لكم كيف تحكمون } أي ما ~~لكم أيها المشركون تسوون بين الأصنام وبين رب الأرباب، وتحكمون بهذا ~~الباطل الصراح؟ وهو استفهام معناه التعجب والإنكار، ثم بين تعالى فساد ~~نحلتهم بعد أن أفحمهم بالبراهين النيرة التي توجب التوحيد وتبطل التقليد ~~فقال { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا } أي وما يتبعون في ~~اعتقادهم ألوهية الأصنام، إلا اعتقادا غير مستند لدليل أو برهان، بل ~~مجرد أوهام باطلة، وخرافات فاسدة { إن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا } أي ومثل هذا الاعتقاد المبني على الأوهام والخيالات، ~~ظن كاذب لا يغني من اليقين شيئا، فليس الظن كاليقين { إن الله ~~عليم بما يفعلون } أي عالم بما هم عليه من الكفر والتكذيب، ~~وهو وعيد على اتباعهم للظن، وإعراضهم عن البرهان، ثم بين تعالى صدق ~~النبوة والوحي فقال { وما كان هذا القرآن أن يفترى من ~~دون الله } أي لا يصح ولا يعقل، ولا يستقيم لذي عقل سليم، أن يزعم ~~أن هذا القرآن مفترى مكذوب على الله، لأنه فوق طاقة البشر { ولكن ~~تصديق الذي بين يديه } أي ولكنه جاء مصدقا لما قبله من ~~الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل { وتفصيل الكتاب } أي وفيه ~~تفصيل وتبيين الشرائع والعقائد والأحكام { لا ريب فيه من رب ~~العالمين ms0609 } أي لا شك في أنه تنزيل رب العالمين { أم يقولون ~~افتراه } أي بل أيقولون اختلق محمد هذا القرآن من قبل نفسه؟ وهو ~~استفهام معناه التقريع { قل فأتوا بسورة مثله } أي إن ~~كان كما زعمتم فجيئوا بسورة مثل هذا القرآن، وهو تعجيز لهم وإقامة حجة ~~عليهم { وادعوا من استطعتم من دون الله } أي ادعوا من ~~دونه تعالى من استطعتم من خلقه، من الإنس والجن للاستعانة بهم { إن ~~كنتم صادقين } أي إن كنتم صادقين في أن محمدا افتراه قال الطبري: ~~والمراد أنكم إن لم تفعلوا فلا شك أنكم كذبة، لأن محمدا لن يعدو أن ~~يكون بشرا مثلكم، فإذا عجز الجميع من الخلق أن يأتوا بسورة مثله، ~~فالواحد منهم أن يأتي بجميعه أعجز، قال تعالى { بل كذبوا بما ~~لم يحيطوا بعلمه } أي بل كذب هؤلاء المشركون بالقرآن العظيم، ~~وسارعوا إلى الطعن به قبل أن يفقهوه ويتدبروا ما فيه، والناس دائما ~~أعداء لما جهلوا { ولما يأتهم تأويله } أي والحال لم يأتهم ~~بعد عاقبة ما فيه من الوعيد { كذلك كذب الذين من قبلهم ~~} أي مثل تكذيب هؤلاء كذبت الأمم الخالية قبلهم { فانظر كيف كان ~~عاقبة الظالمين } أي فانظر يا محمد كيف أخذهم الله بالعذاب ~~والهلاك بسبب ظلمهم وبغيهم، فكما فعل بأولئك يفعل بهؤلاء الظالمين ~~الطاغين. # البلاغة: 1- { أسرع مكرا } تسمية عقوبة الله مكرا من باب " ~~المشاكلة ". # 2- { وجرين بهم } فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة وحكمته زيادة ~~التقبيح والتشنيع على الكفار لعدم شكرهم النعمة. # 3- { أخذت الأرض زخرفها } هذا من بديع الاستعارة شبه الأرض ~~حينما تتزين بالنبات والأزهار بالعروس التي تتزين بالحلي والثياب ~~واستعير لتلك البهجة والنضارة لفظ الزخرف. # 4- { أتاهآ أمرنا } الأمر ههنا كناية عن العذاب والدمار. # 5- { أحسنوا الحسنى } بينهما جناس الإشتقاق. # 6- { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل } فيه ~~تشبيه مرسل مجمل. # 7- { يبدأ.. ثم يعيده } بينهما طباق. # 8- { فأنى تؤفكون } الاستفهام للتوبيخ، ومثله { فما لكم ~~كيف تحكمون }؟ # 9- { بين يديه } استعارة لطيفة والمراد لما سبقه من التوراة ~~والإنجيل فإنها قد بشرت به. # لطيفة: يقول شهيد الإسلام " سيد قطب " في تفسيره ms0610 الظلال: " ما يزال ~~البشر يكشفون كلما اهتدوا إلى نواميس الكون عن رزق بعد رزق في السماء ~~والأرض، يستخدمونه أحيانا في الخير، ويستخدمونه أحيانا في الشر، حسبما ~~تسلم عقائدهم أو تعتل، وكله من رزق الله المسخر للإنسان، فمن سطح ~~الأرض أرزاق، ومن جوفها أرزاق، ومن سطح الماء أرزاق، ومن أعماقه أرزاق، ~~ومن أشعة الشمس أرزاق، ومن ضوء القمر أرزاق، حتى عفن الأرض كشف فيه العلم ~~عن دواء وترياق " وصدق الله { قل من يرزقكم من السمآء ~~والأرض }؟ ### || [10.40-70] # المناسبة: لما حكى تعالى عن الكافرين طعنهم في أمر النبوة والوحي، ~~ذكر هنا أن منهم من يصدق بأن القرآن كلام الرحمن، ولكنه يكابر ~~ويعاند، ومنهم من لا يصدق به أصلا لفرط غباوته، وسخافة عقله، واختلال ~~تمييزه.. ثم ذكر تعالى أن القرآن شفاء لما في الصدور، وأعقبه بذكر مآل ~~المشركين في الآخرة. # اللغة: { الصم } جمع أصم وهو الذي لا يسمع { بياتا } ليلا { ~~تفيضون } يقال أفاض فلان في الحديث إذا اندفع فيه { يعزب } ~~يخفى ويغيب { مثقال } وزن { سلطان } حجة وبرهان { سبحانه ~~} تنزيه لله جل وعلا عن النقائص. # التفسير: { ومنهم من يؤمن به } أي ومن هؤلاء الذين بعثت ~~إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن ويتبعك وينتفع بما أرسلت به { ~~ومنهم من لا يؤمن به } بل يموت على ذلك ويبعث عليه { ~~وربك أعلم بالمفسدين } أي وهو أعلم بمن يستحق الهداية ~~فيهديه، ومن يستحق الضلالة فيضله { وإن كذبوك فقل لي عملي ~~ولكم عملكم } أي وإن كذبك هؤلاء المشركون فقل لي جزاء عملي ~~ولكم جزاء عملكم حقا كان أو باطلا { أنتم بريئون ممآ ~~أعمل وأنا بريء مما تعملون } أي لا يؤاخذ أحد بذنب ~~الآخر { ومنهم من يستمعون إليك } أي يستمعون إليك إذا ~~قرأت القرآن وقلوبهم لا تعي شيئا مما تقرؤه وتتلوه { أفأنت تسمع ~~الصم }؟ أي أنت يا محمد لا تقدر أن تسمع من سلبه الله السمع { ولو ~~كانوا لا يعقلون } أي ولو كانوا من الصمم لا يعقلون ولا ~~يتدبرون؟ قال ابن كثير: المعنى ومن هؤلاء من يسمعون كلامك الحسن، ms0611 والقرآن ~~النافع، ولكن ليس أمر هدايتهم إليك، فكما لا تقدر على إسماع الأصم فكذلك ~~لا تقدر على هداية هؤلاء إلا أن يشاء الله { ومنهم من ينظر ~~إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون ~~} أي ومن هؤلاء من ينظر إليك ويعاين دلائل نبوتك الواضحة، ولكنهم عمي ~~لا ينتفعون بما رأوا، أفأنت يا محمد تقدر على هدايتهم ولو كانوا عمي ~~القلوب؟ شبههم بالعمي لتعاميهم عن الحق، قال القرطبي: والمراد تسلية ~~النبي صلى الله عليه وسلم أي كما لا تقدر أن تخلق للأعمى بصرا يهتدي به، ~~فكذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء للإيمان { إن الله لا يظلم ~~الناس شيئا } أي لا يعاقب أحدا بدون ذنب، ولا يفعل بخلقه ما لا ~~يستحقون { ولكن الناس أنفسهم يظلمون } أي ولكنهم ~~يظلمون أنفسهم بالكفر والمعاصي ومخالفة أمر الله قال الطبري: وهذا إعلام ~~من الله تعالى بأنه لم يسلب هؤلاء الإيمان ابتداء منه بغير جرم سلف ~~منهم، وإنما سلبهم ذلك لذنوب اكتسبوها، فحق عليهم أن يطبع الله على ~~قلوبهم { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة ~~من النهار } أي اذكر يوم نجمع هؤلاء المشركين للحساب كأنهم ما ~~أقاموا في الدنيا إلا ساعة من النهار، لهول ما يرون من الأهوال { ~~يتعارفون بينهم } أي يعرف بعضهم بعضا كما كانوا في الدنيا، ~~وهو تعارف توبيخ وافتضاح، يقول الواحد للآخر: أنت أغويتني وأضللتني، ~~وليس تعارف محبة ومودة { قد خسر الذين كذبوا بلقآء ~~الله وما كانوا مهتدين } أي لقد خسر حقا هؤلاء الظالمون ~~الذين كذبوا بالبعث والنشور، وما كانوا موفقين للخير في هذه الحياة { ~~وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا مرجعهم } أي إن أريناك يا محمد بعض عذابهم في الدنيا ~~لتقر عينك منهم فذاك، وإن توفيناك قبل ذلك فمرجعهم إلينا في الآخرة، ~~ولا بد من الجزاء إن عاجلا أو آجلا { ثم الله شهيد على ~~ما يفعلون } أي هو سبحانه شاهد على أفعالهم وإجرامهم ومعاقبهم على ~~ما اقترفوا { ولكل أمة رسول } أي ولكل أمة من الأمم رسول ~~أرسل لهدايتهم { فإذا جآء ms0612 رسولهم قضي بينهم ~~بالقسط } قال مجاهد: يعني يوم القيامة قضي بينهم بالعدل قال ابن ~~كثير: فكل أمة تعرض على الله بحضرة رسولها، وكتاب أعمالها من خير وشر ~~شاهد عليها، وحفظتهم من الملائكة شهود أيضا { وهم لا يظلمون ~~} أي لا يعذبون بغير ذنب { ويقولون متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين } أي ويقول كفار مكة متى هذا العذاب الذي تعدنا به إن ~~كنت صادقا؟ وهذا القول منهم على سبيل السخرية والاستهزاء { قل لا ~~أملك لنفسي ضرا ولا نفعا } أي لا استطيع أن أدفع عن نفسي ~~ضرا، ولا أجلب إليها نفعا، وليس ذلك لي ولا لغيري { إلا ما شآء ~~الله } أي إلا ما شاء الله أن أملكه وأقدر عليه، فكيف أقدر أن أملك ما ~~استعجلتم به من العذاب! { لكل أمة أجل } أي لكل أمة وقت ~~معلوم لهلاكهم وعذابهم { إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون } أي فإذا جاء أجل هلاكهم فلا يمكنهم أن ~~يستأخروا عنه ساعة فيمهلون ويؤخرون، ولا يستقدمون قبل ذلك لأن قضاء الله ~~واقع في حينه { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا ~~أو نهارا } أي قل لأولئك المكذبين أخبروني إن جاءكم عذاب الله ليلا ~~أو نهارا فما نفعكم فيه؟ { ماذا يستعجل منه المجرمون ~~} استفهام معناه التهويل والتعظيم أي ما أعظم ما يستعجلون به؟ كما يقال ~~لمن يطلب أمرا وخيما: ماذا تجني على نفسك { أثم إذا ما وقع ~~آمنتم به } في الكلام حذف تقديره: أتؤخرون إلى أن تؤمنوا بها وإذا ~~وقع العذاب وعاينتموه فما فائدة الإيمان وما نفعكم فيه، إذا كان ~~الإيمان لا ينفع حينذاك؟ قال الطبري: المعنى أهنالك إذا وقع عذاب الله ~~بكم أيها المشركون صدقتم به في حال لا ينفعكم فيه التصديق { آلآن ~~وقد كنتم به تستعجلون } أي يقال لكم أيها المجرمون: الآن ~~تؤمنون وقد كنتم قبله تهزءون وتسخرون وتستعجلون نزول العذاب؟ { ثم ~~قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد } أي ذوقوا ~~العذاب الدائم الذي لا زوال له ولا فناء { هل تجزون إلا بما ~~كنتم تكسبون } أي هل تجزون إلا ms0613 جزاء كفركم وتكذيبكم؟ { ~~ويستنبئونك أحق هو } أي ويستخبرونك يا محمد فيقولون: أحق ~~ما وعدتنا به من العذاب والبعث؟ { قل إي وربي إنه لحق } ~~أي قل نعم والله إنه كائن لا شك فيه { ومآ أنتم بمعجزين } أي ~~لستم بمعجزين الله بهرب أو امتناع من العذاب بل أنتم في قبضته وسلطانه { ~~ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض } أي لو أن لكل ~~نفس كافرة ما في الدنيا جميعا من خزائنها وأموالها، ومنافعها قاطبة { ~~لافتدت به } أي لدفعته فدية لها من عذاب الله ولكن هيهات أن ~~يقبل كما قال تعالى # فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به # [آل عمران: 91] ثم قال تعالى مخبرا عن أسفهم وندمهم { وأسروا ~~الندامة لما رأوا العذاب } أي أخفى هؤلاء الظلمة الندم ~~لما عاينوا العذاب قال الإمام الجلال: أي أخفاها رؤساؤهم عن الضعفاء ~~الذين أضلوهم مخافة التعيير { وقضي بينهم بالقسط } أي قضي ~~بين الخلائق بالعدل { وهم لا يظلمون } أي لا يظلمون من أعمالهم ~~شيئا، ولا يعاقبون إلا بجريرتهم { ألا إن لله ما في ~~السماوات والأرض } " ألا " كلمة تنبيه للسامع تزاد في أول ~~الكلام أي انتبهوا لما أقول لكم فكل ما في السماوات والأرض ملك لله، لا ~~شيء فيها لأحد سواه، هو الخالق وهو المالك { ألا إن وعد الله ~~حق } أي إن وعده بالبعث والجزاء حق كائن لا محالة { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } ولكن أكثر الناس لقصور عقولهم، ~~واستيلاء الغفلة عليهم، لا يعلمون ذلك فيقولون ما يقولون { هو يحيي ~~ويميت وإليه ترجعون } أي هو سبحانه المحيي والمميت، ~~وإليه مرجعكم في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم { يأيها الناس قد ~~جآءتكم موعظة من ربكم } خطاب لجميع البشر أي قد ~~جاءكم هذا القرآن العظيم الذي هو موعظة لكم من خالقكم { وشفآء ~~لما في الصدور } أي يشفي ما فيها من الشك والجهل { وهدى ~~ورحمة للمؤمنين } أي وهداية من الضلال ورحمة لأهل الإيمان ~~قال صاحب الكشاف: المعنى قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد العظيمة من ~~الموعظة، والتنبيه على التوحيد، ودواء الصدور من العقائد ms0614 الفاسدة، ودعاء ~~إلى الحق، ورحمة لمن آمن به منكم { قل بفضل الله وبرحمته ~~فبذلك فليفرحوا } قال ابن عباس: فضل الله القرآن، ورحمته ~~الإسلام والمعنى: ليفرحوا بهذا الذي جاءهم من الله، من القرآن ~~والإسلام، فإنه أولى ما يفرحون به { هو خير مما يجمعون } ~~أي هو خير مما يجمعون من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية، ~~والنعيم الزائل، فإن الدنيا بما فيها لا تساوي جناح بعوضة كما ورد به ~~الحديث الشريف { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من ~~رزق } خطاب لكفار العرب والمعنى: أخبروني أيها المشركون عما خلقه ~~الله لكم من الرزق الحلال { فجعلتم منه حراما وحلالا } ~~أي فحرمتم بعضه وحللتم بعضه كالبحيرة، والسائبة، والميتة قال ابن ~~عباس: نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر ~~والسوائب، والحرث والأنعام { قل ءآلله أذن لكم أم على ~~الله تفترون } أي قل لهم يا محمد أخبروني: أحصل إذن من الله لكم ~~بالتحليل والتحريم، فأنتم فيه ممتثلون لأمره، أم هو مجرد افتراء وبهتان ~~على ذي العزة والجلال؟ { وما ظن الذين يفترون على ~~الله الكذب يوم القيامة } أي وما ظن هؤلاء الذين ~~يتخرصون على الله الكذب فيحلون ويحرمون من تلقاء أنفسهم، أيحسبون أن الله ~~يصفح عنهم ويغفر يوم القيامة؟ كلا بل سيصليهم سعيرا، وهو وعيد شديد ~~للمفترين { إن الله لذو فضل على الناس } أي لذو إنعام ~~عظيم على العباد حيث رحمهم بترك معاجلة العذاب، وبالإنعام عليهم ببعثة ~~الرسل وإنزال الكتب { ولكن أكثرهم لا يشكرون } أي لا ~~يشكرون النعم بل يجحدون ويكفرون { وما تكون في شأن } الخطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم أي ما تكون يا محمد في أمر من الأمور، ولا ~~عمل من الأعمال { وما تتلوا منه من قرآن } أي وما تقرأ من ~~كتاب الله شيئا من القرآن { ولا تعملون من عمل } أي ولا ~~تعملون أيها الناس من خير أو شر { إلا كنا عليكم شهودا ~~إذ تفيضون فيه } أي إلا كنا شاهدين رقباء، نحصي عليكم أعمالكم ~~حين تندفعون وتخوضون فيها { وما يعزب عن ربك ms0615 } أي ما يغيب ~~ولا يخفى على الله { من مثقال ذرة في الأرض ولا في ~~السمآء } أي من وزن هباءة أو نملة صغيرة في سائر الكائنات أو ~~الموجودات { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين } أي ولا أصغر من الذرة ولا أكبر منها إلا وهو معلوم ~~لدينا ومسجل في اللوح المحفوظ قال الطبري: والآية خبر منه تعالى أنه ~~لا يخفى عليه أصغر الأشياء وإن خف في الوزن، ولا أكبرها وإن عظم في ~~الوزن، فليكن عملكم أيها الناس فيما يرضي ربكم، فإنا محصوها عليكم ~~ومجازوكم بها { ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون } أي انتبهوا أيها الناس واعلموا أن أحباب الله ~~وأولياءه لا خوف عليهم في الآخرة من عذاب الله، ولا هم يحزنون على ما ~~فاتهم في الدنيا، ثم بين تعالى هؤلاء الأولياء فقال { الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون } أي الذين صدقوا الله ورسوله، وكانوا ~~يتقون ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فالولي هو المؤمن التقي ~~وفي الحديث # " إن لله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء ~~يوم القيامة لمكانهم من الله، قالوا أخبرنا من هم؟ وما أعمالهم؟ فلعلنا ~~نحبهم، قال: هم قوم تحابوا في الله، على غير أرحام بينهم، ولا ~~أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور، لا ~~يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ { ألا إن ~~أوليآء الله.. } الآية " # { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } أي ~~لهم ما يسرهم في الدارين، حيث تبشرهم الملائكة عند الاحتضار برضوان الله ~~ورحمته، وفي الآخرة بجنان النعيم والفوز العظيم كقوله # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30] { لا تبديل لكلمات الله } أي لا إخلاف لوعده { ~~ذلك هو الفوز العظيم } أي هو الفوز الذي لا فوز وراءه، ~~والظفر بالمقصود الذي لا يضاهى { ولا يحزنك قولهم } أي لا ~~يحزنك ولا يؤلمك يا محمد تكذيبهم لك وقولهم: لست نبيا ms0616 مرسلا، ثم ابتدأ ~~تعالى فقال { إن العزة لله جميعا } أي القوة الكاملة، ~~والغلبة الشاملة، لله وحده، فهو ناصرك ومانعك ومعينك، وهو المنفرد ~~بالعزة يمنحها أولياءه، ويمنعها أعداءه { هو السميع العليم } ~~أي السميع لأقوالهم، العليم بأعمالهم { ألا إن لله من في ~~السموت ومن في الأرض } أي الجميع له سبحانه عبيدا وملكا ~~وخلقا { وما يتبع الذين يدعون من دون الله ~~شركآء } أي وما يتبع هؤلاء المشركون الذين يعبدون غير الله آلهة على ~~الحقيقة، بل يظنون أنها تشفع أو تنفع، وهي لا تملك لهم ضرا ولا نفعا { ~~إن يتبعون إلا الظن } أي ما يتبعون إلا ظنا باطلا { ~~وإن هم إلا يخرصون } أي يحدسون ويكذبون، يظنون الأوهام ~~حقائق { هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه } ~~تنبيه على القدرة الكاملة والمعنى من دلائل قدرته الدالة على وحدانيته، ~~أن جعل لكم أيها الناس الليل راحة لأبدانكم تستريحون فيه من التعب ~~والنصب في طلب المعاش { والنهار مبصرا } أي وجعل النهار مضيئا ~~تبصرون فيه الأشياء لتهتدوا إلى حوائجكم ومكاسبكم { إن في ذلك ~~لآيات لقوم يسمعون } أي لعلامات ودلالات على وحدانية الله، ~~لقوم يسمعون سمع اعتبار، ثم نبه تعالى على ضلال اليهود والنصارى ~~والمشركين فقال { قالوا اتخذ الله ولدا } أي نسب اليهود ~~والنصارى لله ولدا فقالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، كما قال ~~كفار مكة: الملائكة بنات الله { سبحانه هو الغني } أي ~~تنزه الله وتقدس عما نسبوا إليه فإنه المستغني عن جميع الخلق، فإن ~~اتخاذ الولد إنما يكون للحاجة إليه، والله تعالى غير محتاج إلى شيء، ~~فالولد منتف عنه { له ما في السموت وما في الأرض } أي ~~الجميع خلقه وملكه { إن عندكم من سلطان بهذآ } أي ما ~~عندكم من حجة بهذا القول { أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون } أي أتفترون على الله وتكذبون بنسبه الشريك والولد؟ وهو ~~توبيخ وتقريع على جهلهم. # { قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون } أي كل من كذب على الله لا يفوز ولا ينجح { متاع في ~~الدنيا } أي متاع قليل في الدنيا ms0617 يتمتعون به مدة حياتهم { ثم ~~إلينا مرجعهم } أي ثم معادهم ورجوعهم إلينا للجزاء والحساب { ~~ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون } ~~أي ثم في الآخرة نذيقهم العذاب الموجع الأليم بسبب كفرهم وكذبهم على ~~الله. # البلاغة: 1- { من يؤمن به.. ومن لا يؤمن } بينهما ~~طباق السلب. # 2- { تسمع الصم.. تهدي العمي } الصم والعمي مجاز عن ~~الكافرين شبههم بالصم والعمي لتعاميهم عن الحق. # 3- { ضرا ولا نفعا } بينهما طباق وكذلك بين { بياتا ~~ونهارا } وبين { يحيي ويميت } وبين { يستقدمون.. ~~ويستأخرون }. # 4- { شفآء لما في الصدور } مجاز مرسل أطلق المحل وأراد ~~الحال أي شفاء للقلوب لأن الصدور محل القلوب. # 5- { حراما وحلالا } بينهما طباق. # 6- { والنهار مبصرا } قال في تلخيص البيان: هذه استعارة عجيبة، ~~سمى النهار مبصرا لأن الناس يبصرون فيه، فكأن ذلك صفة الشيء بما هو سبب ~~له على طريق المبالغة كما قالوا: ليل أعمى وليلة عمياء إذا لم يبصر ~~الناس فيها شيئا لشدة إظلامها. # 7- { أتقولون على الله ما لا تعلمون } استفهام توبيخ ~~وتقريع. # فائدة: أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالحلف في ثلاثة مواضع من ~~القرآن الكريم في هذه السورة { قل إي وربي إنه لحق } وفي ~~سورة سبأ # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي لتأتينكم # [الآية: 3] وفي سورة التغابن # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن # [الآية: 7] ذكره ابن كثير. # تنبيه: كلمة " أرأيت " تستعمل بمعنى الاستفهام عن الرؤية البصرية، أو ~~العلمية، وهذا أصل وضعها ثم استعملت بمعنى " أخبرني " فيقولون: أرأيت ذلك ~~الأمر أي أخبرني عنه، والرؤية إما بصرية أو علمية والتقدير: أأبصرت حالته ~~العجيبة، أو أعرفت أمره العجيب؟ فأخبرني عنها، ولذا لم تستعمل في غير ~~الأمر العجيب، # أرأيت الذي يكذب بالدين # [الماعون: 1]؟ # أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى # [العلق: 9 - 10]؟ وهكذا. ### || [10.71-89] # المناسبة: لما ذكر تعالى الدلائل الدالة على وحدانيته، وذكر ما جرى ~~بين الرسول صلى الله عليه وسلم وكفار مكة، ذكر هنا بعض قصص الأنبياء، ~~تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ليتأسى بهم فيهون عليه ما يلقاه من ~~الشدائد والمكاره، ms0618 وقد ذكر تعالى هنا ثلاث قصص: 1- قصة نوح عليه السلام ~~مع قومه 2- قصة موسى وهارون مع الطاغية فرعون 3- قصة يونس مع قومه، وفي ~~كل قصة عبرة لمن اعتبر، وذكرى لمن تدبر. # اللغة: { كبر } قال الواحدي: كبر يكبر كبرا في السن، ~~وكبر الأمر والشيء يكبر كبرا وكبارة إذا عظم { ~~فأجمعوا } الإجماع: الإعداد والعزيمة على الأمر وأنشد الفراء: # يا ليت شعري والمنى لا ينفع # هل أغدون يوما وأمري مجمع # { غمة } مبهما من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم إذا التبس ~~واستتر قال طرفة: # لعمرك ما أمري علي بغمة # نهاري ولا ليلي علي بسرمد # { نطبع } نختم { تلفتنا } تصرفنا وتلوينا واللفت: الصرف عن ~~أمر وأصله اللي يقال لفت عنقه إذا لواها { الكبريآء } العظمة ~~والملك والسلطان { عال } عات متكبر { المسرفين } المجاوزين الحد ~~في الضلال والطغيان { اطمس } الطمس: المسخ قال الزجاج: طمس الشيء ~~إذهابه عن صورته ومنه عين مطموسة. # التفسير: { واتل عليهم نبأ نوح } أي اقرأ يا محمد على ~~المشركين من أهل مكة خبر أخيك نوح مع قومه المكذبين { إذ قال ~~لقومه يقوم إن كان كبر عليكم } أي حين قال لقومه ~~الجاحدين المعاندين يا قوم إن كان عظم وشق عليكم { مقامي ~~وتذكيري بآيات الله } أي طول مقامي ولبثي فيكم، وتخويفي ~~إياكم بآيات ربكم، وعزمتم على قتلي وطردي { فعلى الله توكلت ~~} أي على الله وحده اعتمدت، وبه وثقت فلا أبالي بكم { فأجمعوا ~~أمركم وشركآءكم } أي فاعزموا أمركم وادعوا شركاءكم، ودبروا ~~ما تريدون لمكيدتي { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } ~~أي لا يكن أمركم في شأني مستورا بل مكشوفا مشهورا، { ثم اقضوا ~~إلي ولا تنظرون } أي أنفذوا ما تريدونه في أمري ولا تؤخروني ~~ساعة واحدة، قال أبو السعود: وإنما خاطبهم بذلك إظهارا لعدم المبالاة، ~~وثقة بالله وبوعده من عصمته وكلاءته { فإن توليتم فما ~~سألتكم من أجر } أي فإن أعرضتم عن نصيحتي وتذكيري فليس لأني ~~طلبت منكم أجرا حتى تمتنعوا، بل لشقاوتكم وضلالكم { إن أجري ~~إلا على الله } أي ما أطلب ثوابا أو جزاء على تبليغ الرسالة ~~إلا من ms0619 الله، وما نصحتكم إلا لوجه الله لا لغرض من أغراض الدنيا { ~~وأمرت أن أكون من المسلمين } أي من الموحدين لله تعالى ~~{ فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك } أي فأصروا ~~واستمروا على تكذيب نوح فنجيناه ومن معه من المؤمنين في السفينة { ~~وجعلناهم خلائف } أي جعلنا من معه من المؤمنين سكان الأرض ~~وخلفا ممن غرق { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } أي ~~أغرقنا المكذبين بالطوفان { فانظر كيف كان عاقبة ~~المنذرين } أي انظر يا محمد كيف كان نهاية المكذبين لرسلهم؟ ~~والغرض: تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والتحذير لكفار مكة أن يحل بهم ~~ما حل بالسابقين { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى ~~قومهم } أي أرسلنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم يعني هودا وصالحا ~~ولوطا وإبراهيم وشعيبا { فجآءوهم بالبينات } أي بالمعجزات ~~الواضحات { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من ~~قبل } أي ما كانوا ليصدقوا بما جاءتهم به الرسل، ولم يزجرهم عقاب ~~السابقين { كذلك نطبع على قلوب المعتدين } أي كذلك ~~نختم على قلوب المجاوزين الحد في الكفر والتكذيب والعناد { ثم ~~بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون ~~وملئه } أي بعثنا من بعد أولئك الرسل والأمم موسى وهارون إلى فرعون ~~وأشراف قومه { بآياتنا } أي بالبراهين والمعجزات الباهرة، وهي الآيات ~~التسع المذكورة في سورة الأعراف # فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين # [الأعراف: 133] أي تكبروا عن الإيمان بها وكانوا مفسدين، تعودوا ~~الإجرام وارتكاب الذنوب العظام { فلما جآءهم الحق من ~~عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين } أي فلما وضح لهم ~~الحق الذي جاءهم به موسى من اليد والعصا قالوا لفرط عتوهم وعنادهم: هذا ~~سحر ظاهر بين أراد به موسى أن يسحرنا { قال موسى أتقولون ~~للحق لما جآءكم } الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي أتقولون عن ~~هذا الحق إنه سحر؟ ثم أنكر عليهم أيضا باستفهام آخر { أسحر ~~هذا } أي أسحر هذا الذي جئتكم به؟ { ولا يفلح الساحرون } ~~أي والحال أنه لا يفوز ولا ينجح الساحرون { قالوا أجئتنا ~~لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا } أي أجئتنا لتصرفنا ~~وتلوينا عن دين الآباء والأجداد؟ { وتكون لكما الكبريآء في ~~الأرض ms0620 } أي يكون لك ولأخيك هارون العظمة والملك والسلطان في أرض مصر { ~~وما نحن لكما بمؤمنين } أي ولسنا بمصدقين لكما فيما جئتما ~~به { وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم } أي ائتوني ~~بكل ساحر ماهر، عليم بفنون السحر { فلما جآء السحرة قال ~~لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون } في الكلام محذوف ~~تقديره فأتوه بالسحرة فلما جاءوا قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون من ~~حبالكم وعصيكم { فلمآ ألقوا قال موسى ما جئتم به ~~السحر } أي ما جئتم به الآن هو السحر لا ما اتهمتموني به { إن ~~الله سيبطله } أي سيمحقه وسيذهب به ويظهر بطلانه للناس { إن ~~الله لا يصلح عمل المفسدين } أي لا يصلح عمل من سعى ~~بالفساد { ويحق الله الحق بكلماته } أي يثبت الله الحق ~~ويقويه بحججه وبراهينه { ولو كره المجرمون } أي ولو كره ذلك ~~الفجرة الكافرون { فمآ آمن لموسى إلا ذرية من ~~قومه } أي فما آمن مع موسى ولا دخل في دينه، مع مشاهدة تلك الآيات ~~الباهرة إلا نفر قليل من أولاد بني إسرائيل قال مجاهد: هم أولاد ~~الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم { على خوف من ~~فرعون وملئهم أن يفتنهم } أي على تخوف وحذر من فرعون ~~وملأه أن يعذبهم ويصرفهم عن دينهم { وإن فرعون لعال في ~~الأرض } أي عات متكبر مفسد في الأرض { وإنه لمن ~~المسرفين } أي المتجاوزين الحد بادعاء الربوبية { وقال ~~موسى يقوم إن كنتم آمنتم بالله } أي قال لقومه لما رأى ~~تخوف المؤمنين من فرعون يا قوم إن كنتم صدقتم بالله وبآياته { ~~فعليه توكلوا } أي على الله وحده اعتمدوا فإنه يكفيكم كل ~~شر وضر { إن كنتم مسلمين } أي إن كنتم مستسلمين لحكم الله ~~منقادين لشرعه { فقالوا على الله توكلنا } أي أجابوا ~~قائلين: على ربنا اعتمدنا وبه وثقنا { ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للقوم الظالمين } أي لا تسلطهم علينا حتى يعذبونا ويفتتنوا ~~بنا فيقولوا: لو كان هؤلاء على الحق لما أصيبوا { ونجنا ~~برحمتك من القوم الكافرين } أي خلصنا وأنقذنا بفضلك ~~وإنعامك من كيد فرعون وأنصاره الجاحدين ms0621 { وأوحينآ إلى موسى ~~وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا } أي اتخذا ~~لهم بيوتا للصلاة والعبادة { واجعلوا بيوتكم قبلة } أي ~~اجعلوها مصلى تصلون فيها عند الخوف قال ابن عباس: كانوا خائفين فأمروا ~~أن يصلوا في بيوتهم { وأقيموا الصلاة } أي أدوا الصلاة ~~المفروضة في أوقاتها، بشروطها وأركانها على الوجه الأكمل { وبشر ~~المؤمنين } أي بشر يا موسى أتباعك المؤمنين بالنصر والغلبة على ~~عدوهم { وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه ~~زينة وأموالا في الحياة الدنيا } أي قال موسى يا ربنا ~~إنك أعطيت فرعون وكبراء قومه وأشرافهم، زينة من متاع الدنيا وأثاثها، ~~وأنواعا كثيرة من المال { ربنا ليضلوا عن سبيلك } اللام ~~لام العاقبة أي آتيتهم تلك الأموال الكثيرة لتكون عاقبة أمرهم إضلال ~~الناس عن دينك، ومنعهم عن طاعتك وتوحيدك { ربنا اطمس على ~~أموالهم } دعاء عليهم أي أهلك أموالهم يا ألله وبددها { ~~واشدد على قلوبهم } أي قس قلوبهم واطبع عليها حتى لا تنشرح ~~للإيمان قال ابن عباس: أي امنعهم الإيمان { فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم } دعاء عليهم بلفظ النفي أي اللهم فلا ~~يؤمنوا حتى يذوقوا العذاب المؤلم ويوقنوا به حيث لا ينفعهم ذلك، وإنما ~~دعا عليهم موسى لطغيانهم وشدة ضلالهم، وقد علم بطريق الوحي أنهم لن ~~يؤمنوا فدعا عليهم قال ابن عباس: كان موسى يدعو وهارون يؤمن فنسبت ~~الدعوة إليهما { قال قد أجيبت دعوتكما } أي قال تعالى قد ~~استجبت دعوتكما على فرعون وأشراف قومه { فاستقيما } أي اثبتا على ~~ما أنتما عليه من الدعوة إلى الله وإلزام الحجة { ولا تتبعآن ~~سبيل الذين لا يعلمون } أي لا تسلكا سبيل الجهلة في ~~الاستعجال أو عدم الاطمئنان بوعد الله تعالى، قال الطبري: روي أنه مكث ~~بعد هذه الدعوة أربعين سنة ثم أغرق الله فرعون. # البلاغة: 1- { فعلى الله توكلت } تقديم ما حقه التأخير ~~لإفاده الحصر أي على الله لا على غيره. # 2- { ويحق الحق } بينهما جناس الاشتقاق. # 3- { لا يكن أمركم عليكم غمة } عبر عن الالتباس ~~والستر بالغمة بطريق الاستعارة أي لا يكن أمركم مغطى تغطية حيرة ومبهما ~~فيكون كالغمة العمياء. ms0622 # 4- { واشدد على قلوبهم } الشد استعارة عن تغليظ العقاب، ~~ومضاعفة العذاب. # تنبيه: قال ابن كثير: دعوة موسى على فرعون كانت غضبا لله ولدينه كما ~~دعا نوح على قومه فقال # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك # [نوح: 26 - 27] ولهذا استجاب الله لموسى دعوته التي شاركه فيها أخوه ~~هارون، كما استجاب دعوة نوح عليه السلام. ### || [10.90-109] # المناسبة: لما ذكر تعالى دعاء موسى على فرعون لطغيانه، ذكر هنا ما ~~حدث لفرعون وجنوده من الإغراق في البحر نتيجة البغي والعدوان، وأن ~~إيمانه لم ينفعه لأنه إيمان المضطر، ثم ذكر قصة يونس وتوبة الله تعالى ~~على قومه، وختم السورة الكريمة ببيان حقيقة التوحيد، وأن الإنسان لا ~~ينجيه عند الله إلا الإيمان. # اللغة: { بوأنا } أنزلنا وأسكنا { الممترين } الشاكين، ~~امترى: شك وارتاب { فلولا } لولا للتحضيض بمعنى هلا { الرجس } ~~العذاب أو السخط { حنيفا } مائلا عن الأديان الباطلة كلها { ~~يمسسك } يصبك { كاشف } دافع ومزيل يقال: كشف السوء أي أزاله { ~~بوكيل } بحفيظ موكول إلي أمركم. # التفسير: { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر } أي قطعنا ~~وعدينا ببني إسرائيل البحر " بحر السويس " حتى جاوزوه { ~~فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا } أي لحقهم ~~فرعون مع جنوده ظلما وعدوانا وطلبا للاستعلاء بغير حق { حتى ~~إذآ أدركه الغرق } أي حتى إذا أحاط به الغرق وأيقن بالهلاك { ~~قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل } أي قال عندئذ أقررت وصدقت بأنه لا إله إلا الله ~~رب العالمين، الذي آمنت وأقرت به بنو إسرائيل { وأنا من ~~المسلمين } تأكيد لدعوى الإيمان أي وأنا ممن أسلم نفسه لله، ~~وأخلص في إيمانه قال ابن عباس: جعل جبريل عليه السلام في فم فرعون الطين ~~مخافة أن تدركه الرحمة { آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين } أي آلآن تؤمن حين يئست من الحياة، وقد عصيت الله قبل ~~نزول نقمته بك، وكنت من الغالين في الضلال والإضلال والصد عن دين ~~الله؟ { فاليوم ننجيك ببدنك } أي فاليوم نخرجك من البحر ~~بجسدك الذي لا روح فيه { لتكون لمن خلفك ms0623 آية } أي لتكون ~~عبرة لمن بعدك من الناس، ومن الجبابرة والفراعنة، حتى لا يطغوا مثل ~~طغيانك قال ابن عباس: إن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون، فأمر ~~الله البحر أن يلقيه بجسده سويا بلا روح ليتحققوا موته وهلاكه { وإن ~~كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون } أي معرضون عن ~~تأمل آياتنا لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها { ولقد بوأنا ~~بني إسرائيل مبوأ صدق } أي أنزلنا وأسكنا بني إسرائيل ~~بعد إهلاك أعدائهم منزلا صالحا مرضيا { ورزقناهم من ~~الطيبات } أي اللذائذ الطيبة النافعة { فما اختلفوا حتى ~~جآءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } أي فما اختلفوا في ~~أمر الدين إلا من بعد ما جاءهم العلم وهو التوراة التي فيها حكم الله، ~~وهذا ذم لهم لأن اختلافهم كان بسبب الدين، والدين يجمع ولا يفرق، ~~ويوحد ولا يشتت وقال الطبري: كانوا قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم مجمعين على نبوته، والإقرار بمبعثه، فلما جاءهم ما عرفوا كفر به ~~بعضهم، وآمن البعض، فذلك اختلافهم { فإن كنت في شك ممآ ~~أنزلنآ إليك } هذا على سبيل الفرض والتقدير: أي إن فرض أنك شككت ~~فاسأل قال ابن عباس: لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسأل وقال ~~الزمخشري: هذا على الفرض والتمثيل كأنه قيل: فإن وقع شك مثلا، وخيل ~~لك الشيطان خيالا تقديرا فسل علماء أهل الكتاب، وفرق عظيم بين قوله # وإنهم لفي شك منه مريب # [فصلت: 45] بإثبات الشك على سبيل التأكيد والتحقيق وبين قوله { فإن ~~كنت في شك } بمعنى الفرض والتمثيل وقال بعضهم: الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد غيره { فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك } أي اسأل أهل الكتاب الذين يعرفون التوراة ~~والإنجيل، فإن ذلك محقق عندهم كما قصصنا عليك، والغرض دفع الشك عن ~~قصص القرآن { لقد جآءك الحق من ربك } أي جاءك يا محمد ~~البيان الحق، والخبر الصادق، الذي لا يعتريه شك { فلا تكونن من ~~الممترين } أي فلا تكن من الشاكين المرتابين { ولا تكونن ~~من الذين ms0624 كذبوا بآيات الله } أي لا تكذب بشيء من ~~آيات الله { فتكون من الخاسرين } أي فتصبح ممن خسر دنياه ~~وآخرته، قال البيضاوي: وهذا من باب التهييج والتثبيت وقطع أطماع المشركين ~~عنه وقال القرطبي: الخطاب في هاتين الآيتين للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد غيره { إن الذين حقت عليهم كلمت ربك } ~~أي وجبت عليهم كلمة العذاب بإرادة الله الأزلية { لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية } أي لا يصدقون ولا يؤمنون أبدا ولو ~~جاءتهم البراهين والمعجزات { حتى يروا العذاب الأليم } أي ~~فحينئذ يؤمنون كما آمن فرعون ولكن لا ينفعهم الإيمان { فلولا ~~كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها } أي فهلا كانت قرية ~~واحدة من القرى التي أهلكناها، تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان عند ~~معاينة العذاب فنفعها إيمانها في ذلك الوقت { إلا قوم يونس } ~~أي غير قوم يونس { لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي ~~في الحياة الدنيا } أي لما تابوا عن الكفر وآمنوا بالله رفعنا ~~عنهم العذاب المخزي المهين في الحياة الدنيا { ومتعناهم إلى ~~حين } أي أخرناهم إلى انتهاء آجالهم قال قتادة: روي أن يونس أنذرهم ~~بالعذاب ثم خرج من بين أظهرهم، فلما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد ~~دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة ولبسوا المسوح، فلما عرف الله ~~الصدق من قلوبهم، والتوبة والندم على ما مضى منهم، كشف الله عنهم العذاب ~~{ ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا } أي ~~لو أراد الله لآمن الناس جميعا، ولكن لم يشأ ذلك لكونه مخالفا للحكمة، ~~فإنه تعالى يريد من عباده إيمان الاختيار، لا إيمان الإكراه ~~والاضطرار { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ~~}؟ أي أفأنت يا محمد تكره الناس على الإيمان، وتضطرهم إلى الدخول في ~~دينك؟ ليس ذلك إليك، والآية تسلية له صلى الله عليه وسلم وترويح لقلبه ~~مما كان يحرص عليه من إيمانهم قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم حريصا على إيمان جميع الناس، فأخبره تعالى أنه لا يؤمن إلا من ~~سبقت له السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من ms0625 سبقت له الشقاوة في ~~الذكر الأول { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن ~~الله } أي ما كان لأحد أن يؤمن إلا بإرادته تعالى وتوفيقه { ~~ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون } أي ويجعل العذاب ~~على الذين لا يتدبرون آيات الله، ولا يستعملون عقولهم فيما ينفع { قل ~~انظروا ماذا في السموت والأرض } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~الكفار: انظروا نظر تفكر واعتبار، ما الذي في السماوات والأرض من الآيات ~~الدالة على وحدانيته وكمال قدرته سبحانه؟ { وما تغني الآيات ~~والنذر عن قوم لا يؤمنون } أي وما تنفع الآيات ~~والإنذارات قوما سبق لهم من الله الشقاء { فهل ينتظرون إلا ~~مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } أي فهل ينتظر مشركو ~~مكة إلا مثل أيام أسلافهم، وما حل بهم من العذاب والنكال؟ { قل ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين } أي قل لهم يا ~~محمد: انتظروا عاقبة البغي والتكذيب إني من المنتظرين هلاككم ودماركم { ~~ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك } أي ثم إذا ~~نزل العذاب بالمكذبين ننجي الرسل والمؤمنين إنجاء مثل ذلك الإنجاء { ~~حقا علينا ننج المؤمنين } أي حقا ثابتا علينا من غير شك ~~قال الربيع بن أنس: خوفهم عذابه ونقمته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك ~~أمر أنجى الله رسله والذين آمنوا معه { قل يأيها الناس إن ~~كنتم في شك من ديني } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك ~~إن كنتم في شك من حقيقة ديني وصحته { فلا أعبد الذين ~~تعبدون من دون الله } أي فلا أعبد ما تعبدون من الأوثان ~~والأصنام التي لا تنفع ولا تضر { ولكن أعبد الله الذي ~~يتوفاكم } أي ولكني أعبد الله الذي يتوفاكم، وبيده محياكم ~~ومماتكم، قال الطبري: وهذا تعريض ولحن من الكلام لطيف، وكأنه يقول: لا ~~ينبغي لكم أن تشكوا في ديني، وإنما ينبغي أن تشكوا في عبادة الأصنام ~~التي لا تعقل ولا تضر ولا تنفع، فأما إلهي الذي أعبده فهو الذي يقبض ~~الخلق وينفع ويضر { وأمرت أن أكون من المؤمنين } أي ~~وأنا مأمور بأن أكون مؤمنا موحدا لله ms0626 لا أشرك معه غيره { وأن ~~أقم وجهك للدين حنيفا } أي وأمرت بالاستقامة في الدين، ~~على الحنيفية السمحة ملة إبراهيم { ولا تكونن من ~~المشركين } أي ولا تكونن ممن يشرك في عبادة ربه { ولا تدع ~~من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } تأكيد للنهي ~~المذكور أي ولا تعبد غير الله مما لا ينفع ولا يضر كالآلهة والأصنام { ~~فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } أي فإن عبدت تلك ~~الآلهة المزعومة كنت ممن ظلم نفسه لأنك عرضتها لعذاب الله، والخطاب هنا ~~للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد غيره كما تقدم { وإن يمسسك ~~الله بضر فلا كاشف له إلا هو } أي وإن أراد الله ~~إصابتك بضر فلا دافع له إلا هو وحده { وإن يردك بخير فلا ~~رآد لفضله } أي وإن أراد إصابتك بنعمة أو رخاء فلا يمنعه عنك ~~مانع { يصيب به من يشآء من عباده } أي يصيب بهذا الفضل ~~والإحسان من شاء من العباد { وهو الغفور الرحيم } أي هو ~~سبحانه الغفور لذنوب العباد، الرحيم بأهل الرشاد { قل يأيها ~~الناس قد جآءكم الحق من ربكم } أي جاءكم القرآن ~~العظيم المشتمل على محاسن الأحكام { فمن اهتدى فإنما ~~يهتدي لنفسه } أي من اهتدى بالإيمان فمنفعة اهتدائه لها خاصة { ~~ومن ضل فإنما يضل عليها } أي ومن ضل بالكفر ~~والإعراض فوبال الضلال مقصور عليها { ومآ أنا عليكم بوكيل ~~} أي ولست بحفيظ أحفظ عليكم أعمالكم إنما أنا بشير ونذير { واتبع ~~ما يوحى إليك } أي اتبع يا محمد في جميع شئونك ما يوحيه إليك ~~ربك { واصبر حتى يحكم الله } أي اصبر على ما يعتريك من ~~مشاق التبليغ حتى يقضي الله بينك وبينهم { وهو خير الحاكمين ~~} أي هو سبحانه خير من يفصل في الحكومة، والآية تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ووعيد للمشركين. # البلاغة: 1- { آلآن وقد عصيت قبل } الاستفهام للتوبيخ ~~والإنكار. # 2- { بوأنا.. مبوأ } يبنهما جناس الاشتقاق. # 3- { كلمت ربك } كناية عن القضاء والحكم الأزلي بالشقاوة. # 4- { ثم ننجي رسلنا } صيغة المضارع حكاية عن الماضي لتهويل ~~أمرها باستحضار صورتها. # 5- { ما لا ينفعك ولا يضرك } بينهما ms0627 طباق. # 6- { وإن يمسسك الله بضر.. وإن يردك بخير } بين ~~الجملتين مقابلة لطيفة وهي من المحسنات البديعية. # 7- { فمن اهتدى.. ومن ضل } بينهما طباق. # 8- { يحكم الله.. الحاكمين } بينهما جناس الاشتقاق. # فائدة: قال الإمام الفخر: آمن فرعون ثلاث مرات: أولها قوله { آمنت ~~} وثانيها قوله { لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل } وثالثها قوله { وأنا من المسلمين } فما السبب ~~في عدم قبول إيمانه؟ والجواب: أنه إنما آمن عند نزول العذاب، ~~والإيمان في هذا الوقت غير مقبول، لأنه يصير الحال حال الإلجاء فلا ~~ينفع التوبة ولا الإيمان قال تعالى # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا.. # [غافر: 85]. # تنبيه: قال المفسرون: إنما نجى الله بدن فرعون بعد الغرق، لأن قوما ~~اعتقدوا فيه الإلهية، وزعموا أن مثله لا يموت، فأراد الله أن يشاهده ~~الخلق على ذلك الذل والمهانة، ليتحققوا موته، ويعرفوا أن الذي كان بالأمس ~~في نهاية الجلالة والعظمة قد آل أمره إلى الذل والهوان، فيكون عبرة ~~للخلق، وزجرا لأهل الطغيان. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-24] # اللغة: { أحكمت } الإحكام: المنع من الفساد يقال: أحكم الأمر ~~إذا أتى به على وجه لا يتطرأ إليه خلل أو فساد { مستقرها } ~~المكان الذي تأوي إليه في الدنيا { مستودعها } المكان الذي تصير ~~إليه بعد الموت { أمة معدودة } الأمة هنا بمعنى المدة من ~~الزمن أي مدة محدودة من السنين قال القرطبي: والأمة اسم مشترك يطلق ~~على ثمانية أوجه: الجماعة، الملة، الرجل الجامع للخير، الحين والزمن، ~~أتباع الأنبياء الخ { مرية } شك وارتياب { وضل } ضاع وتلاشى { ~~لا جرم } كلمة واحدة بمعنى حقا وهو قول الخليل وسيبويه { ~~وأخبتوا } خشعوا وخضعوا والإخبات: الذل والخضوع { الأصم } ~~الذي لا يسمع وبه صمم. # سبب النزول: ذكر القرطبي عن ابن عباس أن " الأخنس بن شريق " كان ~~رجلا حلو الكلام وحلو المنطق، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ~~يحب، وينطوي له بقلبه على ما يسوء فأنزل الله { ألا إنهم يثنون ~~صدورهم ليستخفوا منه.. } الآية. # التفسير: { الر } إشارة إلى إعجاز القرآن، وأنه مركب من أمثال هذه ~~الحروف الهجائية، وعن ابن عباس ms0628 أن معناه: أنا الله أرى { كتاب ~~أحكمت آياته } أي هو كتاب جليل القدر، نظمت آياته نظما محكما، ~~لا يلحقه تناقض ولا خلل { ثم فصلت } أي بينت فيه أمور الحلال ~~والحرام، وما يحتاج إليه العباد في أمور المعاش والمعاد { من لدن ~~حكيم خبير } أي من عند الله فصلها وبينها الخبير العالم ~~بكيفيات الأمور، ولذا كانت محكمة أحسن الإحكام ومفصلة أحسن التفصيل { ~~ألا تعبدوا إلا الله } أي لئلا تعبدوا إلا الله { ~~إنني لكم منه نذير وبشير } أي إنني مرسل إليكم من ~~جهته تعالى، أنذركم بعذابه إن كفرتم، وأبشركم بثوابه إن آمنتم { وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } أي استغفروه من ~~الذنوب وأخلصوا التوبة واستقيموا عليها بالطاعة والإنابة { ~~يمتعكم متاعا حسنا } أي يمتعكم في هذه الدنيا بالمنافع ~~الجليلة من سعة الرزق، ورغد العيش { إلى أجل مسمى } أي إلى ~~وقت محدد هو انتهاء أعماركم { ويؤت كل ذي فضل فضله } ~~أي ويعطي كل محسن في عمله جزاء إحسانه { وإن تولوا } أي وإن ~~تتولوا عن الإيمان وتعرضوا عن طاعة الرحمن { فإني أخاف ~~عليكم عذاب يوم كبير } أي أخاف عليكم عذاب يوم القيامة، ~~ووصف العذاب بأنه كبير لما فيه من الأهوال الشديدة { إلى الله ~~مرجعكم } أي إليه جل وعلا رجوعكم بعد الموت { وهو على ~~كل شيء قدير } أي قادر على إماتتكم ثم إحيائكم وعلى معاقبة من ~~كذب لا يعجزه شيء، وفي الآية تهديد عظيم { ألا إنهم يثنون ~~صدورهم ليستخفوا منه } قال ابن عباس: نزلت في الأخنس بن ~~شريق كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحلف أنه ليحبه ويضمر خلاف ~~ما يظهر وقال القرطبي: أخبر عن معاداة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين، ويظنون أنه تخفى على الله أحوالهم والمعنى إنهم يطوون صدورهم ~~على عداوة النبي والمؤمنين، يريدون بذلك أن يستخفوا من الله حتى لا يفتضح ~~أمرهم { ألا حين يستغشون ثيابهم } أي حين يتغطون بثيابهم { ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون } أي يعلم تعالى ما يبطنون ~~وما يظهرون وكأن الآية تقول: لا تظنوا أن تغطيتكم تحجبكم ms0629 عن الله بل ~~الله يعلم سرائركم وظواهركم لا تخفى عليه خافية من أحوالكم { إنه ~~عليم بذات الصدور } أي عالم بما في القلوب { وما من ~~دآبة في الأرض إلا على الله رزقها } أي ما من شيء ~~يدب على وجه الأرض من إنسان أو حيوان إلا تكفل الله برزقه تفضلا منه ~~تعالى وكرما، فكما كان هو الخالق كان هو الرازق { ويعلم ~~مستقرها ومستودعها } قال ابن عباس: مستقرها حيث تأوي ~~إليه من الأرض، ومستودعها الموضع الذي تموت فيه فتدفن { كل في ~~كتاب مبين } أي كل من الأرزاق، والأقدار، والأعمار، مسطر في ~~اللوح المحفوظ { وهو الذي خلق السموت والأرض في ~~ستة أيام } أي خلقها في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا، وفيه ~~الحث للعباد على التأني في الأمور فإن الإله القادر على خلق الكائنات ~~بلمح البصر خلقها في ستة أيام { وكان عرشه على المآء } أي ~~وكان العرش قبل خلقهما على الماء قال الزمخشري: أي ما كان تحته خلق، وفيه ~~دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السماوات والأرض { ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا } أي خلقهن لحكمة بالغة ~~ليختبركم فيظهر المحسن من المسيء، ويجازيكم حسب أعمالكم { ولئن ~~قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت } أي ولئن قلت يا ~~محمد لأولئك المنكرين من كفار مكة إنكم ستبعثون بعد موتكم للحساب { ~~ليقولن الذين كفروا إن هذآ إلا سحر مبين ~~} أي ليقولن الكفار المنكرون للبعث والنشور ما هذا القرآن إلا سحر ~~واضح مكشوف { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة ~~معدودة } أي إلى مدة من الزمن قليلة { ليقولن ما ~~يحبسه } أي ليقولن استهزاء ما يمنعه من النزول؟ { ألا يوم ~~يأتيهم ليس مصروفا عنهم } أي ألا فلينتبهوا فإنه يوم ~~يأتيهم العذاب ليس مدفوعا عنهم { وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزءون } أي نزل وأحاط بهم جزاء ما كانوا به يستهزئون { ~~ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة } أي أنعمنا على ~~الإنسان بأنواع النعم من الصحة، والأمن، والرزق وغيرها من النعم { ثم ~~نزعناها منه } أي ثم سلبنا تلك النعم منه { إنه ليئوس ~~كفور } أي قنوط ms0630 من رحمة الله، شديد الكفر به { ولئن أذقناه ~~نعمآء بعد ضرآء مسته } أي ولئن منحنا الإنسان نعمة من ~~بعد ما نزل به من الضر، وما أصابه من البلاء، كالفقر والمرض والشدة { ~~ليقولن ذهب السيئات عني } أي انقطع الفقر والضيق ~~والمصائب ولن تصيبني بعد اليوم { إنه لفرح فخور } أي بطر ~~بالنعمة مغتر بها، متعاظم على الناس بما أوتي، والآية ذم لمن يقنط ~~عند الشدائد، ويبطر عند النعم { إلا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات } أي هذه عادة الإنسان إلا المؤمنين الذين يصبرون على ~~الضراء، ويفعلون الخير في النعماء، فهم في حالتي المحنة والنعمة محسنون { ~~أولئك لهم مغفرة وأجر كبير } أي أولئك الموصوفون ~~بالصفات الحميدة لهم مغفرة لذنوبهم، وأجر كبير في الآخرة هو الجنة قال ~~في البحر: ووصف الثواب بأنه كبير وذلك لما احتوى عليه من النعيم السرمدي، ~~والأمن من العذاب، ورضا الله عنهم، والنظر إلى وجهه الكريم { ~~فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } كان المشركون يقترحون ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بكنز أو يأتي معه ملك، وكانوا ~~يستهزئون بالقرآن فقال الله تعالى له: فلعلك يا محمد تارك بعض ما أنزل ~~إليك من ربك فلا تبلغهم إياه لاستهزائهم { وضآئق به صدرك } ~~أي ويضيق صدرك من تبليغهم ما نزل عليك من ربك خشية التكذيب، والغرض ~~تحريضه صلى الله عليه وسلم على تبليغ الرسالة وعدم المبالاة بمن عاداه { ~~أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز } أي لأجل أن يقولوا هلا ~~أنزل عليه مال كثير { أو جآء معه ملك } أي جاء معه ملك ~~يصدقه كما اقترحنا، قال تعالى محددا مهمته عليه السلام { إنمآ ~~أنت نذير } أي لست يا محمد إلا منذرا تخوف المجرمين من عذاب الله ~~{ والله على كل شيء وكيل } أي قائم على شئون العباد يحفظ ~~عليهم أعمالهم { أم يقولون افتراه } أي بل أيقولون اختلق محمد ~~هذا القرآن وافتراه من عند نفسه؟ { قل فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات } أي إن كان الأمر كذلك فأتوا بعشر سور مثله في ~~الفصاحة والبلاغة مفتريات فأنتم عرب ms0631 فصحاء { وادعوا من ~~استطعتم من دون الله } أي استعينوا بمن شئتم غير الله ~~سبحانه { إن كنتم صادقين } في أن هذا القرآن مفترى { فإلم ~~يستجيبوا لكم فاعلموا أنمآ أنزل بعلم الله ~~} أي فإن لم يستجب لكم من دعوتموهم للمعاونة وعجزوا عن ذلك فاعلموا أيها ~~المشركون أنما نزل هذا القرآن بوحي من الله { وأن لا إله ~~إلا هو } أي لا رب ولا معبود إلا الله الذي أنزل هذا القرآن المعجز ~~{ فهل أنتم مسلمون } لفظه استفهام ومعناه أمر أي فأسلموا ~~بعد ظهور هذه الحجة القاطعة إذ لم يبق لكم عذر مانع من ذلك، قال في ~~التسهيل: الاستفهام معناه استدعاء إلى الإسلام، وإلزام للكفار أن ~~يسلموا لما قام الدليل على صحة الإسلام لعجزهم عن الإتيان بمثل القرآن ~~{ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها } أي من كان ~~يقصد بأعماله الصاحلة نعيم الدنيا فقط لأنه لا يعتقد بالآخرة { نوف ~~إليهم أعمالهم فيها } أي نوف إليهم أجور أعمالهم بما ~~يحبون فيها من الصحة والأمن والرزق { وهم فيها لا يبخسون } أي ~~وهم في الدنيا لا ينقصون شيئا من أجورهم قال قتادة: من كانت الدنيا ~~همه ونيته جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس ~~له حسنة يعطى بها، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها ~~في الآخرة { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا ~~النار } أي هؤلاء الذين هدفهم الدنيا ليس لهم في الآخرة إلا نار جهنم ~~وعذابها المخلد { وحبط ما صنعوا فيها } أي بطل ما صنعوه من ~~الأعمال الصالحة لأنهم قد استوفوا في الدنيا جزاءها { وباطل ما ~~كانوا يعملون } تأكيد لما سبق أي باطل ما كانوا يعملون في ~~الدنيا من الخيرات { أفمن كان على بينة من ربه } أي ~~أفمن كان على نور واضح، وبرهان ساطع من الله تعالى، وهو النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنون، وجوابه محذوف أي كمن كان يريد الحياة الدنيا؟ يريد ~~أن بينهما تفاوتا كبيرا، وتباينا بعيدا، فلا يستوي من أراد الله، ومن ~~أراد الدنيا وزينتها { ويتلوه شاهد منه } أي ويتبعه ms0632 شاهد من ~~الله بصدقه قال ابن عباس: هو جبريل عليه السلام { ومن قبله كتاب ~~موسى إماما ورحمة } أي ومن قبل القرآن كتاب التوراة الذي ~~أنزله الله على موسى قدوة في الخير ورحمة لمن نزل عليهم { أولئك ~~يؤمنون به } أي أولئك الموصوفون بأنهم على نور من ربهم يصدقون ~~بالقرآن حق التصديق { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار ~~موعده } أي ومن يكفر بالقرآن من أهل الملل والأديان، فله نار جهنم ~~يردها لا محالة { فلا تك في مرية منه } أي فلا تكن في شك ~~من هذا القرآن { إنه الحق من ربك } أي إنه الحق الثابت ~~المنزل من عند الله { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } ~~أي لا يصدقون أنه تنزيل رب العالمين { ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا } أي لا أحد أطغى ولا أظلم ممن اختلق ~~الكذب على الله بنسبة الشريك والولد إليه { أولئك يعرضون ~~على ربهم } أي يعرضون يوم القيامة في جملة الخلق على خالقهم ~~ومالكهم { ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ~~ربهم } أي ويقول الخلائق والملائكة الذين يشهدون على أعمالهم هؤلاء ~~الذين كذبوا على الله، والغرض فضيحتهم في الدار الآخرة على رءوس الأشهاد ~~والتشهير بهم خزيا ونكالا { ألا لعنة الله على ~~الظالمين } لظلمهم وافترائهم على الله، واللعنة: الطرد من رحمة ~~الله { الذين يصدون عن سبيل الله } أي يمنعون الناس عن ~~اتباع الحق، وسلوك سبيل الهدى الموصل إلى الله { ويبغونها ~~عوجا } أي ويريدون أن تكون السبيل معوجة أي يبغون أن يكون دين الله ~~معوجا على حسب أهوائهم { وهم بالآخرة هم كافرون } أي ~~جاحدون بالآخرة منكرون للبعث والنشور { أولئك لم يكونوا ~~معجزين في الأرض } أي ليسوا مفلتين من عذاب الله وإن أمهلهم { ~~وما كان لهم من دون الله من أوليآء } أي ليس لهم من ~~يتولاهم أو يمنعهم من عذاب الله { يضاعف لهم العذاب } جملة ~~مستأنفة أي يضاعف عليهم العذاب بسبب إجرامهم وطغيانهم { ما كانوا ~~يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } أي سبب تشديد ~~العذاب ومضاعفته عليهم أن الله جعل لهم سمعا وبصرا، ولكنهم كانوا ms0633 صما ~~عن سماع الحق، عميا عن اتباعه، فلم ينتفعوا بما منحهم الله من حواس { ~~أولئك الذين خسروا أنفسهم } أي خسروا سعادة الدنيا ~~والآخرة، وخسروا راحة أنفسهم لدخولهم نار جهنم { وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون } أي وغاب عنهم ما كانوا يزعمونه من شفاعة الآلهة { ~~لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون } أي حقا إنهم ~~يوم القيامة من أخسر الناس، ولا ترى أحدا أبين خسرانا منهم، لأنهم ~~آثروا الفانية على الباقية، واستعاضوا عن الجنان بلظى النيران، ثم لما ~~ذكر تعالى حال الكفار الأشقياء، ذكر حال المؤمنين السعداء فقال { إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ~~ربهم } أي جمعوا مع الإيمان والعمل الصالح الإخبات: وهو الاطمئنان ~~إليه سبحانه والخشوع له والانقطاع لعبادته { أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون } أي منعمون في الجنة لا يخرجون منها ~~أبدا { مثل الفريقين } أي فريق المؤمنين وفريق الكافرين { ~~كالأعمى والأصم والبصير والسميع } قال الزمخشري: ~~شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم، وفريق المؤمنين بالبصير والسميع، ~~وهو من اللف والطباق والمعنى حال الفريقين العجيب كحال من جمع بين العمى ~~والصمم، ومن جمع بين السمع والبصر { هل يستويان مثلا } ~~الاستفهام إنكاري أي لا يستويان مثلا فليس حال من يبصر نور الحق ~~ويستضيء بضيائه كحال من يخبط في ظلمات الضلالة ولا يهتدي إلى سبيل ~~السعادة { أفلا تذكرون } أي أفلا تعتبرون وتتعظون؟ والغرض ~~التفريق بين أهل الطاعة والإيمان، وأهل الجحود والعصيان. # البلاغة: 1- { عذاب يوم كبير } إضافة العذاب إلى اليوم ~~الكبير للتهويل والتفظيع. # 2- { ما يسرون وما يعلنون } بينهما طباق وكذلك بين { ~~نعمآء } و { ضرآء } وبين { نذير وبشير }. # 3- { يئوس كفور } من صيغ المبالغة أي شديد اليأس كثير الكفران. # 4- { كالأعمى والأصم } فيه تشبيه مرسل مجمل لوجود أداة ~~التشبيه وحذف وجه الشبه أي مثل الفريق الكافر كالأعمى والأصم في عدم ~~البصر والسمع، ومثل الفريق المؤمن كالسميع والبصير. # لطيفة: قال بعض الصالحين: الاستغفار بلا إقلاع عن الذنب توبة ~~الكذابين. # تنبيه: التحدي بعشر سور جاء بعد التحدي بالقرآن الكريم، فلما عجزوا عن ~~الإتيان بمثل القرآن تحداهم بعشر سور، ثم لما ms0634 عجزوا تحداهم بالإتيان ~~بسورة مثله في البلاغة والفصاحة والاشتمال على المغيبات والأحكام ~~التشريعية وأمثالها، وهي الأنواع التسعة وقد نظمها بعضهم بقوله: # ألا إنما القرآن تسعة أحرف # سأنبيكها في بيت شعر بلا ملل # حلال، حرام، محكم، متشابه # بشير، نذير، قصة، عظة، مثل ### || [11.25-49] # المناسبة: لما ذكر تعالى عناد الكافرين من أهل مكة، وتكذيبهم لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واتهامهم له بافتراء القرآن، ذكر هنا قصة نوح مع ~~قومه الكافرين لتكون كالعظة والعبرة لمن كذب وعاند، ولتسلية الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بسرد قصص المرسلين وما جرى لهم مع أقوامهم. # اللغة: { الملأ } أشراف القوم وسادتهم { أراذلنا } الأراذل ~~هنا: المراد بهم الفقراء والضعفاء والسفلة، وهو جمع أرذل بمعنى ~~السافل الذي لا خلاق له ولا يبالي بما يفعل { فعميت } عمي عن ~~كذا، وعمي عليه كذا، بمعنى التبس عليه ولم يفهمه، وخفي عليه أمره { ~~جادلتنا } الجدل في كلام العرب: المبالغة في الخصومة { تزدري } ~~تحتقر { الفلك } السفينة ويطلق على المفرد والجمع { التنور } ~~مستوقد النار { مرساها } رسا الشيء يرسو ثبت واستقر { عاصم } مانع ~~يقال: عصمه إذا منعه ومنه الحديث # " فقد عصموا مني دماءهم " # { غيض } غاض الماء نقص بنفسه وغضته أنقصته { الجودي } جبل بقرب ~~الموصل. # التفسير: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } أي أرسلناه ~~رسولا إلى قومه بعد أن امتلأت الأرض بشركهم وشرورهم { إني لكم ~~نذير مبين } أي بأني منذر لكم ومخوف من عذاب الله إن لم تؤمنوا ~~{ أن لا تعبدوا إلا الله } أي أرسلناه بدعوة التوحيد وهي ~~عبادة الله وحده { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } ~~أي إني أخاف عليكم إن عبدتم غيره عذاب يوم شديد مؤلم { فقال الملأ ~~الذين كفروا من قومه } أي قال السادة والكبراء من قوم نوح { ~~ما نراك إلا بشرا مثلنا } أي ما نراك إلا واحدا مثلنا ~~ولا فضل لك علينا قال الزمخشري: وفيه تعريض بأنهم أحق منه بالنبوة، ~~وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم { وما ~~نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } أي وما اتبعك ~~إلا سفلة ms0635 الناس قال في التسهيل: وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم جهلا منهم ~~واعتقادا بأن الشرف هو بالمال والجاه، وليس الأمر كذلك، بل المؤمنون ~~أشرف منهم على فقرهم وخمولهم { بادي الرأي } أي في ظاهر الرأي من ~~غير تفكر أو روية { وما نرى لكم علينا من فضل } أي وما ~~نرى لك ولأتباعك من مزية وشرف علينا يؤهلكم للنبوة، واستحقاق المتابعة { ~~بل نظنكم كاذبين } أي بل نظنكم كاذبين فيما تدعونه، أرادوا ~~أن يحجوا نوحا من وجهين: أحدهما: أن المتبعين له أراذل القوم ليسوا قدوة ~~ولا أسوة، والثاني: أنهم مع ذلك لم يترووا في اتباعه، ولا أمعنوا ~~الفكر في صحة ما جاء به، وإنما بادروا إلى ذلك من غير فكرة ولا روية، ~~وغرضهم ألا تقوم الحجة عليهم بأن منهم من آمن به وصدقه { قال ~~يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } تلطف ~~معهم في الخطاب لاستمالتهم إلى الإيمان أي قال لهم نوح: أخبروني يا قوم ~~إن كنت على برهان وأمر جلي من ربي بصحة دعواي { وآتاني رحمة ~~من عنده } أي ورزقني هداية خاصة من عنده وهي النبوة { فعميت ~~عليكم } أي فخفي الأمر عليكم لاحتجابكم بالمادة عن نور الإيمان { ~~أنلزمكموها وأنتم لها كارهون } أي أنكرهكم على قبولها ~~ونجبركم على الإهتداء بها والحال أنكم كارهون منكرون لها؟ والاستفهام ~~للإنكار أي لا نفعل ذلك لأنه لا إكراه في الدين { ويقوم لا ~~أسألكم عليه مالا } أي لا أسألكم على تبليغ الدعوة أجرا، ~~ولا أطلب على النصيحة مالا حتى تتهموني { إن أجري إلا على ~~الله } أي ما أطلب ثوابي إلا من الله فإنه هو الذي يثيبني ويجازيني { ~~ومآ أنا بطارد الذين آمنوا } أي ولست بمبعد هؤلاء ~~المؤمنين الضعفاء عن مجلسي، ولا بطاردهم عني كما طلبتم { إنهم ~~ملاقوا ربهم } أي إنهم صائرون إلى ربهم، وفائزون بقربه فكيف ~~أطردهم؟ { ولكني أراكم قوما تجهلون } أي ولكنكم قوم ~~تجهلون قدرهم فتطلبون طردهم، وتظنون أنكم خير منهم { ويقوم من ~~ينصرني من الله إن طردتهم } أي من يدفع عني عقاب الله إن ~~ظلمتهم وطردتهم؟ { أفلا تذكرون ms0636 } أي أفلا تتفكرون فتعلمون خطأ ~~رأيكم وتنزجرون عنه؟ { ولا أقول لكم عندي خزآئن الله } ~~أي لا أقول لكم عندي المال الوافر الكثير حتى تتبعوني لغناي { ولا ~~أعلم الغيب } أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب حتى تظنوا بي ~~الربوبية { ولا أقول إني ملك } أي ولا أقول لكم إني من ~~الملائكة أرسلت إليكم فأكون كاذبا في دعواي { ولا أقول ~~للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا } ~~أي ولا أقول لهؤلاء الضعفاء الذين آمنوا بي واحتقرتموهم لفقرهم لن يمنحهم ~~الله الهداية والتوفيق { الله أعلم بما في أنفسهم } أي ~~أعلم بسرائرهم وضمائرهم { إني إذا لمن الظالمين } أي إني ~~إن قلت ذلك أكون ظالما مستحقا للعقاب { قالوا ينوح قد ~~جادلتنا فأكثرت جدالنا } أي قال قوم نوح لنوح عليه ~~السلام: قد خاصمتنا فأكثرت خصومتنا { فأتنا بما تعدنآ إن ~~كنت من الصادقين } أي فائتنا بالعذاب الذي كنت تعدنا به إن كنت ~~صادقا في ما تقول { قال إنما يأتيكم به الله إن شآء ~~} أي أمر تعجيل العذاب إليه تعالى لا إلي فهو الذي يأتيكم به إن شاء { ~~ومآ أنتم بمعجزين } أي ولستم بفائتين الله هربا لأنكم في ~~ملكه وسلطانه { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح ~~لكم } أي ولا ينفعكم تذكيري إياكم ونصحي لكم { إن كان الله ~~يريد أن يغويكم } أي إن أراد الله إضلالكم وهو جواب لما تقدم ~~والمعنى ماذا ينفع نصحي لكم إن أراد الله شقاوتكم وإضلالكم؟ { هو ~~ربكم وإليه ترجعون } أي هو خالقكم والمتصرف في شئونكم، ~~وإليه مرجعكم ومصيركم فيجازيكم على أعمالكم { أم يقولون افتراه ~~} أي أيقول كفار قريش اختلق محمد هذا القرآن من عند نفسه { قل إن ~~افتريته فعلي إجرامي } أي قل لهم يا محمد إن كنت قد ~~افتريت هذا القرآن فعلي وزري وذنبي، ولا تؤاخذون أنتم بجريرتي { ~~وأنا بريء مما تجرمون } أي وأنا بريء من إجرامكم ~~بكفركم وتكذيبكم، والآية اعتراض بين قصة نوح للإشارة إلى أن موقف مشركي ~~مكة كموقف المشركين من قوم نوح في العناد والتكذيب { وأوحي إلى ~~نوح أنه لن ms0637 يؤمن من قومك إلا من قد آمن } أي ~~أوحى الله إلى نوح أنه لن يتبعك ويصدق برسالتك إلا من قد آمن من قبل { ~~فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } أي فلا تحزن بسبب كفرهم ~~وتكذيبهم لك فإني مهلكهم { واصنع الفلك بأعيننا } أي اصنع ~~السفينة تحت نظرنا وبحفظنا ورعايتنا { ووحينا } أي وتعليمنا لك قال ~~مجاهد: أي كما نأمرك { ولا تخاطبني في الذين ظلموا } أي ~~لا تشفع فيهم فإني مهلكهم لا محالة { إنهم مغرقون } أي هالكون ~~غرقا بالطوفان { ويصنع الفلك } حكاية حال ماضية لاستحضارها ~~في الذهن أي صنع نوح السفينة كما علمه ربه { وكلما مر ~~عليه ملأ من قومه سخروا منه } أي كلما مر عليه ~~جماعة من كبراء قومه هزءوا منه وضحكوا وقالوا: يا نوح كنت بالأمس ~~نبيا، وأصبحت اليوم نجارا!! { قال إن تسخروا منا } أي إن ~~تهزءوا منا اليوم { فإنا نسخر منكم كما تسخرون } أي ~~فإنا سنسخر منكم في المستقبل عندما تغرقون مثل سخريتكم منا الآن، فأنتم ~~أولى بالسخرية والاستهزاء { فسوف تعلمون } وعيد وتهديد أي سوف ~~تعلمون عاقبة التكذيب والاستهزاء { من يأتيه عذاب يخزيه } أي ~~عذاب يذله ويهينه وهو الغرق { ويحل عليه عذاب مقيم } ~~أي وينزل عليه عذاب دائم لا ينقطع وهو عذاب جهنم { حتى إذا جآء ~~أمرنا } أي جاء أمرنا الموعود بالطوفان { وفار التنور } أي ~~فار الماء من التنور الذي يوقد به النار قال العلماء: جعل الله ذلك علامة ~~لنوح وموعدا لهلاك قومه، وقال ابن عباس: التنور وجه الأرض قال الطبري: ~~والعرب تسمي وجه الأرض تنور الأرض، قيل له: إذا رأيت الماء على وجه ~~الأرض فاركب أنت ومن معك في السفينة وقال ابن كثير: التنور وجه الأرض أي ~~صارت الأرض عيونا تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار ~~صارت تفور ماء، وهذا قول جمهور السلف والخلف { قلنا احمل فيها ~~من كل زوجين اثنين } أي احمل في السفينة من كل صنف من ~~المخلوقات اثنين: ذكرا، وأنثى { وأهلك إلا من سبق عليه ~~القول } أي واحمل قرابتك أيضا أولادك ونساءك إلا ms0638 من حكم الله ~~بهلاكه، والمراد به ابنه الكافر " كنعان " وامرأته " واعلة " { ومن ~~آمن } أي واحمل معك من آمن من أتباعك { ومآ آمن معه إلا ~~قليل } أي وما آمن بنوح إلا نزر يسير مع طول إقامته بينهم وهي مدة ~~تسعمائة وخمسين سنة، قال ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم، وعن ~~كعب: كانوا اثنين وسبعين نفسا، وقيل: كانوا عشرة { وقال اركبوا ~~فيها بسم الله مجريها ومرساها } أي وقال نوح لمن آمن به ~~اركبوا في السفينة، باسم الله يكون جريها على وجه الماء، وباسم الله ~~يكون رسوها واستقرارها قال الطبري: المعنى بسم الله حين تجري وحين ~~ترسي، أي حين تسير وحين تقف { إن ربي لغفور رحيم } أي ~~ساتر لذنوب التائبين، رحيم بالمؤمنين حيث نجاهم من الغرق { وهي ~~تجري بهم في موج كالجبال } أي والسفينة تسير بهم وسط ~~الأمواج، التي هي كالجبل في العظم والارتفاع، بإذن الله وعنايته ولطفه ~~قال الصاوي: روي أن الله أرسل المطر أربعين يوما وليلة، وخرج الماء من ~~الأرض ينابيع كما قال تعالى # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر * وفجرنا ~~الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر # [القمر: 11-12] وارتفع الماء على أعلى جبل أربعين ذراعا حتى أغرق كل ~~شيء { ونادى نوح ابنه وكان في معزل } أي ونادى نوح ~~ولده " كنعان " قبيل سير السفينة وكان في ناحية منها لم يركب مع ~~المؤمنين { يبني اركب معنا } أي اركب معنا ولا تهلك نفسك ~~بالغرق { ولا تكن مع الكافرين } أي فتغرق كما يغرقون { قال ~~سآوي إلى جبل يعصمني من المآء } أي سأصعد إلى رأس جبل ~~أتحصن به من الغرق، ظنا منه أن الماء لا يصل إلى رءوس الجبال { قال ~~لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } أي قال ~~له أبوه نوح: لا معصوم اليوم من عذاب الله ولا ناجي من عقابه إلا من رحمه ~~الله { وحال بينهما الموج فكان من المغرقين } أي ~~حال بين نوح وولده موج البحر فغرق { وقيل يأرض ابلعي مآءك ~~} أي انشقي وابتلعي ما على وجهك من ms0639 الماء { ويسمآء أقلعي } أي ~~أمسكي عن المطر { وغيض المآء } أي ذهب في أغوار الأرض قال مجاهد: ~~نقص الماء { وقضي الأمر } أي تم أمر الله بإغراق من غرق، ونجاة ~~من نجا { واستوت على الجودي } أي استقرت السفينة على جبل ~~الجودي بقرب الموصل { وقيل بعدا للقوم الظالمين } أي ~~هلاكا وخسارا لمن كفر بالله وهي جملة دعائية قال الألوسي: ولا يخفى ما ~~في الآية من الدلالة على عموم هلاك الكفرة، بل على عموم هلاك أهل الأرض ~~ما عدا أهل السفينة، ويدل عليه ما روي أن الغرق أصاب امرأة معها صبي ~~لها فوضعته على صدرها، فلما بلغها الماء وضعته على منكبها، فلما بلغها ~~الماء رفعته بيديها، فلو رحم الله أحدا من أهل الأرض لرحمها { ونادى ~~نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي } أي نادى نوح ~~ربه متضرعا إليه فقال: رب إن ابني " كنعان " من أهلي وقد وعدتني ~~بنجاتهم { وإن وعدك الحق } أي وعدك حق لا خلف فيه { ~~وأنت أحكم الحاكمين } أي وأنت يا ألله أعدل الحاكمين بالحق { ~~قال ينوح إنه ليس من أهلك } أي قال له ربه: يا نوح ~~إن ولدك هذا ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم لأنه كافر ولا ولاية بين ~~المؤمن والكافر { إنه عمل غير صالح } إي إن عمله سيء غير ~~صالح { فلا تسئلن ما ليس لك به علم } أي لا تطلب مني ~~أمرا لا تعلم أصواب هو أم غير صواب؟ { إني أعظك أن تكون ~~من الجاهلين } أي إني أنبهك وأنصحك خشية أن تكون من الجاهلين قال ~~في التسهيل: وليس في ذلك وصف له بالجهل، بل فيه ملاطفة وإكرام { قال ~~رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ~~} أي قال نوح معتذرا إلى ربه عما صدر عنه: رب إني أستجير بك من أن ~~أسألك أمرا لا يليق بي سؤاله { وإلا تغفر لي وترحمني ~~أكن من الخاسرين } أي وإلا تغفر لي زلتي، وتتداركني برحمتك، ~~أكن ممن خسر آخرته وسعادته { قيل ينوح اهبط بسلام منا } ~~أي اهبط من السفينة ms0640 بسلامة وأمن { وبركات عليك وعلى أمم ~~ممن معك } أي وخيرات عظيمة عليك وعلى ذرية من معك من أهل ~~السفينة، قال القرطبي: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة { وأمم ~~سنمتعهم } أي وأمم أخرى من ذرية من معك نمتعهم متاع الحياة ~~الدنيا وهم الكفرة المجرمون { ثم يمسهم منا عذاب أليم ~~} أي ثم نذيقهم في الآخرة العذاب الأليم وهو عذاب جهنم { تلك من ~~أنبآء الغيب } أي هذه القصة وأشباهها من أخبار الغيوب السالفة ~~التي لم تشهدها { نوحيهآ إليك } أي نعلمك بها يا محمد بواسطة ~~الوحي { ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا ~~} أي لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها من قبل هذا القرآن { ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين } أي فاصبر على أمر الله ~~بتبليغ الدعوة كما صبر نوح، فإن العاقبة المحمودة لمن اتقى الله، وفيه ~~تسلية له صلى الله عليه وسلم على أذى المشركين. # البلاغة: 1- { فعميت عليكم } شبه الذي لا يهتدي بالحجة ~~لخفائها عليه، بمن سلك مفازة لا يعرف طرقها ومسالكها، واتبع دليلا أعمى ~~فيها على سبيل الاستعارة التمثيلية. # 2- { أفلا تذكرون } الاستفهام للإنكار والتقريع. # 3- { فأتنا بما تعدنآ } الأمر يراد به التهكم والاستهزاء. # 4- { فعلي إجرامي } مجاز بالحذف أي عقوبة إجرامي وجاء ب { ~~إن } الدالة على الشك لبيان أنه على سبيل الفرض { إن افتريته } ~~بخلاف إجرامهم فإنه محقق { وأنا بريء مما تجرمون }. # 5- { واصنع الفلك بأعيننا } الأعين كناية عن الرعاية ~~والحفظ يقال للمسافر " صحبتك عين الله " أي رعاية الله وحفظه. # 6- { يأرض ابلعي مآءك ويسمآء أقلعي } بين الأرض ~~والسماء طباق، وبين ابلعي وأقعلي جناس ناقص، وكلاهما من المحسنات ~~البديعية. # فائدة: قال ابن عباس في قوله تعالى { إنه ليس من أهلك } ~~كان ابنه من صلبه، ولكنه لم يكن مؤمنا، وما بغت امرأة نبي قط ومعنى ~~الآية: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك. # أقول: نبهت الآية على أن أهله هم الصلحاء، أهل دينه وشريعته، فمن لا ~~صلاح له لا نجاة له، ومدار الأهلية القرابة الدينية، لا القرابة البدنية. # أبي ms0641 الإسلام لا أب لي سواه # إذا افتخروا بقيس أو تميم # لطيفة: روي أن أعرابيا سمع هذه الآية { وقيل يأرض ابلعي ~~مآءك ويسمآء أقلعي... } الآية فقال: هذا كلام القادرين لا ~~يشبه كلام المخلوقين، ويروى أن " ابن المقفع " - وكان أفصح أهل زمانه - ~~رام أن يعارض القرآن فنظم كلاما، وجعله مفصلا، وسماه سورا، فمر ~~يوما بصبي فسمعه يقرأ الآية فرجع إلى بيته ومحا ما كان قد بدأ به، وقال: ~~أشهد أن هذا لا يعارض أبدا، وما هو من كلام البشر. # تنبيه: هذه الآية بلغت من أسرار الإعجاز غايتها، وحوت من بدائع الفوائد ~~نهايتها، وجمعت من المحاسن اللفظية والمعنوية ما يضيق عنه نطاق البيان، ~~وقد اهتم بإظهار لطائفها وأسرارها العلامة أبو حيان حيث قال رحمه الله ~~وطيب ثراه: في هذه الآية أحد وعشرون نوعا من البديع: المناسبة في ~~قوله { أقلعي } و { ابلعي } والمطابقة بذكر الأرض والسماء، ~~والمجاز في { يسمآء } المراد مطر السماء، والاستعارة في { ~~أقلعي } والإشارة في { وغيض المآء } فإنها إشارة إلى معان ~~كثيرة، والتمثيل في { وقضي الأمر } عبر بالأمر عن إهلاك ~~الهالكين ونجاة الناجين، والإرداف في { واستوت على الجودي } ~~فلفظ واستوت كلام تام أردفه بلفظ { على الجودي } قصدا للمبالغة ~~في التمكن بهذا المكان، والتعليل في { وغيض المآء } فإنه علة ~~للاستواء، والاحتراس في { بعدا للقوم الظالمين } وهو ~~أيضا ذم لهم، والإيجاز وهو ذكر القصة باللفظ القصير مستوعبا للمعاني ~~الجمة، وعدد بقية الوجوه وهي: الإيضاح، والمساواة، وحسن النسق، ~~وصحة التقسيم، وحسن البيان، والتمكين، والتجنيس، والتسهيم، والمقابلة، ~~والتهذيب، والوصف. # " مقتطفات من تفسير سيد قطب في ظلال القرآن " # وننقل هنا فقرات من تفسير شهيد الإسلام " سيد قطب " عليه الرحمة ~~والرضوان حيث قال ما نصه: " وعند هذا المقطع من قصة نوح يلتفت السياق ~~لفتة عجيبة، إلى استقبال مشركي قريش لمثل هذه القصة التي تشبه أن تكون ~~قصتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ودعواهم أن محمدا يفتري هذا القصص ~~{ أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي ~~إجرامي وأنا بريء مما تجرمون } فالافتراء إجرام ~~وعلي تبعته، وأنا أعرف أنه ms0642 إجرام فمستبعد أن أرتكبه، وهذا الاعتراض ~~لا يخالف سياق القصة في القرآن لأنها إنما جاءت لتأدية غرض معين، ثم ~~يمضي السياق في قصة نوح يعرض مشهدا ثانيا، مشهد نوح يتلقى وحي ربه ~~وأمره { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك ~~إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون * ~~واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } أي برعايتنا وتعليمنا { ~~ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } ~~فقد تقرر مصيرهم، وانتهى الإنذار، وانتهى الجدل. # والمشهد الثالث من مشاهد القصة: مشهد نوح يصنع الفلك { ويصنع ~~الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا ~~منه } والتعبير بالمضارع هو الذي يعطي المشهد حيويته وجدته، فنحن ~~نراه ماثلا لخيالنا من وراء هذا التعبير، وقومه المتكبرون يمرون به ~~فيسخرون، يسخرون من الرجل الذي كان يقول لهم إنه رسول ثم إذا هو ينقلب ~~نجارا يصنع مركبا، والمشهد الرابع: مشهد التعبئة عندما حلت اللحظة ~~المرتقبة { حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور قلنا ~~احمل فيها من كل زوجين اثنين.. } ثم يأتي المشهد ~~الهائل المرهوب: مشهد الطوفان { وهي تجري بهم في موج ~~كالجبال... وحال بينهما الموج فكان من ~~المغرقين } إن الهول هنا هولان: هول في الطبيعة الصامتة، وهول في ~~النفس البشرية يلتقيان. وإننا بعد آلاف السنين لنمسك أنفسنا - ونحن نتابع ~~السياق - والهول يأخذنا كأننا نشهد المشهد، { وهي تجري بهم في ~~موج كالجبال } ونوح الوالد الملهوف يبعث بالنداء تلو النداء، ~~وابنه الفتى المغرور يأبى إجابة الدعاء، والموجة الغامرة تحسم الموقف في ~~سرعة خاطفة راجفة { وحال بينهما الموج فكان من ~~المغرقين } وينتهي كل شيء، وكأن لم يكن دعاء ولا جواب، وتلك سمة ~~بارزة في تصوير القرآن. وتهدأ العاصفة، ويخيم السكون، ويقضى الأمر، ~~ويوجه الخطاب إلى الأرض والسماء بصيغة العاقل، فتستجيب كلتاهما للأمر ~~الفاصل، فتبلع الأرض وتكف السماء { وقيل يأرض ابلعي مآءك ~~ويسمآء أقلعي وغيض المآء وقضي الأمر واستوت ~~على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين }. ### || [11.50-73] # المناسبة: هذه هي القصة الثانية من القصص التي ذكرها الله في هذه ~~السورة الكريمة، وهي قصة هود مع قومه ms0643 عاد، وقد ذكرها تعالى بالإسهاب، ~~ولهذا سميت السورة " سورة هود " ثم أعقبها بالحديث عن ثمود وهي القصة ~~الثالثة في هذه السورة، ثم قصة إبراهيم وبشارة الملائكة له بإسحاق وهي ~~القصة الرابعة. # اللغة: { مدرارا } كثيرا متتابعا من درت السماء تدر إذا ~~سكبت المطر بسخاء، والمدرار: الكثير الدر وهو من أبنية المبالغة { ~~اعتراك } أصابك { ناصيتهآ } الناصية: منبت الشعر في مقدم الرأس ~~{ جبار } الجبار: المتكبر { عنيد } العنيد: الطاغي الذي لا يقبل ~~الحق ولا يذعن له، قال أبو عبيدة: العنيد والمعاند: المعارض بالخلاف { ~~استعمركم فيها } جعلكم عمارها وسكانها { تخسير } تضليل ~~وإبعاد عن الخير { حنيذ } مشوي يقال: حنذت الشاة أحنذها حنذا أي ~~شويتها { نكرهم } أنكرهم يقال: نكره وأنكره واستنكره بمعنى واحد وهو ~~أن يجده على غير ما عهده قال الشاعر: # وأنكرتني وما كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا # فجمع الشاعر بين اللغتين { أوجس } استشعر وأحس { بعلي } زوجي. # التفسير: { وإلى عاد أخاهم هودا } أي ولقد أرسلنا إلى ~~قبيلة عاد نبيا منهم اسمه هود { قال يقوم اعبدوا الله } أي ~~اعبدوا الله وحده دون الآلهة والأوثان { ما لكم من إله ~~غيره } أي ليس لكم معبود غيره يستحق العبادة { إن أنتم إلا ~~مفترون } أي ما أنتم في عبادتكم غير الله إلا كاذبون عليه جل وعلا، ~~لأنه لا إله سواه { يقوم لا أسألكم عليه أجرا } أي لا ~~أطلب منكم على النصح والبلاغ جزاء ولا ثوابا { إن أجري إلا ~~على الذي فطرني } أي ما ثوابي وجزائي إلا على الله الذي خلقني ~~{ أفلا تعقلون } أي أتغفلون عن ذلك فلا تعقلون أن من يدعوكم إلى ~~الخير دون إرادة جزاء منكم هو لكم ناصح أمين؟ والاستفهام للإنكار ~~والتقريع { ويقوم استغفروا ربكم } أي استغفروه من الكفر ~~والإشراك { ثم توبوا إليه } أي ارجعوا إليه بالطاعة ~~والإستقامة على دينه والتمسك بالإيمان والتوحيد { يرسل السمآء ~~عليكم مدرارا } أي يرسل عليكم المطر غزيرا متتابعا، روي أن ~~عادا كان حبس عنهم المطر ثلاث سنين حتى كادوا يهلكون، فأمرهم هود ~~بالتوبة والاستغفار ووعدهم على ذلك بنزول الغيث والمطر، وفي ms0644 الآية دليل ~~على أن التوبة والاستغفار، سبب للرحمة ونزول الأمطار { ويزدكم ~~قوة إلى قوتكم } أي ويزدكم عزا وفخارا فوق عزكم وفخاركم ~~قال مجاهد: شدة إلى شدتكم، فإنهم كانوا في غاية القوة والبطش حتى قالوا # من أشد منا قوة # [فصلت: 15]؟ { ولا تتولوا مجرمين } أي لا تعرضوا عما ~~أدعوكم إليه مصرين على الإجرام، وارتكاب الآثام { قالوا يهود ما ~~جئتنا ببينة } أي ما جئتنا بحجة واضحة تدل على صدقك قال ~~الآلوسي: وإنما قالوه لفرط عنادهم، أو لشدة عماهم عن الحق { وما ~~نحن بتاركي آلهتنا عن قولك } أي لسنا بتاركين عبادة ~~الأصنام من أجل قولك { وما نحن لك بمؤمنين } أي لسنا ~~بمصدقين لنبوتك ورسالتك، والجملة تقنيط من دخولهم في دينه، ثم نسبوه إلى ~~الخبل والجنون فقالوا { إن نقول إلا اعتراك بعض ~~آلهتنا بسوء } أي ما نقول إلا أصابك بعض آلهتنا بجنون لما سببتها ~~ونهيتنا عن عبادتها قال الزمخشري: دلت أجوبتهم المتقدمة على أن القوم ~~كانوا جفاة، غلاظ الأكباد، لا يلتفتون إلى النصح، ولا تلين شكيمتهم ~~للرشد، وقد دل قولهم الأخير على جهل مفرط، وبله متناه، حيث اعتقدوا ~~في حجارة أنها تنتصر وتنتقم { قال إني أشهد الله } أي قال ~~هود إني أشهد الله على نفسي { واشهدوا أني بريء مما ~~تشركون * من دونه } أي وأشهدكم أيضا أيها القوم بأنني بريء ~~مما تشركون في عبادة الله من الأوثان والأصنام { فكيدوني جميعا ~~ثم لا تنظرون } أي فاحتالوا في هلاكي أنتم وآلهتكم ثم لا تمهلوني ~~طرفة عين قال أبو السعود: وهذا من أعظم المعجزات، فإنه عليه السلام كان ~~رجلا مفردا بين الجم الغفير من عتاة عاد، الغلاظ الشداد، وقد حقرهم ~~وهيجهم بانتقاص آلهتهم، وحثهم على التصدي له فلم يقدروا على مباشرة ~~شيء، وظهر عجزهم عن ذلك ظهورا بينا وقال الزمخشري: من أعظم الآيات أن ~~يواجه بهذا الكلام رجل واحد أمة عطاشا إلى إراقة دمه، يرمونه عن قوس ~~واحدة، وذلك لثقته بربه وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب فيه مخالبهم، ومثله ~~قول نوح # فأجمعوا أمركم وشركآءكم # [يونس: 71] { إني توكلت على الله ms0645 ربي وربكم } أي ~~إني لجأت إلى الله وفوضت أمري إليه تعالى مالكي ومالككم { ما من ~~دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ } أي ما من نسمة تدب على ~~وجه الأرض إلا هي في قبضته وتحت قهره، والأخذ بالناصية تمثيل للملك ~~والقهر، والجملة تعليل لقوة توكله على الله وعدم مبالاته بالخلق { ~~إن ربي على صراط مستقيم } أي إن ربي عادل، يجازي ~~المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا يظلم أحدا شيئا { فإن ~~تولوا فقد أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم } أي ~~فإن تعرضوا عن قبول دعوتي فقد أبلغتكم أيها القوم رسالة ربي، وما على ~~الرسول إلا البلاغ { ويستخلف ربي قوما غيركم } أي فسوف ~~يهلككم الله ويستخلف قوما آخرين غيركم، وهذا وعيد شديد { ولا ~~تضرونه شيئا } أي لا تضرون الله شيئا بإشراككم { إن ربي ~~على كل شيء حفيظ } أي إنه سبحانه رقيب على كل شيء، وهو ~~يحفظني من شركم ومكركم { ولما جآء أمرنا } أي ولما جاء أمرنا ~~بالعذاب، وهو ما نزل بهم من الريح العقيم { نجينا هودا ~~والذين آمنوا معه برحمة منا } أي نجينا من العذاب ~~هودا والمؤمنون بفضل عظيم ونعمة منا عليهم { ونجيناهم من ~~عذاب غليظ } أي وخلصانهم من ذلك العذاب الشديد، وهي الريح المدمرة ~~التي كانت تهدم المساكن، وتدخل في أنوف أعداء الله وتخرج من أدبارهم، ~~وتصرعهم على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية { وتلك عاد ~~جحدوا بآيات ربهم } الإشارة لآثارهم أي تلك آثار المكذبين ~~من قوم عاد انظروا ماذا حل بهم، حين كفروا بالله، وأنكروا آياته في ~~الأنفس والآفاق الدالة على وحدانيته؟ { وعصوا رسله } أي عصوا ~~رسوله هودا، وجمعه تفظيعا لحالهم، وإظهارا لكمال كفرهم وعنادهم، ببيان ~~أن عصيانهم له عصيان لجميع الرسل السابقين واللاحقين لاتفاق كلمتهم على ~~التوحيد { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } أي أطاعوا أمر ~~كل مستكبر على الله، حائد عن الحق، لا يذعن له ولا يقبله، يريد به ~~الرؤساء والكبراء { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة } أي ~~وألحقوا باللعنة والطرد من رحمة الله في الدنيا { ويوم القيامة ~~} أي ويوم القيامة أيضا تلحقهم اللعنة ms0646 قال الرازي: جعل اللعن رديفا لهم ~~ومتابعا ومصاحبا في الدنيا والآخرة، ومعنى اللعنة الإبعاد من رحمة ~~الله تعالى ومن كل خير { ألا إن عادا كفروا ربهم } هذ ~~تشنيع لكفرهم وتهويل بحرف التنبيه وبتكرار اسم عاد أي ألا فانتبهوا ~~إن عادا كفروا بربهم إذ عبدوا غيره، وجحدوا نعمته إذ كذبوا رسوله، ~~فاستحقوا اللعنة في الدنيا، واللعنة في الآخرة { ألا بعدا لعاد ~~قوم هود } أي أبعدهم الله من الخير، وأهلكهم عن بكرة أبيهم، وهي ~~جملة دعائية بالهلاك واللعنة { وإلى ثمود أخاهم صالحا } أي ~~ولقد أرسلنا إلى قوم ثمود نبيا منهم وهو صالح عليه السلام { قال ~~يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } أي ~~اعبدوا الله وحده ليس لكم رب معبود سواه { هو أنشأكم من ~~الأرض } أي هو تعالى ابتدأ خلقكم من الأرض، فخلق آدم من تراب ثم ذريته ~~من نطفة { واستعمركم فيها } أي جعلكم عمارها وسكانها تسكنون ~~بها { فاستغفروه ثم توبوا إليه } أي استغفروه من الشرك ~~ثم ارجعوا إليه بالطاعة { إن ربي قريب مجيب } أي إنه سبحانه ~~قريب الرحمة مجيب الدعاء { قالوا يصالح قد كنت فينا ~~مرجوا قبل هذا } أي كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل تلك ~~المقالة فلما قلتها انقطع رجاؤنا فيك { أتنهانآ أن نعبد ما ~~يعبد آباؤنا } أي أتنهانا يا صالح عن عبادة الأوثان التي عبدها ~~آباؤنا؟ { وإننا لفي شك مما تدعونآ إليه مريب } ~~أي وإننا لشاكون في دعواك، وأمرك مريب يوجب التهمة { قال يقوم ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } أي أخبروني إن ~~كنت على برهان وحجة واضحة من ربي { وآتاني منه رحمة } أي ~~وأعطاني النبوة والرسالة { فمن ينصرني من الله إن ~~عصيته } أي فمن يمنعني من عذاب الله إن عصيت أمره؟ { فما ~~تزيدونني غير تخسير } أي فما تزيدونني بموافقتكم وعصيان أمر ~~الله غير تضليل وإبعاد عن الخير قال الزمخشري: { غير تخسير } يعني ~~تخسرون أعمالي وتبطلونها { ويقوم هذه ناقة الله لكم ~~آية } أضاف الناقة إلى الله تشريفا لها لأنها خرجت من صخرة صماء بقدرة ~~الله حسب ms0647 طلبهم أي هذه الناقة معجزتي لكم وعلامة على صدقي { فذروها ~~تأكل في أرض الله } أي دعوها تأكل وتشرب في أرض الله فليس ~~عليكم رزقها { ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب ~~قريب } أي لا تنالوها بشيء من السوء فيصيبكم عذاب عاجل لا يتأخر عنكم ~~{ فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام } ~~أي ذبحوا الناقة فقال لهم صالح: استمتعوا بالعيش في بلدكم ثلاثة أيام ثم ~~تهلكون قال القرطبي: إنما عقرها بعضهم وأضيف إلى الكل لأنه كان برضى ~~الباقين، فعقرت يوم الأربعاء فأقاموا يوم الخميس والجمعة والسبت وآتاهم ~~العذاب يوم الأحد { ذلك وعد غير مكذوب } أي وعد حق غير ~~مكذوب فيه { فلما جآء أمرنا نجينا صالحا والذين ~~آمنوا معه } أي فلما جاء أمرنا بإهلاكهم نجينا صالحا ومن آمن به { ~~برحمة منا } أي بنعمة وفضل عظيم من الله { ومن خزي ~~يومئذ } أي ونجيناهم من هوان ذلك اليوم وذلة { إن ربك هو ~~القوي العزيز } أي القوي في بطشه، العزيز في ملكه، لا يغلبه ~~غالب، ولا يقهره قاهر { وأخذ الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين } أي أخذتهم صيحة من السماء ~~تقطعت لها قلوبهم، فأصبحوا هامدين موتى لا حراك بهم كالطير إذا جثمت { ~~كأن لم يغنوا فيهآ } أي كأن لم يقيموا في ديارهم ولم ~~يعمروها { ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا ~~لثمود } أي ألا فانتبهوا أيها القوم إن ثمود كفروا بآيات ربهم ~~فسحقا لهم وبعدا، وهلاكا ولعنة { ولقد جآءت رسلنآ ~~إبراهيم بالبشرى } هذه هي القصة الرابعة وهي قصة لوط وهلاك ~~قومه المكذبين أي جاءت الملائكة الذين أرسلناهم لإهلاك قوم لوط ~~إبراهيم بالبشارة بإسحاق، قال القرطبي: لما أنزل الله الملائكة لعذاب ~~قوم لوط مروا بإبراهيم فظنهم أضيافا، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قاله ~~ابن عباس، وقال السدي: كانوا أحد عشر ملكا على صورة الغلمان الحسان ~~الوجوه { قالوا سلاما } أي سلموا عليه سلاما { قال سلام } أي ~~قال لهم إبراهيم: سلام عليكم قال المفسرون: رد عليهم التحية بأحسن من ~~تحيتهم لأنه جاء بها جملة اسمية وهي تدل على الثبات والاستمرار ms0648 { فما ~~لبث أن جآء بعجل حنيذ } أي فما أبطأ ولا تأخر مجيئه حتى جاء ~~بعجل مشوي فقدمه لهم قال الزمخشري: والعجل: ولد البقرة ويسمى " الحسيل ~~" وكان مال إبراهيم عليه السلام البقر، والحنيذ: المشوي بالحجارة المحماة ~~في أخدود وقيل: الذي يقطر دسمه ويدل عليه " بعجل سمين " { فلما ~~رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم } أي فلما رآهم لا ~~يمدون أيديهم إلى الطعام ولا يأكلون منه أنكرهم { وأوجس منهم ~~خيفة } أي أحس منهم الخوف والفزع قال قتادة: كان العرب إذا نزل بهم ~~ضيف فلم يطعم من طعامهم ظنوا أنه لم يجيء بخير وأنه جاء يحدث نفسه بشر { ~~قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط } أي قالت ~~الملائكة: لا تخف فإنا ملائكة ربك لا نأكل، وقد أرسلنا لإهلاك قوم لوط ~~{ وامرأته قآئمة فضحكت } أي وامرأة إبراهيم واسمها " سارة ~~" قائمة وراء الستر تسمع كلامهم فضحكت استبشارا بهلاك قوم لوط { ~~فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب } أي ~~بشرتها الملائكة بإسحاق ولدا لها ويأتيه مولود هو يعقوب ابنا لولدها { ~~قالت يويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي ~~شيخا } أي قالت سارة متعجبة: يا لهفي ويا عجبي أألد وأنا امرأة مسنة ~~وهذا زوجي إبراهيم شيخ هرم أيضا فكيف يأتينا الولد؟ { إن هذا ~~لشيء عجيب } أي إن هذا الأمر لشيء غريب لم تجر به العادة قال ~~مجاهد: كانت يومئذ ابنة تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة وعشرين سنة { ~~قالوا أتعجبين من أمر الله } أي أتعجبين من قدرة الله ~~وحكمته في خلق الولد من زوجين هرمين؟ ليس هذا بمكان عجب على قدرة الله { ~~رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } أي رحمكم ~~الله وبارك فيكم يا أهل بيت إبراهيم { إنه حميد مجيد } أي إنه ~~تعالى محمود ممجد في صفاته وذاته، مستحق للحمد والتمجيد من عباده، وهو ~~تعليل بديع لما سبق من البشارة. # البلاغة: 1- { يرسل السمآء عليكم مدرارا } المراد ~~بالسماء المطر فهو مجاز مرسل لأن المطر ينزل من السماء ولفظ " مدرارا " ~~للمبالغة أي كثير الدر. # 2- { فكيدوني جميعا } أمر بمعنى التعجيز. # 3- { ما من ms0649 دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ } استعارة ~~تمثيلية شبه الخلق وهم في قبضة الله وملكه وتحت قهره وسلطانه بالمالك ~~الذي يقود المقدور عليه بناصيته كما يقاد الأسير والفرس بناصيته. # 4- { إن ربي على صراط مستقيم } استعارة لطيفة عن كمال ~~العدل في ملكه تعالى فهو مطلع على أمور العباد لا يفوته ظالم، ولا يضيع ~~عنده معتصم به. # 5- { ولما جآء أمرنا } الأمر كناية عن العذاب. # 6- { نجينا هودا... ونجيناهم من عذاب غليظ } ~~التكرار في لفظ الإنجاء لبيان أن الأمر شديد عظيم لا سهل يسير، ويسمى ~~هذا الإطناب. # 7- { وعصوا رسله } أي عصوا رسولهم هودا وفيه تفظيع لحالهم ~~وبيان أن عصيانهم له عصيان لجميع الرسل السابقين واللاحقين، وهو مجاز ~~مرسل من باب إطلاق الكل وإرادة البعض. # 8- { ألا إن عادا... ألا بعدا لعاد } تكرير حرف التنبيه ~~وإعادة لفظ " عاد " للمبالغة في تهويل حالهم. # تنبيه: لم يقل هود عليه السلام: إني أشهد الله وأشهدكم وإنما قال: { ~~إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما ~~تشركون } وذلك لئلا يفيد التشريك بين الشهادتين والتسوية بينهما، ~~فأين شهادة الله العلي الكبير من شهادة العبد الحقير؟! ### || [11.74-99] # المناسبة: لا تزال الآيات تتحدث عن قصة ضيوف إبراهيم، وهم الملائكة ~~الذين مروا عليه وهم بطريقهم لإهلاك قوم لوط، وبشروه بالبشارة السارة ~~بولادة غلام له، وقد ذكرت الآيات مرورهم على لوط وما حل بقومه من ~~النكال والدمار، وهي القصة الخامسة، ثم ذكرت قصة شعيب مع أهل مدين، وقصة ~~موسى مع فرعون، وفي جميع هذه القصص عبر وعظات. # اللغة: { الروع } الخوف والفزع { منيب } الإنابة: الرجوع ~~والتوبة { عصيب } شديد في الشر قال الشاعر: # وإنك إلا ترض بكر بن وائل # يكن لك يوم بالعراق عصيب # { يهرعون } يسرعون قال الفراء: الإهراع الإسراع مع رعدة يقال ~~أهرع الرجل إهراعا أي أسرع في رعدة من برد أو غضب { تخزون } أخزاه: ~~أهانه وأذله قال حسان: # فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك # ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق # { سجيل } السجيل والسجين: الشديد من الحجر قاله أبو عبيدة، وقال ~~الفراء: طين طبخ حتى صار كالآجر { منضود } متتابع ms0650 بعضه فوق بعض في ~~النزول { مسومة } معلمة من السيما وهي العلامة { شقاقي } ~~الشقاق: العداوة قال الشاعر: # ألا من مبلغ عني رسولا # فكيف وجدتم طعم الشقاق # { رهطك } رهط الرجل: عشيرته التي يتقوى بهم { الورد } المدخل { ~~الرفد } العطاء والإعانة. # التفسير: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } أي فلما ذهب ~~عن إبراهيم الخوف الذي أوجسه في نفسه، واطمأن قلبه لضيوفه حين علم أنهم ~~ملائكة { وجآءته البشرى } أي جاءته البشارة بالولد { ~~يجادلنا في قوم لوط } أي أخذ يجادل ملائكتنا في شأن إهلاك قوم ~~لوط، وغرضه تأخير العذاب عنهم لعلهم يؤمنون قال المفسرون: لما قالت ~~الملائكة: # إنا مهلكو أهل هذه القرية # [العنكبوت: 31] قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين ~~أتهلكونهم؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ قالوا: لا فما زال يتنزل معهم حتى ~~قال لهم: أرأستم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونهم؟ قالوا لا فقال لهم # إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين # [العنكبوت: 32] { إن إبراهيم لحليم } أي غير عجول في ~~الانتقام من المسيء إليه { أواه منيب } أي كثير التأوه والتأسف ~~على الناس لرقة قلبه، منيب رجاع إلى طاعة الله { يإبرهيم ~~أعرض عن هذآ } أي قالت الملائكة: يا إبراهيم دع عنك الجدال في ~~قوم لوط فقد نفذ القضاء بعذابهم { إنه قد جآء أمر ربك } ~~أي جاء أمر الله بإهلاكهم { وإنهم آتيهم عذاب غير ~~مردود } أي نازل بهم عذاب غير مصروف عنهم ولا مدفوع { ولما ~~جآءت رسلنا لوطا سيء بهم } أي ولما جاءت الملائكة لوطا ~~أصابه سوء وضجر، لأنه ظهر أنهم من البشر فخاف عليهم من قومه { وضاق ~~بهم ذرعا } أي ضاق صدره بمجيئهم خشية عليهم من قومه الأشرار { ~~وقال هذا يوم عصيب } أي شديد في الشر { وجآءه قومه ~~يهرعون إليه } أي جاء قومه يسرعون إليه لطلب الفاحشة بالضيوف ~~كأنهم يدفعون إلى ذلك دفعا { ومن قبل كانوا يعملون ~~السيئات } أي ومن قبل ذلك الحين كانت عادتهم إتيان الرجال وعمل ~~الفاحشة فلذلك لم يستحيوا حين جاءوا يهرعون لها مجاهرين ms0651 قال القرطبي: ~~وكان سبب إسراعهم أن امرأة لوط الكافرة لما رأت الأضياف وجمالهم، خرجت ~~حتى أتت مجلس قومها فقالت لهم: إن لوطا قد أضاف الليلة فتية ما رأيت ~~مثلهم جمالا فحينئذ جاءوا يهرعون إليه { قال يقوم هؤلاء ~~بناتي هن أطهر لكم } أي قال لهم لوط: هؤلاء نساء البلدة ~~أزوجكم بهن فذلك أطهر لكم وأفضل، وإنما قال بناتي لأن كل نبي أب ~~لأمته في الشفقة والتربية { فاتقوا الله ولا تخزون في ~~ضيفي } أي اخشوا عذاب الله ولا تفضحوني وتهينوني في ضيوفي { أليس ~~منكم رجل رشيد } أي استفهام توبيخ أي أليس فيكم رجل عاقل يمنع ~~عن القبيح؟ { قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من ~~حق } أي قال له قومه: لقد علمت يا لوط ما لنا في النساء من أرب. # وليس لنا رغبة فيهن { وإنك لتعلم ما نريد } أي وأنت تعلم ~~غرضنا وهو إتيان الذكور، صرحوا له بغرضهم الخبيث قبحهم الله { قال ~~لو أن لي بكم قوة } أي لو كان لي قوة أستطيع أن أدفع أذاكم ~~بها { أو آوي إلى ركن شديد } أي ألجأ إلى عشيرة وأنصار ~~تنصرني عليكم، وجواب " لو " محذوف تقديره لبطشت بكم وفي الحديث # " رحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد " # يريد صلى الله عليه وسلم أن الله كان ناصره ومؤيده، فهو ركنه الشديد ~~وسنده القوي قال قتادة: وذكر لنا أن الله تعالى لم يبعث نبيا بعد لوط ~~إلا في منعة من عشيرته، وحين سمع رسل الله تعالى تحسر لوط على ضعفه ~~وانقطاعه من الأنصار { قالوا يلوط إنا رسل ربك لن ~~يصلوا إليك } أي قالت الملائكة للوط: إنا رسل ربك أرسلنا ~~لإهلاكهم وإنهم لن يصلوا إليك بضرر ولا مكروه { فأسر بأهلك ~~بقطع من الليل } أي اخرج بهم بطائفة من الليل قال الطبري: ~~أي اخرج من بين أظهرهم أنت وأهلك ببقية من الليل { ولا يلتفت ~~منكم أحد إلا امرأتك } أي لا ينظر أحد منكم وراءه إلا ~~امرأتك فإنها ستهلك كما هلكوا، نهوا عن الالتفات لئلا تتفطر أكبادهم ms0652 ~~على قريتهم قال القرطبي: إن امرأة لوط لما سمعت هدة العذاب التفتت ~~وقالت: واقوماه! فأدركها حجر فقتلها { إنه مصيبها مآ ~~أصابهم } أي إنه يصيب امرأتك من العذاب ما أصاب قومك { إن ~~موعدهم الصبح } أي موعد عذابهم وهلاكهم الصبح { أليس ~~الصبح بقريب } استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه فقالوا له: أليس ~~وقت الصبح قريبا؟ قال المفسرون: إن قوم لوط لما سمعوا بالضيوف هرعوا ~~نحوه، فأغلق بابه وأخذ يجادل قومه عنهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، ~~فلما رأت الملائكة ما بلوط من الكرب قالوا يا لوط: افتح الباب ودعنا ~~وإياهم، ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم وعموا، وانصرفوا ~~على أعقابهم يقولون: النجاء، النجاء كما قال تعالى # ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم # [القمر: 37] ثم إن لوطا سرى بمن معه قبل الفجر، ولما حان وقت عذابهم ~~أمر الله جبريل فاقتلع مدائن قوم لوط - وهي خمس - من تخوم الأرض حتى ~~أدناها من السماء بما فيها، حتى سمع أهل السماء صراخ الديكة، ونباح ~~الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة وأتبعهم الله بالحجارة ولهذا قال تعالى { ~~فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها } أي فلما جاء ~~وقت العذاب قلبنا بهم القرى فجعلنا العالي سافلا { وأمطرنا ~~عليها حجارة من سجيل } أي أرسلنا على أهل تلك المدن حجارة ~~صلبة شديدة من نار وطين، شبهها بالمطر لكثرتها وشدتها { منضود } ~~أي متتابعة، بعضها في إثر بعض { مسومة عند ربك } أي ~~معلمة بعلامة قال الربيع: قد كتب على كل حجر اسم من يرمى به قال ~~القرطبي: وقوله { عند ربك } دليل على أنها ليست من حجارة الأرض { ~~وما هي من الظالمين ببعيد } أي ما هذه القرى المهلكة ~~ببعيدة عن قومك " كفار قريش " فإنهم يمرون عليها في أسفارهم أفلا ~~يعتبرون؟ قال المفسرون: وقد صار موضع تلك المدن بحرا أجاجا يعرف ب " ~~البحر الميت " لأن مياهه لا تغذي شيئا من الحيوان وقد اشتهر باسم " ~~بحيرة لوط " والأرض التي تليها قاحلة لا تنبت شيئا { وإلى مدين ~~أخاهم شعيبا } هذه هي القصة السادسة من القصص المذكورة في هذه ~~السورة ms0653 أي وأرسلنا إلى قبيلة مدين أخاهم شعيبا، وقد كان شعيب من نفس ~~القبيلة ولهذا قال " أخاهم " { قال يقوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره } أي اعبدوا الله وحده فليس لكم رب سواه ~~{ ولا تنقصوا المكيال والميزان } أي لا تنقصوا الناس ~~حقوقهم في المكيال والميزان، وقد اشتهروا بتطفيف الكيل والوزن { إني ~~أراكم بخير } أي إني أراكم في سعة تغنيكم عن نقص الكيل ~~والميزان قال القرطبي: أي في سعة من الرزق، وكثرة من النعم { وإني ~~أخاف عليكم عذاب يوم محيط } أي إني أخاف عليكم إن لم ~~تؤمنوا عذاب يوم مهلك، لا يفلت منه أحد، والمراد به عذاب يوم القيامة { ~~ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط } أي أتموا ~~الكيل والوزن للناس بالعدل { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم } ~~أي لا تنقصوهم من حقوقهم شيئا { ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين } أي ولا تسعوا بالفساد في الأرض، والعثي أشد الفساد { ~~بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين } أي ما أبقاه ~~الله لكم من الحلال خير مما تجمعونه من الحرام، إن كنتم مصدقين بوعد ~~الله ووعيده وقال مجاهد: أي طاعة الله خير لكم { ومآ أنا عليكم ~~بحفيظ } أي ولست برقيب أحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم بها وإنما أنا ~~ناصح مبلغ، وقد أعذر من أنذر { قالوا يشعيب أصلوتك ~~تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ } لما أمرهم شعيب عليه ~~السلام بعبادة الله تعالى وترك عبادة الأوثان، وبإيفاء الكيل والميزان، ~~ردوا عليه على سبيل السخرية والاستهزاء فقالوا: أصلاتك تدعوك لأن تأمرنا ~~بترك عبادة الأصنام التي عبدها آباؤنا؟ إن هذا لا يصدر عن عاقل { أو ~~أن نفعل في أموالنا ما نشاء } أي وتأمرك بأن نترك تطفيف ~~الكيل والميزان. # قال الإمام الفخر: إن شعيبا أمرهم بشيئين: بالتوحيد، وترك البخس، ~~فأنكروا عليه أمره بهذين النوعين فقوله { ما يعبد ءاباؤنآ } ~~إشارة إلى التوحيد، { نفعل في أموالنا } إشارة إلى ترك ~~البخس، وقد يراد بالصلاة الدين والمعنى: دينك يأمرك بذلك؟ وأطلق عليه ~~الصلاة لأنها أظهر شعار الدين، وروي أن شعيبا كان كثير الصلاة وكان قومه ~~إذا رأوه يصلي ms0654 تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم { أصلوتك ~~تأمرك } السخرية والهزء، كما إذا رأيت معتوها يطالع كتبا ثم يذكر ~~كلاما فاسدا فتقول: هذا من مطالعة تلك الكتب؟ { إنك لأنت ~~الحليم الرشيد } أي إنك لأنت العاقل المتصف بالحلم والرشد؟ قال ~~الطبري: يستهزئون به فإنهم أعداء الله قالوا له ذلك استهزاء، وإنما ~~سفهوه وجهلوه بهذا الكلام { قال يقوم أرأيتم إن كنت ~~على بينة من ربي } أي قال لهم شعيب: أخبروني إن كنت على ~~برهان من ربي وهو الهداية والنبوة { ورزقني منه رزقا حسنا ~~} أي أعطاني المال الحلال، فقد كان عليه السلام كثير المال قال الزمخشري: ~~والجواب محذوف دل عليه المعنى أي أخبروني إن كنت على حجة واضحة، ويقين ~~من ربي، وكنت نبيا على الحقيقة أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة ~~الأوثان، والكف عن المعاصي؟ والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك { ومآ ~~أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه } أي لست ~~أنهاكم عن شيء وأرتكبه وإنما آمركم بما آمر به نفسي { إن أريد ~~إلا الإصلاح ما استطعت } أي لا أريد فيما آمركم به وأنهاكم ~~عنه إلا إصلاحكم وإصلاح أمركم بقدر استطاعتي { وما توفيقي ~~إلا بالله } أي ليس التوفيق إلى الخير إلا بتأييده سبحانه ~~ومعونته { عليه توكلت وإليه أنيب } أي على الله سبحانه ~~اعتمدت في جميع أموري، وإليه تعالى أرجع بالتوبة والإنابة { ويقوم ~~لا يجرمنكم شقاقي } أي لا يكسبنكم عداوتي { أن يصيبكم ~~مثل مآ أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح ~~} أي يصيبكم العذاب كما أصاب قوم نوح بالغرق، وقوم هود بالريح، وقوم ~~صالح بالرجفة وقال الحسن المعنى: لا يحملنكم معاداتي على ترك الإيمان ~~فيصيبكم ما أصاب الكفار { وما قوم لوط منكم ببعيد } أي وما ~~ديار الظالمين من قوم لوط بمكان بعيد، أفلا تتعظون وتعتبرون!؟ { ~~واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه } أي استغفروا ربكم ~~من جميع الذنوب، ثم توبوا إليه توبة نصوحا { إن ربي رحيم ~~ودود } أي إنه جل وعلا عظيم الرحمة، كثير الود والمحبة لمن تاب وأناب ~~{ قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول } أي ms0655 قالوا ~~لنبيهم شعيب على وجه الاستهانة: ما نفهم كثيرا مما تحدثنا به قال ~~الألوسي: جعلوا كلامه المشتمل على فنون الحكم والمواعظ، وأنواع العلوم ~~والمعارف، من قبيل التخليط والهذيان الذي لا يفهم معناه، ولا يدرك فحواه ~~مع أنه كما ورد في الحديث الشريف (خطيب الأنبياء) { وإنا لنراك ~~فينا ضعيفا } أي لا قوة لك ولا عز فيما بيننا { ولولا ~~رهطك لرجمناك } أي ولولا جماعتك لقتلناك رميا بالأحجار { ~~ومآ أنت علينا بعزيز } أي لست عندنا بمكرم ولا محترم حتى ~~نمتنع من رجمك { قال يقوم أرهطي أعز عليكم من ~~الله }؟ هذا توبيخ لهم أي أتتركوني لأجل قومي ولا تتركوني إعظاما ~~لجناب الرب تبارك وتعالى؟ فهل عشيرتي أعز عندكم من الله وأكرم؟ قال ابن ~~عباس: إن قوم شعيب ورهطه كانوا أعز عليهم من الله وصغر شأن الله ~~عندهم، عز ربنا وجل ثناؤه { واتخذتموه ورآءكم ~~ظهريا } أي جعلتم الله خلف ظهوركم لا تطيعونه ولا تعظمونه كالشيء ~~المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به، وهذا مثل قال الطبري: يقال للرجل إذا ~~لم يقض حاجة الرجل: نبذ حاجته وراء ظهره أي تركها ولم يلتفت إليها { ~~إن ربي بما تعملون محيط } أي إنه جل وعلا قد أحاط علما ~~بأعمالكم السيئة وسيجازيكم عليها { ويقوم اعملوا على ~~مكانتكم إني عامل } تهديد شديد أي اعملوا على طريقتكم إني ~~عامل على طريقتي كأنه يقول: اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة، ~~فأنا ثابت على الإسلام والمصابرة { سوف تعلمون من يأتيه ~~عذاب يخزيه } أي سوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يذله ويهينه { ومن ~~هو كاذب } أي وتعلمون من هو الكاذب { وارتقبوا إني ~~معكم رقيب } أي انتظروا عاقبة أمركم إنني منتظر معكم { ولما ~~جآء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه ~~برحمة منا } أي ولما جاء أمرنا بإهلاكهم نجينا شعيبا ~~والمؤمنين معه بسبب رحمة عظيمة منا لهم { وأخذت الذين ظلموا ~~الصيحة } أي وأخذ أولئك الظالمين صيحة العذاب قال القرطبي: صاح بهم ~~جبريل صيحة فخرجت أرواحهم من أجسادهم { فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين } أي موتى هامدين لا حراك بهم ms0656 قال ابن كثير: وذكر ههنا أنه ~~أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء عذاب يوم الظلة، وهم أمة ~~واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها، وإنما ذكر في كل سياق ~~ما يناسبه { كأن لم يغنوا فيهآ } أي كأن لم يعيشوا ويقيموا ~~في ديارهم قبل ذلك { ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود } ~~قال الطبري: أي ألا أبعد الله مدين من رحمته بإحلال نقمته، كما بعدت من ~~قبلهم ثمود من رحمته بإنزال سخطه بهم { ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا وسلطان مبين } هذه هي القصة السابعة وهي آخر القصص ~~في هذه السورة والمعنى: لقد أرسلنا موسى بشرائع وأحكام وتكاليف إلهية، ~~وأيدناه بمعجزات قاهرة، وبينات باهرة، كالعصا واليد { إلى فرعون ~~وملئه } أي إلى فرعون وأشراف قومه { فاتبعوا أمر ~~فرعون } أي فأطاعوا أمر فرعون وعصوا أمر الله { ومآ أمر ~~فرعون برشيد } أي وما أمر فرعون بسديد لأنه ليس فيه رشد ولا ~~هدى، وإنما هو جهل وضلال { يقدم قومه يوم القيامة } أي ~~يتقدم أمامهم إلى النار يوم القيامة كما كان يتقدمهم في الدنيا { ~~فأوردهم النار } أي أدخلهم نار جهنم { وبئس الورد ~~المورود } أي بئس المدخل المدخول هي. # { وأتبعوا في هذه لعنة } أي ألحقوا فوق العذاب الذي ~~عجله الله لهم لعنة في الدنيا { ويوم القيامة } أي وأردفوا ~~بلعنة أخرى يوم القيامة { بئس الرفد المرفود } أي بئس ~~العون المعان والعطاء المعطى لهم، وهي اللعنة في الدارين. # البلاغة: 1- { ذهب الروع.. وجآءته } بينهما طباق وهو من ~~المحسنات البديعية. # 2- { جآء أمر ربك } كناية عن العذاب الذي قضاه الله لهم. # 3- { أليس منكم رجل رشيد } الاستفهام للتعجب والتوبيخ. # 4- { أو آوي إلى ركن شديد } قال الشريف الرضي: وهذه ~~استعارة والمراد بها قومه وعشيرته، جعلهم ركنا له لأن الإنسان يلجأ ~~إلى قبيلته، ويستند إلى أعوانه كما يستند إلى ركن البناء الرصين، وجاء ~~جواب " لو " محذوفا تقديره: لحلت بينكم وبين ما هممتم به من الفساد، ~~والحذف ههنا أبلغ لأنه يوهم بعظيم الجزاء وغليظ النكال. # 5- { عاليها سافلها } بينهما طباق. # 6- { عذاب يوم محيط } فيه مجاز عقلي أسند الإحاطة ms0657 لليوم مع ~~أن اليوم ليس بجسم باعتبار أن العذاب يكون فيه، فهو إسناد للزمان. # 7- { واتخذتموه ورآءكم ظهريا } فيه استعارة تمثيلية ~~كالشيء الذي يلقى وراء الظهر ولا يكترث به. # 8- { فأوردهم النار } فيه استعارة مكنية لأن الورود في الأصل ~~يقال للمرور على الماء للاستسقاء منه، فشبه النار بماء يورد وحذف ذكر ~~المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو الورود، وشبه فرعون في تقدمه على ~~قومه بمنزلة من يتقدم على الواردين إلى الماء ليكسر العطش وقوله { ~~وبئس الورد المورود } تأكيد له لأن الورد إنما يورد لتسكين ~~العطش وتبريد الأكباد وفي النار إلهاب للعطش وتقطيع للأكباد، نعوذ بالله ~~من نار جهنم. ### || [11.100-123] # المناسبة: لما ذكر تعالى بعض قصص المرسلين، وما حل بأممهم من ~~النكال والدمار، ذكر هنا العبرة من سرد هذه القصص، وهي أن تكون شاهدا ~~على تعجيل العقوبة للمكذبين والانتقام العاجل منهم وبرهانا على تأييد ~~الله ونصرته لأوليائه وأنبيائه، وقد ذكرت الآيات يوم القيامة وانقسام ~~الناس فيه إلى فريقين: سعداء، وأشقياء، وختمت السورة الكريمة بأمر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على الأذى، والتوكل على الحي القيوم. # اللغة: { حصيد } مستأصل كالزرع المحصود { تتبيب } التباب: ~~الهلاك والخسران قال لبيد: # فلقد بليت وكل صاحب جدة # لبلى يعود وذاكم التتبيب # { زفير } الزفير: إخراج النفس من شدة الجري { وشهيق } ~~الشهيق: رد النفس وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره من ~~النفس في حال الغم الشديد ويخرجه، والشهيق أن يخرج ذلك النفس ~~بشدة وقال بعض أهل اللغة: الزفير مثل أول نهيق الحمار، والشهيق مثل آخره ~~{ مجذوذ } مقطوع من جذه يجذه إذا قطعه { تركنوا } الركون: ~~الميل إلى الشيء والرضا به { زلفا } الزلف: جمع زلفة وهي الطائفة ~~من أول الليل قال ثعلب: هي أول ساعات الليل، وأصلها من الزلفى وهي القربة # وأزلفت الجنة # [الشعراء: 90] قربت { أترفوا } الترف: البطر يقال فلان مترف ~~أي أبطرته النعمة وسعة العيش { مرية } شك وريب. # سبب النزول: عن ابن مسعود أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إني عالجت امرأة في أقصى ms0658 المدينة، وإني أصبت منها من دون ~~أن أمسها، وأنا هذا فاقض في ما شئت! فقال له عمر: لقد سترك الله لو ~~سترت على نفسك، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ~~فانطلق الرجل ونزلت هذه الآية { وأقم الصلاة طرفي النهار ~~وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن السيئات ~~} فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فدعاه فتلاها عليه. # التفسير: { ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك } أي ~~ذلك القصص من أخبار القرى التي أهلكنا أهلها بكفرهم وتكذيبهم الرسل، نقصه ~~عليك يا محمد ونخبرك عنه بطريق الوحي { منها قآئم وحصيد } أي ~~من هذه القرى ما هو عامر قد هلك أهله وبقي بنيانه، ومنها ما هو خراب قد ~~اندثر بأهله فلم يبق له أثر كالزرع المحصود { وما ظلمناهم ~~ولكن ظلموا أنفسهم } أي وما ظلمناهم بإهلاكهم بغير ذنب، ~~ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي فاستحقوا عذاب الله ونقمته { فما ~~أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من ~~شيء } أي ما نفعتهم آلهتهم التي عبدوها من دون الله، ولا دفعت عنهم ~~شيئا من عقاب الله وعذابه { لما جآء أمر ربك } أي حين جاء ~~قضاء الله بعذابهم { وما زادوهم غير تتبيب } أي وما زادتهم ~~تلك الآلهة غير تخسير وتدمير { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ ~~القرى وهي ظالمة } أي مثل ذلك الأخذ والإهلاك الذي أخذ الله ~~به أهل القرى الظالمين المكذبين، يأخذ تعالى بعذابه الفجرة الظلمة قال ~~الألوسي: وفي الآية من إنذار الظالم ما لا يخفى كما قال عليه السلام # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # ثم قرأ الأية { إن أخذه أليم شديد } أي إن عذابه موجع ~~شديد، وهذا مبالغة في التهديد والوعيد { إن في ذلك لآية لمن ~~خاف عذاب الآخرة } أي إن في هذه القصص والأخبار لعظة وعبرة لمن ~~خاف عذاب الله وعقابه في الآخرة { ذلك يوم مجموع له ~~الناس } أي يجتمع فيه الخلائق للحساب والثواب والعقاب { وذلك ~~يوم مشهود } أي يشهده أهل السماء والأرض، والأولون والآخرون قال ~~ابن عباس: ms0659 يشهده البر والفاجر { وما نؤخره إلا لأجل ~~معدود } أي ما نؤخر ذلك اليوم - يوم القيامة - إلا لزمن معين ~~سبق به قضاء الله، لا يتقدم ولا يتأخر { يوم يأت لا تكلم ~~نفس إلا بإذنه } أي يوم يأتي ذلك اليوم الرهيب لا يتكلم أحد ~~إلا بإذن الله تعالى { فمنهم شقي وسعيد } أي فمن أهل ~~الموقف شقي، ومنهم سعيد كقوله # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7] { فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها ~~زفير وشهيق } أي فأما الأشقياء الذين سبقت لهم الشقاوة فإنهم ~~مستقرون في نار جهنم، لهم من شدة كربهم { زفير } وهو إخراج النفس ~~بشدة { وشهيق } وهو رد النفس بشدة، وقال بعض المفسرين: شبه ~~صراخهم في جهنم بأصوات الحمير قال الطبري: في روايته عن قتادة: صوت ~~الكافر في النار صوت الحمار، أوله زفير وآخره شهيق { خالدين فيها ~~ما دامت السموت والأرض } أي ماكثين في جهنم أبدا على ~~الدوام ما دامت السماوات والأرض قال الطبري: إن العرب إذا أرادت أن تصف ~~الشيء بالدوام أبدا قالت: هذا دائم دوام السماوات والأرض بمعنى أنه ~~دائم أبدا، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم قال ابن زيد: ما ~~دامت السماء سماء، والأرض أرضا والمعنى خالدين فيها أبدا وقال ~~الزمخشري: فيه وجهان: أحدهما أن تراد سماوات الآخرة وأرضها وهي دائمة ~~مخلوقة للأبد، والثاني أن يكون عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع { إلا ~~ما شآء ربك } الاستثناء في أهل التوحيد، لأن لفظة { شقوا } تعم ~~الكفار والمذنبين، فاستثنى الله من خلود أهل الشقاوة العصاة من المؤمنين، ~~فإنهم يطهرون في نار جهنم ثم يخرجون منها بشفاعة سيد المرسلين صلى الله ~~عليه وسلم ويدخلهم الله الجنة ويقال لهم: # طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر: 73] { إن ربك فعال لما يريد } أي يفعل ما يريد ~~يرحم ويعذب كما يشاء ويختار، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه { ~~وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما ~~دامت السموت والأرض إلا ما شآء ربك } هذا بيان ~~لحال الفريق الثاني " أهل السعادة " اللهم اجعلنا منهم أي وأما السعداء ~~الأبرار ms0660 فإنهم مستقرون في الجنة، لا يخرجون منها أبدا، دائمون فيها ~~دوام السماوات والأرض، أو ما دامت سماوات الجنة وأرض الجنة حسب مشيئته ~~تعالى، وقد شاء تعالى لهم الخلود والدوام { عطآء غير مجذوذ } ~~أي عطاء غير مقطوع عنهم، بل هو ممتد إلى غير نهاية { فلا تك في ~~مرية مما يعبد هؤلاء } أي لا تكن في شك من عبادة ~~هؤلاء المشركين في أنها ضلال بمعنى لا تشك في فساد دينهم { ما ~~يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل } أي هم متبعون ~~لآبائهم تقليدا من غير حجة ولا برهان، وهذه تسلية للرسول صلى الله عليه ~~وسلم ووعد له بالانتقام منهم، إذ حالهم حال من سبقهم من الضالين ~~المكذبين، وقد بلغك ما نزل بأسلافهم فسينزل بهم مثله { وإنا ~~لموفوهم نصيبهم غير منقوص } أي وسنعطيهم جزاءهم من ~~العذاب كاملا غير منقوص وقال ابن عباس: ما قدر لهم من الخير والشر { ~~ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } قال الطبري: ~~يقول تعالى مسليا نبيه في تكذيب مشركي قومه له: لا يحزنك يا محمد تكذيب ~~هؤلاء لك، فلقد آتينا موسى التوراة كما آتيناك الفرقان، فاختلف في ذلك ~~الكتاب، فكذب به بعضهم، وصدق به بعضهم، كما فعل قومك { ولولا ~~كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم } أي ولولا حكم الله ~~السابق بتأخير الحساب والجزاء إلى يوم القيامة لقضي بينهم في الدنيا ~~فجوزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ولكن سبق القدر بتأخير الجزاء ~~إلى يوم الحساب { وإنهم لفي شك منه مريب } أي وإن ~~الكفار قومك لفي شك من هذا القرآن مريب لهم، إذ لا يدرون أحق هو أم ~~باطل؟ { وإن كلا لما ليوفينهم ربك ~~أعمالهم } أي وإن كلا من المؤمنين والكافرين لما ينالوا جزاء ~~أعمالهم وسيوفيهم ربك جزاءها في الآخرة { إنه بما يعملون ~~خبير } أي عليم بأعمالهم جميعا، صغيرها وكبيرها، وسيجازيهم عليها { ~~فاستقم كمآ أمرت } أي استقم يا محمد على أمر الله واثبت ~~وداوم على الاستقامة كما أمرك ربك { ومن تاب معك } أي ومن تاب ~~من الشرك والكفر وآمن معك { ولا تطغوا ms0661 } أي لا تجاوزوا حدود الله ~~بارتكاب المحارم { إنه بما تعملون بصير } أي إنه تعالى ~~مطلع على أعمالكم ويجازي عليها { ولا تركنوا إلى الذين ~~ظلموا فتمسكم النار } أي لا تميلوا إلى الظلمة من الولاة ~~وغيرهم من الفسقة الفجرة فتمسكم نار جهنم قال البيضاوي: الركون هو الميل ~~اليسير أي لا تميلوا إليهم أدنى ميل فتمسكم النار بركونكم إليهم، وإذا ~~كان الركون اليسير إلى من وجد منه ما يسمى ظلما كذلك، فما ظنك بالركون ~~إلى الظالمين الموسومين بالظلم، والميل إليهم كل الميل؟! { وما ~~لكم من دون الله من أوليآء ثم لا تنصرون } أي ~~ليس لكم من يمنعكم من عذابه ثم لا تجدون من ينصركم من ذلك البلاء قال ~~القرطبي: والآية دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي فإن صحبتهم كفر أو ~~معصية إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة، وأما صحبة الظالم على ~~التقية فمستثناة من النهي بحال الاضطرار { وأقم الصلاة ~~طرفي النهار } أي أقم الصلاة المكتوبة على تمامها وكمالها أول ~~النهار وآخره، والمراد صلاة الصبح والعصر لأنهما طرفا النهار { وزلفا ~~من اليل } أي ساعات منه قريبة من النهار، والمراد بهما المغرب ~~والعشاء { إن الحسنات يذهبن السيئات } أي إن الأعمال ~~الصالحة ومنها الصلوات الخمس تكفر الذنوب الصغائر، لحديث # " الصلوات الخمس كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر " # قال المفسرون: المراد بالحسنات الصلوات الخمس واستدلوا على ذلك بسبب ~~النزول، وهذا قول الجمهور، والأظهر أن المراد بها العموم وهو اختيار ابن ~~كثير حيث قال: المعنى إن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة كما جاء في ~~الحديث # " ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له " # { ذلك ذكرى للذاكرين } أي ذلك المذكور من الاستقامة ~~والمحافظة على الصلاة، عظة للمتعظين وإرشاد للمسترشدين { واصبر ~~فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } أي اصبر يا محمد ~~على ما تلقى من المكاره ومن أذى المشركين، فإن الله معك وهو لا يضيع ~~ثواب المحسنين { فلولا كان من القرون من قبلكم ~~أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض } أي ~~فهلا كان من الأمم الماضية ms0662 قبلكم أولو عقل وفضل، وجماعة أخيار ~~ينهون الأشرار عن الإفساد في الأرض { إلا قليلا ممن ~~أنجينا منهم } استثناء منقطع أي لكن قليلا منهم، نهوا عن ~~الفساد فنجوا قال في البحر: " لولا " في الآية للتحضيض صحبها معنى ~~التأسف والتفجع مثل قوله # يحسرة على العباد # [يس: 30] والغرض التأسف على تلك الأمم التي لم تهتد كقوم نوح وعاد ~~وثمود ومن تقدم ذكره { واتبع الذين ظلموا مآ أترفوا ~~فيه } أي واتبع أولئك الظلمة شهواتهم، وما نعموا به من الاشتغال ~~بالمال واللذات وآثروها على الآخرة { وكانوا مجرمين } أي وكانوا ~~قوما مصرين على الإجرام { وما كان ربك ليهلك القرى ~~بظلم وأهلها مصلحون } أي ما جرت عادة الله تعالى أن يهلك ~~القرى ظلما وأهلها مصلحون في أعمالهم، لأنه تعالى منزه عن الظلم، ~~وإنما يهلكهم بكفرهم ومعاصيهم { ولو شآء ربك لجعل الناس ~~أمة واحدة } أي لو شاء الله لجعل الناس كلهم مؤمنين مهتدين على ~~ملة الإسلام، ولكنه لم يفعل ذلك للحكمة { ولا يزالون ~~مختلفين * إلا من رحم ربك } أي ولا يزالون مختلفين على ~~أديان شتى، وملل متعددة ما بين يهودي، ونصراني، ومجوسي، إلا ناسا هداهم ~~الله من فضله وهم أهل الحق { ولذلك خلقهم } اللام لام العاقبة ~~أي خلقهم لتكون العاقبة اختلافهم ما بين شقي وسعيد قال الطبري: المعنى ~~وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم، فريق في الجنة، وفريق في السعير { ~~وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين } أي تم أمر الله ونفذ قضاؤه بأن يملأ جهنم من ~~الجن والإنس من الكفرة الفجرة جميعا قال الألوسي: والجملة متضمنة معنى ~~القسم ولذا جيء باللام في { لأملأن } وكأنه قال: والله لأملأن جهنم ~~من أتباع إبليس من الإنس والجن أجمعين { وكلا نقص عليك ~~من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } أي كل هذه ~~الأخبار التي قصصناها عليك يا محمد من أخبار الرسل السابقين، إنما هي ~~بقصد تثبيتك على أداء الرسالة، وتطمين قلبك، ليكون لك بمن مضى من إخوانك ~~المرسلين أسوة فتصبر كما صبروا { وجآءك في هذه الحق } أي ~~جاءك في هذه الأنباء ms0663 التي قصها الله عليك النبأ اليقيني الصادق { ~~وموعظة وذكرى للمؤمنين } أي وجاءك في هذه الأخبار ~~أيضا ما فيه عظة وعبرة للمعتبرين، وخص المؤمنين بالذكر لانتفاعهم ~~بمواعظ القرآن { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على ~~مكانتكم إنا عاملون } أي اعملوا على طريقتكم ومنهجكم إنا ~~عاملون على طريقتنا ومنهجنا، وهو أمر ومعناه التهديد والوعيد { ~~وانتظروا إنا منتظرون } تهديد آخر أي انتظروا ما يحل ~~بنا إنا منتظرون ما يحل بكم من عذاب الله { ولله غيب ~~السموت والأرض } أي علم ما غاب وخفي فيهما، كل ذلك بيده ~~وبعلمه { وإليه يرجع الأمر كله } أي إليه يرد أمر كل ~~شيء، فينتقم ممن عصى، ويثيب من أطاع وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وتهديد للكفار بالانتقام منهم { فاعبده وتوكل عليه } أي ~~اعبد ربك وحده، وفوض إليه أمرك، ولا تعتمد على أحد سواه، فإنه ~~كافي من توكل عليه { وما ربك بغافل عما تعملون } أي ~~لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد، ويجازي كلا بعمله. # البلاغة: 1- { منها قآئم وحصيد } شبه ما بقي من آثار ~~القرى وجدرانها بالزرع القائم على ساقه، وشبه ما هلك مع أهله ولم يبق ~~له أثر بالزرع المحصود بالمناجل على طريق الاستعارة المكنية. # 2- { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم } فيه طباق ~~السلب. # 3- { إذا أخذ القرى } مجاز عن الأهل أي أخذ أهل القرى. # 4- { شقي وسعيد } بينهما طباق وهو من المحسنات البديعية. # 5- { فأما الذين شقوا... وأما الذين سعدوا } فيه ~~لف ونشر مرتب. # 6- { ولولا كلمة سبقت من ربك } الكلمة هنا كناية عن ~~القضاء والقدر. # 7- { إن الحسنات يذهبن السيئات } بينهما طباق. # 8- { ذكرى للذاكرين } بينهما جناس الاشتقاق. # تنبيه: خلود أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ثابت مقطوع به ~~بالنصوص العديدة، وأما الاستثناء بالمشيئة في هذه السورة فقد استعمل في ~~أسلوب القرآن للدلالة على الثبوت والاستمرار، والنكتة في ذكره بيان أن ~~هذه الأمور إنما كانت بمشيئته تعالى ولو شاء لغيرها، وليس شيء خارج عن ~~مشيئته، فالإيمان والكفر، والسعادة والشقاوة، والخلود والخروج كلها ~~بمشيئته تعالى. # فائدة: أشار الشهاب إلى لطيفة من البلاغة ms0664 القرآنية، وهي أن ~~الأوامر بأفعال الخير أفردت للنبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت عامة في ~~المعنى { فاستقم كمآ أمرت، وأقم الصلاة، واصبر } ~~وفي المنهيات جمعت للأمة { ولا تطغوا، ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا } كذا في العناية. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-22] # اللغة: { المبين } الظاهر الجلي { القصص } إتباع الخبر بعضه ~~بعضا وأصله في اللغة المتابعة # وقالت لأخته قصيه # [القصص: 11] أي اتبعي أثره والمراد بالقصص الأخبار التي قصها علينا ~~الله في كتابه العزيز { الرؤيا } خاصة بالمنام وأما باليقضة فهي بالتاء ~~الرؤية قال الألوسي: مصدر رأى الحلمية الرؤيا ومصدر البصرية الرؤية ولهذا ~~خطىء المتنبي في قوله " ورؤياك أحلى في العيون من الغمض " { ~~يجتبيك } الاجتباء: الاصطفاء والاختيار وأصله من جبيت الشيء أي ~~حصلته { عصبة } جماعة قال الفراء: ما زاد على العشرة، والعصبة ~~والعصابة العشرة فصاعدا { اطرحوه } الطرح: رمي الشيء وإلقاؤه { ~~غيبت الجب } قعره وغوره سمي به لغيبته عن عين الناظر { يرتع ~~} يتسع في أكل ما لذ وطاب قال الراغب: الرتع حقيقته في أكل البهائم ~~ويستعار للإنسان إذا أريد به الأكل الكثير قالت الخنساء: # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت # فإنما هي إقبال وإدبار # { السيارة } المسافرين { سولت } زينت { واردهم } ~~الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم. # سبب النزول: روي أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قصة يوسف وما حصل له مع إخوته من أولاد يعقوب فنزلت السورة. # التفسير: { الر } إشارة إلى الإعجاز، فمن هذه الحروف وأمثالها تتألف ~~آيات الكتاب المعجز { تلك آيات الكتاب المبين } أي تلك ~~الآيات التي أنزلت إليك يا محمد هي آيات الكتاب المعجز في بيانه، الساطع ~~في حججه وبراهينه، الواضح في معانيه، الذي لا تشتبه حقائقه، ولا تلتبس ~~دقائقه { إنآ أنزلناه قرآنا عربيا } أي أنزلناه بلغة ~~العرب كتابا عربيا مؤلفا من هذه الأحرف العربية { لعلكم ~~تعقلون } أي لكي تعقلوا وتدركوا أن الذي يصنع من الكلمات العادية ~~هذا الكتاب المعجز ليس بشرا، وإنما هو إله قدير، وهذا الكلام وحي منزل ~~من رب العالمين { نحن نقص عليك أحسن القصص } أي نحن ms0665 ~~نحدثك يا محمد ونروي لك أخبار الأمم السابقة، بأصدق كلام، وأحسن بيان { ~~بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن } أي بإيحاءتنا إليك هذا ~~القرآن المعجز { وإن كنت من قبله لمن الغافلين } أي ~~وإن الحال والشأن أنك كنت من قبل أن نوحي إليك هذا القرآن لمن ~~الغافلين عن هذه القصة، لم تخطر ببالك، ولم تقرع سمعك، لأنك أمي لا ~~تقرأ ولا تكتب { إذ قال يوسف لأبيه يأبت إني رأيت ~~أحد عشر كوكبا } من هنا بداية القصة، أي اذكر حين قال يوسف ~~لأبيه يعقوب يا أبي إني رأيت في المنام هذه الرؤيا العجيبة، رأيت أحد عشر ~~كوكبا من كواكب السماء خرت ساجدة لي { والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين } أي ورأيت في المنام الشمس والقمر ساجدة ~~لي مع الكواكب قال ابن عباس: كانت الرؤيا فيهم وحيا قال المفسرون: ~~الكواكب الأحد عشر كانت إخوته، والشمس والقمر أبواه، وكان سنه إذ ذاك ~~اثنتي عشرة سنة، وبين هذه الرؤيا واجتماعه بأبيه وإخوته في مصر أربعون ~~سنة { قال يبني لا تقصص رؤياك على إخوتك } أي ~~قال له يعقوب: لا تخبر بهذه الرؤيا إخوتك { فيكيدوا لك كيدا } ~~أي فيحتالوا لإهلاكك حيلة عظيمة لا تقدر على ردها { إن ~~الشيطان للإنسان عدو مبين } أي ظاهر العداوة قال أبو ~~حيان: فهم يعقوب من رؤيا يوسف أن الله تعالى يبلغه مبلغا من الحكمة، ~~ويصطفيه للنبوة، وينعم عليه بشرف الدارين، فخاف عليه من حسد إخوته فنهاه ~~أن يقص رؤياه عليهم { وكذلك يجتبيك ربك } أي وكما أراك ~~مثل هذه الرؤيا العظيمة كذلك يختارك ربك للنبوة { ويعلمك من ~~تأويل الأحاديث } أي يعلمك تفسير الرؤيا المنامية { ويتم ~~نعمته عليك وعلى آل يعقوب } أي يتمم فضله وإنعامه عليك ~~وعلى ذرية أبيك يعقوب { كمآ أتمهآ على أبويك من قبل ~~إبراهيم وإسحاق } أي كما أكمل النعمة من قبل ذلك على جدك ~~إبراهيم وجدك إسحاق بالرسالة والاصطفاء { إن ربك عليم حكيم ~~} أي عليم بمن هو أهل للفضل، حكيم في تدبيره لخلقه { لقد كان في ~~يوسف وإخوته آيات للسائلين } أي لقد كان في ms0666 خبر يوسف ~~وإخوته الأحد عشر عبر وعظات للسائلين عن أخبارهم { إذ قالوا ~~ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا } هذه هي المحنة ~~الأولى ليوسف عليه السلام أي حين قالوا: والله ليوسف وأخوه " بنيامين " ~~أحب منا عند أبينا، أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة ~~فيه، وإنما قالوا { وأخوه } وهم جميعا إخوة لأن أمهما كانت واحدة { ~~ونحن عصبة } أي والحال نحن جماعة ذوو عدد، نقدر على النفع والضر، ~~بخلاف الصغيرين { إن أبانا لفي ضلال مبين } أي إنه في ~~خطأ وخروج عن الصواب بين واضح، لإيثاره يوسف وأخاه علينا بالمحبة قال ~~القرطبي: لم يريدوا ضلال الدين إذ لو أرادوه لكفروا، وإنما أرادوا أنه في ~~خطأ بين في إيثار اثنين على عشرة { اقتلوا يوسف أو ~~اطرحوه أرضا } أي أقتلوا يوسف أو ألقوه في أرض بعيدة مجهولة { ~~يخل لكم وجه أبيكم } أي فعند ذلك يخلص ويصفو لكم حب ~~أبيكم، فيقبل عليكم قال الرازي: المعنى إن يوسف شغله عنا وصرف وجهه ~~إليه، فإذا فقده أقبل علينا بالمحبة والميل { وتكونوا من بعده ~~قوما صالحين } أي وتتوبوا من بعد هذا الذنب وتصبحوا قوما صالحين ~~{ قال قآئل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في ~~غيبت الجب } أي قال لهم أخوهم " يهوذا " وهو أكبر ولد يعقوب: لا ~~تقتلوا يوسف بل ألقوه في قعر الجب وغوره { يلتقطه بعض ~~السيارة } أي يأخذه بعض المارة من المسافرين { إن كنتم ~~فاعلين } أي إن كان لا بد من الخلاص منه فاكتفوا بذلك، وكان رأيه ~~فيه أهون شرا من رأي غيره { قالوا يأبانا ما لك لا ~~تأمنا على يوسف } المعنى أي شيء حدث لك حتى لا تأمنا على ~~أخينا يوسف، ونحن جميعا أبناؤك؟ { وإنا له لناصحون } أي ونحن ~~نشفق عليه ونريد له الخير قال المفسرون: لما أحكموا العزم ذكروا هذا ~~الكلام وأظهروا عند أبيهم أنهم في غاية المحبة ليوسف، وفي غاية الشفقة ~~عليه، ليستنزلوه عن رأيه في تخوفه منهم وكأنهم قالوا: لم تخافنا عليه ~~ونحن نحبه ونريد الخير به!! { أرسله معنا غدا يرتع ~~ويلعب } أي ms0667 أرسله معنا غدا إلى البادية، يتسع في أكل ما لذ وطاب ~~ويلهو ويلعب بالاستباق وغيره { وإنا له لحافظون } أي ونحن ~~نحفظه من كل سوء ومكروه، أكدوا كلامهم بإن واللام وهم كاذبون { قال ~~إني ليحزنني أن تذهبوا به } أي قال لهم يعقوب: إنه ~~ليؤلمني فراقه لقلة صبري عنه { وأخاف أن يأكله الذئب ~~وأنتم عنه غافلون } أي وأخاف أن يفترسه الذئب في حال غفلتكم ~~عنه، وكأنه لقنهم الحجة قال الزمخشري: إعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أن ~~ذهابهم به ومفارقته إياه مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني: ~~خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم { قالوا لئن ~~أكله الذئب ونحن عصبة إنآ إذا لخاسرون } ~~اللام للقسم أي والله لئن أكله الذئب ونحن جماعة أقوياء أشداء إنا ~~لمستحقون أن يدعى علينا بالخسارة والدمار { فلما ذهبوا به } ~~في الكلام محذوف أي فأرسله معهم فلما أخذوه وابتعدوا به عن أبيه { ~~وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب } أي عزموا ~~واتفقوا على إلقائه في غور الجب { وأوحينآ إليه ~~لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } أي ~~أوحينا إلى يوسف لتخبرن إخوتك بفعلهم هذا الذي فعلوه بك وهم لا يشعرون ~~في ذلك الوقت أنك يوسف، قال الرازي: وفائدة هذا الوحي تأنيسه، وتسكين ~~نفسه، وإزالة الغم والوحشة عن قلبه، بأنه سيحصل له الخلاص من هذه ~~المحنة { وجآءوا أباهم عشآء يبكون } أي رجعوا إلى أبيهم ~~وقت العشاء ليلا وهم يبكون، روي أنه لما سمع يعقوب بكاءهم فزع، وقال: ما ~~لكم يا بني، وأين يوسف؟ { قالوا يأبانآ إنا ذهبنا ~~نستبق } أي نتسابق في العدو، أو في الرمي { وتركنا يوسف ~~عند متاعنا فأكله الذئب } أي تركنا يوسف عند ثيابنا ~~وحوائجنا ليحفظها فجاء الذئب فافترسه { ومآ أنت بمؤمن لنا ~~ولو كنا صادقين } أي لست بمصدق لنا في هذه المقالة ولو كنا في ~~الواقع صادقين، فكيف وأنت تتهمنا وغير واثق بقولنا؟ وهذا القول منهم يدل ~~على الارتياب، وكما قيل: يكاد المريب يقول خذوني { وجآءوا على ~~قميصه بدم كذب } أي جاءوا على ثوبه بدم ms0668 كاذب، وصف بالمصدر ~~مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه قال ابن عباس: ذبحوا شاة ولطخوا بدمها ~~القميص فلما جاءوا يعقوب قال: كذبتم لو أكله الذئب لخرق القميص وروي أنه ~~قال: " ما أحلم هذا الذئب أكل ابني ولم يشق قميصه "؟! { قال بل ~~سولت لكم أنفسكم أمرا } أي زينت لكم أنفسكم أمرا في ~~يوسف وليس كما زعمتم أن الذئب أكله { فصبر جميل } أي أمري صبر ~~جميل لا شكوى فيه { والله المستعان على ما تصفون } أي ~~وهو سبحانه عوني على تحمل ما تصفون من الكذب { وجاءت سيارة } أي ~~قوم مسافرون مروا بذلك الطريق قال ابن عباس: جاء قوم يسيرون من مدين إلى ~~مصر فأخطئوا الطريق فانطلقوا يهيمون حتى هبطوا على الأرض التي فيها جب ~~يوسف، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران { فأرسلوا واردهم } ~~أي بعثوا من يستقي لهم الماء { فأدلى دلوه } أي أرسل دلوه في ~~البئر قال المفسرون: لما أدلى الوارد دلوه وكان يوسف في ناحية من قعر ~~البئر تعلق بالحبل فخرج فلما رأى حسنه وجماله نادى { قال يبشرى ~~هذا غلام } قاله على سبيل السرور والفرح لتبشير نفسه وجماعته قال ~~أبو السعود: كأنه نادى البشرى وقال تعالي فهذا أوانك حيث فاز بنعمة ~~جليلة { وأسروه بضاعة } أي أخفوا أمره عن الناس ليبيعوه في أرض ~~مصر متاعا كالبضاعة، والضمير يعود على الوارد وجماعته { والله ~~عليم بما يعملون } أي لا يخفى عليه سبحانه أسرارهم، وما عزموا ~~عليه في أمر يوسف { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة } ~~هذه هي المحنة الثانية في حياة يوسف الصديق وهي محنة الاسترقاق أي باعه ~~أولئك المارة الذين استخرجوه من البئر بثمن قليل منقوص هو عشرون درهما ~~كما قال ابن عباس { وكانوا فيه من الزاهدين } أي وكانوا في ~~يوسف من الزاهدين الذين لا يرغبون فيه لأنهم التقطوه وخافوا أن يكون ~~عبدا آبقا فينتزعه سيده من أيديهم، ولذلك باعوه بأبخس الأثمان { ~~وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي ~~مثواه } أي وقال الذي اشتراه من مدينة مصر لزوجته أكرمي إقامته عندنا ~~قال ابن عباس: كان ms0669 اسم الذي اشتراه " قطفير " وهو العزيز الذي كان على ~~خزائن مصر " عسى أن ينفعنآ أو نتخذه ولدا } أي عسى أن ~~يكفينا بعض المهمات إذا بلغ أو نتبناه حيث لم يكن يولد لهما ولد { ~~وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } أي وكما نجيناه من الجب ~~جعلناه متمكنا في أرض مصر يعيش فيها بعز وأمان { ولنعلمه من ~~تأويل الأحاديث } أي نوفقه لتعبير بعض المنامات { والله ~~غالب على أمره } أي لا يعجزه تعالى شيء { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } أي لا يعلمون لطائف صنعه وخفايا فضله { ~~ولما بلغ أشده } أي بلغ منتهى شدته وقوته وهو ثلاثون سنة { ~~آتيناه حكما وعلما } أي أعطيناه حكمة وفقها في الدين { ~~وكذلك نجزي المحسنين } أي المحسنين في أعمالهم. # البلاغة: 1- { تلك آيات } الاشارة بالبعيد لبعد مرتبته في ~~الكمال وعلو شأنه. # 2- { كمآ أتمهآ على أبويك } تشبيه مرسل مجمل. # 3- { رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر } قال ~~الشريف الرضي: هذه استعارة لأن الكواكب والشمس والقمر مما لا يعقل فكان ~~الوجه أن يقال: ساجدة، ولكنها لما أطلق عليها فعل من يعقل جاز أن توصف ~~بصفة من يعقل لأن السجود من فعل العقلاء. # 4- { بدم كذب } الدم لا يوصف بالكذب والمراد بدم مكذوب فيه أو ~~دم ذي كذب وجيء بالمصدر على طريق المبالغة. # لطيفة: روي أن امرأة تحاكمت إلى شريح فبكت فقال الشعبي: يا أبا أمية ~~أما تراها تبكي؟ فقال الشعبي: لقد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة، ~~لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق. # تنبيه: ذهب بعض المفسرين إلى أن إخوة يوسف أنبياء واستدلوا على ذلك ~~بأنهم الأسباط المذكورون في قوله تعالى # قل آمنا بالله ومآ أنزل علينا ومآ أنزل على ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط # [آل عمران: 84] والصحيح أن الأسباط ليسوا أولاد يعقوب وإنما هم القبائل ~~من ذرية يعقوب كما نبه عليه المحققون، ولو كان إخوة يوسف أنبياء لما ~~أقدموا على مثل هذه الأفعال الشنيعة، فالحسد، والسعي بالفساد، والإقدام ~~على القتل، والكذب، وإلقاء يوسف في الجب، كل ذلك من الكبائر التي تنافي ~~عصمة ms0670 الأنبياء، فالقول بأنهم أنبياء - مع هذه الجرائم - لا يقبله عقل ~~حصيف، وانظر ما قاله العلامة ابن كثير رحمه الله في هذا الشأن، فإنه ~~لطيف ودقيق. ### || [12.23-42] # المناسبة: لما ذكر تعالى ما أكرم به يوسف من الإقامة في القصر مع ~~عزيز مصر، ذكر هنا ما تعرض له عليه السلام من أنواع الفتنة والإغراء من ~~زوجة العزيز، وصموده أمام تلك الفتنة العارمة، وما ظهر منه من العفة ~~والنزاهة حتى آثر دخول السجن على عمل الفاحشة، وكفى بذلك برهانا على ~~عفته وطهارته. # اللغة: { وراودته } المراودة: الطلب برفق ولين مأخوذة من راد ~~يرود إذا جاء وذهب ومنه الرائد لطلب الكلأ، يقال في الرجل: راودها عن ~~نفسها، وفي المرأة راودته عن نفسه أي طلبت منه مضاجعتها { هيت } اسم ~~فعل أمر بمعنى تعال وهلم { مثواي } مقامي، والثواء الإقامة مع ~~الاستقرار { همت } الهم يأتي بمعنى العزم والقصد، ومنه # وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه # [غافر: 5] ويأتي بمعنى الخاطر وحديث النفس دون عزم قال الشاعر: # هممت بهم من بثينة لو بدا # شفيت غليلات الهوى من فؤاديا # فالهم من امرأة العزيز كان هم عزم وتصميم، والهم من يوسف كان مجرد ~~حديث نفس { السوء } المنكر، والفجور، والمكروه { والفحشآء } ما ~~تناهى قبحه والمراد به الزنى { قدت } القد: الشق والقطع وأكثر ما ~~يستعمل في الطول، والقط يستعمل في العرض { ألفيا } وجدا { ~~كيدكن } الكيد: المكر والحيلة { الخاطئين } المتعمدين للذنب ~~قال الأصمعي: خطئ الرجل فهو خاطئ إذا تعمد الذنب، وأخطأ يخطئ إذا غلط ولم ~~يتعمد { شغفها حبا } وصل حبه إلى سويداء قلبها قال الزجاج: الشغاف ~~سويداء القلب { أصب } أمل يقال: صبا إلى اللهو إذا مال إليه. # التفسير: { وراودته التي هو في بيتها عن نفسه } ~~هذه هي المحنة الثالثة بعد محنة الجب والاسترقاق، والمراودة الطلب ~~برفق ولين كما يفعل المخادع بكلامه المعسول المعنى: طلبت امرأة العزيز ~~التي كان يوسف في بيتها منه أن يضاجعها، ودعته برفق ولين أن يواقعها، ~~وتوسلت إليه بكل وسيلة { وغلقت الأبواب } أي غلقت أبواب ~~البيوت عليها وعلى يوسف وأحكمت إغلاقها قال القرطبي: ms0671 كانت سبعة أبواب ~~غلقتها ثم دعته إلى نفسها { وقالت هيت لك } أي هلم وأسرع ~~إلى الفراش فليس ثمة ما يخشى قال في البحر: أمرته بأن يسرع إليها { ~~قال معاذ الله } أي عياذا بالله من فعل السوء قال أبو السعود: ~~وهذا إشارة إلى أنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص منه، لما ~~أراه الله من البرهان النير على ما فيه من غاية القبح ونهاية السوء { ~~إنه ربي أحسن مثواي } أي إن زوجك هو سيدي العزيز الذي ~~أكرمني وأحسن تعهدي فكيف أسيء إليه بالخيانة في حرمه؟ { إنه لا ~~يفلح الظالمون } أي لا يظفر الظالمون بمطالبهم، ومنهم الخائنون ~~المجازون الإحسان بالسوء، ثم أخبر تعالى ان امرأة العزيز حاولت إيقاعه ~~في شراكها، وتوسلت إليه بكل وسائل الإغراء، ولولا أن الله جل وعلا ~~حفظه من كيدها لهلك فقال { ولقد همت به } أي همت بمخالطته عن ~~عزم وقصد وتصميم، عزما جازما على الفاحشة لا يصرفها عنها صارف، وقصدت ~~إجباره على مطاوعتها بالقوة، بعد أن استحكمت من تغليق الأبواب، ودعوته ~~إلى الإسراع، مما اضطره إلى الهرب إلى الباب { وهم بها } أي مالت ~~نفسه إليها بمقتضى الطبيعة البشرية، وحدثته نفسه بالنزول عند رغبتها ~~حديث نفس، دون عزم وقصد، فبين الهمين فرق كبير قال الإمام الفخر: ~~الهم خطور الشيء بالبال أو ميل الطبع، كالصائم في الصيف يرى الماء ~~البارد فتحمله نفسه على الميل إليه وطلب شربه، ولكن يمنعه دينه عنه { ~~لولا أن رأى برهان ربه } جوابه محذوف أي لولا حفظ الله ~~ورعايته ليوسف، وعصمته له لخالطها وأمضى ما حدثته نفسه به، ولكن الله ~~عصمه بالحفظ والتأييد فلم يحصل منه شيء البتة قال في البحر: نسب ~~بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق، والذي أختاره أن " يوسف ~~" عليه السلام لم يقع منه هم البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان ~~كما تقول: " قارفت الذنب لولا أن عصمك الله " وكقول العرب: " أنت ~~ظالم إن فعلت " وتقديره: إن فعلت فأنت ظالم وكذلك هنا التقدير: لولا ~~أن رأى برهان ربه ms0672 لهم بها ولكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم، وأما ~~أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك، لأنها أقوال ~~متكاذبة يناقض بعضها بعضا مع كونها قادحة في بعض فساق الملل فضلا عن ~~المقطوع لهم بالعصمة وقال أبو السعود: إن همه بها بمعنى ميله إليها ~~بمقتضى الطبيعة البشرية، ميلا جبليا، لا أنه قصدها قصدا اختياريا، ~~ألا يرى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال كراهيته له ونفرته عنه، ~~وحكمه بعدم إفلاح الظالمين، وهل هو إلا تسجيل باستحالة صدور الهم منه ~~تسجيلا محكما؟ وما قيل: إنه حل الهميان، وجلس مجلس الختان، فإنما هي ~~خرافات وأباطيل، تمجها الآذان، وتردها العقول والأذهان { كذلك ~~لنصرف عنه السوء } أي ثبتناه على العفة أمام دوافع الفتنة ~~والإغراء لنصرف عنه المنكر والفجور، وهذه آية بينة، وحجة قاطعة على ~~أنه عليه السلام لم يقع منه هم بالمعصية، ولو كان كما زعموا لقال " ~~لنصرفه عن السوء والفحشاء " فلما قال { لنصرف عنه } دل على أن ~~ذلك شيء خارج عن الإرادة فصرفه الله عنه، بما منحه من موجبات العفة ~~والعصمة { والفحشآء } أي لنصرف عنه الزنى الذي تناهى قبحه { ~~إنه من عبادنا المخلصين } بفتح اللام أي الذين أخلصهم ~~الله لطاعته، واصطفاهم واختارهم لوحيه ورسالته، فلا يستطيع أن يغويهم ~~الشيطان. # . ثم أخبر تعالى بما حصل من المفاجأة العجيبة بقدوم زوجها وهما يتسابقان ~~نحو الباب، ولا تزال هي في هياجها الحيواني { واستبقا الباب } أي ~~تسابقا نحو باب القصر، هو للهرب، وهي للطلب { وقدت قميصه من ~~دبر } أي شقت ثوبه من خلف لأنها كانت تلحقه فجذبته فشقت قميصه { ~~وألفيا سيدها لدى الباب } أي وجدا العزيز عند باب القصر ~~فجأة وقد حضر في غير أوان حضوره، وبمهارة فائقة تشبه مهارة إبليس انقلب ~~الوضع فأصبح الظالم مظلوما، والبريء متهما { قالت ما جزآء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم } ~~أي ما جزاؤه إلا السجن أو الضرب ضربا مؤلما وجيعا { قال هي ~~راودتني عن نفسي } أي قال يوسف مكذبا لها: هي ms0673 التي دعتني إلى ~~مقارفة الفاحشة لا أني أردت بها السوء { وشهد شاهد من ~~أهلهآ } قال ابن عباس: كان طفلا في المهد أنطقه الله، وكان ابن ~~خالها قال في البحر: وكونه من أهلها أوجب للحجة عليها، وأوثق لبراءة ~~يوسف، وأنفى للتهمة { إن كان قميصه قد من قبل فصدقت ~~وهو من الكاذبين } أي إن كان ثوبه قد شق من أمام فهي صادقة ~~وهو كاذب { وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو ~~من الصادقين } أي وإن كان ثوبه قد شق من الوراء فهي كاذبة وهو ~~صادق، لأن الأمر المنطقي أن يشق الثوب من خلف إن كانت هي الطالبة له وهو ~~الهارب { فلما رأى قميصه قد من دبر } أي فلما رأى زوجها ~~أن الثوب قد شق من الوراء { قال إنه من كيدكن } أي إن ~~هذا الأمر من جملة مكركن واحتيالكن أيتها النسوة { إن كيدكن ~~عظيم } تأكيد لما سبق ذكره أي مكركن معشر النسوة واحتيالكن للتخلص ~~مما دبرتن شيء عظيم { يوسف أعرض عن هذا } أي يا يوسف ~~أكتم هذا الأمر ولا تذكره لأحد، يقول سيد قطب عليه الرحمة والرضوان: وهنا ~~تبدو صورة من " الطبقة الراقية " في المجتمع الجاهلي، رخاوة في مواجهة ~~الفضائح الجنسية، وميل إلى كتمانها عن المجتمع، فيلتفت العزيز إلى يوسف ~~البريء ويأمره بكتم الأمر وعدم إظهاره لأحد، ثم يخاطب زوجه الخائن ~~بأسلوب اللباقة في مواجهة الحادث الذي يثير الدم في العروق { ~~واستغفري لذنبك } أي توبي واطلبي المغفرة من هذا الذنب القبيح، ~~وكأن هذا هو المهم محافظة على الظواهر { إنك كنت من ~~الخاطئين } أي من القوم المتعمدين للذنب، وفي هذا إشارة إلى أن ~~العزيز كان قليل الغيرة حيث لم ينتقم ممن أرادت خيانته، وتدنيس فراشه ~~بالإثم والفجور قال ابن كثير: كان زوجها لين العريكة سهلا، أو أنه ~~عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه { وقال نسوة في المدينة ~~} أي قال جماعة من النساء في مدينة مصر، روي أنهن خمس نسوة: امرأة ساقي ~~العزيز، وامرأة الحاجب، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب ms0674 ~~السجن قاله ابن عباس وغيره، والأظهر أن تلك الواقعة شاعت في البلد، ~~واشتهرت وتحدث بها النساء { امرأة العزيز تراود فتاها عن ~~نفسه } أي امرأة عزيز مصر تطلب من خادمها وعبدها أن يواقعها وتخادعه ~~وتتوسل إليه لقضاء وطرها منه قال أبو حيان: وتصريحهن بإضافتها إلى العزيز ~~مبالغة في التشنيع، لأن النفوس أميل لسماع أخبار ذوي الجاه، وعبرن ب { ~~تراود } للدلالة على أن ذلك صار سجية لها فهي دائما تخادعه عن ~~نفسه لأن المضارع يفيد التجدد والاستمرار { قد شغفها حبا } أي ~~بلغ حبه شغاف قلبها - وهو حجابه - وشقه حتى وصل إلى فؤادها { ~~إنا لنراها في ضلال مبين } أي إنا لنعتقد أنها في ضلال عن ~~طريق الرشد واضح بسبب حبها إياه { فلما سمعت بمكرهن } أي ~~فلما سمعت بحديثهن، وسماه مكرا لأنه كان في خفية، كما يخفي الماكر مكره ~~{ أرسلت إليهن } أي أرسلت إليهن تدعوهن إلى منزلها لحضور ~~وليمة قال المفسرون: دعت أربعين امرأة من الذوات منهن النساء الخمس ~~المذكورات { وأعتدت لهن متكئا } أي هيأت لهن ما يتكئن ~~عليه من الفرش والوسائد { وآتت كل واحدة منهن سكينا ~~} في الكلام محذوف أي قدمت لهن الطعام وأنواع الفاكهة ثم أعطت كل واحدة ~~منهن سكينا لتقطع به { وقالت اخرج عليهن } أي وقالت ~~ليوسف وهن مشغولات بتقشير الفاكهة والسكاكين في أيديهن: اخرج عليهن ~~فلم يشعرن إلا ويوسف يمر من بينهن { فلما رأينه أكبرنه ~~} أي فلما رأين يوسف أعظمنه وأجللنه، وبهتن من جماله ودهشن { ~~وقطعن أيديهن } أي جرحن أيديهن بالسكاكين لفرط الدهشة ~~المفاجئة { وقلن حاش لله } أي تنزه الله عن صفات العجز، ~~وتعالت عظمته في قدرته على خلق مثله { ما هذا بشرا } أي ليس هذا ~~من البشر { إن هذآ إلا ملك كريم } أي ما هو إلا ملك من ~~الملائكة، فإن هذا الجمال الفائق، والحسن الرائع مما لا يكاد يوجد في ~~البشر { قالت فذلكن الذي لمتنني فيه } صرحت عند ~~ذلك بما في نفسها من الحب ليوسف لأنها شعرت بأنها انتصرت عليهن فقالت ~~قولة المنتصرة: هذا الذي رأيتموه هو ذلك العبد ms0675 الكنعاني الذي لمتنني ~~في محبته، فانظرن ماذا لقيتن منه من الافتتان والدهش والإعجاب!! { ~~ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } أي أردت أن أنال ~~وطري منه، وأن أقضي شهوتي معه، فامتنع امتناعا شديدا، وأبى إباء ~~عنيفا قال الزمخشري: والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ ~~والتحفظ الشديد { ولئن لم يفعل مآ آمره ليسجنن ~~وليكونا من الصاغرين } أي ولئن لم يطاوعني ليعاقبن بالسجن ~~والحبس وليكونن من الأذلاء المهانين قال القرطبي: عاودته المراودة ~~بمحضر منهن، وهتكت جلباب الحياء، وتوعدت بالسجن إن لم يفعل، ولم تعد ~~تخشى لوما ولا مقالا، خلاف أول أمرها إذ كان ذلك سرا بينها وبينه { ~~قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } ~~لجأ يوسف إلى ربه وجعل يناجيه في خشوع وتضرع فقال: رب السجن آثر عندي ~~وأحب إلى نفسي من اقتراف الفاحشة، وأسند الفعل إليهن لأنهن جميعا ~~مشتركات في الدعوة بالتصريح أو التلويح، وقيل إنها لما توعدته نصحته ~~وزين له مطاوعتها، ونهينه عن إلقاء نفسه في السجن { وإلا تصرف ~~عني كيدهن } أي وإن لم تدفع عني شرهن وتعصمني منهن { أصب ~~إليهن } أي أمل إلى إجابتهن بمقتضى البشرية { وأكن من ~~الجاهلين } أي بسبب ما يدعونني إليه من القبيح، وهذا كله على سبيل ~~التضرع والاستغاثة بجناب الله تعالى كعادة الأنبياء والصالحين { ~~فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن } أي أجاب الله ~~دعاءه فنجاه من مكرهن، وثبته على العصمة والعفة { إنه هو ~~السميع } أي لدعاء الملتجئين إليه { العليم } بأحوالهم وما انطوت ~~عليه نياتهم. # . وهكذا اجتاز يوسف محنته الثالثة بلطف الله ورعايته { ثم بدا ~~لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ~~} هذه بداية المحنة الرابعة وهي الأخيرة من محن الشدة في حياة يوسف ~~الصديق وهي " محنة السجن " وكل ما بعدها فرخاء والمعنى ثم ظهر للعزيز ~~وأهله ومن استشارهم بعد الدلائل القاطعة على براءة يوسف، سجنه إلى مدة من ~~الزمن غير معلومة، روي ان امرأة العزيز لما استعصى عليها يوسف وأيست منه، ~~احتالت بطريق آخر، فقالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في ms0676 ~~الناس يقول لهم: إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما ~~أن تأذن لي فأخرج وأعتذر، وإما أن تحبسه، فعند ذلك بدا له سجنه قال ابن ~~عباس: فأمر به فحمل على حمار، وضرب بالطبل، ونودي عليه في أسواق مصر، ~~إن يوسف العبراني أراد سيدته فجزاؤه أن يسجن، قال أبو صالح ما ذكر ابن ~~عباس هذا الحديث إلى بكى { ودخل معه السجن فتيان } أي ~~أدخل يوسف السجن واتفق أنه أدخل حينئذ آخران من خدم الملك الخاص ~~أحدهما خبازه، والآخر ساقيه، أتهما بأنهما أرادا أن يسماه فحبسهما { ~~قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا } أي قال الساقي ~~إني رأيت في المنام أني أعصر عنبا يئول إلى خمر وأسقي منه الملك { ~~وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا ~~تأكل الطير منه } أي وقال الخباز: إني رأيت في منامي أني أحمل ~~على رأسي طبقا فيه خبز، والطير تأكل من ذلك الخبز { نبئنا ~~بتأويله إنا نراك من المحسنين } أي أخبرنا بتفسير ما ~~رأينا إنا نراك من الذين يحسنون تفسير الرؤيا، أخبراه عن رؤياهما لما ~~علما أنه يجيد تفسير الرؤيا { قال لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما } أي لا يأتيكما شيء من الطعام إلا أخبرتكما ببيان حقيقته ~~وماهيته وكيفيته قبل أن يصل إليكما، أخبرهما بمعجزاته ومنها معرفة " ~~المغيبات " توطئة لدعائهما إلى الإيمان قال البيضاوي: أراد أن يدعوهما ~~إلى التوحيد ويرشدهما إلى الدين القويم قبل أن يسعفهما إلى ما سألاه عنه، ~~كما هو طريقة الأنبياء في الهداية والإرشاد، فقدم ما يكون معجزة له من ~~الإخبار بالغيب ليدلهما على صدقه في الدعوة والتعبير { ذلكما مما ~~علمني ربي } إن ذلك الإخبار بالمغيبات ليس بكهانة ولا تنجيم، ~~وإنما هو بإلهام ووحي من الله { إني تركت ملة قوم لا ~~يؤمنون بالله } أي خصني ربي بذلك العلم لأني من بيت النبوة وقد ~~تركت دين قوم مشركين لا يؤمنون بالله { وهم بالآخرة هم ~~كافرون } أي يكذبون بيوم القيامة، نبه على أصلين عظيمين: الإيمان ~~بالله، والإيمان بدار ms0677 الجزاء، إذ هما أعظم أركان الإيمان، وكرر لفظه { ~~هم } على سبيل التأكيد { واتبعت ملة آبآئي إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب } أي اتبعت دين الأنبياء، لا دين أهل الشرك ~~والضلال، والغرض إظهار أنه من بيت النبوة، لتقوى رغبتهما في الاستماع ~~إليه والوثوق بكلامه { ما كان لنآ أن نشرك بالله من ~~شيء } أي ما ينبغي لنا معاشر الأنبياء أن نشرك بالله شيئا مع اصطفائه ~~لنا وإنعامه علينا { ذلك من فضل الله علينا وعلى ~~الناس } أي ذلك الإيمان والتوحيد من فضل الله علينا حيث أكرمنا ~~بالرسالة، وعلى الناس حيث بعث الرسل لهدايتهم وإرشادهم { ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون } أي لا يشكرون فضل الله عليهم ~~فيشركون به غيره. # .. ولما ذكر عليه السلام ما هو عليه من الدين الحنيف الذي هو دين الرسل، ~~تلطف في حسن الاستدلال على فساد ما عليه قوم الفتيين من عبادة الأصنام ~~فقال { يصاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار } أي يا صاحبي في السجن أآلهة متعددة ~~لا تنفع ولا تضر ولا تستجيب لمن دعاها كالأصنام، خير أم عبادة الواحد ~~الأحد، المتفرد بالعظمة والجلال؟! { ما تعبدون من دونه إلا ~~أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم } أي ما تعبدون يا معشر ~~القوم من دون الله إلا أسماء فارغة سميتموها آلهة وهي لا تملك القدرة ~~والسلطان لأنها جمادات { مآ أنزل الله بها من سلطان } أي ~~ما أنزل الله لكم في عبادتها من حجة أو برهان { إن الحكم إلا ~~لله } أي ما الحكم في أمر العبادة والدين إلا لله رب العالمين { ~~أمر ألا تعبدوا إلا إياه } أي أمر سبحانه بإفراد ~~العبادة له، لأنه لا يستحقها إلا من له العظمة والجلال { ذلك الدين ~~القيم } أي ذلك الذي أدعوكم إليه من إخلاص العبادة لله هو الدين ~~القويم الذي لا اعوجاج فيه { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } أي يجهلون عظمة الله فيعبدون ما لا يضر ولا ينفع.. تدرج ~~عليه السلام في دعوتهم وألزمهم الحجة بأن بين لهم أولا رجحان التوحيد ~~على اتخاذ الآلهة المتعددة، ثم برهن على أن ما ms0678 يسمونها آلهة ويعبدونها من ~~دون الله لا تستحق الألوهية والعبادة، ثم نص على ما هو الحق القويم ~~والدين المستقيم وهو عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد، وذلك من الأسلوب ~~الحكيم في الدعوة إلى الله، حيث قدم الهداية والإرشاد، والنصيحة ~~والموعظة، ثم شرع في تفسير رؤياهما فقال { يصاحبي السجن أمآ ~~أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب ~~فتأكل الطير من رأسه } أي يا صاحبي في السجن أما الذي ~~رأى أنه يعصر خمرا فيخرج من السجن ويعود إلى ما كان عليه من سقى سيده ~~الخمر، وأما الآخر الذي رأى على رأسه الخبز فيقتل ويعلق على خشبة ~~فتأكل الطير من لحم رأسه، قال المفسرون: روى أنه لما أخبرهما بذلك جحدا ~~وقالا ما رأينا شيئا فقال { قضي الأمر الذي فيه ~~تستفتيان } أي انتهى وتم قضاء الله صدقتما أو كذبتما فهو واقع ~~لا محالة { وقال للذي ظن أنه ناج منهما } أي قال ~~يوسف للذي اعتقد نجاته وهو الساقي { اذكرني عند ربك } أي ~~اذكرني عند سيدك وأخبره عن أمري لعله يخلصني مما ظلمت به { ~~فأنساه الشيطان ذكر ربه } أي أنسى الشيطان الساقي أن ~~يذكر أمر يوسف للملك { فلبث في السجن بضع سنين } أي مكث ~~يوسف في السجن سبع سنين، قال المفسرون: وإنما لبث في السجن بضع سنين، ~~لأنه اعتمد ووثق بالمخلوق، وغفل أن يرفع حاجته إلى الخالق جل وعلا قال ~~القرطبي: قال وهب ابن منبه: أقام أيوب في البلاء سبع سنين، وأقام يوسف في ~~السجن سبع سنين. # البلاغة: 1- بين { صدقت } و { كذبت } و { الصادقين } و { ~~الكاذبين } طباق وهو من المحسنات البديعية. # 2- { من الخاطئين } من باب تغليب الذكور على الإناث. # 3- { سمعت بمكرهن } استعير المكر للغيبة لشبهها له في ~~الإخفاء. # 4- { وقطعن أيديهن } كذلك فيه استعارة حيث استعار لفظ ~~القطع عن الجرح أي جرحن أيديهن. # 5- { أعصر خمرا } مجاز مرسل باعتبار ما يكون أي عنبا يئول إلى ~~خمر. # فائدة: روي أن جبريل جاء إلى يوسف وهو في السجن معاتبا له فقال له: ~~يا يوسف من خلصك من القتل من أيدي إخوتك؟ ms0679 قال: الله تعالى، قال: فمن ~~أخرجك من الجب؟ قال: الله تعالى، قال: فمن عصمك من الفاحشة؟ قال: الله ~~تعالى، قال: فمن صرف عنك كيد النساء؟ قال: الله تعالى، قال: فكيف تركت ~~ربك فلم تسأله ووثقت بمخلوق!؟ قال: يا رب كلمة زلت مني أسألك يا إله ~~إبراهيم وآله والشيخ يعقوب عليهم السلام أن ترحمني فقال له جبريل: فإن ~~عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين. # تنبيه: قال العلماء في قوله تعالى { واستبقا الباب } هذا من ~~اختصار القرآن المعجز، الذي يجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، ~~وذلك أنها لما راودته عن نفسه وأبى، عزمت على أن تجبره بالقسر والإكراه، ~~فهرب منها فتسابقا نحو الباب هي لترده إلى نفسها وهو يهرب منها فاختصر ~~القرآن ذلك كله بتلك العبارة البليغة { واستبقا الباب }. # (شطحات بعض المفسرين في تفسير الهم) # لقد شط القلم، وزلقت القدم ببعض المفسرين حين زعموا أن يوسف عليه ~~السلام قد هم بمقارفة الفاحشة، وشحنت بعض كتب التفسير بكثير من ~~الروايات الإسرائيلية الواهية، بل المنكرة الباطلة في تفسير " الهم " و ~~" البرهان " حتى زعم بعضهم أن يوسف حل رباط السروال، وجلس منها مجلس ~~الرجل من امرأته، ثم رأى صورة أبيه " يعقوب " عاضا على أصبعه، فقام عنها ~~وتركها خجلا من أبيه إلى غير ما هنالك من أقوال واهية، لا زمام لها ولا ~~خطام. ولست أدري كيف دخلت تلك الروايات المنكرة إلى بعض كتب التفسير، ~~وتقبلها بعضهم بقبول حسن، وكلها - كما يقول العلامة أبو السعود - ~~خرافات وأباطيل، تمجها الآذان، وتردها العقول والأذهان!؟ ثم كيف غاب عن ~~أولئك المفسرين أن " يوسف الصديق " نبي كريم، ابن نبي كريم، وأن ~~العصمة من صفات الأنبياء!! يا قوم اعقلوا وفكروا، ونزهوا هذه الكتب عن ~~أمثال هذه الترهات والأباطيل، فإن الزنى جريمة من أبشع الجرائم فكيف ~~يرتكبها نبي من الأنبياء المكرمين؟ وهاكم الأدلة أسوقها من كتاب الله ~~فقط على عصمته عليه السلام من عشرة وجوه: # الأول: امتناعه الشديد ووقوفه أمامها بكل صلابه وعزم { قال معاذ ~~الله إنه ربي أحسن مثواي.. }. # الثاني: فراره ms0680 منها بعد أن غلقت الأبواب وشددت عليه الحصار { ~~واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر... }. # الثالث: إيثاره السجن على الفاحشة { قال رب السجن أحب ~~إلي مما يدعونني إليه... }. # الرابع: ثناء الله تعالى عليه في مواطن عديدة { إنه من عبادنا ~~المخلصين } # آتيناه حكما وعلما # [يوسف: 22] فهل يكون مخلصا لله من هم بفاحشة الزنى؟. # الخامس: شهادة الطفل الذي أنطقه الله وهو في المهد بالحجة الدامغة { ~~وشهد شاهد من أهلهآ... } الآية. # السادس: اعتراف امرأة العزيز ببراءته وعفته { ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم... }. # السابع: استغاثته بربه لينجيه من كيد النساء { فاستجاب له ~~ربه فصرف عنه كيدهن.. }. # الثامن: ظهور الأمارات الواضحة والبراهين الساطعة على براءته وإدخاله ~~السجن لدفع مقالة الناس { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا ~~الآيات ليسجننه حتى حين }. # التاسع: عدم قبوله الخروج من السجن حتى تبرأ ساحته من التهمة { ارجع ~~إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن ~~أيديهن... }؟. # العاشر: الاعتراف الصريح من امرأة العزيز والنسوة ببراءته { قالت ~~امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن ~~نفسه وإنه لمن الصادقين }. وكفى بذلك برهانا على عفته ~~ونزاهته!! والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ### || [12.43-68] # المناسبة: لما أراد الله الفرج عن يوسف وإخراجه من السجن، رأى ملك ~~مصر رؤيا عجيبة أفزعته، فجمع السحرة والكهنة والمنجمين وأخبرهم بما رأى ~~في منامه، وسألهم عن تأويلها فأعجزهم الله جميعا ليكون ذلك سببا في ~~خلاص يوسف من السجن. # اللغة: { عجاف } هزيلة ضعيفة جمع أعجف والأنثى عجفاء { تعبرون ~~} التعبير: معرفة تفسير الرؤيا المنامية { أضغاث } جمع ضغث وهو ~~الحزمة من الحشيش اختلط فيها اليابس بالرطب { أحلام } جمع حلم وهو ~~ما يراه النائم ومعناه أخلاط منامات اختلط فيها الحق بالباطل { ~~وادكر } تذكر بعد النسيان { دأبا } الدأب: الاستمرار على ~~الشيء يقال: دأب على عمله فهو دائب أي استمر عليه { تحصنون } تحرزون ~~وتدخرون { حصحص } ظهر وبان { مكين } ذو مكانة رفيعة { رحالهم ~~} جمع رحل وهو ما على ظهر المركوب من متاع الراكب وغيره { نمير } نأتي ~~لهم بالميرة وهي الطعام { يحاط بكم } تهلكوا جميعا. # التفسير: { وقال ms0681 الملك إني أرى سبع بقرات سمان ~~يأكلهن سبع عجاف } أي قال ملك مصر إني رأيت في منامي سبع ~~بقرات سمان خرجت من نهر يابس، وفي أثرها سبع بقرات هزيلة في غاية ~~الهزال فابتلعت العجاف السمان { وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات } هذا من تتمة الرؤيا أي ورأيت أيضا سبع سنبلات خضر قد ~~انعقد حبها وسبعا آخر يابسات قد استحصدت، فالتوت اليابسات على الخضر ~~فأكلنهن { يأيها الملأ أفتوني في رؤياي } أي يا أيها ~~الأشراف من رجالي وأصحابي أخبروني عن تفسير هذه الرؤيا { إن كنتم ~~للرؤيا تعبرون } أي إن كنتم تجيدون تعبيرها وتعرفون مغزاها { ~~قالوا أضغاث أحلام } أي أخلاط رؤيا كاذبة لا حقيقة لها قال ~~الضحاك: أحلام كاذبة { وما نحن بتأويل الأحلام ~~بعالمين } أي ولسنا نعرف تأويل مثل هذه الأحلام الكاذبة { وقال ~~الذي نجا منهما وادكر بعد أمة } أي وقال الذي نجا ~~من السجن وهو الساقي وتذكر ما سبق له مع يوسف بعد مدة طويلة { أنا ~~أنبئكم بتأويله } أي أنا أخبركم عن تفسير هذه الرؤيا ممن ~~عنده علم بتأويل المنامات { فأرسلون } أي فأرسلوني إليه لآتيكم ~~بتأويلها، خاطب الملك بلفظ التعظيم قال ابن عباس: لم يكن السجن في ~~المدينة ولهذا قال فأرسلون { يوسف أيها الصديق } في الكلام ~~محذوف دل عليه السياق وتقديره: فأرسلوه فانطلق الساقي إلى السجن ودخل ~~على يوسف وقال له: يا يوسف يا أيها الصديق وسماه صديقا لأنه كان قد ~~جرب صدقه في تعبير الرؤيا التي رآها في السجن، والصديق مبالغة من الصدق ~~{ أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ~~وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } أي أخبرنا عن تأويل ~~هذه الرؤيا العجيبة { لعلي أرجع إلى الناس لعلهم ~~يعلمون } أي لأرجع إلى الملك وأصحابه وأخبرهم بها ليعلموا فضلك ~~وعلمك ويخلصوك من محنتك قال الإمام الفخر: وإنما قال { لعلي ~~أرجع إلى الناس } لأنه رأى عجز سائر المعبرين عن جواب هذه ~~المسألة فخاف أن يعجز هو أيضا عنها فلهذا السبب قال لعلي { قال ~~تزرعون سبع سنين دأبا } أي تزرعون سبع سنين دائبين بجد ~~وعزيمة ms0682 { فما حصدتم فذروه في سنبله } أي فما حصدتم من ~~الزرع فاتركوه في سنبله لئلا يسوس { إلا قليلا مما ~~تأكلون } أي إلا ما أردتم أكله فادرسوه واتركوا الباقي في سنبله { ~~ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد } أي ثم يأتي بعد سني ~~الرخاء سبع سنين مجدبات ذات شدة وقحط على الناس { يأكلن ما ~~قدمتم لهن } أي تأكلون فيها مما ادخرتم أيام الرخاء { إلا ~~قليلا مما تحصنون } أي إلا القليل الذي تدخرونه وتخبئونه ~~للزراعة { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ~~وفيه يعصرون } أي ثم يأتي بعد سني القحط والجدب العصيبة عام ~~رخاء، فيه يمطر الناس ويغاثون، وفيه يعصرون الأعناب وغيرها لكثرة خصبه، ~~قال الزمخشري: تأول عليه السلام البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين ~~مخاصيب، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، ثم بشرهم بأن العام الثامن يجيء ~~مباركا خصيبا، كثير الخير، غزير النعم، وذلك من جهة الوحي { وقال ~~الملك ائتوني به } أي ولما رجع الساقي إلى الملك وعرض عليه ما ~~عبر به يوسف رؤياه استحسن ذلك فقال: أحضروه لي لأسمع منه تفسيرها بنفسي ~~ولأبصره { فلما جآءه الرسول } أي فلما جاء رسول الملك يوسف { ~~قال ارجع إلى ربك } أي قال يوسف للرسول: ارجع إلى سيدك الملك ~~{ فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ~~} أي سله عن قصة النسوة اللاتي قطعن أيديهن هل يعلم أمرهن؟ وهل يدري ~~لماذا حبست ودخلت السجن؟ وأني ظلمت بسببهن؟ أبى عليه السلام أن يخرج ~~من السجن حتى تبرأ ساحته من تلك التهمة الشنيعة، وأن يعلم الناس جميعا ~~أنه حبس بلا جرم { إن ربي بكيدهن عليم } أي إنه تعالى ~~هو العالم بخفيات الأمور وبما دبرن من كيد لي { قال ما خطبكن ~~إذ راودتن يوسف عن نفسه } جمع الملك النسوة ودعا امرأة ~~العزيز معهن فسألهن عن أمر يوسف وقال لهن: ما شأنكن الخطير حين دعوتن ~~يوسف إلى مقارفة الفاحشة؟ { قلن حاش لله ما علمنا عليه ~~من سوء } أي معاذ الله أن يكون يوسف أراد السوء، وهو تنزيه له وتعجب ~~من نزاهته وعفته ms0683 { قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق ~~} أي ظهر وانكشف الحق وبان بعد خفائه { أنا راودته عن ~~نفسه وإنه لمن الصادقين } أي أنا التي أغريته ودعوته ~~إلى نفسي وهو بريء من الخيانة وصادق في قوله " هي راودتني عن نفسي " ~~وهذا اعتراف صريح ببراءة يوسف على رءوس الأشهاد { ذلك ليعلم ~~أني لم أخنه بالغيب } الأظهر أن هذا من كلام يوسف قاله ~~لما وصله براءة النسوة له والمعنى ذلك الأمر الذي فعلته من رد الرسول ~~حتى تظهر براءتي ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته في غيبته بل تعففت ~~عنها { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } أي لا يوفق ~~الخائن ولا يسدد خطاه { ومآ أبرىء نفسي إن النفس ~~لأمارة بالسوء } أي لا أزكي نفسي ولا أنزهها، فإن النفس ~~البشرية ميالة إلى الشهوات، قاله يوسف على وجه التواضع قال الزمخشري: ~~أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه، لئلا يكون لها مزكيا، وبحالها معجبا ~~ومفتخرا { إلا ما رحم ربي } أي إلا من رحمه الله بالعصمة { ~~إن ربي غفور رحيم } أي عظيم المغفرة واسع الرحمة { وقال ~~الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي } أي ائتوني بيوسف ~~اجعله من خاصتي وخلصائي، قال ذلك لما تحقق براءته وعرف عفته وشهامته ~~وعلمه { فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين } أي فلما أتوا به وكلمه يوسف وشاهد الملك فضله، ووفور عقله، ~~وحسن كلامه قال إنك اليوم قريب المنزلة رفيع الرتبة، مؤتمن على كل شيء ~~{ قال اجعلني على خزآئن الأرض } أي قال يوسف للملك ~~اجعلني على خزائن أرضك { إني حفيظ عليم } أي أمين على ما ~~استودعتني، عليم بوجوه التصرف، وإنما طلب منه الولاية رغبة في العدل، ~~وإقامة الحق والإحسان، وليس هو من باب التزكية للنفس، وإنما هو للإشعار ~~بحنكته ودرايته لاستلام وزارة المالية { وكذلك مكنا ~~ليوسف في الأرض } أي وهكذا مكنا ليوسف في أرض مصر، وجعلنا له ~~العز والسلطان بعد الحبس والضيق { يتبوأ منها حيث يشآء ~~} أي يتخذ منها منزلا حيث يشاء ويتصرف في الممكلة كما يريد { نصيب ~~برحمتنا من نشآء } أي نخص ms0684 بإنعامنا وفضلنا من نشاء من عبادنا { ~~ولا نضيع أجر المحسنين } أي لا نضيع أجر من أحسن عمله ~~وأطاع ربه بل نضاعفه له { ولأجر الآخرة خير للذين ~~آمنوا وكانوا يتقون } أي أجر الآخرة وثوابها خير للمؤمنين ~~المتقين من أجر الدنيا، وفيه إشارة إلى أن المطلب الأعلى هو ثواب الآخرة، ~~وأن ما يدخر لهؤلاء المحسنين أعظم وأجل من هذا النعيم العاجل في ~~الدنيا { وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم ~~وهم له منكرون } أي دخلوا على يوسف فعرف أنهم إخوته ولكنهم لم ~~يعرفوه لهيبة الملك، وبعد العهد، وتغير الملامح قال ابن عباس: كان ~~بين إلقائه في الجب وبين دخولهم عليه اثنتان وعشرون سنة فلذا أنكروه، ~~وكان سبب مجيئهم أنهم أصابتهم مجاعة في بلادهم بسبب القحط الذي عم ~~البلاد، فخرجوا إلى مصر ليشتروا من الطعام الذي ادخره يوسف، فلما دخلوا ~~على يوسف قال كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ قالوا: جئنا للميرة، قال: ~~لعلكم عيون " جواسيس " علينا؟ قالوا: معاذ الله، قال: فمن أين أنتم؟ ~~قالوا: من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبي الله، قال: وله أولاد غيركم؟ ~~قالوا: نعم كنا اثني عشر فذهب أصغرنا وهلك في البرية - وكان أحبنا إليه ~~- وبقي شقيقه فاحتبسه ليتسلى به عنه وجئنا نحن العشرة، فأمر بإنزالهم ~~وإكرامهم { ولما جهزهم بجهازهم } أي هيأ لهم الطعام ~~والميرة وأعطاهم ما يحتاجون إليه في سفرهم { قال ائتوني بأخ ~~لكم من أبيكم } أي ائتوني بأخيكم بنيامين لأصدقكم { ألا ~~ترون أني أوفي الكيل } أي ألا ترون أني أتم الكيل من غير ~~بخس { وأنا خير المنزلين } أي خير من يكرم الضيفان وخير ~~المضيفين لهم، وكان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم { فإن لم تأتوني ~~به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون } أي إن لم تأتوني ~~بأخيكم فليس لكم عندي بعد اليوم ميرة، ولا تقربوا بلادي مرة ثانية، رغبهم ~~ثم توعدهم قال في البحر: والظاهر أن كل ما فعله يوسف عليه السلام كان ~~بوحي من الله وإلا فمقتضى البر أن يبادر إلى أبيه ويستدعيه لكن الله ~~أراد تكميل أجر يعقوب ومحنته، ms0685 ولتتفسر الرؤيا الأولى { قالوا ~~سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون } أي سنخادعه ونحتال ~~في انتزاعه من يده، ونجتهد في طلبه منه، وإنا لفاعلون ذلك { وقال ~~لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم } أي قال يوسف ~~لغلمانه الكيالين اجعلوا المال الذي اشتروا به الطعام في أوعيتهم { ~~لعلهم يعرفونهآ إذا انقلبوا إلى أهلهم } أي ~~لكي يعرفوها إذا رجعوا إلى أهلهم وفتحوا أوعيتهم { لعلهم ~~يرجعون } أي لعلهم يرجعون إلينا إذا رأوها، فإنه علم أن دينهم ~~يحملهم على رد الثمن لأنهم مطهرون عن أكل الحرام فيكون ذلك أدعى لهم إلى ~~العود إليه { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا ~~منع منا الكيل } أي فلما عادوا إلى أبيهم قالوا له - قبل أن ~~يفتحوا متاعهم - يا أبانا لقد أنذرنا بمنع الكيل في المستقبل إن لم نأت ~~بأخينا بنيامين، فإن ملك مصر ظن أننا جواسيس وأخبرناه بقصتنا فطلب ~~أخانا ليتحقق صدقنا { فأرسل معنآ أخانا نكتل } أي أرسل ~~معنا أخانا بنيامين لنأخذ ما نستحقه من الحبوب التي تكال لنا { وإنا ~~له لحافظون } أي نحفظه من أن يناله مكروه { قال هل آمنكم ~~عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من قبل } أي قال ~~لهم يعقوب: كيف آمنكم على بنيامين وقد فعلتم بأخيه يوسف ما فعلتم بعد أن ~~ضمنتم لي حفظه، ثم خنتم العهد؟ فأخاف أن تكيدوا له كما كدتم لأخيه؟ ~~فأنا لا أثق بكم ولا بحفظكم، وإنما أثق بحفظ الله { فالله خير ~~حافظا } أي حفظ الله خير من حفظكم { وهو أرحم الراحمين } ~~أي هو أرحم من والديه وإخوته، فأرجو أن يمن علي بحفظه ولا يجمع ~~علي مصيبتين { ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ~~ردت إليهم } أي ولما فتحوا الأوعية التي وضعوا فيها الميرة ~~وجدوا ثمن الطعام في متاعهم { قالوا يأبانا ما نبغي } أي ماذا ~~نبغي؟ وأي شيء نطلب من إكرام الملك أعظم من هذا؟ { هذه ~~بضاعتنا ردت إلينا } أي هذا ثمن الطعام قد رد إلينا من ~~حيث لا ندري، فهل هناك مزيد فوق هذا الإحسان، أوفى لنا الكيل، ورد ~~لنا الثمن!! أرادوا بذلك استنزال أبيهم ms0686 عن رأيه { ونمير أهلنا } ~~أي نأتي بالميرة والطعام لأهلنا { ونحفظ أخانا } أي نحفظه من ~~المكاره، وكرروا حفظ الأخ مبالغة في الحض على إرساله { ونزداد ~~كيل بعير } أي ونزداد باستصحابنا له حمل بعير، روي أنه ما كان يعطي ~~الواحد إلا كيل بعير من الطعام، فأعطاهم حمل عشرة جمال ومنعهم الحادي عشر ~~حتى يحضر أخوهم { ذلك كيل يسير } أي سهل على الملك إعطاؤه ~~لسخائه { قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا ~~من الله لتأتنني به } أي قال لهم أبوهم: لن أرسل معكم ~~بنيامين إلى مصر حتى تعطوني عهدا مؤكدا وتحلفوا بالله لتردنه علي { ~~إلا أن يحاط بكم } أي إلا أن تغلبوا فلا تقدروا على تخليصه، ~~ولا يبقى لكم طريق أو حيلة إلى ذلك قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلكم ~~فيكون ذلك عذرا عندي { فلمآ آتوه موثقهم } أي فلما حلفوا ~~له وأعطوه العهد المؤكد { قال الله على ما نقول وكيل } أي ~~الله شهيد رقيب على ذلك { وقال يبني لا تدخلوا من باب ~~واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } أي لا تدخلوا مصر ~~من باب واحد قال المفسرون: خاف عليهم من العين إن دخلوا مجتمعين إذ ~~كانوا أهل جمال وهيبة، والعين حق تدخل الرجل القبر، والجمل القدر ~~كما جاء في الحديث { ومآ أغني عنكم من الله من شيء } ~~أي لا أدفع عنكم بتدبيري شيئا مما قضاه الله عليكم، فإن الحذر لا يدفع ~~القدر { إن الحكم إلا لله } أي ما الحكم إلا لله جل وعلا ~~وحده لا يشاركه أحد، ولا يمانعه شيء { عليه توكلت } أي عليه ~~وحده اعتمدت وبه وثقت { وعليه فليتوكل المتوكلون } ~~أي وعليه فليعتمد أهل التوكل والإيمان، وليفوضوا أمورهم إليه { ~~ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } أي دخلوا من ~~الأبواب المتفرقة كما أوصاهم أبوهم { ما كان يغني عنهم من ~~الله من شيء } أي ما كان دخولهم متفريقن ليدفع عنهم من قضاء الله ~~شيئا { إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها } أي إلا خشية ~~العين شفقة منه على بنيه { وإنه لذو علم لما علمناه ~~} أي وإن ms0687 يعقوب لذو علم واسع لتعليمنا إياه بطريق الوحي، وهذا ثناء من ~~الله تعالى عظيم على يعقوب، لأنه علم بنور النبوة أن القدر لا يدفعه ~~الحذر { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي لا يعلمون ~~ما خص الله به أنبياءه وأصفياءه من العلوم التي تنفعهم في الدارين. # البلاغة: 1- { إني أرى سبع بقرات } صيغة المضارع لحكاية ~~الحال الماضية. # 2- { سمان... وعجاف } بينهما طباق وكذلك بين { خضر... ~~ويابسات } طباق. # 3- { أضغاث أحلام } هذا من أبلغ أنواع الاستعارة وألطفها فإن ~~الأضغاث هو المختلط من الحشيش المضموم بعضه إلى بعض، فشبه اختلاط الأحلام ~~وما فيها من المحبوب والمكروه، والخير والشر باختلاط الحشيش المجموع من ~~أصناف كثيرة. # 4- { يوسف أيها الصديق } هذا من براعة الاستهلال فقد قدم ~~الثناء قبل السؤال طمعا في إجابة مطلبه. # 5- { يأكلن ما قدمتم لهن } فيه مجاز عقلي لأن السنين لا ~~تأكل وإنما يأكل الناس ما ادخروه فيها، فهو من باب الإسناد إلى الزمان ~~كقول الفصحاء: نهار الزاهد صائم وليله قائم. # 6- { لأمارة بالسوء } لم يقل آمرة مبالغة في وصف النفس بكثرة ~~الدفع في المهاوي، والقود إلى المغاوي لأن " فعال " من أبنية المبالغة. # 7- { فعرفهم وهم له منكرون } بين عرف وأنكر طباق. # 8- { لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ~~متفرقة } فيه إطناب وهو زيادة اللفظ على المعنى، وفائدته تمكين ~~المعنى من النفس، وفيه أيضا من المحسنات البديعية ما يسمى " طباق السلب ~~". # فائدة: أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على يوسف الصديق في كرمه ~~وصبره وحلمه فقال: # " لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي " # وكفى بهذا برهانا على عفة يوسف ونزاهته عليه السلام. # لطيفة: ذكر بعض العلماء أن يوسف عليه السلام ما زال النساء يملن إليه ~~ميل شهوة حتى نبأه الله، فألقى عليه هيبة النبوة فشغلت هيبته كل من رآه ~~عن حسنه. ### || [12.69-93] # المناسبة: تتحدث الآيات عن مجيء إخوة يوسف للمرة الثانية إلى مصر ~~ومعهم " بنيامين " الأخ الشقيق ليوسف، وما كان من شأنه حين ظهر الصواع في ~~رحله، فاحتجزه يوسف عنده بحكم شريعة يعقوب، ثم ما ms0688 كان من تمام المحنة على ~~يعقوب عليه السلام بفقد ولديه حتى ذهب الحزن ببصره. # اللغة. { تبتئس } تحزن { العير } الإبل التي عليها الأحمال ثم ~~كثر الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عير { صواع } الصواع: الصاع الذي ~~يكال به يذكر ويؤنث وهو السقاية { زعيم } كفيل { سولت } ~~زينت وسهلت { كظيم } ممتلئ من الحزن يكتمه ولا يبديه { تفتؤا ~~} لا تفتأ ولا تزال من أخوات كان الناقصة { حرضا } الحرض: المرض ~~الذي يشفي على الهلاك قال الشاعر: # سرى همي فأمرضني # وقدما زادني مرضا # كذاك الحب قبل اليو # م مما يورث الحرضا # وأصل الحرض الفساد في الجسم أو العقل { بثي } البث: أشد الغم ~~والهم { فتحسسوا } التحسس: طلب الشيء بالحواس، والتعرف ~~عليه مع الاستقصاء الدقيق ويستعمل في الخير كما أن التجسس يستعمل في ~~الشر، وقيل يستعمل في الخير والشر { لا تثريب } التثريب: التأنيب ~~والتوبيخ. # التفسير: { ولما دخلوا على يوسف } أي وحين دخل أولاد ~~يعقوب على يوسف { آوى إليه أخاه } أي ضم إليه أخاه الشقيق ~~بنيامين { قال إني أنا أخوك } أي أنا أخوك يوسف، أخبره بذلك ~~واستكتمه { فلا تبتئس بما كانوا يعملون } أي لا تحزن ~~بما فعلوا بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا بخير قال ~~المفسرون: لما دخل إخوة يوسف عليه أكرمهم وأحسن ضيافتهم ثم أنزل كل اثنين ~~في بيت وبقي " بنيامين " وحيدا فقال: هذا لا ثاني له فيكون معي، فبات ~~يوسف يضمه إليه ويعانقه، وقال له: أنا أخوك يوسف فلا تحزن بما صنعوا، ثم ~~أعلمه أنه سيحتال لإبقائه عنده وأمره أن يكتم الخبر { فلما ~~جهزهم بجهازهم } أي ولما قضى حاجتهم وحمل إبلهم بالطعام ~~والميرة { جعل السقاية في رحل أخيه } أي أمر يوسف بأن ~~تجعل السقاية - وهي صاع من ذهب مرصع بالجواهر - في متاع أخيه ~~بنيامين { ثم أذن مؤذن } أي نادى مناد { أيتها ~~العير } أي يا أصحاب الإبل ويا أيها الركب المسافرون { إنكم ~~لسارقون } أي أنتم قوم سارقون، وإنما استحل أن يرميهم بالسرقة لما ~~في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه { قالوا وأقبلوا عليهم ~~ماذا تفقدون }؟ قال ms0689 المفسرون: لما وصل المنادون إليهم قالوا: ألم ~~نكرمكم ونحسن ضيافتكم؟ ونوف إليكم الكيل؟ ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم؟ ~~قالوا: بلى وما ذاك؟ قالوا: فقدنا سقاية الملك ولا نتهم عليها غيركم ~~فذلك قوله تعالى: { قالوا وأقبلوا عليهم ماذا ~~تفقدون } أي التفتوا إليهم وسألوهم ماذا ضاع منكم وماذا فقد؟ وفي ~~قولهم { ماذا تفقدون } بدل " ماذا سرقنا " إرشاد لهم إلى ~~مراعاة حسن الأدب، وعدم المجازفة بنسبة البريئين إلى تهمة السرقة، ولهذا ~~التزموا الأدب معهم فأجابوهم { قالوا نفقد صواع الملك } أي ~~ضاع منا مكيال الملك المرصع بالجواهر { ولمن جآء به حمل ~~بعير } أي ولمن جاءنا بالمكيال ورده إلينا حمل بعير من الطعام ~~كجائزة له { وأنا به زعيم } أي أنا كفيل وضامن بذلك { ~~قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في ~~الأرض } قسم فيه معنى التعجب أي قالوا متعجبين: والله لقد علمتم أيها ~~القوم ما جئنا بقصد أن نفسد في أرضكم { وما كنا سارقين } أي ~~ولسنا ممن يوصف بالسرقة قط لأننا أولاد أنبياء ولا نفعل مثل هذا الفعل ~~القبيح قال البيضاوي: استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا منهم ~~من فرط أمانتهم، كرد البضاعة التي جعلت في رحالهم، وككم أفواه الدواب ~~لئلا تتناول زرعا أو طعاما لأحد { قالوا فما جزآؤه إن ~~كنتم كاذبين } أي ما عقوبة السارق في شريعتكم إن كنتم كاذبين في ~~ادعاء البراءة { قالوا جزآؤه من وجد في رحله فهو ~~جزاؤه } أي جزاء السارق الذي يوجد الصاع في متاعه أن يسترق ويصبح ~~مملوكا لمن سرق منه { كذلك نجزي الظالمين } أي كذلك نجازي ~~من تعدى حدود الله بالسرقة وأمثالها، وهذا القول منهم هو الحكم في ~~شريعة يعقوب وقد نسخ بقطع الأيدي في الشريعة الإسلامية { فبدأ ~~بأوعيتهم قبل وعآء أخيه } أي بدأ بتفتيش أوعيتهم قبل ~~وعاء أخيه بنيامين قال المفسرون: هذا من تمام الحيلة ودفع التهمة فإنهم ~~لما ادعوا البراءة قال لهم: لا بد من تفتيش أوعيتكم واحدا واحدا ~~فانطلقوا بهم إلى يوسف فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء " بنيامين " قال ~~قتادة: ذكر لنا أنه ms0690 كان لا يفتح متاعا ولا ينظر وعاء إلا استغفر الله ~~مما قذفهم به، حتى بقي أخوه - وكان أصغر القوم فقال: ما أظن هذا أخذ ~~شيئا فقالوا: والله لا نتركك حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك ~~وأنفسنا، فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع فيه فذلك قوله تعالى { ثم ~~استخرجها من وعآء أخيه } أي استخرج الصواع من متاع أخيه ~~بنيامين، فلما أخرجها منه نكس الإخوة رءوسهم من الحياء، وأقبلوا ~~عليه يلومونه ويقولون له فضحتنا وسودت وجوهنا يا ابن راحيل { كذلك ~~كدنا ليوسف } أي كذلك صنعنا ودبرنا ليوسف وألهمناه الحيلة ليستبقي ~~أخاه عنده { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } أي ما ~~كان ليوسف أن يأخذ أخاه في دين ملك مصر، لأن جزاء السارق عنده أن يضرب ~~ويغرم ضعف ما سرق { إلا أن يشآء الله } أي إلا بمشيئته ~~تعالى وإذنه، وقد دلت الآية على أن تلك الحيلة كانت بتعليم الله وإلهامه ~~له { نرفع درجات من نشآء } أي نرفع بالعلم منازل من نشاء ~~من عبادنا كما رفعنا يوسف { وفوق كل ذي علم عليم } أي فوق ~~كل عالم من هو أعلم منه حتى ينتهي إلى ذي العلم البالغ وهو رب ~~العالمين قال الحسن: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي العلم إلى الله ~~وقال ابن عباس: الله العليم الخبير فوق كل عالم { قالوا إن يسرق ~~فقد سرق أخ له من قبل } أي إن سرق فقد سرق أخوه الشقيق من ~~قبله يعنون يوسف، تنصلوا من السرقة ورموا بها يوسف وأخاه { فأسرها ~~يوسف في نفسه ولم يبدها لهم } أي أخفى تلك القولة في ~~نفسه وكتمها ولم يظهرها لإخوته تلطفا معهم { قال أنتم شر ~~مكانا } أي أنتم شر منزلة حيث سرقتم أخاكم من أبيكم ثم طفقتم ~~تفترون على البريء، ولم يواجههم بهذا الكلام وإنما قاله في نفسه { ~~والله أعلم بما تصفون } أي أعلم بما تتقولوا وتفترون { ~~قالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا } ~~استرحام واستعطاف أي قالوا مستعطفين يا أيها السيد المبجل إن أباه ~~شيخ كبير في ms0691 السن لا يكاد يستطيع فراقه { فخذ أحدنا مكانه } ~~أي خذ بدله واحدا منا فلسنا عنده بمنزلته من المحبة والشفقة { إنا ~~نراك من المحسنين } أي أتمم إحسانك علينا فقد عودتنا الجميل ~~والإحسان { قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا ~~متاعنا عنده } أي نعوذ بالله من أن نأخذ أحدا بجرم غيره { ~~إنآ إذا لظالمون } أي نكون ظالمين إن فعلنا ذلك قال الألوسي: ~~والتعبير بقوله { من وجدنا متاعنا عنده } بدل " من سرق " ~~لتحقيق الحق والاحتراز عن الكذب { فلما استيأسوا منه ~~خلصوا نجيا } أي ولما يئسوا من إجابة طلبهم يأسا تاما، وعرفوا ~~أن لا جدوى من الرجاء، اعتزلوا جانبا عن الناس يتناجون ويتشاورون { ~~قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ ~~عليكم موثقا من الله } أي قال أكبرهم سنا وهو " روبيل " ~~أليس قد أعطيتم أباكم عهدا وثيقا برد أخيكم؟ { ومن قبل ما ~~فرطتم في يوسف } أي ومن قبل هذا ألا تذكرون تفريطكم في يوسف؟ ~~فكيف ترجعون إليه الآن؟ { فلن أبرح الأرض حتى يأذن ~~لي أبي } أي فلن أفارق أرض مصر حتى يسمح لي أبي بالخروج منها { أو ~~يحكم الله لي } أي يحكم لي بخلاص أخي { وهو خير ~~الحاكمين } أي وهو سبحانه أعدل الحاكمين لأنه لا يحكم إلا بالعدل ~~والحق { ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يأبانا إن ~~ابنك سرق } أي ارجعوا إلى أبيكم فأخبروه بحقيقة ما جرى وقولوا له ~~إن ابنك بنيامين سرق { وما شهدنآ إلا بما علمنا } أي ~~ولسنا نشهد إلا بما تيقنا وعلمنا فقد رأينا الصاع في رحله { وما ~~كنا للغيب حافظين } أي ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك ~~الميثاق { وسئل القرية التي كنا فيها } أي واسأل أهل ~~مصر عن حقيقة ما حدث قال البيضاوي: أي أرسل إلى أهلها واسألهم عن القصة ~~{ والعير التي أقبلنا فيها } أي واسأل أيضا القافلة ~~التي جئنا معهم وهم قوم من كنعان كانوا بصحبتهم في هذه السفرة { وإنا ~~لصادقون } أي صادقون فيما أخبرناك من أمره { قال بل سولت ~~لكم أنفسكم أمرا } أي زينت وسهلت لكم أنفسكم أمرا ~~ومكيدة ms0692 فنفذتموها، اتهمهم بالتآمر على " بنيامين " لما سبق منهم في أمر ~~يوسف { فصبر جميل } أي لا أجد سوى الصبر محتسبا أجري عند الله { ~~عسى الله أن يأتيني بهم جميعا } أي عسى أن يجمع الله ~~شملي بهم، ويقر عيني برؤيتهم جميعا { إنه هو العليم ~~الحكيم } أي العالم بحالي الحكيم في تدبيره وتصريفه { وتولى ~~عنهم } أي أعرض عن أولاده كراهة لما سمع منهم { وقال يأسفى ~~على يوسف } أي يا لهفي ويا حسرتي وحزني على يوسف { وابيضت ~~عيناه من الحزن } أي فقد بصره وعشي من شدة البكاء حزنا على ~~ولديه { فهو كظيم } أي مملوء القلب كمدا وغيظا ولكنه يكتم ذلك في ~~نفسه، وهو مغموم ومكروب لتلك الداهية الدهياء قال أبو السعود: وإنما تأسف ~~على يوسف مع أن الحادث مصيبة أخويه لأن ذكر يوسف كان آخذا بمجامع قلبه ~~لا ينساه ولأنه كان واثقا بحياتهما طامعا في إيابهما وأما يوسف فلم يكن ~~في شأنه ما يحرك سلسلة رجائه سوى رحمة الله وفضله وقال الرازي: الحزن ~~الجديد يقوي الحزن القديم الكامن في النفس، والأسى يبعث الأسى ويثير ~~الأحزان قال الشاعر: # فقلت له إن الأسى يبعث الأسى # فدعني فهذا كله قبر مالك # { قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف } أي لا تفتأ ولا تزال ~~تذكر يوسف وتتفجع عليه { حتى تكون حرضا أو تكون من ~~الهالكين } أي حتى تكون مريضا مشرفا على الهلاك أو تهلك أسى ~~وحسرة وتموت { قال إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله } ~~أي قال لهم يعقوب: لست أشكو غمي وحزني إليكم وإنما أشكو ذلك إلى الله ~~فهو الذي تنفع الشكوى إليه { وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون } أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون أنتم فأرجو أن ~~يرحمني ويلطف بي ويأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب { يبني اذهبوا ~~فتحسسوا من يوسف وأخيه } أي اذهبوا إلى الموضع الذي جئتم ~~منه فالتمسوا يوسف وتعرفوا على خبره وخبر أخيه بحواسكم { ولا ~~تيأسوا من روح الله } أي لا تقنطوا من رحمة الله وفرجه ~~وتنفيسه { إنه لا ييأس من روح الله إلا ms0693 القوم ~~الكافرون } أي فإنه لا يقنط من رحمته تعالى إلا الجاحدون المنكرون ~~لقدرته جل وعلا { فلما دخلوا عليه قالوا يأيها ~~العزيز مسنا وأهلنا الضر } في الكلام محذوف أي فخرجوا ~~راجعين إلى مصر فدخلوا على يوسف فلما دخلوا قالوا يا أيها العزيز أصابنا ~~وأهلنا الشدة من الجدب والقحط { وجئنا ببضاعة مزجاة } أي ~~وجئنا ببضاعة رديئة مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقارا قال ابن ~~عباس: كانت دراهمهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام، أظهروا له الذل ~~والانكسار استرحاما واستعطافا { فأوف لنا الكيل } أي أتمم ~~لنا الكيل ولا تنقصه لرداءة بضاعتنا { وتصدق علينآ } أي برد ~~أخينا إلينا أو بالمسامحة عن رداءة البضاعة { إن الله يجزي ~~المتصدقين } أي يثيب المحسنين أحسن الجزاء. # . ولما بلغ بهم الأمر إلى هذا الحد من الاسترحام والضيق والانكسار ~~أدركته الرأفة فباح لهم بما كان يكتمه من أمره { قال هل علمتم ~~ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون }؟ أي هل ~~تذكرون ما فعلتم بيوسف وأخيه حال شبابكم وطيشكم؟ والغرض تعظيم الواقعة ~~كأنه يقول: ما أعظم ما ارتكبتم في يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه! قال أبو ~~السعود: وإنما قاله نصحا لهم، وتحريضا على التوبة، وشفقة عليهم { ~~قالوا أءنك لأنت يوسف } أي قال إخوته متعجبين مستغربين: ~~أأنت يوسف حقا؟ { قال أنا يوسف وهذا أخي } أي قال: نعم ~~أنا يوسف وهذا أخي الشقيق { قد من الله علينآ } أي من ~~علينا بالخلاص من البلاء، والاجتماع بعد الفرقة، والعزة بعد الذلة { ~~إنه من يتق ويصبر } أي إنه من يتق الله فيراقبه ويصبر على ~~البلايا والمحن { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ~~أي لا يبطل أجرهم ولا يضيع إحسانهم بل يجزيهم عليه أوفى الجزاء قال ~~البيضاوي: ووضع المحسنين موضع الضمير للتنبيه على أن المحسن من جمع بين ~~التقوى والصبر { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } ~~اعتراف بالخطيئة وإقرار بالذنب أي والله لقد فضلك الله علينا بالتقوى ~~والصبر، والعلم والحلم { وإن كنا لخاطئين } أي وحالنا وشأننا ~~أننا كنا مذنبين بصنيعنا الذي صنعنا بك، ولذلك أعزك ms0694 الله وأذلنا، ~~وأكرمك وأهاننا { قال لا تثريب عليكم اليوم } أي قال لهم ~~يوسف: لا عتب عليكم اليوم ولا عقوبة بل أصفح وأعفو { يغفر الله ~~لكم } دعاء لهم بالمغفرة وهذا زيادة تكريم منه لما فرط منهم { وهو ~~أرحم الراحمين } أي هو جل وعلا المتفضل على التائب بالمغفرة ~~والرحمة، أرحم بعباده من كل أحد { اذهبوا بقميصي هذا ~~فألقوه على وجه أبي } قال الطبري: ذكر أن يوسف لما عرف ~~نفسه إخوته سألهم عن أبيهم فقالوا: ذهب بصره من الحزن فعند ذلك أعطاهم ~~قميصه، وأراد يوسف تبشير أبيه بحياته، وإدخال السرور عليه بذلك { يأت ~~بصيرا } أي يرجع إليه بصره { وأتوني بأهلكم أجمعين } ~~أي وجيئوني بجميع الأهل والذرية من أولاد يعقوب. # البلاغة: 1- { فلما جهزهم بجهازهم } فيه جناس ~~الاشتقاق وكذلك في { أذن مؤذن }. # 2- { فأسرها... ولم يبدها } بينهما طباق. # 3- { شيخا كبيرا } فيه إطناب للاستعطاف. # 4- { وسئل القرية } مجاز مرسل علاقته المحلية. # 5- { يأسفى على يوسف } بين لفظتي الأسف ويوسف جناس الاشتقاق. # 6- { تالله تفتؤا } إيجاز بالحذف أي تالله لا تفتأ. # 7- { ولا تيأسوا من روح الله } فيه استعارة استعير ~~الروح وهو تنسيم الريح التي يلذ شميمها ويطيب نسيمها، للفرج الذي ~~يأتي بعد الكربة، واليسر الذي يأتي بعد الشدة. # لطيفة: ذكر القاضي عياض في كتابه " الشفا " أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ ~~هذه الآية { فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا } فقال: ~~أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام. وذلك أن الآية ذكرت صفة ~~اعتزالهم لجميع الناس، وانفرادهم من غيرهم، وتقليبهم الآراء ظهرا لبطن، ~~وأخذهم في تزوير ما يلقون به أباهم عند عودهم إليه، وما يوردون عليه من ~~ذكر الحادث، فتضمنت تلك الآية القصيرة، معاني القصة الطويلة. ### || [12.94-111] # المناسبة: تتحدث الآيات عن مجيء أسرة يعقوب بأسرهم إلى مصر، ودخولهم ~~على يوسف وهو في عز السلطان وعظمة الملك، وتحقيق الرؤيا بسجود إخوته ~~الأحد عشر له مع أبيه وأمه، واجتماع الشمل بعد الفرقة، وحلول الأنس بعد ~~الكدر، ثم تختم السورة الكريمة بتوجيه الأنظار إلى عجائب الكون الدالة ~~على القدرة والوحدانية، وما في قصص القرآن من ms0695 العبر والعظات { لقد ~~كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب }!!. # اللغة: { تفندون } تنسبوني إلى الخرف قال الأصمعي: إذا كثر ~~كلام الرجل من خرف فهو المفند وقال الزمخشري: التفنيد النسبة إلى ~~الفند وهو الخرف وإنكار العقل من هرم يقال: شيخ مفند ولا يقال عجوز ~~مفندة، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فتفند في كبرها { ضلالك } ~~ذهابك عن الصواب { البدو } البادية { نزغ } أفسد وأغوى وأصله من ~~نزغ الراكب الدابة إذا نخسها ليحملها على الجري { فاطر } مبدع ومخترع ~~وأصله من فطر إذا شق ثم صار عبارة عن الخلق والإيجاد { غاشية } ~~عذاب يغشاهم { بغتة } فجأة { بأسنا } عذابنا { عبرة } عظة ~~وتذكرة. # التفسير: { ولما فصلت العير } أي خرجت منطلقة من مصر إلى ~~الشام { قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف } أي قال يعقوب ~~لمن حضر من قرابته إني لأشم رائحة يوسف قال ابن عباس: هاجت ريح فحملت ~~ريح قميص يوسف وبينهما مسيرة ثمان ليال { لولا أن تفندون } أي ~~تسفهوني وتنسبوني إلى الخرف وهو ذهاب العقل وجواب { لولا } محذوف ~~تقديره لأخبرتكم أنه حي { قالوا تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم } أي قال حفدته ومن عنده: والله إنك لفي خطأ وذهاب عن طريق ~~الصواب قديم، بإفراطك في محبة يوسف، ولهجك بذكره، ورجائك للقائه قال ~~المفسرون: وإنما قالوا ذلك لاعتقادهم أن يوسف قد مات { فلمآ أن ~~جآء البشير } أي فلما جاء المبشر بالخبر السار قال مجاهد: كان ~~البشير أخاه يهوذا الذي حمل قميص الدم فقال: أفرحه كما أحزنته { ~~ألقاه على وجهه } أي طرح البشير القميص على وجه يعقوب { ~~فارتد بصيرا } أي عاد بصيرا لما حدث له من السرور والانتعاش { ~~قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا ~~تعلمون } أي قال يعقوب لأبنائه: ألم أخبركم بأني أعلم ما لا تعلمونه ~~من حياة يوسف وأن الله سيرده علي لتتحقق الرؤيا؟ قال المفسرون: ذكرهم ~~بقوله # إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون # [يوسف: 86] روي أنه سأل البشير كيف يوسف؟ فقال: هو ملك مصر، قال ما أصنع ~~بالملك! ms0696 على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمت ~~النعمة { قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ } طلب أبناؤه ~~أن يستغفر لهم لما فرط منهم ثم اعترفوا بخطأهم بقولهم { إنا كنا ~~خاطئين } أي مخطئين فيما ارتكبنا مع يوسف { قال سوف ~~أستغفر لكم ربي } وعدهم بالاستغفار قال المفسرون: أخر ذلك ~~إلى السحر ليكون أقرب إلى الإجابة وقيل: أخرهم إلى يوم الجمعة ~~ليتحرى ساعة الإجابة { إنه هو الغفور الرحيم } أي الساتر ~~للذنوب الرحيم بالعباد { فلما دخلوا على يوسف آوى ~~إليه أبويه } أي فلما دخل يعقوب وأبناؤه وأهلوهم على يوسف ضم ~~إليه أبويه واعتنقهما { وقال ادخلوا مصر إن شآء الله ~~آمنين } أي ادخلوا بلدة مصر آمنين من كل مكروه، وإنما قال { إن شآء ~~الله } تبركا وتيمنا { ورفع أبويه على العرش } أي ~~أجلسهما على سرير الملك بجانبه { وخروا له سجدا } أي سجد له ~~أبوه وأمه وإخوته حين دخولهم عليه قال المفسرون: كان السجود عندهم تحية ~~وكرامة لا عبادة { وقال يأبت هذا تأويل رؤياي من ~~قبل } أي هذا تفسير الرؤيا التي رأيتها في منامي وأنا صغير { قد ~~جعلها ربي حقا } أي صدقا حيث وقعت كما رأيتها في النوم { ~~وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن } أي أنعم علي ~~بإخراجي من السجن قال المفسرون: ولم يذكر قصة الجب تكرما منه لئلا ~~يخجل إخوته ويذكرهم صنيعهم بعد أن عفا عنهم { وجآء بكم من ~~البدو } أي جاء بكم من البادية لأنهم كانوا أهل إبل وغنم ببادية ~~فلسطين، ذكرهم بنعمة الله على آل يعقوب حيث نقلهم من البادية إلى الحضر ~~واجتمع شمل الأسرة بمصر قال الطبري: ذكر أن يعقوب دخل مصر هو ومن معه من ~~أولاده وأهاليهم وأبنائهم وهم أقل من مائة، وخرجوا منها يوم خرجوا وهم ~~زيادة على ستمائة ألف { من بعد أن نزغ الشيطان بيني ~~وبين إخوتي } أي أفسد ما بيني وبين إخوتي بالإغواء قال أبو ~~حيان: وذكر هذا القدر من أمر إخوته لأن النعمة إذا جاءت إثر بلاء وشدة ~~كانت أحسن موقعا { إن ربي لطيف لما ms0697 يشآء } أي لطيف ~~التدبير يحقق مشيئته بلطف ودقة خفية لا يحسها الناس ولا يشعرون بها { ~~إنه هو العليم الحكيم } أي العليم بخلقه الحكيم في صنعه ~~قال المفسرون: إن يعقوب عليه السلام أقام مع يوسف في مصر أربعا وعشرين ~~سنة ثم مات وكان قد أوصى أن يدفن بالشام إلى جنب أبيه إسحاق، فمضى يوسف ~~بنفسه ودفنه ثمة، ثم لما عاد إلى مصر عاش بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة، ~~فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم الخالد، ~~واشتاق إلى لقاء الله وإلى آبائه الصالحين إبراهيم وإسحاق فقال { رب ~~قد آتيتني من الملك } أي أعطيتني العز والجاه والسلطان، ~~وذلك من نعمة الدنيا { وعلمتني من تأويل الأحاديث } أي ~~علمتني تفسير الرؤيا، وذلك من نعمة العلم { فاطر السموت ~~والأرض } أي يا مبدع السماوات والأرض وخالقهما على غير مثال سابق { ~~أنت وليي في الدنيا والآخرة } أي أنت يا رب متولي أموري ~~وشئوني في الدارين { توفني مسلما وألحقني بالصالحين ~~} أي اقبضني إليك مسلما، واجعل لحاقي بالصالحين، ابتهل إلى ربه أن يحفظ ~~عليه إسلامه حتى يموت عليه، وإلى هنا تنتهي قصة يوسف الصديق، ثم يأتي ~~التعقيب بعد ذلك بإقامة البرهان على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام { ~~ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك } أي ذلك الذي ~~أخبرناك عنه يا محمد من أمر يوسف وقصته، من الأخبار المغيبة التي لم ~~تكن تعلمها قبل الوحي، وإنما نعلمك نحن بها على أبلغ وجه وأدق تصوير، ~~ليظهر صدقك في دعوى الرسالة { وما كنت لديهم إذ أجمعوا ~~أمرهم وهم يمكرون } أي وما كنت حاضرا مع إخوة يوسف حين ~~تآمروا على أخيهم وأجمعوا أمرهم على إلقائه في الجب وهم يحتالون ويمكرون ~~به وبأبيه ليرسله معهم، فإنك يا محمد لم تشاهدهم حتى تقف على حقيقة القصة ~~وإنما جاءتك بوحي من العليم الخبير { ومآ أكثر الناس ولو ~~حرصت بمؤمنين } هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي ليس ~~أكثر الخلق ولو حرصت على إيمانهم وبالغت في إرشادهم بمصدقين لك ~~لتصميمهم على ms0698 الكفر { وما تسألهم عليه من أجر } أي وما ~~تطلب منهم على هذا النصح، والدعاء إلى الخير والرشد أجرة حتى يثقل عليهم ~~{ إن هو إلا ذكر للعالمين } أي ما هذا القرآن إلا عظة ~~وتذكير للعالمين، وأنت لا تطلب في تلاوته عليهم مالا، فلو كانوا عقلاء ~~لقبلوا ولم يتمردوا { وكأين من آية في السماوات ~~والأرض } أي كم من الآيات والعلامات الدالة على وجود الله جل وعلا ~~ووحدانيته، الكائنة في السماوات والأرض كالشمس والقمر والنجوم، والجبال ~~والبحار والأشجار، وسائر ما فيهما من العجائب { يمرون عليها } ~~أي يشاهدونها ليل نهار، ويمرون عليها بالعشي والإبكار { وهم عنها ~~معرضون } أي لا يفكرون فيها ولا يعتبرون، فلا تتعجب من إعراضهم عنك ~~فإن إعراضهم عن هذه الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرته أغرب وأعجب { ~~وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } أي ~~لا يؤمن أكثر هؤلاء المكذبين من قومك إلا إذا أشركوا مع الله غيره، فإنهم ~~يقرون بأن الله هو الخالق الرازق ويعبدون معه الأصنام قال ابن عباس: ومن ~~ذلك قولهم في تلبيتهم: " لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه ~~وما ملك " { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب ~~الله } أفأمن هؤلاء المكذبون عقوبة من عذاب الله تغشاهم وتشملهم؟ { ~~أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون } أي أو ~~تأتيهم القيامة بأهوالها فجأة من حيث لا يشعرون ولا يتوقعون؟ والاستفهام ~~إنكاري وفيه معنى التوبيخ { قل هذه سبيلي } أي قل يا محمد هذه ~~طريقي ومنهاجي واضحة مستقيمة لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة { أدعو ~~إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني } أي أدعو ~~على عبادة الله وطاعته، على بيان وحجة واضحة أنا ومن آمن بي { ~~وسبحان الله ومآ أنا من المشركين } أي وأنزهه ~~سبحانه عن الشركاء والأنداد، فأنا مؤمن موحد ولست من المشركين { ومآ ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم } إي وما ~~أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالا من البشر لا ملائكة من السماء قال ~~الطبري: أي رجالا لا نساء ولا ملائكة نوحي إليهم آياتنا للدعاء ms0699 إلى ~~طاعتنا، والآية رد على من أنكر أن يكون النبي من البشر، أو زعم أن في ~~النساء نبيات { من أهل القرى } أي من أهل المدن والأمصار لا ~~من أهل البوادي قال الحسن: لم يبعث الله نبيا من أهل البادية قط ولا من ~~النساء ولا من الجن قال المفسرون: وإنما كانوا من أهل الأمصار لأنهم أعلم ~~وأحلم، وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء والقسوة { أفلم يسيروا ~~في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم } أي أفلم يسر هؤلاء المكذبون في الأرض فينظروا نظر تفكر ~~وتدبر ما حل بالأمم السابقين ومصارع المكذبين فيعتبرون بذلك؟ ~~والاستفهام للتوبيخ { ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ~~} أي الدار الآخرة خير للمؤمنين المتقين من هذه الدار التي ليس فيها قرار ~~{ أفلا تعقلون } أي أفلا تعقلون فتؤمنون!! { حتى إذا ~~استيأس الرسل } أي يئس الرسل من إيمان قومهم { وظنوا ~~أنهم قد كذبوا } أي أيقن الرسل أن قومهم كذبوهم { جآءهم ~~نصرنا } أي أتاهم النصر عند اشتداد الكرب، ففي اللحظة التي تستحكم ~~فيها الشدة، ويأخذ فيها الكرب بالمخانق، ولا يبقى أمل في غير الله، في ~~هذه اللحظة يجيء النصر كاملا حاسما فاصلا { فنجي من نشآء } ~~أي فنجينا الرسل والمؤمنين بهم دون الكافرين { ولا يرد بأسنا ~~عن القوم المجرمين } أي ولا يرد عذابنا وبطشنا عن ~~المجرمين إذا نزل بهم { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألباب } أي لقد كان في قصة يوسف وإخوته عظة وتذكرة لأولي العقول ~~النيرة { ما كان حديثا يفترى } أي ما كان هذا القرآن ~~أخبارا تروى أو أحاديث تختلق { ولكن تصديق الذي بين ~~يديه } أي ولكن كان هذا القرآن مصدقا لما سبقه من الكتب السماوية ~~المنزلة من قبل { وتفصيل كل شيء } أي تبيان كل ما يحتاج ~~إليه من أحكام الحلال والحرام، والشرائع والأحكام { وهدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون } أي وهداية من الضلالة ورحمة من العذاب لقوم ~~يصدقون به ويعملون بأوامره ونواهيه. # البلاغة: 1- { تالله إنك لفي ضلالك } أكدوا كلامهم ~~بالقسم وإن واللام وهذا الضرب يسمى (إنكاريا) لتتابع أنواع المؤكدات. # 2- { ادخلوا مصر إن ms0700 شآء الله آمنين } جملة { إن شآء ~~الله } دعائية جيء بها للتبرك وفي الآية تقديم وتأخير تقديره: ادخلوا ~~مصر آمنين إن شاء الله. # 3- { ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا } ~~أبواه المراد به الأب والأم فهو من باب التغليب، والرفع مؤخر عن الخرور ~~وإن تقدم لفظا للاهتمام بتعظيمه لهما أي سجدوا له ثم أجلس أبويه على عرش ~~الملك. # 4- { ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } جملة { ~~ولو حرصت } اعتراضية بين اسم { ما } الحجازية وخبرها، وجيء بهذا ~~الاعتراض لإفادة أن الهداية بيد الله جل وعلا وحده. # 5- { وما تسألهم عليه من أجر } هذا على حذف مضاف أي ~~وما تسألهم على تبليغ القرآن من أجر. # 6- { وهم عنها معرضون } { إلا وهم مشركون } فيه ~~من المحسنات البديعية " السجع " وهو توافق الفاصلتين في الحرف الأخير. # تنبيه: دل قوله تعالى { لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب } على أن الغرض من ذكر هذه القصص والأخبار، العظة ~~والاعتبار، ووجه الاعتبار بهذه القصة أن الذي قدر على إخراج يوسف من الجب ~~بعد إلقائه فيه، وإخراجه من السجن، وتمليكه مصر بعد العبودية، وجمع شمله ~~بأبيه وإخوته بعد المدة الطويلة واليأس من الاجتماع، قادر على إعزاز ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وإعلاء شأنه، وإظهار دينه، وأن الإخبار بهذه ~~القصة العجيبة جار مجرى الإخبار عن الغيوب، فكان ذلك معجزة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-16] # اللغة: { عمد } العمد: الدعائم وهو اسم جمع وقيل: جمع عمود { ~~صنوان } جمع صنو وهو الغصن الخارج عن أصل الشجرة وأصله المثل ~~ومنه قيل للعم صنو لمماثلته للأب، فإذا كان للشجرة عدة فروع فهي ~~صنوان { الأغلال } جمع غل وهو طوق تشد به اليد إلى العنق { ~~المثلات } جمع مثلة وهي العقوبة وسميت بذلك لما بين العقاب ~~والمعاقب من المماثلة { تغيض } غاض الماء نقص أو غار { وسارب } ~~السارب: الذاهب في سربه أي طريقه بوضح النهار لا يستخفي عن الأنظار { ~~معقبات } ملائكة يعقب بعضهم بعضا أي يأتي بعضهم عقب بعض { ~~المحال } القوة والإهلاك والنقمة. # سبب النزول: عن أنس أن ms0701 رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا إلى ~~جبار من فراعنة العرب فقال: اذهب فادعه لي فقال يا رسول الله: إنه جبار ~~عات قال: اذهب فادعه لي، فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: أخبرني عن إله محمد أمن ذهب هو؟ أو من فضة؟ أو من نحاس؟ فرجع ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قال الرجل وقال له: ألم ~~أخبرك أنه أعتى من ذلك؟ فقال: ارجع إليه الثانية فادعه لي، فرجع إليه ~~فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينا هو يجادله إذ بعث الله عليه سحابة حيال ~~رأسه فرعدت فوقعت منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه فأنزل الله { ويرسل ~~الصواعق فيصيب بها من يشآء وهم يجادلون في ~~الله وهو شديد المحال }. # التفسير: { المر } إشارة إلى إعجاز القرآن وقال ابن عباس معناه: أنا ~~الله أعلم وأرى { تلك آيات الكتاب } أي هذه آيات القرآن المعجز، ~~الذي فاق كل كتاب { والذي أنزل إليك من ربك الحق } ~~أي والذي أوحي إليك يا محمد في هذا القرآن هو الحق الذي لا يلتبس ~~بالباطل، ولا يحتمل الشك والتردد { ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون } أي ومع وضوحه وجلائه كذب به أكثر الناس { الله الذي ~~رفع السماوات بغير عمد ترونها } أي خلقها مرتفعة ~~البناء، قائمة بقدرته لا تستند على شيء حال كونكم تشاهدونها وتنظرونها ~~بغير دعائم، وذلك دليل وجود الخالق المبدع الحكيم { ثم استوى ~~على العرش } أي علا فوق العرش علوا يليق بجلاله من غير تجسيم ولا ~~تكييف ولا تعطيل { وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى } أي ذلل الشمس والقمر لمصالح العباد، كل يسير ~~بقدرته تعالى إلى زمن معين هو زمن فناء الدنيا { يدبر الأمر } ~~أي يصرف بحكمته وقدرته أمور الخلق وشئون الملكوت من إيجاد وإعدام، ~~وإحياء وإماتة وغير ذلك { يفصل الآيات } أي يبينها ويوضحها { ~~لعلكم بلقآء ربكم توقنون } أي لتصدقوا بلقاء الله، ~~وتوقنوا بالمعاد إليه، لأن من قدر على ذلك كله فهو قادر على إحياء ~~الإنسان بعد موته { وهو الذي مد ms0702 الأرض } أي هو تعالى بقدرته ~~بسط الأرض وجعلها ممدودة فسيحة، وهذا لا ينافي كرويتها فإن ذلك مقطوع ~~به، والغرض أنه تعالى جعلها واسعة فسيحة ممتدة الآفاق ليستقر عليها ~~الإنسان والحيوان، ولو كانت كلها جبالا ووديانا لما أمكن العيش عليها ~~قال في التسهيل: ولا يتنافى لفظ البسط والمد مع التكوير، لأن كل قطعة ~~من الأرض ممدودة على حدتها، وإنما التكوير لجملة الأرض { وجعل ~~فيها رواسي } أي وخلق في الأرض جبالا ثوابت رواسخ لئلا تضطرب ~~بأهلها كقوله # أن تميد بكم # [النحل: 15] { وأنهارا } أي وجعل فيها الأنهار الجاريات { ومن ~~كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } أي جعل فيها من ~~جميع أنواع الثمرات زوجين اثنين ذكرا وأنثى ليتم بينهما أسباب ~~الإخصاب والتكاثر طبق سنته الحكيمة وقال أبو السعود: أي جعل من كل نوع ~~من أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا ضربين وصنفين، إما في اللون ~~كالأبيض والأسود، أو في الطعم كالحلو والحامض، أو في القدر كالصغير ~~والكبير، أو في الكيفية كالحار والبارد وما أشبه ذلك { يغشي اليل ~~النهار } أي يلبسه إياه فيصير الجو مظلما بعد ما كان مضيئا { ~~إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } أي إن في عجائب ~~صنع الله لدلالات وعلامات باهرة على قدرته ووحدانيته لمن تأمل وتفكر، ~~وخص " المتفكرون " بالذكر لأن ما احتوت عليه هذه الآيات من الصنيع ~~العجيب لا يدرك إلا بالتفكر { وفي الأرض قطع متجاورات } ~~أي في الأرض بقاع مختلفة متلاصقات قريب بعضها من بعض قال ابن عباس: ~~أرض طيبة، وأرض سبخة تنبت هذه، وهذه إلى جنبها لا تنبت { ~~وجنات من أعناب } أي بساتين كثيرة من أشجار العنب { وزرع ~~ونخيل صنوان وغير صنوان } أي وفي هذه القطع المتجاورة ~~أنواع الزروع والحبوب والنخيل والرطب، منها ما ينبت منه من أصل واحد ~~شجرتان فأكثر، ومنها ما ينبت منه شجرة واحدة { يسقى بمآء واحد ~~ونفضل بعضها على بعض في الأكل } أي الكل يسقى بماء ~~واحد، والتربة واحدة، ولكن الثمار مختلفات الطعوم قال الطبري: الأرض ~~الواحدة يكون فيها الخوخ، والكمثرى، والعنب الأبيض والاسود، بعضها ~~حلو، ms0703 وبعضها حامض، وبعضها أفضل من بعض مع اجتماع جميعها على شرب واحد ~~{ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي علامات باهرة ~~ظاهرة لمن عقل وتدبر، وفي ذلك رد على القائلين بالطبيعة { وإن ~~تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي ~~خلق جديد } أي إن تعجب يا محمد من شيء فليس ما هو أعجب من قول ~~الكفار أئذا متنا وأصبحنا رفاتا هل سنبعث من جديد؟ فإن إنكارهم للبعث ~~حقيق أن يتعجب منه، فإن الذي قدر على إنشاء ما ذكرنا من السماوات ~~والأرض، والأشجار والثمار، والبحار والأنهار قادر على إعادتهم بعد موتهم ~~{ أولئك الذين كفروا بربهم } أي هؤلاء الذين أنكروا ~~البعث هم الجاحدون لقدرة الله { وأولئك الأغلال في ~~أعناقهم } أي يغلون بالسلاسل في أعناقهم يوم القيامة { ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } أي وهم في ~~جهنم مخلدون فيها أبدا لا يموتون فيها ولا يخرجون { ~~ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } أي يستعجلك ~~المشركون يا محمد بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية، استعجلوا ما ~~هددوا به من عذاب الدنيا استهزاء { وقد خلت من قبلهم ~~المثلات } أي وقد مضت عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لا ~~يعتبرون ولا يتعظون؟ { وإن ربك لذو مغفرة للناس ~~على ظلمهم } أي وإن ربك لذو صفح عظيم للناس، لا يعجل لهم ~~العقوبة وإن كانوا ظالمين بل يمهلهم بتأخيرها { وإن ربك ~~لشديد العقاب } أي شديد العقاب لمن أصر على المعاصي ولم يتب ~~ومن ذنوبه. # قرن تعالى بين سعة حلمه وشدة عقابه ليبقى العبد بين الرغبة والرهبة، ~~والرجاء والخوف { ويقول الذين كفروا لولا أنزل ~~عليه آية من ربه } أي ويقول المشركون من كفار قريش هلا ~~أنزل على محمد معجزة تدل على صدقه مثل معجزات موسى وعيسى!! قال في ~~البحر: لم يعتدوا بالآيات الخارقة المنزلة كانشقاق القمر، وانقياد ~~الشجر، ونبع الماء من بين الأصابع وأمثال هذه المعجزات فاقترحوا عنادا ~~آيات أخرى { إنمآ أنت منذر ولكل قوم هاد } جواب لما ~~اقترحوا أي لست أنت يا محمد إلا محذر ومبصر، شأنك شأن كل رسول قبلك، ~~فلكل قوم ms0704 نبي يدعوهم إلى الله وأما الآيات الخارقة فأمرها إلى مدبر ~~الكون والعباد { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } أي الله ~~وحده الذي يعلم ما تحمله كل أنثى في بطنها هل هو ذكر أم أنثى؟ تام أم ~~ناقص؟ حسن أم قبيح { وما تغيض الأرحام } أي وما تنقصه الأرحام ~~بإلقاء الجنين قبل تمامه { وما تزداد } أي وما تزداد على الأشهر ~~التسعة قال ابن عباس: ما تغيض بالوضع لأقل من تسعة أشهر، وما تزداد ~~بالوضع لأكثر من تسعة أشهر، وعنه المراد بالغيض: السقط الناقص، ~~وبالازدياد: الولد التام { وكل شيء عنده بمقدار } أي ~~كل شيء من الأشياء عند الله تعالى بقدر محدود لا يتجاوزه حسب المصلحة ~~والمنفعة { عالم الغيب والشهادة } أي ما غاب عن الحس وما ~~كان مشاهدا منظورا، فعلمه تعالى شامل للخفي والمرئي لا يخفى ~~عليه شيء { الكبير المتعال } أي العظيم الشأن الذي كل شيء دونه ~~المستعلي على كل شيء بقدرته المنزه عن المشابهة والمماثلة { سوآء ~~منكم من أسر القول ومن جهر به } أي يستوي في ~~علمه تعالى ما أضمرته القلوب وما نطقت به الألسنة { ومن هو ~~مستخف باليل وسارب بالنهار } أي ويستوي عنده كذلك من ~~هو مستتر بأعماله في ظلمات الليل وهو في غاية الاختفاء، ومن هو ذاهب في ~~طريقه بوضح النهار مستعلن لا يستخفي فيما يعمل وهو في غاية الظهور { ~~له معقبات } أي لهذا الإنسان ملائكة موكلة به تتعقب في حفظه ~~يأتي بعضهم بعقب بعض كالحرس في الدوائر الحكومية { من بين ~~يديه ومن خلفه } أي من أمام الإنسان ومن ورائه { ~~يحفظونه من أمر الله } أي يحفظونه من الأخطار والمضار ~~بأمره تعالى قال مجاهد: ما من عبد إلا وملك موكل به يحفظه في نومه ~~ويقظته من الجن والإنس والهوام { إن الله لا يغير ما ~~بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } أي لا يزيل نعمته عن ~~قوم ولا يسلبهم إياها إلا إذا بدلوا أحوالهم الجميلة بأحوال قبيحة، ~~وهذه من سنن الله الاجتماعية أنه تعالى لا يبدل ما بقوم من عافية ~~ونعمة، وأمن وعزة إلا ms0705 إذا كفروا تلك النعم وارتكبوا المعاصي وفي الأثر " ~~أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: إنه ليس من أهل ~~قرية، ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله ~~إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون " { وإذا أراد الله ~~بقوم سوءا } أي وإذا أراد تعالى هلاك قوم أو عذابهم { فلا ~~مرد له } أي لا يقدر على رد ذلك أحد { وما لهم من دونه ~~من وال } أي ليس لهم من دون الله ولي يدفع عنهم العذاب والبلاء { ~~هو الذي يريكم البرق } هذا بيان لآثار قدرته تعالى ~~المنبثة في الكون أي يريكم أيها الناس البرق الخاطف من خلال السحاب { ~~خوفا وطمعا } قال ابن عباس: خوفا من الصواعق وطعما في الغيث، ~~فإن البرق غالبا ما يعقبه صواعق مدمرة، وقد يكون وراءه المطر المدرار ~~الذي به حياة البلاد والعباد { وينشىء السحاب الثقال } أي ~~وبقدرته كذلك يخلق السحب الكثيفة المحملة بالماء الكثير { ويسبح ~~الرعد بحمده والملائكة من خيفته } أي يسبح الرعد ~~له تسبيحا مقترنا بحمده والثناء عليه، وتسبح له الملائكة خوفا من ~~عذابه، وتسبيح الرعد حقيقة دل عليها القرآن فنؤمن بها وإن لم نفهم ~~تلك الأصوات فهو تعالى لا يخبر إلا بما هو حق كما قال # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44] { ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء } ~~أي يرسل الصواعق المدمرة نقمة يهلك بها من شاء { وهم يجادلون ~~في الله } أي وكفار مكة يجادلون في وجود الله ووحدانيته وفي قدرته ~~على البعث { وهو شديد المحال } أي وهو تعالى شديد القوة والبطش ~~والنكال، القادر على الانتقام ممن عصاه { له دعوة الحق } أي ~~لله تعالى تتجه الدعوة الحق فهو الحقيق بأن يعبد وحده بالدعاء ~~والالتجاء { والذين يدعون من دونه } أي والآلهة الذين ~~يدعوهم الكفار من دون الله { لا يستجيبون لهم بشيء } أي لا ~~يستجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء { إلا كباسط كفيه ~~إلى المآء ليبلغ فاه وما هو ببالغه } أي إلا كمن ~~يبسط كفيه للماء ms0706 من بعيد يدعوه ويناديه ليصل الماء إلى فمه، والماء ~~جماد لا يحس ولا يسمع قال أبو السعود: شبه حال المشركين في عدم ~~حصولهم عند دعاء آلهتهم على شيء أصلا بحال عطشان هائم لا يدري ما يفعل، ~~قد بسط كفيه من بعيد إلى الماء يبغي وصوله إلى فمه وليس الماء ببالغ فمه ~~أبدا لكونه جمادا لا يشعر بعطشه { وما دعآء الكافرين إلا ~~في ضلال } أي ما دعاؤهم والتجاؤهم لآلتهم إلا في ضياع وخسار لأنه لا ~~يجدي ولا يفيد { ولله يسجد من في السماوات والأرض } ~~أي ولله وحده يخضع وينقاد أهل السماوات وأهل الأرض { طوعا وكرها } ~~أي طائعين وكارهين قال الحسن: المؤمن يسجد طوعا، والكافر يسجد كرها أي ~~في حالة الفزع والاضطرار { وظلالهم بالغدو والآصال } أي ~~وتسجد ظلالهم أيضا لله في أول النار وأواخره، والغرض الإخبار عن عظمة ~~الله تعالى وسلطانه الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، بأنه ينقاد ~~لجلاله جميع الكائنات حتى ظلال الآدميين، والكل في نهاية الخضوع ~~والاستسلام لأمره تعالى { قل من رب السموت والأرض } أي ~~قل يا محمد لهؤلاء المشركين من خالق السماوات والأرض ومدبر أمرهما؟ ~~والسؤال للتهكم والسخرية بما عبدوا من دون الله { قل الله } أي قل ~~لهم تقريعا وتبكيتا: الله خالقهما { قل أفاتخذتم من ~~دونه أوليآء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ~~} أي قل لهم - إلزاما لإقامة الحجة عليهم - أجعلتم لله شركاء وعبدتموهم ~~من دونه وهم لا يقدرون على نفع أنفسهم، ولا على دفع الضر عنها، فكيف ~~يستطيعونه لغيرهم؟ { قل هل يستوي الأعمى والبصير أم ~~هل تستوي الظلمات والنور } هذا تمثيل لضلالهم في عبادة ~~غير الله، والمراد بالأعمى الكافر وبالبصير المؤمن، وبالظلمات الضلال ~~وبالنور الهدى أي كما لا يستوي الأعمى والبصير، وكما لا تستوي الظلمات ~~والنور، كذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر ضياء الحق، والمشرك الذي عمي عن ~~رؤية ذلك الضياء، فالفارق بين الحق والباطل واضح وضوح الفارق بين الأعمى ~~والبصير، والفارق بين الإيمان والضلال ظاهر ظهور الفارق بين النور ~~والظلام { أم جعلوا لله شركآء ms0707 خلقوا كخلقه ~~فتشابه الخلق عليهم } هذا من تمام الاحتجاج عليهم والتهكم ~~بهم أي أم اتخذ هؤلاء المشركون آلهة خلقوا مخلوقات كالتي خلقها الله ~~فالتبس الأمر عليهم فلا يدرون خلق الله من خلق آلهتهم؟ وهو تهكم لاذع ~~فإنهم يرون كل شيء من خلق الله، ويرون هذه الآلهة المزعومة لم تخلق شيئا ~~ثم بعد هذا كله يعبدونها من دون الله، وذلك أسخف وأحط ما تصل إليه عقول ~~المشركين، ولما أقام الحجة عليهم جاء بهذا البيان الواضح { قل الله ~~خالق كل شيء وهو الواحد القهار } أي الله الخالق ~~لجميع الأشياء لا خالق غيره، وهو المنفرد بالألوهية والربوبية، الغالب ~~لكل شيء، وجميع الأشياء تحت قدرته وقهره. # البلاغة: في الآيات الكريمة من وجوه الفصاحة والبيان والبديع ما يلي: # 1- الإشارة بالبعيد عن القريب في { تلك آيات الكتاب } تنزيلا ~~لها منزلة البعيد للدلالة على علو شأنها ورفعة منزلتها و (أل) في الكتاب ~~للتفخيم أي الكتاب العجيب الكامل في إعجازه وبيانه. # 2- الاستعارة التبعية في { يغشي اليل النهار } شبه إزالة نور ~~النهار بواسطة ظلمة الليل بالغطاء الكثيف واستعار لفظ { يغشي } المشير ~~إلى تغطية الأشياء الظاهرة بالأغطية الحسية للأمور المعنوية. # 3- الطباق في { تغيض.... تزداد } وفي { الغيب والشهادة ~~} وفي { أسر.... جهر } وفي { مستخف.... وسارب } لأن ~~السارب الظاهر وفي { خوفا وطمعا } وفي { طوعا وكرها } ~~وكلها من المحسنات البديعية اللفظية. # 4- الإيجاز بالحذف في { قل الله } أي الله خالق السماوات ~~والأرض. # 5- التشبيه التمثيلي في { كباسط كفيه } شبه عدم استجابة ~~الأصنام للداعين لها بعدم استجابة الماء لباسط كفيه إليه من بعد فوجه ~~الشبه منتزع من متعدد. # 6- الاستعارة في { هل يستوي الأعمى والبصير أم هل ~~تستوي الظلمات والنور } استعار لفظ الظلمات والنور للفكر ~~والإيمان وكذلك لفظ الأعمى للمشرك الجاهل والبصير للمؤمن العاقل. # تنبيه: سميت الملائكة معقبات لأنهم يتعاقبون على أعمال العباد بالليل ~~والنهار كما في البخاري # " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة الفجر ~~والعصر... " # الحديث. # فائدة: روي عن أبي هريرة رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت ms0708 الرعد يقول: " سبحان من ~~يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير " # وكان أبو هريرة يقول من قالها فأصابته صاعقة فعلي ديته. ### || [13.17-34] # المناسبة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة أن في الأرض دعوتين: ~~دعوة الحق، ودعوة الباطل، وذكر أن دعوة الله هي دعوة الحق، ودعوة ما ~~يعبدون من دونه هي دعوة الباطل... ذكر تعالى هنا مثلين ضربهما للحق ~~وأهله، والباطل وحزبه، ليتضح الفرق بين الهدى والضلال، والرشد والغي، ~~ثم أعقبه بذكر مآل المؤمنين في دار النعيم، والكافرين في دار الجحيم. # اللغة: { زبدا } الزبد: الغثاء الذي يحمله السيل { رابيا } ~~عاليا منتفخا { جفآء } مضمحلا متلاشيا لا منفعة فيه ولا بقاء له ~~يقال: جفا الماء بالزبد إذا قذفه ورمى به { المهاد } الفراش وأصله ~~المكان الممهد الموطأ للنوم والراحة { ويدرءون } يدفعون والدرء: ~~الدفع { عقبى } العاقبة ويسمى الجزاء على الفعل عقبى لأنه يكون عقب ~~الفعل { عدن } استقرار وثبات وخلود يقال: عدن بالمكان إذا أقام به { ~~يبسط } يوسع { يقدر } يضيق { متاع } كل شيء يتمتع به إلى ~~أجل ثم ينتهي ويفنى { طوبى } فرح وقرة عين قال الزمخشري: مصدر من طاب ~~كبشرى وزلفى ومعناه أصبت خيرا وطيبا { ييأس } اليأس: القنوط من ~~الشيء { أمليت } أمهلت يقال: أملى الله له إذا أمهله وطول له ~~المدة { واق } اسم فاعل من وقى إذا دفع الأذى والضر عنه. # سبب النزول: قال ابن عباس: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم: اسجدوا للرحمن قالوا: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟ ~~فأنزل الله { وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا ~~إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب }. # التفسير: { أنزل من السمآء مآء } أي أنزل تعالى من السماء ~~مطرا { فسالت أودية بقدرها } أي فجرت مياه الأودية بمقدار ~~سعتها كل بحسبه، فالكبير بمقدار كبره، والصغير بمقدار صغره { ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا } أي حمل السيل الذي حدث من ~~الأمطار زبدا عاليا فوقه وهو ما يحمله السيل من غثاء، ورغوة تظهر على ~~وجه الماء قال الطبري: هذا مثل ضربه الله للحق ms0709 والباطل، والإيمان ~~والكفر، فمثل الحق في ثباته، والباطل في اضمحلاله، مثل الماء الذي أنزله ~~الله من السماء إلى الأرض، فاحتمل السيل زبدا عاليا، فالحق هو الماء ~~الباقي الذي يمكث في الأرض، والزبد الذي لا ينتفع به هو الباطل، وهذا ~~أحد مثلي الحق والباطل، والمثل الآخر قوله تعالى { ومما يوقدون ~~عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد ~~مثله } أي ومن الذي يوقد عليه الناس من المعادن كالذهب والفضة ~~والنحاس، مما يسبك في النار طلب الزينة أو الأشياء التي ينتفع بها ~~كالأواني زبد مثل زبد السيل، لا ينتفع به كما لا ينتفع بزبد السيل ~~{ كذلك يضرب الله الحق والباطل } أي كذلك يضرب الله ~~المثل للحق والمثل للباطل، فمثل الحق في ثباته واستقراره كمثل الماء ~~الصافي الذي يستقر في الأرض فينتفع منه الناس، ومثل الباطل في زواله ~~واضمحلاله كمثل الزبد والغثاء الذي يقذف به الماء يتلاشى ويضمحل { ~~فأما الزبد فيذهب جفآء } أي فأما الزبد الذي لا خير فيه ~~مما يطفو على وجه الماء والمعادن فإنه يرمي به السيل ويقذفه ويتفرق ~~ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي { وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض } أي وأما ما ينتفع الناس به من الماء الصافي، ~~والمعدن الخالص فيبقى ويثبت في الأرض { كذلك يضرب الله ~~الأمثال } أي مثل المثلين السابقين يبين الله الأمثال للحق ~~والباطل، والهدى والضلال ليعتبر الناس ويتعظوا { للذين ~~استجابوا لربهم الحسنى } أي للمؤمنين الذين استجابوا لله ~~بالإيمان والطاعة المثوبة الحسنى وهي الجنة دار النعيم { والذين ~~لم يستجيبوا له } أي لم يجيبوا ربهم إلى الإيمان به وهم ~~الكافرون { لو أن لهم ما في الأرض جميعا } أي لو كان ~~لهم جميع ما في الدنيا من الأموال { ومثله معه } أي ومثل جميع ~~ما في الدنيا { لافتدوا به } أي لبذلوا كل ذلك فداء لأنفسهم ~~ليتخلصوا من عذاب الله { أولئك لهم سوء الحساب } أي لهم ~~الحساب السيء قال الحسن: يحاسبون بذنوبهم كلها لا يغفر لهم منها شيء { ~~ومأواهم جهنم } أي المكان الذي يأوون إليه يوم القيامة نار ~~جهنم { وبئس ms0710 المهاد } أي بئس هذا المستقر والفراش الممهد لهم في ~~النار { أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك ~~الحق كمن هو أعمى } الهمزة للاستفهام الإنكاري أي هل يستوي ~~من آمن وصدق بما نزل عليك يا محمد ومن بقي يتخبط في ظلمات الجهل ~~والضلال لا لب له كالأعمى؟ والمراد به عمى البصيرة قال ابن عباس نزلت ~~في حمزة وأبي جهل { إنما يتذكر أولوا الألباب } أي ~~إنما يتعظ بآيات الله ويعتبر بها ذوو العقول السليمة، ثم عدد تعالى ~~صفاتهم فقال { الذين يوفون بعهد الله } أي يتمون عهد الله ~~الذي وصاهم به وهي أوامره ونواهيه التي كلف بها عباده { ولا ~~ينقضون الميثاق } أي لا يخالفون ما وثقوه على أنفسهم من العهود ~~المؤكدة بينهم وبين الله، وبين العباد { والذين يصلون مآ ~~أمر الله به أن يوصل } أي يصلون الأرحام التي أمر الله ~~بصلتها { ويخشون ربهم } أي يهابون ربهم إجلالا وتعظيما { ~~ويخافون سوء الحساب } أي يخافون الحساب السيء المؤدي لدخول ~~النار، فهم لرهبتهم جادون في طاعة الله، محافظون على حدوده { ~~والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم } أي صبروا على ~~المكاره طلبا لمرضاة الله { وأقاموا الصلاة } أي أدوا الصلاة ~~المفروضة بحدودها في أوقاتها { وأنفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية } أي أنفقوا بعض أموالهم التي أوجبها الله عليهم في ~~الخفاء والعلانية { ويدرءون بالحسنة السيئة } أي ~~يدفعون الجهل بالحلم والأذى بالصبر وقال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح ~~السيء من الأعمال بمعنى يفعلون الحسنات ليدرءوا بها السيئات وفي الحديث # " وأتبع السيئة الحسنة تمحها " # { أولئك لهم عقبى الدار } أي العاقبة المحمودة في ~~الدار الآخرة وهي الجنة وقد جاء تفسيرها في قوله { جنات عدن ~~يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم } أي جنات إقامة خالدة يدخلها أولئك الأبرار ومن كان ~~صالحا من آبائهم ونسائهم وأولادهم، ليأنسوا بلقائهم ويتم بهم سرورهم، ~~وإن لم يكونوا يستحقون هذه المنازل العالية بأعمالهم، فترفع منازل هؤلاء ~~إكراما لأولئك وذلك فضل الله، ثم إن لهم إكراما آخر بينه بقوله { ~~والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } أي ~~والملائكة تدخل عليهم للتهنئة ms0711 من كل باب من أبواب الجنة يقولون لهم { ~~سلام عليكم بما صبرتم } أي سلمتم من الآفات والمحن بصبركم ~~في الدنيا، ولئن تعبتم فيما مضى فلقد استرحتم الساعة، وهذه بشارة لهم ~~بدوام السلامة { فنعم عقبى الدار } أي نعمت هذه العاقبة ~~الحميدة عاقبتكم وهي الجنة بدل النار، ولما ذكر تعالى أوصاف المؤمنين ~~التسع أعقبه بذكر أوصاف الكافرين الذميمة فقال { والذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه } أي ينقضون عهودهم بعدما وثقوا ~~على أنفسهم لله أن يعملوا بما عهد إليهم من طاعته والإيمان به { ~~ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } أي يقطعون الرحم ~~التي أمر الله بوصلها { ويفسدون في الأرض } { أولئك ~~لهم اللعنة } أي أولئك الموصوفون بما ذكر من القبائح لهم البعد ~~من رحمته، والطرد من جنته { ولهم سوء الدار } أي لهم ما ~~يسوءهم في الدار الآخرة وهو عذاب جهنم على عكس المتقين { الله ~~يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } أي يوسع على من يشاء من ~~عباده ويضيق على من يشاء حسب الحكمة والمصلحة { وفرحوا ~~بالحياة الدنيا } أي وفرح هؤلاء المشركون بنعيم الدنيا فرح أشر ~~وبطر، وهو إخبار في ضمنه ذم وتسفيه لمن فرح بالدنيا ولذلك حقرها بقوله { ~~وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } أي قليل ~~وشيء حقير بالنظر إلى الآخرة { ويقول الذين كفروا لولا ~~أنزل عليه آية من ربه } أي ويقول كفار مكة هلا أنزل ~~على محمد معجزة من ربه مثل معجزة موسى في فلق البحر، ومعجزة عيسى في ~~إحياء الموتى ونحو ذلك { قل إن الله يضل من يشآء ~~ويهدي إليه من أناب } أي قل لهم يا محمد الأمر بيد الله ~~وليس إلي، يضل من يشاء إضلاله فلا تغني عنه الآيات والنذر ~~شيئا، ويرشد إلى دينه من أراد هدايته لأنه رجع إلى ربه بالتوبة ~~والإنابة قال في التسهيل: خرج بالكلام مخرج التعجب حين طلبوا آية ~~والمعنى قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن وآيات كثيرة فعميتم ~~عنها، وطلبتم غيرها، وتماديتم على الكفر فإنه تعالى يضل من يشاء مع ظهور ~~الآيات، ms0712 ويهدي من يشاء دون ذلك { الذين آمنوا وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله } هذا بدل والمعنى يهدي أهل الإنابة وهم ~~الذين آمنوا وتسكن وتستأنس قلوبهم بذكر الله وتوحيده، وجيء بصيغة المضارع ~~لإفادة دوام الاطمئنان واستمراره { ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب } أي ألا فانتبهوا أيها القوم فإن بذكر الله تستأنس وتسكن ~~قلوب المؤمنين، فلا يشعرون بقلق واضطراب من سوء العقاب، على عكس الذين ~~إذا ذكر الله اشمأزت قلوبهم { الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات طوبى لهم وحسن مآب } أي أما المؤمنون أهل ~~الأعمال الصالحة فقرة عين لهم ونعم ما يلقون من الهناءة والسعادة في ~~المرجع والمنقلب قال ابن عباس: { طوبى لهم } فرح وقرة عين { ~~كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلهآ أمم } ~~أي كما أرسلنا الأنبياء من قبلك كذلك أرسلناك يا محمد في أمة قد مضت ~~قبلها أمم كثيرة، فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء { لتتلوا ~~عليهم الذي أوحينآ إليك } أي لتبلغهم هذا الوحي ~~العظيم والذكر الحكيم { وهم يكفرون بالرحمن } أي والحال ~~أنهم يكفرون بالرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء { قل هو ربي لا ~~إله إلا هو } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إن الرحمن الذي ~~كفرتم به وأنكرتم معرفته هو ربي الذي آمنت به لا معبود لي سواه { ~~عليه توكلت وإليه متاب } أي عليه وحده اعتمدت، وإليه ~~توبتي ومرجعي فيثيبني على مجاهدتكم، والغرض تسلية النبي صلى الله عليه ~~وسلم مما يلقاه من كفار قريش من الجحود والعناد فقد كذب قبلهم الأمم { ~~ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } أي لو كان كتاب من ~~الكتب المنزلة سيرت بتلاوته الجبال وزعزعت عن أماكنها { أو قطعت ~~به الأرض } أي شققت به الأرض حتى تتصدع وتصير قطعا { أو ~~كلم به الموتى } أي خوطبت به الموتى حتى أجابت وتكلمت بعد أن ~~أحياها الله بتلاوته عليها، وجواب { لو } محذوف تقديره: لكان هذا ~~القرآن، لكونه غاية في الهداية والتذكير، ونهاية في الإنذار والتخويف ~~وقال الزجاج: تقديره " لما آمنوا " لغلوهم في المكابرة والعناد، وتماديهم ~~في الضلال والفساد { بل لله الأمر جميعا } بل ms0713 للإضراب ~~والمعنى: لو أن قرآنا فعل به ما ذكر لكان ذلك هذا القرآن، ولكن الله ~~لم يجبهم إلى ما اقترحوا من الآيات، لأنه هو المالك لجميع الأمور والفاعل ~~لما يشاء منها من غير أن يكون لأحد عليه تحكم أو اقتراح { أفلم ~~ييأس الذين آمنوا أن لو يشآء الله لهدى ~~الناس جميعا } أي أفلم يقنط وييأس المؤمنون من إيمان الكفار، ~~ويعلموا أنه تعالى لو شاء هدايتهم لهداهم لأن الأمر له، ولكن قضت الحكمة ~~أن يكون بناء التكليف على الاختيار { ولا يزال الذين كفروا ~~تصيبهم بما صنعوا قارعة } أي ولا يزال كفار مكة يصيبهم ~~بسوء أعمالهم وكفرهم داهية تقرع أسماعهم وتقلق بالهم من صنوف البلايا ~~والمصائب { أو تحل قريبا من دارهم } أي أو تحل القارعة ~~والداهية قريبا من ديارهم فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها { حتى ~~يأتي وعد الله } بإظهار الإسلام وانتصارك عليهم بفتح مكة { ~~إن الله لا يخلف الميعاد } أي لا يخلف وعده لرسله ~~وأوليائه بنصرهم على أعدائه { ولقد استهزئ برسل من ~~قبلك } تسلية وتأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم أي كما استهزأ بك ~~المشركون فقد استهزأ المجرمون برسلهم وأنبيائهم { فأمليت ~~للذين كفروا ثم أخذتهم } أي أمهلتهم وتركتهم في أمن ~~ودعة ثم أخذتهم بالعذاب { فكيف كان عقاب } أي فكيف كان عقابي ~~لهم على الكفر والتكذيب؟ { أفمن هو قآئم على كل نفس ~~بما كسبت } أي أفمن هو رقيب حفيظ على عمل كل إنسان لا يخفى عليه ~~شيء من أعمال العباد وهو الله تعالى، والخبر محذوف تقديره: كمن ليس بهذه ~~الصفة من الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع ولا تملك من الأمر شيئا قال ~~الفراء: وترك جوابه لأن المعنى معلوم وقد بينه بعد هذا بقوله { ~~وجعلوا لله شركآء } كأنه قيل: هل الله كشركائهم؟ وقال ~~الزمخشري: هذا احتجاج عليهم في إشراكهم بالله يعني أفالله الذي هو قائم ~~رقيب على كل نفس صالحة أو طالحة بما كسبت من خير أو شر وقد أعد لكل ~~جزاءه كمن ليس كذلك { وجعلوا لله شركآء قل سموهم } أي ~~وجعل المشركون ms0714 آلهة عبدوها معه من أصنام وأنداد في منتهى العجز والحقارة ~~والجهالة، قل لهم يا محمد: سموهم لنا وصفوهم لننظر هل لهم ما يستحقون به ~~العبادة والشركة مع الله؟ { أم تنبئونه بما لا يعلم في ~~الأرض } أي أم تخبرون الله بشركاء لا يعلمهم سبحانه وهو استفهام ~~للتوبيخ { أم بظاهر من القول } أي أم تسمونهم شركاء بظن ~~باطل فاسد لا حقيقة له، لفرط الجهل وسخافة العقل { بل زين ~~للذين كفروا مكرهم } أي زين لهم الشيطان ذلك الكفر ~~والضلال { وصدوا عن السبيل } أي منعوا عن طريق الهدى { ومن ~~يضلل الله فما له من هاد } أي ومن يضلله الله فما له أحد ~~يهديه { لهم عذاب في الحياة الدنيا } أي لهؤلاء الكفرة ~~عذاب عاجل في هذه الحياة الدنيا بالقتل والأسر وسائر المحن { ولعذاب ~~الآخرة أشق } أي ولعذابهم في الآخرة أثقل وأشد إيلاما من عذاب ~~الدنيا { وما لهم من الله من واق } أي وليس لهم من يحميهم ~~من عذاب الله أو يدفع عنهم سخطه وانتقامه. # البلاغة: 1- { أنزل من السمآء مآء فسالت ~~أودية.. } الآية شبه تعالى الحق والباطل بتشبيه رائع يسمى " ~~التشبيه التمثيلي " لأن وجه الشبه فيه منتزع من متعدد، فمثل الحق ~~بالماء الصافي الذي يستقر في الأرض، والجوهر الصافي من المعادن الذي به ~~ينتفع العباد، ومثل الباطل بالزبد والرغوة التي تظهر على وجه الماء، ~~والخبث من الجوهر الذي لا يلبث أن يتلاشى ويضمحل، والصورة التي توحي بها ~~الآية " صورة الحق والباطل " وهما في صراع كالزبد الذي تتقاذفه الأمواج { ~~فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض } وهو تمثيل في منتهى الروعة والجمال. # 2- { فسالت أودية بقدرها } مجاز عقلي من إسناد الشيء ~~لمكانه والأصل فسالت مياه الأودية. # 3- { كذلك يضرب الله الحق والباطل } فيه إيجاز ~~بالحذف أي أمثال الحق وأمثال الباطل. # 4- { للذين استجابوا... والذين لم يستجيبوا } ~~بينهما طباق السلب. # 5- { كمن هو أعمى } شبه الجهل والكفر بالعمى على سبيل ~~الاستعارة التبعية لأن المراد بالأعمى الجاهل الكافر. # 6- { سرا وعلانية } بينهما طباق وكذلك بين { الحسنة ~~السيئة } و { يبسط ويقدر ms0715 } و { يضل ويهدي } ~~للتضاد بين اللفظين. # 7- { إلا متاع } أي إلا مثل المتاع الذي يستمتع به الإنسان في ~~الحاجات الموقتة ففيه تشبيه بليغ لحذف الأداة ووجه الشبه. # فائدة: بين تعالى في قوله { ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم } أن النسب لا ينفع إذا لم يحصل معه ~~العمل الصالح، وفيه قطع للأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب. # تنبيه: قال الإمام الطيبي في قوله تعالى { أفمن هو قآئم ~~على كل نفس.. } في هذه الآية احتجاج بليغ مبني على فنون من ~~علم البيان أولها: التوبيخ لهم على قياسهم الفاسد في عبادة غير الله ~~ثانيها: وضع الظاهر موضع الضمير { وجعلوا لله شركآء } ~~تنبيها على ضلالهم في جعل شركاء لمن هو فرد واحد لا يشاركه أحد في اسمه ~~ثالثها: إنكار لوجود الشركاء على وجه برهاني { قل سموهم } رابعها: ~~نفي الشيء بنفي لازمه { أم تنبئونه بما لا يعلم } ~~خامسها: الاحتجاج عليهم بطريق التدرج لبعثهم على التفكر { أم بظاهر ~~من القول } أي أتقولون بأفواهكم من غير روية ولا تفكير ببطلان ما ~~تقولون؟ فكان هذا الاحتجاج مناديا على نفسه بالإعجاز وأنه ليس من كلام ~~البشر. ### || [13.35-43] # المناسبة: لما ذكر تعالى ما أعد للكفار في الآخرة ذكر ما أعد ~~للمؤمنين في جنات النعيم، ثم توعد المشركين بالعذاب الأليم، وختم السورة ~~الكريمة ببيان صدق رسالته عليه السلام بشهادة الله تعالى وشهادة المؤمنين ~~من أهل الكتاب. # اللغة: { الأحزاب } الطوائف المتفرقة من أحزاب اليهود والنصارى ~~سموا بذلك لأنهم جماعات متفرقة لا تجمعهم عقيدة واحدة { مآب } أي مآبي ~~بمعنى مرجعي { يمحوا } المحو: إزالة الأثر من كتابة أو غيرها وعكسه ~~الإثبات { أم الكتاب } أصل كل الكتب والمراد منه علم الله أو ~~اللوح المحفوظ { البلاغ } اسم بمعنى التبليغ { مكر } المكر: ~~تدبير أمر في خفاء، وقد يكون في الخير وقد يكون في الشر. # سبب النزول: قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقالت: ما نرى لهذا الرجل مهمة إلا النساء والنكاح ولو كان نبيا ~~كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء، فأنزل الله ms0716 تعالى { ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا ~~وذرية }. # التفسير: { مثل الجنة التي وعد المتقون تجري ~~من تحتها الأنهار } أي صفة الجنة العجيبة الشأن التي وعد الله ~~بها عباده المتقين أنها تجري من تحت قصورها وغرفها الأنهار { أكلها ~~دآئم وظلها } أي ثمرها دائم لا ينقطع، وظلها دائم لا تنسخه ~~الشمس { تلك عقبى الذين اتقوا } أي تلك الجنة عاقبة ~~المتقين ومآلهم { وعقبى الكافرين النار } أي وأما عاقبة ~~الكفار الفجار فهي النار { والذين آتيناهم الكتاب ~~يفرحون بمآ أنزل إليك } أي والذين أنزلنا إليهم التوراة ~~والإنجيل - ممن آمن بك واتبعك يا محمد - كعبد الله بن سلام والنجاشي ~~وأصحابه يفرحون بهذا القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة ~~به { ومن الأحزاب من ينكر بعضه } أي ومن أهل الملل ~~المتحزبين عليك وهم أهل أديان شتى من ينكر بعض القرآن مكابرة مع يقينهم ~~بصدقه لأنه موافق لما معهم { قل إنمآ أمرت أن أعبد ~~الله ولا أشرك به } أي قل يا محمد إنما أمرت بعبادة الله ~~وحده لا أشرك معه غيره { إليه أدعو وإليه مآب } أي إلى ~~عبادته أدعو الناس وإليه مرجعي ومصيري { وكذلك أنزلناه حكما ~~عربيا } أي ومثل إنزال الكتب السابقة أنزلنا هذا القرآن بلغة العرب ~~لتحكم به بين الناس { ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما ~~جآءك من العلم } أي ولئن اتبعت المشركين فيما يدعونك إليه من ~~الأهواء والآراء بعدما آتاك الله من الحجج والبراهين { ما لك من ~~الله من ولي ولا واق } أي ليس لك ناصر ينصرك أو يقيك من ~~عذاب الله، والمقصود تحذير الأمة من اتباع أهواء الناس لأن المعصوم إذا ~~خوطب بمثل ذلك كان الغرض تحذير الناس قال القرطبي: الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمراد الأمة { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } ~~أي أرسلنا قبلك الرسل الكرام { وجعلنا لهم أزواجا ~~وذرية } أي وجعلنا لهم النساء والبنين، وهو رد على من عاب على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كثرة النساء وقالوا: لو كان مرسلا حقا لكان ~~مشتغلا بالزهد وترك الدنيا والنساء، فرد ms0717 الله مقالتهم وبين أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ليس ببدع في ذلك، بل هو كمن تقدم من الرسل { ~~وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } ~~أي لم يكن لرسول أن يأتي قومه بمعجزة إلا إذا أذن الله له فيها، وهذا ~~رد على الذين اقترحوا الآيات { لكل أجل كتاب } أي لكل مدة ~~مضروبة كتاب كتبه الله في اللوح المحفوظ، وكل شيء عنده بمقدار قال ~~الطبري: لكل أمر قضاه الله كتاب قد كتبه فهو عنده { يمحوا الله ~~ما يشآء ويثبت } أي ينسخ الله ما يشاء نسخه من الشرائع والأحكام ~~وصحف الملائكة الكرام، ويثبت ما يشاء منها دون تغيير قال ابن عباس: ~~يبدل الله ما يشاء فينسخه إلا الموت والحياة والشقاء والسعادة فإنه قد ~~فرغ منها وقيل: إن المحو والإثبات عام في جميع الأشياء لما روي أن عمر ~~بن الخطاب كان يطوف بالبيت ويبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبت علي ~~شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، ~~واجعله سعادة ومغفرة، وقد رجحه أبو السعود وهو قول ابن مسعود أيضا { ~~وعنده أم الكتاب } أي أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ الذي كتب ~~الله فيه مقادير الأشياء كلها { وإن ما نرينك بعض ~~الذي نعدهم } أي وإن أريناك يا محمد بعض الذي وعدناهم من العذاب ~~{ أو نتوفينك } أي نقبضك قبل أن نقر عينك بعذاب هؤلاء ~~المشركين { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } أي ~~ليس عليك إلا تبليغ الرسالة وعلينا حسابهم وجزاؤهم { أولم يروا ~~أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } أي أولم ير ~~هؤلاء المشركون أنا نمكن للمؤمنين من ديارهم ونفتح للرسول الأرض بعد ~~الأرض حتى تنقص دار الكفر وتزيد دار الإسلام؟ وذلك من أقوى الأدلة على ~~أن الله منجز وعده لرسوله عليه السلام { والله يحكم لا ~~معقب لحكمه } أي ليس يتعقب حكمه أحد بنقض ولا تغيير { وهو ~~سريع الحساب } أي سريع الانتقام ممن عصاه { وقد مكر ~~الذين من قبلهم } أي مكر الكفار الذين خلوا بأنبيائهم كما ~~مكر كفار قريش ms0718 بك { فلله المكر جميعا } أي له تعالى أسباب ~~المكر جميعا لا يضر مكرهم إلا بإرادته، فهو يوصل إليهم العذاب من حيث لا ~~يعلمون { يعلم ما تكسب كل نفس } أي من خير وشر فيجازي ~~عليه { وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } أي لمن تكون ~~العاقبة الحسنة في الآخرة { ويقول الذين كفروا لست ~~مرسلا } أي يقول كفار مكة لست يا محمد مرسلا من عند الله { قل ~~كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } أي حسبي شهادة الله ~~بصدقي بما أيدني من المعجزات { ومن عنده علم الكتاب } أي ~~وشهادة المؤمنين من علماء أهل الكتاب. # البلاغة: في الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- التشبيه في قوله # كذلك أرسلناك # [الرعد: 30] وفي { وكذلك أنزلناه } ويسمى مرسلا مجملا. # 2- الإيجاز بالحذف في { أكلها دآئم وظلها } أي وظلها دائم ~~حذف منه الخبر بدليل السابق. # 3- المقابلة في { تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى ~~الكافرين النار } وهو من المحسنات البديعية. # 4- جناس الاشتقاق في { أرسلنا رسلا }. # 5- الطباق في { يمحوا.... ويثبت }. # 6- القصر في { إنمآ أمرت أن أعبد الله } وفي { ~~فإنما عليك البلاغ } وكلاهما قصر إضافي من باب قصر الموصوف ~~على الصفة أي ليس لك من الصفات إلا صفة التبليغ. # 7- التهييج والإلهاب { ولئن اتبعت أهواءهم }. # 8- المجاز المرسل في { نأتي الأرض } أي يأتيها أمرنا وعذابنا. # لطيفة: فسر بعضهم قوله تعالى { ننقصها من أطرافها } أن ~~نقصانها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير والصلاح، وهذا مروي عن مجاهد ~~وابن عباس في رواية عنه وأنشد بعضهم: # الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها # متى يمت عالم منها يمت طرف # كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها # وإن أبى عاد في أكنافها التلف ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-17] # اللغة: { ويل } هلاك ودمار { يستحبون } يختارون ويفضلون { ~~يسومونكم } يذيقونكم يقال: سامه الذل أي أذاقه الذل { تأذن ~~} أعلم إعلاما لا شبهة فيه { نبأ } النبأ: الخبر وجمعه أنباء { ~~سلطان } حجة وبرهان { فاطر } مبدع ومخترع { استفتحوا } ~~استنصروا على أعدائهم { جبار } الجبار: المتكبر الذي لا يرى لأحد ~~عليه حقا { عنيد } العنيد: المعاند للحق والمجانب له الذي يذهب عن ~~طريق الحق، ms0719 تقول العرب: شر الإبل العنود { صديد } الصديد: القيح ~~الذي يسيل من أجساد أهل النار { يتجرعه } أي يتحساه ويتكلف بلعه ~~بمرارة { يسيغه } يبتلعه. # التفسير: { الر } هذا الكتاب المعجز مؤلف من جنس هذه الحروف المقطعة ~~فأتوا بمثله إن استطعتم { كتاب أنزلناه إليك } أي هذا ~~القرآن كتاب أنزلناه عليك يا محمد، لم تنشئه أنت وإنما أوحيناه نحن ~~إليك { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } أي ~~لتخرج البشرية من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والإيمان { ~~بإذن ربهم } أي بأمره وتوفيقه { إلى صراط العزيز ~~الحميد } أي لتهديهم إلى طريق الله العزيز الذي لا يغالب، المحمود ~~بكل لسان، الممجد في كل مكان { الله الذي له ما في ~~السموت وما في الأرض } أي المالك لما في السماوات والأرض، ~~الغني عن الناس، المسيطر على الكون وما فيه { وويل للكافرين ~~من عذاب شديد } قال الزجاج: { ويل } كلمة تقال للعذاب ~~والهلكة، أي هلاك ودمار للكافرين ويا ويلهم من عذاب الله الأليم، ثم ~~وضح صفات أولئك الكفار بقوله { الذين يستحبون الحياة ~~الدنيا على الآخرة } أي يفضلون ويؤثرون الحياة الفانية على ~~الحياة الآخرة الباقية { ويصدون عن سبيل الله } أي يصرفون ~~الناس ويمنعونهم عن دين الإسلام { ويبغونها عوجا } أي يطلبون أن ~~تكون دين الله معوجة لتوافق أهواءهم { أولئك في ضلال ~~بعيد } أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة في ضلال عن الحق مبين، ~~لا يرجى لهم صلاح ولا نجاح { ومآ أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان قومه } أي وما أرسلنا في الأمم الخالية رسولا من الرسل ~~إلا بلغة قومه { ليبين لهم } أي ليبين لهم شريعة الله ويفهمهم ~~مراده، لتتم الغاية من الرسالة { فيضل الله من يشآء ~~ويهدي من يشآء } أي وليست وظيفة الرسل إلا التبليغ وأما أمر ~~الهداية والإيمان فذلك بيد الله يضل من يشاء إضلاله، ويهدي من يشاء ~~هدايته على ما سبق به قضاؤه المحكم { وهو العزيز الحكيم } أي ~~وهو العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه { ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنآ } أي أرسلنا موسى بالمعجزات الباهرات الدالة على صدقه { أن ~~أخرج قومك من الظلمات ms0720 إلى النور } أن تفسيرية بمعنى ~~أي والمعنى أي أخرج بني إسرائيل من ظلمات الجهل والكفر إلى نور ~~الإيمان والتوحيد قال أبو حيان: وفي قوله { قومك } خصوص لرسالة ~~موسى إلى قومه بخلاف قوله لمحمد { لتخرج الناس } مما يدل على ~~عموم الرسالة { وذكرهم بأيام الله } أي ذكرهم بأياديه ~~ونعمه عليهم { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } أي ~~في التذكير بأيام الله لعبرا ودلالات لكل عبد منيب صابر على البلاء، ~~شاكر للنعماء { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة ~~الله عليكم } أي اذكروا نعم الله الجليلة عليكم { إذ ~~أنجاكم من آل فرعون } أي حين نجاكم من الذل والاستعباد من ~~فرعون وزبانيته { يسومونكم سوء العذاب } أي يذيقونكم أسوأ ~~أنواع العذاب { ويذبحون أبنآءكم ويستحيون ~~نسآءكم } أي يذبحون الذكور ويستبقون الإناث على قيد الحياة مع الذل ~~والصغار { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } أي وفي تلك ~~المحنة ابتلاء واختبار لكم من ربكم عظيم قال المفسرون: وكان سبب قتل ~~الذكور أن الكهنة قالوا لفرعون إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون ~~ذهاب ملكك على يديه، فأمر بقتل كل مولود { وإذ تأذن ربكم ~~لئن شكرتم لأزيدنكم } هذا من تتمة كلام موسى أي واذكروا ~~أيضا حين أعلم ربكم إعلاما لا شبهة فيه لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من ~~فضلي { ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } أي ولئن جحدتم ~~نعمتي بالكفر والعصيان فإن عذابي شديد، وعد بالعذاب على الكفر، كما ~~وعد بالزيادة على الشكر { وقال موسى إن تكفروا أنتم ~~ومن في الأرض جميعا } أي وقال موسى لبني إسرائيل بعد أن أيس من ~~إيمانهم لئن كفرتم أنتم وجميع الخلائق فلن تضروا الله شيئا { فإن ~~الله لغني حميد } أي هو غني عن شكر عباده، مستحق للحمد في ~~ذاته وهو المحمود وإن كفره من كفره { ألم يأتكم نبأ ~~الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود } أي ألم يأتكم ~~أخبار من قبلكم من الأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود ماذا حل بهم لما ~~كذبوا بآيات الله؟ { والذين من بعدهم } أي والأمم الذين جاءوا ~~بعدهم { لا يعلمهم ms0721 إلا الله } أي لا يحصي عددهم إلا الله { ~~جآءتهم رسلهم بالبينات } أي بالحجج الواضحات، والدلائل ~~الباهرات { فردوا أيديهم في أفواههم } أي وضعوا ~~أيديهم على أفواههم تكذيبا لهم وقال ابن مسعود: عضوا أصابعهم غيظا { ~~وقالوا إنا كفرنا بمآ أرسلتم به } أي كفرنا بما ~~زعمتم أن الله أرسلكم به { وإنا لفي شك مما تدعوننآ ~~إليه مريب } أي في شك عظيم من دعوتكم، وقلق واضطراب من دينكم { ~~قالت رسلهم أفي الله شك } أي أجابهم الرسل بقولهم: أفي ~~وجود الله ووحدانيته شك؟ والاستفهام للإنكار والتوبيخ لأنه لا يحتمل ~~الشك لظهور الأدلة ولهذا لفتوا الانتباه إلى براهين وجوده بقولهم { ~~فاطر السموت والأرض } أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال ~~سابق { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } أي يدعوكم إلى ~~الإيمان ليغفر لكم ذنوبكم { ويؤخركم إلى أجل مسمى ~~} أي إن آمنتم أمد في أعماركم إلى منتهى آجالكم ولم يعاقبكم في ~~العاجل فيهلككم { قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا } أي ~~ما أنتم إلا بشر مثلنا لا فضل لكم علينا { تريدون أن تصدونا ~~عما كان يعبد آبآؤنا } أي تريدون أن تصرفونا عن عبادة ~~الأوثان التي كان عليها آباؤنا { فأتونا بسلطان مبين } أي ~~فأتونا بحجة ظاهرة على صدقكم { قالت لهم رسلهم إن نحن ~~إلا بشر مثلكم } أي قالت الرسل: نحن كما قلتم بشر مثلكم { ~~ولكن الله يمن على من يشآء من عباده } أي ~~يتفضل على من يشاء بالنبوة والرسالة قال الزمخشري: لم يذكروا فضلهم ~~تواضعا منهم وسلموا لقولهم وأنهم بشر مثلهم في البشرية وحدها، فأما ~~ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم { وما كان لنآ أن نأتيكم ~~بسلطان إلا بإذن الله } أي وما ينبغي لنا أن نأتيكم بحجة ~~وآية مما اقترحتموه علينا إلا بمشئية الله وإذنه { وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } أي على الله وحده فليعتمد المؤمنون في ~~جميع أمورهم { وما لنآ ألا نتوكل على الله } أي قالت ~~الرسل: أي شيء يمنعنا من التوكل على الله؟ { وقد هدانا سبلنا ~~} أي والحال أنه قد بصرنا طريق النجاة من عذابه { ولنصبرن ~~على مآ آذيتمونا } أي ms0722 ولنصبرن على أذاكم قال ابن الجوزي: ~~وإنما قص هذا وأمثاله على نبينا صلى الله عليه وسلم ليقتدي بمن قبله ~~في الصبر وليعلم ما جرى لهم { وعلى الله فليتوكل ~~المتوكلون } ليس هذا تكرارا وإنما معناه الثبات على التوكل أي ~~فليدوموا وليثبتوا على التوكل عليه وحده، وهنا يسفر الطغيان عن وجهه ~~متبجحا بالقوة المادية التي يملكها المتجبرون { وقال الذين ~~كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنآ أو ~~لتعودن في ملتنا } أي قال الكفار للرسل الأطهار والله ~~لنطردنكم من ديارنا أو لترجعن إلى ديننا { فأوحى إليهم ~~ربهم لنهلكن الظالمين } أي أوحى الله إلى الرسل ~~لأهلكن أعداءكم الكافرين المتجبرين { ولنسكننكم الأرض ~~من بعدهم } أي ولأمنحنكم سكنى أرضهم بعد هلاكهم { ذلك لمن ~~خاف مقامي وخاف وعيد } أي ذلك النصر للرسل وإهلاك الظالمين ~~لمن خاف مقامه بين يدي وخاف عذابي ووعيدي قال في البحر: ولما أقسموا ~~على إخراج الرسل أو العودة في ملتهم أقسم تعالى على إهلاكهم، وأي ~~إخراج أعظم من الإهلاك بحيث لا يكون لهم عودة إليها أبدا { ~~واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد } أي واستنصر الرسل ~~بالله على قومهم وخسر وهلك كل متجبر معاند للحق { من ورآئه ~~جهنم ويسقى من مآء صديد } أي من وراء ذلك الكافر جهنم ~~ويسقى فيها من ماء صديد هو من قيح ودم { يتجرعه ولا يكاد ~~يسيغه } أي يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته، ولا يكاد يستسيغه لقبحه ~~وكراهته { ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ~~} أي يأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكنه لا يموت ~~ليستكمل عذابه { ومن ورآئه عذاب غليظ } أي ومن بين يديه ~~عذاب أشد مما قبله وأغلظ. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة أنواعا من البلاغة والبيان والبديع ~~نوجزها فيما يلي: # 1- الاستعارة في { لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور } حيث استعار الظلمات للكفر والضلال، والنور للهدى والإيمان، ~~وكذلك { ويأتيه الموت } استعارة عن غواشي الكروب وشدائد الأمور، ~~فقد يوصف المغموم بأنه في غمرات الموت مبالغة في عظيم ما يغشاه وأليم ما ~~يلقاه. # 2- الطباق بين { يضل ويهدي } وبين { شكرتم وكفرتم } ~~وبين ms0723 { نخرجن وتعودن }. # 3- صيغة المبالغة في { صبار شكور } وفي { جبار عنيد }. # 4- جناس الاشتقاق في { أرسلنا من رسول } وفي { ~~فليتوكل المتوكلون }. # 5- السجع في { شديد } ، { بعيد } ، { عنيد } الخ. # فائدة: ذكر تعالى في البقرة # يذبحون # [الآية: 49] بغير واو وهنا { ويذبحون } بالواو، والسر في ذلك ~~أنه في سورة البقرة جاء اللفظ تفسيرا لما سبق من قوله # سوء العذاب # [البقرة: 49] فكأنه قال يسومونكم سوء العذاب ثم فسره بقوله # يذبحون أبنآءكم # [البقرة: 49] أما في هذه السورة فهو غير تفسير لأن المعنى أنهم يعذبونهم ~~بأنواع من العذاب وبالتذبيح أيضا فهو نوع آخر من العذاب غير الأول والله ~~أعلم. ### || [14.18-34] # المناسبة: لما حكى تعالى استهزاء الكفار بالرسل، وما أعد لهم من ~~العذاب والنكال في الآخرة، ضرب مثلا لأعمالهم، ثم ذكر المناظرة بين ~~الرؤساء والأتباع، وعقبها بالتذكير بنعم الله على العباد ليعبدوه ~~ويشكروه. # اللغة: { عاصف } شديد الريح { برزوا } البروز: الظهور بعد ~~الخفاء، والبراز المكان الواسع لظهوره، وامرأة برزة أي تظهر للناس { ~~محيص } منجى ومهرب يقال: حاص عن كذا أي فر وأراد الهرب منه { ~~جزعنآ } الجزع: عدم احتمال الشدة وهو نقيض الصبر { مصرخكم } ~~مغيثكم الصارخ المستغيث، والمصرخ المغيث قال أمية: # فلا تجزعوا إني لكم غير مصرخ # وليس لكم عندي غناء ولا نصر # { اجتثت } اقتلعت من أصلها { البوار } الهلاك { خلال } جمع ~~خلة وهي الصحبة والصداقة قال امرؤ القيس: # صرفت الهوى عنهن من خشية الردى # فلست بمقلي الخلال ولا قالي # { دآئبين } الدؤب في اللغة: مرور الشيء في العمل على عادة مطردة ~~يقال دأب دؤبا. # التفسير: { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم ~~كرماد اشتدت به الريح } أي مثل أعمال الكفار التي عملوها ~~في الدنيا يبتغون بها الأجر من صدقة وصلة رحم وغيرها مثل رماد عصفت به ~~الريح فجعلته هباء منثورا { في يوم عاصف } أي في يوم شديد هبوب ~~الريح قال القرطبي: ضرب الله هذه الآية مثلا لأعمال الكفار في أنه ~~يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف لأنهم أشركوا فيها غير ~~الله تعالى { لا يقدرون مما كسبوا على شيء } أي لا ~~يقدر الكفار ms0724 على تحصيل ثواب ما عملوا من البر في الدنيا لإحباطه ~~بالكفر، كما لا يستطيع أن يحصل الإنسان على شيء من الرماد الذي طيرته ~~الريح { ذلك هو الضلال البعيد } أي الخسران الكبير { ألم ~~تر أن الله خلق السموت والأرض بالحق } أي ألم ~~تر أيها المخاطب بعين قلبك وتتأمل ببصيرتك أن الله العظيم الجليل انفرد ~~بالخلق والإيجاد، وأنه خلق السماوات والأرض ليستدل بهما على قدرته؟ ~~قال المفسرون: أي لم يخلقهن عبثا وإنما خلقهن لأمر عظيم { إن ~~يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } أي هو قادر على ~~الإفناء كما قادر على الإيجاد والإحياء قال ابن عباس يريد: يميتكم يا ~~معشر الكفار ويخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع { وما ذلك على ~~الله بعزيز } أي ليس ذلك بصعب أو متعذر على الله، فإن القوي ~~القادر لا يصعب عليه شيء { وبرزوا لله جميعا } أي خرجوا من ~~قبورهم يوم البعث، وظهروا للحساب لا يسترهم عن الله ساتر قال الإمام ~~الفخر: ورد بلفظ الماضي { وبرزوا } وإن كان معناه الاستقبال لأن كل ~~ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدق وحق، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود ~~ونظيره # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار # [الأعراف: 44] { فقال الضعفاء للذين استكبروا } أي ~~قال الأتباع والعوام للسادة الكبراء والقادة الذين أضلوهم في الدنيا { ~~إنا كنا لكم تبعا } أي كنا أتباعا لكم نأتمر بأمركم { ~~فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء } أي ~~هل أنتم دافعون عنا شيئا من عذاب الله؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع { ~~قالوا لو هدانا الله لهديناكم } أي قال القادة ~~معتذرين: لو هدانا الله للإيمان لهديناكم إليه، ولكن حصل لنا الضلال ~~فأضللناكم فلا ينفعنا العتاب ولا الجزع { سوآء علينآ أجزعنآ ~~أم صبرنا } أي يستوي علينا الجزع والصبر قال الطبري: إن أهل النار ~~يجتمعون فيقول بعضهم لبعض: إنما أدرك أهل الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى ~~الله فتعالوا نبكي ونتضرع إلى الله، فبكوا فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم ~~قالوا: تعالوا نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله، فلما رأوا أنه لا ينفعهم ~~قالوا { سوآء علينآ ms0725 أجزعنآ أم صبرنا } وقال مقاتل: ~~جزعوا خمسمائة عام، وصبروا خمسمائة عام { ما لنا من محيص } أي ~~ليس لنا من مهرب أو ملجأ { وقال الشيطان لما قضي الأمر ~~} هذه هي الخطبة البتراء التي يخطب بها إبليس في محفل الأشقياء في جهنم ~~أي لما فرغ من الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار { ~~إن الله وعدكم وعد الحق } أي وعدكم وعدا حقا بإثابة ~~المطيع وعقاب العاصي فوفى لكم وعده { ووعدتكم فأخلفتكم ~~} أي وعدتكم ألا بعث ولا ثواب ولا عقاب فكذبتكم وأخلفتكم الوعد { وما ~~كان لي عليكم من سلطان } أي لم يكن لي قدرة وتسلط وقهر ~~عليكم فأقهركم على الكفر والمعاصي { إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي } أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بالوسوسة ~~والتزيين فاستجبتم لي باختياركم { فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم } أي لا ترجعوا باللوم علي اليوم ولكن لوموا أنفسكم فإن ~~الذنب ذنبكم { مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي } ~~أي ما أنا بمغيثكم ولا أنتم بمغيثي من عذاب الله { إني كفرت ~~بمآ أشركتمون من قبل } أي كفرت بإشراككم لي مع الله في ~~الطاعة { إن الظالمين لهم عذاب أليم } أي إن المشركين ~~لهم عذاب مؤلم قال المفسرون: هذه الخطبة إنما تكون إذا استقر أهل ~~الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فيأخذ أهل النار في لوم إبليس ~~وتقريعه فيقوم فيما بينهم خطيبا بما أخبر عنه القرآن وقال الحسن: يقف ~~إبليس يوم القيامة خطيبا في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق ~~جميعا { وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ~~ربهم } لما ذكر تعالى أحوال الأشقياء، ذكر بعده أحوال السعداء، ~~ليبقى العبد بين الرغبة والرهبة، وبين الخوف والرجاء أي أدخلهم الله ~~تعالى جنات تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ماكثين فيها أبدا بأمره ~~تعالى وتوفيقه وهدايته { تحيتهم فيها سلام } أي تحييهم ~~الملائكة بالسلام مع الإجلال والإكرام { ألم تر كيف ضرب ~~الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة } هذا مثل ضربه ~~الله لكلمة الإيمان وكلمة الإشراك، فمثل لكلمة الإيمان بالشجرة ms0726 ~~الطيبة، ولكلمة الإشراك بالشجرة الخبيثة قال ابن عباس: الكلمة الطيبة " ~~لا إله إلا الله " والشجرة الطيبة " المؤمن " { أصلها ثابت ~~وفرعها في السمآء } أي أصلها راسخ في الأرض وأغصانها ممتدة نحو ~~السماء { تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها } أي تعطي ~~ثمرها كل وقت بتيسير الخالق وتكوينه، كذلك كلمة الإيمان ثابتة في قلب ~~المؤمن، وعمله يصعد إلى السماء ويناله بركته وثوابه في كل وقت { ~~ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } ~~أي يبين لهم الأمثال لعلهم يتعظون فيؤمنون { ومثل كلمة خبيثة ~~كشجرة خبيثة } أي ومثل كلمة الكفر الخبيثة كشجرة الحنظل ~~الخبيثة { اجتثت من فوق الأرض } أي استؤصلت من جذورها ~~واقتعلت من الأرض لعدم ثبات أصلها { ما لها من قرار } أي ليس لها ~~استقرار وثبات، كذلك كلمة الكفر لا ثبات لها ولا فرع ولا بركة قال ابن ~~الجوزي: شبه ما يكسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت بثمرتها ~~المجتناة في كل حين، فالمؤمن كلما قال " لا إله إلا الله " صعدت إلى ~~السماء ثم جاء خيرها ومنفعتها، والكافر لا يقبل عمله ولا يصعد إلى ~~الله تعالى، لأنه ليس له أصل في الأرض ثابت، ولا فرع في السماء { ~~يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا } أي يثبتهم على كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " ~~وعلى الإيمان في هذه الحياة فلا يزيغون ولا يفتنون { وفي الآخرة ~~} أي عند سؤال الملكين في القبر كما في الحديث الشريف # " المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~فذلك قوله تعالى { يثبت الله الذين آمنوا }... " الآية " # { ويضل الله الظالمين } أي لا يهديهم في الحياة ولا عند ~~سؤال الملكين وقت الممات { ويفعل الله ما يشآء } أي من هداية ~~المؤمن وإضلال الكافر لا يسأل عما يفعل وهم يسألون { ألم تر ~~إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا } استفهام للتعجيب ~~أي ألا تعجب أيها السامع من أولئك الذين غيروا نعمة الله بالكفر ~~والتكذيب؟ قال المفسرون: هم كفار مكة فقد أسكنهم الله حرمه الآمن، وجعل ms0727 ~~عيشهم في السعة، وبعث فيهم محمدا صلى الله عليه وسلم فلم يعرفوا قدر ~~هذه النعمة، وكفروا به وكذبوه، فابتلاهم الله بالقحط والجدب { ~~وأحلوا قومهم دار البوار } أي أنزلوا قومهم دار الهلاك ~~بكفرهم وطغيانهم ثم فسرها بقوله { جهنم يصلونها وبئس ~~القرار } أي أحلوهم في جهنم يذوقون سعيرها وبئست جهنم مستقرا { ~~وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله } أي جعلوا ~~لله شركاء مماثلين عبدوهم كعبادته ليضلوا الناس عن دين الله { قل ~~تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } أي استمتعوا بنعيم ~~الدنيا فإن مردكم ومرجعكم إلى عذاب جهنم، وهو وعيد وتهديد { قل ~~لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } أي قل يا محمد ~~لعبادي الذين آمنوا فليقيموا الصلاة المفروضة عليهم ويؤدوها على الوجه ~~الأكمل { وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية } أي ~~ولينفقوا مما أنعمنا عليهم به من الرزق خفية وجهرا { من قبل أن ~~يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال } أي من قبل أن يأتي ~~يوم القيامة الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا صداقة، ولا فداء ولا شفاعة. # . ولما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء والأشقياء ختم ذلك بذكر ~~الدلائل الدالة على وجود الخالق الحكيم فقال { الله الذي خلق ~~السموت والأرض } أي أبدعهما واخترعهما على غير مثال سبق { ~~وأنزل من السمآء مآء } أي أنزل من السحاب المطر { فأخرج ~~به من الثمرات رزقا لكم } أي أخرج بالمطر من أنواع ~~الزروع والثمار رزقا للعباد يأكلونه { وسخر لكم الفلك ~~لتجري في البحر بأمره } أي ذلل السفن الكبيرة لتسير ~~بمشيئته، تركبونها وتحملون فيها أمتعتكم من بلد إلى بلد { وسخر ~~لكم الأنهار } أي الأنهار العذبة لتشربوا منها وتسقوا وتزرعوا { ~~وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين } أي وذلل لكم الشمس ~~والقمر يجريان بانتظام لا يفتران، لصلاح أنفسكم ومعاشكم { وسخر ~~لكم اليل والنهار } أي لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله ~~بالنهار، هذا لمنامكم وذاك لمعاشكم { وآتاكم من كل ما ~~سألتموه } أي أعطاكم كل ما تحتاجون إليه، وما يصلح أحوالكم ~~ومعاشكم، مما سألتموه بلسان الحال أو المقال { وإن تعدوا نعمت ~~الله لا تحصوها } أي وإن تعدوا نعم ms0728 الله عليكم لا تطيقوا ~~حصرها وعدها، فهي أكبر وأكثر من أن يحصيها عدد { إن الإنسان ~~لظلوم كفار } الإنسان اسم جنس أي إن الإنسان لمبالغ في الظلم ~~والجحود، ظالم لنفسه بتعديه حدود الله، جحود لنعم الله، وقيل: ظلوم في ~~الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- التشبيه التمثيلي { أعمالهم كرماد اشتدت به ~~الريح } لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. # 2- التشبيه المرسل المجمل { ومثل كلمة خبيثة كشجرة ~~خبيثة } ومثلها { مثلا كلمة طيبة }. # 3- الطباق في { أصلها... وفرعها } وفي { طيبة... ~~وخبيثة } وفي { يذهب... ويأتي } وفي { سرا... وعلانية ~~} وفي { أجزعنآ... وصبرنا }. # 4- طباق السلب في { فلا تلوموني ولوموا أنفسكم }. # 5- التعجيب { ألم تر كيف ضرب الله مثلا }. # 6- التهديد والوعيد { قل تمتعوا }. # 7- صيغة المبالغة { ظلوم كفار } لأن فعول وفعال من صيغ ~~المبالغة. # 8- السجع المرصع دون تكلف مثل { البوار... القرار... النار ~~} الخ. ### || [14.35-52] # المناسبة: لما ذكر تعالى بالدلائل الحسية والسمعية انفراده بالألوهية ~~وأن لا معبود إلا الله، ذكر هنا أبا الأنبياء " إبراهيم " عليه السلام ~~حصن التوحيد، ومبالغته في هدم الشرك والأوثان، ثم ذكر موقف الظالمين يوم ~~الدين، وما يعتريهم من الذل والهوان في يوم الحشر الأكبر. # اللغة: { واجنبني } أبعدني ونحني يقال: جنب وجنب وأصله جعل ~~الشيء في جانب آخر { تشخص } شخص البصر: إذا بقيت العين مفتوحة لا ~~تغمض من هول ما ترى { مهطعين } مسرعين يقال أهطع إهطاعا إذا أسرع ~~قال الشاعر: # بدجلة دارهم ولقد أراهم # بدجلة مهطعين إلى السماع # { مقنعي } المقنع: الرافع رأسه المقبل ببصره على ما بين يديه { ~~هوآء } خالية { مقرنين } مشدودين { الأصفاد } الأغلال ~~والقيود واحدها صفد { سرابيلهم } جمع سربال وهو القميص والثوب { ~~تغشى } تجلل وتغطي. # التفسير: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد ~~آمنا } أي اجعل مكة بلد أمن يأمن أهله وساكنوه { واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام } أي احمني يا رب وجنبني وأولادي ~~عبادة الأصنام، والغرض تثبيته على ملة التوحيد والإسلام { رب ~~إنهن أضللن كثيرا من الناس } أي يا رب إن هذه ~~الأصنام أضلت كثيرا من ms0729 الخلق عن الهداية والإيمان { فمن تبعني ~~فإنه مني } أي فمن أطاعني وتبعني على التوحيد فإنه من أهل ديني ~~{ ومن عصاني فإنك غفور رحيم } أي ومن خالف أمري فإنك ~~يا رب غفار الذنوب رحيم بالعباد { ربنآ إني أسكنت من ~~ذريتي } كرر النداء رغبة في الإجابة وإظهارا للتذلل ~~والإلتجاء إلى الله تعالى أي يا ربنا إني أسكنت من أهلي - ولدي إسماعيل ~~وزوجي هاجر - { بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم } ~~أي بواد ليس فيه زرع في جوار بيتك المحرم، وهو وادي مكة شرفها الله ~~تعالى { ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من ~~الناس تهوي إليهم } أي ربنا لكي يعبدوك ويقيموا الصلاة ~~أسكنتهم بهذا الوادي فاجعل قلوب الناس تحن وتسرع إليهم شوقا قال ~~ابن عباس: لو قال: (أفئدة الناس) لازدحمت عليه فارس والروم والناس كلهم، ~~ولكن قال { من الناس } فهم المسلمون { وارزقهم من ~~الثمرات لعلهم يشكرون } أي وارزقهم في ذلك الوادي القفر ~~من أنواع الثمار ليشكروك على جزيل نعمك، وقد استجاب الله دعاءه فجعل مكة ~~حرما آمنا يجبى إليها ثمرات كل شيء رزقا من عند الله { ربنآ ~~إنك تعلم ما نخفي وما نعلن } أي يا ربنا إنك العالم ~~لما في القلوب تعلم ما نسر وما نظهر { وما يخفى على الله ~~من شيء في الأرض ولا في السمآء } أي لا يغيب عليه تعالى ~~شيء في الكائنات، سواء منها ما كان في الأرض أو في السماء، فكيف تخفى ~~عليه وهو خالقها وموجدها؟ { الحمد لله الذي وهب لي على ~~الكبر إسماعيل وإسحاق } أي الحمد لله الذي رزقني على كبر ~~سني وشيخوختي إسماعيل وإسحاق قال ابن عباس: ولد له إسماعيل وهو ابن ~~تسع وتسعين، وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة { إن ~~ربي لسميع الدعآء } أي مجيب لدعاء من دعاه { رب ~~اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي } هذه هي الدعوة السادسة ~~من دعوات الخليل عليه السلام أي يا رب اجعلني ممن حافظ على الصلاة واجعل ~~من ذريتي من يقيمها أيضا، وهذه خير دعوة يدعوها المؤمن لأولاده فلا ms0730 ~~أحب له من أن يكون مقيما للصلاة هو وذريته لأنهما عماد الدين { ~~ربنا وتقبل دعآء } أي تقبل واستجب دعائي فيما دعوتك به ~~{ ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم ~~الحساب } هذه هي الدعوة السابعة وبها ختم إبراهيم دعاءه الضارع ~~الخاشع بالاستغفار له ولوالديه ولجميع المؤمنين، يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين قال المفسرون: استغفر لوالديه قبل أن يتبين له أن أباه عدو ~~لله قال القشيري: ولا يبعد أن تكون أمه مسلمة لأن الله ذكر عذره في ~~استغفاره لأبيه دون أمه. # . وينتقل السياق إلى مشاهد القيامة وما فيها من الأهوال حين تتزلزل ~~القلوب والأقدام { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون } أي لا تظنن يا محمد أن الله ساه عن أفعال الظلمة، ~~فإن سنة الله إمهال العصاة ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، قال ميمون بن ~~مهران: هذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم { إنما يؤخرهم ~~ليوم تشخص فيه الأبصار } أي إنما يؤخرهم ليوم رهيب عصيب، ~~تشخص فيه الأبصار من الفزع والهلع، فتظل مفتوحة مبهوتة لا تطرف ولا ~~تتحرك قال أبو السعود: تبقى أبصارهم مفتوحة لا تتحرك أجفانهم من هول ما ~~يرونه { مهطعين مقنعي رءوسهم } أي مسرعين لا يلتفتون إلى ~~شيء رافعين رءوسهم مع إدامة النظر قال الحسن: وجوه الناس يومئذ إلى ~~السماء لا ينظر أحد إلى أحد { لا يرتد إليهم طرفهم } ~~أي لا يطرفون بعيونهم من الخوف والجزع { وأفئدتهم هوآء } أي ~~قلوبهم خالية من العقل لشدة الفزع { وأنذر الناس يوم ~~يأتيهم العذاب } أي خوف يا محمد الكفار من هول يوم القيامة حين ~~يأتيهم العذاب الشديد { فيقول الذين ظلموا ربنآ ~~أخرنآ إلى أجل قريب } أي فيتوجه الظالمون يومئذ إلى الله ~~بالرجاء يقولون يا ربنا أمهلنا إلى زمن قريب لنستدرك ما فات { نجب ~~دعوتك ونتبع الرسل } أي نجب دعوتك لنا إلى الإيمان ~~ونتبع رسلك فيما جاءونا به { أولم تكونوا أقسمتم من ~~قبل ما لكم من زوال } أي يقال لهم توبيخا وتبكيتا: ألم ~~تحلفوا أنكم باقون في الدنيا لا تنتقلون إلى دار أخرى؟ والمراد إنكارهم ~~للبعث والنشور ms0731 { وسكنتم في مسكن الذين ظلموا ~~أنفسهم } أي سكنتم في ديار الظالمين بعد أن أهلكناهم، فهلا ~~اعتبرتم بمساكنهم؟ { وتبين لكم كيف فعلنا بهم } أي ~~تبين لكم بالإخبار والمشاهدة كيف أهلكناهم، وانتقمنا منهم { ~~وضربنا لكم الأمثال } أي بينا لكم الأمثال في الدنيا فلم ~~تعتبروا { وقد مكروا مكرهم } أي مكر المشركون بالرسول ~~وبالمؤمنين حين أرادوا قتله { وعند الله مكرهم } أي وعند الله ~~جزاء هذا المكر فإنه محيط بهم وبمكرهم { وإن كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال } أي وإن كان مكرهم من القوة والتأثير حتى ~~ليؤدي إلى زوال الجبال ولكن الله عصم ووقى منه { فلا تحسبن ~~الله مخلف وعده رسله } أي لا تظنن أيها المخاطب أن الله ~~يخلف رسله ما وعدهم به من النصر وأخذ الظالمين المكذبين { إن الله ~~عزيز ذو انتقام } أي إنه تعالى غالب لا يعجزه شيء منتقم ممن ~~عصاه { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت } أي ~~ينتقم من أعدائه يوم الجزاء، يوم تتبدل هذه الأرض أرضا أخرى، وتتبدل ~~السماوات سماوات أخرى قال ابن مسعود: تبدل الأرض بأرض كالفضة نقية، ~~لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة { وبرزوا لله الواحد ~~القهار } أي خرجت الخلائق جميعها من قبورهم، ومثلوا أمام أحكم ~~الحاكمين، لا يسترهم ساتر، ولا يقيهم واق، ليسوا في دورهم ولا في ~~قبورهم، وإنما هم في أرض المحشر أمام الواحد القهار { وترى ~~المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد } أي وفي ذلك ~~اليوم الرهيب تبصر المجرمين مشدودين مع شياطينهم بالقيود والأغلال قال ~~الطبري: أي مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد وهي الأغلال ~~والسلاسل { سرابيلهم من قطران } أي ثيابهم التي يلبسونها من ~~قطران وهي مادة يسرع فيها اشتعال النار، تطلى بها الإبل الجربى فيحرق ~~الجرب بحره وحدته، وهو أسود اللون منتن الريح { وتغشى ~~وجوههم النار } أي تعلوها وتحيط بها النار، جزاء المكر ~~والاستكبار { ليجزي الله كل نفس ما كسبت } أي برزوا ~~يوم القيامة لأحكم الحاكمين ليجازيهم الله على أعمالهم، المحسن ~~بإحسانه، والمسيء بإساءته { إن الله سريع الحساب } أي لا ~~يشغله شأن عن شأن، يحاسب جميع ms0732 الخلق في أعجل ما يكون من الزمان، في مقدار ~~نصف نهار من أيام الدنيا كما ورد به الأثر { هذا بلاغ للناس ~~} أي هذا القرآن بلاغ لجميع الخلق من إنس وجان، أنزل لتبليغهم بما فيه ~~من فنون العبر والعظات { ولينذروا به } أي لكي ينصحوا به ~~ويخوفوا من عقاب الله { وليعلموا أنما هو إله ~~واحد } أي ولكي يتحققوا بما فيه من الدلائل الواضحة والبراهين ~~القاطعة، على أنه تعالى واحد أحد، فرد صمد { وليذكر أولوا ~~الألباب } أي وليتعظ بهذا القرآن أصحاب العقول السليمة، وهم السعداء ~~أهل النهى والصلاح. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- التشبيه البليغ { وأفئدتهم هوآء } حذف منه أداة التشبيه ~~ووجه الشبه أي قلوبهم كالهواء لفراغها من جميع الأشياء فأصبح التشبيه ~~بليغا. # 2- الإيجاز بالحذف { يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسموت } حذف منه والسماوات تبدل غير السماوات لدلالة ما سبق. # 3- الطباق في { تبعني... عصاني } وفي { نخفي... نعلن } ~~وفي { الأرض... السمآء }. # 4- جناس الاشتقاق في { مكروا مكرهم }. # 5- العدول عن المضارع إلى الماضي { وبرزوا } بدل { ويبرزون } ~~للدلالة على تحقق الوقوع مثل # أتى أمر الله # [النحل: 1] فكأنه حدث ووقع فأخبر عنه بصيغة الماضي. # 6- الاستعارة في { فاجعل أفئدة من الناس تهوي ~~إليهم } قال الشريف الرضي: وهذه من محاسن الاستعارة وحقيقة الهوي ~~النزول من علو إلى انخفاض كالهبوط والمراد تسرع إليهم شوقا وتطير ~~إليهم حبا، ولو قال " تحن إليهم " لم يكن فيه من الفائدة ما في ~~التعبير ب { تهوي إليهم } لأن الحنين قد يكون من المقيم ~~بالمكان. # لطيفة: حكمة تعريف البلد هنا { اجعل هذا البلد آمنا } ~~وتنكيره في البقرة # اجعل هذا بلدا آمنا # [الآية: 126] أنه تكرر الدعاء من الخليل، ففي البقرة كان قبل بنائها ~~فطلب من الله أن تجعل بلدا، وأن تكون آمنا، وهنا كان بعد بنائها فطلب ~~من الله أن تكون آمنا أي بلد أمن واستقرار، وهذا هو السر في التفريق ~~في الآيتين، اللهم ارزقنا فهم أسرار كتابك العظيم. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-44] # اللغة: { ربما } رب للتقليل و { مآ } نكره موصوفة أي رب ms0733 شيء { ~~لوما } للتحضيض كلولا وهلا { شيع } جمع شيعة وهي الفرقة والطائفة ~~من الناس { نسلكه } ندخله، والسلك: إدخال الشيء في الشيء { ~~يعرجون } عرج: صعد، والمعارج المصاعد { سكرت } سدت ومنعت ~~{ بروجا } البروج: منازل الكواكب السيارة وأصله الظهور ومنه تبرج ~~المرأة وهو إظهار زينتها { لواقح } جمع لاقح وهي الريح التي تحمل ~~المطر، والتي لا تأتي بخير تسمى الريح العقيم، أو ملقحة للشجر أي تحمل ~~اللقاح له { صلصال } طين يابس يسمع له صلصلة إذا يبس { حمإ } ~~الحمأ: الطين الأسود { مسنون } منتن متغير قال الفراء: هو المتغير ~~وأصله من سننت الحجر إذا حككته به { السموم } الريح الحارة القاتلة. # سبب النزول: عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في ~~الصف الأول لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع ~~نظر من تحت إبطه فأنزل الله { ولقد علمنا المستقدمين ~~منكم ولقد علمنا المستأخرين }. # التفسير: { الر } إشارة إلى إعجاز القرآن أي هذا الكتاب العجيب ~~المعجز كلام الله تعالى وهو منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية الألف ~~واللام والراء { تلك آيات الكتاب } أي هذه آيات الكتاب، الكامل ~~في الفصاحة والبيان، المتعالي عن الطاقة البشرية، { وقرآن مبين } ~~أي قرآن عظيم الشأن، واضح بين، لا خلل فيه ولا اضطراب { ربما ~~يود الذين كفروا } أي ربما تمنى الكفار { لو كانوا ~~مسلمين } أي لو كانوا في الدنيا مسلمين، وذلك عند معاينة أهوال ~~الآخرة { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } أي دعهم يا محمد ~~يأكلوا كما تأكل البهائم، ويستمتعوا بدنياهم الفانية { ويلههم ~~الأمل } أي يشغلهم الأمل بطول الأجل، عن التفكر فيما ينجيهم من عذاب ~~الله { فسوف يعلمون } أي عاقبة أمرهم إذا رأوا القيامة وذاقوا ~~وبال ما صنعوا، وهو وعيد وتهديد { ومآ أهلكنا من قرية } أي ~~وما أهلكنا أهل قرية من القرى الظالمة التي كذبت رسل الله { إلا ~~ولها كتاب معلوم } أي إلا لها أجل محدود لإهلاكها { ما ~~تسبق من أمة أجلها } أي لا يتقدم هلاك أمة قبل ms0734 مجيء أوانه ~~{ وما يستأخرون } أي ولا يتأخر عنهم قال ابن كثير: وهذا تنبيه ~~لأهل مكة وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من العناد والإلحاد ~~الذي يستحقون به الهلاك { وقالوا يأيها الذي نزل ~~عليه الذكر } قال كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم على جهة ~~الاستهزاء والتهكم: يا من تزعم وتدعي أن القرآن نزل عليك { إنك ~~لمجنون } أي إنك حقا لمجنون، أكدوا الخبر بإن واللام مبالغة في ~~الاستخفاف والاستهزاء بمقامه الشريف عليه السلام { لو ما تأتينا ~~بالملائكة إن كنت من الصادقين } أي هلا جئتنا بالملائكة ~~لتشهد لك بالرسالة إن كنت صادقا في دعواك أنك رسول الله!! قال تعالى ~~ردا عليهم { ما ننزل الملائكة إلا بالحق } أي ما ~~ننزل ملائكتنا إلا بالعذاب لمن أردنا إهلاكه { وما كانوا إذا ~~منظرين } أي وفي هذه الحالة وعندئذ لا إمهال ولا تأجيل، والغرض أن ~~عادة الله تعالى قد جرت في خلقه أنه لا ينزل الملائكة إلا لمن يريد ~~إهلاكهم بعذاب الاستئصال، وهو لا يريد ذلك مع أمته صلى الله عليه وسلم ~~لعلمه تعالى أنه يخرج من أصلابهم من يعبد الله، ففيه رد عليهم فيما ~~اقترحوا { إنا نحن نزلنا الذكر } أي نحن بعظمة شأننا ~~نزلنا عليك القرآن يا محمد { وإنا له لحافظون } أي ونحن ~~الحافظون لهذا القرآن، نصونه عن الزيادة والنقصان، والتبديل والتغيير، ~~قال المفسرون: تكفل الله بحفظ هذا القرآن، فلم يقدر أحد على الزيادة ~~فيه ولا النقصان، ولا على التبديل والتغيير كما جرى في غيره من الكتب فإن ~~حفظها موكول إلى أهلها لقوله تعالى # بما استحفظوا من كتاب الله # [المائدة: 44] وانظر الفرق بين هذه الآية { وإنا له لحافظون ~~} حيث ضمن حفظه وبين الآية السابقة حيث وكل حفظه إليهم فبدلوا وغيروا ~~{ ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين } أي ولقد ~~أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا في طوائف وفرق الأمم الأولين { وما ~~يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } أي وما ~~جاءهم رسول إلا سخروا منه واستهزءوا به، وهذا تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى ms0735 كما فعل بك هؤلاء المشركون فكذلك فعل بمن قبلك من ~~الرسل فلا تحزن { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } أي ~~كذلك نسلك الباطل والضلال والاستهزاء بأنبياء الله في قلوب المجرمين، كما ~~سلكناه وأدخلناه في قلوب أولئك المستهزئين { لا يؤمنون به وقد ~~خلت سنة الأولين } أي لا يؤمنون بهذا القرآن وقد مضت سنة ~~الله بإهلاك الكفار، فما أقرب هؤلاء من الهلاك والدمار؟ ثم بين تعالى ~~أن كفار مكة لا ينقصهم توافر براهين الإيمان فهم معاندون مكابرون، وفي ~~ضلالهم وعنادهم سائرون فقال { ولو فتحنا عليهم بابا من ~~السماء فظلوا فيه يعرجون } أي لو فرض أننا أصعدناهم إلى ~~السماء، وفتحنا لهم بابا من أبوابها، فظلوا يصعدون فيه حتى شاهدوا ~~الملائكة والملكوت { لقالوا إنما سكرت أبصارنا } أي ~~لقالوا - لفرط مكابرتهم وعنادهم - إنما سدت أبصارنا وخدعت بهذا ~~الارتقاء والصعود { بل نحن قوم مسحورون } أي سحرنا محمد ~~وخيل إلينا ذلك وما هو إلا سحر مبين قال الرازي: لو ظل المشركون يصعدون ~~في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوت الله تعالى وقدرته وسلطانه، وإلى ~~عبادة الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون لشكوا في تلك الرؤية، وبقوا ~~مصرين على الكفر والعناد كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر، ~~والقرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله، ثم ذكر ~~تعالى البراهين الدالة على وحدانيته وقدرته فقال { ولقد جعلنا ~~في السماء بروجا } أي جعلنا في السماء منازل تسير فيها الأفلاك ~~والكواكب { وزيناها للناظرين } أي زيناها بالنجوم ليسر ~~الناظر إليها { وحفظناها من كل شيطان رجيم } أي حفظنا ~~السماء الدنيا من كل شيطان لعين مطرود من رحمة الله { إلا من ~~استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } أي إلا من اختلس ~~شيئا من أخبار السماء فأدركه ولحقه شهاب ثاقب فأحرقه { والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي } أي بسطناها ووسعناها ~~وجعلنا فيها جبالا ثوابت { وأنبتنا فيها من كل شيء ~~موزون } أي أنبتنا في الأرض من الزروع والثمار من كل شيء موزون ~~بميزان الحكمة، بدقة وإحكام وتقدير { وجعلنا لكم فيها ~~معايش } أي ما تعيشون به من المطاعم ms0736 والمشارب { ومن لستم له ~~برازقين } أي وجعلنا لكم من العيال والمماليك والأنعام من لستم له ~~برازقين، لأننا نخلق طعامهم وشرابهم لا أنتم { وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه } أي ما من شيء من أزراق الخلق والعباد ومنافعهم ~~إلا عندنا خزائنه ومستودعاته { وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم } أي ولكن لا ننزله إلا على حسب حاجة الخلق إليه، وعلى حسب ~~المصالح، كما نشاء ونريد { وأرسلنا الرياح لواقح } أي ~~تلقح السحاب فيدر ماء، وتلقح الشجر فيتفتح عن أوراقه وأكمامه، ~~فالريح كالفحل للسحاب والشجر { فأنزلنا من السمآء ماء ~~فأسقيناكموه } أي فأنزلنا من السحاب ماء عذبا، جعلناه لسقياكم ~~ولشرب أرضكم ومواشيكم { ومآ أنتم له بخازنين } أي لستم ~~بقادرين على خزنه بل نحن بقدرتنا نحفظه لكم في العيون والآبار والأنهار، ~~ولو شئنا لجعلناه غائرا في الأرض فهلكتم عطشا كقوله # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # [الملك: 30] { وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن ~~الوارثون } أي الحياة والموت بيدنا ونحن الباقون بعد فناء الخلق، ~~نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون { ولقد علمنا ~~المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين } أي ~~أحطنا علما بالخلق أجمعين، الأموات منهم والأحياء قال ابن عباس: ~~المستقدمون كل من هلك من لدن آدم عليه السلام والمستأخرون من هو حي ومن ~~سيأتي إلى يوم القيامة وقال مجاهد: المستقدمون: الأمم السابقة، ~~والمستأخرون أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والغرض أنه تعالى محيط علمه ~~بمن تقدم وبمن تأخر، لا يخفى عليه شيء من أحوال العباد، وهو بيان لكمال ~~علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته { وإن ربك هو يحشرهم } ~~أي وإن ربك يا محمد هو يجمعهم للحساب والجزاء { إنه حكيم عليم ~~} أي حكيم في صنعه عليم بخلقه، ولما ذكر تعالى الموت والفناء، والبعث ~~والجزاء، نبههم إلى مبدأ أصلهم وتكوينهم من نفس واحدة، ليشير إلى أن ~~القادر على الإحياء قادر على الإفناء والإعادة، وذكرهم بعداوة إبليس ~~لأبيهم آدم ليحذروه فقال: { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال ~~} أي خلقنا آدم من طين يابس يسمع له صلصلة أي صوت إذا نقر ms0737 { من ~~حمإ مسنون } أي من طين أسود متغير { والجآن خلقناه ~~من قبل من نار السموم } أي ومن قبل آدم خلقنا الجان - أي ~~الشياطين ورئيسهم إبليس - من نار السموم وهي النار الحارة الشديدة التي ~~تنفذ في المسام فتقتل بحرها قال المفسرون: عني بالجان هنا " إبليس " ~~أبا الجن لأن منه تناسلت الجن فهو أصل لها كما أن آدم أصل للإنس { ~~وإذ قال ربك للملآئكة إني خالق بشرا من ~~صلصال من حمإ مسنون } أي اذكر يا محمد وقت قول ربك ~~للملائكة إني خالق بشرا من طين يابس، أسود متغير قال ابن كثير: فيه ~~تنويه بذكر آدم في الملائكة قبل خلقه له، وتشريفه إياه بأمر الملائكة ~~بالسجود له، وامتناع إبليس عدوه عن السجود له حسدا وكفرا { فإذا ~~سويته } أي سويت خلقه وصورته، وجعلته إنسانا كاملا معتدل ~~الأعضاء { ونفخت فيه من روحي } أي أفضت عليه من الروح التي ~~هي خلق من خلقي فصار بشرا حيا { فقعوا له ساجدين } أي خرو ~~له ساجدين، سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة، قال المفسرون: وإنما أضاف ~~الروح إليه تعالى على سبيل التشريف والتكريم كقوله " بيت الله، ناقة ~~الله! شهر الله " وهي من إضافة الملك إلى المالك، والصنعة إلى الصانع { ~~فسجد الملائكة كلهم أجمعون } أي سجد لآدم جميع ~~الملائكة لم يمتنع منهم أحد { إلا إبليس أبى أن يكون مع ~~الساجدين } الاستثناء منقطع لأن إبليس خلق آخر غير الملائكة، فهو ~~من نار وهم من نور، وهم لا يعصون الله ما أمرهم وهو أبى وعصى، فليس هو من ~~الملائكة بيقين، ولكنه كان بين صفوفهم فتوجه إليه الخطاب والمعنى: سجد ~~جميع الملائكة لكن إبليس امتنع من السجود بعد أن صدر له الأمر الإلهي { ~~قال يإبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين } أي ما ~~المانع لك من السجود؟ وأي داع دعا بك إلى الإباء والامتناع؟ وهو ~~استفهام تبكيت وتوبيخ { قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته ~~من صلصال من حمإ مسنون } أي قال إبليس: لا ينبغي ولا ~~يليق لمثلي أن يسجد لآدم وهو مخلوق من ms0738 طين يابس متغير، فهو من طين ~~وأنا من نار فكيف يسجد العظيم للحقير، والفاضل للمفضول؟ رأى عدو الله ~~نفسه أكبر من أن يسجد لآدم، ومنعه كبره وحسده عن امتثال أمر الله { قال ~~فاخرج منها فإنك رجيم } أي اخرج من السماوات فإنك مطرود ~~من رحمتي { وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين } أي ~~وإن عليك لعنتي إلى يوم الجزاء والعقوبة { قال رب فأنظرني ~~إلى يوم يبعثون } أي قال اللعين: أمهلني وأخرني إلى يوم البعث ~~{ قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم } أي قال له الله: إنك من المؤجلين إلى حين موت الخلائق ~~قال القرطبي: أراد بسؤاله الإنظار - إلى يوم يبعثون - ألا يموت، لأن ~~البعث لا موت بعده، فأجابه المولى بالإنظار إلى يوم الوقت المعلوم وهو ~~يوم موت الخلائق، فيموت إبليس ثم يبعث { قال رب بمآ ~~أغويتني } أي بسبب إغوائك وإضلالك لي { لأزينن لهم في ~~الأرض } أي لأزينن لذرية آدم المعاصي والآثام { ولأغوينهم ~~أجمعين } أي ولأظلنهم عن طريق الهدى أجمعين { إلا عبادك ~~منهم المخلصين } أي إلا من استخلصته من عبادك لطاعتك ومرضاتك ~~فلا قدرة لي على إغوائه { قال هذا صراط علي مستقيم } أي ~~قال تعالى: هذا طريق مستقيم واضح، وسنة أزلية لا تتخلف وهي { إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان } أي إن عبادي المؤمنين لا ~~قوة لك على إضلالهم { إلا من اتبعك من الغاوين } استثناء ~~منقطع لأن الغاوين ليسوا من عباد الله المخلصين والمعنى لكن من غوى وضل ~~من الكافرين فلك عليهم تسلط، لأن الشيطان إنما يتسلط على الشاردين عن ~~الله، كما يتسلط الذئب على الشاردة من القطيع { وإن جهنم ~~لموعدهم أجمعين } أي موعد إبليس وأتباعه جميعا { لها ~~سبعة أبواب } أي لجهنم سبعة أبواب يدخلون منها لكثرتهم وروي عن ~~علي أنها أطباق، طبق فوق طبق وأنها دركات بعضها أشد من بعض { لكل ~~باب منهم جزء مقسوم } أي لكل جماعة من أتباع إبليس باب ~~معين معلوم، قال ابن كثير: كل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في ~~درك بقدر عمله. # البلاغة: تضمنت الآيات ms0739 الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- المجاز المرسل في { ومآ أهلكنا من قرية } المراد أهلها ~~وهو من باب إطلاق المحل وإرادة الحال. # 2- الاستعارة التخيلية في { عندنا خزائنه } فهو تمثيل لكمال ~~قدرته، شبه قدرته على كل شيء بالخزائن المودوعة فيها الأشياء، وإخراج ~~كل شيء بحسب ما اقتضته حكمته على طريق الاستعارة. # 3- الطباق بين { نحيي... ونميت } وبين { المستقدمين... ~~المستأخرين }. # 4- جناس الاشتقاق في { خزائنه... وخازنين }. # 5- السجع الذي له وقع على السمع مثل { المجرمين } ، { ~~الأولين } ، { المنظرين } الخ. # لطيفة: ذكر أن رجلا أراد أن يمتحن الأديان أيها أصح وأحسن؟ فعمد إلى ~~التوراة والإنجيل والقرآن - وكان خطاطا - فنسخ من كل كتاب نسخة بخط ~~جميل وزاد فيها ونقص، ثم عرض التوراة على علماء اليهود فقبلوها وتصفحوها ~~وأكرموه بالمال، ثم عرض الإنجيل الذي نسخه بيده على القسس فاشتروه بثمن ~~كبير وأكرموه، ثم عرض نسخة القرآن على شيوخ المسلمين فنظروا فيه فلما ~~رأوا فيه بعض الزيادة والنقص أمسكوا به فضربوه ثم رفعوا أمره إلى السلطان ~~فحكم بقتله، فلما أراد قتله أشهر إسلامه وأخبرهم بقصته وأنه امتحن ~~الأديان فعرف أن الإسلام دين حق. انظر تفسير القرطبي 10/6. ### || [15.45-99] # المناسبة: لما ذكر تعالى حال الأشقياء من أهل الجحيم، أعقبهم بذكر ~~حال السعداء من أهل النعيم، ثم ذكر قصص بعض الرسل مع أقوامهم " لوط، ~~وشعيب، وصالح " تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليتأسى بهم في ~~الصبر، ثم ذكر الأدلة والبراهين على وحدانية رب العالمين، وختم السورة ~~ببشارته عليه السلام بإهلاك أعدائه المستهزئين. # اللغة: { نصب } تعب وإعياء { وجلون } خائفون فزعون { ~~الغابرين } الباقين في العذاب { القانطين } القنوط: كمال ~~اليأس { تفضحون } الفضيحة: أن يظهر من أمره ما يلزمه به العار، ~~يقال: فضحه الصبح إذا أظهره للناس قال الشاعر: # ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا # مثل القلامة قد قصت من الظفر # { لعمرك } قسم بحياة محمد صلى الله عليه وسلم أي وحياتك { ~~سكرتهم } السكرة: الغواية والضلالة { يعمهون } يترددون تحيرا ~~أو يعمون عن الرشد. والعمه للقلب مثل العمى للبصر { للمتوسمين ~~} التوسم من الوسم وهي العلامة التي يستدل ms0740 بها على المطلوب يقال: ~~توسم فيه الخير إذا رأى فيه أثرا منه قال ابن رواحة في رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # إني توسمت فيك الخير أعرفه # والله يعلم أني ثابت البصر # وأصله التثبت والتفكر مثل التفرس وفي الحديث # " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " # { الأيكة } الشجرة الملتفة وجمعها أيك { الحجر } اسم واد كانت ~~تسكنه ثمود { عضين } أجزاء متفرقة من التعضية وهي التجزئة والتفريق { ~~اليقين } الموت لأنه أمر متيقن. # سبب النزول: روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على الصحابة وهم يضحكون فقال: ~~أتضحكون وبين أيديكم الجنة والنار؟ فشق ذلك عليهم فنزلت { نبىء ~~عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو ~~العذاب الأليم } ". # التفسير: { إن المتقين في جنات وعيون } أي إن الذين ~~اتقوا الفواحش والشرك لهم في الآخرة البساتين الناضرة، والعيون المتفجرة ~~بالماء والسلسبيل والخمر والعسل { ادخلوها بسلام آمنين } أي ~~يقال لهم: أدخلوا الجنة سالمين من كل الآفات، آمنين من الموت ومن زوال ~~هذا النعيم { ونزعنا ما في صدورهم من غل } أي أزلنا ما ~~في قلوب أهل الجنة من الحقد والبغضاء والشحناء { إخوانا على ~~سرر متقابلين } أي حال كونهم إخوة متحابين لا يكدر صفوهم ~~شيء، على سرر متقابلين وجها لوجه قال مجاهد: لا ينظر بعضهم إلى قفا ~~بعض زيادة في الانس والإكرام، وقال ابن عباس: على سرر من ذهب مكللة ~~بالدر والياقوت والزبرجد { لا يمسهم فيها نصب } أي لا يصيبهم ~~في الجنة إعياء وتعب { وما هم منها بمخرجين } أي لا ~~يخرجون منها ولا يطردون، نعيمهم خالد، وبقاؤهم دائم، لأنها دار الصفاء ~~والسرور { نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم } أي ~~أخبر يا محمد عبادي المؤمنين بأني واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب { ~~وأن عذابي هو العذاب الأليم } أي وأخبرهم أن عذابي ~~شديد لمن أصر على المعاصي والذنوب قال أبو حيان: وجاء قوله { وأن ~~عذابي } في غاية اللطف إذ لم يقل على وجه المقابلة (وأني المعذب ~~المؤلم) وكل ذلك ترجيح لجهة العفو والرحمة { ونبئهم عن ضيف ~~إبراهيم } أي وأخبرهم عن ms0741 قصة ضيوف إبراهيم، وهم الملائكة الذين ~~أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، وكانوا عشرة على صورة غلمان حسان معهم ~~جبريل { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما } أي حين دخلوا على ~~إبراهيم فسلموا عليه { قال إنا منكم وجلون } أي قال ~~إبراهيم إنا خائفون منكم، وذلك حين عرض عليهم الأكل فلم يأكلوا { ~~قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم } أي قالت ~~الملائكة لا تخف فإنا نبشرك بغلام واسع العلم، عظيم الذكاء، هو إسحاق { ~~قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم ~~تبشرون } أي قال إبراهيم أبشرتموني بالولد على حالة الكبر والهرم، ~~فبأي شيء تبشروني؟ قال ذلك على وجه التعجب والاستبعاد { قالوا ~~بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين } أي بشرناك ~~باليقين الثابت فلا تستبعده ولا تيأس من رحمة الله { قال ومن ~~يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون } استفهام إنكاري أي ~~لا يقنط من رحمة الله إلا المخطئون طريق المعرفة والصواب، الجاهلون برب ~~الأرباب، أما القلب العامر بالإيمان، المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط ~~قال البيضاوي: وكان تعجب إبراهيم عليه السلام باعتماد العادة دون القدرة ~~فإن الله تعالى قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين، فكيف من شيخ ~~فان وعجوز عاقر؟ ولذلك أجابهم بذلك الجواب { قال فما خطبكم ~~أيها المرسلون } أي قال إبراهيم ما شأنكم وما أمركم الذي جئتم ~~من أجله أيها الملائكة الكرام؟ { قالوا إنآ أرسلنآ إلى ~~قوم مجرمين } أي أرسلنا ربنا إلى قوم مشركين ضالين لإهلاكهم ~~يعنون قوم لوط { إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين } ~~أي إلا أتباع لوط وأهله المؤمنين، فسننجيهم من ذلك العذاب أجمعين { ~~إلا امرأته قدرنآ إنها لمن الغابرين } أي إلا ~~امرأة لوط فقد قدر الله بقاءها في العذاب مع الكفرة الهالكين قال ~~القرطبي: استثنى من آل لوط امرأته وكانت كافرة فالتحقت بالمجرمين في ~~الهلاك { فلما جآء آل لوط المرسلون } أي فلما أتى رسل ~~الله لوطا عليه السلام { قال إنكم قوم منكرون } أي قال ~~لهم إنكم قوم لا أعرفكم فماذا تريدون؟ { قالوا بل جئناك بما ~~كانوا فيه يمترون } أي قالوا له ms0742 بل نحن رسل الله، جئناك بما ~~كان فيه قومك يشكون فيه وهو نزول العذاب الذي وعدتهم به { وآتيناك ~~بالحق وإنا لصادقون } أي أتيناك بالحق اليقين من عذابهم ~~وإنا لصادقون فيما نقول { فأسر بأهلك بقطع من اليل } ~~أي سر بأهلك في طائفة من الليل { واتبع أدبارهم } أي كن من ~~ورائهم وسر خلفهم لتطمئن عليهم { ولا يلتفت منكم أحد } ~~أي لا يلتفت أحد منكم وراءه لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم فيرتاع { ~~وامضوا حيث تؤمرون } أي سيروا حيث يأمركم الله عز وجل قال ~~ابن عباس: يعني الشام { وقضينآ إليه ذلك الأمر أن ~~دابر هؤلآء مقطوع } أي أوحينا إلى لوط ذلك الأمر العظيم أن ~~أولئك المجرمين سيستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد { ~~مصبحين } أي إذا دخل الصباح تم هلاكهم واستئصالهم { وجآء ~~أهل المدينة يستبشرون } أي جاء أهل مدينة سدوم - وهم قوم ~~لوط - مسرعين يستبشرون بأضيافه، طمعا في ارتكاب الفاحشة بهم، ظنا منهم ~~أنهم أناس أمثالهم قال المفسرون: أخبر أولئك السفهاء أن في بيت لوط ~~شبانا مردا حسانا فأسرعوا فرحين يبشر بعضهم بعضا بأضياف لوط { قال ~~إن هؤلآء ضيفي فلا تفضحون } أي هؤلاء ضيوفي فلا تقصدوهم ~~بسوء فتلحقوا بي العار وتفضحوني أمامهم { واتقوا الله ولا ~~تخزون } أي خافوا الله أن يحل بكم عقابه، ولا تهينوني بالتعرض لهم ~~بالمكروه { قالوا أو لم ننهك عن العالمين } أي قالوا ~~ألم نمنعك عن ضيافة أحد؟ قال الرازي: المعنى ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا ~~في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟ { قال هؤلآء بناتي إن ~~كنتم فاعلين } أي هؤلاء النساء فتزوجوهن ولا تركنوا إلى الحرام ~~إن كنتم تريدون قضاء الشهوة قال المفسرون: المراد بقوله { بناتي } ~~بنات أمته لأن كل نبي يعتبر أبا لقومه { لعمرك إنهم لفي ~~سكرتهم يعمهون } أي وحياتك يا محمد إن قوم لوط لفي ضلالهم ~~وجهلهم يتخبطون ويترددون، وهذه جملة اعتراضية جاءت ضمن قصة لوط قسما ~~بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم تكريما له وتشريفا قال ابن عباس: " ما ~~خلق الله وما ذرأ وما برأ ms0743 نفسا أكرم على الله من محمد صلى الله عليه ~~وسلم وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره " { فأخذتهم ~~الصيحة مشرقين } أي أخذتهم صيحة العذاب المهلكة المدمرة وقت ~~شروق الشمس { فجعلنا عاليها سافلها } أي قلبناها بهم فجعلنا ~~أعالي المنازل أسافلها قال المفسرون: حمل جبريل عليه السلام قريتهم ~~واقتلعها من جذورها، حتى رأوا الأفلاك وسمعوا تسبيح الأملاك ثم قلبها بهم ~~{ وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } أي أنزلنا عليهم ~~حجارة كالمطر من طين طبخ بنار جهنم { إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين } أي فيما حل بهم من الدمار والعذاب لدلالات ~~وعلامات للمعتبرين، المتأملين بعين البصر والبصيرة { وإنها ~~لبسبيل مقيم } أي وإن هذه القرى المهلكة، وما ظهر فيها من آثار ~~قهر الله وغضبه، لبطريق ثابت لم يندرس، يراها المجتازون في أسفارهم ~~أفلا يعتبرون؟ { إن في ذلك لآية للمؤمنين } أي لعبرة ~~للمصدقين { وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين } أي وإنه ~~الحال والشأن كان قوم شعيب - وهم أصحاب الأيكة أي الشجر الكثير المتلف - ~~لظالمين بتكذيبهم شعيبا، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان { ~~فانتقمنا منهم } أي أهلكناهم بالرجفة وعذاب يوم الظلة قال ~~المفسرون: اشتد الحر عليهم سبعة أيام حتى قربوا من الهلاك، فبعث الله ~~عليهم سحابة كالظلة، فالتجئوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل بها، فبعث ~~الله عليهم منها نارا فأحرقتهم جميعا { وإنهما لبإمام ~~مبين } أي وإن قرى قوم لوط وشعيب لطريق واضح أفلا تعتبرون بهم يا أهل ~~مكة؟ { ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين } هذه هي ~~القصة الرابعة وهي قصة صالح عليه السلام أي كذبت ثمود نبيهم صالحا - ~~والحجر واد بين المدينة والشام وآثاره باقية يمر عليها المسافرون - ~~قال البيضاوي: ومن كذب واحدا من الرسل فكأنما كذب الجميع ولذا قال { ~~المرسلين } { وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها ~~معرضين } أي وأريناهم معجزاتنا الدالة على قدرتنا مثل الناقة وما ~~فيها من العجائب فكانوا لا يعتبرون بها ولا يتعظون قال ابن عباس: كان ~~في الناقة آيات: خروجها من الصخرة، ودنو ولادتها عند خروجها، وعظم ~~خلقها فلم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى كان يكفيهم جميعا فلم ~~يتفكروا فيها ms0744 ولم يستدلوا بها { وكانوا ينحتون من الجبال ~~بيوتا آمنين } أي كانوا ينقبون الجبال فيبنون فيها بيوتا آمنين ~~يحسبون أنها تحميهم من عذاب الله { فأخذتهم الصيحة ~~مصبحين } أي أخذتهم صيحة الهلاك حين أصبحوا { فمآ أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون } أي ما دفع عنهم عذاب الله ما ~~كانوا يشيدونه من القلاع والحصون { وما خلقنا السموت ~~والأرض وما بينهمآ إلا بالحق } أي وما خلقنا الخلائق ~~كلها سماءها وأرضها وما بينهما إلا خلقا ملتبسا بالحق، فلذلك اقتضت ~~الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء المكذبين لئلا يعم الفساد { وإن الساعة ~~لآتية فاصفح الصفح الجميل } أي وإن القيامة لآتية لا ~~محالة فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فأعرض يا محمد عن ~~هؤلاء السفهاء وعاملهم معاملة الحليم { إن ربك هو الخلاق ~~العليم } أي الخالق لكل شيء، العليم بأحوال العباد { ولقد ~~آتيناك سبعا من المثاني } أي ولقد أعطيناك يا محمد سبع ~~آيات هي الفاتحة لأنها تثنى أي تكرر قراءتها في الصلاة وفي الحديث # " الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي ~~أوتيته " # وقيل: هي السور السبع الطوال، والأول أرجح { والقرآن العظيم } ~~أي وآتيناك القرآن العظيم الجامع لكمالات الكتب السماوية { لا ~~تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ~~} أي لا تنظر إلى ما متعنا به بعض هؤلاء الكفار، فإن الذي أعطيناك أعظم ~~منها وأشرف وأكرم، وكفى بإنزال القرآن عليك نعمة { ولا تحزن ~~عليهم } أي لا تحزن لعدم إيمانهم { واخفض جناحك ~~للمؤمنين } أي تواضع لمن آمن بك من المؤمنين وضعفائهم { وقل ~~إني أنا النذير المبين } أي قل لهم يا محمد أنا المنذر من ~~عذاب الله، الواضح البين في الإنذار لمن عصى أمر الجبار { كمآ ~~أنزلنا على المقتسمين } الكاف للتشبيه والمعنى أنزلنا عليك ~~القرآن كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض ~~كتابهم وكفروا ببعضه، فانقسموا إلى قسمين { الذين جعلوا ~~القرآن عضين } أي جعلوا القرآن أجزاء متفرقة وقالوا فيه أقوالا ~~مختلفة قال ابن عباس: آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وهذه تسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن صنيع ms0745 قومه بالقرآن وتكذيبهم له بقولهم سحر، وشعر، ~~وأساطير، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب مثل فعل كفار مكة { ~~فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا ~~يعملون } أي فأقسم بربك يا محمد لنسألن الخلائق أجمعين عما كانوا ~~يعملون في الدنيا { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين } أي فاجهر بتبليغ أمر ربك، ولا تلتفت إلى ما يقول ~~المشركون { إنا كفيناك المستهزئين } أي كفيناك شر ~~أعدائك المستهزئين بإهلاكنا إياهم وكانوا خمسة من صناديد قريش { ~~الذين يجعلون مع الله إلها آخر } أي الذين أشركوا مع ~~الله غيره من الأوثان والأصنام { فسوف يعلمون } وعيد وتهديد أي ~~سوف يعلمون عاقبة أمرهم في الدارين { ولقد نعلم أنك يضيق ~~صدرك بما يقولون } أي يضيق صدرك بالاستهزاء والتكذيب { ~~فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين } أي فافزع فيما ~~نالك من مكروه إلى التسبيح والصلاة والإكثار من ذكر الله { واعبد ~~ربك حتى يأتيك اليقين } أي اعبد ربك يا محمد حتى يأتيك ~~الموت، سمي يقينا لأنه متيقن الوقوع والنزول. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- الإيجاز بالحذف في { ادخلوها بسلام } أي يقال لهم أدخلوها. # 2- المقابلة اللطيفة في { نبىء عبادي أني أنا الغفور ~~الرحيم } مع الآية بعدها { وأن عذابي } فقد قابل بين العذاب ~~والمغفرة وبين الرحمة الواسعة والعذاب الأليم، وهذا من المحسنات ~~البديعية. # 3- الكناية في { أن دابر هؤلآء مقطوع } كنى به عن عذاب ~~الاستئصال. # 4- المجاز في { قدرنآ إنها لمن الغابرين } أسند ~~الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مجازا وهو لله وحده وذلك لما لهم من ~~القرب والاختصاص لأنهم رسل الله أرسلوا بأمره تعالى. # 5- الجناس الناقص في { الصيحة مصبحين } وجناس الاشتقاق في { ~~فاصفح الصفح }. # 6- صيغة المبالغة في { الغفور الرحيم } وفي { الخلاق ~~العليم }. # 7- الطباق في { عاليها سافلها }. # 8- السجع بلا تكلف في مواطن عديدة مثل { آمنين، مصبحين، ~~معرضين }. # 9- عطف العام على الخاص في { سبعا من المثاني والقرآن ~~العظيم }. # 10- الاستعارة التبعية في { واخفض جناحك للمؤمنين } حيث ~~شبه إلانة الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة في كل واستعير اسم ~~المشبه به للمشبه، وهذا من بليغ ms0746 الاستعارات لأن الطائر إذا كف عن ~~الطيران خفض جناحيه. # تنبيه: الجمع بين هذه الآية { فوربك لنسألنهم ~~أجمعين } وبين قوله # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # [القصص: 78] وقوله # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39] أن القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا ~~يكون ذلك فيه، هذا قول عكرمة، وقال ابن عباس: لا يسألهم سؤال استخبار ~~واستعلام هل عملتم كذا وكذا، لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال ~~تقريع وتوبيخ فيقول لهم: لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه؟ ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-29] # اللغة: { نطفة } النطفة الماء المهين الذي يتكون منه الإنسان، ~~من نطف إذا قطر { دفء } الدفء: ما يستدفئ به الإنسان من البرد { ~~تريحون } الرواح: رجوع المواشي بالعشي من المرعى { تسرحون } ~~السراح: الخروج بها صباحا إلى المرعى { أثقالكم } الأثقال: ~~الأمتعة جمع ثقل سميت أثقالا لأنها ثقيلة الحمل { جآئر } مائل عن ~~الحق { تسيمون } أسام الماشية تركها ترعى، وسامت هي إذا رعت حيث شاءت ~~فهي سائمة { ذرأ } خلق وأبدع { مواخر } أصل المخر شق الماء عن ~~يمين وشمال يقال: مخرت السفينة إذا جرت تشق الماء مع صوت { تميد } ~~تضطرب. # سبب النزول: قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى # اقتربت الساعة # [القمر: 1] قال الكفار بعضهم لبعض: إن محمدا يزعم أن القيامة قد ~~اقتربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر، فلما امتدت الأيام قالوا ~~يا محمد: ما نرى شيئا مما تخوفنا به فأنزل الله تعالى { أتى ~~أمر الله فلا تستعجلوه... } الآية. # التفسير: { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } أي قرب قيام ~~الساعة فلا تستعجلوا العذاب الذي أوعدكم به محمد، وإنما أتى بصيغة ~~الماضي لتحقق وقوع الأمر وقربه، قال الرازي: لما كان واجب الوقوع لا ~~محالة عبر عنه بالماضي كما يقال للمستغيث: جاءك الغوث فلا تجزع { ~~سبحانه وتعالى عما يشركون } أي تنزه الله عما يصفه ~~به الظالمون، وتقدس عن إشراكهم به غيره من الأنداد والأوثان { ينزل ~~الملائكة بالروح من أمره } أي ينزل الملائكة بالوحي ~~والنبوة بإرادته وأمره { على من يشآء من عباده ms0747 } أي على ~~الأنبياء والمرسلين، وسمى الوحي روحا لأنه تحيا به القلوب كما تحيا ~~بالأرواح الأبدان { أن أنذروا أنه لا إله إلا ~~أنا فاتقون } أي بأن أنذروا أهل الكفر أنه لا معبود إلا الله ~~فخافوا عذابي وانتقامي، ثم ذكر تعالى البراهين الدالة على وحدانيته ~~وقدرته فقال { خلق السموت والأرض بالحق } أي خلقهما ~~بالحق الثابت، والحكمة الفائقة، لا عبثا ولا جزافا { تعالى عما ~~يشركون } أي تمجد وتقدس عن الشريك والنظير { خلق الإنسان ~~من نطفة } أي خلق هذا الجنس البشري من نطفة مهينة ضعيفة هي ~~المني { فإذا هو خصيم مبين } أي فإذا به بعد تكامله بشرا ~~مخاصم لخالقه، واضح الخصومة، يكابر ويعاند، وقد خلق ليكون عبدا لا ~~ضدا قال ابن الجوزي: لقد خلق من نطفة وهو مع ذلك يخاصم وينكر البعث، ~~أفلا يستدل بأوله على آخره، وبأن من قدر على إيجاده أولا قادر على ~~إعادته ثانيا؟ { والأنعام خلقها } أي وخلق الأنعام لمصالحكم ~~وهي الإبل والبقر والغنم { لكم فيها دفء } أي لكم فيها ما ~~تستدفئون به من البرد مما تلبسون وتفترشون من الأصواف والأوبار { ~~ومنافع ومنها تأكلون } أي ولكم فيها منافع عديدة من النسل ~~والدر وركوب الظهر، ومن لحومها تأكلون وهو من أعظم المنافع لكم { ~~ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } أي ولكم ~~في هذه الأنعام والمواشي زينة وجمال حين رجوعها عشيا من المرعى، وحين ~~غدوها صباحا لترعى، جمال الاستمتاع بمنظرها صحيحة سمينة فارهة { ~~وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس } أي وتحمل أحمالكم الثقيلة وأمتعتكم التي ~~تعجزون عن حملها إلى بلد بعيد لم تكونوا لتصلوا إليه إلا بجهد ومشقة { ~~إن ربكم لرؤوف رحيم } أي إن ربكم أيها الناس الذي ~~سخر لكم هذه الأنعام لعظيم الرأفة والرحمة بكم { والخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها وزينة } أي وخلق الخيل ~~والبغال والحمير للحمل والركوب وهي كذلك زينة وجمال { ويخلق ما لا ~~تعلمون } أي ويخلق في المستقبل ما لا تعلمونه الآن كوسائل النقل ~~الحديث: القاطرات، والسيارات، والطائرات النفاثة وغيرها مما يجد به ~~الزمان وهو من ms0748 تعليم الله للإنسان { وعلى الله قصد السبيل ~~} أي وعلى الله جل وعلا بيان الطريق المستقيم، الموصل لمن يسلكه إلى ~~جنات النعيم { ومنها جآئر } أي ومن هذه السبيل طريق مائل عن ~~الحق منحرف عنه، لا يوصل سالكه إلى الله وهو طريق الضلال، كاليهودية ~~والنصرانية والمجوسية { ولو شآء لهداكم أجمعين } أي لو ~~شاء أن يهديكم إلى الإيمان لهداكم جميعا ولكنه تعالى اقتضت حكمته أن ~~يدع للإنسان حرية الاختيار # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29] ليترتب عليه الثواب والعقاب، ولما ذكر تعالى ما أنعم به ~~عليهم من الأنعام، شرع في ذكر سائر النعم العظام وآياته المنبثة في ~~الكائنات فقال { هو الذي أنزل من السماء مآء } أي أنزل ~~المطر بقدرته القاهرة من السحاب { لكم منه شراب } أي أنزله ~~عذبا فراتا لتشربوه فتسكن حرارة العطش { ومنه شجر فيه ~~تسيمون } أي وأخرج لكم منه شجرا ترعون فيه أنعامكم { ينبت لكم ~~به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب } أي يخرجها ~~من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها { ومن ~~كل الثمرات } أي ومن كل الفواكه والثمار يخرج لكم أطايب الطعام { ~~إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } أي إن في إنزال ~~الماء وإخراج الثمار لدلالة واضحة على قدرة الله ووحدانيته لقوم ~~يتدبرون في صنعه فيؤمنون قال أبو حيان: ختم الآية بقوله: { ~~يتفكرون } لأن النظر في ذلك يحتاج إلى فضل تأمل، واستعمال فكر، ~~ألا ترى أن الحبة الواحدة إذا وضعت في الأرض ومر عليها زمن معين ~~لحقها من نداوة الأرض ما تنتفخ به فيشق أعلاها فتصعد منه شجرة إلى ~~الهواء، وأسفلها يغوص منه في عمق الأرض شجرة أخرى وهي العروق، ثم ينمو ~~الأعلى ويقوى وتخرج الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، المشتملة على ~~أجسام مختلفة الطبائع والألوان والأشكال والمنافع وذلك بتقدير قادر ~~مختار وهو الله تعالى { وسخر لكم اليل والنهار ~~والشمس والقمر } أي ذلل الليل والنهار يتعاقبان لمنامكم ~~ومعاشكم، والشمس والقمر يدوران لمصالحكم ومنافعكم { والنجوم ~~مسخرات بأمره } أي والنجوم تجري في فلكها بأمره تعالى ~~لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ms0749 { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون } أي إن في ذلك الخلق والتسخير لدلائل باهرة عظيمة، لأصحاب ~~العقول السليمة { وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ~~ألوانه } أي وما خلق لكم في الأرض من الأمور العجيبة، من الحيوانات ~~والنباتات، والمعادن والجمادات، على اختلاف ألوانها وأشكالها، وخواصها ~~ومنافعها { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } أي لعبرة ~~لقوم يتعظون { وهو الذي سخر البحر } أي وهو تعالى - ~~بقدرته ورحمته - ذلل لكم البحر المتلاطم الأمواج للركوب فيه والغوص في ~~أعماقه { لتأكلوا منه لحما طريا } أي لتأكلوا من البحر ~~السمك الطري الذي تصطادونه { وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها } أي وتستخرجوا منه الجواهر النفيسة كاللؤلؤ والمرجان { ~~وترى الفلك مواخر فيه } أي وترى السفن العظيمة تشق عباب ~~البحر جارية فيه وهي تحمل الأمتعة والأقوات { ولتبتغوا من ~~فضله } أي سخر لكم البحر لتنتفعوا بما ذكر ولتطلبوا من فضل الله ~~ورزقه سبل معايشكم بالتجارة { ولعلكم تشكرون } أي ولتشكروا ~~ربكم على عظيم إنعامه وجليل إفضاله { وألقى في الأرض رواسي ~~أن تميد بكم } أي نصب فيها جبالا ثوابت راسيات لئلا تضطرب بكم ~~وتميل قال أبو السعود: إن الأرض كانت كرة خفيفة قبل أن تخلق فيها ~~الجبال، وكان من حقها أن تتحرك كالأفلاك بأدنى سبب فلما خلقت الجبال ~~توجهت بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد لها { وأنهارا وسبلا ~~لعلكم تهتدون } أي وجعل فيها أنهارا وطرقا ومسالك لكي ~~تهتدوا إلى مقاصدكم { وعلامات وبالنجم هم يهتدون } أي ~~وعلامات يستدلون بها على الطرق كالجبال والأنهار، وبالنجوم يهتدون ليلا ~~في البراري والبحار قال ابن عباس: العلامات معالم الطرق بالنهار وبالنجم ~~هم يهتدون بالليل { أفمن يخلق كمن لا يخلق } الاستفهام ~~إنكاري أي أتسوون بين الخالق لتلك الأشياء العظيمة والنعم الجليلة، ~~وبين من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن غيره؟ أتشركون هذا الصنم ~~الحقير مع الخالق الجليل؟ وهو تبكيت للكفرة وإبطال لعبادتهم الأصنام { ~~أفلا تذكرون } أي أفلا تتذكرون فتعرفون خطأ ما أنتم فيه من عبادة ~~غير الله؟ وهو توبيخ آخر { وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوهآ } أي إن تعدوا نعم ms0750 الله الفائضة عليكم لا تضبطوا عددها فضلا ~~عن أن تطيقوا شكرها { إن الله لغفور رحيم } أي غفور لما ~~صدر منكم من تقصير رحيم بالعباد حيث ينعم عليهم مع تقصيرهم وعصيانهم { ~~والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } أي يعلم ما ~~تخفونه وما تظهرونه من النوايا والأعمال وسيجازيكم عليها { والذين ~~يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~} أي والذين يعبدونهم من دون الله كالأوثان والأصنام لا يقدرون على خلق ~~كل شيء أصلا والحال أنهم مخلوقون صنعهم البشر بأيديهم، فكيف يكونون آلهة ~~تعبد من دون الله؟ { أموات غير أحيآء } أي وتلك الأصنام أموات ~~لا أرواح فيها، لا تسمع ولا تبصر لأنها جمادات لا حياة فيها، فكيف ~~تعبدونها وأنتم أفضل منها لما فيكم من الحياة؟ { وما يشعرون ~~أيان يبعثون } أي ما تشعر هذه الأصنام متى يبعث عابدوها، وفيه ~~تهكم بالمشركين لأنهم عبدوا جمادا لا يحس ولا يشعر { إلهكم إله ~~واحد } أي إلهكم المستحق للعبادة إله واحد لا شريك له { فالذين ~~لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة } أي فالذين لا ~~يصدقون بالبعث والجزاء قلوبهم تنكر وحدانية الله عز وجل { وهم ~~مستكبرون } أي متكبرون متعظمون عن قبول الحق بعدما سطعت دلائله { ~~لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ~~أي حقا إن الله تعالى لا تخفى عليه خافية من أحوالهم يعلم ما يخفون وما ~~يظهرون { إنه لا يحب المستكبرين } أي المتكبرين عن ~~التوحيد والإيمان { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم } ~~أي وإذا سئل هؤلاء الجاحدون أي شيء أنزل ربكم على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم؟ { قالوا أساطير الأولين } أي قالوا على سبيل ~~الاستهزاء: ما أنزله ليس إلا خرافات وأباطيل الأمم السابقين ليس بكلام رب ~~العالمين قال المفسرون: كان المشركون يجلسون على مداخل مكة ينفرون عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج ماذا أنزل على محمد؟ ~~قالوا أباطيل وأحاديث الأولين { ليحملوا أوزارهم كاملة ~~يوم القيامة } أي قالوا ذلك البهتان ليحملوا ذنوبهم كاملة من ~~غير أن يكفر منها شيء { ومن أوزار الذين ms0751 يضلونهم ~~بغير علم } أي وليحملوا ذنوب الأتباع الذين أضلوهم بغير دليل أو ~~برهان، فقد كانوا رؤساء يقتدى بهم في الضلالة ولذلك حملوا أوزارهم ~~وأوزار من أضلوهم { ألا سآء ما يزرون } ألا للتنبيه أي ~~فانتبهوا أيها القوم بئس الحمل الذي حملوه على ظهورهم، والمقصود ~~المبالغة في الزجر { قد مكر الذين من قبلهم } أي مكر ~~المجرمون بأنبيائهم وأرادوا إطفاء نور الله من قبل كفار مكة، وهذا تسلية ~~له صلى الله عليه وسلم { فأتى الله بنيانهم من ~~القواعد } أي قلع بنيانهم من قواعده وأسسه، وهذا تمثيل لإفساد ما ~~أبرموه من المكر بالرسل { فخر عليهم السقف من فوقهم } ~~أي فسقط عليهم سقف بنيانهم فتهدم البناء وماتوا { وأتاهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون } أي جاءهم الهلاك والدمار من ~~حيث لا يخطر على بالهم، والآية مشهد كامل للدمار والهلاك، وللسخرية من ~~مكر الماكرين، وتدبير المدبرين، الذين يقفون لدعوة الله ويحسبون مكرهم لا ~~يرد، وتدبيرهم لا يخيب، والله من ورائهم محيط { ثم يوم ~~القيامة يخزيهم } أي يفضحهم بالعذاب ويذلهم ويهينهم { ~~ويقول أين شركآئي ¤لذين كنتم تشاقون فيهم } ~~أي يقول تعالى لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: أين هؤلاء الشركاء الذين ~~كنتم تخاصمون وتعادون من أجلهم الأنبياء؟ أحضروهم ليشفعوا لكم، والأسلوب ~~استهزاء وتهكم { قال الذين أوتوا العلم إن الخزي ~~اليوم والسوء على الكافرين } أي يقول الدعاة والعلماء ~~شماتة بأولئك الأشقياء إن الذل والهوان والعذاب محيط اليوم بمن كفر ~~بالله { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } ~~أي تقبض الملائكة أرواحهم الخبيثة حال كونهم ظالمي أنفسهم بالكفر ~~والإشراك بالله { فألقوا السلم ما كنا نعمل من ~~سوء } أي استسلموا وانقادوا عند الموت على خلاف عادتهم في الدنيا من ~~العناد والمكابرة، وقالوا ما أشركنا ولا عصينا كما يقولون يوم المعاد # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] { بلى إن الله عليم بما كنتم ~~تعملون } أي يكذبهم الله ويقول: بلى قد كذبتم وعصيتم وكنتم مجرمين { ~~فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها } أي أدخلوا جهنم ~~ماكثين فيها أبدا { فلبئس مثوى المتكبرين } أي بئست ~~جهنم مقرا ومقاما للمتكبرين عن ms0752 طاعة الله. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- الالتفات في { فاتقون } فهو خطاب للمستعجلين بطريق الالتفات. # 2- أسلوب الإطناب في { أموات غير أحيآء } تأكيدا لسفاهة من ~~عبد الأصنام ومثله { لا يخلقون شيئا وهم يخلقون }. # 3- الطباق بين { يسرون ويعلنون } وبين { تريحون ~~وتسرحون }. # 4- صيغة المبالغة في { خصيم مبين } وفي { غفور رحيم }. # 5- طباق السلب في { أفمن يخلق كمن لا يخلق }. # 6- الجناس الناقص في { لا يخلقون... وهم يخلقون }. # 7- الاستعارة التمثيلية في { قد مكر الذين من قبلهم... ~~فخر عليهم السقف من فوقهم } شبهت حال أولئك الماكرين ~~بحال قوم بنوا بنيانا شديد الدعائم فانهدم ذلك البنيان وسقط عليهم ~~فأهلكهم بطريق الاستعارة التمثيلية، ووجه الشبه أن ما عدوه سببا ~~لبقائهم، عاد سببا لفنائهم كقولهم " من حفر حفرة لأخيه سقط فيها ". # فائدة: قال القرطبي: تسمى سورة النحل سورة النعم لكثرة ما عدد ~~الله فيها من نعمه على عباده. ### || [16.30-50] # المناسبة: لما أخبر تعالى عن حال الأشقياء الذين كفروا نعمة الله، ~~وطعنوا في القرآن فزعموا أنه أساطير الأولين، وبين ما يكونون عليه في ~~الآخرة من الفضيحة والذل والهوان، ذكر هنا ما أعده للمتقين من وجوه ~~التكريم في دار النعيم، ليظهر الفارق بين حال أهل السعادة وحال أهل ~~الشقاوة، وبين الأبرار والفجار على طريقة القرأن في المقارنة بين ~~الفريقين. # اللغة: { الزبر } الكتب السماوية جمع زبور من زبرت الكتاب إذا ~~كتبته { يخسف } خسف المكان خسوفا إذا ذهب وغاب في الأرض { ~~يتفيؤا } يميل من جانب إلى جانب ومنه قيل للظل فيء لأنه يفيء أي ~~يرجع من جهة إلى أخرى { داخرون } صاغرون ذليلون، والدخور الصغار ~~والذل قال ذو الرمة: # فلم يبق إلا داخر في مخيس # ومنجحر في غير أرضك في جحر # التفسير: { وقيل للذين اتقوا } أي قيل للفريق الثاني وهم ~~أهل التقوى والإيمان { ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } أي ~~ماذا أنزل ربكم على رسوله؟ قالوا أنزل خيرا قال المفسرون: هذا كان في ~~أيام الموسم يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عن محمد وأمره فيقولون: إنه ~~ساحر وكاهن وكذاب، فيأتي المؤمنين ويسألهم ms0753 عن محمد وعن ما أنزل الله عليه ~~فيقولون: أنزل الله عليه الخير والهدى والقرآن، قال تعالى بيانا لجزائهم ~~الكريم { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } أي ~~لهؤلاء المحسنين مكافأة في الدنيا بإحسانهم { ولدار الآخرة ~~خير } أي وما ينالونه في الآخرة من ثواب الجنة خير وأعظم من دار ~~الدنيا لفنائها وبقاء الآخرة { ولنعم دار المتقين } أي ~~ولنعم دار المتقين دار الآخرة وهي { جنات عدن } أي جنات إقامة { ~~يدخلونها تجري من تحتها الأنهار } أي يدخلون تلك ~~الجنان التي تجري من بين أشجارها وقصورها الأنهار { لهم فيها ما ~~يشآؤون } أي لهم في تلك الجنات ما يشتهون بدون كد ولا تعب، ولا ~~انقطاع ولا نصب { كذلك يجزي الله المتقين } أي مثل هذا ~~الجزاء الكريم يجزي الله عباده المتقين لمحارمه، المتمسكين بأوامره { ~~الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } أي هم الذين تقبض ~~الملائكة أرواحهم حال كونهم أبرارا، قد تطهروا من دنس الشرك والمعاصي، ~~طيبة نفوسهم بلقاء الله { يقولون سلام عليكم } أي تسلم عليهم ~~الملائكة وتبشرهم بالجنة قال ابن عباس: الملائكة يأتونهم بالسلام من قبل ~~الله، ويخبرونهم أنهم من أصحاب اليمين { ادخلوا الجنة بما ~~كنتم تعملون } أي هنيئا لكم الجنة بما قدمتم في الدنيا من صالح ~~الأعمال { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو ~~يأتي أمر ربك } عاد الكلام إلى تقريع المشركين وتوبيخهم على ~~تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا والمعنى ما ينتظر هؤلاء إلا أحد ~~أمرين: إما نزول الموت بهم، أو حلول العذاب العاجل، أو ليس في مصير ~~المكذبين قبلهم عبرة وغناء؟ { كذلك فعل الذين من قبلهم ~~} أي كذلك صنع من قبلهم من المجرمين حتى حل بهم العذاب { وما ~~ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أي ما ~~ظلمهم الله بتعذيبهم وإهلاكهم ولكن ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي { ~~فأصابهم سيئات ما عملوا } أي أصابهم عقوبات كفرهم وجزاء ~~أعمالهم الخبيثة { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } ~~أي أحاط ونزل بهم جزاء استهزائهم وهو العذاب الأليم في دركات الجحيم { ~~وقال الذين أشركوا } أي قال أهل الكفر والإشراك وهم كفار ~~قريش { لو شآء ms0754 الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء } أي لو شاء ~~الله ما عبدنا الأصنام لا نحن ولا آباؤنا، ولا حرمنا ما حرمنا من البحائر ~~والسوائب وغيرها، قالوا هذا على سبيل الاستهزاء لا على سبيل الاعتقاد، ~~وغرضهم أن إشراكهم وتحريمهم لبعض الذبائح والأطعمة واقع بمشيئة الله، ~~فهو راض به وهو حق وصواب { كذلك فعل الذين من قبلهم ~~} أي مثل هذا التكذيب والاستهزاء فعل من قبلهم من المجرمين، واحتجوا مثل ~~احتجاجهم الباطل، وتناسوا كسبهم لكفرهم ومعاصيهم، وأن كل ذلك كان بمحض ~~اختيارهم بعد أن أنذرتهم رسلهم عذاب النار وغضب الجبار { فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين } أي ليس على الرسل إلا التبليغ، ~~وأما أمر الهداية والإيمان فهو إلى الله جل وعلا { ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت } أي أرسلنا الرسل إلى جميع الخلق بأن ~~اعبدوا الله ووحدوه، واتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن ~~والصنم، وكل من دعا إلى الضلال { فمنهم من هدى الله } أي ~~فمنهم من أرشده الله إلى عبادته ودينه فآمن { ومنهم من حقت ~~عليه الضلالة } أي ومنهم من وجبت له الشقاوة والضلالة فكفر، ~~أعلم تعالى أنه أرسل الرسل لتبليغ الناس دعوة الله فمنهم من استجاب ~~فهداه الله، ومنهم من كفر فأضله الله { فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } أي سيروا يا معشر ~~قريش في أكناف الأرض ثم انظروا ماذا حل بالأمم المكذبين لعلكم تعتبرون! ~~{ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من ~~يضل } الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أي إن تحرص يا محمد على ~~هداية هؤلاء الكفار فاعلم أنه تعالى لا يخلق الهداية جبرا وقسرا فيمن ~~يخلق فيه الضلالة بسوء اختياره { ما لهم من ناصرين } أي ليس ~~لهم من ينقذهم من عذابه تعالى { وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لا يبعث الله من يموت } أي حلف المشركون ~~جاهدين في أيمانهم مبالغين في تغليظ اليمين بأن الله لا يبعث من يموت، ~~استبعدوا البعث ورأوه ms0755 أمرا عسيرا بعد البلى وتفرق الأشلاء والذرات، ~~قال تعالى ردا عليهم { بلى وعدا عليه حقا } أي بلى ~~ليبعثنهم، وعد بذلك وعدا قاطعا لا بد منه { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } أي ولكن أكثرهم لا يعلمون قدرة الله ~~فينكرون البعث والنشور { ليبين لهم الذي يختلفون فيه ~~} أي سيبعثهم ليكشف ضلالهم في إنكارهم البعث، وليظهر لهم الحق فيما ~~اختلفوا فيه، وليحقق العدل وهو التمييز بين المطيع والعاصي، وبين المحق ~~والمبطل، وبين الظالم والمظلوم { وليعلم الذين كفروا ~~أنهم كانوا كاذبين } أي وليعلم الجاحدون للبعث، والمكذبون ~~لوعد الله الحق أنهم كانوا كاذبين فيما يقولون { إنما قولنا ~~لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون } أي لا ~~يحتاج الأمر إلى كبير جهد وعناء فإنا نقول للشيء كن فيكون قال ~~المفسرون: هذا تقريب للأذهان، والحقيقة أنه تعالى لو أراد شيئا لكان ~~بغير احتياج إلى لفظ { كن } { والذين هاجروا في الله ~~من بعد ما ظلموا } أي تركوا الأوطان والأهل والقرابة في شأن ~~الله وابتغاء رضوانه من بعد ما عذبوا في الله قال القرطبي: هم صهيب ~~وبلال وخباب وعمار، عذبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا، فلما ~~خلوهم هاجروا إلى المدينة { لنبوئنهم في الدنيا ~~حسنة } أي لنسكننهم دارا حسنة خيرا مما فقدوا قال ابن عباس: بوأهم ~~الله المدينة فجعلها لهم دار هجرة { ولأجر الآخرة أكبر لو ~~كانوا يعلمون } أي ثواب الآخر أعظم وأشرف وأكبر لو كان الناس ~~يعلمون { الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون } أي هم ~~الذين صبروا على الشدائد والمكاره، فهجروا الأوطان، وفارقوا الإخوان، ~~واعتمدوا على الله وحده يبتغون أجره ومثوبته { ومآ أرسلنا من ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم } أي وما أرسلنا من قبلك ~~يا محمد إلى الأمم الماضية إلا بشرا نوحي إليهم كما أوحينا إليك قال ~~المفسرون: أنكر مشركو قريش نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا الله ~~أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا فنزلت { ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } أي اسألوا ~~يا معشر قريش العلماء بالتوراة والإنجيل يخبرونكم أن ms0756 جميع الأنبياء ~~كانوا بشرا إن كنتم لا تعلمون ذلك { بالبينات والزبر } أي ~~أرسلناهم بالحجج والبراهين الساطعة الدالة على صدقهم وبالزبر أي الكتب ~~المقدسة { وأنزلنا إليك الذكر } أي القرآن المذكر الموقظ ~~للقلوب الغافلة { لتبين للناس ما نزل إليهم } أي ~~لتعرف الناس الأحكام، والحلال والحرام { ولعلهم يتفكرون } ~~أي ولعلهم يتفكرون في هذا القرآن فيتعظون { أفأمن الذين ~~مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض } أي هل ~~أمن هؤلاء الكفار الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم واحتالوا ~~لقتله في دار الندوة، هل أمنوا أن يخسف الله بهم الأرض كما فعل بقارون؟ { ~~أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } أي يأتيهم ~~العذاب بغتة في حال أمنهم واستقرارهم، من حيث لا يخطر ببالهم ومن جهة ~~لا يعلمون بها { أو يأخذهم في تقلبهم فما هم ~~بمعجزين } أي يهلكهم في أثناء أسفارهم للتجارة واشتغالهم بالبيع ~~والشراء فإنهم على أي حال لا يعجزون الله { أو يأخذهم على ~~تخوف } أي يهلكهم الله حال كونهم خائفين مترقبين لنزول العذاب قال ~~ابن كثير: فإنه يكون أبلغ وأشد فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد { ~~فإن ربكم لرؤوف رحيم } أي حيث لم يعاجلكم بالعقوبة { ~~أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء } أي أولم يعتبر ~~هؤلاء الكافرون ويروا آثار قدرة الله وأنه ما من شيء من الجبال والأشجار ~~والأحجار ومن سائر ما خلق الله { يتفيؤا ظلاله عن ~~اليمين والشمآئل سجدا لله } أي تميل ظلالها من جانب ~~إلى جانب ساجدة لله سجود خضوع لمشيئته تعالى وانقياد، لا تخرج عن ~~إرادته ومشيئته { وهم داخرون } أي خاضعون صاغرون فكل هذه الأشياء ~~منقادة لقدرة الله وتدبيره فكيف يتعالى ويتكبر على طاعته أولئك الكافرون؟ ~~{ ولله يسجد ما في السموت وما في الأرض من ~~دآبة والملائكة وهم لا يستكبرون } أي له تعالى ~~وحده يخضع وينقاد جميع المخلوقات بما فيهم الملائكة فهم لا يستكبرون عن ~~عبادته { يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما ~~يؤمرون } أي يخافون جلال الله وعظمته، ويمتثلون أوامره على الدوام. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه ms0757 البيان والبديع ما يلي: # 1- الإيجاز بالحذف { قالوا خيرا } أي قالوا أنزل خيرا. # 2- الإطناب في قوله { ما عبدنا من دونه من شيء... ولا ~~حرمنا من دونه من شيء }. # 3- الطباق في { هدى الله... وحقت عليه الضلالة } وفي { ~~لا يهدي من يضل } وفي { اليمين والشمآئل }. # 4- صيغة المبالغة في { لرؤوف رحيم } لأن فعول وفعيل من صيغ ~~المبالغة. # 5- ذكر الخاص بعد العام في { يسجد ما في السموت وما في ~~الأرض... والملائكة } زيادة في التعظيم والتكريم للملائكة ~~الأطهار. # 6- السجع في { يتفكرون } ، { داخرون } ، { يشعرون }. # فائدة: استنبط بعض العلماء من قوله تعالى { ومآ أرسلنا من ~~قبلك إلا رجالا } أن النبوة لا تكون إلا في الرجال، وأما ~~النساء فليس فيهن نبية، وهو استنباط دقيق. # تنبيه: قال ابن تيمية في منهاج السنة: " والاحتجاج بالقدر حجة باطلة ~~داحضة، باتفاق كل ذي عقل ودين من جميع العالمين، ولهذا لما قال المشركون # لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا # [الأنعام: 148] رد الله عليهم بقوله # قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون ~~إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون # [الأنعام: 148] والمشركون يعلمون بفطرتهم وعقولهم أن هذه الحجة باطلة، ~~فإن أحدهم لو ظلم الآخر، أو أراد قتل ولده، أو الزنى بزوجته، أو كان ~~مصرا على الظلم فنهاه الناس عن ذلك فقال: لو شاء الله لم أفعل هذا، لم ~~يقبلوا منه هذه الحجة ولا يقبلها هو من غيره، وإنما يحتج بها المحتج ~~دفعا للوم عن نفسه بلا وجه... ". ### || [16.51-74] # المناسبة: لما ذكر تعالى أن كل ما في الكون منقاد لأمر الله، خاضع ~~لسلطانه، أمر هنا بإفراده بالعبادة لأنه الخالق الرازق، ثم ضرب الأمثال ~~في ضلالات أهل الجاهلية، وذكر الناس بنعمه الجليلة ليعبدوه ويشكروه. # اللغة: { واصبا } دائما ولازما قال الجوهري: وصب الشيء وصوبا أي ~~دام ومنه # ولهم عذاب واصب # [الصافات: 9] أي دائم وقال الشاعر: # " وهزيم ردعه واصب " # { تجأرون } الجؤار: رفع الصوت بالدعاء والتضرع يقال: جأر أي صاح ~~قال الأعشى يصف بقرة: # فطافت ثلاثا بين يوم وليلة # وكان النكير أن تطيف وتجأرا # { كظيم } ممتلئ غما وغيظا، والكظم ms0758 أن يطبق الفم فلا يتكلم من الغيظ ~~{ يتوارى } يختفي { هون } هوان وذل { فرث } الفرث: الزبل ~~الذي ينزل إلى الكرش أو المعى { سآئغا } لذيذا هينا لا يغص به ~~من شربه { ذللا } جمع ذلول وهو المنقاد المسخر بلا عناء { حفدة ~~} الحفدة: قال الأزهري أولاد الأولاد، والحفدة: الخدم والأعوان. # التفسير: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } ~~أي لا تعبدوا إلهين فإن الإله الحق لا يتعدد { إنما هو إله ~~واحد } أي إلهكم واحد أحد فرد صمد { فإياي فارهبون } أي ~~خافون دون سواي { وله ما في السموت والأرض } أي ملكا ~~وخلقا وعبيدا { وله الدين واصبا } أي له الطاعة والانقياد ~~واجبا ثابتا فهو الإله الحق، وله الطاعة خالصة { أفغير الله ~~تتقون } الهمزة للإنكار والتوبيخ أي كيف تتقون وتخافون غيره، ولا ~~نفع ولا ضر إلا بيده؟ { وما بكم من نعمة فمن الله } أي ~~ما تفضل عليكم أيها الناس من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضل الله ~~وإحسانه { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } أي ~~ثم إذا أصابكم الضر من فقر ومرض وبأساء فإليه وحده ترفعون أصواتكم ~~بالدعاء، والغرض أنكم تلجأون إليه وحده ساعة العسرة والضيق، ولا تتوجهون ~~إلا إليه دون الشركاء { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا ~~فريق منكم بربهم يشركون } أي إذا رفع عنكم البلاء رجع ~~فريق منكم إلى الإشراك بالله قال القرطبي: ومعنى الكلام التعجيب من ~~الإشراك بعد النجاة من الهلاك { ليكفروا بمآ آتيناهم } أي ~~ليجحدوا نعمته تعالى من كشف الضر والبلاء { فتمتعوا فسوف ~~تعلمون } أي تمتعوا بدار الفناء فسوف تعلمون عاقبة أمركم وما ينزل ~~بكم من العذاب، وهو أمر للتهديد والوعيد { ويجعلون لما لا ~~يعلمون نصيبا مما رزقناهم } أي يجعلون للأصنام التي لا ~~يعلمون ربوبيتها ببرهان ولا بحجة نصيبا من الزرع والأنعام تقربا إليها ~~{ تالله لتسألن عما كنتم تفترون } أي والله أيها ~~المشركون لتسألن عما كنتم تختلقونه من الكذب على الله، والمراد سؤال ~~توبيخ وتقريع { ويجعلون لله البنات } أي ومن جهل هؤلاء ~~المشركين وسفاهتهم أن جعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إلى الله البنات ~~وجعلوا ms0759 لهم البنين { سبحانه } أي تنزه الله وتعظم عن هذا الإفك ~~والبهتان { ولهم ما يشتهون } أي ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون من ~~البنين مع كراهتهم أنهم يأنفون من البنات { وإذا بشر أحدهم ~~بالأنثى } أي إذا أخبر أحدهم بولادة بنت { ظل وجهه ~~مسودا } أي صار وجهه متغيرا من الغم والحزن قال القرطبي: وهو كناية ~~عن الغم والحزن وليس يريد السواد، والعرب تقول لكل من لقي مكروها قد ~~اسود وجهه { وهو كظيم } أي مملوء غيظا وغما { يتوارى ~~من القوم من سوء ما بشر به } أي يختفي من قومه خوفا من ~~العار الذي يلحقه بسبب البنت، كأنها بلية وليست هبة إلهية، ثم يفكر ~~فيما يصنع { أيمسكه على هون أم يدسه في التراب } ~~أي أيمسك هذه الأنثى على ذل وهوان أم يدفنها في التراب حية؟ { ألا ~~سآء ما يحكمون } أي ساء صنيعهم وساء حكمهم، حيث نسبوا لخالقهم ~~البنات - وهي عندهم بتلك الدرجة من الذل والحقارة - وأضافوا البنين ~~إليهم، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا { للذين لا ~~يؤمنون بالآخرة مثل السوء } أي لهؤلاء الذين لم يصدقوا ~~بالآخرة ونسبوا لله البنات سفها وجهلا، صفة السوء القبيحة التي هي ~~كالمثل في القبح، فالنقص إنما ينسب إليهم لا إلى الله { ولله ~~المثل الأعلى } أي له جل وعلا الوصف العالي الشأن، والكمال ~~المطلق، والتنزه عن صفات المخلوقين { وهو العزيز الحكيم } أي ~~العزيز في ملكه، الحكيم في تدبيره ثم أخبر تعالى عن حلمه بالعباد مع ~~ظلمهم فقال { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } أي لو ~~يؤاخذهم بكفرهم ومعاصيهم ويعاجلهم بالعقوبة { ما ترك عليها من ~~دآبة } أي ما ترك على الأرض أحدا يدب على ظهرها من إنسان وحيوان ~~{ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } أي ولكن يؤخرهم إلى ~~وقت معين تقتضيه الحكمة { فإذا جآء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } أي فإذا جاء الوقت ~~المحدد لهلاكهم لا يتأخرون برهة يسيرة من الزمن ولا يتقدمون عليها ~~كقوله # وجعلنا لمهلكهم موعدا # [الكهف: 59] { ويجعلون لله ما يكرهون } أي يجعلون له ~~تعالى البنات مع كراهتهم لهن، وهو تأكيد لما ms0760 سبق للتقريع والتوبيخ { ~~وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى } أي يجعلون ~~لله ما يجعلون ومع ذلك يزعمون أن لهم العاقبة الحسنى عند الله وأنهم ~~أهل الجنة { لا جرم أن لهم النار } أي حقا إن لهم مكان ~~ما أملوا نار جهنم التي ليس وراء عذابها عذاب { وأنهم ~~مفرطون } أي معجلون إليها ومقدمون، ثم ذكر تعالى نعمته في ~~إرسال الرسل ليتأسى صلوات الله عليه بهم في الصبر على تحمل الأذى فقال { ~~تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فزين ~~لهم الشيطان أعمالهم } أي والله لقد بعثنا قبلك يا محمد ~~رسلا إلى أقوامهم فحسن الشيطان أعمالهم القبيحة حتى كذبوا الرسل ~~وردوا عليهم ما جاءوهم به من البينات { فهو وليهم اليوم } ~~أي فالشيطان ناصرهم اليوم في الدنيا وبئس الناصر { ولهم عذاب ~~أليم } أي ولهم في الآخرة عذاب مؤلم { ومآ أنزلنا عليك ~~الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه } أي ~~ما أنزلنا عليك القرآن يا محمد إلا لتبين للناس ما اختلفوا فيه من ~~الدين والأحكام لتقوم الحجة عليهم { وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون } أي وأنزلنا القرآن هداية للقلوب، ورحمة وشفاء لمن آمن ~~به، ثم ذكر تعالى عظيم قدرته الدالة على وحدانيته فقال { والله ~~أنزل من السمآء مآء فأحيا به الأرض بعد ~~موتهآ } أي أنزل بقدرته الماء من السحاب فأحيا بذلك الماء النبات ~~والزرع بعد جدب الأرض ويبسها { إن في ذلك لآية لقوم ~~يسمعون } أي إن في هذا الإحياء لدلالة باهرة على عظيم قدرته لقوم ~~يسمعون التذكير فيتدبرونه ويعقلونه { وإن لكم في الأنعام ~~لعبرة } أي وإن لكم أيها الناس في هذه الأنعام " الإبل والبقر ~~والضأن والمعز " لعظة وعبرة يعتبر بها العقلاء، ففي خلقها وتسخيرها ~~دلالة على قدرة الله وعظمته ووحدانيته { نسقيكم مما في ~~بطونه } أي نسقيكم من بعض الذي في بطون هذه الأنعام { من بين ~~فرث ودم لبنا خالصا } أي من بين الروث والدم ذلك الحليب ~~الخالص واللبن النافع { سآئغا للشاربين } أي سهل المرور في ~~حلقهم، لذيذا هينا لا يغص به من شربه { ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب ms0761 تتخذون منه سكرا } أي ولكم مما أنعم الله به ~~عليكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تجعلون منه خمرا يسكر قال الطبري: ~~وإنما نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ثم حرمت بعد { ورزقا ~~حسنا } كالتمر والزبيب قال ابن عباس: الرزق الحسن: ما أحل من ~~ثمرتها، والسكر: ما حرم من ثمرتها. # { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } أي لآية باهرة، ~~ودلالة قاهرة على وحدانيته سبحانه لقوم يتدبرون بعقولهم قال ابن كثير: ~~وناسب ذكر العقل هنا لأنه أشرف ما في الإنسان، ولهذا حرم الله على ~~هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها، ولما ذكر تعالى ما يدل على ~~باهر قدرته، وعظيم حكمته من إخراج اللبن من بين فرث ودم وإخراج الرزق ~~الحسن من ثمرات النخيل والأعناب، ذكر إخراج العسل الذي جعله شفاء للناس ~~من النحل، وهي حشرة ضعيفة وفيها عجائب بديعة وأمور غريبة، وكل هذا يدل ~~على وحدانية الصانع وقدرته وعظمته فقال تعالى { وأوحى ربك ~~إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن ~~الشجر ومما يعرشون } المراد من الوحي: الإلهام والهداية ~~أي ألهمها مصالحها وأرشدها إلى بناء بيوتها المسدسة العجيبة تأوي ~~إليها في ثلاثة أمكنة: الجبال، والشجر، والأكوار التي يبنيها الناس { ~~ثم كلي من كل الثمرات } أي كلي من كل الأزهار والثمار التي ~~تشتهينها من الحلو، والمر، والحامض، فإن الله بقدرته يحيلها إلى عسل { ~~فاسلكي سبل ربك ذللا } أي أدخلي الطرق في طلب المرعى حال ~~كونها مسخرة لك لا تضلين في الذهاب أو الإياب { يخرج من ~~بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفآء للناس } ~~أي يخرج من بطون النحل عسل متنوع منه أحمر، وأبيض، وأصفر، فيه شفاء ~~للناس من كثير من الأمراض قال الرازي فإن قالوا: كيف يكون شفاء للناس ~~وهو يضر بالصفراء؟ فالجواب أنه تعالى لم يقل: إنه شفاء لكل الناس، ولكل ~~داء، وفي كل حال، بل لما كان شفاء للبعض ومن بعض الأدواء صلح بأن يوصف ~~بأن فيه شفاء { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } أي ~~لعبرة لقوم يتفكرون في عظيم قدرة الله، ms0762 وبديع صنعه { والله ~~خلقكم ثم يتوفاكم } أي خلقكم بقدرته بعد أن لم تكونوا ~~شيئا ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم { ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر } أي يرد إلى أردء وأضعف العمر وهو الهرم والخرف ~~{ لكي لا يعلم بعد علم شيئا } أي لينسى ما يعلم فيشبه ~~الطفل في نقصان القوة والعقل { إن الله عليم قدير } أي عليم ~~بتدبير خلقه، قدير على ما يريده، فكما قدر على نقل الإنسان من العلم ~~إلى الجهل، فإنه قادر على إحيائه بعد إماتته قال عكرمة: من قرأ ~~القرآن لم يرد إلى أرذل العمر { والله فضل بعضكم على ~~بعض في الرزق } أي فاوت بينكم في الأرزاق فهذا غني وذاك فقير، ~~وهذا مالك وذاك مملوك { فما الذين فضلوا برآدي ~~رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سوآء } أي ~~ليس هؤلاء الأغنياء بمشركين لعبيدهم المماليك فيما رزقهم الله من الأموال ~~حتى يستووا في ذلك مع عبيدهم، وهذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين قال ~~ابن عباس: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون ~~عبيدي معي في سلطاني؟ { أفبنعمة الله يجحدون } الاستفهام ~~للإنكار أي أيشركون معه غيره وهو المنعم المتفضل عليهم؟ { والله ~~جعل لكم من أنفسكم أزواجا } أي هو تعالى بقدرته خلق ~~النساء من جنسكم وشكلكم ليحصل الائتلاف والمودة والرحمة بينكم { وجعل ~~لكم من أزواجكم بنين وحفدة } أي جعل لكم من هؤلاء ~~الزوجات الأولاد وأولاد الأولاد، سموا حفدة لأنهم يخدمون أجدادهم ~~ويسارعون في طاعتهم { ورزقكم من الطيبات } أي رزقكم من ~~أنواع اللذائذ من الثمار والحبوب والحيوان { أفبالباطل ~~يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون } أي أبعد تحقق ما ~~ذكر من نعم الله يؤمنون بالأوثان ويكفرون بالرحمن؟ وهو استفهام للتوبيخ ~~والتقريع { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ~~رزقا من السموت والأرض شيئا } أي ويعبد هؤلاء ~~المشركون أوثانا لا تقدر على إنزال مطر، ولا على إخراج زرع أو شجر، ~~ولا تقدر أن ترزقهم قليلا أو كثيرا { ولا يستطيعون } أي ليس ~~لها ذلك ولا تقدر عليه لو أرادت { فلا تضربوا لله الأمثال ms0763 ~~} أي لا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه تعالى لا مثل ~~له ولا نظير ولا شبيه { إن الله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون } أي يعلم كل الحقائق، وأنتم لا تعلمون قدر عظمة الخالق. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من صنوف البيان والبديع ما يلي: # 1- الالتفات من التكلم إلى الغيبة من الغيبة إلى المتكلم { فإياي ~~فارهبون } لتربية المهابة والرهبة في القلوب مع إفادة القصر أي لا ~~تخافوا غيري. # 2- الطباق في { يستقدمون... يستأخرون } وفي { فأحيا ~~به الأرض بعد موتهآ } وفي { يؤمنون... ويكفرون }. # 3- الجناس الناقص بين { كلي من كل }. # 4- الاعتراض { ويجعلون لله البنات } - سبحانه - { ~~ولهم ما يشتهون } فلفظة (سبحانه) معترضة لتعجيب الخلق من هذا ~~الجهل القبيح. # 5- صيغة المبالغة في { العزيز الحكيم } و { عليم قدير }. # 6- السجع { يعقلون، يعرشون، يجحدون، يكفرون }. # 7- التهديد والوعيد { فتمتعوا فسوف تعلمون }. # 8- قوله تعالى { وتصف ألسنتهم الكذب } قال الشهاب: هذا ~~من بليغ الكلام وبديعه أي ألسنتهم كاذبة كقولهم { عينها تصف السحر } أي ~~ساحرة، وقدها يصف الهيف أي هيفاء. ### || [16.75-90] # المناسبة: لما ذكر تعالى سفاهة المشركين في عبادتهم لغير الله، أعقبه ~~بذكر مثلين توضيحا لبطلان عبادة الأوثان التي لا تضر ولا تنفع، ولا ~~تستجيب ولا تسمع، ثم ذكر الناس ببعض النعم التي أفاضها عليهم ليعبدوه ~~ويشكروه، ويخلصوا له العمل طائعين منيبين. # اللغة: { أبكم } الأبكم: الأخرس الذي لا ينطق { كل } الكل: ~~الثقيل الذي هو عيال على الغير وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله ~~قال الشاعر: # أكول لمال الكل قبل شبابه # إذا كان عظم الكل غير شديد # { لمح } اللمح: النظر بسرعة مثل الخطفة يقال لمحه لمحا ولمحانا ~~{ ظعنكم } الظعن: السفر والرحيل لطلب الكلأ، والظعينة المرأة ~~المسافرة { أوبارها } الوبر للإبل كالصوف للغنم { ظلالا } ~~الظلال: كل ما يستظل به من البيوت والشجر { أكنانا } جمع كن مثل ~~حمل وأحمال وهو كل ما يحفظ ويقي من الريح والمطر وغيرهما { سرابيل } ~~جمع سربال قال الزجاج: كل ما لبسته من قميص أو درع فهو سربال. # التفسير: { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر ~~على شيء ومن رزقناه منا ms0764 رزقا حسنا } هذا مثل ~~ضربه الله تعالى لنفسه وللأصنام التي أشركوها مع الله جل وعلا أي مثل ~~هؤلاء في إشراكهم مثل من سوى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين ~~حر مالك يتصرف في أمره كيف يشاء، مع أنهما سيان في البشرية والمخلوقية ~~لله سبحانه وتعالى، فما الظن برب العالمين حيث يشركون به أعجز ~~المخلوقات؟ { فهو ينفق منه سرا وجهرا } أي ينفق ماله في ~~الخفاء والعلانية ابتغاء وجه الله { هل يستوون }؟ أي هل يستوي ~~العبيد والأحرار الذين ضرب لهم المثل، فالأصنام كالعبد المملوك الذي لا ~~يقدر على شيء، والله تعالى له الملك، وبيده الرزق، وهو المتصرف في الكون ~~كيف يشاء، فكيف يسوى بينه وبين الأصنام؟ { الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون } أي شكرا لله على بيان هذا المثال ووضوح ~~الحق فقد ظهرت الحجة مثل الشمس الساطعة، ولكن المشركين بسفههم وجهلهم ~~يسوون بين الخالق والمخلوق، والمالك والمملوك { وضرب الله ~~مثلا رجلين أحدهمآ أبكم لا يقدر على شيء } ~~هذا هو المثل الثاني للتفريق بين الإله الحق والأصنام الباطلة قال ~~مجاهد: هذا مثل مضروب للوثن والحق تعالى، فالوثن أبكم لا يتكلم ولا ~~ينطق بخير، ولا يقدر على شيء بالكلية لأنه إما حجر أو شجر، { وهو ~~كل على مولاه } أي ثقيل عالة على وليه أو سيده { أينما ~~يوجهه لا يأت بخير } أي حيثما أرسله سيده لم ينجح في مسعاه ~~لأنه أخرس، بليد، ضعيف { هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ~~وهو على صراط مستقيم } أي هل يتساوى هذا الأخرس، وذلك ~~الرجل البليغ المتكلم بأفصح بيان، وهو على طريق الحق والاستقامة، مستنير ~~بنور القرآن؟ وإذا كان العاقل لا يسوي بين هذين الرجلين، فكيف تمكن ~~التسوية بين صنم أو حجر، وبين الله سبحانه وهو القادر العليم، الهادي إلى ~~الصراط المستقيم؟ { ولله غيب السموت والأرض } أي هو ~~سبحانه المختص بعلم الغيب، يعلم ما غاب عن الأبصار في السماوات والأرض { ~~ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب } ~~أي ما شأن الساعة في سرعة المجيء إلا كنظرة سريعة ms0765 بطرف العين، بل هو أقرب ~~لأنه تعالى يقول للشيء: كن فيكون، وهذا تمثيل لسرعة مجيئها ولذلك قال { ~~إن الله على كل شيء قدير } أي قادر على كل الأشياء ~~ومن جملتها القيامة التي يكذب بها الكافرون { والله أخرجكم من ~~بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } أي أخرجكم من أرحام ~~الأمهات لا تعرفون شيئا أصلا { وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } أي خلق لكم ~~الحواس التي بها تسمعون وتبصرون وتعقلون لتشكروه على نعمه وتحمدوه على ~~آلائه { ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو ~~السمآء } هذا من الأدلة على قدرة الله تعالى ووحدانيته والمعنى: ألم ~~يشاهدوا الطيور مذللات للطيران في ذلك الفضاء الواسع بين السماء والأرض ~~{ ما يمسكهن إلا الله } أي ما يمسكهن عن السقوط عند قبض ~~أجنحتهن وبسطها إلا هو سبحانه { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون } أي إن فيما ذكر لآيات ظاهرة، وعلامات باهرة على ~~وحدانيته تعالى لقوم يصدقون بما جاءت به رسل الله { والله جعل ~~لكم من بيوتكم سكنا } هذا تعداد لنعم الله على العباد أي ~~جعل لكم هذه البيوت من الحجر والمدر لتسكنوا فيها أيام مقامكم في ~~أوطانكم { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا } أي وجعل ~~لكم بيوتا أخرى وهي الخيام والقباب المتخذة من الشعر والصوف والوبر { ~~تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم } أي ~~تستخفون حملها ونقلها في أسفاركم، وهي خفيفة عليكم في أوقات السفر ~~والحضر { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ أثاثا } ~~أي وجعل لكم من صوف الغنم، ووبر الإبل، وشعر المعز ما تلبسون وتفرشون به ~~بيوتكم { ومتاعا إلى حين } أي تنتفعون وتتمتعون بها إلى حين ~~الموت { والله جعل لكم مما خلق ظلالا } أي جعل لكم ~~من الشجر والجبل والأبنية وغيرها ظلالا تتقون بها حر الشمس { وجعل ~~لكم من الجبال أكنانا } أي وجعل لكم في الجبال مواضع ~~تسكنون فيها كالكهوف والحصون قال الرازي: لما كانت بلاد العرب شديدة ~~الحر، وحاجتهم إلى الظل ودفع الحر شديدة، فلهذا ذكر تعالى هذه المعاني في ~~معرض النعمة العظيمة { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر } ~~أي جعل ms0766 لكم الثياب من القطن والصوف والكتان لتحفظكم من الحر والبرد { ~~وسرابيل تقيكم بأسكم } أي ودروعا تشبه الثياب تتقون بها شر ~~أعدائكم في الحرب { كذلك يتم نعمته عليكم } أي مثل ما ~~خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعمة الدنيا والدين ~~عليكم { لعلكم تسلمون } أي لتخلصوا لله الربوبية، وتعلموا ~~أنه لا يقدر على هذه الإنعامات أحد سواه { فإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ المبين } أي فإن أعرضوا عن الإيمان ~~ولم يؤمنوا بما جئتهم به يا محمد فلا ضرر عليك لأن وظيفتك التبليغ وقد ~~بلغت الرسالة وأديت الأمانة { يعرفون نعمت الله ثم ~~ينكرونها } أي يعرف هؤلاء المشركون نعم الله التي أنعم بها عليهم، ~~ويعترفون بأنها من عند الله ثم ينكرونها بعبادتهم غير المنعم وقال ~~السدي: نعمة الله هي محمد صلى الله عليه وسلم عرفوا نبوته، ثم جحدوها ~~وكذبوه { وأكثرهم الكافرون } أي أكثرهم يموتون كفارا وفيه ~~إشارة إلى أن بعضهم يهتدي للإسلام وأما أكثرهم فمصرون على الكفر ~~والضلال { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } أي ويوم ~~القيامة نحشر الخلائق للحساب ونبعث في كل أمة نبيها يشهد عليها ~~بالإيمان والكفر { ثم لا يؤذن للذين كفروا } أي لا ~~يؤذن للذين كفروا في الاعتذار لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه { ولا هم ~~يستعتبون } أي لا يطلب منهم أن يسترضوا ربهم بقول أو عمل، فقد ~~فات أوان العتاب والاسترضاء، وجاء وقت الحساب والعقاب قال القرطبي: ~~العتبى هي رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب، وأصل الكلمة من العتب ~~وهي الموجدة فإذا وجد عليه يقال: عتب، وإذا رجع إلى مسرتك فقد أعتب ~~{ وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ~~} أي وإذا رأى المشركون عذاب جهنم فلا يفتر عنهم ساعة واحدة { ولا ~~هم ينظرون } أي لا يؤخرون ولا يمهلون { وإذا رأى الذين ~~أشركوا شركآءهم } أي وإذا أبصر المشركون شركاءهم الذين كانوا ~~يعبدونهم في الدنيا ويزعمون أنهم شركاء الله في الألوهية { قالوا ~~ربنا هؤلآء شركآؤنا الذين كنا ندعوا من ~~دونك } أي هؤلاء الذين عبدناهم من دونك قال البيضاوي: وهذا اعتراف ms0767 ~~بأنهم كانوا مخطئين في ذلك والتماس لتخفيف العذاب { فألقوا ~~إليهم القول إنكم لكاذبون } أي أجابوهم بالتكذيب فيما ~~قالوا في تقرير وتوكيد، وذلك مما يوجب زيادة الغم والحسرة في قلوبهم { ~~وألقوا إلى الله يومئذ السلم } أي استسلم أولئك ~~الظالمون لحكم الله تعالى بعد الإباء والاستكبار في الدنيا { وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون } أي بطل ما كانوا يؤملون من أن ~~آلهتهم تشفع لهم عند الله، ثم أخبر تعالى عن مآلهم بعد أن أخبر عن حالهم ~~فقال { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } أي كفروا ~~بالله ومنعوا الناس عن الدخول في دين الإسلام { زدناهم عذابا ~~فوق العذاب } أي زدناهم عذابا في جهنم فوق عذاب الكفر، لأنهم ~~ارتكبوا جريمة صد الناس عن الهدى فوق جريمة الكفر، فضوعف لهم العذاب ~~جزاء وفاقا { بما كانوا يفسدون } أي بسبب إفسادهم في الدنيا ~~بالكفر والمعصية { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا ~~عليهم من أنفسهم } أي اذكر للناس ذلك اليوم وهوله حين ~~نبعث في كل أمة نبيها ليشهد علينا { وجئنا بك شهيدا على ~~هؤلآء } أي وجئنا بك يا محمد شهيدا على أمتك { ونزلنا ~~عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } أي ونزلنا عليك ~~القرآن المنير بيانا شافيا بليغا لكل ما يحتاج الناس إليه من أمور ~~الدين فلا حجة لهم ولا معذرة قال ابن مسعود: قد بين لنا في هذا القرآن ~~كل علم، وكل شيء { وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } ~~أي هداية للقلوب، ورحمة للعباد، وبشارة للمسلمين المهتدين { إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان } أي يأمر بمكارم الأخلاق ~~بالعدل بين الناس، والإحسان إلى جميع الخلق { وإيتآء ذي ~~القربى } أي مواساة الأقرباء، وخصه بالذكر اهتماما به { ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } أي ينهى عن كل ~~قبيح من قول، أو فعل، أو عمل قال ابن مسعود: هذه أجمع آية في القرآن ~~لخير يمتثل، ولشر يجتنب والفحشاء كل ما تناهى قبحه كالزنى والشرك، ~~والمنكر كل ما تنكره الفطرة، والبغي هو الظلم وتجاوز الحق والعدل { ~~يعظكم لعلكم تذكرون } أي يؤدبكم بما شرع من الأمر ~~والنهي لتتعظوا بكلام الله. ms0768 # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- الاستعارة التمثيلية في { وضرب الله مثلا رجلين ~~أحدهمآ أبكم.. } الآية تمثيل للوثن بالأبكم الذي لا ينتفع منه ~~بشيء أصلا، مع القادر السميع البصير وشتان بين الرب والصنم. # 2- التشبيه المرسل المجمل في { كلمح البصر }. # 3- الطباق بين { سرا وجهرا } وبين { يعرفون... ينكرون } ~~وبين { ظعنكم... إقامتكم }. # 4- الإيجاز بالحذف في { سرابيل تقيكم الحر } أي والبرد حذف ~~الثاني استغناء بذكر الأول. # 5- المقابلة اللطيفة { إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتآء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي } أمر بثلاثة ونهى عن ثلاثة وهو من المحسنات البديعية. # 6- ذكر الخاص بعد العام للاهتمام بشأنه { وإيتآء ذي القربى } ~~بعد لفظ الإحسان الذي هو عام. # لطيفة: ذكر # " أن " أكثم بن صيفي " لما بلغه خبر الرسول صلى الله عليه وسلم انتدب ~~رجلين فأتياه فقالا: من أنت؟ وما أنت؟ فقال أنا محمد بن عبد الله، وأنا ~~رسول الله ثم تلا علينا هذه الآية { إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان.... } الآية فرجعا إلى أكثم فلما قرءا عليه الآية قال: إني ~~أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن مساوئها، فكونوا في هذا الأمر رؤساء، ~~ولا تكونوا فيه أذنابا ". ### || [16.91-110] # المناسبة: لما استقصى تعالى في الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ~~وذكر جملة المكارم والفضائل، حذر تعالى هنا من نقض العهود والمواثيق ~~وعصيان أوامر الله تعالى، لأن العصيان سبب البلاء والحرمان، ثم ذكر تعالى ~~ما أعده لأهل الإيمان من الحياة الطيبة الكريمة. # اللغة: { تنقضوا } النقض ضد الإبرام، وهو فك أجزاء الشيء بعضها ~~من بعض { توكيدها } التوكيد التثبيت يقال: توكيد وتأكيد { ~~أنكاثا } أنقاضا والنكث: النقض بعد الفتل { دخلا } الدخل: ~~الدغل والخديعة والغش قال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحا فهو دخل { ~~ينفد } نفد الشيء ينفد فني { أعجمي } الأعجمي الذي لا يتكلم ~~العربية وقال الفراء: الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب، ~~والعجمي الذي أصله من العجم { يلحدون } الإلحاد: الميل يقال لحد ~~وألحد إذا مال عن القصد والاستقامة. # سبب النزول: أ- روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ms0769 كان يجلس عند ~~المروة إلى غلام نصراني يقال له " جبر " وكان يقرأ الكتب فقال ~~المشركون: والله ما يعلمه ما يأتي به إلا جبر الرومي فأنزل الله عز ~~وجل { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه ~~بشر... } الآية. # ب- عن ابن عباس # " أن المشركين أخذوا عمار بن ياسر وأباه ياسرا وأمه سمية وصهيبا ~~وبلالا فعذبوهم، وربطت " سمية " بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة ~~فقتلت، وقتل زوجها ياسر - وهما أول قتيلين في الإسلام - وأما عمار ~~فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال له الرسول الكريم: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن عادوا فعد وأنزل الله { من كفر ~~بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان... } " # الآية. # التفسير: { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } أي حافظوا ~~على العهود التي عاهدتم عليها الرسول أو الناس وأدوها على الوفاء والتمام ~~{ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } أي ولا تنقضوا ~~أيمان البيعة بعد توثيقها بذكر الله تعالى { وقد جعلتم الله ~~عليكم كفيلا } أي جعلتم الله شاهدا ورقيبا على تلك البيعة { ~~إن الله يعلم ما تفعلون } أي عليم بأفعالكم وسيجازيكم ~~عليها { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد ~~قوة أنكاثا } هذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده، شبهت الآية الذي ~~يحلف ويعاهد ويبرم عهده ثم ينقضه بالمرأة تغزل غزلها وتفتله محكما ثم ~~تحله أنكاثا أي أنقاضا قال المفسرون: كان بمكة امرأة حمقاء تغزل غزلا ~~ثم تنقضه، وكان الناس يقولون: ما أحمق هذه! { تتخذون أيمانكم ~~دخلا بينكم } أي تتخذون أيمانكم خديعة ومكرا تخدعون بها الناس { ~~أن تكون أمة هي أربى من أمة } أي لأجل أن تكون أمة ~~أكثر عددا وأوفر مالا من غيرها قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ~~فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك { إنما ~~يبلوكم الله به } أي إنما يختبركم الله بما أمركم به من ~~الوفاء بالعهد لينظر المطيع من العاصي { وليبينن لكم يوم ~~القيامة ما كنتم فيه تختلفون } أي ليجازي ms0770 كل عامل ~~بعمله من خير وشر { ولو شآء الله لجعلكم أمة ~~واحدة } أي لو شاء الله لخلق الناس باستعداد واحد، وجعلهم أهل ملة ~~واحدة، لا يختلفون ولا يفترقون { ولكن يضل من يشآء ويهدي ~~من يشآء } أي ولكن اقتضت حكمته أن يتركهم لاختيارهم، ناس للسعادة ~~وناس للشقاوة، فيضل من يشاء بخذلانه إياهم عدلا، ويهدي من يشاء ~~بتوفيقه إياهم فضلا { ولتسألن عما كنتم تعملون } ~~أي ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم فيجازيكم على الفتيل والقطمير ~~{ ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } كرره تأكيدا ~~ومبالغة في تعظيم شأن العهود أي لا تعقدوا الأيمان وتجعلوها خديعة ومكرا ~~تغرون بها الناس لتحصلوا على بعض منافع الدنيا الفانية { فتزل ~~قدم بعد ثبوتها } أي فتزل أقدامكم عن طريق الاستقامة وعن ~~محجة الحق بعد رسوخها فيه قال ابن كثير: هذا مثل لمن كان على الاستقامة ~~فحاد عنها، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة، المشتملة على ~~الصد عن سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى المؤمن قد عاهده ثم غدر به لم ~~يبق له وثوق بالدين، فيصد بسببه عن الدخول في الإسلام ولهذا قال { ~~وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله } أي ~~يصيبكم العقاب الدنيوي العاجل الذي يسوءكم لصدكم غيركم عن اعتناق ~~الإسلام بسبب نقض العهود { ولكم عذاب عظيم } أي ولكم في ~~الآخرة عذاب كبير في نار جهنم { ولا تشتروا بعهد الله ~~ثمنا قليلا } أي لا تستبدلوا عهد الله وعهد رسوله بحطام الدنيا ~~الفاني { إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم ~~تعلمون } أي ما عند الله من الأجر والثواب خير لكم من متاع الدنيا ~~العاجل إذا كنتم تعلمون الحقيقة، ثم علل ذلك بقوله { ما عندكم ~~ينفد وما عند الله باق } أي ما عندكم أيها الناس فإنه فان ~~زائل، وما عند الله فإنه باق دائم، لا انقطاع له ولا نفاد، فآثروا ما ~~يبقى على ما يفنى { ولنجزين الذين صبروا أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون } أي ولنثيبن الصابرين بأفضل ~~الجزاء، ونعطيهم الأجر الوافي على أحسن الأعمال مع التجاوز عن السيئات، ms0771 ~~وهذا وعد كريم بمنح أفضل الجزاء على أفضل العمل، ليكون الجزاء على أحسن ~~العمل دون سواه، وكل ذلك بفضل الله { من عمل صالحا من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن } أي من فعل الصالحات ذكرا كان أو أنثى ~~بشرط الإيمان { فلنحيينه حياة طيبة } أي فلنحيينه في ~~الدنيا حياة طيبة بالقناعة والرزق الحلال، والتوفيق لصالح الأعمال وقال ~~الحسن: لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا ~~فقر، وصحة بلا سقم، وسعادة بلا شقاوة { ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون } أي ولنجزينهم في الآخرة بجزاء ~~أحسن أعمالهم، وما أكرمه من جزاء! { فإذا قرأت القرآن } أي ~~إذا أردت تلاوة القرآن { فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم } أي فاسأل الله أن يحفظك من وساوس الشيطان وخطراته، كيلا ~~يوسوس لك عند القراءة فيصدك عن تدبر القرآن والعمل بما فيه { إنه ~~ليس له سلطان على الذين آمنوا } أي ليس له تسلط ~~وقدرة على المؤمنين بالإغواء والكفر لأنهم في كنف الرحمن { وعلى ~~ربهم يتوكلون } أي يعتمدون على الله فيما نابهم من شدائد { ~~إنما سلطانه على الذين يتولونه } أي إنما ~~تسلطه وسيطرته على الذين يطيعونه ويتخذونه لهم وليا { والذين هم ~~به مشركون } أي بسبب إغوائه أصبحوا مشركين في عبادتهم وذبائحهم، ~~ومطاعمهم ومشاربهم { وإذا بدلنآ آية مكان آية } أي وإذا ~~أنزلنا آية مكان آية وجعلناها بدلا منها بأن ننسخ تلاوتها أو حكمها { ~~والله أعلم بما ينزل } جملة اعتراضية سيقت للتوبيخ أي ~~والله أعلم بما هو أصلح للعباد وبما فيه خيرهم، فإن مثل آيات هذا ~~الكتاب كمثل الدواء يعطى منه للمريض جرعات حتى يماثل الشفاء، ثم يستبدل ~~بما يصلح له من أنواع أخرى من الأطعمة { قالوا إنمآ أنت ~~مفتر } أي قال الكفرة الجاهلون إنما أنت يا محمد متقول كاذب على ~~الله { بل أكثرهم لا يعلمون } أي أكثرهم جهلة لا يعلمون ~~حكمة الله فيقولون ذلك سفها وجهلا قال ابن عباس: كان إذا نزلت آية ~~فيها شدة ثم نسخت قال كفار قريش: والله ما محمد إلا يسخر من أصحابه، ms0772 ~~يأمرهم اليوم بأمر، وينهاهم غدا عنه، وإنه لا يقول: ذلك إلا من عند ~~نفسه فنزلت { قل نزله روح القدس من ربك بالحق } ~~أي قل لهم يا محمد: إنما نزله جبريل الأمين من عند أحكم الحاكمين ~~بالصدق والعدل { ليثبت الذين آمنوا } أي ليثبت المؤمنين ~~بما فيه من الحجج والبراهين فيزدادوا إيمانا ويقينا { وهدى ~~وبشرى للمسلمين } أي وهداية وبشارة لأهل الإسلام الذين ~~انقادوا لحكمه تعالى، وفيه تعريض بالكفار الذين لم يستسلموا لله تعالى { ~~ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر } ~~أي قد علمنا مقالة المشركين الشنيعة ودعواهم أن هذا القرآن من تعليم " ~~جبر الرومي " وقد رد تعالى عليهم بقوله { لسان الذي ~~يلحدون إليه أعجمي } أي لسان الذي يزعمون أنه علمه ~~وينسبون إليه التعليم أعجمي { وهذا لسان عربي مبين } ~~أي وهذا القرآن عربي في غاية الفصاحة، فكيف يمكن لمن لسانه أعجمي أن ~~يعلم محمدا هذا الكتاب العربي المبين؟ ومن أين للأعجمي أن يذوق بلاغة ~~هذا الكتاب المعجز في فصاحته وبيانه!! { إن الذين لا يؤمنون ~~بآيات الله لا يهديهم الله } أي إن الذين لا يصدقون ~~بهذا القرآن لا يوفقهم الله لإصابة الحق، ولا يهديهم إلى طريق النجاة ~~والسعادة { ولهم عذاب أليم } أي لهم في الآخرة عذاب موجع ~~مؤلم، وهذا تهديد لهم ووعيد على كفرهم وافترائهم { إنما يفتري ~~الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } أي لا يكذب على ~~الله إلا من لم يؤمن بالله ولا بآياته، لأنه لا يخاف عقابا يردعه، ~~فالكذب جريمة فاحشة لا يقدم عليها مؤمن، وهذا رد لقولهم { إنمآ ~~أنت مفتر } { وأولئك هم الكاذبون } أي وأولئك هم ~~الكاذبون على الحقيقة لا محمد الرسول الأمين { من كفر بالله من ~~بعد إيمانه } أي من تلفظ بكلمة الكفر وارتد عن الدين بعد ما دخل ~~فيه { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } أي ~~إلا من تلفظ بكلمة الكفر مكرها والحال أن قلبه مملوء إيمانا ~~ويقينا، والآية تغليظ لجريمة المرتد لأنه عرف الإيمان وذاقه ثم ~~ارتد إيثارا للحياة الدنيا على الآخرة قال المفسرون: # " نزلت في عمار بن ms0773 ياسر أخذه المشركون فعذبوه حتى أعطاهم ما أرادوا ~~مكرها فقال الناس: إن عمارا كفر فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن عمارا ملئ إيمانا من فرقه إلى قدمه، واختلط الإيمان ~~بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان ~~قال: إن عادوا فعد " # { ولكن من شرح بالكفر صدرا } أي طابت نفسه بالكفر ~~وانشرح صدره له { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب ~~عظيم } أي ولهم غضب شديد مع عذاب جهنم، إذ لا جرم أعظم من جرمهم { ~~ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على ~~الآخرة } أي ذلك العذاب بسبب أنهم آثروا الدنيا واختاروها على الآخرة ~~{ وأن الله لا يهدي القوم الكافرين } أي لا يوفقهم ~~إلى الإيمان ولا يعصمهم من الزيغ والضلال { أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم } أي ~~ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم فجعل عليها غلافا بحيث لا تذعن للحق ~~ولا تسمعه ولا تبصره { وأولئك هم الغافلون } أي الكاملون ~~في الغفلة إذ أغفلتهم الدنيا عن تدبر العواقب { لا جرم أنهم ~~في الآخرة هم الخاسرون } أي حقا ولا شك ولا ريب في أنهم ~~الخاسرون في الآخرة لأنهم ضيعوا أعمارهم في غير منفعة تعود عليهم قال ~~المفسرون: وصفهم تعالى بست صفات هي: الغضب من الله، والعذاب العظيم، ~~واختيارهم الدنيا على الآخرة، وحرمانهم من الهدى، والطبع على قلوبهم، ~~وجعلهم من الغافلين { ثم إن ربك للذين هاجروا من ~~بعد ما فتنوا } أي ثم إن ربك يا محمد للذين هاجروا في سبيل الله ~~بعد ما فتنهم المشركون الطغاة عن دينهم بالعذاب { ثم جاهدوا ~~وصبروا } أي ثم جاهدوا في سبيل الله وصبروا على مشاق الجهاد { ~~إن ربك من بعدها لغفور رحيم } أي إن ربك بعد تلك ~~الهجرة والجهاد والصبر سيغفر لهم ويرحمهم. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- التشبيه التمثيلي { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها } ~~الآية شبه تعالى من يحلف ثم لا يفي بعهده بالمرأة ms0774 التي تغزل غزلا ثم ~~تنقضه. # 2- الاستعارة في { فتزل قدم بعد ثبوتها } استعار القدم ~~للرسوخ في الدين والتمكن فيه لأن أصل الثبات يكون بالقدم ولما كان الزلل ~~عن محجة الحق يشبه زلل القدم وانزلاقها عبر به عن الانزلاق الحسي بطريق ~~الاستعارة. # 3- الطباق بين { يضل من يشآء ويهدي من يشآء } وبين { ~~أعجمي.. عربي } وبين { ينفد... باق } , # 4- جناس الاشتقاق { قرأت القرآن } وفيه مجاز مرسل من إطلاق اسم ~~المسبب على السبب أي إذا أردت قراءة القرآن. # 5- الاعتراض { والله أعلم بما ينزل } الجملة اعتراضية ~~لبيان الحكمة الإلهية في النسخ، وفيه التفات من المتكلم إلى الغائب، ~~وذكر الاسم الجليل لتربية المهابة في النفس. # 6- الاستعارة اللطيفة { لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي } استعار اللسان للغة والكلام كقول الشاعر: # لسان السوء تهديها إلينا # وخنت وما حسبتك أن تخونا # والعرب تستعمل اللسان بمعنى اللغة كقوله تعالى # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه # [إبراهيم: 4]. # لطيفة: السر في الاستعاذة قبل قراءة القرآن أن القرآن هو الذكر ~~الحكيم، والحق المبين، ولما كان الشيطان يثير الشبهات بوساوسه، ويفسد ~~القلوب بدسائسه، أمر صلى الله عليه وسلم بأن يستعيذ بالله ويلتجئ إليه ~~عند تلاوة القرآن، لأن قوة الإنسان تضعف عن دفعه بسهولة فيحتاج إلى ~~الاستعانة بالله العلي الكبير. ### || [16.111-128] # المناسبة: لما ذكر تعالى حال من كفر بلسانه، وحال من كفر بلسانه ~~وجنانه، ذكر هنا الجزاء العادل الذي يلقاه كل إنسان في الآخرة، وما ~~أعده من العقاب العاجل في الدنيا لبعض المكذبين، ثم ذكر قصة إبراهيم ~~الأواه المنيب، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم باقتفاء آثاره ~~المجيدة. # اللغة: { تجادل } تخاصم وتحاج { رغدا } واسعا هنيئا بلا ~~كلفة ولا تعب { أنعم } جمع نعمة كالأشد جمع الشدة { أمة } ~~إماما جامعا لخصال الخير { قانتا } مطيعا خاضعا من القنوت وهو ~~الطاعة والخضوع { اجتباه } اصطفاه واختاره { حنيفا } الحنيف: ~~المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الإسلام، من الحنف وهو الميل. # سبب النزول: # " لما قتل حمزة ومثل به المشركون في غزوة أحد قال صلى الله عليه ~~وسلم حين رآه " والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك ms0775 " # فنزلت الآية الكريمة { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به... } الآية. # التفسير: { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } أي ~~ذكرهم يوم القيامة حين تخاصم كل نفس عن ذاتها سعيا في خلاصها، لا ~~يهمها شأن غيرها { وتوفى كل نفس ما عملت } أي تعطى ~~جزاء ما عملت من غير بخس ولا نقصان { وهم لا يظلمون } أي لا ~~ينقصون أجورهم بل يعطونها كاملة وافية { وضرب الله مثلا ~~قرية } هذا مثل ضربه الله لأهل مكة وغيرهم، بقوم أنعم الله عليهم ~~فأبطرتهم النعمة فعصوا وتمردوا، فبدل الله نعمتهم بنقمة { كانت ~~آمنة مطمئنة } أي كان أهلها في أمن واستقرار، وسعادة ونعيم { ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان } أي تأتيها الخيرات ~~والأرزاق بسعة وكثرة من كل الجهات { فكفرت بأنعم الله } ~~أي لم يشكروا الله على ما آتاهم من خير، وما وهبهم من رزق { فأذاقها ~~الله لباس الجوع والخوف } أي سلبهم الله نعمة الأمن ~~والاطمئنان، وأذاقهم آلام الخوف والجوع والحرمان { بما كانوا ~~يصنعون } أي بسبب كفرهم ومعاصيهم، قال الرازي: وهذا مثل أهل مكة ~~لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب، ثم أنعم الله عليهم بالنعمة ~~العظيمة وهو محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به، وبالغوا في إيذائه، ~~فعذبهم الله بالقحط والجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام { ولقد ~~جآءهم رسول منهم فكذبوه } أي ولقد جاءهم محمد بالآيات ~~الباهرة والمعجزات الظاهرة وهو رسول منهم يعرفون أصله ونسبه فلم يصدقوه ~~ولم يؤمنوا برسالته، والآية دالة على أن المراد بهم أهل مكة وهو قول ابن ~~عباس { فأخذهم العذاب وهم ظالمون } أي فأصابتهم الشدائد ~~والنكبات وهم ظالمون بارتكاب المعاصي والآثام { فكلوا مما ~~رزقكم الله حلالا طيبا } أي كلوا من نعم الله التي ~~أباحها لكم حال كونها حلالا طيبا { واشكروا نعمت الله إن ~~كنتم إياه تعبدون } أي واشكروا الله على نعمه الجليلة إن ~~كنتم مخلصين في إيمانكم لا تعبدون أحدا سواه، ثم ذكر تعالى ما حرمه ~~عليهم مما فيه مضرة لهم فقال { إنما حرم عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير } أي لم يحرم ربكم ms0776 عليكم أيها الناس ~~إلا ما فيه أذى لكم كالميتة والدم ولحم الخنزير { ومآ أهل ~~لغير الله به } أي وما ذبح على اسم غير الله تعالى فإن فيه ~~أذى للنفس والعقيدة { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ~~الله غفور رحيم } أي فمن اضطر لأكل ما حرم الله من المذكورات ~~من غير بغي ولا عدوان فإن الله واسع المغفرة عظيم الرحمة لا يؤاخذ من ~~كان مضطرا، ثم وبخ تعالى المشركين الذين حللوا وحرموا من تلقاء ~~أنفسهم فقال { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ~~هذا حلال وهذا حرام } أي لا تقولوا أيها المشركون في شأن ~~ما تصفه ألسنتكم من الكذب هذا حلال وهذا حرام من غير دليل ولا برهان { ~~لتفتروا على الله الكذب } أي لتكذبوا على الله بنسبة ~~ذلك إليه { إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون } أي إن الذين يختلقون الكذب على الله لا يفوزون ولا ~~يظفرون بمطلوبهم لا في الدنيا ولا في الآخرة { متاع قليل ولهم ~~عذاب أليم } أي انتفاعهم واستمتاعهم في الدنيا قليل لأنه زائل، ~~ولهم في الآخرة عذاب مؤلم، ثم ذكر تعالى ما حرم على اليهود فقال { ~~وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من ~~قبل } أي وعلى اليهود خاصة حرمنا عليهم ما قصصنا عليك يا محمد مما سبق ~~ذكره في سورة الأنعام عقوبة لهم وهي شحوم البقرة والغنم وكل ذي ظفر { ~~وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أي ~~وما ظلمناهم بذلك التحريم ولكن ظلموا أنفسهم فاستحقوا ذلك كقوله # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: 160] { ثم إن ربك للذين عملوا السوء ~~بجهالة } أي ثم إن ربك يا محمد للذين ارتكبوا تلك القبائح بجهل ~~وسفه { ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا } أي ثم رجعوا ~~إلى ربهم وأنابوا وأصلحوا العمل بعد ذلك الزلل { إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم } أي إنه تعالى واسع المغفرة عظيم الرحمة، ~~والآية تأنيس لجميع الناس وفتح لباب التوبة { إن إبراهيم كان ~~أمة } أي إن إبراهيم كان إماما قدوة جامعا لخصال ms0777 الخير ولذلك ~~اختاره الله لخلته { قانتا لله } أي مطيعا لربه قائما بأمره { ~~حنيفا } أي مائلا عن كل دين باطل إلى دين الحق، دين الإسلام { ~~ولم يك من المشركين } تأكيد لما سبق ورد على اليهود ~~والنصارى في زعمهم أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا { شاكرا ~~لأنعمه } أي قائما بشكر نعم الله { اجتباه وهداه إلى ~~صراط مستقيم } أي اختاره واصطفاه للنبوة وهداه إلى الإسلام ~~وإلى عبادة الواحد الأحد { وآتيناه في الدنيا حسنة } أي ~~جعلنا له الذكر الجميل في الدنيا { وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين } أي وهو في الآخرة من أصحاب الدرجات الرفيعة، وفي أعلى ~~مقامات الصالحين { ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا } لما وصف تعالى إبراهيم بتلك الأوصاف الشريفة ~~أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتبع ملته والمعنى ثم أمرناك يا ~~محمد باتباع دين إبراهيم وملته الحنيفية السمحة { وما كان من ~~المشركين } أي وما كان يهوديا أو نصرانيا، وإنما كان حنيفا ~~مسلما، وهو تأكيد آخر لرد مزاعم اليهود والنصارى أنهم على دينه { ~~إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } أي لم ~~يكن تعظيم يوم السبت وترك العمل فيه من شريعة إبراهيم ولا من شعائر ~~دينه، وإنما جعل تغليظا على اليهود لاختلافهم في الدين وعصيانهم أمر ~~الله، حيث نهاهم عن الاصطياد فيه فاصطادوا فمسخهم قردة وخنازير { ~~وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون } أي وسيفصل الله تعالى بينهم يوم القيامة، ~~فيجازي كلا بما يستحق من الثواب أو العقاب { ادع إلى سبيل ~~ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } أي أدع يا محمد ~~الناس إلى دين الله وشريعته القدسية بالأسلوب الحكيم، واللطف واللين، ~~بما يؤثر فيهم وينجع، لا بالزجر والتأنيب والقسوة والشدة { وجادلهم ~~بالتي هي أحسن } أي وجادل المخالفين بالطريقة التي هي أحسن ومن ~~طرق المناظرة والمجادلة بالحجج والبراهين، والرفق واللين { إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين } أي إن ربك يا محمد هو العالم بحال الضالين وحال ~~المهتدين. # فعليك أن تسلك الطريق الحكيم في دعوتهم ms0778 ومناظرتهم، وليس عليك هدايتهم، ~~إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب { وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به } أي وإن عاقبتم أيها المؤمنون من ظلمكم ~~واعتدى عليكم فعاملوه بالمثل ولا تزيدوا قال المفسرون: نزلت في شأن " ~~حمزة بن عبد المطلب " لما بقر المشركون بطنه يوم أحد، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم " # { ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } أي ولئن عفوتم ~~وتركتم القصاص فهو خير لكم وأفضل، وهذا ندب إلى الصبر، وترك عقوبة من ~~أساء، فإن العقوبة مباحة وتركها أفضل { واصبر وما صبرك إلا ~~بالله } أي واصبر يا محمد على ما ينالك من الأذى في سبيل الله، فما ~~تنال هذه المرتبة الرفيعة إلا بمعونة الله وتوفيقه { ولا تحزن ~~عليهم } أي لا تحزن على الكفار إن لم يؤمنوا { ولا تك في ~~ضيق مما يمكرون } أي ولا يضق صدرك بما يقولون من السفه ~~والجهل، ولا بما يدبرون من المكر والكيد { إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون } أي مع المتقين بمعونته ونصره، ~~ومع المحسنين بالحفظ والرعاية، ومن كان الله معه فلن يضره كيد الكائدين # البلاغة: تضمنت الآيات من صنوف البيان والبديع ما يلي: # 1- الاستعارة المكنية { فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف } شبه ذلك اللباس من حيث الكراهية بالطعم المر البشع وحذف ~~المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الإذاقة على طريق الاستعارة ~~المكنية. # 2- الطباق بين { حلال... حرام }. # 3- الالتفات { وآتيناه في الدنيا حسنة } التفت عن الغيبة ~~إلى التكلم إشارة إلى زيادة الاعتناء بشأنه وتفخيم أمره. # 4- التشبيه البليغ { كان أمة } أي كان بمفرده كالأمة والجماعة ~~الكثيرة لجمعه أوصاف الكمالات التي تفرقت في الخلق كما قال الشاعر: # " وليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد ". # تنبيه: دل قوله تعالى { وجادلهم بالتي هي أحسن } على ~~الحث على الإنصاف في المناظرة، واتباع الحق، والرفق والمداراة، على وجه ~~يظهر منه أن القصد إثبات الحق وإزهاق الباطل، لا نصرة الرأي وهزيمة ~~الرأي الآخر. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1-22] # اللغة: { سبحان } اسم للتسبيح ومعناه تنزيه ms0779 الله تعالى من كل سوء ~~ونقص وهو خاص به سبحانه { أسرى } الإسراء: السير ليلا يقال: ~~أسرى وسرى لغتان قال الشاعر: # سريت من حرم ليلا إلى حرم # كما سرى البدر في داج من الظلم # { فجاسوا } قال الزجاج: طافوا، والجوس: الطواف بالليل والتردد ~~والطلب مع الاستقصاء وقال الواحدي: الجوس هو التردد والطلب { ~~الكرة } الدولة والغلبة { تتبيرا } هلاكا ودمارا { ~~محونآ } طمسنا قال علماء اللغة: المحو إذهاب الأثر يقال محوته ~~فانمحى أي ذهب أثره { طآئره } عمله المقدر عليه سمي الخير والشر ~~بالطائر لأن العرب كانوا يتفاءلون ويتشاءمون بالطير إذا طار جهة اليمين ~~أو الشمال { مترفيها } المترف: المتنعم الذي أبطرته النعمة ~~وسعة العيش { يصلاها } يدخلها ويذوق حرها { مدحورا } مطرودا ~~مبعدا من رحمة الله. # التفسير: { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } أي تنزه ~~وتقدس عما لا يليق بجلاله، الله العلي الشأن، الذي انتقل بعبده ~~ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم في جزء من الليل { من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى } أي من مكة المكرمة إلى بيت ~~المقدس، وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام قال ~~المفسرون: وإنما قال { ليلا } بلفظ التنكير لتقليل مدة الإسراء، ~~وأنه قطع به المسافات الشاسعة البعيدة في جزء من الليل وكانت مسيرة ~~أربعين ليلة، وذلك أبلغ في القدرة والإعجاز ولهذا كان بدء السورة بلفظ { ~~سبحان } الدال على كمال القدرة، وبالغ الحكمة، ونهاية تنزهه تعالى عن ~~صفات المخلوقين، وكان الإسراء بالروح والجسد، يقظة لا مناما { الذي ~~باركنا حوله } أي الذي باركنا ما حوله بأنواع البركات الحسية ~~والمعنوية، بالثمار والأنهار التي خص الله بها بلاد الشام، وبكونه مقر ~~الأنبياء ومهبط الملائكة الأطهار { لنريه من آياتنآ } أي لنري ~~محمدا صلى الله عليه وسلم آياتنا العجيبة العظيمة، ونطلعه على ملكوت ~~السماوات والأرض، فقد رأى صلوات الله عليه السماوات العلى والجنة ~~والنار، وسدرة المنتهى، والملائكة والأنبياء وغير ذلك من العجائب والآيات ~~التي تدل على قدرة الله تعالى { إنه هو السميع البصير } أي ~~إنه تعالى هو السميع لأقوال محمد، البصير بأفعاله، فلهذا خصه بهذه ~~الكرامات والمعجزات احتفاء وتكريما ms0780 { وآتينآ موسى الكتاب ~~وجعلناه هدى لبني إسرائيل } أي أعطينا موسى التوراة ~~هداية لبني إسرائيل يخرجهم بواسطة ذلك الكتاب من ظلمات الجهل والكفر إلى ~~نور العلم والإيمان { ألا تتخذوا من دوني وكيلا } أي لا ~~تتخذوا لكم ربا تكلون إليه أموركم سوى الله الذي خلقكم قال المفسرون: لما ~~ذكر المسجد الأقصى وهو قلب الأرض المقدسة التي أسكنها الله بني إسرائيل ~~جاء الحديث عنهم في مكانه المناسب من سياق السورة { ذرية من ~~حملنا مع نوح } أي يا ذرية ويا أبناء المؤمنين الذين كانوا مع ~~نوح في السفينة، لقد نجينا آباءكم من الغرق فاشكروا الله على إنعامه { ~~إنه كان عبدا شكورا } أي إن نوحا كان كثير الشكر يحمد الله ~~على كل حال فاقتدوا به، وفي النداء لهم تلطف وتذكير بنعمة الله { ~~وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب } أي أخبرناهم ~~وأعلمناهم وأوحينا إليهم في التوراة { لتفسدن في الأرض ~~مرتين } أي ليحصلن منكم الإفساد في أرض فلسطين وما حولها مرتين ~~قال ابن عباس: أول الفساد قتل زكريا والثاني قتل يحيى عليهما السلام { ~~ولتعلن علوا كبيرا } أي تطغون في الأرض المقدسة طغيانا ~~كبيرا بالظلم والعدوان وانتهاك محارم الله { فإذا جآء وعد ~~أولاهما } أي أولى المرتين من الإفساد { بعثنا عليكم ~~عبادا لنآ } أي سلطنا عليكم من عبيدنا أناسا جبارين للانتقام ~~منكم { أولي بأس شديد } أي أصحاب قوة وبطش في الحرب شديد قال ~~المفسرون: إن بني إسرائيل لما استحلوا المحارم وسفكوا الدماء سلط الله ~~عليهم بختنصر ملك بابل فقتل منهم سبعين ألفا حتى كاد يفنيهم هو وجنوده، ~~وذلك أول الفسادين { فجاسوا خلال الديار } أي طافوا وسط ~~البيوت يروحون ويغدون للتفتيش عنكم واستئصالكم بالقتل والسلب والنهب لا ~~يخافون من أحد { وكان وعدا مفعولا } أي كان ذلك التسليط ~~والانتقام قضاء جزما حتما لا يقبل النقض والتبديل { ثم رددنا ~~لكم الكرة عليهم } أي ثم لما تبتم وأنبتم أهلكنا أعداءكم ~~ورددنا لكم الدولة والغلبة عليهم بعد ذلك البلاء الشديد { ~~وأمددناكم بأموال وبنين } أي أعطيناكم الأموال الكثيرة ~~والذرية الوفيرة، بعد أن نهبت أموالكم وسبيت ms0781 أولادكم { وجعلناكم ~~أكثر نفيرا } أي جعلناكم أكثر عددا ورجالا من عدوكم لتستعيدوا ~~قوتكم وتبنوا دولتكم { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } ~~أي إن أحسنتم يا بني إسرائيل فإحسانكم لأنفسكم ونفعه عائد عليكم لا ينتفع ~~الله منها بشيء { وإن أسأتم فلها } أي وإن أسأتم فعليها لا ~~يتضرر الله بشيء منها، فهو الغني عن العباد، لا تنفعه الطاعة ولا تضره ~~المعصية { فإذا جآء وعد الآخرة } أي فإذا جاء وعد المرة ~~الأخيرة من إفسادكم بقتل يحيى وانتهاك محارم الله بعثنا عليكم أعداءكم ~~مرة ثانية { ليسوءوا وجوهكم } أي بعثناهم ليهينوكم ويجعلوا ~~آثار المساءة والكآبة بادية على وجوهكم بالإذلال والقهر { ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة } أي ~~وليدخلوا بيت المقدس فيخربوه كما خربوه أول مرة { وليتبروا ما ~~علوا تتبيرا } أي وليدمروا ويهلكوا ما غلبوا عليه تدميرا، فقد ~~سلط الله عليهم مجوس الفرس فشردوهم في الأرض وقتلوهم ودمروا مملكتهم ~~تدميرا { عسى ربكم أن يرحمكم } أي لعل الله يرحمكم ويعفو ~~عنكم إن تبتم وأنبتم، وهذا وعد منه تعالى بكشف العذاب عنهم إن رجعوا إلى ~~الله و { عسى } من الله واجبة { وإن عدتم عدنا } أي وإن ~~عدتم إلى الإفساد والإجرام عدنا إلى العقوبة والانتقام { وجعلنا ~~جهنم للكافرين حصيرا } أي وجعلنا جهنم محبسا وسجنا ~~للكافرين، لا يقدرون على الخروج منها أبد الآبدين، ثم بين تعالى مزية ~~التنزيل الكريم الذي فاق بها سائر الكتب السماوية فقال { إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم } أي إن هذا القرآن العظيم ~~يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل، ولما هو أعدل وأصوب { ويبشر ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ~~أجرا كبيرا } أي ويبشر المؤمنين الذين يعملون بمقتضاه بالأجر ~~العظيم في جنات النعيم { وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~أعتدنا لهم عذابا أليما } أي ويبشرهم بأن لأعدائهم الذين ~~لا يصدقون بالآخرة العقاب الأليم في دار الجحيم، وقد جمعت الآية بين ~~الترغيب والترهيب { ويدع الإنسان بالشر دعآءه ~~بالخير } أي يدعو بالشر على نفسه كدعائه لها بالخير، ولو استجيب له ~~في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك قال ابن عباس: ms0782 هو دعاء الرجل على ~~نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له: اللهم أهلكه اللهم ~~دمره ونحوه { وكان الإنسان عجولا } أي ومن طبيعة الإنسان ~~العجلة، يتعجل بالدعاء على نفسه ويسارع لكل ما يخطر بباله، دون النظر في ~~عاقبته، ثم أشار تعالى إلى آيات الله الكونية في هذا الوجود، التي كل ~~منها برهان نير على وحدانية الله فقال { وجعلنا اليل ~~والنهار آيتين } أي علامتين عظيمتين على وحدانيتنا وكمال قدرتنا ~~{ فمحونآ آية اليل } أي طمسنا الليل فجعلناه مظلما لتسكنوا ~~فيه { وجعلنآ آية النهار مبصرة } أي جعلنا النهار مضيئا ~~مشرقا بالنور ليحصل به الإبصار { لتبتغوا فضلا من ~~ربكم } أي لتطلبوا في النهار أسباب معايشكم { ولتعلموا ~~عدد السنين والحساب } أي ولتعلموا عدد الأيام والشهور ~~والأعوام، بتعاقب الليل والنهار، فالليل للراحة والسكون، والنهار للكسب ~~والسعي { وكل شيء فصلناه تفصيلا } أي وكل أمر من ~~أمور الدنيا والدين، بيناه أحسن تبيين، وليس شيء من أمر هذا الوجود ~~متروكا للمصادفة والجزاف، وإنما هو بتقدير وتدبير حكيم { وكل ~~إنسان ألزمناه طآئره في عنقه } أي أن الإنسان مرهون ~~بعمله مجزي به، وعمله ملازم له لزوم القلادة للعنق لا ينفك عنه أبدا ~~{ ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا } ~~أي نظهر له في الآخرة كتاب أعماله مفتوحا فيه حسناته وسيئاته فيرى عمله ~~مكشوفا لا يملك إخفاءه أو تجاهله { اقرأ كتبك كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا } أي إقرأ كتاب عملك كفى أن تكون اليوم ~~شهيدا بما عملت، لا تحتاج إلى شاهد أو حسيب { من اهتدى ~~فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها } أي من اهتدى فثواب اهتدائه له، ومن ضل فعقاب كفره وضلاله ~~عليها { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي لا يحمل أحد ذنب ~~أحد، ولا يجني جان إلا على نفسه { وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا } أي وما كنا معذبين أحدا من الخلق حتى نبعث لهم ~~الرسل مذكرين ومنذرين فتقوم عليهم الحجة { وإذآ أردنآ أن ~~نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها } أي وإذا ~~أردنا هلاك قوم من الأقوام ms0783 أمرنا المتنعمين فيها والقادة والرؤساء ~~بالطاعة على لسان رسلنا فعصوا أمرنا وخرجوا عن طاعتنا وفسقوا وفجروا { ~~فحق عليها القول فدمرناها تدميرا } أي فوجب عليهم ~~العذاب بالفسق والطغيان فأهلكناهم إهلاكا مريعا قال ابن عباس: { ~~أمرنا مترفيها ففسقوا فيها } أي سلطنا أشرارها فعصوا ~~فيها فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب { وكم أهلكنا من ~~القرون من بعد نوح } أي وكثير من الأمم الطاغية المكذبين للرسل ~~أهلكناهم من بعد نوح كقوم عاد وثمود وفرعون قال ابن كثير: والآية إنذار ~~لكفار قريش والمعنى إنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم وقد ~~كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق فعقوبتكم أولى وأحرى { وكفى ~~بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا } أي كفى يا محمد أن ~~يكون ربك رقيبا على أعمال العباد يدرك بواطنها وظواهرها ويجازي عليها { ~~من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد } أي من كان يريد بعمله الدنيا فقط ولها يعمل ويسعى ليس ~~له هم إلا الدنيا عجلنا له فيها ما نشاء تعجيله من نعيمها لا كل ما ~~يريد { ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ~~} أي ثم جعلنا له في الآخرة جهنم يدخلها مهانا حقيرا مطرودا من رحمة ~~الله { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن } أي ومن أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم المقيم، وعمل ~~لها عملها الذي يليق بها من الطاعات وهو مؤمن صادق الإيمان { ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا } أي فأولئك الجامعون للخصال ~~الحميدة من الإخلاص، والعمل الصالح، والإيمان. # كان عملهم مقبولا عند الله أحسن القبول، مثابا عليه { كلا نمد ~~هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك } أي كل واحد من ~~الفريقين الذين أرادوا الدنيا، والذين أرادوا الآخرة نعطيه من عطائنا ~~الواسع تفضلا منا وإحسانا، فنعطي المؤمن والكافر والمطيع والعاصي { ~~وما كان عطآء ربك محظورا } أي ما كان عطاؤه تعالى محبوسا ~~ممنوعا عن أحد { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } ~~أي أنظر يا محمد كيف فاوتنا بينهم في الأرزاق والأخلاق في هذه الحياة ~~الدنيا فهذا غني وذاك فقير، وهذا شريف وذاك ms0784 حقير { وللآخرة أكبر ~~درجات وأكبر تفضيلا } أي ولتفاوتهم في الدار الآخرة أعظم ~~من التفاوت في هذا الدار لأن الآخرة دار القرار وفيها ما لا عين رأت، ~~ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر { لا تجعل مع الله ~~إلها آخر } أي لا تجعل مع الله شريكا ولا تتخذ غيره إلها تعبده ~~{ فتقعد مذموما مخذولا } أي فتصير ملوما عند الله مخذولا ~~منه لا ناصر لك ولا معين. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- براعة الاستهلال { سبحان الذي أسرى } لأنه لما كان أمرا ~~خارقا للعادة بدأه بلفظ يشير إلى كمال القدرة وتنزه الله عن صفات النقص. # 2- إضافة التكريم والتشريف { بعبده }. # 3- جناس الاشتقاق { ولتعلن علوا } { تزر وازرة }. # 4- الطباق بين { أحسنتم... وأسأتم } وبين { ضل... ~~واهتدى }. # 5- إيجاز بالحذف { اقرأ كتبك } أي يقال له يوم القيامة إقرأ ~~كتابك { أمرنا مترفيها } أي أمرناهم بطاعة الله فعصوا وفسقوا ~~فيها. # 6- المجاز العقلي { آية النهار مبصرة } لأن النهار لا يبصر ~~بل يبصر فيه فهو من إسناد الشيء إلى زمانه. # 7- الاستعارة اللطيفة { طآئره في عنقه } استعير الطائر لعمل ~~الإنسان، ولما كان العرب يتفاءلون ويتشاءمون بالطير سموا نفس الخير ~~والشر بالطائر بطريق الاستعارة. # لطيفة: الحكمة في إسرائه إلى بيت المقدس ثم عروجه من بيت المقدس إلى ~~السماوات العلى أنه مجمع أرواح الأنبياء، وموطن تنزل الوحي الإلهي على ~~الرسل الكرام، ولما كانت هذه الرحلة رحلة تكريم أراد تعالى أن يشرفهم ~~بزيارته. ولهذا صلى بهم إماما صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. # تنبيه: وصفه تعالى في هذه السورة بالعبودية { أسرى بعبده } ~~لأنه أشرف المقامات وأسمى المراتب العلية، كما وصفه في مقام الوحي كذلك # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10] وفي مقام الدعوة # وأنه لما قام عبد الله يدعوه # [الجن: 19] ولهذا قال القاضي عياض: # ومما زادني شرفا وتيها # وكدت بأخمصي أطأ الثريا # دخولي تحت قولك يا عبادي # وأن صيرت أحمد لي نبيا ### || [17.23-48] # المناسبة: لما جعل تعالى الإيمان والعمل الصالح أساسا للفوز ~~بالسعادة الأبدية، وبين حال المؤمن الذي أراد بعمله الدار ms0785 الآخرة، ذكر ~~هنا طائفة من الأوامر والزواجر التي يقوم عليها بنيان المجتمع الفاضل، ~~ثم ذكر تعالى موقف المشركين المكذبين من هذا القرآن العظيم. # اللغة: { أف } كلمة تضجر وتبرم قال ابن الأعرابي الأف: الضجر، ~~وأصلها أنه إذا سقط تراب أو رماد فنفخ الإنسان ليزيله، فالصوت الحاصل هو ~~أف ثم توسعوا في الكلمة حتى أصبحت تقال لكل مكروه { تنهرهما } ~~النهر: الزجر والغلظة { الأوابين } جمع أواب وهو كثير التوبة ~~والإنابة من الأوب بمعنى الرجوع { محسورا } منقطعا عن النفقة ~~والتصرف قال الفراء: تقول العرب للبعير هو محسور إذا انقطع سيره، وحسرت ~~الدابة إذا انقطعت عن المسير لذهاب قوتها، فشبه حال من أنفق كل ماله ~~بمن انقطع في سفره بسبب انقطاع مطيته { إملاق } فقر وفاقة، أملق الرجل ~~إذا افتقر { خطئا } قال الأزهري: خطئ يخطأ خطأ إذا تعمد ~~الخطأ، وأخطأ إذا لم يتعمد { القسطاس } الميزان مأخوذ من القسط وهو ~~العدل { تقف } تتبع مأخوذ من قفوت أثر فلان إذا اتبعت أثره ~~وأصله البهت والقذف بالباطل { مرحا } المرح: شدة الفرح والمراد به ~~هنا التكبر والخيلاء { صرفنا } بينا { أكنة } جمع كنان وهو ~~الغطاء الذي يستر الشيء { وقرا } صمما وثقلا. # التفسير: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } أي ~~حكم تعالى وأمر بأن لا تعبدوا إلها غيره وقال مجاهد: { وقضى } يعني ~~وصى بعبادته وتوحيده { وبالوالدين إحسانا } أي وأمر بأن ~~تحسنوا إلى الوالدين إحسانا قال المفسرون: قرن تعالى بعبادته بر ~~الوالدين لبيان حقهما العظيم على الولد لأنهما السبب الظاهر لوجوده ~~وعيشه، ولما كان إحسانهما إلى الولد قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون ~~إحسان الولد إليهما كذلك { إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما } أي قد أوصيناك بهما وبخاصة إذا كبرا أو ~~كبر أحدهما، وإنما خص حالة الكبر لأنهما حينئذ أحوج إلى البر ~~والقيام بحقوقهما لضعفهما ومعنى { عندك } أي في كنفك وكفالتك { فلا ~~تقل لهمآ أف } أي لا تقل للوالدين أقل كلمة تظهر الضجر ككلمة ~~أف ولا تسمعهما قولا سيئا حتى ولو بكلمة التأفف { ولا ~~تنهرهما } أي لا تزجرهما بإغلاظ فيما لا ms0786 يعجبك منهما { وقل ~~لهما قولا كريما } أي قل لهما قولا حسنا لينا طيبا بأدب ~~ووقار وتعظيم { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } ~~أي ألن جانبك وتواضع لهما بتذلل وخضوع من فرط رحمتك وعطفك عليهما { ~~وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } أي أدع لهما ~~بالرحمة وقل في دعائك يا رب ارحم والدي برحمتك الواسعة كما أحسنا إلي ~~في تربيتهما حالة الصغر { ربكم أعلم بما في نفوسكم } ~~أي ربكم أيها الناس أعلم بما في نفوسكم من إرادة البر أو العقوق { إن ~~تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا } أي إن ~~تكونوا قاصدين للبر والصلاح دون العقوق والفساد فإنه جل وعلا يتجاوز ~~عن سيئاتكم ويغفر للأوابين وهم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى ربهم ~~مستغفرين قال الرازي: والمقصود من هذه الآية أن الأولى لما دلت على ~~وجوب تعظيم الوالدين ثم إن الولد قد يظهر منه ما يخل بتعظيمهما فإن ~~كانت تلك الهفوة ليست لأجل العقوق بل ظهرت بمقتضى الجبلة البشرية كانت ~~في محل الغفران، وبمناسبة الإحسان إلى الوالدين يأمر تعالى بالإحسان ~~إلى الأقارب والضعفاء والمساكين { وآت ذا القربى حقه } أي ~~أعط كل من له قرابة بك حقه من البر والإحسان { والمسكين ~~وابن السبيل } أي وأعط المسكين المحتاج والغريب المنقطع في سفره ~~حقه أيضا { ولا تبذر تبذيرا } أي لا تنفق مالك في غير ~~طاعة الله فتكون مبذرا، والتبذير الإنفاق في غير حق قال مجاهد: لو ~~أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا، ولو أنفق مدا في غير ~~حق كان مبذرا وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى وفي غير ~~الحق والفساد { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ~~} هذا تعليل للنهي وهو غاية في الذم والتقبيح أي إن المبذرين كانوا أمثال ~~الشياطين وأشباههم في الإفساد، لأنهم ينفقون في الباطل وينفقون في الشر ~~والمعصية فهم أمثالهم { وكان الشيطان لربه كفورا } أي ~~مبالغا في كفران نعمة الله لا يؤدي حق النعمة كذلك إخوانه المبذرون لا ~~يؤدون حق النعمة، وحقها أن ينفقوها في الطاعات والحقوق غير متجاوزين ~~ولا ms0787 مبذرين { وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ~~ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا } أي إن أعرضت ~~عن ذوي القربى والمساكين وابن السبيل إذا لم تجد ما تعطيهم فقل لهم قولا ~~سهلا لينا وعدهم وعدا جميلا { ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك } تمثيل للبخل اي لا تكن بخيلا منوعا لا تعطي أحدا ~~شيئا كمن حبست يده عن الإنفاق وشدت إلى عنقه { ولا تبسطها ~~كل البسط } تمثيل للتبذير أي ولا تتوسع في الإنفاق توسعا مفرطا ~~بحيث لا يبقى في يدك شيء، والغرض من الآية لا تكن بخيلا ولا مسرفا { ~~فتقعد ملوما محسورا } أي فتصير مذموما من الخلق والخالق، ~~منقطعا من المال كمن انقطع في سفره بانقطاع مطيته { إن ربك ~~يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } أي يوسع الرزق على من ~~يشاء ويضيق على من يشاء، وهو القابض، الباسط المتصرف في خلقه، بما يشاء ~~حسب الحكمة { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } أي إنه عالم ~~بمصالح العباد، والتفاوت في الأرزاق ليس لأجل البخل بل لأجل رعاية ~~المصالح فهو تعالى يعمل من مصالحهم ما يخفى عليهم { ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق } أي لا تقدموا على قتل أولادكم مخافة ~~الفقر { نحن نرزقهم وإياكم } أي رزقهم علينا لا عليكم ~~فنحن نرزقهم ونرزقكم فلا تخافوا الفقر بسببهم { إن قتلهم كان ~~خطئا كبيرا } أي قتلهم ذنب عظيم وجرم خطير قال المفسرون: كان ~~أهل الجاهلية يئدون البنات مخافة الفقر أو العار فنهاهم الله عن ذلك وضمن ~~أرزاقهم { ولا تقربوا الزنى } أي لا تدنوا من الزنى وهو أبلغ ~~من " لا تزنوا " لأنه يفيد النهي عن مقدمات الزنى كاللمس، والقبلة، ~~والنظرة، والغمز وغير ذلك مما يجر إلى الزنى فالنهي عن القرب أبلغ من ~~النهي عن الفعل { إنه كان فاحشة } أي إن الزنى كان فعلة قبيحة ~~متناهية في القبح { وسآء سبيلا } أي ساء طريقا موصلا إلى جهنم { ~~ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } ~~أي لا تقتلوا نفسا حرم الله قتلها بغير حق شرعي موجب للقتل كالمرتد، ~~والقاتل عمدا، والزاني المحصن { ومن قتل ms0788 مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا } أي ومن قتل ظلما بغير حق يوجب ~~قتله فقد جعلنا لوارثه سلطة على القاتل بالقصاص منه، أو أخذ الدية، أو ~~العفو { فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا } أي فلا ~~يتجاوز الحد المشروع بأن يقتل غير القاتل أو يمثل به أو يقتل اثنين ~~بواحد كما كان أهل الجاهلية يفعلون، فحسبه أن الله قد نصره على خصمه ~~فليكن عادلا في قصاصه { ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن } أي لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالطريقة ~~التي هي أحسن وهي حفظه واستثماره { حتى يبلغ أشده } أي حتى ~~يبلغ اليتيم سن الرشد ويحسن التصرف في ماله { وأوفوا بالعهد ~~إن العهد كان مسؤولا } أي وفوا بالعهود سواء كانت مع الله ~~أو مع الناس لأنكم تسألون عنها يوم القيامة { وأوفوا الكيل إذا ~~كلتم } أي أتموا الكيل إذا كلتم لغيركم من غير تطفيف ولا بخس { ~~وزنوا بالقسطاس المستقيم } أي زنوا بالميزان العدل السوي ~~بلا احتيال ولا خديعة { ذلك خير وأحسن تأويلا } أي وفاء ~~الكيل وإقامة الوزن خير في الدنيا وأحسن مآلا في الآخرة { ولا تقف ~~ما ليس لك به علم } أي لا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك بل ~~تثبت من كل خبر، قال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، ~~وعلمت ولم تعلم، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله { إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } أي ~~إن الإنسان يسأل يوم القيامة عن حواسه: عن سمعه، وبصره، وقلبه وعما ~~اكتسبته جوارحه { ولا تمش في الأرض مرحا } أي لا تمش في ~~الأرض مختالا مشية المعجب المتكبر { إنك لن تخرق الأرض ~~ولن تبلغ الجبال طولا } هذا تعليل للنهي عن التكبر والمعنى ~~أنك أيها الإنسان ضئيل هزيل لا يليق بك التكبر؟ كيف تتكبر على الأرض ولن ~~تجعل فيها خرقا أو شقا؟ وكيف تتطاول وتتعظم على الجبال ولن تبلغها ~~طولا؟ فأنت أحقر وأضعف من كل واحد من الجمادين فكيف تتكبر وتتعالى ~~وتختال وأنت أضعف من الأرض والجبال؟ ms0789 وفي هذا تهكم وتقريع للمتكبرين { ~~كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها } أي كل ذلك ~~المذكور الذي نهى الله عنه كان عمله قبيحا ومحرما عند الله تعالى { ~~ذلك ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة } أي ذلك الذي ~~تقدم من الآداب والقصص والأحكام بعض الذي أوحاه إليك ربك يا محمد من ~~المواعظ البليغة، والحكم الفريدة { ولا تجعل مع الله ~~إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا } أي لا ~~تشرك مع الله غيره من وثن أو بشر فتلقى في جهنم ملوما تلوم نفسك ويلومك ~~الله والخلق مطرودا مبعدا من كل خير قال الصاوي: ختم به الأحكام كما ~~ابتدأها إشارة إلى أن التوحيد مبدأ الأمور ومنتهاها، وهو رأس الأشياء ~~وأساسها، والأعمال بدونه باطلة لا تفيد شيئا { أفأصفاكم ~~ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا } خطاب ~~على وجه التوبيخ للعرب الذين قالوا إن الملائكة بنات الله والمعنى أفخصكم ~~ربكم وأخلصكم بالذكور واختار لنفسه - على زعمكم - البنات؟ كيف يجعل لكم ~~الأعلى من النسل ويختار لنفسه الأدنى! { إنكم لتقولون قولا ~~عظيما } أي إنكم لتقولون قولا عظيما في شناعته وبشاعته حيث تنسبون ~~إليه البنات وتجعلون لله ما تكرهون { ولقد صرفنا في هذا ~~القرآن ليذكروا } أي ولقد بينا للناس في هذا القرآن العظيم ~~الأمثال والمواعظ، والوعد والوعيد، ليتذكروا بما فيه من الحجج النيرة ~~والبراهين الساطعة، فينزجروا عما هم فيه من الشرك والضلال { وما ~~يزيدهم إلا نفورا } أي وما يزيدهم هذا البيان والتذكير إلا ~~تباعدا عن الحق، وغفلة عن النظر والاعتبار { قل لو كان معه ~~آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا } أي لو فرضنا أن مع الله آلهة أخرى كما يزعم هؤلاء المشركون ~~إذا لطلبوا طريقا إلى مغالبة ذي العزة والجلال ليسلبوا ملكه كما يفعل ~~ملوك الدنيا بعضهم ببعض { سبحانه وتعالى عما يقولون ~~علوا كبيرا } أي تنزه تعالى وتقدس عما يقول أولئك الظالمون، ~~وتعالى ربنا عما نسبوه إليه من الزور والبهتان تعاليا كبيرا، فإن مثل ~~هذه الفرية مما يتنزه عنه مقامه الأسمى قال الشهاب: وذكر العلو بعد ms0790 ~~عنوانه ب { ذي العرش } في أعلى مراتب البلاغة لأنه المناسب للعظمة ~~والجلال { تسبح له السموت السبع والأرض ومن ~~فيهن } أي تسبح له الكائنات، وتنزهه وتقدسه الأرض والسماوات، ومن ~~فيهن من المخلوقات { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } أي ~~وما من شيء في هذا الوجود إلا ناطق بعظمة الله، شاهد بوحدانيته جل ~~وعلا، السماوات تسبح الله في زرقتها، والحقول في خضرتها، والبساتين ~~في نضرتها، والأشجار في حفيفها، والمياه في خريرها، والطيور في ~~تغريدها، والشمس في شروقها وغروبها، والسحب في إمطارها، والكل شاهد ~~بالوحدانية لله. # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } أي ولكن لا تفهمون تسبيح ~~هذه الأشياء لأنها ليست بلغاتكم { إنه كان حليما غفورا } أي ~~إنه تعالى حليم بالعباد لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، غفور لمن تاب وأناب، ~~ولولا حلم الله وغفرانه لأخذ البشر أخذ عزيز مقتدر { وإذا قرأت ~~القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة حجابا مستورا } أي وإذا قرأت يا محمد القرآن على ~~هؤلاء المشركين الذين لا يصدقون بالآخرة جعلنا بينك وبينهم حجابا خفيا ~~يحجب عنهم فهم القرآن وإدراك أسراره وحكمه { وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه } أي وجعلنا على قلوب هؤلاء ~~الكفار أغطية لئلا يفهموا القرآن { وفي آذانهم وقرا } أي ~~صمما يمنعهم من استماعه { وإذا ذكرت ربك في القرآن ~~وحده ولوا على أدبارهم نفورا } أي وإذا وحدت الله ~~وأنت تتلو القرآن فر المشركون من ذلك هربا من استماع التوحيد { ~~نحن أعلم بما يستمعون به } أي نحن أعلم بالغاية التي ~~يستمعون من أجلها للقرآن وهي الاستهزاء والسخرية قال المفسرون: كان ~~المشركون يجلسون عند النبي صلى الله عليه وسلم مظهرين الاستماع وفي ~~الواقع قاصدين الاستهزاء فنزلت الآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ~~وتهديدا للمشركين { إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى } ~~أي حين يستمعون إلى قراءتك يا محمد ثم يتناجون ويتحدثون بينهم سرا { ~~إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ~~} أي حين يقول أولئك الفجرة ما تتبعون إلا رجلا سحر فجن ms0791 فاختلط ~~كلامه { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا } أي انظر ~~يا محمد وتعجب كيف يقولون تارة عنك إنك ساحر، وتارة إنك شاعر، وتارة ~~إنك مجنون! وقد ضلوا بهذا البهتان والزور { فلا يستطيعون ~~سبيلا } أي لا يجدون طريقا إلى الهدى والحق المبين. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- الاستعارة المكنية { واخفض لهما جناح الذل } شبه ~~الذل بطائر له جناح وحذف الطائر ورمز له بشيء من لوازمه وهو الجناح على ~~سبيل الاستعارة المكنية. # 2- الاستعارة التمثيلية { ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك ولا تبسطها كل البسط } مثل للبخيل بالذي حبست ~~يده عن الإعطاء وشدت إلى عنقه بحيث لا يقدر على مدها، وشبه السرف ببسط ~~الكف بحيث لا تحفظ شيئا. # 3- اللف والنشر المرتب { فتقعد ملوما محسورا } عاد لفظ { ~~ملوما } إلى البخل ولفظ { محسورا } إلى الإسراف أي يلومك الناس ~~إن بخلت، وتصبح مقطوعا إن أسرفت. # 4- الطباق بين { يبسط... ويقدر }. # 5- جناس الاشتقاق { قرأت القرآن }. # 6- التوبيخ { أفأصفاكم ربكم بالبنين }؟ # 7- الفرض والتقدير { لو كان معه آلهة كما يقولون }. # لطيفة: نقف هنا أمام مثل من دقائق التعبير القرآني العجيبة ففي هذه ~~السورة قدم تعالى رزق الأبناء على رزق الآباء { نحن نرزقهم ~~وإياكم } وفي سورة الأنعام قدم رزق الآباء # نحن نرزقكم وإياهم # [الأنعام: 151] والسر في ذلك أن قتل الأولاد هنا كان خشية وقوع الفقر ~~بسببهم فقدم تعالى رزق الأولاد، وفي الأنعام كان قتلهم بسبب فقر الآباء ~~فعلا فقدم رزق الآباء، فلله در التنزيل ما أروع أسراره! ### || [17.49-69] # المناسبة: لما ذكر تعالى موقف المشركين من القرآن العظيم، وذكر ~~تعاميهم عن فهم آياته البينات، أردفه بذكر شبهاتهم في إنكار البعث ~~والنشور وكر عليها بالإبطال والتفنيد، ثم ذكر قصة آدم وإبليس للعظة ~~والاعتبار، وأعقبها بذكر نعمه العظيمة على العباد ثم بالوعيد والتهديد إن ~~أصروا على الكفر والجحود. # اللغة: { رفاتا } الرفات: ما تكسر وبلي من كل شيء كالفتات ~~والحطام والرضاض { ينغضون } قال الفراء: يقال أنغض فلان رأسه ~~إذا حركه إلى فوق وأسفل كالمتعجب من الشيء قال الراجز: " أنغض نحوي ~~رأسه ms0792 وأقنعا " { ينزغ } يفسد ويهيج الشر والنزغ: الإفساد ~~والإغراء { لأحتنكن } الاحتناك الأخذ بالكلية والاستئصال ~~يقال: احتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله { استفزز } اخدع ~~واستخف يقال: أفزه الخوف واستفزه إذا أزعجه واستخفه { وأجلب ~~} أصل الإجلاب السوق بجلبة من السائق وهو الصياح، والجلب ~~والجلبة الأصوات { ورجلك } الرجل جمع راجل وهو الذي يمشي ~~على قدميه { يزجي } يسوق { حاصبا } الحاصب والحصباء هي الحصى ~~الصغار { قاصفا } القاصف ما يقصف الشيء أي يكسره والريح الشديدة التي ~~تكسر بشدة من قصف الشيء يقصفه أي كسره بشدة، ورعد قاصف شديد الصوت { ~~تبيعا } طالبا يقال تابع وتبيع وهو النصير والمطالب. # سبب النزول: أ - عن ابن عباس # " أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ~~ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا فقيل له: أن شئت أن تستأني بهم ~~لعلنا نجتبي منهم، وإن شئت نعطيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا، فقال: ~~لا بل أستأني بهم " # فنزلت { وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب ~~بها الأولون... } الآية. # ب - لما ذكر تعالى شجرة الزقوم في القرآن قال أبو جهل: يا معشر قريش إن ~~محمدا يخوفكم بشجرة الزقوم، ألستم تعلمون أن النار تحرق الشجر؟ ومحمد ~~يزعم أن النار تنبت الشجر، فهل تدرون ما الزقوم؟ هو التمر والزبد، يا ~~جارية ابغينا تمرا وزبدا، فجاءته به فقال: تزقموا من هذا الذي يخوفم ~~به محمد فأنزل الله تعالى { والشجرة الملعونة في القرآن ~~ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا }. # التفسير: { وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا } استفهام ~~تعجب وإنكار أي قال المشركون المكذبون بالبعث أئذا أصبحنا عظاما نخرة، ~~وذرات متفتتة كالتراب { أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } أي ~~هل سنبعث ونخلق خلقا جديدا بعد أن نبلى ونفنى؟ { قل كونوا ~~حجارة أو حديدا } أي قل لهم يا محمد لو كنتم حجارة أو حديدا ~~لقدر الله على بعثكم وإحيائكم فضلا عن أن تكونوا عظاما ورفاتا فإن ~~الله لا يعجزه شيء، فالحجارة والحديد أبعد عن الحياة وهي أصلب الأشياء ~~ولو كانت أجسامكم منها لأعادها الله فكيف لا ms0793 يقدر على إعادتكم إذا كنتم ~~عظاما ورفاتا؟ { أو خلقا مما يكبر في صدوركم } أي ~~أو كونوا خلقا آخر أوغل في البعد عن الحياة من الحجارة والحديد مما يصعب ~~في نفوسكم تصور الحياة فيه فسيبعثكم الله قال مجاهد: المعنى كونوا ما ~~شئتم فستعادون { فسيقولون من يعيدنا }؟ أي من الذي يردنا إلى ~~الحياة بعد فنائنا { قل الذي فطركم أول مرة } أي قل ~~لهم يعيدكم القادر العظيم الذي خلقكم وأنشأكم من العدم أول مرة { ~~فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو }؟ أي ~~يحركون رءوسهم متعجبين مستهزئين ويقولون استنكارا واستبعادا متى يكون ~~البعث والإعادة؟ { قل عسى أن يكون قريبا } أي لعله يكون ~~قريبا فإن كل ما هو آت قريب { يوم يدعوكم فتستجيبون ~~بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } أي سيكون ~~بعثكم يوم الحشر الأكبر يوم يدعوكم الرب جل وعلا للاجتماع في المحشر ~~فتجيبون لأمره، وتظنون لهول ما ترون أنكم ما أقمتم في الدنيا إلا زمنا ~~قليلا { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } أي قل ~~لعبادي المؤمنين يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلمة الطيبة ويختاروا ~~من الكلام ألطفه وأحسنه وينطقوا دائما بالحسنى { إن الشيطان ~~ينزغ بينهم } أي إن الشيطان يفسد ويهيج بين الناس الشر ~~ويشعل نار الفتنة بالكلمة الخشنة يفلت بها اللسان { إن الشيطان ~~كان للإنسان عدوا مبينا } أي ظاهر العداوة للإنسان من ~~قديم الزمان يتلمس سقطات لسانه ليحدث العداوة والبغضاء بين المرء ~~وأخيه { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن ~~يشأ يعذبكم } أي ربكم أيها الناس أعلم بدخائل نفوسكم إن يشأ ~~يرحمكم بالتوفيق للإيمان، وإن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر والعصيان ~~{ ومآ أرسلناك عليهم وكيلا } أي وما جعلناك يا محمد ~~حفيظا على أعمال الكفار كفيلا عنهم لتقسرهم على الإيمان إنما أرسلناك ~~نذيرا فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار { وربك أعلم ~~بمن في السموت والأرض } إنتقال من الخصوص إلى العموم أي ~~ربك جل وعلا أعلم بعباده بأحوالهم ومقاديرهم فيخص بالنبوة من شاء من ~~خلقه، وهو أعلم بالسعداء والأشقياء، والآية رد على المشركين حيث ~~استبعدوا ms0794 النبوة على رسول الله وقالوا: كيف يكون يتيم أبي طالب نبيا؟ ~~وكيف يكون هؤلاء الفقراء الضعفاء أصحابه دون الأكابر والرؤساء؟ { ~~ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } أي فضلنا بعض ~~الأنبياء على بعض حسب علمنا وحكمتنا وخصصناهم بمزايا فريدة، فاصطفينا ~~إبراهيم بالخلة، وموسى بالتكليم، وسليمان بالملك العظيم، ومحمدا ~~بالإسراء والمعراج وجعلناه سيد الأولين والآخرين، وكل ذلك فعل الحكيم ~~العليم الذي لا يصدر شيء إلا عن حكمته { وآتينا داوود زبورا } ~~أي وأنزلنا الزبور على داود المشتمل على الحكمة وفصل الخطاب { قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دونه } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين أدعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دونه تعالى قال الحسن: يعني ~~الملائكة وعيسى وعزيرا فقد كانوا يقولون إنهم يشفعون لنا عند الله { ~~فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا } أي فلا ~~يستطيعون رفع البلاء عنكم ولا تحويله إلى غيركم { أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~} أي أولئك الآلهة الذين يدعونهم من دون الله هم أنفسهم يبتغون القرب إلى ~~الله، ويتوسلون إليه بالطاعة والعبادة، فكيف تعبدونهم معه؟ { ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه } أي يرجون بعبادتهم رحمته تعالى ~~ويخافون عقابه ويتسابقون إلى رضاه { إن عذاب ربك كان ~~محذورا } أي عذابه تعالى شديد ينبغي أن يحذر منه ويخاف من وقوعه ~~وحصوله { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم ~~القيامة أو معذبوها عذابا شديدا } أي ما من قرية من ~~القرى الكافرة التي عصت أمر الله وكذبت رسله إلا وسيهلكها الله إما ~~بالاستئصال الكلي أو بالعذاب الشديد لأهلها { كان ذلك في الكتاب ~~مسطورا } أي كان ذلك حكما مسطرا في اللوح المحفوظ لا يتغير { ~~وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون } قال المفسرون: اقترح المشركون على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم معجزات عظيمة منها أن يقلب لهم الصفا ذهبا، وأن يزيح عنهم ~~الجبال فأخبره تعالى أنه إن أجابهم إلى ما طلبوا ثم لم يؤمنوا استحقوا ~~عذاب الاستئصال، وقد اقتضت حكمته تعالى إمهالهم لأنه علم أن منهم من ~~يؤمن وأن ms0795 من أولادهم من يؤمن فلهذا السبب ما أجابهم إلى ما طلبوا أو ~~المعنى ما منعنا من إرسال المعجزات والخوارق التي اقترحها قومك إلا ~~تكذيب من سبقهم من الأمم حيث اقترحوا ثم كذبوا فأهلكهم الله ودمرهم ~~{ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } أي ~~وأعطينا قوم صالح الناقة آية بينة ومعجزة ساطعة واضحة فكفروا بها ~~وجحدوا بعد أن سألوها فأهلكهم الله { وما نرسل بالآيات إلا ~~تخويفا } أي وما نرسل بالآيات الكونية كالزلازل والرعد والخسوف ~~والكسوف إلا تخويفا للعباد من المعاصي قال قتادة: إن الله تعالى يخوف ~~الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويرجعون { وإذ قلنا لك ~~إن ربك أحاط بالناس } أي واذكر يا محمد حين أخبرناك أن ~~الله أحاط بالناس علما في الماضي والحاضر والمستقبل فهو تعالى لا يخفى ~~عليه شيء من أحوالهم وقد علم أنهم لن يؤمنوا ولو جئتهم بما طلبوا من ~~الآيات والمعجزات { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ~~إلا فتنة للناس } أي وما جعلنا الرؤية التي أريناكها عيانا ~~ليلة المعراج من عجائب الأرض والسماء إلا امتحانا وابتلاء لأهل مكة حيث ~~كذبوا وكفروا وارتد بعض الناس لما أخبرهم بها قال البخاري عن ابن عباس: ~~هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ~~وليست برؤيا منام { والشجرة الملعونة في القرآن } أي وما ~~جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن وهي شجرة الزقوم إلا فتنة أيضا للناس ~~قال ابن كثير: لما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة ~~والنار ورأى شجرة الزقوم كذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكما: هاتوا لنا ~~تمرا وزبدا وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم ~~غير هذا { ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ~~} أي ونخوف هؤلاء المشركين بأنواع العذاب والآيات الزاجرة فما يزيدهم ~~تخويفنا إلا تماديا وغيا واستمرارا على الكفر والضلال، فماذا تنفع ~~معهم الخوارق؟ ما زادتهم خارقة الإسراء والمعراج، ولا خارقة التخويف ~~بشجرة الزقوم إلا استهزاء وإمعانا في الضلال، ثم أشار تعالى إلى أن ~~هذا الطغيان سببه ms0796 إغواء الشيطان ولهذا ذكر قصته عقب ذلك فقال { وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا ~~إبليس } أي أذكر يا محمد حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية ~~وتكريم فسجدوا كلهم إلا ابليس استكبر وأبى افتخارا على آدم واحتقارا له ~~{ قال أأسجد لمن خلقت طينا } استفهام إنكاري أي أأسجد ~~أنا العظيم الكبير لهذا الضعيف الحقير الذي خلقته من الطين؟ كيف يصح ~~للعالي أن يسجد للداني؟ { قال أرأيتك هذا الذي كرمت ~~علي } أي قال إبليس اللعين جراءة على الرب وكفرا به: أترى هذا ~~المخلوق الذي فضلته علي وجعلته أكرم مني عندك؟ { لئن ~~أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته ~~إلا قليلا } أي لئن أنظرتني وأبقيتني حيا إلى يوم القيامة ~~لأستأصلن ذريته بالإغواء والإضلال قال الطبري: أقسم عدو الله فقال ~~لربه: لئن أخرت إهلاكي إلى يوم القيامة لأستأصلنهم ولأستميلنهم ~~وأضلنهم إلا قليلا منهم { قال اذهب فمن تبعك منهم ~~فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا } أي قال الرب جل ~~وعلا: إذهب فقد أنظرتك وابذل جهدك فيهم فمن أطاعك من ذرية آدم فإن جزاءك ~~وجزاءهم نار جهنم جزاء كاملا وافرا لا ينقص لكم منه شيء قال القرطبي: ~~والأمر في { اذهب } أمر إهانة والمعنى اجهد جهدك فقد أنظرناك { ~~واستفزز من استطعت منهم بصوتك } أي استخفف واستجهل ~~وحرك من أردت أن تستفزه فتخدعه بدعائك إلى الفساد قال ابن عباس: ~~صوته كل داع يدعو إلى معصية الله تعالى وقال مجاهد: صوته الغناء ~~والمزامير واللهو { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } أي ~~صح عليهم بأعوانك وجنودك من كل راكب وراجل قال الطبري: المعنى اجمع ~~عليهم من ركبان جندك ومشاتهم من يصيح عليهم بالدعاء إلى طاعتك، والصرف ~~عن طاعتي قال ابن عباس: خيله ورجله كل راكب وماش في معصية الله ~~تعالى وقال الزمخشري: الكلام وارد مورد التمثيل، مثلت حاله في ~~تسلطه على من يغويه بفارس مغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتا ~~يستفزهم عن أماكنهم، ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من ~~خيالة ورجالة حتى استأصلهم { وشاركهم في الأموال ~~والأولاد } أي اجعل لنفسك شركة ms0797 في أموالهم وأولادهم، أما الأموال ~~فبكسبها من الحرام وإنفاقها في المعاصي، وأما الأولاد فبتحسين اختلاط ~~الرجال بالنساء حتى يكثر الفجور ويكثر أولاد الزنى { وعدهم وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا } أي عدهم بالوعود المغرية ~~الخادعة والأماني الكاذبة، كالوعد بشفاعة الأصنام، والوعد بالغنى من ~~المال الحرام، والوعد بالعفو والمغفرة وسعة رحمة الله، والوعد باللذة ~~والسرور في ارتكاب الموبقات كقول الشاعر: # خذوا بنصيب من سرور ولذة # فكل وإن طال المدى يتصرم # { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } أي إن عبادي ~~المخلصين ليس لك عليهم تسلط بالإغواء لأنهم في حفظي وأماني { وكفى ~~بربك وكيلا } أي كفى بالله تعالى عاصما وحافظا لهم من كيدك ~~وشرك، ثم ذكر تعالى العباد بإحسانه ونعمه عليهم وبآثار قدرته ووحدانيته ~~فقال { ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر ~~لتبتغوا من فضله } أي ربكم أيها الناس هو الذي يسير لكم ~~السفن في البحر لتطلبوا من رزقه في أسفاركم وتجاراتكم { إنه كان ~~بكم رحيما } أي هو تعالى رحيم بالعباد ولهذا سهل لهم أسباب ذلك { ~~وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه } أي وإذا أصابتكم الشدة والكرب في البحر وخشيتم من الغرق ذهب ~~عن خاطركم من كنتم تعبدونه من الآلهة ولم تجدوا غير الله مغيثا يغيثكم، ~~فالإنسان في تلك الحالة لا يتضرع إلى الصنم والوثن، والملك والفلك ~~وإنما يتضرع إلى الله تعالى { فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم } أي فلما نجاكم من الغرق وأخرجكم إلى البر أعرضتم عن ~~الإيمان والإخلاص { وكان الإنسان كفورا } أي ومن طبيعة ~~الإنسان جحود نعم الرحمن، ثم خوفهم تعالى بقدرته العظيمة فقال { ~~أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر } أي أفأمنتم أيها ~~الناس حين نجوتم من الغرق في البحر أن يخسف الله بكم الأرض فيخفيكم في ~~باطنها؟ إنكم في قبضة الله في كل لحظة فكيف تأمنون بطش الله وانتقامه ~~بزلزال أو رجفة أو بركان؟ { أو يرسل عليكم حاصبا } أي ~~يمطركم بحجارة من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط { ثم لا تجدوا ~~لكم وكيلا } أي لا تجدوا من يقوم ms0798 بأموركم ويحفظكم من عذابه تعالى { ~~أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى } أي يعيدكم في ~~البحر مرة أخرى { فيرسل عليكم قاصفا من الريح } أي ~~يرسل عليكم وأنتم في البحر ريحا شديدة مدمرة، لا تمر بشيء إلا ~~كسرته ودمرته { فيغرقكم بما كفرتم } أي يغرقكم بسبب كفركم ~~{ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } أي لا تجدوا من ~~يأخذ لكم بالثأر منا أو يطالبنا بتبعة إغراقكم. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- الاستفهام الإنكاري { أءذا كنا عظاما } وتكرير الهمزة في { ~~أءنا لمبعوثون } لتأكيد النكير وكذلك تأكيده بإن واللام ~~للإشارة إلى قوة الإنكار. # 2- التعجيز والإهانة في الأمر { قل كونوا حجارة أو حديدا ~~}. # 3- الطباق بين { يرحمكم... يعذبكم } وبين لفظ { ~~البر... البحر }. # 4- الإيجاز بالحذف { ولا تحويلا } أي ولا تحويل الضر عنكم حذف ~~لدلالة ما سبق. # 5- المقابلة اللطيفة بين الجملتين { يرجون رحمته } ، { ~~ويخافون عذابه }. # 6- الإسناد المجازي { وما منعنآ أن نرسل بالآيات } ~~المنع محال في حقه تعالى لأن الله لا يمنعه عن إرادته شيء فالمنع مجاز ~~عن الترك أي ما كان سبب ترك إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين. # 7- المجاز العقلي { الناقة مبصرة } لما كانت الناقة سببا في ~~إبصار الحق والهدى نسب إليها الإبصار ففيه مجاز عقلي علاقته السببية. # 8- الاستعارة التمثيلية { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } ~~مثلت حال الشيطان في تسلطه على من يغويه بالفارس الذي يصيح بجنده ~~للهجوم على الأعداء لاستئصالهم. # 9- التذييل { إنه كان بكم رحيما } لأنه كالتعليل لما سبق من ~~تسيير السفن وتسخيرها في البحر. # تنبيه: الغالب في لفظ { الرؤيا } أن تكون منامية وإذا كانت بالعين ~~يقال { رؤية } بالتاء، وقوله تعالى { وما جعلنا الرؤيا التي ~~أريناك إلا فتنة للناس } جاءت على غير الغالب لأن ~~المراد بها الرؤية البصرية التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الإسراء والمعراج وقد تقدم قول ابن عباس: " هي رؤيا عين أريها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به " ولو كانت رؤيا منام لما كانت ~~فتنة للناس ولما ارتد بعضهم عن الإسلام. ### || [17.70-89] # المناسبة: لما ms0799 ذكر تعالى ما امتن به على الناس من تسيير السفن في ~~البحر، ومن تنجيتهم من الغرق، تمم ذكر المنة بما أنعم به على النوع ~~الإنساني من تكرمتهم، ورزقهم، وتفضيلهم على سائر المخلوقات، ثم ذكر ~~أحوال الناس ودرجاتهم في الآخرة، ثم حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~اتباع أهواء المشركين. # اللغة: { بإمامهم } الإمام في اللغة: كل من يأتم به غيره سواء ~~كان على هدى أو ضلال ويطلق الإمام على كتاب الأعمال لأن الإنسان يكون ~~تابعا لكتاب أعماله يقوده إلى الجنة أو النار { فتيلا } الفتيل: ~~القشرة التي في شق النواة ويضرب مثلا للشيء الحقير التافه ومثله القطمير ~~والنقير { تركن } تميل { ليستفزونك } الاستفزاز: الإزعاج ~~بسبب من الأسباب للحمل على الخروج من الوطن وغيره { تحويلا } تغييرا ~~وتبديلا { لدلوك } الدلوك: الغروب يقال دلكت الشمس أي غابت قال أبو ~~عبيد وابن قتيبة: الدلوك الغروب وأنشد لذي الرمة: # مصابيح ليست باللواتي تقودها # نجوم ولا بالآفلات الدوالك # وقال الأزهري: أصل الدلوك الميل يقال: مالت الشمس للزوال، ومالت للغروب ~~{ غسق } غسق الليل: سواده وظلمته يقال: غسق الليل إذا اشتدت ظلمته { ~~فتهجد } التهجد: صلاة الليل بعد الاستيقاظ من النوم، والهجود: ~~النوم، قال الشاعر: # ألا طرقتنا والرفاق هجود # فباتت بعلات النوال تجود # { زهق } زال وبطل { نأى } تباعد والنأي: البعد { ظهيرا } ~~معينا ونصيرا. # سبب النزول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش لليهود ~~أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح فأنزل الله { ~~ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي... } ~~الآية. # التفسير: { ولقد كرمنا بني ءادم } أي لقد شرفنا ذرية آدم ~~على جميع المخلوقات بالعقل، والعلم، والنطق، وتسخير جميع ما في الكون لهم ~~{ وحملناهم في البر والبحر } أي وحملناهم على ظهور ~~الدواب والسفن { ورزقناهم من الطيبات } أي من لذيذ ~~المطاعم والمشارب قال مقاتل: السمن والعسل والزبد والتمر والحلوى وجعلنا ~~رزق الحيوان التبن والعظام وغيرها { وفضلناهم على كثير ~~ممن خلقنا تفضيلا } أي وفضلناهم على جميع من خلقنا من سائر ~~الحيوانات وأصناف المخلوقات من الجن والبهائم والدواب والوحش ms0800 والطير وغير ~~ذلك { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } أي اذكر يوم الحشر ~~حين ننادي كل إنسان بكتاب عمله ليسلم له وينال جزاءه، والإمام الكتاب ~~الذي سجل فيه عمل الإنسان ويقويه # وكل شيء أحصيناه في إمام مبين # [يس: 12] قال ابن عباس: الإمام ما عمل وأملي فكتب عليه، فمن بعث ~~متقيا لله جعل كتابه بيمينه فقرأه واستبشر { فمن أوتي كتابه ~~بيمينه } أي فمن أعطي كتاب عمله بيمينه وهم السعداء أولو البصائر ~~والنهى المتقون لله { فأولئك يقرؤون كتابهم } أي ~~يقرءون حسناتهم بفرح واستبشار لأنهم أخذوا كتبهم بأيمانهم { ولا ~~يظلمون فتيلا } أي ولا ينقصون من أجور أعمالهم شيئا ولو كان ~~بمقدار الفتيل وهو الخيط الذي في شق النواة { ومن كان في هذه ~~أعمى } أي ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب، لا يهتدي إلى الحق ولا ~~إلى الخير { فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا } أي فهو ~~في الآخرة أشد عمى وأشد ضلالا عن طريق السعادة والنجاة قال قتادة: ~~من كان في هذه الدنيا أعمى عما عاين من نعم الله وخلقه وعجائبه، فهو ~~فيما يغيب عنه من أمر الآخرة أشد عمى وأضل طريقا { وإن كادوا ~~ليفتنونك عن الذي أوحينآ إليك } أي وإن كان الحال ~~والشأن أن المشركين قاربوا أن يصرفوك عن الذي أوحيناه إليك يا محمد من ~~بعض الأوامر والنواهي { لتفتري علينا غيره } أي لتأتي بغير ~~ما أوحاه الله إليك وتخالف تعاليمه { وإذا لاتخذوك خليلا } ~~أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك صاحبا وصديقا قال المفسرون: حاول ~~المشركون محاولات كثيرة ليثنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المضي في ~~دعوته منها: مساومتهم له أن يعبدوا إلهه مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم ~~وما كان عليه آباؤهم، ومنها مساومة بعضهم أن يجعل أرضهم حراما كالبيت ~~العتيق الذي حرمه الله، ومنها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلسا غير ~~مجلس الفقراء، فعصمه الله من شرهم وأخبر أنه لا يكله إلى أحد من خلقه بل ~~هو وليه وحافظه وناصره { ولولا أن ثبتناك } أي لولا أن ثبتاك ~~على الحق بعصمتنا ms0801 إياك { لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا } أي كدت تميل إليهم وتسايرهم على ما طلبوا { إذا لأذقناك ~~ضعف الحياة وضعف الممات } أي لو ركنت إليهم لضاعفنا لك ~~عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، لأن الذنب من العظيم جرم كبير يستحق مضاعفة ~~العذاب، والغرض من الآية بيان فضل الله على الرسول في تثبيته على الحق، ~~وعصمته من الفتنة، ولو تخلى عن عصمته لمال إليهم بعض الشيء و { ~~لولا } حرف امتناع لوجود أي امتنع الركون إليهم لعصمته تعالى وتثبيته ~~له، فليس في الآية ما ينقص من قدر الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما هي ~~بيان لفضل الله العظيم على نبيه الكريم { ثم لا تجد لك ~~علينا نصيرا } أي لا تجد من ينصرك منا أو يدفع عنك عذابنا { وإن ~~كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها } أي ~~وإن كاد المشركون بمكرهم وإزعاجهم أن يخرجوك يا محمد من أرض مكة { ~~وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا } أي لو أخرجوك لم ~~يلبثوا بعد خروجك إلا زمنا يسيرا وفق سنة الله التي لا تتبدل مع الذين ~~يخرجون رسلهم من أوطانهم قال قتادة: هم أهل مكة بإخراج النبي صلى الله ~~عليه وسلم من مكة ولو فعلوا ذلك ما أمهلوا ولكن الله تعالى منعهم من ~~إخراجه حتى أمره بالخروج { سنة من قد أرسلنا قبلك من ~~رسلنا } أي هذه عادة الله مع رسله في إهلاك كل أمة أخرجت رسولها ~~من بين أظهرهم { ولا تجد لسنتنا تحويلا } أي لن تجد لها ~~تبديلا أو تغييرا { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى ~~غسق اليل } أي حافظ يا محمد على الصلاة في أوقاتها من وقت زوال ~~الشمس عند الظهيرة إلى وقت ظلمة الليل { وقرآن الفجر } أي وأقم ~~صلاة الفجر، وإنما عبر عنها بقرآن الفجر لأنه تطلب إطالة القراءة فيها ~~{ إن قرآن الفجر كان مشهودا } أي تشهده ملائكة الليل ~~والنهار كما في الحديث # " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة العصر، ~~وصلاة الفجر.... " # الحديث، قال المفسرون: في الآية الكريمة إشارة إلى الصلوات المفروضة، ~~فدلوك الشمس زوالها ms0802 وهو إشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل ظلمته ~~وهو إشارة إلى المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الفجر، فالآية رمز إلى ~~الصلوات الخمس { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } ~~أي وقم من الليل بعد النوم متهجدا بالقرآن فضيلة وتطوعا لك { عسى ~~أن يبعثك ربك مقاما محمودا } أي لعل ربك يا محمد ~~يقيمك يوم القيامة مقاما محمودا يحمدك فيه الأولون والآخرون وهو مقام " ~~الشفاعة العظمى " قال المفسرون: { عسى } في كلام الله للتحقيق لأنه ~~وعد كريم وهو لا يتخلف ولهذا قال ابن عباس: عسى من الله واجبة أي تفيد ~~القطع { وقل رب أدخلني مدخل صدق } أي قل يا رب أدخلني ~~قبري مدخل صدق أي إدخالا حسنا { وأخرجني مخرج صدق } أي ~~أخرجني من قبري عند البعث إخراجا حسنا هذا قول ابن عباس، وقال الحسن ~~والضحاك: المراد دخوله المدينة المنورة، وخروجه من مكة المكرمة وذلك حين ~~أخرجه المشركون بعد أن تآمروا على قتله صلوات الله وسلامه عليه { ~~واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } أي اجعل لي من عندك ~~قوة ومنعة تنصرني بها على أعدائك وتعز بها دينك، وقد استجاب الله ~~دعاءه فنصره على الأعداء، وأعلا دينه على سائر الأديان { وقل جآء ~~الحق وزهق الباطل } أي سطع نور الحق وضياؤه وهو الإسلام، ~~وزهق الباطل وأنصاره وهو الكفر وعبادة الأصنام، فلا شرك ولا وثنية بعد ~~إشراق نور الإيمان { إن الباطل كان زهوقا } أي إن الباطل لا ~~بقاء له ولا ثبوت لأنه يضمحل ويتلاشى، وإن كانت له صولة وجولة فسرعان ما ~~تزول كشعلة الهشيم ترتفع عاليا ثم تخبو سريعا، روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عام الفتح كان حول الكعبة ~~ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: { جآء الحق ~~وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } فما بقي منها ~~صنم إلا خر لوجهه ثم أمر بها فكسرت " # { وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين } أي وننزل من آيات القرآن العظيم ما يشفي القلوب من ~~أمراض الجهل والضلال، ويذهب صدأ النفس من الهوى ms0803 والدنس، والشح ~~والحسد، وما هو رحمة للمؤمنين بما فيه من الإيمان والحكمة والخير المبين ~~{ ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } أي ولا يزيد هذا القرآن ~~الكافرين به عند سماعه إلا هلاكا ودمارا لأنهم لا يصدقون به فيزدادون ~~كفرا وضلالا { وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى ~~بجانبه } أي وإذا أنعمنا على الإنسان بأنواع النعم من صحة، وآمن، ~~وغنى أعرض عن طاعة الله وعبادته، وابتعد عن ربه غرورا وكبرا { ~~وإذا مسه الشر كان يئوسا } أي وإذا أصابته الشدائد ~~والمصائب أصبح يائسا قانطا من رحمة الله، والآية تمثيل لطغيان ~~الإنسان فإن أصابته النعم بطر وتكبر، وإن أصابته الشدة أيس وقنط كقوله # إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * ~~وإذا مسه الخير منوعا # [المعارج: 19-21] { قل كل يعمل على شاكلته } أي كل ~~واحد يعمل على نهجه وطريقته في الهدى والضلال، فإن كانت نفس الإنسان ~~مشرقة صافية صدرت عنه أفعال كريمة فاضلة، وإن كانت نفسه فاجرة كافرة ~~صدرت عنه أفعال سيئة شريرة { فربكم أعلم بمن هو ~~أهدى سبيلا } أي ربكم أعلم بمن اهتدى إلى طريق الصواب وبمن ضل ~~عنه وسيجزي كل عامل بعمله { ويسألونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربي } أي يسألك يا محمد الكفار عن الروح ما هي؟ ~~وما حقيقتها؟ فقل لهم إنها من الأسرار الخفية التي لا يعلمها إلا رب ~~البرية { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا } أي وما ~~أوتيتم أيها الناس من العلم إلا شيئا قليلا لأن علمكم قليل بالنظر إلى ~~علم الله { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا ~~إليك } أي لو أردنا لمحونا هذا القرآن الذي هو منة الرحمن من ~~صدرك يا محمد فإن ذلك في قدرتنا { ثم لا تجد لك به علينا ~~وكيلا } أي لا تجد من يتوكل علينا باسترداده، ورده إليك بعد ذهابه { ~~إلا رحمة من ربك } أي لكن رحمة من ربك تركناه محفوظا في ~~صدرك وصدر أصحابك { إن فضله كان عليك كبيرا } أي فضل ~~الله عليك عظيم حيث أنزل عليك القرآن، وأعطاك المقام المحمود، وجعلك خاتم ~~المرسلين وسيد ms0804 الأولين والآخرين، والمقصود بالآية الامتنان على الرسول ~~بالقرآن والتحذير له عن التفريط فيه، والخطاب له عليه السلام والمراد ~~أمته { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو ~~كان بعضهم لبعض ظهيرا } أي لو اتفق واجتمع أرباب الفصاحة ~~والبيان من الإنس والجان وأرادوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن لما أطاقوا ~~ذلك ولو تعاونوا وتساعدوا على ذلك جميعا فإن هذا أمر لا يستطاع وليس ~~بمقدور أحد { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل } أي بينا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم ~~بالحق بالآيات والعبر، والترغيب والترهيب { فأبى أكثر ~~الناس إلا كفورا } أي ومع البراهين القائمة والحجج الواضحة أبى ~~أكثر الناس إلا جحودا للحق وتكذيبا لله ورسوله. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- الاستعارة { كل أناس بإمامهم } الإمام الذي يتقدم الناس ~~في الصلاة وقد استعير هنا لكتاب الأعمال لأنه يرافق الإنسان ويتقدمه يوم ~~القيامة. # 2- الاستعارة التمثيلية { ولا يظلمون فتيلا } يضرب مثلا ~~للقلة أي لا ينقصون من ثواب أجورهما ولا بمقدار الخيط الذي في شق النواة. # 3- الطباق { ضعف الحياة وضعف الممات }. # 4- المجاز المرسل { وقرآن الفجر } أطلق الجزء على الكل أي قراءة ~~الفجر والمراد بها الصلاة لأن القراءة جزء منها فالعلاقة الجزئية. # 5- الإظهار في مقام الإضمار لمزيد الاهتمام والعناية { إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا } بعد قوله { وقرآن الفجر }. # 6- التفصيل بعد الإجمال { فمن أوتي كتابه بيمينه... ~~ومن كان في هذه أعمى } بعد ذكر كتاب الأعمال. # 7- المقابلة اللطيفة بين { وقل رب أدخلني مدخل صدق } ~~{ وأخرجني مخرج صدق } وبين { جآء الحق } { وزهق ~~الباطل }. # 8- إسناد الخير إلى الله والشر لغيره { أنعمنا على ~~الإنسان.... وإذا مسه الشر } لتعليم الأدب مع الله تعالى. # لطيفة: ذكر أن عالما ممن ينكر المجاز والاستعارة في القرآن الكريم جاء ~~إلى شيخ فاضل عالم منكرا عليه دعوى المجاز - وكان ذلك السائل المنكر ~~أعمى - فقال له الشيخ ما تقول في قوله تعالى { ومن كان في هذه ~~أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا } هل ms0805 المراد ~~بالعمى الحقيقة وهو عمى البصر، أم المراد به المجاز وهو عمى البصيرة؟ ~~فبهت السائل وانقطعت حجته. ### || [17.90-111] # المناسبة: لما ذكر تعالى القرآن وما فيه من الدلائل الواضحة ~~والبراهين القاطعة على صدق النبي الأمي، وتحداهم فظهر عجزهم بوضوح ~~إعجازه، ذكر هنا نماذج عن تعنت الكفار وضلالهم باقتراح خوارق مادية غير ~~القرآن العظيم، ثم ذكر قصة موسى وتكذيب فرعون له مع كثرة الخوارق ~~والمعجزات التي ظهرت على يديه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~تكذيب المشركين، ثم ختم السورة الكريمة بدلائل القدرة والوحدانية. # اللغة: { كسفا } قطعا جمع كسفة كدمنة ودمن يقال: كسفت ~~الثوب أكسفه كسفا إذا قطعته قطعا قال الفراء: سمعت أعرابيا يقول ~~للبزاز أعطني كسفة يريد قطعة { قبيلا } معاينة { ترقى } ~~تصعد { خبت } خبت النار: سكن لهبها، وخمدت: سكن جمرها، وهمدت: ~~طفئت جملة { قتورا } بخيلا { مثبورا } الثبور: الهلاك يقال: ~~ثبر الله العدو أهلكه { لفيفا } اللفيف: الجمع من القوم من ~~أخلاط شتى قال الجوهري: اللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى يقال: ~~جاء القوم بلفهم ولفيفهم { مكث } المكث: التطاول في المدة يقال ~~مكث إذا أطال الإقامة { تخافت } خافت في الكلام أسره بحيث لا ~~يكاد يسمع أحد { الأذقان } جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين قال ~~الشاعر: # فخروا لأذقان الوجوه تنوشهم # سباع من الطير العوادي وتنتف # سبب النزول: أ - عن ابن عباس # " أن رؤساء قريش اجتمعوا عند الكعبة فقالوا: ابعثوا إلى محمد فكلموه ~~وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا ~~ليكلموك فجاءهم سريعا - وكان حريصا على رشدهم - فقالوا يا محمد: إنا ~~والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد ~~شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فإن كنت ~~إنما جئت بهذا لتطلب مالا جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالا، ~~وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك ~~رئيا - أي تابعا من الجن - بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك ~~منه أو نعذر فيك، ms0806 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون، ~~ما جئتكم أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله ~~بعثني إليكم رسولا فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا ~~والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم، ~~فقالوا يا محمد إن كنت غير قابل منا ما عرضنا فقد علمت أنه ليس أحد من ~~الناس أضيق بلادا، ولا أشد عيشا منا، فسل ربك يسير لنا هذه ~~الجبال، ويجري لنا أنهارا، ويبعث من مضى من آبائنا حتى نسألهم أحق ما ~~تقول؟ وسله أن يجعل لك جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة تغنيك عنا ~~فأنزل الله { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا... } " # الآية. # ب - عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفيا بمكة، ~~وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا ~~القرآن، ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله عز وجل لنبيه { ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا }. # التفسير: { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا } لما تبين إعجاز القرآن ولزمتهم الحجة وغلبوا ~~أخذوا يتعللون باقتراح الآيات والخوارق والمعنى قال المشركون لن ~~نصدقك يا محمد حتى تشقق لنا من أرض مكة عينا غزيرة لا ينقطع منها ~~الماء { أو تكون لك جنة من نخيل وعنب } أي يكون لك ~~بستان فيه أنواع النخيل والأعناب { فتفجر الأنهار خلالها ~~تفجيرا } أي تجعل الأنهار تتفجر فيها وتسير وسطها بقوة وغزارة { ~~أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا } هذا هو ~~الاقتراح الثالث أي تجعل السماء تتساقط علينا قطعا كما كنت تخوفنا ~~وتزعم أن الله سيعذبنا إن لم نؤمن بك قال المفسرون: أشاروا إلى قوله ~~تعالى: # إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا ~~من السمآء # [سبأ: 9] { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } أي ~~تحضر لنا الله وملائكته مقابلة وعيانا فنراهم { أو يكون لك ~~بيت من زخرف } أي يكون لك ms0807 قصر مشيد عظيم من ذهب لا من حجر ~~أو طين { أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك ~~حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } هذا هو الاقتراح ~~السادس والأخير، وكلها تدل على سفه وجهل كبير، بسنة الله في خلقه ~~وبحكمته وجلاله أي أو تصعد يا محمد إلى السماء بسلم ولن نصدقك لمجرد ~~صعودك حتى تعود ومعك كتاب من الله تعالى منشور أنك عبده ورسوله نقرؤه ~~بأنفسنا { قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا } ~~أي قل لهم يا محمد تعجبا من فرط كفرهم وعنادهم: سبحان الله هل أنا إله ~~حتى تطلبوا مني أمثال هذه المقترحات؟ ما أنا إلا رسول من البشر بعثني ~~الله إليكم فلم هذا الجحود والعناد؟! { وما منع الناس أن ~~يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ~~الله بشرا رسولا }؟ أي إن السبب الذي منع المشركين من الإيمان ~~بعد وضوح المعجزات هو استبعاد أن يبعث الله رسولا إلى الخلق من البشر، ~~فلماذا يكون بشرا ولا يكون ملكا؟ وقد رد تعالى عليهم بقوله { قل ~~لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين } أي قل ~~لهم يا محمد: لو كان أهل الأرض ملائكة يمشون على أقدامهم كما يمشي الناس ~~ساكنين في الأرض مستقرين فيها { لنزلنا عليهم من السمآء ~~ملكا رسولا } أي لنزلنا عليهم رسولا من الملائكة ولكن أهل ~~الأرض بشر فالرسول إليهم بشر من جنسهم، إذ جرت حكمة الله أن يرسل إلى ~~كل قوم رسولا من جنسهم ليمكنهم الفهم عنه ومخاطبته، وهذا تسفيه وتجهيل ~~لمنطق المشركين { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } ~~أي كفى الله شاهدا على صدقي { إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا } أي هو تعالى العالم بأحوال العباد وسيجازيهم عليها { ومن ~~يهد الله فهو المهتد } أي من يهده الله إلى الحق فهو ~~السعيد الرشيد { ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من ~~دونه } أي ومن يضلله الله عن الحق بسبب سوء اختياره فلن تجد لهم ~~أنصارا يعصمونهم من عذاب الله { ونحشرهم يوم القيامة ~~على وجوههم } أي يسحبون يوم القيامة على وجوههم تجرهم ms0808 ~~الزبانية من أرجلهم إلى جهنم كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه ~~وتعذيبه { عميا وبكما وصما } أي يحشرون حال كونهم عميا ~~وبكما وصما يعني فاقدي الحواس لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون ثم يرد ~~الله إليهم أسماعهم وأبصارهم ونطقهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون ~~بما حكى الله عنهم،عن أنس # " قيل يا رسول الله: كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على ~~أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم " # { مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا } أي ~~مستقرهم ومقامهم في جهنم كلما سكن لهبها وخمدت نارها زدناهم نارا ملتهبة ~~ووهجا وجمرا { ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بآياتنا ~~وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون ~~خلقا جديدا } أي ذلك العذاب جزاء كفرهم بآيات الله وتكذيبهم بالبعث ~~والنشور وقولهم أئذا أصبحنا عظاما نخرة، وذرات متفتتة سنخلق ونبعث مرة ~~ثانية؟ وقد رد تعالى عليهم بقوله { أولم يروا أن الله ~~الذي خلق السموت والأرض قادر على أن يخلق ~~مثلهم } أي أولم ير هؤلاء المشركون أن الله العظيم الجليل الذي خلق ~~هذا الكون الهائل بسماواته وأرضه قادر على إعادة جسد الإنسان بعد ~~فنائه؟ فإن القادر على الإحياء قادر على الإعادة بطريق الأحرى قال في ~~البحر: نبههم تعالى على عظيم قدرته وباهر حكمته بقوله { أولم ~~يروا } وهو استفهام إنكار وتوبيخ على استبعادهم الإعادة، واحتجاج ~~عليهم بأنهم قد رأوا قدرة الله على خلق هذه الأجرام العظيمة التي بعض ما ~~تحويه البشر، فكيف يقرون بخلق هذا المخلوق العظيم ثم ينكرون إعادته { ~~وجعل لهم أجلا لا ريب فيه } أي جعل لهؤلاء المشركين ~~موعدا محددا لموتهم وبعثهم، لا شك ولا ريب في مجيئه { فأبى ~~الظالمون إلا كفورا } أي أبى هؤلاء الكافرون الظالمون - مع ~~وضوح الحق وسطوعه - إلا جحودا وتماديا في الكفر والضلال { قل لو ~~أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~المعاندين المكابرين، المقترحين للخوارق والمعجزات: لو كنتم تملكون خزائن ~~رزق الله ونعمه التي أفاضها على العباد { إذا لأمسكتم خشية ~~الإنفاق } أي إذا لبخلتم به وامتنعتم عن الإنفاق ms0809 خوفا من نفادها { ~~وكان الإنسان قتورا } أي وكان الإنسان شحيحا مبالغا في البخل ~~قال ابن عباس { قتورا } أي بخيلا منوعا وقال الزمخشري: ولقد بلغ هذا ~~الوصف بالشح الغاية التي لا يبلغها الوهم. # ثم ذكر تعالى أن كثرة الخوارق لا تنشئ الإيمان في القلوب الجاحدة، وها ~~هو ذا موسى قد أوتي تسع آيات بينات ثم كذب بها فرعون وملؤه فحل بهم ~~الهلاك جميعا { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } ~~أي والله لقد أعطينا موسى تسع آيات واضحات الدلالة على نبوته وصحة ما ~~جاء به من عند الله وهي " العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، ~~والضفادع، والدم، وانفلاق البحر، والسنين " خمس منها في سورة الأعراف # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات # [الآية: 133] والباقي متفرقات { فسئل بني إسرائيل إذ ~~جآءهم } أي فاسأل يا محمد بني إسرائيل عما جرى بين موسى وفرعون ~~فإنهم يعلمونها مما لديهم في التوراة قال الرازي: وليس المطلوب من سؤال ~~بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود ~~وعلمائهم صدق ما ذكره الرسول فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد { فقال ~~له فرعون إني لأظنك يموسى مسحورا } أي إني لأظنك ~~يا موسى قد سحرت فتخبط عقلك { قال لقد علمت مآ أنزل ~~هؤلاء إلا رب السموت والأرض بصآئر } أي قال ~~له موسى توبيخا وتبكيتا: لقد تيقنت يا فرعون أن هذه الآيات التسع ما ~~أنزلها إلا رب السماوات والأرض شاهدة على صدقي، تبصر الناس بقدرة ~~الله وعظمته ولكنك مكابر معاند { وإني لأظنك يفرعون ~~مثبورا } أي وإني لأعتقدك يا فرعون هالكا خاسرا { فأراد أن ~~يستفزهم من الأرض } أي أراد فرعون أن يخرج موسى وقومه من ~~أرض مصر { فأغرقناه ومن معه جميعا } أي فأغرقنا فرعون ~~وجنده أجمعين في البحر { وقلنا من بعده لبني إسرائيل ~~اسكنوا الأرض } أي وقلنا لبني إسرائيل من بعد إغراق فرعون وجنده ~~اسكنوا أرض مصر { فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم ~~لفيفا } أي فإذا جاء يوم القيامة جئنا بكم من قبوركم إلى المحشر ~~مختلطين فيكم المؤمن ms0810 والكافر، والبر والفاجر، ثم نفصل بينكم ونميز ~~السعداء من الأشقياء، ثم عاد إلى تعظيم حال القرآن وجلالة قدره فقال { ~~وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } أي وأنزلنا هذا القرآن ~~متلبسا بالحق، لا يعتريه شك أو ريب، فيه الحكم والمواعظ والأمثال التي ~~اشتمل عليها القرآن وهكذا أنزل من عند الله { ومآ أرسلناك ~~إلا مبشرا ونذيرا } أي وما أرسلناك يا محمد إلا مبشرا ~~بالجنة لمن أطاع، ومنذرا بالنار لمن عصى { وقرآنا فرقناه ~~لتقرأه على الناس على مكث } أي وقرآنا نزلناه مفرقا ~~منجما لتقرأه على الناس على تؤدة ومهل، ليكون حفظه أسهل، والوقوف على ~~دقائقه أيسر { ونزلناه تنزيلا } أي نزلناه شيئا بعد شيء على ~~حسب الأحوال والمصالح { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا } خطاب ~~للمشركين الذين اقترحوا المعجزات على وجه التهديد والوعيد أي آمنوا بهذا ~~القرآن أو لا تؤمنوا فإن إيمانكم به لا يزيده كمالا، وتكذيبكم له لا ~~يورثه نقصا { إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا ~~يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا } أي العلماء ~~الذين قرءوا الكتب السالفة من صالحي أهل الكتاب إذا سمعوا القرآن تأثروا ~~فخروا ساجدين لله رب العالمين، والجملة تعليل لما تقدم والمعنى: إن لم ~~تؤمنوا به أنتم فقد آمن به من هو خير منكم وأعلم { ويقولون ~~سبحان ربنآ إن كان وعد ربنا لمفعولا } أي يقولون ~~تنزه الله عن إخلاف وعده إنه كان وعده كائنا لا محالة { ويخرون ~~للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا } أي ويخرون لناحية ~~الأذقان ساجدين على وجوههم باكين عند استماع القرآن ويزيدهم تواضعا لله ~~قال الرازي: والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين وهو خرورهم للسجود ~~وفي حال كونهم باكين عند استماع القرآن { قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن } أي نادوا ربكم الجليل باسم { الله } أو باسم ~~{ الرحمن } { أيا ما تدعوا فله الأسمآء ~~الحسنى } أي بأي هذين الإسمين ناديتموه فهو حسن لأن أسماءه جميعها ~~حسنى وهذان منها قال المفسرون: سببها أن الكفار سمعوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم يدعو (يا الله، يا رحمن) فقالوا إن كان محمد ليأمرنا بدعاء إله ~~واحد ms0811 وها هو يدعو إلهين فنزلت الآية مبينة أنهما لمسمى واحد { ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } أي لا تجهر يا محمد ~~بقراءتك في الصلاة فيسمعك المشركون فيسبوا القرآن ومن أنزله ولا تسر ~~بقراءتك بحيث لا تسمع من خلفك { وابتغ بين ذلك سبيلا } أي ~~اقصد طريقا وسطا بين الجهر والمخافتة قال ابن عباس: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن ~~أنزله فنزلت { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ~~} أي الحمد لله الذي تنزه عن الولد { ولم يكن له شريك في ~~الملك } أي ليس له شريك في ألوهيته { ولم يكن له ولي ~~من الذل } أي ليس بذليل فيحتاج إلى الولي والنصير { وكبره ~~تكبيرا } أي عظم ربك عظمة تامة واذكره بصفات العز والجلال، ~~والعظمة والكمال، ختمت السورة كما بدأت بحمد الله وتقرير وحدانيته بلا ~~ولد ولا شريك، وتنزيهه عن الحاجة إلى الولي والنصير، وهو العلي الكبير. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الاستفهام الإنكاري { أبعث الله بشرا رسولا }؟. # 2- الالتفات من الغيبة إلى التكلم { ونحشرهم يوم القيامة ~~} اهتماما بأمر الحشر. # 3- الطباق بين { ومن يهد... ومن يضلل } وبين { مبشرا... ~~ونذيرا } وبين { تجهر... وتخافت }. # 4- الجناس الناقص بين { مسحورا } و { مثبورا } لتغير بعض ~~الحروف. # 5- المقابلة اللطيفة { وإني لأظنك يفرعون مثبورا } ~~مقابل قولة فرعون { إني لأظنك يموسى مسحورا }. # 6- السجع الرصين الذي يزيد في جمال الأسلوب مثل { فتفجر ~~الأنهار خلالها تفجيرا... مبشرا ونذيرا } ومثل { ~~إني لأظنك يموسى مسحورا... وإني لأظنك ~~يفرعون مثبورا }. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-26] # اللغة: { باخع } قاتل ومهلك قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها ~~غيظا وأصل البخع الجهد كما قال الفراء { جرزا } الجرز: الأرض التي ~~لا نبات عليها { الكهف } النقب المتسع في الجبل وإذا لم يكن متسعا ~~فهو غار { والرقيم } اللوح الذي كتبت فيه أسماء أصحاب الكهف { ~~شططا } الشطط: الجور والغلو وتعدي الحد قال الفراء: اشتط في الأمر ~~جاوز الحد، وشط المنزل بعد { تزاور } تتنحى وتميل من ~~الازورار بمعنى الميل قال ms0812 عنترة " وازور من وقع القنا بلبانه " { ~~بالوصيد } الفناء أي فناء الكهف { فجوة } متسع من المكان { ~~بورقكم } الورق: اسم للفضة سواء كانت مضروبة أم لا { ~~أعثرنا } أطلعنا { تمار } تجادل والمراء: المجادلة. # التفسير: { الحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب } أي الثناء الكامل مع التعظيم والإجلال لله الذي أنزل على ~~رسوله محمد القرآن نعمة عليه وعلى سائر الخلق { ولم يجعل له ~~عوجا } أي لم يجعل فيه شيئا من العوج لا في ألفاظه ولا في معانيه، ~~وليس فيه أي عيب أو تناقض { قيما } أي مستقيما لا اختلاف فيه ولا ~~تناقض قال الطبري: هذا من المقدم والمؤخر أي أنزل الكتاب قيما ولم ~~يجعل له عوجا يعني مستقيما لا اختلاف فيه ولا تفاوت، ولا اعوجاج ولا ~~ميل عن الحق، { لينذر بأسا شديدا من لدنه } أي لينذر ~~بهذا القرآن الكافرين عذابا شديدا من عنده تعالى { ويبشر ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات } أي ويبشر ~~المصدقين بالقرآن الذين يعملون الأعمال الصالحة { أن لهم أجرا ~~حسنا } أي أن لهم الجنة وما فيها من النعيم المقيم { ماكثين ~~فيه أبدا } أي مقيمين في ذلك النعيم الذي لا انتهاء له ولا انقضاء { ~~وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } أي ويخوف ~~أولئك الكافرين الذين نسبوا لله الولد عذابه الأليم قال البيضاوي: خصهم ~~بالذكر وكرر الإنذار استعظاما لكفرهم، وإنما لم يذكر المنذر به ~~استغناء بتقدم ذكره { ما لهم به من علم } أي ما لهم بذلك ~~الافتراء الشنيع شيء من العلم أصلا { ولا لآبائهم } أي ولا ~~لأسلافهم الذي قلدوهم فتاهوا جميعا في بيداء الجهالة والضلالة { ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم } أي عظمت تلك المقالة ~~الشنيعة كلمة قبيحة ما أشنعها وأفظعها؟ خرجت من أفواه أولئك المجرمين، ~~وهي في غاية الفساد والبطلان { إن يقولون إلا كذبا } أي ~~يقولون إلا كذبا وسفها وزورا { فلعلك باخع نفسك على ~~آثارهم } أي فلعلك قاتل نفسك يا محمد ومهلكها غما وحزنا على ~~فراقهم وتوليهم وإعراضهم عن الإيمان { إن لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث أسفا } أي إن لم يؤمنوا بهذا القرآن حسرة وأسفا عليهم، ~~فما ms0813 يستحق هؤلاء أن تحزن وتأسف عليهم، والآية تسلية للنبي عليه السلام { ~~إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } أي جعلنا ما عليها ~~من زخارف ورياش ومتاع وذهب وفضة وغيرها زينة للأرض كما زينا السماء ~~بالكواكب { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } أي لنختبر الخلق ~~أيهم أطوع لله وأحسن عملا لآخرته { وإنا لجاعلون ما عليها ~~صعيدا جرزا } أي سنجعل ما عليها من الزينة والنعيم حطاما وركاما ~~حتى تصبح كالأرض الجرداء التي لا نبات فيها ولا حياة بعد أن كانت خضراء ~~بهجة قال القرطبي: الآية وردت لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: ~~لا تهتم يا محمد للدنيا وأهلها فإنا إنما جعلنا ذلك امتحانا واختبارا ~~لأهلها، فمنهم من يتدبر ويؤمن ومنهم من يكفر، ثم إن يوم القيامة بين ~~أيديهم، فلا يعظمن عليك كفرهم فإنا سنجازيهم { أم حسبت أن ~~أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا }؟ ~~بدء قصة أصحاب الكهف، والكهف الغار المتسع في الجبل، والرقيم اللوح ~~الذي كتب فيه أسماء أصحاب الكهف على المشهور والمعنى: لا تظنن يا محمد ~~أن قصة أهل الكهف - على غرابتها - هي أعجب آيات الله، ففي صفحات هذا ~~الكون من العجائب والغرائب ما يفوق قصة أصحاب الكهف قال مجاهد: أحسبت ~~أنهم كانوا أعجب آياتنا؟ قد كان في آياتنا أعجب منهم { إذ أوى ~~الفتية إلى الكهف } أي اذكر حين التجأ الشبان إلى الغار في ~~الجبل وجعلوه مأواهم { فقالوا ربنآ آتنا من لدنك رحمة ~~} أي أعطنا من خزائن رحمتك الخاصة مغفرة ورزقا { وهيىء لنا من ~~أمرنا رشدا } أي أصلح لنا أمرنا كله واجعلنا من الراشدين ~~المهتدين { فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ~~} أي ألقينا عليهم النوم في الغار سنين عديدة { ثم بعثناهم ~~لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } أي ثم ~~أيقظناهم من بعد نومهم الطويل لنرى أي الفريقين أدق إحصاء للمدة ~~التي ناموها في الكهف؟ قال في التسهيل: والمراد بالحزبين: أصحاب الكهف، ~~والذين بعثهم الله إليهم حتى رأوهم وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف ~~لما استيقظوا اختلفوا في المدة التي ms0814 لبثوها في الكهف فقال بعضهم: يوما ~~أو بعض يوم وقال آخرون: ربكم أعلم بما لبثتم، والقول الأول مروي عن ابن ~~عباس { نحن نقص عليك نبأهم بالحق } أي نحن نقص عليك ~~يا محمد خبرهم العجيب على وجه الصدق دون زيادة ولا نقصان { إنهم ~~فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى } أي إنهم جماعة من ~~الشبان آمنوا بالله فثبتناهم على الدين وزدناهم يقينا { وربطنا ~~على قلوبهم } أي قوينا عزمهم وألهمناهم الصبر حتى أصبحت قلوبهم ~~ثابتة راسخة، مطمئنة إلى الحق معتزة بالإيمان { إذ قاموا ~~فقالوا ربنا رب السموت والأرض } أي حين قاموا بين ~~يدي الملك الكافر الجبار من غير مبالاة فقالوا ربنا هو خالق السماوات ~~والأرض لا ما تدعونا إليه من عبادة الأوثان والأصنام { لن ندعوا ~~من دونه إلها } أي لن نشرك معه غيره فهو واحد بلا شريك { لقد ~~قلنا إذا شططا } أي لئن عبدنا غيره نكون قد تجاوزنا الحق، ~~وحدنا عن الصواب، وأفرطنا في الظلم والضلال { هؤلاء قومنا ~~اتخذوا من دونه آلهة } أي هؤلاء أهل بلدنا عبدوا الأصنام ~~تقليدا من غير حجة { لولا يأتون عليهم بسلطان بين ~~} أي هلا يأتون على عبادتهم لها ببرهان ظاهر، والغرض من التحضيض { ~~لولا } التعجيز كأنهم قالوا إنهم لا يستطيعون أن يأتوا بحجة ظاهرة ~~على عبادتهم للأصنام فهم إذا كذبة على الله { فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا } استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أظلم ~~ممن كذب على الله بنسبة الشريك إليه تعالى { وإذ اعتزلتموهم ~~وما يعبدون إلا الله } أي وإذ اعتزلتم أيها الفتية قومكم ~~وما يعبدون من الأوثان غير الله تعالى { فأووا إلى الكهف } أي ~~التجئوا إلى الكهف { ينشر لكم ربكم من رحمته } أي ~~يبسط ربكم ويوسع عليكم رحمته { ويهيئ لكم من أمركم ~~مرفقا } أي يسهل عليكم أسباب الرزق وما ترتفقون به من غداء وعشاء ~~في هذا الغار { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن ~~كهفهم ذات اليمين } أي ترى أيها المخاطب الشمس إذا طلعت تميل ~~عن كهفهم جهة اليمين { وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال } ~~أي وإذا غربت ms0815 تقطعهم وتبعد عنهم جهة الشمال والغرض أن الشمس لا تصيبهم ~~عند طلوعها ولا عند غروبها كرامة لهم من الله لئلا تؤذيهم بحرها { ~~وهم في فجوة منه } أي في متسع من الكهف وفي وسطه بحيث لا ~~تصيبهم الشمس لا في ابتداء النهار، ولا في آخره { ذلك من آيات ~~الله } أي ذلك الصنيع من دلائل قدرة الله الباهرة قال ابن عباس: لو أن ~~الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم، ولو أنهم لا يقلبون لأكلتهم الأرض { من ~~يهد الله فهو المهتد } أي من يوفقه الله للإيمان ويرشده ~~إلى طريق السعادة فهو المهتدي حقا { ومن يضلل فلن تجد له ~~وليا مرشدا } أي ومن يضلله الله بسوء عمله فلن تجد له من يهديه ~~{ وتحسبهم أيقاظا وهم رقود } أي لو رأيتهم أيها الناظر ~~لظننتهم أيقاظا لتفتح عيونهم وتقلبهم والحال أنهم نيام { ~~ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } أي ونقلبهم من ~~جانب إلى جانب لئلا تأكل الأرض أجسامهم { وكلبهم باسط ~~ذراعيه بالوصيد } أي وكلبهم الذي تبعهم باسط يديه بفناء الكهف ~~كأنه يحرسهم { لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ~~ولملئت منهم رعبا } أي لو شاهدتهم وهم على تلك الحالة لفررت ~~منهم هاربا رعبا منهم، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة، فرؤيتهم تثير ~~الرعب إذ يراهم الناظر نياما كالأيقاظ، يتقلبون ولا يستيقظون { ~~وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم } أي كما أنمناهم ~~كذلك بعثناهم من النوم وأيقظناهم بعد تلك الرقدة الطويلة التي تشبه الموت ~~ليسأل بعضهم بعضا عن مدة مكثهم وإقامتهم في الغار { قال قائل ~~منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ~~} أي قال أحدهم: كم مكثنا في هذا الكهف؟ فقالوا مكثنا فيه يوما أو بعض ~~يوم قال المفسرون: إنهم دخلوا في الكهف صباحا وبعثهم الله في آخر النهار ~~فلما استيقظوا ظنوا أن الشمس قد غربت فقالوا لبثنا يوما، ثم رأوها لم ~~تغرب فقالوا أو بعض يوم، وما دروا أنهم ناموا ثلاثمائة وتسع سنين { ~~قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } أي قال بعضهم، الله أعلم ~~بمدة إقامتنا ولا طائل وراء البحث عنها فخذوا بما ms0816 هو أهم وأنفع لكم فنحن ~~الآن جياع { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى ~~المدينة } أي فأرسلوا واحدا منكم إلى المدينة بهذه النقود الفضية { ~~فلينظر أيهآ أزكى طعاما فليأتكم برزق ~~منه } أي فليختر لنا أحل وأطيب الطعام فليشتر لنا منه { ~~وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا } أي وليتلطف في دخول ~~المدينة وشراء الطعام حتى لا يشعر بأمرنا أحد { إنهم إن ~~يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ~~} أي إن يظفر يقتلوكم بالحجارة أو يردوكم إلى دينهم الباطل { ولن ~~تفلحوا إذا أبدا } أي وإن عدتم إلى دينهم ووافقتموهم على ~~كفرهم فلن تفوزوا بخير أبدا، وهكذا يتناجى الفتية فيما بينهم خائفين ~~حذرين أن يظهر عليهم الملك الجبار فيقتلهم أو يردهم إلى عبادة الأوثان ~~فيوصون صاحبهم بالتلطف بالدخول والخروج وأخذ الحيطة والحذر { وكذلك ~~أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق ~~وأن الساعة لا ريب فيها } أي وكما بعثناهم من نومهم كذلك ~~أطلعنا الناس عليهم ليستدلوا بذلك على صحة البعث ويوقنوا أن القيامة لا ~~شك فيها، فتكون قصة أصحاب الكهف حجة واضحة ودلالة قاطعة على إمكان البعث ~~والنشور فإن القادر على بعث أهل الكهف بعد نومهم ثلاثمائة عام قادر على ~~بعث الخلق بعد مماتهم { إذ يتنازعون بينهم أمرهم } أي ~~حين تنازع القوم في أمر أهل الكهف بعد أن أطلعهم الله عليهم ثم قبض ~~أرواحهم { فقالوا ابنوا عليهم بنيانا } أي قال بعض ~~الناس: ابنوا على باب كهفهم بنيانا ليكون علما عليهم { ربهم ~~أعلم بهم } أي الله أعلم بحالهم وشأنهم { قال الذين ~~غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا } أي ~~قال الفريق الآخر وهم الأكثرية الغالبة: لنتخذن على باب الكهف مسجدا ~~نصلي فيه ونعبد الله فيه { سيقولون ثلاثة رابعهم ~~كلبهم } أي سيقول هؤلاء القوم الخائضون في قصتهم في عهد الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من أهل الكتاب هم ثلاثة رجال يتبعهم كلبهم { ويقولون ~~خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب } أي ويقول البعض: ~~إنهم خمسة سادسهم الكلب قذفا بالظن من غير يقين ولا علم كمن يرمي ~~إلى مكان لا يعرفه { ويقولون سبعة ms0817 وثامنهم كلبهم } ~~أي ويقول البعض إنهم سبعة والثامن هو الكلب { قل ربي أعلم ~~بعدتهم } أي الله أعلم بحقيقة عددهم { ما يعلمهم إلا ~~قليل } أي لا يعلم عدتهم إلا قليل من الناس قال ابن عباس: أنا من ذلك ~~القليل، كانوا سبعة إن الله عدهم حتى انتهى إلى السبعة قال المفسرون: ~~إن الله تعالى لما ذكر القول الأول والثاني أردفه بقوله { رجما ~~بالغيب } ولما ذكر القول الأخير لم يقدح فيه بشيء فكأنه أقر قائله ~~ثم نبه رسوله إلى الأفضل والأكمل وهو رد العلم إلى علام الغيوب { ~~فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا } أي فلا تجادل أهل ~~الكتاب في عدتهم إلا جدال متيقن عالم بحقيقة الخبر { ولا تستفت ~~فيهم منهم أحدا } أي لا تسأل أحدا عن قصتهم فإن فيما أوحي ~~إليك الكفاية { ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا ~~* إلا أن يشآء الله } أي لا تقولن لأمر عزمت عليه إني ~~سأفعله غدا إلا إذا قرنته بالمشيئة فقلت إن شاء الله قال ابن كثير: سبب ~~نزول الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن قصة أصحاب الكهف قال: ~~(غدا أجيبكم) فتأخر الوحي عنه خمسة عشر يوما { واذكر ربك إذا ~~نسيت } أي أذا نسيت أن تقول إن شاء الله ثم تذكرت فقلها لتبقى نفسك ~~مستشعرة عظمة الله { وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب ~~من هذا رشدا } أي لعل الله يوفقني ويرشدني إلى ما هو أصلح من ~~أمر ديني ودنياي { ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين ~~وازدادوا تسعا } أي مكثوا في الكهف نائمين ثلاثمائة وتسع سنين، ~~وهذا بيان لما أجمل في قوله تعالى { سنين عددا } { قل الله ~~أعلم بما لبثوا } أي الله أعلم بمدة لبثهم في الكهف على وجه ~~اليقين { له غيب السموت والأرض } أي هو تعالى المختص ~~بعلم الغيب وقد أخبرك بالخبر القاطع عن أمرهم الحكيم الخبير { أبصر ~~به وأسمع } أي ما أبصره بكل موجود، وما أسمعه لكل مسموع، يدرك ~~الخفيات كما يدرك الجليات { ما لهم من دونه من ولي } أي ليس ~~للخلق ms0818 ناصر ولا معين غيره تعالى { ولا يشرك في حكمه أحدا ~~} أي ليس له شريك ولا مثيل ولا نظير، ولا يقبل في قضائه وحكمه أحدا لأنه ~~الغني عما سواه. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { يبشر.. وينذر } وبين { يهد..ويضلل } ~~وبين { أيقاظا..ورقود } وبين { ذات اليمين..وذات ~~الشمال }. # 2- الطباق المعنوي بين { فضربنا على آذانهم..ثم ~~بعثناهم } لأن معنى الأول أنمناهم والثاني أيقظناهم. # 3- الجناس الناقص بين { قاموا..وقالوا }. # 4- الإطناب بذكر الخاص بعد العام { لينذر بأسا شديدا } { ~~وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } لشناعة دعوى ~~الولد لله، وفيه من بديع الحذف وجليل الفصاحة حذف المفعول الأول أي لينذر ~~الكافرين بأسا شديدا، ثم ذكر المفعول الأول وحذف الثاني في قوله { ~~وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } عذابا شديدا ~~فحذف العذاب لدلالة الأول عليه وحذف من الأول المنذرين لدلالة الثاني ~~عليه، وهذا من ألطف الفصاحة. # 5- صيغة التعجب { أسمع بهم وأبصر }. # 6- الاستعارة التمثيلية { باخع نفسك على آثارهم } شبه ~~حاله عليه السلام مع المشركين بحال من فارقته الأحباب فهم بقتل نفسه أو ~~كاد يهلك نفسه حزنا ووجدا عليهم. # 7- الاستعارة التبعية { فضربنا على آذانهم } شبهت الإنامة ~~الثقيلة بضرب الحجاب على الآذان كما تضرب الخيمة على السكان وكذلك يوجد ~~استعارة في { وربطنا على قلوبهم } لأن الربط هو الشد ~~والمراد شددنا على قلوبهم كما تشد الأوعية بالأوكية. ### || [18.27-53] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصة أهل الكهف وهي تمثل صور التضحية ~~والبطولة في سبيل العقيدة والإيمان، أعقبها بذكر قصة صاحب الجنتين وهي ~~نموذج آخر للعقيدة ممثلة في قصة الأخوين من بني إسرائيل: المؤمن المعتز ~~بإيمانه، والكافر وهو صاحب الجنتين، وما فيها من عبر وعظات، وفي ثنايا ~~الآيات جاءت بعض التوجيهات القرآنية الكريمة. # اللغة: { ملتحدا } ملجأ وأصله من لحد إذا مال، ومن لجأت إليه ~~فقد ملت إليه هكذا قال أهل اللغة { فرطا } مجاوزا للحد من قولهم ~~فرس فرط إذا كان متقدما للخيل، قال الليث: الفرط الأمر الذي يفرط ~~فيه قال الشاعر: # لقد كلفتني شطا # وأمرا خائبا فرطا # { سرادقها } السرادق: السور والحائط ms0819 { المهل } كل ما أذيب من ~~المعادن قال أبو عبيدة: كل شيء أذبته من ذهب أو نحاس أو فضة فهو المهل ~~{ سندس } السندس: الرقيق من الحرير { وإستبرق } الاستبرق: ~~الغليظ من الحرير وهو الديباج قال الشاعر: # تراهن يلبسن المشاعر مرة # واستبرق الديباج طورا لباسها # { الأرآئك } جمع أريكة وهي السرير المزين بالثياب والستور كسرير ~~العروس { حسبانا } جمع حسبانه وهي الصاعقة { هشيما } الهشيم: ~~اليابس المتكسر من النبات { نغادر } نترك. # سبب النزول: روى أن أشراف قريش اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقالوا له: إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء من عندك يعنون " ~~بلالا، وخبابا، وصهيبا " وغيرهم فإنا نأنف أن نجتمع بهم، وتعين لهم ~~وقتا يجتمعون فيه عندك فأنزل الله { واصبر نفسك مع الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا ~~تعد عيناك عنهم.. } الآية. # التفسير: { واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك } أي ~~إقرأ يا محمد ما أوحاه إليك ربك من آيات الذكر الحكيم { لا مبدل ~~لكلماته } أي لا يقدر أحد أن يغير أو يبدل كلام الله { ولن ~~تجد من دونه ملتحدا } أي لن تجد ملجأ غير الله تعالى أبدا { ~~واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي } أي احبس نفسك مع الضعفاء والفقراء من المسلمين الذين ~~يدعون ربهم بالصباح والمساء { يريدون وجهه } أي يبتغون بدعائهم ~~وجه الله تعالى { ولا تعد عيناك عنهم } أي لا تصرف بصرك إلى ~~غيرهم من ذوي الغنى والشرف قال المفسرون: كان عليه السلام حريصا على ~~إيمان الرؤساء ليؤمن أتباعهم ولم يكن مريدا لزينة الدنيا قط، فأمر أن ~~يجعل إقباله على فقراء المؤمنين وأن يعرض عن أولئك العظماء والأشراف من ~~المشركين { تريد زينة الحياة الدنيا } أي تبتغي بمجالستهم ~~الشرف والفخر قال ابن عباس: لا تجاوزهم إلى غيرهم تطلب بدلهم أصحاب الشرف ~~والثروة { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } أي لا ~~تطع كلام الذين سألوك طرد المؤمنين فقلوبهم غافلة عن ذكر الله، وقد شغلوا ~~عن الدين وعبادة ربهم بالدنيا قال المفسرون: نزلت في عيينة بن حصن ms0820 ~~وأصحابه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده جماعة من الفقراء منهم " ~~سلمان الفارسي " وعليه شملة صوف قد عرق فيها فقال عيينة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: أما يؤذيك ريح هؤلاء؟ ونحن سادة مضر وأشرافها إن أسلمنا ~~يسلم الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحهم عنك حتى نتبعك، أو ~~اجعل لنا مجلسا ولهم مجلس، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يجيبهم إلى ما طلبوا فلما نزلت الآية خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يلتمس هؤلاء الفقراء فلما رآهم جلس معهم وقال # " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني ربي أن أصبر نفسي معهم " # { واتبع هواه } أي سار مع هواه وترك أمر الله { وكان ~~أمره فرطا } أي كان أمره ضياعا وهلاكا ودمارا { وقل ~~الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر } ظاهره أمر وحقيقته وعيد وإنذار أي قل يا محمد لهؤلاء ~~الغافلين لقد ظهر الحق وبان بتوضيح الرحمن فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم ~~فاكفروا كقوله # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] { إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم ~~سرادقها } أي هيأنا للكافرين بالله ورسوله نارا حامية شديدة أحاط ~~بهم سورها كإحاطة السوار بالمعصم { وإن يستغيثوا يغاثوا ~~بمآء كالمهل يشوي الوجوه } أي وإن استغاثوا من شدة العطش ~~فطلبوا الماء أغيثوا بماء شديد الحرارة كالنحاس المذاب أو كعكر الزيت ~~المحمى يشوي وجوههم إذا قرب منهم من شدة حره وفي الحديث # " ماء كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه " # أي سقطت جلدة وجهه فيه أعاذنا الله من جهنم { بئس الشراب ~~وسآءت مرتفقا } أي بئس ذلك الشراب الذي يعاثون به وساءت جهنم ~~منزلا ومقيلا يرتفق به أهل النار { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا } لما ذكر تعالى حال الأشقياء أعقبه بذكر حال السعداء، على طريقة ~~القرآن في الترغيب والترهيب، أي إنا لا نضيع ثواب من أحسن عمله وأخلص فيه ~~بل نزيده وننميه { أولئك لهم جنات عدن } أي لهم جنات ~~إقامة { تجري من تحتهم الأنهار ms0821 } أي تجري من تحت غرفهم ~~ومنازلهم أنهار الجنة { يحلون فيها من أساور من ذهب } ~~أي يحلون في الجنة بأساور الذهب قال المفسرون: ليس أحد من أهل الجنة ~~إلا وفي يده ثلاثة أساور: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، ~~لأن الله تعالى: قال # وحلوا أساور من فضة # [الإنسان: 21] وقال # ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير # [فاطر: 33] وفي الحديث # " تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء " # { ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق } أي ~~وهم رافلون في ألوان من الحرير، برقيق الحرير وهو السندس، وبغليظه وهو ~~الاستبرق قال الطبري: معنى الآية أنهم يلبسون من الحلي أساور من ذهب، ~~ويلبسون من الثياب السندس وهو ما رق من الديباج، والاستبرق وهو ما غلظ ~~فيه وثخن { متكئين فيها على الأرآئك } أي متكئين في ~~الجنة على السرر الذهبية المزينة بالثياب والستور قال ابن عباس: الآرائك ~~الأسرة من ذهب وهي مكللة بالدر والياقوت عليها الحجال، الأريكة ما ~~بين صنعاء إلى أيلة، وما بين عدن إلى الجابية { نعم الثواب ~~وحسنت مرتفقا } أي نعم ذلك جزاء المتقين، وحسنت الجنة منزلا ~~ومقيلا لهم { واضرب لهم مثلا رجلين } أي اضرب لهؤلاء ~~الكفار الذين طلبوا منك أن تطرد الفقراء هذا المثل قال المفسرون: هما ~~أخوان من بني إسرائيل، أحدهما مؤمن، والآخر كافر، ورثا مالا عن أبيهما ~~فاشترى الكافر بماله حديقتين، وأنفق المؤمن ماله في مرضاة الله حتى نفد ~~ماله فعيره الكافر بفقره، فأهلك الله مال الكافر، وضرب هذا مثلا ~~للمؤمن الذي يعمل بطاعة الله، والكافر الذي أبطرته النعمة { جعلنا ~~لأحدهما جنتين من أعناب } أي جعلنا لأحدهما - وهو ~~الكافر - بستانين من شجر العنب، مثمرين بأنواع العنب اللذيذ { ~~وحففناهما بنخل } أي أحطناهما بسياج من شجر النخيل { ~~وجعلنا بينهما زرعا } أي جعلنا وسط هذين البستانين زرعا ~~ويتفجر بينهما نهر، وإنه لمنظر بهيج يصوره القرآن أروع تصوير، منظر ~~الحديقتين المثمرتين بأنواع الكرم، المحفوفتين بأشجار النخيل، تتوسطهما ~~الزروع وتتفجر بينهما الأنهار { كلتا الجنتين آتت أكلها ~~ولم تظلم منه شيئا } أي كل واحدة من الحديقتين أخرجت ~~ثمرها يانعا في ms0822 غاية الجودة والطيب ولم تنقص منه شيئا { وفجرنا ~~خلالهما نهرا } أي جعلنا النهر يسير وسط الحديقتين { وكان له ~~ثمر } أي وكان للأخ الكافر من جنتيه أنواع من الفواكه والثمار { ~~فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا ~~وأعز نفرا } أي قال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن وهو يجادله ~~ويخاصمه ويفتخرعليه ويتعالى: أنا أغنى منك وأشرف، وأكثر أنصارا وخدما { ~~ودخل جنته وهو ظالم لنفسه } أي أخذ بيد أخيه المؤمن ~~ودخل الحديقة يطوف به فيها ويريه ما فيها من أشجار وثمار وأنهار وهو ظالم ~~لنفسه بالعجب والكفر { قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا ~~} أي ما أعتقد أن تفنى هذه الحديقة أبدا { ومآ أظن الساعة ~~قائمة } أي وما أعتقد القيامة كائنة وحاصلة، أنكر فناء جنته وأنكر ~~البعث والنشور { ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا ~~منها } أي ولئن كان هناك بعث - على - سبيل الفرض والتقدير كما تزعم ~~- فسوف يعطيني الله خيرا من هذا وأفضل { منقلبا } أي مرجعا ~~وعاقبة، فكما أعطاني هذا في الدنيا فسيعطيني في الآخرة لكرامتي عليه { ~~قال له صاحبه وهو يحاوره } أي قال ذلك المؤمن الفقير وهو ~~يراجع أخاه ويجادله { أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم ~~من نطفة ثم سواك رجلا } أي أجحدت الله الذي خلق أصلك من ~~تراب ثم من مني ثم سواك إنسانا سويا؟ الاستفهام للتقريع والتوبيخ { ~~لكنا هو الله ربي } أي لكن أنا اعترف بوجود الله فهو ربي ~~وخالقي { ولا أشرك بربي أحدا } أي لا أشرك مع الله غيره، ~~فهو المعبود وحده لا شريك له { ولولا إذ دخلت جنتك ~~قلت ما شآء الله } أي فهلا حين دخلت حديقتك وأعجبت بما فيها ~~من الأشجار والثمار قلت: هذا من فضل الله، فما شاء الله كان وما لم ~~يشأ لم يكن { لا قوة إلا بالله } أي لا قدرة لنا على طاعته ~~إلا بتوفيقه ومعونته { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا ~~} أي قال المؤمن للكافر: إن كنت ترى أنني أفقر منك وتعتز علي بكثرة ~~مالك وأولادك { فعسى ربي أن يؤتين خيرا من ms0823 جنتك } ~~جواب الشرط أي إني أتوقع من صنع الله تعالى وإحسانه أن يقلب ما بي وما ~~بك من الفقر والغنى فيرزقني جنة خيرا من جنتك لإيماني به، ويسلب عنك ~~نعمته لكفرك به ويخرب بستانك { ويرسل عليها حسبانا من ~~السمآء } أي يرسل عليها آفة تجتاحها أو صواعق من السماء تدمرها { ~~فتصبح صعيدا زلقا } أي تصبح الحديقة أرضا ملساء لا تثبت ~~عليها قدم، جرداء لا نبات فيها ولا شجر { أو يصبح مآؤها غورا ~~فلن تستطيع له طلبا } أي يغور ماؤها في الأرض فيتلف كل ما ~~فيها من الزرع والشجر، وحينئذ لا تستطيع طلبه فضلا عن إعادته ورده، ~~وينتهي الحوار هنا وتكون المفاجأة المدهشة فيتحقق رجاء المؤمن بزاول ~~النعيم عن الكافر وفجأة ينقلنا السياق من مشهد البهجة والازدهار الى مشهد ~~البوار والدمار { وأحيط بثمره } أي هلكت جنته بالكلية واستولى ~~عليها الخراب والدمار في الزروع والثمار { فأصبح يقلب ~~كفيه على مآ أنفق فيها } أي يقلب كفيه ظهرا لبطن أسفا ~~وحزنا على ماله الضائع وجهده الذاهب قال القرطبي: أي يضرب إحدى يديه على ~~الأخرى ندما لأن هذا يصدر من النادم { وهي خاوية على ~~عروشها } أي مهشمة محطمة قد سقطت السقوف على الجدران فأصبحت خرابا ~~يبابا { ويقول يليتني لم أشرك بربي أحدا } أي وهو ~~نادم على إشراكه بالله يتمنى أن لم يكن قد كفر النعمة، ندم حين لا ينفع ~~الندم قال تعالى { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون ~~الله } أي لم تكن له جماعة تنصره وتدفع عنه الهلاك { وما كان ~~منتصرا } أي وما كان بنفسه ممتنعا عن انتقام الله سبحانه، فلم ~~تنفعه العشيرة والولد حين اعتز وافتخر بهم وما استطاع بنفسه أن يدفع عنه ~~العذاب { هنالك الولاية لله الحق } أي في ذلك المقام ~~وتلك الحال تكون النصرة لله وحده لا يقدر عليها أحد فهو الولي الحق ~~الذي ينصر أولياءه { هو خير ثوابا وخير عقبا } أي الله ~~خير ثوابا في الدنيا والآخرة لمن آمن به، وهو خير عاقبة لمن اعتمد ~~عليه ورجاه { واضرب لهم مثل الحياة ms0824 الدنيا كمآء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض } هذا ~~مثل آخر للدنيا وبهرجها الخادع يشبه مثل الجنتين في الفناء والزوال ~~والمعنى اضرب يا محمد للناس مثل هذه الحياة في زوالها وفنائها وانقضائها ~~بماء نزل من السماء فخرج به النبات وافيا غزيرا وخالط بعضه بعضا من ~~كثرته وتكاثفه { فأصبح هشيما تذروه الرياح } أي صار ~~النبات متكسرا من اليبس متفتتا تنسفه الرياح ذات اليمين وذات الشمال { ~~وكان الله على كل شيء مقتدرا } أي قادرا على ~~الإفناء والإحياء لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء { المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا } أي الأموال والأولاد زينة ~~هذه الحياة الفانية، ذاك مثلها وهذه زينتها والكل إلى فناء وزوال لا يغتر ~~بها إلا الأحمق الجهول { والباقيات الصالحات خير عند ~~ربك ثوابا وخير أملا } أي أعمال الخير تبقى ثمرتها أبد ~~الآباد فهي خير ما يؤمله الإنسان ويرجوه عند الله قال ابن عباس: ~~الباقيات الصالحات هي الصلوات الخمس وعنه أيضا أنها كل عمل صالح من قول ~~أو فعل يبقى للآخرة وفي الحديث # " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن الباقيات ~~الصالحات " # { ويوم نسير الجبال } لما ذكر الدنيا ومآلها وذكر القيامة ~~وأهوالها أي واذكر يوم نزيل الجبال من أماكنها ونسيرها كما نسير السحاب ~~فنجعلها هباء منبثا { وترى الأرض بارزة } أي وترى الأرض ~~ظاهرة للعيان ليس عليها ما يسترها من جبل ولا شجر ولا بنيان، قد قلعت ~~جبالها وهدم بنيانها فهي بارزة ظاهرة { وحشرناهم فلم ~~نغادر منهم أحدا } أي جمعنا الأولين والآخرين لموقف الحساب ~~فلم نترك أحدا منهم { وعرضوا على ربك صفا } أي عرضوا ~~على رب العالمين مصطفين، لا يحجب أحد أحدا وفي الحديث # " يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفا " # قال مقاتل: يعرضون صفا بعد صف كالصفوف في الصلاة كل أمة وزمرة صفا ~~{ لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } أي يقال ~~للكفار على وجه التوبيخ والتقريع: لقد جئتمونا حفاة عراة لا شيء معكم ~~من المال والولد كهيئتكم حين خلقناكم أول مرة { بل زعمتم ms0825 ألن ~~نجعل لكم موعدا } أي زعمتم أن لا بعث ولا جزاء، ولا حساب ~~ولا عقاب { ووضع الكتاب } أي وضعت صحائف أعمال البشر وعرضت ~~عليهم { فترى المجرمين مشفقين مما فيه } أي فترى ~~المجرمين خائفين مما فيه من الجرائم والذنوب { ويقولون ~~يويلتنا } أي يا حسرتنا ويا هلاكنا على ما فرطنا في حياتنا الدنيا ~~{ مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها } أي ما شأن هذا الكتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ~~ضبطها وأحاط بها؟ قال تعالى { ووجدوا ما عملوا حاضرا } أي ~~مكتوبا مثبتا في الكتاب { ولا يظلم ربك أحدا } أي لا ~~يعاقب إنسانا بغير جرم، ولا ينقص من ثواب المحسن { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم } أي اذكر حين أمرنا الملائكة ~~بالسجود لآدم سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة { فسجدوا إلا ~~إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه } أي سجد ~~جميع الملائكة لكن إبليس الذي هو من الجن خرج عن طاعة ربه، والآية صريحة ~~في أن إبليس من الجن لا من الملائكة { أفتتخذونه وذريته ~~أوليآء من دوني وهم لكم عدو } أي أفتتخذونه يا بني آدم ~~هو وأولاده الشياطين أولياء من دون الله وهم لكم أعداء { بئس ~~للظالمين بدلا } أي بئست عبادة الشيطان بدلا عن عبادة الرحمن { ~~مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض } أي ما أشهدت ~~هؤلاء الشياطين الذين عبدتموهم من دوني خلق السماوات والأرض { ولا ~~خلق أنفسهم } أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض فهم عبيد أمثالكم لا ~~يملكون شيئا { وما كنت متخذ المضلين عضدا } أي وما ~~كنت متخذ الشياطين أعوانا في الخلق فكيف تطيعونهم من دوني؟ { ويوم ~~يقول نادوا شركآئي الذين زعمتم } أي ويوم يقول الله ~~للمشركين: أدعوا شركائي ليمنعوكم من عذابي ويشفعوا لكم كما كنتم تزعمون ~~{ فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } أي فاستغاثوا بهم فلم ~~يغيثوهم { وجعلنا بينهم موبقا } أي جعلنا بين العابدين ~~والمعبودين مهلكة لا يجتازها هؤلاء وهي النار { ورأى المجرمون ~~النار فظنوا أنهم مواقعوها } أي عاينوها وهي تتغيظ ~~حنقا عليهم فأيقنوا أنهم داخلوها { ولم يجدوا عنها مصرفا ~~} أي ms0826 لم يجدوا عنها معدلا وذلك لأنها أحاطت بهم من كل جانب فلم يقدروا ~~على الهرب منها. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق { الغداة.. والعشي } وبين { فليؤمن.. ~~فليكفر }. # 2- المقابلة البديعة بين الجنة { نعم الثواب وحسنت ~~مرتفقا } والنار { بئس الشراب وسآءت مرتفقا }. # 3- التشبيه { بمآء كالمهل يشوي الوجوه } ويسمى مرسلا ~~مفصلا لذكر الأداة ووجه الشبه. # 4- التشبيه التمثيلي { واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا ~~لأحدهما جنتين } لأن وجه الشبه منتزع من متعدد وكذلك يوجد ~~التشبيه التمثيلي في { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ~~كمآء أنزلناه }. # 5- المبالغة بإطلاق المصدر على اسم الفاعل { أو يصبح مآؤها ~~غورا } أي غائرا. # 6- الكناية { يقلب كفيه } كناية عن التحسر والندم لأن النادم ~~يضرب بيمينه على شماله. # 7- الإنكار والتعجيب { أفتتخذونه وذريته أوليآء ~~}؟. # تنبيه: الجمهور على أن الباقيات الصالحات هن الكلمات المأثور فضلها " ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم " وقد ورد بذلك حديث تقدم ذكره وفي الترمذي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد: أقرئ أمتك مني السلام ~~وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " # رواه الترمذي. ### || [18.54-82] # المناسبة: لما ضرب تعالى المثل في قصة صاحب الجنتين، وضرب المثل ~~للحياة الدنيا وما فيها من نعيم خادع ومتاع زائل، نبه تعالى إلى الغاية ~~من ذكر هذه الأمثال وهي " العظة والاعتبار " ثم ذكر القصة الثالثة " قصة ~~موسى مع الخضر " وما فيها من أمور غيبية عجيبة. # اللغة: { قبلا } مقابلة وعيانا { موئلا } ملجأ ومنجى قال ابن ~~قتيبة: وأل فلان إلى كذا لجأ إليه وألا ووءولا والموئل: الملجأ قال ~~الأعشى: # وقد أخالس رب البيت غفلته # وقد يحاذر مني ثم لا يئل # { حقبا } جمع حقبة وهي السنة والمراد بالحقب هنا الزمان الطويل { ~~سربا } السرب: المسلك في جوف الأرض { نصبا } النصب: التعب ~~والمشقة { أمرا } أمرا عظيما يقال: إمر الأمر إذا ms0827 عظم { نكرا } ~~منكرا فظيعا جدا. # التفسير: { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من ~~كل مثل } أي بينا في هذا القرآن الأمثال وكررنا الحجج والمواعظ ~~{ وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } أي وطبيعة الإنسان ~~الجدل والخصومة لا ينيب لحق ولا ينزجر لموعظة { وما منع الناس ~~أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى } أي ما منع الناس من ~~الإيمان حين جاءهم الهدى من الله { ويستغفروا ربهم } أي ~~ومن الاستغفار من الذنوب والآثام { إلا أن تأتيهم سنة ~~الأولين } أي إلا انتظارهم أن تأتيهم سنة الأولين وهي الإهلاك { ~~أو يأتيهم العذاب قبلا } أي يأتيهم عذاب الله عيانا ~~ومقابلة ومعنى الآية أنه ما منعهم من الإيمان والاستغفار إلا طلبهم أن ~~يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانا ومواجهة كقولهم # فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال: 32] { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين } أي ما نرسل الرسل إلا لغرض التبشير والإنذار لا للإهلاك ~~والدمار، مبشرين لأهل الإيمان ومنذرين لأهل العصيان { ويجادل ~~الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق } أي ومع ~~وضوح الحق يجادل الكفار بالباطل ليغلبوا به الحق ويبطلوه فهم حين يطلبون ~~الخوارق ويستعجلون العذاب لا يريدون الإيمان وإنما يستهزئون ويسخرون { ~~واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا } أي أتخذوا القرآن ~~وما خوفوا به من العذاب سخرية واستهزاء { ومن أظلم ممن ~~ذكر بآيت ربه فأعرض عنها } أي لا أحد أظلم ممن وعظ ~~بآيات الله البينة، وحججه الساطعة، فتعامى عنها وتناساها ولم يلق لها ~~بالا { ونسي ما قدمت يداه } أي نسي ما عمله من الجرائم ~~الشنيعة، والأفعال القبيحة، ولم يتفكر في عاقبتها { إنا جعلنا ~~على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } أي جعلنا على قلوبهم ~~أغطية تحول دون فقه هذا القرآن وإدراك أسراره، والانتفاع بما فيه من ~~المواعظ والأحكام { وفي آذانهم وقرا } أي وفي آذانهم صمما ~~معنويا يمنعهم أن يسمعوه سماع تفهم وانتفاع { وإن تدعهم إلى ~~الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا } أي وإن دعوتهم إلى ~~الإيمان والقرآن فلن يستجيبوا لك أبدا لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون، ~~فللهدى قلوب متفتحة مستعدة لقبول الإيمان وهؤلاء ms0828 كالأنعام { وربك ~~الغفور ذو الرحمة } أي وربك يا محمد واسع المغفرة عظيم الرحمة ~~بالعباد مع تقصيرهم وعصيانهم { لو يؤاخذهم بما كسبوا ~~لعجل لهم العذاب } أي لو يعاقبهم بما اقترفوا من المعاصي ~~والإجرام لعجل لهم عذاب الدنيا، ولكنه تعالى يمهلهم ويؤخر عنهم العذاب ~~الذي يستعجلونه به رحمة بهم، وقد جرت سنته بأن يمهل الظالم ولكن لا ~~يهمله { بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } أي ~~لهم موعد آخر في القيامة يرون فيه الأهوال لن يجدوا لهم فيه ملجأ ولا ~~منجى { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا } أي تلك هي ~~أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية كقوم هود وصالح ولوط وشعيب أهلكناهم ~~حين ظلموا { وجعلنا لمهلكهم موعدا } أي جعلنا لهلاكهم ~~وقتا محددا معلوما، أفلا يعتبر هؤلاء المكذبون المعاندون؟ والآية ~~وعيد وتهديد لكفار قريش قال ابن كثير: والمعنى احذروا أيها المشركون أن ~~يصيبكم ما أصابهم فقد كذبتم أعظم نبي وأشرف رسول، ولستم بأعز علينا ~~منهم فخافوا عذابي ونذري { وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح ~~حتى أبلغ مجمع البحرين } هذه هي القصة الثالثة في هذه ~~السورة الكريمة والمعنى اذكر حين قال موسى الكليم لفتاة " يوشع بن نون " ~~لا أزال أسير وأتابع السير حتى أصل الى ملتقى بحر فارس وبحر الروم مما ~~يلي جهة المشرق وهو مجمع البحرين { أو أمضي حقبا } أي أسير ~~زمانا إلى أن أبلغ ذلك المكان { فلما بلغا مجمع بينهما ~~نسيا حوتهما } أي فلما بلغ موسى وفتاه مجمع البحرين نسي " يوشع " ~~أن يخبر موسى بأمر الحوت وما شاهده منه من الأمر العجيب، روي أن الله ~~تعالى أوحى إلى موسى أن يأخذ معه حوتا فيجعله في مكتل فحيثما فقد ~~الحوت فهناك الرجل الصالح { فاتخذ سبيله في البحر سربا ~~} أي اتخذ الحوت سبيله في البحر مسلكا قال المفسرون: كان الحوت مشويا ~~فخرج من المكتل ودخل في البحر وأمسك الله جرية الماء على الحوت فصار ~~كالطاق عليه وجمد الماء حوله وكان ذلك آية من آيات الله الباهرة لموسى ~~عليه السلام { فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غدآءنا ms0829 } أي ~~فلما قطعا ذلك المكان وهو مجمع البحرين الذي جعل موعدا للملاقاة قال ~~موسى لفتاه أعطنا طعام الغذاء { لقد لقينا من سفرنا هذا ~~نصبا } أي لقينا في هذا السفر العناء والتعب، وكان قد سار ليلة وجزءا ~~من النهار بعد أن جاوز الصخرة { قال أرأيت إذ أوينآ إلى ~~الصخرة فإني نسيت الحوت } أي قال الفتى " يوشع بن نون " ~~حين طلب موسى منه الحوت للغذاء أرأيت حين التجأنا إلى الصخرة التي نمت ~~عندها ماذا حدث من الأمر العجيب؟ لقد خرج الحوت من المكتل ودخل البحر ~~وأصبح عليه مثل الكوة وقد نسيت أن أذكر لك ذلك حين استيقظت { ومآ ~~أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } أي وقد أنساني ~~الشيطان أن أخبرك عن قصته الغريبة { واتخذ سبيله في البحر ~~عجبا } أي واتخذ الحوت طريقه في البحر وكان أمره عجبا، يتعجب الفتى ~~من أمره لأنه كان حوتا مشويا فدبت فيه الحياة ودخل البحر { قال ~~ذلك ما كنا نبغ } أي قال موسى هذا الذي نطلبه ونريده لأنه ~~علامة على غرضنا وهو لقيا الرجل الصالح { فارتدا على ~~آثارهما قصصا } أي رجعا في طريقهما الذي جاءا منه يتتبعان أثرهما ~~الأول لئلا يخرجا عن الطريق { فوجدا عبدا من عبادنآ } أي ~~وجدا الخضر عليه السلام عند الصخرة التي فقد عندها الحوت، وفي الحديث أن ~~موسى وجد الخضر مسجى بثوبه مستلقيا على الأرض فقال له: السلام عليك ~~فرفع رأسه وقال: وأنى بأرضك السلام؟ { آتيناه رحمة من ~~عندنا } أي وهبناه نعمة عظيمة وفضلا كبيرا وهي الكرامات التي أظهرها ~~الله على يديه { وعلمناه من لدنا علما } أي علما خاصا ~~بنا لا يعلم إلا بتوفيقنا وهو علم الغيوب قال العلماء: هذا العلم ~~الرباني ثمرة الإخلاص والتقوى ويسمى " العلم اللدني " يورثه الله لمن ~~أخلص العبودية له، ولا ينال بالكسب والمشقة وإنما هو هبة الرحمن لمن ~~خصه الله بالقرب والولاية والكرامة { قال له موسى هل ~~أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } أي هل ~~تأذن لي في مرافقتك لأقتبس من علمك ما يرشدني في حياتي؟ قال المفسرون: ms0830 ~~هذه مخاطبة فيها ملاطفة وتواضع من نبي الله الكريم وكذلك ينبغي أن يكون ~~الإنسان مع من يريد أن يتعلم منه { قال إنك لن تستطيع معي ~~صبرا } أي قال الخضر: إنك لا تستطيع الصبر على ما ترى قال ابن عباس: ~~لن تصبر على صنعي لأني علمت من غيب علم ربي { وكيف تصبر على ~~ما لم تحط به خبرا } أي كيف تصبر على أمر ظاهرة منكر وأنت ~~لا تعلم باطنه؟ { قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا ~~أعصي لك أمرا } أي قال موسى ستراني صابرا ولا أعصي أمرك إن شاء ~~الله { قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى ~~أحدث لك منه ذكرا } شرط عليه قبل بدء الرحلة ألا يسأله ولا ~~يستفسر عن شيء من تصرفاته حتى يكشف له سرها، فقبل موسى شرطه رعاية لأدب ~~المتعلم مع العالم، والمعنى لا تسألني عن شيء مما أفعله حتى أبينه لك ~~بنفسي { فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ~~} أي انطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر حتى مرت بهما سفينة فعرفوا ~~الخضر فحملوهما بدون أجر فلما ركبا السفينة عمد الخضر إلى فأس فقلع لوحا ~~من ألواح السفينة بعد أن أصبحت في لجة البحر { قال أخرقتها ~~لتغرق أهلها } أي قال له موسى مستنكرا: أخرقت السفينة لتغرق ~~الركاب؟ { لقد جئت شيئا إمرا } أي فعلت شيئا عظيما هائلا، ~~يروى أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فجعله مكان الخرق ثم قال للخضر: قوم ~~حملونا بغير أجر عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهل السفينة لقد فعلت ~~أمرا منكرا عظيما!! { قال ألم أقل إنك لن تستطيع ~~معي صبرا } أي ألم أخبرك من أول الأمر أنك لا تصبر على ما ترى من ~~صنيعي؟ ذكره بلطف في مخالفته الشرط { قال لا تؤاخذني بما ~~نسيت } أي لا تؤاخذني بمخالفتي الشرط ونسياني العهد { ولا ~~ترهقني من أمري عسرا } أي لا تكلفني مشقة في صحبتي إياك ~~وعاملني باليسر لا بالعسر { فانطلقا حتى إذا لقيا ~~غلاما فقتله } أي فقبل عذره وانطلقا بعد نزولهما من السفينة ms0831 ~~يمشيان فمرا بغلمان يلعبون وفيهم غلام وضيء الوجه جميل الصورة فأمسكه ~~الخضر واقتلع رأسه بيده ثم رماه في الأرض { قال أقتلت نفسا ~~زكية بغير نفس } أي قال موسى: أقتلت نفسا طاهرة لم ترتكب ~~جرما ولم تقتل نفسا حتى تقتل به { لقد جئت شيئا نكرا } ~~أي فعلت شيئا منكرا عظيما لا يمكن السكوت عنه. # . لم يكن موسى ناسيا في هذه المرة ولا غافلا ولكنه قاصد أن ينكر ~~المنكر الذي لا يصبر على وقوعه بالرغم من تذكره لوعده، وقال هنا { ~~نكرا } أي منكرا فظيعا وهو أبلغ من قوله { أمرا } في الآية ~~السابقة، ذكر القرطبي أن موسى عليه السلام لما قال للخضر { أقتلت ~~نفسا زكية } غضب واقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه فإذا ~~مكتوب في عظم كتفه كافر لا يؤمن بالله أبدا { قال ألم أقل ~~لك إنك لن تستطيع معي صبرا } أي ألم أقل لك أنث على ~~التعيين والتحديد لن تستطيع الصبر على ما ترى مني؟ قال المفسرون: وقره ~~في الأول فلم يواجهه بكاف الخطاب فلما خالف في الثاني واجهه بقوله { ~~لك } لعدم العذر هنا، ويعود موسى لنفسه ويجد أنه خالف وعده مرتين، ~~فيندفع ويقطع على نفسه الطريق ويجعلها آخر فرصة أمامه { قال إن ~~سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني } أي إن أنكرت عليك ~~بعد هذه المرة واعترضت على ما يصدر منك فلا تصحبني معك { قد بلغت ~~من لدني عذرا } أي قد أعذرت إلي في ترك مصاحبتي فأنت معذور ~~عندي لمخالفتي لك ثلاث مرات { فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل ~~قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما } أي ~~مشيا حتى وصلا إلى قرية قال ابن عباس: هي انطاكية فطلبا طعاما وكان ~~أهلها لئاما لا يطعمون جائعا، ولا يتسضيفون ضيفا، فامتنعوا عن ~~إضافتهما أو إطعامهما { فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ~~} أي وجدا في القرية حائطا مائلا يوشك أن يسقط ويقع { فأقامه } أي ~~مسحه الخضر بيده فاستقام، وقيل إنه هدمه ثم بناه وكلاهما مروي عن ابن ~~عباس { قال لو شئت لتخذت عليه أجرا } أي قال ms0832 له موسى ~~لو أخذت منهم أجرا نستعين به على شراء الطعام!! أنكر عليه موسى صنيع ~~المعروف مع غير أهله، روي أن موسى قال للخضر: قوم استطعمناهم فلم ~~يطعمونا، وضفناهم فلم يضيفونا ثم قعدت تبني لهم الجدار لو شئت لاتخذت ~~عليه أجرا! { قال هذا فراق بيني وبينك } أي قال الخضر: ~~هذا وقت الفراق بيننا حسب قولك { سأنبئك بتأويل ما لم ~~تستطع عليه صبرا } أي سأخبرك بحكمة هذه المسائل الثلاث التي ~~أنكرتها علي ولم تستطع عليها وفي الحديث # " رحم الله أخي موسى لوددت أنه صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما ولو ~~لبث مع صاحبه لأبصر العجب " # { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في ~~البحر } هذا بيان وتفصيل للأحداث العجيبة التي رآها موسى ولم يطق ~~لها صبرا والمعنى أما السفينة التي خرقتها فكانت لأناس ضعفاء لا يقدرون ~~على مدافعة الظلمة يشتغلون بها في البحر بقصد التكسب { فأردت أن ~~أعيبها } أي أردت بخرقها أن أجعلها معيبة لئلا يغتصبها الملك الظالم ~~{ وكان ورآءهم ملك } أي كان أمامهم ملك كافر ظالم { يأخذ ~~كل سفينة غصبا } أي يغتصب كل سفينة صالحة لا عيب فيها { ~~وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين } أي وأما الغلام ~~الذي قتلته فكان كافرا فاجرا وكان أبواه مؤمنين وفي الحديث # " إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا ~~وكفرا " # { فخشينآ أن يرهقهما طغيانا وكفرا } أي فخفنا أن ~~يحملهما حبه على اتباعه في الكفر والضلال { فأردنآ أن ~~يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما } ~~أي فأردنا بقتله أن يرزقهما الله ولدا صالحا خيرا من ذلك الكافر ~~وأقرب برا ورحمة بوالديه { وأما الجدار فكان لغلامين ~~يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما } أي وأما ~~الجدار الذي بنيته دون أجر والذي كان يوشك أن يسقط فقد خبئ تحته كنز من ~~ذهب وفضة لغلامين يتيمين { وكان أبوهما صالحا } أي وكان ~~والدهما صالحا تقيا فحفظ الله لهما الكنز لصلاح الوالد قال المفسرون: ~~إن صلاح الأباء ينفع الأبناء، وتقوى الأصول تنفع الفروع { فأراد ~~ربك أن يبلغآ أشدهما ms0833 ويستخرجا كنزهما } أي ~~فأراد الله بهذا الصنيع أن يكبرا ويشتد عودهما ويستخرجا كنزهما من تحت ~~الجدار { رحمة من ربك } أي رحمة من الله بهما لصلاح أبيهما { ~~وما فعلته عن أمري } أي ما فعلت ما رأيت من خرق السفينة، ~~وقتل الغلام، وإقامة الجدارعن رأيي واجتهادي، بل فعلته بأمر الله ~~وإلهامه { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا } أي ~~ذلك تفسير الأمور التي لم تستطع الصبر عليها وعارضت فيها قبل أن أخبرك ~~عنها. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- الطباق بين { مبشرين.. ومنذرين } وبين { نسيت.. ~~وأذكر }. # 2- اللف والنشر المرتب { أما السفينة } { وأما ~~الغلام } { وأما الجدار } فقد جاء بها مرتبة بعد ذكر ركوب ~~السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار بطريق اللف والنشر المرتب وهو من ~~المحسنات البديعية. # 3-الحذف بالإيجاز { كل سفينة } أي صالحة حذف لدلالة لفظ " ~~أعيبها " وكذلك حذف لفظ كافر من { وأما الغلام } لدلالة قوله ~~تعالى { فكان أبواه مؤمنين }. # 4- التغليب { أبواه } المراد باللفظ أبوه وأمه. # 5- الاستعارة { يريد أن ينقض } لأن الإرادة من صفات العقلاء ~~وإسنادها إلى الجدار من لطيف الاستعارة وبليغ المجاز كقول الشاعر: # يريد الرمح صدر أبي براء # ويرغب عن دماء بني عقيل # 6- التنكير للتفخيم والإضافة للتشريف { عبدا من عبادنآ }. # 7- السجع مراعاة لرءوس الآيات مثل { نصبا.. سربا.. عجبا }. # 8- تعليم الأدب { فأردت أن أعيبها } وهناك قال { فأراد ~~ربك } حيث أسند ما ظاهره شر لنفسه وأسند الخير إلى الله تعالى، وذلك ~~لتعليم العباد الأدب مع الله جل وعلا. # " قصة موسى والخضر كما في الصحيحين " # عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، ~~فعتب الله عز وجل عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه أن ~~لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى يا رب فكيف لي به؟ قال: ~~تأخذ حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فانطلق موسى: ~~ومعه فتاه " يوشع بن نون " حتى إذا أتيا الصخرة ms0834 وضعا رؤوسهما فناما ~~واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر ~~سربا، وأمسك الله عن الحوت جريه الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما ~~استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا ~~كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا - ~~قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به - فقال فتاه ~~{ أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت ~~الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ~~واتخذ سبيله في البحر عجبا } قال فكان للحوت سربا ~~ولموسى وفتاه عجبا فقال موسى { ذلك ما كنا نبغ فارتدا ~~على آثارهما قصصا } قال رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى ~~الصخرة، فإذا هو مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر: وأنى بأرضك ~~السلام! من أنت؟ قال: أنا موسى، قال موسى بني إسرائيل؟ قال نعم أتيتك ~~لتعلمني مما علمت رشدا { قال إنك لن تستطيع معي ~~صبرا }.. يا موسى إني على علم من علم الله لا تعلمه علمنيه، وأنت ~~على علم من علم الله علمكه لا أعلمه، فقال موسى { ستجدني إن ~~شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا } فقال الخضر { فإن ~~اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ~~ذكرا } فانطلقا يمشيان على الساحل فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم ~~فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول - أي بدون أجر - فلما ركبا في السفينة لم ~~يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: ~~قوم قد حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها { لتغرق ~~أهلها لقد جئت شيئا إمرا } وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: وكانت الأولى من موسى نسيانا، وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة ~~فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله تعالى إلا ~~مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينما هما ~~يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر ~~رأسه ms0835 فاقتلعه فقتله، فقال له موسى { أقتلت نفسا زكية ~~بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا } قال ألم أقل لك إنك ~~لن تستطيع معي صبرا قال سفيان: وهذه أشد من الأولى { قال إن ~~سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من ~~لدني عذرا } فانطلقا { حتى إذآ أتيآ أهل قرية ~~استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها ~~جدارا يريد أن ينقض } فقال الخضر بيده هكذا - أي أشار بيده - ~~فأقامه فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا { لو شئت ~~لتخذت عليه أجرا } قال الخضر: { هذا فراق بيني ~~وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه ~~صبرا } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى لوددت أنه ~~كان صبر حتى يقص الله علينا من أخبارهما " # !! أخرجه الشيخان. # تنبيه: قال العلامة القرطبي: " كرامات الأنبياء ثابتة على ما دلت عليه ~~الأخبار والآيات المتواترة، ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد أو الفاسق ~~الحائد، فالآيات ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية ~~في الصيف، والصيفية في الشتاء، وما ظهر على يدها حيث هزت النخلة وكانت ~~يابسة فأثمرت، وهي ليست بنبية، ويدل أيضا ما ظهر على يد الخضر من خرق ~~السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار " أ ه. القرطبي 11/28. ### || [18.83-110] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصة الخضر أعقبها بقصة ذي القرنين ورحلاته ~~الثلاث إلى الغرب، والشرق، وإلى السدين، وبناؤه للسد في وجه " يأجوج ~~ومأجوج " وهي القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، وجميعها ~~ترتبط بالعقيدة والإيمان، وهو الهدف الأصيل للسورة الكريمة. # اللغة: (ذو القرنين) هو الاسكندر المقدوني وهو ملك صالح أعطي العلم ~~والحكمة، سمي بذي القرنين لأنه ملك مشارق الأرض ومغاربها وكان مسلما ~~عادلا قال الشاعر: # قد كان ذو القرنين قبلي مسلما # ملكا علا في الأرض غير مفند # بلغ المشارق والمغارب يبتغي # أسباب ملك من كريم سيد # { حمئة } كثيرة الحمأة وهي الطينة السوداء { سدا } السد: ~~الحاجز والحائل بين الشيئين { ردما } الردم. السد المنيع وهو أكبر ~~من السد لأن الردم ما جعل بعضه على بعض ms0836 حتى يصبح كالحجاب المنيع ~~فالردم الحاجز الحصين المتين { زبر الحديد } قطع الحديد مفردة ~~زبرة وهي القطعة { الصدفين } جانبا الجبل قال أبو عبيدة: الصدف ~~كل بناء عظيم مرتفع { قطرا } القطر: النحاس المذاب { نقبا } خرقا ~~وثقبا { دكآء } مدكوكا مسوى بالأرض قال الأزهري: دككته أي دققته ~~{ يموج } يختلط ويضطرب { الفردوس } قال الفراء: البستان الذي ~~فيه العنب وقال ثعلب: كل بستان يحوط عليه فهو فردوس. # سبب النزول: أ - قال قتادة: إن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن ذي القرنين فأنزل الله { ويسألونك عن ذي ~~القرنين.. } الآية. # ب - قال مجاهد: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~الله: إني أتصدق، وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى، فيذكر ذلك ~~مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به، فسكت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يقل شيئا فأنزل الله { فمن كان يرجوا لقآء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا }. # التفسير: { ويسألونك عن ذي القرنين } أي يسألك اليهود ~~يا محمد عن ذي القرنين ما شأنه؟ وما قصته؟ { قل سأتلوا عليكم ~~منه ذكرا } أي قل لهم سأقص عليكم من نبأه وخبره قرآنا ووحيا { ~~إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء ~~سببا } أي يسرنا له أسباب الملك والسلطان والفتح والعمران، وأعطيناه ~~كل ما يحتاج إليه للوصول إلى غرضه من أسباب العلم والقدرة والتصرف قال ~~المفسرون: ذو القرنين هو " الاسكندر اليوناني " ملك المشرق والمغرب فسمي ~~ذا القرنين، وكان ملكا مؤمنا مكن الله له في الأرض فعدل في حكمه ~~وأصلح، وكان في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما روي أن الذين ~~ملكوا الأرض أربعة: مؤمنان وكافران، أما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، ~~وأما الكافران فنمرود وبختنصر { فأتبع سببا } أي سلك طريقه الذي ~~يسره الله له وسار جهة المغرب { حتى إذا بلغ مغرب الشمس ~~} أي وصل المغرب { وجدها تغرب في عين حمئة } أي وجد ~~الشمس تغرب في ماء وطين - حسب ما شاهد لا حسب الحقيقة - فإن الشمس أعظم ~~من أن ms0837 تدخل في عين من عيون الأرض قال الرازي: إن ذا القرنين لما بلغ أقصى ~~المغرب ولم يبق بعدة شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهذه ~~مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها ~~تغيب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر { ~~ووجد عندها قوما } أي وجد عند تلك العين الحارة ذات الطين ~~قوما من الأقوام { قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب ~~وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا } أي قلنا له بطريق الإلهام: ~~إما أن تقتلهم أو تدعوهم بالحسنى إلى الهداية والإيمان قال المفسرون: ~~كانوا كفارا فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل، أو يدعوهم إلى الإسلام ~~فيحسن إليهم { قال أما من ظلم فسوف نعذبه } أي من ~~أصر على الكفر فسوف نقتله { ثم يرد إلى ربه ~~فيعذبه عذابا نكرا } أي ثم يرجع إلى ربه فيعذبه عذابا ~~منكرا فظيعا في نار جهنم { وأما من آمن وعمل صالحا ~~فله جزآء الحسنى } أي وأما من آمن بالله وأحسن العمل في ~~الدنيا وقدم الصالحات فجزاؤه الجنة يتنعم فيها { وسنقول له ~~من أمرنا يسرا } أي نيسر عليه في الدنيا فلا نكلفه بما هو شاق ~~بل بالسهل الميسر. # اختار الملك العادل دعوتهم بالحسنى فمن آمن فله الجنة، والمعاملة ~~الطيبة، والمعونة والتيسير، ومن بقي على الكفر فله العذاب والنكال في ~~الدنيا والآخرة { ثم أتبع سببا } أي سلك طريقا بجنده نحو ~~المشرق { حتى إذا بلغ مطلع الشمس } أي حتى إذا وصل ~~أقصى المعمورة من جهة الشرق حيث مطلع الشمس في عين الرائي { وجدها ~~تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا } ~~أي وجد الشمس تشرق على أقوام ليس لهم من اللباس والبناء ما يسترهم من ~~حر الشمس فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب تحت الأرض، وإذا غربت خرجوا ~~لمكاسبهم قال قتادة: مضى ذو القرنين يفتح المدائن ويجمع الكنوز ويقتل ~~الرجال إلا من آمن حتى أتى مطلع الشمس فأصاب قوما في أسراب عراة، ليس ~~لهم طعام إلا ms0838 ما أنضجته الشمس إذا طلعت، حتى إذا زالت عنهم الشمس خرجوا ~~من أسرابهم في طلب معايشهم، وذكر لنا أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليه ~~بنيان ويقال إنهم الزنج { كذلك وقد أحطنا بما لديه ~~خبرا } أي كذلك فعل بأهل المشرق من آمن تركه ومن كفر قتله كما فعل ~~بأهل المغرب وقد أحطنا علما بأحواله وأخباره، وعتاده وجنوده، فأمره من ~~العظمة وكثرة المال بحيث لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير { ثم ~~أتبع سببا } أي سلك طريقا ثالثا بين المشرق والمغرب يوصله جهة ~~الشمال حيث الجبال الشاهقة { حتى إذا بلغ بين السدين } ~~أي حتى إذا وصل إلى منطقة بين حاجزين عظيمين، بمنقطع أرض بلاد الترك مما ~~يلي أرمينية وأذربيجان قال الطبري: والسد: الحاجز بين الشيئين وهما ~~هنا جبلان سد ما بينهما، فردم ذو القرنين حاجزا بين يأجوج ومأجوج من ~~ورائهم ليقطع مادة غوائلهم وشرهم عنهم { وجد من دونهما قوما ~~لا يكادون يفقهون قولا } أي وجد من وراء السدين قوما ~~متخلفين لا يكادون يعرفون لسانا غير لسانهم إلا بمشقة وعسر قال ~~المفسرون: إنما كانوا لا يفقهون القول لغرابة لغتهم، وبطء فهمهم، وبعدهم ~~عن مخالطة غيرهم، وما فهم كلامهم إلا بواسطة ترجمان { قالوا يذا ~~القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض } ~~أي قال القوم لذي القرنين: إن يأجوج ومأجوج - قبيلتان من بني آدم في ~~خلقهم تشويه، منهم مفرط في الطول، ومنهم مفرط في القصر - قوم مفسدون ~~بالقتل والسلب والنهب وسائر وجوه الشر قال المفسرون: كانوا من أكلة لحوم ~~البشر، يخرجون في الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا ~~احتملوه { فهل نجعل لك خرجا } أي هل نفرض لك جزءا من ~~أموالنا كضريبة وخراج { على أن تجعل بيننا وبينهم ~~سدا } أي لتجعل سدا يحمينا من شر يأجوج ومأجوج قال في البحر: هذا ~~استدعاء منهم لقبول ما بيذلونه على جهة حسن الأدب { قال ما مكني ~~فيه ربي خير } أي ما بسطه الله علي من القدرة والملك خير ~~مما تبذلونه لي من المال { فأعينوني بقوة ms0839 } أي لا حاجة لي إلى ~~المال فأعينوني بالأيدي والرجال { أجعل بينكم وبينهم ~~ردما } أي أجعل بينكم وبينهم سدا منيعا، وحاجزا حصينا، وهذه شهامة ~~منه حيث رفض قبول المال وتطوع ببناء السد واكتفى بعون الرجال { آتوني ~~زبر الحديد } أي أعطوني قطع الحديد واجعلوها لي في ذلك المكان { ~~حتى إذا ساوى بين الصدفين } أي حتى إذا ساوى البناء ~~بين جانبي الجبلين { قال انفخوا } أي انفخوا بالمنافيخ عليه { ~~حتى إذا جعله نارا } أي جعل ذلك الحديد المتراكم كالنار بشدة ~~الإحماء { قال آتوني أفرغ عليه قطرا } أي أعطوني أصب ~~عليه النحاس المذاب قال الرازي: لما أتوه بقطع الحديد وضع بعضها على بعض ~~حتى صارت بحيث تسد ما بين الجبلين إلى أعلاهما ثم وضع المنافخ عليها ~~حتى إذا صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمي فالتصق بعضه ~~ببعض وصار جبلا صلدا { فما اسطاعوا أن يظهروه } أي فما ~~استطاع المفسدون أن يعلوه ويتسوروه لعلوه وملاسته { وما استطاعوا ~~له نقبا } أي وما استطاعوا نقبه من أسفل لصلابته وثخانته، وبهذا ~~السد المنيع أغلق ذو القرنين الطريق على يأجوج ومأجوج { قال هذا ~~رحمة من ربي } أي قال ذو القرنين: هذا السد نعمة من الله ~~ورحمة على عباده { فإذا جآء وعد ربي } أي فإذا جاء وعد الله ~~بخروج يأجوج ومأجوج وذلك قرب قيام الساعة { جعله دكآء } أي جعله ~~الله مستويا بالأرض وعاد متهدما كأن لم يكن بالأمس { وكان وعد ~~ربي حقا } أي كان وعده تعالى بخراب السد وقيام الساعة كائنا لا ~~محالة. # . وههنا تنتهي قصة ذي القرنين ثم يأتي الحديث عن أهوال الساعة وشدائد ~~القيامة قال تعالى { وتركنا بعضهم يومئذ يموج في ~~بعض } أي تركنا الناس يوم قيام الساعة يضطرب بعضهم ببعض - لكثرتهم - ~~كاضطراب موج البحر { ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا } أي ~~ونفخ في الصور النفخة الثانية فجمعناهم للحساب والجزاء في صعيد واحد ~~جمعا لم يتخلف منهم أحد { وعرضنا جهنم يومئذ ~~للكافرين عرضا } أي أبرزنا جهنم وأظهرناها للكافرين يوم جمع ~~الخلائق حتى شاهدوها بأهوالها عرضا مخيفا مفزعا { الذين كانت ms0840 ~~أعينهم في غطآء عن ذكري } أي هم الذين كانوا في الدنيا ~~عميا عن دلائل قدرة الله ووحدانيته فلا ينظرون ولا يتفكرون { ~~وكانوا لا يستطيعون سمعا } أي لا يطيقون أن يسمعوا كلام ~~الله تعالى لظلمة قلوبهم قال أبو السعود: وهذا تمثيل لإعراضهم عن ~~الأدلة السمعية، وتعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار فكأنهم عمي صم { ~~أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني ~~أوليآء } الهمزة للإنكار والتوبيخ أي أفظن الكافرون أن يتخذوا ~~بعض عبادي آلهة يعبدونهم دوني كالملائكة وعزير والمسيح ابن مريم، وأن ذلك ~~ينفعهم أو يدفع عنهم عذابي؟ قال القرطبي: جواب الاستفهام محذوف تقديره ~~أفحسبوا أن ذلك ينفعهم، أولا أعاقبهم { إنآ أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا } أي هيأنا جهنم وجعلناها ضيافة لهم كالنزل ~~المعد للضيف قال البيضاوي: وفيه تهكم بهم وتنبيه على أن لهم وراءها من ~~العذاب ما تستحقر جهنم دونه { قل هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا } أي قل يا محمد لهؤلاء الكافرين هل نخبركم بأخسر الناس عند ~~الله؟ { الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا } أي بطل ~~عملهم وضاع في هذه الحياة الدنيا لأن الكفر لا تنفع معه طاعة قال الضحاك: ~~هم القسيسون والرهبان يتعبدون ويظنون أن عبادتهم تنفعهم وهي لا تقبل ~~منهم { وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } أي يظنون ~~أنهم محسنون بأفعالهم { أولئك الذين كفروا بآيات ~~ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم } أي كفروا بالقرآن ~~وبالبعث والنشور فبطلت أعمالهم { فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا } أي ليس لهم عند الله قيمة ولا وزن، ولا قدر ولا ~~منزلة وفي الحديث # " يؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة " # { ذلك جزآؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ~~ورسلي هزوا } أي ذلك جزاؤهم وعقوبتهم نار جهنم بسبب كفرهم ~~واستهزائهم بآيات الله ورسله { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي آمنوا بالله وعملوا بما يرضيه { كانت لهم ~~جنات الفردوس نزلا } أي لهم أعلى درجات الجنة وهي الفردوس ~~منزلا ومستقرا { خالدين فيها لا يبغون عنها حولا } أي ~~ماكثين فيها أبدا لا يطلبون عنها تحولا قال ابن رواحة: في جنان ~~الفردوس ليس ms0841 يخافون: خروجا عنها ولا تحويلا { قل لو كان ~~البحر مدادا لكلمات ربي } هذا تمثيل لسعة علم الله ~~والمعنى لو كانت بحار الدنيا حبرا ومدادا وكتبت به كلمات الله وحكمه ~~وعجائبه { لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي } أي ~~لفني ماء البحر على كثرته وانتهى، وكلام الله لا ينفد لأنه غير متناه ~~كعلمه جل وعلا { ولو جئنا بمثله مددا } أي ولو أتينا بمثل ~~ماء البحر وزدناه به حتى يكثر فإن كلام الله لا يتناهى { قل إنمآ ~~أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إلهكم ~~إله واحد } أي قل لهم يا محمد إنما أنا إنسان مثلكم أكرمني ~~الله بالوحي، وأمرني أن أخبركم أنه واحد أحد لا شريك له { فمن كان ~~يرجوا لقآء ربه } أي فمن كان يرجو ثواب الله ويخاف عقابه { ~~فليعمل عملا صالحا } أي فليخلص له العبادة { ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا } أي لا يرائي بعمله ولا يبتغي بما يعمل ~~غير وجه الله، فإن الله لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { مطلع.. مغرب }. # 2- التشبيه البليغ { جعله نارا } أي كالنار في الحرارة وشدة ~~الإحمرار حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغا. # 3- الاستعارة { يموج في بعض } شبههم لكثرتهم وتداخل بعضهم في ~~بعض بموج البحر المتلاطم واستعار لفظ يموج لذلك ففيه استعارة تبعية. # 4- الاستعارة أيضا { كانت أعينهم في غطآء عن ذكري } ~~أي كانوا ينظرون فلا يعتبرون وتعرض عليهم الآيات الكونية فلا يؤمنون، ~~ولم تكن أعينهم حقيقة في غطاء وحجاب وإنما هو بطريق التمثيل. # 5- الجناس الناقص { يحسبون أنهم يحسنون } لتغير الشكل ~~وبعض الحروف، ويسمى أيضا جناس التصحيف. # 6- الاستفهام الذي يراد به التوبيخ والتقريع { أفحسب الذين ~~كفروا }؟ # 7- المقابلة اللطيفة { وأما من آمن وعمل صالحا فله ~~جزآء الحسنى } مقابل { أما من ظلم فسوف نعذبه } ~~الآية. # لطيفة: كثيرا ما يرد في القرآن لفظ " حبط " وأصل الحبوط هو انتفاخ بطن ~~الدابة حين تأكل نوعا ساما من الكلأ ثم تلقى حتفها، وهذا اللفظ أنسب ~~شيء لوصف ms0842 الأعمال فإنها تنتفخ وأصحابها يظنونها صالحة ناجحة رابحة ثم ~~تنتهي إلى البوار. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-40] # اللغة: { وهن } ضعف يقال وهن يهن فهو واهن والوهن ضعف القوة ~~{ اشتعل } الاشتعال انتشار شعاع النار { عاقرا } العاقر: التي لا ~~تلد لكبر سنها { عتيا } العتي: النهاية في الكبر واليبس والجفاف ~~يقال: عتا الشيخ كبر وولى قال الشاعر: # إنما يعذر الوليد ولا يعذر # من كان في الزمان عتيا # { حنانا } الحنان: الشفقة والرحمة والمحبة، وأصله من حنين الناقة ~~على ولدها وحنانيك تريد رحمتك قال طرفة: # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا # حنانيك بعض الشر أهون من بعض # { انتبذت } ابتعدت وتنحت { سويا } مستوي الخلقة { المخاض ~~} اشتداد وجع الولادة والطلق { سريا } السري: النهر والجدول لأن ~~الماء يسري فيه { فريا } الفري: العظيم من الأمر. # التفسير: { كهيعص } حروف مقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن وتقرأ: " ~~كاف، ها، يا، عين، صاد " { ذكر رحمت ربك عبده ~~زكريآ } أي هذا ذكر رحمة ربك لعبده زكريا نقصه عليك يا محمد ~~{ إذ نادى ربه ندآء خفيا } أي حين ناجى ربه ودعاه بصوت ~~خفي لا يكاد يسمع قال المفسرون: لأن الإخفاء في الدعاء أدخل في ~~الإخلاص وأبعد من الرياء { قال رب إني وهن العظم مني ~~} أي دعا في ضراعة فقال يا رب: لقد ضعف عظمي، وذهبت قوتي من الكبر { ~~واشتعل الرأس شيبا } أي انتشر الشيب في رأسي انتشار النار في ~~الهشيم { ولم أكن بدعآئك رب شقيا } أي لم تخيب دعائي ~~في وقت من الأوقات بل عودتني الإحسان والجميل فاستجب دعائي الآن كما كنت ~~تستجيبه فيما مضى قال البيضاوي: هذا توسل بما سلف له من الاستجابة، وأنه ~~تعالى عوده بالإجابة وأطمعه فيها، ومن حق الكريم أن لا يخيب من ~~أطمعه { وإني خفت الموالي من ورآئي } أي خفت بني العم ~~والعشيرة من بعد موتي أن يضيعوا الدين ولا يحسنوا وراثة العلم والنبوة ~~{ وكانت امرأتي عاقرا } أي لا تلد لكبر سنها أو لم تلد قط ~~{ فهب لي من لدنك وليا } أي فارزقني من محض فضلك ولدا ~~صالحا يتولاني { يرثني ويرث من ms0843 آل يعقوب } أي يرثني ويرث ~~أجداده في العلم والنبوة قال البيضاوي: المراد وراثة الشرع والعلم فإن ~~الأنبياء لا يورثون المال { واجعله رب رضيا } أي اجعله يا ~~رب مرضيا عندك قال الرازي: قدم زكريا عليه السلام على طلب الولد ~~أمورا ثلاثة: أحدها: كونه ضعيفا، والثاني: أن الله ما رد دعاءه ~~البتة، والثالث: كون المطلوب بالدعاء سببا للمنفعة في الدين ثم صرح ~~بسؤال الولد وذلك مما يزيد الدعاء توكيدا لما فيه من الاعتماد على حول ~~الله وقوته والتبري عن الأسباب الظاهرة { يزكريآ إنا ~~نبشرك بغلام اسمه يحيى } أي نبشرك بواسطة الملائكة ~~بغلام يسمى يحيى كما في آل عمران # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ~~أن الله يبشرك بيحيى # [آل عمران: 39] { لم نجعل له من قبل سميا } أي لم يسم ~~أحد قبله بيحيى فهو اسم فذ غير مسبوق سماه تعالى به ولم يترك تسميته ~~لوالديه وقال مجاهد: ليس له شبيه في الفضل والكمال { قال رب أنى ~~يكون لي غلام } أي كيف يكون لي غلام؟ وهو استفهام تعجب وسرور ~~بالأمر العجيب { وكانت امرأتي عاقرا } أي والحال أن أمرأتي ~~كبيرة السن لم تلد في شبابها فكيف وهي الآن عجوز!! { وقد بلغت ~~من الكبر عتيا } أي بلغت في الكبر والشيخوخة نهاية العمر قال ~~المفسرون: كان قد بلغ مائة وعشرين سنة، وامرأته ثمان وتسعين سنة، ~~فأراد أن يطمئن ويعرف الوسيلة التي يرزقه بها هذا الغلام { قال ~~كذلك قال ربك هو علي هين } أي قال الله لزكريا: هكذا ~~الأمر أخلقه من شيخين كبيرين، وخلقه وإيجاده سهل يسير علي { وقد ~~خلقتك من قبل ولم تك شيئا } أي كما خلقتك من العدم ولم ~~تك شيئا مذكورا فأنا قادر على خلق يحيى منكما قال المفسرون: ليس في ~~الخلق هين وصعب على الله، فوسيلة الخلق للصغير والكبير، والجليل ~~والحقير واحدة { كن فيكون } وإنما هو أهون في اعتبار الناس، فإن ~~القادر على الخلق من العدم قادر على الخلق من شيخين هرمين { قال رب ~~اجعل لي آية } أي اجعل لي علامة تدل على ms0844 حمل امرأتي { قال ~~آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا } أي علامتك ~~ألا تستطيع تكليم الناس ثلاثة أيام بلياليهن وأنت سوي الخلق ليس بك ~~خرس ولا علة قال ابن عباس: اعتقل لسانه من غير مرض وقال ابن زيد: حبس ~~لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحدا وهو مع ذلك يسبح ويقرأ التوراة لم ~~يكن الإنجيل ظهر بعد لأن هذا قبل ولادة عيسى عليه السلام فإذا أراد ~~كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم { فخرج على قومه من ~~المحراب } أي أشرف عليهم من المصلى وهو بتلك الصفة { فأوحى ~~إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } أي أشار إلى قومه بأن ~~سبحوا الله في أوائل النهار وأواخره، وكان كلامه مع الناس بالإشارة ~~لقوله تعالى في آل عمران # قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا ~~رمزا # [آل عمران: 41] { ييحيى خذ الكتاب بقوة } في الكلام ~~حذف والتقدير فلما ولد يحيى وكبر وبلغ السن الذي يؤمر فيه قال الله ~~له: يا يحيى خذ التوراة بجد واجتهاد { وآتيناه الحكم صبيا ~~} أي أعطيناه الحكمة ورجاحة العقل منذ الصغر، روي أن الصبيان قالوا ~~ليحيى: اذهب بنا نلعب فقال لهم: ما للعب خلقت، وقيل: أعطي النبوة منذ ~~الصغر والأول أظهر قال الطبري: المعنى أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال ~~صباه قبل بلوغه سن الرجال { وحنانا من لدنا وزكاة } أي ~~فعلنا ذلك رحمة منا بأبويه وعطفا عليه وتزكية له من الخصال الذميمة { ~~وكان تقيا } أي عبدا صالحا متقيا لله، لم يهم بمعصية قط قال ~~ابن عباس: طاهرا لم يعمل بذنب { وبرا بوالديه ولم يكن ~~جبارا عصيا } أي جعلناه بارا بأبيه وأمه محسنا إليهما ولم يكن ~~متكبرا عاصيا لربه { وسلام عليه يوم ولد ويوم ~~يموت ويوم يبعث حيا } أي سلام عليه من الله من حين مولده ~~إلى حين مبعثه، في يوم ولادته وفي يوم موته ويوم يبعث من قبره قال ابن ~~عطية: حياه في المواطن التي يكون الإنسان فيها في غاية الضعف، ~~والحاجة، والافتقار إلى الله { واذكر في الكتاب مريم } هذه ~~هي القصة ms0845 الثانية في هذه السورة وهي أعجب من قصة " ميلاد يحيى " لأنها ~~ولادة عذراء من غير بعل، وهي أغرب من ولادة عاقر من بعلها الكبير في ~~السن والمعنى اذكر يا محمد قصة مريم العجيبة الغريبة الدالة على كمال ~~قدرة الله { إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا } أي حين ~~تنحت واعتزلت أهلها في مكان شرقي بيت المقدس لتتفرغ لعبادة الله { ~~فاتخذت من دونهم حجابا } أي جعلت بينها وبين قومها سترا ~~وحاجزا { فأرسلنآ إليهآ روحنا } أي أرسلنا إليها جبريل ~~عليه السلام { فتمثل لها بشرا سويا } أي تصور لها في ~~صورة البشر التام الخلقة قال ابن عباس: جاءها في صورة شاب أبيض الوجه ~~جعد الشعر مستوى الخلقة قال المفسرون: إنما تمثل لها في صورة الإنسان ~~لتسأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم ~~تقدر على السماع لكلامه، ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من ~~تلك الصورة الجميلة الفائقة في الحسن { قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا } أي فلما رأته فزعت وخشيت أن ~~يكون إنما أرادها بسوء فقالت: إني أحتمي وألتجئ إلى الله منك، وجواب ~~الشرط محذوف تقديره إن كنت تقيا فاتركني ولا تؤذني { قال إنمآ ~~أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا } أي قال لها ~~جبريل مزيلا لما حصل عندها من الخوف: ما أنا إلا ملك مرسل من عند ~~الله إليك ليهب لك غلاما طاهرا من الذنوب { قالت أنى يكون ~~لي غلام } أي كيف يكون لي غلام؟ وعلى أي صفة يوجد هذا الغلام مني؟ ~~{ ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا } أي ولست بذات زوج ~~حتى يأتيني ولد ولست بزانية { قال كذلك قال ربك هو ~~علي هين } أي كذلك الأمر حكم ربك بمجيء الغلام منك وإن لم يكن ~~لك زوج، فإن ذلك على الله سهل يسير { ولنجعله آية ~~للناس ورحمة منا } أي وليكون مجيئه دلالة للناس على ~~قدرتنا العجيبة ورحمة لهم ببعثته نبيا يهتدون بإرشاده { وكان أمرا ~~مقضيا } أي وكان وجوده أمرا مفروغا منه لا يتغير ولا ms0846 يتبدل لأنه ~~في سابق علم الله الأزلي { فحملته فانتبذت به مكانا ~~قصيا } انتهى الحوار بين الروح الأمين ومريم العذراء قال المفسرون: ~~إن جبريل نفخ في جيب درعها فدخلت النفخة في جوفها فحملت به وتنحت إلى ~~مكان بعيد ومعنى الآية أنها حملت بالجنين فاعتزلت - وهو في بطنها - ~~مكانا بعيدا عن أهلها خشية أن يعيروها بالولادة من غير زوج { ~~فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة } أي فألجأها ألم ~~الطلق وشدة الولادة إلى ساق نخلة يابسة لتعتمد عليه عند الولادة { ~~قالت يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا } ~~أي قالت يا ليتني كنت قد مت قبل هذا اليوم وكنت شيئا تافها لا يعرف ~~ولا يذكر قال ابن كثير: عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود فتمنت ~~الموت لأنها عرفت أن الناس لا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم ~~عابدة ناسكة تصبح عاهرة زانية ولذلك قالت ما قالت { فناداها من ~~تحتهآ ألا تحزني } أي فناداها الملك من تحت النخلة قائلا ~~لها: لا تحزني لهذا الأمر { قد جعل ربك تحتك سريا } أي ~~جعل لك جدولا صغيرا يجري أمامك قال ابن عباس: ضرب جبريل برجله الأرض ~~فظهرت عين ماء عذب فجرى جدولا { وهزى إليك بجذع ~~النخلة } أي حركي جذع النخلة اليابسة { تساقط عليك رطبا ~~جنيا } أي يتساقط عليك الرطب الشهي الطري قال المفسرون: أمرها ~~بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع بعد رؤيتها عين ~~الماء العذب الذي جرى جدولا، وذلك ليسكن ألمها وتعلم أن ذلك كرامة من ~~الله لها { فكلي واشربي } أي كلي من هذا الرطب الشهي، واشربي من ~~هذا الماء العذب السلسبيل { وقري عينا } أي طيبي نفسا بهذا ~~المولود ولا تحزني { فإما ترين من البشر أحدا } أي فإن ~~رأيت أحدا من الناس وسألك عن شأن المولود { فقولي إني نذرت ~~للرحمن صوما } أي نذرت السكوت والصمت لله تعالى { فلن ~~أكلم اليوم إنسيا } أي لن أكلم أحدا من الناس. # . أمرت بالكف عن الكلام ليكفيها ولدها ذلك فتكون آية باهرة { ~~فأتت به قومها تحمله } أي أتت قومها ms0847 بعد أن طهرت من ~~النفاس تحمل ولدها عيسى على يديها { قالوا يمريم لقد جئت ~~شيئا فريا } أي فلما رأوها وابنها أعظموا أمرها واستنكروه وقالوا ~~لها: لقد جئت شيئا عظيما منكرا { يأخت هارون ما كان ~~أبوك امرأ سوء } أي يا شبيهة هارون في الصلاح والعبادة ما كان ~~أبوك رجلا فاجرا { وما كانت أمك بغيا } أي وما كانت أمك ~~زانية فكيف صدر هذا منك وأنت من بيت طاهر معرف بالصلاح والعبادة؟ قال ~~قتادة: كان هارون رجلا صالحا في بني إسرائيل مشهورا بالصلاح فشبهوها ~~به، وليس بهارون أخي موسى لأن بينهما ما يزيد على ألف عام وقال السهيلي: ~~هارون رجل من عباد بني إسرائيل المجتهدين كانت مريم تشبه به في ~~اجتهادها وليس بهارون أخي موسى بن عمران فإن بينهما دهرا طويلا { ~~فأشارت إليه } أي لم تجبهم وأشارت إلى عيسى ليكلموه ويسألوه { ~~قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا } أي قالوا ~~متعجبين: كيف نكلم طفلا رضيعا لا يزال في السرير يغتذي بلبان أمه؟ قال ~~الرازي: روي أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه ~~وكلمهم، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان { قال إني ~~عبد الله } أي قال عيسى في كلامه حين كلمهم: أنا عبد لله خلقني ~~بقدرته من دون أب، قدم ذكر العبودية، ليبطل قول من ادعى فيه الربوبية ~~{ آتاني الكتاب وجعلني نبيا } أي قضى ربي أن يؤتيني ~~الإنجيل ويجعلني نبيا، وإنما جاء بلفظ الماضي لإفادة تحققه فإن ما ~~حكم به الله أزلا لا بد إلا أن يقع { وجعلني مباركا أين ~~ما كنت } أي جعل في البركة والخير والنفع للعباد حيثما كنت وأينما ~~حللت { وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا } أي ~~أوصاني بالمحافظة على الصلاة والزكاة مدة حياتي { وبرا بوالدتي ~~} أي وجعلني بارا بوالدتي محسنا لها { ولم يجعلني جبارا ~~شقيا } أي ولم يجعلني متعظما متكبرا على أحد شقيا في حياتي { ~~والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم ~~أبعث حيا } أي سلام الله علي في يوم ولادتي، وفي ms0848 يوم مماتي، وفي ~~يوم خروجي حيا من قبري، هذا ما نطق به المسيح عليه السلام وهو طفل رضيع ~~في المهد. # . وهكذا يعلن عيسى عبوديته لله، فليس هو إلها، ولا ابن إله، ولا ثالث ~~ثلاثة كما يزعم النصارى، إنما عبد ورسول، يحيا ويموت كسائر البشر، خلقه ~~الله من أم دون أب ليكون آية على قدرة الله الباهرة، ولهذا جاء التعقيب ~~المباشر { ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه ~~يمترون } أي ذلك هو القول الحق في عيسى بن مريم لا ما يصفه ~~النصارى من أنه ابن الله، أو اليهود من أنه ابن زنى ويشكون في أمره ~~ويمترون { ما كان لله أن يتخذ من ولد } أي ما ينبغي لله ~~ولا يجوز له أن يتخذ ولدا { سبحانه } أي تنزه الله عن الولد ~~والشريك { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ~~أي إذا أراد شيئا وحكم به قال له كن فكان، ولا يحتاج إلى معاناة أو ~~تعب، ومن كان هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد؟ قال المفسرون: وهذا ~~كالدليل لما سبق كأنه قال: إن اتخاذ الولد شأن العاجز الضعيف المحتاج ~~الذي لا يقدر على شيء، وأما القادر الغني الذي يقول للشيء { كن ~~فيكون } فلا يحتاج في اتخاذ الولد إلى إحبال الأنثى وحيث أوجده ~~بقوله { كن } لا يسمى ابنا له بل هو عبده، فهو تبكيت وإلزام لهم ~~بالحجج الباهرة { وإن الله ربي وربكم فاعبدوه ~~هذا صراط مستقيم } أي ومما أمر به عيسى قومه وهو في ~~المهد أن أخبرهم أن الله ربه وربهم فليفردوه بالعبادة هذا هو الدين ~~القويم الذي لا اعوجاج فيه { فاختلف الأحزاب من بينهم } ~~أي اختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى وصاروا أحزابا متفرقين، ~~فمنهم من يزعم أنه ابن الله، ومنهم من يزعم أنه ابن زنى { فويل ~~للذين كفروا من مشهد يوم عظيم } أي ويل لهم من ~~المشهد الهائل ومن شهود هول الحساب والجزاء { أسمع بهم وأبصر ~~يوم يأتوننا } أي ما أسمعهم وأبصرهم في ذلك اليوم الرهيب { ~~لكن ms0849 الظالمون اليوم في ضلال مبين } أي لكن ~~الظالمون في هذه الدنيا في بعد وغفلة عن الحق واضح جلي { وأنذرهم ~~يوم الحسرة } أي أنذر الخلائق وخوفهم يوم القيامة يوم يتحسر ~~المسيء إذ لم يحسن، والمقصر إذ لم يزدد من الخير { إذ قضي الأمر ~~} أي قضي أمر الله في الناس، فريق في الجنة وفريق في السعير { وهم ~~في غفلة } أي وهم اليوم في غفلة سادرون { وهم لا يؤمنون } ~~أي لا يصدقون بالبعث والنشور { إنا نحن نرث الأرض ومن ~~عليها } أي نحن الوارثون للأرض وما عليها من الكنوز والبشر { ~~وإلينا يرجعون } أي مرجع الخلائق ومصيرهم إلينا للحساب ~~والجزاء. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- الكناية { وهن العظم مني } كناية عن ذهاب القوة وضعف ~~الجسم. # 2- الاستعارة { اشتعل الرأس شيبا } شبه انتشار الشيب وكثرته ~~باشتعال النار في الحطب واستعير الاشتعال للانتشار واشتق منه اشتعل بمعنى ~~انتشر ففيه استعارة تبعية. # 3- الطباق بين { ولد.. ويموت }. # 4- جناس الاشتقاق { نادى.. ندآء }. # 5- الكناية اللطيفة { ولم يمسسني بشر } كناية عن المعاشرة ~~الزوجية بالجماع. # 6- صيغة التعجب { أسمع.. وأبصر }. # 7- السجع { سريا } ، { بغيا } ، { صبيا } ، { نبيا } ~~وهو من المحسنات البديعة. # تنبيه: في يوم القيامة تشتد الحسرات حتى لكأن اليوم ممحض للحسرة لا شيء ~~فيه سواها، وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم قال: " # " إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت يوم القيامة ~~كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال يا أهل الجنة: هل تعرفون ~~هذا؟ فيشرئبون - أي يمدون أعناقهم - وينظرون ويقولون نعم هذا الموت، ثم ~~يقال يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا ~~الموت، فيؤمر به فيذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل ~~النار خلود فلا موت ثم قرأ { وأنذرهم يوم الحسرة.. } ~~الآية ". ### || [19.41-65] # المناسبة: لم ذكر تعالى " قصة مريم " واختلاف النصارى في شأن عيسى ~~حتى عبدوه من دون الله، أعقبها بذكر " قصة إبراهيم " وتحطيمه الأصنام ~~لتذكير الناس بما كان عليه خليل ms0850 الرحمن من توحيد الرب الديان، وسواء في ~~الضلال من عبد بشرا أو عبد حجرا، فالنصارى عبدوا المسيح، ومشركو العرب ~~عبدوا الأوثان. # اللغة: { صديقا } من أبنية المبالغة ومعناه كثير الصدق { مليا ~~} دهرا طويلا من قولهم أمليت لفلان في الأمر إذا أطلت له قال الشاعر: # فتصدعت شم الجبال لموته # وبكت عليه المرملات مليا # { حفيا } الحفي: المبالغ في البر واللطف به { خلف } الخلف: ~~بسكون اللام الذي يخلف سلفه بالشر وبفتحها الذي يخلفه بالخير يقال جعلك ~~الله خير خلف لخير سلف وقال الشاعر: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # { غيا }: شرا وضلالا قال أهل اللغة: كل شر عند العرب فهو غي، وكل ~~خير فهو رشاد. # سبب النزول: عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت الآية { وما ~~نتنزل إلا بأمر ربك.. } الآية ". # التفسير: { واذكر في الكتاب إبراهيم } أي اذكر يا محمد ~~في الكتاب العزيز خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام { إنه كان ~~صديقا نبيا } أي ملازما للصدق مبالغا فيه، جامعا بين ~~الصديقية والنبوة والغرض تنبيه العرب إلى فضل إبراهيم الذي يزعمون ~~الانتساب إليه ثم يعبدون الأوثان مع أنه إمام الحنفاء وقد جاء بالتوحيد ~~الصافي الذي دعاهم إليه خاتم المرسلين { إذ قال لأبيه يأبت ~~لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا } أي ناداه متلطفا بخطابه، مستميلا له نحو الهداية والإيمان، ~~يا أبت لم تعبد حجرا لا يسمع ولا يبصر، ولا يجلب لك نفعا أو يدفع عنك ~~ضرا؟ { يأبت إني قد جآءني من العلم ما لم يأتك ~~} كرر النصح باللطف ولم يصف أباه بالجهل الشنيع في عبادته للأصنام ~~وإنما ترفق وتلطف في كلامه أي جاءني من العلم بالله ومعرفة صفاته ~~القدسية ما لا تعلمه أنت { فاتبعني أهدك صراطا سويا } ~~أي اقبل نصيحتي وأطعني أرشدك إلى طريق مستقيم فيه النجاة من المهالك وهو ~~دين الله الذي لا عوج فيه { يأبت لا تعبد الشيطان } أي لا ~~تطع أمر ms0851 الشيطان في الكفر وعبادة الأوثان { إن الشيطان كان ~~للرحمن عصيا } أي إن الشيطان عاص للرحمن، مستكبر على عبادة ~~ربه، فمن أطاعه أغواه، قال القرطبي: وإنما عبر بالعبادة عن الطاعة لأن ~~من أطاع شيئا في معصية الله فقد عبده { يأبت إني أخاف أن ~~يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا ~~} تحذير من سوء العاقبة والمعنى أخاف أن تموت على كفرك فيحل بك عذاب ~~الله الأليم وتكون قرينا للشيطان بالخلود في النيران قال الإمام الفخر: ~~وإيراد الكلام بلفظ { يأبت } في كل خطاب دليل على شدة الحب والرغبة ~~في صونه عن العقاب، وإرشاده إلى الصواب، وقد رتب إبراهيم الكلام في ~~غاية الحسن، لأنه نبهه أولا إلى بطلان عبادة الأوثان، ثم أمره باتباعه ~~في الاستدلال وترك التقليد الأعمى، ثم ذكره بأن طاعة الشيطان غير جائزة ~~في العقول، ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام مع رعاية الأدب ~~والرفق، وقوله { إني أخاف } دليل على شدة تعلق قلبه بمصالحه ~~قضاء لحق الأبوة { قال أراغب أنت عن آلهتي ~~يإبراهيم } أي قال له أبوه آزر: أتارك يا إبراهيم عبادة آلهتي ~~ومنصرف عنها؟ استفهام فيه معنى التعجب والإنكار لإعراضه عن عبادة ~~الأوثان كأن ترك عبادتها لا يصدر عن عاقل قال البيضاوي: قابل أبوه ~~استعطافه ولطفه في الإرشاد بالفظاظه وغلظة العناد، فناداه باسمه ولم ~~يقابل قوله { يأبت } ب " يا ابني " وقدم الخبر وصدره بالهمزة ~~لإنكار نفس الرغبة كأنها مما لا يرغب عنها عاقل، ثم هدده بقوله { ~~لئن لم تنته لأرجمنك } أي لئن لم تترك شتم وعيب آلهتي ~~لأرجمنك بالحجارة { واهجرني مليا } أي اهجرني دهرا طويلا قال ~~السدي: أبدا. # . بهذه الجهالة تلقى " آزر " الدعوة إلى الهدى، وبهذه القسوة قابل القول ~~المؤدب المهذب، وكذلك شأن الكفر مع الإيمان، وشأن القلب الذي هذبه ~~الإيمان، والقلب الذي أفسده الطغيان { قال سلام عليك ~~سأستغفر لك ربي } أي قال إبراهيم في جوابه: أما أنا فلا ~~ينالك مني أذى ولا مكروه، ولا أقول لك بعد ما يؤذيك لحرمة الأبوة، ~~وسأسأل الله أن يهديك ويغفر لك ذنبك { إنه ms0852 كان بي حفيا } أي ~~مبالغا في اللطف بي والاعتناء بشأني { وأعتزلكم وما تدعون ~~من دون الله } أي أترككم وما تعبدون من الأوثان وأرتحل عن دياركم { ~~وأدعو ربي } أي وأعبد ربي وحده مخلصا له العبادة { عسى ألا ~~أكون بدعآء ربي شقيا } أي راجيا بسبب إخلاصي العبادة له ~~ألا يجعلني شقيا، وفيه تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتم.. وهكذا اعتزل ~~إبراهيم أباه وقومه وعبادتهم للأوثان، وهجر الأهل والأوطان، فلم يتركه ~~الله وحيدا بل وهب له ذرية وعوضه خيرا { فلما اعتزلهم ~~وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب } قال المفسرون: لما هاجر إبراهيم إلى أرض الشام، واعتزل ~~أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خير منهم، فوهب له إسحاق ويعقوب ~~أولادا أنبياء، فآنس الله بهما وحشته عن فراق قومه بأولئك الأولاد ~~الأطهار، ويعقوب ابن اسحاق، وهما شجرتا الأنبياء فقد جاء من نسلهما ~~أنبياء بني إسرائيل قال ابن كثير: المعنى جعلنا له نسلا وعقبا أنبياء، ~~أقر الله بهم عينه في حياته بالنبوة ولهذا قال { وكلا جعلنا ~~نبيا } أي كل واحد منهما جعلناه نبيا { ووهبنا لهم من ~~رحمتنا } أي أعطينا الجميع - إبراهيم وإسحاق ويعقوب - كل الخير ~~الديني والدنيوي، من المال والولد والعلم والعمل { وجعلنا لهم ~~لسان صدق عليا } أي جعلنا لهم ذكرا حسنا في الناس، لأن جميع ~~أهل الملل والأديان يثنون عليهم لما لهم من الخصال المرضية، ويصلون على ~~إبراهيم وعلى آله إلى قيام الساعة، قال الطبري: أي رزقناهم الثناء ~~الحسن، والذكر الجميل في الناس { واذكر في الكتاب موسى } أي ~~اذكر يا محمد لقومك في القرآن العظيم خبر موسى الكليم { إنه كان ~~مخلصا } أي استخلصه الله لنفسه، واصطفاه من بين الخلق لكلامه { ~~وكان رسولا نبيا } أي من الرسل الكبار، والأنبياء الأطهار، ~~جمع الله له بين الوصفين الجليلين، وإنما أعاد لفظ " كان " لتفخيم شأن ~~النبي المذكور { وناديناه من جانب الطور الأيمن } أي ~~نادينا موسى من جهة جبل الطور من ناحية اليمين حين كلمناه بلا واسطة { ~~وقربناه نجيا } أي أدنيناه للمناجاة حين كلمناه قال ابن ~~عباس: ms0853 أدني موسى من الملكوت ورفعت له الحجب حتى سمع صريف الأقلام قال ~~الزمخشري: شبهه بمن قربه بعض العظماء للمناجاة حيث كلمه بغير واسطة ~~ملك { ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون نبيا } أي ~~وهبنا له من نعمتنا عليه أخاه هارون فجعلناه نبيا إجابة لدعائه حين قال # واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي # [طه: 29-30] جعلناه له عضدا وناصرا ومعينا { واذكر في ~~الكتاب إسماعيل } أي اذكر يا محمد في القرآن العظيم خبر جدك " ~~إسماعيل " الذبيح ابن إبراهيم، وهو أبو العرب جميعا { إنه كان ~~صادق الوعد } أي كان صادقا في وعده، لا يعد بوعد إلا وفى به قال ~~المفسرون: وذكر بصدق الوعد وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء ~~تشريفا وإكراما، ولأنه عانى في الوفاء بالوعد ما لم يعانه غيره من ~~الأنبياء، فمن مواعيده الصبر وتسليم نفسه للذبح فلذلك أثنى الله عليه { ~~وكان رسولا نبيا } أي جمع الله له بين الرسالة والنبوة قال ~~ابن كثير: وفي الآية دليل على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق لأنه إنما ~~وصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة، ومن إسماعيل جاء خاتم ~~المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم { وكان يأمر أهله ~~بالصلاة والزكاة } أي كان يحث أهله على طاعة الله، وبخاصة ~~الصلاة التي هي عماد الدين، والزكاة التي بها تتحقق سعادة المجتمع { ~~وكان عند ربه مرضيا } أي نال رضى الله قال الرازي: وهذا ~~نهاية المدح لأن المرضي عند الله هو الفائز في كل طاعاته بأعلى الدرجات ~~{ واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا ~~نبيا } أي اذكر يا محمد في الكتاب الجليل خبر إدريس إنه كان ~~ملازما للصدق في جميع أحواله، موحى إليه من الله قال المفسرون: إدريس ~~هو جد نوح، وأول مرسل بعد بعد آدم، وأول من خط بالقلم ولبس المخيط، ~~وكانوا من قبل يلبسون الجلود، وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة { ~~ورفعناه مكانا عليا } أي رفعنا ذكره وأعلينا قدره، بشرف ~~النبوة والزلفى عند الله { أولئك الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين } أي أولئك المذكورون هم أنبياء ms0854 الله ~~ورسله الكرام، الذين قصصنا عليك خبرهم في هذه السورة - وهم عشرة أولهم ~~زكريا وآخرهم إدريس - وهم الذين أنعم الله عليهم بشرف النبوة { من ~~ذرية ءادم } أي من نسل آدم كإدريس { وممن حملنا مع ~~نوح } كإبراهيم فإنه من ذرية سام بن نوح { ومن ذرية ~~إبراهيم } كإسماعيل وإسحاق ويعقوب { وإسرائيل } أي ومن ذرية ~~إسرائيل وهو " يعقوب " كموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى { وممن ~~هدينا واجتبينآ } أي وممن هديناهم للإيمان واصطفيناهم لرسالتنا ~~ووحينا { إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ~~سجدا وبكيا } أي إذا سمعوا كلام الله سجدوا وبكوا من خشية الله ~~مع ما لهم من علو الرتبة، وسمو النفس، والزلفى من الله تعالى، قال ~~القرطبي: وفي الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيرا في القلوب { ~~فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات } أي جاء من بعد هؤلاء الأتقياء قوم أشقياء، تركوا الصلوات ~~وسلكوا طريق الشهوات { فسوف يلقون غيا } أي سوف يلقون كل شر ~~وخسار ودمار، قال ابن عباس: غي واد في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ ~~بالله من حره { إلا من تاب وآمن وعمل صالحا } أي إلا من ~~تاب وأناب وأصلح عمله { فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون شيئا } أي فأولئك يسعدون في الجنة ولا ينقصون من جزاء ~~أعمالهم شيئا { جنات عدن التي وعد الرحمن عباده ~~بالغيب } أي هي جنات إقامة التي وعدهم بها ربهم فآمنوا بها بالغيب ~~قبل أن يروها تصديقا بوعده تعالى { إنه كان وعده مأتيا } ~~أي إن وعده تعالى بالجنة آت وحاصل لا يخلف { لا يسمعون فيها ~~لغوا إلا سلاما } أي لا يسمعون في الجنة شيئا من فضول الكلام، ~~لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم على وجه التحية والإكرام، والاستثناء ~~منقطع { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } أي ولهم ما ~~يشتهون في الجنة من أنواع المطاعم والمشارب بدون كد ولا تعب، ولا تنغص ~~ولا انقطاع { تلك الجنة التي نورث من عبادنا من ~~كان تقيا } أي هذه الجنة التي وصفنا أحوال أهلها هي التي نورثها ~~لعبادنا المتقين { وما نتنزل إلا بأمر ربك } هذا ms0855 من ~~كلام جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين احتبس عنه فترة من الزمن ~~والمعنى: ما نتنزل إلى الدنيا إلا بأمر الله وإذنه { له ما بين ~~أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك } أي لله جل وعلا جميع ~~الأمر، أمر الدنيا والآخرة، وهو المحيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية، ولا ~~يعزب عنه مثقال ذرة، فكيف نقدم على فعل شيء إلا بأمره وإذنه؟ { وما ~~كان ربك نسيا } أي لا ينسى شيئا من أعمال العباد { رب ~~السموت والأرض وما بينهما فاعبده } أي هو رب ~~العوالم علويها وسفليها فاعبده وحده { واصطبر لعبادته } أي ~~اصبر على تكاليف العبادة { هل تعلم له سميا } أي هل تعلم له ~~شبيها ونظيرا؟ # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الكناية اللطيفة { وجعلنا لهم لسان صدق عليا } ~~كنى عن الذكر الحسن والثناء الجميل باللسان لأن الثناء يكون باللسان ~~فلذلك قال { لسان صدق } كما يكنى عن العطاء باليد. # 2- الاستعارة { ورفعناه مكانا عليا } شبه المكانة ~~العظيمة والمنزلة السامية بالمكان العالي بطريق الاستعارة. # 3- المبالغة { صديقا نبيا } أي مبالغا في الصدق. # 4- الإشارة بالبعيد لعلو الرتبة { أولئك الذين أنعم } ~~فما فيه من معنى البعد للإشادة بعلو رتبهم وبعد منزلتهم في الفضل. # 5- الجناس الناقص { فخلف من بعدهم خلف } لتغير الحركات ~~والشكل. # 6- الطباق { له ما بين أيدينا وما خلفنا } وبين { ~~بكرة.. وعشيا }. # 7- السجع الحسن الرصين { عليا، حفيا، نبيا }. # فائدة: في قول إبراهيم عليه السلام " يا أبت " تلطف واستدعاء، ~~والتاء عوض عن ياء الإضافة لأن أصله " يا أبي " ولهذا لا يجمع بينهما. # تنبيه: ذكر السيوطي في التحبير أن إبراهيم عليه السلام عاش من العمر ~~مائة وخمسا وسبعين سنة، وبينه وبين آدم ألفا سنة، وبينه وبين نوح ألف ~~سنة، ومنه تفرعت شجرة الأنبياء. ### || [19.66-98] # المناسبة: لما ذكر تعالى طائفة من قصص الأنبياء للعظة والاعتبار، ~~وكان الغرض الأساسي للسورة الكريمة إثبات قدرة الله على الإحياء ~~والإفناء، وإثبات يوم المعاد، ذكر تعالى هنا بعض شبهات المكذبين للبعث ~~والنشور ورد عليها بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، وختم ms0856 السورة ~~الكريمة ببيان مآل السعداء والأشقياء. # اللغة: { جثيا } جمع جاث يقال: جثا إذا قعد على ركبتيه من شدة ~~الهول وهي قعدة الخائف الذليل قال الكميت: # همو تركوا سراتهم جثيا # وهم دون السراة مقرنينا # { عتيا } عصيانا وتمردا عن الحق { نديا } الندي والنادي: ~~الذي يجتمع فيه القوم للتحدث والمشورة قال الجوهري: الندي مجلس القوم ~~ومتحدثهم وكذلك الندوة والنادي فإن تفرقوا فليس بندي { أثاثا } ~~الأثاث: متاع البيت { رءيا } منظرا حسنا { تؤزهم } الأز: ~~التهييج والإغراء، قال أهل اللغة: الأز والهز والاستفزاز متقاربة ~~ومعناها التهييج وشدة الإزعاج ومنه أزيز المرجل وهو غليانه وحركته { ~~وفدا } جمع وافد وهو الذي يقدم على سبيل التكرمة معززا مكرما { ~~وردا } مشاة عطاشا قال الرازي: والورد اسم للعطاش لأن من يرد الماء ~~لا يرده إلا للعطش { إدا } منكرا عظيما قال الجوهري: الإد: ~~الداهية والأمر الفظيع { ركزا } الركز: الصوت الخفي. # سبب النزول: عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينا - أي حدادا - ~~وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك ~~حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث - أي ~~تموت الآن وتبعث أمامي وهذا من باب المستحيل - قال: فإني إذا مت ثم ~~بعثت جئتني ولي ثم مال فأعطيتك فأنزل الله { أفرأيت الذي ~~كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا }. # التفسير: { ويقول الإنسان أءذا ما مت لسوف أخرج ~~حيا } أي يقول الكافر الذي لا يصدق بالبعث بعد الموت على وجه الإنكار ~~والاستبعاد: أئذا مت وأصبحت ترابا ورفاتا فسوف أخرج من القبر حيا؟ ~~قال ابن كثير: يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته، واللام " لسوف " للمبالغة ~~في الإنكار، وهو إنكار منشؤه غفلة الإنسان عن نشأته الأولى، أين كان؟ ~~وكيف كان؟ ولو تذكر لعلم أن الأمر أيسر مما يتصور { أولا يذكر ~~الإنسن أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } أي ~~أولا يتذكر هذا المكذب الجاحد أول خلقه فيستدل بالبداءة على الإعادة؟ ~~ويعلم أن الله الذي خلقه من العدم قادر على أن يعيده بعد الفناء وتشتت ~~الأجزاء؟ قال ms0857 بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث ~~على هذا الاختصار لما قدروا عليها، إذ لا شك أن الإعادة ثانيا ~~أهون من الإيجاد أولا، ونظيره قوله # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس: 79] { فوربك لنحشرنهم والشياطين } أي فوربك ~~يا محمد لنحشرن هؤلاء المكذبين بالبعث مع الشياطين الذين أغووهم قال ~~المفسرون: يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة { ثم لنحضرنهم ~~حول جهنم جثيا } أي نحضر هؤلاء المجرمين حول جهنم قعودا على ~~الركب من شدة الهول والفزع، لا يطيقون القيام على أرجلهم لما يدهمهم من ~~شدة الأمر { ثم لننزعن من كل شيعة } أي لنأخذن ~~ولننتزعن من كل فرقة وجماعة ارتبطت بمذهب { أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا } أي من منهم أعصى لله وأشد تمردا، والمراد أنه ~~يؤخذ من هؤلاء المجرمين ليقذف في جهنم الأعتى فالأعتى قال ابن مسعود: ~~يبدأ بالأكابر جرما { ثم لنحن أعلم بالذين هم ~~أولى بها صليا } أي نحن أعلم بمن هم أحق بدخول النار والاصطلاء ~~بحرها وبمن يستحق تضعيف العذاب فنبدأ بهم { وإن منكم إلا ~~واردها } أي ما منكم أحد من بر أو فاجر ألا وسيرد على النار، ~~المؤمن للعبور والكافر للقرار { كان على ربك حتما ~~مقضيا } أي كان ذلك الورود قضاء لازما لا يمكن خلفه { ثم ~~ننجي الذين اتقوا } أي ننجي من جهنم المتقين بعد مرور ~~الجميع عليها { ونذر الظالمين فيها جثيا } أي ونترك ~~الظالمين في جهنم قعودا على الركب قال البيضاوي: والآية دليل على أن ~~المراد بالورود والجثو حواليها، وأن المؤمنين يفارقون الفجرة إلى الجنة ~~بعد نجاتهم، ويبقى الفجرة فيها على هيئاتهم { وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا بينت } أي وإذا قرئت على المشركين آيات ~~القرآن المبين، واضحات الإعجاز، بينات المعاني { قال الذين ~~كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما ~~وأحسن نديا } أي قال الكفرة المترفون لفقراء المؤمنين أي ~~الفريقين: - نحن أو أنتم - أحسن مسكنا، وأطيب عيشا، وأكرم منتدى ~~ومجلسا؟ قال البيضاوي: إن المشركين لما سمعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن ~~معارضتها، أخذوا في الافتخار بما لهم من ms0858 حظوظ الدنيا، والاستدلال بزيادة ~~حظهم فيها على فضلهم وحسن حالهم لقصور نظرهم، فرد الله عليهم بقوله { ~~وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ~~ورءيا } أي وكثير من الأمم المكذبين بآياتنا أهلكناهم بكفرهم كانوا ~~أكثر من هؤلاء متاعا، وأجمل صورة ومنظرا، فكما أهلكنا السابقين نهلك ~~اللاحقين، فلا يغتر هؤلاء بما لديهم من النعيم والمتاع { قل من ~~كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا } أي قل ~~يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أنهم على حق: من كان في الضلالة منا ~~ومنكم فليمهله الرحمن فيما هو فيه، وليدعه في طغيانه، حتى يلقى ربه ~~وينقضي أجله قال القرطبي: وهذا غاية في التهديد والوعيد { حتى إذا ~~رأوا ما يوعدون } أي حتى يروا ما يحل بهم من وعد الله { ~~إما العذاب وإما الساعة } أي إما عذاب الدنيا بالقتل ~~والأسر، أو عذاب الآخرة بما ينالهم يوم القيامة من الشدائد والأهوال { ~~فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا } أي ~~فسيعلمون عندئذ حين تنكشف الحقائق أي الفريقين شر منزلة عند الله، وأقل ~~فئة وأنصارا، هل هم الكفار أم المؤمنون؟ وهذا في مقابلة قولهم { خير ~~مقاما وأحسن نديا } { ويزيد الله الذين ~~اهتدوا هدى } أي ويزيد الله المؤمنين المهتدين، بصيرة وإيمانا ~~وهداية { والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا } ~~أي والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها ذخرا في الآخرة خير عند الله من ~~كل ما يتباهى به أهل الأرض من حيث الأجر والثواب { وخير مردا } ~~أي وخير رجوعا وعاقبة، فإن نعيم الدنيا زائل ونعيم الآخرة باق دائم { ~~أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا } نزلت في العاص بن وائل، والاستفهام للتعجب أي تعجب يا محمد ~~من قصة هذا الكافر الذي جحد بآيات الله وزعم أن الله سيعطيه في الآخرة ~~المال والبنين { أطلع الغيب } أي هل اطلع على الغيب الذي ~~تفرد به علام الغيوب؟ { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } ~~أي أم أعطاه الله عهدا بذلك فهو يتكلم عن ثقة ويقين؟ { كلا ~~سنكتب ما يقول } رد عليه، ولفظة " كلا " للردع والزجر أي ~~ليرتدع ذلك ms0859 الفاجر عن تلك المقالة الشنيعة فسنكتب ما يقول عليه { ~~ونمد له من العذاب مدا } أي سنزيد له في العذاب ونطيله ~~عليه جزاء طغيانه واستهزائه، ونضاعف له مدد العذاب مكان الإمداد بالمال ~~والولد { ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } أي ونرثه ما ~~يخلفه من المال والولد بعد إهلاكه، ويأتينا وحيدا لا مال معه ولا ولد، ~~ولا نصير له ولا سند { واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا } أي واتخذ المشركون أصناما عبدوها من دون ~~الله لينالوا بها العز والشرف { كلا سيكفرون بعبادتهم ~~ويكونون عليهم ضدا } أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا فإن ~~الآلهة التي عبدوها ستبرأ من عبادتهم ويكونون لهم أعداء يوم القيامة { ~~ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا } أي ألم تر يا محمد أنا سلطنا الشياطين على ~~الكافرين تغريهم إغراء بالشر، وتهيجهم تهييجا حتى يركبوا المعاصي ~~قال الرازي: أي تغريهم على المعاصي وتحثهم وتهيجهم لها بالوساوس ~~والتسويلات { فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا ~~} أي لا تتعجل يا محمد في طلب هلاكهم فإنه لم يبق لهم إلا أيام وأنفاس ~~نعدها عليهم عدا ثم يصيرون إلى عذاب شديد قال ابن عباس: نعد ~~أنفاسهم في الدنيا كما نعد عليهم سنيهم { يوم نحشر ~~المتقين إلى الرحمن وفدا } أي يوم نحشر المتقين إلى ~~ربهم معززين مكرمين، راكبين على النوق كما يفد الوفود على الملوك ~~منتظرين لكرامتهم وإنعامهم { ونسوق المجرمين إلى جهنم ~~وردا } أي ونسوق المجرمين كما تساق البهائم مشاة عطاشا كأنهم إبل ~~عطاش تساق إلى الماء وفي الحديث # " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنان على ~~بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتجر بقيتهم ~~إلى النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا " # { لا يملكون الشفاعة } أي لا يشفعون ولا يشفع لهم { إلا ~~من اتخذ عند الرحمن عهدا } الاستثناء منقطع أي لكن من ~~تحلى بالإيمان والعمل الصالح فإنه يملك الشفاعة قال ابن عباس: العهد ~~" شهادة أن لا إله إلا الله " { وقالوا اتخذ الرحمن ms0860 ~~ولدا } أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله { لقد ~~جئتم شيئا إدا } أي لقد أتيتم أيها المشركون بقول منكر عظيم ~~تناهى في القبح والشناعة { تكاد السموت يتفطرن منه } ~~أي تكاد السماوات تتشقق من هول هذا القول { وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا } أي وتنشق كذلك الأرض وتندك الجبال ~~وتهد هدا استعظاما للكلمة الشنيعة { أن دعوا للرحمن ~~ولدا } أي ما يليق به سبحانه اتخاذ الولد، لأن الولد يقتضي المجانسة ~~ويكون عن حاجة، وهو المنزه عن الشبيه والنظير، والغني عن المعين ~~والنصير { إن كل من في السموت والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا } أي ما من مخلوق في هذا العالم العلوي والسفلي ~~إلا وهو عبد لله، ذليل خاضع بين يديه، منقاد مطيع له كما يفعل العبيد ~~{ لقد أحصاهم وعدهم عدا } أي علم عددهم وأحاط علمه بهم ~~فلا يخفى عليه شيء من أمورهم { وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا } أي وكل فرد يأتي يوم القيامة وحيدا فريدا، بلا مال ولا ~~نصير، ولا معين ولا خفير { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا } لما ذكر أحوال ~~المجرمين ذكر أحوال المؤمنين والمعنى سيحدث لهم في قلوب عباده الصالحين ~~محبة ومودة قال الربيع: يحبهم ويحببهم إلى الناس { فإنما ~~يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر ~~به قوما لدا } أي فإنما يسرنا يا محمد هذا القرآن بلسانك ~~العربي تقرأه، وجعلناه سهلا يسيرا لمن تدبره، لتبشر به المؤمنين ~~المتقين، وتخوف به قوما معاندين شديدي الخصومة والجدال { وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن } أي كم من الأمم الماضية أهلكناهم ~~بتكذيبهم الرسل، و " كم " للتكثير { هل تحس منهم من أحد ~~} أي هل ترى منهم أحدا؟ { أو تسمع لهم ركزا } أي أو تسمع ~~صوتا خفيا؟ والمعنى أنهم بادوا وهلكوا وخلت منهم الديار، وأوحشت منهم ~~المنازل، فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- ذكر العام وإرادة الخاص { ويقول الإنسان } المراد به الكافر ~~لأنه هو المنكر للبعث. # 2- الطباق بين { مت.. حيا } وبين { تبشر.. وتنذر }. # 3- الاستفهام للإنكار ms0861 والتوبيخ { أولا يذكر الإنسن }. # 4- المقابلة اللطيفة بين المتقين والمجرمين وبين حال الأبرار والأشرار { ~~يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } { ~~ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا }. # 5- الجناس غير التام { وفدا.. وردا } لتغير الحرف الثاني. # 6- اللف والنشر المرتب في { شر مكانا وأضعف جندا } حيث ~~رجع الأول إلى { خير مقاما } والثاني إلى { وأحسن نديا } ~~كما يوجد بين { خير.. وشر } طباق. # 7- المجاز العقلي { سنكتب ما يقول } أي نأمر الملائكة بالكتابة ~~فهو من إسناد الشيء إلى سببه. # 8- السجع الرصين مثل { عبدا } ، { عدا } ، { فردا } ، { ودا ~~} وهو من المحسنات البديعية. # فائدة: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا ~~فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه ~~فيحبه أهل السماء.. " # الحديث وهو مصداق قوله تعالى { سيجعل لهم الرحمن ودا ~~}. # لطيفة: روي أن المأمون قرأ هذه الآية { فلا تعجل عليهم ~~إنما نعد لهم عدا } وعنده جماعة من الفقهاء فيهم ابن ~~السماك فأشار إليه المأمون أن يعظه فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم ~~يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد قال الشاعر: # حياتك أنفاس تعد فكلما # مضى نفس منك انتقصت به جزءا ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-40] # اللغة: { بقبس } القبس: شعلة من نار { المقدس } المطهر ~~والمبارك { طوى } اسم للوادي { فتردى } تهلك والردى: الهلاك { ~~أهش } أخبط بها الشجر ليسقط الورق { مآرب } جمع مأربه وهي الحاجة ~~{ جناحك } الجناح: الجنب وجناحا الإنسان جنباه لأن يدي الإنسان ~~يشبهان جناحي الطائر { أزري } الأزر: القوة يقال: آزره أي قواه ومنه # فآزره فاستغلظ # [الفتح: 29] قال الشاعر: # أليس أبونا هاشم شد أزره # وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب # { اليم } البحر { تقر عينها } تسر بلقائك. # التفسير: { طه * مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ~~الحروف المقطعة للتنبيه إلى إعجاز القرآن وقال ابن عباس: معناها يا ~~رجل، ومعنى الآية: ما أنزلنا عليك يا محمد القرآن لتشقى به إنما أنزلناه ~~رحمة وسعادة، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه ms0862 القرآن ~~صلى هو وأصحابه فأطال القيام فقالت قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على ~~محمد إلا ليشقى فنزلت هذه الآية { إلا تذكرة لمن يخشى } ~~أي ما أنزلناه إلا عظة وتذكيرا لمن يخشى الله ويخاف عقابه، وهو المؤمن ~~المستنير بنور القرآن { تنزيلا ممن خلق الأرض ~~والسموت العلى } أي أنزله خالق الأرض، ومبدع الكون، ورافع ~~السماوات الواسعة العالية، والآية إخبار عن عظمته وجبروته وجلاله قال ~~في البحر: ووصف السماوات بالعلى دليل على عظمة قدرة من اخترعها إذ لا ~~يمكن وجود مثلها في علوها من غيره تعالى { الرحمن على ~~العرش استوى } أي ذلك الرب الموصوف بصفات الكمال والجمال هو ~~الرحمن الذي استوى على عرشه استواء يليق بجلاله من غير تجسيم، ولا ~~تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل كما هو مذهب السلف { له ما في ~~السموت وما في الأرض وما بينهما وما تحت ~~الثرى } أي له سبحانه ما في الوجود كله: السماوات السبع، ~~والأرضون وما بينهما من المخلوقات وما تحت التراب من معادن ومكنونات، ~~الكل ملكه وتحت تصرفه وقهره وسلطانه أي وإن تجهر يا محمد بالقول أو ~~{ وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } ~~تخفه في نفسك فسواء عند ربك، فإنه يعلم السر وما هو أخفى منه ~~كالوسوسه والهاجس والخاطر.. والغرض من الآية طمأنينه قلبه عليه السلام ~~بأن ربه معه يسمعه، ولن يتركه وحيدا يواجه الكافرين بلا سند فإذا كان ~~يدعوه جهرا فإنه يعلم السر وما هو أخفى، والقلب حين يستشعر قرب الله ~~منه، وعلمه بسره ونجواه يطمئن ويرضى ويأنس بهذا القرب الكريم { الله ~~لا إله إلا هو له الأسمآء الحسنى } أي ربكم هو ~~الله المتفرد بالوحدانية، لا معبود بحق سواه، ذو الأسماء الحسنة التي هي ~~في غاية الحسن وفي الحديث # " إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة " # { وهل أتاك حديث موسى } الاستفهام للتقرير وغرضه التشويق ~~لما يلقى إليه أي هل بلغك يا محمد خبر موسى وقصته العجيبة الغريبة؟ { ~~إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~} أي حين رأى نارا فقال ms0863 لامرأته أقيمي مكانك فإني أبصرت نارا قال ابن ~~عباس: هذا حين قضى الأجل وسار بأهله من مدين يريد مصر، وكان قد أخطأ ~~الطريق وكانت ليلة مظلمة شاتية فجعل يقدح بالزناد فلا يخرج منها شرر ~~فبينما هو كذلك إذ بصر بنار من بعيد على يسار الطريق، فلما رآها ظنها ~~نارا وكانت من نور الله { لعلي آتيكم منها بقبس } أي ~~لعلي آتيكم بشعلة من النار تستدفئون بها { أو أجد على النار ~~هدى } أي أجد هاديا يدلني على الطريق { فلمآ أتاها نودي ~~يموسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك } أي فلما أتى ~~النار وجدها نارا بيضاء تتقد في شجرة خضراء وناداه ربه يا موسى: إني ~~أنا ربك الذي أكلمك فاخلع النعلين من قدميك رعاية للأدب وأقبل { ~~إنك بالواد المقدس طوى } أي فإنك بالوادي المطهر ~~المبارك المسمى طوى { وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى } ~~أي اصطفيتك للنبوة فاستمع لما أوحيه إليك قال الرازي: فيه نهاية ~~الهيبة والجلالة فكأنه قال: لقد جاءك أمر عظيم هائل فتأهب له واجعل كل ~~عقلك وخاطرك مصروفا إليه { إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا فاعبدني } أي أنا الله المستحق للعبادة لا إله غيري فأفردني ~~بالعبادة والتوحيد { وأقم الصلاة لذكري } أي أقم الصلاة ~~لتذكرني فيها قال مجاهد: إذا صلى ذكر ربه لاشتمالها على الأذكار وقال ~~الصاوي: خص الصلاة بالذكر وإن كانت داخلة في جملة العبادات لعظم ~~شأنها، واحتوائها على الذكر، وشغل القلب واللسان والجوارح، فهي أفضل ~~أركان الدين بعد التوحيد { إن الساعة آتية أكاد أخفيها ~~} أي إن الساعة قادمة وحاصلة لا محالة أكاد أخفيها عن نفسي فكيف أطلعكم ~~عليها؟ قال المبرد: وهذا على عادة العرب فإنهم يقولون إذا بالغوا في ~~كتمان الشيء: كتمته حتى من نفسي أي لم أطلع عليه أحدا { لتجزى ~~كل نفس بما تسعى } أي لتنال كل نفس جزاء ما عملت من خير ~~أو شر قال المفسرون: والحكمة من إخفائها وإخفاء وقت الموت أن الله ~~تعالى حكم بعدم قبول التوبة عند قيام الساعة وعند الاحتضار، فلو عرف ~~الناس وقت الساعة ms0864 أو وقت الموت، لاشتغلوا بالمعاصي ثم تابوا قبل ذلك، ~~فيتخلصون من العقاب، ولكن الله عمى الأمر، ليظل الناس على حذر ~~دائم، وعلى استعداد دائم، من أن تبغتهم الساعة أو يفاجئهم الموت { فلا ~~يصدنك عنها من لا يؤمن بها } أي لا يصرفنك يا موسى ~~عن التأهب للساعة والتصديق بها من لا يوقن بها { واتبع هواه } أي ~~مال مع الهوى وأقبل على اللذائذ والشهوات ولم يحسب حسابا لآخرته { ~~فتردى } أي فتهلك فإن الغفلة عن الآخرة مستلزمة للهلاك { وما ~~تلك بيمينك يموسى } أي وما هذه التي بيمينك يا موسى؟ أليست ~~عصا؟ والغرض من الاستفهام التقرير والإيقاظ والتنبيه إلى ما سيبدو ~~من عجائب صنع الله في الخشبة اليابسة بانقلابها إلى حية، لتظهر لموسى ~~القدرة الباهرة، والمعجزة القاهرة قال ابن كثير: إنما قال له ذلك على ~~وجه التقرير، أي أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها؟ فسترى ما نصنع ~~بها الآن؟ { قال هي عصاي أتوكأ عليها } أي أعتمد عليها ~~في حال المشي { وأهش بها على غنمي } أي أهز بها الشجرة ~~وأضرب بها على الأغصان ليتساقط ورقها فترعاه غنمي { ولي فيها ~~مآرب أخرى } أي ولي فيها مصالح ومنافع وحاجات أخر غير ذلك قال ~~المفسرون: كان يكفي أن يقول هي عصاي ولكنه زاد في الجواب لأن المقام مقام ~~مباسطة وقد كان ربه يكلمه بلا واسطة، فأراد أن يزيد في الجواب ليزداد ~~تلذذا بالخطاب، وكلام الحبيب مريح للنفس ومذهب للعناء { قال ~~ألقها يموسى } أي اطرح هذه العصا التي بيدك يا موسى لترى من ~~شأنها ما ترى! { فألقاها فإذا هي حية تسعى } أي فلما ~~ألقاها صارت في الحال حية عظيمة تنتقل وتتحرك في غاية السرعة قال ابن ~~عباس: انقلبت ثعبانا ذكرا يبتلع الصخر والشجر، فلما رآه يبتلع كل شيء ~~خافه ونفر منه وولى هاربا قال المفسرون: لما رأى هذا الأمر العجيب ~~الهائل، لحقه ما يلحق البشر عند رؤية الأهوال والمخاوف، لا سيما هذا ~~الأمر الذي يذهب بالعقول، وإنما أظهر له هذه الآية وقت المناجاة تأنيسا ~~له بهذه المعجزة ms0865 الهائلة حتى لا يفزع إذا ألقاها عند فرعون لأنه يكون قد ~~تدرب وتعود { قال خذها ولا تخف } أي قال له ربه: خذها يا ~~موسى ولا تخف منها { سنعيدها سيرتها الأولى } أي سنعيدها ~~إلى حالتها الأولى كما كانت عصا لا حية، فأمسكها فعادت عصا { ~~واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضآء من غير ~~سوء } أي أدخل يدك تحت إبطك ثم أخرجها تخرج نيرة مضيئة كضوء الشمس ~~والقمر من غير عيب ولا برص قال ابن كثير: كان إذا أدخل يده في جيبه ثم ~~أخرجها تخرج تتلألأ كأنها فلقة القمر من غير برص ولا أذى { آية ~~أخرى } أي معجزة ثانية غير العصا { لنريك من آياتنا ~~الكبرى } أي لنريك بذلك بعض آياتنا العظيمة. # . أراه الله معجزتين " العصا، واليد " وهي بعض ما أيده الله به من ~~المعجزات الباهرة، ثم أمره أن يتوجه إلى فرعون رأس الكفر والطغيان { ~~اذهب إلى فرعون إنه طغى } أي إذهب بما معك من الآيات ~~إلى فرعون إنه تكبر وتجبر وجاوز الحد في الطغيان حتى ادعى ~~الألوهية { قال رب اشرح لي صدري } أي وسعه ونوره ~~بالإيمان والنبوة { ويسر لي أمري } أي سهل علي القيام ~~بما كلفتني من أعباء الرسالة والدعوة { واحلل عقدة من ~~لساني * يفقهوا قولي } أي حل هذه اللكنة الحاصلة في ~~لساني حتى يفهموا كلامي قال المفسرون: عاش موسى في بيت فرعون فوضعه فرعون ~~مرة في حجره وهو صغير فجر لحية فرعون بيده فهم بقتله، فقالت له ~~آسية: إنه لا يعقل وسأريك بيان ذلك، قدم إليه جمرتين ولؤلؤتين، فإن ~~أخذ اللؤلؤة عرفت أنه يعقل، وإن أخذ الجمرة عرفت أنه طفل لا يعقل، ~~فقدم إليه فأخذ الجمرة فجعلها في فيه فكان في لسانه حبسة { واجعل ~~لي وزيرا من أهلي * هارون أخي } أي اجعل لي معينا ~~يساعدني ويكون من أهلي وهو أخي هارون { اشدد به أزري } أي ~~لتقوي به يا رب ظهري { وأشركه في أمري } أي اجعله شريكا لي ~~في النبوة وتبليغ الرسالة { كي نسبحك كثيرا * ونذكرك ~~كثيرا } أي كي نتعاون على تنزيهك عما ms0866 لا يليق بك ونذكرك بالدعاء ~~والثناء عليك { إنك كنت بنا بصيرا } أي عالما بأحوالنا لا ~~يخفى عليك شيء من أفعالنا، طلب موسى من ربه أن يعينه بأخيه يشد به ~~أزره، لما يعلم منه من فصاحة اللسان، وثبات الجنان، وأن يشركه معه في ~~المهمة لما يعلم من طغيان فرعون وتكبره وجبروته { قال قد أوتيت ~~سؤلك يموسى } أي أعطيت ما سألت وما طلبت، ثم ذكر تعالى ~~بالمنن العظام عليه { ولقد مننا عليك مرة أخرى } أي ~~أنعمنا عليك يا موسى بمنة أخرى غير هذه المنة { إذ أوحينآ ~~إلى أمك ما يوحى } أي ألهمنا ما يلهم مما كان سببا في ~~نجاتك { أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم } أي ~~ألهمناها أن ألق هذا الطفل في الصندوق ثم اطرحيه في نهر النيل، ثم ~~ماذا؟ ومن يتسلمه؟ { فليلقه اليم بالساحل يأخذه ~~عدو لي وعدو له } أي يلقيه النهر على شاطئه ويأخذه فرعون ~~عدوي وعدوه قال في البحر: { فليلقه } أمر معناه الخبر جاء بصيغة ~~الأمر مبالغة إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها { وألقيت عليك ~~محبة مني } أي زرعت في القلوب محبتك بحيث لا يكاد يصبر عنك من ~~رآك حتى أحبك فرعون قال ابن عباس: أحبه الله وحببه إلى خلقه { ~~ولتصنع على عيني } أي ولتربى بعين الله بحفظي ورعايتي { ~~إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من ~~يكفله } أي حين تمشي أختك وتتبع أثرك فتقول لآل فرعون حين طلبوا ~~لك المراضع: هل أدلكم على من يضمن لكم حضانته ورضاعته؟ قال المفسرون: ~~لما التقطه آل فرعون جعل لا يقبل ثدي امرأة لأن الله حرم عليه المراضع ~~وبقيت أمه بعد قذفه في اليم مغمومة فأمرت أخته أن تتبع خبره، فلما ~~وصلت إلى بيت فرعون ورأته قالت: هل أدلكم على امرأة أمينة فاضلة تتعهد ~~لكم رضاع هذا الطفل؟ فطلبوا منها إحضارها فأتت بأم موسى فلما أخرجت ~~ثديها التقمه ففرحت زوجة فرعون فرحا شديدا وقالت لها: كوني معي في ~~القصر فقالت: لا أستطيع أن أترك بيتي وأولادي ولكن آخذه معي وآتي لك به ms0867 ~~كل حين فقالت نعم وأحسنت إليها غاية الإحسان فذلك قوله تعالى { ~~فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن } أي ~~رددناك إلى أمك لكي تسر بلقائك، وتطمئن بسلامتك ونجاتك، ولكيلا تحزن ~~على فراقك { وقتلت نفسا فنجيناك من الغم } أي قتلت ~~القبطي حين أصبحت شابا فنجيناك من غم القتل وصرفنا عنك شر فرعون ~~وزبانيته، وفي صحيح مسلم: وكان قتله خطأ { وفتناك فتونا } أي ~~ابتليناك ابتلاء عظيما بأنواع من المحن { فلبثت سنين في ~~أهل مدين } أي مكثت سنين عديدة عند شعيب في أرض مدين { ثم ~~جئت على قدر يموسى } أي جئت على موعد ووقت مقدر للرسالة ~~والنبوة. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التشويق والحث على الإصغاء { وهل أتاك حديث موسى }؟ # 2- الإطناب { قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش ~~بها على غنمي } وكان يكفي أن يقول: هي عصاي ولكنه توسع في ~~الجواب تلذذا بالخطاب. # 3- الاستعارة التصريحية { واضمم يدك إلى جناحك } أصل ~~الجناح للطائر ثم استعير لجنب الإنسان لأن كل جنب في موضع الجناح للطائر ~~فسميت الجهتان جناحين بطريق الاستعارة. # 4- الاحتراس وهو عند علماء البيان أن يؤتى بشيء يرفع توهم غير المراد ~~مثل قوله { بيضآء من غير سوء } فلو اقتصر على قوله { ~~بيضآء } لأوهم أن ذكل من برص أو بهق ولذلك احترس بقوله { من ~~غير سوء }. # 5- الاستعارة التمثيلية { ولتصنع على عيني } تمثيل لشدة ~~الرعاية وفرط الحفظ والكلاءة بمن يصنع بمرأى من الناظر لأن الحافظ للشيء ~~في الغالب يديم النظر إليه فمثل لذلك على عين الآخر. # 6- السجع الحسن الذي يزيد الكلام جمالا وبهاء في أواخر الآيات { ~~فتشقى } ، { يخشى } ، { أخفى } ، { تسعى } الخ. # فائدة: قال العلماء: ما نفع أخ أخاه كما نفع موسى هارون فقد طلب له ~~من ربه أن يجعله وزيرا له ويكرمه بالرسالة فاستجاب الله دعاءه وجعله ~~نبيا مرسلا. # تنبيه: ذكر تعالى بعض المنن على موسى وعدد منها ستا: # المنة الأولى: إلهام أمه صنع الصندوق وإلقاءه في النيل ليربى في بيت ~~فرعون { إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه ms0868 ~~في التابوت }. # الثانية: إلقاء المحبة عليه من الله تعالى بحيث لا يراه أحد إلا أحبه ~~{ وألقيت عليك محبة مني }. # الثالثة: حفظ الله ورعايته له بالكلاءة والعناية { ولتصنع على ~~عيني }. # الرابعة: رده إلى أمه مع الإنعام والإكرام { فرجعناك إلى ~~أمك كي تقر عينها }. # الخامسة: إنجاء موسى من القتل بعد قتله القبطي و { نجيناك من ~~الغم }. # السادسة: تكليم الله له بعد عودته من أرض مدين وتكليفه بالرسالة { ثم ~~جئت على قدر يموسى }. ### || [20.41-76] # المناسبة: لما ذكر تعالى نعمته على موسى باستجابة دعائه وإعطائه ~~سؤله، ذكر هنا ما خصه به من الاصطفاء والاجتباء، وأمره بالذهاب إلى ~~فرعون مع أخيه هارون لتبليغه دعوة الله، ثم ذكر ما دار من الحوار بين ~~موسى وفرعون وما كان من أمر السحرة وسجودهم لله رب العالمين. # اللغة: { اصطنعتك } اصطفيتك واخترتك، وأصل الاصطناع: اتخاذ ~~الصنيعة وهو الخير تسديه إلى إنسان { تنيا } الونى: الضعف ~~والفتور قال العجاج: # فما ونى محمد مذ أن غفر # له الإله ما مضى وما غبر # { يفرط } يتعجل ويبادر إلى عقوبتنا، ومنه الفارط الذي يتقدم القوم ~~إلى الماء { يسحتكم } يستأصلكم ويبيدكم وأصله استقصاء الحلق ~~للشعر قال الفرزدق: # وعض زمان يا ابن مروان لم يدع # من المال إلا مسحت أو مجلف # ثم استعمل في الإهلاك والإذهاب، والسحت: المال الحرام لأنه يهلك ~~الإنسان ويدمره { النجوى } التناجي وهو الإسرار بالكلام { ~~أوجس } أضمر واستشعر الخوف في نفسه. # التفسير: { واصطنعتك لنفسي } أي اخترتك لرسالتي ووحيي { ~~اذهب أنت وأخوك بآياتي } أي اذهب مع هارون بحججي وبراهيني ~~ومعجزاتي قال المفسرون: المراد بالآيات هنا اليد والعصا التي أيد الله ~~بها موسى { ولا تنيا في ذكري } أي لا تفترا وتقصرا في ذكر ~~الله وتسبيحه قال ابن كثير: والمراد ألا يفترا عن ذكر الله بل يذكران ~~الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عونا لهما عليه، وقوة لهما ~~وسلطانا كاسرا له { اذهبآ إلى فرعون إنه طغى } أي ~~تجبر وتكبر وبلغ النهاية في العتو والطغيان { فقولا له قولا ~~لينا } أي قولا لفرعون قولا لطيفا رفيقا { لعله ~~يتذكر ms0869 أو يخشى } أي لعله يتذكر عظمة الله أو يخاف عقابه ~~فيرتدع عن طغيانه { قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط ~~علينآ أو أن يطغى } أي قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف ~~إن دعوناه إلى الإيمان أن يعجل علينا العقوبة، أو يجاوز الحد في ~~الإساءة إلينا { قال لا تخافآ إنني معكمآ أسمع ~~وأرى } أي لا تخافا من سطوته إنني معكما بالنصرة والعون أسمع جوابه ~~لكما، وأرى ما يفعل بكما { فأتياه فقولا إنا رسولا ربك ~~} أي إنا رسولان من عند ربك أرسلنا إليك، وتخصيص الذكر بلفظ { ربك ~~} لإعلامه أنه مربوب وعبد مملوك لله إذ كان يدعي الربوبية { ~~فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم } أي أطلق ~~سراح بين إسرائيل ولا تعذبهم بتكليفهم بالأعمال الشاقة { قد جئناك ~~بآية من ربك } أي قد جئناك بمعجزة تدل على صدقنا { ~~والسلام على من اتبع الهدى } أي والسلامة من عذاب الله ~~لمن اهتدى وآمن بالله قال المفسرون: لم يقصد به التحية لأنه ليس بابتداء ~~الخطاب وإنما قصد به السلام من عذاب الله وسخطه { إنا قد أوحي ~~إلينآ أن العذاب على من كذب وتولى } أي قد ~~أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا أن العذاب الأليم على من كذب أنبياء ~~الله وأعرض عن الإيمان { قال فمن ربكما يموسى } أي قال ~~فرعون: ومن هذا الرب الذي تدعوني إليه يا موسى؟ فإني لا أعرفه؟ ولم ~~يقل: من ربي لغاية عتوه ونهاية طغيانه بل أضافه إلى موسى وهارون { من ~~ربكما } { قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ~~ثم هدى } أي ربنا هو الذي أبدع كل شيء خلقه ثم هداه لمنافعه ~~ومصالحه، وهذا جواب في غاية البلاغة والبيان لاختصاره ودلالته على جميع ~~الموجودات بأسرها، فقد أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن ~~الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك اليد والرجل والأنف واللسان قال ~~الزمخشري: ولله در هذا الجواب ما أخصره وأجمعه وأبينه لمن ألقى الذهن ~~ونظر بعين الإنصاف { قال فما بال القرون الأولى } أي ما ~~حال من هلك من القرون الماضية؟ لم لم يبعثوا ولم يحاسبوا ms0870 إن كان ما ~~تقول حقا؟ قال ابن كثير: لما أخبر موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ~~ورزق، وقدر فهدى، شرع فرعون يحتج بالقرون الأولى كأنه يقول: ما بالهم ~~إذ كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره؟ { قال علمها ~~عند ربي في كتاب } أي قال موسى: علم أحوالها وأعمالها عند ربي ~~مسطر في اللوح المحفوظ { لا يضل ربي ولا ينسى } أي لا يخطئ ~~ربي ولا يغيب عن علمه شيء منها. # . ثم شرع موسى يبين له الدلائل على وجود الله وآثار قدرته الباهرة فقال ~~{ الذي جعل لكم الأرض مهدا } أي جعل الأرض كالمهد ~~تمتهدونها وتستقرون عليها رحمة بكم { وسلك لكم فيها سبلا } ~~أي جعل لكم طرقا تسلكونها فها لقضاء مصالحكم { وأنزل من ~~السمآء مآء } أي أنزل لكم من السحاب المطر عذبا فراتا { ~~فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } أي فأخرج بذلك ~~الماء أنواعا من النباتات المختلفة الطعم والشكل والرائحة كل صنف منها ~~زوج، وفيه التفات من الغيبة إلى المتكلم تنبيها على عظمة الله { ~~كلوا وارعوا أنعامكم } أي كلوا من هذه النباتات والثمار ~~واتركوا أنعامكم تسرح وترعى من الكلأ الذي أخرجه الله، والأمر للإباحة ~~تذكيرا لهم بالنعم { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } ~~أي إن فيما ذكر لعلامات واضحة لأصحاب العقول السليمة على وجود الله ~~ووحدانيته { منها خلقناكم وفيها نعيدكم } أي من الأرض ~~خلقناكم أيها الناس وإليها تعودون بعد مماتكم فتصيرون ترابا { ~~ومنها نخرجكم تارة أخرى } أي ومن الأرض نخرجكم مرة أخرى ~~للبعث والحساب.. ثم أخبر تعالى عن عتو فرعون وعناده فقال { ولقد ~~أريناه آياتنا كلها } أي والله لقد بصرنا فرعون بالمعجزات ~~الدالة على نبوة موسى من العصا، واليد، والطوفان، والجراد، وسائر الآيات ~~التسع { فكذب وأبى } أي كذب بها مع وضوحها وزعم أنها سحر، ~~وأبى الإيمان والطاعة لعتوه واستكباره { قال أجئتنا ~~لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى } أي قال فرعون: ~~أجئتنا يا موسى بهذا السحر لتخرجنا من أرض مصر؟ { فلنأتينك ~~بسحر مثله } أي فلنعارضنك بسحر مثل الذي جئت به ليظهر ms0871 للناس ~~أنك ساحر ولست برسول { فاجعل بيننا وبينك موعدا } أي ~~عين لنا وقت اجتماع { لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا ~~سوى } أي لا نخلف ذلك الوعد لا من جهتنا ولا من جهتك ويكون بمكان ~~معين ووقت معين { قال موعدكم يوم الزينة وأن ~~يحشر الناس ضحى } أي قال موسى: موعدنا للاجتماع يوم العيد - ~~يوم من أيام أعيادهم - وأن يجتمع الناس في ضحى ذلك النهار قال المفسرون: ~~وإنما عين ذلك اليوم للمبارزة ليظهر الحق ويزهق الباطل على رؤوس ~~الأشهاد، ويشيع ذلك في الأقطار بظهور معجزته للناس { فتولى ~~فرعون فجمع كيده ثم أتى } أي انصرف فرعون فجمع ~~السحرة ثم أتى الموعد ومعه السحرة وأدواتهم وما جمعه من كيد ليطفئ ~~نور الله قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحرا مع كل ساحر منهم حبال ~~وعصي { قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله ~~كذبا فيسحتكم بعذاب } أي قال موسى للسحرة لما جاء بهم ~~فرعون: ويلكم لا تختلقوا على الله الكذب فيهلككم ويستأصلكم بعذاب هائل { ~~وقد خاب من افترى } أي خسر وهلك من كذب على الله. # . قدم لهم النصح والإنذار لعلهم يثوبون إلى الهدى، ولما سمع ~~السحرة منه هذه المقالة هالهم ذلك ووقعت في نفوسهم مهابته ولذلك ~~تنازعوا في أمره { فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا ~~النجوى } أي أختلفوا في أمر موسى فقال بعضهم: ما هذا بقول ساحر ~~وأخفوا ذلك عن الناس وأخذوا يتناجون سرا { قالوا إن هذان ~~لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ~~بسحرهما } أي قالوا بعد التناظر والتشاور ما هذان إلا ساحران ~~يريدان الاستيلاء على أرض مصر وإخراجكم منها بهذا السحر { ويذهبا ~~بطريقتكم المثلى } أي غرضهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه ~~والذي هو أفضل المذاهب والأديان قال الزمخشري: والظاهر أنهم تشاوروا في ~~السر وتجاذبوا أهداب القول ثم قالوا { إن هذان لساحران } ~~فكانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام وتزويره خوفا من غلبة موسى وهارون ~~لهما وتثبيطا للناس من اتباعهما { فأجمعوا كيدكم ثم ~~ائتوا صفا } أي أحكموا أمركم وأعزموا عليه ولا تتنازعوا وارموا عن ~~قوس واحدة، ثم ms0872 ائتوا إلى الميدان مصطفين ليكون أهيب في صدور الناظرين { ~~وقد أفلح اليوم من استعلى } أي فاز اليوم من علا وغلب ~~قال المفسرون: أرادوا بالفلاح ما وعدهم به فرعون من الإنعامات العظيمة ~~والهدايا الجزيلة مع التقريب والتكريم كما قال تعالى # قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين * قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين # [الشعراء: 41-42] { قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ ~~أن نكون أول من ألقى } أي قال السحرة لموسى: إما أن ~~تبدأ أنت بالإلقاء أو نبدأ نحن؟ خيروه ثقة منهم بالغلبة لموسى ~~لأنهم كانوا يعتقدون أن أحدا لا يقاومهم في هذا الميدان { قال بل ~~ألقوا } أي قال لهم موسى: بل ابدءوا أنتم بالإلقاء قال أبو السعود: ~~قال ذلك مقابلة للأدب بأحسن من أدبهم حيث بت القول بإلقائهم أولا، ~~وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم ليبرزوا ما معهم، ويستفرغوا أقصى جهدهم ~~وقصارى وسعهم، ثم يظهر الله سلطانه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه { ~~فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى } في الكلام حذف دل عليه المعنى أي فألقوا فإذا ~~تلك الحبال والعصي التي ألقوها يتخيلها موسى ويظنها - من عظمة السحر ~~- أنها حيات تتحرك وتسعى على بطونها، والتعبير يوحي بعظمة السحر حتى إن ~~موسى فزع منها واضطرب { فأوجس في نفسه خيفة موسى } أي ~~أحس موسى الخوف في نفسه بمقتضى الطبيعة البشرية لأنه رأى شيئا هائلا ~~{ قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى } أي قلنا لموسى لا تخف ~~مما توهمت فإنك أنت الغالب المنتصر { وألق ما في يمينك ~~تلقف ما صنعوا } أي ألق عصاك التي بيمينك تبتلع بفمها ما ~~صنعوه من السحر { إنما صنعوا كيد ساحر } أي إن الذي ~~اخترعوه وافتعلوه هو من باب الشعوذة والسحر { ولا يفلح الساحر ~~حيث أتى } أي لا يسعد الساحر حيث كان ولا يفوز بمطلوبه لأنه كاذب ~~مضلل { فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب ~~هارون وموسى } أي فألقى موسى عصاه فابتلعت ما صنعوا فخر السحرة ~~حينئذ سجدا لله رب العالمين لما رأوا من الآية الباهرة قال ابن كثير: ms0873 ~~لما ألقى موسى العصا صارت ثعبانا عظيما هائلا، ذا قوائم وعنق ورأس ~~وأضراس، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق شيئا إلا ابتلعته، ~~والناس ينظرون إلى ذلك عيانا نهارا، فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه ~~علموا علم اليقين أن هذا ليس من قبيل السحر والحيل وأنه حق لا مرية ~~فيه، فعند ذلك وقعوا سجدا لله، فقامت المعجزة واتضح البرهان، ووقع الحق ~~وبطل السحر، قال ابن عباس: كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء ~~بررة { قال آمنتم له قبل أن ءاذن لكم } أي قال فرعون ~~للسحرة: آمنتم بموسى وصدقتموه بما جاء به قبل أن أسمح لكم بذلك وقبل أن ~~تستأذنوني؟ { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } أي ~~إنه رئيسكم الذي علمكم السحر فاتفقتم معه لتذهبوا بملكي قال القرطبي: ~~وإنما أراد فرعون بقوله أن يلبس على الناس حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا ~~كإيمانهم، ثم توعدهم وهددهم بالقتل والتعذيب فقال { فلأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف } أي فوالله لأقطعن الأيدي ~~والأرجل منكم مختلفات بقطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى أو بالعكس { ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل } أي لأعلقنكم على جذوع النخل ~~وأقتلنكم شر قتلة { ولتعلمن أينآ أشد عذابا ~~وأبقى } أي ولتعلمن أيها السحرة من هو أشد منا عذابا وأدوم، ~~هل أنا أم رب موسى الذي صدقتم به وآمنتم { قالوا لن نؤثرك ~~على ما جآءنا من البينات } أي قال السحرة: لن نختارك ~~ونفضلك على الهدى والإيمان الذي جاءنا من الله على يد موسى ولو كان في ~~ذلك هلاكنا { والذي فطرنا } قسم بالله أي مقسمين بالله الذي ~~خلقنا { فاقض مآ أنت قاض } أي فاصنع ما أنت صانع { إنما ~~تقضي هذه الحياة الدنيآ } أي إنما ينفذ أمرك في هذه ~~الحياة الدنيا وهي فانية زائلة ورغبتنا في النعيم الخالد قال عكرمة: لما ~~سجدوا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة فلذلك قالوا ما قالوا { ~~إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } أي آمنا بالله ~~ليغفر لنا الذنوب التي اقترفناها وما صدر منا من الكفر والمعاصي { ومآ ~~أكرهتنا عليه من السحر } أي ويغفر ms0874 لنا السحر الذي عملناه ~~لإطفاء نور الله { والله خير وأبقى } أي والله خير منك ~~ثوابا وأبقى عذابا، وهذا جواب قوله { ولتعلمن أينآ ~~أشد عذابا وأبقى } { إنه من يأت ربه مجرما ~~فإن له جهنم } هذا من تتمة كلام السحرة عظة لفرعون أي من ~~يلقى ربه يوم القيامة وهو مجرم باقترافه المعاصي وموته على الكفر، فإن ~~له نار جهنم { لا يموت فيها ولا يحيى } أي لا يموت في جهنم ~~فينقضي عذابه، ولا يحيا حياة طيبة هنيئة { ومن يأته مؤمنا قد ~~عمل الصالحات } أي ومن يلقى ربه مؤمنا موحدا وقد عمل الطاعات ~~وترك المنهيات { فأولئك لهم الدرجات العلى } أي ~~فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات لهم المنازل الرفيعة عند الله { ~~جنات عدن } بيان للدرجات العلى أي جنات إقامة ذات الدرجات ~~العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات { تجري من تحتها ~~الأنهار } أي تجري من تحت غرفها وسررها أنهار الجنة من الخمر ~~والعسل، واللبن، والماء # خالدين فيهآ أبدا # [النساء: 57] أي ماكثين في الجنة دوما لا يخرجون منها أبدا { وذلك ~~جزآء من تزكى } أي وذلك ثواب من تطهر من دنس الكفر والمعاصي، ~~وفي الحديث # " الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس ~~أعلاها درجة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ". # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الاستعارة { واصطنعتك لنفسي } شبه ما خوله به من ~~القرب والاصطفاء بحال من يراه الملك أهلا للكرامة وقرب المنزلة لما فيه ~~من الخلال الحميدة فيصطنعه لنفسه، ويختاره لخلته، ويصطفيه لأموره ~~الجليلة واستعار لفظ اصطنع لذلك، ففيه استعارة تبعية. # 2- المقابلة اللطيفة { منها خلقناكم وفيها نعيدكم } ~~حيث قابل بين { منها } و { وفيها } وبين الخلق والإعادة وهذا من ~~المحسنات البديعية. # 3- إيجاز حذف { بل ألقوا فإذا حبالهم } أي فألقوا فإذا ~~حبالهم حذف لدلالة المعنى عله ومثله { فألقي السحرة سجدا } ~~بعد قوله { وألق ما في يمينك } حذف منه كلام طويل وهو فألقى ~~موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا من السحر فالقي السحرة سجدا، وإنما حسن ~~الحذف لدلالة المعنى عليه ويسمى إيجاز حذف. ms0875 # 4- الطباق بين { يموت.. يحيى } وبين { نعيد.. ونخرج }. # 5- المقابلة بين { إنه من يأت ربه مجرما } وبين { ومن ~~يأته مؤمنا قد عمل الصالحات } الخ والمقابلة هي أن ~~يؤتى بمعنيين أو أكثر ثم يؤتى بما يقابل ذلك. # 6- السجع الحسن غير المتكلف في مثل { سوى } ، { ضحى } ، { افترى ~~} ، { يحيى } ، { تزكى } الخ. # 7- المؤكدات { إنك أنت الأعلى } أكد الخبر بعدة مؤكدات وهي { ~~إن } المفيدة للتأكيد، وتكرير الضمير { أنت } وتعريف الخبر { ~~الأعلى } ولفظ العلو الدال على الغلبة، وصيغة التفضيل { الأعلى } ~~ولله در التنزيل ما أبلغه وأروعه، وهذا من خصائص علم المعاني. # تنبيه: لم تذكر الآيات الكريمة أن فرعون فعل بالسحرة ما هددهم به، وقد ~~ذكر المفسرون أنه أنفذ فيهم وعيده فقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم فماتوا على ~~الإيمان ولهذا قال ابن عباس: كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخر النهار ~~شهداء بررة. ### || [20.77-98] # المناسبة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن قصة موسى وفرعون، وتشير ~~الآيات هنا إلى عناية الله تعالى بموسى وقومه، وإنجائهم وإهلاك عدوهم، ~~وتذكرهم بنعم الله العظمى ومننه الكبرى على بني إسرائيل، وما وصاهم به ~~من المحافظة على شكرها وتحذيرهم من التعرض لغضب الله بكفرها، ثم تذكر ~~الآيات انتكاس بني إسرائيل بعبادتهم العجل، وقد طوى هنا ما فصل في ~~آيات أخر. # اللغة: { دركا } لحاقا مصدر أدركه إذا لحقه { تطغوا } ~~الطغيان: مجاوزة الحد إلى ما لا ينبغي { هوى } صار إلى الهاوية ~~وهي قعر النار من هوى يهوي إذا سقط من علو إلى سفل { بملكنا } ~~الملك: بفتح الميم وسكون اللام: الطاقة والقدرة ومعناه بأمر كنا نملكه ~~من جهتنا { أوزارا } أثقالا ومنه سمي الذنب وزرا لأنه يثقل ~~الإنسان { خوار } الخوار: صوت البقر { يبنؤم } أي يا ابن أمي ~~واللفظة تدل على الاستعطاف { سولت } حسنت وزينت. # التفسير: { ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر ~~بعبادي } أي أوحينا إلى موسى بعد أن تمادى فرعون في الطغيان أن سر ~~ببني إسرائيل ليلا من أرض مصر { فاضرب لهم طريقا في ~~البحر يبسا } أي اضرب البحر بعصاك ليصبح لهم طريقا يابسا يمرون ~~عليه { لا تخاف دركا ولا ms0876 تخشى } أي لا تخاف لحاقا من ~~فرعون وجنوده، ولا تخشى الغرق في البحر { فأتبعهم فرعون ~~بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم } أي فلحقهم ~~فرعون مع جنوده ليقتلهم فأصابهم من البحر ما أصابهم، وغشيهم من الأهوال ~~ما لا يعلم كنهه إلا الله، والتعبير يفيد التهويل لما دهاهم عند الغرق ~~{ وأضل فرعون قومه وما هدى } أي أضلهم عن الرشد وما ~~هداهم إلى خير ولا نجاة، وفيه تهكم بفرعون في قوله # ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد # [غافر: 29] { يبني إسرائيل قد أنجيناكم من ~~عدوكم } خطاب لبني إسرائيل بعد خروجهم من البحر وإغراق فرعون ~~وجنوده والمعنى اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي العظيمة عليكم حين نجيتكم ~~من فرعون وقومه الذين كانوا يسومونكم سوء العذاب { وواعدناكم ~~جانب الطور الأيمن } أي وعدنا موسى للمناجاة وإنزال التوراة ~~عليه جانب طور سيناء الأيمن، وإنما نسبت المواعدة إليهم لكون منفعتها ~~راجعة إليهم إذ في نزول التوراة صلاح دينهم ودنياهم { ونزلنا ~~عليكم المن والسلوى } أي رزقناكم وأنتم في أرض التيه ~~بالمن وهو يشبه العسل، والسلوى وهو من أجود الطيور لحما تفضلا منا ~~عليكم.. وفي هذا الترتيب غاية الحسن حيث بدأ بتذكيرهم بنعمة الإنجاء، ~~ثم بالنعمة الدينية، ثم بالنعمة الدنيوية { كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم } أي وقلنا لكم كلوا من الحلال اللذيذ الذي أنعمت به ~~عليكم { ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي } أي لا ~~تحملنكم السعة والعافية على العصيان لأمري فينزل بكم عذابي { ومن ~~يحلل عليه غضبي فقد هوى } أي ومن ينزل عليه غضبي وعقابي ~~فقد هلك وشقي { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل ~~صالحا ثم اهتدى } أي وإني لعظيم المغفرة لمن تاب من الشرك ~~وحسن إيمانه وعمله، ثم استقام على الهدى والإيمان، وفي الآية ترغيب ~~لمن وقع في وهدة العصيان ببيان المخرج كيلا ييأس { ومآ أعجلك عن ~~قومك يموسى } أي أي شيء عجل بك عن قومك يا موسى؟ قال ~~الزمخشري: كان موسى قد مضى مع النقباء الذين اختارهم من قومه إلى الطور ~~على الموعد المضروب ثم تقدمهم شوقا إلى كلام ربه { قال ms0877 هم ~~أولاء على أثري } أي قومي قريبون مني لم أتقدمهم إلا بشيء ~~يسير وهم يأتون بعدي { وعجلت إليك رب لترضى } أي وعجلت ~~إلى الموضع الذي أمرتني بالمجيء إليه لتزداد رضى عني. # . أعتذر موسى أولا ثم بين السبب في إسراعه قبل قومه وهو الشوق إلى ~~مناجاة الله ابتغاء لرضى الله { قال فإنا قد فتنا قومك ~~من بعدك } أي ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم { ~~وأضلهم السامري } أي وأوقعهم السامري في الضلالة بسبب ~~تزيينه لهم عبادة العجل، وكان السامري ساحرا منافقا من قوم يعبدون ~~البقر قال المفسرون: كان موسى حين جاء لمناجاة ربه قد استخلف على بني ~~إسرائيل أخاه هارون، وأمره أن يتعهدهم بالإقامة على طاعة الله، وفي ~~أثناء غيبة موسى جمع السامري الحلي ثم صنع منها عجلا ودعاهم إلى ~~عبادته فعكفوا عليه وكانت تلك الفتنة وقعت لهم بعد خروج موسى من عندهم ~~بعشرين يوما { فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } أي ~~رجع موسى من الطور بعدما استوفى الأربعين وأخذ التوراة غضبان شديد الحزن ~~على ما صنع قومه من عبادة العجل { قال يقوم ألم يعدكم ~~ربكم وعدا حسنا } أي ألم يعدكم بإنزال التوراة فيها الهدى ~~والنور؟ والاستفهام للتوبيخ { أفطال عليكم العهد أم ~~أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ~~فأخلفتم موعدي } أي هل طال عليكم الزمن حتى نسيتم العهد أم ~~أردتم بصنيعكم هذا أن ينزل عليكم سخط الله وغضبه فأخلفتم وعدي؟ قال أبو ~~حيان: وكانوا وعدوه بأن يتمسكوا بدين الله وسنة موسى عليه السلام، ولا ~~يخالفوا أمر الله أبدا، فأخلفوا موعده بعبادتهم العجل { قالوا مآ ~~أخلفنا موعدك بملكنا } أي ما أخلفنا العهد بطاقتنا ~~وإرادتنا واختيارنا بل كنا مكرهين { ولكنا حملنآ أوزارا ~~من زينة القوم فقذفناها } أي حملنا أثقالا وأحمالا من ~~حلي آل فرعون فطرحناها في النار بأمر السامري قال مجاهد: أوزارا: ~~أثقالا وهي الحلي التي استعاروها من آل فرعون { فكذلك ألقى ~~السامري } أي كذلك فعل السامري ألقى ما كان معه من حلي القوم في ~~النار قال المفسرون: كان بنو إسرائيل ms0878 قد استعاروا من القبط الحلي قبل ~~خروجهم من مصر، فلما أبطأ موسى في العودة إليهم قال لهم السامري: إنما ~~احتبس عليكم لأجل ما عندكم من الحلي فجمعوه ودفعوه إلى السامري، فرمى ~~به في النار وصاغ لهم منه عجلا، ثم ألفى عليه قبضة من أثر فرس جبريل ~~عليه السلام فجعل يخور فذلك قوله تعالى { فأخرج لهم عجلا ~~جسدا له خوار } أي صاغ لهم السامري من تلك الحلي المذابة عجلا ~~جسدا بلا روح له خوار وهو صوت البقر { فقالوا هذآ إلهكم ~~وإله موسى فنسي } أي هذا العجل إلهكم وإله موسى فنسي موسى ~~إلهه هنا وذهب يطلبه في الطور، قال قتادة: نسي موسى ربه عندكم، فعكفوا ~~عليه يعبدونه، قال تعالى ردا عليهم وبيانا لسخافة عقولهم في عبادة ~~العجل { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا ~~يملك لهم ضرا ولا نفعا } أي أفلا يعلمون أن العجل الذي ~~زعموا أنه إلههم لا يرد لهم جوابا، ولا يقدر أن يدفع عنهم ضرا أو ~~يجلب لهم نفعا فكيف يكون إلها؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع { ~~ولقد قال لهم هارون من قبل يقوم إنما فتنتم ~~به } أي قال لهم هارون ناصحا ومذكرا من قبل رجوع موسى إليهم: إنما ~~ابتليتم وأضللتم بهذا العجل { وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري } أي وإن ربكم المستحق ~~للعبادة هو الرحمن لا العجل، فاقتدوا بي فيما أدعوكم إليه من عبادة ~~الله، وأطيعوا أمري بترك عبادة العجل { قالوا لن نبرح عليه ~~عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } أي قالوا لن نزال ~~مقيمين على عبادة العجل حتى يعود إلينا موسى فننظر في الأمر { قال ~~يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا ~~تتبعن }؟ في الكلام حذف أي فلما رجع موسى ووجدهم عاكفين على عبادة ~~العجل امتلأ غضبا لله وأخذ برأس أخيه هارون يجره إليه وقال له: أي ~~شيء منعك حين رأيتهم كفروا بالله أن لا تتبعني في الغضب لله والإنكار ~~عليهم والزجر لهم عن ذلك الضلال؟ { أفعصيت أمري } أي أخالفتني ~~وتركت أمري ووصيتي؟ قال المفسرون: وأمره هو ما كان أوصاه ms0879 به فيما حكاه ~~تعالى عنه # وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ~~ولا تتبع سبيل المفسدين # [الأعراف: 142] { قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا ~~برأسي } أي قال له هارون استعطافا وترقيقا: يا ابن أمي - أي يا أخي ~~- لا تأخذ بلحيتي ولا بشعر رأسي قال ابن عباس: أخذ شعر رأسه بيمينه ~~ولحيته بشماله من شدة غيظه وفرط غضبه لأن الغيرة في الله ملكته { ~~إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآئيل } أي ~~إني خفت إن زجرتهم بالقوة أن يقع قتال بينهم فتلومني على ذلك وتقول ~~لي: لقد أشعلت الفتنة بينهم { ولم ترقب قولي } أي لم تنتظر ~~أمري فيهم، فمن أجل ذلك رأيت ألا أفعل شيئا حتى ترجع إليهم لتتدارك ~~الأمر بنفسك قال ابن عباس: وكان هارون هائبا مطيعا له { قال فما ~~خطبك يسامري } أي ما شأنك فيما صنعت؟ وما الذي حملك عليه يا ~~سامري؟ { قال بصرت بما لم يبصروا به } أي قال ~~السامري: رأيت ما لم يروه وهو أن جبريل جاءك على فرس الحياة فألقي في ~~نفسي أن أقبض من أثره قبضة فما ألقيته على شيء إلا دبت فيه الحياة { ~~فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها } أي قبضت ~~شيئا من أثر فرس جبريل فطرحتها على العجل فكان له خوار { وكذلك ~~سولت لي نفسي } أي وكذلك حسنت وزينت لي نفسي { قال ~~فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس } أي قال ~~موسى للسامري: عقوبتك في الدنيا ألا تمس أحدا ولا يمسك أحد قال ~~الحسن: جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يمسوه عقوبة له في ~~الدنيا وكأن الله عز وجل شدد عليه المحنة { وإن لك موعدا ~~لن تخلفه } أي وإن لك موعدا للعذاب في الآخرة لن يتخلف { ~~وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا } أي انظر ~~إلى هذا العجل الذي أقمت ملازما على عبادته { لنحرقنه * ~~ثم لننسفنه في اليم نسفا } أي لنحرقنه بالنار ثم ~~لنطيرنه رمادا في البحر لا يبقى منه عين ولا أثر { إنمآ ~~إلهكم الله الذي لا إله ms0880 إلا هو } أي يقول موسى ~~لبني إسرائيل: إنما معبودكم المستحق للعبادة هو الله الذي لا رب سواه ~~{ وسع كل شيء علما } أي وسع علمه كل شيء فلا يخفى عله شيء ~~في الأرض ولا في السماء. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- التهويل { فغشيهم من اليم ما غشيهم }. # 2- الطباق بين { وأضل.. وما هدى }. # 3- الاستعارة { فقد هوى } استعار لفظ الهوي وهو السقوط من علو ~~إلى سفل للهلاك والدمار. # 4- صيغة المبالغة { وإني لغفار } أي كثير المغفرة للذنوب. # 5- الطباق { ضرا ولا نفعا }. # 6- الايجاز بالحذف في مواطن عديدة بيناها في التفسير. # 7- السجع الحسن غير المتكلف مثل { أمري } ، { قولي } ، { نفسي ~~} و { نفعا } ، { علما } ، { نسفا } الخ. # تنبيه: إنما عبد بنو إسرائيل العجل بسبب فتنة السامري وقد كانت بذور ~~الوثنية راسخة في قلوبهم ولذلك لما نجاهم الله من طغيان فرعون طلبوا من ~~موسى أن يصنع لهم تمثالا ليعبدوه كما قال تعالى # وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر فأتوا على قوم ~~يعكفون على أصنام لهم قالوا يموسى اجعل لنآ ~~إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون # [الأعراف: 138] فلا عجب إذا أن يعكفوا على عبادة عجل من ذهب له خوار!! ### || [20.99-135] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصة موسى بالتفصيل، أعقبها بذكر أن هذا ~~القصص وحي من الله، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ما كان له علم بهذه ~~الأخبار والأنباء العجيبة لولا أن الله تعالى أوحى إليه، وذلك من أكبر ~~الدلائل والبراهين على صدق الرسالة. # اللغة: { قاعا } القاع: الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا بناء { ~~صفصفا } الصفصف: المستوي من الأرض كأنه على صف واحد في استوائه ~~{ أمتا } الأمت: المكان المرتفع كالتل والهضبة { همسا } صوتا ~~خفيا { عنت } ذلت وخضعت قال أمية: " لعزته تعنو الوجوه وتسجد " ~~قال الجوهري: عنا يعنو خضع وذل وأعناه غيره ومنه الآية { وعنت ~~الوجوه } { هضما } الهضم: النقص يقال: هضمه حقه إذا أنقصه ~~والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم المنع من الحق كله، والهضم المنع من ~~بعضه { تضحى } ضحى للشمس برز لها حتى يصيبه حرها قال ms0881 ابن أبي ~~ربيعة: # رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأما بالعشي فينحصر # { ضنكا } الضنك: الضيق والشدة يقال: منزل ضنك وعيش ضنك إذا ~~كان شديدا ضيقا { سوءاتهما } عوارتهما { فتربصوا } ~~انتظروا { الصراط السوي } الطريق المستقيم. # التفسير: { كذلك نقص عليك من أنبآء ما قد سبق ~~} أي كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى مع فرعون وما فيه من الأنباء ~~الغريبة كذلك نقص عليك أخبار الأمم المتقدمين { وقد آتيناك من ~~لدنا ذكرا } أي أعطيناك من عندنا قرآنا يتلى منطويا على ~~المعجزات الباهرة قال في البحر: امتن تعالى عليه بإيتائه الذكر المشتمل ~~على القصص والأخبار، الدال على معجزات أوتيها عليه السلام { من ~~أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي من ~~أعرض عن هذا القرآن فلم يؤمن به ولم يتبع ما فيه، فإنه يحمل يوم ~~القيامة حملا ثقيلا، وذنبا عظيما يثقله في جهنم { خالدين فيه ~~وسآء لهم يوم القيامة حملا } أي مقيمين في ذلك العذاب ~~بأوزارهم، وبئس ذلك الحمل الثقيل حملا لهم، شبه الوزر بالحمل لثقله ~~{ يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ ~~زرقا } أي يوم ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية، ونحشر المجرمين ~~إلى أرض المحشر زرق العيون سود الوجوه قال القرطبي: تشوه خلقتهم بزرقة ~~العيون وسواد الوجوه { يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا ~~عشرا } أي يتهامسون بينهم ويسر بعضهم إلى بعض قائلين: ما مكثتم في ~~الدنيا إلا عشر ليال قال أبو السعود: استقصروا مدة لبثهم فيها لما ~~عاينوا الشدائد والأهوال { نحن أعلم بما يقولون إذ ~~يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما } أي نحن ~~أعلم بما يتناجون بينهم إذ يقول أعقلهم وأعدلهم قولا ما لبثتم إلا ~~يوما واحدا { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ~~ربي نسفا } أي ويسألونك عن حال الجبال يوم القيامة فقل لهم: إن ~~ربي يفتتها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فيطيرها { فيذرها قاعا ~~صفصفا } أي فيتركها أرضا ملساء مستوية لا نبات فيها ولا بناء { لا ~~ترى فيها عوجا ولا أمتا } أي لا ترى فيها انخفاضا ولا ~~ارتفاعا { يومئذ يتبعون الداعي لا ms0882 عوج له } أي في ~~ذلك اليوم العصيب يتبع الناس داعي الله الذي يدعوهم لأرض المحشر يأتونه ~~سراعا لا يزيغون عنه ولا ينحرفون { وخشعت الأصوات ~~للرحمن } أي ذلت وسكنت أصوات الخلائق هيبة من الرحمن جل وعلا ~~{ فلا تسمع إلا همسا } أي لا تسمع إلا صوتا خفيا لا يكاد ~~يسمع وعن ابن عباس: هو همس الأقدام في مشيها نحو المحشر { يومئذ ~~لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ~~ورضي له قولا } أي في ذلك اليوم الرهيب لا تنفع الشفاعة أحدا ~~إلا لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له، ورضي لأجله شفاعة الشافع، وهو ~~الذي كان في الدنيا من أهل لا إله إلا الله، قاله ابن عباس { يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم } أي يعلم تعالى أحوال الخلائق ~~فلا تخفى عليه خافية من أمور الدنيا وأمور الآخرة { ولا يحيطون ~~به علما } أي لا تحيط علومهم بمعلوماته جل وعلا { وعنت ~~الوجوه للحي القيوم } أي ذلت وخضعت وجوه الخلائق للواحد ~~القهار جبار السماوات والأرض الذي لا يموت قال الزمخشري: المراد بالوجوه ~~وجوه العصاة وأنهم إذا عاينوا يوم القيامة الخبية والشقوة وسوء الحساب، ~~صارت وجوههم عانية أي ذليلة خاضعة مثل وجوه العناة وهم الأسارى كقوله # سيئت وجوه الذين كفروا # [الملك: 27] { وقد خاب من حمل ظلما } أي خسر من أشرك ~~بالله، ولم ينجح ولا ظفر بمطلوبه { ومن يعمل من الصالحات ~~وهو مؤمن } أي من قدم الأعمال الصالحة بشرط الإيمان { فلا ~~يخاف ظلما ولا هضما } أي فلا يخاف ظلما بزيادة سيئاته، ولا ~~بخسا ونقصا لحسناته { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا } ~~أي مثل إنزال الآيات المشتملة على القصص العجيبة أنزلنا هذا الكتاب عليك ~~يا محمد بلغة العرب ليعرفوا أنه في الفصاحة والبلاغة خارج عن طوق البشر { ~~وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا فيه الإنذار والوعيد { ~~لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا } أي كي يتقوا ~~الكفر والمعاصي أو يحدث لهم موعظة في القلوب ينشأ عنها امتثال الأوامر ~~واجتناب النواهي { فتعلى الله الملك الحق } أي جل الله ~~وتقدس الملك الحق ms0883 الذي قهر سلطانه كل جبار عما يصفه به المشركون من ~~خلقه { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه } أي إذا أقرأك جبريل القرآن فلا تتعجل بالقراءة معه، بل ~~استمع إليه واصبر حتى يفرغ من تلاوته وحينئذ تقرأه أنت قال ابن ~~عباس: كان عليه السلام يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي ~~حرصا على حفظ القرآن ومخافة النسيان فنهاه الله عن ذلك قال القرطبي: ~~وهذا كقوله تعالى # لا تحرك به لسانك لتعجل به # [القيامة: 16] { وقل رب زدني علما } أي سل الله عز وجل ~~زيادة العلم النافع قال الطبري: أمره بمسألته من فوائد العلم ما لا يعلم ~~{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل } أي وصيناه أن لا يأكل ~~من الشجرة من القديم { فنسي ولم نجد له عزما } أي نسي ~~أمرنا ولم نجد له حزما وصبرا عما نهيناه عنه { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس ~~أبى } يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه وما فضله به على كثير من الخلق ~~أي واذكر يا محمد حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية وتكريم ~~فامتثلوا الأمر إلا إبليس فإنه أبى السجود وعصى أمر ربه قال الصاوي: ~~كررت هذه القصة في سبع سور من القرآن تعليما للعباد امتثال الأوامر، ~~واجتناب النواهي وتذكيرا لهم بعداوة إبليس لأبيهم آدم { فقلنا ~~يآءادم إن هذا عدو لك ولزوجك } أي ونبهنا آدم ~~فقلنا له إن إبليس شديد العداوة لك ولحواء { فلا يخرجنكما ~~من الجنة فتشقى } أي لا تطيعاه فيكون سببا لإخراجكما من ~~الجنة فتشقيان، وإنما اقتصر على شقائه مراعاة للفواصل ولاستلزام شقائه ~~لشقائها قال ابن كثير: المعنى إياك أن تسعى في إخراجك من الجنة فتتعب ~~وتشقى في طلب رزقك، فإنك ههنا في عيش رغيد، بلا كلفة ولا مشقة { ~~إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى } أي إن لك يا آدم ~~ألا ينالك في الجنة الجوع ولا العري { وأنك لا تظمأ فيها ~~ولا تضحى } أي ولك أيضا ألا يصيبك العطش فيها ولا حر الشمس، لأن ~~الجنة دار السرور ms0884 والحبور، لا تعب فيها ولا نصب، ولا حر ولا ظمأ بخلاف ~~دار الدنيا { فوسوس إليه الشيطان } أي حدثه خفية بطريق ~~الوسوسة { قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد ~~وملك لا يبلى } أي قال له إبليس اللعين: هل أدلك يا آدم على ~~شجرة من أكل منها خلد ولم يمت أصلا، ونال الملك الدائم الذي لا يزول ~~أبدا؟ وهذه مكيدة ظاهرها النصيحة ومتى كان اللعين ناصحا؟ { فأكلا ~~منها فبدت لهما سوءاتهما } أي أكل آدم وحواء من الشجرة ~~التي نهاهما الله عنها فظهرت لهما عوراتهما قال ابن عباس: عريا عن النور ~~الذي كان الله تعالى قد ألبسهما إياه حتى بدت فروجهما { وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي شرعا يأخذان من ~~أوراق الجنة ويغطيان بها عوراتهما ليستترا بها { وعصى ءادم ~~ربه فغوى } أي خالف آدم أمر ربه بالأكل من الشجرة فضل عن ~~المطلوب الذي هو الخلود في الجنة حيث اغتر بقول العدو قال أبو السعود: ~~وفي وصفه بالعصيان والغواية - مع صغر زلته - تعظيم لها وزجر بليغ ~~لأولاده عن أمثالها { ثم اجتباه ربه فتاب عليه ~~وهدى } أي ثم اصطفاه ربه فقربه إليه وقبل توبته وهداه إلى الثبات ~~على التوبة والتمسك بأسباب الطاعة { قال اهبطا منها جميعا ~~بعضكم لبعض عدو } أي قال الله لآدم وحواء: إنزلا من الجنة ~~إلى الأرض مجتمعين بعض ذريتكما لبعض عدو بسبب الكسب والمعاش واختلاف ~~الطبائع والرغبات قال الزمخشري: لما كان آدم وحواء أصلي البشر جعلا ~~كأنهما البشر في أنفسهما فخوطبا مخاطبتهم { فإما يأتينكم ~~مني هدى } أي فإن جاءكم من جهتي الكتب والرسل لهدايتكم { فمن ~~اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } أي فمن تمسك بشريعتي ~~واتبع رسلي فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة قال ابن عباس: ضمن ~~الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى ~~في الآخرة وتلا الآية { ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا } أي ومن أعرض عن أمري وما أنزلته على رسلي من الشرائع ~~والأحكام فإن له في الدنيا ms0885 معيشة قاسية شديدة وإن تنعم ظاهره { ~~ونحشره يوم القيامة أعمى } أي ونحشره في الآخرة أعمى ~~البصر قال ابن كثير: من أعرض عن أمر الله وتناساه فإن له حياة ضنكا في ~~الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلالة ~~وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه في ~~قلق وحيرة وشك، وقيل: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعة فيه { قال ~~رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } أي قال ~~الكافر: يا رب بأي ذنب عاقبتني بالعمى وقد كنت في الدنيا بصيرا؟ { ~~قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ~~تنسى } أي قال الله تعالى له: لقد أتتك آياتنا وضحة جلية فتعاميت ~~عنها وتركتها، وكذلك تترك اليوم في العذاب جزاء وفاقا { وكذلك ~~نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه } أي ومثل ذلك ~~الجزاء الموافق للخيانة والتكذيب بآيات الله نعاقب من أسرف بالانهماك في ~~الشهوات، ولم يصدق بكلام ربه وآياته البينات { ولعذاب الآخرة ~~أشد وأبقى } أي عذاب جهنم أشد من عذاب الدنيا لأن عذابها ~~أدوم وأثبت لأنه لا ينقطع ولا ينقضي { أفلم يهد لهم كم ~~أهلكنا قبلهم من القرون } أي أفلم يتبين لكفار مكة ~~الذين كذبوك كم أهلكنا قبلهم من الأمم الخالية المكذبين لرسلهم { ~~يمشون في مساكنهم } أي يرون مساكن عاد وثمود ويعاينون آثار ~~هلاكهم أفلا يتعظون ويعتبرون؟ { إن في ذلك لآيات لأولي ~~النهى } أي إن في آثار هذه الأمم البائدة لدلالات وعبرا لذوي ~~العقول السليمة { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان ~~لزاما وأجل مسمى } أي لولا قضاء الله بتأخير العذاب عنهم ~~ووقت مسمى لهلاكهم لكان العذاب واقعا بهم قال الفراء: في الآية تقديم ~~وتأخير والمعنى ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما أي لكان العذاب ~~لازما لهم، وإنما أخره لتعتدل رءوس الآي { فاصبر على ما ~~يقولون } أي فاصبر يا محمد على ما يقول هؤلاء المكذبون من قومك { ~~وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها } أي صل وأنت حامد لربك قبل طلوع الشمس صلاة ms0886 الصبح، وقبل ~~غروبها صلاة العصر { ومن آنآء الليل فسبح وأطراف ~~النهار } أي وصل لربك في ساعات الليل وفي أول النهار وآخره { ~~لعلك ترضى } أي لعلك تعطى ما يرضيك قال القرطبي: أكثر ~~المفسرين أن هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس { قبل طلوع ~~الشمس } صلاة الصبح { وقبل غروبها } صلاة العصر { ومن ~~آنآء الليل } صلاة العشاء { وأطراف النهار } صلاة المغرب ~~والظهر، لأن الظهر في آخر طرف النهار الأول، وغروب الشمس آخر طرف النهار ~~الأخير { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم } أي لا تنظر إلى ما متعنا به أصنافا من الكفار ~~من نعيم الدنيا وبهرجها الخادع { زهرة الحياة الدنيا } أي ~~زينة الحياة الدنيا { لنفتنهم فيه } أي لنبتليهم ونختبرهم بهذا ~~النعيم حتى يستوجبوا العذاب بكفرهم { ورزق ربك خير وأبقى ~~} أي ثواب الله خير من هذا النعيم الفاني وأدوم قال المفسرون: الخطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته لأنه عليه السلام كان أزهد ~~الناس في الدنيا وأشد رغبة فيما عند الله { وأمر أهلك ~~بالصلاة واصطبر عليها } أي وأمر يا محمد أهلك وأمتك ~~بالصلاة واصبر أنت على أدائها بخشوعها وآدابها { لا نسألك رزقا ~~نحن نرزقك } أي لا نكلفك أن ترزق نفسك وأهلك بل نحن نتكفل برزقك ~~وإياهم { والعاقبة للتقوى } أي العاقبة الحميدة لأهل التقوى ~~قال ابن كثير: أي حسن العاقبة وهي الجنة لمن اتقى الله { وقالوا ~~لولا يأتينا بآية من ربه } أي قال المشركون هلا يأتينا ~~بمعجزة تدل على صدقه؟ { أولم تأتهم بينة ما في الصحف ~~الأولى } أي أولم يكتفوا بالقرآن المعجزة الكبرى لمحمد عليه السلام ~~المحتوي على أخبار الأمم الماضية؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع قال في ~~البحر: اقترح المشركون ما يختارون على ديدنهم في التعنت فأجيبوا بأن هذا ~~القرآن الذي سبق التبشير به في الكتب الإلهية السابقة أعظم الآيات في ~~الإعجاز وهو الآية الباقية إلى يوم القيامة { ولو أنآ ~~أهلكناهم بعذاب من قبله } أي لو أنا أهلكنا كفار مكة من ~~قبل نزول القرآن وبعثة محمد عليه السلام { لقالوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا ms0887 رسولا } أي لقالوا يا ربنا هلا أرسلت إلينا ~~رسولا حتى نؤمن به ونتبعه { فنتبع آياتك من قبل أن ~~نذل ونخزى } أي فنتمسك بآياتك من قبل أن نذل بالعذاب ونفتضح ~~على رءوس الأشهاد قال المفسرون: أراد تعالى أن يبين أنه لا حجة لأحد على ~~الله بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب فلم يترك لهم حجة ولا عذرا { قل ~~كل متربص } أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين كل منا ومنكم منتظر ~~دوائر الزمان ولمن يكون النصر { فتربصوا } أمر تهديد أي فانتظروا ~~العاقبة والنتيجة { فستعلمون من أصحاب الصراط ~~السوي } أي فستعلمون عن قريب من هم أصحاب الطريق المستقيم هل نحن أم ~~أنتم؟ { ومن اهتدى } أي اهتدى إلى الحق وسبيل الرشاد ومن بقي على ~~الضلال قال القرطبي: وفي هذا ضرب من الوعيد والتخويف والتهديد ختمت به ~~السورة الكريمة. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه الفصاحة والبيان والبديع ما ~~يلي: # 1- التشبيه { كذلك نقص عليك } وهو تشبيه مرسل مجمل. # 2- الاستعارة { وسآء لهم يوم القيامة حملا } شبه ~~الوزر بالحمل الثقيل بطريق الاستعارة التصريحية. # 3- الكناية { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } كناية ~~عن أمر الدنيا وأمر الآخرة. # 4- الطباق بين { أعمى.. بصيرا }. # 5- التشبيه التمثيلي { زهرة الحياة الدنيا } مثل لنعم ~~الدنيا بالزهر وهو النور لأن الزهر له منظر حسن ثم يذبل ويضمحل وكذلك ~~نعيم الدنيا. # 6- الوعيد والتهديد { فتربصوا }. # 7- جناس الاشتقاق { أرسلت إلينا رسولا }. # 8- السجع اللطيف غير المتكلف مثل { ظلما } ، { هضما } ، { علما ~~} ، ومثل { تشقى } ، { تعرى } ، { ترضى } الخ.... # لطيفة: قال الناصر: في الآية سر بديع من البلاغة يسمى قطع النظير عن ~~النظير، وذلك أنه قطع الظمأ عن الجوع، والضحو عن الكسوة مع ما بينهما من ~~التناسب، والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم وتصنيفها، ولو قرن كلا ~~بشكله لتوهم أن المعدودات نعمة واحدة، على أن في الآية سرا آخر وهو قصد ~~تناسب الفواصل، ولو قرن الظمأ بالجوع لانتثر سلك رءوس الآي. # فائدة: قال الشهاب: ليس المراد بحكاية قول من قال { عشرا } أو { ~~يوما } أو { ساعة } حقيقة اختلافهم في مدة اللبث، ولا الشك في ms0888 ~~تعيينه، بل المراد أنه لسرعة زواله عبر عن قلته بما ذكر، فتفنن في ~~الحكاية وأتى في كل مقام بما يليق به. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-24] # اللغة: { أضغاث } أخلاط جمع ضغث وهي الأهاويل التي يراها الإنسان ~~في منامه { قصمنا } القصم: كسر الشيء الصلب يقال: قصمت ظهره ~~وانقصمت سنة إذا انكسرت { يركضون } الركض: العدو بشدة والركض ~~ضرب الدابة بالرجل حثا على العدو { خامدين } خمدت النار طفئت ~~والخمود الهمود ويراد به الموت تشبيها بخمود النار { فيدمغه } ~~دمغه: أصاب دماغه نحو كبده ورأسه أصاب كبده ورأسه { ~~يستحسرون } يعيون مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإعياء ~~والتعب. # التفسير: { اقترب للناس حسابهم } أي قرب ودنا وقت حساب ~~الناس على أعمالهم { وهم في غفلة معرضون } أي وهم مستغرقون ~~في الشهوات، غافلون عن ذلك اليوم الرهيب، لا يعملون للآخرة ولا يستعدون ~~لها كقول القائل: الناس في غفلاتهم: ورحى المنية تطحن، وإنما وصف ~~الآخرة بالاقتراب لأن كل ما هو آت قريب { ما يأتيهم من ذكر ~~من ربهم محدث } أي ما يأتيهم شيء من الوحي والقرآن من عند ~~الله متجدد في النزول فيه عظة لهم وتذكير { إلا استمعوه وهم ~~يلعبون } أي إلا استمعوا القرآن مستهزئين قال الحسن: كلما جدد ~~لهم الذكر استمروا على الجهل { لاهية قلوبهم } أي ساهية ~~قلوبهم عن كلام الله، غافلة عن تدبر معناه { وأسروا النجوى ~~الذين ظلموا } أي تناجى المشركون فيما بينهم سرا { هل هذآ ~~إلا بشر مثلكم } أي قالوا فيما بينهم خفية هل محمد الذي ~~يدعى الرسالة إلا شخص مثلكم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ { ~~أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } أي أفتقبلون السحر ~~وأنتم تعلمون أنه سحر؟ قال الألوسي: أرادوا أن ما أتى به محمد عليه ~~السلام من قبيل السحر، وذلك بناء على ما ارتكز في اعتقادهم أن الرسول لا ~~يكون إلا ملكا وأن كل ما جاء به من الخوارق من قبيل السحر وعنوا بالسحر ~~القرآن { قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض } ~~أي قال محمد صلى الله عليه وسلم إن ربي لا يخفى عليه شيء مما ms0889 يقال في ~~السماء والأرض { وهو السميع العليم } أي السميع بأقوالكم، ~~العليم بأحوالكم، وفي هذا تهديد لهم ووعيد { بل قالوا أضغاث ~~أحلام } هذا إضراب من جهته تعالى وانتقال إلى ما هو أشنع وأقبح حيث ~~قالوا عن القرآن إنه أخلاط منامات { بل افتراه } أي اختلقه محمد ~~من تلقاء نفسه { بل هو شاعر } أي بل محمد شاعر وما أتى به شعر ~~يخيل للسامع أنه كلام رائع مجيد قال في التسهيل: حكى عنهم هذه الأقوال ~~الكثيرة ليظهر اضطراب أمرهم وبطلان أقوالهم فهم متحيرون لا يستقرون على ~~شيء { فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون } أي فليأتنا ~~محمد بمعجزة خارقة تدل على صدقه كما أرسل موسى بالعصا وصالح بالناقة { ~~مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم ~~يؤمنون } أي ما صدق قبل مشركي مكة أهل القرى الذين اقترحوا على ~~أنبيائهم الآيات بل كذبوا فأهلكهم الله أفيصدق هؤلاء بالآيات لو رأوها؟ ~~كلا قال أبو حيان: وهذا استبعاد وإنكار أي هؤلاء أعتى من الذين اقترحوا ~~على أنبيائهم الآيات فلو أعطيناهم ما اقترحوا لكانوا أضل من أولئك ~~واستحقوا عذاب الاستئصال ولكن الله تعالى حكم بإبقائهم لعلمه أنه ~~سيخرج منهم مؤمنون { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم } أي وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رسلا من البشر ~~لا ملائكة فكيف ينكر هؤلاء المشركون رسالتك ويقولون: ما هذا إلا بشر ~~مثلكم؟ { فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ~~أي فاسألوا يا أهل مكة العلماء بالتوراة والإنجيل هل كان الرسل الذين ~~جاءوهم بشرا أم ملائكة؟ إن كنتم لا تعلمون ذلك { وما جعلناهم ~~جسدا لا يأكلون الطعام } أي ما جعلنا الأنبياء أجسادا لا ~~يأكلون ولا يشربون كالملائكة بل هم كسائر البشر يأكلون ويشربون، وينامون ~~ويموتون { وما كانوا خالدين } أي ما كانوا مخلدين في الدنيا ~~لا يموتون { ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن ~~نشآء } أي ثم صدقنا الأنبياء ما وعدناهم به من نصرهم وإهلاك مكذبيهم ~~وإنجائهم مع أتباعهم المؤمنين { وأهلكنا المسرفين } أي ~~وأهلكنا المكذبين للرسل، المجاوزين الحد في الكفر والضلال، وهذا تخويف ~~لأهل مكة { لقد أنزلنآ ms0890 إليكم كتابا فيه ذكركم } ~~اللام للقسم أي والله لقد أنزلنا إليكم يا معشر العرب كتابا عظيما ~~مجيدا لا يماثله كتاب فيه شرفكم وعزكم لأنه بلغتكم { أفلا ~~تعقلون } أي أفلا تعقلون هذه النعمة فتؤمنون بما جاءكم به محمد عليه ~~السلام؟ { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة } أي وكثيرا ~~أهلكنا من أهل القرى الذين كفروا بآيات الله وكذبوا رسله { وأنشأنا ~~بعدها قوما آخرين } أي وخلقنا أمة أخرى بعدهم { فلمآ ~~أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون } أي فلما رأوا ~~عذابنا بحاسة البصر وتيقنوا نزوله إذا هم يهربون فارين منهزمين قال أبو ~~حيان: لما أدركتهم مقدمة العذاب ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين { ~~لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه } أي تقول ~~لهم الملائكة استهزاء: لا تركضوا هاربين من نزول العذاب وارجعوا إلى ما ~~كنتم فيه من النعمة والسرور ولين العيش { ومساكنكم } أي ارجعوا ~~إلى مساكنكم الطيبة { لعلكم تسألون } أي لعلكم تسألون عما ~~جرى عليكم، وهذا كله من باب الاستهزاء والتوبيخ { قالوا يويلنآ ~~إنا كنا ظالمين } أي قالوا يا هلاكنا ودمارنا إنا كنا ظالمين ~~بالإشراك وتكذيب الرسل، اعترفوا وندموا حين لا ينفعهم الندم { فما ~~زالت تلك دعواهم } أي فما زالت تلك الكلمات التي قالوها ~~يكررونها ويرددونها { حتى جعلناهم حصيدا خامدين } أي ~~حتى أهلكناهم بالعذاب وتركناهم مثل الحصيد موتى كالزرع المحصود بالمناجل ~~{ وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما لاعبين } ~~أي لم نخلق ذلك عبثا وباطلا وإنما خلقناهما دلالة على قدرتنا ~~ووحدانيتنا ليعتبر الناس ويستدلوا بالخلق على وجود الخالق المدبر الحكيم ~~{ لو أردنآ أن نتخذ لهوا } قال ابن عباس: هذا رد على ~~من قال اتخذ الله ولدا والمعنى لو أردنا أن نتخذ ما يتلهى به من زوجة ~~أو ولد { لاتخذناه من لدنآ } أي لاتخذناه من عندنا من ~~الحور العين أو الملائكة { إن كنا فاعلين } أي لو أردنا فعل ذلك ~~لاتخذنا من لدنا ولكنه مناف للحكمة فلم نفعله { بل نقذف ~~بالحق على الباطل فيدمغه } أي بل نرمي بالحق المبين على ~~الباطل المتزعزع فيقمعه ويبطله { فإذا هو زاهق } أي ms0891 هالك تالف { ~~ولكم الويل مما تصفون } أي ولكم يا معشر الكفار العذاب ~~والدمار من وصفكم الله تعالى بما لا يجوز من الزوجة والولد { وله من ~~في السموت والأرض } أي وله جل وعلا جميع المخلوقات ملكا ~~وخلقا وتصرفا فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبد ومخلوق له؟ { ومن ~~عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون } ~~أي والملائكة الذين عبدتموهم من دون الله لا يتكبرون عن عبادة مولاهم ولا ~~يعيون ولا يملون { يسبحون اليل والنهار لا ~~يفترون } أي هم في عبادة دائمة ينزهون الله عما لا يليق به ويصلون ~~ويذكرون الله ليل نهار لا يضعفون ولا يسأمون { أم اتخذوا ~~آلهة من الأرض هم ينشرون } لما ذكر الدلائل على وحدانيته ~~وأن من في السماوات والأرض ملك له وأن الملائكة المقربين في طاعته ~~وخدمته عاد إلى ما كان عليه من توبيخ المشركين وذمهم وتسفيه أحلامهم، و ~~{ أم } منقطعة بمعنى بل والهمزة فيها استفهام معناه التعجب والإنكار ~~والمعنى هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض قادرين على إحياء ~~الموتى؟ كلا بل اتخذوا آلهة جمادا لا تتصف بالقدرة على شيء فهي ليست ~~بآلهة على الحقيقة لأن من صفة الإله القدرة على الإحياء والإماتة { ~~لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا } هذا برهان على ~~وحدانيته تعالى أي لو كان في الوجود آلهة غير الله لفسد نظام الكون كله ~~لما يحدث بين الآلهة من الاختلاف والتنازع في الخلق والتدبير وقصد ~~المغالبة، ألا ترى أنه لا يوجد ملكان في مدينة واحدة، ولا رئيسان في ~~دائرة واحدة؟ { فسبحان الله رب العرش عما يصفون } ~~أي تنزه الله الواحد الأحد خالق العرش العظيم عما يصفه به أهل الجهل من ~~الشريك والزوجة والولد { لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون } أي لا يسأل تعالى عما يفعل لأنه مالك كل شيء والمالك يفعل ~~في ملكه ما يشاء، ولأنه حكيم فأفعاله كلها جارية على الحكمة، وهم ~~يسألون عن أعمالهم لأنهم عبيد { أم اتخذوا من دونه آلهة } ~~كرر هذا الإنكار استعظاما للشرك ومبالغة في التوبيخ أي ms0892 هل اتخذوا ~~آلهة من دون الله تصلح للعبادة والتعظيم؟ { قل هاتوا برهانكم ~~} أي قل يا محمد لأولئك المشركين ائتوني بالحجة والبرهان على ما تقولون { ~~هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } أي هذا الكتاب الذي ~~معي والكتب التي من قبلي كالتوراة والإنجيل ليس فيها ما يقتضي الإشراك ~~بالله، ففي أي كتاب نزل هذا؟ في القرآن أم في الكتب المنزلة على سائر ~~الأنبياء؟! فما زعمتموه من وجود الآلهة لا تقوم عليه حجة لا من جهة العقل ~~ولا النقل، بل كتب الله السابقة شاهدة بتنزيهه عن الشركاء والأنداد { ~~بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون } أي بل ~~أكثر المشركين لا يعلمون التوحيد فهم معرضون عن النظر والتأمل في دلائل ~~الإيمان. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التنكير في غفلة للتعظيم والتفخيم { وهم في غفلة }. # 2- صيغة المبالغة { السميع العليم }. # 3- الإضراب الترقي { بل قالوا أضغاث أحلام بل ~~افتراه بل هو شاعر } وهذا الاضطراب في وصف القرآن يدل على ~~التردد والتحير في تزويرهم للحق الساطع المنير فقولهم الثاني أفسد من ~~الأول، والثالث أفسد من الثاني. # 4- الإنكار التوبيخي { أفلا تعقلون }؟ # 5- التشبيه البليغ { حصيدا خامدين } أي جعلناهم كالزرع المحصود ~~وكالنار الخامدة. 6- الاستعارة التمثيلية { بل نقذف بالحق ~~على الباطل فيدمغه } شبه الحق بشيء صلب والباطل بشيء رخو ~~واستعير لفظ القذف والدمغ لغلبة الحق على الباطل بطريق التمثيل فكأنه رمي ~~بجرم صلب على رأس دماغ الباطل فشقه وفي هذا التعبير مبالغة بديعة في ~~إزهاق الباطل. # 7- طباق السلب { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }. # 8- التبكيت وإلقام الحجر للخصم { قل هاتوا برهانكم ه }. # فائدة: سئل كعب عن الملائكة كيف يسبحون الليل والنهار لا يفترون؟ ~~أما يشغلهم شأن، أما تشغلهم حاجة؟ فقال للسائل: يا ابن أخي جعل لهم ~~التسبيح كما جعل لكم النفس، ألست تأكل وتشرب، وتقوم وتجلس، وتجيء وتذهب ~~وأنت تتنفس؟ فكذلك جعل لهم التسبيح. ### || [21.25-50] # المناسبة: لما بين تعالى أحوال المشركين وأقام الأدلة والبراهين ~~على وحدانية الله وبطلان تعدد الألهة، ذكر هنا أن دعوة الرسل ms0893 جميعا ~~إنما جاءت لبيان التوحيد ثم ذكر بقية الأدلة على قدرة الله ووحدانيته في ~~هذا الكون العجيب. # اللغة: { رتقا } الرتق: الضم والالتحام وهو ضد الفتق يقال رتقت ~~الشيء فأرتق أي التأم ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج { تميد } تتحرك ~~وتضطرب { فجاجا } جمع فج وهو المسلك والطريق الواسع { يسبحون } ~~يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء { فتبهتهم } تدهشهم وتحيرهم ~~قال الجوهري: بهته بهتا أخذه بغتة وقال الفراء: بهته إذا واجهه بشيء ~~يحيره { يكلؤكم } يحرسكم ويحفظكم والكلاءة: الحراسة والحفظ. # سبب النزول: مر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان وأبي جهل ~~وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد ~~مناف!! فغضب أبو سفيان وقال: ما تنكر أن يكون لبني عبد مناف نبي؟ فرجع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي جهل وقال له: ما أراك منتهيا حتى ~~يصيبك ما أصاب عمك الوليد بن المغيرة فنزلت { وإذا رآك الذين ~~كفروا إن يتخذونك إلا هزوا.. } الآية. # التفسير: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول } أي وما ~~بعثنا قبلك يا محمد رسولا من الرسل { إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا } أي إلا أوحينا إليه أنه لا رب ولا ~~معبود بحق سوى الله { فاعبدون } أي فاعبدوني وحدي وخصوني بالعبادة ~~ولا تشركوا معي أحدا { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } أي ~~قال المشركون اتخذ الله من الملائكة ولدا قال المفسرون: هم حي من ~~خزاعة قالوا: الملائكة بنات الله { سبحانه } أي تنزه الله وتقدس ~~عما يقول الظالمون { بل عباد مكرمون } أي بل هم عباد ~~مبجلون اصطفاهم الله فهم مكرمون عنده في منازل عالية، ومقامات سامية ~~وهم في غاية الطاعة والخضوع { لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون } أي لا يقولون شيئا حتى يقوله شأنهم شأن ~~العبيد المؤدبين وهم بطاعته وأوامره يعملون لا يخالفون ربهم في أمر من ~~الأوامر { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } أي علمه ~~تعالى محيط بهم لا يخفى عليه منهم خافية { ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى } أي لا يشفعون يوم القيامة إلا ms0894 لمن رضي الله عنه وهم ~~أهل الإيمان كما قال بن عباس: هم أهل شهادة لا إله إلا الله { وهم ~~من خشيته مشفقون } أي وهم من خوف الله ورهبته خائفون حذرون ~~لأنهم يعرفون عظمة الله قال الحسن: يرتعدون من خشية الله { ومن يقل ~~منهم إني إله من دونه } أي يقل من الملائكة إني إله ~~ومعبود مع الله { فذلك نجزيه جهنم } أي فعقوبته جهنم قال ~~المفسرون: هذا على وجه التهديد وعلى سبيل الفرض والتقدير لأن هذا شرط ~~والشرط لا يلزم وقوعه والملائكة معصومون { كذلك نجزي ~~الظالمين } أي مثل ذلك الجزاء الشديد نجزي من ظلم وتعدى حدود الله { ~~أولم ير الذين كفروا أن السموت والأرض ~~كانتا رتقا ففتقناهما } استفهام توبيخ لمن ادعى مع الله ~~آلهة ورد على عبدة الأوثان أي أولم يعلم هؤلاء الجاحدون أن السماوات ~~والأرض كانتا شيئا واحدا ملتصقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى ~~حيث هي وأقر الأرض كما هي؟ قال الحسن وقتادة: كانت السماوات والأرض ~~ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء وقال ابن عباس: كانت السماوات رتقا ~~لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات { ~~وجعلنا من المآء كل شيء حي } أي جعلنا الماء أصل كل ~~الأحياء وسببا للحياة فلا يعيش بدونه إنسان ولا حيوان ولا نبات { ~~أفلا يؤمنون } أي أفلا يصدقون بقدرة الله؟ { وجعلنا في ~~الأرض رواسي أن تميد بهم } أي جعلنا في الأرض جبالا ثوابت ~~لئلا تتحرك وتضطرب فلا يستقر لهم عليها قرار { وجعلنا فيها ~~فجاجا سبلا لعلهم يهتدون } أي وجعلنا في هذه الجبال ~~مسالك وطرقا واسعة كي يهتدوا إلى مقاصدهم في الأسفار قال ابن كثير: جعل ~~في الجبال ثغرا يسلكون فيها طرقا من قطر إلى قطر، وإقليم إلى ~~إقليم، كما هو المشاهد في الأرض يكون الجبل حائلا بين هذه البلاد وهذه ~~فيجعل الله فيها فجوة ليسلك الناس فيها من ههنا إلى ههنا { ~~وجعلنا السمآء سقفا محفوظا } أي جعلنا السماء كالسقف ~~للأرض محفوظة من الوقوع والسقوط وقال ابن عباس: حفظت بالنجوم من الشياطين ~~{ وهم ms0895 عن آياتها معرضون } أي والكفار عن الآيات الدالة على ~~وجود الصانع وقدرته من الشمس والقمر والنجوم وسائر الأدلة والعبر معرضون ~~لا يتفكرون فيما ابدعته يد القدرة من الخلق العجيب والتنظيم الفريد الدال ~~على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة قال القرطبي: بين تعالى أن ~~المشركين غفلوا عن النظر في السماوات وآياتها، من ليلها ونهارها، وشمسها ~~وقمرها، وأفلاكها ورياحها، وما فيها من القدرة الباهرة إذ لو نظروا ~~واعتبروا لعلموا أن لها صانعا قادرا واحدا يستحيل أن يكون له شريك { ~~وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر ~~} أي وهو تعالى بقدرته نوع الحياة فجعل فيها ليلا ونهارا هذا في ~~ظلامه وسكونه، وهذا بضيائه وأنسه، يطول هذا تارة ثم يقصر أخرى وبالعكس، ~~وخلق الشمس والقمر آيتين عظيمتين دالتين على وحدانيته { كل في فلك ~~يسبحون } أي كل من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار ~~يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء { وما جعلنا لبشر من ~~قبلك الخلد } أي وما جعلنا لأحد من البشر قبلك يا محمد البقاء ~~الدائم والخلود في الدنيا { أفإن مت فهم الخالدون } أي ~~فهل إذا مت يا محمد سيخلدون بعدك في هذه الحياة؟ لا لن يكون لهم ذلك ~~بل كل إلى الفناء قال المفسرون: هذا رد لقول المشركين # شاعر نتربص به ريب المنون # [الطور: 30] فأعلم تعالى بأن الأنبياء قبله ماتوا وتولى الله دينه ~~بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك { كل نفس ذآئقة ~~الموت } أي كل مخلوق إلى الفناء ولا يدوم إلا الحي القيوم { ~~ونبلوكم بالشر والخير فتنة } أي ونختبركم بالمصائب ~~والنعم لنرى الشاكر من الكافر، والصابر من القانط قال ابن عباس: ~~نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال ~~والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال وقال ابن زيد: نختبركم بما ~~تحبون لنرى كيف شكركم، وبما تكرهون لنرى كيف صبركم!! { وإلينا ~~ترجعون } أي وإلينا مرجعكم فنجازيكم بأعمالكم { وإذا رآك ~~الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا } أي إذا رآك ~~كفار قريش كأبي جهل وأشياعه ما يتخذونك إلا مهزوءا به يقولون { ~~أهذا الذي يذكر آلهتكم } استفهام فيه إنكار ms0896 وتعجيب أي ~~هذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم؟ { وهم بذكر الرحمن ~~هم كافرون } أي وهم كافرون بالله ومع ذلك يستهزئون برسول الله قال ~~القرطبي: كان المشركون يعيبون من جحد إلهية أصنامهم وهم جاحدون لإلهية ~~الرحمن، وهذا غاية الجهل { خلق الإنسان من عجل } أي ركب ~~الإنسان على العجلة فخلق عجولا يستعجل كثيرا من الأشياء وإن كانت ~~مضرة قال ابن كثير: والحكمة في ذكر عجلة الإنسان ههنا أنه لما ذكر ~~المستهزئين بالرسول صلى الله عليه وسلم وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم ~~واستعجلوا ذلك ولهذا قال { سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ~~} أي سأوريكم انتقامي واقتداري على من عصاني فلا تتعجلوا الأمر قبل أوانه ~~{ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } أي ~~ويقول المشركون على سبيل الاستهزاء والسخرية: متى هذا العذاب الذي يعدنا ~~به محمد إن كنتم يا معشر المؤمنين صادقين فيما أخبرتمونا به قال تعالى { ~~لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم ~~النار ولا عن ظهورهم } أي لو عرف الكافرون فظاعة العذاب حين ~~لا يستطيعون دفع العذاب عن وجوههم وظهورهم لأنه محيط بهم من جميع جهاتهم ~~لما استعجلوا الوعيد قال في البحر: وجواب { لو } محذوف لأنه أبلغ في ~~الوعيد وأهيب وقدره الزمخشري بقوله: لما كانوا بتلك الصفة من الكفر ~~والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم هو الذي هونه عندهم { ولا هم ~~ينصرون } أي لا ناصر لهم من عذاب الله { بل تأتيهم بغتة ~~فتبهتهم } أي بل تأتيهم الساعة فجأة فتدهشهم وتحيرهم { فلا ~~يستطيعون ردها ولا هم ينظرون } أي فلا يقدرون على ~~صرفها عنهم ولا يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار { ولقد استهزىء ~~برسل من قبلك } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~استهزاء المشركين أي والله لقد استهزئ برسل أولي شأن خطير وذوي عدد كثير ~~من قبلك يا محمد { فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا ~~به يستهزئون } أي فنزل وحل بالساخرين من الرسل العذاب الذي ~~كانوا يستهزئون به قال أبو حيان: سلاه تعالى بأن من تقدمه من الرسل ~~وقع من أممهم الاستهزاء بهم، وأن ثمرة ms0897 استهزائهم جنوها هلاكا وعقابا ~~في الدنيا والآخرة فكذلك حال هؤلاء المستهزئين { قل من يكلؤكم ~~بالليل والنهار من الرحمن } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~المستهزئين من يحفظكم من بأس الرحمن في أوقاتكم؟ ومن يدفع عنكم عذابه ~~وانتقامه إن أراد إنزاله بكم؟ وهو سؤال تقريع وتنبيه كيلا يغتروا ~~بما نالهم من نعم الله { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } ~~أي بل هؤلاء الظالمون معرضون عن كلام الله ومواعظه لا يتفكرون ولا ~~يعتبرون { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا } أي ألهم ~~آلهة تمنعهم من العذاب غيرنا؟ { لا يستطيعون نصر أنفسهم ~~} أي لا يقدرون على نصر أنفسهم، فكيف ينصرون عابديهم؟ { ولا هم ~~منا يصحبون } أي وليست هذه الآلهة تستطيع أن تجير نفسها من عذاب ~~الله لأنها في غاية العجز والضغف قال ابن عباس: يصحبون: يجارون أي لا ~~يجيرهم منا أحد لأن المجير صاحب لجاره { بل متعنا هؤلاء ~~وآبآءهم حتى طال عليهم العمر } أي متعنا هؤلاء ~~المشركين وآباءهم من قبلهم بما رزقناهم من حطام الدنيا حتى طالت أعمارهم ~~في رخاء ونعمة وحسبوا أن ذلك يدوم فاغتروا بذلك { أفلا يرون ~~أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ } أي أفلا ينظرون ~~فيعتبرون بأننا نأتي أرضهم فننقصها من أطرافها بالفتح على النبي وتسليط ~~المسلمين عليها؟ { أفهم الغالبون } استفهام بمعنى التقريع ~~والإنكار أي أفهم الغالبون والحالة هذه أم المغلوبون؟ بل هم المغلوبون ~~الأخسرون الأرذلون { قل إنمآ أنذركم بالوحي } أي قل لهم ~~يا محمد إنما أخوفكم واحذركم بوحي من الله لا من تلقاء نفسي، فأنا ~~مبلغ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب والنكال { ولا يسمع ~~الصم الدعآء إذا ما ينذرون } أي ولكنكم أيها المشركون ~~لشدة جهلكم وعنادكم كالصم الذين لا يسمعون الكلام والإنذار فلا يتعظون ~~ولا ينزجرون { ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك } أي ~~ولئن أصابهم شيء خفيف مما أنذروا به من عذاب الله ولو كان يسيرا { ~~ليقولن يويلنآ إنا كنا ظالمين } أي ليعترفن ~~بجريمتهم ويقولون: يا هلاكنا لقد كنا ظالمين لأنفسنا بتكذيبنا رسل الله { ~~ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ms0898 } أي ونقيم ~~الموازين العادلة التي توزن بها الأعمال في يوم القيامة { فلا تظلم ~~نفس شيئا } أي فلا ينقص محسن من إحسانه، ولا يزاد مسيء على ~~إساءته { وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ~~} أي وإن كان العمل الذي عملته زنة حبة من خردل جئا بها وأحضرناها قال ~~أبو السعود: أي وإن كان في غاية القلة والحقارة، فإن حبة الخردل مثل ~~في الصغر { وكفى بنا حاسبين } أي كفى بربك أن يكون محصيا ~~لأعمال العباد مجازيا عليها قال الخازن: والغرض منه التحذير فإن ~~المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء، وفي القدرة ~~بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون على أشد الخوف منه { ~~ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا ~~للمتقين } أي ولقد أعطينا موسى وهارون التوراة الفارقة بين الحق ~~والباطل والهدى والضلال نورا وضياء وتذكيرا للمؤمنين المتقين { ~~الذين يخشون ربهم بالغيب } أي هم الذين يخافون الله ~~ولم يروه لأنهم عرفوا بالنظر والاستدلال أن لهم ربا عظيما قادرا يجازي ~~على الأعمال فهم يخشونه وإن لم يروه { وهم من الساعة ~~مشفقون } أي وهم من أهوال القيامة وشدائدها خائفون وجلون { ~~وهذا ذكر مبارك أنزلناه } أي وهذا القرآن العظيم كتاب ~~عظيم الشأن فيه ذكر لمن تذكر، وعظة لمن اتعظ، كثير الخير أنزلناه عليكم ~~بلغتكم { أفأنتم له منكرون } أي أفأنتم يا معشر العرب منكرون ~~له وهو في غاية الجلاء والظهور؟ قال الكرخي: الاستفهام للتوبيخ والخطاب ~~لأهل مكة فإنهم من أهل اللسان يدركون مزايا الكلام ولطائفه، ويفهمون من ~~بلاغة القرآن ما لا يدركه غيرهم مع أن فيه شرفهم وصيتهم فلو أنكره غيرهم ~~لكان لهم مناصبته وعداؤه. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- جناس الاشتقاق { أرسلنا.. رسول }. # 2- الاستفهام الذي معناه التعجب والإنكار { أولم ير الذين ~~كفروا }. # 3- الطباق بين الرتق والفتق في قوله { كانتا رتقا ~~ففتقناهما }. # 4- التنكير للتعميم { وجعلنا من المآء كل شيء حي } ~~{ وما جعلنا لبشر }. # 5- الالتفات من المتكلم إلى الغائب { وهو الذي خلق الليل ~~والنهار ms0899 } بعد قوله { وجعلنا من المآء } وذلك لتأكيد ~~الاعتناء بالنعم الجليلة التي أنعم بها على العباد. # 6- الطباق بين الشر والخير { ونبلوكم بالشر والخير }. # 7- المبالغة { خلق الإنسان من عجل } جعل لفرط استعجاله كأنه ~~مخلوق من نفس العجل كقول العرب لمن لازم اللعب: هو من لعب وكوصف بعضهم ~~قوما بقوله " نساؤهم لعب ورجالهم طرب ". # 8- الاستعارة { ولا يسمع الصم الدعآء } استعار الصم ~~للكفار لأنهم كالبهائم التي لا تسمع الدعاء ولا تفقه النداء. # 9- الكناية { حبة من خردل } كناية عن العمل ولو كان في غاية ~~القلة والحقارة. # 10- السجع اللطيف { يهتدون } ، { يسبحون } ، { ينصرون } ~~الخ. # تنبيه: سئل ابن عباس: هل الليل كان قبل أو النهار؟ فقال: أرأيتم إلى ~~السماوات والأرض حين كانتا رتقا هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا ~~أن الليل قبل النهار. # لطيفة: عن ابن عمر أن رجلا أتاه يسأله عن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما فقال له: إذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ثم تعال فأخبرني بما قال ~~لك - يريد ابن عباس - فذهب إليه فسأله فقال ابن عباس: كانت السماوات ~~رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلا فتق ~~هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل الى ابن عمر فأخبره فقال ابن ~~عمر: قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ابن عباس في تفسير القرآن، فالآن ~~علمت بأنه قد أوتي في القرآن علما. ### || [21.51-82] # المناسبة: لما ذكر تعالى الدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد أتبع ~~ذلك بذكر قصص الأنبياء، وما نال كثيرا منهم من الابتلاء تسلية للرسول ~~الأعظم صلى الله عليه وسلم ليتأسى بهم في الصبر واحتمال الأذى في سبيل ~~الله تعالى، وتوطين النفس على مجابهة المشركين أعداء الله. # اللغة: { رشده } هداه إلى وجوه الصلاح { التماثيل } جمع ~~تمثال وهو الصورة المصنوعة مشبهة بمخلوق من مخلوقات الله تعالى يقال: ~~مثلت الشيء بالشيء أي شبهته به واسم ذلك الممثل تمثال { جذاذا } ~~فتاتا والجذ: الكسر والقطع قال الشاعر: # بنوالمهلب جذ الله دابرهم # أمسوا رمادا فلا أصل ولا طرف # { نكسوا } النكس: قلب الشيء بحيث يصير أعلاه أسفل { نافلة ms0900 } ~~زيادة ومنه النفل لأنه زيادة على ما فرض الله ويقال لولد الولد نافلة ~~لأنه زيادة على الولد { الكرب } الغم الشديد { نفشت } النفش: ~~الرعي بالليل بلا راع يقال: نفشت بالليل، وهملت بالنهار إذا رعت بلا ~~راع. # التفسير: { ولقد آتينآ إبراهيم رشده } أي والله لقد ~~أعطينا إبراهيم هداه وصلاحه إلى وجوه الخير في الدين والدنيا { من ~~قبل } أي من صغره حيث وفقناه للنظر والاستدلال إلى وحدانية ذي الجلال ~~{ وكنا به عالمين } أي عالمين أنه أهل لما آتيناه من الفضل ~~والنبوة { إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون } هذا بيان للرشد الذي أوتيه ~~إبراهيم من صغرة أي حين قال لأبيه آزر وقومه المشركين ما هذه الأصنام ~~التي أنتم مقيمون على عبادتها؟ وفي قوله { ما هذه التماثيل } ~~تحقير لها وتصغير لشأنها وتجاهل بها مع علمه بتعظيمهم لها { قالوا ~~وجدنآ آبآءنا لها عابدين } أي نعبدها تقليدا لأسلافنا قال ~~ابن كثير: لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال { قال لقد كنتم ~~أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين } أي لقد كنتم وأسلافكم الذين ~~عبدوا هذه الأصنام في خطأ بين بعبادتكم إياها إذ هي جمادات لا تنفع ~~ولا تضر ولا تسمع { قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من ~~اللاعبين } أي هل أنت جاد فيما تقول أم لاعب؟ وهل قولك حق أم ~~مزاح؟ استعظموا إنكاره عليهم، واستبعدوا أن يكون ما هم عليه ضلالا، ~~وجوزوا أن ما قاله على سبيل المزاح لا الجد فأضرب عن قولهم وأخبر أنه ~~جاد فيما قال غير لاعب { قال بل ربكم رب السموت ~~والأرض الذي فطرهن } أي ربكم الجدير بالعبادة هو رب ~~السماوات والأرض الذي خلقهن وأبدعهن لا هذه الأصنام المزعومة { ~~وأنا على ذلكم من الشاهدين } أي وأنا شاهد لله ~~بالوحدانية بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة كالشاهد الذي تقطع به ~~الدعاوى { وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن ~~تولوا مدبرين } أي وأقسم بالله لأمكرن بآلهتكم وأحتالن في ~~وصول الضر إليها بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم قال المفسرون: كان لهم عيد ~~يخرجون إليه في كل سنة ms0901 ويجتمعون فيه فقال آزر لإبراهيم: لو خرجت معنا ~~إلى عيدنا أعجبك ديننا!! فخرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى ~~نفسه إلى الأرض وقال إني سقيم أشتكى رجلي فتركوه ومضوا ثم نادى في آخرهم ~~{ وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا ~~مدبرين } فسمعها رجل فحفظها { فجعلهم جذاذا } أي كسر ~~الأصنام حتى جعلها فتاتا وحطاما { إلا كبيرا لهم } أي إلا ~~الصنم الكبير فإنه لم يكسره قال مجاهد: ترك الصنم الأكبر وعلق الفأس ~~الذي كسر به الأصنام في عنقه ليحتج به عليهم { لعلهم إليه ~~يرجعون } أي لعلهم يرجعون إلى الصنم فيسألونه عمن كسر الأصنام ~~فيتبين لهم عجزه وتقوم الحجة عليهم { قالوا من فعل هذا ~~بآلهتنآ إنه لمن الظالمين } في الكلام محذوف تقديره: ~~فلما رجعوا من عيدهم ونظروا إلى آلهتهم ورأوا ما فعل بها قالوا على جهة ~~البحث والإنكار والتشنيع والتوبيخ: إن من حطم هذه الآلهة لشديد ~~الظلم عظيم الجرم لجراءته على الآلهة المستحقة للتعظيم والتوقير { ~~قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } أي ~~قال من سمع إبراهيم يقول { وتالله لأكيدن أصنامكم } ~~سمعنا فتى يذكرهم بالذم ويسبهم ويعيبهم يسمى إبراهيم فلعله هو الذي ~~حطم الآلهة! { قالوا فأتوا به على أعين الناس } أي ~~قال نمرود وأشراف قومه أحضروا إبراهيم بمرأى من الناس حتى يروه، والغرض ~~أن تكون محاكمته على رءوس الأشهاد بحضرة الناس كلهم ليكون عقابه عبرة لمن ~~يعتبر { لعلهم يشهدون } أي لعلهم يحضرون عقابه ويرون ما يصنع ~~به { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يإبراهيم } ~~أي هل أنت الذي حطمت هذه الآلهة يا إبراهيم؟ { قال بل فعله ~~كبيرهم هذا } أي قال إبراهيم بل حطمها الصنم الكبير لأنه غضب ~~أن تعبدوا معه هذه الصغار فكسرها، والغرض تبكيتهم وإقامة الحجة عليهم ~~ولهذا قال { فاسألوهم إن كانوا ينطقون } أي اسألوا هذه ~~الأصنام من كسرها؟ إن كانوا يقدرون على النطق قال القرطبي: والكلام خرج ~~مخرج التعريض وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتخذونهم آلهة من دون الله كما ~~قال إبراهيم لأبيه # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ms0902 ~~شيئا # [مريم: 42] فقال إبراهيم { قال بل فعله كبيرهم هذا } ~~ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون فيقول لهم فلم تعبدونهم؟ ~~فتقوم عليهم الحجة منهم كما يجوز فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق ~~من نفسه فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة { فرجعوا إلى ~~أنفسهم } أي رجعوا إلى عقولهم وتفكروا بقلوبهم { فقالوا ~~إنكم أنتم الظالمون } أي أنتم الظالمون في عبادة ما لا ينطق ~~{ ثم نكسوا على رءوسهم } أي أنقلبوا من الإذعان إلى ~~المكابرة والطغيان { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } أي ~~قالوا في لجاجهم وعنادهم: لقد علمت يا إبراهيم أن هذه الأصنام لا ~~تتكلم ولا تجيب فكيف تأمرنا بسؤالها؟ وهذا إقرار منهم بعجز الآلهة، ~~وحينئذ توجهت لإبراهيم الحجة عليهم فأخذ يوبخهم ويعنفهم { قال ~~أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا ~~يضركم } أي أتعبدون جمادات لا تضر ولا تنفع؟ { أف لكم ~~ولما تعبدون من دون الله } أي قبحا لكم ونتنا لكم ~~وللأصنام التي عبدتموها من دون الله { أفلا تعقلون } أي أفلا ~~تعقلون قبح صنيعكم؟ { قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم } ~~لما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب عدلوا إلى البطش والتنكيل فقالوا: ~~احرقوا إبراهيم بالنار انتقاما لآلهتكم ونصرة لها { إن كنتم ~~فاعلين } أي إن كنتم ناصريها حقا { قلنا ينار كوني ~~بردا وسلما على إبراهيم } أي ذات برد وسلامة وجاءت ~~العبارة هكذا للمبالغة قال المفسرون: لما أرادوا إحراق إبراهيم جمعوا ~~له حطبا مدة شهر حتى كانت المرأة تمرض فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطبا ~~لحرق إبراهيم، ثم جعلوه في حفرة من الأرض وأضرموها نارا فكان لها لهب ~~عظيم حتى إن الطائر ليمر من فوقها فيحترق من شدة وهجها وحرها، ثم ~~أوثقوا إبراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، فجاء إليه جبريل ~~فقال: ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا، فقال جبريل: فاسأل ربك، فقال: " ~~حسبي من سؤالي علمه بحالي " فقال الله: يا نار كوني بردا وسلاما على ~~إبراهيم، ولم تحرق النار منه سوى وثاقه وقال ابن عباس: لو لم يقل الله { ~~وسلما } لآذى إبراهيم ms0903 بردها { وأرادوا به كيدا } أي ~~أرادوا تحريقه بالنار { فجعلناهم الأخسرين } أي أخسر الناس ~~وأخسر من كل خاسر حيث كادوا لنبي الله فرد الله كيدهم في نحورهم { ~~ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين } أي ونجينا إبراهيم مع ابن أخيه لوط حيث هاجرا من ~~العراق إلى الشام التي بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأنبياء ووفرة ~~الأنهار والأشجار قال ابن الجوزي: وبركتها أن الله عز وجل بعث أكثر ~~الأنبياء منها وأكثر فيها الخصب والأنهار { ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب نافلة } أي أعطينا إبراهيم - بعدما سأل ربه الولد - ~~إسحاق وأعطيناه كذلك يعقوب نافلة أي زيادة وفضلا من غير سؤال قال ~~المفسرون: سأل إبراهيم ربه ولدا فأعطاه الله إسحاق وزاده يعقوب نافلة ~~زيادة على ما سأل لأن ولد الولد كالولد { وكلا جعلنا ~~صالحين } أي وكلا من إبراهيم وإسحاق ويعقوب جعلناه من أهل الخير ~~والصلاح { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا } أي جعلناهم ~~قدوة ورؤساء لغيرهم يرشدون الناس إلى الدين بأمر الله { وأوحينآ ~~إليهم فعل الخيرات } أي أوحينا إليهم أن يفعلوا الخيرات ~~ليجمعوا بين العلم والعمل { وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة ~~} أي وأمرناهم بطريق الوحي بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وإنما خصهما ~~بالذكر لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، والزكاة أفضل العبادات ~~المالية { وكانوا لنا عابدين } أي موحدين مخلصين في العبادة { ~~ولوطا آتيناه حكما وعلما } أي وأعطينا لوطا النبوة والعلم ~~والفهم السديد قال ابن كثير: كان لوط قد آمن بإبراهيم عليه السلام ~~واتبعه وهاجر معه كما قال تعالى # فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي # [العنكبوت: 26] فآتاه الله حكما وعلما وأوحى إليه وجعله نبيا وبعثه ~~إلى " سدوم " فكذبوه فأهلكهم الله ودمر عليهم كما قص خبرهم في غير ~~موضع من كتابة العزيز { ونجيناه من القرية التي كانت ~~تعمل الخبائث } أي خلصناه من أهل قرية سدوم الذين كانوا ~~يعملون الأعمال الخبيثة كاللواط وقطع السبيل وغير ذلك { إنهم ~~كانوا قوم سوء فاسقين } أي كانوا أشرارا خارجين عن طاعة ~~الله { وأدخلناه في رحمتنآ إنه من الصالحين } أي ~~أدخلناه في أهل رحمتنا لأنه من ms0904 عبادنا الصالحين { ونوحا إذ نادى ~~من قبل } أي واذكر قصة نوح حين دعا على قومه من قبل هؤلاء الأنبياء ~~المذكورين، دعا عليهم بالهلاك حين كذبوه بقوله # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] { فاستجبنا له فنجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم } أي استجبنا دعاءه فأنقذناه ومن معه من المؤمنين - ~~ركاب السفينة - من الطوفان والغرق الذي كان كربا وغما شديدا يكاد يأخذ ~~بالأنفاس { ونصرناه من القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا } أي منعناه من شر قومه المكذبين فنجيناه وأهلكناهم { ~~إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين } أي ~~كانوا منهمكين في الشر فأغرقناهم جميعا ولم نبق منهم أحدا { ~~وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث } أي واذكر قصة ~~داود وسليمان حين يحكمان في شأن الزرع { إذ نفشت فيه غنم ~~القوم } أي وقت رعت فيه غنم القوم ليلا فأفسدته { وكنا ~~لحكمهم شاهدين } أي كنا مطلعين على حكم كل منهما عالمين به ~~{ ففهمناها سليمان } أي علمنا وألهمنا سليمان الحكم في ~~القضية { وكلا آتينا حكما وعلما } أي وكلا من داود ~~وسليمان أعطيناه الحكمة والعلم الواسع مع النبوة قال المفسرون: تخاصم ~~إلى داود رجلان دخلت غنم أحدهما على زرع الآخر بالليل فأفسدته فلم تبق ~~منه شيئا، فقضى بأن يأخذ صاحب الزرع الغنم، فخرج الرجلان على سليمان وهو ~~الباب فأخبراه بما حكم به أبوه فدخل عليه فقال: يا نبي الله لو حكمت ~~بغير هذا كان أرفق للجميع! قال: وما هو؟ قال: يأخذ صاحب الغنم الأرض ~~فيصلحها ويبذرها حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم وينتفع ~~بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا خرج الزرع ردت الغنم إلى صاحبها ~~والأرض إلى ربها فقال له داود: وفقت يا بني وقضى بينهما بذلك فذلك ~~قوله تعالى { ففهمناها سليمان } { وسخرنا مع ~~داوود الجبال يسبحن والطير } أي جعلنا الجبال والطير ~~تسبح مع داود إذا سبح قال ابن كثير: وذلك لطيب صوته بتلاوة الزبور ~~فكان إذا ترنم بها تقف الطير في الهواء فتجاوبه وترد عليه الجبال ~~تأويبا وإنما قدم ذكر الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب ms0905 ~~وأغرب وأدخل في الإعجاز لأنها جماد { وكنا فاعلين } أي وكنا ~~قادرين على فعل ذلك { وعلمناه صنعة لبوس لكم } أي ~~علمنا داود صنع الدروع بإلانة الحديد له قال قتادة: أول من صنع الدروع ~~داود وكانت صفائح فهو أول من سردها وحلقها { لتحصنكم من ~~بأسكم } أي لتقيكم في القتال شر الأعداء { فهل أنتم ~~شاكرون } استفهام يراد به الأمر أي اشكروا الله على ما أنعم به ~~عليكم، ولما ذكر تعالى ما خص به نبيه داود عليه السلام ذكر ما خص به ~~ابنه سليمان فقال { ولسليمان الريح عاصفة } أي وسخرنا ~~لسليمان الريح عاصفة أي شديدة الهبوب { تجري بأمره إلى ~~الأرض التي باركنا فيها } أي تسير بمشيئته وإرادته إلى أرض ~~الشام المباركة بكثرة الأشجار والأنهار والثمار، وكانت مسكنه ومقر ملكه { ~~وكنا بكل شيء عالمين } أي وكنا عالمين بجميع الأمور فما ~~أعطيناه تلك المكانة إلا لما نعلمه من الحكمة { ومن الشياطين ~~من يغوصون له } أي وسخرنا لسليمان بعض الشياطين يغوصون في الماء ~~ويدخلون أعماق البحار ليستخرجوا له الجواهر واللآلئ { ويعملون ~~عملا دون ذلك } أي ويعملون أعمالا أخرى سوى الغوص كبناء المدن ~~والقصور الشاهقة والأمور التي يعجز عنها البشر { وكنا لهم ~~حافظين } أي نحفظهم عن الزيغ عن أمره أو الخروج عن طاعته. # البلاغة: تضمنت الآيات من وجوه الفصاحة والبديع ما يلي: # 1- الاستعارة اللطيفة { ثم نكسوا على رءوسهم } شبه ~~رجوعهم عن الحق إلى الباطل بانقلاب الشخص حتى يصبح أسفله أعلاه بطريق ~~الاستعارة. # 2- الطباق بين { ينفعكم.. ويضركم }. # 3- المبالغة { كوني بردا } أطلق المصدر وأراد اسم الفاعل أي باردة ~~أو ذات برد. # 4- عطف الخاص على العام { فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتآء الزكاة } لأن الصلاة والزكاة من فعل الخيرات وإنما ~~خصهما بالذكر تنبيها لعلو شأنهما وفضلهما. # 5- الاحتراس { وكلا آتينا حكما وعلما } دفعا لتوهم ~~انتقاص مقام داود عليه السلام. # 6- المجاز المرسل { وأدخلناه في رحمتنآ } أي في الجنة ~~لأنها مكان تنزل الرحمة فالعلاقة المحلية. # 7- السجع غير المتكلف { العابدين الصابرين } ، { الصالحين ~~} الخ. # تنبيه: وصف تعالى الريح ههنا بقوله { عاصفة } ووصفها في مكان آخر ~~بقوله # رخآء ms0906 # [ص: 36] والعاصفة هي الشديدة، والرخاء هي اللينة، ولا تعارض بين ~~الوصفين لأن الريح كانت لينة طيبة وكانت تسرع في جريها كالعاصف فجمعت ~~الوصفين فتدبر. ### || [21.83-112] # المناسبة: لما ذكر تعالى جملة من الأنبياء " إبراهيم، نوح، لوط، ~~داود، سليمان " وما نال كثيرا منهم من الابتلاء، ذكر هنا قصة أيوب ~~وابتلاء الله له بأنواع المحن ثم أعقبها بذكر محنة يونس وزكريا وعيسى ~~وكل ذلك بقصد التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ليتأسى بهم. # اللغة: { ذا النون } النون: الحوت وذا النون لقب ليونس بن متى ~~لابتلاع النون له { أحصنت } الإحصان: العفة يقال: رجل محصن وامرأة ~~محصنة أي عفيفة { رغبا ورهبا } الرغب: الرجاء، والرهب: الخوف { ~~كفران } الكفر والكفران: الجحود وأصله الستر لأن الكافر يستر نعمة ~~الله ويجحدها { حدب } الحدب: ما ارتفع من الأرض مأخوذ من حدبة الظهر ~~قال عنترة: # فما رعشت يداي ولا ازدهاني # تواترهم إلي من الحداب # { ينسلون } يسرعون يقال: نسل الذئب ينسل نسلانا أي أسرع { حصب } ~~الحصب: ما توقد به النار كالحطب وغيره { زفير } أنين وتنفس شديد { ~~حسيسها } الحسيس: الصوت والحس والحركة الذي يحس به من حركة ~~الأجرام { السجل } الصحيفة لأن بها يسجل المطلوب. # سبب النزول: عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم } شق ذلك على كفار ~~قريش وقالوا: شتم آلهتنا وأتوا ابن الزبعري وأخبروه فقال: لو حضرته ~~لرددت عليه قالوا: وما كنت تقول له؟ قال أقول له: هذا المسيح تعبده ~~النصارى، وهذا عزير تعبده اليهود؛ أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من ~~مقالته ورأوا أن محمدا قد خصم فأنزل الله { إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون }. # التفسير: { وأيوب إذ نادى ربه } أي واذكر قصة نبي الله ~~أيوب حين دعا ربه بتضرع وخشوع { أني مسني الضر } أي نالني ~~البلاء والكرب والشدة قال المفسرون: كان أيوب نبيا من الروم، وكان له ~~أولاد ومال كثير، فأذهب الله ماله فصبر، ثم أهلك الأولاد فصبر، ثم سلط ~~البلاء والمرض على جسمه فصبر فمر عليه ملأ ms0907 من قومه فقالوا: ما أصابه هذا ~~إلا بذنب عظيم فعند ذلك تضرع إلى الله فكشف عنه ضره { وأنت ~~أرحم الراحمين } أي أكثرهم رحمة فارحني، ولم يصرح بالدعاء ~~ولكنه وصف نفسه بالعجز والضعف، ووصف ربه بغاية الرحمة ليرحمه، فكان فيه ~~من حسن التلطف ما ليس في التصريح بالطلب { فاستجبنا له } أي ~~أجبنا دعاءه وتضرعه { فكشفنا ما به من ضر } أي أزلنا ما ~~أصابه من ضر وبلاء { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } قال ~~ابن مسعود: مات أولاده وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإناث فلما عوفي ~~أحيوا له وولدت له امرأته سبعة بنين وسبع بنات. والمعنى أعطيناه أهله في ~~الدنيا ورزقناه من زوجته مثل ما كان له من الأولاد والأتباع { رحمة ~~من عندنا } أي من أجل رحمتنا إياه { وذكرى للعابدين } ~~أي وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر قال القرطبي: أي وتذكيرا ~~للعباد لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب ومحنته وصبره وطنوا أنفسهم على ~~الصبر على شدائد الدنيا مثل ما فعل أيوب وهو أفضل أهل زمانه، يروى أن ~~أيوب مكث في البلاء ثمان عشرة سنة فقالت له امرأته يوما: لو دعوت الله ~~عز وجل فقال لها: كم لبثنا في الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة فقال: إني ~~أستحيي من الله أن أدعوه وما مكثت في بلائي المدة التي مكثتها في رخائي { ~~وإسماعيل وإدريس وذا الكفل } أي واذكر لقومك قصة ~~إسماعيل بن إبراهيم وإدريس بن شيث وذا الكفل { كل من ~~الصابرين } أي كل من هؤلاء الأنبياء من أهل الإحسان والصبر، جاهدوا ~~في الله وصبروا على ما نالهم من الأذى { وأدخلناهم في ~~رحمتنا } أي أدخلناهم بصبرهم وصلاحهم الجنة دار الرحمة والنعيم { ~~إنهم من الصالحين } أي لأنهم من أهل الفضل والصلاح { وذا ~~النون } أي واذكر لقومك قصة يونس الذي ابتلعه الحوت، والنون هو ~~الحوت نسب إليه لأنه التقمه { إذ ذهب مغاضبا } أي حين خرج من ~~بلده مغاضبا لقومه إذ كان يدعوهم إلى الإيمان فيكفرون حتى أصابه ضجر ~~منهم فخرج عنهم ولذلك قال الله تعالى # ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: ms0908 48] ولا يصح قول من قال: مغاضبا لربه قال أبو حيان: وقول من ~~قال مغاضبا لربه يجب طرحه إذ لا يناسب منصب النبوة وقال الرازي: لا ~~يجوز صرف المغاضبة إلى الله تعالى لأن ذلك صفة من يجهل كون الله مالكا ~~للأمر والنهي، والجاهل بالله لا يكون مؤمنا فضلا عن أن يكون نبيا، ~~ومغاضبته لقومه كانت غضبا لله، وأنفة لدينه، وبغضا للكفر وأهله { ~~فظن أن لن نقدر عليه } أي ظن يونس أن لن نضيق عليه ~~بالعقوبة كقوله # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق: 7] أي ضيق عليه فيه فهو من القدر لا من القدرة قال الإمام ~~الفخر: من ظن عجز الله فهو كافر، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى ~~آحاد المؤمنين فكيف إلى الأنبياء عليهم السلام! روي أنه دخل ابن عباس ~~على معاوية فقال له معاوية: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها ~~فلم أجد لي خلاصا إلا بك، فقال: وما هي؟ قال: يظن نبي الله يونس ~~أن لن يقدر الله عليه؟ فقال ابن عباس: هذا من القدر لا من القدرة { ~~فنادى في الظلمات } أي نادى ربه في ظلمة الليل وهو في بطن ~~الحوت قال ابن عباس: جمعت الظلمات لأنها ظلمة الليل، وظلمة البحر، ~~وظلمة بطن الحوت { أن لا إله إلا أنت } أي نادى بأن لا ~~إله إلا أنت يا رب { سبحانك إني كنت من الظالمين } أي ~~تنزهت يا رب عن النقص والظلم، وقد كنت من الظالمين لنفسي وأنا الآن ~~من التائبين النادمين فاكشف عني المحنة وفي الحديث # " ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له " # { فاستجبنا له ونجيناه من الغم } أي استجبنا ~~لتضرعه واستغاثته ونجيناه من الضيق والكرب الذي ناله حين التقمه الحوت { ~~وكذلك ننجي المؤمنين } أي كما نجينا يونس من تلك المحنة ~~ننجي المؤمنين من الشدائد والأهوال إذا استغاثوا بنا { وزكريآ ~~إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا } أي واذكر يا محمد ~~خبر رسولنا زكريا حين دعا ربه دعاء مخلص منيب قائلا: رب لا تتركني ~~وحيدا بلا ولد ولا ms0909 وارث قال ابن عباس: كان سنه مائة وسن زوجته تسعا ~~وتسعين { وأنت خير الوارثين } أي وأنت يا رب خير من يبقى بعد ~~كل من يموت قال الألوسي: وفيه مدح له تعالى بالبقاء، وإشارة إلى فناء من ~~سواه من الأحياء، واستمطار لسحائب لطفه عز وجل { فاستجبنا له } ~~أي أجبنا دعاءه { ووهبنا له يحيى } أي رزقناه ولدا اسمه يحيى ~~على شيخوخته { وأصلحنا له زوجه } أي جعلناها ولودا بعد أن ~~كانت عاقرا وقال ابن عباس: كانت سيئة الخلق طويلة اللسان فأصلحها الله ~~تعالى فجعلها حسنة الخلق { إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات } أي إنما استجبنا دعاء من ذكر من الأنبياء لأنهم كانوا ~~صالحين يجدون في طاعة الله ويتسابقون في فعل الطاعات وعمل الصالحات { ~~ويدعوننا رغبا ورهبا } أي طمعا ورجاء في رحمتنا وخوفا ~~وفزعا من عذابنا { وكانوا لنا خاشعين } أي كانوا متذللين ~~خاضعين لله يخافونه في السر والعلن { والتي أحصنت فرجها } ~~أي واذكر مريم البتول التي أعفت نفسها عن الفاحشة وعن الحلال والحرام ~~كقوله # ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا # [مريم: 20] قال ابن كثير: ذكر تعالى قصة مريم وابنها عيسى مقرونة بقصة ~~زكريا وابنه يحيى لأن تلك مربوطة بهذه فإنها إيجاد ولد من شيخ كبير قد ~~طعن في السن وامرأة عجوز لم تكن تلد في حال شبابها، وهذه أعجب فإنها ~~إيجاد ولد من أنثى بلا ذكر ولذلك ذكر قصة مريم بعدها { فنفخنا ~~فيها من روحنا } أي أمرنا جبريل فنفخ في فتحة درعها - قميصها - ~~فدخلت النفخة إلى جوفها فحملت بعيسى، وأضاف الروح إليه تعالى على جهة ~~التشريف { وجعلناها وابنهآ آية للعالمين } أي وجعلنا ~~مريم مع ولدها عيسى علامة وأعجوبة للخلق تدل على قدرتنا الباهرة ليعتبر ~~بها الناس { إن هذه أمتكم أمة واحدة } أي دينكم ~~وملتكم التي يجب ان تكونوا عليها أيها الناس ملة واحدة غير مختلفة وهي ~~ملة الإسلام، والأنبياء كلهم جاءوا برسالة التوحيد قال ابن عباس: معناه ~~دينكم دين واحد { وأنا ربكم فاعبدون } أي وأنا إلهكم لا ~~رب سواي فأفردوني بالعبادة { وتقطعوا أمرهم بينهم } ~~أي ms0910 اختلفوا في الدين وأصبحوا فيه شيعا وأحزابا فمن موحد، ومن يهودي، ~~ونصراني ومجوسي { كل إلينا راجعون } أي رجوعهم إلينا ~~وحسابهم علينا قال الرازي: معنى الآية جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا ~~كما تتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه تمثيلا لاختلافهم في الدين وصيرورتهم ~~فرقا وأحزابا شتى { فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ~~} أي من يعمل شيئا من الطاعات وأعمال البر والخير بشرط الإيمان { ~~فلا كفران لسعيه } أي لا بطلان لثواب عمله ولا يضيع شيء من ~~جزائه { وإنا له كاتبون } أي نكتب عمله في صحيفته والمراد أمر ~~الملائكة بكتابة أعمال الخلق { وحرام على قرية أهلكناهآ ~~أنهم لا يرجعون } قال ابن عباس: أي ممتنع على أهل قرية ~~أهلكناهم أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا مرة ثانية وفي رواية عنه { ~~أنهم لا يرجعون } أي لا يتوبون قال ابن كثير: والأول أظهر ~~وقال في البحر: المعنى وممتنع على أهل قرية قدرنا إهلاكهم لكفرهم رجوعهم ~~في الدنيا إلى الإيمان إلى أن تقوم الساعة فحينئذ يرجعون { حتى ~~إذا فتحت يأجوج ومأجوج } أي حتى إذا فتح سد يأجوج ~~ومأجوج { وهم من كل حدب ينسلون } أي وهم لكثرتهم من كل ~~مرتفع من الأرض ومن كل أكمة وناحية يسرعون النزول والمراد أن يأجوج ~~ومأجوج لكثرتهم يخرجون من كل طريق للفساد في الأرض { واقترب ~~الوعد الحق } أي اقترب وقت القيامة قال المفسرون: جعل الله خروج ~~يأجوج ومأجوج علما على قرب الساعة قال ابن مسعود: الساعة من الناس بعد ~~يأجوج ومأجوج كالحامل المتمم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولدها ليلا ~~أو نهارا { فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا } ~~الضمير للقصة والشأن أي فإذا شأن الكافرين أن أبصارهم شاخصة من هول ~~ذلك اليوم لا تكاد تطرف من الحيرة وشدة الفزع { يويلنا قد كنا ~~في الدنيا في غفلة من هذا } أي ويقولون يا ويلنا أي يا ~~حسرتنا وهلاكنا قد كنا في غفلة تامة عن هذا المصير المشئوم واليوم ~~الرهيب { بل كنا ظالمين } أضربوا عن القول السابق وأخبروا ~~بالحقيقة المؤلمة والمعنى لم نكن في غفلة حيث ms0911 ذكرتنا الرسل ونبهتنا ~~الآيات بل كنا ظالمين لأنفسنا بالتكذيب وعدم الإيمان { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله } أي إنكم أيها المشركون وما تعبدونه من ~~الأوثان والأصنام { حصب جهنم } أي حطب جهنم ووقودها قال أبو ~~حيان: الحصب ما يحصب به أي يرمى به في نار جهنم، وقبل أن يرمى به لا ~~يطلق عليه حصب إلا مجازا { أنتم لها واردون } أي أنتم ~~داخلوها مع الأصنام، وإنما جمع الله الكفار مع معبوداتهم في النار ~~لزيادة غمهم وحسرتهم برؤيتهم الآلهة التي عبدوها معهم في عذاب الجحيم { ~~لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها } أي لو كانت هذه ~~الأصنام التي عبدتموها آلهة ما دخلوا جهنم { وكل فيها خالدون ~~} أي العابدون والمعبدون كلهم في جهنم مخلدون { لهم فيها زفير ~~} أي لهؤلاء الكفرة في النار زفير وهو صوت النفس الذي يخرج من قلب ~~المغموم وهو يشبه أنين المحزون والمكلوم { وهم فيها لا يسمعون ~~} أي لا يسمعون في جهنم شيئا لأنهم يحشرون صما كما قال تعالى # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما # [الإسراء: 97] قال القرطبي: وسماع الأشياء فيها روح وأنس، فمنع الله ~~الكفار ذلك في النار وقال ابن مسعود: إذا بقي من يخلد في نار جهنم ~~جعلوا في توابيت من نار، فيها مسامير من نار فلا يسمعون شيئا، ولا يرى ~~أحد منهم أنه يعذب في النار غيره ثم تلا الآية { إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى } أي سبقت لهم السعادة { ~~أولئك عنها مبعدون } أي هم عن النار مبعدون لا يصلون ~~حرها ولا يذوقون عذابها قال ابن عباس: أولئك أولياء الله يمرون على ~~الصراط مرا أسرع من البرق ويبقى الكفار فيها جثيا { لا يسمعون ~~حسيسها } أي لا يسمعون حس النار ولا حركة لهبها وصوتها { وهم ~~في ما اشتهت أنفسهم خالدون } أي وهم في الجنة دائمون، لهم ~~فيها تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين { لا يحزنهم الفزع الأكبر ~~} أي لا تصيبهم أهوال يوم القيامة والبعث لأنهم في مأمن منها { ~~وتتلقاهم الملائكة } أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة ~~يهنئونهم قائلين { هذا يومكم ms0912 الذي كنتم توعدون } أي ~~هذا يوم الكرامة والنعيم الذي وعدكم الله به فأبشروا بالهناء والسرور { ~~يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب } أي اذكر يوم ~~نطوي السماء طيا مثل طي الصحيفة على ما كتب فيها قال ابن عباس: كطي ~~الصحيفة على ما فيها، فاللام بمعنى " على " { كما بدأنآ أول ~~خلق نعيده } أي نحشرهم حفاة عراة غرلا على الصورة التي ~~بدأنا خلقهم فيها وفي الحديث # " إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا { كما بدأنآ ~~أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا كنا فاعلين } ~~ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام.. " # الحديث { وعدا علينآ } أي وعدا مؤكدا لا يخلف ولا يبدل لازم ~~علينا إنجازه والوفاء به { إنا كنا فاعلين } أي قادرين على ما ~~نشاء، وهو تأكيد لوقوع البعث { ولقد كتبنا في الزبور } أي ~~سجلنا وسطرنا في الزبور المنزل على داود { من بعد الذكر } أي من ~~بعد ما سطرنا في اللوح المحفوظ أزلا { أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون } أي أن الجنة يرثها المؤمنون الصالحون قال ابن ~~كثير: أخبر سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات ~~والأرض أن يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأرض ويدخلهم الجنة وهم ~~الصالحون وقال القرطبي: أحسن ما قيل فيها أنه يراد به أرض الجنة لأن ~~الأرض في الدنيا قد ورثها الصالحون وغيرهم وهو قول ابن عباس ومجاهد ويدل ~~عليه قوله تعالى # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض # [الزمر: 74] وأكثر المفسرين على أن المراد بالعباد الصالحين أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقال مجاهد: الزبور: الكتب المنزلة، والذكر أم ~~الكتاب عند الله { إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين } ~~أي إن في هذا المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد ~~والمواعظ البالغة لكفاية لقوم خاضعين متذللين لله جل وعلا، المؤثرين ~~لطاعة الله على طاعة الشيطان { ومآ أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين } أي وما أرسلناك يا محمد إلا رحمة للخلق أجمعين وفي ~~الحديث # " إنما أنا رحمة مهداة " # فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة ms0913 سعد في الدنيا والآخرة { قل ~~إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد } أي ~~قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إنما أوحى إلي ربي أن إلهكم المستحق ~~للعبادة إله واحد أحد فرد صمد { فهل أنتم مسلمون } استفهام ~~ومعناه الأمر أي فأسلموا له وانقادوا لحكمه وأمره { فإن تولوا } ~~أي فإن أعرضوا عن الإسلام { فقل آذنتكم على سوآء } أي فقل ~~لهم أعلمتكم بالحق على استواء في الإعلام لم أخص أحدا دون أحد { ~~وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون } أي وما أدري ~~متى يكون ذلك العذاب؟ ولا متى يكون أجل الساعة؟ فهو واقع لا محالة ولكن ~~لا علم لي بقربه ولا ببعده { إنه يعلم الجهر من القول ~~ويعلم ما تكتمون } أي الله هو العالم الذي لا يخفى عليه ~~شيء، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السر وأخفى، وسيجازي كلا بعمله { ~~وإن أدري لعله فتنة لكم } أي وما أدري لعل هذا ~~الإمهال وتأخير عقوبتكم امتحان لكم لنرى كيف صنيعكم { ومتاع إلى ~~حين } أي ولعل هذا التأخير لتستمتعوا إلى زمن معين ثم يأتيكم عذاب ~~الله الأليم { قال رب احكم بالحق } أي احكم بيني وبين هؤلاء ~~المكذبين وافصل بيننا بالحق { وربنا الرحمن المستعان ~~على ما تصفون } أي أستعين بالله على الصبر على ما تصفونه من ~~الكفر والتكذيب. ختم السورة الكريمة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتفويض الأمر إليه وتوقع الفرج من عنده، فهو نعم الناصر ونعم المعين. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- التعرض للرحمة بطريق التلطف { وأنت أرحم الراحمين } ولم ~~يقل: ارحمني. # 2- جناس الاشتقاق { أرحم الراحمين }. # 3- الجناس الناقص { الصابرين.. الصالحين }. # 4- الطباق بين { رغبا.. ورهبا } وبين { بدأنآ.. ونعيده ~~} وبين { أقريب أم بعيد }. # 5- التشريف { فنفخنا فيها من روحنا } أضاف الروح إليه ~~تعالى على جهة التشريف كقوله { ناقة الله }. # 6- الاستعارة التمثيلية { وتقطعوا أمرهم بينهم } ~~مثل اختلافهم في الدين وتفرقهم فيه إلى شيع وأحزاب بالجماعة تتوزع ~~الشيء لهذا نصيب ولهذا نصيب، وهذا من لطيف الاستعارة. # 7- الإيجاز بالحذف { يويلنا } أي ويقولون يا ويلنا، ومثله قوله { ~~وتتلقاهم الملائكة هذا ms0914 يومكم } أي تقول لهم ~~الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون. # 8- التشبيه المرسل المفصل { نطوي السمآء كطي السجل ~~للكتب } أي طيا مثل طي الصحيفة على ما كتب فيها. # 9- الاستفهام الذي يراد به الأمر { فهل أنتم مسلمون } أي ~~أسلموا. # 10- السجع { فاعبدون } ، { راجعون } ، { كاتبون } الخ وهو ~~من المحسنات البديعية. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-18] # اللغة: { زلزلة } الزلزلة: شدة الحركة وأصل الكلمة من زل عن ~~الموضع أي زال عنه وتحرك، وزلزل الله قدمه أي حركها، وهذه اللفظة تستعمل ~~في تهويل الشيء { تذهل } ذهل عن الشيء اشتغل عنه بشاغل من هم أو وجع ~~أو غيره { مضغة } المضغة: اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ { ~~مخلقة } تامة الخلقة { بهيج } حسن سار للناظر { عطفه } ~~العطف: الجانب ومنه قولهم: فلان ينظر في أعطافه أي في جوانبه ويسمى ~~الرداء العطاف والمعطف لأنه يوضع على الجانبين { العشير } الصاحب ~~والخليل. # التفسير: { يأيها الناس اتقوا ربكم } خطاب لجميع ~~البشر أي خافوا عذاب الله وأطيعوه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وجماع ~~القول في التقوى هو: طاعة الله واجتناب محارمه ولهذا قال بعض العلماء: ~~التقوى أن لا يراك حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيث أمرك { إن زلزلة ~~الساعة شيء عظيم } تعليل للأمر بالتقوى أي إن الزلزال الذي ~~يكون بين يدي الساعة أمر عظيم وخطب جسيم لا يكاد يتصور لهوله { يوم ~~ترونها } أي في ذلك اليوم العصيب الذي تشاهدون فيه تلك الزلزلة ~~وترون هول مطلعها { تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت } أي ~~تغفل وتذهل - مع الدهشة وشدة الفزع - كل أنثى مرضعة عن رضيعها، إذ تنزع ~~ثديها من فم طفلها وتنشغل - لهول ما ترى - عن أحب الناس إليها وهو طفلها ~~الرضيع { وترى الناس سكارى } أي تراهم كأنهم سكارى يترنحون ~~ترنح السكران من هول ما يدركهم من الخوف والفزع { وما هم بسكارى ~~} أي وما هم على الحقيقة بسكارى من الخمر { ولكن عذاب الله ~~شديد } استدراك لما دهاهم أي ليسوا بسكارى ولكن أهوال الساعة وشدائدها ~~أطارت عقولهم وسلبت أفكارهم فهم من خوف عذاب الله مشفقون { ومن ~~الناس من يجادل في الله بغير علم ms0915 } أي وبعض من الناس ~~من يخاصم وينازع في قدرة الله وصفاته بغير دليل ولا برهان ويقول ما لا ~~خير فيه من الأباطيل قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحارث وكان جدلا ~~يقول الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، ولا بعث بعد الموت ~~قال أبو السعود: والآية عامة له ولأضرابه من العتاة المتمردين { ~~ويتبع كل شيطان مريد } أي يطيع ويقتدي بكل عات متمرد ~~كرؤساء الكفر الصادين عن الحق { كتب عليه أنه من تولاه ~~} أي حكم الله وقضى أنه من تولى الشيطان واتخذه وليا { فأنه ~~يضله ويهديه إلى عذاب السعير } أي فأن الشيطان يغويه ~~ويسوقه إلى عذاب جهنم المستعرة، وعبر بلفظ { ويهديه } على سبيل ~~التهكم، ولما ذكر تعالى المجادلين في قدرة الله، المنكرين للبعث والنشور ~~ذكر دليلين واضحين على إمكان البعث أحدهما في الإنسان، والثاني في ~~النبات فقال { يأيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث فإنا خلقناكم من تراب } أي إن شككتم في قدرتنا ~~على إحيائكم بعد موتكم فانظروا في أصل خلقكم ليزول ريبكم فقد خلقنا أصلكم ~~" آدم " من التراب، ومن قدر على خلقكم أول مرة قادر على أن يعيدكم ثاني ~~مرة، والذي قدر على إخراج النبات من الأرض، بعد موتها قادر على أن يخرجكم ~~من قبوركم { ثم من نطفة } أي ثم جعلنا نسله من المني الذي ينطف ~~من صلب الرجل قال القرطبي: والنطف: القطر سمي نطفة لقلته { ثم من ~~علقة } وهو الدم الجامد الذي يشبه العلقة التي تظهر حول الأحواض ~~والمياه { ثم من مضغة } أي من قطعة من لحم مقدار ما يمضغ { ~~مخلقة وغير مخلقة } أي مستبينة الخلق مصورة وغير مصورة ~~قال ابن زيد: المخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين، وغير ~~مخلقة التي لم يخلق فيها شيء { لنبين لكم } أي خلقناكم على هذا ~~النموذج البديع لنبين لكم أسرار قدرتنا وحكمتنا قال الزمخشري: أي لنبين ~~لكم بهذا التدريج قدرتنا، وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من ~~نطفة ثانيا، ولا تناسب بين التراب والماء، وقدر على ms0916 أن يجعل النطفة علقة ~~وبينهما تباين ظاهر، ثم يجعل العلقة مضغة والمضغة عظاما، قادر على إعادة ~~ما بدأه، بل هذا أدخل في القدرة وأهون في القياس { ونقر في ~~الأرحام ما نشآء } أي ونثبت من الحمل في أرحام الأمهات من أردنا ~~أن نقره فيها حتى يتكامل خلقه { إلى أجل مسمى } أي إلى زمن ~~معين هو وقت الوضع { ثم نخرجكم طفلا } أي ثم نخرج هذا الجنين ~~طفلا ضعيفا في بدنه وسمعه وبصره وحواسه، ثم نعطيه القوة شيئا فشيئا { ~~ثم لتبلغوا أشدكم } أي كمال قوتكم وعقلكم { ومنكم ~~من يتوفى } أي ومنكم من يموت في ريعان شبابه { ومنكم من ~~يرد إلى أرذل العمر } أي ومنكم من يعمر حتى يصل إلأى ~~الشيخوخة والهرم وضعف القوة والخرف { لكيلا يعلم من بعد ~~علم شيئا } أي ليعود إلى ما كان عليه في أوان الطفولة من ضعف ~~البنية، وسخافة العقل، وقلة الفهم، فينسى ما علمه وينكر ما عرفه ويعجز ~~عما قدر عليه كما قال تعالى # ومن نعمره ننكسه في الخلق # [يس: 68] { وترى الأرض هامدة } هذه هي الحجة الثانية على ~~إمكان البعث أي وترى أيها المخاطب أو أيها المجادل الأرض يابسة ميتة لا ~~نبات فيها { فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت ~~} أي فإذا أنزلنا عليها المطر تحركت بالنبات وانتفخت وزادت وحييت بعد ~~موتها { وأنبتت من كل زوج بهيج } أي وأخرجت من كل صنف ~~عجيب ما يسر الناظر ببهائه ورونقه { ذلك بأن الله هو ~~الحق } أي ذلك المذكور من خلق الإنسان والنبات لتعلموا أن الله هو ~~الخالق المدبر وأن ما في الكون من آثار قدرته وشاهد بأن الله هو الحق { ~~وأنه يحيي الموتى } أي وبأنه القادر على إحياء الموتى كما ~~أحيا الأرض الميتة بالنبات { وأنه على كل شيء قدير } أي ~~وبأنه قادر على ما أراد { وأن الساعة آتية لا ريب فيها ~~} أي وليعلموا أن الساعة كائنة لا شك فيها ولا مرية { وأن الله ~~يبعث من في القبور } أي يحيي الأموات ويعيدهم بعدما صاروا ~~رمما، ويبعثهم أحياء إلى موقف الحساب { ومن الناس ms0917 من يجادل ~~في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } أي ~~يجادل في شأنه تعالى من غير تمسك بعلم صحيح يهدي إلى المعرفة ولا كتاب ~~نير بين الحجة بل بمجرد الرأي والهوى قال ابن عطية: كرر هذه على وجه ~~التوبيخ فكأنه يقول: هذه الأمثال في غاية الوضوح والبيان ومن الناس مع ~~ذلك من يجادل في الله بغير دليل ولا برهان { ثاني عطفه } أي ~~معرضا عن الحق لاويا عنقه كفرا قال ابن عباس: مستكبرا عن الحق إذا ~~دعي إليه قال الزمخشري: وثني العطف عبارة عن الكبر والخيلاء فهو ~~كتصعير الخد { ليضل عن سبيل الله } أي ليصد الناس عن دين ~~الله وشرعه { له في الدنيا خزي } أي له هوان وذل في الحياة ~~الدنيا { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } أي ~~ونذيقه في الآخرة النار المحرقة { ذلك بما قدمت يداك } أي ~~ذلك الخزي والعذاب بسبب ما اقترفته من الكفر والضلال { وأن الله ~~ليس بظلام للعبيد } أي وأن الله عادل لا يظلم أحدا من خلقه ~~{ ومن الناس من يعبد الله على حرف } أي ومن الناس من ~~يعبد الله على جانب وطرف من الدين، وهذا تمثيل للمذبذبين الذين لا ~~يعبدون الله عن ثقة ويقين بل عن قلق واضطراب كالذي يكون على طرف من الجيش ~~فإن أحس بظفر أو غنيمة استقر وإلا فر قال الحسن: هو المنافق يعبده ~~بلسانه دون قلبه وقال ابن عباس: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته ~~غلاما وأنتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله ~~قال: هذا دين سوء { فإن أصابه خير اطمأن به } أي فإن ~~ناله خير في حياته من صحة ورخاء أقام على دينه { وإن أصابته ~~فتنة انقلب على وجهه } أي وإن ناله شيء يفتتن به من مكروه ~~وبلاء ارتد فرجع إلى ما كان عليه من الكفر { خسر الدنيا ~~والأخرة } أي أضاع دنياه وآخرته فشقي الشقاوة الأبدية { ذلك هو ~~الخسران المبين } أي ذلك هو الخسران الواضح الذي لا خسران مثله ~~{ يدعو من دون الله ms0918 ما لا يضره وما لا ينفعه } أي ~~يعبد الصنم الذي لا ينفع ولا يضر { ذلك هو الضلال البعيد } ~~أي ذلك هو نهاية الضلال الذي لا ضلال بعده، شبه حالهم بحال من أبعد في ~~التيه ضالا عن الطريق { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه ~~} أي يعبد وثنا أو صنما ضره في الدنيا بالخزي والذل أسرع من نفعه الذي ~~يتوقعه بعبادته وهو الشفاعة له يوم القيامة، وقيل: الآية على الفرض ~~والتقدير: أي لو سلمنا نفعه أو ضره لكان ضره أكثر من نفعه، والآية سيقت ~~تسفيها وتجهيلا لمن يعتقد أنه ينتفع بعبادة غير الله حين يستشفع بها { ~~لبئس المولى ولبئس العشير } أي بئس الناصر وبئس القريب ~~والصاحب { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } لما ذكر حال ~~المشركين وحال المنافقين المذبذبين ذكر حال المؤمنين في الآخرة والمعنى ~~إن الله يدخل المؤمنين الصادقين جنات تجري من تحت قصورها وغرفها أنهار ~~اللبن والخمر والعسل وهم في روضات الجنات يحبرون { إن الله ~~يفعل ما يريد } أي يثيب من يشاء ويعذب من يشاء لا معقب لحكمه، ~~فللمؤمنين الجنة بفضله، وللكافرين النار بعدله { من كان يظن أن ~~لن ينصره الله في الدنيا والآخرة } أي من كان يظن أن ~~لن ينصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة { فليمدد ~~بسبب إلى السمآء ثم ليقطع } أي فليمدد بحبل إلى السقف ~~ثم ليقطع عنقه وليختنق به { فلينظر هل يذهبن كيده ما ~~يغيظ } أي فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ؟ قال ابن كثير: ~~وهذا القول قول ابن عباس وهو أظهر في المعنى وأبلغ في التهكم فإن المعنى: ~~من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدا وكتابه ودينه فليذهب فليقتل ~~نفسه إن كان ذلك غائظه فإن الله ناصره لا محالة { وكذلك ~~أنزلناه آيات بينات } أي ومثل ذلك الإنزال البديع المنطوي ~~على الحكم البالغة أنزلنا القرآن الكريم كله آيات واضحات الدلالة على ~~معانيها الرائقة { وأن الله يهدي من يريد } أي وأن الله هو ms0919 ~~الهادي لا هادي سواه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم { إن الذين ~~آمنوا } أي صدقوا الله ورسوله وهم أتباع محمد عليه السلام { ~~والذين هادوا } أي اليهود وهم المنتسبون إلى موسى عليه السلام { ~~والصابئين } هم قوم يعبدون النجوم { والنصارى } هم المنتسبون ~~إلى ملة عيسى عليه السلام { والمجوس } هم عبدة النيران { ~~والذين أشركوا } هم العرب عبدة الأوثان { إن الله ~~يفصل بينهم يوم القيامة } أي يقضي بين المؤمنين وبين ~~الفرق الخمسة الضالة فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار { إن ~~الله على كل شيء شهيد } أي شاهد على أعمال خلقه عالم بكل ~~ما يعملون { ألم تر أن الله يسجد له من في ~~السموت ومن في الأرض } أي يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها، ~~الملائكة في أقطار السماوات، والإنس والجن وسائر المخلوقات في العالم ~~الأرضي { والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر ~~والدوآب } أي وهذه الأجرام العظمى مع سائر الجبال والأشجار ~~والحيوانات تسجد لعظمته سجود انقياد وخضوع، قال ابن كثير: وخص الشمس ~~والقمر والنجوم بالذكر لأنها قد عبدت من دون الله، فبين أنها تسجد ~~لخالقها وأنها مربوبة مسخرة. # والغرض من الآية: بيان عظمته تعالى وانفراده بألوهيته وربوبيته بانقياد ~~هذه العوالم العظمى له وجريها على وفق أمره وتدبيره { وكثير من ~~الناس } أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة { وكثير ~~حق عليه العذاب } أي وكثير من الناس وجب له العذاب بكفره ~~واستعصائه { ومن يهن الله فما له من مكرم } أي من ~~أهانه الله بالشقاء والكفر فلا يقدر أحد على دفع الهوان عنه { إن ~~الله يفعل ما يشآء } أي يعذب ويرحم، ويعز ويذل، ويغني ~~ويفقر، ولا اعتراض لأحد عليه. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التشبيه البليغ المؤكد { وترى الناس سكارى } أي كالسكارى ~~من شدة الهول، حذفت أداة التشبيه والشبه. # 2- الاستعارة { شيطان مريد } استعار لفظ الشيطان لكل طاغية ~~متمرد على أمر الله # 3- الطباق بين { يضله.. ويهديه }. # 4- أسلوب التهكم { ويهديه إلى عذاب السعير }. # 5- طباق السلب { مخلقة وغير مخلقة }. # 6- الاستعارة اللطيفة { فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت ms0920 وربت } شبه الأرض بنائم لا حركة له ثم يتحرك وينتعش وتدب ~~فيه الحياة بنزول المطر عليه ففيها استعارة تبعية. # 7- الكناية { ثاني عطفه } كناية عن التكبر والخيلاء. # 8- المجاز المرسل { بما قدمت يداك } علاقته السببية لأن اليد ~~هي التي تفعل الخير أو الشر. # 9- الاستعارة التمثيلية { من يعبد الله على حرف } مثل ~~للمنافقين وما هم فيه من قلق واضطراب في دينهم بمن يقف على شفا الهاوية ~~يريد العبادة والصلاة، ويا له من تمثيل رائع! # 10- المقابلة البديعة بين { فإن أصابه خير اطمأن به.. ~~وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه }. # 11- الطباق بين { يضره.. وينفعه } وبين { يهن.. فما له ~~من مكرم }. # 12- السجع اللطيف بين كثير من الآيات. # فائدة: المرضع التي شأنها أن ترضع، والمرضعة هي التي في حال ~~الإرضاع ملقمة ثديها لطفلها ولهذا قال { تذهل كل مرضعة } ~~ولم يقل: مرضع ليكون ذلك أعظم في الذهول إذ تنزع ثديها من فم الصبي - أحب ~~الناس إليها - وذلك غاية في شدة الهول والفزع. # تنبيه: روى ابن أبي حاتم أنه قيل لعلي: " إن ههنا رجلا يتكلم في ~~المشيئة فاستدعاه فقال له، يا عبد الله: خلقك كما يشاء أو كما تشاء؟ قال ~~بل كما شاء، قال فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت، قل: بل إذا شاء، قال: ~~فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيدخلك حيث شئت أو ~~حيث يشاء؟ قال: بل حيث يشاء، قال والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي بين ~~عينيك بالسيف ". ### || [22.19-37] # المناسبة: لما ذكر تعالى أهل السعادة وأهل الشقاوة، ذكر هنا ما دار ~~بينهم من الخصومة في دينه وعبادته، ثم ذكر عظم حرمة البيت العتيق وبناء ~~الخليل له، وعظم كفر هؤلاء المشركين الذين يصدون الناس عن سبيل الله ~~والمسجد الحرام. # اللغة: { يصهر } الصهر: الإذابة صهرت الشيء فانصهر أي أذبته فذاب ~~{ مقامع } المقامع: السياط جمع مقمعة سميت بذلك لأنها تقمع الفاجر { ~~العاكف } المقيم الملازم { والباد } القادم من البادية { ~~بوأنا } أنزلنا وهيأنا وأرشدنا { رجالا } جمع راجل وهو الماشي ~~على قدميه { ضامر } الضامر: البعير المهزول ms0921 الذي أتعبه السفر { ~~تفثهم } التفث في اللغة: الوسخ والقذر قال الشاعر: # حفوا رءوسهم لم يحلقوا تفثا # ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا # قال الثعلبي: أصل التفث في اللغة الوسخ، تقول العرب للرجل تستقذره: ما ~~أتفثك أي ما أوسخك وأقذرك { المخبتين } المخبت: المتواضع الخاشع ~~لله. # التفسير: { هذان خصمان } أي هذان فريقان مختصمان فريق ~~المؤمنين المتقين، وفريق الكفرة المجرمين { اختصموا في ربهم } ~~أي اختلفوا وتنازعوا من أجل الله ودينه قال مجاهد: هم المؤمنون ~~والكافرون، فالمؤمنون يريدون نصرة دين الله، والكافرون يريدون إطفاء نور ~~الله { فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار } أي ~~فصلت لهم ثياب من نار على قدر أجسادهم ليلبسوها إذا صاروا إلى النار قال ~~القرطبي: شبهت النار بالثياب لأنها لباس لهم كالثياب ومعنى { قطعت } ~~خيطت وسويت، وذكر بلفظ الماضي لأن الموعود منه كالواقع المحقق { يصب ~~من فوق رءوسهم الحميم } أي يصب على رءوسهم الماء الحار ~~المغلي بنار جهنم { يصهر به ما في بطونهم والجلود } أي ~~يذاب به ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء مع الجلود قال ابن عباس: لو ~~سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها وفي الحديث # " إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما ~~في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان " # قال الإمام الفخر: والغرض أن الحميم إذا صب على رءوسهم كان تأثيره في ~~الباطن مثل تأثيره في الظاهر، فيذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم ~~وهو أبلغ من قوله # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد: 15] { ولهم مقامع من حديد } أي ولهم مطارق وسياط ~~من الحديد يضربون بها ويدفعون وفي الحديث # " لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها " # { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا ~~فيها } أي كلما أراد اهل النار الخروج من النار من شدة غمها ردوا إلى ~~أماكنهم فيها قال الحسن: إن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا ~~في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا { وذوقوا عذاب ~~الحريق } أي ويقال لهم: ms0922 ذوقوا عذاب جهنم المحرق الذي كنتم فيه ~~تكذبون، ولما ذكر تعالى ما أعد للكفار من العذاب والدمار، ذكر ما أعده ~~للمؤمنين من الثواب والنعيم فقال { إن الله يدخل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } أي يدخل المؤمنين الصالحين في الآخرة جنات تجري من تحت ~~أشجارها وقصورها الأنهار العظيمة المتنوعة { يحلون فيها من ~~أساور من ذهب } أي تلبسهم الملائكة في الجنة الأساور الذهبية ~~كحلية وزينة يتزينون بها { ولؤلؤا } أي ويحلون باللؤلؤ كذلك إكراما ~~من الله لهم { ولباسهم فيها حرير } أي ولباسهم في الجنة ~~الحرير، ولكنه أعلى وأرفع مما في الدنيا بكثير { وهدوا إلى ~~الطيب من القول } أي أرشدوا إلى الكلام الطيب والقول النافع ~~إذ ليس في الجنة لغو ولا كذب { وهدوا إلى صراط الحميد } ~~أي إلى صراط الله وهو الجنة دار المتقين، ثم عدد تعالى بعض جرائم ~~المشركين فقال { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل ~~الله والمسجد الحرام } أي جحدوا بما جاء به محمد عليه ~~السلام ويمنعون المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام لأداء المناسك فيه قال ~~القرطبي: وذلك حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام ~~عام الحديبية، وإنما قال { ويصدون } بصيغة المضارع ليدل على ~~الاستمرار فكأن المعنى: إن الذين كفروا من شأنهم الصد عن سبيل الله ~~ونظيره قوله # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله # [الرعد: 28] { الذي جعلناه للناس سوآء العاكف فيه ~~والباد } أي الذي جعلناه منسكا ومتعبدا للناس جميعا سواء فيه ~~المقيم الحاضر، والذي يأتيه من خارج البلاد { ومن يرد فيه ~~بإلحاد بظلم } أي ومن يرد فيه سوءا أو ميلا عن القصد أو يهم ~~فيه بمعصية { نذقه من عذاب أليم } أي نذقه أشد أنواع العذاب ~~الموجع قال ابن مسعود: لو أن رجلا بعدن هم بأن يعمل سيئة عند البيت ~~أذاقه الله عذابا أليما وقال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف ~~الحسنات { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت } أي واذكر ~~حين أرشدنا إبراهيم وألهمناه مكان البيت { أن لا تشرك بي شيئا ~~} أي أمرناه ببناء البيت العتيق ms0923 خالصا لله قال ابن كثير: أي ابنه على ~~اسمي وحدي { وطهر بيتي للطآئفين والقآئمين ~~والركع السجود } أي طهر بيتي من الأوثان والأقذار لمن يعبد ~~الله فيه بالطواف والصلاة قال القرطبي: والقائمون هم المصلون، ذكر تعالى ~~من أركان الصلاة أعظمها وهو القيام والركوع والسجود { وأذن في ~~الناس بالحج } أي وناد في الناس داعيا لهم لحج بيت الله العتيق ~~قال ابن عباس: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن في الناس ~~بالحج، قال يا رب: وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي الإبلاغ فصعد إبراهيم ~~على جبل أبي قبيس وصاح: يا أيها الناس إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ~~ليثيبكم به الجنة، ويجيركم من عذاب النار فحجوا، فأجابه من كان في أصلاب ~~الرجال، وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك { يأتوك رجالا وعلى ~~كل ضامر } أي يأتوك مشاة على أقدامهم أو ركبانا على كل جمل هزيل ~~قد أتعبه وأنهكه بعد المسافة { يأتين من كل فج عميق } أي ~~تأتي الإبل الضامرة من كل طريق بعيد قال القرطبي: ورد الضمير إلى الإبل ~~{ يأتين } تكرمة لها لقصدها الحج مع أربابها كما قال # والعاديات ضبحا # [العاديات: 1] في خيل الجهاد تكرمة لها حين سعت في سبيل الله { ~~ليشهدوا منافع لهم } أي ليحضروا منافع لهم كثيرة دينية ~~ودنيوية قال الفخر الرازي: وانما نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة ~~بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات { ~~ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام } أي ويذكروا عند ذبح الهدايا ~~والضحايا اسم الله في أيام النحر شكرا لله على نعمائه وعلى ما رزقهم ~~وملكهم من الأنعام وهي: الإبل والبقر والغنم والمعز قال الرازي: وفيه ~~تنبيه على أن الغرض الأصلي ذكر اسمه تعالى عند الذبح وأن يخالف المشركين ~~في ذلك فإنهم كانوا يذبحونها للنصب والأوثان { فكلوا منها } أي ~~كلوا من لحوم الأضاحي { وأطعموا البآئس الفقير } أي أطعموا ~~منها البائس الذي أصابه بؤس وشدة، والفقير الذي أضعفه الإعسار قال ابن ~~عباس: البائس الذي ظهر بؤسه ms0924 في ثيابه وفي وجهه، والفقير الذي لا يكون ~~كذلك، ثيابه نقية ووجهه وجه غني { ثم ليقضوا تفثهم } أي ثم ~~بعد الذبح ليزيلوا وسخهم الذي أصابهم بالإحرام وذلك بالحلق والتقصير ~~وإزالة الشعث وقص الشارب والأظافر { وليوفوا نذورهم } أي ما ~~أوجبوه على أنفسهم بالنذر طاعة لله { وليطوفوا بالبيت ~~العتيق } أي ليطوفوا حول البيت العتيق طواف الإفاضة وهو طواف ~~الزيارة الذي به تمام التحلل، والعتيق: القديم سمي به لأنه أول بيت وضع ~~للناس { ذلك } أي الأمر والشأن ذلك قال الزمخشري: كما يقدم الكاتب ~~جملة من كتابه في بعض المعاني ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال: هذا ~~وقد كان كذا { ومن يعظم حرمات الله } أي من يعظم ما شرعه ~~الله من أحكام الدين ويجتنب المعاصي والمحارم { فهو خير له ~~عند ربه } أي ذلك التعظيم خير له ثوابا في الآخرة { وأحلت ~~لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم } أي أحللنا لكم جميع ~~الأنعام إلا ما استثني في الكتاب المجيد كالميتة والمنخنقة وما ذبح لغير ~~الله وغير ذلك { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } أي اجتنبوا ~~الرجس الذي هو الأوثان كما تجتنب الأنجاس، وهو غاية المبالغة في النهي عن ~~عبادتها وتعظيمها { واجتنبوا قول الزور } أي واجتنبوا شهادة ~~الزور { حنفآء لله غير مشركين به } أي مائلين إلى الحق ~~مسلمين لله غير مشركين به أحدا { ومن يشرك بالله فكأنما ~~خر من السمآء فتخطفه الطير } تمثيل للمشرك في ضلاله ~~وهلاكه أي ومن أشرك بالله فكأنما سقط من السماء فتخطفه الطير وتمزقه كل ~~ممزق { أو تهوي به الريح في مكان سحيق } أي أو عصفت به ~~الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة { ذلك ومن يعظم ~~شعائر الله } أي ذلك ما وضحه الله لكم من الأحكام والأمثال ومن ~~يعظم أمور الدين ومنها أعمال الحج والأضاحي والهدايا { فإنها من ~~تقوى القلوب } أي فإن تعظيمها من أفعال المتقين لله قال القرطبي: ~~أضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى في القلب وفي الحديث # " التقوى ههنا " # وأشار إلى صدره { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ms0925 } أي ~~لكم في الهدايا منافع كثيرة من الدر والنسل والركوب إلى وقت نحرها { ~~ثم محلهآ إلى البيت العتيق } أي ثم مكان ذبحها في ~~الحرم بمكة أو منى، وخص البيت بالذكر لأنه أشرف الحرم كقوله تعالى # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95] { ولكل أمة جعلنا منسكا } أي شرعنا لكل ~~أمة من الأمم السابقة من عهد إبراهيم مكانا للذبح تقربا لله قال ابن ~~كثير: يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله ~~مشروعا في جميع الملل { ليذكروا اسم الله } أي أمرناهم عند ~~الذبح أو يذكروا اسم الله وأن يذبحوا لوجهه تعالى { على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام } أي شكرا لله على ما أنعم به ~~عليهم من بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، بين تعالى انه يجب أن ~~يكون الذبح لوجهه تعالى وعلى اسمه لأنه هو الخالق الرازق لا كما كان ~~المشركون يذبحون للأوثان { فإلهكم إله واحد } أي فربكم ~~أيها الناس ومعبودكم إله واحد لا شريك له { فله أسلموا } أي ~~فأخلصوا له العبدة واستسلموا لحكمه وطاعته { وبشر المخبتين } ~~أي بشر المطيعين المتواضعين الخاشعين بجنات النعيم، ثم وصف تعالى ~~المخبتين بأربع صفات فقال { الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم } أي إذا ذكر الله خافت وارتعشت لذكره قلوبهم لإشراق أشعة ~~جلاله عليها فكأنهم بين يديه واقفون، ولجلاله وعظمته مشاهدون { ~~والصابرين على مآ أصابهم } أي يصبرون في السراء والضراء ~~على الأمراض والمصائب والمحن وسائر المكاره { والمقيمي الصلاة } ~~أي الذين يؤدونها في أوقاتها مستقيمة كاملة مع الخشوع والخضوع { ~~ومما رزقناهم ينفقون } أي ومن بعض الذي رزقناهم من فضلنا ~~ينفقون في وجوه الخيرات { والبدن جعلناها لكم من ~~شعائر الله } أي والإبل السمينة - سميت بدنا لبدانتها وضخامة ~~أجسامها - جعلناها من أعلام الشريعة التي شرعها الله لعباده قال ابن ~~كثير: وكونها من شعائر الدين انها تهدى إلى بيته الحرام بل هي أفضل ما ~~يهدى { لكم فيها خير } قال ابن عباس: نفع في الدنيا وأجر في ~~الآخرة { فاذكروا اسم الله عليها صوآف } أي اذكروا عند ~~ذبحها اسم الله الجليل ms0926 عليها حال كونها صواف أي قائمات قد صففن أيديهن ~~وأرجلهن { فإذا وجبت جنوبها } أي فإذا سقطت على الأرض بعد ~~نحرها، وهو كناية عن الموت { فكلوا منها وأطعموا ~~القانع والمعتر } أي كلوا من هذه الهدايا وأطعموا القانع أي ~~المتعفف والمعتر أي السائل قاله ابن عباس، وقال الرازي: الأقرب أن القانع ~~هو الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال وإلحاح، والمعتر هو الذي يتعرض ~~ويطلب ويعتريهم حالا بعد حال { كذلك سخرناها لكم ~~لعلكم تشكرون } أي مثل ذلك التسخير البديع جعلناها منقادة لكم ~~مع ضخامة اجسامها لكي تشكروا الله على إنعامه { لن ينال الله ~~لحومها ولا دمآؤها } أي لن يصل إليه تعالى شيء من لحومها ولا ~~دمائها { ولكن يناله التقوى منكم } أي ولكن يصل إليه ~~التقوى منكم بامتثالكم أوامره وطلبكم رضوانه { كذلك سخرها ~~لكم لتكبروا الله على ما هداكم } أي كرره للتأكيد ~~أي كذلك ذللها لكم وجعلها منقادة لرغبتكم لتكبروا الله على ما أرشدكم ~~إليه من أحكام دينه { وبشر المحسنين } أي بشر المحسنين في ~~أعمالهم بالسعادة والفوز بدار النعيم. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الإيجاز { اختصموا في ربهم } أي في دين ربهم فهو على حذف ~~مضاف. # 2- الاستعارة { قطعت لهم ثياب من نار } استعارة عن ~~إحاطة النار بهم كما يحيط الثوب بلابسه. # 3- الطباق بين { العاكف.. والباد } لأن العاكف المقيم في ~~المدينة والباد القادم من البادية. # 4- التأكيد بإعادة الفصل { فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~واجتنبوا قول الزور } للعناية بشأن كل استقلالا، ويسمى في ~~علم البديع الإطناب. # 5- التشبيه التمثيلي { ومن يشرك بالله فكأنما خر ~~من السمآء فتخطفه الطير } لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. # 6- الجناس الناقص { وجبت جنوبها }. # 7- الطباق بين { القانع والمعتر } لأنه القانع المتعفف ~~والمعتر السائل. # 8- السجع اللطيف مثل { عميق } ، { سحيق } ، { العتيق } ومثل { ~~المحسنين } ، { المخبتين }. # تنبيه: لم يؤاخذ الله تعالى أحدا من خلقه على الهم بالمعصية إلا في ~~المسجد الحرام { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من ~~عذاب أليم } لأنه المكان المقدس الذي يجب أن يكون فيه الإنسان نقي ~~القلب، ms0927 طاهر النفس، صافي السريرة، خالصا بكليته لله، فمن ينتهك حرمة ~~الملك في حماه جدير بالجحيم والعذاب الأليم. ### || [22.38-62] # المناسبة: لما بين تعالى مناسك الحج وما فيه من منافع الدنيا ~~والآخرة، وذكر أن الكفار صدوا المؤمنين عن دين الله وعن دخول مكة، بين ~~هنا أنه يدافع عن المؤمنين وذكر الحكمة من مشروعية القتال ومنها الدفاع ~~عن المقدسات، وحماية المستضعفين، وتمكين المؤمنين من عبادة الله تعالى. # اللغة: { صوامع } جمع صومعة وهي البناء المرتفع وهي مختصة بالرهبان ~~{ بيع } جمع بيعة وهي كنيسة النصارى { وصلوات } كنائس اليهود ~~وقال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوتا { نكير } مصدر بمعنى الإنكار ~~قال الجوهري: النكير والإنكار تغيير المنكر { معطلة } متروكة ~~وتعطيل الشيء إبطال منافعه { مشيد } مرفوع البنيان. # التفسير: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } أي ~~ينصر المؤمنين ويدفع عنهم بأس المشركين، وهذه بشارة للمؤمنين بإعلائهم ~~على الكفار وكف كيدهم عنهم { إن الله لا يحب كل خوان ~~كفور } أي إنه تعالى يبغض كل خائن للأمانة جاحد نعمة الله { أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } فيه محذوف تقديره: أذن ~~لهم في القتال بسبب أنهم ظلموا قال ابن عباس: هذه أو آية نزلت في ~~الجهاد قال المفسرون: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مشركو ~~مكة يؤذونهم أذى شديدا وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~مضروب ومشجوح ويتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بقتالهم حتى ~~هاجروا فأنزلت هذه الآية وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهي عنه ~~في أكثر من سبعين آية { وإن الله على نصرهم لقدير } ~~أي هو تعالى قادر على نصر عباده من غير قتال ولكنه يريد منهم أن يبذلوا ~~جهدهم في طاعته لينالوا أجر الشهداء { الذين أخرجوا من ~~ديارهم بغير حق } أي أخرجوا من أوطانهم ظلما وعدوانا بغير ~~سبب موجب للإخراج قال ابن عباس: يعني محمدا وأصحابه أخرجوا من مكة إلى ~~المدينة بغير حق { إلا أن يقولوا ربنا الله } أي ما كان ~~لهم إساءة ولا ذنب إلا أنهم وحدوا الله ولم يشركوا به ms0928 أحدا { ولولا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض } أي لولا ما شرعه الله من ~~الجهاد وقتال الأعداء لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان وتعطلت الشعائر ~~ولكنه تعالى دفع شرهم بأن أمر بقتالهم { لهدمت صوامع وبيع ~~} أي لتهدمت معابد الرهبان وكنائس النصارى { وصلوات } أي كنائس ~~اليهود { ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا } أي ومساجد ~~المسلمين التي يعبد فيها الله بكرة وأصيلا، ومعنى الآية أنه لولا كفه ~~تعالى المشركين بالمسلمين، وإذنه بمجاهدة المسلمين للكافرين لاستولى ~~المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمانهم فهدموا موضع عباداتهم، ولم ~~يتركوا للنصارى بيعا، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود كنائس، ولا ~~للمسلمين مساجد، ولغلب المشركون أهل الأديان، وإنما خص المساجد بهذا ~~الوصف { يذكر فيها اسم الله كثيرا } تعظيما لها وتشريفا ~~لأنها أماكن العبادة الحقة { ولينصرن الله من ينصره } ~~قسم أي والله سينصر الله من ينصر دينه ورسوله { إن الله لقوي ~~عزيز } أي إنه تعالى قادر لا يعجزه شيء، عزيز لا يقهر ولا يغلب قال ~~ابن كثير: وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته خلق كل شيء، وبعزته لا يقهره ~~قاهر ولا يغلبه غالب { الذين إن مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } قال ابن عباس: هم ~~المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان، والمعنى: هؤلاء الذين يستحقون نصرة ~~الله هم الذين إن جعلنا لهم سلطانا في الأرض وتملكا واستعلاء عبدوا ~~الله وحافظوا على الصلاة وأداء الزكاة { وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر } أي دعوا إلى الخير ونهوا عن الشر { ~~ولله عاقبة الأمور } أي مرجع الأمور إلى حكمه تعالى وتقديره ~~{ وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد ~~وثمود } تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ووعيد للمشركين أي إن كذبك ~~أهل مكة فاعلم إنك لست أول رسول يكذبه قومه فقد كان قبلك أنبياء كذبوا ~~فصبروا إلى أهلك الله المكذبين، فاقتد بهم واصبر { وقوم إبراهيم ~~وقوم لوط وأصحاب مدين } أي وكذب قوم إبراهيم وقوم لوط ~~وقوم شعيب { وكذب موسى } أي وكذب موسى أيضا مع وضوح آياته، وعظم ~~معجزاته فما ظنك بغيره؟ { فأمليت للكافرين ثم أخذتهم ~~} أي ms0929 أمهلتهم ثم أخذتهم بالعقوبة { فكيف كان نكير } استفهام ~~تقريري أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب ألم يكن أليما؟ ألم أبدلهم ~~بالنعمة نقمة، وبالكثرة قلة، وبالعمارة خرابا؟ فكذلك أفعل بالمكذبين من ~~أهل مكة { فكأين من قرية أهلكناها } أي كم من قرية ~~أهلكنا أهلها بالعذاب الشامل { وهي ظالمة } أي وهي مشركة كافرة { ~~فهي خاوية على عروشها } أي خرت سقوفها على الأرض ثم تهدمت ~~حيطانها فسقطت فوق السقوف فهي مخربة مهدمة { وبئر معطلة } أي ~~وكم من بئر عطلت فتركت لا يستقى منها لهلاك أهلها { وقصر مشيد } ~~أي وكم من قصر مرفوع البنيان أصبح خاليا بلا ساكن، أليس في ذلك عبرة ~~للمعتبر؟ { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بهآ } أي أفلم يسافر أهل مكة ليشاهدوا مصارع الكفار ~~فيعتبروا بما حل بهم من النكال والدمار!! وهلا عقلوا ما يجب أن يعقل من ~~الإيمان والتوحيد! { أو آذان يسمعون بها } أي أو تكون لهم ~~آذان يسمعون بها المواعظ والزواجر { فإنها لا تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } أي ليس العمى ~~على الحقيقة عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة فمن كان أعمى القلب لا ~~يعتبر ولا يتدبر، وذكر الصدور للتأكيد ونفي توهم المجاز { ~~ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده } أي ~~ويستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب استهزاء، وإن ذلك واقع لا ~~محالة، لكن لوقوعه أجل لا يتعداه لأنه تعالى لا يخلف الميعاد { وإن ~~يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } أي هو تعالى ~~حليم لا يعجل فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى ~~حلمه فلم إذا يستبعدونه ويستعجلون العذاب؟ ولهذا قال بعد ذلك { ~~وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة } أي وكثير ~~من أهل قرية أخرت إهلاكهم وأمهلتهم مع استمرارهم على الظلم فاغتروا بذلك ~~التأخير { ثم أخذتها وإلي المصير } أي ثم أخذتهم ~~بالعذاب بعد طول الإمهال وإلي المرجع والمآب قال في البحر: لما كان ~~تعالى قد أمهل قريشا حتى استعجلت بالعذاب ذكر الآية تنبيها على أن ~~السابقين أمهلوا ثم أهلكوا ms0930 وأن قريشا وإن أملى تعالى لهم وأمهلهم فإن ~~لا بد من عذابهم فلا يفرحوا بتأخير العذاب عنهم { قل يأيها ~~الناس إنمآ أنا لكم نذير مبين } أي قل يا محمد ~~لهؤلاء المستعجلين للعذاب إنما أنا منذر لكم أخوفكم عذاب الله وأنذركم ~~إنذارا بينا من غير أن يكون لي دخل في تعجيل العذاب أو تأخيره { ~~فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ~~ورزق كريم } أي فالمؤمنون الصادقون الذين جمعوا بين الإيمان ~~والعمل الصالح لهم عند ربهم مغفرة لذنوبهم ورزق كريم في جنان النعيم قال ~~الرازي: بين سبحانه أن من جمع بينهما فالله تعالى يجمع له بين المغفرة ~~والرزق الكريم وقال القرطبي: إذا سمعت الله تعالى يقول { ورزق ~~كريم } فاعلم أنه الجنة { والذين سعوا في آياتنا ~~معاجزين } أي كذبوا بآياتنا وسعوا في إبطالها مغالبين مشاقين يريدون ~~إطفاء نور الله { أولئك أصحاب الجحيم } أي فأولئك هم ~~أصحاب النار الحارة الموجعة، الشديد عذابها ونكالها، شبههم من حيث الدوام ~~بالصاحب قال الرازي: فإن قيل: إنه عليه السلام بشر المؤمنين أولا، وأنذر ~~الكافرين ثانيا في هذه الآية فكان القياس أن يقال { إنمآ أنا ~~لكم نذير مبين } والجواب أن الكلام مسوق إلى المشركين وهم ~~الذين استعجلوا العذاب و { يأيها الناس } نداء لهم، وإنما ذكر ~~المؤمنين وثوابهم زيادة لغيظهم وإيذائهم { ومآ أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي } أي وما أرسلنا قبلك يا محمدا ~~رسولا ولا نبيا { إلا إذا تمنى } أي إلا إذا أحب شيئا ~~وهويته نفسه { ألقى الشيطان في أمنيته } أي ألقى ~~الشيطان فيما يشتهيه ويتمناه بعض الوساوس التي توجب اشتغاله بالدنيا كما ~~قال عليه السلام # " إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة " # قال الفراء: تمنى إذا حدث نفسه وفي البخاري: قال ابن عباس: " إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطان في أمنيته " إلا إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ~~فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته، ويقال: أمنيته: قراءته قال ~~النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأجله، ومعنى الآية: وما أرسلنا ~~رسولا ولا نبيا ms0931 فحدث نفسه بشيء وتمنى لأمته الهداية والإيمان إلا ألقى ~~الشيطان الوساوس والعقبات في طريقه بتزيين الكفر لقومه وإلقائه في نفوسهم ~~مخالفة لأمر الرسول وكأن الآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم تقول ~~له: لا تحزن يا محمد على معاداة قومك لك فهذه سنة المرسلين { فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان } أي يزيل ويبطل الله ما يلقيه الشيطان ~~من الوساوس والأوهام { ثم يحكم الله آياته } أي يثبت في نفس ~~الرسول آياته الدالة على الوحدانية والرسالة { والله عليم حكيم ~~} أي مبالغ في العلم حكيم يضع الأشياء في مواضعها قال أبو السعود: وفي ~~الآية دلالة على جواز السهو من الأنبياء عليهم السلام، وتطرق الوسوسة ~~إليهم { ليجعل ما يلقي الشيطان } أي ليجعل تلك الشبه ~~والوساوس التي يلقيها الشيطان { فتنة للذين في قلوبهم ~~مرض } أي فتنة للمنافقين الذين في قلوبهم شك وارتياب { ~~والقاسية قلوبهم } أي وفتنة للكافرين الذين لا تلين قلوبهم ~~لذكر الله، وهم خواص من الكفار عتاة كأبي جهل، والنضر، وعتبة { وإن ~~الظالمين لفي شقاق بعيد } أي وإن هؤلاء المذكورين من ~~المنافقين والمشركين لفي عداوة شديدة لله ولرسوله، ووصف الشقاق بلفظ { ~~بعيد } لأنه في غاية الضلال والبعد عن الخير { وليعلم ~~الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك } أي وليعلم ~~أهل العلم أن القرآن هو الحق النازل من عند الله تعالى { فيؤمنوا ~~به } أي يؤمنوا بهذا القرآن { فتخبت له قلوبهم } أي تخشع ~~وتسكن له قلوبهم بخلاف من في قلبه مرض { وإن الله لهاد ~~الذين آمنوا إلى صراط مستقيم } أي مرشد المؤمنين إلى ~~الصراط المستقيم ومنقذهم من الضلالة والغواية { ولا يزال الذين ~~كفروا في مرية منه } أي ولا يزال هؤلاء المشركون في شك وريب ~~من هذا القرآن { حتى تأتيهم الساعة بغتة } أي حتى ~~تأتيهم الساعة فجأة دون أن يشعروا قال قتادة: ما أخذ الله قوما قط إلا ~~عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر بالله إلا القوم ~~الفاسقون { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } أي أو يأتيهم ~~عذاب يوم القيامة وسمي عقيما لأنه لا يوم ms0932 بعده قال أبو السعود: كأن كل ~~يوم يلد ما بعده من الأيام، فما لا يوم بعده يكون عقيما، والمراد به ~~الساعة أيضا كأنه قيل: أو يأتيهم عذابها، ووضع ذلك موضع الضمير لمزيد ~~التهويل { الملك يومئذ لله } أي الملك يوم القيامة لله وحده ~~لا منازع له فيه ولا مدافع { يحكم بينهم } أي يفصل بين عباده ~~بالعدل، فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار ولهذا قال { فالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم } أي فالذين ~~صدقوا الله ورسوله وفعلوا صالح الأعمال لهم النعيم المقيم في جنات الخلد ~~{ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم ~~عذاب مهين } أي والذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسله لهم العذاب ~~المخزي مع الإهانة والتحقير في دار الجحيم { والذين هاجروا في ~~سبيل الله } أي تركوا الأوطان والديار ابتغاء مرضاة الله وجاهدوا ~~لإعلاء كلمة الله { ثم قتلوا أو ماتوا } أي قتلوا في ~~الجهاد أو ماتوا على فرشهم { ليرزقنهم الله رزقا حسنا ~~} أي ليعطينهم نعيما خالدا لا ينقطع أبدا وهو نعيم الجنة { وإن ~~الله لهو خير الرازقين } أي هو تعالى خير من أعطى فإنه ~~يرزق بغير حساب { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } أي ~~ليدخلنهم مكانا يرضونه وهو الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر { وإن الله لعليم حليم } أي ~~عليم بدرجات العاملين حليم عن عقابهم { ذلك ومن عاقب بمثل ~~ما عوقب به } أي جازى الظالم بمثل ما ظلمه { ثم بغي عليه ~~لينصرنه الله } أي ثم اعتدى الظالم عليه ثانيا لينصرن الله ~~ذلك المظلوم { إن الله لعفو غفور } أي مبالغ في العفو ~~والغفران، وفيه تعريض بالحث على العفو والصفح، فإنه تعالى مع كمال قدرته ~~على الانتقام يعفو ويغفر فغيره أولى بذلك { ذلك بأن الله ~~يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } ~~أي ذلك النصر بسبب أن الله قادر، ومن آيات قدرته إيلاج الليل في النهار ~~أي أنه يدخل كلا منهما في الآخر. # بأن ينقص من الليل فيزيد في النهار وبالعكس وهذا مشاهد ملموس في الصيف ~~والشتاء { وأن ms0933 الله سميع بصير } أي سميع لأقوال عباده بصير ~~بأحوالهم لا تخفى عليه خافية { ذلك بأن الله هو الحق } ~~أي ذلك بأن الله هو الإله الحق { وأن ما يدعون من دونه ~~هو الباطل } أي وأن الذي يدعوه المشركون من الأصنام والأوثان هو ~~الباطل الذي لا يقدر على شيء { وأن الله هو العلي ~~الكبير } أي هو العالي على كل شيء ذو العظمة والكبرياء فلا أعلى منه ~~ولا أكبر. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- صيغة المبالغة { خوان كفور } لأن فعال وفعول من صيغ المبالغة. # 2- الحذف لدلالة السياق عليه { أذن للذين يقاتلون } أي ~~أذن بالقتال للذين يقاتلون. # 3-تأكيد المدح بما يشبه الذم { إلا أن يقولوا ربنا الله ~~} أي لا ذنب لهم إلا هذا. # 4- المقابلة اللطيفة بين { فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم } وبين { والذين ~~سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم ~~}. # 5- جناس الاشتقاق { ومآ أرسلنا من رسول }. # 6- الطباق بين { ينسخ.. ثم يحكم }. # 7- الاستعارة البديعة { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } ~~وهذا من أحسن الاستعارات لأن العقيم المرأة التي لا تلد، فكأنه سبحانه ~~وصف ذلك اليوم بأنه لا ليل بعده ولا نهار لأن الزمان قد مضى، والتكليف قد ~~انقضى، فجعلت الأيام بمنزلة الولدان لليالي، وجعل ذلك اليوم من بينها ~~عقيما على طريق الاستعارة. ### || [22.63-78] # المناسبة: لما ذكر تعالى ما دل على قدرته الباهرة من إيلاج الليل ~~في النهار والنهار في الليل ونبه به على نعمه، أتبعه هنا بأنواع أخر من ~~الدلائل على قدرته وحكمته، وجعلها كالمقدمة لإثبات البعث والمعاد، وختم ~~السورة بدعوة المؤمنين إلى عبادة الله الواحد الأحد. # اللغة: { سلطانا } حجة وبرهانا { يسطون } يبطشون، والسطوة: ~~القهر وشدة البطش يقال: سطا يسطو إذا بطش به { يسلبهم } سلب الشيء: ~~اختطفه بسرعة { قدروا } عظموا { يصطفي } يجتبي ويختار { حرج } ~~ضيق { ملة } الملة: الدين. # التفسير: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء } ~~استفهام تقريري أي ألم تعلم ايها السامع أن الله بقدرته أنزل من السحاب ~~المطر؟ { فتصبح الأرض مخضرة } أي فأصبحت الأرض ms0934 منتعشة ~~خضراء بعد يبسها ومحولها، وجاء بصيغة المضارع { فتصبح } لاستحضار ~~الصورة وإفادة بقائها كذلك مدة من الزمن { إن الله لطيف خبير ~~} قال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط، والغرض ~~من الآية إقامة الدليل على كمال قدرته وعلى البعث والنشور فمن قدر على ~~هذا قدر على إعادة الحياة بعد الموت ولهذا قال { وهو الذي ~~أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم } { له ما في ~~السموت وما في الأرض } أي جميع ما في الكون ملكه جل وعلا، ~~خلقا وملكا وتصرفا، والكل محتاج إلى تدبيره وإتقانه { وإن الله ~~لهو الغني الحميد } أي هو تعالى غني عن الأشياء كلها لا ~~يحتاج لأحد، وهو المحمود في كل حال { ألم تر أن الله سخر ~~لكم ما في الأرض } تذكير بنعمة أخرى أي ألم تر أيها العاقل أن ~~الله سخر لعباده جميع ما يحتاجون إليه من الحيوانات والأشجار والأنهار ~~والمعادن { والفلك تجري في البحر بأمره } أي وسخر ~~السفن العظيمة المثقلة بالأحمال والرجال تسير في البحر لمصالحكم بقدرته ~~ومشيئته { ويمسك السمآء أن تقع على الأرض } أي ويمسك ~~بقدرته السماء كي لا تقع على الأرض فيهلك من فيها { إلا بإذنه } ~~أي إلا إذا شاء وذلك عند قيام الساعة { إن الله بالناس ~~لرءوف رحيم } أي وذلك من لطفه بكم ورحمته لكم حيث هيأ لكم أسباب ~~المعاش فاشكروا آلاءه { وهو الذي أحياكم } أي أحياكم بعد أن ~~كنتم عدما { ثم يميتكم } أي يميتكم عند انتهاء آجالكم { ثم ~~يحييكم } أي بعد موتكم للحساب والثواب والعقاب { إن الإنسان ~~لكفور } أي مبالغ في الجحود لنعم الله قال ابن عباس: المراد ~~بالإنسان الكافر والغرض من الآيات توبيخ المشركين كأنه يقول: كيف تجعلون ~~لله أندادا وتعبدون معه غيره وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف!! { ~~لكل أمة جعلنا منسكا } أي لكل نبي من الأنبياء وأمة من ~~الأمم السابقين وضعنا لهم شريعة ومتعبدا ومنهاجا كقوله # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48] { هم ناسكوه } أي هم عاملون به أي بذلك الشرع { ~~فلا ينازعنك في الأمر } أي لا ينازعك ms0935 أحد من المشركين فيما ~~شرعت لك ولأمتك فقد كانت الشرائع في كل عصر وزمان، وهو نهي يراد به ~~النفي أي لا ينبغي منازعة النبي صلى الله عليه وسلم لأن الحق قد ظهر ~~بحيث لا يسع النزاع فيه { وادع إلى ربك } أي أدع الناس إلى ~~عبادة ربك وإلى شريعته السمحة المطهرة { إنك لعلى هدى ~~مستقيم } أي فإنك على طريق واضح مستقيم، موصل إلى جنات النعيم { ~~وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون } أي وإن ~~خاصموك بعد ظهور الحق وقيام الحجة عليهم فقل لهم: الله أعلم بأعمالكم ~~القبيحة وبما تستحقون عليها من الجزاء، وهذا وعيد وإنذار { الله ~~يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه ~~تختلفون } أي الله يفصل في الآخرة بين المؤمنين والكافرين فيما ~~كانوا فيه يختلفون من أمر الدين، فيعرفون حينئذ الحق من الباطل { ألم ~~تعلم أن الله يعلم ما في السمآء والأرض } ~~الاستفهام تقريري أي لقد علمت يا محمد أن الله أحاط علمه بما في السماء ~~والأرض فلا تخفى عليه أعمالهم { إن ذلك في كتاب } أي إن ذلك ~~كله مسطر في اللوح المحفوظ { إن ذلك على الله يسير } أي إن ~~حصر المخلوقات تحت علمه وإحاطته سهل عليه يسير لديه ثم بين سبحانه ~~ما يقدم عليه الكفار مع عظيم نعمه، ووضوح دلائله فقال { ويعبدون ~~من دون الله } أي ويعبد كفار قريش غير الله تعالى أصناما لا تنفع ~~ولا تسمع { ما لم ينزل به سلطانا } أي ما لم يرد به حجة ~~ولا برهان من جهة الوحي والشرع { وما ليس لهم به علم } أي ~~وما ليس عندهم به علم من جهة العقل وإنما هو مجرد التقليد الأعمى للآباء ~~{ وما للظالمين من نصير } أي ليس لهم ناصر يدفع عنهم عذاب ~~الله { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } أي وإذا تليت ~~على هؤلاء المشركين آيات القرآن الواضحة الساطعة وما فيها من الحجج ~~القاطعة على وحدانية الله { تعرف في وجوه الذين كفروا ~~المنكر } أي ترى في وجوه الكفار الإنكار بالعبوس والكراهة { ~~يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آيتنا ms0936 } أي ~~يكادون يبطشون بالمؤمنين الذين يتلون عليهم القرآن { قل ~~أفأنبئكم بشر من ذلكم النار } أي قل لهم: هل أخبركم ~~بما هو أسوأ أو أشنع من تخويفكم للمؤمنين وبطشكم بهم؟ إنه نار جهنم ~~وعذابها ونكالها { وعدها الله الذين كفروا } أي وعدها ~~الله للكافرين المكذبين بآياته { وبئس المصير } أي بئس الموضع ~~الذي يصيرون إليه { يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا ~~له } أي يا معشر المشركين ضرب الله مثلا لما يعبد من دون الله من ~~الأوثان والأصنام فتدبروه حق التدبر واعقلوا ما يقال لكم { إن ~~الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له } أي إن هذه الأصنام التي عبدتموها من دون الله لن ~~تقدر على خلق ذبابة على ضعفها وإن اجتمعت على ذلك، فكيف يليق بالعاقل ~~جعلها آلهة وعبادتها من دون الله! قال القرطبي: وخص الذباب لأربعة أمور: ~~لمهانته، وضعفه، ولاستقذاره، وكثرته، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان ~~وأحقره لا يقدر من عبدوهم من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته، فكيف ~~يجوز أن يكونوا آلهة معبودين، وأربابا مطاعين؟ وهذا من أقوى الحجة وأوضح ~~البرهان { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه } أي لو اختطف الذباب وسلب شيئا من الطيب الذي كانوا يضمخون به ~~الأصنام لما استطاعت تلك الآلهة استرجاعه منه رغم ضعفه وحقارته { ضعف ~~الطالب والمطلوب } أي ضعف العابد الذي يطلب الخير من الصنم، ~~والمطلوب الذي هو الصنم، فكل منهما حقير ضعيف { ما قدروا الله ~~حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه حيث جعلوا الأصنام - على حقارتها ~~- شركاء للقوي العزيز ولهذا قال { إن الله لقوي عزيز } أي ~~هو تعالى قادر لا يعجزه شيء، غالب لا يغلب، فكيف يسوون بين القوي العزيز ~~والعاجز الحقير؟! { الله يصطفي من الملائكة رسلا ~~ومن الناس } أي الله يختار رسلا من الملائكة ليكونوا وسطاء لتبليغ ~~الوحي إلى أنبيائه، ويختار رسلا من البشر لتبليغ شرائع الدين لعباده، ~~والآية رد على من أنكر أن يكون الرسول من البشر { إن الله ~~سميع بصير } أي يسمع ما يقولون ويرى ms0937 ما يفعلون { يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم } أي يعلم ما قدموا وما أخروا من ~~الأفعال والأقوال والأعمال { وإلى الله ترجع الأمور } أي ~~إليه وحده جل وعلا ترد أمور العباد فيجازيهم عليها { يأيها ~~الذين آمنوا اركعوا واسجدوا } أي صلوا لربكم خاشعين، ~~وإنما عبر عن الصلاة بالركوع والسجود لأنهما أشرف أركان الصلاة { ~~واعبدوا ربكم } أي أفردوه بالعبادة ولا تعبدوا غيره { ~~وافعلوا الخير } أي افعلوا ما يقربكم من الله من أنواع الخيرات ~~والمبرات كصلة الأرحام، ومواساة الأيتام، والصلاة بالليل والناس نيام { ~~لعلكم تفلحون } أي لتفوزوا وتظفروا بنعيم الآخرة { ~~وجاهدوا في الله حق جهاده } أي جاهدوا بأموالكم وأنفسكم ~~لإعلاء كلمة الله حق الجهاد باستفراغ الوسع والطاقة { هو ~~اجتباكم } أي هو اختاركم من بين الأمم لنصرة دينه، وخصكم بأكمل شرع ~~وأكرم رسول { وما جعل عليكم في الدين من حرج } أي وما ~~جعل عليكم في هذا الدين من ضيق ولا مشقة، ولا كلفكم ما لا تطيقون بل هي ~~الحنيفية السمحة ولهذا قال { ملة أبيكم إبراهيم } أي دينكم ~~الذي لا حرج فيه هو دين ابراهيم فالزموه لأنه الدين القيم كقوله # دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا # [الأنعام: 161] { هو سماكم المسلمين من قبل وفي ~~هذا } أي الله سماكم المسلمين في الكتب المتقدمة وفي هذا القرآن، ~~ورضي لكم الإسلام دينا قال الإمام الفخر: المعنى انه سبحانه في سائر ~~الكتب المتقدمة على القرآن، وفي القرآن أيضا بين فضلكم على الأمم ~~وسماكم بهذا الاسم الأكرم، لأجل الشهادة المذكورة، فلما خصكم بهذه ~~الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه { ليكون الرسول شهيدا ~~عليكم وتكونوا شهدآء على الناس } أي ليشهد عليكم ~~الرسول بتبليغه الرسالة لكم وتشهدوا أنتم على الخلائق أن رسلهم قد ~~بلغتهم { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } أي وإذ قد ~~اختاركم الله لهذه المرتبة الجليلة فاشكروا الله على نعمته بأداء الصلاة ~~ودفع الزكاة { واعتصموا بالله } أي استمسكوا بحبله المتين ~~وثقوا واستعينوا بالله في جميع أموركم { هو مولاكم فنعم ~~المولى ونعم النصير } أي نعم هو تعالى الناصر والمعين. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع ms0938 نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الامتنان بتعداد النعم { ألم تر أن الله سخر لكم ~~ما في الأرض والفلك تجري.. } الخ وكذلك الاستفهام الذي ~~يفيد التقرير. # 2- الطباق { يميتكم ثم يحييكم }. # 3- صيغة المبالغة { إن الإنسان لكفور } أي مبالغ في الجحود. # 4- النهي الذي يراد منه نفي الشيء { فلا ينازعنك } أي لا ينبغي ~~لهم منازعتك فقد ظهر الحق وبان. # 5- الاستعارة اللطيفة { تعرف في وجوه الذين كفروا ~~المنكر } أي تستدل من وجوههم على المكروه وإرادة الفعل القبيح مثل ~~قولهم: عرفت في وجه فلان الشر. # 6- التمثيل الرائع { إن الذين تدعون من دون الله لن ~~يخلقوا ذبابا } أي مثل الكفار في عبادتهم لغير الله كمثل الأصنام ~~التي لا تستطيع أن تخلق ذبابة واحدة قال الزمخشري: سميت القصة الرائقة ~~المتلقاة بالاستحسان مثلا تشبيها لها ببعض الأمثال. # 7- المجاز المرسل { اركعوا واسجدوا } من إطلاق الجزء على الكل ~~أي صلوا لأن الركوع والسجود من اركان الصلاة. # 8- ذكر العام بعد الخاص لإفادة العموم مع العناية بشأن الخاص { ~~اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير ~~} بدأ بخاص، ثم بعام، ثم بأعم. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-22] # اللغة: { سلالة } السلالة: الخلاصة مشتقة من السل وهو استخراج ~~الشيء من الشيء، تقول: سللت الشعر من العجين، والسيف من الغمد قال ~~أمية: # خلق البرية من سلالة منتن # وإلى السلالة كلها ستعود # ويقال: الولد سلالة أبيه لأنه انسل من ظهر أبيه { مكين } ثابت ~~راسخ تقول: هذا شيء مكين أي متمكن في الثبوت والرسوخ { طرآئق } جمع ~~طريقة والمراد بالطرائق السماوات السبع سميت بذلك لكون بعضها فوق بعض، ~~ومنه قولهم: طارق النعل إذا جعل إحداهما على الأخرى { صبغ } الصبغ: ~~الإدام وأصله الصباغ وهو الذي يلون به الثوب قال الهروي: كل إدام ~~يؤتدم به فهو صبغ { الأنعام } الحيوانات المأكولة " الإبل، والبقر، ~~والغنم ". # التفسير: { قد أفلح المؤمنون } أي فاز وسعد وحصل على ~~البغية والمطلوب المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف الجليلة، و { قد } ~~للتأكيد والتحقيق فكأنه يقول لقد تحقق ظفرهم ونجاحهم بسبب الإيمان ~~والعمل الصالح، ثم عدد تعالى مناقبهم فقال { الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون } قال ابن عباس: ms0939 خاشعون: خائفون ساكنون أي هم ~~خائفون متذللون في صلاتهم لجلال الله وعظمته لاستيلاء الهيبة على قلوبهم ~~{ والذين هم عن اللغو معرضون } أي عن الكذب والشتم ~~والهزل قال ابن كثير: اللغو: الباطل وهو يشمل الشرك، والمعاصي، وما لا ~~فائدة فيه من الأقوال والأفعال { والذين هم للزكاة ~~فاعلون } أي يؤدون زكاة أموالهم للفقراء والمساكين، طيبة بها نفوسهم ~~طلبا لرضى الله { والذين هم لفروجهم حافظون } هذا هو ~~الوصف الرابع أي عفوا عن الحرام وصانوا فروجهم عما لا يحل من الزنا ~~واللواط وكشف العورات { إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم } أي هم حافظون لفروجهم في جميع الأحوال إلا من زوجاتهم ~~وإمائهم المملوكات { فإنهم غير ملومين } أي فإنهم غير ~~مؤاخذين { فمن ابتغى ورآء ذلك } أي فمن طلب غير الزوجات ~~والمملوكات { فأولئك هم العادون } أي هم المعتدون ~~المجاوزون الحد في البغي والفساد { والذين هم لأماناتهم ~~وعهدهم راعون } أي قائمون عليها بحفظها وإصلاحها، لا يخونون ~~إذا ائتمنوا، ولا ينقضون عهدهم إذا عاهدوا قال أبو حيان: والظاهر عموم ~~الأمانات فيدخل فيها ما ائتمن الله تعالى عليه العبد من قول وفعل ~~واعتقاد، وما ائتمنه الإنسان من الودائع والأمانات { والذين هم ~~على صلواتهم يحافظون } هذا هو الوصف السادس أي يواظبون على ~~الصلوات الخمس ويؤدونها في أوقاتها قال في التسهيل: فإن قيل كيف كرر ~~ذكر الصلوات أولا وآخرا؟ فالجواب أنه ليس بتكرار، لأنه قد ذكر أولا ~~الخشوع فيها، وذكر هنا المحافظة عليها فهما مختلفان { أولئك هم ~~الوارثون } أي أولئك الجامعون لهذه الأوصاف الجليلة هم الجديرون ~~بوراثة جنة النعيم { الذين يرثون الفردوس } أي الذين يرثون ~~أعالي الجنة، التي تتفجر منها أنهار الجنة وفي الحديث # " إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه ~~تفجر أنهار الجنة " # { هم فيها خالدون } أي هم دائمون فيها لا يخرجون منها أبدا، ~~ولا يبغون عنها حولا.. ثم ذكر تعالى الأدلة والبراهين على قدرته ~~ووحدانيته فقال { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ~~طين } اللام جواب قسم أي والله لقد خلقنا جنس الإنسان من صفوة وخلاصة ms0940 ~~استلت من الطين قال ابن عباس: هو آدم لأنه انسل من الطين { ثم ~~جعلناه نطفة } أي ثم جعلنا ذرية آدم وبنيه منيا ينطف من أصلاب ~~الرجال { في قرار مكين } أي في مستقر متمكن هو الرحم { ثم ~~خلقنا النطفة علقة } أي ثم صيرنا هذه النطفة - وهي الماء ~~الدافق - دما جامدا يشبه العلقة { فخلقنا العلقة مضغة } ~~أي جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة أي قطعة لحم لا شكل فيها ولا تخطيط { ~~فخلقنا المضغة عظاما } أي صيرنا قطعة اللحم عظاما صلبة ~~لتكون عمودا للبدن { فكسونا العظام لحما } أي سترنا تلك ~~العظام باللحم وجعلناه كالكسوة لها { ثم أنشأناه خلقا آخر } ~~أي ثم بعد تلك الأطوار نفخنا فيه الروح فصيرناه خلقا آخر في أحسن تقويم ~~قال الرازي: أي جعلناه خلقا مباينا للخلق الأول حيث صار إنسانا وكان ~~جمادا، وناطقا وكان أبكم، وسميعا وكان أصم، وبصيرا وكان أكمه، وأودع ~~كل عضو من أعضائه عجائب فطرة، وغرائب حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين { ~~فتبارك الله أحسن الخالقين } أي فتعالى الله في قدرته ~~وحكمته أحسن الصانعين صنعا { ثم إنكم بعد ذلك ~~لميتون } أي ثم إنكم أيها الناس بعد تلك النشأة والحياة لصائرون ~~إلى الموت { ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } أي ~~تبعثون من قبوركم للحساب والمجازاة، ولما ذكر تعالى الأطوار في خلق ~~الإنسان وبدايته ونهايته ذكر خلق السماوات والأرض وكلها أدلة ساطعة على ~~وجود الله فقال { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق } أي ~~والله لقد خلقنا فوقكم سبع سماوات، سميت طرائق لأ ن بعضها فوق بعض { ~~وما كنا عن الخلق غافلين } أي وما كنا مهملين أمر الخلق ~~بل نحفظهم وندبر أمرهم { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر } ~~أي أنزلنا من السحاب القطر والمطر بحسب الحاجة، لا كثيرا فيفسد الأرض، ~~ولا قليلا فلا يكفي الزروع والثمار { فأسكناه في الأرض } أي ~~جعلناه ثابتا مستقرا في الأرض لتنتفعوا به وقت الحاجة { وإنا ~~على ذهاب به لقادرون } وعيد وتهديد أي ونحن قادرون على ~~إذهابه بالتغوير في الأرض فتهلكون عطشا أنتم ومواشيكم قال ابن كثير: لو ~~شئنا ms0941 لجعلناه إذا نزل يغور في الأرض إلى مدى لا تصلون إليه ولا ~~تنتفعون به لفعلنا، ولكن بلطفه تعالى ورحمته ينزل عليكم المطر من السحاب ~~عذبا فراتا، فيسكنه في الأرض، ويسلكه ينابيع فيها فيفتح العيون ~~والأنهار، ويسقى الزروع والثمار، فتشربون منه أنتم ودوابكم وأنعامكم { ~~فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب } أي ~~فأخرجنا لكم بذلك الماء حدائق وبساتين فيها النخيل والأعناب { لكم ~~فيها فواكه كثيرة } أي لكم في هذه البساتين أنواع الفواكه ~~والثمار تتفكهون بها { ومنها تأكلون } أي ومن ثمر الجنات تأكلون ~~صيفا وشتاء كالرطب والعنب والتمر والزبيب، وإنما خص النخيل والأعناب ~~بالذكر لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام، ومقام الإدام، ومقام ~~الفواكه رطبا ويابسا وهما أكثر فواكه العرب { وشجرة تخرج من ~~طور سينآء } أي ومما أنشأنا لكم بالماء أيضا شجرة الزيتون التي ~~تخرج حول جبل الطور وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى { تنبت ~~بالدهن } أي تنبت الدهن أي الزيت الذي فيه منافع عظيمة { وصبغ ~~للآكلين } أي وإدام للآكلين سمي صبغا لأنه يلون الخبز إذا غمس ~~فيه، جمع الله في هذه الشجرة بين الأدم والدهن، وفي الحديث # " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " # { وإن لكم في الأنعام لعبرة } أي وإن لكم أيها الناس ~~فيما خلق لكم ربكم من الأنعام وهي " الإبل والبقر والغنم " لعظة بالغة ~~تعتبرون بها { نسقيكم مما في بطونها } أي نسقيكم من ~~ألبانها من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين { ولكم ~~فيها منافع كثيرة } أي ولكم في هذه الأنعام منافع عديدة: ~~تشربون من ألبانها، وتلبسون من أصوافها وتركبون ظهورها، وتحملون عليها ~~الأحمال الثقال { ومنها تأكلون } أي وتأكلون لحومها كذلك { ~~وعليها وعلى الفلك تحملون } أي وتحملون على الإبل في ~~البر كما تحملون على السفن في البحر، فإن الإبل سفائن البر كما أن ~~الفلك سفائن البحر. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الإخبار بصيغة الماضي لإفادة الثبوت والتحقق { قد أفلح ~~المؤمنون } كما أن { قد } لإفادة التحقيق أيضا. # 2- التفصيل بعد الإجمال { الذين هم ms0942 في صلاتهم خاشعون * ~~والذين هم عن اللغو معرضون.. } الخ. # 3- إنزال غير المنكر منزلة المنكر { ثم إنكم بعد ذلك ~~لميتون } الناس لا ينكرون الموت ولكن غفلتهم عنه وعدم استعدادهم ~~له بالعمل الصالح يعدان من علامات الإنكار ولذلك نزلوا منزلة المنكرين ~~وألقي الخبر مؤكدا بمؤكدين " إن واللام ". # 4- الاستعارة اللطيفة { سبع طرآئق } شبهت السماوات السبع بطرائق ~~النعل التي يجعل بعضها فوق بعض بطريق الاستعارة. # 5- التهديد { وإنا على ذهاب به لقادرون }. # 6- السجع غير المتكلف { خاشعون } ، { حافظون } ، { عادون } ~~وكذلك { طين } ، { مكين } ، { الخالقين } وهو من المحسنات ~~البديعية. # تنبيه: ذكر تعالى في هذه الآيات من قوله { ولقد خلقنا ~~الإنسان } إلى قوله { وعلى الفلك تحملون } أربعة أنواع ~~من دلائل قدرته تعالى، الأول: تقلب الإنسان في أطوار الخلق وهي تسعة ~~آخرها البعث بعد الموت، الثاني: خلق السماوات السبع، الثالث: إنزال ~~الماء من السماء، الرابع: منافع الحيوانات وذكر منها أربعة أنواع " ~~الانتفاع بالألبان، وبالصوف، وباللحوم، وبالركوب ". # فائدة: روى الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: # " كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه ~~كدوي النحل، فلبثنا ذات يوم ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال اللهم ~~زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر ~~علينا، وأرضنا وارض عنا ثم قال: لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن ~~دخل الجنة ثم قرأ { قد أفلح المؤمنون } حتى ختم العشر ". ### || [23.23-52] # المناسبة: لما ذكر تعالى دلائل التوحيد في خلق الإنسان، والحيوان، ~~والنبات، وفي خلق السماوات والأرض، وعدد نعمه عل عباده، ذكر هنا ~~أمثالا لكفار مكة من المكذبين من الأمم السابقة وما نالهم من العذاب، ~~فابتدأ بقصة نوح، ثم بقصة هود، ثم بقصة موسى وفرعون، ثم بقصة عيسى بن ~~مريم، وكلها عبر وعظات للمكذبين بالرسل والآيات. # اللغة: { جنة } بكسر الجيم أي جنون { فتربصوا } فانتظروا ~~والتربص: الانتظار { مبتلين } مختبرين { هيهات } اسم فعل ماض ~~بمعنى بعد قال الشاعر: # تذكرت أياما مضين من الصبا # وهيهات هيهاتا إليك رجوعها # { غثآء } الغثاء: العشب إذا يبس، وغثاء السيل: ms0943 ما يحمله من الحشيش ~~والقصب اليابس ونحوه { بعدا } هلاكا قال الرازي: بعدا وسحقا ~~ودمارا ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها قال سبيويه وهي منصوبة بأفعال ~~لا يستعمل إظهارها ومعنى { بعدا } بعدوا بعدا أي هلكوا { قرونا ~~} أمما { تترا } تتابع يأتي بعضهم إثر بعض { أحاديث } جمع ~~أحدوثة كأعجوبة وهي ما يتحدث به عجبا وتسلية { معين } ماء جار ظاهر ~~للعيون { ربوة } الربوة: المكان المرتفع من الأرض. # التفسير: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } أي والله ~~لقد أرسلنا رسولنا نوحا إلى قومه داعيا لهم إلى الله قال المفسرون: ~~هذه تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر هذا الرسول، ليتأسى به في ~~صبره، وليعلم أن الرسل قبله قد كذبوا { فقال يقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره } أي اعبدوه وحده فليس لكم ~~رب سواه { أفلا تتقون } زجر ووعيد أي أفلا تخافون عقوبته ~~بعبادتكم غيره؟ { فقال الملأ الذين كفروا من قومه } ~~أي فقال أشراف قومه ورؤساؤهم الممعنون في الكفر والضلال { ما هذا ~~إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم } أي ما ~~هذا الذي يزعم أنه رسول إلا رجل من البشر يريد أن يطلب الرياسة والشرف ~~عليكم بدعواه النبوة لتكونوا له أتباعا.. واعجب بضلال هؤلاء استبعدوا ~~أن تكون النبوة لبشر، وأثبتوا الربوبية لحجر { ولو شآء الله ~~لأنزل ملائكة } أي لو أراد الله أن يبعث رسولا لبعث ملكا ولم ~~يكن بشرا { ما سمعنا بهذا في آبآئنا الأولين } أي ~~ما سمعنا بمثل هذا الكلام في الأمم الماضية، والدهور الخالية { إن هو ~~إلا رجل به جنة } أي ما هو إلا رجل به جنون { ~~فتربصوا به حتى حين } أي انتظروا واصبروا عليه مدة حتى ~~يموت { قال رب انصرني بما كذبون } أي قال نوح بعد ما يئس ~~من إيمانهم: رب انصرني عليهم بإهلاكهم عامة بسبب تكذيبهم إياي { ~~فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا } أي ~~فأوحينا إليه عند ذلك أن اصنع السفينة بمرأى منا وحفظنا { ووحينا } ~~أي بأمرنا وتعليمنا { فإذا جآء أمرنا } أي فإذا جاء أمرنا ~~بإنزال العذاب { وفار التنور } أي فار الماء ms0944 في التنور الذي ~~يخبز فيه قال المفسرون: جعل الله ذلك علامة لنوح على هلاك قومه { ~~فاسلك فيها من كل زوجين اثنين } أي فأدخل في السفينة ~~من كل صنف من الحيوان زوجين " ذكر وأنثى " لئلا ينقطع نسل ذلك الحيوان { ~~وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم } أي واحمل ~~أهلك أيضا إلا من سبق عليه القول بالهلاك ممن لم يؤمن كزوجته وابنه { ~~ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } ~~أي ولا تسألني الشفاعة للظالمين عند مشاهدة هلاكهم فقد قضيت أنهم مغرقون ~~محكوم عليهم بالغرق { فإذا استويت أنت ومن معك على ~~الفلك } أي فإذا علوت أنت ومن معك من المؤمنين على السفينة { فقل ~~الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين } أي ~~احمدوا الله على تخليصه إياكم من الغرق وإنما قال { فقل } ولم يقل ~~فقولوا لأن نوحا كان نبيا لهم وإماما فخطابه خطاب لهم { وقل ~~رب أنزلني منزلا مباركا } أي أنزلني إنزالا مباركا ~~يحفظني من كل سوء وشر قال ابن عباس: هذا حين خرج من السفينة { وأنت ~~خير المنزلين } أي أنت يا رب خير المنزلين لأوليائك والحافظين ~~لعبادك { إن في ذلك لآيات } أي إن فيما جرى على أمة نوح ~~دلائل وعبر يستدل بها أولوا الأبصار { وإن كنا لمبتلين } أي ~~وإن الحال والشأن كنا مختبرين للعباد بإرسال المرسلين { ثم ~~أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } أي ثم أوجدنا من بعد قوم ~~نوح قوما آخرين يخلفونهم وهم قوم عاد { فأرسلنا فيهم رسولا ~~منهم } أي أرسلنا إليهم رسولا من عشيرتهم هو هود عليه السلام { ~~أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } أي أعبدوه ~~وحده ولا تشركوا به أحدا لأنه ليس لكم رب سواه { أفلا تتقون } ~~أي أفلا تخافون عذابه وانتقامه إن كفرتم؟ { وقال الملأ من ~~قومه الذين كفروا وكذبوا بلقآء الآخرة } أي قال ~~أشراف قومه الكفرة المكذبون بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب { ~~وأترفناهم في الحياة الدنيا } أي وسعنا عليهم نعم ~~الدنيا حتى بطروا ونعمناهم في هذه الحياة { ما هذا إلا بشر ~~مثلكم } أي قالوا لأتباعهم مضلين ms0945 لهم: ما هذا الذي يزعم أنه رسول ~~إلا إنسان مثلكم { يأكل مما تأكلون منه ويشرب ~~مما تشربون } أي يأكل مثلكم ويشرب مثلكم فلا فضل له عليكم لأنه ~~محتاج إلى الطعام والشراب { ولئن أطعتم بشرا مثلكم ~~إنكم إذا لخاسرون } أي ولئن أطعتموه وصدقتموه فإنكم ~~لخاسرون حقا حيث أذللتم أنفسكم باتباعه قال أبو السعود: انظر كيف جعلوا ~~اتباع الرسول الحق الذي يوصلهم إلى سعادة الدارين خسرانا دون عبادة ~~الأصنام التي لا خسران وراءها؟ قاتلهم الله أنى يؤفكون { أيعدكم ~~أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما } استفهام على وجه ~~الاستهزاء والاستبعاد أي أيعدكم بالحياة بعد الموت أن تصبحوا رفاتا ~~وعظاما بالية؟ { أنكم مخرجون } أي أنكم ستخرجون أحياء من ~~قبوركم وكرر لفظ { أنكم } تأكيدا لأنه لما طال الكلام حسن ~~التكرار { هيهات هيهات لما توعدون } أي بعد بعد هذا الذي ~~توعدونه من الإخراج من القبور، وغرضهم بهذا الاستبعاد أنه لا يكون أبدا ~~{ إن هي إلا حياتنا الدنيا } أي لا حياة إلا هذه الحياة ~~الدنيا { نموت ونحيا } أي يموت بعضنا ويولد بعضنا إلى انقراض ~~العصر { وما نحن بمبعوثين } أي لا بعث ولا نشور { إن هو ~~إلا رجل افترى على الله كذبا } أي ما هو إلا رجل كاذب ~~يكذب على الله فيما جاءكم به من الرسالة، والإخبار بالمعاد { وما ~~نحن له بمؤمنين } أي ولسنا له بمصدقين فيما يقوله { قال ~~رب انصرني بما كذبون } لما يئس نبيهم من إيمانهم ورأى ~~إصرارهم على الكفر دعا عليهم بالهلاك والمعنى رب انصرني عليهم بسبب ~~تكذيبهم إياي { قال عما قليل ليصبحن نادمين } أي عن ~~قريب من الزمان سيصيرون نادمين على كفرهم { فأخذتهم الصيحة ~~بالحق } أي أخذتهم صيحة العذاب المدمر عدلا من الله لا ظلما { ~~فجعلناهم غثآء } أي هلكى كغثاء السيل قال المفسرون: صاح بهم ~~جبريل صيحة رجفت لها الأرض من تحتهم فصاروا لشدتها غثاء كغثاء السيل وهو ~~الشيء التافه الحقير الذي لا ينتفع منه بشيء { فبعدا للقوم ~~الظالمين } أي فسحقا وهلاكا لهم بكفرهم وظلمهم، وهي جملة دعائية ~~كأنه قال: بعدا لهم من رحمة ms0946 الله وهلاكا ودمارا لهم { ثم ~~أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين } أي أوجدنا من بعد هلاك ~~هؤلاء أمما وخلائق أخرين كقوم صالح وإبراهيم وقوم لوط وشعيب قال ابن ~~عباس: هم بنو إسرائيل، وفي الكلام حذف تقديره: فكذبوا أنبياءهم ~~فأهلكناهم دل عليه قوله { ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون } أي ما تتقدم أمة من الأمم المهلكة عن الوقت الذي ~~عين لهلاكهم ولا تتأهر عنه { ثم أرسلنا رسلنا تترا } أي ~~بعثنا الرسل متتالين واحدا بعد واحد قال ابن عباس: يتبع بعضهم بعضا { ~~كل ما جآء أمة رسولها كذبوه } تشنيع عليهم بكمال ~~ضلالهم أي أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من سبقهم من الضالين ~~المكذبين ولهذا قال { فأتبعنا بعضهم بعضا } أي ألحقنا ~~بعضهم في إثر بعض بالهلاك والدمار { وجعلناهم أحاديث } أي ~~أخبارا تروى وأحاديث تذكر، يتحدث الناس بما جرى عليهم تعجبا وتسلية { ~~فبعدا لقوم لا يؤمنون } أي فهلاكا ودمارا لقوم لا ~~يصدقون الله ورسله { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون ~~بآياتنا } أي أرسلناهما بآياتنا البينات قال ابن عباس: هي الآيات ~~التسع " العصا، اليد، الجراد " الخ { وسلطان مبين } أي وحجة ~~واضحة ملزمة للخصم { إلى فرعون وملئه } أي أرسلناهما إلى ~~فرعون الطاغية وأشراف قومه المتكبرين { فاستكبروا } أي عن ~~الإيمان بالله وعبادته { وكانوا قوما عالين } أي متكبرين ~~متمردين، قاهرين لغيرهم بالظلم { فقالوا أنؤمن لبشرين ~~مثلنا } أي أنصدق رجلين مثلنا ونتبعهما؟ { وقومهما لنا ~~عابدون } أي والحال أن قوم موسى وهارون منقادون لنا كالخدم والعبيد؟ ~~{ فكذبوهما فكانوا من المهلكين } أي فكذبوا رسولينا ~~فكانوا من المغرقين في البحر { ولقد آتينا موسى الكتاب ~~لعلهم يهتدون } أي أعطينا موسى التوراة بعد غرق فرعون وملائه ~~ليهتدي بها بنوا إسرائيل { وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~} أي وجعلنا قصة مريم وابنها عيسى معجزة عظيمة تدل على كمال قدرتنا { ~~وآويناهمآ إلى ربوة } أي وجعلنا منزلهما ومأواهما إلى ~~مكان مرتفع من أرض بيت المقدس قال ابن عباس: الربوة المكان المرتفع من ~~الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات { ذات قرار ومعين } أي ~~مستوية يستقر عليها وماء جار ms0947 ظاهر للعيون قال الرازي: القرار: المستقر ~~كل أرض مستوية مبسوطة، والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، وعن ~~قتادة: ذات ثمار وماء، يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها { ~~يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~} أي قلنا يا أيها الرسل كلوا من الحلال وتقربوا إلى الله بالأعمال ~~الصالحة، والنداء لكل رسول في زمانه وصي به كل رسول إرشادا لأمته كما ~~تقول تخاطب تاجرا: يا تجار اتقوا الربا { إني بما تعملون ~~عليم } وعيد وتحذير أي إني عالم بما تعملون لا يخفى علي شيء من ~~أمركم، قال القرطبي: شمل الكل في الوعيد وإذا كان هذا مع الرسل ~~والأنبياء، فما ظن كل الناس بأنفسهم؟ { وإن هذه أمتكم ~~أمة واحدة } أي دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد، وملتكم ملة ~~واحدة وهي دين الإسلام { وأنا ربكم فاتقون } أي وأنا ربكم ~~لا شريك لي فخافوا عذابي وعقابي. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الاستعارة البديعة { اصنع الفلك بأعيننا } عبر عن ~~المبالغة في الحفظ والرعاية بالصنع على الأعين لأن الحافظ للشيء في ~~الأغلب يديم مراعاته بعينه فلذلك جاء بذكر الأعين بدلا من ذكر الحفظ ~~والحراسة على طريق الاستعارة. # 2- الكناية { وفار التنور } كناية عن الشدة كقولهم حمي الوطيس، ~~وأطلق بعض العلماء التنور على وجه الأرض مجازا. # 3- جناس الاشتقاق { أنزلني منزلا } و { تعملون عليم }. # 4- الطباق بين { نموت ونحيا } وكذلك بين { تسبق.. ~~ويستأخرون }. # 5- الجناس الناقص { أرسلنا رسلنا } لتغيير بعض الحروف مع ~~الشكل. # 6- التشبيه البليغ { فجعلناهم غثآء } أي كالغثاء في سرعة ~~زواله ومهانة حاله، حذف وجه الشبه وأداة التشبيه فصار بليغا. # 7- أسلوب الإطناب { الذين كفروا } ، { وكذبوا بلقآء ~~الآخرة } ، { وأترفناهم في الحياة الدنيا } ذما لهم ~~وتسجيلا عليهم القبائح والشناعات. # 8- السجع اللطيف مثل { تتقون } ، { تشربون } ، { مخرجون ~~} ومثل { عالين } ، { المهلكين } ، { قرار ومعين }. # فائدة: لفظ البشر يطلق على الواحد والجمع، فمن إطلاقه على الواحد # فتمثل لها بشرا سويا # [مريم: 17] { أنؤمن لبشرين مثلنا }؟ ومن إطلاقه على ~~الجمع # فإما ترين من البشر أحدا # [مريم: 26] # وما هي إلا ذكرى للبشر # [المدثر: 31] أفاده ms0948 صاحب الكشاف. ### || [23.53-74] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصص الأنبياء والمرسلين، أتبعه بذكر أخبار ~~الكفرة المتمردين من أقوامهم واختلافهم وتفرقهم في الدين حتى أصبحوا ~~فرقا وأحزابا، ليجتنب الإنسان طرق أهل الضلال. # اللغة: { زبرا } قطعا جمع زبور وهي القطعة من الفضة أو الحديد { ~~غمرتهم } الغمرة: الحيرة والضلالة وأصله في اللغة: الماء الذي يغمر ~~القامة { يجأرون } يضجون ويستغيثون وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع ~~كما يفعل الثور { تنكصون } النكوص: الرجوع إلى الوراء { ناكبون } ~~نكب عن الطريق نكوبا إذا عدل عنه ومال إلى غيره. # التفسير: { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا } أي تفرقت ~~الأمم في أمر دينهم فرقا عديدة وأديانا مختلفة هذا مجوسي، وهذا يهودي، ~~وهذا نصراني بعدما أمروا بالاجتماع { كل حزب بما لديهم ~~فرحون } أي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه دينا لنفسه معجب به، يرى ~~أنه المحق الرابح، وأن غيره المبطل الخاسر { فذرهم في ~~غمرتهم } الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والضمير لكفار مكة أي ~~فاترك يا محمد هؤلاء المشركين في غفلتهم وجهلهم وضلالهم { حتى حين ~~} أي إلى حين موتهم، وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيد ~~للمشركين { أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين } أي أيظن هؤلاء الكفار أن الذي نعطيهم في الدنيا من الأموال ~~والأولاد { نسارع لهم في الخيرات } أي هو تعجيل ومسارعة لهم ~~في الإحسان؟ كلا ليس الأمر كما يظنون بل هو استدراج لهم، واستجرار ~~إلى زيادة الإثم ولهذا قال { بل لا يشعرون } أي بل هم أشباه ~~البهائم ، لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا في الأمر، أهو استدراج أم ~~مسارعة في الخير؟ والآية رد على المشركين في زعمهم أن أموالهم وأولادهم ~~دليل رضى الله عنهم كما حكى الله عنهم # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # [سبأ: 35] وفي الحديث # " إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا ~~لمن أحب " # ، ولما ذم المشركين وتوعدهم عقب ذلك بمدح المؤمنين وذكرهم بأبلغ ~~صفاتهم فقال { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ~~} أي هم من جلال الله ms0949 وعظمته خائفون، ومن خوف عذابه حذرون { والذين ~~هم بآيات ربهم يؤمنون } أي يصدقون بآيات الله القرآنية، ~~وآياته الكونية وهي الدلائل والبراهين الدالة على وجوده سبحانه # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # { والذين هم بربهم لا يشركون } أي لا يعبدون معه ~~غيره، بل يوحدونه ويخلصون العمل لوجهه قال الإمام الفخر: وليس المراد ~~منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله فإن ذلك داخل في الآية السابقة، ~~بل المراد منه نفي الشرك الخفي وذلك بأن يخلص في العبادة لوجه الله ~~وطلبا لرضوانه { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم ~~وجلة } هذه هي الصفة الرابعة من أوصاف المؤمنين أي يعطون العطاء من ~~زكاة وصدقة، ويتقربون بأنواع القربات من أفعال الخير والبر وهم يخافون ~~أن لا تقبل منهم أعمالهم قال الحسن: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن ~~المنافق جمع إساءة وأمنا { أنهم إلى ربهم راجعون } ~~أي لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الطاعات والأعمال ~~الصالحة ولاعتقادهم أنهم سيرجعون إلى ربهم للحساب، روي # " أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية الكريمة فقالت { ~~والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة } أهو الذي ~~يزني، ويسرق، ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ فقال لها: لا يا بنت ~~الصديق! ولكنه الذي يصلي، ويصوم، ويتصدق وهو مع ذلك يخاف الله عز وجل " # { أولئك يسارعون في الخيرات } أي أولئك المتصفون بتلك ~~الصفات الجليلة هم الذين يسابقون في الطاعات لنيل أعلى الدرجات لا أولئك ~~الكفرة المجرمون { وهم لها سابقون } أي هم الجديرون بها ~~والسابقون إليها قال الإمام الفخر: واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية ~~الحسن، فالصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد، الموجب للاحتراز عما لا ~~ينبغي، والثانية: دلت على التصديق بوحدانية الله، والثالثة: دلت على ترك ~~الرياء في الطاعات، والرابعة: دلت على أن المستجمع لتلك الصفات الثلاثة ~~يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات ~~الصديقين رزقنا الله الوصول إليها { ولا نكلف نفسا إلا ~~وسعها } أي لا نكلف أحدا من العباد ما ms0950 لا يطيق تفضلا منا ولطفا. ~~أتى بهذه الآية عقب أوصاف المؤمنين إشارة إلى أن أولئك المخلصين لم ~~يكلفوا بما ليس في قدرتهم وأن جميع التكاليف في طاقة الإنسان { ~~ولدينا كتاب ينطق بالحق } أي وعندنا صحائف أعمال العباد ~~التي سطر فيها ما عملوا من خير أو شر نجازيهم في الآخرة عليها ولهذا قال ~~{ وهم لا يظلمون } أي لا يظلمون من أعمالهم شيئا بنقص الثواب ~~أو زيادة العقاب قال القرطبي: والآية تهديد وتأمين من الحيف والظلم { ~~بل قلوبهم في غمرة من هذا } أي بل قلوب الكفرة ~~المجرمين في غطاء وغفلة وعماية عن هذا القرآن { ولهم أعمال ~~من دون ذلك } أي ولهم أعمال سيئة كثيرة غير الكفر والإشراك { ~~هم لها عاملون } أي سيعملونها في المستقبل لتحق عليهم الشقاوة ~~فقد جمعوا بين الكفر وسوء الأعمال فحقت عليهم كلمة العذاب { حتى ~~إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب } أي حتى إذا أخذنا ~~أغنياءهم وكبراءهم المتنعمين في هذه الحياة بالعذاب العاجل كالجوع والقتل ~~والأسر { إذا هم يجأرون } أي إذا هم يصيحون ويرفعون أصواتهم ~~بالاستغاثة قال ابن عباس: هو الجوع الذي عذبوا به سبع سنين { لا ~~تجأروا اليوم } أي لا تستغيثوا اليوم من العذاب { إنكم ~~منا لا تنصرون } أي لا تمنعون من عذابنا فلا ينفعكم صراخ ولا ~~استغاثة { قد كانت آياتي تتلى عليكم } أي لقد كنتم ~~تسمعون آيات القرآن تقرأ عليكم { فكنتم على أعقابكم ~~تنكصون } أي كنتم تنفرون عن تلك الآيات كما يذهب الناكص على عقبيه ~~بالرجوع إلى ورائه، وهذا تمثيل لإعراضهم عن الحق بالراجع إلى الخلف { ~~مستكبرين به } أي مستكبرين بسبب القرآن عن الإيمان قال ابن ~~كثير: الضمير للقرآن كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام ~~يقولون إنه سحر، شعر، كهانة إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة وقال ابن ~~الجوزي: الضمير عائد إلى البيت الحرام وهي كناية عن غير مذكور لشهرة ~~الأمر والمعنى: إنكم تستكبرون وتفتخرون بالبيت والحرم لأمنكم فيه مع خوف ~~سائر الناس في مواطنهم، تقولون: نحن أهل الحرم فلا نخاف أحدا، ونحن أهل ~~بيت الله وولاته، هذا ms0951 مذهب ابن عباس وغيره { سامرا تهجرون } أي ~~متحدثين ليلا تسمرون تقولون في سمركم الهجر وهو القول الفاحش من الطعن ~~في القرآن، وسب النبي عليه السلام { أفلم يدبروا القول } ~~أي أفلم يتدبروا هذا القرآن العظيم ليعرفوا بما فيه من إعجاز النظم أنه ~~كلام الله فيصدقوا به؟ { أم جآءهم ما لم يأت آبآءهم ~~الأولين } أي أم جاءهم من الله بشيء مبتدع لم يأت مثله في آبائهم ~~السابقين؟ قال أبو السعود: يعني أن مجيء الكتب من جهته تعالى إلى الرسل ~~سنة قديمة لا يكاد يتسنى إنكاره، وأن مجيء القرآن على طريقته فمن أين ~~ينكرونه؟ { أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون } ~~توبيخ آخر لهم أي أم لم يعرفوا محمدا صلى الله عليه وسلم بالأمانة ~~والصدق وحسن الأخلاق؟ وبخهم أولا بترك الانتفاع بالقرآن، وثانيا بأن ~~ما جاءهم قد جاء مثله لآبائهم الأولين وثالثا بأنهم يعرفون محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ونسبه وصدقه وأمانته ورابعا اتهامهم له بالجنون وقد ~~علموا أنه عليه السلام أرجحهم عقلا وأثقبهم ذهنا ولهذا قال بعده { أم ~~يقولون به جنة } أي أم يقولون إن محمدا مجنون، وهذا توبيخ ~~آخر وتعجيب من تفننهم في العناد، وتلونهم في الجحود { بل جآءهم ~~بالحق } { بل } للإضراب أي ليس الأمر كما زعموا بل جاءهم محمد ~~بالحق الساطع الذي لا مدخل فيه للباطل بوجه من الوجوه، وبالقرآن ~~المشتمل على التوحيد وشرائع الإسلام { وأكثرهم للحق ~~كارهون } أي ومع وضوح الدعوة فإن أكثر المشركين يكرهون الحق لما ~~في قلوبهم من الزيغ والانحراف { ولو اتبع الحق أهوآءهم ~~} أي لو كان ما كرهوه من الحق - الذي هو التوحيد والعدل - موافقا ~~لأهوائهم الفاسدة، ومتمشيا مع رغباتهم الزائغة { لفسدت ~~السموت والأرض ومن فيهن } أي لفسد نظام العالم أجمع ~~علويه وسفليه، وفسد من فيه من المخلوقات لفساد أهوائهم واختلافهم قال ~~ابن كثير: وفي هذا كله تبيين عجز العباد، واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه ~~تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله وتدبيره لخلقه { بل ~~أتيناهم بذكرهم } أي بل أتيناهم بما فيه فخرهم وشرفهم، وهو ~~هذا القرآن ms0952 العظيم الذي أكرمهم الله تعالى به { فهم عن ذكرهم ~~معرضون } أي فهم معرضون عن هذا القرآن العظيم وكان اللائق بهم ~~الانقياد له وتعظيمه لأنه شرفهم وعزهم، وأعاد لفظ " الذكر " تعظيما ~~للقرآن { أم تسألهم خرجا } أي أم تسألهم يا محمد أجرا على ~~تبيلغ الرسالة فلأجل ذلك لا يؤمنون، وفي هذا تشنيع عليهم لعدم الإيمان ~~فمحمد لا يطلب منهم أجرا فلماذا إذا يكذبونه ويعادونه؟ { فخراج ~~ربك خير } أي رزق الله وعطاؤه خير لك يا محمد { وهو خير ~~الرازقين } أي هو تعالى أفضل من أعطى ورزق لأنه يعطي لا لحاجة، ~~وغيره يعطي لحاجة { وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ~~} أي وإنك يا محمد لتدعوهم إلى الطريق المستقيم وهو الإسلام الموصل ~~إلى جنات النعيم { وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن ~~الصراط لناكبون } أي وإن الذين لا يصدقون بالبعث والثواب ~~والعقاب لعادلون عن الطريق المستقيم منحرفون عنه. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البلاغة والبيان والبديع ~~نوجزها فيما يلي: # 1- الاستعارة اللطيفة { فذرهم في غمرتهم } أصل الغمرة الماء ~~الذي يغمر القامة، شبه ما هم فيه من الجهالة والضلالة بالماء الذي يغمر ~~الإنسان من فرقة إلى قدمه على سبيل الاستعارة. # 2- الاستفهام الإنكاري { أيحسبون أنما نمدهم }؟. # 3- حذف الرابط في { نسارع لهم في الخيرات } حذف " به " أي ~~نسارع لهم به في الخيرات، وحسن حذفه لاستطالة الكلام مع أمن اللبس. # 4-الطباق بين { يؤمنون.. يشركون }. # 5- الاستعارة البديعة { ولدينا كتاب ينطق بالحق } النطق ~~لا يكون إلا ممن يتكلم بلسانه، والكتاب ليس له لسان، فوصف سبحانه الكتاب ~~بالنطق مبالغة وصفه بإظهار البيان وإعلان البرهان، وتشبيها باللسان ~~الناطق بطريق الاستعارة. # 6- جناس الاشتقاق { يؤتون مآ آتوا } { أعمال.. هم لها ~~عاملون }. # 7- الاستعارة الفائقة { فكنتم على أعقابكم تنكصون } ~~شبه إعراضهم عن الحق بالراجع القهقرى إلى الخلف وهو من قبيل الاستعارة ~~التمثيلية. # 8- السجع الرصين { مشفقون } ، { يؤمنون } ، { يشركون } ~~، { سابقون } الخ. ### || [23.75-118] # المناسبة: لما ذكر تعالى إعراض المشركين عن دعوة الإيمان، ذكر هنا ~~سبب الإعراض وهو العناد والطغيان، ثم أردفه بإقامة الأدلة على التوحيد، ~~ثم ذكر أحوال الآخرة وانقسام الناس إلى ms0953 سعداء وأشقياء، وختم السورة ~~ببيان الحكمة من حشر الناس إلى دار الجزاء وأنه لولا القيامة لما تميز ~~المطيع من العاصي ولا البر من الفاجر. # اللغة: { مبلسون } يائسون متحيرون، والإبلاس: اليأس من كل خير { ~~يجير } يمنع ويحمي من استغاث به يقال: أجرت فلانا على فلان إذا ~~أغثته ومنعته منه { همزات } جمع همزة وهي الدفع والتحريك الشديد وهو ~~كالهز والأز، وهمزات الشيطان: كيده بالوسوسة { برزخ } حاجز ومانع ~~قال الجوهري: البرزخ: الحاجز بين الشيئين { كالحون } الكلوح: أن ~~تتقلص الشفتان وتتباعد عن الأسنان، وذلك نهاية القبح لوجه الإنسان. # سبب النزول: عن ابن عباس قال: نزلت في قصة " ثمامة بن أثال " لما ~~أسرته السرية وأسلم وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله، حال بين ~~مكة وبين الميرة وقال: والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن ~~فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ الله قريشا بالقحط والجوع حتى ~~أكلوا الميتة والكلاب والعلهز قيل وما العلهز؟ قال كانوا يأخذون الصوف ~~والوبر فيبلونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه فقال أبو سفيان: أنشدك الله ~~والرحم، أليس تزعم أن الله بعثك رحمة للعالمين؟ قال: بلى، قال فوالله ~~ما أراك إلا قتلت الآباء بالسيف، وقتلت الأبناء بالجوع فنزل قوله تعالى ~~{ ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا ~~في طغيانهم يعمهون } الآيات. # التفسير: { ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر } ~~أي لو رحمنا هؤلاء المشركين الذين كذبوك وعاندوك ورفعنا عنهم ما أصابهم ~~من قحط وجدب وكشفنا عنهم البلاء { للجوا في طغيانهم ~~يعمهون } أي لاستمروا وتمادوا في ضلالتهم وتجاوزهم الحد يترددون ~~ويتخبطون حيارى { ولقد أخذناهم بالعذاب } أي ابتليناهم ~~بالمصائب والشدائد، وبالقحط والجوع { فما استكانوا لربهم } ~~أي ما خضعوا لله ولا تواضعوا لجلاله { وما يتضرعون } أي وما ~~دعوا ربهم لكشف البلاء بل استمروا على العتو والاستكبار، والغرض أنه لم ~~يحصل منهم تواضع ورجوع إلى الله في الماضي، ولا التجاء إلى الله في ~~المستقبل لشدة جبروتهم وطغيانهم { حتى إذا فتحنا عليهم ~~بابا ذا عذاب شديد } أي حتى إذا جاءتهم أهوال الآخرة ms0954 وأتاهم من ~~عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون { إذا هم فيه مبلسون } أي ~~إذا هم آيسون من كل خير قال أبو السعود: المراد بالعذاب عذاب الآخرة كما ~~ينبئ عنه التهويل والوصف بالشدة والمعنى أنا محناهم بكل محنة من القتل، ~~والأسر، والجوع وغير ذلك فما رؤي منهم لين ولا توجه إلى الإسلام إلى ~~أن يروا عذاب الآخرة فحينئذ يبلسون وتخضع رقابهم ثم ذكرهم تعالى بنعمه ~~ودلائل وحدانيته فقال { وهو الذي أنشأ لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة } أي خلق لكم هذه الحواس لتسمعوا وتبصروا ~~وتفقهوا، وفيه توبيخ للمشركين حيث لم يصرفوا النعم في مصارفها، لأن ~~السمع خلق ليسمع به ما يرشده، والبصر ليشاهد به الآيات على كمال أوصاف ~~الله، والعقل ليتأمل به في مصنوعات الله وباهر قدرته فمن لم يصرف تلك ~~النعم في مصارفها فهو بمنزلة عادمها كما قال تعالى # فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء # [الأحقاف: 26] وخص هذه الثلاثة بالذكر لعظم المنافع التي فيها { ~~قليلا ما تشكرون } أي قليلا تشكرون ربكم، و { ما } لتأكيد ~~القلة أي ما أقل شكركم لله على كثرة إفضاله وإنعامه عليكم؟ { وهو ~~الذي ذرأكم في الأرض } أي خلقكم وبثكم في الأرض بطريق ~~التناسل { وإليه تحشرون } أي وإليه وحده تجمعون للجزاء ~~والحساب { وهو الذي يحيي ويميت } أي يحيي الرمم ويميت ~~الخلائق والأمم { وله اختلاف الليل والنهار } أي إن ~~اختلاف الليل والنهار بالزيادة والنقصان بفعله سبحانه وحده ليقيم الدليل ~~على وجوده وقدرته { أفلا تعقلون } أي أفليس لكم عقول تدركون بها ~~دلائل قدرته، وآثار قهره، فتعلمون أن من قدر على ذلك ابتداء، قادر على ~~إعادة الخلق بعد الفناء؟ { بل قالوا مثل ما قال الأولون ~~} { بل } للإضراب أي ليس لهم عقل ولا نظر في هذه الآيات والعبر، بل ~~قال هؤلاء المشركون - من كفار مكة - مثل ما قال الأمم المتقدمون { ~~قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون }؟ أي أئذا بلينا وصرنا ذرات ناعمة، وعظاما نخرة أئنا ~~لمخلوقون ثانية؟ هذا لا يتصور ولا يكون أبدا { لقد وعدنا نحن ~~وآبآؤنا ms0955 هذا من قبل } أي لقد وعدنا بهذا نحن ومن سبقنا فلم ~~نر له حقيقة { إن هذآ إلا أساطير الأولين } أي ما هذا ~~إلا أكاذيب وأباطيل المتقدمين ولما أنكروا البعث والنشور أمر تعالى ~~رسوله أن يفحمهم بالحجة الدامغة التي تقصم ظهر الباطل فقال { قل لمن ~~الأرض ومن فيهآ }؟ أي قل يا محمد جوابا لهم عما قالوه: لمن الأرض ~~ومن فيها من المخلوقات؟ ومن مالكها والمتصرف فيها بالإيجاد والإفناء؟ { ~~إن كنتم تعلمون } أي إن كان عندكم علم فأخبروني بذلك، وفيه ~~استهانة بهم وتقرير لجهلهم قال القرطبي: يخبر تعالى في الآية بربوبيته ~~ووحدانيته، وملكه الذي لا يزول، وقدرته التي لا تحول، ودلت هذه الآيات - ~~وما بعدها - على جواز جدال الكفار وإقامة الحجة عليهم، ونبهت على أن ~~من ابتدأ بالخلق والإيجاد، والإبداع، هو المستحق للألوهية والعبادة { ~~سيقولون لله } أي فسيقولون الله خالقها وموجدها ولا بد لهم من ~~الاعتراف بذلك { قل أفلا تذكرون }؟ أي أفلا تعتبرون فتعلمون ~~أن من ابتدأ ذلك قادر على إعادته؟ { قل من رب السموت ~~السبع ورب العرش العظيم }؟ أي من هو خالق السماوات ~~الطباق بما فيها الشموس، والكواكب والأقمار، ومن هو خالق العرش الكبير ~~الذي تحمله الملائكة الأطهار؟ { سيقولون لله } أي سيقولون: ~~الله خالقه وهو لله { قل أفلا تتقون } أي أفلا تخافون من ~~عذابه فتوحدونه وتتركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام { قل من ~~بيده ملكوت كل شيء } الملكوت من صفات المبالغة أي من بيده ~~الملك الواسع التام؟ ومن بيده خزائن كل شيء؟ ومن هو المتصرف في هذه ~~الأكوان بالخلق والإيجاد والتدبير؟ { وهو يجير ولا يجار ~~عليه } أي يحمي من استجار به والتجأ إليه، ولا يغيث أحد منه أحدا ~~{ إن كنتم تعلمون } أي إن كنتم تعلمون فأخبروني عن ذلك { ~~سيقولون لله } أي سيقولون: الملك كله والتدبير لله جل وعلا ~~{ قل فأنى تسحرون } أي قل لهم: فكيف تخدعون وتصرفون عن ~~طاعته وتوحيده مع اعترافكم وعلمكم بأنه وحده المتصرف المالك؟ قال أبو ~~حيان: والسحر هنا مستعار وهو تشبيه لما يقع منهم من التخليط، ووضع ms0956 ~~الأفعال والأقوال غير مواضعها بما يقع للمسحور من التخبط والتخليط رتب ~~هذه التوبيخات الثلاثة بالتدريج فقال أولا { أفلا تذكرون }؟ ثم ~~قال ثانيا { أفلا تتقون }؟ وذلك أبلغ لأن فيه زيادة تخويف، ثم ~~قال ثالثا { فأنى تسحرون } وفيه من التوبيخ ما ليس في غيره { ~~بل أتيناهم بالحق } أي بل جئناهم بالقول الصدق في أمر ~~التوحيد والبعث والجزاء { وإنهم لكاذبون } أي كاذبون فيما ~~ينسبون لله من الشركاء والأولاد. # لما بالغ في الحجاج عليه بالآيات السابقة أعقبها بهذه الآية كالوعيد ~~والتهديد، ثم بين بطلان الشريك والولد بالبرهان القاطع فقال { ما ~~اتخذ الله من ولد } أي ما اتخذ الله ولدا مطلقا لا من ~~الملائكة ولا من البشر { وما كان معه من إله } أي وليس معه ~~من يشاركه في الألوهية والربوبية { إذا لذهب كل إله بما ~~خلق } أي لو كان معه إله - كما زعم عبدة الأوثان - لانفرد كل إله ~~بخلقه الذي خلق واستبد به، وتميز ملك كل واحد عن ملك الآخر { ~~ولعلا بعضهم على بعض } أي ولغلب بعضهم على بعض كحال ملوك ~~الدنيا قال ابن كثير: المعنى لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما ~~خلق، ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه فيعلو بعضهم على بعض وما ~~كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق غاية الكمال فدل ~~على تنزه الله عن الولد والشريك ولهذا قال { سبحان الله عما ~~يصفون } أي تنزه الله وتقدس عما يصفه به الظالمون { عالم ~~الغيب والشهادة } أي هو تعالى العالم بما غاب عن الأنظار، وبما ~~تدركه الأبصار، لا تخفى عليه خافية من شؤون الخلق { فتعالى عما ~~يشركون } أي تقدس وتنزه عن الشريك والولد { قل رب إما ~~تريني ما يوعدون } أي قل يا رب إن كان ولا بد من أن ~~تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا { رب فلا تجعلني في ~~القوم الظالمين } هذا جواب الشرط { إما } وكرر قوله { ~~رب } مبالغة في الدعاء والتضرع أي رب فلا تجعلني في جملة الظالمين ~~فأهلك بهلاكهم قال أبو حيان: ومعلوم أنه عليه السلام ms0957 معصوم مما يكون ~~سببا لجعله مع الظالمين ولكنه أمر أن يدعو بذلك إظهارا للعبودية ~~وتواضعا لله { وإنا على أن نريك ما نعدهم ~~لقادرون } أي ونحن قادرون على أن نريك العذاب الذي وعدناهم به ولكن ~~نؤخره لحكمة { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } أي ادفع ~~إساءتهم بالصفح عنهم وتجمل بمكارم الأخلاق قال ابن كثير: أرشده إلى ~~الترياق النافع في مخالطة الناس وهو الإحسان إلى من يسيء إليه ليستجلب ~~خاطره، فتعود عدواته صداقة، وبغضه محبة { نحن أعلم بما ~~يصفون } أي نحن أعلم بحالهم وبما يكون منهم من التكذيب والاستهزاء ~~وسنجازيهم عليه { وقل رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين } أي أعتصم بك من نزغات الشياطين ووساوسهم المغرية على ~~الباطل والمعاصي { وأعوذ بك رب أن يحضرون } أي وأعتصم ~~وأحتمي بك يا رب من أن يصيبوني بسوء أو يكونوا معي في أموري، كرر ذلك ~~للمبالغة والاعتناء بشأن الاستعاذة { حتى إذا جآء أحدهم ~~الموت } عاد الكلام عن المشركين أي حتى إذا حضر الموت أحدهم وعاين ~~أهواله وشدائده { قال رب ارجعون } أي قال تحسرا على ما فرط ~~منه: رب ردني إلى الدنيا، وصيغة الجمع للتعظيم { لعلي أعمل ~~صالحا فيما تركت } أي لكي أعمل صالحا فيما ضيعت من عمري { ~~كلا إنها كلمة هو قآئلها } { كلا } كلمة ردع وزجر ~~أي لا رجوع إلى الدنيا فليرتدع عن ذلك فإن طلبه للرجعة كلام لا فائدة ~~فيه ولا جدوى منه وهو ذاهب أدراج الرياح { ومن ورآئهم برزخ ~~إلى يوم يبعثون } أي وأمامهم حاجز يمنعهم عن الرجوع إلى ~~الدنيا - هو عالم البرزخ - الذي يحول بينهم وبين الرجعة يلبثون فيه إلى ~~يوم القيامة قال مجاهد: البرزخ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة { فإذا ~~نفخ في الصور } أي فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية وهي نفخة ~~البعث والنشور { فلا أنساب بينهم يومئذ } أي فلا قرابة ~~ولا نسب ينفعهم يوم القيامة لزوال التراحم والتعاطف من شدة الهول والدهشة ~~بحيث يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه { ولا ~~يتسآءلون } أي لا يسأل بعضهم بعضا عن شأنه لاشتغال كل ms0958 واحد بنفسه، ~~ولا تنافي بينها وبين قوله # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الطور: 25] لأن يوم القيامة طويل وفيه مواقف ومواطن، ففي بعضها يتكلمون ~~وفي بعضها لا ينطقون { فمن ثقلت موازينه } أي فمن رجحت حسناته ~~على سيئاته ولو بواحدة { فأولئك هم المفلحون } أي فهم ~~السعداء الذين فازوا فنجوا من النار وأدخلوا الجنة { ومن خفت ~~موازينه } أي زادت سيئاته على حسناته { فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم } أي فهم الأشقياء الذين خسروا سعادتهم الأبدية ~~بتضييع أنفسهم وتدنيسها بالكفر والمعاصي { في جهنم خالدون } أي ~~هم مقيمون في جهنم لا يخرجون منها أبدا { تلفح وجوههم النار ~~} أي تحرقها بشدة حرها، وتخصيص الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء { ~~وهم فيها كالحون } أي وهم في جهنم عابسون مشوهو المنظر قال ~~ابن مسعود: قد بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم كالرأس المشيط بالنار، ~~وفي الحديث # " تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته ~~السفلى حتى تبلغ سرته " # { ألم تكن آياتي تتلى عليكم } أي يقال لهم تعنيفا ~~وتوبيخا: ألم تكن آيات القرآن الساطع تقرأ عليكم في الدنيا؟ { ~~فكنتم بها تكذبون } أي فكنتم لا تصدقون بها مع وضوحها { ~~قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا } أي غلبت علينا ~~شقاوتنا { وكنا قوما ضآلين } أي وكنا ضالين عن الهدى بسبب ~~اتباعنا للملذات والأهواء { ربنآ أخرجنا منها } أي أخرجنا ~~من النار وردنا إلى الدنيا { فإن عدنا فإنا ظالمون } أي ~~فإن رجعنا إلى الكفر والمعاصي بعد ذلك نكون قد تجاوزنا الحد في الظلم ~~العدوان. أقروا أولا بالإجرام ثم تدرجوا من الإقرار إلى الرغبة ~~والتضرع فجاء الجواب بالتيئيس والزجر { قال اخسئوا فيها ولا ~~تكلمون } أي ذلوا في النار وانزجروا كما تزجر الكلاب ولا تكلموني ~~في رفع العذاب قال في التسهيل: اخسئوا: كلمة تستعمل في زجر الكلاب ففيها ~~إهانة وإبعاد { إنه كان فريق من عبادي يقولون ~~ربنآ آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الراحمين } قال مجاهد: هم بلال، وخباب، وصهيب وغيرهم من ضعفاء ~~المسلمين كان أبو جهل وأصحابه يهزءون بهم { فاتخذتموهم ~~سخريا } أي فسخرتم منهم واستهزأتم بهم { حتى أنسوكم ms0959 ~~ذكري } أي حتى نسيتم بتشاغلكم بهم واستهزائكم عليهم عن طاعتي وعبادتي ~~{ وكنتم منهم تضحكون } أي وكنتم تتضحكون عليهم في الدنيا ~~{ إني جزيتهم اليوم بما صبروا } أي جزيتهم بسبب ~~صبرهم على أذاكم أحسن الجزاء { أنهم هم الفآئزون } أي أنهم ~~هم الفائزون بالنعيم المقيم { قال كم لبثتم في الأرض عدد ~~سنين } أي قال تعالى للكفار على سبيل التبكيت والتوبيخ: كم مكثتم في ~~الدنيا وعمرتم فيها من السنين؟ { قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم } أي مكثنا يوما أو أقل من يوم { فسئل العآدين } ~~أي الحاسبين المتمكنين من العد قال ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من ~~العذاب المدة التي لبثوها { قال إن لبثتم إلا قليلا } أي ~~ما أقمتم حقا في الدنيا إلا قليلا قال الرازي: كأنه قيل لهم: صدقتم ما ~~لبثتم فيها إلا قليلا فقد انقضت ومضت، والغرض تعريفهم قلة أيام الدنيا ~~في مقابلة أيام الآخرة { لو أنكم كنتم تعلمون } أي لو ~~كان لكم علم وفهم لعرفتم حقارة الدنيا ومتاعها الزائل { أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا } أي أظننتم - أيها الناس - أنما خلقناكم ~~باطلا وهملا بلا ثواب ولا عقاب كما خلقت البهائم { وأنكم ~~إلينا لا ترجعون } أي وأنه لا رجوع لكم إلينا للجزاء؟ لا ليس ~~الأمر كما تظنون وإنما خلقناكم للتكليف والعبادة ثم الرجوع إلى دار ~~الجزاء { فتعالى الله } أي فتنزه وتقدس الله الكبير الجليل { ~~الملك الحق } أي صاحب السلطان، المتصرف في ملكه بالإيجاد ~~والإعدام، والإحياء والإفناء، تنزه عن العبث والنقائض وعن أن يخلق ~~شيئا سفها لأنه حكيم { لا إله إلا هو } أي لا رب سواه ولا ~~خالق غيره { رب العرش الكريم } أي خالق العرش العظيم وصفه ~~بالكريم لأن الرحمة والخير والبركة تنزل منه، ولنسبته إلى أكرم الأكرمين ~~{ ومن يدع مع الله إلها آخر } أي ومن يجعل لله شريكا ~~ويعبد معه سواه { لا برهان له به } أي لا حجة له به ولا دليل { ~~فإنما حسابه عند ربه } أي جزاؤه وعقابه عند الله { ~~إنه لا يفلح الكافرون } أي لا يفوز ولا ينجح من جحد وكذب ~~بالله ms0960 ورسله، افتتح السورة بقوله { قد أفلح المؤمنون } ~~وختمها بقوله { إنه لا يفلح الكافرون } ليظهر التفاوت بين ~~الفريقين فشتان ما بين البدء والختام. # { وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين } أمر ~~رسوله بالاستغفار والاسترحام تعليما للأمة طريق الثناء والدعاء، اللهم ~~اغفر لنا وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، يا أرحم الراحمين، اللهم ~~آمين. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الامتنان { وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة }. # 2- التفنن { السمع والأبصار } أفرد السمع وجمع الأبصار تفننا. # 3- التنكير للتقليل { قليلا ما تشكرون } و { ما } تأكيد ~~للقلة المستفادة من التنكير والمعنى شكرا قليلا وهو كناية عن عدم ~~الشكر. # 4- الاستفهام الذي غرضه الإنكار والتوبيخ { أفلا تعقلون }؟ { ~~أفلا تذكرون }؟ { أفلا تتقون }؟ # 5- الطباق بين { يحيي ويميت }. # 6- حذف جواب الشرط ثقة بدلالة اللفظ عليه { إن كنتم تعلمون } ~~أي إن كنتم تعلمون ذلك فأخبروني عنه. # 7- طباق السلب { وهو يجير ولا يجار }. # 8- تأكيد الكلام بذكر حرف الجر الزائد { ما اتخذ الله من ~~ولد } أي ما اتخذ ولدا وكذلك { وما كان معه من إله } ~~ذكر { من } في الجملتين تأكيدا وتثبيتا للنفي. # 9- الطباق في { عالم الغيب والشهادة }. # 10- التأكيد بإن واللام { وإنا على أن نريك ما ~~نعدهم لقادرون } لإنكار المخاطبين لذلك. # 11- الطباق المعنوي { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } ~~لأنه المعنى ادفع بالحسنة السيئة فهو طباق بالمعنى لا باللفظ. # 12- واو الجمع للتعظيم { رب ارجعون } ولم يقل ارجعني تعظيما لله ~~جل وعلا. # 13- المجاز المرسل { إنها كلمة هو قآئلها } أطلق الكلمة ~~على الجملة وهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل. # 14- المقابلة اللطيفة بين { فمن ثقلت موازينه } وبين { ~~ومن خفت موازينه.. } الآيتان. # 15- القصر { أنهم هم الفآئزون }. # 16- جناس الاشتقاق { اغفر وارحم وأنت خير الراحمين }. # 17- السجع الموزون الخالي من التكلف وهو كثير مشهور. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1-20] # اللغة: { سورة } السورة في اللغة: المنزلة السامية والمكانة الرفيعة ~~قال النابغة: # ألم تر أن الله أعطاك سورة # ترى كل ملك دونها يتذبذب # وسميت المجموعة من الآيات لها بدء ونهاية سورة لشرفها وارتفاعها كما ~~يسمى السور للمرتفع من الجدار ms0961 { الزاني } الزنى: الوطء المحرم ويسمى ~~الفاحشة لتناهي قبحه وهو مقصور وقد يمد على لغة أهل نجد فيقال الزناء قال ~~الفرزدق: # أبا طاهر من يزن يعرف زناؤه # ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا # { رأفة } شفقة وعطف مأخوذ من رؤف إذا رق ورحم { المحصنات } ~~العفيفات وأصل الإحصان المنع سميت العفيفة محصنة لأنها منعت نفسها عن ~~القبيح، ومنه الحصن لأنه يمنع من الأعداء { يدرؤا } يدفع والدرء: ~~الدفع { تشيع } شاع الأمر شيوعا إذا فشا وظهر وانتشر { عصبة } ~~العصبة: الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض. # سبب النزول: أ - روي أن امرأة تدعى " ام مهزول " كانت من البغايا ~~فكانت تسافح الرجل وتشرط أن تنفق عليه، فأراد رجل من المسلمين أن ~~يتزوجها فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله { ~~الزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك } الآية. # ب - عن ابن عباس أن " هلال بن أمية " قذف امرأته عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم ب " شريك بن سحماء " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " البينة أو حد في ظهرك " # فقال يا رسول الله: إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ ~~والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزلت { ~~والذين يرمون أزواجهم.. } الآية. # التفسير: { سورة أنزلناها } أي هذه سورة عظيمة الشأن من جوامع ~~سور القرآن أوحينا بها إليك يا محمد { وفرضناها } أي أوجبنا ما ~~فيها من الأحكام إيجابا قطعيا { وأنزلنا فيهآ آيات بينات ~~} أي أنزلنا فيها آيات تشريعية، واضحات الدلالة على أحكامها، لتكون لكم ~~- أيها المؤمنون - قبسا ونبراسا، وتكرير لفظ الإنزال لإبراز كمال ~~العناية بشأنها فكأنه يقول: ما أنزلتها عليكم لمجرد التلاوة وإنما ~~أنزلتها للعمل والتطبيق { لعلكم تذكرون } أي لكي تعتبروا ~~وتتعظوا بهذه الأحكام وتعملوا بموجبها، ثم شرع تعالى بذكر الأحكام وبدأ ~~بحد الزنى فقال { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مئة جلدة } أي فيما شرعت لكم وفرضت عليكم أن تجلدوا كل ~~واحد من الزانيين - غير المحصنين - مائة ضربة بالسوط عقوبة لهما على هذه ~~الجريمة الشنيعة { ولا تأخذكم بهما رأفة في ms0962 دين ~~الله } أي لا تأخذكم بهما رقة ورحمة في حكم الله تعالى فتخففوا الضرب ~~أو تنقصوا العدد بل أوجعوهما ضربا قال مجاهد: لا تعطلوا حدود الله ولا ~~تتركوا إقامتها شفقة ورحمة { إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر } هذا من باب الإلهاب والتهييج أي إن كنتم مؤمنين ~~حقا تصدقون بالله وباليوم الآخر، فلا تعطلوا الحدود ولا تأخذكم شفقة ~~بالزناة، فإن جريمة الزنى أكبر من أن تستدر العطف أو تدفع إلى الرحمة { ~~وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين } أي وليحضر ~~عقوبة الزانيين جماعة من المؤمنين، ليكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ~~ردعهما، فإن الفضيحة قد تنكل أكثر مما ينكل التعذيب { الزاني لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة } أي الزاني لا يليق به أن ~~يتزوج العفيفة الشريفة، إنما ينكح مثله أو أخس منه كالبغي الفاجر، أو ~~المشركة الوثنية { والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو ~~مشرك } أي والزانية لا يليق أن يتزوج بها المؤمن العفيف، إنما ~~يتزوجها من هو مثلها أو أخس منها، كالزاني الخبيث أو المشرك الكافر، ~~فإن النفوس الطاهرة تأبى الزواج بالفواجر الفاسقات، قال الإمام الفخر: " ~~من أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية: أن الفاسق الخبيث - الذي من شأنه ~~الزنى والفسق - لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في ~~فاسقة خبيثة مثله أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة لا يرغب في نكاحها ~~الصلحاء من الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من ~~الفسقة والمشركين، وهذا على الأعم الأغلب كما يقال: لا يفعل الخير إلا ~~الرجل التقي، وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي فكذا هنا " { وحرم ~~ذلك على المؤمنين } أي وحرم الزنى على المؤمنين لشناعته ~~وقبحه، أو حرم نكاح الزواني على المؤمنين لما فيه من الأضرار الجسيمة. # . ثم شرع تعالى في بيان حد القذف فقال { والذين يرمون ~~المحصنات } أي يقذفون بالزنى العفيفات الشريفات { ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهدآء } أي ثم لم يأتوا على دعواهم بأربعة ~~شهود عدول يشهدون عليهم بما نسبوا إليهن من الفاحشة { فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة } أي ms0963 اضربوا كل واحد من الرامين ثمانين ضربة ~~بالسوط ونحوه، لأنهم كذبة يتهمون البريئات، ويخوضون في أعراض الناس { ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } أي وزيدوا لهم في العقوبة ~~بإهدار كرامتهم الإنسانية فلا تقبلوا شهادة أي واحد منهم ما دام مصرا ~~على كذبه وبهتانه { وأولئك هم الفاسقون } أي هم الخارجون ~~عن طاعة الله عز وجل لإتيانهم بالذنب الكبير، والجرم الشنيع قال ابن ~~كثير: أوجب تعالى على القاذف إذا لم يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة ~~أحكام: أحدها أن يجلد ثمانين جلدة الثاني: أن ترد شهادته أبدا الثالث: ~~أن يكون فاسقا ليس بعدل لا عند الله ولا عند الناس { إلا الذين ~~تابوا من بعد ذلك } أي إلا الذين تابوا وأنابوا وندموا على ما ~~فعلوا من بعد ما اقترفوا ذلك الذنب العظيم { وأصلحوا } أي أصلحوا ~~أعمالهم فلم يعودوا إلى قذف المحصنات قال ابن عباس: أي أظهروا التوبة { ~~فإن الله غفور رحيم } أي فاعفوا عنهم واصفحوا وردوا ~~إليهم اعتبارهم بقبول شهادتهم، فإن الله غفور رحيم يقبل توبة عبده إذا ~~تاب وأناب وأصلح سيرته وحاله. # . ثم ذكر تعالى حكم من قذف زوجته وهو المعروف باللعان فقال { ~~والذين يرمون أزواجهم } أي يقذفون زوجاتهم بالزنى { ~~ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم } أي وليس لهم شهود ~~يشهدون بما رموهن به من الزنى سوى شهادة أنفسهم { فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله } أي فشهادة أحدهم التي تزيل ~~عنه حد القذف أربع شهادات بالله تقوم مقام الشهداء الأربعة { إنه ~~لمن الصادقين } أي إنه صادق فيما رمى به زوجته من الزنى { ~~والخامسة أن لعنة الله عليه } أي وعليه أيضا أن ~~يحلف في المرة الخامسة بأن لعنة الله عليه { إن كان من ~~الكاذبين } أي إن كان كاذبا في قذفه لها بالزنى { ويدرؤا ~~عنها العذاب } أي ويدفع عن الزوجة المقذوفة حد الزنى الذي ثبت ~~بشهادة الزوج { أن تشهد أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الكاذبين } أي أن تحلف أربع مرات إنه لمن الكاذبين فيما ~~رماها به من الزنى { والخامسة أن غضب الله عليهآ إن ~~كان ms0964 من الصادقين } أي وتحلف في المرة الخامسة بأن غضب الله ~~وسخطه عليها إن كان زوجها صادقا في اتهامه لها بالزنى { ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته } أي ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته بكم بالستر في ذلك، وجواب { لولا } محذوف لتهويل الأمر ~~تقديره: لهلكتم أو لفضحكم أو عاجلكم بالعقوبة، ورب مسكوت عنه أبلغ من ~~المنطوق { وأن الله تواب حكيم } أي وأنه تعالى مبالغ في ~~قبول التوبة، حكيم في ما شرع من الأحكام ومن جملتها حكم اللعان قال أبو ~~السعود: وجواب لولا محذوف لتهويله كأنه قيل: ولولا تفضله تعالى عليكم ~~ورحمته بكم لكان ما كان مما لا يحيط به نطاق البيان ومن جملته أنه تعالى ~~لو لم يشرع لهم ذلك لوجب على الزوج حد القذف مع أن الظاهر صدقه ~~لاشتراكه في الفضيحة، ولو جعل شهاداته موجبة لحد الزنى عليها لفات النظر ~~لها، ولو جعل شهادتها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له، فسبحانه ما ~~أعظم شأنه، وأوسع رحمته، وأدق حكمته.. ثم بين تعالى " قصة الإفك " ~~التي اتهمت فيها العفيفة البريئة الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله ~~عنها بالكذب والبهتان فقال { إن الذين جآءوا بالإفك } أي ~~جاءوا بأسوء الكذب وأشنع صور البهتان وهو قذف عائشة بالفاحشة قال الإمام ~~الفخر: الإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وقد أجمع المسلمون على ~~أن المراد ما أفك به على عائشة وهي زوجة الرسول المعصوم { عصبة ~~منكم } أي جماعة منكم أيها المؤمنون وعلى رأسهم " ابن سلول " رأس ~~النفاق { لا تحسبوه شرا لكم } أي لا تظنوا هذا القذف ~~والاتهام شرا لكم يا آل أبي بكر { بل هو خير لكم } لما فيه ~~من الشرف العظيم بنزول الوحي ببراءة أم المؤمنين، وهذا غاية الشرف والفضل ~~قال المفسرون: والخير في ذلك من خمسة أوجه: تبرئة أم المؤمنين، وكرامة ~~الله لها بإنزال الوحي في شأنها، والأجر الجزيل لها في الفرية عليها، ~~وموعظة المؤمنين، والانتقام من المفترين { لكل امرىء منهم ~~ما اكتسب من الإثم } أي لكل فرد من العصبة الكاذبة جزاء ما ~~اجترح من ms0965 الذنب على قدر خوضه فيه { والذي تولى كبره ~~منهم } أي والذي تولى معظمه وأشاع هذا البهتان وهو " ابن سلول " رأس ~~النفاق { له عذاب عظيم } أي له في الآخرة عذاب شديد في نار جهنم ~~{ لولا إذ سمعتموه } أي هلا حين سمعتم يا معشر المؤمنين ~~هذا الافتراء وقذف الصديقة عائشة { ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا } أي هلا طنوا الخير ولم ~~يسرعوا إلى التهمة فيمن عرفوا فيها النزاهة والطهارة؟ فإن مقتضى الإيمان ~~ألا يصدق مؤمن على أخيه قوله عائب ولا طاعن قال ابن كثير: هذا تأديب ~~من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام ~~السوء، وهلا قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم فإن كان لا يليق بهم فأم ~~المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى، روي أن امرأة " أبي ~~أيوب " قالت له: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة! قال: نعم وذلك الكذب، ~~أكنت فاعلة ذكل يا أم أيوب؟ قالت: لا والله قال فعائشة والله خير منك، { ~~وقالوا هذآ إفك مبين } أي قالوا في ذلك الحين هذا كذب ~~ظاهر مبين { لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء } أي هلا ~~جاء أولئك المفترون بأربعة شهود يشهدون على ما قالوا { فإذ لم ~~يأتوا بالشهدآء } أي فإن عجزوا ولم يأتوا على دعواهم بالشهود { ~~فأولئك عند الله هم الكاذبون } أي فأولئك هم ~~المفسدون الكاذبون في حكم الله وشرعه، وفيه توبيخ وتعنيف للذين سمعوا ~~الإفك ولم ينكروه أول وهلة { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته في الدنيا والآخرة } أي لولا فضله تعالى عليكم - ~~أيها الخائضون في شأن عائشة - ورحمته بكم في الدنيا والآخرة حيث أمهلكم ~~ولم يعاجلكم بالعقوبة { لمسكم في مآ أفضتم فيه } أي ~~لأصابكم ونالكم بسبب ما خضتم فيه من حديث الإفك { عذاب عظيم } أي ~~عذاب شديد هائل يستحقر دونه الجلد والتعنيف قال القرطبي: هذا عتاب من ~~الله بليغ لمن خاضوا في الإفك، ولكنه برحمته ستر عليكم في الدنيا، ~~ويرحم في الآخرة من أتاه تائبا { إذ تلقونه بألسنتكم } ~~أي وذلك حين تتلقونه ويأخذه بعضكم من بعض ms0966 بالسؤال عنه قال مجاهد: أي ~~يرويه بعضكم عن بعض، يقول هذا سمعته من فلان، وقال فلان كذا { ~~وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم } أي ~~تقولون ما ليس له حقيقة في الواقع، وإنما هو محض كذب وبهتان { ~~وتحسبونه هينا } أي وتظنونه ذنبا صغيرا لا يلحقكم فيه إثم { ~~وهو عند الله عظيم } أي والحال أنه عند الله من أعظم الموبقات ~~والجرائم لأنه وقوع في أعراض المسلمين قال في التسهيل: عاتبهم تعالى على ~~ثلاثة أشياء: الأول: تلقيه بالألسنة اي السؤال عنه والثاني: التكلم به ~~والثالث: استصغاره حيث حسبوه هينا وهو عند الله عظيم، وفائدة قوله ~~بألسنتكم وبأفواهكم الإشارة إلى أن ذلك الحديث كان باللسان دون القلب ~~لأنهم لم يعلموا حقيقته بقلوبهم { ولولا إذ سمعتموه قلتم ~~ما يكون لنآ أن نتكلم بهذا } عتاب لجميع المؤمنين ~~أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه أول ما سماعكم له وتقولوا لا ينبغي لنا أن ~~نتفوه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد { سبحانك هذا بهتان ~~عظيم } أي سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة رسول الله الطاهرة ~~البريئة فإن هذا الافتراء كذب واضح، عظيم الجرم قال الزمخشري: هو بمعنى ~~التعجب من عظيم الأمر والاستبعاد له، والأصل في ذلك أن يسبح الله عند ~~رؤية العجائب { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا } ~~أي يذكركم الله ويعظكم بالمواعظ الشافية لكي لا تعودوا إلى مثل هذا العمل ~~أبدا { إن كنتم مؤمنين } أي إن كنتم حقا مؤمنين فإن الإيمان ~~وازع عن مثل هذا البهتان، وفيه حث لهم على الاتعاظ وتهييج { ويبين ~~الله لكم الآيات } أي ويوضح لكم الآيات الدالة على الشرائع ~~ومحاسن الآداب، لتتعظوا وتتأدبوا بها { والله عليم حكيم } أي ~~عالم بما يصلح العباد، حكيم في تدبيره وتشريعه { إن الذين ~~يحبون أن تشيع الفاحشة } أي يريدون أن ينتشر الفعل القبيح ~~المفرط في القبح كإشاعة الرذيلة والزنى وغير ذلك من المنكرات { في ~~الذين آمنوا } أي في المؤمنين الأطهار { لهم عذاب أليم ~~في الدنيا والآخرة } أي لهم عذاب موجع مؤلم في الدنيا فإقامة ~~الحد، وفي ms0967 الآخرة بعذاب جهنم قال الحسن: عنى بهذا الوعيد واللعن ~~المنافقين فإنهم أحبوا وقصدوا إذاية الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك كفر ~~وملعون صاحبه { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } أي هو ~~تعالى عالم بالخفايا والنوايا وأنتم لا تعلمون ذلك قال الإمام الفخر: ~~وهذه الجملة فيها حسن الموقع بهذا الموضع، لأن محبة القلب كامنة ونحن ~~لا نعلمها إلا بالأمارات أما الله سبحانه فهو لا يخفى عليه شيء، فصار ~~هذا الذكر نهاية في الزجر لأن من أحب إشاعة الفاحشة وإن بالغ في ~~إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن الله تعالى يعلم ذلك منه ويعلم قدر الجزاء ~~عليه { ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن ~~الله رءوف رحيم } جواب { لولا } محذوف لتهويل الأمر أي لولا ~~فضله تعالى على عباده ورحمته بهم لأهلكهم وعذبهم، وكان ما كان مما لا ~~يكاد يتصوره الإنسان لأنه فوق الوصف والبيان. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التنكير للتفخيم { سورة أنزلناها } أي هذه سورة عظيمة الشأن، ~~جليلة القدر أنزلها الله. # 2- الإطناب بتكرير لفظ { أنزلنا } في قوله { وأنزلنا فيهآ ~~آيات بينات } لإبراز كمال العناية بشأنها، وهو من باب ذكر الخاص ~~بعد العام للعناية والاهتمام. # 3- الاستعارة { يرمون المحصنات } أصل الرمي القذف بالحجارة ~~أو بشيء صلب ثم استعير للقذف باللسان لأنه يشبه الأذى الحسي ففيه ~~استعارة لطيفة. # 4- التهييج والإلهاب { إن كنتم تؤمنون بالله } كقولهم إن ~~كنت رجلا فأقدم. # 5- صيغة المبالغة { غفور رحيم } و { تواب حكيم } فإن " ~~فعول، وفعال، وفعيل " من صيغ المبالغة وكلها تفيد بلوغ النهاية في هذه ~~الصفات. # 6- الطباق بين { الصادقين } و { الكاذبين }. # 7- حذف جواب { لولا } للتهويل في { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته } وذلك حتى يذهب الوهم في تقديره كل مذهب فيكون ~~أبلغ في البيان وأبعد في التهويل والزجر. # 8- الطباق { لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم } ~~وكذلك { وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } فقد ~~طابق بين الشر والخير، وبين الهين والعظيم. # 9- الالتفات من الخطاب إلى الغيبة { لولا إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون } والأصل أن يقال ظننتم وإنما ms0968 عدل عنه مبالغة في التوبيخ ~~وإشعارا بأن الإيمان يقتضي ظن الخير بالمؤمنين. # 10- التحضيض { لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء } أي ~~هلا جاءوا وغرضه التوبيخ واللوم. # 11- التعجب { سبحانك هذا بهتان عظيم } ففيه تعجب ممن ~~يقول ذلك والأصل في ذكر هذه الكلمة { سبحانك } أن يسبح الله تعالى ~~عند رؤية العجيب من صنائعه، تنزيها له من أن يخرج مثله عن قدرته ثم كثر ~~حتى استعمل في كل متعجب منه. # فائدة: لماذا بدأ الله في الزنى بالمرأة، وفي السرقة بالرجل؟ والجواب ~~أن الزنى من المرأة أقبح، وجرمه أشنع فبدأ بها، وأما السرقة فالرجل عليها ~~أجرأ وهو عليها أقدر ولذلك بدأ به { والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما }. # تنبيه: في التعبير بالإحصان { والذين يرمون المحصنات } ~~إشارة دقيقة إلى أن قذف العفيف من الرجال أو النساء موجب لحد القذف، ~~وأما إذا كان الشخص معروفا بفجوره أو اشتهر بالاستهتار والمجون فلا حد ~~على قاذفه، لأنه لا كرامة للفاسق الماجن. فتدبر السر الدقيق. # لطيفة: لماذا عدل عن قوله { تواب رحيم } إلى قوله { تواب ~~حكيم } مع أن الرحمة تناسب التوبة؟ والجواب أن الله عز وجل أراد الستر ~~على العباد بتشريع اللعان بين الزوجين، فلو لم يكن اللعان مشروعا لوجب ~~على الزوج حد القذف مع أن الظاهر صدقه، ولو اكتفى بلعانه لوجب على ~~الزوجة حد الزنى، فكان من الحكمة وحسن النظر لهما جميعا أن شرع هذا ~~الحكم، ودرأ عنهما العذاب بتلك الشهادات، فسبحانه ما أوسع رحمته، وأجل ~~حكمته!!. ### || [24.21-34] # المناسبة: لما ذكر تعالى حادثة الإفك، أتبعها بالتحذير من سلوك طريق ~~الشيطان المتربص بالإنسان الذي يدعو إلى السوء والشر والفساد، ثم ذكر ~~تعالى آداب الاستئذان والزيارة لأن أهل الإفك إنما وجدوا السبيل إلى ~~بهتانهم من حيث اتفقت الخلوة فصارت طريقا للتهمة، فأوجب تعالى ألا يدخل ~~إنسان ببيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام، ثم أتبعها بآيات غض البصر. # اللغة: { يأتل } يحلف والألية: اليمين ومنه # يؤلون من نسآئهم # [البقرة: 226] اي يحلفون { المحصنات } العفائف الشريفات الطاهرات ~~جمع محصنة وهي العفيفة { مبرءون } منزهون والبراءة: النزاهة مما ~~نسب للإنسان ms0969 من تهمة { تستأنسوا } تستأذنوا وأصله في اللغة: طلب ~~الأنس بالشيء قال الشاعر: # عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ # عوى وصوت إنسان فكدت أطير # { يغضوا } غض بصره: خفضه ونكسه وأصله إطباق الجفن على الجفن ~~قال جرير: # فغض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت ولا كلابا # { بخمرهن } جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها، وخمروا ~~الآنية أي غطوها { جيوبهن } جمع جيب وهو الصدر { الإربة } ~~الحاجة إلى النساء. # سبب النزول: أ - كان أبو بكر الصديق ينفق على " مسطح بن أثاثة " ~~لمسكنته وقرابته، فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال، حلف أبو ~~بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبدا فأنزل الله { ولا يأتل ~~أولوا الفضل منكم والسعة.. } الآية فقال أبو بكر: والله ~~إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه ~~وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. # ب - عن علي كرم الله وجهه قال: مر رجل على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه، فوسوس ~~لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجابا به، فبينما الرجل ~~يمشي إلى جانب حائط ينظر إليها إذ استقبله الحائط " أي صدمه الحائط " ~~فشق أنفه فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأعلمه أمري، فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: هذا عقوبة ذنبك فأنزل الله { قل للمؤمنين يغضوا ~~من أبصارهم.. } الآيات. # التفسير: { يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات ~~الشيطان } أي يا من صدقتم بالله ورسوله لا تتبعوا آثار الشيطان ~~ولا تسلكوا مسالكه بإشاعة الفاحشة، والإصغاء إلى الإفك والقول به { ~~ومن يتبع خطوات الشيطان } أي ومن يتبع سيرة الشيطان ~~وطريقته { فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر } أي فإن ~~الشيطان يضل الإنسان ويغويه لأنه يأمر بالفحشاء وهي ما أفرط قبحه ، ~~والمنكر وهو ما ينكره الشرع وتنفر منه العقول السليمة { ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته } أي لولا فضل الله عليكم أيها المؤمنون ~~بالتوفيق ms0970 للتوبة الماحية للذنوب، وبشرع الحدود المكفرة للخطايا { ما ~~زكى منكم من أحد أبدا } أي ما تطهر أحد منكم من الأوزار ~~أبد الدهر { ولكن الله يزكي من يشآء } أي ولكن الله ~~بفضله ورحمته يطهر من يشاء بتوفيقه للتوبة النصوح وقبولها منه قال ~~القرطبي: والغرض أن تزكيته لكم، وتطهيره وهدايته إنما هي بفضله لا ~~بأعمالكم { والله سميع عليم } أي سميع لأقوالكم عليم بنياتكم ~~وضمائركم { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة } أي ~~لا يحلف أهل الفضل في الدين وأصحاب الغنى واليسار { أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل ~~الله } أي أن لا يؤتوا أقاربهم من الفقراء والمهاجرين ما كانوا ~~يعطونهم إياه من الإحسان لذنب فعلوه { وليعفوا وليصفحوا ~~} أي وليعفوا عما كان منهم من جرم، وليصفحوا عما بدر منهم من إساءة، ~~وليعودوا إلى ما كانوا عليه من الإنعام والإحسان { ألا تحبون ~~أن يغفر الله لكم } أي ألا تحبون أيها المؤمنون أن يغفر الله ~~لكم على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم؟ روي أن أبا بكر لما ~~سمع الآية قال: بلى أحب أن يغفر الله لي وأعاد النفقة إلى مسطح وكفر عن ~~يمينه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا!! قال المفسرون: والآية دالة على ~~فضل أبي بكر فإن الله تعالى امتدحه بقوله { ولا يأتل أولوا ~~الفضل } وكفى به دليلا على فضل الصديق رضي الله عنه وأرضاه { ~~والله غفور رحيم } أي مبالغ في المغفرة والرحمة مع كمال قدرته ~~على العقاب، ثم توعد تعالى الذين يرمون العفائف الطاهرات فقال { إن ~~الذين يرمون المحصنات الغافلات } أي يقذفون بالزنى ~~العفيفات، السليمات الصدور، النقيات القلوب عن كل سوء وفاحشة { ~~المؤمنات } أي المتصفاب بالإيمان مع طهارة القلب { لعنوا في ~~الدنيا والآخرة } أي طردوا وأبعدوا من رحمة الله في الدنيا ~~والآخرة قال ابن عباس: هذا اللعن فيمن قذف زوجات النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذ ليس له توبة، ومن قذف مؤمنة جعل الله له توبه وقال أبو حمزة: ~~نزلت في مشركي مكة، كانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفوها ms0971 ~~وقالوا خرجت لتفجر { ولهم عذاب عظيم } أي ولهم مع اللعنة عذاب ~~هائل لا يكاد يوصف بسبب ما ارتكبوا من إثم وجريمة { يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يعملون } أي وذلك العذاب الشديد في ذلك اليوم الرهيب - يوم القيامة ~~- حين تشهد على الإنسان جوارحه فتنطق الألسنة والأيدي والأرجل بما اقترف ~~من سيء الأعمال { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } ~~أي يوم القيامة ينالهم حسابهم وجزاؤهم العادل من أحكم الحاكمين { ~~ويعلمون أن الله هو الحق المبين } أي ويعلمون ~~حينئذ أن الله هو العادل الذي لا يظلم أحدا، الظاهر عدله في تشريعه ~~وحكمه. # . ثم ذكر تعالى بالدليل القاطع، والبرهان الساطع براءة عائشة ونزاهتها، ~~فهي زوجة رسول الله الطيب الطاهر وقد جرت سنة الله أن يسوق الجنس إلى ~~جنسه، فلو لم تكن عائشة طيبة لما كانت زوجة لأفضل الخلق صلى الله عليه ~~وسلم وهذا قال { الخبيثات للخبيثين والخبيثون ~~للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون ~~للطيبات } أي الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون ~~من الرجال للخبيثات من النساء، وكذلك الطيبات من النساء للطيبين من ~~الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من النساء، وهذا كالدليل على براءة ~~عائشة لأنها زوجة أشرف رسول وأكرم مخلوق على الله، وما كان الله ليجعلها ~~زوجة لأحب عباده لو لم تكن عفيفة طاهرة شريفة { أولئك ~~مبرءون مما يقولون } أي أولئك الفضلاء منزهون مما تقوله ~~أهل الإفك في حقهم من الكذب والبهتان { لهم مغفرة ورزق ~~كريم } أي لهم على ما نالهم من الأذى مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم في ~~جنات النعيم قال ابن كثير: وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الجنة { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم } لما حذر تعالى من قذف المحصنات وشدد ~~العقاب فيه، وكان طريق هذا الاتهام مخالطة الرجال للنساء، ودخولهم عليهم ~~في أوقات الخلوات أرشد تعالى إلى الآداب الشرعية في دخول البيوت فأمر ~~بالاستئذان قبل الدخول وبالتسليم بعده { حتى تستأنسوا ~~وتسلموا على أهلها } أي لا تدخلوا بيوت الغير حتى تستأذنوا ~~وتسلموا على ms0972 أهل المنزل { ذلكم خير لكم } أي ذلك الاستئذان ~~والتسليم خير لكم من الدخول بغتة { لعلكم تذكرون } أي ~~لتتعظوا وتعملوا بموجب هذه الآداب الرشيدة قال القرطبي: المعنى إن ~~الاستئذان والتسليم خير لكم من الهجوم بغير إذن ومن الدخول على الناس ~~بغتة أو من تحية الجاهلية فقد كان الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته ~~قال: حييتم صباحا، وحييتم مساء ودخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في ~~لحاف، وروي # " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أأستأذن على أمي؟ قال نعم، قال ~~ليس لها خادم غيري، أأستأذن عليه ما كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها ~~عريانه؟ قال لا، قال فاستأذن عليها " # { فإن لم تجدوا فيهآ أحدا } أي فإن لم تجدوا في البيوت ~~أحدا يأذن لكم بالدخول إليها { فلا تدخلوها حتى يؤذن ~~لكم } أي فاصبروا ولا تدخوها حتى يسمح لكم بالدخول، لأن للبيوت حرمة ~~ولا يحل دخولها إلا بإذن أصحابها { وإن قيل لكم ارجعوا ~~فارجعوا } أي وإن لم يؤذن لكم وطلب منكم الرجوع فارجعوا ولا تلحوا ~~{ هو أزكى لكم } أي الرجوع أطهر وأكرم لنفوسكم وهو خير لكم من ~~اللجاج والانتظار على الأبواب { والله بما تعملون عليم } ~~أي هو تعالى عالم بالخفايا والنوايا وبجميع أعمالكم فيجازيكم عليها قال ~~القرطبي: وفيه توعد لأهل التجسس على البيوت، ثم إنه تعالى لما ذكر حكم ~~الدور المسكونة ذكر بعده حكم الدور غير المسكونة فقال { ليس ~~عليكم جناح } أي ليس عليكم إثم وحرج { أن تدخلوا بيوتا ~~غير مسكونة } أي أن تدخلوا بغير استئذان بيوتا لا تختص بسكنى ~~أحد كالرباطات والفنادق والخانات قال مجاهد: هي الفنادق التي في طرق ~~السابلة لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل { فيها ~~متاع لكم } أي فيها منفعة لكم أو حاجة من الحاجات كالاستظلال من ~~الحر، وإيواء الأمتعة والرحال { والله يعلم ما تبدون وما ~~تكتمون } أي يعلم ما تظهرون وما تسرون في نفوسكم فيجازيكم عليه قال ~~ابو السعود: وهذا وعيد لمن يدخل مدخلا لفساد أو اطلاع على عورات، ثم ~~أرشد ms0973 تعالى إلى الآداب الرفيعة من غض البصر، وحفظ الفروج فقال { قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } أي قل يا محمد لأتباعك ~~المؤمنين يكفوا أبصارهم عن النظر إلى الأجنبيات من غير المحارم، فإن ~~النظرة تزرع في القلب الشهوة، ورب شهوة أورثت حزنا طويلا # كم نظرة فتكت في قلب صاحبها # فتك السهام بلا قوس ولا وتر # { ويحفظوا فروجهم } أي يصونوا فروجهم عن الزنى وعن الإبداء ~~والكشف { ذلك أزكى لهم } أي ذلك الغض والحفظ أطهر للقلوب، ~~وأتقى للدين، وأحفظ من الوقوع في الفجور { إن الله خبير بما ~~يصنعون } أي هو تعالى رقيب عليهم، مطلع على أعمالهم، لا تخفى عليه ~~خافية من أحوالهم، فعليهم أن يتقوا الله في السر والعلن قال الإمام ~~الفخر: فإن قيل فلم قدم غض الأبصار على حفظ الفروج؟ قلنا: لأن النظر ~~بريد الزنى، ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يحترس منه ~~{ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن } أي وقل أيضا للمؤمنات يكففن أبصارهن عن النظر إلى ما لا ~~يحل لهن النظر إليه، ويحفظن فروجهن عن الزنى وعن كشف العورات، قال ~~المفسرون: أكد تعالى الأمر للمؤمنات بغض البصر وحفظ الفروج، وزادهن في ~~التكليف على الرجال بالنهي عن إبداء الزينة إلا للمحارم والأقرباء فقال { ~~ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } أي ولا يكشفن ~~زينتهن للأجانب إلا ما ظهر منها بدون قصد ولا نية سيئة قال ابن كثير: أي ~~لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه، كما قال ابن ~~مسعود: الزينة زينتان: فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، ~~وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب، وقيل: المراد به الوجه ~~والكفان فإنهما ليسا بعورة قال البيضاوي: والأظهر أن هذا في الصلاة لا في ~~النظر، فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء ~~منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة { وليضربن بخمرهن ~~على جيوبهن } أي وليلقين الخمار وهو غطاء الرأس على صدورهن لئلا ~~يبدو شيء من النحر والصدر، وفي لفظ الضرب مبالغة في ms0974 الصيانة والتستر، عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما ~~أنزل الله { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } شققن ~~مروطهن فاختمرن بها قال المفسرون: كانت المرأة في الجاهلية - كما هي ~~اليوم في الجاهلية الحديثة - تمر بين الرجال مكشوفة الصدر، بادية النحر، ~~حاسرة الذراعين، وربما أظهرت مفاتن جسمها وذوائب شعرها لتغري الرجال، ~~وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى صدورهن مكشوفة عارية، فأمرت ~~المؤمنات بأن يلقينها من قدامهن حتى يغطينها ويدفعن عنهن شر الأشرار { ~~ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } أي ولا يظهرن ~~زينتهن الخفية التي حرم الله كشفها إلا لأزواجهن { أو آبآئهن أو ~~آبآء بعولتهن } أي أو لآبائهن أو آباء أزواجهن وهو العم أبو ~~الزوج فإنهما من المحارم، فإن الأب يصون عرض ابنته، ووالد الزوج يحفظ على ~~ابنه ما يسوءه، ثم عدد بقية المحارم فقال { أو أبنآئهن أو ~~أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو بني ~~إخوانهن أو بني أخواتهن } فذكر تعالى الأبناء، وأبناء ~~الأزواج، والإخوة، وأبناء الإخوة، وأبناء الأخوات وكلهم من المحارم ~~الذين يحرم الزواج بهم لما جبل الله في الطباع من النفرة من مماسة ~~القريبات ونكاحهن { أو نسآئهن } أي المسلمات وخرج بذلك النساء ~~الكافرات قال مجاهد: المراد نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، ~~وليس يحل للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة وقال ابن عباس: هن ~~المسلمات ولا تبدي زينتها أمام يهودية أو نصرانية { أو ما ملكت ~~أيمانهن } أي من الإماء المشركات قال ابن جرير: يعني من نساء ~~المشركين فيجوز لها أن تظهر زينتها لها وإن كانت مشركة لأنها أمتها { ~~أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال } أي ~~الخدام غير أولي الميل والشهوة والحاجة إلى النساء كالبله والحمقى ~~والمغفلين الذين لا يدركون من أمور الجنس شيئا قال مجاهد: هو الأبله ~~الذي يريد الطعام ولا يريد النساء ولا يهمه إلا بطنه { أو الطفل ~~الذين لم يظهروا على عورات النسآء } أي الأطفال ~~الصغار الذين لم يبلغوا حد الشهوة، ولا يعرفون أمور الجماع لصغرهم فلا ~~حرج أن تظهر المرأة زينتها أمامهم { ولا ms0975 يضربن بأرجلهن ~~ليعلم ما يخفين من زينتهن } أي ولا يضربن بأرجلهن الأرض ~~لئلا يسمع الرجال صوت الخلخال فيطمع الذي في قلبه مرض قال ابن عباس: كانت ~~المرأة تمر بالناس وتضرب برجلها ليسمع صوت خلخالها، فنهى الله تعالى عن ~~ذلك لأنه من عمل الشيطان { وتوبوا إلى الله جميعا أيه ~~المؤمنون لعلكم تفلحون } أي ارجعوا أيها المؤمنون إلى ~~ربكم بامتثال الطاعات، والكف عن الشهوات، لتنالوا رضاه وتفوزوا بسعادة ~~الدارين { وأنكحوا الأيامى منكم } أي زوجوا أيها المؤمنون ~~من لا زوج له من الرجال والنساء من أحرار رجالكم ونسائكم قال الطبري: ~~الأيامي جمع أيم، يوصف به الذكر والأنثى يقال: رجل أيم وامرأة ~~أيمة إذا لم يكن لها زوج { والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم } أي وأنكحوا كذلك أهل التقى والصلاح من عبيدكم وجواريكم ~~قال البيضاوي: وتخصيص الصالحين لأن إحصان دينهم والاهتمام بشأنهم أهم، ~~وفيه إشارة إلى مكانة التقى والصلاح في الإنسان { إن يكونوا ~~فقرآء يغنهم الله من فضله } أي إن يكن هؤلاء الذين ~~تزوجونهم أهل فاقة وفقر فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم، ففي فضل الله ما ~~يغنيهم { والله واسع عليم } أي واسع الفضل، جواد كريم، يعطي ~~الرزق من يشاء وهو عليم بمصالح العباد قال القرطبي: وهذا وعد بالغنى ~~للمتزوجين طلبا لرضى الله، واعتصاما من معاصيه وقال ابن مسعود: التمسوا ~~الغنى في النكاح وتلا هذه الآية وفي الحديث # " ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد ~~الأداء، والغازي في سبيل الله " # { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا } أي وليجتهد في ~~العفة وقمع الشهوة الذين لا تتيسر لهم سبل الزواج لأسباب مادية { حتى ~~يغنيهم الله من فضله } أي حتى يوسع الله عليهم ويسهل لهم ~~أمر الزواج، فإن العبد إذا اتقى الله جعل له من أمره فرجا ومخرجا { ~~والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم } أي ~~والذين يريدون أن يتحرروا من رق العبودية بمكاتبة أسيادهم من العبيد ~~والأرقاء { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } أي ~~فكاتبوهم على قدر من المال إن عرفتم منهم الأمانة والرشد ليصيروا أحرارا ~~{ وآتوهم من مال ms0976 الله الذي آتاكم } أي أعطوهم مما ~~أعطاكم الله من الرزق ليكون لهم عونا على فكاك أنفسهم { ولا ~~تكرهوا فتياتكم على البغآء } أي لا تجبروا إماءكم على ~~الزنى { إن أردن تحصنا } أي إن أردن التعفف عن مقارفة ~~الفاحشة، وليس هذا للقيد أو الشرط وإنما هو لبيان فظاعة الأمر وشناعته، ~~فالأصل في المملوكة أن يحصنها سيدها أما أن يأمرها بالزنى وتمتنع وتريد ~~العفة فذلك منتهى الخسة والدناءة منه قال المفسرون: نزلت في " عبد الله ~~بن سلول " المنافق كان له جاريتان إحداهما تسمى " مسيكة " والثانية ~~تسمى " أميمة " فكان يأمرهما بالزنى للكسب ويضربهما على ذلك فشكتا ذلك ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية { لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا } أي لأجل أن تنالوا حطام هذه الحياة الزائل، ~~وتحصلوا على المال بطريق الفاحشة والرذيلة { ومن يكرههن فإن ~~الله من بعد إكراههن غفور رحيم } أي ومن يجبرهن على ~~الزنى فإن الله غفور لهن رحيم بهن لا يؤاخذهن بالزنى لأنهن أكرهن عليه ~~وسينتقم ممن أكرههن شر انتقام { ولقد أنزلنآ إليكم آيات ~~مبينات } أي والله لقد أنزلنا إليكم أيها المؤمنون آيات واضحات ~~وأحكاما مفصلات { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } ~~وضربنا لكم الأمثال بمن سبقكم من الأمم لتتعظوا وتعتبروا { وموعظة ~~للمتقين } أي وعظة وذكرى للمتقين. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الاستعارة اللطيفة { لا تتبعوا خطوات الشيطان } ~~شبه سلوك طريق الشيطان والسير في ركابه بمن يتتبع خطوات الآخر خطوة ~~خطوة بطريق الاستعارة. # 2- الإيجاز بالحذف { أن يؤتوا } أي أن لا يؤتوا حذفت منه { لا } ~~لدلالة المعنى وهو كثير في اللغة. # 3- صيغة الجمع للتعظيم { ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~} والمراد به أبو بكر الصديق. # 4- الجناس الناقص بين { يعملون } و { يعلمون }. # 5- المقابلة اللطيفة بين { الخبيثات للخبيثين.. ~~والطيبات للطيبين }. # 6- الطباق بين { تبدون.. تكتمون }. # 7- الإيجاز بالحذف { يغضوا من أبصارهم } لأن المراد غض ~~البصر عما حرم الله لا عن كل شيء فحذف ذلك اكتفاء بفهم المخاطبين. # 8- المجاز المرسل { ولا يبدين زينتهن } المراد مواقع الزينة ~~وهو من باب ms0977 إطلاق اسم الحال على المحل قال الزمخشري: وذكر الزينة دون ~~مواقعها للمبالغة في الأمر بالتستر والتصون. # فائدة: قال بعض المحققين: إن يوسف لما رمي بالفاحشة براه الله على ~~لسان صبي في المهد، وإن مريم لما رميت بالفاحشة برأها الله على لسان ~~ابنها عيسى عليه السلام، وإن عائشة لما رميت بالفاحشة برأها الله في ~~كتابه العزيز، فما رضي الله لها ببراءة صبي ولا نبي حتى برأها الله ~~في القرآن من القذف والبهتان. # تنبيه: السر في تقديم غض البصر على حفظ الفروج { يغضوا من ~~أبصارهم ويحفظوا فروجهم } هو أن النظر بريد الزنى ورائد ~~الفجور، وهو مقدمة للوقوع في الخطر كما قال الشاعر: # وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا # لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر # عليه وعلى عن بعضه أنت صابر # لطيفة: ذكر أن قسيسا أراد أن ينال من المسلمين بالطعن في أم ~~المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، فقال: إن الناس رموها بالإفك ولا ~~ندري أهي بريئة أم متهمة؟ فأجابه بضع الحاضرين بقوله: إسمع يا هذا، هناك ~~امرأتان اتهمتا بالزنى وقد برأهما القرآن الكريم، إحداهما ليس لها زوج ~~وقد جاءت بولد، والأخرى لها زوج ولم يأتها ولد - يقصد مريم وعائشة - ~~فأيتهما أحرى بالتهمة؟ فخرس القسيس. ### || [24.35-52] # المناسبة: لما وصف تعالى نفسه بأنه أنزل آيات مبينات، وأقام دلائل ~~واضحات على وحدانيته، واختصاصه بتشريع الأحكام التي بها سعادة المجتمع، ~~عقبه بذكر مثلين: أحدهما في بيان أن دلائل الوحدانية والإيمان في ~~غاية الظهور والثاني: في بيان أن أديان الكفرة في نهاية الظلمة والخفاء، ~~وبالمقارنة بين المثلين يتضح الصبح لذي عينين. # اللغة: { مشكاة } المشكاة: الكوة في الحائط غير النافذة، وأصلها ~~الوعاء يجعل فيه الشيء { دري } متلألئ وقاد يشبه الدر في صفائه ~~ولمعانه { سراب } السراب: ما يتراءى للعين وسط النهار عند اشتداد ~~الحر يشبه الماء الجاري وليس بماء، سمي سرابا لأنه يسرب أي يجري كالماء ~~قال الشاعر: # فلما كففنا الحرب كانت عهودكم # كلمع سراب بالفلا متألق # { قيعة } قال الفراء: هو جمع قاع مثل جار ms0978 وجيرة، والقاع المنبسط ~~المستوي من الأرض وقال الزمخشري: القيعة بمعنى القاع وليس جمعا، وهكذا ~~قال أبو عبيدة { لجي } اللجي: الذي لا يدرك قعره لعمقه، ~~واللجة معظم الماء، والجمع لجج، والتج البحر: تلاطمت أمواجه { ~~يزجي } الإزجاء: سوق الشيء برفق وسهولة { ركاما } مجتمعا يركب ~~بعضه بعضا { الودق }: المطر قال الليث: الودق المطر كله شديده ~~وهينه { سنا }: السنا الضوء واللمعان قال الشماخ: # وما كادت إذا رفعت سناها # ليبصر ضوءها إلا البصير # { مذعنين } خاضعين منقادين، أذعن للأمر خضع له { يحيف } يجور ~~ويظلم. # التفسير: { الله نور السموت والأرض } أي الله جل ~~وعلا منور السماوات والأرض، أنار السماوات بالكواكب المضيئة، والأرض ~~بالشرائع والأحكام وبعثة الرسل الكرام قال الطبري: أي هادي أهل السماوات ~~والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون وقال ~~القرطبي: النور عند العرب: الضوء المدرك بالبصر واستعمل مجازا في ~~المعاني فيقال كلام له نور قال الشاعر: # نسب كأن عليه من شمس الضحى # نورا ومن فلق الصباح عمودا # وقال جرير " وأنت لنا نور وغيث وعصمة " والناس يقولون: فلان نور ~~البلد، وشمس العصر وقمره، فيجوز أن يقال: الله نور على جهة المدح لأن ~~جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وبقدرته استقامت أمورها، وقال ~~ابن عطاء الله: " الكون كله ظلمة أناره ظهور الحق فيه، إذ لولا وجود الله ~~ما وجد شيء من العالم " وفي الحديث # " اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن " # وقال ابن مسعود: " ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض نور ~~وجهه " وقال ابن القيم: سمى الله سبحانه نفسه نورا، وجعل كتابه نورا، ~~ورسوله نورا، واحتجب عن خلقه بالنور، وقد فسرت الآية بأنه منور السماوات ~~والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، وما قاله ابن مسعود أقرب إلى تفسير ~~الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض، وأما من فسرها ~~بأنه منور السماوات والأرض فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود { مثل ~~نوره } أي مثل نور الله سبحانه في قلب عبده المؤمن { كمشكاة ~~فيها مصباح } أي ككوة في ms0979 الحائط لا منفذ لها ليكون أجمع للضوء وضع ~~فيها سراج ثاقب ساطع قال في التسهيل: المعنى صفة نور الله وضوحه كصفة ~~مشكاة فيها مصباح على أعظم ما يتصوره البشر من الإضاءة والإنارة، ~~وإنما شبه بالمشكاة - وإن كان نور الله أعظم - لأن ذلك هو ما يدركه ~~الناس من الأنوار ضرب لهم به المثل { المصباح في زجاجة } أي في ~~قنديل من الزجاج الصافي { الزجاجة كأنها كوكب دري } ~~أي تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها { يوقد من شجرة ~~مباركة } أي يشعل ذلك المصباح من زيت شجرة مباركة { زيتونة } ~~أي هي من شجر الزيتون الذي خصه الله بمنافع عديدة { لا شرقية ~~ولا غربية } أي ليست في جهة الشرق ولا في جهة الغرب، وإنما هي في ~~صحراء منكشفة تصيبها الشمس طول النهار لتكون ثمرتها أنضج، وزيتها أصفى ~~قال ابن عباس: هي شجرة بالصحراء لا يظلها شجر، ولا جبل، ولا كهف، ولا ~~يواريها شيء وهو أجود لزيتها { يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار } مبالغة في وصف صفاء الزيت وحسنه وجودته أي يكاد زيت ~~هذه الزيتونة يضيء من صفائه وحسن ضيائه ولو لم تمسه نار، فكيف إذا مسته ~~النار؟ { نور على نور } أي نور فوق نور فقد اجتمع نور السراج، ~~وحسن الزجاجة، وصفاء الزيت، فاكتمل النور الممثل به { يهدي الله ~~لنوره من يشآء } أي يوفق الله لاتباع نوره - وهو القرآن - من ~~يشاء من عباده { ويضرب الله الأمثال للناس } أي يبين لهم ~~الأمثال تقريبا لأفهامهم ليعتبروا ويتعظوا بما فيها من الأسرار والحكم { ~~والله بكل شيء عليم } أي هو سبحانه واسع العلم لا يخفى ~~عليه شيء من أمر الخلق، وفيه وعد ووعيد قال الطبري: ذلك مثل ضربه الله ~~للقرآن في قلب أهل الإيمان به فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده ~~سبيل الرشاد مثل كوة في الحائط لا منفذ لها فيها مصباح أي سراج، وجعل ~~السراج مثلا لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات البينات ثم قال { ~~المصباح في زجاجة } وذلك مثل للقرآن في قلب المؤمن الذي ms0980 أنار ~~الله صدره فخلص من الكفر والشك، ثم قال { الزجاجة كأنها ~~كوكب دري } أي كأن الزجاجة في صفائها وضيائها كوكب يشبه الدر في ~~الصفاء والضياء والحسن { يوقد من شجرة مباركة زيتونة ~~لا شرقية ولا غربية } أي توقد هذا المصباح من دهن ~~شجرة مباركة هي شجرة الزيتون، ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالعشي دون ~~الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب فيكون زيتها أجود وأصفى وأضوأ { ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } أي يكاد زيت ~~هذه الزيتونة يضيء من صفائه وحسن ضيائه وعنى بها أن حجج الله على خلقه ~~تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر ولو لم يزدها الله بيانا ~~ووضوحا بنزول هذا القرآن، فكيف وقد نبههم به وذكرهم بآياته فزادهم به ~~حجة! وذلك بيان من الله ونور على البيان. # ثم لما ذكر تعالى هدايته لمن يشاء من عباده، ذكر مواطن هذه العبادة وهي ~~المساجد أحب البقاع إلى الله فقال { في بيوت أذن الله أن ~~ترفع } أي أمر تعالى أن تبنى وتشاد على اسمه خاصة، وأن تعظم ويرفع ~~شأنها لتكون منارات للهدى ومراكز للإشعاع الروحي قال ابن عباس: المساجد ~~بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض { ~~ويذكر فيها اسمه } أي بعبد فيها الله بتوحيده، وذكره، وتلاوة ~~آياته { يسبح له فيها بالغدو والآصال } أي يصلي لله ~~تعالى في هذه المساجد في الصباح والمساء والمؤمنون قال ابن عباس: كل ~~تسبيح في القرآن فهو صلاة { رجال لا تلهيهم تجارة ولا ~~بيع عن ذكر الله } أي لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها عن ذكر ~~ربهم، ولا يلهيهم البيع والشراء عن طاعة الله قال المفسرون: نزلت هذه ~~الآية في أهل الأسواق من الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا إذا سمعوا ~~النداء تركوا كل شغل وبادروا لطاعة الله { وإقام الصلاة ~~وإيتآء الزكاة } أي ولا تشغلهم الدنيا عن إقامة الصلاة في ~~أوقاتها، ودفع الزكاة للفقراء والمستحقين بحدودها وشروطها { يخافون ~~يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار } أي يخافون يوما ~~رهيبا تضطرب من شدة هوله ms0981 وفزعه قلوب الناس وأبصارهم { ليجزيهم ~~الله أحسن ما عملوا } أي ليكافئهم على أعمالهم في الدنيا ~~بأحسن الجزاء، ويجزيهم على الإحسان إحسانا، وعلى الإساءة عفوا ~~وغفرانا { ويزيدهم من فضله } أي يتفضل عليهم فوق ذلك الجزاء ~~بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر { والله ~~يرزق من يشآء بغير حساب } أي يعطي من شاء من خلقه عطاء ~~واسعا بدون حد ولا عد يقال فلان ينفق بغير حساب أي يوسع كأنه لا ~~يحسب ما ينفقه قال الإمام الفخر: نبه به على كمال قدرته، وكمال جوده، ~~وسعة إحسانه، فإنه سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم، ويزيدهم ~~الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم، ولما ذكر تعالى حال المؤمن ~~وسعادته، ذكر حال الكافر وخسارته، وضرب لذلك مثلين: الأول لعمله والثاني ~~لاعتقاده وتخبطه في الظلمات فقال { والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة } أي إن أعمال الكفار التي عملوها في الدنيا وظنوها ~~أعمالا صالحة نافعة لهم في الآخرة كالسراب الذي يرى في القيعان وهو ما ~~يرى في الفلوات من ضوء الشمس في الهجيرة حتى يظهر كأنه ماء يجري على وجه ~~الأرض { يحسبه الظمآن مآء } أي يظنه العطشان من بعيد ماء ~~جاريا { حتى إذا جآءه } أي حتى إذا وصل إليه { لم يجده ~~شيئا } أي لم ير ماء ولا شرابا، وإنما رآى سرابا فعظمت حسرته { ~~ووجد الله عنده فوفاه حسابه } أي وجد الله له ~~بالمرصاد فوفاه جزاء عمله، فكذلك الكافر يحسب أن عمله ينفعه حتى إذا مات ~~وقدم على ربه لم يجد شيئا من الأعمال لأنها ذهبت هباء منثورا { ~~والله سريع الحساب } أي يعجل الحساب لأنه لا يشغله محاسبة ~~واحد عن آخر { أو كظلمات في بحر لجي } هذا المثل الثاني ~~لضلال الكفار والمعنى أو مثلهم كظلمات متكاثفة في بحر عميق لا يدرك ~~قعره { يغشاه موج من فوقه موج } أي يغطي ذلك البحر ~~ويعلوه موج متلاطم بعضه فوق بعض { من فوقه سحاب } أي من فوق ~~ذلك الموج الثاني سحاب كثيف { ظلمات بعضها فوق بعض } أي هي ms0982 ~~ظلمات متكاثفة متراكمة بعضها فوق بعض قال قتادة: الكافر يتقلب في خمس من ~~الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى ~~الظلمات يوم القيامة إلى النار { إذآ أخرج يده لم يكد ~~يراها } هذا من تتمة التمثيل أي إذا أخرج ذلك الإنسان الواقع في هذه ~~الظلمات يده لم يقارب رؤيتها فإن ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب ~~قد تكاثفت حتى حجبت عنه رؤية أقرب شيء إليه من شدة الظلمة فكذلك شأن ~~الكافر يتخبط في ظلمات الكفر والضلال { ومن لم يجعل الله ~~له نورا فما له من نور } أي ومن لم يهده الله للإيمان وينور ~~قلبه بنور الإسلام لم يهتد أبد الدهر، ذكر تعالى لعمل الكافر مثالين: ~~الأول لعمله الصالح ومثل له بالسراب الخادع، والثاني لاعتقاده السيء ~~ومثل له بالظلمات المتراكم بعضها فوق بعض ثم ختم الآية الكريمة ذلك ~~الختام الرائع { ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور } مقابل قوله في المؤمن { نور على نور } فكان هذا ~~التمثيل والبيان في غاية الحسن والجمال، فلله ما أروع تعبير القرآن!! ~~ولما وصف سبحانه أنوار قلوب وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل ~~التوحيد فقال { ألم تر أن الله يسبح له من في ~~السموت والأرض } أي ألم تعلم يا محمد علما يقينا أن الله ~~العظيم الكبير يسبح له كل من في الكون من ملك، وإنس، وجن، ينزهه ويقدسه ~~ساكنوها؟ { والطير صآفات } أي والطير باسطات أجنحتهن حال ~~الطيران تسبح ربها وتعبده كذلك بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه تعالى { كل ~~قد علم صلاته وتسبيحه } أي كل من الملائكة والإنس ~~والجن والطير قد أرشد وهدي إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله، وما كلف به ~~من الصلاة والتسبيح { والله عليم بما يفعلون } أي لا تخفى ~~عليه طاعتهم ولا تسبيحهم { ولله ملك السموت والأرض } ~~أي هو المالك والمتصرف في الكون، وجميع المخلوقات تحت ملكه يتصرف فيهم ~~تصرف القاهر الغالب { وإلى الله المصير } أي وإليه مرجع ~~الخلائق فيجازيهم على أعمالهم وهو تذكير يتضمن الوعيد، ثم أشار تعالى ms0983 إلى ~~ظاهرة كونية تدل على قدرته ووحدانيته فقال { ألم تر أن الله ~~يزجي سحابا } أي يسوق بقدرته السحاب إلى حيث يشاء { ثم ~~يؤلف بينه } أي يجمعه بعد تفرقه { ثم يجعله ركاما } ~~أي يجعله كثيفا متراكما بعضه فوق بعض { فترى الودق يخرج ~~من خلاله } أي فترى المطر يخرج من بين السحاب الكثيف { وينزل ~~من السمآء من جبال فيها من برد } أي وينزل من السحاب ~~الذي هو كأمثال الجبال بردا { فيصيب به من يشآء } أي فيصيب ~~بذلك البرد من شاء من العباد فيضره في زرعه وثمرته وماشيته { ~~ويصرفه عن من يشآء } أي ويدفعه عمن يشاء فلا يضره قال ~~الصاوي: كما ينزل المطر من السماء وهو نفع للعباد كذلك ينزل منها البرد ~~وهو ضرر للعباد، فسبحان من جعل السماء منشأ للخير والشر { يكاد سنا ~~برقه } أي يقرب ضوء برق السحاب { يذهب بالأبصار } أي يخطف ~~أبصار الناظرين من شدة إضاءته وقوة لمعانه { يقلب الله الليل ~~والنهار } أي يتصرف فيهما بالطول والقصر، والظلمة والنور، والحر ~~والبرد { إن في ذلك لعبرة } أي إن فيما تقدم ذكره لدلالة ~~واضحة، وعظة بليغة على وجود الصانع المبدع { لأولي الأبصار } أي ~~لذوي البصائر المستنيرة، وخصهم بالذكر لأنهم المنتفعون حيث يتأملون ~~فيجدون الماء والبرد، والظلمة والنور تخرج من شيء واحد، فسبحان القادر ~~على كل شيء { والله خلق كل دآبة من مآء } استدل على ~~وحدانيته بتسبيح أهل السماء والأرض، ثم بتصريف السحاب وإنزال المطر، ثم ~~بأحوال الحيوانات قال ابن كثير: يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم ~~في خلقه أنواع المخلوقات على اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها ~~من ماء واحد { فمنهم من يمشي على بطنه } أي فمنهم من ~~يزحف على بطنه كالحية والزواحف { ومنهم من يمشي على ~~رجلين } كالإنسان والطير { ومنهم من يمشي على ~~أربع } كالأنعام وسائر الدواب قال أبو حيان: قدم ما هو أظهر في ~~القدرة وأعجب وهو الماشي بغير آلة من رجل وقوائم، ثم الماشي على رجلين، ~~ثم الماشي على أربع { يخلق الله ما يشآء } أي يخلق تعالى ~~بقدرته ما يشاء ms0984 من المخلوقات { إن الله على كل شيء ~~قدير } أي هو قادر على ما يشاء لا يمنعه مانع، ولا يدفعه دافع قال ~~الفخر: واعلم أن العقول قاصرة عن الإحاطة بأحوال أصغر الحيوانات على ~~الكمال، والاستدلال بها على الصانع ظاهر، لأنه لو كان الأمر بتركيب ~~الطبائع الأربع لكان في الكل على السوية، فاختصاص كل واحد من هذه ~~الحيوانات بأعضائها وأعمارها ومقادير أبدانها لا بد وأن يكون بتدبير ~~قاهر حكيم، سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون { لقد أنزلنآ ~~آيات مبينات } أي لقد أنزلنا إليكم أيها الناس آيات واضحات، ~~دالات على طريق الحق والرشاد { والله يهدي من يشآء إلى ~~صراط مستقيم } أي يرشد من يشاء من خلقه إلى الدين الحق وهو ~~الإسلام، ولما ذكر دلائل التوحيد حذر من النفاق والمنافقين فقال { ~~ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا } أي يقول ~~المنافقون صدقنا بالله وبالرسول وأطعنا الله ورسوله { ثم يتولى ~~فريق منهم } أي ثم يعرض جماعة منهم عن قبول حكمه { من بعد ~~ذلك } أي من بعدما صدر منهم ما صدر من دعوى الإيمان { ومآ ~~أولئك بالمؤمنين } أي وليس أولئك الذين يدعون الإيمان ~~والطاعة بمؤمنين على الحقيقة قال الحسن: نزلت هذه الآية في المنافقين ~~الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر { وإذا دعوا إلى ~~الله ورسوله ليحكم بينهم } أي وإذا دعوا إلى حكم الله ~~أو حكم رسوله { إذا فريق منهم معرضون } أي استنكفوا ~~وأعرضوا عن الحضور إلى مجلس الرسول { وإن يكن لهم الحق ~~يأتوا إليه مذعنين } أي وإن كان الحق بجانبهم جاءوا إلى ~~رسول الله طائعين منقادين لعلمهم أنه عليه السلام يحكم بالحق قال ~~الفخر: نبه تعالى على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا أن الحق لغيرهم؛ أما ~~إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا على الإعراض وأذعنوا ببذل الرضا { أفي ~~قلوبهم مرض أم ارتابوا } أي هل في قلوبهم نفاق؟ أم شكوا ~~في نبوته عليه السلام؟ { أم يخافون أن يحيف الله عليهم ~~ورسوله } أي أم يخافون أن يظلمهم رسول الله في الحكم، والاستفهام ~~للمبالغة في التوبيخ والذم كقول الشاعر: # ألست من القوم الذين تعاهدوا ms0985 # على اللؤم والفحشاء في سالف الدهر # { بل أولئك هم الظالمون } أي بل هم الكاملون في الظلم ~~والعناد لإعراضهم عن حكم رسول الله { إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا } أي كان الواجب عليهم ~~عندما يدعون إلى رسول الله للفصل بينهم وبين خصومهم أن يسرعوا ويقولوا ~~سمعا وطاعة، فلو كان هؤلاء مؤمنين لفعلوا ذلك قال الطبري: ولم يقصد به ~~الخبر ولكنه تأنيب من الله للمنافقين وتأديب منه لآخرين { ~~وأولئك هم المفلحون } أي وأولئك المسارعون إلى مرضاة ~~الله هم الفائزون بسعادة الدارين { ومن يطع الله ورسوله } ~~أي ومن يطع أمر الله وأمر رسوله في كل فعل وعمل { ويخش الله ~~ويتقه } أي ويخاف الله تعالى لما فرط منه الذنوب، ويمتثل أوامره ~~ويجتنب زواجره { فأولئك هم الفآئزون } أي هم السعداء ~~الناجون من عذاب الله الفائزون برضوانه.. ذكر أن بعض بطارقة الروم سمع ~~هذه الآية فأسلم وقال: إنها جمعت كل ما في التوراة والإنجيل. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البلاغة والبديع نوجزها ~~فيما يلي: # 1- إطلاق المصدر على إسم الفاعل للمبالغة { الله نور السموت ~~} بمعنى منور لكل شيء بحيث كأنه عين نوره قال الشريف الرضي: وفي الآية ~~إستعارة - على تفسير بعض العلماء - والمراد عندهم أنه هادي أهل السماوات ~~والأرض بصوادع برهانه، ونواصع بيانه كما يهتدى بالأنوار الثاقبة والشهب ~~اللامعة. # 2- التشبيه التمثيلي { مثل نوره كمشكاة فيها مصباح } ~~شبه نور الله الذي وضعه في قلب عبده المؤمن بالمصباح الوهاج في كوة ~~داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في الصفاء والحسن الخ سمي تمثيليا لأن وجه ~~الشبه منتزع من متعدد، وهو من روائع التشبيه. # 3- الإطناب بذكر الخاص بعد العام تنويها بشأنه { عن ذكر الله ~~وإقام الصلاة } لأن الصلاة من ذكر الله. # 4- جناس الاشتقاق { تتقلب فيه القلوب }. # 5- التشبيه التمثيلي الرائع { والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب } الخ وكذلك في قوله { كظلمات في بحر لجي } ~~وهذا من روائع التشبيه وبدائع التمثيل. # 6- الطباق بين { يصيب به.. ويصرفه }. # 7- الاستعارة اللطيفة { يقلب الله الليل والنهار } إذ ~~ليس المراد ms0986 التقليب المادي للأشياء الذاتية وإنما استعير لتعاقب الليل ~~والنهار. # 8- الجناس التام { يذهب بالأبصار } { لأولي الأبصار } ~~المراد بالأولى العيون وبالثانية الألباب. # لطيفة: سمع بعض علماء الطبيعة من غير المسلمين هذه الآية { أو ~~كظلمات في بحر لجي يغشاه موج.. } الآية فسأل هل ~~ركب محمد البحر؟ فقالوا: لا فقال أشهد أنه رسول الله قالوا: وكيف عرفت؟ ~~فقال: إن هذا الوصف للبحر لا يعرفه إلا من عاش عمره في البحار، ورأى ~~الأهوال والأخطار، فلما أخبرت أنه لم يركب البحر عرفت أنه كلام الله ~~تعالى. ### || [24.53-64] # المناسبة: لما ذكر تعالى المنافقين وما هم عليه من صفات قبيحة، ~~أعقبه بذكر ما انطوت عليه نفوسهم من المكر والإحتيال والحلف الكاذب ~~بأغلظ الأيمان، وختم السورة الكريمة بالتحذير من سلوك طريق المنافقين. # اللغة: { الحلم }: الاحتلام في المنام قال في القاموس: الحلم: ~~الرؤيا جمعه أحلام، والحلم والاحتلام: الجماع في النوم وقال الراغب: هو ~~زمان البلوغ سمي به لكون صاحبه جديرا بالحلم أي الأناة وضبط النفس { ~~القواعد } جمع قاعد بغير تاء لأنه خاص بالنساء كحائض وطامث وهي ~~المرأة التي قعدت عن الزواج وعن الولد { أشتاتا } متفرقين جمع شت ~~وهو الافتراق، والشتات: الفرقة { يتسللون } التسلل: الخروج خفية ~~يقال: انسل وتسلل إذا خرج مستترا بطريق الخفية { لواذا } اللواذ: ~~أن يستتر بشيء مخافة من يراه. # سبب النزول: روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاما من ~~الأنصار يقال له: مدلج إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فوجده ~~نائما، فدق عليه الغلام الباب ودخل، فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء ~~فقال: وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول في هذه ~~الساعات إلا بإذن، ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الآية ~~قد أنزلت { يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ~~ملكت أيمنكم.. } فخر ساجدا شكرا الله تعالى. # التفسير: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } أي حلف ~~المنافقون بغاية الأيمان المغلظة { لئن أمرتهم ليخرجن ~~} أي لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن معك قال مقاتل: لما بين ~~الله إعراض المنافقين وامتناعهم عن قبول ms0987 حكمه عليه السلام أتوه فقالوا: ~~لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا ~~بالجهاد لجاهدنا فنزلت { قل لا تقسموا } أي لا تحلفوا فإن ~~أيمانكم كاذبة { طاعة معروفة } أي طاعتكم لله ورسوله معروفة ~~فإنها باللسان دون القلب، وبالقول دون العمل { إن الله خبير ~~بما تعملون } أي بصير لا يخفى عليه شيء من خفاياكم ونواياكم { ~~قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } أي أطيعوا الله ~~بإخلاص النية وترك النفاق، وأطيعوا الرسول بالاستجابة لأمره والتمسك ~~بهديه { فإن تولوا } أي فإن تتولوا وتعرضوا عن طاعته { ~~فإنما عليه ما حمل } أي على الرسول ما كلف به من تبليغ ~~الرسالة { وعليكم ما حملتم } أي وعليكم ما كلفتم به من ~~السمع والطاعة واتباع أمره عليه السلام { وإن تطيعوه تهتدوا } ~~أي وإن أطعتم أمره فقد اهتديتم إلى طريق السعادة والفلاح { وما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين } أي ليس عليه إلا التبليغ ~~الواضح للأمة، ولا ضرر عليه إن خالفتم وعصيتم فإنه قد بلغ الرسالة وأدى ~~الأمانة { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات } أي وعد الله المؤمنين المخلصين الذين جمعوا بين الإيمان ~~والعمل الصالح { ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم } أي وعدهم بميراث الأرض وأن يجعلهم فيها خلفاء ~~متصرفين فيها تصرف الملوك في ممالكهم، كما استخلف المؤمنين قبلهم فملكهم ~~ديار الكفار قال المفسرون: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~المدينة رمتهم العرب عن قوس واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح، ولا ~~يصبحون إلا في لأمتهم - أي سلاحهم - فقالوا أترون أنا نعيش حتى نبيت ~~آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل!! فنزلت الآية، وهذا وعد ظهر ~~صدقه بفتح مشارق الأرض ومغاربها لهذه الأمة وفي الحديث بشارة كذلك فقد ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ~~ما زوي لي منها " # { وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم } أي ~~وليجعلن دينهم - الإسلام - الذي ارتضاه لهم عزيزا مكينا عاليا على ~~كل الأديان { وليبدلنهم من بعد خوفهم ms0988 أمنا } أي ~~وليغيرن حالهم التي كانوا عليها من الخوف والفزع إلى الأمن والاستقرار ~~كقوله # وآمنهم من خوف # [قريش: 4] { يعبدونني لا يشركون بي شيئا } استئناف ~~بطريق الثناء عليهم كالتعليل للاستخلاف في الأرض أي يوحدونني ويخلصون لي ~~العبادة، لا يعبدون إلها غيري { ومن كفر بعد ذلك } أي فمن ~~جحد شكر النعم { فأولئك هم الفاسقون } هم الخارجون عن ~~طاعة الله، العاصون أمر الله قال أبو العالية: أي من كفر بهذه النعمة ~~وليس يعني الكفر بالله قال الطبري: وهو أشبه بتأويل الآية لأن الله وعد ~~الإنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية بأنه منعم به عليهم ثم قال ~~{ ومن كفر } أي كفر هذه النعمة { فأولئك هم الفاسقون ~~} { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } أي أقيموا أيها ~~المؤمنون الصلاة وأدوا الزكاة على الوجه الأكمل الذي يرضي الله { ~~وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون } أي أطيعوا الرسول في ~~سائر ما أمركم به رجاء الرحمة { لا تحسبن الذين كفروا ~~معجزين في الأرض } تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعد له ~~بالنصرة أي لا تظنن يا محمد الكافرين الذين عاندوك وكذبوك معجزين لله ~~في هذه الحياة بل الله قادر عليهم في كل حين وأن { ومأواهم ~~النار } أي مرجعهم نار جهنم { ولبئس المصير } أي بئس المرجع ~~والمآل الذي يصيرون إليه { يأيها الذين ءامنوا ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمنكم } أي يا أيها ~~المؤمنون الذين صدقوا الله ورسوله وأيقنوا بشريعة الإسلام نظاما ~~وحكما ومنهاجا ليستأذنكم في الدخول عليكم العبيد والإماء الذين ~~تملكونهم ملك اليمين { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } ~~أي والأطفال الذين لم يبلغوا مبلغ الرجال الأحرار ليستأذنوا أيضا { ~~ثلاث مرات } أي في ثلاثة أوقات { من قبل صلوة الفجر ~~} أي في الليل وقت نومكم وخلودكم إلى الراحة { وحين تضعون ~~ثيبكم من الظهيرة } أي وقت الظهر حين تخلعون ثيابكم ~~للقيلولة { ومن بعد صلوة العشآء } أي ووقت إرادتكم النوم ~~واستعدادكم له { ثلاث عورات لكم } اي هي ثلاثة أوقات يختل ~~فيها تستركم، العورات فيها بادية والتكشف فيها غالب، فعلموا عبيدكم ~~وخدمكم وصبيانكم ألا يدخلوا عليكم في هذه ms0989 الأوقات إلا بعد الاستئذان { ~~ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } أي ليس عليكم ~~ولا على المماليك والصبيان حرج في الدخول عليكم بغير استئذان بعد هذه ~~الأوقات الثلاثة { طوفون عليكم بعضكم على بعض } أي ~~لأنهم خدمكم يطوفون عليكم للخدمة وغير ذلك قال أبو حيان: أي يمضون ~~ويجيئون ويدخلون عليكم في المنازل غدوة وعشية بغير إذن إلا في تلك ~~الأوقات { كذلك يبين الله لكم الأيت } أي مثل ذلك ~~التوضيح والبيان يبين الله لكم الأحكام الشرعية لتتأدبوا بها { ~~والله عليم حكيم } أي عالم بأمور خلقه، حكيم في تدبيره لهم { ~~وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم } أي وإذا بلغ هؤلاء ~~الأطفال الصغار مبلغ الرجال وأصبحوا في سن التكليف { ~~فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم } أي ~~فعلموهم الأدب السامي أن يستأذنوا في كل الأوقات كما يستأذن الرجال ~~البالغون { كذلك يبين الله لكم آياته } أي يفصل لكم ~~أمور الشريعة والدين { والله عليم حكيم } أي عليم بخلقه حكيم ~~في تشريعه قال البيضاوي: كرره تأكيدا ومبالغة في الأمر بالاستئذان { ~~والقواعد من النسآء } أي والنساء العجائز اللواتي قعدن عن ~~التصرف وطلب الزواج لكبر سنهن { اللاتي لا يرجون نكاحا } أي ~~لا يطمعن في الزواج ولا يرغبن فيه لانعدام دوافع الشهوة فيهن { فليس ~~عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } اي لا حرج ولا إثم ~~عليهن في أن يضعن بعض ثيابهن كالرداء والجلباب، ويظهرن أمام الرجال ~~بملابسهن المعتادة التي لا تلفت انتباها، ولا تثير شهوة { غير ~~متبرجات بزينة } أي غير متظاهرات بالزينة لينظر إليهن قال أبو ~~حيان: وحقيقة التبرج إظهار ما يجب إخفاؤه، ورب عجوز شمطاء يبدو منها ~~الحرص على أن يظهر بها جمال { وأن يستعففن خير لهن } ~~أي وأن يستترن بارتداء الجلباب ولبس الثياب كما تلبسه الشابات من النساء، ~~مبالغة في التستر والتعفف خير لهن وأكرم، وأزكى عند الله وأطهر { ~~والله سميع عليم } أي يعلم خفايا النفوس ويجازي كل إنسان ~~بعمله، وفيه وعد وتحذير { ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج } أي ليس على أهل ~~الأعذار " الأعمى، والأعرج، ms0990 والمريض " حرج ولا إثم في القعود عن الغزو ~~لضعفهم وعجزهم { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم } أي وليس عليكم أيها الناس إثم أن تأكلوا من بيوت أزواجكم ~~وعيالكم قال البيضاوي: فيدخل فيها بيوت الأولاد لأن بيت الولد كبيته ~~لقوله عليه السلام: إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه، وإن ولده من كسبه ~~{ أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم ~~أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت ~~خالاتكم } أي لا حرج في الأكل من بيوت هؤلاء الأقارب قال الرازي: ~~والظاهر أن إباحة الأكل لا تتوقف على الاستئذان لأن العادة أن هؤلاء ~~القوم تطيب أنفسهم بأكل الأقارب { أو ما ملكتم مفاتحه } أي ~~البيوت التي توكلون عليه وتملكون مفاتيحها في غياب أهلها قال عائشة: كان ~~المسلمون يذهبون مع رسول الله في الغزو ويدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم ~~ويقولون: قد أحللنا لكم الأكل منها فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا ان ~~نأكل، إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم وإنما نحن أمناء فأنزل الله { ~~أو ما ملكتم مفاتحه } { أو صديقكم } أي أو بيوت ~~أصدقائكم وأصحابكم قال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير ~~إذنه { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو ~~أشتاتا } أي ليس عليكم إثم أو حرج أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين قال ~~المفسرون: نزلت في حي من كنانة كان الرجل منهم لا يأكل وحده، يمكث يومه ~~فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئا: وربما كانت معه الإبل الحفل فلا ~~يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه فأخبرهم تعالى بأن الرجل إذا أكل وحده ~~لا حرج عليه { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ~~أنفسكم } أي إذا دخلتم بيوتا مسكونة فسلموا على من فيها من الناس { ~~تحية من عند الله مباركة طيبة } أي حيوهم بتحية ~~الإسلام " السلام عليكم " وهي التحية المباركة الطيبة التي شرعها الله ~~لعباده المؤمنين قال القرطبي: وصفها بالبركة لأنه فيها الدعاء واستجلاب ~~المودة، ووصفها بالطيب لأن سامعها يستطيبها { كذلك ms0991 يبين الله ~~لكم الآيات لعلكم تعقلون } قال ابن كثير: لما ذكر تعالى ~~في هذه السورة الكريمة من الأحكام المحكمة، والشرائع المبرمة، نبه ~~عباده على أنه يبين لهم الآيات بيانا شافيا ليتدبروها ويتعقلوها لعلهم ~~يعقلون { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله } أي إنما المؤمنون الكاملون في الإيمان الذي صدقوا الله ~~ورسوله تصديقا جازما لا يخالجه شك { وإذا كانوا معه على ~~أمر جامع } أي وإذا كانوا مع الرسول في أمر هام فيه مصلحة ~~للمسلمين { لم يذهبوا حتى يستأذنوه } أي لم يتركوا ~~مجلسه حتى يستأذنوه فيأذن لهم قال المفسرون: نزلت هذه الآية في وقت حفر ~~الخندق، فإن بعض المؤمنين كانوا يستأذنون في الانصراف لضرورة، وكان ~~المنافقون يذهبون بغير استئذان فنزلت تمدح المؤمنين الخالصين، وتعرض ~~بذم المنافقين { إن الذين يستأذنونك أولئك ~~الذين يؤمنون بالله ورسوله } هذا توكيد لما تقدم ذكره ~~تفخيما وتعظيما لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم أي إن الذين يستأذنونك ~~يا محمد أولئك هم المؤمنون حقا قال البيضاوي: أعاده مؤكدا على أسلوب ~~أبلغ فإن جعل المستأذنين هم المؤمنين عكس الأسلوب الأول وفيه تأكيد ~~للأول بذكر لفظ الله ورسوله فيكون مصداقا ودليلا على صحة الإيمان { ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم } أي فإذا استأذنك هؤلاء ~~المؤمنون لبعض شئونهم ومهامهم { فأذن لمن شئت منهم } أي ~~فاسمح لمن أحببت بالانصراف إن كان فيه حكمة ومصلحة { واستغفر ~~لهم الله } أي وادع الله لهم بالعفو والمغفرة فإن الاستئذان ولو ~~لعذر قصور لأنه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين { إن الله ~~غفور رحيم } أي عظيم العفو واسع الرحمة { لا تجعلوا ~~دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا } أي لا ~~تنادوا الرسول باسمه كما ينادي بعضكم بعضا باسمه بل قولوا: يا نبي ~~الله ويا رسول الله تفخيما لمقامه وتعظيما لشأنه قال أبو حيان: لما ~~كان التداعي بالأسماء على عادة البداوة أمروا بتوقير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ودعائه بأحسن ما يدعى به نحو يا رسول الله، يا نبي الله، ألا ~~ترى إلى بعض جفاة من أسلم كان يقول يا محمد فنهوا ms0992 عن ذلك قال قتادة: ~~أمرهم تعالى أن يفخموه ويشرفوه { قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا } أي قد علم الله الذين ينسلون قليلا ~~ويخرجون من الجماعة في خفية يستتر بعضهم ببعض قال الطبري: واللواذ هو أن ~~يلوذ القوم بعضهم ببعض، يستتر هذا بهذا وهذا بهذا { فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره } أي فليخف الذين يخالفون أمر ~~الرسول ويتركون سبيله ومنهجه وسنته { أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم } أي تنزل بهم محنة عظيمة في الدنيا أو ~~ينالهم عذاب شديد في الآخرة { ألا إن لله ما في السموت ~~والأرض } أي له جل وعلا ما في الكون ملكا وخلقا وعبيدا { قد ~~يعلم مآ أنتم عليه } أي قد علم ما نفوسكم من الإيمان أو ~~النفاق، والإخلاص أو الرياء { ويوم يرجعون إليه ~~فينبئهم بما عملوا } أي ويوم القيامة يرجعون إليه فيخبرهم ~~بما فعلوا في الدينا من صغير وكبير، وجليل وحقير ويجازي كلا بعمله { ~~والله بكل شيء عليم } أي لا يخفى عليه خافية لأن الكل خلقه ~~وملكه. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البلاغة والبيان نوجزها فيما يلي: # 1- الاستعارة اللطيفة { جهد أيمانهم } شبه الأيمان التي يحلف ~~بها المنافقون بالغين فيها أقصى المراتب في الشدة والتوكيد بمن يجهد نفسه ~~في أمر شاق لا يستطيعه ويبذل أقصى وسعه وطاقته بطريق الاستعارة. # 2- المشاكلة { عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } أي ~~عليه أمر التبليغ وعليكم وزر التكذيب. # 3- الطباق بين الخوف والأمن { من بعد خوفهم أمنا } وكذلك ~~بين الجميع والأشتات { جميعا أو أشتاتا } لأن المعنى مجتمعين ~~ومتفرقين. # 4- الإطناب بتكرير لفظ الحرج لترسيخ الحكم في الأذهان { ليس على ~~الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض ~~حرج }. # 5- صيغة المبالغة { غفور رحيم }. # فائدة: قال بعض السلف: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق ~~بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة لقوله تعالى ~~{ وإن تطيعوه تهتدوا }. # لطيفة: قيل لبعضهم: من أحب إليك أخوك أم صديقك؟ فقال: لا أحب أخي إذا ~~لم يكن صديقي. وقال ابن عباس: " الصديق أوكد من القريب ms0993 ألا ترى استغاثة ~~الجهنميين حين قالوا # فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم # [الشعراء: 100-101] ولم يستغيثوا بالآباء والأمهات ". # تنبيه: كان بعض العرب يرى أحدهم أن عارا وخزيا عليه أن يأكل وحده ~~ويبقى جائعا حتى يجد من يؤاكله ويشاربه واشتهر هذا عن حاتم فكان يقول: # إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له # أكيلا فإني لست آكله وحدي # وهذا من مآثر العرب ومفاخرهم، فقد اشتهروا بالجود والكرم، وقرى الضيف. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-20] # اللغة: { تبارك } من البركة وهي كثرة الخير وزيادته ويأتي بمعنى ~~التمجيد والتعظيم قال الشاعر: # تباركت لا معط لشيء منعته # وليس لما أعطيت يا رب مانع # { نذيرا } النذير: المحذر من الهلاك { نشورا } النشور: الإحياء ~~بعد الموت { مقرنين } مربوطين بالسلاسل قال عمرو بن كلثوم: # فآبوا بالنهاب وبالسبايا # وأبنا بالملوك مقرنينا # { ثبورا } هلاكا ودمارا { بورا } مأخوذ من البوار وهو الهلاك قال ~~أبو عبيدة: يقال رجل بور ورجال بور ومعناه هالك، والبوار الهلاك. # التفسير: { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } ~~أي تمجد وتعظم وتكاثر خير الله الذي نزل القرآن العظيم الفارق بين ~~الحق والباطل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم { ليكون ~~للعالمين نذيرا } أي ليكون محمد نبيا للخلق أجمعين مخوفا لهم ~~من عذاب الله { الذي له ملك السموت والأرض } أي هو ~~تعالى المالك لجميع ما في السماوات والأرض خلقا وملكا وعبيدا { ولم ~~يتخذ ولدا } أي وليس له ولد كما زعم اليهود والنصارى { ولم ~~يكن له شريك في الملك } أي وليس معه إله كما قال عبدة ~~الأوثان { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } أي أوجد كل ~~شيء بقدرته مع الإتقان والإحكام قال في التسهيل: الخلق عبارة عن ~~الإيجاد بعد العدم، والتقدير عبارة عن اتقان الصنعة وتخصيص كل مخلوق ~~بمقداره وصنعته، وزمانه ومكانه، ومصلحته وأجله وغير ذلك وقال الرازي: وصف ~~سبحانه ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء: الأول: أنه المالك للسماوات ~~والأرض وهذا كالتنبيه على وجوده والثاني: أنه هو المعبود أبدا والثالث: ~~أنه المنفرد بالألوهية والرابع: أنه الخالق لجميع الأشياء مع الحكمة ~~والتدبير { واتخذوا من ms0994 دونه آلهة } أي عبد المشركون غير ~~الله من الأوثان والأصنام { لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~} أي لا يقدرون على خلق شيء أصلا بل هم مصنوعون بالنحت والتصوير فكيف ~~يكونون آلهة مع الله؟ { ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا ~~نفعا } أي لا يستطيعون دفع ضر عنهم ولا جلب نفع لهم { ولا ~~يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا } أي لا تملك أن ~~تميت أحدا، ولا أن تحيي أحدا ولا أن تبعث أحدا من الأموات قال ~~الزمخشري: المعنى أنهم آثروا على عبادة الله عبادة آلهة لا يقدرون على ~~شيء، وإذا عجزوا عن دفع الضرر وجلب النفع الذي يقدر عليه العباد كانوا ~~عن الموت والحياة والنشور الذي لا يقدر عليها إلا الله أعجز { وقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه } أي وقال ~~كفار قريش ما هذا القرآن إلا كذب اختلقه محمد من تلقاء نفسه { ~~وأعانه عليه قوم آخرون } أي وساعده على الاختلاق قوم من ~~أهل الكتاب { فقد جآءوا ظلما وزورا } أي جاءوا بالظلم ~~والبهتان حيث جعلوا العربي يتلقن من العجمي كلاما عربيا أعجز ~~بفصاحته جميع فصحاء العرب فكان كلامهم فيه محض الكذب والزور { ~~وقالوا أساطير الأولين اكتتبها } أي وقالوا في حق ~~القرآن أيضا إنه خرافات الأمم السابقين أمر أن تكتب له { فهي ~~تملى عليه بكرة وأصيلا } أي فهي تلقى وتقرأ عليه ~~ليحفظها صباحا ومساء قال ابن عباس: والقائل هو " النضر بن الحارث " ~~وأتباعه والإفك أسوأ الكذب { قل أنزله الذي يعلم السر ~~في السماوات والأرض } هذا رد عليهم في تلك المزاعم أي قل لهم ~~يا محمد أنزله الله العليم القدير الذي لا يخفى عليه شيء في السماوات ~~والأرض { إنه كان غفورا رحيما } أي إنه تعالى لم يعجل لكم ~~العقوبة بل أمهلكم رحمة بكم لأنه واسع المغفرة رحيم بالعباد { ~~وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق } أي وقال المشركون ما لهذا الذي يزعم الرسالة يأكل الطعام ~~كما نأكل، ويمشي في الأسواق لطلب المعاش كما نمشي؟ إنه ليس بملك ولا ~~ملك، لأن الملائكة لا تأكل، ms0995 والملوك لا تتبذل في الأسواق، وفي قولهم { ~~مال هذا الرسول } مع إنكارهم لرسالته تهكم واستهزاء { لولا ~~أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } أي هلا بعث الله ~~معه ملكا ليكون له شاهدا على صدق ما يدعيه! { أو يلقى إليه ~~كنز } أي يأتيه كنز من السماء فيستعين به ويستغني عن طلب المعاش { ~~أو تكون له جنة يأكل منها } أي يكون له بستان يأكل من ~~ثماره { وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا } أي وقال الكافرون ما تتبعون أيها المؤمنون إلا إنسانا ~~سحر فغلب على عقله فهو يزعم أنه رسول الله { انظر كيف ضربوا ~~لك الأمثال فضلوا } أي انظر كيف قالوا في حقك يا محمد تلك ~~الأقاويل العجيبة، الجارية لغرابتها مجرى الأمثال! وكيف اخترعوا تلك ~~الصفات والأحوال الشاذة فضلوا بذلك عن الهدى! { فلا يستطيعون ~~سبيلا } أي فلا يجدون طريقا إلى الحق بعد أن ضلوا عنه بتكذيبك ~~وإنكار رسالتك، ذكروا له عليه الصلاة والسلام خمس صفات وزعما أنها ~~تخل بالرسالة زعما منهم أن فضيلة الرسول على غيره تكون بأمور ~~جسمانية وهي غاية الجهالة والسفاهة فرد الله عليهم بأمرين: الأول: ~~تعجيب الرسول صلى الله عليه وسلم من تناقضهم فتارة يقولون عنه شاعر، ~~وتارة ساحر، وأخرى يقولون إنه مجنون حتى أصبحت تلك الأقوال الغريبة ~~الشاذة، والأمور العجيبة جارية مجرى الأمثال والثاني: أن الله تعالى لو ~~أراد لأعطى نبيه خيرا مما اقترحوا وأفضل مما يتصورون وهو المراد بقوله ~~{ تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك } أي ~~تمجد وتعظم الله الكبير الجليل الذي لو أراد لجعل لك خيرا من ذلك ~~الذي ذكروه من نعيم الدنيا { جنات تجري من تحتها الأنهار ~~} أي لو شاء لأعطاك بساتين وحدائق تسير فيها الأنهار لا جنة واحدة كما ~~قالوا { ويجعل لك قصورا } أي ويجعل لك مع الحدائق القصور ~~الرفيعة المشيدة كما هو حال الملوك قال الضحاك: لما عير المشركون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة حزن عليه السلام فنزل جبريل معزيا له ~~فبينما النبي وجبريل يتحدثان إذ فتح باب من ms0996 السماء فقال جبريل: أبشر يا ~~محمد هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضى من ربك فسلم عليه وقال: ربك ~~يخيرك بين أن تكون نبيا ملكا، وبين أن تكون نبيا عبدا - ومعه سفط من ~~نور يتلألأ - ثم قال: هذه مفاتيح خزائن الأرض فنظر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير فأومأ بيده أن تواضع فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " بل نبيا عبدا " فكان عليه السلام بعد ذلك لا يأكل ~~متكأ حتى فارق الدنيا { بل كذبوا بالساعة } أي بل كذبوا ~~بالقيامة { وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } أي ~~وهيأنا لمن كذب بالآخرة نارا شديدة الاستعار قال الطبري: المعنى ما ~~كذب هؤلاء المشركون بالله وأنكروا ما جئتهم به من الحق من أجل أنك تأكل ~~الطعام وتمشي في الأسواق ولكن من أجل أنهم لا يوقنون بالمعاد تكذيبا ~~منهم بالقيامة وأعددنا لمن كذب بالبعث نارا تسعر عليهم وتتقد { ~~إذا رأتهم من مكان بعيد } أي إذا رأت جهنم هؤلاء ~~المشركين من مسافة بعيدة وهي خمسمائة عام { سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا } أي سمعوا صوت لهيبها وغليانها كالغضبان إذا غلا صدره من ~~الغيظ وسمعوا لها صوتا كصوت الحمار وهو الزفير قال ابن عباس: إن الرجل ~~ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر ~~رفرة لا يبقى أحد إلا خاف، وتقييد الرؤية بالبعد { من مكان ~~بعيد } فيه مزيد تهويل لأمرها { وإذآ ألقوا منها مكانا ~~ضيقا } أي وإذا ألقوا في جهنم في مكان ضيق قال ابن عباس: تضيق ~~عليهم ضيق الزج في الرمح - الزج: الحديدة التي في أسفل الرمح - { ~~مقرنين } أي مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل { ~~دعوا هنالك ثبورا } أي دعوا في ذلك المكان على أنفسهم بالويل ~~والهلاك يقولون: يا هلاكنا، نادوه نداء المتمني للهلاك ليسلموا مما هو ~~أشد منه كما قيل: أشد من الموت ما يتمنى معه الموت { لا تدعوا ~~اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا } أي يقال ~~لهم: لا تدعوا اليوم بالهلاك على أنفسكم مرة واحدة بل ادعوا مرات ~~ومرات، ms0997 فإن ما أنتم فيه من العذاب الشديد يستوجب تكرير الدعاء في كل ~~حين وآن، وفيه إقناط لهم من استجابة الدعاء وتخفيف العذاب { قل ~~أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون }؟ ~~أي قل لهم يا محمد على سبيل التقريع والتهكم أذلك السعير خير أم جنة ~~الخلود التي وعدها المتقون؟ قال ابن كثير: يقول الله تعالى يا محمد: هذا ~~الذي وصفناه لك من حال الأشقياء الذين تتلقاهم جهنم بوجه عبوس وتغيظ ~~وزفير، ويلقون في أماكنها الضيقة مقرنين لا يستطيعون حراكا ولا فكاكا ~~مما هم فيه، أهذا خير أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين من عباده؟ ~~قال الإمام الفخر: فإن قيل كيف يقال العذاب خير أم جنة الخلد؟ وهل ~~يجوز أن يقول العاقل: السكر أحلى أم الصبر؟ قلنا: هذا يحسن في معرض ~~التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالا فتمرد وأبى واستكبر فيضربه ~~ضربا وجيعا ويقول على سبيل التوبيخ: أهذا أطيب أم ذاك؟ { كانت ~~لهم جزآء ومصيرا } أي كانت لهم ثوابا ومرجعا { لهم ~~فيها ما يشآءون } أي لهم في الجنة ما يشاءون من النعيم { ~~خالدين } أي ماكثين فيها أبدا سرمدا بلا زوال ولا انقضاء { كان ~~على ربك وعدا مسئولا } أي كان ذلك الجزاء وعدا على ذي ~~الجلال حقيقا بأن يسأل ويطلب لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون، وهو ~~وعد واجب { ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله ~~} أي واذكر ذلك اليوم الرهيب - يوم القيامة - حين يجمع الله الكفار ~~والأصنام وكل من عبد من دون الله كالملائكة والمسيح قال مجاهد: هو عيسى ~~وعزير والملائكة { فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ~~} أي فيقول تعالى للمعبودين تقريعا لعبدتهم: أأنتم دعوتم هؤلاء إلى ~~عبادتكم؟ { أم هم ضلوا السبيل } أي أم هم ضلوا الطريق فعبدوكم ~~من تلقاء أنفسهم؟ { قالوا سبحانك } أي قال المعبودون تعجبا مما ~~قيل لهم: تنزهت يا الله عن الأنداد { ما كان ينبغي لنآ أن ~~نتخذ من دونك من أوليآء } أي ما يحق لنا ولا لأحد من ~~الخلق أن يعبد غيرك، ولا أن يشرك معك سواك ms0998 { ولكن متعتهم ~~وآبآءهم حتى نسوا الذكر } أي ولكن أكثرت عليهم وعلى ~~آبائهم النعمة - وكان يجب عليهم شكرها والإيمان بما جاءت به الرسل - ~~فكان ذلك سببا للإعراض عن ذكرك وشكرك { وكانوا قوما بورا } أي ~~وكانوا قوما هالكين، قال تعالى توبيخا للكفرة { فقد كذبوكم ~~بما تقولون } أي فقد كذبكم هؤلاء المعبودون في قولكم إنهم آلهة { ~~فما تستطيعون صرفا ولا نصرا } أي فما تستطيعون أيها ~~الكفار دفعا للعذاب عنكم ولا نصرا لأنفسكم من هذا البلاء { ومن ~~يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا } أي ومن يشرك منكم بالله ~~فيظلم نفسه نذقه عذابا شديدا في الآخرة { ومآ أرسلنا قبلك ~~من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون في الأسواق } أي وما أرسلنا قبلك يا محمد أحدا من ~~الرسل إلا وهم يأكلون ويشربون ويتجولون في الأسواق للتكسب والتجارة، ~~فتلك هي سنة المرسلين من قبلك فلم ينكرون ذلك عليك؟ وهو جواب عن قولهم { ~~مال هذا الرسول يأكل الطعام }؟ { وجعلنا ~~بعضكم لبعض فتنة أتصبرون } أي جعلنا بعض الناس بلاء ~~لبعض ومحنة، ابتلى الله الغني بالفقير، والشريف بالوضيع، والصحيح ~~بالمريض ليختبر صبركم وإيمانكم أتشكرون أم تكفرون؟ قال الحسن: يقول ~~الأعمى لو شاء الله لجعلني بصيرا مثل فلان، ويقول الفقير لو شاء الله ~~لجعلني غنيا مثل فلان، ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحا مثل ~~فلان { وكان ربك بصيرا } أي عالما بمن يصبر أو يجزع، وبمن ~~يشكر أو يكفر. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- الإضافة للتشريف { على عبده } ولم يذكره باسمه تشريفا له ~~وتكريما. # 2- الاكتفاء بأحد الوصفين { ليكون للعالمين نذيرا } أي ~~ليكون بشيرا ونذيرا واكتفى بالإنذار لمناسبته للكفار. # 3- الجناس الناقص { يخلقون.. ويخلقون } سمي ناقصا لتغايره في ~~الشكل. # 4- الطباق بين { ضرا.. ونفعا } وبين { موتا.. وحياة }. # 5- الاستفها للتهكم والتحقير { مال هذا الرسول يأكل ~~الطعام }؟ # 6- الاستعارة التمثيلية { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } ~~شبه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع من جوفه وهو تمثيل ~~وصف النار بالاهتياج والاضطرام على عادة المغيظ والغضبان. # 7- جناس الاشتقاق { أرسلنا.. المرسلين }. # 8- الجناس غير التام { تصبرون.. ms0999 بصيرا } لتقديم بعض الحروف ~~وتأخير البعض. # لطيفة: نبه تعالى بقوله { تبارك الذي إن شآء جعل لك ~~خيرا من ذلك } على أنه تعالى يعطي العباد على حسب المصالح، فيفتح ~~على واحد أبواب المعارف والعلوم ويسد عليه أبواب الدنيا، ويفتح آخر أبواب ~~الرزق ويحرمه لذة الفهم والعلم، ولا اعتراض عليه لأنه فعال لما يريده. ### || [25.21-40] # المناسبة: لما حكى تعالى إنكار المشركين لنبوة محمد عليه السلام ~~وتكذيبهم للقرآن، أعقبه بذكر بعض جرائمهم الأخرى، ثم ذكر قصص بعض ~~الأنبياء وما حل بأقوامهم المكذبين تسلية لرسول الله عليه الصلاة ~~والسلام. # اللغة: { حجرا } بكسر الحاء حراما من حجره إذا منعه قال الشاعر: # " ألا أصبحت أسماء حجرا محرما " # أي حراما محرما { هبآء } قال أبو عبيدة: الهباء مثل الغبار يدخل من ~~الكوة مع ضوء الشمس { منثورا } المنثور: المتفرق { مقيلا } ~~المقيل: زمان القيلولة وهي الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر { ~~تبرنا } التتبير: التدمير والتكسير قال الزجاج: كل شيء كسرته ~~وفتته فقد تبرته. # سبب النزول: روي أن " عقبة بن أبي معيط " وكان صديقا لأبي بن خلف ~~صنع وليمة فدعا إليها قريشا ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ~~قدم الطعام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنا بآكل طعامك حتى ~~تشهد أني رسول الله ففعل فأكل رسول الله من طعامه فلما بلغ " أبي بن خلف ~~" ذلك قال لصديقه عقبة صبأت قال: لا ولكن دخل علي رجل عظيم فأبى أن ~~يأكل طعامي حتى أشهد له بالرسالة فقال له أبي: وجهي من وجهك حرام إن ~~رأيت محمدا حتى تبزق في وجهه وتطأ على عنقه وتقول كيت وكيت، ففعل عدو ~~الله ما أمره به خليله فأنزل الله { ويوم يعض الظالم على ~~يديه.. } الآية. # التفسير: { وقال الذين لا يرجون لقآءنا } أي قال ~~المشركون الذين لا يرجون لقاء الله، ولا يخشون عقابه لتكذيبهم بالبعث ~~والنشور { لولا أنزل علينا الملائكة } أي هلا نزلت ~~الملائكة علينا فأخبرونا بصدق محمد { أو نرى ربنا } أي أو نرى ~~الله عيانا فيخبرنا أنك رسوله قال أبو حيان: وهذا ms1000 كله على سبيل التعنت ~~وإلا فما جاءهم به من المعجزات كاف لو وفقوا { لقد استكبروا ~~في أنفسهم } أي تكبروا في شأن أنفسهم حين تفوهوا بمثل هذه ~~العظيمة، وطلبوا ما لا ينبغي { وعتوا عتوا كبيرا } أي تجاوزوا ~~الحد في الظلم والطغيان، حتى بلغوا أقصى العتو وغاية الاستكبار { ~~يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين } أي يوم يرى المشركون الملائكة حين تنزل لقبض أرواحهم ~~وقت الاحتضار لن يكون للمجرمين يومئذ بشارة تسرهم بل لهم الخيبة ~~والخسران { ويقولون حجرا محجورا } أي تقول الملائكة لهم: ~~حرام ومحرم عليكم الجنة والبشرى والغفران قال ابن كثير: وذلك يصدق على ~~وقت الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار، فتقول للكافر عند خروج روحه: ~~أخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، أخرجي إلى سموم وحميم ~~وظل من يحموم فتأبى الخروج وتتفرق في البدن فيضربونه بمقامع الحديد، ~~بخلاف المؤمنين حال احتضارهم فإنهم يبشرون بالخيرات وحصول المسرات # تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30] { وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل } أي عمدنا ~~إلى أعمال الكفار التي يعتقدونها برا كإطعام المساكين وصلة الأرحام ~~ويظنون أنها تقربهم إلى الله { فجعلناه هبآء منثورا } أي ~~جعلناه مثل الغبار المنثور في الجو، لأنه لا يعتمد على أساس ولا يستند ~~على إيمان قال الطبري: أي جعلناه باطلا لأنهم لم يعملوه لله، وإنما ~~عملوه للشيطان، والهباء هو الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من ~~كوة، والمنثور المتفرق وقال القرطبي: إن الله أحبط أعمالهم بسبب الكفر ~~حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور { أصحاب الجنة يومئذ ~~خير مستقرا } لما بين تعالى حال الكفار وأنهم في الخسران ~~الكلي والخيبة التامة، شرح وصف أهل الجنة وأنهم في غاية السرور والحبور، ~~تنبيها على أن السعادة كل السعادة في طاعة الله عز وجل، ومعنى الآية: ~~أصحاب الجنة يوم القيامة خير من الكفار مستقرا ومنزلا ومأوى { ~~وأحسن مقيلا } أي وأحسن منهم مكانا للتمتع وقت القيلولة وهي ~~الاستراحة نصف النهار، فالمؤمنون في الآخرة في الفردوس والنعيم المقيم، ~~والكفار في دركات ms1001 الجحيم قال ابن مسعود: " لا ينتصف النهار من يوم ~~القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار " { ويوم ~~تشقق السمآء بالغمام } أي واذكر ذلك اليوم الرهيب يوم ~~تتشقق السماء وتنفطر عن الغمام الذي يسود الجو ويظلمه ويغم القلوب ~~مرآه لكثرته وشدة ظلمته { ونزل الملائكة تنزيلا } أي ونزلت ~~الملائكة فأحاطت بالخلائق في المحشر { الملك يومئذ الحق ~~للرحمن } أي الملك في ذلك اليوم لله الواحد القهار، الذي تخضع ~~له الملوك، وتعنو له الوجوه، وتذل له الجبابرة، لا مالك يومئذ سواه ~~كقوله # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] { وكان يوما على الكافرين عسيرا } أي وكان ~~ذلك اليوم صعبا شديدا على الكفار قال أبو حيان: ودل قوله { على ~~الكافرين } على تيسيره على المؤمنين ففي الحديث # " إنه يهون حتى يكون على المؤمن اخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها في ~~الدنيا " # { ويوم يعض الظالم على يديه } أي واذكر يوم يندم ~~ويتحسر الظالم على نفسه لما فرط في جنب الله، وعض اليدين كناية عن ~~الندم والحسرة، والمراد بالظالم " عقبة بن أبي معيط " كما في سبب ~~النزول، وهي تعم كل ظالم قال ابن كثير: يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي ~~فارق طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وسلك سبيلا غير سبيل الرسول، فإذا ~~كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم، وعض على يديه حسرة وأسفا، ~~وسواء كان نزولها في " عقبة بن معيط " أو غيره من الأشقياء فإنها عامة ~~في كل ظالم { يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } ~~أي يقول الظالم يا ليتني اتبعت الرسول فاتخذت معه طريقا إلى الهدى ~~ينجيني من العذاب { يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا ~~خليلا } أي هلاكي وحسرتي يا ليتني لم أصاحب فلانا واجعله صديقا لي، ~~ولفظ { فلان } كناية عن الشخص الذي أضله وهو " أبي بن خلف " قال ~~القرطبي: وكنى عنه ولم يصرح باسمه ليتناول جميع من فعل مثل فعله { ~~لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جآءني } أي لقد أضلني ~~عن الهدى والإيمان بعد أن اهتديت وآمنت ثم قال تعالى ms1002 { وكان ~~الشيطان للإنسان خذولا } أي يضله ويغويه ثم يتبرأ منه وقت ~~البلاء فلا ينقذه ولا ينصره { وقال الرسول يرب إن قومي ~~اتخذوا هذا القرآن مهجورا } لما أكثر المشركون الطعن في ~~القرآن ضاق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم وشكاهم إلى الله والمعنى: قال ~~محمد يا رب إن قريشا كذبت بالقرآن ولم تؤمن به وجعلته وراء ظهورها ~~متروكا وأعرضوا عن استماعه قال المفسرون: وليس المقصود من حكاية هذا ~~القول الإخبار بما قال المشركون بل المقصود منها تعظيم شكايته، وتخويف ~~قومه، لأن الأنبياء إذا التجأوا إلى الله وشكوا قومهم حل بهم العذاب ~~ولم يمهلوا { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من ~~المجرمين } أي كما جعلنا لك أعداء من مشركي قومك جعلنا لكل نبي ~~عدوا من كفار قومه، والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي ~~بغيره من الأنبياء { وكفى بربك هاديا ونصيرا } أي وكفى ~~أن يكون ربك يا محمد هاديا لك وناصرا لك على أعدائك فلا تبال بمن عاداك ~~{ وقال الذين كفروا } أي وقال كفار مكة { لولا نزل ~~عليه القرآن جملة واحدة } أي هلا نزل هذا القرآن على ~~محمد دفعة واحدة كما نزلت التوراة والإنجيل؟ قال تعالى ردا على شبهتهم ~~التافهة { كذلك لنثبت به فؤادك } أي كذلك أنزلناه مفرقا ~~لنقوي قلبك على تحمله فتحفظه وتعمل بمقتضى ما فيه { ورتلناه ~~ترتيلا } أي فصلنا تفصيلا بديعا قال قتادة: أي بيناه وقال ~~الرازي: الترتيل في الكلام أن يأتي بعضه على إثر بعض على تؤدة وتمهل، ~~وأصل الترتيل في الأسنان وهو تفلجها وقال الطبري: الترتيل في القراءة ~~الترسل والتثبت يقول: علمناكه شيئا بعد شيء حتى تحفظه { ولا ~~يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق } أي ولا يأتيك هؤلاء ~~الكفار بحجة أو شبهة للقدح فيك أو في القرآن إلا أتيناك يا محمد بالحق ~~الواضح، والنور الساطع لندمغ به باطلهم { وأحسن تفسيرا } أي ~~أحسن بيانا وتفصيلا، ثم ذكر تعالى حال هؤلاء المشركين المكذبين للقرآن ~~فقال { الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم } أي ~~يسحبون ويجرون إلى النار على وجوههم { أولئك شر ~~مكانا ms1003 وأضل سبيلا } أي هم شر منزلا ومصيرا، وأخطأ دينا ~~وطريقا وفي الحديث # " قيل يا رسول الله: كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: إن ~~الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة " # ، ثم ذكر تعالى قصص الأنبياء تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإرهابا للمكذبين فقال { ولقد آتينا موسى الكتاب } أي ~~والله لقد أعطينا موسى التوراة { وجعلنا معه أخاه هارون ~~وزيرا } أي وأعناه بأخيه هارون فجعلناه وزيرا له يناصره ويؤآزره { ~~فقلنا اذهبآ إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا } ~~أي اذهبا إلى فرعون وقومه بالآيات الباهرات، والمعجزات الساطعات { ~~فدمرناهم تدميرا } أي فأهلكناهم إهلاكا لما كذبوا رسلنا { ~~وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ~~وجعلناهم للناس آية } أي وأغرقنا قوم نوح بالطوفان لما ~~كذبوا رسولهم نوحا وجعلناهم عبرة لمن يعتبر قال أبو السعود: وإنما قال ~~الرسل بالجمع مع أنهم كذبوا نوحا وحده لأن تكذبيه تكذيب للجميع ~~لاتفاقهم على التوحيد والإسلام { وأعتدنا للظالمين عذابا ~~أليما } أي وأعددنا لهم في الآخرة عذابا شديدا مؤلما سوى ما حل ~~بهم في الدنيا { وعادا وثمودا وأصحاب الرس } أي وأهلكنا ~~عادا وثمود وأصحاب البئر الذين انهارت بهم قال البيضاوي: وأصحاب الرس ~~قوم كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم شعيبا فكذبوه فبينما هم حول ~~الرس - وهي البئر غير المطوية - انهارت فخسفت بهم وبديارهم { وقرونا ~~بين ذلك كثيرا } أي وأمما وخلائق كثيرين لا يعلمهم إلا الله ~~بين أولئك المكذبين أهلكناهم أيضا { وكلا ضربنا له ~~الأمثال } أي وكلا من هؤلاء بينا لهم الحجج، ووضحنا لهم الأدلة ~~إعذارا وإنذارا { وكلا تبرنا تتبيرا } أي أهلكناه ~~إهلاكا، ودمرناه تدميرا، لما لم تنجع فيهم المواعظ { ولقد ~~أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء } أي ~~ولقد مرت قريش مرارا في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي ~~أهلكت بالحجارة من السماء وهي قرية " سدوم " عظمى قرى قوم لوط { ~~أفلم يكونوا يرونها }؟ توبيخ لهم على تركهم الاتعاظ ~~والاعتبار أي أفلم يكونوا في أسفارهم يرونها فيعتبروا بما حل بأهلها من ~~العذاب والنكال بسبب تكذيبهم ms1004 لرسولهم ومخالفتهم لأوامر الله؟ قال ابن ~~عباس: كانت قريش في تجارتها إلى الشام تمر بمدائن قوم لوط كقوله تعالى # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # [الصافات: 137] { بل كانوا لا يرجون نشورا } أي إنهم لا ~~يعتبرون لأنهم لا يرجون معادا يوم القيامة. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- الترجي { لولا أنزل علينا الملائكة } لأن لولا ~~بمعنى هلا للترجي. # 2- جناس الاشتقاق { وعتوا.. عتوا } و { حجرا.. محجورا ~~}. # 3- المبالغة بنفي الجنس { لا بشرى يومئذ للمجرمين } ~~ومعناها لا يبشر يومئذ المجرمون وإنما عدل عنه للمبالغة. # 4- التشبيه البليغ { فجعلناه هبآء منثورا } أي كالغبار ~~المنثور في الجو في حقارته وعدم نفعه، حذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه ~~فأصبح بليغا. # 5- الكناية اللطيفة { يعض الظالم على يديه } كناية عن ~~الندم والحسرة، كما أن لفظة { فلان } كناية عن الصديق الذي أضله. # 6- الإسناد المجازي { شر مكانا } لأن الضلال لا ينسب إلى المكان ~~ولكن إلى أهله. # لطيفة: قال ابن القيم رحمه الله: هجر القرآن أنواع: # أحدها: هجر سماعه والإيمان به. والثاني: هجر العمل به وإن قرأه وآمن ~~به. والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه. والرابع: هجر تدبره وتفهم ~~معانيه. والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وكل ~~هذا داخل في قوله تعالى { إن قومي اتخذوا هذا القرآن ~~مهجورا } وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. ### || [25.41-60] # المناسبة: لما ذكر تعالى شبهات المشركين حول القرآن والرسول، ورد ~~عليهم بالحجج الدامغة، والبراهين القاطعة، ذكر هنا طرفا من استهزائهم ~~وسخريتهم بالرسول فلم يقتصروا على تكذيبه بل زادوا عليه بالاستهزاء ~~والاحتقار، ثم ذكر الأدلة على وحدانيته تعالى وقدرته. # اللغة: { سباتا } السبات: الراحة جعل النوم سباتا لأنه راحة ~~للأبدان وأصل السبت: القطع ومنه السبت لليهود لانقطاعهم فيه عن الأعمال { ~~نشورا } النشور: الانتشار والحركة، والنهار سبب للانتشار من أجل طلب ~~المعاش { أناسي } جمع إنسي مثل كراسي وكرسي قال الفراء: الإنسي ~~والأناسي اسم للبشر وأصله انسان ثم أبدلت من النون ياء فصار إنسي { ~~مرج } خلى وأرسل وخلط يقال مرجته إذا خلطته و # أمر مريج # [ق: 5] أي ms1005 مضطرب مختلط { فرات } شديد العذوبة { أجاج } شديد ~~الملوحة { برزخا } حاجزا. # التفسير: { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا } أي ~~وإذا رآك المشركون يا محمد ما يتخذونك إلا موضع هزء وسخرية { أهذا ~~الذي بعث الله رسولا } أي قائلين بطريق التهكم والاستهزاء: ~~أهذا الذي بعثه الله إلينا رسولا؟ { إن كاد ليضلنا عن ~~آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } أي إن كان ليصرفنا عن ~~عبادة آلهتنا لولا أن ثبتنا عليها واسمتسكنا بعبادتها قال تعالى ردا ~~عليهم { وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل ~~سبيلا } وعيد وتهديد أي سوف يعلمون في الآخرة عند مشاهدة العذاب من ~~أخطأ طريقا وأضل دينا أهم أم محمد؟ { أرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه } تعجيب من ضلال المشركين أي أرأيت من جعل هواه ~~إلها كيف يكون حاله؟ قال ابن عباس: كان الرجل من المشركين يعبد حجرا ~~فإذا رأى حجرا أحسن منه رماه وأخذ الثاني فعبده { أفأنت تكون ~~عليه وكيلا } أي حافظا تحفظه من اتباع هواه؟ ليس الأمر لك قال ~~أبو حيان: وهذا تيئيس من إيمانهم، وإشارة للرسول عليه السلام ألا ~~يتأسف عليهم، وإعلام أنهم في الجهل بالمنافع وقلة النظر في العواقب مثل ~~البهائم { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو ~~يعقلون }؟ أي أتظن أن هؤلاء المشركين يسمعون ما تقول لهم سماع قبول؟ ~~أو يعقلون ما تورده عليهم من الحجج والبراهين الدالة على الوحدانية فتهتم ~~بشأنهم وتطمع في إيمانهم؟ { إن هم إلا كالأنعام بل هم ~~أضل سبيلا } أي ما هم إلا كالبهائم بل هم أبشع حالا، وأسوأ ~~مآلا من الأنعام السارحة، لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها ~~وتعرف من يحسن إليها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه ~~إليهم، ثم ذكر تعالى أنواعا من الدلائل الدالة على وحدانيته وكمال ~~قدرته فقال { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } أي ألم ~~تنظر إلى بديع صنع الله وقدرته كيف بسط تعالى الظل ومده وقت النهار ~~حتى يستروح الإنسان بظل الأشياء من حرارة الشمس المتوهجة؟ إذ لولا ~~الظل لأحرقت الشمس الإنسان وكدرت حياته { ولو شآء لجعله ~~ساكنا ms1006 } أي لو أراد سبحانه لجعله دائما ثابتا في مكان لا يزول ولا ~~يتحول عنه، ولكنه بقدرته ينقله من مكان إلى مكان، ومن جهة إلى جهة، ~~فتارة يكون جهة المشرق، وتارة جهة المغرب، وأخرى من أمام أو خلف { ثم ~~جعلنا الشمس عليه دليلا } أي جعلنا طلوع الشمس دليلا على ~~وجود الظل، فلولا وقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجودا، ولما ~~ظهرت آثار هذه النعمة الجليلة للعباد، والأشياء إنما تعرف بأضدادها ~~فلولا الظلمة ما عرف النور، ولولا الشمس ما عرف الظل " وبضدها تتميز ~~الأشياء " { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } أي أزلنا ~~هذا الظل شيئا فشيئا، وقليلا قليلا لا دفعة واحدة لئلا تختل ~~المصالح قال ابن عباس: الظل من وقت طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس قال ~~المفسرون: الظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة، ~~وهو يحدث على وجه الأرض منبسطا فيما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس، ثم ~~إن الشمس تنسخه وتزيله شيئا فشيئا، إلى الزوال، ثم هو ينسخ ضوء الشمس ~~من وقت الزوال إلى الغروب ويسمى فيئا، ووجه الاستدلال به على وجود ~~الصانع الحكيم أن وجوده بعد العدم، وعدمه بعد الوجود، وتغير أحواله ~~بالزيادة والنقصان، والانبساط والتقلص، على الوجه النافع للعباد لا بد ~~له من صانع قادر، مدبر حكيم، يقدر على تحريك الأجرام العلوية، وتدبير ~~الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن، والترتيب الأكمل وما هو إلا ~~الله رب العالمين. # ثم أشار تعالى إلى آثار قدرته، وجليل نعمته الفائضة على الخلق فقال { ~~وهو الذي جعل لكم اليل لباسا } أي هو سبحانه الذي جعل ~~لكم الليل كاللباس يستركم بظلامه كما يستركم اللباس بزينته قال الطبري: ~~وصف الليل باللباس تشبيها من حيث يستر الأشياء فصار لهم سترا يستترون ~~به كما يستترون بالثياب التي يكسونها { والنوم سباتا } أي وجعل ~~النوم راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن أعمالكم { وجعل النهار ~~نشورا } أي وقتا لانتشار الناس فيه لمعايشهم، ومكاسبهم، وأسباب رزقهم ~~{ وهو الذي أرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته ~~} أي أرسل الرياح مبشرة بنزول الغيث ms1007 والمطر { وأنزلنا من ~~السمآء مآء طهورا } أي أنزلنا من السحاب الذي ساقته الرياح ماء ~~طاهرا مطهرا تشربون وتتطهرون به قال القرطبي: وصيغة { طهورا } بناء ~~مبالغة في " طاهر " فاقتضى أن يكون طاهرا مطهرا { لنحيي به ~~بلدة ميتا } أي لنحيي بهذا المطر أرضا ميتة لا زرع فيها ولا ~~نبات { ونسقيه مما خلقنآ أنعاما وأناسي كثيرا ~~} أي وليشرب منه الحيوان والإنسان لأن الماء حياة كل حي، والناس ~~محتاجون إليه غاية الحاجة لشربهم وزروعهم وسقي مواشيهم قال الإمام ~~الفخر: وتنكير الأنعام والأناسي لأن حياة البشر بحياة أرضهم وأنعامهم، ~~وأكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأودية والأنهار، فهم في غنية ~~عن شرب مياه المطر، وكثير منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه ~~للشرب إلا عند نزول المطر ولهذا قال { أنعاما وأناسي كثيرا ~~} أي بشرا كثيرين لأن " فعيل " يراد به الكثرة { ولقد صرفناه ~~بينهم ليذكروا } أي ضربنا الأمثال في هذا القرآن للناس ~~وبينا فيه الحجج والبراهين ليتفكروا ويتدبروا { فأبى أكثر ~~الناس إلا كفورا } أي أبى الكثير من البشر إلا الجحود والتكذيب ~~{ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا } أي لو ~~أردنا لخففنا عنك أعباء النبوة فبعثنا في كل أهل قرية نبيا ينذرهم، ~~ولكنا خصصناك بالبعثة إلى جميع أهل الأرض إجلالا لك، وتعظيما لشأنك، ~~فقابل هذا الإجلال بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق { فلا ~~تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا } أي فلا تطع ~~الكفار فيما يدعونك إليه من الكف عن آلهتهم، وجاهدهم بالقرآن جهادا ~~كبيرا بالغا نهايته لا يصاحبه فتور { وهو الذي مرج ~~البحرين } أي هو تعالى بقدرته خلى وأرسل البحرين متجاورين متلاصقين ~~بحيث لا يتمازجان { هذا عذب فرات } أي شديد العذوبة قاطع للعطش ~~من فرط عذوبته { وهذا ملح أجاج } أي بليغ الملوحة، مر شديد ~~المرارة { وجعل بينهما برزخا } أي جعل بينهما حاجزا من ~~قدرته لا يغلب أحدهما على الآخر { وحجرا محجورا } أي ومنعا من ~~وصول أثر أحدهما إلى الآخر وامتزاجه به قال ابن كثير: معنى الآية أنه ~~تعالى خلق الماءين: الحلو والمالح، فالحلو كالأنهار والعيون ms1008 والآبار، ~~والمالح كالبحار الكبار التي لا تجري، وجعل بين العذب والمالح حاجزا وهو ~~اليابس من الأرض، ومانعا من أن يصل أحدهما إلى الآخر، وهذا اختيار ابن ~~جرير وقال الرازي: ووجه الاستدلال ههنا بين لأن الحلاوة والملوحة إن ~~كانت بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء، وإن لم يكن كذلك ~~فلا بد من قادر حكيم يخص كل واحد بصفة معينة { وهو الذي خلق ~~من المآء بشرا } أي خلق من النطفة إنسانا سميعا بصيرا { ~~فجعله نسبا وصهرا } أي قسمهم من نطفة واحدة قسمين: ذوي نسب ~~أي ذكورا ينسب إليهم لأن النسب إلى الآباء كما قال الشاعر: # فإنما أمهات الناس أوعية # مستودعات وللآباء أبناء # وإناثا يصاهر بهن، فبالنسب يتعارفون ويتواصلون، وبالمصاهرة تكون ~~المحبة والمودة واجتماع الغريب بالقريب { وكان ربك قديرا } أي ~~مبالغا في القدرة حيث خلق من النطفة الواحدة ذكرا وأنثى.. ولما شرح ~~دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرة المشركين في عبادة الأوثان فقال { ~~ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ~~} أي يعبدون الأصنام التي لا تنفع ولا تضر لأنها جمادات لا تحس ولا ~~تبصر ولا تعقل { وكان الكافر على ربه ظهيرا } أي ~~معينا للشيطان على معصية الرحمن، لأن عبادته للأصنام معانة للشيطان ~~قال مجاهد: يظاهر الشيطان على معصية الله ويعينه { ومآ أرسلناك ~~إلا مبشرا ونذيرا } أي مبشرا للمؤمنين بجنات النعيم، ~~ومنذرا للكافرين بعذاب الجحيم { قل مآ أسألكم عليه من ~~أجر } أي قل لهم يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا { إلا ~~من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } أي لكن من شاء أن ~~يتخذ طريقا يقربه إلى الله بالإيمان والعمل الصالح فليفعل كأنه يقول: ~~لا أسألكم مالا ولا أجرا وإنما أسألكم الإيمان بالله وطاعته وأجري ~~على الله { وتوكل على الحي الذي لا يموت } أي اعتمد ~~في جميع أمورك على الواحد الأحد، الدائم الباقي الذي لا يموت أبدا، ~~فإنه كافيك وناصرك ومظهر دينك على سائر الأديان { وسبح بحمده ~~} أي نزه الله تعالى عما يصفه هؤلاء الكفار مما لا ms1009 يليق به من الشركاء ~~والأولاد { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } أي حسبك أن ~~الله مطلع على أعمال العباد لا يخفى عليه شيء منها قال الإمام الفخر: ~~وهذه الكلمة يراد بها المبالغة كقولهم: كفى بالعلم جمالا، وكفى بالأدب ~~مالا، وهي بمعنى حسبك أي لا تحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم، ~~قادر على مجازاتهم، وذلك وعيد شديد { الذي خلق السموت ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام } أي هذا الإله ~~العظيم الذي ينبغي أن تتوكل عليه هو القادر على كل شيء، الذي خلق ~~السماوات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين في كثافتها وامتدادها في ~~مقدار ستة أيام من أيام الدنيا قال ابن جبير: الله قادر على أن يخلقها في ~~لحظة ولكن علم خلقه الرفق والتثبت { ثم استوى على العرش } ~~استواء يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تعطيل { الرحمن } أي هو ~~الرحمن ذو الجود والإحسان { فسئل به خبيرا } أي فسل عنه من هو ~~خبير عارف بجلاله ورحمته، وقيل: الضمير يعود إلى الله أي فاسأل الله ~~الخبير بالأشياء، العالم بحقائقها يطلعك على جلية الأمر { وإذا ~~قيل لهم اسجدوا للرحمن } أي وإذا قيل للمشركين اسجدوا ~~لربكم الرحمن الذي وسعت رحمته الأكوان { قالوا وما الرحمن }؟ ~~أي من هو الرحمن؟ استفهموا عنه استفهام من يجهله وهم عالمون به { ~~أنسجد لما تأمرنا } أي أنسجد لما تأمرنا بالسجود له من غير ~~أن نعرفه؟ { وزادهم نفورا } اي وزادهم هذا القول بعدا عن الدين ~~ونفورا منه. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- الاستفهام للتهكم والاستهزاء { أهذا الذي بعث الله ~~رسولا }؟ # 2- التعجيب { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } وفيه تقديم ~~المفعول الثاني على الأول اعتناء بالأمر المتعجب منه والأصل " اتخذ هواه ~~إلها له ". # 3- التشبيه البليغ { جعل لكم اليل لباسا } أي كاللباس الذي ~~يغطي البدن ويستره حذف منه الأداة ووجه الشبه فأصبح بليغا. # 4- المقابلة اللطيفة بين الليل والنهار والنوم والانتشار { جعل ~~لكم اليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار ~~نشورا }. # 5- الاستعارة البديعة { بين يدي رحمته } استعار اليدين لما ~~يكون أمام الشيء وقدامه ms1010 كما تقول: بين يدي الموضوع أو السورة. # 6- الالتفات من الغيبة إلى التكلم للتعظيم { وأنزلنا من ~~السمآء } بعد قوله { أرسل الرياح }. # 7- المقابلة اللطيفة { هذا عذب فرات، وهذا ملح ~~أجاج } أي نهاية في الحلاوة ونهاية في الملوحة. # تنبيه: الفرق بين { ميت } بالتخفيف و { ميت } بالتشديد أن الأول ~~لمن مات حقيقة والثاني لمن سيموت قال الشاعر: # أيا سائلي تفسير ميت وميت # فدونك قد فسرت ما عنه تسأل # فما كان ذا روح فذلك ميت # وما الميت إلا من إلى القبر يحمل ### || [25.61-77] # المناسبة: لما ذكر إعراض المشركين عن عبادة الرحمن أعقبها بذكر آياته ~~الكونية الدالة على الوحدانية، ثم ختم السورة الكريمة بذكر صفات عباد ~~الرحمن التي استحقوا بها دخول الجنان. # اللغة: { بروجا } البروج: منازل الكواكب السيارة سميت بالبروج لأنها ~~تشبه القصور العالية وهي للكواكب كالمنازل للسكان وقيل: هي الكواكب ~~العظيمة { غراما } لازما دائما غير مفارق ومنه الغريم لملازمته { ~~الغرفة } الدرجة الرفيعة في الجنة وهي في اللغة العلية، وكل بناء ~~عال فهو غرفة { يعبأ } يبالي ويهتم قال أبو عبيدة: ما أعبأ به أي ~~وجوده وعدمه عندي سواء، والعبء في اللغة الثقل { لزاما } ملازما ~~لكم. # التفسير: { تبارك الذي جعل في السمآء بروجا } أي ~~تمجد وتعظم الله الذي جعل في السماء تلك الكواكب العظام المنيرة { ~~وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا } أي وجعل فيها الشمس ~~المتوهجة في النهار، والقمر المضيء بالليل { وهو الذي جعل ~~اليل والنهار خلفة } أي يخلف كل منهما الآخر ويتعاقبان، ~~فيأتي النهار بضيائه ثم يعقبه الليل بظلامه { لمن أراد أن ~~يذكر } أي لمن اراد أن يتذكر آلاء الله، ويتفكر في بدائع صنعه { ~~أو أراد شكورا } أي أراد شكر الله على إفضاله ونعمائه قال ~~الطبري: جعل الله الليل والنهار يخلف كل واحد منهما الآخر، فمن فاته شيء ~~من الليل أدركه بالنهار، ومن فاته شيء من النهار أدركه بالليل { ~~وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا } ~~الإضافة للتشريف أي العباد الذين يحبهم الله وهم جديرون بالانتساب إليه ~~هم الذين يمشون على الأرض في لين وسكينة ووقار، لا ms1011 يضربون بأقدامهم أشرا ~~ولا بطرا، ولا يتبخترون في مشيتهم { وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما } أي وإذا خاطبهم السفهاء بغلظة وجفاء قالوا قولا ~~يسلمون فيه من الإثم قال الحسن: لا يجهلون على أحد، وإن جهل عليهم ~~حلموا { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } أي ~~يحيون الليل بالصلاة ساجدين لله على جباههم، أو قائمين على أقدامهم ~~كقوله # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون # [الذاريات: 17] قال الرازي: لما ذكر سيرتهم في النهار ومن وجهين: ترك ~~الإيذاء، وتحمل الأذى بين هنا سيرتهم في الليالي وهو اشتغالهم بخدمة ~~الخالق { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب ~~جهنم } أي يدعون ربهم أن ينجيهم من عذاب النار، ويبتهلون إليه أن ~~يدفع عنهم عذابها { إن عذابها كان غراما } أي لازما دائما ~~غير مفارق { إنها سآءت مستقرا ومقاما } أي بئست جهنم ~~منزلا ومكان إقامة قال القرطبي: المعنى بئس المستقر وبئس المقام، فهم مع ~~طاعتهم مشفقون خائفون من عذاب الله، وقال الحسن: خشعوا بالنهار وتعبوا ~~بالليل فرقا من عذاب جهنم { والذين إذآ أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا } هذا هو الوصف الخامس من أوصاف عباد ~~الرحمن والمعنى: ليسوا مبذرين في إنفاقهم في المطاعم والمشارب والملابس، ~~ولا مقصرين ومضيقين بحيث يصبحون بخلاء { وكان بين ذلك ~~قواما } أي وكان إنفاقهم وسطا معتدلا بين الإسراف والتقتير كقوله ~~تعالى # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # [الإسراء: 29] الآية وقال مجاهد: " لو أنفقت مثل جبل أبي قبيس ذهبا في ~~طاعة الله ما كان سرفا، ولو أنفقت صاعا في معصية الله كان سرفا " { ~~والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } أي لا يعبدون ~~معه تعالى إلها آخر، بل يوحدونه مخلصين له الدين { ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق } أي لا يقتلون ~~النفس التي حرم الله قتلها إلا بما يحق أن تقتل به النفوس من كفر ~~بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو القتل قصاصا { ولا يزنون } أي ~~لا يرتكبون جريمة الزنى التي هي من أفحش الجرائم { ومن يفعل ذلك ~~يلق أثاما } أي ومن يقترف ms1012 تلك الموبقات العظيمة من الشرك والقتل ~~والزنى يجد في الآخرة النكال والعقوبة ثم فسرها بقوله { يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة } أي يضاعف عقابه ويغلظ بسبب الشرك ~~وبسبب المعاصي { ويخلد فيه مهانا } أي يخلد في ذلك العذاب ~~حقيرا ذليلا أبد الآبدين { إلا من تاب وآمن وعمل عملا ~~صالحا } أي إلا من تاب في الدنيا التوبة النصوح وأحسن عمله { ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } أي يكرمهم ~~الله في الآخرة فيجعل مكان السيئات حسنات وفي الحديث # " إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها، ~~رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه ~~كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا فيقول ~~نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه فيقال له: فإن لك ~~مكان كل سيئة حسنة فيقول يا رب: قد عملت أشياء لا أراها ههنا ، قال ~~فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه " # { وكان الله غفورا رحيما } أي واسع المغفرة كثير الرحمة { ~~ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ~~} أي ومن تاب عن المعاصي وأصلح سيرته فإن الله يتقبل توبته ويكون مرضيا ~~عند الله تعالى { والذين لا يشهدون الزور } هذا هو الوصف ~~السابع من أوصاف عباد الرحمن أي لا يشهدون الشهادة الباطلة - شهادة الزور ~~- التي فيها تضييع لحقوق الناس { وإذا مروا باللغو مروا ~~كراما } أي وإذا مروا بمجالس اللغو - وهي الأماكن التي يكون فيها ~~العمل القبيح كمجالس اللهو، والسينما، والقمار، والغناء المحرم - ~~مروا معرضين مكرمين أنفسهم عن أمثال تلك المجالس قال الطبري: واللغو ~~كل كلام أو فعل باطل وكل ما يستقبح كسب الإنسان، وذكر النكاح ~~باسمه في بعض الأماكن، وسماع الغناء مما هو قبيح، كل ذلك يدخل في ~~معنى اللغو الذي يجب أن يجتنبه المؤمن { والذين إذا ذكروا ~~بآيات ربهم } أي إذا وعظوا بآيات القرآن وخوفوا بها { لم ~~يخروا عليها صما وعميانا } أي لم يعرضوا عنها بل ~~سمعوها بآذان واعية وقلوب وجلة { والذين ms1013 يقولون ربنا هب ~~لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } أي اجعل ~~لنا في الأزواج والبنين مسرة وفرحا بالتمسك بطاعتك، والعمل بمرضاتك { ~~واجعلنا للمتقين إماما } أي اجعلنا قدوة يقتدي بنا ~~المتقون، دعاة إلى الخير هداة مهتدين قال ابن عباس: أي أئمة يقتدى بنا ~~في الخير { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا } أي ~~أولئك المتصفون بالأوصاف الجليلة السامية ينالون الدرجات العالية، بصبرهم ~~على أمر الله وطاعتهم له سبحانه { ويلقون فيها تحية ~~وسلاما } أي ويتلقون بالتحية والسلام من الملائكة الكرام كقوله ~~تعالى # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد: 23-24] الآية { خالدين فيها } أي مقيمين في ذلك النعيم لا ~~يموتون ولا يخرجون من الجنة لأنها دار الخلود { حسنت ~~مستقرا ومقاما } أي ما أحسنها مقرا وأطيبها منزلا لمن اتقى ~~الله { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعآؤكم } أي قل لهم ~~يا محمد: لا يكترث ولا يحفل بكم ربي لولا تضرعكم إليه واستغاثتكم إياه ~~في الشدائد { فقد كذبتم فسوف يكون لزاما } أي فقد ~~كذبتم أيها الكافرون بالرسول والقرآن فسوف يكون العذاب ملازما لكم في ~~الآخرة. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- الإضافة للتشريف والتكريم { وعباد الرحمن }. # 2- الطباق بين السجود والقيام { سجدا وقياما } وكذلك بين ~~الإسراف والتقتير { لم يسرفوا ولم يقتروا }. # 3- المقابلة اللطيفة بين نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار { حسنت ~~مستقرا ومقاما } مقابل قوله عن أهل النار { سآءت ~~مستقرا ومقاما }. # 4- الاستعارة البديعة { لم يخروا عليها صما وعميانا ~~} أي لم يتغافلوا عن قوارع النذر حتى يكونوا بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر ~~وهذا من أحسن الاستعارات. # 5- الكناية { قرة أعين } كناية عن الفرحة والمسرة كما أن { ~~الغرفة } كناية عن الدرجات العالية في الجنة. # تنبيه: قال القرطبي: وصف تعالى " عباد الرحمن " بإحدى عشرة خصلة هي ~~أوصافهم الحميدة من التحلي، والتخلي وهي " التواضع، والحلم، والتهجد، ~~والخوف، وترك الإسراف والإقتار، والبعد عن الشرك، والنزاهة عن الزنى ~~والقتل، والتوبة، وتجنب الكذب، وقبول المواعظ، والابتهال إلى الله " ثم ~~بين جزاءهم الكريم وهو نيل الغرفة أي الدرجة الرفيعة ms1014 وهي أعلى منازل ~~الجنة وأفضلها كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-51] # اللغة: { باخع } مهلك وقاتل وأصل البخع: أن يبلغ بالمذبوح البخاع ~~وهو الخرم النافذ في ثقب الفقرات وهو أقصى حد الذبح { فعلتك } ~~الفعلة بفتح الفاء المرة من الفعل { تلقف } تبتلع { يأفكون } ~~من الإفك وهو الكذب { لا ضير } لا ضرر، والضر والضير بمعنى واحد ~~قال الجوهري: ضارة يضوره ضيرا أي ضره قال الشاعر: # فإنك لا يضورك بعد حول # أظبي كان أمك أم حمار # { منقلبون } راجعون { من خلاف } أي يخالف بين الأعضاء فيقطع ~~اليد اليمنى والرجل اليسرى. # التفسير: { طسم } إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم وأنه مركب من أمثال ~~هذه الحروف الهجائية { تلك آيات الكتاب المبين } أي هذه ~~آيات القرآن الواضح الجلي، الظاهر إعجازه لمن تأمله { لعلك باخع ~~نفسك ألا يكونوا مؤمنين } أي لعلك يا محمد مهلك نفسك ~~لعدم إيمان هؤلاء الكفار، فيه تسلية للرسول عليه السلام حتى لا يحزن ولا ~~يتأثر على عدم إيمانهم { إن نشأ ننزل عليهم من ~~السمآء آية } أي لو شئنا لأنزلنا آية من السماء تضطرهم إلى ~~الإيمان قهرا { فظلت أعناقهم لها خاضعين } أي فتظل ~~أعناقهم منقادة خاضعة للإيمان قسرا وقهرا، ولكن لا نفعل لأنا نريد ~~أن يكون الإيمان اختيارا لا اضطرارا قال الصاوي: المعنى لا تحزن على ~~عدم إيمانهم فلو شئنا إيمانهم لأنزلنا معجزة تأخذ بقلوبهم فيؤمنون قهرا ~~عليهم، ولكن سبق في علمنا شقاؤهم فأرح نفسك من التعب { وما ~~يأتيهم من ذكر من الرحمن } أي ما يأتي هؤلاء الكفار ~~شيء من القرآن أو الوحي منزل من عند الرحمن { محدث } أي جديد في ~~النزول، ينزل وقتا بعد وقت { إلا كانوا عنه معرضين } أي ~~إلا كذبوا به واستهزءوا ولم يتأملوا بما فيه من المواعظ والعبر { ~~فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به ~~يستهزئون } أي فقد بلغوا النهاية في الإعراض والتكذيب فسوف ~~يأتيهم عاقبة ما كذبوا واستهزءوا به، ثم نبه تعالى على عظمة سلطانه، ~~وجلالة قدره في مخلوقاته ومصنوعاته، الدالة على وحدانيته وكمال قدرته ~~فقال { أولم يروا ms1015 إلى الأرض كم أنبتنا فيها من ~~كل زوج كريم } أي أولم ينظروا إلى عجائب الأرض كم أخرجنا فيها ~~من كل صنف حسن محمود، كثير الخير والمنفعة؟ والاستفهام للتوبيخ على ~~تركهم الاعتبار { إن في ذلك لآية } أي إن في ذلك الإنبات ~~لآية باهرة تدل على وحدانية الله وقدرته { وما كان أكثرهم ~~مؤمنين } أي وما كان أكثرهم يؤمن في علم الله تعالى، فمع ظهور ~~الدلائل الساطعة يستمر أكثرهم على كفرهم { وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم } أي هو سبحانه الغالب القاهر، القادر على ~~الانتقام ممن عصاه، الرحيم بخلقه حيث أمهلهم ولم يعجل لهم العقوبة مع ~~قدرته عليهم قال أبو العالية: العزيز في نقمته ممن خالف أمره وعبد غيره، ~~الرحيم بمن تاب إليه وأناب وقال الفخر الرازي: إنما قدم ذكر { العزيز ~~} على { الرحيم } لأنه ربما قيل: إنه رحمهم لعجزه عن عقوبتهم، فأزال ~~هذا الوهم بذكر العزيز وهو الغالب القاهر، ومع ذلك فإنه رحيم بعباده، ~~فإن الرحمة إذا كانت مع القدرة الكاملة كانت أعظم وقعا { وإذ ~~نادى ربك موسى } أي واذكر يا محمد لأولئك المعرضين المكذبين من ~~قومك حين نادى ربك نبيه موسى من جانب الطور الأيمن آمرا له أن يذهب ~~إلى فرعون وملئه { أن ائت القوم الظالمين } أي بأن أئت ~~هؤلاء الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي، واستعباد الضعفاء من ~~بني إسرائيل { قوم فرعون } أي هم قوم فرعون، وهو عطف بيان كأن ~~القوم الظالمين وقوم فرعون شيء واحد { ألا يتقون }؟ أي ألا يخافون ~~عقاب الله؟ وفيه تعجيب من غلوهم في الظلم وإفراطهم في العدوان { قال ~~رب إني أخاف أن يكذبون } أي قال موسى يا رب إني أخاف ~~أن يكذبوني في أمر الرسالة { ويضيق صدري } أي ويضيق صدري من ~~تكذيبهم أياي { ولا ينطلق لساني } أي ولا ينطلق لساني بأداء ~~الرسالة على الوجه الكامل { فأرسل إلى هارون } أي فأرسل إلى ~~هارون ليعينني على تبليغ رسالتك قال المفسرون: التمس موسى العذر بطلب ~~المعين بثلاثة أعذار كل واحد منها مرتب على ما قبله وهي: خوف التكذيب، ~~وضيق الصدر، ms1016 وعدم انطلاق اللسان، فالتكذيب سبب لضيق القلب، وضيق القلب ~~سبب لتعسر الكلام، وبالأخص على من كان في لسانه حبسه كما في قوله # واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي # [طه: 27-28] ثم زاد اعتذارا آخر بقوله { ولهم علي ذنب ~~فأخاف أن يقتلون } أي ولفرعون وقومه علي دعوى ذنب وهو أني ~~قتلت منهم قبطيا فأخاف أن يقتلوني به { قال كلا } أي قال الله ~~تعالى له: كلا لن يقتلوك قال القرطبي: وهو ردع وزجر عن هذا الظن، وأمر ~~بالثقة بالله تعالى أي ثق بالله وانزجر عن خوفك منهم فإنهم لا يقدرون ~~على قتلك { فاذهبا بآياتنآ } أي اذهب أنت وهارون بالبراهين ~~والمعجزات الباهرة { إنا معكم مستمعون } أي فأنا معكما ~~بالعون والنصرة أسمع ما تقولان وما يجيبكما به، وصيغة الجمع " معكم " ~~أريد به التثنية فكأنهما لشرفهما عند الله عاملهما في الخطاب معاملة ~~الجمع تشريفا لهما وتعظيما { فأتيا فرعون فقولا إنا ~~رسول رب العالمين } أي فائتيا فرعو الطاغية وقولا له: إنا ~~مرسلان من عند رب العالمين إليك لندعوك إلى الهدى { أن أرسل ~~معنا بني إسرائيل } أي أطلق بني إسرائيل من إسارك واستعبادك ~~وخل سبيلهم حتى يذهبوا معنا إلى الشام { قال ألم نربك فينا ~~وليدا } في الكلام حذف يدل عليه المعنى تقديره: فأتياه فبلغاه الرسالة ~~فقال فرعون لموسى عندئذ: ألم نربك في منازلنا صبيا صغيرا؟ قصد فرعون ~~بهذا الكلام المن على موسى والاحتقار له كأنه يقول: ألست أنت الذي ~~ربيناك صغيرا وأحسنا إليك فمتى كان هذا الأمر الذي تدعيه؟ { ~~ولبثت فينا من عمرك سنين } أي ومكثت بين ظهرانينا سنين ~~عديدة نحسن إليك ونرعاك؟ قال مقاتل: ثلاثين سنة { وفعلت فعلتك ~~التي فعلت } أي فجازيتنا على أن ربيناك أن كفرت نعمتنا وقتلت منا ~~نفسا؟ والتعبير بالفعلة لتهويل الواقعة وتعظيم الأمر، ومراده قتل ~~القبطي { وأنت من الكافرين } أي وأنت من الجاحدين لإنعامنا ~~الكافرين بإحساننا قال ابن عباس: من الكافرين لنعمتي إذ لم يكن فرعون ~~يعلم ما الكفر { قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين } ~~أي قال موسى: فعلت تلك الفعلة وأنا ms1017 من المخطئين لأنني لم أتعمد قتله ~~ولكن أردت تأديبه، ولم يقصد عليه السلام الضلال عن الهدى لأنه معصوم منذ ~~الصغر وقال ابن عباس: { وأنا من الضالين } أي الجاهلين { ~~ففررت منكم لما خفتكم } أي فهربت إلى أرض مدين حين خفت ~~على نفسي أن تقتلوني وتؤاخذوني بما لا أستحقه { فوهب لي ربي ~~حكما } أي فأعطاني الله النبوة والحكمة { وجعلني من ~~المرسلين } أي واختارني رسولا إليك، فإن آمنت سلمت، وإن جحدت ~~هلكت { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني ~~إسرائيل } أي كيف تمن علي بإحسانك إلي وقد استعبدت قومي؟ ~~فما تعده نعمة ما هو إلا نقمة قال ابن كثير: المعنى ما أحسنت إلي ~~وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل فجعلتهم عبيدا وخدما، أفيفي ~~إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم؟ وقال الطبري: أي أتمن ~~علي أن اتخذت بني إسرائيل عبيدا؟ { قال فرعون وما رب ~~العالمين } أي قال فرعون متعاليا متكبرا: من هو هذا الذي تزعم أنه ~~رب العالمين؟ هل هناك إله غيري؟ لأنه كان يجحد الصانع ويقول لقومه # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] { قال رب السموت والأرض وما بينهمآ ~~} أي قال موسى: هو خالق السماوات والأرض، والمتصرف فيهما بالإحياء ~~والإعدام، وهو الذي خلق الأشياء كلها من بحار وقفار، وجبال وأشجار، ~~ونبات وثمار، وغير ذلك من المخلوقات البديعة { إن كنتم موقنين ~~} أي إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة، فهذا أمر ظاهر جلي { قال ~~لمن حوله ألا تستمعون } أي قال فرعون لمن حوله من أشراف ~~قومه على سبيل التهكم والاستهزاء: ألا تسمعون جوابه وتعجبون من أمره؟ ~~أسأله عن حقيقة الله فيجيبني عن صفاته، فأجاب موسى وزاد في البيان والحجة ~~{ قال ربكم ورب آبآئكم الأولين } أي هو خالقكم وخالق ~~آبائكم الذين كانوا قبلكم، فوجودكم دليل على وجود القادر الحكيم، عدل عن ~~التعريف العام إلى التعريف الخاص لأن دليل الأنفس أقرب من دليل الآفاق، ~~وأوضح عند التأمل # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21] فعند ذلك غضب فرعون ونسب موسى إلى الجنون { قال ms1018 إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } سماه رسولا ~~استهزاء وأضافه إلى المخاطبين استنكافا من نسبته له أي إن هذا الرسول ~~لمجنون لا عقل له، أسأله عن شيء فيجيبني عن شيء، فلم يحفل موسى بسخرية ~~فرعون وعاد إلى تأكيد الحجة بتعريف ثالث أوضح من الثاني { قال رب ~~المشرق والمغرب وما بينهمآ إن كنتم تعقلون } ~~أي هو تعالى الذي يطلع الشمس من المشرق ويجعلها تغرب من المغرب، وهذا ~~مشاهد كل يوم يبصره العاقل والجاهل ولهذا قال { إن كنتم تعقلون ~~} أي إن كان لكم عقول أدركتم أن هذا لا يقدر عليه إلا رب العالمين، ~~وهذا من أبلغ الحجج التي تقصم ظهر الباطل كقول إبراهيم في مناظرة النمروذ # قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر # [البقرة: 258] ولما انقطع فرعون وأبلس في الحجة رجع إلى الاستعلاء ~~متوعدا بالبطش والعنف { قال لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين } أي لئن اتخذت ربا غيري لألقينك ~~في غياهب السجن قال المفسرون: وكان سجنه شديدا يحبس الشخص في مكان تحت ~~الأرض وحده لا يبصر ولا يسمع فيه أحدا حتى يموت ولهذا لم يقل " ~~لأسجننك " وإنما قال لأجعلنك من المسجونين لأن سجنه كان أشد من ~~القتل قال في التسهيل: لما أظهر فرعون الجهل بالله فقال { وما رب ~~العالمين } أجابه موسى بقوله { رب السموت والأرض } ~~فقال { ألا تستمعون }؟ تعجبا من جوابه، فزاد موسى في إقامة ~~الحجة بقوله { ربكم ورب آبآئكم الأولين } لأن وجود ~~الإنسان وآبائه أظهر الأدلة عند العقلاء، وأعظم البراهين، فإن أنفسهم ~~أقرب الأشياء إليهم فيستدلون بها وجود خالقهم، فلما ظهرت هذه الحجة حاد ~~فرعون عنها ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه، وأيده بالازدراء والتهكم ~~في قوله { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } ~~فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله { قال رب المشرق والمغرب ~~} لأن طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحدا جحدها ولا أن يدعيها ~~لغير الله، فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فهدده ~~بالسجن، فأقام موسى عليه الحجة ms1019 بالمعجزة وذكرها له بتلطف طمعا في ~~إيمانه { قال أولو جئتك بشيء مبين } أي أتسجنني ولو ~~جئتك بأمر ظاهر، وبرهان قاطع تعرف به صدقى؟ { قال فأت به إن ~~كنت من الصادقين } أي فائت بما تقول إن كنت صادقا في دعواك { ~~فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } أي رمى موسى عصاه ~~فإذا هي حية عظيمة في غاية الجلاء والوضوح، ذات قوائم وفم كبير وشكل ~~هائل مزعج { ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين } أي ~~وأخرج يده من جيبه فإذا هي تتلألأ كالشمس الساطعة، لها شعاع يكاد يعشي ~~الأبصار ويسد الأفق { قال للملإ حوله إن هذا ~~لساحر عليم } أي قال فرعون لأشراف قومه الذين كانوا حوله: إن هذا ~~لساحر عظيم بارع في فن السحر. # . أراد أن يعمي على قومه تلك المعجزة برميه بالسحر خشية أن يتأثروا ~~بما رأوا { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره } أي ~~يريد أن يستولي على بلادكم بسحره العظيم { فماذا تأمرون } أي ~~فبأي شيء تأمروني وبما تشيرون علي أن أصنع به؟ لما رأى فرعون تلك ~~الآيات الباهرة خاف على قومه أن يتبعوه، فتنزل إلى مشاورتهم بعد أن كان ~~مستبدأ بالرأي والتدبير { قالوا أرجه وأخاه } أي أخر ~~أمرهما { وابعث في المدآئن حاشرين } أي وأرسل في أطراف ~~مملكتك من يجمع لك السحرة من كل مكان { يأتوك بكل سحار ~~عليم } أي يجيئوك بكل ساحر ماهر، عليم بضروب السحر قال ابن كثير: ~~وكان هذا من تسخير الله تعالى ليجتمع الناس في صعيد واحد، وتظهر آيات ~~الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة { فجمع السحرة ~~لميقات يوم معلوم } أي فاجتمع السحرة للموعد المحدد وهو ~~وقت الضحى من يوم الزينة، وهو الوقت الذي حدده موسى، ليظهر الحق ويزهق ~~الباطل على رءوس الأشهاد كما قال تعالى # قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى # [طه: 59] { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون * لعلنا ~~نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين } أي قيل للناس: ~~بادروا إلى الإجتماع لكي نتبع السحرة في دينهم إن غلبوا موسى { فلما ~~جآء السحرة قالوا لفرعون أإن ms1020 لنا لأجرا إن ~~كنا نحن الغالبين } أي إن غلبنا بسحرنا موسى فهل تكرمنا ~~بالمال والأجر الجزيل؟ { قال نعم وإنكم إذا لمن ~~المقربين } أي قال لهم فرعون: نعم أعطيكم ما تريدون وأجعلكم من ~~المقربين عندي ومن خاصة جلسائي { قال لهم موسى ألقوا مآ ~~أنتم ملقون } في الكلام إيجاز دل عليه السياق تقديره: فقالوا ~~لموسى عند ذلك إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين كما ذكر في ~~الأعراف فأجابهم موسى بقوله { ألقوا مآ أنتم ملقون } أي ~~ابدءوا بإلقاء ما تريدون فأنا لا أخشاكم، قاله ثقة بنصرة الله له ~~وتوسلا لإظهار الحق { فألقوا حبالهم وعصيهم ~~وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } أي ~~فألقوا ما بأيديهم من الحبال والعصي وقالوا عند الإلقاء نقسم بعظمة ~~فرعون وسلطانه إنا نحن الغالبون لموسى { فألقى موسى عصاه ~~فإذا هي تلقف ما يأفكون } أي فألقى موسى العصى فانقلبت ~~حية عظيمة فإذا هي تبتلع وتزدرد الحبال والعصي التي اختلقوها باسم ~~السحر حيث خيلوها للناس حيات تسعى، وسمى تلك الأشياء إفكا مبالغة { ~~فألقي السحرة ساجدين } أي سجدوا لله رب العالمين، بعدما ~~شاهدوا البرهان الساطع، والمعجزة الباهرة { قالوا آمنا برب ~~العالمين * رب موسى وهارون } أي وقالوا عند سجودهم آمنا ~~بالله العزيز الكبير الذي يدعونا إليه موسى وهارون قال الطبري: لما تبين ~~للسحرة أن الذي جاءهم به موسى حق لا سحر، وأنه مما لا يقدر عليه غير ~~الله الذي فطر السماوات والأرض، خروا لوجوههم سجدا لله مذعنين له ~~بالطاعة قائلين: آمنا برب العالمين الذي دعانا موسى لعبادته، دون فرعون ~~وملئه { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } أي قال فرعون ~~للسحرة: آمنتم لموسى قبل أن تستأذنوني؟ { إنه لكبيركم الذي ~~علمكم السحر } أي إنه رئيسكم الذي تعلمتم منه السحر وتواطأتم ~~معه ليظهر أمره، أراد فرعون بهذا الكلام التلبيس على قومه لئلا يعتقدوا ~~أن السحرة آمنوا عن بصيرة وظهور حق قال ابن كثير: وهذه مكابرة يعلم كل ~~أحد بطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم ~~الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا ms1021 لا يقوله عاقل، ثم توعدهم بقوله { ~~فلسوف تعلمون } أي سوف تعلمون عند عقابي وبال ما صنعتم من ~~الإيمان به { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~} أي لأقطعن يد كل واحد منكم اليمنى ورجله اليسرى { ~~ولأصلبنكم أجمعين } أي ولأصلبن كل واحد منكم على جذع ~~شجرة وأتركه حتى الموت { قالوا لا ضير إنآ إلى ربنا ~~منقلبون } أي لا ضرر علينا في وقوع ما أوعدتنا به، ولا نبالي به ~~لأننا نرجع إلى ربنا مؤملين غفرانه { إنا نطمع أن يغفر لنا ~~ربنا خطايانآ } أي إنا نرجو أن يغفر لنا الله ذنوبنا التي سلفت ~~منا قبل إيماننا به فلا يعاقبنا بها { أن كنآ أول المؤمنين ~~} أي بسبب أن بادرنا قومنا إلى الإيمان وكنا أول من آمن بموسى. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- الكناية اللطيفة { فظلت أعناقهم لها خاضعين } كنى ~~به عن الذل والهوان الذي يلحقهم بعد العز والكبرياء. # 2- الوعيد والتهديد { فسيأتيهم أنباء ما كانوا به ~~يستهزئون }. # 3- التوبيخ { أولم يروا إلى الأرض } الاستفهام للتوبيخ على ~~تركهم النظر بعين الاعتبار. # 4- المقابلة اللطيفة بين { ويضيق صدري } { ولا ينطلق ~~لساني }. # 5- جناس الاشتقاق { رسول.. أرسل }. # 6- الجناس الناقص { وفعلت فعلتك } فقد اتفقت الحروف بين ~~(فعلت وبين فعلة) واختلف الشكل فأصبح جناسا غير تام. # 7-الإيجاز بالحذف { قال ألم نربك فينا وليدا } دل على ~~هذا الحذف السياق تقديره فأتيا فرعون فقالا له ذلك فقال لموسى { ألم ~~نربك } وكذلك هناك إيجاز في { فأرسل إلى هارون } قال ~~الزمخشري: أصله أرسل جبريل إلى هارون واجعله نبيا وآزرني به واشدد به ~~عضدي فأحسن في الاختصار غاية الإحسان. # 8- صيغة التعجيب { ألا تستمعون }. # 9- التأكيد بإن واللام لأن السامع متشكك ومتردد { إن رسولكم ~~الذي أرسل إليكم لمجنون } ومثله قول السحرة في بدء ~~المناظرة { إنا لنحن الغالبون } وهذا من خصائص علم البيان. # 10- الطباق بين { المشرق.. والمغرب } ثم توافق الفواصل وهو ~~من السجع البديع. # لطيفة: إن قيل كيف قال موسى في بدء مناظرته لفرعون وقومه { إن كنتم ~~موقنين } ثم قال آخرا { إن كنتم تعقلون } فالجواب أنه ~~تلطف ولاين ms1022 أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة ~~وبخهم بقوله { إن كنتم تعقلون } وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون { ~~إن رسولكم.. لمجنون } فسلك موسى طريق الحكمة. ### || [26.52-104] # المناسبة: ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه السورة سبع قصص: أولها قصة ~~موسى وهارون، وثانيها قصة إبراهيم، وثالثها قصة نوح، ورابعها قصة هود، ~~وخامسها قصة صالح وسادسها قصة لوط وسابعها قصة شعيب، وكل تلك القصص ~~لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من المشركين، ولا تزال ~~الآيات تتحدث عن قصة موسى عليه السلام. # اللغة: { أسر } من الإسراء وهو السير ليلا فلا يقال لمن سار ~~نهارا أسرى وإنما هو خاص بالليل { شرذمة } الشرذمة: الجمع القليل ~~الحقير والجمع شراذم قال الجوهري: الشرذمة الطائفة من الناس، والقطعة ~~من الشيء، وثوب شراذم أي قطع { أزلفنا } قربنا ومنه { ~~وأزلفت الجنة للمتقين } أي قربت قال الشاعر: # وكل يوم مضى أو ليلة سلفت # فيها النفوس إلى الآجال تزدلف # { فكبكبوا } كبكب الشيء: قلب بعضه على بعض قال ابن عطية: وهو ~~مضاعف من كب وهذا قول الجمهور مثل صر، وصرصر، وقال الزمخشري: ~~الكبكبة: تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في ~~المعنى كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها { ~~حميم } الحميم: الصديق الخالص الذي يهمه ما أهمك { كرة } الكرة: ~~العودة والرجوع مرة أخرى. # التفسير: { وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي } أي ~~أمرنا موسى بطريق الوحي أن يسير ليلا إلى جهة البحر ببني إسرائيل قال ~~القرطبي: أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلا، وسماهم عباده لأنهم ~~آمنوا بموسى { إنكم متبعون } أي يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم ~~إلى أرض مصر ويقتلوكم { فأرسل فرعون في المدآئن ~~حاشرين } أي أرسل فرعون في طلبهم حين أخبر بمسيرهم وأمر أن يجمع له ~~الجيش من كل المدن قائلا لهم { إن هؤلاء لشرذمة ~~قليلون } أي طائفة قليلة قال الطبري: كان بنو إسرائيل ستمائة وسبعين ~~ألفا ولكنه قللهم بالنسبة إلى كثرة جيشه { وإنهم لنا ~~لغآئظون } أي وإنهم يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق ms1023 صدورنا { وإنا ~~لجميع حاذرون } أي ونحن قوم متيقظون منتبهون، من عادتنا التيقظ ~~والحذر، واستعمال الحزم في الأمور قال الزمخشري: وهذه معاذير اعتذر بها ~~إلى قومه لئلا عادتنا التيقظ والحذر، واستعمال الحزم في الأمور قال ~~الزمخشري: وهذه معاذير اعتذر بها إلى قومه لئلا يظن به ما يكسر من ~~قهره وسلطانه، قال تعالى { فأخرجناهم من جنات وعيون } ~~أي أخرجنا فرعون وقومه من بساتين كانت لهم وأنهار جارية { وكنوز ~~ومقام كريم } أي وأخرجناهم من الأموال التي كنزوها من الذهب ~~والفضة، ومن المنازل الحسنة والمجالس البهية { كذلك وأورثناها ~~بني إسرائيل } أي مثل ذلك الإخراج الذي وضعناه فعلنا بهم، ~~وأورثنا بني إسرائيل ديارهم وأموالهم بعد إغراق فرعون وقومه { ~~فأتبعوهم مشرقين } أي فلحقوهم وقت شروق الشمس { فلما ~~تراءى الجمعان } أي فلما رأى كل منهما اللآخر، والمراد جمع ~~موسى وجمع فرعون { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } أي ~~ملحقون يلحقنا فرعون وجنوده فيقتلوننا، قالوا ذلك حين رأوا فرعون الجبار ~~وجنوده وراءهم، والبحر أمامهم، وساءت ظنونهم { قال كلا } أي قال ~~موسى كلا لن يدركوكم فارتدعوا عن مثل هذا الكلام وانزجروا { إن ~~معي ربي سيهدين } إن ربي معي بالحفظ والنصرة، وسيهديني إلى ~~طريق النجاة والخلاص قال الرازي: قوى نفوسهم بأمرين: أحدهما أن ربه معه ~~وهذا دلالة النصرة والتكفل بالمعونة والثاني قوله { سيهدين } أي ~~إلأى طريق النجاة والخلاص، وإذا دله على طريق نجاته وهلاك أعدائه فقد ~~بلغ النهاية في النصرة { فأوحينآ إلى موسى أن اضرب ~~بعصاك البحر } أي أمرنا موسى بطريق الوحي أن يضرب البحر بعصاه { ~~فانفلق } أي فضربه فانشق وانفلق { فكان كل فرق كالطود ~~العظيم } أي فكان كل جزء منه كالجبل الشامخ الثابت قال ابن عباس: صار ~~فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط منهم طريق { وأزلفنا ثم ~~الآخرين } أي وقربنا هناك فرعون وجماعته حتى دخلوا البحر على إثر دخول ~~بني إسرائيل { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } أي ~~أنجينا موسى والمؤمنين معه جميعا { ثم أغرقنا الآخرين } أي ~~أغرقنا فرعون وقومه قال المفسرون: لما انفلق البحر جعله الله يبسا ~~لموسى وقومه، وصار ms1024 في اثنا عشر طريقا ووقف الماء بينها كالطود العظيم، ~~فلما خرج أصحاب موسى وتكامل دخول أصحاب فرعون أمر الله البحر أن يطبق ~~عليهم فغرقوا فيه، فقال بعض أصحاب موسى: ما غرق فرعون! فنبذ على ساحل ~~البحر حتى نظروا إليه { إن في ذلك لآية } أي إن في إغراق ~~فرعون وقومه لعبرة عظيمة على إنجاء الله لأوليائه، وإهلاكه لأعدائه { ~~وما كان أكثرهم مؤمنين } أي ومع مشاهدة هذه الآية العظمى ~~لم يؤمن أكثر البشر، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد لمن ~~عصاه { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي المنتقم من ~~أعدائه الرحيم بأوليائه { واتل عليهم نبأ إبراهيم } هذه ~~بداية قصة إبراهيم أي اقصص عليهم يا محمد خبر إبراهيم الهام وشأنه العظيم ~~{ إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون } أي حين قال لأبيه ~~وعشيرته أي شيء تعبدون؟ سألهم مع علمه بأنهم يعبدون الأصنام ليبين ~~لهم سفاهة عقولهم في عبادة ما لا ينفع، ويقيم عليهم الحجة { قالوا ~~نعبد أصناما فنظل لها عاكفين } أي نعبد أصناما فنبقى ~~مقيمين على عبادتها لا نتركها، قالوا ذلك على سبيل الابتهاج والافتخار، ~~وكان يكفيهم أن يقولوا: نعبد الأصنام ولكنهم زادوا في الوصف كالمفتخر بما ~~يصنع { قال هل يسمعونكم إذ تدعون } أي قال هم إبراهيم ~~على سبيل التبكيت والتوبيخ: هل يسمعون دعاءكم حين تلجأون إليهم بالدعاء؟ ~~{ أو ينفعونكم أو يضرون } أي وهل يبذلون لكم منفعة، أو ~~يدفعون عنكم مضرة؟ { قالوا بل وجدنآ آبآءنا كذلك ~~يفعلون } أي وجدنا آباءنا يعبدونهم ففعلنا مثلهم قال أبو السعود: ~~اعترفوا بأنها لا تنفع ولا تضر بالمرة، واضطروا إلى إظهار الحقيقة وهي ~~أنه لا سند لهم سوى التقليد، وهذا من علامات انقطاع الحجة { قال ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآبآؤكم ~~الأقدمون } أي قال إبراهيم: أفرأيتم هذه الأصنام التي عبدتموها من ~~دون الله أنتم وآباؤكم الأولون؟ { فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين } أي فإن هذه الأصنام أعداء لي لا أعبدهم، ولكن أعبد الله ~~رب العالمين فهو وليي في الدنيا والآخرة، أسند العداوة لنفسه تعريضا ~~بهم وهو أبلغ ms1025 في النصيحة من التصريح { الذي خلقني فهو ~~يهدين } أي الله الذي خلقني هو الذي يهديني إلى طريق الرشاد لا هذه ~~الأصنام { والذي هو يطعمني ويسقين } أي هو تعالى الذي ~~يرزقني الطعام والشراب فهو الخالق الرازق الذي ساق المزن، وأنزل المطر، ~~وأخرج به أنواع الثمرات رزقا للعباد { وإذا مرضت فهو ~~يشفين } أي وإذا أصابني المرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، ~~وإنما أسند المرض إلى نفسه { مرضت } وأسند الشفاء إلى الله رعاية ~~للأدب، وإلا فالمرض والشفاء من الله جل وعلا فاستعمل في كلامه حسن الأدب ~~{ والذي يميتني ثم يحيين } أي وهو تعالى المحيي المميت لا ~~يقدر على ذلك أحد سواه، يميتني إذا شاء ثم يحييني إذا أراد بعد مماتي { ~~والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } أي ~~أرجو من واسع رحمته أن يغفر لي ذنبي يوم الحساب والجزاء حيث يجازى ~~العباد بأعمالهم، وفيه تعليم للأمة أن يستغفروا من ذنوبهم ويقروا ~~بخطاياهم { رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين } أي ~~هب لي الفهم والعلم وألحقني في زمرة عبادك الصالحين { واجعل لي ~~لسان صدق } أي اجعل لي ذكرا حسنا وثناء عاطرا { في ~~الآخرين } أي فيمن يأتي بعدي إلى يوم القيامة، أذكر به ويقتدى بي ~~قال ابن عباس: هو اجتماع الأمم عليه، فكل أمة تتمسك به وتعظمه { ~~واجعلني من ورثة جنة النعيم } أي من السعداء في الآخرة ~~الذين يستحقون ميراث جنات الخلد { واغفر لأبي } أي اصفح عنه ~~واهده إلى الإيمان { إنه كان من الضآلين } أي ممن ضل عن ~~سبيل الهدى قال الصاوي: وقد أجابه الله تعالى في جميع دعواته سوى الدعاء ~~بالغفران لأبيه وقال القرطبي: كان أبوه وعده أن يؤمن به فلذلك استغفر له، ~~فلما بان له انه لا يفي تبرأ منه { ولا تخزني يوم يبعثون } ~~أي لا تذلني ولا تهني يوم تبعث الخلائق للحساب، وهذا تواضع منه ~~أمام عظمة الله وجلاله وإلا فقد أثنى الله عليه بقوله # إن إبراهيم كان أمة # [النحل: 120] الآية { يوم لا ينفع مال ولا بنون } أي في ~~ذلك ms1026 اليوم العصيب لا ينفع أحدا فيه مال ولا ولد { إلا من أتى ~~الله } إي إلا من جاء ربه في الآخرة { بقلب سليم } أي بقلب ~~نقي طاهر، سليم من الشرك والنفاق، والحسد والبغضاء، وإلى هنا تنتهي ~~دعوات الخليل إبراهيم ثم قال تعالى { وأزلفت الجنة ~~للمتقين } أي قربت الجنة للمتقين لربهم ليدخلوها قال الطبري: ~~وهم الذين اتقوا عقاب الله بطاعتهم إياه في الدنيا { وبرزت ~~الجحيم للغاوين } أي وأظهرت النار للمجرمين الضالين حتى ~~رأوها بارزة أمامهم مكشوفة للعيان، فالمؤمنون يرون الجنة فتحصل لهم ~~البهجة والسرور، والغاوون يرون جهنم فتحصل لهم المساءة والأحزان { ~~وقيل لهم } أي قيل للمجرمين على سبيل التقريع والتوبيخ { أين ~~ما كنتم تعبدون * من دون الله } أي أين آلهتكم الذين ~~عبدتموهم من الأصنام والأنداد؟ { هل ينصرونكم أو ينتصرون ~~} أي هل ينقذونكم من عذاب الله، أو يستطيعون أن يدفعوه عن أنفسهم؟ وهذا ~~كله توبيخ { فكبكبوا فيها } أي ألقوا على رءوسهم في جهنم قال ~~مجاهد: دهوروا في جهنم وقال الطبري: رمي بعضهم على بعض، وطرح بعضهم ~~على بعض منكبين على وجوههم { هم والغاوون } أي الأصنام والمشركون ~~والعابدون والمعبودون كقوله # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] { وجنود إبليس أجمعون } أي وأتباع إبليس ~~قاطبة من الإنس والجن { قالوا وهم فيها يختصمون } أي قال ~~العابدون لمعبوديهم وهم في الجحيم يتنازعون ويتخاصمون { تالله إن ~~كنا لفي ضلال مبين } أي نقسم بالله لقد كنا في ضلال واضح ~~وبعد عن الحق ظاهر { إذ نسويكم برب العالمين } أي حين ~~عبدناكم من رب العالمين وجعلناكم مثله في استحقاق العبادة { ومآ ~~أضلنآ إلا المجرمون } أي وما أضلنا عن الهدى إلا الرؤساء ~~والكبراء الذين زينوا لنا الكفر والمعاصي { فما لنا من شافعين } ~~أي ليس لنا من يشفع لنا من هول هذا اليوم { ولا صديق حميم } أي ~~ولا صديق خالص الود ينقذنا من عذاب الله { فلو أن لنا كرة } ~~أي لو أن لنا رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } أي ~~فنؤمن بالله ونحسن عملنا ونطيع ربنا { إن في ذلك لآية } أي ms1027 إن ~~فيما ذكر من نبأ إبراهيم وقومه لعبرة يعتبر بها أولو الأبصار { وما ~~كان أكثرهم مؤمنين } اي وما كان أكثر هؤلاء المشركين الذين ~~تدعوهم إلى الإسلام بمؤمنين { وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم } أي المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- الإيجاز بالحذف { فانفلق } أي فضرب البحر فانفلق. # 2- التشبيه المرسل المجمل { كالطود العظيم } أي كالجبل في ~~رسوخه وثباته ذكرت أداة التشبيه وحذف وجه الشبه. # 3- الطباق بين { ينفعونكم أو يضرون } وكذلك بين { ~~يميتني ثم يحيين }. # 4- مراعاة الأدب { وإذا مرضت فهو يشفين } لم يقل: وإذا ~~أمرضني بل أسند المرض لنفسه تأدبا مع الله لأن الشر لا ينسب إليه ~~تعالى أدبا، وإن كان المرض والشفاء كلاهما من الله. # 5- الاستعارة اللطيفة { واجعل لي لسان صدق } استعار اللسان ~~للذكر الجميل والثناء الحسن وهو من ألطف الاستعارات. # 6- المقابلة البديعة { وبرزت الجحيم للغاوين } مقابل ~~قوله عن السعداء { وأزلفت الجنة للمتقين }. # 7- مراعاة الفواصل في أواخر الآيات مثل { المتقين } ، { ~~الغاوين } ، و { ضلال مبين } وهو من السجع الحسن الذي يزيد في ~~جمال البيان. # تنبيه: " روي أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة ~~وغبرة فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني! فيقول أبوه: فاليوم لا ~~أعصيك فيقول إبراهيم يا رب: إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي ~~أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين ثم ~~يقول يا إبراهيم: انظر تحت رجلك فينظر فإذا هو بذيخ - ذكر من الضباع - ~~متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار " رواه البخاري. ### || [26.105-191] # المناسبة: لما قص تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم خبر موسى ~~وإبراهيم أتبعه بذكر قصة نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وكل ذلك ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يلقاه من قومه، وبيان لسنة ~~الله في عقاب المكذبين. # اللغة: { المشحون } المملوء يقال: شحن السفينة أي ملأها بالناس ~~والدواب والطعام { ريع } الريع: ما ارتفع من الأرض، والريع: ~~الطريق { مصانع } المراد بها الحصون المشيدة وهو ms1028 قول ابن عباس قال ~~الشاعر: # تركنا ديارهم منهم قفارا # وهدمنا المصانع والبروجا # { بطشتم } البطش: السطوة والأخذ بالعنف يقال: بطش يبطش إذا ~~أخذه بشدة وعنف { الجبلة } الخليقة قال الهروي: الجبلة ~~والجبل: الجمع ذو العدد الكثير من الناس ومنه قوله # ولقد أضل منكم جبلا كثيرا # [يس: 62] أي ناسا كثيرين ويقال: جبل فلان على كذا أي خلق { كسفا ~~} جمع كسفة وهي القطعة من الشيء. # التفسير: { كذبت قوم نوح المرسلين } أي كذب قوم نوح ~~رسولهم نوحا، وإنما قال { المرسلين } لأن من كذب رسولا فقد ~~كذب الرسل { إذ قال لهم أخوهم نوح } أي أخوهم في النسب لا ~~في الدين لأنه كان منهم قال الزمخشري: وهذا من قول العرب: يا أخا بني ~~تميم يريدون يا واحدا منهم ومنه بيت الحماسة " لا يسألون أخاهم حين ~~يندبهم " { ألا تتقون } أي ألا تخافون عقاب الله في عبادة ~~الأصنام؟ { إني لكم رسول أمين } أي إني لكم ناصح، أمين في ~~نصحي لا أخون ولا أكذب { فاتقوا الله وأطيعون } أي خافوا ~~عذاب الله وأطيعوا أمري { ومآ أسألكم عليه من أجر } أي ~~لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم { إن أجري إلا على رب ~~العالمين } أي ما أطلب ثوابي وأجري إلا من الله تعالى { فاتقوا ~~الله وأطيعون } كرره تأكيدا وتنبيها على أهمية الأمر الذي ~~دعاهم إليه { قالوا أنؤمن لك } أي أنصدقك يا نوح فيما تقول { ~~واتبعك الأرذلون } أي والحال أن أتباعك هم السفلة والفقراء ~~والضعفاء؟ قال البيضاوي: وهذا من سخافة عقلهم، وقصور رأيهم فقد قصروا ~~الأمر على حطام الدنيا حتى جعلوا اتباع الفقراء له مانعا عن اتباعهم ~~وإيمانهم بدعوة نوح { قال وما علمي بما كانوا يعملون } ~~أي ليس علي أن أبحث عن خفايا ضمائرهم، وأن أنقب عن أعمالهم هل ~~اتبعوني إخلاصا أو طمعا؟ قال القرطبي: كأنهم قالوا: إنما اتبعك هؤلاء ~~الضعفاء طمعا في العزة والمال فقال في جوابهم: إني لم أقف على باطن ~~أمرهم وإنما إلي ظاهرهم { إن حسابهم إلا على ربي لو ~~تشعرون } أي ما حسابهم وجزاؤهم إلا على الله فإنه المطلع ms1029 على ~~السرائر والضمائر لو تعلمون ذلك { ومآ أنا بطارد المؤمنين ~~} أي لست بمبعد هؤلاء المؤمنين الضعفاء عني، ولا بطاردهم عن مجلسي قال ~~أبو حيان: وهذا مشعر بأنهم طلبوا منه ذلك كما طلب رؤساء قريش من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد من آمن من الضعفاء { إن أنا إلا ~~نذير مبين } أي ما أنا إلا نذير لكم من عذاب الله، أخوفكم بأسه ~~وسطوته فمن أطاعني نجا سواء كان شريفا أو وضيعا، أو جليلا أو حقيرا ~~{ قالوا لئن لم تنته ينوح لتكونن من ~~المرجومين } أي لئن لم تنته عن دعوى الرسالة وتقبيح ما نحن عليه ~~لتكونن من المرجومين بالحجارة، خوفوه بالقتل بالحجارة فعند ذلك حصل ~~اليأس لنوح من فلاحهم فدعا عليهم { قال رب إن قومي ~~كذبون } أي قال نوح يا رب إن قومي كذبوني ولم يؤمنوا بي { ~~فافتح بيني وبينهم فتحا } أي فاحكم بيني وبينهم بما ~~تشاء، واقض بيننا بحكمك العادل { ونجني ومن معي من ~~المؤمنين } أي أنقذني والمؤمنين معي من مكرهم وكيدهم { ~~فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون } أي فأنجينا ~~نوحا ومن معه من المؤمنين في السفينة المملوءة بالرجال والنساء والحيوان ~~{ ثم أغرقنا بعد الباقين } أي أغرقنا بعد إنجائهم الباقين ~~من قومه { إن في ذلك لآية } أي لعبرة عظيمة لمن تفكر وتدبر { ~~وما كان أكثرهم مؤمنين } أي وما أكثر الناس بمؤمنين { ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي وإن ربك يا محمد لهو ~~الغالب الذي لا يقهر، الرحيم بالعباد حيث لا يعاجلهم بالعقوبة، ثم شرع ~~تعالى في ذكر قصة " هود " فقال { كذبت عاد المرسلين } أي ~~كذبت قبيلة عاد رسولهم هودا، ومن كذب رسولا فقد كذب جميع المرسلين { ~~إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون } أي ألا تخافون ~~عذاب الله وانتقامه في عبادتكم لغيره! { إني لكم رسول أمين } ~~أي أمين على الوحي ناصح لكم في الدين { فاتقوا الله ~~وأطيعون } أي فخافوا عذاب الله وأطيعوا أمري { ومآ أسألكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين } ~~أي لا أطلب منكم على ms1030 تبليغ الدعوة شيئا من المال إنما أطلب أجري من ~~الله، كررت الآيات للتنبيه إلى أن دعوة الرسل واحدة { أتبنون ~~بكل ريع آية تعبثون }؟ استفهام إنكاري أي أتبنون بكل موضع ~~مرتفع من الطريق بناء شامخا كالعلم لمجرد اللهو والعبث؟ قال ابن ~~كثير: الريع المكان المرتفع كانوا يبنون عند الطرق المشهورة بنيانا ~~محكما هائلا باهرا لمجرد اللهو واللعب وإظهار القوة، ولهذا أنكر ~~عليهم نبيهم عليه السلام ذلك لأنه تضييع للزمان، وإتعاب للأبدان، ~~واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة { وتتخذون ~~مصانع لعلكم تخلدون } أي وتتخذون قصورا مشيدة محكمة ~~ترجون الخلود في الدنيا كأنكم لا تموتون؟ { وإذا بطشتم ~~بطشتم جبارين } أي وإذا اعتديتم على أحد فعلتم فعل الجبارين ~~من البطش دون رأفة أو رحمة، وإنما أنكر عليهم ذلك لأنه صادر عن ظلم ~~عادة الجبابرة المتسلطين قال الفخر: وصفهم بثلاثة أمور: اتخاذ الأبنية ~~العالية وهو يدل على السرف وحب العلو، واتخاذ المصانع - القصور المشيدة ~~والحصون - وهو يدل على حب البقاء والخلود، والجبارية وهي تدل على حب ~~التفرد بالعلو، وكل ذلك يشير على أن حب الدنيا قد استولى عليهم بحيث ~~استغرقوا فيه حتى خرجوا عن حد العبودية، وحاموا حول دعاء الربوبية، وحب ~~الدنيا رأس كل خطيئه { فاتقوا الله وأطيعون } أي خافوا ~~الله واتركوا هذه الأفعال وأطيعوا أمري، ثم شرع يذكرهم نعم الله فقال { ~~واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } أي أنعم عليكم ~~بأنواع النعم والخيرات { أمدكم بأنعام وبنين * وجنات ~~وعيون } أي أعطاكم أصول الخيرات من المواشي، والبنين، والبساتين، ~~والأنهار، وأغدق عليكم النعم فهو الذي يجب أن يعبد ويشكر ولا يكفر { ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } أي أخشى عليكم إن ~~لم تشكروا هذه النعم وأشركتم وكفرتم عذاب يوم هائل تشيب لهوله الولدان. # . دعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، وبلغ في دعائهم بالوعظ والتخويف ~~النهاية القصوى في البيان فكان جوابهم { قالوا سوآء علينآ ~~أوعظت أم لم تكن من الواعظين } أي يستوي عندنا ~~تذكيرك لنا وعدمه، فلا نبالي بما تقول، ولا نرعوي عما نحن عليه قال أبو ms1031 ~~حيان: جعلوا قوله وعظا على سبيل الاستخفاف وعدم المبالاة بما خوفهم ~~به إذ لم يعتقدوا صحة ما جاء به، وانه كاذب فيما ادعاه { إن هذا ~~إلا خلق الأولين } أي ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب وخرافات ~~الأولين { وما نحن بمعذبين } أي لا بعث ولا جزاء ولا حساب ~~ولا عذاب { فكذبوه فأهلكناهم } أي فكذبوا رسولهم هودا ~~فأهلكناهم بريح صرصر عاتية قال ابن كثير: وكان إهلاكهم بالريح الشديدة ~~الهبوب، ذات البرد الشديد وهي الريح الصرصر العاتية، وكان سبب إهلاكهم ~~من جنسهم، فإنهم كانوا أعتى شيء وأجبره، فسلط الله عليهم ما هو أعتى ~~منهم وأشد، فحصبت الريح كل شيء حتى كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه، ~~وترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه، فتشدخ رأسه ودماغه { إن في ~~ذلك لآية } أي إن في إهلاكهم لعظة وعبرة { وما كان أكثرهم ~~مؤمنين } أي وما آمن أكثر الناس مع رؤيتهم للآيات الباهرة { ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي وإن ربك يا محمد لهو ~~العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بعباده المؤمنين، ثم شرع تعالى في ~~ذكر قصة " صالح " فقال { كذبت ثمود المرسلين } أي كذبت ~~قبيلة ثمود نبيهم " صالحا " ومن كذب رسولا ققد كذب جميع المرسلين { ~~إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون }؟ ألا تخافون عذاب ~~الله وانتقامه في عبادتكم غيره! { إني لكم رسول أمين * ~~فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين } كررت الآيات ~~للتنبيه على أن دعوة الرسل واحدة، فكل رسول يذكر قومه بالغاية من ~~بعثته ورسالته، وأنها لصالح البشر { أتتركون في ما ههنآ ~~آمنين } أي أيترككم ربكم في هذه الدنيا آمنين، مخلدين في النعيم، ~~كأنكم باقون في الدنيا بلا موت؟ قال ابن عباس: كانوا معمرين لا يبقى ~~البنيان مع أعمارهم، قال القرطبي: ودل على هذا قوله تعالى # واستعمركم فيها # [هود: 61] فقرعهم صالح ووبخهم وقال: أتظنون أنكم باقون في الدنيا ~~بلا موت { في جنات وعيون } أي في بساتين وأنهار جاريات { ~~وزروع ونخل طلعها هضيم } أي وسهول فسيحة فيها ms1032 من أنواع ~~الزروع والنخيل الرطب اللين؟ أتتركون في كل ذلك النعيم دون حساب ولا جزاء ~~قال المفسرون: كانت أرض ثمود كثيرة البساتين والماء والنخل فذكرهم صالح ~~بنعم الله الجليلة من إنبات البساتين والجنات، وتفجير العيون الجاريات، ~~وإخراج الزروع والثمرات، ومعنى " الهضيم " اللطيف الدقيق وهو قول عكرمة، ~~وقال ابن عباس معناه: اليانع النضيج { وتنحتون من الجبال ~~بيوتا فارهين } أي وتبنون بيوتا في الجبال أشرين بطرين من غير ~~حاجة لسكناها قال الرازي: وظاهر هذه الآيات يدل على أن الغالب على قوم ~~" هود " هو اللذات الخيالية وهي الاستعلاء، والبقاء، والتجبر، والغالب ~~على قوم " صالح " هو اللذات الحسية وهي طلب المأكول، والمشروب، والمساكن ~~الطيبة وقال الصاوي: كانت أعمارهم طويلة فإن السقوف والأبينة كانت تبلى ~~قبل فناء أعمارهم، لأن الواحد منهم كان يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف { ~~فاتقوا الله وأطيعون } أي فاتقوا عقاب الله وأطيعوني في ~~نصيحتي لكم { ولا تطيعوا أمر المسرفين } أي ولا تطيعوا ~~أمر الكبراء المجرمين { الذين يفسدون في الأرض ولا ~~يصلحون } أي الذين عادتهم الفساد في الأرض لا الإصلاح قال الطبري: ~~وهم الرهط التسعة الذين وصفهم الله بقوله # وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ~~ولا يصلحون # [النمل: 48] { قالوا إنمآ أنت من المسحرين } أي من ~~المسحورين سحرت حتى غلب على عقلك قال المفسرون: والمسحر مبالغة من ~~المسحور { مآ أنت إلا بشر مثلنا } أي لست يا صالح إلا ~~رجلا مثلنا، فكيف تزعم أنك رسول الله { فأت بآية إن كنت من ~~الصادقين } أي فائتنا بمعجزة تدل على صدقك { قال هذه ناقة ~~} أي هذه معجزتي إليكم وهي الناقة التي تخرج من الصخر الأصم بقدرة الله ~~قال المفسرون: روي أنهم اقترحوا عليه ناقة عشراء - حامل - تخرج من صخرة ~~معينة وتلد أمامهم، فقعد صالح عليه السلام يتفكر فجاءه جبريل فقال: صل ~~ركعتين وسل ربك الناقة ففعل، فخرجت الناقة وولدت أمامهم وبركت بين ~~أيديهم فقال لهم هذه ناقة يا قوم { لها شرب ولكم شرب يوم ~~معلوم } أي تشرب ماءكم يوما، ويوما تشربون أنتم الماء قال قتادة: ~~إذا ms1033 كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وشربهم في اليوم الذي لا تشرب هي ~~فيه، وتلك آية أخرى { ولا تمسوها بسوء } أي لا تنالوها بأي ~~ضرر بالعقر أو بالضرب { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } أي ~~فيصيبكم عذاب من الله هائل لا يكاد يوصف قال ابن كثير: حذرهم نقمة الله ~~إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينا من الدهر، ترد الماء ~~وتأكل الورق والمرعى، وينتفعون بلبنها يحلبون منها ما يكفيهم شربا ~~وريا، فلما طال عليهم الأمد وحضر أشقاهم تمالئوا على قتلها وعقرها { ~~فعقروها فأصبحوا نادمين } أي فقتلوها رميا بالسهام، ~~رماها أشقاهم - قدار بن سالف - بأمرهم ورضاهم فأصبحوا نادمين على قتلها ~~خوف العذاب قال الفخر: لم يكن ندمهم ندم التائبين، لكن ندم الخائفين من ~~العذاب العاجل { فأخذهم العذاب } أي العذاب الموعود، وكان ~~صيحة خمدت لها أبدانهم، وانشقت لها قلوبهم، وزلزلت الأرض تحتهم زلزالا ~~شديدا، وصبت عليهم حجارة من السماء فماتوا عن آخرهم { إن في ~~ذلك لآية } أي لعظة وعبرة لمن عقل وتدبر { وما كان ~~أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم } تقدم تفسيرها فيما سبق، ثم شرع تعالى في ذكر قصة " لوط " ~~فقال { كذبت قوم لوط المرسلين } أي كذبوا رسولهم لوطا { ~~إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون } أي ألا تخافون عقاب ~~الله وانتقامه في عبادتكم غيره! { إني لكم رسول أمين * ~~فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين } نفس الكلمات ~~والألفاظ التي قالها من قبل صالح، وهود، ونوح مما يؤكد أن دعوة الرسل ~~واحدة، وغايتها واحدة، وأن منشأها هو الوحي السماوي، ثم قال لهم لوط { ~~أتأتون الذكران من العالمين } استفهام إنكار وتوبيخ ~~وتقريع أي أتنكحون الذكور في أدبارهم، وتنفردون بهذا الفعل الشنيع من ~~بين سائر الخلق؟ { وتذرون ما خلق لكم ربكم من ~~أزواجكم } أي وتتركون ما أباح لكم ربكم من الاستمتاع بالإناث؟ قال ~~مجاهد: تركتم فروج النساء إلى أدبار الرجال { بل أنتم قوم ~~عادون } أي بل أنتم قوم مجاوزون الحد في الإجرام والفساد، وبخهم ~~على إتيانهم ms1034 الذكور، ثم أضرب عنه إلى ما هو أبلغ في التوبيخ كأنه يقول ~~خرجتم عن حدود الإنسانية إلى مرتبة البهيمية بعدوانكم وارتكابكم هذه ~~الجريمة الشنيعة، فالذكر من الحيوان يأنف عن إتيان الذكر، وأنتم فعلتم ما ~~يتورع عنه الحيوان { قالوا لئن لم تنته يلوط لتكونن ~~من المخرجين } أي لئن لم تترك تقبيح ما نحن عليه لنخرجنك من بين ~~أظهرنا وننفيك من بلدنا كما فعلنا بمن قبلك، توعدوه بالنفي والطرد { ~~قال إني لعملكم من القالين } أي إني لعملكم القبيح من ~~المبغضين غاية البغض وأنا بريء منكم { رب نجني وأهلي مما ~~يعملون } أي نجني من العذاب الذي يستحقونه بعملهم القبيح أنا وأهلي ~~قال تعالى { فنجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا ~~في الغابرين } أي نجيناه مع أهله جميعا إلا امرأته كانت من ~~الهالكين، الباقين في العذاب قال ابن كثير: والمراد بالعجوز امرأته فقد ~~كانت عجوز سوء، بقيت فهلكت مع من بقي من قومها حين أمره الله أن يسري ~~بأهله إلا امرأته { ثم دمرنا الآخرين } أي أهلكناهم أشد ~~إهلاك وأفظعه بالخسف والحصب { وأمطرنا عليهم مطرا } أي ~~أمطرنا عليهم حجارة من السماء كالمطر الزاخر { فسآء مطر ~~المنذرين } أي بئس هذا المطر مطر القوم المنذرين الذين أنذرهم ~~نبيهم فكذبوه { إن في ذلك لآية } أي إن في ذلك لعبرة وعظة ~~لأولي البصائر { وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم } تقدم تفسيره، ثم شرع تعالى في ذكر قصة " ~~شعيب " فقال: { كذب أصحاب لئيكة المرسلين } أي كذب ~~أصحاب مدين نبيهم شعيبا قال الطبري: والأيكة: الشجر الملتف وهم أهل ~~مدين { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون * إني لكم ~~رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ ~~أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين } سبق تفسيره { أوفوا الكيل } أي أوفوا الناس ~~حقوقهم في الكيل والوزن { ولا تكونوا من المخسرين } أي من ~~المنقصين المطففين في المكيال والميزان { وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم } أي زنوا بالميزان العدل السوي { ولا ~~تبخسوا الناس أشيآءهم } أي لا تنقصوا حقوق الناس بأي طريق ~~كان بالهضم أو الغبن أو الغصب ms1035 ونحو ذلك { ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين } أي ولا تفسدوا في الأرض بأنواع الفساد من قطع الطريق، ~~والغارة، والسلب والنهب { واتقوا الذي خلقكم والجبلة ~~الأولين } أي خافوا الله الذي خلقكم وخلق الخليقة المتقدمين قال ~~مجاهد: الجبلة: الخليقة ويعني بها الأمم السابقين { قالوا ~~إنمآ أنت من المسحرين } أي ما أنت إلا من المسحورين، ~~سحرت كثيرا حتى غلب على عقلك { ومآ أنت إلا بشر مثلنا ~~} أي أنت إنسان مثلنا ولست برسول { وإن نظنك لمن ~~الكاذبين } أي ما نظنك يا شعيب إلا كاذبا، تكذب علينا فتقول أنا ~~رسول الله { فأسقط علينا كسفا من السمآء } أي أنزل ~~علينا العذاب قطعا من السماء، وهو مبالغة في التكذيب { إن كنت من ~~الصادقين } أي إن كنت صادقا فيما تقول قال الرازي: وإنما طلبوا ~~ذلك لاستبعادهم وقوعه، فظنوا أنه إذا لم يقع ظهر كذبه فعندها أجابهم ~~شعيب { قال ربي أعلم بما تعملون } أي الله أعلم ~~بأعمالكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به وهو غير ظالم لكم، وإن كنتم ~~تستحقون عقابا آخر فإليه الحكم والمشيئة، قال تعالى { فكذبوه ~~فأخذهم عذاب يوم الظلة } أي فكذبوا شعيبا فأخذهم ذلك ~~العذاب الرهيب عذاب يوم الظلة وهي السحابة التي أظلتهم قال المفسرون: ~~بعث الله عليهم حرا شديدا فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هربا إلى ~~البرية، فبعث الله عليهم سحابة أظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردا ~~ونادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارا فاحترقوا ~~جميعا، وكان ذلك من أعظم العذاب ولهذا قال { إنه كان عذاب ~~يوم عظيم } أي كان عذاب يوم هائل، عظيم في الشدة والهول { إن ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم } وإلى هنا ينتهي آخر القصص السبع ~~التي أوحيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه عن الحرص على إسلام ~~قومه، وقطع رجائه ودفع تحسره عليهم كما قال في أول السورة { لعلك ~~باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ففيها تسلية لرسول ~~الله وتخفيف عن أحزانه وآلامه، وإنما كرر في نهاية كل قصة قوله { إن ms1036 ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم } ليكون ذلك أبلغ في الاعتبار، ~~وأشد تنبيها لذوي القلوب والأبصار. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- إطلاق الكل وإرادة البعض { كذبت قوم نوح المرسلين } ~~أراد بالمرسلين نوحا وإنما ذكره بصيغة الجمع تعظيما له وتنبيها على ~~أن من كذب رسولا فقد كذب جميع المرسلين. # 2- الاستفهام الإنكاري { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ~~}؟ # 3- الاستعارة اللطيفة { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي ~~احكم بيننا وبينهم بحكمك العادل، استعار الفتاح للحاكم والفتح للحكم لأنه ~~يفتح المنغلق من الأمر ففيه استعارة تبعية. # 4- الطباق { يفسدون.. ولا يصلحون }. # 5- الجناس غير التام { قال.. القالين } الأول من القول والثاني من ~~قلى إذا أبغض. # 6- الإطناب { أوفوا الكيل ولا تكونوا من ~~المخسرين } لأن وفاء الكيل هو في نفسه نهي عن الخسران، وفائدته ~~زيادة التحذير من العدوان. # 7- المبالغة { إنمآ أنت من المسحرين } والمسحر مبالغة ~~عن المسحور. # 8- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل { يفسدون } ، { ~~يصلحون } ، { الأرذلون }. ### || [26.192-227] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصص الأنبياء لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~أتبعه بذكر ما يدل على نبوته من تنزيل هذا القرآن المعجز على قلب خاتم ~~الأنبياء والمرسلين. # اللغة: { زبر } الزبر: الكتب جمع زبور كرسول ورسل { ~~الأعجمين } جمع أعجمي وهو الذي لا يحسن العربية، يقال: رجل أعجمي ~~إذا كان غير فصيح وإن كان عربيا، ورجل عجمي أي غير عربي وإن كان فصيح ~~اللسان { بغتة } فجأة { منظرون } مؤخرون وممهلون يقال: أنظره أي ~~أمهله { أفاك } كذاب { منقلب } مصير. # التفسير: { وإنه لتنزيل رب العالمين } أي وإن هذا ~~القرآن المعجز لتنزيل رب الأرباب { نزل به الروح الأمين } ~~أي نزل به أمين السماء جبريل عليه السلام { على قلبك لتكون ~~من المنذرين } أي أنزله على قلبك يا محمد لتحفظه وتنذر بآياته ~~المكذبين { بلسان عربي مبين } أي بلسان عربي فصيح هو لسان ~~قريش، لئلا يبقى لهم عذر فيقولوا: ما فائدة كلام لا نفهمه؟ قال ابن ~~كثير: أنزلناه باللسان العربي الفصيح، الكامل الشامل، ليكون بينا ~~واضحا، قاطعا للعذر مقيما للحجة، دليلا إلى ms1037 المحجة { وإنه لفي ~~زبر الأولين } أي وإن ذكر القرآن وخبره لموجود في كتب الأنبياء ~~السابقين { أو لم يكن لهم آية } الاستفهام للتوبيخ والتقريع ~~أي أولم يكن لكفار مكة علامة على صحة القرآن { أن يعلمه علماء ~~بني إسرائيل } أي أن يعلم ذلك علماء بني إسرائيل الذين يجدون ذكر ~~هذا القرآن في كتبهم كعبد الله بن سلام وأمثاله { ولو نزلناه ~~على بعض الأعجمين } أي لو نزلنا هذا القرآن بنظمه الرائق ~~المعجز على بعض الأعجمين الذين لا يقدرون على التكلم بالعربية { ~~فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين } أي فقرأه على كفار ~~مكة قراءة صحيحة فصيحة، وانضم إعجاز القرآن إلى إعجاز المقروء ما آمنوا ~~بالقرآن لفرط عنادهم واستكبارهم { كذلك سلكناه في قلوب ~~المجرمين } أي كذلك أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، فسمعوا به ~~وفهموه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وتحققوا من إعجازه ثم لم يؤمنوا به ~~وجحدوه { لا يؤمنون به } أي لا يصدقون بالقرآن مع ظهور إعجازه { ~~حتى يروا العذاب الأليم } أي حتى يشاهدوا عذاب الله ~~المؤلم فيؤمنوا حيث لا ينفع الإيمان { فيأتيهم بغتة } أي ~~فيأتيهم عذاب الله فجأة { وهم لا يشعرون } أي وهم لا يعلمون ~~بمجيئه ولا يدرون { فيقولوا هل نحن منظرون } أي فيقولوا ~~حين يفجأهم العذاب - تحسرا على ما فاتهم من الإيمان وتمنيا للإمهال - ~~هل نحن مؤخرون لنؤمن ونصدق { أفبعذابنا يستعجلون } ~~إنكار وتوبيخ أي كيف يستعجل العذاب هؤلاء المشركون ويقولون # ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32] وحالهم عند نزول العذاب أنهم يطلبون الإمهال والنظرة؟ { ~~أفرأيت إن متعناهم سنين } أي أخبرني يا محمد إن ~~متعناهم سنين طويلة، مع وفور الصحة ورغد العيش { ثم جآءهم ما ~~كانوا يوعدون } أي ثم جاءهم العذاب الذي وعدوا به { مآ أغنى ~~عنهم ما كانوا يمتعون }؟ أي ماذا ينفعهم حينئذ ما مضى من ~~طول أعمارهم، وطيب معاشهم؟ هل ينفعهم ذلك النعيم في تخفيف الحزن، أو دفع ~~العذاب؟ { ومآ أهلكنا من قرية } أي وما أهلكنا أهل قرية من ~~القرى، ولا أمة من الأمم { إلا لها منذرون } أي إلا بعدما ~~ألزمناهم الحجة بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين ms1038 { ذكرى } أي ليكون ~~إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم { وما كنا ~~ظالمين } أي وما كنا ظالمين في تعذيبهم، لأننا أقمنا الحجة عليهم ~~وأعذرنا إليهم. # . ثم إنه تعالى بعد أن نبه على إعجاز القرآن وصدق نبوة محمد عليه ~~السلام رد على قول من زعم من الكفار أن القرآن من إلقاء الجن والشياطين ~~كسائر ما ينزل على الكهنة فقال { وما تنزلت به الشياطين } ~~أي وما تنزلت بهذا القرآن الشياطين، بل نزل به الروح الأمين { وما ~~ينبغي لهم وما يستطيعون } أي وما يصح ولا يستقيم أن يتنزل ~~بهذا القرآن الشياطين، ولا يستطيعون ذلك أصلا { إنهم عن ~~السمع لمعزولون } أي لأنهم منعوا من استراق السمع منذ بعث محمد ~~عليه اسلام، وحيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب، فكيف يستطيعون أن ~~يتنزلوا به؟ قال ابن كثير: ذكر تعالى أنه يمتنع ذلك عليهم من ثلاثة أوجه: ~~أحدها أنه ما ينبغي لهم لأن سجاياهم الفساد، وإضلال العباد، وهذا فيه ~~نور وهدى وبرهان عظيم، الثاني: أنه لو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك، وهذا ~~من حفظ الله لكتابه وتأييده لشرعه الثالث: أنه لو انبغى لهم واستطاعوا ~~حمله وتأديته لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن، لأن ~~السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا، فلم يخلص أحد من الشياطين لاستماع ~~حرف واحد منه لئلا يشتبه الأمر { فلا تدع مع الله إلها ~~آخر } الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد غيره أي لا تعبد يا ~~محمد مع الله معبودا آخر { فتكون من المعذبين } أي فيعذبك ~~الله بنار جهنم قال ابن عباس: يحذر به غيره يقول: أنت أكرم الخلق ~~علي، ولو اتخذت من دوني إلها لعذبتك، ثم أمر تعالى رسوله بتبليغ ~~الرسالة فقال { وأنذر عشيرتك الأقربين } أي خوف أقاربك ~~الأقرب منهم فالأقرب من عذاب الله إن لم يؤمنوا، روي # " أنه صلى الله عليه وسلم قام حين نزلت عليه { وأنذر عشيرتك ~~الأقربين } فقال: " يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا ~~أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني ms1039 عنكم من الله شيئا، ~~يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول ~~الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا ~~أغني عنك من الله شيئا " # قال المفسرون: وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بإنذار أقاربه أولا ~~لئلا يظن أحد به المحاباه واللطف معهم فإذا تشدد على نفسه وعلى ~~أقاربه كان قوله أنفع، وكلامه أنجع { واخفض جناحك لمن ~~اتبعك من المؤمنين } أي تواضع وألن جانبك لأتباعك ~~المؤمنين { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ~~} أي فإن لم يطيعوك وخالفوا أمرك فتبرأ منهم ومن أعمالهم قال أبو حيان: ~~لما كان الإنذار يترتب عليه الطاعة أو العصيان جاء التقسيم عليهما فكأن ~~المعنى: من اتبعك مؤمنا فتواضع له، ومن عصاك فتبرأ منهم ومن أعمالهم { ~~وتوكل على العزيز الرحيم } أي فوض جميع أمورك إلى الله ~~العزيز، الذي يقهر أعداءك بعزته، وينصرك عليهم برحمته { الذي يراك ~~حين تقوم } أي يراك حين تكون وحدك تقوم من فراشك أو مجلسك وقال ابن ~~عباس: حين تقوم إلى الصلاة { وتقلبك في الساجدين } أي ويرى ~~تقلبك مع المصلين في الركوع والسجود والقيام، والمعنى يراك وحدك ويراك ~~في الجماعة { إنه هو السميع العليم } أي إنه تعالى السميع ~~لما تقوله، العليم بما تخفيه { هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين }؟ أي قل يا محمد لكفار مكة: هل أخبركم على من تتنزل ~~الشياطين؟ وهذا رد عليهم حين قالوا إنما يأتيه بالقرآن الشياطين { ~~تنزل على كل أفاك أثيم } أي تتنزل على كل كذاب ~~فاجر، مبالغ في الكذب والعدوان، لا على سيد ولد عدنان { يلقون ~~السمع وأكثرهم كاذبون } أي تلقي الشياطين ما استرقوه من ~~السمع إلى أوليائهم الكهنة، وأكثرهم يكذبون فيما يوحون به إليهم وفي ~~الحديث # " تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها - أي يلقيها - في ~~أذن وليه كقرقرة الدجاج، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبه " # قال الزمخشري: { يلقون السمع } هم الشياطين كانوا قبل أن ~~يحجبوا بالرجم يسمعون إلى الملأ الأعلى، فيختطفون بعض ms1040 ما يتكلمون به ~~مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم من الكهنة ~~والمتنبئة " وأكثرهم كاذبون " فيما يوحون به إليهم، لأنهم يسمعونهم ما ~~لم يسمعوا، ثم رد تعالى على من زعم أن محمدا شاعر فقال { ~~والشعرآء يتبعهم الغاوون } أي يتبعهم الضالون لا أهل ~~البصيرة والرشاد { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } ~~أي ألم تر أيها السامع العاقل أنهم يسلكون في المديح والهجاء كل طريق، ~~يمدحون الشيء بعد أن ذموه، ويعظمون الشخص بعد أن احتقروه قال الطبري: ~~وهذا مثل ضربه الله لهم في افتتانهم في الوجوه التي يفتنون فيها بغير ~~حق، فيمدحون بالباطل قوما ويهجون آخرين { وأنهم يقولون ما ~~لا يفعلون } أي يكذبون فينسبون لأنفسهم ما لم يعملوه قال أبو حيان: ~~أخبر تعالى عن الشعراء بالأحوال التي تخالف حال النبوة، إذ أمرهم كما ~~ذكر من اتباع الغواة لهم، وسلوكهم أفانين الكلام من مدح الشيء وذمه، ~~ونسبة ما لا يقع منهم إليهم، وهذا مخالف لحال النبوة فإنها طريقة واحدة ~~لا يتبعها إلا الراشدون، ثم استثنى تعالى فقال { إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } أي صدقوا في إيمانهم وأخلصوا في ~~أعمالهم { وذكروا الله كثيرا } أي لم يشغلهم الشعر عن ذكر ~~الله ولم يجعلوه همهم وديدنهم { وانتصروا من بعد ما ~~ظلموا } أي هجوا المشركين دفاعا عن الحق ونصرة للإسلام { ~~وسيعلم الذين ظلموا } وعيد عام في كل ظالم، تتفتت له ~~القلوب وتتصدع لهوله الأكباد أي وسيعلم الظالمون المعادون لدعوة الله ~~ومعهم الشعراء الغاوون { أي منقلب ينقلبون }؟ أي أي مرجع ~~يرجعون إليه؟ وأي مصير يصيرون إليه؟ فإن مرجعهم إلى العقاب وهو شر ~~مرجع، ومصيرهم إلى النار وهو أقبح مصير. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- التأكيد بإن واللام { وإنه لتنزيل رب العالمين } ~~لأن الكلام مع المتشككين في صحة القرآن فناسب تأكيده بأنواع من المؤكدات. # 2- الاستفهام للتوبيخ والتبكيت { أفبعذابنا يستعجلون }؟ # 3- جناس الاشتقاق { يعلمه علماء }. # 4- المجاز المرسل { ومآ أهلكنا من قرية } المراد به أهلها. # 5- أسلوب التهييج والإلهاب { فلا تدع مع الله إلها ms1041 آخر ~~} الخطاب للرسول بطريق التهييج لزيادة إخلاصه وتقواه. # 6- الاستعارة التصريحية { واخفض جناحك للمؤمنين } شبه ~~التواضع ولين الجانب بخفض الطائر جناحه عند إرادة الانحطاط فأطلق على ~~المشبه اسم الخفض بطريق الاستعارة المكنية. # 7- صيغتا المبالغة { أفاك أثيم } لأن فعال وفعيل من صيغ ~~المبالغة أي كثير الكذب كثير الفجور. # 8- الطباق بين { يقولون.. ويفعلون } وبين { انتصروا.. ~~وظلموا }. # 9- الاستعارة التمثيلية البديعة { في كل واد يهيمون } مثل ~~لذهابهم عن سنن الهدى وإفراطهم في المديح والهجاء بالتائه في الصحراء ~~الذي هام على وجه فهو لا يدري أين يسير، وهذا من ألطف الاستعارات، ومن ~~أرشقها وأبدعها. # 10- جناس الاشتقاق { منقلب ينقلبون }. # 11- مراعاة الفواصل مما يزيد في جمال الكلام ورونقه مثل { يهيمون } ~~، { ينقلبون } ، { يقولون ما لا يفعلون } الخ. # لطيفة: ذكر أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ ~~قوله تعالى { أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جآءهم ~~ما كانوا يوعدون * مآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يمتعون }؟ ثم يبكي وينشد: # نهارك يا مغرور سهو وغفلة # وليلك نوم والردى لك لازم # تسر بما يفنى وتفرح بالمنى # كما سر باللذات في النوم حالم # وتسعى إلى ما سوف تكره غبه # كذلك في الدنيا تعيش البهائم # تنبيه: الشعر باب من الكلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح، وإنما ذم ~~تعالى الشعر لما فيه من المغالاة والإفراط في المديح أو الهجاء، ومجاوزة ~~حد القصد فيه حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحهم على حاتم، ~~ويبهتوا البريء ويفسقوا التقي، وربما رفعوا شخصا إلى الأوج ثم إذا ~~غضبوا عليه أنزلوه إلى الحضيض، وهذا مشاهد ملموس في أكثر الشعراء إلا من ~~استثناهم الله عز وجل، والشاعر قد يمدح الشيء ويذمه بحلاوة لسانه وقوة ~~بيانه، ومن ألطف ما سمعت من بعض شيوخي ما قاله بعض الشعراء في العسل: # تقول: هذا مجاج النحل تمدحه # وإن تعب قلت: ذا قيء الزنابير # مدحا وذما وما جاوزت وصفهما # سحر البيان يرى الظلماء كالنور # لطيفة: ذكر أن الفرزدق أنشد أبياتا عند " سليمان بن عبد الملك " وكان ~~في ضمنها قوله في النساء العذارى: # فبتن كأنهن ms1042 مصرعات # وبت أفض أغلاق الختام # فقال له سليمان: قد وجب عليك الحد، فقال أمير المؤمنين إن الله قد درأ ~~عني الحد بقوله { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون } فعفا عنه. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-19] # اللغة: { يعمهون } يترددون ويتحيرون، والعمه: التحير والتردد ~~كما هو حال الضال عن الطريق قال الزاجر: " أعمى الهدى بالحائرين ~~العمه " { قبس } القبس: النار المقبوسة من جمر وغيره { ~~تصطلون } اصطلى يصطلي إذا استدفأ من البرد قال الشاعر: # النار فاكهة الشتاء فمن يرد # أكل الفواكه شاتيا فليصطل # { بورك } من البركة وهي زيادة الخير والنماء قال الثعلبي: العرب ~~تقول: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، أربع لغات قال ~~الشاعر: # فبوركت مولودا وبوركت ناشئا # وبوركت عن الشيب إذ أنت أشيب # { يوزعون } أصل الوزع الكف والمنع يقال: وزعه يزعه إذا كفه عن ~~الشيء ومنعه ومنه قول عثمان " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ~~" قال النابغة: # على حين عاتبت المشيب على الصبا # وقلت ألما أصح والشيب وازع # التفسير: { طس } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن وقد تقدم ~~الكلام عليها { تلك آيات القرآن } أي هذه الآيات المنزلة عليك ~~يا محمد هي آيات القرآن المعجز في بيانه، الساطع في برهانه { وكتاب ~~مبين } أي وآيات كتاب واضح مبين لمن تفكر فيه وتدبر، أبان الله ~~فيه الأحكام، وهدى به الأنام { هدى وبشرى للمؤمنين } أي ~~تلك آيات القرآن الهادي للمؤمنين إلى صراط مستقيم، والمبشر لهم بجنات ~~النعيم، خص المؤمنين بالذكر لانتفاعهم به { الذين يقيمون ~~الصلاة } أي يؤدونها على الوجه الأكمل بخشوعها، وآدابها، وأركانها { ~~ويؤتون الزكاة } أي يدفعون زكاة أموالهم طيبة بها نفوسهم { ~~وهم بالآخرة هم يوقنون } أي يصدقون بالآخرة تصديقا جازما ~~لا يخالجه شك أو ارتياب قال الإمام الفخر: والجملة اعتراضية كأنه قيل ~~وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة، فما يوقن ~~بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، ~~لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق وقال أبو حيان: ولما كان { ~~يقيمون الصلاة ويؤتون ms1043 الزكاة } مما يتجدد ولا يستغرق ~~الأزمان جاءت الصلة فعلا، ولما كان الإيمان بالآخرة بما هو ثابت ومستقر ~~جاءت الجملة إسمية وأكدت بتكرار الضمير { وهم بالآخرة هم ~~يوقنون } وجاء خبر المبتدأ فعلا ليدل على الديمومة، ولما ذكر تعالى ~~المؤمنين الموقنين بالبعث، ذكر بعدها المنكرين المكذبين بالآخرة فقال { ~~إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي لا يصدقون بالبعث { ~~زينا لهم أعمالهم } أي زينا لهم أعمالهم القبيحة حتى رأوها ~~حسنة قال الرازي: والمراد من التزيين هو أن يخلق في قلبه العلم بما فيها ~~من المنافع واللذات، ولا يخلق في قلبه العلم بما فيها من المضار والآفات ~~{ فهم يعمهون } أي فهم في ضلال أعمالهم القبيحة يترددون حيارى لا ~~يميزون بين الحسن والقبيح { أولئك الذين لهم سوء ~~العذاب } أي لهم أشد العذاب في الدنيا بالقتل والأسر والتشريد { ~~وهم في الآخرة هم الأخسرون } أي وخسارتهم في الآخرة أشد من ~~خسارتهم في الدنيا لمصيرهم إلى النار المؤبدة والجحيم والأغلال { ~~وإنك لتلقى القرآن } أي وإنك يا محمد لتتلقى هذا القرآن ~~العظيم وتعطاه { من لدن حكيم عليم } أي من عند الله الحكيم ~~بتدبير خلقه، العليم بما فيه صلاحهم وسعادتهم قال الزمخشري: وهذه الآية ~~بسط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص، وما في ذلك من لطائف ~~حكمته، ودقائق علمه { إذ قال موسى لأهله إني آنست ~~نارا } أي اذكر يا محمد حين قال موسى لأهله - أي زوجته - إني أبصرت ~~ورأيت نارا قال المفسرون: وهذا عندما سار من مدين إلى مصر، وكان في ليلة ~~مظلمة باردة، وقد ضل عن الطريق وأخذ زوجته الطلق { سآتيكم ~~منها بخبر } أي سآتيكم بخبر عن الطريق إذا وصلت إليها { أو ~~آتيكم بشهاب قبس } أي أو آتيكم بشعلة مقتبسة من النار { ~~لعلكم تصطلون } أي لكي تستدفئوا بها { فلما جآءها } ~~أي فلما وصل إلى مكان النار رأى منظرا هائلا عظيما، حيث رأى النار ~~تضطرم في شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا توقدا ولا تزداد الشجرة إلا ~~خضرة ونضرة، ثم رفع رأسه فإذا نورها متصل بعنان السماء قال ابن ms1044 ~~عباس: لم تكن نارا وإنما كانت نورا يتوهج فوقف موسى متعجبا مما رأى ~~وجاءه النداء العلوي { نودي أن بورك من في النار ومن ~~حولها } أي نودي من جانب الطور بأن بوركت يا موسى وبورك من حولك وهم ~~الملائكة قال ابن عباس: معنى { بورك } تقدس { ومن حولها } ~~الملائكة قال أبو حيان: وبدؤه بالنداء تبشير لموسى وتأنيس له ومقدمة ~~لمناجاته، وجدير أن يبارك من في النار ومن حواليها إذ قد حدث أمر عظيم ~~وهو تكليم الله لموسى وتنبيئه { وسبحان الله رب العالمين ~~} أي تقدس وتنزه رب العزة، العلي الشأن، الذي لا يشبهه شيء من ~~مخلوقاته لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله { يموسى إنه ~~أنا الله العزيز الحكيم } أي أنا الله القوي القادر، ~~العزيز الذي لا يقهر، الحكيم الذي يفعل كل شيء بحكمة وتدبير { وألق ~~عصاك } عطف على السابق أي ونودي أن ألق عصاك لترى معجزتك بنفسك فتأنس ~~بها { فلما رآها تهتز كأنها جآن } أي فلما رآها تتحرك ~~حركة سريعة كأنها ثعبان خفيف سريع الجري { ولى مدبرا ولم ~~يعقب } أي ولى الأدبار منهزما ولم يرجع لما دهاه من الخوف والفزع ~~قال مجاهد: " لم يعقب " لم يرجع، وقال قتادة: لم يلتفت، لحقه ما لحق ~~طبع البشر إذ رأى أمرا هائلا جدا وهو انقلاب العصا حية تسعى ولهذا ~~ناداه ربه { يموسى لا تخف } أي أقبل ولا تخف لأنك بحضرتي ومن كان ~~فيها فهو آمن { إني لا يخاف لدي المرسلون } أي فأنت ~~رسولي ورسلي الذين اصطفيتهم للنبوة لا يخافون غيري قال ابن الجوزي: ~~نبهه على أن من آمنه الله بالنبوة من عذابه لا ينبغي أن يخاف من حية ~~{ إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء } الاستثناء ~~منقطع أي لكن من ظلم من سائر الناس لا من المرسلين فإنه يخاف إلا إذا ~~تاب وبدل عمله السيء إلى العمل الحسن { فإني غفور رحيم } أي ~~عظيم المغفرة واسع الرحمة قال ابن كثير: وفيه بشارة عظيمة للبشر وذلك أن ~~من كان على عمل سيء، ثم أقلع ms1045 ورجع وتاب وأناب فإن الله يتوب عليه كقوله # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى # [طه: 82] { وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من ~~غير سوء } هذه معجزة أخرى لموسى تدل على باهر قدرة الله والمعنى ~~أدخل يا موسى يدك في فتحة ثوبك ثم أخرجها تخرج مضيئة ساطعة بيضاء تتلألأ ~~كالبرق الخاطف دون مرض أو برص { في تسع آيات إلى فرعون ~~وقومه } أي هاتان المعجزتان " العصا واليد " ضمن تسع معجزات أيدتك ~~بها وجعلتها برهانا على صدقك لتذهب بها إلى فرعون وقومه { إنهم ~~كانوا قوما فاسقين } أي خارجين عن طاعتنا، ممعنين في الكفر ~~والضلال { فلما جآءتهم آياتنا مبصرة } أي فلما رأوا تلك ~~المعجزات الباهرة، واضحة بينة ظاهرة { قالوا هذا سحر ~~مبين } أي أنكروها وزعموا أنها سحر واضح { وجحدوا بها } أي ~~كفروا وكذبوا بتلك الخوارق { واستيقنتهآ أنفسهم } أي وقد ~~أيقنوا بقلوبهم أنها من عند الله وليست من قبيل السحر { ظلما ~~وعلوا } أي جحدوا بها ظلما من أنفسهم، واستكبارا عن اتباع الحق، ~~وأي ظلم أفحش ممن يعتقد ويستيقن أنها آيات بينة واضحة جاءت من عند ~~الله، ثم يكابر بتسميتها سحرا؟ ولهذا قال { فانظر كيف كان ~~عاقبة المفسدين } أي انظر أيها السامع وتدبر بعين الفكر ~~والبصيرة ماذا كان مآل أمر الطاغين، من الإغراق في الدنيا، والإحراق ~~في الآخرة؟ قال ابن كثير: وفحوى الخطاب كأنه يقول: احذروا أيها المكذبون ~~لمحمد، الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم مثل ما أصابهم بطريق ~~الأولى والأحرى، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم أشرف وأعظم من موسى، ~~وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم { ~~ولقد آتينا داوود وسليمان علما } هذه هي القصة ~~الثانية في السورة الكريمة وهي قصة " داود وسليمان " والمعنى والله لقد ~~أعطينا داود وابنه سليمان علما واسعا من علوم الدنيا والدين، وجمعنا ~~لهما بين سعادة الدنيا والآخرة قال الطبري: وذلك علم كلام الطير والدواب ~~وغير ذلك مما خصهم الله بعلمه { وقالا الحمد لله الذي ~~فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ms1046 } أي وقالا ~~شكرا لله الحمد لله الذي فضلنا بما آتانا من النبوة، والعلم، وتسخير ~~الإنس والجن والشياطين، على كثير من عباده المؤمنين { وورث ~~سليمان داوود } أي ورث سليمان أباه في النبوة، والعلم، والملك ~~دون سائر أولاده قال الكلبي: كان لداود تسعة عشر ولدا فورث سليمان من ~~بينهم نبوته وملكه، ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاده فيه سواء { ~~وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير } أي وقال ~~تحدثا بنعمة الله: يا أيها الناس لقد أكرمنا الله فعلمنا منطق الطير ~~وأصوات جميع الحيوانات { وأوتينا من كل شيء } أي وأعطانا الله ~~من كل شيء من خيرات الدنيا يعطاها العظماء والملوك { إن هذا ~~لهو الفضل المبين } أي إن ما أعطيناه وما خصنا الله به من ~~أنواع النعم لهو الفضل الواضح الجلي، قاله على سبيل الشكر والمحمدة لا ~~على سبيل العلو والكبرياء { وحشر لسليمان جنوده من ~~الجن والإنس والطير } أي جمعت له جيوشه وعساكره وأحضرت له ~~في مسيرة كبيرة فيها طوائف الجن والإنس والطير، يتقدمهم سليمان في ~~أبهة وعظمة كبيرة { فهم يوزعون } أي فهم يكفون ويمنعون عن ~~التقدم بين يديه قال ابن عباس: جعل على كل صنف من يرد أولاها على ~~أخراها لئلا يتقدموا في المسير كما تصنع الملوك { حتى إذآ أتوا ~~على واد النمل } أي حتى إذا وصلوا إلى واد بالشام كثير النمل { ~~قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم } أي ~~قالت إحدى النملات لرفيقاتها ادخلوا بيوتكم، خاطبتهم مخاطبة العقلاء ~~لأنها أمرتهم بما يؤمر به العقلاء { لا يحطمنكم سليمان ~~وجنوده } أي لا يكسرنكم سليمان وجيوشه بأقدامهم { وهم لا ~~يشعرون } أي وهم لا يشعرون بكم ولا يريدون حطمكم عن عمد حذرت ثم ~~اعتذرت لأنها علمت أنه نبي رحيم، فسمع سليمان كلامها وفهم مرامها { ~~فتبسم ضاحكا من قولها } أي فتبسم سرورا بما سمع من ~~ثناء النملة عليه وعلى جنوده، فإن قولها { وهم لا يشعرون } ~~وصف لهم بالتقوى والتحفظ من مضرة الحيوان { وقال رب أوزعني ~~أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي } أي ألهمني ووفقني لشكر نعمائك ms1047 وأفضالك التي أنعمت بها علي ~~وعلى أبوي { وأن أعمل صالحا ترضاه } أي ووفقني لعمل ~~الخير الذي يقربني منك والذي تحبه وترضاه { وأدخلني برحمتك ~~في عبادك الصالحين } أي وأدخلني الجنة دار الرحمة مع عبادك ~~الصالحين. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- الإشارة بالبعيد عن القريب { تلك آيات القرآن } للإيذان ~~ببعد منزلته في الفضل والشرف. # 2- التنكير للتفخيم والتعظيم { وكتاب مبين } أي كتاب عظيم ~~الشأن رفيع القدر. # 3- ذكر المصدر بدل اسم الفاعل للمبالغة { هدى وبشرى } أي هاديا ~~ومبشرا. # 4- تكرير الضمير لإفادة الحصر والاختصاص { وهم بالآخرة هم ~~يوقنون } ومثله { وهم في الآخرة هم الأخسرون } وفيه ~~المقابلة اللطيفة بين الجملتين. # 5- التأكيد بإن واللام { وإنك لتلقى القرآن } لوجود ~~المتشككين في القرآن. # 6- إيجاز الحذف { وألق عصاك فلما رآها تهتز } حذفت ~~جملة فألقاها فانقلبت إلى حية الخ وذلك لدلالة السياق عليه. # 7- الطباق { حسنا بعد سوء }. وبين { ولى مدبرا.. ~~ولم يعقب }. # 8- الاستعارة { آياتنا مبصرة } استعار لفظ الإبصار للوضوح ~~والبيان لأن بالعينين يبصر الإنسان الأشياء. # 9- التشبيه المرسل المجمل { كأنها جآن } ذكرت أداة التشبيه وحذف ~~وجه الشبه فصار مرسلا مجملا. # 10- حسن الاعتذار { وهم لا يشعرون }. # لطيفة: قال بعض العلماء هذه الآية { قالت نملة يأيها ~~النمل ادخلوا مساكنكم.. } من عجائب القرآن لأنها بلفظة " ~~يا " نادت " أيها " نبهت " النمل " عينت " ادخلوا " أمرت " مساكنكم " ~~نصت " لا يحطمنكم " حذرت " سليمان " خصت " وجنوده " عمت " وهم لا ~~يشعرون " اعتذرت، فيا لها من نملة ذكية!! ### || [27.20-44] # المناسبة: لا تزال الآيات تتحدث عن " سليمان بن داود " الذي جمع الله ~~له بين " النبوة والملك " فكان نبيا ملكا، وسخر له الإنس والجن ~~وعلمه منطق الطير، وتذكر الآيات هنا قصته مع " بلقيس " ملكة سبأ وما كان ~~من الأمور العجيبة التي حدثت في زمانه. # اللغة: { تفقد } التفقد: طلب ما غاب عن الإنسان { الخبء }: ~~الشيء المخبوء من خبأت الشيء أخبؤه خبأ إذا سترته { صاغرون } ~~أذلاء مهانون من الصغار وهو الذل { عفريت } العفريب: القوي المارد ~~من الشياطين ومن الإنس، والخبيث الماكر { الصرح } القصر، وكل ~~بناء عال مرتفع يسمى صرحا ومنه قول ms1048 فرعون " يا هامان ابن لي صرحا " ~~{ ممرد } الممرد: المملس، والأمرد الذي لم تخرج لحيته بعد ~~إداركه، وشجرة مرداء: لا ورق عليها { قوارير } جمع قارورة وهي ~~الزجاجة. # التفسير: { وتفقد الطير } أي بحث سليمان وفتش عن جماعة الطير ~~{ فقال مالي لا أرى الهدهد } أي لم لا أرى الهدهد ههنا؟ ~~قال المفسرون: كانت الطير تصحبه في سفره وتظله بأجنحتها، فلما فصل سليمان ~~عن وادي النمل ونزل في قفر من الأرض عطش الجيش فسألوه الماء، وكان ~~الهدهد يدله، على الماء فإذا قال: ههنا الماء شقت الشياطين وفجرت ~~العيون، فطلبه في ذلك اليوم فلم يجده فقال مالي لا أراه { أم كان ~~من الغآئبين } أم منقطعة بمعنى " بل " أي بل هو غائب، ذهب دون ~~إذن مني { لأعذبنه عذابا شديدا أو لأاذبحنه أو ~~ليأتيني بسلطان مبين } أي لأعاقبنه عقابا أليما بالسجن ~~أو نتف الريش أو الذبح أو ليأتيني بحجة واضحة تبين عذره { فمكث ~~غير بعيد } أي فأقام الهدهد زمانا يسيرا ثم جاء إلى سليمان { ~~فقال أحطت بما لم تحط به } أي اطلعت على ما لم تطلع عليه ~~وعرفت ما لم تعرفه { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } أي وأتيتك ~~من مدينة سبأ - باليمن - بخبر هام، وأمر صادق خطير { إني وجدت ~~امرأة تملكهم } أي من عجائب ما رأيت أن امرأة - تسمى بلقيس - ~~هي ملكة لهم، وهم يدينون بالطاعة لها { وأوتيت من كل شيء } ~~أي وأعطيت من كل شيء من الأشياء التي يحتاج إليها الملوك من أسباب ~~الدنيا من سعة المال وكثرة الرجال ووفرة السلاح والعتاد { ولها عرش ~~عظيم } أي ولها سرير كبير مكلل بالدر والياقوت قال قتادة: كان ~~عرشها من ذهب، قوائمه من جوهر، مكلل باللؤلؤ قال الطبري: وعنى ~~بالعظيم في هذا الموضع العظيم في قدره وخطره، لا عظمه في الكبر والسعة، ~~ولهذا قال ابن عباس: { عرش عظيم } أي سرير كريم حسن الصنعة، ~~وعرشها سرير من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ، ثم أخذ يحدثه عما هو أعظم ~~وأخطر فقال { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون ~~الله } أي وجدتهم جميعا ms1049 مجوسا يعبدون الشمس ويتركون عبادة الواحد ~~الأحد { وزين لهم الشيطان أعمالهم } أي حسن لهم ~~إبليس عبادتهم الشمس وسجودهم لها من دون الله { فصدهم عن ~~السبيل } أي منعهم بسبب هذا الضلال عن طريق الحق والصواب { فهم ~~لا يهتدون } أي فهم بسبب إغواء الشيطان لا يهتدون إلى الله ~~وتوحيده، ثم قال الهدهد متعجبا { ألا يسجدوا لله الذي ~~يخرج الخبء في السموت والأرض } أي أيسجدون للشمس ولا ~~يسجدون لله الخالق العظيم، الذي يعلم الخفايا ويعلم كل مخبوء في العالم ~~العلوي والسفلي؟ قال ابن عباس: يعلم كل خبيئة في السماء والأرض { ~~ويعلم ما تخفون وما تعلنون } أي ويعلم السر والعلن، ~~ما ظهر وما بطن { الله لا إله إلا هو رب العرش ~~العظيم } أي هو تعالى المتفرد بالعظمة والجلال، رب العرش الكريم ~~المستحق للعبادة والسجود، وخص العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات، وإلى ~~هنا انتهى كلام الهدهد { قال سننظر أصدقت أم كنت من ~~الكاذبين } أي قال سليمان: سننظر في قولك ونتثبت هل أنت صادق أم ~~كاذب فيه؟ قال ابن الجوزي: وإنما شك في خبره لأنه أنكر أن يكون لغيره ~~سلطان، ثم كتب كتابا وختمه بخاتمه ودفعه إلى الهدهد وقال { اذهب ~~بكتابي هذا فألقه إليهم } أي اذهب بهذا الكتاب ~~وأوصله إلى ملكة سبأ وجندها { ثم تول عنهم } أي تنح إلى ~~مكان قريب مستترا عنهم { فانظر ماذا يرجعون } أي فانظر ماذا ~~يردون من الجواب؟ قال المفسرون: أخذ الهدهد الكتاب وذهب إلى بلقيس ~~وقومها، فرفرف فوق رأسها ثم ألقى الكتاب في حجرها { قالت يأيها ~~الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } أي قالت لأشراف ~~قومها إنه أتاني كتاب عظيم جليل { إنه من سليمان وإنه ~~بسم الله الرحمن الرحيم } أي إن هذا الكتاب مرسل من ~~سليمان ثم فتحته فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم وهو استفتاح شريف ~~بارع فيه إعلان الربوبية لله ثم الدعوة إلى توحيد الله والانقياد لأمره ~~{ ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين } أي لا تتكبروا ~~علي كما يفعل الملوك وجيئوني مؤمنين قال ابن عباس: أي موحدين، وقال ~~سفيان: طائعين ms1050 { قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري } ~~أي أشيروا علي في الأمر { ما كنت قاطعة أمرا حتى ~~تشهدون } أي ما كنت لأقضي أمرا بدون حضوركم ومشورتكم { قالوا ~~نحن أولو قوة وأولو بأس شديد } أي نحن أصحاب كثرة ~~في الرجال والعتاد، وأصحاب شدة في الحرب { والأمر إليك ~~فانظري ماذا تأمرين }؟ أي وأمرنا إليك فمرينا بما شئت نمتثل ~~أمرك، وقولهم هذا دليل على الطاعة المفرطة قال القرطبي: أخذت في حسن ~~الأدب مع قومها ومشاورتهم في أمرها في كل ما يعرض لها، فراجعها الملأ بما ~~يقر عينها من إعلامهم إياها بالقوة والبأس، ثم سلموا الأمر إلى نظرها، ~~وهذه محاورة حسنة من الجميع قال الحسن البصري: فوضوا أمرهم إلى علجة ~~يضطرب ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا كانت هي أحزم منهم رأيا وأعلم { ~~قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها } أي إن ~~عادة الملوك أنهم إذا استولوا على بلدة عنوة وقهرا خربوها { ~~وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة } أي أهانوا أشرافها وأذلوهم ~~بالقتل والأسر والتشريد { وكذلك يفعلون } أي وهذه عادتهم ~~وطريقتهم في كل بلد يدخلونها قهرا، ثم عدلت إلى المهادنة والمسالمة ~~فقالت { وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم ~~يرجع المرسلون } أي وإني سأبعث إليه بهدية عظيمة تليق بمثله، ~~فأنظر هل يقبلها أم يردها؟ قال قتادة: ما كان أعقلها في إسلامها ~~وشركها!! علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس، وقال ابن عباس: قالت ~~لقومها إن قبل الهدية فهو ملك يريد الدنيا فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو ~~نبي صادق فاتبعوه { فلما جآء سليمان قال أتمدونن ~~بمال }؟ أي فلما جاء رسل بلقيس إلى سليمان بالهدية العظيمة قال منكرا ~~عليهم: أتصانعونني بالمال والهدايا لأترككم على كفركم وملككم؟ { فمآ ~~آتاني الله خير ممآ آتاكم } أي فما أعطاني الله من ~~النبوة والملك الواسع خير مما أعطاكم من زينة الحياة فلا حاجة لي ~~بهديتكم { بل أنتم بهديتكم تفرحون } أي أنتم تفرحون ~~بالهدايا لأنكم أهل مفاخرة ومكاثرة في الدنيا، ثم قال لرئيس الوفد { ~~ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم ~~بها } أي ارجع إليهم بهديتهم ms1051 فوالله لنأتينهم بجنود لا طاقة لهم ~~بمقابلتها، ولا قدرة لهم على مقاتلتها { ولنخرجنهم منهآ ~~أذلة وهم صاغرون } أي ولنخرجنهم من أرضهم ومملكتهم أذلاء ~~حقيرين إن لم يأتوني مسلمين قال ابن عباس: لما رجعت رسل بلقيس إليها من ~~عند سليمان وأخبروها الخبر قالت قد عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، ~~وبعثت إلى سليمان إني قادمة إليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك، وما تدعو ~~إليه من دينك ثم ارتحلت إلى سليمان في اثني عشر ألف قائد { قال ~~يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن ~~يأتوني مسلمين }؟ أي قال سليمان لأشراف من حضره من جنده: أيكم ~~يأتيني بسريرها المرصع بالجواهر قبل أن تصل إلي مع قومها مسلمين؟ قال ~~البيضاوي: أراد بذلك أن يريها بعض ما خصه الله به من العجائب، الدالة على ~~عظيم القدرة، وصدقه في دعوى النبوة، ويختبر عقلها بأن ينكر عرشها فينظر ~~أتعرفه أم تنكره؟ { قال عفريت من الجن أنا آتيك به ~~قبل أن تقوم من مقامك } أي قال مارد من مردة الجن: أنا ~~أحضره إليك قبل أن تقوم من مجلس الحكم - وكان يجلس من الصبح إلى الظهر في ~~كل يوم - وغرضه أنه يأتيه به في أقل من نصف نهار { وإني عليه ~~لقوي أمين } أي وإني على حمله لقادر، وأمين على ما فيه من ~~الجواهر والدر وغير ذلك { قال الذي عنده علم من ~~الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } ~~قال المفسرون: هو " آصف بن برخيا " كان من الصدقين يعلم اسم الله ~~الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وهو الذي أتى بعرش بلقيس وقال لسليمان: ~~أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك أي آتيك به بلمح البصر فدعا الله ~~فحضر العرش حالا { فلما رآه مستقرا عنده قال هذا ~~من فضل ربي } أي فلما نظر سليمان ورأى العرش - السرير - حاضرا ~~لديه قال: هذا من فضل الله علي، وإحسانه إلي { ليبلوني ~~أأشكر أم أكفر }؟ أي ليختبرني أأشكر إنعامه، أم أجحد فضله ~~وإحسانه؟ { ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ms1052 } أي ومن شكر ~~فمنفعة الشكر لنفسه، لأنه يستزيد من فضل الله # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7] { ومن كفر فإن ربي غني كريم } أي ومن ~~لم يشكر وجحد فضل الله فإن الله مستغن عنه وعن شكره، كريم بالإنعام ~~على من كفر نعمته.. ولما قرب وصول ملكة سبأ إلى بلاده أمر بأن تغير ~~بعض معالم عرشها امتحانا لها { قال نكروا لها عرشها } أي ~~غيروا بعض أوصافه وهيئته كما يتنكر الإنسان حتى لا يعرف { ننظر ~~أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون } أي لننظر ~~إذا رأته هل تهتدي إلى أنه عرشها وتعرفه أم لا؟ أراد بذلك اختبار ذكائها ~~وعقلها { فلما جآءت قيل أهكذا عرشك }؟ أي أمثل هذا ~~العرش الذي رأيتيه عرشك؟ ولم يقل: أهذا عرشك؟ لئلا يكون تلقينا لها { ~~قالت كأنه هو } أي يشبهه ويقاربه ولم تقل: نعم هو، ولا ليس هو ~~قال ابن كثير: وهذا غاية في الذكاء والحزم { وأوتينا العلم من ~~قبلها وكنا مسلمين } هذا من قول سليمان أي قال سليمان ~~تحدثا بنعمة الله: لقد أوتينا العلم من قبل هذه المرأة بالله وبقدرته ~~وكنا مسلمين لله من قبلها، فنحن أسبق منها علما وإسلاما { وصدها ~~ما كانت تعبد من دون الله } أي منعها عن الإيمان بالله ~~عبادتها القديمة للشمس والقمر { إنها كانت من قوم كافرين ~~} أي بسبب كفرها ونشوئها بين قوم مشركين { قيل لها ادخلي ~~الصرح } أي ادخلي القصر العظيم الفخم { فلما رأته حسبته ~~لجة وكشفت عن ساقيها } أي فلما رأت ذلك الصرح الشامخ ظنته ~~لجة ماء - أي ماء غمرا كثيرا - وكشفت عن ساقيها لتخوض فيه { قال ~~إنه صرح ممرد من قوارير } أي قال سليمان: إنه قصر ~~مملس من الزجاج الصافي { قالت رب إني ظلمت نفسي } أي ~~قالت بلقيس حينئذ: رب إني ظلمت نفسي بالشرك وعبادة الشمس { ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } أي وتابعت ~~سليمان على دينة فدخلت في الإسلام مؤمنة برب العالمين، قال ابن كثير: ~~والغرض أن سليمان عليه السلام اتخذ قصرا عظيما منيفا من زجاج لهذه ~~الملكة، ليريها عظمة سلطانه ms1053 وتمكنه، فلما رأت ما آتاه الله وجلالة ما هو ~~فيه وتبصرت في أمره، انقادت لأمر الله تعالى وعرفت أنه نبي كريم، وملك ~~عظيم، وأسلمت لله عز وجل. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- أسلوب التعجب { مالي لا أرى الهدهد }؟ # 2- التأكيد المكرر { لأعذبنه.. أو لأاذبحنه.. أو ~~ليأتيني } لتأكيد الأمر. # 3- طباق السلب { أحطت بما لم تحط به } وكذلك { تهتدي.. ~~لا يهتدون }. # 4- الجناس اللطيف { وجئتك من سبإ بنبإ } ويسمى الجناس ~~الناقص لتبدل بعض الحروف. # 5- الطباق في اللفظ { تخفون.. وتعلنون } وكذلك { أأشكر ~~أم أكفر }. # 6- الطباق في المعنى { أصدقت أم كنت من الكاذبين }. # قال علماء البيان: والمطابقة هنا بالمعنى أبلغ من اللفظ لأنه عدول عن ~~الفعل إلى الإسم فيفيد الثبات فلو قال " أصدقت أم كذبت " لما أدى هذا ~~المعنى لأنه قد يكذب في هذا الأمر ولا يكذب في غيره، وأما قوله { أم ~~كنت من الكاذبين } فإنه يفيد أنه إذا كان معروفا بالانخراط في ~~سلك الكاذبين كان كاذبا لا محالة فلا يوثق به أبدا. # 7- جناس الاشتقاق { أن تقوم من مقامك } وكذلك { أسلمت ~~مع سليمان }. # 8- التشبيه { كأنه هو } أي كأنه عرشي في الشكل والوصف ويسمى " ~~مرسلا مجملا ". # 9- الاستعارة البديعة { قبل أن يرتد إليك طرفك } شبه ~~سرعة مجيئه بالعرش برجوع الطرف للإنسان، وارتداد الطرف معناه التقاء ~~الجفنين وهو أبلغ ما يمكن أن يوصف به في السرعة ومثله " وما أمر ~~الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب " فاستعار للسرعة الفائقة ارتداد ~~الطرف. # 10- توافق الفواصل في كثير من الآيات، ولها وقع في النفس رائع مثل { ~~أم كان من الغآئبين } { أو ليأتيني بسلطان ~~مبين } { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } إلى آخر ما ~~هنالك. # لطيفة: أخذ بعض العلماء من قوله تعالى { وتفقد الطير } ~~استحباب تفقد الملك لأحوال الرعية، وكذلك تفقد الأصدقاء، والإخوان، ~~والخلان وأنشد بعضهم: # سن سليمان لنا سنة # وكان فيما سنه مقتدى # تفقد الطير على ملكه # فقال: مالي لا أرى الهدهدا؟ ### || [27.45-66] # المناسبة: لما ذكر تعالى في أول السورة قصة موسى، ثم أعقبها بقصة ~~داود وسليمان ms1054 وما فيها من العجائب والغرائب، ذكر هنا قصة " صالح " ثم ~~قصة " لوط " وكل هذه القصص غرضها التذكير والاعتبار، وبيان سنة الله ~~في إهلاك المكذبين، ثم أتبعها بذكر البراهين الدالة على الوحدانية، ~~والعلم، والقدرة. # اللغة: { اطيرنا } من التطير وهو التشاؤم قال الزجاج: أصلها ~~تطيرنا فأدغمت التاء في الطاء واجتلبت الألف لسكون الطاء { ~~خاوية } خالية من خوى البطن إذا خلى، وخوى النجم إذا سقط { ~~الفاحشة } الفعلة القبيحة الشنيعة { حدآئق } جمع حديقة وهي ~~البستان الذي عليه سور قال الفراء: الحديقة البستان الذي عليه حائط، ~~فإن لم يكن عليه حائط فهو البستان { قرارا } مستقرا يثبت عليه الشيء ~~{ حاجزا } الحاجز: الفاصل بين الشيئين. # التفسير: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا ~~أن اعبدوا الله } اللام جواب قسم محذوف أي والله لقد أرسلنا إلى ~~قبيلة ثمود أخاهم - في النسب لا في الدين - صالحا عليه السلام يدعوهم ~~إلى توحيد الله وعبادته { فإذا هم فريقان يختصمون } أي ~~فإذا هم جماعتان: مؤمنون وكافرون يتنازعون في شأن الدين قال مجاهد: " ~~فريقان: مؤمن، وكافر " واختصامهم: اختلافهم وجدالهم في الدين، وجاء ~~الفعل بالجمع { يختصمون } حملا على المعنى { قال يقوم لم ~~تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة } أي قال لهم صالح ~~بطريق التلطف والرفق: يا قوم لم تطلبون العذاب قبل الرحمة؟ ولأي شيء ~~تستعجلون بالعذاب ولا تطلبون الرحمة؟ { لولا تستغفرون الله ~~لعلكم ترحمون } أي هلا تتوبون إلى الله من الشرك لكي يتوب ~~الله عليكم ويرحمكم؟ قال المفسرون: كان الكفار يقولون لفرط الإنكار: يا ~~صالح ائتنا بعذاب الله فقال لهم: هلا تستغفرون الله قبل نزول العذاب، ~~فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر!! { قالوا اطيرنا بك ~~وبمن معك } أي تشاءمنا بك يا صالح وبأتباعك المؤمنين فإنكم سبب ~~ما حل بنا من بلاء، وكانوا قد أصابهم القحط وجاعوا { قال طائركم ~~عند الله } أي حظكم في الحقيقة من خير أو شر هو عند الله وبقضائه، ~~إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم.. لما لاطفهم في الخطاب أغلظوا له في ~~الجواب وقالوا تشاءمنا بك وبمن معك، فأخبرهم أن شؤمهم بسبب عملهم ms1055 لا ~~بسبب صالح والمؤمنين { بل أنتم قوم تفتنون } أي بل الحقيقة ~~أنكم جماعة يفتنكم الشيطان بوسوسته وإغوائه ولذلك تقولون ما تقولون { ~~وكان في المدينة تسعة رهط } أي وكان في مدينة صالح - وهي ~~الحجر - تسعة رجال من أبناء أشرافهم قال الضحاك: كان هؤلاء التسعة ~~عظماء أهل المدينة { يفسدون في الأرض ولا يصلحون } أي ~~شأنهم الإفساد، وإيذاء العباد بكل طريق ووسيلة قال ابن عباس: وهم الذين ~~عقروا الناقة { قالوا تقاسموا بالله } أي قال بعضهم لبعض: ~~احلفوا بالله { لنبيتنه وأهله } أي لنقتلن صالحا وأهله ~~ليلا { ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله ~~} أي ثم نقول لولي دمه ما حضرنا مكان هلاكه ولا عرفنا قاتله ولا قاتل ~~أهله { وإنا لصادقون } أي ونحلف لهم إنا لصادقون قال ابن عباس: ~~أتوا دار صالح شاهرين سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة فقتلتهم قال ~~تعالى { ومكروا مكرا } أي دبروا مكيدة لقتل صالح { ~~ومكرنا مكرا } أي جازيناهم على مكرهم بتعجيل هلاكهم، سماه ~~مكرا بطريق المشاكلة { وهم لا يشعرون } أي من حيث لا يدرون ولا ~~يعلمون قال أبو حيان: ومكرهم ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح وأهله، ~~ومكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون { فانظر كيف كان عاقبة ~~مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين } أي فتأمل ~~وتفكر في عاقبة أمرهم ونتيجة كيدهم، كيف أنا أهلكناهم أجمعين وكان ~~مآلهم الخراب والدمار! { فتلك بيوتهم خاوية بما ~~ظلموا } أي فتلك مساكنهم ودورهم خالية بسبب ظلمهم وكفرهم لأن أهلها ~~هلكوا { إن في ذلك لآية لقوم يعلمون } أي إن في هذا ~~التدمير العجيب لعبرة عظيمة لقوم يعلمون قدرة الله فيتعظون { ~~وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } أي وأنجينا من ~~العذاب المؤمنين المتقين الذين آمنوا مع صالح { ولوطا إذ قال ~~لقومه } أي واذكر رسولنا " لوطا " حين قال لقومه أهل سدوم { ~~أتأتون الفاحشة } أي أتفعلون الفعلة القبيحة الشنيعة وهي ~~اللواطة { وأنتم تبصرون } أي وأنتم تعلمون علما يقينا أنها ~~فاحشة وأنها عمل قبيح؟ { أإنكم لتأتون الرجال شهوة ~~من دون النسآء } تكرير للتوبيخ أي أئنكم أيها القوم لفرط سفهكم ~~تشتهون الرجال وتتركون النساء؟ ms1056 ويكتفي الرجال بالرجال بطريق الفاحشة ~~القبيحة { بل أنتم قوم تجهلون } أي بل أنتم قوم سفهاء ~~ماجنون ولذلك تفضلون العمل الشنيع على ما أباح الله لكم من النساء { ~~فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل ~~لوط من قريتكم } أي فما كان جواب أولئك المجرمين إلا أن قالوا ~~أخرجوا لوطا وأهله من بلدتكم { إنهم أناس يتطهرون } أي ~~إنهم قوم يتنزهون عن القاذورات ويعدون فعلنا قذرا، وهو تعليل لوجوب ~~الطرد والإخراج قال قتادة: عابوهم والله بغير عيب بأنهم يتطهرون من ~~أعمال السوء وقال ابن عباس: هو استهزاء يستهزئون بهم بأنهم يتطهرون عن ~~أدبار الرجال { فأنجيناه وأهله إلا امرأته } أي ~~فخلصناه هو وأهله من العذاب الواقع بالقوم إلا زوجته { قدرناها ~~من الغابرين } أي جعلناها بقضائنا وتقديرنا من المهلكين، الباقين ~~في العذاب { وأمطرنا عليهم مطرا } أي أنزلنا عليهم حجارة ~~من السماء كالمطر فأهلكتهم { فسآء مطر المنذرين } أي بئس ~~العذاب الذي أمطروا به وهو الحجارة من سجيل منضود، ولما ذكر تعالى قصص ~~الأنبياء أتبعه بذكر دلائل القدرة والوحدانية فقال { قل الحمد ~~لله وسلام على عباده الذين اصطفى } أي قل يا محمد ~~الحمد لله على إفضاله وإنعامه، وسلام على عباده المرسلين الذين ~~اصطفاهم لرسالته، واختارهم لتبليغ دعوته قال الزمخشري: أمر الله رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الدالة على وحدانيته، الناطقة ~~بالبراهين على قدرته وحكمته، وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه، ~~وفيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وهو حمد الله والصلاة على رسله، ~~ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا ~~الله وصلوا على رسوله أمام كل علم، وقبل كل عظة وتذكرة { ءآلله ~~خير أما يشركون } تبكيت للمشركين وتهكم بهم أي هل الخالق ~~المبدع الحكيم خير أم الأصنام التي عبدوها وهي لا تسمع ولا تستجيب؟ { ~~أمن خلق السموت والأرض } برهان آخر على وحدانية الله ~~أي أمن أبدع الكائنات فخلق تلك السماوات في ارتفاعها وصفائها، وجعل ~~فيها الكواكب المنيرة، وخلق الأرض وما فيها من الجبال والسهول والأنهار ~~والبحار، خير ms1057 أما يشركون؟ { وأنزل لكم من السمآء مآء ~~فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة } أي وأنزل لكم بقدرته المطر ~~من السحاب فأخرج به الحدائق والبساتين، ذات الجمال والخضرة والنضرة، ~~والمنظر الحسن البهيج { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } ~~أي ما كان للبشر ولا يتهيأ لهم، وليس بمقدورهم ومستطاعهم أن ينبتوا ~~شجرها فضلا عن ثمرها { أإله مع الله } استفهام إنكار أي هل ~~معه معبود سواه حتى تسووا بينهما وهو المتفرد بالخلق والتكوين؟ { بل ~~هم قوم يعدلون } أي بل هم قوم يشركون بالله فيجعلون له عديلا ~~ومثيلا، ويسوون بين الخالق الرازق والوثن { أمن جعل الأرض ~~قرارا } برهان آخر أي جعل الأرض مستقرا للإنسان والحيوان، بحيث ~~يمكنكم الإقامة بها والاستقرار عليها { وجعل خلالهآ أنهارا ~~} أي وجعل في شعابها وأوديتها الأنهار العذبة الطيبة، تسير خلالها شرقا ~~وغربا، وشمالا وجنوبا { وجعل لها رواسي } أي وجعل جبالا ~~شامخة ترسي الأرض وتثبتها لئلا تميد وتضطرب بكم { وجعل بين ~~البحرين حاجزا } أي وجعل بين المياه العذبة والمالحة فاصلا ~~ومانعا يمنعها من الاختلاط، لئلا يفسد ماء البحار المياه العذبة { ~~أإله مع الله } أي أمع الله معبود سواه؟ { بل أكثرهم ~~لا يعلمون } أي أكثر المشركين لا يعلمون الحق فيشركون مع الله غيره ~~{ أمن يجيب المضطر إذا دعاه } برهان ثالث أي أمن يجيب ~~المكروب المجهود الذي مسه الضر فيستجيب دعاءه ويلبي نداءه؟ { ~~ويكشف السوء } أي ويكشف عنه الضر والبأساء؟ { ويجعلكم ~~خلفآء الأرض } أي ويجعلكم سكان الأرض تعمرونها جيلا بعد جيل، ~~وأمة بعد أمة { أإله مع الله }؟ أي أإله مع الله يفعل ذلك ~~حتى تعبدوه؟ { قليلا ما تذكرون } أي ما أقل تذكركم ~~واعتباركم فيما تشاهدون؟ { أمن يهديكم في ظلمات البر ~~والبحر }؟ برهان رابع أي أم من يرشدكم إلى مقاصدكم في أسفاركم في ~~الظلام الدامس، في البراري، والقفار، والبحار؟ والبلاد التي تتوجهون ~~إليها بالليل والنهار؟ { ومن يرسل الرياح بشرا بين ~~يدي رحمته }؟ أي ومن الذي يسوق الرياح مبشرة بنزول المطر الذي ~~هو رحمة للبلاد والعباد؟ { أإله مع الله }؟ أي أإله مع الله ~~يقدر على شيء ms1058 من ذلك؟ { تعالى الله عما يشركون } أي ~~تعظم وتمجد الله القادر الخالق عن مشاركة العاجز المخلوق { أمن ~~يبدأ الخلق ثم يعيده } برهان خامس أي أمن يبدأ خلق ~~الإنسان ثم يعيده بعد فنائه؟ قال الزمخشري: كيف قال لهم ذلك وهم منكرون ~~للإعادة؟ والجواب أنه قد أزيحت علتهم بالتمكين من المعرفة ~~والإقرار، فلم يبق لهم عذر في الإنكار { ومن يرزقكم من ~~السمآء والأرض } أي ومن ينزل عليكم من مطر السماء، وينبت لكم ~~من بركات الأرض الزروع والثمار؟ قال أبو حيان: لما كان إيجاد بني آدم ~~إنعاما إليهم وإحسانا عليهم، ولا تتم النعمة إلا بالرزق قال { ومن ~~يرزقكم من السمآء } أي بالمطر { والأرض } أي بالنبات { ~~أإله مع الله }؟ أي أإله مع الله يفعل ذلك؟ { قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين } أي أحضروا حجتكم ودليلكم على ما ~~تزعمون إن كنتم صادقين في أن مع الله إلها آخر { قل لا يعلم ~~من في السموت والأرض الغيب إلا الله } أي هو سبحانه ~~وحده المختص بعلم الغيب، فلا يعلم أحد من ملك أو بشر الغيب إلا الله ~~علام الغيوب قال القرطبي: نزلت في المشركين حين سألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن قيام الساعة { وما يشعرون أيان يبعثون }؟ ~~أي وما يدري ولا يشعر الخلائق متى يبعثون بعد موتهم؟ { بل ادارك ~~علمهم في الآخرة } أي هل تتابع وتلاحق علم المشركين بالآخرة ~~وأحوالها حتى يسألوا عن الساعة وقيامها؟ إنهم لا يصدقون بالآخرة فلماذا ~~يسألون عن قيام الساعة؟ { بل هم في شك منها } إضراب عن ~~السابق أي هم شاكون في الآخرة لا يصدقون بها ولذلك يعاندون ويكابرون { ~~بل هم منها عمون } أي بل هم في عمى عنها، ليس لهم بصيرة ~~يدركون بها دلائل وقوعها لأن اشتغالهم باللذات النفسانية من شهوة البطن ~~والفرج صيرهم كالبهائم والأنعام لا يتدبرون ولا يبصرون قال ابن كثير: هم ~~شاكون في وقوعها ووجودها، بل هم في عماية وجهل كبير في أمرها. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- الطباق { يفسدون.. ولا يصلحون }. # 2- التحضيض ms1059 { لولا تستغفرون الله } أي هلا تستغفرون الله. # 3- جناس الاشتقاق { اطيرنا.. طائركم }. # 4- المشاكلة { ومكروا.. ومكرنا } سمى تعالى إهلاكهم ~~وتدميرهم مكرا على سبيل المشاكلة. # 5- الطباق { لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة }؟ # 6- الاستفهام التوبيخي { أتأتون الفاحشة وأنتم ~~تبصرون }؟ # 7- أسلوب التبكيت والتهكم { ءآلله خير أما يشركون }؟ # 8- الاستعارة اللطيفة { بين يدي رحمته } أي أمام نزول المطر ~~فاستعار اليدين للأمام. # 9- الطباق { يبدأ الخلق ثم يعيده }. # 10- الاستعارة { بل هم منها عمون } استعار العمى للتعامي عن ~~الحق وعدم التفكر والتدبر في آلاء الله. # 11- مراعاة الفواصل مما يزيد في رونق الكلام وجماله، وله على السمع وقع ~~خاص مثل { وما يشعرون أيان يبعثون } { أمن جعل ~~الأرض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا } ومثل { إن في ~~ذلك لآية لقوم يعلمون * وأنجينا الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون }. وأمثاله كثير، وفي القرآن روائع بيانية يعجز عن ~~التعبير عنها اللسان، فسبحان من خص نبيه الأمي بهذا الكتاب المعجز!! ### || [27.67-93] # المناسبة: لما ذكر تعالى الأدلة والبراهين على وحدانية رب العالمين، ~~ذكر هنا شبهات المشركين في الإيمان بالآخرة والبعث والنشور، وأردفها ~~بذكر الدلائل القاطعة، وذكر بعض الأهوال التي تكون بين يدي الساعة. # اللغة: { ردف } اقترب ودنا { تكن } تسر وتخفي { داخرين ~~} ذليلن صاغرين { فوجا } الفوج: الجماعة { جامدة } الجمود: سكون ~~الشيء وعدم حركته { أتقن } الإتقان: الإتيان بالشيء على أحسن ~~حالاته من التمام والكمال والإحكام { كبت } الكب: الطرح والإلقاء ~~يقال: كببت الرجل ألقيته على وجهه، وكببت الإناء قلبته. # التفسير: { وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا ~~وآبآؤنآ أإنا لمخرجون } أي قال مشركو مكة المنكرون للبعث: ~~أئذا متنا وأصبحنا رفاتا وعظاما بالية، فهل سنخرج من قبورنا ونحيا مرة ~~ثانية؟ { لقد وعدنا هذا نحن وآبآؤنا من قبل } أي ~~لقد وعدنا محمد بالبعث كما وعد من قبله آباءنا الأولين، فلو كان حقا ~~لحصل { إن هذآ إلا أساطير الأولين } أي ما هذا إلا ~~خرافات وأباطيل السابقين. ينكرون البعث وينسون أنهم خلقوا من العدم، وأن ~~الذي خلقهم أولا قادر على أن يعيدهم ثانيا! { قل سيروا في ~~الأرض } أي قل لهؤلاء الكفار: سيروا في أرجاء الأرض { فانظروا ~~كيف كان عاقبة ms1060 المجرمين } أي فانظروا - نظر اعتبار - كيف ~~كان مآل المكذبين للرسل؟ ألم يهلكهم الله ويدمرهم؟ فما حدث للمجرمين من ~~قبل، يحدث للمجرمين من بعد، والآية وعيد وتهديد { ولا تحزن ~~عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون } تسلية للرسول ~~عليه السلام أي لا تحزن يا محمد ولا تأسف على هؤلاء المكذبين إن لم ~~يؤمنوا، ولا يضق صدرك من مكرهم فإن الله يعصمك منهم { ويقولون ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } أي يقولون استهزاء: ~~متى يجيئنا العذاب إن كنتم صادقين فيما تقولون؟ والخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين { قل عسى أن يكون ردف لكم بعض ~~الذي تستعجلون } أي لعل الذي تستعجلون به من العذاب قد دنا ~~وقرب منكم بعضه قال المفسرون: هو ما أصابهم من القتل والأسر يوم بدر { ~~وإن ربك لذو فضل على الناس } أي لذو إفضال وإنعام ~~على الناس بترك تعجيل عقوبتهم على معاصيهم وكفرهم { ولكن ~~أكثرهم لا يشكرون } أي ولكن أكثرهم لا يعرفون حق النعمة، ~~ولا يشكرون ربهم { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ~~وما يعلنون } أي وإنه تعالى ليعلم ما يخفون وما يعلنون من ~~عداوة الرسول وكيدهم له وسيجازيهم عليه { وما من غآئبة في ~~السمآء والأرض إلا في كتاب مبين } أي ليس من شيء في ~~غاية الخفاء على الناس والغيبوبة عنهم إلا وقد علمه الله وأحاط به، ~~وأثبته في اللوح المحفوظ عنده، فلا تخفى عليه سبحانه خافية قال ابن عباس: ~~معناه ما من شيء سر في السماوات والأرض أو علانية إلا وعند الله علمه ~~{ إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ~~الذي هم فيه يختلفون } لما ذكر تعالى أمر المبدأ والمعاد ~~والنبوة، وكان القرآن من أعظم الدلائل والبراهين على صدق محمد وصدق ما ~~جاء به، أعقبه هنا بذكر القرآن المجيد وذكر أوصافه والمعنى: إن هذا ~~القرآن المنزل على خاتم الرسل لهو الكتاب الحق الذي يبين لأهل اكلتاب ~~ما اختلفوا فيه من أمر الدين، ومن جملته اختلافهم في أمر المسيح وتفرقهم ~~فيه فرقا كثيرة حتى لعن بعضهم بعضا، ms1061 فلو كانوا منصفين لأسلموا، لأن ~~القرآن جاءهم بالرأي الساطع، والخبر القاطع { وإنه لهدى ~~ورحمة للمؤمنين } أي وإنه لهداية لقلوب المؤمنين من ~~الضلالة، ورحمة لهم من العذاب، قال القرطبي: وإنما خص المؤمنين بالذكر ~~لأنهم المنتفعون به { إن ربك يقضي بينهم بحكمه } أي إن ~~ربك يا محمد يفصل بين بني إسرائيل يوم القيامة بحكمه العادل، وقضائه ~~المبرم، فيجازي المحق والمبطل { وهو العزيز } أي المنيع الغالب ~~الذي لا يرد أمره { العليم } أي العليم بأفعال العباد فلا يخفى ~~عليه شيء منهم { فتوكل على الله } أي فوض إليه أمرك، ~~واعتمد عليه في جميع شئونك فإنه ناصرك { إنك على الحق ~~المبين } أي إنك يا محمد على الدين الحق، الواضح المنير، فالعاقبة لك ~~بالنصر على الكفار { إنك لا تسمع الموتى } أي لا تسمع ~~الكفار لتركهم التدبر والاعتبار، فهم كالموتى لا حس لهم ولا عقل { ~~ولا تسمع الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين } أي ~~ولا تسمعهم دعاءك ونداءك إذا ذكرتهم بالله أو دعوتهم إلى الإيمان، ~~لأنهم كالصم الذين في آذانهم وقر، فلا يستجيبون الدعاء، لا سيما إذا ~~تولوا عنك معرضين، فإن الأصم إذا تولى مدبرا ثم ناديته كان أبعد عن ~~السماع حيث انضم إلى صممه بعد المسافة { ومآ أنت بهادي ~~العمي عن ضلالتهم } أي وليس بوسعك يا محمد أن تصرف عمي القلوب ~~عن كفرهم وضلالهم { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم ~~مسلمون } أي ما تسمع - سماع تدبر وإفهام - إلا المؤمنين، ولا ~~يستجيب لدعوتك إلا أهل الإيمان، وهم الذين انقادوا وأسلموا وجوههم ~~للرحمن. # . شبه من لا يسمع ولا يعقل بالموتى في أنهم لا يسمعون وإن كانوا ~~أحياء، ثم شبههم ثانيا بالصم وبالعمي وإن كانوا سليمي الحواس، وأكد ~~عدم سماعهم بقوله { إذا ولوا مدبرين } لأن الأصم إذا أدبر ~~زاد صممه أو عدم سماعه بالكلية، والغرض من الآية أن هؤلاء الكفار ~~كالموتى، وكالصم، وكالعمي، لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون، ولا ~~يلتفتون إلى شيء من الدلائل الكونية، أو الآيات القرآنية { وإذا ~~وقع القول عليهم } هذا بيان لما يكون بين يدي الساعة ms1062 أي وإذا ~~قرب نزول العذاب وقيام الساعة، وحان وقت عذاب الكفار { أخرجنا ~~لهم دآبة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون } أي أخرجنا للكفار هذه الآية الكبيرة " دابة ~~الأرض " تكلم الناس وتناظرهم وتقول من جملة كلامها: ألا لعنة الله على ~~الظالمين، الذين لا يصدقون ولا يؤمنون بآيات الله، وخروج الدابة من ~~أشراط الساعة وفي الحديث # " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات.. وعد منها طلوع الشمس من ~~مغربها، وخروج الدابة.. " # الحديث قال ابن كثير: هذه الدابة تخرج في آخر الزمان، عند فساد الناس ~~وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، فتكلم الناس وتخاطبهم مخاطبة ~~قال ابن عباس وعطاء: تكلمهم كلاما فتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا ~~يوقنون، وروي أن خروجها حين ينقطع الخير، ولا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن ~~منكر، ولا يبقى منيب ولا تائب، وهي آية خاصة خارقة للعادة، ثم ذكر تعالى ~~بعض مشاهد القيامة فقال { ويوم نحشر من كل أمة فوجا } ~~أي واذكر يوم نجمع للحساب والعقاب من كل أمة من الأمم جماعة وزمرة { ~~ممن يكذب بآياتنا } أي من الجاحدين المكذبين بآياتنا ورسلنا ~~{ فهم يوزعون } أي فهم يجمعون ثم يساقون بعنف { حتى إذا ~~جآءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما } ~~أي حتى إذا حضروا موقف الحساب والسؤال قال لهم تعالى موبخا ~~ومقرعا: أكذبتم بآياتي المنزلة على رسلي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى ~~إحاطة العلم بكنهها، أو معرفة صدقها؟ { أما ذا كنتم تعملون } ~~تقريع وتوبيخ آخر أي أي شيء كنتم تعملون في الدنيا؟ وبخهم أولا ~~بقوله { أكذبتم بآياتي } ثم اضرب عنه إلى استفهام تقرير وتبكيت ~~كأنه قيل: دعوا ما نسبته إليكم من التكذيب وقولوا لي: أي شيء كنتم ~~تعملونه في الدنيا غير التكذيب؟ { ووقع القول عليهم بما ~~ظلموا } أي بهتوا فلم يكن لهم جواب، وقامت عليهم الحجة وحق عليهم ~~العذاب، بسبب ظلمهم وهو تكذيبهم بآيات الله { فهم لا ينطقون } أي ~~فهم لا يتكلمون لأنه ليس لهم عذر ولا حجة، وقد شغلوا بالعذاب عن ~~الجواب.. ms1063 ثم لما ذكر تعالى أهوال القيامة ذكر الأدلة والبراهين على ~~التوحيد والحشر والنشر مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان فقال: { ألم ~~يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا } أي ألم يروا قدرة الله فيعتبروا أنه تعالى جعل الليل مظلما ~~ليناموا ويستريحوا من تعب الحياة، وجعل النهار منيرا مشرقا ليتصرفوا ~~فيه في طلب المعاش والرزق؟ { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون } أي إن في تقليب الليل والنهار من نور إلى ظلمة، ومن ظلمة ~~إلى نور لآيات باهرة، ودلائل قاطعة على قدرة الله لقوم يصدقون ~~فيعتبرون، ثم أشار تعالى إلى أحوال الناس في الآخرة فقال { ويوم ~~ينفخ في الصور ففزع من في السموت ومن في الأرض ~~إلا من شآء الله } أي واذكر يوم ينفخ إسرافيل في الصور " نفخة ~~الفزع " فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلا خاف وفزع إلا من شار ~~الله من الملائكة والأنبياء والشهداء قال المفسرون: هذه نفخة الفزع، ثم ~~تتلوها نفخة الصعق - وهو الموت - ثم بعد ذلك نفخة النشور من القبور وهي ~~نفخة القيام لرب العالمين، قال أبو هريرة: إن الملك له في الصور ثلاث ~~نفخات: نفخة الفزع - وهو فزع الحياة الدنيا - وليس بالفزع الأكبر، ونفخة ~~الصعق، ونفخة القيام من القبور { وكل أتوه داخرين } أي ~~وكل من الأموات الذين أحيوا أتوا ربهم صاغرين مطيعين لم يتخلف ~~منهم أحد { وترى الجبال تحسبها جامدة } أي وترى أيها ~~المخاطب الجبال وقت النفخة الأولى تظنها ثابتة في مكانها وواقفة { وهي ~~تمر مر السحاب } أي وهي تسير سيرا سريعا كالسحاب قال ~~الإمام الفخر: ووجه حسبانهم أنها جامدة أن الأجسام الكبار إذا تحركت ~~حركة سريعة على نهج واحد ظن الناظر إليها أنها واقفة مع أنها تمر مرا ~~سريعا { صنع الله الذي أتقن كل شيء } أي ذلك صنع ~~الله البديع، الذي أحكم كل شيء خلقه، وأودع فيه من الحكمة ما أودع { ~~إنه خبير بما تفعلون } أي هو عليم بما يفعل العباد من خير ~~وشر، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء. # . ثم بين تعالى حال السعداء والأشقياء في ms1064 ذلك اليوم الرهيب فقال { من ~~جآء بالحسنة فله خير منها } أي من جاء يوم القيامة ~~بحسنة من الحسنات، فإن الله يضاعفها له إلى عشر حسنات، ويعطيه بالعمل ~~القليل الثواب الأبدي { وهم من فزع يومئذ آمنون } أي وهم ~~من خوف ذلك اليوم العصيب آمنون كما قال تعالى # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103] { ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم ~~في النار } قال ابن عباس: السيئة: الإشراك بالله أي ومن جاء يوم ~~القيامة مسيئا لا حسنة له أو مشركا بالله فإنه يكب في جهنم على وجهه ~~منكوسا، ويلقى فيها مقلوبا { هل تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون } أي يقال لهم توبيخا: هل تجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون ~~في الدنيا من سيء الأعمال؟ { إنمآ أمرت أن أعبد رب ~~هذه البلدة الذي حرمها } أي قل لهم يا محمد: لقد أمرت ~~أن أخص الله وحده بالعبادة رب البلد الأمين الذي جعل مكة حرما آمنا ~~لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد صيدها ولا يختلى خلاها ~~كما جاء في الحديث الصحيح { وله كل شيء } أي هو تعالى الخالق ~~والمالك لكل شيء فهو رب كل شيء ومليكه { وأمرت أن أكون من ~~المسلمين } أي وأمرت أن أكون من المخلصين لله بالتوحيد، ~~المنقادين لأمره، المستسلمين لحكمه { وأن أتلو القرآن } أي ~~وأمرت أيضا بتلاوة القرآن لتنكشف لي حقائقه الرائعة، وأن أقرأه على ~~الناس { فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } أي فمن ~~اهتدى بالقرآن، واستنار قلبه بالإيمان، فإن ثمرة هدايته راجعة إليه { ~~ومن ضل فقل إنمآ أنا من المنذرين } أي ومن ضل عن ~~طريق الهدى، فوبال ضلاله مختص به، إذ ما على الرسول إلا البلاغ وقد ~~بلغتكم رسالة الله { وقل الحمد لله } أي قل يا محمد: الحمد لله ~~على ما خصني به من شرف النبوة والرسالة، وما أكرمني من رفيع المنزلة ~~والمقام { سيريكم آياته فتعرفونها } تهديد ووعيد أي ~~سيريكم آياته الباهرة الدالة على عظيم قدرته وسلطانه في الأنفس والآفاق ~~فتعرفونها حين لا تنفعكم المعرفة { وما ربك بغافل عما ~~تعملون } أي وما ms1065 ربك بغافل عن أعمال العباد بل هو على كل شيء شهيد، ~~وفيه وعد ووعيد. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- الاستفهام الإنكاري { أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ أإنا ~~لمخرجون } وتكرير الهمزة { أإنا } للمبالغة في التعجب ~~والإنكار. # 2- الوعيد والتهديد { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف ~~كان عاقبة المجرمين }. # 3- التأكيد بإن واللام { وإن ربك لذو فضل } { وإن ~~ربك ليعلم } { وإنه لهدى }. # 4- الطباق { ما تكن صدورهم وما يعلنون } لأن معنى { ~~تكن } تخفي. # 5- الاستعارة البديعة { إن هذا القرآن يقص } لأن القصص ~~لا يوصف به إلا الناطق المميز، ولكن القرآن لما تضمن نبأ الأولين، ~~كان الشخص الذي يقص على الناس الأخبار ففيه استعارة تبعية. # 6- المبالغة { العزيز العليم } لأن صيغة فعيل من صيغ المبالغة. # 7- الاستعارة التمثيلية { إنك لا تسمع الموتى } التعبير ~~بالموتى، والصم، والعمي، جاء كله بطريق الاستعارة، وهو تمثيل لأحوال ~~الكفار في عدم انتفاعهم بالإيمان بأنهم كالموتى والصم والعمي. # 8- أسلوب التوبيخ والتأنيب { أما ذا كنتم تعملون }؟ # 9- الطباق { من جآء بالحسنة.. ومن جآء بالسيئة }. # 10- التشبيه البليغ { وهي تمر مر السحاب } أي تمر كمر ~~السحاب في السرعة، حذفت الأداة ووجه الشبه فأصبح تشبيها بليغا مثل محمد ~~قمر. # 11- الإحتباك { ألم يروا أنا جعلنا الليل ~~ليسكنوا فيه والنهار مبصرا } حذف من أوله ما أثبت في ~~آخره وبالعكس، أصله جعلنا الليل مظلما لتسكنوا فيه، والنهار مبصرا ~~لتتصرفوا فيه فحذف " مظلما " لدلالة " مبصرا " عليه، وحذف " لتتصرفوا ~~فيه " لدلالة { ليسكنوا فيه } وهذا النوع يسمى الإحتباك وهم من ~~المحسنات البديعية. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-19] # اللغة: { شيعا } فرقا وأصنافا { يستحيي } يتركه حيا ولا ~~يقتله { نمن } نتفضل وننعم { اليم } البحر { فارغا } خاليا { ~~المراضع } جمع مرضع، وأما المرضعة فجمعها مرضعات وهي التي ترضع ~~الطفل اللبن { عن جنب } عن بعد ومنه الأجنبي للبعيد غير القريب { ~~وكزه } الوكز: الضرب بجمع الكف أي بكفه مجموعة قال أهل اللغة: ~~الوكز واللكز كلاهما بمعنى واحد وهو الضرب بجمع الكف على الصدر، وقيل: ~~الوكز في الصدر، واللكز في الظهر، وجمع الكف: الكف المقوضة الأصابع { ~~ظهيرا } عونا { يستصرخه } يستغيثه والاستصراخ ms1066 الاستغاثة وهو ~~من الصراخ لأن المستغيث يصرخ ويرفع صوته طلبا للغوث قال الشاعر: # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع # كان الصراخ له قرع الظنابيب # { يبطش } البطش: الأخذ بالشدة والعنف، بطش ويبطش ويبطش بالكسر ~~والضم. # التفسير: { طسم } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن الكريم، ~~والإشارة إلى أن هذا الكتاب المعجز في فصاحته وبيانه مركب من أمثال هذه ~~الحروف الهجائية { تلك آيات الكتاب المبين } أي هذه آيات ~~القرآن الواضح الجلي، الظاهر في إعجازه، الواضح في تشريعه وأحكامه { ~~نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق } أي ~~نقرأ عليك يا محمد بواسطة الروح الأمين من الأخبار الهامة عن موسى وفرعون ~~من الحق الذي لا يأتيه الباطل، والصدق الذي لا ريب فيه ولا كذب { ~~لقوم يؤمنون } أي لقوم يصدقون بالقرآن فينتفعون.. ثم بدأ بذكر ~~قصة فرعون الطاغية فقال { إن فرعون علا في الأرض } أي ~~استكبر وتجبر، وجاوز الحد في الطغيان في أرض مصر { وجعل أهلها ~~شيعا } أي جعل أهلها فرقا وأصنافا في استخدامه وطاعته { ~~يستضعف طآئفة منهم } أي يستعبد ويستذل فريقا منهم وهم ~~بنوا إسرائيل فيسومهم سوء العذاب { يذبح أبنآءهم ~~ويستحيي نساءهم } أي يقتل أبناءهم الذكور ويترك الإناث على ~~قيد الحياة لخدمته وخدمة الأقباط قال المفسرون: سبب تقتيله الذكور أن ~~فرعون رأى في منامه أن نارا عظيمة أقبلت من بيت المقدس وجاءت إلى أرض ~~مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل، فسأل عن ذلك المنجمين والكهنة، ~~فقالوا له: إن مولودا يولد في بني إسرائيل، يذهب ملكك على يديه، ويكون ~~هلاكك بسببه فأمر أن يقتل كل ذكر من أولاد بني إسرائيل { إنه كان ~~من المفسدين } أي من الراسخين في الفساد، المتجبرين في الأرض، ~~ولذلك ادعى الربوبية وأمعن في القتل وإذلال العباد { ونريد أن ~~نمن على الذين استضعفوا في الأرض } أي ونريد ~~برحمتنا أن نتفضل وننعم على المستضعفين من بني إسرائيل فننجيهم من بأس ~~فرعون وطغيانه { ونجعلهم أئمة } أي ونجعلهم أئمة يقتدى بهم ~~في الخير بعد أن كانوا أذلاء مسخرين قال ابن عباس: { أئمة } قادة في ~~الخير، وقال ms1067 قتادة: ولاة وملوكا { ونجعلهم الوارثين } أي ~~ونجعل هؤلاء الضعفاء وارثين لملك فرعون وقومه، يرثون ملكهم ويسكنون ~~مساكنهم بعد أن كان القبط أسياد مصر وأعزتها { ونمكن لهم في ~~الأرض } أي ونملكهم بلاد مصر والشام يتصرفون فيها كيف يشاءون قال ~~البيضاوي: أصل التمكين أن تجعل للشيء مكانا يتمكن فيه ثم استعيد للتسليط ~~وإطلاق الأمر { ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ~~ما كانوا يحذرون } أي ونري فرعون الطاغية، ووزيره " هامان " ~~والأقباط من أولئك المستضعفين ما كانوا يخافونه من ذهاب ملكهم وهلاكهم ~~على يد مولود من بني إسرائيل { وأوحينآ إلى أم موسى أن ~~أرضعيه } أي قذفنا في قلبها بواسطة الإلهام قال ابن عباس: هو وحي ~~إلهام وقال مقاتل: أخبرها جبريل بذلك قال القرطبي: فعلى قول مقاتل هو ~~وحي إعلام لا إلهام، وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية، وإنما إرسال ~~الملك إليها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى كما في الحديث ~~المشهور، وكذلك تكليم الملائكة للناس من غير نبوة، وقد سلمت على " ~~عمران بن حصين " فلم يكن نبيا { فإذا خفت عليه فألقيه ~~في اليم } أي فإذا خفت عليه من فرعون فاجعليه في صندوق وألقيه في ~~البحر - بحر النيل - { ولا تخافي ولا تحزني } أي لا تخافي ~~عليه الهلاك ولا تحزني لفراقه { إنا رآدوه إليك وجاعلوه ~~من المرسلين } أي فإنا سنرده إليك ونجعله رسولا نرسله إلى هذا ~~الطاغية لننجي بني إسرائيل على يديه { فالتقطه آل فرعون ~~ليكون لهم عدوا وحزنا } أي فأخذه وأصابه أعوان فرعون ~~لتكون عاقبة الأمر أن يصبح لهم عدوا ومصدر حزن وبلاء وهلاك قال ~~القرطبي: اللام في " ليكون " لام العاقبة ولام الصيرورة، لأنهم إنما ~~أخذوه ليكون لهم قرة عين، فكان عاقبة ذلك أن صار لهم عدوا وحزنا، فذكر ~~الحال بالمآل كما قال الشاعر: # وللمنايا تربي كل مرضعة # ودورنا لخراب الدهر نبنيها # { إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين } أي ~~كانوا عاصين مشركين آثمين، قال العلماء: الخاطئ من تعمد الذنب والإثم، ~~والمخطئ من فعل الذنب عن غير تعمد { وقالت امرأة فرعون ~~قرت عين لي ولك ms1068 } أي قالت زوجة فرعون لفرعون: هذا الغلام ~~فرحة ومسرة لي ولك لعلنا نسر به فيكون قرة عين لنا قال الطبري: ذكر أن ~~المرأة لما قالت هذا القول لفرعون قال لها: أما لك فنعم، وأما لي فليس ~~بقرة عين، وقال ابن عباس: لو قال قرة عين لي لهداه الله به ولآمن ولكنه ~~أبى { لا تقتلوه } أي لا تقتله يا فرعون، خاطبته بلفظ الجمع كما ~~يخاطب الجبارون تعظيما له ليساعدها فيما تريد { عسى أن ينفعنا ~~أو نتخذه ولدا } عسى أن ينفعنا في الكبر، أو نتبناه فنجعله ~~لنا ولدا تقر به عيوننا قال المفسرون: وكانت لا تلد فاستوهبت موسى من ~~فرعون فوهبه لها قال تعالى { وهم لا يشعرون } أي وهم لا يشعرون ~~أن هلاك فرعون وزبانيته سيكون على يديه وبسببه { وأصبح فؤاد ~~أم موسى فارغا } أي صار قلبها خاليا من ذكر كل شيء في الدنيا ~~إلا من ذكر موسى، وقيل المعنى: طار عقلها من فرط الجزع والغم حين سمعت ~~بوقوعه في يد فرعون { إن كادت لتبدي به } أي إنها كادت أن تكشف ~~أمره وتظهر أنه ابنها من شدة الوجد والحزن قال ابن عباس: كادت تصيح ~~واإبناه، وذلك حين سمعت بوقوعه في يد فرعون { لولا أن ربطنا ~~على قلبها } أي لولا أن ثبتناها وألهمناها الصبر { لتكون من ~~المؤمنين } أي لتكون من المصدقين بوعد الله برده عليها { وقالت ~~لأخته قصيه } أي قالت أم موسى لأخت موسى: إتبعي أثره حتى تعلمي ~~خبره قال مجاهد: قصي أثره وانظري ماذا يفعلون به؟ { فبصرت به عن ~~جنب وهم لا يشعرون } أي فأبصرته عن بعد وهم لا يشعرون أنها ~~أخته، لأنها كانت تمشي على ساحل البحر حتى وصل الصندوق إلى بيت فرعون وهي ~~ترقبه مستخفية عنهم { وحرمنا عليه المراضع من قبل } ~~أي ومنعنا موسى أن يقبل ثدي أي مرضعة من المرضعات اللاتي أحضروهن ~~لإرضاعه من قبل مجيء أمه قال المفسرون: بقي أياما كلما أتي بمرضع لم ~~يقبل ثديها، فأهمهم ذلك واشتد عليهم الأمر فخرجوا به يبحثون له عن مرضعة ~~خارج ms1069 القصر فرأوا أخته { فقالت هل أدلكم على أهل ~~بيت يكفلونه لكم } أي هل أدلكم على مرضعة له تكفله وترعاه؟ { ~~وهم له ناصحون } أي لا يقصرون في إرضاعه وتربيته قال السدي: ~~فدلتهم على أم موسى فانطلقت إليها بأمرهم فجاءت بها، والصبي على يد فرعون ~~يعلله شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فدفعه إليها فلما وجد ريح أمه ~~قبل ثديها، فقال فرعون: من أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني ~~امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن، لا أكاد أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها، ~~فرجعت إلى بيتها من يومها ولم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها ~~وأتحفها بالهدايا والجواهر فذلك قوله تعالى { فرددناه إلى ~~أمه كي تقر عينها ولا تحزن } أي أعدناه إليها ~~تحقيقا للوعد كي تسعد وتهنأ بلقائه ولا تحزن على فراقه { ولتعلم ~~أن وعد الله حق } أي ولتتحقق من صدق وعد الله برده عليها ~~وحفظه من شر فرعون { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي ولكن ~~أكثر الناس يرتابون ويشكون في وعد الله القاطع { ولما بلغ ~~أشده واستوى } أي ولما بلغ كمال الرشد، ونهاية القوة، وتمام ~~العقل والاعتدال قال مجاهد: هو سن الأربعين { آتيناه حكما ~~وعلما } أي أعطيناه الفهم والعلم والتفقه في الدين مع النبوة { ~~وكذلك نجزي المحسنين } أي ومثل هذا الجزاء الكريم نجازي ~~المحسنين على إحسانهم { ودخل المدينة على حين غفلة ~~من أهلها } أي دخل مصر وقت الظهيرة والناس يخلدون للراحة عند ~~القيلولة { فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه } أي فوجد شخصين يتقاتلان: أحدهما من ~~بني إسرائيل من جماعة موسى، والآخر قبطي من جماعة فرعون { فاستغاثه ~~الذي من شيعته على الذي من عدوه } أي فاستنجد ~~الإسرائيلي بموسى وطلب غوثه ليدفع عنه شر القبطي { فوكزه موسى ~~فقضى عليه } أي ضربه موسى بجمع كفه فقتله، قال القرطبي: فعل موسى ~~ذلك وهو لا يريد قتله إنما قصد دفعه فكانت فيه نفسه وكانت القاضية { ~~قال هذا من عمل الشيطان } أي هذا من إغواء الشيطان فهو ~~الذي هيج ms1070 غضبي حتى ضربت هذا { إنه عدو مضل مبين } أي ~~إن الشيطان عدو لابن آدم، مضل له عن سبيل الرشاد، ظاهر العداوة وقال ~~الصاوي: نسبه إلى الشيطان من حيث إنه لم يؤمر بقتل القبطي، وظهر له أن ~~قتله خلاف الأولى لما يترتب عليه من الفتن، والشيطان تفرحه الفتن ولذلك ~~ندم على فعله { قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي } أي ~~إني ظلمت نفسي بقتل النفس فاعف عني ولا تؤاخذني بخطيئتي { فغفر له ~~إنه هو الغفور الرحيم } أي إنه تعالى المبالغ في المغفرة ~~للعباد، الواسع الرحمة لهم { قال رب بمآ أنعمت علي ~~فلن أكون ظهيرا للمجرمين } أي بسبب إنعامك علي بالقوة ~~وبحق ما أكرمتني به من الجاه والعز، فلن أكون عونا لأحد من المجرمين، ~~وهذه معاهدة عاهد موسى ربه عليها وقيل: هو قسم وهو ضعيف { فأصبح في ~~المدينة خآئفا يترقب } أي فأصبح موسى في المدينة التي قتل ~~فيها القبطي خائفا على نفسه يتوقع وينتظر المكروه، ويخاف أن يؤخذ ~~بجريرته { فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه } أي ~~فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي خلصه بالأمس يقاتل قبطيا آخر فلما رأى ~~موسى أخذ يصيح به مستغيثا لينصره من عدوه { قال له موسى إنك ~~لغوي مبين } أي قال موسى للإسرائيلي: إنك لبين الغواية ~~والضلال، فإني وقعت بالأمس فيما وقعت فيه من قتل رجل بسببك وتريد أن ~~توقعني اليوم في ورطة أخرى؟ { فلمآ أن أراد أن يبطش ~~بالذي هو عدو لهما } أي فحين أراد موسى أن يبطش بذلك ~~القبطي الذي هو عدو له وللإسرائيلي { قال يموسى أتريد أن ~~تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس } أي قال القبطي: أتريد ~~قتلي كما قتلت غيري بالأمس؟ { إن تريد إلا أن تكون جبارا ~~في الأرض } أي ما تريد يا موسى إلا أن تكون من الجبابرة المفسدين في ~~الأرض { وما تريد أن تكون من المصلحين } أي وما تريد أن ~~تكون من الذين يصلحون بين الناس. # البلاغة: تضمنت الآيات من وجوه البيان والبديع ما يلي: # 1- الإشارة بالبعيد عن القريب لبعد مرتبته في الكمال { تلك آيات ~~الكتاب ms1071 المبين }. # 2- حكاية الحالة الماضية { ونريد أن نمن } لاستحضار تلك ~~الصورة في الذهن. # 3- إيثارالجملة الإسمية على الفعلية { إنا رآدوه إليك ~~وجاعلوه من المرسلين } ولم يقل سنرده ونجعله رسولا وذلك ~~للاعتناء بالبشارة لأن الجملة الإسمية تفيد الثبوت والإستمرار. # 4- الاستعارة { لولا أن ربطنا على قلبها } شبه ما قذف ~~الله في قلبها من الصبر بربط الشيء المنفلت خشية الضياع واستعار لفظ ~~الربط للصبر. # 5- صيغة التعظيم { لا تقتلوه } تخاطب فرعون ولم تقل لا تقتله ~~تعظيما له. # 6- صيغة المبالغة { جبار } ، { غوي } ، { مبين } لأن فعال ~~وفعيل من صيغ المبالغة. # 7- الطباق المعنوي { جبارا.. وما تريد أن تكون من ~~المصلحين } لأن الجبار المفسد المخرب، المكثر للقتل وسفك الدماء ~~ففيه طباق في المعنى. # 8- الاستعطاف { رب بمآ أنعمت علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين }. # 9- توافق الفواصل في كثير من الآيات مثل { وهم لا يشعرون } { ~~وهم له ناصحون } { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ~~وهو من المحسنات البديعية. # لطيفة: " حكى العلامة القرطبي عن الأصمعي أنه قال سمعت جارية أعرابية ~~تنشد: # أستغفر الله لذنبي كله # قتلت إنسانا بغير حله # مثل الغزال ناعما في دله # انتصف الليل ولم أصله # فقلت: قاتلك الله ما أفصحك؟ فقالت: ويحك أويعد هذا فصاحة مع قول الله عز ~~وجل { وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا ~~خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا ~~تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين ~~} فقد جمع في آية واحدة بين أمرين، ونهيين، وخبرين وبشارتين ". ### || [28.20-42] # المناسبة: لا تزال الآيات تتحدث عن قصة موسى، وقد تناولت الآيات ~~السابقة قصة ولادته وإرضاعه، وتربيته في بيت فرعون إلى أن شب وبلغ سن ~~الرشد والكمال، ثم قتله للفرعوني، وتتحدث الآيات هنا عن هجرته إلى أرض ~~مدين وتزوجه بابنة شعيب، ثم عودته إلى مصر، ونزول النبوة عليه، وهلاك ~~فرعون على يديه. # اللغة: { يأتمرون } يتشاورون قال الأزهري: ائتمر القوم وتآمروا ~~أي أمر بعضهم بعضا { تذودان } ذاد يذود إذا حبس ومنع، طرد قال ~~الشاعر: # لقد سلبت عصاك بنو تميم # فما تدري بأي عصى تذود # { خطبكما } الخطب: الشأن قال رؤية: " يا عجبا ما ms1072 خطبه وخطبي " { ~~الرعآء } جمع راع مثل صاحب وصحاب وهو الذي يرعى الغنم { حجج } ~~جمع حجة بكسر الحاء وهي السنة { جذوة } الجذوة: الجمرة الملتهبة { ~~ردءا } عونا قال الجوهري: أردأته أعنته، وكنت له ردءا أي عونا { ~~المقبوحين } الهالكين المبعدين أو القبيحين في الصورة يقال: قبحه ~~الله وقبحه إذا جعله قبيحا. # التفسير: { وجآء رجل من أقصى المدينة يسعى } أي ~~وجاء رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه من أبعد أطراف المدينة يشتد ويسرع ~~في مشيه قال ابن عباس: هذا الرجل هو مؤمن من آل فرعون { قال يموسى ~~إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك } أي قال له يا موسى: ~~إن أشراف فرعون، ووجوه دولته يتشاورون فيك بقصد قتلك { فاخرج إني ~~لك من الناصحين } أي فاخرج قبل أن يدركوك فأنا ناصح لك من ~~الناصحين { فخرج منها خآئفا يترقب } أي فخرج من مصر ~~خائفا على نفسه يترقب وينتظر الطلب أن يدركه فيأخذه، ثم التجأ إلى الله ~~سبحانه بالدعاء لعلمه بأنه لا ملجأ سواه { قال رب نجني من ~~القوم الظالمين } أي خلصني من الكافرين واحفظني من شرهم - ~~والمراد بهم فرعون وملؤه - { ولما توجه تلقآء مدين } ~~أي قصد بوجهه ناحية مدين وهي بلدة شعيب عليه السلام { قال عسى ~~ربي أن يهديني سوآء السبيل } أي لعل الله يرشدني إلى ~~الطريق السوي الذي يوصلني إلى مقصودي قال المفسرون: خرج خائفا بغير زاد ~~ولا ظهر - مركب - وكان بين مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام، ولم يكن له ~~علم بالطريق سوى حسن ظنه بربه، فبعث الله إليه ملكا فأرشده إلى الطريق، ~~ويروى أنه لما وصل مدين كانت خضرة البقل تتراءى من بطنه من الهزال، لأنه ~~كان في الطريق يتقوت ورق الشجر { ولما ورد مآء مدين وجد ~~عليه أمة من الناس يسقون } أي ولما وصل إلى مدين بلدة ~~شعيب وجد على البئر الذي يستقي منه الرعاة جمعا كثيفا من الناس يسقون ~~مواشيهم { ووجد من دونهم امرأتين تذودان } أي ووجد سوى ~~الجماعة الرعاة امرأتين تكفان غنمهما عن الماء { قال ما خطبكما ~~}؟ أي ما شأنكما تمنعان الغنم ms1073 عن ورود الماء؟ ولم لا تسقيان مع السقاة؟ { ~~قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء وأبونا شيخ ~~كبير } أي من عادتنا التأني حتى ينصرف الرعاة مع أغنامهم عن الماء، ~~ولا طاقة لنا على مزاحمة الأقوياء، ولا نريد مخالطة الرجال، وأبونا رجل ~~مسن لا يستطيع لضعفه أن يباشر سقاية الغنم، ولذلك اضطررنا إلى أن نسقي ~~بأنفسنا قال أبو حيان: فيه اعتذار لموسى عن مباشرتهما السقي بأنفسهما، ~~وتنبيه على أن أباهما لا يقدر على السقي لشيخوخته وكبره، واستعطاف ~~لموسى في إعانتهما { فسقى لهما ثم تولى إلى الظل } ~~أي فسقى لهما غنمهما رحمة بهما، ثم تنحى جانبا فجلس تحت ظل شجرة { ~~فقال رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير } أي ~~إني يا رب محتاج إلى فضلك وإحسانك، وإلى الطعام الذي أسد به جوعي، ~~طلب من الله ما يأكله وكان قد اشتد عليه الجوع قال الضحاك: مكث سبعة أيام ~~لم يذق فيها طعاما إلا بقل الأرض وقال ابن عباس: سار موسى من مصر إلى " ~~مدين " ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيا فما وصل إلى مدين ~~حتى سقطت نعل قدميه، وجلس في الظل - وهو صفوة الله من خلقه - وإن بطنه ~~للاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه، وإنه لمحتاج ~~إلى شق تمره { فجآءته إحداهما تمشي على استحيآء } في ~~الكلام اختصار تقديره: فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكان من عادتهما ~~الإبطاء فحدثتاه بما كان من أمر الرجل، فأمر إحداهما أن تدعوه له فجاءته ~~تمشي. # . الخ أي جاءته حال كونها تمشي مشية الحرائر بحياء وخجل قد سترت وجهها ~~بثوبها قال عمر: لم تكن بسلفع من النساء خراجة ولاجة { قالت إن ~~أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } أي إن أبي ~~يطلبك ليعوضك عن أجر السقاية لغنمنا قال ابن كثير: وهذا تأدب في العبارة ~~لم تطلبه طلبا مطلقا لئلا يوهم ريبة { فلما جآءه وقص ~~عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم ~~الظالمين } أي فلما جاءه موسى وذكر له ما كان من ms1074 أمره وسبب هربه من ~~مصر قال له شعيب: لا تخف فأنت في بلد آمن لا سلطان لفرعون عليه وقد نجاك ~~الله من كيد المجرمين { قالت إحداهما يأبت استأجره } ~~أي استأجره لرعي أغنامنا وسقايتها { إن خير من استأجرت ~~القوي الأمين } أي إن أفضل من تستأجره من كان قويا أمينا قال ~~أبو حيان: وقولها كلام حكيم جامع لأنه إذ اجتمعت الكفاية والأمانة في ~~القائم بأمر من الأمور فقد تم المقصود، روي أن شعيبا قال لها: وما ~~أعلمك بقوته وأمانته؟ فقالت: إنه رفع الصخرةالتي لا يطيق حملها إلا عشرة ~~رجال، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه فقال لي: كوني من ورائي ودليني على ~~الطريق، ولما أتيته خفض بصره فلم ينظر إلي، فرغب شعيب في مصاهرته ~~وتزويجه بإحدى بناته { قال إني أريد أن أنكحك إحدى ~~ابنتي هاتين } أي إني أريد أن أزوجك إحدى بنتي هاتين الصغرى ~~أو الكبرى { على أن تأجرني ثماني حجج } أي بشرط أن تكون ~~أجيرا لي ثماني سنين ترعى فيها غنمي { فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك } أي فإن أكملتها عشر سنين فذلك تفضل منك، وليس بواجب عليك { ~~ومآ أريد أن أشق عليك } أي وما أريد أن أوقعك في المشقة ~~باشتراط العشر { ستجدني إن شاء الله من الصالحين } أي ~~ستجدني إن شاء الله حسن المعاملة، لين الجانب، وفيأ بالعهد قال ~~القرطبي: في الآية عرض الولي ابنته على الرجل، وهذه سنة قائمة، عرض ~~شعيب ابنته على موسى، وعرض عمر ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، وعرضت ~~الموهوبة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن الحسن عرض الرجل ~~وليته على الرجل الصالح، اقتداء بالسلف الصالح { قال ذلك بيني ~~وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي } أي ~~قال موسى: إن ما قلته وعاهدتني عليه قائم بيننا جميعا لا نخرج عنه، ~~وأي المدتين الثماني أو العشر أديتها لك فلا إثم ولا حرج علي { ~~والله على ما نقول وكيل } أي والله شاهد على ما تعاهدنا ~~وتواثقنا عليه { فلما قضى موسى الأجل } أي فلما أتم موسى ~~المدة ms1075 التي اتفقا عليها قال ابن عباس: قضى أتم الأجلين وأكملهما وأوفاهما ~~وهو عشر سنين { وسار بأهله } أي ومشى بزوجته مسافرا بها إلى مصر ~~{ آنس من جانب الطور نارا } أي أبصر من بعيد نارا تتوهج من ~~جانب جبل الطور { قال لأهله امكثوا إني آنست نارا } ~~أي قال لزوجته امكثي هنا فقد أبصرت نارا عن بعد قال المفسرون: كانت ~~ليلة باردة وقد أضلوا الطريق، وهبت ريح شديدة فرقت ماشيته، وأخذ أهله ~~الطلق فعند ذلك أبصر نارا بعيدة فسار إليها لعله يجد من يدله على الطريق ~~فذلك قوله تعالى { لعلي آتيكم منها بخبر } أي لعلي ~~آتيكم بخبر الطريق وأرى من يدلني عليه { أو جذوة من النار ~~لعلكم تصطلون } أي أو آتيكم بشعلة من النار لعلكم تستدفئون ~~بها { فلمآ أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن في ~~البقعة المباركة من الشجرة } أي فلما وصل إلى مكان ~~النار لم يجدها نارا وإنما وجدها نورا، وجاءه النداء من جانب الوادي ~~الأيمن في ذلك المكان المبارك من ناحية الشجرة { أن يموسى إني ~~أنا الله رب العالمين } اي نودي يا موسى إن الذي يخاطبك ~~ويكلمك هو أنا الله العظيم الكبير، المنزه عن صفات النقص، رب الإنس ~~والجن والخلائق أجمعين { وأن ألق عصاك } أي ونودي بأن اطرح عصاك ~~التي في يدك { فلما رآها تهتز كأنها جآن ولى ~~مدبرا ولم يعقب } أي فألقاها فانقلبت إلى حية فلما رآها ~~تتحرك كأنها ثعبان خفيف سريع الحركة انهزم هاربا منها ولم يلتفت إليها ~~قال ابن كثير: انقلبت العصى إلى حية وكانت كأنها جان في حركتها ~~السريعة مع عظم خلقتها، واتساع فمها، واصطكاك أنيابها بحيث لا تمر ~~بصخرة إلا ابتلعتها تنحدر في فمها تتقعقع كأنها حادرة في واد، فعند ذلك ~~ولى مدبرا ولم يلتفت، لأن طبع البشرية ينفر من ذلك { يموسى ~~أقبل ولا تخف إنك من الآمنين } أي فنودي يا موسى: إرجع ~~إلى حيث كنت ولا تخف فأنت آمن من المخاوف، فرجع وأدخل يده في فم الحية ~~فعادت عصا { اسلك يدك في جيبك تخرج بيضآء ms1076 من غير ~~سوء } أي أدخل يدك في جيب قميصك - وهو فتحة الثوب مكان دخول الرأس - ~~ثم أخرجها تخرج مضيئة منيرة تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق من ~~غير أذى ولا برص { واضمم إليك جناحك من الرهب } قال ~~ابن عباس: اضمم يدك إلى صدرك من الخوف يذهب عنك الرعب قال المفسرون: ~~المراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل ~~يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه وبذلك يذهب عنه الخوف من ~~الحية ومن كل شيء { فذانك برهانان من ربك إلى ~~فرعون وملئه } أي فهذان - العصا واليد - دليلان قاطعان، وحجتان ~~نيرتان واضحتان من الله تعالى تدلان على صدقك، وهما آيتان إلى فرعون ~~وأشراف قومه الطغاة المتجبرين { إنهم كانوا قوما فاسقين ~~} أي خارجين عن طاعتنا، مخالفين لأمرنا { قال رب إني قتلت ~~منهم نفسا فأخاف أن يقتلون } أي قال موسى يا رب إني ~~قتلت قبطيا من آل فرعون وأخشى إن أتيتهم أن يقتلوني به قال المفسرون: هو ~~القبطي الذي وكزه فمات، فطلب من ربه ما يزداد به قوة على مجابهة فرعون ~~بإرسال أخيه هارون معه فقال { وأخي هارون هو أفصح مني ~~لسانا } أي هو أوضح بيانا، وأطلق لسانا، لأن موسى كان في لسانه ~~حبسة من أثر الجمرة التي تناولها في صغره { فأرسله معي ~~ردءا يصدقني } أي فأرسله معي معينا يبين لهم عني ما أكلمهم ~~به بتوضيح الحجج والبراهين { إني أخاف أن يكذبون } أي أخاف ~~إن لم يكن لي وزير ولا معين أن يكذبوني لأنهم لا يكادون يفقهون عني، قال ~~الرازي: والمعنى أرسل معي أخي هارون حتى يعاضدني على إظهار الحجة ~~والبيان، وليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له: صدقت، أو يقول للناس: ~~صدق موسى، وإنما هو أن يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل، ويجيب عن ~~الشبهات، ويجادل به الكفار { قال سنشد عضدك بأخيك ~~ونجعل لكما سلطانا } أي أجابه تعالى إلى طلبه وقال له: ~~سنقويك بأخيك ونعينك به، ونجعل لكما غلبة وتسلطا على فرعون وقومه { ~~فلا يصلون إليكما بآياتنآ } أي ms1077 لا سبيل لهم إلى الوصول ~~إلى أذاكما بسبب ما أيدتكما به من المعجزات الباهرات { أنتما ومن ~~اتبعكما الغالبون } أي العاقبة لكما ولأتباعكما في الدنيا ~~والآخرة، وأنتم الغالبون على القوم المجرمين كقوله تعالى # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # [المجادلة: 21] { فلما جآءهم موسى بآياتنا بينات } ~~أي فلما جاءهم موسى بالبراهين الساطعة، والمعجزات القاطعة، الدالة على ~~صدقه وأنه رسول من عند الله { قالوا ما هذآ إلا سحر ~~مفترى } أي ما هذا الذي جئتنا به من العصا واليد إلا سحر مكذوب ~~مختلق، افتريته من قبل نفسك وتنسبه إلى الله { وما سمعنا بهذا ~~في آبآئنا الأولين } أي وما سمعنا بمثل هذه الدعوى - دعوى ~~التوحيد - في آبائنا وأجدادنا السابقين { وقال موسى ربي ~~أعلم بمن جآء بالهدى من عنده ومن تكون له ~~عاقبة الدار } أجمل موسى في جوابهم تلطفا في الخطاب، وإيثارا ~~لأحسن الوجوه في المجادلة معهم والمعنى: إن ما جئتكم به حق وهدى وليس ~~بسحر، وربي عالم بذلك يعلم أني محق وأنتم مبطلون، ويعلم من تكون له ~~العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة { إنه لا يفلح الظالمون ~~} أي لا يسعد ولا ينجح من كان ظالما فاجرا، كاذبا على الله { وقال ~~فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من إله ~~غيري } أي قال فرعون لأشراف قومه وسادتهم: ما علمت لكم إلها غيري ~~قال ابن عباس: كان بين هذه القولة الفاجرة وبين قوله # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] أربعون سنة، وكذب عدو الله بل علم أن له ربا هو خالقه ~~وخالق قومه { فأوقد لي يهامان على الطين فاجعل لي ~~صرحا } أي فاطبخ لي يا هامان الآجر فاجعل لي منه قصرا شامخا رفيعا ~~{ لعلي أطلع إلى إله موسى } أي لعلي أرى وأشاهد ~~إله موسى الذي زعم أنه أرسله، قال ذلك على سبيل التهكم ولهذا قال بعده { ~~وإني لأظنه من الكاذبين } أي وإني لأظن موسى كاذبا في ~~ادعائه أن في السماء ربا قال تعالى { واستكبر هو وجنوده ~~في الأرض بغير الحق } أي وتكبر وتعظم فرعون وقومه عن ~~الإيمان بموسى ms1078 في أرض مصر بالباطل والظلم { وظنوا أنهم ~~إلينا لا يرجعون } أي واعتقدوا أن لا بعث ولا نشور، ولا حساب ~~ولا جزاء { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم } أي ~~فأخذناه مع جنوده فطرحناهم في البحر، وأغرقناهم فلم يبق منهم أحد { ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } أي فانظر يا محمد بعين ~~قلبك نظر اعتبار كيف كان مآل هؤلاء الظالمين الذين بلغوا من الكفر ~~والطغيان أقصى الغايات؟ { وجعلناهم أئمة يدعون إلى ~~النار } أي وجعلناهم في الدنيا قادة وزعماء في الكفر يقتدي بهم أهل ~~الضلال { ويوم القيامة لا ينصرون } أي ويوم القيامة ليس لهم ~~ناصر يدفع عنهم العذاب { وأتبعناهم في هذه الدنيا ~~لعنة } أي جعلنا اللغنة تلحقهم في هذه الحياة الدنيا من الله ~~والملائكة والمؤمنين { ويوم القيامة هم من المقبوحين ~~} أي وفي الآخرة هم من المبعدين المطرودين من رحمة الله عز وجل. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- التأكيد بإن واللام { إن الملأ يأتمرون بك ~~ليقتلوك } مناسبة لمقتضى الحال. # 2- الاستعطاف والترحم { رب إني لمآ أنزلت إلي من ~~خير فقير }. # 3- جناس الاشتقاق { وقص عليه القصص }. # 4- التشبيه المرسل المجمل { تهتز كأنها جآن } حذف وجه ~~الشبه فأصبح مجملا. # 5- الطباق بين { يصدقني.. ويكذبون }. # 6- الكناية { واضمم إليك جناحك } كنى عن اليد بالجناح، ~~لأنها للإنسان كالجناح للطائر. # 7- المجاز المرسل { سنشد عضدك بأخيك } من إطلاق السبب ~~وإرادة المسبب لأن شد العضد يستلزم شد اليد، وشد اليد مستلزم للقوة، قال ~~الشهاب، ويمكن أن يكون من باب الاستعارة التمثيلية، شبه حال موسى في ~~تقويته بأخيه بحال اليد في تقويتها بيد شديدة. # لطيفة: قال الزمخشري: إنما قال { فأوقد لي يهامان على ~~الطين } أي أوقد لي النار فأتخذ منه آجرا ولم يقل " أطبخ لي الآجر " ~~لأن هذه العبارة أحسن طباقا لفصاحة القرآن وعلو طبقته، وأشبه بكلام ~~الجبابرة، وهامان وزيره ومدبر رعيته. ### || [28.43-70] # المناسبة: بعد أن ذكر تعالى نعمته على بني إسرائيل بإهلاك فرعون رأس ~~الطغيان وتخليصهم من شره، ذكر هنا ما أنعم به عليهم من إنزال التوراة ~~التي فيها الهدى والنور، كما ms1079 ذكر نعمته على العرب بإنزال القرآن العظيم ~~خاتمة الكتب السماوية. # اللغة: { ثاويا } مقيما وثوى بالمكان أقام به قال الشاعر: # " لقد كان في حول ثواء ثويته " # { يدرؤن } يدفعون، والدرء: الدفع وفي الحديث # " ادرءوا الحدود بالشبهات " # { يجبى } يجمع، جبى الماء في الحوض جمعه، والجابية: الحوض العظيم { ~~بطرت } البطر: الطغيان في النعمة { الأنبآء } الأخبار جمع نبأ ~~وهو الخبر الهام. # سبب النزول: # " لما حضرت أبا طالب الوفاة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ~~عم قل " لا إله إلا الله " أشهد لك بها يوم القيامة فقال أبو طالب: لولا ~~أن تعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فأنزل ~~الله عز وجل { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله ~~يهدي من يشآء وهو أعلم بالمهتدين } ". # التفسير: { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ ~~أهلكنا القرون الأولى } اللام موطئة للقسم أي والله لقد ~~أعطينا موسى التوراة من بعد ما أهلكنا الأمم التي كانت قبله كقوم نوح ~~وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من المكذبين لرسلهم { بصآئر للناس ~~} أي ضياء لبني إسرائيل ونورا لقلوبهم يتبصرون بها الحقائق، ويميزون ~~بها بين الحق والباطل { وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ~~} أي وهدى من الضلالة، ورحمة لمن آمن بها ليتعظوا بما فيها من المواعظ ~~والإرشادات الإلهية { وما كنت بجانب الغربي } أي وما كنت ~~يا محمد بجانب الجبل الغربي، وهو المكان الذي كلم الله تعالى به موسى { ~~إذ قضينآ إلى موسى الأمر } أي حين أوحينا إلى موسى بالنبوة ~~وأرسلناه إلى فرعون وقومه { وما كنت من الشاهدين } أي وما كنت ~~من الحاضرين في ذلك المكان، ولكن الله أوحى إليك ذلك ليكون حجة وبرهانا ~~على صدقك قال ابن كثير: يقول تعالى منبها على برهان نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما ~~تقدم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون ~~شيئا من ذلك، والمعنى ما كنت حاضرا لذلك ولكن الله أوحاه إليك ~~لتخبرهم بتلك المغيبات { ولكنآ ms1080 أنشأنا قرونا فتطاول ~~عليهم العمر } أي ولكننا خلقنا أمما وأجيالا من بعد موسى، ~~فتطاول عليهم الزمان، وطالت الفترة فنسوا ذكر الله، وبدلوا وحرفوا ~~الشرائع فأرسلناك يا محمد لتجدد أمر الدين قال أبو السعود: المعنى ولكنا ~~خلقنا بين زمانك وزمان موسى قرونا كثيرة، فتمادى عليهم الأمر، فتغيرت ~~الشرائع والأحكام، وعميت عليهم الأنباء فأوحينا إليك، فحذف المستدرك ~~اكتفاء بذكر الموجب { وما كنت ثاويا في أهل مدين ~~تتلوا عليهم آياتنا } أي وما كنت يا محمد مقيما في أهل ~~مدين فتعلم خبر موسى وشعيب وابنتيه فتتلو ذلك على أهل مكة { ولكنا ~~كنا مرسلين } أي ولكنا أرسلناك في أهل مكة وأخبرناك بتلك ~~الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها { وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا } أي وما كنت أيضا بجانب جبل الطور وقت ندائنا لموسى ~~وتكليمنا إياه { ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ~~مآ أتاهم من نذير من قبلك } أي لم تشاهد شيئا من أخبار ~~وقصص الأنبياء، ولكنا أوحيناها إليك، وقصصناها عليك، رحمة من ربك ~~لتخوف قوما ما جاءهم رسول قبلك يا محمد { لعلهم يتذكرون } ~~أي لعلهم يتعظون بما جئتهم به من الآيات البينات، فيدخلوا في دينك قال ~~المفسرون: المراد بالقوم الذين كانوا في زمن الفترة بين عيسى ومحمد صلوات ~~الله عليهما وهي نحو من ستمائة سنة { ولولا أن تصيبهم ~~مصيبة بما قدمت أيديهم } أي ولولا قولهم إذا أصابتهم ~~عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم { فيقولوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ~~} أي فيقولوا عند ذلك ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا يبلغنا آياتك فنتبعها ~~ونكون من المصدقين بها!! قال القرطبي: وجواب { لولا } محذوف وتقديره ~~لما بعثنا الرسل، وقال في التسهيل: { لولا } الأولى حرف امتناع، و { ~~لولا } الثانية عرض وتحضيض، والمعنى: لولا أن تصيبهم مصيبة بكفرهم لم ~~نرسل الرسل، وإنما أرسلناهم على وجه الإعذار وإقامة الحجة عليهم لئلا ~~يقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين، ~~ثم أخبر تعالى عن عناد المشركين وتعنتهم في رد الحق فقال { فلما ~~جآءهم الحق من عندنا قالوا ms1081 لولا أوتي مثل مآ ~~أوتي موسى } أي فلما جاء أهل مكة الحق المبين وهو محمد بالقرآن ~~المعجز من عندنا قالوا - على وجه التعنت والعناد - هلا أعطي محمد من ~~الآيات الباهرة، والحجج القاهرة مثل ما أعطي موسى من العصا واليد!! قال ~~تعالى ردا عليهم { أولم يكفروا بمآ أوتي موسى من ~~قبل }؟ أي أو لم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات الباهرة؟! ~~قال مجاهد: أمرت اليهود قريشا أن يقولوا لمحمد: ائتنا بمثل ما جاء به ~~موسى من المعجزات، فرد الله عليهم بأنهم كفروا بآيات موسى، فالضمير في ~~{ أولم يكفروا } لليهود، وهذا اختيار ابن جرير وقال أبو حيان: ~~ويظهر عندي أن الضمير عائد على قريش الذين قالوا لولا أوتي محمد مثل ما ~~أوتي موسى، وذلك أن تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم تكذيب لموسى، ~~ونسبتهم السحر للرسول نسبة السحر لموسى، إذ الأنبياء من واد واحد فمن ~~نسب إلى أحد من الأنبياء ما لا يليق كان ناسبا ذلك إلى جميع الأنبياء، ~~وتتناسق حينئذ الضمائر كلها { قالوا سحران تظاهرا } أي ~~وقال المشركون ما التوراة والقرآن إلا من قبيل السحر، فهما سحران تعاونا ~~بتصديق كل واحد منهما الآخر قال السدي: صدق كل واحد منهما الآخر { ~~وقالوا إنا بكل كافرون } أي إنا بكل من الكتابين كافرون ~~قال أبو السعود: وهذا تصريح بكفرهم بهما وذلك لغاية عتوهم وتماديهم في ~~الكفر والطغيان { قل فأتوا بكتاب من عند الله هو ~~أهدى منهمآ أتبعه } أمر على وجه التعجيز أي قل لهم يا ~~محمد إنكم إذ كفرتم بهذين الكتابين مع ما تضمنا من الشرائع والأحكام ~~ومكارم الأخلاق فائتوني بكتاب منزل من عند الله أهدى منهما وأصلح أتمسك ~~به { إن كنتم صادقين } أي في أنهما سحران قال ابن كثير: وقد علم ~~بالضرورة لذوي الألباب أن الله تعالى لم ينزل كتابا من السماء أكمل ولا ~~أشمل ولا أفصح ولا أعظم من الكتاب الذي أنزله على محمد صلى الله عليه ~~وسلم وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى، ~~وهو ms1082 الكتاب الذي قال فيه # إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور # [المائدة: 44] والإنجيل إنما أنزل متمما للتوراة ومحلا لبعض ما ~~حرم على بني إسرائيل { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم ~~أنما يتبعون أهوآءهم } أي فإن لم يجيبوك إلى ما طلبته ~~منهم فاعلم أن كفرهم عناد واتباع للأهواء لا بحجة وبرهان { ومن ~~أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } أي لا ~~أحد أضل ممن اتبع هواه بغير رشاد ولا بيان من الله { إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين } أي لا يوفق للحق من كان معاندا ~~ظالما، بالانهماك في اتباع الهوى، والإعراض عن سبيل الهدى { ولقد ~~وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون } أي ولقد ~~تابعنا ووالينا لقريش القرآن يتبع بعضه بعضا، وعدا ووعيدا، وقصصا ~~وعبرا، ونصائح ومواعظ ليتعظوا ويتذكروا بما فيه قال ابن الجوزي: المعنى ~~أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضا، ويخبر عن الأمم الخالية كيف عذبوا ~~لعلهم يتعظون { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به ~~يؤمنون } أي الذين أعطيناهم التوراة والإنجيل من قبل هذا القرآن - ~~من مسلمي أهل الكتاب - هم بهذا القرآن يصدقون قال ابن عباس: يعني من آمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب { وإذا يتلى عليهم ~~قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ } أي وإذا قرئ ~~عليهم القرآن قالوا صدقنا بما فيه { إنا كنا من قبله ~~مسلمين } أي كنا من قبل نزوله موحدين لله، مستسلمين لأمره، مؤمنين ~~بأنه سيبعث محمد وينزل عليه القرآن قال تعالى { أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين } أي أولئك الموصوفون بالصفات الجميلة يعطون ~~ثوابهم مضاعفا، مرة على إيمانهم بكتابهم، ومرة على إيمانهم بالقرآن وفي ~~الحديث # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي.. ~~" # الحديث { بما صبروا } أي بسبب صبرهم على اتباع الحق، وتحملهم ~~الأذى في سبيل الله قال قتادة: نزلت في أناس من أهل الكتاب، كانوا على ~~شريعة من الحق يأخذون بها وينتهون إليها، حتى بعث الله محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فآمنوا به وصدقوه، فأعطاهم الله أجرهم مرتين بما صبروا، ~~وذكر أن ms1083 منهم سلمان وعبد الله بن سلام { ويدرؤن بالحسنة ~~السيئة } أي ويدفعون الكلام القبيح كالسب والشتم بالحسنة أي الكلمة ~~الطيبة الجميلة قال ابن كثير: لا يقابلون السيء بمثله ولكن يعفون ويصفحون ~~{ ومما رزقناهم ينفقون } أي ومن الذي رزقناهم من الحلال ~~ينفقون في سبيل الخير { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ~~} أي وإذا سمعوا الشتم والأذى من الكفار وسمعوا ساقط الكلام، لم يلتفتوا ~~إليه ولم يردوا على أصحابه { وقالوا لنآ أعمالنا ولكم ~~أعمالكم } أي لنا طريقنا ولكم طريقكم { سلام عليكم } أي ~~سلام متاركة ومباعدة قال الزجاج: لم يريدوا التحية وإنما أرادوا بيننا ~~وبينكم المتاركة { لا نبتغي الجاهلين } أي لا نطلب صحبتهم ولا ~~نريد مخالطتهم قال الصاوي: كان المشركون يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون: ~~تبا لكم أعرضتم عن دينكم وتركتموه! فيعرضون عنهم ويقولون لنا أعمالنا ~~ولكم أعمالكم. مدحهم تعالى بالإيمان، ثم مدحهم بالإحسان، ثم مدحهم ~~بالعفو والصفح عن أهل العدوان، ثم قال تعالى مخاطبا رسوله { إنك لا ~~تهدي من أحببت } أي إنك يا محمد لا تقدر على هداية أحد، مهما ~~بذلت فيه من مجهود، وجاوزت في السعي كل حد معهود { ولكن الله ~~يهدي من يشآء } أي ولكنه تعالى بقدرته يهدي من قدر له الهداية، ~~فسلم أمرك إليه فإنه أعلم بأهل السعادة والشقاوة { وهو أعلم ~~بالمهتدين } أي هو تعالى العالم بمن فيه استعداد للهداية ~~والإيمان فيهديه قال المفسرون: نزلت في عمه " أبي طالب " حين عرض عليه ~~الإسلام عند موته فأبى قال أبو حيان: ومعنى { إنك لا تهدي من ~~أحببت } أي لا تقدر على خلق الهداية فيه، ثم قال: ولا تنافي بين هذا ~~وبين قوله # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] لأن معنى هذا: وإنك لترشد، وقد أجمع المسلمون على أنها ~~نزلت في " أبي طالب " ثم ذكر تعالى شبهة من شبهات المشركين ورد عليها ~~بالبيان الواضح فقال { وقالوا إن نتبع الهدى معك ~~نتخطف من أرضنآ } أي وقال كفار قريش: إن اتبعناك يا محمد على ~~دينك وتركنا ديننا نخاف أن تتخطفنا العرب فيجتمعون على محاربتنا، ~~ويخرجوننا من ms1084 أرضنا، قال المبرد: والتخطف الانتزاع بسرعة، قال تعالى ~~ردا عليهم { أولم نمكن لهم حرما آمنا } أي أولم نعصم ~~دماءهم ونجعل مكانهم حرما ذا أمن، بحرمة البيت العتيق؟ فكيف يكون الحرم ~~آمنا لهم في حال كفرهم، ولا يكون آمنا لهم في حال إسلامهم؟ { يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا } أي تجلب ~~إليه الأرزاق من كل مكان مع أنه بواد غير ذي زرع رزقا لهم من عندنا { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي ولكن أكثرهم جهلة لا ~~يتفكرون في ذلك ولا يتفطنون قال أبو حيان: قطع الله حجتهم بهذا البيان ~~الناصع إذ كانوا وهم كفار بالله، عباد أصنام قد أمنوا في حرمهم، ~~والناس في غيره يتقاتلون وهم مقيمون في بلد غير ذي زرع، يجيء إليهم ما ~~يحتاجون من الأقوات، فكيف إذا آمنوا واهتدوا؟ { وكم أهلكنا من ~~قرية بطرت معيشتها } أي وكثيرمن أهل قرية طغت وأشرت وكفرت ~~نعمة الله فدمر الله عليهم وخرب ديارهم { فتلك مساكنهم لم ~~تسكن من بعدهم إلا قليلا } أي فتلك مساكنهم خاوية بما ~~ظلموا لم تسكن من بعد تدميرهم إلا زمانا قليلا إذ لا يسكنها إلا ~~المارة والمسافرون يوما أو بعض يوم { وكنا نحن الوارثين ~~} أي وكنا نحن الوارثين لأملاكهم وديارهم قال في البحر: والآية تخويف ~~لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم، من إنعام الله عليهم ~~بالرقود في ظلال الأمن، وخفض العيش، فكفروا النعمة وقابلوها بالاشر ~~والبطر فدمرهم الله وخرب ديارهم { وما كان ربك مهلك ~~القرى } أي ما جرت عادة الله جل شأنه أن يهلك أهل القرى الكافرة { ~~حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا } ~~أي حتى يبعث في أصلها وعاصمتها رسولا يبلغهم رسالة الله لقطع الحجج ~~والمعاذير { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ~~ظالمون } أي وما كنا لنهلك القرى إلا وقد استحق أهلها الإهلاك، ~~لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم ببعثة المرسلين قال القرطبي: ~~أخبر تعالى أنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم، وفي هذا ~~بيان لعدله وتقدسه عن الظلم، ولا ms1085 يهلكهم - مع كونهم ظالمين - إلا بعد ~~تأكيد الحجة والإلزام ببعثة الرسل، ولا يجعل علمه تعالى بأحوالهم حجة ~~عليهم { ومآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ~~وزينتها } أي وما أعطيتم أيها الناس من مال وخير فهو متاع قليل ~~تتمتعون به في حياتكم ثم ينقضي ويفنى قال ابن كثير: يخبر تعالى عن حقارة ~~الدنيا وما فيها من الزينة الدنيئة، والزهرة الفانية، بالنسبة إلى ما ~~أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة، من النعيم العظيم المقيم { ~~وما عند الله خير وأبقى } أي وما عنده من الأجر والثواب، ~~والنعيم الدائم الباقي خير وأفضل من هذا النعيم الزائل { أفلا ~~تعقلون }؟ توبيخ لهم أي أفلا تعقلون أن الباقي أفضل من الفاني؟ قال ~~الإمام الفخر: بين تعالى أن منافع الدنيا مشوبة بالمضار، بل ~~المضار فيها أكثر، ومنافع الآخرة غير منقطعة، بينما منافع الدنيا ~~منقطعة، ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدما، فكيف ونصيب كل أحد ~~من الدنيا كالذرة بالقياس إلى البحر، فمن لم يرجح منافع الآخرة على ~~منافع الدنيا يكون كأنه خارج عن حد العقل { أفمن وعدناه ~~وعدا حسنا فهو لاقيه } أي أفمن وعدناه وعدا قاطعا بالجنة ~~وما فيها من النعيم المقيم الخالد، فهو لا محالة مدركه لأن وعد الله لا ~~يتخلف { كمن متعناه متاع الحياة الدنيا }؟ أي كمن ~~متعناه بمتاع زائل، مشوب بالأكدار، مملوء بالمتاعب، مستتبع للحسرة على ~~انقطاعه؟ { ثم هو يوم القيامة من المحضرين } أي ثم ~~هو في الآخرة من المحضرين للعذاب، فهل يساوي العاقل بينهما؟ قال ابن جزي: ~~والآية ايضاح لما قبلها من البون الشاسع بين الدنيا والآخرة، والمراد ~~بمن وعدناه المؤمنين، وبمن متعناه الكافرين { ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركآئي الذين كنتم تزعمون } أي واذكر ~~حال المشركين يوم يناديهم الله فيقول لهم على سبيل التوبيخ والتقريع: أين ~~هؤلاء الشركاء والآلهة من الأصنام والأنداد الذين عبدتموهم من دوني، ~~وزعمتم أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم؟ { قال الذين حق عليهم ~~القول } أي قال رؤساءهم وكبراؤهم الذين وجب عليهم العذاب لضلالهم ~~وطغيانهم { ربنا هؤلاء الذين أغوينآ } أي هؤلاء ~~أتباعنا ms1086 الذين أضللناهم عن سبيلك { أغويناهم كما غوينا } أي ~~أضللناهم كما ضللنا، لا بالقسر والإكراه ولكن بطريق الوسوسة وتزيين ~~القبيح فضلوا كما ضللنا نحن { تبرأنآ إليك ما كانوا ~~إيانا يعبدون } أي تبرأنا إليك يا ألله من عبادتهم إيانا، فما ~~كانوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون أهواءهم وشهواتهم { وقيل ادعوا ~~شركآءكم } أي وقيل للكفار استغيثوا بآلهتكم التي عبدتموها في ~~الدنيا لتنصركم وتدفع عنكم عذاب الله، وهذا على سبيل التهكم بهم { ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } أي فاستغاثوا بهم فلم ~~يجيبوهم ولم ينتفعوا بهم، وهذا من سخافة عقولهم { ورأوا العذاب ~~لو أنهم كانوا يهتدون } أي وتمنوا حين شاهدوا العذاب لو ~~كانوا مهتدين قال الطبري: أي فودوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا في ~~الدنيا مهتدين للحق { ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم ~~المرسلين } توبيخ آخر للمشركين أي ويوم يناديهم الله ويسألهم: ~~ماذا أجبتم رسلي؟ هل صدقتموهم أم كذبتموهم؟ { فعميت عليهم ~~الأنبآء يومئذ فهم لا يتسآءلون } أي فخفيت عليهم ~~الحجج، وأظلمت عليهم الأمور، فلم يعرفوا ما يقولون، فهم حيارى واجمون، لا ~~يسأل بعضهم بعضا عن الجواب لفرط الدهشة والحيرة { فأما من تاب ~~وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين } ~~أي فأما من تاب من الشرك، وجمع بين الإيمان والعمل الصالح فعسى أن يكون ~~من الفائزين بجنات النعيم قال الصاوي: والترجي في القرآن بمنزلة التحقق، ~~لأنه وعد كريم من رب رحيم، ومن شأنه تعالى أنه لا يخلف وعده { ~~وربك يخلق ما يشآء ويختار } أي هو تعالى الخالق ~~المتصرف، يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد، فلا اعتراض لأحد على حكمه قال ~~مقاتل: نزلت في " الوليد بن المغيرة " حين قال # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] { ما كان لهم الخيرة } أي ما كان لأحد من ~~العباد اختيار، إنما الاختيار والإرادة لله وحده { سبحان الله ~~وتعالى عما يشركون } أي تنزه الله العظيم الجليل وتقدس أن ~~ينازعه أحد في ملكه، أو يشاركه في اختياره وحكمته قال القرطبي: المعنى ~~وربك يخلق ما يشاء من خلقه، ويختار من يشاء ms1087 لنبوته، والخيرة له تعالى في ~~أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة، فليس لأحد من خلقه أن يختار عليه { ~~وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون } أي هو ~~تعالى العالم بما تخفيه قلوبهم من الكفر والعداوة للرسول والمؤمنين، وما ~~يظهرونه على ألسنتهم من الطعن في شخص رسوله الكريم حيث يقولون: ما أنزل ~~الله الوحي إلا على يتيم أبي طالب! { وهو الله لا إله إلا ~~هو } أي هو جل وعلا الله المستحق للعبادة، لا أحد يستحقها إلا هو { ~~له الحمد في الأولى والآخرة } أي له الثناء الكامل في ~~الدنيا والآخرة، لأنه تعالى المتفضل على العباد بالنعم كلها في الدارين { ~~وله الحكم } أي وله القضاء النافذ والفصل بين العباد { وإليه ~~ترجعون } أي إليه وحده مرجع الخلائق يوم القيامة، فيجازي كل عامل ~~بعمله. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها ~~فيما يلي: # 1- التشبيه البليغ { بصآئر للناس } أي أعطيناه التوراة كأنها ~~أنوار لقلوب الناس، حذف أداة الشبه ووجه الشبه فأصبح بليغا قال في حاشية ~~البيضاوي: أي مشبها بأنوار القلوب من حيث إن القلوب لو كانت خالية عن ~~أنوار التوراة وعلومها لكانت عمياء لا تستبصر، ولا تعرف حقا من باطل. # 2- المجاز العقلي { أنشأنا قرونا } المراد به الأمم لأنهم يخلقون ~~في تلك الأزمنة فنسب إلى القرون بطريق المجاز العقلي. # 3- جناس الاشتقاق { تصيبهم مصيبة }. # 4- المجاز المرسل { بما قدمت أيديهم } والمراد بما كسبوا ~~وهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل قال الزمخشري: ولما كانت أكثر ~~الأعمال تزاول بالأيدي جعل كل عمل معبرا عنه باجتراح الأيدي. # 5- حذف الجواب لدلالة السياق { ولولا أن تصيبهم مصيبة } ~~حذف منه الجواب وتقديره: ما أرسلناك يا محمد رسولا إليهم وهو من باب ~~الإيجاز بالحذف. # 6- التحضيض { لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى } أي هلا ~~أوتي فهي للتحضيض وليست حرف امتناع لوجود. # 7- التعجيز { قل فأتوا بكتاب } فالأمر خرج عن حقيقته إلى معنى ~~التعجيز. # 8- طباق السلب { إنك لا تهدي.. ولكن الله يهدي }. # 9- المجاز العقلي { حرما آمنا } نسب الأمن إلى الحرم وهو لأهله. # 10- أسلوب السخرية والتهكم { أين شركآئي ms1088 الذين كنتم ~~تزعمون }؟. # 11- التشبيه المرسل { أغويناهم كما غوينا }. # 12- الاستعارة التصريحية التبعية { فعميت عليهم الأنبآء } ~~قال الشهاب: استعير العمى لعدم الاهتداء، فهم لا يهتدون للأنباء، ثم قلب ~~للمبالغة فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم وأصله " فعموا عن الأنباء " وضمن ~~معنى الخفاء فعدي ب { على } ففيه أنواع من البلاغة: الاستعارة، والقلب، ~~والتضمين. # 13- الطباق بين { تكن.. ويعلنون } وبين { الأولى.. ~~والآخرة } وهو من المحسنات البديعية. # تنبيه: ما ذكر أن " أبا طالب " مات على غير الإيمان هو الصحيح الذي ~~دل عليه الكتاب والسنة، ونقل عن بعض شيوخ الصوفية أنه أسلم قبل موته، ~~وهو معارض للنصوص الكريمة ولعلهم أخذوه من بعض أشعار أبي طالب حيث يقول: # ولقد علمت بأن دين محمد # من خير أديان البرية دينا # والله لن يصلوا إليك بجمعهم # حتى أوسد في التراب دفينا # أقول: ماذا يعني هذا الكلام بعد امتناعه عن الدخول في الإسلام والنطق ~~بالشهادة؟ ### || [28.71-88] # المناسبة: لما ذكر تعالى أنه هو الخالق المختار، وسفه المشركين في ~~عبادتهم لغير الله، عقبه بذكر بعض الأدلة والبراهين الدالة على عظمته ~~وسلطانه، تذكيرا للعباد بوجوب شكر المنعم، ثم ذكر قصة " قارون " وهي قصة ~~الطغيان بالمال، وما كان من نهايته المشئومة حيث خسف الله به وبكنوزه ~~الأرض، وهذه هي نتيجة الاستعلاء والغرور والطغيان. # اللغة: { سرمدا } السرمد: الدائم الذي لا ينقطع ومنه قول طرفه: # لعمرك ما أمري علي بغمة # نهاري ولا ليلي علي بسرمد # { مفاتحه } جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به، وأما المفتاح فجمعه ~~مفاتيح. { تنوء } ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله قال ذو الرمة: # تنوء بأخراها فلأيا قيامها # وتمشي الهوينى عن قريب فتبهر # { العصبة } الجماعة الكثيرة ومثلها العصابة ومنه قوله تعالى # ونحن عصبة # [يوسف: 8] سميت الجماعة عصبة لأن بعضهم يتعصب لبعض ويتقوى به { ~~ويكأن } قال الجوهري: " وي " كلمة تعجب وقد تدخل على " كأن " ~~فتقول: ويكأن، وقيل إنها كلمة تستعمل عند التنبه للخطأ وإظهار الندم ~~قال الخليل، إن القوم تنبهوا وقالوا نادمين على ما سلف منهم وي { ~~ظهيرا } معينا ومساعدا. # التفسير: { قل أرأيتم إن جعل الله ms1089 عليكم ~~الليل سرمدا إلى يوم القيامة } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~الجاحدين من كفار مكة: أخبروني لو جعل الله عليكم الليل دائما مستمرا ~~بلا انقطاع إلى يوم القيامة { من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء }؟ أي من هو الإله الذي يقدر على أن يأتيكم بالنور الذي ~~تستضيئون به في حياتكم غير الله تعالى؟ { أفلا تسمعون } أي أفلا ~~تسمعون سماع فهم وقبول فتستدلوا بذلك على وحدانية الله تعالى؟ { قل ~~أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى ~~يوم القيامة } أي أخبروني لو جعل الله عليكم النهار دائما ~~مستمرا بلا انقطاع { من إله غير الله يأتيكم بليل ~~تسكنون فيه } أي من هو الإله القادر على أن يأتيكم بليل ~~تستريحون فيه من الحركة والنصب غير الله تعالى؟ { أفلا تبصرون } ~~أي أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال؟ ثم نبه تعالى إلى كمال ~~رحمته بالعباد فقال { ومن رحمته جعل لكم اليل ~~والنهار } أي ومن آثار قدرته، ومظاهر رحمته أن خلق لكم الليل ~~والنهار يتعاقبان بدقة وإحكام { لتسكنوا فيه ولتبتغوا من ~~فضله } أي لتستريحوا بالليل من نصب الحياة وهمومها وأكدارها، ~~ولتلتمسوا من رزقه بالمعاش والكسب في النهار { ولعلكم تشكرون ~~} أي ولتشكروا ربكم على نعمه الجليلة التي لا تحصى، ومنها نعمة الليل ~~والنهار قال الإمام الفخر: نبه تعالى بهذه الآية على أن الليل والنهار ~~نعمتان يتعاقبان على الزمان، لأن المرء في الدنيا مضطر إلى أن يتعب ~~لتحصيل ما يحتاج إليه، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار، ولولا الراحة ~~والسكون بالليل، فلا بد منهما في الدنيا، وأما في الجنة فلا نصب ولا ~~تعب فلا حاجة بهم إلى الليل، فلذلك يدوم لهم الضياء واللذات { ويوم ~~يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم ~~تزعمون } قال ابن كثير: هذا نداء ثان على سبيل التوبيخ والتقريع ~~لمن عبد مع الله إلها آخر، يناديهم الرب على رءوس الأشهاد: أين شركائي ~~الذين زعمتموهم في الدنيا؟ { ونزعنا من كل أمة شهيدا } ~~أي أخرجنا من كل أمة شهيدا منهم يشهد عليهم بأعمالهم وهو نبيهم { ~~فقلنا ms1090 هاتوا برهانكم } أي هاتوا حجتكم على ما كنتم عليه من ~~الكفر، هذا إعذار لهم وتوبيخ وتعجيز { فعلموا أن الحق ~~لله } أي فعلموا حينئذ أن الحق لله ولرسله، وأنه لا إله إلا هو { ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي وغاب عنهم غيبة الشيء ~~الضائع ما كانوا يتخرصونه في الدنيا من الشركاء والأنداد، ثم ذكر تعالى ~~قصة " قارون " ونتيجة الغرور والطغيان فقال { إن قارون كان من ~~قوم موسى } أي من عشيرته وجماعته قال ابن عباس: كان ابن عم موسى { ~~فبغى عليهم } أي تجبر وتكبر على قومه، واستعلى عليهم بسبب ما ~~منحه الله من الكنوز والأموال قال الطبري: أي تجاوز حده في الكبر ~~والتجبر عليهم { وآتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه ~~لتنوء بالعصبة أولي القوة } أي أعطيناه من الأموال ~~الوفيرة، والكنوز الكثيرة ما يثقل على الجماعة أصحاب القوة حمل مفاتيح ~~خزائنه لكثرتها وثقلها فضلا عن حمل الخزائن والأموال والآية تصوير لما ~~كان عليه قارون من كثرة المال والغنى والثراء { إذ قال له قومه ~~لا تفرح } أي لا تأشر ولا تبطر { إن الله لا يحب ~~الفرحين } أي لا يحب البطرين الذين لا يشكرون الله على إنعامه، ~~ويتكبرون بأموالهم على عباد الله { وابتغ فيمآ آتاك الله ~~الدار الآخرة } أي اطلب فيما أعطاك الله من الأموال رضى الله، وذلك ~~بفعل الحسنات والصدقات والإنفاق من الطاعات { ولا تنس نصيبك ~~من الدنيا } قال الحسن: أي لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال ~~وطلبك إياه { وأحسن كمآ أحسن الله إليك } أي أحسن إلى ~~عباد الله كما أحسن الله إليك { ولا تبغ الفساد في الأرض } ~~أي لا تطلب بهذا المال البغي والتطاول على الناس، والإفساد في الأرض ~~بالمعاصي { إن الله لا يحب المفسدين } أي لا يحب من كان ~~مجرما باغيا مفسدا في الأرض { قال إنمآ أوتيته على ~~علم عندي } لما وعظه قومه أجابهم بهذا على وجه الرد عليهم ~~والتكبر عن قبول الموعظة والمعنى: إنما أعطيت هذا المال على علم عندي ~~بوجوه المكاسب، ولولا رضى الله عني ومعرفته بفضلي واستحقاقي ms1091 له ما أعطاني ~~هذا المال! قال تعالى ردا عليه { أولم يعلم أن الله قد ~~أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة ~~وأكثر جمعا } أي أولم يعلم هذا الأحمق المغرور أن الله قد أهلك ~~من قبله من الأمم الخالية من هو أقوى منه بدنا وأكثر مالا؟! قال ~~البيضاوي: والآية تعجب وتوبيخ على اغتراره بقوته وكثرة ماله، مع علمه ~~بذلك لأنه قرأه في التوراة، وسمعه من حفاظ التواريخ { ولا يسأل عن ~~ذنوبهم المجرمون } أي لا حاجة أن يسألهم الله عن كيفية ذنوبهم ~~وكميتها لأنه عالم بكل شيء، ولا يتوقف إهلاكه إياهم على سؤالهم بل متى ~~حق عليهم العذاب أهلكهم بغتة، ثم أشار تعالى إلى أن قارون لم يعتبر ~~بنصيحة قومه، بل تمادى في غطرسته وغيه فقال تعالى { فخرج على ~~قومه في زينته } أي فخرج قارون على قومه في أظهر زينة وأكملها ~~قال المفسرون: خرج ذات يوم في زينة عظيمة بأتباعه الكثيرين، ركبانا ~~متحلين بملابس الذهب والحرير، على خيول موشحة بالذهب، ومعها الجواري ~~والغلمان في موكب حافل باهر { قال الذين يريدون الحياة ~~الدنيا يليت لنا مثل مآ أوتي قارون } أي فلما رآه ~~ضعفاء الإيمان ممن تخدعهم الدنيا ببريقها وزخرفها وزينتها قالوا: يا ليت ~~لنا مثل هذا الثراء والغنى الذي أعطيه قارون { إنه لذو حظ ~~عظيم } أي ذو نصيب وافر من الدنيا { وقال الذين أوتوا ~~العلم } أي وقال لهم العقلاء من أهل العلم والفهم والاستقامة { ~~ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا } أي ~~ارتدعوا وانزجروا عن مثل هذا الكلام فإن جزاء الله لعباده المؤمنين ~~الصالحين خير مما ترون وتتمنون من حال قارون قال الزمخشري: أصل { ~~ويلك } الدعاء بالهلاك ثم استعمل في الزجر والردع، والبعث على ترك ما ~~لا يرتضى { ولا يلقاهآ إلا الصابرون } أي ولا يعطى هذه ~~المرتبة والمنزلة في الآخرة إلا الصابرون على أمر الله قال تعالى تنبيها ~~لنهايته المشئومة { فخسفنا به وبداره الأرض } أي جعلنا ~~الأرض تغور به وبكنوزه، جزاء على عتوه وبطره { فما كان له من ~~فئة ms1092 ينصرونه من دون الله } أي ما كان له أحد من الأنصار ~~والأعوان يدفعون عنه عذاب الله { وما كان من المنتصرين } أي ~~وما كان المنتصرين بنفسه بل كان من الهالكين { وأصبح الذين ~~تمنوا مكانه بالأمس } أي وصار الذين تمنوا منزلته وغناه ~~بالأمس القريب بعد أن شاهدوا ما نزل به من الخسف { يقولون ~~ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ~~ويقدر } أي يقولون ندما وأسفا على ما صدر منهم من التمني: اعجبوا ~~أيها القوم من صنع الله، كيف أن الله يوسع الرزق لمن يشاء من عباده - ~~بحسب مشيئته وحكمته - لا لكرامته عليه، ويضيق الرزق على من يشاء - ~~لحكمته وقضائه ابتلاء - لا لهوانه عليه!! قال الزمخشري: { ويكأن } ~~كلمتان " وي " مفصولة عن " كأن " وهي كلمة تنبيه على الخطأ وتندم، ~~ومعناه أن القوم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم منزلة قارون وتندموا وقالوا ~~{ لولا أن من الله علينا } أل لولا أن الله لطف بنا، ~~وتفضل علينا بالإيمان والرحمة، ولم يعطنا ما تمنيناه { لخسف بنا ~~} أي لكان مصيرنا مصير قارون، وخسف بنا الأرض كما خسفها به { ~~ويكأنه لا يفلح الكافرون } أي أعجب من فعل الله حيث لا ~~ينجح ولا يفوز بالسعادة الكافرون لا في ادنيا، ولا في الآخرة. # . وإلى هنا تنتهي " قصة قارون " وهي قصة الطغيان بالمال، بعد أن ذكر ~~تعالى قصة الطغيان بالجاه والسلطان في قصة فرعون وموسى، ثم يأتي التعقيب ~~المباشر في قوله تعالى { تلك الدار الآخرة نجعلها ~~للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا } ~~الإشارة للتفخيم والتعظيم أي تلك الدار العالية الرفيعة التي سمعت ~~خبرها، وبلغك وصفها هي دار النعيم الخالد السرمدي، التي فيها ما لا عين ~~رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نجعلها للمتقين الذين لا ~~يريدون التكبر والطغيان، ولا الظلم والعدوان في هذه الحياة الدنيا { ~~والعاقبة للمتقين } أي العاقبة المحمودة للذين يخشون الله ~~ويراقبونه، ويبتغون رضوانه ويحذرون عقابه { من جآء بالحسنة ~~فله خير منها } أي من جاء يوم القيامة بحسنة من الحسنات فإن ~~الله يضاعفها له أضعافا ms1093 كثيرة { ومن جآء بالسيئة فلا ~~يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا ~~يعملون } أي ومن جاء يوم القيامة بالسيئات فلا يجزى إلا بمثلها، ~~وهذا من فضل الله على عباده أنه يضاعف لهم الحسنات ولا يضاعف لهم السيئات ~~{ إن الذي فرض عليك القرآن } أي إن الذي أنزل عليك يا ~~محمد القرآن وفرض عليك العمل به { لرآدك إلى معاد } أي ~~لرادك إلى مكة كما أخرجك منها، وهذا وعد من الله بفتح مكة ورجوعه عليه ~~السلام إليها بعد أن هاجر منها قال ابن عباس: معناه لرادك إلى مكة، وقال ~~الضحال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فبلغ الجحفة اشتاق ~~إلى مكة، فأنزل الله عليه هذه الآية { قل ربي أعلم من جآء ~~بالهدى ومن هو في ضلال مبين } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين: ربي أعلم بالمهتدي والضال هل أنا أو أنتم؟ فهو جل وعلا الذي ~~يعلم المحسن من المسيء، ويجازي كلا بعمله، وهو جواب لقول كفار مكة: إنك ~~يا محمد في ضلال مبين { وما كنت ترجو أن يلقى إليك ~~الكتاب إلا رحمة من ربك } أي وما كنت تطمع أن تنال ~~النبوة، ولا أن ينزل عليك الكتاب ولكن رحمك الله بذلك ورحم العباد ~~ببعثتك قال الفراء: وهذا استثناء منقطع والمعنىإلا أن ربك رحمك فأنزله ~~عليك { فلا تكونن ظهيرا للكافرين } أي لا تكن عونا لهم ~~على دينهم، ومساعدا لهم على ضلالهم، بالمداراة والمجاملة ولكن نابذهم ~~وخالفهم قال المفسرون: دعا المشركون الرسول إلى دين آبائه، فأمر بالتحرز ~~منهم وأن يصدع بالحق، والخطاب بهذا وأمثاله له عليه السلام، والمراد ~~أمته لئلا يظاهروا الكفار ولا يوافقوهم { ولا يصدنك عن آيات ~~الله بعد إذ أنزلت إليك } أي ولا تلتفت إلى هؤلاء ~~المشركين، ولا تركن إلى قولهم فيصدوك عن اتباع ما أنزل الله إليك من ~~الآيات البينات { وادع إلى ربك } أي وادع الناس إلى توحيد ربك ~~وعبادته { ولا تكونن من المشركين } أي بمسايرتهم على ~~أهوائهم، فإن من رضي بطريقتهم كان منهم { ولا تدع مع الله ~~إلها آخر ms1094 } أي لا تعبد إلها سوى الله { لا إله إلا هو ~~} أي لا معبود بحق إلا الله تعالى قال البيضاوي: وهذا وما قبله للتهييج ~~وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم { كل شيء هالك إلا ~~وجهه } أي كل شيء يفنى وتبقى ذاته المقدسة، أطلق الوجه وأراد ذات ~~الله جل وعلا قال ابن كثير: وهذا إخبار بأنه تعالى الدائم الباقي، ~~الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، فعبر بالوجه عن الذات ~~كقوله # كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام # [الرحمن: 26-27] { له الحكم وإليه ترجعون } أي له ~~القضاء النافذ في الخلق، وإليه مرجعهم جميعا يوم المعاد لا إلى أحد ~~سواه. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التبكيت والتوبيخ { من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء }؟ ومثله { يأتيكم بليل }؟. # 2- اللف والنشر المرتب { ومن رحمته جعل لكم اليل ~~والنهار } جمع الليل والنهار ثم قال { لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله } فأعاد السكن إلى الليل، والابتغاء لطلب ~~الرزق إلى النهار، ويسمى هذا عند علماء البديع اللف والنشر المرتب، لأن ~~الأول عاد على الأول، والثاني عاد على الثاني وهو من المحسنات البديعية. # 3- جناس الاشتقاق { لا تفرح.. الفرحين } ومثله { الفساد.. ~~المفسدين }. # 4- تأكيد الجملة ب { إن } و (اللام) { إنه لذو حظ عظيم ~~} لأن السامع شاك ومتردد. # 5- الكناية { تمنوا مكانه بالأمس } كنى عن الزمن الماضي ~~القريب بلفظ الأمس. # 6- الطباق { يبسط الرزق.. ويقدر }. # 7- المقابلة اللطيفة { من جآء بالحسنة فله خير منها ~~} { ومن جآء بالسيئة فلا يجزى.. } الآية. # 8- المجاز المرسل { إلا وجهه } أطلق الجزء وأراد الكل أي ذاته ~~المقدسة ففيه مجاز مرسل. # لطيفة: قال بعض العلماء: من لم تشبعه القناعة لم يكفه ملك قارون ~~وأنشدوا: # هي القناعة لا تبغي بها بدلا # فيها النعيم وفيها راحة البدن # انظر لم ملك الدنيا بأجمعها # هل راح منها بغير القطن والكفن؟ ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-27] # اللغة: { فتنة } الفتنة: الابتلاء والاختبار { أثقالهم } جمع ~~ثقل وهو الحمل الثقيل الذي ينوء به الإنسان، والمراد بالأثقال هنا ~~الذنوب والأوزار { لبث } أقام ومكث { إفكا } كذبا ms1095 وزورا { ~~تقلبون } ترجعون وتردون. # سبب النزول: عن سعد بن أبي وقاص قال: " كنت رجلا بارا بأمي فلما ~~أسلمت، قالت: ما هذا الدين الذي أحدثت يا سعد؟ لتدعن دينك هذا أو لا ~~آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال: يا قاتل أمه، قلت: لا تفعلي ~~يا أماه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء أبدا، قال: فمكثت يوما وليلة ~~لا تأكل، فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوما آخر وليلة لا تأكل، فلما رأيت ~~ذلك قلت: تعلمين والله يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا ~~نفسا ما تركت ديني هذا لشيء أبدا، فإن شئت فكلي، وإن شئت فدعي، ~~فلم رأت ذلك أكلت فأنزل الله هذه الآية { ووصينا الإنسان ~~بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهمآ.. } الآية. # التفسير: { الم } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن { ~~أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون }؟ الهمزة للاستفهام الإنكاري أي أظن الناس أن يتركوا ~~من غير افتتان لمجرد قولهم باللسان آمنا؟ لا ليس كما ظنوا بل لا بد من ~~امتحانهم ليتميز الصادق من المنافق قال ابن جزي: نزلت في قوم من ~~المؤمنين كانوا بمكة مستضعفين، منهم " عمار بن ياسر " وغيره، وكان كفار ~~قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، فضاقت صدورهم بذلك فآنسهم الله ~~بهذه الآية ووعظهم وأخبرهم أن ذلك اختبار، ليوطنوا أنفسهم على الصبر على ~~الأذى، والثبات على الإيمان، وأعلمهم أن تلك سيرته في عباده يسلط ~~الكفار على المؤمنين ليمحصهم بذلك، ويظهر الصادق في إيمانه من الكاذب { ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم } أي ولقد اختبرنا وامتحنا ~~من سبقهم بأنواع التكاليف والمصائب والمحن قال البيضاوي: والمعنى أن ذلك ~~سنة قديمة، جارية في الأمم كلها، فلا ينبغي أن يتوقع خلافه { ~~فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين } أي فليميزن الله بين الصادقين في دعوى الإيمان، وبين ~~الكاذبين فيه، وعبر عن الصادقين بلفظ الفعل { الذين صدقوا } ~~وعن الكاذبين باسم الفاعل { الكاذبين } للإشارة إلى أن الكاذبين ~~وصفهم مستمر وأن الكذب راسخ فيهم ms1096 بخلاف الصادقين فإن الفعل يفيد التجدد، ~~قال الإمام الفخر: إن اسم الفاعل يدل في كثير من المواضع على ثبوت ~~المصدر ورسوخه فيه، والفعل الماضي لا يدل عليه كما يقال: فلان شرب ~~الخمر، وفلان شارب الخمر، فإنه لا يفهم من صيغة الفعل الثبوت والرسوخ ~~{ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } ~~أي أيظن المجرمون الذين يرتكبون المعاصي والموبقات أنهم يفوتون من عقابنا ~~ويعجزوننا؟ { سآء ما يحكمون } أي بئس ما يظنون قال الصاوي: ~~والآية انتقال من توبيخ إلى توبيخ أشد، فالأول توبيخ للناس على ظنهم أنهم ~~يفوتون عذاب الله ويفرون منه مع دوامهم على كفرهم { من كان يرجو ~~لقآء الله فإن أجل الله لآت } لما بين تعالى أن العبد ~~لا يترك في الدنيا سدى، بين هنا أن من اعترف بالآخرة وعمل لها لا يضيع ~~عمله، ولا يخيب أمله والمعنى من كان يرجو ثواب الله فليصبر في الدنيا على ~~المجاهدة في طاعة الله حتى يلقى الله فيجازيه، فإن لقاء الله قريب ~~الإتيان، وكل ما هو آت قريب، والآية تسلية للمؤمنين ووعد لهم بالخير ~~في دار النعيم { وهو السميع العليم } أي هو تعالى السميع ~~لأقوال العباد، العليم بأحوالهم الظاهرة والباطنة { ومن جاهد ~~فإنما يجاهد لنفسه } أي ومن جاهد نفسه بالصبر على الطاعات، ~~والكف عن الشهوات، فمنفعة جهاده إنما هي لنفسه { إن الله ~~لغني عن العالمين } أي مستغن عن العباد، لا تنفعه طاعة ~~الطائعين، ولا تضره معصية العاصين { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح { لنكفرن ~~عنهم سيئاتهم } أي لنمحون عنهم سيئاتهم التي سلفت منهم بسبب ~~إيمانهم وعملهم الصالح { ولنجزينهم أحسن الذي كانوا ~~يعملون } أي ونجزيهم بأحسن أعمالهم الصالحة وهي الطاعات { ~~ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } أي أمرناه أمرا ~~مؤكدا بالإحسان إلى والديه غاية الإحسان، لأنهما سبب وجوده ولهما ~~عليه غاية الفضل والإحسان، الوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق قال ~~الصاوي: وإنما أمر الله الأولاد ببر الوالدين دون العكس، لأن الأولاد ~~جبلوا على القسوة وعدم طاعة الوالدين، فكلفهم الله بما يخالف طبعهم، ~~والآباء مجبولون على ms1097 الرحمة والشفقة بالأولاد فوكلهم لما جبلوا عليه { ~~وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهمآ } أي وإن بذلا كل ما في وسعهما، وحرصا كل الحرص على أن ~~تكفر بالله وتشرك به شيئا لا يصح أن يكون إلها ولا يستقيم، فلا تطعهما ~~في ذلك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله { إلي مرجعكم ~~فأنبئكم بما كنتم تعملون } أي إلي مرجع الخلائق ~~جميعا، مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فأجازي كلا بما عمل، وفيه وعد ~~حسن لمن بر والديه واتبع الهدى، ووعيد لمن عق والديه واتبع سبيل ~~الردى { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لندخلنهم في الصالحين } أي لندخلنهم في زمرة الصالحين ~~في الجنة قال القرطبي: كرر تعالى التمثيل بحالة المؤمنين العاملين ~~لتحريك النفوس إلى نيل مراتبهم، وفي { الصالحين } مبالغة أي الذين ~~هم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته، ولما ذكر تعالى ما أعده للمؤمنين ~~الخلص ذكر حال المنافقين المذبذبين فقال { ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله فإذآ أوذي في الله جعل فتنة الناس ~~كعذاب الله } أي ومن الناس فريق يقولون بألسنتهم آمنا بالله، ~~فإذا أوذي أحدهم بسبب إيمانه ارتد عن الدين وجعل ما يصيبه من أذى ~~الناس سببا صارفا له عن الإيمان كعذاب الله الشديد الذي يصرف الإنسان ~~عن الكفر قال المفسرون: والتشبيه { كعذاب الله } من حيث إن عذاب ~~الله مانع للمؤمنين من الكفر، فكذلك المنافقون جعلوا أذاهم مانعا لهم من ~~الإيمان، وكان مقتضى إيمانهم أن يصبروا ويتشجعوا، ويروا في العذاب ~~عذوبة، وفي المحنة منحة، فإن العاقبة للمتقين قال الإمام الفخر: أقسام ~~المكلفين ثلاثة: مؤمن ظاهر بحسن اعتقاده، وكافر مجاهر بكفره وعناده، ~~ومذبذب بينهما يظهر الإيمان بلسانه ويضمر الكفر في فؤاده، فلما ذكر ~~تعالى القسمين بقوله { فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين } ذكر القسم الثالث هنا { ومن الناس ~~من يقول آمنا بالله } واللطيفة في الآية أن الله أراد بيان ~~شرف المؤمن الصابر، وخسة المنافق الكافر، فقال هناك: أوذي المؤمن في ~~سبيل الله ليترك سبيله ولم يتركه، وأوذي المنافق الكافر فترك الله بنفسه، ~~وكان ms1098 يمكنه أن يظهر موافقتهم ويكون قلبه مطمئنا بالإيمان، ومع هذا لم ~~يفعله بل ترك الله بالكلية { ولئن جآء نصر من ربك ~~ليقولن إنا كنا معكم } أي ولئن جاء نصر قريب للمؤمنين، ~~وفتح ومغانم قال أولئك المذبذبون: إنا كنا معكم ننصركم على أعدائكم، ~~فقاسمونا فيما حصل لكم من الغنائم قال تعالى ردا عليهم { أو ليس ~~الله بأعلم بما في صدور العالمين }؟ استفهام تقرير أي ~~أوليس الله هو العالم بما انطوت عليه الضمائر من خير وشر، وبما في قلوب ~~الناس من إيمان ونفاق؟ بلى إنه بكل شيء عليم، ثم أكد تعالى ذلك بقوله { ~~وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين } أي وليظهرن الله لعباده حال المؤمنين وحال ~~المنافقين حتى يتميزوا فيفتضح المنافق، ويظهر شرف المؤمن الصادق قال ~~المفسرون: والمراد { وليعلمن الله } إظهار علمه للناس حتى ~~يصبح معلوما لديهم، وإلا فالله عالم بما كان، وما يكون، وما هو كائن لا ~~تخفى عليه خافية، فهو إذا علم إظهار وإبداء، لا علم غيب وخفاء ~~بالنسبة لله تعالى، وقد فسر ابن عباس العلم بمعنى الرؤية { وقال ~~الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ~~ولنحمل خطاياكم } أي قال الكفار للمؤمنين اكفروا كما كفرنا، ~~واتبعوا ديننا ونحن نحمل عنكم الإثم والعقاب، إن كان هناك عقاب قال ~~ابن كثير: كما يقول القائل: افعل هذا وخطيئتك في عنقي، فإن قيل { ~~ولنحمل } صيغة أمر، فكيف يصح أمر النفس من الشخص؟ فنقول: الصيغة ~~أمر والمعنى شرط وجزاء أي إن اتبعتمونا حملنا خطاياكم { وما هم ~~بحاملين من خطاياهم من شيء } أي وما هم حاملين شيئا من ~~خطاياهم، لأنه لا يحمل أحد وزر أحد { إنهم لكاذبون } أي ~~وإنهم لكاذبون في ذلك، ثم قال تعالى { وليحملن أثقالهم ~~وأثقالا مع أثقالهم } أي وليحملن أوزارهم وأوزار من ~~أضلوهم دون أن ينقص من أوزار أولئك شيء كما في الحديث # " ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه من غير أن ~~ينقص من آثامهم شيء " # { وليسألن يوم القيامة } أي وليسألن سؤال توبيخ ~~وتقريع { عما كانوا يفترون } أي ms1099 عما كانوا يختلقونه من الكذب ~~على الله عز وجل، ثم ذكر تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قصة نوح تسلية ~~له عما يلقاه من أذى المشركين فقال { ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } أي ~~ولقد بعثنا نوحا إلى قومه فمكث فيهم تسعمائة وخمسين سنة يدعوهم إلى ~~توحيد الله جل وعلا، وكانوا عبدة أصنام فكذبوه { فأخذهم ~~الطوفان وهم ظالمون } أي فأهلكهم الله بالطوفان وهم مصرون ~~على الكفر والضلال قال أبو السعود: والطوفان: كل ما يطوف بالشيء على كثرة ~~وشدة، من السيل والريح والظلام، وقد غلب على طوفان الماء قال الرازي: وفي ~~قوله { وهم ظالمون } إشارة إلى لطيفة، وهي أن الله لا يعذب على ~~مجرد وجود الظلم، وإنما يعذب على الإصرار على الظلم ولهذا قال { وهم ~~ظالمون } يعني أهلكهم وهم على ظلمهم { فأنجيناه وأصحاب ~~السفينة } أي فأنجينا نوحا من الغرق ومن ركب معه في السفينة من ~~أهله وأولاده وأتباعه المؤمنين { وجعلناهآ آية للعالمين } ~~أي وجعلنا تلك الحادثة الهائلة عظة وعبرة للناس بعدهم يتعظون بها { ~~وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه } ~~قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله " إبراهيم " إمام ~~الحنفاء، أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإخلاص له في ~~التقوى، وطلب الرزق منه وحده، وتوحيده في الشكر فإنه المشكور على النعم ~~لا مسدي لها غيره { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } ~~أي عبادة الله وتقواه خير لكم من عبادة الله الأوثان إن كنتم تعلمون ~~الخير من الشر وتفرقون بينهما { إنما تعبدون من دون الله ~~أوثانا } أي أنتم لا تعبدون شيئا ينفع أو يضر، وإنما تعبدون ~~أصناما من حجارة صنعتموها بأيديكم { وتخلقون إفكا } أي وتصنعون ~~كذبا وباطلا قال ابن عباس: تنحتون وتصورون إفكا { إن الذين ~~تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا } أي إن ~~هؤلاء الذين تعبدونهم لا يقدرون على أن يرزقوكم { فابتغوا عند ~~الله الرزق } أي فاطلبوا الرزق من الله وحده، فإنه القادر على ~~ذلك { واعبدوه واشكروا له ms1100 } أي وخصوه وحده بالعبادة واخشعوا ~~واخضعوا له، واشكروه على نعمه التي أنعم بها عليكم { إليه ~~ترجعون } أي إليه لا إلى غيره مرجعكم يوم القيامة فيجازي كل عامل ~~بعمله { وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم } لما ~~فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد أي وإن تكذبوني فلن تضروني ~~بتكذيبكم وإنما تضرون بأنفسكم فقد سبق قبلكم أمم كذبوا رسلهم فحل بهم ~~عذاب الله، وسيحل بكم ما حل بهم { وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين } أي وليس على الرسول إلا تبليغ أوامر الله، وليس ~~عليه هداية الناس قال الطبري: ومعنى { البلاغ المبين } أي الذي ~~يبين لمن سمعه ما يراد به، ويفهم منه ما يعني به { أولم يروا ~~كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده } الاستفهام للتوبيخ ~~لمنكري الحشر أي أولم ير المكذبون بالدلائل الساطعة كيف خلق تعالى الخلق ~~ابتداء من العدم، فيستدلون بالخلقة الأولى على الإعادة في الحشر؟ قال ~~قتادة: المعنى أولم يروا بالدلائل والنظر كيف يجوز أن يعيد الله الأجسام ~~بعد الموت؟ { إن ذلك على الله يسير } أي سهل عليه تعالى ~~فكيف ينكرون البعث والنشور؟ فإن من قدر على البدء قدر على الإعادة، قال ~~القرطبي: ومعنى الآية على ما قاله البعض: أولم يروا كيف يبدئ الله الثمار ~~فتحيا ثم تفنى ثم يعيدها أبدا، وكذلك يبدأ خلق الإنسان ثم يهلكه بعد أن ~~خلق منه ولدا، وخلق من الولد ولدا، وكذلك سائر الحيوان، فإذا رأيتم ~~قدرته على الإبداء والإيجاد، فهو القادر على الإعادة لأنه إذا أراد ~~أمرا قال له كن فيكون { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف ~~بدأ الخلق } أي قل لهؤلاء المنكرين للبعث سيروا في أرجاء الأرض ~~فانظروا كيف أن الله العظيم القدير خلق الخلق على كثرتهم وتفاوت هيئاتهم، ~~واختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، وانظروا إلى مساكن القرون الماضية ~~وديارهم وآثارهم كيف أهلكهم الله، لتعلموا بذلك كمال قدرة الله عز وجل! { ~~ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } أي ثم هو تعالى ينشئهم ~~عند البعث نشأة أخرى { إن الله على كل شيء قدير } أي ~~لا يعجزه ms1101 تعالى شيء ومنه البدء والإعادة { يعذب من يشآء ~~ويرحم من يشآء } أي هو الحاكم المتصرف الذي يفعل ما يشاء ويحكم ~~ما يريد، فله الخلق والأمر، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون { وإليه ~~تقلبون } أي وإليه ترجعون يوم القيامة { ومآ أنتم ~~بمعجزين في الأرض ولا في السمآء } أي لا تفوتون من عذاب ~~الله، وليس لكم مهرب في الأرض ولا في السماء قال القرطبي: والمعنى لو ~~كنتم في السماء ما أعجزتم الله كقوله # ولو كنتم في بروج مشيدة # [النساء: 78] { وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير } أي ليس لكم غير الله ولي يحميكم من بلائه، ولا نصير ينصركم ~~من عذابه { والذين كفروا بآيات الله ولقآئه } أي ~~كفروا بالقرآن والبعث { أولئك يئسوا من رحمتي } أي ~~أولئك المنكرون الجاحدون قنطوا من رحمتي قال ابن جرير: وذلك في الآخرة ~~عند رؤية العذاب { وأولئك لهم عذاب أليم } أي لهم عذاب ~~موجع مؤلم { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ~~اقتلوه أو حرقوه } أي فما كان رد قومه عليه حين دعاهم إلى ~~الله ونهاهم عن الأصنام إلا أن قال كبراؤهم المجرمون: اقتلوه لتستريحوا ~~منه أو حرقوه بالنار { فأنجاه الله من النار } أي فألقوه ~~في النار فجعلها بردا وسلاما عليه { إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون } أي إن في إنجائنا لإبراهيم من النار لدلائل ~~وبراهين ساطعة على قدرة الله لقوم يصدقون بوجود الله وكمال قدرته وجلاله ~~{ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا } أي قال ~~إبراهيم لقومه توبيخا لهم وتقريعا: إنما عبدتم هذه الأوثان والأصنام ~~وجعلتموها آلهة مع الله { مودة بينكم في الحياة ~~الدنيا } أي من أجل أن تدوم المحبة والألفة بينكم في هذه الحياة ~~باجتماعكم على عبادتها { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ~~ببعض ويلعن بعضكم بعضا } أي ثم في الآخرة ينقلب الحال ~~فتصبح هذه الصداقة والمودة عداوة وبغضاء حيث يقع التناكر ويتبرأ القادة ~~من الأتباع ويلعن الأتباع القادة، لأن صداقتهم في الدنيا لم تكن من أجل ~~الله { ومأواكم النار وما لكم من ناصرين } أي ~~ومصيركم ms1102 جميعا جهنم وليس لكم ناصر أو معين يخلصكم منها { فآمن له ~~لوط } أي فآمن معه لوط وصدقه وهو ابن أخيه وأول من آمن به لما رأى من ~~الآيات الباهرة { وقال إني مهاجر إلى ربي } أي وقال ~~الخليل إبراهيم، إني تارك وطني ومهاجر من بلدي رغبة في رضى الله قال ~~المفسرون: هاجر من سواد العراق إلى فلسطين والشام ابتغاء إظهار الدين ~~والتمكن من نشره { إنه هو العزيز الحكيم } أي هو العزيز ~~الذي لا يذل من اعتمد عليه، الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها { ~~ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته ~~النبوة والكتاب } أي وهبنا لإبراهيم - لما فارق قومه في الله ~~- ولدا صالحا هو إسحاق وولد ولد وهو يعقوب بن إسحاق { وجعلنا ~~في ذريته النبوة والكتاب } أي خصصناه بهذا الفضل ~~العظيم حيث جعلنا كل الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته، وجعلنا الكتب ~~السماوية نازلة على الأنبياء من بنيه قال ابن كثير: وهذه خصلة سنية ~~عظيمة مع اتخاذ الله إياه خليلا، وجعله إماما للناس، أن جعل الله في ~~ذريته النبوة والكتاب، فلم يوجد نبي بعد إبراهيم إلا وهو من سلالته، ~~فجميع أنبياء بني إسرائيل من سلالة ولده " يعقوب " ولم يوجد نبي من ~~سلالة " إسماعيل " سوى النبي العربي عليه أفضل الصلاة والتسليم { ~~وآتيناه أجره في الدنيا } أي وتركنا له الثناء الحسن في ~~جميع الأديان { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } أي وهو ~~في الآخرة في عداد الكاملين في الصلاح، وهذا ثناء عظيم على أب الأنبياء ~~إبراهيم عليه السلام. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الاستفهام للتقريع والتوبيخ والإنكار { أحسب الناس أن ~~يتركوا أن يقولوا آمنا }. # 2- الطباق بين { صدقوا.. والكاذبين } وبين { آمنوا.. ~~والمنافقين } وبين { يعذب.. ويرحم } وبين { يبدئ.. ~~يعيده }. # 3- التأكيد بإن واللام { فإن أجل الله لآت } لأن المخاطب ~~منكر. # 4- صيغة المبالغة { السميع العليم }. # 5- الجناس غير التام { يسير.. وسيروا }. # 6- التشبيه المرسل المجمل { فتنة الناس كعذاب الله } حذف ~~منه وجه الشبه فهو مجمل. # 7- التفنن في التعبير { ألف سنة إلا خمسين عاما } لم يقل ~~إلا خمسين ms1103 سنة تفننا لأن التكرار في الكلام الواحد مخالف للبلاغة إلا ~~إذا كان لغرض من تفخيم أو تهويل مثل # القارعة ما القارعة # [القارعة: 1-2]. # 8- أسلوب الإطناب { إنما تعبدون من دون الله ~~أوثانا.. إن الذين تعبدون من دون الله } لغرض ~~التشنيع عليهم في عبادة الأوثان. # 9- أسلوب الإيجاز { اقتلوه أو حرقوه } أي حرقوه في النار ثم ~~قال { فأنجاه الله } أي ففعلوا فأنجاه الله من النار. # 10- الاستعارة اللطيفة { وليحملن أثقالهم } شبه الذنوب ~~بالأثقال لأنها تثقل كاهل الإنسان. ### || [29.28-45] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصة نوح وإبراهيم، وما فيهما من مواطن ~~العظة والعبرة، ذكر هنا قصص الأنبياء " لوط، شعيب، هود، صالح " على سبيل ~~الاختصار لبيان عاقبة الله في المكذبين.. وكل ذلك لتأكيد ما ورد في صدر ~~السورة الكريمة من أن الابتلاء سنة الحياة، وأنه من السنن الكونية على مر ~~العصور والدهور. # اللغة: { الفاحشة } الفعلة المتناهية في القبح قال أهل اللغة: ~~الفاحشة: القبيح الظاهر قبحه، وكل فعل زاد في القبح والشناعة فهو فاحشة ~~{ ناديكم } النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم للسمر أو المشورة ~~أو غيرهما { تعثوا } العثو والعثي أشد الفساد يقال: عثي ~~يعثى، وعثا يعثو بمعنى واحد { رجزا } عذابا { جاثمين } جثم: إذا ~~قعد على ركبتيه { سابقين } فائتين من عذابنا { أوهن } أضعف، ~~والوهن: الضعف. # التفسير: { ولوطا إذ قال لقومه } أي واذكر رسولنا لوطا ~~عليه السلام حين قال لقومه { إنكم لتأتون الفاحشة } أي ~~إنكم يا معشر القوم لترتكبون الفعلة المتناهية في القبح { ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين } أي لم يسبقكم بهذه ~~الشنيعة، والفعلة القبيحة - وهي اللواطة - أحد من الخلق، ثم فسر تلك ~~الشنيعة فقال { أئنكم لتأتون الرجال } أي إنكم لتأتون ~~الذكور في الأدبار وذلك منتهى القذارة والخسة قال المفسرون: لم يقدم ~~أحد قبلهم عليها اشمئزازا منها في طباعهم لإفراط قبحها حتى أقدم عليها ~~قوم لوط، ولم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط { وتقطعون السبيل } ~~أي وتقطعون الطريق على المارة بالقتل وأخذ المال، وكانوا قطاع الطريق قال ~~ابن كثير: كانوا يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم ms1104 { ~~وتأتون في ناديكم المنكر } أي وتفعلون في مجلسكم ومنتداكم ~~ما لا يليق من أنواع المنكرات علنا وجهارا، أما كفاكم قبح فعلكم حتى ~~ضممتم إليه قبح الإظهار!؟ قال مجاهد: كانوا يأتون الذكور أمام الملأ ~~يرى بعضهم بعضا، وقال ابن عباس: كانوا يحذفون بالحصى من مر بهم مع ~~الفحش في المزاح، وحل الإزار، والصفير وغير ذلك من القبائح { فما ~~كان جواب قومه } أي فما كان رد قومه عليه حين نصحهم وذكرهم ~~وحذرهم { إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله } أي إلا أن ~~قالوا على سبيل الاستهزاء: ائتنا يا لوط بالعذاب الذي تعدنا به { إن ~~كنت من الصادقين } أي إن كنت صادقا فيما تهددنا به من نزول ~~العذاب قال الإمام الفخر: فإن قيل إن الله تعالى قال ههنا { إلا ~~أن قالوا ائتنا } وقال في موضع آخر # إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم # [النمل: 56] فكيف وجه الجمع بينهما؟ فنقول: إن لوطا كان ثابتا على ~~الإرشاد، مكررا عليهم النهي والوعيد، فقالوا أولا: ائتنا بعذاب الله، ~~ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا آل لوط، ثم إن لوطا لما ~~يئس منهم طلب النصرة من الله { قال رب انصرني على القوم ~~المفسدين } أي قال لوط رب أهلكهم وانصرني عليهم فإنهم سفهاء ~~مفسدون لا يرجى منهم صلاح وقد أغرقوا في الغي والفساد قال الرازي: ~~واعلم أن نبيا من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير ~~من وجودهم كما قال نوح # إنك إن تذرهم يضلوا عبادك # [نوح: 27] فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال، ولا يرجى منهم صلاح ~~في المآل طلب لهم العذاب { ولما جآءت رسلنآ إبراهيم ~~بالبشرى } المراد بالرسل هنا " الملائكة " والبشرى هي تبشير ~~إبراهيم بالولد، أي لما جاءت الملائكة تبشر إبراهيم بغلام حليم { ~~قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية } أي جئنا ~~لنهلك قرية قوم لوط { إن أهلها كانوا ظالمين } أي لأن ~~أهلها ممعنون في الظلم والفساد، طبيعتهم البغي والعناد قال المفسرون: ~~لما دعا لوط على قومه، استجاب الله ms1105 دعاءه، وأرسل ملائكته لإهلاكهم، ~~فمروا بطريقهم على إبراهيم أولا فبشروه بغلام وذرية صالحة، ثم ~~أخبروه بما أرسلوا من أجله، فجادلهم بشأن ابن أخيه لوط { قال إن ~~فيها لوطا } أي كيف تهلكون أهل القرية وفيهم هذا النبي الصالح " لوط ~~"؟ { قالوا نحن أعلم بمن فيها } أي نحن أعلم به وبمن فيها ~~من المؤمنين قال الصاوي: وهذا بعد المجادلة التي تقدمت في سورة هود # يجادلنا في قوم لوط # [هود: 74] حيث قال لهم: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا لا، ~~إلى أن قال: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا لا فقال لهم { إن ~~فيها لوطا } فأجابوه بقولهم { نحن أعلم بمن فيها } ثم ~~بشروه بإنجاء لوط والمؤمنين { لننجينه وأهله إلا ~~امرأته كانت من الغابرين } أي سوف ننجيه مع أهله من ~~العذاب، إلا امرأته فستكون من الهالكين لأنها كانت تمالئهم على الكفر، ~~ثم ساروا من عنده فدخلوا على " لوط " في صورة شبان حسان { ولمآ أن ~~جآءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا } أي ولما ~~دخلوا على لوط حزن بسببهم، وضاق صدره من مجيئهم لأنهم حسان الوجوه في ~~صورة أضياف، فخاف عليهم من قومه، فأعلموه أنهم رسل ربه { وقالوا لا ~~تخف ولا تحزن } أي لا تخف علينا ولا تحزن بسببنا، فلن يصل هؤلاء ~~المجرمون إلينا { إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك ~~كانت من الغابرين } أي كانت من الهالكين الباقين في العذاب { ~~إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من ~~السمآء بما كانوا يفسقون } أي منزلون عليهم عذابا من ~~السماء بسبب فسقهم المستمر قال ابن كثير: وذلك أن جبريل عليه السلام ~~اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء ثم قلبها عليهم، ~~وأرسل عليهم حجارة من سجيل منضود، وجعل مكانها بحيرة خبيثة منتنة، ~~وجعلهم عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد { ~~ولقد تركنا منهآ آية بينة } أي ولقد تركنا من هذه ~~القرية علامة بينة واضحة، هي آثار منازلهم الخربة { لقوم ~~يعقلون } أي لقوم يتفكرون ويتدبرون ويستعملون عقولهم في الاستبصار ~~والاعتبار، ثم ms1106 أخبر تعالى عن قصة شعيب فقال { وإلى مدين ~~أخاهم شعيبا } أي وأرسلنا إلى قوم مدين أخاهم شعيبا { فقال ~~يقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الأخر } أي فقال ~~لقومه ناصحا ومذكرا: يا قوم وحدوا الله وخافوا عقابه الشديد في اليوم ~~الآخر { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } أي لا تسعوا ~~بالإفساد في الأرض بأنواع البغي والعدوان { فكذبوه فأخذتهم ~~الرجفة } أي فكذبوا رسولهم شعيبا فأهلكهم الله برجفة عظيمة مدمرة ~~زلزلت عليهم بلادهم، وصيحة هائلة أخرجت القلوب من حناجرها { ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين } أي فأصبحوا هلكى باركين على ~~الركب ميتين { وعادا وثمودا وقد تبين لكم من ~~مساكنهم } أي وأهلكنا عادا وثمود، وقد ظهر لكم يا أهل مكة من ~~منازلهم بالحجاز واليمن آيتنا في هلاكهم أفلا تعتبرون؟ { وزين ~~لهم الشيطان أعمالهم } أي وحسن لهم الشيطان أعمالهم ~~القبيحة من الكفر والمعاصي حتى رأوها حسنة { فصدهم عن السبيل ~~وكانوا مستبصرين } أي فمنعهم عن طريق الحق، وكانوا عقلاء ~~متمكنين من النظر والاستدلال، لكنهم لم يفعلوا تكبرا وعنادا { ~~وقارون وفرعون وهامان } أي وأهلكنا كذلك الجبابرة ~~الظالمين، { قارون } صاحب الكنوز الكثيرة { وفرعون } صاحب الملك ~~والسلطان، ووزيره { وهامان } الذي كان يعينه على الظلم والطغيان { ~~ولقد جآءهم موسى بالبينات } أي ولقد جاءهم موسى ~~بالحجج الباهرة، والآيات الظاهرة { فاستكبروا في الأرض } أي ~~فاستكبروا عن عبادة الله وطاعة رسوله { وما كانوا سابقين } أي ~~وما كانوا ليفلتوا من عذابنا قال الطبري: أي ما كانوا ليفوتونا بل كنا ~~مقتدرين عليهم { فكلا أخذنا بذنبه } أي فكلا من هؤلاء ~~المجرمين أهلكناه بسبب ذنبه وعاقبناه بجنايته قال ابن كثير: أي وكانت ~~عقوبته بما يناسبه { فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا } أي ~~ريحا عاصفة مدمرة فيها حصباء " حجارة " كقوم لوط { ومنهم من ~~أخذته الصيحة } أي ومنهم من أخذته صيحة العذاب مع الرجفة ~~كثمود { ومنهم من خسفنا به الأرض } أي خسفنا به ~~وبأملاكه الأرض حتى غاب فيها كقارون وأصحابه { ومنهم من ~~أغرقنا } أي أهلكناه بالغرق كقوم نوح وفرعون وجنده { وما كان ~~الله ليظلمهم } أي وما كان الله ليعذبهم من غير ذنب فيكون لهم ms1107 ~~ظالما { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أي ولكن ظلموا ~~أنفسهم فاستحقوا العذاب والدمار، ثم ضرب تعالى مثلا للمشركين في اتخاذهم ~~آلهة من دون الله فقال { مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } أي مثل الذين ~~اتخذوا من دون الله أصناما يعبدونها في اعتمادهم عليها ورجائهم نفعها ~~كمثل العنكبوت في اتخاذها بيتا لا يغني عنها في حر ولا برد، ولا مطر ولا ~~أذى قال القرطبي: هذا مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا ~~تنفعه ولا تضره، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا ولا بردا { وإن ~~أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون } ~~أي وإن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لتفاهته وحقارته، لو كانوا يعلمون أن ~~هذا مثلهم ما عبدوها { إن الله يعلم ما يدعون من دونه ~~من شيء } أي هو تعالى عالم بما عبدوه من دونه لا يخفى عليه ذلك، ~~وسيجازيهم على كفرهم { وهو العزيز الحكيم } أي وهو جل وعلا ~~العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه { وتلك الأمثال نضربها ~~للناس } أي وتلك الأمثال نبينها للناس في القرآن لتقريبها إلى ~~أذهانهم { وما يعقلهآ إلا العالمون } أي وما يدركها ~~ويفهمها إلا العالمون الراسخون، الذين يعقلون عن الله عز وجل مراده { ~~خلق الله السموت والأرض بالحق } أي خلقهما بالحق ~~الثابت لا على وجه العبث واللعب { إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين } أي إن في خلقهما بذلك الشكل البديع، والصنع المحكم ~~لعلامة ودلالة للمصدقين بوجود الله ووحدانيته { اتل ما أوحي ~~إليك من الكتاب } أي اقرأ يا محمد هذا القرآن المجيد الذي ~~أوحاه إليك ربك، وتقرب إليه بتلاوته وترداده، لأن فيه محاسن الآداب ~~ومكارم الأخلاق { وأقم الصلاة } أي دم على إقامتها بأركانها ~~وشروطها وآدابها فإنها عماد الدين { إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشآء والمنكر } أي إن الصلاة الجامعة لشروطها وآدابها، ~~المستوفية لخشوعها وأحكامها، إذا أداها المصلي كما ينبغي، وكان خاشعا ~~في صلاته، متذكرا لعظمة ربه، متدبرا لما يتلو، نهته عن الفواحش ~~والمنكرات { ولذكر الله أكبر } أي ولذكر الله أكبر من كل شيء ms1108 ~~في الدنيا، وهو أن تتذكر عظمته وجلاله، وتذكره في صلاتك وفي بيعك وشرائك، ~~وفي أمور حياتك ولا تغفل عنه في جميع شؤونك { والله يعلم ما ~~تصنعون } أي يعلم جميع أعمالكم وأفعالكم فيجازيكم عليها أحسن ~~المجازاة، قال أبو العالية: إن الصلاة فيها ثلاث خصال: الإخلاص، ~~والخشية، وذكر الله؛ فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، ~~وذكر الله - القرآن - يأمره وينهاه فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه ~~الخلال فليست بصلاة. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- التأكيد بعده مؤكدات والاطناب بتكرار الفعل تهجينا لعملهم القبيح ~~وتوبيخا { إنكم لتأتون الفاحشة.. أئنكم ~~لتأتون الرجال } الآية. # 2- الاستهزاء والسخرية { ائتنا بعذاب الله إن كنت من ~~الصادقين } وجواب الشرط محذوف دل عليه السابق أي إن كنت صادقا ~~فائتنا به. # 3- التنكير لإفادة التهويل { رجزا من السمآء } أي رجزا ~~عظيما هائلا. # 4- تقديم المفعول للعناية والاهتمام، والإجمال ثم التفصيل { فكلا ~~أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ~~ومنهم من أخذته الصيحة } الخ. # 5- التشبيه التمثيلي { مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } شبه الله ~~الكافرين في عبادتهم للأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتا ضعيفا واهيا ~~يتهاوى من هبة نسيم أو من نفخة فم، وسمي تمثيليا لأن وجه الشبه صورة ~~منتزعة من متعدد. # 6- توافق الفواصل في الحرف الأخير وما فيه من جرس عذب بديع مثل { ~~انصرني على القوم المفسدين.. إن أهلها كانوا ~~ظالمين } ومثل { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ~~} ومثل { بما كانوا يفسقون.. آية بينة لقوم ~~يعقلون } الخ وهو من خصائص القرآن. # تنبيه: أفادت الآية أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقد ثبت # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قيل له: إن فلانا يصلي الليل ~~فاذا أصبح سرق فقال: " ستمنعه صلاته " # رواه البزار، يريد عليه السلام أن الصلاة إذا كانت على الوجه الأكمل، ~~تنهى صاحبها عن الفحشاء، ولا تزيده بعدا بل تزيده قربا. ### || [29.46-69] # المناسبة: لما بين تعالى ضلال من اتخذ أولياء من دون الله، وضرب ~~المثل ببيت العنكبوت، أمر هنا ms1109 بالتلطف في دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان، ~~ثم ذكر البراهين القاطعة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وصحة القرآن، ~~وختم السورة الكريمة ببيان المانع من التوحيد وهو اغترار الناس بالحياة ~~الدنيا الفانية، وبين أن المشركين يوحدون الله وقت الشدة، وينسونه وقت ~~الرخاء. # اللغة: { بغتة } فجأة يقال: بغته إذا دهمه على حين غفلة { ~~يغشاهم } يجللهم ويغطيهم من فوقهم، والغشاء: الغطاء { ~~لنبوئنهم } بوأه: أنزله في المكان على وجه الإقامة { ~~غرفا } منازل رفيعة عالية في الجنة { يؤفكون } يصرفون عن الحق ~~إلى الباطل { يبسط } يوسع { ويقدر } يضيق { مثوى } المكان ~~اليذي يقيم فيه الإنسان. # سبب النزول: عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المؤمنين ~~بالهجرة حين آذاهم المشركون فقال لهم: اخرجوا إلى المدينة وهاجروا، ولا ~~تجاوروا الظلمة، قالوا: ليس لنا بها دار ولا عقار، ولا من يطعمنا ولا من ~~يسقينا فنزلت { وكأين من دآبة لا تحمل رزقها ~~الله يرزقها وإياكم.. } الآية. # التفسير: { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي ~~هي أحسن } أي لا تدعو أهل الكتاب إلى الإسلام وتناقشوهم في أمر ~~الدين إلا بالطريقة الحسنى كالدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حججه ~~وبيناته { إلا الذين ظلموا منهم } أي إلا من كان ظالما، ~~محاربا لكم، مجاهدا في عداوتكم، فجادلوهم بالغلظة والشدة قال الإمام ~~الفخر: إن المشرك لما جاء بالمنكر الفظيع كان اللائق أن يجادل بالأخشن، ~~ويبالغ في توهين شبهه وتهجين مذهبه، وأما أهل الكتاب فإنهم آمنوا بإنزال ~~الكتب وإرسال الرسل إلا الاعتراف بالنبي عليه السلام، فلمقابلة إحسانهم ~~يجادلون بالأحسن إلا الذين ظلموا منهم بإثبات الولد لله، والقول بثالث ~~ثلاثة فإنهم يجادلون بالأخشن من تهجين مقالتهم، وتبيين جهالتهم { ~~وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ~~} أي وقولوا لهم: آمنا بالقرآن الذي أنزل إلينا وبالتوراة والإنجيل ~~التي أنزلت إليكم، قال أبو هريرة: # " كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل ~~الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا ~~تكذبوهم، { وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم } " # { وإلهنا وإلهكم واحد ms1110 ونحن له مسلمون } أي ~~ربنا وربكم واحد لا شريك له في الألوهية، ونحن له مطيعون، مستسلمون لحكمه ~~وأمره { وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب } أي وكما أنزلنا ~~الكتاب على من قبلك يا محمد أنزلناه عليك { فالذين آتيناهم ~~الكتاب يؤمنون به } أي فالذين أعطيناهم الكتاب كعبد الله ابن ~~سلام وأمثاله ممن أسلم من اليهود والنصارى يؤمنون بالقرآن { ومن ~~هؤلاء من يؤمن به } أي ومن أهل مكة من يؤمن بالقرآن كذلك { ~~وما يجحد بآياتنآ إلا الكافرون } أي وما يكذب بآياتنا ~~وينكرها مع ظهورها وقيام الحجة عليها إلا المتوغلون في الكفر، المصرون ~~على العناد قال قتادة: وإنما يكون الجحود بعد المعرفة { وما كنت ~~تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } أي ~~وما كنت يا محمد تعرف القراءة ولا الكتابة قبل نزول هذا القرآن لأنك ~~أمي قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أميا لا يقرأ ~~شيئا ولا يكتب { إذا لارتاب المبطلون } أي لو كنت تقرأ أو ~~تكتب إذا لشك الكفار في القرآن وقالوا؛ لعله التقطه من كتب الأوائل ~~ونسبه إلى الله، والآية احتجاج على أن القرآن من عند الله، لأنه النبي ~~أمي وجاءهم بهذا الكتاب المعجز، المتضمن لأخبار الأمم السابقة، والأمور ~~الغيبية، وذلك أكبر برهان على صدقه صلى الله عليه وسلم قال ابن كثير: ~~المعنى قد لبثت في قومك يا محمد - من قبل أن تأتي بهذا القرآن - عمرا لا ~~تقرأ كتابا، ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك يعرف أنك أمي لا تقرأ ~~ولا تكتب، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائما إلى يوم الدين ~~لا يحسن الكتابة، ولا يخط حرفا ولا سطرا بيده، بل كان له كتاب يكتبون ~~له الوحي { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا ~~العلم } { بل } للإضراب أي ليس الأمر كما حسب الظالمون والمبطلون ~~بل هو آيات واضحات الإعجاز، ساطعات الدلالة على أنها من عند الله، ~~محفوظة في صدور العلماء، قال المفسرون: من خصائص القرآن العظيم أن الله ~~حفظه من التبديل والتغيير بطريقين: ms1111 الأول: الحفظ في السطور، والثاني: ~~الحفظ في الصدور، بخلاف غيره من الكتب فإنها مسطرة لديهم غير محفوظة في ~~صدورهم ولهذا دخلها التحريف، وقد جاء في صفة هذه الأمة " أناجيلهم في ~~صدروهم " وقال الحسن: أعطيت هذه الأمة الحفظ، وكان من قبلها لا يقرءون ~~كتابهم إلا نظرا، فإذا أطبقوه لم يحفظ ما فيه إلا النبيون { وما ~~يجحد بآياتنآ إلا الظالمون } أي وما يكذب بها إلا ~~المتجاوزون الحد في الكفر والعناد { وقالوا لولا أنزل عليه ~~آيات من ربه } أي وقال كفار مكة: هلا أنزل على محمد آيات ~~خارقة من ربه تدل على صدقه مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى!! { ~~قل إنما الآيات عند الله } أي قل لهم يا محمد: إنما أمر هذه ~~الخوارق والمعجزات لله وليست بيدي، إن شاء أرسلها، وإن شاء منعها، وليس ~~لأحد دخل فيها { وإنمآ أنا نذير مبين } أي وإنما أنا ~~منذر أخوفكم عذاب الله، وليس من شأني أن آتي بالآيات { أولم ~~يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ~~}؟ الاستفهام للتوبيخ أي أولم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز ~~الذي لا يزال يقرع أسماعهم؟ وكيف يطلبون آية والقرآن أعظم الآيات ~~وأوضحها دلالة على صحة نبوتك؟ قال ابن كثير: بين تعالى كثرة جهلهم، ~~وسخافة عقلهم، حيث طلبوا آيات تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ~~جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ~~الذي هو أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته، بل عن ~~معارضة سورة منه، أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب العظيم وأنت ~~رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، وجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى؟ ولهذا ~~قال بعده { إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ~~} أي إن في إنزال هذا القرآن لنعمة عظيمة على العباد بإنقاذهم من ~~الضلالة، وتذكرة بليغة لقوم غرضهم الإيمان لا التعنت { قل كفى ~~بالله بيني وبينكم شهيدا } أي قل لهم: كفى أن يكون الله ~~جل وعلا شاهدا على صدقي، يشهد لي أني ms1112 رسوله { يعلم ما في ~~السموت والأرض } أي لا تخفى عليه خافية من أمر العباد، فلو ~~كنت كاذبا عليه لانتقم مني { والذين آمنوا بالباطل ~~وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون } أي والذين ~~آمنوا بالأوثان وكفروا بالرحمن، أولئك هم الكاملون في الخسران حيث اشتروا ~~الكفر بالإيمان { ويستعجلونك بالعذاب } أي يستعجلك يا ~~محمد المشركون بالعذاب يقولون # أمطر علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] وهو استعجال على جهة التكذيب والاستهزاء { ولولا ~~أجل مسمى لجآءهم العذاب } أي لولا أن الله قدر ~~لعذابهم وهلاكهم وقتا محدودا لجاءهم العذاب حين طلبوه { ~~وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون } أي وليأتينهم ~~فجأة وهم ساهون لاهون لا يشعرون بوقت مجيئه { يستعجلونك ~~بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } تعجب من ~~قلة فطنتهم ومن تعنتهم وعنادهم والمعنى: كيف يستعجلون العذاب والحال أن ~~جهنم محيطة بهم يوم القيامة كإحاطة السوار بالمعصم، لا مفر لهم منها؟ ~~ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم بهم فقال { يوم يغشاهم العذاب من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم } أي يوم يجللهم العذاب ويحيط بهم ~~من فوقهم ومن تحتهم، ومن جميع جهاتهم { ويقول ذوقوا ما كنتم ~~تعملون } أي ويقول الله عز وجل لهم: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملونه في ~~الدنيا من الاستهزاء والإجرام، وسيء الأعمال، ثم لما بين تعالى حال ~~المكذبين الجاحدين، أعقبه بذكر حال الأبرار المتقين فقال { يعبادي ~~الذين آمنوا إن أرضي واسعة } خطاب تشريف للتحريض على ~~الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام أي يا من شرفكم الله بالعبودية له ~~هاجروا من مكة إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان فيها، ولا تجاوروا ~~الظلمة فأرض الله واسعة قال مقاتل: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة { ~~فإياي فاعبدون } أي فخصوني بالعبادة ولا تعبدوا أحدا سواي { ~~كل نفس ذآئقة الموت ثم إلينا ترجعون } أي ~~أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا دائما وأبدا في طاعة الله، وحيث ~~أمرتم فهاجروا فإن الموت لا بد منه ولا محيد عنه، ثم إلى الله المرجع ~~والمآب { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي جمعوا بين ~~إخلاص العقيدة وإخلاص العمل { لنبوئنهم من الجنة ~~غرفا } أي لننزلنهم ms1113 أعالي الجنة ولنسكننهم منازل رفيعة فيها { ~~تجري من تحتها الأنهار } أي تجري من تحت أشجارها وقصورها ~~أنهار الجنة { خالدين فيها } أي ماكثين فيها إلى غير نهاية لا ~~يخرجون منها أبدا { نعم أجر العاملين } أي نعمت تلك المساكن ~~العالية في جنات النعيم أجرا للعاملين { الذين صبروا وعلى ~~ربهم يتوكلون } هذا بيان للعاملين أي هم الذين صبروا على ~~تحمل المشاق من الهجرة والأذى في سبيل الله، وعلى ربهم يعتمدون في جميع ~~أمورهم قال في البحر: وهذان جماع الخير كله: الصبر، وتفويض الأمر إليه ~~تعالى { وكأين من دآبة لا تحمل رزقها } أي كم من ~~دابة ضعيفة لا تقدر على كسب رزقها ولكن الله يرزقها مع ضعفها { الله ~~يرزقها وإياكم } أي الله تعالى يرزقها كما يرزقكم، وقد تكفل ~~برزق جميع الخلق، فلا تخافوا الفقر إن هاجرتم، فالرازق هو الله قال في ~~التسهيل: والقصد بالآية التقوية لقلوب المؤمنين إذا خافوا الفقر والجوع ~~في الهجرة من أوطانهم، فكما يرزق الله الحيوانات الضعيفة كذلك يرزقكم إذا ~~هاجرتم من بلدكم { وهو السميع العليم } أي هو السميع ~~لأقوالكم، العليم بأحوالكم، ثم عاد الحديث إلى توبيخ المشركين في عبادة ~~غير الله فقال { ولئن سألتهم من خلق السموت ~~والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله } أي ~~ولئن سألت المشركين من خلق العالم العلوي والسفلي وما فيهما من العجائب ~~والغرائب؟ ومن ذلل الشمس والقمر وسخرهما لمصالح العباد يجريان بنظام ~~دقيق؟ ليقولون: الله خالق ذلك { فأنى يؤفكون } أي فكيف يصرفون ~~عن توحيده بعد إقرارهم بذلك؟ { الله يبسط الرزق لمن يشآء ~~من عباده ويقدر له } أي هو جل وعلا الخالق وهو الرازق، ~~يوسع الرزق لمن يشاء من عباده امتحانا، ويضيق الرزق على من يشاء ~~ابتلاء، ليظهر الشاكر والصابر { إن الله بكل شيء عليم } ~~أي إنه تعالى واسع العلم يفعل ما تقتضيه الحكمة والمصلحة { ولئن ~~سألتهم من نزل من السمآء مآء فأحيا به ~~الأرض من بعد موتها ليقولن الله } توبيخ آخر وإقامة ~~حجة أخرى عليهم أي ولئن سألت المشركين من الذي أنزل المطر من السماء ~~فأخرج ms1114 به أنواع الزروع والثمار بعد جدب الأرض ويبسها؟ ليقولون: الله ~~فاعل ذلك { قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون } ~~أي قل يا محمد: حمدا لله على ظهور الحجة، بل أكثرهم لا يعقلون، حيث ~~يقرون بأن الله هو الخالق الرازق ويعبدون غيره { وما هذه ~~الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب } أي وما الحياة في هذه ~~الدنيا إلا غرور ينقضي سريعا ويزول، كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون { ~~وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } أي وإن الآخرة لهي دار ~~الحياة الحقيقية التي لا موت فيها ولا تنغيص { لو كانوا يعلمون ~~} أي لو كان عندهم علم لم يؤثروا دار الفناء على دار البقاء، لأن ~~الدنيا حقيرة لا تزن عند الله جناح بعوضه، ولقد أحسن من قال # تأمل في الوجود بعين فكر # ترى الدنيا الدنية كالخيال # ومن فيها جميعا سوف يفنى # ويبقى وجه ربك ذو الجلال # { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين } إقامة حجة ثالثة على المشركين في دعائهم الله عند الشدائد، ثم ~~يشركون به في حال الرخاء والمعنى إذا ركبوا في السفن وخافوا الغرق دعوا ~~الله مخلصين له الدعاء، لعلمهم أنه لا يكشف الشدائد عنهم إلا هو، وفي ~~لفظ { مخلصين } ضرب من التهكم { فلما نجاهم إلى ~~البر إذا هم يشركون } أي فلما خلصهم من أهوال البحر، ~~ونجاهم إلى جانب البر إذا هم يعودون إلى كفرهم وإشراكهم، ناسين ربهم الذي ~~أنقذهم من الشدائد والأهوال { ليكفروا بمآ آتيناهم ~~وليتمتعوا فسوف يعلمون } أمر على وجه التهديد أي ~~فليكفروا بما أعطيناهم من نعمة الإنجاء من البحر، وليتمتعوا في هذه ~~الحياة الدنيا بباقي أعمارهم، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم { أولم ~~يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من ~~حولهم } أي أولم ير هؤلاء الكفار، رؤية تفكر واعتبار، أنا جعلنا ~~بلدهم " مكة " حرما مصونا عن السلب والنهب، آمنا أهله من القتل ~~والسبي، والناس حولهم يسبون ويقتلون؟ قال الضحاك: { ويتخطف ~~الناس من حولهم } أي يقتل بعضهم بعضا، ويسبي بعضهم بعضا { ~~أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون } أي ~~أفبعد هذه النعم الجليلة ms1115 يؤمنون بالأوثان ويكفرون بالرحمن؟ { ومن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بالحق لما جآءه } أي لا أحد أظلم ممن عبد غير الله وكذب ~~بالقرآن حين جاءه { أليس في جهنم مثوى للكافرين }؟ ~~أي أليس في جهنم مأوى وموضع إقامة للكافرين بآيات الله جزاء افترائهم ~~وكفرهم؟ { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ~~أي والذين جاهدوا النفس والشيطان والهوى والكفرة أعداء الدين ابتغاء ~~مرضاتنا لنهدينهم طريق السير إلينا { وإن الله لمع ~~المحسنين } أي مع المؤمنين بالنصر والعون. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- التحضيض { لولا أنزل عليه آيات من ربه }. # 2- الطباق { آمنوا بالباطل وكفروا بالله }. # 3- إفادة القصر { أولئك هم الخاسرون } أي لا غيرهم. # 4- الإطناب بذكر العذاب مرات للتشنيع على المشركين { ~~ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى } { ~~يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم } { يوم ~~يغشاهم العذاب } الخ. # 5- الإضافة للتشريف والتكريم { يعبادي الذين آمنوا }. # 6- الطباق { يبسط الرزق.. ويقدر } ومثله { ~~أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون }. # 7- المجاز العقلي { حرما آمنا } أي آمنا أهله. # 8- التشبيه البليغ { وما هذه الحياة الدنيآ إلا ~~لهو ولعب } أي كاللهو وكاللعب حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح ~~بليغا على حد قولهم: " زيد أسد ". # 9- الإيجاز بحذف جواب الشرط لدلالة السياق عليه { لو كانوا ~~يعلمون } أي لو كانوا يعلمون لما آثروا الدنيا على الآخرة، ولا ~~الفانية على الباقية. # 10- مراعاة الفواصل لما لها من وقع عظيم على السمع يزيد الكلام رونقا ~~وجمالا مثل { أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله ~~يكفرون } { بل أكثرهم لا يعلمون } { إذا هم ~~يشركون } الخ. # تنبيه: لا ينبغي لمسلم أن يبقى بأرض لا يتيسر له فيها عبادة الله، فأرض ~~الله واسعة، وقد أشارت الآيات إلى وجوب الهجرة إلى دار الإسلام وكما قيل ~~" وكل مكان ينبت العز طيب ". ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-19] # اللغة: { يغلبون } يهزمون ويقهرون { أثاروا الأرض } ~~حرثوها وقلبوها للزراعة { السوءى } تأنيث الأسوء وهو الأقبح كما أن ~~الحسنى تأنيث الأحسن، والسوءى: العقوبة المتناهية في السوء { ~~يحبرون } يسرون يقال: حبره إذا سره سرورا تهلل له وجهه وظهر ~~عليه أثره قال الجوهري: الحبور: السرور، ويحبرون: ms1116 ينعمون ويسرون { ~~عشيا } العشي: من صلاة المغرب إلى العتمة { تظهرون } تدخلون ~~وقت الظهيرة. # التفسير: { الم } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن { ~~غلبت الروم * في أدنى الأرض } أي هزم جيش الروم في أقرب ~~أرضهم إلى فارس { وهم من بعد غلبهم سيغلبون } أي وهم ~~من بعد انهزامهم وغلبة فارس لهم سيغلبون الفرس وينتصرون عليهم { في ~~بضع سنين } أي في فترة لا تتجاوز بضعة أعوام، والبضع: ما بين ~~الثلاث إلى التسع قال المفسرون: كان بين فارس والروم حرب، فغلبت فارس ~~الروم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فشق ذلك عليهم، ~~وفرح المشركون بذلك لأن أهل فارس كانوا مجوسا ولم يكن لهم كتاب، والروم ~~أصحاب كتاب فقال المشركون لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم أهل ~~كتاب، والروم أهل كتاب، ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على ~~إخوانكم من الروم، فلنظهرن عليكم فقال أبو بكر: لا يقر الله أعينكم ~~فأنزل الله { وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع ~~سنين } وقد التقى الجيشان في السنة السابعة من الحرب، وغلبت الروم ~~فارس وهزمتهم، وفرح المسلمون بذلك قال أبو السعود: وهذه الآيات من ~~البينات الباهرة، الشاهدة بصحة النبوة، وكون القرآن من عند الله عز وجل ~~حيث أخبر عن الغيب الذي لا يعلمه إلا العليم الخبير، ووقع كما أخبر، ~~وقال البيضاوي: والآية من دلائل النبوة لأنها إخبار عن الغيب { لله ~~الأمر من قبل ومن بعد } أي لله عز وجل الأمر أولا وآخرا، ~~من قبل الغلبة ومن بعد الغلبة، فكل ذلك بأمر الله وإرادته، ليس شيء منهما ~~إلا بقضائه قال ابن الجوزي: المعنى إن غلبة الغالب، وخذلان المغلوب، ~~بأمر الله وقضائه { ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر ~~الله } أي ويوم يهزم الروم الفرس ويتغلبون عليهم، ويحل ما وعده الله ~~من غلبتهم يفرح المؤمنون بنصر الله لأهل الكتاب على المجوس، لأن أهل ~~الكتاب أقرب إلى المؤمنين من المجوس، وقد صادف ذلك اليوم يوم غزوة بدر ~~قال ابن عباس: كان يوم بدر هزيمة عبدة الأوثان، وعبدة النيران ms1117 { ينصر ~~من يشآء وهو العزيز الرحيم } أي ينصر من يشاء من عبادة، ~~وهو العزيز بانتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأحبابه { وعد ~~الله لا يخلف الله وعده } أي ذلك وعد مؤكد وعد الله به ~~فلا يمكن أن يتخلف، لأنه وعده حق وكلامه صدق { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } أي لا يعلمون ذلك لجهلهم وعدم تفكرهم { ~~يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } أي يعلمون أمور ~~الدنيا ومصالحها وما يحتاجون إليه فيها من أمور الحياة كالزراعة ~~والتجارة والبناء ونحو ذلك قال ابن عباس: يعلمون أمر معايشهم متى يزرعون، ~~ومتى يحصدون، وكيف يغرسون، وكيف يبنون { وهم عن الآخرة هم ~~غافلون } أي وهم عمي عن أمر الآخرة، ساهون غافلون عن التفكر فيها ~~والعمل لها قال الإمام الفخر: ومعنى الآية أن علمهم منحصر في الدنيا، ~~وهم مع ذلك لا يعلمون الدنيا كما هي وإنما يعلمون ظاهرها، وهي ملاذها ~~وملاعبها، ولا يعلمون باطنها وهي مضارها ومتاعبها، ويعلمون وجودها ~~الظاهر ولا يعلمون فناءها وهم عن الآخرة غافلون، ولعل في التعبير بقوله { ~~ظاهرا } إشارة إلى أنهم عرفوا القشور، ولم يعرفوا اللباب فكأن علومهم ~~إنما هي علوم البهائم { أولم يتفكروا في أنفسهم ما ~~خلق الله السموت والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق وأجل مسمى } أي أولم يتفكروا بعقولهم فيعلموا أن ~~الله العظيم الجليل ما خلق السماوات والأرض عبثا، وإنما خلقهما بالحكمة ~~البالغة لإقامة الحق لوقت ينتهيان إليه وهو يوم القيامة؟ قال القرطبي: ~~وفي هذا تنبيه على الفناء، وعلى أن لكل مخلوق أجلا، وعلى ثواب المحسن ~~وعقاب المسيء { وإن كثيرا من الناس بلقآء ربهم ~~لكافرون } أي وأكثر الناس منكرون جاحدون للبعث والجزاء { أولم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم } أي أولم يسافروا فينظروا مصارع الأمم قبلهم كيف أهلكوا ~~بتكذيبهم رسلهم فيعتبروا!! { كانوا أشد منهم قوة } أي ~~كانوا أقوى منهم أجسادا، وأكثر أموالا وأولادا { وأثاروا ~~الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها } أي وحرثوا الأرض ~~للزراعة، وحفروها لاستخراج المعادن، وعمروها بالأبنية المشيدة، والصناعات ~~الفريدة أكثر مما عمرها هؤلاء قال البيضاوي: وفي الآية ms1118 تهكم بأهل مكة من ~~حيث إنهم مغترون بالدنيا، مفتخرون بها، وهم أضعف حالا فيها، إذ مدار ~~أمرها على السعة في البلاد، والتسلط على العباد، والتصرف في أقطار الأرض ~~بأنواع العمارة، وهم ضعفاء ملجئون إلى دار لا نفع فيها { وجآءتهم ~~رسلهم بالبينات } أي وجاءتهم الرسل بالمعجزات الواضحات ~~والآيات البينات فكذبوهم { فما كان الله ليظلمهم } أي فما ~~كان الله ليهلكهم بغير جرم { ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون } أي ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والتكذيب فاستحقوا الهلاك ~~والدمار { ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى } أي ~~ثم كان عاقبة المجرمين العقوبة التي هي أسوأ العقوبات وهي نار جهنم { أن ~~كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون } أي لأجل ~~أنهم كذبوا بآياتنا المنزلة على رسلنا واستهزءوا بها { الله يبدأ ~~الخلق ثم يعيده } أي الله جل وعلا بقدرته ينشئ خلق الناس ثم ~~يعيد خلقهم بعد موتهم { ثم إليه ترجعون } أي ثم إليه مرجعكم ~~للحساب والجزاء { ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون } ~~أي ويوم تقوم القيامة ويحشر الناس للحساب يسكت المجرمون وتنقطع حجتهم، ~~فلا يستطيعون أن ينسبوا ببنت شفة قال ابن عباس: { يبلس ~~المجرمون } ييأس المجرمون، وقال مجاهد: يفتضح المجرمون قال ~~القرطبي: والمعروف في اللغة: أبلس الرجل إذا سكت وانقطعت حجته { ولم ~~يكن لهم من شركآئهم شفعاء } أي ولم يكن لهم من الأصنام ~~التي عبدوها شفعاء يشفعون لهم { وكانوا بشركآئهم كافرين } ~~أي تبرءوا منها وتبرأت منهم { ويوم تقوم الساعة يومئذ ~~يتفرقون } كرر لفظ قيام الساعة للتهويل والتخويف لأن قيام الساعة ~~أمر هائل أي ويوم تقوم القيامة يومئذ يتفرق المؤمنون والكافرون، ويصبحون ~~فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، ولهذا قال { فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي فأما المؤمنون ~~المتقون الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح { فهم في روضة ~~يحبرون } أي فهم في رياض الجنة يسرون وينعمون { وأما الذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا ولقآء الآخرة } أي وأما الذين ~~جحدوا بالقرآن وكذبوا بالبعث بعد الموت { فأولئك في العذاب ~~محضرون } أي فأولئك في عذاب جهنم مقيمون على الدوام { فسبحان ~~الله حين تمسون وحين تصبحون } أي ms1119 سبحوا الله ونزهوه ~~عما لا يليق به من صفات النقص، حين تدخلون في المساء، وحين تدخلون في ~~الصباح { وله الحمد في السموت والأرض وعشيا ~~وحين تظهرون } أي وهو جل وعلا المحمود في السماوات والأرض قال ~~ابن عباس: يحمده أهل السماوات وأهل الأرض ويصلون له، قال المفسرون: { ~~وله الحمد في السموت والأرض } جملة اعتراضية وأصل ~~الكلام: { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * ~~وعشيا وحين تظهرون } والحكمة في ذلك الإشارة إلى أن ~~التوفيق للعبادة نعمة ينبغي أن يحمد عليها، والعشي: من صلاة المغرب إلى ~~العتمة، و { تظهرون } أي تدخلون وقت الظهر { يخرج الحي من ~~الميت ويخرج الميت من الحي } أي يخرج المؤمن من ~~الكافر، والكافر من المؤمن، والنبات من الحب، والحب من النبات، والحيوان ~~من النطفة، والنطفة من الحيوان { ويحي الأرض بعد موتها } أي ~~ويحيي الأرض بالنبات بعد يبسها وجدبها { وكذلك تخرجون } أي كما ~~يخرج الله النبات من الأرض كذلك يخرجكم من قبوركم للبعث يوم القيامة، قال ~~القرطبي: بين تعالى كمال قدرته، فكما يحيي الأرض بإخراج النبات بعد ~~همودها كذلك يحييكم بالبعث. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { غلبت.. يغلبون } وبين { قبل.. وبعد }. # 2- طباق السلب { لا يعلمون.. يعلمون ظاهرا من ~~الحياة الدنيا }. # 3- صيغة المبالغة { وهو العزيز الرحيم } أي المبالغ في ~~العزة، والمبالغ في الرحمة. # 4- تكرير الضمير لإفادة الحصر { وهم عن الآخرة هم غافلون ~~} ووردوها اسمية للدلالة على استمرار غفلتهم ودوامها. # 5- الإنكار والتوبيخ { أولم يسيروا في الأرض فينظروا } ~~الآية. # 6- جناس الاشتقاق { أساءوا السوءى }. # 7- الطباق بين { يبدأ.. ويعيده } وبين { تمسون. # . وتصبحون }. # 8- المقابلة بين حال السعداء والأشقياء { فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون * وأما ~~الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقآء الآخرة ~~فأولئك في العذاب محضرون }. # 9- الاستعارة اللطيفة { يخرج الحي من الميت } استعار ~~الحي للمؤمن، والميت للكافر، وهي استعارة في غاية الحسن والإبداع ~~والجمال. # 10- مراعاة الفواصل في الحرف الأخير لما له من أجمل الوقع على السمع مثل ~~{ ثم إليه ترجعون } { في روضة يحبرون } { في ~~العذاب محضرون }. # لطيفة: ms1120 قال الزمخشري: دل قوله تعالى { يعلمون ظاهرا من ~~الحياة الدنيا } على أن للدنيا ظاهرا وباطنا، فظاهرها ما يعرفه ~~الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعم بملاذها، وباطنها وحقيقتها أنها ~~معبر للآخرة، يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة. ولقد أحسن من ~~قال: # أبني إن من الرجال بهيمة # في صورة الرجل السميع المبصر # فطن بكل مصيبة في ماله # فإذا أصيب بدينه لم يشعر ### || [30.20-40] # المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال الناس في الآخرة، وقدرته على البدء ~~والإعادة، ذكر هنا الأدلة على الربوبية والوحدانية، في خلق البشر، ~~واختلاف الألسنة والصور، وإحياء الأرض بالمطر، وفي قيام الناس ومنامهم، ~~ثم ضرب الأمثال للمشركين في عبادتهم لغير الله مع أنه وحده الخالق ~~الرازق. # اللغة: { آياته } جمع آية وهي العلامة على الربوبية والوحدانية { ~~تنتشرون } تتصرفون في شؤون معايشكم { لتسكنوا إليها } ~~لتميلوا إليها وتألفوها { قانتون } مطيعون منقادون لإرادته { ~~المثل الأعلى } الوصف الأعلى في الكمال والجلال { القيم } ~~المستقيم الذي لا عوج فيه { منيبين } الإنابة: الرجوع بالتوبة ~~والإخلاص. # التفسير: { ومن آياته أن خلقكم من تراب } أي ومن ~~آياته الباهرة الدالة على عظمته وكمال قدرته أن خلق أصلكم " آدم " من ~~تراب، وإنما أضاف الخلق إلى الناس { خلقكم } لأن آدم أصل البشر { ~~ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون } أي ثم أنتم تتطورون من نطفة ~~إلى علقة إلى مضغة إلى بشر عقلاء، تتصرفون فيما هو قوام معايشكم قال ~~ابن كثير: فسبحان من خلقهم وسيرهم وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش ~~والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكر، والحسن والقبح، والغنى والفقر، ~~والسعادة والشقاوة!! { ومن آياته أن خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا } أي من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته أن ~~خلق لكم من صنفكم وجنسكم نساء آدميات مثلكم، ولم يجعلهن من جنس آخر قال ~~ابن كثير: ولو أنه تعالى جعل الإناث من جنس آخر، من جان أو حيوان، لما ~~حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل النفرة، وذلك من تمام ~~رحمته ببني آدم { لتسكنوا إليها } أي لتميلوا إليهن ~~وتألفوهن { وجعل بينكم مودة ورحمة } أي وجعل بين ~~الأزواج ms1121 والزوجات محبة وشفقة قال ابن عباس: المودة: حب الرجل امرأته، ~~والرحمة شفقته عليها أن يصيبها بسوء { إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون } أي إن فيما ذكر لعبرا عظيمة لقوم يتفكرون ~~في قدرة الله وعظمته، فيدركون حكمته العلية { ومن آياته خلق ~~السموت والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم } ~~أي ومن آياته العظيمة الدالة على كمال قدرته خلق السماوات في ارتفاعها ~~واتساعها، وخلق الأرض في كثافتها وانخفاضها، واختلاف اللغات من عربية ~~وعجمية، وتركية، ورومية، واختلاف الألوان من أبيض وأسود وأحمر، حتى لا ~~يشتبه شخص بشخص، ولا إنسان بإنسان، مع أنهم جميعا من ذرية آدم { إن ~~في ذلك لآيات للعالمين } أي لمن كان من ذوي العلم والفهم ~~والبصيرة { ومن آياته منامكم باليل والنهار } أي ومن ~~آياته الدالة على كمال قدرته نومكم في ظلمة الليل، ووقت الظهيرة بالنهار ~~راحة لأبدانكم { وابتغآؤكم من فضله } أي وطلبكم للرزق ~~بالنهار { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } أي يسمعون ~~سماع تفهم واستبصار { ومن آياته يريكم البرق خوفا ~~وطمعا } أي ومن آياته العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته أنه يريكم ~~البرق خوفا من الصواعق، وطمعا في الغيث والمطر قال قتادة: خوفا ~~للمسافر، وطمعا للمقيم { وينزل من السمآء مآء فيحيي ~~به الأرض بعد موتها } أي وينزل المطر من السماء فينبت به ~~الأرض بعد أن كانت هامدة جامدة لا نبات فيها ولا زرع { إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون } أي إن في ذلك المذكور لعبرا وعظات ~~لقوم يتدبرون بعقولهم آلاء الله { ومن آياته أن تقوم ~~السمآء والأرض بأمره } أي ومن آياته الباهرة الدالة على ~~عظمته أن تستمسك السماوات بقدرته بلا عمد، وأن تثبت الأرض بتدبيره ~~وحكمته فلا تنكفئ بسكانها ولا تنقلب بأهلها { ثم إذا دعاكم ~~دعوة من الأرض إذآ أنتم تخرجون } أي إذا دعيتم إلى ~~الخروج من القبور، إذا أنتم فورا تخرجون للجزاء والحساب، لا يتأخر ~~خروجكم طرفة عين قال المفسرون: وذلك حين ينفخ إسرافيل في الصور النفخة ~~الثانية ويقول: يا أهل القبور قوموا، فلا تبقى نسمة من الأولين ~~والآخرين، إلا قامت تنظر { وله ms1122 من في السموت والأرض } ~~أي وله جل وعلا كل من في السماوات والأرض من الملائكة والإنس والجن ~~ملكا وخلقا وتصرفا لا يشاركه فيها أحد { كل له قانتون } أي ~~جميعهم خاشعون خاضعون منقادون لأمره تعالى { وهو الذي يبدؤا ~~الخلق ثم يعيده } أي وهو تعالى ينشئ الخلق من العدم، ثم ~~يعيدهم بعد موتهم للحساب والجزاء { وهو أهون عليه } أي إعادة ~~الخلق أهون عليه من بدئه قال ابن عباس: يعني أيسر عليه، وقال مجاهد: ~~الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هينة قال المفسرون: خاطب ~~تعالى العباد بما يعقلون، فإذا كانت الإعادة أسهل من الابتداء في ~~تقديركم وحكمكم، فإن من قدر على الإنشاء كان البعث أهون عليه حسب ~~منطقكم وأصولكم { وله المثل الأعلى } أي له الوصف الأعلى الذي ~~ليس لغيره ما يدانيه فيه من الجلال والكمال، والعظمة والسلطان { في ~~السموت والأرض } أي يصفه به من فيهما وهو أنه الذي ليس كمثله ~~شيء { وهو العزيز الحكيم } أي القاهر لكل شيء الحكيم الذي كل ~~أفعاله على مقتضى الحكمة والمصلحة، ثم وضح تعالى بطلان عبادتهم للأوثان ~~بمثل فقال: { ضرب لكم مثلا من أنفسكم } أي ضرب لكم ~~أيها القوم ربكم مثلا واقعيا من أنفسكم { هل لكم من ما ~~ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم } أي هل ~~يرضى أحدكم أن يكون عبده ومملوكه شريكا له في ماله الذي رزقه الله ~~تعالى؟ فإذا لم يرض أحدكم لنفسه ذلك فكيف ترضون لله شريكا له وهو في ~~الأصل مخلوق وعبد لله؟ { فأنتم فيه سوآء تخافونهم ~~كخيفتكم أنفسكم } هذا من تتمة المثل أي لستم وعبيدكم سواء في ~~أموالكم، ولستم تخافونهم كما تخافون الأحرار مثلكم، وأنتم لا ترضون أن ~~يكون عبيدكم شركاء لكم في أموالكم، فكيف رضيتم لله شريكا في خلقه وملكه؟ ~~{ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون } أي مثل ذلك البيان ~~الواضح نبين الآيات لقوم يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال { بل ~~اتبع الذين ظلموا أهوآءهم بغير علم } بل ~~للإضراب أي ليس لهم حجة ولا معذرة في إشراكهم بالله بل ذلك بمجرد هوى ms1123 ~~النفس بغير علم ولا برهان قال القرطبي: لما قامت عليهم الحجة ذكر أنهم ~~يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في عبادتها، وتقليد الأسلاف في ذلك { ~~فمن يهدي من أضل الله } أي لا أحد يستطيع أن يهدي من أراد ~~الله إضلاله { وما لهم من ناصرين } أي ليس لهم من عذاب الله ~~منقذ ولا ناصر { فأقم وجهك للدين } أي أخلص دينك لله وأقبل ~~على الإسلام بهمة ونشاط { حنيفا } أي مائلا عن كل دين باطل إلى ~~الدين الحق وهو الإسلام { فطرت الله التي فطر الناس ~~عليها } أي هذا الدين الحق الذي أمرناك بالاستقامة عليه هو خلقة الله ~~التي خلق الناس عليها وهو فطرة التوحيد كما الحديث # " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه " # الحديث { لا تبديل لخلق الله } أي لا تغيير لتلك الفطرة ~~السليمة من جهته تعالى قال ابن الجوزي: لفظة لفظ النفي ومعناه النهي أي ~~لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها { ~~ذلك الدين القيم } أي ذلك هو الدين المستقيم { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } أي أكثر الناس جهلة لا يتفكرون ~~فيعلمون أن لهم خالقا معبودا { منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة } أي أقيموا وجوهكم أيها الناس على الدين الحق ~~حال كونكم منيبين إلى ربكم أي راجعين إليه بالتوبة وإخلاص العمل، ~~وخافوه وراقبوه في أقوالكم وأفعالكم، وأقيموا الصلاة على الوجه الذي ~~يرضي الله { ولا تكونوا من المشركين } أي ولا تكونوا ممن ~~أشرك بالله وعبد غيره ثم فسرهم بقوله { من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا } أي من الذين اختلفوا في دينهم وغيروه ~~وبدلوا فأصبحوا شيعا وأحزابا، كل يتعصب لدينه، وكل يعبد هواه { ~~كل حزب بما لديهم فرحون } أي كل جماعة وفرقة متمسكون ~~بما أحدثوه، مسرورون بما هم عليه من الدين المعوج، يحسبون باطلهم حقا ~~قال ابن كثير: أي لا تكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم أي بدلوه ~~وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة ~~الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة - مما عدا أهل الإسلام - فأهل ~~الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم ms1124 على آراء ومذاهب باطلة، وكل فرقة منهم ~~تزعم أنهم على شيء { وإذا مس الناس ضر } أي وإذا أصاب الناس ~~شدة وفقر ومرض وغير ذلك من أنواع البلاء { دعوا ربهم ~~منيبين إليه } أي أفردوه تعالى بالتضرع والدعاء لينجوا من ذلك ~~الضر، وتركوا أصنامهم لعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا الله تعالى، فلهم في ~~ذلك الوقت إنابة وخضوع { ثم إذآ أذاقهم منه رحمة ~~إذا فريق منهم بربهم يشركون } أي ثم إذا أعطاهم ~~السعة والرخاء والصحة وخلصهم من ذلك الضر والشدة، إذا جماعة منهم ~~يشركون بالله ويعبدون معه غيره، والغرض من الآية التشنيع على المشركين، ~~فإنهم يدعون الله في الشدائد، ويشركون به في الرخاء { ليكفروا ~~بمآ آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون } أمر على وجه ~~التهديد أي ليكفروا بنعم الله، وليتمتعوا في هذا الدنيا فيسوف تعلمون ~~أيها المشركون عاقبة تمتعكم بزينة الحياة ونعيمها الفاني { أم ~~أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا ~~به يشركون } الاستفهام للإنكار والتوبيخ والمعنى: هل أنزلنا على ~~هؤلاء المشركين حجة واضحة قاهرة على شركهم، أو كتابا من السماء فهو ينطق ~~ويشهد بشركهم وبصحة ما هم عليه؟ ليس الأمر كما يتصورون، والمراد ليس لهم ~~حجة بذلك { وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا بها } أي ~~وإذا أنعمنا على الناس بالخصب والسعة والعافية استبشروا وسروا بها { ~~وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم ~~يقنطون } أي وإن أصابهم بلاء وعقوبة بسبب معاصيهم إذا هم ييأسون ~~من الرحمة والفرج قال ابن كثير: وهذا إنكار على الإنسان من حيث هو إلا ~~من عصمه الله، إذا أصابته نعمة بطر، وإذا أصابته شدة قنط وأيس { ~~أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر } أي أولم يروا قدرة الله في البسط والقبض، وأنه تعالى يوسع ~~الخير في الدنيا لمن يشاء ويضيق على من يشاء؟ فلا يجب أن يدعوهم الفقر ~~إلى القنوط من رحمته تعالى { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون } أي إن في المذكور لدلالة واضحة على قدرة الله لقوم ~~يصدقون بحكمة الخالق الرازق { فآت ذا القربى حقه ~~والمسكين ms1125 وابن السبيل } أي فأعط القريب حقه من البر ~~والصلة وكذلك المسكين والمسافر الذي انقطع في سفره اعطه من الصدقة ~~والإحسان قال القرطبي: لما تقدم أنه سبحانه يبسط الرزق ويقدر، أمر من ~~وسع عليه الرزق أن يعطي الفقير كفايته، ليمتحن شكر الغني، والخطاب ~~للنبي عليه السلام والمراد هو وأمته { ذلك خير للذين ~~يريدون وجه الله } أي ذلك الإيتاء والإحسان خير للذين ~~يبتغون بعملهم وجه الله ويريدون ثوابه { وأولئك هم ~~المفلحون } أي وأولئك هم الفائزون بالدرجات العالية { ومآ ~~آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا ~~يربوا عند الله } أي وما أعطيتم من أموالكم يا معشر الأغنياء ~~على وجه الربا ليزيد مالكم ويكثر به، فلا يزيد ولا يزكو ولا يضاعف عند ~~الله لأنه كسب خبيث لا يبارك الله فيه قال الزمخشري: هذه الآية كقوله ~~تعالى # يمحق الله الربا ويربي الصدقات # [البقرة: 276] سواء بسواء { ومآ آتيتم من زكاة تريدون ~~وجه الله } أي وما أعطيتم من صدقة أو إحسان خالصا لوجه الله ~~الكريم { فأولئك هم المضعفون } أي فأولئك هم الذين لهم ~~الضعف من الأجر والثواب، الذين تضاعف لهم الحسنات { الله الذي ~~خلقكم ثم رزقكم } أي الله جل وعلا هو الخالق الرازق للعباد، ~~يخرج الإنسان من بطن أمه عريانا لا علم له ولا سمع ولا بصر، ثم يرزقه ~~بعد ذلك المال والمتاع والأملاك { ثم يميتكم ثم يحييكم } ~~أي ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم يوم القيامة، ليجازيكم على ~~أعمالكم { هل من شركآئكم من يفعل من ذلكم من ~~شيء }؟ أي هل يستطيع أحد ممن تعبدونهم من دون الله أن يفعل شيئا من ~~ذلك؟ بل الله تعالى هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة { ~~سبحانه وتعالى عما يشركون } أي تنزه جل وعلا وتقدس ~~عن أن يكون له شريك أو مثيل، أو ولد أو والد، وتعالى عما يقول المشركون ~~علوا كبيرا. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين قوله { خوفا.. وطمعا } وبين { يبسط.. ~~ويقدر } وبين { يميتكم.. يحييكم } وبين { يبدؤا.. ~~ويعيد }. # 2- جناس الاشتقاق ms1126 { دعاكم دعوة } { فطرت الله التي ~~فطر }. # 3- المقابلة بين قوله { وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا ~~بها } وبين { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~إذا هم يقنطون }. # 4- المجاز المرسل { فأقم وجهك } أطلق الجزء وأراد الكل أي توجه ~~إلى الله بكليتك. # 5- السجع المرصع كأنه الدر المنظوم مثل { الله الذي ~~خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم.. } ~~الخ. ### || [30.41-60] # المناسبة: لما شنع على المشركين في عبادتهم لغير الله، ذكر في هذه ~~الآيات الأسباب الموجبة للمحنة والابتلاء وهي الكفر، وانتشار المعاصي، ~~وكثر الفجور والموبقات، التي بسببها نقل الخيرات وترتفع البركات، وضرب ~~الأمثال بهلاك الأمم السابقة، تنبيها لقريش وأمرا لهم بالاعتبار بمن ~~سبقهم من المشركين المكذبين كيف أهلكهم الله بسبب طغيانهم وإجرامهم. # اللغة: { يصدعون } يتفرقون يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا ومنه ~~الصداع لأنه يفرق شعب الرأس { يمهدون } يجعلون لهم مهدا ويوطئون ~~لهم مسكنا، والمهاد: الفراش { كسفا } جمع كسفة وهي القطعة { ~~الودق } المطر { مبلسين } يائسين مكتئبين قد ظهر الحزن عليهم من ~~شدة اليأس { يؤفكون } يصرفون، والإفك: الكذب { يستعتبون } ~~يقال: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني. # التفسير: { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ~~أيدي الناس } أي ظهرت البلايا والنكبات في بر الأرض وبحرها بسبب ~~معاصي الناس وذنوبهم قال البيضاوي: المراد بالفساد الجدب وكثرة الحرق ~~والغرق، ومحق البركات، وكثرة المضار بشؤم معاصي الناس أو بكسبهم إياه ~~وقال ابن كثير: أي بان النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي لأن صلاح ~~الأرض والسماء بالطاعة { ليذيقهم بعض الذي عملوا } أي ~~ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بها جميعا في الآخرة ~~{ لعلهم يرجعون } أي لعلهم يتوبون ويرجعون عما هم عليه من ~~المعاصي والآثام { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبل } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: سيروا ~~في البلاد فانظروا إلى مساكن الذين ظلموا كيف كان آخر أمرهم وعاقبة ~~تكذيبهم للرسل، ألم يخرب الله ديارهم ويجعلهم عبرة لمن يعتبر { كان ~~أكثرهم مشركين } أي كانوا كافرين بالله فأهلكوا { فأقم ~~وجهك للدين القيم } أي فتوجه بكليتك إلى الدين ms1127 المستقيم ~~دين الإسلام، واستقم عليه في حياتك قال القرطبي: أي أقم قصدك واجعل ~~جهتك اتباع الدين القيم يعني الإسلام { من قبل أن يأتي يوم ~~لا مرد له من الله } أي من قبل أن يأتي ذلك اليوم الرهيب، ~~الذي لا يقدر أحد على رده، لأن الله قضى به وهو يوم القيامة { ~~يومئذ يصدعون } أي يومئذ يتفرقون، فريق في الجنة وفريق في ~~السعير { من كفر فعليه كفره } أي من كفر بالله فعليه أوزار ~~كفره مع خلوده في النار المؤبدة { ومن عمل صالحا فلأنفسهم ~~يمهدون } أي ومن فعل خيرا وأطاع الله فلأنفسهم يقدمون الخير ~~ويلقون ما تقر به أعينهم في دار النعيم قال القرطبي: أي يوطئون لأنفسهم ~~في الآخرة فراشا ومسكنا وقرارا بالعمل الصالح، ومهدت الفراش أي ~~بسطته ووطأته { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~من فضله } أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله الذي وعد به ~~عباده المتقين { إنه لا يحب الكافرين } أي لا يحب الكافرين ~~بل يمقتهم ويبغضهم، يجازي المؤمنين بفضله، والكافرين بعدله { ومن ~~آياته أن يرسل الرياح مبشرات } أي ومن آياته الدالة ~~على كمال قدرته أن يرسل الرياح تسوق السحاب مبشرة بنزول المطر والإنبات ~~والرزق { وليذيقكم من رحمته } أي ولينزل عليكم من رحمته ~~الغيث الذي يجيي به البلاد والعباد { ولتجري الفلك بأمره ~~} أي ولتسير السفن في البحر عند هبوب الرياح بإذنه وإرادته { ~~ولتبتغوا من فضله } أي ولتطلبوا الرزق بالتجارة في البحر { ~~ولعلكم تشكرون } أي ولتشكروا نعم الله الجليلة عليكم { ~~ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم } تسلية ~~للرسول وتأنيس له بقرب النصر أي ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا ~~كثيرين إلى قومهم المكذبين كما أرسلناك رسولا إلى قومك { فجآءوهم ~~بالبينات } أي جاءوهم بالمعجزات الواضحات والحجج الساطعات الدالة ~~على صدقهم { فانتقمنا من الذين أجرموا } أي فكذبوهم ~~فانتقمنا من الكفرة المجرمين { وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين } أي كان حقا واجبا علينا أن ننصر المؤمنين على ~~الكافرين، والآية اعتراضية جاءت بين الآيات المفصلة لأحكام الرياح ~~تسلية للنبي عليه السلام قال أبو حيان: والآية ms1128 اعتراض بين قوله { ~~ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات } وبين قوله { ~~الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا } جاءت تأنيسا ~~للرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية له، ووعدا له بالنصر، ووعيدا لأهل ~~الكفر ثم ذكر تعالى الحكمة من هبوب الرياح وهي إثارة السحب وإخراج ~~الماء منه فقال { الله الذي يرسل الرياح فتثير ~~سحابا } أي يبعث الرياح فتحرك السحاب وتسوقه أمامها { فيبسطه ~~في السمآء كيف يشآء } أي فينشره في أعالي الجو كيف يشاء ~~خفيفا أو كثيفا، مطبقا أو غير مطبق { ويجعله كسفا } أي ~~ويجعله أحيانا قطعا متفرقة { فترى الودق يخرج من ~~خلاله } أي فترى المطر يخرج من بين السحاب { فإذآ أصاب به ~~من يشآء من عباده إذا هم يستبشرون } أي فإذا أنزل ~~ذلك الغيث على من يشاء من خلقه إذا هم يسرون ويفرحون بالمطر { وإن ~~كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله ~~لمبلسين } أي وإن كانوا قبل نزول المطر عليهم يائسين قانطين، قال ~~البيضاوي: والتكرير للتأكيد والدلالة على تطاول عهدهم بالمطر واستحكام ~~يأسهم { فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض ~~بعد موتهآ } أي فانظر أيها العاقل نظر تدبر واستبصار إلى ما ينشأ ~~عن آثار نعمة الله بالمطر من خضرة الأشجار، وتفتح الأزهار، وكثرة الثمار، ~~وكيف أن الله يجعل الأرض تنبت بعد أن كانت هامدة جامدة؟ { إن ذلك ~~لمحي الموتى } أي إن ذلك القادر على إحياء الأرض بعد موتها ~~هو الذي يحيي الناس بعد موتهم { وهو على كل شيء قدير } أي ~~مبالغ في القدرة على جميع الأشياء، لا يعجزه شيء { ولئن أرسلنا ~~ريحا فرأوه مصفرا } أي ولئن أرسلنا على الزرع بعد خضرته ~~ونموه ريحا ضارة مفسدة فرأوا الزرع مصفرا من أثر تلك الريح { ~~لظلوا من بعده يكفرون } أي لمكثوا بعد اصفراره يجحدون ~~النعمة، فشأنهم أنهم يفرحون عند الخصب، فإذا جاءتهم مصيبة في زرعهم ~~جحدوا سابق نعمة الله عليهم، ثم نبه تعالى إلى أن هؤلاء الكفار كالأموات ~~لا ينفع معهم نصح ولا تذكير فقال { فإنك لا تسمع الموتى ~~ولا تسمع الصم الدعآء ms1129 إذا ولوا مدبرين } أي ~~فإنك يا محمد لا تسمع الأموات ولا تسمع من كان في أذنيه صمم تلك ~~المواعظ المؤثرة، ولو أن أصم ولى عنك مدبرا ثم ناديته لم يسمع فكذلك ~~الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما يسمع قال المفسرون: هذا مثل ضربه الله ~~للكفار فشبههم بالموتى وبالصم والعمي { ومآ أنت بهاد العمي ~~عن ضلالتهم } أي ولست بمرشد من أعماه الله عن الهدى { إن ~~تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } أي ما ~~تسمع إلا من يصدق بآياتنا فهم الذين ينتفعون بالموعظة لخضوعهم وانقيادهم ~~لطاعة الله { الله الذي خلقكم من ضعف } أي الله الذي ~~خلقكم أيها الناس من أصل ضعيف وهو النطفة، وجعلكم تتقلبون في أطوار " ~~الجنين، الوليد، الرضيع، المفطوم " وهي أحوال في غاية الضعف، فصار كأن ~~الضعف مادة خلقتكم { ثم جعل من بعد ضعف قوة } أي ثم جعل ~~من بعد ضعف الطفولة قوة الشباب { ثم جعل من بعد قوة ~~ضعفا وشيبة } أي ثم جعل من بعد قوة الشباب ضعف الهرم والشيخوخة، ~~{ يخلق ما يشآء } أي يخلق ما يشاء من ضعف وقوة، وشباب وشيب { ~~وهو العليم القدير } أي وهو العليم بتدبير الخلق، القدير على ~~ما يشاء قال أبو حيان: وجعل الخلق من ضعف لكثرة ضعف الإنسان أول نشأته ~~وطفولته، ثم حال الشيخوخة والهرم، والترداد في هذه الهيئات شاهد بقدرة ~~الصانع وعلمه { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما ~~لبثوا غير ساعة } أي ويوم تقوم القيامة ويبعث الناس للحساب ~~يحلف الكافرون المجرمون بأنهم ما مكثوا في الدنيا غير ساعة قال البيضاوي: ~~وإنما استقلوا مدة لبثهم في الدنيا بالنسبة إلى مدة عذابهم في الآخرة أو ~~نسيانا منهم { كذلك كانوا يؤفكون } أي كذلك كانوا في الدنيا ~~يصرفون من الحق إلى الباطل، ومن الصدق إلى الكذب { وقال الذين ~~أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى يوم البعث } أي وقال العقلاء من أهل الإيمان والعلم ردا ~~عليهم وتكذيبا لهم: لقد مكثتم فيا كتبه الله في سابق علمه إلى يوم ~~البعث الموعود { فهذا يوم البعث ms1130 ولكنكم كنتم لا ~~تعلمون } أي فهذا يوم البعث الذي كنتم تنكرونه، ولكنكم لم تصدقوا به ~~لتفريطكم في طلب الحق واتباعه، قال تعالى { فيومئذ لا ينفع ~~الذين ظلموا معذرتهم } أي ففي ذلك اليوم لا ينفع الظالمين ~~اعتذارهم { ولا هم يستعتبون } أي لا يقال لهم أرضوا ربكم ~~بتوبة أو طاعة، لأنه قد ذهب أوان التوبة { ولقد ضربنا للناس ~~في هذا القرآن من كل مثل } أي ولقد بينا في هذا القرآن ~~العظيم ما يحتاج الناس إليه من المواعظ والأمثال والأخبار والعبر مما ~~يوضح الحق ويزيل اللبس { ولئن جئتهم بآية ليقولن ~~الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } أي ووالله لئن ~~جئتهم يا محمد بما اقترحوا من الآيات كالعصا والناقة واليد ليقولن ~~المشركون من قومك لفرط عنادهم ما أنت وأصحابك إلا قوم مبطلون، تدجلون ~~علينا وتكذبون { كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا ~~يعلمون } أي مثل ذلك الطبع على قلوب الجهلة المجرمين، يختم الله على ~~قلوب الكفرة الذين لا يعلمون توحيد الله ولا صفاته { فاصبر إن ~~وعد الله حق } أي فاصبر يا محمد على تكذيبهم وأذاهم فإن وعد ~~الله بنصرتك وإظهار دينك حق لا بد من إنجازه { ولا ~~يستخفنك الذين لا يوقنون } أي لا يحملنك على الخفة ~~والقلق جزعا مما يقوله أولئك الضالون الشاكون، ولا تترك الصبر بسبب ~~تكذيبهم وإيذائهم. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- الطباق بين { البر.. والبحر }. # 2- المجاز المرسل بإطلاق الجزء وإرادة الكل { بما كسبت أيدي ~~الناس }. # 3- جناس الاشتقاق { فأقم وجهك للدين القيم }. # 4- الاستعارة اللطيفة { فلأنفسهم يمهدون } شبه من قدم ~~الأعمال الصالحة بمن يمهد فراشه ويوطئه للنوم عليه لئلا يصيبه في مضجعه ~~ما يؤذيه وينغص عليه مرقده. # 5- أسلوب الإطناب { ومن آياته أن يرسل الرياح ~~مبشرات وليذيقكم من رحمته.. } الآية وذلك لتعداد ~~النعم الكثيرة وكان يكفي أن يقول: { لتبتغوا من فضله } ولكنه ~~أسهب تذكيرا للعباد بالنعم. # 6- جناس الاشتقاق { أرسلنا من قبلك رسلا }. # 7- الإيجاز بالحذف { فجآءوهم بالبينات فانتقمنا } حذف ~~منه فكذبوهم واستهزءوا بهم. # 8- الاستعارة التصريحية { فإنك لا تسمع الموتى } شبه ms1131 ~~الكفار بالموتى وبالصم في عدم إحساسهم وسماعهم للمواعظ والبراهين بطريق ~~الاستعارة التصريحية. # 9- الطباق بين { ضعف.. قوة }. # 10- صيغة المبالغة { العليم القدير } لأن معناه المبالغ في ~~العلم والقدرة. # 11- الجناس التام { ويوم تقوم الساعة يقسم ~~المجرمون ما لبثوا غير ساعة } المراد بالساعة أولا ~~القيامة وبالثانية المدة الزمنية فبينهما جناس كامل، وهذا من المحسنات ~~البديعية. # تنبيه: الصحيح أن الميت يسمع لقوله صلى الله عليه وسلم # " ما أنتم بأسمع منهم " # وقوله # " وإن الميت ليسمع قرع نعالهم " # وأما قوله تعالى { فإنك لا تسمع الموتى } المراد منه ~~سماع التدبير والاتعاظ، والله أعلم. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-11] # اللغة: { الحكيم } المحكم الذي لا خلل فيه ولا تناقض { يوقنون ~~} اليقين: التصديق الجازم { لهو الحديث } الباطل الملهي عن الخير ~~والعبادة { وقرا } ثقلا وصمما يمنع من السماع { عمد } جمع عماد ~~وهو الدعامة التي يرتكز عليها الشيء { رواسي } جبالا وثوابت، ورست ~~السفينة: إذا ثبتت واستقرت { تميد } تتحرك وتضطرب { وبث } نشر ~~وفرق. # سبب النزول: روي أن " النضر بن الحارث " كان يشتري المغنيات، فلا ~~يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته " المغنية " فيقول ~~لها: أطعميه، واسقيه الخمر، وغنيه، ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه ~~محمد، من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه فأنزل الله { ومن ~~الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل ~~الله.. } الآية. # التفسير: { الم } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن، ~~وللإشارة إلى أن هذا الكتاب المعجز الذي أفحم العلماء والأدباء ~~والفصحاء والبلغاء منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية " ألف، لام، ميم " ~~وهي في متناول أيدي الناطقين بالعربية، وهم عاجزون ان يؤلفوا منها كتابا ~~مثل هذا الكتاب بعد التحدي والإفحام، وهذا من أ ظهر الدلائل وأوضح ~~البراهين على أنه تنزيل الحكيم العليم { تلك آيات الكتاب } أي ~~هذه آيات الكتاب البديع، الذي فاق كل كتاب في بيانه، وتشريعه، وأحكامه { ~~الحكيم } أي ذي الحكمة الفائقة، والعجائب الرائقة، الناطق بالحكمة ~~والبيان، والإشارة بالبعيد عن القريب " تلك " للإيذان ببعد منزلته في ~~الفضل والشرف { هدى ورحمة للمحسنين } أي هداية ورحمة ~~للمحسنين الذين أحسنوا العمل في الدنيا، ms1132 وإنما خصوا بالذكر لأنهم هم ~~المنتفعون بما فيه، ثم وضح تعالى صفاتهم فقال { الذين يقيمون ~~الصلاة } أي يؤدونها على الوجه الأكمل بأركانها وخشوعها وآدابها { ~~ويؤتون الزكاة } أي يدفعونها إلى مستحقيها طيبة بها نفوسهم ~~ابتغاء مرضاة الله { وهم بالآخرة هم يوقنون } أي يصدقون ~~بالدار الآخرة ويعتقدون بها اعتقادا جازما لا يخالطه شك ولا ارتياب، ~~وكرر الضمير " هم " للتأكيد وإفادة الحصر { أولئك على هدى ~~من ربهم } أي أولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة على نور ~~وبصيرة، ومنهج واضح سديد، من الله العزيز الحميد { وأولئك هم ~~المفلحون } أي هم الفائزون السعداء في الدنيا والآخرة قال أبو ~~حيان: وكرر الإشارة { وأولئك } تنبيها على عظم قدرهم وفضلهم، ~~ولما ذكر تعالى حال السعداء، الذين أهتدوا بكتاب الله وانتفعوا بسماعه، ~~عطف عليهم بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، ~~وأقبلوا على استماع الغناء والمزامير فقال { ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث } أي ومن الناس من يشتري ما يلهي عن طاعة ~~الله، ويصد عن سبيله، مما لا خير ولا فائدة فيه قال الزمخشري: واللهو ~~كل باطل ألهى عن الخير، نحو السمر بالأساطير، والتحدث بالخرافات ~~المضحكة، وفضول الكلام وما لا ينبغي، وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه أنه سئل عن الآية فقال: والله الذي لا إله إلا هو - ~~يكررها ثلاثا - إنما هو الغناء، وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية في ~~الغناء والمزامير { ليضل عن سبيل الله بغير علم } أي ~~ليضل الناس عن طريق الهدى، ويبعدهم عن دينه القويم، بغير حجة ولا برهان ~~{ ويتخذها هزوا } أي ويتخذ آيات الكتاب المجيد سخرية ~~واستهزاء، وهذا أدخل في القبح، وأعرق في الضلال { أولئك لهم ~~عذاب مهين } أي لهم عذاب شديد مع الذلة والهوان { وإذا ~~تتلى عليه آياتنا } أي وإذا قرئت عليه آيات القرآن { ولى ~~مستكبرا كأن لم يسمعها } أي أعرض وأدبر متكبرا عنها ~~كأنه لم يسمعها، شأن المتكبر الذي لا يلتفت إلى الكلام، ويجعل نفسه ~~كأنها غافلة { كأن في أذنيه وقرا } أي كأن في أذنيه ثقلا ms1133 ~~وصمما يمنعانه عن استماع آيات الله { فبشره بعذاب أليم } ~~أي أنذره يا محمد بعذاب مؤلم، مفرط في الشدة والإيلام، ووضع البشارة ~~مكان الإنذار تهكم وسخرية قال في البحر: تضمنت هذه الآية ذم المشتري ~~من وجوه: التولية عن الحكمة، ثم الاستكبار عن الحق، ثم عدم الالتفات إلى ~~سماع الآيات، ثم الإيغال في الإعراض مشبها حال من لم يسمعها، لكونه لا ~~يلقي لها بالا ولا يلتفت إليها، ثم التهكم به بالبشارة بأشد العذاب. # . ولما ذكر ما وعد به الكفار من العذاب الأليم، ذكر ما وعد به المؤمنين ~~من جنات النعيم فقال { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، وبين حسن النية ~~وإخلاص العمل { لهم جنات النعيم } أي لهم على إيمانهم ~~واستقامتهم على شريعة الله جنات الخلد يتنعمون فيها بأنواع الملاذ، من ~~المآكل والمشارب والملابس، والنساء والحور العين، وسائر ما أكرمهم الله ~~به من الفضل والإنعام، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر { خالدين فيها } أي دائمين في تلك الجنات، لا يخرجون منها ~~أبدا، ولا يبغون عنها حولا { وعد الله حقا } أي وعدا من الله ~~قاطعا، كائنا لا محالة، لا خلف فيه لأن الله لا يخلف الميعاد { وهو ~~العزيز الحكيم } أي هو تعالى العزيز الذي لا يغلبه شيء ليمنعه عن ~~إنجاز وعده، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.. ثم ~~نبه تعالى إلى دلائل قدرته، وآثار عظمته وجلاله لإقامة البراهين على ~~وحدانيته فقال { خلق السموت بغير عمد ترونها } أي ~~خلق السماوات في سعتها وعظمتها وإحكامها بدون دعائم ترتكز عليها، حال ~~كونكم تشاهدونها كذلك واقفة من غير أن تستند على شيء، ولا تمسكها إلا ~~قدرة الله العلي الكبير { وألقى في الأرض رواسي أن ~~تميد بكم } أي جعل فيها جبالا ثوابت لئلا تتحرك وتضطرب بكم ~~فتهلككم بأن تقلبكم عن ظهرها، أو تهدم بيوتكم بتزلزلها قال الإمام ~~الفخر: واعلم أن الأرض ثباتها بسبب ثقلها، وإلا كانت تزول عن موضعها ~~بسبب المياه والرياح، ولو خلقها تعالى ms1134 مثل الرمل لما كانت تثبت للزراعة، ~~كما نرى الأراضي الرملية ينتقل الرمل الذي فيها من موضع إلى موضع، فهذه ~~هي حكمة إرسائها بالجبال، فسبحان الكبير المتعال { وبث فيها من ~~كل دآبة } أي ونشر وفرق في أرجاء الأرض من كل أنواع الحيوانات ~~والدواب من مأكول ومركوب، مما لا يعلم عدد أشكالها وألوانها إلا الذي ~~خلقها { وأنزلنا من السمآء مآء } أي وأنزلنا لحفظكم وحفظ ~~دوابكم المطر من السحاب { فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ~~} أي فأنبتنا في الأرض من كل نوع من النبات، ومن كل صنف من الأغذية ~~والأدوية { كريم } أي كثير المنافع، بديع الخلق والتكوين { هذا ~~خلق الله } أي هذا الذي تشاهدونه وتعاينونه أيها المشركون هو من ~~مخلوقات الله، فانظروا في السماوات والأرض، والإنسان، والنبات، ~~والحيوان، وسائر ما خلق الله ثم تفكروا في آثار قدرته، وبديع صنعته { ~~فأروني } ثم أخبروني { ماذا خلق الذين من دونه } أي ~~أي شيء خلقته آلهتكم التي عبدتموها من دون الله من الأوثان والأصنام؟ ~~وهو سؤال على جهة التهكم والسخرية بهم وبآلهتهم المزعومة، ثم أضرب عن ~~تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالضلال الواضح فقال { بل الظالمون في ~~ضلال مبين } أي بل المشركون في خسران ظاهر، وضلال واضح ما بعده ~~ضلال، لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، وعبدوا ما لا يسمع ولا يبصر ~~ولا ينفع ولا يضر، فهم أضل من الحيوان الأعجم، لأن من عبد صنما جامدا ، ~~وترك خالقا عظيما مدبرا، يكون أحط شأنا من الحيوان. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البلاغة والبديع نوجزها ~~فيما يلي: # 1- وضع المصدر للمبالغة { هدى ورحمة للمحسنين }. # 2- الإشارة بالبعيد { تلك آيات } عن القريب { هذه } لبيان ~~علو الرتبة ورفعة القدر والشأن. # 3- الإطناب بتكرار الضمير واسم الإشارة { وهم بالآخرة هم ~~يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك ~~هم } لزيادة الثناء عليهم والتكريم لهم، كما أن الجملة تفيد الحصر أي ~~هم المفلحون لا غيرهم. # 4- الاستعارة التصريحية { ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث } شبه حالهم بحال من يشتري سلعة وهو خاسر فيها، واستعار لفظ ~~يشتري لمعنى يستبدل ms1135 بطريق الاستعارة التصريحية. # 5- التشبيه المرسل المجمل { كأن في أذنيه وقرا } ذكرت ~~أداة التشبيه وحذف الشبه فهو تشبيه " مرسل مجمل ". # 6- أسلوب التهكم { فبشره بعذاب أليم } لأن البشارة إنما ~~تكون في الخير، واستعمالها في الشر سخرية وتهكم. # 7- الالتفات من الغيبة إلى التكلم { وأنزلنا من السمآء } بعد ~~قوله { خلق } ، { وألقى } ، { وبث } وكلها بضمير الغائب، ثم ~~التفت فقال { وأنزلنا } تعظيما لشأن الرحمن، وتوفية لمقام ~~الامتنان، وهذا من المحسنات البديعية. # 8- إطلاق المصدر على اسم المفعول مبالغة { هذا خلق الله } أي ~~مخلوقة. # 9- الاستفهام للتوبيخ والتبكيت { ماذا خلق الذين من دونه ~~}؟ # 10- وضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التوبيخ، وللتسجيل عليهم بغاية الظلم ~~والجهل { بل الظالمون في ضلال مبين } وكان الأصل أن يقال: ~~بل هم في ضلال مبين. # 11- مراعاة الفواصل في الحرف الأخير مثل { عذاب أليم } ، { ~~جنات النعيم } ، { زوج كريم } ، { الكتاب الحكيم } ~~ويسمى هذا النوع في علم البديع " سجعا " وأفضله ما تساوت فقره، وكان ~~سليما من التكلف، خاليا من التكرار، وهو كثير في القرآن الكريم في ~~نهاية الآيات الكريمة. # فائدة: وصف الكتاب بالحكمة في هذه السورة { الكتاب الحكيم } ~~مناسب لجو السورة الكريمة لأن موضوع الحكمة قد تكرر فيها { ولقد ~~آتينا لقمان الحكمة } فناسب أن يختار هذا الوصف من أوصاف ~~الكتاب المجيد، على طريقة القرآن في التنسيق بين الألفاظ والمواضيع. ### || [31.12-19] # المناسبة: لما بين تعالى فساد اعتقاد المشركين، بسبب عنادهم ~~وإشراكهم من لا يخلق شيئا بمن هو خالق كل شيء، ذكر هنا وصايا " لقمان " ~~الحكيم، وهي وصايا ثمينة في غاية الحكمة والدعوة إلى طريق الرشاد، وقد ~~جاءت هذه الوصايا مبدوءة بالتحذير من الشرك الذي هو أقبح الذنوب، وأعظم ~~الجرائم عند الله. # اللغة: { الحكمة } الإصابة في القول العمل، وأصلها وضع الشيء في ~~موضعه قال في اللسان: أحكم الأمر أتقنه ويقال للرجل إذا كان حكيما: قد ~~أحكمته التجارب، والحكيم: المتقن للأمور { يعظه } ينصحه ويذكره، ~~والعظة والموعظة: النصح والإرشاد { وهنا } الوهن: الضعف ومنه # وهن العظم مني # [مريم: 4] أي ضعف { فصاله } الفصال: الفطام وهو لفظ يستعمل في ~~الرضاع خاصة، وأما الفصل فهو أعم، وفصلت ms1136 المرأة ولدها أي فطمته وتركت ~~إرضاعه { أناب } رجع، والمنيب الراجع إلى ربه بالتوبة والاستغفار { ~~تصعر } الصعر: بفتحتين في الأصل داء يصيب البعير فيلوي منه عنقه ~~ثم استعمل في ميل العنق كبرا وافتخارا قال عمرو التغلبي: # وكنا إذا الجبار صعر خده # أقمنا له من ميله فتقوم # { مرحا } فرحا وبطرا وخيلاء { مختال } متبختر في مشيته { ~~اقصد } توسط، والقصد: التوسط بين الإسراع والبطء { اغضض } غض ~~الصوت خفضه قال جرير: # فغض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت ولا كلابا # التفسير: { ولقد آتينا لقمان الحكمة } أي والله لقد ~~أعطينا لقمان الحكمة وهي الإصابة في القول، والسداد في الرأي، والنطق ~~بما يوافق الحق، قال مجاهد: الحكمة: الفقه والعقل، والإصابة في القول، ~~ولم يكن نبيا إنما كان حكيما { أن اشكر لله } أي وقلنا له: ~~أشكر الله على إنعامه وإفضاله عليك حيث خصك بالحكمة وجعلها على لسانك ~~قال القرطبي: والصحيح الذي عليه الجمهور أن " لقمان " كان حكيما ولم يكن ~~نبيا وفي الحديث # " لم يكن لقمان نبيا، ولكن كان عبدا كثير التفكر، حسن اليقين، أحب ~~الله تعالى فأحبه، فمن عليه بالحكمة " # { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } أي ومن يشكر ربه ~~فثواب شكره راجع لنفسه، وفائدته إنما تعود عليه، لأن الله تعالى لا ينفعه ~~شكر من شكر، ولا يضره كفر من كفر ولهذا قال بعده { ومن كفر فإن ~~الله غني حميد } أي ومن جحد نعمة الله فإنما أساء إلى نفسه، ~~لأن الله مستغن عن العباد، محمود على كل حال، مستحق للحمد لذاته ~~وصفاته قال الرازي: المعنى أن الله غير محتاج إلى شكر حتى يتضرر بكفر ~~الكافر، فهو في نفسه محمود سواء شكره الناس أم لم يشكروه، ثم ذكر تعالى ~~بعض نصائح لقمان لابنه وبدأ بالتحذير له من الشرك، الذي هو نهاية القبح ~~والشناعة فقال { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه ~~يبني لا تشرك بالله } أي واذكر لقومك موعظة لقمان الحكيم ~~لولده، حين قال له واعظا ناصحا مرشدا: يا بني كن عاقلا ولا تشرك ~~بالله أحدا، بشرا أو صنما أو ms1137 ولدا { إن الشرك لظلم ~~عظيم } أي إن الشرك قبيح، وظلم صارخ لأنه وضع للشيء في غير موضعه، ~~فمن سوى بين الخالق والمخلوق، وبين الإله والصنم فهو - بلا شك - أحمق ~~الناس، وأبعدهم عن منطق العقل والحكمة، وحري به أن يوصف بالظلم ويجعل في ~~عداد البهائم { ووصينا الإنسان بوالديه } أي أمرناه ~~بالإحسان إليهما لا سيما الوالدة { حملته أمه وهنا على ~~وهن } أي حملته جنينا في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفا على ضعف، من ~~حين الحمل إلى حين الولادة، لأن الحمل كلما ازداد وعظم، إزدادت به ~~ثقلا وضعفا { وفصاله في عامين } أي وفطامه في تمام عامين { ~~أن اشكر لي ولوالديك } أي وقلنا له: اشكر ربك على نعمة ~~الإيمان والإحسان، واشكر والديك على نعمة التربية { إلي المصير ~~} أي إلي المرجع والمآب فأجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على ~~إساءته قال ابن جزي: وقوله { أن اشكر } تفسير للوصية، واعترض ~~بينها وبين تفسيرها بقوله { حملته أمه وهنا على وهن ~~وفصاله في عامين } ليبين ما تكابده الأم بالولد مما يوجب عظيم ~~حقها، ولذلك كان حقها أعظم من حق الأب { وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما } أي وإن ~~بذلا جهدهما، وأقصى ما في وسعهما، ليحملاك على الكفر والإشراك بالله فلا ~~تطعهما، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق { وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا } أي وصاحبهما في الحياة الدنيا بالمعروف ~~والإحسان إليهما - ولو كان مشركين - لأن كفرهما بالله لا يستدعي ضياع ~~المتاعب التي تحملاها في تربية الولد، ولا التنكر بالجميل { واتبع ~~سبيل من أناب إلي } أي واسلك طريق من رجع إلى الله بالتوحيد ~~والطاعة والعمل الصالح { ثم إلي مرجعكم فأنبئكم ~~بما كنتم تعملون } أي مرجع الخلق إلى الله فيجازيهم على ~~أعمالهم، والحكمة من ذكر الوصية بالوالدين - ضمن وصايا لقمان - تأكيد ما ~~أفادته الآية الأولى من تقبيح أمر الشرك { إن الشرك لظلم ~~عظيم } فكأنه تعالى يقول: مع أننا وصينا الإنسان بوالديه، وأمرناه ~~بالإحسان إليهما والعطف عليهما، وألزمناه طاعتهما بسبب حقهما العظيم ~~عليه، مع كل ms1138 هذا فقد نهيناه عن طاعتهما في حالة الشرك والعصيان، لأن ~~الإشراك بالله من أعظم الذنوب، وهو في نهاية القبح والشناعة. # . ثم رجع الكلام إلى وصايا لقمان فقال تعالى { يبني إنهآ إن ~~تك مثقال حبة من خردل } أي يا ولدي إن الخطيئة ~~والمعصية مهما كانت صغيرة حتى ولو كانت وزن حبة الخردل في الصغر { ~~فتكن في صخرة أو في السموت أو في الأرض يأت ~~بها الله } أي فتكن تلك السيئة - مع كونها في أقصى غايات الصغر - في ~~أخفى مكان وأحرزه، كجوف الصخرة الصماء، أو في أعلى مكان في السماء أو في ~~الأرض يحضرها الله سبحانه ويحاسب عليها، والغرض التمثيل بأن الله لا ~~تخفى عليه خافية من أعمال العباد { إن الله لطيف خبير } أي ~~هو سبحانه لطيف بالعباد خبير أي عالم ببواطن الأمور { يبني أقم ~~الصلاة } أي حافظ على الصلاة في أوقاتها وبخشوعها وآدابها { وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر } أي وأمر الناس بكل خير ~~وفضيلة، وأنههم عن كل شر ورذيلة { واصبر على مآ أصابك } أي ~~اصبر على المحن والبلايا، لأن الداعي إلى الحق معرض لإيصال الأذى ~~إليه قال أبو حيان: لما نهاه أولا عن الشرك، وأخبره ثانيا بعلمه تعالى ~~وباهر قدرته، أمره بما يتوسل به إلى الله من الطاعات، فبدأ بأشرفها وهي ~~الصلاة، ثم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بالصبر على ما يصيبه من ~~المحن بسبب الأمر بالمعروف، فكثيرا ما يؤذى فاعل ذلك { إن ذلك ~~من عزم الأمور } أي إن ذلك المذكور مما عزمه الله وأمر به قال ~~ابن عباس: من حقيقة الإيمان الصبر على المكاره وقال الرازي: معناه إن ~~ذلك من الأمور الواجبة المعزومة أي المقطوعة، فالمصدر بمعنى المفعول { ~~ولا تصعر خدك للناس } أي لا تمل وجهك عنهم تكبرا عليهم ~~قال القرطبي: أي لا تمل خدك للناس كبرا عليهم وإعجابا، وتحقيرا لهم، ~~وهو قول ابن عباس { ولا تمش في الأرض مرحا } أي لا تمش ~~متبخترا متكبرا { إن الله لا يحب كل مختال فخور } ~~تعليل للنهي أي لأن الله يكره المتكبر ms1139 الذي يرى العظمة لنفسه، ويتكبر ~~على عباد الله، المتبختر في مشيته، والفخور الذي يفتخر على غيره، ثم لما ~~نهاه عن الخلق الذميم، أمره بالخلق الكريم فقال { واقصد في ~~مشيك } أي توسط في مشيتك واعتدل فيها بين الإسراع والبطء { ~~واغضض من صوتك } أي اخفض من صوتك فلا ترفعه عاليا فإنه قبيح ~~لا يجمل بالعاقل { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } أي ~~إن أوحش الأصوات صوت الحمير فمن رفع صوته كان مماثلا لهم، وأتى ~~بالمنكر القبيح قال الحسن: كان المشركون يتفاخرون برفع الأصوات فرد عليهم ~~بأنه لو كان خيرا لفضلتهم به الحمير، وقال قتادة: أقبح الأصوات صوت ~~الحمير، أوله زفير وآخره شهيق. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البلاغة والبديع نوجزها ~~فيما يلي: # 1- الطباق بين { شكر.. وكفر }. # 2- صيغة المبالغة { غني حميد } وكذلك { لطيف خبير } و { ~~فخور } لأن فعيل وفعول من صيغ المبالغة ومعناه كثير الحمد وكثير ~~الفخر. # 3- ذكر الخاص بعد العام { بوالديه حملته أمه } وذلك ~~لزيادة العناية والاهتمام بالخاص. # 4- تقديم ما حقه التأخير لإفادة الحصر مثل { إلي المصير } { ~~إلي مرجعكم } أي لا إلى غيري. # 5- التمثيل { إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل ~~فتكن في صخرة } مثل ذلك لسعة علم الله وإحاطته بجميع الأشياء ~~صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها فإنه تعالى يعلم أصغر الأشياء في أخفى ~~الأمكنة. # 6- التتميم { فتكن في صخرة } تمم خفاءها في نفسها بخفاء ~~مكانها وهذا من البديع. # 7- المقابلة { وأمر بالمعروف } ثم قال { وانه عن ~~المنكر } فقابل بين اللفظين. # 8- الاستعارة التمثيلية { إن أنكر الأصوات لصوت ~~الحمير } شبه الرافعين أصواتهم بالحمير، وأصواتهم بالنهيق، ولم ~~يذكر أداة التشبيه بل أخرجه مخرج الاستعارة للمبالغة في الذم، والتنفير ~~عن رفع الصوت. # تنبيه: حين أمر تعالى بشكر الوالدين قدم شكره تعالى على شكرهما فقال { ~~أن اشكر لي } ثم أردفه بقوله { ولوالديك } وذلك لإشعارنا ~~بأن حق الله أعظم من حق الوالدين، لأنه سبحانه هو السبب الحقيقي في خلق ~~الإنسان، والوالدان سبب في الصورة والظاهر، ولهذا حرم تعالى طاعتهما ~~على الإنسان إذا أرادا إجباره على الكفر. ### || [31.20-34] # المناسبة: لما حذر ms1140 تعالى من الشرك، وأكده بوصايا لقمان الحكيم في ~~الإيمان ومكارم الأخلاق، ذكر هنا الأدلة الساطعة، والبراهين القاطعة على ~~وحدانيته تعالى، ونبه بالصنعة على الصانع، وما له من نعم لا تحصى من ~~تسخير السماوات بما فيها من الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، وتسخير ~~الأرض وما فيها من الحيوان، والنبات، والمعادن، والبحار، وغير ذلك من ~~الأدلة الشاهدة بوحدانيته، وختم السورة الكريمة ببيان " المغيبات الخمس ~~". # اللغة: { أسبغ } أتم وأكمل يقال: سبغت النعمة سبوغا إذا تمت { ~~استمسك } تمسك وتعلق واعتصم { نفدت } فنيت وفرغت { يولج } ~~يدخل والإيلاج: الإدخال ومنه # حتى يلج الجمل في سم الخياط # [الأعراف: 40] { الفلك } السفن { كالظلل } الظلل: جمع ظلة ~~وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب { ختار } الختار: الغدار، والختر: ~~أسوء الغدر قال الشاعر: # فإنك لو رأيت أبا عمير # ملأت يديك من غدر وختر # { الغرور } ما يغر ويخدع من شيطان وغيره، وغره الأمل: خدعه. # التفسير: { ألم تروا أن الله سخر لكم ما في ~~السموت وما في الأرض } أي ألم تعلموا أيها الناس أن الله ~~العظيم الجليل سخر لكم ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم لتنتفعوا بها، ~~وسخر لكم ما في الأرض من جبال وأشجار وثمار وأنهار وغير ذلك مما لا ~~تحصى { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } أي ~~وأتم عليكم أيها الناس نعمه العديدة، الظاهرة المرئية كنعمة السمع ~~والبصر والصحة والإسلام، والباطنة الخفية كالقلب والعقل والفهم والمعرفة ~~وما أشبه ذلك قال البيضاوي: أي أسبغ عليكم نعمه المحسوسة والمعقولة، ما ~~تعرفونه وما لا تعرفونه { ومن الناس من يجادل في الله ~~بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } أي ومن الناس فريق ~~جاحدون يخاصمون ويجادلون في توحيد الله وصفاته بغير علم ولا فهم، ولا حجة ~~ولا برهان، ولا كتاب منزل من عند الله قال القرطبي: نزلت في يهودي جاء ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد: أخبرني عن ربك من أي شيء ~~هو؟ فجاءت صاعقة فأخذته، والمنير: الواضح البين المنقذ من ظلمة الجهل ~~والضلال { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله } أي ms1141 ~~وإذا قيل لهؤلاء المجادلين بالباطل اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، ~~وصدقوا به فإنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال { قالوا بل ~~نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا } أي قالوا نسير على طريقة ~~آبائنا ونقتدي بهم في عبادة الأوثان والأصنام { أولو كان ~~الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } الاستفهام ~~للإنكار والتوبيخ أي أيتبعونهم ولو كانوا ضالين، حتى ولو كان الشيطان ~~يدعوهم إلى النار المستعرة ذات العذاب الشديد؟ { ومن يسلم وجهه ~~إلى الله } أي ومن يقبل على طاعة الله وينقاد لأوامره، ويخلص قصده ~~وعبادته لله { وهو محسن } أي وهو مؤمن موحد قال القرطبي: لأن ~~العبادة من غير احسان ولا معرفة القلب لا تنفع، ونظير الآية # ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن # [طه: 112] فلا بد من الإيمان والإحسان { فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى } أي تمسك بحبل لا انقطاع له، وتعلق بأوثق ما ~~يتعلق به من الأسباب قال صاحب الكشاف: هاذ من باب التمثيل، مثلت حال ~~المتوكل بحال من تدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة، من ~~حبل متين مأمون انقطاعه وقال الرازي: أوثق العرى جانب الله، لأن كل ما ~~عداه هالك منقطع، وهو باق لا انقطاع له { وإلى الله عاقبة ~~الأمور } أي إلى الله وحده - لا إلى أحد سواه - مرجع ومصير الأمور ~~كلها فيجازي العامل عليها أحسن الجزاء { ومن كفر فلا يحزنك ~~كفره } تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم أي لا يهمنك يا محمد كفر من ~~كفر، ولا ضلال من ضل، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإنا سننتقم منهم ~~إن عاجلا أو آجلا { إلينا مرجعهم فننبئهم بما ~~عملوا } أي إلينا رجوعهم، فنخبرهم بأعمالهم التي عملوها في الدنيا ~~{ إن الله عليم بذات الصدور } أي عليم بما في قلوبهم من ~~المكر والكفر والتكذيب فيجازيهم عليها { نمتعهم قليلا } أي ~~نبقيهم في الدنيا مدة قليلة يتمتعون بها { ثم نضطرهم إلى ~~عذاب غليظ } أي ثم نلجئهم في الآخرة إلى عذاب شديد هو عذاب النار، ~~الفظيع الشاق على النفس، ثم لما بين تعالى استحقاقهم للعذاب، بين ~~تناقضهم في الدنيا ms1142 وهو اعترافهم بأن الله خالق السماوات والأرض، ومع هذا ~~يعبدون معه شركاء يعترفون أنها ملك له وأنها مخلوقاته فقال { ولئن ~~سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن ~~الله } أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من كفار مكة من خلق ~~السماوات والأرض؟ ليقولن - لغاية وضوح الأمر - الله خلقهن فقد اضطروا ~~إلى الاعتراف به { قل الحمد لله } أي قل لهم: الحمد لله على ~~ظهور الحجة عليكم، وعلى أن دلائل الإيمان ظاهرة للعيان { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } أي بل أكثر هؤلاء المشركين لا يفكرون ~~ولا يتدبرون فلذلك لا يعلمون، ثم قال تعالى { لله ما في ~~السموت والأرض } أي له جل وعلا ما في الكائنات ملكا وخلقا ~~وتدبيرا { إن الله هو الغني الحميد } أي المستغني عن ~~خلقه وعن عبادتهم، المحمود في صنعه وآلائه { ولو أنما في ~~الأرض من شجرة أقلام } أي ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت ~~أقلاما { والبحر يمده من بعده سبعة أبحر } أي ~~وجعل البحر بسعته حبرا ومدادا وأمده سبعة أبحر معه فكتبت بها كلمات ~~الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله { ما نفدت كلمات الله ~~} أي لانتهت وفنيت تلك الأقلام والبحار وما انتهت كلمات الله، لأن ~~الأشجار والبحار متناهية، وكلمات الله غير متناهية قال القرطبي: لما ذكر ~~تعالى أنه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، وأنه أسبغ النعم، نبه ~~على أن الأشجار لو كانت أقلاما، والبحار لو كانت مدادا، فكتب بها عجائب ~~صنع الله، الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب وقال ابن ~~الجوزي: وفي الكلام محذوف تقديره: فكتب بهذه الأقلام وهذه البحور كلمات ~~الله، لتكسرت الأقلام ونفدت البحور ولم تنفد كلمات الله أي لم تنقطع { ~~إن الله عزيز حكيم } أي غالب لا يعجزه شيء، حكيم لا يخرج عن ~~علمه وحكمته أمر { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة } أي ما خلقكم أيها الناس ابتداء، ولا بعثكم بعد الموت ~~انتهاء إلا كخلق نفس واحدة وبعثها، لأنه إذا أراد شيئا قال له كن ~~فيكون، قال الصاوي: المعنى أن الله لا ms1143 يصعب عليه شيء، بل خلق العالم ~~وبعثه برمته كخلق نفس واحدة وبعثها { إن الله سميع بصير } ~~أي سميع لأقوال العباد، بصير بأعمالهم، ثم أشار تعالى إلى دلائل قدرته في ~~الآفاق فقال { ألم تر أن الله يولج الليل في ~~النهار ويولج النهار في الليل } أي ألم تعلم أيها ~~المخاطب علما قويا جاريا مجرى الرؤية، أن الله العظيم الجليل يدخل ~~ظلمة الليل على ضوء النهار، ويدخل ضوء النهار على ظلمة الليل، ويزيد في ~~هذا وينقص من هذا حسب الحكمة الأزلية { وسخر الشمس والقمر ~~كل يجري إلى أجل مسمى } أي ذللهما بالطلوع والأفول ~~تقديرا للآجال، وإتماما للمنافع، كل منهما يسير في فلكه إلى غاية ~~محدودة هي يوم القيامة { وأن الله بما تعملون خبير } أي ~~وأنه تعالى عالم بأحوالكم وأعمالكم لا تخفى عليه خافية، فإن من شاهد مثل ~~ذلك الصنع الرائق، والتدبير الفائق، لا يكاد يغفل عن كون صانعه جل وعلا ~~محيطا بكل أعماله { ذلك بأن الله هو الحق } أي ذلك الذي ~~شاهدتموه من عجائب الصنع وباهر القدرة، لتتأكدوا أن الله هو الإله الحق ~~الذي يجب أن يعبد وحده { وأن ما يدعون من دونه الباطل } ~~أي وأن كل ما يعبدون من دون الله من الأوثان والأصنام باطل لا حقيقة له ~~كما قال لبيد " ألا كل شيء ما خلا الله باطل " فالجميع خلقه وعبيده، ولا ~~يملك أحد منهم تحريك ذرة إلا بإذنه { وأن الله هو ~~العلي الكبير } أي وأنه تعالى هو العلي في صفاته، الكبير في ~~ذاته { ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة ~~الله } تذكير بنعمة أخرى أي ألم تر أيها العاقل أن السفن العظيمة ~~تسير في البحر بقدرة الله، وبتسخيره ولطفه بالناس وإحسانه إليهم، ~~لتهيئة أسباب الحياة قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه هو الذي سخر البحر ~~لتجري فيه الفلك بأمره أي بلطفه وتسخيره، فإنه لولا ما جعل في الماء من ~~قوة يحمل بها السفن ما جرت، ولهذا قال بعده { ليريكم من ~~آياته } أي ليريكم عجائب صنعه، ودلائل قدرته ووحدانيته { إن في ms1144 ~~ذلك لآيات لكل صبار شكور } أي إن في تسخير هذه السفن ~~وما تحمله من الطعام والأرزاق والتجارات، لآيات باهرة، وعبرا جليلة لكل ~~عبد منيب، صبار في الضراء، شكور في الرخاء. # ولفظة " صبار " و " شكور " مبالغة في الصبر والشكر { وإذا ~~غشيهم موج كالظلل } أي وإذا علا المشركين وغطاهم وهم في ~~البحر موج كثيف كالجبال { دعوا الله مخلصين له الدين } ~~أي أخلصوا دعاءهم لله حين علموا أنه لا منجي لهم غيره فلا يدعون لخلاصهم ~~سواه { فلما نجاهم إلى البر } أي فلما أنقذهم من شدائد ~~البحر، وأخرجهم إلى شاطئ النجاة في البر { فمنهم مقتصد } في ~~الآية حذف تقديره فمنهم مقتصد، ومنهم جاحد، ودل عليه قوله { وما ~~يجحد بآياتنآ } والمقتصد: المتوسط في العمل قال ابن كثير: وهذا ~~من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال، والأمور العظام، ورأى الآيات ~~الباهرة في البحر، ثم بعدما أنعم الله عليه بالخلاص كان ينبغي أن يقابل ~~ذلك بالعمل التام، والمبادرة إلى الخيرات، والدؤوب في العبادات، فمن ~~اقتصد بعد ذلك كان مقصرا { وما يجحد بآياتنآ إلا كل ~~ختار كفور } أي وما يكذب بآياتنا إلا كل غدار، مبالغ في كفران ~~نعم الله تعالى { يأيها الناس اتقوا ربكم } أي اتقوا ~~ربكم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه { واخشوا يوما لا يجزي ~~والد عن ولده } أي وخافوا يوما رهيبا عصيبا لا ينفع والد فيه ~~ولده، ولا يدفع عنه مضرة، أو يقضي عنه شيئا مما تحمله { ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا } أي ولا ولد يغني أو يدفع ~~عن والده شيئا، أو يقضي عنه شيئا من جنايته ومظالمه قال الطبري: المعنى ~~لا يغني ولا تنفع عنده الشفاعة والوسائل، إلا وسيلة من صالح الأعمال التي ~~أسلفها في الدنيا { إن وعد الله حق } أي وعده بالثواب ~~والعقاب، والبعث والجزاء حق لا يتخلف { فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا } أي لا تخدعكم الحياة الدنيا بمفاتنها ولذاتها فتركنوا ~~إليها { ولا يغرنكم بالله الغرور } أي ولا يخدعنكم ~~الشيطان الماكر الذي يغر الخلق ويمنيهم بأباطيله ويلهيهم عن الآخرة { ~~إن الله عنده علم ms1145 الساعة } هذه هي مفاتح الغيب التي اختص ~~الله بعلمها وهي خمس كما جاء في الحديث الصحيح # " مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله وتلا الآية " # أي عنده تعالى معرفة وقت قيام الساعة التي تقوم فيها القيامة { ~~وينزل الغيث } أي وعنده معرفة وقت نزول المطر ومحل نزوله { ~~ويعلم ما في الأرحام } أي من ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد { ~~وما تدري نفس ماذا تكسب غدا } أي ما يدري أحد ماذا يحدث ~~له في غد، وماذا يفعل من خير أو شر { وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت } أي كما لا يدري أحد أين يموت، ولا في أي مكان يقبر { ~~إن الله عليم خبير } أي مبالغ في العلم، يعلم كل الأمور، ~~خبير بظواهر الأشياء وبواطنها. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين قوله { ظاهرة.. وباطنة } وكذلك بين لفظ { ~~الحق.. والباطل }. # 2- الإنكار والتوبيخ مع الحذف { أولو كان الشيطان ~~يدعوهم } أي أيتبعونهم ولو كان الشيطان الخ. # 3- المجاز المرسل { ومن يسلم وجهه } أطلق الجزء وأراد الكل ~~ففيه مجاز مرسل. # 4- التشبيه التمثيلي { فقد استمسك بالعروة الوثقى } ~~شبه من تمسك بالإسلام بمن أراد أن يرقى إلى شاهق جبل فتمسك بأوثق جبل، ~~وحذف أداة التشبيه للمبالغة. # 5- المقابلة بين { ومن يسلم وجهه إلى الله وهو ~~محسن } وبين { ومن كفر فلا يحزنك كفره } الآية. # 6- الاستعارة { عذاب غليظ } استعار الغلظ للشدة لأنه إنما يكون ~~للاجرام فاستعير للمعنى. # 7- تقديم ما حقه التأخير لإفادة الحصر { وإلى الله عاقبة ~~الأمور } أي إليه لا إلى أحد غيره. # 8- صيغ المبالغة في التالي { صبار شكور } و { ختار كفور } ~~و { عليم خبير } و { سميع بصير } كما أن فيها توافق ~~الفواصل وهو من المحسنات البديعية ويسمى بالسجع. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-17] # اللغة: { افتراه } اختلق القرآن من تلقاء نفسه { يعرج } يصعد ~~ويرتفع إليه { يدبر } التدبير: رعاية شئون الغير { سلالة } ~~خلاصة { مهين } ضعيف حقير { سواه } قومه بتصوير أعضائه ~~وتكميلها { ضللنا } ضعنا وهلكنا وأصله من قول العرب: ضل اللبن في ~~الماء إذا ذهب وضاع { ناكسوا } مطرقوا يقال: ms1146 نكس رأسه إذا أطرقه { ~~الجنة } الجن. # التفسير: { الم } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن { ~~تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين } أي هذا ~~الكتاب الموحى به إليك يا محمد هو القرآن الذي لا شك أنه من عند الله عز ~~وجل، تنزيل من رب العالمين { أم يقولون افتراه } الضمير يعود ~~لكفار قريش و { أم } بمعنى بل والهمزة أي بل أيقول المشركون اختلق محمد ~~القرآن وافتراه من تلقاء نفسه؟ لا ليس الأمر كما يدعون { بل هو ~~الحق من ربك } أي بل هو القول الحق، والكلام الصدق المنزل من ~~ربك قال البيضاوي: أشار أولا إلى إعجازه، ثم رتب عليه أنه تنزيل من ~~رب العالمين، وقرر ذلك بنفي الريب عنه، ثم أضرب عن ذلك إلى ما يقولون ~~فيه على خلاف ذلك، إنكارا له وتعجبا منه، ثم بين المقصود من إنزاله ~~بقوله { لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك } ~~أي أنزله إليك لتنذر به قوما ما جاءهم رسول قبلك يا محمد، قال المفسرون: ~~هم أهل الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، وقد جاء الرسل قبل ذلك ~~كإبراهيم وهود وصالح، ولكن لما طالت الفترة على هؤلاء أرسل الله إليهم ~~محمدا صلى الله عليه وسلم لينذرهم عذاب الله، ويقيم عليهم الحجة بذلك { ~~لعلهم يهتدون } أي كي يهتدوا إلى الحق ويؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد، ثم شرع تعالى في ذكر أدلة التوحيد فقال { الله الذي خلق ~~السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام } أي ~~الله جل وعلا هو الذي خلق السماوات في ارتفاعها وإحكامها، والأرض في ~~عجائبها وإبداعها، وما بينهما من المخلوقات في مقدار ستة أيام قال ~~الحسن: من أيام الدنيا ولو شاء لخلقها بلمح البصر ولكن أراد أن يعلم ~~عباده التأني في الأمور قال القرطبي: عرفهم تعالى كمال قدرته ليسمعوا ~~القرآن ويتأملوه، ومعنى { خلق } أبدع وأوجد بعد العدم، وبعد أن لم تكن ~~شيئا { ثم استوى على العرش } استواء يليق بجلاله من غير ~~تشبيه ولا تمثيل { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع } ~~أي ليس لكم ms1147 أيها الناس من غير الله ناصر يمنعكم من عذابه، ولا شفيع ~~يشفع لكم عنده إلا بإذنه، بل هو الذي يتولى مصالحكم ويدبر أموركم { ~~أفلا تتذكرون }؟ أي أفلا تتدبرون هذا فتؤمنون؟ { يدبر ~~الأمر من السمآء إلى الأرض } أي يدبر أمر الخلائق جميعا ~~في العالم العلوي والسفلي، لا يهمل شأن أحد قال ابن عباس: أي ينزل ~~القضاء والقدر من السماء إلى الأرض، وينزل ما دبره وقضاه { ثم ~~يعرج إليه } أي ثم يصعد إليه ذلك الأمر كله يوم القيامة ليفصل ~~فيه { في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } ~~أي في يوم عظيم - هو يوم القيامة - طوله ألف سنة من أيام الدنيا لشدة ~~أهواله { ذلك عالم الغيب والشهادة } أي ذلك المدبر لأمور ~~الخلق هو العالم بكل شيء، يعلم ما هو غائب عن المخلوقين، وما هو مشاهد ~~لهم قال القرطبي: وفي الآية معنى التهديد والوعيد، كأنه يقول: أخلصوا ~~أعمالكم وأقوالكم فإني مجازيكم عليها، ومعنى " الغيب والشهادة " ما غاب ~~عن الخلق وما حضرهم { العزيز الرحيم } أي الغالب على أمره، ~~الرحيم بعباده في تدبيره لشئونهم { الذي أحسن كل شيء ~~خلقه } أي أتقن وأحكم كل شيء أوجده وخلقه قال أبو حيان: وهذا أبلغ ~~في الامتنان ومعناه أنه وضع كل شيء في موضعه، ولهذا قال ابن عباس: ليست ~~القردة بحسنة، ولكنها متقنة محكمة قال بعض العلماء: لو تصورت مثلا أن ~~للفيل مثل رأس الجمل، وأن للأرنب مثل رأس الأسد، وأن للإنسان مثل ~~رأس الحمار، لوجدت في ذلك نقصا كبيرا، وعدم تناسب وانسجام، ولكنك إذا ~~علمت أن طول عنق الجمل، وشق شفته ليسهل تناوله الكلأ عليه أثناء السير، ~~وأن الفيل لولا خرطومه الطويل لما استطاع أن يبرك بجسمه الكبير لتناول ~~طعامه وشرابه، لو علمت كل هذا لتيقنت أنه صنع الله الذي أتقن كل شيء، ~~ولقلت: تبارك الله أحسن الخالقين. # { وبدأ خلق الإنسان من طين } أي خلق أبا البشر آدم من طين ~~{ ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين } أي جعل ~~ذريته يتناسلون من خلاصة من ماء ضعيف حقير ms1148 هو المني { ثم سواه ~~ونفخ فيه من روحه } أي قوم أعضاءه، وعدل خلقته في رحم ~~أمه، ونفخ بعد ذلك فيه الروح، فإذا هو في أكمل صورة وأحسن تقويم قال ~~أبو السعود: وأضاف الروح إليه تعالى تشريفا للإنسان، وإيذانا بأنه ~~خلق عجيب، وصنع بديع، وأن له شأنا جليلة مناسبة إلى حضرة الربوبية ~~{ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } أي وخلق لكم ~~هذه الحواس: السمع لتسمعوا به الأصوات، والبصر لتبصروا به الأشخاص، ~~والعقل لتدركوا به الحق والهدى { قليلا ما تشكرون } أي قليلا ~~شكركم لربكم و { ما } لتأكيد القلة { وقالوا أإذا ضللنا ~~في الأرض } أي وقال كفار مكة المنكرون للبعث والنشور: أئذا هلكنا ~~وصارت عظامنا ولحومنا ترابا مختلطا بتراب الأرض حتى غابت فيه ولم تتميز ~~عنه { أإنا لفي خلق جديد } أي سوف نخلق بعد ذلك خلقا ~~جديدا، ونعود إلى الحياة مرة ثانية؟ وهو استبعاد للبعث مع الاستهزاء ~~ولهذا قال تعالى { بل هم بلقآء ربهم كافرون } أي بل هناك ~~ما هو أبلغ وأشنع من الاستهزاء، وهو كفرهم وجحودهم بلقاء الله في دار ~~الجزاء { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } ~~أي قل لهم ردا على مزاعمهم الباطلة: يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بقبض ~~أرواحكم هو وأعوانه { ثم إلى ربكم ترجعون } أي ثم مرجعكم ~~إلى الله يوم القيامة للحساب والجزاء قال ابن كثير: والظاهر أن ملك ~~الموت شخص معين، وقد سمي في بعض الآثار ب " عزرائيل " وهو المشهور، وله ~~أعوان - كما ورد في الحديث - ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إذا ~~بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت وقال مجاهد: جمعت له الأرض فجعلت مثل ~~الطست يتناول منها حيث يشاء، ثم أخبر تعالى بحال المجرمين يوم القيامة ~~وما هم فيه من الذل والهوان فقال { ولو ترى إذ المجرمون ~~ناكسوا رءوسهم عند ربهم } أي ولو ترى أيها المخاطب حال ~~المجرمين يوم القيامة وهم مطرقو رءوسهم أمام ربهم من الخجل والحياء لرأيت ~~العجب العجاب قال أبو السعود: وجواب { لو } محذوف تقديره لرأيت أمرا ~~فظيعا لا يقادر قدره من هوله وفظاعته ms1149 { ربنآ أبصرنا ~~وسمعنا } أي يقولون ربنا أبصرنا حقيقة الأمر وسمعنا ما كنا ننكر من ~~أمر الرسل، وكنا عميا وصما { فارجعنا نعمل صالحا } أي ~~فردنا إلى دار الدنيا لنعمل صالحا { إنا موقنون } أي فنحن الآن ~~مصدقون تصديقا جازما، وموقنون أن وعدك حق، ولقاءك حق قال الطبري: أي ~~أيقنا الآن بوحدانيتك، وأنه لا يصلح أن يعبد سواك، ولا ينبغي أن يكون رب ~~سواك، وأنك تحيي وتميت وتفعل ما تشاء، قال تعالى ردا عليهم { ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها } أي لو أردنا هداية جميع الخلق ~~لفعلنا ولكن ذلك ينافي حكمتنا، لأنا نريد منهم الإيمان بطريق ~~الاختيار، لا بطريق الإكراه والإجبار { ولكن حق القول ~~مني } أي ولكن ثبت ووجب قولي بعذاب المجرمين، وتقرر وعيدي { ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } أي ~~لأملأن جهنم بالعصاة من الجن والإنس جميعا { فذوقوا بما ~~نسيتم لقآء يومكم هذآ } أي يقال لأهل النار على سبيل ~~التقريع والتوبيخ: ذوقوا - بسبب نسيانكم الدار الآخرة وانهماككم في ~~الشهوات - هذا العذاب المخزي الأليم { إنا نسيناكم } أي نترككم ~~اليوم في العذاب كما تركتم العمل بآياتنا { وذوقوا عذاب ~~الخلد بما كنتم تعملون } أي وذوقوا العذاب الدائم الخالد ~~في جهنم بسبب كفركم وتكذيبكم، ثم لما ذكر حال الأشقياء وعاقبتهم الوخيمة، ~~أتبعه بذكر حال السعداء وما أعده لهم من النعيم المقيم في دار الجزاء، ~~ليظل العبد بين الرهبة والرغبة فقال { إنما يؤمن بآياتنا ~~الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا } أي إنما يصدق ~~بآياتنا المؤمنون المتقون الذين إذا وعظوا بآياتنا سقطوا على وجوههم ~~ساجدين لله تعظيما لآياته { وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون } أي وسبحوا ربهم على نعمائه وهم لا يستكبرون عن طاعته ~~وعبادته { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } أي تتنحى وتتباعد ~~أطرافهم عن الفرش ومواضع النوم، والغرض أن نومهم بالليل قليل لانقطاعهم ~~للعبادة كقوله # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار ~~هم يستغفرون # [الذاريات: 17-18] قال مجاهد: يعني بذلك قيام الليل { يدعون ~~ربهم خوفا وطمعا } أي يدعون ربهم خوفا من عذابه وطمعا في ~~رحمته وثوابه { ومما رزقناهم ms1150 ينفقون } أي ومما أعطيناهم من ~~الرزق ينفقون في وجوه البر والحسنات { فلا تعلم نفس مآ ~~أخفي لهم من قرة أعين } أي فلا يعلم أحد من الخلق مقدار ~~ما يعطيهم الله من النعيم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر { جزآء بما كانوا يعملون } أي ثوابا لما قدموه في ~~الدنيا من صالح الأعمال. ### || [32.18-30] # المناسبة: لما ذكر تعالى حال المجرمين في الآخرة، وحال المؤمنين ~~المتقين، وما أعده لهم من الكرامة في دار النعيم، ذكر هنا أنه لا ~~يتساوى الفريقان: فريق الأبرار، وفريق الفجار لأن عدالة الله تقتضي ~~التمييز بين المؤمن الصالح، والفاسق الفاجر. # اللغة: { فاسقا } الفاسق: الخارج عن طاعة الله { نزلا } ضيافة ~~وعطاء، والنزل ما يهيأ للنازل والضيف قال الشاعر: # وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا # جعلنا القنا والمرهفات له نزلا # { الجرز } اليابسة الجرداء التي لا نبات فيها، والجرز: القطع قال ~~الزمخشري: الجرز: الأرض التي جرز نباتها أي قطع، إما لعدم الماء أو ~~لأنه رعي وأزيل، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز { الفتح } ~~الحاكم ويقال للحاكم: فاتح وفتاح لأنه يفصل بين الناس بحكمه { ينظرون ~~} يمهلون ويؤخرون. # سبب النزول: روي أنه كان بين " علي بن أبي طالب " و " عقبة بن أبي ~~معيط " تنازع وخصومة، فقال الوليد بن عقبة لعلي: أسكت فإنك صبي، ~~وأنا والله أبسط منك لسانا، وأشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في ~~الكتيبة، فقال له علي: اسكت فإنك فاسق فنزلت { أفمن كان مؤمنا ~~كمن كان فاسقا لا يستوون }. # التفسير: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا }؟ أي أفمن ~~كان في الحياة الدنيا مؤمنا متقيا لله، كمن كان فاسقا خارجا عن طاعة ~~الله؟ { لا يستوون } أي لا يستوون في الآخرة بالثواب والكرامة، ~~كما لم يستووا في الدنيا بالطاعة والعبادة، وهذه الآية كقوله تعالى # أفنجعل المسلمين كالمجرمين # [القلم: 35] قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عدله وكرمه، أنه لا يساوي في ~~حكمه يوم القيامة، من كان مؤمنا بآياته متبعا لرسله، بمن كان فاسقا أي ~~خارجا عن طاعة ربه، مكذبا ms1151 رسل الله، ثم فصل تعالى جزاء الفريقين فقال ~~{ أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي أما المتقون ~~الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح { فلهم جنات المأوى ~~} أي لهم الجنات التي فيها المساكن والدور والغرف العالية يأوون إليها ~~ويستمتعون بها قال البيضاوي: فالجنة هي المأوى الحقيقي، والدنيا منزل ~~مرتحل عنه لا محالة { نزلا بما كانوا يعملون } أي ضيافة ~~مهيأة ومعدة لإكرامهم كما تهيأ التحف للضيف وذلك بسبب ما قدموه من ~~صالح الأعمال { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار } ~~أي وأمأ الذين خرجوا عن طاعة الله فملجؤهم ومنزلهم نار جهنم { كلمآ ~~أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها } أي إذا دفعهم ~~لهب النار إلى أعلاها ردوا إلى موضعهم فيها قال الفضيل بن عياض: ~~والله إن الأيدي لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللهب ليرفعهم ~~والملائكة تقمعهم { وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي ~~كنتم به تكذبون } أي وتقول لهم خزنة جهنم تقريعا وتوبيخا: ~~ذوقوا عذاب النار المخزي الذي كنتم تكذبون به في الدنيا وتهزءون منه، ثم ~~توعدهم بعذاب عاجل في الدنيا فقال { ولنذيقنهم من ~~العذاب الأدنى } أي ولنذيقنهم من العذاب الأقرب وهو عذاب ~~الدنيا من القتل والأسر والبلايا والمحن قال الحسن: العذاب الأدنى: مصائب ~~الدنيا وأسقامها مما يبتلى به العبيد حتى يتوبوا وقال أبو مجاهد: القتل ~~والجوع { دون العذاب الأكبر } أي قبل العذاب الأكبر الذي ~~ينتظرهم وهو عذاب الآخرة { لعلهم يرجعون } أي لعلهم يتوبون عن ~~الكفر والمعاصي، ثم بعد أن توعدهم وهددهم بين استحقاقهم للعذاب فقال { ~~ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنهآ ~~} أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ وذكر بآيات الرحمن، ثم ترك الإيمان ~~وتناساها؟ { إنا من المجرمين منتقمون } أي سأنتقم ممن ~~كذب بآياتي أشد الانتقام، ووضع الاسم الظاهر مكان الضمير لتسجيل ~~الإجرام عليهم { ولقد آتينا موسى الكتاب } أي أعطينا موسى ~~التوراة { فلا تكن في مرية من لقآئه } أي فلا تكن يا ~~محمد في شك من تلقي القرآن كما تلقى موسى التوراة، والمقصود تقرير ~~رسالته عليه السلام، وتحقيق أن ما معه من الكتاب ms1152 وحي سماوي وكتاب ~~إلهي { وجعلناه هدى لبني إسرائيل } أي جعلنا التوراة ~~هداية لبني إسرائيل من الضلالة { وجعلنا منهم أئمة } أي ~~جعلنا منهم قادة وقدوة يقتدى بهم في الخير { يهدون بأمرنا } أي ~~يدعون الخلق إلى طاعتنا ويرشدونهم إلى الدين بأمرنا وتكليفنا { لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } أي حين صبروا على تحمل ~~المشاق في سبيل الله، وكانوا يصدقون بآياتنا أشد التصديق وأبلغه قال ابن ~~الجوزي: وفي هذا تنبيه لقريش أنكم إن أطعتم وآمنتم جعلت منكم أئمة { ~~إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون } أي إن ربك يا محمد يقضي ويحكم بين ~~المؤمنين والكفار، فيميز بين المحق والمبطل يوم القيامة، ويجازي كلا ~~بما يستحق، فيما اختلفوا فيه من أمور الدين قال الطبري: فيما كانوا فيه ~~يختلفون من أمور الدين، والبعث، والثواب والعقاب، ثم نبه تعالى على آثار ~~قدرته في مخلوقاته، وأقام الحجة على الكفار بالأمم السالفة الذين كفروا ~~فأهلكوا فقال { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم ~~من القرون } أي أغفل هؤلاء المشركون ولم يتبين لهم كثرة من ~~أهلكناهم من الأمم الماضية الذين كذبوا رسل الله؟ { يمشون في ~~مساكنهم } أي حال كون أهل مكة يسيرون في دورهم، ويشاهدون في ~~أسفارهم منازل هؤلاء المهلكين أفلا يعتبرون؟ قال ابن كثير: أي وهؤلاء ~~المكذبون يمشون في مساكن أولئك الظالمين، فلا يرون فيها أحدا ممن كان ~~يسكنها ويعمرها { إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون } أي إن ~~في إهلاكهم لدلالات عظيمة على قدرتنا، أفلا يسمعون سماع تدبر واتعاظ؟ ثم ~~ذكر تعالى دلائل الوحدانية فقال { أولم يروا أنا نسوق ~~المآء إلى الأرض الجرز } أي أولم يشاهدوا كمال قدرتنا في ~~سوقنا الماء إلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها من شدة العطش لنحييها؟ ~~{ فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ~~} أي فنخرج بذلك الماء أنواع الزروع والثمار، تأكل منه دوابهم من الكلأ ~~والحشيش، وأنفسهم من الحب والخضر والفواكه والبقول { أفلا يبصرون ~~} أي أفلا يبصرون ذلك فيستدلون به على كمال قدرته تعالى وفضله، ويعلمون ~~أن الذي أحيا ms1153 الأرض الميتة قادر على إعادتهم بعد وفاتهم؟ { ويقولون ~~متى هذا الفتح إن كنتم صادقين } أي ويقول كفار مكة ~~للمسلمين على سبيل السخرية والتهكم: متى ستنصرون علينا ويكون لكم الغلبة ~~والفتح علينا؟ إن كنتم صادقين في دعواكم قال الصاوي: كان المسلمون ~~يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين، ويفصل بيننا وبينهم، وكان أهل ~~مكة إذا سمعوهم يقولون بطريق الاستعجال تكذيبا واستهزاء: متى هذا ~~الفتح فنزلت { قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا ~~إيمانهم } أي قل لهم يا محمد توبيخا وتبكيتا: إن يوم القيامة هو ~~يوم الفتح الحقيقي الذي يفصل تعالى فيه بيننا وبينكم، ولا ينفع فيه ~~الإيمان ولا الاعتذار فلماذا تستعجلون؟ { ولا هم ينظرون } أي ~~ولا هم يؤخرون ويمهلون للتوبة قال البيضاوي: ويوم الفتح هو يوم القيامة ~~فإنه يوم نصر المؤمنين على الكافرين والفصل بينهم، وقيل هو يوم بدر { ~~فأعرض عنهم } أي فأعرض يا محمد عن هؤلاء الكفار ولا تبال بهم ~~{ وانتظر إنهم منتظرون } أي وانتظر ما يحل بهم من عذاب ~~الله، إنهم منتظرون كذلك ما يحل بكم قال القرطبي: أي ينتظرون بكم حوادث ~~الزمان. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- جناس الاشتقاق مثل { تنذر.. ونذير } وكذلك مثل { انتظر.. ~~إنهم منتظرون }. # 2- الطباق بين { الغيب.. والشهادة } وبين { خوفا.. ~~وطمعا }. # 3- الالتفات من الغيبة إلى الخطاب { وجعل لكم } والأصل " وجعل ~~له " والنكتة أن الخطاب إنما يكون مع الحي فلما نفخ تعالى الروح فيه ~~حسن خطابه مع ذريته. # 4- الاستفهام الإنكاري وغرضه الاستهزاء { أإذا ضللنا في ~~الأرض أإنا لفي خلق جديد }؟ # 5- الإضمار { ربنآ أبصرنا وسمعنا } أي يقولون ربنا ~~أبصرنا وسمعنا. # 6- الاختصاص { ثم إلى ربكم ترجعون } أي إليه لا إلى ~~غيره مرجعكم يوم القيامة. # 7- حذف جواب لو للتهويل { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا ~~رءوسهم } أي لرأيت أمرا مهولا. # 8- المشاكلة وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى { نسيتم ~~لقآء يومكم.. إنا نسيناكم } فإن الله تعالى لا ينسى ~~وإنما المراد نترككم في العذاب ترك الشيء المنسي. # 9- المقابلة اللطيفة بين جزاء الأبرار وجزاء الفجار ms1154 { أما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى.. } ~~{ وأما الذين فسقوا فمأواهم النار } وهو من ~~المحسنات البديعية. # 10- الكناية عن كثرة العبادة والتبتل ليلا { تتجافى جنوبهم ~~عن المضاجع }. # 11- الاستفهام للتقريع والتوبيخ { أولم يهد لهم }؟ { أولم ~~يروا أنا نسوق المآء }؟ { أفلا يسمعون }؟ { أفلا ~~يبصرون } وكلها بقصد الزجر والتوبيخ. # 12- السجع مراعاة للفواصل ورءوس الآيات مثل { إنا موقنون * ~~وهم لا يستكبرون * لعلهم يرجعون * أفلا ~~يسمعون } وهذا من المحسنات البديعية وهو كثير في القرآن الكريم. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-20] # اللغة: { أدعيآءكم } جمع دعي وهو الولد المتبنى من أبناء ~~الغير قال في اللسان: والدعي: المنسوب إلى غير أبيه، قال الشاعر: # دعي القوم ينصر مدعيه # ليلحقه بذي النسب الصميم # أبي الإسلام لا أب لي سواه # إذا افتخروا بقيس أو تميم # { أقسط } أعدل يقال: أقسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا ظلم، ~~والقسط: العدل. { مسطورا } أي مسطرا مكتوبا لا يمحى. { ~~ميثاقهم } الميثاق: العهد المؤكد بيمين أو نحوه. { الحناجر } ~~جمع حنجرة وهي نهاية الحلقوم مدخل الطعام والشراب. { يثرب } اسم ~~المدينة المنورة وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة. { عورة ~~} خالية من الرجال غير محصنة يقال: دار معورة إذا كان يسهل دخولها، ~~قال الجوهري: العورة كل خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب. { ~~أقطارها } جمع قطر وهو الناحية والجانب. { يعصمكم } يمنعكم. ~~{ المعوقين } المثبطين مشتق من عاقه إذا صرفه. # سبب النزول: أ - روي أن رجلا من قريش يدعى " جميل بن معمر " كان ~~لبيبا حافظا لما يسمع, فقالت قريش: ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان ~~في جوفه فأنزل الله { ما جعل الله لرجل من قلبين في ~~جوفه.. } الآية. # ب - وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد غزوة تبوك أمر الناس ~~بالتجهز والخروج لها، فقال أناس: نستأذن آباءنا وأمهاتنا فأنزل الله { ~~النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم.. } الآية. # التفسير: { يأيها النبي اتق الله } النداء على سبيل ~~التشريف والتكرمة لأن لفظ النبوة مشعر بالتعظيم والتكريم أي اثبت على ~~تقوى الله ودم عليها، قال أبو السعود: في ندائه صلى الله عليه وسلم ~~بعنوان ms1155 النبوة تنويه بشأنه، وتنبيه على سمو مكانه، والمراد بالتقوى ~~المأمور به الثبات عليه والازدياد منه، فإن له بابا واسعا ومكانا ~~عريضا لا ينال مداه { ولا تطع الكافرين والمنافقين } ~~أي ولا تطع أهل الكفر والنفاق فيما يدعونك إليه من اللين والتساهل، وعدم ~~التعرض لآلهتهم بسوء، ولا تقبل أقوالهم وإن أظهروا أنها نصيحة، قال ~~المفسرون: دعا المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفض ذكر آلهتهم ~~بسوء، وأن يقول إن لها شفاعة، فكره صلى الله عليه وسلم ذلك ونزلت الآية { ~~إن الله كان عليما حكيما } أي إنه تعالى عالم بأعمال ~~العباد وما يضمرونه في نفوسهم، حكيم في تدبير شؤونهم { واتبع ما ~~يوحى إليك من ربك } أي واعمل بما يوحيه إليك ربك من الشرع ~~القويم، والدين الحكيم، واستمسك بالقرآن المنزل عليك { إن الله ~~كان بما تعملون خبيرا } أي خبير بأعمالكم لا تخفى عليه ~~خافية من شئونكم، وهو مجازيكم عليها { وتوكل على الله } أي ~~اعتمد عليه، والجأ في جميع أمورك إليه { وكفى بالله وكيلا } ~~أي حسبك أن يكون الله حافظا وناصرا لك ولأصحابك، ثم رد تعالى مزاعم ~~الجاهليين ببيان الحق الساطع فقال: { ما جعل الله لرجل من ~~قلبين في جوفه } أي ما خلق الله لأحد من الناس أيا كان قلبين ~~في صدره، قال مجاهد: نزلت في رجل من قريش كان يدعى " ذا القلبين " من ~~دهائه, وكان يقول: إن في جوفي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل ~~محمد { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم } أي وما جعل زوجاتكم اللواتي تظاهرون منهن أمهاتكم، ~~قال ابن الجوزي: أعلم تعالى أن الزوجة لا تكون أما، وكانت الجاهلية ~~تطلق بهذا الكلام وهو أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي { وما جعل ~~أدعيآءكم أبنآءكم } أي وما جعل الأبناء من التبني الذين ~~ليسوا من أصلابكم أبناء لكم حقيقة { ذلكم قولكم ~~بأفواهكم } أي دعاؤهم أبناء مجرد قول بالفم لا حقيقة له من الواقع ~~{ والله يقول الحق } أي والله تعالى يقول الحق الموافق ~~للواقع، والمطابق له من كل الوجوه ms1156 { وهو يهدي السبيل } أي يرشد ~~إلى الصراط المستقيم، والغرض من الآية التنبيه على بطلان مزاعم ~~الجاهلية، فكما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، فكذلك لا يمكن أن ~~تصبح الزوجة المظاهر منها أما، ولا الولد المتبنى ابنا، لأن الأم ~~الحقيقية هي التي ولدته، والابن الحقيقي هو الذي ولد من صلب الرجل، فكيف ~~يجعلون الزوجات المظاهر منهن أمهات؟ وكيف يجعلون أبناء الآخرين أبناء ~~لهم مع أنهم ليسوا من أصلابهم؟ ثم أمر تعالى برد نسب هؤلاء إلى آبائهم ~~فقال: { ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله } أي انسبوا ~~هؤلاء الذين جعلتموهم لكم أبناء لآبائهم الأصلاء { هو أقسط عند ~~الله } أي هو أعدل وأقسط في حكم الله وشرعه قال ابن جرير: أي دعاؤكم ~~إياهم لآبائهم هو أعدل عند الله وأصدق وأصوب من دعائكم إياهم لغير ~~آبائهم { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في ~~الدين } أي فإن لم تعرفوا آباءهم الأصلاء فتنسبوهم إليهم فهم إخوانكم ~~في الإسلام { ومواليكم } أي أولياؤكم في الدين، فليقل أحدكم: يا ~~أخي ويا مولاي يقصد أخوة الدين وولايته، قال ابن كثير: أمر تعالى برد ~~أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عرفوا، فإن لم يعرفوا فهم إخوانهم في ~~الدين ومواليهم، عوضا عما فاتهم من النسب، ولهذا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لزيد بن حارثة: # " أنت أخونا ومولانا " # وقال ابن عمر: ما كنا ندعو " زيد ابن حارثة " إلا زيد بن محمد حتى نزلت ~~{ ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله } { وليس ~~عليكم جناح فيمآ أخطأتم به } أي وليس عليكم أيها ~~المؤمنون ذنب أو إثم فيمن نسبتموهم إلى غير آبائهم خطأ { ولكن ~~ما تعمدت قلوبكم } أي ولكن الإثم فيما تقصدتم وتعمدتم ~~نسبته إلى غير أبيه { وكان الله غفورا رحيما } أي واسع ~~المغفرة عظيم الرحمة, يعفو عن المخطئ ويرحم المؤمن التائب، ثم بين ~~تعالى شفقة الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته ونصحه لهم فقال: { ~~النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } أي هو عليه ~~السلام أرأف بهم وأعطف عليهم، وأحق بهم من أنفسهم في كل شيء من ms1157 أمور ~~الدين والدنيا، وحكمه أنفذ وطاعته أوجب { وأزواجه أمهاتهم } ~~أي وزوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين في وجوب تعظيمهن واحترامهن، وتحريم ~~نكاحهن قال أبو السعود: أي منزلات منزلة الأمهات، في التحريم واستحقاق ~~التعظيم، وأما فيما عدا ذلك فهن كالأجنبيات { وأولو الأرحام } ~~أي أهل القرابات { بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ~~من المؤمنين والمهاجرين } أي أحق بالإرث من المهاجرين ~~والأنصار في شرع الله ودينه { إلا أن تفعلوا إلى ~~أوليآئكم معروفا } أي إلا أن تحسنوا إلى إخوانكم المؤمنين ~~والمهاجرين في حياتكم، أو توصوا إليهم عند الموت فإن ذلك جائز، وبسط ~~اليد بالمعروف مما حث الله عباده عليه قال المفسرون: وهذا نسخ لما كان ~~في صدر الإسلام من توارث المسلمين من بعضهم بالأخوة الإيمانية وبالهجرة ~~ونحوها { كان ذلك في الكتاب مسطورا } أي كان حكم التوارث ~~بين ذوي الأرحام مكتوبا مسطرا في الكتاب العزيز لا يبدل ولا يغير، قال ~~قتادة: أي مكتوبا عند الله عز وجل ألا يرث كافر مسلما { وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم } أي اذكر وقت أخذنا من ~~النبيين عهدهم المؤكد باليمين، أن يفوا بما التزموا، وأن يصدق بعضهم ~~بعضا, وأن يؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالاتهم { ومنك ~~ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم } أي ~~وأخذنا منك يا محمد الميثاق ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وهؤلاء هم ~~أولو العزم ومشاهير الرسل، وإنما قدمه صلى الله عليه وسلم في الذكر ~~لبيان مزيد شرفه وتعظيمه، قال البيضاوي: خصهم بالذكر لأنهم مشاهير ~~أرباب الشرائع، وقدم نبينا عليه الصلاة والسلام تعظيما له وتكريما ~~لشأنه وقال ابن كثير: بدأ بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه، وبيانا لعظم ~~مكانته، ثم رتبهم بحسب وجودهم في الزمان { وأخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا } أي وأخذنا من الأنبياء عهدا وثيقا عظيما على ~~الوفاء بما التزموا به من تبليغ الرسالة { ليسأل الصادقين عن ~~صدقهم } أي ليسأل الله يوم القيامة الأنبياء الصادقين عن تبليغهم ~~الرسالة إلى قومهم، قال الصاوي: والحكمة في سؤال الرسل مع علمه تعالى ~~بصدقهم هو التقبيح على الكفار يوم القيامة وتبكيتهم وقال ms1158 القرطبي: وفي ~~الآية تنبيه على أن الأنبياء إذا كانوا يسألون يوم القيامة فكيف بمن ~~سواهم؟ وفائدة سؤالهم توبيخ الكفار كما قال تعالى لعيسى: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين # [المائدة: 116] { وأعد للكافرين عذابا أليما } أي وأعد ~~الله للكافرين عذابا مؤلما موجعا، بسبب كفرهم وإعراضهم عن قبول الحق، ~~ثم شرع تعالى في ذكر " غزوة الأحزاب " وما فيها من نعم فائضة، وآيات ~~باهرة للمؤمنين فقال: { يأيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمة الله عليكم } أي اذكروا فضله وإنعامه عليكم { إذ ~~جآءتكم جنود } أي وقت مجيء جنود الأحزاب وتألبهم عليكم، قال أبو ~~السعود: والمراد بالجنود الأحزاب وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة وبني ~~النضير، وكانوا زهاء اثني عشر ألفا، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلام بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة بإشارة " سلمان الفارسي " ثم ~~خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب معسكره والخندق بينه وبين ~~المشركين، واشتد الخوف وظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق في المنافقين ~~حتى قال " معتب بن قشير " يعدنا محمد كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب ~~إلى الغائط { فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم ~~تروها } أي فأرسلنا على الأحزاب ريحا شديدة وجنودا من الملائكة لم ~~تروهم وكانوا قرابة ألف قال المفسرون: بعث الله عليهم ريحا عاصفا وهي ~~ريح الصبا في ليلة شديدة البرد والظلمة، فقلعت بيوتهم، وكفأت قدورهم، ~~وصارت تلقي الرجل على الأرض، وأرسل الله الملائكة فزلزلتهم ولم تقاتل ~~بل ألقت في قلوبهم الرعب { وكان الله بما تعملون بصيرا } ~~أي وهو تعالى مطلع على ما تعملون من حفر الخندق، والثبات على معاونة ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت { إذ جآءوكم من ~~فوقكم } أي حين جاءتكم الأحزاب من فوق الوادي يعني من أعلاه قبل ~~المشرق، ومنه جاءت أسد وغطفان { ومن أسفل منكم } أي ومن أسفل ~~الوادي يعني أدناه قبل المغرب، ومنه جاء قريش وكنانة وأوباش العرب، ~~والغرض أن المشركين جاءوهم من جهة المشرق والمغرب، وأحاطوا بالمسلمين ~~إحاطة السوار بالمعصم، وأعانهم يهود بني قريظة فنقضوا العهد مع الرسول ~~وانضموا إلى المشركين، ms1159 فاشتد الخوف، وعظم البلاء ولهذا قال تعالى { ~~وإذ زاغت الأبصار } أي وحين مالت الأبصار عن سننها ومستوى ~~نظرها حيرة وشخوصا لشدة الهول والرعب { وبلغت القلوب ~~الحناجر } أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى كادت تبلغ الحناجر، ~~وهذا تمثيل لشدة الرعب والفزع الذي دهاهم، حتى كأن أحدهم قد وصل قلبه ~~إلى حنجرته من شدة ما يلاقي من الهول { وتظنون بالله ~~الظنونا } أي وكنتم في تلك الحالة الشديدة تظنون الظنون المختلفة، ~~قال الحسن البصري: ظن المنافقون أن المسلمين يستأصلون، وظن المؤمنون ~~أنهم ينصرون، فالمؤمنون ظنوا خيرا، والمنافقون ظنوا شرا، وقال ابن ~~عطية: كاد المؤمنون يضطربون ويقولون: ما هذا الخلف للوعد؟ وهذه عبارة عن ~~خواطر خطرت للمؤمنين لا يمكن للبشر دفعها، وأما المنافقون فتعجلوا ونطقوا ~~وقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا { هنالك ابتلي ~~المؤمنون } أي في ذلك الزمان والمكان امتحن المؤمنون واختبروا، ~~ليتميز المخلص الصادق من المنافق قال القرطبي: وكان هذا الابتلاء بالخوف ~~والقتال، والجوع والحصر والنزال { وزلزلوا زلزالا شديدا } ~~أي وحركوا تحريكا عنيفا من شدة ما دهاهم، حتى لكأن الأرض تتزلزل بهم ~~وتضطرب تحت أقدامهم، قال ابن جزي: وأصل الزلزلة شدة التحريك وهو هنا ~~عبارة عن اضطراب القلوب وتزعزعها { وإذ يقول المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض } أي واذكر حين يقول المنافقون، ~~والذين في قلوبهم مرض النفاق، لأن الإيمان لم يخالط قلوبهم { ما ~~وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } أي وما وعدنا الله ~~ورسوله إلا باطلا وخداعا، قال الصاوي: والقائل هو " معتب بن قشير " ~~الذي قال: يعدنا محمد بفتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز ~~فرقا، ما هذا إلا وعد غرور، يغرنا به محمد { وإذ قالت طآئفة ~~منهم } أي واذكر حين قالت جماعة من المنافقين وهم: أوس بن قيظي ~~وأتباعه، وأبي بن سلول وأشياعه { يأهل يثرب لا مقام ~~لكم } أي يا أهل المدينة لا قرار لكم ههنا ولا إقامة { فارجعوا ~~} أي فارجعوا إلى منازلكم واتركوا محمدا وأصحابه { ويستأذن ~~فريق منهم النبي } ويستأذن جماعة من المنافقين النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الإنصراف ms1160 متعللين بعلل واهية { يقولون إن ~~بيوتنا عورة } أي غير حصينة فنخاف عليها العدو والسراق { ~~وما هي بعورة } تكذيب من الله تعالى لهم أي ليس الأمر كما ~~يزعمون { إن يريدون إلا فرارا } أي ما يريدون بما طلبوا من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلا الهرب من القتال، والفرار من الجهاد، ~~والتعبير بالمضارع { ويستأذن } لاستحضار الصورة في النفس، فكأن ~~السامع يبصرهم الآن وهم يستأذنون، ثم فضحهم تعالى وبين كذبهم ونفاقهم ~~فقال: { ولو دخلت عليهم من أقطارها } أي ولو دخل ~~الأعداء على هؤلاء المنافقين من جميع نواحي المدينة وجوانبها { ثم ~~سئلوا الفتنة لآتوها } أي ثم طلب إليهم أن يكفروا وأن ~~يقاتلوا المسلمين لأعطوها من أنفسهم { وما تلبثوا بهآ إلا ~~يسيرا } أي لفعلوا ذلك مسرعين، ولم يتأخروا عنه لشدة فسادهم، وذهاب ~~الحق من نفوسهم، فهم لا يحافظون على الإيمان ولا يستمسكون به مع أدنى ~~خوف وفزع، وهذا ذم لهم في غاية الذم { ولقد كانوا عاهدوا ~~الله من قبل لا يولون الأدبار } أي ولقد كان هؤلاء ~~المنافقون أعطوا ربهم العهود والمواثيق من قبل غزوة الخندق وبعد بدر ألا ~~يفروا من القتال { وكان عهد الله مسئولا } أي وكان هذا ~~العهد منهم جديرا بالوفاء لأنهم سيسألون عنه، وفيه تهديد ووعيد، قال ~~قتادة: لما غاب المنافقون عن بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من ~~الكرامة والنصر، قالوا لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن { قل لن ~~ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } ~~أي قل يا أيها النبي لهؤلاء المنافقين، الذين يفرون من القتال طمعا في ~~البقاء وحرصا على الحياة، إن فراركم لن يطول أعماركم ولن يؤخر آجالكم، ~~ولن يدفع الموت عنكم أبدا { وإذا لا تمتعون إلا قليلا ~~} أي ولئن هربتم وفررتم فإذا لا تمتعون بعده إلا زمنا يسيرا، لأن ~~الموت مآل كل حي، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره { قل من ذا الذي ~~يعصمكم من الله } أي من يستطيع أن يمنعكم منه تعالى { إن ~~أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة } أي إن قدر ~~هلاككم ودماركم، أو ms1161 قدر بقاءكم ونصركم؟ { ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا ولا نصيرا } أي وليس لهم من دون الله مجير ~~ولا مغيث، فلا قريب ينفعهم ولا ناصر ينصرهم { قد يعلم الله ~~المعوقين منكم } أي لقد علم الله تعالى ما كان من أمر أولئك ~~المنافقين، المثبطين للعزائم، الذين يعوقون الناس عن الجهاد، ويصدونهم ~~عن القتال { والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا } أي ~~والذين يقولون لإخوانهم في الكفر والنفاق: تعالوا إلينا واتركوا محمدا ~~وصحبه يهلكوا ولا تقاتلوا معهم، قال تعالى: { ولا يأتون البأس ~~إلا قليلا } أي ولا يحضرون القتال إلا قليلا منهم رياء وسمعة، ~~قال الصاوي: لأن شأن من يثبط غيره عن الحرب ألا يفعله إلا قليلا لغرض ~~خبيث وقال في البحر: المعنى: لا يأتون القتال إلا إتيانا قليلا، يخرجون ~~مع المؤمنين يوهمونهم أنهم معهم، ولا تراهم يقاتلون إلا شيئا قليلا إذا ~~اضطروا إليه، فقتالهم رياء ليس بحقيقة { أشحة عليكم } أي ~~بخلاء عليكم بالمودة والشفقة والنصح لأنهم لا يريدون لكم الخير { فإذا ~~جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم ~~كالذي يغشى عليه من الموت } أي فإذا حضر القتال رأيت ~~أولئك المنافقين في شدة رعب لا مثيل لها، حتى إنهم لتدور أعينهم في ~~أحداقهم كحال المغشي عليه من معالجة سكرات الموت حذرا وخورا، قال ~~القرطبي: وصفهم بالجبن، وكذا سبيل الجبان ينظر يمينا وشمالا محددا ~~بصره، وربما غشي عليه من شدة الخوف { فإذا ذهب الخوف ~~سلقوكم بألسنة حداد } أي فإذا ذهب الخوف عنهم وانجلت ~~المعركة آذوكم بالكلام بألسنة سليطة، وبالغوا فيكم طعنا وذما، قال ~~قتادة: إذا كان وقت قسمة الغنيمة بسطوا ألسنتهم فيكم يقولون: أعطونا ~~أعطونا فإنا قد شهدنا معكم، ولستم أحق بها منا، فأما عند البأس فأجبن ~~قوم وأخذلهم للحق، وأما عند الغنيمة فأشح قوم وأبسطهم لسانا { ~~أشحة على الخير } أي خاطبوكم بما خاطبوكم به حال كونهم أشحة ~~أي بخلاء على المال والغنيمة { أولئك لم يؤمنوا } أي أولئك ~~الموصوفون بما ذكر من صفات السوء، لم يؤمنوا حقيقة بقلوبهم وإن أسلموا ~~ظاهرا { فأحبط الله أعمالهم } أي أبطلها ms1162 بسبب كفرهم ~~ونفاقهم، لأن الإيمان شرط في قبول الأعمال { وكان ذلك على ~~الله يسيرا } أي وكان ذلك الإحباط سهلا هينا على الله، ثم أخبر ~~تعالى عنهم بما يدل على جبنهم فقال: { يحسبون الأحزاب لم ~~يذهبوا } أي يحسب المنافقون من شدة خوفهم وجبنهم أن الأحزاب وهم ~~كفار قريش ومن تحزب معهم بعد انهزامهم لم ينصرفوا عن المدينة وهم قد ~~انصرفوا { وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون ~~في الأعراب } أي وإن يرجع إليهم الكفار كرة ثانية للقتال يتمنوا ~~لشدة جزعهم أن يكونوا في البادية من الأعراب لا في المدينة معكم ~~حذرا من القتل وتربصا للدوائر { يسألون عن أنبآئكم } أي ~~يسألون عن أخباركم وما وقع لكم فيقولون: أهلك المؤمنون؟ أغلب أبو سفيان؟ ~~ليعرفوا حالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة { ولو كانوا فيكم ما ~~قاتلوا إلا قليلا } أي ولو أنهم كانوا بينكم وقت القتال ~~واحتدام المعركة ما قاتلوا معكم إلا قتالا قليلا، لجبنهم وذلتهم وحرصهم ~~على الحياة. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التنكير لإفادة الاستغراق والشمول { ما جعل الله لرجل ~~من قلبين } وإدخال حرف الجر الزائد لتأكيد الاستغراق، وذكر الجوف ~~{ في جوفه } لزيادة التصوير في الإنكار. # 2- جناس الاشتقاق { وتوكل على الله وكفى بالله ~~وكيلا }. # 3- الطباق بين { أخطأتم..و.. تعمدت قلوبكم } وبين { ~~سوء..و.. رحمة } لأن المراد بالسوء الشر، وبالرحمة الخير. # 4- التشبيه البليغ { وأزواجه أمهاتهم } حذف منه وجه الشبه ~~وأداة التشبيه فصار بليغا، وأصل الكلام وأزواجه مثل أمهاتهم في وجوب ~~الاحترام والتعظيم، والإجلال والتكريم. # 5- المجاز بالحذف { أولى ببعض } أي أولى بميراث بعض. # 6- ذكر الخاص بعد العام للتشريف { وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح } فقد دخل هؤلاء المذكورون في جملة ~~النبيين ولكنه خصهم بالذكر تنويها بشأنهم وتشريفا لهم. # 7- الاستعارة { ميثاقا غليظا } استعار الشيء الحسي وهو الغلظ ~~الخاص بالأجسام للشيء المعنوي وهو بيان حرمة الميثاق وعظمه وثقل حمله. # 8- الالتفات { ليسأل الصادقين } وغرضه التبكيت والتقبيح ~~للمشركين. # 9- الطباق بين { من فوقكم..و.. أسفل منكم }. # 10- التشبيه التمثيلي { تدور أعينهم كالذي يغشى ~~عليه من الموت } لأن وجه ms1163 الشبه منتزع من متعدد. # 11- المبالغة في التمثيل { وبلغت القلوب الحناجر } صور ~~القلوب في خفقانها واضطرابها كأنها وصلت إلى الحلقوم. # 12- الكناية { لا يولون الأدبار } كناية عن الفرار من الزحف. # 13- الاستعارة المكنية { سلقوكم بألسنة حداد } شبه ~~اللسان بالسيف المصلت وحذف ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو ~~السلق بمعنى الضرب على طريق الاستعارة المكنية، ولفظ { حداد } ترشيح. # 14- توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل { كان ذلك في الكتاب ~~مسطورا.. ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } ~~ونحوه وهو يزيد في رونق الكلام وجماله، لما له من وقع رائع، وجرس عذب. # تنبيه: خاطب الله تعالى الأنبياء بأسمائهم فقال # ينوح اهبط بسلام منا # [هود: 48]، # يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ # [الصافات: 104105]، # يموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي # [الأعراف: 144] ولم يخاطب الرسول إلا بلفظ النبوة والرسالة # يأيها النبي حسبك الله # [الأنفال: 64]، # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك # [المائدة: 67] الخ ولا نجد في القرآن العظيم كله نداء له باسمه، وإنما ~~النداء بلفظ النبوة والرسالة، وفي هذا تفخيم لشأنه، وتعظيم لمقامه، ~~وإشارة إلى أنه سيد الأولين والآخرين، وإمام الأنبياء والمرسلين، وتعليم ~~لنا الأدب معه صلى الله عليه وسلم، فلا نذكره إلا مع الإجلال والإكرام، ~~ولا نصفه إلا بالوصف الأكمل # لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا # [النور: 63]، # إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى # [الحجرات: 3] الآية. # لطيفة: إن قيل: ما الفائدة بأمر الله رسوله بالتقوى وهو سيد المتقين؟ ~~فالجواب أنه أمر بالثبات والاستدامة على التقوى كقوله # يا أيها الذين آمنوا آمنوا # [النساء: 136] أي اثبتوا على الإيمان وكقول المسلم: # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6] وهو مهتد إليه وغرضه ثبتنا على الصراط المستقيم، أو نقول: ~~الخطاب للرسول والمراد أمته. ### || [33.21-35] # المناسبة: لما ذكر تعالى غزوة الأحزاب، وموقف المنافقين المذبذبين ~~منها، بالقعود عن الجهاد، وتثبيط العزائم، أمر المؤمنين في هذه الآيات ~~بالاقتداء بالرسول الكريم في صبره وثباته، وتضحيته وجهاده، ثم جاء الحديث ~~عن زوجات رسول الله الطاهرات، وأمرهن بالاقتداء برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms1164 في زهده، وعدم التطلع إلى زهرة الدنيا لأنهن قدوة لسائر نساء ~~المؤمنين. # اللغة: { أسوة } الأسوة: القدوة وفيها لغتان كسر الهمزة وضمها ~~يقال: ائتسى فلان بفلان أي اقتدى به. { نحبه } النحب: النذر ~~والعهد يقال: نحب ينحب من باب قتل نذر، ومن باب ضرب بكى، قال لبيد: # ألا تسألان المرء ماذا يحاول # أنحب فيقضى أم ضلال وباطل # ويقال: قضى نحبه إذا مات، وعبر به عن الموت لأن كل حي لا بد أن ~~يموت، فكأنه نذر لازم في رقبته فإذا مات فقد قضى نحبه أي نذره. { ~~صياصيهم } حصونهم جمع صيصية وهو ما يتحصن به، قال الشاعر: # فأصبحت الثيران صرعى # وأصبحت نساء تميم يبتدرن الصياصيا # { أمتعكن } متعة الطلاق، وأصل المتاع ما يتبلغ به من الزاد، ~~ومنه متعة المطلقة لأنها تنتفع وتتمتع به. { وأسرحكن } ~~أطلقكن، وأصل التسريح في اللغة: الإرسال والإطلاق. { تبرجن } ~~تبرجت المرأة: أظهرت زينتها ومحاسنها للأجانب، وأصله من الظهور ومنه سمي ~~البرج لسعته وظهوره. { وقرن } إلزمن بيوتكن من قولهم: قررت بالمكان ~~أقر به إذا بقيت فيه ولزمته، والقرار: مصدر، وأصل " قرن " اقررن حذفت ~~الراء وألقيت فتحتها على ما قبلها، واستغني عن ألف الوصل لتحرك القاف. { ~~الرجس } في اللغة: القذر والنجاسة، وعبر به هنا عن الآثام لأن عرض ~~المقترف للقبائح يتلوث بها ويتدنس، كما يتلوث بدنه بالنجاسات. # سبب النزول: أ - أخرج ابن جرير الطبري عن أنس بن مالك قال: غاب عمي ~~" أنس بن النضر " عن قتال يوم بدر، فقال: غبت عن أول قتال مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ لئن أشهدني الله قتالا ليرين الله ما أصنع؟ فلما ~~كان يوم أحد انكشف المسلمون انهزموا فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما ~~فعل هؤلاء يعني المشركين وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني ~~المسلمين - ثم مشى بسيفه فلقيه " سعد بن معاذ " فقال: أي سعد والله إني ~~لأجد ريح الجنة دون أحد! ثم قاتل حتى قتل، فقال سعد يا رسول الله: ما ~~استطعت أن أصنع ما صنع، قال أنس بن مالك: فوجدناه بين القتلى وبه بضع ~~وثمانون ms1165 جراحة بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، فما عرفناه ~~حتى جاءت أخته فعرفته ببنانه - رءوس الأصابع قال أنس: فكنا نتحدث أن ~~هذه الآية { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ~~ينتظر. # . } نزلت فيه وفي أصحابه. # ب - وروى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: # " أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والناس ببابه جلوس - فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر رضي الله عنه فاستأذن ~~فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم ~~جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لعله يضحك! فقال يا رسول الله: لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر ~~سألتني النفقة آنفا فوجأت عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~بدت نواجذه، وقال: " هن حولي يسألنني النفقة "! فقام أبو بكر إلى ~~عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصه كلاهما يقولان: تسألان رسول الله ما ~~ليس عنده؟ فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: والله لا نسأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده، وأنزل الله ~~آية الخيار { يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن ~~تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين ~~أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا } فبدأ بعائشة رضي ~~الله عنها فقال لها: إني أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى ~~تستأمري أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية فقالت: أفيك ~~أستأمر أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألا تذكر ~~لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال: إن الله لم يبعثني معنفا ولكن بعثني ~~معلما وميسرا، لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها ". # ج عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يا ~~نبي الله: ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء لا يذكرن!؟ ~~فأنزل الله تعالى: { إن المسلمين والمسلمات ~~والمؤمنين والمؤمنات.. } الآية. # التفسير: { لقد كان ms1166 لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة } أي لقد كان لكم أيها المؤمنون في هذا الرسول العظيم قدوة ~~حسنة، تقتدون به صلى الله عليه وسلم في إخلاصه، وجهاده، وصبره، فهو المثل ~~الأعلى الذي يجب أن يقتدى به، في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، لأنه لا ~~ينطق ولا يفعل عن هوى، بل عن وحي وتنزيل، فلذلك وجب عليكم تتبع نهجه، ~~وسلوك طريقه { لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر } أي ~~لمن كان مؤمنا مخلصا يرجو ثواب الله، ويخاف عقابه { وذكر الله ~~كثيرا } أي وأكثر من ذكر ربه، بلسانه وقلبه قال ابن كثير: أمر تبارك ~~وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في صبره ومصابرته، ~~ومجاهدته ومرابطته، ولهذا قال للذين تضجروا وتزلزلوا، واضطربوا يوم ~~الأحزاب { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } ~~والمعنى: هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم!! ثم حكى ~~تعالى موقف المؤمنين الصادقين في غزوة الأحزاب أثناء رؤيتهم جنود قريش ~~ومن تحزب معهم، وما صدر عن المؤمنين من إخلاص ويقين، تظهر بوضوح روح ~~الإيمان والتضحية فقال { ولما رأى المؤمنون الأحزاب ~~قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله } أي ولما رأى ~~المؤمنون الكفار قادمين نحوهم، وقد أحاطوا بهم من كل جانب إحاطة السوار ~~بالمعصم، قالوا: هذا ما وعدنا به الله ورسوله، من المحنة والابتلاء، ثم ~~النصر على الأعداء { وصدق الله ورسوله } أي صدق الله في ~~وعده، ورسوله فيما بشرنا به، قال المفسرون: # " لما كان المسلمون يحفرون الخندق اعترضتهم صخرة عظيمة عجزوا عن ~~تكسيرها، فأخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم بها فجاء وأخذ المعول وضربها ~~ثلاث ضربات أضاءت له منها مدائن كسرى، وقصور الروم، فقال: أبشروا بالنصر ~~" # ، فلما أقبلت جموع المشركين ورأوهم قالوا: { هذا ما وعدنا ~~الله ورسوله وصدق الله ورسوله } { وما زادهم ~~إلا إيمانا وتسليما } أي وما زادهم ما رأوه من كثرة جند ~~الأحزاب، ومن شدة الضيق والحصار، إلا إيمانا قويا عميقا بالله، ~~واستسلاما وانقيادا لأوامره { من المؤمنين رجال صدقوا ~~ما عاهدوا الله عليه } أي ولقد كان من أولئك المؤمنين ms1167 رجال ~~صاقدون، نذروا أنهم إذا أدركوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا { فمنهم من قضى نحبه } أي ~~فمنهم من وفى بنذره وعهده حتى استشهد في سبيل الله كأنس بن النضر وحمزة ~~{ ومنهم من ينتظر } أي ومنهم من ينتظر الشهادة في سبيل الله { ~~وما بدلوا تبديلا } أي وما غيروا عهدهم الذي عاهدوا عليه ~~ربهم أبدا { ليجزي الله الصادقين بصدقهم } أي ليجزي ~~الله الصادقين بسبب صدقهم وحسن صنيعهم أحسن الجزاء في الآخرة { ~~ويعذب المنافقين إن شآء أو يتوب عليهم } أي ~~ويعذب المنافقين الناقضين للعهود بأن يميتهم على النفاق فيعذبهم، أو ~~يتوب عليهم فيرحمهم { إن الله كان غفورا رحيما } أي واسع ~~المغفرة رحيما بالعباد، قال ابن كثير: ولما كانت رحمته ورأفته تبارك ~~وتعالى هي الغالبة لغضبه ختم بها الآية الكريمة { ورد الله ~~الذين كفروا بغيظهم } أي ورد الله الأحزاب الذين تألبوا ~~على غزو المدينة خائبين خاسرين، مغيظين محنقين، لم يشف صدورهم بنيل ما ~~أرادوا { لم ينالوا خيرا } أي حال كونهم لم ينالوا أي خير لا ~~في الدنيا ولا في الآخرة، بل قد اكتسبوا الآثام في مبارزة الرسول عليه ~~السلام وهمهم بقتله { وكفى الله المؤمنين القتال } أي ~~كفاهم شر أعدائهم بأن أرسل عليهم الريح والملائكة حتى ولوا الأدبار ~~منهزمين { وكان الله قويا عزيزا } أي قادرا على الانتقام ~~من أعدائه، عزيزا غالبا لا يقهر، ولهذا كان عليه السلام يقول: # " لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده " # { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من ~~صياصيهم } أي وأنزل اليهود وهم بنو قريظة الذين أعانوا المشركين ~~ونقضوا عهدهم وانقلبوا على النبي وأصحابه، أنزلهم من حصونهم وقلاعهم التي ~~كانوا يتحصنون فيها { وقذف في قلوبهم الرعب } أي ألقى الله ~~في قلوبهم الخوف الشديد حتى فتحوا الحصون واستسلموا قال ابن جزي: نزلت ~~الآية في يهود " بني قريظة " وذلك أنهم كانوا معاهدين لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنقضوا عهده وصاروا مع قريش، فلما انهزم المشركون وانصرفت ~~قريش عن المدينة حاصر ms1168 رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة حتى نزلوا ~~على حكم " سعد بن معاذ " فحكم بأن يقتل رجالهم، ويسبى نساءهم وذريتهم ~~فذلك قوله تعالى: { فريقا تقتلون } يعني الرجال وقتل منهم يومئذ ~~ما بين الثمانمائة والتسعمائة { وتأسرون فريقا } يعني النساء ~~والذرية { وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم } أي ~~وأورثكم يا معشر المؤمنين أرض بني قريظة وعقارهم وخيلهم ومنازلهم ~~وأموالهم التي تركوها { وأرضا لم تطئوها } أي وأرضا أخرى لم ~~تطؤوها بعد بأقدامكم، وهي خيبر لأنها أخذت بعد قريظة، وكل أرض فتحها ~~المسلمون بعد ذلك { وكان الله على كل شيء قديرا } أي ~~قادرا على كل ما أراد، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، قال أبو ~~حيان: ختم تعالى هذه الآية ببيان قدرته على كل شيء، وكأن في ذلك إشارة ~~إلى فتحه على المسلمين الفتوح الكثيرة، فكما ملكهم هذه الأراضي فكذلك ~~هو قادر على أن يملكهم غيرها من البلاد { يأيها النبي قل ~~لأزواجك } أي قل لزوجاتك اللاتي تأذيت منهن بسبب سؤالهن إياك ~~الزيادة في النفقة { إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها } أي إن رغبتن في سعة الدنيا ونعيمها، وبهرجها الزائل { ~~فتعالين أمتعكن } أي فتعالين حتى أدفع لكن متعة الطلاق ~~{ وأسرحكن سراحا جميلا } أي وأطلقكن طلاقا من غير ~~ضرار { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ~~الآخرة } أي وإن كنتن ترغبن في رضوان الله ورسوله، والفوز بالنعيم ~~الوافر في الدار الآخرة { فإن الله أعد للمحسنات ~~منكن أجرا عظيما } جواب الشرط أي فإن الله تعالى قد هيأ ~~للمحسنات منكن بمقابلة إحسانهن ثوابا كبيرا لا يوصف، وهو الجنة التي ~~فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال في البحر: ~~لما نصر الله نبيه، وفرق عنه الأحزاب، وفتح عليه قريظة والنظير، ظن ~~أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن يا رسول ~~الله: بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، ونحن على ما تراه من الفاقة ~~والضيق!! وآلمن قلبه بمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملهن بما يعامل ~~به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره ms1169 الله أن يتلو عليهن ما نزل في ~~أمرهن، وأزواجه إذ ذاك تسع زوجات { ينسآء النبي من يأت ~~منكن بفاحشة مبينة } أي من تفعل منكن كبيرة من الكبائر، ~~أو ذنبا تجاوز الحد في القبح، قال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق { ~~يضاعف لها العذاب ضعفين } أي يكون جزاؤها ضعف جزاء غيرها ~~من النساء، لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل والمرتبة { وكان ~~ذلك على الله يسيرا } أي كان ذلك العقاب سهلا يسيرا على ~~الله، لا يمنعه منه كونهن أزواج ونساء النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ~~الآية تلوين للخطاب، فبعد أن كانت المخاطبة لهن على لسان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وجه الخطاب إليهن هنا مباشرة لإظهار الاعتناء ~~بأمرهن ونصحهن، قال الصاوي: وهذه الآيات خطاب من الله لأزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم إظهارا لفضلهن، وعظم قدرهن عند الله تعالى، لأن العتاب ~~والتشديد في الخطاب مشعر برفعة رتبتهن، لشدة قربهن من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولأنهن أزواجه في الجنة، فبقدر القرب من رسول الله يكون القرب ~~من الله { ومن يقنت منكن لله ورسوله } أي ومن تواظب ~~منكن على طاعة الله وطاعة رسوله { وتعمل صالحا } أي وتتقرب إلى ~~الله بفعل الخير وعمل الصالحات { نؤتهآ أجرها مرتين } أي ~~نعطها الثواب مضاعفا ونثيبها مرتين: مرة على الطاعة والتقوى، وأخرى على ~~طلبهن رضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقناعة وحسن المعاشرة { ~~وأعتدنا لها رزقا كريما } أي وهيأنا لها في الجنة زيادة ~~على ما لها من أجر رزقا حسنا مرضيا لا ينقطع، ثم أظهر فضيلتهن على ~~النساء فقال: { ينسآء النبي لستن كأحد من ~~النسآء } أي أنتن تختلفن عن سائر النساء من جهة أنكن أفضل وأشرف من ~~غيركن، لكونكن زوجات خاتم الرسل، وأفضل الخلق محمد عليه أفضل الصلاة ~~والتسليم، فليست الواحدة منكن كالواحدة من آحاد النساء { إن ~~اتقيتن } شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله أي إن اتقيتن الله ~~فأنتن بأعلى المراتب قال القرطبي: بين تعالى أن الفضيلة إنما تتم ~~لهن بشرط التقوى، لما ms1170 منحهن الله من صحبة رسوله سيد الأولين والآخرين، ~~وقال ابن عباس: يريد في هذه الآية: ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من ~~النساء الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم إن اتقيتن، فشرط ~~عليهن التقوى بيانا أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى، لا بنفس اتصالهن ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم { فلا تخضعن بالقول } أي فلا ~~ترققن الكلام عند مخاطبة الرجال { فيطمع الذي في قلبه ~~مرض } أي فيطمع من كان في قلبه فجور وريبة، وحب لمحادثة النساء { ~~وقلن قولا معروفا } أي وقلن قولا حسنا عفيفا لا ريبة فيه، ~~ولا لين ولا تكسر عند مخاطبتكن للرجال قال ابن كثير: ومعنى هذا أنها ~~تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، ولا تخاطب الأجنبي كما تخاطب ~~زوجها { وقرن في بيوتكن } أي الزمن بيوتكن ولا تخرجن ~~لغير حاجة، ولا تفعلن كما تفعل الغافلات، المتسكعات في الطرقات لغير ~~ضرورة { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } أي لا ~~تظهرن زينتكن ومحاسنكن للأجانب مثل ما كان نساء الجاهلية يفعلن، حيث ~~كانت تخرج المرأة إلى الأسواق مظهرة لمحاسنها، كاشفة ما لا يليق كشفه من ~~بدنها قال قتادة: كانت لهن مشية فيها تكسر وتغنج فنهى الله تعالى عن ~~ذلك { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة } أي حافظن على إقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة، قال ابن كثير: نهاهن أولا عن الشر، ثم أمرهن ~~بالخير، من إقامة الصلاة وهي عبادة الله وحده، وإيتاء الزكاة وهي ~~الإحسان إلى المخلوقين { وأطعن الله ورسوله } أي أطعن الله ~~ورسوله في جميع الأوامر والنواهي لتنلن مرتبة المتقيات { إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس } أي إنما يريد الله أن ~~يخلصكن من دنس المعاصي، ويطهركن من الآثام، التي يتدنس بها عرض ~~الإنسان كما يتلوث بدنه بالنجاسات { أهل البيت } أي يا أهل بيت ~~النبوة { ويطهركم تطهيرا } أي ويطهركم من أوضار الذنوب ~~والمعاصي تطهيرا بليغا { واذكرن ما يتلى في بيوتكن ~~من آيات الله والحكمة } أي وأقرأن آيات القرآن، وسنة النبي ~~عليه الصلاة والسلام، فإن فيهما الفلاح والنجاح، قال الزمخشري: ذكرهن ~~أن بيوتهن مهابط الوحي، وأمرهن ألا ينسين ms1171 ما يتلى فيها من الكتاب ~~الجامع بين أمرين: آيات بينات تدل على صدق النبوة، وحكمة وعلوم وشرائع ~~سماوية { إن الله كان لطيفا خبيرا } أي عالما بما يصلح ~~لأمر العباد، خبيرا بمصالحهم ولذلك شرع للناس ما يسعدهم في دنياهم ~~وآخرتهم، ثم أخبر تعالى أن المرأة والرجل في الجزاء والثواب سواء فقال: { ~~إن المسلمين والمسلمات } هم المتمسكون بأوامر الإسلام ~~المتخلقون بأخلاقه رجالا ونساء { والمؤمنين والمؤمنات } ~~أي المصدقين بالله وآياته، وما أنزل على رسله وأنبيائه { ~~والقانتين والقانتات } أي العابدين الطائعين، المداومين على ~~الطاعة { والصادقين والصادقات } أي الصادقين في إيمانهم، ~~ونياتهم، وأقوالهم، وأعمالهم { والصابرين والصابرات } أي ~~الصابرين على الطاعات وعن الشهوات في المكره والمنشط { والخاشعين ~~والخاشعات } أي الخاضعين الخائفين من الله جل وعلا، المتواضعين له ~~بقلوبهم وجوارحهم { والمتصدقين والمتصدقات } أي ~~المتصدقين بأموالهم على الفقراء، بالإحسان وأداء الزكوات { ~~والصائمين والصائمات } أي الصائمين لوجه الله شهر رمضان وغيره ~~من الأيام، فالصوم زكاة البدن يزكيه ويطهره { والحافظين ~~فروجهم والحافظات } أي عن المحارم والآثام، وعما لا يحل من ~~الزنى وكشف العورات { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ~~} أي المديمين ذكر الله بألسنتهم وقلوبهم في كل الأوقات والأمكنة { ~~أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما } أي أعد لهؤلاء ~~المتقين الأبرار، المتصفين بالصفات الجليلة أعظم الأجر والثواب وهو ~~الجنة، مع تكفير الذنوب بسبب ما فعلوه من الأعمال الحسنة. # البلاغة: تضمنت الآيات وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- الإطناب بتكرار الاسم الظاهر { هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله وصدق الله ورسوله } كرر الإسم الكريم للتشريف ~~والتعظيم. # 2- الاستعارة { قضى نحبه } النحب، النذر، واستعير للموت لأنه ~~نهاية كل حي، فكأنه نذر لازم في رقبة الإنسان. # 3- الجملة الاعتراضية { ويعذب المنافقين إن شآء أو ~~يتوب عليهم } للتنبيه على أن أمر العذاب أو الرحمة موكول لمشيئته ~~تعالى. # 4- المقابلة بين { إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها } وبين { وإن كنتن تردن الله ورسوله ~~والدار الآخرة }. # 5- التشبيه البليغ { ولا تبرجن تبرج الجاهلية } أي ~~كتبرج أهل الجاهلية حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فصار بليغا. # 6- عطف العام على الخاص { وأطعن الله ورسوله } بعد قوله: ms1172 { ~~وأقمن الصلاة وآتين الزكاة } فإن إطاعة الله ورسوله ~~تشمل كل ما تقدم من الأوامر والنواهي. # 7- الاستعارة { يذهب عنكم الرجس.. ويطهركم ~~تطهيرا } استعار الرجس للذنوب، والطهر للتقوى لأن عرض المرتكب ~~للمعاصي يتندس، وأما الطاعة فالعرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر. # 8- الإيجاز بالحذف { والحافظات } حذف المفعول لدلالة السابق ~~عليه أي والحافظات فروجهن. # 9- التغليب { أعد الله لهم } غلب الذكور وجمع الإناث معهم ~~ثم أدرجهم في الضمير. # 10- توافق الفواصل مثل { يسيرا، قديرا، كثيرا } وهو من ~~المحسنات البديعية. ### || [33.36-52] # المناسبة: لما ذكر تعالى صفات المؤمنين وما نالوه من الدرجات ~~الرفيعة، أعقبها ببيان أن طاعة الرسول من طاعة الله، وأمر الرسول من أمر ~~الله، ثم ذكرهم تعالى بالنعمة العظمى وهي بعثة السراج المنير، المبعوث ~~رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم. # اللغة: { الخيرة } مصدر بمعنى الاختيار من تخير على غير قياس ~~مثل الطيرة من تطير { مبديه } أبدى الشيء: أظهره { وطرا } ~~الوطر: الحاجة التي هي في النفس قال الزجاج: الوطر الحاجة التي لك فيها ~~همة فإذا بلغها الإنسان يقال: قضى وطره، وقال المبرد: الوطر: ~~الشهوة يقال: ما قضيت من لقائك وطرا أي ما استمتعت بك كما تشتهي ~~نفسي وأنشد: # وكيف ثوابي بالمدينة بعدما # قضى وطرا منها جميل بن معمر # { حرج } ضيق وإثم { خلوا } مضو وذهبوا { قدرا مقدورا } ~~قضاء مقضيا في الأزل { بكرة } البكرة: هي أول النهار { أصيلا } ~~الأصيل: آخر النهار { ترجي } تؤخر يقال أرجيت الأمر وأرجأته إذا ~~أخرته { تؤوي } تضم ومنه # آوى إليه أخاه # [يوسف: 69]. # سبب النزول: عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~زينب بنت جحش لمولاه " زيد بن حارثة " فاستنكفت منه وكرهت وأبت فنزلت ~~الآية { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.. } ~~الآية فأذعنت زينب حينئذ وتزوجته.. وفي رواية فامتنعت وامتنع أخوها عبد ~~الله لنسبها من قريش فلما نزلت الآية جاء أخوها فقال يا رسول الله مرني ~~بما شئت قال: فزوجها من زيد، فرضي وزوجها. # التفسير: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } أي لا ms1173 ينبغي ولا ~~يصح ولا يليق بأي واحد من المؤمنين والمؤمنات { إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا } أي إذا أمر الله عز وجل وأمر رسوله بشيء من ~~الأشياء قال الصاوي: ذكر اسم الله للتعظيم وللإشارة إلى أن قضاء رسول ~~الله هو قضاء الله لكونه لا ينطق عن الهوى { أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم } أي أن يكون لهم رأي أو اختيار، بل عليهم ~~الانقياد والتسليم، قال ابن كثير: وهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك ~~أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد ~~ولا رأي ولا قول، ولهذا شدد النكير فقال: { ومن يعص الله ~~ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } أي ومن يخالف أمر الله ~~وأمر رسوله فقد حاد عن الطريق السوي، وأخطأ طريق الصواب، وضل ضلالا ~~بينا واضحا { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه } أي ~~اذكر أيها الرسول وقت قولك للذي أنعم الله عليه بالهداية للإسلام { ~~وأنعمت عليه } بالتحرير من العبودية والإعتاق، قال المفسرون: ~~هو " زيد بن حارثة " كان من سبي الجاهلية اشترته " خديجة " ووهبته لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فكان مملوكا عنده ثم أعتقه وتبناه، وزوجه ~~ابنة عمته " زينب بنت جحش " رضي الله عنها { أمسك عليك زوجك ~~واتق الله } أي أمسك زوجتك زينب في عصمتك ولا تطلقها، واتق ~~الله في أمرها { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } أي ~~وتضمر يا محمد في نفسك ما سيظهره الله وهو إرادة الزواج بها قال في ~~التسهيل: الذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر جائز مباح لا إثم ~~فيه ولا عتب، ولكنه خاف أن يقول الناس تزوج امرأة ابنه إذ كان قد تبناه، ~~فأخفاه حياء وحشمة وصيانة لعرضه من ألسنتهم، فالذي أخفاه صلى الله عليه ~~وسلم هو إرادة تزوجها ليبطل حكم التبني فأبدى الله ذلك بأن قضى له ~~بتزوجها { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } أي تهاب ~~أن يقول الناس تزوج محمد حليلة ابنه، والله أحق أن تخشاه وحده، وأن ~~تجهر بما أوحاه إليك من أنك ستتزوج بها ms1174 بعد أن يطلقها زيد، قال ابن ~~عباس: خشي أن يقول المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه { فلما قضى ~~زيد منها وطرا زوجناكها } أي فلما قضى زيد حاجته من ~~نكاحها وطلقها زوجناك إياها يا محمد، وهذا نص قاطع صريح على أن الذي ~~أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو إرادة الزواج بها بعد تطليق زيد ~~لها تنفيذا لأمر الوحي، لا حبه لها كما زعم الأفاكون، ومعنى { ~~زوجناكها } جعلناها زوجة لك، قال المفسرون: إن الذي تولى ~~تزويجها هو الله جل وعلا، فلما انقضت عدتها دخل عليها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بلا إذن ولا عقد ولا مهر ولا شهود، وكان ذلك خصوصية للرسول ~~صلى لله عليه وسلم روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: # " كانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى لله عليه وسلم وتقول: ~~زوجكن أهاليكن، وزوجني ربي من فوق سبع سموات " # ثم ذكر تعالى الحكمة من هذا الزواج فقال: { لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم إذا قضوا ~~منهن وطرا } أي لئلا يكون في تشريع الله على المؤمنين ضيق ومشقة ~~وتأثم في حق تزوج مطلقات الأبناء من التبني، إذا لم يبق لأزواجهن حاجة ~~فيهن، قال ابن الجوزي: المعنى زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي تبنيته ~~ لكيلا يظن أن امرأة المتبنى لا يحل نكاحها { وكان أمر ~~الله مفعولا } أي وكان أمر الله لك، ووحيه إليك بتزوج زينب ~~مقدرا محتما كائنا لا محالة، ولما نفى الحرج عن المؤمنين، نفى الحرج ~~عن سيد المرسلين بخصوصه على سبيل التكريم والتشريف فقال: { ما كان ~~على النبي من حرج فيما فرض الله له } أي لا حرج ~~ولا إثم ولا عتاب على النبي فيما أباح الله له وقسم من الزوجات، قال ~~الضحاك: كان اليهود عابوه بكثرة النكاح، فرد الله عليهم بقوله: { ~~سنة الله في الذين خلوا من قبل } أي هذه سنة الله في ~~جميع الأنبياء السابقين حيث وسع عليهم فيما أباح لهم، قال القرطبي: أي ~~سن لمحمد صلى الله عليه وسلم ms1175 في التوسعة عليه في النكاح، سنة الأنبياء ~~الماضية كداود وسليمان، فكان لداود مائة امرأة ولسليمان ثلاثمائة امرأة، ~~عدا السريات { وكان أمر الله قدرا مقدورا } أي قضاء ~~مقضيا، وحكما مقطوعا به من الأزل، لا يتغير ولا يتبدل، ثم أثنى ~~تعالى على جميع الأنبياء والمرسلين بقوله: { الذين يبلغون ~~رسالات الله } أي هؤلاء الذين أخبرتك عنهم يا محمد وجعلت لك قدوة ~~بهم، هم الذين يبلغون رسالات الله إلى من أرسلوا إليه { ~~ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } أي يخافون ~~الله وحده ولا يخافون أحدا سواه، فاقتد يا محمد بهم { وكفى ~~بالله حسيبا } أي يكفي أن يكون الله محاسبا على جميع الأعمال ~~والأفعال، فينبغي أن لا يخشى غيره، ثم أبطل تعالى حكم التبني الذي كان ~~شائعا في الجاهلية فقال: { ما كان محمد أبآ أحد من ~~رجالكم } قال المفسرون: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~زينب قال الناس: إن محمدا قد تزوج امرأة ابنه فنزلت هذه الآية قال ~~الزمخشري: أي لم يكن أبا رجل منكم على الحقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما ~~يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح { ولكن رسول الله ~~وخاتم النبيين } أي ولكنه عليه السلام آخر الأنبياء ~~والمرسلين، ختم الله به الرسالات السماوية، فلا نبي بعده قال ابن عباس: ~~يريد: لو لم أختم به النبيين لجعلت له ولدا يكون بعده نبيا { وكان ~~الله بكل شيء عليما } أي هو العالم بأقوالكم وأفعالكم، لا ~~تخفى عليه خافية من أحوالكم { يأيها الذين آمنوا اذكروا ~~الله ذكرا كثيرا } أي اذكروا الله بالتهليل والتحميد، والتمجيد ~~والتقديس ذكرا كثيرا، بالليل والنهار، والسفر والحضر { وسبحوه ~~بكرة وأصيلا } أي وسبحوا ربكم في الصباح والمساء قال العلماء: ~~خصهما بالذكر لأنهما أفضل الأوقات بسبب تنزل الملائكة فيهما { هو ~~الذي يصلي عليكم } أي هو جل وعلا يرحمكم على الدوام، ويعتني ~~بأمركم، وبكل ما فيه صلاحكم وفلاحكم { وملائكته } أي وملائكته ~~يصلون عليكم أيضا بالدعاء والاستغفار وطلب الرحمة قال ابن كثير: ~~والصلاة من الله سبحانه ثناؤه على العبد عند الملائكة، وقيل: الصلاة ms1176 من ~~الله الرحمة، ومن الملائكة: الدعاء والاستغفار { ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور } أي لينقذكم من الضلالة إلى الهدى، ومن ~~ظلمات العصيان إلى نور الطاعة والإيمان { وكان بالمؤمنين ~~رحيما } أي واسع الرحمة بالمؤمنين، حيث يقبل القليل من أعمالهم، ~~ويعفوا عن الكثير من ذنوبهم، لإخلاصهم في إيمانهم { تحيتهم ~~يوم يلقونه سلام } أي تحية هؤلاء المؤمنين يوم يلقون ربهم ~~السلام والإكرام في الجنة من الملك العلام كقوله تعالى # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58] { وأعد لهم أجرا كريما } أي وهيأ لهم أجرا ~~حسنا وهو الجنة وما فيها من النعيم المقيم، قال ابن كثير: والمراد ~~بالأجر الكريم الجنة وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، ~~والملاذ والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر، ثم لما بين تعالى أنه أخرج المؤمنين من ظلمات الكفر والضلال إلى ~~أنوار الهداية والإيمان، عقبه بذكر أوصاف السراج المنير الذي أضاء ~~الله به الأكوان فقال: { يأيها النبي إنآ أرسلناك ~~شاهدا } أي شاهدا على أمتك وعلى جميع الأمم بأن أنبيائهم قد بلغوهم ~~رسالة ربهم { ومبشرا } أي مبشرا للمؤمنين بجنات النعيم { ~~ونذيرا } أي ومنذرا للكافرين من عذاب الجحيم { وداعيا إلى ~~الله بإذنه } أي وداعيا للخلق إلى توحيد الله وطاعته وعبادته، ~~بأمره جل وعلا لا من تلقاء نفسك { وسراجا منيرا } أي وأنت يا ~~محمد كالسراح الوهاج المضيء للناس، يهتدى بك في الدهماء، كما يهتدى ~~بالشهاب في الظلماء، قال ابن كثير: أي أنت يا محمد كالشمس في إشراقها ~~وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند وقال الزمخشري: شبهه بالسراج المنير لأن ~~الله جلى به ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل ~~بالسراج المنير ويهتدى به، وصفه تعالى بخسمة أوصاف كلها كمال وجمال، ~~وثناء وجلال، وختمها بأنه صلوات الله عليه هو السراج الوضاء الذي بدد ~~الله به ظلمات الضلال، فصلوات ربي وسلامه عليه في كل حين وآن { ~~وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ~~} أي وبشر يا محمد المؤمنين خاصة بأن لهم من الله العطاء الواسع الكبير ~~في ms1177 جنات النعيم { ولا تطع الكافرين والمنافقين } أي لا ~~تطعهم فيما يطلبونه منك من المساهلة والملاينة في أمر الدين، بل اثبت على ~~ما أوحي إليك { ودع أذاهم } أي ولا تكترث بإذايتهم لك، وصدهم ~~الناس عنك { وتوكل على الله } أي واعتمد في جميع أمورك ~~وأحوالك على الله { وكفى بالله وكيلا } أي إن الله يكفي من ~~توكل عليه في أمور الدنيا والآخرة قال الصاوي: وفي الآية إشارة إلى أن ~~التوكل أمره عظيم، فمن توكل على الله كفاه ما أهمه من أمور الدنيا ~~والدين، ولما كان الحديث عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم وقصة زيد ~~وتطليقه لزينب، جاء الحديث عن نساء المؤمنين والطريقة المثلى في تطليقهن ~~فقال تعالى { يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات } أي يا أيها المؤمنون الذين صدقوا بالله ورسوله إذا ~~عقدتم عقد الزواج على المؤمنات وتزوجتموهن { ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن } أي ثم طلقتموهن من قبل أن تجامعوهن، ~~وإنما خص المؤمنات بالذكر مع أن الكتابيات يدخلن في الحكم، للتنبيه على ~~أن الأليق بالمسلم أن يتخير لنطفته، وألا ينكح إلا مؤمنة عفيفة { ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } أي فليس لكم ~~عليهم حق في العدة تستوفون عددها عليهن، لأنكم لم تعاشروهن فليس هناك ~~احتمال للحمل حتى تحتسبوا المرأة من أجل صيانة نسبكم { فمتعوهن } ~~أي فالواجب عليكم إكرامهن بدفع المتعة بما تطيب نفوسكم به من مال أو ~~كسوة، تطييبا لخاطرهن، وتخفيفا لشدة وقع الطلاق عليهن { ~~وسرحوهن سراحا جميلا } أي وخلوا سبيلهن تخلية ~~بالمعروف، من غير إضرار ولا إيذاء، ولا هضم لحقوقهن، قال أبو حيان: ~~والسراح الجميل هو كلمة طيبة دون أذى ولا منع واجب، ثم ذكر تعالى ما ~~يتعلق بأحوال زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: { يأيها ~~النبي إنآ أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت ~~أجورهن } أي إنا قد أبحنا لك يا محمد أنواعا من النساء، توسعة ~~عليك وتيسيرا لك في تبليغ الدعوة، فمن ذلك أننا أبحنا لك زوجاتك اللاتي ~~تزوجتهن بصداق مسمى، وهن في عصمتك { وما ملكت يمينك ~~ممآ أفآء ms1178 الله عليك } أي وأبحنا لك أيضا النساء اللاتي ~~تملكهن في الحرب بطريق الانتصار على الكفار، وإنما قيدهن بطريق ~~الغنائم لأنهن أفضل من اللائي يملكن بالشراء، فقد بذل في إحرازهن ~~جهد ومشقة لم يكن في الصف الثاني { وبنات عمك وبنات ~~عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن ~~معك } أي وأبحنا لك قريباتك من بنات الأعمام والعمات، والأخوال ~~والخالات بشرط الهجرة معك { وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبي } أي وأحللنا لك النساء المؤمنات الصالحات ~~اللواتي وهبن أنفسهن لك، حبا في الله ورسوله وتقربا لك { إن أراد ~~النبي أن يستنكحها } أي إن أردت يا محمد أن تتزوج من شئت ~~منهم بدون مهر { خالصة لك من دون المؤمنين } أي خاصة لك ~~يا محمد من دون سائر المؤمنين، فإنه لا يحل لهم التزوج بدون مهر، ولا ~~تصح الهبة، بل يجب مهر المثل { قد علمنا ما فرضنا عليهم ~~في أزواجهم وما ملكت أيمانهم } أي قد علمنا ما ~~أوجبنا على المؤمنين من نفقة، ومهر، وشهود في العقد، وعدم تجاوز أربع من ~~النساء، وما أبحنا لهم من ملك اليمين عدا الحرائر، وأما أنت فقد خصصناك ~~بخصائص تيسيرا لك { لكيلا يكون عليك حرج } أي لئلا يكون ~~عليك مشقة أو ضيق { وكان الله غفورا رحيما } أي عظيم ~~المغفرة واسع الرحمة { ترجي من تشآء منهن وتؤوي ~~إليك من تشآء } أي ولك أيها النبي الخيار في أن تطلق من تشاء ~~من زوجاتك، وتمسك من تشاء منهن { ومن ابتغيت ممن عزلت ~~فلا جناح عليك } أي وإذا أحببت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلت ~~من القسمة فلا إثم عليك ولا عتب { ذلك أدنى أن تقر ~~أعينهن ولا يحزن ويرضين بمآ آتيتهن ~~كلهن } أي ذلك التخيير الذي خيرناك في أمرهن أقرب أن ترتاح ~~قلوبهن فلا يحزن، ويرضين بصنيعك، لأنهن إذا علمن أن هذا أمر من الله، ~~كان أطيب لأنفسهن فلا يشعرن بالحزن والألم { والله يعلم ما في ~~قلوبكم } خطاب للنبي على جهة التعظيم أي يعلم ما في قلبك يا محمد ~~وما في قلب كل إنسان، ms1179 من عدل أو ميل، ومن حب أو كراهية، وإنما خيرناك ~~فيهن تيسيرا عليك فيما أردت { وكان الله عليما حليما } أي ~~واسع العلم يعلم جميع ما تظهرون وما تخفون، حليما يضع الأمور في نصابها ~~ولا يعاجل بالعقوبة، بل يؤخر ويمهل لكنه لا يهمل، روى البخاري عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها قالت: # " كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم وأقول: ~~اتهب المرأة نفسها؟ فلما نزلت { ترجي من تشآء منهن ~~وتؤوي إليك من تشآء ومن ابتغيت ممن عزلت ~~فلا جناح عليك } قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك " # ثم قال تعالى { لا يحل لك النسآء من بعد } أي لا يحل لك ~~أيها النبي النساء من بعد هؤلاء التسع اللاتي في عصمتك { ولا أن ~~تبدل بهن من أزواج } أي ولا يحل لك أن تطلق واحدة منهن ~~وتنكح مكانها أخرى { ولو أعجبك حسنهن } أي ولو أعجبك جمال ~~غيرهن من النساء { إلا ما ملكت يمينك } أي إلا ما كان من ~~الجواري والإماء فلا بأس في ذلك لأنهن لسن زوجات { وكان الله ~~على كل شيء رقيبا } أي مطلعا على أعمالكم شاهدا عليها، ~~وفيه تحذير من مجاوزة حدوده، وتخطي حلاله وحرامه. قال المفسرون: أباح ~~الله لرسوله أصنافا أربعة " الممهورات، المملوكات، المهاجرات، الواهبات ~~أنفسهن " توسعة عليه صلى الله عليه وسلم وتيسيرا له في نشر الرسالة ~~وتبليغ الدعوة، ولما نزلت آية التخيير # قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا.. # [الأحزاب: 28] الآية، وخيرهن عليه السلام، واخترن الله ورسوله والدار ~~الآخرة، أكرمهن الله تعالى بأن قصره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التنكير لإفادة العموم { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } ~~لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي ليس لواحد منهم أن يريد غير ~~ما أراده الله ورسوله. # 2- الطباق بين { تخفي.. مبديه } وبين { الظلمات..و.. ~~النور } وبين { مبشرا..و.. نذيرا } وهو من المحسنات البديعية. # 3- جناس الاشتقاق { قدرا مقدورا }. # 4- طباق السلب { ويخشونه ولا يخشون أحدا }. # 5- التشبيه البليغ { وسراجا ms1180 منيرا } أصل التشبيه: أنت يا محمد ~~كالسراج الوضاء في الهداية والإرشاد، حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشبه ~~فأصبح بليغا على حد قولهم: علي أسد، ومحمد قمر. # 6- الكناية { من قبل أن تمسوهن } كنى عن الجماع بالمس ~~وهي من الكنايات المشهورة، ومن الآداب القرآنية الحميدة لأن القرآن ~~يتحاشى الألفاظ البذيئة. # 7- الطباق بين { بكرة..و.. أصيلا } وبين { ترجي..و.. ~~تؤوي } وبين { ابتغيت..و.. عزلت }. # 8- توافق الفواصل مما يزيد في الجمال والإيقاع على السمع مثل { ~~ومبشرا ونذيرا.. وسراجا منيرا } ومثل { سراحا ~~جميلا.. عليما حليما.. غفورا رحيما } وهذا من خصائق ~~القرآن العظيم، وهو من المحسنات البديعية. ### || [33.53-73] # المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه، ~~ذكر هنا الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمنون عند دخولهم بيوت النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الاستئذان وعدم الإثقال، ثم بين شرف الرسول ~~بصلاة الله والملائكة عليه، وختم السورة الكريمة بالحديث عن الساعة وما ~~يعقبها من أهوال لأهل الكفر والضلال، وحال الأشقياء والسعداء في دار ~~البقاء. # اللغة: { إناه } نضجه قال في اللسان: إنى الشيء بلوغه وإدراكه ~~والإنى بكسر الهمزة والقصر: النضج { مستأنسين } الاستئناس: طلب ~~الأنس بالحديث، تقول: استأنست بحديثه أي طلبت الأنس والسرور به، وما ~~بالدار من أنيس أي ليس بها أحد يؤانسك أو يسليك { متاعا } المتاع: ~~الغرض والحاجة كالماعون وغيره { بهتانا } البهتان: الافتراء والكذب ~~الواضح، وأصله من البهت وهو القذف بالباطل { جلابيبهن } جمع جلباب ~~وهو الثوب الذي يستر جميع البدن وهو يشبه الملاءة " الملحفة " في زماننا، ~~قال الشاعر: # تمشي النسور إليه وهي لاهية # مشي العذارى عليهن الجلابيب # { المرجفون } جمع مرجف وهو الذي يشيع الكذب والباطل لإخافة الناس ~~به قال الشاعر: # وإنا وإن عيرتمونا بقتله # وأرجف بالإسلام باغ وحاسد # { نغرينك } أغراه به: حثه وسلطه عليه. { سعيرا } نارا ~~شديدة الاستعار. # سبب النزول: أ - روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج ~~" زينب بنت جحش " أولم عليها، فدعا الناس فلما طعموا جلس طوائف منهم ~~يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته مولية وجهها ms1181 إلى ~~الحائط، فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس: فما أدري ~~أأنا أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أن القوم قد خرجوا أو أخبرني، قال: ~~فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل ~~الحجاب، ووعظ الناس بما وعظوا به وأنزل الله { يأيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن ~~لكم.. }. # ب - وقال ابن عباس: كان ناس من المؤمنين يتحينون طعام النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيدخلون قبل أن يدرك الطعام، ويقعدون إلى أن يدرك، ثم يأكلون ~~ولا يخرجون فنزلت. # ج - وعن عائشة أن عمر رضي الله عنه قال يا رسول الله: إن نساءك ~~يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب ~~{ وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء ~~حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } الآية. # د - عن السدي أن الفساق كانوا يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، ~~فإذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها وقالوا: هذه حرة، وإذا رأوها بغير ~~قناع قالوا: أمة فآذوها فأنزل الله: { يأيها النبي قل ~~لأزواجك وبناتك ونسآء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن.. } الآية. # التفسير: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت ~~النبي إلا أن يؤذن لكم } الإضافة للتشريف والتكريم، ~~والآية توجيه للمؤمنين لهذا الأدب السامي العظيم والمعنى: لا تدخلوا بيوت ~~النبي في حال من الأحوال إلا في حال الإذن لكم منه عليه السلام، ~~مراعاة لحقوق نسائه، وحرصا على عدم إيذائه والإثقال عليه { إلى ~~طعام غير ناظرين إناه } أي إلا حين يدعوكم إلى طعام غير ~~منتظرين نضجه { ولكن إذا دعيتم فادخلوا } أي ولكن إذا ~~دعيتم وأذن لكم في الدخول فادخلوا { فإذا طعمتم فانتشروا ~~} أي فإذا انتهيتم من الطعام فتفرقوا إلى دوركم ولا تمكثوا { ولا ~~مستأنسين لحديث } معطوف على { غير ناظرين } أي لا ~~تدخلوا بيوته منتظرين للطعام، ولا مستأنسين لحديث بعضكم بعضا قال أبو ~~حيان: نهوا أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لحديث يحدثه به { ~~إن ذلكم كان يؤذي النبي } أي إن صنيعكم هذا يؤذي ~~الرسول، ويضايقه ويثقل عليه، ويمنعه ms1182 من قضاء كثير من مصالحه وأموره { ~~فيستحيي منكم } أي فيستحيي من إخراجكم، ويمنعه حياؤه أن يأمركم ~~بالانصراف، لخلقه الرفيع، وقلبه الرحيم { والله لا يستحيي ~~من الحق } أي والله جل وعلا لا يترك بيان الحق، ولا يمنعه مانع من ~~إظهار الحق وتبيانه لكم، قال القرطبي: هذا أدب أدب الله به الثقلاء، ~~وفي كتاب الثعلبي: حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم { وإذا ~~سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب } أي ~~وإذا أردتم حاجة من أزواجه الطاهرات فاطلبوه من وراء حاجز وحجاب { ~~ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } أي سؤالكم إياهن ~~المتاع من وراء حجاب أزكى لقلوبكم وقلوبهن وأطهر، وأنفى للريبة وسوء الظن ~~{ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } أي وما ينبغي لكم ~~ولا يليق بكم أن تؤذوا رسولكم الذي هداكم الله به في حياته { ولا أن ~~تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } أي ولا أن تتزوجوا ~~زوجاته من بعد وفاته أبدا، لأنهن كالأمهات لكم، وهو كالوالد فهل يليق ~~بكم أن تؤذوه في نفسه أو أهله؟ { إن ذلكم كان عند الله ~~عظيما } أي إن إيذاءه ونكاح أزواجه من بعده أمر عظيم، وذنب كبير لا ~~يغفره الله لكم قال أبو السعود: وفيه من تعظيمه تعالى لشأن رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وإيجاب حرمته حيا وميتا ما لا يخفى ثم قال تعالى: { ~~إن تبدوا شيئا أو تخفوه } أي إن تظهروا أمرا من الأمور أو ~~تخفوه في صدوركم { فإن الله كان بكل شيء عليما } أي ~~فإن الله عالم به وسيجازيكم عليه، قال البيضاوي: وفي هذا التعميم مع ~~البرهان على المقصود مزيد تهويل ومبالغة في الوعيد، ثم لما أنزل تعالى ~~الحجاب استثنى المحارم فقال: { لا جناح عليهن في ~~آبآئهن ولا أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبنآء ~~إخوانهن ولا أبنآء أخواتهن ولا نسآئهن ولا ~~ما ملكت أيمانهن } أي لا حرج ولا إثم على النساء في ترك ~~الحجاب أمام المحارم من الرجال قال القرطبي: لما نزلت آية الحجاب قال ~~الآباء والأبناء لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ونحن أيضا نكلمهن من ~~وراء ms1183 حجاب؟ فنزلت هذه الآية، والمراد ب { نسآئهن } نساء ~~المؤمنين، قال ابن عباس: لأن نساء اليهود والنصارى يصفن لأزواجهن النساء ~~المسلمات، فلا يحل للمسلمة أن تبدي شيئا منها لئلا تصفها لزوجها الكافر ~~{ واتقين الله } أي اتقين يا معشر النساء الله، واخشينه في ~~الخلوة والعلانية { إن الله كان على كل شيء شهيدا } ~~أي لا تخفى عليه خافية من أموركن، يعلم خطرات القلوب كما يعلم حركات ~~الجوارح، قال الرازي: وهذا في غاية الحسن في هذا الموضع، لأن ما سبق ~~إشارة إلى جواز الخلوة بهم والتكشف لهم، فختمها بأن الله شاهد عند اختلاء ~~بعضهم ببعض، فالخلوة عنده مثل الجلوة فعليهم أن يتقوا الله، ثم بين ~~تعالى قدر الرسول العظيم فقال: { إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي } أي إن الله جل وعلا يرحم نبيه، ويعظم ~~شأنه، ويرفع مقامه، وملائكته الأبرار يدعون للنبي ويستغفرون له، ويطلبون ~~من الله أن يمجد عبده ورسوله وينيله أعلى المراتب، قال القرطبي: ~~والصلاة من الله رحمته ورضوانه، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، ومن ~~الأمة الدعاء والتعظيم لأمره وقال الصاوي: وهذه الآية فيها أعظم الدليل ~~على أنه صلى الله عليه وسلم مهبط الرحمات، وأفضل الأولين والآخرين على ~~الإطلاق، إذ الصلاة من الله على نبيه رحمته المقرونة بالتعظيم، ومن ~~الله على غير النبي مطلق الرحمة كقوله: # هو الذي يصلي عليكم وملائكته # [الأحزاب: 43] فانظر الفرق بين الصلاتين، والفضل بين المقامين، وبذلك ~~صار منبع الرحمات، ومنبع التجليات { يأيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما } أي فأنتم أيها المؤمنون ~~أكثروا من الصلاة عليه والتسليم، فحقه عليكم عظيم، فقد كان المنقذ لكم من ~~الضلالة إلى الهدى، والمخرج لكم من الظلمات إلى النور، فقولوا كلما ذكر ~~اسمه الشريف " اللهم صل على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا " عن كعب بن ~~عجرة قلنا يا رسول الله: قد عرفنا التسليم عليك فكيف الصلاة عليك؟ فقال: ~~" قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم.. " الحديث ~~قال الصاوي: وحكمة صلاة الملائكة والمؤمنين على النبي صلى الله عليه ~~وسلم تشريفهم بذلك، ms1184 حيث اقتدوا بالله جل وعلا في الصلاة عليه وتعظيمه، ~~ومكافأة لبعض حقوقه على الخلق، لأنه الواسطة العظمى في كل نعمة وصلت ~~لهم، وحق على من وصل له نعمة من شخص أن يكافئه، ولما كان الخلق عاجزين ~~عن مكافأته صلى الله عليه وسلم طلبوا من القادر الملك أن يكافئه، وهذا هو ~~السر في قولهم: " اللهم صل على محمد " { إن الذين يؤذون ~~الله ورسوله } أي يؤذون الله بالكفر ونسبة الصاحبة والولد له، ~~ووصفه بما لا يليق به جل وعلا كقول اليهود: # يد الله مغلولة # [المائدة: 64] وقول النصارى # المسيح ابن الله # [التوبة: 30] ويؤذون الرسول بالتكذيب برسالته، والطعن في شريعته، ~~والاستهزاء بدعوته، قال ابن عباس: نزلت في الذين طعنوا على الرسول صلى ~~الله عليه وسلم حين اتخذ صفية بن حيي { لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة } أي طردهم من رحمته، وأحل عليهم سخطه وغضبه في ~~الدنيا بالهوان والصغار، وفي الآخرة بالخلود في عذاب النار { وأعد ~~لهم عذابا مهينا } أي وهيأ لهم عذابا شديدا، بالغ الغاية في ~~الإهانة والتحقير { والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } أي يؤذون أهل الإيمان ~~بغير ما فعلوه، وبغير جناية واستحقاق للأذى { فقد احتملوا ~~بهتانا وإثما مبينا } أي فقد حملوا أنفسهم البهتان والكذب، ~~والزور، والذنب الواضح الجلي قال القرطبي: أطلق إيذاء الله ورسوله، ~~وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات، لأن إيذاء الله ورسوله لا يكون إلا ~~بغير حق أبدا، وأما إيذاء المؤمنين والمؤمنات فمنه ومنه ولما حرم ~~تعالى الإيذاء، أمر نبيه الكريم أن يوجه النداء إلى الأمة جمعاء، للتمسك ~~بالإسلام وتعاليمه الرشيدة، وبالأخص في أمر اجتماعي خطير وهو " الحجاب ~~" الذي يصون للمرأة كرامتها، ويحفظ عليها عفافها، ويحميها من النظرات ~~الجارحة، والكلمات اللاذعة، والنوايا الخبيثة لئلا تتعرض لأذى الفساق ~~فقال { يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } أي قل يا ~~محمد لزوجاتك الطاهرات - أمهات المؤمنين - وبناتك الفضليات الكريمات، ~~وسائر نساء المؤمنين، قل لهن يلبسن الجلباب الواسع، الذي يستر محاسنهن ~~وزينتهن، ويدفع عنهم ألسنة السوء، ويميزهن عن صفات نساء الجاهلية، روى ms1185 ~~الطبري: عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: أمر الله نساء المؤمنين إذا ~~خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين ~~عينا واحدة، وروى ابن كثير عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني ~~عن قول الله عز وجل { يدنين عليهن من جلابيبهن } فغطى ~~وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى { ذلك أدنى أن يعرفن فلا ~~يؤذين } أي ذلك التستر أقرب بأن يعرفن بالعفة والتستر والصيانة، ~~فلا يطمع فيهن أهل السوء والفساد، وقيل: أقرب بأن يعرفن أنهن حرائر، ~~ويتميزن عن الإماء، { وكان الله غفورا رحيما } أي إنه ~~تعالى غفور لما سلف منهن من تفريط، رحيم بالعباد حيث راعى مصالحهم ~~وشئونهم تلك الجزيئات.. ثم هدد المولى جل وعلا كل المؤذين من جميع ~~الأصناف بأنواع العقاب فقال: { لئن لم ينته المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض } أي لئن لم يترك هؤلاء المنافقون ~~الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر نفاقهم، والزناة الذين في ~~قلوبهم مرض فجور - فجورهم { والمرجفون في المدينة } أي ~~الذين ينشرون الأراجيف والأكاذيب لبلبلة الأفكار، وخلخلة الصفوف، ونشر ~~أخبار السوء { لنغرينك بهم } أي لنسلطنك عليهم يا محمد { ~~ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا } أي ثم يخرجون من ~~المدينة فلا يعودون إلى مجاروتك فيها إلا زمنا قليلا، ريثما يتأهبون ~~للخروج، قال الرازي: وعد الله نبيه أن يخرج أعداءه من المدينة وينفيهم ~~على يده، إظهارا لشوكته { ملعونين } أي مبعدين عن رحمته تعالى { ~~أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } أي أينما ~~وجدوا وأدركوا أخذوا على وجه الغلبة والقهر ثم قتلوا لكفرهم بالله ~~تقتيلا { سنة الله في الذين خلوا من قبل } أي هذه ~~سنة الله في المنافقين وعادته فيمن سبق منهم أن يفعل بهم ذلك، قال ~~القرطبي: أي سن الله عز وجل فيمن أرجف بالأنبياء وأظهر نفاقه أن يؤخذ ~~ويقتل { ولن تجد لسنة الله تبديلا } أي ولن تتغير أو ~~تتبدل سنة الله، لكونها بنيت على أساس متين، قال الصاوي: وفي الآية ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي فلا تحزن على وجود المنافقين يا ms1186 محمد، ~~فإن ذلك سنة قديمة لم يخل منهم زمن من الأزمان ثم ذكر تعالى الساعة ~~وأهوالها فقال: { يسألك الناس عن الساعة } أي يسألك يا ~~محمد المشركون على سبيل الاستهزاء والسخرية عن وقت قيام الساعة { قل ~~إنما علمها عند الله } أي قل لهم: لست أعرف وقتها وإنما ~~يعلم ذلك علام الغيوب، فإن الله أخفاها لحكمة ولم يطلع عليها ملكا ~~مقربا، ولا نبيا مرسلا { وما يدريك لعل الساعة تكون ~~قريبا } أي وما يعلمك أن الساعة تكون في وقت قريب؟ قال أبو السعود: ~~وفيه تهديد للمستعجلين، وتبكيت للمتعنتين، والإظهار في موضع ~~الإضمار للتهويل وزيادة التقرير { إن الله لعن الكافرين } ~~أي طرد الكافرين وأبعدهم عن رحمته { وأعد لهم سعيرا } أي وهيأ ~~لهم نارا شديدة مستعرة { خالدين فيهآ أبدا } أي مقيمين في ~~السعير أبد الآبدين { لا يجدون وليا ولا نصيرا } أي لا ~~يجدون لهم من ينجيهم وينقذهم من عذاب الله { يوم تقلب ~~وجوههم في النار } أي يوم تتقلب وجوههم من جهة إلى جهة كاللحم ~~يشوى بالنار { يقولون يليتنآ أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا } أي يقولون متحسرين على ما فاتهم: يا ليتنا أطعنا الله ~~ورسوله حتى لا نبتلى بهذا العذاب المهين { وقالوا ربنآ إنآ ~~أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا } أي ~~أطعنا القادة والأشراف فينا فأضلونا طريق الهدى والإيمان { ربنآ ~~آتهم ضعفين من العذاب } أي اجعل عذابهم ضعفي عذابنا، لأنهم ~~كانوا سبب ضلالنا { والعنهم لعنا كبيرا } أي والعنهم أشد ~~أنواع اللعن وأعظمه، ثم حذر تعالى من إيذاء الرسول كما آذى اليهود نبيهم ~~فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين ~~آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا } أي لا تكونوا ~~أمثال بني إسرائيل الذين آذوا نبيهم موسى واتهموه ببرص في جسمه أو ~~أدرة لفرط تستره وحيائه، فأظهر الله براءته وأكذبهم فيما اتهموه به، ~~روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، ~~فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يتستر هذا التستر ms1187 إلا من عيب ~~بجلده، إما برص وإما أدرة انتفاخ الخصية وإما آفة، وإن الله أراد أن ~~يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، ~~فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه ~~وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى مر على ملإ من بني ~~إسرائيل فرأوه أحسن ما خلق الله عريانا، وأبرأه مما يقولون " # الحديث { وكان عند الله وجيها } أي وكان موسى ذا وجاهة ورفعة ~~ومكانة عند ربه، قال ابن كثير: أي له وجاهة وجاه عند ربه، لم يسأل شيئا ~~إلا أعطاه { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا ~~قولا سديدا } أي راقبوا الله في جميع أقوالكم وأفعالكم، وقولوا ~~قولا مستقيما مرضيا لله قال الطبري: أي قولا قاصدا غير جائر، حقا ~~غير باطل { يصلح لكم أعمالكم } أي يوفقكم لصالح الأعمال ~~ويتقبلها منكم قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم { ويغفر لكم ~~ذنوبكم } أي يمحو عنكم الذنوب والأوزار { ومن يطع الله ~~ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } أي ومن أطاع الله والرسول ~~فقد نال غاية مطلوبة، ثم لما أرشدهم إلى مكارم الأخلاق، نبههم على قدر ~~التكاليف الشرعية التي كلف الله بها البشرية فقال { إنا عرضنا ~~الأمانة على السموت والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها } أي عرضنا الفرائض والتكاليف ~~الشرعية على السماوات والأرض والجبال الراسيات فأعرضن عن حملها وخفن من ~~ثقلها وشدتها، والغرض تصوير عظم الأمانة وثقل حملها، قال أبو السعود: ~~والمعنى أن تلك الأمانة في عظم الشأن بحيث لو كلفت هاتيك الأجرام العظام ~~ التي هي مثل في القوة والشدة وكانت ذات شعور وإدراك على مراعاتها ~~لأبين قبولها وأشفقن منها وقال ابن جزي: الأمانة هي التكاليف الشرعية من ~~التزام الطاعات، وترك المعاصي، وقيل: هي الأمانة في الأموال، والصحيح ~~العموم في التكاليف، وعرضها يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الله خلق لها ~~إدراكا فعرضت عليها الأمانة حقيقة فأشفقت منها وامتنعت من حملها، ~~والثاني: أن يكون المراد تعظيم شأن الأمانة وأنها من الثقل بحيث لو عرضت ms1188 ~~على السماوات والأرض والجبال، لأبين من حملها وأشفقن منها، فهذا ضرب من ~~المجاز كقولك: عرضت الحمل العظيم على الدابة فأبت أن تحمله، والمراد ~~أنها لا تقدر على حمله { وحملها الإنسان إنه كان ظلوما ~~جهولا } أي وتحملها الإنسان إنه كان شديد الظلم لنفسه، مبالغا في ~~الجهل بعواقب الأمور، قال ابن الجوزي: لم يرد بقوله { أبين } ~~المخالفة، وإنما أبين للخشية والمخافة، لأن العرض كان تخييرا لا ~~إلزاما { ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات } قال ابن كثير: أي إنما حمل بني ~~آدم الأمانة وهي التكاليف ليعذب الله المنافقين الذين يظهرون الإيمان ~~ويبطنون الكفر، والمشركين الذين ظاهرهم وباطنهم على الكفر { ويتوب ~~الله على المؤمنين والمؤمنات } أي ويرحم أهل الإيمان، ~~ويعود عليهم بالتوبة والمغفرة والرضوان { وكان الله غفورا ~~رحيما } أي واسع المغفرة للمؤمنين حيث عفا عما سلف منهم، رحيما بهم ~~حيث أثابهم وأكرمهم بأنواع الكرامات. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الإضافة للتشريف { لا تدخلوا بيوت النبي } لأنها لما ~~نسب للنبي تشرفت. # 2- الطباق بين { ادخلوا..و.. انتشروا } وبين { تبدوا..و.. ~~تخفوه } وبين { ثقفوا..و.. أخذوا }. # 3- طباق السلب { فيستحيي منكم والله لا يستحيي من ~~الحق }. # 4- ذكر الخاص بعد العام { لئن لم ينته المنافقون.. ~~والمرجفون } والمرجفون هم المنافقين، فعمم ثم خصص زيادة في ~~التقبيح والتشنيع عليهم. # 5- ذكر اللفظ بصيغة " فعول " و " فعيل " للمبالغة مثل { إنه كان ~~ظلوما جهولا } { بكل شيء عليما } { على كل ~~شيء شهيدا } الخ. # 6- الإتيان بالمصدر مع الفعل للتأكيد { وقتلوا تقتيلا } { ~~وسلموا تسليما }. # 7- التحسر والتفجع بطريق التمني { يقولون يليتنآ أطعنا ~~الله وأطعنا الرسولا }. # 8- التشبيه { لا تكونوا كالذين آذوا موسى } ويسمى ~~التشبيه المرسل المجمل. # 9- الاستعارة التمثيلية { إنا عرضنا الأمانة على ~~السموت والأرض والجبال } مثل للأمانة في ضخامتها ~~وعظمها وتفخيم شأنها بأنها من الثقل بحيث لو عرضت على السماوات والأرض ~~والجبال وهي من القوة والشدة بأعلى المنازل لأبت عن حملها وأشفقت منها، ~~وهو تمثيل رائع لتهويل شأن الأمانة. # 10- المقابلة اللطيفة بين { ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات } وبين { ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات } وفي ختم السورة بهذه ms1189 الآية من البدائع ما يسميه علماء ~~البديع " رد العجز على الصدر " لأن بدء السورة كان في ذم المنافقين، ~~وختامها كان في بيان سوء عاقبة المنافقين، فحسن الكلام في البدء والختام. # 11- الثناء على الرسول { إن الله وملائكته يصلون } ~~ورد بهذه الصيغة وفيه دقائق بيانية: # أ - جاء الخبر مؤكدا ب " إن " اهتماما به. # ب - وجيء بالجملة إسمية لإفادة الدوام. # ج - وكانت الجملة إسمية في صدرها " إن الله " فعلية في عجزها " يصلون " ~~للإشارة إلى أن هذا الثناء من الله تعالى على رسوله يتجدد وقتا فوقتا ~~على الدوام، فتدبر هذا السر الدقيق. # 12- مراعاة الفواصل لما له من الوقع الحسن على السمع مثل { أعد ~~لهم سعيرا.. لا يجدون وليا ولا نصيرا.. ~~والعنهم لعنا كبيرا } الخ وهو من المحسنات البديعية. # لطيفة: أشارت الآية الكريمة { قل لأزواجك وبناتك ونسآء ~~المؤمنين } إلى لطيفة وهي أن الدعوة لا تثمر إلا إذا بدأ الداعي ~~بها في نفسه وأهله، وهذا هو السر في البدء بالحجاب الشرعي بنساء الرسول ~~وبناته. # " الرد على من أباح كشف الوجه، وطائفة من أقوال المفسرين في وجوب سترة ~~" # 1- قال ابن كثير: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن لحاجة أن ~~يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب. # 2- وقال ابن الجوزي: في قوله تعالى { يدنين عليهن من ~~جلابيبهن } أي يغطين رءوسهن ووجوههن ليعلم أنهن حرائر. # 3- وقال أبو السعود: ومعنى الآية أي يغطين بها وجوههن وأبدانهن إذا ~~برزن لداعية من الدواعي. # 4- وقال الطبري: أي لا تتشبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن ~~فكشفن شعورهن ووجوههن لئلا يعرض لهن فاسق. # 5- وقال في البحر: والمراد بقوله: { عليهن } أي على وجوههن، لأن ~~الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه. # 6- وقال االجصاص: وفي الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر ~~وجهها عن الأجانب لئلا يطمع فيها أهل الريب. فهذه جملة من أقوال أئمة ~~التفسير في وجوب ستر وجه المرأة، والله يقول الحق ويهدي السبيل. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-14] # اللغة: { يلج } يدخل والولوج الدخول ومنه # حتى يلج الجمل في سم الخياط # [الأعراف: ms1190 40] { يعرج } يصعد ومنه المعراج لأنه صعود إلى ~~السماوات. { يعزب } يغيب يقال: عزب عن عينه أي غاب عنها { مثقال ~~} وزن ومقدار { جنة } بكسر النون بمعنى الجنون وبضمها بمعنى الوقاية ~~والحجاب { كسفا } قطعا { أوبي } سبحي والتأويب: التسبيح { ~~سابغات } واسعات كاملات يقال: سبغ الدرع والثوب إذا غطى كل البدن ~~وفضل منه شيء قال أبو حيان: السابغات: الدروع وأصله الوصف بالسبوغ وهو ~~التمام والكمال، وغلب على الدروع فصار كالأبطح، قال الشاعر: # عليها أسود ضاريات لبوسهم # سوابغ بيض لا يخرقها النبل # { السرد } النسج، وهو نسج حلق الدروع قال القرطبي: وأصله من ~~الإحكام، قال لبيد: # صنع الحديد مضاعفا أسراده # لينال طول العيش غير مروم # { القطر } النحاس المذاب { جفان } جمع جفنه وهي القصعة الكبيرة { ~~الجواب } جمع جابية وهي الحوض الكبير يجمع فيه الماء، قال الأعشى: # نفى الذم عن آل المحلق جفنة # كجابية الشيخ العراقي تفهق # { منسأته } المنسأة: العصا سميت بذلك لأنه ينسأ بها أي يطرد ~~ويزجر، قال الشاعر: # إذا دببت على المنساة من كبر # فقد تباعد عنك اللهو والغزل # التفسير: { الحمد لله الذي له ما في السموت وما ~~في الأرض } أي الثناء الكامل على جهة التعظيم والتبجيل لله الذي له ~~كل ما في الكون خلقا وملكا وتصرفا، الجميع ملكه وعبيده وتحت قهره ~~وتصرفه، فله الحمد في الدنيا لكمال قدرته، وفي الآخرة لواسع رحمته { ~~وله الحمد في الآخرة } أي وله الحمد بأجمعه لا يستحقه أحد ~~سواه، لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة { وهو الحكيم ~~الخبير } أي الحكيم في صنعه، الخبير بخلقه، فلا اعتراض عليه من فعل ~~من أفعاله { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها } ~~تفصيل لبعض معلوماته جل وعلا أي يعلم ما يدخل في جوف الأرض من المطر ~~والكنوز والأموات، وما يخرج من الأرض من الزروع والنباتات وماء العيون ~~والأبار { وما ينزل من السمآء وما يعرج فيها } أي وما ~~ينزل من السماء من المطر والملائكة والرحمة، وما يصعد إليها من الأعمال ~~الصالحات، والدعوات الزاكيات { وهو الرحيم الغفور } أي الرحيم ~~بعباده، الغفور عن ذنوب التائبين حيث ms1191 لا يعالجهم بالعقوبة، ثم حكى تعالى ~~مقالة المنكرين للبعث والقيامة فقال: { وقال الذين كفروا لا ~~تأتينا الساعة } أي وقال المشركون من قومك لا قيامة أبدا ولا ~~بعث ولا نشور، قال البيضاوي: وهو إنكار لمجيئها أو استبطاء استهزاء ~~بالوعد به { قل بلى وربي لتأتينكم } أي قل لهم يا ~~محمد: أقسم بالله العظيم لتأتينكم الساعة، فإنها واقعة لا محالة، قال ~~ابن كثير: هذه إحدى الآيات الثلاث التي أمر الله رسوله أن يقسم بربه ~~العظيم على وقوعها، والثانية في يونس # قل إي وربي إنه لحق # [يونس: 53]، والثالثة في التغابن # قل بلى وربي لتبعثن # [التغابن: 7] { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ~~ذرة في السموت ولا في الأرض } أي هو جل وعلا العالم ~~بما خفي عن الأبصار، وغاب عن الأنظار، لا يغيب عنه مقدار وزن الذرة في ~~العالم العلوي أو السفلي { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } ~~أي ولا أصغر من الذرة ولا أكبر منها { إلا في كتاب مبين } أي ~~إلا ويعلمه الله تعالى وهو في اللوح المحفوظ، والغرض أن الله تعالى لا ~~تخفى عليه ذرة في الكون فكيف يخفى عليه البشر وأحوالهم؟ فالعظام وإن ~~تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو تعالى عالم أين ذهبت وتفرقت، ثم يعيدها يوم ~~القيامة { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~أي أثبت ذلك في الكتاب المبين لكي يثيب المؤمنين الذين أحسنوا في الدار ~~الدنيا بأحسن الجزاء { أولئك لهم مغفرة ورزق كريم ~~} أي لهم مغفرة لذنوبهم، ورزق حسن كريم في دار النعيم { والذين ~~سعوا في آياتنا معاجزين } أي وأما الذين بذلوا جهدهم وجدوا ~~لإبطال القرآن مغالبين لرسولنا، يظنون أنهم يعجزونه بما يثيرونه من ~~شبهات حول رسالته والقرآن { أولئك لهم عذاب من رجز ~~أليم } أي فهؤلاء المجرمون لهم عذاب من أسوأ العذاب، شديد الإيلام، ~~قال قتادة: الرجز: سوء العذاب { ويرى الذين أوتوا العلم } ~~أي ويعلم أولو العلم من أصحاب النبي عليه السلام ومن جاء بعدهم من ~~العلماء العاملين { الذي أنزل إليك من ربك هو ~~الحق } أي يعلمون أن هذا القرآن الذي أنزل عليك يا ms1192 محمد هو الحق ~~الذي لا يأتيه الباطل { ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ~~} أي ويرشد من تمسك به إلى طريق الله الغالب الذي لا يقهر، الحميد أي ~~المحمود في ذاته وصفاته وأفعاله، ثم ذكر تعالى أساليب المشركين في الصد ~~عن دين الله، والسخرية برسول الله فقال { وقال الذين كفروا } ~~أي وقال الكافرون من مشركي مكة المنكرون للبعث والجزاء { هل ~~ندلكم على رجل ينبئكم } أي هل نرشدكم إلى رجل يحدثكم ~~بأعجب الأعاجيب؟- يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم - { إذا مزقتم ~~كل ممزق } أي إذا بليتم في القبور، وتفرقت أجسادكم في الأرض، ~~وذهبت كل مذهب بحيث صرتم ترابا ورفاتا { إنكم لفي خلق ~~جديد }؟ أي إنكم ستخلقون خلقا جديدا بعد ذلك التمزيق والتفريق؟ ~~والغرض من هذا المقال هو السخرية والاستهزاء قال أبو حيان: والقائلون هم ~~كفار قريش قالوه على جهة التعجب والاستهزاء، كما يقول الرجل لمن يريد أن ~~يعجبه: هل أدلك على قصة غريبة نادرة؟ ولما كان البعث عندهم من المحال ~~جعلوا من يخبر عن وقوعه في حيز من يتعجب منه، ونكروا اسمه عليه { هل ~~ندلكم على رجل } مع أن اسمه أشهر علم من قريش بطريق ~~الاستهزاء { أفترى على الله كذبا أم به جنة } أي هل ~~اختلق الكذب على الله، أم به جنون فهو يتكلم بما لا يدري؟ قال تعالى ردا ~~عليهم: { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة } { بل } ~~للإضراب أي ليس الأمر كما يزعمون من الكذب والجنون، بل الذي يجحدون ~~البعث ولا يصدقون بالآخرة { في العذاب والضلال البعيد } ~~أي بل هؤلاء الكفار من ضلال وحيرة عن الحق توجب لهم عذاب النار، فهم ~~واقعون في الضلال وهم لا يشعرون وذلك غاية الجنون والحماقة، ولما ذكر ~~تعالى ما يدل على إثبات الساعة، ذكر دليلا آخر يتضمن التوحيد مع ~~التهديد فقال: { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السمآء والأرض } أي ألم يشاهدوا ما هو محيط بهم ~~من جميع جوانبهم من السماء والأرض؟ فإن الإنسان أينما توجه وحيثما نظر ~~رأى السماء والأرض أمامه وخلفه، وعن يمينه ms1193 وشماله، وهما يدلان على ~~وحدانية الصانع، أفلا يتدبرون ذلك فيعلمون أن الذي خلقهما قادر على بعث ~~الناس بعد موتهم؟ ثم هددهم بقوله: { إن نشأ نخسف بهم ~~الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء } أي لو ~~شئنا لخسفنا بهم الأرض كما فعلنا بقارون، أو أسقطنا عليهم قطعا من ~~السماء كما فعلنا بأصحاب الأيكة، فمن أين لهم المهرب؟ قال ابن الجوزي: ~~المعنى أنهم أين كانوا فأرضي وسمائي محيطة بهم، وأنا القادر عليهم، إن ~~شئت خسفت بهم الأرض، وإن شئت أسقطت عليهم قطعة من السماء { إن في ~~ذلك لآية لكل عبد منيب } أي إن فيما يشاهدون من آثار ~~القدرة الوحدانية لدلالة وعبرة لكل عبد تائب رجاع إلى الله، متأمل فيما ~~يرى، قال ابن كثير: يريد أن من قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها ~~واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، قادر على إعادة ~~الأجسام، ونشر الرميم من العظام، ثم ذكر تعالى قصة داود وما خصه الله ~~به من الفضل العظيم فقال: { ولقد آتينا داوود منا فضلا } ~~اللام موطئة لقسم محذوف تقديره وعزة الله وجلاله لقد أعطينا داود منا ~~فضلا عظيما واسعا لا يقدر قال المفسرون: الفضل هو النبوة، والزبور، ~~وتسخير الجبال، والطير، وإلانة الحديد، وتعليمه صنع الدروع إلى غير ذلك ~~{ يجبال أوبي معه والطير } أي وقلنا يا جبال سبحي معه ~~ورجعي التسبيح إذا سبح وكذلك أنت يا طيور، قال ابن عباس: كانت الطير ~~تسبح معه إذا سبح، وكان إذا قرأ لم تبق دابة إلا استمعت لقراءته ~~وبكت لبكائه { وألنا له الحديد } أي جعلنا الحديد لينا بين ~~يديه حتى كان كالعجين، قال قتادة: سخر الله له الحديد فكان لا يحتاج أن ~~يدخله نارا، ولا يضربه بمطرقة، وكان بين يديه كالشمع والعجين { أن ~~اعمل سابغات } أي اعمل منه الدروع السابغة التي تقي الإنسان شر ~~الحرب، قال المفسرون: كان يأخذ الحديد بيده فيصير كأنه عجين يعمل به ما ~~يشاء، ويصنع الدرع في بعض يوم يساوي ألف درهم فيأكل ويتصدق، والسابغات ~~صفة لموصوف محذوف تقديره دروعا ms1194 سابغات، وهي الدروع الكوامل التي تغطي ~~لابسها حتى تفضل عنه فيجرها على الأرض { وقدر في السرد } أي ~~وقدر في نسج الدروع بحيث تتناسب حلقاتها، قال الصاوي: أي اجعل كل حلقة ~~مساوية لأختها ضيقة لا ينفذ منها السهم لغلظها، ولا تثقل حاملها واجعل ~~الكل بنسبة واحدة { واعملوا صالحا } أي واعملوا يا آل داود ~~عملا صالحا ولا تتكلوا على عز أبيكم وجاهه { إني بما تعملون ~~بصير } أي إني مطلع على أعمالكم مراقب لها وسأجازيكم بها قال الامام ~~الفخر: ألان الله لداود الحديد حتى كان في يده كالشمع وهو في قدرة الله ~~يسير، فإنه يلين بالنار حتى يصبح كالمداد الذي يكتب به، فأي عاقل ~~يستبعد ذلك على قدرة الله؟ وهو أول من صنع الدروع حلقا وكانت قبل ذلك ~~صفائح ثقالا كما قال تعالى: # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم # [الأنبياء: 80]، ثم ذكر تعالى ما أنعم به على ولده " سليمان " من النبوة ~~والملك والجاه العظيم قال: { ولسليمان الريح غدوها شهر ~~ورواحها شهر } أي وسخرنا لسليمان الريح تسير بأمره، وسيرها من ~~الصباح إلى الظهر مسيرة شهر للسائر المجد، ومن الظهر إلى الغروب مسيرة ~~شهر، قال المفسرون: سخر الله له الريح تقطع به المسافات الشاسعة في ~~ساعات معدودات، تحمله مع جنده فتنتقل به من بلد إلى بلد، تغدو به مسيرة ~~شهر إلى نصف النهار، وترجع به مسيرة شهر إلى آخر النهار، فتقطع به مسيرة ~~شهرين في نهار واحد { وأسلنا له عين القطر } أي وأذبنا له ~~النحاس حتى كان يجري كأنه عين ماء متدفقة من الأرض، قال المفسرون: أجرى ~~الله لسليمان النحاس، كما ألان لداود الحديد، آية باهرة، ومعجزة ظاهرة { ~~ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه } أي ~~وسخرنا له الجن تعمل بأمره وإرادته ما شاء مما يعجز عنه البشر، وكل ذلك ~~بأمر الله وتسخيره { ومن يزغ منهم عن أمرنا } أي ومن يعدل ~~منهم عما أمرناه به من طاعة سليمان { نذقه من عذاب السعير ~~} أي نذقه النار المستعرة في الآخرة، ثم أخبر تعالى عما كلف ms1195 به الجن من ~~الأعمال فقال { يعملون له ما يشآء من محاريب } أي يعمل ~~هؤلاء الجن لسليمان ما يريد من القصور الشامخة { وتماثيل } أي ~~والتماثيل العجيبة من النحاس والزجاج، قال الحسن: ولم تكن يومئذ محرمة، ~~وقد حرمت في شريعتنا سدا للذريعة لئلا تعبد من دون الله { وجفان ~~كالجواب } أي وقصاع ضخمة تشبه الأحواض، قال ابن عباس: " كالجواب " ~~أي كالحياض { وقدور راسيات } أي وقدور كبيرة ثابتات لا تتحرك ~~لكبرها وضخامتها، قال ابن كثير: والقدور الراسيات أي الثابتات في ~~أماكنها لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها { اعملوا آل ~~داوود شكرا } أي وقلنا لهم اشكروا يا آل داود ربكم على هذه النعم ~~الجليلة، فقد خصكم بالفضل العظيم والجاه العريض، واعملوا بطاعة الله ~~شكرا له جل وعلا { وقليل من عبادي الشكور } أي وقليل من ~~العباد من يشكر الله على نعمه، قال ابن عطية: وفيه تنبيه وتحريض على شكر ~~الله، ثم أخبر تعالى عن كيفية موت سليمان فقال { فلما قضينا ~~عليه الموت } أي حكمنا على سليمان بالموت ونزل به الموت { ما ~~دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل ~~منسأته } أي ما دل الجن على موته إلا تلك الحشرة وهي الأرضة ~~السوسة التي تأكل الخشب تأكل عصا سليمان { فلما خر تبينت ~~الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب } أي فلما سقط سليمان ~~عن عصاه ظهر للجن واتضح لهم أنهم لو كانوا يعرفون الغيب كما زعموا { ما ~~لبثوا في العذاب المهين } أي ما مكثوا في الأعمال الشاقة ~~تلك المدة الطويلة، قال المفسرون: كانت الإنس تقول: إن الجن يعلمون ~~الغيب الذي يكون في المستقبل، فوقف سليمان في محرابه يصلى متوكئا على ~~عصاه، فمات ومكث على ذلك سنة والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة ولا تعلم ~~بموته، حتى أكلت الأرضة عصا سليمان فسقط على الأرض فعلموا موته، وعلم ~~الإنس أن الجن لا تعلم الغيب لأنهم لو علموه لما أقاموا هذه المدة ~~الطويلة في الأعمال الشاقة وهم يظنون أنه حي وهو عليه السلام ميت. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان نوجزها ms1196 فيما يلي: # 1- تعريف الطرفين لإفادة الحصر { الحمد لله } ومعناه لا يستحق ~~الحمد الكامل إلا الله. # 2- الطباق بين { يلج..و.. يخرج } وبين { ينزل..و.. يعرج } ~~وبين { أصغر..و.. أكبر }. # 3- صيغة فعيل وفعول للمبالغة { وهو الحكيم الخبير } { ~~وهو الرحيم الغفور } { وقليل من عبادي الشكور ~~}. # 4- المقابلة بين { ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات.. } الآية وبين { والذين سعوا في آياتنا ~~معاجزين } فقد جعل المغفرة والرزق الكريم جزاء المحسنين، وجعل ~~العذاب والرجز الأليم جزاء المجرمين. # 5- الاستفهام للسخرية والاستهزاء { هل ندلكم على رجل ~~ينبئكم } وغرضهم الاستهزاء بالرسول ولم يذكروا اسمه إمعانا في ~~التجهيل كأنه إنسان مجهول. # 6- التنكير للتفخيم { آتينا داوود منا فضلا } أي فضلا ~~عظيما، وتقديم داود على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى ~~المؤخر. # 7- الإيجاز بالحذف { غدوها شهر ورواحها شهر } أي غدوها ~~مسيرة شهر ورواحها مسيرة شهر. # 8- التشبيه { وجفان كالجواب } ويسمى التشبيه المرسل المجمل ~~لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه. ### || [34.15-33] # المناسبة: لما بين تعالى حال الشاكرين لنعمه بذكر " داود " و " ~~سليمان " بين حال الكافرين لأنعمه بقصة سبأ، موعظة لقريش وتحذيرا ~~وتنبيها على ما جرى من المصائب والنكبات على من كفر بأنعم الله، ثم ~~ذكر كفار مكة بنعمه ليعبدوه ويشكروه. # اللغة: { سبإ } قبيلة من العرب سكنت اليمن سميت باسم جدهم " سبأ بن ~~يشجب بن قحطان " { العرم } الحاجز بين الشيئين قال النحاس: وما يجتمع ~~من مطر بين جبلين وفي وجهه مسناة - أي حاجز - فهو العرم { خمط } ~~الخمط: المر البشع، قال الزجاج: كل نبت فيه مرارة لا يمكن أكله فهو ~~خمط وقال المبرد: هو كل ما تغير إلى ما لا يشتهى، واللبن إذا حمض ~~فهو خمط { أثل } الأثل: شجر لا ثمر له قال الفراء: وهو شبيه بالطرفاء ~~إلا أنه أعظم منه طولا ومنه اتخذ منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والواحدة أثلة { سدر } قال الفراء: هو السرو، وقال الأزهري: السدر ~~نوعان: سدر لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول وله ثمرة عصفة لا تؤكل، ~~وسدر ينبت على الماء وثمره النبق وورقه غسول { ظهير } معين { ~~الفتاح } القاضي والحاكم بالحق. # التفسير: { لقد ms1197 كان لسبإ في مسكنهم آية } اللام ~~موطئة للقسم أي والله لقد كان لقوم سبأ في موضع سكناهم باليمن آية عظيمة ~~دالة على الله جل وعلا وعلى قدرته على مجازاة المحسن بإحسانه، والمسيء ~~بإساءته، فإن قوم سبأ لما كفروا نعمة الله خرب الله ملكهم، وشتت ~~شملهم، ومزقهم شر ممزق، وجعلهم عبرة لمن يعتبر، ثم بين تعالى ~~وجه تلك النعمة فقال: { جنتان عن يمين وشمال } أي حديقتان ~~عظيمتان فيهما من كل أنواع الفواكه والثمار عن يمين الوادي بساتين ناضرة، ~~وعن شماله كذلك، قال قتادة: كانت بساتينهم ذات أشجار وثمار، تسر الناس ~~بظلالها، وكانت المرأة تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، ~~فيتساقط من الأشجار ما يملؤه من غير كلفة ولا قطاف لكثرته ونضجه وقال ~~البيضاوي: ولم يرد بستانين اثنين فحسب، بل أراد جماعتين من البساتين، ~~جماعة عن يمين بلدهم، وجماعة عن شماله سميت كل جماعة منها جنة لكونها في ~~تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة { كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له } أي وقلنا لهم على لسان الرسل: كلوا من فضل الله ~~وإنعامه واشكروا ربكم على هذه النعم { بلدة طيبة ورب ~~غفور } أي هذه بلدتكم التي تسكنونها بلدة طيبة، كريمة التربة، حسنة ~~الهواء، كثيرة الخيرات، وربكم الذي رزقكم وأمركم بشكره رب غفور لمن ~~شكره { فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم } أي ~~فأعرضوا عن طاعة الله وشكره، واتباع أوامر رسله، فأرسلنا عليهم السيل ~~المدمر المخرب الذي لا يطاق لشدته وكثرته، فغرق بساتينهم ودورهم، قال ~~الطبري: وحين أعرضوا عن تصديق الرسل، ثقب ذلك السد الذي كان يحبس عنهم ~~السيول، ثم فاض الماء على جناتهم فغرقها، وخرب أرضهم وديارهم { ~~وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط } ~~أي وأبدلناهم بتلك البساتين الغناء، بساتين قاحلة جرداء، ذات أكل مر ~~بشع { وأثل وشيء من سدر قليل } وشيء من الأشجار التي لا ~~ينتفع بثمرها كشجر الأثل والسدر، قال الرازي: أرسل الله عليهم سيلا ~~غرق أموالهم، وخرب دورهم، والخمط كل شجرة لها شوك وثمرتها مرة، ~~والأثل نوع من الطرفاء، ولا يكون عليه ثمرة ms1198 إلا في بعض الأوقات، يكون ~~عليه شيء كالعفص أو أصغر منه في طعمه وطبعه، والسدر معروف وقال فيه { ~~قليل } لأنه كان أحسن أشجارهم، وقد بين تعالى بالآية طريقة الخراب، ~~وذلك لأن البساتين التي فيها الناس تكون فيها الفواكة الطيبة بسبب ~~العمارة، فإذا تركت سنين تصبح كالغيضة والأجمة تلتف الأشجار بعضها ~~ببعض وتنبت المفسدات فيها، فتقل الثمار وتكثر الأشجار قال المفسرون: ~~وتسمية البدل " جنتين " فيه ضرب من التهكم، لأن الأثل والسدر وما كان ~~فيه خمط لا يسمى جنة، لأنها أشجار لا يكاد ينتفع بها، وإنما جاء التعبير ~~على سبيل المشاكلة { ذلك جزيناهم بما كفروا } أي ذلك ~~الجزاء الفظيع الذي عاقبناهم به إنما كان بسبب كفرهم { وهل نجزي ~~إلا الكفور }؟ أي وما نجازي بمثل هذا الجزاء الشديد إلا الكافر ~~المبالغ في كفره، قال مجاهد: أي ولا يعاقب إلا الكفور، لأن المؤمن ~~يكفر الله عنه سيئاته، والكافر يجازى بكل سوء عمله { وجعلنا ~~بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ~~} هذا من تتمة ذكر ما أنعم الله به عليهم أي وجعلنا بين بلاد سبأ وبين ~~القرى الشامية التي باركنا فيها للعالمين قرى متواصلة من اليمن إلى ~~الشام، يرى بعضها من بعض لتقاربها، ظاهرة لأبناء السبيل { وقدرنا ~~فيها السير } أي جعلنا السير بين قراهم وبين قرى الشام سيرا ~~مقدرا من منزل إلى منزل، ومن قرية إلى قرية { سيروا فيها ~~ليالي وأياما آمنين } أي وقلنا لهم سيروا بين هذه القرى متى ~~شئتم لا تخافون في ليل ولا في نهار، قال الزمخشري: كان الغادي منهم يقيل ~~في قرية، والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام، لا يخاف جوعا ولا ~~عطشا ولا عدوا، ولا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، وكانوا يسيرون آمنين ~~لا يخافون شيئا { فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا } ~~إخبار بما قابلوا به النعم من الكفران أي أنهم حين بطروا النعمة، وملوا ~~العافية، وسئموا الراحة طلبوا من الله أن يباعد بين قراهم المتصلة ليمشوا ~~في المفاوز ويتزودوا للأسفار، فعجل الله إجابتهم، بتخريب تلك القرى ms1199 ~~وجعلها مفاوز قفارا { وظلموا أنفسهم } أي وظلموا أنفسهم ~~بكفرهم وجحودهم النعمة { فجعلناهم أحاديث } أي جعلناهم ~~أخبارا تروى اللناس بعدهم { ومزقناهم كل ممزق } أي ~~وفرقناهم في البلاد شذر مذر { إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور } أي إن فيما ذكر من قصتهم لعبرا وعظات لكل عبد صابر ~~على البلاء، شاكر في النعماء، والمقصود من ذكر قصة سبأ تحذير الناس من ~~كفران النعمة لئلا يحل بهم ما حل بمن قبلهم، ولهذا أصبحت قصتهم يضرب بها ~~المثل فيقال: " ذهبوا أيدي سبأ " ثم ذكر تعالى سبب ضلال المشركين فقال { ~~ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } أي تحقق ظن إبليس ~~اللعين في هؤلاء الضالين، حيث ظن أنه يستطيع أن يغويهم بتزيين الباطل ~~لهم، وأقسم بقوله # ولأغوينهم أجمعين # [الحجر: 39] فتحقق ما كان يظنه، قال مجاهد: ظن ظنا فكان كما ظن ~~فصدق ظنه { فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } أي ~~فاتبعه الناس فيما دعاهم إليه من الضلالة إلا فريقا هم المؤمنون ~~فإنهم لم يتبعوه قال القرطبي: أي ما سلم من المؤمنين إلا فريق، وعن ابن ~~عباس أنهم المؤمنون كلهم فتكون { من } على هذا للتبيين لا للتبعيض، ~~وإنما علم إبليس صدق ظنه وهو لا يعلم الغيب، لأنه لما نفذ له في آدم ~~ما نفذ، غلب على ظنه أنه ينفذ له مثل ذلك في ذريته وقد وقع له تحقيق ما ~~ظن { وما كان له عليهم من سلطان } أي وما كان لإبليس ~~تسلط واستيلاء عليهم بالوسوسة والإغواء { إلا لنعلم من ~~يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك } أي إلا لحكمة ~~جليلة وهي أن نظهر علمنا للعباد بمن هو مؤمن مصدق بالآخرة، ومن هو شاك ~~مرتاب في أمرها، فنجازي كلا بعمله قال القرطبي: أي لم يقهرهم إبليس على ~~الكفر، وإنما كان منه الدعاء والتزيين وقال الحسن: والله ما ضربهم ~~بعصا، ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها ~~فأجابوه { وربك على كل شيء حفيظ } أي وربك يا محمد على ~~كل شيء رقيب، لا تخفى عليه خافية من أفعال العباد، فهو ms1200 الذي يحفظ عليهم ~~أعمالهم، ويعلم نياتهم وأحوالهم، قال الصاوي: الشيطان سبب الإغواء لا ~~خالق الإغواء، فمن أراد الله حفظه منع الشيطان عنه، ومن أراد إغواءه ~~سلط عليه الشيطان، والكل فعل الله تعالى، وإنما سبقت حكمته بتسليط ~~الشيطان على الإنسان ابتلاء وامتحانا ليميز الله الخبيث من الطيب، ~~والمراد بقوله { لنعلم } أي لنظهر للخلق علمنا، وإلا فالله تعالى ~~عالم بما كان وما يكون { قل ادعوا الذين زعمتم من دون ~~الله } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين ادعوا شركاءكم الذين عبدتموهم ~~من الأصنام، وزعمتم أنهم آلهة من دون الله، أدعوهم ليجلبوا لكم الخير، ~~ويدفعوا عنكم الضر قال أبو حيان: والأمر بدعاء الآلهة للتعجيز وإقامة ~~الحجة عليهم { لا يملكون مثقال ذرة } أي لا يملكون وزن ذرة ~~من خير أو نفع أو ضر { في السموت ولا في الأرض } أي في ~~العالم العلوي أو السفلي، وليسوا بقادرين على أمر من الأمور في الكون ~~بأجمعه { وما لهم فيهما من شرك } أي وليس لتلك الآلهة شركة ~~مع الله لا خلقا ولا ملكا ولا تصرفا { وما له منهم من ~~ظهير } أي وليس له تعالى من الآلهة معين يعينه في تدبير أمرهما، بل ~~هو وحده الخالق لكل شيء، المنفرد بالإيجاد والإعدام، ثم لما نفى عنها ~~الخلق والملك، نفى عنها الشفاعة أيضا فقال { ولا تنفع الشفاعة ~~عنده إلا لمن أذن له } أي لا تكون الشفاعة لأحد عند الله ~~من ملك أو نبي، حتى يؤذن له في الشفاعة، فكيف يزعمون أن آلهتهم يشفعون ~~لهم؟ قال ابن كثير: أي أنه تعالى لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترىء أحد ~~أن يشفع عنده في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة كقوله: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255] وقوله: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28] وإنما كانت الشفاعة لسيد ولد آدم إظهارا لمقامه ~~الشريف، فهو أكبر شفيع عند الله، وذلك حين يقوم المقام المحمود ليشفع في ~~الخلق كلهم { حتى إذا فزع عن قلوبهم } أي حتى إذا زال ~~الفزع والخوف عن قلوب الشفعاء، من الملائكة ms1201 والأنبياء { قالوا ماذا ~~قال ربكم قالوا الحق } أي قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم ~~في أمر الشفاعة؟ فأجابوهم بقولهم: قد أذن فيها للمؤمنين قال القرطبي: إن ~~الله تعالى يأذن للأنبياء والملائكة في الشفاعة، وهم على غاية الفزع من ~~الله، لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل، والخوف الشديد أن يقع منهم ~~تقصير، فإذا سري عنهم قالوا للملائكة فوقهم: ماذا قال ربكم؟ أي بماذا ~~أمر الله؟ قالوا: الحق أي إنه أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين { وهو ~~العلي الكبير } أي هو تعالى المتفرد بالعلو والكبرياء، العظيم ~~في سلطانه وجلاله قال أبو السعود: وهذا من تمام كلام الشفعاء، قالوه ~~اعترافا بغاية عظمة جناب الله عز وجل، فليس لأحد أن يتكلم إلا بإذنه، ~~ثم وبخ تعالى المشركين في عبادتهم غير الخالق الرازق فقال { قل من ~~يرزقكم من السموت والأرض } أي قل لهم يا محمد من ~~الذي يرزقكم من السماوات بإنزال المطر، ومن الأرض بإخراج النبات ~~والثمرات؟ { قل الله } أي قل لهم: الله الرازق لا آلهتكم، قال ابن ~~الجوزي: وإنما أمر عليه السلام أن يسأل الكفار عن هذا احتجاجا عليهم ~~بأن الذي يرزق هو المستحق للعبادة، وهم لا يثبتون رازقا سواه، ولهذا جاء ~~الجواب { قل الله } لأنهم لا يجيبون بغير هذا { وإنآ أو ~~إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } أي وأحد الفريقين ~~منا أو منكم لعلى هدى أو ضلال بين، وهذا نهاية الإنصاف مع الخصم، قال ~~أبو حيان: أخرج الكلام مخرج الشك، ومعلوم أن من عبد الله وحده كان ~~مهتديا، ومن عبد غيره من جماد كان ضالا، وفي هذا إنصاف وتلطف في ~~الدعوى، وفيه تعريض بضلالهم وهو أبلغ من الرد بالتصريح، ونحوه قول ~~العرب: أخزى الله الكاذب مني ومنك، مع تيقن أن صاحبه هو الكاذب { قل ~~لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما تعملون ~~} أي لا تؤاخذون على ما ارتكبنا من إجرام، ولا نؤاخذ نحن بما اقترفتم، ~~وإنما يعاقب كل إنسان بجريرته، وهذه ملاطفة وتنزل في المجادلة إلى ~~غاية الإنصاف، قال الزمخشري: وهذا أدخل ms1202 في الإنصاف وأبلغ من الأول، حيث ~~أسند الإجرام لأنفسهم والعمل إلى المخاطبين { قل يجمع بيننا ~~ربنا ثم يفتح بيننا بالحق } أي يجمع الله بيننا ~~وبينكم يوم القيامة ثم يحكم بيننا ويفصل بالحق { وهو الفتاح ~~العليم } أي وهو الحاكم العادل الذي لا يظلم أحدا، العالم بأحوال ~~الخلق، فيدخل المحق الجنة، والمبطل النار { قل أروني الذين ~~ألحقتم به شركآء } توبيخ آخر على إشراكهم وإظهار لخطئهم ~~العظيم أي أروني هذه الأصنام التي ألحقتموها بالله وجعلتموها شركاء معه ~~في الألوهية، لأنظر بأي صفة استحقت العبادة مع الذين ليس كمثله شيء؟ قال ~~أبو السعود: وفيه مزيد تبكيت لهم بعد إلزام الحجة عليهم { كلا بل ~~هو الله العزيز الحكيم } ردع لهجر وزجر أي ليس الأمر كما ~~زعمتم من اعتقاد شريك له، بل هو الإله الواحد الأحد، الغالب على أمره، ~~الحكيم في تدبيره لخلقه، فلا يكون له شريك في ملكه أبدا { ومآ ~~أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا } أي وما ~~أرسلناك يا محمد للعرب خاصة وإنما أرسلناك لعموم الخلق، مبشرا للمؤمنين ~~بجنات النعيم، ومنذرا للكافرين من عذاب الجحيم { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } أي ولكن هؤلاء الكافرين لا يعلمون ذلك ~~فيحملهم جهلهم على ما هم عليه من الغي والضلال { ويقولون متى ~~هذا الوعد إن كنتم صادقين } أي ويقول المشركون على سبيل ~~الاستهزاء والسخرية: متى هذا العذاب الذي تخوفوننا به إن كنتم صادقين ~~فيما تقولون؟ والخطاب للنبي والمؤمنين { قل لكم ميعاد يوم ~~لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } أي لكم ~~زمان معين للعذاب يجيء في أجله الذي قدره الله له، لا يستأخر لرغبة ~~أحد، ولا يتقدم لرجاء أحد، فلا تستعجلوا عذاب الله فهو آت لا محالة، ثم ~~أخبر تعالى عن تمادي المشركين في العناد والتكذيب فقال { وقال ~~الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي ~~بين يديه } أي لن نصدق بالقرآن ولا بما سبقه من الكتب السماوية ~~الدالة على البعث والنشور { ولو ترى إذ الظالمون ~~موقوفون عند ربهم } أي ولو شاهدت يا محمد حال الظالمين ~~المنكرين للبعث والنشور ms1203 في موقف الحساب { يرجع بعضهم إلى ~~بعض القول } أي يلوم بعضهم بعضا ويؤنب بعضهم بعضا، وجواب { لو ~~} محذوف للتهويل تقديره لرأيت أمرا فظيعا مهولا { يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين } أي يقول الأتباع للرؤساء: لولا إضلالكم لنا لكنا مؤمنين ~~مهتدين { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا ~~أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جآءكم }؟ أي قال ~~الرؤساء جوابا للمستضعفين: أنحن منعناكم عن الإيمان بعد أن جاءكم؟ لا، ~~ليس الأمر كما تقولون { بل كنتم مجرمين } أي بل أنتم كفرتم من ~~ذات أنفسكم، بسبب أنكم مجرمين راسخين في الإجرام { وقال الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل ~~والنهار } أي وقال الأتباع للرؤساء: بل مكركم بنا في الليل والنهار ~~هو الذي صدنا عن الإيمان { إذ تأمروننآ أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا } أي وقت دعوتكم لنا إلى الكفر ~~بالله، وأن نجعل له شركاء، ولولا تزيينكم لنا الباطل ما كفرنا { ~~وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } أي أخفى كل من ~~الفريقين الندامة على ترك الإيمان حين رأوا العذاب، أخفوها مخافة ~~التعيير { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا } ~~أي وجعلنا السلاسل في رقاب الكفار زيادة على تعذيبهم بالنار { هل ~~يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي لا يجزون إلا بأعمالهم ~~التي عملوها ولا يعاقبون إلا بكفرهم وإجرامهم. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين لفظ { يمين..و.. شمال } وبين { بشيرا..و.. ~~نذيرا } وبين { تستقدمون..و.. تستأخرون } وبين { ~~استضعفوا..و.. استكبروا } وهو من المحسنات البديعية. # 2- جناس الاشتقاق { وقدرنا فيها السير سيروا } فإن كلمة ~~{ سيروا } مشتقة من السير. # 3- التعجيز بدعاء الجماد الذي لا يسمع ولا يحس { قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دون الله }. # 4- التوبيخ والتبكيت { قل من يرزقكم من السموت ~~والأرض }؟ # 5- حذف الخبر لدلالة السياق عليه { قل الله } أي قل الله الخالق ~~الرازق للعباد ودل على المحذوف سياق الآية. # 6- المبالغة بذكر صيغ المبالغة { إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور } فإن فعال وفعيل وفعول من صيغ المبالغة ومثلها { ~~وهو الفتاح العليم }. # 7- حذف الجواب للتهويل والتفزيع { ولو ms1204 ترى إذ الظالمون ~~موقوفون عند ربهم } حذف الجواب للتهويل أي لو ترى حالهم ~~لرأيت أمرا فظيعا مهولا. # 8- المجاز العقلي { بل مكر اليل والنهار } أسند المكر إلى ~~الدليل والمراد مكر المشركين بهم في الليل ففيه مجاز عقلي. # 9- الاستعارة { لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي ~~بين يديه } ليس للقرآن يدان ولكنه استعارة لما سبقه من الكتب ~~السماوية المنزلة من عند الله. # 10- مراعاة الفواصل لما لها من وقع حسن على السمع مثل { وهل ~~نجزي إلا الكفور.. إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور } الخ. ### || [34.34-54] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصة أهل سبأ وكفرهم بنعم الله، وما أعقب ~~ذلك من تبديل النعمة إلى النقمة، ذكر هنا اغترار المشركين بالمال ~~والبنين، وتكذيبهم لرسول الله عليه السلام، وختم السورة الكريمة ببيان ~~مصرع الغابرين، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخويفا وتحذيرا ~~للمشركين. # اللغة: { مترفوهآ } المترف: المنعم المتقلب في الغنى والعز ~~والجاه { يبسط } يوسع { ويقدر } يقتر { زلفى } قربى { ~~إفك } كذب مختلق { معشار } المعشار: العشر، قال الجوهري: ومعشار ~~الشيء عشره، فهما لغتان { نكير } أصلها نكيري حذفت الياء لمراعاة ~~الفواصل قال الزجاج: النكير: اسم بمعنى الإنكار { جنة } بكسر الجيم ~~أي جنون { فوت } نجاة ومهرب { التناوش } التناول قال الزمخشري: ~~والتناوش والتناول أخوان، إلا أن التناوش تناول سهل لشيء قريب، ومنه ~~المناوشة في القتال وذلك عند تداني الفريقين، قال ابن السكيت: يقال للرجل ~~إذا تناول رجلا ليأخذه ناشه. # التفسير: { ومآ أرسلنا في قرية من نذير } أي لم نبعث ~~في أهل قرية رسولا من الرسل ينذرهم عذابنا { إلا قال مترفوهآ ~~} أي إلا قال أهل الغنى والتنعم في الدنيا { إنا بمآ أرسلتم ~~به كافرون } أي لا نؤمن برسالتكم ولا نصدقكم بما جئتم به، قال ~~قتادة: المترفون هم جبابرتهم وقادتهم ورؤساؤهم في الشر، وهم الذين ~~يبادرون إلى تكذيب الأنبياء، والقصد بالآية تسلية النبي صلى الله عليه ~~وسلم على تكذيب أكابر قريش له { وقالوا نحن أكثر أموالا ~~وأولادا } أي وقال مشركو مكة: نحن أكثر أموالا وأولادا من هؤلاء ~~الضعفاء المؤمنين { وما نحن بمعذبين } أي ms1205 إن الله لا يعذبنا ~~لأنه راض عنا، ولو لم يكن راضيا عنا لما بسط لنا في الرزق، قاسوا أمر ~~الدنيا على الآخرة، وظنوا أن الله كما أعطاهم الأموال والأولاد في الدنيا ~~لا يعذبهم في الآخرة، قال أبو حيان: نص تعالى على المترفين لأنهم أول ~~المكذبين للرسل، لما شغلوا به من زخرف الدنيا، وما غلب على عقولهم منها، ~~فقلوبهم أبدا مشغولة منهمكة، بخلاف الفقراء فإنهم خالون من مستلذات ~~الدنيا، فقلوبهم أقبل للخير ولذلك كانوا أكثر أتباع الأنبياء { قل ~~إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } أي قل لهم ~~يا محمد: إن توسعة الرزق وتضييقه ليس دليلا على رضى الله، فقد يوسع ~~الله على الكافر والعاصي، ويضيق على المؤمن والمطيع ابتلاء وامتحانا، ~~فلا تظنوا أن كثرة الأموال والأولاد دليل المحبة والسعادة، بل هي تابعة ~~للحكمة والمشيئة { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي ~~ولكن أكثر هؤلاء الكفرة لا يعلمون الحقيقة، فيظنون أن كثرة الأموال ~~والأولاد للشرف والكرامة، وكثيرا ما يكون للاستدراج كما قال تعالى: # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [الأعراف: 182] ولهذا أكد ذلك بقوله: { ومآ أموالكم ولا ~~أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى } أي ليست ~~أموالكم ولا أولادكم التي تفتخرون بها وتكاثرون هي التي تقربكم من الله ~~قربى، وإنما يقرب الإيمان والعمل الصالح، قال الطبري: الزلفى: القربى، ~~ولا يعتبر الناس بكثرة المال والولد، ولهذا قال تعالى بعده { إلا من ~~آمن وعمل صالحا } أي إلا المؤمن الصالح الذي ينفق ماله في سبيل ~~الله، ويعلم ولده الخير ويربيه على الصلاح فإن هذا الذي يقرب من الله ~~{ فأولئك لهم جزآء الضعف بما عملوا } أي تضاعف ~~حسناتهم، الحسنة بعشر أمثالها وبأكثر إلى سبعمائة ضعف { وهم في ~~الغرفات آمنون } أي وهم في منازل الجنة العالية آمنون من كل عذاب ~~ومكروه، ولما ذكر جزاء المؤمنين، ذكر عقاب الكافرين، ليظهر التباين بين ~~الجزاءين فقال { والذين يسعون في آياتنا معاجزين } ~~أي يسعون في الصد عن سبيل الله، واتباع آياته ورسله، معاندين لنا يظنون ~~أنهم يفوتوننا بأنفسهم { أولئك في العذاب محضرون } أي ~~فهم ms1206 مقيمون في العذاب، محضرون يوم القيامة للحساب { قل إن ربي ~~يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له } أي ~~قل يا محمد: إن ربي يوسع الرزق لمن يشاء من خلقه، ويقتر على من يشاء، ~~فلا تغتروا بالأموال التي رزقكم الله إياها، قال في التسهيل: كررت ~~الآية لاختلاف القصد، فإن القصد بالأول الكفار، والقصد هنا ترغيب ~~المؤمنين بالإنفاق { ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه } ~~أي وما أنفقتم في سبيل الله قليلا أو كثيرا فإن الله تعالى يعوضه ~~عليكم إما عاجلا أو آجلا { وهو خير الرازقين } أي هو تعالى ~~خير المعطين، فإن عطاء غيره بحساب، وعطاؤه تعالى بغير حساب، قال ~~المفسرون: لما بين أن الإيمان والعمل الصالح هو الذي يقرب البعد ~~إلى ربه، ويكون مؤديا إلى تضعيف حسناته، بين أن نعيم الآخرة لا ~~ينافي سعة الرزق في الدنيا، بل الصالحون قد يبسط لهم الرزق في الدنيا، مع ~~ما لهم في الآخرة من الجزاء الأوفى والمثوبة الحسنى بمقتضى الوعد الإلهي ~~{ ويوم يحشرهم جميعا } أي واذكر يوم يحشر الله المشركين ~~جيمعا من تقدم ومن تأخر للحساب والجزاء { ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون }؟ الاستفهام للتقريع ~~والتوبيخ للمشركين أي أهؤلاء عبدوكم من دوني وأنتم أمرتموهم بذلك؟ قال ~~الزمخشري: هذا الكلام خطاب للملائكة وتقريع للكفار، وارد على المثل ~~السائر " إياك أعني واسمعي يا جارة " ونحوه قوله تعالى # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116]؟ وقد علم سبحانه أن الملائكة وعيسى منزهون عما نسب ~~إليهم، والغرض من السؤال والجواب أن يكون تقريع للمشركين أشد، وخجلهم ~~أعظم { قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم } أي تعاليت ~~وتقدست يا ربنا عن أن يكون معك إله، أنت ربنا ومعبودنا الذي نتولاه ~~ونعبده ونخلص له العبادة، ونحن نتبرأ إليك منهم { بل كانوا ~~يعبدون الجن } أي بل كانوا يعبدون الشياطين لأنهم هم الذي زينوا ~~لهم عبادة غير الله فأطاعوهم { أكثرهم بهم مؤمنون } قال ~~الطبري: أي أكثرهم بالجن مصدقون يزعمون أنهم بنات الله، تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا قال ms1207 تعالى ردا على مزاعم المشركين { فاليوم ~~لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا } أي ففي هذا ~~اليوم - يوم الحساب - لا ينفع العابدون ولا المعبودون بعضهم لبعض، لا ~~بشفاعة ونجاة، ولا بدفع عذاب وهلاك، قال أبو السعود: يخاطبون بذلك على ~~رءوس الأشهاد إظهارا لعجزهم وقصورهم عن نفع عابديهم، وإظهارا لخيبة ~~رجائهم بالكلية، ونسبة عدم النفع والضر إلى البعض للمبالغة في المقصود، ~~كأن نفع الملائكة لعبدتهم في الاستحالة كنفع العبدة لهم { ونقول ~~للذين ظلموا } أي ونقول للظالمين الذين عبدوا غير الله { ~~ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون } أي ذوقوا ~~عذاب جهنم التي كذبتم بها في الدنيا فها قد وردتموها، ثم بين تعالى ~~لونا آخر من كفرهم وضلالهم فقال: { وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات } أي وإذا تليت على هؤلاء المشركين آيات القرآن ~~واضحات المعاني، بينات الإعجاز، وسمعوها غضة طرية من لسان رسولنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم { قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن ~~يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم } أي ما هذا الذي يزعم ~~الرسالة إلا رجل مثلكم يريد أن يمنعكم عما كان يعبد أسلافكم من ~~الأوثان والأصنام { وقالوا ما هذآ إلا إفك مفترى } ~~أي ما هذا القرآن إلا كذب مختلق على الله { وقال الذين ~~كفروا للحق لما جآءهم إن هذآ إلا سحر ~~مبين } أي وقال أولئك الكفرة المتمردون بجراءتهم على الله ومكابرتهم ~~للحق النير: ما هذا القرآن إلا سحر واضح ظاهر لا يخفى على لبيب، قال ~~الزمخشري: وفيه تعجيب من أمرهم بليغ، حيث بتوا القضاء على أنه سحر، ثم ~~بتوه على أنه بين ظاهر، كل عاقل تأمله سماه سحرا وفي قوله: { ~~لما جآءهم } المبادهة بالكفر من غير تأمل، ثم بين تعالىأنهم لم ~~يقولوا ذلك عن بينة، ولم يكذبوا محمدا عن يقين، بل عن ظن وتخمين فقال: ~~{ ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها } أي وما أنزلنا على ~~أهل مكة كتابا قبل القرآن يقرءون فيه ويتدارسونه { ومآ أرسلنا ~~إليهم قبلك من نذير } أي وما بعثنا إليهم قبلك يا محمد ~~رسولا ينذرهم عذاب الله، فمن ms1208 أين كذبوك؟ قال الطبري: أي ما أنزل الله ~~على العرب كتابا قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد صلى الله ~~عليه وسلم { وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا ~~معشار مآ آتيناهم } أي وكذب قبلهم أقوام من الأمم السابقين ~~وما بلغ كفار مكة عشر ما آتينا الأمم التي كانت قبلهم من القوة والمال ~~وطول العمر قال ابن عباس: { معشار مآ آتيناهم } أي من القوة في ~~الدنيا { فكذبوا رسلي فكيف كان نكير } أي وحيث كذبوا ~~رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال، ولم يغن عنهم ما كانوا فيه من ~~القوة، فكيف حال هؤلاء إذا جاءهم العذاب والهلاك؟ وفيه تهديد لقريش { ~~قل إنمآ أعظكم بواحدة } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين ~~إنما أنصحكم وأوصيكم بخصلة واحدة ثم فسرها بقوله: { أن تقوموا ~~لله مثنى وفرادى } أي هي أن تتحروا الحق لوجه الله ~~والتقرب له مجتمعين ووحدانا، أو اثنين اثنين وواحدا واحدا، قال ~~القرطبي: وهذا القيام معناه القيام إلى طلب الحق، لا القيام الذي هو ~~ضد القعود { ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة } أي ~~ثم تتفكروا في أمر محمد لتعلموا أن من ظهر على يديه هذا الكتاب المعجز لا ~~يمكن أن يكون مس من الجنون أو يكون مجنونا، قال أبو حيان: ومعنى ~~الآية: إنما أعظكم بواحدة فيها إصابتكم الحق وهي أن تقوموا لوجه الله ~~متفرقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا، ثم تتفكروا في أمر محمد وما جاء ~~به، وإنما قال { مثنى وفرادى } لأن الجماعة يكون مع اجتماعهم ~~تشويش الخاطر والمنع من التفكر، كما يكون في الدروس التي يجتمع بها ~~الجماعة، وأما الاثنان إذا نظرا نظر إنصاف وعرض كل واحد منهما على ~~صاحبه ما ظهر له فلا يكاد الحق أن يعدوهما، وإذا كان الواحد جيد ~~الفكر عرف الحق، فإذا تفكروا عرفوا أن نسبته عليه السلام للجنون لا يمكن، ~~ولا يذهب إلى ذلك عاقل { إن هو إلا نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد } أي ما هو إلا رسول منذر لكم إن كفرتم من عذاب شديد ~~في الآخرة { قل ما ms1209 سألتكم من أجر فهو لكم } أي لا ~~أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا قال الطبري: المعنى إني لم أسألكم على ~~ذلك جعلا فتتهموني وتظنوا أني إنما دعوتكم إلى اتباعي لمال آخذه ~~منكم { إن أجري إلا على الله } أي ما أجري وثوابي إلا على ~~الله رب العالمين { وهو على كل شيء شهيد } أي هو تعالى ~~رقيب وحاضر على أعمالي وأعمالكم، لا يخفى عليه شيء وسيجازي الجميع، قال ~~أبو السعود: أي هو مطلع يعلم صدقي وخلوص نيتي { قل إن ربي ~~يقذف بالحق } أي يبين الحجة ويظهرها قال ابن عباس: يقذف ~~الباطل بالحق كقوله: # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق # [الأنبياء: 18] { علام الغيوب } أي هو تعالى الذي أحاط علما ~~بجميع الغيوب التي غابت وخفيت عن الخلق { قل جآء الحق } أي جاء ~~نور الحق وسطع ضياؤه وهو الإسلام { وما يبدىء الباطل وما ~~يعيد } أي ذهب الباطل بالمرة فليس له بدء ولا عود، قال الزمخشري: ~~إذا هلك الإنسان لم يبق له إبداء ولا إعادة، فجعلوا قولهم لا يبدىء ~~ولا يعيد مثلا في الهلاك والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل كقوله تعالى: # وقل جآء الحق وزهق الباطل # [الإسراء: 81] { قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي ~~} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إن حصل لي ضلال - كما زعمتم - فإن ~~إثم ضلالي على نفسي لا يضر غيري { وإن اهتديت فبما يوحي ~~إلي ربي } أي وإن اهتديت إلى الحق فبهداية الله وتوفيقه { ~~إنه سميع قريب } أي سميع لمن دعاه، قريب الإجابة لمن رجاه، ~~قال أبو السعود: يعلم قول كل من المهتدي والضال وفعله وإن بالغ في ~~إخفائهما { ولو ترى إذ فزعوا } أي ولو ترى يا محمد حال ~~المشركين عند فزعهم إذا خرجوا من قبورهم { فلا فوت } أي فلا مخلص ~~لهم ولا مهرب { وأخذوا من مكان قريب } أي أخذوا من الموقف - ~~أرض المحشر - إلى النار، وجواب { لو } محذوف تقديره: لرأيت أمرا ~~عيظما وخطبا جسيما ترتعد له الفرائص { وقالوا آمنا به } أي ~~وقالوا عندما عاينوا العذاب آمنا بالقرآن وبالرسول { وأنى ms1210 لهم ~~التناوش من مكان بعيد } أي ومن أين لهم تناول الإيمان وهم ~~الآن في الآخرة ومحل الإيمان في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا فصارت منهم ~~بمكان بعيد؟ قال أبو حيان: مثل حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من ~~بعد كما يتناوله الآخر من قرب { وقد كفروا به من قبل } ~~أي والحال أنهم قد كفروا بالقرآن وبالرسول من قبل ذلك في الدنيا، فكيف ~~يحصل لهم الإيمان بهما في الآخرة! { ويقذفون بالغيب من ~~مكان بعيد } أي يرمون بظنونهم في الأمور المغيبة فيقولون: لا بعث ~~ولا حساب، ولا جنة ولا نار قال القرطبي: والعرب تقول لكل من تكلم بما لا ~~يعرف هو يقذف ويرجم بالغيب، وعلى جهة التمثيل لمن يرمي ولا يصيب { ~~وحيل بينهم وبين ما يشتهون } أي وحيل بينهم وبين ~~الإيمان ودخول الجنان { كما فعل بأشياعهم من قبل } أي ~~كما فعل بأشباههم في الكفر من الأمم السابقة { إنهم كانوا في ~~شك مريب } أي كانوا في الدنيا في شك وارتياب من أمر الحساب ~~والعذاب، وقوله: { مريب } من باب التأكيد كقولهم: عجب عجيب. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { يبسط..و.. يقدر } وبين { نفعا..و.. ضرا ~~} وبين { مثنى..و.. فرادى }. # 2- المقابلة بين عاقبة الأبرار والفجار { إلا من آمن وعمل ~~صالحا.. والذين يسعون في آياتنا معاجزين }. # 3- الالتفات من الغائب إلى المخاطب { ومآ أموالكم ولا ~~أولادكم } والغرض المبالغة في تحقيق الحق. # 4- أسلوب التقريع والتوبيخ { أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون }؟ الخطاب للملائكة تقريعا للمشركين. # 5- وضع الظاهر موضع الضمير لتسجيل جريمة الكفر عليهم { وقال ~~الذين كفروا للحق } والأصل وقالوا. # 6- الإيجاز بالحذف لدلالة السياق عليه { ومآ أموالكم ولا ~~أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى } حذف خبر ~~الأول لدلالة الثاني عليه أي ما أموالكم بالتي تقربكم ولا أولادكم بالذين ~~يقربونكم عندنا. # 7- الاستعارة { بين يدي عذاب شديد } استعار لفظ اليدين لما ~~يكون من الأهوال والشدائد أمام الإنسان. # 8- الكناية اللطيفة { وما يبدىء الباطل وما يعيد } كناية ~~عن زهوق الباطل ومحو أثره. # 9- الاستعارة التصريحية { ويقذفون بالغيب من مكان ~~بعيد } شبه الذي ms1211 يقول بغير علم، ويظن ولا يتحقق، بالإنسان يرمي ~~غرضا وبينه وبينه مسافة بعيدة فلا يكون سهمه صائبا واستعار لفظ القذف ~~للقول. # 10- توافق الفواصل لما له من جميل الوقع على السمع مثل { إنا بمآ ~~أرسلتم به كافرون } ، { أكثر الناس لا يعلمون } ~~، { وهم في الغرفات آمنون }. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-14] # اللغة: { فاطر } الفاطر: الخالق، وأصل الفطر الشق يقال: فطره ~~فانفطر أي انشق ومنه # السمآء منفطر به # [المزمل: 18] وفطر الله الخلق: خلقهم وبرأهم { تؤفكون } تصرفون ~~من الإفك بمعنى الكذب سمي إفكا لأنه مصروف عن الحق والصواب { ~~حسرات } جمع حسرة وهي الغم الذي يلحق النفس على فوات الأمر، وفي ~~المختار: الحسرة أشد التلهف على الشيء الفاقد { النشور } مصدر نشر ~~الميت إذا حيي قال الأعشى: # حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميت الناشر # { يبور } يهلك يقال: بار يبور أي هلك وبطل، والبوار: الهلاك { ~~فرات } حلو شديد الحلاوة { أجاج } شديد الملوحة قال في القاموس: ~~أج الماء أجوجا إذا اشتدت ملوحته { قطمير } القمطير: القشرة ~~الرقيقة البيضاء التي بين التمرة والنواة. # التفسير: { الحمد لله فاطر السموت والأرض } أي ~~الثناء الكامل، والذكر الحسن، مع التعظيم والتبجيل لله جل وعلا، خالق ~~السماوات والأرض ومنشئها ومخترعها من غير مثال سبق، قال البيضاوي: { ~~فاطر السموت والأرض } أي مبدعهما وموجدهما على غير مثال { ~~جاعل الملائكة رسلا } أي جاعل الملائكة وسائط بين الله ~~وأنبيائه لتبليغهم أوامر الله، قال ابن الجوزي: يرسلهم إلى الأنبياء ~~وإلى ما شاء من الأمور { أولي أجنحة مثنى وثلاث ~~ورباع } أي أصحاب أجنحة، قال قتادة: بعضهم له جناحان وبعضهم له ~~ثلاثة، وبعضهم له أربعة، ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون بها ~~إلى السماء { يزيد في الخلق ما يشآء } اي يزيد في خلق ~~الملائكة كيف يشاء، من ضخامة الأجسام، وتفاوت الأشكال، وتعدد الأجنحة، ~~وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل ليلة الإسراء وله ستمائة ~~جناح، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب وقال قتادة: { يزيد في ~~الخلق ما يشآء } الملاحة في العينين، والحسن في الأنف، ~~والحلاوة في الفم ms1212 { إن الله على كل شيء قدير } أي هو ~~تعالى قادر على ما يريد، له الأمر والقوة والسلطان، لا يمتنع عليه فعل ~~شيء أراده، ولا يتأبى عليه خلق شيء أراده، وصف تعالى نفسه في هذه الآيات ~~بصفتين جليلتين تحمل كل منهما صفة القدرة وكمال الإنعام الأولى: أنه ~~فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومبدعهما من غير مثال يحتذيه، ولا ~~قانون ينتحية، وفي ذلك دلالة على كمال قدرته، وشمول نعمته، فهو الذي رفع ~~السماء بغير عمد، وجعلها مستوية من غير أود، وزينها بالكواكب والنجوم، ~~وهو الذي بسط الأرض، وأودعها الأرزاق والأقوات، وبث فيها البحار ~~والأنهار، وفجر فيها العيون والآبار، إلى غير ما هنالك من آثار قدرته ~~العظيمة، وآثار صنعته البديعة، وعبر عن ذلك كله بقوله: { فاطر ~~السموت والأرض } والثانية: اختيار الملائكة ليكونوا رسلا ~~بينه وبين أنبيائه، وقد أشار إلى طرف من عظمته وكمال قدرته جل وعلا بأن ~~خلق الملائكة بأشكال عجيبة، وصور غريبة، وأجنحة عديدة، فمنهم من له ~~جناحان ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له ستمائة جناح، ~~ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب، كما هو وصف جبريل عليه السلام، ~~ومنهم من لا يعلم حقيقة خلقته وضخامة صورته إلا الله جل وعلا، فقد روى ~~الزهري أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: " يا محمد كيف لو رأيت ~~إسرافيل! إن له لاثني عشر ألف جناح، منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، ~~وإن العرش لعلى كاهله " ولو كشف لنا الحجاب لرأينا العجب العجاب، فسبحان ~~الله ما أعظم خلقه، وما أبدع صنعه!! ثم بين تعالى نفاذ مشيئته، ونفوذ ~~أمره في هذا العالم الذي فطره ومن فيه، وأخضعه لإرادته وتصرفه فقال: { ~~ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها } ~~أي أي شيء يمنحه الله لعباده ويتفضل به عليهم من خزائن رحمته، من ~~نعمة، وصحة، وأمن، وعلم، وحكمة، ورزق، وإرسال رسل لهداية الخلق، ~~وغير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحيط بها عد، فلا يقدر أحد على ~~إمساكه وحرمان خلق الله ms1213 منه، فهو الملك الوهاب الذي لا مانع لما أعطى، ~~ولا معطي لما منع { وما يمسك فلا مرسل له من بعده } ~~أي وأي شيء يمسكه ويحبسه عن خلقه من خيري الدنيا والآخرة، فلا أحد ~~يقدر على منحه للعباد بعد أن أمسكه جلا علا { وهو العزيز ~~الحكيم } أي هو تعالى الغالب على كل شيء، الحكيم في صنعه، الذي يفعل ~~ما يريد على مقتضى الحكمة والمصلحة، قال المفسرون: والفتح والإمساك ~~عبارة عن العطاء والمنع، فهو الذي يضر وينفع، ويعطي ويمنع، وفي الحديث: # " أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي ~~لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد " # ثم ذكرهم تعالى بنعمه الجليلة عليهم فقال: { يأيها الناس ~~اذكروا نعمت الله عليكم } أي اشكروا ربكم على نعمه التي ~~لا تعد ولا تحصى التي أنعم بها عليكم، قال الزمخشري: ليس المراد ~~بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن المراد حفظها من الكفران، وشكرها ~~بمعرفة حقها، والاعتراف بها، وإطاعة موليها، ومنه قول الرجل لمن أنعم ~~عليه: أذكر أيادي عندك { هل من خالق غير الله } استفهام ~~إنكاري بمعنى النفي أي لا خالق غيره تعالى، لا ما تعبدون من الأصنام { ~~يرزقكم من السمآء والأرض } أي حال كونه تعالى هو المنعم ~~على العباد بالرزق والعطاء، فهو الذي ينزل المطر من السماء، ويخرج النبات ~~من الأرض، فكيف تشركون معه ما لا يخلق ولا يرزق من الأوثان والأصنام؟ ~~ولهذا قال تعالى بعده { لا إله إلا هو } أي لا رب ولا معبود ~~إلا الله الواحد الأحد { فأنى تؤفكون } أي فكيف تصرفون بعد ~~هذا البيان، ووضوح البرهان، إلى عبادة الأوثان؟ والغرض: تذكير الناس بنعم ~~الله، وإقامة الحجة على المشركين، قال ابن كثير: نبه تعالى عباده ~~وأرشدهم إلى الاستدلال على توحيده، بوجوب إفراد العبادة له، فكما أنه ~~المستقل بالخلق والرزق، فكذلك يجب أن يفرد بالعبادة، ولا يشرك به غيره ~~من الأصنام والأوثان { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من ~~قبلك } تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على تكذيب قومه له ms1214 والمعنى: ~~وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون فلا تحزن لتكذيبهم، فهذه سنة الله في ~~الأنبياء من قبلك، فقد كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، فلك بهم أسوة، ~~ولا بد أن ينصرك الله عليهم { وإلى الله ترجع الأمور } أي ~~إلى الله تعالى وحده مرجع أمرك وأمرهم، وسيجازي كلا بعمله، وفيه وعيد ~~وتهديد للمكذبين. # ثم ذكرهم تعالى بذلك الموعد المحقق فقال: { يأيها الناس ~~إن وعد الله حق } أي إن وعده لكم بالبعث والجزاء حق ثابت ~~لا محالة لا خلف فيه { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } أي ~~فلا تلهكم الحياة الدنيا بزخرفها ونعيمها عن الحياة الآخرة، قال ابن ~~كثير: أي لا تتلهوا عن تلك الحياة الباقية، بهذه الزهرة الفانية { ~~ولا يغرنكم بالله الغرور } أي ولا يخدعنكم الشيطان ~~المبالغ في الغرور فيطمعكم في عفو الله وكرمه، ويمنيكم بالمغفرة مع ~~الإصرار على المعاصي. ثم بين تعالى عداوة الشيطان للإنسان فقال: { ~~إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } أي إن ~~الشيطان لكم أيها الناس عدو لدود، وعداوته قديمة لا تكاد تزول فعادوه ~~كما عاداكم ولا تطيعوه، وكونوا على حذر منه قال بعض العارفين: يا عجبا ~~لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه، وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته { ~~إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } ~~أي إنما غرضه أن يقذف بأتباعه في نار جهنم المستعرة التي تشوي الوجوه ~~والجلود، لا غرض له إلا هذا، فهل يليق بالعاقل أن يستجيب لنداء الشيطان ~~اللعين؟ قال الطبري: أي إنما يدعو شيعته ليكونوا من المخلدين في نار جهنم ~~التي تتوقد على أهلها { الذين كفروا لهم عذاب شديد } أي ~~الذين جحدوا بالله ورسله لهم عذاب دائم شديد لا يقادر قدره، ولا يوصف ~~هوله { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي جمعوا بين ~~الإيمان والعمل الصالح { لهم مغفرة وأجر كبير } أي لهم ~~عند ربهم مغفرة لذنوبهم، وأجر كبير وهو الجنة، وإنما قرن الإيمان ~~بالعمل الصالح ليشير إلى أنهما لا يفترقان، فالإيمان تصديق، وقول، ~~وعمل { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا } ~~الاستفهام للإنكار وجوابه محذوف والتقدير أفمن زين له ms1215 الشيطان عمله ~~السيء حتى رآه حسنا واستحسن ما هو عليه من الكفر والضلال، كمن استقبحه ~~واجتنبه واختار طريق الإيمان؟ ودل على هذا الحذف قوله تعالى { فإن ~~الله يضل من يشآء ويهدي من يشآء } أي الكل بمشيئة ~~الله، فهو تعالى الذي يصرف من يشاء عن طريق الهدى، ويهدي من يشاء بتوفيقه ~~للعمل الصالح والإيمان { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ~~} أي فلا تغتم يا محمد ولا تهلك نفسك حسرة على تركهم الإيمان { ~~إن الله عليم بما يصنعون } أي هو جل وعلا العالم بما ~~يصنع هؤلاء من القبائح ومجازيهم عليها، وفيه وعيد لهم بالعقاب على سوء ~~صنيعهم { والله الذي أرسل الرياح } أي والله تعالى ~~بقدرته هو الذي أرسل الرياح مبشرة بنزول المطر { فتثير سحابا } أي ~~فحركت السحاب وأهاجته، والتعبير بالمضارع عن الماضي { فتثير } ~~لاستحضار تلك الصورة البديعة، الدالة على كمال القدرة والحكمة { ~~فسقناه إلى بلد ميت } أي فسقنا السحاب الذي يحمل الغيث ~~إلى بلد مجدب قاحل { فأحيينا به الأرض بعد موتها } ~~فيه حذف تقديره فأنزلنا به الماء فأحيينا به الأرض بعد جدبها ويبسها { ~~كذلك النشور } أي كما أحيا الله الأرض الميتة بالماء، كذلك يحيي ~~الموتى من قبورهم، روى الإمام أحمد عن أبي رزين العقيلي قال # " قلت يا رسول الله: كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ ~~فقال: " أما مررت بوادي أهلك ممحلا، ثم مررت به يهتز خضرا؟ قلت: ~~نعم يا رسول الله، قال: فكذلك يحيي الله الموتى، وتلك آيته في خلقه ~~" " # قال ابن كثير: كثيرا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد ~~موتها، فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا أرسل الله إليها ~~السحاب تحمل الماء وأنزله عليها # اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # [الحج: 5] كذلك الأجساد إذا أراد الله بعثها ونشورها، ثم نبه تعالى ~~عباده إلى السبيل الذي تنال به العزة فقال { من كان يريد ~~العزة فلله العزة جميعا } أي من كان يطلب العزة ~~الكاملة، والسعادة الشاملة، فليطلبها من الله تعالى وحده، فإن العزة ~~كلها لله ms1216 جل وعلا قال بعض العارفين: من أراد عز الدارين فليطع ~~العزيز { إليه يصعد الكلم الطيب } أي إليه جل وعلا ~~يرتفع كل كلام طيب من ذكر، ودعاء، وتلاوة قرآن، وتسبيح وتمجيد ونحوه قال ~~الطبري: إلى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه عليه { والعمل ~~الصالح يرفعه } أي والعمل الصالح يتقبله الله تعالى ويثيب صاحبه ~~عليه قال قتادة: لا يقبل الله قولا إلا بعمل، من قال وأحسن العمل قبل ~~الله منه، نقله الطبري { والذين يمكرون السيئات لهم ~~عذاب شديد } هذا بيان للكلم الخبيث بعد بيان حال الكلام الطيب أي ~~والذين يحتالون بالمكر والخديعة لإطفاء نور الله، والكيد للإسلام ~~والمسلمين، لهم في الآخرة عذاب شديد في نار جهنم { ومكر أولئك ~~هو يبور } أي ومكر أولئك المجرمين هالك وباطل، لأنه ما أسر أحد ~~سوءا ودبره إلا أبداه الله وأظهره # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43] قال المفسرون: والإشارة هنا إلى مكر قريش برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين اجتمعوا في دار الندوة وأرادوا أن يقتلوه، أو يحبسوه، ~~أو يخرجوه كما حكى القرآن الكريم # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك # [الأنفال: 30] ثم ذكرهم تعالى بدلائل التوحيد والبعث، بعد أن ذكرهم ~~بآيات قدرته وعزته فقال { والله خلقكم من تراب } أي خلق ~~أصلكم وهو آدم من تراب { ثم من نطفة } أي ثم خلق ذريته من ماء ~~مهين وهو المني الذي يصب في الرحم { ثم جعلكم أزواجا } ~~أي خلقكم ذكورا وإناثا، وزوج بعضكم من بعض ليتم البقاء في الدنيا ~~إلى انقضائها قال الطبري: أي زوج منهم الأنثى من الذكر { وما ~~تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } أي وما تحمل ~~أنثى في بطنها من جنين، ولا تلد إلا بعلمه تعالى، يعلم أذكر هو أو ~~أنثى، ويعلم أطوار هذا الجنين في بطن أمه، لا يخفى عليه شيء من أحواله { ~~وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب } أي وما يطول عمر أحد من الخلق فيصبح هرما، ولا ينقص من ~~عمر أحد ms1217 فيموت وهو صغير أو شاب إلا وهو مسجل في اللوح المحفوظ، لا ~~يزاد فيما كتب الله ولا ينقص { إن ذلك على الله يسير } ~~أي سهل هين، لأن الله قد أحاط بكل شيء علما، ثم ضرب تعالى مثلا ~~للمؤمن والكافر فقال: { وما يستوي البحران } أي وما يستوي ماء ~~البحر وماء النهر { هذا عذب فرات سآئغ شرابه } أي هذا ~~ماء حلو شديد الحلاوة يكسر وهج العطش، ويسهل انحداره في الحلق لعذوبته { ~~وهذا ملح أجاج } أي وهذا ماء شديد الملوحة، يحرق حلق الشارب ~~لمرارته وشدة ملوحته، فكما لا يتساوى البحران: العذب، والملح، فكذلك لا ~~يتساوى المؤمن مع الكافر، ولا البر مع الفاجر، قال أبو السعود: هذا ~~مثل ضرب للمؤمن والكافر، والفرات الذي يكسر العطش، والسائغ الذي يسهل ~~انحداره لعذوبته، والأجاج الذي يحرق بملوحته { ومن كل تأكلون ~~لحما طريا } أي وما كل واحد منهما تأكلون سمكا غضا طريا، ~~مختلف الأنواع والطعوم والأشكال { وتستخرجون حلية ~~تلبسونها } أي وتستخرجون منهما اللؤلؤ والمرجان للزينة والتحلي { ~~وترى الفلك فيه مواخر } أي وترى أيها المخاطب السفن ~~العظيمة، تمخر عباب البحر مقبلة ومدبرة، تحمل على ظهرها الأثقال ~~والبضائع والرجال، وهي لا تغرق فيه لأنها بتسخير الله جل وعلا { ~~لتبتغوا من فضله } أي لتطلبوا بركوبكم هذه السفن العظيمة من ~~فضل الله بأنواع التجارات، والسفر إلى البلدان البعيدة في مدة قريبة { ~~ولعلكم تشكرون } أي ولكي تشكروا ربكم على إنعامه وإفضاله في ~~تسخيره ذلك لكم، ثم انتقل إلى آية آخرى من آيات قدرته وسلطانه في الآفاق ~~فقال { يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل } أي يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، فيضيف من ~~هذا إلى هذا وبالعكس، فيتفاوت بذلك طول الليل والنهار بالزيادة والنقصان، ~~حسب الفصول والأمصار، حتى يصل النهار صيفا - في بعض البلدان - إلى ستة ~~عشرة ساعة، وينقص الليل حتى يصل إلى ثمان ساعات - آية من آيات الله ~~تشاهد لا يستطيع إنكارها جاحد أو مؤمن، ويحس بآثارها الأعمى والبصير. # . آية شاهدة على قدرة الله، ودقة تصرفه في خلقه، وهذه ms1218 الظاهرة الكونية ~~دستور لا يتغير، ونظام محكم لا يأتي بطريق الصدفة، وإنما هو من صنع ~~الله الذي أتقن كل شيء خلقه، فسبحان المدبر الحكيم العليم!! { وسخر ~~الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى } أي ذللهما ~~لمصالح العباد، كل منهما يسير ويدور في مداره الذي قدره الله له لا ~~يتعداه، إلى أجل معلوم هو يوم القيامة { ذلكم الله ربكم ~~له الملك } أي ذلكم الفاعل لهذه الأمور البديعة، هو ربكم العظيم ~~الشأن، الذي له الملك والسلطان والتصرف الكامل في الخلق { والذين ~~تدعون من دونه ما يملكون من قطمير } أي والذين تعبدون ~~من دون الله من الأوثان والأصنام لا يملكون شيئا ولو بمقدار القطمير، ~~وهو القشرة الرقيقة التي بين التمرة والنواة قال المفسرون: وهو مثل يضرب ~~في القلة والحقارة، والأصنام لضعفها، وهوان شأنها وعجزها عن أي تصرف ~~صارت مضرب المثل في حقارتها بأنها لا تملك فتيلا ولا قطميرا، ثم أكد ~~تعالى ذلك بقوله: { إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم } أي إن ~~دعوتم هذه الأصنام لم يسمعوا دعاءكم ولم يستجيبوا لندائكم، لأنها جمادات ~~لا تسمع ولا تفهم { ولو سمعوا ما استجابوا لكم } أي ولو ~~سمعوا لدعائكم - على الفرض والتسليم - ما استجابوا لكم لأنها ليست ناطقة ~~فتجيب { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } أي وفي ~~الآخرة حين ينطقهم الله يتبرءون منكم ومن عبادتكم إياهم { ولا ~~ينبئك مثل خبير } أي ولا يخبرك يا محمد على وجه اليقين أحد ~~إلا أنا - الله - الخالق العليم الخبير، قال قتادة: يعني نفسه عز وجل. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان نوجزها فيما يلي: # 1- الاستعارة التمثيلية { ما يفتح الله للناس من ~~رحمة فلا ممسك لها } شبه فيه إرسال النعم بفتح الخزائن ~~للإعطاء وكذلك حبس النعم بالإمساك، واستعير الفتح للإطلاق والإمساك ~~للمنع. # 2- الطباق بين { يفتح..و.. يمسك } وكذلك بين { يضل..و.. ~~يهدي } وبين { تحمل..و.. تضع } وبين { يعمر..و.. ينقص ~~من عمره }. # 3- المقابلة بين جزاء الأبرار والفجار { الذين كفروا لهم ~~عذاب شديد.. والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة وأجر كبير } وكذلك بين قوله { هذا عذب ~~فرات.. وهذا ملح أجاج ms1219 } وكل من الطباق والمقابلة من ~~المحسنات البديعية إلا أن الأول يكون بين شيئين والثاني بين أكثر. # 4- حذف الجواب لدلالة اللفظ عليه { أفمن زين له سوء ~~عمله }؟ حذف منه ما يقابله أي كمن لم يزين له سوء عمله؟ ودل على ~~هذا المحذوف قوله { فإن الله يضل من يشآء ويهدي من ~~يشآء }. # 5- الإطناب بتكرار الفعل { فلا تغرنكم الحياة الدنيا ~~} ثم قال { ولا يغرنكم بالله الغرور }. # 6- الكناية { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } كناية عن ~~الهلاك لأن النفس إذا ذهبت هلك الإنسان. # 7- الالتفات من الغيبة إلى التكلم للإشعار بالعظمة { أرسل ~~الرياح فتثير سحابا فسقناه }. # 8- السجع لما له من وقع حسن على السمع مثل { ليكونوا من ~~أصحاب السعير } { لهم مغفرة وأجر كبير } وأمثال ~~ذلك وهو من المحسنات البديعية. ### || [35.15-31] # المناسبة: لما عدد تعالى نعمه على العباد، وأقام الأدلة ~~والبراهين على قدرته وعزته وسلطانه، ذكرهم هنا بحاجتهم إليه، ~~واستغنائه جل وعلا عن جميع الخلق، وضرب الأمثال للتفريق بين المؤمن ~~والكافر، والبر والفاجر، بالأعمى والبصير، والظلام والنور، " فبضدها ~~تتميز الأشياء ". # اللغة: { وزر } الوزر: الجبل المنيع الذي يعتصم به ومنه # كلا لا وزر # [القيامة: 11] ثم قيل للثقيل: وزر تشبيها له بالجبل، ثم استعير ~~للذنب لما فيه من إثقال كاهل الإنسان { تنذر } تخوف، والإنذار ~~التخويف { الغيب } ما غاب عن الإنسان ولم تدركه حواسه، قال الشاعر: # وبالغيب آمنا وقد كان قومنا # يصلون للأوثان قبل محمد # { الحرور } شدة حر الشمس قال في المصباح: الحر خلاف البرد والاسم ~~الحرارة، وحرت النار: توقدت واستعرت، والحرور: الريح الحارة { ~~جدد } جمع جدة بالضم وهي الطريقة والعلامة قال الجوهري: والجدة: ~~الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه، والجدة الطريقة والجمع جدد وهي ~~الطرائق المختلفة الألوان، قال القرطبي: قال الأخفش: لو كان جمع جديد ~~لقال " جدد " بضم الجيم والدال نحو سرر { غرابيب } جمع غربيب وهو ~~الشديد السواد، يقال: أسود غربيب أي شديد السواد قال امرؤ القيس: # العين طامحة، واليد سابحة # والرجل لافحة، والوجه غربيب # التفسير: { يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله } ~~الخطاب لجميع البشر لتذكيرهم بنعم الله ms1220 الجليلة عليهم أي أنتم المحتاجون ~~إليه تعالى في بقائكم وكل أحوالكم، وفي الحركات والسكنات { والله ~~هو الغني الحميد } أي وهو جل وعلا الغني عن العالم على ~~الإطلاق، المحمود على نعمه التي لا تحصى قال أبو حيان: هذه آية ~~موعظة وتذكير، وأن جميع الناس محتاجون إلى إحسان الله تعالى وإنعامه، ~~في جميع أحوالهم، لا يستغنى أحد عنه طرفة عين، وهو الغني عن العالم ~~على الإطلاق، المحمود على ما يسديه من النعم، المستحق للحمد والثناء، ثم ~~قرر اسغناءه عن الخلق بقوله { إن يشأ يذهبكم ويأت ~~بخلق جديد } أي لو شاء تعالى لأهلككم وأفناكم وأتى بقوم آخرين ~~غيركم، وفي هذا وعيد وتهديد { وما ذلك على الله بعزيز } ~~أي وليس ذلك بصعب أو ممتنع على الله، بل هو سهر يسير عليه سبحانه، لأنه ~~يقول للشيء كن فيكون { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي لا ~~تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، ولا تعاقب بذنب غيرها كما يفعل جبابرة ~~الدنيا من أخذ الجار بالجار، والقريب بالقريب { وإن تدع مثقلة ~~إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ~~} أي وإن تدع نفس مثقلة بالأوزار أحدا ليحمل عنها بعض أوزارها لا ~~يتحمل عنها ولو كان المدعو قريبا لها كالأب والابن، فلا غياث يومئذ لمن ~~استغاث، وهو تأكيد لما سبق في أن الإنسان لا يتحمل ذنب غيره، قال ~~الزمخشري: فإن قلت فما الفرق بين الآيتين؟ قلت: الأول في الدلالة على ~~عدل الله تعالى في حكمه، وأنه تعالى لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها، والثاني ~~في أنه لا غياث يومئذ لمن استغاث { إنما تنذر الذين ~~يخشون ربهم بالغيب } أي إنما تنذر يا محمد بهذا القرآن ~~الذين يخافون عقاب ربهم يوم القيامة { وأقاموا الصلاة } أي ~~وأدوا الصلاة على الوجه الأكمل، فضموا إلى طهارة نفوسهم طهارة أبدانهم ~~بالصلاة المفروضة في أوقاتها { ومن تزكى فإنما يتزكى ~~لنفسه } أي ومن طهر نفسه من أدناس المعاصي فإنما ثمرة ذلك التطهر ~~عائدة عليه، فصلاحه وتقواه مختص به ولنفسه { وإلى الله المصير ~~} أي إليه تعالى وحده ms1221 مرجع الخلائق يوم القيامة فيجازي كلا بعمله، وهو ~~إخبار متضمن معنى الوعيد { وما يستوي الأعمى والبصير } ~~هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر أي كما لا يتساوى الأعمى مع البصير ~~فكذلك لا يتساوى المؤمن المستنير بنور القرآن، والكافر الذي يتخبط في ~~الظلام، { ولا الظلمات ولا النور } أي لا يتساوى كذلك الكفر ~~والإيمان، كما لا يتساوى النور الظلام { ولا الظل ولا ~~الحرور } أي وكذلك لا يستوي الحق والباطل، والهدى والضلال كما لا ~~يستوي الظل الظليل مع شدة حر الشمس المتوهجة، قال المفسرون: ضرب الله ~~الظل مثلا للجنة وظلها الظليل، وأشجارها اليانعة تجري من تحت الأنهار، ~~كما جعل الحرور مثلا للنار وسعيرها، وشدة أوارها وحرها، وجعل الجنة ~~مستقرا للأبرار، والنار مستقرا للفجار كما قال تعالى # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة # [الحشر: 20] ثم أكد ذلك فقال { وما يستوي الأحيآء ولا ~~الأموات } أي كما لا يستوي العقلاء والجهلاء قال أبو حيان: وترتيب ~~هذه الأشياء في بيان عدم الاستواء جاء في غاية الفصاحة، فقد ذكر الأعمى ~~والبصير مثلا للمؤمن والكافر، فذكر ما عليه الكافر من ظلمة الكفر، وما ~~عليه المؤمن من نور الإيمان، ثم ذكر مآلهما وهو الظل والحرور، فالمؤمن ~~بإيمانه في ظل وراحة، والكافر بكفره في حر وتعب، ثم ذكر مثلا آخر على ~~أبلغ وجه وهي الحي والميت، فالأعمى قد يكون فيه بعض النفع بخلاف الميت، ~~وجمع الظلمات لأن طرق الكفر متعددة، وأفرد النور لأن التوحيد والحق واحد ~~لا يتعدد، وقدم الأشرف في المثلين الأخيرين وهما " الظل، والحي " ~~وقدم الأوضح في المثلين الأولين وهما " الأعمى، والظلمات " ليظهر الفرق ~~جليا، ولا يقال ذلك لأجل السجع لأن معجرة القرأن ليست في مجرد اللفظ، بل ~~في المعنى أيضا، فلله سر القرآن، ثم زاد في الإيضاح والبيان فقال { ~~إن الله يسمع من يشآء ومآ أنت بمسمع من في ~~القبور } أي إن الله يسمع من يشاء إسماعه دعوة الحق، فيحببه ~~بالإيمان ويشرح صدره للإسلام، وما أنت يا محمد بمسمع هؤلاء الكفار، ~~لأنهم أموات القلوب لا يدركون ولا يفقهون قال ms1222 ابن الجوزي: أراد بمن في ~~القبور الكفار، وشبههم بالموتى، أي فكما لا يقدر أن يسمع من في القبور ~~كتاب الله وينتفع بمواعظه، فكذلك من كان ميت القلب لا ينتفع بما يسمع { ~~إن أنت إلا نذير } أي ما أنت إلا رسول منذر، تخوف هؤلاء ~~الكفار من عذاب النار { إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ~~ونذيرا } أي بعثناك بالهدى ودين الحق، بشيرا للمؤمنين ونذيرا ~~للكافرين { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } أي ما من ~~أمة من الأمم في العصور والأزمنة الخالية إلا وقد جاءها رسول { وإن ~~يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم } تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم للتأسي بالأنبياء في الصبر على تحمل الأذى والبلاء، قال ~~الطبري: أي وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون من قومك فقد كذب الذين من ~~قبلهم من الأمم السابقة رسلهم { جآءتهم رسلهم بالبينات } ~~أي جاءتهم الرسل بالمعجزات البينات، والحجج الواضحات فكذبوهم وأنكروا ما ~~جاؤوا به من عند الله { وبالزبر وبالكتاب المنير } أي ~~وجاءوهم بالزبر أي الصحف المنزلة على الأنبياء، وبالكتب السماوية ~~المقدسة المنيرة الموضحة وهي أربعة: " التوراة، والإنجيل، والزبور، ~~والفرقان " ومع ذلك كذبوهم وردوا عليهم رسالتهم فاصبر كما صبروا { ثم ~~أخذت الذين كفروا } أي ثم بعد إمهالهم أخذت هؤلاء الكفار ~~بالهلاك والدمار { فكيف كان نكير } أي فكيف كانت عقوبتي لهم ~~وإنكاري عليهم؟ ألم آخذهم أخذ عزيز مقتدر؟ ألم أبدل نعمتهم نقمة، ~~وسعادتهم شقاوة، وعمارتهم خرابا؟ وهكذا أفعل بمن كذب رسلي، ثم عاد إلى ~~تقرير وحدانية الله بالأدلة السماوية والأرضية فقال { ألم تر أن ~~الله أنزل من السمآء مآء } أي ألم تر أيها المخاطب أن الله ~~العظيم الكبير الجليل أنزل من السحاب المطر بقدرته؟ { فأخرجنا به ~~ثمرات مختلفا ألوانها } أي فأخرجنا بذلك الماء أنواع ~~النباتات والفواكه والثمار، المختلفات الأشكال والألوان والطعوم قال ~~الزمخشري: أي مختلف أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما ~~لا يحصر، أو هيئاتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها { ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها } أي وخلق ~~الجبال كذلك فيها الطرائق المختلفة الألوان - وإن ms1223 كان الجميع حجرا أو ~~ترابا - فمن الجبال جدد - أي طرائق - مختلفة الألوان، بيض مختلفة ~~البياض، وحمر مختلفة في حمرتها { وغرابيب سود } أي وجبال سود ~~غرابيب أي شديدة السواد، قال ابن جزي: قدم الوصف الأبلغ وكان حقه أن ~~يتأخر، وذلك لقصد التأكيد وكثيرا ما يأتي مثل هذا في كلام العرب، ~~والغرض بيان قدرته تعالى، فليس اختلاف الألوان قاصرا على الفواكه ~~والثمار بل إن في طبقات الأرض وفي الجبال الصلبة ما هو أيضا مختلف ~~الألوان، حتى لتجد الجبل الواحد ذا ألوان عجيبة، وفيه عروق تشبه ~~المرجان، ولا سيما في صخور " المرمر " فسبحان القادر على كل شيء { ومن ~~الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك } ~~أي وخلق من الناس، والدواب، والأنعام، خلقا مختلفا ألوانه كاختلاف ~~الثمار والجبال، فهذا أبيض، وهذا أحمر، وهذا أسود، والكل خلق الله ~~فتبارك الله أحسن الخالقين. # . ثم لما عدد آيات الله، وأعلام قدرته، وآثار صنعه، وما خلق من الفطر ~~المختلفة الأجناس أتبع ذلك بقوله { إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء } أي إنما يخشاه تعالى العلماء لأنهم عرفوه حق ~~معرفته، قال ابن كثير: أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، ~~لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية ~~له أعظم وأكثر { إن الله عزيز غفور } أي غالب على كل شيء ~~بعظمته، غفور لمن تاب وأناب من عباده، ثم أخبر عن صفات هؤلاء الذين ~~يخافون الله ويرجون رحمته فقال { إن الذين يتلون كتاب ~~الله } أي يدامون على تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار { ~~وأقاموا الصلاة } أي أدوها على الوجه الأكمل في أوقاتها، ~~بخشوعها وآدابها، وشروطها وأركانها { وأنفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية } أي وأنفقوا بعض أموالهم في سبيل الله وابتغاء ~~رضوانه في السر والعلن { يرجون تجارة لن تبور } أي يرجون ~~بعملهم هذا تجارة رابحة، لن تكسد ولن تهلك بالخسران أبدا { ~~ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } أي ليوفيهم ~~الله جزاء أعمالهم، وثواب ما فعلوا من صالح الأعمال، ويزيدهم - فوق ~~أجورهم - من فضله وإنعامه وإحسانه قال في التسهيل: توفية الأجور ms1224 هو ما ~~يستحقه المطيع من الثواب، والزيادة: التضعيف فوق ذلك أو النظر إلى وجه ~~الله { إنه غفور شكور } أي مبالغ في الغفران لأهل القرآن، شاكر ~~لطاعتهم قال ابن كثير: كان مطرف إذا قرأ هذه الآية قال: هذه آية القراء { ~~والذي أوحينآ إليك من الكتاب هو الحق } أي ~~والذي أوحيناه إليك يا محمد من الكتاب المنزل - القرآن العظيم - هو ~~الحق الذي لا شك فيه، ولا ريب في صدقه { مصدقا لما بين ~~يديه } أي حال كونه مصدقا لما سبقه من الكتب الإلهية المنزلة ~~كالتوارة والإنجيل والزبور قال أبو حيان: وفي الآية إشارة إلى كونه ~~وحيا، لأنه عليه السلام لم يكن قارئا ولا كاتبا وأتى ببيان ما في كتب ~~الله، ولا يكون ذلك إلا من الله { إن الله بعباده لخبير ~~بصير } أي هو جل وعلا خبير بعباده محيط ببواطن أمورهم وظواهرها، بصير ~~بهم لا تخفى عليه خافية من شؤونهم. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1 الطباق بين { يذهب..و.. يأت } وبين { الأعمى..و.. ~~البصير } و { الظلمات..و.. النور } و { الظل..و.. ~~الحرور } و { الأحيآء..و.. الأموات } وبين { نذيرا.. ~~وبشيرا } وبين { سرا.. وعلانية }. # 2 جناس الاشتقاق { ولا تزر وازرة } { حملها لا يحمل ~~منه شيء }. # 3 الاستعارة التصريحية { وما يستوي الأعمى والبصير.. } ~~الآية شبه الكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير بجامع ظلام الطريق وعدم ~~الاهتداء على الكافر، ووضوح الرؤية والاهتداء للمؤمن، ثم استعار المشبه ~~به { الأعمى } للكافر، واستعار { والبصير } للمؤمن بطريق ~~الاستعارة التصريحية. # 4 الالتفات من الغيبة إلى التكلم { أنزل من السمآء مآء ~~فأخرجنا } بدل فأخرجنا لما في ذلك من الفخامة ولبيان كمال العناية ~~بالفعل، لما فيه من الصنع البديع، المنبىء عن كمال قدرة الله وحكمته. # 5 قصر صفة على موصوف { إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء } فقد قصر الخشية على العلماء. # 6 الاستفهام التقريري وفيه معنى التعجب { ألم تر أن الله ~~أنزل من السمآء مآء.. } الآية. # 7 الاستعارة { يرجون تجارة لن تبور } استعار التجارة ~~للمعاملة مع الله تعالى لنيل ثوابه، وشبهها بالتجارة الدنيوية وهي معاملة ms1225 ~~الخلق بالبيع والشراء لنيل الربح ثم رشحها بقوله { لن تبور }. # 8 توافق الفواصل مما يزيد في جمال الكلام ورونقه ووقعه في النفس مثل { ~~يرجون تجارة لن تبور } { إنه غفور شكور } ومثل { ~~وبالكتاب المنير } { فكيف كان نكير } وهكذا. ### || [35.32-45] # المناسبة: لما أثنى تعالى على الذين يتلون كتاب الله، ذكر هنا انقسام ~~الأمة الإسلامية أمام هذا الكنز الثمين إلى ثلاثة أقسام: الظالم لنفسه، ~~والمقتصد، والسابق بالخيرات، ثم ذكر مآل الأبرار والفجار، ليظل العبد بين ~~الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة. # اللغة: { نصب } تعب ومشقة جسمانية { لغوب } اللغوب: الإعياء ~~والضعف والفتور ومنه # وما مسنا من لغوب # [ق: 38] { يصطرخون } من الصراخ وهو الصياح بصوت عال، والصارخ: ~~المستغيث، والمصرخ: المغيث، قال سلامة بن جندب: # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع # كان الصراخ له قرع الظنابيب # { النذير } المنذر الذي يخوف الناس من عذاب الله { خلائف } جمع ~~خليفة وهو الذي يخلف غيره في أمر من الأمور { مقتا } المقت: أشد ~~البغض والغضب { خسارا } هلاكا وضلالا { يحيق } حاق به الشيء: نزل ~~وأحاط. # التفسير: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا } أي ثم أورثنا هذا القرآن العظيم لأفضل الأمم - وهم أمة محمد ~~عليه السلام - الذين اخترناهم على سائر الأمم، وخصصناهم بهذا الفضل ~~العظيم، القرآن المعجز خاتمة الكتب السماوية قال الزمخشري: والذين ~~اصطفاهم الله هم أمة محمد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم ~~القيامة.. ثم قسمهم إلى ثلاثة أصناف فقال { فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ~~بإذن الله } أي فمن هؤلاء الذين أورثناهم الكتاب من هو مقصر في ~~عمل الخير، يتلو القرآن ولا يعمل به وهو الظالم لنفسه، ومنهم من هو متوسط ~~في فعل الخيرات والصالحات، يعمل بالقرآن في أغلب الأوقات، ويقصر في بعض ~~الفترات وهو المقتصد، ومنهم من هو سباق في العمل بكتاب الله، يستبق ~~الخيرات وقد أحرز قصب السبق في فعل الطاعات بتوفيق الله وتيسيره وهو ~~السابق بالخيرات بإذن الله قال ابن جزي: وأكثر المفسرين أن هذه الأصناف ~~الثلاثة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فالظالم لنفسه: ms1226 العاصي، والسابق: ~~التقي، والمقتصد: بينهما وقال الحسن البصري: السابق من رجحت حسناته ~~على سيئاته، والظالم لنفسه من رجحت سيئاته، والمقتصد من استوت حسناته ~~وسيئاته، وجميعهم يدخلون الجنة { ذلك هو الفضل الكبير } أي ~~ذلك الإرث والاصطفاء لأمة محمد عليه السلام لحمل أشرف الرسالات والكتب ~~السماوية هو الفضل العظيم الذي لا يدانيه فضل ولا شرف، فقد تفضل الله ~~عليهم بهذا القرآن المجيد، الباقي مدى الدهر، وأنعم به من فضل! ثم أخبر ~~تعالى عما أعده للمؤمنين في جنات النعيم فقال { جنات عدن ~~يدخلونها } أي جنات إقامة ينعمون فيها بأنواع النعيم، وهي مراتب ~~ودرجات متفاوتة حسب تفاوت الأعمال، وإنما جمع { الجنات } لأنها جنات ~~كثيرة وليست جنة واحدة، فهناك جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، وجنة ~~المأوى، وجنة الخلد، وجنة السلام، وجنة عليين، وفي كل جنة مراتب ونزل ~~بحسب مراتب العاملين { يحلون فيها من أساور من ذهب ~~ولؤلؤا } أي يزينون في الجنة بأساور من ذهب مرصعة باللؤلؤ { ~~ولباسهم فيها حرير } أي وجميع ما يلبسونه في الجنة من الحرير، ~~بل فرشهم وستورهم كذلك قال القرطبي: لما كانت الملوك تلبس في الدنيا ~~الأساور والتيجان، جعل الله ذلك لأهل الجنة، وليس أحد من أهل الجنة إلا ~~في يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ { ~~وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } أي ~~وقالوا عند دخولهم الجنة الحمد لله الذي أذهب عنا جميع الهموم والأكدار ~~والأحزان قال المفسرون: عبر بالماضي { وقالوا } لتحقق وقوعه، ~~والحزن يعم كل ما يكدر صفو الإنسان من خوف المرض، والفقر، والموت، ~~وأهوال القيامة، وعذاب النار وغير ذلك { إن ربنا لغفور ~~شكور } أي واسع المغفرة للمذنبين، شكور لطاعة المطيعين، وكلا اللفظتين ~~للمبالغة أي واسع الغفران عظيم الشكر والإحسان { الذي أحلنا ~~دار المقامة من فضله } أي أنزلنا الجنة وأسكننا فيها، وجعلها ~~مقرا لنا وسكنا، لا نتحول عنها أبدا، وكل ذلك من إنعامه وتفضله علينا ~~{ لا يمسنا فيها نصب } أي لا يصيبنا فيها تعب ولا مشقة { ~~ولا يمسنا فيها لغوب } أي ولا يصيبنا ms1227 فيها إعياء ولا فتور، ~~قال ابن جزي: وإنما سميت الجنة { دار المقامة } لأنهم يقومون ~~فيها ويمكثون ولا يخرجون منها، والنصب تعب البدن، واللغوب تعب ~~النفس الناشىء عن تعب البدن. # . ولما ذكر تعالى حال السعداء الأبرار، ذكر حال الأشقياء الفجار فقال { ~~والذين كفروا لهم نار جهنم } أي والذين جحدوا بآيات ~~الله وكذبوا رسله فإن لهم نار جهنم المستعرة جزاء وفاقا على كفرهم { ~~لا يقضى عليهم فيموتوا } أي لا يحكم عليهم بالموت فيها ~~حتى يستريحوا من عذاب النار { ولا يخفف عنهم من عذابها ~~} أي ولا يخفف عنهم شيء من العذاب، بل هم في عذاب دائم مستمر لا ينقطع ~~كقوله # كلما خبت زدناهم سعيرا # [الإسراء: 97] { كذلك نجزي كل كفور } أي مثل ذلك العذاب ~~الشديد الفظيع، نجازي ونعاقب كل مبالغ في الكفر والعصيان { وهم ~~يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير ~~الذي كنا نعمل } أي وهم يتصارخون في جهنم ويستغيثون برفع ~~أصواتهم قائلين: ربنا أخرجنا من النار وردنا إلى الدنيا لنعمل عملا ~~صالحا يقربنا منك، غير الذي كنا نعمله قال القرطبي: أي نؤمن بدل الكفر، ~~ونطيع بدل المعصية، ونمتثل أمر الرسل.. وفي قولهم { غير الذي ~~كنا نعمل } اعتراف بسوء عملهم، وتندم عليه وتحسر، قال تعالى ~~ردا عليهم وموبخا لهم { أولم نعمركم ما يتذكر فيه ~~من تذكر } أي أولم نترككم ونمهلكم في الدنيا عمرا مديدا يكفي لأن ~~يتذكر فيه من يريد التذكر والتفكر؟ فماذا صنعتم في هذه المدة التي ~~عشتموها؟ وما لكم تطلبون عمرا آخر؟ وفي الحديث # " أعذر الله إلى امرىء أخر أجله حتى بلغ ستين سنة " # ومعنى " أعذر " أي بلغ به أقصى العذر { وجآءكم النذير } أي ~~وجاءكم الرسول المنذر وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعث بين يدي ~~الساعة، وقيل: { النذير } هو الشيب، والأول أظهر { فذوقوا فما ~~للظالمين من نصير } أي فذوقوا العذاب يا معشر الكافرين، فليس ~~لكم اليوم ناصر ولا معين يدفع عنكم عذاب الله قال الإمام الفخر: والأمر ~~أمر إهانة { فذوقوا } وفيه إشارة إلى الدوام، وإنما وضع الظاهر { ~~للظالمين } موضع الضمير ms1228 " لكم " لتسجيل الظلم عليهم، وأنهم بكفرهم ~~وظلمهم ليس لهم نصير أصلا لا من الله ولا من العباد، ثم قال تعالى { ~~إن الله عالم غيب السموت والأرض } أي هو تعالى ~~العالم الذي أحاط علمه بكل ما خفي في الكون من غيب السماوات والأرض، لا ~~يخفى عليه شأن من شئونهما { إنه عليم بذات الصدور } أي ~~يعلم جل وعلا مضمرات الصدور، وما تخفيه من الهواجس والوساوس، فكيف لا ~~يعلم أعمالهم الظاهرة؟ قال المفسرون: والجملة لتأكيد ما سبق من دوام عذاب ~~الكفار في النار، لأن الله تعالى يعلم من الكافر أنه تمكن الكفر في ~~قلبه بحيث لو دام في الدنيا إلى الأبد ما آمن بالله ولا عبده، فالعذاب ~~الأبدي مساو لكفرهم الأبدي، فلا ظلم ولا زيادة # ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49] قال القرطبي: والمعنى في الآية علم أنه لو ردكم إلى الدنيا ~~لم تعملوا صالحا كما قال تعالى # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28] { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } أي ~~هو تعالى جعلكم أيها الناس خلائف في الأرض، بعد عاد وثمود ومن مضى قبلكم ~~من الأمم، تخلفونهم في مساكنهم جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن { فمن ~~كفر فعليه كفره } أي فمن كفر بالله فعليه وبال كفره، لا يضر ~~بذلك إلا نفسه { ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم ~~إلا مقتا } أي ولا يزيدهم كفرهم إلا طردا من رحمة الله وبعدا ~~وبغضا شديدا من الله { ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا ~~خسارا } أي ولا يزيدهم كفرهم إلا هلاكا وضلالا وخسران العمر الذي ما ~~بعده شر وخسار!! قال أبو حيان: وفي الآية تنبيه على أنه تعالى استخلفهم ~~بدل من كان قبلهم، فلم يتعظوا بحال من تقدمهم من المكذبين للرسل وما حل ~~بهم من الهلاك، ولا اعتبروا بمن كفر، ولا اتعظوا بمن تقدم، والمقت أشد ~~الاحتقار والبغض، والخسار خسار العمر، كأن العمر رأس مال الإنسان ~~فإذا انقضى في غير طاعة الله فقد خسره، واستعاض به بدل الربح سخط الله ~~وغضبه، بحيث صار إلى النار المؤبدة، ثم وبخ ms1229 تعالى المشركين في عبادتهم ~~ما لا يسمع ولا ينفع فقال { قل أرأيتم شركآءكم الذين ~~تدعون من دون الله }؟ قال الزمخشري: { أرأيتم } معناها ~~أخبروني كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الإلهية ~~والشركة، ومعنى الآية: قل يا محمد تبكيتا لهؤلاء المشركين: أخبروني عن ~~شأن آلهتكم - الأوثان والأصنام - الذين عبدتموهم من دون الله، وأشركتموهم ~~معه في العبادة، بأي شيء استحقوا هذه العبادة؟ { أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض } أي أروني أي شيء خلقوه في هذه الدنيا من ~~المخلوقات حتى عبدتموهم من دون الله؟ { أم لهم شرك في ~~السموت } أي أم شاركوا الله في خلق السماوات فاستحقوا بذلك ~~الشركة معه في الألوهية؟ { أم آتيناهم كتابا فهم على ~~بينة منه } أي أم أنزلنا عليهم كتابا ينطق بأنهم شركاء الله ~~فهم على بصيرة وحجة وبرهان في عبادة الأوثان { بل إن يعد ~~الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا } إضراب عن السابق ~~وبيان للسبب الحقيقي أي إنما اتخذوهم آلهة بتضليل الرؤساء للأتباع ~~بقولهم: الأصنام تشفع لهم، وهو غرور باطل وزور قال أبو السعود: لما نفى ~~أنواع الحجج أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه، وهو تغرير الأسلاف للأخلاف، ~~وإضلال الرؤساء للأتباع بأنهم يشفعون لهم عند الله. # . ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته فقال { إن الله يمسك ~~السموت والأرض أن تزولا } أي هو جل وعلا بقدرته وبديع ~~حكمته، يمنع السماوات والأرض من الزوال، والسقوط، والوقوع كما قال تعالى # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # [الحج: 65] قال القرطبي: لما بين أن آلهتهم لا تقدر على خلق شيء من ~~السماوات والأرض، بين أن خالقهما وممسكهما هو الله، فلا يوجد حادث إلا ~~بإيجاده، ولا يبقى إلا ببقائه { ولئن زالتآ إن أمسكهما ~~من أحد من بعده } أي ولئن زالتا عن أماكنهما فرضا ما ~~أمسكهما أحد بعد الله، بمعنى أنه لا يستطيع أحد على إمساكهما، إنما ~~هما قائمتان بقدرة الواحد القهار { إنه كان حليما غفورا } أي ~~إنه تعالى حليم لا يعاجل العقوبة للكفار مع استحقاقهم لها، واسع المغفرة ~~والرحمة لمن تاب منهم ms1230 وأناب { وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم } أي حلف المشركون بالله أشد الأيمان وأبلغها قال ~~الصاوي: كانوا يحلفون بآبائهم وأصنامهم فإذا أرادوا التأكيد والتشديد ~~حلفوا بالله { لئن جآءهم نذير } أي لئن جاءهم رسول منذر { ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم } أي ليكونن أهدى من ~~جميع الأمم الذين أرسل الله إليهم الرسل من أهل الكتاب قال أبو السعود: ~~بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب كذبوا ~~رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى، أتتهم الرسل فكذبوهم، ~~فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من اليهود والنصارى وغيرهم { ~~فلما جآءهم نذير } أي فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~أشرف المرسلين { ما زادهم إلا نفورا } أي ما زادهم مجيئه إلا ~~تباعدا عن الهدى والحق وهربا منه { استكبارا في الأرض ~~ومكر السيىء } أي نفروا منه بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، ~~وعتوهم وطغيانهم في الأرض، ومن أجل المكر السيء بالرسول وبالمؤمنين، ~~ليفتنوا ضعفاء الإيمان عن دين الله قال أبو حيان: أي سبب النفور هو ~~الاستكبار والمكر السيء يعني أن الحامل لهم على الابتعاد من الحق هو ~~الاستكبار، والمكر السيء وهو الخداع الذي يرومونه برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والكيد له، قال تعالى ردا عليهم { ولا يحيق المكر ~~السيىء إلا بأهله } أي ولا يحيط وبال المكر السيء إلا بمن ~~مكره ودبره كقولهم " من حفر حفرة لأخيه وقع فيها " { فهل ينظرون ~~إلا سنت الأولين } أي فهل ينتظر هؤلاء المشركون إلا عادة ~~الله وسنته في الأمم المتقدمة، من تعذيبهم وإهلاكهم بتكذيبهم للرسل؟ { ~~فلن تجد لسنت الله تبديلا } أي لن تتغير ولن تتبدل سنته ~~تعالى في خلقه { ولن تجد لسنت الله تحويلا } أي ولا ~~يستطيع أحد أن يحول العذاب عنهم إلى غيرهم، قال القرطبي: أجرى الله ~~العذاب على الكفار، فلا يقدر أحد أن يبدل ذلك، ولا أن يحول العذاب عن ~~نفسه إلى غيره، والسنة هي الطريقة. # . ثم حثهم تعالى على مشاهدة آثار من قبلهم من المكذبين ليعتبروا فقال { ~~أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ms1231 ~~الذين من قبلهم }؟ أولم يسافروا ويمروا على القرى المهلكة ~~فيروا آثار دمار الأمم الماضية حين كذبوا رسلهم ماذا صنع الله بهم؟ { ~~وكانوا أشد منهم قوة } أي وكانوا أقوى من أهل مكة ~~أجسادا، وأكثر منهم أموالا وأولادا { وما كان الله ~~ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض } أي أنه ~~سبحانه لا يفوته شيء، ولا يصعب عليه أمر في هذا الكون { إنه كان ~~عليما قديرا } أي بالغ العلم والقدرة، عالم بشئون الخلق، قادر على ~~الانتقام ممن عصاه { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ~~ما ترك على ظهرها من دآبة } بيان لحلم الله ورحمته ~~بعباده أي لو آخذهم بجميع ذنوبهم ما ترك على ظهر الأرض أحدا يدب عليها ~~من إنسان أو حيوان قال ابن مسعود: يريد جميع الحيوان مما دب ودرج { ~~ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } أي ولكنه تعالى من ~~رحمته بعباده، ولطفه بهم، يمهلهم إلى زمن معلوم وهو يوم القيامة فلا يعجل ~~لهم العذاب { فإذا جآء أجلهم فإن الله كان ~~بعباده بصيرا } أي فإذا جاء ذلك الوقت جازاهم بأعمالهم، إن ~~خيرا فخير، وإن شرا فشر، لأنه تعالى العالم بشئونهم المطلع على أحوالهم ~~قال ابن جرير: بصيرا بمن يستحق العقوبة، وبمن يستوجب الكرامة، وفي الآية ~~وعيد للمجرمين ووعد للمتقين. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الإطناب بتكرير الفعل { لا يمسنا فيها نصب ولا ~~يمسنا فيها لغوب } للمبالغة في انتفاء كل منهما استقلالا، ~~وكذلك الإطناب في قوله { ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ~~ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا ~~خسارا } لزيادة التشنيع والتقبيح على من كفر بالله. # 2 التهكم في صيغة الأمر { فذوقوا فما للظالمين من ~~نصير } مثل # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. # 3 المبالغة مثل { غفور } ، { شكور } ، { كفور } ومثل { ~~حليما } ، { عليما } ، { قديرا } فإنها من صيغ المبالغة. # 4 الاستفهام الإنكاري للتوبيخ { أروني ماذا خلقوا من ~~الأرض }؟ وكذلك { أم لهم شرك في السموت }؟ # 5 الاستعارة المكنية { ما ترك على ظهرها من دآبة } ~~شبه الأرض بدابة تحمل على ms1232 ظهرها أنواع المخلوقات ثم حذف المشبه به ورمز ~~إليه بشيء من لوازمه وهو الظهر بطريق الاستعارة المكنية. # 6 السجع غير المتكلف، البالغ نهاية الروعة والجمال مثل { وجآءكم ~~النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير } وهو من ~~المحسنات البديعية. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-32] # اللغة: { أغلالا } جمع غل وهو القيد الذي يوضع في اليد، وقد ~~تشد به اليد مع العنق { مقمحون } رافعو الرؤوس مع غض البصر، قال ~~أهل اللغة: الإقماح: رفع الرأس وغض البصر يقال: أقمح البعير إذا رفع ~~رأسه عند الحوض وامتنع من الشرب، قال بشر يصف سفينة: # ونحن على جوانبها قعود # نغض الطرف كالإبل القماح # { سدا } السد: الحاجز والمانع بين الشيئين { فعززنا } عززه ~~قواه وشد من أزره { تطيرنا } تشاءمنا، والتطير التشاؤم، وأصله ~~من الطير إذا طار الى جهة اليسار تشاءموا به { خامدون } ميتون لا ~~حراك بهم كما تخمد النار. # التفسير: { يس } الحروف المقطعة في أوائل بعض السور الكريمة للتنبيه ~~على إعجاز القرآن، وأنه مصوغ من جنس هذه الحروف الهجائية التي يعرفونها ~~ويتكلمون بها، ولكن نظمه البديع المعجز آية على كونه من عند الله وقال ~~ابن عباس: معنى " يس " يا إنسان في لغة طيء، وقيل: هو اسم من أسماء ~~النبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله بعده { إنك لمن ~~المرسلين } وقيل معناه: يا سيد البشر قاله أبو بكر الوراق { ~~والقرآن الحكيم } قسم من الله تعالى بالقرآن، والحكيم معناه ~~المحكم، الذي لا يلحقه تغيير ولا تبديل، ولا يعتريه تناقض أو بطلان قال ~~القرطبي: أحكم في نظمه ومعانيه فلا يلحقه خلل وقال أبو السعود: أي ~~المتضمن للحكمة أو الناطق بالحكمة من حيث نظمه المعجز، المنطوي على ~~بدائع الحكم.. والخلاصة فقد أقسم تعالى بهذا الكتاب المحكم، المعجز في ~~نظمه، وبديع معانيه، المتقن في تشريعه وأحكامه، الذي بلغ أعلى طبقات ~~البلاغة، على أن محمدا رسوله، وفي هذا القسم من التعظيم والتفخيم لشأن ~~الرسول ما فيه { إنك لمن المرسلين } جواب القسم أي إنك يا ~~محمد لمن المرسلين من رب العالمين لهداية الخلق قال ابن عباس: قالت كفار ms1233 ~~قريش: لست يا محمد مرسلا، وما أرسلك الله إلينا، فأقسم الله بالقرآن ~~العظيم المحكم أن محمدا صلى الله عليه وسلم من المرسلين { على ~~صراط مستقيم } أي على طريق ونهج مستقيم، لا انحراف فيه ولا ~~اعوجاج، هو الإسلام دين الرسل قبلك، الذين جاءوا بالإيمان والتوحيد قال ~~الطبري: أي على طريق لا اعوجاج فيه من الهدى وهو الإسلام كما قال قتادة، ~~والتنكير للتفخيم والتعظيم { تنزيل العزيز الرحيم } أي هذا ~~القرآن الهادي المنير، تنزيل من رب العزة جل وعلا، العزيز في ملكه، ~~الرحيم بخلقه { لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم } أي لتنذر يا ~~محمد بهذا القرآن العرب، الذين ما جاءهم رسول ولا كتاب، لتطاول زمن ~~الفترة عليهم، والمراد بالإنذار تخويفهم من عذاب الله { فهم ~~غافلون } أي فهم بسبب ذلك غافلون عن الهدى والإيمان، يتخبطون في ~~ظلمات الشرك وعبادة الأوثان. # . ثم بين تعالى استحقاقهم للعذاب بإصرارهم على الكفر والتكذيب فقال { ~~لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } ~~اللام موطئة للقسم أي والله لقد وجب عذاب النار على أكثر هؤلاء المشركين، ~~بسبب إصرارهم على الكفر والإنكار، وعدم تأثرهم بالتذكير والإنذار، فهم ~~لذلك لا يؤمنون بما جئتهم به يا محمد.. ثم بين تعالى سبب تركهم ~~الإيمان فقال { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى ~~إلى الأذقان فهم مقمحون } تمثيل وتصوير لحال المشركين في ~~ضلالهم بحال الذي جعل في يده غل وجمعت يده إلى عنقه، فبقي رافعا رأسه ~~لا يخفضه قال في الجلالين: وهذا تمثيل والمراد أنهم لا يذعنون للإيمان، ~~ولا يخفضون رؤوسهم له قال ابن كثير: ومعنى الآية: إنا جعلنا هؤلاء ~~المحتوم عليهم بالشقاء، كمن جعل في عنقه غل، وجمعت يداه مع عنقه تحت ~~ذقنه، فارتفع رأسه فصار مقمحا، والمقمح هو الرافع رأسه، واكتفى بذكر ~~الغل في العنق عن ذكر اليدين، لأن الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين ~~مع العنق وقال أبو السعود: مثل حالهم بحال الذين غلت أعناقهم { ~~فهى إلى الأذقان } أي فالأغلال منتهية إلى أذقانهم، فلا تدعهم ~~يلتفتون إلى الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا ms1234 يطأطئون رؤوسهم، غاضون ~~أبصارهم، بحيث لا يكادون يرون الحق، أو ينظرون إلى جهته { وجعلنا ~~من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا } قال أبو ~~السعود: وهذا تتمة للتمثيل وتكميل له أي وجعلنا من أمامهم سدا عظيما، ~~ومن ورائهم سدا كذلك { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } أي ~~فغطينا بهما أبصارهم فهم بسبب ذلك لا يبصرون شيئا أصلا، لأنهم أصبحوا ~~محصورين بين سدين هائلين، وهذا بيان لكمال فظاعة حالهم وكونهم محبوسين في ~~مطمورة الغي والجهالات، محرومين عن النظر في الأدلة والآيات، قال ~~المفسرون: وهذا كله تمثيل لسد طرق الإيمان عليهم، بمن سدت عليه ~~الطرق فهو لا يهتدي لمقصوده { وسوآء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم } أي يستوي عندهم إنذارك يا محمد وتخويفك لهم وعدمه، ~~لأن من خيم على عقله ظلام الضلال، وعشعشت في قلبه شهوات الطغيان، لا ~~تنفعه القوارع والزواجر { لا يؤمنون } أي فهم بسبب ذلك لا يؤمنون، ~~لأن الإنذار لا يخلق القلوب الميتة، إنما يوقظ القلب الحي المستعد ~~لتلقي الإيمان، وهذا تسلية له صلى الله عليه وسلم وكشف لحقيقة ما انطوت ~~عليه قلوبهم من الطغيان { إنما تنذر من اتبع الذكر } أي ~~إنما ينفع إنذارك يا محمد من آمن بالقرآن وعمل بما فيه { وخشي ~~الرحمن بالغيب } أي وخاف الله دون أن يراه قال أبو حيان: { ~~وخشي الرحمن } أي المتصف بالرحمة، والرحمة تدعو إلى الرجاء، ~~لكنه مع علمه برحمته يخشاه جل وعلا، خوفا من أن يسلبه ما أنعم به عليه ~~ومعنى " بالغيب " أي بالخلوة عند مغيب الإنسان عن عيون البشر { ~~فبشره بمغفرة وأجر كريم } لما انتفع بالإنذار كان ~~جديرا بالبشارة أي فبشره يا محمد بمغفرة عظيمة من الله لذنوبه، وأجر ~~كريم في الآخرة في جنات النعيم قال ابن كثير: الأجر الكريم هو الكثير ~~الواسع، الحسن الجميل وذلك إنما يكون في الجنة. # . ولما ذكر تعالى أمر الرسالة ذكر بعدها أمر البعث والنشور فقال { ~~إنا نحن نحيي الموتى } أي نبعثهم من قبورهم بعد موتهم ~~للحساب والجزاء { ونكتب ما قدموا وآثارهم } قال الطبري: ~~أي ونكتب ما قدموا في الدنيا ms1235 من خير وشر، ومن صالح الأعمال وسيئها { ~~وآثارهم } أي وآثار خطاهم بأرجلهم إلى المساجد، وفي الحديث عن جابر ~~قال: # " أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد والبقاع خالية فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، ~~دياركم تكتب آثاركم " فقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا " # { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } أي وكل شيء من ~~الأشياء أو أمر من الأمور جمعناه وضبطناه في كتاب مسطور هو صحائف ~~الأعمال كقوله تعالى # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم # [الإسراء: 71] أي بكتاب أعمالهم، الشاهد عليهم بما عملوه من خير أو ~~شر، وقال مجاهد وقتادة: هو اللوح المحفوظ وقال أبو حيان: " ونكتب ما ~~قدموا " أي ونحصي، فعبر عن إحاطة علمه جل وعلا بأعمالهم بالكتابة ~~التي تضبط بها الأشياء.. ثم ذكر تعالى للمشركين قصة أهل القرية الذين ~~كذبوا الرسل فأهلكهم الله بصيحة من السماء فقال { واضرب لهم ~~مثلا أصحاب القرية } أي واذكر يا محمد لقومك الذين كذبوك قصة ~~أصحاب القرية " إنطاكية " التي هي في الغرابة كالمثل السائر والقول ~~العجيب { إذ جآءها المرسلون } أي حين جاءهم رسلنا الذين ~~أرسلناهم لهدايتهم قال القرطبي: وهذه القرية هي " إنطاكية " في قول جميع ~~المفسرين أرسل الله إليهم ثلاثة رسل وهم " صادق " و " مصدوق " و " شمعون ~~" أمر صلى الله عليه وسلم بإنذار هؤلاء المشركين أن يحل بهم ما حل ~~بكفار أهل القرية المبعوث إليهم ثلاثة رسل من الله، وقيل هم رسل عيسى { ~~إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما } أي حين بعثنا ~~إليهم رسولين فبادروهما بالتكذيب { فعززنا بثالث } أي ~~قويناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث { فقالوا إنآ إليكم ~~مرسلون } أي نحن رسل الله مرسلون لهدايتكم { قالوا مآ أنتم ~~إلا بشر مثلنا } أي ليس لكم فضل علينا وما أنتم إلا بشر ~~مثلنا، فكيف أوحى الله إليكم دوننا؟ { ومآ أنزل الرحمن من ~~شيء } أي لم ينزل الله شيئا من الوحي والرسالة { إن أنتم إلا ~~تكذبون } أي ما أنتم إلا قوم تكذبون في دعوى الرسالة { قالوا ~~ربنا يعلم إنآ إليكم ms1236 لمرسلون } أي أجابهم الرسل ~~بقولهم الله يعلم أننا رسله إليكم، ولو كنا كذبة لانتقم منا أشد ~~الانتقام قال ابن جزي: أكدوا الخبر هنا باللام { لمرسلون } لأنه ~~جواب المنكرين، بخلاف الموضع الأول فإنه إخبار مجرد { وما علينآ ~~إلا البلاغ المبين } أي وليس علينا إلا أن نبلغكم رسالة الله ~~بلاغا واضحا جليا لا غموض فيه، فإن آمنتم فلكم السعادة، وإن كذبتم ~~فلكم الشقاوة قال أبو حيان: وفي هذا وعيد لهم، ووصف البلاغ ب { ~~المبين } لأنه الواضح بالآيات الشاهدة بصحة الإرسال، كما روي في هذه ~~القصة من المعجزات الدالة على صدق الرسل، من إبراء الأكمه والأبرص ~~وإحياء الميت { قالوا إنا تطيرنا بكم } أي قال لهم أهل ~~القرية: إنا تشاءمنا بكم وبدعوتكم القبيحة لنا إلى الإيمان، وترك عبادة ~~الأوثان قال المفسرون: ووجه تشاؤمهم بالرسل أنهم دعوهم إلى دين غير ما ~~يدينون به، فاستغربوه واستقبحوه ونفرت عنه طبيعتهم المعوجة، فتشاءموا بمن ~~دعا إليه كأنهم قالوا: أعاذنا الله مما تدعوننا إليه، ثم توعدوا الرسل ~~بقولهم { لئن لم تنتهوا } أي والله لئن لم تمتنعوا عن قولكم، ~~ودعوتكم لنا إلى التوحيد، ورفض ديننا { لنرجمنكم ~~وليمسنكم منا عذاب أليم } أي لنرجمنكم بالحجارة ~~حتى تموتوا، ولنقتلنكم شر قتلة { قالوا طائركم معكم } ~~أي قالت الرسل لهم: ليس شؤمكم بسببنا، وإنما شؤمكم بسببكم، وبكفركم، ~~وعصيانكم، وسوء أعمالكم { أئن ذكرتم }؟ شرط جوابه محذوف لدلالة ~~السياق عليه أي أئن ذكرناكم ووعظناكم ودعوناكم إلى توحيد الله، تشاءمتم ~~بنا وتوعدتمونا بالرجم والتعذيب؟ { بل أنتم قوم مسرفون } ~~أي ليس الأمر كما زعمتم بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في العصيان ~~والإجرام، وهو توبيخ لهم مع الزجر والتقريع { وجآء من أقصى ~~المدينة رجل يسعى } أي وجاء من أبعد أطراف المدينة رجل يعدو، ~~يسرع في مشيه وهو " حبيب النجار " قال ابن كثير: إن أهل القرية هموا ~~بقتل رسلهم، فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى لينصرهم من قومه، وهو ~~حبيب النجار كان يعمل الحرير وهو الحباك، وكان كثير الصدقة يتصدق بنصف ~~كسبه وقال القرطبي: كان حبيب مجذوما ومنزله عند أقصى أبواب ms1237 المدينة، ~~وكان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم لعلهم يرحمونه ويكشفون ~~ضره، فما استجابوا له، فلما أبصر الرسل ودعوه إلى الله قال: هل من ~~آية؟ قالوا نعم نحن ندعو ربنا القادر فيفرج عنك ما بك! فقال إن هذا ~~لعجيب، إني أدعو هذه الآلهة سبعين سنة لتفرج عني فلم تستطع فكيف يفرجه ~~ربكم في غداة واحدة؟ قالوا نعم ربنا على ما يشاء قدير، وهذه لا تنفع ~~شيئا ولا تضر، فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به، فلما هم قومه بقتل ~~الرسل جاءهم مسرعا وقال ما قصة القرآن { قال يقوم اتبعوا ~~المرسلين } أي اتبعوا الرسل الكرام الداعين إلى توحيد الله، وإنما ~~قال { يقوم } تأليفا لقلوبهم واستمالة لها لقبول النصيحة، ثم كرر ~~القول تأكيدا وبيانا للسبب فقال { اتبعوا من لا يسألكم ~~أجرا وهم مهتدون } أي اتبعوا هؤلاء الرسل الصادقين المخلصين، ~~الذين لا يسألونكم أجرة على الإيمان، وهم على هدى وبصيرة فيما يدعونكم ~~إليه من توحيد الله { وما لي لا أعبد الذي فطرني ~~وإليه ترجعون } تلطف في الإرشاد لهم كأنه ينصح نفسه، ويختار ~~لهم ما يختار لنفسه، وفيه نوع تقريع على ترك عبادة خالقهم والمعنى أي ~~شيء يمنعني من أن أعبد خالقي الذي أبدع خلقي؟ وإليه مرجعكم بعد الموت ~~فيجازي كلا بعمله؟ { أأتخذ من دونه آلهة } استفهام إنكاري ~~أي كيف أتخذ من دون الله آلهة لا تسمع ولا تنفع ولا تغني عن عابدها ~~شيئا؟ { إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا } أي هي في المهانة والحقارة بحيث لو أراد الله أن ~~ينزل بي شيئا من الضر والأذى وشفعت لي لم تنفع شفاعتهم ولم يقدروا على ~~إنقاذي، فكيف وهي أحجار لا تسمع ولا تنفع ولا تشفع؟ { ولا ينقذون ~~} أي ولا يقدرون على إنقاذي من عذاب الله { إني إذا لفي ضلال ~~مبين } أي إني إن عبدت غير الله واتخذت الأصنام آلهة لفي خسران ظاهر ~~جلي. # . وبعد النصح والتذكير أعلن إسلامه، وأشهر إيمانه فقال { إني آمنت ~~بربكم فاسمعون } أي إني آمنت بربكم الذي خلقكم، ms1238 فاسمعوا قولي ~~واعملوا بنصيحتي قال المفسرون: لما قال لهم ذلك ونصحهم وأعلن إيمانه، ~~وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه أذاهم قال ~~الطبري: وثبوا عليه فوطئوه بأقدامهم حتى مات، وقيل: رموه بالحجارة حتى ~~مات { قيل ادخل الجنة } أي فلما مات قال الله له: ادخل الجنة ~~مع الشهداء الأبرار، جزاء على صدق إيمانك وفوزك بالشهادة قال ابن ~~مسعود: إنهم وطئوه بأرجلهم حتى خرجت أمعاؤه من دبره، وقال الله له { ~~ادخل الجنة } فدخلها فهو يرزق فيها، قد أذهب الله عنه سقم ~~الدنيا وحزنها ونصبها { قال يليت قومي يعلمون * بما ~~غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } أي فلما دخل الجنة ~~وعاين ما أكرمه الله بها لإيمانه وصبره تمنى أن يعلم قومه بحاله، ~~ليعلموا حسن مآله أي يا ليتهم يعلمون بالسبب الذي من أجله غفر لي ربي ~~ذنوبي، وأكرمني بدخول جنات النعيم قال ابن عباس: نصح قومه في حياته، ~~ونصحهم بعد مماته قال أبو السعود: وإنما تمنى علم قومه بحاله ليحملهم ~~ذلك على اكتساب الثواب والأجر، بالتوبة عن الكفر والدخول في الإيمان، ~~جريا على سنن الأولياء في الترحم على الأعداء { ومآ أنزلنا على ~~قومه من بعده من جند من السمآء } هذا تحقير لهم ~~وتصغير لشأنهم { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم ~~خامدون } أي ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة صاح بهم جبريل، فإذا ~~هم ميتون لا حراك بهم، قد أخمدت أنفاسهم حتى صاروا كالنار الخامدة قال ~~المفسرون: وفي الآية استحقار لإهلاكهم فإنهم أذل وأهون على الله من أن ~~يرسل الملائكة لإهلاكهم، وقد روي أنه لما قتل " حبيب النجار " غضب الله ~~تعالى له، فعجل لهم النقمة فأمر جبريل فصاح بهم صيحة واحدة، فماتوا عن ~~آخرهم، فجعل طريق استئصالهم بالصيحة، ثم قال تعالى { يحسرة على ~~العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ~~يستهزئون } أي يا أسفا على هؤلاء المكذبين لرسل الله المنكرين ~~لآياته ويا حسرة عليهم، ما جاءهم رسول إلا كذبوه واستهزءوا به، وهكذا ~~عادة المجرمين في كل زمان ms1239 ومكان قال في حاشية البيضاوي: إنهم أحقاء بأن ~~يتحسروا على أنفسهم أو يتحسر عليهم، فإن الأمر لفخامته وشدته، بلغ إلى ~~حيث إن كل من يتأتى منه التلهف إذا نظر إلى حال استهزائهم بالرسل تحسر ~~عليهم، وقال: يا لها من حسرة وخيبة على هؤلاء المحرومين، حيث بدلوا ~~الإيمان بالكفر، والسعادة بالشقاوة، وفي الآية تعريض بكفار قريش حيث ~~كذبوا سيد المرسلين. # ولما مثل حال كفار مكة بحال أصحاب القرية وبخ المشركين على عدم ~~اعتبارهم بمن سبقهم فقال { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم ~~من القرون أنهم إليهم لا يرجعون } أي ألم يتعظ ~~هؤلاء المشركين بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل، ويعلموا أن هؤلاء ~~المهلكين لا عودة لهم إلى الدنيا بعد هلاكهم؟ { وإن كل لما ~~جميع لدينا محضرون } أي وأن جميع الأمم الماضية والآتية ~~ستحضر للحساب والجزاء يوم القيامة بين يدي أحكم الحاكمين، فيجازيهم ~~بأعمالهم كلها خيرها وشرها؟ قال أبو حيان: وجاءت هذه الجملة بعد ذكر ~~الإهلاك تبيينا إلى أن الله تعالى لا يترك المهلكين بل بعد الهلاك جمع ~~وحساب، وثواب وعقاب. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1 التأكيد بأكثر من مؤكد لأن المخاطب منكر مثل { إنك لمن ~~المرسلين * إنآ إليكم مرسلون } فقد أكد كل منهما ب ~~" إن " و " اللام " ويسمى هذا الضرب إنكاريا. # 2 الاستعارة التمثيلية { إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا.. } الآية شبه حال الكفار في امتناعهم من الهدى والإيمان ~~بمن غلت يده إلى عنقه بالسلاسل والأغلال فأصبح رأسه مرفوعا لا يستطيع ~~خفضا له ولا التفاتا، وبمن سدت الطرق في وجهه فلم يهتد لمقصوده، ~~وذلك بطريق الاستعارة التمثيلية. # 3 الطباق { من بين أيديهم... ومن خلفهم }. # 4 طباق السلب { أأنذرتهم أم لم تنذرهم }. # 5 الجناس الناقص { نحن نحيي } لتغير بعض الحروف. # 6 الإطناب بتكرار الفعل { اتبعوا المرسلين * اتبعوا ~~من لا يسألكم أجرا }. # 7 الاستفهام للتوبيخ { أأتخذ من دونه آلهة }؟ # 8 الحذف لدلالة السياق عليه { قيل ادخل الجنة } أي فلما أشهر ~~إيمانه قتلوه فقيل له ادخل الجنة. # 9 ms1240 جناس الاشتقاق بين { تطيرنا...وطائركم } وبين { ~~أرسلنآ... والمرسلون }. # 10 مراعاة الفواصل وهو من خصائص القرآن لما فيه من روعة البيان، وحسن ~~الوقع على السمع، وهو كثير مشهور. # تنبيه: من محاسن التنزيل الكريم وبلاغته الخارقة، هو الإيجاز في القصص ~~والأنباء، والإشارة إلى روحها وسرها، لأن القصد من القصص التذكير ~~والاعتبار، ولهذا لم يذكر في القصة اسم البلدة، ولا اسم الشخص الذي دعاهم ~~إلى الله، ولا اسم الرسل الكرام، لأن كل ذلك ليس هو الهدف من القصة، وقس ~~على هذا سائر قصص القرآن. ### || [36.33-58] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصة أهل القرية، وإهلاك الله لهم بالصيحة ~~بسبب تكذيبهم المرسلين، ذكر هنا الأدلة والبراهين على القدرة والوحدانية، ~~في إخراج الزروع والثمار، وتعاقب الليل والنهار، وفي الشمس والقمر يجريان ~~بقدرة الواحد القهار، ثم ذكر شبهات المشركين حول البعث، ورد عليها ~~بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة. # اللغة: { آية } علامة لأنها دالة على وجود الله قال أبو العتاهية: # فيا عجبا كيف يعصى الإله # أم كيف يجحده الجاحد؟ # ولله في كل تحريكة # وتسكينة أبدا شاهد # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # { الأزواج } الأصناف والأنواع { نسلخ } السلخ: الكشط والنزع ~~قال تعالى # فانسلخ منها # [الأعراف: 175] ويقال: سلخ الجزار جلد الشاة أي نزع الجلد عن اللحم { ~~كالعرجون } من الانعراج وهو الانعطاف، والعرجون: عود عذق النخلة الذي ~~فيه عناقيد الرطب قال الجوهري: هو أصل العذق الذي يعوج وتقطع منه ~~الشماريخ فيبقى على النخل يابسا { المشحون } المملوء الموقر ~~بالأشياء الثقيلة { صريخ } مغيث { يخصمون } يختصمون في أمورهم ~~غافلين عما حولهم { الأجداث } جمع جدث وهو القبر { ينسلون } ~~يسرعون في الخروج، يقال: عسل الذئب ونسل أي أسرع في المشي. # التفسير: { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها } أي ~~ومن الآيات الباهرة، والعلامات الظاهرة الدالة على كمال قدرة الله ~~ووحدانيته هذه الآية العظيمة، وهي الأرض اليابسة الهامدة التي لا نبات ~~فيها ولا زرع، أحييناها بالمطر قال المفسرون: موت الأرض جدبها، ~~وإحياؤها بالغيث، فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل ~~زوج بهيج ولهذا قال تعالى بعده ms1241 { وأخرجنا منها حبا فمنه ~~يأكلون } أي وأخرجنا بهذا الماء أنواع الحبوب ليتغذوا به ويعيشوا ~~قال القرطبي: نبههم تعالى بهذا على إحياء الموتى، وذكرهم على توحيده ~~وكمال قدرته، بالأرض الميتة أحياها بالنبات، وإخراج الحب منها، فمن ~~الحب يأكلون وبه يتغذون { وجعلنا فيها جنات من نخيل ~~وأعناب } أي وجعلنا في الأرض بساتين ناضرة فيها من أنواع النخيل ~~والعنب { وفجرنا فيها من العيون } أي وجعلنا فيها ينابيع ~~من الماء العذب، والأنهار السارحة في بلدان كثيرة { ليأكلوا من ~~ثمره وما عملته أيديهم } أي ليأكلوا من ثمرات ما ذكر من ~~الجنات والنخيل التي أنشأها لهم، ومما عملته أيديهم مما غرسوه وزرعوه ~~بأنفسهم قال ابن كثير: لما امتن على خلقه بإيجاد الزروع لهم، عطف بذكر ~~الثمار وأنواعها وأصنافها، وما ذاك كله إلا من رحمة الله تعالى بهم، لا ~~بسعيهم وكدهم، ولا بحولهم وقوتهم ولهذا قال { أفلا يشكرون }؟ ~~أي أفلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم؟ واختار ابن جرير أن " ما " ~~بمعنى الذي أي ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم أي من الذي غرسوه ~~ونصبوه { سبحان الذي خلق الأزواج كلها } أي تنزه ~~وتقدس الله العلي الجليل الذي خلق الأصناف كلها، المختلفة الألوان ~~والطعوم والأشكال من جميع الأشياء { مما تنبت الأرض ومن ~~أنفسهم ومما لا يعلمون } أي مما تخرج الأرض من النخيل ~~والأشجار، والزروع والثمار، ومن أنفسهم من الذكور والإناث، ومما لا ~~يعلمون من المخلوقات العجيبة والأشياء الغريبة كما قال تعالى # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون # [الذاريات: 49] { وآية لهم اليل نسلخ منه النهار ~~فإذا هم مظلمون } أي وعلامة أخرى لهم على كمال قدرتنا الليل ~~نزيل عنه الضوء ونفصله عن النهار فإذا هم داخلون في الظلام، وفي الآية ~~رمز إلى أن الأصل هو الظلام والنور عارض، فإذا غربت الشمس ينسلخ النهار ~~من الليل ويكشف ويزول فيظهر الأصل وهو الظلمة { والشمس تجري ~~لمستقر لها } أي وآية أخرى لهم الشمس تسير بقدرة الله في ~~فلك لا تتجاوزه ولا تتخطاه لزمن تستقر فيه، ولوقت تنتهي إليه وهو ~~يوم القيامة حيث ms1242 ينقطع جريانها عند خراب العالم قال ابن كثير: وفي قوله ~~تعالى { لمستقر لها } قولان: أحدهما: أن المراد مستقرها ~~المكاني وهو تحت العرش مما يلي الأرض لحديث البخاري أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ~~فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش.. " # الحديث. والثاني: أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها وهو يوم القيامة، ~~حيث يبطل سيرها، وتسكن حركتها، وتكور وينتهي هذا العالم إلى غايته، ~~وقرىء { لا مستقر لها } أي لا قرار لها ولا سكون، بل هي سائرة ليلا ~~ونهارا، لا تفتر ولا تقف { ذلك تقدير العزيز العليم } أي ~~ذلك الجري والدوران بانتظام وبحساب دقيق هو تقدير الإله العزيز في ملكه، ~~العليم بخلقه { والقمر قدرناه منازل } أي والقمر قدرنا ~~مسيره في منازل يسير فيها لمعرفة الشهور، وهي ثمانية وعشرون منزلا في ~~ثمانية وعشرين ليلة، ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاها ولا يتعداها، ~~فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس { حتى عاد كالعرجون ~~القديم } أي حتى صار كغصن النخل اليابس، وهو عنقود التمر حين يجف ~~ويصفر ويتقوس قال ابن كثير: جعل الله القمر لمعرفة الشهور، كما جعل الشمس ~~لمعرفة الليل والنهار، وفاوت بين سير الشمس وسير القمر، فالشمس تطلع كل ~~يوم وتغرب في آخره، وتنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء، يطول بسبب ~~ذلك النهار ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وهي كوكب نهاري، ~~وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ~~ثم يزداد نورا في الليلة الثانية ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ~~ضياؤه حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر ~~الشهر حتى يصير كالعرجون القديم قال مجاهد: أي العذق اليابس وهو عنقود ~~الرطب إذا عتق ويبس وانحنى، ثم يبدأ جديدا في أول الشهر الآخر { لا ~~الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر } أي لا يمكن للشمس ولا ~~يصح لها أن تجتمع مع القمر بالليل فتمحو نوره، لأن ذلك ms1243 يخل بتلوين ~~النبات، ومصلحة العباد قال الطبري: أي لا الشمس يصلح لها إدراك القمر، ~~فيذهب ضوءها نوره فتكون الأوقات كلها نهارا لا ليل فيها { ولا ~~اليل سابق النهار } أي ولا الليل يسبق النهار حتى يدركه فيذهب ~~بضيائه فتكون الأوقات كلها ليلا { وكل في فلك يسبحون } أي ~~وكل من الشمس والقمر والنجوم تدور في فلك السماء قال الحسن: الشمس ~~والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض، غير ملصقة بشيء ولو كانت ~~ملصقة ما جرت والغرض من الآية: بيان قدرة الله في تسيير هذا الكون ~~بنظام دقيق، فالشمس لها مدار، والقمر له مدار، وكل كوكب من الكواكب له ~~مدار لا يتجاوزه في جريانه أو دورانه، ولا يطغى أحدهما على الآخر - كما ~~قال قتادة: " لكل حد وعلم لا يعدوه، ولا يقصر دونه " - حتى يأتي الأجل ~~المعلوم بخراب العالم، فيجمع الله بين الشمس والقمر كما قال تعالى # وجمع الشمس والقمر # [القيامة: 9] فيختل نظام الكون، وتقوم القيامة، وتنتهي حياة البشرية عن ~~سطح هذا الكوكب الأرضي { وآية لهم أنا حملنا ~~ذريتهم في الفلك المشحون } أي وعلامة أخرى واضحة للناس ~~على كمال قدرتنا أننا حملنا آباءهم الأقدمين - وهم ذرية آدم - في سفينة ~~نوح عليه السلام التي أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين قال في ~~التسهيل: وإنما خص ذريتهم بالذكر، لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، ولأن ~~فيه إشارة إلى حمل أعقابهم إلى يوم القيامة { وخلقنا لهم من ~~مثله ما يركبون } أي وخلقنا لهم من مثل سفينة نوح السفن ~~العظيمة التي يركبونها ويبلغون عليها أقصى البلدان، وإنما نسب الخلق ~~إليه لأنها بتعليم الله جل وعلا للإنسان وقال ابن عباس: هي الإبل وسائر ~~المركوبات، فهي في البر مثل السفن في البحر { وإن نشأ نغرقهم ~~فلا صريخ لهم } ولو أردنا لأغرقناهم في البحر فلا مغيث لهم { ~~ولا هم ينقذون } أي ولا أحد يستطيع أن ينقذهم من الغرق { إلا ~~رحمة منا ومتاعا إلى حين } أي لا ينقذهم أحد إلا نحن ~~لأجل رحمتنا إياهم، وتمتيعنا لهم إلى انقضاء آجالهم.. بين ms1244 تعالى أن ~~ركوبهم السفن في البحر من الآيات العظيمة، فإن سير السفينة بما فيها من ~~الرجال والأثقال فوق سطح الماء آية باهرة فقد حملتهم قدرة الله ونواميسه ~~التي تحكم الكون وتصرفه بحكم خواص السفن، وخواص الماء، وخواص الريح، ~~وكلها من أمر الله وخلقه وتقديره، والسفينة في البحر الخضم كالريشة في ~~مهب الهواء، وإلا تدركها رحمة الله فهي هالكة في لحظة من ليل أو ~~نهار، والذين ركبوا البحار، وشاهدوا الأخطار، يدركون هول البحر المخيف، ~~ويحسون معنى رحمة الله وأنها وحدها هي المنجي لهم من بين العواصف ~~والتيارات، في هذا الخضم الهائل الذي تمسكه يد الرحمة ويعرفون معنى قوله ~~تعالى { إلا رحمة منا } فسبحان الله القدير الرحيم!! { ~~وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ~~لعلكم ترحمون } لما ذكرهم تعالى بدلائل قدرته، وآثار رحمته، ~~أخبر هنا عن تعاميهم عن الحق، وإعراضهم عن الهدى والإيمان، مع كثرة ~~الآيات الواضحات، والشواهد الباهرات والمعنى وإذا قيل للمشركين احذروا ~~سخط الله وغضبه، واعتبروا بما حل بالأمم السابقين قبلكم من العذاب بسبب ~~تكذيبهم الرسل، واحذروا ما وراءكم من عذاب الآخرة لكي ترحموا، وجواب ~~الشرط محذوف تقديره أعرضوا واستكبروا ودل عليه قوله تعالى { إلا ~~كانوا عنها معرضين } قال القرطبي: والجواب محذوف والتقدير: ~~إذا قيل لهم ذلك أعرضوا، ودليله الآية التي بعدها { وما تأتيهم ~~من آية. # .. } فاكتفى بهذا عن ذلك { وما تأتيهم من آية من آيات ~~ربهم إلا كانوا عنها معرضين } أي وما تأتي هؤلاء ~~المشركين علامة من العلامات الواضحة الدالة على صدق الرسول - كالمعجزات ~~الباهرة التي أيده الله بها - إلا أعرضوا عنها على وجه التكذيب ~~والاستهزاء قال أبو السعود: وإضافة الآيات إلى اسم الرب جل وعلا لتفخيم ~~شأنها، المستتبع لتهويل ما اجترءوا عليه في حقها، والمراد بالآيات إما ~~الآيات التنزيلية التي من جملتها الآيات الناطقة ببدائع صنع الله وسوابغ ~~آلائه، أو الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب ~~المصنوعات، التي من جملتها ما ذكر من شئونه الشاهدة بوحدانيته تعالى، ~~وتفرده بالألوهية { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم ms1245 ~~الله } أي وإذا قيل لهؤلاء الكفار بطريق النصيحة أنفقوا بعض ما أعطاكم ~~الله من فضله على الفقراء والمساكين { قال الذين كفروا ~~للذين آمنوا أنطعم من لو يشآء الله أطعمه } ~~أي قال الكفار للمؤمنين تهكما بهم: أننفق أموالنا على هؤلاء المساكين ~~الذين أفقرهم الله؟ { إن أنتم إلا في ضلال مبين } أي ما ~~أنتم أيها المؤمنون إلا في ضلال ظاهر واضح حيث تأمروننا أن ننفق أموالنا ~~على من أفقرهم الله قال ابن عباس: كان بمكة زنادقة فإذا أمروا بالصدقة ~~على المساكين قالوا: لا والله لا نفعل، أيفقره الله ونطعمه نحن؟ وغرضهم ~~الرد على المؤمنين فكأنهم يقولون: لو كان الأمر كما تزعمون أن الله قادر، ~~وأن الله رازق لأطعم هؤلاء الفقراء، فما بالكم تطلبون إطعامهم منا؟ وما ~~علم هؤلاء السفهاء أن خزائن الأرزاق بيد الخلاق، وأنه تعالى أغنى بعض ~~الخلق وأفقر بعض الخلق ابتلاء، لينظر كيف عطف الغني، وكيف صبر الفقير، ~~فقد منع الدنيا عن الفقير لا بخلا، وأمر الغني بالإنفاق عليه لا حاجة ~~إلى ماله، ولكن للإبتلاء والله يفعل ما يشاء، لا اعتراض لأحد في مشيئته ~~ولا في حكمه # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء: 23] ثم أخبر عن إنكار المشركين للآخرة، واستبعادهم لقيام ~~الساعة فقال { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين } أي متى يوم القيامة الذي تتوعدوننا به؟ ومتى هذا العذاب ~~الذي تخوفوننا به إن كنتم صادقين في دعواكم أن هناك بعثا ونشورا ~~وحسابا وعذابا؟ قال تعالى ردا عليهم { ما ينظرون إلا ~~صيحة واحدة تأخذهم } أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم ~~مفاجأة من حيث لا يشعرون { وهم يخصمون } أي وهم يتخاصمون في ~~معاملاتهم وأسواقهم، فلا يشعرون إلا بالصيحة قد أخذتهم، فيموتون في ~~أماكنهم قال ابن كثير: وهذه - والله أعلم - نفخة الفزع، ينفخ إسرافيل في ~~الصور والناس في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم، فبينما ~~هم كذلك إذ أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور نفخة يطولها ويمدها، فلا ~~يبقى أحد على وجه الأرض إلا حنى عنقه يتسمع الصوت من قبل ms1246 السماء فذلك ~~قوله تعالى { فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم ~~يرجعون } أي فلا يستطيع بعضهم أن يوصي بعضا بأمر من الأمور، ولا ~~يستطيعون أن يرجعوا إلى أهلهم ومنازلهم لأن الأمر أسرع منه ذلك وفي ~~الحديث: # " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبا بينهما فلا يتبايعانه ولا ~~يطويانه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه أي يصلحه بالطين فلا يسقي ~~فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه لا يطعمها " # ثم تكون هناك النفخة ثانية وهي " نفخة الصعق " التي يموت بها الأحياء ~~كلهم ما عدا الحي القيوم، ثم تكون النفخة الثالثة وهي " نفخة البعث ~~والنشور " التي يخرج الناس بها من القبور، وهي التي أشارت إليها الآية ~~الكريمة { ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ~~ربهم ينسلون } أي ونفخ في الصور فإذا هؤلاء الأموات يخرجون من ~~قبورهم يسرعون المشي قال الطبري: { ينسلون } يخرجون سراعا، ~~والنسلان: الإسراع في المشي { قالوا يويلنا من بعثنا من ~~مرقدنا هذا }؟ أي يقولون يا هلاكنا من الذي أخرجنا من قبورنا ~~التي كنا فيها؟ قال ابن كثير: وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم، لأنه ~~بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد، فإذا قالوا ذلك أجابتهم الملائكة ~~أو المؤمنون { ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } أي هذا ~~الذي وعدكم الله به من البعث بعد الموت والحساب والجزاء، وصدق رسله ~~الكرام فيما أخبرونا به عن الله { إن كانت إلا صيحة واحدة ~~فإذا هم جميع لدينا محضرون } أي ما كان أمر بعثهم إلا ~~صيحة واحدة يصيح بهم فيها إسرافيل فإذا هم جميع عندنا حاضرون قال ~~الصاوي: وهذه الصيحة هي قول إسرافيل: أيتها العظام النخرة، والأوصال ~~المتقطعة، والأجزاء المتفرقة، والشعور المتمزقة، إن الله يأمركن أن ~~تجتمعن لفصل القضاء ثم ينفخ في الصور فإذا هم مجموعون في موقف الحساب { ~~فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون } أي ففي هذا اليوم يوم القيامة لا تظلم نفس ~~شيئا، سواء كانت هذه النفس برة أو فاجرة، ولا يحمل الإنسان وزر ~~غيره وإنما يجازى كل بعمله قال ms1247 أبو السعود: هذه حكاية لما سيقال لهم ~~في الآخرة، حين يرون العذاب المعد لهم تحقيقا للحق، وتقريعا لهم. # . ولما أخبر عن مآل المجرمين أخبر عن حال الأبرار المتقين فقال { إن ~~أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون } أي إن أصحاب ~~الجنة في ذلك اليوم - يوم الجزاء - مشغولون بما هم فيه من اللذات والنعيم ~~عن التفكير بأهل النار، يتفكهون ويتلذذون بالحور العين، وبالأكل والشرب ~~والسماع للأوتار قال أبو حيان: والظاهر أن الشغل هو النعيم الذي قد شغلهم ~~عن كل ما يخطر بالبال وقال ابن عباس: شغلوا بافتضاض الأبكار، وسماع ~~الأوتار عن أهاليهم من أهل النار، لا يذكرونهم لئلا يتنغصوا { هم ~~وأزواجهم في ظلال على الأرآئك متكئون } أي هم ~~وزوجاتهم في ظلال الجنان الوارفة، حيث لا شمس فيها ولا زمهرير، متكئون ~~على السرر المزينة بالثياب والستور { لهم فيها فاكهة } أي لهم ~~في الجنة، فاكهة كثيرة من كل أنواع الفواكة { ولهم ما يدعون } ~~أي ولهم فيها ما يتمنون ويشتهون كقوله تعالى # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين # [الزخرف: 71] { سلام قولا من رب رحيم } أي لهم سلام ~~كريم من ربهم الرحيم، وفي الحديث # " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع عليهم نور، فرفعوا رءوسهم فإذا الرب ~~تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله ~~تعالى { سلام قولا من رب رحيم } قال: فينظر إليهم ~~وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى ~~يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم ". # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التنكير والتفخيم والتعظيم { وآية لهم } أي آية عظيمة باهرة ~~على قدرة الله. # 2- الطباق بين الموت والإحياء { الأرض الميتة أحييناها } ~~وبين الليل والنهار. # 3- الاستعارة التصريحية { وآية لهم اليل نسلخ منه ~~النهار } شبه إزالة ضوء النهار وانكشاف ظلمة الليل بسلخ الجلد عن ~~الشاة، واستعار اسم السلخ للإزالة والإخراج واشتق منه نسلخ بمعنى نخرج ~~منه النهار بطريق الاستعارة التصريحية، وهذا من بليغ الاستعارة، وبين ~~الليل والنهار طباق. ms1248 # 4- التشبيه المرسل المجمل { حتى عاد كالعرجون القديم } ~~وجه الشبه مركب من ثلاثة أشياء: الرقة، والانحناء، والصفرة، ولما لم يذكر ~~سمي مجملا. # 5- تقديم المسند إليه لتقوية الحكم المنفي { لا الشمس ينبغي ~~لهآ أن تدرك القمر } فإنه أبلغ من أن يقول { لا ينبغي للشمس أن ~~تدرك القمر } وأكد في إفادة أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد بها ~~فإن قولك " أنت لا تكذب " بتقديم المسند إليه أبلغ من قولك " لا تكذب ~~" فإنه أشد لنفي الكذب من العبارة الثانية فتدبر أسرار القرآن. # 6- تنزيل غير العاقل منزلة العاقل { وكل في فلك يسبحون } ~~بدل يسبح، فقد عبر عن الشمس والقمر والكواكب بضمير جمع المذكر، والذي ~~سوغ ذلك وصفهم بالسباحة لأنها من صفات العقلاء. # 7- الاستعارة اللطيفة { من بعثنا من مرقدنا } المرقد هنا ~~عبارة عن الممات، فشبهوا حال موتهم بحال نومهم لأنها أشبه الأشياء بها ~~وأبلغ من قوله: من بعثنا من مماتنا. # 8- الإيجاز بالحذف { هذا ما وعد الرحمن } أي تقول لهم ~~الملائكة هذا ما وعدكم به الرحمن. # 9- الطباق { قال الذين كفروا للذين آمنوا } ~~والاستفهام الذي يراد منه التهكم { أنطعم من لو يشآء الله ~~أطعمه }. # 10- السجع غير المتكلف في ختام الآيات الكريمة مثل { وأخرجنا ~~منها حبا فمنه يأكلون } { وفجرنا فيها من ~~العيون } { ومن أنفسهم ومما لا يعلمون } { ~~فإذا هم مظلمون } ومثل { ذلك تقدير العزيز ~~العليم } و { حتى عاد كالعرجون القديم } وهو من ~~المحسنات البديعة. ### || [36.59-83] # المناسبة: لما ذكر تعالى حال السعداء الأبرار وما لهم في الجنة من ~~النعيم المقيم، أعقبه بذكر حال الأشقياء الفجار وما لهم من الخزي ~~والدمار، على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب، وختم السورة الكريمة ~~ببيان أدلة البعث بعد الموت، والحساب والجزاء. # اللغة: { وامتازوا } تميزوا وانفصلوا، والتمييز: التفرق بين ~~أمرين { جبلا } بكسر الجيم خلقا جمع جبلة ومنه " والجبلة ~~الأولين " مشتق من جبل الله الخلق أي خلقهم { لطمسنا } الطمس: ~~إذهاب الشيء وأثره جملة كأنه لم يوجد { اصلوها } ادخلوها وذوقوا ~~سعيرها { لمسخناهم } المسخ: التحويل من صورة إلى صورة منكرة { ~~نعمره } التعمير: إطالة العمر حتى يبلغ سن ms1249 الشيخوخة { ~~ننكسه } التنكيس: قلب الشيء رأسا على عقب يقال: نكست الشيء ~~نكسا إذا قلبته على رأسه ومنه # ثم نكسوا على رءوسهم # [الأنبياء: 65] { رميم } الرميم: البالي المفتت يقال رم العظم أي ~~بلي فهو رميم. # سبب النزول: روي # " أن " أبي بن خلف " من صناديد كفار قريش جاء بعظم بال إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ففته بيده ثم قال: أتزعم يا محمد أن الله يحيي هذا ~~بعدما رم؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نعم يحييه، ثم يبعثك ~~ويدخلك النار فأنزل الله تعالى { أولم ير الإنسان أنا ~~خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين * وضرب ~~لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي ~~رميم } ". # التفسير: بعد أن بين تعالى حال السعداء ذكر حال الأشقياء فقال { ~~وامتازوا اليوم أيها المجرمون } أي تميزوا وانفصلوا ~~يا معشر الكفرة المجرمين عن عبادي المؤمنين، انفردوا عنهم وكونوا جانبا ~~قال القرطبي: يقال لهم هذا عند الوقوف للسؤال، وحين يؤمر بأهل الجنة إلى ~~الجنة { ألم أعهد إليكم يبني ءادم } الاستفهام ~~للتوبيخ والتقريع، وهو توبيخ للكفرة المجرمين أي ألم أوصكم وآمركم يا ~~بني آدم على ألسنة رسلي { أن لا تعبدوا الشيطان } أي ألا ~~تطيعوا الشيطان فيما دعاكم إليه من معصيتي؟ { إنه لكم عدو ~~مبين } تعليل للنهي أي لأنه عدو لكم ظاهر العداوة، فكيف يطيع ~~الإنسان عدوه؟ { وأن اعبدوني } أي وأمرتكم بأن تعبدوني وحدي، ~~بتوحيدي وطاعتي وامتثال أمري { هذا صراط مستقيم } أي هذا هو ~~الدين الصحيح، والطريق الحق المستقيم { ولقد أضل منكم ~~جبلا كثيرا } تأكيد للتعليل أي ولقد أضل الشيطان خلقا منكم ~~كثيرين، وأغواهم عن سلوك طريق الحق قال الطبري: أي صد الشيطان منكم ~~خلقا كثيرا عن طاعتي حتى عبدوه { أفلم تكونوا تعقلون } أي ~~أفما كان لكم عقل يردعكم عن طاعة الشيطان ومخالفة أمر ربكم؟ وهو توبيخ ~~آخر للكفرة الفجار.. ثم بشرهم بما ينتظرهم من العذاب فقال { هذه ~~جهنم التي كنتم توعدون } أي هذه نار جهنم التي أوعدكم ~~بها الرسل وكذبتم بها قال الصاوي: هذا خطاب لهم وهم على ms1250 شفير جهنم، ~~والمقصود منه زيادة التبكيت والتقريع { اصلوها اليوم بما ~~كنتم تكفرون } أي ذوقوا حرارتها وقاسوا أنواع عذابها اليوم بسبب ~~كفركم في الدنيا، وهو أمر إهانة وتحقير مثل قوله # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49] ثم أخبر تعالى عن فضيحتهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد ~~فقال { اليوم نختم على أفواههم } أي في هذا اليوم - يوم ~~القيامة - نختم على أفواه الكفار ختما يمنعها عن الكلام { ~~وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~يكسبون } أي تنطق عليهم جوارحهم أيديهم وأرجلهم بأعمالهم القبيحة ~~روى ابن جرير الطبري عن أبي موسى الأشعري أنه قال " يدعى الكافر ~~والمنافق يوم القيامة للحساب فيعرض عليه ربه عمله فيجحده ويقول: أي رب ~~وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل، فيقول الملك: أما عملت كذا في ~~يوم كذا في مكان كذا فيقول: لا وعزتك أي رب ما عملته، فإذا فعل ذلك ختم ~~على فيه وتكلمت أعضاؤه ثم تلا { اليوم نختم على أفواههم ~~} وفي الحديث # " يقول العبد يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول بلى، فيقول العبد فإني ~~لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، ~~وبالكرام الكاتبين شهودا، ثم يختم على فيه ويقال لجوارحه انطقي، فتنطق ~~بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكن وسحقا فعنكن ~~كنت أناضل " # { ولو نشآء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا ~~الصراط فأنى يبصرون } أي لو شئنا لأعميناهم فابتدروا ~~طريقهم ذاهبين كعادتهم فكيف يبصرون حينئذ؟ قال ابن عباس: المعنى لو نشاء ~~لأعميناهم عن الهدى فلا يهتدون أبدا إلى طريق الحق، وهو تهديد لقريش { ~~ولو نشآء لمسخناهم على مكانتهم } أي لو نشاء ~~لمسخناهم مسخا يقعدهم في مكانهم { فما استطاعوا مضيا ولا ~~يرجعون } أي إذا مسخوا في مكانهم لم يقدروا أن يذهبوا ولا أن ~~يرجعوا، وهو تهديد آخر للكفرة المجرمين، ثم ذكر تعالى دلائل قدرته على ~~مسخ الكفار بتطاول الأعمار فقال { ومن نعمره ننكسه في ~~الخلق } أي ومن نطل عمره نقلبه في أطوار منتكسا في الخلق فيصير ~~كالطفل لا يعلم شيئا ms1251 قال قتادة: يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال ~~الصبا، فطول العمر يصير الشباب هرما، والقوة ضعفا، والزيادة نقصا ~~{ أفلا يعقلون }؟ أي أفلا يعقلون أن من قدر على ذلك قادر على ~~إعمائهم أو مسخهم؟ قال ابن جزي: والقصد من ذلك الاستدلال على قدرته ~~تعالى على مسخ الكفار، كما قدر على تنكيس الإنسان إذا هرم { وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له } أي وما علمنا محمدا ~~الشعر، ولا يصح ولا يليق به أن يكون شاعرا قال القرطبي: هذا رد على ~~الكفار في قولهم إنه شاعر، وإن ما أتى به من قبيل الشعر، فالرسول صلى ~~الله عليه وسلم ليس بشاعر، والقرآن ليس بشعر، لأن الشعر كلام مزخرف ~~موزون، مبني على خيالات وأوهام واهية، حتى قيل " أعذبه أكذبه " فأين ذلك ~~من القرآن العزيز الذي تنزه عن مماثلة كلام البشر!! وقد أكثر الناس في ~~ذم الشعر ومدحه، وإنما الإنصاف ما قاله الشافعي رحمه الله " الشعر ~~كلام، والكلام منه حسن، ومنه قبيح " { إن هو إلا ذكر ~~وقرآن مبين } أي ما هذا الذي يتلوه محمد إلا عظة وتذكير من الله ~~جل وعلا لعباده، وقرآن واضح ساطع لا يلتبس به الشعر بحال من الأحوال { ~~لينذر من كان حيا } أي لينذر بهذا القرآن من كان حي القلب ~~مستنير البصيرة، وهم المؤمنون لأنهم المنتفعون به { ويحق القول ~~على الكافرين } أي وتجب كلمة العذاب على الكافرين لأنهم كالأموات ~~لا يعقلون ما يخاطبون به قال البيضاوي: وجعلهم في مقابلة من كان حيا ~~إشعارا بأنهم لكفرهم، وسقوط حجتهم، وعدم تأملهم، أموات في الحقيقة. # . ثم ذكرهم تعالى بنعمه، وأعاد ذكر دلائل القدرة والوحدانية ليستدلوا ~~على وجوده جل وعلا من آثاره فقال { أولم يروا أنا خلقنا ~~لهم مما عملت أيدينآ أنعاما } الهمزة للإنكار والتعجيب ~~أي أولم ينظروا نظر اعتبار، ويتفكروا فيما أبدعته أيدينا من غير واسطة، ~~وبلا شريك ولا معين مما خلقناه لهم ولأجلهم من الأنعام وهي الإبل ~~والبقر والغنم، فيستدلوا بذلك على وحدانيتنا وكمال قدرتنا؟! { فهم ~~لها مالكون } أي فهم متصرفون فيها كيف يشاءون ms1252 تصرف المالك بماله { ~~وذللناها لهم } قال ابن كثير: المعنى جعلهم يقهرونها وهي ~~ذليلة لهم لا تمتنع منهم، بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه، ولو شاء ~~لأقامه وساقه وهو ذليل منقاد معه، وكذا لو كان القطار مائة بعير لسار ~~الجميع بسير الصغير، فسبحان من سخر هذا لعباده!! { فمنها ركوبهم ~~ومنها يأكلون } أي فمن هذه الأنعام ما يركبونه في الأسفار، ~~ويحملون عليه الأثقال كالإبل التي هي سفن البر، ومنها ما يأكلون لحمه ~~كالبقر والغنم { ولهم فيها منافع ومشارب } أي ولهم فيها ~~منافع عديدة - غير الأكل والركوب - كالجلود والأصواف والأوبار، ولهم فيها ~~مشارب أيضا يشربون من ألبانها # من بين فرث ودم لبنا خالصا سآئغا للشاربين # [النحل: 66] { أفلا يشكرون } أي أفلا يشكرون ربهم على هذه النعم ~~الجليلة؟ والغرض من الآيات تعديد النعم وإقامة الحجة عليهم.. ثم ~~وبخهم وعنفهم في عبادة ما لا يسمع ولا ينفع من الأوثان والأصنام، وذلك ~~نهاية الغي والضلال فقال { واتخذوا من دون الله آلهة ~~لعلهم ينصرون } أي وعبد المشركون آلهة من الأحجار رجاء أن ~~ينصروا بها وهي صماء بكماء، لا تسمع الدعاء ولا تستجيب للنداء { لا ~~يستطيعون نصرهم } أي لا تستطيع هذه الآلهة المزعومة نصرهم ~~بحال من الأحوال، لا بشفاعة ولا بنصرة أو إعانة { وهم لهم جند ~~محضرون } أي وهؤلاء المشركون كالجند والخدم لأصنامهم في التعصب ~~لهم، والذب عنهم، وفدائهم بالروح والمال، مع أنهم لا ينفعونهم أي نفع ~~قال قتادة: المشركون يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيرا ~~ولا تدفع عنهم شرا، إنما هي أصنام والمشركون كأنهم خدام وقال القرطبي: ~~المعنى إنهم قد رأوا هذه الآيات من قدرتنا، ثم اتخذوا من دوننا آلهة لا ~~قدرة لها على فعل شيء أصلا، والكفار يمنعون منهم ويدفعون عنهم، فهم لهم ~~بمنزلة الجند، والأصنام لا تستطيع أن تنصرهم. # { فلا يحزنك قولهم } أي لا تحزن يا محمد على تكذيبهم لك، ~~واتهامهم بأنك شاعر أو ساحر، وهذه تسلية للنبي عليه السلام، وهنا تم ~~الكلام ثم قال تعالى { إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ms1253 ~~} أي نحن أعلم بما يخفونه في صدورهم، وما يظهرونه من أقوالهم وأفعالهم، ~~فنجازيهم عليه، وكفى بربك أنه على كل شيء شهيد.. ثم أقام الدليل القاطع، ~~والبرهان الساطع، على البعث والنشور فقال { أولم ير الإنسان ~~أنا خلقناه من نطفة } استفهام إنكاري للتوبيخ والتقريع ~~أي أولم ينظر هذا الإنسان الكافر نظر اعتبار، ويتفكر في قدرة الله فيعلم ~~أنا خلقناه من شيء مهين حقير هو النطفة " المني " الخارج من مخرج ~~النجاسة؟ { فإذا هو خصيم مبين } أي فإذا هو شديد الخصومة ~~والجدال بالباطل، يخاصم ربه وينكر قدرته، ويكذب بالبعث والنشور، أفليس ~~الإله الذي قدر على خلق الإنسان من نطفة، قادر على أن يخلقه مرة أخرى ~~عند البعث؟ قال المفسرون: نزلت في " أبي بن خلف " # " جاء بعظم رميم، وفتته في وجه النبي الكريم وقال ساخرا: أتزعم يا ~~محمد أن الله يحيينا بعد أن نصبح رفاتا مثل هذا؟ فقال صلى الله عليه ~~وسلم له: نعم يبعثك ويدخلك النار " # { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه } أي وضرب لنا هذا الكافر ~~المثل بالعظم الرميم، مستبعدا على الله إعادة خلق الإنسان بعد موته ~~وفنائه، ونسي أنا أنشأناه من نطفة ميتة وركبنا فيه الحياة، نسي خلقه ~~العجيب وبدأه الغريب، وجوابه من نفسه حاضر { قال من يحيي العظام ~~وهي رميم } أي وقال هذا الكافر: من يحيي العظام وهي بالية أشد ~~البلى، متفتتة متلاشية؟ قال الصاوي: أي أورد كلاما عجيبا في الغرابة ~~هو كالمثل، حيث قاس قدرتنا على قدرة الخلق { قل يحييها الذي ~~أنشأهآ أول مرة } أي قل يا محمد تخريسا وتبكيتا لهذا ~~الكافر وأمثاله: يخلقها ويحييها الذي أوجدها من العدم، وأبدع خلقها أول ~~مرة من غير شيء، فالذي قدر على البداءة، قادر على الإعادة { وهو ~~بكل خلق عليم } أي يعلم كيف يخلق ويبدع، فلا يصعب عليه بعث ~~الأجساد بعد الفناء { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ~~نارا } أي الذي جعل لكم بقدرته من الشجر الأخضر نارا تحرق الشجر، لا ~~يمتنع عليه فعل ما أراد، ولا يعجزه إحياء العظام البالية وإعادتها خلقا ~~جديدا ms1254 وقال أبو حيان: ذكر تعالى لهم ما هو أغرب من خلق الإنسان من ~~النطفة، وهو إبراز الشيء من ضده، وذلك أبدع شيء وهو اقتداح النار من ~~الشيء الأخضر، ألا ترى الماء يطفىء النار ومع ذلك خرجت مما هو مشتمل على ~~الماء، والأعراب توري النار من المرخ والعفار، وفي أمثالهم " في كل شيء ~~نار، واستمجد المرخ والعفار " ولقد أحسن القائل: # جمع النقيضين من أسرار قدرته # هذا السحاب به ماء به نار # { فإذآ أنتم منه توقدون } أي فإذا أنتم تقدحون النار من ~~هذا الشجر الأخضر { أوليس الذي خلق السماوات والأرض ~~بقادر على أن يخلق مثلهم }؟ أي أوليس الذي خلق السموات ~~والأرض مع كبر جرمهما، وعظم شأنهما قادر على أن يخلق أجساد بني آدم بعد ~~فنائها؟ { بلى وهو الخلاق العليم } أي بلى هو القادر على ~~ذلك، فهو الخلاق المبدع في الخلق والتكوين، العليم بكل شيء { إنمآ ~~أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } أي لا ~~يصعب عليه جل وعلا شيء لأن أمره بين الكاف والنون، فمتى أراد تعالى شيئا ~~وجد، بدون تعب ولا جهد، ولا كلفة ولا عناء { فسبحان الذي ~~بيده ملكوت كل شيء } أي تنزه وتمجد عن صفات النقص ~~الإله العظيم الجليل، الذي بيده الملك الواسع، والقدرة التامة على كل ~~الأشياء { وإليه ترجعون } أي وإليه وحده مرجع الخلائق للحساب ~~والجزاء.. ختم تعالى السورة الكريمة بهذا الختم الرائع، الدال على كمال ~~القدرة، وعظمة الملك والسلطان، الذي تفرد به خالق الأكوان. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- طباق السلب { أن لا تعبدوا الشيطان... وأن ~~اعبدوني } فالأول سلب، والآخر إيجاب. # 2- الاستفهام الإنكاري للتوبيخ والتقريع { أفلم تكونوا ~~تعقلون }؟ { أفلا يشكرون }؟. # 3- الطباق بين { مضيا.. ويرجعون } { يسرون.. ~~ويعلنون } وهو من المحسنات البديعية. # 4- التشبيه البليغ { وهم لهم جند محضرون } أي كالجند في ~~الخدمة والدفاع، حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغا. # 5- ذكر العام بعد الخاص { ولهم فيها منافع ومشارب } بعد ~~قوله { فمنها ركوبهم } الآية وفائدته تفخيم النعمة، وتعظيم ~~المنة. # 6- المقابلة { لينذر من ms1255 كان حيا } الآية قابل بين الإنذار ~~والإعذار، وبين المؤمنين والكفار { ويحق القول على ~~الكافرين } وهو من ألطف التعبير. # 7- الاستعارة التمثيلية { مما عملت أيدينآ أنعاما } ~~الأنعام تخلق ولا تعمل، ولكنه شبه اختصاصه بالخلق والتكوين بمن يعمل ~~أمرا بيديه ويصنعه بنفسه، واستعار لفظ العمل للخلق بطريق الاستعارة ~~التمثيلية. # 8- صيغة المبالغة { خصيم مبين }.. { الخلاق العليم }. # 9- الاستعارة التمثيلية { أن يقول له كن فيكون } شبه سرعة ~~تأثير قدرته تعالى ونفاذها في الأشياء بأمر المطاع من غير توقف ولا ~~امتناع، فإذا أراد شيئا وجد من غير إبطاء ولا تأخير، وهو من لطائف ~~الاستعارة. # فائدة: الملكوت صيغة مبالغة من الملك، ومعناه الملك الواسع التام ~~مثل الجبروت والرحموت للمبالغة. # تنبيه: قال العلامة ابن كثير: " ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه تمثل ~~يوم الخندق بأبيات ابن رواحة # " اللهم لولا أنت ما اهتدينا " # وما ثبت أنه قال يوم حنين وهو راكب على بغلته # " أنا النبي لا كذب: أنا ابن عبد المطلب " # وقوله # " هل أنت إلا أصبع دميت: وفي سبيل الله ما لقيت " # الخ إنما وقع اتفاقا من غير قصد إلى قول الشعر، بل جرى هذا على لسانه ~~صلى الله عليه وسلم عفوا وكل هذا لدينا في قوله تعالى: { وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له } اه. فتدبره فإنه نفيس. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-61] # اللغة: { فالزاجرات } الزجر: الدفع عن الشيء بقوة أو صياح، ~~والزجرة: الصيحة من قولك: زجر الراعي الغنم إذا صاح عليها فرجعت لصوته ~~{ مارد } عاتي متمرد { ثاقب } محرق شديد النفاذ { واصب } دائم ~~لا ينقطع { لازب } ملتزق بعضه ببعض { معين } شراب نابع من العيون ~~{ غول } الغول: كل ما يغتال العقل ويفسده قال أبو عبيدة: الغول ما ~~يغتال العقل ويذهبه وأنشد قول ابن إياس: # وما زالت الخمر تغتالنا # وتذهب بالأول فالأول # { كأس } قال أهل اللغة: العرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر كأس، ~~فإذا لم يكن فيه خمر قالوا: إناء وقدح قال الشاعر: # وكأس شربت على لذة # وأخرى تداويت منها بها # { ينزفون } يسكرون يقال: نزف الرجل فهو نزيف ومنزوف إذا ms1256 سكر قال ~~الشاعر: # لعمري لئن أنزفتمو أو صحوتمو # لبئس الندامى كنتم آل أبجرا # التفسير: { والصافات صفا } افتتح تعالى هذه السورة بالقسم ~~ببعض مخلوقاته، إظهارا لعظم شأنها، وكبر فوائدها، وتنبيها للعباد على ~~جلالة قدرها والمعنى: أقسم بهذه الطوائف من الملائكة، الصافات قوائمها في ~~الصلاة، أو أجنحتها في ارتقاب أمر الله قال ابن مسعود: هم الملائكة تصف ~~في السماء في العبادة والذكر صفوفا، وفي الحديث # " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قلنا: وكيف يا رسول الله؟ ~~قال: يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصف " # أقسم تعالى بالملائكة تنبيها على جلالة قدرهم، وكثرة عبادتهم، فهم مع ~~عظيم خلقهم ورفعة شأنهم لا ينفكون عن عبادة الله، يصطفون للعبادة كاصطفاف ~~المؤمنين في الصلاة، مع الخشوع والخضوع للعزيز الجبار، الذي دانت له ~~الخلائق، وخضعت لجلال هيبته الرقاب، بما فيهم حملة العرش والملائكة ~~الأطهار { فالزاجرات زجرا } أي الملائكة التي تزجر السحاب، ~~يسوقونه إلى حيث شاء الله، من الزجر بمعنى السوق والحث { فالتاليات ~~ذكرا } وصف ثالث للملائكة الأبرار، إشادة بذكر محاسنهم ومناقبهم ~~العلوية أي وأقسم بالملائكة التالين لآيات الله على أنبيائه وأوليائه، ~~مع التسبيح والتقديس والتحميد والتمجيد { إن إلهكم لواحد } ~~هذا هو المقسم عليه أي إن إلهكم الذي تعبدونه - أيها الناس - إله واحد ~~لا شريك له، قال مقاتل: إن الكفار بمكة قالوا: أجعل الآلهة إلها ~~واحدا؟ وكيف يسع هذا الخلق إله فرد؟ فأقسم الله بهؤلاء تشريفا، ثم ~~بين تعالى معنى وحدانيته وألوهيته فقال { رب السموت ~~والأرض وما بينهما } أي هو تعالى خالق السموات والأرض ~~ومالكهما وما بينهما من المخلوقات والموجودات، فإن وجودهما وانتظامهما ~~على هذا النمط البديع، من أوضح الدلائل على وجود الله ووحدانيته { ~~ورب المشارق } أي وهو رب مشارق الشمس ومغاربها في الشتاء والصيف ~~قال الطبري: واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالة الكلام عليه ثم أخبر ~~عن قدرته بتزيين السماء بالكواكب، بعد أن أخبر عن وحدانيته فقال { إنا ~~زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب } أي زينا ~~السماء القريبة منكم بالكواكب المنيرة المضيئة، التي تبدو وكأنها جواهر ~~تتلألأ { وحفظا ms1257 من كل شيطان مارد } أي وللحفظ من كل ~~شيطان عات متمرد، خارج عن طاعة الله قال قتادة: خلقت النجوم لثلاث: ~~رجوما للشياطين، ونورا يهتدى بها، وزينة للسماء الدنيا وقال أبو ~~حيان: خص السماء الدنيا بالذكر لأنها هي التي تشاهد بالأبصار، وفيها ~~وحدها يكون الحفظ من الشياطين { لا يسمعون إلى الملإ ~~الأعلى } أي لا يقدرون أن يستمعوا إلى الملائكة الذين هم في العالم ~~العلوي، وقيل المعنى: لئلا يتسمعوا إلى الملأ الأعلى { ويقذفون ~~من كل جانب } أي ويرجمون بالشهب من كل جهة يقصدون السماء منها { ~~دحورا } أي طردا لهم عن السماع لأخبار السماء قال الطبري: أي ~~مطرودين، من الدحر وهو الدفع والإبعاد { ولهم عذاب واصب } ~~أي ولهم في الآخرة عذاب موصول لا ينقطع { إلا من خطف الخطفة ~~} أي إلا من اختلس شيئا مسارقة { فأتبعه شهاب ثاقب } أي ~~فلحقه شهاب مضيء، نافذ بضوئه وشعاعه فأحرقه قال المفسرون: قد يخطف ~~الشيطان المارد خطفة سريعة مما يدور في الملأ الأعلى، فيتبعه شهاب ~~يلاحقه في هبوطه فيصيبه ويحرقه حرقا قال القرطبي: وليست الشهب التي يرجم ~~بها الشياطين من الكواكب الثوابت، لأن الثابتة تجري ولا ترى حركاتها، ~~وهذه الشهب ترى حركاتها { فاستفتهم } أي فسل يا محمد هؤلاء ~~المنكرين للبعث { أهم أشد خلقا أم من خلقنآ } أي أيهم ~~أقوى بنية وأشد خلقا هل هم أم السموات والأرض وما بينهما من ~~الملائكة والمخلوقات العظيمة العجيبة؟ { إنا خلقناهم من طين ~~لازب } أي من طين رخو لزج لا قوة فيه قال الطبري: وإنما وصفه ~~باللزوب لأنه تراب مخلوط بماء، وكذلك خلق ابن آدم من تراب وماء، ~~ونار وهواء، والتراب إذا خلط بماء صار طينا لازبا، والغرض من ~~الآية إقامة البرهان على إعادة الإنسان، فالذي خلقه من العدم وخلق هذه ~~الخلائق، قادر على إعادة الأجسام بعد الفناء { بل عجبت ~~ويسخرون } أي بل عجبت يا محمد من تكذيبهم للبعث مع رؤيتهم آثار ~~قدرة الله الباهرة، وهم يسخرون منك ومما تقول لهم في ذلك قال أبو السعود: ~~المعنى عجبت من قدرة الله تعالى على ms1258 هذه الخلائق العظيمة وإنكارهم ~~للبعث، وهم يسخرون من تعجبك وتقريرك للبعث { وإذا ذكروا لا ~~يذكرون } أي وإذا وعظوا بالقرآن وخوفوا به، لا يتعظون ولا ~~يتدبرون { وإذا رأوا آية يستسخرون } أي وإذا رأوا آية ~~باهرة، أو معجزة قاهرة تدل على صدقك كانشقاق القمر، وتكليم الشجر والحجر، ~~يبالغون في السخرية أو يدعون غيرهم للسخرية والاستهزاء { وقالوا إن ~~هذآ إلا سحر مبين } أي ما هذا الذي جئتنا به يا محمد إلا ~~سحر واضح بين قال في البحر: والإشارة ب " هذا " إلى ما ظهر على يديه ~~عليه السلام من الخارق المعجز { أءذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أءنا لمبعوثون } الاستفهام للإنكار والاستهزاء أي ~~أئذا أصبحت أجسادنا بالية، وتفتت أجزاؤها إلى تراب وعظام سوف نبعث؟ { ~~أو آبآؤنا الأولون } أي أو آباؤنا الأولون كذلك سيبعثون؟ قال ~~الزمخشري: أي أيبعث أيضا آباؤنا؟ وهذا زيادة في استبعاد الأمر، يعنون ~~أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل { قل نعم وأنتم داخرون } أي ~~قل لهم نعم تبعثون وأنتم صاغرون { فإنما هي زجرة واحدة } ~~أي وما هي إلا صيحة واحدة ينفخ فيها إسرافيل في الصور للقيام من القبور { ~~فإذا هم ينظرون } أي فإذا هم قيام في أرض المحشر ينظر بعضهم ~~إلى بعض قال القرطبي: الزجرة: الصيحة وهي النفخة الثانية، وسميت زجرة ~~لأن مقصودها الزجر، كزجر الإبل، والخيل عند السوق. # . ثم أخبر تعالى عن حسرتهم وندامتهم عند معاينتهم أهوال القيامة فقال { ~~وقالوا يويلنا هذا يوم الدين } أي يا هلاكنا وخسارتنا ~~هذا هو يوم الجزاء والحساب!! فتقول لهم الملائكة على سبيل التوبيخ ~~والتقريع { هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ~~} أي هذا يوم الفصل بين الخلائق الذي كنتم تنكرونه وتكذبون به قال ~~البيضاوي: الفصل: القضاء والتفريق بين المحسن والمسيء { احشروا ~~الذين ظلموا وأزواجهم } أي اجمعوا الظالمين وأشباههم من ~~العصاة والمجرمين، كل إنسان مع نظرائه قال القرطبي: الزاني مع الزاني، ~~وشارب الخمر مع شارب الخمر، والسارق مع السارق وقال ابن عباس: اجمعوا ~~الظالمين ونساءهم الكافرات، وعنه المراد به أشباههم من العصاة { وما ~~كانوا يعبدون * من دون الله ms1259 } أي وما كانوا يعبدون من ~~الأوثان والأصنام، وذلك زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم { فاهدوهم ~~إلى صراط الجحيم } أي فعرفوهم طريق الجحيم ووجهوهم إليها، وفي ~~لفظ { اهدوهم } تهكم وسخرية، فإذا لم يهتدوا في الدنيا إلى الصراط ~~المستقيم، فليهتدوا اليوم إلى صراط الجحيم { وقفوهم إنهم ~~مسئولون } أي احبسوهم عند الصراط لأنهم سيسألون عن جميع أقوالهم ~~وأفعالهم، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ { ما لكم لا ~~تناصرون } أي ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا وأنتم هنا جميعا؟ وكلكم ~~في حاجة إلى الناصر والمعين؟ قال المفسرون: هذا إشارة إلى قول أبي جهل ~~يوم بدر " نحن جميع منتصر " وأصل { تناصرون } تتناصرون حذفت إحدى ~~التاءين تخفيفا، قال تعالى { بل هم اليوم مستسلمون } أي ~~بل هم اليوم أذلاء منقادون، عاجزون عن الانتصار، سواء منهم العابدون ~~والمعبودون { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } أي ~~أقبل الرؤساء والأتباع يتلاومون ويتخاصمون قال أبو السعود: وسؤالهم إنما ~~هو سؤال توبيخ بطريق الخصومة والجدال { قالوا إنكم كنتم ~~تأتوننا عن اليمين } أي قال الأتباع منهم للمتبوعين: إنكم ~~كنتم تأتوننا من قبل الحق، وتزينون لنا الباطل، وتصدوننا عن اتباع طريق ~~الهدى قال الطبري: أي كنتم تأتوننا من قبل الدين والحق، فتخدعوننا بأقوى ~~الوجوه، قال: واليمين في كلام العرب: القوة والقدرة كقول الشاعر: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # وقيل: المراد تأتوننا بطريق الوسوسة عن يميننا كما هو المعتاد في حالة ~~الوسوسة بالأسرار غالبا { قالوا بل لم تكونوا مؤمنين } ~~أي يقول لهم الرؤساء: لم نحملكم نحن على الضلال ولم نمنعكم من الإيمان، ~~بل كفرتم ولم تؤمنوا باختياركم قال ابن كثير: أي ليس الأمر كما تزعمون، ~~بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان { وما كان ~~لنا عليكم من سلطان } أي ما كان لنا عليكم من قوة وقدرة ~~نقهركم بها على متابعتنا { بل كنتم قوما طاغين } أي بل كاف ~~فيكم فجور وطغيان واستعداد للعصيان، فلذلك استجبتم لنا واتبعتمونا { ~~فحق علينا قول ربنآ } أي فوجب علينا جميعا وعيد الله لنا ~~بالعذاب { إنا لذآئقون } أي فإنا لذائقو ms1260 هذا العذاب لا محالة { ~~فأغويناكم إنا كنا غاوين } أي فزينا لكم الباطل، ~~ودعوناكم إلى الغي لأننا كنا على غي وضلال، قال تعالى مخبرا عن حالهم ~~{ فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون } أي فإنهم يوم ~~القيامة مشتركون في العذاب، كما كانوا مشتركين في الغواية، ولكن كما قال ~~تعالى # ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون # [الزخرف: 39] { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } أي مثل هذا ~~الفعل بهؤلاء نفعل بالأشقياء المجرمين، ثم بين تعالى السبب فقال { ~~إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون } أي إذا قيل لهم قولوا { لا إله إلا الله ~~} يتكبرون ويتعظمون { ويقولون أءنا لتاركوا ~~آلهتنا لشاعر مجنون }؟ أي ويقولون عندما يدعون إلى ~~التوحيد: أنترك عبادة الأوثان لقول شاعر مجنون؟ يعنون بذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال تعالى ردا عليهم { بل جآء بالحق ~~وصدق المرسلين } أي ليس الأمر كما يفترون بل جاءهم محمد ~~بالتوحيد والإسلام الذي هو الحق الأبلج، وجاء بمثل ما جاء به الرسل ~~قبله قال أبو حيان: جمع المشركون بين إنكار الوحدانية، وإنكار الرسالة، ~~ثم خلطوا في كلامهم بقولهم " شاعر مجنون " فإن الشاعر عنده من الفهم ~~والحذق ما ينظم به المعاني الغريبة، ويصوغها في قالب الألفاظ البديعة، ~~ومن كان مجنونا لا يصل إلى شيء من ذلك، فكلامهم تخليط وهذيان { ~~إنكم لذآئقو العذاب الأليم } أي إنكم أيها المجرمون ~~لمعذبون أشد العذاب { وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ~~} أي لا تعاقبون إلا جزاء مثل عملكم قال الصاوي: لأن الشر يكون جزاؤه ~~بقدره، بخلاف الخير فجزاؤه بأضعاف مضاعفة.. ولما ذكر شيئا من أحوال ~~الكفار وعذابهم، ذكر شيئا من أحوال المؤمنين ونعيمهم، على طريقة القرآن ~~في الموازنة بين الفريقين ترغيبا وترهيبا فقال { إلا عباد ~~الله المخلصين } الاستثناء منقطع أي لكن عباد الله المخلصين ~~الموحدين، فإنهم لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، بل يتجاوز الله ~~عن سيئاتهم، يجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. # . ثم أخبر عن جزائهم فقال { أولئك لهم رزق معلوم } أي ~~أولئك الأخيار الأبرار لهم رزقهم ms1261 في الجنة صباحا ومساء كما قال تعالى # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [مريم: 62] وقال أبو السعود: معلوم الخصائص من حسن المنظر، ولذة الطعم، ~~وطيب الرائحة، ثم فسر الرزق بقوله: { فواكه وهم مكرمون } أي ~~فواكه متنوعة من جميع ما يشتهون، وهم في الجنة معززون مكرمون، وخص ~~الفواكه بالذكر لأن كل ما يؤكل في الجنة إنما هو على سبيل التفكه ~~والتلذذ { في جنات النعيم } أي في رياض وبساتين يتنعمون فيها { ~~على سرر متقابلين } أي على أسرة مكللة بالدر والياقوت، ~~تدور بهم كيف شاءوا قال مجاهد: { متقابلين } أي لا ينظر بعضهم ~~إلى قفا بعض تواصلا وتحاببا { يطاف عليهم بكأس من ~~معين } لما ذكر الطعام أعقبه بذكر الشراب أي يطوف عليهم خدم الجنة ~~بكأس من الخمر من نهر جار خارج من عيون الجنة قال الصاوي: وصف به خمر ~~الجنة لأنه يجري كالماء النابع وقال ابن عباس: كل كأس في القرآن فهي ~~الخمر، والمعين هي الجارية { بيضآء لذة للشاربين } أي هذه ~~الخمر بيضاء ذات لذة للشاربين، يلتذ بها من شربها قال الحسن: خمر الجنة ~~أشد بياضا من اللبن { لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ~~} أي ليس فيها ما يغتال عقولهم فيفسدها، ولا هم يسكرون بشربها كما تفعل ~~خمر الدنيا قال ابن كثير: نزه الله سبحانه خمر الجنة عن الآفات التي هي ~~في خمر الدنيا، من صداع الرأس، ووجع البطن، وذهاب العقل، فخمر الجنة ~~طعمها طيب كلونها، والمراد بالغول هنا صداع الرأس قاله ابن عباس، وقال ~~قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن وتلك أجمل أوصاف الشراب، التي تحقق لذة ~~الشراب، وتنفي أكداره وأضراره، فلا خمار يصدع الرءوس، ولا سكر ولا ~~عربدة يذهب لذة الاستمتاع كما هي الحال في خمرة الدنيا { وعندهم ~~قاصرات الطرف } أي وعندهم الحور العين، العفيفات اللواتي قصرن ~~أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم حياء وعفة، قال ابن ~~عباس: { قاصرات الطرف } أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن { ~~عين } أي وهن مع العفة واسعات جميلات العيون قال الطبري: أي نجل ms1262 ~~العيون جمع عيناء وهي المرأة الواسعة العين مع الحسن والجمال، وهي أحسن ~~ما تكون من العيون { كأنهن بيض مكنون } أي كأنهن اللؤلؤ ~~المكنون في أصدافه قاله ابن عباس واستشهد بقوله تعالى # وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون # [الواقعة: 22-23] وقال الحسن: { المكنون } المصون الذي لم تمسه ~~الأيدي.. والغرض أنهن مع هذا الجمال الباهر، مصونات كالدر في ~~أصدافه، مع رقة ولطف ونعومة { كأنهن بيض مكنون } لا ~~تبتذله الأيدي ولا العيون، والعرب تشبه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها ~~قال أبو حيان: ذكر تعالى في هذه الآيات أولا الرزق وهو ما تتلذذ به ~~الأجسام، وثانيا الإكرام وهو ما تتلذذ به النفوس، ثم ذكر المحل وهو ~~جنات النعيم، ثم لذة التآنس والاجتماع { على سرر متقابلين } ~~وهو أتم للسرور وآنس، ثم ذكر المشروب وهو الخمر التي تدار عليهم بالكؤوس ~~ولا يتناولونها بأنفسهم، ثم ختم باللذة الجسدية - أبلغ الملاذ - وهي ~~التآنس بالنساء ثم أخبر تعالى عما يتحدث به أهل الجنة للأنس والسرور، وهم ~~على موائد الشراب يتلذذون بكل ممتع، وينعمون بتجاذب أطراف الحديث فقال { ~~فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } أي جلسوا يتحدثون ~~عما جرى لهم في الدنيا، يتذاكرون نعيمهم وحال الدنيا وثمرة الإيمان { ~~قال قآئل منهم إني كان لي قرين } أي قال قائل من أهل ~~الجنة إني كان لي في الدنيا صديق وجليس ينكر البعث { يقول أءنك ~~لمن المصدقين } أي يقول لي أتصدق بالبعث والجزاء؟ { أءذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون }؟ أي هل ~~إذا متنا وأصبحنا ذرات من التراب وعظاما نخرة، أئنا لمحاسبون ومجزيون ~~بأعمالنا؟ يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد { قال هل ~~أنتم مطلعون }؟ أي قال ذلك المؤمن لإخوانه في الجنة: هل أنتم ~~مطلعون إلى النار لننظر كيف حال ذلك القرين؟ قال تعالى { فاطلع ~~فرآه في سوآء الجحيم } أي فنظر فأبصر صاحبه الكافر في وسط ~~الجحيم يتلظى سعيرها { قال تالله إن كدت لتردين } أي ~~فخاطبه المؤمن شامتا وقال له: والله لقد قاربت أن تهلكني بإغوائك { ~~ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين } أي ولولا فضل ~~الله ms1263 علي بتثبيتي على الإيمان، لكنت معك في النار محضرا ومعذبا في ~~الجحيم، ثم يخاطبه مستهزءا ساخرا كما كان ذلك الكافر يستهزىء به في ~~الدنيا { أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى ~~وما نحن بمعذبين }؟ أي هل لا تزال على اعتقادك بأننا لن نموت ~~إلا موتة واحدة، وأنه لا بعث ولا جزاء ولا حساب ولا عذاب؟ وهو أسلوب ~~ساخر لاذع يظهر فيه التشفي من ذلك القرين الكافر، والتحدث بنعمة الله ~~عليه قال تعالى { إن هذا لهو الفوز العظيم } أي إن هذا ~~النعيم الذي ناله أهل الجنة لهو الفوز العظيم { لمثل هذا ~~فليعمل العاملون } أي لمثل هذا الجزاء الكريم يجب أن يعمل ~~العاملون ويجتهد المجتهدون. # قال المفسرون: أشارت الآيات الكريمة إلى قصة شريكين كان لهما ثمانية ~~آلاف درهم، فكان أحدهما يعبد الله ويقصر في التجارة والنظر إلى أمور ~~الدنيا، وكان الآخر مقبلا على تكثير ماله، فانفصل من شريكه لتقصيره، ~~وكان كلما اشترى دارا أو جارية أو بستانا أو نحو ذلك عرضه على المؤمن ~~وفخر عليه بكثرة ماله، وكان المؤمن إذا سمع ذلك يتصدق بنحو من ذلك ~~ليشتري له به قصرا في الجنة، فإذا لقيه صديقه قال ما صنعت بمالك؟ قال: ~~تصدقت به لله! فكان يسخر منه ويقول: أئنك لمن المصدقين؟ فكان أمرهما ما ~~قص الله علينا في كتابه العزيز. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق { بل عجبت ويسخرون } لأن السخرية في مقابلة ~~التعجب. # 2- التأكيد بإن واللام { إن إلهكم لواحد } ومقتضى الكلام ~~يقتضيه لإنكار المخاطبين للوحدانية. # 3- الأسلوب التهكمي { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } وردت ~~الهداية بطريق التهكم، لأن الهداية تكون إلى طريق النعيم لا الجحيم. # 4- الإيجاز بالحذف { إذا قيل لهم لا إله إلا الله } ~~أي قولوا لا إله إلا الله، وحذف لدلالة السياق عليه. # 5- الالتفات من الغيبة إلى الخطاب { إنكم لذآئقو العذاب ~~الأليم } والأصل إنهم لذائقو وإنما التفت لزيادة التقبيح والتشنيع ~~عليهم. # 6- الكناية { قاصرات الطرف } كنى بذلك عن الحور العين لأنهن ~~عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن. # 7- التشبيه المرسل ms1264 والمجمل { كأنهن بيض مكنون } حذف منه ~~وجه الشبه فأصبح مجملا. # 8- مراعاة الفواصل وهو من المحسنات البديعية مثل { شهاب ثاقب، ~~عذاب واصب، طين لازب } إلى آخره. ### || [37.62-113] # المناسبة: لما ذكر تعالى ما أعده للأبرار في دار النعيم، ذكر ما أعده ~~للأشرار في دار الجحيم، ليظهر التمييز بين الفريقين، ثم ذكر قصة " نوح " ~~وقصة " إبراهيم " وما فيهما من العظات والعبر للمعتبرين. # اللغة: { نزلا } النزل: الضيافة والتكرمة، وأصله ما يعد ~~للأضياف من الطعام والشراب وغيرهما { طلعها } ثمرها، سمي طلعا ~~لطلوعه { لشوبا } خلطا ومزاجا من شاب الطعام يشوبه إذا خلطه بشيء ~~آخر { يهرعون } يسرعون قال الفراء: الإهراع: الإسراع مع رعدة، ~~وقال المبرد: المهرع: المستحث يقال: جاء فلان يهرعون إلى النار، ~~إذا استحثه البرد إليها { شيعته } شيعة الرجل أعوانه وأنصاره، ~~ومن سار على طريقته ومنهاجه { إفكا } كذبا وباطلا { سقيم } مريض ~~وعليل { راغ } راغ إليه: أقبل عليه ومال نحوه خفية وأصله من الميل ~~قال الشاعر: # ويريك من طرف اللسان حلاوة # ويروغ فيك كما يروغ الثعلب # { يزفون } يسرعون في مشيهم { وتله } صرعه وكبه على وجهه. # التفسير: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أي ~~أنعيم الجنة خير ضيافة وعطاء أم شجرة الزقوم التي في جهنم؟ أيهما خير ~~وأفضل؟ فالفواكه والثمار طعام أهل الجنة، وشجرة الزقوم طعام أهل النار، ~~والغرض منه توبيخ الكفار { إنا جعلناها فتنة للظالمين ~~} أي إنا جعلنا شجرة الزقوم فتنة وابتلاء لأهل الضلالة قال المفسرون: ~~لما سمع الكفار ذكر شجرة الزقوم قالوا: كيف يكون في النار شجرة، والنار ~~تحرق الشجر؟ وكان أبو جهل يقول لأصحابه: أتدرون ما الزقوم؟ إنه الزبد ~~والتمر، ثم يأتيهم به ويقول: تزقموا، هذا الذي يخوفنا به محمد { ~~إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } أي تنبت في قعر ~~جهنم ثم هي متفرعة فيها { طلعها كأنه رءوس الشياطين } ~~أي ثمرها وحملها كأنه رءوس الشياطين في تناهي القبح والبشاعة قال ابن ~~كثير: وإنما شبهها برءوس الشياطين، وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين، ~~لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر { فإنهم ~~لآكلون منها فمالئون ms1265 منها البطون } أي فإن هؤلاء ~~الكفار لشدة جوعهم مضطرون إلى الأكل منها حتى تمتلىء منها بطونهم، فهي ~~طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة، وفي الحديث # " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض ~~معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه " # { ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم } أي ثم إن لهم ~~بعدما شبعوا منها وغلبهم العطش لمزاجا من ماء حار قد انتهت حرارته يشاب ~~به الطعام - أي يخلط - ليجمع لهم بين مرارة الزقوم، وحرارة الحميم، ~~تغليظا لعذابهم { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } أي ثم ~~مصيرهم ومرجعهم إلى دركات الجحيم قال مقاتل: الحميم خارج الجحيم، فهم ~~يوردون الحميم لشربه ثم يردون إلى الجحيم وقال أبو السعود: الزقوم ~~والحميم نزل يقدم إليهم قبل دخولها { إنهم ألفوا ~~آبآءهم ضآلين } أي وجدوهم على الضلالة فاقتدوا بهم { فهم ~~على آثارهم يهرعون } أي فهم يسرعون في اتباع خطاهم من غير ~~دليل ولا برهان قال مجاهد: شبهه بالهرولة كمن يسرع إسراعا نحو الشيء ~~{ ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين } أي ضل قبل قومك ~~أكثر الأمم الماضية { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أي ~~أرسلنا فيهم رسلا كثيرين يخوفونهم من عذاب الله ولكنهم تمادوا في الغي ~~والضلال { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } أي فانظر يا ~~محمد كيف كان مصير أمر هؤلاء المكذبين؟ ألم نهلكهم فنضيرهم عبرة للعباد؟ ~~{ إلا عباد الله المخلصين } أي لكن عباد الله المؤمنين ~~الذين أخلصهم تعالى لطاعته فإنهم نجوا من العذاب. # . ثم شرع في بيان قصة نوح فقال { ولقد نادانا نوح فلنعم ~~المجيبون } اللام موطئة للقسم أي وبالله لقد استغاث بنا نوح لما ~~كذبه قومه فلنعم المجيبون نحن له، وصيغة الجمع { المجيبون } للعظمة ~~والكبرياء قال الصاوي: ذكر تعالى في هذه السورة سبع قصص: قصة نوح، وقصة ~~إبراهيم، وقصة الذبيح إسماعيل، وقصة موسى وهارون، وقصة إلياس، وقصة لوط، ~~وقصة يونس، وكل ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم وتحذيرا لمن كفر من ~~أمته { ونجيناه وأهله من الكرب العظيم } أي ~~ونجيناه ومن آمن معه من أهله وأتباعه ms1266 - من الغرق قال المفسرون: وكانوا ~~ثمانين ما بين رجل وامرأة { وجعلنا ذريته هم الباقين } ~~أي وجعلنا ذرية نوح هم الذين بقوا في الأرض بعد هلاك قومه قال ابن عباس: ~~أهل الأرض كلهم من ذرية نوح قال في التسهيل: وذلك لأنه لما غرق الناس ~~في الطوفان، ونجا نوح ومن كان معه في السفينة، تناسل الناس من أولاده ~~الثلاثة " سام، وحام، ويافث " { وتركنا عليه في الآخرين } ~~أي تركنا عليه ثناء حسنا في كل أمة إلى يوم القيامة { سلام على ~~نوح في العالمين } أي سلام عاطر من الله تعالى والخلائق على نوح ~~باق على الدوام بدون انقطاع { إنا كذلك نجزي المحسنين } ~~أي هكذا نجزي من أحسن من العباد، نبقي له الذكر الجميل إلى آخر الدهر { ~~إنه من عبادنا المؤمنين } أي كان مخلصا في العبودية ~~لله، كامل الإيمان واليقين قال في حاشية البيضاوي: علل هذه التكرمة ~~السنية بكونه من أولي الإحسان، ثم علل كونه محسنا بأنه كان عبدا ~~مؤمنا، إظهارا لجلالة قدر الإيمان وأصالة أمره، وجعل الدنيا مملوءة ~~من ذريته تبقية لذكره الجميل في ألسنة العالمين { ثم أغرقنا ~~الآخرين } أي أغرقنا الكافرين الذين لم يؤمنوا بنوح عن آخرهم، فلم تبق ~~منهم عين تطرف ولا ذكر ولا أثر.. ثم شرع تعالى في بيان قصة إبراهيم ~~فقال { وإن من شيعته لإبراهيم } أي وإن من أنصار نوح ~~واعوانه وممن كان على منهاجه وسنته إبراهيم الخليل، قال البيضاوي: وكان ~~بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة، وكان بينهما نبيان هما " ~~هود " و " صالح " صلوات الله عليهم أجمعين { إذ جآء ربه بقلب ~~سليم } أي حين جاء ربه بقلب نقي طاهر، مخلص من الشك والشرك { إذ ~~قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون } أي حين قال لأبيه آزر ~~وقومه موبخا لهم: ما الذي تعبدونه من الأوثان والأصنام؟ وهو إنكار لهم ~~وتوبيخ { أءفكا آلهة دون الله تريدون }؟ أي أتعبدون آلهة ~~من دون الله من أجل الإفك والكذب والزور؟ وإنما قدم المفعول لأجله { ~~أءفكا } على المفعول به لأجل التقبيح عليهم بأنهم على إفك وباطل ms1267 في ~~شركهم والأصل: أتريدون آلهة من دون الله إفكا؟ قال القرطبي: والإفك ~~أسوأ الكذب وهو الذي لا يثبت ويضطرب { فما ظنكم برب ~~العالمين } استفهام توبيخ وتحذير أي أي شيء تظنون برب ~~العالمين؟ هل تظنون أنه يترككم بلا عقاب وقد عبدتم غيره؟ قال الطبري: ~~المعنى أي شيء تظنون أيها القوم أنه يصنع بكم إن لقيتموه وقد عبدتم ~~غيره؟ { فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم } ~~لما وبخهم على عبادة غير الله أراد أن يريهم أن أصنامهم لا تضر ولا تنفع، ~~وأراد أن يخلو بها حتى يكسرها، فاحتال للبقاء وعدم الخروج معهم إلى ~~العيد، فنظر في السماء - على عادتهم حيث كانوا نجامين - وأوهمهم أن ~~النجوم تدل على أنه سيسقم غدا فقال: إني سقيم أي سأمرض إن خرجت معكم، ~~وهذا ليس بكذب وإنما هو من المعاريض الجائزة لمقصد شرعي كما ورد " ~~إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب " أو أراد أنه سقيم القلب من ~~عبادتهم للأوثان { فتولوا عنه مدبرين } أي فتركوه ~~إعراضا عنه وخرجوا إلى عيدهم { فراغ إلى آلهتهم } أي فلما ~~ذهبوا وتركوه توجه إلى الأصنام ومال إليها في خفية قال ابن كثير: أي ذهب ~~إليها بعد ما خرجوا في سرعة واختفاء { فقال ألا تأكلون }؟ أي ~~ألا تأكلون من هذا الطعام؟ قال ابن كثير: وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين ~~أيديها طعاما قربانا لتبارك لهم فيه { ما لكم لا تنطقون }؟ ~~أي ما لكم لا تجيبوني على سؤالي قال أبو حيان: وعرض الأكل عليها ~~واستفهامها عن النطق إنما هو على سبيل الهزء، لأنها منحطة عن رتبة ~~عابديها إذ هم يأكلون وينطقون بخلافها { فراغ عليهم ضربا ~~باليمين } أي فأقبل على الأصنام مستخفيا يحطمها بيمينه بفأس كان ~~معه قال البيضاوي: وتقييده باليمين للدلالة على قوته، وقوة الآلة ~~تستدعي قوة الفعل وقال القرطبي: خص الضرب باليمين لأنها أقوى والضرب ~~بها أشد { فأقبلوا إليه يزفون } أي أقبلوا نحوه مسرعين ~~كأن بعضهم يدفع بعضا، فلما أدركوه قالوا: ويحك نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ ~~فأجابهم موبخا { قال أتعبدون ما تنحتون }؟ أي أتعبدون ms1268 ~~أصناما نحتموها بأيديكم، وصنعتموها بأنفسكم؟ { والله خلقكم ~~وما تعملون } أي والله جل وعلا خلقكم وخلق عملكم، وكل الأشياء ~~مخلوقة له، فكيف تعبدون المخلوق وتتركون الخالق، أليس لكم عقل أيها ~~الناس؟ قال ابن جزي: ذهب بعض المفسرين إلى أن { ما } مصدرية والمعنى: ~~الله خلقكم وأعمالكم، وهذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد، ~~وذهب بعضهم إلى أن { ما } موصولة بمعنى الذي والمعنى: خلقكم وخلق أصنامكم ~~التي تعملونها، وهذا أليق بسياق الكلام، وأقوى في قصد الاحتجاج على ~~الذين عبدوا الأصنام. # { قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم } أي ~~ابنوا له مكانا وأضرموه نارا ثم ألقوه في تلك النار المتأججة المستعرة ~~قال المفسرون: لما غلبهم إبراهيم عليه السلام في الحجة، مالوا إلى الغلبة ~~بقوة البطش والشدة، وتشاوروا فيما بينهم ثم قرروا أن يطرحوه في النار ~~انتصارا لأصنامهم وآلهتهم { فأرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الأسفلين } أي أرادوا المكر بإبراهيم واحتالوا لإهلاكه، فنجيناه من ~~النار وجعلناها بردا وسلاما عليه، وجعلناهم الأذلين المقهورين لأنه لم ~~ينفذ فيه مكرهم، ولا كيدهم { وقال إني ذاهب إلى ربي ~~سيهدين } لما نجاه الله من النار، وخلصه من كيد الفجار، هجر قومه ~~واعتزلهم والمعنى إني مهاجر من بلد قومي إلى حيث أمرني ربي قال مقاتل: هو ~~أول من هاجر من الخلق مع سارة إلى أرض الشام { رب هب لي من ~~الصالحين } أي ارزقني ولدا من الصالحين يؤنسني في غربتي قال ابن ~~كثير: يريد أولادا مطيعين يكونون عوضا عن قومه وعشيرته الذين فارقهم { ~~فبشرناه بغلام حليم } أي فاستجبنا دعاءه وبشرناه بغلام ~~يكون حليما في كبره قال أبو السعود: جمع الله له فيه بشارات ثلاث: بشارة ~~أنه غلام، وأنه يبلغ أوان الحلم، وأنه يكون حليما، لأن الصغير لا يوصف ~~بذلك، وأي حلم يعادل حلمه عليه السلام حين عرض عليه أبوه الذبح فقال { ~~قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من ~~الصابرين }!! وجمهور المفسرين على أن هذا الغلام المبشر به هو " ~~اسماعيل " لأن الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح { وبشرناه ~~بإسحاق نبيا ms1269 من الصالحين } فدل ذلك على أن الذبيح هو ~~إسماعيل { فلما بلغ معه السعي } أي فلما ترعرع وشب وبلغ ~~السن الذي يمكنه أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه قال المفسرون: وهو ~~سن الثالثة عشرة { قال يبني إني أرى في المنام أني ~~أذبحك } أي إني أمرت في المنام أن أذبحك، قال ابن عباس: رؤيا ~~الأنبياء وحي وتلا الآية وقال محمد بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من ~~الله تعالى أيقاظا ورقودا، لأن الأنبياء تنام عيونهم ولا تنام قلوبهم { ~~فانظر ماذا ترى }؟ أي فانظر في الأمر، ما رأيك فيه؟ قال ابن ~~كثير: وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه ~~على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه. # فإن قيل: لم شاوره في أمر هو حتم من الله؟ فالجواب: أنه لم يشاوره ~~ليرجع إلى رأيه، ولكن ليعلم ما عنده فيثبت قلبه ويوطن نفسه على الصبر، ~~فأجابه بأحسن جواب { قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني ~~إن شآء الله من الصابرين } أي امض لما أمرك الله به من ~~ذبحي، فستجدني صابرا إن شاء الله، وهو جواب من أوتي الحلم والصبر ~~وامتثال الأمر، والرضا بقضاء الله { فلما أسلما وتله ~~للجبين } أي فلما استسلما - الأب والابن - لأمر الله، وصرعه على ~~وجهه ليذبحه قال ابن عباس: { وتله للجبين } أكبه على وجهه { ~~وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ } هذه ~~جواب " لما " والواو مقحمة أي ناديناه يا إبراهيم قد نفذت ما أمرت ~~به، وحصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح، روي أنه أمر السكين ~~بقوته على حلقه مرارا فلم يقطع قال الصاوي: والحكمة في هذه القصة أن ~~إبراهيم اتخذه الله تعالى خليلا، فلما سأل ربه الولد ووهبه له تعلقت ~~شعبة من قلبه بمحبة ولده، فأمر بذبح المحبوب لتظهر صفاء الخلة، فامتثل ~~أمر ربه وقدم محبته على محبة ولده، قال ابن عباس: فلما عزم على ذبح ~~ولده ورماه على شقه قال الإبن: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف ~~ثيابك لئلا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي ms1270 فتحزن، وأحد شفرتك ~~وأسرع بها على حلقي ليكون الموت أهون علي، وإذا أتيت أمي فاقرئها ~~مني السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي عليها فافعل فإنه عسى أن يكون ~~أسلى لها عني، فقال له إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله { ~~إنا كذلك نجزي المحسنين } تعليل لتفريج الكربة أي كما ~~فرجنا شدتك كذلك نجازي المحسنين بتفريج الشدة عنهم ونجعل لهم من أمرهم ~~فرجا ومخرجا { إن هذا لهو البلاء المبين } أي إن ~~هذا لهو الابتلاء والامتحان الشاق الواضح، الذي يتميز فيه المخلص من ~~المنافق { وفديناه بذبح عظيم } أي وفديناه بكبش عظيم من ~~الجنة فداء عنه قال ابن عباس: كبش عظيم قد رعى في الجنة أربعين خريفا { ~~وتركنا عليه في الآخرين } أي وأبقينا عليه ثناء حسنا إلى ~~يوم الدين { سلام على إبراهيم } أي سلام منا على إبراهيم ~~عاطر كريم { كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا ~~المؤمنين } كرر ذكر الجزاء مبالغة في الثناء ثم علل ذلك بأنه ~~كان من الراسخين في الإيمان مع الإيقان والاطمئنان { وبشرناه ~~بإسحاق نبيا من الصالحين } أي وبشرناه بغلام آخر بعد ~~تلك الحادثة هو إسحاق الذي سيكون نبيا قال ابن عباس: بشر بنبوته ~~حين ولد، وحين نبىء، وتكاد تكون الآية صريحة في أن الذبيح هو " ~~إسماعيل " لا " إسحاق " { وباركنا عليه وعلى إسحاق } ~~أي أفضنا على إبراهيم وإسحاق بركات الدنيا والدين { ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } أي ومن ~~ذريتهما محسن ومسيء قال الطبري: المحسن هو المؤمن، والظالم لنفسه هو ~~الكافر وقال أبو حيان: وفي الآية وعيد لليهود ومن كان من ذريتهما ممن لم ~~يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وفيها دليل على أن البر قد يلد الفاجر ~~ولا يلحقه من ذلك عيب ولا منقصة. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الأسلوب التهكمي { أذلك خير نزلا أم شجرة ~~الزقوم }؟ التعبير ب " خير " تهكم بهم. # 2 الجناح الناقص { المنذرين.. والمنذرين } لأن المراد بالأول ~~الرسل، وبالثاني الأمم. # 3 التشبيه { طلعها كأنه رءوس الشياطين } أي في الهول ms1271 ~~والشناعة ويسمى تشبيها مرسلا مجملا. # 4 الاستعارة التبعية { إذ جآء ربه بقلب سليم } شبه ~~إقباله على ربه مخلصا بقلبه بمن قدم علىالملك بتحفة ثمينة جميلة ففاز ~~بالرضى والقبول ففيه استعارة تبعية. # 5 الطباق بين { محسن.. وظالم }. # 6 جناس الاشتقاق بين { ابنوا.. بنيانا }. # 7 الكناية اللطيفة { وتركنا عليه في الآخرين } كنى به ~~عن الثناء الحسن الجميل. # 8 مراعاة الفواصل مثل { وإن من شيعته لإبراهيم * إذ ~~جآء ربه بقلب سليم } الخ وهو من المحسنات البديعية، وهو من ~~خصائص القرآن وفيه من الروعة والجمال، وحسن الوقع على السمع ما يزيده ~~روعة وجمالا. ### || [37.114-182] # المناسبة: لما ذكر قصة الخليل إبراهيم، وقصة الذبيح والفداء، أعقبها ~~بذكر قصص بعض الأنبياء، كموسى وهارون، ويونس ولوط، وما في هذه القصة من ~~العظات والعبر، وختم السورة الكريمة ببيان أن النصر والغلبة للرسل ~~وأتباعهم المؤمنين. # اللغة: { أبق } هرب { المشحون } المملوء { ساهم } قارع أي ~~ضرب القرعة قال المبرد: وأصله من السهام التي تجال { المدحضين } ~~المغلوبين، وأصله من الزلق، يقال: دحضت حجته وأدحضها الله أي غلب ~~وهزم قال الشاعر: # قتلنا المدحضين بكل فج # فقد قرت بقتلهم العيون # { مليم } آت بما يلام عليه { العرآء } الأرض الفيحاء لا شجر ~~فيها، ولا معلم، قال الفراء، العراء المكان الخالي { يقطين } ~~القرع المعروف والمسمى بالدباء، قال الجوهري: اليقطين ما لا ساق له ~~كشجر القرع ونحوه { ساحتهم } الساحة: الفناء. # التفسير: { ولقد مننا على موسى وهارون } اللام موطئة ~~للقسم أي وعزتنا وجلالنا لقد أنعمنا على موسى وهارون بأنواع النعم ~~والمنافع الدينية والدنيوية ومنها نعمة النبوة والرسالة { ~~ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم } أي ~~ونجيناهما وقومهما - بني إسرائيل - من الغم والمكروه العظيم، وهو استعباد ~~فرعون إياهم مع التعذيب بقتل الأبناء، واستحياء النساء { ونصرناهم ~~فكانوا هم الغلبين } الضمير يعود على موسى وهارون وبني ~~إسرائيل أي ونصرناهم على أعدائهم - الأقباط - فكانوا الغالبين عليهم بعد ~~أن كانوا تحت أيديهم مقهورين { وآتيناهما الكتاب ~~المستبين } أي أعطيناهما الكتاب البليغ في بيانه، الكامل في حدوده ~~وأحكامه، وهو التوراة { وهديناهما الصراط المستقيم } أي ~~وهديناهما الطريق المستقيم الذي لا ms1272 اعوجاج فيه قال الطبري: وهو الإسلام ~~دين الله الذي ابتعث به أنبياءه { وتركنا عليهما في ~~الآخرين } أي تركنا عليهما الثناء الجميل، والذكر الحسن { سلام ~~على موسى وهارون } أي سلام منا على موسى وهارون { إنا ~~كذلك نجزي المحسنين * إنهما من عبادنا ~~المؤمنين } أي كذلك نفعل بمن أحسن وأخلص العبودية لله { وإن ~~إلياس لمن المرسلين } أي وإن الياس - أحد أنبياء بني ~~إسرائيل - لمن الرسل الكرام الذين أرسلتهم لهداية الخلق قال أبو السعود: ~~هو إلياس بن ياسين من سبط هارون أخي موسى { إذ قال لقومه ألا ~~تتقون } أي حين قال لقومه من بني إسرائيل ألا تخافون الله في ~~عبادتكم غيره؟ { أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين ~~} أتعبدون هذا الصنم - المسمى بعلا - وتتركون عبادة ربكم أحسن ~~الخالقين؟ { الله ربكم ورب آبآئكم الأولين } أي ~~تتركون عبادة أحسن الخالقين، الذي هو ربكم ورب آبائكم السابقين قال ~~القرطبي: و " بعل " اسم صنم لهم كانوا يعبدونه وبذلك سميت مدينتهم بعلبك، ~~والمعنى: أتدعون ربا اختلقتموه وهو هذا الصنم، وتتركون أحسن من يقال له ~~خالق وهو " الله " ربكم ورب آبائكم الأولين؟ { فكذبوه ~~فإنهم لمحضرون } أي فكذبوا نبيهم فإنهم لمحضرون في العذاب ~~{ إلا عباد الله المخلصين } أي لكن عباد الله المؤمنين ~~فإنهم نجوا من العذاب { وتركنا عليه في الآخرين } أي تركنا ~~على إلياس الثناء الحسن الجميل إلى يوم الدين { سلام على إل ~~ياسين } أي سلام منا عليه وعلى آل ياسين قال المفسرون: المراد ب { إل ~~ياسين } هو إلياس ومن آمن معه جمعوا معه تغليبا كما قالوا للمهلب ~~وقومه المهلبون، واختار الطبري أنه اسم لإلياس فيقال: إلياس، وإل ~~ياسين مثل ميكال وميكائيل، وأن له اسمين فيسمى " إلياس " و { إل ياسين } ~~{ إنا كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا ~~المؤمنين } تقدم تفسيره، وإنما ختم الآيات بعد ذكر كل رسول ~~بالسلام عليه، وبهاتين الآيتين الكريمتين لبيان فضل الإحسان والإيمان، ~~وأن هؤلاء الرسل الكرام كانوا جميعا من المتصفين بهذه الصفات، فلذلك ~~استحقوا التحية والسلام، والذكر الحسن بين الأنام، صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين { وإن لوطا لمن المرسلين ms1273 } أي وإن لوطا ~~لأحد رسلنا لهداية قومه { إذ نجيناه وأهله أجمعين } أي ~~اذكر حين خلصناه من العذاب هو ومن آمن معه من أهله وأولاده { إلا ~~عجوزا في الغابرين } أي إلا امرأته الكافرة فإنها لم تؤمن ~~فكانت من الباقين في العذاب ومن الهالكين { ثم دمرنا الآخرين ~~} أي ثم أهلكنا المكذبين من قومه أشد إهلاك وأفظعه، وذلك بقلب قراهم ~~حيث جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل، ولهذا عبر ب { ~~دمرنا } { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * ~~وباليل } أي وإنكم يا أهل مكة لتمرون على منازلهم في أسفاركم ~~وتشاهدون آثار هلاكهم صباحا ومساء، وليلا ونهارا { أفلا ~~تعقلون }؟ أي أتشاهدون ذلك ثم لا تعتبرون؟ ألا تخافون أن يصيبكم مثل ~~ما أصابهم؟ { وإن يونس لمن المرسلين } أي وإن يونس لأحد ~~رسلنا المرسلين لهداية قومه { إذ أبق إلى الفلك المشحون ~~} أي اذكر حين هرب إلى السفينة المملوءة بالرجال { فساهم فكان ~~من المدحضين } أي فقارع أهل السفينة فكان من المغلوبين بالقرعة ~~فألقوه في البحر قال المفسرون: إن يونس ضاق صدرا بتكذيب قومه، فأنذرهم ~~بعذاب قريب، وغادرهم مغضبا لأنهم كذبوه، فقاده الغضب إلى شاطىء البحر ~~حيث ركب سفينة مشحونة، فناوأتها الرياح والأمواج، فقال الملاحون: ههنا ~~عبد أبق من سيده، ولا بد لنجاة السفينة من إلقائه في الماء لتنجو من ~~الغرق، فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فألقوه في البحر { فالتقمه ~~الحوت وهو مليم } أي فابتلعه الحوت وهو آت بما يلام عليه من ~~تخليه عن المهمة التي أرسله الله بها، وترك قومه مغاضبا لهم، وخروجه ~~بغير إذن من ربه { فلولا أنه كان من المسبحين } أي ~~لولا أنه كان من الذاكرين الله كثيرا في حياته { للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون } أي لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ~~وأصبح بطنه قبرا له فلم ينج أبدا، ولكنه سبح الله واستغفره وناداه ~~وهو في بطن الحوت بقوله # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87] فاستجاب الله تضرعه ونداءه { فنبذناه بالعرآء ~~وهو سقيم } أي فألقيناه من بطن الحوت على الساحل، ms1274 بالأرض الفضاء ~~التي لا شجر فيها ولا ظل، وهو سقيم مريض مما ناله من الكرب قال عطاء: ~~أوحى الله تعالى إلى الحوت إني قد جعلت بطنك له سجنا، ولم أجعله لك ~~طعاما، فلذلك بقي سالما لم يتغير منه شيء { وأنبتنا عليه ~~شجرة من يقطين } أي وأنبتنا فوقه شجرة لتظله وتقيه حر الشمس، ~~وهي شجرة القرع ذات الأوراق العريضة قال ابن جزي: وإنما خص القرع ~~بالذكر لأنه يجمع كبر الورق، وبرد الظل، والذباب لا يقربه، فإن لحم ~~يونس لما خرج من البحر كان لا يحتمل الذباب، وكان هذا من تدبير الله ~~ولطفه، فلما استكمل قوته وعافيته رده الله إلى قومه ولهذا قال { ~~وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون } أي وأرسلناه بعد ~~ذلك إلى قومه الذين هرب منهم وهم مائة ألف بل يزيدون قال المفسرون: ~~كانوا مائة وعشرين ألفا وقيل: وسبعين ألفا، وهم أهل نينوى بجهة الموصل، ~~و " أو " بمعنى بل أي بل يزيدون { فآمنوا فمتعناهم إلى ~~حين } أي فآمنوا بعد أن شاهدوا أمارات العذاب الذي وعدوا به فأبقيناهم ~~ممتعين في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم قال في التسهيل: روي أنهم خرجوا ~~بالأطفال وأولاد البهائم، وفرقوا بينهم وبين الأمهات، وناحوا وتضرعوا إلى ~~الله، فرفع الله العذاب عنهم.. ولما انتهى من الحديث عن الرسل الكرام رجع ~~إلى الحديث عن المكذبين من كفار مكة فقال { فاستفتهم ألربك ~~البنات ولهم البنون }؟ أي اسأل يا محمد واستخبر كفار مكة - ~~على سبيل التوبيخ والتقريع لهم - كيف زعموا أن الملائكة بنات الله، ~~فجعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور؟ إنهم يكرهون البنات ولا يرضون ~~نسبتهن لأنفسهم، فكيف يرضونها لله عز وجل ويختصون بالبنين؟ { أم ~~خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } توبيخ آخر على ~~بهتانهم واستهزاء بهم وتجهيل أي بل أخلقنا الملائكة الأطهار حين خلقناهم، ~~وجعلناهم إناثا وهم شاهدون لذلك حتى يقولوا مثل هذا البهتان؟ { ألا ~~إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله } أي ألا ~~فانتبهوا أيها الناس إن هؤلاء المشركين من كذبهم وافترائهم ينسبون إلى ~~الله الذرية والولد { وإنهم لكاذبون } أي وهم ms1275 كاذبون قطعا في ~~قولهم الملائكة بنات الله قال أبو السعود: والآية استئناف مسوق لإبطال ~~أصل مذهبهم الفاسد، ببيان أن مبناه ليس إلا الإفك الصريح، والافتراء ~~القبيح، من غير أن يكون لهم دليل قطعا { أصطفى البنات على ~~البنين }؟ توبيخ وتقريع أي هل اختار جل وعلا البنات وفضلهن على ~~البنين؟ { ما لكم كيف تحكمون }؟ تسفيه لهم وتجهيل أي أي ~~شيء حصل لكم حتى حكمتم بهذا الحكم الجائر؟ كيف يختار لنفسه أخس الجنسين ~~على زعمكم؟ { أفلا تذكرون } أي أفليس لكم تمييز وإدراك تعرفون ~~به خطأ هذا الكلام؟ قال أبو السعود: أي أفلا تتذكرون بطلان هذا ببديهة ~~العقل، فإنه مركوز في عقل كل ذكي وغبي { أم لكم سلطان ~~مبين } توبيخ آخر أي أم لكم برهان بين وحجة واضحة على أن الله اتخذ ~~الملائكة بنات له؟ { فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } ~~أي فأتوا بهذا الكتاب الذي يشهد بصحة دعواكم فيما تزعمون. # . والغرض تعجيزهم وبيان أنهم لا يستندون - في أقوالهم الباطلة - على ~~دليل شرعي، ولا منطق عقلي.. وينتقل إلى أسطورة أخرى لفقها المشركون، ~~حيث زعموا أن هناك صلة بين الله سبحانه وبين الجن، وأنه من التزاوج بين ~~الله تعالى والجنة ولدت الملائكة فيقول { وجعلوا بينه ~~وبين الجنة نسبا } أي جعل المشركون بين الله وبين الجن ~~قرابة ونسبا، حيث قالوا إنه نكح من الجن فولدت له الملائكة # سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا # [الإسراء: 43] ثم زعموا أن الملائكة إناث، وأنهن بنات الله { ولقد ~~علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي لقد علمت الشياطين أنهم ~~محضرون في العذاب قال الصاوي: وهذا زيادة في تبكيتهم وتكذيبهم كأنه قيل: ~~هؤلاء الذين عظمتموهم وجعلتموهم بنات الله، أعلم بحالكم وما يئول إليه ~~أمركم { سبحان الله عما يصفون } أي تنزه وتقدس الله ~~عما يصفه به هؤلاء الظالمون { إلا عباد الله المخلصين } ~~استثناء منقطع أي لكن عباد الله المخلصين فإنهم ينزهون الله تعالى عما ~~يصفه به هؤلاء { فإنكم وما تعبدون * مآ أنتم عليه ~~بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم } أي فإنكم أيها ~~الكفار وكل ما تعبدونه ms1276 من الأصنام والشياطين لستم بقادرين على أن تضلوا ~~أحدا من عباد الله، إلا من قضى الله عليه الشقاوة، وقدر أنه يدخل ~~النار ويصلاها، ثم ذكر تعالى اعتراف الملائكة بالعبودية لله فقال { وما ~~منآ إلا له مقام معلوم } أي وما منا ملك إلا له مرتبة ~~ومنزلة ووظيفة لا يتعداها، فمنا الموكل بالأرزاق، ومنا الموكل ~~بالآجال، ومنا من يتنزل بالوحي، ولكل منزلته من العبادة، والتقريب، ~~والتشريف { وإنا لنحن الصآفون } أي الواقفون في العبادة ~~صفوفا { وإنا لنحن المسبحون } أي المنزهون الله سبحانه ~~عن كل ما لا يليق بعظمته وكبريائه، نسبح الله في كل وقت وحين قال في ~~التسهيل: وفي هذا الكلام الذي قالته الملائكة رد على من قال إنهم بنات ~~الله، وشركاء الله، لأنهم اعترفوا على أنفسهم بالعبودية والطاعة لله، ~~والتنزيه له جل وعلا { وإن كانوا ليقولون * لو أن ~~عندنا ذكرا من الأولين * لكنا عباد الله ~~المخلصين } الضمير لكفار قريش و { وإن } هي المخففة من " إن " ~~الثقيلة أي وإن كان الحال والشأن أن كفار مكة كانوا قبل أن ينزل عليهم ~~القرآن - يقولون لو نزل علينا كتاب من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل ~~لكنا أعظم إيمانا منهم، وأكثر عبادة وإخلاصا لله منهم، فلما جاءهم ~~القرآن كفروا به ولهذا قال { فكفروا به } أي فكفروا وكذبوا ~~بالقرآن أشرف الكتب السماوية { فسوف يعلمون } أي فسوف يرون ~~عاقبة كفرهم بآيات الله، وهو وعيد وتهديد { ولقد سبقت ~~كلمتنا لعبادنا المرسلين } أي سبق وعدنا وقضاؤنا للرسل ~~الكرام { إنهم لهم المنصورون } أي إنهم هم المنصورون على ~~أعدائهم، والإشارة إلى قوله تعالى # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21] { وإن جندنا لهم الغالبون } أي وإن ~~جندنا المؤمنين لهم الغالبون في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالحجة ~~والبرهان، وفي الآخرة بدخول الجنان قال المفسرون: نصر الله للمؤمنين ~~محقق، ولا يقدح في ذلك انهزامهم في بعض المعارك، فإن القاعدة هي بالظفر ~~والنصرة، وإنما يغلبون في بعض الأحيان بسبب تقصير منهم أو ابتلاء ~~ومحنة { فتول عنهم حتى حين } أي أعرض عنهم يا محمد إلى ~~مدة يسيرة، إلى أن ms1277 تؤمر بقتالهم { وأبصرهم فسوف يبصرون ~~} أي وأبصرهم حين ينزل بهم العذاب، فسوف يبصرون عاقبة كفرهم { ~~أفبعذابنا يستعجلون }؟ استفهام إنكاري للتهديد أي ~~أيستعجلون بعذاب الله؟ روي أنه لما نزل { فسوف يبصرون } ~~استهزءوا وقالوا متى هذا يكون؟ فنزلت الآية ثم قال تعالى { فإذا ~~نزل بساحتهم فسآء صباح المنذرين } أي لا يستبعدوا ~~ذلك فإن العذاب إذا نزل بفناء المكذبين فبئس هذا الصباح صباحهم، شبهه ~~بجيش هجم عليهم وقت الصباح فقطع دابرهم { وتول عنهم حتى ~~حين * وأبصر فسوف يبصرون } كرره تأكيدا للتهديد وتسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم { سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون } أي تنزه وتقدس ذو العزة والجبروت عما يصفه به المشركون { ~~وسلام على المرسلين * والحمد لله رب ~~العالمين } أي وسلام منا على الرسل الكرام، والحمد لله في البد ~~والختام لله رب الخلائق أجمعين. نزه تعالى نفسه عما وصفه به الكفار ~~مما لا يليق به سبحانه، فإنه حكى عنهم في هذه السورة أقوالا كثيرة ~~شنيعة، وختم بتعميم السلام على الرسل الكرام وبحمده سبحانه، وهو تعليم ~~للعباد. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1 الطباق بين { تدعون.. وتذرون } وبين { البنات.. ~~والبنين }. # 2 تتابع التوبيخ وتكراره مثل { ألربك البنات }؟ { أم ~~خلقنا الملائكة إناثا }؟ { ما لكم كيف تحكمون ~~}؟ { أفلا تذكرون }؟ { أم لكم سلطان مبين }؟ وكلها ~~للتوبيخ والتبكيت. # 3 التأكيد بعدة مؤكدات لتحقيق المعنى وتقريره مثل { إنهم لهم ~~المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون } فقد أكدت كل ~~من الجملتين بإن واللام. # 4 الاستعارة التصريحية { إذ أبق إلى الفلك المشحون } ~~شبه خروجه بغير إذن ربه بإباق العبد من سيده. # 5 الالتفات من الخطاب إلى الغيبة { وجعلوا بينه وبين ~~الجنة نسبا } الأصل وتجعلون، والالتفات للإشارة إلى أنهم ليسوا ~~أهلا للخطاب، وهم بعيدون من رحمة رب الأرباب. # 6 الاستعارة التمثيلية { فإذا نزل بساحتهم } مثل للعذاب ~~النازل بهم بجيش هجم عليهم فأناخ بفنائهم بغتة، ونصحهم بعض النصاح فلم ~~يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا أهبتهم، حتى اجتاحهم الجيش. قال الزمخشري: ~~وما فصحت هذه الجملة ولا كانت لها ms1278 الروعة التي يروقك موردها إلا لمجيئها ~~على طريقة التمثيل. # فائدة: روى ابن أبي حاتم عن الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم ~~{ سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام ~~على المرسلين * والحمد لله رب العالمين } ". ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-26] # اللغة: { عزة } تكبر وامتناع عن قبول الحق، وأصلها الغلبة والقهر ~~ومنه قولهم " من عز بز " يعني من غلب سلب { شقاق } مخالفة ~~ومباينة { مناص } المناص: الملجأ والغوث والخلاص { عجاب } بالغ ~~الغاية في العجب قال الخليل: العجيب: العجب، والعجاب الذي قد تجاوز ~~حد العجب { اختلاق } كذب وافتراء { فواق } الفواق: الاستراحة، ~~والإفاقة قال الجوهري: الفواق والفواق: ما بين الحلبتين من الوقت، لأنها ~~تحلب ثم تترك ساعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب وقوله تعالى { ما ~~لها من فواق } أي ما لها من نظرة وراحة وإفاقة { قطنا } ~~القط: الحظ والنصيب { الأيد } القوة في العبادة والطاعة { ~~تسوروا } تسور الحائط علا أعلاه وتسلقه، والسور: الحائط { تشطط ~~} قال علماء اللغة: الشطط: مجاوزة الحد وتخطي الحق، يقال: شط في ~~الحكم أي جار فيه ولم يعدل، والأصل فيه: البعد من شطت الدار بمعنى ~~بعدت. # التفسير: { ص } تقدم الكلام على الحروف الهجائية، وبينا أن فيها ~~الإشارة إلى إعجاز القرآن { والقرآن ذي الذكر } قسم أقسم به ~~الباري جل وعلا أي والقرآن ذي الشرف الرفيع، وذي الشأن والمكانة، وجواب ~~القسم محذوف تقديره إن هذا القرآن لمعجز وإن محمدا لصادق قال ابن عباس: ~~{ ذي الذكر } أي ذي الشرف { بل الذين كفروا في عزة ~~وشقاق } أي بل الكافرون في حمية وتكبر عن الإيمان، وفي خلاف ~~وعداوة للرسول عليه السلام قال البيضاوي: أي ما كفر من كفر بالقرآن ~~لخلل وجده فيه بل الذين كفروا به { في عزة } أي استكبار عن الحق { ~~وشقاق } أي خلاف لله ولرسوله ولذلك كفروا به { كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن } أي كم أهلكنا قبل أهل مكة من أمم كثيرة من ~~القرون الخالية، لكبرهم عن الحق ومعاداتهم لرسلهم، ms1279 قال أبو السعود: ~~والآية وعيد لأهل مكة على كفرهم واستكبارهم ببيان ما أصاب من قبلهم من ~~المستكبرين { فنادوا ولات حين مناص } أي فاستغاثوا ~~واستجاروا عند نزول العذاب طلبا للنجاة، وليس الحين حين فرار ومهرب ~~ونجاة قال ابن جزي: المعنى أن القرون الذين هلكوا دعوا واستغاثوا حين لم ~~ينفعهم ذلك، إذ ليس الحين الذي دعوا فيه حين مناص أي مفر ونجاة من ناص ~~ينوص إذا فر، ولات بمعنى ليس وأصلها لا النافية زيدت عليها علامة ~~التأنيث { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم } أي وعجب ~~المشركون من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم واستبعدوا أن يبعث الله رسولا ~~من البشر { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } أي وقال ~~كفار مكة: إن محمدا ساحر فيما يأتي به من المعجزات { كذاب } أي ~~مبالغ في الكذب في دعوى أنه رسول الله، وإنما وضع الاسم الظاهر { ~~الكافرون } مكان الضمير " وقالوا " غضبا عليهم، وذما لهم وتسجيلا ~~لجريمة الكفر عليهم، فإن هذا الاتهام لا يقوله إلا المتوغلون في الكفر ~~والفسوق { أجعل الآلهة إلها واحدا }؟ أي أزعم أن الرب ~~المعبود واحد لا إله إلا هو؟ { إن هذا لشيء عجاب } أي إن ~~هذا الذي يقوله محمد - ان الإله واحد - شيء بليغ في العجب قال ابن ~~كثير: أنكر المشركون ذلك قبحهم الله - وتعجبوا من ترك الشرك بالله، ~~فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلوبهم، فلما ~~دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلع الأوثان وإفراد الإله ~~بالوحدانية، أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: { أجعل الآلهة إلها ~~واحدا إن هذا لشيء عجاب } قال المفسرون: # " إن قريشا اجتمعوا وقالوا لأبي طالب: كف ابن أخيك عنا، فإنه يعيب ~~ديننا، ويذم آلهتنا، ويسفه أحلامنا، فدعاه أبو طالب وكلمه في ذلك، ~~فقال صلى الله عليه وسلم يا عم: إنما أريد منهم كلمة واحدة، يملكون بها ~~العجم، وتدين لهم بها العرب، فقال أبو جهل والمشركون: نعم نعطيكها وعشر ~~كلمات معها!! فقال قولوا: " لا إله إلا الله " فقاموا فزعين ينفضون ~~ثيابهم ويقولون { أجعل الآلهة إلها واحدا... }؟ " # فنزلت الآيات ms1280 { وانطلق الملأ منهم أن امشوا ~~واصبروا على آلهتكم } أي وانطلق أشراف قريش ورؤساء الضلال ~~فيهم، وخرجوا من عند الرسول صلى الله عليه وسلم يقول بعضهم لبعض: امشوا ~~واصبروا على عبادة آلهتكم، ولا تطيعوا محمدا فيما يدعوكم إليه من عبادة ~~الله الواحد الأحد { إن هذا لشيء يراد } أي هذا أمر ~~مدبر، يريد من ورائه محمد أن يصرفكم عن دين آبائكم لتكون له العزة ~~والسيادة عليكم، فاحذروا أن تطيعوه { ما سمعنا بهذا فى ~~الملة الآخرة } أي ما سمعنا بمثل هذا القول في ملة النصرانية ~~التي هي آخر الملل، فإنهم يقولون بالتثليث لا بالتوحيد، فيكف يزعم محمد ~~أن الله واحد؟ قال ابن عباس: يعنون بالملة الآخرة دين النصرانية وقال ~~مجاهد وقتادة: يعنون دين قريش أي ليس هذا في الدين الذي أدركنا عليه ~~آبائنا { إن هذا إلا اختلاق } أي ما هذا الذي يدعيه محمد ~~إلا كذب وافتراء، ثم أنكروا اختصاصه عليه السلام بالوحي من بينهم فقالوا ~~{ أأنزل عليه الذكر من بيننا }؟ الاستفهام للإنكار أي ~~هل تنزل القرآن على محمد دوننا، مع أن فينا من هو أكثر منه مالا، ~~وأعلى رياسة؟ قال الزمخشري: أنكروا أن يختص صلى الله عليه وسلم بالشرف ~~من بين أشرافهم ورؤسائهم، وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم ~~من الحسد على ما أوتي من شرف النبوة من بينهم { بل هم في شك من ~~ذكري } إضراب عن مقدر تقديره: إنكارهم للذكر ليس عن علم بل هم في شك ~~منه فلذلك كفروا { بل لما يذوقوا عذاب } اضراب انتقالي وغرضه ~~التهديد والمعنى سبب شكهم أنهم لم يذوقوا العذاب إلى الآن، ولو ذاقوه ~~لأيقنوا بالقرآن وآمنوا به { أم عندهم خزآئن رحمة ربك ~~العزيز الوهاب }؟ هذا رد على المشركين فيما أنكروا من اختصاص ~~محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والمعنى هل عندهم خزائن رحمته تعالى حتى ~~يعطوا النبوة من شاءوا، ويمنعوها من شاءوا؟ قال البيضاوي: يريد أن النبوة ~~عطية من الله يتفضل بها على من يشاء من عباده، فإنه { العزيز } أي ~~الغالب الذي لا يغلب ms1281 { الوهاب } أي الذي له أن يهب ما يشاء لمن يشاء ~~{ أم لهم ملك السموت والأرض وما بينهما }؟ أي ~~هل لهم شيء من ملك السماوات والأرض؟ وهو إنكار وتوبيخ { فليرتقوا ~~فى الأسباب } أي ان كان لهم شيء من ذلك فليصعدوا في المراقي التي ~~توصلهم إلى السماء، وليدبروا شئون الكون؟ وهو تهكم بهم واستهزاء قال ~~الزمخشري: تهكم بهم غاية التهكم فقال: إن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق، ~~والتصرف في قسمة الرحمة، وكان عندهم من الحكمة ما يميزون بها بين من هو ~~حقيق بالنبوة من غيره، فليصعدوا في المعارج التي يتوصلون بها إلى العرش، ~~حين يستووا عليه ويدبروا أمر العالم، وينزلوا الوحي على من يختارون، وهو ~~غاية التهكم بهم { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } ~~التنكير للتقليل والتحقير، و { ما } لتأكيد القلة أي ما هم إلا جند من ~~الكفار، المتحزبين على رسل الله، هم عما قليل يهزمون ويولون الأدبار، ~~فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون. # . ثم أخبر تعالى عما نال أسلافهم الكفار من العذاب والدمار فقال { ~~كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ~~} أي كذب قبل كفار قريش أمم كثيرون منهم قوم نوح، وقوم هود وهم قبيلة " ~~عاد " وفرعون الجبار ذو الملك الثابت بالأوتاد أو ذو الجموع الكثيرة، قال ~~بعض المفسرين: سمي بذي الأوتاد لأنه كان يوتد من يريد تعذيبه بأربعة ~~أوتاد في يديه ورجليه ويتركه جتى يموت وقيل: لأنه صاحب الإهرامات ~~والمباني العظيمة الثابتة التي تقوم في الأرض كالأوتاد { وثمود ~~وقوم لوط وأصحاب لئيكة } أي وكذبت ثمود وهم قوم صالح ~~وقوم لوط، وأصحاب الأيكة أي الشجر الملتف وهم قوم شعيب { أولئك ~~الأحزاب } أي أولئك هم الكفار الذين تحزبوا على رسلهم فأهلكهم الله، ~~فليحذر هؤلاء المكذبون لرسول الله أن يصيبهم ما أصاب أسلافهم { إن كل ~~إلا كذب الرسل } أي ما كل من هؤلاء الأحزاب والأمم إلا كذب ~~رسوله الذي أرسل إليه { فحق عقاب } أي فثبت ووجب عليهم عقابي، ~~وحذفت الياء مراعاة لرءوس الآيات { وما ينظر هؤلآء إلا ~~صيحة واحدة } أي وما ms1282 ينتظر هؤلاء المشركون كفار مكة إلا نفخة ~~واحدة ينفخ فيها إسرافيل في الصور فيصعقون { ما لها من فواق } أي ~~ليس لها من توقف ولا تكرار، قال ابن عباس: أي ما لها من رجوع قال ~~المفسرون: أي أن هذه الصيحة إذا جاءت لا تستأخر ولو فترة قصيرة مقدار ~~فواق ناقة وهي المسافة بين الحلبتين لأنها تجيء في موعدها المحدد، الذي ~~لا يتقدم ولا يتأخر قال الزمخشري: يريد أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا ~~تردد { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم ~~الحساب } أي وقال كفار مكة على سبيل الاستهزاء والسخرية: عجل لنا ~~يا ربنا نصيبنا من العذاب الذي وعدته لنا، قبل أن يجيء يوم القيامة إن ~~كان الأمر كما يقول محمد قال المفسرون: وإنما قالوا هذا على سبيل ~~الاستهزاء كقوله تعالى # ويستعجلونك بالعذاب # [الحج: 47] { اصبر على ما يقولون } أي اصبر يا محمد على ~~تكذيبهم فإن الله ناصرك عليهم قال الصاوي: وفيه تسلية للرسول صلى الله ~~عليه وسلم وتهديد للكفار { واذكر عبدنا داوود ذا الأيد } ~~أي وتذكر عبدنا داود ذلك النبي الشاكر الصابر، ذا القوة في الدين، ~~والقوة في البدن، فقد كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان يقوم نصف الليل { ~~إنه أواب } أي كثير الرجوع والإنابة إلى الله، والاواب: ~~الرجاع إلى الله قال أبو حيان: لما كانت مقالة المشركين تقتضي ~~الاستخفاف بالدين، أمر تعالى نبيه بالصبر على أذاهم، وذكر قصصا للأنبياء ~~" داود، وسليمان، وأيوب " وغيرهم، وما عرض لهم فصبروا حتى فرج الله عنهم، ~~وصارت عاقبتهم أحسن عاقبة، فكذلك أنت تصبر ويئول أمرك إلى أحسن مآل { ~~إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق } أي سخرنا الجبال لداود تسبح معه في المساء والصباح، ~~وتسبيح الجبال حقيقة وكان معجزة لداود عليه السلام كما قال تعالى # يجبال أوبي معه والطير # [سبأ: 10] { والطير محشورة كل له أواب } أي وسخرنا ~~له الطير مجموعة إليه نسبح معه، كل من الجبال والطير رجاع إلى طاعته ~~تعالى بالتسبيح والتقديس قال ابن كثير: كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع ~~بترجيعه، إذا مر ms1283 به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه يترنم بقراءة ~~الزبور يقف في الهواء ويسبح معه، وكذلك الجبال الشامخات كانت ترجع معه ~~وتسبح تبعا له، قال قتادة: { أواب } أي مطيع { وشددنا ~~ملكه } أي قوينا ملكه وثبتناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود { ~~وآتيناه الحكمة } أي أعطيناه النبوة والفهم والإصابة في ~~الأمور { وفصل الخطاب } أي الكلام البين الذي يفهمه من يخاطب ~~به قال مجاهد: يعني إصابة القضاء وفهمه وقال القرطبي: البيان الفاصل بين ~~الحق والباطل قال المفسرون: كان ملك داود قويا عزيزا، وكان يسوسه ~~بالحكمة والحزم معا، ويقطع ويجزم برأي لا تردد فيه مع الحكمة والقوة، ~~وذلك غاية الكمال في الحكم والسلطان { وهل أتاك نبأ الخصم ~~إذ تسوروا المحراب } هذا الاستفهام للتعجيب وتشويق السامع ~~إلى ما يلقى إليه كما تقول لجليسك: هل تعلم ما وقع اليوم؟ تريد تشويقه ~~لسماع كلامك والمعنى هل أتاك يا محمد خبر الجماعة المتنازعين الذين ~~تسوروا على داود مسجده في وقت اشتغاله بالعبادة والطاعة؟ { إذ ~~دخلوا على داوود ففزع منهم } أي حين دخلوا عليه من ~~أعلى السور فخاف وارتعد منهم قال المفسرون: وإنما فزع داود منهم لأنهم ~~دخلوا عليه بغير إذن، ودخلوا من غير الباب، في وقت كان قد خصصه للعبادة { ~~قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض } أي لا ~~تخف منا فنحن فوجان مختصمان تعدى بعضنا على بعض { فاحكم بيننا ~~بالحق ولا تشطط } أي فاحكم بيننا بالعدل، ولا تجر ولا تظلم في ~~الحكم { واهدنآ إلى سوآء الصراط } أي وأرشدنا إلى وسط ~~الطريق يعني إلى الطريق الحق الواضح { إن هذآ أخي له تسع ~~وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة } هذه بداية قصة الخصمين ~~أي قال أحدهما: إن صاحبي هذا يملك تسعة وتسعين نعجة - وهي أنثى الضأن - ~~وأملك أنا نعجة واحدة قال المفسرون: وقد يكنى بها عن المرأة فيكون الغرض ~~أن عنده تسعا وتسعين امرأة وعندي امرأة واحدة { فقال أكفلنيها ~~} أي ملكنها واجعلها تحت كفالتي { وعزني في الخطاب } أي غلبني ~~في الخصومة، وشدد علي في القول وأغلظ { قال لقد ظلمك ~~بسؤال ms1284 نعجتك إلى نعاجه } أي قال له داود لقد ظلمك بهذا ~~الطلب حين أراد انتزاع نعجتك منك ليكمل ما عنده إلى مائة { وإن ~~كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض } أي ~~وإن الكثيرين من الشركاء ليتعدى بعضهم على بعض { إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم } أي إلا ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات فإنهم لا يبغون وهم قليل { وظن ~~داوود أنما فتناه } أي علم وأيقن أنما اختبرناه بهذه الحادثة ~~وتلك الحكومة { فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب } أي ~~طلب المغفرة من الله وخر ساجدا لله تعالى، ورجع إليه بالتوبة والندم ~~على ما فرط منه قال أبو حيان: وذكر المفسرون في هذه القصة أشياء لا تناسب ~~مناصب الأنبياء، ضربنا عن ذكرها صفحا، والذي يدل عليه ظاهر الآية من أن ~~المتسورين المحراب كانوا من الإنس، دخلوا عليه من غير المدخل وفي غير ~~وقت جلوسه للحكم، وأنه فزع منهم ظنا منه أنهم يغتالونه إذ كان منفردا ~~في محرابه لعبادة ربه، فلما اتضح له أنهم جاءوا في حكومة، وبرز منهم ~~اثنان للتحاكم كما قص الله تعالى فاستغفر من ذلك الظن، وخر ساجدا ~~لله عز وجل، ونحن نعلم قطعا أن الأنبياء معصومون من الخطايا، إذ لو ~~جوزنا عليهم شيئا من ذلك لبطلت الشرائع ولم نثق بشيء مما يذكرون، فما ~~حكى الله في كتابه يمر على ما أراده الله، وما حكى القصاص مما فيه ~~غض من منصب النبوة طرحناه ثم قال تعالى { فغفرنا له ذلك } أي ~~فسامحناه وعفونا عنه ذلك الظن السيء بالرجلين قال ابن كثير: أي غفرنا له ~~ما كان منه مما يقال فيه: " حسنات الأبرار سيئات المقربين " { وإن ~~له عندنا لزلفى } وإن له لقربة وكرامة بعد المغفرة { ~~وحسن مآب } أي وحسن مرجع في الآخرة { يداوود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض } أي استخلفناك على الناس لتدبير ~~شئونهم ومصالحهم { فاحكم بين الناس بالحق } اي فاحكم ~~بينهم بالعدل وبشريعة الله التي أنزلها عليك { ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله } أي لا تتبع هوى النفس في الحكومات ~~وغيرها فيضلك ms1285 اتباع الهوى عن دين الله القويم، وشرعه المستقيم { إن ~~الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد } أي ~~إن الذين ينحرفون عن دين الله وشرعه لهم عذاب شديد يوم القيامة { بما ~~نسوا يوم الحساب } أي بسبب نسياهم وتركهم سلوك سبيل الله، وعدم ~~إيمانهم بيوم الحساب، لأنهم لو آمنوا به لأعدوا الزاد ليوم المعاد، قال ~~أبو حيان: وجعله تعالى داود خليفة في الأرض يدل على مكانته عليه ~~السلام واصطفائه له، ويدفع في صدر من نسب إليه شيئا مما لا يليق بمنصب ~~النبوة. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- المجاز المرسل { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } القرن ~~مائة عام والهلاك لأهله ففيه مجاز. # 2- وضع الظاهر مكان الضمير { وقال الكافرون } بدل وقالوا لتسجيل ~~جريمة الكفر عليهم. # 3- صيغة المبالغة في كل من { كذاب } ، { العزيز } ، { ~~الوهاب } ، { أواب }. # 4- التنوين للتقليل والتحقير وزيادة { ما } لتأكيد القلة { جند ما ~~هنالك }. # 5- تأكيد الجملة الخبرية بإن واللام لزيادة التعجب والإنكار { إن ~~هذا لشيء عجاب }. # 6- الاستعارة البليغة { وفرعون ذو الأوتاد } شبه الملك ~~بخيمة عظيمة شدت أطنابها بالأوتاد لتثبت وترسخ ولا تقتلعها الرياح ~~ففيه استعارة مكنية وذكر الأوتاد تخييل. # 7- الطباق { يسبحن بالعشي والإشراق } لأن المراد ~~المساء والصباح. # 8- أسلوب التشويق { وهل أتاك نبأ الخصم } ورد الأسلوب ~~بطريق التشويق. # 9- أسلوب الإطناب { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ~~الله إن الذين يضلون عن سبيل الله } الخ. # 10- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل { إن هذا لشيء ~~عجاب.. فليرتقوا فى الأسباب.. جند ما هنالك ~~مهزوم من الأحزاب } مما يزيد في روعة الكلام وجماله. # لطيفة: روى ابن كثير أن أبا زرعة دخل على الوليد بن عبد الملك فقال له ~~الوليد أخبرني أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت القرآن وفقهت! فقال يا أمير ~~المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان الله، قال يا أمير المؤمنين: أنت أكرم ~~على الله أو داود عليه الصلاة والسلام؟ إن الله تعالى جمع له بين الخلافة ~~والنبوة ثم توعده في كتابه فقال { يداوود إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض فاحكم بين ms1286 الناس بالحق ولا ~~تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله... } الآية، فكانت ~~موعظة بليغة. ### || [38.27-54] # المناسبة: لما ذكر تعالى إنكار المشركين للقرآن والرسالة والحشر ~~والنشر، وأعقبها بذكر قصة داود تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام، ذكر هنا ~~بعض البراهين على البعث والنشور، ثم بين الحكمة من نزول القرآن، ثم ~~تابع الحديث عن قصة سليمان بن داود تتميما وتكميلا للهدف السامي من ذكر ~~قصص القرآن. # اللغة: { الألباب } العقول واحدها لب، ولب الشيء صفوته وخلاصته ~~ولذلك سمي العقل لبا { الصافنات } الخيول الواقفة على ثلاثة ~~قوائم وطرف حافر الرابعة جمع صافن قال الفراء: الصافن في كلام العرب ~~الواقف من الخيل أو غيرها قال الشاعر: # تركنا الخيل عاكفة عليه # مقلدة أعنتها صفونا # { الجياد } السراع السوابق في العدو قال المبرد: الجياد جمع ~~جواد وهو الشديد الجري كما أن الجواد من الناس هو السريع البذل { ~~توارت } اختفت { رخآء } لينة أو منقادة حيث أراد { الأصفاد } ~~سلاسل الحديد والأغلال واحدها صفد وفي الحديث: # " صفدت الشياطين " # أي ربطت بالسلاسل قال الشاعر: # فآبوا بالنهاب وبالسبايا # وأبنا بالملوك مصفدينا # { ضغثا } الضغث: حزمة من الحشيش أو غيره مختلطة الرطب باليابس، ~~وأصله: الشيء المختلط ومنه " أضغاث أحلام " للرؤيا المختلطة. # التفسير: { وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما ~~باطلا } أي ما خلقنا هذا الكون البديع بما فيه من المخلوقات العجيبة ~~عبثا وسدى { ذلك ظن الذين كفروا } أي خلق ما ذكر لا ~~لحكمة هو ظن الكفار الفجار الذين لا يؤمنون بالبعث والنشور { فويل ~~للذين كفروا من النار } أي فويل للكفار من عذاب النار، ~~ثم وبخهم تعالى على هذا الظن السيء فقال { أم نجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض }؟ أي ~~هل نجعل المؤمنين المصلحين كالكفرة المفسدين؟ { أم نجعل ~~المتقين كالفجار } أي أم نجعل الأخيار الأبرار كالأشرار ~~الفجار؟ والغرض: أنه لا يتساوى في حكمته تعالى المحسن مع المسيء، ولا ~~البر مع الفاجر، ففي الآية استدلال على الحشر والجزاء، وفيها أيضا ~~وعد ووعيد قال ابن كثير: بين تعالى أنه ليس من عدله وحكمته أن يساوي ~~بين المؤمنين والكافرين، وإذا ms1287 كان الأمر كذلك فلا بد من جزاء يثاب ~~فيها المطيع، ويعاقب فيها الفاجر، وقد دلت العقول السليمة على أنه لا ~~بد من جزاء ومعاد، فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ~~ويموت دون عقاب، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده، فلا بد في حكمه ~~الحكيم العليم إنصاف هذا من هذا، وإذا لم يقع هذا في هذه الدار، فتعين ~~أن هناك دارا أخرى لهذا الجزاء والمواساة وهي الدار الآخرة.. ثم بين ~~تعالى الغاية من نزول القرآن وهي العمل والتفكر فقال { كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك } أي هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك يا ~~محمد كتاب عظيم جليل، كثير الخيرات والمنافع الدينية والدنيوية { ~~ليدبروا آياته } أي أنزلناه ليتدبروا آياته ويتفكروا بما ~~فيها من الأسرار العجيبة، والحكم الجليلة { وليتذكر أولوا ~~الألباب } أي وليتعظ بهذا القرآن أصحاب العقول السليمة قال الحسن ~~البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ~~ليقول: والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفا، وقد أسقطه والله ~~كله، ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل. # . اللهم اجعلنا ممن قرأه وتدبره وعمل بما فيه { ووهبنا ~~لداوود سليمان } شروع في بيان قصة سليمان بن داود عليهما ~~السلام أي رزقنا عبدنا داود بالولد الصالح المسمى سليمان وأعطيناه ~~النبوة قال المفسرون: المراد بالهبة هنا هبة النبوة كما قال تعالى # وورث سليمان داوود # [النمل: 16] أي في النبوة، وإلا فقد كان له أولاد كثيرون غيره { نعم ~~العبد إنه أواب } أي نعم العبد سليمان فإنه كان كثير ~~الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة { إذ عرض عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد } أي اذكر حين عرض على سليمان عشية يوم من ~~الأيام - أي بعد العصر - الخيل الواقفة على طرف الحافر، السريعة الجري ~~قال الرازي: وصفت تلك الخيل بوصفين: الأول: الصفون وهو صفة دالة على ~~فضيلة الفرس، والثاني: الجياد وهي الشديدة الجري، والمراد وصفها بالفضيلة ~~والكمال في حالي الوقوف والحركة، فإذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في ~~مواقفها، وإذا جرت كانت سراعا في جريها { فقال إني أحببت ~~حب الخير عن ms1288 ذكر ربي } أي آثرت حب الخيل حتى شغلتني عن ~~ذكر الله قال المفسرون: عرضت عليه آلاف من الخيل تركها له أبوه، فأجريت ~~بين يديه عشيا فتشاغل بحسنها وجريها ومحبتها عن ذكر له حتى غابت الشمس ~~{ حتى توارت بالحجاب } أي حتى غابت الشمس واختفت عن الأنظار ~~{ ردوها علي } أي قال سليمان ردوا هذه الخيل علي { فطفق ~~مسحا بالسوق والأعناق } أي فشرع يذبحها ويقطع أرجلها تقربا ~~إلى الله، لتكون طعاما للفقراء لأنها شغلته عن ذكر الله قال الحسن: لما ~~ردت عليه قال: لا والله لا تشغليني عن طاعة ربي ثم أمر بها فعقرت ~~وكذلك قال السدي، وأما قول من قال: إنها شغلته عن صلاة العصر حتى غابت ~~الشمس فضعيف، لأنه لا يتصور من نبي أن يترك صلاة العصر من أجل اشتغاله ~~بالدنيا، والنص صريح { عن ذكر ربي } { ولقد فتنا ~~سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب } ~~هذه إشارة إلى ابتلاء آخر لسليمان ابتلي به، ثم تاب وأناب من تلك الهفوة ~~والزلة، ولعل هذه الفتنة ما روي في الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس ~~يجاهد في سبيل الله ولم يقل: إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل إلا ~~امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده: لو قال إن شاء الله لجاهدوا ~~في سبيل الله فرسانا أجمعون " # قال ابن كثير: " وقد أورد بعض المفسرين آثارا كثيرة عن جماعة من ~~السلف، وأكثرها أوكلها متلقاة من الإسرائيليات، وفي كثير منها نكارة ~~شديدة " واختار الإمام الفخر أن الفتنة المذكورة في الآية الكريمة يقصد ~~بها فتنته في جسده، حيث إن سليمان ابتلي بمرض شديد نحل منه وضعف، حتى ~~صار لشدة المرض كأنه جسد ملقى على كرسي، قال والعرب تقول في الضعيف: إنه ~~لحم على وضم، وجسم بلا روح، ثم أناب أي رجع إلى حالة الصحة { قال رب ~~اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ~~أي اغفر لي ما ms1289 صدر مني وأعطني ملكا واسعا لا يكون لأحد غيري ليكون ~~دلالة على نبوتي { إنك أنت الوهاب } أي واسع الفضل كثير ~~العطاء { فسخرنا له الريح } أي فذللنا الريح لطاعته إجابة ~~لدعوته { تجري بأمره رخآء حيث أصاب } أي تسير بأمره ~~لينة طيبة حيث قصد وأراد { والشياطين كل بنآء وغواص } ~~أي وسخرنا له الشياطين كذلك تعمل بأمره، منهم من يستخدمه لبناء الأبنية ~~الهائلة العجيبة، ومنهم من يغوص في البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان { ~~وآخرين مقرنين في الأصفاد } أي وآخرين من الشياطين - وهم ~~المردة - موثوقون في الأغلال، مربوطون بالقيود والسلاسل لكفرهم وتمردهم ~~عن طاعة سليمان { هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك بغير ~~حساب } أي وقلنا له: هذا عطاؤنا الواسع لك، فأعط من شئت وامنع من ~~شئت، لا حساب عليك في ذلك، لأنك مطلق اليد فيما وهب الله لك الواسع لك من ~~سلطة ومن نعمة { وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } أي ~~وإن له عندنا لمكانة رفيعة في الدنيا، وحسن مرجع في الآخرة { واذكر ~~عبدنآ أيوب } هذه هي القصة الثالثة في هذه السورة، والإضافة ~~للتشريف أي اذكر يا محمد عبدنا الصالح أيوب عليه السلام، الذي ابتلي ~~بأنواع البلاء فصبر. { إذ نادى ربه أني مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب } أي حين نادى ربه متضرعا إليه قائلا ~~إني مسني الشيطان بتعب ومشقة، وألم شديد في بدني قال المفسريون: وإنما ~~نسب ذلك إلى الشيطان تأدبا مع الله تعالى، وإن كانت الأشياء كلها ~~خيرها وشرها من الله تعالى، وكان أيوب قد أصيب في ماله وأهله وبدنه، ~~وبقي في البلاء ثمان عشرة سنة، وقد تقدمت قصته { اركض برجلك } أي ~~وقلنا له اضرب برجلك الأرض فضربها فنبعت له عين ماء صافية { هذا ~~مغتسل بارد وشراب } أي وقلنا له هذا ماء تغتسل به، وشراب ~~تشرب منه، فاغتسل منها فذهب ما كان بظاهر جسده، وشرب منها فذهب كل مرض ~~كان داخل جسده قال أبو حيان: { هذا مغتسل } أي ما يغتسل به { ~~وشراب } أي ما يشرب منه، فباغتسالك يبرأ ظاهرك، وبشربك يبرأ باطنك، ~~والجمهور على أنه نبعت ms1290 له عينان، شرب من إحداهما واغتسل من الأخرى فشفي ~~{ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } أي أحيا الله من ~~مات من أولاده ورزقه مثلهم قال الرازي: الأقرب أن الله تعالى متعه بصحته ~~وبماله وقواه حتى كثر نسله وصار أهله ضعف ما كان وأضعاف ذلك وعن الحسن ~~أنه أحياهم بعد أن هلكوا وقال أبو حيان: الجمهور على أنه تعالى أحيا له ~~من مات من أهله، وعافى المرضى، وجمع عليه من شتت منهم { رحمة منا ~~} أي رحمة منا به لصبره وإخلاصه { وذكرى لأولي الألباب } ~~أي وعبرة لذوي العقول المستنيرة قال ابن كثير: أي وذكرى لذوي العقول ~~ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج { وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ~~ولا تحنث } أي وقلنا له خذ بيدك حزمة من القضبان الرفيعة فاضرب ~~بها زوجتك لتبر بيمينك ولا تحنث قال المفسرون: كان أيوب قد حلف أن يضرب ~~امرأته مائة سوط إذا برىء من مرضه، وسبب ذلك أنها كانت تخدمه في حالة ~~مرضه، فلما اشتد به البلاء وطالت به المدة وسوس إليها الشيطان: إلى متى ~~تصبرين؟ فجاءت إلى أيوب وفي نفسها الضجر فقالت له: إلى متى هذا البلاء؟ ~~فغضب من هذا الكلام وحلف إن شفاه الله ليضربنها مائة سوط، فأمره الله أن ~~يأخذ حزمة من قضبان خفيفة فيها مئة عود ويضربها بها ضربة واحدة ويبر ~~في يمينه، ورحمة من الله به وبزوجه التي قامت على رعايته، وصبرت على ~~بلائه، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ولهذا قال تعالى { ~~إنا وجدناه صابرا } أي ابتليناه فوجدناه صابرا على الضراء { ~~نعم العبد إنه أواب } أي نعم العبد أيوب إنه كثير الرجوع ~~إلى الله بالتوبة والإنابة والعبادة { واذكر عبادنآ ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار } ~~أي اذكر يا محمد هؤلاء الأنبياء الأخيار وتأس بهم، الذين جمعوا بين ~~القوة في العبادة، والبصائر في الدين قال الطبري: أي أهل القوة في عبادة ~~الله، وأهل العقول المبصرة { إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى ~~الدار } أي خصصناهم بخصلة خالصة عظيمة الشأن، هي عدم التفاتهم إلى ~~الدنيا وتذكرهم ms1291 للدار الباقية قال مجاهد: جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم ~~هم غيرها { وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } ~~أي وهم عندنا المختارون المجتبون على سائر الناس لأنهم أخيار أبرار { ~~واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من ~~الأخيار } أي واذكر يا محمد هؤلاء الرسل أيضا وكل من خيرة الله ~~فاقتد بهم في الصبر وتحمل الأذى في سبيل الله { هذا ذكر } أي هذا ~~الذي قصصناه عليك يا محمد من سيرة الرسل الكرام ذكر جميل لهم في ~~الدنيا، وشرف يذكرون به أبدا { وإن للمتقين لحسن مآب ~~} أي وإن لكل متق لله مطيع لرسله لحسن مرجع ومنقلب، ثم فسره بقوله { ~~جنات عدن مفتحة لهم الأبواب } أي جنات إقامة في ~~دار الخلد والنعيم قد فتحت لهم أبوابها انتظارا لقدومهم قال الرازي: إن ~~الملائكة الموكلين بالجنان إذا رأوا المؤمنين فتحوا لهم أبوابها، وحيوهم ~~بالسلام، فيدخلون كذلك محفوفين بالملائكة على أعز حال، وأجمل هيئة { ~~متكئين فيها } أي متكئين في الجنة على الأرائك وهي السرر الوثيرة ~~{ يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب } أي وهم متكئون على ~~الأسرة يطلبون أنواع الفواكة، وألوان الشراب كعادة الملوك في الدنيا ~~قال ابن كثير: أي مهما طلبوا وجدوا، ومن أي أنواعه شاءوا أتتهم به الخدام ~~قال الصاوي: والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض ~~التفكه والتلذذ دون التغذي لأنه لا جوع في الجنة { وعندهم ~~قاصرات الطرف أتراب } أي وعندهم الحور العين اللواتي لا ~~ينظرن إلى غير أزواجهن أتراب أي في سن واحدة { هذا ما توعدون ~~ليوم الحساب } أي هذا جزاؤكم الذي وعدتم به في الدنيا { إن ~~هذا لرزقنا ما له من نفاد } أي هذا النعيم عطاؤنا لأهل ~~الجنة لا زوال له ولا انقطاع ولا انتهاء أبدا قال في الظلال: يبدأ هذا ~~المشهد بمنظرين متقابلين تمام التقابل في المجموع والأجزاء، وفي السمات ~~والهيئات: منظر المتقين لهم { حسن مآب } ومنظر الطاغين لهم { شر ~~مآب } فأما الأولون فلهم جنات عدن مفتحة لهم الأبواب، ولهم فيها راحة ~~الاتكاء، ومتعة الطعام والشراب، ولهم كذلك متعة الحوريات الشواب، وهن ~~مع شبابهن ms1292 { قاصرات الطرف } لا يتطلعن ولا يمددن بأبصارهن، وكلهن ~~شواب أتراب، وهو متاع دائم، ورزق من عند الله ما له من نفاد. ### || [38.55-88] # المناسبة: لما ذكر تعالى مآل السعداء المتقين، ثنى بذكر حال ~~الأشقياء المجرمين، ثم ذكر بعض الأدلة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وختم السورة الكريمة بذكر قصة آدم وإبليس وامتناعه عن السجود لآدم، ~~تحذيرا للبشر من عدوهم الأكبر ومن وساوسه وإغوائه. # اللغة { غساق } الغساق: ما يخرج من لحوم الكفرة من الصديد والقيح ~~والنتن { زاغت } مالت { سخريا } بكسر السين وهو الهزء والسخرية { ~~مقتحم } الاقتحام: ركوب الشدة والدخول فيها ومنه اقتحام المخاطر { ~~سويته } أتممت خلقه على أكمل الوجوه { العالين } المتكبرين، ~~وعلا في الأرض: تكبر وتجبر { رجيم } مرجوم بالكواكب والشهب. # التفسير: { هذا وإن للطاغين لشر مآب } { هذا } ~~خبر لمبتدأ محذوف تقديره الأمر هذا وهي بمنزلة أما بعد، ثم قال { ~~وإن للطاغين لشر مآب } أي وإن للكافرين الذين كذبوا ~~الرسل، لشر منقلب يصيرون إليه في الآخرة ثم فسر هذا المصير بقوله { ~~جهنم يصلونها فبئس المهاد } أي جهنم يذوقونها ويصلون ~~سعيرها، وبئست جهنم فراشا ومهادا لهم قال ابن الجزي: لما تم ذكر أهل ~~الجنة ختمه بقوله { هذا } ثم ابتدأ بذكر وصف أهل النار، وعنى ~~بالطاغين الكفار { هذا فليذوقوه حميم وغساق } أي هذا ~~هو العذاب الأليم فليذوقوه وهو الحميم أي الماء الحار المحرق، والغساق ~~وهو ما يسيل من صديد أهل النار قال الطبري: في الآية تقديم وتأخير أي هذا ~~حميم وغساق فليذوقوه، والحميم الذين أغلي حتى انتهى حره، والغساق ما ~~يسيل من جلودهم من الصديد والدم { وآخر من شكله أزواج } أي ~~وعذاب آخر من مثل هذا العذاب المذكور كالزمهرير، والسموم، وأكل الزقوم ~~لهم منه أنواع وأصناف.. ثم حكى ما يقال للرؤساء الطاغين إذا دخلوا النار ~~فقال { هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم } أي ~~تقول لهم خزنة جهنم: هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار، ودخلوها بصحبتكم ~~كما اقتحموا معكم في الجهل والضلال، لا أهلا ولا مرحبا بهم { إنهم ~~صالوا النار } أي ms1293 إنهم ذائقو النار، وداخلوها كما دخلتموها أنتم ~~قال الرازي: والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها، وهذا من كلام خزنة ~~جهنم لرؤساء الكفرة عن أتباعهم، والعرب تقول لمن يدعون له: مرحبا أي ~~أتيت رحبا في البلاد لا ضيقا، ثم يدخلون عليها كلمة " لا " في د عاء ~~السوء { قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم } أي قال الأتباع ~~للرؤساء الطغاة الذين أضلوهم بل أنتم لا أهلا بكم ولا مرحبا قال ~~المفسرون: عندما يدخل الأتباع جهنم تتلقاهم الرؤساء بقولهم { لا ~~مرحبا بكم } أي لا تلقون هنا رحبا ولا خيرا - وهذه تحية أهل ~~النار - كما قال تعالى # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف: 38] فعند ذلك يقول لهم الداخلون { بل أنتم لا مرحبا ~~بكم } وهذا على حد قول القائل " تحية بينهم ضرب وجيع " فكذلك أهل ~~النار يتلقون بعضهم باللعنات والشتائم بدل التحايا والسلام، ثم يعلل ~~الأتباع ذلك بقولهم { أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار ~~} أي أنتم قدمتم لنا هذا العذاب وكنتم السبب في ضلالنا، فبئس المنزل ~~والمستقر لنا ولكم نار جهنم { قالوا ربنا من قدم لنا ~~هذا فزده عذابا ضعفا في النار } هذا أيضا من كلام ~~الأتباع دعوا الله أن يضاعف العذاب لرؤسائهم الذين أوجبوا لهم العذاب فهو ~~كقولهم # ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من ~~النار # [الأعراف: 38] والضعف زيادة المثل قال البيضاوي: وقال الأتباع أيضا { ~~ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا } أي ~~مضاعفا وذلك أن يزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين { وقالوا ما لنا ~~لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار }؟ أي وقال ~~الطغاة من رؤساء الكفر وأئمة الضلال: ما لنا لا نرى في النار هؤلاء الذين ~~كنا نعدهم في الدنيا من الأشرار؟ يعنون بهم المؤمنين قال ابن عباس: ~~يريدون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقول أبو جهل: أين بلال، أين صهيب، ~~أين عمار؟ أولئك في الفردوس! واعجبا لأبي جهل! مسكين، أسلم ابنه عكرمة، ~~وابنته جويرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه وكفر هو قال ابن كثير: هذا ~~إخبار عن الكفار في النار، أنهم يفتقدون رجالا ms1294 كانوا يعتقدون أنهم على ~~الضلالة وهم المؤمنون، يقول أبو جهل: ما لي لا أرى بلالا وعمارا ~~وصهيبا وفلانا وفلانا؟ وهذا ضرب مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم، ~~يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخلها الكفار افتقدوهم فلم ~~يجدوهم، ثم قالوا { أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم ~~الأبصار }؟ أي يؤنبون أنفسهم قائلين: أجعلنا هؤلاء المؤمنين في الدنيا ~~هزءا وسخرية؟ أم هم معنا في النار ولكن لا نراهم؟ قال البيضاوي: إنكار ~~على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار من المؤمنين، كأنهم قالوا: ليسوا ~~ههنا في النار؟ أم مالت عنهم أبصارنا فلا نراهم؟ قال تعالى { إن ~~ذلك لحق تخاصم أهل النار } أي إن هذا الذي أخبرناك به ~~يا محمد من أقوال أهل النار وتخاصمهم، لهو الحق الذي لا بد وأن ~~يتكلموا به، فنحن نخبرك عن قول الرؤساء { لا مرحبا بهم } وقول ~~الأتباع { بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب الخصومة { قل ~~إنمآ أنا منذر } هذا شروع في بيان مهمة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وفي إثبات الوحدانية، والمعاد، والجزاء أي قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين: إنما أنا رسول من رب العالمين، أنذركم وأخوفكم من عذابه إن ~~لم تؤمنوا، ولست بساحر ولا شاعر ولا كاهن { وما من إله إلا ~~الله الواحد القهار } أي وليس لكم رب ولا معبود إلا الواحد ~~الأحد، الغالب على خلقه، القاهر لكل شيء { رب السموت ~~والأرض وما بينهما } أي خالق جميع ما في الكون من الخلائق ~~والعجائب، والمتصرف فيها بالإيجاد والإعدام { العزيز الغفار } ~~أي الغالب على أمره الذي لا يغلب، المبالغ في المغفرة لمن شاء من العباد ~~قال الرازي: لما ذكر أنه { قهار } وهذا مشعر بالترهيب والتخويف، أردفه ~~بما يدل على الرجاء والترغيب وذكر ثلاث صفات دالة على الرحمة، والفضل ~~والكرم وهي: " الرب، العزيز، الغفار " فكونه ربا مشعر بالتربية ~~والإحسان، وكونه عزيزا مشعر بأنه قادر على كل شيء ولا يعجزه شيء، ~~وكونه غفارا مشعر بالترغيب وأنه يرجى فضله وثوابه، فلو بقي الإنسان على ~~الكفر سبعين سنة، ثم تاب فإن الله سبحانه يغفر ms1295 له برحمته جميع ذنوبه، ~~ويمحو اسمه من ديوان المذنبين، ويوصله إلى درجات الأبرار { قل هو ~~نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون } أي قل لهم يا محمد: إن ~~هذا القرآن الذي جئتكم به هو نبأ هام وأمر عظيم الشأن، أنتم عنه غافلون ~~لا تلتفتون إليه ولا تعلمون قدره { ما كان لي من علم ~~بالملإ الأعلى إذ يختصمون } أي من أين لي العلم باختلاف ~~الملائكة في شأن خلق آدم لولا الوحي المنزل علي؟ قال ابن جزي: والقصد ~~الاحتجاج على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر بأمور لم يكون ~~يعلمها قبل ذلك، والإشارة الى اختصام الملائكة هو ما جاء في قصة آدم حين ~~قال تعالى لهم # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30] حسبما تضمنته قصته في مواضع من القرآن { إن يوحى ~~إلي إلا أنمآ أنا نذير مبين } أي ما يوحى إلي إلا ~~لأني رسول مرسل إليكم لأنذركم عذاب الله، ومعنى النذير المنذر المخوف ~~من عذاب الله، ثم شرع تعالى في ذكر قصة آدم فقال { إذ قال ربك ~~للملائكة إني خالق بشرا من طين } أي اذكر حين أعلم ~~ربك الملائكة أنه سيخلق إنسانا من طين وهو آدم عليه السلام { فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } ~~أي فإذا أتممت خلقه ونفخت فيه الروح فاسجدوا إكراما له وإعظاما قال ~~القرطبي: وهذا سجود تحية لا سجود عبادة { فسجد الملائكة ~~كلهم أجمعون } أي فسجد جميع الملائكة خضوعا له وتعظيما لأمر ~~الله بالسجود له { إلا إبليس استكبر وكان من ~~الكافرين } أي لكن إبليس استكبر عن طاعة الله وأبى السجود لآدم فصار ~~من الكافرين قال ابن كثير: امتثل الملائكة كلهم سوى إبليس، ولم يكن منهم ~~جنسا كان من الجن، فخانه طبعه وجبلته فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه ~~عز وجل فيه، وادعى أنه خير من آدم، فكفر بذلك وطرده الله عن باب رحمته، ~~ومحل أنسه، وحضرة قدسه { قال يإبليس ما منعك أن تسجد ~~لما خلقت بيدي }؟ أي: قال له ربه: ما الذي صرفك وصدك عن ~~السجود ms1296 لمن خلقته بذاتي من غير واسطة أب وأم؟ قال القرطبي: أضاف خلقه ~~إلى نفسه تكريما لآدم وإن كان خالق كل شيء، كما أضاف إلى نفسه الروح، ~~والبيت، والناقة، والمساجد، فخاطب الناس بما يعرفونه { أستكبرت ~~أم كنت من العالين }؟ أي استكبرت الآن عن السجود أم كنت ~~قديما من المتكبرين على ربك؟ وهذا على جهة التوبيخ له لاستنكافه عن ~~السجود { قال أنا خير منه } أي قال اللعين أنا خير من آدم ~~وأشرف وأفضل { خلقتني من نار وخلقته من طين } أي لأنني ~~مخلوق من النار، وآدم مخلوق من الطين، والنار خير من الطين، فكيف يسجد ~~الفاضل للمفضول؟ { قال فاخرج منها فإنك رجيم } أي اخرج ~~من الجنة فإنك لعين مطرود من كل خير وكرامة { وإن عليك ~~لعنتي إلى يوم الدين } أي وأنت مبعد عن رحمتي إلى يوم ~~الجزاء والعقوبة ثم تلقى ما هو أفظع وأشنع من اللعنة { قال رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون } أي أخرني وأمهلني إلى اليوم ~~الذي تبعث فيه الخلائق من القبور قال أبو السعود: أراد بذلك أن يجد فسحة ~~لإغوائهم، ويأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد ~~البعث فأجابه الله بأنه مؤخر إلى وقت النفخة الأولى لا إلى وقت البعث ~~الذي طلبه { قال فإنك من المنظرين * إلى يوم ~~الوقت المعلوم } أي إنك من الممهلين إلى وقت النفخة الأولى حيث ~~يموت الناس وتنتهي مهمتك { قال فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين } أي قال ~~اللعين: أقسم بعزتك لأضلن بني آدم أجمعين، إلا الذين أخلصتهم لعبادتك ~~وعصمتهم مني { قال فالحق والحق أقول * لأملأن ~~جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } أي قال تعالى ~~أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق لأملأن جنهم منك ومن أتباعك قال ~~السدي: هو قسم أقسم الله به، وجملة " والحق أقول " اعتراضية لتأكيد ~~القسم { قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من ~~المتكلفين } أي قل لهم يا محمد: لا أسألكم على تبليغ الرسالة ~~أجرا، ولست من الذين يتصنعون ويتحيلون حتى انتحل النبوة وأتقول القرآن ~~{ إن هو ms1297 إلا ذكر للعالمين } أي ما هذا القرآن إلا عظة ~~وذكرى للإنس والجن والعقلاء { ولتعلمن نبأه بعد حين } ~~أي ولتعلمن خبره وصدقه عن قريب، وهذا وعيد وتهديد قال الحسن البصري: ~~يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. # البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1 المقابلة بين المؤمنين والمفسدين، وبين المتقين والفجار # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [ص: 28] وهذه من ألطف أنواع البديع. # 2 الكناية # فطفق مسحا بالسوق والأعناق # [ص: 33] كنى عن العقر والذبح بالمسح وهي كناية بليغة. # 3 الطباق بين # فامنن أو أمسك # [ص: 39] لأنها بمعنى أعط من شئت، وامنع من شئت. # 4 مراعاة الأدب # أني مسني الشيطان # [ص: 41] أسند الضرر إلى الشيطان أدبا، والخير والشر بيد الله تعالى. # 5 الاستعارة التصريحية # أولي الأيدي والأبصار # [ص: 45] استعار الأيدي للقوة في العبادة والأبصار للبصيرة في الدين. # 6 المقابلة الرائعة # هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب * جنات ~~عدن مفتحة لهم الأبواب # [ص: 49 50] ثم قابل ذلك بقوله { هذا وإن للطاغين لشر ~~مآب * جهنم يصلونها فبئس المهاد } وياله من تصوير ~~رائع! # 7 التأكيد بمؤكدين { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ~~فقد أكده أولا بلفظ كل ثم بلفظ أجمعون. # 8 مراعاة الفواصل وهي من خصائل القرآن { وقالوا ما لنا لا ~~نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار * ~~أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار * إن ~~ذلك لحق تخاصم أهل النار } فمثل هذا البيان الرائع ~~والجرس العذب، يسري في النفس سريان الروح في الجسد، وأقسم بالله أنني ~~أشعر بهزة في نفسي كلما قرأت القرآن، لما له من وقع عذب على السمع، ~~وأحيانا أجدني أتمايل طربا بدون شعور، أكثر مما يتمايل المغرمون ~~بالأنغام، وما ذلك إلا لروعة البيان في هذا القرآن، وصدق رسول الله حين ~~قال # " إن من البيان لسحرا ". ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-20] # اللغة: { زلفى } قربى ومنه # وأزلفت الجنة للمتقين # [الشعراء: 90] أي قربت لهم { يكور } التكوير: اللف واللي ~~يقال: كور العمامة أي لفها { خوله } أعطاه وملكه ms1298 { قانت } ~~مطيع خاضع عابد { أندادا } أوثانا وأصناما { ظلل } جمع ظلة ~~وهي ما يظل الإنسان من سقف ونحوه { الطاغوت } من الطغيان وهو ~~مجاوزة الحد والمراد بالطاغوت كل ما عبد من دون الله من وثن أو بشر أو ~~حجر { أنابوا } رجعوا { غرف } منازل رفيعة عالية في الجنة، ~~والغرفة: المنزلة والمكانة السامية ومنه # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا # [الفرقان: 75]. # التفسير: { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } ~~أي هذا القرآن تنزيل من الله جل وعلا { العزيز } أي القادر الذي لا ~~يغلب { الحكيم } أي الذي يفعل كل شيء بحكمة وتقدير وتدبير { إنآ ~~أنزلنآ إليك الكتاب بالحق } أي نحن أنزلنا عليك يا محمد ~~القرآن العظيم متضمنا الحق الذي لا مرية فيه، والصدق الذي لا يشوبه باطل ~~أو هزل { فاعبد الله مخلصا له الدين } أي فاعبد الله ~~وحده مخلصا له في عبادتك، ولا تقصد بعملك ونيتك غير ربك { ألا لله ~~الدين الخالص } أي ألا فانتبهوا أيها الناس: إن الله تعالى لا ~~يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم لأنه المتفرد بصفات الألوهية، ~~المطلع على السرائر والضمائر، ومعنى " الخالص " الصافي من شوائب الشرك ~~والرياء { والذين اتخذوا من دونه أوليآء } أي وهؤلاء ~~المشركون الذين عبدوا من دونه الأوثان يقولون { ما نعبدهم إلا ~~ليقربونآ إلى الله زلفى } أي ما نعبد هذه الآلهة ~~والأصنام إلا ليقربونا إلى الله قربى ويشفعوا لنا عنده قال الصاوي: كان ~~المشركون إذا قيل لهم: من خلقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض؟ ومن ربكم ورب ~~آبائكم الأولين؟ فيقولون: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأصنام؟ ~~فيقولون: لتقربنا إلى الله زلفى وتشفع لنا عنده { إن الله يحكم ~~بينهم في ما هم فيه يختلفون } أي يحكم بين الخلائق يوم ~~القيامة فيما اختلفوا فيه من أمر الدين، فيدخل المؤمنين الجنة، والكافرين ~~النار { إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار } أي لا ~~يوفق للهدى، ولا يرشد للدين الحق من كان كاذبا على ربه، مبالغا في ~~كفره، وفي الآية إشارة إلى كذبهم في تلك الدعوى { لو أراد الله ~~أن يتخذ ولدا } أي ms1299 لو شاء الله اتخاذ ولد على سبيل الفرض ~~والتقدير { لاصطفى مما يخلق ما يشآء } أي لاختار من ~~مخلوقاته ما يشاء ولدا على سبيل التبني إذ يستحيل أن يكون ذلك في حقه ~~تعالى بطريق التوالد المعروف ولكنه لم يشأ ذلك لقوله # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # [مريم: 92] وقوله { مما يخلق } أي من المخلوقات التي أنشأها ~~واخترعها { سبحانه هو الله الواحد القهار } أي تنزه ~~جل وعلا وتقدس عن الشريك والولد، لأنه هو الإله الواحد الأحد، المنزه ~~عن النظير والمثيل، القاهر لعباده بعظمته وجلاله قال في التسهيل: نزه ~~تعالى نفسه من اتخاذ الولد، ثم وصف نفسه بالواحد لأن الوحدانية تنافي ~~اتخاذ الولد، لأنه لو كان له ولد لكان من جنسه ولا جنس له لأنه واحد، ~~ووصف نفسه بالقهار ليدل على نفي الشركاء والأنداد، لأن كل شيء مقهور تحت ~~قهره تعالى، فكيف يكون شريكا له؟ ثم ذكر تعالى دلائل قدرته وحدانيته ~~وعظمته، فقال: { خلق السموت والأرض بالحق } أي خلقهما ~~على أكمل الوجوه وأبدع الصفات، بالحق الواضح والبرهان الساطع { يكور ~~الليل على النهار ويكور النهار على الليل } ~~أي يغشي الليل على النهار، ويغشي النهار على الليل، وكأنه يلف عليه ~~لف اللباس على اللابس قال القرطبي: وتكوير الليل على النهار تغشيته ~~إياه حتى يذهب ضوءه، ويغشي النهار على الليل فيذهب ظلمته وهذا منقول عن ~~قتادة وهو معنى قوله تعالى: يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا { ~~وسخر الشمس والقمر } أي ذللهما لمصالح العباد { كل ~~يجري لأجل مسمى } أي كل منهما يسير إلى مدة معلومة عند ~~الله تعالى، ثم ينقضي يوم القيامة حين تكور الشمس وتنكدر النجوم { ألا ~~هو العزيز الغفار } أي هو جل وعلا كامل القدرة لا يغلبه شيء، ~~عظيم الرحمة والمغفرة والإحسان قال الصاوي: صدرت الجملة بحرف التنبيه ~~" ألا " للدلالة على كمال الاعتناء بمضمونها كأنه قال: تنبهوا يا عبادي ~~فإني أنا الغالب على أمري، الستار لذنوب خلقي فأخلصوا عبادتكم ولا ~~تشركوا بي أحدا. # { خلقكم من نفس واحدة } أي خلقكم أيها الناس من نفس ~~واحدة هي آدم، ms1300 وهذا من جملة أدلة وحدانيته، وانفراده بالعزة والقهر، ~~وجميع صفات الألوهية { ثم جعل منها زوجها } أي ثم خلق من ~~آدم حواء ليحصل التجانس والتناسل قال الطربي: المعنى: { خلقكم من ~~نفس واحدة } يعني آدم (ثم خلق منها زوجها) يعني حواء خلقها من ~~ضلع من أضلاعه { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية ~~أزواج } أي وأوجد لكم من الأنعام المأكولة وهي الإبل، والبقر، ~~والغنم، والمعز، ثمانية أزواج من كل نوع ذكرا وأنثى قال قتادة: من ~~الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، كل ~~واحد زوج، وسميت أزواجا لأن الذكر زوج الأنثى، والأنثى زوج الذكر قال ~~المفسرون: والإنزال عبارة عن نزول أمره وقضائه { يخلقكم في ~~بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق } أي يخلقكم في بطون ~~أمهاتكم أطوارا، فإن الإنسان يكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى أن يتم ~~خلقه، ثم ينفخ فيه الروح فيصير خلقا آخر { في ظلمات ثلاث } هي ~~البطن، والرحم، والمشيمة، وهو الكيس الذي يغلف الجنين { ذلكم ~~الله ربكم } أي ذلكم الخالق المبدع المصور هو الله رب ~~العالمين، ربكم ورب آبائكم الأولين { له الملك } أي له الملك ~~والتصرف التام، في الإيجاد والإعدام { لا إله إلا هو } أي ~~لا معبود بحق إلا الله ولا رب لكم سواه { فأنى تصرفون }؟ أي ~~فكيف تنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟ ثم بعد أن ذكرهم بآياته ونعمه، ~~حذرهم من الكفر والجحود لفضله وإحسانه فقال { إن تكفروا فإن ~~الله غني عنكم } أي إن تكفروا أيها الناس بعدما شاهدتم من آثار ~~قدرته وفنون نعمائه، فإن الله مستغن عنكم وعن إيمانكم وشكركم وعبادتكم ~~{ ولا يرضى لعباده الكفر } أي لا يرضى الكفر لأحد من ~~البشر قال الرازي: أشار تعالى إلى أنه وإن كان لا ينفعه إيمان، ولا يضره ~~كفران، إلا أنه لا يرضى بالكفر بمعنى أنه لا يمدح صاحبه ولا يثيبه عليه ~~وإن كان واقعا بمشيئته وقضائه { وإن تشكروا يرضه لكم } ~~أي وإن تشكروا ربكم يرضى هذا الشكر منكم، لأجلكم ومنفعتكم لا لانتفاعه ~~بطاعتكم قال أبو السعود: عدم ms1301 رضائه بكفر عباده لأجل منفعتهم ودفع ~~مضرتهم، رحمة بهم لا لتضرره تعالى بذلك، ورضاه بشكرهم لأجلهم ومنفعتهم ~~لأنه سبب فوزهم بسعادة الدارين، ولهذا فرق بين اللفظين فقال " ولا يرضى ~~لعباده الكفر " وقال هنا " يرضه لكم " لأن المراد بالأول تعميم الحكم ثم ~~تعليله بكونهم عباده { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي ولا ~~تحمل نفس ذنب نفس أخرى، بل كل يؤاخذ بذنبه { ثم إلى ربكم ~~مرجعكم } أي ثم مرجعكم ومصيركم إليه تعالى { فينبئكم ~~بما كنتم تعملون } أي فيحاسبكم ويجازيكم على أعمالكم { إنه ~~عليم بذات الصدور } أي يعلم ما تكنه السرائر وتخفيه الضمائر، ~~وفيه تهديد وبشارة للمطيع { وإذا مس الإنسان ضر } أي وإذا ~~أصاب الإنسان الكافر شدة من فقر ومرض وبلاء { دعا ربه منيبا ~~إليه } أي تضرع إلى ربه في إزالة تلك الشدة، مقبلا إليه مخبتا ~~مطيعا { ثم إذا خوله نعمة منه } أي ثم إذا أعطاه ~~نعمة منه وفرج عنه كربته { نسي ما كان يدعو إليه من ~~قبل } أي نسي الضر الذي كان يدعو ربه لكشفه وتمرد وطغى { وجعل ~~لله أندادا ليضل عن سبيله } أي وجعل لله شركاء في ~~العبادة ليصد عن دين الله وطاعته { قل تمتع بكفرك قليلا } ~~أمر للتهديد أي تمتع بهذه الحياة الدنيا الفانية، وتلذذ فيها وأنت على ~~كفرك، عمرا قليلا وزمنا يسيرا { إنك من أصحاب النار } ~~أي فمصيرك إلى نار جهنم، وأنت من المخلدين فيها { أمن هو قانت ~~آنآء اليل ساجدا وقآئما } استفهام حذف جوابه لدلالة الكلام ~~عليه أي أم من هو مطيع عابد في ساعات الليل يتعبد ربه في صلاته ساجدا ~~وقائما كمن أشرك بالله وجعل له أندادا؟ قال القرطبي: بين تعالى أن ~~المؤمن ليس كالكافر الذي مضى ذكره { يحذر الآخرة ويرجوا ~~رحمة ربه } أي حال كونه خائفا من عذاب الآخرة، راجيا رحمة ربه ~~وهي الجنة، هل يستوي هذا المؤمن التقي مع ذلك الكافر الفاجر؟ لا يستوون ~~عند الله، ثم ضرب مثلا فقال { قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون }؟ أي هل يتساوى العالم ~~والجاهل؟ فكما لا ms1302 يستوي هذان كذلك لا يستوي المطيع والعاصي { إنما ~~يتذكر أولوا الألباب } أي إنما يعتبر ويتعظ أصحاب العقول ~~السليمة قال الإمام الفخر: واعلم أن هذه الآية دالة على أسرار عجيبة، ~~فأولها أنه بدأ فيها بذكر العمل، وختم فيها بذكر العلم، أما العمل فهو ~~القنوت، والسجود، والقيام، وأما العلم ففي قوله { قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون }؟ وهذا يدل على أن ~~كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين، فالعمل هو البداية، والعلم ~~والمكاشفة هو النهاية، وفي الكلام حذف تقديره أمن هو قانت كغيره؟ ~~وإنما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ~~الكافر، ثم مثل بالذين يعلمون، وفيه تنبيه عظيم على فضيلة العلم { قل ~~يعباد الذين آمنوا اتقوا ربكم } أي قل يا محمد ~~لعبادي المؤمنين يجمعوا بين الإيمان وتقوى الله وهي البعد عن محارم ~~الله قال المفسرون: نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا على ~~الهجرة إلى أرض الحبشة والغرض منها التأنيس لهم والتنشيط إلى الهجرة ~~ومعنى التقوى: امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وكأن العبد بذلك يجعل ~~بينه وبين النار وقاية { للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة } أي لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة عظيمة في الآخرة وهي ~~الجنة دار الأبرار { وأرض الله واسعة } أي وأرض الله فسيحة ~~فهاجروا من دار الكفر إلى دار الإيمان، ولا تقيموا في أرض لا تتمكنون ~~فيها من إقامة شعائر الله { إنما يوفى الصابرون أجرهم ~~بغير حساب } أي إنما يعطى الصابرون جزاءهم بغير حصر، وبدون عدد أو ~~وزن قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم ولا يكال إنما يغرف غرفا { قل إني ~~أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } أي قل يا ~~محمد أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له قال المفسرون: وإنما خص ~~الله تعالى الرسول بهذا الأمر لينبه على أن غيره بذلك أحق فهو كالترغيب ~~للغير { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } أي وأمرت ~~أيضا بأن أكون أول المسلمين من هذه الأمة قال القرطبي: وكذلك كان، ~~فإنه أول من خالف ms1303 دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها، وأسلم وجهه لله وآمن ~~به ودعا إليه { قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب ~~يوم عظيم } أي وأخاف إن عصيت أمره أن يعذبني يوم القيامة بنار جهنم ~~قال الصاوي: والمقصود منها زجر الغير عن المعاصي، لأنه صلى الله عليه ~~وسلم إذا كان خائفا مع كمال طهارته وعصمته فغيره أولى، وذلك سنة ~~الأنبياء والصالحين حيث يخبرون غيرهم بما اتصفوا به ليكونوا مثلهم { قل ~~الله أعبد مخلصا له ديني } أي قل لهم يا محمد لا أعبد ~~إلا الله وحده، مخلصا له طاعتي وعبادتي من كل شائبة، وليس هذا بتكرار ~~لأن الأول إخبار بأنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالعبادة، والثاني إخبار ~~بخوفه من عذاب الله إن عصى أمره، والثالث إخبار بامتثاله الأمر مع إفادة ~~الحصر كأنه يقول: أعبد الله ولا أعبد أحدا سواه { فاعبدوا ما ~~شئتم من دونه } صيغة أمر على جهة التهديد والوعيد أي اعبدوا ما ~~شئتم من دون الله من الأوثان والأصنام فسوف ترون عاقبة كفركم كقوله # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] { قل إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } أي حقيقة الخسران الذين ~~خسروا أنفسهم وأهليهم، حيث صاروا إلى نار مؤبدة يصلون سعيرها يوم ~~القيامة، فهؤلاء هم الخاسرون كل الخسران قال ابن عباس: إن لكل رجل ~~منزلا وأهلا وخدما في الجنة، فإن أطاع الله أعطي ذلك، وإن كان من ~~أهل النار حرم ذلك، فخسر نفسه وأهله ومنزله { ألا ذلك هو ~~الخسران المبين } أي ألا فانتبهوا أيها القوم ذلك هو الخسران ~~الواضح الذي ليس بعده خسران! قال أبو حيان: بالغ في بيان الخسران بأداة ~~التنبيه " ألا " وبالإشارة إليه " ذلك " وتأكيده بأداة الحصر " هو " ~~وتعريفه بأل ووصفه بأنه بين { الخسران المبين } أي الواضح لمن ~~تأمله أدنى تأمل، ثم لما ذكر خسرانهم في الدنيا ذكر حالهم ومآلهم في ~~الآخرة فقال { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن ~~تحتهم ظلل } أي تغشاهم نار جهنم من فوقهم ومن تحتهم، وتحيط بهم ~~من جميع جوانبهم، ومعنى الظلل أطباق من نار ms1304 جنهم، وتسميتها ظللا تهكم ~~بهم، لأنها محرقة والظلة تقي من الحر { ذلك يخوف الله به ~~عباده } أي ذلك العذاب الشديد الفظيع، إنما يقصه تعالى ليخوف به ~~عباده، لينزجروا عن المحارم والمآثم { يعباد فاتقون } أي يا ~~أوليائي خافوا عذابي ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي، قال الزمخشري: وهذه عظة ~~من الله تعالى لعباده ونصيحة بالغة.. والحكمة من ذكر أحوال النار تخويف ~~المؤمنين منها ليتقوها بطاعة ربهم { والذين اجتنبوا ~~الطاغوت أن يعبدوها } لما ذكر وعيد عبدة الأوثان، ذكر وعد أهل ~~الفضل والإحسان، ممن احترز عن الشرك والعصيان، ليكون الوعد مقرونا ~~بالوعيد، فيحصل كمال الترغيب والترهيب والمعنى: والذين انتهوا عن عبادة ~~الأوثان وطاعة الشيطان، وتباعدوا عنها كل البعد قال أبو السعود: " ~~الطاغوت " البالغ أقصى غاية الطغيان كالرحموت والعظموت، والمراد به ~~الشيطان وصف به للمبالغة { وأنابوا إلى الله } أي رجعوا إلى ~~طاعة الله وعبادته { لهم البشرى } أي لهم البشرى السارة من الله ~~تعالى بالفوز العظيم بجنات النعيم { فبشر عباد * الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه } أي فبشر عبادي ~~المتقين الذين يستمعون الحديث والكلام فيتبعون أحسن ما فيه قال ابن عباس: ~~هو الرجل يسمع الحسن والقبيح، فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث ~~به. # . وهذا ثناء من الله تعالى عليهم بنفوذ بصائرهم، وتمييزهم الأحسن من ~~الكلام، فإذا سمعوا قولا تبصروه وعملوا بما فيه، وأحسن الكلام كلام ~~الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وإنما وضع الظاهر { ~~فبشر عباد } بدل الضمير (فبشرهم) تشريفا لهم وتكريما بالإضافة ~~إليه سبحانه { أولئك الذين هداهم الله } أي أولئك ~~المتصفون بتلك الصفات الجليلة هم الذين هداهم الله لما يرضاه، ووفقهم ~~لنيل رضاه { وأولئك هم أولوا الألباب } أي وأولئك هم ~~أصحاب العقول السليمة، والفطر المستقيمة { أفمن حق عليه ~~كلمة العذاب } أي أفمن وجبت له الشقاوة من الله تعالى، وجوابه ~~محذوف دل عليه ما بعده أي هل تقدر على هدايته؟ لا ثم قال تعالى { ~~أفأنت تنقذ من في النار }؟ أي هل تستطيع يا محمد أن تنقذ من ~~هو في الضلال والهلاك؟ قال القرطبي: ms1305 كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص ~~على إيمان قومه وقد سبقت لهم من الله الشقاوة فنزلت الآية، وقال ابن ~~عباس: يريد " أبا لهب " وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الإيمان، وكرر الاستفهام " أفأنت " تأكيدا لطول الكلام ~~والمعنى: أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟ { لكن الذين ~~اتقوا ربهم } أي لكن المؤمنين الأبرار، المتقون لله في ~~الدنيا، المتمسكون بشريعته وطاعته { لهم غرف من فوقها غرف ~~مبنية } أي لهم في الجنة درجات عالية وقصور شاهقة بعضها فوق بعض ~~مبنية من زبرجد وياقوت { تجري من تحتها الأنهار } أي تجري ~~من تحت قصورها وأشجارها أنهار الجنة من غير أخدود { وعد الله لا ~~يخلف الله الميعاد } أي وعدهم الله بذلك وعدا مؤكدا لا يمكن ~~أن يتخلف لأنه وعد العزيز القدير. # تنبيه: قال الزمخشري: أفاد قوله تعالى { يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه } أن المؤمنين ينبغي أن يكونوا نقادا في ~~الدين، يميزون بين الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل، ويدخل تحته المذاهب ~~واختيار أثبتها دليلا، وأبينها أمارة، وألا يكونوا في مذهبهم كما قال ~~القائل " ولا تكن مثل عير قيد فانقادا ". ### || [39.21-31] # المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال المشركين وضلالاتهم في عبادة غير ~~الله، أردفه بذكر دلائل الوحدانية، ثم ذكر القرآن العظيم أشرف الكتب ~~السماوية المنزلة، ومع إقرارهم بفصاحته وإعجازه كذب به المكذبون، ثم ~~ضرب للمشرك والموحد مثلا في غاية الوضوح. # اللغة: { سلكه } أدخله { ينابيع } جمع ينبوع وهو عين الماء ~~النابع من الأرض { يهيج } ييبس قال الأصمعي: هاجت الأرض تهيج إذا ~~أدبر نبتها وولى وقال الجوهري: هاج النبت هياجا إذا يبس، وأرض ~~هائجة إذا يبس بقلها أو اصفر { حطاما } فتاتا وهشيما، من ~~تحطم العود إذا تفتت من اليبس { شرح } فتح ووسع { ~~للقاسية } قسا القلب: إذا صلب وكذلك عتا وعسا، وقلب قاس أي ~~صلب لا يرق ولا يلين { مثاني } مكررا فيه الحكم والمواعظ ~~والأمثال { تقشعر } تضطرب وتتحرك من الخوف { الخزي } الذل ~~والهوان { متشاكسون } متنازعون ومختلفون، ورجل شكس: شرس الخلق ~~والطباع. # التفسير: { ألم تر أن الله أنزل من ms1306 السمآء مآء } ~~أي ألم تر أيها الإنسان العاقل أن الله بقدرته أنزل المطر من السحاب { ~~فسلكه ينابيع في الأرض } أي أدخله مسالك وعيونا في الأرض ~~وأجراه فيها قال المفسرون: وهذا دليل على أن ماء العيون من المطر، تحبسه ~~الأرض ثم ينبع شيئا فشيئا قال ابن عباس: ليس في الأرض ماء إلا نزل من ~~السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره { ثم يخرج به زرعا ~~مختلفا ألوانه } أي ثم يخرج بهذا الماء النازل من السماء ~~والنابع من الأرض أنواع الزروع، المختلفة الأشكال والألوان، من أحمر ~~وأبيض وأصفر، والمختلفة الأصناف من قمح وأرز وعدس وغير ذلك قال البيضاوي: ~~{ مختلفا ألوانه } أي أصنافه من بر وشعير وغيرهما، أو كيفياته ~~من خضرة وحمرة وغيرهما { ثم يهيج فتراه مصفرا } أي ثم ~~ييبس فتراه بعد خضرته مصفرا { ثم يجعله حطاما } أي ثم يصبح ~~فتاتا وهشيما متكسرا { إن في ذلك لذكرى لأولي ~~الألباب } أي إن فيما ذكر لعظة وعبرة، ودلالة على قدرة الله ~~ووحدانيته لذوي العقول المستنيرة.. والآية فيها تمثيل لحياة الإنسان ~~بالحياة الدنيا، فمهما طال عمر الإنسان فلا بد من الانتهاء، إلى أن ~~يصير مصفر اللون، متحطم الأعضاء، متكسرا كالزرق بعد نضرته، ثم تكون ~~عاقبته الموت قال ابن كثير: هكذا الدنيا تكون خضرة ناضرة حسناء، ثم تعود ~~عجوزا شوهاء، وكذلك الشاب يعود شيخا هرما، كبيرا ضعيفا، وبعد ذلك ~~كله الموت، فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير { أفمن شرح الله ~~صدره للإسلام } أي وسع صدره للإسلام، واستضاء قلبه بنوره حتى ~~ثبت ورسخ فيه { فهو على نور من ربه } أي فهو على بصيرة ~~ويقين من أمر دينه، وعلى هدى من ربه بتنوير الحق في قلبه، وفي الآية ~~محذوف دل عليه سياق الكلام تقديره كمن هو أعمى القلب، معرض عن ~~الإسلام؟ قال الطبري: وترك الجواب اجتزاء بمعرفة السامعين وبدلالة ما ~~بعده وتقديره: كمن أقسى الله قلبه وأخلاه من ذكره حتى ضاق عن استماع ~~الحق، واتباع الهدى { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر ~~الله } أي فويل للذين لا تلين قلوبهم ولا ms1307 تخشع عند ذكر الله، ب " ~~ذكر الله " القرآن الذي أنزله الله تذكرة لعباده { أولئك في ~~ضلال مبين } أي أولئك الذين قست قلوبهم في بعد عن الحق ظاهر. # . ولما بين تعالى ذلك أردفه بما يدل على أن القرآن سبب لحصول النور ~~والهداية والشفاء فقال { الله نزل أحسن الحديث } أي الله ~~نزل القرآن العظيم أحسن الكلام قال أبو حيان: والابتداء باسم " الله ~~" وإسناد " نزل " لضميره، فيه تفخيم للمنزل، ورفع من قدره كما ~~تقول: الملك أكرم فلانا، فإنه أفخم من أكرم الملك فلانا، وحكمة ذلك ~~البداءة بالأشرف { كتابا متشابها } أي قرآنا متشابها يشبه ~~بعضه بعضا في الفصاحة، والبلاغة، والتناسب، بدون تعارض ولا تناقض { ~~مثاني } أي تثنى وتكرر فيه المواعظ والأحكام، والحلال والحرام، ~~وتردد فيه القصص والأخبار دون سأم أو ملل قال الطبري: تثنى - أي ~~تكرر - فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام والحجج { تقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم } أي تعتري هؤلاء ~~المؤمنين خشية، وتأخذهم قشعريرة عند تلاوة آيات القرآن، هيبة من ~~الرحمن وإجلالا لكلامه { ثم تلين جلودهم وقلوبهم ~~إلى ذكر الله } أي تطمئن وتسكن قلوبهم وجلودهم إلى ذكر الله قال ~~المفسرون: إنهم عند سماع آيات الرحمة والإحسان تلين جلودهم وقلوبهم وقال ~~العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا، وإن لاح لهم أثر من عالم ~~الجمال عاشوا قال ابن كثير: هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار، إذا ~~قرءوا آيات الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر جلودهم من الخشية ~~والخوف وإذا قرءوا آيات الرحمة لانت جلودهم وقلوبهم، لما يرجون ويؤملون ~~من رحمته ولطفه { ذلك هدى الله يهدي به من يشآء } أي ~~ذلك القرآن الذي تلك صفته هو هدى الله يهدي به من شاء من خلقه { ومن ~~يضلل الله فما له من هاد } أي ومن يخذله الله فيجعل ~~قلبه قاسيا مظلما، فليس له مرشد ولا هاد بعد الله { أفمن يتقي ~~بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } أي فمن يجعل وجهه ~~وقاية من عذاب جهنم الشديد، وخبره محذوف تقديره كمن هو آمن من العذاب؟ ~~قال المفسرون: الوجه أشرف الأعضاء ms1308 فإذا وقع الإنسان في شيء من المخاوف ~~فإنه يجعل يده وقاية لوجهه، وأيدي الكفار مغلولة يوم القيامة، فإذا ~~ألقوا في النار لم يجدوا شيئا يتقونها به إلا وجوههم { وقيل ~~للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون } أي وتقول خزنة جهنم ~~للكافرين: ذوقوا وبال ما كنتم تكسبونه في الدنيا من الكفر والمعاصي { ~~كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث ~~لا يشعرون } أي كذب من قبلهم من الأمم السالفة فأتاهم العذاب من ~~جهة لا تخطر ببالهم { فأذاقهم الله الخزي في الحياة ~~الدنيا } أي فأذاقهم الله الذل والصغار والهوان في الدنيا { ~~ولعذاب الآخرة أكبر } أي ولعذاب الآخرة الذي أعد لهم أعظم ~~بكثير من عذاب الدنيا { لو كانوا يعلمون } أي لو كان عندهم ~~علم وفهم ما كذبوا { ولقد ضربنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل } أي ولقد بينا ووضحنا للناس في هذا القرآن ~~من كل الأمثال النافعة، والأخبار الواضحة ما يحتاجون إليه { لعلهم ~~يتذكرون } أي لعلهم يتعظون ويعتبرون بتلك الأمثال والزواجر { ~~قرآنا عربيا غير ذي عوج } أي حال كونه قرآنا عربيا لا ~~اختلاف فيه بوجه من الوجوه، ولا تعارض ولا تناقض { لعلهم ~~يتقون } أي لكي يتقوا الله ويجتنبوا محارمه. # . ثم ذكر تعالى مثلا لمن يشرك بالله ولمن يوحده فقال { ضرب ~~الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون } أي ضرب الله ~~لكم أيها الناس هذا المثل: رجل من المماليك اشترك فيه ملاك سيئو ~~الأخلاق، بينهم اختلاف وتنازع، يتجاذبونه في حوائجهم، هذا يأمره بأمر ~~وذاك يأمره بمخالفته، وهو متحير موزع القلب، لا يدري لمن يرضي؟ { ~~ورجلا سلما لرجل } هذا من تتمة المثل أي ورجلا آخر لا يملكه ~~إلا شخص واحد، حسن الأخلاق، فهو عبد مملوك لسيد واحد، يخدمه بإخلاص ~~ويتفانى في خدمته، ولا يلقى من سيده إلا إحسانا { هل يستويان ~~مثلا } أي هل يستوي هذا وهذا في حسن الحال، وراحة البال؟ فكذلك لا ~~يتساوى المؤمن الموحد مع المشرك الذي يعبد آلهة شتى. قال ابن عباس: هذه ~~الآية ضربت مثلا للمشرك والمخلص وقال الرازي: وهذا مثل ضرب في ms1309 غاية ~~الحسن في تقبيح الشرك، وتحسين التوحيد { الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون } لما كان المثل بينا واضحا في غاية ~~الجلاء والوضوح ختم به الآية والمعنى: الحمد لله على إقامة الحجة عليهم ~~بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الحق فهم لفرط جهلهم يشركون بالله { ~~إنك ميت وإنهم ميتون } أي إنك يا محمد ستموت كما ~~يموت هؤلاء، ولا يخلد أحد في هذه الدار { ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون } أي ثم تجتمعون عند الله في ~~الدار الآخرة، وتختصمون فيما بينكم من المظالم وأمر الدنيا والدين ويفصل ~~بينكم أحكم الحاكمين. ### || [39.32-52] # المناسبة: لما ذكر أن الخلق صائرون إلى الموت، وأن المؤمنين ~~والكافرين سيختصمون عند ربهم في أمر التوحيد والشرك، وأنه تعالى يفصل ~~بينهم، ذكر هنا جزاء كل من الفريقين، ثم أتبعه بذكر قبائح المشركين ~~واعتدادهم بشفاعة الأوثان والأصنام. # اللغة: { مثوى } مأوى ومقام، مشتق من ثوى بالمكان إذا أقام به { ~~يخزيه } يهينه ويذله { اشمأزت } نفرت وانقبضت { فاطر } ~~خالق ومبدع { يحتسبون } يظنون ويؤملون يقال: جاءه الأمر من حيث لا ~~يحتسب أي من حيث لا يظن { حاق } نزل وأحاط بهم من كل جانب { ~~خولناه } منحناه وأعطيناه تفضلا وكرما { معجزين } فائتين من ~~العذاب { يقدر } يضيق ويقتر. # التفسير: { فمن أظلم ممن كذب على الله } الاستفهام ~~إنكاري بمعنى النفي أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله بنسبة الشريك له ~~والولد { وكذب بالصدق إذ جآءه } أي وكذب بالقرآن ~~والشريعة وقت مجيئه من غير تدبر ولا تأمل؟ أي لا أحد أظلم ممن حاله ذلك، ~~فإنه أظلم من كل ظالم { أليس في جهنم مثوى للكافرين ~~}؟ أي أليس في جهنم مقام ومأوى لهؤلاء الكافرين المكذبين؟ والاستفهام هنا ~~تقريري أي بلى لهم مأوى ومكان { والذي جآء بالصدق وصدق ~~به } أي وأما الذين جاءوا بالصدق وهم الأنبياء، والذين صدقوا به وهم ~~المؤمنون أتباع الرسل { أولئك هم المتقون } أي فأولئك ~~الموصوفون بالصفات الحميدة هم أهل التقوى والصلاح الذين يستحقون كل إحسان ~~وإكرام { لهم ما يشآءون عند ربهم } أي لهم كل ما يشتهون ~~في ms1310 الجنة من الحور، والقصور، والملاذ، والنعيم { ذلك جزآء ~~المحسنين } أي ذلك الذي ينالونه هو ثواب كل محسن، أحسن في هذه ~~الحياة قال بعض المفسرين: " الذي جاء بالصدق " هو محمد صلى الله عليه ~~وسلم " وصدق به " هو أبو بكر رضي الله عنه، والاختيار أن يكون على ~~العموم حتى يشترك في هذه الصفة كل الرسل الكرام، وكل من دعا إلى هذا ~~الصدق عن عقيدة وإيمان من أتباع الرسل، ويدل عليه { أولئك هم ~~المتقون } بصيغة الجمع، وهذا اختيار ابن عطية { ليكفر ~~الله عنهم أسوأ الذي عملوا } أي هؤلاء الذين صدقوا ~~الأنبياء سيغفر الله لهم ما أسلفوا من الأعمال السيئة فلا يعاقبهم بها { ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون } ~~أي ويثيبهم على طاعاتهم في الدنيا بحساب الأحسن الذي عملوه فضلا منه ~~وكرما قال المفسرون: العدل أن تحسب الحسنات وتحسب السيئات، ثم يكون ~~الجزاء، والفضل هو الذي يتجلى به الله على عباده المتقين، فيكفر عنهم ~~أسوأ أعمالهم، فلا يبقى لها حساب في ميزانهم، وأن يجزيهم أجرهم بحساب ~~أحسن الأعمال، فتزيد حسناتهم وتعلو وترجح كفة الميزان، وهذا من زيادة ~~الكرم والإحسان { أليس الله بكاف عبده }؟ الهمزة للتقرير ~~أي أليس الله كافيا عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من شر من يريده ~~بسوء؟ قال أبو السعود: هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما ~~قالت له قريش: لتكفن عن شتم آلهتنا، أو ليصيبنك منها خبل أو جنون ~~وقال أبو حيان: قالت قريش: لئن لم ينته محمد عن سب آلهتنا وتعييبنا ~~لنسلطنها عليه فتصيبه بخبل وتعتريه بسوء، فأنزل الله { أليس ~~الله بكاف عبده } أي هو كاف عبده، وإضافته إليه تشريف عظيم ~~لنبيه { ويخوفونك بالذين من دونه } أي ويخوفونك يا ~~محمد بهذه الأوثان التي لا تضر ولا تنفع { ومن يضلل الله فما ~~له من هاد } أي ومن أشقاه الله وأضله فلن يهديه أحد كائنا من ~~كان { ومن يهد الله فما له من مضل } أي ومن أراد الله ~~سعادته فهداه إلى الحق، ووفقه لسلوك طريق المهتدين، فلن يقدر ms1311 أحد على ~~إضلاله { أليس الله بعزيز ذي انتقام }؟ أي هو تعالى منيع ~~الجناب لا يضام من لجأ إلى بابه، وهو القادر على أن ينتقم من أعدائه ~~لأوليائه، لأنه غالب لا يغلب، ذو انتقام من أعدائه، وفي الآية وعيد ~~للمشركين، ووعد للمؤمنين { ولئن سألتهم من خلق ~~السموت والأرض ليقولن الله } هذه الآية إقامة برهان ~~على تزييف طريقة عبدة الأوثان أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين عمن ~~خلق السماوات والأرض ليقولن الله خالقهما، لوضوح الدليل على تفرده ~~تعالى بالخالقية قال الرازي: إن العلم بوجود الإله القادر الحكيم، لا ~~نزاع فيه بين جمهور الخلائق، وفطرة العقل شاهدة بصحة هذا العلم، فإن ~~من تأمل في عجائب أحوال السماوات والأرض، وفي عجائب أحوال النبات ~~والحيوان، وفي عجائب بدن الإنسان وما فيه من أنواع الحكم الغريبة، ~~والمصالح العجيبة، علم أنه لا بد من الاعتراف بالإله القادر الحيكم ~~الرحيم، ولهذا أقر المشركون بوجود الله { قل أفرأيتم ما ~~تدعون من دون الله } أي قل لهم يا محمد توبيخا وتبكيتا: ~~أخبروني - بعد أن تحققتم أن خالق العالم هو الله - عن هذه الآلهة التي ~~تعبدونها من دون الله { إن أرادني الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره }؟ أخبروني لو أراد الله أن يصيبني بشدة أو بلاء، هل ~~تستطيع هذه الأصنام أن تدفع عني ذلك السوء والضر؟ { أو أرادني ~~برحمة هل هن ممسكات رحمته }؟ أي ولو أراد الله بي ~~نفعا من نعمة ورخاء هل تستطيع أن تمنع عني هذه الرحمة؟ والجواب محذوف ~~لدلالة الكلام عليه يعني فسيقولون: لا، لا تكشف السوء، ولا تمنع الرحمة { ~~قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } أي ~~الله كافيني فلا ألتفت إلى غيره، وعليه وحده يعتمد المعتمدون، والغرض ~~الاحتجاج على المشركين في عبادة ما لا يضر ولا ينفع، وإقامة البرهان ~~على الوحدانية { قل يقوم اعملوا على مكانتكم } أي ~~اعملوا على طريقتكم من المكر والكيد والخداع { إني عامل } أي إني ~~عامل على طريقتي، من الدعوة إلى الله وإظهار دينه { فسوف ~~تعلمون * من يأتيه عذاب يخزيه } أي فسوف تعلمون ms1312 لمن ~~سيكون العذاب الذي يذل ويخزي الإنسان { ويحل عليه عذاب ~~مقيم } أي وينزل عليه عذاب دائم لا ينقطع وهو عذاب النار، هل هذا ~~العذاب سيصيبني أو يصيبكم؟ والغرض التهديد والتخويف قال أبو السعود: وفي ~~الآية مبالغة في الوعيد، وإشعار بأن حاله عليه السلام لا تزال تزداد ~~قوة بنصر الله وتأييده، وفي خزي أعدائه دليل غلبته عليه الصلاة والسلام، ~~وقد عذبهم الله وأخزاهم يوم بدر { إنآ أنزلنا عليك الكتاب ~~للناس بالحق } أي نحن أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن المعجز ~~في بيانه، الساطع في برهانه، لجميع الخلق، بالحق الواضح الذي لا يلتبس ~~به الباطل { فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما ~~يضل عليها } أين فمن اهتدى فنفعه يعود عليه، ومن ضل فضرر ضلاله ~~لا يعود إلا عليه { ومآ أنت عليهم بوكيل } أي لست بموكل ~~عليهم حتى تجبرهم على الإيمان قال الصاوي: وفي هذا تسلية له صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى: ليس هداهم بيدك حتى تقهرهم وتجبرهم عليه، وإنما هو ~~بيدنا، فإن شئنا هديناهم وإن شئنا أبقيناهم على ما هم عليه من الضلال { ~~الله يتوفى الأنفس حين موتها } أي يقبضها من الأبدان ~~عند فناء آجالها وهي الوفاة الكبرى { والتي لم تمت في ~~منامها } أي ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها وهي الوفاة الصغرى ~~قال في التسهيل: هذه الآية للاعتبار ومعناها أن الله يتوفى النفوس على ~~وجهين: أحدهما: وفاة كاملة حقيقية وهي الموت، والآخر: وفاة النوم لأن ~~النائم كالميت، في كونه لا يبصر ولا يسمع، ومنه قوله تعالى # وهو الذي يتوفاكم بالليل # [الأنعام: 60] وفي الآية عطف والتقدير: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في ~~منامها وقال ابن كثير: أخبر تعالى بأنه المتصرف في الوجود كما يشاء، وأنه ~~يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى، بما يرسل من الحفظة - الملائكة - الذين ~~يقبضونها من الأبدان، والوفاة الصغرى عند المنام { فيمسك التي ~~قضى عليها الموت } أي فيمسك الروح التي قضى على صاحبها الموت ~~فلا يردها إلى البدن { ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى } ~~أي ويرسل الأنفس النائمة إلى بدنها عند اليقظة ms1313 إلى وقت محدود، هو أجل ~~موتها الحقيقي قال ابن عباس: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في ~~المنام، فتتعارف ما شاء الله لها، فإذا أرادت الرجوع إلى أجسادها، أمسك ~~الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها قال القرطبي: ~~وفي الآية تنبيه على عظيم قدرته تعالى، وانفراده بالألوهية، وأنه يحيي ~~ويميت، ويفعل ما يشاء، لا يقدر على ذلك سواه، ولهذا قال { إن في ~~ذلك لآيات لقوم يتفكرون } أي إن في هذه الأفعال العجيبة ~~لعلامات واضحة قاطعة، على كمال قدرة الله وعلمه، لقوم يجيلون أفكارهم ~~فيها فيعتبرون { أم اتخذوا من دون الله شفعآء } أم ~~للإضراب أي لم يتفكروا بل اتخذوا لهم شفعاء من الأوثان والأصنام، فانظر ~~إلى فرط جهالتهم حيث اتخذوا من لا يملك شيئا أصلا شفعاء لهم عند الله ~~قال ابن كثير: هذا ذم للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله - وهي ~~الأصنام - والأوثان التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم، بلا دليل ولا برهان، ~~وهي لا تملك شيئا من الأمر، وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ~~ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالا بكثير من الحيوانات { قل ~~أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون } ~~الاستفهام توبيخي أي قل لهم يا محمد: أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا على هذه ~~الصفة جمادات لا تقدر على شيء، ولا عقل لها ولا شعور؟ { قل لله ~~الشفاعة جميعا } أي قل لهم: الشفاعة لله وحده، لا يملكها أحد ~~إلا الله تعالى، ولا يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذنه { له ملك ~~السموت والأرض } أي هو المتصرف في الملك والملكوت قال ~~البيضاوي: أي هو تعالى مالك الملك كله، لا يملك أحد أن يتكلم في أمره ~~دون إذنه ورضاه { ثم إليه ترجعون } أي ثم مصيركم إليه يوم ~~القيامة، فيحكم بينكم بعدله، ويجازي كلا بعمله. # . ثم ذكر تعالى نوعا آخر من أفعالهم القبيحة فقال { وإذا ذكر ~~الله وحده } أي وإذا أفرد الله بالذكر، ولم يذكر معه آلهتهم ~~وقيل أمام المشركين: لا إله إلا الله { اشمأزت قلوب الذين ms1314 ~~لا يؤمنون بالآخرة } أي نفرت وانقبضت من شدة الكراهة قلوب ~~هؤلاء المشركين { وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم ~~يستبشرون } أي وإذا ذكرت الأوثان والأصنام إذا هم يفرحون ~~ويسرون قال الإمام الفخر: هذا نوع آخر من قبائح المشركين، فإنك إذا ~~ذكرت الله وحده وقلت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ظهرت آثار ~~النفرة من وجوههم وقلوبهم، وإذا ذكرت الأصنام والأوثان ظهرت آثار الفرح ~~والبشارة في قلوبهم وصدورهم، وذلك يدل على الجهل والحماقة، لأن ذكر الله ~~رأس السعادات وعنوان الخيرات، وذكر الأصنام الجمادات رأس الجهالات ~~والحماقات، فنفرتهم عن ذكر الله، واستبشارهم بذكر الأصنام، من أقوى ~~الدلائل على الجهل الغليظ، والحمق الشديد { قل اللهم فاطر ~~السموت والأرض } أي قل يا الله يا خالق ومبدع السماوات والأرض ~~{ عالم الغيب والشهادة } أي يا عالم السر والعلانية، يا ~~من لا تخفى عليه خافية، مما هو غائب عن الأعين أو مشاهد بالأبصار { أنت ~~تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون } أي ~~أنت تفصل بين الخلائق بعدلك وقضائك، فافصل بيني وبين هؤلاء المشركين قال ~~في البحر: لما أخبر عن سخافة عقولهم باشمئزازهم من ذكر الله، واستبشارهم ~~بذكر الأصنام أمر رسوله أن يدعوه بأسمائه العظمى من القدرة والعلم ليفصل ~~بينه وبين أعدائه، وفي ذلك وعيد للمشركين وتسلية للرسول عليه الصلاة ~~والسلام وقال الصاوي: أي التجىء إلى ربك بالدعاء والتضرع فإنه القادر ~~على كل شيء { ولو أن للذين ظلموا } أي ولو أن لهؤلاء ~~المشركين الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب القرآن والرسول { ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه } أي لو ملكوا كل ما في الأرض من أموال، ~~وملكوا مثل ذلك معه { لافتدوا به من سوء العذاب يوم ~~القيامة } أي لجعلوا كل ما لديهم من أموال وذخائر، فدية لأنفسهم من ~~ذلك العقاب الشديد يوم القيامة { وبدا لهم من الله ما لم ~~يكونوا يحتسبون } أي وظهر له من أنواع العقوبات ما لم يكن في ~~حسابهم قال أبو السعود: وهذه غاية من الوعيد لا غاية وراءها، ونظيرها في ~~الوعد # فلا تعلم ms1315 نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17] { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } أي وظهر لهم ~~في ذلك اليوم المفزع سيئات أعمالهم التي اكتسبوها { وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون } أي وأحاط ونزل بهم من كل الجوانب جزاء ~~ما كانوا يستهزئون به قال ابن كثير: أي أحاط بهم من العذاب والنكال ما ~~كانوا يستهزئون به في الدنيا { فإذا مس الإنسان ضر دعانا ~~} أي فإذا أصاب هذا الإنسان الكافر شيء من الشدة والبلاء، تضرع إلى ~~الله وأناب إليه { ثم إذا خولناه نعمة منا } أي ثم ~~إذا أعطيناه نعمة منا تفضلا عليه وكرما { قال إنمآ أوتيته ~~على علم } أي قال ذلك الإنسان الكافر الجاحد إنما أعطيته على ~~علم مني بوجوه المكاسب والمتاجر { بل هي فتنة } أي ليس الأمر ~~كما زعم بل هي اختبار وامتحان له، لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم ~~يعصي؟ { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون أن إعطاءهم المال اختبار وابتلاء فلذلك يبطرون { قد ~~قالها الذين من قبلهم } أي قال تلك الكلمة والمقالة الكفار ~~قبلهم كقارون وغيره حيث قال # إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص: 78] { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } أي ~~فما نفعهم ما جمعوه من الأموال، ولا ما كسبوه من الحطام { فأصابهم ~~سيئات ما كسبوا } أي فنالهم جزاء أعمالهم السيئة { والذين ~~ظلموا من هؤلاء } أي والذين ظلموا من هؤلاء المشركين - كفار ~~قريش - { سيصيبهم سيئات ما كسبوا } أي سينالهم جزاء ~~أعمالهم القبيحة كما أصاب أولئك قال البيضاوي: وقد أصابهم ذلك فإنهم قد ~~قحطوا سبع سنين حتى أكلوا الجيف وقتل ببدر صناديدهم { وما هم ~~بمعجزين } أي وليسوا بفائتين من عذابنا، لا يعجزوننا هربا ولا ~~يفوتوننا طلبا.. ثم رد عليهم زعمهم فيما أوتوا من المال وسعة الحال ~~فقال { أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن ~~يشآء ويقدر }؟ أي أولم يعلم هؤلاء المشركون أن الله يوسع الرزق ~~على قوم، ويضيقه على آخرين؟ فليس أمر الرزق تابعا لذكاء الإنسان أو ~~غبائه، إنما هو تابع للقسمة والحكمة { إن في ذلك ms1316 لآيات ~~لقوم يؤمنون } أي إن في الذي ذكر لعبرا وحججا لقوم يصدقون ~~بآيات الله قال القرطبي: وخص المؤمن بالذكر، لأنه هو الذي يتدبر الآيات ~~وينتفع بها، ويعلم أن سعة الرزق قد يكون استدراجا، وأن تقتيره قد يكون ~~إعظاما. ### || [39.53-75] # المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال الفجرة المشركين، وذكر ما يكونون عليه ~~في الآخرة من الذل والهوان، دعا المؤمنين إلى الإنابة والتوبة قبل فوات ~~الأوان، وختم السورة بذكر عظمة الله وجلاله يوم الحشر الأكبر، حيث يكون ~~العدل الإلهي والقسطاس المستقيم، ويساق السعداء إلى الجنة زمرا، ~~والأشقياء إلى النار زمرا { وسيق الذين اتقوا ربهم ~~إلى الجنة زمرا.. } الآية. # اللغة: { بغتة } فجأة { مثوى } مكان إقامة يقال: ثوى بالمكان ~~أقام فيه { مقاليد } خزائن ومفاتيح { زمرا } جماعات جماعات جمع ~~زمرة وهي الجماعة { خزنتها } حراسها الموكلون عليها { ~~نتبوأ } تبوأ المكان حل ونزل فيه { حآفين } محيطين به من ~~أطرافه وجهاته. # التفسير: { قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ~~} أخبر يا محمد عبادي المؤمنين الذين أفرطوا في الجناية على أنفسهم ~~بالمعاصي والآثام { لا تقنطوا من رحمة الله } أي لا ~~تيأسوا من مغفرة الله ورحمته { إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا } أي إنه تعالى يعفو عن جميع الذنوب لمن شاء، وإن كانت مثل زبد ~~البحر { إنه هو الغفور الرحيم } أي عظيم المغفرة واسع ~~الرحمة، وظاهر الآية أنها دعوة للمؤمنين إلى عدم اليأس من رحمة الله ~~لقوله { يعبادي } وقال ابن كثير: هي دعوة لجميع العصاة من الكفرة ~~وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن ~~تاب منها ورجع عنها مهما كثرت { وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له } أي ارجعوا إلى الله واستسلموا له بالطاعة والخضوع ~~والعمل الصالح { من قبل أن يأتيكم العذاب } من قبل حلول ~~نقمته تعالى بكم { ثم لا تنصرون } أي ثم لا تجدون من يمنعكم من ~~عذابه { واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ~~ربكم } أي اتبعوا القرآن العظيم، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ~~والزموا أحسن كتاب أنزل إليكم فيه سعادتكم وفلاحكم { من قبل أن ~~يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ms1317 } أي من ~~قبل أن ينزل بكم العذاب فجأة وأنتم غافلون، لا تدرون بمجيئه لتتداركوا ~~وتتأهبوا { أن تقول نفس } أي لئلا تقول بعض النفوس التي أسرفت في ~~العصيان { يحسرتا على ما فرطت في جنب الله } أي يا ~~حسرتي وندامتي على تفريطي وتقصيري في طاعة الله وفي حقه قال مجاهد: يا ~~حسرتا على ما ضيعت من أمر الله { وإن كنت لمن الساخرين } أي ~~وإن الحال والشأن أنني كنت من المستهزئين بشريعة الله ودينه قال ~~قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها { أو تقول لو ~~أن الله هداني لكنت من المتقين } " أو " للتنويع أي ~~يقول الكافر والفاجر هذا أو هذا والمعنى لو أن الله هداني لاهتديت إلى ~~الحق، وأطعت الله، وكنت من عباده الصالحين قال ابن كثير: يتحسر المجرم ~~ويود لو كان من المحسنين المخلصين، المطيعين لله عز وجل { أو ~~تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من ~~المحسنين } أي أو تقول تلك النفس الفاجرة حين مشاهدتها العذاب لو ~~أن لي رجعة إلى الدنيا لأعمل بطاعة الله، وأحسن سيرتي وعملي { بلى ~~قد جآءتك آياتي } هو جواب قوله { لو أن الله هداني } ~~والمعنى بلى قد جاءك الهدى من الله بإرساله الرسل، وإنزاله الكتب { ~~فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } أي ~~فكذبت بالآيات، وتكبرت عن الإيمان، وكنت من الجاحدين قال الصاوي: إن ~~الكافر أولا يتسحر، ثم يحتج بحجج واهية، ثم يتمنى الرجوع إلى الدنيا، ~~ولو رد لعاد إلى ضلاله كما قال تعالى # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28] { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على ~~الله وجوههم مسودة } أي ويوم القيامة ترى أيها المخاطب ~~الذين كذبوا على الله بنسبة الشريك له والولد وجوههم سوداء مظلمة بكذبهم ~~وافترائهم { أليس في جهنم مثوى للمتكبرين } ~~استفهام تقريري أي أليس في جهنم مقام ومأوى للمستكبرين عن الإيمان، وعن ~~طاعة الرحمن؟ بلى إن لهم منزلا ومأوى في دار الجحيم.. ولما ذكر حال ~~الكاذبين على الله، ذكر حال المتقين لله فقال { وينجي الله ms1318 ~~الذين اتقوا بمفازتهم } أي وينجي الله المتقين بسبب ~~سعادتهم وفوزهم بمطلوبهم وهو الجنة دار الأبرار { لا يمسهم ~~السوء ولا هم يحزنون } أي لا ينالهم هلع ولا جزع، ولا هم ~~يحزنون في الآخرة، بل هم آمنون # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55] ثم عاد إلى دلائل الألوهية والتوحيد، بعد أن أفاض في الوعد ~~والوعيد فقال { الله خالق كل شيء } أي الله جل وعلا خالق ~~جميع الأشياء وموجد جميع المخلوقات، والمتصرف فيها كيف يشاء، لا إله غيره ~~ولا رب سواه { وهو على كل شيء وكيل } أي هو القائم ~~بتدبير كل شيء { له مقاليد السموت والأرض } أي بيده جل ~~وعلا مفاتيح خزائن كل الأشياء، لا يملك أمرها ولا يتصرف فيها غيره قال ~~ابن عباس: " مقاليد " مفاتيح، وقال السدي: خزائن السماوات والأرض بيده { ~~والذين كفروا بآيات الله أولئك هم ~~الخاسرون } أي والذين كذبوا بآيات القرآن الظاهرة، والمعجزات ~~الباهرة، أولئك هم الخاسرون أشد الخسران { قل أفغير الله ~~تأمروني أعبد أيها الجاهلون }؟ أي قل يا محمد ~~أتأمرونني أن أعبد غير الله بعد سطوع الآيات والدلائل على وحدانيته يا ~~أيها الجاهلون؟ قال ابن كثير: إن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إلهه فنزلت الآية { ~~ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك } اللام ~~موطئة للقسم أي والله لقد أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك { لئن ~~أشركت ليحبطن عملك } أي لئن أشركت يا محمد ليبطلن ~~ويفسدن عملك الصالح { ولتكونن من الخاسرين } أي ~~ولتكونن في الآخرة من جملة الخاسرين بسبب ذلك. # . وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم قد ~~عصمه الله، وحاشا له أن يشرك بالله، وهو الذي جاء لإقامة صرح الإيمان ~~والتوحيد قال أبو السعود: والكلام وارد على طريقة الفرض لتهييج الرسل، ~~وإقناط الكفرة، والإيذان بغاية شناعة الإشراك وقبحه { بل الله ~~فاعبد } أي أخلص العبادة لله وحده، ولا تعبد أحدا سواه. { وكن ~~من الشاكرين } أي وكن من الشاكرين لإنعام ربك { وما قدروا ~~الله حق قدره } أي ms1319 وما عرفوا الله حق معرفته، ولا عظموه حق ~~تعظيمه قال أبو حيان: أي ما عظموه حق تعظيمه، وما قدروه في أنفسهم ~~حق تقديره، إذ أشركوا معه غيره، وساووا بينه وبين الحجر والخشب في ~~العبادة.. ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه فقال { والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة } الجملة حالية والمعنى ما عظموه حق ~~تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، التي هي غاية العظمة ~~والجلال، فالأرض مع سعتها وبسطتها يوم القيامة تحت قبضته وسلطانه { ~~والسموت مطويات بيمينه } أي والسماوات مضمومات ~~ومجموعات بقدرته تعالى قال الزمخشري: والغرض من هذا الكلام تصوير عظمته ~~والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة ~~وفي الحديث # " يقبض الله تعالى الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك ~~أين ملوك الأرض؟ " # { سبحانه وتعالى عما يشركون } أي تنزه الله وتقدس ~~عما يصفه به المشركون من صفات العجز والنقص، ثم ذكر تعالى أهوال الآخرة ~~فقال { ونفخ في الصور } هو قرن ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام ~~بأمر الله، والمراد بالنفخة هنا " نفخة الصعق " التي تكون بعد نفخة ~~الفزع قال ابن كثير: وهي النفخة الثانية التي يموت بها الأحياء من أهل ~~السماوات والأرض { فصعق من في السموت ومن في الأرض } ~~أي فخر ميتا كل من في السماوات والأرض { إلا من شآء الله } ~~أي إلا من شاء الله بقاءه كحملة العرش، والحور العين والولدان { ثم ~~نفخ فيه أخرى } أي نفخ فيه نفخة أخرى وهي نفخة الإحياء { ~~فإذا هم قيام ينظرون } أي فإذا جميع الخلائق الأموات يقومون ~~من القبور ينظرون ماذا يؤمرون { وأشرقت الأرض بنور ربها ~~} أي وأضاءت أرض المحشر بنور الله يوم القيامة، حين تجلى الباري جل وعلا ~~لفصل القضاء بين العباد { ووضع الكتاب } أي أحضرت صحائف أعمال ~~الخلائق للحساب { وجيء بالنبيين والشهدآء } أي وجيء ~~بالأنبياء ليسألهم رب العزة عما أجابتهم به أممهم، وبالشهداء وهم الحفظة ~~الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وقال السدي: هم الذين استشهدوا في سبيل ~~الله { وقضي بينهم بالحق } أي وقضي بين العباد جميعا ms1320 ~~بالقسط والعدل { وهم لا يظلمون } أي وهم في الآخرة لا يظلمون ~~شيئا من أعمالهم، لا بنقص ثواب، ولا بزيادة عقاب قال ابن جبير: لا ينقص ~~من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم { ووفيت كل نفس ما ~~عملت } أي جوزي كل إنسان بما عمل من خير أو شر { وهو أعلم ~~بما يفعلون } أي هو تعالى أعلم بما عمل كل إنسان، ولا حاجة به إلى ~~كتاب ولا إلى شاهد، ومع ذلك تشهد الكتب إلزاما للحجة. # . ثم فصل تعالى مآل كل من الأشقياء والسعداء فقال { وسيق ~~الذين كفروا إلى جهنم زمرا } أي وسيق الكفرة ~~المجرمون إلى نار جهنم جماعات جماعات، كما يساق الأشقياء في الدنيا إلى ~~السجون { حتى إذا جآءوها فتحت أبوابها } أي حتى إذا ~~وصلوا إليها فتحت أبواب جهنم فجأة لتستقبلهم { وقال لهم ~~خزنتهآ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم ~~آيات ربكم }؟ أي وقال لهم خزنة جهنم تقريعا وتوبيخا: ألم يأتكم ~~رسل من البشر يتلون عليكم الكتب المنزلة من السماء؟ { وينذرونكم ~~لقآء يومكم هذا }؟ أي ويخوفونكم من شر هذا اليوم العصيب؟ { ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين } أي قالوا بلى قد جاءونا وأنذرونا، وأقاموا علينا الحجج ~~والبراهين، ولكننا كذبناهم وخالفناهم لما سبق لنا من الشقاوة قال ~~القرطبي: وهذا اعتراف منهم بقيام الحجة عليهم، والمراد بكلمة العذاب قوله ~~تعالى # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 119] { قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~} أي قيل لهم ادخلوا جهنم لتصلوا سعيرها ماكثين فيها أبدا، بلا زوال ~~ولا انتقال { فبئس مثوى المتكبرين } أي فبئس المقام ~~والمأوى جهنم للمتكبرين عن الإيمان بالله وتصديق رسله { وسيق ~~الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا } أي وسيق ~~الأبرار المتقون لله إلى الجنة جماعات جماعات راكبين على النجائب قال ~~القرطبي: سوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان، كما يفعل ~~بالمجرمين الخارجين على السلطان، وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار ~~الكرامة والرضوان، لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين، كما يفعل بالوافدين على ~~الملوك، فشتان ما بين السوقين { حتى إذا جآءوها وفتحت ms1321 ~~أبوابها } أي حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها كقوله تعالى # جنات عدن مفتحة لهم الأبواب # [ص: 50] قال الصاوي: والحكمة في زيادة الواو هنا " وفتحت " دون التي ~~قبلها، أن أبواب السجون تكون مغلقة إلى أن يجيئها أصحاب الجرائم، فتفتح ~~لهم ثم تغلق عليهم، بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتح انتظارا لمن ~~يدخلها فناسب دخول الواو هنا دون التي قبلها { وقال لهم ~~خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } أي ~~وقال لهم حراس الجنة: سلام عليكم أيها المتقون الأبرار { طبتم } أي ~~طهرتم من دنس المعاصي والذنوب، فادخلوا الجنة دار الخلود، قال البيضاوي: ~~وجواب " إذا " محذوف، للدلالة على أن لهم من الكرامة والتعظيم، ما لا ~~يحيط به الوصف والبيان قال ابن كثير: وتقديره إذا كان هذا سعدوا، ~~وطابوا، وسروا وفرحوا بقدر ما يكون لهم من النعيم { وقالوا ~~الحمد لله الذي صدقنا وعده } أي وقالوا عند دخولهم ~~الجنة واستقرارهم فيها: الحمد لله الذي حقق لنا ما وعدنا به من دخول ~~الجنة قال المفسرون: والإشارة إلى وعده تعالى لهم بقوله # تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا # [مريم: 63] { وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة ~~حيث نشآء } أي وملكنا أرض الجنة نتصرف فيها تصرف المالك في ملكه ~~وننزل فيها حيث نشاء، ولا ينازعنا فيها أحد { فنعم أجر ~~العاملين } أي فنعم أجر العاملين بطاعة الله الجنة { وترى ~~الملائكة حآفين من حول العرش } أي وترى يا محمد ~~الملائكة محيطين بعرش الرحمن، محدقين به من كل جانب { يسبحون ~~بحمد ربهم } أي يسبحون الله ويمجدونه تلذذا لا تعبدا { ~~وقضي بينهم بالحق } أي وقضي بين العباد بالعدل { وقيل ~~الحمد لله رب العالمين } أي وقيل الحمد لله على عدله ~~وقضائه قال المفسرون: القائل هم المؤمنون والكافرون، المؤمنون يحمدون ~~الله على فضله، والكافرون يحمدونه على عدله قال ابن كثير: نطق الكون ~~أجمعه، ناطقه وبهيمه، لله رب العالمين بالحمد في حكمه وعدله، ولهذا لم ~~يسند القول إلى قائل، بل أطلقه فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له ~~بالحمد. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من ms1322 البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين (تكفروا..و.. تشكروا) وبين { يرجوا.. ~~ويحذر } وبين { فوقهم.. وتحتهم } وبين { ضر.. ورحمة ~~} وبين { الغيب.. والشهادة } وبين { يبسط.. ويقدر } ~~وبين { اهتدى.. وضل } الخ. # 2- جناس الاشتقاق # يتوكل المتوكلون # [الزمر: 38] وكذلك في قوله # أحسنوا في هذه الدنيا حسنة # [الزمر: 10]. # 3- الأسلوب التهكمي # لهم من فوقهم ظلل من النار # [الزمر: 16] إطلاق الظلة عليها تهكم لأنها محرقة، والظلة تقي من الحر. # 4- المقابلة الرائعة # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة.. # [الزمر: 45] الآية فقد قابل بين الله والأصنام، وبين السرور والاشمئزاز، ~~وكذلك توجد مقابلة بين آيتي السعداء والأشقياء { وسيق الذين ~~كفروا إلى جهنم زمرا } وقابل ذلك بقوله { وسيق ~~الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا.. } والمقابلة ~~أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب وهو من ~~المحسنات البديعية. # 5- الإيجاز بالحذف لدلالة السياق عليه # أفمن شرح الله صدره للإسلام # [الزمر: 22] حذف خبره وتقديره كمن طبع الله على قلبه؟ ومثله # أمن هو قانت آنآء اليل # [الزمر: 9] أي كمن هو كافر جاحد لربه؟ # 6- الأمر الذي يراد منه التهديد # قل تمتع بكفرك # [الزمر: 8] ومثله # اعملوا على مكانتكم # [الزمر: 39] للمبالغة في الوعيد. # 7- المجاز المرسل # أفأنت تنقذ من في النار # [الزمر: 19] أطلق المسبب وأراد السبب، لأن الضلال سبب لدخول النار. # 8- الاستعارة { له مقاليد السموت والأرض } أي مفاتيح ~~خيراتهما، ومعادن بركاتهما فشبه الخيرات والبركات بخزائن واستعار لها ~~لفظ المقاليد، بمعنى المفاتيح، ومعنى الآية خزائن رحمته وفضله بيده ~~تعالى. # 9- الاستعارة التمثيلية { والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسموت مطويات بيمينه } مثل لعظمته ~~وكمال قدرته، وحقارة الأجرام العظام التي تتحير فيها الأوهام بالنسبة ~~لقدرته تعالى بمن قبض شيئا عظيما بكفه، وطوى السماوات بيمينه بطريق ~~الاستعارة التمثيلية، قال في تلخيص البيان: وفي الآية استعارة ومعنى ذلك ~~أن الأرض في مقدوره كالذي يقبض عليه القابض، فتستولي عليه كفه، ويحوزه ~~ملكه، ولا يشاركه غيره، والسماوات مجموعات في ملكه ومضمومات بقدرته وقال ~~الزمخشري: والآية لتصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله، من غير ذهاب ~~بالقبضة واليمين إلى جهة، لأن الغرض ms1323 الدلالة على القدرة الباهرة، ولا ترى ~~بابا في علم البيان أدق ولا أرق ولا ألطف من هذا الباب. # 10- الكناية { أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في ~~جنب الله } جنب الله كناية عن حق الله وطاعته، وهذا من لطيف ~~الكنايات. # 11- الالتفات من التكلم إلى الغيبة { لا تقنطوا من رحمة ~~الله } والأصل: لا تقنطوا من رحمتي قال علماء البيان: وفي الآية ~~الكريمة { قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم... ~~} الآية من أنواع المعاني والبيان أمور حسان: منها إقباله تعالى على خلقه ~~ونداؤه لهم، ومنها إضافتهم إليه إضافة تشريف، ومنها الالتفات من المتكلم ~~إلى الغيبة { من رحمة الله } ومنها إضافة الرحمة للفظ الجلالة ~~الجامع لجميع الأسماء والصفات، ومنها الإتيان بالجملة المعرفة الطرفين ~~المؤكدة بإن وضمير الفصل { إنه هو الغفور الرحيم }. # 12- توافق الفواصل في الحرف الأخير، وهو نهاية في الروعة والجمال اقرأ ~~مثلا قوله تعالى { ونفخ في الصور فصعق من في ~~السموت ومن في الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ ~~فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون * وأشرقت الأرض ~~بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين ~~والشهدآء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ~~ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما ~~يفعلون } ألا تأخذك روعة هذا البيان، برونقه، وجماله، وأدائه، ~~فينطلق لسانك بذكر الرحمن؟! ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-22] # اللغة: { غافر } الغفر: الستر والمحو والتكفير { الطول } ~~الإنعام والتفضل { يدحضوا } يبطلوا ويزيلوا، يقال: الباطل داحض، ~~لأنه يزلق ويزل فلا يستقر { حقت } وجبت ولزمت { مقت } المقت: شدة ~~البغض { الروح } الوحي والنبوة سمي روحا لأن القلوب تحيا به كما ~~تحيا الأبدان بالأرواح { التلاق } الاجتماع في الحشر { بارزون } ~~ظاهرون لا يسترهم شيء { الأزفة } اسم للقيامة سميت آزفة لقربها، يقال ~~أزف الشيء إذا اقترب { واق } دافع يدفع عنهم العذاب. # التفسير: { حم } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن، ~~وللإرشاد على أن هذا القرآن المعجز منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية ~~{ تنزيل الكتاب من الله } أي هذا القرآن تنزيل من الله { ~~العزيز العليم } أي العزيز في ملكه، العليم في خلقه { غافر ~~الذنب وقابل ms1324 التوب } أي الذي يعفو عن ذنوب العباد، ويقبل توبة ~~العصاة لمن تاب منهم وأناب { شديد العقاب } أي شديد العقاب لمن ~~تكبر وطغى، وأعرض عن طاعة المولى { ذي الطول } أي ذي الفضل ~~والإنعام { لا إله إلا هو } أي لا معبود بحق إلا الله، ولا ~~رب في الوجود سواه { إليه المصير } أي إليه وحده مرجع الخلائق ~~فيجازيهم بأعمالهم، وإنما قدم المغفرة والتوبة على العقاب، للإشارة ~~إلى سعة الفضل وأن رحمته سبقت عذابه، ثم لما ذكر أن القرآن هداية الله ~~للعالمين، أعقبه بذكر المجادلين المعاندين فقال { ما يجادل في ~~آيات الله إلا الذين كفروا } أي ما يدفع الحق ويجادل في ~~هذا القرآن - بعد وضوح آياته وظهور إعجازه - إلا الجاحدون لآيات الله، ~~المعاندون لرسله { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } أي ~~فلا تغتر أيها العاقل بتصرفهم وتقلبهم في هذه الدنيا، بالمساكن ~~والمزارع، والممالك والتجارات، فإنهم أشقى الناس، وما هم عليه من النعيم ~~متاع قليل، وظل زائل، فإني وإن أمهلتهم لا أهملهم، بل آخذهم بعد ذلك ~~النعيم أخذ عزيز مقتدر قال في التسهيل: والآية تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ووعيد شديد للكفار { كذبت قبلهم قوم نوح ~~والأحزاب من بعدهم } أي كذب قبل كفار مكة أقوام كثيرون، ~~منهم قوم نوح والأمم الذين تحزبوا على أنبيائهم ولم يقبلوا ما جاءوا به ~~من عند الله كقوم عاد وثمود وفرعون وأمثالهم { وهمت كل أمة ~~برسولهم ليأخذوه } أي وهمت كل أمة من الأمم المكذبين أن ~~يقتلوا رسولهم ويبطشوا به قال ابن كثير: أي حرصوا على قتله بكل ممكن ~~ومنهم من قتل رسوله { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق } أي جادلوا رسلهم بالباطل ليزيلوا ويبطلوا به الحق الواضح ~~الجلي { فأخذتهم } أي فأهلكتهم إهلاكا مريعا { فكيف كان ~~عقاب } استفهام تعجيب أي فكيف كان عقابي لهم؟ ألم يكن شديدا فظيعا؟ ~~{ وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا } أي ~~وكذلك وجبت كلمة العذاب على هؤلاء المكذبين من قومك، كما وجبت لمن سبقهم ~~من الكفار { أنهم أصحاب النار } أي لأنهم أهل النار، قال ~~الطبري: أي كما ms1325 حق على الأمم التي كذبت رسلها وحل بها عقابي، كذلك ~~وجبت كلمة العذاب على الذين كفروا بالله من قومك لأنهم أصحاب النار. # ثم ذكر تعالى حال الملائكة الأطهار، والمؤمنين الأبرار، بعد أن ذكر ~~الكفار والفجار فقال { الذين يحملون العرش ومن حوله ~~يسبحون بحمد ربهم } أي هؤلاء العباد المقربون - حملة ~~العرش - ومن حول العرش من أشراف الملائكة وأكابرهم، ممن لا يحصي عددهم ~~إلا الله، هم في عبادة دائبة لله، ينزهونه عن صفات النقص، ويثنون عليه ~~بصفات الكمال { ويؤمنون به } أي ويصدقون بوجوده تعالى، وبأنه لا ~~إله لهم سواه، ولا يستكبرون عن عبادته قال الزمخشري: فإن قالت: ما فائدة ~~قوله { ويؤمنون به } ولا يخفى أن حملة العرش وجميع الملائكة ~~يؤمنون بالله؟ فالجواب أن ذلك إظهار لفضيلة الإيمان وشرفه والترغيب فيه ~~{ ويستغفرون للذين آمنوا } أي وهم مع عباداتهم ~~واستغراقهم في تسبيح الله وتمجيده، يطلبون من الله المغفرة للمؤمنين ~~قائلين { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } أي يا ~~ربنا وسعت رحمتك وعلمك كل شيء قال المفسرون: وفي وصف الله تعالى بالرحمة ~~والعلم - وهو ثناء قبل الدعاء - تعليم العباد أدب السؤال والدعاء، فهم ~~يبدأون دعاءهم بأدب ويستمطرون إحسانه وفضله وإنعامه { فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك } أي فاصفح عن المسيئين ~~المذنبين، التائبين عن الشرك والمعاصي، المتبعين لسبيل الحق الذي جاء به ~~أنبياؤك ورسلك { وقهم عذاب الجحيم } أي واحفظهم من عذاب جهنم ~~{ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم } أي ~~أدخلهم جنات النعيم والإقامة التي وعدتهم إياها { ومن صلح من ~~آبآئهم وأزواجهم وذرياتهم } أي وأدخل الصالحين من ~~الآباء والأزواج والأولاد في جنات النعيم أيضا ليتم سرورهم بهم قال ابن ~~كثير: أي اجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في الجنة بمنازل ~~متجاورة { إنك أنت العزيز الحكيم } أي العزيز الذي لا ~~يغلب ولا يمتنع عليه شيء، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما فيه الحكمة ~~والمصلحة { وقهم السيئات } هذا من تمام دعاء الملائكة أي احفظم ~~يا رب من فعل المنكرات والفواحش التي توبق أصحابها { ومن تق ~~السيئات يومئذ فقد رحمته ms1326 } أي ومن حفظته من نتائجها ~~وعواقبها يوم القيامة، فقد لطفت به ونجيته من العقوبة { وذلك هو ~~الفوز العظيم } أي وذلك الغفران ودخول الجنان، هو الظفر العظيم ~~الذي لا ظفر مثله.. ولما تحدث عن أحوال المؤمنين، ذكر شيئا من أحوال ~~الكافرين فقال { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله ~~أكبر من مقتكم أنفسكم } أي تناديهم الملائكة يوم ~~القيامة على جهة التوبيخ والتقريع: لبغض الله الشديد لكم في الدنيا أعظم ~~من بغضكم اليوم لأنفسكم { إذ تدعون إلى الإيمان ~~فتكفرون } إي حين كنتم تدعون إلى الإيمان فتكفرون كبرا وعتوا ~~قال قتادة: بغض الله لأهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا ~~فأبوا أن يقبلوه، أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله { ~~قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } ~~أي قال الكفار لما رأوا الشدائد والأهوال ربنا أمتنا مرتين، وأحييتنا ~~مرتين { فاعترفنا بذنوبنا } أي فاعترفنا بما جنيناه من الذنوب ~~في الدنيا { فهل إلى خروج من سبيل } أي فهل تردنا إلى ~~الدنيا لنعمل بطاعتك؟ وهل تخرجنا من النار لنسلك طريق الأبرار؟ قال ~~المفسرون: الموتة الأولى حين كانوا في العدم، والموتة الثانية حين ماتوا ~~في الدنيا، والحياة الأولى حياة الدنيا، والحياة الثانية حياة البعث يوم ~~القيامة، فهاتان موتتان وحياتان، وإنما قالوا ذلك على سبيل التعطف ~~والتوسل إلى رضى الله، بعد أن عاينوا العذاب، وقد كانوا يكفرون وينكرون، ~~ولهذا جاء الجواب { ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده ~~كفرتم } أي ذلكم العذاب والخلود في جهنم بسبب كفركم وعدم إيمانكم ~~بالله، فإذا دعيتم إلى التوحيد كفرتم { وإن يشرك به تؤمنوا ~~} وإن دعيتم إلى اللات والعزى وأمثالهما من الأصنام، آمنتم وصدقتم ~~بألوهيتها { فالحكم لله العلي الكبير } أي فالقضاء لله ~~وحده، لا للأوثان والأصنام، ولا سبيل إلى نجاتكم، لأن الله هو المتعالي ~~على خلقه، العظيم في ملكه الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. # . ولما ذكر تعالى ما يوجب التهديد الشديد للمشركين، أردفه بذكر ما يدل ~~على كمال قدرته وحكمته ليصير بمنزلة البرهان على عدم جواز عبادة الأوثان ~~فقال { هو الذي يريكم ms1327 آياته } أي الله جل وعلا هو الذي يريكم ~~أيها الناس العلامات الدالة على قدرته الباهرة في مخلوقاته، في العالم ~~العلوي والسفلي الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها { وينزل ~~لكم من السمآء رزقا } أي وينزل لكم من السماء المطر الذي ~~هو سبب للرزق، وبه تخرج الزروع والثمار { وما يتذكر إلا من ~~ينيب } أي وما يعتبر ويتعظ بهذه الآيات الباهرة، إلا من يرجع إلى الله ~~بالتوبة والإنابة، والعمل الصالح البعيد عن الرياء والنفاق { فادعوا ~~الله مخلصين له الدين } أي فاعبدوا الله أيها المؤمنون ~~مخلصين له العبادة والطاعة ولا تعبدوا معه غيره { ولو كره ~~الكافرون } هذا للمبالغة أي اعبدوه وأخلصوا له قلوبكم، حتى ولو كره ~~الكافرون وذلك، وغاظهم إخلاصكم وقاتلوكم عليه { رفيع الدرجات } ~~أي عظيم الشأن والسلطان، صاحب الرفعة والمقام العالي { ذو العرش } ~~أي صاحب العرش العظيم، الذي هو أعظم المخلوقات، ولا شيء يشبهه من مخلوقات ~~الله قال ابن كثير: أخبر تعالى عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم ~~العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها، وقد ذكر أن العرش من ياقوتة ~~حمراء ولا يعلم سعته إلا الله وقال أبو السعود: وكون العرش العظيم ~~المحيط بأكناف العالم العلوي والسفلي، تحت ملكوته وقبضة قدرته، مما يقضي ~~بكون علو شأنه وعظم سلطانه، في غاية لا غاية وراءها { يلقي الروح ~~من أمره على من يشآء من عباده } أي ينزل الوحي على من ~~شاء من خلقه، ويختص بالرسالة والنبوة من أراد من عباده، وإنما سمى ~~الوحي روحا لأنه يسري في القلوب كسريان الروح في الجسد قال القرطبي: ~~سماه روحا لأن الناس يحيون به من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح ~~{ لينذر يوم التلاق } أي ليخوف الرسول الموحى إليه يوم ~~القيامة الكبرى، حيث يلتقي العباد جميعا ليحاسبوا على أعمالهم، ويلتقي ~~الخلق بالخالق في ساعة الحساب قال قتادة: يلتقي فيه أهل السماء بأهل ~~الأرض، والخالق والخلق { يوم هم بارزون } أي يوم هم ظاهرون بادون ~~للعيان، لا شيء يكنهم ولا يظلهم ولا يسترهم من جبل أو أكمة أو بناء، ~~لأنهم في أرض ms1328 مستوية هي أرض المحشر { لا يخفى على الله ~~منهم شيء } أي لا يخفى على الله شيء من أحوالهم وأعمالهم ولا من ~~سرائرهم وبواطنهم قال الصاوي: والحكمة في تخصيص ذلك اليوم - مع أن الله ~~لا يخفى عليه شيء في سائر الأيام - أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم ~~إذا استتروا بالحيطان مثلا لا يراهم الله، وفي هذا اليوم لا يتوهمون هذا ~~التوهم { لمن الملك اليوم }؟ أي ينادي الله سبحانه والناس ~~بارزون في أرض المحشر: لمن الملك اليوم؟ ويسكت الخلائق هيبة لله تعالى ~~وفزعا، فيجيب تعالى نفسه قائلا { لله الواحد القهار } أي ~~لله المتفرد بالملك، الذي قهر بالغلبة كل ما سواه قال الحسن: هو تعالى ~~السائل وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه { ~~اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } أي في ذلك اليوم - ~~يوم القضاء والفصل بين العباد - تجازى كل نفس بما عملت من خير أو شر { ~~لا ظلم اليوم } أي لا يظلم أحد شيئا، لا بنقص ثواب، ولا بزيادة ~~عقاب { إن الله سريع الحساب } أي سريع حسابه، لا يشغله ~~شأن عن شأن، فيحاسب الخلائق جميعا في وقت واحد قال القرطبي: كما ~~يرزقهم في ساعة واحدة، يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة، وفي الخبر: # " لا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار ~~" # { وأنذرهم يوم الأزفة } أي خوفهم ذلك اليوم الرهيب يوم ~~القيامة قال ابن كثير: " الآزفة " اسم من أسماء القيامة، سميت بذلك ~~لقربها كقوله تعالى # أزفت الآزفة # [النجم: 57] { إذ القلوب لدى الحناجر } أي تكاد قلوبهم ~~لشدة الخوف والجزع تبلغ الحناجر - وهي الحلوق - مكان البلعوم { ~~كاظمين } أي ممتلئن غما وحسرة شأن المكروب قال في التسهيل: معنى ~~الآية أن القلوب قد صعدت من الصدور لشدة الخوف حتى بلغت الحناجر، ويحتمل ~~أن يكون ذلك حقيقة أو مجازا عبر به عن شدة الخوف والحنجرة هي الحلق { ~~ما للظالمين من حميم } أي ليس للظالمين صديق ينفعهم { ولا ~~شفيع يطاع } أي ولا شفيع يشفع لهم لينقذهم من شدة العذاب { ~~يعلم خآئنة ms1329 الأعين } أي يعلم جل وعلا العين الخائنة ~~بمسارقتها النظر إلى محرم قال ابن عباس: هو الرجل يكون جالسا مع الناس، ~~فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها { وما تخفي الصدور } أي ~~ويعلم السر المستور تخفيه الصدور { والله يقضي بالحق } أي ~~يقضي ويحكم بالعدل { والذين يدعون من دونه } أي والذين ~~يعبدونهم من دون الله من الأوثان والأصنام { لا يقضون بشيء } أي ~~لا حكم لهم أصلا فكيف يكونون شركاء لله؟ قال أبو السعود: وهذا تهكم بهم ~~لأن الجماد لا يقال في حقه يقضي أو لا يقضي { إن الله هو ~~السميع البصير } أي هو السميع لأقوال العباد، البصير بأفعالهم { ~~أولم يسيروا في الأرض }؟ أي أولم يعتبر هؤلاء المشركون في ~~أسفارهم بما يرون من آثار المكذبين { فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين كانوا من قبلهم } أي فينظروا ما حل ~~بالمكذبين من العذاب والنكال؟ فإن العاقل من اعتبر بغيره { كانوا ~~هم أشد منهم قوة } أي كانوا أشد قوة من هؤلاء الكفار من ~~قومك { وآثارا في الأرض } أي وأقوى آثارا في الأرض من الحصون ~~والقصور والجند الأشداء، ومع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد أهلكهم ~~الله لما كذبوا الرسل { فأخذهم الله بذنوبهم } أي أهلكهم ~~الله إهلاكا فظيعا بسبب إجرامهم وتكذيبهم رسل الله { وما كان لهم ~~من الله من واق } أي وما كان لهم أحد يدفع عنهم عذاب الله، ولا ~~يقيهم من عقابه. # . ثم ذكر تعالى سبب عقابه لهم فقال { ذلك بأنهم كانت ~~تأتيهم رسلهم بالبينات } أي ذلك العذاب بسبب أنهم كانت ~~تأتيهم رسلهم بالمعجزات الباهرات، والآيات الساطعات الواضحات { ~~فكفروا فأخذهم الله } أي فكفروا مع هذا البيان والبرهان ~~فأهلكهم الله ودمرهم { إنه قوي } أي إنه تعالى قوي لا يقهر، ~~ذو قوة عظيمة وبأس شديد { شديد العقاب } أي عقابه شديد لمن عصاه، ~~وعذابه أليم وجيع، أعاذنا الله من عقابه وأجارنا من عذابه. ### || [40.23-46] # المناسبة: لما ذكر تعالى ما حل بالكفار من العذاب والدمار، أردفه ~~بذكر قصة موسى مع فرعون تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه ~~من الأذى والتكذيب، وبيانا ms1330 لسنة الله تعالى في إهلاك الظالمين، ثم ذكر ~~موقف مؤمن آل فرعون ونصيحته لقومه، وهي مواقف بطولية مشرفة في وجه ~~الطغيان. # اللغة: { استحيوا } استبقوا بناتهم على قيد الحياة { ضلال } ~~ضياع وبطلان { عذت } اعتصمت وتحصنت والتجأت { ظاهرين } غالبين ~~مستعلين { بأس الله } عذابه وانتقامه { دأب } عادة وشأن { ~~التناد } يوم القيامة للنداء فيه إلى المحشر، أو لمناداة الناس بعضهم ~~بعضا قال أمية بن الصلت: # وبث الخلق فيها إذ دحاها # فهم سكانها حتى التناد # { عاصم } مانع ودافع { صرحا } قصرا وبناء عظيما عاليا { ~~تباب } خسران وهلاك { لا جرم } حقا ولا محالة { حاق } نزل ~~وأحاط. # التفسير: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ~~مبين } اللام موطئة للقسم أي والله لقد بعثنا رسولنا موسى بالآيات ~~البينات، والدلائل الواضحات، وبالبرهان البين الظاهر وهو معجزة اليد ~~والعصا { إلى فرعون وهامان وقارون } أي إلى فرعون ~~الطاغية الجبار، ووزيره هامان، وقارون صاحب الكنوز والأموال قال في ~~البحر: وخص قارون وهامان بالذكر لمكانتهما في الكفر، ولأنهما أشهر ~~أتباع فرعون { فقالوا ساحر كذاب } أي فقالوا عن موسى إنه ~~ساحر فيما أظهر من المعجزات، كذاب فيما ادعاه أنه من عند الله، وصيغة ~~كذاب للمبالغة { فلما جآءهم بالحق من عندنا } أي ~~فلما جاءهم بالمعجزات الباهرة التي تدل على صدقه، والتي أيده الله بها ~~{ قالوا اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه ~~واستحيوا نسآءهم } أي اقتلوا الذكور لئلا يتناسلوا، واستبقوا ~~الإناث للخدمة قال الصاوي: وهذا القتل غير الأول، لأن فرعون بعد ولادة ~~موسى أمسك عن قتل الأولاد، فلما بعث موسى وعجز عن معارضته أعاد القتل في ~~الأولاد ليمتنع الناس من الإيمان، ولئلا يكثر جمعهم فيكيدوه، فأرسل الله ~~عليهم أنواع العذاب كالضفادع والقمل والدم والطوفان، إلى أن خرجوا من ~~مصر فأغرقهم الله تعالى وجعل كيدهم في نحورهم { وما كيد ~~الكافرين إلا في ضلال } أي وما تدبيرهم ومكرهم إلا في خسران ~~وهلاك، لأن الله لا ينجح سعيهم { وقال فرعون ذروني أقتل ~~موسى } أي قال فرعون الجبار: اتركوني حتى أقتل لكم موسى { وليدع ~~ربه } أي وليناد ربه حتى يخلصه مني، وإنما ذكره على ms1331 سبيل الاستهزاء ~~وكأنه يقول: لا يهولنكم ما يذكر من ربه فإنه لا حقيقة له وأنا ربكم ~~الأعلى، وغرضه أن يوهمهم بأنه إنما امتنع عن قتله رعاية لقلوب أصحابه ~~قال أبو حيان: والظاهر أن فرعون لعنه الله كان قد استيقن أنه نبي، وأن ~~ما جاء به آيات باهرة وما هو بسحر، ولكن الرجل كان فيه خبث وجبروت وكان ~~قتالا سفاكا للدماء لأهون شيء، فكيف لا يقتل من أحس منه بأنه يثل ~~عرشه ويهدم ملكه، ولكنه يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك، وكان ~~كلامه للتمويه على قومه وإيهامهم أنهم هم الذين يكفونه، وما كان يكفه ~~إلا شدة الخوف والفزع { إني أخاف أن يبدل دينكم } أي ~~إني أخشى أن يغير ما أنتم عليه من عبادتكم لي إلى عبادة ربه { أو أن ~~يظهر في الأرض الفساد } أي أو أن يثير الفتن والقلاقل في ~~بلدكم، ويكون بسببه الهرج، وهذا كما قال المثل " صار فرعون واعظا " { ~~وقال موسى إني عذت بربي وربكم } أي إني استجرت ~~بالله واعتصمت به ليحفظني { من كل متكبر لا يؤمن ~~بيوم الحساب } أي من شر كل جبار عنيد متكبر عن الإيمان بالله، ~~لا يصدق بالآخرة قال في التسهيل: وإنما قال { من كل متكبر ~~} ولم يذكره باسمه ليشمل فرعون وغيره، وليكون فيه وصف لغير فرعون بذلك ~~الوصف القبيح { وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ~~إيمانه } قال المفسرون: كان هذا الرجل ابن عم فرعون وكان قبطيا يخفي ~~إيمانه عن فرعون، فلما سمع قول الجبار متوعدا موسى بالقتل نصحهم بقوله { ~~أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } استفهام إنكاري ~~للتبكيت عليهم أي أتقتلون رجلا لا ذنب له إلا لأجل أن قال: ربي الله من ~~غير تفكر ولا تأمل في أمره؟ { وقد جآءكم بالبينات من ~~ربكم } أي والحال أنه قد أتاكم بالمعجزات الظاهرة التي شاهدتموها ~~من عند ربكم { وإن يك كاذبا فعليه كذبه } أي إن كان ~~كاذبا في دعوى الرسالة فضرر كذبه لا يتعداه قال القرطبي: ولم يكن ذلك ~~لشك منه في رسالته وصدقه، ولكن ms1332 تلطفا في الاستكفاف، واستنزالا عن ~~الأذى { وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم } أي ~~وإن كان صادقا في دعواه أصابكم بعض ما وعدكم به من العذاب { إن ~~الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } أي لا يوفق للهداية ~~والإيمان من هو مسرف في الضلال، مبالغ في الكذب على الله قال الإمام ~~الفخر: وفي هذا إشارة إلى رفع شأن موسى لأن الله هداه وأيده بالمعجزات، ~~وتعريض بفرعون في أنه مسرف في عزمه على قتل موسى، كذاب في إقدامه ~~على ادعاء الإلهية، والله لا يهدي من هذا شأنه وصفته، بل يبطله ويهدم ~~أمره وقال في البحر: هذا نوع من أنواع علم البيان يسميه علماؤنا " ~~استدراج المخاطب " وذلك أنه لما رأى فرعون قد عزم على قتل موسى، وقومه ~~على تكذيبه، أراد الانتصار له بطريق يخفي عليهم بها أنه متعصب له، وأنه ~~من أتباعه، فجاءهم بطريق النصح والملاطفة فقال { أتقتلون رجلا } ~~ولم يذكر اسمه بل قال رجلا ليوهمهم أنه لا يعرفه، ثم قال { أن يقول ~~ربي الله } ولم يقول رجلا مؤمنا بالله أو هو نبي الله، إذ لو ~~قال ذلك لعلموا أنه متعصب ولم يقبلوا قوله، ثم أتبعه بقوله { وإن يك ~~كاذبا } فقدم الكذب على الصدق موافقة لرأيهم فيه ثم تلاه بقوله { ~~وإن يك صادقا } ولم يقل هو صادق وكذلك قال { يصبكم بعض ~~الذي يعدكم } ولم يقل كل ما يعدكم ولو قال ذلك لعلموا أنه ~~متعصب له، وأنه يزعم نبوته وأنه يصدقه، ثم أتبعه بكلام يفهم منه أنه ليس ~~بمصدق له وهو قوله { إن الله لا يهدي من هو مسرف ~~كذاب } وفيه تعريض بفرعون، إذ هو في غاية الإسراف والكذب على الله، ~~إذ ادعى الألوهية والربوبية { يقوم لكم الملك اليوم ~~ظاهرين في الأرض } كرر النصح مع التلطف والمعنى: أنتم غالبون ~~عالون بني إسرائيل في أرض مصر قد قهرتموهم واستعبدتموهم اليوم { فمن ~~ينصرنا من بأس الله إن جآءنا } أي فمن ينقذنا من عذاب ~~الله وينجينا منه إن قتلتم رسوله قال الرازي: وإنما قال { ينصرنا } ~~و ms1333 { جآءنا } لأنه كان يظهر لهم أنه منهم، وأن الذي ينصحهم به هو ~~مشارك لهم فيه. # . وهنا تأخذ فرعون العزة بالإثم، ويستبد به الجبروت والطغيان { ~~قال فرعون مآ أريكم إلا مآ أرى } أي ما أشير عليكم ~~برأي سوى ما ذكرته من قتل موسى حسما لمادة الفتنة { ومآ أهديكم ~~إلا سبيل الرشاد } أي وما أهديكم بهذا الرأي إلا طريق الصواب ~~والصلاح { وقال الذي آمن يقوم إني أخاف عليكم ~~مثل يوم الأحزاب } أي أخشى عليكم مثل أيام العذاب التي عذب ~~بها المتحزبون على الأنبياء { مثل دأب قوم نوح وعاد ~~وثمود } هذا تفسير للأحزاب أي مثل عادة قوم نوع وعاد وثمود وما ~~أصابهم من العذاب والدمار بتكذيبهم لرسلهم { والذين من بعدهم ~~} أي والمكذبين بعد أولئك كقوم لوط { وما الله يريد ظلما ~~للعباد } أي لا يعاقب العباد بدون ذنب قال الزمخشري: أي إن تدميرهم ~~كان عدلا وقسطا لأنهم استوجبوه بأعمالهم، وفيه مبالغة حيث جعل المنفي ~~إرادة الظلم، ومن كان بعيدا عن إرادة الظلم، كان عن الظلم أبعد { ~~ويقوم إني أخاف عليكم يوم التناد } خوفهم ~~بعذاب الآخرة بعد أن خوفهم بعذاب الدنيا والمعنى إني أخاف عليكم من ذلك ~~اليوم الرهيب يوم الحشر الأكبر، حيث ينادي المجرمون بالويل والثبور # دعوا هنالك ثبورا # [الفرقان: 13] { يوم تولون مدبرين } أي تولون منهزمين من ~~هول عذاب جهنم قال المفسرون: إن الكفار إذا سمعوا زفير النار أدبروا ~~هاربين، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة يتلقونهم يضربون ~~وجوههم، فيرجعون إلى مكانهم فتتلقفهم جنهم { ما لكم من الله ~~من عاصم } أي ليس لكم مانع ولا دافع يصرف عنكم عذاب الله { ومن ~~يضلل الله فما له من هاد } أي ومن يضلله الله فليس له من ~~يهديه إلى طريق النجاة { ولقد جآءكم يوسف من قبل ~~بالبينات } أي ووالله لقد جاءكم يوسف بن يعقوب من قبل موسى ~~بالمعجزات الظاهرات { فما زلتم في شك مما جآءكم به ~~} أي فلم تزالوا شاكين في رسالته كافرين بما جاء به من عند الله قال ~~المفسرون: المراد آباؤكم وأصولكم { حتى ms1334 إذا هلك قلتم لن ~~يبعث الله من بعده رسولا } أي حتى إذا مات قلتم على سبيل ~~التشهي والتمني من غير حجة ولا برهان لن يأتي أحد يدعي الرسالة بعد يوسف ~~قال أبو حيان: وليس هذا تصديقا لرسالة يوسف، كيف وما زالوا في شك منه، ~~وإنما المعنى لا رسول من عند الله فيبعثه إلى الخلق، ففيه نفي الرسول ~~ونفي بعثته { كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب } ~~أي مثل ذلك الضلال الفظيع يضل الله كل مسرف في العصيان، شاك في ~~الدين، بعد وضوح الحجج والبراهين { الذين يجادلون في آيات ~~الله بغير سلطان أتاهم } هذا من تتمة كلام الرجل المؤمن ~~والمعنى الذين يجادلون في شريعة الله بغير حجة وبرهان جاءهم من عند الله ~~{ كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا } أي عظم ~~بغضا عند الله وعند المؤمنين جدالهم بغير برهان قال في البحر: عدل ~~الواعظ عن مخاطبتهم إلى الإسم الغائب، لحسن محاورته لهم واستجلاب ~~قلوبهم، لئلا يفجأهم بالخطاب، وفي قوله { كبر مقتا } ضرب من ~~التعجب والاستعظام لجدالهم، كأنه خارج عن حد أمثاله من الكبائر { ~~كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } ~~أي كما ختم على قلوب هؤلاء المجادلين كذلك يختم بالضلال على قلب كل متكبر ~~عن الإيمان، متجبر على العباد، حتى لا يعقل الرشاد، ولا يقبل الحق، ~~وإنما وصف القلب بالتكبر والجبروت لكونه مركزهما ومنبعهما، وهو سلطان ~~الأعضاء، فمتى فسد فسدت { وقال فرعون يهامان ابن لي ~~صرحا } أي قال فرعون لوزيره هامان ابن لي قصرا عاليا، وبناء شامخا ~~منيفا قال القرطبي: لما قال مؤمن آل فرعون ما قال، وخاف فروع أن يتمكن ~~كلامه في قلوب القوم، أوهم أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فأمر ~~وزيره هامان ببناء الصرح { لعلي أبلغ الأسباب * أسباب ~~السموت } أي لعلي أصل وأنتهي إلى طرق السماوات وما يؤدي إليها، ~~وكررها للتفخيم والبيان { فأطلع إلى إله موسى } أي ~~فأنظر إلى إله موسى نظر عيان { وإني لأظنه كاذبا } أي وإني ~~لأعتقد موسى كاذبا في ادعائه أن له ms1335 إلها غيري قال أبو حيان: وبلوغ ~~أسباب السماوات غير ممكن، لكن فرعون أبرزه في صورة الممكن تمويها على ~~سامعيه، ولما قال { فأطلع إلى إله موسى } كان ذلك ~~إقرارا بالإله فلذلك استدرك هذا الإقرار بقوله { وإني لأظنه ~~كاذبا } { وكذلك زين لفرعون سوء عمله } أي ~~ومثل ذلك التزيين زين لفرعون عمله السيء حتى رآه حسنا { وصد عن ~~السبيل } أي ومنع بضلاله عن طريق الهدى { وما كيد فرعون ~~إلا في تباب } أي وما تدبير فرعون ومكره إلا في خسار وهلاك، خسر ~~ملكه في الدنيا بالغرق، وفي الآخرة بالخلود في النار { وقال الذي ~~آمن يقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد } كرر ~~مؤمن آل فرعون نصحه لهم بعد تلك المراوغة التي لقيها من فرعون، ودعا قومه ~~إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وكشف لهم عن قيمة الحياة الزائلة، ~~وشوقهم إلى نعيم الحياة الباقية، وحذرهم من عذاب الله ومعنى الآية: ~~امتثلوا يا قوم أمري واسلكوا طريقي أرشدكم إلى طريق الفوز والنجاة - طريق ~~الجنة - { يقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع } ~~أي ليست الدنيا إلا متاعا زائلا، لا ثبات له ولا دوام { وإن ~~الآخرة هي دار القرار } أي وإن الدار الآخرة هي دار ~~الاستقرار والخلود، التي لا زوال لها ولا انتقال منها، فإما خلود في ~~النعيم، أو خلود في الجحيم قال القرطبي: ومراده بالدار الآخرة الجنة ~~والنار لأنهما لا يفنيان { من عمل سيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها } أي من عمل في هذه الدنيا سيئة فلا يعاقب في الآخرة ~~إلا بمقدارها دون زيادة، رحمة منه تعالى بالعباد { ومن عمل ~~صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } أي ومن فعل في ~~الدنيا العمل الصالح سواء كان ذكرا أو أنثى بشرط الإيمان { ~~فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير ~~حساب } أي فأولئك المحسنون يدخلون جنات النعيم، ويعطون جزاءهم بغير ~~تقدير، بل أضعافا مضاعفة فضلا من الله وكرما، فقد اقتضى فضله تعالى أن ~~تضاعف الحسنات دون السيئات قال ابن كثير: { بغير حساب } أي لا ~~يتقدر بجزاء، بل يثيبه الله ثوابا كثيرا عظيما، لا انقضاء له ms1336 ولا نفاد ~~{ ويقوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني ~~إلى النار }؟ أي ما لي أدعوكم إلى الإيمان الموصل إلى الجنان، ~~وتدعونني إلى الكفر الموصل إلى النار؟ والاستفهام للتعجب كأنه يقول: أنا ~~أتعجب من حالكم هذه، أدعوكم إلى النجاة والخير، وتدعونني إلى النار ~~والشر؟ ثم وضح ذلك بقوله { تدعونني لأكفر بالله ~~وأشرك به ما ليس لي به علم } أي تدعونني للكفر بالله، ~~وأن أعبد ما ليس لي علم بربويته، وما ليس بإله كفرعون { وأنا ~~أدعوكم إلى العزيز الغفار } أي وأنا أدعوكم إلى عبادة ~~الله الواحد الأحد، العزيز الذي لا يغلب، الغفار لذنوب العباد { لا ~~جرم أنما تدعونني إليه } أي حقا إنما تدعونني لعبادته ~~{ ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة } أي لا يصلح ~~أن يعبد لأنه لا يستجيب لنداء داعيه، ولا يقدر على تفريج كربته لا في ~~الدنيا ولا في الآخرة { وأن مردنآ إلى الله } أي وأن ~~مرجعنا إلى الله وحده فيجازي كلا بعمله { وأن المسرفين هم ~~أصحاب النار } أي وأن المسرفين في الضلال والطغيان سيخلدون في ~~النار { فستذكرون مآ أقول لكم } أي فستذكرون صدق كلامي ~~عندما يحل بكم العذاب، وهو تهديد ووعيد { وأفوض أمري إلى ~~الله } أي أتوكل على الله، وأسلم أمري إليه قال القرطبي: وهذا يدل ~~على أنهم هددوه وأرادوا قتله { إن الله بصير بالعباد } ~~أي مطلع أعمالهم، لا تخفى عليه خافية من أحوالهم { فوقاه الله ~~سيئات ما مكروا } أي فنجاه الله من شدائد مكرهم، ومن أنواع ~~العذاب الذي أرادوا إلحاقه به { وحاق بآل فرعون سوء ~~العذاب } أي ونزل بفرعون وجماعته أسوأ العذاب، وهو الغرق في الدنيا، ~~والحرق في الآخرة، ثم فسره بقوله { النار يعرضون عليها ~~غدوا وعشيا } أي النار يحرقون بها صباحا ومساء قال المفسرون: ~~المراد بالنار هنا نار القبر وعذابهم في القبور بدليل قوله بعده { ~~ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب } أي ويوم القيامة يقال للملائكة: ادخلوا فرعون وقومه نار ~~جهنم التي هي أشد من عذاب الدنيا. ### || [40.47-66] # المناسبة: لما ذكر تعالى ما حل ms1337 بآل فرعون من العذاب والدمار، ذكر ~~بعده النزاع والخصام الذي يكون بين أهل النار، واستغاثة المجرمين، وهم في ~~عذاب الجحيم يصلون سعيرها فلا يجابون، ثم ذكر الأدلة والبراهين على قدرة ~~الله ووحدانيته، لإقامة الحجة على المشركين. # اللغة: { يتحآجون } يختصمون { خزنة } جمع خازن وهو المتكفل ~~بحفظ الشيء وحراسته { الأشهاد } جمع شاهد وهو الذي يشهد بالحجة على ~~غيره { داخرين } أذلاء صاغرين { تؤفكون } تصرفون عن الإيمان ~~إلى الكفر { قرارا } مستقرا { أسلم } أذل وأخضع. # التفسير: { وإذ يتحآجون في النار } أي واذكر حين يختصم ~~الرؤساء والأتباع في نار جهنم { فيقول الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا } أي فيقول الأتباع ~~الضعفاء للرؤساء المستكبرين عن الإيمان واتباع الرسل، إنا كنا لكم في ~~الدنيا أتباعا كالخدم ننقاد لأوامركم، ونطيعكم فيما تدعوننا إليه من ~~الكفر والضلال { فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من ~~النار }؟ أي فهل أنتم دافعون عنا جزءا من هذا العذاب الذي نحن فيه؟ ~~قال الرازي: علموا أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف، وإنما ~~مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل الرؤساء، وإيلام قلوبهم، لأنهم ~~سعوا في إيقاعهم في أنواع الضلالات { قال الذين استكبروا ~~إنا كل فيهآ } أي قال الرؤساء جوابا لهم: إنا جميعا في نار ~~جهنم، فلو قدرنا على إزالة العذاب عنكم لدفعناه عن أنفسنا { إن ~~الله قد حكم بين العباد } أي قضى قضاء مبرما لا مرد ~~له، بدخول المؤمنين الجنة، والكافرين النار، فلا نستطيع أن نفعل لكم ~~شيئا { وقال الذين في النار لخزنة جهنم } لما يئس ~~أهل النار بعضهم من بعض التجأوا إلى حراس جهنم يطلبون منهم التخفيف قال ~~البيضاوي: وإنما وضع جهنم موضع الضمير { لخزنة جهنم } بدلا ~~من " لخزنتها " للتهويل والتفظيع { ادعوا ربكم يخفف عنا ~~يوما من العذاب } أي ادعوا لنا الله أن يخفف عنا ولو مقدار يوم ~~واحد من هذا العذاب { قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات }؟ أي أجابتم الملائكة على سبيل التوبيخ والتقريع: ألم ~~تأتكم الرسل بالمعجزات الظاهرات فكفرتم بهم وكذبتموهم؟ { قالوا بلى ~~} أي قال الكفار بلى جاءونا { قالوا ms1338 فادعوا } أي قالت لهم ~~الملائكة: فادعوا الله أنتم فإنا لا نجترىء على ذلك قال الرازي: وليس ~~قولهم { فادعوا } لرجاء المنفعة، ولكن للدلالة على الخيبة، فإن ~~الملائكة المقربين إذا لم يسمع دعاؤهم، فكيف يسمع دعاء الكفار؟ ثم ~~يصرحون لهم بأنه لا أثر لدعائهم فيقولون { وما دعاء الكافرين ~~إلا في ضلال } أي دعاؤكم لا ينفع ولا يجدي لأن دعاء الكافرين ما ~~هو إلا في خسار وتبار { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا } أي ننصر الرسل والمؤمنين بالحجة والظفر ~~والانتقام لهم من الكفرة المجرمين في هذه الحياة الدنيا { ويوم ~~يقوم الأشهاد } أي وفي الآخرة يوم يحضر الأشهاد الذين يشهدون ~~بأعمال العباد، من ملك ونبي ومؤمن قال الرازي: الآية وعد من الله ~~تعالى لرسوله بأن ينصره على أعدائه في الحياة الدنيا وفي الآخرة { يوم ~~لا ينفع الظالمين معذرتهم } أي لا ينفع المجرمين ~~اعتذارهم قال ابن جرير: لا ينفع أهل الشرك اعتذارهم، لأنهم لا يعتذرون ~~إلا بباطل { ولهم اللعنة } أي الطرد من رحمة الله { ولهم ~~سوء الدار } أي ولهم جهنم أسوأ مرجع ومصير قال ابن عباس: { سوء ~~الدار } سوء العاقبة { ولقد آتينا موسى الهدى } أي ~~والله لقد أعطينا " موسى بن عمران " ما يهتدى به في الدين، من المعجزات ~~والصحف والشرائع { وأورثنا بني إسرائيل الكتاب } أي ~~أورثناهم العلم النافع والكتاب الهادي وهو " التوراة " { هدى ~~وذكرى لأولي الألباب } أي هاديا وتذكرة لأصحاب العقول ~~السليمة { فاصبر إن وعد الله حق } أي فاصبر يا محمد على ~~أذى المشركين، فإن وعد الله لك ولأتباعك بالنصر على الأعداء، حق لا ~~يمكن أن يتخلف، لأن الله لا يخلف الميعاد قال الإمام الفخر: لما بين ~~تعالى أنه ينصر رسله، وضرب المثال في ذلك بحال موسى، خاطب بعده رسوله ~~بقوله { فاصبر إن وعد الله حق } والمراد أن الله ناصرك ~~كما نصرهم، ومنجز وعده لك كما أنجزه في حقهم { واستغفر لذنبك ~~} أي واطلب المغفرة من ربك على ما فرط منك من ترك الأولى والأفضل، قال ~~الصاوي: والمقصود من هذا الأمر تعليم الأمة ذلك، ms1339 وإلا فرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم معصوم من الذنوب جميعا، صغائر وكبائر قبل النبوة وبعدها ~~على التحقيق وقال ابن كثير: وهذا تهييج للأمة على الاستغفار { وسبح ~~بحمد ربك بالعشي والإبكار } أي ودم على تسبيح ربك في ~~المساء والصباح قال الرازي: والمراد منه الأمر بالمواظبة على ذكر الله، ~~وألا يفتر اللسان عنه، حتى يصبح في زمرة الملائكة الأبرار، الذين # يسبحون اليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء: 20] والمراد بالتسبيح تنزيه الله عن كل ما لا يليق به، ثم ~~نبه تعالى إلى السبب الدافع للكفار إلى المجادلة بالباطل فقال { إن ~~الذين يجادلون في آيات الله } أي يخاصمون في الآيات ~~المنزلة { بغير سلطان أتاهم } أي بلا برهان ولا حجة من ~~الله { إن في صدورهم إلا كبر } أي ما في قلوبهم إلا تكبر ~~وتعاظم يمنعهم من اتباعك والانقياد إليك { ما هم ببالغيه } أي ~~ما هم بواصلين إلى مرادهم من إطفاء نور الله، ولا بمؤملين مقصودهم بالعلو ~~عليك { فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير } أي ~~فالتجىء وتحصن بالله من كيدهم، فإن الله يدفع عنك شرهم، لأنه هو ~~السميع لأقوالهم العليم بأحوالهم.. ثم ذكر تعالى الدلائل الدالة على ~~قدرته ووحدانيته فقال { لخلق السموت والأرض أكبر ~~من خلق الناس } اللام لام الابتداء أي لخلق الله للسماوات ~~والأرض وإنشاؤهما وابتداعهما من غير شيء أعظم من خلق البشر، فمن قدر ~~على خلقهما مع عظمهما كيف يعجز عن خلق ما هو أحقر وأهون؟ قال في التسهيل: ~~والغرض الاستدلال على البعث، لأن الإله الذي خلق السماوات والأرض على ~~كبرها، قادر على إعادة الأجسام بعد فنائها { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } أي ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك، لأنهم ~~لا يتأملون لغلبة الجهل عليهم، وفرط غفلتهم واتباعهم لأهوائهم { وما ~~يستوي الأعمى والبصير } أي لا يتساوى المؤمن والكافر { ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء } أي ~~ولا البر والفاجر { قليلا ما تتذكرون } أي لا تتعظون بهذه ~~الأمثال إلا قليلا قال ابن كثير: والمراد أنه كما لا يستوي الأعمى الذي ~~لا يبصر شيئا، والبصير الذي يرى ms1340 ما انتهى إليه بصره، كذلك لا يستوي ~~المؤمنون الأبرار، والكفرة الفجار، ما أقل ما يتذكر كثير من الناس؟ { ~~إن الساعة لآتية لا ريب فيها } أي إن القيامة آتية لا ~~محالة، لا شك في ذلك ولا مرية { ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون } أي ولكن أكثر الناس لا يصدقون بمجيئها، ولذلك ينكرون ~~البعث والجزاء قال الرازي: والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون ~~البعث والقيامة { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } أي ~~ادعوني أجبكم فيما طلبتم، وأعطكم ما سألتم قال ابن كثير: ندب تعالى ~~عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة فضلا منه وكرما { إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين } أي إن الذين يتكبرون عن دعاء الله سيدخلون جهنم أذلاء ~~صاغرين. # . ثم ذكر تعالى من آثار قدرته ووحدانيته، ما يلزم منه إفراده بالعبادة ~~والشكر فقال { الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا ~~فيه والنهار مبصرا } أي الله جل وعلا بقدرته وحكمته هو الذي ~~جعل لكم الليل مظلما لتستريحوا فيه من تعب وعناء العمل بالنهار، وجعل ~~النهار مضيئا لتتصرفوا فيه بأسباب الرزق وطلب المعاش { إن الله ~~لذو فضل على الناس } أي إنه تعالى متفضل على العباد، وهو صاحب ~~الجود والإحسان إليهم { ولكن أكثر الناس لا يشكرون ~~} أي ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على إحسانه، ويجحدون فضله ~~وإنعامه { ذلكم الله ربكم خالق كل شيء } أي ~~ذلكم المتفرد بالخلق والإنعام هو الله ربكم، خالق كل الأشياء { لا ~~إله إلا هو } أي لا معبود في الوجود سواه { فأنى ~~تؤفكون } أي فكيف تصرفون عن عبادة الخالق المالك إلى عبادة الأوثان؟ ~~{ كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون } ~~أي كذلك يصرف عن الهدى والحق الذين جحدوا بآيات الله وأنكروها قال ~~الصاوي: وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى لا تحزن يا محمد ~~على إنكار قومك فإن من قبلهم فعل ذلك، ثم زاد في البيان ودلائل القدرة ~~فقال { الله الذي جعل لكم الأرض قرارا } أي جعلها ~~مستقرا لكم في حياتكم وبعد مماتكم قال ابن عباس: جعلها منزلا لكم في ms1341 ~~حال الحياة وبعد الموت { والسمآء بنآء } أي وجعل السماء سقفا ~~محفوظا، كالقبة المبنية مرفوعة فوقكم { وصوركم فأحسن ~~صوركم } أي صوركم أحسن تصوير، وخلقكم في أحسن الأشكال، متناسبي ~~الأعضاء، ولم يجعلكم كالبهائم منكوسين تمشون على أربع قال الزمخشري: لم ~~يخلق تعالى حيوانا أحسن صورة من الإنسان، وهذه مثل قوله تعالى # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] { ورزقكم من الطيبات } أي ورزقكم من أنواع ~~اللذائذ { ذلكم الله ربكم } أي ذلكم الفاعل لهذه الأشياء ~~والمنعم بهذه النعم هو ربكم لا إله إلا هو { فتبارك الله رب ~~العالمين } أي فتعالى وتمجد وتقدس رب جميع المخلوقات الذي لا ~~تصلح الربوبية إلا له { هو الحي لا إله إلا هو } أي ~~هو تعالى المتفرد بالحياة الذاتية الحقيقية، الباقي الذي لا يموت، لا إله ~~سواه { فادعوه مخلصين له الدين } أي فاعبدوه وحده مخلصين ~~له العبادة والطاعة ظاهرا وباطنا قائلين { الحمد لله رب ~~العالمين } أي الثناء والشكر لله مالك جميع المخلوقات، لا للأوثان ~~الي لا تملك شيئا، ولما بين صفات الجلال والعظمة، نهى عن عبادة غير ~~الله فقال { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من ~~دون الله } أي قل يا محمد إن ربي العظيم الجليل نهاني أن أعبد هذه ~~الآلهة التي تعبدونها من الأوثان والأصنام قال الصاوي: أمر تعالى نبيه أن ~~يخاطب قومه بذلك زجرا له، حيث استمروا على عبادة غير الله، بعد ظهور ~~الأدلة العقلية والنقلية { لما جآءني البينات من ربي } ~~أي حين جاءتني الآيات الواضحات من عنده، الدالة على وحدانيته قال الرازي: ~~والبينات هي أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفا بصفات الجلال والعظمة، ~~وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا به، وأن جعل الحجارة المنحوتة ~~والأخشاب المصورة، شركاء له في المعبودية مستنكر في بديهة العقل { ~~وأمرت أن أسلم لرب العالمين } أي وأمرت أن أذل وأخضع ~~لله وحده، وأن أخلص له ديني، وأطهر نفسي من عبادة غيره. ### || [40.67-85] # المناسبة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن دلائل القدرة والوحدانية، ~~فبعد أن ذكر تعالى دلائل القدرة ms1342 في الآفاق أردفها بدلائل القدرة في ~~الأنفس، ثم تحدث عن أحوال المشركين يوم القيامة، وختم السورة الكريمة ~~بالوعيد والتهديد لأهل الكفر والضلال. # اللغة: { الأغلال } القيود جمع غل وهو القيد يجمع اليد إلى ~~العنق { الحميم } الماء الحار البالغ نهاية الحرارة { يسجرون } ~~توقد بهم النار يقال: سجر التنور أوقده { تمرحون } تبطرون وتأشرون ~~{ مثوى } مأوى ومكان إقامة، من ثوى بالمكان إذا أقام فيه { خلت } ~~مضت. # التفسير: { هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة } هذا بيان للأطوار التي مر بها خلق الإنسان أي ~~هو جل وعلا بقدرته الذي أوجدكم أيها الناس من العدم، فخلق أصلكم آدم من ~~تراب، ثم خلق ذريته من النطفة وهي المني، ثم من علقة وهي الدم الغليظ، ~~إلى آخر تلك الأطوار { ثم يخرجكم طفلا } أي ثم بعد أن ينفصل ~~الجنين من بطن الأم يكون طفلا { ثم لتبلغوا أشدكم } ~~أي ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل، وهو سن الأربعين { ثم ~~لتكونوا شيوخا } أي ثم لتصبحوا في سن الهرم والشيخوخة قال ~~الإمام الفخر: رتب تعالى عمر الإنسان على ثلاث مراتب: الطفولة، وبلوغ ~~الأشد، والشيخوخة، وهذا ترتيب مطابق للعقل، فإن الإنسان في أول عمره ~~يكون في النماء والنشوء وهو المسمى بالطفولة، إلى أن يبلغ إلى كمال ~~النشوء من غير أن يحصل له ضعف، وهذا بلوغ الأشد، ثم يبدأ بالتراجع ويبدأ ~~فيه الضعف والنقص، وهذه مرتبة الشيخوخة { ومنكم من يتوفى من ~~قبل } أي ومنكم من يتوفى قبل أن يخرج إلى العالم وهو السقط وقال ~~مجاهد: من قبل سن الشيخوخة { ولتبلغوا أجلا مسمى } أي ~~ولتصلوا إلى الزمان الذي حدد لكل شخص وهو الموت { ولعلكم ~~تعقلون } أي ولكي تعقلوا دلائل قدرته تعالى وتؤمنوا بأنه الواحد ~~الأحد { هو الذي يحيي ويميت } أي هو القادر جل وعلا على ~~الإحياء والإماتة { فإذا قضى أمرا فإنما يقول له ~~كن فيكون } أي فإذا أراد أمرا من الأمور فلا يحتاج إلى تعب وعناء، ~~وإنما يوجد فورا دون تأخير قال أبو السعود: وهذا تمثيل لكمال قدرته، ~~وتصوير لسرعة وجودها ms1343 من غير أن يكون هناك أمر ومأمور.. ثم عاد إلى ذم ~~المجادلين في آيات الله بالباطل فقال { ألم تر إلى الذين ~~يجادلون في آيات الله أنى يصرفون } الاستفهام ~~للتعجيب أي ألا ترى السامع وتعجب من حال هؤلاء المكابرين، الذين يجادلون ~~في آيات الله الواضحة، كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال؟ ثم بينهم ~~بقوله { الذين كذبوا بالكتاب وبمآ أرسلنا به ~~رسلنا } أي الذين كذبوا بالقرآن، وبسائر الكتب والشرائع السماوية { ~~فسوف يعلمون } وعيد وتهديد أي سوف يعلمون عاقبة تكذيبهم { إذ ~~الأغلال في أعناقهم والسلاسل } أي حين يدخلون النار، ~~وتربط أيديهم إلى أعناقهم بالأغلال والسلاسل { يسحبون * في ~~الحميم ثم في النار يسجرون } أي يسحبون بتلك السلاسل في ~~الماء الحار المسخن بنار جهنم، ثم يوقدون ويحرقون فيها قال ابن كثير: ~~ومعنى الآية أن السلاسل متصلة بالأغلال وهي بأيدي الزبانية، يسحبونهم على ~~وجوههم تارة إلى الحميم، وتارة إلى الجحيم كما قال تعالى # يطوفون بينها وبين حميم آن # [الرحمن: 44] { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون * ~~من دون الله } أي ثم قيل لهم تبكيتا: أين هم الأوثان والأصنام ~~التي كنتم تعبدونها وتجعلونها شركاء لله؟ { قالوا ضلوا عنا } ~~أي فيقولون: غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا نستشفع بهم { بل لم ~~نكن ندعوا من قبل شيئا } أي بل لم نكن نعبد شيئا قال ~~المفسرون: جحدوا عبادتهم، وإنما فعلوا ذلك لحيرتهم واضطرابهم { كذلك ~~يضل الله الكافرين } أي مثل إضلال هؤلاء المكذبين يضل الله ~~كل كافر { ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير ~~الحق } أي ذلكم العذاب بما كنتم تظهرونه في الدنيا من السرور ~~بالمعصية وكثرة المال وإنفاقه في المحرمات { وبما كنتم ~~تمرحون } أي وبسبب بطركم وأشركم وخيلائكم قال الصاوي: وهذا وإن كان ~~ذما في الكفار، إلا أنه يجر بذيله على كل من توسع في معاصي الله، ~~فله من هذا الوعيد نصيب { ادخلوا أبواب جهنم خالدين ~~فيها } أي ادخلوا من أبواب جهنم السبعة المقسومة لكم ماكثين فيها أبدا ~~{ فبئس مثوى المتكبرين } أي بئست جهنم مقرا وسكنا ~~للمستكبرين عن آيات ms1344 الله، المعرضين عن دلائل الإيمان والتوحيد، وإنما ~~قال { مثوى المتكبرين } ولم يقل فبئس مدخل المكبرين وهو مقتضى ~~النظم، لأن الدخول لا يدوم، وإنما يدوم المثوى ولذا خصه بالذم { ~~فاصبر إن وعد الله حق } أي فاصبر يا محمد على تكذيب قومك ~~لك، فإن وعد الله بتعذيبهم كائن لا محالة قال الصاوي: هذا تسلية من ~~الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ووعد حسن بالنصر له على أعدائه { ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم } أي إن أريناك بعض ~~الذي نعدهم من العذاب، وجواب الشرط محذوف تقديره فذلك هو المطلوب، أو ~~لتقر به عينك { أو نتوفينك فإلينا يرجعون } أي ~~أو نتوفينك يا محمد قبل إنزال العذاب عليهم، فإلينا مرجعهم يوم ~~القيامة فننتقم منهم أشد الانتقام، ثم أخبره تعالى بأنباء الرسل تسلية ~~له عليه السلام فقال { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } أي ~~والله لقد بعثنا يا محمد رسلا كثيرين قبلك، وأيدناهم بالمعجزات الباهرة ~~فجادلهم قومهم وكذبوهم فتأس بهم في الصبر على ما ينالك قال القرطبي: ~~عزاه تعالى بما لقيت الرسل من قبله { منهم من قصصنا عليك ~~ومنهم من لم نقصص عليك } أي من هؤلاء الرسل من أخبرناك ~~عن قصصهم مع قومهم، ومنهم من لم نخبرك عن قصصهم وأخبارهم { وما كان ~~لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } أي وما صح ~~ولا استقام لرسول من الرسل أن يأتي قومه بشيء من المعجزات إلا بأمر ~~الله، وهذا رد على قريش حيث قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل لنا ~~الصفا ذهبا وغير ذلك من مقترحاتهم { فإذا جآء أمر الله ~~قضي بالحق } أي فإذا جاء الوقت المسمى لعذابهم أهلكهم الله { ~~وخسر هنالك المبطلون } أي خسر في ذلك الحين المعاندون ~~الذين يجادلون في آيات الله، ويقترحون المعجزات على سبيل التعنت، ثم ~~ذكرهم تعالى بعمه فقال { الله الذي جعل لكم الأنعام } ~~أي الله جل وعلا الذي لا تصلح الألوهية إلا له، هو الذي سخر لكم هذه ~~الأنعام " الإبل والبقر والغنم " وخلقها لكم ولمصلحتكم { لتركبوا ~~منها ومنها تأكلون } أي لتركبوا على ظهور ms1345 بعض هذه الحيوانات، ~~وتأكلوا من لحومها وألبانها، { ولكم فيها منافع } أي ولكم في ~~هذه الأنعام منافع عديدة في الوبر والصوف والشعر، واللبن والزبد والسمن { ~~ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم } أي بحمل الأثقال ~~في الأسفار البعيدة { وعليها وعلى الفلك تحملون } أي ~~وعلى هذه الإبل في البر، وعلى السفن في البحر تحملون، وإنما قرن بين ~~الإبل والسفن لما بينهما من شدة المناسبة حتى سميت الإبل سفن البر { ~~ويريكم آياته } أي ويريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته ~~في الآفاق والأنفس { فأي آيات الله تنكرون } توبيخ لهم على ~~إنكارهم لوحدانيته مع ظهور آياته الكثيرة والمعنى أي آية من تلك ~~الآيات الباهرة والدلائل الكثيرة الساطعة تنكرون مع وضوحها وجلائها ~~وكثرتها؟ فإن هذه الدلائل لظهورها لا تقبل الإنكار { أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم } الاستفهام إنكاري أي أفلم يسر هؤلاء المشركون في أطراف ~~الأرض ليعرفوا عاقبة المتكبرين المتمردين، وآثار الأمم السالفة قبلهم، ~~ماذا حل بهم من العذاب والدمار بسبب كفرهم وتكذيبهم؟ { كانوا ~~أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض } أي كانوا ~~أكثر عددا من أهل مكة، وأقوى منهم قوة، وآثارهم لا تزال باقية بعدهم من ~~الأبنية والقصور والمباني الضخمة { فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون } أي فلم ينفعهم ما كانوا يكسبونه من الأبنية والأموال ~~شيئا، ولا دفع عنهم العذاب { فلما جآءتهم رسلهم ~~بالبينات } أي فلما جاءتهم الرسل بالمعجزات الظاهرات، والآيات ~~الواضحات { فرحوا بما عندهم من العلم } أي فرح الكفار ~~بما هم عليه من العلم الدنيوي، الخالي عن نور الهداية والوحي، فرح بطر ~~وأشر، وأغتروا بذلك العلم { وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزئون } أي نزل بهم جزاء كفرهم واستهزائهم بالرسل والآيات { ~~فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده } أي ~~فلما رأوا شدة العذاب وعاينوا أهواله وشدائده قالوا آمنا بالله الواحد ~~الأحد { وكفرنا بما كنا به مشركين } أي كفرنا بالأصنام ~~والأوثان التي أشركناها في العبادة مع الله { فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا } أي فلم يكن ينفعهم ذلك ~~الإيمان حين شاهدوا ms1346 العذاب لأنه إيمان عن قسر وإلجاء { سنت ~~الله التي قد خلت في عباده } أي سن الله ذلك سنة ~~ماضية في العباد، أنه لا ينفع الإيمان إذا رأوا العذاب { وخسر ~~هنالك الكافرون } أي وخسر في ذلك الوقت الكافرون بربهم، ~~الجاحدون لتوحيد خالقهم. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { الذنب.... التوب } وبين { أمتنا.. ~~وأحييتنا } وبين { صادقا.. وكاذبا } وبين { غدوا.. ~~وعشيا } وبين { يحيي.. ويميت } وبين { الأعمى.. ~~والبصير }. # 2- المقابلة # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا # [غافر: 12] فقد قابل بين التوحيد والإشراك، والكفر والإيمان وكذلك ~~توجد المقابلة بين قوله تعالى # يقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن ~~الآخرة هي دار القرار # [غافر: 39] وهذه من المحسنات البديعية. # 3- المجاز المرسل # وينزل لكم من السمآء رزقا # [غافر: 13] أطلق الرزق وأراد المطر لأن الماء سبب في جميع الأرزاق، فهو ~~من إطلاق المسبب وإرادة السبب. # 4- الاستعارة اللطيفة # وما يستوي الأعمى والبصير # [غافر: 58] استعار الأعمى للكافر، والبصير للمؤمن. # 5- المجاز العقلي # والنهار مبصرا # [غافر: 61] من إسناد الشيء إلى زمانه، لأن النهار زمن للإبصار. # 6- الكناية # يلقي الروح من أمره # [غافر: 15] الروح هنا كناية عن الوحي، لأنه كالروح للجسد. # 7- صيغ المبالغة مثل: " كذاب، جبار، سميع، بصير، عليم " الخ. # 8- الجناس الناقص { تفرحون.... تمرحون } وكذلك # وصوركم فأحسن صوركم # [غافر: 64]. # 9- التأكيد بإن واللام # إن الساعة لآتية # [غافر: 59]. # 10- صيغة الحصر # ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا # [غافر: 4]. # 11- جناس الاشتقاق { أرسلنا رسلا }. # 12- طباق السلب { منهم من قصصنا عليك ومنهم من ~~لم نقصص عليك }. # 13- توافق رءوس الآيات مع السجع البديع، والكلام الذي يأخذ بالألباب، ~~انظر روعة البيان، وتمعن قول القرآن وهو يتحدث عن مؤمن آل فرعون بذلك ~~البيان الإلهي المعجز # ويقوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني ~~إلى النار * تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ~~ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز ~~الغفار.. # [غافر: 41-42] الخ الآيات الكريمة التي هي أجلى من عقود الجمان. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-18] # اللغة: { فصلت } بينت ووضحت { أكنة } جمع كنان ms1347 وهو ~~الغطاء { وقر } صمم وثقل يمنع سماع الكلام { ممنون } مقطوع من ~~مننت الحبل إذا قطعته قال الشاعر: # إني لعمرك ما بابي بذي غلق # على الصديق ولا خيري بممنون # { صرصر } الصرصر: الريح الباردة العاصفة مع الصوت الشديد { ~~نحسات } مشئومات من النحس بمعنى الشؤم وهو ضد السعد قال ~~الشاعر: # سواء عليه أي حين أتيته # أساعة نحس تتقى أم بأسعد # { أخزى } أشد إهانة وإذلالا من الخزي بمعنى الإهانة { الهون ~~} الإهانة والذل. # التفسير: { حم } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن { ~~تنزيل من الرحمن الرحيم } أي هذا القرآن المجيد منزل ~~من الرحمن الرحيم، أنزله جل وعلا رحمة بعباده، وإنما خص هذين الإسمين ~~{ الرحمن الرحيم } إشارة إلى أن نزوله من أكبر النعم، ولا شك أن القرآن ~~نعمة باقية إلى يوم القيامة { كتاب فصلت آياته } أي كتاب ~~جامع للمصالح الدينية والدنيوية، بينت معانيه، ووضحت أحكامه، بطريق ~~القصص والمواعظ والأحكام والأمثال، في غاية البيان والكمال { قرآنا ~~عربيا } أي في حال كونه قرآنا عربيا، واضحا جليا نزل بلسان ~~العرب { لقوم يعلمون } أي لقوم يفهمون تفاصيل آياته، ودلائل ~~إعجازه، فإنه في أعلى طبقات البلاغة، ولا يتذوق أسراره إلا من كان ~~عالما بلغة العرب { بشيرا ونذيرا } أي مبشرا للمؤمنين بجنات ~~النعيم، ومنذرا للكافرين بعذاب الجحيم { فأعرض أكثرهم فهم ~~لا يسمعون } أي فأعرض أكثر المشركين عن تدبر آياته مع كونه نزل ~~بلغتهم، فهم لا يسمعون سماع تفكر وتأمل قال أبو حيان: المعنى أعرض أكثر ~~أولئك القوم مع كونهم من أهل العلم، ولكن لم ينظروا النظر التام بل ~~أعرضوا، فهم لإعراضهم لا يسمعون ما احتوى عليه من الحجج والبراهين وقال ~~القرطبي: السورة نزلت تقريعا وتوبيخا لقريش في إعجاز القرآن، فهم لا ~~يسمعون سماعا ينتفعون به، ثم أخبر تعالى عن عتوهم وضلالهم فقال { ~~وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } أي ~~وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الإيمان: قلوبنا في ~~أغطية متكاثفة، لا يصل إليها شيء مما تدعونا إليه من التوحيد والإيمان ~~{ وفي آذاننا وقر } أي وفي آذاننا صمم وثقل يمنعنا ms1348 من فهم ما ~~تقول قال الصاوي: شبهوا أسماعهم بآذان فيها صمم، من حيث إنها تمج ~~الحق ولا تميل إلى استماعه { ومن بيننا وبينك حجاب } أي ~~وبيننا وبينك يا محمد حاجز يمنع أن يصل إلينا شيء مما تقول، فنحن معذورون ~~في عدم اتباعك، لوجود المانع من جهتنا وجهتك { فاعمل إننا ~~عاملون } أي اعمل أنت على طريقتك، ونحن على طريقتنا، واستمر على ~~دينك فإنا مستمرون على ديننا { قل إنمآ أنا بشر مثلكم ~~يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد } أي قل يا محمد ~~لأولئك المشركين: لست إلا بشرا مثلكم خصني الله بالرسالة والوحي، وأنا ~~داع لكم إلى توحيد خالقكم وموجدكم، الذي قامت الأدلة العقلية والشرعية ~~على وحدانيته ووجوده، فلا داعي إلى تكذيبي { فاستقيموا إليه ~~واستغفروه } أي توجهوا إليه بالاستقامة على التوحيد والإيمان، ~~والإخلاص في الأعمال، واسألوه المغفرة لسالف الذنوب { وويل ~~للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة } أي دمار وهلاك ~~للمشركين الذين لا يفعلون الخير، ولا يتصدقون ولا ينفقون في طاعة الله ~~قال القرطبي: قرعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء، وفي الآية دلالة على ~~أن الكافر يعذب بمنع الزكاة مع عذابه على كفره وقال ابن عباس: المراد ~~زكاة الأنفس والمعنى: لا يطهرون أنفهسم من الشرك بالتوحيد، ولا يقولون لا ~~إله الله { وهم بالآخرة هم كافرون } أي كفروا بالبعث ~~والنشور، وكذبوا بالحساب والجزاء قال الصاوي: وإنما خص منع الزكاة ~~وقرنه بالكفر بالآخرة، لأن المال شقيق الروح فإذا بذله الإنسان في سبيل ~~الله كان دليلا على قوته وثباته في الدين { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } لما ذكر حال ~~الكفار ووعيدهم، أردفه بذكر حال المؤمنين وما لهم من الوعد الكريم ~~والمعنى الذين صدقوا الله ورسوله، وجمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، ~~لهم في الآخرة أجر غير مقطوع عند ربهم، بل هو دائم مستمر بدوام الجنة، ~~ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته فقال { قل أإنكم ~~لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } الاستفهام ~~للتوبيخ والتعجب أي كيف تكفرون بالله وهو الإله العلي الشأن، القادر ~~على كل شيء، ms1349 خالق الأرض في يومين؟ { وتجعلون له أندادا } أي ~~تجعلون له شركاء وأمثالا تعبدونها معه { ذلك رب العالمين } ~~أي ذلك الخالق المبدع هو رب العالمين كلهم، فكيف يجوز جعل الأصنام ~~الخسيسة شركاء له في الإلهية والمعبودية؟ قال الصاوي: الاستفهام { ~~أإنكم } للإنكار والتشنيع عليهم والمعنى: أنتم تعلمون أنه لا شريك ~~له في العالم العلوي والسفلي، فكيف تجعلون له شريكا؟ { وجعل فيها ~~رواسي من فوقها } أي جعل في الأرض جبالا ثوابت لئلا تميد ~~بالبشر { وبارك فيها } أي أكثر خيرها بما جعل فيها من المياه، ~~والزروع، والضروع { وقدر فيهآ أقواتها } أي قدر أرزاق ~~أهلها ومعاشهم قال مجاهد: خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها { في ~~أربعة أيام سوآء للسآئلين } أي في تمام أربعة أيام ~~كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان، للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها { ~~ثم استوى إلى السمآء وهي دخان } أي عمد إلى خلقها ~~وقصد إلى تسويتها وهي بهيئة الدخان قال ابن كثير: والمراد بالدخان بخار ~~الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض { فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها } أي استجيبا لأمري طائعتين أو مكرهتين { قالتآ ~~أتينا طآئعين } أي قالت السموات والأرض أتينا أمرك طائعين قال ~~الزمخشري: وهذا على التمثيل أي أنه تعالى أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه، ~~وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع، والغرض ~~تصوير أثر قدرته في المقدورات من غير أن يكون هناك خطاب وجواب، ومثله قول ~~القائل: قال الحائط للمسمار لم تشقني؟ قل: سل من يدقني، وروي عن ابن ~~عباس قال قال الله تعالى للسماء: أطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وقال للأرض: ~~شققي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين " قالتا أتينا أمرك ~~طائعتين " واختاره ابن جرير { فقضاهن سبع سموت في ~~يومين } أي صنعهن وأبدع خلقهن سبع سماوات في وقت مقدر بيومين، ~~فتم خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ولو شاء لخلقهن بلمح البصر، ~~ولكن أراد أن يعلم عباده الحلم والأناة { وأوحى في كل سمآء ~~أمرها } أي أوحى في كل سماء ما أراده، وما أمر به ms1350 فيها قال ابن كثير: ~~أي رتب في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة وما فيها من الأشياء التي ~~لا يعلمها إلا هو { وزينا السمآء الدنيا بمصابيح ~~وحفظا } أي وزينا السماء الأولى القريبة منكم، بالكواكب المنيرة ~~المشرقة على أهل الأرض، وحرسا من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى { ~~ذلك تقدير العزيز العليم } أي ذلك المذكور من الخلق ~~والإبداع هو صنع الله، العزيز في ملكه، العليم بمصالح خلقه { فإن ~~أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود } أي فإن أعرضوا عن الإيمان بعد هذا البيان، فقل لهم: إني ~~أخوفكم عذابا هائلا وهلاكا مثل هلاك عاد وثمود، وعبر بالماضي إشارة ~~إلى تحققه وحصوله { إذ جآءتهم الرسل من بين أيديهم ~~ومن خلفهم } أي حين جاءتهم الرسل من كل جوانبهم، واجتهدوا في ~~هدايتهم من كل جهة، وأعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتو ~~والإعراض { ألا تعبدوا إلا الله } أي بأن لا تعبدوا إلا ~~الله وحده { قالوا لو شآء ربنا لأنزل ملائكة } أي لو ~~شاء ربنا إرسال رسول لجعله ملكا لا بشرا { فإنا بمآ ~~أرسلتم به كافرون } أي فإنا كافرون برسالتكم، لا نتبعكم ~~وأنتم بشر مثلنا، وفي قولهم { بمآ أرسلتم } ضرب من التهكم ~~والسخرية بهم { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير ~~الحق } هذا تفصيل لما حل بعاد وثمود من العذاب أي فأما عاد ~~فبغوا وعتوا وعصوا، وتكبروا على عباد الله " هود " ومن آمن منهم معه، ~~بغير استحقاق للتعظم والاستعلاء { وقالوا من أشد منا ~~قوة }؟ أي وقالوا اغترارا بقوتهم لما خوفوا بالعذاب: لا أحد أقوى ~~منا فنحن نستطيع أن ندفع العذاب عن أنفسنا بفضل قوتنا قال أبو السعود: ~~كانوا ذوي أجسام طوال، وخلق عظيم، وقد بلغ من قوتهم أن الرجل كان ينزع ~~الصخرة من الجبل فيقتلعها بيده { أولم يروا أن الله ~~الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } جملة اعتراضية ~~للتعجيب من مقالتهم الشنيعة والمعنى أغفلوا عن قدرة الله ولم يعلموا أن ~~الله العظيم الجليل الذي خلقهم وخلق الكائنات، هو أعظم منهم قوة وقدرة؟ ~~{ وكانوا ms1351 بآياتنا يجحدون } أي وكانوا بمعجزاتنا يجحدون قال ~~الرازي: إنهم كانوا يعرفون أنها حق ولكنهم جحدوا كما يجحد المودع ~~الوديعة { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } أي فأرسلنا على ~~عاد ريحا باردة شديدة البرد، وشديدة الصوت والهبوب، تهلك بشدة صوتها ~~وبردها { في أيام نحسات } أي في أيام مشئومات غير مباركات { ~~لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا } أي لكي ~~نذيقهم العذاب المخزي المذل في الدنيا قال الرازي: { عذاب الخزي } ~~أي عذاب الهوان والذل، والسبب أنهم استكبروا عن الإيمان، فقابل الله ذلك ~~الاستكبار بإيصال الذل والهوان إليهم { ولعذاب الآخرة أخزى ~~وهم لا ينصرون } أي ولعذابهم في الآخرة أعظم وأشد إهانة ~~وخزيا من عذاب الدنيا، وليس لهم ناصر يدفع عنهم ذلك العذاب { وأما ~~ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } أي ~~وأما ثمود فبينا لهم طريق الهدى، ودللناهم على سبيل السعادة، فاختاروا ~~الضلالة على الهداية، والكفر على الإيمان { فأخذتهم صاعقة ~~العذاب الهون } أي فأخذتهم قارعة العذاب الموقع في الإهانة والذل ~~{ بما كانوا يكسبون } أي بسبب إجرامهم وطغيانهم وتكذيبهم لنبي ~~الله " صالح " قال ابن كثير: بعث الله عليهم صيحة ورجفة وذلا وهوانا، ~~وعذابا ونكالا، بتكذيبهم صالح وعقرهم الناقة { ونجينا الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون } أي ونجينا صالحا ومن آمن به من ذلك ~~العذاب. ### || [41.19-38] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصة عاد وثمود، وما أصابهم من العقوبة في ~~الدنيا بطغيانهم وإجرامهم، ذكر هنا ما يصيب الكفار عامة في الآخرة من ~~العذاب والدمار، ليحصل منه تمام الاعتبار، في الزجر والتحذير عن ارتكاب ~~المعاصي والكفر بنعم الله. # اللغة: { يوزعون } يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا { ~~تستترون } تستخفون، من الاستتار بمعنى الاختفاء عن الأعين { ~~أرداكم } أهلككم وأوقعكم في المهالك { يستعتبوا } يطلبوا ~~رضاء الله { المعتبين } جمع معتب وهو المقبول عتابه قال النابغة: # فإن أك مظلوما فعبد ظلمته # وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب # { قيضنا } هيأنا { نزلا } ضيافة وكرامة { يسأمون } ~~يملون. # سبب النزول: عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر: قرشيان ~~وثقفي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فقال أحدهم: أترون أن ~~الله يسمع ms1352 ما نقول؟ فقال أحدهم: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال ~~الآخر: إن كان يسمع إن جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله عز وجل { ~~وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ~~أبصاركم ولا جلودكم.. } الآية. # التفسير: { ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار } أي ~~واذكر يوم يجمع أعداء الله المجرمون في أرض المحشر لسوقهم إلى النار { ~~فهم يوزعون } أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ويجتمعوا قال ~~ابن كثير: تجمع الزبانية أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا { حتى إذا ~~ما جآءوها } أي حتى إذا وقفوا للحساب { شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون } أي نطقت ~~جوارحهم وشهدت عليهم بما اقترفوه من إجرام وآثام، وفي الحديث # " فيختم على فيه - أي فمه - ثم يقال لجوارحه انطقي، فتنطق بأعماله، ثم ~~يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت ~~أناضل " # { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } أي وقالوا ~~لأعضائهم وجلودهم توبيخا وتعجبا من هذا الأمر الغريب: لم أقررتم علينا ~~وشهدتم بما فعلنا وإنما كنا نجادل وندافع عنكم؟ { قالوا أنطقنا ~~الله الذي أنطق كل شيء } أي قالوا معتذرين: ليس الأمر ~~بيدنا وإنما أنطقنا الله بقدرته، الذي ينطق الجماد والإنسان والحيوان، ~~فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح { وهو خلقكم أول مرة ~~} أي هو أوجدكم من العدم، وأحياكم بعد أن لم تكونوا شيئا، فمن قدر على ~~هذا قدر على إنطاقنا { وإليه ترجعون } أي وإليه وحده تردون ~~بالبعث قال أبو السعود: المعنى ليس نطقنا بعجب من قدرة الله، الذي أنطق ~~كل حي، فإن من قدر على خلقكم وإنشائكم أولا، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى ~~جزائه ثانيا، لا يتعجب من إنطاقه لجوارحكم { وما كنتم ~~تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ~~ولا جلودكم } أي وما كنتم تستخفون من هؤلاء الشهود في الدنيا حين ~~مباشرتكم الفواحش، لأنكم لم تظنوا أنها تشهد عليكم قال البيضاوي: أي كنتم ~~تستترون عن الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضيحة، وما ظننتم أن ~~أعضاءكم تشهد عليكم فما استخفيتم منها، وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي ms1353 ~~ألا يمر عليه حال إلا وعليه رقيب { ولكن ظننتم أن الله ~~لا يعلم كثيرا مما تعملون } أي ولكن ظننتم أن الله ~~تعالى لا يعلم كثيرا من القبائح المخفية، ولذلك اجترأتم على المعاصي ~~والآثام { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم } أي وذلكم الظن القبيح برب العالمين - أنه لا يعلم كثيرا ~~من الخفايا - هو الذي أوقعكم في الهلاك والدمار فأوردكم النار { ~~فأصبحتم من الخاسرين } أي فخسرتم سعادتكم وأنفسكم ~~وأهليكم، وهذا تمام الخسران والشقاء { فإن يصبروا فالنار ~~مثوى لهم } أي فإن يصبروا على العذاب فالنار مقامهم ومنزلهم، لا ~~محيد ولا محيص لهم عنها { وإن يستعتبوا فما هم من ~~المعتبين } أي وإن يطلبوا إرضاء الله، فما هم من المرضي عليهم، ~~قال القرطبي: والعتبى: رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب، تقول: ~~استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني { وقيضنا لهم ~~قرنآء } أي هيأنا للمشركين ويسرنا لهم قرناء سوء من الشياطين، ومن ~~غواة الإنس { فزينوا لهم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم } أي حسنوا لهم أعمالهم القبيحة، الحاضرة والمستقبلة قال ~~ابن كثير: حسنوا لهم أعمالهم فلم يروا أنفسهم إلا محسنين { وحق ~~عليهم القول } أي ثبت وتحقق عليهم كلمة العذاب، وهو القضاء ~~المحتم بشقائهم { في أمم قد خلت من قبلهم من ~~الجن والإنس } أي في جملة أمم من الأشقياء المجرمين قد مضت من ~~قبلهم، ممن فعلوا كفعلهم من الجن والإنس { إنهم كانوا ~~خاسرين } تعليل لاستحقاقهم العذاب أي لأنهم كانوا من الخاسرين في ~~الدنيا والآخرة، فلذلك استحقوا العذاب الأبدي { وقال الذين ~~كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن } لما أخبر تعالى عن كفر ~~عاد وثمود وغيرهم، أخبر عن مشركي قريش وأنهم كذبوا القرآن والمعنى قال ~~الكافرون بعضهم لبعض لا تستمعوا لمحمد إذا قرأ القرآن، وتشاغلوا عنه. # { والغوا فيه لعلكم تغلبون } أي ارفعوا أصواتكم عند ~~قراءته حتى لا يسمعه أحد لكي تغلبوه على دينه قال ابن عباس: قال أبو جهل ~~إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول { فلنذيقن ~~الذين كفروا عذابا شديدا } أي فوالله لنذيقن هؤلاء ~~الكفار المستهزئين بالقرآن ms1354 عذابا شديدا لا يخف ولا ينقطع { ~~ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } أي ~~ولنجازينهم بشر أعمالهم، وسيء أفعالهم، أسوأ وأقبح الجزاء { ذلك ~~جزآء أعدآء الله النار } أي ذلك العذاب الشديد - الذي هو ~~أسوأ الجزاء - هو نار جهنم جزاء المجرمين، أعداء الله ورسوله { لهم ~~فيها دار الخلد } أي لهم في جهنم دار الإقامة، لا يخرجون منها ~~أبدا { جزآء بما كانوا بآياتنا يجحدون } أي جزاء لهم ~~على كفرهم بالقرآن، واستهزائهم بآيات الرحمن قال الرازي: وسمى لغوهم ~~بالقرآن جحودا لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد الإعجاز، خافوا ~~إن سمعه الناس أن يؤمنوا به، فاخترعوا تلك الطريقة الفاسدة، وذلك يدل على ~~أنهم علموا كونه معجزا إلا أنهم جحدوه حسدا { وقال الذين ~~كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن ~~والإنس } أي ويقول الكفار إذا دخلوا جهنم ربنا أرنا كل من أغوانا ~~وأضلنا من الجن والإنس، وإنما جاء بلفظ الماضي " وقال " لتحققه ومعناه ~~المستقبل قال أبو حيان: والظاهر أن المراد ب { الذين } يراد بهما ~~الجنس أي كل مغو من هذين النوعين { نجعلهما تحت أقدامنا } ~~أي نطأهما بأقدامنا انتقاما وتشفيا { ليكونا من الأسفلين } ~~أي ليكونا في الدرك الأسفل من النار، وهي أشد عذاب جهنم لأنها درك ~~المنافقين، ولما ذكر تعالى حال الأشقياء المجرمين، أردفه بذكر حال ~~السعداء المؤمنين فقال { إن الذين قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا } أي آمنوا بالله إيمانا صادقا وأخلصوا العمل له، ~~ثم استقاموا على توحيد الله وطاعته، وثبتوا على ذلك حتى الممات، عن عمر ~~رضي الله عنه أنه قال على المنبر بعد أن تلا الآية الكريمه: " استقاموا ~~والله على الطريقة لطاعته، ثم لم يروغوا روغان الثعالب " والغرض: أنهم ~~استقاموا على شريعة الله، في سلوكهم، وأخلاقهم وأقوالهم، وأفعالهم، ~~فكانوا مؤمنين حقا، مسلمين صدقا، وقد سئل بعض العارفين عن تعريف ~~الكرامة فقال: الاستقامة عين الكرامة، وعن الحسن أنه كان يقول: اللهم ~~أنت ربنا فارزقنا الاستقامة { تتنزل عليهم الملائكة ~~ألا تخافوا ولا تحزنوا } أي تتنزل عليهم ملائكة الرحمة عند ~~الموت بأن لا تخافوا مما تقدمون عليه ms1355 من أحوال القيامة، ولا تحزنوا على ~~ما خلفتموه في الدنيا من أهل ومال وولد فنحن نخلفكم فيه { ~~وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } أي وأبشروا ~~بجنة الخلد التي وعدكم الله بها على لسان الرسل قال شيخ زاده: إن ~~الملائكة تتنزل حين الاحتضار على المؤمنين بهذه البشارة أن لا تخافوا ~~من هول الموت، ولا من هو القبر، وشدائد يوم القيامة، وإن المؤمن ينظر ~~إلى حافظيه قائمين على رأسه يقولان له: لا تخف اليوم ولا تحزن، وأبشر ~~بالجنة التي كنت توعد، وإنك سترى اليوم أمورا لم تر مثلها فلا تهولنك ~~فإنما يراد بها غيرك { نحن أوليآؤكم في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة } أي تقول لهم الملائكة: نحن أنصاركم ~~وأعوانكم في الدنيا والآخرة، نرشدكم إلى ما فيه خيركم وسعادتكم في ~~الدارين { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ~~ما تدعون } أي ولكم في الجنة ما تشتهيه نفوسكم، وتقر به عيونكم ~~من أنواع اللذائذ والشهوات، ولكم فيها ما تطلبون وتتمنون { نزلا من ~~غفور رحيم } أي ضيافة وكرامة من رب واسع المغفرة، عظيم الرحمة ~~لعباده المتقين { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله ~~وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين } أي دعا إلى ~~توحيد الله وطاعته، بقوله وفعله وحاله، وفعل الصالحات، وجعل الإسلام ~~دينه ومذهبه قال ابن كثير: وهذه الآية عامة في كل من دعا إلى خير وهو ~~نفسه مهتد، وقال الزمخشري: والآية عامة في كل من جمع بين هذه الثلاث: أن ~~يكون مؤمنا معتقدا لدين الإسلام، عاملا بالخير، داعيا إليه، وما هم إلا ~~طبقة العلماء العاملين { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ~~} أي لا يتساوى فعل الحسنة مع فعل السيئة، بل بينهما فرق عظيم في الجزاء ~~وحسن العاقبة { ادفع بالتي هي أحسن } أي ادفع السيئة ~~بالخصلة التي هي أحسن، مثل أن تدفع الغضب بالصبر، والجهل بالحلم، ~~والإساءة بالعفو قال ابن عباس: ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك { فإذا ~~الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } أي ~~فإذا فعلت ذلك صار عدوك كالصديق القريب، الخالص الصداقة في مودته ومحبته ms1356 ~~لك { وما يلقاها إلا الذين صبروا } أي وما ينال هذه ~~المنزلة الرفيعة، والخصلة الحميدة، إلا من جاهد نفسه بكظم الغيظ واحتمال ~~الأذى { وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم } أي وما يصل إليها ~~وينالها إلا ذو نصيب وافر من السعادة والخير { وإما ينزغنك ~~من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } أي وإن وسوس إليك ~~الشيطان بترك ما أمرت به من الدفع بالتي هي أحسن، وأراد أن يحملك على ~~البطش والانتقام، فاستعذ بالله من كيده وشره { إنه هو السميع ~~العليم } أي هو السميع لأقوال العباد، العليم بأفعالهم وأحوالهم، ثم ~~ذكر تعالى دلائل قدرته الباهرة، وحكمته البالغة فقال { ومن آياته ~~اليل والنهار والشمس والقمر } أي ومن علاماته الدالة ~~على وحدانيته وقدرته تعاقب الليل والنهار، وتذليل الشمس والقمر، مسخرين ~~لمصالح البشر { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله الذي خلقهن } أي لا تسجدوا للمخلوق ~~واسجدوا للخالق، الذي خلق هذه الأشياء وأبدعها { إن كنتم إياه ~~تعبدون } أي إن كنتم تفردونه بالعبادة فلا تسجدوا لأحد سواه { ~~فإن استكبروا } أي فإن استكبر الكفار عن السجود لله { ~~فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار } ~~أي فالملائكة الأبرار يعبدونه بالليل والنهار { وهم لا يسأمون } ~~أي لا يملون عبادته. ### || [41.39-54] # المناسبة: لما ذكر تعالى صفات المؤمنين الأبرار، وأردفها بذكر ~~الدلائل الدالة على وجوده سبحانه ووحدانتيه، وكمال علمه وحكمته، ذكر هنا ~~ما يدل على البعث والنشور، من صفحات هذا الكون المنظور، ثم أعقبه بذكر ~~الملحدين في آياته، المكذبين برسله وأنبيائه، وختم السورة الكريمة ببيان ~~حال الأشقياء المجرمين، المنكرين للقرآن العظيم. # اللغة: { يلحدون } يميلون عن الحق والاستقامة، والإلحاد: الميل ~~والعدول يقال: ألحد في دين الله أي حاد عنه وعدل { أعجميا } بلغة ~~العجم { وقر } صمم مانع من سماعه { أكمامها } جمع كم وهو ~~وعاء الثمرة بضم الكاف وكسرها { محيص } فرار ومهرب من حاص يحيص ~~حيصا إذا هرب { نأى } تباعد وأعرض { الآفاق } أقطار السماوات والأرض ~~{ مرية } شك وارتياب عظيم. # التفسير: { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة } أي ومن ~~البراهين والعلامات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته، أنك ترى ms1357 الأرض ~~يابسة جرداء لا نبات فيها، تشبه الرجل الخاضع الذليل { فإذآ ~~أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت } أي فإذا أنزلنا ~~عليها المطر تحركت حركة شديدة وانتفخت وعلت بالنبات، وأخرجت من جميع ~~ألوان الزروع والثمار { إن الذي أحياها لمحى الموتى ~~} أي إن الإله الذي أحيا الأرض بعد موتها هو الذي يحيي الأموات ويبعثهم ~~من القبور { إنه على كل شيء قدير } أي لا يعجزه جل وعلا ~~شيء، فكما أخرج الزروع والثمار من الأرض المجدبة، فإنه قادر على إحياء ~~الموتى.. ثم توعد تعالى من يلحد في آياته بعد ظهور الأدلة والبراهين ~~على وجوده فقال { إن الذين يلحدون في آياتنا لا ~~يخفون علينآ } أي إن الذين يطعنون في آياتنا، بالتحريف والتكذيب ~~والإنكار لها لا يغيب أمرهم عنا فنحن لهم بالمرصاد، وفيه وعيد وتهديد ~~قال قتادة: الإلحاد الكفر والعناد وقال ابن عباس: هو تبديل الكلام ~~ووضعه في غير موضعه { أفمن يلقى في النار خير أم من ~~يأتي آمنا يوم القيامة } أي أفمن يطرح في جهنم مع الخوف ~~والفزع أفضل أم من يكون في الجنة آمنا من عذاب الله يوم القيامة؟ قال ~~الرازي: والغرض التنبيه على أن الملحدين في آيات الله يلقون في النار، ~~وأن المؤمنين بآيات الله يكونون آمنين يوم القيامة، وشتان ما بينهما { ~~اعملوا ما شئتم } أي افعلوا ما تشاءون في هذه الحياة، وهو ~~تهديد لا إباحة ملفع بظل الوعيد، بدليل قوله تعالى { إنه بما ~~تعملون بصير } أي هو تعالى مطلع على أعمالكم، لا تخفى عليه ~~خافية، من أحوالكم، وسيجازيكم عليها { إن الذين كفروا ~~بالذكر لما جآءهم } أي إن الذين كذبوا بالقرآن حين جاءهم من ~~عند الله، وخبر " إن " محذوف لتهويل الأمر كأنه قيل: سيجازون بكفرهم ~~جزاء لا يكاد يوصف لشدة بشاعته وفظاعته { وإنه لكتاب عزيز } ~~أي وإنه لكتاب غالب بقوة الحجة، لا نظير له لما احتوى عليه من الإعجاز، ~~يدفع كل جاحد، ويقمع كل معاند { لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه } أي لا يتطرق إليه الباطل من جهة من ~~الجهات، ولا ms1358 مجال للطعن فيه قال ابن كثير: أي ليس للبطلان إليه سبيل، ~~لأنه منزل من رب العالمين { تنزيل من حكيم حميد } أي هو ~~تنزيل من إله حكيم في تشريعه وأحواله وأفعاله، محمود من خلقه بسبب كثرة ~~نعمه. # . ثم سلى تعالى نبيه على ما يصيبه من أذى الكفار فقال { ما ~~يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } أي ما ~~يقول لك كفار قومك، إلا ما قد قال الكفار للرسل قبلهم من الكلام المؤذي، ~~والطعن فيما أنزل الله قال القرطبي: يعزي نبيه ويسليه من أذى وتكذيب ~~قومه { إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم } أي إن ~~ربك يا محمد لهو الغفور لذنوب المؤمنين، ذو العقاب الشديد للكافرين، ~~ففوض أمرك إليه فإنه ينتقم لك من أعدائك، ثم ذكر تعالى تعنت ~~الكافرين و مكابرتهم للحق بعد سطوعه وظهوره فقال { ولو جعلناه ~~قرآنا أعجميا } أي لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم { ~~لقالوا لولا فصلت آياته } أي لقال المشركون: هلا ~~بينت آياته بلسان نفهمه وهلا نزل بلغتنا { ءاعجمي وعربي ~~}؟ استفهام إنكاري أي أقرآن أعجمي ونبي عربي؟ قال الرازي: ذكروا أن ~~الكفار كانوا يقولون لتعنتهم: هلا نزل القرآن بلغة العجم؟! فأجيبوا بأن ~~الأمر لو كان كما تقترحون لم تتركوا الاعتراض، ثم قال: والحق عندي أن ~~هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحد متعلق بعضه ببعض، وقد حكى ~~تعالى عنهم في أول السورة أنهم قالوا # قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه # [فصلت: 5] فرد تعالى عليهم هنا بأنه لو أنزل هذا القرآن بلغة العجم ~~لكان لهم أن يقولوا: كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب!! ولصح ~~لهم أن يقولوا # قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه # [فصلت: 5] لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه!! أما وقد نزل بلغة العرب، وهم ~~من أهل هذه اللغة، فكيف يمكنهم أن يقولوا ذلك؟ فظهر أن الآية على أحسن ~~وجوه النظم { قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء } أي قل لهم ~~يا محمد: إن هذا القرآن هدى للمؤمنين من الضلالة، وشفاء لهم من الجهل ~~والشك ms1359 والريب { والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر } أي ~~والذين لا يصدقون بهذا القرآن، في آذانهم صمم عن سماعه، ولذلك تواصوا ~~باللغو فيه { وهو عليهم عمى } أي كما أن هذا القرآن رحمة ~~للمؤمنين، هو شقاء وتعاسة على الكافرين كقوله تعالى # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء: 82] قال في حاشية البيضاوي: إن القرآن لوضوح آياته، وسطوع ~~براهينه، هاد إلى الحق، ومزيل للريب والشك، وشفاء من داء الجهل والكفر ~~والارتياب، ومن ارتاب فيه ولم يؤمن به، فارتيابه إنما نشأ عن توغله في ~~اتباع الشهوات، وتقاعده عن تفقد ما يسعده وينجيه { أولئك ~~ينادون من مكان بعيد } أي أولئك الكافرون بالقرآن، كمن ~~ينادى من مكان بعيد، فإنه لا يسمع ولا يفهم ما ينادى به، وهذا على ~~سبيل التمثيل قال ابن عباس: يريد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ~~ونداء { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } أي ~~والله لقد أعطينا موسى التوراة فاختلف فيها قومه ما بين مصدق لها ~~ومكذب، هكذا حال قومك بالنسبة للقرآن قال القرطبي: وهذا تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أي لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك، فقد اختلف من ~~قبلهم في كتابهم، فآمن به قوم وكذب به قوم { ولولا كلمة ~~سبقت من ربك لقضي بينهم } أي ولولا أن الله حكم ~~بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة لعذبهم وأهلكهم في ~~الدنيا { وإنهم لفي شك منه مريب } أي وإن هؤلاء ~~الكفار لفي شك من القرآن، لتبلد عقولهم وعمى بصائرهم، موقع لهم في أشد ~~الريبة والاضطراب { من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء ~~فعليها } أي من عمل شيئا من الصالحات في هذه الدنيا فإنما يعود ~~نفع ذلك على نفسه، ومن أساء في الدنيا فإنما يرجع وبال ذلك وضرره عليه { ~~وما ربك بظلام للعبيد } أي وليس الله منسوبا إلى الظلم ~~حتى يعذب بغير إساءة، فهو تعالى لا يعاقب أحدا إلا بذنبه، ولا يعاقبه ~~إلا بجرمه قال المفسرون: ليست صيغة " ظلام " هنا للمبالغة، وإنما هي ~~صيغة نسبة ms1360 مثل عطار، ونجار، وتمار، ولو كانت للمبالغة لأوهم أنه ~~تعالى ليس كثير الظلم ولكنه يظلم أحيانا، وهذا المعنى فاسد لأنه يستحيل ~~عليه الظلم جل وعلا { إليه يرد علم الساعة } أي إليه ~~تعالى وحده علم وقت الساعة لا يعلمه غيره قال الإمام الفخر: أي لا يعلم ~~وقت الساعة بعينه إلا الله، ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما هدد ~~الكفار بقوله { من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء ~~فعليها } ومعناه أن جزاء كل أحد يصل إليه في يوم القيامة، فكأن ~~سائلا قال: ومتى يكون ذلك اليوم؟ فبين تعالى أن معرفة ذلك اليوم لا ~~يعلمه إلا الله { وما تخرج من ثمرات من أكمامها } أي ~~وما تخرج ثمرة من الثمرات من غلافها ووعائها { وما تحمل من ~~أنثى ولا تضع إلا بعلمه } أي ولا تحمل أنثى جنينا في ~~بطنها، ولا تلده إلا ملتبسا بعلمه تعالى، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في ~~الأرض ولا في السماء { ويوم يناديهم أين شركآئي }؟ أي ~~ويوم القيامة ينادي الله المشركين أين شركائي الذين زعمتم أنهم آلهة؟ ~~وفيه تقريع وتهكم بهم { قالوا آذناك ما منا من شهيد } ~~أي قال المشركون: أعلمناك وأخبرناك الآن بالحقيقة ما منا من يشهد اليوم ~~بأن لك شريكا قال المفسرون: لما عاينوا القيامة تبرءوا من الأصنام ~~وتبرأت الأصنم منهم، وأعلنوا إيمانهم وتوحيدهم في وقت لا ينفع فيه إيمان ~~{ وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل } أي وغاب عنهم ما ~~كانوا يعبدونه في الدنيا من الآلهة المزعومة { وظنوا ما لهم ~~من محيص } أي وأيقنوا أنه لا مهرب ولا مخلص لهم من عذاب الله { ~~لا يسأم الإنسان من دعآء الخير } أي لا يمل الإنسان ~~من سؤاله ودعائه بالخير لنفسه، كالمال والصحة العز والسلطان { وإن ~~مسه الشر فيئوس قنوط } أي وإن أصابه فقر أو مرض فهو ~~عظيم اليأس، قانط من روح الله ورحمته { ولئن أذقناه رحمة ~~منا من بعد ضرآء مسته } أي ولئن أعطيناه غنى وصحة من ~~بعد شدة وبلاء { ليقولن هذا لي } أي ليقولن هذا بسعيي ~~واجتهادي قال أبو ms1361 حيان: سمى النعمة رحمة إذ هي من آثار رحمة الله { ~~ومآ أظن الساعة قآئمة } أي وما أعتقد أن القيامة ستكون { ~~ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } أي ~~وعلى فرض أن القيامة حاصلة، فليحسنن إلي ربي كما أحسن إلي في هذه ~~الدنيا قال ابن كثير: يتمنى على الله عز وجل مع إساءته العمل وعدم اليقين ~~{ فلننبئن الذين كفروا بما عملوا } أي فوالله ~~لنعلمن هؤلاء الكافرين بحقيقة أعمالهم، ولنبصرنهم بإجرامهم { ~~ولنذيقنهم من عذاب غليظ } أي ولنعذبنهم أشد العذاب، ~~وهو الخلود في نار جهنم { وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ~~ونأى بجانبه } أي وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض عن شكر ربه، ~~واستكبر عن الانقياد لأوامره، وشمخ بأنفه تكبرا وترفعا { وإذا ~~مسه الشر فذو دعآء عريض } أي وإذا أصابه المكروه فهو ذو ~~دعاء كثير، يديم التضرع ويكثر من الابتهال، وهكذا طبيعة الإنسان الجحود ~~والنكران، يعرف ربه في البلاء وينساه في الرخاء قال الرازي: استعير العرض ~~لكثرة الدعاء، كما استعير الغلظ لشدة العذاب { قل أرأيتم إن ~~كان من عند الله ثم كفرتم به } أي قل لهم يا محمد: ~~أخبروني يا معشر المشركين، إن كان هذا القرآن من عند الله، وكفرتم به من ~~غير تأمل ولا نظر، كيف يكون حالكم؟ { من أضل ممن هو في ~~شقاق بعيد } الاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا أحد أضل منكم ~~لفرط شقاقكم وعداوتكم، قال أبو السعود: وضع الموصول " من أضل " موضع ~~الضمير " منكم " شرحا لحالهم، وتعليلا لمزيد ضلالهم { سنريهم ~~آياتنا } أي سنظهر لهؤلاء المشركين دلالاتنا وحججنا على أن القرآن حق ~~منزل من عند الله { في الآفاق } أي في أقطار السماوات والأرض من ~~الشمس والقمر والنجوم، والأشجار والنبات وغير ذلك من العجائب العلوية ~~والسفلية { وفي أنفسهم } أي وفي عجائب قدرة الله في خلقهم ~~وتكوينهم قال القرطبي: المراد ما في أنفسهم من لطيف الصنعة، وبديع ~~الحكمة، حتى سبيل الغائط والبول، فإن الرجل يأكل ويشرب من مكان واحد، ~~ويتميز ذلك من مكانين، ومن بديع صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما ~~قطرة ms1362 ماء، ينظر بهما من الأرض إلى السماء، مسيرة خمسمائة عام، وفي أذنيه ~~اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة، وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه ~~{ حتى يتبين لهم أنه الحق } أي حتى يظهر لهم أن هذا ~~القرآن حق { أولم يكف بربك أنه على كل شيء ~~شهيد }؟ أي أولم يكفهم برهانا على صدقك أن ربك لا يغيب عنه شيء في ~~الأرض ولا في السماء؟ وأنه مطلع على كل شيء لا تخفى عليه خافية؟ { ~~ألا إنهم في مرية من لقآء ربهم } ألا استفتاح ~~لتنبيه السامع إلى ما يقال أي ألا فانتبهوا أيها القوم إن هؤلاء المشركين ~~في شك من الحساب والبعث والجزاء، ولهذا لا يتفكرون ولا يؤمنون { ألا ~~إنه بكل شيء محيط } أي ألا فانتبهوا فإنه تعالى قد أحاط ~~علمه بكل الأشياء جملة وتفصيلا، فهو يجازيهم على كفرهم. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { بشيرا.. ونذيرا } وبين { طوعا.. و كرها } ~~وبين { ما بين أيديهم.. وما خلفهم } وبين { ~~الحسنة.. و السيئة } وبين { مغفرة.. و عقاب } وبين { ~~ءاعجمي.. وعربي } وبين { تحمل.. و تضع } وبين { ~~الخير.. و الشر }. # 2- طباق السلب { لا تسجدوا للشمس.. واسجدوا لله } ~~وكذلك { آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون }. # 3- الالتفات # فإن أعرضوا # [فصلت: 13] بعد قوله # قل أإنكم لتكفرون # [فصلت: 9] وهو التفات من الخطاب إلى الغيبة، وناسب الإعراض عن مخاطبتهم ~~لكونهم أعرضوا عن الحق، وهو تناسب حسن. # 4- الاستعارة التمثيلية # فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها # [فصلت: 11] مثل تأثير قدرته تعالى في السماوات والأرض بأمر السلطان ~~لأحد رعيته أو عبيده بأمر من الأمور وامتثال الأمر سريعا. # 5- الاستعارة التصريحية # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ~~آذاننا وقر # [فصلت: 5] ليس هناك على الحقيقة شيء مما قالوه، وإنما أخرجوا هذا ~~الكلام مخرج الدلالة على استثقالهم ما يسمعونه من قوارع القرآن، وجوامع ~~البيان، فكأنهم من شدة الكراهية له قد صمت أسماعهم عن فهمه، وقلوبهم ~~عن علمه. # 6- الاستعارة أيضا { أولئك ينادون من مكان بعيد } ~~شبه حالهم في عدم قبول ms1363 المواعظ، وإعراضهم عن القرآن وما فيه بحال من ~~ينادى من مكان بعيد، فلا يسمع ولا يفهم ما ينادى به، والجامع عدم الفهم ~~في كل. # 8- الأمر التهديدي { اعملوا ما شئتم } خرج الأمر عن صيغته ~~الأصلية إلى معنى الوعيد والتهديد. # 9- التشبيه المرسل المجمل # كأنه ولي حميم # [فصلت: 34] ذكرت أداة التشبيه وحذف وجه الشبه فهو مرسل مجمل. # 10- إن اللسان عاجز عن تصوير البلاغة في جمال الأسلوب القرآني، فتأمل ~~الروعة البيانية في قوله تعالى { ومن آياته أنك ترى الأرض ~~خاشعة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت ~~إن الذي أحياها لمحى الموتى إنه على كل ~~شيء قدير } وتصور التناسق الفني في التعبير والأداء، وتأمل لفظ ~~الخشوع والاهتزاز والانتفاخ للأرض الميتة يبعثها الله كما يبعث الموتى من ~~القبور، إنه جو بعث وإخراج وإحياء، ويا له من تصوير رائع يأخذ ~~بالألباب. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-18] # اللغة: { يتفطرن } يتشققن، والفطور: الشقوق ومنه # هل ترى من فطور # [الملك: 3] { فاطر } خالد ومبدع ومخترع { يوم الجمع } يوم ~~القيامة لاجتماع الخلائق فيه { أم القرى } مكة المكرمة { ~~يذرؤكم } ينشئكم ويكثركم { مقاليد } مفاتيح جمع إقليد على ~~غير قياس { شرع } بين وسن وأوضح { كبر } عظم وشق { ينيب } ~~يرجع ويتوب من ذنبه { مريب } موقع في الريبة والقلق { داحضة } ~~باطلة وزائلة يقال: دحضت حجته أي بطلت، ودحضت رجله أي زلقت. # التفسير: { حم * عسق } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن، ~~وإثارة انتباه الإنسان بحروف أولية، وبدء غير مألوف { كذلك يوحي ~~إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ~~} أي مثل ما أوحى إليك ربك يا محمد هذا القرآن، أوحى إلى الرسل من قبلك ~~في الكتب المنزلة، الله العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه { له ما في ~~السموت وما في الأرض } أي له ما في الكون ملكا وخلقا ~~وعبيدا { وهو العلي العظيم } أي هو المتعالي فوق خلقه، ~~المنفرد بالكبرياء والعظمة { تكاد السموت يتفطرن من ~~فوقهن } أي تكاد السماوات يتشققن من عظمة الله وجلاله، ومن شناعة ~~ما يقوله المشركون من اتخاذ الله الولد { والملائكة يسبحون ~~بحمد ربهم } أي والملائكة الأبرار ms1364 دائبون في تسبيح الله، ~~ينزهونه عما لا يليق به { ويستغفرون لمن في الأرض } أي ~~ويطلبون المغفرة لذنوب من في الأرض من المؤمنين قال في التسهيل: والآية ~~عموم يراد به الخصوص لأن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض، ~~فهي كقوله تعالى # ويستغفرون للذين آمنوا # [غافر: 7] { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } أي ألا ~~فانتبهوا أيها القوم إن الله هو الغفور لذنوب عباده، الرحيم بها حيث لا ~~يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وعصيانهم قال القرطبي: هيب وعظم جل وعلا ~~في الابتداء، وألطف وبشر في الانتهاء { والذين اتخذوا من ~~دونه أوليآء } أي جعلوا له شركاء وأندادا { الله حفيظ ~~عليهم } أي الله تعالى رقيب على أحوالهم وأعمالهم، لا يفوته منها ~~شيء، وهو محاسبهم عليها { ومآ أنت عليهم بوكيل } أي وما ~~أنت يا محمد بموكل على أعمالهم حتى تقسرهم على الإيمان، إنما أنت ~~منذر فحسب { وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا } أي ~~وكما أوحينا إلى الرسل قبلك أوحينا إليك يا محمد قرآنا عربيا معجزا، ~~بلسان العرب لا لبس فيه ولا غموض { لتنذر أم القرى ومن ~~حولها } أي لتنذر بهذا القرآن أهل مكة ومن حولها من البلدان قال ~~الإمام الفخر: وأم القرى أصل القرى وهي مكة، وسميت بهذا الاسم ~~إجلالا لها، لأن فيها البيت ومقام إبراهيم، والعرب تسمي أصل كل شيء ~~أمه، حتى يقال: هذه القصيدة من أمهات قصائد فلان { وتنذر يوم ~~الجمع } أي وتخوف الناس ذلك اليوم الرهيب، يوم اجتماع الخلائق ~~للحساب في صعيد واحد { لا ريب فيه } أي لا شك في وقوعه، ولا محالة ~~من حدوثه { فريق في الجنة وفريق في السعير } أي فريق ~~منهم في جنات النعيم وهو المؤمنون، وفريق منهم في دركات الجحيم وهم ~~الكافرون، حيث ينقسمون بعد الحساب إلى أشقياء وسعداء كقوله تعالى # فمنهم شقي وسعيد # [هود: 105] { ولو شآء الله لجعلهم أمة واحدة } أي ~~لو شاء الله لجعل الناس كلهم مهتدين، أهل دين واحد وملة واحدة وهي ~~الإسلام قال الضحاك: أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى { ولكن ~~يدخل من يشآء ms1365 في رحمته } أي ولكنه تعالى حكيم لا يفعل ~~إلا ما فيه المصلحة، فمن علم منه اختيار الهدى يهديه فيدخله بذلك في ~~جنته، ومن علم منه اختيار الضلال يضله فيدخله بذلك السعير ولهذا قال { ~~والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير } أي والكافرون ~~ليس لهم ولي يتولاهم يوم القيامة، ولا نصير ينصرهم من عذاب الله قال ~~أبو حيان: والآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يقاسيه من ~~كفر قومه، وتوقيف على أن ذلك راجع إلى مشيئته جل وعلا، ولكن من سبقت ~~له السعادة أدخله في رحمته يعني دين الإسلام { أم اتخذوا من ~~دونه أوليآء } استفهام على سبيل الإنكار أي بل اتخذ المشركون ~~من دون الله آلهة، يستعينون بهم، ويطلبون نصرهم وشفاعتهم؟ { فالله ~~هو الولي } أي فالله وحده هو الولي الحق، الناصر للمؤمنين، ~~لا ولي سواه { وهو يحيي الموتى } أي هو تعالى القادر على ~~إحياء الموتى، لا تلك الأصنام التي لا تضر ولا تنفع { وهو على ~~كل شيء قدير } أي لا يعجزه شيء فهو الحقيق بأن يتخذ وليا دون ~~من سواه { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله } أي وما اختلفتم فيه أيها المؤمنون من شيء من أمر الدنيا أو ~~الدين، فالحكم فيه إلا الله جل وعلا، هو الحاكم فيه بكتابه أو بسنة نبيه ~~عليه السلام { ذلكم الله ربي } أي الموصوف بهذه الصفات هو ربي ~~وحده، وليي ومالك أمري قال القرطبي: وفيه إضمار أي قل لهم يا محمد: ~~ذلكم الذي يحيي الموتى، ويحكم بين المختلفين هو ربي { عليه ~~توكلت } أي عليه وحده اعتمدت في جميع أموري { وإليه أنيب } ~~أي وإليه وحده أرجع في كل ما يعرض علي من مشكلات ومعضلات، لا إلى ~~أحد سواه قال الرازي: والعبارة تفيد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه، ولا ~~أنيب إلا إليه، وهو إشارة إلى تزييف طريقة من اتخذ غير الله وليا.. ثم ~~بين تعالى صفاته الجليلة القدسية، التي هي من آثار ومظاهر الربوبية ~~فقال { فاطر السموت والأرض } أي هو جل وعلا خالقهما ms1366 ~~ومبدعهما على غير مثال سابق { جعل لكم من أنفسكم ~~أزواجا } أي أوجد لكم بقدرته من جنسكم نساء من الآدميات { ومن ~~الأنعام أزواجا } أي وخلق لكم كذلك من الإبل والبقر والضأن ~~والمعز أصنافا، ذكورا وإناثا { يذرؤكم فيه } أي يكثركم ~~بسببه بالتوالد، ولولا أنه خلق الذكر والأثنى لما كان ثمة تناسل ولا ~~توالد { ليس كمثله شيء } أي ليس له تعالى مثيل ولا نظير، لا ~~في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد ~~والغرض: تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، والكاف هنا لتأكيد ~~النفي أي ليس مثله شيء، قال ابن قتيبة: العرب تقيم المثل مقام النفس ~~فتقول: مثلي لا يقال له هذا أي أنا لا يقال لي هذا، ومعنى الآية ليس ~~كالله جل وعلا شيء وقال القرطبي: والذي يعتقد في هذا الباب أن الله - ~~جل اسمه - في عظمته وكبريائه، وملوكته وحسنى أسمائه، لا يشبه شيئا ~~من مخلوقاته، ولا يشبه به أحد، وما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق ~~فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي، إذ صفات القديم - عز وجل - ~~بخلاف صفات المخلوق، وإذ صفاتهم لا تنفك عن الأعراض والأغراض، وهو ~~تعالى منزه عن ذلك، وقد قال بعض المحققين: التوحيد إثبات ذات غير ~~مشبهة للذوات، ولا معطلة من الصفات، وزاد الواسطي فقال: ليس كذاته ~~ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، وهذا مذهب أهل الحق، أهل السنة ~~والجماعة { وهو السميع البصير } أي وهو تعالى السميع لأقوال ~~العباد، البصير بأفعالهم { له مقاليد السموت والأرض } ~~أي بيده جل وعلا مفاتيح خزائنهما من المطر والنبات وسائر الحاجات { ~~يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } أي يوسع الرزق على من ~~يشاء، ويضيق على من يشاء، حسب الحكمة الإلهية { إنه بكل شيء ~~عليم } تعليل لما سبق أي لأن علمه تعالى محيط بكل الأشياء، فهو واسع ~~العلم، يعلم إذا كان الغنى خيرا للعبد أو الفقر { شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك } أي ~~سن وبين لكم أيها المؤمنون من الشريعة السمحة والدين الحنيف، ما ms1367 ~~وصى به الرسل، وأرباب الشرائع من مشاهير الأنبياء، كنوح ومحمد عليه ~~السلام { وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى } أي ~~وما أمرنا به بطريق الإلزام إبراهيم وموسى وعيسى من أصول الشرائع ~~والأحكام قال الصاوي: خص هؤلاء بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء، وأولوا ~~العزم، وأصحاب الشرائع المعظمة، فلكل واحد من هؤلاء الرسل شرع جديد، ~~وأما من عداهم، فإنما كان يبعث بتبليغ شرع من قبله، ولم يزل الأمر ~~يتأكد بالرسل، ويتناصر بالأنبياء، واحدا بعد واحد، وشريعة إثر شريعة، ~~حتى ختمها الله بخير الملل، ملة أكرم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فتبين أن شرعنا - معشر الأمة المحمدية - قد جمع جميع الشرائع ~~المتقدمة في أصول الاعتقادات، وأصول الأحكام ولهذا قال تعالى { أن ~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } أي وصيناهم بأن أقيموا ~~الدين الحق - دين الإسلام - الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان ~~بكتبه ورسله، وبالبعث والجزاء قال القرطبي: المراد اجعلوا الدين قائما ~~مستمرا محفوظا من غير خلاف فيه ولا اضطراب، في الأصول التي لا تختلف ~~فيها الشريعة وهي: التوحيد، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وغيرها، ~~فهذا كله مشروعا دينا واحدا وملة متحدة. # { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } أي عظم ~~وشق على الكفار ما تدعوهم إليه من عبادة الله، وتوحيد الواحد القهار { ~~الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ~~ينيب } أي الله يصطفي ويختار للإيمان والتوحيد من يشاء من عباده، ~~ويهدي إلى دينه الحق من يرجع إلى طاعته، فيوفقه له ويقربه إليه رحمة ~~وإكراما { وما تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم ~~العلم } أي وما تفرق أهل الأديان المختلفة من اليهود والنصارى ~~وغيرهم إلا من بعد ما قامت عليهم الحجج والبراهين من النبي المرسل إليهم ~~{ بغيا بينهم } أي ظلما وتعديا، وحسدا وعنادا { ولولا ~~كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى } أي ولولا أن ~~الله قضى بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة { لقضي بينهم } ~~أي لعجل لهم العقوبة في الدنيا سريعا باستئصالهم قال ابن كثير: أي ~~لولا الكلمة السالفة من الله تعالى بإنظار العباد إلى يوم المعاد ms1368 لعجل ~~لهم العقوبة سريعا { وإن الذين أورثوا الكتاب من ~~بعدهم } أي وإن بقية أهل الكتاب الذين عاصروا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من بعد أسلافهم السابقين { لفي شك منه مريب } أي ~~لفي شك من التوراة والإنجيل، موقع لهم في أشد الحيرة والريبة، لأنهم ~~ليسوا على يقين من أمر دينهم وكتابهم، وإنما هم مقلدون لآبائهم ~~وأسلافهم، بلا دليل ولا برهان قال البيضاوي: لا يعلمون كتابهم كما هو ولا ~~يؤمنون به حق الإيمان، فهم في شك مقلق { فلذلك فادع واستقم ~~كمآ أمرت } أي فلأجل ذلك التفرق الذي حدث لأهل الكتاب، أمرناك يا ~~محمد أن تدعو الناس إلى دين الحنيفية السمحة، الذي وصينا به جميع ~~المرسلين قبلك، فادع يا محمد إليه والزام النهج القويم مع الاستقامة كما ~~أمرك ربك { ولا تتبع أهوآءهم } أي ولا تتبع أهواء المشركين ~~الباطلة فيما يدعونك إليه من ترك دعوة التوحيد { وقل آمنت بمآ ~~أنزل الله من كتاب } أي صدقت بكل كتاب أنزله الله تعالى قال ~~الرازي: يعني الإيمان بجميع الكتب السماوية، لأن أهل الكتاب المتفرقين ~~في دينهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض { وأمرت لأعدل بينكم } ~~أي وأمرني ربي بأن أعدل بينكم في الحكم قال ابن جزي: يعني العدل في ~~الأحكام إذا تخاصموا إليه { الله ربنا وربكم } أي الله ~~خالقنا جميعا ومتولي أمورنا فيجب أن نفرده بالعبادة { لنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم } أي لنا جزاء أعمالنا ولكم جزاء ~~أعمالكم، من خير أو شر، لا نستفيد من حسناتكم ولا نتضرر من سيئاتكم قال ~~ابن كثير: هذا تبرؤ منهم أي نحن برآء منكم كقوله تعالى # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم ~~بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما تعملون # [يونس: 41] { لا حجة بيننا وبينكم } أي لا جدال ولا ~~مناظرة بيننا وبينكم، فإن الحق قد ظهر وبان كالشمس في رابعة النهار، ~~وأنتم تعاندون وتكابرون { الله يجمع بيننا وإليه ~~المصير } أي الله يجمع بيننا يوم القيامة لفصل القضاء، وإليه المرجع ~~والمآب فيجازي كل أحد بعمله من خير وشر قال الصاوي: والغرض أن الحق ms1369 ~~قد ظهر، والحجج قد قامت، فلم يبق إلا العناد، وبعد العناد لا حجة ولا ~~جدل، والله يفصل بين الخلائق يوم المعاد، ويجازي كلا بعمله { ~~والذين يحآجون في الله } أي يخاصمون في دينه لصد الناس ~~عن الإيمان { من بعد ما استجيب له } أي من بعد ما استجاب ~~الناس له ودخلوا في دينه { حجتهم داحضة عند ربهم } أي ~~حجتهم باطلة لا ثبوت لها عند الله قال ابن عباس: نزلت في طائفة من بني ~~إسرائيل همت برد الناس عن الإسلام وإضلالهم ومحاجتهم بالباطل { ~~وعليهم غضب ولهم عذاب شديد } أي وعليهم غضب عظيم في ~~الدنيا، وعذاب شديد في الآخرة، { الله الذي أنزل الكتاب ~~بالحق } أي نزل القرآن وسائر الكتب الإلهية متلبسا بالصدق ~~القاطع، والحق الساطع، في أحكامه وتشريعاته وأخباره { والميزان } ~~أي ونزل الميزان أي العدل والإنصاف قاله ابن عباس قال المفسرون: وسمى ~~العدل ميزانا لأن الميزان يحصل به العدل والإنصاف، فهو من تسمية الشيء ~~باسم السبب { وما يدريك لعل الساعة قريب } أي وما ينبئك ~~أيها المخاطب لعل وقت الساعة قريب؟ فإن الواجب على العاقل أن يحذر ~~منها، ويستعد لها. قال أبو حيان: ووجه اتصال الآية بما سبق أن الساعة ~~يوم الحساب فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية قبل أن يفاجئكم اليوم ~~الذي يحاسبكم فيه ويزن أعمالكم { يستعجل بها الذين لا ~~يؤمنون بها } أي يستعجل بالقيامة المشركون الذين لا يصدقون بها ~~فيقولون على سبيل الاستهزاء: متى تكون؟ { والذين آمنوا ~~مشفقون منها } أي والمؤمنون المصدقون بها خائفون وجلون من ~~قيامها { ويعلمون أنها الحق } أي ويعلمون أنها كائنة ~~وحاصلة لا محالة { ألا إن الذين يمارون في الساعة ~~لفي ضلال بعيد } أي الذين يجادلون في أمر القيامة في ضلال بعيد ~~عن الحق، لإنكارهم عدل الله وحكمته. ### || [42.19-31] # المناسبة: لما ذكر تعالى الساعة وما يلقاه عند قيامها المؤمنون ~~الأبرار والكفرة الفجار من الحساب والجزاء، ذكر هنا أنه لطيف بالعباد لا ~~يعاجل العقوبة للعصاة مع استحقاقهم للعذاب، ثم ذكر مآل المتقين، ومآل ~~المجرمين في الآخرة، دار العدل والجزاء. # اللغة: { لطيف ms1370 } بر رفيق رحيم { حرث الآخرة } الحرث في ~~الأصل: إلقاء البذور في الأرض، ويطلق على الزرع الحاصل منه، ثم استعمل في ~~ثمرات الأعمال ونتائجها بطريق الاستعارة { الفصل } القضاء السابق { ~~يقترف } يكتسب { روضات } جمع روضة وهو الموضع الكثير الأزهار ~~والأشجار والثمار كالمنتزه وغيره { يقترف } يكتسب { الغيث } ~~المطر سمي غيثا لأنه يغيث الخلق { قنطوا } يئسوا { بث } فرق ~~ونشر { بمعجزين } فائتين من عذاب الله بالهرب. # التفسير: { الله لطيف بعباده } أي بار رحيم بالخلق كثير ~~الإحسان بهم، يفيض عليهم من الخيرات والبركات مع عصيانهم قال مقاتل: ~~لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعا بمعاصيهم { يرزق من يشآء ~~} أي يوسع الرزق على من يشاء قال القرطبي: وفي تفضيل قوم بالمال حكمه، ~~ليحتاج البعض إلى البعض، وهذا من لطفه بالعباد، وأيضا ليمتحن الغني ~~بالفقير، والفقير بالغني كقوله تعالى # وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون # [الفرقان: 20] { وهو القوي } أي القادر على كل ما يشاء { ~~العزيز } أي الغالب الذي لا يغالب ولا يدافع ثم لما بين كونه ~~لطيفا بالعباد، كثير الإحسان إليهم، أشار إلى أن الإنسان ما دام في ~~هذه الحياة فعليه أن يسعى في طلب الخيرات لأسباب السعادة فقال { من ~~كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه } أي من كان ~~يريد بعمله ثواب الآخرة ونعيمها، نزد له في أجره وثوابه، بمضاعفة حسناته ~~{ ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها } أي ومن كان ~~يريد بعمله متاع الدنيا ونعيمها فقط، نعطه بعض ما يطلبه من المتاع العاجل ~~مما قدر له { وما له في الآخرة من نصيب } أي وليس له في ~~الآخرة حظ من الثواب والنعيم قال الزمخشري: سمى ما يعمله العامل مما ~~يبتغي به الفائدة حرثا على سبيل المجاز، وفرق بينهما بأن من عمل ~~للآخرة ضوعفت حسناته، ومن عمل للدنيا أعطي شيئا منها لا ما يريده ~~ويبتغيه وقال في التسهيل: حرث الآخرة عبارة عن العمل لها، وكذلك حرث ~~الدنيا، وهو مستعار من حرث الأرض، لأن الحراث يعمل وينتظر المنفعة بما ~~عمل، ثم أخذ ينكر على الكفار عبادتهم لغير الله، مع ms1371 أنه الخالق المتفضل ~~على العباد فقال { أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله }؟ الاستفهام للتقريع والتوبيخ ~~أي ألهؤلاء الكفار شركاء من الشياطين أو آلهة من الأوثان، شرعوا لهم ~~الشرك والعصيان الذي لم يأمر به الله؟ قال شيخ زاده: وإسناد الشرع إلى ~~الأوثان، وهي جمادات إسناد مجازي، من إسناد الفعل إلى السبب، وسماه ~~دينا للمشاكلة والتهكم { ولولا كلمة الفصل لقضي ~~بينهم } أي لولا أن الله حكم وقضى في سابق أزله أن الثواب والعقاب ~~يكونان يوم القيامة لحكم بين الكفار والمؤمنين، بتعجيل العقوبة للظالم، ~~وإثابة المؤمن { وإن الظالمين لهم عذاب أليم } أي ~~وإن الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والعصيان لهم عذاب موجع مؤلم { ~~ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا } أي ترى أيها المخاطب ~~الكافرين يوم القيامة خائفين خوفا شديدا من جزاء السيئات التي ارتكبوها ~~في الدنيا { وهو واقع بهم } أي والجزاء عليها نازل بهم يوم ~~القيامة لا محالة، سواء خافوا أو لم يخافوا { والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات في روضات الجنات } أي والمؤمنون ~~الصالحون في رياض الجنة يتمتعون، في أطيب بقاعها، وفي أعلى منازلها { ~~لهم ما يشآءون عند ربهم } أي لهم في الجنات ما يشتهونه ~~من أنواع اللذائذ والنعيم والثواب العظيم عند رب كريم قال ابن كثير: فأين ~~هذا من هذا؟ أين من هو في الذل والهوان، ممن هو في روضات الجنان؟ فيما ~~يشاء من مآكل ومشارب وملاذ؟ ولهذا قال تعالى { ذلك هو الفضل ~~الكبير } أي ذلك النعيم والجزاء هو الفوز الأكبر الذي لا يوازيه شيء ~~قال القرطبي: أي الفضل الذي لا يوصف، ولا تهتدي العقول إلى حقيقة صفته، ~~لأن الحق جل وعلا إذا قال " كبير " فمن ذا الذي يقدر قدره؟ { ذلك ~~الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي ذلك الإكرام والإنعام هو الذي يبشر الله به عباده ~~المؤمنين المتقين، ليتعجلوا السرور ويزدادوا شوقا إلى لقائه { قل لا ~~أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } أي ~~قل لهم يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة شيئا من ms1372 الأجر والمال، ~~إلا أن تحفظوا حق القربى ولا تؤذوني حتى أبلغ رسالة ربي قال ابن ~~كثير: أي لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح مالا، وإنما أطلب أن تذروني ~~حتى أبلغ رسالات ربي، فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة قال ابن ~~عباس: يقول إلا أن تصلوا ما بين وبينكم من القرابة، وتؤذوني في نفسي ~~لقرابتي منكم { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا } ~~أي ومن يكتسب ويفعل طاعة من الطاعات نضاعف له ثوابها { إن الله ~~غفور شكور } أي غفور للذنوب شاكر لإحسان المحسن، لا يضيع عنده عمل ~~العامل، ولهذا يغفر الكثير من السيئات، ويكثر القليل من الحسنات { أم ~~يقولون افترى على الله كذبا }؟ أي بل أيقول كفار قريش إن ~~محمدا اختلق الكذب على الله بنسبة القرآن إليه؟ قال أبو حيان: وهذا ~~استفهام إنكار وتوبيخ للمشركين على هذه المقالة أي مثله لا ينسب إلى ~~الكذب على الله مع اعترافكم له قبل بالصدق والأمانة { فإن يشإ ~~الله يختم على قلبك } أي لو افتريت على الله الكذب كما ~~يزعم هؤلاء المجرمون لختم على قلبك فأنساك هذا القرآن، وسلبه من صدرك، ~~ولكنك لم تفتر على الله كذبا ولهذا أيدك وسددك قال ابن كثير: وهذه ~~كقوله جل وعلا # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44-46] وقال أبو السعود: والآية استشهاد على بطلان ما قالوا ~~ببيان أنه عليه السلام لو افترى على الله تعالى لمنعه من ذلك قطعا، ~~بالختم على قلبه بحيث لا يخطر بباله معنى من معانيه، ولم ينطق بحرف من ~~حروفه { ويمح الله الباطل } أي يزيل الله الباطل بالكلية { ~~ويحق الحق بكلماته } أي ويثبت الله الحق ويوضحه بكلامه ~~المنزل، وقضائه المبرم وقال ابن كثير: بكلماته أي بحججه وبراهينه { ~~إنه عليم بذات الصدور } أي عالم بما في القلوب، يعلم ما ~~تكنه الضمائر، وتنطوي عليه السرائر وقال القرطبي: والمراد أنك لو حدثت ~~نفسك أن تفتري الكذب لعلمه الله وطبع على قلبك { وهو الذي يقبل ~~التوبة عن عباده } هذا امتنان ms1373 من الرحمن على العباد أي هو جل ~~وعلا بفضله وكرمه يتقبل التوبة من عباده، إذا أقلعوا عن المعاصي وأنابوا ~~بصدق وإخلاص نية { ويعفوا عن السيئات } أي يصفح عن ~~الذنوب صغيرها وكبيرها لمن يشاء { ويعلم ما تفعلون } أي يعلم ~~جميع ما تصنعون من خير أو شر { ويستجيب الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } أي ويستجيب الله دعاء المؤمنين الصالحين قال ~~الرازي: أي ويستجيب الله للمؤمنين إلا أنه حذف اللام كما حذف في قوله # وإذا كالوهم # [المطففين: 3] أي كالوا لهم { ويزيدهم من فضله } أي ويزيدهم ~~من جوده وكرمه فوق ما سألوا واستحقوا لأنه الجواد الكريم، البر الرحيم ~~{ والكافرون لهم عذاب شديد } أي وأما الكافرون بالله فلهم ~~العذاب الموجع الأليم في دار الجحيم { ولو بسط الله الرزق ~~لعباده لبغوا في الأرض } أي ولو وسع الله الرزق على ~~عباده لطغوا وبغوا وأفسدوا في الأرض بالمعاصي والآثام، لأن الغنى يوجب ~~الطغيان قال ابن كثير: أي لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق، لحملهم ذلك على ~~البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرا وبطرا، وقال قتادة: خير العيش ما ~~لا يلهيك ولا يطغيك { ولكن ينزل بقدر ما يشآء } أي ~~ولكنه تعالى ينزل أرزاق العباد بما تقتضيه الحكمة والمصلحة كما جاء في ~~الحديث القدسي # " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، ~~وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه " # { إنه بعباده خبير بصير } أي عالم بأحوالهم وما يصلحهم، ~~فيعطي ويمنع، ويبسط ويقبض، حسبما تقتضيه الحكمة الربانية { وهو ~~الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا } تعديد لنعمه ~~على العباد أي هو تعالى الذي ينزل المطر، الذي يغيثهم من الجدب، من بعد ~~ما يئسوا من نزوله { وينشر رحمته } أي ويبسط خيراته وبركاته على ~~العباد { وهو الولي الحميد } أي وهو الولي الذي يتولى ~~عباده، المحمود بكل لسان على ما أسدى من النعماء { ومن آياته ~~خلق السموت والأرض } أي ومن دلائل قدرته، وعجائب حكمته، ~~الدالة على وحدانيته، خلق السماوات والأرض بهذا الشكل البديع ms1374 { وما ~~بث فيهما من دآبة } أي وما نشر وفرق في السماوات والأرض من ~~مخلوقات قال ابن كثير: وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن، وسائر ~~الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم وأجناسهم وأنواعهم وقال مجاهد: هم ~~الناس والملائكة { وهو على جمعهم إذا يشآء قدير } أي ~~وهو تعالى قادر على جمع الخلائق للحشر والحساب والجزاء، في أي وقت شاء ~~{ ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } أي ~~وما أصابكم أيها الناس مصيبة من المصائب في النفس أو المال فإنما هي ~~بسبب معاصيكم التي اكتسبتموها قال الجلال: وعبر بالأيدي لأن أكثر ~~الأفعال تزاول بها { ويعفوا عن كثير } أي ويصفح عن كثير من ~~الذنوب فلا يعاقبكم عليها، ولو آخذكم بكل ما كسبتم لهلكتم وفي الحديث # " لا يصيب ابن آدم خدش عود، أو عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، ~~وما يعفو عنه أكثر " # { ومآ أنتم بمعجزين في الأرض } أي ولستم أيها المشركون ~~فائتين من عذاب الله، ولا هاربين من قضائه، وإن هربتم من أقطارها كل ~~مهرب { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } أي ~~وليس لكم غير الله ولي يتولى أموركم ويتعهد مصالحكم، ولا نصير يدفع ~~عنكم عذابه وانتقامه. # فائدة: المصائب التي تصيب الناس لتكفير السيئات، وأما الأنبياء ~~فإنما هي لرفع الدرجات لأنهم معصومون عن الذنوب والآثام. # تنبيه: قال بعض العلماء: لا يستبعد أن يكون في الكواكب السيارة، ~~والعوالم العلوية مخلوقات - غير الملائكة - تشبه مخلوقات الأرض، وأن يكون ~~فيها حيوانات تشبه الحيوانات التي على أرضنا كما تدل الدلائل الفلكية على ~~وجود حياة في المريخ، واستدلوا بهذه الآية { ومن آياته خلق ~~السموت والأرض وما بث فيهما من دآبة } الآية، ~~أقول: يحتمل أن يوجد في هذا الفضاء الواسع، مخلوقات حية غير الإنسان، ~~أما الإنسان فإننا نقطع بأنه لا يوجد إلا فوق سطح هذا الكوكب الأرضي ~~لقوله تعالى: # قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون # [الأعراف: 25]. ### || [42.32-53] # المناسبة: لما ذكر تعالى بعض الدلائل على وحدانيته في خلق السماوات ~~والأرض، وما بث فيهما من مخلوقات لا تحصى، أتبعه ms1375 بذكر آية أخرى تدل ~~على وجود الإله القادر الحكيم، وهي السفن الضخمة التي تشبه الجبال تسير ~~بقدرته تعالى فوق سطح البحر، محملة بالأقوات والأرزاق، وختم السورة ~~الكريمة ببيان إثبات الوحي وصدق القرآن. # اللغة: { الجوار } جمع جارية وهي السفينة سميت جارية لأنها تجري في ~~الماء { كالأعلام } جمع علم وهو الجبل العظيم الشاهق قالت الخنساء: # وإن صخرا لتأتم الهداة به # كأنه علم في رأسه نار # { رواكد } ثوابت ساكنة لا تسير، من ركد الماء إذا سكن ووقف عن ~~الجري { محيص } مهرب ومخلص من العذاب { يوبقهن } يهلكهن ~~يقال: أوبقه أي أهلكه { الفواحش } جمع فاحشة وهي ما تناهى قبحه ~~كالزنى والقتل والشرك وغيرها { نكير } منكر ينكر ما ينزل بكم من ~~العذاب { عقيما } لا تلد. # التفسير: { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام } ~~أي ومن علاماته الدالة على قدرته الباهرة، وسلطانه العظيم، السفن ~~الجارية في البحر كأنها الجبال من عظمها وضخامتها { إن يشأ يسكن ~~الريح فيظللن رواكد على ظهره } أي لو شاء تعالى ~~لأسكن الرياح وأوقفها فتبقى السفن سواكن وثوابت على ظهر البحر لا تجري { ~~إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } أي إن في تسييرها ~~لعبرا وعظات لكل مؤمن صابر في البأساء، شاكر في الرخاء قال الصاوي: أي ~~كثير الصبر على البلايا، عظيم الشكر على العطايا وقال أبو حيان: وإنما ~~ذكر السفن الجارية في البحر، لما فيها من عظيم دلائل القدرة، من جهة أن ~~الماء جسم لطيف شفاف، يغوص فيه الثقيل، والسفن تحمل الأجسام الثقيلة ~~الكثيفة ومع ذلك جعل الله تعالى في الماء قوة يحملها بها ويمنعها من ~~الغوص، ثم جعل الرياح سببا لسيرها فإذا أراد أن ترسوا أسكن الريح فلا ~~تبرح عن مكانها، { أو يوبقهن بما كسبوا } أي وإن يشأ يجعل ~~الرياح عواصف فيغرق هذه السفن وأهلها بسبب ما اقترفوا من جرائم { ~~ويعف عن كثير } أي ويتجاوز عن كثير من الذنوب فينجيهم الله من ~~الهلاك { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم ~~من محيص } أي وليعلم الكفار المجادلون في آيات الله بالباطل، أنه ~~لا ملجأ ms1376 لهم ولا مهرب من عذاب الله قال القرطبي: أي ليعلم الكفار إذا ~~توسطوا البحر وغشيتهم الرياح من كل مكان أنه لا ملجأ لهم سوى الله، ولا ~~دافع لهم إن أراد الله إهلاكهم فيخلصون له العبادة { فمآ أوتيتم ~~من شيء فمتاع الحياة الدنيا } أي فما أعطيتم أيها الناس ~~من شيء من نعيم الدنيا وزهرتها الفانية، فإنما هو نعيم زائل، تتمتعون به ~~مدة حياتكم ثم يزول { وما عند الله خير وأبقى } أي وما ~~عند الله من الثواب والنعيم، خير من الدنيا وما فيها، لأن نعيم الآخرة ~~دائم مستمر، فلا تقدموا الفاني على الباقي { للذين آمنوا } أي ~~للذين صدقوا الله ورسوله وصبروا على ترك الملاذ في الدنيا { وعلى ~~ربهم يتوكلون } أي واعتمدوا على الله وحده في جميع أمورهم { ~~والذين يجتنبون كبائر الإثم } أي وهؤلاء المؤمنون هم ~~الذين يجتنبون كبائر الذنوب كالشرك والقتل وعقوق الوالدين { ~~والفواحش } قال ابن عباس: يعني الزنى { وإذا ما غضبوا هم ~~يغفرون } أي إذا غضبوا على أحد ممن اعتدى عليهم عفوا وصفحوا قال ~~الصاوي:من مكارم الأخلاق التجاوز والحلم عند حصول الغضب، ولكن يشترط أن ~~يكون الحلم غير مخل بالمروءة، ولا واجبا كما إذا انتهكت حرمات الله ~~فالواجب حينئذ الغضب لا الحلم، وعليه قول الشافعي " من استغضب ولم يغضب ~~فهو حمار " وقال الشاعر " وحلم الفتى في غير موضعه جهل " { والذين ~~استجابوا لربهم } أي أجابوا ربهم إلى ما دعاهم إليه من ~~التوحيد والعبادة قال البيضاوي: نزلت في الأنصار دعاهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى الإيمان فاستجابوا { وأقاموا الصلاة } أي ~~أدوها بشروطها وآدابها، وحافظوا عليها في أوقاتها { وأمرهم شورى ~~بينهم } أي يتشاورون في الأمور ولا يعجلون، ولا يبرمون أمرا من ~~مهمات الدنيا والدين إلا بعد المشورة { ومما رزقناهم ~~ينفقون } أي وينفقون مما أعطاهم الله في سبيل الله بالإحسان إلى خلق ~~الله { والذين إذآ أصابهم البغي هم ينتصرون } أي ~~ينتقمون ممن بغى عليهم، ولا يستسلمون لظلم المعتدي قال إبراهيم النخعي: ~~كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترىء عليهم الفساق قال أبو السعود: ~~وهو ms1377 وصف لهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر الفضائل، وهذا لا ينافي وصفهم ~~بالغفران فإن كلا في موضعه محمود { وجزآء سيئة سيئة ~~مثلها } أي وجزاء العدوان أن ينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي عليه ~~بالزيادة قال الإمام الفخر: لما قال تعالى { والذين إذآ ~~أصابهم البغي هم ينتصرون } أردفه بما يدل على أن ذلك ~~الانتصار يجب أن يكون مقيدا بالمثل دون زيادة، وإنما سمى ذلك سيئة ~~لأنها تسوء من تنزل به { فمن عفا وأصلح فأجره على ~~الله } أي فمن عفا عن الظالم، وأصلح بينه وبين عدوه، فإن الله يثيبه ~~على ذلك الأجر الجزيل قال ابن كثير: شرع تعالى العدل وهو القصاص، وندب ~~إلى الفضل وهو العفو، فمن عفا فإن الله لا يضيع له ذلك كما جاء في ~~الحديث # " وما زاد الله تعالى عبدا بعفو إلا عزا " # { إنه لا يحب الظالمين } أي إنه جل وعلا يبغض البادئين ~~بالظلم، والمعتدين في الانتقام { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي ~~انتصر ممن ظلمه دون عدوان { فأولئك ما عليهم من سبيل ~~} أي فليس عليهم عقوبة ولا مؤاخذة، لأنهم أتوا بما أبيح لهم من الانتصار ~~{ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } إي إنما ~~العقوبة والمؤاخذة على المعتدين الذين يظلمون الناس بعدوانهم { ~~ويبغون في الأرض بغير الحق } أي ويتكبرون في الأرض ~~تجبرا وفسادا بالمعاصي والاعتداء على الناس في النفوس والأموال { ~~أولئك لهم عذاب أليم } أي أولئك الظالمون الباغون لهم ~~عذاب مؤلم موجع بسبب ظلمهم وبغيهم { ولمن صبر وغفر إن ~~ذلك لمن عزم الأمور } أي ولمن صبر على الأذى، وترك الانتصار ~~لوجه الله تعالى، فإن ذلك الصبر والتجاوز من الأمور الحميدة التي أمر ~~الله بها وأكد عليها قال الصاوي: كرر الصبر اهتماما به وترغيبا فيه ~~وللإشارة إلى أنه محمود العاقبة { ومن يضلل الله فما له ~~من ولي من بعده } أي ومن يضلله الله فليس له ناصر ولا هاد ~~يهديه إلى الحق { وترى الظالمين لما رأوا العذاب } أي ~~وترى الكافرين حين شاهدوا عذاب جهنم { يقولون هل إلى مرد ~~من سبيل } أي يطلبون ms1378 الرجوع إلى الدنيا لهول ما يشاهدون من العذاب ~~ويقولون: هل هناك طريق لعودتنا إلى الدنيا؟ قال القرطبي: يطلبون أن ~~يردوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله عز وجل فلا يجابون { وتراهم ~~يعرضون عليها } أي وتراهم أيها المخاطب يعرضون على النار { ~~خاشعين من الذل } أي متضائلين صاغرين مما يلحقهم من الذل ~~والهوان { ينظرون من طرف خفي } أي يسارقون النظر خوفا منها ~~وفزعا كما ينظر من قدم ليقتل بالسيف، فإنه لا يقدر أن ينظر إليه ~~بملء عينه قال ابن عباس: ينظرون بطرف ذابل ذليل وقال قتادة والسدي: ~~يسارقون النظر من شدة الخوف { وقال الذين آمنوا إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة } أي يقول المؤمنون في الجنة لما عاينوا ما حل بالكفار: ~~إن الخسران في الحقيقة ما صار إليه هؤلاء، فإنهم خسروا أنفسهم وأهليهم ~~بخلودهم في نار جهنم { ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } ~~أي ألا إنهم في عذاب دائم لا ينقطع { وما كان لهم من ~~أوليآء ينصرونهم من دون الله } أي وما كان لهم من أعوان ~~ونصراء ينصرونهم من عذاب الله كما كانوا يرجون ذلك في الدنيا { ومن ~~يضلل الله فما له من سبيل } أي ومن يضلله الله فليس له ~~طريق يصل به إلى الحق في الدنيا، وإلى الجنة في الآخرة، لأنه قد سدت ~~عليه طريق النجاة قال ابن كثير: من يضلله الله فليس له خلاص { ~~استجيبوا لربكم } أي استجيبوا أيها الناس إلى ما دعاكم إليه ~~ربكم من الإيمان والطاعة { من قبل أن يأتي يوم لا ~~مرد له من الله } أي من قبل أن يأتي ذلك اليوم الرهيب الذي لا ~~يقدر أحد على رده، لأنه ليس له دافع ولا مانع { ما لكم من ~~ملجأ يومئذ } أي ليس لكم مفر تلتجئون إليه { وما لكم من ~~نكير } أي وليس لكم منكر ينكر ما ينزل بكم من العذاب وقال أبو ~~السعود: أي ما لكم إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائف أعمالكم ~~وتشهد عليه جوارحكم { فإن أعرضوا } أي فإن أعرض المشركون عن ~~الإيمان ولم ms1379 يقبلوا هداية الرحمن { فمآ أرسلناك عليهم ~~حفيظا } أي فما أرسلناك يا محمدا رقيبا على أعمالهم ولا محاسبا لهم ~~{ إن عليك إلا البلاغ } أي ما عليك إلا أن تبلغهم رسالة ~~ربك وقد فعلت قال أبو حيان: والآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ~~وتأنيس له، وإزالة لهمه بهم، ثم أخبر تعالى أن طبيعة الإنسان ~~الكفران لنعم الله فقال { وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا ~~رحمة فرح بها } المراد بالإنسان الجنس بدليل قوله { وإن ~~تصبهم } والمعنى إنا إذا أكرمنا الإنسان بنعمة من النعم من صحة ~~وغنى وأمن وغيرها بطر وتكبر { وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور } أي وإن أصاب الناس ~~جدب ونقمة، وبلاء وشدة، بسبب ما اقترفوه من آثام فإن الإنسان مبالغ ~~في الجحود والكفران، ينسى النعمة ويذكر البلية قال الصاوي: والحكمة في ~~تصدير النعمة ب " إذا " والبلاء ب " إن " هو الإشارة إلى أن النعمة ~~محققة الحصول بخلاف البلاء، لأن رحمة الله تغلب عضبه وقال الإمام الفخر: ~~نعم الله في الدنيا وإن كانت عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى سعادة ~~الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر فلذلك سماها ذوقا، فبين تعالى أن ~~الإنسان إذا فاز بهذا القدر الحقير في الدنيا فإنه يفرح بها ويعظم ~~غروره بسببها ويقع في العجب والكبر، ويظن أنه فاز بكل المنى، وذلك لجهله ~~بحال الدنيا وبحال الآخرة { لله ملك السموت والأرض ~~يخلق ما يشآء } أي هو تعالى المالك للكون كله، علويه وسفليه، ~~والمتصرف فيه بالخلق والإيجاد، كيفما شاء، والمقصود من الآية أن لا ~~يغتر الإنسان بما ملكه من المال والجاه، وأن يعلم أن الكل ملك الله وحده، ~~وبيده مقاليد التصرف في السماوات والأرض، يعطي ويمنع، لا راد لقضائه ~~ولا معقب لحكمه { يهب لمن يشآء إناثا } أي يخص من شاء من ~~عباده بالإناث دون البنين { ويهب لمن يشآء الذكور } أي ~~ويخص من شاء بالذكور دون الإناث { أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا } أي يجعلهم إن شاء من النوعين فيجمع للإنسان بين البنين ~~والبنات { ويجعل من يشآء عقيما } أي ويجعل بعض الرجال ms1380 عقيما ~~فلا يولد له، وبعض النساء عقيما فلا تلد قال البيضاوي: والمعنى يجعل ~~أحوال العباد في الأولاد مختلفة، على مقتضى المشيئة، فيهب لبعض إما ~~صنفا واحدا من ذكر أو أنثى، أو الصنفين جمعا، ويعقم آخرين، والمراد ~~من الآية بيان نفاذ قدرته تعالى في الكائنات كيف يشاء، ولهذا قال { ~~إنه عليم قدير } أي مبالغ في العلم والقدرة، يفعل ما فيه مصلحة ~~وحكمة قال ابن كثير: جعل تعالى الناس أربعة أقسام: منهم من يعطيه البنات، ~~ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه النوعين الذكر والإناث، ومنهم من ~~يمنعه هذا وهذا فيجعله عقيما لا نسل له ولا ولد، فسبحان العليم القدير. # . ثم ذكر تعالى الوحي وأقسامه وأنواعه فقال: { وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا } أي وما صح لأحد من البشر أيا ~~كان أن يكلمه الله إلا بطريق الوحي في المنام أو بالإلهام، لأن رؤيا ~~الأنبياء حق كما وقع للخليل إبراهيم عليه السلام # إني أرى في المنام أني أذبحك # [الصافات: 102] { أو من ورآء حجاب } أي أو يكلمه من وراء حجاب ~~كما كلم موسى عليه السلام { أو يرسل رسولا فيوحي ~~بإذنه ما يشآء } أي أو يرسل ملكا فيبلغ الوحي إلى الرسول بأمره ~~تعالى ما يشاء تبليغه كما نزل جبريل بالوحي على الأنبياء قال في التسهيل: ~~بين تعالى في الآية أن كلامه لعباده على ثلاثة أوجه: أحدها الوحي بطريق ~~الإلهام أو المنام، والآخر أن يسمعه كلامه من وراء حجاب، والثالث: الوحي ~~بواسطة الملك، وهذا خاص بالأنبياء، والثاني خاص بموسى وبمحمد إذ كلمه ~~الله ليلة الإسراء، وأما الأول فيكون للأنبياء والأولياء وقال الصاوي: ~~وقد يقع الإلهام لغير الأنبياء كالأولياء، غير أن إلهام الأولياء قد ~~يختلط به الشيطان لأنهم غير معصومين، بخلاف الأنبياء فإلهامهم محفوظ منه ~~{ إنه علي حكيم } أي إنه تعالى متعال عن صفات المخلوقين، ~~حكيم في أفعاله وصنعه، تجري أفعاله على موجب الحكمة { وكذلك ~~أوحينآ إليك روحا من أمرنا } أي وكما أوحينا إلى غيرك ~~من الرسل أوحينا إليك يا محمد هذا القرآن، وسماه روحا ms1381 لأن فيه حياة ~~النفوس من موت الجهل، وكان مالك بن دينار يقول: يا أهل القرآن ماذا زرع ~~القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب كما أن الغيث ربيع الأرض { ~~ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } أي ما كنت يا محمد ~~تعرف قبل الوحي ما هو القرآن، ولا كنت تعرف شرائع الإيمان ومعالمه على ~~وجه التفصيل { ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء ~~من عبادنا } أي ولكن جعلنا هذا القرآن نورا وضياء نهدي به عبادنا ~~المتقين { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } أي وإنك ~~يا محمد لترشد إلى دين قيم مستقيم هو الإسلام { صراط الله ~~الذي له ما في السموت وما في الأرض } أي هذا الدين ~~الذي لا اعوجاج فيه هو دين الله الذي له كل ما في الكون ملكا وخلقا ~~وعبيدا { ألا إلى الله تصير الأمور } أي ألا إلى الله وحده ~~ترجع الأمور فيفصل فيها بين العباد بحكمه العادل وقضائه المبرم. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- المجاز المرسل # لتنذر أم القرى # [الشورى: 7] أي لتنذر أهل مكة لأن الإنذار لأهل القرية لا لها. وفي ~~الآية احتباك حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر وتقديره: لتنذر أم ~~القرى العذاب، وتنذر الناس يوم الجمع. # 2- توالي المؤكدات مع صيغة المبالغة # ألا إن الله هو الغفور الرحيم # [الشورى: 5] وهي ألا، وإن، وضمير الفصل. # 3- الطباق بين { الجنة.. والسعير } وبين { يبسط.. ~~ويقدر } وبين { ذكرانا.. وإناثا }. # 4- طباق السلب # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ~~آمنوا مشفقون منها # [الشورى: 18]. # 5- الاستعارة # من كان يريد حرث الآخرة # [الشورى: 20] الآية شبه العمل للآخرة بالزارع يزرع الزرع ليجني منه ~~الثمرة والحب، بطريق الاستعارة التمثيلية وهي من لطائف الاستعارة. # 6- المقابلة # ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته # [الشورى: 24]. # 7- عطف العام على الخاص # ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته # [الشورى: 28] فالغيث خاص والرحمة عام. # 8- التشبيه المرسل المجمل { ومن آياته الجوار في البحر ~~كالأعلام } أي كالجبال في الضخامة والعظم. # 9- التقسيم { يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن ms1382 يشآء ~~الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا }. # 10- جناس الاشتقاق # ومآ أصابكم من مصيبة # [الشورى: 30]. # 11- صيغة المبالغة { لكل صبار شكور } أي عظيم الصبر، كبير ~~الشكر. # 12- المشاكلة { وجزآء سيئة سيئة مثلها } سميت ~~الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة. # 13- توافق الفواصل وهو من المحسنات البديعية وهو كثير في القرآن العظيم. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-25] # اللغة: { صفحا } إعراضا يقال: ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه ~~وتركته { بطشا } قوة وانتقاما، وبطش به أخذه بشدة وعنف { مهدا } ~~فراشا وبساطا { أنشرنا } أحيينا، والنشور، الإحياء بعد الموت { ~~تستووا } تستقروا وتركبوا { مقرنين } مطيقين { كظيم } مملوء ~~غما وغيظا { يخرصون } يكذبون { أمة } دين وطريقة { ~~مترفوهآ } المترف: المتنعم المنغمس في الشهوات. # التفسير: { حم } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن { ~~والكتاب المبين } قسم أقسم الله به أي أقسم بالقرآن البين ~~الواضح الجلي، المظهر طريق الهدى من طريق الضلال، المبين للبشرية ما ~~تحتاج إليه من الأحكام والدلائل الشرعية { إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا } هذا هو المقسم عليه أي أنزلناه بلغة العرب، مشتملا على ~~كمال الفصاحة والبلاغة، بأسلول محكم، وبيان معجز { لعلكم ~~تعقلون } أي لكي تفهموا أحكامه، وتتدبروا معانيه، وتعقلوا أن أسلوبه ~~الحكيم خارج عن طوق البشر قال البيضاوي: أقسم تعالى بالقرآن على أنه جعله ~~قرآنا عربيا، وهو من البدائع البلاغية لتناسب القسم والمقسم عليه، ~~تنبيها على أنه لا شيء أعلا منه فيقسم به، وهذا يدل على شرف القرآن ~~وعزته بأبلغ وجه وأدقه { وإنه في أم الكتاب لدينا } ~~أي وإنه في اللوح المحفوظ عندنا { لعلي حكيم } أي رفيع الشأن ~~عظيم القدر، ذو حكمة بالغة ومكانة فائقة قال ابن كثير: بين شرف ~~القرآن في الملأ الأعلى، ليشرفه ويعظمه أهل الأرض أي وإن القرآن في ~~اللوح المحفوظ عندنا ذو مكانة عظيمة، وشرف وفضل { أفنضرب عنكم ~~الذكر صفحا } الاستفهام إنكاري أي أنترك تذكيركم إعراضا عنكم، ~~ونعتبركم كالبهائم فلا نعظكم بالقرآن؟ { أن كنتم قوما ~~مسرفين } أي لأجل أنكم مسرفون في التكذيب والعصيان؟ لا، بل نذكركم ~~ونعظكم به إلى أن ترجعوا إلى طريق الحق قال قتادة: لو أن هذا القرآن رفع ~~حين ms1383 رده الأوائل لهلكوا، ولكن الله برحمته كرره عليهم، ودعاهم إليه ~~عشرين سنة قال ابن كثير: وقول قتادة لطيف المعنى جدا وحاصله أنه تعالى ~~من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير، وإلى الذكر الحكيم، وإن ~~كانوا مسرفين معرضين عنه، بل يأمر به ليهتدي به من قدر هدايته، وتقوم ~~الحجة على من كتب شقاوته { وكم أرسلنا من نبي في ~~الأولين }؟ تسلية للنبي عليه السلام أي ما أكثر ما أرسلنا من ~~الأنبياء في الأمم الأولين؟ { وما يأتيهم من نبي إلا ~~كانوا به يستهزئون } أي ولم يكن يأتيهم نبي إلا سخروا منه ~~واستهزءوا به قال الصاوي: وهذا اتسلية له صلى الله عليه وسلم والمعنى ~~تسل يا محمد ولا تحزن فإنه وقع للرسل قبلك ما وقع لك { فأهلكنآ ~~أشد منهم بطشا } أي فأهلكنا قوما كانوا أشد قوة من كفار مكة ~~وأعتى منهم وأطغى { ومضى مثل الأولين } أي وسبق في القرآن ~~أحاديث إهلاكهم، ليكونوا عظة وعبرة لمن بعدهم من المكذبين قال الإمام ~~الفخر: إن كفار مكة سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم، فليحذروا ~~أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك فقد ضربنا لهم مثلهم { ولئن ~~سألتهم من خلق السموت والأرض } أي ولئن سألت يا ~~محمد هؤلاء المشركين من خلق السماوات والأرض بهذا الشكل البديع { ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم } أي ليقولن خلقهن ~~الله وحده، العزيز في ملكه، العليم بخلقه قال القرطبي: أقروا له ~~بالخلق والإيجاد، ثم عبدوا معه غيره جهلا منهم وسفها. # . ثم بين تعالى لهم صفاته الجليلة، الدالة على كمال القدرة والحكمة ~~فقال { الذي جعل لكم الأرض مهدا } أي بسط الأرض وجعلها ~~كالفراش لكم، تستقرون عليها وتقومون وتنامون { وجعل لكم فيها ~~سبلا } أي وجعل لكم فيها طرقا تسلكونها في أسفاركم { لعلكم ~~تهتدون } أي لكي تهتدوا إلى قدرة الخالق الحكيم، مودع هذا النظام ~~العجيب { والذي نزل من السمآء مآء بقدر } أي نزل ~~بقدرته الماء من السماء بمقدار ووزن معلوم، بحسب الحاجة والكفاية قال ~~البيضاوي: أي بمقدار ينفع ولا يضر { فأنشرنا به بلدة ميتا ms1384 ~~} أي فأحيينا به أرضا ميتة مقفرة من النبات { كذلك تخرجون } ~~أي كذلك نخرجكم من قبوركم كما نخرج النبات من الأرض الميتة { والذي ~~خلق الأزواج كلها } أي خلق جميع الأصناف من الحيوان والنبات ~~وغير ذلك قال ابن عباس: " الأزواج " الأصناف والأنواع كلها كالحلو ~~والحامض، والأبيض والأسود، والذكر والأنثى { وجعل لكم من ~~الفلك والأنعام ما تركبون } أي وسخر لكم من السفن في ~~البحر، والإبل في البر ما تركبونه في أسفاركم قال ابن كثير أي ذللها ~~وسخرها ويسرها لكم، لتأكلوا لحومها وتركبوا ظهورها { لتستووا ~~على ظهوره } أي لتستقروا على ظهور هذا المركوب، سفينة كانت أو ~~جملا { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم ~~عليه } أي وتتذكروا نعمة ربكم الجليلة عليكم حين تستقرون فوقها ~~فتشكروه بقلوبكم { وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا ~~} أي وتقولوا بألسنتكم عند ركوبكم: سبحان الله الذي ذلل ويسر لنا ~~ركوب هذا المركوب { وما كنا له مقرنين } أي وما كنا قادرين ~~ولا مطيقين لركوبه لولا تسخيره تعالى لنا { وإنآ إلى ربنا ~~لمنقلبون } أي وإنا إلى ربنا لراجعون، وصائرون إليه بعد الموت قال ~~في حاشية البيضاوي: وليس المراد من ذكر النعمة تصورها وإخطارها في ~~البال، بل المراد تذكر أنها نعمة حاصلة بتدبير القادر العليم الحكيم، ~~مستدعية لطاعته وشكره، فإن من تفكر في أن ما يركبه الإنسان من ~~الفلك والأنعام، أكثر قوة وأكبر جثة من راكبه، ومع ذلك كان مسخرا ~~لراكبه يتمكن من تصريفه إلى أي جانب شاء، وتفكر أيضا في خلق البحر ~~والريح وفي كونهما مسخرين للإنسان مع ما فيهما من المهابة والأهوال، ~~استغرق في معرفة عظمة الله تعالى وكبريائه، وكمال قدرته وحكمته، فيحمله ~~ذلك الاستغراق على أن يقول متعجبا من عظمة الله { سبحان الذي ~~سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين }. # . ولما ذكر تعالى اعتراف المشركين بأن خالق السماوات والأرض هو رب ~~العالمين، ذكر بعده ما يدل على سفههم وجهلهم في عبادة غير الله فقال { ~~وجعلوا له من عباده جزءا } أي جعل المشركون لله ولدا ~~حيث قالوا: الملائكة بنات الله { إن الإنسان ms1385 لكفور مبين } ~~أي إن القائل لهذا لمبالغ في الكفر، عظيم الجحود والطغيان قال البيضاوي: ~~أي ظاهر الكفران لأن نسبة الولد إليه تعالى من فرط الجهل به والتحقير ~~لشأنه { أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم ~~بالبنين } إنكار وتعجب من حالهم أي هل اتخذ تعالى لنفسه البنات، ~~وخصكم واختار لكم البنين؟ قال ابن كثير: وهذا إنكار عليهم غاية ~~الإنكار، ثم ذكر تعالى تمام الإنكار فقال { وإذا بشر أحدهم ~~بما ضرب للرحمن مثلا } أي وإذا بشر أحد المشركين ~~بالأنثى التي جعلها مثلا لله بنسبة البنات له { ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم } أي صار وجهه كأنه أسود من الكآبة والحزن، ~~وهو ممتلىء غيظا وغما من سوء ما بشر به قال الإمام الفخر: ~~والمقصود من الآية التنبيه على قلة عقولهم وسخافة تفكيرهم، فإن الذي ~~بلغ حاله في النقص إلى هذا الحد كيف يجوز للعاقل إثباته لله تعالى؟ ~~وقد روي عن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى فهجر البيت الذي فيه المرأة { ~~أومن ينشأ في الحلية } أي أيجعلون لله من يربى في ~~الزينة وينشأ ويكبر عليها وهن الإناث؟ { وهو في الخصام غير ~~مبين } أي ومن هو في الجدال غير مظهر لحجته لضعف رأيه؟ أومن ~~يكون هكذا ينسب إلى جناب الله العظيم؟ قال في التسهيل: والمقصد الرد ~~على الذين قالوا الملائكة بنات الله، كأنه قال: أجعلتم لله من ينشأ في ~~الحلية؟ يعني يكبر وينبت في استعمالها، وذلك صفة النقص، ثم أتبعها بصفة ~~نقص أخرى فقال { وهو في الخصام غير مبين } يعني أن ~~الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أن تبين حجتها لنقص عقلها، وقلما ~~تجد امرأة إلا تفسد الكلام، وتخلط المعاني، فكيف ينسب لله من يتصف بهذه ~~النقائص؟ وقال ابن كثير: المرأة ناقصة في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ~~ظاهرها وصورتها بلبس الحلي ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض الشعراء: # وما الحلي إلا زينة من نقيصة # يتمم من حسن إذا الحسن قصرا # وأما نقص معناها فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار، كما قال بعض العرب ~~وقد ms1386 بشر ببنت " ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة " { ~~وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا } كفر آخر تضمنه قولهم الشنيع أي واعتقد كفار العرب بأن ~~الملائكة الذين هم أكمل العباد وأكرمهم على الله إناث وحكموا عليهم ~~بذلك { أشهدوا خلقهم } أي أحضروا وقت خلق الله لهم حتى عرفوا ~~أنهم إناث؟ وهذا تجهيل وتهكم بهم { ستكتب شهادتهم ~~ويسألون } أي سنأمر الملائكة بكتابة شهادتهم الكاذبة في ديوان ~~أعمالهم ويسألون عنها يوم القيامة، وهو وعيد شديد مع التهديد قال ~~المفسرون: حكى تعالى عن كفار العرب ثلاثة أقوال شنيعة: الأول: أنهم نسبوا ~~إلى الله الولد، الثاني: أنهم نسبوا إليه البنات دون البنين، الثالث: ~~أنهم حكموا على الملائكة المكرمين بالأنوثة بلا دليل ولا برهان، فكذبهم ~~القرآن الكريم في تلك الأقوال، ثم زادوا ضلالا وبهتانا فزعموا أن ذلك ~~برضى الله { وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم } أي ~~قالوا على سبيل السخرية والاستهزاء: لو شاء الله ما عبدنا هؤلاء ~~الملائكة ولا الأصنام، ولما كانت عبادتنا واقعة بمشيئته فهو راض بها ~~قال القرطبي: وهذا منهم كلمة حق أريد بها باطل، فكل شيء بإرادة ~~الله، والمشيئة غير الرضى، ولا يصح الاحتجاج بالمشيئة، فإنهم لو عبدوا ~~الله بدل الأصنام لعلمنا أن الله أراد منهم ذلك، وقد كذبهم الله بقوله ~~{ ما لهم بذلك من علم } أي ما لهم بذلك القول حجة ولا برهان ~~{ إن هم إلا يخرصون } أي ما هم إلا يكذبون ويتقولون على ~~الله كذبا وزورا { أم آتيناهم كتابا من قبله فهم ~~به مستمسكون } رد آخر عليهم أي أم أنزلنا على هؤلاء المشركين ~~كتابا من قبل القرآن فهم بذلك الكتاب متمسكون يعملون بتوجيهاته؟ قال ~~الإمام الفخر: والمعنى: هل وجدوا ذلك الباطل في كتاب منزل قبل القرآن ~~حتى يعولوا عليه ويتمسكوا به { بل قالوا إنا وجدنآ ~~آبآءنا على أمة } بل للإضراب وهو الانتقال من كلام إلى آخر أي ~~لم يأتوا بحجة عقلية أو نقلية على ما زعموا بل اعترفوا بأنه لا مستند ~~لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة قال أبو السعود: ms1387 والأمة: الدين ~~والطريقة سميت أمة لأنها تؤم وتقصد { وإنا على آثارهم ~~مهتدون } أي ونحن ماشون على طريقتهم مهتدون بآثارهم { وكذلك ~~مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير } أي وكما تبع ~~هؤلاء الكفار آباءهم بغير حجة ولا برهان كذلك فعل من قبلهم من المكذبين، ~~فما بعثنا قبلك رسولا في أمة من الأمم { إلا قال مترفوهآ ~~إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون } أي إلا قال المتنعمون فيها الذين أبطرتهم النعمة، وأعمتهم ~~الشهوات والملاهي عن تحمل المشاق في طلب الحق: إنا وجدنا أسلافنا على ~~ملة ودين، وإنا مقتدون بهم في طريقتهم قال البيضاوي: والآية تسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودلالة على أن التقليد في نحو هذا ضلال ~~قديم، وأسلافهم لم يكن سند منظور يعتد به، وإنما خصص المترفين ~~بالذكر للإشعار بأن التنعم وحب البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد ~~الأعمى، وذكر هنا { مقتدون } وهناك { مهتدون } تفننا لأن ~~معناهما واحد { قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم ~~عليه آبآءكم }؟ أي قال كل نبي لقومه حين أنذرهم عذاب الله: ~~أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم بدين أهدى وأرشد مما كانوا عليه؟ { قالوا ~~إنا بمآ أرسلتم به كافرون } أي قالوا إنا كافرون بكل ما ~~أرسلتم به من التوحيد والإيمان والبعث والنشور { فانتقمنا ~~منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين } أي فانتقمنا ~~من الأمم المكذبة بأنواع العذاب فانظر كيف صار حالهم ومآلهم!! ### || [43.26-45] # المناسبة: لما حكى عن المشركين تقليدهم الأعمى للآباء، ذكر هنا إمام ~~الحنفاء إبراهيم عليه السلام، الذي يفتخر به العرب وينتسبون إليه، وتبرءه ~~من قومه ومن عبادة الأوثان، للمقارنة بين الهدى والضلال، وبين منطق العقل ~~السديد، ومنطق الهوى والتقليد. # اللغة: { برآء } مصدر بمعنى بريء أي متبرىء يقال: تبرأت من الأمر ~~أي تخليت عنه بالكلية { عقبه } ذريته ونسله قال ابن شهاب: العقب: ~~الولد وولد الولد { سخريا } أي مسخرا في العمل مستخدما فيه { ~~معارج } مصاعد ومراقي جمع معراج وهو ما يصعد عليه الإنسان كالدرج ~~ونحوه { يظهرون } يرتقون ويصعدون { زخرف } زينة من ذهب وفضة ~~وغيرهما { يعش ms1388 } يعرض وأصله من عشي البصر إذا ضعف قال الخليل: ~~العشو هو النظر ببصر ضعيف. # التفسير: { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني ~~برآء مما تعبدون } أي واذكر يا محمد حين قال إبراهيم الخليل ~~لأبيه وقومه المشركين إنني بريء من هذه الأوثان التي تعبدونها من دون ~~الله { إلا الذي فطرني فإنه سيهدين } أي لكن ربي ~~الذي خلقني وأنشأني من العدم فإنه يرشدني إلى الدين الحق، ويهديني إلى ~~طريق السعادة { وجعلها كلمة باقية في عقبه } أي وجعل ~~إبراهيم هذه الكلمة - كلمة التوحيد - باقية في ذريته فلا يزال فيهم من ~~يوحد الله { لعلهم يرجعون } أي رجاء أن يرجع إلى الإيمان ~~من أشرك منهم من قال مجاهد: " وجعلها كلمة " يعني " لا إله إلا الله " لا ~~يزال في ذريته من يقولها إلى يوم الدين { بل متعت هؤلاء ~~وآبآءهم } أي بل متعت أهل مكة وآبائهم - وهم من عقب إبراهيم - ~~بالإمداد في العمر والنعمة، فاغتروا بالمهلة واشتغلوا بالتنعم واتباع ~~الشهوات عن كلمة التوحيد { حتى جآءهم الحق ورسول ~~مبين } أي حتى جاءهم القرآن ورسول ظاهر الرسالة، مؤيد بالمعجزات ~~الباهرة من عند الله قال الإمام الفخر: وجه نظم الآية أنهم لما عولوا ~~على تقليد الآباء، ولم يتفكروا في الحجة، اغتروا بطول الإمهال وإمتاع ~~الله إياهم بنعيم الدنيا فأعرضوا عن الحق { ولما جآءهم الحق ~~قالوا هذا سحر } أي ولما جاءهم القرآن لينبههم من غفلتهم، ~~ويرشدهم إلى التوحيد، ازدادوا عتوا وضلالا فقالوا عن القرآن إنه سحر { ~~وإنا به كافرون } أي ونحن كافرون به، لا نصدق أنه كلام الله ~~قال أبو السعود: سموا القرآن سحرا وكفروا به واستحقروا الرسول عليه ~~السلام، فضموا إلى كفرهم السابق معاندة الحق والاستهانة به { ~~وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم } أي وقال المشركون: هلا أنزل هذا القرآن على ~~رجل عظيم كبير في مكة أو الطائف!! قال المفسرون: يعنون " الوليد بن ~~المغيرة " في مكة أو " عروة بن مسعود الثقفي " في الطائف. # . استبعدت قريش نزول القرآن على محمد وهو فقير يتيم، واقترحوا أن ينزل ~~على أحد ms1389 الرؤساء والعظماء، ظنا منهم أن العظيم هو الذي يكون له مال ~~وجاه، وفاتهم أن العظيم هو الذي يكون عند الله تعالى عظيما، وهم يعتبرون ~~مقياس العظمة: الجاه والمال، وهذا رأي الجاهلين في كل زمان ومكان، أما ~~مقياس العظمة الحقيقية عند الله تعالى وعند العقلاء، فإنما هو عظمة ~~النفس، وسمو الروح، ومن أعظم نفسا وأسمى روحا من محمد ابن عبد ~~الله عليه الصلاة والسلام!! ولهذا رد تبارك وتعالى عليهم بقوله { ~~أهم يقسمون رحمت ربك }؟ أي أهم يمنحون النبوة ويخصون ~~بها من شاءوا من العباد، حتى يقترحوا أن تكون لفلان الغني، أو فلان ~~الكبير من الناس؟ { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في ~~الحياة الدنيا } أي نحن بحكمتنا جعلنا هذا غنيا وهذا فقيرا، ~~وفاوتنا بينهم في الأموال والأرزاق، وإذا كان أمر المعيشة - وهو تافه ~~حقير - لم نتركه لهم بل تولينا قسمته بأنفسنا، فكيف نترك أمر النبوة - ~~وهو عظيم وخطير - لأهوائهم ومشتهياتهم!! قال في التسهيل: كما قسمنا ~~المعايش في الدنيا كذلك قسمنا المواهب الدينية، وإذا كنا لم نهمل الحظوظ ~~الحقيرة الفانية، فأولى وأحرى ألا نهمل الحظوظ الشريفة الباقية { ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } أي فاضلنا بين الخلق ~~في الرزق والعيش، وجعلناهم مراتب: هذا غني، وهذا فقير، وهذا متوسط الحال ~~{ ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } أي ليكون كل منهم مسخرا ~~للآخر، ويخدم بعضهم بعضا، لينتظم أمر الحياة قال الصاوي: إن القصد من ~~جعل الناس متفاوتين في الرزق، لينتفع بعضهم ببعض، ولو كانوا سواء في ~~جميع الأحوال لم يخدم أحد أحدا، فيفضي إلى خراب العالم وفساد نظامه ~~وقال أبو حيان: وقوله تعالى { سخريا } بضم السين من التسخير بمعنى ~~الاستخدام، لا من السخرية بمعنى الهزء، والحكمة هي أن يرتفق بعضهم ببعض، ~~ويصلوا إلى منافعهم، ولو تولى كل واحد جميع أشغاله بنفسه ما أطاق ذلك، ~~وضاع وهلك، وفي قوله { نحن قسمنا } تزهيد في الإكباب على طلب ~~الدنيا، وعون على التوكل على الله، وقال قتادة: تلقى ضعيف القوة، قليل ~~الحيلة، عيي اللسان وهو موسع عليه في الرزق، وتلقى شديد الحيلة، بسيط ms1390 ~~اللسان وهو مقتر عليه في الرزق، وقال الشافعي: # ومن الدليل على القضاء وكونه # بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق # { ورحمت ربك خير مما يجمعون } أي وإنعامه تعالى ~~عليك بالنبوة خير مما يجمع الناس من حطام الدنيا الفاني، ثم بين ~~تعالى حقارة الدنيا ودناءة قدرها عند الله فقال { ولولا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة } أي ولولا أن يرغب الناس في الكفر ~~إذا رأوا الكافر في سعة من الرزق، ويصيروا أمة واحدة في الكفر، لخصصنا ~~هذه الدنيا بالكفار، وجعلنا لهم القصور الشاهقة المزخرفة بأنواع الزينة ~~والنقوش، سقفها من الفضة الخالصة { ومعارج عليها يظهرون } ~~أي وجعلنا لهم مصاعد وسلالم من فضة عليها يرتقون ويصعدون { ~~ولبيوتهم أبوابا وسررا } أي ولبيوتهم أبوابا من فضة ~~وسررا من فضة، زيادة في الرفاهية والنعيم { عليها يتكئون } ~~أي على تلك الأسرة الفضية يتكئون ويجلسون { وزخرفا } أي وجعلنا ~~لهم زينة من ستور ونمارق ونقوش وقال ابن عباس: { زخرفا } ذهبا أي ~~جعلنا لهم سقفا وأبوابا وسررا من فضة وذهب { وإن كل ذلك ~~لما متاع الحياة الدنيا } أي وما كل ذلك النعيم العاجل ~~الذي نعطيه للكفار، إلا شيء يتمتع به في الحياة الدنيا الزائلة الحقيرة ~~{ والآخرة عند ربك للمتقين } أي والجنة وما فيها من ~~أنواع الملاذ والنعم التي يقصر عنها البيان، هي خاصة بالمتقين لا يشاركهم ~~فيها أحد قال المفسرون: والآيات سيقت لبيان حقارة الدنيا وقلة شأنها، ~~وأنها من الهوان بحيث لولا الفتنة لخص بها الكافرين، فجعل بيوت الكفرة ~~ودرجها وسقوفها من ذهب وفضة، وأعطى الكافر كل ذلك النعيم في الدنيا لعدم ~~حظه في الآخرة، ولكنه تعالى رحيم بالعباد فلذلك أغنى بعض الكفار وأفقر ~~بعضهم، وأغنى بعض المؤمنين وأفقر بعضهم وفي الحديث # " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها جرعة ماء ~~" # قال الزمخشري: فإن قلت: فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان ~~يؤدي إليها التوسعة عليهم، من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا ~~وتهالكهم عليها، فهلا وسع على المسلمين ms1391 ليطبق الناس على الإسلام؟ ~~قلت التوسعة عليهم مفسدة أيضا لما تؤدي إليها من دخول الناس في ~~الإسلام لأجل الدنيا وذلك من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر، ~~حيث جعل الفريقين أغنياء وفقراء، وغلب الفقر على الغنى { ومن يعش ~~عن ذكر ا ;لرحمن } أي ومن يعرض ويتعام ويتغافل عن القرآن ~~وعبادة الرحمن { نقيض له شيطانا } أي نهيء ونيسر له شيطانا ~~لا ينفك عن الوسوسة له والإغواء كقوله تعالى # ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا # [مريم: 83] { فهو له قرين } أي فهو له ملازم ومصاحب له لا ~~يفارقه { وإنهم ليصدونهم عن السبيل } أي وإن ~~الشياطين ليصدون هؤلاء الكفار الضالين عن طريق الهدى { ويحسبون ~~أنهم مهتدون } أي ويحسب الكفار أنهم على نور وبصيرة وهداية من ~~أمرهم { حتى إذا جآءنا } أي حتى إذا جاء الكافر مع قرينه وقد ~~ربطا بسلسلة واحدة { قال يليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين } أي قال الكافر لقرينه: يا ليت بيني وبينك مثل بعد ما ~~بين المشرق والمغرب قال الطبري: وهذا من باب التغليب كما يقال: القمران، ~~والعمران، والأبوان، فغلب ههنا المشرق على المغرب { فبئس ~~القرين } أي فبئس الصاحب أنت، لأنك كنت سببا في شقائي بتزينك الباطل ~~لي قال أبو سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين، فلا ~~يفارقه حتى يصير به إلى النار { ولن ينفعكم اليوم إذ ~~ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } أي ولن ينفعكم ~~ويفيدكم اشتراككم في العذاب، ولن يخفف ذلك عنكم شيئا بسبب ظلمكم، فإن ~~لكل واحد نصيبه الأوفر منه قال في التسهيل: المراد أنه لا ينفعهم ~~اشتراكهم في العذاب، ولا يجدون راحة التأسي التي يجدها المكروب في الدنيا ~~إذا رأى غيره قد أصابه مثل ما أصابه لأن المصيبة إذا عمت هانت، فدفع ~~تعالى ذلك التوهم بأن اشتراكهم في العذاب، لا يخفف عنهم البلاء { ~~أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ~~ضلال مبين } أي فأنت يا محمد تقدر أن تسمع هؤلاء الكفار الذين هم ~~كالصم والعمي، ومن كان في ضلال واضح؟ ليس ms1392 لك ذلك فلا يضق صدرك إن ~~كفروا قال المفسرون: والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان ~~يجتهد في دعائهم إلى الإيمان، ولا يزدادون إلا تعاميا عن الحق ~~وطغيانا وضلالا { فإما نذهبن بك فإنا منهم ~~منتقمون } أي إن عجلنا وفاتك قبل الانتقام منهم، فإنا سننتقم منهم ~~بعد وفاتك { أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم ~~مقتدرون } أي أو نرينك يا محمد العذاب الذي وعدناهم به في حياتك ~~فإنا قادرون عليهم فهم في قبضتنا لا يفوتوننا قال ابن عباس: قد أراه ~~الله ذلك يوم بدر وقال ابن كثير: المعنى لا بد أن ننتقم منهم ونعاقبهم ~~في حياتك أو بعد وفاتك، ولم يقبض الله تعالى رسوله حتى أقر عينه من ~~أعدائه، وحكمه في نواصيهم { فاستمسك بالذي أوحي إليك ~~} أي فتمسك يا محمد بالقرآن الذي أوحيناه لك { إنك على صراط ~~مستقيم } أي فإنك على الحق الواضح والطريق المستقيم، الموصل إلى ~~جنات النعيم { وإنه لذكر لك ولقومك وسوف ~~تسألون } أي وإن هذا القرآن لشرف عظيم لك ولقومك من قريش، إذ ~~أنزل بلغتهم وعلى رجل منهم وسوف تسألون عن شكر هذه النعمة قال في ~~التسهيل: والذكر هنا بمعنى الشرف، وقوم النبي صلى الله عليه وسلم هم ~~قريش وسائر العرب، فإنهم نالوا بالإسلام شرف الدنيا والآخرة، ويكفيك ~~أن فتحوا مشارق الدنيا ومغاربها وصارت فيهم الخلافة والملك، وهذا القرآن ~~شرف لكل من تبعه، وهذه الآية نظير قوله تعالى # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا ~~تعقلون # [الأنبياء: 10] { وسئل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنآ } هذا على سبيل الفرض، وفي الكلام محذوف أي إن كنت يا محمد ~~شاكا في أمر التوحيد فسل من سبقك من الرسل { أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون }؟ أي هل هناك أحد من الرسل دعا ~~لعبادة غير الله؟ والآية كقوله تعالى # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك # [يونس: 94] قال أبو السعود: والمراد بالآية الاستشهاد بإجماع الأنبياء ~~على التوحيد، والتنبيه على أنه ليس ببدع ابتدعه حتى يكذب ويعادى ms1393 وقال ~~أبو حيان: ويظهر أن الخطاب للسامع، والسؤال هنا مجاز عن النظر في أديان ~~الأنبياء، هل جاءت عبادة الأوثان في ملة من مللهم؟ وهذا كما يساءل ~~الشعراء الديار والأطلال، ومنه قولهم: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس ~~أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإنها إن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا، وهذا كله ~~من باب المجاز. ### || [43.46-64] # المناسبة: لما طعنت قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر ~~النبوة، بسبب أنه فقير عديم المال والجاه، واختاروا أن يتنزل القرآن ~~على رجل كثير المال عظيم الجاه، ذكر تعالى قصة " موسى مع فرعون " ليشير ~~إلى أن منطق العناد والطغيان واحد، فقد سبقهم فرعون إلى التجبر بماله ~~وسلطانه، ورفض قبول دعوة الحق بحجة أنه أكثر مالا وجاها من موسى، فردت ~~الآيات الكريمة هذه الشبهة السقيمة بالحجة والبرهان. # اللغة: { ينكثون } نكث العهد: نقضه { مهين } حقير لا قدر له ولا ~~مكانة { آسفونا } أغضبونا وغاظونا { سلفا } قدوة { يصدون } ~~بكسر الصاد بمعنى يضجون ويصيحون، وبضمها بمعنى الإعراض ومنع الناس عن ~~الإيمان قال الجوهري: صد يصد صديدا أي ضج، وقيل إنه بالضم من ~~الصدود وهو الإعراض، وبالكسر من الضجيج، وقال الفراء: هما سواء { ~~تمترن } الامتراء: الشك، امترى في الأمر شك فيه، والمرية: ~~الشك. # سبب النزول: عن مجاهد قال: إن قريشا قالت إن محمدا يريد أن نعبده ~~كما عبد النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله { ولما ضرب ابن ~~مريم مثلا إذا قومك منه يصدون }. # التفسير: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ إلى ~~فرعون وملئه } أي والله لقد أرسلنا موسى بالمعجزات الباهرة ~~الدالة على صدقه إلى فرعون وقومه الأقباط { فقال إني رسول رب ~~العالمين } أي فقال له موسى: إني رسول الله إليك، أرسلني لأدعوك ~~وقومك إلى عبادة الله وحده { فلما جآءهم بآياتنآ إذا هم ~~منها يضحكون } أي فلما جاءهم بتلك الآيات الباهرة الدالة على ~~رسالته ضحكوا سخرية واستهزاء به قال القرطبي: إنما ضحكوا منها ليوهموا ~~أتباعهم أن تلك الآيات سحر، وأنهم قادرون عليها، قال تعالى { وما ~~نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها } أي ms1394 وما ~~نريهم آية من آيات العذاب كالطوفان، والجراد، والقمل إلا وهي في غاية ~~الكبر والظهور، بحيث تكون أوضح من سابقتها قال الصاوي: والمعنى إلا وهي ~~بالغة الغاية في الإعجاز، بحيث يظن الناظر إليها أنها أكبر من غيرها { ~~وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون } أي عاقبناهم ~~بأنواع العذاب الشديد، لعلهم يرجعون عما هم عليه من الكفر والتكذيب { ~~وقالوا يأيه الساحر ادع لنا ربك } أي وقالوا لما ~~عاينوا العذاب يا أيها الساحر ادع لنا ربك ليكشف عنا هذا البلاء والعذاب ~~{ بما عهد عندك } أي بالعهد الذي أعطاك إياه من استجابة دعائك { ~~إننا لمهتدون } أي لنؤمنن بك إن كشف عنا العذاب بدعائك قال ~~المفسرون: ليس قولهم { يأيه الساحر } على سبيل الانتقاص، ~~وإنما هو تعظيم في زعمهم، لأن السحر كان علم زمانهم، ولم يكن مذموما، ~~فنادوه بذلك على سبيل التعظيم قال ابن عباس: معناه يا أيها العالم، وكان ~~الساحر فيهم عظيما يوقرونه { فلما كشفنا عنهم العذاب ~~إذا هم ينكثون } أي فلما رفعنا عنهم العذاب بدعوة موسى، إذا هم ~~ينقضون العهد ويصرون على الكفر والعصيان { ونادى فرعون في ~~قومه } أي نادى فرعون رؤساء القبط وعظماءهم، لما رأى الآيات الباهرة ~~من موسى وخاف أن يؤمنوا { قال يقوم أليس لي ملك مصر ~~وهذه الأنهار تجري من تحتي }؟ أي قال مفتخرا متبجحا: ~~أليست بلاد مصر الواسعة الشاسعة ملكا لي؟ وهذه الخلجان والأنهار ~~المتفرعة من نهر النيل تجري من تحتي قصوري؟ قال القرطبي: ومعظمها أربعة: ~~نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تينس وكلها من النيل وقال ~~قتادة: كانت جنانها وأنهارها تجري من تحت قصره { أفلا تبصرون }؟ ~~أي أفلا تبصرون عظمتي وسعة ملكي، وقلة موسى وذلته؟ { أم أنآ خير ~~من هذا الذي هو مهين } أي بل أنا خير من هذا الضعيف ~~الحقير الذي لا عز له ولا جاه ولا سلطان، فهو يمتهن نفسه في حاجاته ~~لحقارته وضعفه؟ يعني بذلك موسى عليه السلام { ولا يكاد يبين } أي ~~لا يكاد يفصح عن كلامه، ويوضح مقصوده، فكيف يصلح للرسالة؟ قال أبو ~~السعود: قال فرعون ms1395 ذلك افتراء على موسى، وتنقيصا له عليه السلام في ~~أعين الناس، باعتبار ما كان في لسانه من عقدة، ولكن الله أذهبها عنه ~~بدعائه # واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي # [طه: 27-28] { فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب } أي ~~فهلا ألقى الله إليه أسورة من ذهب كرامة له ودلالة على نبوته!! قال ~~مجاهد: كانوا إذا أرادوا أن يجعلوا رجلا رئيسا عليهم سوروه بسوارين ~~وطوقوه بطوق من ذهب علامة لسيادته { أو جآء معه الملائكة ~~مقترنين } أي أو جاءت معه الملائكة يكتنفونه خدمة له وشهادة ~~بصدقه قال أبو حيان: لما وصف فرعون نفسه بالعزة والملك، ووازن بينه وبين ~~موسى عليه السلام، ووصفه بالضعف وقلة الأعوان، اعترض فقال: إن كان صادقا ~~فهلا ملكه ربه وسوره وجعل الملائكة أنصاره!! { فاستخف ~~قومه فأطاعوه } أي فاستخف بعقول قومه واستجهلهم لخفة أحلامهم، ~~فأطاعوه فيما دعاهم إليه من الضلالة { إنهم كانوا قوما ~~فاسقين } أي إنما أجابوه لفسقهم وخروجهم عن طاعة الله { فلمآ ~~آسفونا انتقمنا منهم } أي فلما أغضبونا وغاظونا انتقمنا منهم ~~بأشد أنواع العقاب { فأغرقناهم أجمعين } أي فأغرقنا فرعون ~~وقومه في البحر أجمعين فلم نبق منهم أحدا قال المفسرون: اغتر فرعون ~~بالعظمة والسلطان والأنهار التي تجري من تحته، فأهلكه الله بجنس ما تكبر ~~به هو وقومه وذلك بالغرق بماء البحر، وفيه إشارة إلى أن من تعزز بشيء ~~أهلكه الله به { فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين } أي ~~جعلنا قوم فرعون قدوة لمن بعدهم من الكفار في استحقاق العذاب والدمار، ~~ومثلا يعتبرون به لئلا يصيبهم مثل ذلك قال مجاهد: سلفا لكفار قريش ~~يتقدمونهم إلى النار، وعظة وعبرة لمن يأتي بعدهم { ولما ضرب ~~ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون } أي ولما ~~ذكر عيسى بن مريم في القرآن وضرب المثل بالآلهة التي عبدت من دون ~~الله إذا مشركو قريش يضجون وترتفع أصواتهم بالصياح قال المفسرون: # " لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إنكم وما تعبدون ~~من دون الله حصب جهنم } قال ابن الزبعرى: أهذا لنا ~~ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال عليه السلام: ms1396 هو لكم ولآلهتكم ولجميع ~~الأمم فقال: قد خصمتك ورب الكعبة؟ أليست النصارى يعبدون المسيح، ~~واليهود يعبدون عزيرا؟ وبنو فلان يعبدون الملائكة!! فإن كان هؤلاء في ~~النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، فسكت عليه الصلاة والسلام ~~انتظارا للوحي، فظنوا أنه ألزم الحجة فضحك المشركون وضجوا وارتفعت ~~أصواتهم فأنزل الله { إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون } " # قال القرطبي: ولو تأمل ابن الزبعرى الآية ما اعترض عليها، لأنه تعالى ~~قال { إنكم وما تعبدون } ولم يقل " ومن تعبدون " وإنما ~~أراد الأصنام ونحوها مما لا يعقل، ولم يرد المسيح ولا الملائكة وإن ~~كانوا معبودين { وقالوا أآلهتنا خير أم هو } أي أآلهتنا ~~خير أم عيسى؟ فإن كان عيسى في النار فلتكن آلهتنا معه { ما ضربوه ~~لك إلا جدلا } أي ما قالوا هذا القول لك إلا على وجه الجدل ~~والمكابرة لا لطلب الحق { بل هم قوم خصمون } أي بل هم قوم ~~شديدو الخصومة واللجاج بالباطل قال في التسهيل: أي ما ضربوا لك هذا ~~المثال إلا على وجه الجدل، وهو أن يقصد الإنسان أن يغلب من يناظره، سواء ~~غلبه بحق أو بباطل، فإن ابن الزبعرى وأمثاله ممن لا يخفى عليه أن عيسى ~~لم يدخل في قوله تعالى { حصب جهنم } ولكنهم أرادوا المغالطة ~~فوصفهم الله بأنهم قوم خصمون { إن هو إلا عبد أنعمنا ~~عليه } أي ما عيسى إلا عبد كسائر العبيد أنعمنا عليه بالنبوة وشرفناه ~~بالرسالة، وليس هو إلها ولا ابن إله كما زعم النصارى { وجعلناه ~~مثلا لبني إسرائيل } أي وجعلناه آية وعبرة لبني إسرائيل، ~~يستدلون بها على قدرة الله تعالى، حيث خلق من أم بلا أب قال الرازي: أي ~~صيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر حيث خلقناه من غير أب كما خلقنا آدم { ~~ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض ~~يخلفون } أي لو أردنا لجعلنا بدلا منكم ملائكة يسكنون في الأرض ~~يكونون خلفا عنكم قال مجاهد: ملائكة يعمرون الأرض بدلا منكم { ~~وإنه لعلم للساعة } أي وإن عيسى علامة على قرب الساعة ~~قال ابن عباس ms1397 وقتادة: إن خروج عيسى عليه السلام من أعلام الساعة لأن الله ~~ينزله من السماء قبيل قيام الساعة، { فلا تمترن بها } أي فلا ~~تشكوا في أمر الساعة فإنها آتية لا محالة وفي الحديث # " يوشك أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكما مقسطا... " # الحديث { واتبعون هذا صراط مستقيم } أي وقل لهم يا ~~محمد: اتبعوا هداي وشرعي، فإن هذا الذي أدعوكم إليه دين قيم وطريق ~~مستقيم { ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين } أي لا تغتروا بوساوس الشيطان، واحذروا أن يصدكم عن اتباع ~~الحق، فإنه لكم عدو ظاهر العداوة، حيث أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنه ~~لباس النور { ولما جآء عيسى بالبينات قال قد ~~جئتكم بالحكمة } أي ولما جاء عيسى بالمعجزات وبالشرائع البينات ~~الواضحات، قال قد جئتكم بما تقتضيه الحكمة الإلهية من الشرائع { ~~ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } أي وجئتكم ~~لأبين لكم ما اختلفتم فيه من أمور الدين قال ابن جزي: وإنما قال { ~~بعض الذي تختلفون فيه } دون الكل، لأن الأنبياء إنما ~~يبينون أمور الدين لا أمور الدنيا وقال الطبري: يعني من الأمور الدينية ~~لا الدنيوية { فاتقوا الله وأطيعون } أي فاتقوا الله ~~بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوا أمري فيما أبلغه إليكم من ~~التكاليف { إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه } أي إن ~~الله جل وعلا هو الرب المعبود لا رب سواه فأخلصوا له الطاعة والعبادة ~~قال ابن كثير: أي أنا وأنتم عبيد له، فقراء إليه، مشتركون في عبادته وحده ~~{ هذا صراط مستقيم } أي هذا التوحيد والتعبد بالشرائع، طريق ~~مستقيم موصل إلى جنات النعيم. ### || [43.65-89] # المناسبة: لما ذكر تعالى أمر عيسى ودعوته إلى الدين الحق، أتبعه بذكر ~~ضلال أهل الكتاب حيث تفرقوا شيعا وأحزابا في شأنه، فقال بعضهم إنه ~~إله، وقال بعضهم إنه ابن الإله، وقال آخرون إنه ثالث ثلاثة، ثم ذكر ~~تعالى أحوال القيامة وأهوالها، وختم السورة الكريمة ببيان صفات المعبود ~~الحق، الواحد الأحد جل وعلا. # اللغة: { الأخلاء } جمع خليل وهو الصديق الحميم { تحبرون } ~~تسرون وتفرحون، والحبور: السرور والفرح { أكواب } جمع كوب وهو ms1398 ~~القدح الذي لا عروة له { مبلسون } آيسون من الرحمة، وحزينون من شدة ~~اليأس { أبرموا } أحكموا الشيء يقال: أبرم القوم أمرهم أحكموه، ~~والإبرام، الإحكام { يؤفكون } يقلبون ويصرفون، أفكه أفكا أي ~~قلبه وصرفه عن الشيء. # سبب النزول: عن مقاتل قال: مكر المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~في دار الندوة، وتآمروا على قتله حين استقر أمرهم على ما أشار به أبو جهل ~~عليهم، وهو أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتله وتضعف المطالبة ~~بدمه فنزلت: { أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون }. # التفسير: { فاختلف الأحزاب من بينهم } أي اختلفت فرق ~~النصارى في شأن عيسى وصاروا شيعا وأحزابا فيه قال ابن كثير: صاروا ~~شيعا فيه، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله - وهو الحق -، ومنهم ~~من يدعي أنه ولد الله، ومنهم من يقول إنه الله، تعالى الله عن قولهم ~~علوا كبيرا { فويل للذين ظلموا من عذاب يوم ~~أليم } أي فهلاك ودمار لهؤلاء الكفرة الظالمين من عذاب يوم مؤلم ~~وهو يوم القيامة { هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم ~~بغتة } أي هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون إلا إتيان الساعة ~~ومجيئها فجأة { وهم لا يشعرون } أي وهم غافلون عنها مشتغلون ~~بأمور الدنيا، وحينئذ يندمون حيث لا ينفعهم الندم، ثم ذكر تعالى أحوال ~~القيامة فقال { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ~~إلا المتقين } أي الأصدقاء والأحباب يوم القيامة يصبحون أعداء ~~إلا من كانت صداقته ومحبته لله قال ابن كثير: كل خلة وصداقة لغير ~~الله، فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله عز وجل فإنه دائم ~~بدوامه قال ابن عباس: صارت كل خلة عداوة يوم القيامة إلا المتقين ~~تشريفا وتطييبا لقلوبهم فيقول: { يعباد لا خوف عليكم ~~اليوم ولا أنتم تحزنون } يا عباد المؤمنين الذين تحققتم في ~~العبودية لرب العالمين، لا خوف عليكم في هذا اليوم العصيب، ولا أنتم ~~تحزنون على ما فاتكم من الدنيا، ثم وضحهم بقوله { الذين آمنوا ~~بآياتنا وكانوا مسلمين } أي هم الذين صدقوا بالقرآن، ~~واستسلموا لحكم الله وأمره، وانقادوا لطاعته { ادخلوا الجنة ~~أنتم وأزواجكم ms1399 تحبرون } أي يقال لهم: أدخلوا الجنة أنتم ~~ونساؤكم المؤمنات، تنعمون فيها وتسرون سرورا يظهر أثره على وجوهكم ~~{ يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب } أي يطاف على ~~أهل الجنة بأوان من الذهب فيها طعام، وأقداح من ذهب فيها الشراب قال ~~المفسرون: آنية أهل الجنة التي يأكلون فيها الطعام، والكئوس التي يشربون ~~فيها الشراب كلها من ذهب وفضة كما قال تعالى # ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت ~~قواريرا # [الإنسان: 15] وفي الحديث # " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا ~~تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " # { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } أي وفي ~~الجنة كل ما تشتهيه النفوس من أنواع اللذائذ والمشتهيات، وتسر به ~~الأعين من فنون المناظر الجميلة، والمشاهد اللطيفة { وأنتم فيها ~~خالدون } أي وأنتم في الجنة باقون دائمون، لا تخرجون منها أبدا قال ~~أبو السعود: وهذا إتمام للنعمة وإكمال للسرور، فإن كل نعيم زائل ~~موجب لخوف الزوال.. لما ذكر الجنة وأنها موضع الحبور، ذكر ما فيها من ~~النعم، فذكر أولا المطاعم، ثم ذكر المشارب، ثم بعد ذلك التفصيل ذكر ~~بيانا كليا بقوله { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين } ثم ذكر تمام النعمة بالخلود في دار النعيم، وهذا حصر ~~لأنواع النعم، لأنها إما مشتهاة في القلوب، أو مستلذة في العيون { ~~وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ~~} أي وتلك الجنة الموصوفة بتلك الأوصاف الجليلة أعطيتموها بسبب أعمالكم ~~الصالحة التي قدمتموها في الدنيا قال ابن كثير: أي أعمالكم الصالحة كانت ~~سببا لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحد الجنة بعمله، ولكن ~~برحمة الله وفضله، وإنما الدرجات ينال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات ~~وفي الحديث # " ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، الكافر يرث ~~المؤمن منزله في النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة " # ، وذلك قوله تعالى { وتلك الجنة التي أورثتموها ~~بما كنتم تعملون } { لكم فيها فاكهة كثيرة ~~منها تأكلون } أي لكم في الجنة من أنواع الفواكه والثمار الشيء ~~الكثير ms1400 - سوى الطعام والشراب - من هذه الفواكة تأكلون تفكها وتلذذا ~~قال المفسرون: يأكل أهل الجنة من بعض الثمار، وأما الباقي فعلى الأشجار ~~على الدوام، لا ترى فيها شجرة تخلو عن ثمرها لحظة، فهي مزينة بالثمار ~~أبدا، لأن كل ما يؤكل يخلف بدله وفي الحديث # " لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت مثلاها مكانها " # . ولما ذكر حال السعداء الأبرار أعقبه بذكر حال الأشقياء الفجار فقال { ~~إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون } أي إن الكافرين ~~الراسخين في الإجرام في العذاب الشديد في جهنم دائمون فيها أبدا قال ~~الصاوي: والمراد بالمجرمين الكفار لأنهم ذكروا في مقابلة المؤمنين { لا ~~يفتر عنهم } أي لا يخفف عنهم العذاب لحظة { وهم فيه ~~مبلسون } أي وهم في ذلك العذاب يائسون من كل خير { وما ~~ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } أي وما ظلمناهم ~~بعقابنا لهم، ولكن كانوا هم الظالمين لتعريضهم أنفسهم للعذاب الخالد { ~~ونادوا يمالك ليقض علينا ربك } أي ونادى الكفار ~~مالكا خازن النار قائلين: ليمتنا الله حتى نستريح من العذاب قال ابن ~~كثير: أي ليقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه قال ابن عباس: فلم يجبهم ~~إلا بعد ألف سنة { قال إنكم ماكثون } أي أجابهم إنكم مقيمون ~~في العذاب أبدا، لا خلاص لكم منه بموت ولا بغيره { لقد جئناكم ~~بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون } خطاب توبيخ ~~وتقريع أي لقد جئناكم أيها الكفار بالحق الساطع المبين، ولكنكم كنتم ~~كارهين لدين الله مشمئزين منه لكونه مخالفا لأهوائكم وشهواتكم قال ~~الرازي: هذا كالعلة لما ذكر والمراد نفرتهم عن محمد وعن القرآن، وشدة ~~بغضهم لقبول الدين الحق { أم أبرموا أمرا فإنا ~~مبرمون } الكلام عن كفار قريش أي أم أحكم هؤلاء المشركون أمرا في ~~كيد محمد صلى الله عليه وسلم فإنا محكمون أمرنا في نصرته وحمايته، ~~وإهلاكهم وتدميرهم قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم المكر بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم في دار الندوة { أم يحسبون أنا لا نسمع ~~سرهم ونجواهم } أي أم يظنون أنا لا نسمع ما حدثوا به ~~أنفسهم، وما تكلموا به فيما ms1401 بينهم بطريق التناجي قال في التسهيل: السر ~~ما يحدث به الإنسان نفسه أو غيره في خفية، والنجوى ما تكلموا به بينهم { ~~بلى ورسلنا لديهم يكتبون } أي بلى إنا نسمع سرهم ~~وعلانيتهم، وملائكتنا الحفظة يكتبون عليهم أعمالهم، روي أنها نزلت في " ~~الأخنس بن شريق " و " الأسود بن عبد يغوث " اجتمعا فقال الأخنس: أترى ~~الله يسمع سرنا!! فقال الآخر: يسمع نجوانا ولا يسمع سرنا { قل إن ~~كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } أي قل يا ~~محمد لهؤلاء المشركين: لو فرض أن لله ولدا لكنت أنا أول من يعبد ذلك ~~الولد، ولكنه جل وعلا منزه عن الزوجة والولد قال القرطبي: وهذا كما ~~تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل فأنا أول من يعتقده، وهذا ~~مبالغة في الاستبعاد، وترقيق في الكلام وقال الطبري: هو ملاطفة في ~~الخطاب وقال البيضاوي: ولا يلزم من هذا الكلام صحة وجود الولد وعبادته ~~له، بل المراد نفيهما على أبلغ الوجوه، وإنكاره للولد ليس للعناد ~~والمراء، بل لو كان لكان أولى الناس بالاعتراف به، فإن النبي يكون أعلم ~~بالله وبما يصح له وما لا يصح { سبحان رب السموت ~~والأرض رب العرش عما يصفون } أي تنزه وتقدس الله ~~العظيم الجليل، رب السماوات والأرض، ورب العرش العظيم، عما ~~يصفه به الكافرون من نسبة الولد إليه { فذرهم يخوضوا ~~ويلعبوا } أي اترك كفار مكة في جهلهم وضلالهم، يخوضوا في باطلهم ~~ويلعبوا بدنياهم { حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون } ~~أي إلى ذلك اليوم الرهيب الذي وعدوه - وهو يوم القيامة - فسوف يعلمون ~~حينئذ كيف يكون حالهم ومصيرهم ومآلهم { وهو الذي في السمآء ~~إله وفي الأرض إله } أي هو جل وعلا معبود في السماء ~~ومعبود في الأرض، لأنه هو الإله الحق، المستحق للعبادة في السماء والأرض ~~قال في التسهيل: أي هو الإله لأهل الأرض وأهل السماء وقال ابن كثير: أي ~~هو إله من في السماء وإله من في الأرض، يعبده أهلهما وكلهم خاضعون ~~له أذلاء بين يديه { وهو الحكيم العليم } أي هو الحكيم في ~~تدبير خلقه، العليم ms1402 بمصالحهم، وهذا كالدليل على وحدانيته تعالى { ~~وتبارك الذي له ملك السموت والأرض وما ~~بينهما } أي تمجد وتعظم الله الذي له ملك السماوات والأرض وما ~~بينهما من المخلوقات، من الإنس والجن والملائكة، فهو الخالق والمالك ~~والمتصرف في الكائنات بلا ممانعة ولا مدافعة { وعنده علم ~~الساعة } أي وعنده وحده علم زمان قيام الساعة { وإليه ~~ترجعون } أي وإليه لا إلى غيره مرجع الخلائق للجزاء، فيجازي كلا ~~بعمله { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } ~~أي ولا يملك أحد ممن يعبدونهم من دون الله أن يشفع عند الله لأحد، لأنه ~~لا شفاعة إلا بإذنه { إلا من شهد بالحق } أي إلا لمن شهد ~~بالحق، وآمن عن علم وبصيرة، فإنه تنفع شفاعته عند الله { وهم ~~يعلمون } أي وهم يعلمون أن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه قال ~~المفسرون: والمراد ب { من شهد بالحق } عيسى وعزير والملائكة، ~~فإنهم يشهدون بالحق والوحدانية لله، فهؤلاء تنفع شفاعتهم للمؤمنين وإن ~~كانوا قد عبدوا من دون الله { ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله } أي ولئن سألت يا محمد كفار مكة من الذي خلقهم ~~وأوجدهم؟ ليقولن الله خلقنا، فهم يعترفون بأنه الخالق ثم يعبدون غيره ~~ممن لا يقدر على شيء { فأنى يؤفكون } أي فكيف ينصرفون عن عبادة ~~الرحمن إلى عبادة الأوثان؟ فهم في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقول { ~~وقيله يرب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } أي وقول ~~محمد في شكواه لربه يا رب إن هؤلاء قوم معاندون جبارون لا يصدقون ~~برسالتي ولا بالقرآن قال قتادة: هذا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو ~~قومه إلى ربه عز وجل { فاصفح عنهم وقل سلام } أي فأعرض ~~عنهم يا محمد وسامحهم ولا تقابلهم بمثل ما يقابلونك به قال الصاوي: وهو ~~تباعد وتبرؤ منهم، وليس في الآية مشروعية السلام على الكفار وقال ~~قتادة: أمر بالصفح عنهم ثم أمر بقتالهم، فصار الصفح منسوخا بالسيف { ~~فسوف يعلمون } أي فسوف يعلمون عاقبة إجرامهم وتكذيبهم، وهو وعد ~~وتهديد للمشركين، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها ms1403 من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التشبيه البليغ # جعل لكم الأرض مهدا # [الزخرف: 10] أي كالمهد والفراش حذفت منه الأداة ووجه الشبه فأصبح ~~بليغا. # 2- الاستعارة التبعية # فأنشرنا به بلدة ميتا # [الزخرف: 11] شبه الأرض قبل نزول المطر بالإنسان الميت ثم أنشرها ~~الله أي أحياها بالمطر ففيه استعارة تبعية. # 3- التأكيد بإن واللام مع صيغة المبالغة # إن الإنسان لكفور مبين # [الزخرف: 15] لأن فعول وفعيل من صيغ المبالغة. # 4- الأسلوب التهكمي للتوبيخ والتقريع # أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين # [الزخرف: 16] وبين لفظ البنات والبنين طباق. # 5- المجار المرسل # وجعلها كلمة باقية في عقبه # [الزخرف: 28] المراد بالكلمة الجملة التي قالها # إنني برآء مما تعبدون # [الزخرف: 26] ففي اللفظ مجاز. # 6- الاستعارة # أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي # [الزخرف: 40] شبه الكفار بالصم والعمي بطريق الاستعارة التمثيلية. # 7- جناس الاشتقاق # أرسلنا من قبلك من رسلنآ # [الزخرف: 45] لتغير الشكل وبعض الحروف بينهما. # 8- حذف الإيجاز { بصحاف من ذهب وأكواب } أي أكواب من ذهب ~~وحذف لدلالة السابق عليه. # 9- ذكر العام بعد الخاص { وفيها ما تشتهيه الأنفس } بعد ~~قوله { يطاف عليهم بصحاف } الآية. # 10- الطباق { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم } لأن المراد سرهم وعلانيتهم. # 11- السجع الرصين غير المتكلف مثل # كذلك تخرجون # [الزخرف: 11] # من الفلك والأنعام ما تركبون # [الزخرف: 12] # وإنآ إلى ربنا لمنقلبون # [الزخرف: 14] وغير ذلك وهو من المحسنات البديعية. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-29] # اللغة: { يفرق } يبين ويفصل { ارتقب } انتظر { يغشى } ~~يغطي ويحيط { نبطش } نأخذ بشدة وعنف { فتنا } ابتلينا وامتحنا { ~~تعلوا } تتكبروا وتتطاولوا { عذت } استجرت والتجأت إلى الله { ~~أسر } سر ليلا { رهوا } ساكنا، والرهو عند العرب الساكن قال ~~الشاعر: # والخيل تمزع رهوا في أعنتها # كالطير تنجو من الشئبوب ذي البرد # قال الجوهري: رها البحر أي سكن، وجاءت الخيل رهوا أي برفق وسكينة { ~~منظرين } مؤخرين { نعمة } النعمة بفتح النون من التنعيم وهو ~~سعة العيش والراحة، وبالكسر من المنة وهي العطية والإفضال. # سبب النزول: عن ابن مسعود قال: إن قريشا لما استعصت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا ms1404 ~~العظام، فجعل الرجل ينظر الى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من ~~الجهد، فأنزل الله تعالى { فارتقب يوم تأتي السمآء ~~بدخان مبين } فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول ~~الله: استسق لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى فسقوا فنزلت { إنا ~~كاشفو العذاب قليلا إنكم عآئدون } فلما أصابتهم ~~الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل الله { يوم نبطش البطشة ~~الكبرى إنا منتقمون }. # التفسير { حم } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن وقد تقدم { ~~والكتاب المبين } أي أقسم بالقرآن البين الواضح، الفارق بين ~~طريق الهدى والضلال، البين في إعجازه، الواضح في أحكامه، وجوابه { ~~إنآ أنزلناه في ليلة مباركة } أي أنزلنا القرآن في ~~ليلة فاضلة كريمة هي ليلة القدر من شهر رمضان المبارك # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185] قال ابن جزي: وكيفية إنزاله فيها أنه أنزل الى السماء ~~الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ~~بعد شيء، وقيل: المعنى ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، قال القرطبي: ووصف ~~الليلة بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات ~~والثواب { إنا كنا منذرين } أي لننذر به الخلق، لأن من شأننا ~~وعادتنا ألا نترك الناس دون إنذار وتحذير من العقاب، لتقوم الحجة ~~عليهم { فيها يفرق كل أمر حكيم } أي في ليلة القدر يفصل ~~ويبين كل أمر محكم من أرزاق العباد وآجالهم وسائر أحوالهم فلا ~~يبدل ولا يغير قال ابن عباس: يحكم الله أمر الدنيا إلى السنة ~~القابلة ما كان من حياة، أو موت، أو رزق قال المفسرون: إن الله تعالى ~~ينسخ من اللوح المحفوظ في ليلة القدر، ما يكون في تلك السنة من أرزاق ~~العباد وآجالهم وجميع أمورهم من خير وشر، وصالح وطالح، حتى إن الرجل ~~ليمشي في الأسواق وينكح ويولد له وقد وقع اسمه في الموتى { أمرا ~~من عندنآ } أي جميع ما نقدره في تلك الليلة وما نوحي به إلى ~~الملائكة من شئون العباد، هو أمر حاصل من جهتنا، بعلمنا وتدبيرنا { ~~إنا كنا مرسلين } أي ms1405 نرسل الأنبياء إلى البشر بالشرائع ~~الإلهية لهدايتهم وإرشادهم { رحمة من ربك } أي من أجل ~~الرأفة والرحمة بالعباد قال في البحر: وضع الظاهر { ربك } موضع ~~الضمير " رحمة منا " إيذانا بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين { ~~إنه هو السميع العليم } أي السميع لأقوال العباد، العليم ~~بأفعالهم وأحوالهم { رب السموت والأرض وما بينهمآ ~~إن كنتم موقنين } أي الذي أنزل القرآن هو رب السماوات والأرض ~~وخالقهما ومالكهما ومن فيهما، إن كنتم من أهل الإيمان واليقين { لا ~~إله إلا هو يحيي ويميت } أي لا رب غيره، ولا معبود ~~سواه، لأنه المتصف بصفات الجلال والكمال، يحيي الأموات، ويميت الأحياء { ~~ربكم ورب آبآئكم الأولين } أي هو خالقكم وخالق من ~~سبقكم من الأمم الماضين قال الرازي: والمقصود من الآية أن المنزل إذا ~~كان موصوفا بهذه الجلالة والكبرياء، كان المنزل - الذي هو القرآن - في ~~غاية الشرف والرفعة { بل هم في شك يلعبون } أي ليسوا موقنين ~~فيما يظهرونه من الإيمان في قولهم: الله خالقنا، بل هم في شك من أمر ~~البعث، فهم يلعبون ويسخرون ويهزءون قال شيخ زاده: التفت من الخطاب للغيبة ~~فقال { بل هم في شك يلعبون } تحقيرا لشأنهم، وإبعادا لهم ~~عن موقف الخطاب، لكونهم من أهل الشك والامتراء، وكون أفعالهم الهزء ~~واللعب لعدم التفاتهم إلى البراهين القاطعة، وعدم تمييزهم بين الحق ~~والباطل، والضار والنافع، ثم لما بين أن شأنهم الحماقة والطغيان التفت ~~إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم تسلية له، وإقناطا من إيمانهم فقال { ~~فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين } أي فانتظر ~~يا محمد عذابهم يوم تأتي السماء بدخان كثيف، بين واضح يراه كل أحد ~~قال ابن مسعود: إن قريشا لما عصت الرسول صلى الله عليه وسلم دعا عليهم ~~فقال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يحدث أخاه فيسمع صوته ولا ~~يراه لشدة الدخان المنتشر بين السماء والأرض، ثم قال ابن مسعود: خمس قد ~~مضين: " الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللزام " وقال ابن عباس: لم ~~يمض الدخان بل ms1406 هو من أمارات الساعة، وهو يأتي قبيل القيامة، يصيب ~~المؤمن منه مثل الزكام، وينضج رءوس الكافرين والمنافقين، حتى يصبح رأس ~~الواحد كالرأس المشوي، ويغدو كالسكران فيملأ الدخان جوفه ويخرج من منخريه ~~وأذنيه ودبره { يغشى الناس هذا عذاب أليم } أي يشمل ~~كفار قريش ويعمهم من كل جانب ويقولون حين يصيبهم الدخان: هذا عذاب أليم { ~~ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } أي ويقولون ~~مستغيثين: ربنا ارفع عنا العذاب فإننا مؤمنون بمحمد وبالقرآن إن كشفته ~~عنا قال البيضاوي: وهذا وعد بالإيمان إن كشف العذاب عنهم { أنى ~~لهم الذكرى }؟ استبعاد لإيمانهم أي من أين يتذكرون ويتعظون عند ~~كشف العذاب؟ { وقد جآءهم رسول مبين } أي والحال أنه قد ~~أتاهم رسول بين الرسالة، مؤيد بالبينات الباهرة، والمعجزات القاهرة، ~~ومع هذا لم يؤمنوا به ولم يتبعوه؟ { ثم تولوا عنه وقالوا ~~معلم مجنون } أي ثم أعرضوا عنه وبهتوه، ونسبوه إلى الجنون - ~~وحاشاه - فهل يتوقع من قوم هذه صفاتهم أن يتأثروا بالعظة والتذكير؟! ~~قال الإمام الفخر: إن كفار مكة كان لهم في ظهور القرآن على محمد صلى ~~الله عليه وسلم قولان: منهم من يقول: إن محمدا يتعلم هذا الكلام من بعض ~~الناس، ومنهم من كان يقول: إنه مجنون والجن تلقي عليه هذا الكلام حال ~~تخبطه { إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عآئدون } أي ~~سنكشف عنكم العذاب زمنا قليلا ثم تعودون إلى ما كنتم عليه من الشرك ~~والعصيان قال الرازي: والمقصود التنبيه على أنهم لا يوفون بعهدهم، وأنهم ~~في حال العجز يتضرعون إلى الله تعالى، فإذا زال الخوف عادوا إلى الكفر ~~وتقليد الأسلاف قال ابن مسعود: لما كشف عنهم العذاب باستسقاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم عادوا إلى تكذبيه { يوم نبطش البطشة ~~الكبرى إنا منتقمون } أي واذكر يوم نبطش بالكفار بطشتنا ~~الكبرى انتقاما منهم، والبطش: الأخذ بقوة وشدة قال ابن مسعود: " ~~البطشة الكبرى " يوم " بدر " وقال ابن عباس: هي يوم القيامة قال ابن ~~كثير: والظاهر أن ذلك يوم القيامة، وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضا ~~وقال الرازي: القول الثاني أصح ms1407 لأن يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ الذي يوصف ~~به هذا الوصف العظيم، ولأن الانتقام التام إنما يحصل يوم القيامة، ولما ~~وصف بكونها " كبرى " وجب أن تكون أعظم أنواع البطش على الإطلاق، وذلك ~~إنما يكون في القيامة، ثم ذكر كفار قريش بما حل بالطاغين من قوم ~~فرعون فقال { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } أي ولقد ~~اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون وهم أقباط مصر { وجآءهم ~~رسول كريم } أي وجاءهم رسول شريف الحسب والنسب، من أكرم عباد الله ~~وهو موسى الكليم عليه أفضل الصلاة والتسليم { أن أدوا إلي ~~عباد الله } أي فقال لهم موسى: ادفعوا إلي عباد الله وأطلقوهم ~~من العذاب، يريد بني إسرائيل كقوله تعالى # فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم # [طه: 47] { إني لكم رسول أمين } أي إني رسول مؤتمن على ~~الوحي غير متهم، وأنا لكم ناصح فاقبلوا نصحي { وأن لا تعلوا ~~على الله } أي لا تتكبروا على الله ولا تترفعوا عن طاعته { ~~إني آتيكم بسلطان مبين } أي قد جئتكم بحجة واضحة، ~~وبرهان ساطع، يعترف بهما كل عاقل { وإني عذت بربي ~~وربكم أن ترجمون } أي التجأت إليه تعالى واستجرت به من أن ~~تقتلوني قال القرطبي: كأنهم توعدوه بالقتل فاستجار بالله { وإن لم ~~تؤمنوا لي فاعتزلون } أي وإن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله ~~لأجل ما أتيتكم به من الحجة، فكفوا عن أذاي وخلوا سبيلي قال ابن كثير: ~~أي لا تتعرضوا لي ودعوا الأمر مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا { فدعا ~~ربه أن هؤلاء قوم مجرمون } أي فدعا عليهم لما ~~كذبوه قائلا: يا رب إن هؤلاء قوم مجرمون فانتقم منهم { فأسر ~~بعبادي ليلا إنكم متبعون } في الكلام حذف تقديره ~~فأوحينا إليه وقلنا له: أسر بعبادي أي اخرج ببني إسرائيل ليلا فإن ~~فرعون وقومه يتبعونكم، ويكون ذلك سببا لهلاكهم { واترك البحر ~~رهوا } أي واترك البحر ساكنا منفرجا على هيئته بعد أن تجاوزه { ~~إنهم جند مغرقون } أي إن فرعون وقومه سيغرقون فيه قال في ~~التسهيل: لما جاوز موسى البحر أراد أن يضربه بعصاه فينطبق ms1408 كما ضربه ~~فانفلق، فأمره الله بأن يتركه ساكنا كما هو ليدخله فرعون وقومه فيغرقوا ~~فيه، وإنما أخبره تعالى بذلك ليبقى فارغ القلب من شرهم وإيذائهم، ~~مطمئنا إلى أنهم لن يدركوا بني إسرئيل، ثم أخبر تعالى عن هلاكهم فقال { ~~كم تركوا من جنات وعيون } كم للتكثير أي لقد تركوا كثيرا ~~من البساتين والحدائق الغناء والأنهار والعيون الجارية { وزروع ~~ومقام كريم } أي ومزارع عديدة فيها أنواع المزروعات ومجالس ومنازل ~~حسنة قال قتادة: { ومقام كريم } هي المواضع الحسان من المجالس ~~والمساكن وغيرها { ونعمة كانوا فيها فاكهين } أي وتنعم ~~بالعيش مع الحسن والنضارة كانوا فيها ناعمين بالرفاهية وكمال السرور قال ~~الإمام الفخر: بين تعالى أنهم بعد غرقهم تركوا هذه الأشياء الخمسة ~~وهي: الجنات، والعيون، والزروع، والمقام الكريم وهو المجالس والمنازل ~~الحسنة ونعمة العيش بفتح النون وهي حسنه ونضارته { كذلك ~~وأورثناها قوما آخرين } أي كذلك فعلنا بهم حيث أهلكناهم ~~وأورثنا ملكهم وديارهم لقوم آخرين، كانوا مستعبدين في يد القبط وهم بنو ~~إسرائيل قال ابن كثير: والمراد بهم بنو إسرائيل فقد استولوا - بعد غرق ~~فرعون وقومه - على الممالك القبطية، والبلاد المصرية كما قال تعالى # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها # [الأعراف: 137] وقال تعالى في مكان آخر # وأورثناها بني إسرائيل # [الشعراء: 59] { فما بكت عليهم السمآء والأرض } أي ~~فما حزن على فقدهم أحد، ولا تأثر بموتهم كائن من الخلق { وما كانوا ~~منظرين } أي ما كانوا مؤخرين وممهلين إلى وقت آخر. بل عجل عقابهم ~~في الدنيا قال القرطبي: تقول العرب عند موت السيد منهم: بكت له السماء ~~والأرض، أي عمت مصيبته الأشياء حتى بكته الأرض والسماء، والريح والبرق ~~قال الشاعر: # فيا شجر الخابور مالك مورقا # كأنك لم تجزع لموت طريف # وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه ~~والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فقد، وقيل هو على حذف ~~مضاف أي ما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض. ### || [44.30-59] # المناسبة: لما ذكر تعالى إهلاك فرعون وقومه، أردفه بذكر ms1409 إحسانه ~~لبني إسرائيل، ليشكروا ربهم على إنعامه وإحسانه، ثم حذر كفار مكة من ~~بطش الله وانتقامه، وختم السورة الكريمة ببيان حال الأشقياء والسعداء في ~~يوم الفصل والجزاء. # اللغة: { عاليا } متكبرا جبارا { بلاء } اختبار وامتحان { ~~منشرين } مبعوثين بعد الموت، وأنشر الله الموتى أحياهم { قوم ~~تبع } ملوك اليمن، وكانوا يسمون ملوكهم التبابعة قال الجوهري: ~~التبابعة ملوك اليمن، واحدهم تبع، وقال أهل اللغة: تبع لقب للملك ~~منهم كالقياصرة للروم، والأكاسرة للفرس، والخلفاء للمسلمين { يوم ~~الفصل } يوم القيامة { مولى } قريب وناصر { المهل } النحاس ~~المذاب { الأثيم } الفاجر من أثم الرجل يأثم إذا وقع في الإثم ~~والفجور { اعتلوه } جروه وسوقوه بعنف وشدة { سندس } رقيق ~~الديباج { إستبرق } غليظ الديباج { عين } واسعات الأعين جمع ~~عيناء { ارتقب } انتظر. # التفسير: { ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب ~~المهين } أي والله لقد أنقذنا بني إسرائيل من العذاب الشديد، المفرط ~~في الإذلال والإهانة، وهو قتل أبنائهم واستخدام نسائهم، وإرهاقهم في ~~الأعمال الشاقة { من فرعون إنه كان عاليا من ~~المسرفين } أي من طغيان فرعون وجبروته إنه كان متكبرا جبارا، ~~متجاوزا الحد في الطغيان والإجرام قال الصاوي: هذا من جملة تعداد النعم ~~على بني إسرائيل، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم وتبشيره ~~بأنه سينجيه وقومه المؤمنين من أيدي المشركين، فإنهم لم يبلغوا في ~~التجبر مثل فرعون وقومه { ولقد اخترناهم على علم على ~~العالمين } أي اصطفيناهم وشرفناهم على علم منا باستحقاقهم لذلك ~~الشرف على جميع الناس في زمانهم قال قتادة: على أهل زمانهم، لا على أمة ~~محمد لقوله تعالى # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110] { وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء ~~مبين } أي وآتيناهم من الحجج والبراهين وخوارق العادات ما فيه اختبار ~~وامتحان ظاهر جلي لمن تدبر وتبصر قال الرازي: والآيات مثل فلق ~~البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى وغيرها من الآيات الباهرة، ~~التي ما أظهر الله مثلها على أحد سواهم { إن هؤلاء ~~ليقولون * إن هي إلا موتتنا الأولى } أي إن كفار ~~قريش ليقولون: لن نموت إلا موتة واحدة وهي موتتنا الأولى في ms1410 الدنيا، ~~وفي قوله تعالى { هؤلاء } تحقير لهم وازدراء بهم قال المفسرون: ~~لما كان الحديث في أول السورة عن كفار مكة، وجاءت قصة فرعون وقومه ~~مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والكفر، رجع إلى ~~الحديث عن كفار قريش، والغرض من قولهم { إن هي إلا موتتنا ~~الأولى } إنكار البعث كأنهم قالوا: إذا متنا فلا بعث ولا حياة ولا ~~نشور، ثم صرحوا بذلك بقولهم { وما نحن بمنشرين } أي وما نحن ~~بمبعوثين { فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين } خطاب للرسول ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على وجه التعجيز أي أحيوا لنا آبائنا ~~ليخبرونا بصدقكم إن كنتم صادقين في أن هناك حياة بعد هذه الحياة قال ~~الإمام الفخر: إن الكفار احتجوا على نفي الحشر والنشر بأن قالوا: إن كان ~~البعث والنشور ممكنا معقولا فجعلوا لنا إحياء من مات من آبائنا ليصير ~~ذلك دليلا عندنا على صدق دعواكم في البعث يوم القيامة وقال القرطبي: قال ~~هذا أبو جهل، قال يا محمد: إن كنت صادقا في قولك فابعث لنا رجلين من ~~آبائنا أحدهما: قصي بن كلاب فإنه كان رجلا صادقا، لنسأله عما يكون ~~بعد الموت { أهم خير أم قوم تبع } استفهام انكار مع ~~التهديد أي أهؤلاء المشركون أقوى وأشد أم أهل سبأ ملوك اليمن؟ الذين ~~كانوا أكثر أموالا، وأعظم نعيما من كفار مكة؟ { والذين من ~~قبلهم أهلكناهم } أي والذين سبقوهم من الأمم العاتية ~~أهلكناهم، وخربنا بلادهم، وفرقناهم شذر مذر قال أبو السعود: والمراد بهم ~~عاد وثمود وأضرابهم من كل جبار عنيد، أولي بأس شديد، فأولئك كانوا أقوى ~~من هؤلاء، وقد أهلكهم الله مع ما كانوا عليه من غاية القوة والشدة، ~~فإهلاك هؤلاء أولى { إنهم كانوا مجرمين } تعليل للإهلاك ~~أي أهلكناهم ودمرناهم بسبب إجرامهم، وفيه وعيد وتهديد لقريش أن يفعل ~~الله بهم ما فعل بقوم تبع والمكذبين. # . ثم نبه تعالى إلى دلائل البعث وهو خلق العالم بالحق فقال { وما ~~خلقنا السموت والأرض وما بينهما لاعبين } أي ~~وما خلقنا هذا الكون وما فيه من المخلوقات البديعة لعبا ms1411 وعبثا { ما ~~خلقناهمآ إلا بالحق } أي ما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما من المخلوقات إلا بالعدل والحق المبين، لنجازي المحسن بإحسانه ~~والمسيء بإساءته { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك فينكرون البعث والجزاء قال المفسرون: إن ~~الله تعالى خلق النوع الإنساني، وخلق ما ينتظم به أسباب معاشهم، من ~~السقف المرفوع، والمهاد المفروش، وما بينهما من عجائب المصنوعات، وبدائع ~~المخلوقات، ثم كلفهم بالإيمان والطاعة، فآمن البعض وكفر البعض، فلا بد ~~إذا من دار جزاء يثاب فيها المحسن، ويعاقب فيها المسيء، لتجزى كل نفس ~~بما كسبت، ولو لم يحصل البعث والجزاء لكان هذا الخلق لهوا وعبثا، ~~وتنزه الله عن ذلك، ولهذا قال بعده { إن يوم الفصل ~~ميقاتهم أجمعين } أي إن يوم القيامة موعد حساب الخلائق أجمعين، ~~سمي { يوم الفصل } لأن الله تعالى يفصل فيه بين الخلق كما قال ~~تعالى # يوم القيامة يفصل بينكم # [الممتحنة: 3] { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا ~~هم ينصرون } أي في ذلك اليوم الرهيب، لا يدفع قريب عن قريبه، ولا ~~صديق عن صديقه، ولا ينفع أحد أحدا ولا ينصره ولو كان قريبه كقوله # يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا ~~يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا # [لقمان: 33] { إلا من رحم الله } استثناء متصل أي لا يغني ~~قريب عن قريب إلا المؤمنين فإنه يؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض وقيل: ~~منقطع أي لكن من رحمه الله فإنه يشفع وينفع قال ابن عباس: يريد المؤمن ~~فإنه تشفع له الأنبياء والملائكة { إنه هو العزيز الرحيم } ~~أي هو المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه.. ولما ذكر الأدلة على ~~القيامة، أردفه بوصف ذلك اليوم العصيب، فذكر وعيد الكفار أولا ثم وعد ~~الأبرار ثانيا للجمع بين الترهيب والترغيب فقال { إن شجرة ~~الزقوم * طعام الأثيم } أي إن هذه الشجرة الخبيثة - شجرة ~~الزقوم - التي تنبت في أصل الجحيم، طعام كل فاجر، ليس له طعام غيرها قال ~~أبو حيان: الأثيم صفة مبالغة وهو الكثير الآثام، وفسر بالمشرك { ~~كالمهل ms1412 يغلي في البطون } أي هي في شناعتها وفظاعتها إذا ~~أكلها الإنسان كالنحاس المذاب الذي تناهى حره، فهو يجرجر في البطن { ~~كغلي الحميم } أي كغليان الماء الشديد الحرارة قال القرطبي: ~~وشجرة الزقوم هي الشجرة التي خلقها الله في جهنم، وسماها الشجرة ~~الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجئوا إليها فأكلوا منها، فغلت في ~~بطونهم كما يغلي الماء الحار، وشبه تعالى ما يصير منها إلى بطونهم ~~بالمهل وهو النحاس المذاب، والمراد بالأثيم الفاجر ذو الإثم وهو أبو ~~جهل، وذلك أنه كان يقول: يعدنا محمد أن في جهنم الزقوم، وإنما هو ~~الثريد بالزبد والتمر، ثم يأتي بالزبد والتمر ويقول لأصحابه: تزقموا، ~~سخرية واستهزاء بكلام الله، قال تعالى { خذوه فاعتلوه إلى ~~سوآء الجحيم } أي يقال للزبانية: خذوا هذا الفاجر اللئيم فسوقوه ~~وجروه من تلابيبه بعنف وشدة إلى وسط الجحيم { ثم صبوا فوق ~~رأسه من عذاب الحميم } أي ثم صبوا فوق رأس هذا الفاجر عذاب ~~ذلك الحميم الذي تناهى حره { ذق إنك أنت العزيز الكريم ~~} أي يقال له على سبيل الاستهزاء والإهانة: ذق هذا العذاب فإنك أنت ~~المعزز المكرم قال عكرمة: التقى النبي صلى الله عليه وسلم بأبي جهل ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله أمرني أن أقول لك # أولى لك فأولى # [القيامة: 34] فقال: بأي شيء تهددني! والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن ~~تفعلا بي شيئا، إني لمن أعز هذا الوادي وأكرمه على قومه، فقتله الله ~~يوم بدر وأذله ونزلت هذه الآية { إن هذا ما كنتم به ~~تمترون } أي إن هذا العذاب هو ما كنتم تشكون به في الدنيا، ~~فذوقوه اليوم # أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون # [الطور: 15] والجمع في الآية باعتبار المعنى لأن المراد جنس الأثيم.. ~~ولما ذكر تعالى أحوال أهل النار أتبعه بذكر أحوال أهل الجنة فقال { إن ~~المتقين في مقام أمين } أي الذين اتقوا الله في الدنيا ~~بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هم اليوم في موضع إقامة يأمنون فيه من ~~الآفات والمنغصات والمكاره، وهو الجنة ولهذا قال بعده { في جنات ~~وعيون ms1413 } أي في حدائق وبساتين ناضرة، وعيون جارية { يلبسون من ~~سندس وإستبرق } أي يلبسون ثياب الحرير، الرقيق منه وهو السندس، ~~والسميك منه وهو الاستبرق { متقابلين } أي متقابلين في المجالس ~~ليستأنس بعضهم ببعض { كذلك وزوجناهم بحور عين } أي كذلك ~~أكرمناهم بأنواع الإكرام، وزوجناهم أيضا بالحور الحسان في الجنان قال ~~البيضاوي: أي قرناهم بالحور العين، والحوراء: البيضاء، والعيناء: ~~عظيمة العينين، وإنما وصف تعالى نعيمهم بذلك لأن الجنات والأنهار من ~~أقوى أسباب نزهة الخاطر، وانفراجه عن الغم، ثم ذكر الحور الحسان لأن بها ~~اكتمال سعادة الإنسان كما قيل " ثلاثة تنفي عن القلب الحزن: الماء، ~~والخضرة، والوجه الحسن " ثم زاد في بيان النعيم فقال { يدعون ~~فيها بكل فاكهة آمنين } أي يطلبون من الخدم إحضار جميع أنواع ~~الفواكه في الجنة، لأجل أنهم آمنون من التخم والأمراض، فلا تعب في الجنة ~~ولا وصب { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة ~~الأولى } استثناء منقطع أي لا يذوقون في الجنة الموت لكنهم قد ذاقوا ~~الموتة الأولى في الدنيا فلم يعد ثمة موت، بل خلود أبد الآبدين { ~~ووقاهم عذاب الجحيم } أي خلصهم ونجاهم من عذاب جهنم ~~الشديد الأليم { فضلا من ربك } أي فعل ذلك بهم تفضلا منه ~~تعالى عليهم { ذلك هو الفوز العظيم } أي ذلك الذي أعطوه من ~~النعيم، هو الفوز العظيم الذي لا فوز وراءه { فإنما يسرناه ~~بلسانك لعلهم يتذكرون } أي فإنما سهلنا القرآن بلغتك ~~- وهي لسان العرب - لعلهم يتعظون وينزجرون { فارتقب إنهم ~~مرتقبون } أي فانتظر يا محمد ما يحل بهم، إنهم منتظرون هلاكك، ~~وسيعلمون لمن تكون النصرة والظفر في الدنيا والآخرة، وفيه وعد للرسول صلى ~~الله عليه وسلم ووعيد للمشركين. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- صيغة المبالغة { السميع العليم } { العزيز الرحيم } ~~{ العزيز الكريم }. # 2- الطباق # لا إله إلا هو يحيي ويميت # [الدخان: 8] وكذلك { إن هي إلا موتتنا الأولى وما ~~نحن بمنشرين }. # 3- تحريك الهمة للإيمان والتبصر # إن كنتم موقنين # [الدخان: 7]. # 4- الإيجاز بحذف بعض الكلام { أن أسر بعبادي } أي وقلنا له ~~بأن أسر. # 5- الاستعارة اللطيفة # فما ms1414 بكت عليهم السمآء والأرض # [الدخان: 29] أي لم يتغير بهلاكهم شيء ولم تحزن عليهم السماء والأرض بعد ~~انقطاع آثارهم، والعرب يقولون في التعظيم: بكت عليه السماء والأرض، ~~وأظلمت له الدنيا ويقولون في التحقير: مات فلان فلم تخشع له الجبال. # 6- أسلوب التعجيز { فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين }. # 7- أسلوب التهكم والسخرية { ذق إنك أنت العزيز الكريم ~~}. # 8- التفجع وإظهار الأسى والحسرة # كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم # [الدخان: 25-26]. # 9- التشبيه المرسل المجمل { كالمهل يغلي في البطون * ~~كغلي الحميم }. # 10- السجع الرصين غير المتكلف الذي يزيد في رونق الكلام وجماله إقرأ ~~مثلا قوله تعالى { إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * ~~كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم * خذوه ~~فاعتلوه إلى سوآء الجحيم * ثم صبوا فوق ~~رأسه من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم }. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-20] # اللغة: { يبث } ينشر ويفرق { تصريف } تقليب، صرف الله ~~الريح قلبها من جهة إلى جهة { ويل } كلمة تستعمل في العذاب والدمار ~~{ أفاك } كذاب، والإفك: الكذب { أثيم } كثير الإثم والإجرام ~~{ رجز } أشد العذاب { يصر } أصر على الشيء: عزم على البقاء ~~عليه بقوة وشدة { يغني } ينفع أو يدفع ومنه # مآ أغنى عني ماليه # [الحاقة: 28] { بصائر } دلائل ومعالم. # التفسير: { حم } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن { ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } أي هذا القرآن ~~تنزيل من الله، العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه، الذي لا يصدر عنه إلا ~~كل ما فيه حكمة ومصلحة للعباد، ثم أخبر تعالى عن دلائل الوحدانية ~~والقدرة فقال { إن في السموت والأرض لآيات ~~للمؤمنين } أي إن في خلق السماوات والأرض وما فيهما من ~~المخلوقات العجيبة، والأحوال الغريبة، والأمور البديعة، لعلامات باهرة ~~على كمال قدرة الله وحكمته، لقوم يصدقون بوجود الله ووحدانيته { وفي ~~خلقكم وما يبث من دآبة آيات لقوم يوقنون } أي ~~وفي خلقكم أيها الناس من نطفة ثم من علقة، متقلبة في أطوار مختلفة إلى ~~تمام الخلق، وفيما ينشره تعالى ويفرقه من أنواع المخلوقات التي تدب على ~~وجه الأرض، آيات باهرة أيضا لقوم يصدقون عن إذعان ويقين ms1415 بقدرة رب ~~العالمين { واختلاف الليل والنهار } أي وفي تعاقب الليل ~~والنهار، دائبين لا يفتران، هذا بظلامه وذاك بضيائه، بنظام محكم دقيق { ~~ومآ أنزل الله من السمآء من رزق } أي وفيما أنزله ~~الله تبارك وتعالى من السحاب، من المطر الذي به حياة البشر في معاشهم ~~وأرزاقهم قال ابن كثير: وسمى تعالى المطر رزقا لأنه به يحصل الرزق { ~~فأحيا به الأرض بعد موتها } أي فأحيا بالمطر الأرض بعدما ~~كانت هامدة يابسة لا نبات فيها ولا زرع، فأخرج فيها من أنواع الزروع ~~والثمرات والنبات { وتصريف الرياح } أي وفي تقليب الرياح جنوبا ~~وشمالا، باردة وحارة { آيات لقوم يعقلون } أي علامات ساطعة ~~واضحة على وجود الله ووحدانيته، لقوم لهم عقول نيرة وبصائر مشرقة قال ~~الصاوي: ذكر الله سبحانه وتعالى من الدلائل ستة في ثلاث آيات، ختم ~~الأولى ب { للمؤمنين } ، والثانية ب { يوقنون } والثالثة ~~ب { يعقلون } ووجه التغاير بينها في التعبير أن الإنسان إذا تأمل ~~في السماوات والأرض، وأنه لا بد لهما من صانع آمن، وإذا نظر في خلق ~~نفسه ونحوها ازداد إيمانا فأيقن، وإذا نظر في سائر الحوادث كمل عقله ~~واستحكم علمه { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } ~~أي هذه آيات الله وحججه وبراهينه، الدالة على وحدانيته وقدرته، نقصها ~~عليك يا محمد بالحق المبين الذي لا غموض فيه ولا التباس { فبأي ~~حديث بعد الله وآياته يؤمنون }؟ أي وإذا لم يصدق ~~كفار مكة بكلام الله، ولم يؤمنوا بحججه وبراهينه، فبأي كلام يؤمنون ~~ويصدقون؟ والغرض استعظام تكذيبهم للقرآن بعد وضوح بيانه وإعجازه { ~~ويل لكل أفاك أثيم } أي هلاك ودمار لكل كذاب مبالغ في ~~اقتراف الآثام قال الرازي: وهذا وعيد عظيم، والأفاك الكذاب، ~~والأثيم المبالغ في اقتراف الآثام { يسمع آيات الله تتلى ~~عليه } أي يسمع آيات القرآن تقرأ عليه، وهي في غاية الوضوح والبيان ~~{ ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها } أي ثم يدوم على ~~حاله من الكفر، ويتمادى في غيه وضلاله، مستكبرا عن الإيمان بالآيات ~~كأنه لم يسمعها { فبشره بعذاب أليم } أي فبشره يا محمد ~~بعذاب شديد مؤلم، ms1416 وسماه " بشارة " تهكما بهم، لأن البشارة هي الخبر ~~السار قال في التسهيل: وإنما عطفه ب " ثم " لاستعظام الإصرار على ~~الكفر بعد سماعه آيات الله، واستبعاد ذلك في العقل والطبع قال المفسرون: ~~نزلت في " النضر بن الحارث " كان يشتري أحاديث الأعاجم ويشغل بها الناس ~~عن استماع القرآن، والآية عامة في كل من كان موصوفا بالصفة المذكورة { ~~وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا } أي إذا ~~بلغه شيء من الآيات التي أنزلها الله على محمد، سخر واستهزأ بها { ~~أولئك لهم عذاب مهين } أي أولئك الأفاكون المستهزءون ~~بالقرآن لهم عذاب شديد مع الذل والإهانة { من ورآئهم جهنم } ~~أي أمامهم جهنم تنتظرهم لما كانوا فيه من التعزز في الدنيا والتكبر عن ~~الحق { ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا } أي لا ينفعهم ما ~~ملكوه في الدينا من المال والولد { ولا ما اتخذوا من دون ~~الله أوليآء } أي ولا تنفعهم الأصنام التي عبدوها من دون الله { ~~ولهم عذاب عظيم } أي ولهم عذاب دائم مؤلم قال أبو السعود: ~~وتوسيط النفي { ولا ما اتخذوا } مع أن عدم إغناء الأصنام أظهر ~~وأجلى من عدم إغناء الأموال والأولاد، مبني على زعمهم الفاسد حيث كانوا ~~يطمعون في شفاعتهم، وفيه تهكم بهم { هذا هدى } أي هذا القرآن كامل ~~في الهداية لمن آمن به واتبعه { والذين كفروا بآيات ~~ربهم } أي جحدوا بالقرآن مع سطوعه، وفيه زيادة تشنيع على كفرهم به، ~~وتفظيع حالهم { لهم عذاب من رجز أليم } أي لهم عذاب من ~~أشد أنواع العذاب مؤلم موجع قال الزمخشري: والرجز أشد العذاب، ~~والمراد ب { بآيات ربهم } القرآن. # . ثم لما توعدهم بأنواع العذاب ذكرهم تعالى بنعمه الجليلة ليشكروه ~~ويوحدوه فقال { الله الذي سخر لكم البحر } أي الله ~~تعالى بقدرته وحكمته هو الذي ذلل لكم البحر على ضخامته وعظمه { ~~لتجري الفلك فيه بأمره } أي لتسير السفن على سطحه ~~بمشيئته وإرادته، دون أن تغوص في أعماقه قال الإمام الفخر: خلق وجه ~~الماء على الملاسة التي تجري عليها السفن، وخلق الخشبة على وجه تبقى ~~طافية على وجه الماء ms1417 دون أن تغوص فيه، وذلك لا يقدر عليه أحد إلا الله { ~~ولتبتغوا من فضله } أي ولتطلبوا من فضل الله بسبب التجارة، ~~والغوص على اللؤلؤ والمرجان، وصيد الأسماك وغيرها { ولعلكم ~~تشكرون } أي ولأجل أن تشكروا ربكم على ما أنعم به عليكم وتفضل ~~قال القرطبي: ذكر تعالى كمال قدرته، وتمام نعمته على عباده، وبين أنه ~~خلق ما خلق لمنافعهم، وكل ذلك من فعله وخلقه، وإحسان منه وإنعام { ~~وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا ~~منه } أي وخلق لكم كل ما في هذا الكون، من كواكب، وجبال، وبحار، ~~وأنهار، ونبات، وأشجار، الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه، من عنده وحده ~~جل وعلا { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } أي ~~إن فيما ذكر لعبرا وعظات لقوم يتأملون في بدائع صنع الله فيستدلون ~~على قدرته ووحدانيته ويؤمنون، ثم لما بين تعالى دلائل التوحيد والقدرة ~~والحكمة، أردفه بتعليم فضائل الأخلاق، ومحاسن الأفعال فقال { قل ~~للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام ~~الله } أي قل يا محمد للمؤمنين يصفحوا عن الكفار، ويتجاوزوا عما ~~يصدر عنهم من الأذى والأفعال الموحشة قال مقاتل: شتم رجل من الكفار عمر ~~بمكة فهم أن يبطش به، فأمر الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية، ~~والمراد من قوله { لا يرجون أيام الله } أي لا يخافون بأس ~~الله وعقابه لأنهم لا يؤمنون بالآخرة ولا بلقاء الله قال ابن كثير: أمر ~~المسلمون أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب، ليكون ذلك تأليفا ~~لهم، ثم لما أصروا على العناد، شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد { ~~ليجزي قوما بما كانوا يكسبون } وعيد وتهديد أي ليجازي ~~الكفرة المجرمين بما اقترفوه من الإثم والإجرام، والتنكير للتحقير { ~~من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها } أي من ~~فعل خيرا في الدنيا فنفعه لنفسه، ومن ارتكب سوءا وشرا فضرره عائد ~~عليها، ولا يكاد يسري عمل إلى غير عامله { ثم إلى ربكم ~~ترجعون } أي ثم مرجعكم يوم القيامة إلى الله وحده، فيجازي كلا ~~بعمله، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. # . ولما ذكر بالنعم العامة أردفه بذكر ms1418 النعم الخاصة على بني إسرائيل ~~فقال { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم ~~والنبوة } أي والله لقد أعطينا بني إسرائيل التوراة، وفصل ~~الحكومات بين الناس، وجعلنا فيهم الأنبياء والمرسلين { ورزقناهم ~~من الطيبات } أي ورزقناهم من أنواع النعم الكثيرة من المآكل ~~والمشارب، والأقوات والثمار { وفضلناهم على العالمين } أي ~~وفضلناهم على سائر الأمم في زمانهم قال الصاوي: والمقصود من ذلك تسليته ~~صلى الله عليه وسلم كأنه قال: لا تحزن يا محمد على كفر قومك، فإننا ~~آتينا بني إسرائيل الكتاب والنعم العظيمة، فلم يشكروا بل أصروا على ~~الكفر، فكذلك قومك { وآتيناهم بينات من الأمر } أي وبينا ~~لهم في التوراة أمر الشريعة وأمر محمد صلى الله عليه وسلم على أكمل وجه ~~قال ابن عباس: يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم وشواهد نبوته بأنه ~~يهاجر من تهامة إلى يثرب وينصره أهلها { فما اختلفوا إلا من ~~بعد ما جآءهم العلم } أي فما اختلفوا في ذلك الأمر، إلا من ~~بعد ما جاءتهم الحجج والبراهين والأدلة القاطعة على صدقه { بغيا ~~بينهم } أي حسدا وعنادا وطلبا للرياسة قال الإمام الفخر: ~~والمقصود من الآية التعجب من هذه الحالة، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع ~~الخلاف، وههنا صار العلم سببا لحصول الاختلاف، لأنه لم يكن مقصودهم نفس ~~العلم وإنما المقصود منه طلب الرياسة والتقدم، فلذلك علموا وعاندوا { ~~إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون } أي هو جل وعلا الذي يفصل بين العباد يوم القيامة ~~فيما اختلفوا فيه من أمر الدين، وفي الآية زجر للمشركين أن يسلكوا مسلك ~~من سبقهم من الأمم العاتية الطاغية { ثم جعلناك على شريعة ~~من الأمر فاتبعها } أي ثم جعلناك يا محمد على طريقة واضحة، ~~ومنهاج سديد رشيد من أمر الدين، فاتبع ما أوحى إليك ربك من الدين القيم ~~{ ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون } أي لا تتبع ~~ضلالات المشركين قال البيضاوي: لا تتبع آراء الجهال التابعة للشهوات، وهم ~~رؤساء قريش حيث قالوا: ارجع إلى دين آبائك { إنهم لن يغنوا ~~عنك من الله شيئا } أي لن ms1419 يدفعوا عنك شيئا من العذاب إن ~~سايرتهم على ضلالهم { وإن الظالمين بعضهم أوليآء ~~بعض } أي وإن الظالمين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا ولا ولي لهم في ~~الآخرة { والله ولي المتقين } أي وهو تعالى ناصر ومعين ~~المؤمنين المتقين في الدنيا والآخرة { هذا بصائر للناس ~~وهدى ورحمة لقوم يوقنون } أي هذا القرآن نور وضياء ~~للناس بمنزلة البصائر في القلوب، وهو رحمة لمن آمن به وأيقن. ### || [45.21-37] # المناسبة: لما حكى تعالى ضلالات بني إسرائيل، وبين أن القرآن نور ~~وهداية لمن تمسك به، أعقبه ببيان أنه لا يتساوى المؤمن مع الكافر، ولا ~~البر مع الفاجر، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ثم ذكر الأدلة على البعث ~~والنشور. # اللغة: { اجترحوا } اكتسبوا والاجتراح الاكتساب ومنه الجوارح { ~~غشاوة } غطاء وغشى الشيء غطاه { جاثية } باركة على الركب ~~لشدة الهول جثا - يجثو إذا قعد على ركبتيه { نستنسخ } استنسخ الشيء ~~أمر بكتابته وتدوينه { حاق } نزل وأحاط { يستعتبون } يطلب منهم ~~إرضاء ربهم يقال: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فقبل مني عذري { ~~الكبريآء } العظمة والملك والجلال. # سبب النزول: روي أن أبا جهل طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن ~~المغيرة، فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو جهل: والله ~~إني لأعلم أنه لصادق، فقال له: مه، وما دلك على ذلك؟ فقال يا أبا عبد ~~شمس: كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تم عقله وكمل رشده ~~نسميه الكذاب الخائن!! والله إني لأعلم أنه لصادق، قال: فما يمنعك أن ~~تصدقه وتؤمن به؟ قال: تتحدث عني بنات قريش أني اتبعت يتيم أبي طالب من ~~أجل كسرة واللات والعزى لا أتبعه أبدا فنزلت { أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم ~~على سمعه وقلبه.. } الآية. # التفسير: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات } ~~الاستفهام للإنكار والمعنى هل يظن الكفار الفجار الذين اكتسبوا ~~المعاصي والآثام { أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي أن نجعلهم كالمؤمنين الأبرار { سوآء محياهم ~~ومماتهم } أي نساوي بينهم في المحيا والممات؟ لا يمكن أن نساوي بين ~~المؤمنين والكفار، لا في ms1420 الدنيا ولا في الآخرة، فإن المؤمنين عاشو على ~~التقوى والطاعة، والكفار عاشوا على الكفر والمعصية، وشتان بين الفريقين ~~كقوله # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون # [السجدة: 18]؟ قال مجاهد: المؤمن يموت مؤمنا ويبعث مؤمنا، والكافر ~~يموت كافرا ويبعث كافرا { سآء ما يحكمون } أي ساء حكمهم في ~~تسويتهم بين أنفسهم وبين المؤمنين قال ابن كثير: ساء ما ظنوا بنا ~~وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار، فكما لا يجتنى من الشوك ~~العنب، كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار { وخلق الله ~~السموت والأرض بالحق } أي وخلق الله السماوات والأرض ~~بالعدل والأمر الحق ليدل بهما على قدرته ووحدانيته { ولتجزى ~~كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون } أي ولكي يجزى كل ~~إنسان بعمله، وبما اكتسب من خير أو شر، دون أن ينقص في ثواب المؤمن أو ~~يزاد في عذاب الكافر قال شيخ زاده: لما خلق تعالى السماوات الأرض ~~لإجل إظهار الحق، وكان خلقهما من جملة حكمته وعدله، لزم من ذلك أن ~~ينتقم من الظالم لأجل المظلوم، فبثت بذلك حشر الخلائق للحساب { ~~أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } أي أخبرني يا محمد عن ~~حال من ترك عبادة الله وعبد هواه!! قال في البحر: أي هو مطواع لهوى نفسه ~~يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه قال ابن عباس: ذلك ~~الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه { وأضله ~~الله على علم } أي وأضل الله ذلك الشقي في حال كونه عالما ~~بالحق غير جاهل به، فهو أشد قبحا وشناعة ممن يضل عن جهل، لأنه يعرض ~~عن الحق والهدى عنادا كقوله تعالى # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14] { وختم على سمعه وقلبه } أي وطبع على سمعه ~~وقلبه بحيث لا يتأثر بالمواعظ، ولا يتفكر في الآيات والنذر { وجعل ~~على بصره غشاوة } أي وجعل على بصره غطاء حتى لا يبصر الرشد، ~~ولا يرى حجة يستضيء بها { فمن يهديه من بعد الله }؟ أي فمن ~~الذي يستطيع أن يهديه بعد أن أضله الله؟ لا أحد يقدر ms1421 على ذلك { أفلا ~~تذكرون } أي أفلا تعتبرون أيها الناس وتتعظون؟ قال الصاوي: وصف ~~تعالى الكفار بأربعة أوصاف: الأول: عبادة الهوى، والثاني: ضلالهم على علم ~~الثالث: الطبع على أسماعهم وقلوبهم الرابع: جعل الغشاوة على أبصارهم، ~~وكل وصف منها مقتض للضلالة، فلا يمكن إيصال الهدى إليهم بوجه من ~~الوجوه.. ثم حكى تعالى عن المشركين شبهتهم في إنكار القيامة، وفي إنكار ~~الإله القادر العليم فقال { وقالوا ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا } أي وقال المشركون: لا حياة إلا هذه ~~الحياة الدنيا، يموت بعضنا ويحيا بعضنا، ولا آخرة، ولا بعث، ولا نشور قال ~~ابن كثير: هذا قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار ~~المعاد، ومرادهم ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وليس هناك ~~معاد ولا قيامة، وهذا قول الفلاسفة الدهريين، المنكرين للصانع، ~~المعتقدين أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه { ~~وما يهلكنآ إلا الدهر } أي وما يهلكنا إلا مرور الزمان، ~~وتعاقب الأيام قال الرازي: يريدون أن الموجب للحياة والموت تأثيرات ~~الطبائع وحركات الأفلاك، ولا حاجة إلى إثبات الخالق المختار، فهذه ~~الطائفة جمعوا بين إنكار الإله وبين إنكار البعث والقيامة، قال تعالى ~~ردا عليهم { وما لهم بذلك من علم } أي وليس لهم مستند من ~~عقل أو نقل، ولذلك أنكروا وجود الله من غير حجة ولا بينة { إن هم ~~إلا يظنون } أي ما هم إلا قوم يتوهمون ويتخيلون، يتكلمون بالظن ~~من غير يقين { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } أي ~~وإذا قرئت آيات القرآن على المشركين، واضحات الدلالة على البعث والنشور ~~{ ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبآئنآ إن ~~كنتم صادقين } أي ما كان متمسكهم في دفع الحق الصريح إلا أن ~~يقولوا: أحيوا لنا آباءنا الأولين، إن كان ما تقولونه حقا، سمي ~~قولهم الباطل حجة على سبيل التهكم { قل الله يحييكم ثم ~~يميتكم } أي قل لهم يا محمد: الله الذي خلقكم ابتداء حين كنتم ~~نطفا هو الذي يميتكم عند انقضاء آجالكم، ms1422 لا كما زعمتم أنكم تحيون ~~وتموتون بحكم الدهر { ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ~~ريب فيه } أي ثم بعد الموت يبعثكم للحساب والجزاء كما أحياكم في ~~الدنيا، فإن من قدر على البدء قدر على الإعادة، والحكمة اقتضت الجمع ~~للجزاء في يوم القيامة، الذي لا شك فيه ولا ارتياب { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } أي ولكن أكثر الناس لجهلهم ~~وقصورهم في النظر والتفكر، لا يعلمون قدرة الله فينكرون البعث والجزاء. # . ثم بين إمكان الحشر والنشر ذكر تفاصيل أحوال يوم القيامة فقال { ~~ولله ملك السماوات والأرض } أي هو جل وعلا المالك لجميع ~~الكائنات العلوية والسفلية { ويوم تقوم الساعة يومئذ ~~يخسر المبطلون } أي ويوم القيامة يخسر الكافرون الجاحدون بآيات ~~الله { وترى كل أمة جاثية } أي وترى أيها المخاطب كل أمة ~~من الأمم جالسة على الركب من شدة الهول والفزع، كما يجثوا الخصوم بين ~~يدي الحاكم بهيئة الخائف الذليل قال ابن كثير: وهذا إذا جيء بجهنم فإنها ~~تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا على ركبتيه { كل أمة تدعى ~~إلى كتابها } أي كل أمة من تلك الأمم تدعى إلى صحائف أعمالها ~~{ اليوم تجزون ما كنتم تعملون } أي يقال لهم: في هذا ~~اليوم الرهيب تنالون جزاء أعمالكم من خير أو شر { هذا كتابنا ~~ينطق عليكم بالحق } أي هذا كتاب أعمالكم يشهد عليكم بالحق ~~من غير زيادة ولا نقصان قال في التسهيل: فإن قيل: كيف أضاف الكتاب ~~تارة إليهم وتارة إلى الله تعالى؟ فالجواب أنه أضافه إليهم لأن ~~أعمالهم ثابتة فيه، وأضافه إلى الله تعالى لأنه مالكه وأنه هو الذي أمر ~~الملائكة أن يكتبوه { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ~~} أي كنا نأمر الملائكة بكتابة أعمالكم، وإثباتها عليكم قال المفسرون: ~~تنسخ هنا بمعنى تكتب، وحقيقة النسخ هو النقل من أصل إلى آخر، وقال ابن ~~عباس: تكتب الملائكة أعمال العباد ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابل ~~الملائكة الموكلون بديوان الأعمال ما كتبه الحفظة، مما قد أبرز لهم من ~~اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر، مما كتبه الله ms1423 في القدم على العباد قبل ~~أن يخلقهم، فلا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا، فذلك هو الاستنساخ، وكان ابن ~~عباس يقول: ألستم عربا، هل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟ ثم بين تعالى ~~أحوال كل من المطيعين والعاصين فقال { فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته } أي ~~فأما المؤمنون الصالحون المتقون لله في الحياة الدنيا، فيدخلهم الله في ~~الجنة، سميت الجنة رحمة لأنها مكان تنزل رحمة الله { ذلك هو ~~الفوز المبين } أي ذلك هو الفوز العظيم، البين الظاهر الذي لا ~~فوز وراءه { وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي ~~تتلى عليكم } أي وأما الكافرون فيقال لهم توبيخا وتقريعا: ~~أفلم تكن الرسل تتلو عليكم آيات الله؟ { فاستكبرتم وكنتم ~~قوما مجرمين } أي فتكبرتم عن الإيمان بها، وأعرضتم عن سماعها، ~~وكنتم قوما مغرقين في الإجرام { وإذا قيل إن وعد الله ~~حق } أي وإذا قيل لكم إن البعث كائن لا محالة { والساعة لا ~~ريب فيها } أي والقيامة آتية لا شك في ذلك ولا ريب { قلتم ما ~~ندري ما الساعة } أي قلتم لغاية عتوكم، أي شيء هي؟ أحق أم ~~باطل؟ قال البيضاوي: قالوا هذا استغرابا واستبعادا وإنكارا لها { إن ~~نظن إلا ظنا } أي لا نصدق بها ولكن نسمع الناس يقولون: ~~إن هناك آخرة فنتوهم بها توهما { وما نحن بمستيقنين } ~~أي ولسنا مصدقين بالآخرة يقينا، وهذا تأكيد منهم لإنكار القيامة { ~~وبدا لهم سيئات ما عملوا } أي وظهر لهم في الآخرة قبائح ~~أعمالهم { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } أي ونزل ~~وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا { وقيل اليوم ~~ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم هذا } أي ويقال لهم: ~~اليوم نترككم في العذاب ونعاملكم معاملة الناسي، كما تركتم الطاعة التي ~~هي الزاد ليوم المعاد فلم تعملوا لآخرتكم { ومأواكم النار } أي ~~ومستقركم في نار جهنم { وما لكم من ناصرين } أي وليس لكم من ~~ينصركم ويخلصكم من عذاب الله { ذلكم بأنكم اتخذتم آيات ~~الله هزوا } أي إنما جازيناكم هذا الجزاء، بسبب أنكم سخرتم من ~~كلام الله واستهزأتم به ms1424 { وغرتكم الحياة الدنيا } أي ~~خدعتكم الدنيا بزخارفها وأباطيلها، حتى ظننتم ألا حياة سواها، وألا ~~بعث ولا نشور { فاليوم لا يخرجون منها ولا هم ~~يستعتبون } أي فاليوم لا يخرجون من النار، ولا يطلب منهم أن ~~يرضوا ربهم بالتوبة والطاعة لعدم نفعها يومئذ { فلله الحمد ~~رب السموت ورب الأرض رب العالمين } أي فلله ~~الحمد خاصة لا يستحق الحمد أحد سواه لأنه الخالق والمالك لجميع ~~المخلوقات والكائنات { وله الكبريآء في السماوات ~~والأرض } أي وله العظمة والجلال، والبقاء والكمال في السماوات والأرض ~~{ وهو العزيز الحكيم } أي الغالب الذي لا يغلب، الحكيم في ~~صنعه وفعله وتدبيره. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التأكيد بأن واللام # إن في السموت والأرض لآيات # [الجاثية: 3] لأن المخاطبين منكرون لوحدانية الله. # 2- صيغة المبالغة # ويل لكل أفاك أثيم # [الجاثية: 7] لأن فعال وفعيل من صيغ المبالغة. # 3- الأسلوب التهكمي # فبشره بعذاب أليم # [الجاثية: 8] لأن البشارة تكون بالخير واستعمالها بالشر تهكم. # 4- المجاز المرسل # ومآ أنزل الله من السمآء من رزق # [الجاثية: 5] أي مطر، مجاز مرسل علاقته المسببية لأن الرزق لا ينزل من ~~السماء، ولكن ينزل المطر الذي ينشأ عنه النبات والرزق. # 5- التشبيه المرسل # يصر مستكبرا كأن لم يسمعها # [الجاثية: 8] أي كأنه لم يسمع آيات القرآن. # 6- المبالغة بذكر المصدر # هذا هدى # [الجاثية: 11] كأن القرآن لوضوح حجته عين الهدى. # 7- الإطناب بتكرار اللفظ # سخر لكم البحر.. وسخر لكم ما في السموت ~~وما في الأرض # [الجاثية:1213] لإظهار الامتنان. # 8- طباق السلب # فاتبعها ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون # [الجاثية: 18]. # 9- المجاز المرسل { فيدخلهم ربهم في رحمته } أي في ~~الجنة لأنها مكان تنزل رحمة الله. # 10- الطباق بين # من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # [الجاثية: 15] وبين { نموت ونحيا } وبين { يحييكم ثم ~~يميتكم }. # 11- الاستعارة التصريحية { هذا كتابنا ينطق عليكم ~~بالحق } أي يشهد عليكم، والاستعارة هنا أبلغ من الحقيقة، لأن شهادة ~~الكتاب ببيانه أقوى من شهادة الإنسان بلسانه. # 12- الالتفات { فاليوم لا يخرجون منها } فيه التفات من ~~الخطاب إلى الغيبة لإسقاطهم من رتبة الخطاب. # 13- الاستعارة التمثيلية { اليوم ننساكم كما ms1425 نسيتم ~~لقآء يومكم هذا } مثل تركهم في العذاب بمن حبس في مكان ~~ثم نسيه السجان من الطعام والشراب حتى هلك بطريق الاستعارة التمثيلية، ~~والمراد من الآية نترككم في العذاب ونعاملكم معاملة الناسي، لأن الله ~~تعالى لا ينسى ولا يعرض عليه النسيان. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-19] # اللغة: { شرك } شركة ونصيب { أثارة } بقية من الشيء { ~~تفيضون } الإفاضة في الشيء: الخوض فيه والاندفاع يقال: أفاضوا في ~~الحديث اندفعوا فيه، وأفاض الناس من عرفات أي دفعوا منها { بدعا } ~~البدع بالكسر الشيء المبتدع قال الرازي: والبدع والبديع من كل شيء ~~المبدع، والبدعة ما اخترع مما لم يكن موجودا قبله بحكم السنة { ~~إفك } كذب { كرها } بكره ومشقة { فصاله } فطامه { ~~أوزعني } ألهمني { أف } كلمة تضجر وتبرم { خلت } مضت. # التفسير: { حم } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن وأنه ~~منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية { تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم } أي هذا الكتاب المجيد منزل من عند الإله ~~العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه { ما خلقنا السموت ~~والأرض وما بينهمآ إلا بالحق } أي ما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما من المخلوقات عبثا، وإنما خلقناهما خلقا متلبسا ~~بالحكمة، لندل على وحدانيتنا وكمال قدرتنا { وأجل مسمى } أي ~~وإلى زمن معين هو زمن فنائهما يوم القيامة # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [إبراهيم: 48] { والذين كفروا عمآ أنذروا معرضون } ~~أي وهؤلاء الكفار معرضون عما خوفوه من العذاب ومن أهوال الآخرة، لا ~~يتفكرون فيه ولا يستعدون له.. ثم لما بين وجود الإله العزيز الحكيم ~~رد على عبدة الأصنام فقال { قل أرأيتم ما تدعون من ~~دون الله } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أخبروني عن هذه الأصنام ~~التي تعبدونها من دون الله، وتزعمون أنا آلهة { أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض }؟ أي أرشدوني وأخبروني أي شيء خلقوا من ~~أجزاء الأرض، ومما على سطحها من إنسان أو حيوان؟ { أم لهم شرك ~~في السموت }؟ أي أم لهم مشاركة ونصيب مع الله في خلق السماوات؟ ~~{ ائتوني بكتاب من قبل هذآ } أي هاتوا كتابا من ms1426 الكتب ~~المنزلة من عند الله قبل هذا القرآن يأمركم بعبادة هذه الأصنام؟ وهو أمر ~~تعجيز لأنهم ليس لهم كتاب يدل على الإشراك بالله، بل الكتب كلها ~~ناطقة بالتوحيد { أو أثارة من علم } أي أو بقية من علم من ~~علوم الأولين شاهدة بذلك { إن كنتم صادقين } أي إن كنتم صادقين ~~في دعواكم أنها شركاء مع الله قال في البحر: طلب منهم أن يأتوا بكتاب ~~يشهد بصحة ما هم عليه من عبادة غير الله، أو بقية من علوم الأولين، ~~والغرض توبيخهم لأن كل كتب الله المنزلة ناطقة بالتوحيد وإبطال ~~الشرك، فليس لهم مستند من نقل أو عقل.. ثم أخبر تعالى عن ضلال المشركين ~~فقال { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له إلى يوم القيامة }؟ أي لا أحد أضل وأجهل ~~ممن يعبد أصناما لا تسمع دعاء الداعين، ولا تعلم حاجات المحتاجين، ولا ~~تستجيب لمن ناداها أبدا لأنها جمادات لا تسمع ولا تعقل { وهم عن ~~دعآئهم غافلون } أي وهم لا يسمعون ولا يفهمون دعاء العابدين، ~~وفيه تهكم بها وبعبدتها، وإنما ذكر الأصنام بضمير العقلاء، لأنهم لما ~~عبدوها ونزلوها منزلة من يضر وينفع، صح أن توصف بعدم الاستجابة وبعدم ~~السمع والنفع، مجاراة لزعم الكفار { وإذا حشر الناس كانوا ~~لهم أعدآء } أي وإذا جمع الناس للحساب يوم القيامة كانت الأصنام ~~أعداء لعابديها يضرونهم ولا ينفعونهم { وكانوا بعبادتهم ~~كافرين } أي وتتبرأ الأصنام من الذين عبدوها قال المفسرون: إن الله ~~تعالى يحيي الأصنام يوم القيامة فتتبرأ من عابديها وتقول # تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص: 63] وهذه الآية كقوله تعالى # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82] والله على كل شيء قدير { وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات } أي وإذا قرئت عليهم آيات القرآن واضحات ظاهرات ~~أنها من كلام الله { قال الذين كفروا للحق لما ~~جآءهم } أي قال الكافرون عن القرآن الحق لما جاءهم من عند الله { ~~هذا سحر مبين } أي هذا سحر لا شبهة فيه ظاهر كونه سحرا، ~~وإنما وضع الظاهر { الذين كفروا } موضع ms1427 الضمير تسجيلا عليهم ~~بكمال الكفر والضلالة قال في البحر: وفي قوله { لما جآءهم } ~~تنبيه على أنهم لم يتأملوا ما يتلى عليهم، بل بادروا أول سماعه إلى ~~نسبته إلى السحر عنادا وظلما، ووصفوه بأنه { مبين } أي ظاهر أنه ~~سحر لا شبهة فيه { أم يقولون افتراه } أي أيقولون اختلق محمد ~~هذا القرآن وافتراه من تلقاء نفسه؟ وهو إنكار توبيخي { قل إن ~~افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا } أي قل إن ~~افتريته - على سبيل الفرض - فالله حسبي في ذلك وهو الذي يعاقبني على ~~الافتراء عليه، ولا تقدرون أنتم على أن تردوا عني عذاب الله، فكيف ~~أفتريه من أجلكم وأتعرض لعقابه؟ { هو أعلم بما تفيضون فيه ~~} أي هو جل وعلا أعلم بما تخوضون في القرآن وتقدحون به من قولكم هو شعر، ~~هو سحر، هو افتراء، وغير ذلك من وجوه الطعن { كفى به شهيدا ~~بيني وبينكم } أي كفى أن يكون تعالى شاهدا بيني وبينكم، يشهد ~~لي بالصدق والتبليغ، ويشهد عليكم بالجحود والتكذيب { وهو الغفور ~~الرحيم } أي وهو الغفور لمن تاب، الرحيم بعباده المؤمنين قال أبو ~~حيان: وفيه وعد لهم بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر، وإشعار بحلمه ~~تعالى عليهم إذ لم يعاجلهم بالعقوبة { قل ما كنت بدعا من ~~الرسل } أي لست أول رسول طرق العالم، ولا جئت بأمر لم يجىء به أحد ~~قبلي، بل جئت بما جاء به ناس كثيرون قبلي، فلأي شيء تنكرون ذلك علي؟ ~~والبدع والبديع من الأشياء هو الذي لم ير مثله قال ابن كثير: أي ما ~~أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إليكم، فقد ~~أرسل الله قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم { ومآ أدري ما يفعل ~~بي ولا بكم } أي ولا أدري بما يقضي الله علي وعليكم، فإن قدر ~~الله مغيب { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } أي لا أتبع ~~إلا ما ينزله الله علي من الوحي، ولا أبتدع شيئا من عندي { ومآ ~~أنا إلا نذير مبين } أي وما أنا إلا رسول منذر لكم من ~~عذاب الله، ms1428 بين الإنذار بالشواهد الظاهرة، والمعجزات الباهرة { قل ~~أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به } أي قل يا ~~محمد: أخبروني يا معشر المشركين إن كان هذا القرآن كلام الله حقا وقد ~~كذبتم به وجحدتموه وجوابه محذوف تقديره: كيف يكون حالكم؟ { وشهد ~~شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن ~~واستكبرتم } أي وقد شهد رجل من علماء بني إسرائيل على صدق ~~القرآن، فآمن به واستكبرتم أنتم عن الإيمان، كيف يكون حالكم، ألستم أضل ~~الناس وأظلم الناس؟ قال الزمخشري: وجواب الشرط محذوف تقديره: إن كان ~~القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟ ودل على هذا المحذوف قوله ~~تعالى { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } أي لا يوفق ~~للخير والإيمان من كان فاجرا ظالما قال المفسرون: والشاهد من بني ~~إسرائيل هو " عبد الله بن سلام " وذلك حين قدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة جاء إليه ابن سلام ليمتحنه، فلما نظر إلى وجهه علم أنه ليس ~~بوجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه هو النبي المنتظر، فقال له: إني سائلك عن ~~ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل ~~الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فلما أجابه صلى الله ~~عليه وسلم قال: أشهد أنك رسول الله حقا. # . الخ ثم رد تعالى على شبهة أخرى من شبه المشركين فقال { وقال ~~الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما ~~سبقونآ إليه } أي وقال كفار مكة في حق المؤمنين: لو كان هذا ~~القرآن والدين خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء الفقراء الضعفاء!! وقال ابن ~~كثير: يعنون " بلالا " و " عمارا " و " صهيبا " و " خبابا " وأشباههم ~~من المستضعفين والعبيد والإماء ممن أسلم وآمن بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم { وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك ~~قديم } أي ولما لم يهتدوا بالقرآن مع وضوح إعجازه، قالوا هذا كذب ~~قديم مأثور عن الأقدمين، أتى به محمد ونسبه إلى الله تعالى { ومن ~~قبله كتاب موسى إماما ورحمة } أي ومن قبل القرآن ~~التوراة التي ms1429 أنزلها الله على موسى قدوة يؤتم بها في دين الله وشرائعه ~~كما يؤتم بالإمام، ورحمة لمن آمن بها وعمل بما فيها قال الإمام الفخر: ~~ووجه تعلق الآية بما قبلها أن المشركين طعنوا في صحة القرآن، وقالوا لو ~~كان خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء الضعفاء الصعاليك، فرد الله عليهم بأنكم ~~لا تنازعون أن الله أنزل التوراة على موسى، وجعل هذا الكتاب - التوراة - ~~إماما يقتدى به، ثم إن التوراة مشتملة على البشارة بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم فإذا سلمتم كونها من عند الله، فاقبلوا حكمها بأن محمد صلى ~~الله عليه وسلم رسول حقا من عند الله { وهذا كتاب مصدق ~~لسانا عربيا } أي وهذا القرآن كتاب عظيم الشأن، مصدق للكتب ~~قبله بلسان عربي فصيح، فكيف ينكرونه وهو أفصح بيانا، وأظهر برهانا، ~~وأبلغ إعجازا من التوراة؟ { لينذر الذين ظلموا وبشرى ~~للمحسنين } أي ليخوف كفار مكة الظالمين من عذاب الجحيم، ويبشر ~~المؤمنين المحسنين بجنات النعيم. # . ولما بين تعالى أحوال المشركين المكذبين بالقرآن، أردفه بذكر أحوال ~~المؤمنين المستقيمين على شريعة الله فقال { إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا } أي جمعوا بين الإيمان والتوحيد ~~والاستقامة على شريعة الله { فلا خوف عليهم } أي فلا يلحقهم ~~مكروه في الآخرة يخافون منه { ولا هم يحزنون } أي ولا هم ~~يحزنون على ما خلفوا في الدنيا { أولئك أصحاب الجنة ~~خالدين فيها } أي أولئك المؤمنون المستقيمون في دينهم، هم أهل ~~الجنة ماكثين فيها أبدا { جزآء بما كانوا يعملون } أي ~~نالوا ذلك النعيم جزاء لهم على أعمالهم الصالحة { ووصينا ~~الإنسان بوالديه إحسانا } لما كان رضا الله في رضا ~~الوالدين، وسخطه في سخطهما حث تعالى العباد عليه والمعنى أمرنا ~~الإنسان أمرا جازما مؤكدا بالإحسان إلى الوالدين، ثم بين السبب ~~فقال { حملته أمه كرها ووضعته كرها } أي حملته ~~بكره ومشقة ووضعته بكره ومشقة { وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا } أي ومدة حمله ورضاعه عامان ونصف، فهي لا تزال تعاني التعب ~~والمشقة طيلة هذه المدة قال ابن كثير: أي قاست بسببه في حال حمله مشقة ~~وتعبا من وحم، ms1430 وغثيان، وثقل، وكرب إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من ~~التعب والمشقة، ووضعته بمشقة أيضا من الطلق وشدته، وقد استدل العلماء ~~بهذه الآية مع التي في لقمان # وفصاله في عامين # [لقمان: 14] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح { ~~حتى إذا بلغ أشده } أي حتى إذا عاش هذا الطفل وبلغ كمال ~~قوته وعقله { وبلغ أربعين سنة } أي واستمر في الشباب والقوة ~~حتى بلغ أربعين سنة وهو نهاية اكتمال العقل والرشد { قال رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ~~وعلى والدي } أي قال رب ألهمني شكر نعمتك التي أنعمت بها ~~علي وعلى والدي حتى ربياني صغيرا { وأن أعمل صالحا ~~ترضاه } أي ووفقني لكي أعمل عملا صالحا يرضيك عني { وأصلح لي ~~في ذريتي } أي اجعل ذريتي ونسلي صالحين قال شيخ زاده: طلب هذا ~~الداعي من الله ثلاثة أشياء: الأول: أن يوفقه الله للشكر على النعمة ~~والثاني: أن يوفقه للإتيان بالطاعة المرضية عند الله والثالث: أن يصلح ~~له في ذريته، وهذه كمال السعادة البشرية { إني تبت إليك ~~وإني من المسلمين } أي إني يا رب تبت إليك من جميع الذنوب، ~~وإني من المستمسكين بالإسلام قال ابن كثير: وفي الآية إرشاد لمن بلغ ~~الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها { ~~أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا } ~~أي أولئك الموصوفون بما ذكر نتقبل منهم طاعاتهم ونجازيهم على أعمالهم ~~بأفضلها { ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة } ~~أي ونصفح عن خطيئاتهم وزلاتهم، في جملة أصحاب الجنة الذين نكرمهم بالعفو ~~والغفران { وعد الصدق الذي كانوا يوعدون } أي بذلك ~~الوعد الصادق الذي وعدناهم به على ألسنة الرسل، بأن نتقبل من محسنهم ~~ونتجاوز عن مسيئهم. # . ولما مثل تعالى لحال الإنسان البار بوالديه وما آل إليه حاله من ~~الخير والسعادة، مثل لحال الإنسان العاق لوالديه وما يئول إليه ~~أمره من الشقاوة والتعاسة فقال { والذي قال لوالديه أف ~~لكمآ } أي وأما الولد الفاجر الذي يقول لوالديه إذا دعواه إلى ~~الإيمان أف لكما أي قبحا ms1431 لكما على هذه الدعوة { أتعدانني أن ~~أخرج وقد خلت القرون من قبلي }؟ أي أتعدانني أن أبعث ~~بعد الموت وقد مضت قرون من الناس قبلي ولم يبعث منهم أحد؟ { وهما ~~يستغثيان الله ويلك آمن } أي وأبواه يسألان الله أن يغيثه ~~ويهديه للإسلام قائلين له: ويلك آمن بالله وصدق بالبعث والنشور ~~وإلا هلكت { إن وعد الله حق } أي وعد الله صدق لا خلف ~~فيه { فيقول ما هذآ إلا أساطير الأولين } أي فيقول ~~ذلك الشقي: ما هذا الذي تقولان من أمر البعث إلا خرافات وأباطيل سطرها ~~الألولون في الكتب مما لا أصل له قال تعالى { أولئك الذين ~~حق عليهم القول } أي أولئك المجرمون هم الذين حق عليهم قول ~~الله بأنهم أهل النار قال القرطبي: أي وجب عليهم العذاب وهي كلمة الله ~~كما في الحديث # " هؤلاء في النار ولا أبالي " # { في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس } ~~أي في جملة أمم من أصحاب النار قد مضت قبلهم من الكفرة الفجار من الجن ~~والإنس { إنهم كانوا خاسرين } أي كانوا كافرين لذلك ضاع ~~سعيهم وخسروا آخرتهم، وهو تعليل لدخولهم جهنم قال الإمام الفخر: قال ~~بعضهم: إن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قبل إسلامه، ~~والصحيح أنه لا يراد بالآية شخص معين، بل المراد منها كل من كان ~~موصوفا بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الحق فأباه ~~وأنكره، ويدل عليه أن الله تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه { أف ~~لكمآ } بأنه من الذين حق عليهم القول بالعذاب، ولا شك أن عبد ~~الرحمن آمن وحسن إسلامه وكان من سادات المسلمين فبطل حمل الآية عليه { ~~ولكل درجات مما عملوا } أي لكل من المؤمنين والكافرين ~~مراتب ومنازل بحسب أعمالهم، فمراتب المؤمنين في الجنة عالية، ومراتب ~~الكافرين في جهنم سافلة { وليوفيهم أعمالهم وهم لا ~~يظلمون } أي وليعطيهم جزاء أعمالهم وافيه كاملة، المؤمنون بحسب ~~الدرجات، والكافرون بحسب الدركات، من غير نقصان بالثواب، ولا زيادة في ~~العقاب. ### || [46.20-35] # المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال بعض الأشقياء، ms1432 أعقبه بذكر حال الكفار ~~الفجار في الآخرة، ثم ذكر قصة عاد الذين أهلكهم الله بطغيانهم مع ما ~~كانوا عليه من القوة والشدة، تذكيرا لكفار قريش بعاقبة التكذيب ~~والطغيان، وختم السورة الكريمة بقصة النفر من الجن الذين آمنوا بالقرآن ~~حين سمعوه ودعوا قومهم إلى الإيمان. # اللغة: { الهون } الهوان والذل { الأحقاف } الرمال العظيمة جمع ~~حقف وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج، والأحقاف ديار عاد { ~~لتأفكنا } لتصرفنا وتزيلنا، والإفك: الكذب { عارضا } سحابا ~~يعرض في الأفق { تدمر } تهلك، والتدمير الهلاك وكذلك الدمار { ~~صرفنا } بعثنا ووجهنا { يعي } يضعف ويعجز من الإعياء وهو التعب ~~والعجز. # التفسير: { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } أي ~~وذكرهم يا محمد يوم يكشف الغطاء عن نار جهنم، وتبرز للكافرين فيقربون ~~منها وينظرون إليها { أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا } في الكلام حذف أي ويقال لهم تقريعا وتوبيخا أذهبتم ~~طيباتكم أي لقد نلتم وأصبتم لذائد الدنيا وشهواتها فلم يبق لكم نصيب ~~اليوم في الآخرة قال في البحر: والطيبات هنا المستلذات من المآكل ~~والمشارب، والملابس والمفارش. والمراكب والمواطىء، وغير ذلك مما يتنعم ~~به أهل الرفاهية { واستمتعتم بها } أي وتمتعتم بتلك اللذائذ ~~والطيبات في الدنيا قال المفسرون: المراد بالآية إنكم لم تؤمنوا حتى ~~تنالوا نعيم الآخرة، بل اشتغلتم بشهوات الدنيا ولذائذها عن الإيمان ~~والطاعة، وأفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي، وآثرتم الفاني على الباقي، ~~فلم يبق لكم بعد ذلك شيء من النعيم، ولهذا قال بعده { فاليوم ~~تجزون عذاب الهون } أي ففي هذا اليوم - يوم الجزاء - تنالون ~~عذاب الذل والهوان { بما كنتم تستكبرون في الأرض ~~بغير الحق } أي بسبب استكباركم في الدنيا عن الإيمان وعن الطاعة ~~{ وبما كنتم تفسقون } أي وبسبب فسقكم وخروجكم عن طاعة الله، ~~وارتكاب الفجور والآثام قال الإمام الفخر: وهذه الآية لا تدل على المنع ~~من التنعم، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر، وإنما وبخ الله الكافر ~~لأنه يتمتع بالدنيا ولا يؤدي شكر المنعم بطاعته والإيمان به، وأما ~~المؤمن فإنه يؤدي بإيمانه شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه ودليله # قل من حرم زينة ms1433 الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق # [الأعراف: 32]!! نعم لا ينكر أن الاحتراز عن التنعم أولى، وعليه يحمل ~~قول عمر " لو شئت لكنت أطيبكم طعاما، وأحسنكم لباسا، ولكني أستبقي ~~طيباتي لحياتي الآخرة " وقال في التسهيل: الآية في الكفار بدليل قوله ~~تعالى { ويوم يعرض الذين كفروا } وهي مع ذلك واعظة لأهل ~~التقوى من المؤمنين، ولذلك قال عمر لجابر ابن عبد الله - وقد رآه اشترى ~~لحما - أو كلما اشتهى أحدكم شيئا جعله في بطنه! أما تخشى أن تكون من ~~أهل هذه الآية ممن قال الله فيهم { أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا }!! { واذكر أخا عاد } أي اذكر يا محمد ~~لهؤلاء المشركين قصة نبي الله هود عليه السلام مع قومه عاد ليعتبروا بها ~~{ إذ أنذر قومه بالأحقاف } أي حين حذر قومه من عذاب الله ~~إن لم يؤمنوا وهم مقيمون بالأحقاف - وهي تلال عظيمة من الرمل في بلاد ~~اليمن - قال ابن كثير: الأحقاف جمع حقف وهو الجبل من الرمل، قال قتادة: ~~كانوا حيا باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشحر { ~~وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه } أي وقد ~~مضت الرسل بالإنذار من قبل هود ومن بعده، والجملة اعتراضية وهي إخبار ~~من الله تعالى أنه قد بعث رسلا متقدمين قبل هود وبعده { ألا ~~تعبدوا إلا الله } أي حذرهم هود عليه السلام قائلا لهم: ~~بأن لا تعبدوا إلا الله { إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم } أي إني أخاف عليكم إن عبدتم غير الله عذاب يوم هائل وهو ~~يوم القيامة { قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا } أي ~~قالوا جوابا لإنذاره: أجئتنا يا هود لتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟ وهو ~~استفهام، يراد منه التسفيه والتجهيل لما دعاهم إليه { فأتنا بما ~~تعدنآ إن كنت من الصادقين } أي فأتنا بالعذاب الذي وعدتنا ~~به إن كنت صادقا فيما تقول قال ابن كثير: استعجلوا عذاب الله وعقوبته ~~استبعادا منهم لوقوعه { قال إنما العلم عند الله } أي ~~قال لهم هود: ليس علم وقت العذاب عندي إنما علمه عند الله { ~~وأبلغكم مآ ms1434 أرسلت به } أي وإنما أنا مبلغ ما أرسلني ~~به الله إليكم { ولكني أراكم قوما تجهلون } أي ~~ولكنني أجدكم قوما جهلة في سؤالكم استعجال العذاب { فلما رأوه ~~عارضا مستقبل أوديتهم } أي فلما رأوا السحاب معترضا في ~~أفق السماء متجها نحو أوديتهم استبشروا به { قالوا هذا عارض ~~ممطرنا } أي وقالوا هذا السحاب يأتينا بالمطر قال المفسرون: كانت ~~عاد قد أبطأ عنهم المطر، وقحطوا مدة طويلة من الزمن، فلما رأوا ذلك ~~السحاب العارض ظنوا أنه مطر ففرحوا به واستبشروا وقالوا: هذا عارض ~~ممطرنا { بل هو ما استعجلتم به } أي قال لهم هود: ليس الأمر ~~كما زعمتم أنه مطر، بل هو ما استعجلتم به من العذاب ثم فسره بقوله { ~~ريح فيها عذاب أليم } أي هو ريح عاصفة مدمرة فيها عذاب فظيع ~~مؤلم { تدمر كل شيء بأمر ربها } أي تخرب وتهلك ~~كل شيء أتت عليه من رجال ومواش وأموال، بأمره تعالى وإذنه قال ابن ~~عباس: أول ما جاءت الريح على قوم عاد، كانت تأتي على الرجال والمواشي ~~فترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء حتى يصبح الواحد منهم كالريشة، ثم ~~تضربهم على الأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب ~~وصرعتهم، فهي التي قال الله فيها { تدمر كل شيء بأمر ~~ربها } أي تدمر كل شيء مرت عليه من رجال عاد وأموالها، والتدمير ~~الهلاك، وفي الحديث عن عائشة قالت: # " كان صلى الله عليه وسلم إذا رأى غيما أو ريحا عرف في وجهه، فقلت ~~يا رسول الله: الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، ~~وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال يا عائشة: ما يؤمنني أن ~~يكون فيه عذاب، عذب قوم بالريح " # ، وقد رأى قوم العذاب فقالوا { هذا عارض ممطرنا } { ~~فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم } أي فأصبحوا هلكى لا ~~ترى إلا مساكنهم، لأن الريح لم تبق منهم إلا الآثار والديار خاوية { ~~كذلك نجزي القوم المجرمين } أي بمثل هذه العقوبة ~~الشديدة نعاقب من كان عاصيا مجرما قال الرازي: والمقصود منه تخويف أهل ~~مكة، ولهذا ms1435 قال بعده { ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم ~~فيه } " إن " نافية بمعنى " ما " أي ولقد مكنا عادا في الذي لم ~~نمكنكم فيه يأ أهل مكة من القوة، والسعة، وطول الأعمار، وهو خطاب لكفار ~~مكة على وجه التهديد { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة } أي وأعطيناهم الأسماع والأبصار والقلوب، ليعرفوا تلك ~~النعم ويستدلوا بها على الخالق المنعم { فمآ أغنى عنهم ~~سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء } أي ~~فما نفعتهم تلك الحواس أي نفع، ولا دفعت عنهم شيئا من عذاب الله قال ~~الإمام الفخر: المعنى أنا فتحنا عليهم أبواب النعم: أعطيناهم سمعا فما ~~استعملوه في سماع الدلائل، وأعطيناهم أبصارا فما استعملوها في تأمل ~~العبر، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله، بل صرفوا كل ~~هذه القوى إلى طلب الدينا ولذاتها، فلا جرم أنها لم تغن عنهم من عذاب ~~الله شيئا { إذ كانوا يجحدون بآيات الله } تعليل لما ~~سبق أي لأنهم كانوا يكفرون وينكرون آيات الله المنزلة على رسله ويكذبون ~~رسله { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } أي ونزل وأحاط ~~بهم العذاب الذي كانوا يستعجلون به بطريق الاستهزاء { ولقد ~~أهلكنا ما حولكم من القرى } تخويف آخر لكفار مكة أي ~~ولقد أهلكنا القرى المجاورة لكم يا أهل مكة والمحيطة بكم، كقرى عاد وثمود ~~وسبأ وقوم لوط، والمراد بإهلاك القرى إهلاك أهلها { وصرفنا ~~الآيات لعلهم يرجعون } أي وكررنا الحجج والدلالات، والمواعظ ~~والبينات، أوضحناها وبيناها لهم لعلهم يرجعون عن كفرهم وضلالهم { ~~فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة } أي فهلا نصرتهم آلهتهم التي تقربوا بها إلى الله ~~بزعمهم، وجعلوها شفعاءهم لتدفع عنهم العذاب؟! و " لولا " تحضيضية بمعنى ~~هلا ومعناها النفي أي لم تنصرهم آلهتهم ولم تدفع عنهم عذاب الله { بل ~~ضلوا عنهم } أي غابوا عن نصرتهم وهم أحوج ما يكونون إليهم، فإن ~~الصديق وقت الضيق قال أبو السعود: وفي الآية تهكم بهم كأن عدم نصرهم ~~كان لغيبتهم { وذلك إفكهم وما كانوا يفترون } أي وذلك ~~الذي أصابهم هو كذبهم وافتراؤهم على الله، حيث زعموا أن ms1436 الأصنام شركاء ~~الله وشفعاء لهم عند الله { وإذ صرفنآ إليك نفرا من ~~الجن يستمعون القرآن } أي واذكر يا محمد حين وجهنا إليك ~~وبعثنا جماعة من الجن ليستمعوا القرآن قال البيضاوي: والنفر دون العشرة، ~~روي أنهم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي النخلة عند منصرفه من ~~الطائف يقرأ في تهجده القرآن { فلما حضروه قالوا أنصتوا ~~} أي فلما حضروا القرآن عند تلاوته قال بعضهم لبعض: اسكتوا لاستماع ~~القرآن قال القرطبي: هذا توبيخ لمشركي قريش، أي إن الجن سمعوا القرآن ~~فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله، وأنتم معرضون مصرون على الكفر { ~~فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين } أي فلما فرغ ~~من قراءة القرآن رجعوا إلى قومهم مخوفين لهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا ~~قال الرازي: وذلك لا يكون إلا بعد إيمانهم، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى ~~استماع القرآن والتصديق به إلا وقد آمنوا { قالوا يقومنآ إنا ~~سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } أي سمعنا كتابا رائعا ~~مجيدا منزلا على رسول من بعد موسى قال ابن عباس: إن الجن لم تكن ~~قد سمعت بأمر عيسى عليه السلام { مصدقا لما بين يديه } أي ~~مصدقا لما قبله من التوراة { يهدي إلى الحق وإلى ~~طريق مستقيم } أي هذا القرآن يرشد إلى الحق المبين، وإلى ~~دين الله القويم { يقومنآ أجيبوا داعي الله وآمنوا ~~به } أي أجيبوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما يدعوكم إليه من ~~الإيمان وصدقوا برسالته { يغفر لكم من ذنوبكم } أي يمحو ~~الله عنكم الذنوب والآثام { ويجركم من عذاب أليم } أي ~~ويخلصكم وينجكم من عذاب شديد مؤلم { ومن لا يجب داعي ~~الله فليس بمعجز في الأرض } هذا ترهيب بعد الترغيب أي ~~ومن لم يؤمن بالله ويستجب لدعوة رسوله، فإنه لا يفوت الله طلبا، ولا ~~يعجزه هربا { وليس له من دونه أوليآء } أي وليس له أنصار ~~يمنعونه من عذاب الله { أولئك في ضلال مبين } أي أولئك ~~الذين لا يستجيبون لدعوة الله في خسران واضح، وإلى هنا آخر كلام الجن ~~الذين سمعوا القرآن، ثم ms1437 ذكر تعالى الأدلة على قدرته ووحدانيته فقال { ~~أولم يروا أن الله الذي خلق السموت ~~والأرض } أي أولم يعلم هؤلاء الكفار المنكرون للبعث والنشور أن الله ~~العظيم القدير الذي خلق السماوات والأرض ابتداء من غير مثال سابق { ~~ولم يعي بخلقهن } أي ولم يضعف ولم يتعب بخلقهن { ~~بقادر على أن يحيي الموتى }؟ أي قادر على أن يعيد ~~الموتى بعد الفناء، ويحييهم بعد تمزق الأشلاء؟ { بلى إنه على ~~كل شيء قدير } أي بلى إنه تعالى قادر لا يعجزه شيء، فكما خلقهم ~~يعيدهم { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } أي ~~واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين الأهوال والشدائد التي يرونها في الآخرة، ~~وذكرهم يوم يعرضون على النار فيقال لهم { أليس هذا بالحق ~~}؟ أي أليس هذا العذاب الذي تذوقونه حق؟ # أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون # [الطور: 15] { قالوا بلى وربنا } أي قالوا بلى وعزة ربنا، ~~أكدوا كلامهم بالقسم طمعا في الخلاص قال الفخر الرازي: والمقصود ~~بالآية التهكم بهم، والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله ووعيده وقولهم: # وما نحن بمعذبين # [الشعراء: 138] { قال فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون } أي فيقال لهم: ذوقوا العذاب الأليم بسبب كفركم { فاصبر ~~كما صبر أولوا العزم من الرسل } أي فاصبر يا محمد على ~~أذى المشركين كما صبر مشاهير الرسل الكرام وهم " نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى " { ولا تستعجل لهم } أي ولا تدع على كفار قريش بتعجيل ~~العذاب فإنه نازل بهم لا محالة { كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار } أي كأنهم ~~حين يعاينون العذاب في الآخرة لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة واحدة من ~~النهار، لما يشاهدون من شدة العذاب وطوله { بلاغ } أي هذا بلاغ ~~وإنذار { فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } أي لا يكون ~~الهلاك والدمار إلا للكافرين الخارجين عن طاعة الله. # تنبيه: قال المفسرون: " إن الجن كانوا يسترقون السمع، فلما حرست ~~السماء بالشهب، قال إبليس: إن هذا الذي حدث بالسماء من أمر حدث في ~~الأرض، فبعث سراياه ليعرف الخبر، فذهب ركب من نصيبين - وهم أشراف الجن - ~~إلى تهامة، فلما بلغوا ms1438 باطن نخلة سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ~~ويتلو القرآن، فاستمعوا له وقالوا: أنصتوا ثم لما انتهى صلى الله عليه ~~وسلم من القراءة آمنوا ثم رجعوا إلى قومهم منذرين فدعوهم إلى الإيمان، ~~وجاءوا بعد ذلك جماعات جماعات إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذلك سبب ~~قوله تعالى { وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن }. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التعجيز # ائتوني بكتاب من قبل هذآ # [الأحقاف: 4] أمر يراد منه التعجيز. # 2- جناس الاشتقاق { يدعوا.. وهم عن دعآئهم } ومثله # وشهد شاهد # [الأحقاف: 10]. # 3- الطباق بين { آمن..وكفرتم } وبين { ينذر.. وبشرى }. # 4- ذكر الخاص بعد العام # ووصينا الإنسان بوالديه # [الأحقاف: 15] ثم قال # حملته أمه كرها # [الأحقاف: 15] فذكر الخاص بعد العام لزيادة العناية والاهتمام بشأن الأم ~~لحقها العظيم. # 5- الطباق بين { حملته.. ووضعته }. # 6- صيغة الحصر # ما هذآ إلا أساطير الأولين # [الأحقاف: 17]. # 7- الاستعارة # ولكل درجات مما عملوا # [الأحقاف: 19] استعار الدرجات للمراتب، للسعداء والأشقياء. # 8- الإيجاز بالحذف مع التوبيخ والتقريع { أذهبتم طيباتكم ~~في حياتكم الدنيا } أي يقال لهم أذهبتم. # 9- الإطناب بتكرار اللفظ { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة } ثم قال { فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا ~~أبصارهم ولا أفئدتهم } لزيادة التقبيح والتشنيع عليهم. # 10- توافق الفواصل مما يزيد في جمال الكلام وحسن تناسقه وهو من المحسنات ~~البديعية مثل # وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون # [الجاثية: 33] { وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون } { ~~وذلك إفكهم وما كانوا يفترون } الخ. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-19] # اللغة: { كفر } أزال ومحا { أثخنتموهم } أكثرتم فيهم القتل ~~والجراح والأسر قال في المصباح: أثخن في الأرض إثخانا، سار إلى العدو ~~وأوسعهم قتلا، وأثخنته الجراحة أوهنته وأضعفته { الوثاق } القيد ~~والحبل الذي يربط به { منا } إطلاق الأسير من غير فدية { ~~أوزارها } آلاتها وأثقالها وهي الأسلحة والعتاد يقال: وضعت الحرب ~~أوزارها أي انقضت الحرب وانتهت، وأصل الأوزار الأثقال من السلاح والخيل ~~قال الشاعر: # وأعددت للحرب أوزارها # رماحا طوالا وخيلا ذكورا # { تعسا } شقاء وهلاكا { آسن } متغير ومنتن { حميما } حارا ~~شديد الحرارة { آنفا } الآن، من قولهم، استأنف الأمر إذا ابتدأ به { ~~أشراط } أمارات وعلامات. ms1439 # التفسير: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } هذا ~~إعلان حرب من الله تعالى على أعدائه وأعداء دينه والمعنى الذين جحدوا ~~بآيات الله وأعرضوا عن الإسلام، ومنعوا الناس عن الدخول فيه { أضل ~~أعمالهم } أي أبطلها وأحبطها وجعلها ضائعة لا ثواب لها لأنها لم ~~تكن لله فبطلت، والمراد أعمالهم الصالحة كإطعام الطعام، وصلة الأرحام، ~~وقرى الضيف قال الزمخشري: وحقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة، ليس ~~لها من يتقبلها ويثيب عليها كالضالة من الإبل، التي لا رب لها يحفظها ~~ويعتني بأمرها، والمراد أعمالهم التي عملوها في كفرهم بما كانوا يسمونه " ~~مكارم الأخلاق " ، من صلة الأرحام، وفك الأسارى، وقرى الأضياف، وحفظ ~~الجوار { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي جمعوا بين ~~الإيمان الصادق، والعمل الصالح { وآمنوا بما نزل على ~~محمد } أي صدقوا بما أنزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ~~تصديقا جازما لا يخالجه شك ولا ارتياب وهو عطف خاص على عام، والنكتة ~~فيه تعظيم أمره والاعتناء بشأنه، إشارة إلى أن الإيمان لا يتم ~~بدونه، ولذا أكده بقوله { وهو الحق من ربهم } أي وهو ~~الثابت المؤكد المقطوع بأنه كلام الله ووحيه المنزل من عند الله، ~~والجملة اعتراضية لتأكيد السابق { كفر عنهم سيئاتهم } أي ~~أزال ومحا عنهم ما مضى من الذنوب والأوزار { وأصلح بالهم } أي ~~أصلح شأنهم وحالهم، في دينهم ودنياهم، ثم بين تعالى سبب ضلال الكفار، ~~واهتداء المؤمنين فقال { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا ~~الباطل } أي ذلك الإضلال لأعمال الكفار بسبب أنهم سلكوا طريق ~~الضلال، واختاروا الباطل على الحق { وأن الذين آمنوا ~~اتبعوا الحق من ربهم } أي وأن المؤمنين سلكوا طريق ~~الهدى، وتمسكوا بالحق والإيمان المنزل من عند الرحمن { كذلك ~~يضرب الله للناس أمثالهم } أي مثل ذلك البيان الواضح، ~~بين الله أمر كل من الفريقين - المؤمنين والكافرين - بأوضح بيان ~~وأجلى برهان ليعتبر الناس ويتعظوا.. وبعد إعلان هذه الحرب السافرة على ~~الكافرين أمر تعالى المؤمنين بجهادهم فقال { فإذا لقيتم الذين ~~كفروا فضرب الرقاب } أي فإذا أدركتم الكفار في الحرب ~~فاحصدوهم حصدا بالسيوف قال في التسهيل: ms1440 وأصله فاضربوا الرقاب ضربا ثم ~~حذف الفعل وأقام المصدر مقامه والمراد: اقتلوهم، ولكن عبر عنه بضرب ~~الرقاب لأنه الغالب في صفة القتل { حتى إذآ أثخنتموهم ~~فشدوا الوثاق } أي حتى إذا هزمتموهم وأكثرتم فيهم القتل ~~والجراحات ولم تبق لهم قوة للمقاومة فأسروهم وكفوا عن قتلهم قال ~~الزمخشري: وفي هذه العبارة { فضرب الرقاب } من الغلظة والشدة ما ~~ليس في لفظ القتل، لما فيها من تصوير القتل بأشنع صورة، وهو حز العنق ~~وإطارة رأس البدن، ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله # فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان # [الأنفال: 12] ومعنى { أثخنتموهم } أكثرتم قتلهم وأغلظتموه { ~~فشدوا الوثاق } أي فأسروهم، والوثاق اسم لما يربط من حبل ~~وغيره { فإما منا بعد وإما فدآء } أي ثم أنتم مخيرون ~~بعد أسرهم إما أن تمنوا عليهم وتطلقوا سراحهم بلا مقابل من مال، أو ~~تأخذوا منهم مالا فداء لأنفسهم، ولكن بعد أن تكونوا قد كسرتم شوكتهم، ~~وأعجزتموهم بكثرة القتل والجراح { حتى تضع الحرب أوزارها ~~} أي حتى تنقضي الحرب وتنتهي بوضع آلاتها وأثقالها، وتنتهي الحرب بين ~~المسلمين والمناوئين له، وذلك بعزة الإسلام واندحار المشركين { ذلك ~~ولو يشآء الله لانتصر منهم } أي الأمر فيهم ما ذكر، ~~ولو أراد الله لانتصر منهم وأهلكهم بقدرته، دون أن يكلفكم - أيها ~~المؤمنون - إلى قتالهم قال ابن كثير: أي لو شاء الله لانتقم من الكافرين ~~بعقوبة ونكال من عنده { ولكن ليبلوا بعضكم ببعض } ~~أي ولكنه أمركم بجهادهم ليختبر إيمانكم وثباتكم، فيظهر حال الصادق في ~~الإيمان من غيره كما قال تعالى # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين # [محمد: 31] وليبتلي المؤمنين بالكافرين والكافرين بالمؤمنين، فيصير من ~~قتل من المؤمنين إلى الجنة، ومن قتل من الكافرين إلى النار ولهذا قال { ~~والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ~~} أي والذين استشهدوا في سبيل الله فلن يبطل الله عملهم، بل يكثره ~~ويضاعفه وينميه { سيهديهم } أي سيهديهم إلى ما ينفعهم في الدنيا ~~والآخرة، بتوفيقهم إلى العمل الصالح وإرشادهم إلى الجنة دار الأبرار { ~~ويصلح بالهم } أي ويصلح حالهم وشأنهم { ويدخلهم ~~الجنة عرفها ms1441 لهم } أي ويدخلهم الجنة دار النعيم بينها لهم ~~بحيث يعلم كل واحد منزله ويهتدي إليه قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى ~~بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا وفي الحديث # " والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان ~~في الدنيا " # { يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم } ~~أي إن تنصروا دينه ينصركم على أعدائكم { ويثبت أقدامكم } أي ~~ويثبتكم في مواطن الحرب { والذين كفروا فتعسا لهم } أي ~~والذين كفروا بالله وآياته فهلاكا وشقاء لهم، وهو دعاء عليهم بالتعاسة ~~والخيبة والخذلان { وأضل أعمالهم } أي أبطلها وأحبطها لأنها ~~كانت في طاعة الشيطان { ذلك بأنهم كرهوا مآ أنزل ~~الله } أي ذلك التعس والإضلال بسبب أنهم كرهوا ما أنزل الله من الكتب ~~والشرائع قال الزمخشري: أي كرهوا القرآن وما أنزل الله فيه من التكاليف ~~والأحكام، لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ ~~فشق عليهم ذلك وتعاظمهم { فأحبط أعمالهم } أي أذهبها ~~وأضاعها لأن الإيمان شرط لقبول الأعمال، والشرك محبط للعمل، ثم خوفهم ~~تعالى عاقبة الكفر فقال { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } أي أفلم يسافر هؤلاء ~~ليروا ما حل بمن سبقهم من الأمم الطاغية كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من ~~المجرمين، كيف كان مآلهم؟ وماذا حل بهم من العذاب؟ فإن آثار ديارهم ~~تنبىء عن أخبارهم { دمر الله عليهم } أي أهلكهم الله، ~~واستأصل كل ما يخصهم من مال وبنين ومتاع، فإذا هو أنقاض متراكمة وإذا ~~هم تحت هذه الأنقاض " ودمر عليهم " أبلغ من دمرهم لأن معناها أهلكهم ~~مع أموالهم ودورهم وأولادهم وأطبق عليهم الهلاك إطباقا فلم يبق شيء إلا ~~شمله الدمار { وللكافرين أمثالها } أي ولكفار مكة أمثال تلك ~~العاقبة الوخيمة والعذاب المدمر { ذلك بأن الله مولى ~~الذين آمنوا } أي وليهم وناصرهم { وأن الكافرين لا ~~مولى لهم } أي لا ناصر لهم ولا معين ولا مغيث، ثم بين تعالى مآل ~~كل من الفريقين - المؤمنين والكافرين - في الآخرة فقال { إن الله ~~يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري ms1442 ~~من تحتها الأنهار } أي يدخل المؤمنين جنات النعيم، التي فيها ~~ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر { والذين ~~كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام } أي ~~والكافرون في الدنيا ينتفعون بشهواتها ولذائذها، ويأكلون كما تأكل ~~البهائم، ليس لهم هم إلا بطونهم وفروجهم { والنار مثوى لهم ~~} أي وجهنم مقامهم ومنزلهم في الآخرة قال الزمخشري: المراد أنهم ينتفعون ~~بمتاع الدنيا أياما قلائل، ويأكلون غافلين غير مفكرين في العاقبة كما ~~تأكل الأنعام في مسارحها ومعالفها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح، ~~والنار منزل ومقام لهم في الآخرة. # . ثم سلى تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال { وكأين من ~~قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك } ~~أي وكم من أهل قرية عاتية ظالمة كانوا أقوى من أهل مكة الذين أخرجوك منها ~~{ أهلكناهم فلا ناصر لهم } أي أهلكناهم بأنواع العذاب فلم ~~ينصرهم أحد فكذلك نفعل بهؤلاء قال ابن عباس: # " لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة واختفى بالغار ثم خرج ~~مهاجرا إلى المدينة، التفت إلى مكة ثم قال " إنك لأحب البلاد إلى ~~الله، وأحب البلاد إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت " # فنزلت الآية { أفمن كان على بينة من ربه } أي هل من ~~كان على حجة وبصيرة، وثبات ويقين من أمر دينه { كمن زين له ~~سوء عمله }؟ أي كمن زين له عمله القبيح فرآه حسنا؟ { ~~واتبعوا أهواءهم } أي انهمكوا في الضلال حتى عبدوا الهوى؟ ~~ليس هذا كهذا، وإنما جاء بصيغة الجمع مراعاة للمعنى قال المفسرون: يريد ~~ب { من كان على بينة } رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن { ~~زين له سوء عمله } أبا جهل وكفار قريش. # . واللفظ أعم لأن الغرض المباينة بين من يعبد الله، وبين من يعبد ~~هواه، ولذلك مثل بعده بالفارق الكبير بين الجنة والنار فقال { مثل ~~الجنة التي وعد المتقون } أي صفة الجنة الغريبة العجيبة ~~الشأن، التي وعد الله بها عباده الأبرار وأعدها للمتقين الأخيار { ~~فيهآ أنهار من مآء غير آسن } أي فيها ms1443 أنهار جاريات من ~~ماء غير متغير الراحة قال ابن مسعود: أنهار الجنة تفجر من جبل من ~~مسك { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } أي وأنهار ~~جاريات من حليب في غاية البياض والحلاوة والدسامة، لم يحمض بطول المقام ~~ولم يفسد كما تفسد ألبان الدنيا وفي حديث مرفوع " لم يخرج من ضروع ~~الماشية " { وأنهار من خمر لذة للشاربين } أي ~~وأنهار جاريات من خمر لذيذة الطعم يتلذذ بها الشاربون لأنه # لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون # [الصافات: 47] وإنما قيدها بأنها لذة للشاربين، لأن الخمر كريهة ~~الطعم في الدنيا لا يلتذ بها إلا فاسد المزاج، وأما خمر الآخرة فهي ~~طيبة الطعم والرائحة، يشربها أهل الجنة لمجرد الالتذاذ { وأنهار ~~من عسل مصفى } أي وأنهار جاريات من عسل في غاية الصفاء وحسن ~~اللون والريح، لم يخرج من بطون النحل قال أبو السعود: { عسل مصفى ~~} أي لم يخالطه الشمع وفضلات النحل { ولهم فيها من كل ~~الثمرات } أي ولهم في الجنة أنواع متعددة من جميع أصناف الفواكه ~~والثمار قال في حاشية البيضاوي: وفي ذكر الثمرات بعد المشروب إشارة إلى ~~أن مأكول أهل الجنة للذة لا للحاجة { ومغفرة من ربهم ~~} أي ولهم فوق ذلك النعيم الحسن نعيم روحي وهو المغفرة من الله مع ~~الرحمة والرضوان وفي الحديث # " أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا " # قال الصاوي: في الجنة ترفع عنهم التكاليف فيما يأكلونه ويشربونه، بخلاف ~~الدنيا فإن مأكولها ومشروبها يترتب عليه الحساب والعقاب، ونعيم الآخرة ~~لا حساب عليه ولا عقاب فيه { كمن هو خالد في النار } أي كمن ~~هو مخلد في الجحيم؟ والاستفهام للإنكار أي لا يستوي من هو في ذلك ~~النعيم المقيم، بمن هو خالد في الجحيم؟ { وسقوا مآء حميما ~~فقطع أمعآءهم } أي وسقوا مكان تلك الأشربة ماء حارا شديد ~~الغليان، فقطع أحشاءهم من فرط حرارته؟ قال المفسرون: بلغ الماء الغاية ~~في الحرارة، إذا دنا منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رءوسهم، فإذا شربوه ~~قطع أمعاءهم وأخرجها من دبورهم ولما بين تعالى حال الكافرين، ذكر حال ~~المنافقين ms1444 فقال: { ومنهم من يستمع إليك } أي ومن هؤلاء ~~المنافقين جماعة يستمعون إلى حديثك يا محمد { حتى إذا خرجوا ~~من عندك } أي حتى إذا خرجوا من مجلسك { قالوا للذين ~~أوتوا العلم ماذا قال آنفا } أي قالوا لعلماء الصحابة - ~~كابن عباس وابن مسعود - ماذا قال محمد قريبا في تلك الساعة؟ قال ابن ~~كثير: أخبر تعالى عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستمعون كلامه، فلا يفهمون منه ~~شيئا، فإذا خرجوا من عنده قالوا لأهل العلم من الصحابة: ماذا قال محمد ~~{ آنفا } أي الساعة، لا يعقلون ما قال ولا يكترثون به { أولئك ~~الذين طبع الله على قلوبهم } أي ختم على قلوبهم بالكفر ~~{ واتبعوا أهوآءهم } أي ساروا وراء أهوائهم الباطلة { ~~والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } أي ~~وأما المؤمنون المتقون فقد زادهم الله هدى وألهمهم رشدهم قال الإمام ~~الفخر: لما بين تعالى أن المنافق يستمع ولا ينتفع، ويستعيد ولا يستفيد، ~~بين أن حال المؤمن المهتدي بخلافه، فإنه يستمع فيفهم، ويعمل بما يعلم، ~~وفيه فائدة وهو قطع عذر المنافق، فإنه لو قال ما فهمت كلامه لغموضه، ~~يرد عليه بأن المؤمن فهم واستنبط، فذلك لعماء القلوب لا لخفاء المطلوب ~~{ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } أي ~~فهل ينتظرون إلا قيام الساعة فجأة فتبغتهم وهم سادرون غارون غافلون؟ { ~~فقد جآء أشراطها } أي فقد جاءت أماراتها وعلاماتها، ومنها بعثة ~~خاتم الرسل صلى لله عليه وسلم { فأنى لهم إذا جآءتهم ~~ذكراهم } أي فمن أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة، حيث لا ينفع ~~ندم ولا توبة؟ { فاعلم أنه لا إله إلا الله } أي فدم ~~يا محمد على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله { واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } أي اطلب من الله المغفرة ~~لك وللمؤمنين والمؤمنات { والله يعلم متقلبكم ~~ومثواكم } أي يعلم تصرفكم في الدنيا، ومصيركم في الآخرة، فأعدوا ~~الزاد ليوم المعاد. ### || [47.20-38] # المناسبة: كان بدء السورة في الحديث عن الكافرين، ثم جاء عن ~~المؤمنين، وهنا يأتي الحديث عن المنافقين، ms1445 وقد استغرق الجانب الأكبر من ~~السورة باعتبارهم الخطر الداهم على الإسلام والمسلمين، والآيات الكريمة ~~تتحدث عن الجهاد وعن موقف المنافقين منه. # اللغة: { سول } زين وسهل { أضغانهم } أحقادهم الدفينة ~~قال الجوهري: الضغن والضغينة: الحقد، وتضاغن القوم أبطنوا على الأحقاد { ~~سيماهم } علامتهم { السلم } الصلح والموادعة { يحفكم } ~~يلح عليكم يقال: أحفى بالمسألة وألحف وألح بمعنى واحد { يتركم } ~~ينقصكم يقال: وتره حقه أي نقصه. # التفسير: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة } ~~أي ويقول المؤمنون المخلصون شوقا إلى الجهاد وحرصا على ثوابه: هلا ~~أنزلت سورة فيها الأمر بالجهاد { فإذآ أنزلت سورة محكمة ~~وذكر فيها القتال } أي فإذا أنزلت سورة صريحة ظاهرة الدلالة ~~على الأمر بالقتال قال القرطبي: { محكمة } أي لم تنسخ وقد قال ~~قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين ~~{ رأيت الذين في قلوبهم مرض } أي رأيت المنافقين الذين ~~في قلوبهم شك ونفاق { ينظرون إليك نظر المغشي عليه ~~من الموت } أي ينظرون إليك يا محمد تشخص أبصارهم جنبا وهلعا، ~~كما ينظر من أصابته الغشية من حلول الموت { فأولى لهم } أي فويل ~~لهم قال في التسهيل: وهي كلمة معناها التهديد والدعاء عليهم كقوله تعالى # أولى لك فأولى # [القيامة: 35] { طاعة وقول معروف } مبتدأ محذوف الخبر أي ~~طاعة لك يا محمد، وقول جميل طيب خير لهم وأفضل وأحسن، قال الرازي: ~~وهو كلام مستأنف محذوف الخبر تقديره خير لهم أي أحسن وأمثل، وإنما جاز ~~الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة ويدل عليه قوله { وقول معروف } ~~كأنه قال: طاعة مخلصة، وقول معروف خير لهم { فإذا عزم الأمر ~~} أي فإذا جد الجد وفرض القتال { فلو صدقوا الله ~~لكان خيرا لهم } أي فلو أخلصوا نياتهم وجاهدوا بصدق ويقين ~~لكان ذلك خيرا لهم من التقاعس والعصيان، والجملة جواب الشرط { فهل ~~عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم } أي فلعلكم إن أعرضتم عن الإسلام أن ~~ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية، من الإفساد في الأرض بالمعاصي، ~~وقطع الأرحام!! قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب ms1446 الله، ألم ~~يسفكوا الدم الحرام، ويقطعوا الأرحام، ويعصوا الرحمن؟! قال أبو حيان: ~~يريد ما جرى من الفترة بعد زمان الرسول صلى الله عليه وسلم { ~~أولئك الذين لعنهم الله } أي طردهم وأبعدهم من رحمته ~~{ فأصمهم وأعمى أبصارهم } أي فأصمهم عن استماع الحق، ~~وأعمى قلوبهم عن طريق الهدى فلا يهتدون إلى سبيل الرشاد قال القرطبي: ~~أخبر تعالى أن من فعل ذلك حقت عليه اللعنة، وسلبه الانتفاع بسمعه وبصره، ~~حتى لا ينقاد للحق وإن سمعه، فجعله كالبهيمة التي لا تعقل { أفلا ~~يتدبرون القرآن }؟ الاستفهام توبيخي أي أفلا يتفهمون القرآن ~~ويتصفحونه ليروا ما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقعوا فيما وقعوا ~~فيه من الموبقات!؟ { أم على قلوب أقفالهآ } " أم " بمعنى " ~~بل " وهو انتقال من توبيخهم على عدم التدبر إلى توبيخهم على ظلمة ~~القلوب وقسوتها حتى لا تقبل التفكر والتدبر والمعنى: بل قلوبهم قاسية ~~مظلمة كأنها مكبلة بالأقفال الحديدية فلا ينفذ إليها نور ولا إيمان ~~قال الرازي: إن القلب خلق للمعرفة فإذا لم تكن فيه المعرفة فكأنه غير ~~موجود، وهذا كما يقول القائل في الإنسان المؤذي: هذا ليس بإنسان هذا ~~وحش، وهذا ليس بقلب هذا حجر { إن الذين ارتدوا على ~~أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى } أي رجعوا ~~إلى الكفر بعد الإيمان، وبعد أن وضح لهم طريق الهدى بالدلائل الظاهرة ~~والمعجزات الواضحة { الشيطان سول لهم وأملى لهم } أي ~~الشيطان زين لهم ذلك الأمر، وغرهم وخدعهم بالأمل، وطول الأجل { ~~ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله } ~~أي ذلك الإضلال بسبب أنهم قالوا لليهود الذين كرهوا القرآن الذي نزله ~~الله حسدا وبغيا { سنطيعكم في بعض الأمر } أي سنطيعكم في ~~بعض ما تأمروننا به كالقعود عن الجهاد، وتثبيط المسلمين عنه وغير ذلك { ~~والله يعلم إسرارهم } أي وهو جل وعلا يعلم خفاياهم، وما ~~يبطنونه من الكيد والدس والتآمر على الإسلام والمسلمين قال المفسرون: ~~قال المنافقون لليهود ذلك سرا فأظهره الله تعالى وفضحهم { فكيف ~~إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم } أي فكيف يكون حالهم حين تحضرهم ملائكة ms1447 العذاب لقبض ~~أرواحهم ومعهم مقامع من حديد يضربون بها وجوههم وظهورهم؟ قال القرطبي: ~~والمعنى على التخويف والتهديد أي إن تأخر عنهم العذاب فإلى انقضاء ~~العمر قال ابن عباس: لا يتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة في وجهه ~~وفي دبره { ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله ~~وكرهوا رضوانه } أي ذلك العذاب بسبب أنهم سلكوا طريق النفاق ~~وكرهوا ما يرضي الله من الإيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات { ~~فأحبط أعمالهم } أي أبطل ما عملوه حال إيمانهم من أعمال البر ~~{ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج ~~الله أضغانهم }؟ أي أيعتقد المنافقون الذين في قلوبهم شك ونفاق ~~أن الله لن يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟ وأنه لن يظهر بغضهم وأحقادهم على ~~الإسلام والمسلمين؟ لا بد أن يفضحهم ويكشف أمرهم { ولو نشآء ~~لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم } أي لو أردنا لأريناك يا ~~محمد أشخاصهم فعرفتهم عيانا بعلامتهم ولكن الله ستر عليهم إبقاء ~~عليهم وعلى أقاربهم من المسلمين لعلهم يتوبون { ولتعرفنهم في ~~لحن القول } أي ولتعرفن يا محمد المنافقين من فحوى كلامهم ~~وأسلوبه، فيما يعرضونه بك من القول الذي ظاهره إيمان وإسلام وباطنه كفر ~~ومسبة قال الكلبي: لم يتكلم بعد نزولها عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~منافق إلا عرفه { والله يعلم أعمالكم } أي لا يخفى عليه ~~شيء من أعمالكم فيجازيكم بحسب قصدكم، ففيه وعد ووعيد { ~~ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين } أي ولنختبرنكم أيها الناس بالجهاد وغيره من ~~التكاليف الشاقة حتى نعلم - علم ظهور - المجاهدين في سبيل الله، ~~والصابرين على مشاق الجهاد { ونبلوا أخباركم } أي ونختبر ~~أعمالكم حسنها وقبيحها قال في التسهيل: المراد بقوله { حتى نعلم ~~} أي نعلمه علما ظاهرا في الوجود تقوم به الحجة عليكم، وقد علم الله ~~الأشياء قبل كونها، ولكنه أراد إقامة الحجة على عباده بما يصدر منهم، ~~وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبتلنا فإنك ~~إذا ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا { إن الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله } أي جحدوا بآيات الله ومنعوا الناس عن ~~الدخول ms1448 في الإسلام { وشآقوا الرسول من بعد ما تبين ~~لهم الهدى } أي عادوا الرسول وخرجوا عن طاعته من بعد ما ظهر لهم ~~صدقه وأنه رسول الله بالحجج والآيات { لن يضروا الله شيئا ~~وسيحبط أعمالهم } أي لن يضروا الله بكفرهم وصدهم شيئا من ~~الضرر، وسيبطل أعمالهم من صدقة ونحوها فلا يرون لها في الآخرة ثوابا { ~~يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول } أي امتثلوا أوامر الله وأوامر رسوله { ولا تبطلوا ~~أعمالكم } أي ولا تبطلوا أعمالكم بما أبطل به هؤلاء أعمالهم من ~~الكفر والنفاق، والعجب والرياء { إن الذين كفروا وصدوا ~~عن سبيل الله } أي جحدوا بآيات الله وصدوا الناس عن طريق الهدى ~~والإيمان { ثم ماتوا وهم كفار } أي وماتوا على الكفر { ~~فلن يغفر الله لهم } أي فلن يغفر الله لهم بحال من الأحوال، ~~وهذا قطع بأن من مات على الكفر لا يغفر الله له لقوله تعالى # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء: 48] قال أبو السعود: وهذا حكم يعم كل من مات على الكفر، وإن ~~صح نزوله في أصحاب القليب { فلا تهنوا وتدعوا إلى ~~السلم } أي فلا تضعفوا وتدعوا إلى المهادنة والصلح مع الكفار إذا ~~لقيتموهم { وأنتم الأعلون } أي وأنتم الأعزة الغالبون لأنكم ~~مؤمنون { والله معكم } أي والله معكم بالعون والنصر { ولن ~~يتركم أعمالكم } أي لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم قال ابن ~~كثير: وفي قوله { والله معكم } بشارة عظيمة بالنصر والظفر على ~~الأعداء { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } أي ما ~~الحياة الدنيا إلا زائلة فانية، لا قرار لها ولا ثبات، كاللعب واللهو ~~الذي يتلهى به الأولاد قال شيخ زاده: بين تعالى أن الدنيا وما فيها من ~~الحظوظ العاجلة، لا يصلح مانعا من الإقدام إلى الجهاد، وما يؤدي إلى ~~ثواب الآخرة، لكونها بمنزلة اللهو واللعب في سرعة زوالها، وأن الآخرة هي ~~الحياة الباقية، فلا ينبغي أن يكون حب الدنيا والحرص على ما فيها من ~~اللذات والشهوات سببا للجبن عن الغزو والتخلف عن الجهاد { وإن ~~تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } أي وإن تؤمنوا بالله ms1449 ~~وتتقوه حق تقواه، يعطكم ثواب أعمالكم كاملا { ولا يسألكم ~~أموالكم } أي ولا يطلب منكم أن تنفقوا جميع أموالكم، بل الزكاة ~~المفروضة فيها قال ابن كثير: أي هو غني عنكم لا يطلب منكم شيئا، وإنما ~~فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساة لإخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك ~~وثوابه عليكم { إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا } أي إن ~~يسألكم جميع أموالكم ويبالغ في طلبها، ويلح عليكم في إنفاقها تبخلوا { ~~ويخرج أضغانكم } أي ويخرج ما في قلوبكم من البخل وكراهة ~~الإنفاق قال في التسهيل: وذلك لأن الإنسان جبل على محبة الأموال، ومن ~~نوزع في حبيبه ظهرت سرائره، فمن رحمته تعالى على عباده عدم التشديد عليهم ~~في التكاليف { ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في ~~سبيل الله } أي ها أنتم معشر المخاطبين تدعون للإنفاق في سبيل ~~الله، وقد كلفتم ما تطيقون { فمنكم من يبخل } أي فمنكم من يشح ~~عن الإنفاق ويمسك عنه { ومن يبخل فإنما يبخل عن ~~نفسه } أي ومن بخل عن الإنفاق في سبيل الله فإنما يعود ضرر بخله ~~على نفسه، لأنه يمنعها الأجر والثواب قال الصاوي: وبخل يتعدى ب " على " ~~إذا ضمن معنى شح، وب " عن " إذا ضمن معنى أمسك { والله ~~الغني وأنتم الفقرآء } أي والله مستغن عن إنفاقكم ليس ~~بمحتاج إلى أموالكم، وأنتم محتاجون إليه { وإن تتولوا ~~يستبدل قوما غيركم } أي وإن تعرضوا عن طاعته واتباع ~~أوامره، يخلف مكانكم قوما آخرين يكونون أطوع لله منكم { ثم لا ~~يكونوا أمثالكم } أي لا يكونون مثلكم في البخل عن الإنفاق بل ~~يكونوا كرماء أسخياء. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- المقابلة بين الآية الأولى والثانية # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل ~~أعمالهم # [محمد: 1] وبين # والذين آمنوا وعملوا الصالحات.. # [محمد: 2] الآية وهو من المحسنات البديعية. # 2- ذكر الخاص بعد العام # وآمنوا بما نزل على محمد # [محمد: 2] والنكتة تعظيمه والاعتناء بشأنه. # 3- الاستعارة التبعية # تضع الحرب أوزارها # [محمد: 4] شبه ترك القتال بوضع آلته، واشتق من الوضع " تضع " بمعنى ~~تنتهي وتترك بطريق الاستعارة التبعية. # 4- المجاز المرسل # ويثبت ms1450 أقدامكم # [محمد: 7] أطلق الجزء وأراد الكل أي يثبتكم، وعبر بالأقدام لأن الثبات ~~والتزلزل يظهران فيها وهو مثل # فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]. # 5- الطباق بين { منا.. و فدآء } وبين { آمنوا..و كفروا } ~~وبين { الغني.. و الفقرآء }. # 6- المجاز العقلي { فإذا عزم الأمر } نسب العزم إلى الأمر وهو ~~لأهله مثل نهاره صائم. # 7- الالتفات { فهل عسيتم إن توليتم } وهو التفات من ~~الغيبة إلى الخطاب لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع. # 8- الاستعارة التصريحية { أم على قلوب أقفالهآ } شبه ~~قلوبهم بالأبواب المقفلة، فإنها لا تنفتح لوعظ واعظ، ولا يفيد فيها عذل ~~عاذل، وهي من لطائف الاستعارات. # 9- الإطناب بتكرار ذكر الأنهار # فيهآ أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين.. # [محمد: 15] الآية وذلك لزيادة التشويق إلى نعيم الجنة. # 10- الكناية { ارتدوا على أدبارهم } كناية عن الكفر بعد ~~الإيمان. # 11- السجع الرصين غير المتكلف { أضل أعمالهم } { ~~واتبعوا أهواءهم } { وأعمى أبصارهم } الخ وهو ~~من المحسنات البديعية. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-17] # اللغة: { السكينة } السكون والطمأنينة والثبات { السوء } ~~المساءة والحزن والألم قال الجوهري: ساءه سوءا بالفتح ومساءة نقيض ~~سره، والإسم السوء بالضم، ودائرة السوء يعني الهزيمة والشر، ومن ~~فتح فهو من المساءة { تعزروه } تعظموه وتنصروه وتمنعوا الأذى عنه، ~~وسمي التعزيز في الحدود تعزيزا لأنه مانع من فعل القبيح { نكث } ~~نقض البيعة والعهد { بورا } هلكى قال الجوهري: البور: الرجل الفاسد ~~الهالك الذي لا خير فيه، و " قوما بورا " جمع بائر، وبار فلان أي هالك ~~{ حرج } إثم وذنب. # سبب النزول: عن ابن عباس قال: تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أعراب المدينة حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان استنفرهم ~~معه حذرا من قريش، وأحرم بعمرة وساق معه الهدي ليعلم الناس أنه لا ~~يريد حربا، فتثاقلوا عنه واعتلوا بالشغل فنزلت { سيقول لك ~~المخلفون من الأعراب شغلتنآ أموالنا وأهلونا ~~فاستغفر لنا.. } الآية. # التفسير: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } أي قد فتحنا لك ~~يا محمد مكة فتحا بينا ظاهرا، وحكمنا لك بالفتح المبين على أعدائك، ~~والمراد بالفتح فتح ms1451 مكة، وعده الله به قبل أن يكون، وذكره بلفظ الماضي ~~لتحققه، وكانت بشارة عظيمة من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين قال الزمخشري: ~~هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام ~~الحديبية، وهو وعد له بالفتح، وجيء به بلفظ الماضي على عادة رب العزة ~~سبحانه في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ~~ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن الفتح ما لا يخفى { ليغفر ~~لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } أي ليغفر لك ~~ربك يا محمد جميع ما فرط منك من ترك الأولى قال أبو السعود: وتسميته ~~ذنبا بالنظر إلى منصبه الجليل وقال ابن كثير: هذا من خصائصه صلى الله ~~عليه وسلم التي لا يشاركه فيها غيره، وفيه تشريف عظيم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذ هو أكمل البشر على الإطلاق، وسيدهم في الدنيا ~~والآخرة، وهو في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها ~~بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، ولما كان أطوع خلق الله بشره ~~الله بالفتح المبين، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر { ويتم ~~نعمته عليك } أي ويكمل نعمته عليك بإعلاء الدين ورفع مناره { ~~ويهديك صراطا مستقيما } أي ويرشدك إلى الطريق القويم، ~~الموصل إلى جنات النعيم؛ بما يشرعه لك من الدين العظيم { وينصرك ~~الله نصرا عزيزا } أي وينصرك الله على أعدائك نصرا قويا ~~منيعا، فيه عزة وغلبة، يجمع لك به بين عز الدنيا والآخرة { هو ~~الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } أي هو جل ~~وعلا الذي جعل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين { ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم } أي ليزدادوا يقينا مع يقينهم، وتصديقا ~~مع تصديقهم، برسوخ العقيدة في القلوب، والتوكل على علام الغيوب { ~~ولله جنود السموت والأرض } أي ولله - جلت عظمته - ~~كل جنود السماوات والأرض، من الملائكة والجن، والحيوانات، والصواعق ~~المدمرة، والزلازل، والخسف، والغرق، جنود لا تحصى ولا تغلب، يسلطها ~~على من يشاء قال ابن كثير: ولو أرسل عليهم ملكا واحدا لأباد ms1452 خضراءهم، ~~ولكنه تعالى شرع لعباده الجهاد، لما له في ذلك من الحجة القاطعة والحكمة ~~البالغة ولذلك قال { وكان الله عليما حكيما } أي عليما ~~بأحوال خلقه، حكيما في تقديره وتدبيره قال المفسرون: أراد بإنزال ~~السكينة في قلوب المؤمنين " أهل الحديبية " حين بايعوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على مناجزة الحرب مع أهل مكة، بعد أن حصل لهم ما يزعج ~~النفوس ويزيغ القلوب، من صد الكفار لهم عن دخول مكة، ورجوع الصحابة دون ~~بلوغ مقصود، فلم يرجع منهم أحد عن الإيمان، بعد أن هاج الناس وماجوا، ~~وزلزلوا حتى جاء عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ألست ~~نبي الله حقا؟ قال: بلى، قال ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال ~~بلى، قال: فلم نعط الدنية في ديننا إذن؟ قال إني رسول الله وليست ~~أعصيه وهو ناصري. # .الخ. { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها } أي ليدخلهم - على طاعتهم ~~وجهادهم - حدائق وبساتين ناضرة، تجري من تحتها أنهار الجنة ماكثين فيها ~~أبدا { ويكفر عنهم سيئاتهم } أي ويمحو عنهم خطاياهم ~~وذنوبهم { وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } أي وكان ذلك ~~الإدخال في الجنات والتكفير عن السيئات، فوزا كبيرا وسعادة لا مزيد ~~عليها، إذ ليس بعد نعيم الجنة نعيم { ويعذب المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات } أي وليعذب الله ~~أهل النفاق والإشراك، وقدمهم على المشركين لأنهم أعظم خطرا وأشد ~~ضررا من الكفار المجاهرين بالكفر { الظآنين بالله ظن ~~السوء } أي الظانين بربهم أسوأ الظنون، ظنوا أن الله تعالى لن ينصر ~~رسوله والمؤمنين، وأن المشركين يستأصلونهم جميعا كما قال تعالى { بل ~~ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى ~~أهليهم أبدا } قال القرطبي: ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يرجع إلى المدينة ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية { ~~عليهم دآئرة السوء } دعاء عليهم أي عليهم ما يظنونه ~~ويتربصونه بالمؤمنين من الهلاك والدمار { وغضب الله عليهم ~~ولعنهم } أي سخط تعالى عليهم بكفرهم ونفاقهم، وأبعدهم عن رحمته { ~~وأعد لهم جهنم وسآءت مصيرا ms1453 } أي وهيأ لهم في الآخرة ~~نارا مستعرة هي نار جهنم، وساءت مرجعا ومنقلبا لأهل النفاق والضلال { ~~ولله جنود السموت والأرض } تأكيد للانتقام من الأعداء ~~أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين قال الرازي: كرر اللفظ لأن جنود ~~الله قد يكون إنزالهم للرحمة، وقد يكون للعذاب، فذكرهم أولا لبيان ~~الرحمة بالمؤمنين وثانيا لبيان إنزال العذاب عل الكافرين { وكان ~~الله عزيزا حكيما } أي عزيزا في ملكه وسلطانه، حكيما في صنعه ~~وتدبيره قال الصاوي: ذكر هذه الآية أولا في معرض الخلق والتدبير ~~فذيلها بقوله # عليما حليما # [الأحزاب: 51] وذكرها ثانيا في معرض الانتقام فذيلها بقوله { ~~عزيزا حكيما } وهو في منتهى الترتيب الحسن، لأنه تعالى ينزل جنود ~~الرحمة لنصرة المؤمنين، وجنود العذاب لإهلاك الكافرين.. ثم امتن تعالى ~~على رسوله الكريم بتشريفه بالرسالة، وبعثه إلى كافة الخلق فقال { إنآ ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } أي: إنا أرسلناك يا ~~محمد شاهدا على الخلق يوم القيامة، ومبشرا للمؤمنين بالجنة، ومنذرا ~~للكافرين من عذاب النار { لتؤمنوا بالله ورسوله } أي ~~أرسلنا الرسول لتؤمنوا أيها الناس بربكم ورسولكم حق الإيمان، إيمانا ~~عن اعتقاد ويقين، لا يخالطه شك ولا ارتياب { وتعزروه } أي تفخموه ~~وتعظموه { وتوقروه } أي تحترموا وتجلوا أمره مع التعظيم ~~والتكريم، والضمير فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم { وتسبحوه ~~بكرة وأصيلا } أي تسبحوا ربكم في الصباح والمساء، ليكون القلب ~~متصلا بالله في كل آن، ثم قال تعالى { إن الذين يبايعونك ~~إنما يبايعون الله } أي إن الذين يبايعونك يا محمد في ~~الحديبية " بيعة الرضوان " إنما يبايعون في الحقيقة الله، وهذا تشريف ~~للنبي صلى الله عليه وسلم حيث جعل مبايعته بمنزلة مبايعة الله، لأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم سفير ومعبر عن الله قال المفسرون: المراد ~~بالبيعة هنا بيعة الرضوان بالحديبية، حين بايع الصحابة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على الموت كما روى الشيخان عن سلمة ابن الأكوع أنه قال: " ~~بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت " وسميت " بيعة الرضوان " ~~لقول الله فيها # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة # [الفتح: ms1454 18] { يد الله فوق أيديهم } قال ابن كثير: أي هو ~~تعالى حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، ~~فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله صلى لله عليه وسلم وقال الزمخشري: يريد ~~أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تعلو أيدي المبايعين هي يد ~~الله، والمعنى أن من بايع الرسول فقد بايع الله كقوله تعالى # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } أي ~~فمن نقض البيعة فإنما يعود ضرر نكثه عليه، لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها ~~العقاب بنقضه العهد والميثاق الذي عاهد به ربه { ومن أوفى بما ~~عاهد عليه الله } أي ومن وفى بعهده { فسيؤتيه أجرا ~~عظيما } أي فسيعطيه الله ثوابا جزيلا، وهو الجنة دار الأبرار { ~~سيقول لك المخلفون من الأعراب } أي سيقول لك يا محمد ~~المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج معك عام الحديبية من أعراب المدينة { ~~شغلتنآ أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا } أي شغلنا ~~عن الخروج معك بالأموال والأولاد، فاطلب لنا من الله المغفرة، لأن تخلفنا ~~لم يكن باختيار بل عن اضطرار قال في التسهيل: سماهم تعالى بالمخلفين ~~لأنهم تخلفوا عن غزوة الحديبية، - والأعراب هم أهل البوادي من العرب - ~~لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة يعتمر، رأوا أنه يستقبل ~~عدوا كثيرا من قريش وغيرهم فقعدوا عن الخروج معه، ولم يكن إيمانهم ~~متمكنا فظنوا أنه لا يرجع هو والمؤمنون من ذلك السفر، ففضحهم الله في ~~هذه السورة وأعلم تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقولهم واعتذارهم قبل ~~أن يصل إليهم، وأعلمه أنهم كاذبون في اعتذارهم { يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } اي يقولون خلاف ما ~~يبطنون وهذا هو النفاق المحض، فهم كاذبون في الاعتذار وطلب الاستغفار، ~~لأنهم قالوه رياء من غير صدق ولا توبة { قل فمن يملك لكم ~~من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم ~~نفعا }؟ أي قل لهم: من يمنعكم من مشيئة الله وقضائه، إن أراد أن ~~يلحق بكم أمرا يضركم كالهزيمة، أو أمرا ينفعكم كالنصر ms1455 والغنيمة؟ قال ~~القرطبي: وهذا رد عليهم حين ظنوا ان التخلف عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع { بل كان الله بما ~~تعملون خبيرا } أي ليس الأمر كما زعمتم بل الله مطلع على ما في ~~قلوبكم من الكذب والنفاق، ثم أظهر تعالى ما يخفونه في نفوسهم فقال { بل ~~ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى ~~أهليهم أبدا } أي بل ظننتم أيها المنافقون أن محمدا وأصحابه لن ~~يرجعوا إلى المدينة أبدا { وزين ذلك في قلوبكم } أي ~~وزين ذلك الضلال في قلوبكم { وظننتم ظن السوء } أي ظننتم ~~أنهم يستأصلون بالقتل، ولا يرجع منهم أحد { وكنتم قوما بورا } ~~أي وكنتم قوما هالكين عند الله، مستوجبين لسخطه وعقابه { ومن لم ~~يؤمن بالله ورسوله } لما بين حال المتخلفين عن رسول الله، ~~وبين حال ظنهم الفاسد، وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر، حرضهم على ~~الإيمان والتوبة على سبيل العموم والمعنى من لم يؤمن بالله ورسوله بطريق ~~الإخلاص والصدق { فإنآ أعتدنا للكافرين سعيرا } أي ~~فإنا هيأنا للكافرين نارا شديدة مستعرة، وهو وعيد شديد للمنافقين { ~~ولله ملك السموت والأرض } أي له جل وعلا جميع ما في ~~السماوات والأرض، يتصرف في الكل كيف يشاء { يغفر لمن يشآء ~~ويعذب من يشآء } أي يرحم من يشاء من عباده ويعذب من يشاء، ~~وهذا قطع لطمعهم في استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم { وكان ~~الله غفورا رحيما } أي واسع المغفرة عظيم الرحمة { سيقول ~~المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } ~~أي سيقول الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله في عمرة الحديبية، عند ~~ذهابكم إلى مغانم خيبر لتحصلوا عليها { ذرونا نتبعكم } أي ~~اتركونا نخرج معكم إلى خيبر لنقاتل معكم { يريدون أن يبدلوا ~~كلام الله } أي يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعده لأهل ~~الحديبية من جعل غنائم خيبر لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد قال القرطبي: ~~إن الله تعالى جعل لأهل الحديبية غنائم خيبر عوضا عن فتح مكة إذ رجعوا ~~من الحديبية على صلح { قل لن تتبعونا } أي قل ms1456 لهم لا تتبعونا ~~فلن يكون لكم فيها نصيب { كذلكم قال الله من قبل } أي ~~كذلكم حكم الله تعالى بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها ~~نصيب قبل رجوعنا منها { فسيقولون بل تحسدوننا } أي ~~فسيقولون ليس هذا من الله بل هو حسد منكم لنا على مشاركتكم في الغنيمة، ~~قال تعالى ردا عليهم { بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ~~} أي لا يفهمون إلا فهما قليلا وهو حرصهم على الغنائم وأمور الدنيا { ~~قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم ~~أولي بأس شديد } أي قل لهؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية ~~كرر وصفهم بهذا الإسم إظهارا لشناعته ومبالغة في ذمهم - ستدعون ~~إلى حرب قوم أشداء، هم بنو حنيفة - قوم مسيلمة الكذاب - أصحاب الردة { ~~تقاتلونهم أو يسلمون } أي إما أن تقتلوهم أو يدخلوا في ~~دينكم بلا قتال { فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا } ~~أي فإن تستجيبوا وتخرجوا لقتالهم يعطكم الله الغنيمة والنصر في الدنيا، ~~والجنة في الآخرة { وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما } أي وإن تتخلفوا عن الخروج كما تخلفتم ~~زمن الحديبية، يعذبكم الله عذابا شديدا مؤلما في نار جهنم. # . ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد فقال { ليس على الأعمى ~~حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } ~~أي ليس على هؤلاء إثم أو ذنب في ترك الخروج للجهاد لما بهم من الأعذار ~~الظاهرة { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار } أي من يطع أمر الله وأمر الرسول يدخله جنات ~~النعيم خالدا فيها { ومن يتول يعذبه عذابا أليما } ~~أي ومن ينكل عن الجهاد لغير عذر يعذبه الله عذابا شديدا، في الدنيا ~~بالمذلة وفي الآخرة بالنار. ### || [48.18-29] # المناسبة: لما ذكر تعالى حال المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر تعالى حال المؤمنين المجاهدين الذين ~~بايعوا الرسول " بيعة الرضوان " تسجيلا لرضى الله تعالى عنهم، وتخليدا ~~لمآثرهم الكريمة، وختم السورة الكريمة بالثناء على الصحابة الأبرار، ~~بأبلغ ثناء وأكرم تمجيد. # اللغة: { أظفركم } أظهركم وأعلاكم، ms1457 ظفر بالشيء غلب عليه، وأظفره ~~غلبه { معكوفا } محبوسا ومنه الاعتكاف { معرة } المعرة: ~~العيب والمشقة اللاصقة بالإنسان من العر وهو الجرب { تزيلوا } ~~تميزوا { الحمية } الأنفة والغضب الشديد { سيماهم } علامتهم ~~{ شطأه } الشطء: الفراخ قال الجوهري: شطء الزرع والنبات فراخه ~~والجمع أشطاء { آزره } قواه وأعانه وشده. # سبب النزول: عن أنس رضي الله عنه أن ثمانين من أهل مكة هبطوا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم من التنعيم متسلحين يريدون الغدر به وبأصحابه ~~فأخذناهم أسرى فأنزل الله تعالى { وهو الذي كف أيديهم ~~عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة... } الآية. # التفسير: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة } اللام موطئة لقسم محذوف أي والله ~~لقد رضي الله عن المؤمنين حين بايعوك يا محمد " بيعة الرضوان " تحت ظل ~~الشجرة بالحديبية قال المفسرون: كان سبب هذه البيعة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما بلغ الحديبية أرسل عثمان بن عفان إلى أهل مكة يخبرهم ~~أنه إنما جاء معتمرا، وأنه لا يريد حربا، فلما ذهب عثمان حبسوه عندهم، ~~وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة على أن يدخلوا مكة ~~حربا، وبايعوه على الموت، فكانت بيعة الرضوان، فلما بلغ المشركين ذلك ~~أخذهم الرعب وأطلقوا عثمان وطلبوا الصلح من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أن يأتي في العام القابل، ويدخلها ويقيم فيها ثلاثة أيام، وكانت هذه ~~البيعة تحت شجرة سمرة بالحديبية وقد سميت " بيعة الرضوان " ولما رجع ~~المسلمون يعلوهم الحزن والكآبة، أراد الله تسليتهم وإذهاب الحزن عنهم ~~فأنزل هذه السورة على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد مرجعه من الحديبية # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # [الفتح: 1] وكان عدد الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفا ~~وأربعمائة رجل، وفيهم نزلت الآية الكريمة { لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } ولم يتخلف عن ~~البيعة إلا " الجد ابن قيس " من المنافقين، وحضر هذه البيعة روح القدس ~~جبريل الأمين، ولهذا ms1458 سطرت في الكتاب المبين { فعلم ما في ~~قلوبهم } أي فعلم تعالى ما في قلوبهم من الصدق والوفاء، عند ~~مبايعتهم لك على حرب الأعداء { فأنزل السكينة عليهم } أي ~~رزقهم الطمأنينة وسكون النفس عند البيعة { وأثابهم فتحا ~~قريبا } أي وجازاهم على بيعة الرضوان بفتح خيبر، وما فيها من النصر ~~والغنائم، زيادة على ثواب الآخرة { ومغانم كثيرة ~~يأخذونها } أي وجعل لهم الغنائم الكثيرة التي غنموها من خيبر قال ~~ابن كثير: هو ما أجرى الله عز وجل على أيديهم من الصلح بينهم وبين ~~أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام بفتح خبير، ثم فتح سائر البلاد ~~والأقاليم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا ~~قال تعالى { وكان الله عزيزا حكيما } أي غالبا على أمره، ~~حكيما في تدبيره وصنعه، ولهذا نصركم عليهم وغنمكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } أي ~~وعدكم الله معشر المؤمنين - على جهادكم وصبركم - الفتوحات الكثيرة، ~~والغنائم الوفيرة تأخذونها من أعدائكم، قال ابن عباس: هي المغانم التي ~~تكون إلى يوم القيامة قال في البحر: ولقد اتسع نطاق الإسلام، وفتح ~~المسلمون فتوحا لا تحصى، وغنموا مغانم لا تعد وذلك في شرق البلاد ~~وغربها، حتى في الهند والسودان - تصديقا لوعده تعالى - وقدم علينا أحد ~~ملوك غانة من بلاد التكرور، وقد فتح أكثر من خمسة وعشرين مملكة من بلاد ~~السودان، وأسلموا معه وقدم علينا ببعض ملوكهم يحج معه { فعجل لكم ~~هذه } أي فعجل لكم غنائم خيبر بدون جهد وقتال { وكف أيدي ~~الناس عنكم } أي ومنع أيدي الناس أن تمتد إليكم بسوء قال ~~المفسرون: المراد أيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان، حين جاءوا ~~لنصرتهم فقذف الله في قلوبهم الرغب { ولتكون آية للمؤمنين ~~} أي ولتكون الغنائم، وفتح مكة، ودخول المسجد الحرام علامة واضحة تعرفون ~~بها صدق الرسول فيما أخبركم به عن الله { ويهديكم صراطا ~~مستقيما } أي ويهديكم تعالى إلى الطريق القويم، الموصل إلى جنات ~~النعيم بجهادكم وإخلاصكم قال الإمام الفخر: والآية للإشارة إلى أن ~~ما أعطاهم من الفتح والمغانم، ms1459 ليس هو كل الثواب، بل الجزاء أمامهم، ~~وإنما هي شيء عاجل عجله لهم لينتفعوا به، ولتكون آية لمن بعدهم من ~~المؤمنين، تدل على صدق وعد الله في وصول ما وعدهم به كما وصل إليكم { ~~وأخرى لم تقدروا عليها } أي وغنيمة أخرى يسرها لكم، ~~لم تكونوا بقدرتكم تستطيعون عليها، ولكن الله بفضله وكرمه فتحها لكم، ~~والمراد بها فتح مكة { قد أحاط الله بها } أي قد استولى الله ~~عليها بقدرته ووهبها لكم، فهي كالشيء المحاط به من جوانبه محبوس لكم لا ~~يفوتكم { وكان الله على كل شيء قديرا } أي قادرا على ~~كل شيء، لا يعجزه شيء أبدا، فهو القادر على نصرة أوليائه، وهزم أعدائه ~~قال ابن كثير: المعنى أي وغنيمة أخرى وفتحا آخر معينا، لم تكونوا ~~تقدرون عليها، قد يسرها الله عليكم وأحاط بها لكم، فإنه تعالى يرزق ~~عباده المتقين من حيث لا يحتسبون والمراد بها في هذه الآية " فتح مكة " ~~وهو اختيار الطبري { ولو قتلكم الذين كفروا لولوا ~~الأدبار } تذكير لهم بنعمة أخرى أي ولو قاتلكم أهل مكة ولم يقع ~~الصلح بينكم وبينهم، لغلبوا وانهزموا أمامكم ولم يثبتوا { ثم لا ~~يجدون وليا ولا نصيرا } أي ثم لا يجدون من يتولى أمرهم ~~بالحفظ والرعاية، ولا من ينصرهم من عذاب الله { سنة الله التي ~~قد خلت من قبل } أي تلك طريقة الله وعادته التي سنها فيمن ~~مضى من الأمم، من هزيمة الكافرين ونصر المؤمنين قال في البحر: أي سن ~~الله لأنبيائه ورسله سنة قديمة وهي قوله # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21] { ولن تجد لسنة الله تبديلا } أي وسنته ~~تعالى لا تتبدل ولا تتغير { وهو الذي كف أيديهم ~~عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة } أي وهو تعالى بقدرته ~~وتدبيره صرف أيدي كفار مكة عنكم كما صرف عنهم أيديكم بالحديبية التي هي ~~قريبة من البلد الحرام قال ابن كثير: هذا امتنان من الله تعالى على ~~عباده المؤمنين، حين كف أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إليهم منهم سوء، ~~وكف أيدي المؤمنين عن المشركين فلم يقاتلوهم عند ms1460 المسجد الحرام، بل صان ~~كلا من الفريقين وأوجد بينهم صلحا، فيه خيرة للمؤمنين وعاقبة لهم في ~~الدنيا والآخرة { من بعد أن أظفركم عليهم } أي من بعد ~~ما أخذتموهم أسارى وتمكنتم منهم قال الجلال: وذلك أن ثمانين من المشركين ~~طافوا بعسكر المؤمنين ليصيبوا منهم، فأخذوا وأتي بهم إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم، فكان ذلك سبب الصلح وقال في ~~التسهيل: وروي في سببها أن جماعة من فتيان قريش خرجوا إلى الحديبية، ~~ليصيبوا من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث إليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في جماعة من المسلمين فهزموهم وأسروا ~~منهم قوما، وساقوهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم، فكف ~~أيدي الكفار هو هزيمتهم وأسرهم، وكف أيدي المؤمنين عن الكفار هو ~~إطلاقهم من الأسر وسلامتهم من القتل { وكان الله بما ~~تعملون بصيرا } أي هو تعالى بصير بأعمالكم وأحوالكم، يعلم ما فيه ~~مصلحة لكم، ولذلك حجزكم عن الكافرين رحمة بكم، وحرمة لبيته العتيق لئلا ~~تسفك فيه الدماء.. ثم ذكر تعالى استحقاق المشركين للعذاب والدمار فقال { ~~هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام } أي ~~هم كفار قريش المعتدون الذين كفروا بالله والرسول، ومنعوا المؤمنين عن ~~دخول المسجد الحرام لأداء مناسك العمرة عام الحديبية { والهدي ~~معكوفا أن يبلغ محله } أي وصدوا الهدي أيضا - وهو ما ~~يهدى لبيت الله لفقراء الحرم - معكوفا أي محبوسا عن أن يبلغ مكانه ~~الذي يذبح فيه وهو الحرم قال القرطبي: يعني قريشا منعوا المسلمين من ~~دخول المسجد الحرام عام الحديبية، حين أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مع أصحابه بالعمرة، ومنعوا الهدي وحبسوه عن أن يبلغ محله، وهذا كانوا لا ~~يعتقدونه، ولكنه حملتهم الأنفة ودعتهم الحمية الجاهلية على أن يفعلوا ما ~~لا يعتقدونه دينا، فوبخهم الله على ذلك وتوعدهم عليه، وأدخل الأنس على ~~رسول الله ببيانه ووعده { ولولا رجال مؤمنون ونسآء ~~مؤمنات } أي ولولا أن في مكة رجالا ونساء من المؤمنين ~~المستضعفين، الذين يخفون إيمانهم ms1461 خوفا من المشركين { لم ~~تعلموهم } أي لا تعرفونهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين { أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم } أي ~~كراهة أن توقعوا بهم وتقتلوا منهم دون علم منكم بإيمانهم، فينالكم ~~بقتلهم إثم وعيب وجواب " لولا " محذوف تقديره: لأذن لكم في دخول مكة، ~~ولسلطكم على المشركين قال الصاوي: والجواب محذوف قدره الجلال بقوله: ~~لأذن لكم في الفتح، ومعنى الآية: لولا كراهة أن تهلكوا أناسا مؤمنين ~~بين أظهر الكفار، حال كونكم جاهلين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف ~~أيديكم عنهم، ولأذن لكم في فتح مكة { ليدخل الله في رحمته ~~من يشآء } أي إنما فعل ذلك ليخلص المؤمنين من بين أظهر المشركين، ~~وليرجع كثير منهم إلى الإسلام قال القرطبي: أي لم يأذن الله لكم في ~~قتال المشركين، ليسلم بعد الصلح من قضى أن يسلم من أهل مكة، وكذلك كان، ~~أسلم الكثير منهم وحسن إسلامه، ودخلوا في رحمته وجنته { لو ~~تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا ~~أليما } أي لو تفرقوا وتميز بعضهم عن بعض، وانفصل المؤمنون عن ~~الكفار، لعذبنا الكافرين منهم أشد العذاب، بالقتل والسبي والتشريد من ~~الأوطان { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ~~} أي حين دخل إلى قلوب الكفار الأنفة والكبرياء بالباطل، فرفضوا أن ~~يكتبوا في كتاب الصلح " بسم الله الرحمن الرحيم " ورفضوا أن يكتبوا " ~~محمد رسول الله " وقولهم: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك ولكن اكتب ~~اسمك واسم أبيك { حمية الجاهلية } أي أنفة وغطرسة وعصبية ~~جاهلية { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين } أي جعل الطمأنينة والوقار في قلب الرسول والمؤمنين، ولم ~~تلحقهم العصبية الجاهلية كما لحقت المشركين { وألزمهم كلمة ~~التقوى } أي اختار لهم كلمة التقوى - إلزام تكريم وتشريف - وهي ~~كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " هذا قول الجمهور، والظاهر: أن المراد ~~بكلمة التقوى هي إخلاصهم وطاعتهم لله ورسوله، وعدم شق عصا الطاعة عندما ~~كتبت بنود الصلح، وكانت مجحفة بحقوق المسلمين في الظاهر، فثبت الله ~~المؤمنين على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في هذا الصلح كل ~~الخير للمسلمين ms1462 { وكانوا أحق بها وأهلها } أي وكانوا ~~أحق بهذه الفضيلة من كفار مكة، لأن الله اختارهم لدينه وصحبة نبيه { ~~وكان الله بكل شيء عليما } أي عالما بمن هو أهل للفضل، ~~فيخصه بمزيد من الخير والتكريم. # . ثم أخبر تعالى عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام - وهي ~~رؤيا حق - لأنها جزء من الوحي فقال { لقد صدق الله رسوله ~~الرءيا بالحق } اللام موطئة للقسم، و " قد " للتحقيق أي والله ~~لقد جعل الله رؤيا رسوله صادقة محققة لم يدخلها الشيطان لأنها رؤيا حق ~~قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في منامه أنه دخل ~~مكة هو وأصحابه وطافوا بالبيت، ثم حلق بعضهم وقصر بعضهم، فحدث بها ~~أصحابه ففرحوا واستبشروا، فلما خرج إلى الحديبية مع الصحابة، وصده ~~المشركون عن دخول مكة، ووقع ما وقع من قضية الصلح، ارتاب المنافقون ~~وقالوا: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا البيت، فأين هي الرؤيا؟ ~~ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء فنزلت الآية { لقد صدق الله ~~رسوله الرءيا بالحق } فأعلم تعالى أن رؤيا رسوله حق، وأنه ~~لم يكذب فيما رأى، ولكنه ليس في الرؤيا أنه يدخلها عام ست من الهجرة، ~~وإنما أراه مجرد صورة الدخول، وقد حقق الله له ذلك بعد عام فذلك قوله ~~تعالى { لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله } أي ~~لتدخلن يا محمد أنت وأصحابك المسجد الحرام بمشيئة الله { آمنين ~~محلقين رءوسكم ومقصرين } أي تدخلونها آمنين من العدو، ~~تؤدون مناسك العمرة ثم يحلق بعضكم رأسه، ويقصر بعض { لا تخافون } ~~أي غير خائفين، وليس فيه تكرار لان المراد آمنين وقت دخولكم، وحال ~~المكث، وحال الخروج { فعلم ما لم تعلموا } أي فعلم تعالى ما ~~في الصلح من الحكمة والخير والمصلحة لكم ما لم تعلموه أنتم قال ابن جزي: ~~يريد ما قدره تعالى من ظهور الإسلام في تلك المدة، فإنه لما انعقد ~~الصلح وارتفعت الحرب، رغب الناس في الإسلام، فكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في غزوة الحديبية في ألف وأربعمائة، وغزا ms1463 " غزوة الفتح " بعدها ~~بعامين ومعه عشرة آلاف { فجعل من دون ذلك فتحا قريبا } ~~أي فجعل قبل ذلك فتحا عاجلا لكم وهو " صلح الحديبية " وسمي فتحا لما ~~ترتب عليه من الآثار الجليلة، والعواقب الحميدة، ولهذا روى البخاري # " عن البراء رضي الله عنه: " تعدون أنتم الفتح " فتح مكة " وقد كان ~~فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح " بيعة الرضوان " يوم الحديبية.. " # الحديث { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق } أي هو جل وعلا الذي أرسل محمدا بالهداية التامة الشاملة ~~الكاملة، والدين الحق المستقيم دين الإسلام { ليظهره على ~~الدين كله } أي ليعليه على جميع الأديان، ويرفعه على سائر الشرائع ~~السماوية { وكفى بالله شهيدا } أي وكفى بالله شاهدا على أن ~~محمدا رسوله. # . ثم أثنى تعالى على أصحاب رسول الله بالثناء العاطر، وشهد لرسوله بصدق ~~الرسالة فقال { محمد رسول الله } أي هذا الرسول المسمى ~~محمدا هو رسول الله حقا لا كما يقول المشركون { والذين معه ~~أشدآء على الكفار رحمآء بينهم } أي وأصحابه الأبرار ~~الأخيار غلاظ على الكفار متراحمون فيما بينهم كقوله تعالى # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54] قال أبو السعود: أي يظهرون لمن خالف دينهم الشدة ~~والصلابة، ولمن وافقهم في الدين الرحمة والرأفة قال المفسرون: وذلك لأن ~~الله أمرهم بالغلظة عليهم # وليجدوا فيكم غلظة # [التوبة: 123] وقد بلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ~~ثيابهم أن تمس أبدانهم، وكان الواحد منهم إذا رأى أخاه في الدين صافحه ~~وعانقه { تراهم ركعا سجدا } أي تراهم أيها السامع راكعين ~~ساجدين من كثرة صلاتهم وعبادتهم، رهبان بالليل أسود بالنهار { ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا } أي يطلبون بعبادتهم ~~رحمة الله ورضوانه قال ابن كثير: وصفهم بكثرة الصلاة وهي خير الأعمال، ~~ووصفهم بالإخلاص لله عز وجل والاحتساب عنده بجزيل الثواب، وهو الجنة ~~المشتملة على فضل الله ورضاه { سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود } أي علامتهم وسمتهم كائنة في جباههم من كثرة السجود والصلاة ~~قال القرطبي: لاحت في وجوههم علامات التهجد بالليل وأمارات السهر، قال ~~ابن جريج: هو الوقار والبهاء، ms1464 وقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع، قال منصور ~~سألت مجاهدا عن قوله تعالى { سيماهم في وجوههم } أهو أثر ~~يكون بين عيني الرجل؟ قال: لا، ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة العنز ~~وهو أقسى قلبا من الحجارة، ولكنه نور في وجوههم من الخشوع { ذلك ~~مثلهم في التوراة } أي ذلك وصفهم في التوراة: الشدة على ~~الكفار، والرحمة بالمؤمنين، وكثرة الصلاة والسجود { ومثلهم في ~~الإنجيل كزرع أخرج شطأه } أي ومثلهم في الإنجيل كزرع ~~أخرج فراخه وفروعه { فآزره فاستغلظ } أي فقواه حتى صار ~~غليظا { فاستوى على سوقه } أي فقام الزرع واستقام على أصوله ~~{ يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار } أي يعجب هذا ~~الزرع الزراع، بقوته وكثافته وحسن منظره، ليغتاظ بهم الكفار قال الضحاك: ~~هذا مثل في غاية البيان، فالزرع محمد صلى الله عليه وسلم، والشطء ~~أصحابه، كانوا قليلا فكثروا، وضعفاء فقووا، وقال القرطبي: وهذا مثل ~~ضربه الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعني أنهم يكونون ~~قليلا ثم يزدادون ويكثرون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ ~~بالدعوة ضعيفا، فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره، كالزرع يبدو بعد ~~البذر ضعيفا فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ نباته، وأفراخه، فكان هذا من ~~أصح مثل وأقوى بيان { وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } أي وعدهم تعالى ~~بالآخرة بالمغفرة التامة والأجر العظيم والرزق الكريم في جنات النعيم، ~~اللهم ارزقنا محبتهم يا رب العالمين. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { ما تقدم.. وما تأخر } وبين { ~~ومبشرا.. ونذيرا } وبين { بكرة.. وأصيلا } وبين { ~~نكث.. و أوفى } وبين # أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا # [الفتح: 11] وبين { يغفر.. ويعذب } وبين { محلقين.. ~~ومقصرين } وبين { أشدآء.. و رحمآء }. # 2- المقابلة بين # ليدخل المؤمنين والمؤمنات.. # [الفتح: 5] الآية وبين # ويعذب المنافقين والمنافقات # [الفتح: 6] الآية. # 3- الاستعارة التصريحية المكنية # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم # [الفتح: 10] شبه المعاهدة على التضحية بالأنفس في سبيل الله طلبا ~~لمرضاته بدفع السلع في نظير الأموال، ms1465 واستعير اسم المشبه به للمشبه ~~واشتق من البيع يبايعون بمعنى يعاهدون على دفع أنفسهم في سبيل الله، ~~والمكنية في قوله { يد الله فوق أيديهم } شبه اطلاع الله ~~على مبايعتهم ومجازاته على طاعتهم بملك وضع يده على يد أميره ورعيته، ~~وطوى ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو اليد على طريق ~~الاستعارة المكنية، ففي الآية استعارتان. # 4- الكناية { لولوا الأدبار } كناية عن الهزيمة لأن المنهزم ~~يدير ظهره لعدوه للهرب. # 5- التعبير بصيغة المضارع لاستحضار صورة المبايعة { لقد رضي ~~الله عن المؤمنين إذ يبايعونك.. }. # 6- الالتفات من ضمير الغائب إلى الخطاب { وعدكم الله مغانم ~~} بعد قوله تعالى { فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة ~~عليهم } وذلك لتشريف المؤمنين في مقام الامتنان. # 7- الإطناب بتكرار الحرج # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج # [الفتح: 17] لتأكيد نفي الإثم عن أصحاب الأعذار. # 8- التشبيه التمثيلي { كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه.. } الآية لأن وجه الشبه ~~منتزع من متعدد. # 9- مراعاة الفواصل في نهاية الآيات وهو من المحسنات البديعية. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1-12] # اللغة: { يغضون } غض صوته خفضه وخافت به { فاسق } الفاسق: ~~الخارج من حدود الشرع، وهو في أصل الاشتقاق موضوع لما يدل على معنى ~~الخروج، مأخوذ من قولهم: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وسمي فاسقا ~~لخروجه عن الطاعة { نبأ } النبأ: الخبر الهام قال الراغب: لا يقال للخبر ~~في الأصل نبأ حتى يكون ذا فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن { ~~عنتم } وقعتم في العنت وهو المشقة والهلاك قال في اللسان: العنت: ~~الهلاك وأعنته أوقعه في الهلكة { الراشدون } جمع راشد وهو المهتدي ~~إلى محاسن الأمور { تفيء } ترجع { بغت } اعتدت واستطالت وأصله ~~مجاوزة الحد في الظلم والطغيان { تلمزوا } تعيبوا. # سبب النزول: أ- روي أن بعض الأعراب الجفاة جاءوا إلى حجرات أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه: يا محمد أخرج إلينا، يا محمد ~~أخرج إلينا فأنزل الله { إن الذين ينادونك من ورآء ~~الحجرات أكثرهم لا يعقلون }. # ب - وروي أن النبي صلى الله عليه ms1466 وسلم بعث " الوليد بن عقبة " إلى ~~الحارث بن ضرار ليقبض ما كان عنده من الزكاة التي جمعها من قومه، فلما ~~سار الوليد واقترب منهم خاف وفزع، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال يا رسول الله: إنهم قد ارتدوا ومنعوا الزكاة، فهم بعض ~~الصحابة بالخروج إليهم وقتالهم فأنزل الله { يأيها الذين ~~آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا.. } الآية. # ج - عن أنس قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت " عبد الله بن ~~أبي " - وهو رأس المنافقين - فانطلق إليه وركب حمارا، وانطلق معه ~~المسلمون يمشون، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إليك عني - ~~أي تنح وابتعد عني - فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار ~~والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك، فغضب لعبد ~~الله رجل من قومه، وغضب للأنصاري آخرون من قومه، فكان بينهم ضرب ~~بالجريد والأيدي والنعال، فأنزل الله { وإن طآئفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما.. } الآية. # التفسير: { يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين ~~يدي الله ورسوله } أي يا أيها المؤمنون، يا من اتصفتم ~~بالإيمان، وصدقتم بكتاب الله، لا تقدموا أمرا أو فعلا بين يدي الله ~~ورسوله، وحذف المفعول للتعميم ليذهب ذهن السامع إلى كل ما يمكن تقديمه ~~من قول أو فعل، كما إذا عرضت مسألة في مجلسه صلى الله عليه وسلم لا ~~يسبقونه بالجواب، وإذا حضر الطعام لا يبتدئون بالأكل، وإذا ذهبوا معه ~~إلى مكان لا يمشون أمامه ونحو ذلك قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين ~~يدي كلامه صلى الله عليه وسلم وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ~~ورسوله من شرائع دينكم وقال البيضاوي: المعنى لا تقطعوا أمرا قبل أن ~~يحكم الله ورسوله به، وقيل: المراد بين يدي رسول الله، وذكر الله ~~تعظيما له وإشعارا بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله { واتقوا ~~الله إن الله سميع عليم } أي واتقوا الله فيما أمركم به، ~~إن الله سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وأحوالكم، وإظهار الاسم الجليل ~~لتربية المهابة ms1467 والروعة في النفس. # . ثم أرشد تعالى المؤمنين إلى وجوب توقير الرسول وإجلاله واحترامه فقال ~~{ يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي } أي إذا كلمتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاخفضوا أصواتكم ولا ترفعوها على صوت النبي { ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض } أي ولا تبلغوا حد الجهر ~~عند مخاطبته صلى الله عليه وسلم كما يجهر بعضكم في الحديث مع البعض، ولا ~~تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضا فتقولوا: يا محمد، ولكن ~~قولوا يا نبي الله، ويا رسول الله، تعظيما لقدره، ومراعاة للأدب قال ~~المفسرون: نزلت في بعض الأعراب الجفاة الذين كانوا ينادون رسول الله ~~باسمه، ولا يعرفون توقير الرسول الكريم { أن تحبط أعمالكم ~~وأنتم لا تشعرون } أي خشية أن تبطل أعمالكم من حيث لا تشعرون ~~ولا تدرون، فإن في رفع الصوت والجهر بالكلام في حضرته صلى الله عليه ~~وسلم استخفافا قد يؤدي إلى الكفر المحبط للعمل قال ابن كثير: روي # " أن ثابت بن قيس كان رفيع الصوت، فلما نزلت الآية قال: أنا الذي كنت ~~أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا من أهل النار، حبط عملي، ~~وجلس في أهله حزينا، فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بعض ~~القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك؟ ~~فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم حبط عملي أنا ~~من أهل النار، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما قال، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: لا بل هو من أهل الجنة " # وفي رواية # " أترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى ~~الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " # { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } أي ~~إن الذين يخفضون أصواتهم في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم أولئك الذين ~~أخلص الله ms1468 قلوبهم للتقوى ومرنها عليها وجعلها صفة راسخة فيها قال ابن ~~كثير: أي أخلصها للتقوى وجعلها أهلا ومحلا { لهم مغفرة وأجر ~~عظيم } أي لهم في الآخرة صفح عن ذنوبهم، وثواب عظيم في جنات النعيم. # . ثم ذم تعالى الأعراب الجفاة الذين ما كانوا يتأدبون في ندائهم ~~للرسول صلى الله عليه وسلم فقال: { إن الذين ينادونك من ~~ورآء الحجرات } أي يدعونك من وراء الحجرات، منازل أزواجك ~~الطاهرات { أكثرهم لا يعقلون } أي أكثر هؤلاء غير عقلاء، إذ ~~العقل يقتضي حسن الأدب، ومراعاة العظماء عند خطابهم، سيما لمن كان بهذا ~~المنصب الخطير قال البيضاوي: قيل إن الذي ناداه " عيينة بن حصين " و " ~~الأقرع بن حابس " وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا ~~من بني تميم وقت الظهيرة وهو راقد فقالا يا محمد أخرج إلينا { ولو ~~أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا ~~لهم } أي ولو أن هؤلاء المنادين لم يزعجوا الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بمناداتهم وصبروا حتى يخرج إليهم لكان ذلك الصبر خيرا لهم وأفضل ~~عند الله وعند الناس، لما فيه من مراعاة الأدب في مقام النبوة { ~~والله غفور رحيم } أي الغفور لذنوب العباد، الرحيم بالمؤمنين ~~حيث اقتصر على نصحهم وتقريعهم، ولم ينزل العقاب بهم.. ثم حذر تعالى من ~~الاستماع للأخبار بغير تثبت فقال { يأيها الذين آمنوا إن ~~جآءكم فاسق بنبإ } أي إذا أتاكم رجل فاسق - غير موثوق بصدقه ~~وعدالته - بخبر من الأخبار { فتبينوا } أي فتثبتوا من صحة الخبر ~~{ أن تصيبوا قوما بجهالة } أي لئلا تصيبوا قوما وأنتم ~~جاهلون حقيقة الأمر { فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ~~أي فتصيروا نادمين أشد الندم على صنيعكم { واعلموا أن فيكم ~~رسول الله } أي واعلموا - أيها المؤمنون - أن بينكم الرسول ~~المعظم، والنبي المكرم، المعصوم عن اتباع الهوى { لو يطيعكم ~~في كثير من الأمر لعنتم } أي لو يسمع وشاياتكم، ويصغي ~~بسمعه لإرادتكم، ويطيعكم في غالب ما تشيرون عليه من الأمور، لوقعتم في ~~الجهد والهلاك قال ابن كثير: أي اعلموا أن بين أظهركم رسول الله ~~فعظموه ووقروه، ms1469 فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ولو أطاعكم في ~~جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم { ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان } أي ولكنه تعالى - بمنه وفضله - نور ~~بصائركم فحبب إلى نفوسكم الإيمان { وزينه في قلوبكم } أي ~~وحسنه في قلوبكم، حتى أصبح أغلى عندكم من كل شيء { وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان } أي وبغض إلى ~~نفوسكم أنواع الضلال، من الكفر والمعاصي والخروج عن طاعة الله قال ابن ~~كثير: والمراد بالفسوق الذنوب الكبار، وبالعصيان جميع المعاصي { ~~أولئك هم الراشدون } أي أولئك المتصفون بالنعوت الجليلة هم ~~المهتدون، الراشدون في سيرتهم وسلوكهم، والجملة تفيد الحصر أي هم ~~الراشدون لا غيرهم { فضلا من الله ونعمة } أي هذا العطاء ~~تفضل منه تعالى عليكم وإنعام { والله عليم حكيم } أي عليم ~~بمن يستحق الهداية، حكيم في خلقه وصنعه وتدبيره. # . ثم عقب تعالى على ما يترتب على سماع الأنباء المكذوبة من تخاصم ~~وتباغض وتقاتل فقال { وإن طآئفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما } أي وإن حدث أن فئتين ~~وجماعتين من إخوانكم المؤمنين جنحوا إلى القتال فأصلحوا بينهما، واسعوا ~~جهدكم للإصلاح بينهما، والجمع { اقتتلوا } باعتبار المعنى، ~~والتثنية { بينهما } باعتبار اللفظ { فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى } أي فإن بغت إحداهما على الأخرى، وتجاوزت حدها ~~بالظلم والطغيان، ولم تقبل الصلح وصممت على البغي { فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } أي فقاتلوا ~~الفئة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله وشرعه، وتقلع عن البغي والعدوان، ~~وتعمل بمقتضى أخوة الإسلام { فإن فآءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا } أي فإن رجعت وكفت عن القتال فأصلحوا ~~بينهما بالعدل، دون حيف على إحدى الفئتين، واعدلوا في جميع أموركم { ~~إن الله يحب المقسطين } أي يحب العادلين الذين لا ~~يجورون في أحكامهم قال البيضاوي: والآية نزلت في قتال حدث بين " الأوس " ~~و " الخزرج " في عهده صلى الله عليه وسلم كان فيه ضرب بالسعف والنعال، ~~وهي تدل على أن الباغي مؤمن، وأنه إذا كف عن الحرب ترك، وأنه يجب ~~تقديم النصح والسعي في المصالحة { إنما المؤمنون إخوة } أي ~~ليس المؤمنون ms1470 إلا إخوة، جمعتهم رابطة الإيمان، فلا ينبغي أن تكون بينهم ~~عداوة ولا شحناء، ولا تباغض ولا تقاتل قال المفسرون: { إنما } للحصر ~~فكأنه يقول: لا أخوة إلا بين المؤمنين، ولا أخوة بين مؤمن وكافر، وفي ~~الآية إشارة إلى أن أخوة الإسلام أقوى من أخوة النسب، بحيث لا تعتبر ~~أخوة النسب إذا خلت عن أخوة الإسلام { فأصلحوا بين ~~أخويكم } أي فأصلحوا بين إخوانكم المؤمنين، ولا تتركوا الفرقة ~~تدب، والبغضاء تعمل عملها { واتقوا الله لعلكم ~~ترحمون } أي اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ~~لتنالكم رحمته، وتسعدوا بجنته ومرضاته { يأيها الذين آمنوا ~~لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم } أي يا معشر المؤمنين، يا من اتصفتم بالإيمان، وصدقتم ~~بكتاب الله وبرسوله، لا يهزأ جماعة بجماعة، ولا يسخر أحد من أحد، فقد ~~يكون المسخور منه خيرا عند الله من الساخر، ورب أشعث أغبر ذو طمرين لو ~~أقسم على الله لأبره { ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن ~~خيرا منهن } أي ولا يسخر نساء من نساء فعسى أن تكون المحتقر ~~منها خيرا عند الله وأفضل من الساخرة { ولا تلمزوا أنفسكم ~~ولا تنابزوا بالألقاب } أي ولا يعب بعضكم بعضا، ولا يدع ~~بعضكم بعضا بلقب السوء، وإنما قال { أنفسكم } لأن المسلمين كأنهم ~~نفس واحدة { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } أي بئس أن ~~يسمى الإنسان فاسقا بعد أن صار مؤمنا قال البيضاوي: وفي الآية دلالة ~~على أن التنابز فسق، والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح { ومن لم ~~يتب فأولئك هم الظالمون } أي ومن لم يتب عن اللمز ~~والتنابز فأولئك هم الظالمون بتعريض أنفسهم للعذاب { يأيها ~~الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن } أي ابتعدوا ~~عن التهمة والتخون وإساءة الظن بالأهل والناس، وعبر بالكثير ليحتاط ~~الإنسان في كل ظن ولا يسارع فيه بل يتأمل ويتحقق { إن بعض ~~الظن إثم } أي إن في بعض الظن إثم وذنب يستحق صاحبه العقوبة ~~عليه قال عمر رضي الله عنه: " لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن ~~إلا خيرا، وأنت تجد لها في ms1471 الخير محملا " { ولا تجسسوا } أي ~~لا تبحثوا عن عورات المسلمين ولا تتبعوا معايبهم { ولا يغتب ~~بعضكم بعضا } أي لا يذكر بعضكم بعضا بالسوء في غيبته بما يكرهه ~~{ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } تمثيل ~~لشناعة الغيبة وقبحها بما لا مزيد عليه من التقبيح أي هل يحب الواحد منكم ~~أن يأكل لحم أخيه المسلم وهو ميت؟ { فكرهتموه } أي فكما تكرهون ~~هذا طبعا فاكرهوا الغيبة شرعا، فإن عقوبتها أشد من هذا. # . شبه تعالى الغيبة بأكل لحم الأخ حال كونه ميتا، وإذا كان الإنسان ~~يكره لحم الإنسان - فضلا عن كونه أخا، وفضلا عن كونه ميتا وجب عليه ~~أن يكره الغيبة بمثل هذه الكراهة أو أشد { واتقوا الله } أي ~~خافوا الله واحذروا عقابه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه { إن ~~الله تواب رحيم } أي إنه تعالى كثير التوبة، عظيم الرحمة، ~~لمن اتقى الله وتاب وأناب، وفيه حث على التوبة، وترغيب بالمساعة إلى ~~الندم والاعتراف بالخطأ لئلا يقنط الإنسان من رحمة الله. ### || [49.13-18] # المناسبة: لما دعا تعالى إلى مكارم الأخلاق ونهى عن مساوئها، ~~وحذر المؤمنين من بعض الأفعال القبيحة، دعا الناس هنا جميعا للتعارف ~~والتآلف ونهاهم عن التفاخر بالأنساب، ثم بين صفات المؤمن الكامل. # اللغة: { يلتكم } ينقصكم { قبآئل } جمع قبيلة وهي الجماعة ~~التي يربطها حسب أو نسب، وهي أخص من الشعب، لأن الشعب الجمع العظيم ~~المنتسبون إلى أصل واحد، فالشعب يجمع القبيلة، والقبيلة تجمع البطون ~~والأفخاذ { يرتابوا } يشكوا والريب: الشك { يمنون } المن: ~~الامتنان على الشخص والاعتداد عليه بفعل المعروف، وأصله في اللغة القطع ~~ومنه # فلهم أجر غير ممنون # [التين: 6]. # سبب النزول: عن ابن عباس قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله: أسلمنا، وقاتلتك العرب ولم نقاتلك، ~~وأخذوا يمنون عليه فنزلت الآية الكريمة { يمنون عليك أن ~~أسلموا.. } الآية. # التفسير: { يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى } الخطاب لجميع البشر أي نحن بقدرتنا خلقناكم من أصل واحد، ~~وأوجدناكم من أب وأم فلا تفاخر بالآباء والأجداد، ولا اعتداد بالحسب ~~والنسب، كلكم ms1472 لآدم وآدم من تراب { وجعلناكم شعوبا وقبآئل ~~لتعارفوا } أي وجعلناكم شعوبا شتى وقبائل متعددة، ليحصل بينكم ~~التعارف والتآلف، لا التناحر والتخالف قال مجاهد: ليعرف الإنسان نسبه ~~فيقال فلان بن فلان من قبيلة كذا، وأصل تعارفوا تتعارفوا حذفت إحدى ~~التاءين تخفيفا قال شيخ زاده: والمعنى إن الحكمة التي من أجلها جعلكم ~~على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض ولا ينسبه إلى غير آبائه، لا ~~أن تتفاخر بالآباء والأجداد، والنسب وإن كان يعتبر عرفا وشرعا، حتى ~~لا تزوج الشريفة بالنبطي، إلا أنه لا عبرة به عند ظهور ما هو أعظم ~~قدرا منه وأعز، وهو الإيمان والتقوى، كما لا تظهر الكواكب عند طلوع ~~الشمس { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } أي إنما يتفاضل ~~الناس بالتقوى لا بالأحساب والأنساب، فمن أراد شرفا في الدنيا ومنزلة ~~في الآخرة فليتق الله كما قال صلى الله عليه وسلم: # " من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله " # وفي الحديث # " الناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي هين ~~على الله تعالى " # { إن الله عليم خبير } أي عليم بالعباد، مطلع على ظواهرهم ~~وبواطنهم، يعلم التقي والشقي، والصالح والطالح # فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى # [النجم: 32]. { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا } أي زعم الأعراب أنهم آمنوا قل لهم يا ~~محمد: إنكم لم تؤمنوا بعد، لأن الإيمان تصديق مع ثقة واطمئنان قلب، ~~ولم يحصل لكم، وإلا لما مننتم على الرسول بالإسلام وترك المقاتلة، ~~ولكن قولوا استسلمنا خوف القتل والسبي قال المفسرون: نزلت في نفر من ~~بني أسد، قدموا المدينة في سنة مجدبة، وأظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما ~~قاتلك بنو فلان وفلان، يريدون الصدقة ويمنون على الرسول، وقد دلت ~~الآية على أن الإيمان مرتبة أعلى من الإسلام، الذي هو الاستسلام ~~والانقياد بالظاهر ولهذا قال تعالى { ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم } أي ولم يدخل الإيمان إلى قلوبكم ولم تصلوا إلى حقيقته ~~بعد، ms1473 ولفظة " لما " تفيد التوقع كأنه يقول: وسيحصل لكم الإيمان عند ~~اطلاعكم على محاسن الإسلام، وتذوقكم لحلاوة الإيمان قال ابن كثير: ~~وهؤلاء الأعراب المذكورون في هذه الآية ليسوا منافقين، وإنما هم مسلمون ~~لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا ~~إليه فأدبوا في ذلك، ولو كانوامنافقين - كما ذهب إليه البخاري - ~~لعنفوا وفضحوا { وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم ~~من أعمالكم شيئا } أي وإن أطعتم الله ورسوله بالإخلاص ~~الصادق، والإيمان الكامل، وعدم المن على الرسول لا ينقصكم من أجوركم ~~شيئا { إن الله غفور رحيم } أي عظيم المغفرة، واسع الرحمة، ~~لأن صيغة " فعول " و " فعيل " تفيد المبالغة. # . ثم ذكر تعالى صفات المؤمنين الكمل الصادقين في إيمانهم فقال { ~~إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله } أي ~~إنما المؤمنون الصادقون في دعوى الإيمان، الذين صدقوا الله ورسوله، ~~فأقروا لله بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، عن يقين راسخ وإيمان كامل { ~~ثم لم يرتابوا } أي ثم لم يشكوا ويتزلزلوا في إيمانهم بل ~~ثبتوا على التصديق واليقين { وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله } أي وبذلوا أموالهم ومهجهم في سبيل الله وابتغاء ~~رضوانه { أولئك هم الصادقون } أي أولئك الذين صدقوا في ~~ادعاء الإيمان.. وصف تعالى المؤمنين الكاملين بثلاثة أوصاف: الأول: ~~التصديق الجازم بالله ورسوله الثاني: عدم الشك والارتياب الثالث: الجهاد ~~بالمال والنفس، فمن جمع هذه الأوصاف فهو المؤمن الصادق { قل ~~أتعلمون الله بدينكم } الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي قل ~~يا محمد: أتخبرون الله بما في ضمائركم وقلوبكم؟ { والله يعلم ما ~~في السماوات وما في الأرض } أي وهو جل وعلا العليم بأحوال ~~جميع العباد، لا تخفى عليه خافية لا في السماوات ولا في الأرض { ~~والله بكل شيء عليم } أي واسع العلم رقيب على كل شيء، لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر { يمنون عليك ~~أن أسلموا } أي يعدون إسلامهم عليك يا محمد منة، يستوجبون ~~عليها الحمد والثناء { قل لا تمنوا علي إسلامكم } أي ~~قل لهم لا تمتنوا علي بإسلامكم، فإن نفع ذلك عائد عليكم { بل ~~الله يمن ms1474 عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم ~~صادقين } أي بل لله المنة العظمى عليكم، بالهداية للإيمان ~~والتثبيت عليه، إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان { إن الله ~~يعلم غيب السموت والأرض } أي يعلم ما غاب عن الأبصار ~~في السماوات والأرض { والله بصير بما تعملون } أي مطلع ~~على أعمال العباد، لا تخفى عليه خافية. # . كرر تعالى الإخبار بعلمه بجميع الكائنات، وإحاطته بجميع ~~المخلوقات، ليدل على سعة علمه، وشموله لكل صغيرة وكبيرة، في السر والعلن، ~~والظاهر والباطن. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الاستعارة التمثيلية # لا تقدموا بين يدي الله ورسوله # [الحجرات: 1] شبه حالهم في إبداء الرأي وقطع الأمر في حضرة الرسول ~~بحال ملك عظيم تقدم للسير أمامه بعض الناس وكان الأدب يقضي أن يسيروا ~~خلفه لا أمامه، وهذا بطريق الاستعارة التمثيلية. # 2- التشبيه المرسل المجمل # ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض # [الحجرات: 2] لوجود أداة التشبيه. # 3- الالتفات من الخطاب إلى الغيبة # أولئك هم الراشدون # بعد قوله # حبب إليكم الإيمان # [الحجرات: 7] وهذا من المحسنات البديعية. # 4- المقابلة بين # حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم # [الحجرات: 7] وبين # وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان # [الحجرات: 7]. # 5- الطباق # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما # [الحجرات: 9]. # 6- جناس الاشتقاق # وأقسطوا إن الله يحب المقسطين # [الحجرات: 9]. # 7- التشبيه التمثيلي # أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا # [الحجرات: 12] مثل للغيبة بمن يأكل لحم الميت، وفيه مبالغات عديدة ~~لتصوير الاغتياب بأقبح الصور وأفحشها في الذهن. # 8- طباق السلب { آمنا قل لم تؤمنوا }. # 9- الاستفهام الإنكاري للتوبيخ { أتعلمون الله بدينكم ~~}. # 10- التشبيه البليغ # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات: 10] أصل الكلام المؤمنون كالإخوة في وجوب التراحم والتناصر، ~~فحذف وجه الشبه وأداة التشبيه فأصبح بليغا مع إفادة الجملة الحصر. # تنبيه: سورة الحجرات تسمى سورة " الأخلاق والآداب " فقد أرشدت إلى ~~مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال، وجاء فيها النداء بوصف الإيمان خمس ~~مرات، وفي كل مرة إرشاد إلى مكرمة من المكارم وفضيلة من الفضائل، وهذه ~~الآداب الرفيعة نستعرضها في فقرات: # أولا: وجوب الطاعة والانقياد لأوامر الله ورسوله وعدم التقدم عليه بقول ms1475 ~~أو رأي # يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله # [الحجرات: 1]. # ثانيا: احترام الرسول وتعظيم شأنه # يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي.. # [الحجرات: 2]. # ثالثا: وجوب التثبت من الأخبار # يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا.. # [الحجرات: 6]. # رابعا: النهي عن السخرية بالناس # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم.. # [الحجرات: 11]. # خامسا: النهي عن التجسس والغيبة وسوء الظن # يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن.. # [الحجرات: 12] الآية. # لطيفة: سئل بعض العلماء عما وقع بين الصحابة من قتال فقال " تلك دماء ~~قد طهر الله منها أيدينا فلا نلوث بها ألسنتنا، وسبيل ما جرى بينهم ~~كسبيل ما جرى بين يوسف وإخوته ". ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-22] # اللغة: { مريج } مختلط قال ابن قتيبة: مرج الأمر ومرج الدين اختلط، ~~وأصله أن يقلق الشيء ولا يستقر يقال: مرج الخاتم في يدي إذا قلق للهزال ~~{ فروج } شقوق وصدوع جمع فرج وهو الشق { باسقات } طوال بسق ~~الشيء بسوقا إذا طال { نضيد } متراكب بعضه فوق بعض { لبس } ~~حيرة وشك واضطراب { عيينا } عجزنا يقال: عيي به يعيا أي عجز عنه { ~~رقيب } حافظ شاهد على أعمال الإنسان { عتيد } حاضر مهيأ قال ~~الجوهري: العتيد الشيء الحاضر المهيأ ومنه # وأعتدت لهن متكئا # [يوسف: 31] وفرس عتد معد للجري { حديد } حاد نافذ. # التفسير: { ق } الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن، وللإشارة ~~إلى أن هذا الكتاب المعجز منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية { ~~والقرآن المجيد } قسم حذف جوابه أي أقسم بالقرآن الكريم، ذي ~~المجد والشرف على سائر الكتب السماوية لتبعثن بعد الموت قال ابن كثير: ~~وجواب القسم محذوف وهو مضمون الكلام بعده وهو إثبات النبوة، وإثبات ~~المعاد وتقديره إنك يا محمد لرسول وان البعث لحق، وهذا كثير في القرآن ~~وقال أبو حيان: والقرآن مقسم به، والمجيد صفته وهو الشريف على غيره من ~~الكتب، والجواب محذوف يدل عليه ما بعده تقديره: لقد جئتهم منذرا بالبعث ~~فلم يقبلوا { بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم } أي ~~تعجب المشركون من إرسال ms1476 رسول إليهم من البشر يخوفهم من عذاب الله { ~~فقال الكافرون هذا شيء عجيب } أي فقال كفار مكة: هذا ~~شيء في منتهى الغرابة والعجب والإظهار في موضع الإضمار لتسجيل جريمة ~~الكفر عليهم، والآية إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب، فإنهم قد عرفوا صدق ~~الرسول وأمانته ونصحه، فكان الواجب عليهم أن يسارعوا إلى الإيمان لا أن ~~يعجبوا ويستهزئوا، ثم أخبر تعالى عن وجه تعجبهم فقال { أإذا متنا ~~وكنا ترابا } أي أئذا متنا واستحالت أجسادنا إلى تراب هل سنحيا ~~ونرجع كما كنا؟ { ذلك رجع بعيد } أي ذلك رجوع بعيد غاية ~~البعد، مستحيل حصوله { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } ~~أي قد علمنا ما تنقصه الأرض من أجسادهم، وما تأكله من لحومهم وأشعارهم ~~ودمائهم إذا ماتوا، فلا يضل عنا شيء حتى تتعذر علينا الإعادة { ~~وعندنا كتاب حفيظ } أي ومع علمنا الواسع عندنا كتاب حافظ ~~لعددهم وأسمائهم وما تأكله الأرض منهم، وهو اللوح المحفوظ الذي يحصي ~~تفصيل كل شيء { بل كذبوا بالحق لما جآءهم } إضراب ~~إلى ما هو أفظع وأشنع من التعجب وهو التكذيب بالقرآن العظيم أي كذبوا ~~بالقرآن حين جاءهم، مع سطوع آياته، ووضوح بيانه { فهم في أمر ~~مريج } أي فهم في أمر مختلط مضطرب، فتارة يقولون عن الرسول إنه ~~ساحر، وتارة يقولون إنه شاعر، وتارة يقولون إنه كاهن، وهكذا قالوا ~~أيضا عن القرآن إنه سحر، أو شعر، أو أساطير الأولين إلى غير ذلك. # . ثم ذكر تعالى دلائل القدرة والوحدانية الدالة على عظمة رب العالمين ~~فقال { أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم } أي أفلم ~~ينظروا نظر تفكر واعتبار، إلى السماء في ارتفاعها وإحكامها، فيعلموا أن ~~القادر على إيجادها قادر على إعادة الإنسان بعد موته؟ { كيف ~~بنيناها وزيناها } أي كيف رفعناها بلا عمد وزيناها بالنجوم { ~~وما لها من فروج } أي ما لها من شقوق وصدوع { والأرض ~~مددناها } أي والأرض بسطناها ووسعناها { وألقينا فيها ~~رواسي } أي وجعلنا فيها جبالا ثوابت تمنعها من الاضطراب بسكانها { ~~وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } أي وأنبتنا فيها من كل ~~نوع من النبات ms1477 حسن المنظر، يبهج ويسر الناظر إليه { تبصرة ~~وذكرى لكل عبد منيب } أي فعلنا ذلك تبصيرا منا وتذكيرا ~~عن كمال قدرتنا، لكل عبد راجع إلى الله متفكر في بديع مخلوقاته { ~~ونزلنا من السمآء مآء مباركا } أي ونزلنا من السحاب ~~ماء كثير المنافع والبركة { فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد } أي فأخرجنا بهذا الماء البساتين الناضرة، والأشجار المثمرة، ~~وحب الزرع المحصود، كالحنطة والشعير وسائر الحبوب التي تحصد { ~~والنخل باسقات } أي وأخرجنا شجر النخيل طوالا مستويات { لها ~~طلع نضيد } أي لها طلع منضود، منظم بعضه فوق بعض، قال أبو حيان: ~~يريد كثرة الطلع وتراكمه وكثرة ما فيه من الثمر، وأول ظهور الثمر يكون ~~منضدا كحب الرمان، فما دام ملتصقا بعضه ببعض فهو نضيد، فإذا خرج من ~~أكمامه فليس بنضيد { رزقا للعباد } أي أنبتنا كل ذلك رزقا ~~للخلق لينتفعوا به { وأحيينا به بلدة ميتا } أي وأحيينا ~~بذلك الماء أرضا جدبة لا ماء فيها ولا زرع فأنبتنا فيها الكلأ والعشب { ~~كذلك الخروج } أي كما أحييناها بعد موتها كذلك نخرجكم أحياء بعد ~~موتكم قال ابن كثير: وهذه الأرض الميتة كانت هامدة، فلما نزل عليها الماء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج من أزاهير وغير ذلك مما يحار الطرف في ~~حسنها، وذلك بعد ما كانت لا نبات بها فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث ~~بعد الموت، فكما أحيا الله الأرض الميتة كذلك يحيي الله الموتى.. ثم ~~ذكر تعالى كفار مكة بما حل بمن سبقهم من المكذبين إنذارا لهم ~~وإعذارا فقال { كذبت قبلهم قوم نوح } أي كذب قبل ~~هؤلاء الكفار قوم نوح { وأصحاب الرس } أي وأصحاب البئر وهم بقية ~~من ثمود رسوا نبيهم فيها أي دسوه فيها { وثمود * وعاد ~~وفرعون وإخوان لوط } سماهم إخوانه لأنه صاهرهم وتزوج ~~منهم { وأصحاب الأيكة } أي وأصحاب الشجر الكثير الملتف وهم قوم ~~شعيب، نسبوا إلى الأيكه لأنهم كانت تحيط به البساتين والأشجار الكثيرة، ~~الملتف بعضها على بعض { وقوم تبع } قال المفسرون: هو ملك كان ~~باليمن أسلم ودعا قومه إلى الإسلام فكذبوه وهو تبع ms1478 اليماني { كل ~~كذب الرسل } أي جميع هؤلاء المذكورين كذبوا رسولهم قال ابن كثير: ~~وإنما جمع الرسل لأن من كذب رسولا فإنما كذب جميع الرسل كقوله تعالى # كذبت قوم نوح المرسلين # [الشعرا: 105] { فحق وعيد } أي فوجب عليهم وعيدي وعقابي، والآية ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديد للكفرة المجرمين { أفعيينا ~~بالخلق الأول } أي أفعجزنا عن ابتداء الخلق حتى نعجز عن ~~إعادتهم بعد الموت؟ قال القرطبي: وهو توبيخ لمنكري البعث، وجواب ~~لقولهم { ذلك رجع بعيد } ومراده أن ابتداء الخلق لم يعجزنا، ~~والإعادة أسهل منه فكيف يتوهم عجزنا عن البعث والإعادة { بل هم ~~في لبس من خلق جديد } أي بل هم في خلط وشبهة وحيرة من ~~البعث والنشور قال الألوسي: وإنما نكر الخلق ووصف بجديد، ولم يقل: من ~~الخلق الثاني تنبيها على استبعادهم له وأنه خلق عظيم يجب أن يهتم بشأنه ~~فله نبأ عظيم ثم نبه تعالى على سعة علمه وكمال قدرته فقال { ولقد ~~خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه } أي ~~خلقنا جنس الإنسان ونعلم ما يجول في قلبه وخاطره، لا يخفى علينا شيء من ~~خفاياه ونواياه { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ~~أي ونحن أقرب إليه من حبل وريده، وهو عرق كبير في العنق متصل بالقلب قال ~~أبو حيان: ونحن أقرب إليه قرب علم، نعلم به وبأحواله لا يخفى علينا شيء ~~من خفياته، فكأن ذاته تعالى قريبة منه، وهو تمثيل لفرط القرب كقول العرب: ~~هو مني معقد الإزار وقال ابن كثير: المراد ملائكتنا أقرب إلى الإنسان ~~من حبل وريده إليه، والحلول والاتحاد منفيان بالإجماع تعالى الله ~~وتقدس، وهذا كما قال في المحتضر # ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون # [الواقعة: 85] يريد به الملائكة، ويدل عليه قوله بعده { إذ يتلقى ~~المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد } أي حين ~~يتلقى الملكان الموكلان بالإنسان، ملك عن يمينه يكتب الحسنات، وملك عن ~~شماله يكتب السيئات، وفي الكلام حذف تقديره عن اليمين قعيد وعن الشمال ~~قعيد فحذف الأول لدلالة الثاني عليه قال مجاهد: وكل الله بالإنسان ms1479 - ~~مع علمه بأحواله - ملكين بالليل وملكين بالنهار يحفظان عمله ويكتبان أثره ~~إلزاما للحجة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب ~~السيئات فذلك قوله تعالى { عن اليمين وعن الشمال قعيد } ~~وقال الألوسي: والمراد أنه سبحانه أعلم بحال الإنسان من كل رقيب، حين ~~يتلقى المتلقيان الحفيظان ما يتلفظ به، وفيه إيذان بأنه عز وجل غني ~~عن استحفاظ الملكين، فإنه تعالى أعلم منهما ومطلع على ما يخفى عليهما، ~~لكن الحكمة اقتضت كتابة الملكين لعرض صحائفهما يوم يقوم الأشهاد، فإذا ~~علم العبد ذلك - مع علمه بإحاطة الله تعالى بعلمه - ازداد رغبة في ~~الحسنات، وانتهاء عن السيئات { ما يلفظ من قول إلا ~~لديه رقيب } أي ما يتلفظ كلمة من خير أو شر، إلا وعنده ملك ~~يرقب قوله ويكتبه { عتيد } أي حاضر معه أينما كان مهيأ لكتابة ما ~~أمر به قال ابن عباس: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر وقال الحسن: ~~فإذا مات ابن آدم طويت صحيفته وقيل له يوم القيامة # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14] { وجاءت سكرة الموت بالحق } أي وجاءت ~~غمرة الموت وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، بالأمر الحق من ~~أهوال الآخرة حتى يراها المنكر لها عيانا { ذلك ما كنت منه ~~تحيد } أي ذلك ما كنت تفر منه وتميل عنه وتهرب منه وتفزع وفي الحديث ~~عن عائشة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ~~ويقول: " سبحان الله إن للموت لسكرات " # { ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد } أي ونفخ في الصور ~~نفخة البعث ذلك هو اليوم الذي وعد الله الكفار به بالعذاب { وجآءت ~~كل نفس معها سآئق وشهيد } أي وجاء كل إنسان برا كان ~~أو فاجرا ومعه ملكان: أحدهما يسوقه إلى المحشر، والآخر يشهد عليه بعمله ~~قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد من أنفسهم وهي الأيدي ~~والأرجل # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24] وقال مجاهد: السائق والشهيد ملكان، ملك يسوقه وملك يشهد ~~عليه ms1480 { لقد كنت في غفلة من هذا } أي لقد كنت أيها ~~الإنسان في غفلة من هذا اليوم العصيب { فكشفنا عنك غطآءك } ~~أي فأزلنا عنك الحجاب الذي كان على قلبك وسمعك وبصرك في الدنيا { ~~فبصرك اليوم حديد } أي فبصرك اليوم قوي نافذ، ترى به ما ~~كان محجوبا عنك لزوال الموانع بالكلية. ### || [50.23-45] # المناسبة: لما حكى تعالى في الآيات السابقة إنكار المشركين للبعث، ~~وأقام الأدلة والبراهين على البعث والنشور، ذكر هنا الأهوال والشدائد ~~التي يلقاها الكافر في الآخرة، والنعيم الذي أعده للمؤمنين الأبرار في ~~الجنة، وختم السورة الكريمة ببيان دلائل البعث وأحواله وأطواره. # اللغة: { وأزلفت } قربت يقال: زلف يزلف أي قرب، وأزلفه قربه { ~~أواب } رجاع إلى الله من آب يئوب أوبا إذا رجع { بطشا } ~~البطش: الأخذ بالشدة والعنف { نقبوا } طوفوا وساروا وأصل التنقيب ~~التنقير عن الشيء والبحث عنه قال الشاعر: # نقبوا في البلاد من حذر الموت # وجالوا في الأرض كل مجال # { محيص } مفر ومهرب من حاص يحيص حيصا إذا أراد الهرب { لغوب } ~~تعب. # سبب النزول: عن قتادة أن اليهود قالوا إن الله خلق السماوات والأرض ~~في ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، وأنه تعب فاستراح يوم ~~السبت وسموه يوم الراحة فكذبهم تعالى فيما قالوا فنزلت { ولقد ~~خلقنا السموت والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام وما مسنا من لغوب }. # التفسير: { وقال قرينه هذا ما لدي عتيد } أي وقال ~~الملك الموكل به، هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته وأحضرت ديوان ~~عمله { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } أي يقول تعالى ~~للملكين " السائق والشهيد " إقذفا في جهنم كل كافر معاند للحق لا ~~يؤمن بيوم الحساب { مناع للخير } أي مبالغ في المنع لكل حق ~~واجب عليه في ماله { معتد مريب } أي ظالم غاشم شاك في الدين { ~~الذي جعل مع الله إلها آخر } أي أشرك بالله ولم يؤمن ~~بوحدانيته { فألقياه في العذاب الشديد } أي فألقياه في ~~نار جهنم، وكرر اللفظ { فألقياه } للتوكيد { قال قرينه ~~ربنا مآ أطغيته } أي قال قرينه وهو الشيطان المقيض ms1481 له ربنا ~~ما أضللته { ولكن كان في ضلال بعيد } أي ولكنه ضل ~~باختياره، وآثر العمى على الهدى من غير إكراه أو إجبار، وفي الآية ~~محذوف دل عليه السياق كأن الكافر قال يا رب إن شيطاني هو الذي أطغاني، ~~فيقول قرينه: ربنا ما أطغيته بل كان هو نفسه ضالا معاندا للحق فأعنته ~~عليه { قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد } أي فيقول الله عز وجل للكافرين وقرنائهم من الشياطين: لا ~~تتخاصموا هنا فما ينفع الخصام ولا الجدال، وقد سبق أن أنذرتكم على ألسنة ~~الرسل بعذابي، وحذرتكم شديد عقابي، فلم تنفعكم الآيات والنذر { ما ~~يبدل القول لدي } أي ما يغير كلامي، ولا يبدل حكمي ~~بعقاب الكفرة المجرمين قال المفسرون: المراد وعده تعالى بعذاب الكافر ~~وتخليده في النار بقوله تعالى # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 119] { ومآ أنا بظلام للعبيد } أي ولست ظالما ~~حتى أعذب أحدا بدون استحقاق، وأعاقبه بدون جرم { يوم نقول ~~لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد }؟ أي اذكر ذلك ~~اليوم الرهيب يوم يقول الله تعالى لجهنم هل امتلأت، وتقول هل هناك من ~~زيادة؟ وفي الحديث # " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها ~~قدمه، فتقول: قط. قط وعزتك وكرمك - أي قد اكتفيت - وينزوي بعضها ~~إلى بعض " # والظاهر أن السؤال والجواب على حقيقتهما، والله على كل شيء قدير، فإن ~~إنطاق الجماد والشجر والحجر جائز عقلا، وحاصل شرعا، وقد أخبر القرآن ~~الكريم أن نملة تكلمت، وأن كل شيء يسبح بحمد الله، وورد في صحيح مسلم ~~أن المسلمين في آخر الزمان يقاتلون اليهود، حتى يختبىء اليهودي وراء ~~الشجر والحجر، فينطق الله الشجر والحجر.. الخ وقيل: إن الآية على ~~التمثيل وأنها تصوير لسعة جهنم وتباعد أقطارها بحيث لو ألقي فيها جميع ~~الكفرة والمجرمين فإنها تتسع لهم، وهو كقولهم " قال الحائط للمسمار لم ~~تشقني؟ قال: سل من يدقني " ثم أخبر تعالى عن حال السعداء بعد أن ذكر ~~حال الأشقياء فقال { وأزلفت الجنة للمتقين غير ~~بعيد } أي ms1482 قربت وأدنيت الجنة من المؤمنين المتقين مكانا غير بعيد، ~~بحيث تكون بمرأى منهم مبالغة في إكرامهم { هذا ما توعدون ~~لكل أواب حفيظ } أي يقال لهم: هذا الذي ترونه من النعيم هو ما ~~وعده الله لكل عبد أواب أي رجاع إلى الله، حافظ لعهده وأمره { ~~من خشي الرحمن بالغيب وجآء بقلب منيب } أي ~~خاف الرحمن فأطاعه دون أن يراه لقوة يقينه، وجاء بقلب تائب خاضع خاشع { ~~ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود } أي يقال لهم: أدخلوا ~~الجنة بسلامة من العذاب والهموم والأكدار، ذلك هو يوم البقاء الذي لا ~~انتهاء له أبدا، لأنه لا موت في الجنة ولا فناء { لهم ما يشآءون ~~فيها } أي لهم في الجنة من كل ما تشتهيه أنفسهم، وتلذ به أعينهم { ~~ولدينا مزيد } أي وعندنا زيادة على ذلك الإنعام والإكرام، وهو ~~النظر إلى وجه الله الكريم.. ثم خوف تعالى كفار مكة بما حدث ~~للمكذبين قبلهم فقال { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } أي ~~وأهلكنا قبل كفار قريش أمما كثيرين من الكفار المجرمين { هم أشد ~~منهم بطشا } أي هم أقوى من كفار قريش قوة، وأعظم منهم فتكا وبطشا ~~{ فنقبوا في البلاد هل من محيص } أي فساروا في البلاد، ~~وطوفوا فيها وجالوا في أقطارها، فهل كان لهم من الموت مهرب؟ وهل كان ~~لهم من عذاب الله مخلص؟ { إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } أي إن فيما ذكر من ~~إهلاك القرى الظالمة، لتذكرة وموعظة لمن كان له عقل يتدبر به، أو أصغى ~~إلى الموعظة وهو حاضر القلب ليتذكر ويعتبر قال سفيان: لا يكون حاضرا ~~وقلبه غائب وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه إذا استمع بأذنيه ~~وهو شاهد بقلب غير غائب، وعبر عن العقل بالقلب لأنه موضعه كما قال ~~تعالى { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور } { ولقد خلقنا ~~السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام وما ~~مسنا من لغوب } هذه الآية رد على اليهود حيث زعموا أن الله ~~خلق السماوات والأرض في ms1483 ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة ~~وأنه تعب فاستراح يوم السبت واستلقى على ظهره فوق العرش، فكذبهم الله ~~تعالى والمعنى والله خلق السماوات السبع في ارتفاعها وعظمتها، والأرض في ~~كثافتها وسعتها، وما بينهما من المخلوقات البديعة في ستة أيام، وما ~~مسنا من إعياء وتعب { فاصبر على ما يقولون } أي فاصبر يا ~~محمد على ما يقوله اليهود وغيرهم من كفار قريش، واهجرهم هجرا جميلا { ~~وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب } أي ونزه ربك عما لا يليق به، وصل له واعبده وقتي الفجر ~~والعصر، وخصهما بالذكر لزيادة فضلهما وشرفهما { ومن الليل ~~فسبحه وأدبار السجود } أي ومن الليل فصل لله تهجدا ~~وأعقاب الصلوات المفروضة قال ابن كثير: كانت الصلاة المفروضة قبل ~~الإسراء ثنتان قبل طلوع الشمس، وثنتان قبل الغروب، وكان قيام الليل ~~واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته حولا ثم نسخ في حق ~~الأمة وجوبه، ثم بعد ذلك نسخ كل ذلك ليلة الإسراء بخمس صلوات، وبقي ~~منهن صلاة الصبح والعصر فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب { واستمع ~~يوم يناد المناد من مكان قريب } أي واستمع يا محمد ~~النداء والصوت حين ينادي إسرافيل بالحشر من موضع قريب يصل صوته إلى ~~الكل على السواء قال أبو السعود: وفيه تهويل وتفظيع لشأن المخبر به، ~~والمنادي هو إسرافيل عليه السلام يقول: أيتها العظام البالية، والأوصال ~~المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن ~~تجتمعن لفصل القضاء { يوم يسمعون الصيحة بالحق } أي ~~يسمعون صيحة البعث التي تأتي بالحق - وهي النفخة الثانية في الصور - { ~~ذلك يوم الخروج } ذلك هو يوم الخروج من القبور { إنا نحن ~~نحيي ونميت وإلينا المصير } أي نحيي الخلائق ونميتهم ~~في الدنيا، وإلينا رجوعهم للجزاء في الآخرة، لا إلى غيرنا { يوم ~~تشقق الأرض عنهم سراعا } أي يوم تنشق الأرض عنهم ~~فيخرجون من القبور مسرعين إلى موقف الحساب استجابة لنداء المنادي { ~~ذلك حشر علينا يسير } أي ذلك جمع وبعث سهل هين علينا لا ~~يحتاج إلى عناء { نحن أعلم بما ms1484 يقولون } أي نحن أعلم بما ~~يقول كفار قريش من إنكار البعث والسخرية والاستهزاء بك وبرسالتك، وفيه ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم { ومآ أنت عليهم ~~بجبار } أي وما أنت يا محمد بمسلط عليهم تجبرهم على الإسلام، ~~إنما بعثت مذكر { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } أي عظ ~~بهذا القرآن من يخاف وعيدي. # . ختم السورة الكريمة بالتذكير بالقرآن كما افتتحها بالقسم بالقرآن ~~ليتناسق البدء مع الختام: # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيا ~~يلي: # 1- الإظهار في موطن الإضمار # فقال الكافرون # [ق: 2] بدل فقالوا للتسجيل عليهم بالكفر. # 2- الاستفهام الإنكاري لاستبعاد البعث # أإذا متنا وكنا ترابا # [ق: 2]. # 3- الإضراب عن السابق لبيان ما هو أفظع وأشنع من التعجب # بل كذبوا بالحق # [ق: 5] وهو التكذيب بآيات الله وبرسوله المؤيد بالمعجزات. # 4- التشبيه المرسل المجمل # كذلك الخروج # [ق: 11] شبه إحياء الموتى بإخراج النبات من الأرض الميتة. # 5- الاسعتارة التمثيلية # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16] مثل علمه تعالى بأحوال العبد، وبخطرات النفس، بحبل الوريد ~~القريب من القلب، وهو تمثيل للقرب بطريق الاستعارة كقول العرب: هو مني ~~مقعد القابلة، وهو مني معقد الإزار. # 6- الحذف بالإيجاز # عن اليمين وعن الشمال قعيد # [ق: 17] أصله عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فحذف من الأول لدلالة ~~الثاني عليه، وبين اليمين والشمال طباق وهو من المحسنات البديعية. # 7- الاستعارة التصريحية # وجاءت سكرة الموت # [ق: 19] استعار لفظ السكرة للهول والشدة التي يلقاها المحتضر عند ~~وفاته. # 8- الجناس الناقص بين { عنيد } و { عتيد } لتغاير حرفي النون ~~والتاء. # 9- الطباق بين { نحيي } و { نميت }. # 10- توافق الفواصل والسجع اللطيف غير المتكلف مثل # ذلك يوم الوعيد # [ق: 20] # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق: 21] { فبصرك اليوم حديد } ومثل { إنا نحن ~~نحيي ونميت وإلينا المصير.. ذلك حشر علينا ~~يسير } الخ وهو من المحسنات البديعية، لما فيه من جميل الوقع على ~~السمع. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-37] # اللغة: { الحبك } الطرائق جمع حبيكة كطريقة وزنا ومعنى قال ~~الزجاج: الحبك الطرائق الحسنة، والمحبوك في اللغة ما أجيد عمله وقال ~~ابن الأعرابي: كل ms1485 شيء أحكمته وأحسنت عمله فقد حبكته { الخراصون ~~} جمع خراص وهو الكذاب { غمرة } الغمرة ما ستر الشيء وغطاه ~~ومنه نهر غمر { يهجعون } ينامون والهجوع النوم ليلا { أوجس } ~~أحس وشعر { صرة } صيحة وضجة { مسومة } معلمة. # التفسير: { والذاريات ذروا } هذا قسم أقسم تعالى به أي أقسم ~~بالرياح التي تذرو التراب فتفرقه، وتحمل الرمال من مكان إلى مكان { ~~فالحاملات وقرا } أي وأقسم بالسحب التي تحمل أثقال الأمطار، وهي ~~محملة بالماء الذي فيه حياة البشر { فالجاريات يسرا } أي ~~وأقسم بالسفن التي تجري على وجه الماء جريا سهلا بيسر وهي تحمل ذرية ~~بني آدم { فالمقسمات أمرا } أي وأقسم بالملائكة التي تقسم ~~الأرزاق والأمطار بين العباد، وكل ملك مخصص بأمر، فجبريل صاحب الوحي ~~إلى الأنبياء، وميكائيل صاحب الرزق والرحمة، وإسرافيل صاحب الصور، ~~وعزرائيل صاحب قبض الأرواح قال المفسرون: أقسم الله تعالى بهذه الأشياء ~~لشرفها ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعه وقدرته، ثم ذكر جواب القسم ~~فقال { إنما توعدون لصادق } أي إن الذي توعدونه من الثواب ~~والعقاب، والحشر والنشر، لأمر صدق محقق لا كذب فيه { وإن ~~الدين لواقع } أي وإن الجزاء لكائن لا محالة، ثم ذكر تعالى ~~قسما آخر فقال { والسمآء ذات الحبك } أي وأقسم بالسماء ذات ~~الطرائق المحكمة والبنيان المتقن قال ابن عباس: ذات الخلق الحسن المستوي ~~{ إنكم لفي قول مختلف } جواب القسم أي إنكم أيها الكفار ~~لفي قول مضطرب في أمر محمد، فمنكم من يقول إنه ساحر، ومنكم من يقول إنه ~~شاعر، وبعضكم يقول إنه مجنون إلى غير ما هنالك من أقوال مختلفة { ~~يؤفك عنه من أفك } أي يصرف عن الإيمان بالقرآن وبمحمد عليه ~~السلام، من صرف عن الهداية في علم الله تعالى وحرم السعادة { قتل ~~الخراصون } أي لعن الكذابون الذين قالوا إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ساحر وكذاب وشاعر قال ابن الأنباري: والقتل إذا أخبر عن الله به ~~فهو بمعنى اللعنة، لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك { ~~الذين هم في غمرة ساهون } أي الذين هم غافلون لاهون عن أمر ~~الآخرة { يسألون ms1486 أيان يوم الدين } أي يقولون تكذيبا ~~واستهزاء: متى يوم الحساب والجزاء؟ قال تعالى ردا عليهم { يوم هم ~~على النار يفتنون } أي هذا الجزاء كائن يوم يدخلون جهنم ~~ويحرقون بها { ذوقوا فتنتكم } أي تقول لهم خزنة النار: ذوقوا ~~تعذيبكم وجزاءكم { هذا الذي كنتم به تستعجلون } أي ~~هذا الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا استهزاء.. ولما ذكر حال الكفار ذكر ~~المؤمنين الأبرار فقال { إن المتقين في جنات وعيون } ~~أي هم في بساتين فيها عيون جارية، تجري فيها على نهاية ما يتنزه به { ~~آخذين مآ آتاهم ربهم } أي راضين بما أعطاهم ربهم من الكرامة ~~والنعيم { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } أي كانوا في ~~دار الدنيا محسنين في الأعمال، ثم ذكر طرفا من إحسانهم فقال { كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون } أي كانوا ينامون قليلا من ~~الليل ويصلون أكثره قال الحسن: كابدوا قيام الليل لا ينامون من إلا ~~قليلا { وبالأسحار هم يستغفرون } أي وفي أواخر الليل ~~يسغفرون الله من تقصيرهم، فهم مع إحسانهم يعدون أنفسهم مذنبين، ولذلك ~~يكثرون الاستغفار بالأسحار قال أبو السعود: أي هم مع قلة نومهم وكثرة ~~تهجدهم يداومون على الاستغفار بالأسحار، كأنهم أسلفوا ليلهم باقتراف ~~الجرائم، وهو مدح ثان للمحسنين { وفي أموالهم حق ~~للسآئل والمحروم } مدح ثالث أي وفي أموالهم نصيب معلوم قد ~~أوجبوه على أنفسهم بمقتضى الكرم للسائل المحتاج، وللمتعفف الذي لا يسأل ~~لتعففه { وفي الأرض آيات للموقنين } أي وفي الأرض دلائل ~~واضحة على قدرة الله سبحانه ووحدانيته للموقنين بالله وعظمته، الذين ~~يعرفونه بصنعه قال ابن كثير: أي وفي الأرض من الآيات الدالة على عظمة ~~خالقها وقدرته الباهرة، مما فيها من صنوف النباتات والحيوانات، والجبال ~~والقفار، والبحار، والأنهار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما بينهم من ~~التفاوت في العقول والفهوم، والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الخلق ~~البديع، ولهذا قال بعده { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } أي ~~وفي أنفسكم آيات وعبر من مبدأ خلقكم إلى منتهاه، أفلا تبصرون قدرة ~~الله في خلقكم لتعرفوا قدرته على البعث؟ قال ابن عباس: يريد اختلاف ~~الصور، والألسنة، ms1487 والألوان، والطبائع، والسمع والبصر والعقل إلى غير ذلك ~~من العجائب المودعة في ابن آدم وقال قتادة: من تفكر في خلق نفسه عرف ~~أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة { وفي السمآء رزقكم ~~وما توعدون } أي وفي السماء أسباب رزقكم ومعاشكم وهو المطر الذي به ~~حياة البلاد والعباد، وما توعدون به من الثواب والعقاب مكتوب كذلك في ~~السماء قال الصاوي: والآية قصد بها الامتنان والوعد والوعيد { ~~فورب السمآء والأرض إنه لحق مثل مآ أنكم ~~تنطقون } أي أقسم برب السماء والأرض إن ما توعدون به من الرزق ~~والبعث والنشور لحق كائن لا محالة مثل نطقكم، فكما لا تشكون في نطقكم ~~حين تنطقون فكذلك يجب ألا تشكوا في الرزق والبعث قال المفسرون: وهذا على ~~سبيل التشبيه والتمثيل أي رزقكم مقسوم في السماء كنطقكم فلا تشكوا في ~~ذلك، وهذا كقول القائل: هذا حق كما أنك ههنا، وهذا حق كما أنك ترى ~~وتسمع، فالرزق مثل النطق لا يفارق الشخص في حال من الأحوال وفي الحديث # " لو أن أحدكم فر من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت " # . ثم ذكر تعالى قصة ضيف إبراهيم تسلية لقلب النبي الكريم فقال { هل ~~أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين }؟ الاستفهام ~~للتشويق ولتفخيم شأن تلك القصة كما يقول القائل: هل بلغك الخير الفلاني؟ ~~يريد تشويقه إلى استماعه والمعنى هل وصل إلى سمعك يا محمد خبر ضيوف ~~إبراهيم المعظمين؟ قال ابن عباس: يريد جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم ~~السلام، سموا مكرمين لكرامتهم عند الله عز وجل { إذ دخلوا ~~عليه فقالوا سلاما } أي حين دخلوا على إبراهيم فقالوا: ~~نسلم عليك سلاما { قال سلام قوم منكرون } أي قال عليكم ~~سلام أنتم قوم غرباء لا نعرفكم فمن أنتم؟ قال ابن كثير: وإنما أنكرهم ~~لأنهم قدموا عليه في صورة شبان حسان عليهم مهابة عظيمة ولهذا أنكرهم ~~وقال أبو حيان: والذي يناسب حال إبراهيم عليه السلام أنه لا يخاطبهم ~~بذلك، إذ فيه من عدم الإنس ما لا يخفى، وإنما قال ذلك في نفسه، أو ~~لمن كان معه من أتباعه وغلمانه، بحيث ms1488 لا يسمع ذلك الأضياف { فراغ ~~إلى أهله } أي فمضى إلى أهله في سرعة وخفية عن ضيفه، لأن من أدب ~~المضيف أن يبادر بإحضار الضيافة من غير أن يشعر به الضيف، حذرا من أن ~~يمنعه الضيف، أو يثقل عليه في التأخير قال ابن قتيبة: عدل إليهم في ~~خفية ولا يكون الرواغ إلا أن تخفي ذهابك ومجيئك { فجآء بعجل ~~سمين } أي فجاءهم بعجل سمين مشوي، والعجل ولد البقرة وكان عامة ما ~~له البقر، واختاره لهم سمينا زيادة في إكرامهم { فقربه إليهم ~~قال ألا تأكلون } أي فأدناه منهم ووضعه بين أيديهم فلم يأكلوا ~~فقال لهم في تلطف وبشاشة: ألا تأكلون هذا الطعام؟ قال ابن كثير: وفي ~~الآية تلطف في العبارة وعرض حسن، وقد انتظمت الآية آداب الضيافة، فإنه ~~جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولا فقال نأتيكم ~~بطعام بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله وهو عجل فتي ~~سمين مشوي، فقربه إليهم ولم يضعه وقال اقتربوا بل وضعه بين أيديهم، ولم ~~يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم بل قال: ألا تأكلون؟ على سبيل ~~العرض والتلطف كما يقول القائل: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل { ~~فأوجس منهم خيفة } أي فأضمر في نفسه الخوف منهم لما رأى ~~إعراضهم عن الطعام { قالوا لا تخف } أي قالوا له لا تخف إنا رسل ~~ربك { وبشروه بغلام عليم } أي وبشروه بولد يولد له من ~~زوجته سارة يكون عالما عند بلوغه قال أبو حيان: وفيه تبشير بحياته حتى ~~يكون من العلماء، والجمهور على أن المبشر به هو إسحاق لقوله تعالى في ~~سورة هود # فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71] { فأقبلت امرأته في صرة } أي فأقبلت سارة ~~نحوهم حين سمعت البشارة في صيحة وضجة قال المفسرون: لما سمعت بالبشارة ~~وكانت في زاوية من زوايا البيت جاءت نحوهم في صيحة عظيمة تريد أن تستفسر ~~الخبر { فصكت وجهها } أي فلطمت وجهها على عادة النساء عند ~~التعجب قال ابن عباس: لطمت وجهها تعجبا ms1489 كما تتعجب النساء من الأمر ~~الغريب { وقالت عجوز عقيم } أي قالت أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟ ~~والعقيم هي التي لم تلد قط لانقطاع حبلها قبل الإمام الجلال: كان عمرها ~~تسعا وتسعين سنة، وعمر إبراهيم مائة وعشرين { قالوا كذلك قال ~~ربك } أي الأمر كما أخبرناك هكذا حكم وقضى ربك من الأزل فلا تعجبي ~~ولا تشكي فيه { إنه هو الحكيم العليم } أي الحكيم في ~~صنعه، العليم بمصالح خلقه { قال فما خطبكم أيها ~~المرسلون } أي ما شأنكم الخطير الذي لأجله أرسلتم أيها الملائكة ~~الأبرار؟ قال البيضاوي: لما علم أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون مجتمعين ~~إلا لأمر عظيم سأل عنه { قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم ~~مجرمين } أي قالوا إن الله أرسلنا لإهلاك قوم لوط الذين ارتكبوا ~~أفحش الجرائم " اللواط " وكانوا ذوي جرائم متعددة، وهي كبار المعاصي من ~~كفر وعصيان { لنرسل عليهم حجارة من طين } أي لنهلكهم ~~بحجارة من طين متحجر مطبوخ بالنار وهو السجيل قال أبو حيان: والسجيل ~~طين يطبخ كما يطبخ الآجر حتى يصبح في صلابة الحجارة { مسومة ~~عند ربك } أي معلمة من عند الله بعلامة، على كل واحدة منها اسم ~~صاحبها الذي يهلك بها { للمسرفين } أي المجاوزين الحد في الفجور ~~قال الصاوي: كان في قرى لوط ستمائة ألف فأدخل جبريل جناحه تحت الأرض ~~فاقتلع قراهم، ورفعها حتى سمع أهل السماء أصواتهم ثم قلبها، ثم أرسل ~~الحجارة على من كان خارجا عنها { فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين } أي فأخرجنا من كان في قرى أهل لوط من المؤمنين لئلا ~~يهلكوا { فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } ~~أي فما كان فيها بعد البحث والتفتيش غير أهل بيت واحد من المسلمين قال ~~مجاهد: هم لوط وابنتاه، والغرض من الآية بيان قلة المؤمنين الناجين من ~~العذاب، وكثرة الكافرين المستحقين للهلاك قال الإمام الجلال: وصفوا ~~بالإيمان والإسلام أي هم مصدقون بقلوبهم، عاملون بجوارحهم الطاعات { ~~وتركنا فيهآ آية } أي أبقينا في تلك القرى المهلكة بعد إهلاك ~~الظالمين علامة على هلاكهم بجعل عاليها سافلها { للذين يخافون ~~العذاب الأليم ms1490 } أي للذين يخافون عذاب الله فإنهم المعتبرون به ~~قال ابن كثير: ومعنى الآية { وتركنا فيهآ آية } أي جعلناها ~~عبرة بما أنزلنا بهم من العذاب والنكال، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة ~~خبيثة ففي ذلك عبرة للمؤمنين الذين يخافون العذاب الأليم. # تنبيه: قال الإمام الرازي: في قصة ضيف إبراهيم تسلية لقلب النبي ~~الكريم صلى لله عليه وسلم ببيان أن غيره من الأنبياء عليهم السلام كان ~~مثله، واختار تعالى إبراهيم لكونه شيخ المرسلين، وكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم على سنته في بعض الأشياء، وفيها إنذار لقومه بما جرى من الضيف ~~ومن إنزال الحجارة على المذنبين المضلين. ### || [51.38-60] # المناسبة: لما ذكر تعالى قصة ضيف إبراهيم الذين أرسلوا لهلاك قوم ~~لوط أتبعه بذكر قصص الأمم الطاغية، فذكر منهم فرعون وجنوده، وعادا، ~~وثمود، وقوم نوح، تسلية للنبي عليه السلام، وتذكيرا للأنام بانتقام الله ~~من أعدائه وأعداء رسله، ثم ذكر دلائل القدرة والوحدانية، وختم السورة ~~الكريمة بإنذار المكذبين الضالين. # اللغة: { نبذناهم } طرحناهم { اليم } البحر { مليم } آت ~~بما يلام عليه { الرميم } الشيء الهالك البالي قال الزجاج: الرميم: ~~الورق الجاف المتحطم مثل الهشيم، ورم العظم إذا بلي فهو رمة ورميم ~~قال جرير يرثي ابنه: # تركتني حين كف الدهر من بصري # وإذ بقيت كعظم الرمة البالي # { الماهدون } مهدت الفراش مهدا بسطته ووطأته، والتمهيد تسوية ~~الشيء وإصلاحه { ذنوبا } الذنوب: بفتح الذال النصيب من العذاب. # التفسير: { وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون } أي ~~وجعلنا في قصة موسى أيضا آية وعبرة وقت إرسالنا له إلى فرعون { ~~بسلطان مبين } أي بحجة واضحة ودليل باهر { فتولى ~~بركنه } أي فأعرض عن الإيمان بموسى بجموعه وأجناده، وقوته وسلطانه ~~قال مجاهد: تعزز عدو الله بأصحابه والغرض أن فرعون أعرض عن الإيمان ~~بسبب ما كان يتقوى به من جنوده لأنهم كانوا له كالركن الذي يعتمد عليه ~~البنيان { وقال ساحر أو مجنون } أي وقال اللعين في شأن موسى ~~إنه ساحر ولذلك أتى بهذه الخوارق، أو مجنون ولذلك ادعى الرسالة، ~~وإنما قال ذلك تمويها على قومه لا شكا منه في صدق ms1491 موسى { ~~فأخذناه وجنوده } أي فأخذنا فرعون مع أصحابه وجنوده { ~~فنبذناهم في اليم } أي فطرحناهم في البحر لما أغضبونا وكذبوا ~~رسولنا { وهو مليم } أي وهو آت بما يلام عليه من الكفر والطغيان.. ~~ثم لما انتهى من قصة فرعون أعقبها بذكر قصة عاد فقال { وفي عاد إذ ~~أرسلنا عليهم الريح العقيم } أي وجعلنا في قصة عاد كذلك ~~آية لمن تأمل حين أرسلنا عليهم الريح المدمرة، التي لا خير فيها ولا ~~بركة، لأنها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر، وإنما هي للإهلاك، وهي ~~الريح التي تسمى الدبور وفي الصحيح # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # قال المفسرون: سميت { الريح العقيم } تشبيها لها بعقم المرأة ~~الي لا تحمل ولا تلد، ولما كانت هذه الريح لا تلقح سحابا ولا شجرا، ولا ~~خير فيها ولا بركة لأنها لا تحمل المطر شبهت بالمرأة العقيم { ما تذر ~~من شيء أتت عليه } أي ما تترك شيئا مرت عليه في طريقها مما ~~أراد الله تدميره وإهلاكه { إلا جعلته كالرميم } أي إلا ~~جعلته كالهشيم المتفتت البالي قال ابن عباس: { كالرميم } الشيء ~~الهالك البالي وقال السدي: هو التراب والرماد المدقوق كقوله تعالى: # تدمر كل شيء بأمر ربها # [الأحقاف: 25] قال المفسرون: كانت الريح التي أرسلها الله عليهم ريحا ~~صرصرا عاتية، استمرت عليهم ثمانية أيام متتابعة، فكانت تهدم البنيان ~~وتنتزع الرجال فترفعهم إلى السماء حتى يرى الواحد منهم كالطير ثم ترمي ~~به إلى الأرض جثة هامدة # كأنهم أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 7].. ثم أخبر تعالى عن هلاك ثمود فقال { وفي ثمود } أي ~~وجعلنا ثمود أيضا آية وعبرة { إذ قيل لهم تمتعوا حتى ~~حين } أي حين قيل لهم عيشوا متمتعين بالدنيا إلى وقت الهلاك بعد عقرهم ~~للناقة، وهو ثلاثة أيام كما في هود # فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام # [هود: 65] { فعتوا عن أمر ربهم } أي فاستكبروا عن امتثال ~~أمر الله، وعصوا رسولهم فعقروا الناقة { فأخذتهم الصاعقة } ~~أي فأخذتهم الصيحة المهلكة - صيحة العذاب - { وهم ينظرون } أي وهم ~~يشاهدونها ويعاينونها لأنها جاءتهم في وضح النهار قال ابن كثير: وذلك ms1492 ~~أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة ~~النهار وقال الألوسي: إن صالحا عليه السلام وعدهم بالهلاك بعد ثلاثة ~~أيام وقال لهم: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، وفي اليوم الثالث ~~مسودة، ثم يصبحكم العذاب، فلما رأوا الآيات التي بينها عليه السلام ~~عمدوا إلى قتله فنجاه الله، وفي اليوم الرابع أتتهم الصاعقة وهي نار من ~~السماء وقيل صيحة فهلكوا { فما استطاعوا من قيام } أي ما ~~قدروا على الهرب والنهوض من شدة الصيحة، بل أصبحوا في ديارهم جاثمين { ~~وما كانوا منتصرين } أي وما كانوا ممن ينتصر لنفسه فيدفع عنها ~~العذاب.. ثم أخبر تعالى عن هلاك قوم نوح فقال: { وقوم نوح من ~~قبل } أي وأهلكنا قوم نوح بالطوفان من قبل إهلاك هؤلاء المذكورين { ~~إنهم كانوا قوما فاسقين } تعليل للهلاك أي لأنهم كانوا ~~فسقة خارجين عن طاعة الرحمن بارتكابهم الكفر والعصيان.. ولما انتهى من ~~أخبار هلاك الأمم الطاغية المكذبة، شرع في بيان دلائل القدرة والوحدانية ~~فقال { والسمآء بنيناها بأييد } أي وشيدنا السماء وأحكمنا ~~خلقها بقوة وقدرة قال ابن عباس: { بأيد } بقوة { وإنا ~~لموسعون } أي وإنا لموسعون في خلق السماء، فإن الأرض وما يحيط بها ~~من الهواء والماء بالنسبة لها كحلقة صغيرة في فلاة كما ورد في الأحاديث ~~وقال ابن عباس: { لموسعون } أي لقادرون، من الوسع بمعنى الطاقة { ~~والأرض فرشناها } أي والأرض مهدناها لتستقروا عليها، وبسطناها ~~لكم ومددنا فيها لتنتفعوا بها بالطرقات وأنواع المزروعات، ولا ينافي ذلك ~~كرويتها، فذلك أمر مقطوع به، فإنها مع كرويتها واسعة ممتدة، فيها ~~السهول الفسيحة، والبقاع الواسعة، مع الجبال والهضاب ولهذا قال تعالى { ~~فنعم الماهدون } أي فنعم الباسطون الموسعون لها نحن، وصيغة ~~الجمع للتعظيم { ومن كل شيء خلقنا زوجين } أي ومن كل ~~شيء خلقنا صنفين ونوعين مختلفين ذكرا وأنثى، وحلوا وحامضا ونحو ذلك { ~~لعلكم تذكرون } أي كي تتذكروا عظمة الله فتؤمنوا به، وتعلموا ~~أن خالق الأزواج واحد أحد { ففروا إلى الله } أي الجأوا إلى ~~الله، واهرعوا إلى توحيده وطاعته قال أبو حيان: والأمر بالفرار إلى ms1493 ~~الله أمر بالدخول في الإيمان وطاعة الرحمن، وإنما ذكر بلفظ الفرار ~~لينبه على أن وراء الناس عقابا وعذابا، وأمر حقه أن يفر منه، فقد ~~جمعت اللفظة بين التحذير والاستدعاء، ومثله قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك " # وقال ابن الجوزي: المعنى اهربوا مما يوجب العقاب من الكفر والعصيان، ~~إلى ما يوجب الثواب من الطاعة والإيمان { إني لكم منه ~~نذير } أي إني أنذركم عذاب الله وأخوفكم انتقامه { مبين } أي ~~واضح أمري فقد أيدني الله بالمعجزات الباهرات { ولا تجعلوا مع ~~الله إلها آخر } أي لا تشركوا مع الله أحدا من بشر أو حجر { ~~إني لكم منه نذير مبين } كرر اللفظ للتأكيد والتنبيه ~~إلى خطر الإشراك بالله قال الخازن: وإنما كرر اللفظ عند الأمر ~~بالطاعة، والنهي عن الشرك، ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل، ~~كما أن العمل لا ينفع إلا مع الإيمان، وأنه لا يفوز وينجو عند الله ~~إلا الجامع بينهما { كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من ~~رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } هذه تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أي كما كذبك قومك يا محمد، وقالوا عنك إنك ساحر أو ~~مجنون، كذلك قال المكذبون الأولون لرسلهم، فلا تحزن لما يقول المجرمون { ~~أتواصوا به } أي هل أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب؟ وهو استفهام ~~للتعجب من إجماعهم على تلك الكلمة الشنيعة، ثم أضرب عن هذا النفي ~~والتوبيخ فقال { بل هم قوم طاغون } أي لم يوص بعضهم بعضا ~~بذلك، بل حملهم الطغيان على التكذيب والعصيان فلذلك قالوا ما قالوا { ~~فتول عنهم } أي فأعرض يا محمد عنهم { فمآ أنت بملوم } ~~أي فلا لوم عليك ولا عتاب، لأنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة، وبذلت ~~الجهد في النصح والإرشاد { وذكر فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين } أي لا تدع التذكير والموعظة فإن القلوب المؤمنة تنتفع ~~وتتأثر بالموعظة الحسنة.. ثم ذكر تعالى الغاية من خلق الخلق فقال { وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } أي وما خلقت الثقلين ~~الإنس والجن إلا لعبادتي وتوحيدي، لا ms1494 لطلب الدنيا والانهماك بها قال ~~ابن عباس: { إلا ليعبدون } إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو ~~كرها وقال مجاهد: إلا ليعرفوني قال الرازي: لما بين تعالى حال ~~المكذبين ذكر هذه الآية ليبين سوء صنيعهم حيث تركوا عبادة الله مع أن ~~خلقهم لم يكن إلا للعبادة { مآ أريد منهم من رزق } أي لا ~~أريد منهم أن يرزقوني أو يرزقوا أنفسهم أو غيرهم بل أنا الرزاق المعطي ~~{ ومآ أريد أن يطعمون } أي ولا أريد منهم أن يطعموا خلقي ولا ~~أن يطعموني فأنا الغني الحميد قال البيضاوي: والمراد أن يبين أن شأنه مع ~~عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم، فإنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في ~~تحصيل معايشهم، فكأنه سبحانه يقول: ما أريد أن أستعين بهم كما يستعين ~~السادة بعبيدهم، فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي { إن الله هو ~~الرزاق } أي إنه جل وعلا هو الرازق، المتكفل بأرزاق العباد ~~وحاجاتهم، أتى باسم الجلالة الظاهر للتفخيم والتعظيم، وأكد الجملة بإن ~~والضمير المنفصل لقطع أوهام الخلق في أمور الرزق، وليقوي اعتمادهم على ~~الله { ذو القوة } أي ذو القدرة الباهرة { المتين } أي شديد ~~القوة لا يطرأ عليه عجز ولا ضعف قال ابن كثير: أخبر تعالى أنه غير محتاج ~~إليهم، بل هم الفقراء إلى الله في جميع أحوالهم فهو خالقهم ورازقهم، ~~وفي الحديث القدسي # " يا بان آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وإلا تفعل ملأت صدرك ~~شغلا ولم أسد فقرك " # { فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم ~~} أي فإن لهؤلاء الكفار الذين كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم نصيبا ~~من العذاب مثل نصيب أسلافهم الذين أهلكوا كقوم نحو وعاد وثمود { فلا ~~يستعجلون } أي فلا يتعجلوا عذابي فإنه واقع لا محالة إن عاجلا ~~أو آجلا { فويل للذين كفروا من يومهم الذي ~~يوعدون } أي هلاك ودمار وشدة عذاب لهؤلاء الكفار في يوم القيامة الذي ~~وعدهم الله به. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق # وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 19] لأن السائل الطالب، والمحروم المتعفف. # 2- تأكيد ms1495 الخبر بالقسم وإن واللام # فورب السمآء والأرض إنه لحق # [الذاريات: 23] ويسمى هذا الضرب إنكاريا، لأن المخاطب منكر لذلك. # 3- أسلوب التشويق والتفخيم # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين # [الذاريات: 24]. # 4- الاستعارة { فتولى بركنه } استعار الركن للجنود والجموع ~~لأنه يحصل بهم التقوى والاعتماد كما يعتمد على الركن في البناء أو ~~استعارة للقوة والشدة. # 5- المجاز العقلي { وهو مليم } أطلق اسم الفاعل على اسم المفعول ~~أي ملام على طغيانه. # 6- الاستعارة التبعية { الريح العقيم } شبه إهلاكهم وقطع دابرهم ~~بعقم النساء وعدم حملهن ثم أطلق المشبه به على المشبه واشتق منه العقيم ~~بطريق الاستعارة. # 7- حذف الإيجاز # قوم منكرون # [الذاريات: 25] أي أنتم قوم منكرون ومثلها # عجوز عقيم # [الذاريات: 29] أي أنا عجوز. # 8- التشبيه المرسل المجمل { ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم } ~~أي نصيبا من العذاب مثل نصيب أسلافهم المكذبين في الشدة والغلظة، حذف ~~منه وجه الشبه فهو مجمل. # 9- الإطناب بتكرار الفعل { مآ أريد منهم من رزق ومآ ~~أريد أن يطعمون } للمبالغة والتأكيد. # 10- السجع الرصين غير المتكلف الذي يزيد في جمال الأسلوب ورونقه مثل { ~~والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون.. والأرض ~~فرشناها فنعم الماهدون } وهو من المحسنات البديعية. # لطيفة: ذكر أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ # وفي السمآء رزقكم وما توعدون * فورب السمآء ~~والأرض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون # [الذاريات: 22-23] فقال: يا سبحان الله من الذي أغضب الجليل حتى حلف! ~~ألم يصدقوه في قوله حتى ألجئوه إلى اليمين؟ يا ويح الناس!! ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-28] # اللغة: { رق } الرق بالفتح والكسر جلد رقيق يكتب فيه وقال أبو ~~عبيدة: الرق الورق وفي الصحاح: الرق بالفتح ما يكتب فيه وهو جلد رقيق ~~{ المسجور } الموقد نارا يقال: سجرت النار أي أوقدتها { تمور } ~~مار الشيء يمور مورا إذ تحرك واضطرب، وجاء وذهب، قال جرير: # وما زالت القتلى تمور دماؤها # بدجلة حتى ماء دجلة أشكل # { يدعون } يدفعون بشدة وعنف، والدع: الدفع بشدة وإهانة { ~~ألتناهم } أنقصناهم { رهين } محبوس { السموم } الريح الحارة ~~النافذة في المسام # التفسير: { والطور * وكتاب مسطور } أقسم تعالى بجبل الطور ~~الذي كلم الله عليه موسى، وأقسم بالكتاب ms1496 الذي أنزله على خاتم رسله وهو ~~القرآن العظيم المكتوب { في رق } أي في أديم من الجلد الرقيق { ~~منشور } أي مبسوط غير مطوي وغير مختوم عليه قال القرطبي: أقسم الله ~~تعالى بالطور - وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى - تشريفا له ~~وتكريما، وتذكيرا لما فيه من الآيات، وأقسم بالكتاب المسطور أي المكتوب ~~وهو القرآن يقرأه المؤمنون من المصاحف، ويقرأه الملائكة من اللوح ~~المحفوظ، وقيل يعني بالكتاب سائر الكتب المنزلة على الأنبياء لأن كل كتاب ~~في رق ينشره أهله لقراءته، والرق ما رقق من الجلد ليكتب فيه { ~~والبيت المعمور } أي وأقسم بالبيت المعمور الذي تطوف به ~~الملائكة الأبرار، وهو لأهل السماء كالكعبة المشرفة لأهل الأرض، وفي حديث ~~الإسراء # " ثم رفع إلي البيت المعمور، فقلت يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا البيت ~~المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه ~~آخر ما عليهم " # وقال ابن عباس: هو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة - أي مقابلها ~~وحذاءها - تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم ~~لا يعودون إليه { والسقف المرفوع } أي والسماء العالية ~~المرتفعة، الواقفة بقدرة الله بلا عمد، سمى السماء سقفا لأنها للأرض ~~كالسقف للبيت ودليله # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32] وقال ابن عباس: هو العرش وهو سقف الجنة { والبحر ~~المسجور } أي والبحر المسجور الموقد نارا يوم القيامة كقوله # وإذا البحار سجرت # [التكوير: 6] أي أضرمت حتى تصير نارا ملتهبة تتأجج تحيط بأهل الموقف { ~~إن عذاب ربك لواقع } هذا جواب القسم أي إن عذاب الله ~~لنازل بالكافرين لا محالة قال ابن الجوزي: أقسم تعالى بهذه الأشياء ~~الخمسة للتنبيه على ما فيها من عظيم قدرته على أن عذاب المشركين حق { ~~ما له من دافع } أي ليس له دافع يدفعه عنهم قال أبو حيان: والواو ~~الأولى للقسم وما بعدها للعطف، والجملة المقسم عليها هي { إن عذاب ~~ربك لواقع } وفي إضافة العذاب للرب لطيفة إذ هو المالك والناظر ~~في مصلحة العبد، فإضافته إلى الرب وإضافته لكاف الخطاب أمان له ms1497 صلى ~~الله عليه وسلم وأن العذاب واقع بمن كذبه، ولفظ واقع أشد من كائن، كأنه ~~مهيأ في مكان مرتفع فيقع على من حل به { يوم تمور السمآء ~~مورا } أي تتحرك السماء وتضطرب اضطرابا شديدا من هول ذلك اليوم { ~~وتسير الجبال سيرا } أي تنسف نسفا عن وجه الأرض فتكون هباء ~~منثورا كقوله # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105] قال الخازن: والحكمة في مور السماء وسير الجبال، الإنذار ~~والإعلام بأن لا رجوع ولا عود إلى الدنيا، وذلك لأن الأرض والسماء وما ~~بينهما من الجبال والبحار وغير ذلك إنما خلقت لعمارة الدنيا وانتفاع بني ~~آدم بذلك، فلما لم يبق لهم عود إليها أزالها الله تعالى وذلك لخراب ~~الدنيا وعمارة الآخرة { فويل يومئذ للمكذبين } أي هلاك ~~ودمار وشدة عذاب للمكذبين أرسل الله في ذلك اليوم الرهيب { الذين ~~هم في خوض يلعبون } أي الذين هم في الدنيا يخوضون في الباطل ~~غافلون ساهون عما يراد بهم { يوم يدعون إلى نار جهنم ~~دعا } أي يوم يدفعون إلى نار جهنم دفعا بشدة وعنف قال في البحر: ~~وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيدي الكفار إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى ~~أقدامهم، ويدفعون بهم دفعا إلى النار على وجوههم وزجا في أقفيتهم حتى ~~يردوا إلى النار، فإذا دنوا منها قال لهم خزنتها { هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون } أي هذه نار جهنم التي كنتم تهزءون ~~وتكذبون بها في الدنيا { أفسحر هذا أم أنتم لا ~~تبصرون } أي وتقول لهم الزبانية تقريعا وتوبيخا: هل هذا الذي ~~ترونه بأعينكم من العذاب سحر، أم أنتم اليوم عمي كما كنتم في الدنيا ~~عميا عن الخير والإيمان؟ قال أبو السعود: وقوله تعالى { أفسحر ~~هذا } توبيخ لهم وتقريع حيث كانوا يسمون القرآن الناطق بالحق سحرا ~~فكأنه قيل لهم: كنتم تقولون عن القرآن إنه سحر أفهذا العذاب أيضا سحر ~~أم سدت أبصاركم كما سدت في الدنيا؟ { اصلوها فاصبروا أو ~~لا تصبروا } أي قاسوا شدتها فاصبروا على العذاب أو لا تصبروا، وهو ~~توبيخ آخر { سوآء عليكم } أي يتساوى ms1498 عليكم الصبر والجزع لأنكم ~~مخلدون في جهنم أبدا { إنما تجزون ما كنتم تعملون } ~~أي إنما تنالون جزاء أعمالكم القبيحة من الكفر والتكذيب، ولا يظلم ربك ~~أحدا.. ولما ذكر حال الكفرة الأشقياء ذكر حال المؤمنين السعداء على عادة ~~القرآن الكريم في الجمع بين الترهيب والترغيب فقال { إن المتقين ~~في جنات ونعيم } أي إن الذين اتقوا ربهم في الدنيا بامتثال ~~أوامره واجتناب نواهيه، هم في الآخرة في بساتين عظيمة ونعيم مقيم خالد { ~~فاكهين بمآ آتاهم ربهم } أي متنعمين ومتلذذين بما أعطاهم ~~ربهم من الخير والكرامة وأصناف الملاذ من مآكل ومشارب، وملابس ومراكب، ~~وغير ذلك من ملاذ الجنة { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } أي ~~وقد نجاهم ربهم من عذاب جهنم وصرف عنهم أهوالها قال ابن كثير: وتلك نعمة ~~مستقلة بذاتها مع ما أضيف إليها من دخول الجنة، التي فيها من السرور ما ~~لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر { كلوا واشربوا ~~هنيئا بما كنتم تعملون } أي يقال لهم: كلوا واشربوا أكلا ~~وشربا هنيئا، لا تنغيص فيه ولا كدر، بسبب ما قدمتم من صالح الأعمال. # . ثم أخبر تعالى عن حالهم عند أكلهم وشربهم فقال { متكئين على ~~سرر مصفوفة } أي جالسين على هيئة المضطجع على سرر من ذهب ~~مكللة بالدر والياقوت، مصطفة بعضها إلى جانب بعض، قال ابن كثير: { ~~مصفوفة } أي وجوه بعضهم إلى بعض كقوله # على سرر متقابلين # [الحجر: 47] وفي الحديث # " إن الرجل ليتكىء المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه ولا يمله، ~~يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه " # { وزوجناهم بحور عين } أي وجعلنا لهم قرينات صالحات، وزوجات ~~حسانا من الحور العين، وهن نساء بيض واسعات العيون - من الحور وهو ~~شدة البياض، والعين جمع عيناء وهي كبيرة العين - والبياض مع سعة العين ~~نهاية الحسن والجمال { والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان } أي كانوا مؤمنين وشاركهم أولادهم في الإيمان ~~{ ألحقنا بهم ذريتهم } أي ألحقنا الأبناء بالآباء ~~لتقربهم أعينهم وإن لم يبلغوا عملهم قال ابن عباس: إن الله عز وجل ~~ليرفع ذرية المؤمن معه ms1499 في درجته في الجنة وإن كان لم يبلغها بعمله ~~لتقربهم عينه وتلا الآية قال الزمخشري: فيجمع الله لأهل الجنة أنواع ~~السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان ~~المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم { ومآ ألتناهم من ~~عملهم من شيء } أي وما نقصنا الآباء من ثواب عملهم شيئا قال في ~~البحر: المعنى أنه تعالى يلحق المقصر بالمحسن ولا ينقص المحسن من أجره ~~شيئا { كل امرىء بما كسب رهين } أي كل إنسان مرتهن بعمله ~~لا يحمل عليه ذنب غيره سواء كان أبا أو إبنا وقال ابن عباس: ارتهن ~~أهل جهنم بأعمالهم، وصار أهل الجنة إلى نعيمهم وقال الخازن: المراد ~~بالآية الكافر أي كل كافر بما عمل من الشرك مرتهن بعمله في النار، ~~والمؤمن لا يكون مرتهنا بعمله لقوله تعالى # كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين # [المدثر: 38-39].. ثم ذكر ما وعدهم به من الفضل والنعمة فقال { ~~وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون } أي وزدناهم ~~- فوق ما لهم من النعيم - بفواكه ولحوم من أنواع شتى مما يستطاب ويشتهى ~~{ يتنازعون فيها كأسا } أي يتعاطون في الجنة كأسا من الخمر، ~~يتجاذبها بعضهم من بعض تلذذا وتأنسا قال الألوسي: أي يتجاذبونها تجاذب ~~ملاعبة كما يفعل ذلك الندامى في الدنيا لشدة سرورهم { لا لغو فيها ~~ولا تأثيم } أي لا يقع بينهم بسبب شربها هذيان حتى يتكلموا بساقط ~~الكلام، ولا يلحقهم إثم كما يلحق شارب الخمر في الدنيا قال قتادة: نزه ~~الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها، فنفى عنها صداع الرأس، ~~ووجع البطن، وإزالة العقل، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام الفارغ الذي ~~لا فائدة فيه، المتضمن للهذيان والفحش، ووصفها بحسن منظرها وطيب طعمها، ~~فقال # بيضآء لذة للشاربين * لا فيها غول ولا هم ~~عنها ينزفون # [الصافات: 46-47] ثم قال تعالى { ويطوف عليهم غلمان ~~لهم } أي ويطوف عليهم للخدمة غلمان مماليك خصصهم تعالى لخدمتهم { ~~كأنهم لؤلؤ مكنون } أي كأنهم في الحسن، والبياض، والصفاء ~~اللؤلؤ المصون في الصدف قال القرطبي: وهؤلاء الغلمان قيل هم أولاد ~~المشركين ms1500 وهم خدم أهل الجنة، وليس في الجنة نصب ولا حاجة إلى خدمة، ~~ولكنه أخبر بأنهم على غاية النعيم { وأقبل بعضهم على بعض ~~يتسآءلون } أي أقبل أهل الجنة يسأل بعضهم بعضا عن أعمالهم ~~وأحوالهم في الدنيا، تلذذا بالحديث، واعترافا بالنعمة { قالوا ~~إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } أي قال المسئولون: ~~إنا كنا في دار الدنيا خائفين من ربنا، مشفقين من عذابه وعقابه { ~~فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم } أي فأكرمنا ~~الله بالمغفرة والجنة، وأجارنا مما نخاف، وحمانا من عذاب جهنم النافذة في ~~المسام نفوذ الريح الحارة الشديدة وهي التي تسمى { السموم } قال ~~الفخر الرازي: والآية إشارة إلى أن أهل الجنة يعلمون ما جرى عليهم في ~~الدنيا ويذكرونه، وكذلك الكافر لا ينسى ما كان له من النعيم في الدنيا، ~~فتزداد لذة المؤمن حيث يرى نفسه انتقلت من الضيق إلى السعة، ومن السجن ~~إلى الجنة، ويزداد الكافر ألما حيث يرى نفسه انتقلت من النعيم إلى ~~الجحيم { إنا كنا من قبل ندعوه } أي قال أهل الجنة: إنا ~~كنا في الدنيا نعبد الله ونتضرع إليه، فاستجاب الله لنا فأعطانا سؤلنا { ~~إنه هو البر الرحيم } أي إنه تعالى هو المحسن، المتفضل ~~على عباده بالرحمة والغفران، وهو كالتعليل لما سبق، عن مسروق أن عائشة ~~رضي الله تعالى عنها قرأت هذه الآية { فمن الله علينا ~~ووقانا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ندعوه ~~إنه هو البر الرحيم } فقالت: اللهم من علينا وقنا عذاب ~~السموم إنك أنت البر الرحيم. ### || [52.29-49] # المناسبة: لما تقدم إقسام الله تعالى على وقوع العذاب بالكافرين، ~~وذكر أشياء من أحوال المعذبين والناجين، أمر تعالى رسوله بالتذكير، ~~إنذارا للكافرين وتبشيرا للمؤمنين، وختم السورة الكريمة ببيان عاقبة ~~المكذبين، وحفظ الله ورعايته لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. # اللغة: { ريب المنون } حوادث الدهر وصروفه، والمنون هو الدهر ~~قال أبو ذؤيب: # أمن المنون وريبه تتوجع # والدهر ليس بمعتب من يجزع # والمنون أيضا الموت من المن بمعنى القطع لأنه يقطع الأعمار { ~~أحلامهم } عقولهم جمع حلم وهو العقل { المصيطرون } ~~المسيطر: المتسلط ms1501 على الشيء { كسفا } قطعة يقال: كسف بسكون السين ~~وكسفة أي قطعة وجمعه كسف بفتح السين { مركوم } متجمع ومتراكم بعضه ~~فوق بعض. # التفسير: { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك } أي فذكر يا ~~محمد بالقرآن قومك وعظهم به، فما أنت بإنعام الله عليك بالنبوة وإكرامه ~~لك بالرسالة { بكاهن ولا مجنون } أي لست كاهنا تخبر بالأمور ~~الغيبية من غير وحي، ولا مجنونا كما زعم المشركون، إنما تنطق بالوحي.. ~~ثم أنكر عليهم مزاعمهم الباطلة في شأن الرسول فقال { أم يقولون ~~شاعر نتربص به ريب المنون } أي بل أيقول المشركون هو ~~شاعر ننتظر به حوادث الدهر وصروفه حتى يهلك فنستريح منه؟ قال الخازن: ~~وريب المنون حوادث الدهر وصروفه، وغرضهم أنه يهلك ويموت كما هلك من كان ~~قبله من الشعراء، والمنون اسم للموت وللدهر وأصله القطع، سميا بذلك ~~لأنهما يقطعان الأجل { قل تربصوا فإني معكم من ~~المتربصين } أي قل لهم يا محمد: انتظروا بي الموت فإني منتظر ~~هلاككم كما تنتظرون هلاكي، وهو تهكم بهم مع التهديد والوعيد { أم ~~تأمرهم أحلامهم بهذآ }؟ أي أم تأمرهم عقولهم بهذا الكذب ~~والبهتان؟ قال الخازن: وذلك أن عظماء قريش كانوا يوصفون بالأحلام ~~والعقول، فأزرى الله بعقولهم حين لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل، وهو ~~تهكم آخر بالمشركين { أم هم قوم طاغون } أي بل هم قوم مجاوزون ~~الحد في الكفر والطغيان، والمكابرة والعناد { أم يقولون ~~تقوله } أي أم يقولون إن محمدا اختلق القرآن وافتراه من عند نفسه ~~قال القرطبي: والتقول تكلف القول، وإنما يستعمل في الكذب في غالب ~~الأمر، يقال: قولتني ما لم أقل أي ادعيته علي، وتقول عليه أي كذب ~~عليه { بل لا يؤمنون } أي ليس الأمر كما زعموا بل لا يصدقون ~~بالقرآن استكبارا وعنادا ثم ألزمهم تعالى الحجة فقال { فليأتوا ~~بحديث مثله إن كانوا صادقين } أي فليأتوا بكلام مماثل ~~للقرآن في نظمه وحسنه وبيانه، إن كانوا صادقين في قولهم إن محمدا ~~افتراه، وهو تعجيز لهم مع التوبيخ { أم خلقوا من غير شيء ~~} أي هل خلقوا من غير رب ولا خالق؟ ms1502 قال ابن عباس: من غير رب خلقهم ~~وقدرهم { أم هم الخالقون } أي أم هم الخالقون لأنفسهم، حتى ~~تجرءوا فأنكروا وجود الله جل وعلا؟ { أم خلقوا السماوات ~~والأرض } أي أم هم خلقوا السماوات والأرض؟ وإنما خص السماوات ~~والأرض بالذكر من بين سائر المخلوقات لعظمها وشرفها، ثم بين تعالى ~~السبب في إنكارهم لوحدانية الله فقال { بل لا يوقنون } أي بل لا ~~يصدقون ولا يؤمنون بوحدانية الله وقدرته على البعث ولذلك ينكرون الخالق ~~قال الخازن: ومعنى الآية هل خلقوا من غير شيء خلقهم فوجدوا بلا خالق ~~وذلك مما لا يجوز أن يكون، لأن تعلق الخلق بالخالق ضروري، فإن أنكروا ~~الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق، أم هم الخالقون لأنفسهم؟ وذلك في ~~البطلان أشد، لأن ما لا وجود له كيف يخلق؟ فإذا بطل الوجهان قامت ~~الحجة عليهم بأن لهم خالقا فليؤمنوا به، وليوحدوه، وليعبدوه، وليوقنوا ~~أنه ربهم وخالقهم { أم عندهم خزآئن ربك }؟ أي أعندهم خزائن ~~رزق الله ورحمته حتى يعطوا النبوة من شاءوا ويمنعوها عمن شاءوا؟ قال ابن ~~عباس: { خزآئن ربك } المطر والرزق وقال عكرمة: النبوة { أم ~~هم المصيطرون }؟ أي أم هم الغالبون القاهرون حتى يتصرفوا في ~~الخلق كما يشاءون؟ لا بل الله عز وجل هو الخالق المالك المتصرف وقال عطاء ~~{ أم هم المصيطرون } أم هم الأرباب فيفعلون ما يشاءون ولا ~~يكونون تحت أمر ولا نهي؟ { أم لهم سلم يستمعون فيه }؟ ~~أي أم لهم مرقى ومصعد إلى السماء يستمعون فيه كلام الملائكة والوحي ~~فيعلمون أنهم على حق فهم به مستمسكون؟ { فليأت مستمعهم ~~بسلطان مبين } أي فليأت من يزعم ذلك بحجة بينة واضحة على صدق ~~استماعه كما أتى محمد بالبرهان القاطع. # . ثم وبخهم تعالى على ما هو أشنع وأقبح من تلك المزاعم الباطلة وهو ~~نسبتهم إلى الله البنات، وجعلهم لله جل وعلا ما يكرهون لأنفسهم فقال { ~~أم له البنات ولكم البنون }؟ أي كيف تجعلون لله البنات - ~~مع كراهتكم لهن - وتجعلون لأنفسكم البنين؟ أهذا هو المنطق والإنصاف؟ قال ~~القرطبي: سفه أحلامهم توبيخا لهم وتقريعا والمعنى ms1503 أتضيفون إلى الله ~~البنات مع أنفتكم منهن، ومن كان عقله هكذا لا يستبعد منه إنكار البعث ~~وقال أبو السعود: تسفيه لهم وتركيك لعقولهم، وإيذان بأن من هذا رأيه ~~لا يكاد يعد من العقلاء، فضلا عن الترقي إلى عالم الملكوت، والاطلاع ~~على الأسرار الغيبية، والالتفات إلى الخطاب لتشديد الإنكار والتوبيخ { ~~أم تسألهم أجرا } أي هل تسألهم يا محمد أجرا على تبليغ ~~الرسالة وتعليم أحكام الدين؟ { فهم من مغرم مثقلون } أي ~~فهم بسبب ذلك الأجر والغرم الثقيل الذي أوجبته عليهم مجهدون ومتعبون ~~فلذلك يزهدون في اتباعك، ولا يدخلون في الإسلام؟ فإن العادة أن من كلف ~~إنسانا مالا وضرب عليه جعلا يصير مثقلا وغارما بسببه فيكرهه ولا ~~يسمع قوله ولا يمتثله { أم عندهم الغيب فهم يكتبون }؟ ~~أي أعندهم علم الغيب حتى يعلموا أن ما يخبرهم به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من أمور الآخرة والحشر والنشر باطل فلذلك يكتبون هذه المعلومات عن ~~معرفة ويقين؟ قال قتادة: هو رد لقولهم { شاعر نتربص به ~~ريب المنون } والمعنى أعلموا أن محمدا يموت قبلهم حتى يحكموا ~~بذلك؟ وقال ابن عباس: أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه، ~~ويخبرون الناس بما فيه؟ ليس الأمر كذلك فإنه لا يعلم أحد من أهل ~~السماوات والأرض الغيب إلا الله { أم يريدون كيدا }؟ أي أيريد ~~هؤلاء المجرمون أن يتآمروا عليك يا محمد؟ قال المفسرون: والآية إشارة ~~إلى كيدهم في دار الندوة وتآمرهم على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم كما ~~قال تعالى # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك # [الأنفال: 30] { فالذين كفروا هم المكيدون } أي فالذين ~~جحدوا رسالة محمد هم المجزيون بكيدهم لأن ضرر ذلك عائد عليهم، ووباله ~~راجع على أنفسهم كقوله # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43] قال الصاوي: وأوقع الظاهر { فالذين كفروا } موقع ~~المضمر تشنيعا وتقبيحا عليهم بتسجيل وصف الكفر { أم لهم إله ~~غير الله }؟ أي ألهم إله خالق رازق غير الله تعالى حتى يلجأوا ~~إليه وقت الضيق والشدة؟ ويستنجدوا به لدفع الضر والعذاب عنهم؟ ms1504 { ~~سبحان الله عما يشركون } أي تنزه وتقدس الله عما ~~يشركون به من الأوثان والأصنام قال الإمام الجلال: والاستفهام ب " أم " ~~في مواضعها الخمسة عشر للتوبيخ والتقريع والإنكار.. ثم أخبر تعالى عن ~~شدة طغيانهم وفرط عنادهم فقال { وإن يروا كسفا من السمآء ~~ساقطا } أي لو عذبناهم بسقوط قطع من السماء نزلت عليهم لم ينتهوا ولم ~~يرجعوا، ولقالوا في هذا النازل عنادا واستهزاء: إنه سحاب مركوم { ~~يقولوا سحاب مركوم } أي إنه سحاب متراكم بعضه فوق بعض قد ~~سقط علينا قال أبو حيان: كانت قريش قد اقترحت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيما اقترحت من قولهم # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا # [الإسراء: 92] فأخبر تعالى أنهم لو رأوا ذلك عيانا حسب اقتراحهم لبلغ ~~بهم عتوهم وجهلهم أن يغالطوا أنفسهم فيما عاينوه ويقولوا: هو سحاب مركوم ~~أي سحاب تراكم بعضه فوق بعض ممطرنا، وليس بكسف ساقط للعذاب { ~~فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون } ~~أي اتركهم يا محمد يتمادون في غيهم وضلالهم، حتى يلاقوا ذلك اليوم الرهيب ~~- يوم القيامة - الذي يأتيهم فيه من العذاب ما يزيل عقولهم ويسلب ألبابهم ~~{ يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا } أي يوم لا ينفعهم ~~كيدهم ولا مكرهم الذي استعملوه في الدنيا ولا يدفع عنهم شيئا من العذاب ~~{ ولا هم ينصرون } أي ولا هم يمنعون من عذاب الله في الآخرة { ~~وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك } أي وإن للذين ~~كفروا عذابا شديدا في الدنيا قبل عذاب الآخرة قال ابن عباس: هو عذاب ~~القبر وقال مجاهد: هو الجوع والقحط سبع سنين { ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون } أي لا يعلمون أن العذاب نازل بهم { واصبر لحكم ~~ربك } أي اصبر يا محمد على قضاء ربك وحكمه، فيما حملك به من أعباء ~~الرسالة { فإنك بأعيننا } أي فإنك بحفظنا وكلاءتنا نحرسك ~~ونرعاك { وسبح بحمد ربك حين تقوم } أي ونزه ربك عما ~~لا يليق به من صفات النقص حين تقوم من منامك ومن كل مجلس بأن تقول: سبحان ~~الله وبحمده قال ابن عباس: أي ms1505 صل لله حين تقوم من منامك { ومن ~~الليل فسبحه } أي ومن الليل فاذكره واعبده بالتلاوة والصلاة ~~والناس نيام كقوله # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79] { وإدبار النجوم } أي وصل له في آخر الليل ~~حين تدبر وتغيب النجوم بضوء الصبح قال ابن عباس: هما الركعتان اللتان قبل ~~صلاة الفجر وفي الحديث # " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ". # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- جناس الاشتقاق # تمور السمآء مورا # [الطور: 9] و # تسير الجبال سيرا # [الطور: 10]. # 2- الإهانة والتوبيخ # اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا # [الطور: 16] وبين قوله { اصبروا } وقوله { أو لا تصبروا } ~~طباق السلب وهو من المحسنات البديعية. # 3- التشبيه المرسل المجمل # كأنهم لؤلؤ مكنون # [الطور: 24] حذف منه وجه الشبه فهو مجمل. # 4- الاستعارة التبعية { ريب المنون } شبهت حوادث الدهر بالريب ~~الذي هو الشك بجامع التحير وعدم البقاء على حالة واحدة في كل منهما ~~واستعير لفظ الريب لصروف الدهر ونوائبه بطريق الاستعارة التبعية. # 5- الأسلوب التهكمي { أم تأمرهم أحلامهم بهذآ }؟ هذا ~~بطريق التهكم والسخرية بعقولهم. # 6- الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة التوبيخ والتقريع لهم { أم ~~له البنات ولكم البنون }؟. # 7- أسلوب الفرض والتقدير { وإن يروا كسفا من السمآء ~~ساقطا } أي لو رأوا ذلك لقالوا ما قالوا. # 8- السجع الرصين غير المتكلف مثل # والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور # [الطور: 1-3] ومثل # إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع # [الطور: 7-8] وهلم جرا. # فائدة: عن جبير بن مطعم قال: قدمت المدينة لأسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في أسارى بدر، فوافيته يقرأ في صلاة المغرب # والطور * وكتاب مسطور # [الطور: 1-2] فلما قرأ # إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع # [الطور: 7-8] فكأنما صدع قلبي، فأسلمت خوفا من نزول العذاب، فلما ~~انتهى إلى هذه الآية { أم خلقوا من غير شيء أم هم ~~الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض بل لا ~~يوقنون } كاد قلبي أن يطير. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-32] # اللغة: { هوى } هوى يهوي إذا سقط إلى أسفل { مرة } المرة ~~بكسر الميم القوة ms1506 قال قطرب: تقول العرب لكل جزل الرأي حصيف العقل: ذو ~~مرة { تدلى } التدلي: الامتداد من أعلى إلى أسفل يقال: تدلى ~~الغصن إذا امتد نحو الأسفل { قاب } قدر قال في البحر: القاب والقاد ~~والقيد: المقدار { ضيزى } جائرة مائلة عن الحق يقال: ضاز في الحكم أي ~~جار، وضازه حقه أي بخسه قال الشاعر: # ضازت بنو أسد بحكمهم # إذ يجعلون الرأس كالذنب # { اللمم } الصغائر من الذنوب قال الزجاج: أصل اللمم ما يعمله ~~الإنسان المرة بعد المرة ولا يقيم عليه يقال: مافعلته إلا لمما ~~ولماما { أجنة } جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن سمي جنينا ~~لاستتاره. # التفسير: { والنجم إذا هوى } أي أقسم بالنجم وقت سقوطه من ~~علو قال ابن عباس: أقسم سبحانه بالنجوم إذا انقضت في إثر الشياطين ~~حين استراقها السمع وقال الحسن: المراد في الآية النجوم إذا انتثرت يوم ~~القيامة كقوله # وإذا الكواكب انتثرت # [الإنفطار: 2] قال ابن كثير: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق ~~لا ينبغي أن يقسم إلا بالخالق { ما ضل صاحبكم } أي ما ضل ~~محمد عن طريق الهداية، ولا حاد عن نهج الاستقامة { وما غوى } أي ~~وما اعتقد باطلا قط بل هو في غاية الهدى والرشد قال أبو السعود: والخطاب ~~لكفار قريش، والتعبير بلفظ { صاحبكم } للإيذان بوقوفهم على تفاصيل ~~أحواله، فإن طول صحبتهم له، ومشاهدتهم لمحاسن أوصافه العظيمة مقتضية ~~ذلك { وما ينطق عن الهوى } أي لا يتكلم صلى الله عليه وسلم عن ~~هوى نفسي ورأي شخصي { إن هو إلا وحي يوحى } أي لا يتكلم ~~إلا عن وحي من الله عز وجل قال البيضاوي: أي ما القرآن إلا وحي ~~يوحيه الله إليه { علمه شديد القوى } أي علمه القرآن ملك ~~شديد قواه وهو جبريل الأمين قال المفسرون: ومما يدل على شدة قوته أنه ~~قلع قرى قوم لوط وحملها على جناحه حتى بلغ بها السماء ثم قلبها، وصاح ~~بثمود فأصبحوا خامدين، وكان هبوطه بالوحي على الأنبياء أو صعوده في أسرع ~~من رجعة الطرف { ذو مرة فاستوى } أي ذو حصافة في العقل، وقوة ms1507 ~~في الجسم، فاستقر جبريل على صورته الحقيقية { وهو بالأفق ~~الأعلى } أي وهو بأفق السماء حيث تطلع الشمس جهة المشرق قال ابن ~~عباس: المراد بالأفق الأعلى مطلع الشمس قال الخازن: كان جبريل يأتي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي الأنبياء قبله، ~~فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على صورته التي جبل ~~عليها، فأراه نفسه مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء، فأما التي في ~~الأرض فبالأفق الأعلى أي جانب المشرق حيث كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بحراء فطلع عليه جبريل من ناحية المشرق وفتح جناحيه فسد ما بين ~~المشرق والمغرب، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه، فنزل ~~جبريل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه وهو ~~قوله { ثم دنا فتدلى } وأما التي في السماء فعند سدرة ~~المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على صورته الملكية التي خلق عليها ~~إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم { ثم دنا فتدلى } أي ثم ~~اقترب جبريل من محمد وزاد في القرب منه { فكان قاب قوسين أو ~~أدنى } أي فكان منه على مقدار قوسين أو أقل قال الألوسي: والمراد ~~إفادة شدة القرب فكأنه قيل: فكان قريبا منه { فأوحى إلى ~~عبده مآ أوحى } أي فأوحى جبريل إلى عبد الله ورسوله محمد صلى ~~الله عليه وسلم ما أوحى إليه من أوامر الله عز وجل { ما كذب ~~الفؤاد ما رأى } أي ما كذب قلب محمد ما رآه ببصره من صورة جبريل ~~الحقيقية قال ابن مسعود: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في ~~صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منهما قد سد الأفق، يسقط من جناحه من ~~التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم { أفتمارونه على ما ~~يرى }؟ أي أفتجادلونه يا معشر المشركين على ما رأى ليلة الإسراء ~~والمعراج؟ قال في البحر: كانت قريش حين أخبرهم صلى الله عليه وسلم بأمره ~~في الإسراء كذبوا واستخفوا حتى وصف لهم صلى ms1508 الله عليه وسلم بيت المقدس، ~~والجمهور على أن المرئي مرتين هو جبريل، وعن ابن عباس وعكرمة أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه، وأنكرت ذلك عائشة وقالت إنه رأى ~~جبريل في صورته مرتين ثم قال أبو حيان: والصحيح أن جميع ما في هذه الآيات ~~هو مع جبريل بدليل قوله تعالى { ولقد رآه نزلة أخرى } ~~فإنه يقتضي مرة متقدمة { ولقد رآه نزلة أخرى } أي رأى ~~الرسول جبريل في صورته الملكية مرة أخرى { عند سدرة المنتهى ~~} أي عند سدرة المنتهى التي هي في السماء السابعة قرب العرش قال ~~المفسرون: والسدرة شجرة النبق تنبع من أصلها الأنهار، وهي عن يمين ~~العرش، وسميت سدرة المنتهى لأنه ينتهي إليها علم الخلائق وجميع ~~الملائكة، ولا يعلم أحد ما وراءها إلا الله جل وعلا وفي الحديث # " ثم صعد بي إلى السماء السابعة، ورفعت إلي سدرة المنتهى، فإذا ~~نبقها - أي ثمرها - مثل قلال هجر، وإذا أوراقها كآذان الفيلة.. " # { عندها جنة المأوى } أي عند سدرة المنتهى الجنة التي تأوي ~~إليها الملائكة وأرواح الشهداء والمتقين { إذ يغشى السدرة ما ~~يغشى } أي رآه وقت ما يغشى السدرة ما يغشى من العجائب قال الحسن: ~~غشيها نور رب العالمين فاستنارت وقال ابن مسعود: غشيها فراش من ذهب وفي ~~الحديث # " لما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع ~~أن يصفها من حسنها " # قال المفسرون: رأى عليه السلام شجرة سدرة المنتهى وقد غشيتها سبحات ~~أنوار الله عز وجل، حتى ما يستطيع أحد أن ينظر إليها، وغشيتها الملائكة ~~أمثال الطيور يعبدون الله عندها، يجتمعون حولها مسبحين وزائرين كما ~~يزور الناس الكعبة وفي الحديث # " رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة ملكا قائما يسبح ~~الله تعالى " # { ما زاغ البصر } أي ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~المقام وفي تلك الحضرة يمينا وشمالا { وما طغى } أي وما جاوز ~~الحد الذي رأى قال القرطبي: أي لم يمد بصره إلى غير ما رأى من ms1509 ~~الآيات، وهذا وصف أدب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام إذ لم ~~يلتفت يمينا ولا شمالا وقال الخازن: لما تجلى رب العزة وظهر نوره، ~~ثبت صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام العظيم الذي تحار فيه العقول، ~~وتزل فيه الأقدام، وتميل فيه الأبصار { لقد رأى من آيات ~~ربه الكبرى } أي والله لقد رأى محمد - ليلة المعراج - عجائب ~~ملكوت الله، رأى سدرة المنتهى، والبيت المعمور، والجنة والنار، ورأى ~~جبريل في صورته التي يكون عليها في السماوات له ستمائة جناح، ورأى ~~رفرفا أخضر من الجنة قد سد الأفق، وغير ذلك من الآيات العظام قال ~~الفخر: وفي الآية دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ليلة ~~المعراج آيات الله ولم ير الله كما قال البعض، ووجهه أن الله ختم قصة ~~المعراج برؤية الآيات، وقال في الإسراء # لنريه من آياتنآ # [الإسراء: 1] ولو كان رأى ربه لكان ذلك أعظم ما يمكن ولأخبر تعالى به { ~~أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى } أي أخبرونا يا معشر الكفار عن هذه الآلهة التي تعبدونها " ~~اللات والعزة ومناة " هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة ~~شيء حتى زعمتم أنها آلهة؟ قال الخازن: هذه أسماء أصنام اتخذوها آلهة ~~يعبدونها، واشتقوا لها أسماء من أسماء الله عز وجل فقالوا من الله اللات، ~~ومن العزيز العزى، وكانت اللات بالطائف، والعزى بغطفان وقد حطمها ~~خالد بن الوليد، ومناة صنم لخزاعة يعبده أهل مكة { ألكم الذكر ~~وله الأنثى }؟ توبيخ وتقريع أي ألكم يا معشر المشركين النوع ~~المحبوب من الأولاد وهو الذكر، وله تعالى النوع المذموم بزعمكم وهو ~~الأنثى؟ { تلك إذا قسمة ضيزى } أي تلك القسمة قسمة جائرة غير ~~عادلة حيث جعلتم لربكم ما تكرهونه لأنفسكم قال الرازي: إنهم ما قالوا ~~لنا البنون وله البنات، وإنما نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن ~~كما قال تعالى # ويجعلون لله ما يكرهون # [النحل: 62] فلما نسبوا إلى الله البنات حصل من تلك النسبة قسمة جائرة ~~{ إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم } أي ms1510 ~~ما هذه الأوثان إلا أسماء مجردة لا معنى تحتها لأنها لا تضر ولا تنفع، ~~سميتموها آلهة أنتم وآباؤكم وهي مجرد تسميات ألقيت على جمادات { مآ ~~أنزل الله بها من سلطان } أي ما أنزل الله بها من حجة ولا ~~برهان { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس } أي ~~ما يتبعون في عبادتها إلا الظنون والأوهام، وما تشتهيه أنفسهم مما زينه ~~لهم الشيطان { ولقد جآءهم من ربهم الهدى } أي والحال ~~أنه قد جاءهم من ربهم البيان الساطع، والبرهان القاطع على أن الأصنام ~~ليست بآلهة، وأن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار قال ابن الجوزي: ~~وفيه تعجيب من حالهم إذ لم يتركوا عبادتها بعد وضوح البيان { أم ~~للإنسان ما تمنى } أي ليس للإنسان كل ما يشتهي حتى يطمع في ~~شفاعة الأصنام قال الصاوي: والمراد بالإنسان الكافر، وهذه الآية تجر ~~بذيلها على من يلتجىء لغير الله طلبا للفاني، ويتبع هوى نفسه فيما تطلبه ~~فليس له ما يشتهي، واتباع الهوى هوان { فلله الآخرة والأولى ~~} أي فالملك كله لله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، لأنه مالك الدنيا ~~والآخرة، وليس الأمر كما يشتهي الإنسان، بل هو تعالى يعطي من اتبع هداه ~~وترك هواه.. ثم أكد هذا المعنى بقوله { وكم من ملك في ~~السموت } أي وكثير من الملائكة الأبرار الأطهار المنبثين في ~~السماوات { لا تغني شفاعتهم شيئا } أي أن الملائكة مع علو ~~منزلتهم ورفعة شأنهم لا تنفع شفاعتهم أحدا إلا بإذن الله، فكيف تشفع ~~الأصنام مع حقارتها؟! { إلا من بعد أن يأذن الله لمن ~~يشآء ويرضى } أي إلا من بعد أن يأذن تعالى في الشفاعة لمن يشاء ~~من أهل التوحيد والإيمان ويرضى عنه كقوله تعالى: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28] قال ابن كثير: فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، ~~فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة الأصنام والأنداد عند الله تعالى؟ ثم ~~أخبر تعالى عن ضلالات المشركين فقال { إن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة } أي لا يصدقون بالبعث والحساب { ليسمون ~~الملائكة تسمية الأنثى } أي ليزعمون أنهم إناث ms1511 وأنهم ~~بنات الله { وما لهم به من علم } أي لا علم لهم بما يقولون ~~أصلا، لأنهم لم يشاهدوا خلق الملائكة، ولا جاءهم عن الله حجة أو برهان { ~~إن يتبعون إلا الظن } أي ما يتبعون في هذه الأقوال الباطلة ~~إلا الظنون والأوهام { وإن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا } أي وإن الظن لا يجدي شيئا، ولا يقوم أبدا مقام الحق { ~~فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } أي فأعرض يا محمد عن ~~هؤلاء المشركين الذين استنكفوا عن الإيمان والقرآن { ولم يرد ~~إلا الحياة الدنيا } أي وليس له هم إلا الدنيا وما فيها من ~~النعيم الزائل، والمتعة الفانية قال أبو السعود: والمراد النهي عن دعوة ~~المعرض عن كلام الله وعدم الاعتناء بشأنه، فإن من أعرض عما ذكر، وانهمك ~~في الدنيا بحيث صارت منتهى همته وقصارى سعيه، لا تزيده الدعوة إلا ~~عنادا وإصرارا على الباطل { ذلك مبلغهم من العلم } أي ~~ذلك نهاية علمهم وغاية إدراكهم أن آثروا الدنيا على الآخرة { إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن ~~اهتدى } أي هو عالم بالفريقين: الضالين والمهتدين ويجازيهم بأعمالهم ~~{ ولله ما في السموت وما في الأرض } أي له كل ما في ~~الكون خلقا وملكا وتصرفا ليس لأحد من ذلك شيء أصلا { ليجزي ~~الذين أساءوا بما عملوا } أي ليجازي المسيء بإساءته { ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } أي وليجازي المحسن ~~بالجنة جزاء إحسانه قال ابن الجوزي: والآية إخبار عن قدرته وسعة ملكه، ~~وهو كلام معترض بين الآية الأولى وبين قوله { ليجزي الذين ~~أساءوا } لأنه إذا كان أعلم بالمسيء وبالمحسن جازى كلا بما يستحقه، ~~وإنما يقدر على مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك. # . ثم ذكر تعالى صفات المتقين المحسنين فقال { الذين يجتنبون ~~كبائر الإثم } أي يبتعدون عن كبائر الذنوب كالشرك والقتل وأكل مال ~~اليتيم { والفواحش } أي ويبتعدون عن الفواحش جمع فاحشة وهي ما ~~تناهى قبحها عقلا وشرعا كالزنى ونكاح زوجة الأب لقوله تعالى # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة # [الإسراء: 32] وقوله # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ms1512 النسآء إلا ما ~~قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وسآء سبيلا # [النساء: 22] { إلا اللمم } أي إلا ما قل وصغر من الذنوب قال ~~القرطبي: وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله ~~كالقبلة والغمزة والنظرة وفي الحديث # " إن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، ~~فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج ~~يصدق ذلك أو يكذبه " # فإذا اجتنب العبد كبائر الذنوب غفر الله بفضله وكرمه الصغائر لقوله ~~تعالى # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم # [النساء: 31] يعني الصغائر { إن ربك واسع المغفرة } أي ~~هو تعالى غفار الذنوب ستار العيوب، يغفر لمن فعل ذلك ثم تاب قال ابن ~~كثير: أي رحمته وسعت كل شيء، ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها قال ~~البيضاوي: ولعله عقب به وعيد المسيئين ووعد المحسنين، لئلا ييأس صاحب ~~الكبيرة من رحمته، ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى { هو أعلم ~~بكم إذ أنشأكم من الأرض } أي هو جل وعلا أعلم بأحوالكم ~~منكم قبل أن يخلقكم، ومن حين أن خلق أباكم آدم من التراب { وإذ ~~أنتم أجنة في بطون أمهاتكم } أي ومن حين أن كنتم ~~مستترين في أرحام أمهاتكم، فهو تعالى يعلم التقي والشقي، والمؤمن ~~والكافر، والبر والفاجر، علم ما تفعلون وإلى ماذا تصيرون { فلا ~~تزكوا أنفسكم } أي لا تمدحوها على سبيل الإعجاب، ولا تشهدوا ~~لها بالكمال والتقى، فإن النفس خسيسة إذا مدحت اغترت وتكبرت قال أبو ~~حيان: أي لا تنسبوها إلى الطهارة عن المعاصي، ولا تثنوا عليها، فقد علم ~~الله منكم الزكي والتقي قبل إخراجكم من صلب آدم، وقبل إخراجكم من ~~بطون أمهاتكم { هو أعلم بمن اتقى } أي هو تعالى العالم بمن ~~أخلص العمل، واتقى ربه في السر والعلن. ### || [53.33-62] # المناسبة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة سفاهات المشركين ~~وضلالاتهم في عبادتهم للأصنام، وميز بين المؤمنين والمجرمين، ذكر هنا ~~نوعا خاصا من أهل الإجرام، وختم السورة الكريمة ببيان ما حل ~~بالمكذبين ms1513 من أنواع العذاب والدمار، تذكيرا للمشركين بانتقام الله من ~~أعدائه المكذبين لرسوله. # اللغة: { وأكدى } قطع العطاء مأخوذ من الكدية يقال لمن حفر بئرا ~~ثم وجد صخرة تمنعه من إتمام الحفر قد أكدى، ثم استعمله العرب لمن أعطى ~~ولم يتمم، ولمن طلب شيئا فلم يبلغ آخره قال الحطيئة: # فأعطى قليلا ثم أكدى عطاءه # ومن يبذل المعروف في الناس يحمد # { وأقنى } أعطاه الكفاية من المال ورضاه بما أعطاه قال الجوهري: ~~قني الرجل يقنى مثل غني يغنى أي أعطاه الله ما يقتنى من المال والنشب، ~~وأقناه الله رضاه { الشعرى } الكوكب المضيء الذي يطلع بعد الجوزاء ~~في شدة الحر { أزفت } قربت قال كعب بن زهير: # بان الشباب وهذا الشيب قد أزفا # ولا أرى لشباب بائن خلفا # والآزفة القيامة سميت بذلك لقربها ودنوها { سامدون } لاهون لاعبون، ~~والسمود اللهو. # سبب النزول: روي أن " الوليد بن المغيرة " جلس عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسمع وعظه، فتأثر قلبه بما سمع وكاد أن يسلم، فعيره رجل من ~~المشركين وقال: تركت دين آبائك وضللتهم وزعمت أنهم في النار؟! فقال ~~الوليد: إني خشيت عذاب الله، فضمن له الرجل إن هو أعطاه شيئا من ~~ماله، ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله عز وجل، فأعطاه بعض الذي ~~ضمن له ثم بخل ومنعه الباقي فأنزل الله { أفرأيت الذي تولى ~~* وأعطى قليلا وأكدى } الآيات. # التفسير: { أفرأيت الذي تولى } أي أخبرني يا محمد عن هذا ~~الفاجر الأثيم الذي أعرض عن الإيمان واتباع الهدى؟ { وأعطى ~~قليلا وأكدى } أي وأعطى لصاحبه الذي عيره قليلا من المال ~~المشروط ثم بخل بالباقي قال مجاهد: نزلت في الوليد بن المغيرة { ~~أعنده علم الغيب فهو يرى } أي أعنده علم بالأمور ~~الغيبية حتى يعلم أن صاحبه يتحمل عنه العذاب؟ { أم لم ينبأ ~~بما في صحف موسى } أي لم يخبر بما في التوراة المنزلة على موسى ~~{ وإبراهيم الذي وفى } أي وبما في صحف إبراهيم الذي تمم ~~ما أمر به من طاعة الله وتبليغ رسالته، على وجه الكمال والتمام قال ~~الحسن: ما ms1514 أمره الله بشيء إلا وفى به كقوله تعالى # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124] { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي أن لا ~~تحمل نفس ذنب غيرها، ولا يؤاخذ أحد بجريرة غيره، والآية رد على من ~~زعم أنه يتحمل العذاب عن غيره كقوله تعالى # وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا ~~سبيلنا ولنحمل خطاياكم # [العنكبوت: 12] { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } أي ~~وأنه ليس للإنسان إلا عمله وسعيه قال ابن كثير: أي كما لا يحمل عليه ~~وزر غيره، كذلك لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه { وأن ~~سعيه سوف يرى } أي وأن عمله سيعرض عليه يوم القيامة، ويراه في ~~ميزانه قال الخازن: وفي الآية بشارة للمؤمن، وذلك أن الله تعالى يريه ~~أعماله الصالحة ليفرح بها ويحزن الكافر بأعماله الفاسدة فيزداد غما { ~~ثم يجزاه الجزآء الأوفى } أي ثم يجزى بعمله الجزاء الأتم ~~الأكمل، وهو وعيد للكافر ووعد للمؤمن { وأن إلى ربك ~~المنتهى } أي إليه جل وعلا المرجع والمآب والمصير فيعاقب ويثيب.. ~~ثم شرع تعالى في بيان آثار قدرته فقال { وأنه هو أضحك ~~وأبكى } أي هو الذي خلق الفرح والحزن، والسرور والغم، فأضحك في ~~الدنيا من أضحك، وأبكى من أبكى قال مجاهد: أضحك أهل الجنة وأبكى أهل ~~النار { وأنه هو أمات وأحيا } أي خلق الموت والحياة فهو جل ~~وعلا القادر على الإماتة والإحياء لا غيره، ولهذا كرر الإسناد " هو " ~~لبيان أن هذا من خصائص فعل الله { وأنه خلق الزوجين ~~الذكر والأنثى } أي أوجد الصنفين الذكر والأنثى من أولاد آدم ومن ~~كل حيوان قال الخازن: والغرض أنه تعالى هو القادر على إيجاد الضدين في ~~محل واحد: الضحك والبكاء، والإحياء والإماتة، والذكر والأنثى، وهذا شيء ~~لا يصل إليه فهم العقلاء ولا يعلمونه، وإنما هو بقدرة الله تعالى وخلقه ~~لا بفعل الطبيعة، وفيه تنبيه على كمال قدرته، لأن النطفة شيء واحد خلق ~~الله منها أعضاء مختلفة، وطباعا متباينة، وخلق منها الذكر والأنثى، وهذا ~~من عجيب صنعته وكمال قدرته، ولهذا قال { من نطفة إذا ms1515 تمنى } ~~أي خلق الذكر والأنثى من نطفة إذا تدفقت من صلب الرجل، وصبت في رحم ~~المرأة { وأن عليه النشأة الأخرى } أي وأن عليه جل وعلا ~~إعادة خلق الناس للحساب والجزاء، وإحياؤهم بعد موتهم قال في البحر: ~~لما كانت هذه النشأة ينكرها الكفار بولغ فيها بقوله تعالى { عليه } ~~كأنه تعالى أوجب ذلك على نفسه { وأنه هو أغنى وأقنى } أي ~~أغنى من شاء، وأفقر من شاء وقال ابن عباس: أعطى فأرضى، أغنى الإنسان ثم ~~رضاه بما أعطاه { وأنه هو رب الشعرى } أي هو رب الكوكب ~~المضيء المسمى بالشعرى الذي كانوا يعبدونه قال أبو السعود: أي هو رب ~~معبودهم وكانت خزاعة تعبدها، سن لهم ذلك رجل من أشرافهم هو " أبو كبشة ~~" { وأنه أهلك عادا الأولى } أي أهلك قوم عاد القدماء ~~الذين بعث لهم نبي الله " هود " عليه السلام، وكانوا من أشد الناس ~~وأقواهم، وأعتاهم على الله وأطغاهم، فأهلكهم الله بالريح الصرصر العاتية ~~قال البيضاوي: سميت عادا الأولى أي القدماء لأنهم أولى الأمم هلاكا ~~بعد قوم نوح عليه السلام { وثمود فمآ أبقى } أي وثمود دمرهم ~~فلم يبق منهم أحدا { وقوم نوح من قبل } أي وقوم نوح قبل ~~عاد وثمود أهلكناهم { إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } أي ~~كانوا أظلم من الفريقين، وأشد تمردا وطغيانا ممن سبقهم، قال في البحر: ~~كانوا في غاية العتو والإيذاء لنوح عليه السلام، يضربونه حتى لا يكاد ~~يتحرك، ولا يتأثرون بشيء مما يدعوهم إليه قال قتادة: دعاهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما، كلما هلك قرن نشأ قرن، حتى كان الرجل يأخذ بيد ابنه يتمشى ~~به إلى نوح ليحذره منه ويقول له: يا بني إن أبي مشى بي إلى هذا وأنا ~~مثلك يومئذ فإياك أن تصدقه، فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على ~~بغض نوح { والمؤتفكة أهوى } أي وقرى قوم لوط أهواها فأسقطها ~~علىالأرض بعد أن انقلبت بهم فصار عاليها سافلها، وذلك أن جبريل رفعها ~~إلى السماء ثم أهوى بها { فغشاها ما غشى } أي فغطاها من ~~فنون العذاب ما غطى، وفيه تهويل ms1516 للعذاب وتعميم لما أصابهم منه قال في ~~البحر: والمؤتفكة هي مدائن قوم لوط، سميت بذلك لأنها انقلبت بأهلها، ~~رفعها جبريل عليه السلام ثم أهوى بها إلى الأرض، ثم أمطرت عليهم حجارة ~~من سجيل منضود فذلك قوله { فغشاها ما غشى } { فبأي ~~آلاء ربك تتمارى } أي فبأي نعم الله الدالة على وحدانيته ~~وقدرته تتشكك أيها الإنسان وتكذب!! { هذا نذير من النذر ~~الأولى } أي هذا هو محمد رسول منذر كسائر الرسل ومن جنس المنذرين ~~الأولين وقد علمتم ما حل بالمكذبين { أزفت الآزفة } أي دنت ~~الساعة واقتربت القيامة قال القرطبي: سميت آزفة لدنوها وقرب قيامها { ~~ليس لها من دون الله كاشفة } أي لا يقدر على كشفها وردها ~~إذا غشيت الخلق بأهوالها وشدائدها إلا الله تعالى { أفمن هذا ~~الحديث تعجبون }؟ استفهام للتوبيخ أي أفمن هذا القرآن تعجبون ~~يا معشر المشركين سخرية واستهزاء؟ { وتضحكون ولا تبكون } أي ~~وتضحكون عند سماعه، ولا تبكون من زواجره وآياته؟ وقد كان حقكم أن تبكوا ~~الدم بدل الدمع حزنا على ما فرطتم { وأنتم سامدون } أي وأنتم ~~لاهون غافلون؟ { فاسجدوا لله واعبدوا } أي فاسجدوا لله ~~الذي خلقكم وأفردوه بالعبادة، ولا تعبدوا اللات والعزى، ومناة والشعرى، ~~فهو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا يليق السجود والعبادة إلا له ~~جلا وعلا. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الإبهام للتعظيم والتهويل # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10] ومثله # إذ يغشى السدرة ما يغشى # [النجم: 16] وكذلك { فغشاها ما غشى }. # 2- الجناس # والنجم إذا هوى... وما ينطق عن الهوى # [النجم: 1-3] فالأول هو بمعنى خر وسقط والثاني بمعنى هوى النفس. # 3- الطباق بين { أضحك وأبكى } وبين { أمات وأحيا } ~~وبين { ضل و اهتدى } وبين # الآخرة والأولى # [النجم: 25] وبين { وتضحكون ولا تبكون } وهي من المحسنات ~~البديعية. # 4- المقابلة # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى # [النجم: 31] كما فيه إطناب في تكرار لفظ يجزي وكلاهما من المحسنات ~~البديعية. # 5- الاستفهام التوبيخي مع الإزراء بعقولهم # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22]. # 6- الجناس الناقص بين ms1517 { أغنى.. وأقنى } لتغير بعض الحروف. # 7- جناس الاشتقاق { أزفت الآزفة }. # 8- عطف العام على الخاص { فاسجدوا لله واعبدوا }. # 9- مراعاة الفواصل ورءوس الآيات، مما له أجمل الوقع على السمع مثل # أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى # [النجم: 19-21]؟ ومثله { أفمن هذا الحديث تعجبون * ~~وتضحكون ولا تبكون * وأنتم سامدون }؟ ويسمى بالسجع. # تنبيه: كانت الأصنام التي عبدها المشركون كثيرة تقرب من ثلاثمائة وستين ~~صنما ومعظمها حول الكعبة وقد حطمها صلى الله عليه وسلم عند فتحه لمكة، ~~وأشهر هذه الأصنام " اللات، والعزى، ومناة " وقد أرسل صلى الله عليه ~~وسلم عام الفتح خالد بن الوليد ليحطم العزى فحطمها وهو يقول: # يا عز كفرانك لا سبحانك # إني رأيت الله قد أهانك # وانتهت بفتح مكة عبادة الأوثان والأصنام، ودخل الناس في دين الإسلام ~~أفواجا أفواجا. ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-32] # اللغة: { الأجداث } جمع جدث وهو القبر { مهطعين } مسرعين ~~يقال: أهطع في سيره أي أسرع { منهمر } انهمر الماء نزل بقوة غزيرا ~~{ ودسر } الدسر: المسامير التي تشد بها السفينة جمع دسار ككتاب ~~وكتب قال في الصحاح: الدسار واحد الدسر وهي خيوط تشد بها ألواح ~~السفينة ويقال هي المسامير { مدكر } متعظ خائف وأصله مذتكر قلبت ~~التاء دالا ثم أدغمت الذال فيها فصارت مدكر { صرصرا } الصرصر: ~~الشديدة الصوت مع البرد مأخوذ من صرير الباب وهو تصويته { أعجاز } ~~جمع عجز وهو مؤخر الشيء { منقعر } المنقعر: المنقلع من أصله يقال: ~~قعرت الشجرة قعرا قلعتها من أصلها فانقعرت { وسعر } جنون من قولهم ~~ناقة مسعورة كأنها من شدة نشاطها مجنونة قال الشاعر: # تخال بها سعرا إذا السفر هزها # { أشر } الأشر: البطر ورجل أشر أي بطر أبطرته النعمة. # التفسير: { اقتربت الساعة وانشق القمر } أي دنت ~~القيامة وقد انشق القمر { وإن يروا آية يعرضوا } أي وإن ير ~~كفار قريش علامة، واضحة ومعجزة ساطعة، تدل على صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم يعرضوا عن الإيمان { ويقولوا سحر مستمر } أي ~~ويقولوا هذا سحر دائم، سحر به محمد أعيننا قال المفسرون: إن كفار مكة ~~قالوا للرسول صلى الله عليه ms1518 وسلم: إن كانت صادقا فشق لنا القمر ~~فرقتين، ووعدوه بالإيمان إن فعل، وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ما طلبوا، فانشق القمر نصف على جبل ~~الصفا، ونصف على جبل قيقعان المقابل له، حتى رأوا حراء بينهما، فقالوا: ~~سحرنا محمد، ثم قالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس ~~كلهم!! فقال أبو جهل: اصبروا حتى تأتينا أهل البوادي فإن أخبروا ~~بانشقاقه فهو صحيح، وإلا فقد سحر محمد أعيننا، فجاءوا فأخبروا بانشقاق ~~القمر فقال أبو جهل والمشركون: هذا سحر مستمر أي دائم فأنزل الله { ~~اقتربت الساعة وانشق القمر * وإن يروا آية ~~يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } قال الخازن: وانشقاق ~~القمر من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم الظاهرة، ومعجزاته الباهرة، ~~يدل عليه ما أخرجه الشيخان عن أنس # " أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يريهم آية، ~~فأراهم انشقاق القمر مرتين " # وما روي عن ابن مسعود قال # " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا " # وما روي عن جبير بن مطعم قال # " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين، فقالت ~~قريش: سحر محمد أعيننا فقال بعضهم: لئن كان سحرنا فما يستطيع أن يسحر ~~الناس كلهم، فكانوا يتلقون الركبان فيخبرونهم بأنهم قد رأوه فيكذبونهم " # فهذه الأحاديث الصحيحة، قد وردت بهذه المعجزة العظيمة، مع شهادة القرآن ~~العظيم بذلك، فإنه أدل دليل وأقوى مثبت له وإمكانه لا يشك فيه مؤمن، ~~وقيل في معنى الآية، ينشق القمر يوم القيامة، وهذا قول باطل لا يصح، وشاذ ~~لا يثبت، لإجماع المفسرين على خلافه، ولأن الله ذكره بلفظ الماضي { ~~وانشق القمر } وحمل الماضي على المستقبل بعيد { وكذبوا ~~واتبعوا أهوآءهم } أي وكذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما ~~عاينوه من قدرة الله تعالى في انشقاق القمر، واتبعوا ما زين لهم الشيطان ~~من الباطل { وكل أمر مستقر } أي وكل أمر من الأمور منته ms1519 ~~إلى غاية يستقر عليها لا محالة إن خيرا فخير، وإن شرا فشر قال ~~مقاتل: لكل حديث منتهى وحقيقة ينتهي إليها وقال قتادة: إن الخير يستقر ~~بأهل الخير، والشر يستقر بأهل الشر، وكل أمر مستقر بأهله { ولقد ~~جآءهم من الأنبآء ما فيه مزدجر } أي ولقد جاء هؤلاء ~~الكفار من أخبار الأمم الماضية المكذبين للرسل، ما فيه واعظ لهم عن ~~التمادي في الكفر والضلال { حكمة بالغة } أي هذا القرآن حكمة ~~بالغة، بلغت النهاية في الهداية والبيان { فما تغن النذر } أي ~~أي شيء تغنى النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة، وختم على سمعه ~~وقلبه؟! قال المفسرون: المعنى لقد جاءهم القرآن وهو حكمة تامة قد بلغت ~~الغاية، فماذا تنفع الإنذارات والمواعيد لقوم أصموا آذانهم عن سماع ~~كلام الله؟ كقوله تعالى # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس: 101] { فتول عنهم } أي فأعرض يا محمد عن هؤلاء المجرمين ~~وانتظرهم { يوم يدع الداع إلى شيء نكر } أي يوم يدعو ~~إسرافيل إلى شيء منكر فظيع، تنكره النفوس لشدته وهوله، وهو يوم ~~القيامة وما فيه من البلاء والأهوال { خشعا أبصارهم } أي ~~ذليلة أبصارهم لا يستطيعون رفعها من شدة الهول { يخرجون من ~~الأجداث } أي يخرجون من القبور { كأنهم جراد منتشر } ~~أي كأنهم في انتشارهم وسرعة إجابتهم للداعي جراد منتشر في الآفاق، لا ~~يدرون أين يذهبون من الخوف والحيرة قال ابن الجوزي: وإنما شبههم بالجراد ~~المنتشر، لأن الجراد لا جهة له يقصدها، فهم يخرجون من القبور فزعين ليس ~~لأحد منهم جهة يقصدها، والداعي هو إسرافيل { مهطعين إلى ~~الداع } أي مسرعين مادي أعناقهم إلى الداعي لا يتلكئون ولا يتأخرون ~~{ يقول الكافرون هذا يوم عسر } أي يقول الكافرون هذا ~~يوم صعب شديد قال الخازن: وفيه إشارة إلى أن ذلك اليوم يوم شديد ~~على الكافرين لا على المؤمنين كقوله تعالى # على الكافرين غير يسير # [المدثر: 10].. ثم ذكر تعالى وقائع الأمم المكذبين وما حل بهم من ~~العذاب والنكال تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحذيرا لكفار مكة ~~فقال: { كذبت قبلهم قوم نوح ms1520 } أي كذب قبل قومك يا محمد ~~قوم نوح { فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر } ~~أي فكذبوا عبدنا نوحا وقالوا إنه مجنون، وانتهروه وزجروه عن دعوى ~~النبوة بالسب والتخويف والوعيد بقولهم # لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين # [الشعراء: 116] قال في البحر: لم يقنعوا بتكذيبه حتى نسبوه إلى الجنون ~~أي أنه يقول ما لا يقبله عاقل وذلك مبالغة في تكذيبهم، وإنما قال { ~~عبدنا } تشريفا له وخصوصية بالعبودية { فدعا ربه أني ~~مغلوب فانتصر } أي فدعا نوح ربه وقال يا رب إني ضعيف عن مقاومة ~~هؤلاء المجرمين، فانتقم لي منهم وانتصر لدينك قال أبو حيان: وإنما دعا ~~عليهم بعدما يئس منهم وتفاقم أمرهم، وكان الواحد من قومه يخنقه إلى أن ~~يخر مغشيا عليه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون { ~~ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر } أي فأرسلنا ~~المطر من السماء منصبا بقوة وغزارة قال أبو السعود: وهو تمثيل لكثرة ~~الامطار وشدة انصبابها { وفجرنا الأرض عيونا } أي جعلنا ~~الأرض كلها عيونا متفجرة بالماء { فالتقى المآء على أمر ~~قد قدر } أي فالتقى ماء السماء وماء الأرض على حال قد قدرها الله ~~في الأزل وقضاها بإهلاك المكذبين غرقا قال قتادة: قضى عليهم في أم ~~الكتاب إذا كفروا أن يغرقوا { وحملناه على ذات ألواح ~~ودسر } أي وحملنا نوحا على السفينة ذات الألواح الخشبية العريضة ~~المشدودة بالمسامير قال في البحر: وذات الألواح والدسر هي السفينة التي ~~أنشأها نوح عليه السلام، ويفهم من هذين الوصفين أنها " السفينة " فهي صفة ~~تقوم مقام الموصوف وتنوب عنه ونحوه: قميصي مسرودة من حديد أي درع، وهذا ~~من فصيح الكلام وبديعه، ولو جمعت بين الصفة والموصوف لم يكن بالفصيح، ~~والدسر: المسامير { تجري بأعيننا } أي تسير على وجه الماء ~~بحفظنا وكلاءتنا وتحت رعايتنا { جزآء لمن كان كفر } أي أغرقنا ~~قوم نوح انتصارا لعبدنا نوح لأنه كان قد كذب وجحد فضله قال ~~الألوسي: أي فعلنا ذلك جزاء لنوح لأنه كان نعمة أنعمها الله على قومه ~~فكفروها، وكذلك كل نبي نعمة من الله تعالى على أمته { ولقد ms1521 ~~تركناها آية } أي تركنا تلك الحادثة " الطوفان " عبرة { فهل ~~من مدكر } أي فهل من معتبر ومتعظ؟ { فكيف كان عذابي ~~ونذر } استفهام تهويل وتعجيب أي فكيف كان عذابي وإنذاري لمن كذب ~~رسلي، ولم يتعظ بآياتي؟ { ولقد يسرنا القرآن للذكر } ~~أي والله لقد سهلنا القرآن للحفظ والتدبر والاتعاظ، لما اشتمل عليه من ~~أنواع المواعظ والعبر { فهل من مدكر } أي فهل من متعظ ~~بمواعظه، معتبر بقصصه وزواجره؟ قال الخازن: وفيه الحث على تعليم القرآن ~~والاشتغال به، لأنه قد يسره الله وسهله على من يشاء من عباده، بحيث يسهل ~~حفظه للصغير والكبير، والعربي والعجمي قال سعيد بن جبير: يسرناه للحفظ ~~والقراءة، وليس شيء من كتب الله تعالى يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن، ~~وبالجملة فقد جعل الله القرآن مهيئا ومسهلا لمن أراد حفظه وفهمه أو ~~الاتعاظ به، فهو رأس سعادة الدنيا والآخرة { كذبت عاد فكيف ~~كان عذابي ونذر } أي كذبت عاد رسولهم هودا فكيف كان إنذاري ~~لهم بالعذاب؟ ثم شرع في بيان ما حل بهم من العذاب الفظيع المدمر فقال { ~~إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } أي أرسلنا عليهم ريحا ~~عاصفة باردة شديدة الهبوب والصوت قال ابن عباس: الصرصر: الشديدة البرد ~~وقال السدي: الشديدة الصوت { في يوم نحس مستمر } أي في ~~يوم مشئوم دائم الشؤم، استمر عليهم بشؤمه فلم يبق منهم أحد إلا هلك ~~فيه قال ابن كثير: استمر عليهم نحسه ودماره، لأنه يوم اتصل فيه عذابهم ~~الدنيوي بالأخروي { تنزع الناس } أي تقلع الريح القوم ثم ترمي بهم ~~على رءوسهم فتدق رقابهم وتتركهم { كأنهم أعجاز نخل ~~منقعر } أي كأنهم أصول نخل قد انقلعت من مغارسها وسقطت على الأرض، ~~شبهوا بالنخل لطولهم وضخامة أجسامهم قال الخازن: كانت الريح تقلعهم ثم ~~ترمي بهم على رءوسهم فتدق رقابهم، وتفصل رءوسهم من أجسامهم فتبقى أجسامهم ~~بلا رءوس كعجز النخلة الملقاة على الأرض { فكيف كان عذابي ~~ونذر } تهويل لما حل بهم من العذاب وتعجيب من أمرهم أي كيف كان ~~عذابي وإنذاري لهم؟ ألم يكن هائلا فظيعا؟ { ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل ms1522 من مدكر }؟ كرره للتنبيه على فضل ~~الله على المؤمنين بتيسير حفظ القرآن أي ولقد سهلنا القرآن للحفظ والفهم، ~~فهل من متعظ ومعتبر بزواجر القرآن!؟ ثم أخبر تعالى عن قوم ثمود المكذبين ~~لرسولهم صالح عليه السلام فقال { كذبت ثمود بالنذر } أي ~~كذبت ثمود بالإنذارات والمواعظ التي أنذرهم بها نبيهم صالح { ~~فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه } أي أنتبع ~~إنسانا مثلنا من آحاد الناس، ليس من الأشراف ولا العظماء، ونحن جماعة ~~كثيرون؟ قال في البحر: قالوا ذلك حسدا منهم واستبعادا أن يكون نوع ~~البشر يفضل بعضه بعضا هذا الفضل، فقالوا: أنكون جمعا ونتبع واحدا ~~منا؟ ولم يعلموا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ويفيض نور الهدى على ~~من رضيه { إنآ إذا لفي ضلال وسعر } أي إنا إذا اتبعناه ~~لفي خطأ وذهاب عن الحق واضح، وجنون دائم قال ابن عباس: سعر أي جنون ~~من قولهم ناقة مسعورة كأنها من شدة نشاطها مجنونة { أألقي الذكر ~~عليه من بيننا } استفهام إنكاري أي هل خص بالوحي والرسالة ~~وحده دوننا، وفينا من هو أكثر منه مالا وأحسن حالا؟ قال الإمام الفخر: ~~وفي الآية إشارة إلى ما كانوا ينكرونه بطريق المبالغة، وذلك لأن ~~الإلقاء إنزال بسرعة، فكأنهم قالوا: الملك جسيم والسماء بعيدة فكيف ~~ينزل عليه الوحي في لحظة؟ وقولهم " عليه " إنكار آخر كأنهم قالوا: ما ~~ألقي عليه ذكر أصلا، وعلى فرض نزوله فلا يكون عليه من بيننا وفينا من ~~هو فوقه في الشرف والذكاء؟ وقولهم { أألقي } بدلا من قولهم " أألقى ~~الله " إشارة إلى أن الإلقاء من السماء غير ممكن فضلا عن أن يكون من ~~الله تعالى { بل هو كذاب أشر } أي بل هو كاذب في دعوى النبوة، ~~متجاوز في حد الكذب، متكبر بطر يريد العلو علينا، وإنما وصفوه بأنه { ~~أشر } مبالغة منهم في رفض دعواه كأنهم قالوا إنه كذب لا لضرورة ~~وحاجة إلى الخلاص كما يكذب الضعيف، وإنما تكبر وبطر وطلب الرياسة ~~عليكم وأراد أن تتبعوه فكذب على الله، فلا يلتفت إلى كلامه لأنه جمع بين ~~رذيلتين: الكذب ms1523 والتكبر، وكل منهما مانع من اتباعه، قال تعالى تهديدا ~~لهم وردا لبهتانهم { سيعلمون غدا من الكذاب الأشر } ~~أي سيعلمون في الآخرة من هو الكذاب الأشر، هل هو صالح عليه السلام أم ~~قومه المكذبون المجرمون؟ قال الألوسي: المراد سيعلمون أنهم هم الكذابون ~~الأشرون، لكن أورد ذلك مورد الإبهام إيماء إلى أنه مما لا يكاد يخفى ~~{ إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم } أي مخرجوا الناقة من ~~الصخرة الصماء محنة لهم واختبارا كما شاءوا وطلبوا قال ابن كثير: أخرج ~~الله لهم ناقة عظيمة عشراء، من صخرة صماء طبق ما سألوا، لتكون حجة الله ~~عليهم في تصديق صالح عليه السلام فيما جاءهم به { فارتقبهم ~~واصطبر } أي فانتظرهم وتبصر ما يصنعون وما يصنع بهم، واصبر على ~~أذاهم فإن الله ناصرك عليهم { ونبئهم أن المآء قسمة ~~بينهم } أي وأعلمهم أن الماء الذي يمر بواديهم مقسوم بين ~~ثمود وبين الناقة كقوله تعالى # لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # [الشعراء: 155] قال ابن عباس: إذا كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا ~~من الماء وتسقيهم لبنا وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء ~~كله فلم تبق لهم شيئا، وإنما قال تعالى { بينهم } تغليبا ~~للعقلاء { كل شرب محتضر } أي كل نصيب وحصة من الماء يحضرها ~~من كانت نوبته، فإذا كان يوم الناقة حضرت شربها، وإذا كان يومهم حضروا ~~شربهم { فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر } أي فنادت قبيلة ~~ثمود أشقى القوم واسمه " قدار بن سالف " لقتل الناقة فتناول الناقة بسيفه ~~فقتلها غير مكترث بالأمر العظيم { فكيف كان عذابي ونذر } أي ~~فكيف كان عقابي وإنذاري لهم؟ ألم يكن فظيعا شديدا؟! { إنآ ~~أرسلنا عليهم صيحة واحدة } أي أهلكناهم بصيحة واحدة ~~صاح بها جبريل عليه السلام فلم تبق منهم عين تطرف { فكانوا ~~كهشيم المحتظر } أي فصاروا هشيما متفتتا كيابس الشجر إذا ~~بلي وتحطم وداسته الأقدام قال الإمام الجلال: المحتظر هو الذي يجعل ~~لغنمه حظيرة من يابس الشجر والشوك يحفظهن فيها من الذئاب والسباع، وما ~~سقط من ذلك فداسته فهو الهشيم { ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر ms1524 فهل من مدكر } أي يسرناه للحفظ والاتعاظ فهل من ~~معتبر؟. ### || [54.33-55] # المناسبة: لما ذكر تعالى المكذبين من قوم " عاد وثمود " ذكر هنا قوم ~~لوط وقوم فرعون وما حل بهم من العذاب والدمار، تذكيرا لكفار مكة بانتقام ~~الله من أعدائه وأعداء رسله، وختم السورة الكريمة ببيان سنة الله في عقاب ~~الكفرة المجرمين. # اللغة: { حاصبا } الحاصب: الحجارة وقيل: هي الريح الشديد التي تثير ~~الحصباء وهي الحصى { بطشا } عقابنا الشديد { الزبر } الكتب ~~السماوية جمع زبور وهو الكتاب الإلهي { أدهى } أفظع من الداهية وهي ~~الأمر المنكر العظيم { سعر } خسران وجنون { سقر } اسم من أسماء ~~جهنم أعاذنا الله منها. # سبب النزول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء مشركوا قريش ~~يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت { يوم ~~يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر * ~~إنا كل شيء خلقناه بقدر }. # التفسير: { كذبت قوم لوط بالنذر } أي كذبوا بالإنذارات ~~التي أنذرهم بها نبيهم لوط عليه السلام { إنآ أرسلنا عليهم ~~حاصبا } أي أرسلنا عليهم حجارة قذفوا بها من السماء قال ابن كثير: أمر ~~تعالى جبريل فحمل مدائنهم حتى وصل بها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم ~~وأرسلها وأتبعت بحجارة من سجيل منضود، والحاصب هي الحجارة { إلا ~~آل لوط } أي غير لوط وأتباعه المؤمنين { نجيناهم بسحر } ~~أي نجيناهم من الهلاك قبيل الصبح وقت السحر { نعمة من ~~عندنا } أي إنعاما منا عليهم نجيناهم من العذاب { كذلك ~~نجزي من شكر } أي مثل ذلك الجزاء الكريم، نجزي من شكر نعمتنا ~~بالإيمان والطاعة { ولقد أنذرهم بطشتنا } أي ولقد خوفهم ~~لوط عقوبتنا الشديدة، وانتقامنا منهم بالعذاب { فتماروا ~~بالنذر } أي فتشككوا وكذبوا بالإنذار والوعيد { ولقد ~~راودوه عن ضيفه } أي طلبوا منه أن يسلم لهم أضيافه وهم ~~الملائكة ليفجروا بهم بطريق اللواطة { فطمسنآ أعينهم } أي ~~أعمينا أعينهم وأزلنا أثرها حتى فقدوا أبصارهم قال المفسرون: لما جاءت ~~الملائكة إلى لوط في صورة شباب مرد حسان، أضافهم لوط عليه السلام، ~~فجاء قومه يهرعون إليه لقصد الفاحشة بهم، فأغلق لوط دونهم الباب، ~~فجعلوا ms1525 يحاولون كسر الباب، فخرج عليهم جبريل فضرب أعينهم بطرف جناحه ~~فانطمست أعينهم وعموا { فذوقوا عذابي ونذر } أي فذوقوا عذابي ~~وإنذاري الذي أنذركم به لوط { ولقد صبحهم بكرة عذاب ~~مستقر } أي جاءهم وقت الصبح عذاب دائم متصل بعذاب الآخرة قال ~~الصاوي: وذلك أن جبريل قلع بلادهم فرفعها ثم قلبها بهم وأمطر عليهم حجارة ~~من سجيل، واتصل عذاب الدنيا بعذاب الآخرة فلا يزول عنهم حتى يصلوا إلى ~~النار { فذوقوا عذابي ونذر } أي فذوقوا أيها المجرمون عذابي ~~الأليم، وإنذاري لكم على لسان رسولي { ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر } أي ولقد يسرنا القرآن للحفظ والتدبر ~~فهل من متعظ ومعتبر؟ قال المفسرون: حكمة تكرار ذلك في كل قصة، التنبيه ~~على الاتعاظ والتدبر في أنباء الغابرين، وللإشارة إلى أن تكذيب كل ~~رسول مقتض لنزول العذاب كما كرر قوله # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13] تقريرا للنعم المختلفة المعدودة، فكلما ذكر نعمة وبخ ~~على التكذيب بها { ولقد جآء آل فرعون النذر } أي جاء ~~فرعون وقومه الإنذارات المتكررة فلم يعتبروا قال أبو السعود: صدرت ~~قصتهم بالقسم المؤكد لإبراز كمال الاعتناء بشأنها، لغاية عظم ما فيها من ~~الآيات وكثرتها، وهول ما لاقوه من العذاب، وفرعون رأس الطغيان { ~~كذبوا بئاياتنا كلها } أي كذبوا بالمعجزات التسع التي ~~أعطيها موسى { فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر } أي فانتقمنا ~~منهم بإغراقهم في البحر، وأخذناهم بالعذاب أخذ إله غالب في انتقامه، ~~قادر على إهلاكهم لا يعجزه شيء.. ثم خوف تعالى كفار مكة فقال { ~~أكفاركم خير من أولئكم }؟ الاستفهام إنكاري للتقريع ~~والتوبيخ أي أكفاركم يا معشر العرب خير من أولئكم الكفار الذين أحللت ~~بهم نقمتي مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون، حتى لا ~~أعذبهم؟ قال القرطبي: استفهام إنكار ومعناه النفي أي ليس كفاركم خيرا من ~~كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم { أم لكم برآءة في ~~الزبر } أي أم لكم يا كفار قريش براءة من العذاب في الكتب السماوية ~~المنزلة على الأنبياء؟ { أم يقولون نحن جميع منتصر } أي ~~بل أيقولون نحن جمع ms1526 كثير، واثقون بكثرتنا وقوتنا، منتصرون على محمد؟ قال ~~تعالى ردا عليهم { سيهزم الجمع ويولون الدبر } أي ~~سيهزم جمع المشركين ويولون الأدبار منهزمين قال ابن الجوزي: وهذا مما ~~أخبر الله به نبيه من علم الغيب، فكانت الهزيمة يوم بدر { بل ~~الساعة موعدهم } أي ليس هذا تمام عقابهم بل القيامة موعد ~~عذابهم { والساعة أدهى وأمر } أي أعظم داهية وأشد ~~مرارة من القتل والأسر { إن المجرمين في ضلال وسعر } ~~أي إن المجرمين في حيرة وتخبط في الدنيا، وفي نيران مسعرة في ~~الآخرة قال ابن عباس: في خسران وجنون { يوم يسحبون في النار ~~على وجوههم } أي يوم يجرون في النار على وجوههم عقابا ~~وإذلالا لهم { ذوقوا مس سقر } أي يقال لهم: ذوقوا أيها ~~المكذبون عذاب جهنم قال أبو السعود: وسقر علم لجهنم ولذلك لم يصرف { ~~إنا كل شيء خلقناه بقدر } أي إنا خلقنا كل شيء ~~مقدرا مكتوبا في اللوح المحفوظ من الأزل { ومآ أمرنآ إلا ~~واحدة كلمح بالبصر } أي وما شأننا في الخلق والإيجاد إلا ~~مرة واحدة كلمح البصر في السرعة نقول للشيء: كن فيكون قال ابن كثير: أي ~~إنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك ~~موجودا كلمح البصر لا يتأخر طرفة عين { ولقد أهلكنآ ~~أشياعكم } أي ووالله لقد أهلكنا أشباهكم ونظراءكم في الكفر والضلال ~~من الأمم السالفة { فهل من مدكر } أي فهل من يتذكر ويتعظ؟ { ~~وكل شيء فعلوه في الزبر } أي وجميع ما فعلته الامم ~~المكذبة من خير وشر مكتوب عليهم، مسجل في كتب الحفظة التي بأيدي الملائكة ~~قال ابن زيد: { في الزبر } أي في دواوين الحفظة { وكل صغير ~~وكبير مستطر } أي وكل صغير وكبير من الأعمال مسطور في اللوح ~~المحفوظ، مثبت فيه { إن المتقين في جنات ونهر } أي في ~~جنات وأنهار قال القرطبي: يعني أنهار الماء، والخمر، والعسل، واللبن { ~~في مقعد صدق } أي في مكان مرضي، ومقام حسن { عند مليك ~~مقتدر } أي عند رب عظيم جليل، قادر في ملكه وسلطانه، لا يعجزه ~~شيء، وهو الله رب العالمين. ms1527 # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الاستعارة التمثيلية # ففتحنآ أبواب السمآء # [القمر: 11] شبه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب ~~السماء، وانشق بها أديم الخضراء بطريق الاستعارة التمثيلية. # 2- جناس الاشتقاق { يدع الداع }. # 3- الكناية # وحملناه على ذات ألواح ودسر # [القمر: 13] كناية عن السفينة التي تحوي الأخشاب والمسامير. # 4- التشبيه المرسل والمجمل # كأنهم أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 7] ومثله # فكانوا كهشيم المحتظر # [القمر: 31]. # 5- صيغة المبالغة # بل هو كذاب أشر # [القمر: 25] أي كثير الكذب عظيم البطر لأن فعال وفعل للمبالغة. # 6- الإطناب بتكرار اللفظ { بل الساعة موعدهم والساعة ~~أدهى } لزيادة التخويف والتهويل. # 7- المقابلة بين المجرمين والمتقين { إن المجرمين في ضلال ~~وسعر } و { إن المتقين في جنات ونهر }. # 8- الطباق بين { صغير وكبير }. # 9- السجع المرصع غير المتكلف الذي يزيد في جمال اللفظ وموسيقاه إقرأ ~~مثلا قوله تعالى { ذوقوا مس سقر * إنا كل شيء ~~خلقناه بقدر * ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح ~~بالبصر } الخ. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-45] # اللغة: { بحسبان } الحسبان بضم الحاء مصدر مثل الغفران ~~والكفران ومعناه الحساب { الأنام } الخلق وكل ما دب على وجه ~~الأرض { العصف } ورق الزرع الأخضر إذا يبس { الريحان } كل نبات ~~طيب الريح، سمي ريحانا لرائحته الطيبة { مارج } المارج: اللهب الذي ~~يعلو النار قال الليث: هو الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد { الجوار ~~} جمع جارية وهي السفينة سميت جارية لأنها تمشي على سطح الماء { ~~الأعلام } الجبال جمع علم وهو الجبل الطويل قال الشاعر: " إذا قطعن ~~علما بدا علم " { تنفذوا } النفوذ: الخروج من الشي بسرعة { شواظ ~~} الشواظ: اللهب الذي لا دخان له { الدهان } الجلد الأحمر { آن } ~~نهاية في الحرارة. # التفسير: { الرحمن * علم القرآن } أي الله الرحمن ~~علم القرآن، ويسره للحفظ والفهم قال مقاتل: لما نزل قوله تعالى # اسجدوا للرحمن # [الفرقان: 60] قال كفار مكة، وما الرحمن؟ فأنكروه وقالوا لا نعرف الرحمن ~~فقال تعالى { الرحمن } الذي أنكروه هو الذي { علم القرآن ~~} وقال الخازن: إن الله عز وجل عدد نعمه على عباده، فقدم أعظمها ~~نعمة، وأعلاها رتبة، وهو القرآن العزيز لأنه أعظم وحي ms1528 الله إلى أنبيائه، ~~وأشرفه منزلة عند أوليائه وأصفيائه، وأكثره ذكرا، وأحسنه في أبواب الدين ~~أثرا، وهو سنام الكتب السماوية المنزلة على أفضل البرية { خلق ~~الإنسان } أي خلق الإنسان السميع البصير الناطق، والمراد بالإنسان ~~الجنس { علمه البيان } أي ألهمه النطق الذي يستطيع به أن يبين ~~عن مقاصده ورغباته، ويتميز به عن سائر الحيوان قال البيضاوي: والمقصود ~~تعداد ما أنعم الله به على نوع الإنسان، حثا على شكره، وتنبيها على ~~تقصيرهم فيه، وإنما قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان، لأنه أصل ~~النعم الدينية فقدم الأهم { الشمس والقمر بحسبان } أي ~~الشمس والقمر يجريان بحساب معلوم في بروجهما، ويتنقلان في منازلهما ~~لمصالح العباد قال ابن كثير: أي يجريان متعاقبين بحساب مقنن لا يختلف ~~ولا يضطرب { والنجم والشجر يسجدان } أي والنجم والشجر ~~ينقادان للرحمن فيما يريده منهما، هذا بالتنقل بالبروج، وذاك بإخراج ~~الثمار { والسمآء رفعها ووضع الميزان } أي والسماء ~~خلقها عالية محكمة البناء رفيعة القدر والشأن، وأمر بالميزان عند الأخذ ~~والإعطاء لينال الإنسان حقه وافيا { ألا تطغوا في ~~الميزان } أي لئلا تبخسوا في الميزان { وأقيموا الوزن ~~بالقسط } أي اجعلوا الوزن مستقيما بالعدل والإنصاف { ولا ~~تخسروا الميزان } أي لا تطففوا الوزن ولا تنقصوه كقوله تعالى # ويل للمطففين # [المطففين: 1] { والأرض وضعها للأنام } أي والأرض بسطها ~~لأجل الخلق، ليستقروا عليها، وينتفعوا بما خلق الله على ظهرها قال ابن ~~كثير: أي أرساها بالجبال الشامخات لتستقر بما على وجهها من الأنام وهم ~~الخلائق، المختلفة أنواعهم وأشكالهم وألوانهم في سائر أرجائها { فيها ~~فاكهة } أي فيها من أنواع الفواكه المختلفة الألوان والطعوم والروائح ~~{ والنخل ذات الأكمام } أي وفيها النخل التي يطلع فيها أوعية ~~الثمر قال ابن كثير: أفرد النخل بالذكر لشرفه ونفعه رطبا ويابسا، ~~والأكمام هي أوعية الطلع كما قال ابن عباس، وهو الذي يطلع فيه القنو، ثم ~~ينشق عنه العنقود فيكون بسرا ثم رطبا، ثم ينضج ويتناهى ينعه واستواؤه ~~{ والحب ذو العصف } أي وفيها أنواع الحب كالحنطة والشعير وسائر ~~ما يتغذى به، ذو التبن الذي هو غذاء الحيوان { والريحان } أي ~~وفيها ms1529 كل مشموم طيب الريح من النبات كالورد، والفل، والياسمين وما ~~شاكلها قال في البحر: ذكر تعالى الفاكهة أولا ونكر لفظها لأن الانتفاع ~~بها نفسها، ثم ثنى بالنخل فذكر الأصل ولم يذكر ثمرها وهو التمر، لكثرة ~~الانتفاع بها من ليف، وسعف، وجريد، وجذوع، وجمار، وثمر، ثم ذكر الحب ~~الذي هو قوام عيش الإنسان وهو البر والشعير وكل ما له سنبل وأوراق، ~~ووصفه بقوله { ذو العصف } تنبيها على إنعامه عليهم بما يقوتهم به ~~من الحب، وما يقوت بهائمهم من ورقه وهو التبن، وبدأ بالفاكهة وختم ~~بالمشموم ليحصل ما به يتفكه، وما به يتقوت، وما به تقع اللذاذة من ~~الرائحة الطيبة، ولما عدد نعمه خاطب الإنس والجن بقوله { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } أي فبأي نعم الله يا معشر الإنس والجن ~~تكذبان؟ أليست نعم الله عليكم كثيرة لا تحصى؟ عن ابن عمر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكتوا، ~~فقال: مالي أسمع الجن أحسن جوابا لربها منكم؟ ما أتيت على قول الله ~~تعالى { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: لا بشيء ~~من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد " # . ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته فقال { خلق الإنسان من ~~صلصال كالفخار } أي خلق أباكم آدم من طين يابس يسمع له صلصلة ~~أي صوت إذا نقر قال المفسرون: ذكر تعالى في هذه السورة أنه خلق آدم { ~~من صلصال كالفخار } وفي سورة الحجر # من صلصال من حمإ مسنون # [الحجر: 26] أي من طين أسود متغير، وفي الصافات # من طين لازب # [الصافات: 11] أي يلتصق باليد، وفي آل عمران # كمثل ءادم خلقه من تراب # [آل عمران: 59] ولا تنافي بينهما، وذلك لأن الله تعالى أخذه من تراب ~~الأرض، فعجنه بالماء فصار طينا لازبا أي متلاصقا يلصق باليد، ثم تركه ~~حتى صار حمأ مسنونا أي طينا أسود منتنا، ثم صوره كما تصور ~~الأواني ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة كالفخار إذا نقر صوت، ~~فالمذكور ههنا آخر الأطوار { وخلق الجآن من مارج من ~~نار } أي وخلق الجن ms1530 من لهب خالص لا دخان فيه من النار قال ابن ~~عباس: { من مارج } أي لهب خالص لا دخان فيه وقال مجاهد: هو اللهب ~~المختلط بسواد النار، وفي الحديث # " خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما ~~وصف لكم " # { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي فبأي نعم الله يا معشر ~~الإنس والجن تكذبان؟ قال أبو حيان: والتكرار في هذه الفواصل للتأكيد ~~والتنبيه والتحريك، وقال ابن قتيبة: إن هذا التكرار إنما هو لاختلاف ~~النعم، فكلما ذكر نعمة كرر قوله { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } وقد ذكرت هذه الآية إحدى وثلاثين مرة، والاستفهام فيها ~~للتقريع والتوبيخ { رب المشرقين ورب المغربين } أي ~~هو جل وعلا رب مشرق الشمس والقمر، ورب مغربهما، ولما ذكر الشمس ~~والقمر في قوله { الشمس والقمر بحسبان } ذكر هنا أنه رب ~~مشرقهما ومغربهما { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي فبأي ~~نعم الله التي لا تحصى تكذبان؟ { مرج البحرين يلتقيان } ~~أي أرسل البحر الملح والبحر العذب يتجاوران ويلتقيان ولا يمتزجان { ~~بينهما برزخ لا يبغيان } أي بينهما حاجز من قدرة الله ~~تعالى لا يطغى أحدهما على الآخر بالممازجة قال ابن كثير: والمراد ~~بالبحرين: الملح والحلو، فالملح هذه البحار، والحلو هذه الأنهار السارحة ~~بين الناس، وجعل الله بينهما برزخا وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا ~~على هذا فيفسد كل واحد منهما الآخر { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } أي فبأي نعم الله تكذبان؟ { يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان } أي يخرج لكم من الماء اللؤلؤ والمرجان، كما ~~يخرج من التراب الحب والعصف والريحان، قال الألوسي: واللؤلؤ صغار الدر، ~~والمرجان كباره قاله ابن عباس، وعن ابن مسعود أن المرجان الخرز الأحمر، ~~والآية بيان لعجائب صنع الله حيث يخرج من الماء الملح أنواع الحلية ~~كالدر والياقوت والمرجان، فسبحان الواحد المنان { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } أي فبأي نعمة من نعم الله تكذبان؟ { وله ~~الجوار المنشئات في البحر كالأعلام } أي وله جل وعلا ~~السفن المرفوعات الجاريات في البحر كالجبال في العظم والضخامة قال ~~القرطبي: { كالأعلام } أي كالجبال، والعلم الجبل ms1531 الطويل، فالسفن في ~~البحر كالجبال في البر، ووجه الامتنان بها أن الله تعالى سير هذه السفن ~~الضخمة التي تشبه الجبال على وجه الماء، وهو جسم لطيف مائع يحمل فوقه هذه ~~السفن الكبار المحملة بالأرزاق والمكاسب والمتاجر من قطر إلى قطر، ومن ~~إقليم إلى إقليم قال شيخ زاده: واعلم أن أصول الأشياء أربعة: التراب، ~~والماء، والهواء، والنار، فبين تعالى بقوله { خلق الإنسان من ~~صلصال } أن التراب أصل لمخلوق شريف مكرم، وبين قوله { وخلق ~~الجآن من مارج من نار } أن النار أيضا أصل لمخلوق آخر ~~عجيب الشأن، وبين بقوله { يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان } أن الماء أيضا أصل لمخلوق آخر له قدر وقيمة، ثم ذكر أن ~~الهواء له تأثير عظيم في جري السفن المشابهة للجبال فقال { وله ~~الجوار المنشئات في البحر كالأعلام } وخص السفن ~~بالذكر لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك حيث ~~يقولون: " لك الفلك ولك الملك " وإذا خافوا الغرق دعوا الله تعالى ~~خاصة # مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا ~~هم يشركون # [العنكبوت: 65] { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي فبأي ~~نعمة من نعم الله تكذبان؟ { كل من عليها فان } أي كل من على ~~وجه الأرض من الإنسان والحيوان هالك وسيموت { ويبقى وجه ربك ~~ذو الجلال والإكرام } أي ويبقى ذات الله الواحد الأحد، ذو ~~العظمة والكبرياء والإنعام والإكرام كقوله # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] قال ابن عباس: الوجه عبارة عن الله جل وعلا الباقي الدائم ~~قال القرطبي: ووجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت ومع ~~الموت تستوي الأقدام، والموت سبب النقلة من دار الفناء إلى دار الثواب ~~والجزاء { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي فبأي نعمة من ~~نعم الله تكذبان { يسأله من في السموت والأرض } أي ~~يفتقر إليه تعالى كل من في السماوات والأرض، ويطلبون منه العون والرزق ~~بلسان المقال أو بلسان الحال { كل يوم هو في شأن } أي كل ~~ساعة ولحظة هو تعالى في شأن من شئون الخلق، يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ~~ويرفع قوما، ويضع ms1532 آخرين قال المفسرون: هي شئون يبديها ولا يبتديها أي ~~يظهرها للخلق ولا ينشئها من جديد لأن القلم جف على ما كان وما سيكون ~~إلى يوم القيامة، فهو تعالى يرفع من يشاء ويضع من يشاء، ويشفي سقيما ~~ويمرض سليما، ويعز ذليلا ويذل عزيزا، ويفقر غنيا ويغني فقيرا قال ~~مقاتل: إن الآية نزلت في اليهود قالوا: إن الله تعالى لا يقضي يوم السبت ~~شيئا، فرد الله عليهم بذلك { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان أيها الإنس والجان؟ { ~~سنفرغ لكم أيه الثقلان } أي سنحاسبكم على أعمالكم يا ~~معشر الإنس والجن قال ابن عباس: هذا وعيد من الله تعالى للعباد، وليس ~~بالله تعالى شغل وهو فارغ قال في البحر: أي ننظر في أموركم يوم القيامة، ~~لا أنه تعالى كان له شغل فيفرغ فيه، وجرى هذا على كلام العرب يقول الرجل ~~لمن يتهدده: سأفرغ لك أي سأتجرد للانتقام منك من كل ما شغلني وقال ~~البيضاوي: أي سنتجرد لحسابكم وجزائكم يوم القيامة، وفيه تهديد مستعار من ~~قولك لمن تهدده: سأفرغ لك، فإن المتجرد للشيء يكون أقوى عليه، وأجد ~~فيه، والثقلان: الإنس والجن سميا بذلك لثقلهما على الأرض { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } تقدم تفسيره { يمعشر الجن ~~والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السموت والأرض فانفذوا } أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب ~~السماوات والأرض هاربين من الله، فارين من قضائه فأخرجوا منها، وخلصوا ~~أنفسكم من عقابه، والأمر للتعجيز { لا تنفذون إلا بسلطان } ~~أي لا تقدرون على الخروج إلا بقوة وقهر وغلبة، وأنى لكم ذلك؟ قال ابن ~~كثير: معنى الآية أنكم لا تستطيعون هربا من أمر الله وقدره، بل هو محيط ~~بكم لا تقدرون على التخلص من حكمه، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام ~~الحشر حيث الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد ~~على الذهاب إلا بسلطان أي إلا بأمر الله وإرادته # يقول الإنسان يومئذ أين المفر # [القيامة: 10]؟ وهذا إنما يكون في القيامة لا في الدنيا بدليل قوله ms1533 ~~تعالى بعده { يرسل عليكما شواظ من نار } { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان }؟ تقدم تفسيره { يرسل عليكما ~~شواظ من نار } أي يرسل عليكما يوم القيامة لهب النار الحامية { ~~ونحاس } أي ونحاس مذاب يصب فوق رءوسكم قال مجاهد: هو الصفر ~~المعروف يصب على رءوسهم يوم القيامة وقال ابن عباس: { نحاس } هو الدخان ~~الذي لا لهب فيه، وقول مجاهد أظهر { فلا تنتصران } أي فلا ينصر ~~بعضكم بعضا، ولا يخلصه من عذاب الله قال ابن كثير: ومعنى الآية لو ذهبتم ~~هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة وزبانية جهنم، بإرسال اللهب من ~~النار والنحاس المذاب عليكم لترجعوا فلا تجدون لكم ناصرا { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } تقدم تفسيره { فإذا انشقت ~~السمآء } أي فإذا انصدعت يوم القيامة لتنزل الملائكة منها لتحيط ~~بالخلائق من كل جانب { فكانت وردة كالدهان } أي فكانت مثل ~~الورد الأحمر من حرارة النار، ومثل الأديم الأحمر أي الجلد الأحمر قاله ~~ابن عباس: وذلك من شدة الهول، ومن رهبة ذلك اليوم العظيم { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } تقدم تفسيره { فيومئذ لا ~~يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن } أي ففي ذلك اليوم الرهيب يوم ~~تنشق السماء، لا يسأل أحد من المذنبين من الإنس والجن عن ذنبه، لأن ~~للمذنب علامات تدل على ذنبه كاسوداد الوجوه، وزرقة العيون قال الإمام ~~الفخر: لا يسأل أحد عن ذنبه، فلا يقال له: أنت المذنب أو غيرك؟ ولا ~~يقال: من المذنب منكم؟ بل يعرفون بسواد وجوههم وغيره { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } تقدم تفسيره { يعرف المجرمون ~~بسيماهم } أي يعرف يوم القيامة أهل الإجرام بعلامات تظهر عليهم ~~وهي ما يغشاهم من الكآبة والحزن قال الحسن: سواد الوجه وزرقة الأعين ~~كقوله تعالى # ونحشر المجرمين يومئذ زرقا # [طه: 102] وقوله # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106] { فيؤخذ بالنواصي والأقدام } أي فتأخذ ~~الملائكة بنواصيهم أي بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في جهنم قال ~~ابن عباس: يؤخذ بناصية المجرم وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب ثم يلقى في ~~النار { فبأي آلاء ربكما تكذبان } تقدم تفسيره { ~~هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون } أي ms1534 يقال ~~لهم تقريعا وتوبيخا: هذه النار التي أخبرتم بها فكذبتم قال ابن كثير: ~~أي هذه النار التي كنتم تكذبون بوجودها، ها هي حاضرة تشاهدونها عيانا { ~~يطوفون بينها وبين حميم آن } أي يترددون بين نار جهنم ~~وبين ماء حار بلغ النهاية في الحرارة قال قتادة: يطوفون مرة بين ~~الحميم، ومرة بين الجحيم، والجحيم النار، والحميم الشراب الذي انتهى حره ~~{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي فبأي نعم الله تكذبان ~~يا معشر الإنس والجان؟. ### || [55.46-78] # المناسبة: لما ذكر تعالى أحوال أهل النار، ذكر ما أعده للمؤمنين ~~الأبرار من الجنان والولدان والحور الحسان، ليتميز الفارق الهائل بين ~~منازل المجرمين ومراتب المتقين، على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب. # اللغة: { أفنان } جمع فنن وهو الغصن قال الشاعر يصف حمامة: # رب ورقاء هتوف في الضحى # ذات شدو صدحت في فنن # ذكرت إلفا ودهرا خاليا # فبكت شوقا فهاجت حزني # { وإستبرق } ما غلظ من الديباج وخشن { وجنى } الجنى: ما ~~يجتنى من الشجر ويقطف { يطمثهن } الطمث: الجماع المؤدي إلى ~~خروج دم البكر ثم أطلق على كل جماع، ومعنى { لم يطمثهن } أي لم ~~يصبهن بالجماع قبل أزواجهن أحد قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح ~~بالتدمية { مدهآمتان } سوداوان من شدة الخضرة، والدهمة في اللغة ~~السواد { نضاختان } فوارتان بالماء لا تنقطعان { عبقري } ~~طنافس جمع عبقرية أي طنفسة ثخينة فيها أنواع النقوش قال الفراء: العبقري ~~الطنافس الثخان منها وقال أبو عبيد: كل ثوب وشي عند العرب فهو عبقري ~~منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي قال ذو الرمة: # حتى كأن رياض القف ألبسها # من وشي عبقر تجليل وتنجيد # التفسير: { ولمن خاف مقام ربه جنتان } أي وللعبد ~~الذي يخاف قيامه بين يدي ربه للحساب جنتان: جنة لسكنه، وجنة لأزواجه ~~وخدمه، كما هي حال ملوك الدنيا حيث يكون له قصر ولأزواجه قصر قال ~~القرطبي: وإنما كانتا اثنتين ليضاعف له السرور بالتنقل من جهة إلى جهة ~~وقال الزمخشري: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي وفي الحديث # " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، ms1535 ~~وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على ~~وجهه في جنة عدن " # { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ثم وصف تعالى الجنتين ~~فقال { ذواتآ أفنان } أي ذواتا أغصان متفرعة وثمار متنوعة قال في ~~البحر: وخص الأفنان - وهي الغصون - بالذكر لأنها التي تورق وتثمر، ~~ومنها تمتد الظلال وتجنى الثمار { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإنس والجن { ~~فيهما عينان تجريان } أي في كل واحدة من الجنتين عين جارية، ~~تجري بالماء الزلال كقوله تعالى # فيها عين جارية # [الغاشية: 12] قال ابن كثير: أي تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان، ~~فتثمر من جميع الألوان قال الحسن: تجريان بالماء الزلال إحداهما ~~التسنيم، والأخرى السلسبيل { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ~~تقدم تفسيره { فيهما من كل فاكهة زوجان } أي فيهما من ~~جميع أنواع الفواكه والثمار صنفان: معروف، وغريب لم يعرفوه في الدنيا ~~قال ابن عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى ~~الحنظل، إلا أنه حلو، وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان } تقدم تفسيره قال الفخر ~~الرازي: إن قوله تعالى { ذواتآ أفنان } و { فيهما عينان ~~تجريان } و { فيهما من كل فاكهة زوجان } كلها أوصاف ~~للجنتين المذكورتين، وإنما فصل بين الأغصان والفواكه بذكر العينين ~~الجاريتين على عادة المتنعمين، فإنهم إذا دخلوا البستان لا يبادرون ~~إلى أكل الثمار، بل يقدمون التفرج على الأكل، مع أن الإنسان في بستان ~~الدنيا لا يأكل حتى يجوع ويشتهي شهوة شديدة فكيف في الجنة!! فذكر تعالى ~~ما يتم به النزهة وهو خضرة الأشجار، وجريان الأنهار، ثم ذكر ما يكون بعد ~~النزهة وهو أكل الثمار، فسبحان من يأتي بالآيات بأحسن المعاني في أبين ~~المباني { متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق } ~~أي مضطجعين في جنان الخلد على فرش وثيرة بطائنها من ديباج - وهو الحرير ~~السميك - المزين بالذهب، وهذا يدل على نهاية شرفها لأن البطانة إذا كانت ~~بهذا الوصف فما بالك بالظهارة؟ قال ابن مسعود: هذه البطائن فكيف ms1536 لو رأيتم ~~الظواهر؟ وقال ابن عباس: لما سئل عن الآية: ذلك مما قال الله تعالى # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17] { وجنى الجنتين دان } أي ثمرها قريب يناله ~~القاعد والقائم والنائم، بخلاف ثمار الدنيا فإنها لا تنال إلا بكد ~~وتعب قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما، ~~وإن شاء قاعدا، وإن شاء مضطجعا { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } تقدم تفسيره { فيهن قاصرات الطرف } أي في تلك ~~الجنان نساء قاصرات الطرف قصرن أعينهن على أزواجهن فلا يرين غيرهم، كما ~~هو حال المخدرات العفائف { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا ~~جآن } أي لم يمسهن ولم يجامعهن أحد قبل أزواجهن لا من الإنس ولا ~~من الجن، بل هن أبكار عذارى قال الألوسي: وأصل الطمث خروج الدم ولذلك ~~يقال للحيض طمث، ثم أطلق على جماع الأبكار لما فيه من خروج الدم، ثم ~~على كل جماع وإن لم يكن فيه خروج دم { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإنس والجن { ~~كأنهن الياقوت والمرجان } أي كأنهن يشبهن الياقوت ~~والمرجان في صفائهن وحمرتهن قال قتادة: كأنهن في صفاء الياقوت وحمرة ~~المرجان، لو أدخلت في الياقوت سلكا ثم نظرت إليه لرأيته من ورائه وفي ~~الحديث # " إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من ~~حرير، حتى يرى مخها " # { فبأي آلاء ربكما تكذبان } تقدم تفسيره { هل ~~جزآء الإحسان إلا الإحسان } أي ما جزاء من أحسن في الدنيا ~~إلا أن يحسن إليه في الآخرة قال أبو السعود: أي ما جزاء الإحسان في ~~العمل، إلا الإحسان في الثواب والغرض أن من قدم المعروف والإحسان ~~استحق الإنعام والإكرام { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ~~تقدم تفسيره { ومن دونهما جنتان } أي ومن دون تلك الجنتين في ~~الفضيلة والقدر جنتان أخريان قال المفسرون: الجنتان الأوليان للسابقين، ~~والأخريان لأصحاب اليمين ولا شك أن مقام السابقين أعظم وأرفع لقوله تعالى # فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة * وأصحاب ~~المشأمة مآ أصحاب المشأمة ms1537 * والسابقون ~~السابقون * أولئك المقربون # [الواقعة: 8-11] { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي فبأي ~~نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإنس والجن؟ { مدهآمتان } أي ~~سوداوان من شدة الخضرة والري قال الألوسي: والمراد أنهما شديدتا الخضرة، ~~والخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد وذلك من كثرة الري بالماء { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان } تقدم تفسيره { فيهما ~~عينان نضاختان } أي فوارتان بالماء لا تنقطعان وقال ابن مسعود ~~وابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل ~~الجنة كزخ المطر { فبأي آلاء ربكما تكذبان } تقدم ~~تفسيره { فيهما فاكهة ونخل ورمان } أي في الجنتين من ~~أنواع الفواكه كلها وأنواع النخل والرمان، وإنما ذكر النخل والرمان ~~تنبيها على فضلهما وشرفهما على سائر الفواكه ولأنهما غالب فاكهة العرب ~~قال الألوسي: ثم إن نخل الجنة ورمانها وراء ما نعرفه { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } تقدم تفسيره { فيهن خيرات حسان } ~~أي في تلك الجنان نساء صالحات كريمات الأخلاق، حسان الوجوه { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } تقدم تفسيره { حور مقصورات في ~~الخيام } أي هن الحور العين المخدرات المستورات لا يخرجن لكرامتهن ~~وشرفهن، قد قصرن في خدورهن في خيام اللؤلؤ المجوف، قال أبو حيان: ~~والنساء تمدح بذلك إذ ملازمتهن البيوت تدل على صيانتهن قال الحسن: لسن ~~بطوافات في الطرق، وخيام الجنة بيوت اللؤلؤ، وفي الحديث # " إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها ستون ميلا، في كل زواية ~~منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون " # { فبأي آلاء ربكما تكذبان } تقدم تفسيره { لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن } أي لم يجامعهن ولم يغشهن ~~أحد قبل أزواجهم لا من الإنس ولا من الجن قال في التسهيل: الجنتان ~~المذكورتان أولا للسابقين، والجنتان المذكورتان ثانيا لأصحاب اليمين، ~~وانظر كيف جعل أوصاف الجنتين الأوليين أعلى من أوصاف الجنتين اللتين ~~بعدهما، فقال هناك { فيهما عينان تجريان } وقال هنا { ~~فيهما عينان نضاختان } والجري أشد من النضخ، وقال هناك { ~~فيهما من كل فاكهة زوجان } وقال هنا { فيهما فاكهة ~~ونخل ورمان } والأول أعم وأشمل، وقال في صفة الحور هناك { ~~كأنهن الياقوت ms1538 والمرجان } وقال هنا { فيهن ~~خيرات حسان } وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان فالوصف هناك ~~أبلغ، وقال هناك في وصف الفرش { متكئين على فرش بطآئنها ~~من إستبرق } وهو الديباج وقال هنا { متكئين على ~~رفرف خضر } ولا شك أن الفرش المعدة للاتكاء أفضل من فضل الخباء ~~{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي فبأي نعم الله الجليلة ~~تكذبان يا معشر الإنس والجن؟ { متكئين على رفرف خضر } ~~أي مستندين على وسائد خضر من وسائد الجنة { وعبقري حسان } أي ~~وطنافس ثخينة مزخرفة، محلاة بأنواع الصور والزينة قال الصاوي: وهي نسبة ~~إلى " عبقر " قرية بناحية اليمن، ينسج فيها بسط منقوشة بلغت النهاية في ~~الحسن، فقرب الله لنا فرش الجنتين بتلك البسط المنقوشة { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } أي فبأي نعمة من نعم الله تعالى ~~تكذبان يا معشر الإنس والجن { تبارك اسم ربك } أي تنزه ~~وتقدس الله العظيم الجليل، وكثرت خيراته وفاضت بركاته { ذي الجلال ~~والإكرام } أي صاحب العظمة والكبرياء، والفضل والإنعام قال في ~~البحر: لما ختم تعالى نعم الدنيا بقوله # ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام # [الرحمن: 27] ختم نعم الآخرة بقوله { تبارك اسم ربك ذي ~~الجلال والإكرام } وناسب هناك ذكر البقاء والديمومة له تعالى ~~بعد ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر البركة وهي النماء والزيادة عقب ~~امتنانه على المؤمنين في دار كرامته وما آتاهم من الخير والفضل في دار ~~النعيم. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيا ~~يلي: # 1- المقابلة اللطيفة بين # والسمآء رفعها # [الرحمن: 7] وبين # والأرض وضعها # [الرحمن: 10] وكذلك المقابلة بين # خلق الإنسان من صلصال كالفخار # [الرحمن: 14] # وخلق الجآن من مارج من نار # [الرحمن: 15]. # 2- التشبيه المرسل المجمل # وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام # [الرحمن: 24] أي كالجبال في العظم. # 3- المجاز المرسل # ويبقى وجه ربك # [الرحمن: 27] أي ذاته المقدسة وهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. # 4- الاستعارة التمثيلية # سنفرغ لكم أيه الثقلان # [الرحمن: 31] شبه انتهاء الدنيا وما فيها من تدبير شئون الخلق ومجيء ~~الآخرة وبقاء شأن واحد وهو محاسبة الإنس والجن بفراغ من يشغله أمور ~~فتفرغ لأمر ms1539 واحد، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن وإنما هو على سبيل ~~التمثيل. # 5- الأمر التعجيزي # إن استطعتم أن تنفذوا.. فانفذوا # [الرحمن: 33] فالأمر هنا للتعجيز. # 6- التشبيه البليغ # فإذا انشقت السمآء فكانت وردة # [الرحمن: 37] أي كالوردة في الحمرة حذف وجه الشبه وأداة التشبيه فصار ~~بليغا. # 7- الجناس الناقص { وجنى الجنتين } لتغير الشكل والحروف، ~~ويسمى جناس الاشتقاق. # 8- الإيجاز بحذف الموصوف وإبقاء الصفة { فيهن قاصرات ~~الطرف } أي نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم. # 9- السجع المرصع غير المتكلف كأنه حبات در منظومة في سلك واحد إقرأ ~~قوله تعالى # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه ~~البيان # [الرحمن: 1-4] وأمثاله في السورة كثير. # فائدة: تسمى سورة الرحمن " عروس القرآن " لما ورد # " لكل شيء عروس، وعروس القرآن سورة الرحمن ". ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-56] # اللغة: { رجت } زلزلت وحركت تحريكا شديدا { بست } فتت ~~حتى صارت كالدقيق المبسوس { هبآء } الهباء ما يتطاير في الهواء من ~~الأجزاء الدقيقة { ثلة } جماعة من ثللت الشيء أي قطعته قاله الزجاج ~~فمعنى ثلة كمعنى فرقة وزنا ومعنى { موضونة } منسوجة محكمة النسج ~~كأن بعضها أدخل في بعض قال الأعشى: # ومن نسج داود موضونة # تساق مع الحي عسيرا فعيرا # { يصدعون } صدع القوم الخمر لحقهم الصداع في رءوسهم منها { ~~ينزفون } يسكرون فتذهب عقولهم { مخضود } خضد شوكه أي قطع قال ~~أمية بن أبي الصلت: # إن الحدائق في الجنان ظليلة # فيها الكواعب سدرها مخضود # { طلح } الطلح: شجر الموز { منضود } متراكب بعضه فوق بعض { ~~عربا } جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها { سموم } ريح حارة تدخل ~~في مسام البدن { يحموم } اليحموم الشديد السواد { الحميم } الماء ~~المغلي { الهيم } الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها. # التفسير: { إذا وقعت الواقعة } أي إذا قامت القيامة التي ~~لا بد من وقوعها، وحدثت الداهية الطامة التي ينخلع لها قلب الإنسان، كان ~~من الأهوال ما لا يصفه الخيال قال البيضاوي: سميت واقعة لتحقق وقوعها ~~وقال ابن عباس: الواقعة اسم من أسماء القيامة كالصاخة والآزفة والطامة، ~~وهذه الأشياء تقتضي عظم شأنها { ليس لوقعتها كاذبة } أي لا ~~يكون عند ms1540 وقوعها نفس كاذبة تكذب بوقوعها كحال المكذبين اليوم، لأن كل ~~نفس تؤمن حينئذ لأنها ترى العذاب عيانا كقوله تعالى # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده # [غافر: 84] { خافضة رافعة } أي هي خافضة لأقوام رافعة لآخرين، ~~تخفض أعداء الله في النار، وترفع أولياء الله في الجنة قال الحسن: تخفض ~~أقواما إلى الجحيم وإن كانوا في الدنيا أعزة، وترفع آخرين إلى أعلى ~~عليين وإن كانوا في الدنيا وضعاء.. ثم بين تعالى متى يكون ذلك فقال { ~~إذا رجت الأرض رجا } أي زلزلت زلزالا عنيفا، واضطربت ~~اضطرابا شديدا، بحيث ينهدم كل ما فوقها من بناء شامخ، وطود راسخ قال ~~المفسرون: ترج كما يرج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها من ~~بناء، وينكسر كل ما فيها من جبال وحصون { وبست الجبال بسا } ~~أي فتتت تفتيتا حتى صارت كالدقيق المبسوس - وهو المبلول - بعد أن كانت ~~شامخة { فكانت هبآء منبثا } أي فصارت غبارا متفرقا ~~متطايرا في الهواء، كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل النافذة فهذا هو ~~الهباء، والمنبث المتفرق، وهذه الآية كقوله تعالى # وتكون الجبال كالعهن المنفوش # [القارعة: 5] وقوله # وسيرت الجبال فكانت سرابا # [النبأ: 20] { وكنتم أزواجا ثلاثة } أي وكنتم - أيها الناس ~~- أصنافا وفرقا ثلاث " أهل اليمين، وأهل الشمال، وأهل السبق " فأما ~~السابقون فهم أهل الدرجات العلى في الجنة، وأما أصحاب اليمين فهم سائر ~~أهل الجنة، وأما أصحاب الشمال فهم أهل النار، وهذه مراتب الناس في الآخرة ~~قال ميمون بن مهران: اثنان في الجنة وواحد في النار، ثم فصلهم تعالى ~~بقوله { فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة }؟ ~~استفهام للتفخيم والتعظيم أي هل تدري أي شيء أصحاب الميمنة؟ من هم وما ~~هي حالهم وصفتهم؟ إنهم الذين يؤتون صحائفهم في أيمانهم، فهو تعجيب ~~لحالهم، وتعظيم لشأنهم في دخولهم الجنة وتنعمهم بها { وأصحاب ~~المشأمة مآ أصحاب المشأمة }؟ أي هل تدري من هم؟ وما هي ~~حالهم وصفتهم، إنهم الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم، ففيه تعجيب لحالهم في ~~دخولهم النار وشقائهم قال القرطبي: والتكرير في { مآ أصحاب ~~الميمنة } و { مآ أصحاب المشأمة ms1541 } للتفخيم والتعجيب ~~كقوله # الحاقة * ما الحآقة # [الحاقة: 1-2] وقوله # القارعة * ما القارعة # [القارعة: 1-2] وقال الألوسي: والمقصود التفخيم في الأول، والتفظيع في ~~الثاني، وتعجيب السامع من شأن الفريقين في الفخامة والفظاعة كأنه قيل: ~~فأصحاب الميمنة في غاية حسن الحال، وأصحاب المشأمة في غاية سوء الحال { ~~والسابقون السابقون } هذا هو الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة ~~أي والسابقون إلى الخيرات والحسنات، هم السابقون إلى النعيم والجنات، ~~ثم أثنى عليهم بقوله { أولئك المقربون } أي أولئك هم ~~المقربون من الله، في جواره، وفي ظل عرشه، ودار كرامته { في جنات ~~النعيم } أي هم في جنات الخلد يتنعمون فيها قال الخازن: فإن قلت: لم ~~أخر ذكر السابقين وكانوا أولى بالتقديم على أصحاب اليمين؟ قلت: فيه ~~لطيفة وذلك أن الله ذكر في أول السورة الأمور الهائلة عند قيام الساعة ~~تخويفا لعباده، فإما محسن فيزداد رغبة في الثواب، وإما مسيء فيرجع ~~عن إساءته خوفا من العقاب، فلذلك قدم أصحاب اليمين ليسمعوا ويرغبوا، ~~ثم ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا، ثم ذكر السابقين وهم الذين لا يحزنهم الفزع ~~الأكبر ليجدوا ويجتهدوا { ثلة من الأولين } أي السابقون ~~المقربون جماعة كثيرة من الأمم السالفة { وقليل من الآخرين } ~~أي وهم قليل من هذه الأمة قال القرطبي: وسموا قليلا بالإضافة إلى ~~من كان قبلهم، لأن الأنبياء المتقدمين كانوا كثرة، فكثر السابقون إلى ~~الإيمان منهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا، قال الحسن: ~~سابقوا من مضى أكثر من سابقينا ثم تلا الآية وقيل: إن المراد بقوله { ~~والسابقون السابقون } أول هذه الأمة، والآخرون المتأخرون من ~~هذه الأمة، فيكون كلا الفريقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم { على ~~سرر موضونة } أي جالسين على أسرة منسوجة بقضبان الذهب، ~~مرصعة بالدر والياقوت قال ابن عباس: { موضونة } أي مرمولة بالذهب ~~يعني منسوجة به { متكئين عليها } أي حال كونهم مضطجعين على ~~تلك الأسرة شأن المنعمين المترفين { متقابلين } أي وجوه بعضهم ~~إلى بعض، ليس أحد وراء أحد، وهذا أدخل في السرور، وأكمل في أدب الجلوس { ~~يطوف عليهم ولدان مخلدون ms1542 } أي يدور عليهم للخدمة ~~أطفال في نضارة الصبا، لا يموتون ولا يهرمون قال أبو حيان: وصفوا بالخلد ~~- وإن كان كل من في الجنة مخلدا - ليدل على أنهم يبقون دائما في سن ~~الولدان، لا يتحولون ولا يكبرون كما وصفهم جل وعلا { بأكواب } أي ~~بأقداح كبيرة مستديرة لا عرى لها { وأباريق } جمع إبريق أي ~~وبأباريق لها عرى تبرق من صفاء لونها { وكأس من معين } أي ~~وكأس من خمر لذة جارية من العيون قال ابن عباس: لم تعصر كخمر الدنيا بل ~~هي من عيون سارحة قال القرطبي: والمعين الجاري من ماء أو خمر، غير أن ~~المراد في هذا الموضع الخمر الجارية من العيون، ليست كخمر الدنيا التي ~~تستخرج بعصر وتكلف ومعالجة { لا يصدعون عنها } أي لا تنصدع ~~رءوسهم من شربها { ولا ينزفون } أي ولا يسكرون فتذهب بعقولهم فتذهب ~~بعقولهم كخمر الدنيا قال ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر، ~~والصداع، والقيء، والبول، وقد ذكر تعالى خمر الجنة ونزهها عن هذه ~~الخصال الذميمة { وفاكهة مما يتخيرون } أي ولهم فيها ~~فاكهة كثيرة يختارون ما تشتهيه نفوسهم لكثرتها وتنوعها { ولحم طير ~~مما يشتهون } أي ولحم طير مما يحبون ويشتهون قال ابن عباس: ~~يخطر على قلب أحدهم لحم الطير فيطير حتى يقع بين يديه على ما اشتهى ~~مقليا أو مشويا وفي الحديث # " إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا " # قال الرازي: وقدم الفاكهة على اللحم لأن أهل الجنة يأكلون لا عن جوع ~~بل للتفكه، فميلهم إلى الفاكهة أكثر كحال الشبعان في الدنيا فلذلك قدمها ~~{ وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون } أي ولهم مع ~~ذلك النعيم نساء من الحور العين، الواسعات العيون، في غاية الجمال ~~والبهاء، كأنهن اللؤلؤ في الصفاء والنقاء، الذي لم تمسه الأيدي قال في ~~التسهيل: شبههن باللؤلؤ في البياض، ووصفه بالمكنون لأنه أبعد عن تغيير ~~حسنه، وحين # " سألت " أم سلمة " رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا التشبيه قال " ~~صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي " # { جزآء بما كانوا ms1543 يعملون } أي جعلنا لهم ذلك كله جزاء ~~لعملهم الصالح في الدنيا.. ثم أخبر تعالى عن كمال نعيمهم في الجنة فقال { ~~لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } أي لا يطرق آذانهم ~~فاحش الكلام، ولا يلحقهم إثم مما يسمعون قال ابن عباس: لا يسمعون ~~باطلا ولا كذبا { إلا قيلا سلاما سلاما } أي إلا قول بعضهم ~~لبعض سلاما سلاما، يحيي به بعضهم بعضا ويفشون السلام فيما بينهم قال ~~في البحر: والظاهر أنه استثناء منقطع لأنه لم يندرج في اللغو ولا التأثيم ~~وقال أبو السعود: والمعنى أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، ~~أو لا يسمع كل منهم إلا سلام الآخر بدءا أو ردا. # . ثم شرع في تفصيل أحوال الصنف الثاني وهم أصحاب اليمين فقال { ~~وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }؟ استفهام للتعظيم ~~والتعجيب من حالهم أي ما أدراك من هم، وما هي حالهم؟ { في سدر ~~مخضود } أي هم تحت أشجار النبق الذي قطع شوكه قال المفسرون: ~~والسدر: شجر النبق، والمخضود الذي خضد أي قطع شوكه، وفي الحديث # " أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~الله: إن الله تعالى ذكر في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال: وما هي؟ قال: ~~السدر فإن له شوكا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس الله ~~يقول { في سدر مخضود }؟ خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ~~ثمرة، وإن الثمرة من ثمره تفتق عن اثنين وسبعين لونا من الطعام، ما ~~فيها لون يشبه الآخر " # { وطلح منضود } هو شجر الموز ومعنى { منضود } أي متراكم قد ~~نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه { وظل ممدود } أي وظل دائم ~~باق لا يزول ولا تنسخه الشمس، لأن الجنة ظل كلها لا شمس فيها # لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا # [الإنسان: 13] وفي الحديث " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها ~~مائة عام لا يقطعها واقرءوا إن شئتم { وظل ممدود } وقال الرازي: ~~ومعنى { ممدود } أي لا زوال له فهو دائم # أكلها دآئم وظلها # [الرعد: 35] أي دائم، والظل ليس ظل ms1544 الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى { ~~ومآء مسكوب } أي وماء جار دائما لا ينقطع، يجري في غير أخدود ~~قال القرطبي: كانت العرب أصحاب بادية، والأنهار في بلادهم عزيزة، لا ~~يصلون إلىالماء إلا بالدلو والرشاء، فوعدوا بالجنة بأسباب النزهة وهي ~~الأشجار وظلالها، والمياه والأنهار وجريانها { وفاكهة كثيرة * ~~لا مقطوعة ولا ممنوعة } أي وفاكهة كثيرة متنوعة، ليست ~~بالقليلة العزيزة كما كانت في بلادهم، لا تنقطع كما تنقطع ثمار الدنيا في ~~الشتاء، وليست ممنوعة عن أحد، قال ابن عباس: لا تنقطع إذا جنيت، ولا ~~تمتنع من أحد إذا أراد أخذها وفي الحديث # " ما قطعت ثمرة من ثمار الجنة إلا عاد مكانها أخرى " # { وفرش مرفوعة } أي عالية وطيئة ناعمة وفي الحديث # " ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمس مائة عام " # قال الألوسي: ولا تستبعد هذا من حيث العروج والنزول، فالعالم عالم آخر ~~فوق طور عقلك تنخفض للمؤمن إذا أراد الجلوس عليها ثم ترتفع به ، والله ~~على كل شيء قدير { إنآ أنشأناهن إنشآء } أي خلقنا نساء ~~الجنة خلقا جديدا، وأبدعناهن إبداعا عجيبا، قال في التسهيل: ومعنى ~~إنشاء النساء أن الله تعالى يخلقهن في الجنة خلقا آخر في غاية الحسن ~~بخلاف الدنيا، فالعجوز ترجع شابة، والقبيحة ترجع جميلة قال ابن عباس: ~~يعني الآدميات العجائز الشمط خلقهن الله بعد الكبر والهرم خلقا آخر { ~~فجعلناهن أبكارا } أي فجعلناهن عذارى، كلما أتاهن أزواجهن ~~وجدوهن أبكارا { عربا } جمع عروب وهي المتحببة لزوجها العاشقة له ~~قال مجاهد: هن العاشقات لأزواجهن المتحببات لهن اللواتي يشتهين أزواجهن ~~{ أترابا } أي مستويات في السن مع أزواجهن، في سن أبناء ثلاث ~~وثلاثين، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: # " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى { إنآ ~~أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا * عربا ~~أترابا } فقال يا أم سلمة: هن اللواتي قبضن في الدنيا عجائز، ~~شمطا عمشا، رمصا، جعلهن الله بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد ~~في الاستواء " # وفي الحديث # " أن امرأة عجوزا جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: ~~أدع ms1545 الله أن يدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، ~~فولت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، فإن الله تعالى ~~يقول { إنآ أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا } ~~" # { لأصحاب اليمين } أي أنشأنا هؤلاء النساء الأبكار لأصحاب ~~اليمين ليستمتعوا بهن في الجنة، ثم قال تعالى { ثلة من ~~الأولين * وثلة من الآخرين } أي هم جماعة من الأولين من ~~الأمم الماضية، وجماعة من المتأخرين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~قال في البحر: ولا تنافي بين هذه الآية { وثلة من الآخرين } ~~وبين الآية التي سبقتها وهي قوله { وقليل من الآخرين } لأن ~~الثانية في السابقين فلذلك قال { وقليل من الآخرين } وهذه في ~~أصحاب اليمين ولذلك قال { وثلة من الآخرين }.. ثم شرع تعالى ~~في بيان الصنف الثالث وهم أهل النار فقال { وأصحاب الشمال مآ ~~أصحاب الشمال } استفهام بمعنى التهويل والتفظيع والتعجيب من ~~حالهم أي وأصحاب الشمال - وهم الذين يعطون كتبهم بشمائلهم - ما أصحاب ~~الشمال؟ أي ما حالهم وكيف مآلهم؟ ثم فصل تعالى حالهم فقال { في ~~سموم وحميم } أي في ريح حارة من النار تنفذ في المسام، وماء شديد ~~الحرارة { وظل من يحموم } أي وفي ظل من دخان أسود شديد السواد ~~{ لا بارد } أي ليس هذا الظل باردا يستروح به الإنسان من شدة الحر ~~{ ولا كريم } أي وليس حسن المنظر يسر به من يستفيء بظله قال ~~الخازن: إن فائدة الظل ترجع إلى أمرين: أحدهما: دفع الحر، والثاني: حسن ~~المنظر وكون الإنسان فيه مكرما، وظل أهل النار بخلاف هذا لأنهم في ظل ~~من دخان أسود حار.. ثم بين تعالى سبب استحقاقهم ذلك فقال { إنهم ~~كانوا قبل ذلك مترفين } أي لأنهم كانوا في الدنيا ~~منعمين، مقبلين على الشهوات والملذات { وكانوا يصرون على ~~الحنث العظيم } أي وكانوا يداومون على الذنب العظيم وهو الشرك ~~بالله قال المفسرون: لفظ الإصرار يدل على المداومة على المعصية، والحنث ~~هو الذنب الكبير والمراد به هنا الكفر بالله كما قاله ابن عباس { ~~وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أإنا لمبعوثون ms1546 } أي هل سنبعث بعد أن تصبح أجسادنا ترابا ~~وعظاما نخرة؟ وهذا استبعاد منهم لأمر البعث وتكذيب له { أو آبآؤنا ~~الأولون }؟ تأكيد للإنكار ومبالغة فيه أي وهل سيبعث آباؤنا ~~الأوائل بعد أن بليت أجسامهم وتفتتت عظامهم؟ { قل إن الأولين ~~والآخرين * لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } أي ~~قل لهم يا محمد: إن الخلائق جميعا السابقين منهم واللاحقين، سيجمعون ~~ويحشرون ليوم الحساب الذي حدده الله بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود * ~~وما نؤخره إلا لأجل معدود # [هود: 103-104] { ثم إنكم أيها الضآلون ~~المكذبون * لأكلون من شجر من زقوم } أي ثم إنكم يا ~~معشر كفار مكة، الضالون عن الهدى، المكذبون بالبعث والنشور، لآكلون من ~~شجر الزقوم الذي ينبت في أصل الجحيم { فمالئون منها البطون } ~~أي فمالئون بطونكم من تلك الشجرة الخبيثة لغلبة الجوع عليكم { ~~فشاربون عليه من الحميم } أي فشاربون عليه الماء الحار ~~الذي اشتد غليانه { فشاربون شرب الهيم } أي فشاربون شرب ~~الإبل العطاش قال ابن عباس: الهيم الإبل العطاش التي لا تروى لداء ~~يصيبها وقال أبو السعود: إنه يسلط على أهل النار من الجوع ما يضطرهم إلى ~~أكل الزقوم الذي هو كالمهل، فإذا ملأوا منه بطونهم - وهو في غاية ~~الحرارة والمرارة - سلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم ~~الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم وهي الإبل التي بها الهيام وهو ~~داء يصيبها فتشرب ولا تروى { هذا نزلهم يوم الدين } أي ~~هذه ضيافتهم وكرامتهم يوم القيامة، وفيه تهكم بهم قال الصاوي: والنزل ~~في الأصل ما يهيأ للضيف أول قدومه من التحف والكرامة، فتسمية الزقوم ~~نزلا تهكم بهم. ### || [56.57-96] # المناسبة: لما ذكر تعالى الأشقياء المجرمين وأحوالهم في نار جهنم، ~~ذكر هنا الأدلة والبراهين على قدرة الله ووحدانيته في بديع خلقه وصنعه، ~~لتقوم الحجة على المنكر المكذب بوجود الله، وختم السورة الكريمة بالتنويه ~~بذكر أهل السعادة، وأهل الشقاوة، والسابقين إلى الخيرات، ليكون ذلك ~~كالتفصيل لما ورد في أول السورة من الإجمال، والإشادة بذكر مآثر ~~المقربين في ms1547 البدء والمآل. # اللغة: { تفكهون } تفكه بالشيء تمتع به، ورجل فكه منبسط ~~النفس غير مكترث بشيء { المزن } السحاب جمع مزنة قال الشاعر: # ونحن كماء المزن ما في نصابنا # كهام ولا فينا يعد بخيل # { تورون } أورى النار من الزناد قدحها { للمقوين } المسافرين ~~يقال أقوى الرجل إذا دخل القواء وهو القفر، والقوى الجوع قال الشاعر: # وإني لأختار القوى طاوي الحشا # محافظة من أن يقال لئيم # { مدهنون } المدهن: الذي ظاهره خلاف باطنة، كأنه شبه بالدهن في ~~سهولة ظاهره ومنه المداهنة { مدينين } مجزيين ومحاسبين من الدين ~~بمعنى الجزاء { فروح } الروح بفتح الراء الاستراحة { ريحان } ~~الريحان: كل مشموم طيب الريح من النبات. # التفسير: { نحن خلقناكم فلولا تصدقون } أي نحن ~~خلقناكم أيها الناس من العدم، فهلا تصدقون بالبعث؟ فإن من قدر على ~~البدء قادر على الإعادة { أفرأيتم ما تمنون } أي أخبروني ~~عما تصبونه من المني في أرحام النساء { أأنتم تخلقونه أم ~~نحن الخالقون }؟ أي هل أنتم تخلقون هذا المني بشرا سويا، أم ~~نحن بقدرتنا خلقناه وصورناه؟! قال القرطبي: وهذا احتجاج على المشركين ~~وبيان للآية الأولى والمعنى إذا أقررتم بأنا خالقوه لا غيرنا فاعترفوا ~~بالبعث { نحن قدرنا بينكم الموت } أي نحن قضينا وحكمنا ~~عليكم بالموت وساوينا بينكم فيه قال الضحاك: ساوى فيه بين أهل السماء ~~والأرض، سواء في الشريف والوضيع، والأمير والصعلوك { وما نحن ~~بمسبوقين } أي وما نحن بعاجزين { على أن نبدل ~~أمثالكم } أي على أن نهلككم ونستبدل قوما غيركم يكونون أطوع لله ~~منكم كقوله تعالى # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد # [إبراهيم: 19] { وننشئكم في ما لا تعلمون } أي ولسنا ~~بعاجزين أيضا أن نعيدكم يوم القيامة في خلقة لا تعلمونها ولا تصل ~~إليها عقولكم، والغرض أن الله قادر على أن يهلكهم وأن يعيدهم وأن ~~يبعثهم يوم القيامة، ففي الآية تهديد واحتجاج على البعث { ولقد ~~علمتم النشأة الأولى } أي ولقد عرفتم أن الله أنشأكم من ~~العدم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، فخلقكم من نطفة ثم من علقة ثم من ~~مضغة، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة { فلولا تذكرون } أي ms1548 ~~فهلا تتذكرون بأن الله قادر على إعادتكم كما قدر على خلقكم أول مرة؟ # أولا يذكر الإنسن أنا خلقناه من قبل ولم يك ~~شيئا # [مريم: 67]؟! { أفرأيتم ما تحرثون } هذه حجة أخرى على ~~وحدانية الله وقدرته أي أخبروني عن البذر الذي تلقونه في الطين { ~~أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون }؟ أي أأنتم تنبتونه ~~وتنشئونه حتى يكون فيه السنبل والحب أم نحن الفاعلون لذلك؟ فإذا ~~أقررتم أن الله هو الذي يخرج الحب وينبت الزرع، فكيف تنكرون إخراجه ~~الأموات من الأرض؟ { لو نشآء لجعلناه حطاما } أي لو أردنا ~~لجعلنا هذا الزرع هشيما متكسرا لا ينتفع به في طعام ولا غيره قال ~~القرطبي: والحطام الهشيم الهالك الذي لا ينتفع به في مطعم ولا غذاء، ~~فنبههم بذلك على أمرين: أحدهما: ما أولاهم به من النعم في زرعهم ليشكروه ~~الثاني: ليعتبروا في أنفسهم فكما أنه تعالى يجعل الزرع حطاما إذا شاء، ~~كذلك يهلكهم إذا شاء ليتعظوا فينزجروا { فظلتم تفكهون } أي ~~فظللتم وبقيتم تتفجعون وتحزنون على الزرع مما حل به وتقولون { إنا ~~لمغرمون } أي إنا لمحملون الغرم في إنفاقنا حيث ذهب زرعنا ~~وغرمنا الحب الذي بذرناه { بل نحن محرومون } أي بل نحن ~~محرومون الرزق، غرمنا قيمة البذر، وحرمنا خروج الزرع { أفرأيتم ~~المآء الذي تشربون } أي أخبروني عن الماء الذي تشربونه عذبا ~~فراتا لتدفعوا عنكم شدة العطش { أأنتم أنزلتموه من ~~المزن أم نحن المنزلون } أي هل أنتم الذين أنزلتموه من ~~السحاب أم نحن المنزلون له بقدرتنا؟ قال الخازن: ذكرهم تعالى نعمته ~~عليهم بإنزال المطر الذي لا يقدر عليه إلا الله عز وجل { لو نشآء ~~جعلناه أجاجا } أي لو شئنا لجعلناه ماء مالحا شديد الملوحة لا ~~يصلح لشرب ولا لزرع قال ابن عباس: { أجاجا } شديد الملوحة وقال الحسن: ~~مرا زعافا لا يمكن شربه { فلولا تشكرون } أي فهلا تشكرون ~~ربكم على نعمه الجليلة عليكم؟! وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا شرب الماء قال # " الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته، ولم يجعله ملحا أجاجا ~~بذنوبنا " # { أفرأيتم النار التي ms1549 تورون } أي أخبروني عن النار التي ~~تقدحونها وتستخرجونها من الشجر الرطب { أأنتم أنشأتم ~~شجرتهآ أم نحن المنشئون } أي هل أنتم الذين خلقتم شجرها ~~أم نحن الخالقون المخترعون؟ قال ابن كثير: وللعرب شجرتان: إحداهما ~~المرخ، والأخرى العفار، إذا أخذ منهما غصنان أخضران، فحك أحدهما ~~بالآخر تناثر من بينهما شرر النار، وقيل: أراد جميع الشجر الذي توقد منه ~~النار، لما روي عن ابن عباس أنه قال: ما من شجرة ولا عود إلا وفيه النار ~~سوى العناب { نحن جعلناها تذكرة } أي جعلنا نار الدنيا ~~تذكيرا للنار الكبرى " نار جهنم " إذا رآها الرائي ذكر بها نار جهنم، ~~فيخشى الله ويخاف عقابه وفي الحديث # " ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، فقالوا يا ~~رسول الله: إن كانت لكافية!! فقال: والذي نفسي بيده لقد فضلت عليها ~~بتسعة وتسعين جزءا، كلهن مثل حرها " # { ومتاعا للمقوين } أي ومنفعة للمسافرين قال ابن عباس: { ~~المقوين } المسافرين، وقال مجاهد: للحاضر والمسافر، المستمتعين بالنار من ~~الناس أجمعين قال الخازن: والمقوي النازل في الأرض القواء - وهي الأرض ~~الخالية البعيدة عن العمران - والمعنى أنه ينتفع بها أهل البوادي ~~والسفار، فإن منفعتهم أكثر من المقيم، فإنهم يوقدون النار بالليل ~~لتهرب السباع ويهتدي بها الضال إلى غير ذلك من المنافع وهو قول أكثر ~~المفسرين.. ولما ذكر دلائل القدرة والوحدانية في الإنسان، والنبات، ~~والماء، والنار، أمر رسوله بتسبيح الله الواحد القهار فقال { فسبح ~~باسم ربك العظيم } أي فنزه يا محمد ربك عما أضافه إليه ~~المشركون من صفات العجز والنقص وقل: سبحان من خلق هذه الأشياء بقدرته، ~~وسخرها لنا بحكمته، سبحانه ما أعظم شأنه، وأكبر سلطانه!! عدد سبحانه ~~وتعالى نعمه على عباده، فبدأ بذكر خلق الإنسان فقال { أفرأيتم ~~ما تمنون } ثم بما به قوامه ومعيشته وهو الزرع فقال { ~~أفرأيتم ما تحرثون } ثم بما به حياته وبقاؤه وهو الماء ~~فقال { أفرأيتم المآء الذي تشربون } ثم بما يصنع به ~~طعامه، ويصلح به اللحوم والخضار وهو النار فقال { أفرأيتم ~~النار التي تورون } فيا له من إله كريم، ms1550 ومنعم عظيم!! ثم شرع ~~بالقسم على جلال القرآن ورفعته، وعلو شأنه ومنزلته، وأنه تنزيل العزيز ~~الحكيم فقال { فلا أقسم بمواقع النجوم } اللام لتأكيد ~~الكلام وتقويته، وزيادة " لا " كثير في كلام العرب ومشهور قال الشاعر: # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة # وكاد نياط القلب لا يتقطع # اي كاد يتقطع قال القرطبي: " لا " صلة في قول أكثر المفسرين والمعنى " ~~فأقسم " بدليل قوله بعده { وإنه لقسم } أي فأقسم بمنازل النجوم ~~وأماكن دورانها في أفلاكها وبروجها { وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم } أي وإن هذا القسم العظيم جليل، لو عرفتم عظمته ~~لآمنتم وانتفعتم به، لما في المقسم به من الدلالة على عظيم القدرة، وكمال ~~الحكمة، وفرط الرحمة، ومن مقتضيات رحمته تعالى أن لا يترك عباده سدى { ~~إنه لقرآن كريم } هذا هو المقسم عليه، والمعنى أقسم بمواقع ~~النجوم إن هذا القرآن قرآن كريم، ليس بسحر ولا كهانة وليس بمفترى، بل ~~هو قرآن كريم مجيد، جعله الله معجزة لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو ~~كثير المنافع والخيرات والبركات { في كتاب مكنون } أي في كتاب ~~مصون عند الله تعالى، محفوظ عن الباطل وعن التبديل والتغيير قال ابن ~~عباس: هو اللوح المحفوظ، وقال مجاهد: هو المصحف الذي بأيدينا { لا ~~يمسه إلا المطهرون } أي لا يمس ذلك الكتاب المكنون إلا ~~المطهرون، وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة من الشرك والذنوب والأحداث، ~~أو لا يمسه إلا من كان متوضئا طاهرا قال القرطبي المراد بالكتاب ~~المصحف الذي بأيدينا وهو الأظهر لقول ابن عمر " لا تمس القرآن إلا وأنت ~~طاهر " ولكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم # " وألا يمس القرآن إلا طاهر " # { تنزيل من رب العالمين } أي منزل من عند الله جل ~~وعلا.. ثم لما عظم أمر القرآن ومجد شأنه وبخ الكفار فقال { ~~أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } أي أفبهذا القرآن يا ~~معشر الكفار تكذبون وتكفرون؟ { وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون } أي وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون برازقكم، وهو المنعم ~~المتفضل عليكم؟ { فلولا إذا بلغت الحلقوم } أي فهلا ~~إذا بلغت الروح الحلقوم عند معالجة سكرات ms1551 الموت { وأنتم حينئذ ~~تنظرون } أي وأنتم في ذلك الوقت تنظرون إلى المحتضر وما يكابده من ~~شدائد وأهوال { ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا ~~تبصرون } أي ونحن بعلمنا واطلاعنا أقرب إلى الميت منكم ولكن لا ~~تعلمون ذلك، ولا تبصرون ملائكتنا الذين حضروه لقبض روحه قال ابن كثير: ~~ومعنى الآية ملائكتنا أقرب إليه منكم ولكن لا ترونهم كما قال تعالى # حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم ~~لا يفرطون # [الأنعام: 61] { فلولا إن كنتم غير مدينين } أي فهلا ~~إن كنتم غير مجزيين بأعمالكم كما تزعمون { ترجعونهآ إن كنتم ~~صادقين } أي تردون نفس هذا الميت إلى جسده بعد ما بلغت الحلقوم قال ~~ابن عباس: { غير مدينين } أي غير محاسبين ولا مجزيين قال الخازن: ~~أجاب عن قوله { فلولا إذا بلغت الحلقوم } وعن قوله { ~~فلولا إن كنتم غير مدينين } بجواب واحد وهو قوله { ~~ترجعونهآ إن كنتم صادقين } ومعنى الآية: إن كان الأمر كما ~~تقولون أنه لا بعث ولا حساب، ولا إله يجازي، فهلا تردون نفس من يعز ~~عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى ~~غيركم وهو الله تعالى فآمنوا به.. ثم ذكر تعالى طبقات الناس عند الموت ~~وعند البعث، وبين درجاتهم في الآخرة فقال { فأمآ إن كان من ~~المقربين * فروح وريحان وجنت نعيم } أي فأما إن ~~كان هذا الميت من المحسنين السابقين بالدرجات العلا، فله عند ربه استراحة ~~ورزق حسن وجنة واسعة يتنعم فيها قال القرطبي: والمراد بالمقربين السابقون ~~المذكورون في أول السورة { وأمآ إن كان من أصحاب اليمين ~~} أي وأما إن كان المحتضر من السعداء أهل الجنة الذين يأخذون كتبهم ~~بأيمانهم { فسلام لك من أصحاب اليمين } أي فسلام لك يا ~~محمد منهم، لأنهم في راحة وسعادة ونعيم { وأمآ إن كان من ~~المكذبين الضآلين } أي وأما إن كان المحتضر من المنكرين ~~للبعث، الضالين عن الهدى والحق { فنزل من حميم } أي فضيافتهم ~~التي يكرمون بها أول قدومهم، الحميم الذي يصهر البطون لشدة حرارته قال ~~في التسهيل: النزل أول شيء يقدم للضيف ms1552 { وتصلية جحيم } أي ~~ولهم إصلاء بنار جهنم وإذاقة لهم من حرها { إن هذا لهو ~~حق اليقين } أي إن هذا الذي قصصناه عليك يا محمد من جزاء ~~السابقين، والسعداء، والأشقياء لهو الحق الثابت الذي لا شك فيه ولا ~~ريب، وهو عين اليقين الذي لا يمكن إنكاره { فسبح باسم ربك ~~العظيم } أي فنزه ربك عن النقص والسوء، وعما يصفه به الظالمون، ~~لما نزلت هذه الآية الكريمة قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت { سبح اسم ربك الأعلى } ~~قال صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في سجودكم ". # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- جناس الاشتقاق # إذا وقعت الواقعة # [الواقعة: 1] والجناس الناقص في قوله { فروح وريحان }. # 2- الطباق بين { الميمنة.. و المشأمة } وبين { ~~الأولين.. والآخرين } وبين { خافضة.. رافعة } وفي ~~إسناد الخفض والرفع إلى القيامة مجاز عقلي، لأن الخافض والرافع على ~~الحقيقة هو الله وحده، يرفع أولياءه ويخفض أعداءه، ونسب إلى القيامة ~~مجازا كقولهم " نهاره صائم ". # 3- التشبيه المرسل المجمل # حور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون # [الواقعة: 2223] أي كأمثال اللؤلؤ في بياضه وصفائه، حذف منه وجه الشبه ~~فهو مرسل مجمل. # 4- التفخيم والتعظيم # وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين # [الواقعة: 27] كرره بطريق الاستفهام تفخيما. # 5- التفنن بذكر أصحاب الميمنة ثم بذكر أصحاب اليمين، وكذلك بذكر المشئمة ~~وذكر أصحاب الشمال # فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة # [الواقعة: 8] # وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين # [الواقعة: 27]. # 6- تأكيد المدح بما يشبه الذم # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا ~~سلاما سلاما # [الواقعة: 25-26] لأن السلام ليس من جنس اللغو والتأثيم، فهو مدح لهم ~~بإفشاء السلام، وهذا كقول القائل " لا ذنب لي إلا محبتك ". # 7- التهكم والاستهزاء # هذا نزلهم يوم الدين # [الواقعة: 56] أي هذا العذاب أول ضيافتهم يوم القيامة ففيه سخرية وتهكم ~~بهم لأن النزل هو أول ما يقدم للضيف من الكرامة. # 8- الالتفات من الخطاب إلى الغيبة # ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون # [الواقعة: 51] - ثم قال بعد ذلك ملتفتا عن خطابهم # هذا نزلهم يوم الدين # [الواقعة: 56] وذلك للتحقير من شأنهم، والأصل ms1553 هذا نزلكم. # 9- الجملة الاعتراضية وفائدتها لفت الأنظار إلى أهمية القسم { ~~وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } جاءت الجملة الاعتراضية ~~{ لو تعلمون } بين الصفة والموصوف للتهويل من شأن القسم. # 10- توافق الفواصل في الحرف الأخير مما يزيد في رونق الكلام وجماله مثل # في سدر مخضود * وطلح منضود * وظل ممدود # [الواقعة: 28-30] ومثل # فشاربون عليه من الحميم * فشاربون شرب الهيم # [الواقعة: 54-55] ويسمى هذا بالسجع المرصع وهو من المحسنات البديعية. # لطيفة: المناسبة بين المقسم به وهو النجوم وبين المقسم عليه وهو القرآن ~~{ فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم * إنه لقرآن كريم } أن النجوم جعلها الله ~~ليهتدي بها الناس في ظلمات البر والبحر، وآيات القرآن يهتدى بها في ~~ظلمات الجهل والضلالة، وتلك ظلمات حسية، وهذه ظلمات معنوية، فالقسم هنا ~~جاء جامعا بين الهدايتين: الحسية للنجوم، والمعنوية للقرآن، فهذا وجه ~~المناسبة والله أعلم. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-15] # اللغة: { سبح } نزه الله ومجده وقدسه { العزيز } القوي ~~الغالب على كلي شيء { الأول } السابق على جميع الموجودات { الآخر } ~~الباقي بعد فنائها { يلج } يدخل { يعرج } يصعد { الظاهر } ~~بوجوده ومصنوعاته وآثاره { الباطن } بكنه ذاته عن إدارك الأبصار له ~~{ الحسنى } المثوبة الحسنة والمراد بها الجنة { انظرونا } ~~انتظرونا { نقتبس } نستضيء ونهتدي بنوركم { سور } حاجز بين الجنة ~~والنار { الغرور } الشيطان وكل من خدع غيره فهو غار وغرور. # التفسير: { سبح لله ما في السموت والأرض } أي ~~مجد الله ونزهه عن السوء كل ما في الكون من إنسان، وحيوان، ونبات ~~قال الصاوي: والتسبيح تنزيه المولى عن كل ما لا يليق به قولا، وفعلا، ~~واعتقادا، من سبح في الأرض والماء إذا ذهب وأبعد فيهما، وتسبيح ~~العقلاء بلسان المقال، وتسبيح الجماد بلسان الحال أي أن ذاتها دالة على ~~تنزيه صانعها عن كل نقص، وقيل بلسان المقال أيضا # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44] وقال الخازن: تسبيح العقلاء تنزيه الله عز وجل عن كل ~~سوء، وعما لا يليق بجلاله، وتسبيح غير العقلاء من ناطق وجماد اختلفوا ~~فيه، فقيل: تسبيحه دلالته على صانعه، فكأنه ناطق بتسبيحه، وقيل: تسبيحه ms1554 ~~بالقول ويدل عليه قوله تعالى # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44] أي قولهم، والحق أن التسبيح هو القول الذي لا يصدر ~~إلا من العاقل العارف بالله تعالى، وما سوى العاقل ففي تسبيحه وجهان: ~~أحدهما: أنها تدل على تعظيمه وتنزيهه والثاني: أن جميع الموجودات بأسرها ~~منقادة له يتصرف فيها كيف يشاء، فإن حملنا التسبيح على القول كان ~~المراد بقوله { سبح لله ما في السموت والأرض } ~~الملائكة والمؤمنون العارفون بالله، وإن حملنا التسبيح على التسبيح ~~المعنوي، فجميع أجزاء السماوات وما فيها من شمس، وقمر، ونجوم وغير ذلك ~~وجميع ذرات الأرضين وما فيها من جبال، وبحار، وشجر، ودواب وغير ذلك كلها ~~مسبحة خاشعة خاضعة لجلال عظمة الله، منقادة له يتصرف فيها كيف يشاء، ~~فإن قيل: قد جاء في بعض فواتح السور { سبح لله } بلفظ الماضي، ~~وفي بعضها { يسبح لله } بلفظ المضارع فما المراد؟ قلت: فيه إشارة ~~إلى كون جميع الأشياء مسبحا لله أبدا، غير مختص بوقت دون وقت، بل هي ~~كانت مسبحة أبدا في الماضي، وستكون مسبحة أبدا في المستقبل { وهو ~~العزيز الحكيم } أي وهو الغالب على أمره الذي لا يمانعه ولا ~~ينازعه شيء، الحكيم في أفعاله الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة ~~والمصلحة.. ثم ذكر تعالى عظمته وقدرته فقال { له ملك السموت ~~والأرض يحيي ويميت } أي هو جل وعلا المالك المتصرف في خلقه، ~~يحيي من يشاء، ويميت من يشاء قال القرطبي: يميت الأحياء في الدنيا، ~~ويحيي الأموات للبعث والنشور { وهو على كل شيء قدير } أي ~~لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولفظ { قدير } مبالغة في ~~القادر لأن " فعيل " من صيغ المبالغة { هو الأول والآخر } أي ~~ليس لوجوده بداية، ولا لبقائه نهاية { والظاهر والباطن } أي ~~الظاهر للعقول بالأدلة والبراهين الدالة على وجوده، الباطن الذي لا ~~تدركه الأبصار، ولا تصل العقول إلى معرفة كنه ذاته وفي الحديث # " أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر ~~فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك ms1555 شيء " # قال شيخ زاده: وقد فسر صاحب الكشاف " الباطن " بأنه غير المدرك ~~بالحواس وهو تفسير بحسب التشهي يؤيد مذهبه من استحالة رؤية الله في ~~الآخرة، والحق أنه تعالى ظاهر بوجوده، باطن بكنهه، وأنه تعالى جامع ~~بين الوصفين أزلا وأبدا { وهو بكل شيء عليم } أي هو ~~تعالى عالم بكل ذرة في الكون، لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في ~~السماء { هو الذي خلق السموت والأرض في ستة ~~أيام } أي خلقهما في مقدار ستة أيام ولو شاء لخلقهما بلمح البصر، وهو ~~تحقيق لعزته، وكمال قدرته، كما أن قوله { يعلم ما يلج في ~~الأرض } تحقيق لحكمته، وكمال علمه { ثم استوى على العرش ~~} استواء يليق بجلاله من غير تمثيل ولا تكييف { يعلم ما يلج ~~في الأرض وما يخرج منها } أي يعلم ما يدخل في الأرض من مطر ~~وأموات، وما يخرج منها من معادن ونبات وغير ذلك { وما ينزل من ~~السمآء وما يعرج فيها } أي وما ينزل من السماء من الأرزاق، ~~والملائكة، والرحمة، والعذاب، وما يصعد فيها من الملائكة والأعمال ~~الصالحة كقوله # إليه يصعد الكلم الطيب # [فاطر: 10] { وهو معكم أين ما كنتم } أي هو جل وعلا حاضر ~~مع كل أحد بعلمه وإحاطته قال ابن عباس: هو عالم بكم أينما كنتم قال ~~ابن كثير: أي هو رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم، حيث كنتم وأين كنتم، من ~~بر وبحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو القفار، الجميع في علمه على ~~السواء، يسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم { والله ~~بما تعملون بصير } أي رقيب على أعمال العباد، مطلع على كل ~~صغيرة وكبيرة { له ملك السموت والأرض } كرره للتأكيد ~~والتمهيد لإثبات الحشر والنشر أي هو المعبود على الحقيقة، المتصرف في ~~الخلق كيف يشاء { وإلى الله ترجع الأمور } أي إليه وحده ~~مرجع أمور الخلائق في الآخرة فيجازيهم على أعمالهم { يولج الليل ~~في النهار ويولج النهار في الليل } أي هو المتصرف في ~~الكون كيف يشاء، يقلب الليل والنهار بحكمته وتقديره، ويدخل كلا منهما ~~في الآخر، فتارة يطول ms1556 الليل ويقصر النهار، وأخرى بالعكس { وهو ~~عليم بذات الصدور } أي هو العالم بالسرائر والضمائر، وما فيها ~~من النوايا والخفايا، ومن كانت هذه صفته فلا يجوز أن يعبد سواه. # . ثم لما ذكر دلائل عظمته وقدرته، أمر بتوحيده وطاعته فقال { آمنوا ~~بالله ورسوله } أي صدقوا بأن الله واحد وأن محمدا عبده ~~ورسوله { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } أي ~~وتصدقوا من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف فيها، فهي في ~~الحقيقة لله لا لكم قال في التسهيل: يعني أن الأموال التي بأيديكم إنما ~~هي أموال الله لأنه خلقها، ولكنه متعكم بها وجعلكم خلفاء بالتصرف فيها، ~~فأنتم فيها بمنزلة الوكلاء فلا تمنعوها من الإنفاق فيما أمركم مالكها أن ~~تنفقوها فيه، والمقصود التحريض على الإنفاق والتزهيد في الدنيا ولهذا ~~قال بعده { فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر ~~كبير } أي فالذين جمعوا بين الإيمان الصادق والإنفاق في سبيل الله ~~ابتغاء وجهه الكريم لهم أجر عظيم وهو الجنة قال أبو السعود: وفي الآية من ~~المبالغات ما لا يخفى، حيث جعل الجملة اسمية { فالذين آمنوا } ~~وأعيد ذكر الإيمان والإنفاق { آمنوا.... وأنفقوا } وكرر ~~الإسناد { لهم } وفخم الأجر بالتنكير ووصفه بالكبير { لهم ~~أجر كبير } { وما لكم لا تؤمنون بالله } استفهام ~~للإنكار والتوبيخ أي أي عذر لكم في ترك الإيمان بالله؟ { ~~والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم } أي والحال أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوكم للإيمان بربكم وخالقكم، بالبراهين ~~القاطعة، والحجج الدامغة { وقد أخذ ميثاقكم } أي وقد أخذ الله ~~ميثاقكم - وهو العهد المؤكد - بما ركز في العقول من الأدلة الدالة على ~~وجود الله قال أبو السعود: وذلك بنصب الأدلة والتمكين من النظر وقال ~~الخازن: أخذ ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم وأعلمكم بأن الله ربكم لا إله ~~لكم سواه، وقيل: أخذ ميثاقكم حيث ركب فيكم العقول، ونصب لكم الأدلة ~~والبراهين والحجج التي تدعو إلى متابعة الرسول { إن كنتم ~~مؤمنين } شرط حذف جوابه أي إن كنتم مؤمنين في وقت من الأوقات ~~فالآن أحرى الأوقات لقيام الحجج والبراهين عليكم.. ثم ذكر تعالى بعض ms1557 ~~الأدلة الدالة على وجوب الإيمان فقال { هو الذي ينزل على ~~عبده آيات بينات } أي هو تعالى الذي ينزل على محمد القرآن ~~العظيم، المعجز في بيانه، الواضح في أحكامه قال القرطبي: يريد بالآيات ~~البينات القرآن وقيل: المعجزات أي لزمكم الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم لما معه من المعجزات، والقرآن أكبرها وأعظمها { ليخرجكم ~~من الظلمات إلى النور } أي ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور ~~الإيمان { وإن الله بكم لرءوف رحيم } أي مبالغ في ~~الرأفة والرحمة بكم، حيث أنزل الكتب وأرسل الرسل لهدايتكم، ولم يقتصر على ~~ما نصب لكم من الحجج العقلية { وما لكم ألا تنفقوا في ~~سبيل الله ولله ميراث السموت والأرض }؟ أي ~~أي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، وفيما يقربكم من ربكم، وأنتم ~~تموتون وتخلفون أموالكم وهي صائرة إلى الله تعالى؟ قال الإمام الفخر: ~~المعنى إنكم ستموتون فتورثون، فهلا قدمتموه في الإنفاق في طاعة ~~الله!! وهذا من أبلغ الحث على الإنفاق في سبيل الله { لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } أي لا يستوي في ~~الفضل من أنفق ماله وقاتل الأعداء مع رسول الله قبل فتح مكة، مع من أنفق ~~ماله وقاتل بعد فتح مكة قال المفسرون: وإنما كانت النفقة قبل الفتح ~~أعظم، لأن حاجة الإسلام إلى الجهاد والإنفاق كانت أشد، ثم أعز الله ~~الإسلام بعد الفتح وكثر ناصريه، ودخل الناس في دين الله أفواجا { ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا } أي أعظم أجرا، وأرفع منزلة من الذين أنفقوا من بعد فتح ~~مكة وقاتلوا لإعلاء كلمة الله قال الكلبي: نزلت في " أبي بكر " لأنه أول ~~من أسلم، وأول من أنفق ماله في سبيل الله، وذب عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { وكلا وعد الله الحسنى } أي وكلا ممن آمن ~~وأنفق قبل الفتح، ومن آمن وأنفق بعد الفتح، وعده الله الجنة مع تفاوت ~~الدرجات { والله بما تعملون خبير } أي عالم بأعمالكم، ~~مطلع على خفاياكم ونواياكم، ومجازيكم عليه، وفي الآية وعد ووعيد { من ~~ذا ms1558 الذي يقرض الله قرضا حسنا } أي من ذا الذي ينفق ماله ~~في سبيل الله ابتغاء رضوانه { فيضاعفه له } أي يعطيه أجره على ~~إنفاقه مضاعفا { وله أجر كريم } أي وله مع المضاعفة ثواب عظيم ~~كريم وهو الجنة قال ابن كثير: أي جزاء جميل ورزق باهر وهو الجنة، # " ولما نزلت هذه الآية قال " أبو الدحداح الأنصاري " يا رسول الله: ~~وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال أرني يدك يا ~~رسول الله، فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي أي بستاني وله ~~فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه هي وعيالها، فجاء أبو الدحداح فناداها: ~~يا أم الدحداح قالت: لبيك، قال اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل، فقالت: ربح ~~بيعك يا أبا الدحداح ونقلت منه متاعها وصبيانها " # . ثم أخبر تعالى عن المؤمنين الأبرار، وما يتقدمهم من الأنوار وهم على ~~الصراط فقال { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى ~~نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } أي اذكر يوم ترى أنوار ~~المؤمنين والمؤمنات تتلألأ من أمامهم ومن جميع جهاتهم ليستضيئوا بها على ~~الصراط، وتكون وجوههم مضيئة كإضاءة القمر في سواد الليل { بشراكم ~~اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار } أي ويقال لهم: ~~أبشروا اليوم بجنات الخلد والنعيم، التي تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ~~{ خالدين فيها } أي ماكثين فيها أبدا { ذلك هو الفوز ~~العظيم } أي الفوز الذي لا فوز بعده لأنه سبب السعادة الأبدية، روي ~~أن نور كل أحد على قدر إيمانه، وأنهم متفاوتون في النور، فمنهم من يضيء ~~نوره ما قرب من قدميه، ومنهم من يطفأ نوره مرة ويظهر مرة قال الزمخشري: ~~وإنما قال { بين أيديهم وبأيمانهم } لأن السعداء يؤتون ~~صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ~~ووراء ظهورهم. # . ولما شرح حال المؤمنين يوم القيامة، أتبع ذلك بشرح حال المنافقين فقال ~~{ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم } أي انتظرونا لنستضيء من نوركم ~~قال المفسرون: إن الله تعالى يعطي المؤمنين نورا يوم القيامة على قدر ~~أعمالهم يمشون به ms1559 على الصراط، ويترك الكافرين والمنافقين بلا نور، ~~فيستضيء المنافقون بنور المؤمنين، فبينما هم يمشون إذ بعث الله فيهم ~~ريحا وظلمة، فبقوا في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم فيقولون للمؤمنين: ~~انتظرونا لنستضيء بنوركم { قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا ~~نورا } أي فيقول لهم المؤمنون سخرية واستهزاء بهم: ارجعوا إلى ~~الدنيا فالتمسوا هذه الأنوار هناك قال أبو حيان: وقد علموا أن لا نور ~~وراءهم، وإنما هو إقناط لهم { فضرب بينهم بسور له باب ~~} أي فضرب بين المؤمنين والمنافقين بحاجز له باب، يحجز بين أهل الجنة ~~وأهل النار { باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله ~~العذاب } أي في باطن السور الذي هو جهة المؤمنين الرحمة وهي الجنة، ~~وفي ظاهره وهو جهة الكافرين العذاب وهو النار قال ابن كثير: هو سور يضرب ~~يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون ~~دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دخولهم أغلق الباب وبقي المنافقون من ~~ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب { ينادونهم ألم نكن ~~معكم } أي ينادي المنافقون المؤمنين: ألم نكن معكم في الدنيا، نصلي ~~كما تصلون، ونصوم كما تصومون، ونحضر الجمعة والجماعات، ونقاتل معكم في ~~الغزوات؟ { قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم } أي ~~قال لهم المؤمنون: نعم كنتم معنا في الظاهر ولكنكم أهلكتم أنفسكم بالنفاق ~~{ وتربصتم } أي انتظرتم بالمؤمنين الدوائر { وارتبتم } أي ~~شككتم في أمر الدين { وغرتكم الأماني } أي خدعتكم الأماني ~~الفارغة بسعة رحمة الله { حتى جآء أمر الله } أي حتى جاءكم ~~الموت { وغركم بالله الغرور } أي وخدعكم الشيطان الماكر ~~بقوله: إن الله عفو كريم لا يعذبكم قال قتادة: ما زالوا على خدعة من ~~الشيطان حتى قذفهم الله في نار جهنم قال المفسرون: الغرور بفتح الغين ~~الشيطان لأنه يغر ويخدع الإنسان قال تعالى # فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور * إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا # [فاطر: 5-6] { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من ~~الذين كفروا } أي ففي هذا اليوم العصيب لا يقبل منكم بدل ولا ~~عوض يا معشر المنافقين، ولا من الكافرين الجاحدين بالله وآياته وفي ~~الحديث ms1560 # " إن الله تعالى يقول للكافر: أرأيتك لو كان لك أضعاف الدنيا أكنت تفتدي ~~بجميع ذلك من عذاب النار؟! فيقول: نعم يا رب، فيقول الله تبارك وتعالى: ~~قد سألتك ما هو أيسر من ذلك وأنت في ظهر أبيك آدم، أن لا تشرك بي فأبيت ~~إلا الشرك " # { مأواكم النار } أي مقامكم ومنزلكم نار جهنم { هي ~~مولاكم } أي هي عونكم وسندكم وناصركم لا ناصر لكم غيرها، وهو تهكم ~~بهم { وبئس المصير } أي وبئس المرجع والمنقلب نار جهنم. # قال بعض العلماء: " السعيد من لا يغتر بالطمع ولا يركن إلى الخدع، ومن ~~أطال الأمل نسي العمل، وغفل عن الأجل ". ### || [57.16-29] # المناسبة: لما ذكر تعالى اغترار المنافقين والكافرين بالحياة الدنيا، ~~نبه المؤمنين ألا يكونوا مثلهم، أو مثل أهل الكتاب بالاغترار بدار ~~الفناء، ثم ضرب مثلا للحياة الدنيا وبهرجها الخادع الكاذب، وختم السورة ~~الكريمة ببيان فضيلة التقوى والعمل الصالح، وأرشد المؤمنين إلى مضاعفة ~~الأجر والنور باتباعهم هدي الرسول صلى الله عليه وسلم. # اللغة: { يأن } يحن يقال: أني يأني مثل رمى يرمي أي حان، قال ~~الشاعر: # ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا # وأن يحدث الشيب المبين لنا عقلا # { تخشع } تذل وتلين { الأمد } الأجل أو الزمان { يهيج } هاج ~~الزرع إذا جف ويبس بعد خضرته ونضارته { حطاما } فتاتا يتلاشى ~~بالرياح { قفينا } ألحقنا وأتبعنا { كفلين } مثنى كفل وهو ~~النصيب. # سبب النزول: لما قدم المؤمنون المدينة، أصابوا من لين العيش ~~ورفاهيته، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا ونزلت هذه الآية { ألم ~~يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ~~} قال ابن مسعود: " ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ~~إلا أربع سنوات ". # التفسير: { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله } أي أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم ~~وتلين لمواعظ الله؟ { وما نزل من الحق } أي ولما نزل من آيات ~~القرآن المبين؟ { ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من ~~قبل } أي ولا يكونوا كاليهود والنصارى الذين أعطاهم الله التوراة ~~والإنجيل { فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم } أي ms1561 فطال ~~عليهم الزمن الذي بينهم وبين أنبيائهم، حتى صلبت قلوبهم فهي كالحجارة أو ~~أشد قسوة قال ابن عباس: { قست قلوبهم } مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن ~~مواعظ القرآن وقال أبو حيان: أي صلبت بحيث لا تنفعل للخير والطاعة والغرض ~~أن الله يحذر المؤمنين أن يكونوا مع القرآن كاليهود والنصارى حين قست ~~قلوبهم لما طال عليهم الزمان { وكثير منهم فاسقون } أي ~~وكثير من أهل الكتاب خارجون عن طاعة الله، رافضون لتعاليم دينهم، من فرط ~~قسوة القلب قال ابن كثير: نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين ~~حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الزمن ~~بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، ونبذوه وراء ظهورهم، واتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم فلا يقبلون موعظة، ~~ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد { اعلموا أن الله يحيي ~~الأرض بعد موتها } أي اعلموا يا معشر المؤمنين أن الله يحيي ~~الأرض القاحلة المجدبة بالمطر، ويخرج منها النبات بعد يبسها، وهو تمثيل ~~لإحياء القلوب القاسية بالذكر وتلاوة القرآن، كما تحيا الأرض المجدبة ~~بالغيث الهتان قال ابن عباس: يلين القلوب بعد قسوتها فيجعلها مخبتة ~~منيبة، وكذلك يحيي القلوب الميتة بالعلم والحكمة قال في البحر: ويظهر أنه ~~تمثيل لتليين القلوب بعد قسوتها، ولتأثير ذكر الله فيها، فكما يؤثر ~~الغيث في الأرض فتعود بعد إجدابها مخصبة، كذلك تعود القلوب النافرة ~~مقبلة يظهر فيها أثر الخشوع والطاعات { قد بينا لكم الآيات ~~} أي وضحنا لكم الحجج والبراهين الدالة على كمال قدرتنا ووحدانيتنا { ~~لعلكم تعقلون } أي لكي تعقلوا وتتدبروا ما أنزل الله في ~~القرآن { إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا ~~الله قرضا حسنا } أي الذين تصدقوا بأموالهم على الفقراء ابتغاء ~~وجه الله، والذين أنفقوا في سبيل الله وفي وجوه البر والإحسان طيبة بها ~~نفوسهم { يضاعف لهم ولهم أجر كريم } أي يضاعف لهم ~~ثوابهم بأن تكتب الحسنة بعشر أمثالها، ولهم فوق ذلك ثواب حسن جزيل وهو ~~الجنة قال المفسرون: أصل { المصدقين } المتصدقين أدغمت التاء في ~~الصاد فصارت المصدقين، ومعنى القرض الحسن هو ms1562 التصدق عن طيب النفس، وخلوص ~~النية للفقير، فكأن الإنسان بإحسانه إلى الفقير قد أقرض الله قرضا ~~يستحق عليه الوفاء في دار الجزاء { والذين آمنوا بالله ~~ورسله } أي صدقوا بوحدانية الله ووجوده، وآمنوا برسله إيمانا ~~راسخا كاملا، لا يخالجه شك ولا ارتياب { أولئك هم ~~الصديقون والشهدآء عند ربهم } أي أولئك الموصوفون ~~بالإيمان بالله ورسله، هم الذين جمعوا أعلى المراتب فحازوا درجة ~~الصديقية والشهادة في سبيل الله قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو ~~صديق وشهيد { لهم أجرهم ونورهم } أي لهم في الآخرة ~~الثواب الجزيل، والنور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم { والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } ~~أي والذين جحدوا بوحدانية الله وكذبوا بآياته أولئك هم المخلدون في دار ~~الجحيم قال البيضاوي: فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار، من ~~حيث أن الصيغة تشعر بالاختصاص { أولئك أصحاب الجحيم } ~~والصحبة تدل على الملازمة. # . ولما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين، ذكر بعده ما يدل على حقارة الدنيا ~~وكمال حال الآخرة فقال { اعلموا أنما الحياة الدنيا ~~لعب } أي اعلموا يا معشر السامعين أن هذه الحياة الدنيا ما هي إلا ~~لعب يتعب الناس فيها أنفسهم كإتعاب الصبيان أنفسهم باللعب { ولهو ~~} أي وشغل للإنسان يشغله عن الآخرة وطاعة الله { وزينة } أي وزينة ~~يتزين بها الجهلاء كالملابس الحسنة، والمراكب البهية، والمنازل الرفيعة { ~~وتفاخر بينكم } أي ومباهاة وافتخار بالأحساب والأنساب والمال ~~والولد كما قال القائل: # أرى أهل القصور إذا أميتوا # بنوا فوق المقابر بالصخور # أبوا إلا مباهاة وفخرا # على الفقراء حتى في القبور # { وتكاثر في الأموال والأولاد } أي مباهاة بكثرة الأموال ~~والأولاد قال ابن عباس: يجمع المال من سخط الله، ويتباهى به على أولياء ~~الله، ويصرفه في مساخط الله، فهو ظلمات بعضها فوق بعض { كمثل غيث ~~أعجب الكفار نباته } أي كمثل مطر غزير أصاب أرضا، فأعجب ~~الزراع نباته الناشىء عنه { ثم يهيج فتراه مصفرا } أي ~~ثم ييبس بعد خضرته ونضرته فتراه مصفر اللون بعد أن كان زاهيا ناضرا { ~~ثم يكون حطاما } أي ثم يتحطم ويتكسر بعد ms1563 يبسه وجفافه فيصبح ~~هشيما تذروه الرياح كذلك حال الدنيا قال القرطبي: والمراد بالكفار هنا ~~الزراع لأنهم يغطون البذر، ومعنى الآية أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب ~~الناظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيما كأن لم ~~يكن، وإذا أعجب الزراع فهو في غاية الحسن { وفي الآخرة عذاب ~~شديد ومغفرة من الله ورضوان } أي والجزاء في الآخرة ~~إما عذاب شديد للفجار، وإما مغفرة من الله ورضوان للأبرار { وما ~~الحياة الدنيآ إلا متاع الغرور } أي وليست الحياة ~~الدنيا في حقارتها وسرعة انقضائها إلا متاع زائل، ينخدع بها الغافل، ~~ويغتر بها الجاهل قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إن ألهتك عن ~~طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة، فنعم ~~المتاع ونعم الوسيلة. # . ولما حقر الدنيا وصغر أمرها، وعظم الآخرة وفخم شأنها، حث ~~على المسارعة إلى نيل مرضاة الله، التي هي سبب للسعادة الأبدية في دار ~~الخلود والجزاء فقال { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } ~~أي تسابقوا أيها الناس وسارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم ~~من ربكم قال أبو حيان: وجاء التعبير بلفظ { سابقوا } كأنهم في ميدان ~~سباق يجرون إلى غاية مسابقين إليها، والمعنى سابقوا إلى سبب مغفرة وهو ~~الإيمان، وعمل الطاعات { وجنة عرضها كعرض السمآء ~~والأرض } أي وسارعوا إلى جنة واسعة فسيحة، عرضها كعرض السماوات ~~السبع مع الأرض مجتمعة قال السدي: إن الله تعالى شبه عرض الجنة بعرض ~~السماوات السبع والأرضين السبع، ولا شك أن طولها أزيد من عرضها، فذكر ~~العرض تنبيها على أن طولها أضعاف ذلك وقال البيضاوي: إذا كان العرض ~~كذلك فما ظنك بالطول، { أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله } أي هيأها الله وأعدها للمؤمنين المصدقين بالله ورسله قال ~~المفسرون: وفي الآية دلالة على أن الجنة مخلوقة وموجودة لأن ما لم يخلق ~~بعد لا يوصف بأنه أعد وهيء { ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشآء } أي ذلك الموعود به من المغفرة والجنة هو عطاء الله الواسع، ~~يتفضل به على من يشاء من عباده من غير إيجاب ms1564 { والله ذو الفضل ~~العظيم } أي ذو العطاء الواسع والإحسان الجليل { مآ أصاب من ~~مصيبة في الأرض } أي ما يحدث في الأرض مصيبة من المصائب كقحط، ~~وزلزلة، وعاهة في الزروع، ونقص في الثمار { ولا في أنفسكم } ~~أي من الأمراض، والأوصاب، والفقر، وذهاب الاولاد { إلا في كتاب ~~من قبل أن نبرأهآ } أي إلا وهي مكتوبة في اللوح المحفوظ ~~من قبل أن نخلقها ونوجدها قال في التسهيل: المعنى أن الأمور كلها مقدرة ~~في الأزل، مكتوبة في اللوح المحفوظ من قبل أن تكون، وفي الحديث # " إن الله كتب مقادير الأشياء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف ~~سنة، وعرشه على الماء " # { إن ذلك على الله يسير } أي إن إثبات ذلك على كثرته سهل ~~هين على الله عز وجل وإن كان عسيرا على العباد.. ثم بين تعالى لنا ~~الحكمة في إعلامنا عن كون هذه الأشياء واقعة بالقضاء والقدر فقال { ~~لكيلا تأسوا على ما فاتكم } أي أثبت وكتب ذلك كي لا ~~تحزنوا على ما فاتكم من نعيم الدنيا { ولا تفرحوا بمآ آتاكم ~~} أي ولكي لا تبطروا بما أعطاكم الله من زهرة الدنيا ونعيمها قال ~~المفسرون: والمراد بالحزن الحزن الذي يوجب القنوط، وبالفرح الفرح الذي ~~يورث الأشر والبطر، ولهذا قال ابن عباس: " ليس من أحد إلا وهو يحزن ~~ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا، وغنيمته شكرا " ومعنى الآية: ~~لا تحزنوا حزنا يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم، ولا تفرحوا فرحا شديدا ~~يطغيكم حتى تأشروا فيه وتبطروا، ولهذا قال بعض العارفين: " من عرف سر ~~الله في القدر هانت عليه المصائب " وقال عمر رضي الله عنه: " ما أصابتني ~~مصيبة إلا وجدت فيها ثلاث نعم: الأولى: أنها لم تكن في ديني، الثانية: ~~أنها لم تكن أعظم مما كانت، الثالثة: أن الله يعطي عليها الثواب العظيم ~~والأجر الكبير # وبشر الصابرين * الذين إذآ أصابتهم مصيبة ~~قالوا إنا لله وإنآ إليه راجعون * أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون # [البقرة: 155-157] { والله لا يحب كل مختال فخور } ~~أي لا يحب كل متكبر ms1565 معجب بما أعطاه الله من حظوظ الدنيا، فخور به على ~~الناس.. ثم بين تعالى أوصاف هؤلاء المذمومين فقال { الذين ~~يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } أي يبخلون بالإنفاق ~~في سبيل الله، ولا يكفيهم ذلك حتى يأمروا الناس بالبخل ويرغبوهم في ~~الإمساك { ومن يتول } أي ومن يعرض عن الإنفاق { فإن الله ~~هو الغني الحميد } أي فإن الله مستغن عنه وعن إنفاقه، ~~محمود في ذاته وصفاته، لا يضره الإعراض عن شكره، ولا تنفعه طاعة ~~الطائعين، وفيه وعيد وتهديد { لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات } اللام موطئة لقسم محذوف أي والله لقد بعثنا رسلنا ~~بالحجج القواطع والمعجزات البينات { وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان } أي وأنزلنا معهم الكتب السماوية التي فيها سعادة ~~البشرية، وأنزلنا القانون الذي يحكم به بين الناس، وفسر بعضهم الميزان ~~بأنه العدل وقال ابن زيد: هو ما يوزن به ويتعامل { ليقوم الناس ~~بالقسط } أي ليقوم الناس بالحق والعدل في معاملاتهم { وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد } أي وخلقنا وأوجدنا الحديد فيه بأس ~~شديد، لأن آلات الحرب تتخذ منه، كالدروع، والرماح، والتروس، والدبابات ~~وغير ذلك { ومنافع للناس } أي وفيه منافع كثيرة للناس كسكك ~~الحراثة، والسكين، والفأس وغير ذلك وما من صناعة إلا والحديد آلة فيها ~~قال أبو حيان: وعبر تعالى عن إيجاده بالإنزال كما قال # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # [الزمر: 6] لأن الأوامر وجميع القضايا والأحكام لما كانت تلقى من ~~السماء جعل الكل نزولا منها، وأراد بالحديد جنسه من المعادن قاله ~~الجمهور { وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } ~~عطف على محذوف مقدر أي وأنزلنا الحديد ليقاتل به المؤمنون أعداءهم ~~ويجاهدوا لإعلاء كلمة الله، وليعلم الله من ينصر دينه ورسله باستعمال ~~السيوف والرماح وسائر الأسلحة مؤمنا بالغيب قال ابن عباس: ينصرونه ولا ~~يبصرونه، ثم قال تعالى { إن الله قوي عزيز } أي قادر على ~~الانتقام من أعدائه بنفسه، عزيز أي غالب لا يغالب فهو غني بقدرته وعزته ~~عن كل أحد قال البيضاوي: أي قوي على إهلاك من أراد إهلاكه، عزيز لا ~~يفتقر إلى نصرة أحد، وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا ms1566 به ويستوجبوا الثواب ~~وقال ابن كثير: معنى الآية أنه جعل الحديد رادعا لمن أبى الحق وعانده ~~بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث ~~عشرة سنة توحى إليه السور، ويقارعهم بالحجة والبرهان، فلما قامت الحجة ~~على من خالف أمر الله، شرع الله الهجرة وأمر المؤمنين بالقتال بالسيوف ~~وضرب الرقاب، ولهذا قال عليه السلام # " بعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل ~~والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم " # ثم قال تعالى { إن الله قوي عزيز } أي هو قوي عزيز ينصر من ~~شاء من غير احتياج منه إلى الناس، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضهم ببعض { ~~ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب } لما ذكر بعثة الرسل ذكر هنا ~~شيخ الأنبياء نوحا عليه السلام، وأبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام ~~وبين أنه جعل في نسلهما النبوة والكتب السماوية أي وبالله لقد أرسلنا ~~نوحا وإبراهيم وجعلنا النبوة في نسلهما، كما أنزلنا الكتب الأربعة وهي ~~" التوراة والزبور والإنجيل والقرآن " على ذريتهما، وإنما خص نوحا ~~وإبراهيم بالذكر تشريفا لهما وتخليدا لمآثرهما الحميدة { فمنهم ~~مهتد وكثير منهم فاسقون } أي فمن ذرية نوح وإبراهيم ~~أناس مهتدون، وكثير منهم عصاة خارجون عن الطاعة وعن الطريق المستقيم { ~~ثم قفينا على آثارهم برسلنا } أي ثم أتبعنا بعدهم ~~برسلنا الكرام، أرسلناهم رسولا بعد رسول، موسى، وإلياس، وداود، ~~وسليمان، ويونس وغيرهم { وقفينا بعيسى ابن مريم } أي ~~وجعلناه بعد أولئك الرسل لأن كان آخر الأنبياء من بني إسرائيل { ~~وآتيناه الإنجيل } أي وأنزلنا عليه الإنجيل الذي فيه البشارة ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم { وجعلنا في قلوب الذين ~~اتبعوه رأفة ورحمة } أي وجعلنا في قلوب أتباعه الحواريين ~~الشفقة واللين قال في التسهيل: هذا ثناء من الله عليهم بمحبة بعضهم في ~~بعض كما وصف تعالى أصحاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم # رحمآء بينهم # [الفتح: 29] { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها ~~عليهم } أي ورهبانية ابتدعها القسس والرهبان وأحدثوها من تلقاء ~~أنفسهم، ما فرضناها ms1567 عليهم ولا أمرناهم بها قال أبو حيان: والرهبانية ~~رفض النساء وشهوات الدنيا، واتخاذ الصوامع ومعنى { ابتدعوها } أي ~~أحدثوها من عند أنفسهم { إلا ابتغآء رضوان الله } أي ما ~~أمرناهم إلا بما يرضي الله، والاستثناء منقطع والمعنى ما كتبنا عليهم ~~الرهبانية، ولكنهم فعلوها من تلقاء أنفسهم ابتغاء رضوان الله { فما ~~رعوها حق رعايتها } أي فما قاموا بها حق القيام، ولا ~~حافظوا عليها كما ينبغي قال ابن كثير: وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما: ~~الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله والثاني: في عدم قيامهم بما ~~التزموه مما زعموا أنه قربة تقربهم إلى الله عز وجل، وفي الحديث # " لكل أمة رهبانية، ورهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله " # { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } أي فأعطينا ~~الصالحين من أتباع عيسى الذين ثبتوا على العهد وآمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم ثوابهم مضاعفا { وكثير منهم فاسقون } أي وكثير ~~من النصارى خارجون عن حدود الطاعة منتهكون لمحارم الله كقوله تعالى # إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله # [التوبة: 34] { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وآمنوا برسوله } أي يا من صدقتم بالله اتقوا الله بامتثال ~~أوامره واجتناب نواهيه، ودوموا واثبتوا على الإيمان { يؤتكم ~~كفلين من رحمته } أي يعطكم ضعفين من رحمته { ويجعل ~~لكم نورا تمشون به } أي ويجعل لكم في الآخرة نورا تمشون به ~~على الصراط { ويغفر لكم } أي ويغفر لكم ما أسلفتم من المعاصي { ~~والله غفور رحيم } أي عظيم المغفرة واسع الرحمة { لئلا ~~يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من ~~فضل الله } أي إنما بالغنا في هذا البيان ليعلم أهل الكتاب أنهم ~~لا يقدرون على تخصيص فضل الله بهم، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة فيهم، ~~فلا في قوله { لئلا } زائدة والمعنى ليعلم قال المفسرون: إن أهل ~~الكتاب كانوا يقولون الوحي والرسالة فينا، والكتاب والشرع ليس إلا لنا، ~~والله خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين، فرد الله عليهم ~~بهذه الآية الكريمة { وأن الفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشآء ms1568 } أي وأن أمر النبوة والهداية والإيمان بيد الرحمن يعطيه لمن ~~يشاء من خلقه { والله ذو الفضل العظيم } أي والله واسع ~~الفضل والإحسان. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { يحيي ويميت } وبين { الأول والآخر } ~~وبين { الظاهر والباطن }. # 2- المقابلة بين # يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها # [الحديد: 4] وبين # وما ينزل من السمآء وما يعرج فيها # [الحديد: 4]. # 3- رد العجز على الصدر # يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل # [الحديد: 6] وهو وما سبقه من المحسنات البديعية. # 4- حذف الإيجاز # لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل # [الحديد: 10] حذف منه جملة " ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل " وذلك لدلالة ~~الكلام عليه ويسمى هذا الحذف بالإيجاز. # 5- الاستعارة اللطيفة # ليخرجكم من الظلمات إلى النور # [الحديد: 9] أي ليخرجكم من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، فاستعار لفظ ~~{ الظلمات } للكفر والضلالة ولفظ { النور } للإيمان والهداية ~~وقد تقدم. # 6- الاستعارة التمثيلية # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [الحديد: 11] مثل لمن ينفق ماله ابتغاء وجه الله مخلصا في عمله بمن ~~يقرض ربه قرضا واجب الوفاء بطريق الاستعارة التمثيلية. # 7- الأسلوب التهكمي # مأواكم النار هي مولاكم # [الحديد: 15] أي لا ولي لكم ولا ناصر إلا نار جهنم وهو تهكم بهم. # 8- المقابلة اللطيفة بين قوله # باطنه فيه الرحمة # [الحديد: 13] وقوله # وظاهره من قبله العذاب # [الحديد: 13]. # 9- التشبيه التمثيلي { كمثل غيث أعجب الكفار نباته ~~ثم يهيج فتراه مصفرا.. } لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. # 10- الجناس الناقص { أرسلنا رسلنا } لتغير الشكل وبعض الحروف. # 11- السجع المرصع كأنه الدر المنظوم { وأنزلنا الحديد فيه ~~بأس شديد } وقوله تعالى # فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب # [الحديد: 13] وهو كثير في القرآن. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1-10] # اللغة: { تحاوركمآ } المحاورة: المراجعة في الكلام من حار الشيء ~~يحور إذا رجع يرجع ومنه الدعاء المأثور " نعوذ بالله من الحور بعد ~~الكور " قال عنترة في فرسه: # لو كان يدري ما المحاورة اشتكى # ولكان لو علم الكلام مكلمي # { يظاهرون } الظهار مشتق من الظهر ms1569 يقال: ظاهر من امرأته إذا حرمها ~~على نفسه بقوله: أنت علي كظهر أمي { منكرا } المنكر: كل ما قبحه ~~الشرع وحرمه ونفر منه، وهو خلاف المعروف { يحآدون } المحادة: ~~المعاداة والمخالفة في الحدود والأحكام وهي مثل المشاقة قال الزجاج: ~~المحادة أن تكون في حد يخالف حد صاحبك، وأصلها الممانعة { كبتوا ~~} الكبت: القهر والإذلال والخزي يقال: كبته أي قهره وأخزاه { نجوى ~~} النجوى: الكلام بين اثنين فأكثر سرا، تناجى القوم تحدثوا فيما بينهم ~~سرا { حسبهم } كافيهم. # سبب النزول: أ- روي # " أن " خولة بنت ثعلبة " امرأة " أوس بن الصامت " أراد زوجها مواقعتها ~~يوما فأبت، فغضب وظاهر منها، فأتت رسول اله صلى الله عليه وسلم وقالت يا ~~رسول الله: إن أوسا ظاهر مني بعد أن كبرت سني، ورق عظمي، وإن لي ~~منه صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا ~~فما ترى!! فقال لها: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت يا رسول الله: ~~والله ما ذكر طلاقا وهو أبو ولدي وأحب الناس إلي، فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعيد قوله: ما أراك إلا قد حرمت عليه، وهي تكرر ~~قولها، فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزل قول الله تعالى { قد سمع ~~الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى ~~الله.. } " # الآيات. # ب - وروى البخاري # " عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت ~~المجادلة - خولة بنت ثعلبة - فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ~~جانب البيت أسمع كلامها ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها وتقول يا رسول ~~الله: أبلى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر ~~مني، اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات ". # التفسير: { قد سمع الله قول التي تجادلك في ~~زوجها } " قد " لا تدخل إلا على الأفعال، وإذا دخلت على الماضي ~~أفادت التحقيق، وإذا دخلت على المضارع أفادت التقليل كقولك: قد يجود ~~البخيل، وقد ينزل المطر والمعنى: حقا لقد سمع الله قول المرأة التي ~~تراجعك وتحاورك في شأن زوجها ms1570 قال الزمخشري: ومعنى سماعه تعالى لقولها ~~إجابة دعائها، لا مجرد علمه تعالى بذلك، وهو كقول المصلي: سمع الله لمن ~~حمده { وتشتكي إلى الله } أي وتتضرع إلى الله في تفريج ~~كربتها { والله يسمع تحاوركمآ } أي والله جل وعلا يسمع ~~حديثكما ومراجعتكما الكلام، ماذا قالت لك، وماذا رددت عليها { إن ~~الله سميع بصير } أي سميع بمن يناجيه ويتضرع إليه، بصير بأعمال ~~العباد، وهو كالتعليل لما قبله، وكلاهما من صيغ المبالغة أي مبالغ في ~~العلم بالمسموعات والمبصرات. # . ثم ذم تعالى الظهار وبين حكمه وجزاء فاعله فقال { الذين ~~يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم } أي ~~الذين يقولون لنسائهم: أنتن كظهور أمهاتنا يقصدون بذلك تحريمهن عليهم ~~كتحريم أمهاتهن، لسن في الحقيقة أمهاتهم وإنما هن زوجاتهم قال الإمام ~~الفخر: الظهار هو عبارة عن قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، يقصد ~~علوي عليك حرام كعلوي على أمي، والعرب تقول في الطلاق: نزلت عن ~~أمرأتي أي طلقتها، فغرضهم من هذه اللفظة تحريم معاشرتها تشبيها بالأم ~~وقوله { منكم } توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في الظهار لأنه كان من ~~أيمان أهل الجاهلية خاصة دون سائر الأمم { إن أمهاتهم إلا ~~اللائي ولدنهم } أي ما أمهاتهم في الحقيقة إلا الوالدات ~~اللاتي ولدنهم من بطونهن وفي المثل " ولدك من دمى عقبيك " وهو تأكيد ~~لقوله { ما هن أمهاتهم } زيادة في التوضيح والبيان { ~~وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } أي والحال ~~إن هؤلاء المظاهرين ليقولون كلاما منكرا تنكره الحقيقة وينكره الشرع، ~~وهو كذب وزور وبهتان { وإن الله لعفو غفور } أي مبالغ ~~في العفو والمغفرة لمن تاب وأناب قال في التسهيل: أخبر تعالى أن الظهار ~~منكر وزور، فالمنكر هو الذي لا تعرف له حقيقة، والزور هو الكذب، وإنما ~~جعله كذبا لأن المظاهر يجعل امرأته كأمه. وهي لا تصير كذلك أبدا ~~والظهار محرم ويدل على تحريمه أربعة أشياء: أحدها قوله { ما هن ~~أمهاتهم } فإن ذلك تكذيب للمظاهر والثاني أنه سماه منكرا ~~والثالث أنه سماه زورا والرابع قوله تعالى { وإن الله لعفو ~~غفور } فإن العفو والمغفرة لا ms1571 تقع إلا عن ذنب، والذنب مع ذلك ~~لازم للمظاهر حتى يرفعه بالكفارة.. ثم بين تعالى طريق الكفارة عن هذا ~~القول الشنيع فقال { والذين يظاهرون من نسآئهم } أي ~~يظاهرون من زوجاتهم بتشبيههن بالأمهات { ثم يعودون لما ~~قالوا } أي يعودون عما قالوا، ويندمون على ما فرط منهم، ويرغبون في ~~إعادة أزواجهم إليهم { فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتمآسا } أي فعليهم إعتاق رقبة - عبدا كان أو أمة - من قبل أن ~~يعاشر زوجته التي ظاهر منها أو يجامعها، والتماس كناية عن الجماع ~~ودواعيه من التقبيل واللمس عند الجمهور قال الخازن: المراد من التماس ~~المجامعة فلا يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر منها ما لم يكفر ~~وقال القرطبي: لا يجوز للمظاهر الوطء قبل التكفير، فإن جامعها قبل ~~التكفير أثم وعصى ولا يسقط عنه التكفير، وعن مجاهد تلزمه كفارتان { ~~ذلكم توعظون به } أي ذلكم هو حكم الله فيمن ظاهر ليتعظ به ~~المؤمنون، حتى تتركوا الظهار ولا تعودوا إليه { والله بما ~~تعملون خبير } أي عالم بظواهر الأمور وبواطنها ومجازيكم بها، ~~فحافظوا على حدود ما شرع لكم من الأحكام { فمن لم يجد فصيام ~~شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا } أي فمن لم يجد ~~الرقبة التي يعتقها فعليه صيام شهرين متواليين من قبل الجماع قال ~~المفسرون: لو أفطر يوما منها انقطع التتابع ووجب عليه أن يستأنفها { ~~فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا } أي فمن لم ~~يستطع الصيام لكبر أو مرض، فعليه أن يطعم ستين مسكينا ما يشبعهم { ~~ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله } أي ذلك الذي بيناه من ~~أحكام الظهار من أجل أن تصدقوا بالله ورسوله في العمل بشرائعه، ولا ~~تستمروا على أحكام الجاهلية { وتلك حدود الله } أي وتلك هي ~~أوامر الله وحدوده فلا تعتدوها { وللكافرين عذاب أليم } أي ~~وللجاحدين والمكذبين بهذه الحدود عذاب مؤلم موجع قال الألوسي: أطلق ~~الكافر على متعدي الحدود تغليظا وزجرا. # . { إن الذين يحآدون } ولما ذكر المؤمنين الواقفين عند ~~حدوده، ذكر المحادين المخالفين لها فقال { إن الذين يحآدون ~~الله ورسوله } أي يخالفون أمر الله ورسوله، ويعادون الله ms1572 ورسوله ~~قال أبو السعود: أي يعادونهما ويشاقونهما لأن كلا من المتعاديين في حد ~~وجهة غير حد الآخر وجهته، وإنما ذكرت المحادة هنا دون المعاداة ~~والمشاقة لمناسبة ذكر " حدود الله " فكان بينهما من حسن الموقع ما لا ~~غاية وراءه { كبتوا كما كبت الذين من قبلهم } أي ~~خذلوا وأهينوا كما خذل من قبلهم من المنافقين والكفار الذين حادوا ~~الله ورسله وأذلوا وأهينوا { وقد أنزلنآ آيات بينات } أي ~~والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات، فيها الحلال والحرام، والفرائض ~~والأحكام { وللكافرين عذاب مهين } أي وللكافرين الذين ~~جحدوها ولم يعملوا بها عذاب شديد يهينهم ويذهب عزهم قال الصاوي: وقد ~~نزلت هذه الآية في كفار مكة يوم الأحزاب حين أرادوا التحزب على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمقصود بها تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبشارته مع المؤمنين بأن أعداءهم المتحزبين سيذلون ويخذلون ويفرق جمعهم ~~فلا تخشوا بأسهم { يوم يبعثهم الله جميعا } أي اذكر ذلك ~~اليوم الرهيب حين يحشر الله المجرمين كلهم في صعيد واحد { ~~فينبئهم بما عملوا } أي فيخبرهم بما ارتكبوا في الدنيا من ~~جرائم وآثام { أحصاه الله ونسوه } أي ضبطه الله وحفظه عليهم ~~في صحائف أعمالهم، بينما هم نسوا تلك الجرائم لاعتقادهم أن لا حساب ولا ~~جزاء { والله على كل شيء شهيد } أي وهو جل وعلا مطلع ~~وناظر لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه شيء.. ثم بين تعالى سعة علمه، ~~وإحاطته بجميع الأشياء، وأنه تعالى يرى الخلق ويسمع كلامهم ويرى مكانهم ~~حيث كانوا وأين كانوا فقال { ألم تر أن الله يعلم ما في ~~السموت وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم } أي ألم تعلم أيها السامع العاقل أن الله ~~مطلع على كل ذرة في الكون، لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ~~ولا يخفى عليه سر ولا علانية، ما يقع من حديث وسر بين ثلاثة أشخاص ~~إلا كان الله رابعهم بعلمه ومشاركا لهم فيما يتحدثون ويتهامسون به في ~~خفية عن الناس. # { ولا خمسة إلا هو ms1573 سادسهم } أي ولا يقع مناجاة وحديث ~~بالسر بين خمسة أشخاص إلا كان الله معهم بعلمه حتى يكون هو سادسهم { ~~ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ~~ما كانوا } أي ولا أقل من ذلك العدد ولا أكثر منه إلا والله ~~معهم يعلم ما يجري بينهم من حديث ونجوى، والغرض: أنه تعالى حاضر مع ~~عباده، مطلع على أحوالهم وأعمالهم، وما تهجس به أفئدتهم، لا يخفى عليه ~~شيء من أمور العباد، ولهذا ختم الآية بقوله { ثم ينبئهم بما ~~عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم } ~~أي ثم يخبرهم تعالى بما عملوا من حسن وسيء ويجازيهم عليه يوم القيامة، ~~لأنه عالم بكل شيء من الأشياء قال المفسرون: ابتدأ الله هذه الآيات ~~بالعلم بقوله { ألم تر أن الله يعلم } واختتمها بالعلم ~~بقوله { إن الله بكل شيء عليم } لينبه إلى إحاطة علمه ~~جل وعلا بالجزئيات والكليات، وأنه لا يغيب عنه شيء في الكائنات لأنه قد ~~أحاط بكل شيء علما، قال ابن كثير: وقد حكى غير واحد الإجماع على أن ~~المراد بالمعية في هذه الآية { إلا هو معهم } معية علمه تعالى، ~~ولا شك في إرادة ذلك، فسمعه مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو ~~سبحانه مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء.. ثم أخبر تعالى عن ~~أحوال اليهود والمنافقين فقال: { ألم تر إلى الذين نهوا ~~عن النجوى } قال القرطبي: نزلت في اليهود والمنافقين كانوا ~~يتناجون فيما بينهم وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فشكوا ذلك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت { ثم ~~يعودون لما نهوا عنه } أي ثم يرجعون إلى المناجاة التي ~~نهوا عنها قال أبو السعود: والهمزة { ألم تر } للتعجيب من حالهم، ~~وصيغة المضارع { ثم يعودون } للدلالة على تكرر عودهم وتجدده ~~واستحضار صورته العجيبة { ويتناجون بالإثم والعدوان ~~ومعصيت الرسول } أي ويتحدثون فيما بينهم بما هو إثم وعدوان ~~ومخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لأن حديثهم يدور حول المكر ~~والكيد بالمسلمين، قال أبو حيان: ms1574 بدأ بالإثم لعمومه، ثم بالعدوان ~~لعظمته في النفوس إذ هي ظلامات العباد، ثم ترقى إلى ما هو أعظم وهو ~~معصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي هذا طعن على المنافقين إذ كان ~~تناجيهم في ذلك { وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به ~~الله } أي وإذا حضروا عندك يا محمد حيوك بتحية ظالمة لم يشرعها ~~الله ولم يأذن فيها، وهي قولهم " السام عليكم " أي الموت عليكم قال ~~المفسرون: # " كان اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: السام عليكم ~~بدلا من السلام عليكم، والسام الموت وهو ما أرادوه بقولهم ، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: وعليكم لا يزيد عليها، فسمعتهم عائشة ~~يوما فقالت: بل عليكم السام واللعنة، فلما انصرفوا قال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: مهلا يا عائشة، إن الله يكره الفحش والتفحش فقالت ~~يا رسول الله: أما سمعت ما قالوا؟ فقال لها: أما سمعت ما قلت لهم؟ إني ~~قلت لهم: وعليكم، فيستجيب الله لي فيهم، ولا يستجيب لهم في " # { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول } أي ويقولون فيما بينهم، هلا يعذبنا الله بهذا القول لو كان ~~محمدا نبيا؟ فلو كان نبيا حقا لعذبنا الله على هذا الكلام قال تعالى ~~ردا عليهم { حسبهم جهنم يصلونها } أي يكفيهم عذابا أن ~~يدخلوا نار جهنم ويصلوا حرها { فبئس المصير } أي بئست جهنم ~~مرجعا ومستقرا لهم قال ابن العربي: كانوا يقولون: لو كان محمد نبيا ~~لما أمهلنا الله بسبه والاستخفاف به، وجهلوا أن الباري تعالى حليم لا ~~يعاجل العقوبة لمن سبه فكيف من سب نبيه!! وقد ثبت في الصحيح # " لا أحد أصبر على الأذى من الله، يدعون له الصاحبة والولد وهو يعافيهم ~~ويرزقهم " # فأنزل الله تعالى هذا كشفا لسرائرهم، وفضحا لبواطنهم، وتكريما ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأما إمهالهم في الدنيا فمن كراماته صلى الله ~~عليه وسلم على ربه لكونه بعث رحمة للعالمين.. ثم نهى تعالى المؤمنين عن ~~التناجي بما هو إثم ومعصية فقال { يأيها الذين آمنوا إذا ms1575 ~~تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ~~ومعصيت الرسول } أي إذا تحدثتم فيما بينكم سرا فلا تتحدثوا ~~بما فيه إثم كالقبيح من القول، أو بما هو عدوان على الغير، أو مخالفة ~~ومعصية لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم { وتناجوا بالبر ~~والتقوى } أي وتحدثوا بما فيه خير وطاعة وإحسان قال القرطبي: نهى ~~تعالى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود، وأمرهم أن ~~يتناجوا بالطاعة والتقوى والعفاف عما نهى الله عنه { واتقوا الله ~~الذي إليه تحشرون } أي وخافوا الله بامتثالكم أوامره ~~واجتنابكم نواهيه، الذي سيجمعكم للحساب، ويجازي كلا بعمله { إنما ~~النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا } أي ليست ~~النجوى بالإثم والعدوان إلا من تزيين الشيطان، ليدخل به الحزن على ~~المؤمنين قال ابن كثير: أي إنما يصدر هذا من المتناجين عن تزيين الشيطان ~~وتسويله { وليس بضآرهم شيئا إلا بإذن الله } أي ~~وليس هذا التناجي بضار للمؤمنين شيئا إلا بمشيئة الله وإرادته { ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي وعلى الله وحده ~~فليعتمد وليثق المؤمنون، ولا يبالوا بنجوى المنافقين فإن الله يعصمهم ~~من شرهم وكيدهم، وفي الحديث # " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه ". ### || [58.11-22] # المناسبة: لما نهى تعالى عباده المؤمنين عما يكون سببا للتباغض ~~والتنافر، أمرهم بما يصير سببا لزيادة المحبة والمودة، وهو التوسع في ~~المجالس بأن يفسح بعضهم لبعض، ثم حذر من موالاة أعداء الله، وختم ~~السورة الكريمة ببيان أوصاف المؤمنين الكاملين. # اللغة: { تفسحوا } توسعوا يقال: فسح له في المجلس أي وسع له، ~~ومنه مكان فسيح أي واسع { انشزوا } انهضوا وارتفعوا يقال: نشز ينشز ~~إذا تنحى من مجلسه وارتفع منه، وأصله من النشز وهو ما ارتفع من ~~الأرض { جنة } بضم الجيم وقاية { استحوذ } استولى وغلب على ~~عقولهم { الأذلين } الأذلاء المغمورين في الذل والهوان. # سبب النزول: أ- عن مقاتل قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، ~~فجاء ناس من أهل بدر فيهم " ثابت بن قيس " وقد سبقوا إلى المجلس، ~~فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم على ms1576 أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم ~~فلم يفسحوا لهم، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لمن حوله - ~~من غير أهل بدر - قم يا فلان، قم يا فلان، بعدد الواقفين من أهل بدر، فشق ~~ذلك على من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك وقالوا: ما عدل مع ~~هؤلاء، قوم أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه!! ~~فأنزل الله تعالى { يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم ~~تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم.. } ~~" # الآية. # ب - عن ابن عباس قال: " إن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأكثروا عليه حتى شق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم فأراد الله أن يخفف ~~عن نبيه ويثبطهم عن ذلك فأنزل الله { يأيها الذين آمنوا ~~إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقة.. } الآية فلما نزلت جبن كثير من المسلمين وكفوا عن المسألة. # ج - قال السدي: # " كان " عبد الله بن نبتل " المنافق يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة ~~من حجراته إذ قال يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني ~~شيطان، فدخل عبد الله بن نبتل - وكان أزرق العينين فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل ذلك، فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم: بل فعلت، فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ~~ما سبوه فأنزل الله { ألم تر إلى الذين تولوا قوما ~~غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ~~ويحلفون على الكذب وهم يعلمون } ". # التفسير: { يأيها الذين آمنوا } نداء من الله تعالى ~~للمؤمنين بأكرم وصف وألطف عبارة أي يا من صدقتم الله ورسوله وتحليتم ~~بالإيمان الذي هو زينة الإنسان { إذا قيل لكم تفسحوا في ~~المجالس فافسحوا } أي إذا قال لكم أحد توسعوا في المجالس - ~~سواء كان مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره من المجالس - فتوسعوا ~~وافسحوا له { يفسح الله لكم } أي يوسع لكم ربكم ms1577 في رحمته ~~وجنته قال مجاهد: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض قال الخازن: أمر الله المؤمنين بالتواضع وأن ~~يفسحوا في المجلس لمن أراد الجلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم ليتساوى ~~الناس في الأخذ من حظهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث # " لا يقيمن أحدكم رجلا من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن توسعوا ~~وتفسحوا يفسح الله لكم " # قال الإمام الفخر: وقوله { يفسح الله لكم } مطلق في كل ما ~~يطلب الناس الفسحة فيه في المكان، والرزق، والصدر، والقبر، والجنة، واعلم ~~أن الآية دلت على أن كل من وسع على عباد الله أبواب الخير والراحة ~~وسع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة وفي الحديث # " لايزال الله في عون العبد ما زال العبد في عون أخيه " # { وإذا قيل انشزوا فانشزوا } أي وإذا قيل لكم أيها ~~المؤمنون انهضوا من المجلس وقوموا لتوسعوا لغيركم فارتفعوا منه وقوموا ~~قال ابن عباس: معناه إذا قيل لكم ارتفعوا فارتفعوا قال في البحر: أمروا ~~أولا بالتفسح في المجلس، ثم ثانيا بامتثال الأمر فيه إذا أمروا، وألا ~~يجدوا في ذلك غضاضة { يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات } أي يرفع الله المؤمنين ~~بامتثال أوامره وأوامر رسوله، والعالمين منهم خاصة أعلى المراتب، ويمنحهم ~~أعلى الدرجات الرفيعة في الجنة قال ابن مسعود: مدح الله العلماء في هذه ~~الآية ثم قال: يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم فإن ~~الله يقول يرفع المؤمن العالم فوق المؤمن الذي ليس بعالم درجات وقال ~~القرطبي: بين في هذه الآية أن الرفعة عند الله بالعلم والإيمان، لا ~~بالسبق إلى صدور المجالس، وفي الحديث # " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " # وعنه صلى الله عليه وسلم # " يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء " # فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { والله بما تعملون خبير } أي خبير بمن ~~يستحق الفضل والثواب ممن ms1578 لا يستحقه { يأيها الذين آمنوا ~~إذا ناجيتم الرسول } أي إذا أردتم محادثته سرا { ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } أي فقدموا قبلها صدقة ~~تصدقوا بها على الفقراء قال الألوسي: وفي هذا الأمر تعظيم لمقام الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، ونفع للفقراء، وتمييز بين المخلص والمنافق، وبين ~~محب الدنيا ومحب الآخرة { ذلك خير لكم وأطهر } أي تقديم ~~الصدقات قبل مناجاته أفضل لكم عند الله لما فيه من امتثال أمر الله، ~~وأطهر لذنوبكم { فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم ~~} أي فإن لم تجدوا ما تتصدقون به فإن الله يسامحكم ويعفو عنكم، لأنه لم ~~يكلف بذلك إلا القادر منكم { أأشفقتم أن تقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقات } عتاب للمؤمنين رقيق رفيق أي أخفتم أيها ~~المؤمنون الفقر إذا تصدقتم قبل مناجاتكم للرسول صلى الله عليه وسلم؟ ~~والغرض: لا تخافوا فإن الله يرزقكم لأنه غني بيده خزائن السماوات ~~والأرض، وهو عتاب لطيف كما بينا، ثم نسخ تعالى الحكم تيسيرا على ~~المؤمنين فقال { فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم } ~~أي فإذا لم تفعلوا ما أمرتم به وشق ذلك عليكم، وعفا الله عنكم بأن ~~رخص لكم مناجاته من غير تقديم صدقة { فأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة } أي فاكتفوا بالمحافظة على الصلاة ودفع الزكاة المفروضة { ~~وأطيعوا الله ورسوله } أي أطيعوا أمر الله وأمر رسوله في ~~جميع أحوالكم { والله خبير بما تعملون } أي محيط بأعمالكم ~~ونياتكم قال المفسرون: نسخ الله ذلك تخفيفا على العباد حتى قال ابن ~~عباس: ما كان ذلك إلا ساعة من نهار ثم نسخ قال القرطبي: نسخت فرضية ~~الزكاة هذه الصدقة، وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل، وما روي عن علي ~~رضي الله عنه أنه قال: " آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي ولا ~~بعدي، كان عندي دينار فتصدقت به ثم ناجيت الرسول صلى الله عليه وسلم الخ ~~فضعيف لأن الله تعالى قال { فإذ لم تفعلوا } وهذا يدل على أن ~~أحدا لم يتصدق بشيء { ألم تر إلى الذين تولوا قوما ~~غضب الله عليهم } تعجيب للرسول ms1579 صلى الله عليه وسلم من أمر ~~المنافقين الذين اتخذوا اليهود أصدقاء أي ألا تعجب يا محمد من حال هؤلاء ~~المنافقين الذين يزعمون الإيمان، وقد اتخذوا اليهود المغضوب عليهم ~~أولياء، يناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين!! قال الإمام الفخر: ~~كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله # من لعنه الله وغضب عليه # [المائدة: 60] وكانوا ينقلون إليهم أسرار المؤمنين { ما هم منكم ~~ولا منهم } أي ليس هؤلاء المنافقون من المسلمين ولا من اليهود، بل ~~هم مذبذبون بين ذلك كقوله تعالى # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # [النساء: 143] قال الصاوي: أي ليسوا من المؤمنين الخلص، ولا من ~~الكافرين الخلص، لا ينتسبون إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء { ~~ويحلفون على الكذب وهم يعلمون } أي ويحلفون بالله ~~كاذبين يقولون: والله إنا لمسلمون، وهم يعلمون أنهم كذبة فجرة قال أبو ~~السعود: والصيغة مفيدة لكمال شناعة ما فعلوا، فإن الحلف على ما يعلم ~~أنه كذب في غاية القبح { أعد الله لهم عذابا شديدا } أي ~~هيأ لهم تعالى - بسبب نفاقهم - عذابا في نهاية الشدة والألم، وهو الدرك ~~الأسفل في جهنم # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن ~~تجد لهم نصيرا # [النساء: 145] { إنهم سآء ما كانوا يعملون } أي بئس ما ~~فعلوا وبئس ما صنعوا { اتخذوا أيمانهم جنة } أي جعلوا ~~أيمانهم الكاذبة الفاجرة وقاية لأنفسهم وسترة لها من القتل قال في ~~التسهيل: أصل الجنة ما يستتر به ويتقى به المحذور كالترس، ثم استعمل ~~هنا بطريق الاستعارة لأنهم كانوا يظهرون الإسلام ليعصموا دماءهم ~~وأموالهم { فصدوا عن سبيل الله } أي فمنعوا الناس عن الدخول ~~في الإسلام، بإلقاء الشبهات في قلوب الضعفاء والمكر والخداع بالمسلمين ~~{ فلهم عذاب مهين } أي فلهم عذاب شديد في غاية الشدة ~~والإهانة { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~من الله شيئا } أي لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم في الآخرة، ~~ولن تدفع عنهم شيئا من عذاب الله { أولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون } أي هم أهل النار لا يخرجون منها أبدا { يوم ~~يبعثهم الله جميعا ms1580 } أي يحشرهم يوم القيامة جميعا للحساب ~~والجزاء { فيحلفون له كما يحلفون لكم } أي فيحلفون لله ~~تعالى كما يحلفون لكم اليوم في الدنيا كذبا أنهم مسلمون قال ابن عباس: ~~هو قولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] { ويحسبون أنهم على شيء } أي يظنون أن ~~حلفهم في الآخرة ينفعهم وينجيهم من عذابها كما نفعهم في الدنيا بدفع ~~القتل عنهم قال أبو حيان: والعجب منهم كيف يعتقدون أن كفرهم يخفى على ~~علام الغيوب، ويجرونه مجرى المؤمنين في عدم اطلاعهم على كفرهم ونفاقهم، ~~والمقصود أنهم تعودوا الكذب حتى كان على ألسنتهم في الآخرة كما كان في ~~الدنيا { ألا إنهم هم الكاذبون } أي ألا فانتبهوا أيها ~~الناس إن هؤلاء هم البالغون في الكذب الغاية القصوى حيث تجاسروا على ~~الكذب بين يدي علام الغيوب { استحوذ عليهم الشيطان ~~فأنساهم ذكر الله } أي استولى على قلوبهم الشيطان وغلب عليهم ~~وتملك نفوسهم حتى أنساهم أن يذكروا ربهم { أولئك حزب ~~الشيطان } أي أولئك هم أتباع الشيطان وأعوانه وأنصاره { ألا إن ~~حزب الشيطان هم الخاسرون } أي أتباع الشيطان وجنوده هم ~~الكاملون في الخسران والضلالة، لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم الدائم ~~وعرضوها للعذاب المقيم { إن الذين يحآدون الله ~~ورسوله } أي يعادون الله ورسوله ويخالفون أمرهما { أولئك في ~~الأذلين } أي أولئك في جملة الأذلاء المبعدين من رحمة الله { كتب ~~الله لأغلبن أنا ورسلي } أي قضى الله وحكم أن الغلبة ~~لدينه ورسله وعباده المؤمنين { إن الله قوي عزيز } أي هو ~~تعالى قوي على نصر رسله وأوليائه، غالب على أعدائه، لا يقهر ولا يغلب ~~قال مقاتل: لما فتح الله مكة والطائف وخيبر للمؤمنين قالوا: نرجو أن ~~يظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن سلول: أتظنون أن الروم ~~وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها؟! والله إنهم لأكثر عددا، وأشد ~~بطشا من أن تظنوا فيهم ذلك فنزلت { تب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي } { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله } أي لا يمكن أن ~~ترى أيها السامع جماعة يصدقون بالله وباليوم ms1581 الآخر يحبون ويوالون من عادى ~~الله ورسوله وخالف أمرهما، لأن من أحب الله عادى أعداءه، ولا يجتمع في ~~قلب واحد حب الله وحب أعدائه، كما لا يجتمع النور والظلام قال ~~المفسرون: غرض الآية النهي عن مصادقة ومحبة الكفرة والمجرمين، ولكنها ~~جاءت بصورة إخبار مبالغة في النهي والتحذير قال الإمام الفخر: المعنى ~~أنه لا يجتمع الإيمان مع حب أعداء الله، وذلك لأن من أحب أحدا ~~امتنع أن يحب عدوه، لأنهما لا يجتمعان في القلب، فإذا حصل في القلب مودة ~~أعداء الله لم يحصل فيه الإيمان { ولو كانوا آبآءهم أو ~~أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم } أي ولو كان هؤلاء ~~المحادون لله ورسوله أقرب الناس إليهم، كالآباء، والأبناء، والإخوان، ~~والعشيرة، فإن قضية الإيمان بالله تقتضي معاداة أعداء الله قال في ~~البحر: بدأ بالآباء لأن طاعتهم واجبة على الأولاد، ثم بالأبناء لأنهم ~~أعلق بالقلوب، ثم بالإخوان لأنهم بهم التعاضد، ثم بالعشيرة لأن بهم ~~التناصر والمقاتلة والتغلب على الأعداء كما قال القائل: # لا يسألون أخاهم حين يندبهم # في النائبات على ما قال برهانا # قال ابن كثير: نزلت { ولو كانوا آبآءهم } في " أبي عبيدة " ~~قتل أباه الجراح يوم بدر، { أو أبنآءهم } في الصديق هم بقتل ~~ابنه " عبد الرحمن بن أبي بكر " { أو إخوانهم } في مصعب بن عمير ~~قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ { أو عشيرتهم } في حمزة، وعلي، ~~وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة يوم بدر { ~~أولئك كتب في قلوبهم الإيمان } أي أثبت الإيمان ~~ومكنه في قلوبهم، فهي مؤمنة موقنة مخلصة { وأيدهم بروح ~~منه } أي وقواهم بنصره وتأييده قال ابن عباس: نصرهم على عدوهم، ~~وسمى ذلك النصر روحا لأن به يحيا أمرهم { ويدخلهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار } أي ويدخلهم في الآخرة بساتين فسيحة، ~~تجري من تحت قصورها أنهار الجنة { خالدين فيها } أي ماكثين فيها ~~أبد الآبدين { رضي الله عنهم ورضوا عنه } أي قبل الله ~~أعمالهم فرضي عنهم، ونالوا ثوابه فرضوا بما أعطاهم، وإنما ذكر رضوانه ~~عليهم بعد دخولهم الجنة لأنه أعظم النعم، ms1582 وأجل المراتب قال ابن كثير: وفي ~~الآية سر بديع وهو أنهم لما سخطوا على الأقارب والعشائر في الله تعالى، ~~عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز ~~العظيم { أولئك حزب الله } أي أولئك جماعة الله وخاصته ~~وأولياؤه { ألا إن حزب الله هم المفلحون } أي هم ~~الفائزون بخيري الدنيا والآخرة، وهذا في مقابلة قوله تعالى { ~~أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون }. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- صيغة المبالغة في # إن الله سميع بصير # [المجادلة: 1] وفي { غفور رحيم } وفي # على كل شيء شهيد # [المجادلة: 6]. # 2- الإطناب بذكر الأمهات # ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم # [المجادلة: 2] زيادة في التقرير والبيان. # 3- الطباق # ولا أدنى من ذلك ولا أكثر # [المجادلة: 7] لأن معنى أدنى أقل فصار الطباق بينها وبين أكثر. # 4- عطف الخاص على العام تنبيها على شرفه { يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } فإن { ~~والذين أوتوا العلم } دخلوا في المؤمنين أولا ثم خصوا ~~بالذكر ثانيا تعظيما لهم. # 5- الاستعارة { فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } ~~استعار اليدين لمعنى قبل أي قبل نجواكم. # 6- الاستفهام والمراد منه التعجيب { ألم تر إلى الذين ~~تولوا قوما غضب الله عليهم.. }. # 7- الجناس الناقص بين { يعلمون } و { يعملون } لتغير الرسم. # 8- المقابلة بين { أولئك حزب الله ألا إن حزب ~~الله هم المفلحون } وبين { أولئك حزب ~~الشيطان.. } الآية. # 9- تحلية الجملة بفنون المؤكدات مثل: " ألا، وإن، وهم " في قوله { ~~ألا إن حزب الله هم المفلحون }. # 10- توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل { الخاسرون } ، { الكاذبون } ، { ~~خالدون } ، { يعملون }. # لطيفة: روى الإمام أحمد عن أبي الطفيل أن " نافع بن عبد الحارث " لقي ~~عمر بن الخطاب بعسفان - وكان عمر استعمله على مكة - فقال عمر: من استخلفت ~~على أهل الوداي؟ فقال: استخلفت عليهم: " ابن أبزى " فقال: ومن ابن أبزى؟ ~~فقال: رجل من موالينا فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال يا أمير ~~المؤمنين: إنه قارىء لكتاب الله، عالم بالفرائض، قاض، فقال عمر رضي ~~الله عنه: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم ms1583 قال: # " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين ". ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-10] # اللغة: { الحشر } الجمع، وسمي يوم القيامة يوم الحشر لأنه يوم ~~اجتماع الناس للحساب والجزاء ومنه # وحشر لسليمان جنوده # [النمل: 17] أي جمع له الجنود { قذف } ألقى وأنزل بشدة { الجلاء ~~} الخروج من الوطن مع الأهل والولد { شآقوا } عادوا وخالفوا { ~~لينة } بكسر اللام النخلة القريبة من الأرض، الكريمة الطيبة، سميت ~~لينة لجودة ثمرها وأنشد الأخفش: # قد شجاني الحمام حين تغنى # بفراق الأحباب من فوق لينة # { أوجفتم } الوجيف: سرعة السير يقال: أوجف البعير إذا حثه ~~وحمله على السير السريع { دولة } بضم الدال الشيء الذي يتداول من ~~الأموال، وينتقل من يد إلى يد { خصاصة } فقر واحتياج { غلا } ~~حقدا وضغينة. # سبب النزول: لما نقض اليهود " بنو النضير " العهد مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حاصرهم صلى الله عليه وسلم وأمر بقطع نخيلهم وإحراقه ~~إهانة لهم وإرعابا لقلوبهم، فقالوا يا محمد: ألست تزعم أنك نبي؟ ~~وأنك تنهى عن الفساد؟ فما بالك تأمر بقطع الأشجار وتحريقها؟ فأنزل الله ~~تعالى { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة ~~على أصولها فبإذن الله.. } الآية. # التفسير: { سبح لله ما في السموت وما في الأرض ~~} أي نزه الله تعالى ومجده وقدسه جميع ما في السماوات والأرض من ~~ملك، وإنسان، وجماد، وشجر كقوله تعالى # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44] قال ابن كثير: يخبر تعالى أن جميع ما في السماوات ~~والأرض يسبح له ويمجده ويقدسه ويوحده { وهو العزيز ~~الحكيم } أي وهو العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه { هو الذي ~~أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم } ~~بيان لبعض أثار قدرته تعالى الباهرة وعزته الظاهرة أي هو جل وعلا الذي ~~أخرج يهود بني النضير من مساكنهم بالمدينة المنورة { لأول الحشر ~~} أي في أول مرة حشروا وأخرجوا فيها من جزيرة العرب، إذ لم يصبهم هذا ~~الذل قبل ذلك قال البيضاوي: لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة صالح " ~~بني النضير " على ألا يكونوا معه ولا عليه، فلما ظهر يوم ms1584 بدر قالوا: ~~إنه النبي المنعوت في التوراة بالنصرة لا ترد له راية، فلما هزم ~~المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، وخرج " كعب بن الأشرف " في أربعين ~~راكبا إلى مكة وحالفوا " أبا سفيان " فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " محمد بن مسلمة " أخا كعب من الرضاعة فقتله غيلة، ثم صبحهم ~~بالكتائب وحاصرهم، حتى صالحوه على الجلاء، فجلا أكثرهم إلى الشام، ولحقت ~~طائفة بخيبر، فذلك قوله { هو الذي أخرج الذين كفروا ~~من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر } قال ~~الألوسي: ومعنى { لأول الحشر } أن هذا أول حشرهم إلى الشام أي ~~أول ما حشروا وأخرجوا، ونبه بلفظ { أول } على أنهم لم يصبهم جلاء ~~قبله { ما ظننتم أن يخرجوا } أي ما ظننتم أيها المؤمنون أن ~~يخرجوا من أوطانهم وديارهم بهذا الذل والهوان، لعزتهم ومنعتهم، وشدة ~~بأسهم، حيث كانوا أصحاب حصون وعقار، ونخيل وثمار { وظنوا ~~أنهم مانعتهم حصونهم من الله } أي وظنوا أن حصونهم ~~الحصينة تمنعهم من بأس الله، وتدفع عنهم عذابه وانتقامه قال البيضاوي: ~~والأصل أن يقال: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم من بأس الله، ~~وتغيير النظم بتقديم الخبر وإسناد الجملة إلى ضميرهم للدلالة على فرط ~~وثوقهم بكونها حصينة، بحيث ظنوا أنه لا يخرجهم منها أحد لأنهم في عزة ~~ومنعة { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } أي فجاءهم ~~بأس الله وعذابه من حيث لم يكن في حسابهم، ولم يخطر ببالهم { وقذف ~~في قلوبهم الرعب } أي وألقى في قلوب بني النظير الخوف الشديد، ~~مما أضعف قوتهم، وسلبهم الأمن والطمأنينة، حتى نزلوا على حكم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وفي الحديث # " نصرت بالرعب من مسيرة شهر " # { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } أي ~~يهدمون بيوتهم بأيديهم من الداخل، وأيدي المؤمنين من الخارج قال ~~المفسرون: كان بنو النضير قبل إجلائهم عن ديارهم يخربون بيوتهم فيقلعون ~~العمد، وينقضون السقوف، وينقبون الجدران، لئلا يسكنها المؤمنون حسدا ~~منهم وبغضا، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب من ظاهرها ليقتحموا ~~حصونهم { فاعتبروا يأولي الأبصار } أي فاتعظوا بما جرى ~~عليهم يا ذوي العقول ms1585 والألباب { ولولا أن كتب الله عليهم ~~الجلاء } أي ولولا أن الله تعالى قضى عليهم بالخروج من أوطانهم مع ~~الأهل والأولاد { لعذبهم في الدنيا } أي لعذبهم في الدنيا ~~بالسيف كما فعل بإخوانهم بني قريظة { ولهم في الآخرة عذاب ~~النار } أي ولهم مع عذاب الدنيا عذاب جهنم المؤبد { ذلك ~~بأنهم شآقوا الله ورسوله } أي ذلك الجلاء والعذاب بسبب ~~أنهم خالفوا الله وعادوه وعصوا أمره، وارتكبوا ما ارتكبوا من جرائم، ~~ونقض للعهود في حق رسوله { ومن يشآق الله فإن الله ~~شديد العقاب } أي ومن يخالف أمر الله، ويعاد دينه فالله ينتقم ~~منه لأن عذابه شديد، وعقابه أليم # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102].. ثم أخبر تعالى أن كل ما جرى من المؤمنين من قطع النخيل، ~~وإحراق بعض الأشجار المثمرة، فإنما كان بأمر الله وإرادته فقال { ما ~~قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة على ~~أصولها فبإذن الله } أي ما قطعتم أيها المؤمنون من شجرة ~~نخيل، أو تركتموها كما كانت قائمة على سوقها فبأمر الله وإرادته ورضاه { ~~وليخزي الفاسقين } أي وليغيظ اليهود ويذلهم، بقطع أشجارهم ~~ونخيلهم قال الرازي: المعنى إنما أذن تعالى في ذلك حتى يزداد غيظ ~~الكفار، وتتضاعف حسرتهم، بسبب نفاذ حكم أعدائهم في أعز أموالهم قال ~~المفسرون: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، كان بعض ~~الصحابة قد شرع يقطع ويحرق في نخيلهم، إهانة لهم وإرعابا لقلوبهم، ~~فقالوا: ما هذا الإفساد يا محمد؟ إنك كنت تنهى عن الفساد، فما بالك ~~تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة { ومآ أفآء ~~الله على رسوله منهم } أي وما أعاد الله ورده غنيمة على ~~رسوله من أموال يهود بني النضير { فمآ أوجفتم عليه من ~~خيل ولا ركاب } أي لم تسيروا إليه خيلكم ولا ركابكم، ولا ~~تعبتم في تحصيله قال القرطبي: يقال: وجف البعير وجيفا إذا أسرع السير، ~~وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع، والركاب: ما يركب من الإبل، ~~والمعنى: لم تقطعوا إليها شقة، ولا لقيتم ms1586 بها حربا ولا مشقة، وإنما ~~كانت من المدينة على ميلين، فافتتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلحا، وأجلاهم عنها وأخذ أموالهم، فجعلها الله لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم خاصة يضعها حيث شاء { ولكن الله يسلط رسله ~~على من يشآء } أي ولكنه تعالى من سنته أن ينصر رسله بقذف الرعب في ~~قلوب أعدائه، من غير أن يقاسوا شدائد الحروب { والله على كل ~~شيء قدير } أي هو تعالى قادر على كل شيء، لا يغالب ولا يمانع ~~ولا يعجزه شيء. # . ثم بين تعالى حكم الفيء عامة - وهو ما يغنمه المسلمون بدون حرب - ~~فقال { مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى } ~~أي ما جعله الله غنيمة لرسوله بدون قتال من أموال الكفار قال ابن عباس: ~~هي قريظة، والنضير، وفدك، وخيبر { فلله وللرسول } أي فحكمها ~~أنها لله تعالى يضعها حيث يشاء، ولرسوله يصرفها على نفسه وعلى مصالح ~~المسلمين { ولذي القربى واليتامى والمساكين } أي ~~ولأقرباء الرسول من بني هاشم وعبد المطلب، ولليتامى الذين مات آباؤهم، ~~وللمساكين ذوي الحاجة والفقر { وابن السبيل } أي وللغريب المنقطع ~~في سفره قال في التسهيل: لا تعارض بين هذه الآية وبين آية الأنفال، فإن ~~آية الأنفال في حكم الغنيمة التي تؤخذ بالقتال وإيجاف الخيل والركاب، ~~فتلك يؤخذ منها الخمس ويقسم الباقي على الغانمين، وأما هذه ففي " حكم ~~الفيء " وهو ما يؤخذ من الكفار من غير قتال فلا تعارض بينهما ولا نسخ، ~~وقد قرر الفقهاء الفرق بين الغنيمة والفيء، وأن حكمهما مختلف، فالغنيمة ~~ما أخذت بالقتال، والفيء ما أخذ صلحا، وانظر كيف ذكر هنا لفظ الفيء # مآ أفآء الله على رسوله } وذكر في الأنفال لفظ الغنيمة { ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء # [الأنفال: 41]!! { كي لا يكون دولة بين الأغنيآء ~~منكم } أي لئلا ينتفع بهذا المال ويستأثر به الأغنياء دون الفقراء، مع ~~شدة حاجة الفقراء للمال قال القرطبي: أي فعلنا ذلك كيلا يتقاسمه الرؤساء ~~والأغنياء بينهم دون الفقراء والضعفاء، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا ~~غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه - وهو المرباع - ثم يصطفي ms1587 منها أيضا ما ~~يشاء قال المفسرون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني ~~النضير على المهاجرين فإنهم كانوا حينئذ فقراء، ولم يعط الأنصار منها ~~شيئا فإنهم كانوا أغنياء، فقال بعض الأنصار: لنا سهمنا من هذا الفيء ~~فأنزل الله هذه الآية { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا } أي ما أمركم به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فافعلوه، وما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بكل خير وصلاح، ~~وينهى عن كل شر وفساد قال المفسرون: والآية وإن نزلت في أموال الفيء، ~~إلا أنها عامة في كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه من ~~واجب، أو مندوب، أو مستحب، أو محرم، فيدخل فيها الفيء وغيره، عن ابن ~~مسعود أنه قال: " لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، ~~والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله " فبلغ ذل امرأة من بني أسد ~~يقال لها " أم يعقوب " - وكانت تقرأ القرآن - فأتته فقالت: ما حديث ~~بلغني عنك أنك قلت كذا وكذا!! وذكرته له، فقال ابن مسعود: وما لي لا ~~ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى؟ ~~فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته! فقال: إن كنت ~~قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت قول الله عز وجل { ومآ آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }؟ { ~~واتقوا الله } أي خافوا ربكم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه { ~~إن الله شديد العقاب } أي فإن عقابه أليم وعذابه شديد، لمن ~~عصاه وخالف ما أمره به { للفقرآء المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من ~~الله ورضوانا } هذا متعلق بما سبق من حكم الفيء كأنه يقول: ~~الفيء والغنائم لهؤلاء الفقراء المهاجرين الذين ألجأهم كفار مكة إلى ~~الهجرة من أوطانهم، فتركوا الديار والأموال، ابتغاء مرضاة الله ورضوانه { ~~وينصرون الله ورسوله } أي قاصدين بالهجرة إعلاء كلمة الله ~~ونصرة دينه { أولئك هم الصادقون } أي هؤلاء الموصوفون ~~بالصفات الحميدة هم الصادقون في إيمانهم قال قتادة: هؤلاء المهاجرون ~~الذين تركوا الديار والأموال، والأهلين ms1588 والأوطان، حبا لله ورسوله، حتى ~~إن الرجل منهم كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع. # . ثم مدح تعالى الأنصار وبين فضلهم وشرفهم فقال { والذين ~~تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم } أي والذين اتخذوا ~~المدينة منزلا وسكنا وآمنوا قبل كثير من المهاجرين وهم الأنصار قال ~~القرطبي: أي تبوءوا الدار من قبل المهاجرين، واعتقدوا الإيمان وأخلصوه، ~~والتبوء: التمكن والاستقرار، وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، ~~بل أراد آمنوا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم { يحبون ~~من هاجر إليهم } أي يحبون إخوانهم المهاجرين ويواسونهم ~~بأموالهم قال الخازن: وذلك أنهم أنزلوا المهاجرين في منازلهم، وأشركوهم ~~في أموالهم { ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا ~~} أي ولا يجد الأنصار حزازة وغيظا وحسدا مما أعطي المهاجرون من ~~الغنيمة دونهم قال المفسرون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال ~~بني النضير بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة منهم، ~~فطابت أنفس الأنصار بتلك القسمة { ويؤثرون على أنفسهم ~~ولو كان بهم خصاصة } أي يفضلون غيرهم بالمال على أنفسهم ولو ~~كانوا في غاية الحاجة والفاقة إليه، فإيثارهم ليس عن غنى عن المال، ~~ولكنه عن حاجة وفقر، وذلك غاية الإيثار { ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون } أي ومن حماه الله وسلم من البخل ~~فقد أفلح ونجح، والشح هو البخل الشديد مع الجشع والطمع، وهو غريزة في ~~النفس ولذلك أضيف إليها، قال ابن عمر: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، ~~إنما الشح أن تطمع عينه فيما ليس له وفي الحديث # " واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم علىأن سفكوا دماءهم، ~~واستحلوا محارمهم " # { والذين جآءوا من بعدهم } هذا هو الصنف الثالث من ~~المؤمنين المستحقين للإحسان والفضل، وهم التابعون لهم بإحسان إلى يوم ~~القيامة { يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان } أي يدعون لهم قائلين: يا ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا المؤمنين الذين سبقونا بالإيمان قال أبو السعود: وصفوهم ~~بالسبق بالإيمان اعترافا بفضلهم، لأن أخوة الدين عندهم أعز وأشرف من ~~النسب { ولا ms1589 تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا } أي ~~ولا تجعل في قلوبنا بغضا وحسدا لأحد من المؤمنين { ربنآ إنك ~~رءوف رحيم } أي مبالغ في الرأفة والرحمة فاستجب دعاءنا، قال ابن ~~كثير: وما أحسن ما استنبط الإمام مالك من هذه الآية الكريمة أن الرافضي ~~الذي يسب الصحابة ليس له في مال الغنيمة شيء لعدم اتصافه بأوصاف ~~المؤمنين، وقال شيخ زاده: بين تعالى أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين ~~والأنصار أن يذكر السابقين بالرحمة والدعاء، فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم ~~بسوء فقد كان خارجا عن جملة أقسام المؤمنين بمقتضى هذه الآيات، وقد روي ~~عن الشعبي أنه قال: تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت ~~اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا أصحاب موسى وسئلت النصارى فقالوا: ~~أصحاب عيسى، وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى ~~يوم القيامة.. اللهم ارزقنا محبة أصحاب نبيك الكريم. ### || [59.11-24] # المناسبة: لما ذكر تعالى أوصاف المؤمنين الصادقين، أعقبه بذكر أوصاف ~~المنافقين المخادعين، الذين تركوا نصرة المؤمنين وصادقوا اليهود وحالفوهم ~~على حرب المسلمين، ثم ذكر البون الشاسع بين أصحاب النار وأصحاب الجنة، ~~وأنهم لا يستوون في الحال ولا المآل، وختم السورة الكريمة بذكر بعض أسماء ~~الله الحسنى، وصفاته العليا. # اللغة: { شتى } متفرقة تشتت جمعهم أي تفرق { خاشعا } ذليلا ~~خاضعا { متصدعا } متشققا تصدع البنيان أي تشقق { القدوس ~~} المنزه عن كل نقص وعيب { المؤمن } المصدق لرسله بالمعجزات { ~~المهيمن } الرقيب على كل شيء { العزيز } القوي الغالب { ~~الجبار } العظيم القاهر، صاحب العظمة والجبروت { المتكبر } ~~المبالغ في الكبرياء والعظمة { البارىء } المبدع المخترع { ~~المصور } خالق الصور. # التفسير: { ألم تر إلى الذين نافقوا } تعجيب من الله ~~تعالى لرسوله من حال المنافقين أي ألا تعجب يا محمد من شأن هؤلاء ~~المنافقين الذين أظهروا خلاف ما أضمروا؟ { يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب } أي يقولون ليهود بني قريظة ~~والنضير الذين كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم { لئن ~~أخرجتم لنخرجن معكم } أي ms1590 لئن أخرجتم من المدينة ~~لنخرجن معكم منها قال في التسهيل: نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول ~~وقوم من المنافقين، بعثوا إلى بني النضير وقالوا لهم: اثبتوا في حصونكم ~~فإنا معكم كيف ما تقلبت حالكم، وإنما جعل المنافقين إخوانهم لأنهم ~~كفار مثلهم { ولا نطيع فيكم أحدا أبدا } أي ولا نطيع أمر ~~محمد في قتالكم، ولا نسمع من أحد إذا أمرنا بخذلانكم { وإن ~~قوتلتم لننصرنكم } أي ولئن قاتلكم أحد لنعاوننكم على عدوكم ~~ونكون بجانبكم { والله يشهد إنهم لكاذبون } أي والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما قالوه ووعدوهم به.. ثم أخبر الله عن حال ~~المنافقين بالتفصيل فقال { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ~~} أي لئن أخرج اليهود لا يخرج المنافقون معهم { ولئن قوتلوا لا ~~ينصرونهم } أي ولئن قوتل اليهود لا ينصرهم المنافقون ولا يقاتلون ~~معهم قال القرطبي: وفي هذا دليل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~من جهة أمر الغيب، لأنهم أخرجوا فلم يخرجوا معهم، وقوتلوا فلم ينصروهم ~~كما أخبر عنه القرآن { ولئن نصروهم ليولن الأدبار ~~ثم لا ينصرون } أي ولئن جاءوا لنصرتهم وقاتلوا معهم - على سبيل ~~الفرض والتقدير - فسوف ينهزمون، ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين قال الإمام ~~الفخر: أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود لئن أخرجوا فإن المنافقين لا يخرجون ~~معهم - وقد كان الأمر كذلك، فإن بني النضير لما أخرجوا لم يخرج معهم ~~المنافقون وقوتلوا كذلك فما نصروهم - وأما قوله تعالى { ولئن ~~نصروهم } فهذا على سبيل الفرض والتقدير أي بتقدير أنهم أرادوا ~~نصرتهم لا بد وأن يتركوا تلك النصرة وينهزموا { لأنتم أشد ~~رهبة في صدورهم من الله } أي لأنتم يا معشر المسلمين ~~أشد خوفا وخشية في قلوب المنافقين من الله، فإنهم يرهبون ويخافون ~~منكم أشد من رهبتهم من الله { ذلك بأنهم قوم لا ~~يفقهون } أي ذلك الخوف منكم بسبب أنهم لا يعلمون عظمة الله تعالى ~~حتى يخشوه حق خشيته قال القرطبي: أي لا يفقهون قدر عظمة الله وقدرته. # . ثم أخبر تعالى عن اليهود والمنافقين بأنهم جبناء من شدة الهلع، وأنهم ms1591 ~~لا يقدرون على قتال المسلمين إلا إذا كانوا متحصنين في قلاعهم ~~وحصونهم فقال { لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى ~~محصنة } أي لا يقدرون على مقاتلتكم مجتمعين إلا إذا كانوا في ~~قرى محصنة بالأسوار والخنادق { أو من ورآء جدر } أي أو يكونوا ~~من وراء الحيطان ليتستروا بها، لفرط جبنهم وهلعهم { بأسهم ~~بينهم شديد } أي عداوتهم فيما بينهم شديدة { تحسبهم ~~جميعا وقلوبهم شتى } أي تظنهم مجتمعين على أمر ورأي - في ~~الصورة - ذوي ألفة واتحاد، وهم مختلفون غاية الاختلاف لأن آراءهم ~~مختلفة، وقلوبهم متفرقة قال قتادة: أهل الباطل مختلفة آراؤهم، مختلفة ~~أهواؤهم، مختلفة شهادتهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق { ذلك ~~بأنهم قوم لا يعقلون } أي ذلك التفرق والتشتت بسبب أنهم ~~لا عقل لهم يعقلون به أمر الله قال في البحر: وموجب ذلك التفرق والشتات ~~هو انتفاء عقولهم، فهم كالبهائم لا تتفق على حالة { كمثل الذين ~~من قبلهم قريبا } أي صفة بني النضير فيما وقع لهم من الجلاء ~~والذل، كصفة كفار مكة فيما وقع لهم يوم بدر من الهزيمة والأسر قال ~~البيضاوي: أي مثل اليهود كمثل أهل بدر، أو المهلكين من الأمم الماضية في ~~زمان قريب { ذاقوا وبال أمرهم } أي ذاقوا سوء عاقبة إجرامهم ~~في الدنيا { ولهم عذاب أليم } أي ولهم عذاب شديد موجع في ~~الآخرة { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر } أي مثل ~~المنافقين في إغراء اليهود على القتال، كمثل الشيطان الذي أغرى الإنسان ~~بالكفر ثم تخلى عنه وخذله { فلما كفر قال إني بريء ~~منك } أي فلما كفر الإنسان تبرأ منه الشيطان وقال { إني أخاف ~~الله رب العالمين } أي أخاف عذاب الله وانتقامه إن كفرت به ~~قال في التسهيل: هذا مثل، مثل الله للمنافقين - الذين أغووا يهود بني ~~النضير ثم خذلوهم بعد ذلك - بالشيطان الذي يغوي ابن آدم ثم يتبرأ منه، ~~والمراد بالشيطان والإنسان هنا الجنس، وقول الشيطان { إني أخاف ~~الله } كذب منه ورياء لأنه لو خاف الله لامتثل أمره وما عصاه { ~~فكان عاقبتهمآ أنهما في النار خالدين فيها } أي ~~فكان عاقبة ms1592 المنافقين واليهود، مثل عاقبة الشيطان والإنسان، حيث صارا ~~إلى النار المؤبدة { وذلك جزآء الظالمين } أي وذلك عقاب كل ~~ظالم فاجر، منتهك لحرمات الله والدين. # . ولما ذكر صفات كل من المنافقين واليهود وضرب لهم الأمثال، وعظ ~~المؤمنين بموعظة حسنة، تحذيرا من أن يكونوا مثل من تقدم ذكرهم فقال { ~~يأيها الذين آمنوا اتقوا الله } أي خافوا الله ~~واحذروا عقابه، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه { ولتنظر نفس ~~ما قدمت لغد } أي ولتنظر كل نفس ما قدمت من الأعمال ~~الصالحة ليوم القيامة قال ابن كثير: انظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من ~~الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم، وسمي يوم القيامة غدا ~~لقرب مجيئه # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر # [النحل: 77] والتنكير فيه للتفخيم والتهويل { واتقوا } كرره ~~للتأكيد ولبيان منزلة التقوى التي هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين # ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم أن اتقوا الله # [النساء: 131] { إن الله خبير بما تعملون } أي مطلع على ~~أعمالكم فيجازيكم عليها { ولا تكونوا كالذين نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم } أي ولا تكونوا يا معشر المؤمنين كالذين تركوا ~~ذكر الله ومراقبته وطاعته، فأنساهم حقوق أنفسهم والنظر لها بما يصلحها ~~قال أبو حيان: وهذا من المجازاة على الذنب بالذنب، تركوا عبادة الله ~~وامتثال أوامره، فعوقبوا على ذلك بأن أنساهم حظ أنفسهم، حتى لم يقدموا ~~له خيرا ينفعها { أولئك هم الفاسقون } أي أولئك هم الفجرة ~~الخارجون عن طاعة الله { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة } أي لا يتساوى يوم القيامة الأشقياء والسعداء، أهل النار ~~وأهل الجنة في الفضل والرتبة { أصحاب الجنة هم الفآئزون ~~} أي أصحاب الجنة هم الفائزون بالسعادة الأبدية في دار النعيم، وذلك هو ~~الفوز العظيم.. ثم ذكر تعالى روعة القرآن، وتأثيره على الصم الراسيات ~~من الجبال فقال { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } أي لو ~~خلقنا في الجبل عقلا وتمييزا كما خلقنا للإنسان، وأنزلنا عليه هذا ~~القرآن، بوعده ووعيده، لخشع وخضع وتشقق، خوفا من الله تعالى، ومهابة له ~~وهذا تصوير لعظمة قدر ms1593 القرآن، وقوة تأثيره، وأنه بحيث لو خوطب به جبل - ~~على شدته وصلابته - لرأيته ذليلا متصدعا من خشية الله، والمراد منه ~~توبيخ الإنسان بأنه لا يتخشع عند تلاوة القرآن، بل يعرض عما فيه من ~~عجائب وعظائم، فهذه الآية في بيان عظمة القرآن، ودناءة حال الإنسان وقال ~~في البحر: والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وعدم تأثره بهذا الذي ~~لو أنزل على الجبل لتخشع وتصدع، وإذا كان الجبل على عظمته وتصلبه ~~يعرض له الخشوع والتصدع، فابن آدم كان أولى بذلك، لكنه على حقارته وضعفه ~~لا يتأثر { وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم ~~يتفكرون } أي وتلك الأمثال نفصلها ونوضحها للناس لعلهم يتفكرون ~~في آثار قدرة الله ووحدانتيه فيؤمنون.. ثم لما وصف القرآن بالرفعة ~~والعظمة، أتبعه بشرح عظمة الله وجلاله فقال { هو الله الذي لا ~~إله إلا هو } أي هو جل وعلا الإله المعبود بحق لا إله ولا ~~رب سواه { عالم الغيب والشهادة } أي عالم السر والعلن، يعلم ~~ما غاب عن العباد مما لم يبصروه، وما شاهدوه وعلموه { هو الرحمن ~~الرحيم } أي هو تعالى ذو الرحمة الواسعة في الدنيا والآخرة { هو ~~الله الذي لا إله إلا هو } كرر اللفظ اعتناء بأمر ~~التوحيد أي لا معبود ولا رب سواه { الملك } أي المالك لجميع ~~المخلوقات، المتصرف في خلقه بالأمر والنهي، والإيجاد والإعدام { ~~القدوس } أي المنزه عن القبائح وصفات الحوادث قال في التسهيل: ~~القدوس مشتق من التقديس وهو التنزه عن صفات المخلوقين، وعن كل نقص ~~وعيب، والصيغة للمبالغة كالسبوح، وقد ورد أن الملائكة تقول في تسبيحها: ~~" سبوح قدوس، رب الملائكة والروح " { السلام } أي الذي سلم ~~الخلق من عقابه، وأمنوا من جوره # ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49] وقال البيضاوي: أي ذو السلامة من كل نقص وآفة، وهو مصدر وصف ~~به للمبالغة { المؤمن } أي المصدق لرسله بإظهار المعجزات على ~~أيديهم { المهيمن } أي الرقيب الحافظ لكل شيء وقال ابن عباس: ~~الشهيد على عباده بأعمالهم الذي لا يغيب عنه شيء { العزيز } أي ~~القادر القاهر الذي لا يغلب ولا يناله ذل { الجبار } أي ms1594 القهار ~~العالي الجناب الذي يذل له من دونه قال ابن عباس: هو العظيم الذي إذا ~~أراد أمرا فعله، وجبروت الله عظمته { المتكبر } أي الذي له ~~الكبرياء حقا ولا تليق إلا به وفي الحديث القدسي # " العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته ولا أبالي " # قال الإمام الفخر: واعلم أن المتكبر في صفة الناس صفة ذم، لأن المتكبر ~~هو الذي يظهر من نفسه الكبر، وذلك نقص في حق الخلق، لأنه ليس له كبر ~~ولا علو، بل ليس له إلا الذلة والمسكنة، فإذا أظهر العلو كان كاذبا ~~فكان مذموما في حق الناس، وأما الحق سبحانه فله جميع أنواع العلو ~~والكبرياء، فإذا أظهره فقد أرشد العباد إلى تعريف جلاله وعظمته وعلوه، ~~فكان ذلك في غاية المدح في حقه جل وعلا، ولهذا قال في آخر الآية { ~~سبحان الله عما يشركون } أي تنزه الله وتقدس في جلاله ~~وعظمته، عما يلحقون به من الشركاء والأنداد { هو الله الخالق ~~البارىء } أي هو جل وعلا الإله الخالق لجميع الأشياء، الموجد لها من ~~العدم، المنشىء لها بطريق الاختراع { المصور } أي المبدع للأشكال ~~على حسب إرادته # هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء # [آل عمران: 6] قال الخازن: أي الذي يخلق صورة الخلق على ما يريده { له ~~الأسمآء الحسنى } أي له الأسماء الرفيعة الدالة على محاسن ~~المعاني { يسبح له ما في السموت والأرض } أي ينزهه ~~تعالى عن صفات العجز والنقص جميع ما في الكون بلسان الحال أو المقال قال ~~الصاوي: ختم السورة بالتسبيح كما ابتدأها به إشارة إلى أنها المقصود ~~الأعظم، والمبدأ والنهاية، وأن غاية المعرفة بالله تنزيه عظمته عما صورته ~~العقول { وهو العزيز الحكيم } أي العزيز في ملكه، الحكيم في ~~خلقه وصنعه. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- طباق السلب # ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم ~~حصونهم من الله # [الحشر: 2]. # 2- المقابلة اللطيفة بين # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # [الحشر: 7] وبين # وما نهاكم عنه فانتهوا # [الحشر: 7]. # 3- وضع الضمير بين المبتدأ والخبر لإفادة الحصر # أولئك هم الصادقون ms1595 # [الحشر: 8]. # 4- الاستعارة اللطيفة # تبوءوا الدار والإيمان # [الحشر: 9] شبه الإيمان المتمكن في نفوسهم، بمنزل ومستقر للإنسان ~~نزل فيه وتمكن منه حتى صار منزلا له، وهو ومن لطيف الاستعارة. # 5- الاستفهام الذي يراد به الإنكار والتعجيب { ألم تر إلى ~~الذين نافقوا.. } الآية. # 6- الطباق بين جميعا وشتى في قولهم { تحسبهم جميعا ~~وقلوبهم شتى }. # 7- التشبيه التمثيلي { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان ~~اكفر.. } وجه الشبه منتزع من متعدد. # 8- الكناية اللطيفة { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } كنى ~~عن القيامة بالغد لقربها. # 9- الطباق بين { الغيب.. والشهادة } وبين { الجنة.. ~~والنار } الخ. # لطيفة: أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إني ~~مجهود - أي اشتد بي الجوع والفاقة - فأرسل إلى بعض نسائه يسألها هل عندك ~~شيء؟ فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء، ثم أرسل إلى أخرى ~~فقال مثل ذلك، وقلن كلهن مثل ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ~~يضيفه هذه الليلة يرحمه الله؟ فقام رجل من الأنصار يقال له " أبو طلحة " ~~فقال أنا يا رسول الله!! فانطلق به إلى رحله - أي إلى منزله - فقال ~~لها: هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخري عنه شيئا وأكرميه، ~~فقالت: ما عندي إلا قوت الصبيان، فقال علليهم بشيء ونوميهم، فإذا ~~دخل ضيفنا فأريه أنا نأكل ثم قومي إلى السراج كي تصلحيه فأطفئيه، ففعلت ~~فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم، ثم قال: ~~لقد عجب الله من صنيعكما الليلة بصاحبكما وأنزل الله { ويؤثرون ~~على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. } " # الآية. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1-13] # اللغة: { أوليآء } أصدقاء وأحباء جمع ولي وهو الصديق والناصر ~~والمعين { يثقفوكم } يظفروا بكم ويتمكنوا منكم، وأصل الثقف الحذق ~~في إدراك الشيء وفعله، ومنه قولهم " رجل ثقف لقف " ثم استعمل في الظفر ~~والإدراك مطلقا { أسوة } قدوة يقتدى به { أرحامكم } جمع رحم ~~وهو ms1596 في الأصل رحم المرأة، واشتهر في القرابة حتى صار كالحقيقة فيها { ~~ظاهروا } أعانوا { عصم } جمع عصمة وهي ما يعتصم ويتمسك به ~~الإنسان من حبل أو عقد والمراد به هنا عقد النكاح { الكوافر } جمع ~~كافرة وهي التي لا تؤمن بالله. # سبب النزول: # " لما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتح مكة، كتب " حاطب بن أبي ~~بلتعة " إلى أهل مكة يخبرهم بذلك وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يريد أن يغزوكم فخذوا حذركم، ثم أرسل الكتاب مع ظعينة أي امرأة ~~مسافرة - فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، فبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، والزبير، والمقداد وقال: " انطلقوا ~~حتى تأتوا " روضة خاخ " فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فأتوني به " ~~فخرجنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا لها أخرجي الكتاب، ~~فقالت: ما معي من كتاب، فقال لها: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب ~~فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من ~~حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا حاطب؟ ~~فقال يا رسول الله: لا تعجل علي إني كنت أمرءا ملصقا في قريش ولم ~~أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهلهم ~~وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ يدا يحمون ~~بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا وارتدادا عن ديني، فقال عمر، دعني يا ~~رسول الله أضرب عنق هذا المنافق!! فقال عليه الصلاة والسلام: إنه شهد ~~بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد ~~غفرت لكم! فنزلت { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أوليآء.. } " # الآية. # التفسير: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أوليآء } أي يا معشر المؤمنين، يا من صدقتم بالله ~~ورسوله، لا تتخذوا الكفار الذين هم أعدائي وأعداؤكم أصدقاء ms1597 وأحباء، ~~فإن من علامة الإيمان بغض أعداء الله لا مودتهم وصداقتهم قال في ~~التسهيل: نزلت عتابا لحاطب وزجرا عن أن يفعل أحد مثل فعله، وفيها مع ~~ذلك تشريف له لأن الله شهد له بالإيمان في قوله { يأيها الذين ~~آمنوا } { تلقون إليهم بالمودة } أي تحبونهم ~~وتودونهم وتصادقونهم مع أنهم أعداء ألداء لكم قال القرطبي: أي تخبرونهم ~~بسرائر المسلمين وتنصحون لهم { وقد كفروا بما جآءكم من ~~الحق } أي والحال أنهم كافرون بدينكم وبقرآنكم الذي أنزله الله عليكم ~~بالحق الواضح { يخرجون الرسول وإياكم } أي يخرجون محمدا ~~من مكة ظلما وعدوانا كما يخرجون أيضا منها المؤمنين قال في البحر: ~~وقدم الرسول تشريفا له ولأنه الأصل للمؤمنين، ومعنى إخراجهم أنهم ~~ضيقوا عليهم وآذوهم حتى خرجوا منها مهاجرين إلى المدينة { أن ~~تؤمنوا بالله ربكم } أي من أجل أنكم آمنتم بالله الواحد ~~الأحد كقوله # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد # [البروج: 8] { إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي ~~وابتغآء مرضاتي } شرط حذف جوابه أي إن كنتم خرجتم مجاهدين في ~~سبيل الله طلبا لرضوانه فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء قال الألوسي: ~~وجواب الشرط محذوف دل عليه ما تقدم كأنه قيل: لا تتخذوا أعدائي إن ~~كنتم أوليائي { تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم ~~بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم } أي تسرون إليهم بالنصيحة وأنا ~~العالم بسريرتكم وعلانيتكم، لا يخفى علي شيء من أحوالكم؟ والغرض منه ~~التوبيخ والعتاب { ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء ~~السبيل } أي ومن يصادق أعداء الله، ويفش أسرار الرسول، فقد حاد عن ~~طريق الحق والصواب.. ثم أخبر تعالى المؤمنين بعداوة الكفار الشديدة لهم، ~~المستحكمة في قلوبهم فقال { إن يثقفوكم يكونوا لكم ~~أعدآء } أي إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم، يظهروا ما في قلوبهم من ~~العداوة الشديدة لكم { ويبسطوا إليكم أيديهم ~~وألسنتهم بالسوء } أي يمدوا إليكم أيديهم بالضرب والقتل، ~~وألسنتهم بالشتم والسب { وودوا لو تكفرون } أي وقد تمنوا ~~أن تكفروا لتكونوا مثلهم قال الزمخشري: وإنما أورده بذكر الماضي { ~~وودوا } بعد أن ذكر جواب الشرط بلفظ المضارع { لو تكفرون } ~~لأنهم ms1598 أرادوا كفرهم قبل كل شيء كقوله تعالى # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء # [النساء: 89] { لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم } أي ~~لن تفيدكم قراباتكم ولا أولادكم الذين توالون الكفار من أجلهم يوم ~~القيامة شيئا، فلن يجلبوا لكم نفعا، ولن يدفعوا عنكم ضرا قال ~~الصاوي: هذا تخطئة لحاطب في رأيه كأنه قال: لا تحملكم قراباتكم وأولادكم ~~الذين بمكة، على خيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ونقل ~~أخبارهم وموالاة أعدائهم، فإنه لا تنفعكم الأرحام ولا الأولاد الذين ~~عصيتم الله من أجلهم { يوم القيامة يفصل بينكم } أي في ~~ذلك اليوم العصيب، يحكم الله بين المؤمنين والكافرين، فيدخل المؤمنين ~~جنات النعيم، ويدخل المجرمين دركات الجحيم { والله بما تعملون ~~بصير } أي مطلع على جميع أعمالكم فيجازيكم عليها { قد كانت ~~لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه } أي قد ~~كان لكم يا معشر المؤمنين قدوة حسنة في الخليل إبراهيم ومن معه من ~~المؤمنين { إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ~~ومما تعبدون من دون الله } أي حين قالوا للكفار إننا ~~متبرءون منكم ومن الأصنام التي تعبدونها من دون الله { كفرنا بكم ~~} أي كفرنا بدينكم وطريقتكم { وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضآء أبدا } أي وظهرت بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء إلى الأبد ما دمتم على هذه الحالة { حتى تؤمنوا ~~بالله وحده } أي إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده، وتتركوا ما ~~أنتم عليه من الشرك والأوثان قال المفسرون: أمر الله المؤمنين أن يقتدوا ~~بإبراهيم الخليل عليه السلام وبالذين معه في عداوة المشركين والتبرؤ ~~منهم، لأن الإيمان يقتضي مقاطعة أعداء الله وبغضهم { إلا قول ~~إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك } أي إلا في استغفار ~~إبراهيم لأبيه فلا تقتدوا به، فإنه إنما استغفر لأبيه المشرك رجاء ~~إسلامة # فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه # [التوبة: 114] { ومآ أملك لك من الله من شيء } هذا من ~~تتمة كلام إبراهيم لأبيه أي ما أدفع عنك من عذاب الله شيئا إن أشركت به، ~~ولا أملك لك شيئا غير الاستغفار { ربنا عليك توكلنا } أي ~~عليك اعتمدنا في ms1599 جميع أمورنا { وإليك أنبنا } أي وإليك رجعنا ~~وتبنا { وإليك المصير } أي وإليك المرجع والمعاد في الدار ~~الآخرة قال المفسرون: إن إبراهيم وعد أباه بالاستغفار كما في سورة مريم ~~قال: # سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا # [مريم: 47] واستغفر له بالقول فعلا كما في سورة الشعراء # واغفر لأبي إنه كان من الضآلين # [الآية: 86] وكل هذا كان رجاء إسلامه، ثم رجع عن ذلك لما تيقن ~~كفره كما في سورة التوبة # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه # [التوبة: 114] { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين ~~كفروا } أي لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن ديننا بعذاب لا نطيقه وقال ~~مجاهد: أي لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء ~~على الحق لما أصابهم ذلك { واغفر لنا } أي اغفر لنا ما فرط من ~~الذنوب { ربنآ إنك أنت العزيز الحكيم } أي أنت يا الله ~~الغالب الذي لا يذل من التجأ إليه، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما فيه ~~الخير والمصلحة، وتكرار النداء للمبالغة في التضرع والجؤار. { لقد ~~كان لكم فيهم أسوة حسنة } أي لقد كان لكم في إبراهيم ~~ومن معه من المؤمنين قدوة حسنة في التبرؤ من الكفار قال أبو السعود: ~~والتكرير للمبالغة في الحث على الاقتداء به عليه السلام ولذلك صدر ~~بالقسم { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } أي لمن كان ~~يرجو ثواب الله تعالى، ويخاف عقابه في الآخرة { ومن يتول فإن ~~الله هو الغني الحميد } أي ومن يعرض عن الإيمان وطاعة ~~الرحمن، فإن الله مستغن عن أمثاله وعن الخلق أجمعين، وهو المحمود في ~~ذاته وصفاته { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين ~~عاديتم منهم مودة } أي لعل الله جل وعلا يجعل بينكم وبين ~~الذين عاديتموهم من أقاربكم المشركين محبة ومودة، محبة بعد البغضاء، ~~وألفة بعد الشحناء قال في التسهيل: لما أمر الله المسلمين بعداوة الكفار ~~ومقاطعتهم، على ما كان بينهم وبين الكفار من القرابة والمودة، وعلم الله ~~صدقهم آنسهم بهذه الآية، ووعدهم ms1600 بأن يجعل بينهم مودة أي محبة، وهذه ~~المودة كملت في فتح مكة فإنه أسلم حينئذ سائر قريش، وجمع الله الشمل ~~بعد التفرق وقال الرازي: وعسى وعد من الله تعالى وقد حقق تعالى ما وعدهم ~~به من اجتماع كفار مكة بالمسلمين، ومخالطتهم لهم حين فتح مكة { والله ~~قدير } أي قادر لا يعجزه شيء، يقدر على تقليب القلوب وتغيير الأحوال { ~~والله غفور رحيم } أي مبالغ في المغفرة والرحمة، لمن تاب ~~إليه وأناب { لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم } أي لا ينهاكم عن البر بهؤلاء الذين لم يحاربوكم لأجل ~~دينكم، ولم يخرجوكم من أوطانكم كالنساء والصبيان، ولفظة { أن ~~تبروهم } في موضع جر ب " عن " أي لا ينهاكم جل وعلا عن البر ~~والإحسان لهؤلاء { وتقسطوا إليهم } أي تعدلوا معهم { إن ~~الله يحب المقسطين } أي يحب العادلين في جميع أمورهم ~~وأحكامهم قال ابن عباس: نزلت في خزاعة، وذلك أنهم صالحوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على ألا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا، فرخص الله في ~~برهم والإحسان إليهم. # . وروي # " عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: قدمت أمي - وهي مشركة - في عهد قريش ~~حين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - تعني في صلح الحديبية - ~~فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: إن أمي قدمت ~~وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم صلي أمك " # ، فأنزل الله { لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين } الآية { إنما ينهاكم الله ~~عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ~~دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم } أي ~~إنما ينهاكم الله عن صداقة ومودة الذين ناصبوكم العداوة، وقاتلوكم لأجل ~~دينكم، وأعانوا أعداءكم على إخراجكم من دياركم، أن تتولوهم فتتخذوهم ~~أولياء وأنصارا وأحبابا { ومن يتولهم فأولئك هم ~~الظالمون } أي ومن يصادق أعداء الله ويجعلهم أنصارا وأحبابا، ~~فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب { يأيها الذين ~~آمنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ~~} أي اختبروهن لتعلموا صدق إيمانهن قال المفسرون: # " كان صلح ms1601 الحديبية الذي جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفار ~~مكة قد تضمن أن من أتى أهل مكة من المسلمين لم يرد إليهم، ومن أتى ~~المسلمين من أهل مكة - يعني المشركين - رد إليهم، فجاءت " أم كلثوم " ~~بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج ~~في أثرها أخواها " عمارة " و " الوليد " فقالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: ردها علينا بالشرط، فقال صلى الله عليه وسلم: كان الشرط في ~~الرجال لا في النساء " # ، فأنزل الله الآية، قال ابن عباس: كانت المرأة تستحلف أنها ما هاجرت ~~بغضا لزوجها، ولا طمعا في الدنيا، وأنها ما خرجت إلا حبا لله ورسوله، ~~ورغبة في دين الإسلام { الله أعلم بإيمانهن } أي الله ~~أعلم بصدقهن في دعوى الإيمان، لأنه تعالى المطلع على قلوبهن، والجملة ~~اعتراضية لبيان أن هذا الامتحان بالنسبة للمؤمنين، وإلا فالله عالم ~~بالسرائر لا تخفى عليه خافية { فإن علمتموهن مؤمنات ~~فلا ترجعوهن إلى الكفار } أي فإن تحققتم بإيمانهن بعد ~~امتحانهن فلا تردوهن إلى أزواجهن الكفار { لا هن حل لهم ~~ولا هم يحلون لهن } أي لا تحل المؤمنة للمشرك، ولا يحل ~~للمؤمن نكاح المشركة قال الألوسي: والتكرير للتأكيد والمبالغة في الحرمة ~~وقطع العلاقة بين المؤمنة والمشرك { وآتوهم مآ أنفقوا } أي ~~أعطوا أزواجهن الكفار ما أنفقوا عليهن من المهور قال في البحر: أمر أن ~~يعطى الزوج الكافر ما أنفق على زوجته إذا أسلمت، فلا يجمع عليه خسران ~~الزوجة والمالية { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ ~~آتيتموهن أجورهن } أي ولا حرج ولا إثم عليكم أن تتزوجوا ~~هؤلاء المهاجرات إذا دفعتم لهن مهورهن قال الخازن: أباح الله للمسلمين ~~نكاح المهاجرات من دار الحرب إلى دار الإسلام وإن كان لهن أزواج كفار ~~- لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكفار، وتقع الفرقة بانقضاء ~~عدتها { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } أي ولا تتمسكوا بعقود ~~زوجاتكم الكافرات، فليس بينكم وبينهن عصمة ولا علاقة زوجية قال القرطبي: ~~المراد بالعصمة هنا النكاح، يقول: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا ms1602 ~~يعتد بها فليست امرأته، فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين، { ~~واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا } أي ~~اطلبوا يا أيها المؤمنون ما أنفقتم من المهر إذا لحقت أزواجكم بالكفار، ~~وليطلبوا هم - أي المشركون - ما أنفقوا على أزواجهم المهاجرات قال ابن ~~العربي: كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار يقال للكفار: هاتوا ~~مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاءت إحدى الكافرات مسلمة مهاجرة: ردوا ~~إلى الكفار مهرها، وكان ذلك نصفا وعدلا بين الحالتين { ذلكم ~~حكم الله يحكم بينكم } أي ذلكم هو شرع الله وحكمه العادل ~~بينكم وبين أعدائكم { والله عليم حكيم } أي عليم بمصالح ~~العباد، حكيم في تشريعه لهم، يشرع ما تقتضيه الحكمة البالغة { وإن ~~فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار } أي وإن فرت ~~زوجة أحد من المسلمين ولحقت بالكفار { فعاقبتم } أي فغزوتم وغنمتم ~~وأصبتم من الكفار غنيمة { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ~~مثل مآ أنفقوا } أي فأعطوا لم فرت زوجته، مثل ما أنفق عليها ~~من المهر، من الغنيمة التي بأيديكم قال ابن عباس: يعني إن لحقت امرأة ~~رجل من المهاجرين بالكفار، أمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يعطى مثل ما أنفق من الغنيمة قال القرطبي: لما نزلت الآية السابقة { ~~واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا } قال ~~المسلمون: رضينا بما حكم الله، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا فنزلت هذه ~~الآية { واتقوا الله } أي وراقبوا الله في أقوالكم وأفعالكم، ~~واحذروا عذابه وانتقامه إن خالفتم أوامره { الذي أنتم به ~~مؤمنون } أي الذي آمنتم وصدقتم بوجوده، فإن من مستلزمات الإيمان ~~تقوى الرحمن. # . ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاء نساء أهل مكة يبايعنه ~~على الإسلام، كما بايعه الرجال فنزلت { يأيها النبي إذا ~~جآءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن ~~بالله شيئا } أي إذا جاء إليك النساء المؤمنات للبيعة ~~فبايعهن على هذه الأمور الستة الهامة، وفي مقدمتها عدم الإشراك ~~بالله جل وعلا { ولا يسرقن ولا يزنين } أي ولا يرتكبن ~~جريمة السرقة ولا جريمة الزنى، التي هي من أفحش الفواحش { ولا ~~يقتلن أولادهن } أي ms1603 ولا يئدن البنات كما كان يفعله أهل ~~الجاهلية خوف العار أو خشية الفقر، قال ابن كثير: وهذا يشمل قتله بعد ~~وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق أو العار، ~~ويعم قتله وهو جنين كما يفعله بعض النساء الجاهلات، تطرح نفسها لئلا ~~تحبل، إما لغرض فاسد أو ما أشبهه { ولا يأتين ببهتن ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن } أي لا تنسب إلى ~~زوجها ولدا لقيطا ليس منه تقول له: هذا ولدي منك قال المفسرون: كانت ~~المرأة إذا خافت مفارقة زوجها لها لعدم الحمل، التقطت ولدا ونسبته له ~~ليبقيها عنده، فالمراد بالآية اللقيط، وليس المراد الزنى لتقدمه في النهي ~~صريحا قال ابن عباس: لا تلحق بزوجها ولدا ليس منه، وقال الفراء: كانت ~~المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، وإنما قال { ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن } لأن الولد إذا ~~وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها { ولا يعصينك في معروف } ~~أي ولا يخالفن أمرك فيما أمرتهن به من معروف، أو نهيتهن عنه من منكر، ~~بل يسمعن ويطعن { فبايعهن واستغفر لهن الله } أي ~~فبايعهن يا محمد على ما تقدم من الشروط، واطلب لهن من الله الصفح ~~والغفران لما سلف من الذنوب { إن الله غفور رحيم } أي واسع ~~المغفرة عظيم الرحمة قال أبو حيان: # " كانت " بيعة النساء " في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا، بعدما فرغ من ~~بيعة الرجال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا وعمر أسفل ~~منه، يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه، وما مست يده عليه الصلاة والسلام يد ~~امرأة أجنبية قط، وقالت " أسماء بنت السكن ": كنت في النسوة ~~المبايعات، فقلت يا رسول الله: أبسط يدك نبايعك، فقال لي عليه الصلاة ~~والسلام: " إني لا أصافح النساء، لكن آخذ عليهن ما أخذ الله عليهن ~~" وكانت " هند بنت عتبة " - وهي التي شقت بطن حمزة يوم أحد - متنكرة في ~~النساء، فلما قرأ عليهن الآية { على أن لا يشركن بالله ~~شيئا ولا يسرقن } قالت وهي متنكرة يا رسول الله: إن أبا سفيان ~~رجل شحيح، وإني لأصيب ms1604 الهنة - أي القليل وبعض الشيء - من ماله، لا أدري ~~أيحل لي ذلك أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر ~~فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها: وإنك ~~لهند بنت عتبة؟ قالت نعم فاعف عما سلف يا نبي الله، عفا الله عنك، ~~فلما قرأ { ولا يزنين } قالت: أو تزني الحرة؟ فلما قرأ { ولا ~~يقتلن أولادهن } قالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا فأنتم ~~وهم أعلم - وكان ابنها حنظلة قد قتل يوم بدر - فضحك عمر حتى استلقى، ~~وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ { ولا يأتين ~~ببهتن يفترينه بين أيديهن وأرجلهن } قالت ~~هند: والله إن البهتان لأمر قبيح، ولا يأمر الله إلا بالرشد ومكارم ~~الأخلاق، فلما قرأ { ولا يعصينك في معروف } قالت: والله ما ~~جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء " # وأخرج الإمام أحمد # " عن " أميمة بنت رقيقة " - أخت السيدة خديجة وخالة فاطمة الزهراء - ~~قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ~~ما في القرآن (ألا نشرك بالله شيئا) الآية وقال: " فيما استطعتن ~~وأطقتن " فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا يا رسول الله: ~~ألا تصافحنا؟ قال: " إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة قولي ~~لمائة امرأة " # { يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب ~~الله عليهم } أي لا تصادقوا يا معشر المؤمنين الكفرة أعداء ~~الدين، ولا تتخذوهم أحباء وأصدقاء توالونهم وتأخذون بآرائهم، فإنهم قوم ~~غضب الله عليهم ولعنهم قال الحسن البصري: هم اليهود لقوله تعالى # غير المغضوب عليهم # [الفاتحة: 7] وقال ابن عباس: هم كفار قريش لأن كل كافر عليه غضب من ~~الله، والظاهر أن الآية عامة كما قال ابن كثير: يعني اليهود والنصارى ~~وسائر الكفار، ممن غضب الله عليه ولعنه { قد يئسوا من الآخرة ~~} أي أولئك الفجار الذين يئسوا من ثواب الآخرة ونعيمها { كما يئس ~~الكفار من أصحاب القبور } أي كما يئس الكفار المكذبون ~~بالبعث والنشور، من أمواتهم أن يعودوا إلى ms1605 الحياة مرة ثانية بعد أن ~~يموتوا، فقد كانوا يقولون إذا مات لهم قريب أو صديق: هذا آخر العهد به، ~~ولن يبعث أبدا. # . ختم تعالى السورة الكريمة بمثل ما فتحها به وهو النهي عن موالاة ~~الكفار أعداء الله، وهو بمثابة التأكيد للكلام، وتناسق الآيات في البدء ~~والختام، وهو من البلاغة في مكان. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق في قوله { وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ ~~أعلنتم } لأن الإخفاء يطابق الإعلان. # 2- العتاب والتوبيخ { تسرون إليهم بالمودة وأنا ~~أعلم بمآ أخفيتم... } الآية. # 3- تقديم ما حقه التأخير لإفادة الصيغة للحصر { ربنا عليك ~~توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير } ، والأصل ~~توكلنا عليك، وأنبنا إليك.. الخ. # 4- صيغة المبالغة { قدير } ، { غفور } ، { رحيم } وهو كثير في ~~القرآن ومثله { عليم حكيم }. # 5- طباق السلب { لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم } ثم قال: { إنما ينهاكم الله... } الآية. # 6- الجملة الاعتراضية { الله أعلم بإيمانهن } للإشارة ~~إلى أن للإنسان الظاهر والله يتولى السرائر. # 7- العكس والتبديل { لا هن حل لهم ولا هم يحلون ~~لهن } وهو من أنواع البديع. # 8- الكناية اللطيفة { ولا يأتين ببهتن يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن } كنى بذلك عن اللقيط، وهي من لطائف ~~الكنايات. # 9- التشبيه المرسل المجمل { قد يئسوا من الآخرة كما يئس ~~الكفار من أصحاب القبور } كما أنه فيه من المحسنات ~~البديعية ما يسمى رد العجز على الصدر، حيث ختم السورة بمثل ما ابتدأها ~~ليتناسق البدء مع الختام. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-9] # اللغة: { سبح } التسبيح تمجيد الله وتنزيهه عما لا يليق به من صفات ~~النقص { العزيز } الغالب الذي لا يغلب { الحكيم } الذي يضع ~~الأشياء في مواضعها ويفعل ما تقتضيه الحكمة { مقتا } بغضا قال ~~الزمخشري: المقت: أشد البغض وأبلغه وأفحشه { مرصوص } المتماسك ~~المتلاصق بعضه ببعض قال الفراء: رصصت البناء إذا لائمت بينه وقاربت ~~حتى يصير كقطعة واحدة { زاغوا } مالوا عن الهدى والحق { ~~البينات } المعجزات الواضحات. # سبب النزول: روي أن المسلمين قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى ~~الله تعالى لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا!! فلما فرض الله الجهاد كرهه ~~بعضهم ms1606 فأنزل الله { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما ~~لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون }. # التفسير: { سبح لله ما في السموت وما في الأرض ~~} أي نزه الله وقدسه ومجده جميع ما في السماوات والأرض من ~~ملك، وإنسان، ونبات، وجماد # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44] قال الإمام الفخر: أي شهد له بالربوبية والوحدانية ~~وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السماوات والأرض { وهو ~~العزيز الحكيم } أي وهو الغالب في ملكه، الحكيم في صنعه، الذي لا ~~يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة { يأيها الذين آمنوا لم ~~تقولون ما لا تفعلون } أي يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ~~لم تقولون بألسنتكم شيئا ولا تفعلونه؟ ولأي شيء تقولون نفعل ما لا ~~تفعلونه من الخير والمعروف؟ وهو استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ قال ~~ابن كثير: هذا إنكار على من يعد وعدا، أو يقول قولا لا يفي به، وفي ~~الصحيحين # " آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان ~~" # ثم أكد الإنكار عليهم بقوله { كبر مقتا عند الله } أي ~~عظم فعلكم هذا بغضا عند ربكم { أن تقولوا ما لا تفعلون } ~~أي أن تقولوا شيئا ثم لا تفعلونه، وأن تعدوا بشيء ثم لا تفون به قال ~~ابن عباس: كان ناس من المؤمنين - قبل أن يفرض الجهاد - يقولون: لوددنا ~~أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله ~~نبيه أن أحب الأعمال إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين ~~خالفوا الإيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين ~~وشق عليهم أمره فنزلت الآية وقيل: هو أن يأمر الإنسان أخاه بالمعروف ~~ولا يأتمر به، وينهاه عن المنكر ولا ينتهي عنه كقوله تعالى # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # [البقرة: 44]؟ ثم أخبرهم تعالى بفضيلة الجهاد في سبيل الله فقال { إن ~~الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا } أي يحب ~~المجاهدين الذين يصفون أنفسهم عند القتال صفا، ويثبتون في أماكنهم ms1607 عند ~~لقاء العدو { كأنهم بنيان مرصوص } أي كأنهم في تراصهم ~~وثبوتهم في المعركة، بناء قد رص بعضه ببعض، وألصق وأحكم حتى صار ~~شيئا واحدا قال القرطبي: ومعنى الآية أنه تعالى يحب من يثبت في الجهاد ~~في سبيل الله ويلزم مكانه كثبوت البناء، وهذا تعليم من الله تعالى ~~للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم. # . ولما ذكر تعالى أمر الجهاد، بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، ~~وجاهدا في سبيل الله وأوذيا بسبب ذلك فقال { وإذ قال موسى ~~لقومه يقوم لم تؤذونني }؟ أي واذكر يا محمد لقومك قصة ~~عبده وكليمه " موسى بن عمران " حين قال لقومه بني إسرائيل: لم تفعلون ~~ما يؤذيني؟ { وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } أي ~~والحال أنكم تعلمون علما قطعيا - بما شاهدتموه من المعجزات الباهرة - ~~أني رسول الله إليكم، وتعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة؟ وفي هذا ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أصابه من كفار مكة { فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم } أي فلما مالوا عن الحق، أمال ~~الله قلوبهم عن الهدى { والله لا يهدي القوم الفاسقين } ~~أي والله لا يوفق للخير والهدى من كان فاسقا خارجا عن طاعة الله قال ~~الرازي: وفي هذا تنبيه على عظم إيذاء الرسل، حتى إنه يؤدي إلى الكفر ~~وزيغ القلوب عن الهدى.. ثم ذكر تعالى قصة عيسى عليه السلام فقال { وإذ ~~قال عيسى ابن مريم يبني إسرائيل إني رسول ~~الله إليكم } أي واذكر يا محمد لقومك هذه القصة أيضا حين قال ~~عيسى لبني إسرائيل إني رسول الله أرسلت إليكم بالوصف المذكور في ~~التوراة قال القرطبي: ولم يقل " يا قوم " كما قال موسى، لأنه لا نسب له ~~فيهم فيكونون قومه فإنه لم يكن له فيهم أب { مصدقا لما بين ~~يدي من التوراة } أي حال كوني مصدقا ومعترفا بأحكام ~~التوراة، وكتب الله وأنبيائه جميعا، ولم آتكم بشيء يخالف التوراة حتى ~~تنفروا عني { ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد } أي وجئت لأبشركم ببعثة رسول يأتي بعدي يسمى " أحمد " قال ~~الألوسي: وهذا الاسم ms1608 الكريم علم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما قال ~~حسان: # صلى الإله ومن يحف بعرشه # والطيبون على المبارك " أحمد " # وفي الحديث # " لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس ~~على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب " # ومعنى العاقب الذي لا نبي بعده، وروي أن الصحابة قالوا يا رسول الله ~~أخبرنا عن نفسك! فقال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين ~~حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام { فلما جاءهم ~~بالبينات } أي فلما جاءهم عيسى بالمعجزات الواضحات، من إحياء ~~الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ونحو ذلك من المعجزات الدالة على صدقه ~~في دعوى الرسالة { قالوا هذا سحر مبين } أي قالوا عن عيسى: ~~هذا ساحر جاءنا بهذا السحر الواضح، والإشارة بقولهم " سحر " إلى ~~المعجزات التي ظهرت على يديه عليه السلام، قال المفسرون: بشر كل نبي ~~قومه بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما أفرد تعالى ذكر عيسى ~~بالبشارة في هذا الموضع لأنه آخر نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، ~~فبين تعالى أن البشارة به عمت جميع الأنبياء واحدا بعد واحد حتى ~~انتهت إلى عيسى عليه السلام آخر أنبياء بني إسرائيل { ومن أظلم ~~ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى ~~الإسلام } استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أظلم ممن يدعوه ربه إلى ~~الإسلام على لسان نبيه، فيجعل مكان إجابته إفتراء الكذب على الله ~~بتسمية نبيه ساحرا، وتسمية آيات الله المنزلة سحرا { والله لا ~~يهدي القوم الظالمين } أي لا يوفق ولا يرشد إلى الفلاح ~~والهدى من كان فاجرا ظالما { يريدون ليطفئوا نور الله ~~بأفواههم } أي يريد المشركون بأن يطفئوا دين الله وشرعه المنير ~~بأفواههم قال الفخر الرازي: وإطفاء نور الله تعالى تهكم بهم في ~~إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن إنه سحر، شبهت حالهم بحال ~~من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، وفيه تهكم وسخرية بهم { والله ~~متم نوره } أي والله مظهر لدينه، بنشره في الآفاق، وإعلائه على ~~الأديان، كما ms1609 جاء في الحديث # " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي ~~سيبلغ ما زوي لي منها.. " # الحديث والمراد أن هذا الدين سينتشر في مشارق الدنيا ومغاربها { ~~ولو كره الكافرون } أي ولو كره ذلك الكافرون المجرمون، فإن ~~الله سيعز شأن هذا الدين رغم أنف الكافرين قال في حاشية البيضاوي: كان ~~كفار مكة يكرهون هذا الدين الحق، من أجل توغلهم في الشرك والضلال، فكان ~~المناسب إذلالهم وإرغامهم بإظهار ما يكرهونه من الحق، وليس المراد من ~~إظهاره ألا يبقى في العالم من يكفر بهذا الدين، بل المراد أن يكون ~~أهله عالين غالبين على سائر أهل الأديان بالحجة والبرهان، والسيف ~~واللسان، إلى آخر الزمان { هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق } أي هو جل وعلا بقدرته وحكمته بعث رسوله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بالقرآن الواضح، والدين الساطع { ليظهره ~~على الدين كله } أي ليعليه على سائر الأديان المخالفة له، من ~~يهودية ونصرانية وغيرهما { ولو كره المشركون } أي ولو كره ~~ذلك أعداء الله، المشركون بالله غيره قال أبو السعود: ولقد أنجز الله ~~وعده بإعزاز دين الإسلام، حيث جعله بحيث لم يبق دين من الأديان، إلا ~~وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. ### || [61.10-14] # المناسبة: لما بين تعالى أن المشركين يريدون إطفاء نور الله، أمر ~~المؤمنين بمجاهدة أعداء الدين، ودعاهم إلى التضحية بالمال والنفس ~~والجهاد في سبيل الله، وبين لهم أنها التجارة الرابحة لمن أراد سعادة ~~الدارين. # اللغة: { تنجيكم } تخلصكم وتنقذكم { الحواريون } الأصفياء ~~والخواص من أتباع عيسى، وهم الذين ناصروا المسيح عليه السلام { ~~أيدنا } قوينا وساندنا { ظاهرين } غالبين بالحجة والبرهان. # سبب النزول: روي أن بعض الصحابة قالوا يا نبي الله: لوددنا أن ~~نعلم أي التجارات أحب إلى الله فنتجر فيها!! فنزلت { يأيها ~~الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب أليم }؟ الآيات. # التفسير: { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على ~~تجارة } أي يا من صدقتم الله ورسوله وآمنتم بربكم حق الإيمان، هل ~~أدلكم على تجارة رابحة جليلة الشأن؟ والاستفهام للتشويق { تنجيكم ~~من عذاب أليم } أي ms1610 تخلصكم وتنقذكم من عذاب شديد مؤلم.. ثم ~~بين تلك التجارة ووضحها فقال { تؤمنون بالله ورسوله } ~~إيمانا صادقا، لا يشوبه شك ولا نفاق { وتجاهدون في سبيل ~~الله بأموالكم وأنفسكم } أي وتجاهدون أعداء الدين بالمال ~~والنفس، لإعلاء كلمة الله قال المفسرون: جعل الإيمان والجهاد في سبيله ~~" تجارة " تشبيها لهما بالتجارة، فإنها عبارة عن مبادلة شيء بشيء، ~~طمعا في الربح، ومن آمن وجاهد بماله ونفسه فقد بذل ما عنده وما في وسعه، ~~لنيل ما عند ربه من جزيل ثوابه، والنجاة من أليم عقابه، فشبه هذا ~~الثواب والنجاة من العذاب بالتجارة لقوله تعالى # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111] قال الإمام الفخر: والجهاد ثلاثة أنواع: 1- جهاد فيما ~~بينه وبين نفسه، وهو قهر النفس ومنعها عن اللذات والشهوات. 2- وجهاد ~~فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع منهم ويشفق عليهم ويرحمهم 3- ~~وجهاد أعداء الله بالنفس والمال نصرة لدين الله { ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون } أي ما أمرتكم به من الإيمان والجهاد ~~في سبيل الله، خير لكم من كل شيء في هذه الحياة، إن كان عندكم فهم وعلم ~~{ يغفر لكم ذنوبكم } هذا جواب الجملة الخبرية { تؤمنون ~~بالله ورسوله } لأن معناها معنى الأمر أي آمنوا بالله وجاهدوا ~~في سبيله فإذا فعلتم ذلك يغفر لكم ذنوبكم اي يسترها عليكم، ويمحها بفضله ~~عنكم { ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار } أي ~~ويدخلكم حدائق وبساتين، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة { ومساكن ~~طيبة في جنات عدن } أي ويسكنكم في قصور رفيعة في جنات ~~الإقامة { ذلك الفوز العظيم } أي ذلك الجزاء المذكور هو ~~الفوز العظيم الذي لا فوز وراءه، والسعادة الدائمة الكبيرة التي لا سعادة ~~بعدها { وأخرى تحبونها } أي ويمن عليكم بخصلة أخرى ~~تحبونها وهي { نصر من الله وفتح قريب } أي أن ينصركم على ~~أعدائكم، ويفتح لكم مكة وقال ابن عباس: يريد فتح فارس والروم { وبشر ~~المؤمنين } أي وبشر يا محمد المؤمنين، بهذا الفضل المبين قال في ~~البحر: لما ذكر تعالى ما يمنحهم من الثواب في ms1611 الآخرة، ذكر لهم ما يسرهم ~~في العاجلة، وهي ما يفتح الله عليهم من البلاد، فهذه هي خير الدنيا ~~موصول بنعيم الآخرة { يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار ~~الله } أي انصروا دين الله وأعلوا مناره { كما قال عيسى ابن ~~مريم للحواريين } أي كما نصر الحواريون دين الله حين قال لهم ~~عيسى بن مريم { من أنصاري إلى الله } أي من ينصرني ويكون ~~عوني لتبليغ دعوة الله، ونصرة دينه؟ { قال الحواريون نحن ~~أنصار الله } أي قال أتباع عيسى - وهم المؤمنون الخلص من خاصته ~~المستجيبون لدعوته - نحن أنصار دين الله قال البيضاوي: والحواريون ~~أصفياؤه وهم أول من آمن به، مشتق من الحور وهو البياض، وكانوا اثني عشر ~~رجلا وقال الرازي: والتشبيه في الآية محمول على المعنى أي كونوا أنصار ~~الله كما كان الحواريون أنصار الله { فآمنت طآئفة من بني ~~إسرائيل وكفرت طآئفة } أي فانقسم بنو إسرائيل إلى ~~جماعتين: جماعة آمنت به وصدقته، وجماعة كفرت وكذبت برسالة عيسى { ~~فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم } أي فقوينا ~~المؤمنين على أعدائهم الكافرين { فأصبحوا ظاهرين } أي حتى ~~صاروا غالبين عليهم بالحجة والبرهان قال ابن كثير: لما بلغ عيسى بن ~~مريم رسالة ربه، اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به، وضلت طائفة ~~فجحدوا نبوته، ورموه وأمه بالعظائم، وهم اليهود عليهم لعنة الله، وغلت ~~فيه طائفة من أتباعه حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة، وافترقوا ~~فيه فرقا وشيعا، فمنهم من زعم أنه ابن الله، ومنهم من قال إنه ثالث ~~ثلاثة " الأب والابن وروح القدس " ومنهم من قال: إنه الله - تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا - فنصر الله المؤمنين على من عاداهم من فرق النصارى. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يأتي: # 1- أسلوب التوبيخ # لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2] وهي " ما " الاستفهامية حذفت ألفها تخفيفا، والغرض من ~~الاستفهام التوبيخ. # 2- الإطناب بتكرار ذكر اللفظ لبيان غاية قبح ما فعلوه # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 3] وبين { تقولوا.. وتفعلوا } طباق. # 3- التشبيه المرسل المفصل ms1612 # كأنهم بنيان مرصوص # [الصف: 4] أي في المتانة والتراص. # 4- الاستعارة اللطيفة # يريدون ليطفئوا نور الله # [الصف: 8] استعار نور الله لدينه وشرعه المنير، وشبه من أراد إبطال ~~الدين بمن أراد إطفاء الشمس بفمه الحقير، على طريق الاستعارة التمثيلية، ~~وهذا من لطيف الاستعارات. # 5- الاستفهام للترغيب والتشويق { هل أدلكم على تجارة }؟. # 6- الطباق { فآمنت طآئفة.. وكفرت طآئفة }. # 7- السجع المرصع كأنه حبات در منظومة في سلك واحد مثل # والله لا يهدي القوم الفاسقين # [الصف: 5] # قالوا هذا سحر مبين # [الصف: 6] { وبشر المؤمنين } وهو من المحسنات البديعية. # تنبيه: إنما قرنت قصة موسى وعيسى في هذه السورة لأنهما من أنبياء بني ~~إسرائيل، وهما من أعظم أنبيائهم ومن أولي العزم الذين ذكرهم الله في ~~كتابه العزيز بالثناء والتبجيل. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-11] # اللغة: { الأميين } العرب المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ~~سموا بذلك لاشتهارهم بالأمية وهي عدم القراءة والكتابة { يزكيهم ~~} من التزكية وهي التطهير من دنس الشرك والمعاصي { أسفارا } جمع سفر ~~وهو الكتاب الكبير قال الشاعر: # زوامل للأسفار لا علم عندهم # بجيدها إلا كعلم الأباعر # لعمرك ما يدري البعير إذا غدا # بأوساقه أو راح ما في الغرائر # { هادوا } تدينوا باليهودية { انفضوا } تفرقوا وانصرفوا. # سبب النزول: عن جابر رضي الله عنه قال: " بينما النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخطب يوم الجمعة قائما، إذ قدمت عير من المدينة، فابتدرها أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلا أنا ~~فيهم وأبو بكر وعمر، فأنزل الله تعالى: { وإذا رأوا تجارة ~~أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قآئما.. } الآية. # التفسير: { يسبح لله ما في السموت وما في ~~الأرض } أي ينزه الله ويمجده ويقدسه كل شيء في الكون من إنسان، ~~وحيوان، ونبات، وجماد، وصيغة المضارع { يسبح } لإفادة التجدد ~~والاستمرار، فهو تسبيح دائم على الدوام { الملك } أي هو الإله ~~المالك لكل شيء، المتصرف في خلقه بالإيجاد والإعدام { القدوس } أي ~~المقدس والمنزه عن النقائص، المتصف بصفات الكمال { العزيز ~~الحكيم } أي العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه { هو الذي بعث ~~في الأميين رسولا ms1613 منهم } أي هو جل وعلا برحمته وحكمته ~~الذي بعث في العرب رسولا من جملتهم، أميا مثلهم لا يقرأ ولا يكتب قال ~~المفسرون: سمي العرب أميين لأنهم لا يقرأون ولا يكتبون، فقد اشتهرت ~~فيهم الأمية كما قال عليه الصلاة والسلام # " نحن أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب " # الحديث والحكمة في اقتصاره على ذكر الأميين، مع أنه رسول إلى كافة ~~الخلق، تشريف العرب حيث أضيف صلوات الله عليه إليهم، وكفى بذلك شرفا ~~للعرب { يتلوا عليهم آياته } أي يقرأ عليهم آيات القرآن { ~~ويزكيهم } أي ويطهرهم من دنس الكفر والذنوب قال ابن عباس: أي ~~يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان { ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة } أي ويعلمهم ما يتلى من الآيات والسنة النبوية المطهرة { ~~وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } أي وإن الحال ~~والشأن أنهم كانوا من قبل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم لفي ~~ضلال واضح، عن النهج القويم، والصراط المستقيم قال ابن كثير: بعث الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل، وطموس من السبل، ~~وقد اشتدت الحاجة إليه، فقد كان العرب متمسكين بدين إبراهيم الخليل ~~فبدلوه وغيروه، واستبدلوا بالتوحيد شركا، وباليقين شكا، وابتدعوا ~~أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك كان أهل الكتاب قد بدلوا كتبهم ~~وحرفوها، فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بشرع عظيم، شامل كامل، فيه ~~الهداية والبيان لكل ما يحتاج الناس إليه من أمر معاشهم ومعادهم، وجمع ~~له تعالى جميع المحاسن، وأعطاه ما لم يعط أحدا من الأولين والآخرين { ~~وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } أي وبعث الرسول إلى ~~قوم آخرين، لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم، وهم جميع من أسلم إلى ~~يوم القيامة، قال الصاوي: والمعنى أنه بعث إلى المؤمنين الموجودين في ~~زمانه، وإلى الآتين منهم بعدهم، فليست رسالته خاصة بمن كان موجودا في ~~زمانه، بل هي عامة لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة، وفي الحديث عن أبي ~~هريرة قال: # " كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة { ~~وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } قالوا: ms1614 من هم يا رسول ~~الله؟ قال: وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ~~على سلمان ثم قال: " لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء " # قال مجاهد: في تفسير الآية: هم الأعاجم وكل من صدق النبي صلى الله ~~عليه وسلم من غير العرب { وهو العزيز الحكيم } أي القوي ~~الغالب في ملكه، الحكيم، في صنعه { ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشآء } أي ذلك الشرف الذي امتاز به سيد البشر، وهو كونه مبعوثا إلى ~~كافة الناس، وما شرف الله به العرب من نزول القرآن بلغتهم، وإرسال ~~خاتم الرسل إليهم، هو فضل الله يعطيه لمن يشاء من خلقه { والله ~~ذو الفضل العظيم } أي هو جل وعلا ذو الفضل الواسع على جميع خلقه ~~في الدنيا والآخرة.. ثم شرع تعالى في ذم اليهود الذين أكرمهم الله ~~بالتوراة، فلم ينتفعوا بها ولم يطبقوها، وشبههم بالحمار الذي يحمل ~~الأسفار فقال { مثل الذين حملوا التوراة } أي مثل ~~اليهود الذين أعطوا التوراة، وكلفوا العمل بما فيها { ثم لم ~~يحملوها } أي ثم لم يعملوا بها، ولم ينتفعوا بهديها ونورها { ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا } أي مثلهم كمثل الحمار الذي ~~يحمل الكتب النافعة الضخمة، ولا يناله منها إلا التعب والعناء قال ~~القرطبي: شبههم تعالى - والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها - بالحمار ~~يحمل كتبا، وليس له إلا ثقل الحمل من غير فائدة، فهو يتعب في حملها ~~ولا ينتفع بما فيها وقال في حاشية البيضاوي: ذم تعالى اليهود بأنهم ~~قراء التوراة، عالمون بما فيها، وفيها آيات دالة على صحة نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ووجوب الإيمان به، ولكنهم لم ينتفعوا بها مما ينجيهم من ~~شقاوة الدارين، وشبههم بالحمار الذي يحمل أسفار العلم والحكمة ولا ينتفع ~~بها، ووجه التشبيه حرمان الانتفاع بما هو أبلغ شيء في الانتفاع، مع ~~الكد والتعب { بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات ~~الله } أي بئس هذا المثل الذي ضربناه لليهود، مثلا للقوم الذين كذبوا ~~بآيات الله، الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلا م ms1615 { والله لا ~~يهدي القوم الظالمين } أي لا يوفق للخير، ولا يرشد للإيمان ~~من كان ظالما فاسقا قال عطاء: هم الذين ظلموا أنفسهم بتكذيبهم ~~للأنبياء، ثم كذب تعالى اليهود في دعوى أنهم أحباب الله فقال { قل ~~يأيها الذين هادوا } أي قل يا محمد لهؤلاء الذين تهودوا ~~وتمسكوا بملة اليهودية { إن زعمتم أنكم أوليآء لله ~~من دون الناس } أي إن كنتم أولياء الله وأحباءه حقا كما تدعون { ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } أي فتمنوا من الله أن ~~يميتكم، لتنقلوا سريعا إلى دار كرامته المعدة لأوليائه، إن كنتم ~~صادقين في هذه الدعوى قال أبو السعود: كان اليهود يقولون: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] ويدعون أن الدار الآخرة لهم عند الله خالصة، ويقولون # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا # [البقرة: 111] فأمر الله رسوله أن يقول لهم إظهارا لكذبهم: إن زعمتم ~~ذلك فتمنوا الموت، لتنقلوا من داء البلاء إلى دار الكرامة، فإن من ~~أيقن بأنه من أهل الجنة، أحب أن يتخلص إليها من هذه الدار التي هي ~~مقر الأكدار، قال تعالى فاضحا لهم، ومبينا كذبهم { ولا ~~يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } أي ولا يتمنون ~~الموت بحال من الأحوال، بسبب ما أسلفوه من الكفر والمعاصي وتكذيب محمد ~~عليه السلام وفي الحديث # " والذي نفسي بيده، لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إلا مات " # قال الألوسي: لم يتمن أحد الموت منهم، لأنهم كانوا موقنين بصدقه عليه ~~السلام، فعلموا أنهم لو تمنوه لماتوا من ساعتهم، وهذه إحدى المعجزات، ~~وجاء في سورة البقرة نفي هذا التمني بلفظ { ولن } وهو من باب التفنن على ~~القول المشهور { والله عليم بالظالمين } أي عالم بهم وما ~~صدر عنهم من فنون الظلم والمعاصي، وإنما وضع الظاهر موضع الضمير " عليم ~~بهم " ذما لهم، وتسجيلا عليهم بأنهم ظالمون { قل إن الموت ~~الذي تفرون منه } أي قل لهم يا محمد: إن هذا الموت الذي ~~تهربون منه، وتخافون أن تتمنوه حتى بلسانكم { فإنه ملاقيكم } ~~أي فإنه آتيكم لا محالة، لا ينفعكم الفرار منه كقوله تعالى # أينما ms1616 تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة # [النساء: 78] لأنه قدر محتوم، ولا يغني حذر عن قدر { ثم تردون ~~إلى عالم الغيب والشهادة } أي ثم ترجعون إلى الله الذي ~~لا تخفى عليه خافية { فينبئكم بما كنتم تعملون } أي ~~فيجازيكم على أعمالكم، وفيه وعيد وتهديد.. ثم شرع تعالى في بيان أحكام ~~الجمعة فقال { يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة ~~من يوم الجمعة } أي يا معشر المؤمنين المصدقين بالله ورسوله، ~~إذا سمعتم المؤذن ينادي لصلاة الجمعة ويؤذن لها { فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع } أي فامضوا إلى سماع خطبة الجمعة ~~وأداء الصلاة، واتركوا البيع والشراء، اتركوا التجارة الخاسرة واسعوا ~~إلى التجارة الرابحة قال في التسهيل: والسعي في الآية بمعنى المشي لا ~~بمعنى الجري لحديث # " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وعليكم ~~السكينة " # . وقال الحسن: والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا ~~الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكنه سعي بالقلوب، والنية، ~~والخشوع { ذلكم خير لكم } أي ذلك السعي إلى مرضاة الله، ~~وترك البيع والشراء، خير لكم وأنفع من تجارة الدنيا، فإن نفع الآخرة ~~أجل وأبقى { إن كنتم تعلمون } أي إن كنتم من أهل العلم ~~القويم، والفهم السليم { فإذا قضيت الصلاة } أي فإذا أديتم ~~الصلاة وفرغتم منها { فانتشروا في الأرض } أي فتفرقوا في الأرض ~~وانبثوا فيها للتجارة وقضاء مصالحكم { وابتغوا من فضل الله } ~~أي واطلبوا من فضل الله وإنعامه، فإن الرزق بيده جل وعلا وهو المنعم ~~المتفضل، الذي لا يضيع عمل العامل، ولا يخيب أمل السائل { واذكروا ~~الله كثيرا } أي واذكروا ربكم ذكرا كثيرا، باللسان والجنان، لا ~~وقت الصلاة فحسب { لعلكم تفلحون } أي كي تفوزوا بخير الدارين ~~قال سعيد بن جبير: ذكر الله طاعته، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم ~~يطعه فليس بذاكر ولو كان كثير التسبيح.. ثم أخبر تعالى أن فريقا من ~~الناس يؤثرون الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، ويفضلون العاجل على ~~الآجل فقال { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ~~إليها } هذا عتاب لبعض الصحابة ms1617 الذين انصرفوا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وتركوه قائما يخطب يوم الجمعة، والمعنى: إذا سمعوا بتجارة ~~رابحة، أو صفقة قادمة، أو شيء من لهو الدنيا وزينتها، تفرقوا عنك يا ~~محمد وانصرفوا إليها، وأعاد الضمير إلى التجارة دون اللهو { ~~انفضوا إليها } لأنها الأهم المقصود { وتركوك قآئما } ~~أي وتركوا الرسول قائما على المنبر يخطب قال المفسرون: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر يخطب يوم الجمعة، فأقبلت عير من ~~الشام بطعام قدم بها " دحية الكلبي " - و كان أصاب أهل المدينة جوع ~~وغلاء سعر - وكانت عادتهم أن تدخل العير المدينة بالطبل والصياح سرورا ~~بها، فلما دخلت العير كذلك انفض أهل المسجد إليها، وتركوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر، ولم يبق معه إلا اثني عشر رجلا ~~قال جابر بن عبد الله: أنا أحدهم فنزلت الآية قال ابن كثير: وينبغي أن ~~يعلم أن هذه القصة كانت لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ~~الصلاة يوم الجمعة على الخطبة كما هو الحال في العيدين، كما روى ذلك أبو ~~داود { قل ما عند الله خير من اللهو ومن ~~التجارة } أي قل لهم يا محمد: إن ما عند الله من الثواب والنعيم، ~~خير مما أصبتموه من اللهو والتجارة { والله خير الرازقين } ~~أي خير من رزق وأعطى، فاطلبوا منه الرزق، وبه استعينوا لنيل فضله ~~وإنعامه. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التشبيه التمثيلي { مثل الذين حملوا التوراة ثم ~~لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا } لأن وجه ~~الشبه منتزع من متعدد أي مثلهم في عدم الانتفاع بالتوراة، كمثل الحمار ~~الذي يحمل على ظهره الكتب العظيمة ولا يكون له منها إلا التعب والعناء. # 2- طباق السلب { فتمنوا الموت.. ولا يتمنونه ~~أبدا }. # 3- الطباق بين { الغيب والشهادة } وهو من المحسنات البديعية. # 4- التفنن بتقديم الأهم في الذكر { وإذا رأوا تجارة أو ~~لهوا } لأن المقصود الأساسي هو التجارة فقدمها ثم قال { قل ما ~~عند الله خير من اللهو ومن التجارة ms1618 } فقدم ~~اللهو على التجارة لأن الخسارة بما لا نفع فيه أعظم، فقدم ما هو أهم في ~~الموضعين. # 5- المجاز المرسل { وذروا البيع } أطلق البيع وقصد جميع أنواع ~~المعاملة من بيع وشراء وإجارة وغيرها. # تنبيه: يوم الجمعة سمي بذلك لاجتماع المسلمين فيه للصلاة، وقد كان يسمى ~~في الجاهلية " يوم العروبة " ومعناه الرحمة كما قال السهيلي، وأول من ~~سماه جمعة " كعب بن لؤي " وأول من صلى بالمسلمين الجمعة " أسعد بن ~~زرارة " صلى بهم ركعتين وذكرهم، فسميت الجمعة حين اجتمعوا إليه، فهي ~~أول جمعة في الإسلام. # فائدة: كان " عراك بن مالك " إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب ~~المسجد فقال: " اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما ~~أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين ". # لطيفة: التعبير بقوله تعالى { فاسعوا إلى ذكر الله } فيه ~~لطيفة، وهي أنه ينبغي للمسلم أن يقوم إلى صلاة الجمعة بعزيمة وهمة، وجد ~~ونشاط، لأن لفظ السعي يفيد الجد والعزم، ولهذا قال الحسن البصري: والله ~~ما هو سعي على الأقدام، ولكنه سعي بالنيبة والقلوب. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-11] # اللغة: { جنة } وقاية وسترة يحفظون بها أنفسهم وأموالهم وفي ~~الحديث # " الصوم جنة " # أي وقاية من عذاب الله { طبع } ختم عليها بالكفر، والطبع: الختم { ~~يؤفكون } يصرفون عن الحق إلى الضلال، من الإفك وهو الصرف { ~~لووا } عطفوا وحركوا يقال: لوى رأسه إذا حركه وأداره { ~~ينفضوا } يتفرقوا { تلهكم } تشغلكم، واللهو: ما لا خير فيه ولا ~~فائدة من القول أو العمل. # سبب النزول: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا: " بني المصطلق ~~" فازدحم الناس على ماء فيه، فكان ممن ازدحم عليه " جهجاه بن سعيد: ~~أجير لعمر بن الخطاب، و " سنان الجهني " حليف لعبد الله بن سلول - رأس ~~المنافقين - فلطم الجهجاه سنانا، فغضب سنان وصرخ ياللأنصار، وصرخ جهجاه ~~يا للمهاجرين، فقال " عبد الله بن سلول " أو قد فعلوها!! والله ما مثلنا ~~ومثل هؤلاء - يعني المهاجرين - إلا كما قال الأول " سمن كلبك يأكلك " ~~، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل - يعني ~~بالأعز نفسه، وبالأذل ms1619 رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه - ثم قال ~~لقومه: إنما يقيم هؤلاء المهاجرين بالمدينة بسبب معونتكم وإنفاقكم ~~عليهم، ولو قطعتم ذلك عنهم لفروا عن بلدكم، فسمعه " زيد بن أرقم " فأخبر ~~بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ ذلك ابن سلول فحلف أنه ما قال ~~من ذلك شيئا وكذب زيدا، فنزلت السورة إلى قوله تعالى { يقولون ~~لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل.. } الآيات. # التفسير: { إذا جآءك المنافقون } أي إذا أتاك يا محمد ~~المنافقون وحضروا مجلسك كعبد الله بن سلول وأصحابه { قالوا نشهد ~~إنك لرسول الله } أي قالوا بألسنتهم نفاقا ورياء: نشهد بأنك ~~يا محمد رسول الله، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قال أبو السعود: ~~أكدوا كلامهم بإن واللام { إنك لرسول الله } للإيذان ~~بأن شهادتهم هذه صادرة عن صميم قلوبهم، وخلوص اعتقادهم، ووفور رغبتهم ~~ونشاطهم { والله يعلم إنك لرسوله } أي والله جل وعلا ~~يعلم أنك يا محمد رسوله حقا، لأنه هو الذي أرسلك، والجملة اعتراضية ~~جيء بها لدفع توهم تكذيبهم في دعوة رسالته صلى الله عليه وسلم لئلا يتوهم ~~السامع أن قولهم { إنك لرسول الله } كذب في حد ذاته قال في ~~التسهيل: وقوله { والله يعلم إنك لرسوله } ليس من كلام ~~المنافقين، وإنما هو من كلام الله تعالى، ولو لم يذكره لكان يوهم أن ~~قوله { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } إبطال ~~للرسالة، فوسطه بين حكاية المنافقين وبين تكذيبهم ليزيل هذا الوهم ~~وليحقق الرسالة ثم قال تعالى { والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون } أي يشهد بكذب المنافقين فيما أظهروه من شهادتهم وحلفهم ~~بألسنتهم، لأن من قال بلسانه شيئا واعتقد خلافه فهو كاذب، والإظهار ~~في موضع الإضمار { إن المنافقين } لذمهم وتسجيل هذه الصفة ~~القبيحة عليهم، كما جاءت الصيغة مؤكدة بإن واللام زيادة في التقرير ~~والبيان { اتخذوا أيمانهم جنة } أي اتخذوا أيمانهم ~~الفاجرة وقاية وسترة يستترون بها من القتل قال الضحاك: هي حلفهم بالله ~~إنهم مسلمون { فصدوا عن سبيل الله } أي فمنعوا الناس عن ~~الجهاد، وعن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ms1620 قال الطبري: أي أعرضوا ~~عن دين الله الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم وشريعته التي شرعها ~~لخلقه وقال ابن كثير: إن المنافقين اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة، ~~فاغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون، وهم في ~~الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالا، فحصل بذلك ضرر كبير على كثير من ~~الناس { إنهم سآء ما كانوا يعملون } أي قبح عملهم ~~وصنيعهم لأنهم يظهرون بمظهر الإيمان، وهم من أهل النفاق والعصيان، فبئست ~~أعمالهم الخبيثة من نفاقهم وأيمانهم الكاذبة قال الصاوي: وساء كبئس في ~~إرادة الذم، وفيها معنى التعجب وتعظيم أمرهم عند السامعين { ذلك ~~بأنهم آمنوا ثم كفروا } أي ذلك الحلف الكاذب والصد عن ~~سبيل الله، بسبب أنهم آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم قال أبو السعود: أي ~~نطقوا بكلمة الشهادة عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم ~~المجرمين، وما فيه من الإشارة بالبعيد " ذلك " للإشعار ببعد منزلته في ~~الشر { فطبع على قلوبهم } أي ختم على قلوبهم فلا يصل إليها ~~هدى ولا نور { فهم لا يفقهون } أي فهم لا يعرفون الخير ~~والإيمان، ولا يفرقون بين الحسن والقبيح، لختم الله على قلوبهم { ~~وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } أي وإذا رأيت هؤلاء ~~المنافقين، أعجبتك هيئاتهم ومناظرهم، لحسنها ونضارتها وضخامتها { وإن ~~يقولوا تسمع لقولهم } أي وإن يتكلموا تصغ لكلامهم، ~~لفصاحتهم وذلاقة لسانهم قال ابن عباس: كان ابن سلول - رأس المنافقين - ~~جسيما، فصيحا، ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~قوله، وكذلك كان أصحابه إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ~~الناس بهياكلهم { كأنهم خشب مسندة } أي يشبهون الأخشاب ~~المسندة إلى الحائط، في كونهم صورا خالية عن العلم والنظر، فهم ~~أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام قال أبو حيان: شبهوا بالخشب لعزوب ~~أفهامهم، وفراغ قلوبهم من الإيمان، والجملة التشبيهية وصف لهم بالجبن ~~والخور، ولهذا قال { يحسبون كل صيحة عليهم } أي يظنون - ~~لجبنهم وهلعهم - كل نداء وكل صوت، أنهم يرادون بذلك، فهم دائما في خوف ~~ووجل من أن يهتك الله أستارهم، ويكشف أسرارهم ms1621 قال ابن كثير: كلما وقع أمر ~~أو خوف يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم قال مقاتل: إذا سمعوا نشدان ضالة، ~~أو صياحا بأي وجه كان، طارت عقولهم، وظنوا ذلك إيقاعا بهم { هم ~~العدو فاحذرهم } أي هم الأعداء الكاملون في العداوة لك ~~وللمؤمنين وإن أظهروا الإسلام، فاحذرهم ولا تأمنهم على سر، فإنهم ~~عيون لأعدائك { قاتلهم الله } جملة دعائية أي أخزاهم الله ~~ولعنهم، وأبعدهم عن رحمته { أنى يؤفكون } أي كيف يصرفون عن الهدى ~~إلى الضلال؟ وكيف تضل عقولهم مع وضوح الدلائل والبراهين!؟ وفيه تعجيب من ~~جهلهم وضلالهم، وانصرافهم عن الإيمان بعد قيام البرهان، روى الإمام ~~أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة، ~~وغنيمتهم غلول، لا يقربون المساجد إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا ~~دبرا، مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل، صخب بالنهار " # { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول ~~الله } أي وإذا قيل لهولاء المنافقين: هلموا إلى رسول الله حتى ~~يطلب لكم المغفرة من الله { لووا رءوسهم } أي حركوها وهزوها ~~استهزاء واستكبارا { ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون ~~} أي وتراهم يعرضون عما دعوا إليه، وهم متكبرون عن استغفار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لهم، وجيء بصيغة المضارع ليدل على استمرارهم على ~~الإعراض والعناد قال المفسرون: لما نزلت الآيات تفضح المنافقين وتكشف ~~الأستار عنهم، مشى إليهم أقرباؤهم من المؤمنين، وقالوا لهم: ويلكم لقد ~~افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم، فأتوا رسول الله وتوبوا إليه من النفاق ~~واسألوه يستغفر لكم، فأبوا وحركوا رءوسهم سخرية واستهزاء فنزلت الآية، ~~ثم جاءوا إلى " ابن سلول " وقالوا له: امض إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واعترف بذنبك يستغفر لك، فلوى رأسه إنكارا لهذا الرأي ثم قال ~~هلم: لقد أشرتم علي بالإيمان فآمنت، وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي ~~ففعلت، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد!! ثم بين تعالى ~~عدم فائدة الاستغفار لهم، لأنهم مردوا على النفاق فقال { سوآء ~~عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ms1622 لهم } أي ~~يتساوى الأمر بالنسبة لهم، فإنه لا ينفع استغفارك لهم شيئا، لفسقهم ~~وخروجهم عن طاعة الله ورسوله قال الصاوي: والآية للتيئيس من إيمانهم أي ~~إن استغفارك يا محمد وعدمه سواء، فهم لا يؤمنون لسبق الشقاوة لهم { لن ~~يغفر الله لهم } أي لن يصفح الله عنهم لرسوخهم في الكفر، ~~وإصرارهم على العصيان، ثم علله بقوله { إن الله لا يهدي ~~القوم الفسقين } أي لا يوفق للإيمان، من كان فاسقا خارجا ~~عن طاعة الرحمن.. ثم زاد تعالى في بيان قبائحهم وجرائمهم فقال { هم ~~الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله ~~حتى ينفضوا } أي هم الفجرة الذين قالوا لا تنفقوا على المهاجرين ~~حتى يتفرقوا عن محمد قال في البحر: والإشارة إلى ابن سلول ومن وافقه من ~~قومه، سفه أحلامهم في أنهم ظنوا أن رزق المهاجرين بأيديهم، وما علموا ~~أن ذلك بيد الله تعالى، وقولهم { على من عند رسول الله } هو ~~على سبيل الهزء، إذ لو كانوا مقرين برسالته ما صدر منهم ما صدر، والظاهر ~~أنهم لم ينطقوا بنفس ذلك اللفظ، ولكنه تعالى عبر به عن رسوله إكراما ~~له وإجلالا { ولله خزآئن السموت والأرض } أي هو ~~تعالى بيده مفاتيح الرزق يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ولا يملك أحد أن ~~يمنع فضل الله عن عباده { ولكن المنافقين لا يفقهون } ~~أي ولكن المنافقين لا يفهمون حكمة الله وتدبيره، فلذلك يقولون ما ~~يقولون من مقالات الكفر والضلال. # . ثم عدد تعالى بعض قبائحهم وأقوالهم الشنيعة فقال { يقولون لئن ~~رجعنآ إلى المدينة } أي يقولون لئن رجعنا من هذه الغزوة - ~~غزوة بني المصطلق - وعدنا إلى بلدنا " المدينة المنورة " { ~~ليخرجن الأعز منها الأذل } أي لنخرجن منها محمدا ~~وصحبه، والقائل هو ابن سلول، وعنى بالأعز نفسه وأتباعه، وبالأذل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومن معه قال المفسرون: # " لما قال ابن سلول ما قال ورجع إلى المدينة، وقف له ولده " عبد الله " ~~على باب المدينة واستل سيفه، فجعل الناس يمرون به، فلما جاء أبوه قال ~~له ابنه: وراءك، والله ms1623 لا تدخل المدينة أبدا حتى تقول: إن رسول الله ~~هو الأعز، وأنا الأذل فقالها: ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله: بلغني أنك تريد أن تقتل أبي، فإن كنت فاعلا ~~فمرني فأنا أحمل إليك رأسه!! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل ~~نترفق به ونحسن صحبته ما بقى معنا " # { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } أي لله جل ~~وعلا القوة والغلبة ولمن أعزه وأيده من رسوله والمؤمنين لا لغيرهم، ~~والصيغة تفيد الحصر قال القرطبي: توهموا أن العزة بكثرة الأموال ~~والأتباع، فبين الله أن العزة والمنعة لله ولرسوله وللمؤمنين { ~~ولكن المنافقين لا يعلمون } أي ولكن المنافقين لفرط ~~جهلهم وغرورهم لا يعلمون أن العزة والغلبة لأوليائه دون أعدائه { ~~يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله } لما ذكر قبائح المنافقين، نهى ~~المؤمنين عن التشبه بهم في الاغترار بالأموال والأولاد والمعنى: لا ~~تشغلكم أيها المؤمنون الأموال والأولاد عن طاعة الله وعبادته، وعن أداء ~~ما افترضه عليكم من الصلاة، والزكاة، والحج، كما شغلت المنافقين قال أبو ~~حيان: أي لا تشغلكم أموالكم بالسعي في نمائها، والتلذذ بجمعها، ولا ~~أولادكم بسروركم بهم، وبالنظر في مصالحهم، عن ذكر الله وهو عام في ~~الصلاة، والتسبيح، والتحميد، وسائر الطاعات { ومن يفعل ذلك ~~فأولئك هم الخاسرون } أي ومن تشغله الدنيا عن طاعة الله ~~وعبادته، فأولئك هم الكاملون في الخسران، حيث آثروا الحقير الفاني على ~~العظيم الباقي، وفضلوا العاجل على الآجل { وأنفقوا من ما ~~رزقناكم } أي وأنفقوا في مرضاة الله، من بعض ما أعطيناكم وتفضلنا ~~به عليكم من الأموال { من قبل أن يأتي أحدكم الموت } ~~أي قبل أن يحل الموت بالإنسان، ويصبح في حالة الاحتضار { فيقول ~~رب لولا أخرتني إلى أجل قريب } أي فيقول عند تيقنه ~~الموت، يا رب هلا أمهلتني وأخرت موتي إلى زمن قليل!! { ~~فأصدق وأكن من الصالحين } أي فأتصدق وأحسن عملي، وأصبح ~~تقيا صالحا قال ابن كثير: كل مفرط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول ~~المدة ليستدرك ما فات، ولكن ms1624 هيهات { ولن يؤخر الله نفسا ~~إذا جآء أجلهآ } أي ولن يمهل الله أحدا أيا كان إذا انتهى ~~أجله، ولن يزيد في عمره، وفيه تحريض على المبادرة بأعمال الطاعات، حذرا ~~أن يجيء الأجل وقد فرط ولم يستعد للقاء ربه { والله خبير بما ~~تعملون } أي مطلع وعالم بأعمالكم من خير أو شر، ومجازيكم عليها. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من الفصاحة والبيان نوجزها ~~فيما يلي: # 1- التأكيد بالقسم وإن واللام { والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون } زيادة في التقرير والبيان. # 2- الجملة الاعتراضية { والله يعلم إنك لرسوله } جاءت ~~معترضة بين الشرط وجوابه لبيان أنهم ما قالوا ذلك عن اعتقاد، ولدفع توهم ~~تكذيبهم في دعواهم الشهادة بالرسالة، والأصل { إذا جآءك ~~المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله.. ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } فجاءت الجملة ~~اعتراضية بينهما. # 3- الاستعارة { اتخذوا أيمانهم جنة } فإن أصل الجنة ~~ما يستتر به ويتقى به المحذور كالترس، ثم استعمل هنا استعارة لأنهم ~~كانوا يظهرون الإسلام ليعصموا دماءهم وأموالهم. # 4- الطباق بين { آمنوا ثم كفروا } وبين { الأعز منها ~~الأذل } وهو من المحسنات البديعية. # 5- التشبيه المرسل المجمل { وإن يقولوا تسمع لقولهم ~~كأنهم خشب مسندة } وهو من روائع التشبيه. # 6- طباق السلب { سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم }. # 7- الجملة الدعائية { قاتلهم الله } وهي دعاء عليهم باللعنة ~~والخزي والهلاك. # 8- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات، وهو كثير في القرآن يزيد في رونق ~~الكلام. # تنبيه: النفاق لم يكن بمكة وإنما كان بها الكفر، ولم يظهر النفاق إلا ~~بالمدينة المنورة حين عز الإسلام وكثر أنصاره، وقد كان المنافقون ~~يظهرون الإسلام لصون دمائهم وأموالهم كما قال الشاعر: # وما انتسبوا إلى الإسلام إلا # لصون دمائهم أن لا تسالا # فائدة: العزة غير الكبر، ولا يحل للمسلم أن يذل نفسه، فالعزة ~~معرفة الإنسان بحقيقة نفسه، والكبر جهل الإنسان بنفسه، قيل للحسن بن ~~علي رضي الله عنهما: إن الناس يزعمون أن فيك كبرا وتيها فقال: ليس بتيه ~~ولكنه عزة المسلم ثم تلا الآية { ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين }. # لطيفة: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " من ms1625 كان له مال يبلغه حج بيت ~~ربه، أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل ~~يا ابن عباس: اتق الله فإنما يسأل الرجعة الكفار!! فقال: سأتلو عليكم ~~بذلك قرآنا { وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن ~~يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني ~~إلى أجل قريب.. } الآية. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-18] # اللغة: { صوركم } التصوير: التخطيط والتشكيل الذي يكون به صورة ~~وهيئة يتميز بها عن غيره { نبأ } النبأ: الخبر الهام { وبال } ~~الوبال: العقوبة والنكال { زعم } ظن، والزعم هو القول بالظن ومنه ~~قولهم " زعموا مطية الكذب " قال شريح: " لكل شيء كنية، وكنية الكذب ~~زعموا " { التغابن } الغبن ومعناه: النقص يقال: غبنه غبنا إذا ~~أخذ الشيء منه بدون قيمته، وسمي يوم القيامة يوم التغابن، لأنه يظهر فيه ~~غبن الكافر بتركه الإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان. # سبب النزول: روي أن رجالا من أهل مكة أسلموا، وأرادوا أن يهاجروا ~~الى النبي صلى الله عليه وسلم فمنعهم أزواجهم وأولادهم، وقالوا: صبرنا ~~على إسلامكم ولا صبر لنا على فراقكم!؟ فأطاعوهم وتركوا الهجرة فأنزل الله ~~تعالى { يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم... } الآية. # التفسير: { يسبح لله ما في السموت وما في ~~الأرض } أي ينزه الله تعالى ويمجده جميع ما في السماوات والأرض من ~~مخالوقات، تنزيها دائما مستمرا بدون انقطاع، وصيغة المضارع تفيد ~~التجدد والاستمرار { له الملك وله الحمد } أي له جل وعلا ~~الملك التام والتصرف الكامل في خلقه، وهو المستحق للثناء وحده، لأن جميع ~~النعم منه سبحانه وتعالى، وقدم الجار والمجرور فيهما لإفادة حصر الملك ~~والحمد فيه سبحانه { وهو على كل شيء قدير } أي قادر على ~~كل شيء، يغني ويفقر، ويعز ويذل، وإذا أراد شيئا فإنما يقول له كن ~~فيكون، وهو كالدليل لما تقدم من أن الملك والحمد له سبحانه { هو ~~الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن } هذا تفصيل ~~لبعض آثار قدرته أي هو الذي خلقكم أيها الناس بهذا الشكل البديع المحكم، ~~فكان يجب على كل واحد منكم الإيمان ms1626 به، لكن منكم من كفر بربه، ومنكم ~~من آمن وصدق بخالقه قال الطبري: أي منكم كافر بخالقه وأنه هو الذي ~~خلقه، ومنكم مصدق به موقن أنه خالقه وبارئه، وقدم الكافر على ~~المؤمن، لكثرة الكفار وقلة المؤمنين # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله # [الأنعام: 116] # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13] { والله بما تعملون بصير } أي عالم بأحوالكم، ~~مطلع على أعمالكم، لا تخفى عليه خافية من شئونكم وسيجازيكم عليها.. ثم ~~فصل تعالى آثار قدرته ودلائل وحدانيته فقال { خلق السموت ~~والأرض بالحق } أي خلقهما بالحكمة البالغة، المتضمنة لمصالح ~~الدنيا والدين، لا عبثا ولا لهوا { وصوركم فأحسن ~~صوركم } أي خلقكم في أحسن صورة وأجمل شكل، فأتقن وأحكم خلقكم ~~وتصويركم كقوله تعالى # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] فإن من نظر في شكل الإنسان وهيئته وتناسب أعضائه، علم أن ~~صورته أحسن صورة بالنسبة لسائر أنواع الحيوان، ومن حسن صورته أنه خلق ~~منتصبا غير منكب على وجهه { وإليه المصير } أي وإليه تعالى ~~وحده المرجع والمآب، فيجازي كلا بعمله { يعلم ما في السموت ~~والأرض } أي يعلم ما في الكائنات من أجرام ومخلوقات { ويعلم ~~ما تسرون وما تعلنون } أي ويعلم ما تخفونه وما تظهرونه من ~~نواياكم وأعمالكم { والله عليم بذات الصدور } أي عالم بما ~~في الصدور من الأسرار والخفايا، فكيف تخفى عليه أعمالكم الظاهرة؟ قال في ~~البحر: نبه تعالى بعلمه بما في السماوات والأرض، ثم بعلمه بما يخفيه ~~العباد وما يعلنونه، ثم بعلمه بما أكنته الصدور، على أنه تعالى لا يغيب ~~عن علمه شيء، لا من الكليات ولا من الجزئيات، فابتدأ بالعلم الشامل، ثم ~~بسر العباد وعلانيتهم، ثم بما تنطوي عليه صدروهم، وهذا كله في معنى ~~الوعيد، إذ هو تعالى المجازي عليه بالثواب والعقاب. # . ثم ذكرهم تعالى بما حل بالكفار قبلهم فقال { ألم يأتكم ~~نبأ الذين كفروا من قبل } أي ألم يأتكم يا معشر قريش خبر ~~كفار الأمم الماضية كقوم عاد وثمود، ماذا حل بهم من العذاب والنكال!! { ~~فذاقوا وبال أمرهم } أي فذاقوا العقوبة ms1627 الوخيمة على كفرهم في ~~الدنيا { ولهم عذاب أليم } أي ولهم في الآخرة عذاب شديد موجع { ~~ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات } أي ~~ذلك العذاب الذي ذاقوه في الدنيا وما سيذوقونه في الآخرة، بسبب أنه ~~جاءتهم رسلهم بالمعجزات الواضحات، والبراهين الساطعات، الدالة على صدقهم ~~{ فقالوا أبشر يهدوننا }؟ أي فقالوا على سبيل الاستغراب ~~والتعجب: أرسل من البشر يصيرون هداة لنا قال الرازي: أنكروا أن يكون ~~الرسول بشرا، ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجرا، وذلك لقلة عقولهم ~~وسخافة أحلامهم { فكفروا وتولوا } أي فكفروا بالرسول، وأعرضوا ~~عن الإيمان واتباع هدى الرحمن { واستغنى الله } أي استغنى ~~الله عن طاعتهم وعبادتهم قال الطبري: أي استغنى الله عنهم، وعن إيمانهم ~~به وبرسله { والله غني حميد } أي غني عن خلقه، محمود في ~~ذاته وصفاته، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، لأنه مستغن عن العالمين.. ~~ثم أخبر تعالى عن إنكارهم للبعث بعد تكذيبهم للرسالة فقال { زعم ~~الذين كفروا أن لن يبعثوا } أي ادعى كفار مكة وظنوا ~~أن الله لن يبعثهم من قبورهم بعد موتهم أبدا { قل بلى وربي ~~لتبعثن } أي قل لهم يا محمد: ليس الأمر كما زعمتم، وأقسم بربي ~~لتخرجن من قبوركم أحياء ولتبعثن { ثم لتنبؤن بما ~~عملتم } أي ثم لتخبرن بجميع أعمالكم، صغيرها وكبيرها، جليلها ~~وحقيرها، وتجزون بها { وذلك على الله يسير } أي وذلك البعث ~~والجزاء، سهل هين على الله، لأن الإعادة أسهل من الابتداء قال الرازي: ~~أنكروا البعث بعد أن صاروا ترابا، فأخبر تعالى أن إعادتهم أهون في ~~العقول من إنشائهم.. ولما بالغ في الإخبار عن البعث، وذكر أحوال الأمم ~~المكذبة، أمر بالاعتصام بالإيمان والتمسك بالقرآن فقال { فآمنوا ~~بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا } أي فصدقوا ~~بالله وبرسوله وبهذا القرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإنه النور الوضاء، المبدد للشبهات، كما يبدد النور الظلمات { ~~والله بما تعملون خبير } أي لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ~~{ يوم يجمعكم ليوم الجمع } أي واذكروا ذلك اليوم الرهيب ~~- يوم القيامة - الذي يجمع الله فيه الخلائق كلها في ms1628 صعيد واحد للحساب ~~والجزاء قال ابن كثير: سمي " يوم الجمع " لأن الله تعالى يجمع فيه ~~الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، كقوله ~~تعالى # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود: 103] { ذلك يوم التغابن } أي ذلك هو اليوم الذي يظهر ~~فيه غبن الكافر وخسارته بتركه الإيمان، وذلك أن المؤمنين اشتروا الجنة ~~بترك الدنيا، واشترى الكفار النار بترك الآخرة، فظهر غبن الكافرين قال ~~الخازن: وأصله من الغبن وهو أخذ الشيء بدون قيمته، والمغبون من غبن ~~أهله ومنازله في الجنة، وذلك لأن كل كافر له أهل ومنزل في الجنة لو ~~أسلم، فيظهر يومئذ غبن كل كافر بتركه الإيمان، ويظهر غبن كل مؤمن ~~بتقصيره في الإحسان { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ~~يكفر عنه سيئاته } أي ومن يصدق بالله ويعمل عملا ~~صالحا، يمح الله تعالى عنه ذنوبه { ويدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار } أي ويدخله جنات النعيم، التي تجري من تحت ~~أشجارها وقصورها أنهار الجنة { خالدين فيهآ أبدا } أي مقيمين ~~في تلك الجنات أبد الحياة، لا يموتون ولا يخرجون منها { ذلك ~~الفوز العظيم } أي ذلك هو الفوز الذي لا فوز وراءه، والسعادة ~~التي لا سعادة بعدها { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ } ~~أي والذين جحدوا بوحدانية الله وقدرته، وكذبوا بالدلائل الدالة على البعث ~~وبآيات القرآن الكريم { أولئك أصحاب النار خالدين ~~فيها } أي أولئك مآلهم جهنم، ماكثين فيها أبدا { وبئس المصير ~~} أي وبئست النار مرجعا ومستقرا لأهل الكفر والضلال.. ثم أخبر تعالى ~~بأن كل ما يحدث في الكون بقضائه وإرادته فقال { مآ أصاب من ~~مصيبة إلا بإذن الله } أي ما أصاب أحدا مصيبة في نفسه ~~أو ماله أو ولده، إلا بقضاء الله وقدره { ومن يؤمن بالله ~~يهد قلبه } أي ومن يصدق بالله ويعلم أن كل حادثة بقضائه وقدره، ~~يهد قلبه للصبر والرضا ويثبته على الإيمان قال ابن عباس: يهد قلبه ~~لليقين، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ~~وقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من ms1629 عند الله فيرضى بها ~~ويسلم لقضاء الله { والله بكل شيء عليم } أي هو الله ~~تعالى عالم بكل الأشياء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء قال ~~القرطبي: أي لا يخفى عليه تسليم من انقاد وسلم لأمره، ولا كراهة من ~~كرهه ولم يرض بقضائه { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ~~أي أطيعوا أمر الله وأمر رسوله في كل ما شرع لكم من الأوامر والنواهي، ~~وكرر الأمر للتأكيد ولبيان أن طاعة الرسول واجبة كطاعة الله { فإن ~~توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين } أي ~~فإن أعرضتم عن إجابة الرسول فيما دعاكم إليه من الهداية والإيمان، ~~فليس عليه ضرر إنما ضرر ذلك عليكم، إذ ليس على الرسول إلا تبليغ ~~الرسالة وقد أدى ما عليه، والله ينتقم ممن عصاه وخالف أمره { الله لا ~~إله إلا هو } أي الله جل وعلا لا معبود سواه، ولا خالق غيره، ~~عليه الاعتماد وإليه المرجع والمآب { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } أي فعليه وحده توكلوا أيها المؤمنون في جميع أموركم قال ~~الصاوي: وهو تحريض وحث للنبي صلى الله عليه وسلم على التوكل على الله، ~~والالتجاء إليه، وفيه تعليم للأمة ذلك، بأن يلتجئوا إلى الله ويثقوا ~~بنصره وتأييده { يأيها الذين آمنوا إن من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم } أي يا ~~معشر المؤمنين إن بعض الزوجات والأولاد أعداء لكم، يصدونكم عن سبيل ~~الله، ويثبطونكم عن طاعة الله، فاحذروا أن تستجيبوا لهم وتطيعوهم قال ~~المفسرون: إن قوما أسلموا وأرادوا الهجرة، فثبطهم أزواجهم وأولادهم عن ~~الهجرة، فلم يهاجروا إلا بعد مدة، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فندموا وأسفوا وهموا بمعاقبة ~~أزواجهم وأولادهم فنزلت الآية الكريمة، والآية تعم كل من انشغل عن طاعة ~~الله بالأزواج والأولاد { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا } ~~أي وإن عفوتم عنهم في تثبيطكم عن الخير، وصفحتم عما صدر منهم، وغفرتم ~~لهم زلاتهم { فإن الله غفور رحيم } أي فإن الله واسع ~~المغفرة عظيم الرحمة، يعاملكم بمثل ما عاملتم { إنمآ أموالكم ~~وأولادكم فتنة } أي ليست الأموال ms1630 والأولاد إلا اختبارا ~~وابتلاء من الله تعالى لخلقه، ليعلم من يطيعه ومن يعصيه، وقدم المال ~~لأن فتنته أشد { والله عنده أجر عظيم } أي وما عند الله ~~من الأجر والثواب أعظم من متاع الدنيا، فلا تشغلكم الأموال والأولاد عن ~~طاعة الله، والآية ترغيب في الآخرة وتزهيد في الدنيا، وفي الأموال ~~والأولاد التي فتن الناس بها { فاتقوا الله ما استطعتم } ~~أي ابذلوا أيها المؤمنون في طاعة الله جهدكم وطاقتكم، ولا تكلفوا أنفسكم ~~ما لا تطيقون قال المفسرون: هذا في المأمورات وفضائل الأعمال يأتي ~~الإنسان منها بقدر طاقته، وأما في المحظورات فلا بد من اجتنابها ~~بالكلية ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه " # { واسمعوا وأطيعوا } أي واسمعوا ما توعظون به، وأطيعوا فيما ~~تؤمرون به وتنهون عنه { وأنفقوا خيرا لأنفسكم } أي ~~وأنفقوا في سبيل الله من أموالكم، يكن خيرا لأنفسكم { ومن يوق ~~شح نفسه فأولئك هم المفلحون } أي ومن سلم من ~~البخل والطمع الذي تدعو إليه النفس، فقد فاز بكل مطلوب { إن ~~تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم } أي إذا ~~تصدقتم في سبيل الله عن طيب نفس، فإن الله يضاعف لكم الأجر والثواب، وفي ~~تصوير الصدقة بصورة القرض تلطف بليغ في الإحسان إلى الفقراء { ~~ويغفر لكم } أي ويمح عنكم سيئاتكم { والله شكور حليم ~~} أي شاكر للمحسن إحسانه، حليم بالعباد حيث لا يعالجهم بالعقوبة مع ~~كثرة ذنوبهم { عالم الغيب والشهادة } أي هو تعالى العالم ~~بما غاب وحضر، لا تخفى عليه خافية { العزيز الحكيم } أي الغالب ~~في ملكه الحكيم في صنعه. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق في الاسم مثل { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ~~وكذلك بين { الغيب والشهادة } والطباق في الفعل مثل { ~~ويعلم ما تسرون وما تعلنون } وهو من المحسنات ~~البديعية. # 2- تقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر { له الملك وله ~~الحمد } أي له وحده الملك والحمد. # 3- الاستعارة اللطيفة { والنور الذي أنزلنا } أطلق على ~~القرآن النور ms1631 بطريق الاستعارة، فإن القرآن يزيل الشبهات، كما يزيل النور ~~الظلمات. # 4- المقابلة بين جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين { ومن يؤمن ~~بالله ويعمل صالحا.. } الآية وبين { والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب النار خالدين ~~فيها } الآية. # 5- الجناس الناقص { وصوركم فأحسن صوركم } لاختلاف ~~الحركات في الشكل. # 6- جناس الاشتقاق { أصاب.. مصيبة } و { يجمعكم ليوم ~~الجمع }. # 7- الإطناب بتكرار الفعل زيادة في التأكيد واعتناء بشأن الطاعة { ~~وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول }. # 8- صيغة المبالغة { والله شكور حليم } لأن فعول وفعيل من صيغ ~~المبالغة. # 9- الاستعارة التمثيلية { إن تقرضوا الله قرضا حسنا ~~يضاعفه لكم } شبه الإنفاق في سبيل الله والتصدق على الفقراء، ~~بمن يقرض الله قرضا واجب الوفاء وذلك بطريق التمثيل، وهو من لطيف ~~الاستعارة وبديع العبارة. # 10- السجع المرصع لتوافق الفواصل مثل { والله شكور حليم } ~~{ عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم }. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1-12] # اللغة: { العدة } المدة التي تحتبس فيها المرأة لمعرفة براءة ~~رحمها { أحصوا } اضبطوا بطريق العدد { حسبه } كافية { وجدكم ~~} طاقتكم ووسعكم { ارتبتم } شككتم { كأين } كثير { عتت } ~~تكبرت وتجبرت وأعرضت { نكرا } منكرا شنيعا وفظيعا { خسرا } ~~خسارا وهلاكا. # سبب النزول: أ- روى البخاري أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي ~~حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم قال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، ~~فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة ~~التي أمر بها الله عز وجل. # ب - وروي عن أنس قال طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فأتت ~~أهلها فأنزل الله تعالى { يأيها النبي إذا طلقتم ~~النسآء فطلقوهن لعدتهن } فقيل له: راجعها فإنها ~~صوامة قوامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة. # ج - وروي أنه لما نزل قوله تعالى # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # { البقرة: 228] قال جماعة من الصحابة يا رسول الله: فما عدة من لا قرء ~~لها من صغر أو كبر فنزلت { واللائي يئسن من المحيض من ~~نسآئكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر.. } ~~الآية. # التفسير: { يأيها النبي إذا طلقتم النسآء ms1632 } ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والحكم عام له ولأمته، وخص هو ~~بالنداء صلى الله عليه وسلم تعظيما له، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: ~~يا فلان افعلوا أي افعل أنت وقومك، فهو نداء على سبيل التكريم والتعظيم ~~قال القرطبي: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خوطب بلفظ الجماعة { ~~طلقتم } تعظيما وتفخيما والمعنى: يا أيها النبي ويا أيها ~~المؤمنون إذا أردتم تطليق النساء { فطلقوهن لعدتهن } أي ~~فطلقوهن مستقبلات لعدتهن، وذلك في الطهر، ولا تطلقوهن في الحيض قال ~~مجاهد: أي طاهرا من غير جماع لقوله صلى الله عليه وسلم: # " فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن ~~يطلق لها النساء " # قال المفسرون: وإنما نهي عن طلاق المرأة وقت الحيض لئلا تطول عليها ~~العدة فتتضرر، ولأن حالة الحيض منفرة للزوج، تجعله يتسرع في طلاقها ~~بخلاف ما إذا كانت طاهرا، وكونه لم يجامعها في ذلك الطهر، لئلا يحصل من ~~ذلك الوطء حمل، فتنتقل العدة من الحيض لوضع الحمل وفي ذلك ضرر ظاهر { ~~وأحصوا العدة } أي اضبطوها وأكملوها ثلاثة أقراء كاملة لئلا ~~تختلط الأنساب { واتقوا الله ربكم } أي خافوا الله رب ~~العالمين، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه { لا تخرجوهن من ~~بيوتهن } أي لا تخرجوهن من مساكنهن، بعد فراقكم لهن إلى أن تنقضي ~~عدتهن { ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~} أي ولا يخرجن من البيوت حتى تنقضي عدتهن، إلا إذا قارفت المطلقة ~~عملا قبيحا كالزنى فتخرج لإقامة الحد عليها قال في التسهيل: نهى الله ~~سبحانه وتعالى أن يخرج الرجل المرأة المطلقة من المسكن الذي طلقها ~~فيه، ونهاها هي أن تخرج باختيارها، فلا يجوز لها المبيت خارجا عن بيتها، ~~ولا أن تغيب عنه نهارا إلا لضرورة التصرف، وذلك لحفظ النسب وصيانة ~~المرأة، واختلف في الفاحشة التي تبيح خروج المعتدة فقيل: إنها الزنى ~~فتخرج لإقامة الحد عليها، وقيل إنه سوء الكلام مع الأصهار وبذاءة ~~اللسان فتخرج ويسقط حقها من السكنى، ويؤيده قراءة " إلا أن يفحشن عليكم ~~" { وتلك حدود الله } أي وهذه الأحكام هي شرائع ms1633 الله ومحارمه { ~~ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } أي ومن يخرج ~~عن هذه الأحكام، ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها، فقد ظلم نفسه ~~بتعريضها للعقاب، وأضر بها حيث فوت على نفسه إمكان إرجاع زوجته ~~إليه قال الرازي: وهذا تشديد فيمن يتعدى طلاق السنة، ومن يطلق لغير ~~العدة { لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ~~أي لا تعرف أيها السامع ماذا يحدث الله بعد ذلك الطلاق من الأمر؟ فلعل ~~الله يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة ~~فيها، فيجعله راغبا في زوجته بعدما كان كارها لها قال ابن عباس: يريد ~~الندم على طلاقها، والمحبة لرجعتها في العدة { فإذا بلغن ~~أجلهن } أي فإذا شارفن على انقضاء العدة وقاربن ذلك { ~~فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف } أي ~~فراجعوهن إلى عصمة النكاح مع الإحسان في صحبتهن كما أمر الله، أو ~~اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن قال المفسرون: الإمساك بالمعروف ~~هو إحسان العشرة وتوفية النفقة، من غير قصد المضارة في الرجعة لتطول ~~عليها العدة، والفراق بالمعروف هو أداء الصداق، والمتعة عند الطلاق، ~~والوفاء بالشروط مع توفية جميع حقوقها { وأشهدوا ذوى عدل ~~منكم } أي وأشهدوا عند الطلاق أو الرجعة، شخصين من أهل العدالة ~~والاستقامة من تثقون في دينهما وأمانتهما قال في البحر: وهذا الإشهاد ~~مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله تعالى # وأشهدوا إذا تبايعتم # [البقرة: 282] وعند الشافعية واجب في الرجعة، مندوب إليه في الفرقة { ~~وأقيموا الشهادة لله } أي اشهدوا بالحق دون تحيز لأحد، ~~خالصا لوجه الله تعالى من غير تبديل ولا تغيير، ودون مراعاة للمشهود له ~~أو المشهود عليه { ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر } أي هذا الذي شرعناه من الأحكام، إنما ينتفع ويتعظ ~~به المؤمن الذي يخشى الله، ويخاف الحساب والعقاب في الدار الآخرة { ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب } أي ومن يراقب الله ويقف عند حدوده، يجعل له من كل هم ~~فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ويرزقه من وجه لا ms1634 يخطر بباله ولا يعلمه قال ~~مجاهد: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، ~~فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب أحموقته ثم ~~يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس!! والله تعالى يقول { ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا } وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجا، ~~عصيت ربك وبانت منك امرأتك وقال المفسرون: الآية عامة وقد # " نزلت في " عوف بن مالك الأشجعي " أسر المشركون ابنه، فأتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الفاقة وقال: إن العدو أسر ابني وجزعت ~~أمه فما تأمرني؟ فقال صلى الله عليه وسلم له: اتق الله واصبر، وآمرك ~~وإياها أن تستكثروا من قول " لا حول ولا قوة إلا بالله " ففعل هو ~~وامرأته، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب، ومعه مائة من الإبل غفل ~~عنها العدو فاستاقها " # فنزلت { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب } { ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه } أي ومن يعتمد على الله، ويثق به فيما أصابه ونابه، فإن الله ~~كافيه قال الصاوي: أي من فوض إليه أمره كفاه ما أهمه، والأخذ ~~بالأسباب لا ينافي التوكل، لأنه مأمور به ولكن لا يعتمد على تلك ~~الأسباب، وفي الحديث # " لو توكلتم على الله حق توكله لزرقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا ~~وتروح بطانا " # { إن الله بالغ أمره } أي نافذ أمره في جميع خلقه، يبلغ ~~ما يريد ولا يعجزه شيء قال في التسهيل: وهذا حض على التوكل وتأكيد له، ~~لأن العبد إذا تحقق أن الأمور كلها بيد الله، توكل على الله وحده ولم ~~يعول على سواه { قد جعل الله لكل شيء قدرا } أي قد ~~جعل الله لكل أمر من الأمور، مقدارا معلوما ووقتا محدودا، حسب ~~الحكمة الأزلية قال القرطبي: أي جعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلا ~~ينتهي إليه.. ثم بين سبحانه حكم المطلقة التي لا تحيض لصغرها أو ~~لكبر سنها فقال { واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم ~~إن ارتبتم } أي ms1635 والنسوة اللواتي انقطع حيضهن لكبر سنهن، إن ~~شككتم وجهلتم كيف عدتهن؟ فهذا حكمهن { فعدتهن ثلاثة أشهر ~~} أي فعدة الواحدة منهن ثلاثة أشهر، كل شهر يقوم مقام حيضة { ~~واللائي لم يحضن } أي وكذلك اللواتي لم يحضن لصغرهن عدتهن ~~ثلاثة أشهر { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن } أي والمرأة الحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل، سواء كانت ~~مطلقة، أو متوفى عنها زوجها { ومن يتق الله يجعل له من ~~أمره يسرا } أي ومن يخشى الله في أقواله وأفعاله، ويجتنب ما حرم ~~الله عليه، يسهل عليه أمره ويوفقه لكل خير { ذلك أمر الله ~~أنزله إليكم } أي ذلك هو حكم الله وشرعه الحكيم، أنزله عليكم ~~أيها المؤمنون لتأتمروا به، وتعملوا بمقتضاه { ومن يتق الله ~~يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا } أي ومن يتق ~~ربه يمح عنه ذنوبه، ويضاعف له الأجر والثواب قال الصاوي: كرر التقوى ~~لعلمه سبحانه وتعالى أن النساء ناقصات عقل ودين، فلا يصبر على أمورهن ~~إلا أهل التقوى وقال في البحر: لما كان الكلام في أمر المطلقات، وكن ~~لا يطلقن إلا عن بغض أزواجهن لهن، وقد ينسب الزوج إليها ما ~~يشينها وينفر الخطاب عنها، فلذلك تكرر الأمر بالتقوى، وجاء مبرزا ~~في صورة شرط وجزاء { ومن يتق الله يجعل } الآية { ~~أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } أي أسكنوا هؤلاء ~~المطلقات في بعض مساكنكم التي تسكنونها، على قدر طاقتكم ومقدرتكم، فإن ~~كان موسرا وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيرا فعلى قدر ~~الطاقة { ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن } أي ولا ~~تضيقوا عليهن في السكنى والنفقة، حتى تضطروهن إلى الخروج أو الافتداء { ~~وإن كن أولات حمل } أي وإن كانت المطلقة حاملا { ~~فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } أي فعلى الزوج ~~أن ينفق عليها - ولو طالت مدة الحمل - حتى تضع حملها { فإن أرضعن ~~لكم } أي فإذا ولدت ورضيت أن ترضع له ولده { فآتوهن ~~أجورهن } أي فعلى الرجل أن يدفع لها أجر الرضاعة، لأن الأولاد ~~ينسبون إلى الآباء قال في التسهيل: والمعنى إن أرضع هؤلاء الزوجات ~~المطلقات أولادكم، فآتوهن أجرة ms1636 الرضاع وهي النفقة وسائر المؤن { ~~وأتمروا بينكم بمعروف } أي وليأمر كل منهما صاحبه ~~بالخير، من المسامحة والرفق والإحسان، قال القرطبي: أي وليقبل بعضكم من ~~بعض ما أمره به من المعروف الجميل، والمعروف منها: إرضاع الولد من غير ~~أجرة، والمعروف منه: توفير الأجرة عليها للإرضاع { وإن تعاسرتم ~~} أي تضايقتم وتشددتم، وعسر الاتفاق بين الزوجين، فأبى الزوج أن يدفع لها ~~ما تطلب، وأبت الزوجة أن ترضعه بأنقص من ذلك الأجر { فسترضع له ~~أخرى } أي فليستأجر لولده مرضعة غيرها، وهو خبر بمعنى الأمر أي ~~فليسترضع لولده مرضعة أخرى قال أبو حيان: وفيه عتاب للأم لطيف كما ~~تقول لمن تطلب منه حاجة فيتوانى عنها: سيقضيها غيرك، تريد أنها لن تبقى ~~غير مقضية وأنت ملوم قال الضحاك: إن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده ~~أخرى، فإن لم يقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجر { لينفق ذو سعة ~~من سعته } هذا بيان لقدر الإنفاق والمعنى: لينفق الزوج على ~~زوجته وعلى ولده الصغير، على قدر وسعه وطاقته، قال في التسهيل: وهو أمر ~~بأن ينفق كل واحد على مقدار حاله، فلا يكلف الزوج ما لا يطيق، ولا ~~تضيع الزوجة بل يكون الحال معتدلا، وفي الآية دليل على أن النفقة ~~تختلف باختلاف أحوال الناس يسرا وعسرا { ومن قدر عليه ~~رزقه } أي ومن ضيق عليه رزقه فكان دون الكفاية { فلينفق ~~ممآ آتاه الله } أي فلينفق على مقدار طاقته، وعلى قدر ما آتاه ~~الله من المال { لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها } أي ~~لا يكلف الله أحدا إلا بقدر طاقته واستطاعته، فلا يكلف الفقير مثل ما ~~يكلف الغني قال أبو السعود: وفيه تطييب لقلب المعسر، وترغيب له في بذل ~~مجهوده، وقد أكد ذلك الوعد بقوله { سيجعل الله بعد عسر ~~يسرا } أي سيجعل الله بعد الضيق الغنى، وبعد الشدة السعة والرخاء، ~~وفيه بشارة للفقراء بفتح أبواب الرزق عليهم. # . ثم حذر تعالى من عصيانه وتعدي حدوده، وضرب الأمثال بالأمم السابقة ~~فقال { وكأين من قرية } أي وكثير من أهل قرية من الأمم ~~السالفة { عتت ms1637 عن أمر ربها ورسله } أي طغت وتمردت على ~~أوامر الله وأوامر رسله { فحاسبناها حسابا شديدا } أي ~~فجازيناها على عصيانها وطغيانها بأنواع العذاب الأليم، من الجوع والقحط ~~وعذاب الاستئصال { وعذبناها عذابا نكرا } أي عذابا منكرا ~~عظيما يفوق التصور { فذاقت وبال أمرها } أي فذاقت عاقبة ~~كفرها وطغيانها وتمردها على أوامر الله { وكان عاقبة أمرها ~~خسرا } أي وكانت نتيجة بغيها الهلاك والدمار، والخسران الذي ما بعده ~~خسران.. ولما ذكر ما حل بالأمم الطاغية، أمر المؤمنين بتقوى الله، ~~تحذيرا من عقابه لئلا يصيبهم ما أصاب أولئك المجرمين فقال { أعد ~~الله لهم عذابا شديدا } أي هيأ الله لهم في الآخرة عذاب جهنم ~~الشديد المؤبد { فاتقوا الله يأولي الألباب } أي فخافوا ~~الله واحذروا بطشه وانتقامه يا أصحاب العقول السليمة { الذين ~~آمنوا } أي أنتم يا معشر المؤمنين الذي صدقتم بالله ورسوله { قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا } أي قد أنزل الله إليكم وحيا يتلى ~~وهو القرآن الحكيم { رسولا يتلوا عليكم آيات الله ~~مبينات } أي وأرسل إليكم رسولا وهو محمد صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~عليكم آيات الله، واضحات جليات، تبين الحلال والحرام وما تحتاجون ~~إليه من الأحكام قال في البحر: والظاهر أن الذكر هو القرآن، وأن الرسول ~~هو محمد صلى الله عليه وسلم { ليخرج الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور } أي ليخرج ~~المؤمنين المتقين، من الضلالة إلى الهدى، ومن ظلمة الكفر والجهل إلى ~~نور الإيمان والعلم { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا } أي ~~ومن يصدق بالله ويعمل بطاعته { يدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار } أي يدخله في الآخرة جنات النعيم، تجري من تحت ~~قصورها أنهار الجنة { خالدين فيهآ أبدا } أي ماكثين في تلك ~~الجنان - جنان الخلد - أبدا لا يخرجون منها ولا يموتون { قد أحسن ~~الله له رزقا } أي قد طيب الله رزقهم في الجنة ووسعه لهم، ~~لأن نعيمها دائم لا ينقطع قال الطبري: أي وسع لهم في الجنات الرزق، وهو ~~ما رزقهم من المطاعم والمشارب وسائر ما أعد لأوليائه فيها فطيبه لهم، ~~وفي الآية معنى التعجب والتعظيم ms1638 لما رزق الله المؤمن من الثواب. # . ثم أشار تعالى إلى آثار قدرته، وعظيم سلطانه وجلاله فقال { الله ~~الذي خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن } أي ~~الله العظيم الكبير هو الذي خلق بقدرته سبع سماوات طباقا، ومن الأرض ~~كذلك خلق سبع أرضين بعضها فوق بعض بدون فتوق بخلاف السماوات { ~~يتنزل الأمر بينهن } أي يتنزل وحي الله ويجري أمره ~~وقضاؤه بين السماوات والأرضين { لتعلموا أن الله على ~~كل شيء قدير } أي لتعلموا أن من قدر على خلق ذلك قادر على كل ~~شيء { وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } أي ~~ولتعلموا أنه تعالى عالم بكل شيء، لا تخفى عليه خافية. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق { فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن } وكذلك { ~~بعد عسر يسرا }. # 2- الإظهار في موضع الإضمار للتهويل { وتلك حدود الله ومن ~~يتعد حدود الله }. # 3- الالتفات لمزيد الاهتمام { لا تدرى لعل الله يحدث ~~بعد ذلك أمرا } ورد بطريق الخطاب والأصل أن يكون بطريق الغائب " ~~لا يدري ". # 4- إيجاز الحذف { واللائي لم يحضن } حذف منه الخبر أي فعدتهن ~~ثلاثة أشهر أيضا. # 5- تكرار الوعيد للتفظيع والترهيب { فحاسبناها حسابا شديدا ~~وعذبناها عذابا نكرا * فذاقت وبال أمرها } ~~الآية. # 6- المجاز المرسل { وكأين من قرية } يراد بها أهل القرية من ~~باب تسمية الحال باسم المحل. # 7- الاستعارة اللطيفة { ليخرج الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من الظلمات إلى النور } استعار الظلمات للضلال ~~والكفر، واستعار النور للهدى والإيمان، وهو من روائع البيان، وجلال ~~تعبير القرآن. # 8- السجع المرصع كأنه الدر والياقوت مثل { قد جعل الله ~~لكل شيء قدرا.. يجعل له من أمره يسرا.. ~~ويعظم له أجرا.. وكان عاقبة أمرها خسرا } الخ ~~وهو من المحسنات البديعية. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-12] # اللغة: { تحلة } تحليل اليمين بالكفارة { صغت } مالت عن الحق ~~وزاغت، وأصغى الإناء أماله { قانتات } مطيعات من القنوت وهو ملازمة ~~الطاعة مع الخضوع { نصوحا } خالصة صادقة، والتوبة النصوح هي التي ~~لا عودة بعدها إلى الذنب، سميت نصوحا لما فيها من الصدق والإخلاص ~~يقال: هذا عسل ناصح إذا خلص من ms1639 الشمع { اغلظ } من الغلظة وهي الشدة ~~{ أحصنت } عفت وصانت نفسها عن مقارفة الفاحشة. # سبب النزول: أ- روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه، فلما كان يوم حفصة ~~استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أبويها فأذن لها، فلما ~~خرجت أرسل إلى جاريته " مارية القبطية " فعاشرها في بيت حفصة، فرجعت ~~فوجدتها في بيتها، فغارت غيرة شديدة، وقالت: أدخلتها بيتي في غيابي ~~وعاشرتها على فراشي؟! ما أراك فعلت هذا إلا لهواني عليك! فقال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مسترضيا لها: إني حرمتها علي ولا تخبري بذلك ~~أحدا، فلما خرج من عندها قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة - ~~وكانتا متصافيتين - وأخبرتها بسر النبي صلى الله عليه وسلم فغضب رسول ~~الله وحلف ألا يدخل على نسائه شهرا واعتزلهن " # فأنزل الله { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله ~~لك.. } الآية. # ب - وروي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على زوجه " زينب " رضي الله ~~عنها فيشرب عندها عسلا، فاتفقت عائشة وحفصة على أن تقول له كل واحدة ~~إذا دنا منها: أكلت مغافير - وهو طعام حلو كريه الريح - فلما مر على ~~حفصة قالت له ذلك، ثم دخل على عائشة فقالت له مثل ذلك - وكان صلى الله ~~عليه وسلم يكره أن توجد منه رائحة كريهة - فقال عليه السلام: لا ولكني ~~شربت عسلا عند زينب ولن أعود له وحلف " # فنزلت { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله ~~لك.. } الآيات. # التفسير: { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله ~~لك } الخطاب بلفظ النبوة مشعر بالتوقير والتعظيم، والتنويه بمقامه ~~الرفيع الشريف، فلم يخاطبه باسمه العلم كما خاطب سائر الرسل بقوله " يا ~~إبراهيم، يا نوح، يا عيسى بن مريم " وإنما خاطبه بلفظ النبوة أو ~~الرسالة، وذلك أعظم دليل وبرهان على أنه - صلوات الله عليه - أفضل ~~الأنبياء والمرسلين ومعنى الآية: يا أيها الموحى إليه من السماء، المنبأ ~~بواسطة الأمين جبريل عليه السلام، لماذا تمنع نفسك ما أحل الله لك من ~~النساء؟! قال المفسرون: ms1640 إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بأم ولده " ~~مارية " في بيت حفصة وعلمت بذلك فقال لها: اكتمي علي وقد حرمت مارية ~~على نفسي فنزلت الآية { يأيها النبي لم تحرم مآ ~~أحل الله لك } وفي افتتاح العتاب من حسن التلطف ما لا يخفى، فقد ~~عاتبه على إتعاب نفسه والتضييق عليها من أجل مرضاة أزواجه، كأنه يقول: ~~لا تتعب نفسك في سبيل أزواجك، وأزواجك يسعين في مرضاتك، فأرح نفسك من هذا ~~العناء { تبتغي مرضات أزواجك }؟ أي تطلب رضا أزواجك بتحريم ~~ما أحل الله لك؟ قال في التسهيل: يعني تحريمه للجارية ابتغاء رضا حفصة، ~~وهذا يدل على أنها نزلت في تحريم الجارية، وأما تحريم العسل فلم يقصد فيه ~~رضا أزواجه وإنما تركه لرائحته { والله غفور رحيم } أي والله ~~واسع المغفرة، عظيم الرحمة، حيث سامحك في امتناعك عن مارية، وإنما عاتبك ~~رحمة بك، وفي هذا إشارة إلى أن عتابه في ذلك إنما كان كرامة له، ~~وإنما وقع العتاب لتضييقه عليه السلام على نفسه، وامتناعه مما كان له ~~فيه أنس ومتعة، وبئس ما قاله الزمخشري في أن هذا كان منه صلى الله عليه ~~وسلم زلة لأنه حرم ما أحل الله له الخ فإن هذا القول قلة أدب مع مقام ~~النبوة، وجهل بصفات المعصوم، فلم يكن منه صلوات الله عليه تحريم للحلال ~~كما زعم حتى تعتبر مخالفة ومعصية، وإنما امتنع عن بعض إمائه تطييبا ~~لخاطر بعض أزواجه، فعاتبه الله تعالى عليه رفقا به، وتنويها بقدره، ~~وإجلالا لمنصبه عليه السلام أن يراعي مرضاة أزواجه بما يشق عليه، جريا ~~على ما ألف من لطف الله تعالى به { قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم } أي قد شرع الله لكم يا معشر المؤمنين ما ~~تتحللون به من أيمانكم وذلك بالكفارة { والله مولاكم } أي ~~والله وليكم وناصركم { وهو العليم الحكيم } أي وهو العليم ~~بخلقه الحكيم في صنعه، فلا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه الحكمة ~~والمصلحة. # . ثم شرع تعالى في بيان القصة التي حدثت لرسول الله صلى الله عليه ms1641 وسلم ~~مع بعض زوجاته فقال { وإذ أسر النبي إلى بعض ~~أزواجه حديثا } أي واذكر حين أسر النبي محمد صلى الله عليه ~~وسلم إلى زوجته حفصة خبرا واستكتمها إياه قال ابن عباس: هو ما أسر ~~إلى حفصة من تحريم الجارية على نفسه، كما أخبرها بأن الخلافة بعده تكون ~~في أبي بكر وعمر، وطلب منها ألا تخبر بذلك أحدا { فلما نبأت ~~به } أي فلما أخبرت بذلك السر عائشة وأفشته لها { وأظهره ~~الله عليه } أي وأطلع الله نبيه بواسطة جبريل الأمين على إفشائها ~~للسر { عرف بعضه وأعرض عن بعض } أي أعلمها وأخبرها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الحديث الذي أفشته معاتبا لها، ولم ~~يخبرها بجميع ما حصل منها حياء منه وكرما، فإن من عادة الفضلاء ~~التغافل عن الزلات، والتقصير في اللوم والعتاب قال الحسن: ما استقصى ~~كريم قط، وقال سفيان: ما زال التغافل من شيم الكرام قال الخازن: المعنى ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر حفصة ببعض ما أخبرت به عائشة وهو تحريم ~~مارية على نفسه، وأعرض عن ذكر الخلافة لأنه صلى الله عليه وسلم كره أن ~~ينتشر ذلك في الناس { فلما نبأها به } أي فلما أخبر الرسول ~~حفصة بأنها قد أفشت سره { قالت من أنبأك هذا } أي قالت: ~~من أخبرك يا رسول الله بأني أفشيت سرك؟ قال أبو حيان: ظنت حفصة أن عائشة ~~فضحتها - وكانت قد استكتمتها - فقالت من أنبأك هذا على سبيل التثبت، ~~فأخبرها أن الله جل وعلا هو الذي نبأه به فسكتت وسلمت { قال ~~نبأني العليم الخبير } أي فقال عليه السلام: أخبرني بذلك ~~رب العزة، العليم بسرائر العباد، الخبير الذي لا تخفى عليه خافية { إن ~~تتوبآ إلى الله } الخطاب لحفصة وعائشة، خاطبهما بطريق الالتفات ~~ليكون أبلغ من معاتبتهما وحملهما على التوبة مما بدر منهما من الإيذاء ~~لسيد الأنبياء، وجوابه محذوف تقديره أي إن تبتما كان خيرا لكما من ~~التعاون على النبي صلى الله عليه وسلم بالإيذاء { فقد صغت ~~قلوبكما } أي فقد زاغت ومالت قلوبكما عما يجب عليكما ms1642 من الإخلاص ~~لرسول الله، بحب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه { وإن تظاهرا عليه } ~~أي وإن تتعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بما يسوءه، من الوقيعة ~~بينه وبين سائر نسائه { فإن الله هو مولاه } أي فإن الله ~~تعالى هو وليه وناصره، فلا يضره ذلك التظاهر منكما { وجبريل ~~وصالح المؤمنين } أي وجبريل كذلك وليه وناصره، والصالحون من ~~المؤمنين قال ابن عباس: أراد بصالح المؤمنين أبا بكر وعمر فقد كانا عونا ~~له عليه الصلاة والسلام عليهما قال في التسهيل: معنى الآية: إن تعاونتما ~~عليه صلى الله عليه وسلم بما يسوءه من إفراط الغيرة، وإفشاء سره ونحو ~~ذلك، فإن له من ينصره ويتولاه، وقد ورد في الصحيح أنه لما وقع ذلك جاء ~~عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ما يشق عليك ~~من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل، وأبو ~~بكر وعمر معك فنزلت الآية موافقة لقول عمر { والملائكة بعد ~~ذلك ظهير } أي والملائكة الأبرار بعد حضرة الله، وجبريل، وصالح ~~المؤمنين أعوان لرسول الله صلى الله عليه وسلم على من عاداه، فماذا يفيد ~~تظاهر امرأتين على من هؤلاء أعوانه وأنصاره؟! أفرد { جبريل } بالذكر ~~تعظيما له، وإظهارا لمكانته عند الله تعالى فيكون قد ذكر مرتين: مرة ~~بالإفراد، ومرة في العموم، ووسط { صالح المؤمنين } بين ~~جبريل والملائكة تشريفا لهم، واعتناء بهم، وإشادة بفضل الصلاح، وختم ~~الآية بذكر { الملائكة } أعظم المخلوقات وجعلهم ظهراء للنبي عليه ~~السلام ليكون أفخم بالنبي صلوات الله عليه، وعظم مكانته، والانتصار له، ~~إذ هم بمثابة جيش جرار، يملأ القفار، نصرة للنبي المختار، فمن ذا ~~الذي يستطيع أن يناوىء الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك؟ ثم خوف ~~تعالى نساء النبي بقوله { عسى ربه إن طلقكن } قال ~~المفسرون: { عسى } من الله واجب أي حق واجب على الله إن طلقكن ~~رسوله { أن يبدله أزواجا خيرا منكن } أي أن يعطيه عليه ~~السلام بدلكن زوجات صالحات خيرا وأفضل منكن قال القرطبي: هذا ~~وعد من الله تعالى لرسوله ms1643 لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه نساء خيرا ~~منهن، والله عالم بأنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته، على أن رسوله لو ~~طلقهن، لأبدله خيرا منهن، تخويفا لهن. # . ثم وصف تعالى هؤلاء الزوجات اللواتي سيبدله بهن فقال { مسلمات ~~} أي خاضعات مستسلمات لأمر الله تعالى وأمر رسوله { مؤمنات } أي ~~مصدقات بالله وبرسوله { قانتات } أي مطيعات لما يؤمرن به، ~~مواظبات على الطاعة { تائبات } أي تائبات من الذنوب، لا يصررن على ~~معصية { عابدات } أي متعبدات لله تعالى يكثرن العبادة، كأن ~~العبادة امتزجت بقلوبهن حتى صارت سجية لهن { سائحات } أي مسافرات ~~مهاجرات إلى الله ورسوله { ثيبات وأبكارا } أي منهن ~~ثيبات، ومنهن أبكارا قال ابن كثير: قسمهن إلى نوعين ليكون ذلك أشهى ~~إلى النفس، فإن التنوع يبسط النفس، وإنما دخلت واو العطف هنا { ~~ثيبات وأبكارا } للتنويع والتقسيم، ولو سقطت لاختل المعنى، لأن ~~الثيوبة والبكارة لا يجتمعان، فتدبر سر القرآن.. ولما وعظ نساء الرسول ~~موعظة خاصة، أتبع ذلك بموعظة عامة للمؤمنين فقال { يأيها ~~الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا } أي يا من ~~صدقتم بالله ورسوله وأسلمتم وجوهكم لله، احفظوا أنفسكم، وصونوا أزواجكم ~~وأولادكم، من نار حامية مستعرة، وذلك بترك المعاصي وفعل الطاعات، ~~وبتأديبهم وتعليمهم قال مجاهد: أي اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله ~~وقال الخازن: أي مروهم بالخير، وانهوهم عن الشر، وعلموهم وأدبوهم حتى ~~تقوهم بذلك من النار، والمراد بالأهل النساء والأولاد وما ألحق بهما { ~~وقودها الناس والحجارة } أي حطبها الذي تسعر به نار جهنم ~~هو الخلائق والحجارة قال المفسرون: أراد بالحجارة حجارة الكبريت، لأنها ~~أشد الأشياء حرا، وأسرع اتقادا، وعنى بذلك أنها مفرطة الحرارة، تتقد ~~بما ذكر، لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه قال ابن مسعود: حطبها الذي ~~يلقى فيها بنو آدم، وحجارة من كبريت، أنتن من الجيفة { عليها ~~ملائكة غلاظ شداد } أي على هذه النار زبانية غلاظ القلوب، لا ~~يرحمون أحدا، مكلفون بتعذيب الكفار قال القرطبي: المراد بالملائكة ~~الزبانية، وهم غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا، لأنهم خلقوا من ~~الغضب، وحبب إليهم عذاب الخلق ms1644 كما حبب لبني آدم أكل الطعام والشراب { ~~لا يعصون الله مآ أمرهم } أي لا يعصون أمر الله بحال من ~~الأحوال { ويفعلون ما يؤمرون } أي وينفذون الأوامر بدون ~~إمهال ولا تأخير. # . ثم يقال للكفار عند دخولهم النار { يأيها الذين كفروا ~~لا تعتذروا اليوم } أي لا تعتذروا عن ذنوبكم وإجرامكم، فلا ~~ينفعكم اليوم الاعتذار، لأنه قد قدم إليكم الإنذار والإعذار { ~~إنما تجزون ما كنتم تعملون } أي إنما تنالون جزاء ~~أعمالكم القبيحة، ولا تظلمون شيئا كقوله تعالى # اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ~~إن الله سريع الحساب # [غافر: 17] ثم دعا المؤمنين إلى التوبة الصادقة الناصحة فقال { ~~يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا } أي توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة صادقة خالصة، بالغة في ~~النصح الغاية القصوى، سئل عمر عن التوبة النصوح فقال: هي أن يتوب ثم لا ~~يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع قال العلماء: التوبة ~~النصوح هي التي جمعت ثلاثة شروط: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما حدث، ~~والعزم على عدم العودة إليه، وإن كان الحق لآدمي زيد شرط رابع وهو: ~~رد المظالم لأصحابها { عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم } أي لعل الله يرحمكم فيمحو عنكم ذنوبكم قال المفسرون: " ~~عسى " من الله واجبة بمنزلة التحقيق، وهذا إطماع من الله لعباده في ~~قبول التوبة، تفضلا منه وتكرما، لأن العظيم إذا وعد وفى، وعادة ~~الملوك أنهم إذا أرادوا فعلا قالوا " عسى " فهو بمنزلة المحقق { ~~ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار } أي ويدخلكم ~~في الآخرة حدائق وبساتين ناضرة، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة { يوم ~~لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه } أي يوم لا ~~يفضح الله النبي وأتباعه المؤمنين أمام الكفار، بل يعزهم ويكرمهم قال أبو ~~السعود: وفيه تعريض بمن أخزاهم الله تعالى من أهل الكفار والفسوق { ~~نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم } أي نور هؤلاء ~~المؤمنين يضيء لهم على الصراط، ويسطع أمامهم وخلفهم وعن أيمانهم ~~وشمائلهم، كإضاءة القمر في سواد الليل { يقولون ربنآ أتمم ~~لنا نورنا ms1645 } أي يدعون الله قائلين: يا ربنا أكمل علينا هذا النور ~~وأدمه لنا، ولا تتركنا نتخبط في الظلمات قال ابن عباس: هذا دعاء المؤمنين ~~حين أطفأ الله نور المنافقين، يدعون ربهم به إشفاقا حتى يصلوا إلى ~~الجنة { واغفر لنآ } أي وامح عنا ما فرط من الذنوب { إنك ~~على كل شيء قدير } أي إنك أنت القادر على كل شيء، من ~~المغفرة والعقاب، والرحمة والعذاب.. ثم أمر تعالى بجهاد أعداء الله من ~~الكفرة والمنافقين فقال { يأيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين } أي جاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة ~~والبرهان، لأن المنافقين يظهرون الإيمان، فهم مسلمون ظاهرا فلذلك لم ~~يؤمر عليه الصلاة والسلام بقتالهم { واغلظ عليهم } أي وشدد ~~عليهم في الخطاب، ولا تعاملهم بالرأفة واللين، إرعابا وإذلالا لهم، ~~لتنكسر صلابتهم وتلين شكيمتهم { ومأواهم جهنم } أي ومستقرهم ~~في الآخرة جهنم { وبئس المصير } أي وبئست جهنم مستقرا ومصيرا ~~للمجرمين. # . ثم ضرب الله تعالى مثلا للكفار في عدم انتفاعهم بصلة القرابة أو ~~المصاهرة أو النكاح، لأن الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة ولا ينفع إلا ~~العمل الصالح فقال { ضرب الله مثلا للذين كفروا ~~امرأت نوح وامرأت لوط } أي مثل تعالى للكفار في عدم ~~استفادتهم بقرابة المؤمنين، بحال امرأة نوح وامرأة لوط { كانتا ~~تحت عبدين من عبادنا صالحين } أي كانتا في عصمة نبيين ~~عظيمين هما " نوح و " لوط " عليهما السلام، وإنما وصفهما بالعبودية ~~تشريفا وتكريما لهما بإضافتهما إليه تعالى { فخانتاهما فلم ~~يغنيا عنهما من الله شيئا } أي فخانت كل واحدة زوجها ~~بالكفر وعدم الإيمان، فلم يدفعا عن امرأتيهما - مع نبوتهما - شيئا من ~~عذاب الله { وقيل ادخلا النار مع الداخلين } أي وتقول ~~لهما خزنة النار يوم القيامة: ادخلا نار جهنم مع سائر الداخلين، من ~~الكفرة المجرمين قال القرطبي: ضرب تعالى هذا المثل تنبيها على أنه لا ~~يغني في الآخرة أحد عن قريب ولا نسيب، إذا فرق بينهما الدين، كما لم ~~يدفع نوح ولوط - مع كرامتهما على الله تعالى - عن زوجتيهما لما عصتا ~~شيئا من عذاب الله { وضرب الله مثلا للذين آمنوا ms1646 ~~امرأت فرعون } وهذا مثل آخر للمؤمن في عدم تضرره ببقاء قريبه ~~على الكفر إذا كان هو مؤمنا قال أبو السعود: أي جعل حالها مثلا لحال ~~المؤمنين في أن وصلة الكفر لا تضرهم، حيث كانت في الدنيا تحت أعدى أعداء ~~الله " فرعون " وهي في أعلى غرف الجنة قال المفسرون: واسمها " آسية بنت ~~مزاحم " آمنت بموسى عليه السلام، فبلغ ذلك فرعون فأمر بقتلها، فنجاها ~~الله من شره، فلم يضر امرأة فرعون اتصالها به وهو من أكفر الكافرين، ولم ~~ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما وهما رسولا رب العالمين { إذ ~~قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة } أي حين دعت ~~ربها قائلة: يا رب اجعل لي قصرا مشيدا بجوار رحمتك في جنة النعيم ~~قال بعض العلماء: ما أحسن هذا الكلام فقد اختارت الجار قبل الدار حيث ~~قالت { ابن لي عندك بيتا في الجنة } فهي تطمع في جوار ~~الله قبل طمعها في القصور، وفي الآية دليل على إيمانها وتصديقها بالبعث ~~{ ونجني من فرعون وعمله } أي وأنقذني من كفر فرعون ~~وطغيانه { ونجني من القوم الظالمين } أي وأنقذني من ~~الأقباط، أتباع فرعون الطاغين، قال الحسن: لما دعت بالنجاة نجاها الله ~~تعالى أكرم نجاة، فرفعها إلى الجنة تأكل وتشرب وتتنعم { ومريم ~~ابنت عمران } أي ومريم ابنة عمران مثل آخر في الإيمان { ~~التي أحصنت فرجها } أي حفظت فرجها وصانته عن مقارفة ~~الفواحش، فهي عفيفة شريفة طاهرة، لا كما زعم اليهود عليهم لعنة الله، ~~أنها زنت وأن ولدها عيسى ابن زنى { فنفخنا فيه من روحنا } أي ~~فنفخ رسولنا جبريل في فتحة جيبها، فوصل أثر ذلك إلى فرجها فحملت بعيسى ~~قال ابن كثير: إن الله بعث جبريل فتمثل لها في صورة بشر، وأمره أن ينفخ ~~بفيه في جيب درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها فكان منه الحمل بعيسى ~~عليه السلام { وصدقت بكلمات ربها وكتبه } أي وآمنت ~~بشرائع الله القدسية، وكتبه السماوية { وكانت من القانتين } ~~أي وكانت من القوم المطيعين، العابدين لله عز وجل، وهو ثناء عليها بكثرة ~~العبادة والطاعة، ms1647 والخشوع، وفي الحديث # " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ~~ابنة عمران، وخديجة بن خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على ~~سائر الطعام ". # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين حرم وأحل { لم تحرم مآ أحل } وبين { ~~عرف.. وأعرض } وبين { ثيبات وأبكارا } وكلها من ~~المحسنات البديعية التي تزيد في جمال الكلام. # 2- الإلتفات من الغيبة إلى الخطاب { إن تتوبآ إلى الله } ~~زيادة في اللوم والعتاب. # 3- صيغ المبالغة { العليم الخبير } { نصوحا } { ظهير } ~~{ قدير } الخ. # 4- ذكر العام بعد الخاص { وجبريل وصالح المؤمنين ~~والملائكة } فقد خص جبريل بالذكر تشريفا، ثم ذكره ثانية مع ~~العموم اعتناء بشأن الرسول صلى الله عليه وسلم ووسط صالح المؤمنين بين ~~الملائكة المقربين. # 5- المجاز المرسل { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } ذكر ~~المسبب وأراد السبب أي لازموا على الطاعة لتقوا أنفسكم وأهليكم من عذاب ~~الله. # 6- المقابلة بين مصير أهل الإيمان ومصير أهل الطغيان { ضرب الله ~~مثلا للذين كفروا } و { ضرب الله مثلا للذين ~~آمنوا }. # 7- التغليب { وكانت من القانتين } غلب الذكور على الإناث. # 8- السجع المرصع كأنه اللؤلؤ والمرجان، وهو كثير في القرآن فتدبره ~~بإمعان. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-30] # اللغة: { طباقا } بعضها فوق بعض، من طابق النعل بالنعل إذا قطعه ~~بقدره وجعله فوقه { فطور } شقوق وخروق، من فطر بمعنى شق قال الشاعر: # بنى لكمو بلا عمد سماء # وسواها فما فيها فطور # { حسير } كليل من الحسور وهو الإعياء يقال حسر البعير إذا كل ~~وانقطع قال الشاعر: # نظرت إليها بالمحصب من منى # فعاد إلي الطرف وهو حسير # { شهيقا } صوتا منكرا كصوت الحمير { تميز } تتقطع وينفصل ~~بعضها من بعض، وأصلها تتميز حذفت احدى التاءين تخفيفا { مناكبها ~~} أطرافها ونواحيها، وأصل المنكب: الجانب ومنه منكب الرجل { لجوا } ~~تمادوا وأصروا { تمور } ترتج وتضطرب { زلفة } قريبا منهم { ~~غورا } غائرا ذاهبا في الأرض. # التفسير: { تبارك الذي بيده الملك } أي تمجد وتعالى ~~الله العلي الكبير، المفيض على المخلوقات من فنون الخيرات، الذي بقبضة ~~قدرته ملك السماوات والأرض، يتصرف فيهما كيف ms1648 يشاء قال ابن عباس: بيده ~~الملك، يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ~~ويمنع { وهو على كل شيء قدير } أي وهو القادر على كل شيء ~~له القدرة التامة، والتصرف الكامل في كل الأمور، من غير منازع ولا ~~مدافع.. ثم بين تعالى آثار قدرته، وجليل حكمته فقال { الذي خلق ~~الموت والحياة } أي أوجد في الدنيا الحياة والموت، فأحيا من شاء ~~وأمات من شاء، وهو الواحد القهار، وإنما قدم الموت لأنه أهيب في النفوس ~~وأفزع قال العلماء: ليس الموت فناء وانقطاعا بالكلية عن الحياة، وإنما ~~هو انتقال من دار إلى دار، ولهذا ثبت في الصحيح أن الميت يسمع، ويرى، ~~ويحس وهو في قبره كما قال عليه السلام # " إن أحدكم إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع ~~نعالهم " # الحديث وقال صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم لكنهم لا يجيبون " # فالموت هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقتها للجسد { ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا } أي ليمتحنكم ويختبركم - أيها الناس - فيرى ~~المحسن منكم من المسيء قال القرطبي: أي يعاملكم معاملة المختبر، فإن ~~الله تعالى عالم بالمطيع والعاصي أزلا { وهو العزيز } أي الغالب ~~في انتقامه ممن عصاه { الغفور } لذنوب من تاب وأناب إليه { الذي ~~خلق سبع سموت طباقا } أي خلق سبع سماوات متطابقة، بعضها ~~فوق بعض، كل سماء كالقبة للأخرى { ما ترى في خلق الرحمن ~~من تفاوت } أي لست ترى أيها السامع في خلق الرحمن البديع من نقص أو ~~خلل، أو اختلاف أو تنافر، بل هي في غاية الإحكام والإتقان، وإنما قال ~~{ في خلق الرحمن } ولم يقل " فيهن " تعظيما لخلقهن، وتنبيها ~~على باهر قدرة الله { فارجع البصر هل ترى من فطور }؟ أي ~~فكرر النظر في السماوات وردده في خلقهن المحكم، هل ترى من شقوق وصدوع؟ ~~{ ثم ارجع البصر كرتين } أي ثم ردد النظر مرة بعد ~~أخرى، وانظر بعين الاعتبار في هذه السماوات العجيبة، مرة بعد مرة { ~~ينقلب إليك البصر خاسئا } أي يرجع إليك بصرك ms1649 خاشعا ~~ذليلا، لم ير ما تريد { وهو حسير } أي وهو كليل متعب قد بلغ ~~الغاية في الإعياء قال الإمام الفخر: المعنى إنك إذا كررت نظرك لم ~~يرجع إليك بصرك بما طلبته من وجود الخلل والعيب، بل رجع خاسئا مبعدا ~~لم ير ما يهوى مع الكلال والإعياء وقال القرطبي: أي اردد طرفك وقلب ~~البصر في السماء { كرتين } أي مرة بعد أخرى، يرجع إليك البصر ~~خاشعا صاغرا، متباعدا عن أن يرى شيئا من ذلك العيب والخلل، وإنما ~~أمر بالنظر كرتين، لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة لا يرى عيبه، ما ~~لم ينظر إليه مرة أخرى، والمراد بالكرتين التكثير بدليل قوله { ~~ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } وهو دليل على ~~كثرة النظر. # . ثم بين تعالى ما زين به السماء من النجوم الزاهرة والكواكب الساطعة ~~فقال { ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح } اللام ~~لام القسم و { قد } للتحقيق والمعنى والله لقد زينا السماء القريبة منكم ~~أيها الناس بكواكب مضيئة ساطعة، هي السماء الأولى أقرب السماوات إلى ~~الأرض قال المفسرون: سميت الكواكب مصابيح لإضاءتها بالليل إضاءة السراج ~~{ وجعلناها رجوما للشياطين } أي وجعلنا لها فائدة أخرى ~~وهي رجم أعدائكم الشياطين، الذين يسترقون السمع قال قتادة: خلق الله ~~تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى ~~بها في البر والبحر وقال الخازن: فإن قيل: كيف تكون زينة للسماء، ~~ورجوما للشياطين، وكونها زينة يقتضي بقاءها، وكونها رجوما يقتضي ~~زوالها، فكيف الجمع بين هاتين الحالتين؟ فالجواب أنه ليس المراد أنهم ~~يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن تنفصل من الكواكب شعلة وترمى الشياطين ~~بتلك الشعلة وهي الشهب، ومثلها كمثل قبس يؤخذ من النار وهي على حالها، ~~أقول: ويؤيده قوله تعالى # إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب # [الصافات: 10] فعلى هذا، الكواكب لا يرجم بها؛ وإنما يكون الرجم بالشهب ~~{ وأعتدنا لهم عذاب السعير } أي وهيأنا وأعددنا للشياطين ~~في الآخرة - بعد الإحراق بالشهب في الدنيا - العذاب المستعر، وهو النار ~~الموقدة { وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم } أي ~~وللكافرين بربهم عذاب جهنم أيضا، ms1650 فليس العذاب مختصا بالشياطين بل هو ~~لكل كافر بالله من الإنس والجن { وبئس المصير } أي وبئست النار ~~مرجعا ومصيرا للكافرين.. ثم وصف تعالى جهنم وما فيها من العذاب ~~والأهوال والأغلال فقال { إذآ ألقوا فيها } أي إذا قذفوا وطرحوا ~~في جهنم كما يطرح الحطب في النار العظيمة { سمعوا لها شهيقا } ~~أي سمعوا لجهنم صوتا منكرا فظيعا كصوت الحمار، لشدة توقدها وغليانها ~~قال ابن عباس: الشهيق لجهنم عند إلقاء الكفار فيها، تشهق إليهم شهقة ~~البغلة للشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف { وهي تفور } ~~أي وهي تغلي بهم كما يغلي المرجل - القدر - من شدة الغضب ومن شدة اللهب ~~قال مجاهد: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير { تكاد ~~تميز من الغيظ } أي تكاد جهنم تتقطع وينفصل بعضها من بعض، من ~~شدة غيظها وحنقها على أعداء الله { كلما ألقي فيها فوج } أي ~~كلما طرح فيها جماعة من الكفرة { سألهم خزنتهآ } أي سألتهم ~~الملائكة الموكلون على جهنم - وهم الزبانية - سؤال توبيخ وتقريع { ألم ~~يأتكم نذير } أي ألم يأتكم رسول ينذركم ويخوفكم من هذا اليوم ~~الرهيب؟ قال المفسرون: وهذا السؤال زيادة لهم في الإيلام، ليزدادوا ~~حسرة فوق حسرتهم، وعذابا فوق عذابهم { قالوا بلى قد جآءنا ~~نذير فكذبنا } أي أجابوا نعم لقد جاءنا رسول منذر، وتلا علينا ~~آيات الله، ولكننا كذبناه وأنكرنا رسالته { وقلنا ما نزل ~~الله من شيء } أي وقلنا إمعانا في التكذيب وتماديا في النكير: ~~ما أنزل الله شيئا من الوحي على أحد قال الرازي: هذا اعتراف منهم بعدل ~~الله، وإقرار بأن الله أزاح عللهم ببعثة الرسل الكرام، ولكنهم كذبوا ~~الرسل وقالوا ما نزل الله من شيء { إن أنتم إلا في ضلال ~~كبير } هذا من تتمة كلام الكفار أي ما أنتم يا معشر الرسل إلا في ~~بعد عن الحق، وضلال واضح عميق { وقالوا لو كنا نسمع أو ~~نعقل } أي وقال الكفار: لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو كنا نسمع سماع ~~طالب للحق، ملتمس للهدى { ما كنا في أصحاب السعير ms1651 } أي ما ~~كنا نستوجب الخلود في جهنم { فاعترفوا بذنبهم } أي فأقروا ~~بإجرامهم وتكذيبهم للرسل { فسحقا لأصحاب السعير } أي فبعدا ~~وهلاكا لأهل النار قال ابن كثير: عادوا على أنفسهم بالملامة، وندموا حيث ~~لا تنفعهم الندامة، والجملة دعائية أي أبعدهم الله من رحمته وسحقهم ~~سحقا. # . ثم لما ذكر حال الأشقياء الكفار أتبعه بذكر حال السعداء الأبرار فقال ~~{ إن الذين يخشون ربهم بالغيب } أي يخافون ربهم ولم ~~يروه، ويكفون عن المعاصي طلبا لمرضاة الله { لهم مغفرة ~~وأجر كبير } أي لهم عند الله مغفرة عظيمة لذنوبهم، وثواب جزيل لا ~~يعلم قدره غير الله تعالى { وأسروا قولكم أو اجهروا ~~به } الخطاب لجميع الخلق أي أخفوا قولكم وكلامكم أيها الناس أو أعلنوه ~~وأظهروه، فسواء أخفيتموه أو أظهرتموه فإن الله يعلمه { إنه ~~عليم بذات الصدور } أي لأنه تعالى العالم بالخفايا والنوايا، ~~يعلم ما يخطر في القلوب، وما توسوس به الصدور قال ابن عباس: نزلت في ~~المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل بما ~~قالوا، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم حتى لا يسمع إله محمد، فأخبره ~~الله أنه لا تخفى عليه خافية { ألا يعلم من خلق }؟ أي ألا ~~يعلم الخالق مخلوقاته؟ كيف لا يعلم من خلق الأشياء وأوجدها سر المخلوق ~~وجهره؟ { وهو اللطيف الخبير } أي والحال أنه اللطيف بالعباد، ~~الذي يعلم دقائق الأمور وغوامضها، الخبير الذي لا يعزب عن علمه شيء، فلا ~~تتحرك ذرة، ولا تسكن أو تضطرب نفس إلا وعنده خبرها. # . ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته، وآثار فضله وامتنانه على العباد ~~فقال { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا } أي الله جل وعلا ~~جعل لكم الأرض لينة سهلة المسالك { فامشوا في مناكبها } أي ~~فاسلكوا أيها الناس في جوانبها وأطرافها قال ابن كثير: أي فسافروا حيث ~~شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها للمكاسب والتجارات { ~~وكلوا من رزقه } أي وانتفعوا بما أنعم به جل وعلا عليكم من ~~أنواع الكسب والرزق قال الألوسي: كثيرا ما يعبر عن وجوه الانتفاع ~~بالأكل لأنه الأهم الأعم، وفي ms1652 الآية دليل على ندب التسبب والكسب، وهو لا ~~ينافي التوكل، فقد مر عمر رضي الله عنه بقوم فقال: من أنتم؟ فقالوا: ~~المتوكلون فقال: بل أنتم المتواكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبه في بطن ~~الأرض وتوكل على ربه عز وجل { وإليه النشور } أي وإليه تعالى ~~المرجع بعد الموت والفناء، للحساب والجزاء.. ثم توعد تعالى كفار مكة ~~المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال { أأمنتم من في ~~السمآء أن يخسف بكم الأرض } أي هل أمنتم يا معشر الكفار ~~ربكم العلي الكبير أن يخسف بكم الأرض فيغيبكم في مجاهلها، بعد ما جعلها ~~لكم ذلولا تمشون في مناكبها؟ { فإذا هي تمور } أي فإذا بها ~~تضطرب وتهتز بكم هزا شديدا عنيفا قال الرازي: والمراد أن الله تعالى ~~يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها ~~فيذهبون، والأرض فوقهم تمور فتلقيهم إلى أسفل سافلين { أم أمنتم ~~من في السمآء أن يرسل عليكم حاصبا } أي أم أمنتم ~~الله العلي الكبير أن يرسل عليكم حجارة من السماء، كما أرسلها على قوم ~~لوط وأصحاب الفيل؟ { فستعلمون كيف نذير } أي فستعلمون عند ~~معاينة العذاب، كيف يكون إنذاري وعقابي للمكذبين!! وفيه وعيد وتهديد ~~شديد، وأصلها { نذيري } و { نكيري } حذفت الياء مراعاة لرءوس الآيات { ~~ولقد كذب الذين من قبلهم } أي ولقد كذب كفار الأمم ~~السابقة رسلهم، كقوم نوح وعاد وثمود وأمثالهم، وهذا تسلية للرسول صلى ~~الله عليه وسلم وتهديد لقومه المشركين { فكيف كان نكير } أي فكيف ~~كان إنكاري عليهم بنزول العذاب؟ ألم يكن في غاية الهول والفظاعة؟ ثم لما ~~حذرهم ما عسى أن يحل بهم من الخسف وإرسال الحاصب، نبههم على ~~الاعتبار بالطير، وما أحكم الله من خلقها، وعن عجز آلهتهم المزعومة عن ~~خلق شيء من ذلك فقال { أولم يروا إلى الطير فوقهم ~~صافات ويقبضن } أي أولم ينظروا نظر اعتبار الى الطيور فوقهم، ~~باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها وتحليقها، { ويقبضن } أي ~~ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت؟ ولما كان الغالب هو فتح ~~الجناحين ms1653 فكأنه هو الثابت عبر عنه بالإسم { صافات } وكان القبض ~~متجددا عبر عنه بالفعل { ويقبضن } قال في التسهيل: فإن قيل: ~~لم لم يقل " قابضات " على طريقة { صافات }؟ فالجواب أن بسط ~~الجناحين هو الأصل في الطيران، كما أن مد الأطراف هو الأصل في السباحة، ~~فذكره بصيغة اسم الفاعل { صافات } لدوامه وكثرته، وأما قبض الجناحين ~~فإنما يفعله الطائر قليلا للاستراحة والاستعانة، فلذلك ذكره بلفظ الفعل ~~لقلته { ما يمسكهن إلا الرحمن } أي ما يمسكهن في الجو ~~عن السقوط في حال البسط والقبض، إلا الخالق الرحمن الذي وسعت رحمته كل ~~ما في الأكوان قال الرازي: وذلك أنها مع ثقلها وضخامة أجسامها، لم يكن ~~بقاؤها في جو الهواء إلا بإمساك الله وحفظه، وإلهامها الى كيفية البسط ~~والقبض المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن { إنه بكل شيء بصير ~~} أي يعلم كيف يخلق، وكيف يبدع العجائب، بمقتضى علمه وحكمته. # . ثم وبخ تعالى المشركين في عبادتهم لما لا ينفع ولا يسمع فقال { ~~أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون ~~الرحمن }؟ أي من هذا الذي يستطيع أن يدفع عنكم عذاب الله من ~~الأنصار والأعوان؟! قال ابن عباس: أي من ينصركم مني إن أردت عذابكم؟ { ~~إن الكافرون إلا في غرور } أي ما الكافرون في اعتقادهم أن ~~آلهتهم تنفع أو تضر إلا في جهل عظيم، وضلال مبين، حيث ظنوا الأوهام ~~حقائق، فاعتزوا بالأوثان والأصنام { أمن هذا الذي ~~يرزقكم إن أمسك رزقه }؟ أي من هذا الذي يرزقكم غير الله ~~إن منع الله عنكم رزقه؟ والخطاب في الآيتين للكفار على وجه التوبيخ ~~والتهديد، وإقامة الحجة عليهم { بل لجوا في عتو ونفور } ~~أي بل تمادوا في الطغيان، وأصروا على العصيان، ونفروا عن الحق ~~والإيمان.. ثم ضرب تعالى مثلا للكافر والمؤمن فقال: { أفمن يمشي ~~مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على ~~صراط مستقيم }؟ أي هل من يمشي منكسا رأسه، لا يرى طريقه فهو ~~يخبط خبط عشواء، مثل الأعمى الذي يتعثر كل ساعة فيخر لوجهه، هل هذا ~~أهدى أم من يمشي منتصب القامة، يرى طريقه ms1654 ولا يتعثر في خطواته، لأنه يسير ~~على طريق بين واضح؟ قال المفسرون: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، ~~فالكافر كالأعمى الماشي على غير هدى وبصيرة، لا يهتدي الى الطريق فيتعسف ~~ولا يزال ينكب على وجهه، والمؤمن كالرجل السوي الصحيح البصر، الماشي على ~~الطريق المستقيم فهو آمن من الخبط والعثار، هذا مثلهما في الدنيا، وكذلك ~~يكون حالهما في الآخرة، المؤمن يحشر يمشي سويا على صراط مستقيم، ~~والكافر يحشر يمشي على وجهه إلى دركات الجحيم قال قتادة: الكافر أكب ~~على معاصي الله فحشره الله يوم القيامة على وجهه، والمؤمن كان على الدين ~~الواضح فحشره الله على الطريق السوي يوم القيامة وقال ابن عباس: هو مثل ~~لمن سلك طريق الضلالة ولمن سلك طريق الهدى. # . ثم ذكرهم تعالى بنعمه الجليلة، ليعرفوا قبح ما هم عليه من الكفر ~~والإشراك فقال { قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم ~~السمع والأبصار والأفئدة } أي قل لهم يا محمد: الله جل ~~وعلا هو الذي أوجدكم من العدم، وأنعم عليكم بهذه النعم " السمع والبصر ~~والعقل " وخص هذه الجوارح بالذكر لأنها أداة العلم والفهم { قليلا ~~ما تشكرون } أي قلما تشكرون ربكم على نعمه التي لا تحصى قال ~~الطبري: أي قليلا ما تشكرون ربكم على هذه النعم التي أنعمها عليكم { ~~قل هو الذي ذرأكم في الأرض } أي خلقكم وكثركم في الأرض ~~{ وإليه تحشرون } أي وإليه وحده مرجعكم للحساب والجزاء { ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } أي متى ~~يكون الحشر والجزاء الذي تعدوننا به؟ إن كنتم صادقين فيما تخبروننا به ~~من مجيء الساعة والحشر، وهذا استهزاء منهم { قل إنما العلم ~~عند الله } أي قل لهم يا محمد: علم وقت قيام الساعة ووقت العذاب ~~عند الله تعالى لا يعلمه غيره { وإنمآ أنا نذير مبين } أي ~~وما أنا إلا رسول منذر أخوفكم عذاب الله امتثالا لأمره.. ثم أخبر ~~تعالى عن حال المشركين في ذلك اليوم العصيب فقال { فلما رأوه ~~زلفة } أي فلما رأوا العذاب قريبا منهم، وعاينوا أهوال القيامة { ~~سيئت وجوه الذين كفروا } أي ظهرت ms1655 على وجوههم آثار ~~الاستياء، فعلتها الكآبة والغم والحزن، وغشيها الذل والانكسار، قال في ~~البحر: أي ساءت رؤية العذاب وجوههم، وظهر فيها السوء والكآبة، كمن يساق ~~الى القتل { وقيل هذا الذي كنتم به تدعون } أي وقالت ~~لهم الملائكة توبيخا وتبكيتا: هذا الذي كنتم تطلبونه في الدنيا ~~وتستعجلونه استهزاء وتكذيبا { قل أرأيتم إن أهلكني ~~الله ومن معي أو رحمنا } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين ~~الذين يتمنون هلاكك: أخبروني إن أماتني الله ومن معي من المؤمنين، أو ~~رحمنا بتأخير آجالنا { فمن يجير الكافرين من عذاب أليم ~~} أي فمن يحميكم من عذاب الله الأليم، ووضع لفظ { الكافرين } عوضا ~~عن الضمير " يجيركم " تشنيعا وتسجيلا عليهم بالكفر قال المفسرون: كان ~~الكفار يتمنون هلاك النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فأمره الله أن ~~يقول لهم: إن أهلكني الله بالإماتة وأهلك من معي، فأي راحة وأي منفعة ~~لكم فيه، ومن الذي يجيركم من عذاب الله إذا نزل بكم؟ هل تظنون أن ~~الأصنام تخلصكم وتنقذكم من العذاب الأليم؟ { قل هو الرحمن ~~آمنا به وعليه توكلنا } أي قل لهم: آمنا بالله الواحد ~~الأحد، وعليه اعتمدنا في جميع أمورنا، لا على الأموال والرجال { ~~فستعلمون من هو في ضلال مبين } أي فسوف تعلمون عن ~~قريب من هو في الضلالة نحن أم أنتم؟ وفيه تهديد للمشركين { قل ~~أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا } أي قل لهم يا محمد: ~~أخبروني إذا صار الماء غائرا ذاهبا في أعماق الأرض، بحيث لا تستطيعون ~~إخراجه { فمن يأتيكم بمآء معين } أي فمن الذي يخرجه لكم ~~حتى يكون ظاهرا جاريا على وجه الأرض؟ هل يأتيكم غير الله به؟ فلم ~~تشركون مع الخالق الرازق غيره من الأصنام والأوثان؟ # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { الموت. # . والحياة } وبين { وأسروا أو اجهروا } وبين { ~~صافات.. ويقبضن } لأن المعنى صافات وقابضات. # 2- وضع الموصول للتفخيم والتعظيم { الذي بيده الملك } أي له ~~الملك السلطان، والتصرف في الأكوان. # 3- الإطناب بتكرار الجملة مرتين زيادة في التذكير والتنبيه { فارجع ~~البصر.. ثم ارجع ms1656 البصر كرتين } وكذلك { ما كنا ~~في أصحاب السعير.. فسحقا لأصحاب السعير }. # 4- الاستفهام الإنكاري للتقريع والتوبيخ { ألم يأتكم نذير ~~}؟ # 5- المقابلة { وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم } ~~قابله بقوله { إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم ~~مغفرة } وهو من المحسنات البديعية. # 6- الاستعارة المكنية { تكاد تميز من الغيظ } شبه جهنم ~~في شدة غليانها ولهبها بإنسان شديد الغيظ والحنق على عدوه يكاد يتقطع من ~~شدة الغيظ، وحذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الغيظ الشديد ~~بطريق الاستعارة المكنية. # 7- الاستعارة التمثيلية { أفمن يمشي مكبا على وجهه ~~أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم } هذا ~~بطريق التمثيل للمؤمن والكافر، فالمؤمن يمشي سويا على صراط مستقيم، ~~والكافر يمشي مكبا على وجهه إلى طريق الجحيم، ويا لها من استعارة ~~رائعة!! # 8- السجع المرصع مراعاة لرءوس الآيات مثل { فستعلمون كيف ~~نذير } { فكيف كان نكير }؟ { إنه بكل شيء بصير ~~} ومثل { إن الكافرون إلا في غرور } { بل لجوا في ~~عتو ونفور } الخ. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-52] # اللغة: { يسطرون } يكتبون، سطر العلم كتبه بالقلم { ممنون ~~} مقطوع يقال: مننت الحبل إذا قطعته { عتل } العتل: الغليظ الجافي، ~~السريع إلى الشر، مأخوذ من العتل وهو الجر # خذوه فاعتلوه # [الدخان: 47] قال في الصحاح: عتلت الرجل إذا جذبته جذبا عنيفا { ~~زنيم } الزنيم: الملصق بالقوم وليس منهم، وهو الدعي الذي لا يعرف ~~أبوه قال الشاعر: # زنيم ليس يعرف من أبوه # بغي الأم ذو حسب لئيم # { صارمين } صرم الشيء قطعه، وصرم النخلة قطع ثمرها { حرد } قصد ~~وعزم { زعيم } كفيل وضمين { مكظوم } مملوء غيظا وغما. # التفسير: { ن والقلم وما يسطرون } نون حرف من الحروف ~~المقطعة، ذكر للتنبيه على إعجاز القرآن.. أقسم تعالى بالقلم الذي يكتب ~~الناس به العلوم والمعارف، فإن القلم أخو اللسان ونعمة من الرحمن على ~~عباده والمعنى: أقسم بالقلم وما يكتبه الكاتبون على صدق محمد وسلامته ~~مما نسبه إليه المجرمون من السفه والجنون، وفي القسم بالقلم والكتابة ~~إشادة بفضل الكتابة والقراءة، فالإنسان من بين سائر المخلوقات خصه الله ~~بمعرفة الكتابة ليفصح عما في ضميره # الذى علم بالقلم * علم الإنسان ms1657 ما لم يعلم # [العلق: 4-5] وحسبك دليلا على شرف القلم أن الله أقسم به في هذه السورة ~~تمجيدا لشأن الكاتبين، ورفعا من قدر أهل العلم، ففي القلم البيان كما ~~في اللسان، وبه قوام العلوم والمعارف قال ابن كثير: والظاهر من قوله ~~تعالى { والقلم وما يسطرون } أنه جنس القلم الذي يكتب به، ~~وهو قسم منه تعالى لتنبيه خلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة ~~التي بها تنال العلوم { مآ أنت بنعمة ربك بمجنون } أي ~~لست يا محمد بفضل الله وإنعامه عليك بالنبوة بمجنون، كما يقول الجهلة ~~المجرمون، فأنت بحمد الله عاقل لا كما قالوا # يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر: 6] قال ابن عطية: هذا جواب القسم، وقوله { بنعمة ربك } ~~اعتراض كما تقول للإنسان: أنت - بحمد الله - فاضل { وإن لك ~~لأجرا غير ممنون } أي وإن لك لثوابا على ما تحملت من الأذى في ~~سبيل تبليغ دعوة الله غير مقطوع ولا منقوص { وإنك لعلى خلق ~~عظيم } أي وإنك يا محمد لعلى أدب رفيع جم، وخلق فاضل كريم، فقد جمع ~~الله فيك الفضائل والكمالات.. يا له من شرف عظيم، لم يدرك شأوه بشر، فرب ~~العزة جل وعلا يصف محمدا بهذا الوصف الجليل { وإنك لعلى خلق ~~عظيم } وقد كان من خلقه صلى الله عليه وسلم العلم والحلم، وشد الحياء، ~~وكثرة العبادة والسخاء، والصبر والشكر، والتواضع والزهد، والرحمة ~~والشفقة، وحسن المعاشرة والأدب، إلى غير ذلك من الخلال العلية، والأخلاق ~~المرضية ولقد أحسن القائل: # إذا الله أثنى بالذي هو أهله # عليك فما مقدار ما تمدح الورى؟ # { فستبصر ويبصرون } أي فسوف ترى يا محمد، ويرى قومك ~~ومخالفوك - كفار مكة - إذا نزل بهم العذاب { بأييكم المفتون } ~~أي أيكم الذي فتن بالجنون؟ هل أنت كما يفترون، أم هم بكفرهم وانصرافهم ~~على الهدى؟ قال القرطبي: والمفتون: المجنون الذي فتنه الشيطان، ومعظم ~~السورة نزل في " الوليد بن المغيرة " و " أبي جهل " وقد كان المشركون ~~يقولون: إن بمحمد شيطانا، وعنوا بالمجنون هذا، فقال الله تعالى سيعلمون ~~غدا بأيهم المجنون ms1658 أي الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل { ~~إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله } أي هو سبحانه ~~العالم بالشقي المنحرف عن دين الله وطريق الهدى { وهو أعلم ~~بالمهتدين } أي وهو العالم بالتقي المهتدي إلى الدين الحق، وهو ~~تعليل لما قبله وتأكيد للوعد والوعيد كأنه يقول: إنهم هم المجانين على ~~الحقيقة لا أنت، حيث كانت لهم عقول لم ينتفعوا بها، ولا استعملوها فيما ~~ينجيهم ويسعدهم { فلا تطع المكذبين } أي فلا تطع رؤساء الكفر ~~والضلال الذين كذبوا برسالتك وبالقرآن، فيما يدعونك إليه قال الرازي: ~~دعاه رؤساء أهل مكة إلى دين آبائه، فنهاه الله أن يطيعهم، وهذا من الله ~~إلهاب وتهييج للتشدد في مخالفتهم { ودوا لو تدهن فيدهنون ~~} أي تمنوا لو تلين لهم يا محمد، وتترك بعض ما لا يرضونه مصانعة لهم، ~~فيلينوا لك ويفعلوا مثل ذلك في التسهيل: المداهنة: هي الملاينة والمداراة ~~فيما لا ينبغي، روي أن الكفار قالوا النبي صلى الله عليه وسلم: لو عبدت ~~آلهتنا لعبدنا إلهك فنزلت الآية { ولا تطع كل حلاف } أي ولا ~~تطع يا محمد كثير الحلف بالحق والباطل، الذي يكثر من الحلف مستهينا ~~بعظمة الله { مهين } أي فاجر حقير { هماز } أي مغتاب يأكل لحوم ~~الناس بالطعن والعيب { مشآء بنميم } أي يمشي بالنميمة بين ~~الناس، وينقل حديثهم ليوقع بينهم وهو الفتان، وفي الحديث الصحيح # " لا يدخل الجنة نمام " # { مناع للخير } أي بخيل ممسك عن الإنفاق في سبيل الله { ~~معتد أثيم } أي ظالم متجاوز في الظلم والعدوان، كثير الآثام ~~والإجرام، وجاءت الأوصاف { حلاف، هماز، مشاء، مناع } بصيغة المبالغة ~~للدلالة على الكثرة { عتل } أي جاف غليظ، قاسي القلب عديم الفهم { ~~بعد ذلك } أي بعد تلك الأوصاف الذميمة التي تقدمت { زنيم } أي ~~ابن زنا، وهذه أشد معايبه وأقبحها، أنه لصيق دعي ليس له نسب صحيح قال ~~المفسرون: نزلت في " الوليد بن المغيرة " فقد كان دعيا في قريش وليس ~~منهم، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة - أي تبناه ونسبه لنفسه بعد أن كان ~~لا يعرف له أب - قال ms1659 ابن عباس: لا نعلم أحدا وصفه الله بهذه العيوب غير ~~هذا، فألحق به عارا لا يفارقه أبدا، وإنما ذم بذلك لأن النطفة إذا ~~خبثت خبث الولد، وروي أن الآية لما نزلت جاء الوليد إلى أمه فقال لها: ~~إن محمدا وصفني بتسع صفات، كلها ظاهرة في اعرفها غير التاسع منها يريد ~~أنه { زنيم } فإن لم تصدقيني ضربت عنقك بالسيف، فقالت له: إن أباك كان ~~عنينا - أي لا يستطيع معاشرة النساء - فخفت على المال فمكنت راعيا من ~~نفسي فأنت ابن ذلك الراعي، فلم يعرف أنه ابن زنا حتى نزلت الآية { أن ~~كان ذا مال وبنين } أي لأن كان ذا مال وبنين قال في القرآن ما ~~قال، وزعم أنه أساطير الأولين؟ وكان ينبغي أن يقابل النعمة بالشكر لا ~~بالجحود والتكذيب { إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير ~~الأولين } أي إذا قرئت آيات القرآن على ذلك الفاجر قال مستهزئا ~~ساخرا: إنها خرافات وأباطيل المتقدمين اختلقها محمد ونسبها إلى الله، ~~قال تعالى ردا عليه متوعدا له بالعذاب { سنسمه على الخرطوم ~~} أي سنجعل له علامة على أنفه بالخطم عليه يعرف بها إلى موته، وكنى ~~بالخرطوم عن أنفه على سبيل الاستخفاف به، لأن الخرطوم للفيل والخنزير، ~~فإذا شبه أنف الإنسان به كان ذلك غاية في الإذلال والإهانة كما يعبر ~~عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، قال ابن ~~عباس: سنخطم أنفه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما عاش، وقد خطم ~~يوم بدر بالسيف قال الإمام الفخر: لما كان الوجه أكرم موضع في الجسد، ~~والأنف أكرم موضع من الوجه لارتفاعه عليه، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية ~~واشتقوا منه الأنفة، وقالوا في الذليل: رغم أنفه، فعبر بالوسم على ~~الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين، فكيف على ~~أكرم موضع من الوجه!! ثم ذكر تعالى قصة أصحاب الحديقة وما ابتلاهم تعالى ~~به من إتلاف الزروع والثمار وضربه مثلا لكفار مكة فقال { إنا ~~بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة } أي إنا اختبرنا ~~أهل مكة بالقحط والجوع ms1660 بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اختبرنا ~~أصحاب البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه، وكلفنا أهل مكة أن ~~يشكروا ربهم على النعم، كما كلفنا أصحاب الجنة أن يشكروا ويعطوا الفقراء ~~حقوقهم قال المفسرون: كان لرجل مسلم بقرب صنعاء بستان فيه من أنواع ~~النخيل والزروع والثمار، وكان إذا حان وقت الحصاد دعا الفقراء فأعطاهم ~~نصيبا وافرا منه وأكرمهم غاية الإكرام فلما مات الأب ورثه أبناؤه ~~الثلاثة فقالوا: عيالنا كثير والمال قليل ولا يمكننا أن نعطي المساكين ~~كما كان يفعل أبونا، فتشاوروا فيما بينهم وعزموا على ألا يعطوا أحدا من ~~الفقراء شيئا، وأن يجنوا ثمرها وقت الصباح خفية عنهم، وحلفوا على ذلك، ~~فأرسل الله تعالى نارا على الحديقة ليلا أحرقت الأشجار وأتلفت الثمار، ~~فلما أصبحوا ذهبوا إلى حديقتهم فلم يروا فيها شجرا ولا ثمرا، فظنوا ~~أنهم أخطأوا الطريق، ثم تبين لهم أنها بستانهم وحديقتهم وعرفوا أن الله ~~تعالى عاقبهم فيها بنيتهم السيئة، فندموا وتابوا بعد أن فات الأوان { ~~إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين } أي حين حلفوا ليقطعن ~~ثمرها وقت الصباح، قبل أن يخرج اليهم المساكين { ولا يستثنون } ~~أي ولم يقولوا إن شاء الله حين حلفوا، كأنهم واثقون من الأمر { فطاف ~~عليها طآئف من ربك وهم نآئمون } أي فطرقها طارق من ~~عذاب الله، وهم في غفلة عما حدث لأنهم كانوا نياما، قال الكلبي: أرسل ~~الله عليها نارا من السماء فاحترقت وهم نائمون { فأصبحت ~~كالصريم } أي فأصبحت كالزرع المحصود إذا أصبح هشيما يابسا قال ~~ابن عباس: أصبحت كالرماد الأسود، قد حرموا خير جنتهم بذنبهم { ~~فتنادوا مصبحين } أي نادى بعضهم بعضا حين أصبحوا ليمضوا على ~~الميعاد إلى بستانهم { أن اغدوا على حرثكم إن كنتم ~~صارمين } أي اذهبوا مبكرين إلى ثماركم وزروعكم وأعنابكم إن كنتم ~~حاصدين للثمار تريدون قطعها { فانطلقوا وهم يتخافتون } أي ~~فانطلقوا نحو البستان وهم يخفون كلامهم خوفا من أن يشعر بهم المساكين ~~قائلين { أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } أي ~~لا تدخلوا في هذا اليوم أحدا من الفقراء إلى البستان ولا تمكنوه ms1661 من ~~الدخول { وغدوا على حرد قادرين } أي ومضوا على قصد وقدرة ~~في أنفسهم يظنون أنهم تمكنوا من مرادهم قال ابن عباس: { على حرد } ~~على قدرة وقصد وقال السدي: على حنق وغضب وقال الحسن: على فاقة وحاجة، ~~وقول ابن عباس أظهر { فلما رأوها قالوا إنا لضآلون } ~~أي فلما رأوا حديقتهم سوداء محترقة، قد استحالت من النضارة والبهجة إلى ~~السواد والظلمة، قالوا لقد ضللنا الطريق إليها وليست هذه حديقتنا قال أبو ~~حيان: كان قولهم ذلك في أول وصولهم إليها، أنكروا أنها هي واعتقدوا أنهم ~~أخطأوا الطريق، ثم وضح لهم أنها هي وأنه أصابها من عذاب الله ما أذهب ~~خيرها فقالوا عند ذلك { بل نحن محرومون } أي لسنا مخطئين ~~للطريق بل نحن محرومون، حرمنا ثمرها وخيرها بجنايتنا على أنفسنا { قال ~~أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون }؟ أي قال ~~أعقلهم وأفضلهم رأيا: هلا تسبحون الله فتقولون " سبحان الله " أو " إن ~~شاء الله " قال في البحر: نبههم ووبخهم على تركهم ما حضهم عليه من ~~التسبيح، ولو ذكروا الله وإحسانه إليهم لامتثلوا ما أمر به من مواساة ~~المساكين، واقتفوا سنة أبيهم في ذلك، فلما غفلوا عن ذكر الله وعزموا على ~~منع المساكين ابتلاهم الله وقال الرازي: إن القوم حين عزموا على منع ~~الزكاة واغتروا بمالهم وقوتهم، قال الأوسط لهم توبوا عن هذه المعصية قبل ~~نزول العذاب، فلما رأوا حالة البستان ذكرهم بالكلام الأول، فاشتغلوا ~~بالتوبة ولكن بعد خراب البصرة { قالوا سبحان ربنآ إنا ~~كنا ظالمين } أي فقالوا حينئذ: تنزه الله ربنا عن الظلم فيما ~~فعل، بل نحن كنا الظالمين لأنفسنا في منعنا حق المساكين { فأقبل ~~بعضهم على بعض يتلاومون } أي يلوم بعضهم بعضا يقول هذا ~~أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذاك: بل أنت، ويقول آخر: أنت الذي ~~خوفتنا الفقر ورغبتنا في جمع المال، فهذا هو التلاوم { قالوا ~~يويلنا إنا كنا طاغين } أي قالوا يا هلاكنا وتعاستنا إن لم ~~يغفر لنا ربنا، فقد كنا عاصين وباغين في منعنا الفقراء، وعدم التوكل على ~~الله، فقال الرازي: والمراد ms1662 أنهم استعظموا جرمهم { عسى ربنآ أن ~~يبدلنا خيرا منهآ } أي لعل الله يعطينا أفضل منها بسبب ~~توبتنا واعترافنا بخطيئتنا { إنآ إلى ربنا راغبون } أي ~~فنحن راجون لعفوه، طالبون لإحسانه وفضله. # . ساق تعالى هذه القصة ليعلمنا أن مصير البخيل ومانع الزكاة إلى التلف، ~~وأنه يضن ببعض ماله في سبيل الله فيهلك كل ماله مصحوبا بغضب الله، ولذلك ~~عقب تعالى بعد ذكر هذه القصة بقوله { كذلك العذاب ولعذاب ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } أي مثل هذا العذاب الذي ~~نزل بأهل الجننة ينزل بقريش، ولعذاب الآخرة أعظم وأشد من عذاب الدنيا لو ~~كان عندهم فهم وعلم، قال ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، ~~وحلفوا ألا يرجعوا إلى مكة حتى يقتلوا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، ويشربوا الخمور، وتضرب القينات - المغنيات - على رءوسهم، فأخلف ~~الله ظنهم، فقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على ~~الصرام فخابوا.. ثم أخبر تعالى عن حال المؤمنين المتقين بعد أن ذكر حال ~~المجرمين من كفار مكة فقال { إن للمتقين عند ربهم ~~جنات النعيم } أي إن للمتقين في الآخرة حدائق وبساتين ليس فيها ~~إلا النعيم الخالص، الذي لا يشوبه كدر ولا منغص كما هو حال الدنيا { ~~أفنجعل المسلمين كالمجرمين }؟ الاستفهام للإنكار ~~والتوبيخ أي أفنساوي بين المطيع والعاصي، والمحسن والمجرم؟ { ما لكم ~~كيف تحكمون }؟ تعجب منهم حيث أنهم يسوون المطيع بالعاصي، ~~والمؤمن بالكافر، فإن مثل هذا لا يصدر عن عاقل { أم لكم كتاب ~~فيه تدرسون }؟ أي هل عندكم كتاب منزل من السماء تقرءون وتدرسون ~~فيه { إن لكم فيه لما تخيرون } هذه الجملة مفعول لتدرسون ~~أي تدرسون في هذا الكتاب أن لكم ما تشتهون وتطلبون؟ وهذا توبيخ آخر ~~للمشركين فيما كانوا يزعمونه من الباطل حيث قالوا: إن كان ثمة بعث وجزاء، ~~فسنعطى خيرا من المؤمنين كما أعطينا في الدنيا قال الطبري: وهذا توبيخ ~~لهؤلاء القوم وتقريع لهم فيما كانوا يقولون من الباطل، ويتمنون من ~~الأماني الكاذبة { أم لكم أيمان علينا بالغة إلى ~~يوم القيامة } أي ms1663 هل لكم عهود ومواثيق مؤكدة من جهتنا ثابتة إلى ~~يوم القيامة؟ { إن لكم لما تحكمون } هذا جوابه أي إن لكم ~~الذي تريدونه وتحكمون به؟ قال ابن كثير: المعنى أمعكم عهود ومواثيق مؤكدة ~~أنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون { سلهم أيهم بذلك زعيم } ~~أي سل يا محمد هؤلاء المكابرين أيهم كفيل وضامن بهذا الذي يزعمون؟ وفيه ~~نوع من السخرية والتهكم بهم، حيث يحكمون بأمور خارجة عن العقول، يرفضها ~~المنطق وتأباها العدالة { أم لهم شركآء فليأتوا ~~بشركآئهم إن كانوا صادقين } أي أم لهم شركاء وأرباب ~~يكفلون لهم بذلك، فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في دعواهم قال في التسهيل: ~~وهذا تعجيز للكفار والمراد إن كان لكم شركاء يقدرون على شيء، فأتوا بهم ~~وأحضروهم حتى نرى حالهم. # . ولما أبطل مزاعمهم وسفه أحلامهم، شرع في بيان أهوال الآخرة وشدائدها ~~فقال { يوم يكشف عن ساق } أي اذكر يا محمد لقومك ذلك اليوم ~~العصيب الذي يكشف فيه عن أمر فظيع شديد في غاية الهول والشدة، قال ابن ~~عباس: هو يوم القيامة يوم كرب وشدة قال القرطبي: والأصل فيه أن من وقع في ~~شيء يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها موضع ~~الشدة كقول الراجز: # قد كشفت عن ساقها فشدوا # وجدت الحرب بكم فجدوا # { ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } أي ويدعى ~~الكفار للسجود لرب العالمين فلا يستطيعون لأن ظهر أحدهم يصبح طبقا ~~واحدا، وفي الحديث # " يسجد لله كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة ~~فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا " # { خاشعة أبصارهم } أي ذليلة متواضعة أبصارهم لا يستطيعون ~~رفعها { ترهقهم ذلة } أي تغشاهم وتلحقهم الذلة والهوان { ~~وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } أي ~~والحال أنهم كانوا في الدنيا يدعون إلى السجود وهم أصحاء الجسم معافون ~~فيأبون قال الإمام الفخر: لا يدعون إلى السجود تعبدا وتكليفا، ولكن ~~توبيخا وتعنيفا على تركهم السجود في الدنيا، ثم إنه تعالى يسلب عنهم ~~القدرة على السجود ويحول بينهم وبين الاستطاعة حتى تزداد حسرتهم وندامتهم ms1664 ~~على ما فرطوا فيه، حين دعوا إليه في الدنيا وهم سالمو الأطراف والمفاصل { ~~فذرني ومن يكذب بهذا الحديث } أي اتركني يا محمد ومن ~~يكذب بهذا القرآن لأكفيك شره وأنتقم لك منه!! وهذا منتهى الوعيد { ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } أي سنأخذهم بطريق ~~الاستدراج بالنعم، إلى الهلاك والدمار، من حيث لا يشعرون قال الحسن: كم ~~من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه قال الرازي: الاستدراج ~~أن يستنزله إليه درجة درجة حتى يورطه فيه، فكلما أذنبوا ذنبا جدد الله ~~لهم نعمة وأنساهم الاستغفار، فالاستدراج إنما حصل لهم من الإنعام عليهم، ~~لأنهم يحسبونه تفضيلا لهم على المؤمنين، وهو في الحقيقة سبب لهلاكهم { ~~وأملي لهم } أي أمهلهم وأطيل في اعمارهم ليزدادوا إثما { إن ~~كيدي متين } أي إن انتقامي من الكافرين قوي شديد وفي الحديث # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # ثم قرأ صلى الله عليه وسلم { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ ~~القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } وإنما سمى ~~إحسانه كيدا كما سماه استدراجا لكونه في صورة الكيد، فما وقع لهم من ~~سعة الأرزاق، وطول الأعمار، وعافية الأبدان، إحسان في الظاهر، وبلاء في ~~الباطن، لأن المقصود معاقبتهم وتعذيبهم به { أم تسألهم أجرا ~~فهم من مغرم مثقلون } أي أتسألهم يا محمد غرامة مالية ~~على تبليغ الرسالة، فهم معرضون عن الإيمان بسبب ذلك التكليف الثقيل ~~ببذلهم المال؟ والغرض توبيخهم في عدم الإيمان فإن الرسول لا يطلب منهم ~~شيئا من الأجر قال الخازن: المعنى أتطلب منهم أجرا فيثقل عليهم حمل ~~الغرامات في أموالهم فيثبطهم عن الإيمان { أم عندهم الغيب ~~فهم يكتبون } أي أم هل عندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيب، فهم ~~ينقلون منه أنهم خير من أهل الإيمان، فلذلك أصروا على الكفر والطغيان؟ ~~وهو استفهام على سبيل الإنكار والتوبيخ { فاصبر لحكم ربك } ~~أي فاصبر يا محمد على أذاهم، وامض لما أمرت به من تبليغ رسالة ربك { ~~ولا تكن كصاحب الحوت } أي ولا تكن في الضجر والعجلة، كيونس بن ~~متى عليه السلام، ms1665 لما غضب على قومه لأنهم لم يؤمنوا فتركهم وركب البحر ثم ~~التقمه الحوت، وكان من أمره ما كان { إذ نادى وهو مكظوم } أي ~~حين دعا ربه في بطن الحوت وهو مملوء غما وغيظا بقوله # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87] { لولا أن تداركه نعمة من ربه } أي ~~لولا أن تداركته رحمة الله { لنبذ بالعرآء وهو مذموم } ~~أي لطرح في الفضاء الواسع الخالي من الأشجار والجبال، وهو ملام على ما ~~ارتكب، ولكن الله أنعم عليه بالتوفيق للتوبة فلم يبق مذموما { ~~فاجتباه ربه فجعله من الصالحين } أي فاصطفاه ربه ~~واختاره لنفسه فجعله من المقربين قال ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه ~~في قومه { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك ~~بأبصارهم } أي ولقد كاد الكفار من شدة عداوتهم لك يا محمد أن ~~يصرعوك بأعينهم ويهلكوك، من قولهم نظر إلي نظرا كاد يصرعني قال ابن ~~كثير: وفي الآية دليل على أن العين وإصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز ~~وجل، ويؤيده حديث # " لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين " # { لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون } أي ~~حين سمعوك تقرأ القرآن، ويقولون من شدة بغضهم وحسدهم لك، إن محمدا ~~مجنون، قال تعالى ردا عليهم { وما هو إلا ذكر للعالمين ~~} أي وما هذا القرآن المعجز إلا موعظة وتذكير للإنس والجن، فكيف ينسب من ~~نزل عليه إلى الجنون؟! ختم تعالى السورة ببيان عظمة القرآن، كما بدأها ~~ببيان عظمة الرسول، ليتناسق البدء مع الختام في أروع بيان وأجمل ختام. # البلاغة: تمضنت السورة الكريمة وجوها من الفصاحة والبيان نوجزها ~~فيما يلي: # 1- الجناس الناقص بين لفظي { مجنون } و { ممنون } لاختلاف الحرف ~~الثاني. # 2- الوعيد والتهديد { فستبصر ويبصرون * بأييكم ~~المفتون } وحذف المفعول للتهويل. # 3- صيغ المبالغة في { حلاف } ، { هماز } ، { مشآء } ، { ~~مناع } وكذلك في { أثيم.. وزنيم }. # 4- الاستعارة الفائقة { سنسمه على الخرطوم } استعار الخرطوم ~~للأنف لأن أصل الخرطوم للفيل، واستعارته لأنف الإنسان تجعله في غاية ~~الإبداع لأن الغرض الاستهانة به والاستخفاف. # 5- الطباق بين { المسلمين والمجرمين } وبين { ضل.. ~~والمهتدين } وهو من المحسنات البديعية. ms1666 # 6- جناس الاشتقاق { فطاف عليها طآئف من ربك وهم ~~نآئمون }. # 7- التقريع والتوبيخ { ما لكم كيف تحكمون * أم لكم ~~كتاب فيه تدرسون }؟ والجمل التي بعدها. # 8- التشبيه المقلوب بجعل المشبه به مشبها والعكس { أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين }؟ لأن الأصل أفنجعل المجرمين كالمسلمين ~~في الأجر والمثوبة؟ فقلب التشبيه ليكون أبلغ وأروع. # 9- الكناية الرائقة الفائقة { يوم يكشف عن ساق } كناية عن شدة ~~الهول، وتفاقم الخطب يوم القيامة. # 10- السجع المرصع المحبوك، كأنه الدر المنظوم إقرأ الآيات الكريمة { ن ~~والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون } الخ وتدبر روعة ~~القرآن!! ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-52] # اللغة: { الحاقة } القيامة سيمت حاقة لأنها حق مقطوع بوقوعها { ~~صرصر } شديدة الصوت والبرد { حسوما } متتابعة لا تنقطع من الحسم ~~وهو القطع قال الشاعر: # " فدارت عليهم فكانت حسوما " # { رابية } زائدة في الشدة والعذاب { واهية } ساقطة القوة، ~~ضعيفة متراخية من قولهم: وهي البناء اذا ضعف وتداعى للسقوط { هآؤم } ~~اسم فعل أمر بمعنى خذوا { قطوفها } جمع قطف وهو ما يجتنى من الثمر ~~ويقطف { غسلين } صديد أهل النار قال الكلبي: هو ما يسيل من أهل النار ~~من القيح والصديد والدم إذا عذبوا فهو { غسلين } فعلين من الغسل { ~~الوتين } عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه ويسمى الأبهر وفي ~~الحديث " ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري " { ~~حسرة } ندامة عظيمة. # التفسير: { الحاقة } اسم للقيامة سميت بذلك لتحقق وقوعها، فهي حق ~~قاطع، وأمر واقع، لا شك فيه ولا جدال { ما الحآقة }؟ التكرار ~~لتفخيم شأنها، وتعظيم أمرها، وكان الأصل أن يقال: ما هي؟ ولكنه وضع ~~الظاهر موضع الضمير زيادة في التعظيم والتهويل { ومآ أدراك ما ~~الحاقة }؟ وما أعلمك يا محمد ما هي القيامة؟ إنك لا تعلمها إذ لم ~~تعاينها، ولم تر ما فيها من الأهوال، فإنها من العظم والشدة بحيث لا ~~يحيط بها وصف ولا خيال، وهذا على طريقة العرب فإنهم إذا أرادوا تشويق ~~المخاطب لأمر أتوا بصيغة الاستفهام يقولون: أتدري ماذا حدث؟ والآية من ~~هذا القبيل زيادة في التعظيم والتهويل كأنه قال: ms1667 إنها شيء مريع وخطب ~~فظيع.. ثم بعد أن عظم أمرها وفخم شأنها، ذكر من كذب بها وما حل ~~بهم بسبب التكذيب، تذكيرا لكفار مكة وتخويفا لهم فقال { كذبت ~~ثمود وعاد بالقارعة } أي كذب قوم صالح، وقوم هود بالقيامة، ~~التي تقرع القلوب بأهوالها { فأما ثمود فأهلكوا ~~بالطاغية } أي فأما ثمود - قوم صالح - فأهلكوا بالصيحة المدمرة، ~~التي جاوزت الحد في الشدة قال قتادة: هي الصيحة التي خرجت عن حد كل ~~صيحة { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر } أي وأما - قوم ~~هود - فأهلكوا بالريح العاصفة ذات الصوت الشديد وهي الدبور وفي الحديث # " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " # { عاتية } أي متجاوزة الحد في الهبوب والبرودة، كأنها عتت على ~~خزانها فلم يتمكنوا من ضبطها، قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا ~~بمكيال، ولا أنزل قطرة قط إلا بمكيال، إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن ~~الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه سبيل ثم قرأ { إنا ~~لما طغا المآء حملناكم في الجارية } وإن الريح عتت ~~على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ { بريح صرصر عاتية ~~} { سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما } أي سلطها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام متتابعة لا تفتر ~~ولا تنقطع { فترى القوم فيها صرعى } أي فترى أيها المخاطب ~~القوم في منازلهم موتى، لا حراك بهم { كأنهم أعجاز نخل ~~خاوية } أي كأنهم أصول نخل متآكلة الأجواف قال المفسرون: كانت الريح ~~تقطع رؤوسهم كما تقطع رءوس النخل، وتدخل من أفواههم وتخرج من أدبارهم حتى ~~تصرعهم، فيصبحوا كالنخلة الخاوية الجوف { فهل ترى لهم من ~~باقية }؟ أي فهل ترى أحدا من بقاياهم؟ أو تجد لهم أثرا؟ لقد هلكوا ~~عن آخرهم كقوله تعالى { فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم } ~~{ وجآء فرعون ومن قبله } أي وجاء فرعون الجبار، ومن ~~تقدمه من الأمم الطاغية التي كفرت برسلها { والمؤتفكات } أي ~~والأمم الذين انقلبت بهم ديارهم - قرى قوم لوط - حيث جعل الله عاليها ~~سافلها قال الصاوي: { المؤتفكات } أي المنقلبات وهي قرى قوم لوط، ~~التي ms1668 اقتلعها جبريل ورفعها على جناحه قرب السماء ثم قلبها، وكانت خمس قرى ~~{ بالخاطئة } أي بالفعلة الخاطئة المنكرة، وهي الكفر والعصيان { ~~فعصوا رسول ربهم } أي فعصى فرعون رسول الله موسى، وعصى قوم ~~لوط رسولهم لوطا { فأخذهم أخذة رابية } أي فأخذهم الله ~~أخذة زائدة في الشدة، على عقوبات من سبقهم، كما أن جرائمهم زادت في ~~القبح والشناعة على سائر الكفار { إنا لما طغا المآء ~~حملناكم في الجارية } أي لما تجاوز الماء حده حتى علا كل ~~شيء وارتفع فوقه حملناكم في السفينة { لنجعلها لكم تذكرة } ~~أي لنجعل تلك الحادثة عظة للناس وعبرة، تدل على انتقام الله ممن كذب ~~رسله { وتعيهآ أذن واعية } أي وتحفظها وتذكرها أذن واعية ~~للمواعظ، تنتفع بما تسمع قال القرطبي: والمقصود من قصص هذه الأمم وذكر ما ~~حل بهم من العذاب، زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، ولهذا ختم الآية بقوله { وتعيهآ أذن واعية } ~~قال قتادة: الواعية هي التي عقلت عن الله وانتفعت بما سمعت من كتاب الله ~~عز وجل. # . ولما ذكر قصص المكذبين، أتبعه بذكر أهوال القيامة وشدائدها فقال { ~~فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة } أي فإذا نفخ إسرافيل ~~في الصور نفخة واحدة لخراب العالم قال ابن عباس: هي النفخة الأولى التي ~~يحصل عنها خراب الدنيا { وحملت الأرض والجبال فدكتا ~~دكة واحدة } أي ورفعت الأرض والجبال عن أماكنها، فضرب بعضها ~~ببعض حتى تندق وتتفتت وتصير كثيبا مهيلا { فيومئذ وقعت ~~الواقعة } أي ففي ذلك الحين قامت القيامة الكبرى، وحدثت الداهية ~~العظمى { وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية } أي ~~وانصدعت السماء فهي يومئذ ضعيفة مسترخية، ليس فيها تماسك ولا صلابة { ~~والملك على أرجآئهآ } أي والملائكة على أطرافها وجوانبها ~~قال المفسرون: وذلك لأن السماء مسكن الملائكة، فاذا انشقت السماء وقفوا ~~على أطرافها فزعا مما داخلهم من هول ذلك اليوم، ومن عظمة ذي الجلال، ~~الكبير المتعال { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ~~ثمانية } أي ويحمل عرش الرحمن ثمانية من الملائكة العظام فوق رءوسهم ~~وقال ابن عباس: ثمانية صفوف ms1669 من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله { ~~يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } أي في ذلك ~~اليوم الرهيب، تعرضون على ملك الملوك ذي الجلال للحساب والجزاء، لا يخفى ~~عليه منكم أحد، ولا يغيب عنه سر من أسراركم، لأنه العالم بالظواهر ~~والسرائر والضمائر. # . ثم بين تعالى حال السعداء والأشقياء في ذلك اليوم فقال { فأما ~~من أوتي كتابه بيمينه } أي فأما من أعطي كتاب أعماله ~~بيمينه لأنه من السعداء { فيقول هآؤم اقرؤا كتابيه } أي ~~فيقول ابتهاجا وسرورا: خذوا اقرءوا كتابي، والهاء في { كتابيه } ~~هاء السكت وكذلك في { حسابيه } و { ماليه } و { سلطانيه } ~~قال الرازي: ويدل قوله { هآؤم اقرؤا كتابيه } على أنه بلغ ~~الغاية في السرور، لأنه لما أعطي كتابه بيمينه، علم أنه من الناجين ومن ~~الفائزين بالنعيم، فأحب أن يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا بما ناله { إني ~~ظننت أني ملاق حسابيه } أي إني أيقنت وتحققت بأني سألقى ~~حسابي وجزائي يوم القيامة، فأعددت له العدة من الإيمان، والعمل الصالح ~~قال الحسن: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن المنافق ~~أساء الظن بربه فأساء العمل وقال الضحاك: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو ~~يقين، ومن الكافر فهو شك.. قال تعالى مبينا جزاءه { فهو في عيشة ~~راضية } أي فهو في عيشة هنيئة مرضية، يرضى بها صاحبها، لما ورد في ~~الصحيح # " أنهم يعيشون فلا يموتون أبدا، ويصحون فلا يمرضون أبدا، وينعمون فلا ~~يرون بؤسا أبدا " # { في جنة عالية } أي في جنة رفيعة القدر، وقصور عالية شاهقة { ~~قطوفها دانية } أي ثمارها قريبة، يتناولها القائم، والقاعد، ~~والمضطجع قال في التسهيل: القطوف جمع قطف وهو ما يجتنى من الثمار ويقطف ~~كالعنقود، روي أن العبد يأخذها بفمه من شجرها وهو قائم أو قاعد أو مضطجع ~~{ كلوا واشربوا هنيئا } أي يقال لهم تفضلا وإنعاما: كلوا ~~واشربوا أكلا وشربا هنيئا، بعيدا عن كل أذى، سالما من كل مكروه { ~~بمآ أسلفتم في الأيام الخالية } أي بسبب ما قدمتم من ~~الأعمال الصالحة في الأيام الماضية يعني أيام الدنيا.. ولما ذكر حال ~~السعداء ms1670 أعقبه بذكر حال الأشقياء فقال { وأما من أوتي كتابه ~~بشماله } أي وأما من أعطي كتابه بشماله وهذه علامة الشقاوة والخسران ~~{ فيقول يليتني لم أوت كتابيه } أي فيقول اذا رأى ~~قبائح أعماله: يا ليتني لم أعط كتابي قال المفسرون: وذلك لما يحصل له من ~~الخجل والافتضاح فيتمنى عندئذ أنه لم يعط كتاب أعماله، ويندم أشد الندم ~~{ ولم أدر ما حسابيه } أي ولم أعرف عظم حسابي وشدته، ~~والاستفهام للتعظيم والتهويل { يليتها كانت القاضية } أي يا ~~ليت الموتة الأولى التي متها في الدنيا، كانت القاطعة لحياتي، فلم أبعث ~~بعدها ولم أعذب قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن شيء عنده أكره من الموت، ~~لأنه رأى تلك الحالة أشنع وأمر مما ذاقه من الموت { مآ أغنى ~~عني ماليه } أي ما نفعني مالي الذي جمعته ولا دفع عني من عذاب ~~الله شيئا { هلك عني سلطانيه } أي زال عني ملكي وسلطاني، ~~ونسبي وجاهي، فلا معين لي ولا مجير، ولا صديق ولا نصير { خذوه ~~فغلوه } أي يقول تعالى لزبانية جهنم: خذوا هذا المجرم الأثيم فشدوه ~~بالأغلال قال القرطبي: فيبتدره مائة ألف ملك، ثم تجمع يده الى عنقه، فذلك ~~قوله تعالى: { فغلوه } { ثم الجحيم صلوه } أي ثم أدخلوه ~~النار العظيمة المتأججة، ليصلى حرها { ثم في سلسلة ذرعها ~~سبعون ذراعا فاسلكوه } أي ثم أدخلوه في سلسلة حديدية طولها ~~سبعون ذراعا قال ابن عباس: بذراع الملك، تدخل السلسلة من دبره، وتخرج من ~~حلقه، ثم يجمع بين ناصيته وقدميه والسلسلة هي حلق منتظمة، كل حلقة منها ~~في حلقة، يلف بها حتى لا يستطيع حراكا. # . لما بين العذاب الشديد بين سببه فقال { إنه كان لا ~~يؤمن بالله العظيم } أي كان لا يصدق بوحدانية الله وعظمته ~~قال في البحر: بدأ بأقوى أسباب تعذيبه وهو كفره بالله، وهو تعليل مستأنف ~~كأن قائلا قال: لم يعذب هذا العذاب البليغ؟ فأجيب إنه كان لا يؤمن ~~بالله { ولا يحض على طعام المسكين } أي ولا يحث نفسه ~~ولا غيره على إطعام المسكين قال المفسرون: ذكر الحض دون الفعل للتنبيه ms1671 ~~على أن تارك الحض بهذه المنزلة، فكيف بتارك الإحسان والصدقة؟ { ~~فليس له اليوم ها هنا حميم } أي فليس له في الآخرة صديق ~~يدفع عنه العذاب، لأن الأصدقاء يتحاشونه، ويفرون منه { ولا طعام ~~إلا من غسلين } أي وليس له طعام إلا صديد أهل النار، الذي يسيل ~~من جراحاتهم { لا يأكله إلا الخاطئون } أي لا يأكله إلا ~~الآثمون المجرمون المرتكبون للخطايا والآثام قال المفسرون: { ~~الخاطئون } جمع خاطىء وهو الذي يتعمد الذنب، والمخطىء الذي يفعل ~~الشيء خطأ دون قصد، ولهذا قال { الخاطئون } ولم يقل المخطئون.. ولما ~~ذكر أحوال السعداء من أهل الجنة، ثم أحوال الأشقياء من أهل النار، ختم ~~الكلام بتعظيم القرآن فقال { فلا أقسم بما تبصرون * وما ~~لا تبصرون } أي فأقسم بالمشاهدات والمغيبات، أقسم بما ترونه وما ~~لا ترونه، مما هو واقع تحت الأبصار، وما غاب وخفي عن الأنظار، و { لا } ~~في قوله { فلا أقسم } لتأكيد القسم وليست نافية قال الإمام الفخر: ~~والآية تدل على العموم والشمول، لأنها لا تخرج عن قسمين: مبصر وغير ~~مبصر، فشملت الخالق والخلق، والدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإنس ~~والجن، والنعم الظاهرة والباطنة قال قتادة: هو عام في جميع مخلوقاته جل ~~وعلا، وقال عطاء: ما تبصرون من آثار القدرة، وما لا تبصرون من أسرار ~~القدرة { إنه لقول رسول كريم } أي إن هذا القرآن لكلام ~~الرحمن، يتلوه ويقرأه رسول كريم، هو محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم قال ~~القرطبي: والرسول ههنا محمد صلى الله عليه وسلم ونسب القول إليه لأنه ~~تاليه ومبلغه عن الله تعالى { وما هو بقول شاعر } أي وليس ~~القرآن كلام شاعر كما تزعمون، لأنه مباين لأوزان الشعر كلها، فليس شعرا ~~ولا نثرا { قليلا ما تؤمنون } أي قلما تؤمنون بهذا القرآن ~~قال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله، بمعنى لا ~~يؤمنون به أصلا، والعرب تقول: قلما يأتينا يريدون لا يأتينا { ولا ~~بقول كاهن } أي وليس هو بقول كاهن يدعي معرفة الغيب، لأن القرآن ~~يغاير بأسلوبه سجع الكهان { قليلا ما تذكرون } أي قلما ~~تتذكرون وتتعظون ms1672 { تنزيل من رب العالمين } أي هو تنزيل من ~~رب العزة جل وعلا كقوله تعالى # وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح ~~الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان ~~عربي مبين # [الشعراء: 192-195] والغرض من الآية تبرئة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~مما نسبه إليه المشركون من دعوى السحر والكهانة، ثم أكد ذلك بأعظم ~~برهان على أن القرآن من عند الله فقال { ولو تقول علينا ~~بعض الأقاويل } أي لو اختلق محمد بعض الأقوال، ونسب إلينا ما لم ~~نقله { لأخذنا منه باليمين } أي لانتقمنا منه بقوتنا وقدرتنا ~~{ ثم لقطعنا منه الوتين } أي ثم لقطعنا نياط قلبه حتى ~~يموت قال القرطبي: والوتين عرق يتعلق به القلب، إذا انقطع مات صاحبه ~~والغرض أنه تعالى يعاجله بالعقوبة ولا يمهله، لو نسب إلى الله شيئا ولو ~~قليلا، فإن تسمية الأقوال بالأقاويل للتصغير والتحقير { فما منكم ~~من أحد عنه حاجزين } أي فما يقدر أحد منكم أن يحجز بيننا ~~وبينه، لو أردنا حينئذ عقوبته، ولا أن يدفع عنه عذابنا قال الخازن: ~~المعنى إن محمدا لا يتكلم الكذب علينا لأجلكم، مع علمه أنه لو تكلم ~~لعاقبناه، ولا يقدر أحد على دفع عقوبتنا عنه { وإنه لتذكرة ~~للمتقين } أي وإن هذا القرآن لعظة للمؤمنين المتقين الذين ~~يخشون الله، وخص المتقين بالذكر لأنهم المنتفعون به { وإنا ~~لنعلم أن منكم مكذبين } أي ونحن نعلم أن منكم من يكذب ~~بهذا القرآن مع وضوح آياته، ويزعم أنه أساطير الأولين، وفي الآية وعيد ~~لمن كذب بالقرآن { وإنه لحسرة على الكافرين } أي وإنه ~~لحسرة عليهم في الآخرة، لأنهم يتأسفون إذا رأوا ثواب من آمن به { ~~وإنه لحق اليقين } أي وإنه لحق يقيني لا يحوم حوله ريب، ~~ولا يشك عاقل أنه كلام رب العالمين { فسبح باسم ربك ~~العظيم } أي فنزه ربك العظيم عن السوء والنقائص، واشكره على ما ~~أعطاك من النعم العظيمة، التي من أعظمها نعمة القرآن. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من الفصاحة والبيان نوجزها ~~فيما يلي: # 1- الإطناب بتكرار الاسم للتهويل والتعظيم { الحاقة * ما ~~الحآقة } الخ. # 2- التفصيل ms1673 بعد الإجمال زيادة في البيان { كذبت ثمود وعاد ~~بالقارعة } ثم فصله بقوله { فأما ثمود فأهلكوا ~~بالطاغية * وأما عاد } الآية وفيه لف ونشر مرتب. # 3- التشبيه المرسل المجمل { كأنهم أعجاز نخل خاوية } ~~ذكرت الأداة وحذف وجه الشبه. # 4- الاستعارة اللطيفة الفائقة { إنا لما طغا المآء } الطغيان ~~من صفات الإنسان، فشبه ارتفاع الماء وكثرته، بطغيان الإنسان على ~~الإنسان بطريق الاستعارة. # 5- جناس الاشتقاق مثل { وقعت الواقعة } ومثل { لا تخفى ~~منكم خافية }. # 6- المقابلة البديعة { فأما من أوتي كتابه بيمينه ~~فيقول هآؤم اقرؤا كتابيه } قابلها بقوله { وأما من ~~أوتي كتابه بشماله.. } الخ وهي من المحسنات البديعية. # 7- طباق السلب { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا ~~تبصرون }. # 8- الكناية { لأخذنا منه باليمين } لفظ اليمين كناية عن ~~القوة والقدرة. # 9- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل { فهو في عيشة ~~راضية * في جنة عالية * قطوفها دانية } ومثل { ~~خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ~~ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه } ويسمى في علم البديع السجع ~~المرصع والله أعلم. # تنبيه: روى الحافظ ابن كثير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: خرجت ~~أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني الى ~~المسجد فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال ~~فقلت في نفسي: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ { إنه لقول ~~رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون } فقلت: كاهن، فقرأ { ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون } الخ السورة، قال: فوقع في قلبي الإسلام كل موقع، حتى ~~هداني الله تعالى له. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-44] # اللغة: { المعارج } المصاعد والمدارج التي يرتقي بها الإنسان جمع ~~معرج وهو المصعد، والعروج الارتفاع إلى السماء ومنه معراج النبي صلى ~~الله عليه وسلم { المهل } النحاس المذاب { العهن } الصوف المنفوش ~~{ فصيلته } الفصيلة: العشيرة الذي فصل عنهم وتولد منهم { لظى } ~~اسم لجهنم سميت بذلك لأن نيرانها تتلظى أي تلتهب { الشوى } جمع شواة ~~وهي جلدة الرأس قال الأعشى: # قالت قتيلة ماله # قد جللت شيبا شواته؟ # { هلوعا } كثير الجزع والضجر، قال أبو ms1674 عبيدة: الهلوع هو الذي اذا ~~مسه الخير لم يشكر، وإذا مسه الضر لم يصبر { عزين } جماعات ~~متفرقين جمع عزة وهي الجماعة المتفرقة قال الشاعر: # فجاءوا يهرعون إليه حتى # يكونوا حول منبره عزينا # { يوفضون } يسرعون يقال: أوفض البعير اذا أسرع السير. # سبب النزول: عن ابن عباس أن النضر بن الحارث قال حين خوفهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من عذاب الله # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] فأنزل الله { سأل سآئل بعذاب واقع * ~~للكافرين ليس له دافع }. # التفسير: { سأل سآئل بعذاب واقع } أي دعا داع من كفار ~~مكة لنفسه ولقومه بنزول عذاب واقع لا محالة قال المفسرون: السائل هو " ~~النضر بن الحارث " من صناديد قريش وطواغيتها، لما خوفهم رسول الله عذاب ~~الله قال استهزاء # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32] فأهلكه الله يوم بدر، ومات شر ميتة، ونزلت الآية بذمه { ~~للكافرين } أي دعا بهذا العذاب على الكافرين { ليس له ~~دافع } أي لا راد له إذا أراد الله وقوعه، وهو نازل بهم لا محالة، ~~سواء طلبوه أو لم يطلبوه، وإذا نزل العذاب فلن يرفع أو يدفع { من ~~الله ذي المعارج } أي هو صادر من الله العظيم الجليل، صاحب ~~المصاعد التي تصعد بها الملائكة، وتنزل بأمره ووحيه، ثم فصل ذلك بقوله ~~{ تعرج الملائكة والروح إليه } أي تصعد الملائكة ~~الأبرار وجبريل الأمين الذي خصه الله بالوحي الى الله عز وجل { في ~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } أي في يوم طوله ~~خمسون ألف سنة من سني الدنيا قال ابن عباس: هو يوم القيامة جعله الله على ~~الكافرين مقدار خمسين ألف سنة ثم يدخلون النار للاستقرار قال المفسرون: ~~والجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في سورة السجدة # في يوم كان مقداره ألف سنة # [السجدة: 5] أن القيامة مواقف ومواطن، فيها خمسون موطنا كل موطن ألف ~~سنة، وأن هذه المدة الطويلة تخف على المؤمن حتى ms1675 تكون أخف عليه من صلاة ~~مكتوبة { فاصبر صبرا جميلا } أي فاصبر يا محمد على استهزاء ~~قومك وأذاهم ولا تضجر، فإن الله ناصرك عليهم، وهذا تسلية له عليه ~~الصلاة والسلام، لأن استعجال العذاب إنما كان على وجه الاستهزاء برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأمره الله بالصبر قال القرطبي: والصبر الجميل ~~هو الذي لا جزع فيه، ولا شكوى لغير الله { إنهم يرونه بعيدا ~~} أي إن هؤلاء المستهزئين يستبعدون العذاب ويعتقدون أنه غير نازل، ~~لإنكارهم للبعث والحساب { ونراه قريبا } أي ونحن نراه قريبا لأن ~~كل ما هو آت قريب. # . ثم أخبر تعالى عن هول العذاب وشدته وعن أهوال يوم القيامة فقال { ~~يوم تكون السمآء كالمهل } أي تكون السماء سائلة غير ~~متماسكة، كالرصاص المذاب قال ابن عباس: كدردي الزيت أي كعكر الزيت { ~~وتكون الجبال كالعهن } أي وتكون الجبال متناثرة متطايرة، ~~كالصوف المنفوش إذا طيرته الريح قال القرطبي: العهن الصوف الأحمر أو ~~ذو الألوان، شبه الجبال به في تلونها ألوانا، وأول ما تتغير الجبال ~~تصير رملا مهيلا، ثم عهنا منفوشا، ثم هباء منثورا.. هذه حال السماء ~~والأرض في ذلك اليوم المفزع، أما حال الخلائق فهي كما قال تعالى { ولا ~~يسأل حميم حميما } أي لا يسأل صديق صديقه، ولا قريب قريبه عن ~~شأنه، لشغل كل إنسان بنفسه، وذلك لشدة ما يحيط بهم من الهول والفزع { ~~يبصرونهم } أي يرونهم ويعرفونهم، حتى يرى الرجل أباه وأخاه ~~وقرابته وعشيرته، فلا يسأله ولا يكلمه بل يفر منه كقوله تعالى # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37] قال ابن عباس: { يبصرونهم } أي يعرف بعضهم بعضا ~~ويتعارفون بينهم، ثم يفر بعضهم من بعض { يود المجرم لو ~~يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه ~~} أي يتمنى الكافر - مرتكب جريمة الجحود والتكذيب - لو يفدي نفسه من عذاب ~~الله، بأعز من كان عليه في الدنيا من ابن، وزوجة، وأخ { وفصيلته ~~التي تؤويه } أي وعشيرته التي كانت تضمه إليها، ويتكل في نوائبه ~~عليها، وليس هذا ms1676 فحسب بل يتمنى لو يفتدي بجميع أهل الأرض { ومن في ~~الأرض جميعا ثم ينجيه } أي وبجميع من في الأرض من البشر ~~وغيرهم ثم ينجو من عذاب الله، ولكن هيهات أن ينجو المجرم من العذاب، أو ~~ينقذه ذلك من شدة الكرب، وفادح الخطب، قال الإمام الفخر: و { ثم } ~~لاستبعاد الإنجاء يعني يتمنى لو كان هؤلاء جميعا تحت يده، وبذلهم في ~~فداء نفسه ثم ينجيه ذلك، وهيهات أن ينجيه { كلا إنها لظى } { ~~كلا } أداة زجر وتعنيف أي لينزجر هذا الكافر الأثيم وليرتدع عن هذه ~~الأماني، فليس ينجيه من عذاب الله فداء، بل أمامه جهنم، تتلظى نيرانها ~~وتلتهب { نزاعة للشوى } أي تنزع بشدة حرها جلدة الرأس من ~~الإنسان كلما قلعت عادت كما كانت زيادة في التنكيل والعذاب، وخصها ~~بالذكر لأنها أشد الجسم حساسية وتأثرا بالنار { تدعوا من ~~أدبر وتولى } أي تنادي جهنم وتهتف بمن كذب بالرحمن، وأعرض عن ~~الإيمان، قال ابن عباس: تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح ~~تقول: إلي يا كافر، إلي يا منافق، ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب ~~{ وجمع فأوعى } أي وتدعو من جمع المال وخبأه وكنزه في الخزائن ~~والصناديق، ولم يؤد منه حق الله وحق المساكين قال المفسرون: والآية ~~وعيد شديد لمن يبخل بالمال، ويحرص على جمعه، فلا ينفقه في سبيل الخير، ~~ولا يخرج منه حق الله حق المسكين، وقد كان الحسن البصري يقول: يا ابن ~~آدم سمعت وعيد الله ثم أوعيت الدنيا أي جمعتها من حلال وحرام!! ثم ~~أخبر تعالى عن طبيعة الإنسان، وما جبل عليه من الحرص الشديد على جمع ~~حطام الدنيا فقال { إن الإنسان خلق هلوعا } أي إن الإنسان ~~جبل على الضجر، لا يصبر على بلاء، ولا يشكر على نعماء قال المفسرون: ~~الهلع: شدة الحرص وقلة الصبر، يقال: جاع فهلع، والمراد بالإنسان العموم ~~بدليل الاستثناء منه، والاستثناء معيار العموم، ثم فسره تعالى بقوله { ~~إذا مسه الشر جزوعا } أي إذا نزل به مكروه من فقر، أو ~~مرض، أو خوف، كان مبالغا في الجزع مكثرا منه، واستولى عليه ms1677 اليأس ~~والقنوط { وإذا مسه الخير منوعا } أي وإذا أصابه خير من ~~غنى، وصحة وسعة رزق كان مبالغا في المنع والإمساك، فهو إذا أصابه ~~الفقر لم يصبر، وإذا أغناه الله لم ينفق قال ابن كيسان: خلق الله ~~الإنسان يحب ما يسره، ويهرب مما يكرهه، ثم تعبده بإنفاق ما يحب ~~والصبر على ما يكره { إلا المصلين } استثناهم من أفراد البشر ~~الموصوفين بالهلع، لأن صلاتهم تحملهم على قلة الاكتراث بالدنيا، فلا ~~يجزعون من شرها ولا يبخلون بخيرها { الذين هم على صلاتهم ~~دآئمون } أي مواظبون على أداء الصلاة، لا يشغلهم عنها شاغل، لأن ~~نفوسهم صفت من أكدار الحياة، بتعرضهم لنفحات الله { والذين في ~~أموالهم حق معلوم } أي في أموالهم نصيب معين فرضه الله ~~عليهم وهو الزكاة { للسآئل والمحروم } أي للفقير الذي يسأل ~~ويتكفف الناس، والمحروم الذي يتعفف عن السؤال، فيظن أنه غني فيحرم ~~كقوله تعالى # يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف # [البقرة: 273] { والذين يصدقون بيوم الدين } أي ~~يؤمنون بيوم الحساب والجزاء، ويصدقون بمجيئه تصديقا جازما لا يشوبه ~~شك أو ارتياب، فيستعدون له بالأعمال الصالحة { والذين هم من ~~عذاب ربهم مشفقون } أي خائفون على أنفسهم من عذاب الله، ~~يرجون الثواب ويخافون العقاب { إن عذاب ربهم غير مأمون ~~} أي لأن عذاب الله لا ينبغي أن يأمنه إنسان، إلا من أمنه الرحمن ~~والأمور بخواتيمها.. إن هؤلاء المصدقين المشفقين قلما تزدهيهم ~~الدنيا، أو يبطرهم نعيمها، أو يجزعون على ما فاتهم من حطامها، فسواء ~~عليهم أخسروا حظوظ الدنيا أم غنموا، إذ أن لديهم من الفكر في جلال ربهم، ~~وذكر معادهم، ما يشغلهم عن الجزع إذا مسهم الشر، ويربأ بهم عن المنع ~~إذا مسهم الخير، ثم ذكر تعالى الفريق الخامس من الموفقين للخيرات وفعل ~~الطاعات فقال { والذين هم لفروجهم حافظون } أي أعفاء لا ~~يرتكبون المحارم، ولا يتلوثون بالمآثم، قد صانوا أنفسهم عن الزنى ~~والفواحش { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~} أي يقتصرون على ما أحل الله لهم من الزوجات المنكوحات، والرقيقات ~~المملوكات { فإنهم غير ملومين } أي فإنهم غير مؤاخذين لأن ms1678 ~~وضع الشهوة فيما أباح الله من الزوجات والمملوكات، حلال يؤجر عليه ~~الإنسان، لما فيه من تكثير النسل والذرية { فمن ابتغى ورآء ~~ذلك فأولئك هم العادون } أي فمن طلب لقضاء شهوته غير ~~الزوجات والمملوكات، فقد تعدى حدود الله وعرض نفسه لعذاب الله قال ~~الطبري: من التمس لفرجه منكحا سوى زوجته أو ملك يمينه، ففاعلوا ذلك هم ~~العادون، الذين تعدوا حدود ما أحل الله لهم، إلى ما حرمه عليهم، فهم ~~الملومون { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } أي ~~يؤدون الأمانات، ويحفظون العهود، فإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا ~~لم يغدروا { والذين هم بشهاداتهم قائمون } أي يشهدون ~~بالحق على القريب والبعيد، ولا يكتمون الشهادة ولا يغيرونها، بل يؤدونها ~~على وجهها الكامل، بحيث تصان بها حقوق الناس ومصالحهم، وخصها بالذكر مع ~~اندراجها في الأمانات، تنبيها على فضلها لأن في إقامتها إحياء للحقوق، ~~وفي تركها تضييع للحقوق { والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون } هذا هو الوصف الثامن من أوصاف المؤمنين الذين وفقهم الله ~~إلى تطهير نفوسهم من خلق الهلع المذموم أي يراعون شرائط الصلاة ويلتزمون ~~آدابها، ولا سيما الخشوع والتدبر ومراقبة الله فيها، وإلا كانت حركات ~~صورية لا يجني العبد ثمرتها، فإن فائدة الصلاة أن تكف عن المحارم # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45] ولما كانت الصلاة عمود الإسلام بولغ في التوكيد فيها، ~~فذكرت في أول الخصال الحميدة وفي آخرها، ليعلم مرتبتها في الأركان التي ~~بني عليها الإسلام، قال القرطبي: ذكر تعالى من أوصافهم في البدء { ~~الذين هم على صلاتهم دآئمون } ثم قال في الختم { ~~والذين هم على صلاتهم يحافظون } والدوام غير ~~المحافظة، فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها، لا يخلون بها ولا ~~يشتغلون عنها بشيء من الشواغل، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء ~~لها ومواقيتها، ويقيموا أركانها، ويكملوها بسننها وآدابها، ويحفظوها من ~~الإحباط باقتراف المآثم، فالدوام يرجع الى نفس الصلوات، والمحافظة ترجع ~~الى أحوانها، وبعد أن ذكر تعالى أوصاف المؤمنين المتقين، ذكر مآلهم ~~وعاقبتهم فقال { أولئك في جنات مكرمون } أي أولئك ~~المتصفون بتلك الأوصاف الجليلة، ms1679 والمناقب الرفيعة، مستقرون في جنات ~~النعيم، التي أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات، مع الإنعام والتكريم ~~بأنواع الملاذ والمشتهيات، لا تصافهم بمكارم الأخلاق { فمال الذين ~~كفروا قبلك مهطعين }؟ أي ما لهؤلاء الكفرة المجرمين، مسرعين ~~نحوك يا محمد، مادين أعناقهم إليك، مقبلين بأبصارهم عليك؟ قال المفسرون: ~~كان المشركون يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم حلقا حلقا، يسمعون ~~كلامه ويستهزئون به وبأصحابه، ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة - كما يقول ~~محمد - فلندخلنها قبلهم فنزلت الآية { عن اليمين وعن الشمال ~~عزين } أي جالسين عن يمينك وعن شمالك فرقا فرقا، وجماعات جماعات ~~يتحدثون ويتعجبون؟ قال أبو عبيدة: عزين أي جماعات جماعات في تفرقة ومنه ~~حديث # " مالي أراكم عزين؟ ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها " # { أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم } ~~استفهام إنكاري مع التقريع والتوبيخ أي أيطمع كل واحد من هؤلاء الكفار، ~~أن يدخله الله جنات النعيم، وقد كذب خاتم المرسلين؟ { كلا } ردع وزجر ~~أي ليس الأمر كما يطمعون، فإنهم لا يدخلونها أبدا ثم قال { إنا ~~خلقناهم مما يعلمون } أي خلقناهم من الأشياء المستقذرة، من ~~نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، فمن أين يتشرفون بدخول جنات النعيم قبل ~~المؤمنين، وليس لهم فضل يستوجبون به دخول الجنة؟ وإنما يستوجب دخول ~~الجنة من أطاع الله قال القرطبي: كانوا يستهزئون بفقراء المسلمين ~~ويتكبرون عليهم فقال تعالى { إنا خلقناهم مما يعلمون } ~~أي من القذر فلا يليق بهم هذا التكبر { فلا أقسم برب ~~المشارق والمغارب } أي فأقسم برب مشارق الشمس والقمر والكواكب ~~ومغاربها { إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا ~~منهم } أي قادرون على إهلاكهم، واستبدالهم بقوم أفضل منهم وأطوع ~~لله { وما نحن بمسبوقين } أي ولسنا بعاجزين عن ذلك { ~~فذرهم يخوضوا ويلعبوا } أي اتركهم يا محمد يخوضوا في ~~باطلهم ويلعبوا في دنياهم، واشتغل أنت بما أمرت به، وهو أمر على جهة ~~الوعيد والتهديد للمشركين { حتى يلاقوا يومهم الذي ~~يوعدون } أي حتى يلاقوا ذلك اليوم العصيب الرهيب، الذي لا ينفعهم فيه ~~توبة ولا ندم { يوم يخرجون من الأجداث ms1680 سراعا } أي يوم ~~يخرجون من القبور إلى أرض المحشر مسرعين { كأنهم إلى نصب ~~يوفضون } أي كأنهم يسعون ويستبقون إلى أصنامهم التي نصبوها ~~ليعبدوها، شبه حالة إسراعهم إلى موقف الحساب، بحالة إسراعهم ~~وتسابقهم في الدنيا، الى آلهتهم وطواغيتهم، وفي هذا التشبيه تهكم بهم، ~~وتعريض بسخافة عقولهم، إذ عبدوا ما لا يستحق العبادة، وتركوا عبادة ~~الواحد الأحد { خاشعة أبصارهم } أي خاضعة منكسرة أبصارهم إلى ~~الأرض لا يرفعونها خجلا من الله { ترهقهم ذلة } أي يغشاهم ~~الذل والهوان من كل مكان، وعلى وجوههم آثار الذلة والانكسار { ذلك ~~اليوم الذي كانوا يوعدون } أي هذا هو اليوم الذي وعدوا به ~~في الدنيا وكانوا يهزءون ويكذبون، فاليوم يرون عقابهم وجزاءهم!! # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { بعيدا. # . قريبا } وبين { اليمين.. و الشمال } وبين { المشارق ~~والمغارب }. # 2- جناس الاشتقاق { سأل سآئل } وكذلك { تعرج - المعارج ~~}. # 3- ذكر الخاص بعد العام تنبيها لفضله وتشريفا له { تعرج ~~الملائكة والروح } الروح هو جبريل. # 4- التشبيه المرسل المجمل { يوم تكون السمآء كالمهل * ~~وتكون الجبال كالعهن } لحذف وجه الشبه. # 5- ذكر العام بعد الخاص { لو يفتدي من عذاب يومئذ ~~ببنيه * وصاحبته وأخيه.. ومن في الأرض جميعا } ~~جاء بالعموم بعد الخصوص لبيان هول الموقف. # 6- المقابلة اللطيفة { إذا مسه الشر جزوعا } قابله بقوله { ~~وإذا مسه الخير منوعا }. # 7- الاستفهام الإنكاري للتقريع والتوبيخ { أيطمع كل امرىء ~~منهم أن يدخل جنة نعيم }؟ # 8- الكناية الفائقة الرائقة { كلا إنا خلقناهم مما ~~يعلمون } كناية عن المني القذر، مع النزاهة التامة في التعبير، وحسن ~~الإيقاظ والتذكير، بألطف عبارة وأبلغ إشارة. # 9- التشبيه المرسل المجمل { كأنهم إلى نصب يوفضون } وفي ~~تشبيههم بذلك تهكم بهم، وتعريض بسخافة عقولهم، وتسجيل عليهم بالجهل ~~المشين بالإسراع في عبادة غير من يستحق العبادة، # 10- السجع المرصع كأنه الدر والياقوت مثل { كلا إنها لظى * ~~نزاعة للشوى * تدعوا من أدبر وتولى } الخ. # تنبيه: نبه تعالى بقوله { إن الإنسان خلق هلوعا } الآيات ~~إلى طبائع البشر، فبين أن الإنسان يتسرع إلى مشتهاه، اتباعا ~~لهواه، وأنه مفرط في الهلع والجزع، فإن مسه خير ms1681 شحت به نفسه، وإن نزل ~~به شر اشتد له قلقه، ثم استثنى من ذلك الخلق الذميم أصنافا من البشر، ~~وهم الذين جمعوا مع الإيمان صالح الأعمال. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-28] # اللغة: { استغشوا } غطوا غشاه أي غطاه، والغشاء الغطاء { ~~مدرارا } غزيرا متتابعا { أطوارا } أحوالا مختلفة طورا بعد ~~طور قال الشاعر: # " والمرء يخلق طورا بعد أطوار " # { فجاجا } واسعات جمع فج وهو الطريق الواسعة { كبارا } كبيرا ~~بالغ الغاية في الكبر { ديارا } أحدا يدور أو يتحرك على ظهر الأرض { ~~تبارا } هلاكا ودمارا. # التفسير: { إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه } أي بعثنا شيخ ~~الأنبياء نوحا عليه السلام إلى سكان جزيرة العرب قال الألوسي: واشتهر ~~أنه عليه السلام كان يسكن أرض الكوفة وهناك أرسل { أن أنذر قومك ~~من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } أي بأن خوف قومك وحذرهم ~~إن لم يؤمنوا من عذاب شديد مؤلم، وهو عذاب الطوفان في الدنيا، وعذاب ~~النار في الآخرة { قال يقوم إني لكم نذير مبين } أي ~~فدعاهم إلى الله وقال لهم: إني لكم منذر، موضح لحقيقة الأمر، أنذركم ~~وأخوفكم عذاب الله، فأمري واضح ودعوتي ظاهرة قال المفسرون: نوح عليه ~~السلام أول نبي أرسل، ويقال له: شيخ المرسلين، لأنه أطولهم عمرا فقد مكث ~~في قومه كما قص القرآن الكريم # ألف سنة إلا خمسين عاما # [العنكبوت: 14] يدعوهم إلى الله، ومع طول هذه المدة لم يؤمن معه إلا ~~قليل، وقد أفرد القرآن قصته في هذه السورة الكريمة التي تسمى " سورة نوح ~~" من بدء الدعوة إلى نهايتها، حيث أهلك الله قومه بالطوفان، وهو أحد ~~الرسل الكبار من أولي العزم وهم خمسة " نوح، ابراهيم، موسى، عيسى، محمد " ~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد شاع الكفر في زمانه وذاع، واشتهر ~~قومه بعبادة الأوثان، واكثروا من البغي والظلم والعصيان، فبعث الله لهم ~~نوحا عليه السلام وكان من خبرهم مع نبيهم ما قصه الله علينا في القرآن { ~~أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } أي فقال لهم: اعبدوا ~~الله وحده، واتركوا محارمه، واجتنبوا مآثمه، وأطيعوني فيما أمرتكم به من ~~طاعة الله، وترك ms1682 عبادة الأوثان والأصنام { يغفر لكم من ~~ذنوبكم } أي إنكم إن فعلتم ما أمرتكم به، يمحو الله عنكم ذنوبكم ~~التي اقترفتموها، وإنما قال { من ذنوبكم } أي بعض ذنوبكم التي ~~حصلت قبل الإسلام، لأن الإيمان يجب ما قبله من الذنوب لا ما بعده { ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى } أي ويمد في أعماركم إن أطعتم ~~ربكم، إلى وقت مقدر ومقرر في علم الله تعالى، مع التمتع بالحياة السعيدة، ~~والعيش الرغيد قال المفسرون: المراد بتأخير الأجل هو التأخير بلا عذاب، ~~أي يمهلهم في الدنيا بدون عذاب إلى انتهاء آجالهم، وأما العمر فهو محدود ~~لا يتقدم ولا يتأخر # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف: 34] ولهذا قال بعده { إن أجل الله إذا جآء لا ~~يؤخر } أي إن عمر الإنسان عند الله محدود، لا يزيد ولا ينقص، وإنما ~~أضيف الأجل إلى الله سبحانه لأنه هو الذي كتبه وأثبته { لو كنتم ~~تعلمون } أي لو كنتم تعلمون ذلك لسارعتم إلى الإيمان { قال رب ~~إني دعوت قومي ليلا ونهارا } أي قال نوح بعد أن بذل ~~غاية الجهد، وضاقت عليه الحيل: يا رب إني دعوت قومي إلى الإيمان ~~والطاعة، في الليل والنهار، من غير فتور ولا توان { فلم يزدهم ~~دعآئي إلا فرارا } أي فلم يزدهم دعائي لهم إلى الإيمان إلا ~~هربا، وشرودا عن الحق، وإعراضا عنه. # . ثم وصف نفورهم وصور إعراضهم أبلغ تصوير فقال { وإني كلما ~~دعوتهم لتغفر لهم } أي كلما دعوتهم إلى الإقرار بوحدانية ~~الله والعمل بطاعته، ليكون سببا في مغفرة ذنوبهم قال في التسهيل: ذكر ~~المغفرة التي هي سبب عن الإيمان، والعمل بطاعته، ليكون سببا في مغفرة ~~ذنوبهم قال في التسهيل: ذكر المغفرة التي هي سبب عن الإيمان، ليظهر قبح ~~إعراضهم عنه، فإنهم أعرضوا عن سعادتهم { جعلوا أصابعهم في ~~آذانهم } أي سدوا آذانهم لئلا يسمعوا دعوتي { واستغشوا ~~ثيابهم } أي غطوا رؤوسهم ووجوههم بثيابهم، لئلا يسمعوا كلامي أو ~~يروني قال في البحر: والظاهر أن ذلك حقيقة، سدوا مسامعهم حتى لا يسمعوا ~~ما دعاهم إليه، وتغطوا بثيابهم حتى لا ms1683 ينظروا إليه، كراهة وبغضا من ~~سماع النصح ورؤية الناصح، ويجوز أن يكون ذلك كناية عن المبالغة في ~~إعراضهم عما دعاهم إليه، فهم بمنزلة من سد سمعه، ومنع بصره { ~~وأصروا واستكبروا استكبارا } أي واستمروا على الكفر ~~والطغيان، واستكبروا عن الإيمان استكبارا عظيما، وفيه إشارة إلى فرط ~~عنادهم، وغلوهم في الضلال { ثم إني دعوتهم جهارا } أي ~~دعوتهم علنا على رؤوس الأشهاد، مجاهرا بدعوتي لهم دون خوف أو تحفظ { ~~ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } أي ~~أخبرتهم سرا وعلنا، خفية وجهرا، وسلكت معهم كل طريق في الدعوة إليك ~~قال المفسرون: والعطف بثم يشعر بأن الإعلان والإسرار الأخيرين، كانا ~~طريقة ثالثة سلكها نوح في الدعوة، غير طريقة السر المحضة، وغير طريقة ~~الجهر المحضة، فكان في الطريقة الثالثة يعلن لهم الدعوة مرة حيث يصلح ~~الإعلان، ويسرها لهم أخرى حيث يتوقع نفع الإسرار، ثم وضح ما وعظهم به ~~سرا وعلانية فقال { فقلت استغفروا ربكم إنه كان ~~غفارا } أي آمنوا بالله وتوبوا عن الكفر والمعاصي، فإن ربكم تواب ~~رحيم، يغفر الذنب ويقبل التوب { يرسل السمآء عليكم ~~مدرارا } أي ينزل المطر عليكم غزيرا متتابعا، شديد الانسكاب { ~~ويمددكم بأموال وبنين } أي يكثر أموالكم وأولادكم { ~~ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } أي ويجعل لكم ~~الحدائق الفسيحة، ذات الأشجار المظلة المثمرة، ويجعل لكم الأنهار تجري ~~خلالها.. أطمعهم نوح عليه السلام بالحصول على بركات السماء وبركات الأرض، ~~إن هم آمنوا بالله الذي بيده مفاتيح هذه الخزائن، وأتاهم من طريق القلب ~~لتحريك العواطف، ولبيان أن ما هم فيه من انحباس الأمطار، وما حرموه من ~~الرزق والذرية، إنما سببه كفرهم بالله الذي بيده وحده إرسال المطر، ~~وإغداق الرزق، والإمداد بالأموال والبنين، وأنه لا ينبغي لهم أن يكفروا ~~بهذا الإله القادر، ويعبدوا آلهة أخرى اخترعوها، لا تضر ولا تنفع، ثم ~~عاد فهز نفوسهم هزا، وعطفها نحو الإيمان بأسلوب آخر من أساليب البيان ~~فقال { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي ما لكم أيها ~~القوم لا تخافون عظمة الله وسلطانه، ولا ترهبون له جانبا!! قال ms1684 ابن ~~عباس: اي ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته! { وقد خلقكم ~~أطوارا } أي وقد خلقكم في أطوار مختلفة، وأدوار متباينة، طورا نطفة، ~~وطورا علقة، وطورا مضغة، إلى سائر الأحوال العجيبة، فتبارك الله أحسن ~~الخالقين. # . ثم نبههم إلى دلائل القدرة والوحدانية، منبثة في هذا الكون الفسيح ~~فقال { ألم تروا كيف خلق الله سبع سموت ~~طباقا } أي ألم تشاهدوا يا معشر القوم عظمة الله وقدرته، وتنظروا نظر ~~اعتبار، وتفكر وتدبر، كيف أن الله العظيم الجليل خلق سبع سماوات سماء فوق ~~سماء، متطابقة بعضها فوق بعض، وهي في غاية الإبداع والإتقان!! { ~~وجعل القمر فيهن نورا } أي وجعل القمر في السماء الدنيا، ~~منورا لوجه الأرض في ظلمة الليل قال الإمام الفخر: القمر في السماء ~~الدنيا وليس في السماوات بأسرها، وهذا كما يقال: السلطان في العراق ليس ~~المراد ان ذاته حاصلة في كل أنحائها، بل إن ذاته في حيز من جملة أنحاء ~~العراق، فكذا ههنا وقال في البحر: والقمر في السماء الدنيا، وصح كون ~~السماوات ظرفا للقمر لأنه لا يلزم من الظرف أن يملأ المظروف، تقول زيد ~~في المدينة وهو في جزء منها { وجعل الشمس سراجا } أي وجعل ~~الشمس مصباحا مضيئا يستضيء به أهل الدنيا كما يستضيء الناس بالسراج في ~~بيوتهم، ولما كان نور الشمس أشد، وأتم، وأكمل في الانتفاع من نور ~~القمر، عبر عن الشمس بالسراج لأنه يضيء بنفسه، وعبر عن القمر بالنور لأنه ~~يستمد نوره من غيره، ويؤيده ما تقرر في علم الفلك من أن نور الشمس ذاتي ~~فيها، ونور القمر عرضي مكتسب من نورها، فسبحان من أحاط بكل شيء علما { ~~والله أنبتكم من الأرض نباتا } بعد أن ذكر دليل ~~الآفاق، ذكر هنا دليل الأنفس، وذلك لأن في ذكر هذه الأمور، دلالة واضحة ~~على عظمة الله، وقدرته وباهر مصنوعاته والمعنى خلقكم وأنشأكم من الأرض ~~كما يخرج النبات، وسلكم من تراب الأرض كما يسل النبات منها قال ~~المفسرون: لما كان إخراجهم وإنشاؤهم إنما يتم بتناولهم عناصر الغذاء ~~الحيوانية والنباتية المستمدة من الأرض، كانوا ms1685 من هذه الجهة مشابهين ~~للنباتات التي تنمو بامتصاص غذائها من الأرض، فلذا سمى خلقهم وإنشاءهم ~~إنباتا، أو يكون ذلك إشارة إلى خلق آدم حيث خلق من تراب الأرض، ثم جاءت ~~منه ذريته، فصح نسبتهم إلى أنهم أنبتوا من الأرض { ثم يعيدكم ~~فيها ويخرجكم إخراجا } أي يرجعكم إلى الأرض بعد موتكم ~~فتدفنون فيها، ثم يخرجكم منها يوم البعث والحشر للحساب والجزاء، وأكده ~~بالمصدر { إخراجا } لبيان أن ذلك واقع لا محالة، وهذه الآية كقوله ~~تعالى # منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى # [طه: 55] { والله جعل لكم الأرض بساطا } أي جعلها فسيحة ~~ممتدة ممهدة لكم، تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه قال في ~~التسهيل: شبه الأرض بالبساط في امتدادها واستقرار الناس عليها، وأخذ ~~بعضهم من الآية أنها غير كروية، وفي ذلك نظر وقال الألوسي: وليس في الآية ~~دلالة على أن الأرض مبسوطة غير كروية، لأن الكرة العظيمة يرى كل من عليها ~~ما يليه مسطحا، ثم إن اعتقاد الكرية أو عدمها ليس بلازم في الشريعة، لكن ~~كريتها كالأمر اليقيني، ومعنى جعلها بساطا أي تتقلبون عليها كالبساط { ~~لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أي لتسلكوا في الأرض طرقا ~~واسعة في أسفاركم، وتنقلكم في أرجائها؟؟ ولما أصروا على العصيان، ~~وقابلوه بأقبح الأقوال والأفعال، حكى عنهم ما قصه القرآن { قال نوح ~~رب إنهم عصوني } أي إنهم بالغوا في تكذيبي وعصيان أمري { ~~واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ~~أي واتبعوا اغنياءهم ورؤساءهم، الذين أبطرتهم الأموال والأولاد، فهلكوا ~~وخسروا سعادة الدارين، فصاروا أسوة لهم في الخسار { ومكروا مكرا ~~كبارا } أي ومكر بهم الرؤساء مكرا عظيما متناهيا في الكبر قال ~~الألوسي: { وكبارا } مبالغة في الكبر أي كبيرا في الغاية، وذلك ~~احتيالهم في الدين، وصدهم الناس عنه، وإغراؤهم وتحريضهم على أذية نوح ~~عليه السلام { وقالوا لا تذرن آلهتكم } أي لا تتركوا ~~عبادة الأوثان والأصنام، وتعبدوا رب نوح { ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا } أي ولا تتركوا - على وجه ~~الخصوص - هذه الأصنام الخمسة - ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ms1686 ونسرا قال ~~الصاوي: وهذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها، وكانت أكبر أصنامهم وأعظمهم ~~عندهم، ولذا خصوها بالذكر، وهذا من شدة كفرهم، وفرط تعنتهم في المكر ~~والاحتيال، فقد كانوا يلبسون ثوب المتنصح المخلص، ويسلكون في تثبيت ~~الضعفاء على عبادة الآباء شتى الأساليب في المكر والخداع { وقد ~~أضلوا كثيرا } أي وقد أضل كبراؤهم خلقا وناسا كثيرين، بما ~~زينوا لهم من طرق الغواية والضلال، ثم دعا عليهم بالضلال فقال { ولا ~~تزد الظالمين إلا ضلالا } أي ولا تزدهم يا رب على طغيانهم ~~وعدوانهم، إلا ضلالا فوق ضلالهم قال المفسرون: دعا عليهم لما يئس من ~~إيمانهم بإخبار الله له بقوله # لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36] فاستجاب الله دعاءه وأغرقهم، ولهذا قال تعالى { مما ~~خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا } أي من أجل ذنوبهم ~~وإجرامهم، وإصرارهم على الكفر والطغيان، أغرقوا بالطوفان وأدخلوا ~~النيران قال في التسهيل: وهذا من كلام الله تعالى إخبارا عن أمرهم، و { ~~ما } في { مما } زائدة للتأكيد، وإنما قدم هذا المجرور للتأكيد أيضا، ~~ليبين أن إغراقهم وإدخالهم النار إنما كان بسبب خطاياهم وهي الكفر وسائر ~~المعاصي { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } أي لم ~~يجدوا من ينصرهم أو يدفع عنهم عذاب الله قال أبو السعود: وفيه تعريض ~~باتخاذهم آلهة من دون الله تعالى، وأنها غير قادرة على نصرهم، وتهكم بهم ~~{ وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا } أي لا تترك أحدا على وجه الأرض من الكافرين قال في التسهيل: ~~و { ديارا } من الأسماء المستعملة في النفي العام يقال: ما في الدار ~~ديار أي ما فيها أحد. # . ثم علل ذلك بقوله { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك } أي ~~إنك إن أبقيت منهم أحدا، أضلوا عبادك عن طريق الهدى { ولا يلدوا ~~إلا فاجرا كفارا } أي ولا يأتي من أصلابهم إلا كل فاجر وكافر ~~قال الإمام الفخر: فإن قيل: كيف عرف نوح ذلك؟ قلنا بالاستقراء، فإنه ~~لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فعرف طباعهم وجربهم، وكان الرجل ~~ينطلق بابنه إليه ويقول: ms1687 يا بني إحذر فإنه كذاب، وإن أبي أوصاني بمثل ~~هذه الوصية، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك، فلذلك قال { ولا ~~يلدوا إلا فاجرا كفارا }.. ولما دعا على الكفار أعقبه ~~بالدعاء للمؤمنين فقال { رب اغفر لي ولوالدي ولمن ~~دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات } بدأ ~~بنفسه ثم بأبويه، ثم عمم لجميع المؤمنين والمؤمنات، ليكون ذلك أبلغ ~~وأجمع { ولا تزد الظالمين إلا تبارا } أي ولا تزد يا رب ~~من جحد بآياتك وكذب رسلك، إلا هلاكا وخسارا في الدنيا والآخرة. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { أعلنت.. وأسررت } وبين { جهارا.. ~~وإسرارا } وبين { ليلا.. ونهارا } وبين { يعيدكم.. ~~ويخرجكم }. # 2- المجاز المرسل { جعلوا أصابعهم في آذانهم } المراد ~~رؤوس الأصابع فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء. # 3- الاستعارة التبعية { والله أنبتكم من الأرض نباتا ~~} شبه إنشاءهم وخلقهم في أدوار بالنبات الذي تخرجه الأرض، واشتق من لفظ ~~النبات أنبتكم على طريق الاستعارة التعبية. # 4- ذكر المصدر للتأكيد مثل { ويخرجكم إخراجا } و { ~~أسررت لهم إسرارا } و { استكبروا استكبارا } ~~ويسمى هذا في علم البديع بالإطناب. # 5- ذكر الخاص بعد العام { وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا... } الآية وعكسه ذكر العام بعد الخاص { ~~رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ~~وللمؤمنين والمؤمنات } وكلاهما من باب الإطناب، وهو من ~~المحسنات البديعية. # 6- السجع المرصع مراعاة لرؤوس الآيات مثل { مدرارا } ، { ~~أنهارا } ، { وقارا } ، { أطوارا } الخ. # فائدة: استدل العلماء على عذاب القبر بقوله تعالى { مما ~~خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا } قالوا: المراد بها ~~نار القبر وعذابه، لأنه تعالى عطف بالفاء، والفاء تفيد الترتيب مع ~~التعقيب، ونار الآخرة لم يذوقوها بعد، فدل على أن المراد عذاب القبر، وهو ~~استدلال لطيف. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-28] # اللغة: { الرشد } الحق والصواب { جد } الجد لغة: العظمة والجلال ~~والسلطان يقال: جد فلان في عيني أي عظم وجل، والجد: الحظ، وأبو الأب { ~~حرسا } جمع حارس او اسم جمع كخدم يقال: حرس وحراس، والحارس: الحافظ ~~للشيء يرعاه ويرقبه { قددا } متفرقة مختلفة جمع قدة قال الشاعر: # " إذ هم طرائق ms1688 في أهوائهم قدد " # { غدقا } كثيرا واسعا { القاسطون } الجائرون عن طريق الحق، ~~يقال قسط الرجل إذا جار { صعدا } شاقا يعلو الإنسان ويغلبه فلا ~~يطيقه يقال: فلان في صعد من أمره أي في مشقة { يسلكه } يدخله { ~~لبدا } متراكمين بعضهم فوق بعض يقال: تلبد الشيء أي تراكم بعضه فوق ~~بعض { ملتحدا } ملجأ وحرزا يتحصن به الإنسان. # التفسير: { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من ~~الجن } أي قل يا محمد لقومك: إن ربي أوحى إلي أن جماعة من الجن ~~استمعوا لتلاوتي للقرآن، فآمنوا به وصدقوه وأسلموا { فقالوا إنا ~~سمعنا قرآنا عجبا } أي فقالوا لقومهم حين رجعوا إليهم: إنا ~~سمعنا قرآنا عجيبا، مؤثرا في حسن نظمه، وبلاغة أسلوبه، وما حواه من ~~بديع الحكم والعظات و { عجبا } مصدر وصف به للمبالغة قال المفسرون: ~~استمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن في صلاة ~~الفجر، ولم يشعر بهم ولا باستماعهم، وإنما أخبر به الرسول بواسطة الوحي ~~بدليل قوله { قل أوحي إلي } ويؤيده ما قصه الله على نبيه في ~~سورة الأحقاف من خبرهم # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ~~ولوا إلى قومهم منذرين # [الأحقاف: 29] والغرض من الإخبار عن استماع الجن، توبيخ وتقريع قريش ~~والعرب في كونهم تباطئوا عن الإيمان، إذ كانت الجن خيرا منهم وأسرع إلى ~~الإيمان، فإنهم من حين ما سمعوا القرآن استعظموه وآمنوا ورجعوا إلى ~~قومهم منذرين، بخلاف العرب الذين نزل بلسانهم، فإنهم كذبوا واستهزءوا وهم ~~يعلمون أنه كلام معجز، وأن محمدا أمي لا يقرأ ولا يكتب، وشتان ما بين ~~موقف الإنس والجن!! { يهدي إلى الرشد فآمنا به } أي ~~يهدي هذا القرآن إلى الحق والرشاد والصواب فصدقنا به { ولن نشرك ~~بربنآ أحدا } أي ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك، ولن نجعل ~~لله شريكا بعد اليوم من خلقه قال الخازن: وفي الآية دليل على أن أولئك ~~النفر كانوا مشركين { وأنه تعالى جد ربنا } أي تعالت ~~عظمة ربنا وجلاله { ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } أي ms1689 ليس له ~~زوجة ولا ولد، لأن الزوجة تتخذ للحاجة، والولد للاستئناس، والله تعالى ~~منزه عن النقائص { وأنه كان يقول سفيهنا على الله ~~شططا } أي وأن الأحمق الجاهل فينا كان ينسب إلى الله ما لا يليق ~~بجلاله وقدسيته ويقول قولا شططا بعيدا عن الحق وحد الاعتدال قال ~~مجاهد: السفيه هو إبليس دعاهم إلى عبادة غير الله { وأنا ظننآ ~~أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } أي كنا نظن ~~أن أحدا لن يكذب على الله تعالى لا من الإنس ولا من الجن في نسبة ~~الصاحبة والولد إليه، فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به علمنا أنهم كانوا ~~يكذبون على الله في ذلك قال الطبري: وإنما أنكر هؤلاء النفر من الجن أن ~~تكون علمت أن أحدا يجترىء على الكذب على الله لما سمعت القرآن، لأنهم ~~قبل أن يسمعوه وقبل أن يعلموا تكذيب الله للزاعمين لله الصاحبة والولد ~~كانوا يحسبون أن إبليس صادق، فلما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذبا ~~في ذلك فسموه سفيها { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن } أي كان خلائق من الإنس يستجيرون برجال من ~~الجن { فزادوهم رهقا } أي فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بهم ~~إثما وطغيانا، وعتوا وضلالا قال أبو السعود: كان الرجل إذا أمسى في ~~واد قفر وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه - يريد ~~الجن وكبيرهم - فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الإنس والجن، ~~فزاد الرجال الجن تكبرا وعتوا، فذلك قوله { فزادوهم رهقا } { ~~وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ~~} أي وأن كفار الإنس ظنوا كما ظننتم يا معشر الجن، أن الله لن يبعث ~~أحدا بعد الموت، فقد أنكروا البعث كما أنكرتموه أنتم { وأنا ~~لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا شديدا ~~وشهبا } يقول الجن: وأنا طلبنا بلوغ السماء لاستماع كلام أهلها، ~~فوجدناها قد ملئت بالملائكة الكثيرين الذين يحرسونها، وبالشهب المحرقة ~~التي تقذف من يحاول الاقتراب منها { وأنا كنا نقعد منها ~~مقاعد للسمع } أي كنا قبل بعثة محمد نطرق السماء لنستمع إلى ms1690 ~~أخبارها ونلقيها إلى الكهان { فمن يستمع الآن يجد له ~~شهابا رصدا } أي فمن يحاول الآن استراق السمع، يجد شهابا ينتظره ~~بالمرصاد يحرقه ويهلكه { وأنا لا ندري أشر أريد بمن ~~في الأرض } أي لا نعلم نحن معشر الجن ما الله فاعل بسكان الأرض، ولا ~~نعلم هل امتلاء السماء بالحرس والشهب لعذاب يريد الله أن ينزله بأهل ~~الأرض؟ { أم أراد بهم ربهم رشدا } أي أم لخير يريده الله ~~بهم، بأن يبعث فيهم رسولا مرشدا يرشدهم إلى الحق؟ وهذا من أدب الجن حيث ~~نسبوا الخير إلى الله، ولم ينسبوا الشر إليه فقالوا { أشر أريد ~~بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا }؟ قال ابن ~~كثير: وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، وهذا هو الذي حملهم على تطلب ~~السبب، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فرأوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا أن هذا هو الذي حفظت من أجله ~~السماء، فدنوا منه حرصا على سماع القرآن ثم أسلموا { وأنا منا ~~الصالحون ومنا دون ذلك } أي منا قوم صالحون أبرار، عاملون ~~بما يرضي الله، ومنا قوم ليسوا صلحاء قال في التسهيل: وأرادوا بقولهم { ~~دون ذلك } أي الذين ليس صلاحهم كاملا، أو الذين ليس لهم صلاح { ~~كنا طرآئق قددا } أي كنا فرقا شتى، ومذاهب مختلفة، فمنا ~~الصالح ومنا الطالح، وفينا التقي والشقي { وأنا ظننآ أن لن ~~نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا } أي علمنا ~~وأيقنا أن الله قادر علينا، وأننا في قبضته وسلطانه أينما كنا، لن نعجزه ~~بهرب، ولن نتفلت من عقابه إذا أراد بنا سوءا قال القرطبي: أي علمنا ~~بالاستدلال والتفكر في آيات الله، أنا في قبضته وسلطانه لن نفوته بهرب ~~ولا غيره. # . ثم عادوا إلى شكر الله تعالى على نعمة الإيمان واهتدائهم بسماع آيات ~~القرآن فقالوا { وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به } أي ~~لما سمعنا القرآن العظيم آمنا به وبمن أنزله، وصدقنا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم في رسالته { فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ~~ولا رهقا } أي ms1691 فمن يؤمن بالله تعالى فلا يخشى نقصانا من حسناته ولا ~~ظلما بزيادة سيئاته قال ابن عباس: لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن ~~يزاد في سيئاته، لأن البخس النقصان، والرهق العدوان { وأنا منا ~~المسلمون ومنا القاسطون } أي وأنا بعد سماعنا القرآن منا ~~من أسلم، وصدق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومنا من جار عن الحق وكفر ~~قال المفسرون: يقال قسط الرجل إذا جار، وأقسط إذا عدل، واسم الفاعل من ~~الأول قاسط، ومن الثاني مقسط ومنه # إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين # [البقرة: 222] وأما القاسط فهو الظالم الجائر { فمن أسلم ~~فأولئك تحروا رشدا } أي فمن اعتنق الإسلام واتبع ~~الرسول عليه السلام، فأولئك الذين قصدوا الرشد، واهتدوا إلى طريق السعادة ~~والنجاة { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } أي ~~وأما الكافرون الجائرون عن طريق الحق والإيمان، فسيكونون وقودا لجهنم، ~~توقد بهم كما توقد بكفار الإنس.. وإلى هنا انتهى كلام الجن، مما يدل على ~~قوة إيمانهم، وصدقهم وإخلاصهم، ثم قال تعالى مخبرا عن أهل مكة { ~~وألو استقاموا على الطريقة } أي لو آمن هؤلاء الكفار، ~~واستقاموا على شريعة الله { لأسقيناهم مآء غدقا } أي لبسطنا ~~لهم في الرزق، ووسعنا عليهم في الدنيا، زيادة على ما يحصل لهم في الآخرة ~~من النعيم الدائم، وبذلك يحوزون عز الدنيا والآخرة قال في التسهيل: الماء ~~الغدق: الكثير، وذلك استعارة في توسيع الرزق، والطريقة هي الإسلام وطاعة ~~الله والمعنى: لو استقاموا على ذلك لوسع الله أرزاقهم فهو كقوله # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96] { لنفتنهم فيه } أي لنختبرهم به أيشركون أم ~~يكفرون؟ { ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا ~~صعدا } أي ومن يعرض عن طاعة الله وعبادته، يدخله ربه عذابا شديدا ~~شاقا لا راحة فيه قال قتادة: { صعدا } عذابا لا راحة فيه وقال ~~عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها ~~حدر إلى جهنم { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع ~~الله أحدا } هذا من جملة الموحى به للرسول { قل ms1692 أوحي إلي ~~} والمعنى وأوحي إلى أن المساجد وبيوت العبادة هي مختصة بالله، فلا ~~تعبدوا فيها غيره وأخلصوا له العبادة فيها قال مجاهد: كان اليهود ~~والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا بالله فيها، فأمر الله عز وجل ~~نبيه والمؤمنين أن يخلصوا الدعوة لله إذا دخلوا المساجد كلها { وأنه ~~لما قام عبد الله يدعوه } أي وأنه لما قام محمد صلى الله ~~عليه وسلم يعبد ربه { كادوا يكونون عليه لبدا } أي كاد ~~الجن يركب بعضهم بعضا من شدة الازدحام، حرصا على سماع القرآن قال ابن ~~عباس: كادوا ينقضون عليه لاستماع القرآن، وإنما وصفه تعالى بالعبودية، ~~ولم يذكره باسمه زيادة في تشريفه وتكريمه عليه السلام { قل إنمآ ~~أدعو ربي ولا أشرك به أحدا } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~الكفار الذين طلبوا منك أن ترجع عن دينك: إنما أعبد ربي وحده، ولا أشرك ~~مع الله غيره بشرا ولا صنما قال الصاوي: سبب نزولها أن كفار قريش قالوا ~~له: إنك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا فنحن نجيرك ~~وننصرك فنزلت { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } ~~أي قل يا محمد في محاجة هؤلاء: إني لا أقدر أن أدفع عنكم ضرا، ولا ~~أجلب لكم نفعا، وإنما الذي يملك هذا هو الله رب العالمين { قل إني ~~لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ~~ملتحدا } أي قل لهم أيضا: إنه لن ينقذني من عذاب الله أحد إن ~~عصيته، ولن أجد لي نصيرا ولا ملجأ منه، فكيف أجيبكم إلى ما طلبتم؟ قال ~~قتادة: { ملتحدا } ملجأ ونصيرا { إلا بلاغا من الله ~~ورسالاته } أي لا أجد ملجأ إلا إذا بلغت رسالة ربي، ونصحتكم ~~وأرشدتكم كما أمرني الله فحينئذ يجيرني ربي من العذاب كقوله تعالى # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته # [المائدة: 67] قال ابن كثير: أي لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي ~~الرسالة التي أوجب أداءها علي { ومن يعص الله ورسوله ~~فإن له نار جهنم خالدين فيهآ ms1693 أبدا } أي ومن كذب ~~الله ورسوله، ولم يؤمن بلقاء الله، وأعرض عن سماع الآيات وتدبر الرسالات، ~~فإن جزاءه جهنم لا يخرج منها أبدا وإنما جمع { خالدين } حملا على ~~معنى { من } لأن لفظها مفرد ومعناها جمع { حتى إذا رأوا ما ~~يوعدون } أي حتى إذا رأى المشركون ما يوعدون من العذاب { ~~فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا } أي فسيعلمون ~~حينئذ من هم أضعف ناصرا ومعينا، وأقل نفرا وجندا؟ هل هم؟ أم المؤمنون ~~الموحدون؟ ولا شك أن الله ناصر عباده المؤمنين، فهم الأقوى ناصرا ~~والأكثر عددا، لأن الله معهم وملائكته الأبرار { قل إن أدري ~~أقريب ما توعدون }؟ أي قل لهم يا محمد: ما أدري هل هذا العذاب ~~الذي وعدتم به قريب زمنه { أم يجعل له ربي أمدا } أي أم ~~هو بعيد له مدة طويلة وأجل محدود؟ قال المفسرون: كان صلى الله عليه وسلم ~~كلما خوف المكذبين نار جهنم، وحذرهم أهوال الساعة، أظهروا الاسخفاف ~~بقوله، وسألوه متى هذا العذاب؟ ومتى تقوم هذه الساعة؟ فأمره تعالى أن ~~يقول لهم: لا أدري وقت ذلك، هل هو قريب أم بعيد؟ { عالم الغيب ~~فلا يظهر على غيبه أحدا } أي هو جل وعلا عالم بما غاب عن ~~الأبصار، وخفي عن الأنظار، فلا يطلع على غيبه أحدا من خلقه { إلا ~~من ارتضى من رسول } أي إلا من اختاره الله وارتضاه لرسالته ~~ونبوته، فيظهره الله على ما يشاء من الغيب قال المفسرون: لا يطلع الله ~~على غيبه أحدا إلا بعض الرسل، فإنه يطلعهم على بعض الغيب، ليكون معجزة ~~لهم، فإن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار عن بعض المغيبات، كما ~~قال عن عيسى # وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم # [آل عمران: 49] { فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا } أي فإنه تعالى يرسل من أمام الرسول ومن خلفه، ملائكة ~~وحرسا يحفظونه من الجن، ويحرسونه في ضبط ما يلقيه تعالى إليه من علم ~~الغيب قال الطبري: أي فإنه تعالى يرسل من أمامه ومن خلفه حرسا وحفظة ~~يحفظونه من الجن { ليعلم أن قد ms1694 أبلغوا رسالات ~~ربهم } أي ليعلم الله - علم ظهور فإنه تعالى عالم بما كان وما يكون ~~- أن رسله الكرام قد بلغوا عنه وحيه كما أوحاه إليهم محفوظا من الزيادة ~~والنقصان قال ابن كثير: المعنى أن الله يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من ~~أداء رسالاته، ويحفظ ما ينزله إليهم من الوحي، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم، مع العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لا محالة { ~~وأحاط بما لديهم } أي أحاط علمه بما عند الرسل، فلا يخفى عليه ~~شيء من أمورهم { وأحصى كل شيء عددا } أي علم تعالى علم ضبط ~~واستقصاء جميع الأشياء، المنبثة في الأرضين والسماوات من القطر، ~~والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحار، فلا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه ~~أمر، فكيف لا يحيط علما بما عند رسله من رسالاته ووحيه، التي أمرهم ~~بتبليغها إلى خلقه؟ وكيف يمكن لرسله أن يفرطوا في تلك الرسالات، أو ~~يزيدوا أو ينقصوا أو يحرفوا فيها أو يغيروا، وهو تعالى محيط بها، محص ~~لجميع الأشياء جليلها وحقيرها؟ # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام: 59]. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البلاغة والبديع نوجزها ~~فيما يلي: # 1- الوصف بالمصدر للمبالغة { قرآنا عجبا } أي عجيبا في حسن ~~إيجازه، وروعة إعجازه. # 2- طباق السلب { فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا } ~~لأن الإيمان نفي للشرك. # 3- جناس الاشتقاق { نقعد منها مقاعد للسمع } لما بين ~~اللفظتين من الاشتقاق اللطيف. # 4- الأسلوب الرفيع بنسبة الخير إلى الله، دون الشر أدبا مع الخالق { ~~وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ~~بهم ربهم رشدا }؟ وبين لفظ " الشر " و " الرشد " طباق في ~~المعنى. # 5- الطباق بين { الإنس.. والجن } وبين { ضرا.. ورشدا } ~~وبين { المسلمون والقاسطون }. # 6- الاستعارة اللطيفة { كنا طرآئق قددا } استعارة الطرائق ~~للمذاهب المختلفة، وهو من لطيف الاستعارة. # 7- توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات مثل { أحدا } ، { ولدا } ، ~~{ رصدا } ، { رشدا } ، { صعدا } ، { عددا } الخ وهو ms1695 ما يسمى ~~في علم البديع بالسجع المرصع والله أعلم. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-20] # اللغة: { المزمل } المتلفف بثيابه يقال: تزمل بثوبه أي التف ~~به وتغطى، وزمل غيره إذا غطاه قال امرؤ القيس: كبير أناس في بجاد ~~مزمل { سبحا } تصرفا وتقلبا في مهماتك، وأصل السبح العوم على ~~وجه الماء، واستعير للتصرف والتقلب في شئون الحياة { أنكالا } جمع ~~نكل وهو القيد الثقيل الذي يقيد به المجرم { كثيبا } الكثيب: الرمل ~~المجتمع { مهيلا } سائلا متناثرا منهارا قال أهل اللغة: المهيل ~~الذي إذا وطأته بالقدم زل من تحتها، وإذا أخذت أسفله انهال، وأصله ~~مهيول كمكيل أصله مكيول { وبيلا } عظيما شديدا وخيم العاقبة. # التفسير: { يأيها المزمل } أي يا أيها المتلفف بثيابه، ~~وأصله المتزمل وهو الذي تلفف وتغطى، وخطابه صلى الله عليه وسلم بهذا ~~الوصف { يأيها المزمل } فيه تأنيس وملاطفة له عليه السلام ~~قال السهيلي؛ إن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك معاتبته سموه باسم ~~مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي - حين ~~غاضب فاطمة وقد نام ولصق بجنبه التراب - قم أبا تراب، إشعارا بأنه ~~ملاطف له، وغير عاتب عليه، والفائدة الثانية، التنبيه لكل متزمل راقد ~~ليله، ليتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى، لأنه الاسم المشتق من ~~الفعل، يشترك فيه المخاطب، وكل من اتصف بتلك الصفة، وسبب هذا التزمل ما ~~روي في الصحيح # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه جبريل وهو في غار حراء - في ~~ابتداء الوحي - رجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال: زملوني زملوني، لقد خشيت ~~على نفسي، وأخبرها بما جرى، فنزلت { يأيها المزمل } " # أي يا أيها الذي تلفف بقطيفته، واضطجع في زاوية بيته، وقد أشبه من يؤثر ~~الراحة والسكون، ويحاول التخلص مما كلف به من مهمات الأمور { قم ~~اليل إلا قليلا } أي دع التزمل والتلفف، وانشط لصلاة الليل، ~~والقيام فيه ساعات في عبادة ربك، لتستعد للأمر الجليل، والمهمة الشاقة، ~~ألا وهي تبليغ دعوة ربك للناس، وتبصيرهم بالدين الجديد.. ثم وضح ~~المقدار الذي ينبغي أن يصرفه في ms1696 عبادة الله فقال { نصفه أو انقص ~~منه قليلا * أو زد عليه } أي قم للصلاة والعبادة نصف ~~الليل، أو أقل من النصف قليلا، أو أكثر من النصف، والمراد أن تكون هذه ~~الساعات طويلة بحيث لا تقل عن ثلث الليل، ولا تزيد على الثلثين قال ابن ~~عباس: إن قيام الليل كان فريضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله { ~~قم اليل } ثم نسخ بقوله تعالى { فاقرءوا ما تيسر منه ~~} وكان بين أول هذا الوجوب ونسخه سنة، وهذه هي السورة التي نسخ آخرها ~~أولها، حيث رحم الله المؤمنين فأنزل التخفيف عليهم بقوله { إن ربك ~~يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه ~~وثلثه وطآئفة من الذين معك. # .. } الآية { ورتل القرآن ترتيلا } أي اقرأ القرآن أثناء ~~قيامك في الليل قراءة تثبت وتؤدة وتمهل، ليكون عونا لك على فهم القرآن ~~وتدبره، قال الخازن: لما أمره تعالى بقيام الليل أتبعه بترتيل القرآن، ~~حتى يتمكن المصلي من حضور القلب، والتفكر والتأمل في حقائق الآيات ~~ومعانيها، فعند الوصول إلى ذكر الله يستشعر بقلبه عظمة الله وجلاله، وعند ~~ذكر الوعد والوعيد يحصل له الرجاء والخوف، وعند ذكر القصص والأمثال يحصل ~~له الاعتبار، فيستنير القلب بنور معرفة الله، والإسراع في القراءة يدل ~~على عدم الوقوف على المعاني، فظهر بذلك أن المقصود من الترتيل، إنما هو ~~حضور القلب عند القراءة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع ~~القراءة حرفا حرفا - أي يقرأ القرآن بتمهل، ويخرج الحروف واضحة - لا ~~يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ.. ثم ~~بعد أن أمره تعالى باطراح النوم، وقيام الليل، وتدبر القرآن وتفهمه، ~~انتقل إلى بيان السبب في هذه الأوامر الثلاثة، ذات التكليف الصعب الشاق ~~فقال { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } أي سننزل عليك يا ~~محمد كلاما عظيما جليلا، له هيبة وروعة وجلال، لأنه كلام الملك ~~العلام قال الإمام الفخر: والمراد من كونه ثقيلا هو عظم قدره، ~~وجلالة خطره، وكل شيء نفس وعظم خطره فهو ثقيل، وهذا معنى ms1697 قول ابن عباس: { ~~قولا ثقيلا } يعني كلاما عظيما، وقيل المراد ما في القرآن من ~~الأوامر والنواهي، التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين، ووجه النظم ~~عندي أنه لما أمره بصلاة الليل فكأنه قال: إنما أمرتك بصلاة الليل، لأنا ~~سنلقي عليك قولا عظيما، ولا بد وأن تصير نفسك مستعدة لذلك القول ~~العظيم، وذلك بصلاة الليل، فإن الإنسان إذا اشتغل بعبادة الله في الليلة ~~الظلماء، وأقبل على ذكره والتضرع بين يديه، استعدت نفسه لإشراق وجلال ~~الله فيها أقول: وهذا المعنى لطيف في الربط بين قيام الليل، وتلاوة ~~القرآن، فإن الله تعالى كلف رسوله أن يدعو الناس إلى دين جديد، فيه ~~تكاليف شاقة على النفس، وأن يكلفهم العمل بشرائعه وأحكامه، ولا شك أن مثل ~~هذا التكليف، يحتاج إلى مجاهدة للنفس ومصابرة، لما فيه من حملهم على ترك ~~ما ألفوه من العقائد، ونبذ ما ورثوه من أسلافهم من العادات، فأنت يا محمد ~~معرض لمتاعب كثيرة، وأخطار جمة في سبيل هذه الدعوة، وحمل الناس على ~~قبولها، فكيف يمكنك أن تقوم بهذه المهمة الكبيرة، وأنت على ما أنت عليه ~~من التزمل والتلفف، والخلود إلى الراحة والسكون، والبعد عن المشاق، ~~ومجاهدة النفس بطول العبادة وكثرة التهجد، ودراسة آيات القرآن دراسة تفهم ~~وتدبر؟ فانشط من مضجعك إذا، واسهر معظم ليلك في مناجاة ربك، استعدادا ~~لتحمل مشاق الدعوة، والتبشير بهذا الدين الجديد، ويا لها من لفتة كريمة، ~~تيقظ لها قلب النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فشمر عن ساعد الجد ~~والعمل، وقام بين يدي ربه حتى تشققت قدماه. # . ثم بين تعالى فضل إحياء الليل بالعبادة فقال { إن ناشئة ~~الليل } أي إن ساعات الليل وأوقاته التي فيها التفرغ والصفاء، وما ~~ينشئه المرء ويحدثه من طاعة وعبادة، يقوم لها من مضجعه بعد هدأة من ~~الليل { هي أشد وطأ } أي هي أشد على المصلي وأثقل من صلاة ~~النهار، لأن الليل جعل للنوم والراحة، فقيامه على النفس أشد وأثقل، ومن ~~شأن هذه الممارسة الصعبة أن تقوي النفوس، وتشد العزائم، وتصلب الأبدان، ~~ولا ريب أن ms1698 مصاولة الجاحدين أعداء الله تحتاج إلى نفوس قوية، وأبدان صلبة ~~{ وأقوم قيلا } أي أثبت وأبين قولا، لأن الليل تهدأ فيه ~~الأصوات، وتنقطع فيه الحركات، فتكون النفس أصفى، والذهن أجمع، فإن هدو ~~الصوت في الليل، وسكون البشر فيه، أعون للنفس على التدبر والتفطن، ~~والتأمل في أسرار القرآن ومقاصده { إن لك في النهار سبحا ~~طويلا } أي إن لك في النهار تصرفا وتقلبا، واشتغالا طويلا في ~~شئونك، فاجعل ناشئة الليل لتهجدك وعبادتك قال في التسهيل: السبح هنا ~~عبارة عن التصرف في الأعمال والأشغل والمعنى: يكفيك النهار للتصرف في ~~أشغالك، وتفرغ بالليل لعبادة ربك.. وبعد أن قرر الخطاب الإلهي هذه ~~المقدمات التي هي بمثابة تمهيد وبساط للدعوة، انتقل إلى أمر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بتبليغ الدعوة، وتعليمه كيفية السير فيها عملا، بعد أن ~~مهدها له نظرا فقال { واذكر اسم ربك وتبتل إليه ~~تبتيلا } أي استعن على دعوتك بذكر الله ليلا ونهارا، وانقطع إليه ~~انقطاعا تاما في عبادتك وتوكلك عليه، ولا تعتمد في شأن من شئونك على ~~غيره تعالى قال ابن كثير: أي أكثر من ذكره وانقطع إليه جلا وعلا، وتفرغ ~~لعبادته إذا فرغت من أشغالك مع إخلاص العبادة له { رب المشرق ~~والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا } أي هو ~~جل وعلا الخالق المتصرف بتدبير شئون الخلق، وهو المالك لمشارق الأرض ~~ومغاربها، لا إله غيره ولا رب سواه، فاعتمد عليه وفوض أمورك إليه { ~~واصبر على ما يقولون } أي اصبر على أذى هؤلاء السفهاء ~~المكذبين فيما يتقولونه عليك من قولهم: " ساحر، شاعر، مجنون " فإن الله ~~ناصرك عليهم { واهجرهم هجرا جميلا } أي اتركهم ولا تتعرض لهم ~~بأذى ولا شتيمة، قال المفسرون: الهجر الجميل هو الذي لا عتاب معه، ولا ~~يشوبه أذى ولا شتم، وقد كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال كما قال سبحانه # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم # [الأنعام: 68] ثم أمر صلى الله عليه وسلم بقتالهم وقتلهم، والحكمة في ~~هذا أن المؤمنين كانوا بمكة قلة مستضعفين، فأمروا بالصبر وبالمجاهدة ~~الليلية، حتى يعدوا ms1699 أنفسهم بهذه التربية الروحية على مناجزة الأعداء، ~~وحتى يكثر عددهم فيقفوا في وجه الطغيان، أما قبل الوصول إلى هذه المرحلة ~~فينبغي الصبر والاقتصار على الدعوة باللسان. # . ثم قال تعالى متوعدا ومتهددا صناديد قريش { وذرني ~~والمكذبين أولي النعمة } أي دعني يا محمد وهؤلاء ~~المكذبين بآياتي، أصحاب الغنى، والتنعم في الدنيا، والترف والبطر فأنا ~~أكفيك شرهم قال الصاوي: المعنى اتركني أنتقم منهم، ولا تشفع لهم، وهذا من ~~مزيد التعظيم له صلى الله عليه وسلم، وإجلال قدره { ومهلهم ~~قليلا } أي وأمهلهم زمنا يسيرا حتى ينالوا العذاب الشديد قال ~~المفسرون: أمهلهم الله تعالى إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من مكة، فلما خرج منها سلط عليهم السنين المجدبة وهو العذاب العام، ثم ~~قتل صناديدهم ببدر وهو العذاب الخاص.. ثم وصف تعالى ما أعده لهم من ~~العذاب في الآخرة فقال { إن لدينآ أنكالا وجحيما } أي إن ~~لهم عندنا في الآخرة قيودا عظيمة ثقيلة يقيدون بها، ونارا مستعرة هي ~~نار الجحيم يحرقون بها قال في التسهيل: الأنكال جمع نكل وهو القيد من ~~الحديد، وروي أنها قيود سود من نار { وطعاما ذا غصة } أي ~~وطعاما كريها غير سائغ، يغص به الإنسان وهو الزقوم والضريع قال ابن ~~عباس: شوك من نار يعترض في حلوقهم لا يخرج ولا ينزل { وعذابا ~~أليما } أي وعذابا وجيعا مؤلما، زيادة على ما ذكر من النكال ~~والأغلال.. ثم ذكر تعالى وقت هذا العذاب فقال { يوم ترجف الأرض ~~والجبال } أي يوم تتزلزل الأرض وتهتز بمن عليها اهتزازا عنيفا ~~شديدا هي وسائر الجبال، وذلك يوم القيامة { وكانت الجبال ~~كثيبا مهيلا } أي وتصبح الجبال على صلابتها تلا من الرمل سائلا ~~متناثرا، بعد أن كانت صلبة جامدة قال ابن كثير: أي تصير الجبال ككثبان ~~الرمال، بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تنسف نسفا فلا يبقى منها شيء ~~إلا ذهب كقوله تعالى # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * ~~فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا # [طه: 105-107] أي لا شيء ينخفض ولا ms1700 شيء يرتفع.. ذكر تعالى العذاب المؤلم ~~الذي أعده للمشركين، ومكانه وهو الجحيم، وآلاته وهي القيود وطعام الزقوم، ~~ووقته وهو عند اضطراب الأرض وتزلزلها بمن عليها، وأراد بذلك تخويف ~~المكذبين وتهديدهم بأنه تعالى سيعاقبهم بذلك كله، إن بقوا مستمرين في ~~تكذيبهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم أعقبه بتذكيرهم بما حل ~~بالأمم الباغية التي قد خلت من قبلهم، وكيف عصت وتمردت فأنزل بها من أمره ~~ما أنزل، وضرب لهم المثل بفرعون الجبار فقال { إنآ أرسلنآ ~~إليكم رسولا شاهدا عليكم } أي بعثنا لكم يا أهل مكة ~~محمدا صلى الله عليه وسلم شاهدا على أعمالكم، يشهد عليكم بما صدر منكم ~~من الكفر والعصيان { كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا } أي ~~كما بعثنا إلى ذلك الطاغية فرعون الجبار، رسولا من أولئك الرسل العظام " ~~أولي العزم " وهو موسى بن عمران قال الخازن: وإنما خص فرعون وموسى ~~بالذكر من بين سائر الأمم والرسل، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم آذاه ~~أهل مكة واستخفوا به لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون أزدرى بموسى وآذاه ~~لأنه رباه { فعصى فرعون الرسول } أي فكذب فرعون بموسى ولم ~~يؤمن به، وعصى أمره كما عصيتم يا معشر قريش محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وكذبتم برسالته { فأخذناه أخذا وبيلا } أي فأهلكناه إهلاكا ~~شديدا فظيعا، خارجا عن حدود التصور، وذلك بإغراقه في البحر مع قومه ~~قال أبو السعود: وفي الآية التنبيه على أنه سيحيق بهؤلاء ما حاق بأولئك ~~لا محالة، و " الوبيل " الثقيل الغليظ من قولهم كلأ وبيل أي وخيم لا ~~يستمرأ لثقله. # . وبعد أن ذكر الله أخذه لفرعون، وأن ملكه وجبروته لم يدفعا عنه العذاب، ~~عاد فذكر كفار مكة بالقيامة وأهوالها ليبين لهم أنهم لن يفلتوا من ~~العذاب كما لم يفلت فرعون مما حدث له فقال { فكيف تتقون إن ~~كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا } أي كيف لا تحذرون ~~وتخافون يا معشر قريش عذاب يوم هائل إن كفرتم بالله ولم تؤمنوا به؟ وكيف ~~تأمنون ذلك اليوم الرهيب الذي يشيب فيه الوليد من شدة هوله، وفظاعة ms1701 أمره؟ ~~قال الطبري: وإنما تشيب الولدان من شدة هوله وكربه، وذلك حين يقول الله ~~لآدم: أخرج من ذريتك بعث النار، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فيشيب ~~هنالك كل وليد.. ثم زاد في وصفه وهوله فقال { السمآء منفطر به ~~} أي السماء متشققة ومتصدعة من هول ذلك اليوم الرهيب العصيب { كان ~~وعده مفعولا } أي كان وعده تعالى بمجيء ذلك اليوم واقعا لا ~~محالة، لأن الله لا يخلف الميعاد { إن هذه تذكرة } أي إن ~~هذه الآيات المخوفة، التي فيها القوارع والزواجر، عظة وعبرة للناس { ~~فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } أي فمن شاء من الغافلين ~~الناسين، أن يستفيد من هذه التذكرة قبل فوات الأوان، فليسلك طريقا ~~موصلا إلى الرحمن، بالإيمان والطاعة، فالأسباب ميسرة، والسبل معبدة، ~~قال المفسرون: والغرض الحض على الإيمان وطاعة الله عز وجل، والترغيب ~~في الأعمال الصالحة، لتبقى ذخرا في الآخرة.. ثم عادت الآيات الكريمة ~~للحديث عما بدأته في أول السورة من قيام الليل فقال تعالى { إن ~~ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ~~ونصفه وثلثه وطآئفة من الذين معك } أي إن ربك ~~يا محمد يعلم أنك تقوم مع أصحابك للتهجد والعبادة أقل من ثلثي الليل، ~~وتارة تقومون نصفه، وتارة ثلثه كقوله تعالى # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار ~~هم يستغفرون # [الذاريات: 17-18] { والله يقدر الليل والنهار } أي ~~والله جل وعلا هو العالم بمقادير الليل والنهار، وأجزائهما وساعاتهما، لا ~~يفوته علم ما تفعلون من قيام هذه الساعات في غلس الظلام ابتغاء رضوانه، ~~وهو تعالى المدبر لأمر الليل والنهار { علم أن لن تحصوه ~~فتاب عليكم } أي علم تعالى أنكم لن تطيقوا قيام الليل كله ولا ~~معظمه، فرحمكم ورجع عليكم بالتخفيف قال الطبري: أي علم ربكم أن لن تطيقوا ~~قيامه، فتاب عليكم بالتخفيف عنكم { فاقرءوا ما تيسر من ~~القرآن } أي فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، وإنما عبر عن الصلاة ~~بالقراءة، لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة قال ابن عباس: سقط عن أصحاب رسول ~~الله قيام الليل وصارت تطوعا، وبقي ms1702 ذلك فرضا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم.. ثم بين تعالى الحكمة في هذا التخفيف فقال { علم أن ~~سيكون منكم مرضى } أي علم تعالى أنه سيوجد فيكم من يعجزه ~~المرض عن قيام الليل، فخفف عنكم رحمة بكم { وآخرون يضربون في ~~الأرض يبتغون من فضل الله } أي وقوم آخرون يسافرون في ~~البلاد للتجارة، يطلبون الرزق وكسب المال الحلال { وآخرون ~~يقاتلون في سبيل الله } أي وقوم آخرون وهم الغزاة المجاهدون، ~~يجاهدون في سبيل الله لإعلاء كلمته ونشر دينه، وكل من هذه الفرق الثلاثة ~~يشق عليهم قيام الليل، فلذلك خفف الله عنهم، ذكر تعالى في هذه الآية ~~الأعذار التي تكون للعباد تمنعهم من قيام الليل، فمنها المرض، ومنها ~~السفر للتجارة، ومنها الجهاد في سبيل الله، ثم كرر الأمر بقراءة ما تيسر ~~من القرآن تأكيدا للتخفيف عنهم قال الإمام الفخر: أما المرضى فإنهم لا ~~يمكنهم الاشتغال بالتهجد لمرضهم، وأما المسافرون والمجاهدون فهم مشغولون ~~في النهار بالأعمال الشاقة، فلو لم يناموا في الليل لتوالت أسباب المشقة ~~عليهم، فلذلك خفف الله عنهم وصار وجوب التهجد منسوخا في حقهم { ~~فاقرءوا ما تيسر منه } أي فصلوا ما تيسر لكم من صلاة ~~الليل، واقرءوا في صلاتكم ما تيسر من القرآن { وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة } أي وأدوا الصلاة المفروضة على الوجه الأكمل، ~~والزكاة الواجبة عليكم إلى مستحقيها قال المفسرون: قلما يذكر الأمر ~~بالصلاة في القرآن، إلا ويقرن معه الأمر بالزكاة، فإن الصلاة عماد الدين ~~بين العبد وربه، والزكاة كذلك عماد الدين بينه وبين إخوانه، والصلاة ~~أعظم العبادات البدنية، والزكاة أعظم العبادات المالية { وأقرضوا ~~الله قرضا حسنا } أي تصدقوا في وجوه البر والإحسان ابتغاء وجه ~~الله قال ابن عباس: يريد سائر الصدقات سوى الزكاة، من صلة الرحم، وقرى ~~الضيف وغيرهما { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه ~~عند الله } أي أي شيء تفعلوه أيها الناس من وجوه البر والخير ~~تلقوا أجره وثوابه عند ربكم { هو خيرا وأعظم أجرا } أي ~~تجدوا ذلك الأجر والثواب يوم القيامة خيرا لكم مما قدمتم في الدنيا ms1703 من ~~صلح الأعمال، فإن الدنيا فانية والآخرة باقية، وما عند الله خير للأبرار ~~{ واستغفروا الله } أي اطلبوا مغفرة الله في جميع أحوالكم، فإن ~~الإنسان قلما يخلو من تقصير أو تفريط { إن الله غفور ~~رحيم } أي عظيم المغفرة، واسع الرحمة. # . ختم تعالى السورة بإرشاد المنفقين المحسنين، إلى أن يطلبوا من الله ~~الصفح والعفو، إذ ربما كانوا لم يخلصوا النية في الإنفاق، أو لم يحسنوا ~~العمل في الإقراض، فيضعوا النفقة في غير مواضعها، أو ينفقوها فيما لهم ~~فيه غرض وشهوة، وهو ختم يتناسق مع موضوع الإنفاق، فسبحان منزل القرآن ~~بأوضح بيان!! # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { انقص منه.. أو زد عليه } وبين { ~~المشرق.. والمغرب } وبين { الليل والنهار }. # 2- جناس الاشتقاق { أرسلنآ إليكم رسولا }. # 3- تأكيد الفعل بالمصدر مثل { رتل القرآن ترتيلا } { ~~وتبتل إليه تبتيلا } { فأخذناه أخذا وبيلا } ~~زيادة في البيان والإيضاح. # 4- الالتفات من الغيبة إلى الخطاب { إنآ أرسلنآ إليكم ~~رسولا } ولو جرى على الأصل لقال إنا أرسلنا إليهم، والغرض من الالتفات ~~التقريع والتوبيخ على عدم الإيمان. # 5- المجاز المرسل { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } أراد ~~به الصلاة، فأطلق اسم الجزء على الكل، لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة. # 6- ذكر العام بعد الخاص { وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~} عمم بعد ذكر الصلاة، والزكاة، والإنفاق ليعم جميع الصالحات. # 7- الاستعارة التبعية { وأقرضوا الله قرضا حسنا } شبه ~~الإحسان إلى الفقراء والمساكين بإقراض رب العالمين، وهو من لطيف ~~الاستعارة. # 8- السجع المرصع مثل { إن لدينآ أنكالا وجحيما * ~~وطعاما ذا غصة وعذابا أليما } الخ. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-56] # اللغة: { المدثر } المتغطي بثيابه، تدثر: لبس الدثار وهو الثوب ~~الذي فوق الشعار، والشعار الثوب الذي يلي الجسد، ومنه حديث # " الأنصار شعار، والناس دثار " # { الناقور } الصور الذي ينفخ فيه، والنقر في كلام العرب الصوت، سمي ~~ناقورا لأنه يخرج منه صوت عظيم رهيب، يفزع الناس منه ويموتون { عبس } ~~قطب بين عينيه { بسر } كلح وجهه وتغير لونه قال الليث: عبس إذا قطب ما ~~بين عينيه، فإن أبدى عن أسنانه في ms1704 عبوسه قيل كلح، فإن اهتم في الأمر وفكر ~~فيه قيل: بسر، فإن غضب مع ذلك قيل: بسل { أسفر } أضاء وانكشف { ~~الكبر } الدواهي وعظائم المصائب والعقوبات قال الراجز: # يا ابن المعلى نزلت إحدى الكبر # داهية الدهر وصماء الغير # { قسورة } أسد، من القسر وهو القهر، سمي بذلك لأنه يقهر السباع، ~~وقيل هو جماعة الرماة الذين يتصيدون قال الأزهري: هو اسم جمع للرماة لا ~~واحد له من جنسه قال لبيد: # إذا ما هتفنا هتفة في ندينا # أتانا الرجال الصائدون القساور # سبب النزول: روي أنه لما نزل قوله تعالى { عليها تسعة ~~عشر } قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم إن ابن أبي كبشة - يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم - يتوعدنا ويخوفنا بجهنم، ويخبر أن خزنة النار ~~تسعة عشر، وأنتم الجمع العظيم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد ~~منهم!! فقال " أبو الأسد الجمحي ": أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، واكفوني ~~أنتم اثنين، فأنزل الله تعالى { وما جعلنآ أصحاب النار ~~إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا... } الآية. # التفسير: { يأيها المدثر * قم فأنذر } أي يا أيها ~~المتغطي بقطيفته يريد النوم والراحة، قم من مضجعك قيام عزم وتصميم، وحذر ~~الناس من عذاب الله إن لم يؤمنوا، خوطب صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ " ~~المدثر " مؤانسة له صلى الله عليه وسلم وتلطفا، كما خوطب بلفظ { ~~المزمل } في السورة السابقة قال المفسرون: # " كان صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء فجاءه جبريل بالآيات ~~الكريمة { اقرأ باسم ربك الذي خلق.. } الآيات وهي أول ما ~~نزل عليه من القرآن، فرجع يرجف فؤاده فقال لخديجة: زملوني، زملوني فنزلت ~~{ يأيها المزمل * قم اليل إلا قليلا } " # الآيات ثم فتر الوحي فحزن صلى الله عليه وسلم فبينا هو يمشي سمع صوتا ~~من السماء، فرفع رأسه فإذا الملك الذي جاءه بحراء جالس على كرسي بين ~~السماء والأرض، فعراه صلى الله عليه وسلم من رؤيته الرعب والفزع، فجاء ~~إلى أهله فقال: دثروني، دثروني فأنزل الله { يأيها المدثر * ~~قم فأنذر } قال القرطبي: وفي هذا النداء ملاطفة ms1705 في الخطاب، من ~~الكريم إلى الحبيب، إذ ناداه بوصفه ولم يقل " يا محمد " ليستشعر اللين ~~والملاطفة من ربه، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان ~~يوم الخندق: " قم يا نومان " { وربك فكبر } أي عظم ربك، وخصه ~~بالتمجيد والتقديس، وأفرده بالعظمة والكبرياء، فليس هناك من هو أكبر من ~~الله قال الألوسي: أي اخصص ربك بالتكبير، وهو وصفه تعالى بالكبرياء ~~والعظمة، اعتقادا وقولا، وإنما ذكرت هذه الجملة بعد الأمر بالإنذار، ~~تنبيها للنبي صلى الله عليه وسلم على عدم الاكتراث بالكفار، فإن نواصي ~~الخلائق بيد الجبار، فلا ينبغي أن يبالي الرسول بأحد من الخلق، ولا أن ~~يرهب سوى الله، فإن كل كبير مقهور تحت عظمته تعالى وكبريائه { ~~وثيابك فطهر } أي وثيابك فطهرها من النجاسات والمستقذرات، فإن ~~المؤمن طيب طاهر، لا يليق منه أن يحمل الخبيث، قال ابن زيد: كان ~~المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه وقال ابن عباس: ~~كنى بالثياب عن القلب والمعنى وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي واستشهد ~~بقول غيلان # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر # لبست ولا من غدرة أتقنع # يقول العرب: فلان طاهر الثياب أو نقي الثياب، يريدون وصفه بالنقاء من ~~المعايب وذميم الصفات، ويقولون: فلان دنس الثياب إذا كان موصوفا ~~بالأخلاق الذميمة قال الرازي: والسبب في حسن هذه الكناية، أن الثوب ~~كالشيء الملازم للإنسان، فلهذا السبب جعلوا الثوب كناية عن الإنسان، ~~فقالوا: المجد في ثوبه، والعفة في إزاره { والرجز فاهجر } أي ~~اترك عبادة الأصنام والأوثان ولا تقربها قال ابن زيد: الرجز: الآلهة التي ~~كانوا يعبدونها، فأمره أن يهجرها فلا يأتيها ولا يقربها وقال الإمام ~~الفخر: الرجز: اسم للقبيح المستقذر كالرجس قال تعالى # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] وقوله { والرجز فاهجر } كلام جامع لمكارم الأخلاق، ~~كأنه قيل له: اهجر الجفاء، والسفه، وكل قبيح، ولا تتخلق بأخلاق هؤلاء ~~المشركين، والمراد بالهجر الأمر بالمداومة على ذلك الهجران، كما يقول ~~المسلم: # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6] ليس معناه أنه ليس على الهداية، بل المراد ثبتنا على هذه ms1706 ~~الهداية { ولا تمنن تستكثر } أي ولا تعط الناس عطاء وتستكثره، ~~لأن الكريم يستقل ما يعطي وإن كان كثيرا، واعط عطاء من لا يخاف الفقر ~~وقال ابن عباس: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها بمعنى: لا تعط شيئا ~~لتعطى أكثر منه، وسر النهي أن يكون العطاء خاليا عن انتظار العوض تعففا ~~وكمالا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق ~~{ ولربك فاصبر } أي اصبر على أذى قومك، ابتغاء وجه ربك.. ثم ~~أخبر تعالى عن أهوال القيامة وشدائدها فقال: { فإذا نقر في ~~الناقور } أي فإذا نفخ في الصور، نفخة البعث والنشور، وعبر عن النفخ ~~وعن الصور، بالنقر في الناقور، لبيان هول الأمر وشدته، فإن النفر في كلام ~~العرب معناه الصوت وإذا اشتد الصوت أصبح مفزعا فكأنه يقول: إصبر على ~~أذاهم، فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى عاقبة صبرك، ~~ولهذا قال بعده { فذلك يومئذ يوم عسير } أي فذلك اليوم ~~يوم شديد هائل، يشتد فيه الهول ويعسر الأمر عليهم، والإشارة بالبعيد { ~~فذلك } للإيذان ببعد منزلته في الهول والفظاعة { على ~~الكافرين غير يسير } أي هو عسير على الكافرين، غير هين ولا ~~يسير عليهم، لأنهم يناقشون الحساب، وتسود وجوههم، ويحشرون زرقا، ~~ويفتضحون على رءوس الأشهاد، قال الصاوي: ودلت الآية على أنه يسير على ~~المؤمنين، لأنه قيد عسره بالكافرين، وفيها زيادة وعيد وغيظ للكافرين، ~~وبشرى وتسلية للمؤمنين. # . ثم أخبر عن قصة ذلك الشقي الكافر " الوليد بن المغيرة " وقوله الشنيع ~~في القرآن فقال { ذرني ومن خلقت وحيدا } أي دعني يا محمد ~~وهذا الشقي، الذي خلقته في بطن أمه وحيدا فريدا، لا مال له ولا ولد، ~~ولا حول له ولا مدد، ثم كفر بي وكذب بآياتي قال المفسرون: نزلت في " ~~الوليد بن المغيرة " كان من أكابر قريش، ولذلك لقب الوحيد وريحانة قريش، ~~وقد أنعم الله عليه بنعم الدنيا من المال والبنين، وأغدق عليه الرزق فكان ~~ماله كالنهر الدافق، وكان للوليد بستان في الطائف لا ينقطع ثمره صيفا ~~ولا شتاء، فكفر بأنعم الله ms1707 وبدلها كفرا، وقابلها بالجحود بآيات الله ~~والافتراء علهيا، وفيه نزل { ذرني ومن خلقت وحيدا } وهو ~~أسلوب بليغ في التهديد، كما نزلت فيه الآيات المتقدمة في سورة نون، # ولا تطع كل حلاف مهين # [القلم: 10] إلى # سنسمه على الخرطوم # [القلم: 16] وهو الذي آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاد له، فإن ~~صناديد قريش لما برموا برسول الله، وضاقت عليهم الحيل في إسكاته، وإطفاء ~~نور دعوته، لجأوا إلى الوليد فأشار عليهم بأن يلقبوه صلى الله عليه وسلم ~~بالساحر، ويأمروا عبيدهم وصبيانهم أن ينادوا بذلك في مكة، فجعلوا ينادون ~~إن محمدا ساحر، فحزن لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآيات ~~الكريمة في معرض تهديده وتخويفه، ليكون ذلك أدعى للكسر من كبريائه ثم قال ~~تعالى { وجعلت له مالا ممدودا } أي جعلت له المال الواسع ~~المبسوط، من الإبل، والخيل، والغنم، والبساتين النضرة قال البيضاوي: { ~~ممدودا } أي مبسوطا كثيرا، وكان له الزرع والضرع والتجارة قال ابن ~~عباس: كان ماله ممدودا ما بين مكة والطائف وقال مقاتل: كان له بستان لا ~~ينقطع نفعه شتاء ولا صيفا { وبنين شهودا } أي وأولادا مقيمين ~~معه في بلده، يحضرون معه المحافل والمجامع، يستأنس بهم ولا يتنغص عيشه ~~لفراقهم قال المفسرون: كان له عشرة بنين لا يفارقونه سفرا ولا حضرا، ~~وكان مستأنسا بهم وله بهم عز ومنعة، أسلم منهم ثلاثة: " خالد، وهشام، ~~والوليد ". # . وبعد أن ذكر من مظاهر النعم المال والبنين عاد فعمم الخيرات الدنيوية ~~التي أنعم بها الله عليه فقال { ومهدت له تمهيدا } أي بسطت ~~بين يديه الدنيا بسطا، ويسرت له تكاليف الحياة، ومظاهر الجاه والعز ~~والسيادة، فكان في قريش عزيزا منيعا، وسيدا مطاعا { ثم يطمع ~~أن أزيد } أي ثم بعد هذا العطاء الجزيل يطمع أن أزيد له في ماله ~~وولده وقد كفر بي قال الفخر الرازي: لفظ { ثم } هنا للإنكار والتعجب، ~~كما تقول لصاحبك: أنزلتك داري، وأطعمتك وأكرمتك ثم أنت تشتمني!! أي ومع ~~كل هذا الإنعام والإكرام فقد كفر وجحد، وبدل أن يشكر الوليد لربه هذا ~~الإحسان، ويقابله ms1708 بالطاعة والإيمان، عكس الأمر وقابله بالجحود والكفران ~~{ كلا } ردع وزجر أي ليرتدع هذا الفاجر الأثيم عن ذلك الطمع الفاسد، ~~ثم علل ذلك بقوله { إنه كان لآياتنا عنيدا } أي لأنه معاند ~~للحق، جاحد بآيات الله، مكذب لرسوله، فكيف يطمع بالزيادة هذا الشقي ~~العنيد؟ { سأرهقه صعودا } أي سأكلفه وألجئه إلى عذاب صعب شاق لا ~~يطاق، تضعف عنه قوته كما تضعف قوة من يصعد في الجبل قال القرطبي: { ~~صعودا } صخرة ملساء يكلف صعودها، فإذا صار في أعلاها حدر في جهنم، ~~فيهوي ألف عام قبل أن يبلغ قرارها وفي الحديث # " الصعود جبل من نار يصعد فيه الكافر سبعين خريفا، ثم يهوي فيه كذلك ~~أبدا " # { إنه فكر وقدر } أي إنه فكر في شأن النبي والقرآن، وأجال ~~رأية وذهنه الثاقب، ثم رتب وهيأ كلاما في نفسه، ماذا يقول في القرآن؟ ~~وبماذا يطعن فيه؟ قال تعالى دعاء عليه { فقتل كيف قدر } أي ~~قاتله الله وأخزاه على تلك الكلمة الحمقاء التي أجالها في نفسه، حيث قال ~~عن القرآن، إنه سحر، وقال عن محمد إنه ساحر، وفي الآية استهزاء به وتهكم، ~~حيث قدر ما لا يصح تقديره، ولا يسوغ أن يقوله عاقل قال في البحر: يقول ~~العرب عند استعظام الأمر والتعجب منه: قاتله الله، ومرادهم أنه قد بلغ ~~المبلغ الذي يحسد عليه ويدعي عليه من حساده، والاستفهام في قوله { ~~كيف قدر }؟ في معنى ما أعجب تقديره وما أغربه؟ كقولهم أي رجل هذا؟ ~~أي ما أعظمه؟ { ثم قتل كيف قدر } كرر العبارة تأكيدا لذمه ~~وتقبيحا لحاله، ولغاية التهكم به، كأنه قال: قاتله الله ما أروع تفكيره، ~~وأبدع رأيه الحصيف؟ حيث قال عن القرآن إنه سحر يؤثر؟ قال المفسرون: مر ~~الوليد بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ويقرأ القرآن، فاستمع لقراءته ~~وتأثر بها، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم فقال: والله ~~لقد سمعت من محمد آنفا كلاما، ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، ~~والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن ms1709 أسفله لمغدق، ~~وإنه ليعلو وما يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: لقد صبأ ~~والله الوليد، ولتصبأن قريش كلها! فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فانطلق ~~حتى جلس إلى جانب الوليد حزينا، فقال له الوليد: ما لي أراك حزينا يا ~~ابن أخي؟! فقال: كيف لا أحزن وهذه قريش تجمع لك مالا ليعينوك به على كبر ~~سنك، ويزعمون أنك زينت كلام محمد وصبأت لتصيب من فضل طعامه، وتنال من ~~ماله!! فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالا وولدا؟! ~~وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام؟ ثم قام مع أبي ~~جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه ~~يخنق؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط؟ ~~قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا ~~اللهم لا، قال: تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه كذبا قط؟ قالوا اللهم ~~لا، فقالت قريش للوليد: فما هو؟ ففكر في نفسه ثم قال: ما هو إلا ساحر، ~~أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده، وما هذا الذي يقوله إلا سحر ~~يؤثر، فذلك قوله تعالى { إنه فكر وقدر } الآيات تركنا ~~الوليد يفكر ويقدر، ولنرجع إليه لنرى ماذا فعل بعد، قال تعالى { ثم ~~نظر } أي أجال النظر مرة أخرى متفكرا في شأن القرآن { ثم عبس ~~} أي ثم قطب وجهه وكلحه ضيقا بما يقول { وبسر } أي وزاد في القبض ~~والكلوح، كالمهتم المتفكر في أمر يدبره قال في التسهيل: البسور تقطيب ~~الوجه وهو أشد من العبوس { ثم أدبر واستكبر } أي ثم أعرض عن ~~الإيمان، وتكبر عن اتباع الهدى والحق { فقال إن هذآ إلا ~~سحر يؤثر } أي فقال: ما هذا الذي يقوله محمد إلا سحر ينقله ويرويه ~~عن السحرة { إن هذآ إلا قول البشر } أي ليس هذا كلام ~~الله، وما هو إلا كلام المخلوقين، يخدع به محمد القلوب، ويؤثر فيها كما ~~يؤثر السحر بالمسحور قال الألوسي: هذا كالتأكيد للجملة الأولى، لأن ms1710 ~~المقصود منهما نفي كونه قرآنا أو من كلام الله تعالى، ولذلك لم يعطف ~~عليها بالواو، وفي وصف إشكاله واستنباطه هذا القول السخيف استهزاء به، ~~وإشارة إلى أنه عن الحق بمعزل، ويظهر من تتبع أحوال الوليد، أنه إنما قال ~~ذلك عنادا وحمية جاهلية، لا جهلا بحقيقة الحال، ألا ترى ثناءه على ~~القرآن ونفيه عنه جميع ما نسبوا إليه من الشعر والكهانة والجنون!! { ~~سأصليه سقر } أي سأدخله جهنم يتلظى حرها، ويذوق عذابها { ومآ ~~أدراك ما سقر }؟ استفهام للتهويل والتفظيع أي وما أعلمك أي شيء ~~هي سقر؟ { لا تبقي ولا تذر } أي لا تبقي على شيء فيها إلا ~~أهلكته، ولا تترك أحدا من الفجار إلا أحرقته قال ابن عباس: لا تبقي من ~~الدم والعظم واللحم شيئا، فإذا أعيد خلقهم من جديد تعاود إحراقهم بأشد ~~مما كانت وهكذا أبدا { لواحة للبشر } أي تلوح وتظهر لأنظار ~~الناس من مسافات بعيدة لعظمها وهولها كقوله تعالى # وبرزت الجحيم لمن يرى # [النازعات: 36] قال الحسن: تلوح لهم من مسيرة خمسمائة عام حتى يروها ~~عيانا فهي بارزة إلى أنظارهم، يرونها من غير استشراف ولا مد أعناق { ~~عليها تسعة عشر } أي خزنتها الموكلون عليها تسعة عشر ملكا من ~~الزبانية الأشداء كقوله تعالى # عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله مآ ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6] قال ابن عباس: " ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة ~~الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف انسان في قعر ~~جهنم " قال الألوسي: روي عن ابن عباس أنها لما نزلت { عليها تسعة ~~عشر } قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة - يعني ~~محمدا - يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهم - أي العدد - ~~الشجعان، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟ فقال أبو الأشد ~~الجمحي: - وكان شديد البطش - أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين، ~~فأنزل الله { وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة } ~~أي وما جعلنا خزنة النار إلا من الملائكة الغلاظ الشداد، ولم نجعلهم من ~~البشر حتى يصارعوهم ms1711 ويغالبوهم { وما جعلنا عدتهم إلا ~~فتنة للذين كفروا } أي لم نجعل ذلك العدد إلا سببا ~~لفتنة وضلال المشركين، حين استقلوا بعددهم واستهزءوا حتى قال أبو جهل: ~~أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم ثم تخرجون من النار؟ قال ~~الطبري: وإنما جعل الله الخبر عن عدة خزنة جهنم فتنة للكافرين، ~~لتكذيبهم بذلك وقول بعضهم لأصحابه - على سبيل الاستهزاء - أنا أكفيكموهم ~~{ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب } أي ليتيقن أهل الكتاب ~~من صدق محمد، وأن هذا القرآن من عند الله، إذ يجدون هذا العدد في كتبهم ~~المنزلة { ويزداد الذين آمنوا إيمانا } أي ويزداد ~~المؤمنون تصديقا لله ورسوله، بما يشهدون من صدق أخبار نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم وتسليم أهل الكتاب لما جاء في القرآن موافقا للتوراة ~~والإنجيل { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب ~~والمؤمنون } أي ولا يشك أهل الكتاب والمؤمنون في عددهم، وهذا ~~تأكيد لما قبله لأنه لما ذكر اليقين نفى عنهم الشك، فكان قوله { ولا ~~يرتاب } مبالغة وتأكيدا، وهو ما يسميه علماء البلاغة الإطناب { ~~وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذآ ~~أراد الله بهذا مثلا } أي وليقول الذين في قلوبهم شك ونفاق ~~والكافرون من أهل مكة: أي شيء أراد الله بهذا القول العجيب، الذي هو ~~مثل في الغرابة والبداعة؟ ولماذا يخوفنا بواسطته من سقر وخزنتها التسعة ~~عشر؟ قال الرازي: إثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي حصول الارتياب ~~بعد ذلك، فالمقصود من إعادة هذا الكلام هو أنه حصل لهم يقين جازم بحيث ~~لا يحصل عقيبه البتة شك ولا ريب، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم من حال ~~قريش أنه متى أخبرهم بهذا العدد العجيب فإنهم يستهزئون به ويضحكون منه، ~~ولذلك بين تعالى الغاية من ذكر هذا الخبر أوضح بيان { كذلك يضل ~~الله من يشآء ويهدي من يشآء } أي مثل ما أضل الله أبا ~~جهل وأصحابه، يضل الله عن الهداية والإيمان من أراد إضلاله، ويهدي من ~~أراد هدايته، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة { وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو } أي وما يعلم عدد ms1712 الملائكة، وقوتهم وضخامة ~~خلقهم، وكثرتهم إلا الله رب العالمين، وفي الآية رد على أبي جهل حين ~~قال: أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر؟ { وما هي إلا ذكرى ~~للبشر } أي وما هذه النار التي وصفها لكم الجبار، إلا موعظة وتذكرة ~~للخلق ليخافوا ويطيعوا { كلا والقمر } { كلا } كلمة ردع وزجر ~~ثم أقسم تعالى بالقمر على أن سقر حق، والمعنى ليرتدع أولئك المستهزئون ~~بالوحي والقرآن عن فعلهم وسوء صنيعهم، وأقسم بالقمر { والليل إذ ~~أدبر } أي وأقسم بالليل حين ولى بظلمته ذاهبا { والصبح ~~إذآ أسفر } أي وبالصبح إذا تبلج وأضاء، ونشر ضياءه على الأرجاء ~~{ إنها لإحدى الكبر } أي إن جهنم لإحدى الدواهي الكبيرة، ~~والبلايا الخطيرة، فكيف يستهزئون بها ويكذبون؟ قال أبو حيان: أقسم تعالى ~~بهذه الأشياء تشريفا لها، وتنبيها على ما يظهر فيها من عجائب الله ~~وقدرته، وقوام الوجود بإيجادها، أقسم على أن جهنم إحدى الدواهي العظيمة ~~التي لا نظير لها - وفي الآية إيماء إلى أن الشمس والقمر مخلوقان لله، ~~وأنهما في حركاتهما وإدبارهما وإسفارهما، ونشوء الليل والنهار عنهما، ~~مسخران لأمره تعالى، ساجدان بين يدي قدرته وقهره، فكيف يحسن بالبشر أن ~~يعبدوهما ويكفروا بالإله الذي خلقهما؟ ثم قال تعالى عن جهنم { نذيرا ~~للبشر } أي هي إنذار للخلق ليتقوا ربهم { لمن شآء منكم أن ~~يتقدم أو يتأخر } أي لمن أراد من العباد أن يتقرب الى ربه ~~بفعل الخيرات أو يتأخر بفعل الموبقات قال في البحر: والمراد بالتقدم ~~والتأخر: السبق الى الخير والتخلف عنه كقوله تعالى: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29] قال ابن عباس: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها ~~بمعصيته { كل نفس بما كسبت رهينة } أي كل نفس محبوسة ~~بعملها، مرهونة عند الله بكسبها، ولا تفك حتى تؤدي ما عليها من الحقوق ~~والعقوبات { إلا أصحاب اليمين } أي إلا فريق السعداء ~~المؤمنين، فإنهم فكوا رقابهم وخلصوها من السجن والعذاب، بالإيمان ~~وطاعة الرحمن { في جنات يتسآءلون * عن المجرمين } أي ~~هم في جنات وبساتين لا يدرك وصفها، يسأل بعضهم بعضا عن حال ms1713 المجرمين ~~الذين في النار، والسؤال لزيادة تبكيت أولئك المجرمين وتوبيخهم، وإدخال ~~الألم والحسرة على نفوسهم، يقولون لهم { ما سلككم في سقر }؟ ما ~~الذي أدخلكم جهنم، وجعلكم تذوقون سعيرها؟ قال في البحر: وسؤالهم سؤال ~~توبيخ لهم وتحقير، وإلا فهم عالمون ما الذي أدخلهم النار { قالوا ~~لم نك من المصلين } أي قال المجرمون مجيبين للسائلين: لم نكن ~~من المصلين في الدنيا لرب العالمين { ولم نك نطعم المسكين ~~} أي ولم نكن نتصدق ونحسن إلى الفقراء والمساكين قال ابن كثير: مرادهم ~~في الآيتين: ما عبدنا ربنا، ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا { وكنا ~~نخوض مع الخآئضين } أي وكنا نتحدث بالباطل مع أهل الغواية ~~والضلالة، ونقع معهم فيما لا ينبغي من الأباطيل قال في التسهيل: والخوض ~~هو كثرة الكلام بما لا ينبغي من الباطل وشبهه { وكنا نكذب ~~بيوم الدين } أي نكذب بيوم القيامة، وبالجزاء والمعاد، وإنما أخر ~~التكذيب بيوم الدين تعظيما له، لأنه أعظم جرائمهم وأفحشها { حتى ~~أتانا اليقين } أي حتى جاءنا الموت ونحن في تلك المنكرات ~~والضلالات، قال تعالى معقبا على اعترافهم بتلك الجرائم { فما ~~تنفعهم شفاعة الشافعين } أي ليس لهم شافع ينقذهم من عذاب ~~الله، ولو شفع لهم أهل الأرض ما قبلت شفاعتهم فيهم قال ابن كثير: من كان ~~متصفا بمثل هذه الصفات، فإنه لا تنفعه بيوم القيامة شفاعة شافع فيه، ~~لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحل قابلا، فأما من وافى الله كافرا ~~فإنه مخلد في النار أبدا. # . ولما ذكر تعالى قبائحهم وشنائعهم عاد بالتوبيخ والتقريع عليهم فقال { ~~فما لهم عن التذكرة معرضين }؟ فما لهؤلاء المشركين ~~معرضين عن القرآن وآياته، وما فيه من المواعظ البليغة والنصائح ~~والإرشادات؟ { كأنهم حمر مستنفرة } أي كأن هؤلاء الكفار ~~حمر وحشية نافرة وشاردة { فرت من قسورة } أي هربت ونفرت من ~~الأسد من شدة الفزع قال في البحر: شبههم تعالى بالحمر النافرة مذمة لهم ~~وتهجينا وقال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت، كذلك ~~هؤلاء المشركون إذا رأوا محمدا صلى الله عليه وسلم هربوا منه كما يهرب ms1714 ~~الحمار من الأسد ثم قال: والقسورة: الأسد { بل يريد كل امرىء ~~منهم أن يؤتى صحفا منشرة } أي بل يطمع كل واحد من ~~هؤلاء المجرمين أن ينزل عليه كتاب من الله كما أنزل على محمد صلى الله ~~عليه وسلم، ويريد أن يتنزل عليه الوحي كما تنزل على الرسل والأنبياء، ~~والغرض من الآية بيان إمعانهم في الضلالة وكأنه يقول: دع عنك ذكر ~~إعراضهم وغباوتهم ونفارهم نفار العجماوات مما فيه خيرهم وسعادتهم، ~~واستمع لما هو أعجب وأغرب، وذلك طمع كل فرد منهم أن يكون رسولا يوحى ~~إليه، وهيهات أن يصل الاشقياء إلى مراتب الأنبياء، ثم قال تعالى { ~~كلا بل لا يخافون الآخرة } أي ليرتدعوا وينزجروا عن مثل ذلك ~~الطمع، بل الحقيقة أنهم قوم لا يصدقون بالبعث والحساب، ولا يؤمنون ~~بالنعيم والعذاب، وهذا هو الذي أفسدهم وجعلهم يعرضون عن مواعظ القرآن { ~~كلا إنه تذكرة } كرر الردع والزجر لهم بقوله { كلا } ثم ~~قال { إنه تذكرة } أي إن هذا القرآن موعظة بليغة، كافية ~~لاتعاظهم لو أرادوا لأنفسهم السعادة { فمن شآء ذكره } أي فمن شاء ~~اتعظ بما فيه، وانتفع بهداه { وما يذكرون إلا أن يشآء ~~الله } أي وما يتعظون به إلا أن يشاء الله لهم الهدى فيتذكروا ~~ويتعظوا، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وترويح عن قلبه الشريف، ~~مما كان يخامره من إعراضهم وتكذيبهم له { هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة } أي هو جل وعلا أهل لأن يتقى لشدة عقابه، وأهل ~~لأن يغفر الذنوب لكرمه وسعة رحمته قال الألوسي: أي حقيق بأن يتقى عذابه ~~ويطاع، وحقيق بأن يغفر لمن آمن به وأطاعه وفي الحديث عن أنس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { هو أهل ~~التقوى وأهل المغفرة } ثم قال " قال ربكم: أنا أهل أن ~~أتقى، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له ". # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { عسير.. ويسير } كما أن بين اللفظتين جناس ~~الاشتقاق. # 2- المقابلة بين { والليل إذ أدبر } وبين ms1715 { والصبح ~~إذآ أسفر }. # 3- الإطناب بتكرار الجملة { فقتل كيف قدر * ثم قتل ~~كيف قدر } زيادة في التوبيخ والتشنيع. # 4- جناس الاشتقاق { فإذا نقر في الناقور }. # 5- تقديم المفعول لإفادة الاختصاص { وربك فكبر * وثيابك ~~فطهر * والرجز فاهجر }. # 6- الطباق بين { كذلك يضل الله من يشآء ويهدي من ~~يشآء } وبين { يتقدم أو يتأخر }. # 7- أسلوب التقريع والتوبيخ بطريق الاستفهام { فما لهم عن ~~التذكرة معرضين }؟ # 8- التشبيه التمثيلي { كأنهم حمر مستنفرة * فرت من ~~قسورة } لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. # 9- الإيجاز بحذف بعض الجمل { يتسآءلون * عن المجرمين * ~~ما سلككم في سقر }؟ أي قائلين لهم: ما سلككم في سقر، فحذف ~~اعتمادا على فهم المخاطبين. # 10- الاستفهام للتهويل والتفخيم { ومآ أدراك ما سقر }؟ # 11- ذكر الخاص بعد العام { وكنا نكذب بيوم الدين } ~~خصه بالذكر مع أنه داخل في الخوض بالباطل مع الخائضين لبيان تعظيم هذا ~~الذنب. # 12- السجع المرصع مثل { كلا والقمر * والليل إذ ~~أدبر * والصبح إذآ أسفر * إنها لإحدى الكبر } ~~ومثل { وكنا نخوض مع الخآئضين * وكنا نكذب ~~بيوم الدين * حتى أتانا اليقين } الخ. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-40] # اللغة: { بنانه } البنان: أطراف الأصابع أو الأصابع نفسها جمع ~~بنانة قال النابغة: # بمخضب رخص كأنه بنانه # عنم يكاد من اللطافة يعقد # { برق } فزع وبهت وتحير، وأصله النظر إلى البرق فيدهش البصر قال ~~ذو الرمة: # ولو أن لقمان الحكيم تعرضت # لعينيه مي سافرا كاد يبرق # { وزر } ملجأ وحصن يلتجىء إليه { ناضرة } حسنة مشرقة متهللة، ~~والنضرة: النعمة وجمال البشرة والإشراقة الجميلة { باسرة } شديدة ~~الكلوحة والعبوس يقال: بسر وجهه إذا اشتد في عبوسه وكلاحته { ~~فاقرة } الفاقرة: الداهية والأمر العظيم يقال: فقرته المصيبة أي ~~كسرت فقار ظهره { يتمطى } يتبختر في مشيته اختيالا وكبرا. # التفسير: { لا أقسم بيوم القيامة } أي أقسم بيوم ~~القيامة، يوم الحساب والجزاء { ولا أقسم بالنفس اللوامة ~~} أي وأقسم بالنفس المؤمنة التقية، التي تلوم صاحبها على ترك الطاعات، ~~وفعل الموبقات قال المفسرون: { لا } لتأكيد القسم، وقد اشتهر في كلام ~~العرب زيادة { لا } قبل القسم لتأكيد الكلام، كأنه من الوضوح والجلاء ~~بحيث لا يحتاج إلى قسم، وجواب القسم محذوف ms1716 تقديره " لتبعثن ولتحاسبن ~~" دل عليه قوله { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه }؟.. ~~أقسم تعالى بيوم القيامة لعظمه وهوله، وأقسم بالنفس التي تلوم صاحبها على ~~التقصير في جنب الله، وتستغفر وتنيب مع طاعتها وإحسانها قال الحسن ~~البصري: هي نفس المؤمن، إن المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه: ماذا أردت ~~بكلامي؟ وماذا أردت بعملي؟ وإن الكافر يمضي ولا يحاسب نفسه ولا يعاتبها ~~{ أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } الاستفهام للتوبيخ ~~والتقريع، أي أيظن هذا الإنسان الكافر، المكذب للبعث والنشور، أن لن ~~نقدر على جمع عظامه بعد تفرقها؟ قال المفسرون: نزلت هذه الآية في " عدي ~~بن ربيعة " جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد: حدثني عن ~~يوم القيامة، متى يكون؟ وكيف أمره؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أومن بك، كيف يجمع الله ~~العظام؟ فنزلت هذه الآية، قال تعالى ردا عليه { بلى قادرين ~~على أن نسوي بنانه } أي بلى نجمعها ونحن قادرون على أن ~~نعيد أطراف أصابعه، التي هي أصغر أعضائه، وأدقها أجزاء وألطفها ~~التئاما، فكيف بكبار العظام؟ وإنما ذكر تعالى البنان - وهي رءوس الأصابع ~~- لما فيها من غرابة الوضع، ودقة الصنع، لأن الخطوط والتجاويف الدقيقة ~~التي في أطراف أصابع إنسان، لا تماثلها خطوط أخرى في أصابع شخص آخر على ~~وجه الأرض، ولذلك يعتمدون على بصمات الأصابع في تحقيق شخصية الإنسان في ~~هذا العصر { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه } أي بل يريد ~~الإنسان بهذا الإنكار أن يستمر على الفجور، ويقدم على الشهوات والآثام، ~~دون وازع من خلق أو دين، وينطلق كالحيوان ليس له هم إلا نيل شهواته ~~البهيمية، ولذلك ينكر القيامة ويكذب بها { يسأل أيان يوم ~~القيامة } أي يسأل هذا الكافر الفاجر - على سبيل الاستهزاء والتكذيب ~~- متى يكون هذا اليوم يوم القيامة؟ قال الرازي: والسؤال هنا سؤال متعنت ~~ومستبعد لقيام الساعة، ونظيره # ويقولون متى هذا الوعد # [يونس: 48] ولذلك ينكر المعاد ويكذب بالبعث والنشور، والغرض من الآية { ~~ليفجر أمامه } أن الإنسان ms1717 الذي يميل طبعه إلى الاسترسال في ~~الشهوات، والاستكثار من اللذات، لا يكاد يقر بالحشر والنشر، وبعث ~~الأموات، لئلا تتنغص عليه اللذات الجسمانية، فيكون أبدا منكرا لذلك، ~~قائلا على سبيل الهزء والسخرية: أيان يوم القيامة، قال تعالى ردا ~~على هؤلاء المنكرين { فإذا برق البصر } أي فإذا زاغ البصر ~~وتحير، وانبهر من شدة الأهوال والمخاطر { وخسف القمر } أي ذهب ~~ضوءه وأظلم { وجمع الشمس والقمر } أي جمع بينهما يوم ~~القيامة، وألقيا في النار ليكونا عذابا على الكفار قال عطاء: يجمعان ~~يوم القيامة ثم يقذفان في البحر، فيكون نار الله الكبرى { يقول ~~الإنسان يومئذ أين المفر } أي يقول الفاجر الكافر في ذلك ~~اليوم: أين المهرب؟ وأين الفرار والمنجى من هذه الكارثة الداهية؟ يقول ~~قول الآيس، لعلمه بأنه لا فرار حينئذ { كلا لا وزر } ردع له عن ~~طلب الفرار، أي ليرتدع وينزجر عن ذلك القول، فلا ملجأ له، ولا مغيث من ~~عذاب الله { إلى ربك يومئذ المستقر } أي إلى الله ~~وحده مصير ومرجع الخلائق قال الألوسي: إليه جل وعلا وحده استقرار العباد، ~~لا ملجأ ولا منجى لهم غيره... والمقصود من الآيات بيان أهوال الآخرة، ~~فالأبصار تنبهر يوم القيامة، وتخشع وتحار من شدة الأهوال؛ ومن عظم ما ~~تشاهده من الأمور العظيمة، والإنسان يطيش عقله، ويذهب رشده، ويبحث عن ~~النجاة والمخلص، ولكن هيهات فقد جاءت القيامة وانتهت الحياة { ينبأ ~~الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } أي يخبر الإنسان في ~~ذلك اليوم بجميع أعماله، صغيرها وكبيرها، عظيمها وحقيرها، ما قدمه منها ~~في حياته، وما أخره بعد مماته، من سنة حسنة أو سيئة، ومن سمعة طيبة أو ~~قبيحة وفي الحديث # " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير ~~أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء " # { بل الإنسان على نفسه بصيرة } أي بل هو شاهد على نفسه، ~~وسوء عمله، وقبح صنيعه، لا يحتاج إلى شاهد آخر ms1718 كقوله # كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14] والهاء في { بصيرة } للمبالغة كراوية وعلامة قال ~~ابن عباس: الإنسان شاهد على نفسه وحده، يشهد عليه سمعه، وبصره، ورجلاه، ~~وجوارحه { ولو ألقى معاذيره } أي ولو جاء بكل معذرة ليبرر ~~إجرامه وفجوره، فإنه لا ينفعه ذلك، لأنه شاهد على نفسه، وحجة بينة ~~عليها قال الفخر: المعنى أن الإنسان وإن اعتذر عن نفسه، وجادل عنها، ~~وأتى بكل عذر وحجة، فإنه لا ينفعه ذلك لأنه شاهد على نفسه بما جنت ~~واقترفت من الموبقات. # . وبعد هذا البيان انتقل الحديث إلى القرآن، وطريقة تلقي الوحي عن جبريل ~~فقال تعالى مخاطبا رسوله { لا تحرك به لسانك لتعجل ~~به } أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي عليك بواسطة جبريل، ~~لأجل أن تتعجل بحفظه مخافة أن يتفلت منك { إن علينا جمعه ~~وقرآنه } أي إن علينا أن نجمعه في صدرك يا محمد وأن تحفظه { فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه } أي فإذا قرأه عليك جبريل، فأنصت ~~لاستماعه حتى يفرغ، ولا تحرك شفتيك أثناء قراءته { ثم إن علينا ~~بيانه } أي ثم إن علينا بيان ما أشكل عليك فهمه يا محمد من معانيه ~~وأحكامه، قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من ~~التنزيل شدة، فكان يحرك به لسانه وشفتيه، مخافة أن ينفلت منه يريد أن ~~يحفظه فأنزل الله { لا تحرك به لسانك.. } الآيات، فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل عليه السلام أطرق ~~واستمع، فإذا ذهب قرأه كما وعد الله عز وجل قال ابن عباس { إن ~~علينا جمعه وقرآنه } قال: فاستمع وأنصت { ثم إن ~~علينا بيانه } قال: أن نبينه بلسانك وقال ابن كثير: كان صلى الله ~~عليه وسلم يبادر إلى أخذ القرآن، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله عز ~~وجل أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن يبينه له ويوضحه، ~~فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح ~~معناه ثم عاد الحديث عن المكذبين بيوم الدين فقال تعالى مخاطبا كفار مكة ms1719 ~~{ كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة } أي ~~ارتدعوا يا معشر المشركين، فليس الأمر كما زعمتم أن لا بعث ولا حساب ولا ~~جزاء، بل أنتم قوم تحبون الدنيا الفانية، وتتركون الآخرة الباقية، ولذلك ~~لا تفكرون في العمل للآخرة مع أنها خير وأبقى { وجوه يومئذ ~~ناضرة } لما ذكر تعالى أن الناس يؤثرون الدنيا ولذائذها الفانية على ~~الآخرة ومسراتها الباقية، وصف ما يكون يوم القيامة من انقسام الخلق إلى ~~فريقين: أبرار، وفجار والمعنى وجوه أهل السعادة يوم القيامة مشرقة حسنة ~~مضيئة، من أثر النعيم، وبشاشة السرور عليها، كقوله تعالى # تعرف في وجوههم نضرة النعيم # [المطففين: 24] { إلى ربها ناظرة } أي تنظر إلى جلال ربها، ~~وتهيم في جماله، أعظم نعيم لأهل الجنة رؤية المولى جلا وعلا والنظر إلى ~~وجهه الكريم بلا حجاب قال الحسن البصري: تنظر إلى الخالق، وحق لها أن ~~تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وبذلك وردت النصوص الصحيحة { ووجوه ~~يومئذ باسرة } أي ووجوه يوم القيامة عابسة كالحة، شديدة العبوس ~~والكلوح، وهي وجوه الأشقياء أهل الجحيم { تظن أن يفعل بها ~~فاقرة } أي تتوقع أن تنزل بها داهية عظمى، تقصم فقار الظهر، قال ابن ~~كثير: هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة كالحة عابسة، تستيقن أنها هالكة، ~~وتتوقع أن تحل بها داهية تكسر فقار الظهر { كلا إذا بلغت ~~التراقي } { كلا } ردع وزجر عن إيثار العاجلة أي ارتدعوا يا ~~معشر المشركين عن ذلك، وتنبهوا لما بين أيديكم من الأهوال والمخاطر، فإن ~~الدنيا دار الفناء، ولا بد أن تتجرعوا كأس المنية، وإذا بلغت الروح { ~~التراقي } أعالي الصدر، وشارف الإنسان على الموت { وقيل من ~~راق } أي وقال أهله وأقرباؤه: من يرقيه ويشفيه مما هو فيه؟ قال في ~~البحر: ذكرهم تعالى بصعوبة الموت، وهو أول مراحل الآخرة، حين تبلغ ~~الروح التراقي - وهي عظام أعلى الصدر - فقال أهله: من يرقي ويطب ويشفي ~~هذا المريض؟ { وظن أنه الفراق } أي وأيقن المحتضر أنه سيفارق ~~الدنيا والأهل والمال، لمعاينته ملائكة الموت { والتفت الساق ~~بالساق } أي والتفت إحدى ساقي المحتضر على الأخرى، من شدة كرب ms1720 الموت ~~وسكراته قال الحسن: هما ساقاه إذا التفتا في الكفن، وروي عن ابن عباس أن ~~المراد اجتمعت عليه شدة مفارقة الدنيا، مع شدة الموت وكربه، فيكون ذلك من ~~باب التمثيل للأمر الهائل العظيم، حيث يلتقي عليه شدة كرب الدنيا، مع شدة ~~كرب الآخرة، كما يقال: شمرت الحرب عن ساق، استعارة لشدتها { إلى ~~ربك يومئذ المساق } أي إلى الله جل وعلا مساق العباد، يجتمع ~~عنده الأبرار والفجار، ثم يساقون إلى الجنة أو النار قال الخازن: أي ~~مرجع العباد الى الله تعالى، يساقون إليه يوم القيامة ليفصل بينهم. # . ثم أخبر تعالى عن حال الجاحد المكذب فقال { فلا صدق ولا ~~صلى } أي لم يصدق بالقرآن، ولم يصل للرحمن قال أبو حيان: والجمهور ~~على أنها نزلت في " أبي جهل " وكادت أن تصرح به في قوله { يتمطى } ~~فإنها كانت مشيته ومشية قومه بني مخزوم، وكان يكثر منها { ولكن ~~كذب وتولى } أي ولكن كذب بالقرآن، وأعرض عن الإيمان { ثم ~~ذهب إلى أهله يتمطى } أي ذهب يتبختر في مشيته، وذلك ~~عبارة عن التكبر والخيلاء { أولى لك فأولى } أي ويل لك يا ~~أيها الشقي ثم ويل لك قال المفسرون: هذه العبارة في لغة العرب ذهبت مذهب ~~المثل في التخويف والتحذير والتهديد، وأصلها أنها أفعل تفضيل من وليه ~~الشيء إذا قاربه ودنا منه أي وليك الشر وأوشك أن يصيبك، فاحذر وانتبه ~~لأمرك... روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد أبي جهل ثم قال له: { ~~أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى } فقال أبو ~~جهل: أتتوعدني يا محمد وتهددني؟ والله لا تستطيع أنت وربك أن تفعلا بي ~~شيئا، والله إني لأعز أهل الوادي، ثم لم يلبث أن قتل ببدر شر قتلة { ~~ثم أولى لك فأولى } كرره مبالغة في التهديد والوعيد، كأنه ~~يقول: إني أكرر عليك التحذير والتخويف، فاحذر وانتبه لنفسك، قبل نزول ~~العقوبة بك. # . ولما ذكر في أول السورة إمكان البعث، ذكر في آخر السورة الأدلة على ~~البعث والنشور فقال { أيحسب الإنسان أن يترك سدى }؟ أي ~~أفيظن الإنسان ms1721 أن يترك هملا، من غير بعث ولا حساب ولا جزاء؟ وبدون ~~تكليف بحيث يبقى كالبهائم المرسلة؟ لا ينبغي له ولا يليق به هذا الحسبان ~~{ ألم يك نطفة من مني يمنى } الاستفهام للتقرير أي ~~أما كان هذا الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين، يراق ويصب في الأرحام؟ ~~والغرض بيان حقارة حاله كأنه يقول إنه مخلوق من المني الذي يجري مجرى ~~البول { ثم كان علقة فخلق فسوى } أي ثم أصبح بعد ذلك ~~قطعة من دم غليظ متجمد يشبه العلقة، فخلقه الله بقدرته في أجمل صورة، ~~وسوى صورته وأتقنها في أحسن تقويم { فجعل منه الزوجين ~~الذكر والأنثى } أي فجعل من هذا الإنسان صنفين، ذكرا وأنثى ~~بقدرته تعالى، هذا هو أصل الإنسان وتركيبه، فكيف يليق بمثل هذا الضعيف ~~أن يتكبر على طاعة الله؟ { أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيي الموتى } أي أليس ذلك الإله الخالق الحكيم، الذي أنشأ ~~هذه الأشياء العجيبة، وأوجد الإنسان من ماء مهين، بقادر على إعادة ~~الخلق بعد فنائهم؟ بلى إنه على كل شيء قدير روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: " سبحانك ~~اللهم بلى " ". # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { قدم.. وأخر } وكذلك بين { صدق.. وكذب ~~}. # 2- الاستفهام الإنكاري بغرض التوبيخ { أيحسب الإنسان ألن ~~نجمع عظامه }؟ ومثله { أيحسب الإنسان أن يترك ~~سدى }؟ لأن الغاية التوبيخ والتقريع. # 3- استبعاد تحقق الأمر { يسأل أيان يوم القيامة } ~~فالغرض من الاستفهام الاستبعاد والإنكار. # 4- الجناس غير التام بين { بنانه } و { بيانه } لاختلاف بعض ~~الحروف. # 5- المقابلة اللطيفة بين نضارة وجوه المؤمنين، وكلاحة وجوه المجرمين { ~~وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة } وبين { ~~ووجوه يومئذ باسرة.. } الخ. # 6- الجناس الناقص بين لفظ { الساق } و { المساق }. # 7- المجاز المرسل { وجوه يومئذ } عبر بالوجه عن الجملة فهو من ~~باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. # 8- الالتفات { أولى لك فأولى } فيه التفات من الغيبة إلى ~~المخاطب تقبيحا له وتشنيعا. # 9- توافق الفواصل ويسمى في علم البديع السجع المرصع مثل { فإذا ~~برق البصر * وخسف القمر * وجمع ms1722 الشمس والقمر ~~* يقول الإنسان يومئذ أين المفر } وهذا من خصائص ~~القرآن، معجزة محمد عليه الصلاة والسلام. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-31] # اللغة: { أمشاج } أخلاط جمع مشج ومشيج مثل شريف وأشراف، يقال للشيء ~~اذا خلط بغيره: مشيج كخليط لفظا ومعنى { مستطيرا } منتشرا غاية ~~الانتشار يقال: استطار الشيء انتشر { قمطريرا } القمطرير: الشديد ~~العصيب الذي يطول بلاؤه قال الأخفش: القمطرير أشد ما يكون من الأيام ~~وأطوله في البلاء { ودانية } قريبة { وذللت } سخرت وقربت { ~~سلسبيلا } السلسبيل: الشراب اللذيذ الذي هو غاية في السلالة، والذي ~~يسهل في الحلق لعذوبته وصفائه { سندس } السندس: الرقيق من ثياب الحرير ~~{ إستبرق } ثياب الحرير الغليظة ويسمى الديباج { أسرهم } ~~الأسر في الاصل: الشد والربط، ثم أطلق على الخلق يقال: شد أسره أي أحسن ~~خلقه وأحكم تكوينه قال الأخطل: # من كل مجتنب شديد أسره # سلس القياد تخاله مختالا # التفسير: { هل أتى على الإنسان حين من الدهر } أي ~~قد مضى على الإنسان وقت طويل من الزمان { لم يكن شيئا ~~مذكورا } أي كان في العدم، لم يكن له ذكر ولا وجود قال ابن كثير: ~~يخبر تعالى عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئا يذكر لحقارته ~~وضعفه قال المفسرون: { هل أتى } بمعنى قد أتى كما تقول: هل رأيت ~~صنيع فلان، وقد علمت أنه قد رآه، وتقول: هل أكرمتك، هل وعظتك؟ ومقصودك أن ~~تقرره بأنك قد أكرمته ووعظته، والمراد بالإنسان الجنس، وبالحين مدة ~~لبثه في بطن أمه، والغرض من الآية تذكير الإنسان بأصل نشأته، فقد كان ~~شيئا منسيا لا يفطن له، وكان في العدم جرثومة في صلب أبيه، وماء ~~مهينا لا يعلم به إلا الذي يريد أن يخلقه، ومر عليه حين من الدهر ~~كانت الكرة الأرضية خالية منه، ثم خلقه الله، وأبدع تكوينه وإنشاءه، بعد ~~أن كان مغمورا ومنسيا لا يعلم به أحد.. وبعد أن قرر أن الإنسان مر ~~عليه وقت لم يكن موجودا، أخذ يشرح كيف أفاض عليه نعمة الوجود، واختبره ~~بالتكاليف الشرعية بعد أن متعه بنعمة العقل والحواس فقال { إنا ~~خلقنا الإنسان من ms1723 نطفة أمشاج } أي نحن بقدرتنا خلقنا ~~هذا الانسان من ماء مهين - وهو المني - الذي ينطف من صلب الرجل، ~~ويختلط بماء المرأة " البويضة الأنثوية " فيتكون منهما هذا المخلوق ~~العجيب قال ابن عباس: { أمشاج } يعني أخلاط، وهو ماء الرجل وماء ~~المرأة اذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، ومن حال إلى ~~حال { نبتليه } أي لنختبره بالتكاليف الشرعية، والأوامر الإلهية، ~~لننظر أيشكر أم يكفر؟ وهل يستقيم في سيره أم ينحرف ويزيغ؟ { ~~فجعلناه سميعا بصيرا } أي فجعلناه من أجل ذلك عاقلا مميزا، ~~ذا سمع وبصر، ليسمع الآيات التنزيلية، ويبصر الدلائل الكونية، على وجود ~~الخالق الحكيم قال الإمام الفخر: أعطاه تعالى ما يصح معه الابتلاء وهو ~~السمع والبصر، وهما كنايتان عن الفهم والتمييز، كما قال تعالى حاكيا عن ~~إبراهيم # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر # [مريم: 42]؟ وقد يراد بهما الحاستان المعروفتان، وخصهما بالذكر لأنهما ~~أعظم الحواس وأشرفها { إنا هديناه السبيل } أي بينا ~~للإنسان وعرفناه طريق الهدى والضلال، والخير والشر، ببعثة الرسل، ~~وإنزال الكتب.. أخبر تعالى أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة ~~والباطنة، بين له سبيل الهدى والضلال، ومنحه العقل وترك له حرية ~~الاختيار، ثم هو بعد ذلك إما أن يشكر، أو يكفر، ولهذا قال بعده { إما ~~شاكرا وإما كفورا } أي إما أن يكون مؤمنا شاكرا لنعمة الله، ~~فيسلك سبيل الخير والطاعة، وإما أن يكون شقيا فاجرا، فيكفر بنعمة الله ~~ويسلك سبيل الشر والفجور قال المفسرون: المراد هديناه السبيل ليكون ~~إما شاكرا وإما كفورا، فالله تعالى دل الإنسان على سبيل الشكر ~~والكفر، وعلى الإنسان أن يختار سلوك هذا أو ذاك، وهذه الآية من جملة ~~الآيات الكثيرة الدالة على أن للإنسان إرادة واختيارا هما مناط ~~التكليف، كقوله تعالى # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء # [الإسراء: 18] إلى # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها # [الإسراء: 19] وكقوله # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر # [الكهف: 29] فلا إكراه لأحد ولا إجبار، وإنما هو بمحض الإرادة ~~والاختيار.. ثم بعد هذا البيان ms1724 الواضح، بين ما أعده للأبرار والفجار ~~في دار القرار فقال { إنآ أعتدنا للكافرين سلاسلا ~~وأغلالا وسعيرا } أي هيأنا للكافرين المجرمين قيودا تشد بها ~~أرجلهم، وأغلالا تغل بها أيديهم إلى أعناقهم، وسعيرا أي نارا موقدة ~~مستعرة يحرقون بها كقوله تعالى # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في ~~الحميم ثم في النار يسجرون # [غافر: 71-72] { إن الأبرار يشربون من كأس كان ~~مزاجها كافورا } أي الذين كانوا في الدنيا أبرارا بطاعتهم ~~الجبار، فإنهم يشربون كأسا من الخمر، ممزوجة بأنفس أنواع الطيب وهو ~~الكافور، قال المفسرون: الكافور طيب معروف يستحضر من أشجار ببلاد الهند ~~والصين، وهو من أنفس الطيب عند العرب، والمراد أن من شرب تلك الكأس وجد ~~في طيب رائحتها، وفوحان شذاها كالكافور. قال بن عباس: الكافور اسم عين ~~ماء في الجنة يقال له عين الكافور تمتزج الكأس بماء هذه العين وتختم ~~بالمسك فتكون ألذ شراب، ولهذا قال تعالى { عينا يشرب بها ~~عباد الله } أي هذا الكافور يتدفق من عين جارية من عيون الجنة ~~يشرب منها عباد الله الأبرار، وصفهم بالعبودية تكريما لهم وتشريفا ~~بإضافتهم إليه تعالى { عباد الله } والمراد بهم المؤمنون المتقون ~~{ يفجرونها تفجيرا } أي يجرونها حيث شاءوا من الدور والقصور ~~قال الصاوي: المراد أنها سهلة لا تمتنع عليهم، ورد أن الرجل منهم يمشي في ~~بيوته، ويصعد إلى قصوره وبيده قضيب يشير به الى الماء، فيجري معه حيثما ~~دار في منازله، ويتبعه حيثما صعد إلى أعلى قصوره. # . ولما ذكر ثواب الأبرار، بين صفاتهم الجليلة التي استحقوا بها ذلك ~~الأجر الجزيل فقال { يوفون بالنذر } أي يوفون بما قطعوه على ~~أنفسهم من نذر في طاعة الله، إذا نذروا طاعة فعلوها قال الطبري: ~~النذر كل ما أوجبه الإنسان على نفسه من فعل، فإذا نذروا بروا ~~بوفائهم لله، بالنذور التي في طاعة الله، من صلاة، وزكاة، وحج، وصدقة قال ~~المفسرون: وهذا مبالغة في وصفهم بأداء الواجبات، لأن من وفى بما أوجبه هو ~~على نفسه، كان بما أوجبه الله عليه أوفى { ويخافون يوما كان ~~شره مستطيرا } أي ms1725 ويخافون هول يوم عظيم كانت أهواله وشدائده - ~~من تفطر السماوات، وتناثر الكواكب، وتطاير الجبال، وغير ذلك من الأهوال - ~~ممتدة منتشرة فاشية، بالغة أقصى حدود الشدة والفزع، قال قتادة: استطار ~~والله شر ذلك اليوم حتى بلغ السماوات والأرض { ويطعمون ~~الطعام على حبه } أي ويطعمون الطعام مع شهوتهم له، وحاجتهم ~~إليه { مسكينا ويتيما وأسيرا } أي فقيرا لا يملك من حطام ~~الدنيا شيئا، ويتيما مات أبوه وهو صغير، فعدم الناصر والكفيل، وأسيرا ~~وهو من أسر في الحرب من المشركين قال الحسن البصري: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يؤتى بالأسير، فيدفعه إلى بعض المسلمين ويقول له: أحسن ~~إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه.. نبه تعالى إلى ~~أن أولئك الأبرار مع حاجتهم إلى ذلك الطعام، في سد جوعتهم وجوعة ~~عيالهم، يطيبون نفسا عنه للبؤساء، ويؤثرونهم به على أنفسهم كقوله تعالى # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # [الحشر: 9] { إنما نطعمكم لوجه الله } أي إنما نحسن ~~إليكم ابتغاء مرضاة الله وطلب ثوابه { لا نريد منكم جزآء ~~ولا شكورا } أي لا نبتغي من وراء هذا الإحسان مكافأة، ولا نقصد ~~الحمد والثناء منكم قال مجاهد: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم ~~الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به، ليرغب في ذلك راغب { إنا نخاف ~~من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } أي إنما نفعل ذلك رجاء ~~أن يقينا الله هول يوم شديد، تعبس فيه الوجوه من فظاعة أمره، وشدة هوله، ~~وهو يوم قمطرير أي شديد عصيب { فوقاهم الله شر ذلك ~~اليوم } أي حماهم الله ودفع عنهم شر ذلك اليوم وشدته { ولقاهم ~~نضرة وسرورا } أي وأعطاهم نضرة في الوجه، وسرورا في القلب، ~~والتنكير في { سرورا } للتعظيم والتفخيم { وجزاهم بما ~~صبروا جنة وحريرا } أي وأثابهم بسبب صبرهم على مرارة الطاعة ~~والإيثار بالمال، جنة واسعة وألبسهم فيها الحرير كما قال تعالى # ولباسهم فيها حرير # [الحج: 23].. وفي الآية إيجاز، آخذ بأطراف الإعجاز، فقد أشار تعالى ~~بقوله { جنة } إلى ما يتمتع به أولئك الأبرار في دار الكرامة من ~~أصناف الفواكة ms1726 والثمار، والمطاعم والمشارب الهنية، فإن الجنة لا تسمى ~~جنة إلا وفيها كل أسباب الراحة كما قال تعالى # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين # [الزخرف: 71] وأشار بقوله { وحريرا } إلى ما يتمتعون به من أنواع ~~الزينة واللباس، التي من أنفسها وأغلاها عند العرب الحرير، فقد جمع لهم ~~أنواع الطعام والشراب واللباس، وهو قصارى ما تتطلع له نفوس الناس.. ولما ~~ذكر طعامهم ولباسهم وصف نعيمهم ومساكنهم فقال { متكئين فيها ~~على الأرائك } أي مضطجعين في الجنة على الأسرة المزينة بفاخر ~~الثياب والستور قال المفسرون: الأرائك جمع أريكة وهي السرير ترخى عليه ~~الحجلة، والحجلة هي ما يسدل على السرير من فاخر الثياب والستور، وإنما ~~خصهم بهذه الحالة لأنها أتم حالات المتنعم { لا يرون فيها ~~شمسا ولا زمهريرا } أي لا يجدون فيها حرا ولا بردا، لأن ~~هواءها معتدل فلا حر ولا قر، وإنما هي نسمات تهب من العرش تحيي ~~الأنفاس { ودانية عليهم ظلالها } أي ظلال الأشجار في الجنة ~~قريبة من الأبرار { وذللت قطوفها تذليلا } أي أدنيت ~~ثمارها منهم، وسهل عليهم تناولها قال ابن عباس: إذا هم أن يتناول من ~~ثمارها تدلت إليه حتى يتناول منها ما يريد.. ولما وصف طعامهم ولباسهم ~~ومسكنهم، وصف بعد ذلك شرابهم فقال { ويطاف عليهم بآنية من ~~فضة } أي يدور عليهم الخدم بالأواني الفضية فيها الطعام والشراب - ~~على عادة أهل الترف والنعيم في الدنيا - فيتناول كل واحد منهم حاجته، ~~وهذه الأواني هي الصحاف بعضها من فضة وبعضها من ذهب كما قال تعالى # يطاف عليهم بصحاف من ذهب # [الزخرف: 71] قال الرازي: ولا منافاة بين الآيتين، فتارة يسقون بهذا، ~~وتارة بذاك { وأكواب كانت قواريرا } أي وأكواب - وهي ~~كالأقداح - رقيقة شفافة كالزجاج في صفائه قال في البحر: ومعنى { كانت ~~} أن الله تعالى أوجدها بقدرته، فيكون تفخيما لتلك الخلقة العجيبة ~~الشأن، الجامعة بين بياض الفضة ونصوعها، وشفيف القوارير وصفائها { ~~قواريرا من فضة } أي هي جامعة بين صفاء الزجاج، وحسن الفضة قال ~~ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء - يعني أن ما في ms1727 ~~الجنة أسمى وأشرف وأعلى - ولو أخذت فضة من فضة الدنيا، فضربتها حتى ~~جعلتها مثل جناح الذباب، لم ير الماء من ورائها، ولكن قوارير الجنة ~~ببياض الفضة، مع صفاء القوارير { قدروها تقديرا } أي قدرها ~~السقاة على مقدار حاجتهم، لا تزيد ولا تنقص، وذلك ألذ وأشهى قال ابن ~~عباس: أتوا بها على قدر الحاجة لا يفضلون شيئا، ولا يشتهون بعدها شيئا ~~{ ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا } أي يسقى ~~هؤلاء الأبرار في الجنة كأسا من الخمر ممزوجة بالزنجبيل، والعرب تستلذ ~~من الشراب ما مزج بالزنجبيل لطيب رائحته قال القرطبي: فرغبوا في نعيم ~~الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة الطيب قال قتادة: الزنجبيل اسم لعين ~~في الجنة يشرب منها المقربون صرفا، وتمزج لسائر أهل الجنة { عينا ~~فيها تسمى سلسبيلا } أي يشربون من عين في الجنة تسمى ~~السلسبيل، لسهولة مساغها وانحدارها في الحلق قال المفسرون: السلسبيل: ~~الماء العذب، السهل الجريان في الحلق لعذوبته وصفائه، وإنما وصف بأنه ~~سلسبيل، لأن ذلك الشراب يكون في طعم الزنجبيل، ولكن ليس فيه لذعته، فيشعر ~~الشاربون بطعمه، لكنهم لا يشعرون بحرافته، فيبقى الشراب سلسبيلا، سهل ~~المساغ في الحلق. # . ثم وصف بعد ذلك خدم أهل الجنة فقال { ويطوف عليهم ولدان ~~مخلدون } أي ويدور على هؤلاء الأبرار، غلمان ينشئهم الله تعالى ~~لخدمة المؤمنين { مخلدون } أي دائمون على ما هم عليه من الطراوة ~~والبهاء قال القرطبي: أي باقون على ما هم عليه من الشباب، والنضارة، ~~والغضاضة، والحسن، لا يهرمون ولا يتغيرون، ويكونون على سن واحدة على مر ~~الأزمنة { إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا } أي ~~إذا نظرتهم منتشرين في الجنة لخدمة أهلها، خلتهم لحسنهم وصفاء ألوانهم ~~وإشراق وجوههم، كأنهم اللؤلؤ المنثور قال الرازي: هذا من التشبيه ~~العجيب، لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقا يكون أحسن في المنظر، لوقوع شعاع ~~بعضه على بعض فيكون أروع وأبدع، { وإذا رأيت ثم رأيت ~~نعيما وملكا كبيرا } أي وإذا رأيت هناك ما في الجنة من مظاهر ~~الأنس والسرور، رأيت نعيما لا يكاد يوصف، وملكا واسعا عظيما لا غاية ~~له، كما ms1728 في الحديث القدسي # " أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر ~~على قلب بشر " # قال ابن كثير: وثبت في الصحيح أن # " أقل أهل الجنة منزلة من له قدر الدنيا وعشرة أمثالها " # فإذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة، فما ظنك بمن هو أعلى ~~منزلة وأحظى عنده تعالى؟ ثم زاد تعالى في بيان وصف نعيمهم فقال { ~~عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق } أي تعلوهم الثياب ~~الفاخرة الخضراء، المزينة بأنواع الزينة، من الحرير الرقيق - وهو السندس ~~- والحرير الثخين وهو - الاستبرق - فلباسهم في الجنة الحرير كما قال ~~تعالى # ولباسهم فيها حرير # [الحج: 23] قال المفسرون: السندس ما رق من الحرير، والاستبرق ما غلظ ~~من الحرير، وهذا لباس الأبرار في الجنة، وإنما قال { عاليهم } ~~لينبه على أن لهم عدة من الثياب، ولكن الذي يعلوها هي هذه، فتكون ~~أفضلها { وحلوا أساور من فضة } أي وألبسوا في الجنة أساور ~~فضية للزينة والحلية وعبر بالماضي إشارة لتحقق وقوعه قال الصاوي: ~~فإن قيل: كيف قال هنا { أساور من فضة } وفي سورة الكهف # يحلون فيها من أساور من ذهب # [الكهف: 31] وفي سورة فاطر # يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا # [فاطر: 33] فالجواب أنهم تارة يلبسون الذهب فقط، وتارة يلبسون الفضة، ~~وتارة يلبسون اللؤلؤ فقط على حسب ما يشتهون، ويمكن أن يجمع في يد أحدهم ~~أسورة الذهب والفضة واللؤلؤ { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } ~~أي سقاهم الله - فوق ذلك النعيم - شرابا طاهرا لم تدنسه الأيدي، وليس ~~بنجس كخمر الدنيا قال الطبري: سقي هؤلاء الأبرار شرابا طهورا، ومن ~~طهره أنه لا يصير بولا نجسا، بل رشحا من أبدانهم كرشح المسك، روي أن ~~الرجل من أهل الجنة يقسم له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا، فإذا أكل سقي ~~شرابا طهورا، فيصير رشحا يخرج من جلده أطيب ريحا من المسك الإذخر { ~~إن هذا كان لكم جزآء } أي يقال لهم بعد دخولهم الجنة ~~ومشاهدتهم نعيمها، هذا مقابل أعمالكم الصالحة في الدنيا { وكان ~~سعيكم مشكورا } أي وكان عملكم مقبولا مرضيا، جوزيتم ms1729 عليه أحسن ~~الجزاء، مع الشكر والثناء. # . مر في الآيات السابقة أن الله تعالى أعد للكافرين السلاسل ~~والأغلال، كما هيأ للأبرار أرائك يتكئون عليها، وعليهم ثياب السندس ~~والاستبرق، وفي معاصمهم أساور الفضة، وبين أيديهم ولدان مخلدون كأنهم ~~اللؤلؤ المنثور، يطوفون على أولئك الأبرار بصحاف الفضة وأكوابها الصافية ~~النقية، وقد ملئت شرابا ممزوجا بالزنجبيل والكافور، وكل ذلك للترغيب ~~والترهيب، على طريقة القرآن في المقارنة بين أحوال الأبرار والفجار.. ~~وبعد هذا الوضوح والبيان، كان المشركون يقابلون كل هذه الآيات بالصد ~~والإعراض، والاستهزاء بالقرآن وبمحمد عليه الصلاة والسلام، وكان الرسول ~~يتألم ويحزن لموقف المعاندين، لذلك جاءت الآيات تشد من عزيمته، ~~وتسليه وتخفف عن قلبه الشريف آثار الهم والضجر { إنا نحن ~~نزلنا عليك القرآن تنزيلا } أي نحن الذين أنزلنا عليك يا ~~محمد هذا القرآن مفرقا، لتذكرهم بما فيه من الوعد والوعيد، والترغيب ~~والترهيب، فلا تبتئس ولا تحزن ولا تضجر، فالقرآن حق ووعده صدق { ~~فاصبر لحكم ربك } أي اصبر يا محمد وانتظر لحكم ربك وقضائه، ~~فلا بد أن ينتقم منهم، ويقر عينك بإهلاكهم، إن عاجلا أو آجلا { ~~ولا تطع منهم آثما } أي ولا تطع من هؤلاء الفجرة من كان { ~~آثما } منغمسا في الشهوات، غارقا في الموبقات { أو كفورا } أي ~~ولا تطع من كان مبالغا في الكفر والضلال، لا ينزجر ولا يرعوي، وصيغة { ~~كفور } من صيغ المبالغة ومعناها المبالغ في الكفر والجحود قال المفسرون: ~~نزلت في " عتبة بن ربيعة " و " الوليد بن المغيرة " قالا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: إن كنت تريد النساء والمال فارجع عن هذا الأمر ونحن نكفيك ~~ذلك، فقال عتبة: أنا أزوجك ابنتي وأسوقها لك من غير مهر، وقال الوليد: ~~أنا أعطيك من المال حتى ترضى فنزلت، والأحسن أنها على العموم لأن لفظها ~~عام فهي تشمل كل فاسق وكافر { واذكر اسم ربك } أي صل لربك ~~وأكثر من عبادته وطاعته { بكرة وأصيلا } أي في أول النهار ~~وآخره، في الصباح والمساء { ومن الليل فاسجد له } أي ومن ~~الليل فصل له، متهجدا مستغرقا في مناجاته { وسبحه ليلا ms1730 ~~طويلا } أي وأكثر من التهجد والقيام لربك في جناح الظلام والناس نيام ~~كقوله تعالى # ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79] والمقصود أن يكون عابدا لله ذاكرا له في جميع الأوقات، ~~في الليل والنهار، والصباح والمساء، بقلبه ولسانه، ليتقوى على مجابهة ~~أعدائه.. وبعد تسلية النبي الكريم، عاد إلى شرح أحوال الكفرة المجرمين ~~فقال { إن هؤلاء يحبون العاجلة } أي إن هؤلاء ~~المشركين يفضلون الدنيا على الآخرة، وينهمكون في لذائذها الفانية { ~~ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا } أي ويتركون أمامهم يوما ~~عسيرا شديدا، عظيم الأهوال والشدائد، وهو يوم القيامة { نحن ~~خلقناهم وشددنآ أسرهم } أي نحن بقدرتنا أوجدناهم من ~~العدم، وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب والعروق، حتى كانوا أقوياء أشداء { ~~وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم تبديلا } أي ولو أردنا ~~أهلكناهم، ثم بدلنا خيرا منهم يكونون أعبد لله وأطوع، وفي الآية تهديد ~~ووعيد { إن هذه تذكرة } أي هذه الآيات الكريمة بمعناها ~~الدقيق، ولفظها الرشيق، موعظة وذكرى، يتذكر بها العاقل، وينزجر بها ~~الجاهل { فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } أي فمن أراد ~~الانتفاع والاعتبار وسلوك طريق السعادة، فليعتبر بآيات القرآن، وليستنر ~~بنوره وضيائه، وليتخذ طريقا موصلا إلى ربه، بطاعته وطلب مرضاته، فأسباب ~~السعادة ميسورة، وسبل النجاة ممهدة { وما تشآءون إلا أن ~~يشآء الله } أي وما تشاءون أمرا من الأمور، إلا بتقدير الله ~~ومشيئته، ولا يحصل شيء من الطاعة والاستقامة إلا بإذنه تعالى وإرادته، ~~قال ابن كثير: أي لا يقدر أحد أن يهدي نفسه، ولا يدخل في الإيمان، ولا ~~يجر لنفسه نفعا، إلا بمشيئة الله تعالى { إن الله كان عليما ~~حكيما } أي عالم بأحوال خلقه، حكيم في تدبيره وصنعه، يعلم من يستحق ~~الهداية فييسرها له، ومن يستحق الضلالة فيسهل له أسبابها، وله الحكمة ~~البالغة والحجة الدامغة { يدخل من يشآء في رحمته } أي يدخل ~~من شاء من عباده جنته ورضوانه حسب مشيئته وحكمته وهم المؤمنون { ~~والظالمين أعد لهم عذابا أليما } أي وأما المشركون ~~الظالمون فقد هيأ لهم عذابا شديدا مؤلما في دار الجحيم، ختم السورة ms1731 ~~الكريمة ببيان مآل المتقين، ومآل الكفرة المجرمين. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { شاكرا.. وكفورا } وبين { بكرة.. وأصيلا } ~~وبين { شمسا.. وزمهريرا }. # 2- اللف والنشر المشوش { إنآ أعتدنا للكافرين سلاسلا ~~} فإنه قدم أولا ذكر الشاكر ثم الكافر { شاكرا أو كفورا } ثم ~~عاد بالذكر على الثاني دون الأول ففيه لف ونشر غير مرتب. # 3- المجاز العقلي { يوما عبوسا } إسناد العبوس إلى اليوم من ~~إسناد الشيء إلى زمانه كنهاره صائم. # 4- الجناس غير التام { فوقاهم..ولقاهم } فبين وقاهم ولقاهم ~~جناس. # 5- جناس الاشتقاق { ويطعمون الطعام }. # 6- الطباق { يحبون.. ويذرون }. # 7- الايجاز بالحذف { إن هذا كان لكم جزآء } أي يقال لهم: ~~إن هذا.. الخ. # 8- التشبيه البديع الرائع { إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا ~~منثورا } أي كاللؤلؤ المنتثر. # 9- المقابلة اللطيفة { يحبون العاجلة ويذرون ورآءهم ~~يوما ثقيلا } قابل بين المحبة والترك وبين العاجلة والباقية. # 10- السجع المرصع مثل { لؤلؤا منثورا.. شرابا طهورا.. ~~وكان سعيكم مشكورا.. آثما أو كفورا } الخ وهو من ~~المحسنات البديعية. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-50] # اللغة: { فرجت } فتحت وشقت يقال: فرجت الشيء فانفرج أي فتحته ~~فانفتح { كفاتا } الكفت في اللغة: الضم والجمع قال الشاعر: # فأنت اليوم فوق الأرض حي # وأنت غدا تضمك في كفات # { شامخات } عاليات مرتفعات، يقال: شمخ بأنفه إذا رفعه كبرا { ~~فراتا } عذبا شديد الحلاوة { بشرر } الشرر: ما تطاير من النار ~~وتفرق جمع شررة. # التفسير: { والمرسلات عرفا } أي أقسم بالرياح حين تهب ~~متتابعة، يقفوا بعضها إثر بعض، قال المفسرون: هي رياح العذاب التي يهلك ~~الله بها الظالمين { فالعاصفات عصفا } أي وأقسم بالرياح ~~الشديدة الهبوب، إذا أرسلت عاصفة شديدة، قلعت الأشجار، وخربت الديار، ~~وغيرت الآثار { والناشرات نشرا } أي وأقسم بالملائكة الموكلين ~~بالسحب يسوقونها حيث شاء الله، لتنشر رحمة الله - المطر - فتحيي به ~~البلاد والعباد { فالفارقات فرقا } أي وأقسم بالملائكة التي ~~تفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام { فالملقيات ذكرا } أي ~~وأقسم بالملائكة تنزل بالوحي، وتلقي كتب الله تبارك وتعالى إلى الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام { عذرا أو نذرا } أي تلقي الوحي إعذارا ~~من الله للعباد لئلا يبقى لهم ms1732 حجة عند الله، أو إنذارا من الله للخلق ~~بالنقمة والعذاب { إنما توعدون لواقع } هذا هو جواب القسم أي ~~إن ما توعدون به من أمر القيامة، وأمر الحساب والجزاء، كائن لا محالة ~~قال المفسرون: أقسم تعالى بخمسة أشياء، تنبيها على جلالة قدر المقسم به، ~~وتعظيما لشأن المقسم عليه، فأقسم بالرياح الي تحمل الرحمة والعذاب، ~~وتسوق للعباد الخير أو الشر، وبالملائكة الأبرار، الذين يتنزلون بالوحي ~~للإعذار والإنذار، أقسم على أن أمر القيامة حق لا شك فيه، وأن ما أوعد ~~الله تعالى به المكذبين، من مجيء الساعة والثواب والعقاب، كائن لا محالة، ~~فلا ينبغي الشك والامتراء.. ثم بين تعالى وفصل وقت وقوع ذلك فقال { ~~فإذا النجوم طمست } أي محيت النجوم وذهب نورها وضياؤها { ~~وإذا السمآء فرجت } أي شقت السماء وتصدعت { وإذا ~~الجبال نسفت } أي تطايرت الجبال وتناثرت حتى أصبحت هباء تذروه ~~الرياح كقوله تعالى # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105] { وإذا الرسل أقتت } أي جعل للرسل وقت وأجل، ~~للفصل بينهم وبين الأمم، وهو يوم القيامة كقوله تعالى # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم # [المائدة: 109]؟ وأصل { أقتت } وقتت من الوقت أي جعل لها وقت ~~محدد، قال الطبري: أي أجلت للاجتماع لوقتها يوم القيامة وقال مجاهد: هو ~~الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم { لأي يوم أجلت }؟ ~~استفهام لتعظيم ذلك اليوم، والتعجيب لما يقع فيه من الهول والشدة أي لأي ~~يوم عظيم أخرت الرسل؟ ثم قال { ليوم الفصل } أي ليوم القضاء ~~والفصل بين الخلائق، يوم يفصل الله بين الأنبياء وأممهم المكذبين بحكمه ~~العادل { ومآ أدراك ما يوم الفصل }؟ استفهام للتعظيم ~~والتهويل أي وما أعلمك أيها الإنسان بيوم الفصل وشدته وهوله؟ فإن ذلك ~~اليوم أعظم من أن يعرف أمره إنسان، أو يحيط به عقل أو وجدان، ووضع ~~الظاهر { ما يوم الفصل } مكان الضمير " ما هو " لزيادة تفظيع ~~وتهويل أمره قال الإمام الفخر: عجب العباد من تعظيم ذلك اليوم فقال: ~~لأي يوم أجلت الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل، وهي تعذيب من كذبهم، ~~وتعظيم من آمن ms1733 بهم، وظهور ما كانوا يدعون الخلق إلى الإيمان به، من ~~الأهوال والعرض والحساب، ثم إنه تعالى بين ذلك فقال { ليوم ~~الفصل } وهو يوم يفصل الرحمن بين الخلائق، ثم أتبع ذلك تعظيما ~~ثانيا فقال { ومآ أدراك ما يوم الفصل } أي وما أعلمك ما ~~هو يوم الفصل وشدته ومهابته؟ وجواب الشرط { فإذا النجوم } الخ ~~محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: وقع ما توعدون به، وجرى ما أخبركم به ~~الرسل من مجيء القيامة، والحذف على هذه الصورة من أساليب الإيجاز ~~البياني الذي امتاز به القرآن { ويل يومئذ للمكذبين } ~~أي هلاك عظيم وخسار كبير في ذلك اليوم لأولئك المكذبين بهذا اليوم ~~الموعود قال المفسرون: كرر هذه الجملة { ويل يومئذ ~~للمكذبين } في هذه السورة عشر مرات لمزيد الترغيب والترهيب، وفي ~~كل جملة وردت إخبار عن أشياء عن أحوال الآخرة، وتذكير بأحوال الدنيا، ~~فناسب أن يذكر الوعيد عقيب كل جملة منها بالويل والدمار للكفرة الفجار، ~~ولما كان - في سورة الإنسان السابقة - ذكر بعضا من أحوال الكفار في ~~الآخرة، وأطنب في وصف أحوال المؤمنين هناك، جاء في هذه السورة بالإطناب ~~في وصف الكفار، والإيجاز في وصف المؤمنين. # . ثم بعد أن أكد الخبر بيوم القيامة، وأنه حق كائن لا محالة، وبعد أن ~~خوف المكذبين من شدة هول ذلك اليوم، وفظاعة ما يقع فيه، عاد فخوفهم ~~من بطش الله وانتقامه بأسلوب آخر فقال { ألم نهلك الأولين }؟ ~~أي ألم نهلك السابقين بتكذيبهم للرسل، كقوم نوح وعاد وثمود؟ { ثم ~~نتبعهم الآخرين }؟ أي ثم ألحقنا بهم المتأخرين ممن كانوا مثلهم ~~في التكذيب والعصيان، كقوم لوط وشعيب وقوم موسى " فرعون وأتباعه " ومن ~~على شاكلتهم { كذلك نفعل بالمجرمين } أي مثل ذلك الإهلاك ~~الفظيع نفعل بهؤلاء المجرمين " كفار مكة " لتكذيبهم لسيد المرسلين صلى ~~الله عليه وسلم { ويل يومئذ للمكذبين } أي هلاك ودمار ~~لكل مكذب بالتوحيد والنبوة، والبعث والحساب { ألم نخلقكم من ~~مآء مهين } تذكير للمكذبين وتعجيب من غفلتهم وذهولهم عن أبسط ~~الأمور المشاهدة، وهي أن من خلقهم من النطفة الحقيرة الضعيفة كان قادرا ~~على إعادة خلقهم ms1734 للبعث والحساب والمعنى: ألم نخلقكم يا معشر الكفار من ~~ماء ضعيف حقير هو مني الرجل؟ وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل # " ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه " # الحديث { فجعلناه في قرار مكين } أي فجعلنا هذا الماء ~~المهين في مكان حريز وهو رحم المرأة { إلى قدر معلوم } أي ~~إلى مقدار من الزمن محدد معين، معلوم عند الله تعالى وهو وقت ~~الولادة، { فقدرنا فنعم القادرون } أي فقدرنا على خلقه من ~~النطفة، فنعم القادرون نحن حيث خلقناه في أحسن الصور، وأجمل الأشكال { ~~ويل يومئذ للمكذبين } أي هلاك ودمار للمكذبين بقدرتنا ~~قال الصاوي: هذه الآية تذكير من الله تعالى للكفار بعظيم إنعامه عليهم، ~~وبقدرته على ابتداء خلقهم، والقادر على الابتداء قادر على الإعادة، ~~ففيها رد على المنكرين للبعث.. ثم ذكرهم بنعمة إيجادهم على الأرض ~~حال الحياة، ومواراتهم في باطنها بعد الموت فقال { ألم نجعل ~~الأرض كفاتا * أحيآء وأمواتا }؟ أي ألم نجعل هذه الأرض ~~التي تعيشون عليها كالأم لكم، تجمع الأحياء على ظهرها، والأموات في ~~بطنها؟ قال المفسرون: الكفت: الجمع والضم، فالأرض تجمع وتضم إليها جميع ~~البشر، فهي كالأم لهم، الأحياء يسكنون فوق ظهرها في المنازل والدور، ~~والأموات يسكنون في بطنها في القبور # منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى # [طه: 55] قال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم { وجعلنا ~~فيها رواسي شامخات } أي وجعلنا في الأرض جبالا راسخات عاليات ~~مرتفعات لئلا تضطرب بكم { وأسقيناكم مآء فراتا } أي ~~وأسقيناكم ماء عذبا حلوا بالغ العذوبة، أنزلناه لكم من السحاب، ~~وأخرجناه لكم من العيون والأنهار، لتشربوا منه أنتم ودوابكم، وتسقوا منه ~~زرعكم وأشجاركم { ويل يومئذ للمكذبين * انطلقوا ~~إلى ما كنتم به تكذبون } أي انطلقوا إلى عذاب جهنم الذي ~~كنتم تكذبون به في دار الدنيا، وهذا الكلام تقوله لهم خزنة النار تقريعا ~~وتوبيخا.. ثم وضح ذلك العذاب وفصله فقال { انطلقوا إلى ~~ظل ذي ثلاث شعب } أي اذهبوا فاستظلوا بدخان كثيف من دخان ~~جهنم، يتفرع منه ثلاث شعب { لا ظليل ولا يغني من اللهب } ~~أي لا ms1735 يظل من يكون تحته، ولا يقيه حر الشمس كما هو حال الظل الممدود، ولا ~~هو يدفع عنه أيضا ألسنة النار المندلعة من كل جانب قال الطبري: لا هو ~~يظلهم من حرها، ولا يكنهم من لهبها، وذلك أنه يرتفع من وقود جهنم الدخان، ~~فإذا تصاعد تفرق شعبا ثلاثة قال المفسرون: سمى العذاب ظلا تهكما ~~واستهزاء بالمعذبين، فالمؤمنون في ظلال وعيون، والمجرمون في سموم وحميم، ~~وظل من يحموم، واليحموم دخان أسود قاتم، فكيف يصح أن يسمى ما هم فيه ~~ظلا إلا على طريق التهكم والاستهزاء؟ ثم زاد تعالى في وصف جهنم ~~وأهوالها فقال { إنها ترمي بشرر كالقصر } أي إن جهنم ~~تقذف بشرر عظيم من النار، كل شرارة منه كأنها القصر العظيم قال ابن ~~كثير: يتطاير الشرر من لهبها كالحصون { كأنه جملت صفر } أي ~~كأن شرر جهنم المتطاير منها الإبل الصفر في لونها وسرعة حركتها قال ~~الرازي: شبه تعالى الشرر في العظم بالقصر، وفي اللون والكثرة وسرعة ~~الحركة بالجمالات الصفر، وهذا التشبيه من روائع صور التشبيه، لأن الشرارة ~~إذا كانت مثل القصر الضخم، فكيف تكون حال تلك النار الملتهبة؟ أجارنا ~~الله من نار جهنم بفضله ورحمته { ويل يومئذ للمكذبين } ~~أي هلاك ودمار للمكذبين بآيات الله { هذا يوم لا ينطقون } أي ~~هذا اليوم الرهيب، الذي لا ينطق فيه أولئك المكذبون ولا يتكلمون كلاما ~~ينفعهم، فهم في ذلك اليوم خرس بكم { ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون } أي ولا يقبل لهم عذر ولا حجة فيما أتوا به من القبائح ~~والجرائم، بل لا يؤذن لهم في أن يعتذروا، لأنه لا تسمع منهم تلك الحجج ~~والأعذار ولا تقبل كقوله تعالى # يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم # [غافر: 52] { ويل يومئذ للمكذبين * هذا يوم ~~الفصل جمعناكم والأولين } أي يقال لهم: هذا يوم الفصل ~~بين الخلائق، الذي يفصل الله فيه بحكمه العادل بين السعداء والأشقياء، ~~جمعناكم فيه مع من تقدمكم من الأمم لنحكم بينكم جميعا { فإن كان ~~لكم كيد فكيدون } أي فإن كان لكم حيلة في الخلاص من العذاب ~~فاحتالوا، وانقذوا أنفسكم من ms1736 بطش الله وانتقامه إن قدرتم، وهذا تعجيز ~~لهم وتوبيخ { ويل يومئذ للمكذبين } أي هلاك يومئذ ~~للمكذبين بيوم الدين.. وبعد أن ذكر أحوال الأشقياء المجرمين، أعقبه بذكر ~~أحوال السعداء المتقين فقال { إن المتقين في ظلال وعيون ~~} أي الذين خافوا ربهم في الدنيا، واتقوا عذابه بامتثال أوامره واجتناب ~~نواهيه، هم يوم القيامة في ظلال الأشجار الوارفة، وعيون الماء الجارية، ~~يتنعمون في دار الخلد، والكرامة، على عكس أولئك المجرمين المكذبين، الذين ~~هم في ظل من يحموم - وهو دخان جهنم الأسود - الذي لا يقي حرا، ولا يدفع ~~عطشا، ولا يجد المستظل به مما يشتهيه لراحته سوى شرر النار الهائل { ~~وفواكه مما يشتهون } أي وفواكه كثيرة متنوعة مما يستلذون ~~ويستطيبون { كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ~~} أي ويقال لهم على سبيل الأنس والتكريم: كلوا أكلا لذيذا واشربوا ~~شربا هنيئا، بسبب ما قدمتم في الدنيا من صالح الأعمال { إنا ~~كذلك نجزي المحسنين } أي إنا مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي ~~من أحسن عمله، وأخلص نيته، واتقى ربه { ويل يومئذ ~~للمكذبين } أي هلاك ودمار للمكذبين بيوم الدين { كلوا ~~وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون } أي يقال للكفار على ~~سبيل التهديد والوعيد: كلوا من لذائذ الدنيا، واستمتعوا بشهواتها ~~الفانية، كما هو شأن البهائم التي همها ملء بطونها ونيل شهواتها زمانا ~~قليلا الى منتهى آجالكم، فإنكم مجرمون لا تستحقون الإنعام والتكريم { ~~ويل يومئذ للمكذبين } أي هلاك ودمار يوم القيامة ~~للمكذبين بنعم الله { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } ~~أي وإذا قيل لهؤلاء المشركين صلوا لله، واخشعوا في صلاتكم لعظمته ~~وجلاله، لا يخشعون ولا يصلون، بل يظلون على استكبارهم يصرون قال مقاتل: ~~نزلت هذه الآية في ثقيف، امتنعوا عن الصلاة وقالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: حط عنا الصلاة فإنا لا ننحني، إنها مسبة علينا، فأبى ~~وقال: لا خير في دين لا صلاة فيه { ويل يومئذ للمكذبين ~~} أي هلاك ودمار يوم القيامة للمكذبين بأوامر الله ونواهيه { فبأي ~~حديث بعده يؤمنون }؟ أي فبأي كتاب وكلام بعد هذا القرآن ~~المعجز الواضح يصدقون إن لم ms1737 يؤمنوا بالقرآن؟ فإذا كذبوا بالقرآن ولم ~~يؤمنوا به، مع بلوغه الغاية في الإعجاز، ونصوع الحجة، وروعة البيان، ~~فبأي شيء بعد ذلك يؤمنون؟ قال القرطبي: كرر قوله { ويل يومئذ ~~للمكذبين } عشر مرات للتخويف والوعيد، وقيل: إنه ليس بتكرار، ~~لأنه أراد بكل قول منه غير الذي أراده بالآخر، كأنه ذكر شيئا فقال: ~~ويل لمن يكذب بهذا، ثم ذكر شيئا آخر فقال: ويل لمن يكذب بهذا، وهكذا ~~إلى آخر السورة الكريمة. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التأكيد بذكر المصدر زيادة في البيان وتقوية للكلام مثل { ~~فالعاصفات عصفا * والناشرات نشرا * فالفارقات ~~فرقا } وهو من المحسنات اللفظية. # 2- الطباق بين { عذرا.. و نذرا } وبين { أحيآء.. أمواتا } ~~وبين { الأولين.. والآخرين } وكلها من المحسنات البديعية. # 3- وضع الظاهر مكان الضمير، والمجيء بصيغة الاستفهام { لأي يوم ~~أجلت * ليوم الفصل * ومآ أدراك ما يوم الفصل ~~}؟ لزيادة تفظيع الأمر وتهويله. # 4- الاستفهام التقريري { ألم نهلك الأولين }؟ ومثله { ~~ألم نخلقكم من مآء مهين }؟ # 5- الجناس غير التام بين لفظتي { مهين } و { مكين }. # 6- التشبيه المرسل المجمل { إنها ترمي بشرر كالقصر } ~~والمرسل المفصل { كأنه جملت صفر }. # 7- المقابلة بين نعيم الأبرار وعذاب الفجار { إن المتقين في ~~ظلال وعيون * وفواكه مما يشتهون * كلوا ~~واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون } قابل ذلك بقوله { ~~كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون }. # 8- أسلوب التهكم { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب * لا ~~ظليل } سمى العذاب ظلا تهكما وسخرية بهم. # 9- المجاز المرسل { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } ~~أطلق الركوع وأراد به الصلاة فهو من باب اطلاق البعض وإرادة الكل أي ~~وإذا قيل لهم صلوا لا يصلون. # 10- توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل { هذا يوم لا ينطقون ~~* ولا يؤذن لهم فيعتذرون.. إن المتقين في ~~ظلال وعيون * وفواكه مما يشتهون } الخ ويسمى بالسجع ~~المرصع وهو من المحسنات البديعية. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-40] # اللغة: { سباتا } السبت في اللغة: القطع، سمي الليل سباتا لأنه ~~يقطع العمل والحركة { وهاجا } الوهاج: المتوقد المتلألىء من قولهم: ~~وهجت النار إذا أضاءت { ثجاجا } شديد الانصباب يقال: ثج إذا سال ms1738 ~~بكثرة وفي الحديث # " أفضل الحج: العج والثج " # العج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إراقة الدماء وذبح الهدايا { ~~كواعب } جمع كاعب وهي التي برز نهدها واستدار مع ارتفاع يسير { ~~دهاقا } مملوءة يقال: أدهقت الكأس أي ملأتها قال الشاعر # أتانا عامر يبغي قرانا # فأترعنا له كأسا دهاقا # التفسير: { عم يتسآءلون }؟ أي عن أي شيء يسأل هؤلاء ~~الجاحدون بعضهم بعضا؟ وأصل { عم } عن ما، أدغمت الميم في النون ~~وحذفت الف { ما } الاستفهامية، وليس المراد هنا مجرد الاستفهام وإنما ~~المراد تفخيم الأمر وتعظيمه، وقد كان المشركون يتساءلون عن البعث فيما ~~بينهم، ويخوضون فيه إنكارا واستهزاء فجاء اللفظ بصيغة الاستفهام ~~للتفخيم والتهويل وتعجيب السامعين من أمر المشركين، ثم ذكر تعالى ذلك ~~الأمر الخطير فقال { عن النبإ العظيم } أي يتساءلون عن الخبر ~~العظيم الهام وهو أمر البعث { الذي هم فيه مختلفون } أي ~~الذي اختلفوا فيه ما بين شاك في وقوعه، ومكذب منكر لحصوله { كلا ~~سيعلمون } ردع وزجر أي ليرتدع أولئك المكذبون عن التساؤل عن ~~البعث، فسيعلمون حقيقة الحال، حين يرون البعث أمرا واقعا، ويرون عاقبة ~~استهزائهم { ثم كلا سيعلمون } تأكيد للوعيد مع التهويل أي ~~سيعلمون ما يحل بهم من العذاب والنكال.. ثم أشار تعالى إلى الأدلة ~~الدالة على قدرته تعالى، ليقيم الحجة على الكفار فيما أنكروه من أمر ~~البعث، وكأنه يقول: إن الإله الذي قدر على إيجاد هذه المخلوقات ~~العظام، قادر على إحياء الناس بعد موتهم فقال { ألم نجعل ~~الأرض مهادا } أي ألم نجعل هذه الأرض التي تسكنونها ممهدة ~~للاستقرار عليها، والتقلب في أنحائها؟ جعلناها لكم كالفراش والبساط ~~لتستقروا على ظهرها، وتستفيدوا من سهولها الواسعة بأنواع المزروعات؟ { ~~والجبال أوتادا } أي وجعلنا الجبال كالأوتاد للأرض تثبتها لئلا ~~تميد بكم كما يثبت البيت بالأوتاد قال في التسهيل: شبهها بالأوتاد ~~لأنها تمسك الأرض أن تميد { وخلقناكم أزواجا } أي وجعلناكم ~~أيها الناس أصنافا ذكورا وإناثا، لينتظم أمر النكاح والتناسل، ولا ~~تنقطع الحياة عن ظهر هذا الكوكب الأرضي { وجعلنا نومكم ~~سباتا } أي وجعلنا النوم راحة لأبدانكم، قاطعا لأشغالكم، تتخلصون به ~~من مشاق ms1739 العمل بالنهار { وجعلنا اليل لباسا } أي جعلنا الليل ~~كاللباس يغشاكم ويستركم بظلامه، كما يستركم اللباس، وتغطيكم ظلمته كما ~~يغطي الثوب لابسه قال في التسهيل: شبهه بالثياب التي تلبس لأنه ستر ~~عن العيون { وجعلنا النهار معاشا } أي وجعلنا النهار سببا ~~لتحصيل المعاش، تتصرفون فيه لقضاء حوائجكم قال ابن كثير: جعلناه مشرقا ~~مضيئا ليتمكن الناس من التصرف فيه، بالذهاب والمجيء للمعاش والتكسب ~~والتجارات وغير ذلك { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } أي ~~وبنينا فوقكم أيها الناس سبع سماوات محكمة الخلق بديعة الصنع، متينة في ~~إحكامها وإتقانها، لا تتأثر بمرور العصور والأزمان، خلقناها بقدرتنا ~~لتكون كالسقف للأرض كقوله تعالى # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32] وقوله # والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون # [الذاريات: 47] { وجعلنا سراجا وهاجا } أي وأنشأنا لكم ~~شمسا منيرة ساطعة، يتوهج ضوءها ويتوقد لأهل الأرض كلهم، دائمة الحرارة ~~والتوقد قال المفسرون: الوهاج المتوقد الشديد الإضاءة، الذي يضطرم ~~ويلتهب من شدة لهبه وقال ابن عباس: المنير المتلألىء { وأنزلنا من ~~المعصرات مآء ثجاجا } أي وأنزلنا من السحب التي حان وقت ~~إمطارها ماء دافقا منهمرا بشدة وقوة قال في التسهيل: المعصرات هي ~~السحب، مأخوذة من العصر لأن السحاب ينعصر فينزل منه الماء، شبهت السحابة ~~التي حان وقت إمطارها بالجارية التي قد دنا حيضها { لنخرج به ~~حبا ونباتا } أي لنخرج بهذا الماء أنواع الحبوب والزروع، التي ~~تنبت في الأرض غذاء للإنسان والحيوان { وجنات ألفافا } أي ~~وحدائق وبساتين كثيرة الأشجار والأغصان، ملتفة بعضها على بعض لكثرة ~~أغصانها وتقارب أشجارها.. ذكر تعالى هذه الأدلة التسع على قدرته تعالى، ~~كبرهان واضح على إمكان البعث والنشور، فإن من قدر على هذه الأشياء ~~قادر على البعث والإحياء ولهذا قال بعده { إن يوم الفصل ~~كان ميقاتا } أي إن يوم الحساب والجزاء، ويوم الفصل بين الخلائق، له ~~وقت محدود معلوم في علمه تعالى وقضائه، لا يتقدم ولا يتأخر # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود * ~~وما نؤخره إلا لأجل معدود # [هود: 103-104] قال القرطبي: سمي يوم الفصل لأن الله تعالى يفصل فيه بين ~~خلقه، وقد ms1740 جعله وقتا وميعادا للأولين والآخرين { يوم ينفخ في ~~الصور فتأتون أفواجا } أي يكون ذلك يوم أن ينفخ في الصور ~~نفخة القيام من القبور، فتحضرون جماعات جماعات، وزمرا زمرا للحساب ~~والجزاء، ثم ذكر تعالى أوصاف ذلك اليوم الرهيب فقال { وفتحت ~~السمآء فكانت أبوابا } أي تشققت السماء من كل جانب، حتى كان ~~فيها صدوع وفتوح كالأبواب في الجدران، من هول ذلك اليوم كقوله تعالى # إذا السمآء انشقت # [الانشقاق: 1] وعبر بالماضي { وفتحت } لتحقق الوقوع { ~~وسيرت الجبال فكانت سرابا } أي ونسفت الجبال وقلعت من ~~أماكنها، حتى أصبح يخيل إلى الناظر أنها شيء وليست بشيء، كالسراب يظنه ~~الرائي ماء وليس بماء قال الطبري: صارت الجبال بعد نسفها هباء منبثا ~~لعين الناظر، كالسراب الذي يظنه من يراه ماء وهو في الحقيقة هباء { ~~إن جهنم كانت مرصادا } أي إن جهنم تنتظر وتترقب نزلاءها ~~الكفار، كما يترصد الإنسان ويترقب عدوه ليأخذه على حين غرة قال ~~المفسرون: المرصاد المكان الذي يرصد فيه الراصد العدو، وجهنم تترصد ~~أعداء الله لتعذبهم بسعيرها، وهي مترقبة ومتطلعة لمن يمر عليها من ~~الكفار الفجار لتلتقطهم إليها { للطاغين مآبا } أي هي مرجع ~~ومأوى ومنزل للطغاة المجرمين { لابثين فيهآ أحقابا } أي ~~ماكثين في النار دهورا متتابعة لا نهاية لها قال القرطبي: أي ماكثين في ~~النار ما دامت الأحقاب - أي الدهور - وهي لا تنقطع، كلما مضى حقب جاء ~~حقب، لأن أحقاب الآخرة لا نهاية لها قال الربيع وقتادة: هذه الأحقاب لا ~~انقضاء لها ولا انقطاع { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ~~} أي لا يذوقون في جهنم برودة تخفف عنهم حر النار، ولا شرابا يسكن ~~عطشهم فيها { إلا حميما وغساقا } أي إلا ماء حارا بالغا ~~الغاية في الحرارة، وغساقا أي صديدا يسيل من جلود أهل النار { جزآء ~~وفاقا } أي عاقبهم الله بذلك جزاء موافقا لأعمالهم السيئة { ~~إنهم كانوا لا يرجون حسابا } أي لم يكونوا يتوقعون ~~الحساب والجزاء، ولا يؤمنون بلقاء الله، فجازاهم الله بذلك الجزاء العادل ~~{ وكذبوا بآياتنا كذابا } أي وكانوا يكذبون بآيات الله ~~الدالة على البعث وبالآيات ms1741 القرآنية تكذيبا شديدا { وكل شيء ~~أحصيناه كتابا } أي وكل ما فعلوه من جرائم وآثام ضبطناه في كتاب ~~لنجازيهم عليه { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } أي ~~فذوقوا يا معشر الكفار فلن نزيدكم على استغاثتكم إلا عذابا فوق ~~عذابكم قال المفسرون: ليس في القرآن على أهل النار آية هي أشد من هذه ~~الآية، كلما استغاثوا بنوع من العذاب أغيثوا بأشد منه. # . ولما ذكر تعالى أحوال الأشقياء أهل النار، ذكر بعدها أحوال السعداء ~~الأبرار فقال { إن للمتقين مفازا } أي إن للمؤمنين ~~الأبرار الذين أطاعوا ربهم في الدنيا، موضع ظفر وفوز بجنات النعيم، ~~وخلاص من عذاب الجحيم، ثم فسر هذا الفوز فقال { حدآئق وأعنابا ~~} أي بساتين ناضرة فيها من جميع الأشجار والأزهار، وفيها كروم الأعناب ~~الطيبة المتنوعة من كل ما تشتهيه النفوس { وكواعب أترابا } أي ~~ونساء عذارى نواهد قد برزت أثداؤهن، وهن في سن واحدة قال في ~~التسهيل: الكواعب جمع كاعب وهي الجارية التي خرج ثديها { وكأسا ~~دهاقا } أي وكأسا من الخمر ممتلئة صافية قال القرطبي: المراد ~~بالكأس الخمر كأنه قال: وخمرا ذات دهاق أي مملوءة قد عصرت وصفيت ~~{ لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا } أي لا يسمعون في ~~الجنة كلاما فارغا لا فائدة فيه، ولا كذبا من القول لأن الجنة دار ~~السلام، وكل ما فيها سالم من الباطل والنقص { جزآء من ربك ~~عطآء حسابا } أي جازاهم الله بذلك الجزاء العظيم، تفضلا منه ~~وإحسانا كافيا على حسب أعمالهم { رب السموت والأرض ~~وما بينهما الرحمن } أي هذا الجزاء صادر من الرحمن الذي ~~شملت رحمته كل شيء { لا يملكون منه خطابا } أي لا يقدر أحد ~~أن يخاطبه في دفع بلاء، أو رفع عذاب في ذلك اليوم، هيبة وجلالا { ~~يوم يقوم الروح والملائكة صفا } أي في ذلك اليوم ~~الرهيب يقف جبريل والملائكة مصطفين خاشعين { لا يتكلمون إلا ~~من أذن له الرحمن وقال صوابا } أي لا يتكلم أحد منهم ~~إلا من أذن الله له بالكلام والشفاعة ونطق بالصواب قال الصاوي: وإذا ~~كان الملائكة الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم ms1742 من الله لا يقدرون أن يشفعوا ~~إلا بإذنه، فكيف يملك غيرهم؟ { ذلك اليوم الحق } أي ذلك هو ~~اليوم الكائن الواقع لا محالة { فمن شآء اتخذ إلى ربه ~~مآبا } أي فمن شاء أن يسلك إلى ربه مرجعا كريما بالإيمان والعمل ~~الصالح فليفعل، وهو حث وترغيب { إنآ أنذرناكم عذابا ~~قريبا } الخطاب لكفار قريش المنكرين للبعث أي إنا حذرناكم وخوفناكم ~~عذابا قريبا وقوعه هو عذاب الآخرة، سماه قريبا لأن كل ما هو آت ~~قريب { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } أي يوم يرى كل ~~إنسان ما قدم من خير أو شر مثبتا في صحيفته كقوله تعالى # ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف: 49] { ويقول الكافر يليتني كنت ترابا } أي ~~ويتمنى الكافر أنه لم يخلق ولم يكلف ويقول: يا ليتني كنت ترابا حتى ~~لا أحاسب ولا أعاقب قال المفسرون: وذلك حين يحشر الله الحيوانات يوم ~~القيامة فيقتص للجماء من القرناء، وبعد ذلك يصيرها ترابا، فيتمنى ~~الكافر أن لو كان كذلك حتى لا يعذب. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الإطناب بتكرار الجملة للوعيد والتهديد { كلا سيعلمون * ~~ثم كلا سيعلمون }. # 2- الإيجاز بحذف الفعل لدلالة المتقدم عليه { عن النبإ ~~العظيم } أي يتساءلون عن النبأ العظيم. # 3- التشبيه البليغ { ألم نجعل الأرض مهادا * والجبال ~~أوتادا }؟ أصل الكلام جعلنا الأرض كالمهاد الذي يفترشه النائم، ~~والجبال كالأوتاد التي تثبت الدعائم، فحذف أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح ~~بليغا، ومثله { وجعلنا اليل لباسا } أي كاللباس في الستر ~~والخفاء. # 4- المقابلة اللطيفة بين { وجعلنا اليل لباسا } وبين { ~~وجعلنا النهار معاشا } قابل بين الليل والنهار، والراحة ~~والعمل، وهو من المحسنات البديعية. # 5- التشبيه البليغ { فكانت أبوابا } أي كالأبواب في التشقق ~~والانصداع، فحذفت الأداة ووجه الشبه فأصبح بليغا # 6- الأمر الذي يراد به الإهانة والتحقير { فذوقوا فلن ~~نزيدكم إلا عذابا } وفيه أيضا التفات من الغيبة إلى الخطاب ~~زيادة في التوبيخ والإهانة. # 7- الطباق بين { بردا.. وحميما }. # 8- ذكر العام بعد الخاص { يوم يقوم الروح والملائكة ~~صفا } الروح وهو " جبريل " داخل في الملائكة، فقد ذكر مرتين مرة ~~استقلالا، ms1743 ومرة ضمن الملائكة، تنبيها على جلالة قدره. # 9- السجع المرصع مثل { ألفافا، أفواجا، أبوابا، مآبا، ~~أحقابا } وهو من المحسنات البديعية. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-46] # اللغة: { واجفة } خائفة فزعة يقال: وجف القلب وجيفا إذا خفق ~~واضطرب من شدة الفزع { الحافرة } الرجوع إلى الحالة التي كان عليها ~~يقال: رجع فلان في حافرته أي رجع من حيث جاء قال الشاعر: # أحافرة على صلع وشيب # معاذ الله من سفه وعار # { الساهرة } وجه الأرض، والعرب تسمي وجه الأرض والفلاة ساهرة لأنه ~~يسهر عليها { سمكها } السمك: العلو والارتفاع، وبناء ممسوك أي ~~عال مرتفع { أغطش } أظلم يقال: غطش الليل وأغطشه الله أي صار ~~مظلما وأظلمه الله { دحاها } بسطها وسواها قال زيد بن عمرو: # دحاها فلما استوت شدها # بأيد وأرسى عليها الجبالا # { الطآمة } الداهية العظمى التي لا تستطاع قال الشاعر: # إن بعض الحب يعمي ويصم # وكذاك البغض أدهى وأطم # التفسير: { والنازعات غرقا } أي أقسم بالملائكة التي تنزع ~~أرواح الكفار نزعا بالغا أقصى الغاية في الشدة والعسر { ~~والناشطات نشطا } أي وأقسم بالملائكة التي تنزع أرواح ~~المؤمنين بسهولة ويسر، وتسلها سلا رفيقا قال ابن مسعود: إن ملك ~~الموت وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السفود - سيخ الحديد - ~~الكثير الشعب من الصوف المبتل، فتخرج نفس الكافر كالغريق في الماء، ~~وينزع روح المؤمن برفق ولين، ويقبضها كما ينشط العقال من يد البعير قال ~~ابن كثير: أقسم سبحانه بالملائكة حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ ~~روحه بعسر فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من ~~نشاط { والسابحات سبحا } أي وأقسم بالملائكة التي تنزل بأمر ~~الله ووحيه من السماء كالذي يسبح في الماء، مسرعين لتنفيذ أمر الله { ~~فالسابقات سبقا } أي الملائكة التي تسبق بأرواح المؤمنين إلى ~~الجنة { فالمدبرات أمرا } أي الملائكة تدبر شئون الكون بأمره ~~تعالى، في الرياح، والأمطار، والأرزاق، والأعمار، وغير ذلك من شئون ~~الدنيا، أقسم سبحانه بهذه الأصناف الخمسة على أن القيامة حق، وجواب القسم ~~محذوف تقديره: لتبعثن ولتحاسبن، وقد دل عليه قوله { يوم ترجف ~~الراجفة * تتبعها الرادفة ms1744 } أي يوم ينفخ في الصور ~~النفخة الأولى التي يرتجف ويتزلزل لها كل شيء، تتبعها النفخة الثانية وهي ~~نفخة القيام من القبور قال ابن عباس: الراجفة والرادفة هما النفختان ~~الأولى والثانية، أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله تعالى، وأما الثانية ~~فتحيي كل شيء بإذن الله تعالى.. ثم ذكر تعالى حالة المكذبين وما يلقونه ~~من الشدائد والأهوال فقال { قلوب يومئذ واجفة } أي قلوب ~~الكفار في ذلك اليوم خائفة وجلة مضطربة { أبصارها خاشعة } أي ~~أبصار أصحابها ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال { يقولون أإنا ~~لمردودون في الحافرة } أي يقولون في الدنيا استهزاء ~~واستبعادا للبعث: أنرد بعد الموت فنصير أحياء بعد فنائنا ونرجع كما ~~كنا أول مرة؟ قال القرطبي: إذا قيل لهم: إنكم تبعثون قالوا منكرين ~~متعجبين: أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياء كما كنا قبل ~~الموت؟ والعرب تقول: رجع فلان في حافرته أي رجع من حيث جاء { أإذا ~~كنا عظاما نخرة } أي هل إذا صرنا عظاما بالية متفتتة سنرد ~~ونبعث من جديد؟ { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } أي إن كان ~~البعث حقا، وبعثنا بعد موتنا فسوف نكون من الخاسرين لأننا من أهل النار، ~~قال تعالى { فإنما هي زجرة واحدة } أي فإنما هي صيحة ~~واحدة، ينفخ فيها في الصور للقيام من القبور { فإذا هم ~~بالساهرة } أي فإذا الخلائق جميعا على وجه الأرض بعدما كانوا في ~~بطنها. # . ثم ذكر تعالى قصة موسى مع فرعون تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتحذيرا لقومه أن يحل بهم ما حل بالطغاة المكذبين من قوم فرعون فقال { ~~هل أتاك حديث موسى } أسلوب تشويق وترغيب لسماع القصة أي هل ~~جاءك يا محمد خبر موسى الكليم؟ { إذ ناداه ربه بالواد ~~المقدس طوى } أي حين ناجاه ربه بالوادي المطهر المبارك ~~المسمى { طوى } في أسفل جبل طور سيناء، قائلا له { اذهب إلى ~~فرعون إنه طغى } أي إذهب إلى فرعون الطاغية الجبار، الذي ~~جاوز الحد في الظلم والطغيان { فقل هل لك إلى أن تزكى ~~}؟ أي هل لك رغبة وميل إلى ms1745 أن تتطهر من الذنوب والآثام؟ { ~~وأهديك إلى ربك فتخشى } أي وأرشدك إلى معرفة ربك ~~وطاعته فتتقيه وتخشاه؟ قال الزمخشري: ذكر الخشية لأنها ملاك الأمر، من ~~خشي الله أتى منه كل خير، وبدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض كما ~~يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرفيق الرقيق ~~ليستدعيه بالتلطف، ويستنزله بالمداراة من عتوه كما في قوله تعالى # فقولا له قولا لينا # [طه: 44] { فأراه الآية الكبرى } في الكلام محذوف أي فذهب ~~موسى إليه ودعاه وكلمه، فلما امتنع عن الإيمان أراه المعجزة الكبرى، ~~وهي قلب العصا حية تسعى قال القرطبي: أراه العلامة العظمى وهي المعجزة ~~قال ابن عباس: هي العصا { فكذب وعصى } أي فكذب فرعون نبي الله ~~موسى، وعصى أمر الله بعد ظهور تلك المعجزة الباهرة { ثم أدبر ~~يسعى } أي ولى مدبرا هاربا من الحية، يسرع في مشيه من هول ما رأى ~~{ فحشر فنادى } أي فجمع السحرة والجنود والأتباع، ووقف خطيبا في ~~الناس { فقال أنا ربكم الأعلى } أي فقال لهم بصوت عال: ~~أنا ربكم المعبود العظيم الذي لا رب فوقي { فأخذه الله نكال ~~الآخرة والأولى } أي فأهلكه الله عقوبة له على مقالته الأخيرة { ~~أنا ربكم الأعلى } والأولى وهي قوله # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] { إن في ذلك لعبرة لمن يخشى } أي إن ~~فيما ذكر من قصة فرعون وطغيانه، وما حل به من العذاب والنكال، لعظة ~~واعتبارا لمن يخاف الله عز وجل ويخشى عقابه. # . ولما انتهى الحديث عن قصة الطاغية فرعون، رجع إلى منكري البعث من ~~كفار قريش فنبههم إلى آثار قدرته، ومظاهر عظمته وجلاله فقال { أأنتم ~~أشد خلقا أم السمآء }؟ الاستفهام للتقريع والتوبيخ والمعنى ~~هل أنتم يا معشر المشركين أشق وأصعب خلقا أم خلق السماء العظيمة ~~البديعة؟ فإن من رفع السماء على عظمها، هين عليه خلقكم وإحياؤكم بعد ~~مماتكم، فكيف تنكرون البعث؟ قال الرازي: نبههم على أمر يعلم بالمشاهدة، ~~وذلك لأن خلق الإنسان على صغره وضعفه، إذا أضيف إلى خلق السماء على ~~عظمها وعظم أحوالها يسير، وإذا ms1746 كان كذلك فإعادتهم سهلة فكيف ينكرون ~~ذلك؟ كقوله تعالى # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57] { بناها } أي رفعها عالية فوقكم محكمة البناء، بلا عمد ~~ولا أوتاد، ثم زاد في التوضيح والبيان فقال { رفع سمكها ~~فسواها } أي رفع جرمها وأعلى سقفها فوقكم فجعلها مستوية لا تفاوت ~~فيها ولا شقوق ولا فطور قال ابن كثير: أي جعلها عالية البناء، بعيدة ~~الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء { ~~وأغطش ليلها وأخرج ضحاها } أي جعل ليلها مظلما حالكا، ~~ونهارها مشرقا مضيئا قال ابن عباس: أظلم ليلها وأنار نهارها { ~~والأرض بعد ذلك دحاها } أي والأرض بعد خلق السماء بسطها ~~ومهدها لسكنى أهلها { أخرج منها مآءها ومرعاها } أي ~~أخرج من الأرض عيون الماء المتفجرة، وأجرى فيها الأنهار، وأنبت فيها ~~الكلأ والمرعى مما يأكله الناس والأنعام { والجبال أرساها } أي ~~والجبال أثبتها في الأرض، وجعلها كالأوتاد لتستقر وتسكن بأهلها { ~~متاعا لكم ولأنعامكم } أي فعل ذلك كله، فأنبع العيون، ~~وأجرى الأنهار، وأنبت الزروع والأشجار، كل ذلك منفعة للعباد وتحقيقا ~~لمصالحهم ومصالح أنعامهم ومواشيهم، قال الرازي: أراد بمرعاها ما يأكله ~~الناس والأنعام، بدليل قوله { متاعا لكم ولأنعامكم } ~~وانظر كيف دل بقوله: { أخرج منها مآءها ومرعاها } على ~~جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام والأنعام من العشب، والشجر، ~~والحب، والثمر، والعصف، والحطب، واللباس والدواء، حتى الملح والنار، ~~فالملح متولد من الماء، والنار من الأشجار.. ولما ذكر تعالى خلق ~~السماوات والأرض، وما أبدع فيهما من عجائب الخلق والتكوين، ليقيم الدليل ~~على إمكان الحشر عقلا، أخبر بعد ذلك عن وقوعه فعلا فقال { فإذا ~~جآءت الطآمة الكبرى } أي فإذا جاءت القيامة وهي الداهية ~~العظمى، التي تعم بأهوالها كل شيء، وتعلو على سائر الدواهي قال ابن ~~عباس: هي القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل أمر هائل مفظع { يوم ~~يتذكر الإنسان ما سعى } أي في ذلك اليوم يتذكر الإنسان ما ~~عمله من خير أو شر، ويراه مدونا في صحيفة أعماله { وبرزت ~~الجحيم لمن يرى } أي أظهرت جهنم للناظرين فرآها الناس عيانا، ms1747 ~~بادية لكل ذي بصر.. وبعد أن وصف حال القيامة وأهوالها، ذكر انقسام الناس ~~إلى فريقين: أشقياء وسعداء فقال { فأما من طغى } أي جاوز الحد ~~في الكفر والعصيان { وآثر الحياة الدنيا } أي فضل الحياة ~~الفانية على الآخرة الباقية، وانهمك في شهوات الحياة المحرمة، ولم ~~يستعد لآخرته بالعمل الصالح { فإن الجحيم هي المأوى } أي ~~فإن جهنم المتأججة هي منزله ومأواه، لا منزل له سواها { وأما من ~~خاف مقام ربه } أي وأما من خاف عظمة ربه وجلاله، وخاف مقامه ~~بين يدي ربه يوم الحساب، لعلمه ويقينه بالمبدأ والمعاد { ونهى ~~النفس عن الهوى } أي وزجر نفسه عن المعاصي والمحارم، وكفها ~~عن الشهوات التي تودي بها إلى المعاطب { فإن الجنة هي ~~المأوى } أي فإن منزله ومصيره هي الجنة دار النعيم، ليس له منزل ~~غيرها. # . ثم ذكر تعالى موقف المكذبين بالقيامة، المستهزئين بأخبار الساعة فقال ~~{ يسألونك عن الساعة أيان مرساها } أي يسألك يا محمد ~~هؤلاء المشركون عن القيامة متى وقوعها وقيامها؟ قال المفسرون: كان ~~المشركون يسمعون أنباء القيامة، ووصفها بالأوصاف الهائلة مثل " طامة، ~~وصاخة، وقارعة " فيقولون على سبيل الاستهزاء: متى يوجدها الله ويقيمها، ~~ومتى تحدث وتقع؟ فنزلت الآية { فيم أنت من ذكراها } أي ليس ~~علمها إليك حتى تذكرها لهم، لأنها من الغيوب التي استأثر الله بعلمها، ~~فلماذا يسألونك عنها ويلحون في السؤال؟ { إلى ربك منتهاهآ } ~~أي مردها ومرجعها إلى الله عز وجل، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين، ~~لا يعلمه أحد سواه { إنمآ أنت منذر من يخشاها } أي ما ~~واجبك يا محمد إلا إنذار من يخاف القيامة، لا الإعلام بوقتها، وخص ~~الإنذار بمن يخشى، لأنه هو الذي ينتفع بذلك الإنذار { كأنهم ~~يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها } ~~أي كأن هؤلاء الكفار يوم يشاهدون القيامة وما فيها من الأهوال، لم يلبثوا ~~في الدنيا إلا ساعة من نهار، بمقدار عشية أو ضحاها. قال ابن كثير: ~~يستقصرون مدة الحياة الدنيا، حتى كأنها عندهم عشية يوم، أو ضحى يوم.. ختم ~~تعالى السورة الكريمة، بما أقسم عليه في أولها ms1748 من إثبات " الحشر، والبعث ~~" فكان ذلك كالدليل والبرهان على مجيء القيامة والساعة، وليتناسق البدء ~~مع الختام. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين الآخرة والأولى في قوله { فأخذه الله نكال ~~الآخرة والأولى } لأن المراد كلمتيه الشنيعتين الأولى والأخيرة، ~~والطباق كذلك بين { عشية.. وضحاها }. # 2- جناس الاشتقاق في قوله { ترجف الراجفة }. # 3- المقابلة بين قوله { السمآء بناها * رفع سمكها ~~فسواها } وبين { والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج ~~منها مآءها ومرعاها } وكذلك المقابلة بين { فأما من ~~طغى * وآثر الحياة الدنيا } وبين { وأما من خاف ~~مقام ربه ونهى النفس عن الهوى... } الآيات. # 4- أسلوب التشويق { هل أتاك حديث موسى }؟ فإن المراد منه ~~التشويق الى معرفة القصة. # 5- الطباق بين { الجنة.. الجحيم } وبين { السمآء.. ~~والأرض } الوارد في الآيات. # 6- التشبيه المرسل المجمل { كأنهم يوم يرونها لم ~~يلبثوا إلا عشية أو ضحاها }. # 7- الاستعارة التصريحية { أخرج منها مآءها ومرعاها } ~~شبه أكل الناس برعي الأنعام، واستعير الرعي للإنسان بجامع أكل ~~الإنسان والحيوان من النباتات، ففيه استعارة لطيفة. # 8- توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل { ضحاها، دحاها، ~~مرعاها، أرساها } وهو من المحسنات البديعية ويسمى السجع. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-42] # اللغة: { عبس } كلح وجهه وقطب { تصدى } تتعرض له وتصغي ~~لكلامه { سفرة } السفرة: الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد جمع ~~سافر مثل كاتب كتبة { فأقبره } جعل له قبرا وأمر أن يقبر { ~~قضبا } القضب: كل ما يقطع من البقول فينبت أصله مثل البرسيم " الفصة ~~" والباقلاء، والكراث وغيرها { غلبا } كثيرة الأشجار ملتفة الأغصان ~~جمع غلباء { أبا } الأب: المرعى وكل ما أنبتت الأرض مما تأكله ~~البهائم كالكلأ والعشب { الصآخة } الصيحة التي تصم الآذان لشدتها ~~{ مسفرة } مشرقة مضيئة { غبرة } غبار ودخان { قترة } سواد ~~وظلمة. # سبب النزول: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مشغولا مع صناديد ~~قريش يدعوهم إلى الإسلام، وكان يطمع في إسلامهم رجاء أن يسلم أتباعهم، ~~فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتغل بمن عنده من وجوه قريش، جاء ~~إليه " عبد الله بن أم مكتوم " وهو أعمى، فقال يا رسول الله: علمني ms1749 مما ~~علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم أن الرسول مشغول مع هؤلاء المشركين، ~~فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه وقال في ~~نفسه: يقول هؤلاء إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد، فعبس وجهه ~~وأقبل على القوم يكلمهم فأنزل الله { عبس وتولى * أن جآءه ~~الأعمى } الآيات. # التفسير: { عبس وتولى * أن جآءه الأعمى } أي كلح وجهه ~~وقطبه وأعرض عنه كارها، لأن جاءه الاعمى يسأل عن أمور دينه قال ~~الصاوي: إنما أتى بضمائر الغيبة { عبس وتولى } تلطفا به صلى ~~الله عليه وسلم وإجلالا له، لما في المشافهة بتاء الخطاب ما لا يخفى من ~~الشدة والصعوبة واسم الأعمى " عبد الله بن أم مكتوم " وكان بعد نزول آيات ~~العتاب إذا جاءه يقول له: # " مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويبسط له رداءه " # { وما يدريك لعله يزكى } أي وما يعلمك ويخبرك يا محمد ~~لعل هذا الأعمى الذي عبست في وجهه، يتطهر من ذنوبه بما يتلقاه عنك من ~~العلم والمعرفة!! { أو يذكر فتنفعه الذكرى } أي أو ~~يتعظ بما يسمع فتنفعه موعظتك!! { أما من استغنى } أي أما من ~~استغنى عن الله وعن الإيمان، بما له من الثروة والمال { فأنت له ~~تصدى } أي فأنت تتعرض له وتصغي لكلامه، وتهتم بتبليغه دعوتك { ~~وما عليك ألا يزكى } أي ولا حرج عليك أن لا يتطهر من دنس ~~الكفر والعصيان، ولست بمطالب بهدايته، إنما عليك البلاغ قال الألوسي: ~~وفيه مزيد تنفير له صلى الله عليه وسلم عن مصاحبتهم، فإن الإقبال على ~~المدبر مخل بالمروءة كما قال القائل: # والله لو كرهت كفي مصاحبتي # يوما لقلت لها عن صحبتي بيني # { وأما من جآءك يسعى } أي وأما من جاءك يسرع ويمشي في طلب ~~العلم لله ويحرص على طلب الخير { وهو يخشى } أي وهو يخاف الله ~~تعالى ويتقي محارمه { فأنت عنه تلهى } أي فأنت يا محمد تتشاغل ~~عنه، وتتلهى بالانصراف عنه إلى رؤساء الكفر والضلال!! { كلا إنها ~~تذكرة } أي لا تفعل بعد اليوم مثل ذلك، فهذه الآيات موعظة وتبصرة ~~للخلق، يجب أن يتعظ ms1750 بها ويعمل بموجبها العقلاء { فمن شآء ذكره } ~~أي فمن شاء من عباد الله اتعظ بالقرآن، واستفاد من إرشاداته وتوجيهاته، ~~قال المفسرون: كان صلى الله عليه وسلم بعد هذا العتاب، لا يعبس في وجه ~~فقير قط، ولا يتصدى لغني أبدا، وكان الفقراء في مجلسه أمراء، وكان إذا ~~دخل عليه " ابن أم مكتوم " يبسط له رداءه ويقول: مرحبا بمن عاتبني فيه ~~ربي. # . ثم بعد هذا البيان أخبر عن جلالة قدر القرآن فقال { في صحف ~~مكرمة } أي هو في صحف مكرمة عند الله { مرفوعة ~~مطهرة } أي عالية القدر والمكانة، منزهة عن أيدي الشياطين، وعن كل ~~دنس ونقص { بأيدي سفرة } أي بأيدي ملائكة جعلهم الله سفراء بينه ~~وبين رسله { كرام بررة } أي مكرمين معظمين عند الله، أتقياء صلحاء # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6] ثم ذكر تعالى قبح جريمة الكافر، وإفراطه في الكفر ~~والعصيان مع كثرة إحسان الله إليه فقال { قتل الإنسان مآ ~~أكفره } أي لعن الكافر وطرد من رحمة الله، ما أشد كفره بالله مع ~~كثرة إحسانه إليه وأياديه عنده؟ قال الألوسي: والآية دعاء عليه بأشنع ~~الدعوات وأفظعها، وتعجيب من إفراطه في الكفر والعصيان، وهذا في غاية ~~الإيجاز والبيان { من أي شيء خلقه } أي من أي شيء خلق الله ~~هذا الكافر حتى يتكبر على ربه؟ ثم وضح ذلك فقال { من نطفة ~~خلقه فقدره } أي من ماء مهين حقير بدأ خلقه، فقدره في بطن ~~أمه أطوارا من نطفة ثم من علقة إلى أن تم خلقه قال ابن كثير: قدر ~~رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد { ثم السبيل يسره } أي ثم ~~سهل له طريق الخروج من بطن أمه قال الحسن البصري: كيف يتكبر من خرج من ~~سبيل البول مرتين؟ يعني الذكر والفرج { ثم أماته فأقبره } ~~أي ثم أماته وجعل له قبرا يوارى فيه إكراما له، ولم يجعله ملقى ~~للسباع والوحوش والطيور قال الخازن: وهذه تكرمة لبني آدم على سائر ~~الحيوانات { ثم إذا شآء أنشره } أي ثم حين يشاء الله إحياءه، ~~يحييه بعد ms1751 موته للبعث والحساب والجزاء، وإنما قال { إذا شآء } لأن ~~وقت البعث غير معلوم لأحد، فهو إلى مشيئة الله تعالى، متى شاء أن يحيي ~~الخلق أحياهم { كلا لما يقض مآ أمره } أي ليرتدع وينزجر ~~هذا الكافر عن تكبره وتجبره، فإنه لم يؤد ما فرض عليه، ولم يفعل ما كلفه ~~به ربه من الإيمان والطاعة. # . ولما ذكر خلق الإنسان، ذكر بعده رزقه، ليعتبر بما أغدق الله عليه من ~~أنواع النعم، فيشكر ربه ويطيعه فقال { فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه } أي فلينظر هذا الإنسان الجاحد نظر تفكر واعتبار، إلى أمر ~~حياته، كيف خلقه بقدرته، ويسره برحمته، وكيف هيأ له أسباب المعاش، وخلق ~~له الطعام الذي به قوام حياته؟! ثم فصل ذلك فقال { أنا صببنا ~~المآء صبا } أي أنا بقدرتنا أنزلنا الماء من السحاب على الأرض ~~إنزالا عجيبا { ثم شققنا الأرض شقا } أي شققنا الأرض ~~بخروج النبات منها شقا بديعا { فأنبتنا فيها حبا * وعنبا ~~وقضبا } أي فأخرجنا بذلك الماء أنواع الحبوب والنباتات: حبا يقتات ~~الناس به ويدخرونه، وعنبا شهيا لذيذا، وسائر البقول مما يؤكل رطبا { ~~وزيتونا ونخلا } أي وأخرجنا كذلك أشجار الزيتون والنخيل، يخرج ~~منها الزيت والرطب والتمر { وحدآئق غلبا } أي وبساتين كثيرة ~~الأشجار، ملتفة الأغصان { وفاكهة وأبا } أي وأنواع الفواكه ~~والثمار، كما أخرجنا ما ترعاه البهائم قال القرطبي: الأب ما تأكله ~~البهائم من العشب { متاعا لكم ولأنعامكم } أي أخرجنا ذلك ~~وأنبتناه ليكون منفعة ومعاشا لكم أيها الناس ولأنعامكم قال ابن كثير: ~~وفي هذه الآيات امتنان على العباد وفيها استدلال بإحياء النبات من ~~الأرض الهامدة، على إحياء الأجسام بعدما كانت عظاما بالية وأوصالا ~~متفرقة.. ثم ذكر تعالى بعد ذلك أهوال القيامة فقال { فإذا جآءت ~~الصآخة } أي فإذا جاءت صيحة القيامة التي تصخ الآذان حتى تكاد ~~تصمها { يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه } أي في ذلك اليوم الرهيب يهرب الإنسان من ~~أحبابه، من أخيه، وأمه، وأبيه، وزوجته، وأولاده لاشتغاله بنفسه قال في ~~التسهيل: ذكر تعالى فرار الإنسان من أحبابه، ورتبهم على مراتبهم في ms1752 ~~الحنو والشفقة، فبدأ بالأقل وختم بالأكثر، لأن الإنسان أشد شفقة على ~~بنيه من كل من تقدم ذكره { لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه } أي لكل إنسان منهم في ذلك اليوم العصيب، شأن يشغله عن شأن ~~غيره، فإنه لا يفكر في سوى نفسه، حتى إن الأنبياء صلوات الله عليهم ~~ليقول الواحد منهم يومئذ " نفسي نفسي ".. ولما بين تعالى حال القيامة ~~وأهوالها، بين بعدها حال الناس وانقسامهم في ذلك اليوم إلى سعداء ~~وأشقياء، فقال في وصف السعداء: { وجوه يومئذ مسفرة } أي ~~وجوه في ذلك اليوم مضيئة مشرقة من البهجة والسرور { ضاحكة ~~مستبشرة } أي فرحة مسرورة بما رأته من كرامة الله ورضوانه، ~~مستبشرة بذلك النعيم الدائم { ووجوه يومئذ عليها غبرة } ~~أي ووجوه في ذلك اليوم عليها غبار ودخان { ترهقها قترة } أي ~~تغشاها وتعلوها ظلمة وسواد { أولئك هم الكفرة الفجرة ~~} أي أولئك الموصوفون بسواد الوجوه، هم الجامعون بين الكفر والفجور، قال ~~الصاوي: جمع الله تعالى إلى سواد وجوههم الغبرة كما جمعوا الكفر إلى ~~الفجور. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الالتفات من الغيبة إلى الخطاب زيادة في العتاب { عبس ~~وتولى }.. ثم قال: { وما يدريك لعله يزكى }؟ ~~فالتفت تنبيها للرسول صلى الله عليه وسلم إلى العناية بشأن الأعمى. # 2- جناس الاشتقاق بين { يذكر.. والذكرى }. # 3- الكناية الرائقة { ثم السبيل يسره } كنى بالسبيل عن ~~خروجه من فرج الأم. # 4- أسلوب التعجب { قتل الإنسان مآ أكفره }؟ تعجب من إفراط ~~كفره، مع كثرة إحسان الله إليه. # 5- الطباق بين { تصدى } وبين { تلهى } لأن المراد بهما تتعرض ~~وتنشغل. # 6- التفصيل بعد الإجمال { من أي شيء خلقه } ثم فصل ذلك ~~وبينه بقوله { من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل ~~يسره * ثم أماته فأقبره }. # 7- المقابلة اللطيفة بين السعداء والأشقياء { وجوه يومئذ ~~مسفرة * ضاحكة مستبشرة } قابلها بقوله { ووجوه ~~يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة }. # 8- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات، وهو من المحسنات البديعية ويسمى ~~السجع مثل { عبس وتولى * أن جآءه الأعمى * وما ~~يدريك لعله يزكى } ومثل { في صحف مكرمة * ~~مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام ms1753 بررة.. } ~~الخ. # لطيفة: اقتبس بعض الأدباء من قوله تعالى { قتل الإنسان مآ ~~أكفره }؟ هذين البيتين: # يتمنى المرء في الصيف الشتا # فإذا جاء الشتا أنكره # فهو لا يرضى بحال واحد # قتل الإنسان ما أكفره؟ ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-29] # اللغة: { انكدرت } تناثرت { العشار } جمع عشراء وهي الناقة ~~التي مر على حملها عشرة أشهر { كشطت } نزعت وقلعت يقال: كشطت جلد ~~الشاة أي نزعته وسلخته عنها { الخنس } الكواكب المضيئة التي تخنس ~~نهارا وتختفي عن البصر جمع خانس { الكنس } النجوم التي تغيب يقال: ~~كنس إذا دخل الكناس وهو المكان الذي تأوي إليه الظباء { عسعس } ~~أقبل بظلامه قال الخليل: عسعس الليل: إذا أقبل أو أدبر فهو من الأضداد ~~قال الشاعر: # حتى إذا الصبح لها تنفسا # وانجاب عنها ليلها وعسعسا # التفسير: { إذا الشمس كورت } هذه الآيات بيان لأهوال ~~القيامة وما يكون فيها من الشدائد والكوارث، وما يعتري الكون والوجود من ~~مظاهر التغيير والتخريب والمعنى: إذا الشمس لفت ومحي ضوءها { ~~وإذا النجوم انكدرت } أي وإذا النجوم تساقطت من مواضعها ~~وتناثرت { وإذا الجبال سيرت } أي وإذا الجبال حركت من ~~أماكنها، وسيرت في الهواء حتى صارت كالهباء كقوله تعالى # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة # [الكهف: 47] { وإذا العشار عطلت } أي وإذا النوق الحوامل ~~تركت هملا بلا راع ولا طالب، وخص النوق بالذكر لأنها كرائم أموال ~~العرب { وإذا الوحوش حشرت } أي وإذا الوحوش جمعت من أوكارها ~~وأجحارها ذاهلة من شدة الفزع { وإذا البحار سجرت } أي وإذا ~~البحار تأججت نارا، وصارت نيرانا تضطرم وتلتهب { وإذا النفوس ~~زوجت } أي وإذا النفوس قرنت بأشباهها، فقرن الفاجر مع الفاجر، ~~والصالح مع الصالح قال الطبري: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح ~~في الجنة، وبين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار { وإذا ~~الموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت } أي وإذا البنت التي ~~دفنت وهي حية سئلت توبيخا لقاتلها: ما هو ذنبها حتى قتلت؟ قال في ~~التسهيل: الموءودة هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حية من كراهته ~~لها أو غيرته عليها، فتسأل يوم القيامة { بأى ذنب ms1754 قتلت }؟ على ~~وجه التوبيخ لقاتلها { وإذا الصحف نشرت } أي وإذا صحف ~~الأعمال نشرت وبسطت عند الحساب { وإذا السمآء كشطت } أي وإذا ~~السماء أزيلت ونزعت من مكانها كما ينزع الجلد عن الشاة { وإذا ~~الجحيم سعرت } أي وإذا نار جهنم أوقدت وأضرمت لأعداء الله ~~تعالى { وإذا الجنة أزلفت } أي وإذا الجنة أدنيت وقربت من ~~المتقين { علمت نفس مآ أحضرت } أي علمت كل نفس ما أحضرت ~~من خير أو شر، وهذه الجملة { علمت نفس } هي جواب ما تقدم من أول ~~السورة { إذا الشمس كورت } إلى هنا، والمعنى إذا حدثت تلك ~~الأمور العجيبة الغريبة، علمت حينئذ كل نفس ما قدمته من صالح أو طالح.. ~~ثم أقسم تعالى على صدق القرآن، وصحة رسالة محمد عليه السلام فقال { فلا ~~أقسم بالخنس } أي فأقسم قسما مؤكدا بالنجوم المضيئة التي ~~تختفي بالنهار، وتظهر بالليل { الجوار الكنس } أي التي تجري ~~وتسير مع الشمس والقمر ثم تستتر وقت غروبها، كا تستتر الظباء في كناسها - ~~مغاراتها - قال القرطبي: النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل، وتكنس وقت ~~غروبها أي تستتر، كما تكنس الظباء في المغار وهو الكناس { والليل ~~إذا عسعس } أي وأقسم بالليل إذا أقبل بظلامه حتى غطى الكون { ~~والصبح إذا تنفس } أي وبالصبح إذا أضاء وتبلج، واتسع ~~ضياؤه حتى صار نهارا واضحا { إنه لقول رسول كريم } هذا ~~هو المقسم عليه أي إن هذا القرآن الكريم، لكلام الله المنزل بواسطة ~~ملك عزيز على الله هو جبريل كقوله تعالى # نزل به الروح الأمين * على قلبك # [الشعراء: 193194] قال المفسرون: أراد بالرسول " جبريل " وأضاف القرآن ~~إليه لأنه جاء به، وهو في الحقيقة قول الله تعالى، ومما يدل على أن ~~المراد به جبريل قوله بعده { ذي قوة عند ذي العرش مكين } ~~أي شديد القوة، صاحب مكانة رفيعة، ومنزلة سامية عند الله جلا وعلا { ~~مطاع ثم أمين } أي مطاع هناك في الملأ الأعلى، تطيعه الملائكة ~~الأبرار، مؤتمن على الوحي الذي ينزل به على الأنبياء { وما صاحبكم ~~بمجنون } أي وليس محمد الذي صاحبتموه يا معشر قريش، وعرفتم صدقه ~~ونزاهته ms1755 ورجاحة عقله بمجنون كما زعمتم قال الخازن: أقسم تعالى على أن ~~القرآن نزل به جبريل الأمين، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بمجنون ~~كما يزعم أهل مكة، فنفى تعالى عنه الجنون، وكون القرآن من عند نفسه { ~~ولقد رآه بالأفق المبين } أي وأقسم لقد رأى محمد صلى الله ~~عليه وسلم جبريل في صورته الملكية التي خلقه الله عليها بجهة الأفق ~~الأعلى البين من ناحية المشرق حيث تطلع الشمس قال في البحر: وهذه الرؤية ~~بعد أمر غار حراء، حين رأى جبريل على كرسي بين السماء والأرض، في صورته ~~له ستمائة جناح قد سد ما بين المشرق والمغرب { وما هو على ~~الغيب بضنين } أي وما محمد على الوحي ببخيل يقصر في تبليغه ~~وتعليمه، بل يبلغ رسالة ربه بكل أمانة وصدق { وما هو بقول ~~شيطان رجيم } أي وما هذا القرآن بقول شيطان ملعون كما يقول ~~المشركون { فأين تذهبون } أي فأي طريق تسلكون في تكذيبكم ~~للقرآن، واتهامكم له بالسحر والكهانة والشعر، مع وضوح آياته وسطوع ~~براهينه؟ وهذا كما تقول لمن ترك الطريق المستقيم: هذا الطريق الواضح فأين ~~تذهب؟ { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي ما هذا القرآن ~~إلا موعظة وتذكرة للخلق أجمعين { لمن شآء منكم أن يستقيم } ~~أي لمن شاء منكم أن يتبع الحق، ويستقيم على شريعة الله، ويسلك طريق ~~الأبرار { وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب ~~العالمين } أي وما تقدرون على شيء إلا بتوفيق الله ولطفه، فاطلبوا ~~من الله التوفيق إلى أفضل طريق. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الجناس الناقص بين { الخنس } و { الكنس }. # 2- الاستعارة التصريحية { والصبح إذا تنفس } شبه إقبال ~~النهار وسطوع الضياء بنسمات الهواء العليل التي تحيي القلب، واستعار لفظ ~~التنفس لإقبال النهار بعد الظلام الدامس، وهذا من لطيف الاستعارة ~~وأبلغها تصويرا حيث عبر عنه بتنفس الصبح. # 3- الكناية اللطيفة { وما صاحبكم بمجنون } كنى عن محمد صلى ~~الله عليه وسلم بلفظ { صاحبكم }. # 4- الطباق بين لفظ { الجحيم..و.. الجنة }. # 5- الجناس غير التام بين { أمين.. و مكين }. # 6- توافق ms1756 الفواصل رعاية لرءوس الآيات مثل { كورت } ، { سيرت } ~~، { سجرت } ، { سعرت } ومثل { الخنس } ، { الكنس } ، ~~{ عسعس } ، { تنفس } الخ. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-19] # اللغة: { انفطرت } انشقت، والفطر: الشق ومنه فطر ناب البعير { ~~انتثرت } تساقطت وتهاوت { بعثرت } قلبت يقال: بعثرت المتاع ~~قلبته ظهرا لبطن { غرك } خدعك { سواك } جعل أعضاءك سليمة سوية ~~{ يصلونها } يدخلونها ويذوقون لهبها وحرها. # التفسير: { إذا السمآء انفطرت } أي إذا السماء انشقت بأمر ~~الله لنزول الملائكة كقوله تعالى # ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا # [الفرقان: 25] { وإذا الكواكب انتثرت } أي وإذا النجوم ~~تساقطت وتناثرت، وزالت عن بروجها وأماكنها { وإذا البحار ~~فجرت } أي وإذا البحار فتح بعضها إلى بعض، فاختلط عذبها بمالحها، ~~وأصبحت بحرا واحدا { وإذا القبور بعثرت } أي وإذا القبور ~~قلبت، ونش ما فيها من الموتى، وصار ما في باطنها ظاهرا على وجهها { ~~علمت نفس ما قدمت وأخرت } هذا هو الجواب أي علمت ~~عندئذ كل نفس ما أسلفت من خير أو شر، وما قدمت من صالح أو طالح قال ~~الطبري: ما قدمت من عمل صالح، وما أخرت من شيء سنه فعمل به بعده ثم بعد ~~ذكر أحوال الآخرة وأهوالها، انتقلت الآيات لتذكير الإنسان الغافل الجاهل ~~بما أمامه من أهوال وشدائد فقال تعالى { يأيها الإنسان ما ~~غرك بربك الكريم } أي أي شيء خدعك برك الحليم الكريم، ~~حتى عصيته وتجرأت على مخالفة أمره، مع إحسانه إليك وعطفه عليك؟ وهذا ~~توبيخ وعتاب كأنه قال: كيف قابلت إحسان ربك بالعصيان، ورأفته بك ~~بالتمرد والطغيان # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60]؟ ثم عدد نعمه عليه فقال { الذي خلقك فسواك } ~~أي الذي أوجدك من العدم، فجعلك سويا سالم الأعضاء، تسمع وتعقل وتبصر { ~~فعدلك } أي جعلك معتدل القامة منتصبا في أحسن الهيئات والأشكال { ~~في أى صورة ما شآء ركبك } أي ركبك في أي صورة شاءها ~~واختارها لك من الصور الحسنة العجيبة ولم يجعلك في الشكل كالبهيمة كقوله ~~تعالى # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4].. ثم وبخ المشركين على تكذيبهم بيوم الدين فقال { كلا ~~بل تكذبون بالدين } أي ارتدعوا يا ms1757 أهل مكة، ولا تغتروا بحلم ~~الله، بل أنتم تكذبون بيوم الحساب والجزاء { وإن عليكم ~~لحافظين } أي والحال أن عليكم ملائكة حفظة يضبطون أعمالكم ويراقبون ~~تصرفاتكم قال القرطبي: أي عليكم رقباء من الملائكة { كراما كاتبين ~~} أي كراما على الله، يكتبون أقوالكم وأعمالكم { يعلمون ما ~~تفعلون } أي يعلمون ما يصدر منكم من خير وشر، ويسجلونه في صحائف ~~أعمالكم، لتجازوا به يوم القيامة.. ثم بين تعالى انقسام الخلق يوم ~~القيامة إلى أبرار وفجار، وذكر مآل كل من الفريقين فقال { إن ~~الأبرار لفي نعيم } أي إن المؤمنين الذين اتقوا ربهم في ~~الدنيا، لفي بهجة وسرور لا يوصف، يتنعمون في رياض الجنة بما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم مخلدون في الجنة { وإن ~~الفجار لفي جحيم } أي وإن الكفرة الفجار، الذين عصوا ربهم في ~~الدنيا، لفي نار محرقة، وعذاب دائم مقيم في دار الجحيم { يصلونها ~~يوم الدين } أي يدخلونها ويقاسون حرها يوم الجزاء الذي كانوا ~~يكذبون به { وما هم عنها بغآئبين } أي وليسوا بغائبين عن ~~جهنم، بعيدين عنها لا يرونها، بل هي أمامهم يصلون ويذوقون سعيرها ولا ~~يخرجون منها أبدا. # { ومآ أدراك ما يوم الدين } تعظيم له وتهويل أي ما أعلمك ~~ما هو يوم الدين؟ وأي شيء هو في شدته وهوله؟ { ثم مآ أدراك ~~ما يوم الدين }؟ كرر ذكره تعظيما لشأنه، وتهويلا لأمره كقوله # الحاقة * ما الحآقة * ومآ أدراك ما الحاقة # [الحاقة: 1-3]؟ كأنه يقول: إن يوم الجزاء من شدته بحيث لا يدري أحد ~~مقدار هوله وعظمته، فهو فوق الوصف والبيان { يوم لا تملك نفس ~~لنفس شيئا } أي هو ذلك اليوم الرهيب الذي لا يستطيع أحد أن ينفع ~~أحدا بشيء من الأشياء، ولا أن يدفع عنه ضرا { والأمر يومئذ ~~لله } أي والأمر في ذلك اليوم لله وحده لا ينازعه فيه أحد. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { قدمت } و { أخرت } وهو من المحسنات البديعية. # 2- المقابلة اللطيفة بين الأبرار والفجار { إن الأبرار لفي ms1758 ~~نعيم * وإن الفجار لفي جحيم } فقد قابل الأبرار ~~بالفجار، والنعيم بالجحيم وفيه أيضا من المحسنات البديعية ما يسمى ~~بالترصيع. # 3- الاستعارة المكنية { وإذا الكواكب انتثرت } شبه ~~الكواكب بجواهر قطع سلكها فتناثرت متفرقة، وطوى ذكر المشبه به ورمز له ~~بشيء من لوازمه وهو الانتثار على طريق الاستعارة المكنية. # 4- الاستفهام للتوبيخ والإنكار { ما غرك بربك الكريم }؟ # 5- التنكير في كل من لفظة { نعيم } و { جحيم } للتعظيم والتهويل. # 6- الإطناب بإعادة الجملة { ومآ أدراك ما يوم الدين * ~~ثم مآ أدراك ما يوم الدين }؟ لتعظيم هول ذلك اليوم وبيان ~~شدته كأنه فوق الوصف الخيال. # 7- السجع المرصع وهو من المحسنات البديعية مثل { إذا السمآء ~~انفطرت * وإذا الكواكب انتثرت } ومثل { وإن ~~عليكم لحافظين * كراما كاتبين } ومثل { إن ~~الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم }. # لطيفة: روي أن الخليفة " سليمان بن عبد الملك " قال لأبي حازم المزني: ~~ليت شعري أين مصيرنا يوم القيامة؟ وما لنا عند الله؟ فقال له: اعرض عملك ~~على كتاب الله تجد ما لك عند الله! فقال: وأين أجد ذلك في كتاب الله!! ~~قال: عند قوله تعالى { إن الأبرار لفي نعيم * وإن ~~الفجار لفي جحيم } قال سليمان: فإين إذا هي رحمة الله؟ ~~فأجابه بقوله # إن رحمت الله قريب من المحسنين # [الأعراف: 56]. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-36] # اللغة: { للمطففين } جمع مطفف وهو الذي ينقص في الكيل ~~والوزن، والتطفيف: النقصان وأصله من الطفيف وهو الشيء اليسير، لأن ~~المطفف لا يكاد يسرق في الكيل والوزن إلا الشيء اليسير { ران } غطى ~~وغشى كالصدأ يغشى السيف، وأصله الغلبة يقال: رانت الخمر على عقل شاربها ~~أي غلبته قال الشاعر: # " وكم ران من ذنب على قلب فاجر " # { رحيق } أجود الخمر وأصفاه وفي الصحاح: الرحيق صفوة الخمر وقال ~~الأخفش: هو الشراب الذي لا غش فيه قال حسان: # بردى يصفق بالرحيق السلسل # { فكهين } معجبين متلذذين { يتغامزون } يشيرون إليهم بالأعين ~~استهزاء { ثوب } جوزي { تسنيم } عين عالية شرابها أشرف شراب، ~~وأصل التسنيم الارتفاع ومنه سنام البعير. # سبب النزول: عن ابن عباس قال " لما قدم رسول الله صلى الله عليه ms1759 ~~وسلم المدينة، كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عز وجل { ويل ~~للمطففين } فأحسنوا الكيل بعد ذلك ". # التفسير: { ويل للمطففين } أي هلاك وعذاب ودمار، لأولئك ~~الفجار الذين ينقصون المكيال والميزان، ثم بين أوصافهم القبيحة بقوله { ~~الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } أي إذا ~~أخذوا الكيل من الناس أخذوه وافيا كاملا لأنفسهم { وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون } أي وإذا كالوا للناس أو وزنوا لهم، ~~ينقصون الكيل والوزن قال المفسرون: نزلت في رجل يعرف ب " أبي جهينة " ~~كان له صاعان، يأخذ بأحدهما ويعطي بالآخر، وهو وعيد لكل من طفف الكيل ~~والوزن، وقد أهلك الله قوم شعيب لبخسهم المكيال والميزان، وفي الحديث # " ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين " # { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم ~~عظيم } أي ألا يعلم ويستيقن أولئك المطففون أنهم سيبعثون ليوم عصيب، ~~شديد الهول، كثير الفزع؟! { يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين } أي يوم يقفون في المحشر حفاة عراة، خاشعين خاضعين لرب ~~العالمين قال في البحر: وفي هذا الإنكار والتعجيب، ووصف اليوم بالعظم، ~~وقيام الناس لله خاضعين، ووصفه برب العالمين، دليل على عظم هذا الذنب ~~وهو التطفيف، وفي الحديث عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { ~~يوم يقوم الناس لرب العالمين } حتى يغيب أحدهم في رشحه ~~إلى أنصاف أذنيه.. ثم ذكر تعالى مآل الفجار، ومآل الأبرار فقال { ~~كلا إن كتاب الفجار لفي سجين } أي ليرتدع هؤلاء ~~المطففون عن الغفلة عن البعث والجزاء، فإن كتاب أعمال الأشقياء الفجار، ~~لفي مكان ضيق في أسفل سافلين { ومآ أدراك ما سجين } استفهام ~~للتعظيم والتهويل أي هل تعلم ما هو سجين؟ { كتاب مرقوم } أي هو ~~كتاب مكتوب كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى، أثبتت فيه أعمالهم ~~الشريرة قال ابن كثير: { سجين } مأخوذ من السجن وهو الضيق، ولما كان ~~مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل سافلين، وهي تجمع الضيق والسفول، أخبر ~~تعالى أنه كتاب مرقوم أي مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه ~~أحد { ويل يومئذ للمكذبين } أي ms1760 هلاك ودمار للمكذبين { ~~الذين يكذبون بيوم الدين } أي يكذبون بيوم الحساب ~~والجزاء { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم } أي وما ~~يكذب بيوم الحساب والجزاء ألا كل متجاوز الحد في الكفر والضلال، مبالغ في ~~العصيان والطغيان، كثير الآثام، ثم وضح من إجرامه فقال { إذا ~~تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين } أي إذا ~~تليت عليه آيات القرآن، الناطقة بحصول البعث والجزاء، قال عنها: هذه ~~حكايات وخرافات الأوائل، سطروها وزخرفوها في كتبهم { كلا بل ران ~~على قلوبهم ما كانوا يكسبون } أي ليرتدع هذا الفاجر عن ~~ذلك القول الباطل، فليس القرآن أساطير الأولين، بل غطى على قلوبهم ما ~~كسبوا من الذنوب، فطمس بصائرهم فصاروا لا يعرفون الرشد من الغي قال ~~المفسرون: الران هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب { كلا ~~إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } أي ليرتدع هؤلاء ~~المكذبون عن غيهم وضلالهم، فهم في الآخرة محجوبون عن رؤية المولى جل وعلا ~~فلا يرونه قال الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل ~~وقال مالك: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه { ثم ~~إنهم لصالوا الجحيم } أي ثم إنهم مع الحرمان عن رؤية ~~الرحمن، لداخلو الجحيم وذائقو عذابها الأليم { ثم يقال هذا ~~الذي كنتم به تكذبون } أي ثم تقول لهم خزنة جهنم على وجه ~~التقريع والتوبيخ: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا # أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون # [الطور: 15].. وبعد الحديث عن حال الفجار، ذكر تعالى نعيم الأبرار فقال ~~{ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين } { كلا } ~~ردع وزجر أي ليس الأمر كما يزعمون من مساواة الفجار بالأبرار، بل كتابهم ~~في سجين، وكتاب الأبرار في عليين، وهو مكان عال مشرف في أعلى الجنة ~~قال في التسهيل: ولفظ { عليين } للمبالغة، وهو مشتق من العلو ~~لأنه سبب في ارتفاع الدرجات في الجنة، أو لأنه في مكان علي رفيع فقد ~~روي أنه تحت العرش { ومآ أدراك ما عليون } تفخيم وتعظيم ~~لشأنه أي وما أعلمك يا محمد ما هو عليون؟ { كتاب مرقوم ms1761 * ~~يشهده المقربون } أي كتاب الأبرار كتاب مسطر، مكتوب فيه ~~أعمالهم، وهو في عليين في أعلى درجات الجنة، يشهده المقربون من الملائكة ~~قال المفسرون: إن روح المؤمن إذا قبضت صعد بها إلى السماء، وفتحت ~~لها أبواب السماء، وتلقتها الملائكة بالبشرى، ثم يخرجون معها حتى ينتهوا ~~إلى العرش، فيخرج لهم رق فيكتب فيه ويختم عليه بالنجاة من الحساب ~~والعذاب ويشهده المقربون { إن الأبرار لفي نعيم } أي إن ~~المطيعين لله في الجنات الوارفة، والظلال الممتدة يتنعمون { على ~~الأرآئك ينظرون } أي هم على السرر المزينة بفاخر الثياب والستور، ~~ينظرون إلى ما أعد الله لهم من أنواع الكرامة والنعيم في الجنة { ~~تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي إذا رأيتهم تعرف ~~أنهم أهل نعمة، لما ترى في وجوههم من النور والبياض والحسن، ومن بهجة ~~السرور ورونقه { يسقون من رحيق مختوم } أي يسقون من خمر ~~في الجنة، بيضاء طيبة صافية، لم تكدرها الأيدي، قد ختم على تلك الأواني ~~فلا يفك ختمها إلا الأبرار { ختامه مسك } أي آخر الشراب تفوح منه ~~رائحة المسك { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } أي وفي ~~هذا النعيم والشراب الهنيء، فليرغب بالمبادرة إلى طاعة الله، وليتسابق ~~المتسابقون قال الطبري: التنافس مأخوذ من الشيء النفيس الذي يحرص عليه ~~الناس، وتشتهيه وتطلبه نفوسهم والمعنى فليستبقوا في طلب هذا النعيم، ~~ولتحرص عليه نفوسهم { ومزاجه من تسنيم } أي يمزج ذلك الرحيق من ~~عين عالية رفيعة، هي أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه تسمى " التسنيم " ولهذا ~~قال بعده { عينا يشرب بها المقربون } أي هي عين في ~~الجنة يشرب منها المقربون صرفا، وتمزج لسائر أهل الجنة قال في التسهيل: ~~تسنيم اسم لعين في الجنة يشرب منها المقربون صرفا، ويمزج منه الرحيق ~~الذي يشرب منه الأبرار، فدل ذلك على أن درجة المقربين فوق درجة الأبرار. # . ولما ذكر تعالى نعيم الأبرار، أعقبه بذكر مآل الفجار، تسلية للمؤمنين ~~وتقوية لقلوبهم فقال { إن الذين أجرموا كانوا من ~~الذين آمنوا يضحكون } أي أن المجرمين الذين من طبيعتهم ~~الإجرام وارتكاب الآثام، كانوا في الدنيا يضحكون من المؤمنين استهزاء ms1762 ~~بهم قال في التسهيل: نزلت هذه الآية في صناديد قريش كأبي جهل وغيره، مر ~~بهم علي بن أبي طالب وجماعة من المؤمنين، فضحكوا منهم واستخفوا بهم { ~~وإذا مروا بهم يتغامزون } أي وإذا مر هؤلاء والمؤمنون ~~بالكفار، غمز بعضهم بعضا بأعينهم سخرية واستهزاء بهم قال المفسرون: كان ~~المشركون إذا مر بهم أصحاب رسول الله، تغامزوا بأعينهم عليهم احتقارا ~~لهم وازدراء يقولون: جاءكم ملوك الدنيا، يسخرون منهم لإيمانهم ~~واستمساكهم بالدين { وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا ~~فكهين } أي وإذا انصرف المشركون ورجعوا إلى منازلهم وأهليهم، رجعوا ~~متلذذين يتفكهون بذكر المؤمنين والاستخفاف بهم قال في البحر: أي رجعوا ~~متلذذين بذكرهم وبالضحك منهم استخفافا بأهل الإيمان { وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون } أي وإذا رأى ~~الكفار المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالون لإيمانهم بمحمد، وتركهم شهوات ~~الحياة قال تعالى ردا عليهم { ومآ أرسلوا عليهم حافظين ~~} أي وما أرسل الكفار حافظين على المؤمنين، يحفظون أعمالهم ويشهدون ~~برشدهم أو ضلالهم، وفيه تهكم وسخرية بالكفار كأنه يقول: أنا ما أرسلتهم ~~رقباء، ولا وكلتهم بحفظ أعمال عبادي المؤمنين، حتى يرشدوهم إلى مصالحهم، ~~فلم يشغلون أنفسهم فيما لا يعنيهم؟ { فاليوم الذين آمنوا ~~من الكفار يضحكون } أي ففي هذا اليوم - يوم القيامة - يضحك ~~المؤمنون من الكفار، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، جزاء وفاقا { ~~على الأرآئك ينظرون } أي والمؤمنون على أسرة الدر والياقوت، ~~ينظرون إلى الكفار ويضحكون عليهم قال القرطبي: يقال لأهل النار وهم في ~~النار اخرجوا، فتفتح لهم أبواب النار، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها ~~يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى ~~أبوابها أغلقت دونهم، فيضحك منهم المؤمنون { هل ثوب الكفار ~~ما كانوا يفعلون } أي هل جوزي الكفار في الآخرة بما كانوا ~~يفعلونه بالمؤمنين من السخرية والاستهزاء؟ نعم. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التنكير للتهويل والتفخيم { ويل للمطففين }. # 2- الطباق بين { يستوفون } و { يخسرون }. # 3- المقابلة بين حال الفجار والأبرار { كلا إن كتاب ~~الفجار.. } الخ و { كلا إن كتاب الأبرار لفي ~~عليين.. } الخ. ms1763 # 4- التفخيم والتعظيم لمراتب الأبرار { ومآ أدراك ما عليون ~~}؟ # 5- جناس الاشتقاق { فليتنافس المتنافسون }. # 6- الإطناب بذكر أوصاف ونعيم المتقين { إن الأبرار لفي ~~نعيم * على الأرآئك ينظرون * تعرف في وجوههم ~~نضرة النعيم }. # 7- التشبيه البليغ { ختامه مسك } أي كالمسك في الطيب والبهجة، ~~فحذف منه الأداة ووجه الشبه فأصبح بليغا. # 8- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل { يضحكون } ، { ~~ينظرون } ، { يكسبون } ، { يفعلون } الخ. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-25] # اللغة: { كادح } الكدح: الجد والاجتهاد وجهد النفس في العمل قال ~~الشاعر: # ومضت بشاشة كل عيش صالح # وبقيت أكدح للحياة وأنصب # { يحور } يرجع يقال: حار يحور إذا رجع ومنه حديث # " أعوذ بك من الحور بعد الكور " # أي الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة { الشفق } الحمرة التي تكون بعد ~~مغيب الشمس { وسق } جمع وضم ولف { اتسق } اجتمع وتكامل وتم نوره { ~~ممنون } مقطوع. # التفسير: { إذا السمآء انشقت } هذه الآيات بيان لأهوال ~~القيامة، وتصوير لما يحدث بين يدي الساعة من كوارث وأهوال يفزع لها ~~الخيال والمعنى: إذا تشققت السماء وتصدعت مؤذنة بخراب الكون قال ~~الألوسي: تنشق لهول يوم القيامة { وأذنت لربها وحقت } أي ~~واستمعت لأمر ربها وانقادت لحكمه وحق لها أن تسمع وتطيع وأن تنشق من ~~أهوال القيامة { وإذا الأرض مدت } أي وإذا الأرض زادت سعة ~~بإزالة جبالها وآكامها، وصارت مستوية لا بناء فيها ولا وهاد ولا جبال { ~~وألقت ما فيها وتخلت } أي رمت ما في جوفها من الموتى ~~والكنوز والمعادن وتخلت عنهم قال القرطبي: أخرجت أمواتها وتخلت عنهم، ~~وألقت ما في بطنها من الكنوز والمعادن كما تلقي الحامل ما في بطنها من ~~الحمل، وذلك يؤذن بعظم الهول { وأذنت لربها وحقت } أي ~~واستمعت لأمر ربها وأطاعت، وحق لها أن تسمع وتطيع.. وجواب { إذا } ~~محذوف ليكون أبلغ في التهويل أي إذا حدث كل ما تقدم، لقي الإنسان من ~~الشدائد والأهوال، ما لا يحيط به الخيال.. ثم أخبر تعالى عن كد ~~الإنسان وتعبه في هذه الحياة، وأنه يلقى جزاءه عند الله فقال { ~~يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه } الخطاب عام لكل إنسان أي أنت يا ms1764 ابن آدم جاهد ومجد ~~بأعمالك التي عاقبتها الموت، والزمان يطير وأنت في كل لحظة تقطع شوطا ~~من عمرك القصير، فكأنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك فيكافئك على ~~عملك، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر قال في البحر: كادح أي ~~جاهد في عملك من خير وشر طول حياتك إلى لقاء ربك، فملاق جزاء كدحك من ~~ثواب وعقاب.. ثم ذكر تعالى انقسام الناس إلى سعداء وأشقياء وإلى من ~~يأخذ كتابه بيمينه، ومن يأخذ كتابه بشماله فقال { فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه } أي فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه، وهذه علامة ~~السعادة { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } أي فسوف يكون حسابه ~~سهلا هينا، يجازى على حسناته، ويتجاوز عن سيئاته، وهذا هو العرض كما ~~جاء في الحديث الصحيح { وينقلب إلى أهله مسرورا } أي ~~ويرجع إلى أهله في الجنة مبتهجا مسرورا بما أعطاه الله من الفضل ~~والكرامة { وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره } أي ~~وأما من أعطي كتاب أعماله بشماله من وراء ظهره، وهذه علامة الشقاوة { ~~فسوف يدعوا ثبورا } أي يصيح بالويل والثبور، ويتمنى الهلاك ~~والموت { ويصلى سعيرا } أي ويدخل نارا مستعرة، يقاسي عذابها ~~وحرها { إنه كان في أهله مسرورا } أي لأنه كان في ~~الدنيا مسرورا مع أهله، غافلا لاهيا، لا يفكر في العواقب، ولا تخطر ~~بباله الآخرة قال ابن زيد: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن والبكاء ~~في الدنيا، فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، ووصف أهل النار بالسرور ~~في الدنيا والضحك فيها، فأعقبهم به الحزن الطويل { إنه ظن أن ~~لن يحور } أي إنه ظن أن لن يرجع إلى ربه، ولن يحييه الله بعد ~~موته للحساب والجزاء، فلذلك كفر وفجر { بلى إن ربه كان به ~~بصيرا } أي بلى سيعيده الله بعد موته، ويجازيه على أعماله كلها خيرها ~~وشرها، فإنه تعالى مطلع على العباد، لا تخفى عليه خافية من شئونهم { ~~فلا أقسم بالشفق } { لا } لتأكيد القسم أي فأقسم قسما ~~مؤكدا بحمرة الأفق بعد غروب الشمس { والليل وما وسق } أي ~~وبالليل وما جمع ms1765 وضم إليه، وما لف في ظلمته من الناس والدواب ~~والهوام قال المفسرون: الليل يسكن فيه كل الخلق، ويجمع ما كان منتشرا في ~~النهار من الخلق والدواب والأنعام، فكل يأوي إلى مكانه وسربه، ولهذا ~~امتن تعالى على العباد بقوله # وجعل الليل سكنا # [الأنعام: 96] فإذا جاء النهار انتشروا، وإذا جاء الليل أوى كل شيء ~~إلى مأواه { والقمر إذا اتسق } أي وأقسم بالقمر إذا تكامل ~~ضوءه ونوره، وصار بدرا ساطعا مضيئا { لتركبن طبقا عن طبق ~~} هذا جواب القسم أي لتلاقن يا معشر الناس أهوالا وشدائد في الآخرة ~~عصيبة قال الألوسي: يعني لتركبن أحوالا بعد أحوال، هي طبقات في الشدة ~~بعضها أرفع من بعض، وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها وقال ~~الطبري: المراد أنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالا { فما ~~لهم لا يؤمنون } استفهام يقصد به التوبيخ أي فما لهؤلاء ~~المشركين لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون بالبعث بعد الموت، بعد وضوح ~~الدلائل وقيام البراهين على قوعه؟ { وإذا قرىء عليهم ~~القرآن لا يسجدون } أي وإذا سمعوا آيات القرآن، لم يخضعوا ولم ~~يسجدوا للرحمن؟ { بل الذين كفروا يكذبون } أي بل طبيعة ~~هؤلاء الكفار التكذيب والعناد والجحود، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته { ~~والله أعلم بما يوعون } أي والله أعلم بما يجمعون في صدورهم ~~من الكفر والتكذيب قال ابن عباس: { يوعون } أي يضمرون من عداوة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين { فبشرهم بعذاب أليم } أي ~~فبشرهم على كفرهم وضلالهم بعذاب مؤلم موجع، واجعل ذلك بمنزلة البشارة لهم ~~قال في التسهيل: ووضع البشارة في موضع الإنذار تهكم بالكفار { إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي لكن الذين صدقوا ~~الله ورسوله، وجمعوا بين الإيمان وصالح الأعمال { لهم أجر غير ~~ممنون } أي لهم ثواب في الآخرة غير منقوص ولا مقطوع، بل هو دائم ~~مستمر. # ختم تعالى السورة الكريمة ببيان نعيم الأبرار، بعد أن ذكر مآل الفجار، ~~وهو توضيح لما أجمله في أول السورة من ملاقاة كل عامل لجزائه في قوله { ~~يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه ms1766 }. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين لفظ { السمآء } و { الأرض }. # 2- المقابلة بين { فأما من أوتي كتابه بيمينه } وبين ~~{ وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره }. # 3- الكناية { لتركبن طبقا عن طبق } كنى به عن الشدة ~~والأهوال التي يلقاها الإنسان. # 4- الجناس الناقص بين كلمتي { وسق } و { اتسق }. # 5- الأسلوب التهكمي { فبشرهم بعذاب أليم } استعمال ~~البشارة في موضع الإنذار تهكم وسخرية بالكفار. # 6- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل { إذا السمآء انشقت ~~* وأذنت لربها وحقت } ومثل { فلا أقسم بالشفق ~~* والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق * ~~لتركبن طبقا عن طبق } ويسمى بالسجع وهو من المحسنات ~~البديعية. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-22] # اللغة: { الأخدود } الشق العظيم المستطيل في الأرض كالخندق، وجمعه ~~أخاديد { قتل } لعن أشد اللعن { نقموا } عابوا وكرهوا { بطش ~~} البطش: الأخذ بشدة { يبدىء } يخلق ابتداء بقدرته { المجيد } ~~العظيم الجليل المتعالي. # التفسير: { والسمآء ذات البروج } أي وأقسم بالسماء البديعة ~~ذات المنازل الرفيعة، التي تنزلها الكواكب أثناء سيرها قال المفسرون: ~~سميت هذه المنازل بروجا لظهورها، وشبهت بالقصور لعلوها وارتفاعها لأنها ~~منازل للكواكب السيارة { واليوم الموعود } أي وأقسم باليوم ~~الموعود وهو يوم القيامة، الذي وعد الله به الخلائق بقوله # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه # [النساء: 87] { وشاهد ومشهود } أي وأقسم بمحمد والأنبياء ~~الذين يشهدون على أممهم يوم القيامة، وبجميع الأمم والخلائق الذين ~~يجتمعون في أرض المحشر للحساب كقوله تعالى # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41] وقيل: الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم ودليله # لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا # [البقرة: 143] { قتل أصحاب الأخدود } هذا هو جواب القسم، ~~والجملة دعائية أي قاتل الله ولعن أصحاب الأخدود، الذين شقوا الأرض طولا ~~وجعلوها أخاديد، وأضرموا فيها النار ليحرقوا بها المؤمنين قال القرطبي: ~~الأخدود الشق العظيم المستطيل في الأرض كالخندق وجمعه أخاديد، ومعنى { ~~قتل } أي لعن، قال ابن عباس: كل شيء في القرآن { قتل } لهو لعن.. ~~ثم فصل تعالى المراد من الأخدود فقال ms1767 { النار ذات الوقود } أي ~~النار العظيمة المتأججة، ذات الحطب واللهب، التي أضرمها الكفار في تلك ~~الأخاديد لإحراق المؤمنين قال أبو السعود: وهذا وصف لها بغاية العظم، ~~وارتفاع اللهب، وكثرة ما فيها من الحطب، والقصد وصف النار بالشدة ~~والهول.. ثم بالغ تعالى في وصف المجرمين فقال { إذ هم عليها ~~قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } أي ~~حين هم جلوس حول النار، يتشفون بإحراق المؤمنين فيها، ويشهدون ذلك الفعل ~~الشنيع والغرض تخويف كفار قريش، فقد كانوا يعذبون من أسلم من قومهم، ~~ليرجعوا عن الإسلام، فذكر الله تعالى قصة " أصحاب الأخدود " وعيدا ~~للكفار، وتسلية للمؤمنين المعذبين، ثم قال تعالى { وما نقموا ~~منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } أي ~~وما كان لهم ذنب ولا انتقموا منهم، إلا لأنهم آمنوا بالله العزيز الحميد ~~الغالب الذي لا يضام من لاذ بجنابه، الحميد في جميع أقواله وأفعاله، ~~والغرض أن سبب البطش بهم، وتحريقهم بالنار، لم يكن إلا إيمانهم بالله ~~الواحد الأحد، وهذا ليس بذنب يستحقون به العقوبة، ولكنه الطغيان ~~والإجرام { الذي له ملك السماوات والأرض } أي هذا ~~الإله الجليل المالك لجميع الكائنات، المستحق للمجد والثناء قال في ~~البحر: وإنما ذكر الأوصاف التي يستحق بها تعالى أن يؤمن به، وهي كونه ~~تعالى { عزيزا } أي غالبا قادرا يخشى عقابه { حميدا } أي منعما ~~يجب له الحمد على نعمه { له ملك السماوات والأرض } أي وكل ~~من فيهما يحق عليه عبادته والخشوع له، إنما ذكر ذلك تقريرا لأن ما ~~نقموه منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في الغي { ~~والله على كل شيء شهيد } أي هو تعالى مطلع على أعمال ~~عباده، لا تخفى عليه خافية من شئونهم، وفيه وعد للمؤمنين، ووعيد ~~للمجرمين. # . ثم شدد تعالى النكير على المجرمين الذين عذبوا المؤمنين فقال { ~~إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } أي عذبوا ~~وأحرقوا المؤمنين والمؤمنات بالنار ليفتنوهم عن دينهم { ثم لم ~~يتوبوا } أي ثم لم يرجعوا عن كفرهم وطغيانهم { فلهم عذاب ~~جهنم ولهم عذاب الحريق } أي فلهم عذاب جهنم المخزي ~~بكفرهم، ms1768 ولهم العذاب المحرق بإحراقهم المؤمنين.. ولما ذكر مصير المجرمين ~~أعقبه بذكر مصير المؤمنين فقال { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي الذين جمعوا بين الإيمان الصادق والعمل الصالح { ~~لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } أي لهم البساتين ~~والحدائق الزاهرة، التي تجري من تحت قصورها أنهار الجنة قال الطبري: هي ~~أنهار الخمر واللبن والعسل { ذلك الفوز الكبير } أي ذلك هو ~~الظفر العظيم بغاية المطلوب، الذي لا سعادة ولا فوز بعده.. ثم أخبر تعالى ~~عن انتقامه الشديد من أعداء رسله وأوليائه فقال { إن بطش ربك ~~لشديد } أي إن انتقام الله وأخذه الجبابرة والظلمة، بالغ الغاية في ~~الشدة قال أبو السعود: البطش الأخذ بعنف، وحيث وصف بالشدة فقد تضاعف ~~وتفاقم، وهو بطشه بالجبابرة والظلمة وأخذه إياهم بالعذاب والانتقام { ~~إنه هو يبدىء ويعيد } أي هو جل وعلا الخالق القادر، الذي ~~يبدأ الخلق من العدم، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت { وهو الغفور ~~الودود } أي وهو الساتر لذنوب عباده المؤمنين، اللطيف المحسن إلى ~~أوليائه، المحب لهم قال ابن عباس: يود أولياءه كما يود أحدكم أخاه ~~بالبشرى والمحبة { ذو العرش } أي صاحب العرش العظيم، وإنما أضاف ~~العرش إلى الله وخصه بالذكر، لأن العرش أعظم المخلوقات، وأوسع من ~~السماوات السبع، وخلقه بهذا الوصف يدل على عظمة خالقه { المجيد } ~~أي هو تعالى المجيد، العالي على جميع الخلائق، المتصف بجميع صفات الجلال ~~والكمال { فعال لما يريد } أي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا ~~معقب لحكمه ولا راد لقضائه قال القرطبي: أي لا يمتنع عليه شيء يريده. ~~روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر ~~إليك الطبيب؟ قال: نعم، قالوا: فماذا قال لك؟ قال قال لي: (إني ~~فعال لما أريد) { هل أتاك حديث الجنود }؟ استفهام ~~للتشويق أي هل بلغك يا محمد خبر الجموع الكافرة، الذين تجندوا لحرب ~~الرسل والأنبياء؟ هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس، وما أنزل عليهم من ~~النقمة والعذاب؟ قال القرطبي: يؤنسه بذلك ويسليه، ثم بين تعالى من هم ms1769 ~~فقال { فرعون وثمود } أي هم فرعون وثمود، أولي البأس والشدة، ~~فقد كانوا أشد بأسا، وأقوى مراسا من قومك، ومع ذلك فقد أخذهم الله ~~تعالى بذنوبهم { بل الذين كفروا في تكذيب } أي لم يعتبر ~~كفار قريش بما حل بأولئك الكفرة المكذبين، بل هم مستمرون في التكذيب ~~فهم أشد منهم كفرا وطغيانا { والله من ورآئهم محيط } أي ~~والله تعالى قادر عليهم، لا يفوتونه ولا يعجزونه، لأنهم في قبضته في كل ~~حين وزمان { بل هو قرآن مجيد } أي بل هذا الذي كذبوا به، ~~كتاب عظيم شريف، متناه في الشرف والمكانة، قد سما على سائر الكتب ~~السماوية، في إعجازه ونظمه وصحة معانيه { في لوح محفوظ } أي هو ~~في اللوح المحفوظ الذي في السماء، محفوظ من الزيادة والنقص، والتحريف ~~والتبديل. # البلاغة: تضمنت السورة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: # 1- الطباق بي { يبدىء.. ويعيد }. # 2- جناس الاشتقاق { وشاهد.. ومشهود }. # 3- تأكيد المدح بما يشبه الذم { وما نقموا منهم إلا أن ~~يؤمنوا بالله العزيز الحميد } كأنه يقول: ليس لهم جريمة ~~إلا إيمانهم بالله، وهذا من أعظم المفاخر والمآثر. # 4- المقابلة بين مصير المؤمنين ومصير المجرمين { إن الذين ~~فتنوا المؤمنين والمؤمنات } الآية قابله قوله { إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات.. } الخ. # 5- أسلوب التشويق لاستماع القصة { هل أتاك حديث الجنود }؟ # 6- صيغة المبالغة مثل { فعال لما يريد } { العزيز ~~الحميد } وأمثال ذلك. # 7- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل { واليوم الموعود * ~~وشاهد ومشهود * قتل أصحاب الأخدود * النار ذات ~~الوقود.. } الخ وهو من المحسنات البديعية ويسمى بالسجع والله أعلم. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-17] # اللغة: { الطارق } مأخوذ من الطرق بمعنى الضرب بشدة ومنه المطرقة، ~~وكل ما جاء بليل يسمى طارقا { دافق } مصبوب بقوة وشدة يقال: دفق ~~الماء دفقا إذا انصب بدفع وشدة { الترآئب } عظام الصدر جمع ~~تريبة مثل فصيلة وفصائل قال امرؤ القيس: # " ترائبها مصقولة كالسجنجل " # { الرجع } المطر سمي به لرجوعه إلى الأرض مرارا { الصدع } ~~النبات الذي تنشق عنه الأرض { رويدا } قليلا أو قريبا. # التفسير: { والسمآء والطارق } أي أقسم بالسماء وبالكواكب ~~النيرة، التي تظهر ليلا ms1770 وتختفي نهارا قال المفسرون: سمي النجم طارقا ~~لأنه إنما يظهر بالليل ويختفي بالنهار، وكل ما يجيء ليلا فهو طارق { ~~ومآ أدراك ما الطارق } استفهام للتفخيم والتعظيم أي وما الذي ~~أعلمك يا محمد ما حقيقة هذا النجم؟ ثم فسره بقوله { النجم الثاقب ~~} أي النجم المضيء الذي يثقب الظلام بضيائه قال الصاوي: قد كثر منه تعالى ~~في كتابه المجيد ذكر الشمس والقمر والنجوم، لأن أحوالها في أشكالها ~~وسيرها ومطالعها، ومغاربها عجيبة دالة على انفراد خالقها بالكمالات، لأن ~~الصنعة تدل على الصانع { إن كل نفس لما عليها حافظ } ~~هذا جواب القسم أي ما كل نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها ~~ويحصي عليها ما تكسب من خير وشر كقوله # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين # [الانفطار: 10-11] قال ابن كثير: أي كل نفس عليها من الله حافظ ~~يحرسها من الآفات.. ثم أمر تعالى بالنظر والتفكر في خلق الإنسان، ~~تنبيها على إمكان البعث والحشر فقال { فلينظر الإنسان مم ~~خلق }؟ أي فلينظر الإنسان في أول نشأته نظرة تفكر واعتبار، من أي ~~شيء خلقه الله؟ { خلق من مآء دافق } أي خلق من المني ~~المتدفق، الذي ينصب بقوة وشدة، يتدفق من الرجل والمرأة فيتكون منه الولد ~~بإذن الله { يخرج من بين الصلب والترآئب } أي يخرج ~~هذا الماء من بين الصلب وعظم الصدر، من الرجل والمرأة { إنه على ~~رجعه لقادر } أي إن الله تعالى الذي خلق الإنسان ابتداء، قادر ~~على إعادته بعد موته قال ابن كثير: نبه تعالى الإنسان على ضعف أصله ~~الذي خلق منه، وأرشده إلى الاعتراف بالمعاد، لأن من قدر على البداءة، ~~فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى { يوم تبلى السرآئر } أي ~~يوم تمتحن القلوب وتختبر، ويعرف ما بها من العقائد والنيات، ويميز بين ~~ما طاب منها وما خبث { فما له من قوة ولا ناصر } أي فليس ~~للإنسان في ذلك الوقت قوة تدفع عنه العذاب، ولا ناصر ينصره ويجيره، قال ~~في التسهيل: لما كان دفع المكاره في الدنيا إما بقوة الإنسان، أو بنصرة ~~غيره له، أخبره ms1771 الله تعالى أنه يعدمها يوم القيامة، فلا قوة له في نفسه، ~~ولا أحد ينصره من الله. # . ولما ذكر تعالى أمر المبدأ والمعاد، عاد فأقسم على صدق هذا الكتاب ~~المعجز فقال { والسمآء ذات الرجع } أي أقسم بالسماء ذات ~~المطر، الذي يرجع على العباد حينا بعد حين قال ابن عباس: الرجع المطر ~~ولولاه لهلك الناس وهلكت مواشيهم { والأرض ذات الصدع } أي ~~وأقسم بالأرض التي تتصدع وتنشق، فيخرج منها النبات والأشجار والأزهار ~~قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات والثمار.. أقسم سبحانه وتعالى ~~بالسماء التي تفيض علينا الماء، وبالأرض التي تخرج لنا الثمار والنبات، ~~والسماء للخلق كالأب، والأرض لهم كالأم، ومن بينهما تتولد النعم العظيمة، ~~والخيرات العميمة، التي بها بقاء الإنسان والحيوان { إنه لقول ~~فصل } أي إن هذا القرآن لقول فاصل بين الحق والباطل، قد بلغ الغاية ~~في بيانه وتشريعه وإعجازه { وما هو بالهزل } أي ليس فيه شيء من ~~اللهو والباطل والعبث، بل هو جد كله، لأنه كلام أحكم الحاكمين، فجدير ~~بقارئه أن يتعظ بآياته، ويستنير بتوجيهاته وإرشاداته { إنهم ~~يكيدون كيدا } أي إن هؤلاء المشركين - كفار مكة - يعملون المكايد ~~لإطفاء نور الله، وإبطال شريعة محمد صلى الله عليه وسلم { وأكيد ~~كيدا } أي وأجازيهم على كيدهم بالإمهال ثم النكال، حيث آخذهم أخذ ~~عزيز مقتدر كقوله تعالى # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [الأعراف: 182] قال أبو السعود: أي أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده حيث ~~استدرجهم من حيث لا يعلمون { فمهل الكافرين أمهلهم ~~رويدا } أي لا تستعجل في هلاكهم والانتقام منهم، وأمهلهم قليلا فسوف ~~ترى ما أصنع بهم، وهذا منتهى الوعيد والتهديد. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الاستفهام للتفخيم والتعظيم { ومآ أدراك ما الطارق }؟ # 2- الطباق بين { السمآء والأرض } وبين { الفصل والهزل }. # 3- جناس الاشتقاق { يكيدون كيدا }. # 4- الإطناب بتكرار الفعل مبالغة في الوعيد { فمهل الكافرين ~~أمهلهم رويدا }. # 5- الكناية اللطيفة { يخرج من بين الصلب والترآئب } ~~كنى بالصلب عن الرجل، وبالترائب عن المرأة، وهذا من لطيف الكنايات. # 6- السجع الرصين الذي يزيد في جمال الأسلوب ms1772 ورشاقته ونضارته مثل { ~~والسمآء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع } ومثل { ~~إنه لقول فصل * وما هو بالهزل } وهو من المحسنات ~~البديعية. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-19] # اللغة: { غثآء } الغثاء: ما يقذف به السيل على جانب الوادي من ~~الحشائش والأوراق والنباتات { أحوى } أسود مأخوذ من الحوة وهي ~~السواد أو السمرة { يصلى } يدخل ويقاسي حرها يقال: أصليته نارا ~~وجعلته يذوق حرها. # التفسير: { سبح اسم ربك الأعلى } أي نزه يا محمد ربك ~~العلي الكبير عن صفات النقص، وعما يقوله الظالمون، مما لا يليق به سبحانه ~~وتعالى من النقائص والقبائح، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~قرأ هذه الآية قال: # " سبحانه ربي الأعلى " # . ثم ذكر من أوصافه الجليلة، ومظاهر قدرته الباهرة، ودلائل وحدانيته ~~وكماله فقال { الذي خلق فسوى } أي خلق المخلوقات جميعها، ~~فأتقن خلقها، وأبدع صنعها، في أجمل الأشكال، وأحسن الهيئات قال في البحر: ~~أي خلق كل شيء فسواه، بحيث لم يأت متفاوتا، بل متناسبا على إحكام ~~وإتقان، للدلالة على أنه صادر من عالم حكيم { والذي قدر فهدى ~~} أي قدر في كل شيء خواصه ومزاياه بما تجل عنه العقول والأفهام، وهدى ~~الإنسان لوجه الانتفاع بما أودعه فيها، وهدى الإنعام إلى مراعيها، ولو ~~تأملت ما في النباتات من الخواص، وما في المعادن من المزايا والمنافع، ~~واهتداء الإنسان لاستخراج الأدوية والعقاقير النافعة من النباتات، ~~واستخدام المعادن في صنع المدافع والطائرات، لعلمت حكمة العلي القدير، ~~الذي لولا تقديره وهدايته لكنا نهيم في دياجير الظلام كسائر الأنعام قال ~~المفسرون: إنما حذف المفعول لإفادة العموم أي قدر لكل مخلوق وحيوان ~~ما يصلحه، فهداه إليه وعرفه وجه الانتفاع به { والذي أخرج ~~المرعى } أي أنبت ما ترعاه الدواب، من الحشائش والأعشاب { ~~فجعله غثآء أحوى } أي فصيره بعد الخضرة أسود باليا، بعد ~~أن كان ناضرا زاهيا، ولا يخفى ما في المرعى من المنفعة بعد صيرورته ~~هشيما يابسا، فإنه يكون طعاما جيدا لكثير من الحيوانات، فسبحان من ~~أحكم كل شيء و # أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]!! وبعد أن ذكر دلائل ms1773 قدرته ووحدانيته، ذكر فضله وإنعامه على ~~رسوله فقال { سنقرئك فلا تنسى } أي سنقرئك يا محمد هذا القرآن ~~العظيم فتحفظه في صدرك ولا تنساه { إلا ما شآء الله } أي لكن ما ~~أراد الله نسخه فإنك تنساه.. وفي هذه الآية معجزة له عليه الصلاة ~~والسلام، لأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وكان مع ذلك لا ينسى ما أقرأه ~~جبريل عليه السلام، وكونه يحفظ هذا الكتاب العظيم من غير دراسة ولا تكرار ~~ولا ينساه أبدا، من أعظم البراهين على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم قال ~~ابن كثير: هذا إخبار من الله تعالى ووعد لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه ~~سيقرئه قراءة لا ينساها { إنه يعلم الجهر وما يخفى } ~~أي هو تعالى عالم بما يجهر به العباد وما يخفونه من الأقوال والأفعال، لا ~~تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء { ونيسرك لليسرى } ~~أي ونوفقك للشريعة السمحة البالغة اليسر، التي هي أيسر وأسهل الشرائع ~~السماوية، وهي شريعة الإسلام { فذكر إن نفعت الذكرى } ~~أي فذكر يا محمد بهذا القرآن حيث تنفع الموعظة والتذكرة كقوله # فذكر بالقرآن من يخاف وعيد # [ق: 45] قال ابن كثير: ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند ~~غير أهله، كما قال علي رضي الله عنه " ما أنت بمحدث قوما حديثا لا ~~تبلغه عقولهم، إلا فتنة لبعضهم " وقال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون ~~أن يكذب الله ورسوله "؟ { سيذكر من يخشى } أي سينتفع بهذه ~~الذكرى والموعظة من يخاف الله تعالى { ويتجنبها الأشقى } أي ~~ويرفضها ويبتعد عن قبول الموعظة الكافر المبالغ في الشقاوة { الذى ~~يصلى النار الكبرى } أي الذي يدخل نار جهنم المستعرة، العظيمة ~~الفظيعة قال الحسن: النار الكبرى نار الآخرة، والصغرى نار الدنيا { ~~ثم لا يموت فيها ولا يحيا } أي لا يموت فيستريح، ولا يحيا ~~الحياة الطيبة الكريمة، بل هو دائم في العذاب والشقاء { قد أفلح ~~من تزكى } أي قد فاز من طهر نفسه بالإيمان، وأخلص عمله للرحمن { ~~وذكر اسم ربه فصلى } أي وذكر عظمة ربه وجلاله، فصلى ~~خشوعا ms1774 وامتثالا لأمره { بل تؤثرون الحياة الدنيا } أي بل ~~تفضلون أيها الناس هذه الحياة الفانية على الآخرة الباقية، فتشتغلون لها ~~وتنسون الآخرة { والآخرة خير وأبقى } أي والحال أن الآخرة ~~خير من الدنيا وأبقى، لأن الدنيا فانية، والآخرة باقية، والباقي خير من ~~الفاني، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى؟ وكيف يهتم بدار الغرور، ~~ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلود؟ قرأ ابن مسعود هذه الآية فقال ~~لأصحابه: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قالوا: لا، قال: لأن ~~الدنيا أحضرت وعجلت لنا بطعامها، وشرابها، ونسائها، ولذاتها، وبهجتها، ~~وإن الآخرة غيبت وزويت عنا، فأحببنا العاجل، وتركنا الآجل { إن ~~هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى } أي ~~إن هذه المواعظ المذكورة في هذه السورة، مثبتة في الصحف القديمة المنزلة ~~على إبراهيم وموسى عليهما السلام، فهي مما توافقت فيه الشرائع، وسطرته ~~الكتب السماوية، كما سطره هذا الكتاب المجيد. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق { لا يموت.. ولا يحيا } وكذلك { الجهر.. وما ~~يخفى }. # 2- جناس الاشتقاق { نيسرك لليسرى } و { ذكر.. و ~~الذكرى }. # 3- المقابلة بين { سيذكر من يخشى } وبين { ويتجنبها ~~الأشقى }. # 4- حذف المفعول ليفيد العموم في قوله { خلق فسوى } وفي { ~~قدر فهدى } لأن المراد خلق كل شيء فسواه، وقدر كل شيء فهداه. # 5- السجع غير المتكلف وهو كثير في القرآن مثل { أخرج المرعى * ~~فجعله غثآء أحوى * سنقرئك فلا تنسى } وهو من ~~المحسنات البديعية. # تنبيه: صحف موسى غير التوراة، وقد ورد أنه أعطي عشر صحف وكانت كلها ~~عبرا، قال أبو ذر: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صحف موسى ما ~~كانت؟ قال: كانت عبرا كلها (عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح! عجبت لمن ~~أيقن بالنار كيف يضحك! عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن ~~إليها! عجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب! عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا ~~يعمل!!). ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-26] # اللغة: { الغاشية } القيامة تغشى الناس بأهوالها { خاشعة } ~~ذليلة خاضعة { ناصبة } من النصب وهو التعب { ضريع } شيء في النار ~~كالشوك ms1775 مر منتن { ناعمة } ذات حسن وبهجة ونضارة { نمارق } ~~وسائد ومرافق يتكأ عليها جمع نمرقة قال زهير: # كهولا وشبانا حسانا وجوههم # على سرر مصفوفة ونمارق # { زرابي } بسط فاخرة جمع زريبة وقال الفراء: هي الطنافس التي لها ~~خمل رقيق، { مبثوثة } مفرقة في المجالس { إيابهم } رجوعهم. # التفسير: { هل أتاك حديث الغاشية } الاستفهام للتشويق الى ~~استماع الخبر، وللتنبيه والتفخيم لشأنها أي هل جاءك يا محمد خبر الداهية ~~العظيمة التي تغشى الناس وتعمهم بشدائدها وأهوالها، وهي القيامة؟ قال ~~المفسرون: سميت غاشية لأنها تغشى الخلائق بأهوالها وشدائدها، وتعمهم ~~بما فيها من المكاره والكوارث العظيمة { وجوه يومئذ خاشعة } ~~أي وجوه في ذلك اليوم ذليلة خاضعة مهينة { عاملة ناصبة } أي ~~دائبة العمل فيما يتعبها ويشقيها في النار قال المفسرون: هذه الآية في ~~الكفار، يتعبون ويشقون بسبب جر السلاسل والأغلال، وخوضهم في النار خوض ~~الإبل في الوحل، والصعود والهبوط في تلالها ودركاتها كما قال تعالى # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في ~~الحميم ثم في النار يسجرون # [غافر: 71-72] وهذا جزاء تكبرهم في الدنيا عن عبادة الله، وانهماكهم في ~~اللذات والشهوات { تصلى نارا حامية } أي تدخل نارا مسعرة ~~شديدة الحر قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله { تسقى ~~من عين آنية } أي تسقى من عين متناهية الحرارة، وصل حرها ~~وغليانها درجة النهاية { ليس لهم طعام إلا من ضريع } أي ~~ليس لأهل النار طعام إلا الضريع وهو نبت ذو شوك تسميه قريش " الشبرق " ~~وهو أخبث طعام وأبشعه وهو سم قاتل قال قتادة: هو شر الطعام وأبشعه ~~وأخبثه.. ذكر تعالى هنا أن طعامهم الضريع { ليس لهم طعام ~~إلا من ضريع } وقال في الحاقة # ولا طعام إلا من غسلين # [الحاقة: 36] ولا تنافي بينهما، لأن العقاب ألوان، والمعذبون أنواع، ~~فمنهم من يكون طعامه الزقوم، ومنهم من يكون طعامه الضريع، ومنهم من يكون ~~طعامه الغسلين، وهكذا يتنوع العذاب { لا يسمن ولا يغني من ~~جوع } أي لا يفيد القوة والسمن في البدن، ولا يدفع الجوع عن آكله قال ~~أبو السعود: أي ليس ms1776 من شأنه الإسمان والإشباع، كما هو شأن طعام ~~الدنيا، وقد روي أنه يسلط عليهم الجوع بحيث يضطرهم إلى أكل الضريع، ~~فإذا أكلوه يسلط عليهم العطش فيضطرهم إلى شرب الحميم، فيشوي وجوههم ~~ويقطع أمعاءهم # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد: 15].. ولما ذكر حال الأشقياء أهل النار، أتبعه بذكر حال السعداء ~~أهل الجنة فقال { وجوه يومئذ ناعمة } أي وجوه المؤمنين يوم ~~القيامة ناعمة ذات بهجة وحسن، وإشراق ونضارة كقوله تعالى # تعرف في وجوههم نضرة النعيم # [المطفيين: 24] { لسعيها راضية } أي لعملها الذي عملته في ~~الدنيا وطاعتها لله راضية مطمئنة، لأن هذا العمل أورثها الفردوس دار ~~المتقين { في جنة عالية } أي في حدائق وبساتين مرتفعة مكانا ~~وقدرا، وهم في الغرفات آمنون { لا تسمع فيها لاغية } أي لا ~~تسمع في الجنة شتما، أو سبا، أو فحشا قال ابن عباس: لا تسمع أذى ولا ~~باطلا { فيها عين جارية } أي فيها عيون تجري بالماء السلسبيل ~~لا تنقطع أبدا قال الزمخشري: التنوين في { عين } للتكثير أي عيون ~~كثيرة تجري مياهها { فيها سرر مرفوعة } أي في الجنة أسرة ~~مرتفعة، مكللة بالزبرجد والياقوت، عليها الحور العين، فإذا أراد ولي ~~الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له { وأكواب ~~موضوعة } أي وأقداح موضوعة على حافات العيون، معدة لشرابهم لا ~~تحتاج إلى من يملأها { ونمارق مصفوفة } أي ووسائد - مخدات - ~~قد صف بعضها إلى جانب بعض ليستندوا عليها { وزرابي مبثوثة ~~} أي وفيها طنافس فاخرة لها خمل رقيق مبسوطة في أنحاء الجنة.. ثم ذكر ~~تعالى الدلائل والبراهين الدالة على قدرته ووحدانيته فقال { أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } أي أفلا ينظر هؤلاء الناس ~~نظر تكفر واعتبار، إلى الإبل - الجمال - كيف خلقها الله خلقا عجيبا ~~بديعا يدل على قدرة خالقها؟! قال في التسهيل: في الآية حض على النظر في ~~خلقتها، لما فيها من العجائب في قوتها، وانقيادها مع ذلك لكل ضعيف، ~~وصبرها على العطش، وكثرة المنافع التي فيها، من الركوب والحمل عليها، ~~وأكل لحومها، وشرب ألبانها وغير ذلك { وإلى السمآء كيف ~~رفعت } أي وإلى ms1777 السماء البديعة المحكمة، كيف رفع الله بناءها، وأعلى ~~سمكها بلا عمد ولا دعائم؟ { وإلى الجبال كيف نصبت } أي ~~إلى الجبال الشاهقة كيف نصبت على الأرض نصبا ثابتا راسخا لا يتزلزل؟! ~~{ وإلى الأرض كيف سطحت } أي وإلى الأرض التي يعيشون عليها، ~~كيف بسطت ومهدت حتى صارت شاسعة واسعة يستقرون عليها، ويزرعون فيها أنواع ~~المزروعات؟! قال الألوسي: ولا ينافي هذا، القول بأنها كرة أو قريبة من ~~الكرة لمكان عظمها والحكمة في تخصيص هذه الأشياء بالذكر، أن القرآن نزل ~~على العرب وكانوا يسافرون كثيرا في الأودية والبراري منفردين عن الناس، ~~والإنسان إذا ابتعد عن المدينة أقبل على التفكر، فأول ما يقع بصره على ~~البعير الذي يركبه فيرى منظرا عجيبا، وإن نظر فوق لم ير غير السماء، ~~وإن نظر يمينا وشمالا لم ير غير الجبال، وإن نظر تحت لم ير غير ~~الأرض، فلذلك ذكر هذه الأشياء قال ابن كثير: نبه تعالى البدوي على ~~الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه، والسماء التي فوق ~~رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته، على قدرة خالق ذلك وصانعه، ~~وأنه الرب العظيم، الخالق المالك المتصرف، الذي لا يستحق العبادة سواه. # . ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد ولم يعتبر بذلك الكفار، أمر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بوعظهم وتذكيرهم فقال { فذكر إنمآ أنت ~~مذكر } أي فعظهم يا محمد وخوفهم، ولا يهمنك أنهم لا ينظرون ولا ~~يتفكرون، فإنما أنت واعظ ومرشد { لست عليهم بمصيطر } أي ~~لست بمتسلط عليهم ولا قاهر لهم حتى تجبرهم على الإيمان { إلا من ~~تولى وكفر } أي لكن من أعرض عن الوعظ والتذكير، وكفر بالله ~~العلي القدير { فيعذبه الله العذاب الأكبر } أي فيعذبه ~~الله بنار جهنم الدائم عذابها قال القرطبي: وإنما قال { الأكبر } ~~لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر { إن إلينآ ~~إيابهم } أي إلينا وحدنا رجوعهم بعد الموت { ثم إن علينا ~~حسابهم } أي ثم إن علينا وحدنا حسابهم وجزاءهم. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- أسلوب التشويق { هل أتاك ms1778 حديث الغاشية }؟ # 2- المجار المرسل بإطلاق الجزء وإرادة الكل { وجوه يومئذ ~~خاشعة } المراد أصحابها. # 3- الطباق في الحرف بين { إلينآ إيابهم.. و علينا ~~حسابهم }. # 4- جناس الاشتقاق { فذكر.. مذكر } وبين { يعذبه.. ~~والعذاب }. # 5- المقابلة بين وجوه الأبرار ووجوه الفجار { وجوه يومئذ ~~ناعمة * لسعيها راضية } قابل بينها وبين سابقتها { ~~وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة }. # 6- السجع الرصين غير المتكلف مثل { لسعيها راضية * في ~~جنة عالية * لا تسمع فيها لاغية }.. الخ. # تنبيه: روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قدم الشام، أتاه راهب شيخ ~~كبير عليه سواد، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين ~~إنه نصراني؟ فقال: ذكرت قول الله عز وجل { عاملة ناصبة * ~~تصلى نارا حامية } فبكيت رحمة عليه. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-30] # اللغة: { حجر } عقل ولب قال الفراء: العرب تقول إنه لذو حجر إذا ~~كان قاهرا لنفسه ضابطا لها، وأصل الحجر المنع، وسمي العقل حجرا لأنه ~~يمنع عن السفه قال الشاعر: # وكيف يرجى أن يتوب وإنما # يرجى من الفتيان من كان ذا حجر # { جابوا } قطعوا ومنه قولهم: فلان يجوب البلاد أي يقطعها { ~~التراث } الميراث { لما } شديدا وأصله الجمع ومنه قولهم: لم ~~الله شعثه { جما } كثيرا عظيما كبيرا قال الشاعر: # إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لك ما ألما # التفسير: { والفجر * وليال عشر } هذا قسم أي أقسم بضوء ~~الصبح عند مطاردته ظلمة الليل، وبالليالي العشر المباركات من أول ذي ~~الحجة، لأنها أيام الاشتغال بأعمال الحج قال المفسرون: أقسم تعالى بالفجر ~~لما فيه من خشوع القلب في حضرة الرب، وبالليالي الفاضلة المباركة وهي عشر ~~ذي الحجة، لأنه أفضل أيام السنة، كما ثبت في صحيح البخاري # " ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام - يعني ~~عشر ذي الحجة - قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في ~~سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء " # { والشفع والوتر } أي وأقسم بالزوج والفرد من كل شيء فكأنه ~~تعالى أقسم بكل شيء، لأن الأشياء ms1779 إما زوج وإما فرد، أو هو قسم ~~بالخلق والخالق، فإن الله تعالى واحد " وتر " والمخلوقات ذكر وأنثى " ~~شفع " { واليل إذا يسر } أي وأقسم بالليل إذا يمضي بحركة ~~الكون العجيبة، والتقييد بسريانه لما فيه من وضوح الدلالة على كمال ~~القدرة، ووفور النعمة { هل في ذلك قسم لذى حجر } أي هل ~~فيما ذكر من الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟! والاستفهام تقريري لفخامة ~~شأن الأمور المقسم بها، كأنه يقول: إن هذا لقسم عظيم عند ذوي العقول ~~والألباب، فمن كان ذا لب وعقل علم أن ما أقسم الله عز وجل به من هذه ~~الأشياء فيها عجائب، ودلائل تدل على توحيده وربوبيته، فهو حقيق بأن يقسم ~~به لدلالته على الإله الخالق العظيم قال القرطبي: قد يقسم الله بأسمائه ~~وصفاته لعلمه، ويقسم بأفعاله لقدرته كما قال تعالى # وما خلق الذكر والأنثى # [الليل: 3] ويقسم بمفعولاته لعجائب صنعه كما قال # والشمس وضحاها # [الشمس: 1] # والسمآء والطارق # [الطارق: 1] { والفجر وليال عشر } وجواب القسم محذوب تقديره: ~~ورب هذه الأشياء ليعذبن الكفار، ويدل عليه قوله { ألم تر كيف ~~فعل ربك بعاد }؟ أي ألم يبلغك يا محمد ويصل إلى علمك، ماذا ~~فعل الله بعاد قوم هود؟ { إرم ذات العماد } أي عادا الأولى أهل ~~أرم ذات البناء الرفيع، الذين كانوا يسكنون بالأحقاف بين عمان وحضرموت { ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي تلك القبيلة الي لم ~~يخلق الله مثلهم في قوتهم، وشدتهم، وضخامة أجسامهم! والمقصود من ذلك ~~تخويف أهل مكة بما صنع تعالى بعاد، وكيف أهلكهم وكانوا أطول أعمارا، ~~وأشد قوة من كفار مكة!؟ قال ابن كثير: وهؤلاء " عاد الأولى " وهم الذين ~~بعث الله فيهم رسوله " هودا " عليه السلام فكذبوه وخالفوه، وكانوا عتاة ~~متمردين جبارين، خارجين عن طاعة الله مكذبين لرسله، فذكر تعالى كيف ~~أهلكهم ودمرهم، وجعلهم أحاديث وعبرا { وثمود الذين جابوا ~~الصخر بالواد } أي وكذلك ثمود الذين قطعوا صخر الجبال، ونحتوا ~~بيوتا بوادي القرى # وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين # [الحجر: 82] وكانت مساكنهم في الحجر بين الحجاز وتبوك قال المفسرون: أول ~~من ms1780 نحت الجبال والصخور والرخام قبيلة ثمود وكانوا لقوتهم يخرجون الصخور، ~~وينقبون الجبال فيجعلونها بيوتا لأنفسهم، وقد بنوا ألفا وسبعمائة مدينة ~~كلها بالحجارة بوادي القرى { وفرعون ذى الأوتاد } أي وكذلك ~~فرعون الطاغية الجبار، ذي الجنود والجموع والجيوش التي تشد ملكه قال أبو ~~السعود: وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي يضربونها في منازلهم أو ~~لتعذيبه بالأوتاد { الذين طغوا في البلاد } أي أولئك ~~المتجبرين " عادا، وثمود، وفرعون " الذين تمردوا وعتوا عن أمر الله، ~~وجاوزوا الحد في الظلم والطغيان { فأكثروا فيها الفساد } ~~أي فأكثروا في البلاد الظلم والجور والقتل: وسائر المعاصي والآثام { ~~فصب عليهم ربك سوط عذاب } أي فأنزل عليهم ربك ألوانا ~~شديدة من العذاب بسبب إجرامهم وطغيانهم قال المفسرون: استعمل لفظ الصب ~~لاقتضائه السرعة في النزول على المضروب، كما قال القائل " صببنا عليهم ~~ظالمين سياطنا " والمراد أنه تعالى أنزل على كل طائفة نوعا من العذاب، ~~فأهلكت عاد بالريح، وثمود بالصيحة، وفرعون وجنوده بالغرق كما قال تعالى # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا # [العنكبوت: 40] { إن ربك لبالمرصاد } أي إن ربك يا محمد ~~ليرقب عمل الناس، ويحصيه عليهم، ويجازيهم به قال في التسهيل: المرصاد ~~المكان الذي يرتقب فيه الرصد، والمراد أنه تعالى رقيب على كل إنسان، ~~وأنه لا يفوته أحد من الجبابرة والكفار، وفي ذلك تهديد لكفار قريش.. ~~ولما ذكر تعالى ما حل بالطغاة المتجبرين، ذكر هنا طبيعة الإنسان ~~الكافر، الذي يبطر عند الرخاء، ويقنط عند الضراء فقال { فأما ~~الإنسان إذا ما ابتلاه ربه } أي إذا اختبره وامتحنه ربه ~~بالنعمة { فأكرمه ونعمه } أي فأكرمه بالغنى واليسار، وجعله ~~منعما في الدنيا بالبنين والجاه والسلطان { فيقول ربي ~~أكرمن } أي فيقول ربي أحسن إلي بما أعطاني من النعم التي أستحقها، ~~ولم يعلم أن هذا ابتلاء له أيشكر أم يكفر؟ { وأمآ إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه } أي وأما إذا اختبره وامتحنه ~~ربه بالفقر وتضييق الرزق { فيقول ربي أهانن } أي فيقول ~~غافلا عن الحكمة: إن ms1781 ربي أهانني بتضييقه الرزق علي قال القرطبي: وهذه ~~صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، وإنما الكرامة عنده والهوان بكثرة ~~الحظ في الدنيا وقلته، وأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته ~~وتوفيقه المؤدي إلى حظ الآخرة، وإن وسع عليه في الدنيا حمده وشكره، ~~وإنما أنكر تعالى على الإنسان قوله { ربي أكرمن } وقوله { ~~ربي أهانن } لأنه إنما قال ذلك على وجه الفخر والكبر، لا على ~~وجه الشكر، وقال: أهانن على وجه التشكي من الله وقلة الصبر، وكان الواجب ~~عليه أن يشكر على الخير، ويصبر على الشر، ولهذا ردعه وزجره بقوله { ~~كلا بل لا تكرمون اليتيم } أي ليس الإكرام بالغنى، ~~والإهانة بالفقر كما تظنون، بل الإكرام والإهانة بطاعة الله ومعصيته ~~ولكنكم لا تعلمون، ثم قال { بل لا تكرمون اليتيم } أي بل ~~أنتم تفعلون ماهو شر من ذلك، وهو أنكم لا تكرمون اليتيم مع إكرام الله ~~لكم بكثرة المال!! { ولا تحآضون على طعام المسكين } أي ~~ولا يحض بعضكم بعضا ولا يحثه على إطعام المحتاج وعون المسكين { ~~وتأكلون التراث أكلا لما } أي وتأكلون الميراث أكلا ~~شديدا، لا تسألون أمن حلال هو أم من حرام؟ قال في التسهيل: هو أن يأخذ ~~في الميراث نصيبه ونصيب غيره، لأن العرب كانوا لا يعطون من الميراث أنثى ~~ولا صغيرا، بل ينفرد به الرجال { وتحبون المال حبا جما } ~~أي وتحبون المال حبا كثيرا مع الحرص والشره، وهذا ذم لهم لتكالبهم على ~~المال، وبخلهم بإنفاقه { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا } ~~{ كلا } للردع أي ارتدعوا أيها الغافلون وانزجروا عن ذلك، فأمامكم ~~أهوال عظيمة في ذلك اليوم العصيب، وذلك حين تزلزل الأرض وتحرك تحريكا ~~متتابعا قال الجلال: أي زلزلت حتى ينهدم كل بناء عليها وينعدم { ~~وجآء ربك والملك صفا صفا } أي وجاء ربك يا محمد لفصل ~~القضاء بين العباد، وجاءت الملائكة صفوفا متتابعة صفا بعد صف قال في ~~التسهيل: قال المنذر بن سعيد: معناه ظهوره للخلق هنالك، وهذه الآية ~~وأمثالها مما يجب الإيمان به من غير تكييف ولا تمثيل وقال ابن ms1782 كثير: ~~قام الخلائق من قبورهم لربهم، وجاء ربك لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما ~~يستشفعون إليه بسيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم، فيجيء الرب تبارك ~~وتعالى لفصل القضاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا { وجيء ~~يومئذ بجهنم } أي وأحضرت جهنم ليراها المجرمون كقوله # وبرزت الجحيم لمن يرى # [النازعات: 36] وفي الحديث # " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك ~~يجرونها " # { يومئذ يتذكر الإنسان } أي في ذلك اليوم الرهيب، والموقف ~~العصيب، يتذكر الإنسان عمله، ويندم على تفريطه وعصيانه، ويريد أن يقلع ~~ويتوب { وأنى له الذكرى } أي ومن أين يكون له الانتفاع ~~بالذكرى وقد فات أوانها؟! { يقول يليتني قدمت لحياتي } ~~أي يقول نادما متحسرا: يا ليتني قدمت عملا صالحا ينفعني في آخرتي، ~~لحياتي الباقية قال تعالى { فيومئذ لا يعذب عذابه ~~أحد } أي ففي ذلك اليوم ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه { ~~ولا يوثق وثاقه أحد } أي ولا يقيد أحد بالسلاسل والأغلال ~~مثل تقييد الله للكافر الفاجر، وهذا في حق المجرمين من الخلائق، فأما ~~النفس الزكية المطمئنة فيقال لها { يأيتها النفس ~~المطمئنة } أي يا أيتها النفس الطاهرة الزكية، المطمئنة بوعد ~~الله التي لا يلحقها اليوم خوف ولا فزع { ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية } أي ارجعي إلى رضوان ربك وجنته، راضية بما ~~أعطاك الله من النعم، مرضية عنده بما قدمت من عمل قال المفسرون: هذا ~~الخطاب والنداء يكون عند الموت، فيقال للمؤمن عند احتضاره تلك المقالة { ~~فادخلي في عبادي } أي فادخلي في زمرة عبادي الصالحين { ~~وادخلي جنتي } أي وادخلي جنتي دار الأبرار الصالحين. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الاستفهام التقريري { ألم تر كيف فعل ربك بعاد }؟ # 2- الطباق بين { الشفع.. والوتر }. # 3- جناس الاشتقاق { لا يعذب عذابه أحد } { ولا يوثق ~~وثاقه } { يتذكر.. الذكرى }. # 4- المقابلة { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ~~فأكرمه ونعمه } وبين { وأمآ إذا ما ابتلاه ~~فقدر عليه رزقه.. } الآية فقد قابل بين { أكرمن و ~~أهانن } وبين توسعة الرزق. # 5- الاستعارة ms1783 اللطيفة الفائقة { فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب } شبه العذاب الشديد الذي نزل عليهم بسياط لاذعة تكوي جسد ~~المعذب واستعمل الصب للإنزال. # 6- الالتفات { كلا بل لا تكرمون اليتيم } فيه التفات من ~~ضمير الغائب الى الخطاب زيادة في التوبيخ والعتاب، والأصل { بل لا يكرمون ~~}. # 7- الإضافة للتشريف { فادخلي في عبادي }. # 8- السجع الرصين غير المتكلف مثل { وليال عشر * والشفع ~~والوتر * واليل إذا يسر } ومثل { وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * ~~الذين طغوا في البلاد } الآيات. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-20] # اللغة: { كبد } الكبد: الشدة والمشقة، وأصله من كبد الرجل كبدا ~~إذا وجعته كبده ثم استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه المكابدة لمقاساة ~~الشدائد { اقتحم } الاقتحام: الدخول بسرعة وشدة يقال: اقتحم الأمر، ~~واقتحم الحصن إذا رمى نفسه فيه بدون روية { العقبة } الطريق الوعر ~~في الجبل { فك } الفك تخليص الشيء من الشيء يقال: فككت الحبل، وفككت ~~الأسير أي خلصته من الأسر { مسغبة } مجاعة يقال: سغب الرجل إذا جاع ~~وقال الراغب: هو الجوع مع التعب { متربة } افتقار يقال: ترب الرجل ~~إذا افتقر ولصق بالتراب، وأترب إذا استغنى وكذلك أثرى { مؤصدة } ~~مطبقة من أوصد الباب إذا أغلقه وأطبقه. # التفسير: { لا أقسم بهذا البلد } هذا قسم، أقسم سبحانه ~~بالبلد الحرام " مكة " التي شرفها الله تعالى بالبيت العتيق - قبلة أهل ~~الشرق والغرب - وجعلها مهبط الرحمات، وإليها تجبى ثمرات كل شيء، وجعلها ~~حرما آمنا، وجعل حرمتها منذ خلق السماوات والأرض، فلما استجمعت تلك ~~المزايا والفضائل أقسم الله تعالى بها قال في التسهيل: أراد بالبلد " مكة ~~" باتفاق، وأقسم بها تشريفا لها { وأنت حل بهذا البلد } ~~أي وأنت يا محمد ساكن ومقيم بمكة بلد الله الأمين قال البيضاوي أقسم ~~بالبلد الحرام وقيده بحلوله عليه السلام فيه - أي إقامته فيه - إظهارا ~~لمزيد فضله، وإشعارا بأن شرف المكان بشرف أهله { ووالد وما ~~ولد } أي وأقسم بآدم وذريته الصالحين قال مجاهد: الوالد آدم عليه ~~السلام { وما ولد } جميع ذريته قال ابن كثير: وما ذهب إليه مجاهد ~~وأصحابه حسن قوي، لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى ms1784 وهي المساكن، أقسم ~~بعده بالساكن وهو " آدم " أبو البشر وولده وقال الخازن: أقسم الله تعالى ~~بمكة لشرفها وحرمتها، وبآدم وبالآنبياء والصالحين من ذريته، لأن الكافر - ~~وإن كان من ذريته - لا حرمة له حتى يقسم به { لقد خلقنا ~~الإنسان في كبد } هذا هو المقسم عليه أي لقد خلقنا الإنسان في ~~تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي أنواع الشدائد، من وقت نفخ الروح فيه إلى ~~حين نزعها منه قال ابن عباس: { في كبد } أي في مشقة وشدة، من حمله، ~~وولادته، ورضاعه، وفطامه، ومعاشه، وحياته، وموته، وأصل الكبد: الشدة، ~~وقيل: لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق ~~قال أبو السعود: والآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان ~~يكابده من كفار مكة.. ثم أخبر تعالى عن طبيعة الإنسان الجاحد بقدرة ~~الله، والمكذب للبعث والنشور فقال { أيحسب أن لن يقدر ~~عليه أحد } أي أيظن هذا الشقي الفاجر، المغتر بقوته، أن الله ~~تعالى لا يقدر عليه لشدته وقوته؟ قال المفسرون: نزلت في " أبي الأشد بن ~~كلدة " كان شديدا مغترا بقوته، وكان يبسط له الأديم - الجلد - فيوضع ~~تحت قدميه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا ولا ~~تزل قدماه، ومعنى الآية: أيظن هذا القوي المارد، المستضعف للمؤمنين، أنه ~~لن يقدر على الانتقام منه أحد؟ { يقول أهلكت مالا لبدا } ~~أي يقول هذا الكافر: أنفقت مالا كثيرا في عداوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم قال الألوسي: أي يقول فخرا ومباهاة على المؤمنين: أنفقت مالا ~~كثيرا، وأراد بذلك ما أنفقه " رياء وسمعة " وعبر عن الإنفاق ~~بالإهلاك، إظهارا لعدم الاكتراث، وأنه لم يفعل ذلك رجاء نفع، فكأنه جعل ~~المال الكثير ضائعا، وقيل يقول ذلك إظهارا لشدة عداوته لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { أيحسب أن لم يره أحد }؟ أي أيظن أن ~~الله تعالى لم يره حين كان ينفق، ويظن أن أعماله تخفى على رب العباد؟ ليس ~~الأمر كما يظن، بل إن الله رقيب مطلع عليه، سيسأله يوم القيامة ms1785 ويجازيه ~~عليه. # . ثم ذكره تعالى بنعمه عليه ليعتبر ويتعظ فقال { ألم نجعل له ~~عينين } أي ألم نجعل له عينين يبصر بهما؟ { ولسانا } أي ولسانا ~~ينطق به فيعبر عما في ضميره؟ { وشفتين } أي وشفتين يطبقهما على ~~فمه، ويستعين بهما على الأكل والشرب والنفخ وغير ذلك؟ قال الخازن: يريد ~~أن نعم الله على عبده متظاهرة، يقرره بها كي يشكره { وهديناه ~~النجدين } أي وبينا له طريقي الخير والشر، والهدى والضلال، ليسلك ~~طريق السعادة، ويتجنب طريق الشقاوة قال ابن مسعود: { النجدين } ~~الخير والشر كقوله تعالى # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3] { فلا اقتحم العقبة } أي فهلا أنفق ماله في ~~اجتياز العقبة الكئود، بدل أن ينفقه في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم؟! ~~قال في البحر: والعقبة استعارة للعمل الشاق على النفس، من حيث فيه بذل ~~المال، تشبيها لها بعقبة الجبل وهو ما صعب منه وقت الصعود، فإنه يلحقه ~~مشقة في سلوكها، ومعنى اقتحمها دخلها بسرعة وشدة، وهو مثل ضربه الله ~~تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان، حتى ينال رضى الرحمن { ومآ ~~أدراك ما العقبة * فك رقبة } أي وما أعلمك ما اقتحام ~~العقبة؟ وفيه تعظيم لشأنها وتهويل.. ثم فسرها تعالى بقوله { فك ~~رقبة } أي هي عتق الرقبة في سبيل الله، وتخليص صاحبها من الأسر ~~والرق، فمن أعتق رقبة كانت له فداء من النار { أو إطعام في ~~يوم ذي مسغبة } أي أو أن يطعم الفقير في يوم عصيب ذي مجاعة، قال ~~الصاوي وقيد الإطعام بيوم المجاعة، لأن إخراج المال فيه أشد على النفس ~~{ يتيما ذا مقربة } أي أطعم اليتيم الذي بينه وبينه قرابة { ~~أو مسكينا ذا متربة } أو المسكين الفقير البائس الذي قد لصق ~~بالتراب من فقره وضره، وهو كناية عن شدة الفقر والبؤس قال ابن عباس: هو ~~المطروح على ظهر الطريق لا يقيه من التراب شيء { ثم كان من ~~الذين آمنوا } أي عمل هذه القربات لوجه الله تعالى، وكان مع ذلك ~~مؤمنا صادق الإيمان قال المفسرون: وفي الآية إشارة إلى أن هذه القرب ~~والطاعات ms1786 لا تنفع إلا مع الإيمان { وتواصوا بالصبر ~~وتواصوا بالمرحمة } أي وأوصى بعضهم بعضا بالصبر على ~~الإيمان وطاعة الرحمن، وبالرحمة والشفقة على الضعفاء والمساكين { ~~أولئك أصحاب الميمنة } أي هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات ~~الجليلة، هم أصحاب الجنة الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، ويسعدون بدخول ~~جنات النعيم { والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب ~~المشأمة } قرن بين الأبرار والفجار على طريقة القرآن في الترغيب ~~والترهيب، لبيان المفارقة الهائلة بين أهل الجنة وأهل النار، وبين ~~السعداء والأشرار أي والذين جحدوا نبوة محمد وكذبوا بالقرآن هم أهل ~~الشمال - أهل النار - لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، وعبر عنهم بضمير ~~الغائب إشارة إلى أنهم غائبون عن حضرة قدسه، وكرامة أنسه { عليهم ~~نار مؤصدة } أي عليهم نار مطبقة مغلقة، لا يدخل فيها روح ولا ~~ريحان، ولا يخرجون منها أبد الزمان. # . اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، ونجنا من ذلك يا رب. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- زيادة { لا } لتأكيد الكلام، وهو مستفيض في كلام العرب { لا ~~أقسم بهذا البلد } أي أقسم بهذا البلد، وفائدتها تأكيد ~~القسم كقولك: لا والله ما ذاك كما تقول أي والله قال امرؤ القيس: # " لا وأبيك ابنة العامري " # 2- جناس الاشتقاق { ووالد وما ولد } فكل من الوالد والولد مشتق ~~من الولادة. # 3- الاستفهام الإنكاري للتوبيخ { أيحسب أن لن يقدر ~~عليه أحد }؟ ومثله { أيحسب أن لم يره أحد }؟ # 4- الاستفهام التقريري للتذكير بالنعم { ألم نجعل له ~~عينين * ولسانا وشفتين }؟ # 5- الاستفهام للتهويل والتعظيم { ومآ أدراك ما العقبة }؟ ~~لأن الغرض تعظيم شأنها. # 6- الاستعارة اللطيفة { وهديناه النجدين } أي طريقي الخير ~~والشر، وأصل النجد الطريق المرتفع، استعير كل منهما لسلوك طريق السعادة، ~~وسلوك طريق الشقاوة. # 7- الاستعارة كذلك في قوله { فلا اقتحم العقبة } لأن أصل ~~العقبة الطريق الوعر في الجبل، واستعيرت هنا للأعمال الصالحة لأنها لا ~~تصعب وتشق على النفوس، ففيه استعارة تبعية. # 8- الجناس الناقص بين { مقربة } و { متربة } لتغير بعض ~~الحروف. # 9- المقابلة اللطيفة بين { أولئك أصحاب الميمنة } وبين ~~{ هم أصحاب المشأمة }. # 10- مراعاة الفواصل ورءوس الآيات مثل { لا أقسم بهذا ms1787 ~~البلد.. ووالد وما ولد * لقد خلقنا الإنسان في ~~كبد } ومثل { عينين * ولسانا وشفتين } وهو من المحسنات ~~البديعية. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-15] # اللغة: { ضحاها } ضوءها، والضحى وقت ارتفاع الشمس أول النهار قال ~~المبرد: الضحى مشتق من الضح وهو نور الشمس { طحاها } بسطها ومدها ~~قال الجوهري: طحوته مثل دحوته أي بسطته { دساها } أخفاها وأصل ~~الكلمة دسسها أبدلت السين الثانية ألفا تخفيفا { فدمدم } الدمدمة: ~~إطباق الشيء على الشيء يقال: دمدم عليه القبر أي أطبقه والمراد به هنا ~~إطباق العذاب عليهم بمعنى إهلاكهم بطريق الاستئصال { عقباها } ~~عاقبتها وتبعتها. # التفسير: { والشمس وضحاها } أي أقسم بالشمس وضوئها الساطع ~~إذا أنار الكون وبدد الظلام { والقمر إذا تلاها } أي وأقسم ~~بالقمر إذا سطع مضيئا، وتبع الشمس طالعا بعد غروبها قال المفسرون: ~~وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة ~~وخلفها في النور، وحكمة القسم بالشمس أن العالم في وقت غيبة الشمس عنهم ~~كالأموات، فإذا ظهر الصبح وبزغت الشمس دبت فيهم الحياة، وصار الأموات ~~أحياء فانتشروا لأعمالهم وقت الضحوة، وهذه الحالة تشبه أحوال القيامة، ~~ووقت الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها، والشمس والقمر مخلوقان لمصالح ~~البشر، والقسم بهما للتنبيه على ما فيهما من المنافع العظيمة { ~~والنهار إذا جلاها } أي وأقسم بالنهار إذا جلا ظلمة الله ~~بضيائه، وكشفها بنوره وقال ابن كثير: إذا جلا البسيطة وأضاء الكون بنوره ~~{ والليل إذا يغشاها } أي وأقسم بالليل إذا غطى الكون ~~بظلامه، ولفه بشبحه، فالنهار يجلي المعمورة ويظهرها، والليل يغطيها ~~ويسترها، قال الصاوي: وأتى بالفعل مضارعا { يغشاها } ولم يقل { ~~غشيها } مراعاة للفواصل { والسمآء وما بناها } أي وأقسم ~~بالقادر العظيم الذي بنى السماء، وأحكم بناءها بلا عمد قال المفسرون: { ~~ما } اسم موصول بمعنى " من " أي والسماء ومن بناها والمراد به الله رب ~~العالمين، بدليل قوله بعده { فألهمها فجورها وتقواها } ~~كأنه قال: والقادر العظيم الشأن الذي بناها، فدل بناؤها وإحكامها على ~~وجوده، وكمال قدرته { والأرض وما طحاها } أي وأقسم بالأرض ومن ~~بسطها من كل جانب، وجعلها ممتدة ممهدة، صالحة لسكنى الإنسان ms1788 والحيوان، ~~وهذا لا ينافي كرويتها كما قال المفسرون، لأن الغرض من الآية الامتنان ~~بجعل الأرض ممتدة واسعة، ميسرة للزراعة والفلاحة وسكنى الإنسان { ~~ونفس وما سواها } أي وأقسم بالنفس البشرية وبالذي أنشأها ~~وأبدعها، وجعلها مستعدة لكمالها، وذلك بتعديل أعضائها، وقواها الظاهرة ~~والباطنة، ومن تمام تسويتها أن وهبها العقل الذي تميز به بين الخير ~~والشر، والتقوى والفجور، ولهذا قال { فألهمها فجورها ~~وتقواها } أي وعرفها الفجور والتقوى وما تميز به بين رشدها ~~وضلالها قال ابن عباس: بين لها الخير والشر، والطاعة والمعصية، ~~وعرفها ما تأتي وما تتقي قال المفسرون: أقسم سبحانه بسبعة أشياء " ~~الشمس، والقمر، والليل، والنهار، والسماء، والأرض، والنفس البشرية " ~~إظهارا لعظمة قدرته، وانفراده بالألوهية، واشارة إلى كثرة مصالح تلك ~~الأشياء وعظم نفعها وأنها لا بد لها من صانع ومدبر لحركاتها وسكناتها ~~وقال الإمام الفخر: لما كانت الشمس أعظم المحسوسات، ذكرها تعالى مع ~~أوصافها الأربعة الدالة على عظمها، ثم ذكر سبحانه ذاته المقدسة، ووصفها - ~~جل وعلا - بصفات ثلاث ليحظى العقل بإدراك جلال الله تعالى وعظمته، ~~كما يليق به جل جلاله، فكان ذلك طريقا إلى جذب العقل من حضيض عالم ~~المحسوسات، إلى بيداء أوج كبريائه جل شأنه { قد أفلح من ~~زكاها } هذا هو جواب القسم أي لقد فاز وأفلح من زكى نفسه بطاعة ~~الله، وطهرها من دنس المعاصي والآثام { وقد خاب من دساها } ~~أي وقد خسر وخاب من حقر نفسه بالكفر والمعاصي، وأوردها موارد الهلكة، ~~فإن من طاوع هواه، وعصى أمر مولاه، فقد نقص من عداد العقلاء، والتحق ~~بالجهلة الأغبياء. # . ثم ضرب تعالى مثلا لمن طغى وبغى، ولم يطهر نفسه من دنس الكفر ~~والعصيان، فذكر { ثمود } قوم صالح عليه السلام فقال { كذبت ~~ثمود بطغواهآ } أي كذبت ثمود نبيها بسبب طغيانها { إذ انبعث ~~أشقاها } أي حين انطلق أشقى القوم بسرعة ونشاط يعقر الناقة قال ابن ~~كثير: وهو " قدار بن سالف " الذي قال الله فيه # فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر # [القمر: 29] وكان عزيزا شريفا في قومه، ورئيسا مطاعا فيهم، وهو أشقى ~~القبيلة { فقال لهم رسول الله ms1789 } أي فقال لهم صالح عليه ~~السلام { ناقة الله وسقياها } أي احذروا ناقة الله أن تمسوها ~~بسوء، واحذروا أيضا أن تمنعوها من سقياها أي شربها ونصيبها من الماء ~~كما قال تعالى # لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # [الشعراء: 155] { فكذبوه فعقروها } أي فكذبوا نبيهم صالحا ~~وقتلوا الناقة، ولم يلتفتوا إلى تحذيره { فدمدم عليهم ~~ربهم بذنبهم } أي فأهلكهم الله ودمرهم عن آخرهم بسبب ~~إجرامهم وطغيانهم قال الخازن: والدمدمة: هلاك باستئصال والمعنى أطبق ~~عليهم العذاب طبقا فلم ينفلت منهم أحد { فسواها } أي فسوى بين ~~القبيلة في العقوبة فلم يفلت منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا غني ولا ~~فقير { ولا يخاف عقباها } أي ولا يخاف تعالى عاقبة إهلاكهم ~~وتدميرهم، كما يخاف الرؤساء والملوك عاقبة ما يفعلون، لأنه تعالى لا ~~يسأل عما يفعل. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { الشمس و القمر } و { الليل و النهار } ~~وبين { فجورها وتقواها }. # 2- المقابلة اللطيفة بين { والنهار إذا جلاها } وبين { ~~والليل إذا يغشاها } وبين { قد أفلح من زكاها } ~~وبين { وقد خاب من دساها } وكل من الطباق والمقابلة من ~~المحسنات البديعية. # 3- الإضافة للتكريم والتشريف { ناقة الله } نسبت إلى الله ~~تشريفا لأنها خرجت من حجر أصم معجزة لصالح عليه السلام. # 4- التهويل والتفظيع { فدمدم عليهم ربهم بذنبهم } ~~فإن التعبير بالدمدمة يدل على هول العذاب. # 5- السجع المرصع مراعاة للفواصل ورءوس الآيات وهو ظاهر جلي في السورة ~~الكريمة. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-21] # اللغة: { تجلى } انكشف وظهر { شتى } متفرق ومختلف { ~~الحسنى } الكلمة الحسنى وهي كلمة التوحيد { اليسرى } الخصلة ~~المؤدية الى اليسر والراحة وهي الجنة { العسرى } الخصلة المؤدية إلى ~~العسر والشدة وهي جهنم { تردى } هلك وسقط في الهاوية { تلظى } ~~أصلها تتلظى أي تتلهب وتتوقد { يصلاهآ } يدخلها ويقاسي حرها. # المناسبة: روي أن بلالا رضي الله عنه كان عبدا مملوكا ل " أمية ~~بن خلف " وكان سيده يعذبه لإسلامه، ويخرجه إذا حميت الشمس فيطرحه على ~~ظهره ببطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: ~~لا تزال هكذا حتى ms1790 تموت أو تكفر بمحمد!! فيقول وهو في تلك الحالة: أحد، ~~أحد، فمر به أبو بكر الصديق وهم يصنعون به ذلك، فقال لأمية: ألا تتقي ~~الله في هذا المسكين!! فقال له: أنت أفسدته علي فأنقذه مما ترى، ~~فاشتراه أبو بكر منه وأعتقه في سبيل الله، فقال المشركون: إنما أعتقه ~~ليد كانت له عنده فنزلت { وما لأحد عنده من نعمة تجزى ~~* إلا ابتغآء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى }. # التفسير: { والليل إذا يغشى } أي أقسم بالليل إذا غطى ~~بظلمته الكون، وستر بشبحه الوجود { والنهار إذا تجلى } أي ~~وأقسم بالنهار إذا تجلى وانكشف، وأنار العالم وأضاء الكون قال ~~المفسرون: أقسم تعالى بالليل لأنه سكن لكافة الخلق، يأوي فيه الإنسان ~~والحيوان إلى مأواه، ويسكن عن الاضطراب والحركة، ثم أقسم بالنهار لأن ~~فيه حركة الخلق وسعيهم إلى اكتساب الرزق، والحكمة في هذا القسم ما في ~~تعاقب الليل والنهار من مصالح لا تحصى فإنه لو كان العمر كله ليلا ~~لتعذر المعاش، ولو كان كله نهارا لما سكن الإنسان إلى الراحة، ولاختلت ~~مصالح البشر { وما خلق الذكر والأنثى } أي وأقسم بالقادر ~~العظيم الذي خلق صنفي الذكر والأنثى، من نطفة إذا تمنى.. أقسم تعالى ~~بذاته على خلق النوعين { الذكر والأنثى } للتنبيه على أنه الخالق ~~المبدع الحكيم، إذ لا يعقل أن هذا التخالف بين الذكر والأنثى يحصل ~~بمحض الصدفة من طبيعة بلهاء لا شعور لها فإن الأجزاء الأصلية في المني ~~متساوية، فتكوين الولد من عناصر واحدة تارة ذكرا، وتارة أنثى، دليل ~~على أن واضع هذا النظام عالم، بما يفعل، محكم لما يصنع { إن ~~سعيكم لشتى } هذا هو جواب القسم أي إن عملكم لمختلف، فمنكم ~~تقي ومنكم شقي، ومنكم صالح ومنكم طالح، ثم فسره بقوله { فأما ~~من أعطى واتقى } أي فأما من أعطى ماله وأنفق ابتغاء وجه الله، ~~واتقى ربه فكف عن محارم الله قال ابن كثير: أعطى ما أمر باخراجه، واتقى ~~الله في أموره { وصدق بالحسنى } أي وصدق بالجنة التي ~~أعدها الله للأبرار { فسنيسره لليسرى } أي فسنهيئه لعمل ~~الخير، ونسهل ms1791 عليه الخصلة المؤدية لليسر، وهي فعل الطاعات وترك المحرمات ~~{ وأما من بخل واستغنى } أي وأما من بخل بإنفاق المال، ~~واستغنى عن عبادة ذي الجلال قال ابن عباس: بخل بماله، واستغنى عن ربه ~~عز وجل { وكذب بالحسنى } أي وكذب بالجنة ونعيمها { ~~فسنيسره للعسرى } أي فسنهيئه للخصلة المؤدية للعسر، وهي ~~الحياة السيئة في الدنيا والآخرة وهي طريق الشر قال المفسرون: سمى ~~طريقة الخير يسرى لأن عاقبتها اليسر وهي دخول الجنة دار النعيم، وسمى ~~طريقة الشر عسرى لأن عاقبتها العسر وهو دخول الجحيم { وما يغني ~~عنه ماله إذا تردى } استفهام إنكاري أي أي شيء ينفعه ~~ماله إذا هلك وهوى في نار جهنم؟ هل ينفعه المال، ويدفع عنه الوبال؟ { ~~إن علينا للهدى } أي إن علينا أن نبين للناس طريق الهدى ~~من طريق الضلالة، ونوضح سبيل الرشد من سبيل الغي كقوله # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر # [الكهف: 29] { وإن لنا للآخرة والأولى } أي لنا ما في ~~الدنيا والآخرة، فمن طلبهما من غير الله فقد أخطأ الطريق { ~~فأنذرتكم نارا تلظى } أي فحذرتكم يا أهل مكة نارا تتوقد ~~وتتوهج من شدة حرارتها { لا يصلاهآ إلا الأشقى } أي لا يدخلها ~~للخلود فيها ولا يذوق سعيرها، إلا الكافر الشقي.. ثم فسره تعالى ~~بقوله { الذي كذب وتولى } أي كذب الرسل وأعرض عن الإيمان ~~{ وسيجنبها الأتقى } أي وسيبعد عن النار التقي النقي، ~~المبالغ في اجتناب الشرك والمعاصي.. ثم فسره تعالى بقوله { الذى ~~يؤتي ماله يتزكى } أي الذي ينفق ماله في وجوه الخير ليزكي ~~نفسه { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي وليس لأحد ~~عنده نعمة حتى يكافئه عليها، وإنما ينفق لوجه الله قال المفسرون: نزلت ~~الآيات في حق " أبي بكر الصديق " حين اشترى بلالا وأعتقه في سبيل الله ~~فقال المشركون: إنما فعل ذلك ليد كانت له عنده فنزلت { إلا ~~ابتغآء وجه ربه الأعلى } أي ليس له غاية إلا مرضاة الله ~~{ ولسوف يرضى } أي ولسوف يعطيه الله في الآخرة ما يرضيه وهو ~~وعد كريم من رب رحيم. # البلاغة: ms1792 تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين لفظة { الأشقى } و { الأتقى } وبين { اليسرى } ~~و { العسرى }. # 2- المقابلة اللطيفة { فأما من أعطى واتقى * وصدق ~~بالحسنى } وبين { وأما من بخل واستغنى * وكذب ~~بالحسنى } الآيات. # 3- جناس الاشتقاق { فسنيسره لليسرى } لأن اليسرى من ~~التيسير فبينهما مجانسة. # 4- حذف المفعول للتعميم ليذهب ذهن السامع كل مذهب { فأما من ~~أعطى واتقى.. } الآيات. # 5- السجع الرصين غير المتكلف كقوله { لا يصلاهآ إلا الأشقى.. ~~وسيجنبها الأتقى } الخ. # كان عمر رضي الله عنه يقول: أعتق سيدنا سيدنا يريد أعتق سيدنا أبو بكر ~~سيدنا بلالا، فما أروع هذه النفوس؟ اللهم ارزقنا محبة أصحاب الرسول ~~جميعا. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-11] # اللغة: { سجى } سجى الليل: اشتد ظلامه { قلى } أبغض قال الراغب: ~~القلي: شدة البغض يقال: قلاه ويقليه أي أبغضه { آوى } ضمه إلى من ~~يرعاه { عآئلا } فقيرا معدما وهو من اشتد به الفقر قال جرير: # الله نزل في الكتاب فريضة # لابن السبيل وللفقير العائل # { تقهر } تذله وتحقره { تنهر } تزجره وتغلظ عليه في الكلام. # سبب النزول: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ~~ثلاثا فجاءت امرأة - وهي أم جميل امرأة أبي لهب - فقالت يا محمد: إني ~~لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك!! لم أره قربك ليلتين أو ثلاثا فأنزل الله ~~عز وجل: { والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ~~ربك وما قلى }. # التفسير: { والضحى * والليل إذا سجى } أقسم تعالى بوقت ~~الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس، وأقسم بالليل إذا اشتد ظلامه، ~~وغطى كل شيء في الوجود قال ابن عباس: { سجى } أقبل بظلامه قال ابن ~~كثير: هذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء، وبالليل إذا ~~سكن فأظلم وأدلهم، وذلك دليل ظاهر على قدرته تعالى { ما ودعك ~~ربك وما قلى } أي ما تركك ربك يا محمد منذ اختارك، ولا أبغضك ~~منذ أحبك، وهذا رد على المشركين حين قالوا: هجره ربه، وهو جواب القسم { ~~وللآخرة خير لك من الأولى } أي وللدار الآخرة خير لك ~~يا محمد من هذه ms1793 الحياة الدنيا، لأن الآخرة باقية، والدنيا فانية، ولهذا ~~كان عليه السلام يقول: # " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة " # { ولسوف يعطيك ربك فترضى } أي سوف يعطيك ربك في ~~الآخرة من الثواب، والكرامة، والشفاعة، وغير ذلك إلى أن ترضى قال ابن ~~عباس: هي الشفاعة في أمته حتى يرضى، لما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أمته فقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، ~~فقال الله يا جبريل إذهب إلى محمد واسأله ما يبكيك: - وهو أعلم - فأتى ~~جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله فأخبره رسول الله بما قال، ~~فقال الله يا جبريل: اذهب إلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا ~~نسوءك " # ، وفي الحديث # " لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي ~~شفاعتي لأمتي يوم القيامة " # الحديث قال الخازن: والأولى حمل الآية على ظاهرها ليشمل خيري الدنيا ~~والآخرة معا، فقد أعطاه الله تعالى في الدنيا النصر والظفر على الأعداء، ~~وكثرة الأتباع والفتوح، وأعلى دينه، وجعل أمته خير الأمم، وأعطاه في ~~الآخرة الشفاعة العامة، والمقام المحمود، وغير ذلك من خيري الدنيا ~~والآخرة.. ثم لما وعده بهذا الوعد الجليل، ذكره بنعمه عليه في حال صغره ~~ليشكر ربه فقال { ألم يجدك يتيما فآوى } أي ألم تكن يا ~~محمد يتيما في صغرك، فآواك الله إلى عمك أبي طالب وضمك إليه؟ قال ابن ~~كثير: وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، ثم توفيت أمه وله من ~~العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده " عبد المطلب " إلى أن توفي وله من ~~العمر ثمان سنين، فكفله عمه " أبو طالب " ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع ~~من قدره حتى ابتعثه الله على رأس الأربعين وأبو طالب على عبادة الأوثان ~~مثل قومه ومع ذلك كان يدفع الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل ~~هذا من حفظ الله له، وكلاءته وعنايته به { ووجدك ضآلا فهدى } ~~أي ووجدك تائها عن معرفة الشريعة والدين فهداك إليها كقوله تعالى # ما كنت تدري ما الكتاب ولا ms1794 الإيمان # [الشورى: 52] قال الإمام الجلال: أي وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من ~~الشريعة فهداك إليها، وقيل: ضل في بعض شعاب مكة وهو صغير فرده الله ~~إلى جده قال أبو حيان: لا يمكن حمله على الضلال الذي يقابله الهدى، لأن ~~الأنبياء معصومون من ذلك قال ابن عباس: هو ضلاله وهو في صغره في شعاب ~~مكة، وقيل: ضل وهو مع عمه في طريق الشام { ووجدك عآئلا ~~فأغنى } أي ووجدك فقيرا محتاجا فأغناك عن الخلق، بما يسر لك من ~~أسباب التجارة.. ولما عدد عليه هذه النعم الثلاث، وصاه بثلاث وصايا ~~مقابلها فقال { فأما اليتيم فلا تقهر } أي فأما اليتيم فلا ~~تحتقره ولا تغلبه على ماله قال مجاهد: أي لا تحتقره وقال سفيان: لا تظلمه ~~بتضييع ماله، والمراد كن لليتيم كالأب الرحيم، فقد كنت يتيما فآواك الله ~~{ وأما السآئل فلا تنهر } أي وأما السائل المستجدي الذي ~~يسأل عن حاجة وفقر، فلا تزجره إذا سألك ولا تغلظ له القول بل أعطه أو ~~رده ردا جميلا قال قتادة: رد المسكين برفق ولين { وأما ~~بنعمة ربك فحدث } أي حدث الناس بفضل الله وإنعامه ~~عليك، فإن التحدث بالنعمة شكر لها قال الألوسي: كنت يتيما وضالا ~~وعائلا، فآواك الله وهداك وأغناك، فلا تنس نعمة الله عليك في هذه ~~الثلاث، فتعطف على اليتيم، وترحم على السائل، فقد ذقت اليتم والفقر، ~~وأرشد العباد إلى طريق الرشاد، كما هداك ربك. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { الآخرة } و { الأولى } لأن المراد بالأولى الدنيا ~~وهي تطابق الآخرة. # 2- المقابلة اللطيفة { ألم يجدك يتيما فآوى.. ووجدك ~~عآئلا فأغنى } قابلها بقوله { فأما اليتيم فلا ~~تقهر * وأما السآئل فلا تنهر } وهي من لطائق علم ~~البديع. # 3- الجناس الناقص بين { تقهر } و { تنهر } لتغير الحرف الثاني ~~من الكلمتين. # 4- السجع المرصع كأنه الدر المنظوم في عقد كريم { ألم يجدك ~~يتيما فآوى * ووجدك ضآلا فهدى * ووجدك عآئلا ~~فأغنى } الخ. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-8] # التفسير: { ألم نشرح لك صدرك } استفهام بمعنى التقرير أي ~~قد ms1795 شرحنا لك صدرك يا محمد بالهدى والإيمان، ونور القرآن كقوله تعالى # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام # [الأنعام: 125] قال ابن كثير: أي نورناه وجعلناه فسيحا، رحيبا، ~~واسعا، وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا، سمحا، سهلا، لا حرج ~~فيه ولا إصر ولا ضيق وقال أبو حيان: شرح الصدر تنويره بالحكمة، ~~وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه وهو قول الجمهور، وقيل: هو شق جبريل لصدره ~~في صغره وهو مروي عن ابن عباس { ووضعنا عنك وزرك } أي حططنا ~~عنك حملك الثقيل { الذي أنقض ظهرك } أي الذي أثقل وأوهن ظهرك ~~قال المفسرون: المراد بالوزر الأمور التي فعلها صلى الله عليه وسلم، ~~ووضعها عنه هو غفرانها له كقوله تعالى # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] وليس المراد بالذنوب المعاصي والأثام، فإن الرسل معصومون من ~~مقارفة الجرائم، ولكن ما فعله عليه السلام عن اجتهاد وعوتب عليه، كإذنه ~~صلى الله عليه وسلم للمنافقين في التخلف عن الجهاد حين اعتذروا، وأخذه ~~الفداء من أسرى بدر، وعبسه في وجه الأعمى ونحو ذلك، قال في التسهيل: ~~وإنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفورة لهم، لهمهم بها ~~وتحسرهم عليها، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله وهذا كما ورد في ~~الأثر # " إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كالذبابة ~~تطير فوق أنفه " # والنقيض هو الصوت الذي يسمع من المحمل فوق ظهر البعير من شدة الحمل { ~~ورفعنا لك ذكرك } أي رفعنا شأنك، وأعلينا مقامك في الدنيا ~~والآخرة، وجعلنا اسمك مقرونا باسمي قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي ~~وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا ~~صاحب صلاة إلا ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~وفي الحديث # " أتاني جبريل فقال لي يا محمد: إن ربك يقول: أتدري كيف رفعت ذكرك؟ ~~قلت: الله تعالى أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي " # قال في البحر: قرن الله ذكر الرسول بذكره جل وعلا في كلمة ms1796 الشهادة، ~~والأذان والإقامة، والتشهد، والخطب، وفي غير موضع من القرآن، وأخذ على ~~الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به كما قال حسان بن ثابت: # وضم الإله اسم النبي إلى اسمه # إذا قال في الخمس المؤذن أشهد # وشق له من إسمه ليجله # فذو العرش محمود وهذا محمد # { فإن مع العسر يسرا } أي بعد الضيق يأتي الفرج، وبعد ~~الشدة يكون المخرج قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مكة في ضيق وشدة هو وأصحابه، بسبب أذى المشركين للرسول والمؤمنين، فوعده ~~الله باليسر، كما عدد عليه النعم في أول السورة تسلية وتأنيسا له، ~~لتطيب نفسه ويقوى رجاؤه، وكأن الله تعالى يقول: إن الذي أنعم عليك ~~بهذه النعم الجليلة، سينصرك عليهم، ويظهر أمرك، ويبدل لك هذا العسر بيسر ~~قريب، ولذلك كرره مبالغة فقال: { إن مع العسر يسرا } أي ~~سيأتي الفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر فلا تحزن ولا تضجر وفي الحديث # " لن يغلب عسر يسرين " # { فإذا فرغت فانصب } أي فإذا فرغت يا محمد من دعوة الخلق، ~~فاجتهد في عبادة الخالق، وإذا انتهيت من أمور الدنيا، فأتعب نفسك في طلب ~~الآخرة { وإلى ربك فارغب } أي اجعل همك ورغبتك فيما عند ~~الله، لا في هذه الدنيا الفانية قال ابن كثير: المعنى إذا فرغت من أمور ~~الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها، فانصب إلى العبادة، وقم إليها نشيطا ~~فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الاستفهام التقريري للامتنان والتذكير بنعم الرحمن { ألم نشرح ~~لك صدرك.. } الخ. # 2- الاستعارة التمثيلية { ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك } شبه الذنوب بحمل ثقيل يرهق كاهل الإنسان ويعجز عن ~~حمله بطريق الاستعارة التمثيلية. # 3- التنكير للتفخيم والتعظيم { إن مع العسر يسرا } نكر ~~اليسر للتعظيم كأنه قال يسرا كبيرا. # 4- الجناس الناقص بين لفظ { اليسر } و { العسر }. # 5- تكرير الجملة لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب { إن ~~مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا } ويسمى هذا ~~بالإطناب. # 6- السجع المرصع مراعاة لرءوس الآيات { فإذا فرغت فانصب * ~~وإلى ربك ms1797 فارغب } ومثلها { ووضعنا عنك وزرك * ~~الذي أنقض ظهرك } وهو من المحسنات البديعية. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # اللغة: { طور سينين } هو جبل الطور الذي كلم الله عليه موسى ومعنى ~~{ سينين } المبارك { تقويم } تعديل يقال: قوم العود أي عدله ~~وجعله مستقيما، وقومه الدهر جعله متزنا حصيف الرأي والعقل { ممنون ~~} مقطوع { بالدين } الجزاء مأخوذ من دان بمعنى جازى ومنه الحديث ~~الشريف # " كما تدين تدان " # أي كما تفعل تجازى. # التفسير: { والتين والزيتون } هذا قسم أي أقسم بالتين ~~والزيتون لبركتهما وعظيم منفعتهما قال ابن عباس: هو تينكم الذي تأكلون، ~~وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت وقال عكرمة: أقسم الله تعالى بمنابت ~~التين والزيتون، فإن التين ينبت كثيرا بدمشق، والزيتون ببيت المقدس.. ~~وهو الأظهر، ويدل عليه أن الله تعالى عطف عليه الاماكن " جبل الطور " و " ~~البلد الأمين " فيكون قسما بالبقاع المقدسة التي شرفها الله تعالى ~~بالوحي والرسالات السماوية { وطور سينين } أي وأقسم بالجبل ~~المبارك الذي كلم الله عليه موسى وهو " طور سيناء " ذو الشجر الكثير، ~~الحسن المبارك قال الخازن: سمي " سينين " و " سيناء " لحسنه ولكونة ~~مباركا، وكل جبل فيه أشجار مثمرة يسمى سينين وسيناء { وهذا ~~البلد الأمين } أي وأقسم بالبلد الأمين " مكة المكرمة " التي ~~يأمن فيها من دخلها على نفسه وماله كقوله تعالى # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67]!! قال الألوسي: هذه أقسام ببقاع مباركة شريفة على ما ذهب ~~إليه الكثيرون، فأما البلد الأمين فمكة المكرمة - حماها الله - بلا خوف، ~~وأما طور سينين فالجبل الذي كلم الله تعالى موسى عليه، ويقال له: طور ~~سيناء، وأما التين والزيتون فروي عن قتادة أن المراد بهما جبلان: أحدهما ~~بدمشق، والثاني ببيت المقدس، وعنى بالتين والزيتون منبتيهما، وقيل: ~~المراد بهما الشجران المعروفان وهو قول ابن عباس ومجاهد، والغرض من القسم ~~بتلك الأشياء الإبانة عن شرف البقاع المباركة، وما ظهر فيها من الخير ~~والبركة ببعثة الأنبياء والمرسلين وقال ابن كثير: ذهب بعض الأئمة إلى أن ~~هذه محال ثلاث، بعث الله في كل منها نبيا مرسلا من أولي ms1798 العزم أصحاب ~~الشرائع الكبار فالأول: محلة التين والزيتون وهي " بيت المقدس " التي بعث ~~الله فيها عيسى عليه السلام والثاني: طور سينين وهو " طور سيناء " الذي ~~كلم الله عليه موسى بن عمران والثالث: البلد الأمين الذي من دخله كان ~~آمنا، وهو الذي أرسل الله فيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر في ~~آخر التوراة هذه الأماكن الثلاثة " جاء الله من طور سيناء - الجبل الذي ~~كلم الله عليه موسى - وأشرق من ساعير - يعني جبل بيت المقدس الذي بعث ~~الله منه عيسى - واستعلن من جبال فاران - يعني جبال مكة التي أرسل الله ~~منها محمدا صلى الله عليه وسلم " فذكرهم بحسب ترتيبهم بالزمان، وأقسم ~~بالأشرف ثم الأشرف منه، ثم بالأشرف منهما، وجواب القسم هو قوله { لقد ~~خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } أي لقد خلقنا جنس ~~الإنسان في أحسن شكل، متصفا بأجمل وأكمل الصفات، من حسن الصورة، ~~وانتصاب القامة، وتناسب الأعضاء، مزينا بالعلم والفهم، والعقل والتمييز، ~~والنطق والأدب، قال مجاهد: { أحسن تقويم } أحسن صورة، وأبدع خلق ~~{ ثم رددناه أسفل سافلين } أي ثم أنزلنا درجته إلى أسفل ~~سافلين، لعدم قيامه بموجب ما خلقناه عليه، حيث لم يشكر نعمة خلقنا له في ~~أحسن صورة، ولم يستعمل ما خصصناه به من المزايا في طاعتنا، فلذلك سنرده ~~إلى أسفل سافلين وهي جهنم قال مجاهد والحسن: { أسفل سافلين } ~~أسفل دركات النار وقال الضحاك: أي رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد ~~الشباب، والضعف بعد القوة قال الألوسي: والمتبادر من السياق الإشارة ~~الى حالة الكافر يوم القيامة، وأنه يكون على أقبح صورة وأبشعها، بعد أن ~~كان على أحسن صورة وأبدعها { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي إلا المؤمنين المتقين الذين جمعوا بين الإيمان ~~والعمل الصالح { فلهم أجر غير ممنون } أي فلهم ثواب دائم ~~غير مقطوع عنهم، وهو الجنة دار المتقين { فما يكذبك بعد ~~بالدين } الخطاب للإنسان على طريقة الالتفات أي فما سبب تكذيبك أيها ~~الانسان، بعد هذا البيان وبعد وضوح الدلائل والبراهين؟ فإن خلق الإنسان ~~من نطفة، وإيجاده في أجمل ms1799 شكل وأبدع صورة، من أوضح الدلائل على قدرة الله ~~عز وجل على البعث والجزاء، فما الذي يدعوك إلى التكذيب بيوم الدين بعد ~~هذه البراهين؟ { أليس الله بأحكم الحاكمين } أي أليس ~~الله الذي خلق وأبدع، بأعدل العادلين حكما وقضاء وفصلا بين العباد؟! ~~وفي الحديث # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: بلى وأنا على ذلك من ~~الشاهدين ". # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- المجاز العقلي بإطلاق الحال وإرادة المحل { والتين ~~والزيتون } أراد موضعهما الشام وبيت المقدس على القول الراجح. # 2- الطباق بين { أحسن تقويم } وبين { أسفل سافلين }. # 3- جناس الاشتقاق { أحكم الحاكمين }. # 4- الالتفات من الغيبة إلى الخطاب زيادة في التوبيخ والعتاب { فما ~~يكذبك }؟! # 5- الاستفهام التقريري { أليس الله بأحكم الحاكمين }؟ # 6- السجع المرصع { البلد الأمين.. أسفل سافلين.. ~~أحكم الحاكمين } والله أعلم. # لطيفة: ذكر الإمام القرطبي: أن " عيسى الهاشمي " كان يحب زوجته حبا ~~شديدا، فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر!! ~~فاحتجبت عنه وقالت طلقتني، فحزن حزنا شديدا وذهب إلى الخليفة " ~~المنصور " وأخبره الخبر، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: ~~قد طلقت، إلا رجلا واحدا من أصحاب أبي حنيفة فقد بقى ساكتا فقال له ~~المنصور: مالك لا تتكلم؟ فقال له الرجل يا أمير المؤمنين: يقول الله ~~تعالى { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } فليس شيء ~~أحسن من الإنسان، فقال صدقت، وردها إلى زوجها. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-19] # اللغة: { علق } جمع علقة وهي الدم الجامد، سميت علقة لأنها تعلق ~~بالرحم { نسفعا } السفع: الجذب بشدة وقوة قال أهل اللغة: سفعت ~~بالشيء إذا قبضت عليه وجذبته جذبا شديدا، وسفع بناصية فرسه جذبها قال ~~الشاعر: # قوم إذا كثر الصياح رأيتهم # مابين ملجم مهره أو سافع # { الناصية } شعر مقدم الرأس { الزبانية } مأخوذ من الزبن ~~وهو الدفع، والمراد بهم ملائكة العذاب، الغلاظ الشداد، والعرب يطلقون هذا ~~الاسم على من اشتد بطشه قال الشاعر: # مطاعيم في القصوى، مطاعين في # الوغى زبانية غلب عظام حلومها # " روي أن أبا جهل اللعين ms1800 قال لأصحابه يوما: هل يعفر محمد وجهه بين ~~أظهركم؟ - يريد هل يصلي ويسجد أمامكم - قالوا: نعم، فقال: واللات ~~والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في ~~التراب، فجاء يوما فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فأقبل يريد ~~أن يطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، ~~فقيل له: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه خندقا من نار، وهولا وأجنحة فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا ~~عضوا " # فأنزل الله { أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى } ~~إلى آخر السورة. # التفسير: { اقرأ باسم ربك الذي خلق } هذا أول خطاب ~~إلهي وجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه دعوة إلى القراءة ~~والكتابة والعلم، لأنه شعار دين الإسلام أي إقرأ يا محمد القرآن ~~مبتدئا ومستعينا باسم ربك الجليل، الذي خلق جميع المخلوقات، وأوجد جميع ~~العوالم، ثم فسر الخلق تفخيما لشأن الإنسان فقال { خلق الإنسان ~~من علق } أي خلق هذا الإنسان البديع الشكل، الذي هو أشرف المخلوقات ~~من العلقة - وهي الدودة الصغيرة - وقد أثبت الطب الحديث أن المني ~~الذي خلق منه الإنسان محتو على حيوانات وديدان صغيرة لا ترى بالعين، ~~وإنما ترى بالمجهر الدقيق - الميكرسكوب - وأن لها رأسا وذنبا، فتبارك ~~الله أحسن الخالقين قال القرطبي: خص الإنسان بالذكر تشريفا له، ~~والعلقة قطعة من دم رطب، سميت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها بما تمر عليه ~~{ اقرأ وربك الأكرم } أي اقرأ يا محمد وربك العظيم الكريم، ~~الذي لا يساويه ولا يدانيه كريم، وقد دل على كمال كرمه أنه علم ~~العباد ما لم يعلموا { الذى علم بالقلم * علم الإنسان ~~ما لم يعلم } أي الذي علم الخط والكتابة بالقلم، وعلم البشر ~~ما لم يكونوا يعرفونه من العلوم والمعارف، فنقلهم من ظلمة الجهل إلى نور ~~العلم، فكما علم سبحانه بواسطة الكتابة بالقلم، فإنه يعلمك بلا واسطة ~~وإن كنت أميا لا تقرأ ولا تكتب قال القرطبي: نبه تعالى على فضل علم ~~الكتابة، لما فيه من ms1801 المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إنسان، وما دونت ~~العلوم ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب ~~الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولاها ما استقامت أمور الدنيا والدين. # . وهذه الآيات الخمس هي أول ما تنزل من القرآن، كما ثبت في الصحاح أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه الملك وهو يتعبد بغار حراء، فقال: ~~اقرأ، فقال ما أنا بقارىء.. الخ قال ابن كثير: أول شيء نزل من القرآن هذه ~~الآيات المباركات، وهن أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم ~~الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من ~~كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو ~~القدر الذي امتاز به " آدم " على الملائكة.. ثم أخبر تعالى عن سبب بطر ~~الإنسان وطغيانه فقال { كلا إن الإنسان ليطغى } أي حقا ~~إن الإنسان ليتجاوز الحد في الطغيان، واتباع هوى النفس، ويستكبر على ~~ربه عز وجل { أن رآه استغنى } أي من أجل أن رأى نفسه غنيا، ~~وأصبح ذا ثروة ومال أشر وبطر، ثم توعده وتهدده بقوله { إن إلى ~~ربك الرجعى } أي إن إلى ربك - أيها الإنسان - المرجع ~~والمصير فيجازيك على أعمالك، وفي الآية تهديد وتحذير لهذا الإنسان من ~~عاقبة الطغيان، ثم هو عام لكل طاغ متكبر قال المفسرون: نزلت هذه الآيات ~~إلى آخر السورة في " أبي جهل " بعد نزول صدر السورة بمدة طويلة، وذلك أن ~~أبا جهل كان يطغى بكثرة ماله، ويبالغ في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب { أرأيت الذي ينهى * ~~عبدا إذا صلى } تعجيب من حال ذلك الشقي الفاجر أي أخبرني يا ~~محمد عن ذلك المجرم الأثيم، الذي ينهى عبدا من عباد الله عن الصلاة ، ما ~~أسخف عقله، وما أشنع فعله!! قال أبو السعود: هذه الآية تقبيح وتشنيع ~~لحال الطاغي وتعجيب منها، وإيذان بأنها من الشناعة الغرابة بحيث يقضى ~~منها العجب، وقد أجمع المفسرون على أن العبد المصلي هو محمد صلى الله ~~عليه ms1802 وسلم، وأن الذي نهاه هو اللعين " أبو جهل " حيث قال: لئن رأيت ~~محمدا يصلي لأطأن على عنقه { أرأيت إن كان على الهدى } ~~أي أخبرني إن كان هذا العبد المصلي - وهو النبي صلى الله عليه وسلم - ~~الذي تنهاه عن الصلاة صالحا مهتديا، على الطريقة المستقيمة في قوله ~~وفعله!! { أو أمر بالتقوى } أي أو كان آمرا بالإخلاص ~~والتوحيد، داعيا إلى الهدى والرشاد، كيف تزجره وتنهاه!! فما أبلهك أيها ~~الغبي الذي تنهي من هذه أوصافه: عبد لله مطيع مهتد منيب، داع إلى ~~الهدى والرشاد؟! وما أعجب هذا؟! ثم عاد لخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فقال { أرأيت إن كذب وتولى } أي أخبرني يا محمد إن ~~كذب بالقرآن، وأعرض عن الإيمان { ألم يعلم بأن الله ~~يرى } أي ألم يعلم ذلك الشقي أن الله مطلع على أحواله، مراقب ~~لأفعاله، وسيجازيه عليها!! ويله ما أجهله وأغباه؟! ثم ردعه وزجره فقال { ~~كلا لئن لم ينته } أي ليرتدع هذا الفاجر " أبو جهل " عن غيه ~~وضلاله، فوالله لئن لم ينته عن أذى الرسول، ويكف عما هو عليه من الكفر ~~والضلال { لنسفعا بالناصية } أي لنأخذنه بناصيته - مقدم شعر ~~الرأس - فلنجرنه إلى النار بعنف وشدة ونقذفه فيها { ناصية ~~كاذبة خاطئة } أي صاحب هذه الناصية كاذب، فاجر، كثير الذنوب ~~والإجرام قال في التسهيل: ووصفها بالكذب والخطيئة مجاز، والكاذب ~~الخاطىء في الحقيقة صاحبها، والخاطىء الذي يفعل الذنب متعمدا، والمخطىء ~~الذي يفعله بدون قصد { فليدع ناديه } أي فليدع أهل ناديه ~~وليستنصر بهم { سندع الزبانية } أي سندعوا خزنة جهنم، الملائكة ~~الغلاظ الشداد، روي # " أن أبا جهل مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي عند المقام ~~فقال: ألم أنهك عن هذا يا محمد! فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~القول، فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني يا محمد! والله إني لأكثر أهل ~~الوادي هذا ناديا فأنزل الله { فليدع ناديه * سندع ~~الزبانية } " # قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته { كلا لا ~~تطعه } أي ليرتدع هذا الفاجر، ولا تطعه يا ms1803 محمد فيما دعاك إليه من ~~ترك الصلاة { واسجد واقترب } أي وواظب على سجودك وصلاتك، وتقرب ~~بذلك إلى ربك وفي الحديث # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الإطناب بتكرار الفعل { اقرأ باسم ربك.. } ثم قال: { ~~اقرأ وربك الأكرم } لمزيد الاهتمام بشأن القراءة والعلم. # 2- الجناس الناقص بين { خلق } و { علق }. # 3- طباق السلب { علم الإنسان ما لم يعلم }. # 4- الكناية { أرأيت الذي ينهى * عبدا } كنى بالعبد عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل: ينهاك تفخيما لشأنه وتعظيما ~~لقدره. # 5- الاستفهام للتعجيب من شأن الناهي { أرأيت الذي ينهى }؟ { ~~أرأيت إن كان على الهدى }؟ # 6- المجاز العقلي { ناصية كاذبة خاطئة } أي كاذب صاحبها ~~خاطىء فأسند الكذب إليها مجازا. # 7- السجع المرصع مثل { اقرأ باسم ربك الذي خلق * ~~خلق الإنسان من علق }. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # التفسير: { إنا أنزلناه في ليلة القدر } أي نحن ~~أنزلنا هذا القرآن المعجز في ليلة القدر والشرف قال المفسرون: سميت ليلة ~~القدر لعظمها وقدرها وشرفها، والمراد بإنزال القرآن إنزاله من اللوح ~~المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل إلى الأرض في مدة ثلاث ~~وعشرين سنة كما قال ابن عباس: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح ~~المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ~~ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم { ومآ أدراك ما ~~ليلة القدر } تعظيم وتفخيم لأمرها أي وما أعلمك يا محمد ما ~~ليلة القدر والشرف؟ قال الخازن: وهذا على سبيل التعظيم لها والتشويق ~~لخبرها كأنه قال: أي شيء يبلغ علمك بقدرها ومبلغ فضلها؟! ثم ذكر فضلها من ~~ثلاثة أوجه فقال تعالى { ليلة القدر خير من ألف شهر ~~} أي ليلة القدر في الشرف والفضل خير من ألف شهر، لما اختصت به من شرف ~~إنزال القرآن الكريم فيها قال المفسرون: العمل الصالح في ليلة القدر ~~خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقد روي أن رجلا لبس ms1804 ~~السلاح وجاهد في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله والمسلمون من ذلك، ~~وتمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته فقال يا رب: جعلت أمتي أقصر ~~الأمم أعمارا، وأقلها أعمالا!! فأعطاه الله ليلة القدر، وقال: ليلة ~~القدر خير لك ولأمتك من ألف شهر، جاهد فيها ذلك الرجل قال مجاهد: عملها ~~وصيامها وقيامها خير من ألف شهر، هذا هو الوجه الأول من فضلها ثم قال ~~تعالى { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم ~~من كل أمر } أي تنزل الملائكة وجبريل إلى الأرض في تلك الليلة ~~بأمر ربهم من أجل كل أمر قدره الله وقضاه لتلك السنة إلى السنة ~~القابلة، وهذا هو الوجه الثاني من فضلها، والوجه الثالث قوله تعالى { ~~سلام هي حتى مطلع الفجر } أي هي سلام من أول يومها إلى ~~طلوع الفجر، تسلم فيها الملائكة على المؤمنين، ولا يقدر الله فيها ~~إلا الخير والسلامة لبني الإنسان. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الإطناب بذكر ليلة القدر ثلاث مرات، زيادة في الاعتناء بشأنها، ~~وتفخيما لأمرها. # 2- الاستفهام بغرض التفخيم والتعظيم { ومآ أدراك ما ليلة ~~القدر }؟ # 3- ذكر الخاص بعد العام { تنزل الملائكة والروح } فذكر ~~جبريل بعد الملائكة لينبه على جلالة قدره. # 4- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل { القدر } ، { شهر } ، ~~{ أمر } ، { الفجر } وهو من المحسنات البديعية اللفظية والله ~~أعلم. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-8] # اللغة: { منفكين } منتهين زائلين، وأصل الفك: الفتح ومنه فك ~~الكتاب، وفك الخلخال { البينة } الحجة الواضحة، والدلالة القاطعة ~~{ مطهرة } منزهة عن الباطل والشبهات { قيمة } مستقيمة عادلة ~~{ حنفآء } مائلين عن الباطل إلى الدين الحق، وأصل الحنف: الميل { ~~البرية } الخلق من قولهم: برأ الله الخلق، ومنه البارىء أي ~~الخالق. # التفسير: { لم يكن الذين كفروا } أي لم يكن أهل الكفر ~~والجحود، الذين كفروا بالله وبرسوله، ثم بينهم بقوله { من أهل ~~الكتاب والمشركين } أي من اليهود والنصارى أهل الكتاب، ومن ~~المشركين عبدة الأوثان والأصنام { منفكين حتى تأتيهم ~~البينة } أي منفصلين ومنتهين عما هم عليه من الكفر، حتى تأتيهم ~~الحجة الواضحة، وهي ms1805 بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا فسرها بقوله { ~~رسول من الله } أي هذه البينة هي رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم المرسل من عند الله تعالى { يتلوا صحفا مطهرة } أي ~~يقرأ عليهم صحفا منزهة عن الباطل عن ظهر قلب، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب قال القرطبي: أي يقرأ ما تتضمن الصحف من ~~المكتوب، يتلوها عن ظهر قلبه لا عن كتاب، لأنه عليه السلام كان أميا لا ~~يكتب ولا يقرأ قال ابن عباس: { مطهرة } من الزور، والشك والنفاق، ~~والضلالة وقال قتادة: مطهرة عن الباطل { فيها كتب قيمة } أي ~~فيها أحكام قيمة لا عوج فيها، تبين الحق من الباطل قال الصاوي: المراد ~~بالصحف القراطيس التي يكتب فيها القرآن، والمراد بالكتب الأحكام المكتوبة ~~فيها، وإنما قال { فيها كتب قيمة } لأن القرآن جمع ثمرة كتب ~~الله المتقدمة.. ثم ذكر تعالى من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال { وما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جآءتهم البينة } أي وما اختلف اليهود والنصارى في شأن محمد ~~صلى الله عليه وسلم، إلا من بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة، الدالة على ~~صدق رسالته، وأنه الرسول الموعود به في كتبهم قال أبو السعود: والآية ~~مسوقة لغاية التشنيع على أهل الكتاب خاصة، وتغليظ جناياتهم، ببيان أن ~~تفرقهم لم يكن إلا بعد وضوح الحق، وتبين الحال، وانقطاع الأعذار ~~بالكلية، كقوله تعالى: # وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جآءهم العلم # [آل عمران: 19] وقال في التسهيل: أي ما اختلفوا في نبوة سيدنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم إلا من بعد ما علموا أنه حق، وإنما خص أهل الكتاب هنا ~~بالذكر، لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوته، بما يجدون في كتبهم من ذكره { ~~ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين } أي والحال أنهم ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بأن ~~يعبدوا الله وحده، مخلصين العبادة لله جل وعلا، ولكنهم حرفوا ~~وبدلوا، فعبدوا أحبارهم ورهبانهم كما قال تعالى # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ms1806 دون ~~الله والمسيح ابن مريم ومآ أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا # [التوبة: 31] { حنفآء } أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين ~~الإسلام، مستقيمين على دين إبراهيم، دين الحنيفية السمحة، الذي جاء به ~~خاتم المرسلين { ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة } أي ~~وأمروا بأن يؤدوا الصلاة على الوجه الأكمل، في أوقاتها بشروطها وخشوعها ~~وآدابها، ويعطوا الزكاة لمستحقيها عن طيب نفس قال الصاوي: وخص الصلاة ~~والزكاة لشرفهما { وذلك دين القيمة } أي وذلك المذكور من ~~العبادة والإخلاص، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، هو دين الملة ~~المستقيمة - دين الإسلام - فلماذا لا يدخلون فيه؟ ثم ذكر تعالى مآل كل ~~من الأبرار والأشرار، في دار الجزاء والقرار فقال { إن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم ~~خالدين فيهآ } أي إن الذين كذبوا بالقرآن وبنبوة محمد عليه ~~السلام، من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان، هؤلاء جميعهم يوم القيامة في ~~نار جهنم، ماكثين فيها أبدا لا يخرجون منها ولا يموتون { أولئك ~~هم شر البرية } أي أولئك هم شر الخلق على الإطلاق قال الامام ~~الفخر: فإن قيل: لم ذكر { كفروا } بلفظ الفعل، { والمشركين } ~~باسم الفاعل؟ فالجواب تنبيها على أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول ~~الأمر، لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإنجيل، ومقرين بمبعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم ثم إنهم كفروا بذلك بعد مبعثه عليه السلام، بخلاف ~~المشركين فإنهم ولدوا على عبادة الأوثان، وإنكار الحشر والقيامة، وقوله ~~{ أولئك هم شر البرية } لإفادة الحصر أي شر من ~~السراق لأنهم سرقوا من كتاب الله صفة محمد صلى الله عليه وسلم وشر من ~~قطاع الطريق، لأنهم قطعوا طريق الحق على الخلق، ولما ذكر مقر الأشقياء، ~~ذكر بعده مقر السعداء فقال { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي إن المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان وصالح الأعمال ~~{ أولئك هم خير البرية } أي هم خير الخليقة التي خلقها ~~الله وبرأها { جزآؤهم عند ربهم } أي ثوابهم في الآخرة على ما ~~قدموا من الإيمان والأعمال الصالحة { جنات عدن تجرى من ~~تحتها الأنهار } أي جنات إقامة تجري من تحت قصورها أنهار ms1807 الجنة ~~{ خالدين فيهآ أبدا } أي ماكثين فيها أبدا، لا يموتون ولا ~~يخرجون منها، وهم في نعيم دائم لا ينقطع { رضى الله عنهم ~~ورضوا عنه } أي رضي الله عنهم بما قدموا في الدنيا من الطاعات ~~وفعل الصالحات، ورضوا عنه بما أعطاهم من الخيرات والكرامات { ذلك ~~لمن خشي ربه } أي ذلك الجزاء والثواب الحسن لمن خاف الله ~~واتقاه، وانتهى عن معصية مولاه. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الإجمال ثم التفصيل { حتى تأتيهم البينة } ثم فصلها ~~بقوله { رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة }. # 2- الطباق بين { خير البرية } و { شر البرية }. # 3- الاستعارة التصريحية { يتلوا صحفا مطهرة } لفظة مطهرة ~~فيها استعارة حيث شبه تنزه الصحف عن الباطل بطهارتها عن الانجاس. # 4- المقابلة بين نعيم الأبرار وعذاب الفجار { إن الذين كفروا ~~من أهل الكتاب.. } الآية وبين { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } الآية. # 5- توافق الفواصل وهو من المحسنات البديعية مثل { البينة } ، { ~~القيمة } ، { خير البرية } ، { شر البرية } ونحو ~~ذلك. # تنبيه: الإخلاص هو لب العبادة وقد جاء في الحديث القدسي: # " أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه ~~" # وقد قسم العلماء الأعمال الى ثلاثة أقسام: " مأمورات، ومنهيات، ومباحات ~~" فأما المأمورات فالإخلاص فيها بأن يقصد بعمله وجه الله، وإن كانت ~~النية لغير وجه الله، فالعمل رياء محض مردود، وأما المنهيات فإن تركها ~~بدون نية خرج عن عهدتها، ولم يكن له أجر في تركها، وإن تركها ابتغاء وجه ~~الله كان مأجورا على تركها، وأما المباحات كالأكل والنوم والجماع وشبه ~~ذلك، فإن فعلها بغير نية لم يكن بها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله ~~فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قربة إذا قصد به وجه الله، مثل أن ~~يقصد بالأكل القوة على العبادة، ويقصد بالجماع التعفف عن الحرام. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-8] # اللغة: { زلزلت } حركت تحريكا عنيفا { أثقالها } الموتى ~~الذين في جوفها، جمع ثقل وهو الشيء الثقيل ومنه # وتحمل أثقالكم # [النحل: 7] قال الأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض ms1808 فهو ثقل لها، وإن ~~كان فوقها فهو ثقل عليها { يصدر } ينصرف ويخرج، والصدور ضد الورود، ~~فالوارد الآتي، والصادر المنصرف { أشتاتا } متفرقين جمع شت يقال: ~~ذهبوا أشتاتا أي متفرقين. # التفسير: { إذا زلزلت الأرض زلزالها } أي إذا حركت ~~الأرض تحريكا عنيفا، واضطربت اضطرابا شديدا، واهتزت بمن عليها ~~اهتزازا يقطع القلوب ويفزع الألباب كقوله تعالى # اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم # [الحج: 1] قال المفسرون: إنما أضاف الزلزلة إليها { زلزالها } ~~تهويلا كأنه يقول: الزلزلة التي تليق بها على عظم جرمها، وذلك عند قيام ~~الساعة تتزلزل وتتحرك تحريكا متتابعا، وتضطرب بمن عليها، ولا تسكن حتى ~~تلقي ما على ظهرها من جبل وشجر وبناء وقلاع { وأخرجت الأرض ~~أثقالها } أي وأخرجت الأرض ما في بطنها من الكنوز والموتى قال ابن ~~عباس: أخرجت موتاها وقال منذر ابن سعيد: أخرجت كنوزها وموتاها وفي الحديث ~~" تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوانة من الذهب والفضة، فيجيء القاتل ~~فيقول في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء ~~السارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا " { ~~وقال الإنسان ما لها }؟ أي وقال الإنسان: ما للأرض تزلزلت هذه ~~الزلزلة العظيمة، ولفظت ما في بطنها؟! يقول ذلك دهشة وتعجبا من تلك ~~الحالة الفظيعة { يومئذ تحدث أخبارها } أي في ذلك اليوم ~~العصيب - يوم القيامة - تتحدث الأرض وتخبر بما عمل عليها من خير أو شر، ~~وتشهد على كل إنسان بما صنع على ظهرها، عن أبي هريرة قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { يومئذ تحدث ~~أخبارها } فقال: " أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، ~~قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: ~~عمل يوم كذا، كذا وكذا، فهذه أخبارها " # وفي الحديث # " تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرا ~~أو شرا إلا وهي مخبرة به " # { بأن ربك أوحى لها } أي ذلك الإخبار بسبب أن الله جلت ~~عظمته أمرها بذلك، وأذن لها أن تنطق بكل ما حدث وجرى ms1809 عليها، فهي تشكو ~~العاصي وتشهد عليه، وتشكر المطيع وتثني عليه، والله على كل شيء قدير { ~~يومئذ يصدر الناس أشتاتا } أي في ذلك اليوم يرجع الخلائق ~~من موقف الحساب، وينصرفون متفرقين فرقا فرقا، فآخذ ذات اليمين إلى ~~الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار { ليروا أعمالهم } أي ~~لينالوا جزاء أعمالهم من خير أو شر { فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره } أي فمن يفعل من الخير زنة ذرة من التراب، يجده في ~~صحيفته يوم القيامة ويلق جزاءه عليه قال الكلبي: الذرة أصغر النمل وقال ~~ابن عباس: إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها، فكل واحد مما لصق به ~~من التراب ذرة { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } أي ~~ومن يفعل من الشر زنة ذرة من التراب، يجده كذلك ويلق جزاءه عليه قال ~~القرطبي: وهذا مثل ضربه الله تعالى في أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة ~~ولا كبيرة، وهو مثل قوله تعالى # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40]. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع نوجزها فيما يلي: # 1- الإضافة للتهويل والتفظيع { زلزالها }. # 2- الإظهار في مقام الإضمار { وأخرجت الأرض } لزيادة التقرير ~~والتوكيد. # 3- الاستفهام للتعجب والاستغراب { وقال الإنسان ما لها }؟ # 4- جناس الاشتقاق { زلزلت.. زلزالها }. # 5- المقابلة بين { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا.. } وبين { ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا.. }. # 6- السجع المرصع كأنه الذهب السبيك أو الدر والياقوت مثل { ~~زلزالها } ، { أثقالها } ، { أوحى لها } ، { ~~أخبارها } ، { ما لها } وهو من المحسنات البديعية. # فائدة: سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { فمن ~~يعمل مثقال ذرة.. } الجامعة الفاذة حين سئل عن زكاة الحمر ~~فقال: # " ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة { فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره } " # أخرجه البخاري. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-11] # اللغة: { ضبحا } الضبح: صوت أنفاس الخيل إذا عدت قال عنترة: ~~والخيل تكدح حين تضبح في حياض الموت ضبحا { أثرن } هيجن { ~~نقعا } النقع: الغبار { كنود } كفور جحود لنعمة الله من كند ~~النعمة إذا كفرها ولم يشكرها قال ms1810 الشاعر: # كنود لنعماء الرجال ومن يكن # كنودا لنعماء الرجال يبعد # { بعثر } أثير وقلب من بعثرت المتاع إذا جعلت أسفله أعلاه. # التفسير: { والعاديات ضبحا } أي أقسم بخيل المجاهدين ~~المسرعات في الكر على العدو، يسمع لأنفاسها صوت جهير هو الضبح قال ~~ابن عباس: الخيل إذا عدت قالت: أح، أح فذلك ضبحها قال أبو السعود: ~~أقسم سبحانه بخيل الغزاة التي تعدو نحو العدو وتضبح ضبحا وهو صوت ~~أنفاسها عند عدوها { فالموريات قدحا } أي فالخيل التي تخرج شرر ~~النار من الأرض بوقع حوافرها على الحجارة من شدة الجري { فالمغيرات ~~صبحا } أي فالخيل التي تغير على العدو وقت الصباح قبل طلوع الشمس قال ~~الألوسي: هذا هو المعتاد في الغارات، كانوا يعدون ليلا لئلا يشعر بهم ~~العدو، ويهجمون صباحا ليروا ما يأتون وما يذرون { فأثرن به ~~نقعا } أي فأثارت الخيل الغبار الكثيف لشدة العدو، في الموضع الذي ~~أغرن به { فوسطن به جمعا } أي فتوسطن به جموع الأعداء، وأصبحن ~~وسط المعركة.. أقسم سبحانه وتعالى بأقسام ثلاثة على أمور ثلاثة، تعظيما ~~للمقسم به وهو خيل المجاهدين في سبيل الله، التي تسرع على أعداء الله، ~~وتقدح النار بحوافرها، وتغير على الأعداء وقت الصباح، فتثير الغبار، ~~وتتوسط العدو فتصيبه بالرعب والفزع، أما الأمور التي أقسم عليها فهي قوله ~~{ إن الإنسان لربه لكنود } أي إن الإنسان لجاحد لنعم ~~ربه، شديد الكفران قال ابن عباس: جاحد لنعم الله وقال الحسن: يذكر ~~المصائب وينسى النعم { وإنه على ذلك لشهيد } أي وإن ~~الإنسان لشاهد على كنوده، لا يقدر أن يجحده لظهور أثره عليه { وإنه ~~لحب الخير لشديد } أي وإنه لشديد الحب للمال حريص على ~~جمعه، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمه ضعيف متقاعس.. ثم بعد أن عدد عليه ~~قبائح أفعاله خوفه فقال { أفلا يعلم إذا بعثر ما في ~~القبور } أفلا يعلم هذا الجاهل إذا أثير ما في القبور وأخرج ما ~~فيها من الأموات { وحصل ما في الصدور } أي وجمع وأبرز ما في ~~الصدور من الأسرار والخفايا التي كانوا يسرونها { إن ربهم بهم ~~يومئذ لخبير ms1811 } إي إن ربهم لعالم بجميع ما كانوا يصنعون، ~~ومجازيهم عليه أوفر الجزاء، وإنما خص علمه بهم في ذلك اليوم - يوم ~~القيامة - لأنه يوم الجزاء، بقصد الوعيد والتهديد، فهو تعالى عالم بهم في ~~ذلك اليوم وغيره. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- التأكيد بإن واللام في مواضع مثل { إن الإنسان لربه ~~لكنود } { وإنه لحب الخير لشديد } { إن ~~ربهم بهم يومئذ لخبير } زيادة في التقرير والبيان. # 2- الجناس غير التام بين { لشهيد } و { لشديد } وكذلك { ضبحا ~~} و { صبحا }. # 3- الاستفهام الإنكاري للتهديد والوعيد { أفلا يعلم إذا ~~بعثر ما في القبور }؟ # 4- التضمين { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } ضمن لفظ ~~{ لخبير } معنى المجازاة أي يجازيهم على أعمالهم. # 5- توافق الفواصل مثل { شهيد } ، { شديد } و { الصدور } ، { ~~القبور } الخ. ويسمى " السجع المرصع " وهو من المحسنات البديعية. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-11] # اللغة: { القارعة } اسم من أسماء القيامة، سميت بها لأنها تقرع ~~الخلائق بأهوالها وأفزاعها، وأصل القرع الضرب بشدة وقوة، تقول العرب: ~~قرعتهم القارعة وفقرتهم الفاقرة، إذا وقع بهم أمر فظيع { المبثوث ~~} المنتشر المتفرق { العهن } الصوف ذو الألوان أو المصبوغ { ~~الهاوية } اسم لجهنم سميت بذلك لأن الناس يهوون بها أي يسقطون. # التفسير: { القارعة * ما القارعة } أي القيامة وأي شيء هي ~~القيامة؟ إنها في الفظاعة والفخامة بحيث لا يدركها خيال، ولا يبلغها ~~وهم انسان فهي أعظم من أن توصف أو تصور، ثم زاد في التفخيم والتهويل ~~لشأنها فقال { ومآ أدراك ما القارعة }؟ أي أي شيء أعلمك ما ~~شأن القارعة في هولها على النفوس؟ إنها لا تفزع القلوب فحسب، بل تؤثر ~~في الاجرام العظيمة، فتؤثر في السماوات بالإنشقاق، وفي الأرض بالزلزلة، ~~وفي الجبال بالدك والنسف، وفي الكواكب بالانتثار، وفي الشمس والقمر ~~بالتكوير والانكدار إلى غير ما هنالك قال أبو السعود: سميت القيامة ~~قارعة لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأهوال والأفزاع، ووضع الظاهر ~~موضع الضمير { ما القارعة } تأكيدا للتهويل، والمعنى أي شيء ~~عجيب هي في الفخامة والفظاعة، ثم أكد هولها وفظاعتها بقوله { ومآ ~~أدراك ما القارعة }؟ ببيان خروجها عن ms1812 دائرة علوم الخلق، بحيث ~~لا تكاد تنالها دراية أحد.. وبعد هذا التخويف والتشويق إلى معرفة شيء ~~من أحوالها، جاء التوضيح والبيان بقوله تعالى { يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث } أي ذلك يحدث عندما يخرج الناس من قبورهم ~~فزعين، كأنهم فراش متفرق منتشر هنا وهناك، يموج بعضهم في بعض من شدة ~~الفزع والحيرة قال الرازي: شبه تعالى الخلق وقت البعث ههنا بالفراش ~~المبثوث، وفي آية أخرى بالجراد المنتشر، أما وجه التشبيه بالفراش، فلأن ~~الفراش إذا ثار لم يتجه إلى جهة واحدة، بل كل واحدة منها تذهب إلى ~~غير جهة الأخرى، فدل على أنهم إذا بعثوا فزعوا، وأما وجه التشبيه ~~بالجراد فهو في الكثرة، يصبحون كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضا، فكذلك ~~الناس إذا بعثوا يموج بعضهم في بعض كالجراد والفراش كقوله تعالى # وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض # [الكهف: 99] { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } هذا هو ~~الوصف الثاني من صفات ذلك اليوم المهول أي وتصير الجبال كالصوف المنتثر ~~المتطاير، تتفرق أجزاؤها وتتطاير في الجو، حتى تكون كالصوف المتطاير عند ~~الندف قال الصاوي: وإنما جمع بين حال الناس وحال الجبال، تنبيها على أن ~~تلك القارعة أثرت في الجبال العظيمة الصلبة، حتى تصير كالصوف المندوف ~~مع كونها غير مكلفة ، فكيف حال الإنسان الضعيف المقصود بالتكليف ~~والحساب!! ثم ذكر تعالى حالة الناس في ذلك اليوم، وانقسامهم إلى شقي ~~وسعيد فقال { فأما من ثقلت موازينه } أي رجحت موازين ~~حسناته، وزادت حسناته على سيئاته { فهو في عيشة راضية } أي ~~فهو في عيش هنيء رغيد سعيد، في جنان الخلد والنعيم { وأما من ~~خفت موازينه } أي نقصت حسناته عن سيئاته، أولم يكن له حسنات ~~يعتد بها { فأمه هاوية } أي فمسكنه ومصيره نار جهنم يهوي في ~~قعرها، سماها أما لأن الأم مأوى الولد ومفزعه، فنار جهنم تؤوي هؤلاء ~~المجرمين، كما يأوي الأولاد إلى أمهم، وتضمهم إليها كما تضم الأم ~~الأولاد إليها قال أبو السعود: { هاوية } اسم من أسماء النار، سميت ~~بها لغاية عمقها وبعد مهواها، روي أن أهل النار يهوون فيها سبعين ms1813 خريفا ~~{ ومآ أدراك ما هيه }؟ استفهام للتفخيم والتهويل أي وما أعلمك ~~ما الهاوية؟ ثم فسرها بقوله { نار حامية } أي هي نار شديدة ~~الحرارة، قد خرجت عن الحد المعهود، فإن حرارة أي نار إذا سعرت وألقي ~~فيها أعظم الوقود لا تعادل حرارة جهنم، أجارنا الله منها بفضله وكرمه. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الاستفهام للتفخيم والتهويل { ومآ أدراك ما القارعة }؟ { ~~ومآ أدراك ما هيه }؟ # 2- وضع الظاهر مكان الضمير للتخويف والتهويل { القارعة * ما ~~القارع }؟ والأصل أن يقال: القارعة ما هي؟ # 3- التشبيه المرسل المجمل { يوم يكون الناس كالفراش ~~المبثوث } ذكرت أداة التشبيه وحذف وجه الشبه أي في الكثرة ~~والانتشار، والضعف والذلة، ومثله { كالعهن المنفوش } أي في ~~تطايرها وخفة سيرها فيسمى مرسلا مجملا. # 4- المقابلة { فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة ~~راضية } ثم قابلها بقوله { وأما من خفت موازينه * ~~فأمه هاوية } وهو من المحسنات البديعية. # 5- المجاز العقلي { فهو في عيشة راضية } أي راض بها صاحبها ~~ففيه اسناد مجازي. # 6- الاحتباك وهو أن يحذف من كل نظير ما أثبته في الآخر فقوله تعالى { ~~فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * ~~وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية } حذف من ~~الأول (فأمه الجنة) وذكر فيها { عيشة راضية } وحذف من الآية ~~الثانية (فهو في عيشة ساخطة) وذكر { فأمه هاوية } فحذف من كل ~~نظير ما أثبته في الآخر، وهو من المحسنات البديعية كذلك. # 7- توافق الفواصل في الحرف الأخير، وهو واضح في السورة الكريمة. # تنبيه: الجمهور على أن الميزان حقيقي له كفتان ولسان، توزن فيه الصحف ~~المكتوب فيها الحسنات والسيئات، وروي عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال ~~الصالحة على صور حسنة، وبالأعمال السيئة على صور قبيحة، فتوضع في ~~الميزان، فمن رجحت حسناته سعد، ومن رجحت سيئاته شقي، والله أعلم. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # اللغة: { ألهاكم } الإلهاء: الشغل والانصراف عن الشيء الهام إلى ~~ما يدعو إليه الهوى، وأصل اللهو الغفلة ثم شاع في كل شاغل قال الراغب: ~~اللهو ما يشغلك عما يعني ويهم { التكاثر } التباهي ms1814 بكثرة المال ~~والجاه وهو بمعنى المكاثرة { المقابر } القبور جمع مقبرة، والقبور ~~جمع القبر قال الشاعر: # أرى أهل القصور إذا أميتوا # بنوا فوق المقابر بالصخور # أبو إلا مباهاة وفخرا # على الفقراء حتى في القبور # التفسير: { ألهاكم التكاثر } أي شغلكم أيها الناس التفاخر ~~بالأموال والأولاد والرجال عن طاعة الله، وعن الاستعداد للآخرة { حتى ~~زرتم المقابر } أي حتى أدرككم الموت، ودفنتم في المقابر، ~~والجملة خير يراد به الوعظ والتوبيخ قال القرطبي: المعنى شغلكم ~~المباهاة بكثرة المال والأولاد عن طاعة الله، حتى متم ودفنتم في ~~المقابر { كلا سوف تعلمون } زجر وتهديد أي ارتدعوا أيها ~~الناس وانزجروا عن الاشتغال بما لا ينفع ولا يفيد، فسوف تعلمون عاقبة ~~جهلكم وتفريطكم في جنب الله، وانشغالكم بالفاني عن الباقي { ثم كلا ~~سوف تعلمون } وعيد إثر وعيد، زيادة في الزجر والتهديد أي سوف ~~تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم إذا نزل بكم الموت وعاينتم أهواله ~~وشدائده قال ابن عباس: { كلا سوف تعلمون } ما ينزل بكم من ~~العذاب في القبر { ثم كلا سوف تعلمون } أي في الآخرة إذا ~~حل بكم العذاب { كلا لو تعلمون علم اليقين } أي ~~ارتدعوا وانزجروا فلو علمتم العلم الحقيقي الذي لا شك فيه ولا امتراء، ~~وجواب { لو } محذوف لقصد التهويل أي لو عرفتم ذلك لما ألهاكم التكاثر ~~بالدنيا عن طاعة الله، ولما خدعتم بنعيم الدنيا عن أهوال الآخرة ~~وشدائدها كما قال صلى الله عليه وسلم: # " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " # الحديث قال في التسهيل: وجواب { لو } محذوف تقديره: لو تعلمون ~~لازدجرتم واستعددتم للآخرة، وإنما حذف لقصد التهويل، فيقدر السامع، أعظم ~~ما يخطر بباله كقوله تعالى # ولو ترى إذ وقفوا على النار # [الأنعام: 27] { لترون الجحيم } أي أقسم وأؤكد بأنكم ~~ستشاهدون الجحيم عيانا ويقينا قال الألوسي: هذا جواب قسم مضمر، أكد به ~~الوعيد، وشدد به التهديد، وأوضح به ما أنذروه بعد إبهامه تفخيما أي ~~والله لترون الجحيم { ثم لترونها عين اليقين } أي ثم ~~لترونها رؤية حقيقية بالمشاهدة العينية قال في البحر: زاد التوكيد بقوله ~~{ عين اليقين } نفيا ms1815 لتوهم المجاز في الرؤية الأولى { ثم ~~لتسألن يومئذ عن النعيم } أي ثم لتسألن في الآخرة عن ~~نعيم الدنيا من الأمن والصحة، وسائر ما يتلذذ به من مطعم، ومشرب، ومركب، ~~ومفرش. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الوعظ والتوبيخ { ألهاكم التكاثر } فقد خرج الخبر عن ~~حقيقته إلى التذكير والتوبيخ. # 2- التكرار للتهديد والإنذار { كلا سوف تعلمون * ثم ~~كلا سوف تعلمون } وعطفه ب { ثم } للتنبيه على أن الثاني ~~أبلغ من الأول، كما يقول العظيم لعبده: أقول لك ثم أقول لك لا تفعل، ~~ولكونه أبلغ نزل منزلة المغايرة فعطف بثم. # 3- حذف جواب { لو } للتهويل { لو تعلمون علم اليقين } ~~أي لرأيتم ما تشيب له الرءوس، وتفزع له النفوس من الشدائد والأهوال. # 4- الإطناب بتكرار الفعل { لترون } { ثم لترونها } ~~لبيان شدة الهول. # 5- الكناية { حتى زرتم المقابر } كنى عن الموت بزيارة ~~القبور والمراد حتى متم. # 6- المطابقة بين { النعيم.. الجحيم }. # 7- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات وهو من المحسنات البديعية. # تنبيه: روى الترمذي عن عبد الله بن الشخير قال: # " انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية { ~~ألهاكم التكاثر } فقال: " يقول ابن آدم مالي، مالي، وهل لك من ~~مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت " # لطيفة: روى مسلم عن أبي هريرة قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي ~~بكر وعمر، فقال صلى الله عليه وسلم ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ ~~قالا: الجوع يا رسول الله، قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي ~~أخرجكما! فقوموا فقاموا معه، فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في ~~بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا، فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أين فلان! قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصاري ~~فنظر إلى رسول الله وصاحبيه ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم ~~أضيافا مني، فانطلق فجاءهم بعذق - عنقود - فيه بسر وتمر ورطب فقال: ~~كلوا، وأخذ المدية - السكين - فقال ms1816 له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إياك والحلوب! فذبح لهم شاة فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، ~~فلما شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ~~والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم ~~الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم ". ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # التفسير: { والعصر * إن الإنسان لفى خسر } أي أقسم ~~بالدهر والزمان لما فيه من أصناف الغرائب والعجائب، والعبر والعظات، على ~~أن الإنسان في خسران، لأنه يفضل العاجلة على الآجلة وتغلب عليه ~~الأهواء والشهوات قال ابن عباس: العصر هو الدهر أقسم تعالى به لاشتماله ~~على أصناف العجائب وقال قتادة: العصر هو آخر ساعات النهار، أقسم به كما ~~أقسم بالضحى لما فيهما من دلائل القدرة الباهرة، والعظة البالغة.. وإنما ~~أقسم تعالى بالزمان لأنه رأس عمر الإنسان، فكل لحظة تمضي فإنها من ~~عمرك ونقص من أجلك، كما قال القائل: # إنا لنفرح بالأيام نقطعها # وكل يوم مضى نقص من الأجل # قال القرطبي: أقسم الله عز وجل بالعصر - وهو الدهر - لما فيه من التنبيه ~~بتصرف الأحوال وتبدلها، وما فيها من الدلالة على الصانع، وقيل: هو قسم ~~بصلاة العصر لأنها أفضل الصلوات { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي جمعوا بين الإيمان وصالح الأعمال، فهؤلاء هم ~~الفائزون لأنهم باعوا الخسيس بالنفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات عوضا ~~عن الشهوات العاجلات { وتواصوا بالحق } أي أوصى بعضهم بعضا ~~بالحق، وهو الخير كله، من الإيمان، والتصديق، وعبادة الرحمن { ~~وتواصوا بالصبر } أي وتواصوا بالصبر على الشدائد والمصائب، ~~وعلى فعل الطاعات، وترك المحرمات.. حكم تعالى بالخسار على جميع الناس ~~إلا من أتى بهذه الأشياء الأربعة وهي: الإيمان، والعمل الصالح، ~~والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فإن نجاة الإنسان لا تكون إلا إذا ~~كمل الإنسان نفسه بالإيمان والعمل الصالح، وكمل غيره بالنصح ~~والإرشاد، فيكون قد جمع بين حق الله، وحق العباد، وهذا هو السر في ~~تخصيص هذه الأمور الأربعة. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- إطلاق البعض ms1817 وإرادة الكل { إن الإنسان } أي الناس بدليل ~~الاستثناء. # 2- التنكير للتعظيم { لفى خسر } أي في خسر عظيم ودمار شديد. # 3- الإطناب بتكرار الفعل { وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر } لإبراز كمال العناية به. # 4- ذكر الخاص بعد العام { وتواصوا بالصبر } بعد قوله { ~~بالحق } فإن الصبر داخل في عموم الحق، إلا أنه أفرده بالذكر ~~إشادة بفضيلة الصبر. # 5- السجع غير المتكلف مثل { العصر } ، { الصبر } ، { خسر } ~~وهو من المحسنات البديعية. # تنبيه: أخرج البيهقي في الشعب عن " أبي حذيفة " - وكانت له صحبة - قال: ~~كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم ~~يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة { والعصر } ثم يسلم أحدهما ~~على الآخر. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # اللغة: { همزة } الهماز: الذي يغتاب الناس ويطعن في أعراضهم، ~~وبناء " فعلة " يدل على الاعتياد فلا يقال: لعنة وضحكة إلا للمكثر ~~المعتاد { لمزة } اللماز: الذي يعيب الناس وينال منهم بالحاجب ~~والعين { الحطمة } نار جهنم سميت بذلك لأنها تكسر كل ما يلقى فيها ~~وتحطمه وتهشمه { مؤصدة } مطبقة مغلقة من أوصد الباب إذا أغلقه. # التفسير: { ويل لكل همزة لمزة } أي عذاب شديد وهلاك ~~ودمار، لكل من يعيب الناس ويغتابهم ويطعن في أعراضهم، أو يلمزهم سرا ~~بعينه أو حاجبه قال المفسرون: نزلت السورة في " الأخنس بن شريق " لأنه ~~كان كثير الوقيعة في الناس، يلمزهم ويعيبهم مقبلين ومدبرين، والحكم عام ~~لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، { الذى جمع مالا ~~وعدده } أي الذي جمع مالا كثيرا وأحصاه، وحافظ على عدده لئلا ~~ينقص فمنعه من الخيرات قال الطبري: أي أحصى عدده ولم ينفقه في سبيل الله ~~ولم يؤد حق الله فيه ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه { يحسب أن ماله ~~أخلده } أي يظن هذا الجاهل لفرط غفلته أن ماله سيتركه مخلدا في ~~الدنيا لا يموت { كلا لينبذن في الحطمة } أي ليرتدع عن ~~هذا الظن فوالله ليطرحن في النار التي تحطم كل ما يلقى فيها وتلتهمه ~~{ ومآ أدراك ما الحطمة } تفخيم وتهويل لشأنها أي وما الذي ~~أعلمك ما حقيقة هذه النار العظيمة؟ إنها الحطمة التي ms1818 تحطم العظام وتأكل ~~اللحوم، حتى تهجم على القلوب، ثم فسرها بقوله { نار الله ~~الموقدة } أي هي نار الله المسعرة بأمره تعالى وإرادته، ليست ~~كسائر النيران فإنها لا تخمد أبدا، وفي الحديث # " أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ~~ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة " # { التي تطلع على الأفئدة } أي التي يبلغ ألمها ووجعها ~~إلى القلوب فتحرقها قال القرطبي: وخص الأفئدة لأن الألم إذا صار إلى ~~الفؤاد مات صاحبه، فإنهم في حال من يموت وهم لا يموتون كما قال تعالى # لا يموت فيها ولا يحيا # [الأعلى: 13] فهم إذا أحياء في معنى الأموات { إنها عليهم ~~مؤصدة } أي إن جهنم مطبقة مغلقة عليهم، لا يدخل إليهم روح ولا ~~ريحان { في عمد ممددة } أي وهم موثوقون في سلاسل وأغلال، ~~تشد بها أيديهم وأرجلهم، بعد إطباق أبواب جهنم عليهم، فقد يئسوا من ~~الخروج بإطباق الأبواب عليهم، وتمدد العمد إيذانا بالخلود إلى غير ~~نهاية.. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- صيغة المبالغة { همزة } ، و { لمزة } لأن بناء " فعلة " ~~يدل على أنها عادة مستمرة. # 2- التنكير للتفخيم { جمع مالا } أي مالا كثيرا لا يكاد يحصى. # 3- التفخيم والتهويل { ومآ أدراك ما الحطمة }؟ تهويلا لشأن ~~جهنم. # 4- الجناس غير التام بين { همزة } و { لمزة } ويسمى الجناس ~~الناقص. # 5- توافق الفواصل مثل { عدده } ، { أخلده } ، { الموقدة ~~} ، { ممددة } ويسمى بالسجع. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # اللغة: { أبابيل } جماعات جماعات بعضها في إثر بعض قال الجوهري: ~~وهو من الجمع الذي لا واحد له يقال: جاءت إبلك أبابيل أي فرقا وجماعات ~~قال الشاعر: # كادت تهد من الأصوات راحلتي # إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل # { سجيل } طين متحجر { عصف } ورق الزرع بعد الحصاد كالتبن وقشر ~~الحنطة، سمي عصفا لأن الريح تعصف به فتفرقه ذات اليمين وذات الشمال. # التفسير: { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } ~~أي ألم يبلغك يا محمد وتعلم علما يقينيا كأنه مشاهد بالعين، ماذا صنع ~~الله العظيم الكبير بأصحاب الفيل الذين ms1819 قصدوا الاعتداء على البيت الحرام؟ ~~قال المفسرون: روي أن " أبرهة الأشرم " ملك اليمن، بنى كنيسة بصنعاء ~~وأراد أن يصرف إليها الحجيج، فجاء رجل من كنانة وتغوط فيها ليلا ~~ولطخ جدرانها بالنجاسة احتقارا لها، فغضب " أبرهة " وحلف أن يهدم ~~الكعبة، وجاء مكة بجيش كبير على أفيال، يتقدمهم فيل هو أعظم الفيلة، فلما ~~وصل قريبا من مكة فر أهلها الى الجبال، خوفا من جنده وجبروته، وأرسل ~~الله تعالى على جيش أبرهة طيورا سودا، مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجر في ~~منقاره وحجران في رجليه، فرمتهم الطيور بالحجارة، فكان الحجر يدخل في رأس ~~الرجل ويخرج من دبره فيرميه جثة هامدة، حتى أهلكهم الله ودمرهم عن ~~آخرهم، وكانت قصتهم عبرة للمعتبرين قال أبو السعود: وتعليق الرؤية ~~بكيفية فعله جل وعلا { كيف فعل } لا بنفسه بأن يقال: " ألم تر ما ~~فعل ربك " الخ لتهويل الحادثة، والإيذان بوقوعها على كيفية هائلة، ~~وهيئة عجيبة دالة على عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه وحكمته وشرف ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك من الإرهاصات لما روي أن القصة وقعت ~~في السنة التي ولد فيها النبي عليه الصلاة والسلام { ألم يجعل ~~كيدهم في تضليل } أي ألم يهلكهم ويجعل مكرهم وسعيهم في تخريب ~~الكعبة في ضياع وخسار؟! { وأرسل عليهم طيرا أبابيل } ~~أي وسلط عليهم من جنوده طيرا أتتهم جماعات، متتابعة بعضها في إثر ~~بعض، وأحاطت بهم من كل ناحية { ترميهم بحجارة من سجيل } ~~أي تقذفهم بحجارة صغيرة من طين متحجر، كأنها رصاصات ثاقبة لا تصل إلى ~~أحد إلا قتلته { فجعلهم كعصف مأكول } أي فجعلهم كورق ~~الشجر الذي عصفت به الريح، وأكلته الدواب ثم راثته، فأهلكهم عن بكرة ~~أبيهم، وهذه القصة تدل على كرامة الله للكعبة، وإنعامه على قريش بدفع ~~العدو عنهم، فكان يجب عليهم أن يعبدوا لله ويشكروه على نعمائه، وفيها مع ~~ذلك عجائب وغرائب من قدرة الله على الانتقام من أعدائه قال في البحر: كان ~~صرف ذلك العدو العظيم عام مولده السعيد عليه السلام، إرهاصا بنبوته إذ ~~مجيء تلك ms1820 الطيور على الوصف المنقول، من خوارق العادات والمعجزات المتقدمة ~~بين أيدي الأنبياء عليهم السلام، وقد أهلكهم الله تعالى بأضعف جنوده وهي ~~الطير التي ليست من عادتها أنها تقتل. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الاستفهام للتقرير والتعجيب { ألم تر كيف فعل ربك.. } ~~الآية. # 2- الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بإضافته إلى اسم الجلالة { فعل ~~ربك } تشريف للنبي العظيم، وإشادة بقدرة الله تعالى. # 3- التشبيه المرسل المجمل { فجعلهم كعصف مأكول } ذكرت ~~الأداة وحذف وجه الشبه. # 4- توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل { الفيل } ، { تضليل } ، { ~~سجيل } ، { أبابيل } الخ. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # التفسير: { لإيلاف قريش * إيلافهم } هذه اللام متعلقة ~~بالفعل الذي بعدها { فليعبدوا } ومعنى { لإيلاف } الإلف ~~والاعتياد يقال: ألف الرجل الأمر إلفا وإلافا؛ وآلفه غيره إيلافا ~~والمعنى: من أجل تسهيل الله على قريش وتيسيره لهم ما كانوا يألفونه من ~~الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام كما قال تعالى: { ~~رحلة الشتآء والصيف } أي في رحلتي الشتاء والصيف، حيث كانوا ~~يسافرون للتجارة، ويأتون بالأطعمة والثياب، ويربحون في الذهاب والإياب، ~~وهم آمنون مطمئنون لا يتعرض لهم أحد بسوء، لأن الناس كانوا يقولون: هؤلاء ~~جيران بيت الله وسكان حرمه، وهم أهل الله لأنهم ولاة الكعبة، فلا ~~تؤذوهم ولا تظلموهم، ولما أهلك الله أصحاب الفيل، ورد كيدهم في نحورهم، ~~ازداد وقع أهل مكة في القلوب، وازداد تعظيم الأمراء والملوك لهم، فازدادت ~~تلك المنافع والمتاجر، فلذلك جاء الامتنان على قريش، وتذكيرهم بنعم الله ~~ليوحدوه ويشكروه { فليعبدوا رب هذا البيت } أي ~~فليعبدوا الله العظيم الجليل، رب هذا البيت العتيق، وليجعلوا عبادتهم ~~شكرا لهذه النعمة الجليلة التي خصهم بها قال المفسرون: وإنما دخلت ~~الفاء { فليعبدوا } لما في الكلام من معنى الشرط كأنه قال: إن لم ~~يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه من أجل إيلافهم الرحلتين، التي هي من أظهر ~~نعمه عليهم، لأنهم في بلاد لا زرع فيها ولا ضرع، ولهذا قال بعده { ~~الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } أي هذا ~~الإله الذي أطعمهم بعد شدة ms1821 جوع، وآمنهم بعد شدة خوف، فقد كانوا يسافرون ~~آمنين لا يتعرض لهم أحد، ولا يغير عليهم أحد لا في سفرهم ولا في حضرهم ~~كما قال تعالى # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67] وذلك ببركة دعوة أبيهم الخليل إبراهيم عليه السلام حيث ~~قال # رب اجعل هذا بلدا آمنا # [البقرة: 126] وقوله # وارزقهم من الثمرات # [إبراهيم: 37] أفلا يجب على قريش أن يفردوا بالعبادة هذا الإله الجليل، ~~الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف؟! # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الطباق بين { الشتآء.. والصيف } وبين الجوع والإطعام { ~~أطعمهم من جوع } وبين الأمن والخوف { وآمنهم من خوف ~~}. # 2- الإضافة للتكريم والتشريف { رب هذا البيت }. # 3- تقديم ما حقه التأخير { لإيلاف قريش } والأصل (ليعبدوا رب ~~هذا البيت، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف) فقدم الإيلاف تذكيرا ~~بالنعمة. # 4- التنكير في لفظة { جوع } ولفظة { خوف } لبيان شدتهما أي جوع ~~شديد، وخوف عظيم. # تنبيه: قال الإمام الفخر: إعلم أن الإنعام على قسمين: أحدهما دفع ~~ضر وهو ما ذكره في سورة الفيل، والثاني: جلب النفع وهو ما ذكره في هذه ~~السورة، ولما دفع الله عنهم الضر، وجلب لهم النفع، وهما نعمتان عظيمتان ~~أمرهم بالعبودية وأداء الشكر { فليعبدوا رب هذا ~~البيت.. } الآيات. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # اللغة: { يدع } يدفع بعنف وشدة يقال: دعه دعا أي دفعه دفعا ~~ومنه # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13] { يحض } الحض: الحث والترغيب { ساهون } جمع ساهي ~~يقال: سها عن كذا يسهو سهوا إذا تركه عن غفلة { الماعون } الشيء ~~القليل من المعن وهو القلة تقول العرب: " ماله معنة ولا سعنة " أي ماله ~~قليل ولا كثير من المال، قال المبرد والزجاج: الماعون كل ما فيه منفعة ~~كالفأس والقدر والدلو وغير ذلك. # التفسير: { أرأيت الذي يكذب بالدين }؟ استفهام ~~للتعجيب والتشويق أي هل عرفت الذي يكذب بالجزاء والحساب في الآخرة؟ هل ~~عرفت من هو، وما هي أوصافه؟ إن أردت تعرفه { فذلك الذي يدع ~~اليتيم } أي فذلك هو الذي يدفع اليتيم دفعا عنيفا بجفوة ms1822 وغلظة، ~~ويقهره ويظلمه ولا يعطيه حقه { ولا يحض على طعام ~~المسكين } أي ولا يحث على إطعام المسكين قال أبو حيان: وفي قوله { ~~ولا يحض } إشارة إلى أنه هو لا يطعم إذا قدر، وهذا من باب ~~الأولى لأنه إذا لم يحض غيره بخلا، فلأن يترك هو ذلك فعلا أولى ~~وأحرى وقال الرازي: فإن قيل: لم قال { ولا يحض على طعام ~~المسكين } ولم يقل: ولا يطعم المسكين؟ فالجواب أنه إذا منع ~~اليتيم حقه، فكيف يطعم المسكين من مال نفسه؟ بل هو بخيل من مال غيره، ~~وهذا هو النهاية في الخسة، ويدل على نهاية بخله، وقساوة قلبه، وخساسة ~~طبعه، والحاصل أنه لا يطعم المسكين ولا يأمر بإطعامه، لأنه يكذب ~~بالقيامة، ولو آمن بالجزاء وأيقن بالحساب لما صدر عنه ذلك { فويل ~~للمصلين } أي هلاك وعذاب للمصلين المنافقين، المتصفين بهذه ~~الأوصاف القبيحة { الذين هم عن صلاتهم ساهون } أي الذين ~~هم غافلون عن صلاتهم، يؤخرونها عن أوقاتها تهاونا بها قال ابن عباس: هو ~~المصلي الذي إن صلى لم يرج لها ثوابا، وإن تركها لم يخش عليها عقابا ~~وقال أبو العالية: لا يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون ركوعها ولا سجودها، ~~وقد # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية فقال: " هم الذين يؤخرون ~~الصلاة عن وقتها " # قال المفسرون: لما قال تعالى { عن صلاتهم ساهون } بلفظة { ~~عن } علم أنها في المنافقين، ولهذا قال بعض السلف: الحمد لله الذي قال ~~{ عن صلاتهم } ولم يقل " في صلاتهم " لأنه لو قال " في صلاتهم " ~~لكانت في المؤمنين، والمؤمن قد يسهو في صلاته، والفرق بين السهوين واضح، ~~فإن سهو المنافق سهو ترك وقلة التفات إليها، فهو لا يتذكرها ويكون ~~مشغولا عنها، والمؤمن إذا سها في صلاته تداركه في الحال وجبره بسجود ~~السهو، فظهر الفارق بين السهوين، ثم زاد في بيان أوصافهم الذميمة فقال { ~~الذين هم يرآءون } أي يصلون أمام الناس رياء ليقال إنهم ~~صلحاء، ويتخشعون ليقال إنهم أتقياء، ويتصدقون ليقال إنهم كرماء، وهكذا ~~سائر أعمالهم للشهرة والرياء { ويمنعون الماعون } أي ويمنعون ~~الناس المنافع ms1823 اليسيرة، من كل ما يستعان به كالإبرة، والفأس، والقدر، ~~والملح، والماء وغيرها قال مجاهد: الماعون العارية للأمتعة وما يتعاطاه ~~الناس بينهم كالفأس والدلو والآنية وقال الطبري: أي يمنعون الناس منافع ~~ما عندهم، وأصل الماعون من كل شيء منفعته. # . وفي الآية زجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة الحقيرة، فإن البخل بها ~~نهاية البخل وهو مخل بالمروءة. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الاستفهام الذي يراد به تشويق السامع إلى الخبر والتعجيب منه { ~~أرأيت الذي يكذب بالدين }؟ # 2- الإيجاز بالحذف { فذلك الذي يدع اليتيم } حذف منه ~~الشرط أي إن أردت أن تعرفه فذلك الذي يدع اليتيم، وهذا من أساليب ~~البلاغة. # 3- الذم والتوبيخ { فويل للمصلين } ووضع الظاهر مكان الضمير ~~{ فويل لهم } زيادة في التقبيح لأنهم مع التكذيب ساهون عن ~~الصلاة. # 4- الجناس الناقص { ويمنعون الماعون }. # 5- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل { ساهون } ، { يرآءون ~~} ، { الماعون } الخ. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # اللغة: { الكوثر } الخير الكثير وهو مبالغة من الكثرة، والعرب ~~تسمي كل شيء كثير في العدد، والقدر والخطر كوثرا قال الشاعر: # وأنت كثير يا ابن مروان طيب # وكان أبوك ابن العقائل كوثرا # { انحر } النحر خاص بالإبل، وهو بمنزلة الذبح في البقر والغنم { ~~شانئك } الشانيء: المبغض من الشنآن بمعنى العداوة والبغض ومنه # ولا يجرمنكم شنآن قوم # [المائدة: 2] أي بغضهم { الأبتر } المنقطع عن كل خير، من البتر وهو ~~القطع يقال: بترت الشيء بترا قطعته، والسيف الباتر: القاطع، ويقال ~~للذي لا نسل له أبتر، لأنه انقطع نسبه، وسميت خطبة زياد بالخطبة البتراء ~~لأنه لم يحمد الله فيها ولم يصل على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. # التفسير: { إنآ أعطيناك الكوثر } الخطاب للرسول صلى الله ~~عليه وسلم تكريما لمقامه الرفيع وتشريفا أي نحن أعطيناك يا محمد الخير ~~الكثير الدائم في الدنيا والآخرة، ومن هذا الخير " نهر الكوثر " وهو كما ~~ثبت في الصحيح # " نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته ~~أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلح، من شرب منه ms1824 شربة ~~لم يظمأ بعدها أبدا " # عن أنس قال: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى ~~إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت ~~علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم { إنآ أعطيناك ~~الكوثر } السورة ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم ~~قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، فيه خير كثير، هو حوض ترد عليه ~~أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد - أي ينتزع ويقتطع ~~منهم فأقول: إنه من أمتي! فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك " # قال أبو حيان: وذكر في الكوثر ستة وعشرون قولا، والصحيح هو ما فسره ~~به رسول الله صل الله عليه وسلم فقال: # " هو نهر في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته ~~أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل " # وعن ابن عباس: الكوثر: الخير الكثير { فصل لربك وانحر } ~~أي فصل لربك الذي أفاض ما أفاض عليك من الخير خالصا لوجهه الكريم، ~~وانحر الإبل التي هي خيار أموال العرب شكرا له على ما أولاك ربك من ~~الخيرات والكرامات قال في التسهيل: كان المشركون يصلون مكاء وتصدية، ~~وينحرون للأصنام فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: صل لربك وحده، ~~وانحر لوجهه لا لغيره، فيكون ذلك أمرا بالتوحيد والإخلاص { إن ~~شانئك هو الأبتر } أي إن مبغضك يا محمد هو المنقطع عن كل خير ~~قال المفسرون: لما مات " القاسم " ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~العاص بن وائل: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له - أي لا نسل له - فإذا ~~هلك انقطع ذكره فأنزل الله تعالى هذه السورة، وأخبر تعالى أن هذا الكافر ~~هو الأبتر وإن كان له أولاد، لأنه مبتور من رحمة الله - أي مقطوع عنها - ~~ولأنه لا يذكر إلا ذكر باللعنة، بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإن ~~ذكره خالد إلى آخر الدهر، مرفوع على المآذن والمنابر، مقرون بذكر الله ~~تعالى، والمؤمنون من زمانه إلى يوم القيامة أتباعه ms1825 فهو كالوالد لهم ~~صلوات الله وسلامه عليه. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- صيغة الجمع الدالة على التعظيم { إنآ أعطيناك } ولم يقل: ~~أنا أعطيتك. # 2- تصدير الجملة بحرف التأكيد الجاري مجرى القسم { إنآ } لأن أصلها ~~إن ونحن. # 3- صيغة الماضي المفيدة للوقوع { أعطيناك } ولم يقل: سنعطيك لأن ~~الوعد لما كان محققا عبر عنه بالماضي مبالغة كأنه حدث ووقع. # 4- المبالغة في لفظه الكوثر. # 5- الإضافة للتكريم والتشريف { فصل لربك }. # 6- إفادة الحصر { إن شانئك هو الأبتر }. # 7- المطابقة بين أول السورة وآخرها بين { الكوثر } و { الأبتر ~~} فالكوثر الخير الكثير، والأبتر المنقطع عن كل خير، فهذه السورة على ~~وجازتها جمعت فنون البلاغة والبيان فسبحان منزل القرآن!! ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # التفسير: { قل يأيها الكافرون } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~الكفار الذين يدعونك إلى عبادة الأوثان والأحجار { لا أعبد ما ~~تعبدون } أي لا أعبد هذه الأصنام والأوثان التي تعبدونها، فأنا ~~بريء من آلهتكم ومعبوداتكم التي لا تضر ولا تنفع ولا تغني عن عابدها ~~شيئا قال المفسرون: إن قريشا طلبت من الرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~يعبد آلهتهم سنة، ويعبدوا إلهه سنة، فقال، معاذ الله أن نشرك بالله ~~شيئا فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فنزلت السورة فغدا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش، ~~فقام على رءوسهم فقرأها عليهم فأيسوا منه وآذوه وآذوا أصحابه وفي قوله { ~~قل } دليل على أنه مأمور بذلك من عند الله، وخطابه صلى الله عليه وسلم ~~لهم بلفظ { يأيها الكافرون } ونسبتهم إلى الكفر - وهو يعلم ~~أنهم يغضبون من أن ينسبوا إلى ذلك - دليل على أنه محروس من عند الله، ~~فهو لا يبالي بهم ولا بطواغيتهم { ولا أنتم عابدون مآ أعبد ~~} أي ولا أنتم يا معشر المشركين عابدون إلهي الحق الذي أعبده وهو الله ~~وحده، فأنا أعبد الإله الحق هو الله رب العالمين، وأنتم تعبدون ~~الأحجار والأوثان، وشتان بين عبادة الرحمن، وعبادة الهوى والأوثان!! { ~~ولا أنآ عابد ما عبدتم } تأكيد لما سبق ms1826 من البراءة من ~~عبادة الأحجار، وقطع لأطماع الكفار كأنه قال: لا أعبد هذه الأوثان في ~~الحال ولا في الاستقبال، فأنا لا أعبد ما تعبدونه أبدا ما عشت، لا أعبد ~~أصنامكم الآن، ولا فيما يستقبل من الزمان { ولا أنتم عابدون مآ ~~أعبد } أي ولستم أنتم في المستقبل بعابدين إلهي الحق الذي أعبده { ~~لكم دينكم ولي دين } أي لكم شرككم، ولي توحيدي، وهذا غاية في ~~التبرؤ من عبادة الكفار، والتأكيد على عبادة الواحد القهار، قال ~~المفسرون: معنى الجملتين الأولتين: الاختلاف التام في المعبود، فإله ~~المشركين الأوثان، وإله محمد الرحمن، ومعنى الجملتين الآخرتين: الاختلاف ~~التام في العبادة، كأنه قال: لا معبودنا واحد، ولا عبادتنا واحدة. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الخطاب بالوصف { يأيها الكافرون } للتوبيخ والتشنيع على ~~أهل مكة. # 2- طباق السلب { لا أعبد ما تعبدون } فالأول نفي والثاني ~~إثبات. # 3- المقابلة بين كل من الجملتين الأوليين { لا أعبد ما ~~تعبدون } { ولا أنتم عابدون مآ أعبد } أي في الحال، ~~والمقابلة بين الجملتين الأخريين { ولا أنآ عابد ما عبدتم ~~} { ولا أنتم عابدون مآ أعبد } أي في الاستقبال، وفي هذه ~~المقابلة نفي لعبادة الأصنام في الحال والاستقبال وهو من المحسنات ~~البديعية. # 4- توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل { يأيها الكافرون * لا ~~أعبد ما تعبدون }. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # التفسير: { إذا جآء نصر الله والفتح } الخطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، يذكره ربه بالنعمة والفضل عليه وعلى سائر ~~المؤمنين، والمعنى: إذا نصرك الله يا محمد على أعدائك، وفتح عليك مكة أم ~~القرى قال المفسرون: الإخبار بفتح مكة قبل وقوعه إخبار بالغيب، فهو ~~من أعلام النبوة { ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا } أي ورأيت العرب يدخلون في الإسلام جماعات جماعات من غير ~~حرب ولا قتال، وذلك بعد فتح مكة صارت العرب تأتي من أقطار الأرض طائعة ~~قال ابن كثير: إن أحياء العرب كانت تنتظر فتح مكة، يقولون: إن ظهر على ~~قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله ms1827 أفواجا فلم ~~تمض سنتان حتى استوثقت جزيرة العرب إيمانا، ولم يبق في سائر قبائل ~~العرب إلا مظهر للإسلام { فسبح بحمد ربك } أي فسبح ربك ~~وعظمه ملتبسا بحمده على هذه النعم، واشكره على ما أولاك من النصر على ~~الأعداء، وفتح البلاد، وإسلام العباد { واستغفره } أي اطلب منه ~~المغفرة لك ولأمتك { إنه كان توابا } أي إنه جل وعلا كثير ~~التوبة، عظيم الرحمة لعباده المؤمنين. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- ذكر الخاص بعد العام { نصر الله والفتح } نصر الله يشمل ~~جميع الفتوحات فعطف عليه (فتح مكة) تعظيما لشأن هذا الفتح واعتناء ~~بأمره. # 2- إطلاق العموم وإرادة الخصوص { ورأيت الناس } لفظ الناس عام ~~والمراد به العرب. # 3- دين الله هو الإسلام { يدخلون في دين الله } وأضافه اليه ~~تشريفا وتعظيما، كبيت الله وناقة الله. # 4- صيغة المبالغة { إنه كان توابا } لأن صيغة " فعال " ~~للمبالغة. # تنبيه: هذه السورة الكريمة فيها نعي النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا ~~تسمى سورة (التوديع) وحين نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: ~~ما أراه إلا حضور أجلي، وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى في حجة ~~الوداع، ثم نزلت # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3] الآية فعاش بعدهما النبي صلى الله عليه وسلم ثمانين يوما. ~~وروى الإمام البخاري عن ابن عباس قال: " كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، ~~فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: ~~إنه من علمتم!! فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم - قال فما رأيت أنه دعاني ~~إلا ليريهم - فقال عمر: ما تقولون في قول الله تعالى { إذا جآء ~~نصر الله والفتح }؟ فقال بعضهم: أمرنا بأن نحمد الله ~~ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: ~~أكذا تقول يا ابن عباس؟ قلت: لا قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه فقال { إذا جآء نصر الله ~~والفتح } فذلك علامة أجلك { فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توابا } فقال ms1828 عمر: والله ما أعلم منها ~~إلا ما تقول ". ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # اللغة: { تبت } هلكت والتباب: الهلاك والخسران ومنه قوله تعالى # وما كيد فرعون إلا في تباب # [غافر: 37] وقال الشاعر: # " فتبا للذي صنعوا " # { ذات لهب } ذات اشتعال وتلهب { جيدها } عنقها قال امرؤ القيس: # " وجيد كجيد الريم ليس بفاحش " # { مسد } ليف قال الواحدي: المسد في كلام العرب: الفتل، يقال مسد ~~الحبل يمسده مسدا إذا أجاد فتله، وكل شيء فتل من الليف والخوص فهو ~~مسد. # سبب النزول: عن ابن عباس قال: # " لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } صعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم على الصفا ونادى: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون من قريش حتى ~~اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو ~~الخبر، فاجتمعت قريش وجاء عمه " أبو لهب " فقالوا: ما وراءك؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير ~~عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا قط، قال: فإني { ~~نذير لكم بين يدي عذاب شديد } فقال له أبو لهب: تبا ~~لك يا محمد سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله { تبت يدآ أبي ~~لهب وتب }.. " # السورة. # ب - وعن طارق المحاربي قال " بينا أنا بسوق ذي المجاز إذ أنا بشاب ~~حديث السن يقول أيها الناس: " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وإذا ~~رجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه - مؤخر القدم - ويقول: يا أيها ~~الناس إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت: من هذا؟ فقالوا هو محمد يزعم أنه ~~نبي، وهذا عمه " أبو لهب " يزعم أنه كذاب ". # التفسير: { تبت يدآ أبي لهب } أي هلكت يد ذلك الشقي { أبي ~~لهب } وخاب وخسر وضل عمله { وتب } أي وقد هلك وخسر، الأول ~~دعاء، والثاني إخبار كما يقال: أهلكه الله وقد هلك قال المفسرون: ~~التباب هو الخسار المفضي إلى الهلاك، والمراد من اليد صاحبها، على عادة ~~العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله وجميعه، وأبو لهب هو " عبد العزى بن ~~عبد المطلب " عم النبي صلى ms1829 الله عليه وسلم وامرأته العوراء " أم جميل " ~~أخت أبي سفيان، وقد كان كل منهما شديد العداوة للرسول صلى الله عليه ~~وسلم فلما سمعت امرأته ما نزل في زوجها وفيها، أتت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر رضي الله عنه، وفي ~~يدها فهر - قطعة - من الحجارة، فلما دنت من الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أخذ الله بصرها عنه فلم تر إلا أبا بكر، فقالت يا أبا بكر: بلغني أن ~~صاحبك يهجوني، فوالله لو وجدته لضربت بهذا الحجر فاه، ثم أنشدت تقول: # مذمما عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا # ثم انصرفت فقال أبو بكر يا رسول الله: أما تراها رأتك؟ قال: ما رأتني ~~لقد أخذ الله بصرها عني، وكانت قريش يسبون الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يقولون: مذمما بدل " محمد " وكان يقول صلوات الله عليه: ألا تعجبون كيف ~~صرف الله عني أذى قريش؟ يسبون ويهجون مذمما وأنا محمد!؟ قال الخازن: ~~فإن قلت: لم كناه وفي التكنية تشريف وتكرمة؟ فالجواب من وجوه: أحدهما: ~~أنه كان مشتهرا بالكنية دون الاسم، فلو ذكره باسمه لم يعرف، الثاني: أنه ~~كان اسمه " عبد العزى " فعدل عنه إلى الكنية لما فيه من الشرك لأن ~~العزى صنم فلم تضف العبودية إلى صنم - الثالث: أنه لما كان من أهل ~~النار، ومآله إلى النار، والنار ذات لهب، وافقت حاله كنيته وكان ~~جديرا بأن يذكر بها { مآ أغنى عنه ماله وما كسب } أي لم ~~يفده ماله الذي جمعه، ولا جاهه وعزه الذي اكتسبه قال ابن عباس { وما ~~كسب } من الأولاد، فإن ولد الرجل من كسبه.. روي أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لما دعا قومه إلى الإيمان، قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن ~~أخي حقا، فإني أفتدي نفسي من العذاب بمالي وولدي فنزلت قال الألوسي: ~~كان لأبي لهب ثلاثة أبناء " عتبة " و " معتب " و " عتيبة " وقد أسلم ~~الأولان يوم الفتح، وشهدا حنينا والطائف، وأما " عتيبة " فلم يسلم، ~~وكانت " أم كلثوم " بنت رسول ms1830 الله صلى الله عليه وسلم عنده، وأختها " ~~رقية " عند أخيه عتبة، فلما نزلت السورة قال أبو لهب لهما: رأسي ~~ورأسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد، فطلقاهما ولما أراد " عتيبة " ~~بالتصغير الخروج إلى الشام مع أبيه قال: لآتين محمدا وأوذينه فأتاه ~~فقال يا محمد: إني كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم تفل أمام ~~النبي صلى الله عليه وسلم وطلق ابنته " أم كلثوم " فغضب صلى الله عليه ~~وسلم ودعا عليه فقال: # " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " # فافترسه الأسد، وهلك أبو لهب بعد وقعة بدر بسبع ليال بمرض معد ~~كالطاعون يسمى " العدسة " وبقي ثلاثة أيام حتى أنتن، فلما خافوا العار ~~حفروا له حفرة ودفعوه إليها بعود حتى وقع فيها ثم قذفوه بالحجارة حتى ~~واروه، فكان الأمر كما أخبر به القرآن { سيصلى نارا ذات لهب ~~} أي سيدخل نارا حامية، ذات اشتعال وتوقد عظيم، وهي نار جهنم { ~~وامرأته حمالة الحطب } أي وستدخل معه نار جهنم، امرأته ~~العوراء " أم جميل " التي كانت تمشي بالنميمة بين الناس، وتوقد بينهم نار ~~العداوة والبغضاء قال أبو السعود: كانت تحمل حزمة من الشوك والحسك ~~فتنثرها بالليل في طريق النبي صلى الله عليه وسلم لإيذائه وقال ابن ~~عباس: كانت تمشي بالنميمة بين الناس لتفسد بينهم { في جيدها حبل ~~من مسد } أي في عنقها حبل من ليف قد فتل فتلا شديدا، تعذب به ~~يوم القيامة قال مجاهد: هو طوق من حديد وقال ابن المسيب: كانت لها قلادة ~~فاخرة من جوهر، فقالت: واللات والعزى لأنفقنها في عداوة محمد، ~~فأعقبها الله منها حبلا في جيدها من مسد النار. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- المجاز المرسل { يدآ أبي لهب } أطلق الجزء وأراد الكل أي هلك ~~أبو لهب. # 2- الجناس بين { أبي لهب } وبين { نارا ذات لهب } فالأول ~~كنية والثاني وصف للنار. # 3- الكنية للتصغير والتحقير { أبي لهب } فليس المراد تكريمه بل ~~تشهيره، كأبي جهل. # 4- الاستعارة اللطيفة { حمالة الحطب } مستعار للنميمة وهي ~~استعارة مشهورة قال الشاعر: " ولم يمش ms1831 بين الحي بالحطب والرطب. # 5- النصب على الشتم والذم { وامرأته حمالة الحطب } أي ~~أخص بالذم حمالة الحطب. # 6- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات وهو من المحسنات البديعية. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # اللغة: { الصمد } السيد المقصود في قضاء الحاجات قال الشاعر: # ألا بكر الناعي بخير بني أسد # بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # { كفوا } الكفوء: النظير والشبيه قال أبو عبيدة: يقال: كفو، ~~وكفء، وكفاء كلها بمعنى واحد وهو المثل والنظير. # سبب النزول: روي أن بعض المشركين جاءوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا محمد صف لنا ربك، أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من ~~زبرجد، أم من ياقوت؟! فنزلت { قل هو الله أحد * الله ~~الصمد.. } السورة. # التفسير: { قل هو الله أحد } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين ~~المستهزئين: إن ربي الذي أعبده، والذي أدعوكم لعبادته هو واحد أحد لا ~~شريك له، ولا شبيه له ولا نظير، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في ~~أفعاله، فهو جل وعلا واحد أحد، ليس كما يعتقد النصارى بالتثليث " الآب، ~~والابن، وروح القدس " ولا كما يعتقد المشركون بتعدد الآلهة قال في ~~التسهيل: واعلم أن وصف الله تعالى بالواحد له ثلاثة معان، كلها صحيحة في ~~حقه تعالى: الأول: أنه واحد لا ثاني معه فهو نفي للعدد، والثاني: أنه ~~واحد لا نظير ولا شريك له، كما تقول: فلان واحد في عصره أي لا نظير له ~~والثالث: أنه واحد لا ينقسم ولا يتبعض، والمراد بالسورة نفي الشريك ردا ~~على المشركين، وقد أقام الله في القرآن براهين قاطعة على وحدانيته تعالى، ~~وذلك كثير جدا، وأوضحها أربعة براهين: الأول؛ قوله تعالى # أفمن يخلق كمن لا يخلق # [النحل: 17] - وهذا دليل الخلق والإيجاد - فإذا ثبت أن الله تعالى ~~خالق لجميع الموجودات، لم يصح أن يكون واحد منها شريكا له والثاني: قوله ~~تعالى # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] - وهو دليل الإحكام والإبداع - الثالث: قوله تعالى # لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42] - وهو ms1832 دليل القهر والغلبة - الرابع: قوله تعالى # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض # [المؤمنون: 91] - وهو دليل التنازع والاستعلاء ثم أكد تعالى وحدانيته ~~واستغناءه عن الخلق فقال { الله الصمد } أي هو جل وعلا المقصود في ~~الحوائج على الدوام، يحتاج إليه الخلق وهو مستغن عن العالمين قال ~~الألوسي: الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد، الذي يصمد إليه - أي يلجأ ~~إليه - الناس في حوائجهم وأمورهم { لم يلد } أي لم يتخذ ولدا، ~~وليس له أبناء وبنات، فكما هو متصف بالكمالات، منزه عن النقائص قال ~~المفسرون: في الآية رد على كل من جعل لله ولدا، كاليهود في قولهم # عزير ابن الله # [التوبة: 30] والنصارى في قولهم # المسيح ابن الله # [التوبة: 30] وكمشركي العرب في زعمهم أن (الملائكة بنات الله) فرد ~~الله تعالى على الجميع في أنه ليس له ولد، لأن الولد لا بد أن يكون من ~~جنس والده، والله تعالى أزلي قديم، ليس كمثله شيء، فلا يمكن أن يكون له ~~ولد،ولأن الولد لا يكون إلا لمن له زوجة، والله تعالى ليس له زوجة وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى # بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة # [الأنعام: 101]؟! { ولم يولد } أي ولم يولد من أب ولا أم، لأن ~~كل مولود حادث، والله تعالى قديم أزلي، فلا يصح أن يكون مولودا ولا أن ~~يكون له والد، وقد نفت الآية عنه تعالى إحاطة النسب من جميع الجهات، فهو ~~الأول الذي لا ابتداء لوجوده، القديم الذي كان ولم يكن معه شيء غيره { ~~ولم يكن له كفوا أحد } أي وليس له جل وعلا مثيل، ولا ~~نظير، ولا شبيه أحد من خلقه، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11] قال ابن كثير: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من ~~خلقه نظير يساميه، أو قريب يدانيه؟ تعالى وتقدس وتنزه، وفي الحديث ~~القدسي # " يقول الله عز وجل: كذبني ابن ms1833 آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ~~ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق ~~بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا ~~الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد ". # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- ذكر الاسم الجليل بضمير الشأن { قل هو } للتعظيم والتفخيم. # 2- تعريف الطرفين { الله الصمد } لإفادة التخصيص. # 3- الجناس الناقص { لم يلد } { ولم يولد } لتغير الشكل وبعض ~~الحروف. # 4- التجريد فإن قوله تعالى { قل هو الله أحد } يقتضي نفي ~~الكفء والولد، وقوله { ولم يكن له كفوا أحد } هو تخصيص ~~الشيء بالذكر بعد دخوله في العموم وذلك زيادة في الايضاح والبيان. # 5- السجع المرصع وهو من المحسنات البديعية { قل هو الله أحد ~~* الله الصمد }. # لطيفة: هذه السورة الكريمة مؤلفة من أربع آيات، وقد جاءت في غاية ~~الإيجاز والإعجاز، وأوضحت صفات الجلال والكمال، ونزهت الله جل وعلا عن ~~صفات العجز والنقص، فقد أثبتت الآية الأولى الوحدانية، ونفت التعدد { ~~قل هو الله أحد } وأثبتت الثانية كماله تعالى، ونفت النقص ~~والعجز { الله الصمد } وأثبتت الثالثة أزليته وبقاءه ونفت الذرية ~~والتناسل { لم يلد ولم يولد } وأثبتت الرابعة عظمته وجلاله ~~ونفت الأنداد والأضداد { ولم يكن له كفوا أحد } فالسورة ~~إثبات لصفات الجلال والكمال، وتنزيه للرب بأسمى صور التنزيه عن النقائص. # فائدة: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قرأ { قل هو الله أحد } فكأنما قرأ بثلث القرآن " # قال العلماء: وذلك لما تضمنته من المعاني والعلوم والمعارف، فإن علوم ~~القرآن ثلاثة: " توحيد، وأحكام وقصص " وقد اشتملت هذه السورة على ~~التوحيد، فهي ثلث القرآن بهذا الاعتبار، وقيل: إن ذلك في الثواب أي لمن ~~قرأها من الأجر مثل أجر من قرأ ثلث القرآن، والله أعلم. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # اللغة: { الفلق } الفلق: الصبح تقول العرب: هو أبين من فلق ~~الصبح، والفلق بالكسر الداهية والأمر العجب، وأصله من فلقت الشيء أي ~~شققته، فكل ما انفلق من ms1834 شيء من حيوان، وحب، ونوى فهو فلق، ومنه " فالق ~~الإصباح " قال ذو الرمة: " حتى إذا ما انجلى عن وجهه فلق " أي انجلى ~~الصبح عن وجهه { غاسق } الغاسق: الليل إذا اشتد ظلامه، والغسق أول ~~ظلمة غسق الليل يقال: غسق الليل أي أظلم قال الشاعر: # إن هذا الليل قد غسقا # واشتكيت الهم والأرقا # { وقب } دخل بظلامه، والوقوب: الدخول { النفاثات } النفث: شبه ~~النفخ دون تفل بالريق، فإذا كان معه ريق فهو التفل قال عنترة: # فإن يبرأ فلم أنفث عليه # وإن يفقد فحق له الفقود # التفسير: { قل أعوذ برب الفلق } أي قل يا محمد ألتجىء ~~وأعتصم برب الصبح الذي ينفلق عنه الليل، وينجلي عنه الظلام قال ابن عباس: ~~{ الفلق } الصبح كقوله تعالى # فالق الإصباح # [الأنعام: 96] وفي أمثال العرب: هو أبين من فلق الصبح قال المفسرون: ~~سبب تخصيص الصبح بالتعوذ أن انبثاق نور الصبح بعد شدة الظلمة، كالمثل ~~لمجيء الفرج بعد الشدة، فكما أن الإنسان يكون منتظرا لطلوع الصباح، ~~فكذلك الخائف يترقب مجيء النجاح { من شر ما خلق } أي من شر جميع ~~المخلوقات من الإنس، والجن، والدواب، والهوام، ومن شر كل مؤذ خلقه الله ~~تعالى { ومن شر غاسق إذا وقب } أي ومن شر الليل إذا أظلم ~~واشتد ظلامه، فإن ظلمة الليل ينتشر عندها أهل الشر من الإنس والجن ~~ولهذا قالوا في المثل " الليل أخفى للويل " قال الرازي: وإنما أمر أن ~~يتعوذ من شر الليل، لأن في الليل تخرج السباع من آجامها، والهوام من ~~مكانها، ويهجم السارق والمكابر، ويقع الحريق، ويقل فيه الغوث { ومن ~~شر النفاثات في العقد } أي ومن شر السواحر اللواتي يعقدن ~~عقدا في خيوط وينفثن - أي ينفخن - فيها ليضروا عباد الله بسحرهن، ~~ويفرقوا بين الرجل وزوجه # وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله # [البقرة:102] قال في البحر: وسبب نزول المعوذتين قصة " لبيد بن الأعصم " ~~الذي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة وجف - قشر الطلع - ~~طلعة ذكر، ووتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة، مغروز بالإبر، فأنزلت ~~عليه المعوذتان، ms1835 فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد في نفسه خفه صلى الله ~~عليه وسلم حتى انحلت العقدة الأخيرة فقام فكأنما نشط من عقال { ومن ~~شر حاسد إذا حسد } أي ومن شر الحاسد الذي يتمنى زوال النعمة ~~عن غيره، ولا يرضى بما قسمه الله تعالى له. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الجناس الناقص بين { فلق } و { خلق }. # 2- الإطناب بتكرار الاسم { شر } مرات في السورة { من شر ما ~~خلق } { ومن شر غاسق } { ومن شر النفاثات } الخ ~~تنبيها على شناعة هذه الأوصاف. # 3- ذكر الخاص بعد العام للاعتناء بالذكور { من شر ما خلق } ~~فإنه عموم يدخل تحته شر الغاسق، وشر النفاثات، وشر الحاسد. # 4- جناس الاشتقاق بين { حاسد } و { حسد }. # 5- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # اللغة: { الوسواس } الشيطان الموسوس، مشتق من الوسوسة وهي الكلام ~~الخفي وحديث النفس قال الأعشى: # " تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت " # { الخناس } الذي عادته أن يخنس أي يتوارى ويختفي ويتأخر يقال: خنس ~~الظبي إذا اختفى، وسمي الشيطان خناسا لأنه يتوارى ويختفي إذا ذكر ~~العبد ربه، فإذا غفل عن ذكر الله عاد فوسوس له والخنوس: التأخر { ~~الجنة } بكسر الجيم الجن جمع جني، وبضم الجيم الوقاية وفي الحديث # " الصوم جنة " # أي وقاية من عذاب الله. # التفسير: { قل أعوذ } أي قل يا محمد أعتصم وألتجىء وأستجير { ~~برب الناس } أي بخالق الناس ومربيهم ومدبر شئونهم، الذي أحياهم ~~وأوجدهم من العدم، وأنعم عليهم بأنواع النعم قال المفسرون: إنما خص ~~الناس بالذكر - وإن كان جلت عظمته رب جميع الخلائق - تشريفا وتكريما ~~لهم، من حيث إنه تعالى سخر لهم ما في الكون، وأمدهم بالعقل والعلم، ~~وأسجد لهم ملائكة قدسه، فهم أفضل المخلوقات على الإطلاق { ملك ~~الناس } أي مالك جميع الخلق حاكمين ومحكومين، ملكا تاما شاملا ~~كاملا، يحكمهم، ويضبط أعمالهم، ويدبر شئونهم، فيعز ويذل، ويغني ويفقر ~~{ إله الناس } أي معبودهم الذي لا رب لهم سواه قال القرطبي: ~~وإنما قال { ملك الناس * إله الناس } لأن في الناس ملوكا ~~فذكر أنه ملكهم، ms1836 وفي الناس من يعبد غيره فذكر إنه إلههم ومعبودهم، وأنه ~~الذي يجب إن يستعاذ به ويلجأ إليه، دون الملوك والعظماء، وترتيب السورة ~~بهذا الشكل في منتهى الإبداع، وذلك لأن الإنسان أولا يعرف أن له ربا، ~~لما يشاهده من أنواع التربية { رب الناس } ثم إذا تأمل عرف أن هذا ~~الرب متصرف في خلقه، غني عن خلقه فهو الملك لهم { ملك الناس } ثم ~~إذا زاد تأمله عرف أنه يستحق أن يعبد، لأنه لا عبادة إلا للغني عن كل ~~ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه { إله الناس } وإنما كرر لفظ ~~الناس ثلاثا ولم يكتف بالضمير، لإظهار شرفهم وتعظيمهم والاعتناء ~~بشأنهم، كما حسن التكرار في قول الشاعر: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء # نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # قال ابن كثير: هذه ثلاث صفات من صفات الرب عز وجل " الربوبية " و " ~~الملك " و " الإلهية " فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، وجميع الأشياء ~~مخلوقة ومملوكة له، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات { من ~~شر الوسواس } أي من شر الشيطان الذي يلقي حديث السوء في النفس، ~~ويوسوس للإنسان ليغريه بالعصيان { الخناس } الذي يخنس أن يختفي ~~ويتأخر إذا ذكر العبد ربه، فإذا غفل عن الله عاد فوسوس له وفي الحديث # " إن الشيطان واضح خطمه - أنفه - على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، ~~وإذا نسي الله التقم قلبه فوسوس " # " { الذى يوسوس في صدور الناس } أي الذي يلقي لشدة خبثه ~~في قلوب البشر صنوف الوساوس والأوهام قال القرطبي: ووسوسته هو الدعاء ~~لطاعته بكلام خفي يصل مفهومه الى القلب من غير سماع صوت { من ~~الجنة والناس } { من } بيانية أي هذا الذي يوسوس في صدور ~~الناس، هو من شياطين الجن والإنس كقوله تعالى # شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا # [الأنعام: 112] فالآية استعاذة من شر الإنس والجن جميعا، ولا شك أن ~~شياطين الإنس، أشد فتكا وخطرا من شياطين الجن، فإن شيطان الجن يخنس ~~بالاستعاذة، وشيطان الإنس يزين له الفواحش ويغريه بالمنكرات، ولا يثنيه ~~عن عزمه ms1837 شيء، والمعصوم من عصمه الله. # البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما ~~يلي: # 1- الإضافة للتشريف والتكريم { أعوذ برب الناس } وفي الآيتين ~~بعدها. # 2- الأطناب بتكرار الاسم { رب الناس * ملك الناس* إله ~~الناس } زيادة في التعظيم لهم، والاعتناء بشأنهم، ولو قال (ملكهم، ~~إلههم) لما كان لهم هذا الشأن العظيم. # 3- الطباق بين { الجنة } و { الناس }. # 4- جناس الاشتقاق { يوسوس..و.. الوسواس } ثم ما في السورة من ~~الجرس الموسيقي، الذي يفضل الألحان بعذوبة البيان، وذلك من خصائص القرآن. # تنبيه: عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ونفث ~~فيهما وقرأ { قل هو الله أحد } والمعوذتين، ثم مسح بهما ما ~~استطاع من جسده، يبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاثا ". ms1838