######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.Awraqi01.Hindawi20938505 #META# Tags: biographies #META# ID: 20938505 #META# Title: أوراقي … حياتي (الجزء الأول) #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # هكذا جئت إلى الدنيا‏ # حادث ختان‏ # من الإسكندرية إلى منوف‏ # الحلم‏ # الحب الأول‏ # العروسة والعريس‏ # من نبوية موسى إلى مدرسة السنية‏ # لقيط في دورة المياه‏ # سنة أولى سياسة‏ # مظاهرات البنات‏ # هواجس الشك ويقين الإيمان‏ # ألفة الموت‏ # الحب والموت فوق منضدة واحدة‏ # أوراقي ... حياتي‏ # ثمن الكتابة‏ # هكذا جئت إلى الدنيا‏ # حادث ختان‏ # من الإسكندرية إلى منوف‏ # الحلم‏ # الحب الأول‏ # العروسة والعريس‏ # من نبوية موسى إلى مدرسة السنية‏ # لقيط في دورة المياه‏ # سنة أولى سياسة‏ # مظاهرات البنات‏ # هواجس الشك ويقين الإيمان‏ # ألفة الموت‏ # الحب والموت فوق منضدة واحدة‏ # أوراقي ... حياتي‏ # | أوراقي ... حياتي (الجزء الأول) # | أوراقي ... حياتي (الجزء الأول) # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من ~~نصف صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، ~~لا تهتم بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال ~~الغياب، أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس ~~وأغرقتها الأمطار في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، ~~متينة العجلات قوية العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات ~~والمحطات، تنزلق وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، ~~وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، مليئة ~~بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ms001 ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم ~~في وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت ~~القائمة السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا ~~لتستريح وكوب ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو ~~داعش أو حزب الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة ~~الحجر الصحي؛ حيث تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا ~~الخنازير، وبعضهم مصاب بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي ~~بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا ~~مدهشة في الرءوس التي تغوص فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، ~~نساء ورجال من المثقفين أو الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين ~~من فصيلة الثدييات على رأسها الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس ~~وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ~~ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى ~~والجدد في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن ~~البلدي والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك ~~والأتراك، كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده ~~الكبير، الذي حكى له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن ~~تعب من ثقلها حرك رأسه ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن ms002 لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، ~~نامت على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن ~~يسرقها أحد وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون ~~سابق إنذار، يأتي الضابط ms003 مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض ~~المعتقلين والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون ~~النسيم في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة ~~وسواحل البحر الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | هكذا جئت إلى الدنيا # منذ يناير 1993م، وأنا في هذا البيت الصغير المطل على غابة «ديوك»، كتل من شجر ~~الأرز والصنبور والبلوط، الأشجار الطويلة الكثيفة، فيضان من الخضرة. # منظر غير مألوف لي، كلمة غابة في حد ذاتها غير مألوفة لأذن امرأة عاشت حياتها في مصر ~~«وادي» النيل النهر الهادئ، تتناقص مياهه بلا فيض أو فيضان، الشريط الأخضر المنبسط من ~~المزارع وسط الرمال، تتناقص مساحته، تزحف الصحراء والجدران الإسمنت. # كانت هناك شجرة أمام بيتي في الجيزة، كلمة «الجيزة» ترتبط في أذهان السياح (وعلماء ~~المصريات) بصورة الهرم، وأبو الهول، ومقبرة توت عنخ أمون، والجمال يركبونها، أو ~~الحمير يجرها أولاد البلد الظرفاء ذوو الوجوه الضامرة المحروقة بالشمس، والكعوب ~~السوداء المشققة، ترمقها بانبهار عيونهم النهمة إلى التحديق فيما يسمى اختلاف ~~الأجناس أو الثقافات. كنت أفتح النافذة، وأطل على هذه الشجرة الخضراء الوحيدة، عيناي ~~تتجذبان إلى الخضرة، أتنفسها مع الهواء، يتحول اللون الأخضر في صدري إلى ~~أكسجين. # قضيت طفولتي وصباي في الريف وسط الدلتا، بين قريتي «كفر طحلة» في ms004 محافظة القليوبية، ~~وبلدة «منوف » في محافظة المنوفية، عيناي تعودتا رؤيا المزارع والحقول، صدري كان ~~يتسع مع اتساع المساحات الخضراء أمام عيني. # فتحت نافذتي ذات يوم عام 1977م، لم أجد الشجرة الوحيدة اليتيمة، جاء «البلدوزر» ~~فاجتثها من جذورها، أصبح جداران من الإسمنت يرتفعان حتى حجبا الشمس عن نافذتي. # فوق جدار ارتفعت مئذنة طويلة لجامع جديد تحوطها لمبات النيون، فوق الجدار الآخر ارتفعت ~~لوحة «ماكدونالد» تعلوها أيضا دائرة متحركة من اللمبات النيون، في الطابق السفلي ~~دائرة أخرى لشيء جديد اسمه «أنديسكوكلوب.» # كنت أغلق نافذتي بالزجاج والشيش ليل نهار، لكن الأصوات العالية مع الأضواء المتحركة ~~تنفذ إلى جسدي، تختلط فيها رائحة «الهامبرجر» بدقات الديسكو بالتكبير وحي على ~~الصلاة. # في ليالي الأرق المؤلمة فكرت، أهناك اتفاق بين «المؤذن» و«مكدونالد» على طرد النوم ~~من عيني أو طردي من بيتي! # غابة «ديوك» مساحة من الأشجار الخضراء الباسقة، عيناي مشدودتان إلى الخضرة مثل الأرض ~~الجافة تحن إلى الماء، الشمس تنفذ إلى نافذتي، وأنا جالسة أكتب، عامان قضيتهما في ~~هذا المكان البعيد، يبعد عن مصر حوالي عشرة آلاف ميل، غابة «ديوك» هي جزء من الجامعة في ~~تلك البلدة الصغيرة الشبيهة بالقرية، اسمها «ديرهام» في ولاية نورث كارولينا، على الشاطئ ~~الشرقي للمحيط الأطلنطي. # أرفع رأسي من فوق الورقة، أترك القلم لحظة، لماذا أكتب سيرة حياتي اليوم؟ ألحنين ~~إلى عمري الذي مضى؟ هل مضى؟! أم في العمر بقية؟ أتكون الكلمات هي الملاذ الأخير للإمساك ~~بما فات قبل أن يفوت؟ تثبت الصور في الذاكرة قبل أن تتلاشى؟ مقاومة الفناء من أجل ~~البقاء في الوجود أو الخلود؟ # كلمة «الخلود» في طفولتي وصباي كان سحر الآلهة، اليوم لم يعد هناك سحر، الكلمة في حد ~~ذاتها تبعث على الضجر، الاستمرار الدائم لأي شيء يؤدي إلى الملل، لولا الموت لأصبحت ~~الحياة أمرا غير محتمل. # أهي محاولة كشف المخبوء في أعماق نفسي؟ تعرية المستور بالخوف من الله، أو الأب، أو ~~الزوج، أو الأستاذ، أو الصديق، أو الصديقة من رفاق الزمالة أو الحب أو الوطن؟ # من الطبيعي ms005 أن نغضب ونثور على من نكرههم، لكن إذا تحول الغضب أو الثورة إلى من ~~نحبهم، فكيف تكون الكلمات المكتوبة؟ # كلمة «الوطن» كنت أتغنى بها في طفولتي وشبابي، كيف تحولت إلى «سجن» أو «رجل بوليس» ~~يطاردني في اليقظة والنوم، يضع فوق رأسه طربوشا أو طاقية أو عمامة أو قبعة، ~~يتكلم اللغة الإنكليزية أو العربية الفصحى أو الدارجة أو الخليجية؟ # كلمة «الحب»! كنت أنشدها مع البنات، لا نكف عن الغناء في ضوء القمر، فكيف تحولت ~~إلى أربعة جدران سوداء داخل مطبخ في بيت آيل للسقوط «بيت الزوجية»؟ ~~«الطب» أيضا كان مثل كلمة العلم والفن والأدب، أحلم بها مثل عصفورة تحلم بالطيران، ~~كيف تحولت إلى ما يشبه السلاسل تشدني إلى الأرض أو تحت الأرض؟ # منذ ولدت حتى بلغت الستين من عمري، وأنا أعيش في مصر، أحاول أن أتذكر يوم مولدي، ~~لا أذكر شيئا سوى أنني ولدت «أنثى». # فسمعت من الناس أن الله هو الذي يخلق الأنثى والذكر، سمعت أنه قبل زمن طويل كانت ~~البنت تدفن في القبر وهي طفلة، ثم نزلت آية في القرآن تقول: # وإذا الموءودة سئلت * بأي ذنب ~~قتلت ~~. # كان يمكن أن أكون ضمن هؤلاء الموءودات لو أنني ولدت في ذلك الزمان، هكذا سمعت من ~~الناس وأنا في الرابعة من العمر. # الزمان الذي ولدت فيه كان أفضل، لم يكن يحدث شيء حين تولد الأنثى؛ فقد يصيب الناس ~~الحزن، لكن الحزن أخف من الوأد؛ فقد ينطوي الحزن على رغبة مخبوءة في الوأد، إلا أنه ~~يظل حزنا لا غير، يظل شيئا طافحا فوق الوجوه، لونا قاتما يخفي الشيء ~~الكظيم. # في أول أيام الولادة لا تشهد المولودة هذا الحزن، عيناها المفتوحتان لأول مرة على ~~العالم بريئتان صغيرتان عاجزتان عن رؤية المخبوء. # كنت أنا واحدة من هؤلاء البنات المولودات، لم أر المشهد بعيني رأسي، ضاعت ~~الصورة الأصلية من ذاكرتي، أسترجعها عن طريق الخيال، أجمع في خيالي الكلمات التي ~~سمعتها من جدتي وأنا في الخامسة من العمر لأرسم المشهد الحزين لأول مرة خرجت فيها من ~~بطن ms006 أمي ... ~~••• # أول خيوط الفجر تلك الليلة من أكتوبر، قبل أن تخرج الشمس إلى الأرض المحددة على ~~الخريطة بنقطة صغيرة لا تراها العين، فوق الخط الرفيع كالشعرة يشق الصحراء من الجنوب ~~إلى الشمال تحت اسم النيل، ومع الدقة الرابعة المتحشرجة كالنفس الأخير لساعة الحائط، ~~انطلقت الصرخة من فوق السرير النحاسي الأصفر ذي الأعمدة الأربعة، صرخة واحدة ~~لامرأة في المخاض، تبعها صمت طويل ثقيل كأنما ماتت الأم والمولود معا. # توقفت الأنفاس في حلوق الحشد المجتمع في الصالة الخارجية، عائلة شكري بيه سليلة المجد ~~حتى طلعت باشا في إسطنبول، وعائلة السعداوي من «كفر طحلة» بالوجوه الكالحة المتربة، ~~والأقدام الحافية المشققة، رائحة العرق والطين في الجلاليب البالية تختلط برائحة ~~العطور الفرنسية في الفساتين الحريرية الهفهافة، والبدل الإفرنجية من الصوف الإنجليزي ~~تفوح برائحة الويسكي أو الدخان المتصاعد من البايب. # توقفت أنفاسهم داخل الصالة الضيقة، وتوقفت معها أنفاس الفجر المترددة بين ~~الإقبال والإدبار، وأنفاس الساعة المتهالكة العتيقة منذ الخديو إسماعيل، وقرص الشمس ~~أيضا توقف وانحشر في بطن الأرض يرفض الخروج. # ربما تبدو هذه اللحظة بعيدة عن الواقع، لكن هذا ما حدث كما حكت لي جدتي الحاجة مبروكة ~~أم أبي، وكنا نسميها «ستي الحاجة»، هي أيضا توقفت أنفاسها في حلقها حين دب ~~الصمت بعد الصرخة الأولى والأخيرة، أطلت من الباب الموارب لترى الرأس الصغير محشورا ~~في فرج الأم يرفض الخروج إلى الدنيا، رأس ناشف، عنيد، صلب، مثل الحجر، أسود بلون الليل، ~~مستدير «مثل الكرة الأرضية»، متوقف في الفرج المتسع على شكل دائرة بحجم قرص شمس حمراء ~~بلون الدم. # مع الصرخة القوية المنطلقة من بطن الأم خرج الرأس الأسود الصلب، توقف عند منتصف ~~العنق مترددا بين الخروج والدخول، وهنا انقبضت من حوله عضلات الفرج حتى اختنق، لم ~~يكن أمامه لإنقاذ نفسه إلا الاندفاع إلى الخارج. # خرج مثل الكرة، ملفوفا حول نفسه كالقنفذ، ذراعاه وساقاه مضمومة حول جسده، تلقفاه ~~الكفان الكبيرتان بأصابعهما الطويلة المعروقة تفتح الفخذين بحركة أسرع من البرق، أصابع ~~خشنة صلبة مثل المسامير الصدئة، مدربة في مهنة ms007 الدايات منذ الاحتلال التركي . # كانت الفخذان الصغيرتان مضمومتين بقوة خارقة للعادة، كأنما بينهما شيء يستوجب الخزي، ~~لكن الأصابع الحديدية أبعدت الفخذ عن الأخرى، كأنهما فخذا دجاجة، لتكشف عما بينهما من ~~خير أو شر، ولتكون أول من يطلق الزغرودة، إذا ما سقطت عيناها فوق القضيب، العضو الغالي ~~المبجل شبه المقدس الممنوح للمذكر فحسب، أو تكون أول من تنكس الرأس بوجه كظيم، ~~وتصمت صمت الموتى، إذا لم يكن هناك إلا الشق، الفرج التعيس الملعون منذ حواء. # لم تنطق الزغرودة من فم أم محمد الداية، ولم تفتح الأم الوالدة جفونها لترى ماذا ~~ولدت، وكنت «أنا» بالمصادفة ذلك الشيء المولود، قلبته أم محمد الداية بين يديها، ~~ممصمصة شفتيها في حسرة، ثم ألقت به داخل طشت الماء ليغرق. # لم تمتد أي يد من عائلة شكري بيه أو آل السعداوي لتنقذني، أغلب الظن أنهم اختفوا ~~جميعا، وأصبحت حياتي بين يدي أم محمد، الداية المدربة منذ قرون على حل الأزمات ~~والمصائب. لها قرون استشعار تفهم العيون دون الكلام، تعيش المولودة أو تموت، كله بإرادة ~~الله، وهي على علاقة طيبة بالله. # لم تفتح أمي جفونها وتركتني داخل الطشت أرفس ... لا أعرف كيف تغلبت على الموت في ~~اللحظات الأولى من حياتي، ربما هي إرادة شيطانية ركبتني، لم أكن أعرف حينئذ ما هو ~~الشيطان، ثم عرفت في الخامسة من عمري أن اسمه إبليس، إنه الوحيد الذي امتلك القوة ~~ليرفض أمر الله ويرفع راية العصيان. # ربما فتحت أمي نصف عين (بعد انصراف الداية أم محمد)، رأت بشرتي الزرقاء الداكنة السمرة ~~مثل آل السعداوي الفلاحين، فأطبقت جفونها كأنما إلى الأبد، شفتاها انطبقتا مزمومتين ~~بلون أزرق، الصمت أصبح ثقيلا أثقل من وزن الأرض، امتد من البيت الصغير إلى القرية ~~كلها تحت جسر النيل، من القرية امتد إلى المدينة العاصمة، القاهرة لأهلها منذ عصر ~~العبيد، المقهورة تحت بنادق الغزاة من الفراعنة حتى الاحتلال الإنجليزي عام 1882م، ~~الواقعة أسفل جبل المقطم، أسفل الأهرامات ومقبرة فرعون، أسفل قدمي «أبي الهول» الإله ~~الحجري الأكبر. # أغمضت الأم عينيها ms008 وتكورت حول نفسها كالجنين، تضم فخذيها السمينتين البيضاوين حول ~~الفرج المفتوح النازف، لم تمتد ذراعيها لتضمني إلى صدرها، تركتني أرتجف إلى جوارها في ~~السرير داخل خرقة بالية تلتف حول صدري وبطني حتى الاختناق، مددت ذراعي نحوها، ~~والتفت أصابعي الخمسة حول يدها، فانقبضت أصابعها الخمسة حول يدي، ثم راحت أمي فيما ~~يشبه النعاس أو حمى النفاس، عاد بها الألم والنزيف إلى ليلة الزفاف، تسير بخطوة ثقيلة ~~بطيئة مع دقات الطبول، قدماها تتأرجحان فوق الكعب العالي المدبب، تتعثران في ذيل ~~الثوب الطويل ذي الكرانيش والكشاكيش، الطبل يدق في أذنيها كالشواكيش ... فخذاها ترتجفان، ~~تضمهما بقوة حول الفرج المنزوع الشعر والكرامة، عمرها خمسة عشر ربيعا، أخرجها أبوها ~~من المدرسة بالقوة والعصا، عريسها يكبرها بستة عشر عاما، لم تره إلا من ظهره من وراء ~~ثقوب الشيش، وجهها تحت مسحوق البودرة ابيض بلون الطباشير، تشوبه صفرة مرتعشة تحت أضواء ~~الكهرباء، خداها عظامهما بارزة مصبوغان بلون أحمر مثل عرائس المولد، عيناها العسليتان ~~يكسوهما بريق طفولي، يدور «النني» حول نفسه كالفأر في المصيدة يبحث عن ثقب للفرار، ~~اسمها مطبوع فوق بطاقة الدعوة بحبر أسود: # الآنسة المهذبة زينب هانم شكري، كريمة صاحب العزة محمود بك شكري مدير ~~القرعة العسكرية. # تزف إلى السيد أفندي السعداوي، المدرس بوزارة المعارف العمومية. # يقام حفل الزفاف في السابعة مساء 25 مارس 1929م، بفيلا شكري بك رقم 6 بشارع ~~الزيتون، عزبة الزيتون، ضاحية مدينة القاهرة. # تسمرت ذاكرتها مع قدميها فوق عتبة غرفة النوم، كان هناك السرير النحاسي الأصفر ~~بأعمدته الأربعة، ورجل عريض طويل منتصب مثل عمود السرير، لم تره من الوجه أبدا، من ~~وراء شقوق الشيش، لم تكن ترى إلا قفاه، غليظا محلوقا بالموسى، ملفوفا بعمامة مثل ~~الفقيه في المقابر يقرأ القرآن على أرواح الموتى، ويتلقى بعض الفطائر، ستكون بعد دقائق ~~قليلة فوق السرير بين ذراعي هذا الرجل مغمضة تحبل بطفلها الأول دون أن تخلع ملابسها، ~~دون أن تفتح عينيها، تلده بعد تسعة شهور كاملة، ثم تحبل من جديد قبل أن تفطم طفلها ~~الأول، دون ms009 أن تخلع ملابسها أيضا، في الظلمة الدامسة دون أن تدوس على النور أو تفتح ~~عينيها لترى وجه الرجل الذي يمتطيها العام بعد العام. # وهكذا في ظلمة الليل حملت أمي عشر مرات، ولدت تسعة من الأطفال، أجهضت الحمل العاشر، ~~قبل أن تبلغ الثلاثين من العمر، دون أن تعرف ذلك الشيء الذي اسمه لذة الجنس، ثم ماتت ~~في ريعان الشباب ممسكة يدها في يدي، عيناها العسليتان الطفوليتان تتطلعان نحوي في ~~اندهاش، تكتشف لأول مرة في حياتها أنها تمسك يدي، أصابعها الخمسة تلتف حول يدي كما ~~التفت أصابعي الخمسة حول يدها وأنا أرقد بجوارها ليلة مولدي. # في المرآة أرى وجهي شاحبا طويلا يشبه وجه أمي حين ماتت، كانت في ريعان الشباب، وأنا ~~تجاوزت الستين، ثلاثون عاما مرت من حياتي دون أن أدري، أجزاء من عمري سقطت في ~~العدم، أحاول أن أستعديها، أن أشدها من براثن الماضي ... لحظات تريد الفرار والاختفاء ~~بعيدا عن الذاكرة وأعين الناس، لحظات الألم واليأس والضعف والانحدار حين كنت أنسى ~~اليوم والساعة والمكان الذي أنا فيه، أنسى اسمي واسم أمي وأبي ومسقط رأسي، لحظات الغضب ~~تتملكني فأود الإقدام على جريمة قتل، أرى نفسي أمشي في الشارع بلا هدف، ألمح ~~وجهي داخل مرآة أو زجاج، شاحب أسمر حزين، ينظر إلى الدنيا بعين سواء داكنة السواد مثل ~~عين الليل. # كنت أغمض عين أحوال الهروب من وجهي، أستعيد وجه أمي حين كانت تضحك، لا أعرف كم كان عمري ~~حين سمعتها تضحك لأول مرة، كانت لها ضحكة مميزة خاصة بها لا تشبه أي ضحكة في العالم، ~~ترى في البيت تجاوز الجدران إلى الشارع إلى الكون كله، أسمعها وأنا أمشي في الطريق ~~بجوار أبي، لها رنين في أذني عجيب مثل رنين الماء الرائق العذب المقطر داخل إبريق من ~~الفضة أو البلور، أسمعها قبل أن أدخل إلى البيت، أنفلت من يد أبي وأجري إلى أمي ~~تحملني فوق صدرها وتطعمني، رائحة أمي لا تزال في أنفي كأنما هي رائحة جسدي، ومعها رائحة ~~اللبن الطازج والخبز الساخن والشوربة ms010 يتصاعد منها الدخان في الشتاء البارد. # رقدت أمي عامين اثنين في فراش المرض، في السرير النحاسي الأصفر ذي الأعمدة الأربعة ~~الذي رقدت فوقه ليلة زفافها، الذي حبلت فيه بأطفالها، ثلاثة من الذكور وست من البنات، ~~أحمل أمي من فراش الموت فوق صدري وأطعمها، لم يحملها فوق صدره أحد من الذكور. # في المرآة ألمح نفسي وأندهش، كيف مرت السنون وأصبحت أطعم الأم التي كانت تطعمني، ~~في المرأة أرى الملعقة في يدي أقربها من فمها ورأسها فوق صدري كما كنت أضع رأسي فوق ~~صدرها أهمس لها بأحلامي، هي التي تهمس هذه اللحظة بأحلامها، صوتها متقطع، أنفاسها ~~خافتة، الكلمات مبتورة ممزقة، أرهف أذني، أستجمع حواسي كلها في حاسة واحدة هي ~~السمع، أستمهل الزمن، أستوقف عقارب الساعة لتكمل أمي النطق، ألصق أذني بفمها، ~~أستنطق الصمت، أساعدها على العثور على الكلمات كما كانت تعلمني الكلام، تفتح فمها ~~تحاول النطق، لكن الكلمات تفلت منها، الزمن يفلت، كل شيء يفلت، يروح في ~~العدم. # في المرآة أرى وجهي، والقلم في يدي أحركه فوق الورق، الساعة العاشرة صباحا، المكان ~~هو مدينة ديرهام بأمريكا الشمالية، وجهي أصبح أكثر طولا، بشرتي أكثر سمرة وشحوبا، ~~عيناي السوداوان أقل بريقا، في أعماقي لحظات تولد من العدم، أطرد بيدي شبح الموت ~~كأنما هو ذبابة، ألمح فوق مكتبي مظروفا أبيض عليه اسمي: الدكتورة السعداوي، الأستاذة في ~~جامعة «ديوك»، كلمة «ديوك» ترن في أذني غريبة، أغرب منها اسم «السعداوي»، من هو صاحب ~~الاسم؟ قالت جدتي: إنه رجل مجهول الأصل، حملته مياه النيل من الحبشة أو الجنوب داخل ~~قارب من القش أو الجريد، يشبه القارب الذي رقد فيه سيدنا موسى بعد أن ولدته أمه ~~وتركته لمصيره يسبح مع مياه النيل. # كنت في السادسة من العمر حين كنت أجلس إلى جوار ستي الحاجة فوق عتبة الدار في قريتنا ~~«كفر طحلة»، تفرش أمامها الحصيرة من فوقها الأرز أو القمح أو الغلة، تلتقط من بينها ~~الحصى بأصابعها الكبيرة المشققة، كل من يمر أمامها في الطريق من الفلاحين أو ~~الفلاحات يقول: ms011 # العواف يا أم السيد أفندي. # تمد ستي الحاجة عنقها القوي العضلات من طول حمل الزكائب أو زلع الماء، تشمخ بأنفها ~~المرتفع حين تسمع كلمة «الأفندي»، ترد التحية مضاعفة: # يا اخويا، العوافين عليكي يا أختي. # ثم تعود إلى التنقية بأصابعها السمراء المحروقة بالشمس، تكمل حكاية السعداوي، الجد ~~الأكبر لأبي، لم يكن يذكر من أهله في الحبشة أو الجنوب إلا أمه «حبشية». # أستمع إلى حكاية جدتي، فمي مفتوح، خيالي يسبح مع قارب القش أو الجريد فوق مياه النيل، ~~صوتها يسري في أذني كأنما من عالم مسحور: # أمه كان اسمها حبشية، ماكانش له أب، تمام زي سيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهما السلام، كان ~~يحكي عن أمه حبشية كأنها ستنا مريم، شلاه يا ست، ويقول: أمي حبشية كانت من الأشراف في ~~الحبشة، عندها الأملاك والعبيد ولا الملكة بلقيس في زمانها، وكان أهل الكفر يصدقونه ~~إلا المرحومة أمي كانت تقول لي: «إذا كانت أمه حبشية من الأشراف بصحيح، ليه ربنا ~~ماجابش سيرتها في القرآن؟ لازم أمه حبشية كانت جارية من الجواري أو واحدة من عبيد ~~السلطات.» كانت المرحومة أمي تكره السعداوي كره العمى، وتقول: إنه «شيطان ابن شيطان»، ~~عينيه في الليل تطق شرار، ويغيب طول الصيف ماحدش يعرف له قرار، وفي الشتا يرجع يرقد ~~فوق الفرن، ويزعق على واحدة من نسوانه، كان يتجوز ويطلق، ويتجوز على كيفه، وما حدش ~~يعرف عدد نساوينه، يدخل الدار ويخرج ولباسه على كتفه، وماكانشي يحفظ من القرآن إلا: # فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~. # وكان له ابن كشر غلس زيه تمام، اسمه حبش، سماه على اسم امه حبشية، وجوزه لواحدة من ~~الكفر ماتت بعدما جابت له ولدين، وكنت أنا عيلة صغيرة ألعب مع العيال وبزازي ماطلعوش ~~والعادة ماجاتنيش، ويالا هوب مسكوني وجوزوني حبش، وأنا أصرخ وأقول: يامه، انتي فين؟ لكن ~~الولية اللي ماتتسماش، أم محمد، الداية الآرحة بنت الغازية مسكتني هي وأربعة من النساوين ~~وكتفوني زي الفرخة، وخبوا رأسي بالطرحة وفتحوا فخادي عشان أم محمود تاخد وشي، وقريت ~~الفاتحة على ms012 روحي، وقلت: أشهد أنا لا إله إلا الله ، محمد رسول الله. # شفت الموت، وأم محمود بتاخد وشي بصباعها زي المسمار يشق لحمي زي النار، والطبل بيدق في ~~وداني زي الشواكيش وقلت لنفسي: خلاص يا بت يا مبروكة، روحك طلعت ودي جنازتك مش جوازتك، ~~أي والله يا بنت ابني، الجوازة في بلدنا زي الجنازة بصحيح. # تتوقف ستي الحاجة عن الكلام وتضحك فجأة، وينتفض جسدها الطويل الضامر داخل الجلباب ~~الأسود شهقات مكتومة متقطعة كالنسيج، تشد طرف الطرحة وتخفي فمها وأنفها تحاول أن ~~تحبس الضحك حتى تختنق وتطفر الدموع من عينيها تمسحها بطرف طرحتها السوداء. ~~••• # لم أكن أعرف في طفولتي إن كانت جدتي تضحك أم تبكي، أغلب الظن أنها كانت تضحك، عيناها ~~بعد أن تمسحها تلمعان فجأة، يكسوهما بريق غريب، يعودها الضحك حتى تختنق مرة أخرى، ~~تخفي فمها وأنفها بالطرحة السوداء، وتقول: «اللهم اجعله خير يا رب.» # تضحك من جديد وعيناها تغرقان في الدموع. # اسمي الرباعي في السجلات الرسمية: «نوال السيد حبش السعداوي»، سقط اسم «حبش» من شهادة ~~ميلادي وشهاداتي المدرسية وبطاقتي الشخصية حتى نسيته تماما، لكنه ظل موجودا في ~~سجلات السجون أو وزارة الداخلية، لم أكن أعرف ذلك حتى عام 1981م، حين أصبحت السجينة رقم ~~1536 في سجن النساء بالقناطر، وأنا في الخمسين من العمر، سألني الضابط فجأة عن اسمي ~~الرباعي، فلم أذكر اسم حبش، بادرني الضباط بالاسم، أخرجه من دفتر قديم عتيق، كأنما ~~يخرجه من القبر معه جثة جدي حبش الذي مات قبل أن أولد، وجثة أبيه السعداوي الرجل ~~الغريب المجهول الذي انحفر اسمه فوق جسدي منذ ولدت، وفوق كراريسي في المدرسة، وشهادات ~~نجاحي وتفوقي، وفوق أغلفة كتبي التي كتبتها بقلمي، بالعرق والدم في ليالي البرد ~~والحر، في الليل والنهار على مدى أربعين عاما من عمري. # على مكتبي المظروف الأبيض عليه اسمي ولقبي: الدكتورة الأستاذة بجامعة ديوك، من هو ~~«ديوك»؟ كان رجلا من أصحاب الملايين في أمريكا الشمالية، لحظة الموت اكتشف فجأة أنه لن ~~يأخذ ماله إلى القبر، لاحت له الفكرة ms013 قبل أن يلفظ النفس الأخيرة أن يحفر اسمه فوق جدار ~~أو تمثال، ويدفع من أجل ذلك كل ماله، لم يشأ أن يأخذ اسمه معه إلى العدم. # لكن اسم أمي ذهب معها إلى العدم، لم تكن تملك شيئا، أطفالها التسعة وأنا منهم كانوا ~~من أملاك زوجها بحسب القانون وشرع الله، ولم أحمل اسم أمي، دفن اسمها مع جسمها في ~~القبر، واندثرت في التاريخ. # منذ أمسكت القلم بين أصابعي وأنا أقاوم هذا التاريخ، أقاوم هذا التزييف في السجلات ~~الرسمية، أود لو شطب اسم جدي وأضع مكانه اسم «زينب»، وهي التي علمتني الحروف: «أ، ب، ~~ج، د» حتى «ه، و، ي»، تمسك يدي تحت يدها، وتجلعني أكتب اسمي من أربعة حروف: «ن و ~~ل»، وأسمع صوتها مثل تغريد عصفورة: نوال ... يا نوال. # صوتها يناديني، فأنفلت من يد أبي، أجري إليها لتحملني فوق صدرها، الشمس ساطعة في سناء ~~ديرهام الزرقاء، يسمونها هنا «كارولينا بلو»، تشبه زرقة السماء في قريتي «كفر طحلة» ~~بدلتا النيل، رائحة الهواء تشبه نسمة القاهرة في الليل، لحظات الماضي تذوب في الحاضر، ~~كلاهما لحظة واحدة ممدودة منذ أن ولدت، طفلة تحبو وتمشي فوق الأرض، جسمي يذكر رائحة ~~التراب، ملمس الأرض فوق البحار آلاف الأميال، واجتازت المحيط الأطلسي حتى مدينة ديرهام، ~~مضت الأعوام، أكثر من نصف قرن، لكن الرائحة تملأ أنفي، والضوء القوي يجعلني أغمض عيني، ~~وصوت أمي يغزوني من جميع مسام جسدي، ومعه أشعة الشمس، أترك نفسي لطغيان هذا الضوء وهذا ~~الصوت وهذه الرائحة. # يحملني الثلاثة معا إلى طفولتي الأولى حين كنت أجري مثل الفراشة بين المساحات ~~الممدودة من الخضرة تحت سماء زرقاء، ثم تهبط الشمس وراء الأفق، تهبط برفق، السماء ~~تشتعل بألوان حمراء برتقالية، كل شيء يتغير لحظة بعد لحظة، يزول اللونان الأحمر ~~والبرتقالي، تصبح السحب رمادية، الهواء يبرد فوق ذراعي وساقي العارية، الأرض لا تزال ~~تحتفظ بأثر قدمي فوق التراب، أرتعش بالبرد مع مجيء الظلام، لكن الأرض لا تزال دافئة تحت ~~قدمي، جسمي يشعر بالتعب فأغمض عيني وأتمدد فوق ms014 الأرض وأنام، أفتح عيني، أرى النجوم وصوت ~~ستي الحاجة لا يزال يحكي عن ليلة الدخلة، الدم المدبب، حملتها الحمارة من بيت أبيها ~~إلى بيت زوجها، أغرق الدم بردعة الحمارة وهي تسير من خلفها الطبول، في بيت العريس رقدت ~~فوق الحصيرة تنكمش داخل جلبابها الجديد المزركش ببقع الدم، جاء العريس ناداها بصوت ~~غليظ: قومي يا بت حضري العشا، تأخرت في النهوض، فانهالت عليها العصا الخيزران التي ~~يقود بها حمارته. ~~«قومي يا بت قامت قيامتك.» # كان هذا هو التقليد في القرية، لا بد للعريس أن يضرب عروسه ليلة الدخلة قبل أي شيء ~~آخر، لتذوق طعم العصا قبل أن تذوق طعامه، لتعرف أن الله فوق وهو تحت، ليس هناك إلا ~~الضرب إن لم تسمع الكلام. # تلك الليلة كانت ستي الحاجة في العاشرة من العمر، لم يدركها الحيض بعد، رقد حبش فوقها ~~وهي تدس الطرحة في فمها تكتم الصراخ، لم يكن للعروس أن تصرخ وإلا لسعتها الخيزرانة، ~~أو ألسنة الجيران، فلا يعود لها أو لأبيها وجه في القرية. # بعد بضعة أعوام، ثلاثة أو أربعة، كما حكت ستي الحاجة، ارتفع بطنها بالحمل، ثم ولدت ~~أبي، تأكدت من العضو بين فخذيه قبل أن تطلق الزغرودة، صارعت حمى النفاس وغلبتها من ~~شدة الفرح، بعد أن انقطع الدم توضأت وسجدت لله شكرا لأنه لم يخذلها ورزقها ~~بالولد. # عاشت ستي الحاجة مع زوجها حبش ثمانية عشر عاما قبل أن يموت، لم يكن لديها سرير نحاسي ~~له أعمدة أربعة، الحصيرة فوق الأرض التراب، حبلت فوقها خمس عشرة مرة، أربعة ذكور وإحدى ~~عشرة بنتا، مات ثلاثة من أبنائها ولم يبق إلا أبي، مات ست من بناتها ولم يبق إلا ~~عماتي الخمس: فاطمة وبهية ورقية وزينب، وأصغرهن نفيسة، كانت ترضع ثدي أمها حين مات ~~أبوها حبش وهو في الثامنة والثلاثين من عمره، مات بالبلهارسيا كأبيه، ينزف الدم مع ~~البول، مرض الفلاحين منذ الفراعنة وعصور العبيد ... بلاء من عند الله كما كانت ستي الحاجة ~~تقول: البلاء الأعظم في نظرها كانت الإحدى عشر بنتا، ms015 لم تمت منهن لسوء حظها إلا ست ~~فقط. # تضم أصابعها الخمسة في قبضة قوية تهزها في عين العدو أو الشيطان: خمس بنات، كبة ~~بنات. # حين ولدت ابنتها الحادية عشرة مات حبش من الكمد، حملوه إلى القبر داخل صندوق من الخشب ~~يسمونه التابوت، لم تذرف عليه ستي الحاجة دمعة واحدة، انتظرت حتى توارى جسده في بطن ~~الأرض، فنهضت سخنت صفيحة من الماء واغتسلت، سجدت لله شكرا لأنه خلصها من الزوج، ~~أصبحت أرملة وهي في الثامنة والعشرين من عمرها، ربطت رأسها بمنديل أسود وأقسمت ألا ~~يقربها رجل حتى الموت، كانت قد كرهت جنس الرجال منذ ليلة الدخلة، بل من قبل ليلة الدخلة ~~بأربع سنوات، وهي في السادسة من العمر، حين جاءت الداية أم محمود. # وتتلاشى صورة ستي الحاجة من ذاكرتي، صوتها يسري في أذني من بعيد كأنما من بطن الأرض: ~~«كنت يادوب عرفت أمشي وأروح الغيط وألعب مع العيال لما جاءت الولية اللي ماتتسماش أم ~~محمود الداية الآرحة بنت الغازية، ومسكتني وكتفتني زي الفرخة هي وأربع نساوين، وقالت لي: ~~اسمعي يا بت يا مبروكة، أنا حأقطع لك ظنبورك عشان تبقي طاهرة ونظيفة ليلة الدخلة ~~والعريس ما يقرفش منك، وعشان يا بت ما تجريش ورا الرجالة، ومسكت أم محمود الموسى وسنته ~~على الحجر لما بقى حامي زي اللهلوب، وقلت: خلاص جالك الموت يا بت يا مبروكة، ورقدت فوق ~~الحصير أنزف الدم زي الحنفية لغاية أمي اتشهدت وقرت الفاتحة على روحي ثلاث مرات، وبعد ~~كام يوم ربنا خد بيدي وقمت زي العفريت، أصل البنات زي القطط بسبع أرواح يا بنت ابني، ~~الولد روحه خفيفة والناس تحسده مش زي البنت، وكنت ألبس أبوكي جلاليب البنات عشان ماحدش ~~يحسده، وأعلق في صدره خمسة وخميسة، وكل ليلة أبخره وأرقيه وأقرأ عليه سورة «يس». # وكنت أخبي له الأكل في الجورة جوه الحيطة، وأحلب له اللبن من بز الجاموسة، وأملأ له ~~الصحن قشطة، وفي الفجر قبل ما الشمس تطلع أصحي البنات ونروح ع الغيط مع البهايم نشتغل ~~لغاية الشمس ms016 ما تغيب، ونرجع شايلين الزكايب، ويوم السبت أروح السوق أبيع اللي أقدر عليه، ~~وأحط القرش على القرش لغاية ما يكون عندي في آخر السنة ثلاثة جنيه، ثلاثة كاملين، كل ~~جنيه ينطح أخوه، أخبيهم في صدري لغاية ما يرجع ابني السيد، أناوله الثلاث ورقات صحاح ~~وأقوله: خد يا ضنايا ثلاثة جنيه كاملين أهم، ادفع يا عين أمك تذكرة القطر من بنها لمصر، ~~وادفع مصاريف المدرسة والكتب والكراريس وإيجار الأوضة في القلعة، واشتري لك يا ضنايا ~~جزمة جديدة بدل القديمة المقطعة دي، أيوة أمال، كان لازم أبوكي يلبس جزمة جديدة، ويمشي ~~رافع رأسه، ويدخل الأزهر ودار العلوم كمان، كان لازم يدخل أحسن مدرسة في مصر ويبقى أكبر ~~رأس في البلد، ولا يمكن أبدا يكون فلاح زي أبوه، ولا يموت بالبلهارسيا، ويعيش ويتعلم ~~ويبقى السيد أفندي على سن ورمح، والسيد بيه كمان زي شكري بيه، وليه، وهي البطن اللي ولدت ~~شكري بيه مش زي بطنك يا بت يا مبروكة؟! # وحلفت اليمين وقلت: وحياة ربنا، وحياة النبي محمد، وحياة سيدنا الحسين، والإمام ~~الشافعي، وستنا مريم، لازم ابنك يا مبروكة يا بنت الغزاوية يكون له نصيب في واحدة من ~~بنات شكري بيه، ولا يمكن تموتي يا بت يا مبروكة قبل ما ترقصي في فرح ابنك وليلة دخلته ~~على واحدة من بنات البهاوات أو البشاوات في مصر، وليه لا، ويعني هي البطن اللي ولدت ~~البهوات والبشوات مش زي بطنك يا مبروكة؟» # صوت ستي الحاجة في ذاكرتي رغم مرور السنين، وقامتها الطويلة المديدة الشامخة وهي تمشي ~~في الكفر، تدب على الأرض بقدميها الكبيرتين داخل البلغة الجديدة، وتدق بكفها ~~الكبيرة المشققة المحروقة بالشمس باب العمدة وهي تصيح: «اطلع يا عمدة، كلمني، أنا ~~مبروكة بنت الغزاوية، ورأسي برأس أكبر راجل في البلد.» # مهما حاولت، لا أتذكر ملامح آمنة «أم أمي»، كل ما أذكره منها العينين، بياض العينين كان ~~رمادي اللون، سواد العين أو «النني» لم يكن موجودا! ... كنت أسأل أمي: أين راح «النني» ~~في عين جدتي؟ هل اختفى تحت ms017 الجفن أم ذاب في بياض العين؟ كنت أظن أنها عمياء ، لكنها كانت ~~ترى كل شيء وهي جالسة فوق الكنبة في الصالة الكبيرة، رأسها ملفوف بطرحة حريرية بيضاء، ~~بين يديها سبحة صفراء، تتمتم بآيات القرآن، لا تكلم أحدا ولا أحد يكلمها إلا حينما ~~يأتي الخادم يناديها لتتناول الطعام، أو ابنتها فهيمة «الأستاذة فهيمة شكري» حين تعود من ~~العمل ساعة الظهر، تجلس إلى جوارها بضع لحظات، يدور بينهما حوار أشبه بالصمت: إزيك يا نينة النهاردة؟ ~~- نحمده يا بنتي. ~~- أيوة يا نينة نحمده. ~~- نحمده على كل شيء يا فهيمة. ~~- نحمده يا نينة، ولا يحمد على مكروه سواه. ~~- أيوة يا بنتي، لا يحمد على مكروه سواه. # كنت أسمع هذه العبارة «لا يحمد على مكروه سواه» تتردد على لسان جدتي آمنة وخالتي ~~فهيمة، كانت «طنط فهيمة» تدرس للبنات في مدرسة المعلمات، وأسألها: «مين اللي لا ~~يحمد على مكروه سواه؟» # تتنهد طنط فهيمة تنهيدة طويلة، عيناها الجاحظتان من وراء النظارة البيضاء تزدادان ~~جحوظا، وتقول بغضب: «حيكون مين يعني غير ربنا؟» ثم تنتفض واقفة كأنما لدغها عقرب ~~متمتمة: «أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.» وتمشي فوق الأرض تدب بكعب حذائها ~~الحديدي، تدق الأرض، تخرق الأرض بكعب حذائها، تنادي الخادم أو الخادمة بصوت حاد: «هات ~~كباية مية يا ولد»، «هاتي الشبشب بتاعي يا بنت»، لا تكف من إعطاء الأوامر للخدم، صوتها ~~في جميع أنحاء البيت، تتقمص شخصية أبيها «شكري بيه»، فإذا ظهر أبوها عند عتبة الباب ~~الخارجي انخفض صوتها إلى حد الهمس، وانكمش جسمها إلى حد الاختفاء في غرفتها وإغلاق ~~الباب. # بيت جدي كان فيللا من دورين في ضاحية الزيتون في مدينة القاهرة، تحوطه حديقة كبيرة لها ~~سور عال، نصفه الأسفل حجر، والنصف الأعلى من الحديد على شكل أعمدة لها نهايات مدببة مثل ~~السكاكين، نمت عليها أشجار «البوجانفيليا» بزهورها الحمراء والبنفسجية، وأشجار الياسمين ~~ذات الزهور البيضاء الصغيرة الفواحة بعطر الياسمين، وأشجار الورد البلدي الأحمر ~~والأبيض برائحتها القوية البنفسجية، وعباد الشمس، الزهور الصفراء الكبيرة، تتحرك أوراقها ~~إذا لامسها ms018 شعاع الصبح، تدور معه ويدور حولها كما تدور الأرض حول الشمس. ~~••• # كان هناك جرس معلق أعلى الباب الخارجي الحديدي، يصلصل بدقات عالية إذا انفتح الباب ~~أو انغلق، مع الصلصلة ينطلق الكلب الوولف يجري نحو الباب في نباح حاد، العيون داخل ~~البيت تتطلع من الذي جاء أو من الذي خرج. # حين يخرج جدي تتنفس جدتي آمنة الصعداء، تزحف قدماها داخل «البانتوفلي» الأسود من ~~غرفة نومها إلى الصالة، رأسها ملفوف بالطرحة البيضاء، وجهها أبيض خال من الدم، عيناها ~~رماديتان منطفئتان بلا قطرة ضوء، كالميت يخرج من القبر، تجلس في مكانها المعتاد فوق ~~الكنبة بين يديها السبحة تتمتم بآيات من القرآن. # خالتي نعمات تفتح باب غرفتها وتخرج هي الأخرى شاحبة الوجه مثل أهل الكهف، جفونها ~~متورمة كأنما تبكي طول الليل، ترمقني من بعيد بنظرات صفراء كأنما أنا السبب في ~~تعاستها. # كنت في السادسة من عمري، لا أعرف معنى التعاسة، فوق جسدي أحسها مثل قشعريرة البرد، ~~مثل ملمس الجدران الحجرية، رمادية اللون مثل عيني جدتي آمنة، مثل الصمت الذي يملأ هذا ~~البيت، لا أسمع فيه إلا طرقعات الأوامر الصادرة إلى الخدم، أو قرقعة الريح تضرب ~~النوافذ، أو نباح الكلب مع صلصلة الجرس. # حين تعود خالتي فهيمة من المدرسة تدب في البيت حركة، يدق حذاؤها الأرض، يرتفع صوتها ~~وهي تتشاجر مع أختها نعمات، أختان شقيقتان من أم واحدة وأب واحد، لكن الواحدة منهما ~~تختلف عن الأخرى في كل شيء، لا شيء يجمعهما إلا الكراهية، تتخاصمان فلا تنظر الواحدة ~~إلى الأخرى، فإذا انتهى الخصام بدأ الشجار بلا سبب أو لأقل سبب، مجرد الهواء تحركه ~~واحدة منهما حين تمشي بالقرب من الأخرى، أو ربما هي نظرة من بعيد صفراوية اللون ترشق بها ~~نعمات أختها فهيمة. # طنط نعمات تبتلع على الريق كنكة من القهوة السادة السوداء، تربط رأسها بمنديل أسود، ~~وتجلس على الكنبة الأخرى في مواجهة أمها، وتحملق حولها بالنظرات صفراء من بين الجفون ~~المتورمة. # قد يصدف في هذه اللحظة أن تمر أختها فهيمة أمامها في طريقها إلى ms019 الصالة الداخلية، ~~تسقط واحدة من هذه النظرات فوقها، فإذا بها تتوقف، قبل أن تتوقف تدب بكعب حذائها الأرض ~~مثل الجندي في الجيش، تشد قامتها القصيرة وتنفر العروق في عنقها، تضع يدها في خصرها ~~وعيناها جاحظتان من وراء النظارة. ~~- بتبصيلي كدة ليه يا نعمات؟ مش عاجباكي؟ ~~- أيوة مش عاجباني يا فهيمة. ~~- ليه يا أختي؟ مش أحسن منك واللا إيه؟ ~~- أحسن مني في إيه يا أم شنب يا عانس. ~~- العانس أحسن من المطلقات يا نعمات. ~~- فشر، ع الأقل لقيت حد يجوزني ويطلقني، لكن انتي يا حسرة لا حد بيجوزك ولا ~~يطلقك. # وتخرج خالتي نعمات لسانها الطويل وهي تصحن قبضة يدها اليمنى في كفها الأيسر، ترشق ~~أختها فهيمة بنظراتها مرددة: يا عانس! وتدق الأستاذة فهيمة شكري بكعب حذائها الأرض، ~~ترفع ذراعها عاليا، يدها اليمنى مضمومة الأصابع إلا أصبع السبابة منتصب مدبب كالسهم في ~~اتجاه أختها نعمات، يكاد يدخل في عينها، مرددة بصوتها الحاد: يا مطلقة ياللي مش لاقية حد يلمك. ~~- يا عانس ياللي مش لاقية حد يجوزك. # لم أكن أعرف معنى كلمة مطلقة أو عانس، حين أسأل أمي تمط شفتيها وتقول: الاثنتان أسخم ~~من بعض، كانت أمي في الرابعة والعشرين من عمرها، من حولها أطفالها الخمسة، بطنها مرتفع ~~بالحمل السادس، تعد على أصابعها الأيام الباقية من الإجازة لتعود إلى بيتنا، كانت مثلي ~~تكره هذا البيت وكل من فيه حتى أمها، تلك الصامتة طول الوقت، الغائبة في عالم آخر من ~~التمتمات والتسبيحات، لا شيء يعيدها إلى عالمنا إلا صلصلة الجرس، صلصلة معينة غير ~~الصلصلات الأخرى، تعرفها بأذنيها وإن كانت غائبة في الملكوت الآخر. # تنتصب أذناها في انتباه مفاجئ كالقطة تعرف أنه زوجها «شكري بيه» الذي فتح الباب، تسمع ~~وقع قدميه فوق الممر الحجري بين الباب والسلم، خطوته البطيئة يدوس بكل قدمه على الأرض، ~~قصير القامة نحيف الجسم، داخل بدلة من الصوف الداكن، ياقة القميص بيضاء منشاة، تحوطها ~~ربطة عنق من الحرير اللامع، رأسه كبير بالنسبة لجسمه داخل طربوشه الأحمر يميل قليلا ~~ناحية أذنه اليمين، ms020 وتطل من تحته شعره الأبيض كبير الحجم، الأنف أبرز ملامح الوجه، ~~كبير له غضروف مقوس قليلا، تحت الأنف شارب طويل غزير الشعر، أبيض اللون، يمتد فوق ~~الصدغ، يكاد يصل إلى طرف الأذن، كنت أقف في الصالة أرقب جدي وهو يصعد السلالم الرخامية ~~العريضة، يضع قدمه على درجة السلم رافعا رأسه، عنقه يلتوي قليلا إلى الوراء مثل عنق ~~الديك الرومي، طربوشه أحمر بلون عرف الديك، يتنحنح بصوت عال معلنا عن حضوره، يدق ~~بلاط الفرندة بعصاه السوداء من خشب الأبنوس، ثم يدخل الصالة وهو يرد بصوت خشن ~~وقور: يا إلهي، أنت جاهي. # كانت فهيمة ونعمات قد اختفت كل منهما داخل غرفتها وأغلقت الباب، جدتي آمنة ترمقهما ~~بنوع من الحسد، لم يكن لها غرفة مستقلة تغلقها على نفسها، ولا بد أن تنهض لتستقبل ~~هذا الرجل الغريب الذي يشاركها السرير منذ خمسة وثلاثين عاما. # كانت جدتي آمنة في الرابعة والأربعين من عمرها، لكنها تبدو في السبعين داخل جسمها ~~المنكمش، وبشرتها الخالية من الدم المليئة بالكرانيش، وساقيها المتورمتين داخل جورب ~~سميك من الصوف، وملامح وجهها المتهدلة، جفونها الساقطة فوق عينين رماديتين وغاب عنهما ~~«النني» ولم يبق منهما إلا ماء متجمد. # كنت أسأل أمي: ما الذي حدث لجدتي آمنة حتى تفقد سواد عينيها؟ تضع أمي يدها فوق فمي، ~~تكتم السؤال، تهمس في أذني لأسكت، إن جدي في البيت، وحين يكون في البيت فالكل يسكت، ~~دون أن تنطق أمي عرفت كل شيء، المعرفة كانت تسري في جسدي على شكل القشعريرة، عرفت أنه ~~جدي، وأن جدي هو زوج جدتي، وتزوجها وهي في الرابعة عشرة، وأنجب منها ستة من الأولاد ~~والبنات: (نعمات وفهيمة وزينب وهانم ويحيى وزكريا)، كان يكبرها بثمانية عشر عاما، ولم ~~يجمعهما شيء إلا ورقة «الجواز». ~~«الجواز»: كلمة غامضة تحوطها الأسرار، ما إن ترن في الجو حتى يشحب وجه خالتي نعمات، ~~تمط خالتي فهيمة شفتيها في ازدراء، تطفو فوق ملامح أمي سحابة شفقة من الحزن الغامض، ~~أما جدتي آمنة فهي تكف عن التمتمة، تتوقف حركة السبحة الصفراء ms021 بين يديها، عيناها ~~الرماديتان تتجمدان، يتعكر لونهما مثل ماء البركة الراد، يصبح قاتما معتما لا ~~يطل منه بصيص ضوء، أسمعها تهمس: «نحمده، ولا يحمد على مكروه سواه»، ترد عليها ~~خالتي فهيمة من فوق الكنبة الأخرى قائلة: «أيوة يا نينة، نحمده على كل شيء»، من غرفتها ~~أسمع خالتي نعمات تتنهد وتقول: «النصيب والمقدر والمكتوب على الجبين، كله من عند ربنا، ~~نحمده.» # بدأت أدرك أن ضمير الغائب في كلمة «نحمده» يعود إلى «ربنا»، وأن جميع المصائب في هذا ~~البيت جاءت من عند «ربنا»، لم أكن أعرف معنى كلمة «ربنا»، لكنها ارتبطت في ذهني بكلمة ~~أخرى هي «المصائب»، وهذه الكلمة ارتبطت بكلمة أخرى هي «الجواز»، منذ السادسة من عمري ~~وأنا أحفظ هذه الكلمات الثلاث عن ظهر قلب في عبارة واحدة: «ربنا، المصائب، ~~الجواز.» # بعد تسعة أشهر من ليلة زفافها ولدت أمي طفلها الأول، لم أكن أنا جئت إلى الدنيا بعد، ~~سمعت ستي الحاجة تقول: إن أبواب السماء كانت مفتوحة حين رفعت يديها ودعت ربنا أن يرزق ~~ابنها «السيد أفندي» بولد يرفع رأس أبيه في الدنيا والآخرة وتسميه «محمد» على اسم النبي ~~محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. # تقبل الله دعوة ستي الحاجة وجاء أخي الأكبر، بشرته بيضاء مثل بشرة امه وأهلها من ~~عائلة شكري بيه، كانوا جميعا نساء ورجالا من ذوي البشرة البيضاء مثل الأتراك، عيونهم ~~عسلية، الأنف روماني يتسق مع ملامح الوجه البيضاوي، عيب واحد موروث عن أسلاف شكري بيه، ~~الأسنان الأمامية الكبيرة التي كانت تسميها عمتي رقية «الضب»، أسمعها تهمس حين تغضب على ~~أمي قائلة عنها: «أم ضب»، لم تكن أمي تسمعها طبعا، وتنهرها ستي الحاجة: «عيب يا بت ~~رقية، دي مرات أخوكي السيد أفندي.» # أصبح أخي الأكبر المدلل لدى عائلة أمي وأبي، الكل يقول عنه طفل جميل، ورث ملامح ~~أخواله، لكن جدتي الحاجة مبروكة لم تكن تبتهج بهذه الملامح، كانت تريد لحفيدها الأول أن ~~يرث البشرة السمراء الملوحة بالشمس علامة الرجولة، والعينين السوداوين ذات البريق، ~~يشع مثل قطعة من الحجر الأسود ms022 الكريم في الحرم الشريف، أطلقت عليه اسم «محمد» على اسم ~~النبي، شكري بيه أراد أن يسميه على اسم جده الأكبر طلعت باشا الذي دفن في مقبرة ~~بإسطنبول. ~~«مالنا ومال الراجل التركي الغريب دا؟ لازم نسميه على اسم النبي بتاعنا يا ابني»، ~~همست الحاجة مبروكة في أذن ابنها السيد أفندي، لم يشأ السيد أفندي أن يغضب أمه، ولا أن ~~يغضب حماه، فكتب اسم أخي الأكبر في شهادة الميلاد: «محمد طلعت»، اسم مركب من اسمين، ~~كان شائعا في المملكة المصرية رغم سقوط الإمبراطورية العثمانية، كانت الطبقة البرجوازية ~~في مصر لا تزال تتجه في أحلامها نحو الآستانة وأسلافها من الأتراك، عائلة شكري بيه ~~رغم إفلاسها مع الأزمة العالمية (وانهيار البورصات وأسعار القطن) تتمسك ببعض أمجاد ~~الماضي ومظاهر الطبقة العليا المنحدرة إلى الطبقة الوسطى. # عائلة السعداوي تتطلع إلى المستقبلة والصعود من طبقة الفلاحين الفقراء إلى طبقة ~~الموظفين في الحكومة، أبي هو أول رجل في القرية يحصل على الشهادة العليا من دار ~~العلوم، أول من يخلع الجلباب أو الجبة والقفطان ويرتدي البدلة والكرافتة والطربوش، ~~وأصبح أهل الكفر ينادون ستي الحاجة: أم السيد أفندي. # حين حصل أبي على وظيفة «مفتش للتعليم» في محافظة المنوفية، منحته أمه لقب «السيد ~~بيه»، وأصبح أهل القرية ينادونها: «أم البيه»، تجلس على عتبة دارها داخل جلبابها ~~الحريري الأسود، شامخة برأسها داخل الطرحة الشفافة من الشيفون الأسود، تفرق ساقيها ~~أمامها ليرى الناس البلغة الجلدية في قدميها، بلغة من الجلد الحقيقي اشتراها لها ابنه ~~«السيد بيه» في العيد الكبير، ومعها الجلباب من الحرير الطبيعي، والطرحة من ~~الشيفون. # كل من يمر بها وهي جالسة يحييها قائلا: العواف يا أم البيه. # كلمة «العواف» تعني العافية والصحة، كنت أجلس إلى جوار ستي الحاجة فوق عتبة الدار، ~~عمتي فاطمة تحمل الكرسي الخيزران من قاعة المندرة تقدمه لي لأجلس عليه وهي تقول: «بنت ~~السيد بيه مش ممكن تقعد على الأرض زي الفلاحين.» # ولدتني أمي بعد مولد أخي بعام واحد، كنت أسمع ستي الحاجة تقول: خرجت واقفة على حيلك ms023 زي ~~الشياطين، وسألت أمي فقالت إنها ولدتني بسهولة دون ألم ، ولادة أخي الأكبر كانت عسيرة، ~~لم يشأ أن يخرج من الرحم بسرعة، كان يستعذب الراحة والدفء في بطن أمه، حين تغضب عليه ~~عمتي رقية تقول إنه ابن أمه، حين تغضب خالتي نعمات علي تقول: إنني بنت الفلاحين، ~~وأطلقت علي اسم: «جارية ورور» على اسم جارية من عبيد جدها الأكبر في إسطنبول. # ترمقني ستي الحاجة في صمت، بشرتي السمراء كأنما لوحتها شمس داخل الرحم، العينان ~~سوداوان تشعان البريق قطعة من الحجر الكريم في الحرم الشريف، تخفي ستي الحاجة فمها ~~بالطرحة السوداء وتهمس في أذن ابنتها رقية: «كلها شبه أبوها»، ثم تمصمص شفتيها في ~~حسرة قائلة: «يا ريتها كانت ولد!» # وترفع عمتي رقية كفيها نحو السماء تدعو الله أن يقلبني ولدا، أسمعها تقول: «ربنا ~~قادر على كل شيء»، وترد عليها ستي الحاجة: «من بقك لباب السما يا بنتي.» # كنت أتطلع نحو السماء بعينين مشدوهتين، أخشى أن يكون باب السماء مفتوحا وأن الدعوة سوف ~~تنطلق من فم عمتي مباشرة إلى أذن الله، وأنني سأصحو في الصباح لأجد الشق (أو الفرج) ~~بين فخذي مسدودا، وقد نبت مكانه العضو الذي عند أخي. # في الصباح أدخل الحمام أختلس النظر إلى جسدي، لا أستطيع النظر بين ساقي، أخشى أن تتسع ~~المسافة بينهما أكثر من اللازم، لا أقوى على النظر إلى تلك المنطقة المحرمة المحوطة ~~بالخزي والخوف والخشية من قدرة الله. # كنت في السادسة من العمر، لا أستطيع التأكد من قدرة الله، عيناي تختلسان النظر إلى ~~حيث تصورت أن قدرة الله يمكن أن تحدث، لم أكن أرى شيئا إلى تلك المنطقة المختفية بين ~~الفخذين في العمق، تتراءى لي من وراء الخوف والخزي كالضباب الكثيف، لا أقوى على أن ~~أمد بصري إليها، فما بال أن أمد يدي لألمسها أو فحصها لأتأكد من قدرة الله. # في أعماقي العميقة كنت أتمنى ألا يملك الله القدرة ليقلبني ذكرا مثل أخي، لم أكن أحب ~~أخي، كان يبدو كبيرا جدا، يضربني على يدي ويشد ms024 مني العروسة، يخلع عنها ثوبها ~~الحرير الأبيض، يخلع قميصها الداخلي وسروالها الصغير المشغول بالدانتيلا، يخلع عنها كل ~~شيء حتى تصبح عارية تماما، يفتح ساقيها كأنما يبحث عن شيء، لم يكن هناك شيء، يخلع عنها ~~ساقيها وذراعيها ورأسها وعنقها، تصبح العروسة أشلاء ممزقة، حين يرى الدموع يضحك ~~ساخرا ويقول: «يا عبيطة، دي عروسة مش بني آدم!» # في العيد كان أبي يشتري لي العرائس لألعب بها، يشتري لأخي طيارة لها زنبلك أو سفينة ~~لها شراع، أو مسدسا يطرقع به فينطلق الشرار، كنت أكره تلك الدمى الصامتة الميتة ~~التي لا تتحرك من مكانها كما تتحرك السفينة أو الطائرة، ولا يصدر عنها أي صوت أو ضوء مثل ~~المسدس، وحين أمسك المسدس تشده خالتي نعمات من يدي، تمط شفتيها وهي تقول: ~~«البنات الحلوين يلعبوا بالعرايس مش بالمسدسات زي الصبيان.» # خالتي نعمات قصيرة بدينة الجسم، صدرها كبير ممتلئ باللحم، ساقاها بيضاوان سمينتان ~~عاريتان تحت الفستان القصير حتى الركبتين، وجهها مستدير أبيض تفوح منه رائحة البودرة أو ~~العطر أو الروج الأحمر، تمضغ بين أسنانها لبانة كبيرة تخرجها أحيانا على طرف شفتيها ~~تمطها أو تنفخها، ثم تلويها بطرف لسانها إلى داخل فمها، تلوكها من جديد بين فكيها، ~~وهي جالسة فوق الكرسي العالي ممدودة الساقين، قدماها داخل طشت من الماء الدافئ، أظافرها ~~حمراء مصبوغة بالمانيكير، ناعمة بضة، تدلكها عمتي رقية الجالسة فوق الأرض، بأصابعها ~~الكبيرة المحروقة بالشمس مشققة بلون الأرض، تدلك الأصابيع الناعمة البضة وهي تقول: ~~«صوابعك يا نعمات هانم حلوين ومدملكين، الله يجحمه الراجل الحمار اللي اسمه محمد ~~الشامي.» # تمصمص طنط نعمات شفتيها بحسرة وتقول: «النصيب، والمكتوب ع الجبين لازم تشوفه العين، من ~~يوم ما اتولدت ربنا كاتب علي الشقا، حظي مهبب والعياذ بالله، ربنا رزقني بمحمد أفندي ~~الشامي، لا دخل علي ولا حاجة، يدوبك كتب الكتاب، وليلة الدخلة لا دخلة ولا يحزنون، ~~وجتني ورقة الطلاق في البوستة.» # تتوقف أصابع عمتي رقية داخل الطشت، ترفع عينيها الذابلتين نحو طنط نعمات وهي تشهق: «يا ~~خبر يا نعمات هانم! يعني ms025 انتي لسة بنت بنوت؟ ربنا يجحمه مطرح ما راح، وكله يتعوض يا ~~نعمات هانم، كله من عند ربنا، وبكره ربنا يرزقك بعريس يسوا عمر محمد الشامي وعمر اللي ~~خلفوه كمان.» # تخرج طنط نعمات من صدرها منديلا حريريا أبيض، تمسح الدموع في عينيها، تخفي وجهها ~~وراء المنديل حتى لا أرى دموعها، وتمسح عمتي رقية عينيها بطرف طرحتها السوداء، تخفي ~~فمها وراء الطرحة وتهمس: «عشت مع متعوس الرجا أربعتاشر سنة، وراني المر، وكان يضربني ~~كل ليلة قبل ما يتعشى السم الهاري، وياما درت على المشايخ عشان الخلف، لكن أعمل إيه يا ~~نعمات هانم، ده نصيب ومكتوب، وكله من عند ربنا، نحمدك يا رب ع الحلوة وع المرة، وكله من ~~عندك يا رب.» # طنط نعمات ترمقني بعيني حمراوين صفراوين من وراء منديلها الأبيض، وأسمعها تقول: «البنات ~~الصغيرين مش مفروض يقعدوا مع الكبار.» # لم أحس أنني بنت صغيرة، منذ السادسة من العمر وأنا أحس أنني كبيرة، أسمع ستي الحاجة ~~تقول: إنني كبرت وجسمي يفور، أصبحت قامتي أطول من أخي الأكبر، أسبقه في الجري حين نلعب ~~مع أطفال الجيران، وفي المدرسة أتفوق عليه، لم يكن أخي يحب المدرسة، في الصباح حين ~~تلبسه أمي المريلة يرفس بقدميه ويبكي، ويأتي أبي ويقول له: عيب يا ولد تعيط زي البنات، ~~يرمقني أبي بطرف عينه وأنا واقفة منتصبة القامة داخل مريلة المدرسة، وحقيبتي في يدي ~~أتعجل الانطلاق خارج البيت وليس في عيني أي دموع. # كنت ألمح في عيني أبي شيئا، وهو يرمقني من تحت حاجبيه الكثيفين بذلك «النني» الأسود ~~داكن السواد، كأنما المفروض أن أكون أنا الباكية بالدموع وليس أخي، كأنما أبي يكره ~~قامتي المرفوعة أو البريق في عيني المتعجل الانطلاق خارج البيت. # منذ طفولتي وأنا أود الانطلاق خارج البيت، كنت أحب المدرسة رغم العصا الخيزران ~~يلسعني بها إسماعيل أفندي على أطراف أصابعي، وأكثر ما كنت أحب هو الانطلاق إلى الشارع ~~أو الحقول لألعب وأجري وأسابق الريح كالعصفورة الطليقة. # في ذاكرتي منذ الطفولة حلم واحد، أن أطير بجناحين وأهرب ms026 من البيت في الكون الواسع، أهرب ~~إلى أين؟ لم أكن أعرف وأنا في السادسة من العمر، إحساس ثقيل أثقل من جسمي يشدني إلى ~~الأرض، يشدني من الهواء الطلق والشمس والطيران مع الفراشات إلى البيت والجدران الأربعة ~~والمطبخ. # في المطبخ تجعلني أمي أقف أمام النار لأتعلم كيف أطبخ وكيف أقطع البصل إلى قطع صغيرة ~~جدا بالسكين الحاد، رائحة البصل النفاذة تلهب أنفي وعيني فتنهمر دموعي كأنها ~~السيل، لم يكن أخي أو أبي يدخلان المطبخ أو يقشران البصل أو يغسلان الصحون، أصبح ~~المطبخ هو المكان الذي أحس فيه بالمهانة وكوني أنثى. # في حوش المدرسة ألعب مع البنات، نجري فوق الرمل الساخن بحرارة الشمس، نجلس فوق الدكك ~~الخشبية، نختبئ تحتها حين نلعب المساكة، نجري نتسابق، نلعب الثعلب فات فات وفي ديله ~~سبع لفات، أو جمل جمالك فين، أو حبة ملح عند الجارة، وأكثر ما كنت أحب هو نط الحبل، لا ~~أكف عن اللعب حتى يقرصني الجوع، فأفتح السلة الصغيرة تفوح منها رائحة الخبز المحمص، ~~كأنها هي رائحة أمي. ~~••• # الحنين إلى أمي يزداد كلما تقدمت في العمر، تجاوزت الستين عاما وأصبحت أمي تتراءى لي ~~في الأحلام، أحس يدها تمسك يدي، وفمها مفتوح تحاول النطق، ثم تموت دون أن تقول ~~شيئا، وأحيانا أراها واقفة داخل فستانها الحريري الأصفر ذي الحمالات الرفيعة تضحك ~~الضحكة الخاصة بها وحدها، وتغني معي: «دي، تي، تسا، دي، تي، تسا، ...» # لا أعرف معنى هذه الكلمات أو الحروف، أمي قالت إنني كنت أغني لنفسي هذه الأغنية قبل أن ~~أتعلم النطق، كان رأسي يهتز حين تجلسني فوق الكنبة، ربما كان رأسي أثقل من جسمي، ~~تحوطني بالوسائد من كل جانب، وتجلسني. كنت طفلة هادئة، أجلس بالساعات، لا أبكي ولا ~~أصرخ (كما كان أخي يفعل)، كل ما كنت أفعله هو أن أهز رأسي وأغني لنفسي: دي، تي، تسا، ~~دي، تي، تسا ... # وجدتني أهز رأسي وأنا جالسة في مكتبة «بيركينز»، أدندن لنفسي باللحن القديم: دي، تي، ~~تسا، دي، تي، تسا ... وأدق بأصابعي على مفاتيح الكمبيوتر كأنما ms027 البيانو، أغمض عيني وأحلم ~~بأي كتاب، كنت أطوف المكتبات أبحث عن الكتب فلا أجدها، إنها هنا تحت الكمبيوتر جزء من ~~الحقيقة وجزء من الخيال، عرفت سر المفاتيح، أدق حروف اسمي الأخير «السعداوي»، وأرى ~~فوق الشاشة عناوين كتبي كلها (العربية والإنجليزية). تحت ضلوعي أحس الخفقات مثل قلب ~~الطفلة، يغمرني الفرح، فأعود أدق فوق المفاتيح وأدندن: دي، تي، تسا، دي، تي، تسا ~~... # يبدو أن صوتي كان مسموعا، رأيت بعض العيون تتجه نحوي، كنت جالسة في قاعة القراءة إلى ~~جواري أستاذ أميركي ذو لحية طويلة صفراء حمراء محروقة بالشمس، رأيته يرمقني بعين جاحظة ~~من وراء عدسة بيضاء تشبه نظرة خالتي فهيمة، النظرة الصامتة المؤنبة تسلبني الفرح إذا ~~فرحت، تسلبني الطفولة، وتنقلني فجأة إلى الشيخوخة، يعود إلى ذاكرتي أنني تجاوزت الستين ~~عاما، أنكمش داخل جسدي كما كنت أنكمش في المدرسة الابتدائية داخل ثوبي القديم، كنت ~~أخجل في طفولتي من الفقر، وعمتي الفلاحة كنت أخفيها من عيون زميلاتي. # أصبحت أخجل من الشيخوخة، أخفي يدي النافرة العروق عن عيون الناس، حين يسألني أحد عن ~~عمري أسكت لحظة، ثم أقول بصوت خافت: ستين، أنطقها بصعوبة، تتكور الحروف في حلقي مثل ~~الغصة، أكاد أختنق، أمد عنقي نحو السماء، أرفع قامتي وأشد عضلاتي، أتحدى السنين ~~والزمن، أرتدي حذائي الكوتش وأجري إلى غابة ديوك، لم أعد أجري كما كنت، وإنما هي الخطوة ~~السريعة التي تشبه الجري، لا زلت أشعر بقوة عضلات الساقين، أدب بقدمي فوق الأرض، قدماي ~~كبيرتان مثل قدمي ستي الحاجة، أدق بهما على الأرض كما كانت قامتها مرفوعة، لا أعرف حتى ~~اليوم كيف جاءتها تلك الشمخة أو ذلك الكبرياء، كبرياء حقيقي ينبع من جسدها الممشوق، ~~ولدت به، تسرب إليها مع الدم من أهلها أو جدتها الغزاوية، لم أكن أعرف من هي ~~الغزاوية وماذا كانت. تمد ستي الحاجة عنقها الطويل إلى أعلها وتقول: أنا مبروكة بنت ~~الغزاوية، تبدو لي أمها أو جدتها الغزاوية كأنما هي الإلهة نفرتيتي أو الملكة ~~حتشبسوت. # كنت أحب ستي الحاجة أكثر من جدتي آمنة أو ms028 أي امرأة أخرى من عائلتي أبي وأمي، لكني ~~كنت أكرهها حين تقول: «الولد الواحد بخمستاشر بنت»، أنفجر بالغضب وأضرب الأرض بقدمي: لا ~~يا ستي الحاجة، البنت الواحدة بخمستاشر ولد، وهنا تفرد أصابعها السمراء الطويلة تهزها ~~عدة مرات في الهواء وتردد: كبة بنات! الولد صلاة النبي عليه يرفع رأس أبوه دنيا وآخرة، ~~يحمل اسم أبوه هو وولاده، وبيته يفضل مفتوح، لكن البنت تتجوز وتخرج من بيت أبوها، ~~وولادها يحملوا اسم جوزها ... أضرب الأرض بقدمي وأصرخ: مش حتجوز أبدا أبدا أبدا ... ~~وتضحك ستي الحاجة من جديد حتى تختنق بالضحك وهي تقول: الجواز مصيرك زي كل البنات، ده أمر ~~ربنا يا بنت ابني. # صوتها يعود إلي وأنا أتصور أن العريس هو الذي تصنعه أمي من فضلات الخياطة وتحشو بطنه ~~بالقطن أو الخرق الممزقة، وتصنع له جاكتة سوداء مثل التي يرتديها أبي أو جدي، وسرواله ~~أسود طويل تربطه أمي حول وسطه بشريط رفيع من التفتاه، وطربوش أحمر تغطي به رأسه تصنعه ~~بقطعة من الصوف، ثم تثبت له عينان من الخرز الأسود. # كانت أختي الصغرى «ليلى» تلعب معي بالعرائس، تمسك العروسة والعريس وتلقي بهما من ~~النافذة إلى الشارع، وتصنع أمي لنا عرائس جديدة ... أتربع فوق السجادة على الأرض ... من ~~حولي العرائس أحكي لأختي الحكايات، لا أذكر ما هي الحكايات، لكني أذكر أن أختي ليلى ~~كانت تبكي بالدموع حين تموت العروسة بعد أن يضربها العريس، تغطي العروسة بالملاءة ~~كأنما ماتت، ونمسك العريس لنعاقبه نخلع عنه الطربوش والجاكتة والسروال الأسود الطويل، ~~لم يكن خلع السروال سهلا مثل الطربوش أو الجاكتة، فأمسك المقص وأشق السروال من الوسط ~~حتى القدمين، كنت أظن أنني سوف أرى قطعة اللحم بين الفخذين مثل تلك التي عند أخي، ~~والتي تسميها طنط نعمات: «العصفورة» بطرف المقص، كنت أبحث أنا وأختي عن ذلك الشيء الذي ~~يجعل الزغاريد تنطلق من الحلوق، لم يكن هناك شيء بين الفخذين، وتقول أختي ليلى: لازم هو ~~مخبي العصفورة في بطنه. # وأمسك المقص وأفتح بطن العريس، فلا أجد إلا خرقا من ms029 القماش أو القطن، وأرى أختى ليلة ~~تبكي على موت العريس فتغطيه بالملاءة، فيرقد بجوار العروسة، تمسك أختي ليلى العروسة ~~وتهزها كأنما توقظها من النوم أو الموت، وتهمس في أذنها: اصحي يا عروسة اصحي، خلاص ~~العريس مات، وربنا هيبعت لك عريس تاني أحسن منه. # كانت أمي تغضب علينا حين ترى بطون العرائس مفتوحة، تخبئ المقص في مكان مجهول، نفتش ~~عنه في كل مكان دون جدوى، نعثر في درج الدولاب بالمطبخ على السكين، صغير حاد، تقطع أمي ~~به الجبن، له نصل لامع مثل المقص أو شفرة الموسي. # لم تكن الأطفال البنات من عائلة شكري بيه يفتحن بطون العرائس، تضع الواحدة منهن ~~العروسة فوق صدرها تهدهدها كالأم، تضعها في السرير وتغطيها، تغني لها حتى تنام، وحين ~~تصحو ترضعها من ثدي لم ينبت بعد. # لم أكن أحب اللعب مع الأطفال البنات من عائلة أمي، كنت أحب الأطفال من عائلة أبي، ~~ونركب الحمير ونذهب إلى الحقل، نجري بين الزرع الأخضر، نتسابق مع الفراشات، نخلع ~~ملابسنا ونسبح في الترعة أو النيل، نعجن الطين ونصنع منه بيوتا وأشجارا وأجساما لها ~~شكل الحيوانات أو الطيور. # منذ ولدت والقرية أقرب إلي من المدينة، اسمها القاهرة، أهل قريتي يسمونها «مصر»، ~~القرية كفر طحلة يختصرونها في كلمة واحدة «الكفر»، تقع على النيل، يسمونه البحر، فوق ~~الخريطة اسمه فرع رشيد، يلتقي الفرعان رشيد ودمياط ليكونا نهر النيل، لم يكن لها وجود ~~على الخريطة، لكنها موجودة وحقيقة أكثر من المدينة. # رأيت القاهرة لأول مرة وأنا طفلة صغيرة، لا أذكر كم كان عمري، رأيتها مدينة غريبة ~~الشكل، ضخمة الحجم، كأنما هي كائن خرافي يخرج من بدن النيل، كل شيء في المدينة كان يبدو ~~عتيقا، كأنما هو موجود قبل وجودها، قبل وجود أبي الهول أو هرم خوفو، والبيوت كلها ~~مصنوعة من الحجر، يشبه الحجر الذي صنع منه الهرم، حجر كبير مربع، وأسوار البيوت أيضا ~~من الحجر، لم أتصور وأنا طفلة أن وراء هذه الجدران الحجرية يمكن أن يعيش الأطفال. # في خيالي كنت أقارنها بقريتي، لم ms030 تكن السماء التي تظلل المدينة هي سماء القرية، الشمس ~~كانت مختلفة والقمر والنجوم، تصورت أنها سماء أخرى وشمس أخرى وقمر آخر ونجوم ~~أخرى. # بيت جدي شكري بيه كان كبيرا من الحجر الأبيض، يحوطه سور عال من الحجر، وحديقة واسعة ~~بها كلب يشبه الذئب، متوحش يكاد يعضني، وليس مثل الكلاب الأليفة في القرية، كنت أطبق ~~بأصابعي الخمس على يد أمي، أخشى أن تفلت يدها من يدي، وحين أمشي في الشارع أتلفت حولي ~~كأنما أمشي فوق مدينة مسحورة، نهاية كل شارع تلتقي ببداية الشارع الآخر، وكلها متشابهة، ~~مقسمة إلى أجزاء منتظمة كبيرة تبدو أكبر من مجموع أجزائها، مصنوعة من الأسفلت والحجر ~~والحديد. # أكانت قاهرة أخرى تلك التي رأيتها في طفولتي؟ كانت تبدو لي غير حقيقية، والناس بشرتهم ~~شاحبة بيضاء كأنما من الطباشير، وخدود النساء شديدة الحمرة مثل خدود العرائس، الشفاه ~~أيضا مدهونة بلون أحمر. # كانت القرية أقرب إلي، بيوتها صغيرة متلاصقة من الطين، طين حقيقي في متناول يدي، ~~الشوارع أزقة صغيرة أرى بدايتها ونهايتها، والتراب فوقها حقيقي، وجوه الناس حقيقية، بشرة ~~سمراء لوحتها الشمس، جلابيبهم من القطن تفوح منها رائحة البشر، عرق وتراب وجميز وذرة ~~وفطير وقمح، ومياه النيل تروي الزرع، وأنا أجري مع الأطفال في الحقول، نقطع من فوق ~~الشجر التين البرشومي، والبرتقال أبو صرة، نأكل الخيار والفول الحراتي، نملأ كفنا ~~بمياه النيل ونشرب. # كان الماء في المدينة يخرج من صنبور حديد، وله طعم معدني، وكل شيء في المدينة حتى ~~الخضروات والفاكهة كأنما هي صناعية غير حقيقية. # كنت طفلة لا أعرف شيئا عن القرية أو المدينة، لا أعرف أنهما رغم الاختلاف في كل شيء ~~يتفقان في شيء واحد، شيء واحد أراه يطل من العيون، شيء لا أعرفه بالضبط، أحسه فوق ~~جسدي قشعريرة، لقد ولدت أنثى في عالم لا يريد إلا الذكور. # هذه الحقيقة كانت تسري في جسدي مثل قشعريرة البرد، أو ربما هي قشعريرة أخرى، غامضة مثل ~~الموت، كنت أمسك القلم وأكتب الحروف، أتركها تعبر عن نفسها دون فاصل بين الحرف ms031 ~~والحقيقة، لكن الكلمات فوق الورق لم تكن أبدا هي الحقيقة ، صراع لم يكن ينتهي بيني ~~وبين الكلمات، بدل أن تكون الحروف أداة اتصال تصبح عازلة بيني وبين الأشياء. # أحيانا كنت أكسر القلم، أمزق الورقة، أتوقف تماما عن الكتابة، سرعان ما أعود إليها ~~كما تعود الطفلة إلى حضن الأم، الكتابة في حياتي مثل حضن الأم، مثل الحب يحدث بلا سبب، ~~ومع ذلك لم أكف عن البحث في السبب، لماذا أكتب؟ لماذا قضيت عمري أكتب القصص والروايات؟ ~~وربما كنت أريد شيئا، أن أرسم للعالم من حولي صورتي الحقيقية، تلك التي طمسوها بصورة ~~أخرى، أن أجعل الطفلة الصامتة في أعماقي تنطق، لم أكن تعلمت النطق بعد، لكن جسدي كان ~~قادرا على الإحساس بالقشعريرة، قادرا على إدراك الصمت في العيون، قادرا على رؤية ~~الكلام في الحملقة من حولي، كنت أريد أن أمسك شيئا له نصل حاد شفرة المقص أو الموسى ~~أو سن القلم، وأفتح بطن العريس مع أختي الصغرى. # كنت أمسك القلم وأدوس بالسن فوق الورق، أجعل أختي الصغرى تتكلم، أجعل أخواتي البنات ~~ينطقن رغم إرادة الجميع، أجعل الطفلة في أعماقي تنطق من خلال شخصيات فوق الورق. # كنت طفلة تتطلع حولها في انبهار، ما الذي كان يبهرني في العالم من حولي منذ ولدت؟ ~~كانت الدنيا تبدو في عيني مثل عالم سحري، غير حقيقي، وهناك عالم آخر حقيقي يتخفى ~~وراءه، وعلي أن أبحث عنه. # وربما كانت حياتي كلها هي هذا البحث عن الحقيقي وراء غير الحقيقي، لم أكن أعرف وأنا ~~طفلة من أين يأتي الخداع؟ أهما عيناي؟ أم أن الناس من حولي يصورون لي كل شيء على ~~غير حقيقته، بما في ذلك نفسي؟ # أتطلع إلى نفسي في المرآة، أحاول أن أرى نفسي على حقيقتها، لم أعرف وأنا طفلة من ~~يخدعني ويرسم لي صورة غير الأصل. # على مدى سنين العمر كنت أكتب لأجتاز هذه المسافة بين الأصل والصورة، دون جدوى، ولا ~~يمكن للحروف فوق الورق أن تكون هي الجسد. ~~••• # في غابة «ديوك» في الصباح الباكر أمشي ms032 سبعة من الكيلومترات، كل يوم أمشي هذه المسافة ~~بالخطوة السريعة ، كما كنت أمشيها حول النيل في الجيزة، أشجار الغابة طويلة من نوع ~~الصنوبر والأرز والبلوط، السماء رمادية بلا شمس ولا مطر، والهواء ساكن، وحدي أمشي بين ~~ظلال الشجر، لا حركة ولا صوت إلا وقع قدمي فوق الأرض، القدم وراء القدم، دب، لب، دب، لب، ~~الدقات تتعاقب في أذني تذكرني بالدقات فوق الباب. تلك الليلة من شهر يونيو عام ~~1992م، بعد منتصف الليل، كنت نائمة في سريري، والساعة تقترب من الثانية صباحا، الهواء ~~شبه معدوم، صيف القاهرة كان حارا رطبا، والدقات المتعاقبة في أذني كأنما هو حلم أو ~~كابوس. # رأيتهم واقفين وراء الباب، مسلحين ومؤدبين، مرت إحدى عشر سنة، منذ سبتمبر 1981م، ~~حين جاءوا ودقوا الباب، ثم كسروا بأعقاب بنادقهم ودخلوا، لكنهم هذه المرة دقوا ~~الجرس، كنت غارقة في النوم ولم أسمع صوت الجرس، حينما لم أفتح دقوا الباب. # وجوههم تتراءى لي من وراء الضباب، من وراء البحار والمحيط، من وراء الزمن الساقط في ~~العدم، من وراء العقل إذا كان العقل جريمة. # منذ بدأت أكتب وأنا أدرك الإثم، إثم التفكير أو الإحساس أو مجرد التفكير، لكن ~~الكتابة عندي كانت ضرورية مثل التنفس، أحاول عن طريق الكلمات أن أستعيد وجه أمي، ~~ملامحها تضيع من ذاكرتي كأنما لم يكن لي أم، وأحيانا تتجسد أمامي قبل أن أتعلم ~~النطق. # كنت أبكي لترفعني أمي من الفراش وتجلسني، كنت أراها أكثر وضوحا وأنا جالسة، تحوطني ~~بالوسائد حتى لا أسقط من فوق الكنبة، تمسك رأسي وتضع من ورائي وسادة طرية، ملمس يدها كان ~~ناعما، تفوح منها رائحة أمي، رائحة خاصة بها وحدها، تتجسد أمامي على شكل دوائر من ~~الألوان، تتداخل الألوان وتختلط مع حاسة اللمس والشم، ألمس الألوان بيدي، أشمها بأنفي، ~~أتذوقها بلساني، أمصها بفمي من ثدي أمي، أتطلع إلى وجهها. # كان وجهها مستديرا ناعما أبيض بلون الثدي، عيناها واسعتان مملوءتان بالضوء، دائرتان ~~كبيرتان من اللون الأبيض، داخلهما دائرتان من اللون العسلي تشعان الدفء، ناعمتان ~~تلامسان وجهي ms033 مثل اللبن الدافئ يسري من الثدي إلى جسدي يملؤني بالنوم، فأغمض عيني ، أطفو ~~فوق مساحات من الضوء الأبيض، أسبح في البحر، لا أرسو على الأرض، أفتح عيني وأصحو فوق صدر ~~أمي كالشاطئ، الشاطئ الوحيد في هذا البحر الواسع، صدر أمي الناعم أحس داخله النبض، ~~النبض في صدرها يدق مع النبض في صدري، هي وأنا قلب واحد داخل الجسم. # فوق الشاطئ تعلمني أمي المشي، أنظر إلى الأرض، أتحسس موقع قدمي، أرفع رأسي فوق ~~عنقي، لم يعد رأسي أثقل من جسمي، عيناي تريان البحر بلون أزرق، الزرقة غارقة في ضوء ~~الشمس، أملأ صدري بالهواء، له رائحة أمي والشمس والعشب وملوحة البحر. # صدر أمي ناعم مثل رمال الشاطئ، أنفاسها تعلو وتهبط مع أنفاسي، تروح وتجيء بين صدرها ~~وصدري، يتخللها الهواء ورائحة البحر، وأنا راقدة فوق الرمل داخل «المايوه» له حمالتان ~~فوق الكتفين، لونه كان أخضر فيه خطوط بيضاء وزرقاء وحمراء، في الصورة الفوتوغرافية ~~تحولت الألوان جميعها إلى لونين اثنين الأسود والأبيض. # لم يبق من هذه الفترة من عمري إلا صورة فوتوغرافية، التقطها مصور عابر في لحظة عابرة ~~من تسعة وخمسين عاما، أحتفظ بهذه الصورة القديمة داخل مظروف في درج مكتبي، ورقة صغيرة ~~انطفأت لمعتها، بهت الحبر فوق الورقة، لكن الحروف بخط يد أمي لا تزال مقروءة، ماتت أمي ~~منذ ست وثلاثين عاما، لكن حروفها أمام عيني موجودة فوق الصورة، بلاج الشاطئ ~~بالإسكندرية، 18 يونيو 1935م. # أرى نفسي راقدة فوق الشاطئ داخل المايوه، فيه خطوط سوداء وبيضاء، إلى جواري أمي داخل ~~المايوه، لونه أسود وأبيض، يخفي صدرها وبطنها، له حمالتان فوق الكتفين، أختي الصغرى ~~«ليلى» تجلس بين ساقي أمي داخل مايوه صغير يشبه الذي أرتديه، في الطرف الآخر من الصورة ~~يجلس أبي عاري الصدر والبطن، يرتدي مايوه بلا حمالات فوق الكتفين، إلى جواره أخي عاري ~~الصدر والبطن مثله، يرتدي مايوه صغير بلا حمالات، لا يغطي من جسمه إلا الجزء الصغير ~~أسفل البطن. # كانت أمي تحملني فوق مياه البحر، تعلمني كيف أطفو فوق الأمواج، أضرب ms034 المياه بذراعي ~~وساقي وأضحك، أغطس وأنا أضحك، تضحك أمي وتنشلني من الماء، صوت الضحك يعلو فوق الموجات، ~~الأمواج تعلو ثم تهبط منكسرة على شكل رغاوي بيضاء، اللون الأبيض يذوب في زرقة البحر، ~~والزرقة تذوب في الهواء، البحر والسماء يلتقيان في الأفق البعيد على شكل نصف دائرة، ~~ذراعا أمي من حولي ترفعاني فوق أمواج البحر، رأسي يلامس السماء. # أمي كانت تسبح وحدها كأنما هي موجة في البحر، تصورت أنها ابنة البحر، إن البحر ~~ولدها وهي ولدتني، أنا وهي خرجنا من هذه المياه الزرقاء الدافئة، فوق هذه الرمال الناعمة ~~البيضاء، تحت السماء الزرقاء الصافية، ومن حولنا الأشعة الذهبية من الشمس، إنه بحرنا ~~وشاطئنا وشمسنا وهواؤنا، أنا وأمي هذه هي أرضنا، أصواتنا حين نضحك ينقلها الهواء، ~~تحملها الأمواج إلى أمواج أخرى، إلى بلاد أخرى، بلا نهاية، بلا نهاية، تحوطني ذراعاها ~~فوق الأمواج، ثم تتركني أسبح وحدي، ثم تعود تمسكني وتحوطني، جسمها يصبح جسمي ثم ~~ينفصل عني، أصبح أنا وحدي وهي جسم آخر منفصل، نلعب معا فوق الأمواج هذه اللعبة ~~اللانهائية، الاتصال ثم الانفصال، ثم الاتصال والانفصال من جديد. # في الصورة كان أبي جالسا بعيدا عني وقريبا من أخي، أبي كان يبقى دائما بعيدا، ~~تفصلنا هذه المسافة في الصورة، هذه المساحة فوق الشاطئ، أحيانا تمتد ذراعي في الحلم ~~لأعانق أبي، لكن ذراعاه لا تمتدان نحوي، يحافظ دائما على هذه المسافة بيننا، يحتل ~~مساحته بعيدا عني، جسده طويل فارع القامة، له شارب أسود مربع فوق الشفة العليا، حين ~~يقف فوق رمال الشاطئ يحجب عني البحر والشمس، يقف طويلا عملاقا لا يقترب، ولا ينحني ~~ليطبع فوق خدي قبلة، لم يقبلني أبي مرة واحدة في حياتي حتى مات. كان يقف، عظام ذراعيه ~~وساقيه بارزة تحت الجلد، بشرته سمراء بلون الطمي، يغطيها شعر أسود فوق الصدر، عضلاته ~~بارزة تحت الشعر، باردة الملمس، فيها صلابة، تعلوها قطرات من مياه البحر لها طعم ~~الملح. # كان لجسم أبي فوق الرمال البيضاء خطوط واضحة تحدد وجوده، هذا الوجود المستقل الصلب ~~داخل كون ms035 سائل تذوب فيه زرقة السماء في مياه البحر، هذا الوجود سيصبح هو العالم ~~الخارجي ، عالم أبي سيصبح هو الأرض، الوطن، الدين، اللغة، الأخلاق، التاريخ، المستقبل، ~~سيصبح هو العالم من حولي، عالم من الأجسام الذكورية أعيش فيه بجسم الأنثى. # إنه البحر المالح (الأبيض المتوسط)، وأنا راقدة فوق الشاطئ، قماش المايوه من النوع ~~المطاط، يضغط على صدري وبطني، يمنع عنهما الهواء والشمس، أبي يقف عاري الصدر والبطن، ~~يعرض صدره وبطنه للهواء وأشعة الشمس، أخي مثل أبي يرتدي مايوه بلا حمالات فوق الكتفين، ~~صدره وبطنه عاريان تحت الشمس والهواء. # كنت أشد الحمالات من فوق كتفي، أكشف صدري وبطني للهواء والشمس، ترتفع يد خالتي نعمات ~~في الهواء وتضربني، وصوتها يخرق أذني: عيب! وأصرخ: إشمعنى طلعت! يعود إلى صوتها مثل نعيق ~~البوم: هو ولد وانتي بنت! # كانت هذه العبارة تخرق أذني منذ ولدت، تدخل فمي في مياه البحر المالح: «هو ولد وانتي ~~بنت»، أحس الملوحة في حلقي، ملوحة غريبة، زرقة البحر تتحول إلى مسحوق من الملح، ~~الشمس تتحول إلى شيء يحرق الجلد، الألوان الخضراء والحمراء الذهبية كلها تصبح سوداء أو ~~رمادية. # ربما هو الغضب بدأ ينمو في أحشائي مثل عشب البحر، حشائش رفيعة سوداء كنت أراها تسبح ~~داخل المياه الزرقاء، ترسب في القاع ثم تطفو، تلفظها الأمواج فوق الشاطئ، تجف تحت ~~الشمس مثل الثعابين أو قراميط البحر الميتة. # كان الغضب لا يزال وليدا في أحشائي كالعود الصغير الأخضر، الخضرة تذوب في الزرقة، ~~والزرقة تذوب في اللون الأسود، تتداخل الألوان ومعها الغضب وأحاسيس أخرى مشتقة من ~~الغضب. # أخي يكشف صدره للهواء والشمس، وأنا أخفي صدري، صدري عورة تستوجب الإخفاء، كلمة «عورة» ~~تخرق أذني مثل المسمار، كلمة نابية، كان صدري أملس مثل صدر أخي بلا نهدين، كنت طفلة ~~صغيرة أصغر من أخي، لم أكن تعلمت الكلام أو الرد على الكبار مثل أبي، لكن كنت قد أصبحت ~~داخل ذلك العالم الكبير، عالم أبي، يتحدد فيه موقعي لمجرد أنني بنت. # كان أبي يتطلع نحو السماء، في الليل قبل العشاء، ms036 يجلس في الشرفة البحرية يطل على ~~النجوم، أمي في المطبخ تجهز الطعام، أخي إلى جوار أبي يتطلع معه إلى السماء، أبي ~~يخاطب أخي ولا يخاطبني، يقرأ القرآن كتاب الله. # تصورت في طفولتي أن هذه السماء ونجومها من اختصاص أبي وأخي، يشير أبي بإصبعه إلى ~~مجموعة من النجوم تلمع بعيدا في الظلمة، ويقول لأخي: هذا نهر المجرة، وهذا هو المريخ، ~~وعطارد، والمشترى، و... # كان أبي يحكي لنا عن آدم، كيف فضله الله على الملائكة، وأمر إبليس أن يسجد له، كيف ~~سجدت الشمس والقمر والكواكب لسيدنا يوسف، أستمع إلى أبي مفتوحة الفم متسعة العينين، أنام ~~على صوت أبي وهو يحكي: أنزلق في النوم كأنما أغرق في البحر، أغرق حتى ألمس القاع، وأشرب ~~الماء المملح، أمي أصبحت غائبة، ذراعان غائبتان، لا أحد ينتشلني من القاع، أصحو من ~~النوم في حلقي طعم الملح، فوق الفراش من تحتي بلولة الماء المالح لها رائحة ~~البول. # أنهض من السرير منكمشة في خزي، أحوط صدري بذراعي أخفي عورتي، أخفي بلولة السرير تحت ~~الغطاء، تأتي خالتي نعمات وتكشف الغطاء، ويرتفع صوتها في جميع أنحاء البيت تعلن الفضيحة ~~في الكون. # كانت أمي تنسحب من حياتي بالتدريج، لم أعد أراها إلا في المطبخ، لم أعد أسمعها ~~تتكلم، تجلس معظم الوقت تستمع إلى حكايات أبي ... أبي ينتقل من الحديث عن الله وسيدنا ~~محمد إلى الحديث عن الملك والإنجليز، بعد ذلك يتحدث عن الناظر، كنا في مدينة ~~الإسكندرية، وأبي يشتغل مدرسا في مدرسة العباسية الثانوية ورئيس المدرسة اسمه ~~الناظر. # المسافة بيني وبين أمي كانت تتسع، المسافة بيني وبين أبي تضيق، أصبحت أمي تجلس في ~~الطرف الآخر من الكنبة، بعيدا عني، يزداد البعد عاما وراء عام، يمدد أبي ساقيه ~~الطويلتين ويحتل المساحة كلها، مساحة أمي تصغر وتصغر، تنكمش حول جسمها وهي جالسة، تهدل ~~ثدياها من كثرة الترضيع، اختفى خصرها مع ارتفاعات البطن بالحمل، تراكم عليها الشحم بلون ~~شاحب. # أمي لم تعد تنتمي إلى العالم الذي يضم أبي وأخي وأنا، إنها تنتمي إلى عالم آخر، ms037 ما ~~إن أتخيله حتى يقشعر جسمي، عالم المطبخ تفوح منه رائحة الثوم مع البصل ، يملؤه الدخان أو ~~الهباب يتصاعد عن وابور الجاز، عالم أبي كان هو الشرفة البحرية، تطل على مشتل الزهور ~~والنجوم في الليل، والله في السماء، وسيدنا محمد، والملك والإنجليز والناظر. ~~«اقلب دواية الحبر على تقريرك يا أستاذ!» # إنه صوت أبي يخاطب الناظر، كان صوته يدوي في الشرفة البحرية، وهو يحكي لنا، صوته يملأ ~~الكون، تسري القشعريرة في جسدي مثل برد الشتاء، أغمض عيني، أتفادى الضوء مع أن الليل ~~مظلم، أخفي عن أبي شيئا لا أريد أن يراه، أهما عيناي، كنت أخفيهما، أخشى أن يرى فيهما ~~أحشائي حيث العشب الراسب في القاع بلون الحبر الأسود. # | حادث ختان # في الشرفة البحرية، في بيتنا بالإسكندرية، أجلس أستمع إلى أبي، بيتنا في الدور الأرضي ~~من عمارة عالية ... للشرفة سلالم تقود إلى حديقة خلفية صغيرة لها سور عال، من وراء السور ~~أسمع صوت القطار يأتي من عالم آخر، قويا يرج أرض البيت وأرى الجدران تهتز، هذه ~~الجدران سوف تسقط، أبي قال: إن العمارة كبيرة متينة، لا يمكن أن تسقط، أصدق كل ما ~~يقوله أبي، أحفظ كلامه عن ظهر قلب، أستمع إلى حكاياته كأنما هي الحقيقة، أرمق جسده ~~الضخم، أنا ابنة هذا الرجل القوي الذي ينتصر في كل المعارك. كان أبي يخوض معارك ~~كثيرة، مرة مع صاحب العمارة التي نسكن فيها، ومرة مع ناظر المدرسة، ومرة مع الإنجليز أو ~~الملك أو الألمان أو الأعداء الآخرين، لا أعرف شيئا عن هؤلاء. دخلت المدرسة في ~~الإسكندرية، لا أذكر من المدرسة إلا اسمها، محرم بك للبنات، الشارع الذي نسكن فيه اسمه ~~«محرم بك»، شارع طويل مخيف، يقود إلى الآخرة أو العالم الآخر، أجري من البيت إلى ~~المدرسة، ثم أعود جريا أخشى التوقف في الشارع وإلا خطفني أحد اللصوص. # أسمع الحكايات عن اللصوص، في مدينة الإسكندرية قصة تجري على ألسنة الناس: «ريا وسكينة»، ~~ماتت الاثنتان قبل أن أولد، قصتهما ظلت تعيش لأكثر من نصف قرن، يقبض البوليس ms038 على لص أو ~~لصة تسرق طفلا، فيستعيد الناس ذكرى «ريا وسكينة». # قبل أن أخرج للمدرسة تخلع أمي من أذني الحلق الذهبي الصغير: «ريا وسكينة كانوا بيسرقوا ~~الأطفال اللي لابسين حلقان دهب.» الأطفال ليس لهم قيمة في نظر اللصوص إلا إذا كان حلق ~~دهب في الأذن. في الليل وأنا نائمة أشد الحلق، أحاول أن أخلعه من أذني، له مسمار ذهبي ~~رفيع وقفل صغير يغلق وراء حلمة الأذن، يحتك بالوسادة كلما حركت رأسي، أشده في الصباح ~~ترى أمي بقعة الدم فوق وسادتي، حلمة أذني حمراء متورمة، الثقب حيث المسمار الذهبي ~~ينزف، كنت أظن أنني ولدت بهذا الثقب في أذني، أن كل البنات يولدن بهذا الثقب من أجل ~~أن يدخل فيه الحلق، أرمق أذن أخي بطرف عين، أذنه سليمة بلا ثقب، بلا مسمار يؤلمه في ~~الليل. # عرفت أنها الداية «أم محمد»، المرأة التي أغرقتني في «الطشت» حين ولدت، جاءت بعد ~~أسبوع واحد من ولادتي، بين أصابعها الغليظة الخشنة إبرة طويلة حادة، وضعتها على النار، ~~أصبح لونها أحمر، غرزتها في حلمة أذني. هذه المرأة تكن لي العداء؟! ثأر قديم بينها ~~وبين جنس الإناث؟ تكره نفسها إلى ذلك الحد؟ عيناها السوداوان يكسوهما بريق عجيب وهي ~~تثقب آذان البنات أو بظورهن، مزيج من الفرح والتشفي والانتقام، جسدها السمين ~~يترجرج داخل الجلباب الأسود، تفوح منه رائحة دم قديم وعرق عفن مع رائحة الحناء ~~الحمراء أو السوداء، وصبغة اليود والسبرتو الأحمر واللبان الدكر والبخور والشبة. # تضفر شعرها المصبوغ بالحنة الحمراء ضفيرتين رفيعتين، تربطهما بدوبارة من صوف الماعز ~~أو فروة الخروف، تلفهما داخل منديل أسود، تشده بكل قوتها حول رأسها، تربطه فوق جبهتها ~~على شكل عقدة. # في الجنازات ومآتم القرية أرى النسوة يربطن رءوسهن بالمنديل الأسود، في أول أيام ~~العيد تخرج النسوة لزيارة الموتى في القبور، رءوسهن مربوطة بالمناديل السوداء، فوق ~~جبين كل واحدة منهن العقدة. # العقدة فوق جبين الداية أم محمد لم تكن تشبه أي واحدة أخرى، سوادها داكن، حجمها كبير، ~~لها أربعة أطراف مشرشرة «الأوية» تهتز مع ms039 حركة رأسها، تتربع عند منتصف جبهتها مثل عقرب ~~أسود يرمقني بعين واحدة خالية من الرموش. # كنت أسمع صوتها قبل أن تدخل من الباب الخارجي يزعق: يا أهل الدار! تهتف ستي الحاجة ~~منتصبة: «عزرائين جه.» من هو عزرائين؟ مندوب من عند ربنا يهبط من السماء إلى الأرض ~~ليقبض على أرواح الناس دون أن ينتبهوا. # أسمع صوتها فأختفي، منذ ولدت أراها ترمقني بالعين الواحدة المفتوحة كالدائرة لا يطرف ~~لها جفن، تضيق عينها وهي ترمق بطني أسفل البطن، بين الفخذين، لم تكف عن النظر إلى ~~القطعة الصغيرة من اللحم - يسمونها «الظنبور»، (وفي اللغة الفصحى «البظر») - لم تكف ~~عن النظر إليها تستعجل بروزها، كأنما كامنة في اللحم، ما هي إلا نظرة من عينها فتبرز ~~إلى السطح، تمسك الموسى بأصابعها الغليظة الخشنة، تحميه فوق قطعة حجر، يصبح السن ~~أحمر كالنار، تشد البظر بإصبعين تستأصله من جذوره بسن الموسى، تدفنه في حفرة بالأرض، ~~تردمه بالتراب، تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاث مرات، تغسل يديها من الدم في الطشت ~~وتقرأ الفاتحة ثلاث مرات. # تلاوة القرآن على الجرح النازف كصبغة اليود تقتل الجراثيم وتطهر الجروح، التطهير، ~~الطهارة، المرأة المطاهرة هي الداية التي تقوم بعملية «الطهارة» (الختان باللغة ~~العربية الفصحى). # في مصر عام 1937م، في السادسة من عمري، كانت عملية «الختان» تجرى لجميع البنات قبل أن ~~يدركهن الحيض، لم تكن واحدة منهن تفلت في القرية أو المدينة، في الطبقة العليا أو ~~الطبقة الدنيا، لم تفلت أمي زينب هانم، لم تستطع أمي أن تنقذني أو أي واحدة من ~~بناتها، أنقذت ابنتي، وبنات كثيرات أخريات حين بدأت أكتب منذ أربعين عاما. # في السادسة من عمري لم أستطع إنقاذ نفسي، أربع نسوة في حجم الداية أم محمد تجمعن ~~حولي، مكتوفة الذراعين والساقين، دقوا يدي وقدمي بالمسامير كالمسيح المصلوب. # عرفت من زميلتي القبطية في المدرسة أن المسيح صلبوه، من هو المسيح؟ قال أبي: إنه ~~سيدنا عيسى عليه السلام، وما صلبوه وما قتلوه ولكن شبه لهم؛ كما جاء في القرآن. خالتي ~~نعمات تقول عن ms040 صديقتي القبطية: «نصرانية»، «عضمة زرقة»، رايحة جهنم. كان اسمها مريم، ~~كانت في السادسة من عمرها ، أمسكتها الداية أيضا، قطعت من بين فخذيها البظر، لم تكن ~~البنات المؤمنات بالمسيح يفلتن كالمؤمنات بسيدنا محمد. عمتي رقية تقول: النبي أمر بقطع ~~بظور البنات! # لم أتصور أن النبي محمد أو النبي عيسى أو أي نبي آخر يصدر أمرا مثل هذا. # منذ طفولتي لم يلتئم الجرح العميق في جسدي. # الجرح الأعمق في النفس، الروح، لا أنسى ذلك اليوم، صيف عام 1937م، مر سبعة وخمسون ~~عاما في ذاكرتي كأنما الأمس. # راقدة من تحتي بركة الدم، توقف النزيف بعد أيام، نظرت الداية بين فخذي وقالت: ~~الجرح خلاص خف والحمد لله، الألم ظل كالدمل غائرا في اللحم، لم أنظر بنفسي لأعرف مكان ~~الألم. # لا أستطيع النظر إلى جسدي العاري في المرآة أو هذه المنطقة المحرمة المحفوفة بالإثم ~~والعار! # لم أعرف ماذا في جسدي من أشياء أخرى تستوجب القطع، في الليل أرقد مفتوحة العينين، لا ~~أعرف ما يخبئه القضاء والقدر، الغيب لا يعلمه إلا الله، محفوف بمخاطر، جسدي مثل ~~الآخرين أصبح ضدي يفاجئني بأشياء مفزعة. # في التاسعة من عمري رأيت النزيف الأحمر، يسمونه في العربية الفصحى «الحيض» أو ~~«المحيض»، جاء ذكره في القرآن: # ويسألونك عن المحيض ~~قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن ~~حتى يطهرن ~~، فاجأني الأذى ذلك اليوم، فتحت عيني في الصباح فوجدت ~~سروالي غارقا في الدم، هل تسللت الداية في الليل وقطعت شيئا آخر من بين فخذي؟ عفريت ~~من الجن، أو شيطان من الشياطين، خلقه الله في أجسام البنات، دخل من تحت عقب الباب ~~ومزق غشاء العفة؟ هذا الغشاء يفرق البنت العذراء عن المرأة المتزوجة، الدليل الوحيد ~~على حسن الأخلاق. # هل أراد الله أن يعاقبني؟! أصابني بمرض البلهارسيا، سوف أنزف الدم حتى أموت، مات جدي ~~حبش وأبوه السعداوي بالبلهارسيا. اختفيت تحت الغطاء أدعو الله أن يغفر ذنوبي، أخرج من ~~السرير لأتسلل إلى دورة المياه، أخفي الإثم والعار عن الجميع، حتى أمي، هل يستجيب الله ~~لدعائي ms041 قبل أن يعرف أحد في البيت؟ مغفرة الله تحدث ساعة أو نصف ساعة، أحمدك يا رب ، ~~غفرت ذنوبي، ثم يغرق السروال مرة أخرى باللون الأحمر الداكن، أعود أغسله وأتوضأ ~~وأصلي، أدفن وجهي في صوت سجادة الصلاة، أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم، أركع وأسجد، ~~لا أكف عن الاستغفار. # في حركة من حركات السجود اندفع شيء بين ساقي، صنع فوق سجادة الصلاة بقعة حمراء كبيرة، ~~السجادة المقدسة عادت بها ستي الحاجة من أرض الحجاز، سجادة عجمية صغيرة من الصوف، رمادية ~~اللون، مرسوم عليها الكعبة الشريفة. # الدم النجس يلوث الحرم المقدس! # كانت فضيحتي بجلاجل، الجيران عرفوا الخبر، تناقلته الألسنة من عائلة أبي وأمي في ~~القرية والمدينة. # كيف يكون الدم في جسمي نجاسة؟ كلمة «النجاسة» سمعتها أول مرة في حياتي «الحيض دم ~~فاسد»، لا يحق للبنت خلال أيام الحيض أن تلمس مقدسا، مثل كتاب الله، لا يحق لها ~~الصلاة، أو الصيام، أو قراءة القرآن، لسانها يصبح نجسا، يدها إذا صافحها أحد تفسد ~~الوضوء والصلاة. # أصبحت لا أكف عن دخول الحمام، لم تكن البقعة الحمراء تتلاشى، وإن تلاشت تترك من ~~خلفها لونا أصفر أو أسود أشبه بظلها، إن تلاشى الظل بقيت الرائحة كالروح الشريرة ~~تحوم حول الجسد. # أصابني المرض النفسي، نوع من الهوس، لا أكف عن غسل يدي بالماء والصابون طول النهار، ~~مرض يصيب البنات والنساء، المسلمات منهن أو القبطيات أو اليهوديات، كانت لي زميلة ~~يهودية، في التوراة تحدث الله عن الحيض، يسميه «الطمث»: «في أيام الطمث تكون المرأة ~~نجسة سبعة أيام، كل شيء مقدس لا يمس، وإلى المقدس لا تجيء حتى تكمل أيام تطهيرها، ~~إن حبلت المرأة وولدت ذكرا لا تطهرها تأتي بخروف وفرخ حمامة أو يمامة ذبيحة تقدمها ~~لربها، فيكفر عن ذنوبها وتطهر من دمها.» # في القرآن لم يكن الحيض «أو المحيض» إلا «أذى» فقط، كلمة «أذى» بدت لي بريئة إلى جوار ~~الكلمات الأخرى في التوراة، كلمة «حيض» بدت أفضل من كلمة «طمث». تتضاعف نجاسة الدم حين ~~تكون المولودة أنثى! تطهير ms042 الدم النجس يكون بتقديم فرخة أو خروف مشوي للرب! لم يطلب ~~الله من النساء في القرآن أي فرخة أو خروف مقابل الطهارة، شكرت الله كثيرا لأنه خلق ~~أبي مسلما وليس يهوديا. كنت أظن أن المسلمين يؤمنون بالقرآن فقط، أبي قال: إن التوراة ~~والإنجيل كليهما «مثل القرآن»، أنزلهما الله إلى الناس هدى ونورا، على المسلمين أن ~~يؤمنوا بكتب الله الثلاثة. # وكأنما ألقى أبي فوق رأسي كوز ماء صاقع في ليلة شتوية. # كنت أصدق ما يقوله أبي، في الشرفة البحرية في الإسكندرية يجلس ونحن الأطفال حوله، ~~ينظر إلى أخي «طلعت» وهو يتحدث، يخصه بالحديث، لم يكن يتجه نحوي إلا حين يشعر بالعطش، ~~أو يجف حلقه: هاتي كباية مية يا نوال. # وحين تنهض أمي لإعداد مائدة العشاء: قومي ساعدي مامتك يا نوال. # لم أكن أنهض من مكاني، أود الاستماع إلى حكاياته، خاصة حكاية سعد زغلول وثورة 1919م. ~~شارك فيها أبي، كان شابا في العشرين من عمره، طالبا في كلية دار العلوم بالقاهرة، خرج ~~مع الطلاب يهتف ضد الإنجليز، يلقي عليهم الطوب والحجارة، ثم بدأ الرصاص يتطاير في ~~الجو، أصابته شظية في قدمه، حمله زملاؤه إلى نقطة إسعاف، عاد إلى كفر طحلة فوق عربة كارو ~~تجرها حمارة، استقبلته أمه ومن خلفها النساء بالزغاريد، أصبح في نظر أهل القرية بطلا ~~مثل سعد زغلول. # كلمة «بطل» ينطقها أبي، عيناه تلمعان بالبريق، منذ الطفولة يحلم بأنه يحمل سيفا ~~يضرب به الأعداء، يحرر الوطن. يسمع أمه تغني مع نساء القرية: يا عزيز يا عزيز، كبة ~~تأخذ الإنجليز، كانت طفلة في الثانية حين دخل الإنجليز مصر عام 1882م. # يحكي أبي عن جدته الغزاوية، ماتت قبل أن يولد، سمع حكاياتها من أمه ونساء القرية، ~~كانت طويلة فارعة القامة، تخرج من الفجر، فأسها على كتفها، وتعود عند الغروب، لم تكن ~~أجيرة لأحد، تملك قطعة أرض صغيرة ورثتها عن أمها، لم يرها أحد راقدة في الدار، تلد ~~طفلها وهي تعمل في الحقل، تحمله في القفة وتعود إلى الدار، حين دخل الإنجليز إلى ms043 مصر ~~تجمع أهل القرية، الرجال والنساء، ومنهم الغزاوية، حاملين الفئوس مستعدين للقتال حتى ~~الموت، حياتهم كان أشبه بالموت . # يحكي أبي عن: حادث دنشواي، ثورة عرابي، قبل الاحتلال البريطاني، الخديو والملك فؤاد، ~~أول دستور مصري عام 1923م، أول انتخابات عام 1924م، أصبح سعد زغلول رئيسا للوزارة، خلفه ~~النحاس، ثم جاء إسماعيل صدقي عام 1930م، اشتد الجوع بالفلاحين والعمال، بدأت ~~المظاهرات والإضرابات، آخر إضراب قام به عمال السكة الحديد، أعلن إسماعيل صدقي الأحكام ~~العرفية وأمر الجيش بإطلاق الرصاص على العمال، عاد حزب الوفد إلى الحكم، أصبح النحاس ~~رئيسا للوزارة، ودخل في مفاوضات مع الإنجليز، وقع معاهدة 1936م، والمظاهرات ~~والإضرابات لم تكن تكف. # كان يزورنا في الإسكندرية أقارب أبي من الفلاحين، بعضهم هجر القرية من شدة الجوع، ~~أصبحوا عمالا في شركة النسيج بالمحلة الكبرى، في مصانع شبرا الخيمة في القاهرة، وفي ~~شركة الترامواي بالإسكندرية، يتقاضى الواحد في اليوم ثلاثة قروش، يشاركون في الإضرابات ~~مطالبين برفع الأجور، ويهتفون مع الطلبة ضد الحكومة والإنجليز. # في إحدى المظاهرات تجمع طلبة مدرسة العباسية الثانوية في الفناء الواسع، يرددون ~~الهتافات ضد الحكومة، خرج الناظر إلى التلاميذ، هزءوا به هاتفين: يسقط الناظر، عاد إلى ~~مكتبه عقد اجتماعا عاجلا للمدرسين، قال الناظر لأبي: يا سيد أفندي، أنت محبوب من الطلبة، ممكن يسمعوا كلامك ونخلص من الشغب ده. ~~- يا حضرة الناظر، دي مظاهرة وطنية مش شغب. ~~- يا سيد أفندي، لازم الطلبة يرجعوا الفصول. ~~- يا حضرة الناظر، البلد كلها خرجت مظاهرات، حتى العمال والفلاحين، ليه نمنع ~~الطلبة؟ ~~- يا سيد أفندي، ده مش وقت نقاش، لازم تخرج حالا للطلبة في الحوش وترجعهم ~~الفصول. # أطاع أبي الناظر وخرج إلى الطلاب في فناء المدرسة، أحاطوا به يهتفون: يحيا السعداوي، ~~حملوه فوق الأعناق، خرجوا إلى الشارع، وجد نفسه يهتف معهم: يسقط الإنجليز، تسقط الحكومة، ~~تحيا مصر حرة! # وعمل إيه الناظر يا بابا؟ نسأله نحن الأطفال في نفس واحد، وأنفاسنا تلهث، الضربات تحت ~~ضلوعنا تصعد وتهبط. # يكون أبي قد نهض واقفا يصور لنا كيف كتب الناظر تقريرا ms044 ضده، ألقاه أمامه فوق ~~المكتب، أبي أمسك التقرير وألقى به فوق مكتب الناظر. ~~«اقلب دواية الحبر على تقريرك يا حضرة الناظر.» # في ركن الشرفة البحرية كنت أجلس، أرمق أبي الفارع القامة، عيناه تلمعان بالزهو، أنا ~~ابنة هذا الرجل الوطني الشجاع، لا يخاف أحدا، لا الناظر ولا الملك ولا الحكومة ولا ~~الإنجليز ولا العمدة في كفر طحلة، «لا أخاف إلى الله سبحانه وتعالى.» هكذا كان أبي يقول ~~... ويردد دائما: أنا مش باخاف لا من النزرا ولا من الوزرا (يعني النظراء ~~والوزراء). # عام 1938م، وأنا في السابعة من العمر انحفر صوت أبي في ذاكرتي، أصبحت لا أخاف أحدا ~~إلا الله، إن هددني أحد بكتابة تقرير ضدي أقول بصوت أبي: اقلب دواية الحبر على تقريرك. # كم من التقارير كتبت ضدي بعد أن اشتغلت في الحكومة! تقارير سرية بحسب القانون، يكتبها ~~الرؤساء ضد المرءوسين في الوزارات والإدارات، في كل وزارة أيضا جهاز بوليس يسمونه ~~«مكتب الأمن»، يكتب التقارير، يرفعها إلى وزير الداخلية أو رئيس الدولة، العمدة كان في ~~طفولتي كأنما رئيس الدولة، أهل القرية يقولون إنه أكبر رأس في البلد، يمشي من بعيد فوق ~~الجسر حوله الرجال، جدران بيته عالية تعلو فوق الجسر تطل على النيل، ثلاثة أدوار بالطوب ~~الأحمر يسمونه «الدوار»، يعلوها البرج له نوافذ مستديرة صغيرة أعلى من منارة الجامع، ~~شرفتها صغيرة من الطين النيئ، يقف عليها الشيخ مرزوق ليؤذن. # بيوت القرية مثل الجامع مبنية بالطوب النيئ، الطين الممزوج بالتبن، زريبة الحيوانات جزء ~~من البيت، الأرض ترابية عارية من الأثاث، حصيرة من القش، زير مملوء بالماء من النيل الذي ~~يسمونه البحر، صندوق خشبي مزركش الألوان مركون إلى الجدار الطيني، داخله بعض الجلابيب ~~الجديدة أو القديمة، ومنها جلباب العروس المشجر، المبقع بالدم منذ ليلة الزفاف. # لم يكن البيت يزيد على دورين، يسمونه «الدار»، بينهما سلم من الطين أو الخشب، يصعد ~~إلى السطح، حيث أكوام من عيدان الذرة أو القطن الجافية، أقراص «الجلة» - روث البهائم ~~المجفف تحت الشمس - زلع الجبنة الحادقة والمخلل، يتلوى داخلهما ms045 دود أبيض صغير «دود ~~المش». # كان الجسر عاليا أعلى من البيوت، يمتد من كفر طحلة إلى قرية أخرى اسمها طحلة، ~~تفصلهما مسافة كيلومتر ، تتلاصق بيوت الفلاحين، تتساند بعضها إلى بعض، راقدة في حضن ~~الجسر بلون الطين الأسود. # أتمشى فوق الجسر مع زينب ابنة عمتي بهية، عمرها من عمري، تتطلع بعينيها إلى بيت ~~أعلى من بيت العمدة وتقول: «دوار علما باشا، أغنى عيلة في طحلة، عندهم ألف فدان وخمسون عبدا، جدك شكري بيه أبو ~~مامتك أبوه الشيخ الطحلاوي الكبير، كان عنده أرض وعبيد زي علما باشا، لكن الأرض راحت ~~منهم والعبيد راحوا، ومابقاش لهم في الكفر إلا الدوار.» # كان دوار جدي شكري بيه لا يزال قائما، بيت ضخم من دورين، مبني بالطوب الأحمر، له حوش ~~واسع من الداخل، شرفات ومشربيات من الخشب المزدوج، مغلق طول الوقت، لم يكن أحد من عائلة ~~أمي يزور القرية إلا وقت الحرب، يهاجر أهل المدينة إلى الريف. # حين تزوجت طنط هانم (شقيقة أمي) من زوجها التاجر في الموسكي، جاءت به إلى القرية في ~~زيارة يومين، أرادت له أن يرى أثرا عريقا من مآثر العائلة الكريمة. # كان هناك بعض دوارات قليلة، أربعة أو خمسة، يملكها أصحاب العزب الكبيرة، لهم أراضي ~~وحقول تمتد مع امتداد الجسر حتى طحلة والرملة أو «بنها» عاصمة القليوبية. # العمدة كان صاحب السلطة بلا أملاك كبيرة، له أعوان من الرجال، يرأسهم شيخ الخفر. # مصر كانت تعيش عصر الإقطاع، كبار الملاك في القرية يملكون 98٪ من الأراضي، بقية الأرض ~~2٪ يملكها 80٪ من الفلاحين (لا تزيد ملكية الواحد منهم على ثلاثة أفدنة)، بقية أهل ~~القرية 20٪ لا يملكون شيئا على الإطلاق، يعملون في أراضي تحت اسم «الأجراء»، بعضهم لا ~~يشتغل إلا في موسم الحصاد أو جمع القطن. # كانت «ستي الحاجة» تنتمي إلى طبقة صغار الفلاحين ... تمتلك قطعة من الأرض، ثلاثة أفدنة، ~~ورثتها عن أمها الغزاوية، ثلاثة ملايين من الفلاحين مثل ستي الحاجة، إنهم أحسن حالا من ~~الأجراء؛ لم يكن أطفالهم يموتون من الجوع، يموتون من الإسهال أو النزلات المعوية ms046 فقط، ~~طعامهم ليس الخبز الحاف بدون غموس، إنهم يغمسون بالجبنة الحادقة مع مخلل الخيار أو ~~الليمون الأخضر الصغير. # سعر الأرض يرتفع على الدوام ، دخل الفلاح ينخفض العام بعد العام، المضاربات في بورصة ~~القطن لصالح الإنجليز وكبار الملاك، المضاربات بالأراضي الزراعية يربح منها الإقطاعيون ~~عن طريق رفع الإيجارات. # اشتغلت ستي الحاجة في أرضها عشرين عاما متصلة دون أن تدخر شيئا إلا مصاريف أبي ~~ليتعلم، كان يمكن أن تشتري فدانا من الأرض. ~~«الأرض تزيد فدانا أو تنقص فدانا، ولا حاجة تتغير في عيشة الفلاحين المرة يا بنت ~~ابني، لكن التعليم للولد حلو، يخليه يتوظف في الحكومة، ويبقى راجل ملو هدومه.» # كانت امرأة لا تعرف القراءة، لم تقرأ في حياتها كتابا واحدا، لم تقرأ القرآن كتاب ~~الله، تقول للعمدة: أنا عارفة ربنا أكثر منك يا عمدة! ربنا هو العدل، عرفوه بالعقل! # أخذتني ستي الحاجة معها إلى العمدة ذات يوم، كنت في السابعة من عمري وهي في الخمسين، ~~قوية الجسم، فارعة القوام، العمدة إلى جوارها قصير سمين مترهل، بشرته بيضاء لم تعرف ~~الشمس، مد يده وصافحني، بضة ناعمة صغيرة بالنسبة ليد جدتي الكبيرة الخشنة، لم تلمس ~~أنامله الفأس ... بين أصابعه سبحة صفراء حباتها تلمع، في يده الأخرى مصحف حروفه منقوشة ~~بماء الذهب. # كان جالسا فوق مقعد له مسند عال، يرتدي قفطانا أسود اللون، حوافه مطرزة بخيوط ~~ذهبية، كانت ستي الحاجة واقفة أمامه داخل جلبابها الأسود المترب، من خلفها الفلاحون ~~والفلاحات وجوههم ضامرة ممصوصة حتى آخر قطرة، بشرتهم مشققة كالأرض «البور». # لم يكن وجه ستي الحاجة ضامرا، يدها كانت مثل أياديهم، مشققة كبيرة الحجم، لكنها ~~مرفوعة تشوح بها في وجه العمدة: الكلمة شرف يا عمدة! فين كلمتك؟ # امرأة فلاحة قوية بالفطرة، مالكة أرضها، ليست أجيرة لأحد، كاملة الأهلية بعد أن مات ~~زوجها حبش. # لم تكن ستي الحاجة الأرملة الوحيدة في القرية، كان هناك أرامل كثيرات، فلماذا هي ~~أكثرهن قوة؟ ~~«ستك الحاجة ورثت أمها الغزاوية.» # بعد موت زوجها أصبحت ستي الحاجة تشتغل بفأسها في أرضها من ms047 طلوع الشمس، تأتيها آلام ~~الولادة في الحقل، تتربع فوق الأرض، تنفتح ساقاها، ترى الرأس بشعره الأسود محشورا ~~بين عظمتي الفخذ، تملأ صدرها بالهواء في شهيق عميق، تفرغه بكل قوتها ضاغطة بكفها ~~على بطنها، يندفع الجنين خارجا مفترشا الأرض، تمد ذراعها الطويلة لتمسك الفأس، بخبطة ~~واحدة تقطع الحبل السري، بخبطة ثانية تقطع طرف الدوبارة من سروالها، تعقدها حول ~~«السرة»، تلف المولود في جلبابها القديم، تتكئ بذراعيها في زفير طويل، تضغط بطنها ~~بكفها الكبيرة ... تندفع المشيمة كرغيف من الدم المتجمد، تردمها في التراب، تمسح الدم ~~عن فخذيها بورق الذرة الجافة، ترتدي سروالها الواسع من الدمور، تشده حول وسطها ~~بالدوبارة، تفرش القفة بالعشب الناعم، وتضع مولودها، تغطيه بورق الذرة الأخضر ... تعود ~~إلى دارها حاملة القفة على رأسها، من خلفها الجاموسة. # في يوم من الأيام دخل عليها ابنها السيد (أبي)، عمره عشر سنوات، ينزف من أنفه، ضربه ~~شيخ الخفر، مسحت الدم من أنفه بخرقة قديمة، شدت طرحتها السوداء من فوق مشنة الخبز، لفت ~~بها رأسها، انطلقت كالنمرة الغاضبة، شيخ الخفر كان واقفا من حوله الرجال ... رفعت كفها ~~الكبيرة المشققة في الهواء: ما انخلق اللي يضرب ابني! # في الليل أصبح حديث القرية هذه الحكاية، مبروكة بنت الغزاوية ضربت شيخ الخفر، يتهامس ~~الرجال والنساء، جدعة بنت جدعة، امرأة تساوي عشرين رجلا، لم يحدث في تاريخ القرية أن ~~صفعت امرأة شيخ الخفر، أصبح لها هيبة ... الكل يلجأ إليها. # الغزاوية أم ستي الحاجة كانت لها سمعة أخرى في القرية، شتمت العمدة أمام بيته من حوله ~~الخفراء، أرسل إليها في الليل رجلا يلف رأسه بعمامة كبيرة، في قدميه صندل من جلد ~~الماعز، يمسك في يده عصا صفراء مقسمة بدوائر سوداء، في الصباح وجدوا باب دارها مفتوحا، ~~في المدخل يرقد كلبها مرزوق رأسها معوج، فوق التراب في الزريبة رآها راقدة، عيناها ~~مفتوحتان شاخصتان إلى السماء، حملوها فوق رءوسهم، ساروا بها في الطريق الترابي، نساء ~~ورجال أقدامهم حافية تلامس الأرض بلا صوت، يسيرون الصف وراء الصف بجلابيبهم البالية، عند ~~مدخل القرية ms048 حفروا لها المقبرة، فرشوها بورق الذرة الأخضر، بنوا فوقها مقاما بالحجر ~~والإسمنت. # كل خميس كانت النساء تزورها، الرجال يمرون عليها في الأعياد، يتطلع العمدة إلى ~~ضريحها يسأل الناس من بناه؟ لا أحد يعرف من بناه، يبنون بيوتهم بالطوب النيئ، لا أحد ~~يعرف الإسمنت، ليس في القرية حجر أبيض. ~~••• # حكايات كثيرة أسمعها عن ستي الحاجة وأمها الغزاوية، للنساء تاريخ غير مكتوب، تتناقله ~~الألسنة جيلا بعد جيل، أجلس إلى جوار ستي الحاجة أستمع إلى الحكايات، أمسك ذيل ~~جلبابها إذا ذهبت إلى الحقل، أعود معها إلى الدار، أدخل معها إلى غرفة خلفية ~~تسميها «قاعة الخزين» مملوءة بالقمح حتى السقف. # لم تعد تزرع القمح بيدها، تنقيه من الحصى فوق الحصيرة من القش، تحمله واحدة من عماتي ~~فوق رأسها إلى الطاحونة ليصبح دقيقا ناعما أبيض، تعجنه ستي الحاجة في وعاء كبير من ~~الفخار اسمه «الماجور»، تقطعه على شكل كرات صغيرة ... تلقيها داخل الفرن المحمي بالنار ... ~~يخرج على شكل أرغفة كبيرة من الخبز. # لم أعرف أن ستي الحاجة امرأة فقيرة، كانت تبدو غنية، من فوهة الفرن تخرج أرغفة بلا ~~عدد، أقضمها بأسناني تذوب في فمي. # في حياتي كلها ألم آكل خبزا مثل خبزها، لم أعرف للخبز طعما أو رائحة منذ أرغفتها ~~تطقطق داخل الفرن، تتلقاها ساخنة كالنار فوق كفها الكبيرة. # لم أشهد في حياتي مثل هذه الكف الكبيرة، أكبر من كف العمدة أو الملك، أكبر من كف ~~أبي. # في السابعة من عمري علمني أبي الصلاة، بدأت اسمع منه حكايات الأنبياء ... سيدنا ~~إبراهيم الذي أمسك الفأس وحطم الأصنام التي يعبدها قومه ... سيدنا موسى الذي تحولت ~~عصاه إلى ثعبان كبير ابتلع ثعابين سحرة فرعون ... سيدنا يوسف رماه إخوته في البئر، وعادوا ~~إلى أبيهم يقولون الذئب أكله، ستنا مريم العذراء ولدت سيدنا عيسى بروح من عند الله، ~~ناداها مولودها لتهز النخلة وتأكل منها البلح الرطب، سيدنا محمد هبط إليه سيدنا جبريل ~~في غار حراء: # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك ~~الأكرم ~~. # عاد سيدنا محمد ms049 إلى زوجته خديجة يرتعد: «دثروني، دثروني.» # في الركن من الشرفة البحرية أجلس ... خيالي يسرح مع حكايات أبي ... أحملق في السماء ... ~~أتصور الله من وراء السحب، إلى جواره: سيدنا محمد، سيدنا موسى، سيدنا عيسى، ستنا ~~مريم. # لم أكن أرى البحر من الشرفة البحرية، أشم رائحته فقط، حين يهب الهواء أول الصباح في ~~أيام الصيف نذهب إلى الشاطئ، تسميه أمي «البلاج». # نركب العربة الحنطور، أتنافس أنا وأخي طلعت للجلوس بجوار السائق فوق المقعد العلوي، ~~أمسك لجام الحصان، أرى الشارع الطويل حتى نهايته، اسمه شارع كوم الدكة، نمر أمام ~~مدرسة أخي، اسمها «مدرسة كوم الدكة»، الحديقة الواسعة المرتفعة فوق الهضبة، يلهث الحصان ~~وهو يصعد، تطرقع حوافره فرحا هين يهبط إلى كورنيش البحر، أشهق معه، أملأ صدري بهواء ~~البحر، ينفتح الأفق عن عالم واسع من المياه الزرقاء الممدودة حتى السماء. # قبل أن أولد (في حياة أخرى) كنت سمكة تعيش داخل هذه المياه، شدوني خارج المياه رغم ~~إرادتي بالسنارة، منذ رأيت البحر لأول مرة في حياتي، وإذا رأيت البحر في أي مكان من ~~العالم ينتابني هذا الفرح، هذه الرغبة للعودة إلى حضن المياه الزرقاء، حضن الأم. # كان لنا في «بلاج الشاطئ» كابينة صغيرة من الخشب، نخلع فيها ملابسنا، نرتدي «المايوه»، ~~لم تكن سعدية (الخادمة) تخلع جلبابها، تجلس على الرمل تحت الشمسية تحرس الحقيبة المنتفخة ~~بالطعام. ~~- ليه «سعدية» مش بتعوم معانا في البحر يا ماما؟ ~~- ماعندهاش مايوه يا نوال. # رد أمي يبدو مقنعا، سعدية لا يمكن أن تسبح في البحر بدون «مايوه»، تصورت أن ~~«المايوه» لا يشترى من السوق، شيء يهبه الله للأطفال الذين لهم أب وأم. # في الليل أنام في سريري تحت الأغطية، سعدية تنام فوق الأرض على الحصيرة أو سجادة قديمة، ~~فتحت عيني رأيتها تبكي، كانت طفلة تكبرني ببضع سنوات قليلة ... لم يكن أحد يراها ~~طفلة. # تصورت أنها ليست مثل الأطفال، ليس لها أب أو أم. ~~- عاوزة أشوف أمي يا ست نوال. ~~- عندك أم يا سعدية؟ ~~- طبعا يا ست نوال. ~~- وهي فين؟ ~~- في بلدنا. ms050 ~~- وبلدكم فين؟ ~~- مش عارفة. ~~- اسمها إيه؟ ~~- كفر الشيخ. # بدأت أفكر في سعدية، كيف يكون لها أم؟ كيف تتركها أمها تعيش في بيت مع الغرباء؟ سعدية ~~تقف أمام الحوض لتغسل الصحون بعد أن نأكل، تلتهب أصابعها من الصابون والصودا الكاوية، ~~في ركن المطبخ تجلس داخل جلبابها تحرس طعامنا، تتصلب عرقا، نحن في المياه الزرقاء ~~نسبح ونلعب. # في يوم جلست إلى جوارها فوق الرمل وبدأنا نلعب معا، بنينا بيتا كبيرا من الرمل على ~~شكل الهرم، كلما سقط البيت على ما فيه تضحك سعدية، تلمع عيناها بالفرح، تتلاشى اللمعة ~~في لحظة، ترمق الشاطئ بنظرة تشبه نظرة جدتي آمنة: الناس قالوا لو مشيت على الشط ده على طول على طول، أكون وصلت كفر الشيخ على آخر ~~النهار. ~~- يا عبيطة يا سعدية، الشط ده يوديكي إيطاليا مش كفر الشيخ. سمعت أمي وأبي يقولان إن ~~وراء هذا البحر بلدا اسمها إيطاليا، سعدية لم تكن تصدق شيئا مما يقوله أبي أو أمي، ~~تؤكد لي أن بلدها كفر الشيخ توجد على امتداد الشاطئ على مسيرة نهار واحد. # صحونا في الصباح فلم نجد سعدية ... خرج أبي يبحث عنها ... قبل أن ينتهي النهار عثر عليها ~~خفراء البحر سائرة على الشاطئ في طريقها إلى بلدها. # عادت سعدية إلينا مطرقة الرأس ... رفعت رأسها والتقت عيناها بعيني ... أدركت لأول مرة في ~~حياتي معنى الحزن ... لم يكن في عينها دموع، الجفاف التام، اليأس التام. # أنظر في المرآة فأرى عيني سعدية تطلان علي، هما عيناي في لحظات الحزن أو اليأس ... ~~لحظات الندم والإحساس بالإثم ... السؤال كان يدور في رأسي: كيف لم أنقذ سعدية؟ # صحونا ذات صباح فلم نجدها، مرت الأشهر لم يعثر عليها البوليس ... تاهت على الشاطئ ~~اللانهائي، أسرقتها واحدة من مثيلات ريا وسكينة؟ كان في أذنها حلق صغير له مسمار وقفل ~~كالحلق في أذني، من الصفيح وليس من الذهب. # في السابعة من عمري رأيت أول مظاهرة وطنية في حياتي، كنت عائدة من المدرسة وحدي ... ~~شارع محرم بك انقلب بحرا من الأجساد، آلاف السيقان الطويلة ms051 داخل السراويل ... كلهم رجال ... ~~أصواتهم تدوي كالرعد ... يدبون بكعوب أحذيتهم الجلدية على الأسفلت ... سقطت وأنا أجري تحت ~~الأقدام ... كيف نهضت؟ انتشلتني بعض الأيدي ... ضاعت حقيقة المدرسة ... دون أن التفت ورائي، ~~كنت أجري حتى وصلت البيت. # أمي كانت واقفة عند الباب ... تلقفتني بين ذراعيها، كنت أبكي. ~~- الشنطة راحت يا ماما. ~~- الشنطة مش مهمة، المهم إنك سليمة. # تتطلع أمي إلى الشارع واقفة عند الباب، عيناها لا تكفان عن الحركة، تبحثان في وجوه ~~الناس عن أبي. ~~«ربنا يرجعه بالسلامة.» # تأخر أبي، نمت قبل أن يعود، في الحلم رأيته غارقا في بحر من الأجساد، تحمله الأمواج ~~إلى السماء، يهتف: «تسقط الحكومة»، تهبط به أسفل، تدوسه الأقدام وتنطلق رصاصة في صدره، ~~يحملونه إلى أمي ينزف دما، يموت بين يديها، فتشهق بالبكاء، تحمل طفلها الرضيع «أخي ~~الأصغر» فوق صدرها، أختي الصغرى «ليلى» تحملها فوق كتف، أخي الأوسط تحمله فوق الكتف ~~الأخرى، أنا وأخي الأكبر «طلعت» نمشي وراءها نمسك ذيل فستانها، ملابسنا ممزقة مثل ~~الشحاذين. # أهب من النوم مذعورة، أبي مات، قتله الإنجليز أو الحكومة، أمي أيضا غرقت في بحر ~~الأجساد، حاملة إخوتي وأخواتي، أصبحت وحدي أمشي على الشاطئ اللانهائي، أتوه كما تاهت ~~سعدية. # | من الإسكندرية إلى منوف # ذات يوم من عام 1938م استيقظت من النوم لأجد أبي وأمي يحزمان الحقائب، الحكومة أصدرت ~~قرارا ضد أبي، النقل إلى مكان أخرى يسميه أبي «منفى»، أو «منوف»، قرية أو بلدة صغيرة ~~مجهولة، لا تظهر فوق الخريطة، عشنا فيها عشر سنوات (من 1938م حتى 1948م)، لم يحصل فيها ~~أبي على ترقية أو علاوة، اندرج اسمه تحت القائمة السوداء، تحت بند «الموظفون ~~المنسيون» في وزارة المعارف العمومية. # من الإسكندرية عروس البحر إلى بلدة مظلمة صامتة، مدارسها الأولية الإلزامية يذهب إليها ~~أطفال الفقراء بقوة القانون (الإلزام). # أصبح أبي مفتشا على هذه المدارس في محافظة المنوفية، يسير بقامته الفارعة في الشارع ~~والناس تشير إليه: البيه المفتش! # في الإسكندرية لم يكن أحد في الشارع يشير إلى أبي، لم يكن يحمل إلا لقب «أفندي»، أهل ms052 ~~منوف منحوه لقب «البيه»، أصبحت بنت البيه المفتش، زارتنا ستي الحاجة ثم عادت إلى ~~كفر طحلة تحمل لقب «أم البيه». # أبي أصبح يردد هذا البيت من الشعر: # عش في القرى رأسا # ولا تعش مع الأذناب مدنا # وكنت أسأل أبي: مين هم الأذناب يا بابا؟ ويرد أبي: الأذناب هم النزرا والوزرا يا بنتي، وأعود أسأله: الوزرا يعني إيه يا بابا؟ # ويقول أبي: «الوزرا يعني الوزر، والوزر يعني الذنب، والجمع ذنوب»، ويضحك أبي طويلا، ~~ثم يشرح لي الفرق بين الذنب والذنب، يعني الذيل والجمع ذيول أو أذناب ~~... # لم تكن منوف قرية مثل كفر طحلة، لم يكن لها عمدة، «المأمور» أكبر رأس في البلد، مركز ~~البوليس، الجامع، الكنيسة، المدرسة، المحكمة، مكتب الصحة، محطة القطار، صهاريج المياه، ~~حارة اليهود، والصاغة، أجزاخانة «يني»، مقهى «جرامينو»، بقالة زخاري، خمارة مخالي، مقلة ~~الفول السوداني واللب، دكانة ألف صنف وصنف. # بيتنا في الدور الأول، يطل على الحقول الواسعة الممدودة حتى القبور. # لم أكن أرى القبور من الشرفة الخارجية، تسميها أمي «الفرندة»، القبور مختبئة وراء ~~المزارع، بعد أن يقطع الفلاحون أعواد الذرة تظهر القبور من بعيد، رءوس العفاريت البيضاء ~~متربصة وراء السحب. # صاحب البيت اسمه الحاج محمود، لم يكمل بناء الدور الثاني حيث يسكن هو وزوجته «أم ~~محمد»، وأولاده الأحد عشر، ستة من الصبيان وخمس بنات، يرقدون في غرف بلا نوافذ ولا ~~أبواب، في الشتاء يتكومون في غرفة واحدة على الأرض التراب، يسدون الباب والنافذة ~~بالجلاليب القديمة، يدقونها بالمسامير في الجدران. # الحاج محمود تاجر أقمشة بدون دكان، يتجول في الأسواق فوق حمارته العجوز. # جسمها نحيف ضامر، منحولة الوبر، عظامها بارزة تحت الجلد، تعلوه آثار جروح لم تلتئم، ~~علامات حمراء على شكل كرابيج، فوق ظهرها هرم من الأقمشة الملفوفة أسطوانات طويلة، من ~~فوقها يتربع الحاج محمود مدليا بساقيه، يلكزها بركبتيه البارزتين كالخشب، يشدها من ~~الحبل في عنقها، يلسعها على ظهرها بالعصا الخيزران، يسعل، يبصق، يتمخط على ~~الأرض. ~~«شدي حيلك يا عزيزة. # شيه ... شيه.» # كان نحيفا مثل حمارته، شعر رأسه منحول ms053 مثل شعرها، رمادي اللون مثل لونها، جلبابه طويل ~~واسع من الجبردين، طاقيته فوق راسه ذات خروم «شباك النبي»، عاد بها من الحجاز. # كل صباح أسمع سعاله من تحت سور الفرندة، أطل عليهما يخرجان من الممر الضيق بين السور ~~والحقول متشابهين توءمين، أنفاسها ترسم في الشتاء دوائر من الشبورة، الريح الباردة تلفح ~~أنفيهما بدرجة واحدة، يسعلان بصوت مشابه، يشتد سعال الحمارة، يصبح نهيقا متقطع ~~الأنفاس، يضربها على مؤخرتها ببوز العصا، تسرع الخطى، تلهث، فتحات أنفها، فمها، ~~أذنبها، يسيل منها لعاب أبيض مثل زبد البحر، تتعثر أقدامها، تسقط فيسقط معها، يلعنها ~~وأمها: «يا بنت القحبة»، تسبقه في الجري فيجري وراءها، يضع ذيل جلبابه بين أسنانه، ~~يلهث، يلعن، يسيل من فمه وأنفه لعاب أبيض. يتحشرج نهيقا في حلقها، تشهق، دموع بيضاء ~~تسيل من عينيها، يربت على عنقها بيده المعروقة، يقرب فمه من أذنها الكبيرة ~~المنتصبة. ~~«معلهش، حقك علي يا عزيزة، معلهش! شي! شي.» # تهز الحمارة رأسها، تشهق بصوت متحشرج يشبه صوته: ش! ش! ش! معلهش! # ابنة الحاج محمود اسمها خديجة، تذهب معي إلى المدرسة الابتدائية، نلعب معا أمام البيت ~~«السيجة»، ننط الحبل، نجري في الحقول وراء الفراشات، أعطيها قطعة من اللبانة في فمي، ~~قطعة من العسلية المصاصة «الكرميلا». # في العيد الكبير مكافأتي مليم، يسمونها «العيدية»، كان «المليم» له قيمة كبيرة، عرفت ~~في المدرسة أن الجنيه يساوي مائة قرش، والقرش يساوي عشرة مليمات. # أطبق بأصابعي الخمس حول هذا المليم العظيم، قرص أحمر اللون يلمع تحت الشمس ... عليه صورة ~~الملك، أتلفت حولي خوفا من اللصوص، أجري إلى المقلة، دكان ألف صنف وصنف، أشتري ~~البالونات، الزمامير، البمب، املأ جيوبي باللب الأبيض والأسمر، الفول السوداني المقشر، ~~الحمص، الخروب. # أول يوم العيد في الفجر، الجزار يأتي، يذبح الخروف الضحية، يحكي لنا أبي الحكاية، أراد ~~الله أن يمتحن «سيدنا إبراهيم»، فأمره أن يذبح ابنه «سيدنا إسماعيل»، وضع الأب السكين ~~على عنق الابن ليذبحه لولا أن هبط الخروف من السماء. # أنام وأحلم أن الله أراد أن يمتحن أبي، الخروف لم ms054 ينزل من السماء، قطعت السكين رقبتي، ~~أهب من النوم مذعورة، أتحسس عنقي، همست لأمي بأحلامي فقالت تطمئنني: ده كان زمان يا نوال، لكن الحمد لله دلوقتي ربنا يعرف كل حاجة في قلوب الناس من غير ~~امتحانات. # كلمة «امتحانات» تفزعني، لا أصدق كل ما تقوله أمي عن الله، لا أراها تقرأ القرآن، لا ~~تعرف الحكايات التي يحكيها أبي عن الأنبياء، لا تؤدي الصلوات الخمس كل يوم، تصوم شهر ~~رمضان فقط. # العيد الصغير يأتي بعد شهر رمضان، أفرح بالعيد الصغير أكثر من العيد الكبير، لا خروف ~~يذبح، لا ضحية، لا امتحانات، «الكعك» اللذيذ، البسكوت، تنقشه أمي على شكل العصافير لها ~~أجنحة، «الغريبة» أضعها في فمي تذوب في حلقي مثل قطعة السكر. # في الأعياد يمتلئ بيتنا بالأقارب والزوار، على رأسهم ستي الحاجة، تتربع فوق الكنبة ~~البلدي في الصالة، الملاليم الحمراء تخشخش في حجر جلبابها الواسع، تصطك بعضها بالبعض ~~برنين الموسيقى، نتجمع حولها نحن الأطفال نتنافس على «العيدية.» # تبدأ بإخواتي الصبيان الثلاثة، تعطي كلا منهم مليمين، نحن البنات تعطي الواحدة ~~منا مليما واحدا، ألقيه في حجرها بغضب، فتقول: ربنا قال البنت نص الولد يا عين أمك. # يرمقني أخي الأكبر «طلعت» بعين تلمع بالزهو، تفوقي عليه في المدرسة يصيبه بالإحباط، ~~لا تخففه إلا آية في القرآن، ينطقها بصوت أبي: # لللذكر مثل ~~حظ الأنثيين ~~. في غرفتي، في سريري، أدفن وجهي، وأبكي. # أخي يلعب طول السنة ويسقط في الامتحانات، أشتغل في المدرسة وفي البيت بلا إجازات، لا ~~ينوبني في النهاية إلا مليم واحد وهو يأخذ مليمين؟! # أنزوي في غرفتي بعيدا عن الأعين، في الصالحة يضحكون ويفرحون بالعيد، في غرفتي أكتم ~~الغضب والحزن، غرفتي الصغيرة بجوار المطبخ، لها نافذة ذات أعمدة حديدية صدئة، من خلال ~~القضبان أرى حمارة الحاج محمود راقدة في بير السلم، ترمقني بعينين دامعتين حزينتين، ~~الوحيدة في الكون تشاركني الحزن في العيد. # أتسلل من غرفتي إلى الحمام، أغسل وجهي، ألمح الخادمة منكفئة فوق بلاط المطبخ تدعكه ~~بالفرشة، كانت من عمري، اسمها زينب، أمي أيضا اسمها ms055 زينب، لم يكن للخادمة أن تحمل اسم ~~ست البيت الكبيرة، أصبح اسمها «سعدية» على اسم الخادمة السابقة. # رفعت سعدية عينيها من فوق البلاط، دامعتان حزينتان مثل عيني حمارة الحاج محمود، هناك ~~من هم أكثر تعاسة مني في الأعياد، الخادمات والحمارات. ~~••• # السؤال عن عدالة الله كان يؤرقني، ينتابني الإحساس بالذنب، «ربنا هو العادل، عرفوه ~~بالعقل»، فلماذا يتميز أخي طلعت دون وجه حق؟! ~~- ربنا عادل يا ماما؟ ~~- طبعا يا نوال. # أكدت أمي أن الله عادل، اطمأن قلبي. # لا أريد لأمي أن ترى دموعي في العيد، في الصالة تضحك بصوتها المرح، عيناها العسليتان ~~يكسوهما بريق الفرح، لم أر الدموع في عينيها إلا مرة واحدة. # دخلت إلى غرفتها في يوم العيد، لمحتني في المرآة، مسحت عينيها بالمنديل. ~~- انتي بتعيطي يا ماما؟ ~~- لا أبدا. ~~- عينيكي حمرا يا ماما. ~~- كنت باحط فيها قطرة. # لم يكن في يدها زجاجة قطرة، لا شيء في يدها، إنها تخفي عني شيئا، هذا الشيء يجعل جسدي ~~يقشعر، أتشك أمي في عدالة الله؟ أتسأله لماذا يفضل الذكور؟ # كأن الله يختفي في الظلمة، أخفي رأسي تحت الغطاء؟ أنهض من السرير مذعورة، أتوضأ، ~~أصلي، أدفن وجهي في سجادة الصلاة: «أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.» هذه العبارة ~~أرددها المرة وراء المرة حتى يجف حلقي. # أصبحت المثل الأعلى للصلاح والتقوى بين البنات في عائلة أبي وأمي، ابتهج الجميع ~~بالإيمان الهابط من السماء، أكثرهم ابتهاجا ستي الحاجة، تراني راكعة فوق سجادة الصلاة، ~~دافنة وجهي في الأرض، فتقول إنني بلغت سن الرشد، إنني عرفت الله، إنني استويت مثل ~~التينة البرشومي. إن الله سيرسل إلي عريسا من السماء، يقطفني مثل الثمرة من فوق ~~الشجرة، وإلا سقطت إلى الأرض وأصابني العطب. # لم تكن أمي تفكر في العريس، كانت مشغولة طول الوقت، بطنها يرتفع، تأتي الحكيمة وأسمع ~~صراخ أمي، المولود يخرج من بطن أمي، لم أعرف كيف يدخل. # إذا سألت السؤال تنهرني العيون، حياة النساء غريبة تحوطها الأسرار، بطونهن المرتفعة ~~تبدو لي مخيفة. # كان أبي يؤمن بالتعليم مثل ستي ms056 الحاجة، تعليم البنات والأولاد، هي تؤمن بتعليم الصبيان ~~فقط، علمت ابنها، وابن زوجها من امرأة أخرى، لم تعلم بنتا واحدة من بناتها الخمس، ~~بقين معها في القرية فلاحات، إلا عمتي الصغيرة نفيسة، أرسلت بناتها إلى المدارس مثل ~~الأولاد. # لم يكن في منوف إلا المدارس الأولية والإلزامية، وبعض المدارس الابتدائية الحكومية، ~~ومدرسة التجارة المتوسطة والصنايع، ومدرسة ثانوية واحدة للبنين. القادرون على دفع ~~المصروفات كانت لهم مدارسهم الخاصة. في الفرندة المطلة على الحقول، يجلس أبي ونحن ~~الأطفال حوله، يحكي لنا عن معاركه الجديدة، الصراع يدور بين الأحزاب وداخل الحكومة، ~~النواب في البرلمان يعارضون التعليم الإلزامي، صاح أحد الباشوات واسمه «البدراوي ~~عاشور»: «أيها السادة، هذا التعليم المجاني يؤدي إلى أن يتحول أصحاب الجلابيب الزرقاء ~~إلى أصحاب جلابيب مكوية! سوف يتعلم أولاد الفلاحين ويصبح من الصعب عليهم أن يمسكوا ~~الفأس بعد ذلك.» أحد الباشوات الآخرين، اسمه وهيب دوس، قال: «تعليم أولاد الفقراء خطر ~~اجتماعي هائل يؤدي إلى ثورات نفسية.» باشا آخر اسمه «طلعت حرب باشا» قال: «التعليم يؤدي ~~إلى تفتيح الأذهان، وهذا خطر على الحكومة.» # أبي يقف في الفرندة كما كان يقف في الشرفة البحرية في الإسكندرية، يحكي لنا عن الصراعات ~~في مجلس النواب بين حزب الوفد وأحزاب الأقلية، الصراع داخل حزب الوفد بين النحاس باشا ~~وأحمد ماهر باشا، يوجه أبي الحديث إلى إخوتي الصبيان: «تصوروا هذا الباشا من الأحرار ~~الدستوريين مش عاوز الفقراء يأكلون العيش الحاف، عاوزهم يموتوا من الجوع! يتهم النحاس ~~وحكومة الوفد أنها أغدقت النعم على الفلاحين والعمال والموظفين، فين النعم دي يا ~~باشا؟! الأسعار بتزيد يوم ورا يوم، والماهية هي هي، وإن زادت شوية ملاليم يبقى خير من ~~عند ربنا.» # في عام 1940م قدمت حكومة الوفد إلى مجلس النواب قانونا ينص على عدم الحجز على بيت ~~الفلاح المفلس العاجز عن دفع الضرائب، صاح الباشوات من النواب: هذه بلشفية! # سألت أبي: يعني إيه بلشفية؟ فقال: يعني شيوعية، يعني إيه شيوعية؟ يعني كل حاجة تبقى على ~~«المشاع». لم أفهم ما معنى كلمة ms057 «المشاع»، ستي الحاجة فهمتها، قالت وهي تشوح بيدها ~~الكبيرة المشققة: أهو الباشا ده زي العمدة في كفر طحلة، لا يمكن يرتاح إلا لما الفلاحين يموتوا من ~~الجوع ، لكن ربنا مع الفقرا دايما. # في الأعياد يتجمع في الفرندة أقارب أمي وأبي، تتزعم عائلة السعداوي ستي الحاجة أو ~~عمتي رقية بلسانها السليط، تتزعم عائلة شكري بيه خالتي هانم أو فهيمة أو خالي يحيى أو ~~زكريا. # صراع يدور في الفرندة أشبه بالصراع في مجلس النواب، ينضم الفلاحون من عائلة أبي إلى ~~حكومة الوفد والنحاس، وتنضم عائلة شكري بيه إلى الباشوات من أمثال أحمد ماهر والنقراشي ~~وأحزاب الأقلية. # لم يكن أبي عضوا في حزب الوفد، أو أي حزب آخر، يقول: إن الأحزاب تتلاعب بالشعب ~~تحت اسم الدستور والنظام الديمقراطي. مشايخ الأزهر والإخوان المسلمين يتلاعبون باسم ~~«الشيخ أبو دقن». ~~«تصوروا الشيخ أبو دقن يتعاون مع الملك والإنجليز تحت اسم الإسلام، ويقول لنا: ~~«وأطيعوا أولي الأمر منكم»، ويقول للملك فاروق: الله معك، يرد عليه الملك يقول له: نعم ~~الله معنا. دي شعوذة مش إسلام يا شيخ مراغي!» # كانت طنط هانم تحب الملك فاروق، تؤمن أن الله معه فعلا، عمتي رقية ترى أن الله مع ~~النحاس، يتوتر الجو بين أقارب أبي وأمي، ترمق طنط هانم جلباب عمتي رقية بازدراء، يضع ~~خالي زكريا ساقه فوق الساق الأخرى ويقول بطرف أنفه المرتفع: الله مع الملك طبعا. # تشوح ستي الحاجة بيدها المعروقة في وجه خالي زكريا: وماله ياخويا، خليه معاه، لكن النحاس معاه كل الناس! # ينفجر الجميع في الضحك، ستي الحاجة تضحك حتى تدمع عيناها، تمسحهما بطرف الطرحة السوداء ~~وهي تهمس: «أستغفر الله العظيم، اللهم اجعله خير يا رب.» ~~••• # الحرب العالمية الثانية قامت، أجبر الإنجليز الفلاحين في مصر على زراعة مساحات أكبر من ~~القمح والحبوب لإطعام جيوش الحلفاء، تدهور إنتاج القطن، زادت المضاربات في البورصة ~~لصالح الإنجليز والباشوات، حالت ظروف الحرب دون نقل الأسمدة، ارتفعت الأسعار، حدد ~~الإنجليز أسعارا تعسفية للقطن المصري تقل عن السعر العالمي؛ بحجة أن رفع سعر ms058 القطن ~~لا يفيد إلا الباشوات، غضب الباشوات في حزب الوفد والأحزاب الأخرى، أعلنوا أن الإنجليز ~~يزرعون الحقد بين الطبقات في مصر، يشجعون الشيوعية والإلحاد، انتهز الملك الفرصة ~~ليضرب حزب الوفد والنحاس، أقدم الملك على ما يشبه الانقلاب الدستوري، أعلن توليه ~~زمام الأمور، لا أحد يستطيع أن يؤثر عليه إذا تبين له صواب لأمر، يعمل لصالح شعبه، ~~واثقا من نفسه، متوكلا على الله الذي يلهمه، الله دائما معه. # كان الملك فاروق شابا من حوله من الباشوات ومشايخ الأزهر، أشاروا عليه باستمالة ~~الشباب؛ شاب اسمه «أحمد حسين» يتزعم حزبا اسمه مصر الفتاة (تصورت أن أعضاءه كلهم ~~فتيات) أصبح مؤيدا للملك، يستخدم كلمة «الله» كشعار، بدأ الصراع بين النحاس وأحمد ~~حسين، قال له النحاس: «أنت دسيسة، كلمة الله التي وضعتها في أول شعارك شعوذة؛ لأن وضع ~~كلمة الله في برنامج سياسي هو شعوذة.» # كان الإنجليز يتعاونون مع الملك والأحزاب الأخرى ضد النحاس، في أبريل 1940م اتهم ~~النحاس الإنجليز بمساندة الانقلاب الدستوري، طالب بجلاء القوات البريطانية بعد انتهاء ~~الحرب مباشرة. ~~••• # كنت في التاسعة من عمري عام 1940م، في الثانية ابتدائي، لم يدخلني أبي مدرسة حكومية من ~~المدارس التي يفتش عليها. وزارة المعارف تحشر الأطفال في الفصول مثل السردين في ~~العلب، تعين لهم أكثر المدرسين جهلا وقسوة، يجهلون مبادئ التعليم، يضربون ~~الأطفال بالعصا الغليظة. # أبي يعقد الاجتماعات في الفرندة لهؤلاء المدرسين، يلقنهم مبادئ التعليم واللغة ~~والنحو والإعراب، يهددهم بخصم يوم أو يومين من المرتب إذا لم يعملوا التلاميذ على ~~النحو الصحيح. # أجلس في الركن أستمع إلى الدرس، أستوعب ما يشرحه أبي، إذا سأل سؤالا أرفع لهم إصبعي: ~~تلميذة في ثانية ابتدائي تعرف أكثر منكم؟! # يجلسون في الفرندة فوق الكراسي من القش، فوق رءوسهم طرابيش حمراء مكرمشة، عيونهم نصف ~~مغمضة، وجوههم ناحلة، سراويلهم متهدلة، مرتب الواحد منهم في الشهر جنيهان أو ثلاثة، ~~تدرج وزارة أسماءهم تحت بند: «المدرسون يعلمون النشء الجديد مستقبل الأمة ~~الباهر.» # أبي يسخر من وزارة «المعارف»، يسميها وزارة «المقارف» (جمع كلمة قرف). المدرسون ms059 ~~هم «قاع مقرف»، لا يعرف الواحد منهم الألف من كوز الذرة، الجنة تحت أقدام هؤلاء ~~المدرسين، يعلمون النشء الجديد مستقبل الأمة المظلم بإذن الله. # في الأعياد، يطوف هؤلاء المدرسون على رؤسائهم من النظار أو المفتشين حاملين الهدايا، ~~أقفاص من البيض، البرتقال، التين البرشومي، أو ذبائح من الوز، والبط، والفراخ، تشبه ~~القرابين التي كانت تقدم لإله يهوه في التوراة، يتشمم الرؤساء رائحة الشواء فيروق ~~المزاج، فيكتبون تقارير سرية بدرجة «ممتاز يستحق الترقية.» # كان أبي يطردهم مع أقفاصهم وذبائحهم. ~~- النبي قبل الهدية يا سيد بيه. ~~- الهدية رشوة يا أفندية! # لم يكن في منوف إلا مدرسة واحدة ابتدائية للبنات غير تابعة للحكومة، هي المدرسة ~~الإنجليزية، كانت تشمل المقررات والمناهج الحكومية، بالإضافة إلى تعليم اللغة ~~الإنجليزية. # منذ الاحتلال البريطاني عام 1882م بدأت المدارس الإنجليزية الخاصة تنتشر في مصر، بعضها ~~مدارس الإرسالية، وبعضها مدارس عادية تابعة النظام المصري، لا تخضع لتفتيش الحكومة، ~~الإجازة فيها يوما السبت والأحد (بدلا من يوم الجمعة)، يدرس الدين الإسلامي واللغة ~~العربية مثل المدارس الحكومية، بالإضافة إلى تدريس الدين المسيحي لأطفال الأقباط، والدين ~~اليهودي لأطفال اليهود. # كانت منوف «مركزا» بلدة صغيرة، لا هي قرية مثل كفر طحلة، ولا هي مدينة مثل القاهرة أو ~~الإسكندرية، تقع على خط سكة حديد شبين الكوم، القطارات السريعة لا تقف عندها، أغلبها ~~حقول ومزارعون، فيها بعض المصانع، أشهرها مصانع الدخان والسجائر، تملكها عائلة ~~الدفراوي، اشتهر منها بعض رجال السياسة والأحزاب؛ منهم صبري أبو علم في عهد النحاس باشا، ~~ولبيب شقير أصبح رئيسا لمجلس الشعب في عهد جمال عبد الناصر. شارع الكنيسة من الشوارع ~~الكبيرة، يسكنه عدد من العائلات القبطية، في نهايته كنيسة ضخمة يصلصل جرسها يوم الأحد ~~أو حين يموت أحد المسيحيين، حارة اليهود توازي شارع الكنيسة، تمتلئ بالمحلات الصغيرة ~~وتجار الصاغة، وفي نهايتها الخمارة. # شارع المحطة أكبر الشوارع، يمتد من محطة القطار والسوق الكبير إلى الميدان الصغير ~~(حيث مكتب البريد وصهاريج الماء)، يجتاز الكوبري (شارع الترعة)، ثم يزدحم بالناس ~~والمحلات من كل الأنواع: الدخان والسجائر، ms060 عرائس مولد النبي، الكنافة، اللب، الكراريس، ~~زمامير العيد، الباعة الجائلون ينادون على بضائعهم راكبي الحمير أو عربات الكارو، ~~المتاجرون في القطن أو البرسيم، عازفو الموسيقى في الأعياد والمواسم، الضاربون على الدف ~~والطبول، الحواة يرقصون القرود ويبتلعون النار، المنادون المداحون، الندابات النداهات ~~الغوازي العالمات الراقصات في الحفلات والحانات، بيوت البغاء، والبوليس، والشحاذون، وذوو ~~العاهات. # كنت أمشي كل يوم في هذا الشارع الرئيسي لأذهب إلى المدرسة، أغرق في البحر الخضم، المياه ~~العميقة المتحركة تطفو عليها وجوه بشر كالأعشاب السابحة، تنقلب إلى أمواج عالية، الشمس ~~قوية ساطعة طول العام، بلا رعد ولا برق ولا مطر، ما عدا بعض الأيام في الشتاء، يصبح ~~المطر مثل الفاكهة النادرة، أتلقى رذاذ المطر فوق وجهي كما يتلقاه الزرع الأخضر، عيون ~~الفلاحين تتجه نحو السماء، تشكر الله على نعمته. يشتد الجفاف، تمتنع السماء عن المطر، ~~يتجمع الناس في الجامع الكبير، يؤمهم الإمام الشيخ، يرفعون أيديهم، يدعون الله أن ~~يأمر السحب لتتجمع، والسماء أن تنفجر بالرعد والبرق والمطر، إذا انخفضت مياه ~~النيل يركعون لله، يطلبون منه المغفرة وإطلاق مياه النيل بالفيضان. # كنت أمشي في الشارع تحت إبطي حقيبة المدرسة، الشارع الرئيسي ينتهي إلى ميدان كبير، فيه ~~أجزخانة يني، مقهى «جرانيمو»، ومكتبة صغيرة يملكها رجل اسمه «شقير»، يقف وراء طاولة ~~خشبية يبيع الأقلام والكراريس ودوايات الحبر. ~~«لبيب شقير» يقف بدل أبيه وراء الطاولة، يبيع لي سن القلم الحبر بنصف مليم، قال لي: ~~أنا زميل أخوك «طلعت» في المدرسة، خرجت من المكتبة دون أن أرد عليه، كانت أمي تحذرني ~~من الرد على الصبيان الغرباء. # أصبح الأب «شقير» من التجار الأثرياء في منوف، يجمع نصف المليم على نصف المليم ويصنع ~~الملايين، هكذا يقول أبي، لم يكن أبي ينظر إلى مهنة التجارة باحترام، أهل منوف ~~(المنوفية كلها) اشتهروا بالبخل، «المنوفي لا يلوفي ولو أكلته لحم الخروفي» عبارة تجري ~~على كل لسان. # كان «لبيب شقير» تلميذا مجدا، يتفوق على أخي وأبناء المتعلمين والموظفين، يرسب أخي ~~في الامتحان، فيقول له أبي: ابن مفتش التعليم يسقط ms061 وابن بياع الكراريس والقراطيس ينجح ~~بتفوق؟! # منذ مكتبة شقير في منوف لم ألتق بلبيب إلا عام 1980م (أربعون عاما تقريبا)، التقينا ~~في أحد المؤتمرات الدولية في بيروت، دعاني إلى الغداء في مطعم طل على «الروشة»، قال ~~لي: «فاكرة منوف؟! كنتي تركبي البسكليتة في شارع الترعة، وكان الصبيان يجروا وراكي ~~ويقولوا: شوفو البنت راكبة عجلة! وكنا احنا شباب منوف نتجمع عند الكوبري في شارع ~~الترعة عشان نشوف بنت البيه المفتش وهي راكبة العجلة، وكل واحد فينا يحلم بيها ويقول ~~لنفسه: لازم أنجح بسرعة عشان أتقدم لأبوها.» # كانت المرة الأخيرة التي رأيت فيها الدكتور لبيب شقير، سمعت أنه مات، لم أعرف عنه إلا ~~القليل، في 15 مايو 1971م ضرب السادات رجال عبد الناصر فيما أسماه «ثورة التصحيح» للقضاء ~~على مراكز القوى، كان الدكتور لبيب شقير (رئيس مجلس الشعب) واحدا من هؤلاء، لم يدخل ~~السجن مثل وزير الداخلية «شعراوي جمعة» أو غيره من الوزراء السابقين، كان من الأساتذة في ~~القانون، تخرج في كلية الحقوق بدرجة الامتياز، انجذب إلى السياسة والحكم. ~~••• # ناظرة المدرسة الإنجليزية اسمها «مس هيمر»، تمر علينا في طابور الصباح في يدها مسطرة ~~طويلة تضرب بها البنات على أطراف أصابعهن. # تفتش عن الأظافر غير المقصوصة، تنظر بعينيها الزرقاوين من وراء النظارة البيضاء بين ~~الأصابع أو تحت الأظافر، بطرف المسطرة تفلق شعر الرأس، عيناها الضيقتان تبحثان عن ~~القملة الصغيرة، مثل رأس دبوس الإبرة، أو بيضة القملة «السبانة» الأصغر حجما من القملة، ~~تدس أنفها الطويل (المقوس الأحمر) تحت المريلة، تتشمم ملابس البنت الداخلية، ترفع طرف ~~المريلة ببوز المسطرة تكشف عن القميص الداخلي أو السروال. # كان معنا في الفصل تلميذة اسمها «فاطمة» بنت المأمور، تقف في أول الطابور، تبتسم مس ~~هيمر في وجهها وتقول لها: جود مورننج فاتيما. ~~- جود مورننج مس هيمر. # تمر علينا دون أن تفتشها، لم تفتش تلميذة أخرى اسمها إيزيس ابنة الدكتور مفتش ~~الصحة، ولم تفتش «سارة» ابنة كوهين صاحب محلات الصاغة، وتفتش خديجة ابنة الحاج محمود ~~وغيرها من التلميذات الفقيرات، تلسعهن ms062 على أصابعهن بالمسطرة، أو تخرجهن من ~~الطابور. # فوق وجهي تمر عيناها الزرقاوان في برود وصمت، لم تبتسم لي أو تقول لي جود مورننج، لم ~~تفتشني أيضا (لأني بنت المفتش)، لم يكن أبي يفتش على هذه المدرسة، يأتي إلى مكتب ~~الناظرة أحيانا، شكاوى في جيبه من أولياء الأمور عن الإهمال في تعليم اللغة العربية أو ~~الدين الإسلامي، بعض الشكاوى لآباء يخشون على بناتهم المسلمات من قراءة الإنجيل في ~~طابور الصباح. # قبل أن تنصرف الطوابير كانت مس هيمر تصعد إلى المنصة العريضة العالية، تمسك بين ~~يديها الإنجيل (باللغة الإنجليزية)، تقرأ هذه الآيات والتلميذات والمدرسات يرددن ~~وراءها: # Our Father Which are in Heaven, Hallowed be gouy ~~name. # The kingdom come, The will be done in earth as it is in ~~heaven, Give us this day our daily bread, Forgive us our debtors as we ~~forgive our debtors, And not lead us into temptation, but deliver us ~~from evil: for thine is the kingdom, and the glory, forever, ~~Amen. # وتهبط مس هيمر من فوق المنصة، تصعد مكانها واحدة من المدرسات، تقرأ هذه الفقرة من ~~الإنجيل باللغة العربية والتلميذات يرددن وراءها: # أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك في السماء ~~كذلك على الأرض. خبزنا كفانا، أعطنا اليوم. واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن ~~أيضا للمذنبين إلينا. ولا تدخلنا في تجربة. لكن نجنا من الشر. لأن لك ~~الملك والمجد إلى الأبد. آمين. # لم يكن أبي مثل غيره من الآباء في منوف، لم يكن يرى أن قراءة الإنجيل فها ضرر، بل إنها ~~واجب، الإنجيل واحد من كتب الله الثلاثة، الإنجيل والتوراة فيهما هدى للناس ونور، هكذا ~~قال الله في القرآن. # لم يكن أبي أيضا ضد تعلم اللغة الإنجليزية، يقول لنا: تعلموا لغة الأعداء لتنتصروا ~~عليهم. # أحب اللغة الإنجليزية، أحب اللغة العربية أكثر، أبي يدرس لنا الأدب العربي في البيت، ~~يقرأ معنا أبيات الشعر لأبي العلاء المعري أو غيره من الشعراء. # لأبي مكتبة في الصالة، ms063 تضم كتبا عربية قديمة وحديثة، المعلقات ولسان العرب، ~~الجاحظ وسيبويه والرازي والأصفهاني وكتابه الأغاني، أبو العلاء وأبو نواس وجرير والفرزدق ~~وابن المقفع، ديوان الخنساء، دنانير، بثينة، أم جعفر الهاشمية، خديجة، عائشة، تراجم ~~النساء في بيت النبوة، المازني والمنفلوطي وطه حسين وعباس محمود العقاد وديوان حافظ ~~وشوقي والبارودي، وغير ذلك من الكتب. # أبي كان مغرما بأبي العلاء المعري، يردد دائما قولته المشهورة حين ينقد الشيخ ~~المراغي أو غيره من مشايخ الأزهر: «سكان الأرض قسمان؛ قسم عندهم عقول وليس عندهم دين، ~~وقسم عندهم دين وليس عندهم عقول.» # أبي كان يشجعني على القراءة والتفكير، جعلني أحب الأدب منذ الطفولة، لم أتعلم الكثير ~~في المدرسة، مدرس اللغة العربية والدين يشبه المدرسين في المدارس الإلزامية، يرتدي ~~طربوشا مكرمشا وبدلة مكرمشة، يهرش رأسه وما بين فخذية، يلسعنا على أردافنا بالعصا ~~الخيزران، نطلق عليه اسم «بعبع أفندي»، له عين أصغر من العين الأخرى، يختفي سوادها تحت ~~الجفن، فوق شفته العليا شارب أسود كثيف الشعر، تعلوه دائما ذرات مخاط أبيض، يمسحه ~~بمنديل كبير فيه مربعات زرقاء، يقرأ من القرآن بصوت عال وهو جالس القرفصاء فوق الكرسي، ~~يتجمع اللعاب الأبيض عند زاويتي فمه، يتناثر الرذاذ في الجو. # كانت مس هيمر تفتش على المدرسين والمدرسات، في قدميها حذاء له كعب سميك من الكريب أو ~~الكاوتش، تمشي بلا صوت، تفتح باب الفصل بلا صوت، تدخل فجأة فينتفض إسماعيل أفندي ~~واقفا، رافعا يده اليمنى حتى يلمس إبهامه جبهته (التحية العسكرية منذ الاحتلال ~~التركي)، يمسح فمه بالمنديل: جود مورننج مس هيمر. ~~- جود مورننج مستر إسمائيل. # لم تكن مس هيمر تعرف اللغة العربية، لا تستطيع أن تنطق حرف العين، تقلبه إلى ألف أو ~~ياء. لم يكن إسماعيل أفندي ينطق كلمة «مورننج» يقلبها إلى «مورجن»، نكتم الضحك نحن ~~التلميذات. # تقف مس هيمر في مؤخرة الفصل، يعود إسماعيل أفندي إلى الجلوس والقراءة من القرآن، ~~يبلل إصبعه بطرف لسانه، يفر الصفحة الواحدة وراء الأخرى، حتى يعثر على بعض الآيات ~~المناسبة: # إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله ms064 ~~يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ~~... # وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا ~~لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة ~~للمتقين ~~... # قال عيسى ابن مريم ~~اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ~~... # قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر ~~بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من ~~العالمين ~~. # لم تكن «مس هيمر» تفهم شيئا من هذا، أو ربما كان تتفهم، لم أكن أعرف، كنت أظن أنها ~~لا تعرف اللغة العربية، فما بال أن تفهم كلام الله في القرآن! # في النوم أفكر، هل ستدخل مس هيمر النار أو الجنة، في الحلم أراها تدخل الجنة بلا صوت ~~كما تدخل الفصل، تصورت أنها لن تدخل النار، تصورت أن إبليس لا يعرف إلا اللغة ~~العربية، مس هيمر لن تفهمه حين يوسوس لها. # كنت أظن أن مس هيمر لا تحيض مثل النساء المصريات، لا تبول أيضا، ترتدي دائما ملابس ~~حريرية نظيفة مكوية، الياقة منشأة، شعرها الأصفر ملفوف بعناية لا يمكن للريح أن تطير ~~شعرة واحدة من رأسها، وجهها متورد مشرب بحمرة الدم مثل الإنجليز. # كنت أظن أن مس هيمر أغنى من المأمور أو حتى الملك فاروق، سمعت من إسماعيل أفندي أن ~~الله هو الذي يخلق الغني والفقير، تصورت أن الله يحب مس هيمر والإنجليز أكثر مما ~~يحب ستي الحاجة والمسلمين؛ لأن الإنجليز أغنياء والمسلمين فقراء. # كانت معي في الفصل زميلة اسمها «حميدة» من عائلة الشقنقيري، ركبت في العيد عربة كارو، ~~وراحت تغني مع الأطفال، كانت العربة تجتاز المزلقان، وجاء القطار، سقطت «حميدة» تحت ~~العجلات، فقدت ساقيها الاثنتين، أصبحت تمشي على عكازين من الخشب، في حصة الألعاب ~~الرياضية تجلس على الدكة في الفناء، تتطلع إلينا ونحن نجري، تغمض عينيها تتحسس ~~ساقيها، تتصور أنهما من لحم ودم. # كنت أرى عكازيها مركونين إلى جواري في الفصل، القشعريرة تسري في جسدي، لم يكن في ~~مقدوري النظر إلى جسد أصابه التشوه، كنت أتطلع إلى الأجسام الصحيحة الموفورة الصحة ~~والحيوية. # لم أحب في المدرسة إلا حصة الموسيقى والألعاب الرياضية؛ ms065 تأخذنا «مس إيفون» إلى ~~الفناء الواسع في الهواء الطلق والشمس، نلعب الباسكيت بول والفولي بول والبنج بونج. «مس ~~إيفون» شابة مصرية، من الصعيد، بشرتها سمراء بلون بشرتي، قامتها تقترب من قامتي، ترتدي ~~فستانا قصيرا فوق الركبتين، تلف خصرها النحيف بحزام جلدي عريض، شعرها قصير مجعد ~~تلفه بشريط عريض من التافتاه، حذاؤها من الجلد المطاط بدون كعب، خطوتها سريعة تشبه ~~القفز، شفتاها منفرجتان عن ابتسامة عريضة تكشف عن أسنان بيضاء كبيرة تشبه أسنان ~~أمي. # غرفة الموسيقى كانت في مؤخرة الفناء، يتربع البيانو الأسود الكبير ذو المفاتيح البيضاء، ~~تجلس «مس إيفون» على المقعد الصغير «بدون ظهر » أمامها النوتة، أجلس إلى جوارها أتعلم ~~العزف وأغني: # دو، ري، مي، فا، صول، لا، سي، دو. # تسري الموسيقى في جسدي مثل تيار الدم، تصعد إلى عنقي ورأسي، ثم تهبط إلى صدري ~~وقلبي، أحس الخفقات تحت أضلعي، أكان هو الحب؟ هل أحببت الموسيقى أم مس إيفون؟ # كنت أسمع الموسيقى والأغاني في الراديو، كلها أغاني الحب، حب الرجل للمرأة، أو حب ~~المرأة للرجل، لم يكن من حولي رجل واحد يخفق له قلبي، كان يكفي أن أمشي في الشارع لأكره ~~كل الرجال وكل الصبيان. # يرمقون جسدي بتلك النظرة المحملقة مثل السهم ينطلق ويصيب صدري، النهدان الصغيران ~~أخفيهما تحت الحقيبة، أنطلق إلى المدرسة أجري، عيونهم تطاردني من أبواب المقاهي ~~والحوانيت أو فتحات الأزقة والحواري. # يلمحني أبي وهو جالس في مقهى «جرامينو»، يشرب القهوة، يلعب الطاولة مع الرجال، ينادي ~~علي لأذهب إليه أسلم على أصدقائه: تعالي يا نوال سلمي على الدكتور مفتش الصحة، دي بنتي نوال، أكبر بناتي، تلميذة شاطرة ~~عند مس هيمر وعاوزة تطلع دكتورة. # كلمة «دكتورة» ترن في أذني مثل السحر، تنتشلني من عيون الرجال إلى السماء، أطير ~~بجناحين، كنت أكره الدكاترة، خاصة الدكتور مفتش الصحة، له أصابع غليظة يقبض بها على ~~ذراعي يغرز الإبرة في اللحم، أنفاسه لها رائحة السبرتو، أسنانه صفراء بلون الدخان، يفحص ~~صدري بالسماعة ويضغط بإصبعه على ثديي، لم يكن لي ثدي بعد، مجرد برعم ms066 صغير مثل الدمل له ~~بوز مدبب يؤلمني لأقل لمسة، فما بال أن يضغط عليه مثل ذلك الإصبع؟ # في الحلم لم أكن أرى نفسي دكتورة تمسك بإبرة طويلة تغرزها في أذرع الناس، كنت أرى نفسي ~~جالسة إلى البيانو أعزف الألحان، أغني وأرقص، أدب بقدمي فوق الأرض حاملة فوق رأسي قرص ~~الشمس مثل الإلهة إيزيس. # في آخر العام كان هناك الاحتفال الكبير، اختارتني مس إيفون من بين البنات لألعب دور ~~إيزيس فوق خشبة المسرح، حفظت الدور عن ظهر قلب، تعزف مس إيفون على البيانو من وراء ~~الستار، أنا واقفة داخل الفستان الحريري الطويل، أبيض اللون، الضوء الملائكي الإلهي، حول ~~رأسي تاج على شكل قرص الشمس تشع منه ملايين النجوم، أغني وأبكي على موت الإله ~~أوزوريس، يبكي معي الجمهور الجالس في الفناء، منهم أبي وأمي وإخوتي وأخواتي وزميلاتي في ~~المدرسة، ثم تحدث المعجزة، الإلهة إيزيس تلامس بيدها لجسد الميت، تدب فيه الحياة ~~من الجديد، أدب بقدمي فوق خشبة المسرح، أرفع رأسي عاليا في السماء، أرقص على دقات ~~البيانو أغنية النصر، يدب الجمهور الجالس في الفناء بأقدامه فوق الأرض، يهتفون في نفس ~~واحد: برافو إيزيس، يقذفوني بالورد، بالفل والياسمين، يبتسمون حين يرونني أمشي في ~~الشارع، يشاورون علي: «إيزيس أهه!» # | الحلم # «نوال موهوبة، يمكن تبقى فنانة ممتازة يا زينب هانم.» # هذه العبارة تقولها مس إيفون لأمي حين تزورنا في البيت، قلبي يخفق حين أسمعها تنطق ~~«نوال»، يصبح اسمي غير الأسماء، أسمعه لأول مرة، كلمة «موهوبة» ترفعني فوق السحب. # مس هيمر تزورنا في البيت أحيانا ومعها مس إيفون، أو تأتي مس إيفون وحدها، تفتح أمي ~~الصالون، الغرفة المقدسة في البيت، مغلقة طول العام، النوافذ والأبواب، لا تفتح إلا ~~للضيوف الغرباء، مقاعدها من الخشب الزان، مكسوة بالحرير الأحمر له ملمس القطيفة، مساندها ~~ذهبية، يسمونها «الطقم المدهب»، الكرسي فيها يحمل لقب «الفوتيه»، له غطاء أبيض يحميه ~~من الهواء والضوء. فوق الأرض سجادة عجمية كبيرة زاهية الألوان، دخلت بها أمي مع جهاز ~~العروس ليلة زفافها. # لم يكن مسموحا لنا ms067 نحن الأطفال أن ندخل إلى الضيوف الغرباء، وتسأل مس إيفون: فين نوال؟ ~~أسمع صوت أمي يناديني: يا نوال، تعالي سلمي على مس إيفون، أكون واقفة وراء الباب أنتظر ~~هذه اللحظة، أرهف السمع لما يدور، أندفع إلى الصالون مثل الصاروخ. # في الصالون لم تكن أمي هي المرأة التي أراها في المطبخ، ترتدي مع ثوبها الحريري وجها ~~آخر وجسدا آخر، ينسدل شعرها الذهبي الطويل فوق كتفيها العاريتين البيضاوين، عنقها ~~يبدو أطول مما كان، يشع ضوءا ناعما كالرخام، يحوطه العقد «الألماظ» الماسي، تنعكس ~~على فصوصه الأضواء، في أذنيها يتدلى الحلق الألماظ، يهتز مع رأسها، تشع فصوصه ~~كالنجوم ، فستانها الحريري الأصفر، له حمالتان رفيعتان فوق الكتفين، يكشف عن الجزء الأعلى ~~من صدرها حتى بداية الشق بين النهدين، يتربع «البروش» فوق صدر الفستان أعلى النهد الأيسر ~~مثل قرص الشمس، حول معصمها الأيسر ساعة حريمي صغيرة لا يمكن رؤية أرقامها الدقيقة، ~~محلاة بفصوص من الألماظ، حول إصبعها الخنصر خاتم الزواج الذهب، محفور عليه اسم زوجها ~~«السيد السعداوي»، حول معصمها الأيمن الإسورة ذات الفصوص المشعة، وهي الشبكة التي ~~قدمها أبي لأبيها يوم الخطبة. # في الصالون أمي تبدو مثل الملكة أو واحدة من الأميرات، صوتها يرن متألقا صافيا ~~كالماء العذب، ضحكتها لها رنين الفضة، تلقي رأسها إلى الوراء مع شعرها، تضحك كاشفة عن ~~أسنانها البيضاء، يدها صغيرة بضة تتحرك برقة في الهواء وهي تتكلم، أو تسكن في حجرها وهي ~~صامتة، تتشابك أصابعها مع اليد الثانية، ينامان فوق فخذيها مثل توءم يمامتين. # إلى جوارها تبدو مس إيفون، تنطق أمي كلمة «إن شاء الله» بهذا الصوت، فأدرك أن الله لن ~~يشاء أبدا، وأن البيانو لن يدخل بيتنا في حياتي. # أبي يدخل إلى الصالون ليسلم على مس إيفون، في كل مرة تسأله عن البيانو، في إحدى ~~المرات قال لها أبي: بيانو إيه يا مس إيفون، الغلاء بيزيد يوم ورا يوم، وماهية الحكومة ~~بتنقص! # انكمشت داخل جسدي من شدة الخزي، أصبح أبي في نظري رجلا فقيرا، داخل جلباب البيت أو ~~البيجاما من ms068 الزفير المقلم، قدماه الكبيرتان السمراوان داخل شبشب قديم يشبه شبشب ستي ~~الحاجة، أطرق برأسي إلى الأرض، أخفي كعب حذائي المتآكل تحت المقعد، السجادة العجمية ~~تبدو كالحة الألوان منحولة الوبر يعلوها ثقب صغير أخفيه بقدمي. # كنت في التاسعة من العمر، أحلم كل ليلة بالبيانو، مئات الليالي، آلاف الليالي، أحلم أن ~~البيانو هبط من السماء ودخل إلى غرفتي من النافذة، ستة وعشرون عاما أحلم بهذا البيانو ~~حتى بلغت ابنتي «منى» العاشرة من عمرها، اشتريت لها بيانو من أحد المزادات في القاهرة، ~~ثمنه خمسة وستون جنيها، ادخرتها من راتبي منذ تخرجت في كلية الطب، أحد عشر عاما ~~أدخرها الشهر وراء الشهر. كنت أسكن وابنتي في شقتي في الدور الخامس «في الجيزة»، ~~فتحت عيني في الصباح ورأيت البيانو يدخل من النافذة مربوطا بالحبال، بدت اللحظات خيال ~~من طول ما رأيت هذا المشهد في النوم، الليلة، ستة وعشرون عاما، بدت الحقيقة هي ~~الحلم. ~~••• # لبيتنا في منوف غرفة واسعة تحت الأرض يسمونها «البدروم»، تخزن فيها أمي بعض ~~الأشياء القديمة، أخي «طلعت» جعل منها عشا للحمام الزاجل، ومسكنا لكلبه الكبير ~~«فاتي» من نوع الوولف، يشبه الذئب، تفزع منه البنات المتجمعات حول طرمبة المياه ~~يملآن الجرار. يبتسم أخي ويمد عنقه مثل الديك الرومي. يربت على رأس الكلب كأنما هو ~~البطل مروض الأسود. ترمقه البنات بطرف عين، تمتلئ عيونهن بالإعجاب، يتلكأن في ملء ~~الجرار، يتضاحكن، يتغامزن، يطلقن القفشات والنكات، تطل عليهن من النافذة «أم محمد» ~~(زوجة الحاج محمود)، فيسود الصمت، تختفي الواحدة وراء الأخرى. ~~«بنات آخر زمن، مايستحوش!» # هذه العبارة، «أم محمد» ترددها كل يوم، كلمة «مايستحوش» تعني البنات بدون حياء أو ~~خجل، البنات في زمن «أم محمد» كان عندهن حياء، تطرق الواحدة برأسها حين تمشي، لا يمكن ~~أن ترفع عينها في عين رجل، لا يمكن أن يخرج منها صوت أو تضحك بصوت مسموع مثل هؤلاء ~~الفاجرات. ~~- في أيامنا كانت البنات مؤدبة يا أم محمد. ~~- أيوة يا ست زينب هانم، كانت البنت قطة مغمضة، لكن النهاردة في الزمن الأغبر ms069 ده ~~البنت من دول ماتستحيش، عينها مفتوحة، يندب فيها رصاصة يا ست زينب هانم. # هكذا يدور الحوار بين أمي وأم محمد، حين تأتي لزيارتنا، تنضم إليهما طنط نعمات (إذا ~~جاءتنا في زيارة)، أو ستي الحاجة أو واحدة أخرى من الخالات أو العمات الزائرات. يجلسن ~~في الصالة الواسعة على الكنب البلدي، يشربن القهوة أو المغات، تقرأ «أم محمد» لهن ~~الفنجان، يلعبن الكوتشينة «بصرة» أو «كونكان»، تقرأ لهن طنط هانم البخت في ورق ~~الكوتشينة، يطرقعن باللبان الدكر أو النتاية. تطرقع ضحكة طنط نعمات وهي تصيح: انا باحب ~~الدكر أكثر من النتاية، ترتفع الضحكات النسوية الناعمة الممطوطة أو المكتومة كالشهقات، ~~تخفي عمتي رقية نصف وجهها بطرف طرحتها السوداء وتقول: يسلم بقك يا نعمات هانم، تمط طنط ~~فهيمة شفتيها في امتعاض: النتاية طعمها أحسن إذا كانت من الوراور، تضحك ستي الحاجة حتى ~~تدمع عيناها تقول: الوراور مافيش زيهم، تنهض أم محمد وتعد «الحمام» أو «البخور» أو ~~«الحلاوة». تدندن أمي بأغنية سيد درويش: «فيك عشرة كوتشينة في البلكونة»، وأغنية «يا حاير يا داير يا جوز الضراير.» ~~- البيضة تقول للسمرة. ~~- مين زيك عندي يا جارية. ~~- والسمرة تقول للبيضة. ~~- الجير كتير على الحيطاني. ~~- واللفت بأرخص الأتماني. ~~- وجوزي ما يحب إلا أني. ~~- وأكثر لياليكي برة. # صوت أمي وهي تغني يترامى لي من الصالة وأنا في غرفتي الصغيرة، من وراء باب الحمام ~~المغلق أسمع صوت صرخات طنط نعمات أو طنط هانم أو فهيمة، أدرك أن أم محمد تنزع الشعر من ~~أجسادهن «بالحلاوة»؛ عجينة من السكر والليمون تطهى على النار حتى تصبح مطاطة، تنزع بها ~~النساء الشعر من فوق أجسادهن، الذراعين، الساقين، تحت الإبط، أسفل البطن وبين ~~الفخذين. # الواحدة منهن تخرج من الحمام مثل الأرنب المسلوخ، وجهها أحمر بلون الدم، ذراعاها ~~وساقاها وعيناها، حاجباها منتوفان، وجفونها حمراء متورمة. # ترمقني الواحدة منهن بعين غاضبة، كأنما كشفت عن عورتها أو عن منبع ذلها وهوانها، ~~تمتد يد الواحدة منهن فتلزمني في كتفي بإصبع حاد مثل الإبرة، تقرصني من خدي أو أذني أو ~~ثديي، ms070 قرصة مؤلمة تشبه قرصة العقرب، لم أكن أعرف لماذا يفعلن ذلك، هل كانت مداعبات أم ~~عقوبات؟ أصابع قوية مدببة متصلبة محرومة من شيء ما، تعوض عن حرماتها بأن تغرز ~~نفسها في لحم الأطفال. # أكثرهن غضبا مني كانت طنط نعمات وعمتي رقية، امرأتان تنتميان إلى طبقتين مختلفتين، ~~من عمر واحد تقريبا، بدون زوج «مطلقتان»، من البعد متشابهتان، عند الاقتراب يظهر ~~بينهما التناقض؛ اليدان الكبيرتان المشققتان لإحداهما تعلوهما آثار مقبض الفأس، اليدان ~~البيضاوان الأخريان ناعمتان من البطالة واللاعمل. الاثنتان تؤمنان بالله والرسول، تخافان ~~من نار جهنم، تخضعان لقانون الزواج والطلاق، تقرءان الغيب في الفنجان والودع، تحضران ~~الزار وجلسات تحضير الأرواح، تعلقان حول عنقيهما «حجابا» يبطل مفعول الحسد والسحر، ~~ماتت الاثنتان في صمت دون أن يدري أحد، مهجورتين بلا بيت ولا أطفال. # من مكاني في «دير هام» على بعد السنين وآلاف الأميال، أراهما تسيران عبر فرجة في ~~السحب، المرأتان الفانيتان، تحملان فوق ظهريهما صليبيها وتسيران، تلقيان بأنفسهما في ~~النار، طاعة لله وتكفيرا عن الذنب منذ أمهما حواء. # لم أنجذب إلى حياة النسوة هؤلاء، لم أتخيل نفسي واحدة منهن، أفتح الكوتشينة لأعرف ~~مستقبلي، أو أنزع الشعر من فوق جسدي بالحلاوة وأبكي من الألم. # حياة النساء كانت تبدو مليئة بالألم، تفوح منها رائحة البصل والثوم، أو الشبة ~~والبخور، أو العطور الممزوجة بالعرق أو الكسل والخمول. # لم أتخيل نفسي مثل طنط نعمات أو أمي، كنت أتخيل نفسي مثل أبي، ورثت عنه حلم طفولته، ~~أسمعه يناديني: نوال، عاوزة تشوفي السيرك؟ ~~- أيوة يا بابا! # أبي ينتمي إلى جيل ثورة 19، من أبناء الفلاحين الذين تعلموا وحصلوا على شهادات عليا، ~~تعلم قليلا من الكلمات الفرنسية بالجهد الذاتي، منها عبارة: «أنا أحبك # Je t’aime ~~»، يكتبها لأمي فوق قصاصة ورق أيام الخطبة، ~~يسمي نفسه «درعمي مودرن» (درعمي تعني المتخرج في دار العلوم)، يدخل معارك ضد فساد ~~الحكومة، كان يمكن أن يكون وزيرا للمعارف لو أنه صادق صبري أو علم أو أحمد ماهر أو ~~النقراشي، يلتقي بهؤلاء أحيانا في الاجتماعات، يقف على المنصة ms071 ويعلن رأيه، حاول بعضهم ~~استمالته لدخول الحزب أو تأييد أحدهم في الانتخابات مقابل التصعيد في سلم الوزارة، كان ~~محصنا ضد الرشوة بالفطرة والطبيعة والخوف من عقاب الله، يحلم بوطن مستقل، لا يحكمه ~~الأجانب، نظام عادل ينصف الفقراء، نوع آخر من التعليم في الأزهر والمدارس، نوع آخر من ~~المشايخ، يردد عبارة أمه: ربنا هو العدل، عرفوه بالعقل. # فتح مدرسة نموذجية في الجيزة للأطفال، عقد اجتماعا لرجال التعليم من جيله في ~~الجيزة، وضعوا خطة إقامة المدرسة، وجمعوا في عام واحد من الأموال ما يكفي، أقاموا ~~المدرسة بجهودهم الخاصة، أقاموها في تواضع وصمت. # كان أبي يكتب الشعر ولا يسعى إلى النشر، يقرؤه لنا في الفرندة، يهز رأسه مع اللحن أو ~~القافية، يقرأ علينا أشعار المعري وأبي نواس وبشار بن برد. أبو نواس الذي عشق الخمر ~~والفجور. الشاعر الديب، الذي قال عن نفسه: # كأني حائط كتبوا عليه # هنا يا أيها المزنوق طرطر # أشعر بالسعادة وأنا أستمع إلى أبي، سعادتي تتضاعف حين يأخذنا نحن الأطفال معه إلى ~~السينما أو المسرح أو السيرك. # لم يكن في منوف إلا سينما واحدة تعرض أفلام عبد الوهاب، منها فيلم «دموع الحب»، لا ~~أذكر منه إلا أغنية: «ياما بنيت قصر الأماني»، أو عبارة واحدة من الأغنية، هي: «يا نوال ~~فين عيونك.» # لم يكن المسرح مثل السينما، كان يأتي في المواسم أو الأعياد، مثل السيرك، الفتاة من ~~عمري، لاعبة السيرك، تركب فوق الأسد والنمر، تمشي على الحبال، ترقص، تغني، تقفز في ~~الهواء مثل العصفورة، جسمها الرشيق مرن بغير عظام، تحركه كما تشاء. # صورتها محفورة في ذاكرتي، صوتها يغني، حركتها الخفيفة كالريشة، أسمعها، أراها موجودة ~~أمامي بلحمها ودمها، أنا جالسة في السيرك، صوتها السوبرانو يتجاوز جدران الخيمة الكبيرة ~~في الميدان، مئات العيون تتطلع إليها وهي تمشي فوق الحبل، أمسك أنفاسي والجالسون إلى ~~جواري يمسكون أنفاسهم (بمن فيهم أبي وإخوتي)، تقفز من فوق الحبل المعلق بين السماء ~~والأرض، يصيبني الإغماء، تنفرج شفتي عن الشهقة، صورة وجهها الجانبية نحتت من الحجر ~~المقدس، يكسوها ضوء ms072 مسحور. # السيرك يأتي في إجازة العيد، أرى الخيمة منصوبة، فأتعجب أبي للذهاب، كان أبي يتلكأ ~~دائما، ينتظر الأقارب أو زوار العيد، هؤلاء العمات أو الخالات، لم يكن في العيد أثقل ~~من الزوار، يتجمد قلبي وأنزوي في غرفتي، ماذا أفعل لأنقذ فرحة العيد من ~~الضياع؟ # أنتظر في غرفتي أقضم أظافري، أرهف أذني لأسمع صوت أبي يناديني: نوال، تعالي سلمي على عمتك رقية وطنط نعمات. # تظلم الدنيا في عيني، تصبح عمتي رقية وطنط نعمات أقبح وجوه في الكون، أخرج من غرفتي ~~وأسلم عليهما، أطيع أبي ليرضي عني. # كان السيرك يبدأ أول أيام العيد، ويبقى حتى آخر اليوم، لم يكن أبي يأخذنا إلا في ~~اليوم الأخير، منذ بداية النهار أرتدي ملابسي وأستعد، أبي يتحرك في بطء، يفرغ صبري، ~~لا أطيق الانتظار. ~~- يا بابا! السيرك! ~~- سيرك إيه وكلام فارغ إيه، خليكي هنا مع مامتك ساعديها في المطبخ! # هذا هو صوت طنط نعمات أو عمتي رقية أو واحدة أخرى من النسوة، يسقط قلبي في قاع ~~قدمي، أنظر إلى أبي، إنه متردد، سيأخذ أخي ويتركني، يشفق على أمي من التعب. # صوت أمي ينقذني: خذ نوال معاكم يا سيد، أنا مش عاوزة مساعدة. # أبي يحاول التقرب إلى أمي على حسابي، يقول لها بصوت حنون: خليها هنا تساعدك يا زينب، والشغل كتير عليكي في العيد. # يغوص قلبي مرة أخرى إلى قدمي، أتجمد واقفة في الصالة، أحملق في وجه أبي وأمي، ~~يتبادلان الابتسامات، يغمز أبي لأمي بطرف عينه مؤكدا: خليها معاكي في المطبخ يا زينب. # أتلفت حولي، أنظر في العيون، أحاول أن أعرف الحقيقة، هل يقول أبي ذلك من باب الدعابة ~~أو الفكاهة، كان يعرف أنني لا أطيق كلمة «المطبخ». # أخيرا بعد أن يتصبب مني العرق أرى أبي يبتسم لي ويقول: سماح المرة دي، تعالي ~~معانا. # أقفز حتى يخبط رأسي السقف، أكاد أعانق أبي، عاش أبي ومات دون أن يعانقني أو أعانقه، ~~لم يكن العناق جزءا من التقاليد في تلك العائلات المتوسطة، جدتي الفلاحة كانت تعانقني ~~وتغمرني بالقبلات، «أمي» ms073 زينب هانم ابنة شكري بيه عاشت وماتت دون أن تعانقني أو ~~تقبلني قبلة واحدة. # أعبر عن الفرح بالقفز في الهواء، أنطلق خارج البيت قبل أبي، أحرك ذراعي وساقي بقوة، ~~قلبي مملوء بالفرح، والقلق يلازم الفرح، الوساوس تدور في رأسي: هل تأخرنا عن الموعد ~~وانتهى السيرك من الوجود؟ أيمكن أن يغير أبي رأيه؟ يأمرني بالعودة إلى البيت لأساعد ~~أمي؟ # أبي يدرك ما أنا فيه، يتسلى أحيانا بإغاظتي، يتوقف فجأة في الطريق، يقول: يا خبر! ~~إحنا سايبين ماما لوحدها في المطبخ، إيه رأيك يا نوال؟ # يبطئ السير أو يسلم على أحد أصدقائه في الشارع، يشتري علبة سجائر، يقف يتحدث مع ~~البائع عن الحرب العالمية الثانية. # يا رب! أنادي على الرب وأنا واقفة أضرب بقدمي، أخي طلعت أيضا كان يضرب الأرض بقدمه، ~~هيهات لمن ينادي، استبد بنا القلق، يشد أخي يد أبي ويقول: بابا، اتأخرنا، وأنا ~~أصيح بدوري: السيرك خلاص راح، يا خسارة! # ينظر إلى الساعة فوق معصمه ويقول: لسة بدري أوي، يا للهول! أكره أبي إلى حد الموت، ~~غليظ القلب، يهوى تحطيم قلوبنا، ينقلب الكره إلى حب جارف حين يمسك أخي من يد ~~ويمسكني من اليد الأخرى وينطلق بنا إلى السيرك. # أسمع زئير الأسد أو صهيل الخيول أو النمور قبل أن نصل إلى الخيمة الكبيرة، على الباب ~~الزحام شديد، لم نكن نلحق إلا بمقاعد فوق الدكك الخشبية العلوية «الترسو»، فاتنا بعض ~~الألعاب البهلوانية أو رقصة الخيول أو الأسد أو الفيل أو النمر، الفتاة الراقصة تمشي على ~~الحبال، كانت النمرة الأخيرة لحسن الحظ، قلبي لا يكف عن الخفقان، أنفاسي تصعد وتهبط، ~~أحرك ذراعي وساقي، أرقص معها، في آخر النمرة تنحني الراقصة للجماهير، يلهبون ~~أكفهم بالتصفيق، يصيحون، يصفرون، تمر على الصفوف في يدها الدف، تصبح على بعد صفين ~~أو ثلاثة من مقاعدنا، أشعر بقربها مني، فإذا رأسي يدور، سأقفز من المقعد إليها، أفكر ~~في عمل شيء خارق للعادة، أحوطها بذراعي وأعانقها، ثم أعود إلى مقعدي في غمضة عين ~~لأجلس بين أبي وأخي مثل المصلوبة ms074 أو المحكوم عليها بالموت، أرتعد في مكاني، أخشى أن أقفز ~~فعلا في المقعد، أخفي وجهي بيدي وأكاد أبكي. # في طريق العودة إلى البيت أسير صامتة مطرقة الرأس، ليس أمامي إلا البيت المعتم ~~وغرفتي المعتمة والأيام المعتمة والوجوه المعتمة من العمات والخالات، لا أمل في العودة ~~لرؤية السيرك، بدءوا ينزعون قوائمه من الأرض، واختفت الخيمة الكبيرة، وعاد الميدان مثل ~~الخرابة الواسعة. # قبل أن أنام همست في أذن أخي: عاوزة أقول لك حاجة مهمة أوي! ~~- إيه هي؟ ~~- إوعى تقولها لبابا أو ماما أو أي حد. ~~- إيه هي؟ ~~- احلف بربنا إنك مش حتقولها لحد. ~~- إيه هي بس؟ ~~- احلف بربنا الأول. ~~- والله العظيم مش حقولها لحد. ~~- احلف ثلاث مرات. ~~- مرة واحدة كفاية. ~~- يا تلات مرات يا بلاش. ~~- بلاش. # في الصباح رأيت الحاج محمود واقفا مع أبي في الصالة، جاء يستدين مبلغا من المال حتى ~~أول الشهر، ناوله أبي المبلغ داخل مظروف صغير. ~~«أول الشهر يا سيد بيه المبلغ كله حيكون عند سعادتك.» # قال الحاج محمود هذه العبارة وهو يمد يده لأبي بإيصال، أمسك أبي الورقة بين يديه ~~ثم مزقها. ~~«مش معقول، أمسك عليك ورقة يا حاج محمود، كلمتك عندي كفاية، الكلمة شرف.» # الخادمة أحضرت صينية القهوة، مع البسكويت أو الكعك. أمام البيت الحمارة واقفة فوق ظهرها ~~أكوام من القماش، أخي طلعت يعاكسها، يناديها: يا عزيزة، معلهش معلهش ... شيه! شيه! ~~مقلدا صوت الحاج محمود. يأتي الكلب الوولف جريا نحو أخي، يربت على رأسه، يرمق ~~البنات المتجمعات حول الطرمبة. # رآني أخي، فاقترب وهمس في أذني: إيه بقة السر بتاع امبارح؟ ~~- احلف بربنا ثلاث مرات ما تقوله لحد. # أخيرا يستسلم أخي، يقسم بالله العظيم ثلاث مرات، أقرب فمي من أذنه وأهمس له ~~بالسر: أنا قررت حابقى إيه لما أكبر؟ ~~- حتبقي إيه؟ ~~- رقاصة زي البنت اللي في السيرك. # رمقني أخي طلعت بعينين يملؤهما البريق، قرب فمه من أذني وهمس: أنا حاضرب مزيكه على ~~العود، وانتي ترقصي، ونعمل فيلم دموع الحب زي عبد الوهاب! # ربط هذا السر بيني وبين ms075 أخي، بدأت صداقتنا تنمو. # أخي «طلعت» متعدد الهوايات، ينتقل من هواية إلى هواية. # يشركني في بعض هواياته، علمني العزف على العود والغناء، ولغة الحمام الزاجل، يربط ~~الرسالة في ساق الحمامة، يقرب فمه من منقارها ويهمس بشيء، تطير الحمامة في الجو ثم ~~تعود إليه وفي ساقها رسالة أخرى. # لأخي صديقة اسمها «إيلينا» ابنة «زخاري» اليوناني صاحب البقالة في شارع الكنيسة، هي ~~الأخرى تهوى الحمام الزاجل، تجلس إلى جواري في المدرسة وتقول إنها تفهم لغة ~~الحمام. # حاولت أن أفهم لغة الحمام دون جدوى، أرهف أذني لصوت الحمامة وهي تقرب منقارها من ~~منقار الحمامة الأخرى، لا أسمع إلا زغونة بلا حروف ولا كلمات، تصورت أن إيلينا وأخي ~~طلعت أكثر ذكاء مني. # أخي من النوع الكتوم، لا يبوح بأسراره لأحد، يغلق على نفسه باب غرفته، يفتح نافذته ~~المطلة على الطرمبة، يرمق البنات وهن يملأن الجرار، في يوم رأيت واحدة منهن تتشعبط فوق ~~الجدار، تمسك بقضبان النافذة وتأخذ منه شيئا، ماذا كان أخي يعطي البنات؟ في يوم رأيته ~~يعلق شرائط سوداء فوق نافذته، تصورت أن واحدة من صديقاته ماتت، كانت أمي تقول ~~له: باين عليك ورثت خالك يحيى في الجري ورا البنات. # قبل أن تنام كانت أمي تغلق الباب على الخادمة سعدية حتى لا يدخل إليها أخي في الليل، ~~في الإجازة الصيفية اشتركت مع أخي في هواية جديدة، هي نشر الخشب الأبلاكاش، قضينا شهور ~~الصيف ننشر الخشب بمنشار طويل رفيع، صنعنا من الخشب أشكالا كثيرة من الطيور والحيوانات ~~والناس، صنعنا سيركا فيه أسد ونمر وفيلة وخيول، جعلنا الراقصة رشيقة واقفة على إصبع ~~قدم واحد، صنعنا رجلا يشبه إسماعيل أفندي في يده عصا من الخيزران، ومس هيمر بحذائها ذي ~~الكعب السميك، وطنط نعمات، وعمتي رقية، وأم محمد، والحاج محمود فوق حمارته. # أقمنا معرضا كبيرا في البدروم، وضعنا التماثيل الخشبية منتصبة فوق قواعدها، دعونا أبي ~~وأمي لافتتاح المعرض، مضى على هذا اليوم ثلاثة وخمسون عاما، الصورة محفورة في ذاكرتي، ~~هبط أبي وأمي فوق السلالم على نغمات اللحن ms076 الافتتاحي، عزفه أخي على العود، قص أبي ~~الشريط، ورفعنا الستار، ملاءة كبيرة بيضاء، جلست أمي إلى جوار أبي في الصف الأول، جلس ~~الإخوة والأخوات وجمهور صغير من الأقارب والجيران، زملاؤنا وزميلاتنا في المدرسة. # أمسك في يدي عصا خشبية رفيعة، أحركها في الهواء على نغمات العود، أنا «المايسترو»، ~~بطرف العصا أشير إلى الشخصيات الخشبية، أحكي عنهم قصصا من تأليفي، رأيت العيون مشدودة ~~إلى حركة يدي، الحياة تدب في التماثيل لمجرد لمسة من طرف العصا، أشخاص حقيقيون ~~يلعبون أدوارهم في قصص حقيقية، الحمام الزاجل يتكلم بلغة الناس، حمارة الحاج محمود ~~أيضا نطقت وبدأت تغني مع اللحن الذي يعزفه أخي على العود: الصبح بدري أشيل فوق ضهري القماش ... ~~- توب فوق توب فوق توب ... ~~- يدلدل رجليه ... ~~- أدور بيه في الحواري طول اليوم ... ~~- آخر النهار نرجع ... ~~- أنا ماشية وهو راكب ... ~~- معلهش يا عزيزة! شيه! شيه! # يغني أخي طلعت معي المقطع الأخير، نردد معا مع دقات العود الراقصة: معلهش يا عزيزة! شيه! شيه! ~~- شيه! شيه! ~~- شيه! شيه! # المدعوون يدقون الأرض بأقدامهم ويغنون معنا، الحمام الزاجل انطلق في الهواء يتراقص ~~مع اللحن، تتدلى من ساق الحمامة رسالة حب بيضاء ترفرف في الجو مثل العلم. # الأسد والنمر والفيلة والخيول ترقص هي الأخرى فوق قواعدها الخشبية، راقصة السيرك تقفز ~~في الهواء، إسماعيل أفندي يضربها على ردفها بالعصا وطربوشه يقع، مس هيمر تدب بكعب ~~حذائها على الأرض، طنط نعمات تمط الحلاوة وتنزع الشعر عن ساقيها، عمتي رقية ترقص في ~~الزار وتنكش شعرها، «أم محمد» تهش البنات عن الطرمبة وتقول: بنات فاجرة آخر ~~الزمن! # في نهاية العرض عزف أخي اللحن الختامي، سمعنا التصفيق يدوي في البدروم، أبي وأمي ~~واقفان في الصف الأول يصفقان، عيونهما تلمع، تقدم أبي نحو أخي وصافحه لأول مرة في ~~حياته، يضحك ويقول له: إذا فشلت في الدراسة اشتغل مزيكاتي زي عبد الوهاب، صافحني أبي ~~أيضا لأول مرة في حياتي، وقال: خيالك واسع في حكاية القصص، أمي تضحك وتقول: إذا فصلوا ~~أبوكم من الحكومة نعمل فرقة في المسرح ms077 زي بتاعة الريحاني. # بدأت أثق في خيالي وقدراتي على حكاية القصص، أصبح البدروم هو أجمل بقعة في الكون، كل ~~شيء فيه يتراقص، حتى العنكبوت في السقف يرقص داخل خيوطه الرفيعة، بيديه ورجليه يصفق، ~~للتصفيق في أذني دوي، حركة اليدين وهما تصفقان، أيدي أبي وأمي، عيونهما تلمع ~~بالدموع، في أعماقي طاقة محبوسة تود الانطلاق، لا أعرف كيف. ~~••• # الطاقة الحبيسة في جسدي أحسها تحت القلب مباشرة، في الخندق العميق تحت الضلوع، ما ~~هي؟ الفرح، الحزن، الغضب، الحلم بالحرية والطيران خارج جدران المطبخ والبيت والمدرسة؟ ~~إلى أين؟ # الحلم يتجمع تحت ضلوعي، حلم قديم، أقدم من الذاكرة والتاريخ، أصدق حلم هو حلم ~~الطفولة، ينفصل عن زمانه ومكانه، يصبح أكثر صدقا وأكثر نقاء، يتوالد مع ~~الزمن. # أحتضن الحلم وأنا نائمة، أهدهده، إنه طفلي المقدس، تحوطه هالة من البراءة، يتحول في ~~النوم إلى الجسد الدافئ، ذراعاه تلتفان حولي كذراعي أمي، إن هجرني تتسرب مني ~~قوتي، يتملكني الحنين إليه، كأنما هو حرارة القلب، الطاقة المحركة لجسدي، إن زاد ~~علي الحد يصبح شلالا هادرا من الغضب يكتسحني، يدمرني وأنا نائمة في الليل، يهدأ ~~الشلال نهرا وادعا حنونا أو شعاعا دافئا من الشمس. # في الصبح أفتح عيني وأنظر في عيني أختي «ليلى» أو أخواتي الأخريات، أبحث في عيونهم عن ~~ذلك الشيء أو الحلم الذي يؤرقني في الليل، عيونهم كانت صافية هادئة لا تكشف عن أرق ~~أو شيء ينغص عليهم النوم، في المدرسة أيضا كنت أنظر في عيون البنات، أبحث في ~~الجامعة، في كلية الطب، أنظر في عيون الزميلات والطبيبات، وكل من أرى من النساء، أحملق ~~داخل عيونهم باحثة عن ذلك الحلم. # ربما خيال وليس حقيقة، الحلم يبدو لي كالحقيقة، جزءا من الحقيقة، عقلي الباطن كان يصحو ~~في النوم، يتحرك داخل رأسي، يجعلني أطير وأحلق في السماء، في جوف البحر، في بطن ~~الأرض، وأموات داخل القبر. # العقل الباطن مثل المخزن أو البئر، ترسب في القاع الأشياء الثقيلة على القلب، تطفو ~~على السطح الأشياء الخفيفة، الطيران والفرح، أفتح عيني في الصباح ms078 مشرقة مثل الشمس، ~~قلبي يخفق لليوم الجديد بدم جديد، النوم غسلني من أحزان الأمس، كيف؟ كأنما لم يكن هناك ~~أمس. # | الحب الأول # فتحت نافذتي ذلك الصباح في بداية خريف 1941م، البرودة رقيقة، أول برودة بعد قيظ الصيف، ~~الحقول ممدودة، أمام عيني بساط أخضر، شجرة كبيرة في الحديقة المجاورة، ملونة بجميع ~~الألوان، حمراء، زرقاء، صفراء، خضراء، برتقالية، فضية، ذهبية، ترتعش أوراقها تحت الهواء، ~~عصافير الجنة، تتساقط إلى الأرض، ترتجف فيها بقايا الروح. # قلبي يخفق تحت ضلوعي، أنا على موعد مهم، أنتظر حدوث شيء غير عادي، هذا اليوم لا يبدو ~~كغيره من الأيام، يوم خارق للعادة، جسدي ينتفض مع انتفاضة وريقات الشجر، عيناي ~~متسعتان، أذناي مرهفتان، تحاولان التقاط الصوت، أي صوت؟! # أينبعث من السماء؟ كان يأتي من الفرندة العلوية في الدور الثاني، متفردا ليس أي ~~صوت، يلامس أذني، يسري من عنقي إلى صدري، يهبط إلى قدمي، يصعد إلى رأسي مع دورة ~~الدم. # غناء مع دقات على العود، يغني لي وحدي، ليس في الكون أذن غير أذني تلتقطه من جزيئات ~~الهواء، حفيف أوراق الشجر يتحول مع النسمة إلى شدو غناء. # عرفت من خديجة ابنة الحاج محمود أنه قريب لهم، اسمه «فتحي»، يدرس الفنون الجميلة في ~~مصر (القاهرة)، لا يأتي إلى منوف إلا في إجازة الصيف أو أيام العيد. # الهواء يحمل إلي صوته مع إشراقة الصباح، وعند الغروب تتورد السماء بالغسق الأحمر، ~~تذوب الحمرة في اللون البرتقالي المتعدد الدرجات، من لون إلى لون، تنتشر الألوان فوق ~~ذؤابات السحب البيضاء كأجنحة الفراشات. # في الفرندة أجلس وحدي أرقب السماء، أندهش لهذا الكون النابض بالحركة الخفية رغم ~~السكون، الألوان تصبح لونا واحدا هو السواد، النجوم تظهر فجأة، تولد من بطن السماء، ~~ملايين النجوم، ملايين العيون تطل علي يكسوها بريق حنون. # عيناي تتعلقان بنجمة وحيدة في الركن، ترمقني من بعيد، هي نجمتي، ولدت معي، تنطفئ حين ~~أموت. # عندما يأتي المساء ونجوم الليل تنثر، # اسألوا الليل عن نجمي، متى نجمي يظهر. # كنت أسمع هذه الأغنية في الراديو، بصوت عبد ms079 الوهاب، الناس يقولون إنه أجمل الأصوات في ~~مصر، لم يكن يحركني، أو يجعل قلبي يخفق، كان يغني لكل الناس أو لا أحد بالذات. # الصوت القادم من الفرندة العلوية يغني لي أنا بالذات، تتصاعد الضربات تحت ضلوعي مع ~~دقاته على العود، عيناي تجوبان معه السماء، تبحثان في النجوم، عن النجم، متى نجمه ~~يظهر؟ # تصورته خيالا في الحلم، صوتا خارج الكون، رأيته لأول مرة بلحمه ودمه، تجسد أمامي ~~واقفا أمام الحامل الخشبي وسط الزرع الأخضر، في يده فرشاة يرسم فوق اللوحة، ظهره كان ~~ناحيتي، فلم يرني. # كان هذا الحقل أمام بيتنا، يملكه فلاح اسمه «عم صابر»، زوجته اسمها «صابرين »، لهما ابن ~~من عمري اسمه «عبد المنعم»، ينادونه «منعم»، يشبه ابن عمتي نفيسة «جلال». # كنت أرى الزرع وألعب في الحقل مع منعم وأطفال الجيران، كما كنت ألعب مع أولاد وبنات ~~عماتي في كفر طحلة، تبتسم «صابرين» حين تراني وتسعل بصوت عمتي بهية وتقول باللهجة ~~نفسها: «الغيط نور يا ست نوال.» تقطع لي كوز ذرة، باذنجانة سوداء، تملأ كفي بالفول ~~الحراتي. # منعم يرتدي جلبابا ملوثا بالطين، بشرته سمراء، عيناه سوداوان، فمه مفتوح دائما في ~~ابتسامة عريضة، أسنانه سوداء يأكل بها الباذنجان الأسود النيئ، يتشعبط فوق الجدار، ~~يمسك بقضبان النافذة الحديدية وينظر داخل بيتنا، يشهق: ياه! عندكم عفش حلو أوي، أحلى من ~~بتاع الملك، ربنا أعطاكم خير كتير، احنا الفلاحين ربنا غضبان علينا يا ست نوال. # رنت الكلمة «ست نوال» في أذني، فصعد الدم إلى وجهي، كان منعم يناديني «نوال» مثل كل ~~الأطفال، لماذا أعطاني هذا اللقب الكئيب «ست»؟ أصبحت في عينه مثل هؤلاء الستات من أمثال ~~طنط نعمات؟ هل ستي الحاجة أفشت السر؟! لم تكن تكف منذ أدركني الحيض عن الثرثرة، نوال ~~بلغت سن الرشد، استوت مثل التينة البرشومي في انتظار العريس. # تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني، أردت أن أحرك ساقي وأجري، لم أتحرك من مكاني، ~~قدماي مثبتتان في الأرض بالمسامير، ظهره ناحيتي وهو واقف أمام اللوحة، في يده الفرشاة ~~يرسم «عم صابر» وهو ms080 يروي الزرع، ذراعاه وساقاه تحت المياه في القناة، رأسه ملفوف بكوفية ~~رمادية اللون فيها نقط سوداء، عيناه غائرتان تلمعان في الضوء، تتحركان فوق اللوحة، ~~تنظران إلي كأنهما عينا «عم صابر» الحقيقي. # استدرت لأختفي قبل أن يستدير، تحرك في تلك اللحظة حين نطق منعم «ست نوال»، اتسعت ~~عيناه بدهشة حين رآني، كأنما يكتشف وجودي لأول مرة في الكون. # عيناي أيضا تتسعان، أكتشف أنه كائن حقيقي وليس من الخيال. # الاكتشاف الواحد جمعنا نحن الاثنين في لحظة واحدة، مثل «السر» ربط بيننا كالسحر، صوت عم ~~صابر يقول وهو يشير إلى اللوحة: ياه، شكلي حلو كدة يا أستاذ فتحي؟! # عرفت اسمه ، الحروف الأربعة «ف، ت، ح، ي»، أسمع حرفا واحدا منها فتضطرب الدقات تحت ~~ضلوعي، تفقد حركة الدم نظامها داخل القلب، الكون أيضا يفقد نظامه، لم يكن في مقدرتي أن ~~أنطق اسمه كاملا، أول حروفه «ف» أصبح قادرا على إحداث الخلل كالاسم الكامل. # لم أنطق اسمه لأحد، أخاف أن تلتقط الآذان الرعشة في صوتي، الدقات تحت ضلوعي، أن ~~تلمح العيون الدم يصعد إلى وجهي، خداي البارزان يصبحان بلون الطماطم أو الجزر ~~الأحمر. # في العاشرة من عمري، أدركت قبل أن يدركني الوعي أن الحب حرام، كلمة «حرام» تعني أن ~~الله هو الذي حرم الحب. # الراديو لا يكف عن أغاني الحب، أم كلثوم تغني ليل نهار: «مدام تحب بتنكر ليه، ده ~~اللي يحب يبان في عينيه.» عبد الوهاب لا يكف عن نداء الحبيبة: «يا نوال، فين عيونك؟» ~~فريد الأطرش ينوح بالليل والنهار على حبيبته، أسمهان بصوتها المبحوح تتغنى بالحبيب ~~الغائب، ليلى مراد تردد: «يا حبيبي تعالى الحقني شوف اللي جرى لي.» فوق الجدران في ~~الشوارع إعلانات عن فيلم: «يحيا الحب»، «دموع الحب»، «غرام وانتقام»، صور النساء نصف ~~العاريات يعانقن الرجال. # أمي تغني مع أم كلثوم: «مدام تحب بتنكر ليه، ده اللي يحب يبان في عينيه.» طنط نعمات ~~تغني للحب مع الراديو، خالتي فهيمة (الأستاذة فهيمة شكري)، أبي يسميها «خفير الدرك»، ~~تدب بكعب حذائها الحديدي وتدندن لنفسها ms081 بصوت خافت: «مدام تحب بتنكر ليه.» ستي الحاجة ~~وهي متكورة فوق سجادة الصلاة بجوار الراديو تغني مع أم كلثوم، يرتفع جلبابها وهي تربع ~~ساقيها فألمح بطنها، قطعة من الجلد المتهدل تعلوه الكراميش، هل كان أبي بجسمه الضخم ~~داخل هذا البطن الضامر؟ أمي تلد الأطفال من فتحة بين فخذيها، ستي الحاجة هل لديها هذه ~~الفتحة؟ أم أصبحت مسدودة بالكراميش؟! ~~«مدام تحب بتنكر ليه، ده اللي يحب يبان في عينيه.» # هذا هو صوت ستي الحاجة تغني مع ~~الراديو بعد أن أدت الصلاة، وجهها الأسمر المكرمش ناحية النافذة، عيناها ممدودتان نحو ~~الأفق في شرود، هناك ذكرى ما في ماضيها البعيد ، أهي ذكرى الحب؟ # سألتها هل عرفت «الحب» في حياتها؟ رمقتني بعينيها الضيقتين الغائرتين، ابتسمت وامتلأت ~~عيناها بالبريق: «طبعا حبيت يا بنت ابني، حبيت ربنا سبحانه وتعالى، وحبيت سيدنا محمد ~~ألف صلاة عليه، وحبيت الإمام الشافعي والسيدة زينب، والسيد البدوي، وحبيت ابني السيد ~~ربنا يحميه، وحبيت بناتي الخمس، أغلاهن هي زينب، أغلى الكل هو أبوكي ربنا يخليه ويطول ~~عمره.» ~~- قصدي الحب التاني يا ستي الحاجة. ~~- الحب التاني إنهوه يا بنت ابني؟ ~~- اللي أم كلثوم بتغني له. ~~- ده كلام راديو يا بنت ابني، واحنا في الكفر لا عندنا راديو ولا عندنا حاجة اسمها حب ~~من اللي بالك فيه، البنت في الكفر أول ما تبلغ ياللا هوب يجوزوها على طول، الشهر الجاي ~~فرح زينب بنت عمتك بهية، انتي وهي مولودين في وقت واحد، ولازم عريسك جاي في السكة بإذن ~~الله ونفرح بيكي في العيد (صوتها يرن في أذني: ونضحي بيكي في العيد). ~~••• # الحب الأول هو أول الأسرار في حياتي، لم يعرفه أحد من الإنس أو لا الجن، في القرآن آية ~~تؤكد وجود الجان، لم يكن لي أن أنكر وجود هذه الأرواح الخفية، أخشى أن تلمسني روح منها ~~وأنا واقفة في الفرندة، أرمقه من بعيد وهو واقف وراء الحامل الخشبي، لم يكن لي أن أنطق ~~حروف اسمه وأنا نائمة في الليل، هذه الأرواح يمكن أن تسمع أي ms082 شيء. # لا أذكر من شكله إلا بريق العينين، لم أعرف ما لون عينيه، أسود أو أزرق أو أخضر بلون ~~البرسيم، لونهما يتغير مع حركة الشمس، مع تغير الألوان في السماء، قميصه الأبيض الواسع ~~يمتلئ بالهواء يشبه الروح المحلقة فوق الزرع، بلا جسد، بلا بطن أو فخذين، أو أعضاء، ~~خاصة «العضو» الذي يندفع منه البول في جسد أخي، لم أتخيل أنه يبول مثل أخي أو الآخرين ~~من البشر، وأن له فتحة شرج تخرج منها فضلات الطعام أو الغازات. # كنت أنجح في المدرسة بامتياز، المدرسات والمدرسون يقولون إنني شديدة الذكاء، ذكائي ~~كله كان يتبخر حين أراه، صوتي أيضا يضيع ، أفقد القدرة على النطق. ~~«أهلا نوال.» # الكلمتان ينطقهما حين يراني، كلمتان عاديتان أسمعهما من الناس حولي، ~~«أهلا» كلمة ترحيب مألوفة، ترن في أذني بصوته خارقة للعادة، غامضة، محملة بأسرار ~~الكون. «نوال» اسمي المألوف يصبح غير مألوف، اسما جديدا تولد به فتاة أخرى، «سندريلا» ~~تركب حصانا يطير بها في الجو مثل الحمامة. # أهو خيال الطفولة الجامح؟ أم الأغاني والروايات الوهمية عن الحب؟ أو الحب الحقيقي يحدث ~~في سن العاشرة من العمر؟ # قلبي لم يخفق بالقوة التي خفق بها وأنا طفلة في العاشرة من العمر، أصحو قبل الفجر على ~~صوت بكاء مكتوم، لا أعرف من يبكي، صوت أنفاسي العميقة تشبه النشيج، أيكون هذا الصوت ~~كافيا لأصحو من النوم؟ أم أنه حلم أيقظني؟ أتكور في الفراش تحت الأغطية، أفكر ماذا ~~كنت أحلم، أحاول أن أتذكر، أستجمع عقلي وخلايا جسدي، الحلم يتسرب مني، قطرات تتسرب ~~من ثقوب المصفاة أو سراب يتلاشى عند الاقتراب. ~~••• # بعد شهر سافرنا إلى كفر طحلة لنحضر حفل زفاف زينب ابنة عمتي بهية، أول فرح أحضره في ~~قريتنا ... زينب تكبرني في السن بقليل، قامتها من طول قامتي، بشرتها بلون بشرتي، تمسك ~~القلم بين أصابعها وتكتب فوق الكراسة اسمها: زينب عبد الحليم سعداوي. # زينب كانت تحلم أن ترى نفسها أستاذة مثل خالها السيد بيه، خالها هو أبي، أبوها هو ابن ~~عم أبي، يرتدي جلبابا طويلا ms083 باهت اللون، طاقيته فوق رأسه مخرمة، أصابع يديه ~~مشققة، أظافره سوداء، ظفر الإبهام مكسورة بضربة فأس، يرى أبي قادما فينتفض واقفا، ~~يناوله الكرسي ويجلس هو على الأرض. # لا يمكن أبدا حاكون زي أبويا، لازم اتعلم وأبقى أستاذة زي خالي البيه، والناس في كفرنا ~~تشاور علي وتقول: دي الأستاذة زينب السعداوي. # دار عمتي بهية مثل كهف من الطين الأسود، في الصالة المظلمة جلست على الحصيرة فوق ~~الأرض، البراغيث تلدغني، جمهرة من الفلاحين والفلاحات بالجلاليب السوداء تفوح منها ~~رائحة التراب والعرق، مجموعة من البنات الصغيرة داخل الجلاليب المزركشة، تمسك كل واحدة ~~منهن بذيل الأخرى، يرقصن ويغنين: # اتمختري يا حلوة يا زينة، يا وردة من جوة جنينة ... مبروك عليكي عريسك الخفة يا عروسة ~~يا زينة الزفة مبروك عليكي ... يا عريس انظر حلوة جميلة وانت يا حلوة يا زينة الزفة مبروك ~~عليكي. # من باب الزريبة رأيت البقرة واقفة مطرقة الرأس تمضغ التبن، تنظر إلي بعينين ~~صامتتين مملوءتين بالحزن، زينب «العروسة» جالسة وسط البنات داخل جلبابها المزركش مطرقة ~~الرأس، تمسح دموعها بكم جلبابها، تلتقي عيناها بطرف طرحتها السوداء، من تحت الابتسامات ~~أرى الدموع الجافة في عيون النسوة، جالسة في الركن وسط النساء تسعل وتمسح عينيها بطرف ~~طرحتها السوداء، من تحت الابتسامات أرى الدموع الجافة في عيون النسوة، جالسات واجمات، ~~تتذكر كل منهن ليلة زفافها. # العريس هو ابن عمها، فارع الطول مثل رجال آل السعداوي، يمشي بين الرجال مزهوا ~~بجلبابه الجديد، حوله الشباب والصبيان يدقون الطبول، يدبون على الأرض بكعوبهم، يرقصون، ~~يلوحون بالعصي في الهواء، كالسيوف، يغنون: # خدناها من وسط الدار ... # وأبوها قاعد زعلان. # خدناها بالسيف الماضي ... # وأبوها ما كانش راضي. # الداية «أم محمد» ظهرت فجأة مثل عزرائيل الموت، أمسكت زينب من ذراعها وسارت بها إلى ~~الغرفة الخلفية، أردت أن أدخل معها، الباب انغلق في وجهي، ارتفعت أصوات الطبول وزغاريد ~~النسوة تغطي على الجريمة، صرخة زينب ارتفعت من وراء الباب المغلق، صرخة حادة ممدودة ~~حتى السماء، تحشرجت في النهاية كالنفس الأخير. # تصورت أنها ماتت، الباب انفتح ms084 وخرجت «أم محمد» تزغرد رافعة البشكير الأبيض غارقا في ~~الدم، انطلقت الزغاريد بأصوات النسوة الحادة تشبه صراخهن في المآتم، أبو زينب «عمي عبد ~~الحليم» راح يمشي مختالا بين الرجال، نهضت أم زينب «عمتي بهية» لفت حول ردفيها طرحتها ~~وراحت ترقص بين النساء، أمسك العريس عصاه الطويلة المدببة كالسيف، يحركها في ~~الهواء ويرقص. # هذه العصا سوف تلسع ردفي زينب قبل أن تعد له العشاء، تذوق طعم عصاه قبل أن تذوق ~~طعامه، وتعرف أن الله فوق في السماء وهو تحت فوق الأرض، أن طاعة زوجها من طاعة ~~ربها. # نمت على الحصيرة تحت الغطاء، أذناي أسدهما بيدي، صرخة زينب لا تزال، من الغرفة ~~المجاورة سمعت صوت ستي الحاجة يهمس في أذن واحدة من عماتي: الدور الجاي على بنت ابني السيد، والعريس جاهز من مجاميعه، ابن عمها الحاج عفيفي، ~~أبوه عنده أربعتاشر فدان، كل فدان ينطح أخوه، غير الدكان، عريس الهنا لبنت السيد بيه، ~~ربنا يتمم على خير يا رب! # صرخة زينب طمست قدرتي على السماع أو الفهم، تصورت أن بنت السيد بيه واحدة غيري، ~~ثم أدركت أنها أنا. إن العريس جاهز لي، من هو؟ لا أكاد أعرفه، رأيته مرة واحدة ~~جالسا على الدكة الخشبية في دكان أبيه، فلاح نحيف الجسم، شاحب الوجه، عيناه صغيرتان ~~غائرتان تلمعان مثل الصقر، له شارب أسود يمتد فوق شفته العليا من الأذن اليمنى إلى ~~اليسرى، عظام وجهه بارزة مدببة، أنفه طويل مقوس يشبه منقار الحدأة، تزوج من قبل ~~ثم ماتت زوجته وهي تلد طفلها، عيناي ظلتا مفتوحتين في الظلمة، الجدران الأربعة من ~~حولي سوداء بلون الطين، السقف منخفض يكاد يسقط فوق رأسي، عروق غليظة من الخشب تمنع ~~السقف من السقوط، في أركانها عشش العنكبوت، نخرها السوس، في شقوقها تراكم الدخان كالهباب ~~الأسود، تئن تحت الزمن بصوت مسموع يشبه أنين القطط، فوق السطح تراكمت بلاليص المخلل ~~والجبنة الحادقة أو المش، أكوام الذرة الجافة والقطن وأقراص الجلة «الروث» جففتها ~~الشمس، تجري بينها السحالي والصراصير والخنافس، تتقافز من حولها القطط. # مضى ms085 على تلك الليلة أكثر من نصف قرن، لكنها في ذاكرتي حية، وأصوات الليل في أذني وأنا ~~راقدة في تلك القرية الصغيرة المطلة على النيل، عواء الذئاب الجائعة في الحقول، نباح ~~الكلاب من بعيد، أنفاس أختي «ليلى» الراقدة بجواري، فمها مفتوح، وريالتها تسيل فوق ~~ذقنها، عيناها نصف مغمضتين، تهرش بيديها الاثنتين بطنها وظهرها، لدغات ترسم فوق ~~بشرتها البيضاء آلاف النقط الحمراء. # أنين عروق الخشب في السقف لا يزال في أذني، ملمس الدموع في حلقي، طعمها فوق لساني مثل ~~الملح، أبتلعها وأنا راقدة فوق الحصيرة، أكتم أنفاسي حتى لا يلحظ أحد أنني مستيقظة، ~~أخبئ رأسي تحت الغطاء، أفكر ماذا أفعل؟ هل أستسلم لهم مثل زينب ابنة عمتي؟ # في أعماقي العميقة الصوت يقول: لا يمكن أبدا أبدا! في النوم رأيت نفسي أجري في ~~الظلمة، أختفي في بطن الجسر، ألقي نفسي في مياه النيل، يجري العريس من خلفي فاتحا ~~فمه، يبتلعني كما ابتلع الحوت سيدنا يونس، في بطن الحوت أصنع بإصبعي المدبب ثغرة ~~أنفذ منها إلى مياه البحر، أسبح كالسمكة أطفو على السطح، أحرك زعانفي تحت أشعة الشمس، ~~تتحول الزعانف إلى أجنحة من الريش لأطير كالعصفورة، أحلق فوق الحقول الخضراء ~~الممدودة حتى الأفق، أراه واقفا بين الزرع وراء الحامل الخشبي يرسمني فتاة، عيناها ~~سوداوان يكسوهما البريق. # صوته يتسرب إلي من تحت الأغطية، قلبي يرفرف ريشة في الهواء، غناؤه يترامى من ~~الفرندة العلوية: # عندما يأتي المساء ونجوم الليل تنثر، # اسألوا الليل عن نجمي متى نجمي يظهر. # عزفه على العود يسري تحت الغطاء، ينساب في الظلمة ناعما، له نعومة جسدي، له رائحة ~~الزرع، أشمه من تحت الأغطية، وألمسه بيدي، بذراعي العارية تحت ضوء القمر وأنا ملفوفة ~~بالغطاء. # أفتح عيني، فأرى عروق الخشب السوداء في السقف، أسمع طنين البعوض، «نعير» البقرة في ~~الزريبة، شخير ستي الحاجة في الغرفة المجاورة، أغمض عيني لأعود إلى النوم، أحاول ~~استعادة الحلم، الحلم لم يعد، وإنما هو الكابوس، الوجه الغريب بعيني الصقر وأنف ~~الحدأة، الشارب الأسود الممدود فوق الشفة مثل خنفسة سوداء ms086 ذات أرجل رفيعة كالعنكبوت ... ~~أكره منظر الشوارب في وجوه الرجال، لأبي شارب ليس مثل شوارب الذكور، أبي ليس ذكرا، ~~الأبوة والذكورة لا يجتمعان في خيالي. ~~••• # العريس الأول في حياتي هو الفلاح ذو الشارب الأسود، رأيت نفسي في الحلم مثل زينب ابنة ~~عمتي، فلاحة مشققة القدمين واليدين، لم تعد تقرأ ولا تكتب، نسيت زينب حروف اسمها، ~~ترقد فوق الفرن في الشتاء متورمة الساقين، تسعل بصوت أمها، تنادي على حفيدتها بصوت ~~أمها، تنادي على حفيدتها بصوت منكسر: يا بت يا صدفة يا بت، قومي قامت قيامتك، احلبي ~~الجاموسة واكنسي تحت البقرة! # حفيدتها في العاشرة من عمرها، أخرجتها من المدرسة تشتغل في البيت والحقل. تعدها ~~للزواج من ابن عمها، تفعل ببناتها وحفيداتها ما فعله أبوها فيها، أذكرها بحلمها ~~القديم فتضحك وتقول: ده كان زمان يا دكتورة نوال، النهاردة العيشة صعبة والمدارس غالية، والشغل كتير في ~~الدار وفي الغيط، ويعني اللي اتعلموا واتخرجوا في الجامعة عملوا ايه؟ أهم قاعدين في ~~الكفر، لا فيه شغل ولا وظايف زي مان، حتى اللي راح ليبيا والعراق مارجعش، فيهم اللي مات ~~في الحرب وفيهم اللي رجع عريان من غير كفن جوة الصندوق، والباقي طفش على بلد ثانية، ~~وربنا يعلم ياما قلوبنا انكسرت على ولادنا يا دكتورة. # هذا هو صوت زينب ابنة عمتي حين زرتها في كفر طحلة في صيف عام 1991م بعد حرب ~~الخليج. # قبل ذلك بخمسين عاما كنت أسير نحو حتفي لأتزوج ابن عمي الحاج عفيفي، سوف يبني لي ~~بيتا من الطوب الأحمر بجوار الدكان، أمه ستعلمني الخبيز والعجين، حلب اللبن من ~~الجاموسة، عمل الجبنة القريش فوق الحصيرة، ملء الزلعة من البحر، خلط الروث بالتبن لصنع ~~أقراص الجلة. # أمه فشلت في هذه المهمة، تقترب مني فأهب فيها مثل الكلب المسعور. # هكذا تبخر العريس الأول في الجو، ذاب مع سحب الصيف الرقيقة ... انتشرت الشائعات في ~~عائلة أمي وأبي حول اختفاء العريس الأول. # الأستاذة فهيمة شكري تزعمت عائلة شكري بيه، تدب بكعب حذائها فوق الأرض، تشمخ بأنفها ~~في السماء، ms087 يشبه أنف أبيها، وتقول: معقول يا ناس بنت زينب هانم تتجوز فلاح جلنف؟! # كلمة «جلنف» ترن في أذني مثل الموسيقى، لم تكن طنط فهيمة تنطق هذه الكلمة إلا في ~~غياب أبي وستي الحاجة. # عمتي فاطمة أكبر العمات سنا تتزعم عائلة السعداوي، تلف الطرحة السوداء حول ~~رأسها، تخفي فمها بكفها الكبيرة المشققة وتهمس في أذن أبي: قلت له: يا واد بنت خالك السيد بيه على سن ورمح. قال لي: اسكتي يا عمة، دي بنت بندر ~~لا تعرف تعجن ولا تخبز ولا تحلب الجاموسة. قلت له: يا واد دي بنت مدارس تعرف القراءة ~~والكتابة. قال لي: اسكتي يا عمة، حاعمل إيه بقرايتها وكتابتها، ولا قرايتها حتوكلني ولا ~~كتابتها حتشربني! # هذا الفلاح الفصيح كان يمكن أن يكون زوجي، لولا القراءة والكتابة أنقذتني، القراءة ~~والكتابة أنقذتني من رجال آخرين وعرسان جاءوا من بعده حاملين الشهادات العليا من جامعة ~~القاهرة أو السوربون أو أكسفورد، يكتشف الواحد منهم أنني أحب ملمس القلم في يدي أكثر ~~من مغرفة الأكل أو يد المكنسة فيتبخر في الجو مع نسمة الليل الرقيقة. ~~••• # في صيف عام 1942م حصلت على الشهادة ابتدائية بامتياز، لم يبتهج أحد من عائلة أبي أو ~~أمي؛ الحزن على فشل أخي كان يغطي على الفرح بنجاحي، ترمق ستي الحاجة النهدين ~~البارزين فوق صدري وتهمس في أذن أمي: «البنت كبرت يا ست زينب وخايفة عليها تبور، إلهي ~~ربنا يرزقك يا ابني بعريس الهنا لبنتك نوال، وتجوز بناتك كلهم وأنا عايشة على ضهر ~~الدنيا.» # لم أعد أخرج لألعب مع الأطفال أو أركب البسكلتة، إذا طلبت إذنا للخروج من أبي أو أمي ~~لا أسمع إلا هذه الكلمات: «انتي كبرتي خلاص! البيت عاوز تنضيف! البصل في المطبخ عاوز ~~تقشير! البلاط في الحمام عاوز دعك.» # أنكفئ فوق البلاط أدعكه حتى يلمع لأرى وجهي فيه، وجها حزينا مملوءا بالدموع، العيون ~~من حولي يملؤها الفرح، يفرحون حين أدعك البلاط أكثر مما يفرحون بنجاحي في ~~المدرسة. # حين ينامون وقت الظهيرة أدخل مكتبة أبي، عثرت بين الكتب ms088 على كتاب «الأيام» لطه حسين، ~~تصورت أنني سوف أفقد بصري كما فقده طه حسين، طول البكاء في الليل، أتخطئ أمي كما أخطأت ~~أمه وتضع في عيني بدل القطرة صبغة اليود؟ # في منوف وكفر طحلة كنت أرى أطفالا فقدوا أبصارهم، عين واحدة مفتوحة والأخرى مغلقة، ~~نقطة بيضاء تزحف فوق النني الأسود، الجفون متورمة يملؤها الصديد، والذباب يغطي ~~وجوههم. ~~«هش الطير من على وشك يا نوال.» # هذا صوت أمي حين تلم ذبابة فوق وجهي، الذباب اسمه ~~«الطير»، تمسك أمي الرشاشة الحمراء المرسوم عليها ذبابة ضخمة سوداء، بطنها مملوءة ~~«أبالتوكس»، والدموع أو محلول ال «د. د. ت»، ترش أمي البيت كله والنوافذ مغلقة، يتساقط ~~الذباب مثل رذاذ مطر أسود، أسعل وأعطس والدموع تتساقط من عيني. # قبل أن ننام تقطر أمي في عيوننا قطرة حمراء أو بيضاء أو المرهم، أو مسحوق أبيض كالدقيق ~~يسمونه «الششم»، يمنع الالتهاب الذي يؤدي إلى العمى. # واحدة من بنات الحاج محمود كانت عمياء، أكبر من خديجة قليلا، اسمها نعمة الله، وضعت ~~أمها في عينيها مسحوق الشطة بدل الششم، تجلس فوق الأرض حبيسة البيت، تقرأ القرآن بصوت ~~عال، جلبابها ممزق ملوث بالتراث، تلسعها أمها على ظهرها بالعصا: قومي يا بت قامت قيامتك اغسلي المواعين على الطرمبة. # أطل عليها من بين قضبان النافذة الحديدية، تنكفئ فوق الحلل والمواعين تدعكها بالتراب ~~أو قطعة حجر، ظهرها ناحيتي، تستدير بوجهها كأنما تراني ... لها قرون استشعار خفية، أو ~~حاسة جديدة ولدت في جسدها تعوضها عن حاسة البصر، تتطلع بعينيها إلى نافذتي، الرموش ~~السوداء فوق جفونها تهتز في ذبذبات سريعة، مثل رموش عرائس المولد، تنفرج شفتاها ~~الشاحبتان عن ابتسامة وتقول: صباح الخير يا نوال. # لا أستطيع النظر إلى عينيها دون أن يصيبني الدوار، لم أتصور أنهما لا تريان، كانتا ~~مفتوحتين واسعتين، بياضهما صافيا، «النني» أسود يكسوه البريق، كيف فقدت بصرها، لا ~~أستطيع أن أسالها، مسحوق الشطة أحمر اللون، مسحوق الششم أبيض، كيف تخطئ أمها؟! وضعت ~~المسحوق في عينيها في الظلمة، لم يكن في بيتهم نور كهرباء. ms089 # هبطت إليها ذلك اليوم وفي يدي كتاب «الأيام»، أردت أن أقرأ لها بعض أجزاء، تصورت أنها ~~يمكن أن تقهر الظلام كما قهره طه حسين. # حين اقتربت منها قربت فمها من أذني وهمست بصوت تخشى أن يسمعها أحد: «فتحي» جاي بكرة. # انتقض الكتاب وسقط من يدي، كيف عرفة نعمة الله السر؟! لم يكن يعرفه أحد إلا الله، ستي ~~الحاجة تقول: إن الله يعطي سره لأضعف خلقه. «العرافة» في كفر طحلة امرأة عمياء انكشف ~~عنها الغيب، يلجأ إليها الناس تقرأ لهم المستقبل. شيخ أعمى كان يعرف كل ما لا يعرفه ~~الناس، الجنين في بطن أمه ذكرا أو أنثى، كان يعرف النساء العاقرات تزوره الواحدة منهن ~~فتحبل، تدخل معه الأوضة الضلمة، يعلق «الحجاب» حول عنقها فيه آية من القرآن، تصورت ~~في طفولتي أنه كلما زاد العمى عند المرأة أو الرجل زادت معرفته بالله وأسرار ~~الغيب. # واقفة أمام «نعمة الله» أرتعد، كأنما سقطت ملابسي فجأة، أصبحت عارية تحت عينيها، اسم ~~«فتحي» حين نطقته بصوتها أصبح مادة صاعقة قادرة على تدمير نظام الكون، إحداث خلل في دورة ~~الأفلاك، الأرض أيضا فقدت توازنها، كانت مستقلة في مكانها أصبحت تدور حول نفسها أو ~~حول الشمس، الكتاب في يدي أيضا ساقط على الأرض. # كنت أظن أن هذا الخلل يحدث في العالم الخارجي فقط، أدركت أنه يشملني أيضا من قمة ~~رأسي إلى أصابع قدمي، يتصبب العرق من جسدي، يبلل ملابسي، أحسه تحت الإبطين، فوق ~~ظهري يهبط إلى الساقين ليدخل إلى حذائي يبلل الجورب. # أخفيت وجهي في الأرض لألتقط الكتاب، تفاديت النظر ناحية نعمة، بصيرتها أشد حدة من ~~حواس الناس الخمس، حروف الاسم الأربعة «فتحي» مكتوبة فوق جبينها تقرؤها مثل كتاب ~~مفتوح. # عيونها مثل عيون الجان، أو الملائكة يقرءون الكتاب المكتوب فوق الجبين، كتبه الله قبل ~~أن يولد الإنسان من بطن أمه. # كنت أجري إلى البيت، نسيت أن أعطيها الكتاب، لم أنس، أدركت أنها قهرت الظلام أكثر ~~مما قهره طه حسين، وليست في حاجة إلى الكتب. # اختفيت في سريري تحت ms090 الغطاء، هل تسرب السر إلى الآخرين عن طريق نعمة؟ # أغمضت عيني، كأنما الإغماضة تخبئني عن أعين الناس أهرب إلى النوم، لكن النوم تخلي ~~عني أيضا، تركني وحدي أحمل العبء، أي عبء؟! # عبء الكتمان؟ هذا السر؟ أهناك سر؟! جسدي مملوء بالأسرار المكبوتة كالأثقال، الأحاسيس ~~المكتومة غير المفهومة، الكلمات المجهولة غير المنطوقة، غير القابلة للنطق بأي لسان ~~بأي لغة. # أهي اللغة تقف بيني وبين الحب؟ الحروف المصنوعة بألسنة الناس؟ الكلمات المكتوبة فوق ~~الورق، أهو الخوف، أكنت مملوءة بالخوف؟! # كنت أخاف «الله»، وأخاف ألسنة الناس، ألسنة الناس يمكن أن تلوث سمعتي وسمعة ~~أهلي. ~~«الناس تقول علينا إيه؟» # هذه العبارة أسمعها من جميع الأفراد في عائلة أمي وأبي. خالتي فهيمة لم يمكن يهمها أن ~~أضحك بصوت عال وحدي في غرفتي، «لا أحد يسمعني إلى الله»، تنهرني فقط حين أضحك بصوت عال ~~أمام الناس: «الناس يقولون عليكي بنت مش مؤدبة.» خالتي نعمات لم يكن يهمها أن تلدغني ~~القملة في فروة رأسي، كل ما يهمها «مس هيمر» تقول علينا إننا مقملين؟ حين يرسب أخي في ~~المدرسة يقول له أبي: «الناس بيقولوا ابن مفتش التعليم فاشل في التعليم.» حين يفور ~~اللبن وأنا أغليه على النار تقول أمي: «الناس تقول عليكي مش عارفة تغلي شوية ~~لبن.» # تسللت من السرير في منتصف الليل، البيت كله نائم، جلست في الفرندة وحدي، ضوء القمر ~~ينعكس فوق قناة الماء بين الزرع، شريط طويل من الفضة، البدر في السماء مكتمل الاستدارة، ~~أبيض البشرة له عينان سوداوان تنظران إلي، والصوت يهمس مثل خفيف الهواء: «فتحي جاي ~~بكرة.» # سرت القشعريرة في جسمي، انتصب الشعر فوق ذراعي العارية تحت الضوء الأبيض، شعر أسود دقيق ~~كالأشواك المنتصبة، جذوره مفتوحة المسام تمتص ضوء القمر، مشدودة عيناي إلى القرص ~~المتوهج بالأشعة الفضية، تمتصانها حتى آخر قطرة. # أصابتني رجفة، حركت رأسي بعيدا عن القمر، الحملقة في البدر بالعينين المفتوحتين ~~تسلبهما البصر، هكذا سمعت من الناس، اشتدت الرجفة في جسدي، الخوف من فقدان البصر أم ~~الهواء ازداد برودة؟ جالسة في مقعدي ms091 بالفرندة، مقعد من القش فوق شلتة صغيرة لها كيس ~~أبيض. # رأيت البقعة الحمراء فوق الكيس الأبيض، غاص قلبي في قدمي، لم يمض إلا أسبوعان فقط منذ ~~الحيض الأخير، «المفروض أن يمضي شهر أو ثلاثة أسابيع على الأقل»، علاقة ما بين دورة ~~القمر في السماء ودورة الحيض عند النساء، هكذا سمعت من جدتي: «البدر» المتوهج بالضوء ~~قادر على تفجير دم الحيض؟! انجذاب الدم الأحمر للقرص الفضي كما تنجذب إليه ~~العيون؟ # الدورة في جسدي لم تكن تتبع دورة القمر؛ لها نظامها الخاص الخارج عن نظام الكون، تمضي ~~أربعة أسابيع دون أن أرى البقعة المدنسة، يخف قلبي، أشعر بالفرح ... أتصور أن الله سمع ~~دعائي، منع عني الأذى، فأراه ماثلا في السروال كالقضاء والقدر، يتحول إلى نزيف ينخلع ~~له القلب، يستمر يوما أو يومين أو عشرة، ينقطع ثم يعود بعد أسبوع أو أسبوعين، ~~يشتد إذا قفزت عاليا، أو إذا سعلت أو عطست أو حزنت أو فرحت أو أصابني انفعال أكثر ~~من المعتاد. ~~«فتحي جاي بكرة»، الفرح يشتد ومعه الألم، في الصباح لم أنهض من السرير، آلام كثيرة ~~تجتاح جسدي، حشرجة في قلبي وصدري مع السعال، تقلصات في الأحشاء والمعدة مع القيئ، ~~إحساس بالدنس والمهانة، الرغبة في الاختفاء عن العيون. # أبالغ في المرض، أسعل بصوت عال حتى تسمعني أمي، تتركني راقدة لا تكلفني بعمل شيء ~~في المطبخ، يشتد السعال فيظن أبي أنني مريضة بالسل مثل عمتي بهية، أبتلع دواء مرا ~~رائحته نفاذة كصبغة اليود، تضع أمي فوق ظهري لبخة «الأنتوفلوجيستين»، عجينة داخل علبة ~~من الصفيح تسخن على النار حتى تغلي، ثم تفرش فوق الجلد ... لا تفعل اللبخة شيئا ~~إلا بعض الحروق والتسلخات ... تستبدل أمي هذه اللبخة بشيء آخر يسمونه «كاسات الهواء»، ~~كئوس زجاجية يوضع داخلها نار لإحراق الهواء ثم تقلب فوق الظهر، ينشفط اللحم داخل ~~الكأس ليحل مكان الهواء المفرغ، كانت الفكرة أن البرد أو المرض ينشفط أيضا خارج ~~الجسم إلى الكأس، ويحدث الشفاء، الشفاء لم يكن يحدث، بل الآلام الشبيهة بنار جهنم ~~والحروق في ms092 الجلد. # كنت أفضل هذه الآلام على النهوض من السرير أو غسل الصحون في الحوض أو دعك بلاط المطبخ ~~أو المرحاض، كان سريري من الصاج الأبيض يشبه أسرة المستشفيات له ملة من الأسلاك ~~الطويلة المستقيمة المشدودة، تضيع استقامتها، تنحني تحت ثقل جسمي. في أيام الحزن والحيض ~~يثقل قلبي، تنحني الأسلاك أكثر، تئن من تحتي كأنين القطة المريضة، ونشيج طفلة صغيرة ~~تشعر بالوحدة. # كان لغرفتي نافذة لها قضبان حديدية مثل النوافذ الأخرى في البيت، تصورت أن وظيفة ~~هذه القضبان هي منع البنات من الخروج، وليس منع اللصوص من الدخول، شعاع من الضوء دخل من ~~بين القضبان ومعه صوت يشبه الغناء: أهلا نوال. # من تحت النافذة رأيته واقفا، لم أر منه شيئا إلا هو ... الحضور المفاجئ، التجسد ~~لشيء كنت أظنه خيالا، لم أكن أرى إلا نصفه الأعلى أو هما العينان فقط ... هاتان ~~العينان لا أرى منهما إلا البريق أو الضوء، الشمس تنعكس في عيني، فلا أرى شيئا، أو ~~ربما هو حضوره المفاجئ يجعلني لا أرى شيئا حتى حضوره ذاته. # كنت أستحضر هذا الحضور تحت الغطاء في سريري أحاول أن أجسده، غيابه كان أكثر عذوبة، ~~أكثر تألقا، كنت قادرة على تجسيده على النحو الذي أريد، أختفي حين أراه لأتخيل ~~حضوره وهو غائب، أصبح الخيال أجمل من الواقع. ~~- أهلا يا نوال. ~~- أهلا يا ... # لم أنطق اسمه، رأيته يبتسم، أشرق وجهه، تألق البريق في عينيه كالضوء القوي، لا ~~يمكن للعين أن تحملق فيه. مضى في طريقه ممسكا حقيبة جلدية سوداء، وفي يده الأخرى العود ~~داخل كيس من الدمور، يضربه الهواء الذي هب فجأة، واحتجب الشعاع وراء السحب. # كنت واقفة وراء النافذة أمسك القضبان الحديدة بيدي الاثنتين، الحديد الصدئ يخدش ~~بطن اليدين، أمسكه بقوة لا أتركه، الشيء الصلب المتزن في كون غير متزن، اختفيت ~~وراء النافذة، أخفي وجهي، خداي ساخنتان، يداي باردتان خشنتان، الخدوش فوقهما ~~تزيدهما خشونة، تمسكان بشرتي الملتهبة، أكنت مريضة بالحمى أو السل ~~الرئوي؟ # المرض تلاشى في غمضة عين، كيف؟ وجدتني أنطلق خارج غرفتي، صاروخ ms093 قاطرة يدفعها البخار ~~المضغوط، أستطيع أن أفعل أي شيء، أهد بيد جدران البيت، ألوي القضبان الحديدية بيد ~~واحدة، أكسر الباب الخارجي بضربة واحدة من قدمي، أخرج إلى الشارع وألحق به قبل أن يصل ~~إلى شارع المحطة. توقفت في الفرندة لحظة لألتقط أنفاسي، الأشجار تتمايل تحت ضربات ~~الريح، ريح قوية حارة كالصهد، محملة برمال الصحراء، الكون لونه أصفر، السحب بلون الرمال، ~~السماء ترعد، رذاذ المطر يتساقط فوق الأرض الترابية تحت الفرندة. # قفزت السلالم في خطوة واحدة، في أعماقي قوة تدفعني إلى الانطلاق، قوة غريبة لم أعرف ~~مصدرها، أهي السماء الصفراء، أم حركة الريح، أم صوت الرعد؟ دقات المطر فوق التراب ؟ ~~الرائحة النفاذة للطين بالماء؟ فتحت الباب الخارجي بيد واحدة، نظرت إلى الخارج، المطر ~~تحول إلى سيل هاطل، امتلأت الحفرات في الأرض الترابية بالماء كالبرك الصغيرة، وقفت ~~على العتب ممسكة بالباب ... تساقط جسدي فوق العتبة، وجلست أشعر بالتعب، المرض، الذهول، ~~لماذا انطلقت نحو الباب؟ هل أنوي الخروج؟ إلى أين؟! # بعد لحظات استعدت هدوئي، عاد الكون إلى اتزانه، لم تعد بي رغبة في الخروج، لم أعرف ~~لماذا، هل أصبح الخروج غير ضروري؟ غير منطقي؟ # صعدت درجات السلم عائدة إلى الفرندة، إلى الصالة، ورأيت أمي تضع فوق المائدة مفرشا ~~جديدا بالإبرة الكروشيه، غرفة الصالون بابها مفتوح، دخلت إلى غرفتي واختفيت تحت ~~الغطاء، لم أكن أتمارض، هو المرض الحقيقي، وجع في القلب، الندم أو تأنيب الضمير. كنت ~~أنوي اللحاق به قبل أن يسافر، المطر أغرق الشارع، لم يكن لي أن أغوص في البرك والوحل ... ~~أكان ذلك كل شيء؟ # في اليوم التالي، أشرقت الشمس، غسل المطر أوراق الشجر من رمال عاصفة الأمس، فتحت عيني ~~في الصباح على صوت أم كلثوم يغني في الراديو: «يا ليلة العيد آنستينا، وجددتي الأمل ~~فينا، يا ليلة العيد.» إنه اليوم الأخير في العيد، أو اليوم بعد الأخير، الصالة في بيتنا ~~لا تزال تمتلئ بالأقارب من عائلة أبي وأمي. # غرفة الصالون مفتوحة، فيها ضيوف ... الراديو مفتوح على أعلى درجة صوت؛ ليعرف الجيران ms094 أن ~~عندنا راديو. # كان صوت أم كلثوم مثل صوت عبد الوهاب لا يهزني. يبعث بعض الطرب لا يهز الأعماق، صوت ~~محايد يغني لكل الناس. # أستشعر الخواء أو الفراغ في كلمة «الكل»، أريد أن أكون شيئا، لم أتخيل أنني أعيش ~~وأموت «مثل الكل» دون أن يحدث شيء، ما هو؟ إحساس غامض، يتملكني صوت في أعماقي يقول: ~~لم أكون مثل كل البنات؟ لن أكون مثل أمي أو جدتي أو خالاتي أو عماتي أو ~~غيرهن. # لن أكون أيضا مثل جدي أو أبي أو أخي أو أخوالي أو أعمامي أو غيرهم من الرجال. # مثل القنفذ أتكور في سريري، أستجمع حواسي في حاسة واحدة «السمع»، أحاول التقاط شيء ~~مما يدور في الصالة، تجمعت النسوة من عائلة أمي وأبي، الهمس يدور بينهن مثل هسيس ~~الريح، هناك شيء يدبر في الخفاء، شيء يتعلق بي أنا بالذات، شيء خطير يمكن أن ~~يحطم حياتي أو أحلامي. ~~••• ~~«البسي الفستان الحرير الجديد عشان تقدمي القهوة للضيوف في الصالون.» # هذا هو صوت أمي ذلك اليوم، في عينيها نظرة غريبة لا تشبه أمي، عيناها ليستا هما ~~عينيها، هما عينا طنط نعمات أو فهيمة أو هانم، النظرة المزدوجة، ظاهرها الفرح باطنها ~~الحزن، الصدق الكذب، الكره الحب. # كنت أدخل إلى الضيوف دائما حاملة الصينية، من فوقها فناجين القهوة وأكواب الماء، منذ ~~أدركني البلوغ أو الحيض أصبحت أختي الأصغر «ليلى» هي التي تقدم القهوة، أو الخادمة ~~سعدية. # | العروسة والعريس # هذا الضيف غير عادي، لماذا أقدم له القهوة وليست أختي ليلى أو الخادمة؟ إذا كانوا قد ~~دبروا خطة ما فسوف أفسدها، لن تنتصر علي هؤلاء النسوة المجتمعات في الصالة، ~~ضحكاتهن ترن في أذني، ماذا يضحكهن بهذا الشكل الوقح؟ لماذا تكركر بضحكة أنثوية ~~ماجنة ممطوطة، لم أسمع ضحكة أمي بين هذه الضحكات، شعرت بنوع من الطمأنينة، أتقف أمي ~~بجانبي؟! # الضحكات تنقطع فجأة وأسمع الهمس أو الهسيس يرن في أذني أكثر وقاحة من الضحك، أراهن ~~من شق الباب جالسات متكئات متلاصقات فوق الكراسي والكنب البلدي، يرن صوت أبي أو ms095 رجل ~~في غرفة الصالون، فينتفضن كالدجاجات المذعورات يطاردهن ديك في عشة الفراخ يبغي ~~اغتصابهن، يتنافسن عليه، تشده الواحدة منهن إليها بيدها، وتطرده بعيدا عنها باليد ~~الأخرى. # أهو الانفصام أو الحلم بالاغتصاب؟ تخفيه الواحدة منهن في الأحشاء كالجنين السفاح، ~~تحوطه بذراعيها حين تغيب في النوم، يطل في عينيها حين تصحو مثل جذوة نار مغطاة ~~بالتراب في حفرة أرض. تحت عيونهم الرمادية الصفراوية الباردة أرى شعيرات دموية متفجرة ~~بلون أحمر. عيناي، أيمكن أن يصبح لهما هذا اللون أو هذه النظرة المزدوجة؟ احتراق تحت ~~السطح، وقناع أبيض فوق الوجه من مسحوق البودرة، يشبه الجير أو الجبس المذاب في ~~الماء؟ # كنت أهرب من عيونهن، لا أطيق النظر فيها، وفيها مرض معد مثل الجذام، ما إن ~~تلامسني نظراتهن حتى ينتقل إلي المرض. # الليلة السابقة لمجيء هذا الضيف لم أذق طعم النوم من الهسيس، التقطت كلمة «العريس»، ~~جلست في الفرندة وحدي طوال الليل. # وجهي محتقن بالدم، يداي فوق خدي ملمسها خشن، خدش القضبان الحديدي فوقهما، صورته ~~أمامي واقفا تحت نافذتي، صوته يسري في أذني: أهلا نوال. صوته في الغياب أكثر عذوبة ~~ورقة، الحزن على الغياب ينقيه من الشوائب كلها، ومنها الحزن ذاته، رقيق شفاف مثل ~~رذاذ المطر، ينتشر في السماء، ملايين الذرات الضوئية تنقي الهواء من الرمل والتراب ~~المتطاير. # نسمة الليل الناعمة، أنامل حانية تلامسني، يزحف الحزن إلى جسدي، يذكرني الحنان ~~بغياب الحنان، تتعلق عيناي بنجمة بعيدة وحيدة تلمع عيناها بالدموع، ضوءها ثابت ~~قوي، لا ترتعش كالنجوم الأخرى، أتكون هي نجمتي؟! كان أبي يشير إليها ويقول: «كوكب ~~الزهرة.» كانت عند العرب قبل الإسلام واحدة من الإلهات اسمها «العزى»، تحولت إلى ~~امرأة عاهرة منكوشة الشعر شبيهة «بالوحش»، قادرة على إغواء الرجال، على إخراج الله من ~~قلوبهم، أغوت رجلين هما هاروت وماروت، بعد أن أغوتهما أرادت الصعود إلى السماء، الله ~~منعها من الصعود، أوقفها في منتصف الطريق بين الأرض والسماء، أصبحت هذه النجمة الوحيدة ~~بلا حول ولا قوة، تحمل اسما آخر غير اسمها الأول. السماء في الليل مخيفة، ms096 محاطة ~~بالأسرار، عيون الله تراني جالسة في الفرندة، وعيون الجان، الذين ورد ذكرهم في ~~القرآن. # كنت أخاف من الجلوس وحدي في الظلام، أخشى أن تنقض علي روح من تلك الأرواح الخفية، ~~جلست تلك الليلة وحدي في الظلمة، كنت أفكر في شيء خطير أنساني الجان والعفاريت، هل ~~أتسلل في الليل وأهرب من البيت قبل أن يأتي الصبح؟ # كانت الفكرة تسيطر على عقلي إلى حد الرعدة، هل أمشي في الظلمة وحدي؟ تفترسني الذئاب ~~التي تعوي طوال الليل، يسرقني اللصوص الذين يخرجون إلى الشوارع بعد أن ينام ~~الناس؟ # أنتفض جالسة فوق الشلتة في المقعد القش، المخاطر كلها تضاءلت إلى جوار الخطر ~~القادم في الساعة السادسة والنصف مساء الغد ... # الجميع يرتبون لهذا الموعد من وراء ظهري، أشياء جديدة كانت تأتي، فناجين قهوة ~~مزركشة لم أرها من قبل، أكواب تلمع مثل الكريستال، مفارش فوق المناضد، ستائر فوق ~~النوافذ، البياضات فوق الكراسي، كلها انغسلت وانضغطت تحت المكواة الحديدية. السجادة ~~العجمية الكبيرة في الصالون خرجت فوق سور الفرندة تحت الشمس، بالمضرب الخيزران ضربتها ~~أمي وثلاث من النسوة حتى آخر ذرة تراب، تحت الضربات كانت السجادة تحتك بالسور ~~الحجري، يصدر عنها صوت كأنين إنسان من لحم ودم. # هذه السجادة العجمية رافقت أمي من ليلة زفافها حتى ليلة موتها، تنتقل معنا من بيت إلى ~~بيت، ومن بلد إلى بلد، حيث يحلو للحكومة أن ترسل أبي، داست فوقها الأقدام من الضيوف ~~والزوار، شهدت مولدي ومولد إخوتي التسعة، ألوانها الزاهية بهتت مع السنين، يتراكم ~~التراب في ثناياها مع الحزن، وهبوب الرياح، ينحل وبرها في برد الشتاء إلى حد وجود ~~ثقب تراه العيون. # أمي حين تضرب السجادة تغلق جفونها وتزم شفتيها، ترفع المضرب الخيزران عاليا ينطح ~~السماء، تهبط فوق السجادة بكل قوتها، كأنما تضرب مخلوقا حيا ليلفظ النفس الأخير، ~~تبدو أمي امرأة أخرى ليست أمي، ليست المرأة الرقيقة ذات الصوت الناعم، البشرة الحريرية ~~والعيون العسلية. # كل شيء فيها يتغير حتى لون عينيها، تكسوهما طبقة رمادية معتمة كعيني أمها، تضرب ~~الخادمة بالمضرب الخيزران ms097 نفسه، بكل قوتها تضربها، بالغضب المخزون في جسدها منذ ولدتها ~~أمها. # لم تشترك طنط نعمات ذلك اليوم في ضرب السجادة، كان لها دور آخر مع عمتي رقية، قبضت ~~علي الاثنتان داخل الحمام، واحدة أمسكت يدي الاثنتين، الثانية فرشت «الحلاوة» فوق ~~ذراعي كما تفرش لبخة الأنتوفلوجستين، ثم راحت تنزع الشعر عن الجلد ... صراخي كان يرتفع ~~من وراء باب الحمام، أرفسهما بقدمي وركبتي، جاءت ستي الحاجة وربتت على كتفي: كله ~~لمصلحتك يا عين أمك. # ما هي مصلحتي في نزع الشعر عن جسدي؟ أدرك بالفطرة أن الشعر فوق الجسد نوع من القوة، ~~الكرامة؟ # أي مصلحة في البشرة المسلوخة الملساء مثل جلد الثعبان ؟ أي نوع من العرسان ينجذب لهذه ~~البشرة؟ أي نوع من الرغبة أو الشهوة تثيرها هذه البشرة إلا شهوة الاغتصاب ~~والإذلال؟! # أقسمت وأنا جالسة في الفرندة أن أهرب قبل أن يطلع الفجر، هبطت السلالم على أطراف ~~أصابعي، فتحت الباب الخارجي، نظرت في الظلمة الممدودة أمامي، أغمضت عيني، ألقيت نفسي ~~فيها، أقفز في بحر أسود أغرق فيه حتى الموت. # عدت إلى مكاني فوق المقعد في الفرندة ألهث، قطع الشريان فوق معصمي أسهل من الخروج ~~إلى الشارع المظلم. دخلت إلى الحمام معي الموسى الذي أبري به القلم الرصاص، كان أبي ~~يحلق به ذقنه، قربت الموسى من معصمي، يدي ترتعش تكاد تقطع إصبعي بدل الشريان، رأيت ~~الدم ينزف من إصبعي، انتفضت كالفأرة المذعورة، عاجزة عن التنفس، الهواء لم يعد هواء، ~~مياه سوداء تغرقني. عدت إلى مكاني في الفرندة، الليل كان طويلا يتسع لكل شيء ... ~~للهرب ... للانتحار، للقفز من سور الفرندة وكسر عظامي، أصرخ بأعلى صوت، أشعل عود كبريت ~~في صفيحة الجاز أحرق البيت، جلست في مكاني عاجزة عن فعل أي شيء. # بدت هذه الأشياء نوعا من الجبن، حياتي بدت أعز من أن أفقدها، عظامي أثمن من أن ~~أكسرها، لم يكن سور الفرندة عاليا بالقدر الذي يساعد على الموت، ربما أفقد عظام ساقي ~~وأعيش على عكازين من الخشب مثل زميلتي حميدة، ولماذا أحرق البيت بكل ما ms098 فيه؟ النار ~~ستزحف إلى غرفة أخواتي الصغيرات، بريئات بلا ذئب، وأختي الصغرى الرضيعة، لماذا أحرقها ~~مثل الآخرين؟ أليس هو الجبن بعينه؟ # الدم من إصبعي المجروح توقف عن النزف، البعوض يرن في أذني، بعوضة فوق ذراعي ~~المنزوعة الشعر، بشرتي بيضاء ملساء تشبه ذراع أمي أو طنط نعمات، البعوضة كبيرة الحجم ~~(بالنسبة للبعوض البريء يلدغ دون أن يسبب المرض)، ساقاها الخلفيتان أطول من الساقين ~~الأماميتين، مؤخرتها عالية، رأسها منخفض يخرج من فمها خرطوم طويل يشبه الإبرة، تغرسه في ~~لحمي وتمص الدم. # لم أشعر بالألم، بل هي اللذة، تمنيت أن تفرغ البعوضة عروقي من الدم، تنفث سمومها ~~كلها في جسدي. # البعوضة تمتلئ بالدم، انتفخ بطنها مثل الأنثى الحامل، لم تعد قادرة على الطيران، ~~التصقت بذراعي ونامت، دمي كان مسمما، مصته البعوضة حتى آخر قطرة، حلاق الصحة في كفر ~~طحلة يضع دودة طويلة وراء أذن المريض لتمص الدم الفاسد، شعرت بالراحة كأنما شفيت، ~~بدأ النوم يداعبني. # خيوط الفجر تولد من بطن الأفق، وضعت نفسي في السرير، لذة الشفاء بعد المرض، لذة ~~الراحة بعد الليلة المرهقة، الاستسلام الكامل للقضاء والقدر، التحرر من الخوف من ~~القضاء والقدر، الانتباه إلى شيء آخر، عاد الصفاء إلى عقلي مع وميض الضوء، فكرت في ~~خطة أنقذ بها نفسي، كانت فكرة بسيطة، أبسط من فكرة الانتحار. ~~••• ~~«ياللا يا نوال، البسي الفستان الجديد.» # تظاهرت بالطاعة العمياء، نهضت من السرير، امتدت أذرع النسوة بالفستان، أولها ذراع ~~طنط هانم، يدها تسوي الكشاكيش فوق صدري، بأصابعها قرصت ثديي، تبعتها يد طنط نعمات، ~~قرصتني في الثدي الآخر وهي تصيح: عشان ربنا يرزقني بالعريس على طول، أصابتني قرصتها ~~بألم في حلمة الثدي، لدغة عقرب أو ثعبان. # فكرة شائعة تقول: إن قرص العروسة من ثديها أو فخذها أو ذراعها يجلب العرسان لغيرها من ~~البنات، يدر اللبن في الأثداء الجافة، ويؤدي إلى الحبل عند النساء العقيمات. # انقضت علي النسوة من عائلتي أمي وأبي، العانسات منهن والعاقرات والمطلقات ~~والأرامل والبائرات والعاجزات عن الحبل أو الزواج أو العثور على رجل يطفئ ms099 اللهيب تحت ~~السطح البارد ... أصبحت قطعة لحم فريسة لأصابعهن الصلبة المتصلبة المصرة على اغتصاب ~~اللذة المكبوتة المحرومة المدفونة في القاع، في بطن الأرض «البور» المتعطشة حتى ~~التشقق. # وقفت مستسلمة للأيادي، الأصابع تقرصني في بطني، في ثديي، في فخذي، في عنقي، في أي ~~مكان من جسدي، استسلام كامل دون مقاومة، أختزن طاقتي لتنفيذ خطتي السرية، في الليل وأنا ~~نائمة في الحلم، كنت أرقد عارية الجسد تنهشني أصابع مدببة كأسنان الكماشة الحديدية، ~~أحاول النهوض لأهرب، لا أستطيع الحركة، ذراعاي وساقاي مربوطة في الأرض والأبواب كلها ~~مقفولة. # كان ضمن طقوس تجميلي (في عين العريس) هو دعك أسناني بمسحوق الملح، تصبح بيضاء لامعة ، ~~قامت بهذا الدور طنط فهيمة، أسناني ليست بيضاء بالقدر الكافي، أحب أكل الباذنجان ~~الأسود من الحقل، أقضمه بأسناني دون طهي مثل منعم، يترك فوقها طبقة سوداء لا تغسل ~~بفرشاة الأسنان العادية. # أمسكتني طنط فهيمة وهي تقول: «العريس يطفش على طول لو شاف سنانك السودة دي!» وراحت تدعك ~~أسناني بمسحوق الملح وأنا أصرخ، في المرآة رأيت اللثة حمراء متورمة، تنزف الدم لأقل ~~لمسة بطرف إصبعي. # شعري أيضا لم يكن يعجب هؤلاء النسوة من الخالات، لم يكن مرسلا ناعما مثل شعورهن، ~~فيه تموجات طبيعية، طنط نعمات تراه نوعا من القبح، «العريس يطفش على طول لو شاف شعرك ~~المجعد ده يا جارية ورور!» راحت تكوي شعري بالمكواة الحديدية، تسخنها على النار حتى ~~يصبح حديدها أحمر، تلف بها خصلات شعري، في أنفي رائحة الشياط، الدخان المتصاعد من شعري ~~المحترق يكتم أنفاسي، لسعتني بطرف المكواة في طرف أذني. # في مدخل الصالون شماعة من الخيزران لها مرآة مستطيلة، ينظر فيها الضيوف، يخلعون ~~الطرابيش، المعاطف، الكوفيات، يعلقونها على أذرع الشماعة قبل الدخول. # الشماعة في ممر صغير مربع، أمر به حاملة صينية القهوة قبل أن أدخل إلى العريس، تحت ~~رف الشماعة السفلى باذنجانة بشرتها سوداء، بلون وجه إبليس، توقفت أمام المرآة أنظر إلى ~~نفسي، فتاة غيري داخل فستان حريري يكشف عن ذراعين بيضاوين مسلوختين، شعرها ناعم مرسل ~~فوق كتفيها، ms100 شفتاها حمراوان، خداها حمراوان، عيناها حمراوان، يعلوهما حاجبان رفيعان ~~مقوسان نتف شعرهما بالملقط، قدماها مقوستان تتأرجحان فوق كعبين رفيعين. # وضعت الصينية فوق الأرض، مسحت اللون الأحمر من شفتي بكفي، قضمت الباذنجان بأسناني، ~~نكشت شعري بأصابعي، حملت الصينية ودخلت بلا صوت، رأسي مطرق إلى الأرض مثل البنات ~~المؤدبات، جفوني مسدلة مثل القطط المغمضة قبل أن أدخل وقفت وراء الباب الموارب، ~~أصغيت لحظة قبل أن ألقى نظرة دائرية في الغرفة الشديدة الإضاءة، أسمع صوت أبي، كان ~~منهمكا في الحديث مع العريس، الحرب العالمية، الإنجليز، الألمان، الملك، ~~النحاس. # لم ترتفع عيناه نحوي من شدة الانهماك. ~~- الملك باين عليه مع الألمان، والنحاس لازم يكون مع الإنجليز، والإنجليز عاوزين مصر ~~تدخل الحرب معاهم، لكن احنا مالنا، نحارب ليه مع الإنجليز والحلفاء، بقه بذمتك دول ~~حلفاء؟ معايا يا عبد المقصود أفندي؟ ~~- إيوه معك يا سيد بيه. # العريس (عبد المقصود أفندي) رآني في اللحظة التي دخلت فيها، تقدمت نحوه معطية ظهري ~~لأبي، أخفي وجهي في الصينية، سرت بخطوة بطيئة متأرجحة، أول مرة في حياتي أرتدي الكعب ~~العالي المدبب، يرمقني العريس بعينين ضيقتين مثل عيني الصقر، فوق رأسه طربوش أحمر مائل ~~على جنب له شراشيب سوداء تهتز فوق أذانه، يرتدي بدلة ضيقة داكنة اللون، ربطة عنق حمراء ~~مشدودة حول عنقه، صديري ضيق، في يده منشة، يغطس جسده داخل «الفوتيه»، شفتاه منفرجتان ~~فقدتا القدرة على الانطباق. # عند زاوية فمه شيء من اللعاب الأبيض مثل إسماعيل أفندي، اقتربت منه أزم شفتي، ~~أمطهما في غضب، ثم فتحت فمي عن آخره في ابتسامة عريضة ليرى أسناني. سمعته يعطس بصوت ~~عال: «أطس!» انتقلت إلي العدوى، عطست أنا أيضا: «أطس»، فاهتزت الصينية من يدي، ~~انسكب «وش» القهوة في الصحن. بذلت أمي الجهد لتجعل للقهوة هذا «الوش». في أنفي رائحة ~~البن مع الحبهان والباذنجان، خليط يؤدي إلى العطس لا شك، عطست مرة أخرى، واهتزت ~~الصينية أكثر، انسكب مزيد من القهوة في الصحن. العرق يسيل مثل الماء البارد تحت الفستان، ~~يرشح العرق من جسدي كأنما أنا ms101 نائمة، العرق يغرقني، جو الغرفة مشبع برائحة العرق. ~~كنت أتحرك بخطوة بطيئة، جسدي متخشب، مطوق، مربوط بشيء ما، أبي الذي يعرفني ~~جيدا كان يمكن ألا يعرفني في تلك اللحظة، كان مستغرقا في الحديث، لم يرني من الوجه، ~~أكان الاستغراق في الحديث محاولة للانسحاب من الموقف دون مسئولية؟! تركني أبي وحدي أواجه ~~حتفي، أدرك أنه ليس من الحكمة أن تلتقي عيناه بعيني لحسن حظي. العريس كان يرمقني ~~بنظرة فاحصة، عيناه الضيقتان ترمقان صدري بنظرة جانبية محدبة، المصباح الكهربائي يعطي ~~ضوءا قويا، لعب الضوء الكهربائي دوره في الكشف عن آثار الباذنجان الأسود، ثم انتبه ~~أبي إلى وجودي، سمعته بقول للعريس: دي نوال! أكبر بناتي. ~~- ما شاء الل ... (أطس) ... ما شاء الله ... (أطس). # العريس يعطس وهو يكرر كلمة: «ما شاء الله» ... أيخفي الصدمة في العطس؟! تقدمت نحوه ~~أكثر، انحنيت أمامه بالصينية، دب الصمت بصوت مفزع، لم أسمع إلا صرير طاحونة الدقيق ~~في شارع المحطة، صرير أشبه بصراخ إنسان حي، اهتزت يداي لسماع الصوت، كعب حذائي ~~العالي الرفيع تعثر في ثقب السجادة، وأنا أنحني، انقلبت الصينية بكل ما عليها من ~~فناجين قهوة ساخنة وأكواب ماء مثلجة فوق صدر العريس. # أشبه بالكوارث تحدث، تنقلب الأشياء بفعل الزلازل والبراكين، لا يستغرق الزلازل أو ~~البركان أكثر من بضع ثوان أو دقائق، لكن هذه الكارثة استمرت عدة أسابيع، أصابني منها ~~علقة ساخنة، لم تكن تهمني العلقة الساخنة، لقد تبخر العريس مع سحب الصيف ~~الرقيقة. # في اليوم التالي بدأت أكتب مذكراتي، كراسة غلافها أزرق، أخفيتها في مكان سري، كتبت ~~فيها أول حروفي: # ما الذي حدث وأنقذني؟! صوت طاحونة الدقيق مثل صرخة إنسان حي؟! الصمت المفاجئ؟! الضوء ~~الكهربائي القوي؟! كل شيء توقف يشهد اللحظة الخارجية عن الزمان والمكان، اللحظة ~~المفزعة حين انتفضت الصينية وانقلبت، أكان ذلك كل شيء؟! # منوف، 30 أغسطس 1941م # في صيف 1942م حصلت على الشهادة الابتدائية، درجاتي كانت ممتازة، الوجوه حولي لا تكشف ~~عن الفرح، الشفاه ممطوطة، الهسيس بين النسوة يدور: «إيه فايدة الشهادة إذا كان مصيرها ms102 ~~الجواز؟ إيه فايدة الشطارة في المدرسة إذا كانت خايبانة في المطبخ وكل عريس ييجي ~~تطفشه؟!» # لم أعد أخرج من البيت، بلغت الحادية عشرة من عمري، أصبحت عانسا بلغة طنط نعمات. ~~كنت طويلة القامة، أطول من أخي الأكبر طلعت، النهدان فوق صدري نافران، من يراني يظن ~~أنني في الخامسة عشرة، لم أعد ألعب مع الأطفال في الحقل، تخصصت في طبخ الملوخية، دعك ~~البلاط ليصبح كالمرآة، من وراء جدار المرحاض تترامى لي صيحات الأطفال وهم يلعبون، ~~ضحكاتهم تخترق أذني مثل وخز الإبر، كنت أضحك مثلهم في الماضي البعيد في حياة أخرى، من ~~بين قضبان النافذة الحديدية أراه. «أخي طلعت» يجري ويقفز في الحقول الخضراء الواسعة، ~~يركب البسكلتة ويطير بها في المساحات الممدودة حتى الأفق ... يستنشق الهواء الطلق تحت ~~أشعة الشمس، أنا داخل المطبخ المظلم أبتلع الدخان المتصاعد من وابور الجاز. # وابور الجاز بيني وبينه عداء فطري، كائن غريب الأطوار، له إرادته الخاصة المعاكسة ~~لإرادتي، مندوب لبعض القوى المجهولة في الأرض والسماء، إذا أردت له أن يشتعل ينطفئ، ~~إذا أردت له الانطفاء يهب في وجهي، لسان من النار، يعاكسني مثل القضاء ~~والقدر. # له رأس مربع يسمونه «الطربوش»، أسود اللون يتراكم عليه الهباب، من تحته عنق أسود، ~~يتوسطه ثقب مثل ثقب الإبرة، مسدود بالهباب، تسلكه أمي بعد أن تضع نظارة فوق ~~عينيها، طنط نعمات كان لديها عدسة مكبرة مستديرة تمسكها بيدها اليسرى، تقربها من ~~عينها اليمنى، فترى الثقب الصغير في حجم عين الجمل. # منذ السابعة من عمري بدأت أمي تدربني على إشعال وابور الجاز، وبدأ أبي يدربني على ~~الصلاة، ما العلاقة بين وابور الجاز والصلاة؟ ... حركة الجسم متشابهة، أحني ظهري لأشعل ~~الوابور بحركة تشبه الركوع، أسلك الثقب المسدود بإبرة تلتوي تنكسر داخل الثقب، ~~أخرجها بإبرة أخرى، أنحني، يلامس أنفي طربوش الوابور، حركة تشبه السجود. # كان الثقب ينسد دائما، ذرة دخان أو هباب أو عكارة في الجاز، في قاع الصفيحة ~~تترسب عكارة لزجة سوداء مثل القطران أو الزفت، جاز مغشوش، بائع الجاز كان يدور على ms103 ~~البيوت، عربة كارو فوقها برميل كبير ينادي بصوت عال: جاز! جاز! ~~- الجاز بتاعك مغشوش يا عم عثمان! ~~- ده أحسن جاز في الدنيا، والله العظيم! ~~- ليه تحلف بربنا كدب يا عم عثمان؟ ~~- ده أحسن جاز في الدنيا، علي الطلاق بالثلاثة! ~~- عيب عليك يا راجل تحلف بالطلاق عشان شوية جاز. ~~- أمال أحلف بإيه يا ست هانم؟ ~~- يعني ما عندكش إلا ربنا أو مراتك، شوف حد تاني تحلف بيه! # بائع الجاز كان وجهه ضامرا يعلوه نمش أسود، عيناه تبربشان، لا يقوى على النظر في وجه ~~أمي، تختفي أمي من النافذة، فيحملق في الخادمة سعدية بعينين مفتوحتين، يغمز لها ~~بعين، يقرصها في ذراعها ويقول: ده جاز زي الحليب، ينشرب ع الريق يا بت! # رائحة الجاز تصيبني بالغثيان، تعثر أمي في شعري على قملة أو سبانة (بيضة القملة)، ~~تغسل رأسي بالجاز، أقف أمام الوابور لأشعله، يندفع في وجهي لسان من اللهب، أتراجع ~~إلى الوراء بسرعة (كما تفعل أمي) قبل أن تحرق النار أطراف شعري، تملأ أنفي رائحة جاز ~~محروق وشياط. ~~«خلي بالك يا نوال من الوابور، ساعات يهب كدة ويعمل حريقة.» # كالشهقة تفلت الكلمة «حريقة» من بين شفتي، في الليل وأنا أحلم أرى الوابور يهب، ~~بيتنا يحترق، أمي تحترق تصبح قطعة فحم، مثل ابنة عمتها الكبيرة ماتت محروقة، هب فيها ~~وابور الجاز، أجري خارج البيت، أهب من النوم أتصبب بالعرق. # تدربت على إشعال الوابور دون أن أكسر الإبرة، أسلك الثقب المسدود دون أن أنحني ~~أو أركع، أقف أمام الوابور مستقيمة الظهر مرفوعة الرأس، كان بصري حادا أرى النجوم في ~~عز الظهر، مثل زرقاء اليمامة رأت جيوش الأعداء قبل أن يراهم أحد. ~~«نوال بقت شاطرة.» # أصبحت أحمل لقب «شاطرة»، الشاطرة صفة حميدة تتحلى بها البنات الماهرات في المطبخ، ~~الغسل، دعك البلاط، توليع وابور الجاز دون كسر الإبرة، أسمعهم يقولون: «نوال شاطرة»، ~~أشعر بالفرح والحزن، الفرح كان أكثر من الحزن، يزيد حماسي للطبخ والغسل، أدعك البلاط ~~لأرى فيه وجهي. ~~«نوال بقت شاطرة.» # تركت لي أمي مهمة توليع ms104 الوابور، أنام كل ليلة فأسمع صوت الوابور ينفجر، أمي داخل ~~النار، أجري إليها أنقذها، تحترق وتموت، يضعونها داخل كفن حريري أبيض فوق السرير ~~النحاسي الأصفر، الكفن في الحلم هو ثوب الزفاف الحريري الأبيض. # كان الحلم يتكرر بأشكال مختلفة، يلازمني في طفولتي وشبابي، لم يفارقني حتى تخرجت في ~~كلية الطب، أصبحت طبيبة «امتياز» بمستشفى قصر العيني الجامعي، في أبريل 1955م، استلمت ~~أول راتب شهري، تسعة جنيهات، «كل جنيه ينطح أخوه» بلغة ستي الحاجة. # في أبريل زهور الربيع تتفتح، أمشي في الشارع مرفوعة الرأس، أخفي حقيبتي تحت إبطي، ~~عيون اللصوص قادرة على اختراق أي شيء، أنوفهم تشم ورق البنكنوت من بعد كيلومتر، ~~دخلت المحل الكبير «شاهر» بجوار سينما ريڤولي في شارع فؤاد، كان لي هدف واحد: ~~البوتاجاز ذو الفرن والأربع عيون (من ماركة «ماستر ~~فليم» # Master Flame ~~). # القسط الأول خمسة جنيهات، الأقساط كلها تنتهي بعد ستة وثلاثين شهرا. # أمي كانت مثل الزهرة، استعادت ضحكتها الطفولية، عاد البريق يكسو عينيها العسليتين، ~~تقرأ شهادة نجاحي، صوتها يتألق بالفرح: مبروك يا نوال، يا دكتور نوال! ~~- البركة فيكي يا ماما. # اندفعت كلمة «ماما» من بين شفتي مثل شحنة مكبوتة من الحب، التقاليد في عائلة أمي لا ~~تسمح للحب أن يظهر، وإن كان حب الأم. تقبيل الأطفال يتوقف بعد سن الرضاع، تقاليد ~~موروثة عن الأتراك، الطبقة العليا أو الوسطى، البرودة في المشاعر نوع من الرقي. # الأمومة كنت أراها في عيني أمي، جمرة نار مخبوءة داخل سلسلة حديدية، أفعل مثل أمي، ~~أخفي مشاعري وراء لوح من الزجاج. # تسللت إلى البيت ذلك اليوم من أبريل 1955م، ورائي ثلاثة عمال من محل «شاهر» يحملون ~~البوتاجاز، دخلوا على أطراف أصابعهم إلى المطبخ، وضعوه تحت النافذة إلى جوار «النملية» ~~السلك، خرجوا على أطراف أصابعهم، شعاع شمس الأصيل يتسلل من بين جدران البيوت ~~المتجاورة، ينفذ إلى المطبخ من بين قضبان النافذة الحديدية، يسقط فوق ظهر البوتاجاز ~~بإرادة سماوية، سطحه أبيض لامع قادر على إشعاع الضوء. # دخلت أمي إلى المطبخ، اتسعت عيناها: من أين ms105 جاء هذا البوتاجاز؟ ~~- هبط من السماء يا ماما. # في عينيها بريق الفرح الطفولي، كانت في طفولتها تحلم مثلي بيوم يختفي فيه وابور الجاز، ~~رأت مثلي البوتاجاز في المحلات والدكاكين، يشتعل بلهب أزرق صاف، شكة واحدة من عود ~~الكبريت، دون إبرة تسليك، لا دخان لا هباب، ترمق بعينيها الثمن المعلق فوق ظهره، ~~تتنهد وتمضي في طريقها. # كنت أريد أن أحوطها بذراعي، أضع رأسي فوق صدرها وأبكي، أطلق سراح الدموع المكبوتة منذ ~~ولدت، كانت هي الأخرى تريد أن تحوطني بذراعيها، تطلق سراح أمومتها الحبيسة. وقفت ~~أمامي وأنا وقفت، عاجزتان عن العناق، عاجزتان عن تبادل قبلة واحدة، واقفتان ... بيننا ~~مسافة من الهواء لا تزيد على طول الإصبع، كانت مثل البحر الواسع أو ألف سنة من الزمان لا ~~يمكن اجتيازها. # عاشت أمي بعد ذلك اليوم أربعة وثلاثين شهرا، ماتت قبل أن أسدد ثمن الأقساط بشهرين ~~اثنين. ~~••• # عبد المقصود أفندي لم يكن العريس الأخير، جاء بعده آخرون، الواحد منهم لم يكن يعود بعد ~~أن أقدم له القهوة، لم تنقلب الصينية بعد ذلك الانقلاب الأول، شيء آخر يحدث، صوت ~~الطاحونة، نقيق الضفادع في الحقل أو صرير الصراصير، نعيق بومة فوق الشجرة. # يكفي أن تنعق بومة واحدة حتى يتشاءم الناس وأولهم العرسان، أصبحت لي سمعة بين عائلة ~~أمي وأبي، قادرة على تطفيش أي عريس، كيف؟ يتباحثون في هذا السر، تعددت الآراء ~~والنظريات، البشرة السمراء، علامة الفقر، القامة الطويلة، العضلات القوية غير المطلوبة ~~في البنات، الفم الواسع، الأسنان الأمامية البارزة في الضب. ~~«الضب»، ورثته عن أمي وخالاتي من عائلة شكري بيه، عمتي رقية أكدت أنه السبب الوحيد ~~وراء هروب العرسان، اختلفت معها ستي الحاجة، «عين الحسود» أصابت ابنها السيد بيه، سوف ~~تبور ابنته الكبرى، من ورائها تبور بناته الأخريات، سوف تفقأ عين الحسود بعمل يندرج تحت ~~«السحر». # كانت لي سمعة أخرى في المدرسة، بنت شديدة الذكاء، «الذكاء» لم يكن من الصفات الحميدة ~~للبنات، شهادة أخي طلعت تأتي من حولها دائرة حمراء علامة السقوط، يعيش بيتنا في صمت مثل ms106 ~~المأتم، يخرج أبي صامتا ويدخل صامتا، إن تكلم فهو يؤنب أخي: أختك البنت تنجح وانت ~~تسقط؟! ابن التاجر بياع الكراريس ينجح وابن مفتش التعليم يسقط؟! بقه ده معقول؟! # الحزن على رسوب أخي في المدرسة يغطي على الفرح بنجاحي، في الليل أبي يهمس لأمي: يا ~~ريتها كانت الولد وهو البنت، لازم علينا غضب من ربنا يا زينب! # ذكائي ليس إلا غضب الله على أبي وأمي، نوع من الإثم يستوجب الإخفاء مثل حذائي القديم، ~~مثل الثقب في السجادة العجمية. # لم يكن في منوف مدرسة ثانوية للبنات، اقترح أبي على أمي أن أبقى في البيت أساعدها، ~~أخفف عنها عبء رعاية العدد المتزايد من الأطفال، أمي رفضت هذا الاقتراح، تفوقي في ~~المدرسة شجعها على مواصلة تعلمي، أو إدراكها أنني لن أخضع كما تخضع البنات، أنني لن ~~أنجح في الزواج. # كانت أمي مختلفة عن إخوتها لحسن حظي، في أعماقها بذرة تمرد، ذكاؤها حين كانت تلميذة ~~متفوقة في المدرسة، الحلم منذ طفولتها أن تعيش حياة غير أمها، السلطة المطلقة لأبيها ~~في البيت جعلتها تنفر من السلطة على أطفالها. # لم يكن أبي مثل جدي شكري؛ لم يشرب الخمر، لم يسهر خارج البيت، لم يعرف نساء غير ~~أمي، القانون وشرع الله يعطي أبي الحق المطلق في الطلاق والزواج بأربع نساء، لم ~~يستخدم أبي هذا الحق. كان زوجا مخلصا لأمي، ساعدها في أعباء البيت، يتحمل وحده ~~مسئولية الإنفاق، كان أبا نموذجيا لا يضرب أطفاله مثل الآباء الآخرين، يلعب معهم، ~~يعطيهم مساحة للنقاش والجدل في أمور الدين. # لم يحدث أن رأيت أبي وأمي يتشاجران، مرة واحدة رأت أمي في منامها أبي مع امرأة أخرى، ~~استيقظت أمي في الصباح حمراء العينين، غاضبة على أبي، سمعت صوت أبي عاليا لأول مرة في ~~حياتي: يعني أنا مسئول كمان عن أحلامك يا زينب! # صوت أبي لم يرتفع عن صوت أمي ... بينهما نوع من الاحترام، كلاهما يدرك قوة الآخر، أبي ~~العائل الوحيد للأسرة، لم يكن لأمي قوة إلا شخصيتها، رفضها الإهانة، استعدادها لحزم ~~حقيبتها والعودة ms107 إلى بيت أبيها شكري بيه. # كانت الطبقة تلعب دورها في إحداث توازن القوى في بيتنا، أمي تدرك أنها تنتمي إلى ~~طبقة أعلى من طبقة أبي، لم تكن تصرح بذلك، سلوكها كان يوحي أنها انحدرت من سلالة ~~الأميرات. # أبي مثل أمي يدرك قيمة التعليم، لولا التعليم ما انتقل أبي من طبقة الفلاحين الفقراء ~~إلى الطبقة الوسطى من المثقفين، أدرك أبي أن مستقبلي في التعليم مضمون أكثر من ~~مستقبلي في الزواج، سأدخل المدرسة الثانوية في القاهرة، لكن أبي كان مترددا. # في الليل أسمع أبي وأمي يتهامسان: نوال حتعيش وحدها في مصر يا زينب؟ ~~- حتعيش في بيت خالتها هانم. ~~- بيت خالتها مش زي بين أبوها وأمها. ~~- نوال واعية لنفسها، ماتخافش عليها يا سيد. ~~- مصر مش زي منوف يا زينب. ~~- نوال شاطرة، أنا عارفاها، ترميها في النار ترجع سليمة. # كلمات أمي تنتشلني، كذراعيها في طفولتي فوق الموجة العالية، أرى نفسي أمشي داخل النار ~~دون أن أحترق، أمشي في البحر فوق الأمواج دون أن أغرق، أمي الحقيقية، أجدها بجواري حين ~~تتأزم الأمور، يتخلى عني الجميع فأجدها، قد أكون بعيدة عنها في مكان آخر، لا تسمع ~~صوتي إذا ناديتها، تأتي في اللحظة الحاسمة، لا أدري كيف، وتنقذني. # | من نبوية موسى إلى مدرسة السنية # حملت حقيبتي إلى محطة القطار، كان معي أبي، ظل واقفا على رصيف المحطة حتى تحرك ~~القطار، أول مرة أركب القطار وحدي، عينا أبي مملوءتان بالقلق وشيء آخر غير القلق، طبقة ~~شفافة مثل دمعة كبيرة محبوسة يبتلعها قبل أن أراها. أردت أن أعانقه، ذراعاي لم ~~تتحركا، وقفت في نافذة القطار أطل عليه، أخفي الدموع تحت ابتسامة عريضة، دوت صفارة ~~في أذني، امتلأ الجو بالدخان، أمسك أبي بالنافذة، يمشي مع القطار، يجري مع ~~القطار. ~~«خلي بالك من نفسك، اوعي التذكرة تقع منك، اركبي تاكسي من محطة مصر لبيت طنط هانم، ~~ابعتي لنا جواب أول ما توصلي، خلي بالك من نفسك، مع السلامة يا نوال. أردت أن أمسك يد ~~أبي، خشيت أن يسقط تحت عجلات القطار، ms108 يفقد ساقيه ويمشي على عكازين. لم يترك أبي ~~النافذة حتى آخر الرصيف، لوح لي بيده، يتراجع إلى الوراء مع المحطة، لوحت له بيدي ~~وأنا أبتسم، الدموع تنهمر فوق وجهي.» # كنت أحب السفر وركوب القطار، هذا اليوم جلست في مقعدي، أمسح الدموع، بدت الرحلة طويلة ~~موحشة، العيون ترمقني، جالسة وحدي، بنت صغيرة في الحادية عشرة من عمرها تسافر وحدها ~~إلى مصر، حقيبة ملابسي إلى جواري، أسندها بيدي حتى لا يسرقها أحد، حقيبة المدرسة فوق ~~ركبتي، بها كيس النقود والتذكرة وكشكول غلافه أزرق أسجل فيه مذكراتي. # في القطار أخرجت الكشكول وكتبت: # اليوم، 9 سبتمبر 1942م، أنا حزينة لفراق أمي وأبي، أشعر بالندم وتأنيب ~~الضمير، تمنيت يوما أن يموت الاثنان لأخرج إلى الشارع بدون إذن وألعب ~~مثل أخي، أركب البسكليتة، قلبي ينوء بالحب لأمي وأبي، الحب يولد في قلبي منذ ~~فراقهما، أيكون الفراق هو شرط الحب؟ # انتبهت إلى صوت رجل يكلمني، كان جالسا في المقعد المقابل لي، يختلس النظر إلى حقيبتي، ~~أيسرقني أنا أم كيس الفلوس؟ ~~«رايحة مصر لوحدك يا بنتي؟!» # لم أرد عليه، لا أكلم الغرباء في الطريق. له وجه يشبه عبد المقصود أفندي، العينان ~~الغائرتان تتجهان مباشرة إلى صدري. أدخلت الكشكول الأزرق إلى الحقيبة وحوطتها بذراعي، ~~من النافذة أعمدة السواري تتراجع إلى الوراء، تراجعت الحقول الخضراء، بدأت الجدران ~~السوداء والبيوت المتهدمة الملطخة بالدخان، امرأة نحيفة شاحبة تنشر الغسيل في إحدى ~~البلكونات، يذوب وجهها داخل دخان القطار مع غسيلها الأبيض. # وصلت محطة مصر لحظة غروب الشمس، العمارات والأبنية الباهتة قابعة تحت سماء رمادية، ~~الدخان مثل الشبورة، أسير وحدي وسط زحام المحطة، حاملة الحقيبتين. ثوبي من الصوف الرخيص ~~من فوقه بلوفر باهت ينفذ منه هواء بارد. وأتلفت ورائي؛ أخشى أن يتبعني الرجل الذي ~~كان في القطار. البوابة الضخمة، ميدان باب الحديد، سقطت في خضم متلاطم من البشر، ~~دوامة تدور فيها السيارات والترامات والموتوسيكلات، أثبت قدمي في الأرض الأسفلت، أنظر ~~في جميع الاتجاهات، ألقي نفسي في البحر دون أن أعرف السباحة، أجتاز الميدان، كادت ms109 ~~تدهسني سيارة، امتدت بعض الأيادي وانتشلتني. # كان هناك عدد من سيارات الأجرة التاكسي، المسافرون استولوا عليها، لم يبق إلا تاكسي ~~واحد قديم بدون رفرف، انقض عليه رجل طويل. بدأت الدنيا تظلم وأنوار المصابيح تضاء، ~~قررت السير على قدمي حتى بيت طنط هانم، اخترت امرأة عجوز، ملامحها توحي بالطيبة، ~~سألتها عن شارع الضاهر، وصفت لي الطريق وهي تشير بإصبعها: شايفة الشارع اللي هناك، ده ~~شارع الفجالة، امشي فيه على طول مع شريط الترامواي تلاقي نفسك في شارع الضاهر. # المرة الأولى أمشي في شارع الفجالة، شارع المكتبات، من وراء نوافذ المحلات الزجاجية أرى ~~الكتب معروضة، مئات الكتب والعناوين وأسماء المؤلفين، التقطت اسم طه حسين. # عند تقاطع شارع الفجالة مع شارع الضاهر مبنى كبير مكتوب عليه: «مدرسة الفنون الطرزية ~~للبنات». رأيت بنتا من عمري تحمل حقيبة المدرسة تمشي وحدها، تدب فوق أسفلت الشارع ~~بحذاء جلدي قوي، خطوتها واثقة شجاعة، خجلت من نفسي، أتكون هذه الفتاة أشجع مني؟! خجلت ~~من حذائي القديم يغطيه تراب الشارع في منوف، لم تكن الشوارع في منوف مرصوفة ~~بالأسفلت، خبطت قدمي في الأرض، نفضت التراب عن حذائي، شددت قامتي الطويلة، سرت بخطوة ~~قوية أدب على الأسفلت. # شارع الضاهر يتألق نظيفا لامعا تحت الأضواء، العمارات على الجانبين جديدة تبرق كأنما ~~بنيت بالأحجار الكريمة، أبوابها شفافة من الزجاج، لها أعمدة عالية رخامية. كنت أرى هذه ~~الأبواب الشفافة في الحلم. لافتة كبيرة فوق الباب مكتوب عليها المدرسة الثانوية للبنات، ~~أدخل من الباب أخرج حاملة الشهادة النهائية «التوجيهية»، أدخل بها إلى الجامعة، كلمة ~~«الجامعة» تجعل قلبي يدق، لم أكن رأيت الجامعة بعد، سمعت الكلمة، كلية الآداب في ~~الجامعة، أتخرج أستاذة كبيرة، يضعون كتبي في نوافذ المحلات في شارع الفجالة. # شارع الضاهر كان يرمقني بعيون مملوءة بالفرح، يمتد أمامي، تحت أقدامي، أمشي فوقه، ~~يرحب بي فخور بهذه الفتاة أستاذة المستقبل. # وصلت عمارة زوج خالتي، رأيت وجهه، تبدد الفرح، قابلتني طنط هانم، البرود العاطفي ~~الموروث عن عائلة شكري بيه، أخذتني إلى الحمام لأخلع حذائي، رمقت ms110 الثقب في جوربي ~~بنظرة متعالية، أجلستني في البانيو، أمسكت الليفة الخشنة راحت تدعك جسمي. شعرت بالمهانة ~~داخل البانيو الأبيض اللامع، صحن ضخم من الكريستال أو اللؤلؤ، لم يكن في منوف بانيو، ~~الطشت الكبير من النحاس نستحم فيه، أغرقتني طنط هانم في البانيو، ابتلعت الماء ~~بالصابون بالمهانة، تصورت نفسي سعدية الخادمة، كانت تغرقها أمي في الطشت، تغسل لها ~~شعرها بالجاز أو تحلقه بالموس. # لم تكن طنط هانم تشبه أمي، كانت سمراء البشرة، شعرها أسود غزير، تستعرض على الضيوف ~~جواهرها أو قطع الأثاث في غرفة الصالون، الغرفة الأخرى تسميها «الأنتريه»، كلمة فرنسية ~~تعني «المدخل»، خالتي هانم تتباهى أمام الناس بأنها تعرف الفرنسية. # أراها جالسة مع الضيوف في غرفة الصالون، المقاعد المذهبة المطلية بالحرير تسميها ~~«الأبيسون»، فستانها الحريري يكشف عن ركبتها، تضع الساق فوق الساق، تشعل سيجارة (لا ~~تدخن حين تكون وحدها) تنادي على السفرجي: يا عم عثمان، هات لي «آن فير دو سيل ~~فوبليه.» # عم عثمان يفهم هذه العبارة، يحضر لها كوب ماء، يتباهى هو أيضا أمام الضيوف أنه يعرف ~~الفرنسية، معلوماته في اللغة الفرنسية مثل طنط هانم، كلمات لا تزيد على أصابع اليد ~~الواحدة. ~~«هند» الابنة الكبرى لطنط هانم، تصغرني قليلا، تبدو طفلة أنا أمها، غرفتها مليئة ~~بالعرائس، سريرها لونه وردي، سيارة المدرسة (على شكل أوتوبيس أحمر)، تحملها كل صباح ~~مع حقيبتها إلى المدرسة. # هند تجلس معي إلى مائدة الطعام في الصباح الباكر، تناولها طنط هانم كوبا كبيرا من ~~اللبن، تسألني بصوت بارد: عاوزة لبن؟ ~~- لا. # أحب اللبن، أقول «لأ» كأنما أكره اللبن، أبي يدفع لها ثمن اللبن ونفقاتي كلها حتى ~~الغسيل والمكوى والكهرباء وكل شيء، الطريقة التي تسألني بها لم يكن لها إلا رد واحد: ~~«لأ.» # تملأ الصحن لابنتها بالطعام، لا تضع في صحني إلا القليل، أغضب، أنهض دون أن آكل، ~~يشتد بي الجوع، أشتري من مصروفي رغيفا وقطعة من الجبن أو الحلاوة الطحينية. # أنام على سرير صغير من الصاج، اشتراه أبي، وضعته طنط هانم في أحد الأركان في غرفة ms111 ~~مهملة، اشترى لي أبي منضدة صغيرة أذاكر عليها ولمبة كهربية. # لم تكن طنط هانم تشجعني على المذاكرة، كلما رأت اللمبة مضاءة في الليل تطفئها وهي ~~تقول: ذاكري بالنهار علشان الكهربا غالية. # في أول كل شهر يرسل إلى أبي قائمة مصروفاتي، منها الكهرباء واللبن، لم أشرب اللبن ~~لكنها تضيفه إلى القائمة، هل أقول لأبي أو لأمي؟ كنت أخاف أن أبقى في منوف بدون ~~مدرسة. # دخلت مدرسة نبوية موسى الثانوية في العباسية، كانت أقرب المدارس لبيت طنط هانم في شارع ~~الضاهر، أركب الترام من أمام البيت وأهبط من الترام أمام باب المدرسة. قضيت عاما ~~دراسيا كاملا (1943م)، لم أعرف في مدينة القاهرة إلا الطريق الذي يسلكه الترام من ~~باب طنط هانم إلى باب نبوية موسى. # كانت التلميذات يطلقن على الناظرة نبوية موسى «بعبع أفندي». في طابور الصباح أراها ~~تمشي بخطوة تشبه مس هيمر، ترتدي تايير أسود، جوربا طويلا أسود، تيربون أسود، عيناها ~~سوداوان مملوءتان سوادا. # كانت تفرض علينا نحن التلميذات ارتداء هذا السواد من قمة الرأس حتى أخمص القدمين، أعطى ~~أبي لطنط هانم مبلغا من المال، أصبح لي تايير أسود، جورب أسود طويل سميك لا يشف ~~الساقين، شريط أسود من التفتاه لربط ضفائر الشعر. # داخل المرآة، رأيت نفسي غرابا أسود، مطت خالتي هانم شفتيها: نبوية موسى لازم عانس زي طنط فهيمة، وعاوزة كل البنات يبقوا عوانس زيها. # لم أعرف شيئا عن نبوية موسى، واحدة من رائدات تعليم البنات، أي ريادة وأي تعليم؟ لم ~~تكن رائدتي ولا مثلي الأعلى في حياتي، عضلات وجهها دائما متقلصة في تكشيرة أشد كآبة ~~من تكشيرة جدي، لم أرها مرة واحدة تبتسم، لم أسمعها مرة واحدة تقول صباح الخير. ~~تقلد الناظرات الإنجليزيات، الناظرات الألمانيات في عصر هتلر، الناظرات الفرنسيات في ~~مدارس الراهبات. # تكره البنات، تكرهني حين تلتقي عيناها بعيني، تكره نفسها أيضا داخل السواد، أصبحت ~~المدرسة مثل المأتم، كل شيء بلون الحداد. # طنط هانم لم تحب اللون الأسود، ترتدي الفساتين الحرارية الزاهية الألوان، بيتها ~~الأنيق بالأشياء الزاهية، السواد ms112 في المدرسة كان أكثر بهجة لي من بيت طنط هانم. # طنط هانم أصغر من أمي بعامين اثنين، أدخلها جدي مدرسة الراهبات كما فعل مع أمي، ~~أخرجها من المدرسة، زوجها من تاجر يملك دكانة في شارع الموسكي وبعض العمارات، منها ~~العمارة في شارع الضاهر. # في زمن الحرب ازداد ثراء التجار، منهم زوج خالتي هانم. أبي يمقت التجار، يطلق عليهم ~~اسم أصحاب الذمة الخربة، لا ضمير عندهم إلا الربح، يضعون المليم فوق المليم، ~~يصنعون الملايين، لا يقرءون الكتب ولا الصحف، لا يشاركون في المظاهرات الوطنية، مهما ~~أصبحوا من الأثرياء لا تذهب عنهم صفة البخل والتقتير، تقوم المعركة بينهم بسبب نصف مليم، ~~التاجر منهم يخشى إفراغ أمعائه، بلغة ستي الحاجة: «يخاف يشخ يجوع .» يعاني أغلبهم من ~~الإمساك. # البخل من الأمراض المعدية، ينتقل من الزوج إلى زوجته، تتفوق الزوجة على زوجها ~~لتحظى برضاه، لتأمن بطشه. # كانت طنط هانم تخشى زوجها، أسمع من أمي أنه ليس زوجا مخلصا، يسهر في الحانات ودور ~~اللهو، لا يعود إلا البيت إلا قرب الفجر، تعثر طنط هانم في ملابسه على آثار نساء ~~أخريات، روج أحمر في المنديل، عطر حريمي في السروال، ترى وتسكت، تخشى أن تفتح فمها، ~~يددها بالطلاق، يزداد ثراء وتزداد سلطته، يعطي نفسه مزيدا من الحريات، كنت أناديه ~~باسم: عمي عبد الحليم. # طويل القامة، مبطط الوجه، يشبه التمساح، عيناه ضيقتان غائرتان، شفتاه مزمومتان، يدخل ~~البيت عند الفجر وأنا نائمة، يخرج عند الظهر وأنا في المدرسة، لم أكن أراه إلا يوم ~~الأحد. يوم الإجازات يغلق فيها الدكان في الموسكي، أعود من المدرسة بعد الظهر فأراه ~~جالسا إلى المائدة يتناول وجبة الصباح، لا يرفع وجهه عن الصحن، عيناه مغمضتان أو نصف ~~نائم، يرمقني بطرف عين صامت، تنفرج شفتاه عن كلمة واحدة: «كويسة.» أترك له المكان، ~~أمشي إلى غرفتي، يرمقني كأنما أمشي فوق رأسه وليس على الأرض. # في إجازة العيد سافرت إلى منوف، ركبت القطار من محطة باب الحديد (ميدان رمسيس)، قلبي ~~يخفق بالفرح، سوف أرى أمي وأبي وإخوتي وأخواتي، ms113 المرة الأولى في حياتي أفترق فيها عنهم، ~~استقبلوني بالفرح والبريق في العيون، لا عناق ولا قبلات، المشاعر المطلة من العيون ~~أقوى من أي عناق، سألتني أمي: مبسوطة في بيت طنط هانم يا نوال؟ ~~- أيوة يا ماما. # خشيت أن أقول الحقيقة، ليس هناك حل سوى أن أبقى في منوف، أحرم من مواصلة المدرسة، في ~~يوم أرسلت طنط هانم رسالة عاجلة إلى أمي: «خذوها إلى بيت عمها.» # كان يوم أحد، بدأت أرتدي طاقم نبوية موسى الأسود لأذهب إلى المدرسة، بحثت في الغرفة ~~عن التايير، لم يكن عندي إلا تايير واحد، كيف أذهب إلى المدرسة بدون تايير؟! # طنط هانم أخطأت، علقت التايير في الدولاب في غرفة زوجها، لا يمكن لأحد أن يفتح عليه ~~الباب حتى يصحو وحده قرب الظهر. # جاء الأتوبيس الأحمر يأخذ بنتها هند إلى المدرسة، بقيت وحدي أفكر ماذا أفعل، هل أغيب ~~عن المدرسة لمثل هذا السبب التافه؟ أمي تفتح الباب وأبي نائم دون أن يحدث شيء، أتخاف ~~طنط هانم من زوجها إلى هذا الحد؟ # تركتني طنط هانم أقضم أظافري من شدة الغيظ. لم يكن يهمها أن أذهب إلى المدرسة أو لا ~~أذهب، كان تضيق من حرصي على المذاكرة، كلما رأتني أقرأ الدرس تقول لابنتها هند: شوفي ~~بنت خالتك، بتذاكر طول الوقت وانتي بتلعبي بالعرايس! # الغضب يتجمع في صدري كالبخار المضغوط. لا أغيب عن المدرسة وإن مرضت، نظرت إلى ساعتي ~~فوق معصمي، كل لحظة تمر عطلة إجبارية تشبه الراحة المفروضة في المرض، غضبي يشتد، ~~يتراكم منذ ولدت. من خلال النافذة السماء خاوية بلا معنى، السيارات تمرق في الشارع بلا ~~هدف، اللحظة الحاضرة تمتد بلا نهاية، بلا ماض ولا مستقبل، المستقبل بدا مظلما، ~~غيابي عن المدرسة غياب عن الحياة، يفكك الأشياء في الكون، يتلفها، يدمرها، ليس ~~يوما واحدا، بل أيام عمري كلها تضيع، ليست عطلة مؤقتة، بل عطلة أبدية، عطلة تلميذة بلا ~~عطلة، بلا راحة منذ ولدتها أمها. # الخروج إلى المدرسة لم يكن مجرد خروج، كان الانعتاق، الحرية، الابتعاد عن الأرض، ~~الاقتراب ms114 من السماء. # النافذة مفتوحة إلى السماء، مفتوحة إلى الأرض، إلى الشارع، ترتفع عنه مسافة ستة أدوار، ~~قفزة واحدة وأطير كما في الحلم؟ أو أسقط ويتهشم رأسي؟ # قدماي تتحركان نحو النافذة، أتوقف لا أستطيع الاقتراب، أخاف من الموت، أخاف من الغياب ~~عن المدرسة، الخوفان يجتمعان، يرجان الأرض تحت قدمي، أتحرك مع الارتجاجة، أتجه ~~نحو النافذة، الموت أسهل من الغياب، أسهل منهما السير نحو الباب، مشيت إلى الباب، ذلك ~~الباب، المغلق على التايير، الخوف يتصاعد مع الاقتراب من الباب، الخوف الجديد مع الخوف ~~القديم منذ ولدت، اندفعت نحو الباب بقوة القطار المندفع بالبخار، اندفعت بكل جسمي، ~~فتحته بكل قوتي بكل ثقلي، دخلت إلى الغرفة المعتمة المملوءة بهواء راكد يرقد فيها ~~تمساح ميت ، مثل الصاروخ اتجهت إلى الدولاب، فتحته بيد واحدة، أمسكت التايير باليد ~~الأخرى، اندفعت خارجة كما دخلت بالخوف نفسه. # أنتفض، أرتدي التايير، أشد الجاكيت لأغلقه حول صدري، انقطع أحد الأزرار، عناصر الخوف ~~كلها تجمعت داخل جسدي، داخل الهواء يملأ البيت، ترتعش له الستائر المعلقة على النوافذ، ~~أسمع صوت اصطكاك الحرير بالجدران كالأسنان تزمجر، ريح مثل الإعصار تزأر، صوت طنط هانم؟ ~~صوت زوجها؟ لم أسمع إلا أصوات الريح، أمسكت حقيبتي، أسرعت خارج البيت، قفزت السلالم، ~~قفزت داخل الترام المسرع، هبطت أمام المدرسة، كادت تدهسني سيارة وأنا أجتاز الشارع، ~~اندفعت داخل الباب قبل أن يغلق. # كان الجرس دق، دخلت التلميذات إلى الامتحانات، كان يوما من أيام الامتحانات، جلست ~~في الفناء مطرقة الرأس، الدموع تجري فوق وجهي، غيابي من الامتحان يعني السقوط، كان أبي ~~يحذرني من السقوط، يشير بإصبعه إلى الجردل والفرشة: «إذا سقطتي مرة واحدة مافيش إلا ~~مسح البلاط!» # نهضت من فوق الدكة الخشبية، لاحت لي فكرة، أدخل إلى مكتب الناظرة، أحكي لها ما حدث ~~بشأن التايير، أطلب منها أن تأذن لي بدخول الامتحان. # كانت المرة الأولى والأخيرة ألتقي وجها لوجه بالأستاذة نبوية موسى، كان لها وجه يقطع ~~الخميرة من البيت (بلغة ستي الحاجة)، أصبحت أكره جميع الوجوه الشبيهة بوجهها، جعلتني ~~أكره المدرسة ms115 والتعليم وكل شيء في الدنيا، أبي (إذا أراد أن يعاقبني أو يفزعني) يقول ~~لي: لازم أبعتك تاني عند نبوية موسى! # لا أذكر من نبوية موسى إلا وجها عابسا مشدود العضلات، عيناها سوداوان واسعتان، تتسعان ~~لما في العالم من كآبة سوداء، وقفت أمامها أرتجف، جالسة داخل مكتبها كالأسد في عرينه، ~~متحفزة تنتظر الانقضاض، قبل أن أفتح فمي انفجرت بصوت غاضب: أنا عارفة الحجج الفارغة بتاعة البنات المايعين، لازم وقفت ساعة قصاد المراية تساوي ~~حواجبك. # لم تكن في غرفتي مرآة، لم أكن أرى نفسي، إلا حين أفتح الباب الخارجي، كان هناك مرآة ~~طويلة في المدخل، ألمح داخلها شبحا أسود يحمل رأسا يشبه رأسي، فتاة طويلة نحيفة شاحبة ~~ترتدي الحداد. # لم أكن أيضا من «البنات المايعين»، أمشي مشدودة الجسم كالعسكري الأسود، طنط هانم تطلق ~~علي اسم غفير الدورية. # نبوية موسى لم تكن تنظر إلي، عيناها مقلوبتان إلى الداخل، جاحظتان مقلوبتان إلى ~~الخارج، تشردان بعيدا في السماء، كانت هي الأخرى غاضبة على السماء، غاضبة على جنس ~~الإناث، الغضب تجسد فوق جبينها تكشيرة قاتمة تشبه خالتي فهيمة: امشي روحي الامتحان بسرعة، وإذا تأخرتي مرة ثانية مافيش غير الطرد النهائي من ~~المدرسة! مفهوم؟ # صوت نبوية موسى اخترق أذني، تطردني من مكتبها، أسرعت أجري إلى الامتحان، نجحت، ~~انتقلت إلى السنة الثانية الثانوية، نقل أبي أوراقي إلى مدرسة السنية، انتقلت إلى بيت ~~عمي الشيخ محمد السعداوي في حي العنبري بالقلعة. ~~••• # أصبحت تلميذة في مدرسة السنية الثانوية للبنات، قضيت فيها عامين اثنين (1944م، 1945م)، ~~كلمة «السنية» كان لها رنين في الأذن، نوع من الرهبة والأبهة، مدرسة السنية لها تاريخ ~~في مصر، تخرجت فيها رائدات التعليم من المعلمات، أسمع طنط فهيمة تنطق كلمة «السنية» ~~بأنف شامخ: في السنية عرفت أبلة نظيرة. # ترن كلمة «أبلة نظيرة» في أذني أكثر رهبة وأبهة من كلمة السنية، من هي أبلة نظيرة؟ ~~واحدة من الرائدات مثل نبوية موسى، أسمع صوتها يخرج من الجهاز السحري الذي يسمونه ~~«الراديو»، صندوق من الخشب له ثقوب مفتوحة إلى الداخل، ms116 عيون سحرية مفتوحة على العالم ~~الآخر، تنبعث منها الأصوات قادمة من السماء. # كانت طنط فهيمة (الأستاذة فهيمة شكري) ذات أهمية أكبر من النساء والرجال في عائلة أمي ~~وأبي، طنط فهيمة تعرف واحدة من الكائنات السحرية المتكلمة في الراديو، عرفتها في ~~مدرسة السنية. # كنت جالسة بين أبي وأخي طلعت داخل التاكسي المنطلق بنا إلى بيت عمي الشيخ محمد، قال ~~أبي لأخي: إنه دخل مدرسة بنبا قادق الثانوية، سيسكن معي في بيت عمي، التفت أبي ~~ناحيتي وقال إنني دخلت مدرسة السنية. # خفقة واحدة هائلة من قلب ارتج لها التاكسي، اصطكت عجلاته بأسفلت الشارع محدثة ~~صوتا عاليا، وارتجاجات في جسدي، في جسد أبي أيضا، طربوشه كان يخبط في سقف السيارة، ~~أمسكه بيديه الاثنتين، سقط عن رأسه، وضعه فوق ركبتيه. # قال أبي: هذا اسمه شارع محمد علي، على جانبيه رأيت الأعمدة الحجرية الضخمة «البواكي»، ~~المحلات، الدكاكين، الزحام، الترام يصلصل وراءنا يكاد يدهس التاكسي، تبادل سائق الترام ~~مع سائق التاكسي اللعنات، شتم كل منهما أم الآخر وأباه حتى سابع جد، انطلق كل منهما ~~في طريقه لاعنا الدين والدنيا وشارع محمد علي بما فيه من المومسات وبيوت ~~البغاء. # كان بيت عمي في زقاق ضيق غير مرصوف بالأسفلت، مملوء بالحفر والمطبات وأكوام القمامة، ~~زمجر السائق وهو يدخل الزقاق، توقف قبل أن نصل إلى البيت، بركة صغيرة من الماء والطين ~~تفوح منها رائحة المجاري، أي فارق بين هذا الزقاق وشارع الضاهر؟ أي فارق بين عمي الشيخ ~~محمد وبيت طنط هانم؟ # عمي الشيخ محمد السعداوي يحمل لقب أستاذ الشريعة في جامعة الأزهر الشريف، تصورت أن ~~بيته أجمل من بيت تاجر الموسكي! شقة ضيقة مظلمة في الدور الرابع، بيت قديم آيل للسقوط، ~~له مدخل ضيق شديد الظلمة، أحمل حقيبة كبيرة، أتعثر فوق السلالم وراء أبي وأخي، كل ~~منهما يحمل حقيبة بيد، في يده الأخرى عود كبريت مشتعل. # في كل دور يتوقف أبي ليشعل عود كبريت جديد، يلتقط أنفاسه، يواصل الصعود، أنا وأخي من ~~خلفه نلهث بصوت مسموع. # كلمة «السنية» والأبهة ms117 تبخرت في الجو، قلبي يغوص إلى أسفل مع كل درجة أصعدها نحو بيت ~~عمي، أبي يقول شيئا ليخفف الصدمة، يخفف عن نفسه عبء تأنيب الضمير والندم لإحضارنا ~~إلى هنا، أو لعله وجد الفرصة سانحة ليتحدث في السياسة: حكومة فاسدة، لا تحترم العلم ولا العلماء! نظام فاسد لا يكسب فيه إلا الجهلاء وتجار ~~الخردة في الموسكي. # انحفرت كلمات أبي في ذهني، خففت عني الإهانة، الفقر يهين كرامة الإنسان، يمتلئ ~~الصدر برائحة المجاري كل صباح، الفول، العدس، الأصوات تنطلق من الأمعاء داخل ~~المرحاض؟! # باب المرحاض إلى جوار باب الغرفة التي أصبحت غرفتي (وأخي طلعت)، غرفة رطبة باردة، في ~~الشتاء ثلاجة، وفي الصيف حارة ملتهبة، زنزانة من الصفيح داخل قرص الشمس، نافذة واحدة ~~صغيرة تفتح على جدار أسود مسدود، تتصعد منه رائحة طبيخ حامض يغلي على النار، باب آخر ~~صغير يفتح على السلالم الخارجية. # نعمة من عند الله هذا الباب الصغير، يعفينا من المرور في الصالة عند الخروج. الصالة ~~مثل السرداب، كنبة بلدي يجلس عليها عمي وزوجته وأقاربها من عائلة العقباوي. # كلمة «العقباوي» ترن في أذني مع كلمات أخرى مثل: العقاد، بنبا قادق، القلعة، العنبري، ~~روماتزم العمود الفقري، كلمات مترابطة داخل سلسلة واحدة في ذاكرتي مع الزقاق المظلم في ~~حي العنبري قرب القلعة، الغرفة الرطبة من البلاط، أصابتني الآلام في عمودي الفقري، بنبا ~~قادق الثانوية يسقط أخي فيها آخر العام. العقاد يتحدث عنه العقباوي مع عمي الشيخ محمد، ~~القرآن يرتله عمي قبل أن ينام، الأذان ينطلق قبل الفجر من الجامع مثل قذائف المدفع، ~~مدرستي الثانوية السنية تحولت إلى قلعة، سجن كبير يحوطه سور حجري قرب جامع السيدة ~~زينب، الشحاذون وأصحاب العاهات أمام باب الجامع يلهثون: «شلاه يا ست!» # أمشي كل صباح من بيت عمي إلى المدرسة، مسافة تستغرق الساعة، أحمل حقيبة مليئة بالكتب ~~والكراريس، جسمي أصبح مائلا على جنب، أحس الألم في مؤخرة العمود الفقري وساقي ~~اليسرى، أجلس في منتصف الطريق لأستريح، أصل المدرسة بعد أن يضرب الجرس، أجد الباب ~~الخشبي مغلقا، أدق ms118 الباب بقبضة يدي، بابا ضخما أسود من أبواب السجون، يحرسه بواب ~~عملاق من الصعيد فوق جبهته تكشيرة غائرة في اللحم تشبه تكشيرة الناظرة، أصابع يدي تتورم ~~في أيام البرد، ثقل الحقيبة محفور في بطن اليد، الألم يمتد من ذراعي إلى كتفي، يهبط ~~عبر العمود الفقري إلى ساقي اليسرى، أدق الباب، أصابعي المتورمة تنز الدم، أبتلع ~~الدموع واقفة في الشارع، لعاب ممزوج بالملح، طنط هانم أصبحت الملاك الأبيض في جنة ~~مفقودة. # لا ينفتح الباب، أعود أدراجي إلى غرفتي المعتمة، أذاكر دروسي تحت الغطاء في السرير ~~البارد من الصاج، أجلس على الكرسي الخشبي مخلخل الأرجل، أنحني بظهري فوق المنضدة ~~المنخفضة، لمبة كهربية (20 وات) تشع ضوءا أصفر يخفت في النهار عن الليل. # إذا اشتد الدق على الباب أو إذا أراد الله الفرج، أسمع الصرير أشبه بمفاصل عظام ~~مصابة بالروماتيزم، يطل وجهه العملاق الأسود، يضغط على أسنانه الكبيرة البيضاء ~~تصطك، الصرير أشبه بصرير الباب: ممنوع الدخول بأمر الست الناظرة، مفهوم! ~~- لازم أقابل الناظرة يا عم عبد الله! ~~- ممنوع المجابلات مع الست الناظرة، ممنوع، مفهوم! # يطرقع الباب بالصرير منغلقا. ~~••• # في إجازة العيد سافرت مع أخي إلى منوف، أسعل حين أنهض في الصباح، أمشي محنية الظهر، ~~جسمي مائل على جنب، أخذني أبي إلى الدكتور حنا (صديقه القديم)، فحصني في غمضة عين، قرص ~~خدي: بنتك زي الحصان يا سيد بيه، عاوزة شوية حديد وزرنيخ يجمد عضامها، طولت بسرعة أوي، بقت ~~أطول مني، ما شاء الله! # قامتي أصبحت أطول من قامة الدكتور حنا، أطول من أخي الأكبر طلعت، أطول من كل زميلاتي ~~في المدرسة، متى حدث هذا الطول السريع؟! # صحوت من النوم فوجدت يدي تصل إلى مفاتيح الراديو فوق الرف العالي، بالأمس لم أصل ~~إليها، أكانت عظامي تطول في الليل حين أفرد ذراعي وساقي؟! أصبحت أنام مكورة حول ~~نفسي كالجنين في النهار، أقوس ظهري، أنحني للأمام، في كتاب المطالعة الرشيدة: «القامة ~~الطويلة ميزة الرجال، القامة القصيرة ميزة النساء والأنوثة.» المرأة الجميلة عظامها ~~دقيقة هشة، يمامة كتكوتة، تتهشم ms119 في العناق. # عظامي طويلة قوية مثل الحصان، لا شيء فيها قابل للكسر، أمشي كل يوم ساعتين حاملة ~~حقيبتي الثقيلة، أدوس على الألم وأمشي، خطوتي ليست سريعة كما كانت، أمشي ولا أتوقف ~~حتى باب المدرسة، هذا الباب هو نجاتي، الثغرة الوحيدة في جدار حياتي، أنفذ منه إلى ~~حياة أخرى ليست للغرفة المظلمة الشبيهة بالقبر. # اشتد بي الألم، فأخذني أبي إلى الطبيب في ميدان كبير اسمه الإسماعيلية، طنط فهيمة ~~قالت إنه أشهر طبيب في مصر في أمراض العظام. # منذ الدكتور «حنا» في منوف أصبحت أكره الأطباء، الأصابع الصلبة تنقر فوق صدري كأنما ~~صندوق خشبي، الأنفاس السريعة اللاهثة تفوح منها رائحة السبيرتو وصبغة اليود ومحلول ~~اليزول، الصوت المعدني والضحكة الميكانيكية الخالية من المرح، الأنف الشامخ الخالي من ~~الكبرياء. # للمرة الأولى أركب العلبة المربعة ذات القضبان الحديدية التي تصعد الأدوار العليا، ~~طنط فهيمة تسميها «الأسانسير»، كلمة فرنسية تعني «المصعد»، تلاشى الألم في عظامي مع ~~الصعود حتى الدور التاسع كأنما أركب طائرة، أصبح جسدي خفيفا، تحررت من الجاذبية ~~الأرضية، ضحكت بصوت مسموع، أغمض عيني، أطير. # الفرح تبدد حين دخلت العيادة، صالة الانتظار الواسعة، زحام من المرضى، عكاكيز خشبية، ~~وجوه صفراء شاحبة، عيون منكسرة، واستسلام كامل، انتظار الموت مثل انتظار مقابلة ~~الطبيب. # سوف أصبح مثلهم، سوف أتكئ على عكاز خشبي وأقضي عمري في غرفة الانتظار، الانتظار هو ~~الموت، لا أطيق الانتظار، أتحرك من مقعدي، أمشي في الطرقة خارج العيادة، أدب ~~بقدمي، أعلن أنني قادرة على المشي دون عكاز، لست مريضة، لست في حاجة إلى طبيب، لست في ~~حاجة إلى الانتظار! # جاء التومرجي مرتديا مريلة بيضاء، نظارة زجاجية تشبه نظارات الأطباء، عيناه ضيقتان ~~غائرتان، تلمعان مثل عيني الصقر، الشارب الأسود فوق الشفة، من أين جاء التومرجي؟ كان ~~مختبئا في غرفة جانبية يسجل في الدفتر إيراد اليوم، انقض على أبي بصوت يشبه نقيق ~~ضفدع أو نعيق البوم: كشف مستعجل يا بيه؟ # فوق الجدار لافتة معلقة، قائمة الأسعار، تشبه القائمة في دكانة ألف صنف وصنف في ~~منوف، شهادة الدكتور ms120 من كلية الطب القصر العيني داخل برواز ذهبي، صورة التخرج والأساتذة ~~الأطباء، بعضهم واقف على شكل صف، البعض جالس على الكراسي داخل البدل الداكنة اللون، ~~الوجوه المشدودة العضلات، الأنوف الشامخة، الساق فوق الساق أكثر شموخا بلا ~~كبرياء. # قبض التومرجي ثمن الكشف المستعجل، دخلنا إلى الطبيب، يشبه الدكتور حنا، الصوت وطريقة ~~الكلام، يخلط الكلمات العربية بكلمات إنجليزية، الضحكة الميكانيكية تنم عن اليأس ~~أكثر من المرح، كلية الطب تصك الأطباء بمطرقة واحدة، يتخرجون من تحتها مثل القروش ~~المتشابهة! # رقدت فوق منضدة الكشف، تركني عارية أنتفض من البرد، يرد على التليفون، طالت ~~المكالمة، نسيني فوق منضدة الكشف، عاد واضعا في فمه سيجارا سميكا أسود اللون، تسميه ~~طنط فهيمة «البايب»، ينفث الدخان في السقف، يفحص عظامي، لوى فقرات ظهري تطقطق بصوت ~~عال، تكسرت، فانطلقت صرخة. # لم يشفني الطبيب، أصابني بالانزلاق الغضروفي في الجزء السفلي من عمودي الفقري، ~~عانيت منه طوال حياتي، خرجت من عيادته أعرج عاجزة عن المشي، أدوس على قدمي فأشعر ~~بألم مثل الصاروخ في ظهري، اضطر أبي أن يسندني، وصلنا المصعد. # ميدان الإسماعيلية أوسع مما كان، محطة الترام بعيدة، أبعد مما كانت، لم أستطع ~~السير. # جلست على الرصيف، اضطر أبي إلى استئجار «تاكسي» بدل الترام. # تأخرت عن المدرسة أسبوعا، الطبيب أعطاني بعض الأقراص أصابتني بأوجاع أكثر. # أراد أبي يأخذني معه إلى منوف، سمعة كلمة «منوف» فنهضت من الفراش واقفة منتصبة فوق ~~قدمي، أثبت لأبي أنني قادرة على المشي، قادرة على الذهاب إلى المدرسة. # لا أريد أن أغيب يوما واحدا ... أسافر إلى منوف؟ سأغيب شهرا على الأقل، سأغيب العمر ~~كله، سيبدأ الحصار من جديد في منوف، سيظهر عريس جديد، مؤامرة جديدة نحو المصير المحتوم ~~على البنات. # تشبثت بالبقاء في بيت عمي حتى آخر العام الدراسي، أراد أبي أن ينقلني إلى بيت جدي ~~تحت رعاية طنط فهيمة: مش معقول يا سيد بيه الولد والبنت يعيشوا في أوضة بالشكل ده، أنا مستعدة آخدهم معايا ~~يعيشوا في بيت جدتهم تحت رعايتي. # نجحت وانتقلت إلى الثالثة الثانوية، ms121 أخي لم ينجح، اضطر أن يعيد السنة، أصبحنا في ~~بيت جدي الڤيللا الكبيرة المحاطة بالحديقة في شارع الزيتون، جدي مات منذ عامين، أصابه ~~التهاب رئوي، قضى سهرة حمراء في إحدى ليالي الشتاء، عاد إلى البيت يرتجف بالحمى، لم ~~يكن دواء البنسلين موجودا في مصر، قرأت طنط فهيمة في الصحف عن البنسلين أنه اكتشف من ~~مادة العفن، أصبحت آكل الخبز المعفن. آلام الظهر بدأت تخف، مات جدي بعد أسبوع من ~~السهرة، كان يعالج الحمى بالخمر، يهذي بعبارة: «داوني بالتي كانت هي الداء.» بعد موته ~~تنفست جدتي آمنة الصعداء، فتحت فمها المغلق وملأت صدرها بالهواء، الهواء كان ~~محملا بجرثومة مجهولة أصابتها في حلقها، سخرية القضاء والقدر، بدأت جدتي آمنة تنطق ~~بعد صمت السنين، نطقت فانسد حلقها بالورم الخبيث. # لا يستطيع أحد نطق كلمة «السرطان»، كلمة الموت أسهل على اللسان، يسمونه «المرض ~~إياه»، هذا الاسم لم تسمعه جدتي آمنة، قالوا لها: «الإنفلونزا» في الحلق، والتهاب ~~اللوز، بقيت في فراشها عاما، تراكم الألم في جسدها مع الحزن. الطبيب «أخصائي الأورام ~~الخبيثة» رشق في عنقها «إبرة الراديوم»، أصبح عنقها مخروما بالإبرة ملفوفا بالشاش، ~~رأسها عاجز عن الحركة، عيناها الرماديتان تدوران حولها مملوءتين بالألم المشلول، ~~إصبعها الشاحب بلون الضباب يشير إلى موضع الإبر في عنقها، إصبع ضبابي يشير إلى كتلة ~~ضبابية من الشاش، ماذا في عنقها؟! لا تستطيع أن تسأل، عيناها تتعلقان بالسقف، تخرقان ~~الجدار، تنفذان إلى السماء، تسألان الله: ليه يا رب؟ # أنفاسها في الليل لم أسمعها بأذني، كنت في بيت عمي، طنط نعمات كانت تصحو على صوت هامس ~~ينادي في الليل: يا رب! أهو صوتها أو صوت أمها في الغرفة المجاورة: ليه يا رب الظلم ده؟ ~~أنا عملت إيه؟! تورمت عين طنط نعمات من البكاء والنداء للرب في الليل، في النهار تحبس ~~الدموع، تتراكم الدموع في حلقها كالغصة، الورم الخبيث! أهو كيس مملوء بالدموع؟! # قضيت عام 1945م في بيت جدي، أصبح اسمه المرحوم، جدتي آمنة أصبح اسمها المرحومة، ~~أصبحت في الثالثة ثانوي، أنام في ms122 السرير العريض بجوار طنط فهيمة، أخي طلعت له غرفة ~~مستقلة بجوار غرفة خالي زكريا، طنط نعمات لها غرفة مستقلة، غرفات أخرى في البيت، طنط ~~فهيمة أصبحت ناظرة لإحدى مدارس البنات. لم تشأ أن تكون غرفتي وحدي، تحكم رقابتها على ~~نومي وأحلامي، الرعاية هي الرقابة! تحمل سلسلة من المفاتيح كالسجانة، مفتاح لغرفة مكتب ~~المرحوم، مفتاح لغرفة المرحومة، مفتاح لغرفة «الكرار» تخزن المؤن، مفتاح لغرفة ~~«الدادة» الخادمة الصغيرة الشبيهة بسعدية، مفتاح لغرفة المخزن في الحديقة جمعت فيها ~~الصور ذات الإطارات الذهبية، مفتاح الدولاب الكبير؛ حيث التحف الثمينة والأوراق والوثائق ~~الهامة، ورقة قديمة باهتة بخط الخديو إسماعيل، عثرت عليها طنط فهيمة في مكتب المرحوم، ~~تخرجها أمام الضيوف، تحملق فيها بعينيها الجاحظتين من وراء العدسات السميكة شامخة ~~بأنفها: الخديو إسماعيل أخذ العزبة بتاعة المرحوم جدي، كان لازم يدفع ثمنها، مات من ~~غير ما يدفع حاجة، لازم أطالب بحقنا من الحكومة. # خالي زكريا طالب في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة)، عيناه تلمعان بالأمل، العزبة ~~سوف تعود، أيام العز والرفاهية، مثل أخي طلعت يكره الدراسة والقراءة، يفضل الذهاب ~~إلى السينما والمسرح وسباق الخيل. # أخرج في الصباح الباكر إلى المدرسة، تدق ساعة الحائط الكبيرة في الصالة الواسعة ست ~~دقات، تفتح طنط فهيمة عينيها: الساعة ستة، اصحي يا نوال، أرتدي ملابسي بسرعة، أخرج دون ~~فطور، أمشي شارع الزيتون حاملة حقيبة المدرسة، أجري لألحق بالقطار، من النافذة أقرأ ~~أسماء المحطات، محطة «سراي القبة»، السور الأحمر الضخم، سراي الملك، الحدائق الخضراء ~~الواسعة، الزهور، المحطة بعدها «منشية الصدر»، البيوت المتهدمة، جدرانها ملطخة بالدخان ~~الأسود، حبال الغسيل في النوافذ والبلكونات تهتز مع اهتزازات القطار، «كوبري الليمون»، ~~أهبط في محطة كوبري الليمون، أهبط إلى ميدان باب الحديد، أجتاز الميدان؛ حيث تمثال نهضة ~~مصر الذي نحته محمود مختار (1891م-1934م)، انتقل إلى الجيزة أمام الجامعة، انتصب مكانه ~~رمسيس الثاني. # أركب الترام من باب الحديد حتى محطة السيدة زينب، السور الحجري «السنية»، أدخل من الباب ~~الأسود المشقق والجرس يدق، أجري إلى الطابور. # الرحلة من البيت إلى ms123 المدرسة بالقطار والترام تستغرق ساعتين، أخرج في السادسة والنصف ~~لأصل إلى المدرسة في الثامنة والنصف، في الشتاء يتأخر النهار، شارع الزيتون في الصباح ~~الباكر معتم مثل الليل، أجري لا أتوقف حتى محطة القطار. # ساقاي طويلتان تساعدان في الجري، استعدت صحتي في بيت الزيتون، الشمس تدخل من كل ~~النوافذ، الهواء محمل برائحة الورد والزهور، الغرفة المعتمة في بيت عمي سقطت في ~~العدم، سجلتها في الكشكول الأزرق، مفكرتي السرية. # أول يناير 1945م، الأمس كان الاحتفال برأس السنة الجديدة، خالي زكريا كان في الحفل ~~الكبير في بيت عمه طاهر بيه في شارع الملك، أخي طلعت كان معه، طنط نعمات كانت في بيت ~~عمتها بدور هانم في حدائق القبة، طنط فهيمة كانت في حفل مع زميلاتها في المدرسة، خالي ~~يحيى خرج مع زملائه الموظفين في مصلحة السكة الحديد. # بقيت وحدي في البيت الكبير الموحش، لم أذهب مع أخي إلى بيت جدي طاهر، لا أحب الذهاب إلى ~~هذا البيت، طنط يلدز وطنط دولت وخالي ممدوح، لا أحب الثلاثة، طنط يلدز ترمقني بعينيها ~~الخضراوين، تشمخ بأنفها، تنطق الكلمات الفرنسية، لا أفهم ما تقول. # طنط دولت تضع ساقا فوق ساق، تسألني من طرف أنفها عن اسمي واسم مدرستي، خالي ممدوح ~~يفتح حقيبتي دون إذن، ينظر فيها ويقول بصوت كالفحيح: «البنات دائما يخبوا حاجات حلوة ~~في شنطهم.» أشد منه الحقيبة، أخشى أن يأخذ منها مفكرتي السرية. # يشدها مني ويجري إلى غرفته، أجري وراءه أشدها منه، في غرفته يحاول أن يقبلني، ~~أدفعه بعيدا بذراعين قويتين، عظامي القوية تنقذني منه. # خالي ممدوح طالب في الجامعة مثل خالي زكريا، ضعيف العظام، نحيف الجسم، عيناه ضيقتان ~~مستديرتان غائرتان، عينا صقر ضعيف أو فأر، ليس في عينيه نظرة حب أو إعجاب، يستعرض ~~أمامي ما يملك. الولاعة الذهبية يشعلها بخبطة واحدة، علبة السيجارة في يده يدق بها سطح ~~العلبة، سلسلة المفاتيح من الذهب، يحركها بين أصابعه كالسبحة، مفتاح السيارة الصفراء ~~الصغيرة يركنها أمام الباب الخارجي، يسد بها الباب، الداخلون أو الخارجون يتأكدون ~~أنها سيارته ms124 وليست للجيران، يعجز خالي ممدوح عن إقامة حوار معي، يظن أنني كالبنات من ~~عائلة شكري بيه أو طاهر بيه، أن السيارة تبهرني أو المقتنيات الذهبية. # كنت محصنة ضد مظاهر الثراء، ورثت عن أبي احتقاره للأثرياء، صوته في أذني: حذاء مملوء ~~بالفلوس! # خالي ممدوح يبدو لي مثل حذاء لامع بالذهب، طالب في الجامعة، لم يسمع عن طه حسين، لا ~~يقرأ الكتب، لا يكتب ولا يرسم، لا يعزف على العود، ليس له هوايات إلا معاكسة البنات، ~~هو وخالي يحيى توءمان. # دقت ساعة الحائط الثانية عشرة، لم يعد أحد من سهرة رأس السنة الجديدة، توقفت عن ~~الكتابة جالسة وحدي في الصالة الواسعة، مسامير الصور بارزة فوق الجدران، خلعت طنط فهيمة ~~جميع الصور، أرادت أن تنسى صورة أبيها، تنفست الصعداء بعد موته مثل جدتي ~~آمنة. # صوت ينادي من غرفة جدتي: يا رب؟ ليه يا رب الظلم ليه؟ روح جدتي عادت من القبر، شبح ~~أسود يتحرك وراء الباب. # تجمدت في مكاني، البيت كبير موحش مملوء بأشباح الموتى، روح جدي تدق الأرض ~~بالعصا، صوته عال: يا إلهي أنت جاهي، جرس الباب يصلصل، لا أحد يدخل أو يخرج، الأرواح ~~تحرك الجرس المعلق أعلى الباب. # الغرفة الصغيرة في بيت عمي أصبحت واحة الأمن، لم تكن هناك أشباح موتى إلا شبح زوجة عمي ~~تمشي من الصالة إلى المرحاض، كانت حية، ليست ميتة مثل جدي وجدتي، كانت تبدو في العتمة ~~مثل الروح الخارجة من القبر، تتسند على الحوائط، ساقاها مقوستان تحت جسمها السمين، ~~تلهث، تتوقف، تأخذ نفسا طويلا، تنهيدة عميقة، تواصل خطواتها الزاحفة داخل الشبشب، ~~كعبه يطرقع على البلاط، تدخل المرحاض فيطرقع صوتها: مين اللي سد الكنيف؟! # كلمة «الكنيف» تعني المرحاض (بيت الأدب بلغة ستي الحاجة)، تدق باب غرفتي وأخي، ~~تسألنا بصوت الضفادع: مين فيكو اللي سد الكنيف؟! # أخي طلعت يكتم الضحك، يفتح الباب يقول لها: لازم عمي الشيخ محمد، عشان بيحب الكرنب ~~المحشي! # كانت زوجة عمي تطبخ جالسة في غرفة نومها، تقضي النهار في حشو الكرنب والباذنجان، وعمل ~~فتة ms125 الكوارع بالثوم، وحشو المنبار بالبصل والفلفل. # في كفر طحلة كان لعمي الشيخ محمد زوجة أخرى هي «أم فوزية»، نحيفة خفيفة، لا تكف عن ~~الحركة وعمل السحر ضد ضرتها، (الضرة هي الزوجة الثانية)، تهمس في أذني: «مرات عمك ~~الشيخ محمد في مصر زي الفيل أبو زلومة الخالق الناطق، مالهاش شغلة إلا حشو بطن عمك ~~الشيخ، راجل فلاتي بتاع نسوان زي المرحوم أبوه، نعمل إيه؟ ستك الحاجة هي اللي علمته ~~وصرفت عليه في الأزهر، وبقه لابس قفطان وعمة، تحت القبة شيخ يا شيخ محمد!» # في بيت عمي (في حي العنبري) زوجته الثانية تقول: «عمك الشيخ محمد ساب «أم فوزية» عشان ~~مجنونة، عقلها طاقق، مالهاش شغلة غير الشبشبة والسحر عشان عمك الشيخ يرجع لها.» # قبل أن تعود طنط فهيمة من سهرة رأس السنة الجديدة، قبل أن أغلق مفكرتي بعد منتصف الليل ~~أول يناير 1945م، كتبت: أنتظر إجازة العيد بفارغ الصبر لأسافر إلى منوف، أشعر بالحنين ~~إلى أمي وأبي وأخواتي، أشعر بالحنين إلى الحرف «ف»، يعزف العود في هدوء الليل تنثر، ~~سأدخل مدرسة الفنون الجميلة وألقاه. هل تخرج من المدرسة وتزوج؟ أيعيش هنا في مصر؟ هل ~~ألتقي به مصادفة في الطريق إلى المدرسة؟! # في إجازة العيد سافرت وأخي إلى منوف، اشترى أخي كاميرا صغيرة، كان عاشقا للصور، يدخل ~~إلى الغرفة في الحديقة حيث تخزن طنط فهيمة الصور، يقضي الساعات يتفرج على الصور، ~~عثر على صورة لأمي وهي تلميذة في المدرسة، صورة له وهو طفل تحمله أمي فوق صدرها، وجهها ~~يشبه الملكة نازلي تحمل طفلها الملك فاروق، أو العذراء مريم تحمل المسيح، أراد أخي أن ~~يأخذ هذه الصور إلى منوف، طنط فهيمة رفضت. كان يحرم نفسه من الطعام، يدخر القرش على ~~القرش، اشترى الكاميرا الصغيرة ليلتقط صورة في منوف لأمي، كنت أحب الصور مثل أخي، ~~القراءة كنت أحبها أكثر، أقرأ القصص والروايات، في أوقات الفسحة تلعب البنات في الحوش ~~أجلس على الدكة الخشبية وأقرأ، في حصة الألعاب الرياضية كنت أقرأ أيضا، في حقيبتي شهادة ~~طبية ms126 مكتوبة بخط يشبه نغبشة الفراخ: مطلوب إعفاء التلميذة نوال السيد السعداوي من حصة الألعاب الرياضية؛ لإصابتها بآلام ~~روماتيزمية في عظام الظهر والساق اليسرى. # أصبحت هذه الشهادة تلازمني في حقيبتي بعد أن تلاشت الآلام، أقدمها للناظرة حين ~~أتأخر في الصباح أو أغيب عن المدرسة يوما أو يومين، أعطت الناظرة أمرا للبواب أن ~~يفتح لي الباب، أبي يقول: رب ضارة نافعة. # في منوف التقط أخي طلعت كثيرا من الصور، أمي تتمشى في الحقل من حولها أخواتي ~~الصغيرات، صورتي أجري وراء فراشة بيضاء، وضع ذراعه في ذراعي «أنكاجيه» والتقطت لنا أمي ~~الصورة، جاء أبي التقط له أخي صورة واقفا بين الزرع في يده المنشة فوق رأسه ~~الطربوش. # | لقيط في دورة المياه # في مدرسة السنية كانت معي زميلة اسمها سعاد، تسكن في منزل مجاور لبيت عمي الشيخ محمد، ~~بيتها أحسن حالا، تدخله الشمس، المرحاض نظيف، أزورها لمجرد الدخول إلى المرحاض، تمشي ~~معي إلى المدرسة، تعطيني كراريسها أنقل منها ما يفوتني أيام الغياب. # سعاد سمراء البشرة نحيفة قصيرة، ووجهها طويل شاحب، شفتاها رفيعتان تشوبهما زرقة، ~~مطبقتان بشدة الجدية والاستقامة، في المرآة شفتاي منفرجتان غير منطبقتين، هل أفتقد ~~الجدية والاستقامة؟ أشد عضلات وجهي، أزم شفتي، مهما حدث لن أبتسم، لا شيء في الكون ~~يبعث على الابتسام. # فجأة تنفرج شفتاي، أبتسم لأقل سبب، جرو صغير يرفع ذيله يبول فوق جدار الجامع، الناظرة ~~ترفع أنفها بكبرياء لتسقط من فوق المنصة، أنفجر بالضحك، سعاد إلى جواري شفتاها لا ~~تنفرجان. # أخي طلعت يشاركني الضحك، يقلد طنط فهيمة، يدق بكعب حذائه الأرض، يقلد عمي الشيخ ~~محمد، يتنحنح بصوته الغليظ، زوجة عمي تتأوه بصوتها الناعم الممطوط. # الجمعة يوم الإجازة، أذهب مع أخي إلى حديقة الأزبكية والأندلس وحديقة الحيوان في ~~الجيزة، نتبارى في ركوب الترام دون دفع التذكرة، أخي أكثر جرأة في التزويغ من الكمساري، ~~يقفز من الترام قبل أن يصل إليه، أقفز خلفه، الكمساري يقفز ورائي، لم يكن مألوفا أن ~~تقفز البنات من الترام. # ركوب الترام دون دفع التذكرة من المباهج الكبيرة ms127 التي تملأ حياتنا الصغيرة، ثمن ~~التذكرة ستة مليمات تبدو ستة جنيهات. أخي طلعت يكبرني بعام واحد، يعرف كل شيء في مصر، ~~سينما مترو، مسرح الريحاني، كازينو بديعة، لم يحب المدرسة أو المذاكرة، يأخذني إلى دار ~~الكتب في باب الخلق، نجلس نقرأ الروايات، الكتب القديمة، أخي يحب الشعر، الموسيقى، ~~العزف على العود، الغناء، التمثيل، كان يمكن أن يكون فنانا موهوبا لولا ما حدث في ~~منوف. # كان في العاشرة من عمره، الضربة جاءته في نصف وجهه الأيسر، نصف قرن وأكثر مضى منذ ~~الحادث، أخي طلعت لا ينساه، يراه كل يوم في المرآة، الجرح الملتئم في خده الأيسر، الجرح ~~غير الملتئم في أعماقه. ~~- لولا منوف يا نوال ... ~~- كان حصل إيه يا طلعت. ~~- كنت بقيت موسيقار كبير. # صوت أخي في أذني قبل أن أغادر مصر في صيف 1992، جاء يزورني في بيتي بالجيزة، بريق ~~طفولي يطل من عينيه، طبقة شفافة من الدموع الجافة، سحابة رقيقة من الحزن القديم، صفرة ~~خفيفة تطفو فوق البريق، في يده روشتة من الطبيب: ارتفاع نسبة البولينا في الدم. ~~- ماذا في الكلية اليسرى؟ ~~- شوية تعب. # كلمة «تعب» ترن بصوته غريبة، لم يكن أخي يشعر بالتعب، لا ينام الليل، يتدرب على ~~العزف، يغني، يرى نفسه في المرآة موسيقارا كبيرا، يركب البسكليتة يطير بها في الهواء، ~~يحلق فوق الزرع مثل الفراشة، بشرته بيضاء (مثل أمي) مشربة بالحمرة، ملامحه متناسقة، ~~ممشوق الجسم، ترمقه البنات بإعجاب، يرمقه الصبيان بكراهية، أمسك أحدهم قعر زجاجة، ضربه ~~في وجهه، جاءت الضربة في خده الأيسر، كان طفلا في العاشرة، هل نفذت الضربة إلى القلب؟ ~~إلى الكلية اليسرى؟ # أخذه أبي إلى طبيب في منوف، في القاهرة أخذه الطبيب إلى طبيب أكثر كفاءة، التأم الجرح ~~في الخد الأيسر، ترك علامة يراها أخي كل يوم في المرآة. ~~- لولا الجرح كنت بقيت ... ~~- الجرح مش باين يا طلعت ... # في المرآة لا يرى أخي إلا الجرح، منذ جاءته الضربة يكتم الدموع، الرجل يتلقى الضربة ~~دون بكاء، البكاء للبنات، أصبح أخي رجلا في العاشرة من عمره. ms128 # يبتلع الدموع إذا ضربه أبي، يضربه حين يسقط في المدرسة، حين يترك المذاكرة، لم يدرك ~~أبي موهبة أخي. ~~- عاوز تبقى مصوراتي؟! ~~- عاوز تبقى مازيكاتي؟! # لم تكن الفنون محترمة، الشهادات العليا من الجامعة هي أهم شيء، من لا يدخل الجامعة لا ~~يكون مثقفا، من لا يتخرج في الجامعة لا يكون عريسا. # كلمة «الجامعة» لها رنين ساحر، أول مرة رأيت «القبة» كنت في الرابعة عشرة من عمري، ~~ذهبت مع أخي طلعت وزميلتي «سعاد»، دخلنا حديقة الحيوان في شارع الجيزة، خرجنا من الباب ~~الآخر في شارع الجامعة. «القبة» لها هيبة، تلمع تحت الضوء أكبر من قرص الشمس، الساعة ~~العالية ترن بصوت أقوى من الأسد في حديقة الحيوان، شارع الجامعة تحوطه الأشجار ~~الباسقة، أوراق الشجر أكثر خضرة من الأشجار الأخرى، رائحة الياسمين تملأ الجو، أسفلت ~~الشارع يلمع تحت الشمس مغسولا بالماء والصابون، طلبة الجامعة يدبون فوق الأرض بأحذية ~~جلدية قوية، يرتدون بدلا من الصوف المتين رصاصي اللون، تتدلى من أيديهم حقائب جلدية ~~تلمع تحت الضوء، رءوسهم شامخة، عيونهم نحو السماء، يرمقوننا باستعلاء نحن الأطفال أو ~~التلاميذ، أيأتي يوم أدخل فيه الجامعة؟ أجلس إلى جوار هؤلاء الرجال؟ أتخرج؟ أصبح ~~كاتبة؟ طه حسين كان طفلا فقيرا فاقد البصر، أبي ليس فقيرا مثل أبيه، وأنا لست فاقدة ~~البصر! # شارع الجامعة وحديقة الأورمان، فرع النيل فوق كوبري بديعة (كوبري الجلاء)، والنيل ~~الرئيسي، كوبري قصر النيل، الأسد الحجري عند مدخل الكوبري أكبر من الأسد الحقيقي في ~~حديقة الحيوان، مياه النيل تجري تحت الكوبري، تنعكس عليها الأضواء، مياه أخرى، نيل آخر ~~غير النيل في كفر طحلة، السيارات تمرق فوق الكوبري، يهتز من تحتنا، تهتز معه ~~أجسامنا، أيسقط الكوبري ونحن فوقه؟! # دخلت إلى الميدان الواسع «الإسماعيلية» نسبة إلى الخديو إسماعيل، الجامعة اسمها جامعة ~~فؤاد الأول، ميدان واسع آخر اسمه ميدان فاروق الأول، شارع الملكة ناظلي، شارع الملكة ~~فريدة، قصر الأمير محمد علي، مدرسة الأميرة فوزية، الأميرة فوقية؛ أسماء ترن في أذني ~~مهيبة، أسماء الآلهة في السماء، لم أعرف أنها سوف تسقط ms129 ومعها ألقاب الباشوات في بضع ~~سنوات. # زميلتي «سعاد» مثلي تحلم بدخول الجامعة، كلية الحقوق بالذات؛ تريد أن تكون محامية ~~لتدافع عن حقوق الفقراء. أخي طلعت يريد أن يدخل معهد الموسيقى، أريد أن أدخل الفنون ~~الجميلة، كلية الآداب. الأدباء، أيتخرجون في كلية الآداب؟! # في أحلامي أرى نفسي أديبة أو كاتبة أو عازفة على العود، على البيانو، رسامة، أمسك ~~الفرشاة في يدي والحامل الخشب فوقه اللوحة، الصورة في ذهني، أول حب في حياتي، ~~أسترجعها، نائمة في الليل بجوار طنط فهيمة، عيناها الجاحظتان ترمقني، تكشف أحلامي، في ~~غمضة عين تنام، يرتفع شخيرها في السكون، أتسلل من الفراش إلى الفرندة الواسعة، أطل ~~على النجوم، أستكشف المستقبل، أستعيد الماضي، أدون السطور في مفكرتي. # الماضي يبدو لي ساحرا، سقوط الأشياء في العدم يكسبها الرونق ، الروث في حقل عم صابر ~~له رائحة العطر، بركة الطين بحيرة تلمع تحت القمر، قطرات المطر فوق زجاج النافذة، أصابع ~~تعزف على العود، نهيق حمارة الحاج محمود أكثر رقة من شخير فهيمة. # شطبت العبارة الأخيرة من مفكرتي، كارثة لو عثرت عليها طنط فهيمة، أشطب الكثير من ~~مفكرتي، أمزق الورقة وألقي بها من نافذة القطار، أشد عليها السيفون في المرحاض، أخشى ~~أن ألقيها في صفيحة القمامة في المطبخ، أرى طنط فهيمة تفتش في الصفيحة. # بعد موت جدي استبدلت طنط فهيمة الكلب الوولف بالقط المتنمر، في ظلمة الليل يقفز الجسد ~~الأسود فوقي، أهب من النوم مفزعة، تأخذه طنط فهيمة في حضنها، تحوطه ~~بذراعيها. # علاقة حب تربط طنط فهيمة بالقط المتوحش، يستكين بين ذراعيها، في غيابها يصبح ~~هائجا متحفزا، تطلق عيناه بريقا، لسانا مثل اللهب، في الليل يموء بين ذراعيها، ~~عشيق يحن إلى الحب، تحنو عليه طنط فهيمة أكثر من كل سكان البيت، أتفضل معاشرة ~~الحيوان على الإنسان؟ تعطيه حق الحب وتحرمني من الحق ذاته، لم تمد يدها مرة واحدة ~~لتربت على كتفي، لم تحطني بذراعيها مرة واحدة، لم تضع أمامي صحنا باللبن، تملأ ~~صحن الكلب باللبن. # في الليل أجلس في الفرندة كما كنت أفعل ms130 في منوف، أمامي الحديقة، أوراق الشجر تلمع تحت ~~ضوء القمر، عيناي تتعلقان بالنجمة البعيدة الوحيدة؛ نجمتي، ولدت معي، تموت معي، إلى ~~جوارها نجم يلمع، يرمقها، عيناه يكسوهما البريق، يطل عليها من الفرندة العلوية، ~~يعزف العود، يغني لها وحدها دون ملايين البشر، يعرف اسمها من بين ملايين الأسماء، ~~«يا نوال فين عيونك؟» أغمض عيني، أتسلق السور، أصل إلى الدور الثاني، أتوقف لحظة ممسكة ~~بسور الفرندة، كان يقف متكئا بذراعه على سور الفرندة، أسند يدي فوق السور الحجري كما ~~يسند يده، يهب الهواء، يمتلئ قميصه الواسع بالهواء، يحلق في الجو روحا بلا جسم، ~~يختفي وراء السحب، عيناي تدوران تبحثان، السماء والأرض خاليتان منه، يبدو غيابه مفاجئا ~~طارئا لم يحدث من قبل، أمد يدي نحو السور الحجري، ملمس الحجر تحت أصابعي دافئ مثل ~~بشرة حية، له رائحة الجسم، أضع يدي فوق يده، السور الحجري يلين تحت ذراعي ~~كذراعه. # أنتفض في السرير، أصحو، تفتح طنط فهيمة عينيها ... يسقط القط بين ذراعيها يفتح عينيه ~~هو الآخر، يرمقني في غضب، أنا غريمته في هذا الفراش، يريد أن يكون وحده في السرير؛ ~~كالزوج لا يطيق شريكا له. # في مفكرتي السرية كتبت: # طنط فهيمة لو عرفت كم من الوقت أقضيه في الليل بين ذراعي «ف»، ماذا تقول ~~عني؟ فتاة فاسدة؟ طنط فهيمة تقوم بأسوأ الأعمال في وضح النهار بأنف شامخ، ~~تحرمني من شرب اللبن في الصباح، تعطيه للقط المتنمر، هل أواجهها ~~بحقيقتها؟ هل أواجه كل الناس بحقيقتهم؟ أنام وأحلم أنني واجهت العالم بحقيقتي، ~~ولدتني أمي في هذا العالم، هذا العالم ليس بيتي، الأرض ليست أرضي، السماء ليست ~~سمائي، الأهل ليسوا أهلي، أنا بلا أرض، بلا سماء، بلا أهل! أنام وأحلم بالعالم ~~كله تغير، أحلم بلحظة أكسر قشرتي الخارجية، القوقعة الصلبة تحوطني، تعجزني ~~عن النطق، لماذا لم أنطق اسمه؟ نلتقي وجها لوجه؟ لم تنفرج شفتاي عن كلمة ~~«أحبك»، في الحلم أهمس له بالكلمة، ينظر إلي باندهاش، أيمكن أن تنطق بنت ~~بمثل هذه الكلمة؟ تتسع عيناه بدهشة، يبتسم بسخرية، يمضي ms131 في طريقه إلى شارع ~~المحطة في يده الحقيبة والعود في يده الأخرى، أصحو من النوم مبللة بالعرق، ~~بالندم طول العمر لو أن ابتسامته الساخرة لم تكن حلما، لو أن مفكرتي وقعت في ~~يد أحد! ماذا يقولون عن التلميذة الجادة المستقيمة؟! تسترجع حبها الأول؟! ~~تشكله، تعيد تشكيله؟! تستحضره؟ نسمة هواء في جو خانق؟ صورة جميلة في عالم ~~يخلو من الجمال؟ # جاءني أخي طلعت وهمس في أذني: عندي فكرة جهنمية! كثيرا ما تراوده تلك الأفكار ~~الجهنمية، رحلة إلى حديقة الحيوان في الجيزة، إلى القناطر الخيرية، إلى دار الكتب في باب ~~الخلق، المسرح، السينما، لم تكن أي شيء من ذلك، مغامرة بدت خطيرة شاركته فيها، لماذا؟ ~~إنه صديقي الوحيد في البيت الكبير الموحش، هل أفقد صداقته وأنا مثله أحب الصور، أكره ~~طنط فهيمة وأود الانتقام منها. # لم يكن في البيت إلا أنا وأخي، سافر الجميع في إجازة يومين، هبط أخي طلعت إلى الغرفة في ~~الحديقة الخلفية: «أنا جبت عربية كارو عشان نشيل الصور دي كلها.» # ارتعدت، لم يعطني فرصة للاعتراض، بدأ يحمل الصور من الغرفة إلى العربة الكارو، وجدت ~~نفسي أساعده كالتابع المطيع. بعض الصور كبيرة ثقيلة نشترك في حملها معا، أو يحملها أخي ~~فوق ظهري مثل حماره، الإطارات عريضة ثقيلة مصنوعة من الذهب أو ماء الذهب، صورة جدي ~~بالبدلة الرسمية والنياشين يشبه سعد زغلول باشا، صورة الخديو إسماعيل والخديو عباس ~~والملك فؤاد الأول، الإمبراطور هيلا سلاسي ملك الحبشة، الأستاذة فهيمة شكري تتلقى شهادة ~~المعلمات، صورة زفاف أمي وأبي، زفاف طنط نعمات إلى محمد أفندي الشامي، ثوب الزفاف قصير ~~من الدانتيل الأبيض، طنط هانم ثوب زفافها طويل يجرجر ذيله على الأرض، صورة بدور هانم ~~(شقيقة جدي) تحتضن طفلها تشبه صورة الملكة نازلي تحتضن الأمير فاروق، العذراء مريم ~~تحتضن المسيح، صورة لجدي طاهر بيه زوجته إلى جواره ترتدي اليشمك، ثلاثة من الصبية ~~يرتدون بدلا أنيقة، خالي يحي، خالي زكريا، خالي ممدوح، محمد علي باشا أحد أسلاف شكري ~~بيه! أمي بالفستان السواريه في حفلة رأس ms132 السنة، أمي تحمل طفلها الأول «طلعت»، الإلهة ~~إيزيس تحمل حورس. # أمسك أخي الصورة الأخيرة، تحفة! ~~«خسارة الصور دي تترمي في التراب كدة!» # ساعتان ننقل الصور من الغرفة إلى العربة الكارو، صعد أخي مع السائق فوق العربة ليربط ~~الحبال، الحمارة مربوطة في العربة هزيلة بيضاء تشبه حمارة الحاج محمود في منوف، زمجر ~~السائق، الحمل أثقل مما تصور، طالبنا بزيادة في الأجر، لم يشأ أخي أن يضيع الوقت، وافق ~~على الفور، تأهبت العربة الكارو للحركة، فوقها الحمل الثمين، نحن من خلفها، فجأة ظهرت ~~طنط فهيمة، انشقت عنها الأرض، رأيتها أنا وأخي في وقت واحد تدفع الباب الحديدي الخارجي ~~بيدها لتدخل، ظهرها ناحيتنا، سمعنا الجرس المعلق فوق الباب يصلصل، ابتدرت لتغلق ~~الباب وراءها، التقطت أذناها الصوت، النهيق، شارع الزيتون لم يكن فيه حمير، توقفت ~~حركة رأسها مع الاستدارة لتغلق الباب، عيناها الجاحظتان من وراء العربة الكارو، الحمارة ~~لم تتحرك بعد، الحمل ثقيل، تثبت حوافرها في الأسفلت، يرتفع نهيقها في الجو. ~~«شيه يا عزيزة شيه!» # طنط فهيمة عيناها لم تريا العربة الكارو، الحمارة فقط رأتها، تحركت عيناها إلى ~~العربة، أكوام الصور فوق ظهر العربة، ترددت، استدارت لتدخل، ظهرها أصبح ناحيتنا، ~~نجونا، نجونا، حمدنا الله. # لماذا استدارت مرة أخرى؟! لمحت المرحوم جدي يتربع فوق ظهر العربة الكارو، داخل الإطار ~~المذهب، داخل بدلة التشريفات فوق صدره النياشين. ~~«يا دي المصيبة!» طنط فهيمة ترفع الصوت، أبوها المرحوم عاد من القبر، المصيبة تحولت ~~إلى فضيحة، امتدت من بيت المرحوم في الزيتون إلى بيت الشيخ الأكبر في القلعة، إلى ~~العمارة العالية في الضاهر إلى منوف إلى كفر طحلة إلى كل مكان في الكون. # عاد المرحوم (ومعه جميع الصور) إلى الخلفية في الحديقة، انطلقت الحمارة مع سائق العربة ~~الكارو، لم يرد لأخي الثمن الذي أخذه مقدما. استأجرت طنط فهيمة نجارا، أصبح ~~لباب الغرفة قفل لا يفتحه الجان، أخي يحاول تفسير ظهور طنط فهيمة، لغز أصعب من نظرية ~~فيثاغورس، لو طنط فهيمة تأخرت دقيقة واحدة بس! لو الحمارة اتحركت دقيقة واحدة ms133 قبل ما ~~طنط فهيمة توصل! # كان عنيدا يكره الفشل في هذه المغامرات أكثر من الفشل في المدرسة، حصل على هذه الصور ~~بعد ذلك، كيف؟ دخلت إلى غرفته في منوف فرأيت الوجوه معلقة فوق الجدران، التي حملتها ~~فوق ظهري من الغرفة الخلفية، يتوسطها المرحوم جدي داخل الإطار المذهب داخل بدلة ~~التشريفات، النياشين فوق صدره. ~~••• # في مدرسة السنية، في ربيع عام 1945م، وقع حادث انقلبت له الدنيا، واحدة من الفراشات ~~اسمها دادة «أم علي» أطلقت صرخة حادة من دورة المياه، خرجت تحمل بين ذراعيها مولودا ~~يرفس بيديه وقدميه، أعلنت الناظرة الطوارئ، إغلاق الأبواب، حظر الخروج على جميع ~~البنات. # لم أفهم الموضوع، «دادة أم علي» (الفراشة) ولدت طفلها في دورة المياه؟ زميلتي سعاد ~~همست في أذني بكلمة جديدة: «لقيط»، الناظرة تشبه نبوية موسى وطنط فهيمة، ترمق طوابير ~~البنات بعينين جاحظتين، النظارة الزجاجية تدب على الأرض بكعب حذائها، أنفها من الجانب ~~يرتعش، حركة عصبية، شامخة إلى السماء، أرستقراطية من سلالة البشوات والأمراء من عائلة ~~محمد علي باشا. # لم تعثر الناظرة على البنت الآثمة، أصبحت كل تلميذة متهمة بالحمل السفاح، رنت ~~كلمة السفاح في أذني مثل السفاح، سمعت من طنط هانم عن السفاح في حي السكاكيني، ~~بجوار شارع الظاهر. «السفاح» يحمل السكين يقتل الناس، يعيش في السكاكيني، لا يسكن فيه ~~إلا أصحاب السكاكين، يا عبيطة يا نوال، السكاكيني باشا كان عايش في الحي، عشان كدة اسمه ~~السكاكيني! باشا يسمونه السكاينس؟ هل جمع فلوسه من بيع السكاكين يا طنط هانم؟ # شرحت زميلتي سعاد الفرقة بين السفاح والسفاح، السفاح (بالكسرة) هو الحمل أو ~~المولود بدون أب. # مولود بدون أب، سيدنا عيسى عليه السلام، أهناك غيره؟ سعاد تشرح لي، عيون المفتشين تمر ~~علينا في الطابور، كشافات تبحث عن علامة الجريمة، الحمل السفاح مرسوم فوق وجه ~~التلميذة؟ في بصمة يدها؟! # لم يعثروا على البنت المذنبة، أصبحت البنات كلهن مذنبات، مدرسة السنية كلها أصبحت ~~مذنبة، مدرسة سيئة السمعة. ~~- انتي في مدرسة إيه يا نوال؟ ~~- السنية يا طنط. ~~- ياه! اللي لقوا ms134 فيها ما اعرفش إيه في التواليت! # النسوة من عائلة المرحوم جدي تنتفض أجسادهن، يشهقن في نفس واحد، ياه! لا تكف ~~الواحدة منهن عن السؤال: انتي في مدرسة إيه؟ السنية يا طنط، يا مصيبتي! في عيونهم لا أرى ~~أي مصيبة، اللذة تتأرجح في عيونهن، أيحلمن طول الليل بالحمل السفاح؟! # طلبة المدارس يمشون وراءنا يغنون ساخرين: يا بنات السنية، مشيكم على الأرض غية (على وزن: يا بنات إسكندرية، مشيكم على البحر ~~فيه). # أحدهم يمسك طوبة يقذفنا بها، يلقي بحقيبة كتبه فوق صدر واحدة منا، يركب معها ~~الترام، يتبعها حتى بيتها، لا يكف عن الهسهسة بصوت قبيح، كلمات أقبح من الفحيح. # خبطني واحد منهم بكوعه في صدري، واقفة أنتظر الترام، أمسكت حقيبة كتبي وهويت بها فوق ~~رأسه، يسقط على أسفلت الشارع فوق قضبان الترام، كادت العجلات تدهسه، تجمع زملاؤه، ~~شدوه إلى الرصيف، لم يقترب مني أحد منهم، يرمقونني من بعيد، إذا حاول أحد منهم ~~الاقتراب صاحوا به: اوع يا ابني رأسك! دي من عيلة طرزان! # خالي يحيى يقف في الفرندة يعاكس البنات، خالي ممدوح ينضم إليه، لكن خالي زكريا كان ~~مهذبا، طنط فهيمة أخذت دور أبيه، تحذره من أخيه يحيى وابن عمه ممدوح، تقول له: «دول ~~صايعين وضايعين مش لازم تكون زيهم.» # الشجار يدب بين طنط فهيمة وطنط نعمات، نعمات هي الكبرى، أخذت دور الأم لأخويها، ~~تدلل خالي يحيى باسم «توحة»، تدلل خالي زكريا باسم «زيكة»، رجل له شارب كثيف اسمه ~~توحة أو زيكة؟! # بقايا التقاليد في تلك العائلات، اسم توحة يوحي بطفلة ذات خدين ناعمين، ليست هي خالي ~~يحيى، قصير نحيف، أحدب الظهر، رأسه كبير، جبهته مقوسة، شعره مجعد، يدهنه بالبريانتين، ~~يفرقه على جنب، طربوشه أحمر فاقع مائل على جنب، عيناه من وراء النظارة مائيتان غارقتان ~~في الدموع، لا يبكي، يضحك على نكت لا تضحك أحدا، «النني» الأسود مطفأ خال من ~~التعبير، تشوبه زرقة بلون طلاء النوافذ أيام الحرب، الحاجبان كثيفان مقوسان إلى أعلى، ~~مندهش دون أن يندهش، أنفه ناعم، طرفه المدبب ms135 مرفوع مثل أنف طنط فهيمة، تجري فيه دماء ~~أرستقراطية، فتحتا الأنف واسعتان تشوبهما رعشة، يملؤهما شعر غير بشري، شفتاه رفيعتان ~~يبللهما بطرف لسانه، يبتلع لعابه بصوت مسموع، يمص لسانه، يلعق شفتيه، يضحك فيظهر ~~فكاه الأعلى والأسفل، اللثة حمراء، الأسنان مشرشرة صفراء بلون الدخان، يرتدي بدلة ~~ضيقة وصديري ضاغط على صدره، يشعل السيجارة وراء السيجارة، يمسكها بين إصبعين صفراوين، ~~يدق بها فوق مسند الكرسي، دقات قوية، أصابعه رفيعة تشوبها رعشة، لم يكمل تعليمه، ~~اشتغل موظفا في السكة الحديد، يصلح الساعات المعلقة في المحطات. # يبدو رجلا طفلا، مثقفا جاهلا، عاليا واطيا، تفوح منه رائحة الدخان، مع عطر فواح ~~من عطور النساء. # أبي يعتبر خالي يحيى نموذج الشباب المخنث، نتاج طبقة عالية هابطة إلى أسفل، مصيرها ~~نحو الزوال. ~~••• # عدت من المدرسة فرأيت طنط فهيمة تلطم خديها بيديها: يا دي المصيبة السودة؟ # الخادمة شلبية متكورة وراء باب المطبخ تبكي، هل مات أحد؟ # دخلت إلى غرفة طنط نعمات، هل سأراها جثة ممددة في السرير، رأيتها واقفة أمام المرآة ~~داخل فستانها الحريري الأسود، ساقاها السمينتان البيضاوان داخل جورب شفاف أسود، شعرها ~~ملفوف بدبوس كبير فيه فصوص لامعة، قدماها داخل حذاء أسود لامع له كعب عال رفيع، تفتح ~~«الشفونيرة»، ترتدي الإسورة (الشبكة التي شبكها بها محمد أفندي الشامي)، ساعة اليد ~~الصغيرة ذات الفصوص اللامعة، جلست أمام التسريحة أو «التواليت»، وضعت البودرة على وجهها، ~~كحلت عينها بالكحل الأسود الطويل في المكحلة، تضعها بين جفونها، صبغت شفتيها الرفيعتين ~~بإصبع الروج، قلبت الشفة العليا فوق السفلى، مطت بوزها إلى الأمام. # رأتني في المرآة عند مدخل الغرفة، بطنها مرتفع قليلا تحت الفستان الحريري الضيق، ~~أيكون في بطنها حمل سفاح؟! ~~- بتبصيلي كدة ليه يا جارية ورور؟ ~~- إيه المصيبة السودة يا طنط نعمات؟ ~~- البنت مقصوفة الرقبة اللي اسمها شلبية، ماشية مع الولد المكوجي، أنا رايحة دلوقتي ~~حالا أشده من رقبته أجيبه هنا هو والمأذون عشان يكتب كتابها. # شلبية الخادمة الصغيرة تبدو أصغر مني، تحمل في بطنها جنينا؟! طنط نعمات تقول عنها ~~«مأرودة». لا ms136 يقل عمرها عن «خمستاشر سنة»، نحيفة كالبوصة، بلا أثداء ولا أرداف، جلدة على ~~عضمة، تنام على كنبة بلدي في غرفة الدادة، تغلق عليها طنط فهيمة بالمفتاح في الليل، كيف ~~حملت شلبية؟! # طنط نعمات تتهم الولد المكوجي، أو صبي البقالة المجاورة، بائع الروبابيكيا، جامع ~~القمامة، الزبال، ولد من الخدم، تقول عنهم: «بلا دين ولا ضمير ولا أخلاق.» طنط فهيمة لا ~~ترى أنه واحد من الخدم، الخدم لا يملكون الجرأة لاغتصاب خادمة الأستاذة فهيمة شكري على ~~سن ورمح، شارع الزيتون كله يعمل حسابها، الاستهانة بالخادمة هي استهانة بالمخدومة، طنط ~~فهيمة ترى أنه واحد من البهوات الصايعين الضايعين من أمثال يحيى بيه شكري. # شلبية ملامحها تشبه زينب ابنة عمتي بهية، ترتدي جلبابا واسعا يخفي ارتفاعة البطن، ~~متكورة حول نفسها، تمسح دموعها، تشد طرف جلبابها تغطي ركبتيها، طنط نعمات تلسعها بالعصا ~~الخيزران: انطقي يا بنت! الولد المكوجي ولا الزبال؟ ~~- ماعرفش وحياة ربنا يا ستي. ~~- بتحلفي بربنا كدب، إلهي يحرقك في نار جهنم! ~~- أنا في عرضك يا ستي! أبوس رجليكي يا ستي! # خالتي نعمات لا تلين لهذه التوسلات، قسوتها تشتد، انهالت عليها بالعصا الخيزران، تضربها ~~على أي مكان تصل إليه، شلبية تتكور كالقنفذ، تحمي رأسها بذراعيها، ذراعان رفيعتان بلا ~~لحم، عودان من البوص، تسقط فوقهما العصا الخيزران، يرتطم الخيزران بالبوص، شيء ينكسر، ~~الخيزران؟ البوص؟! # طنط نعمات سمينة قصيرة، قامتي فارعة بالنسبة لها، ذراعاي قويتان أقوى من ذراعيها، ضربت ~~الطالب الشاب على محطة الترام، أثق في قوة عضلاتي، أقوم بالتمرينات الرياضية في الحديقة ~~الخلفية، عمودان من الحديد في الأرض، «العقلة» و«المتوازيين»، يقفز خالي زكريا عليهما، ~~يحمل فوق كتفيه عمودا من الحديد ينتهي من كل ناحية بكرة حديدية، أتبارى مع خالي زكريا ~~في حمل الأثقال، جسمي يزداد قوة، أمشي رافعة رأسي، خطوتي فوق الأرض تخف، قوة جديدة ~~تحملني، قدماي لا يلمسان الأرض، هل يخف الجسم مع ازدياد قوته والروح ترق؟! # صوت شيء يتكسر في أذني، الخيزران؟ البوص؟ أمسك العصا بيدي الاثنتين، أغمض عيني، أضرب ~~بكل قوتي، أفتح ms137 عيني، بين يدي العصا، هل أضرب طنط نعمات؟ # لم أضربها رغم قسوتها، أشفق عليها، تربطني بها علاقة دم، شقيقة أمي أخذت منها العصا ~~الخيزران، ألقيت بها في الحديقة، لا شيء أكثر من ذلك. # بقيت مشكلة شلبية دون حل، لم يتزوجها أحد من الخدم، لكل منهم زوجة على الأقل، ~~فشلت طنط نعمات في مهمتها، في حياتها كلها، لا أحد مسئول عن فشلها إلا شلبية، شلبية ~~هي السبب وراء المصاب، من ورقة الطلاق إلى السرطان في حلق المرحومة. # أبكي وحدي في الليل، أتذكر شلبية، طفلة مثلي، عمرها أربعة عشر عاما، أصبحت الضحية ~~وكبش الفداء، الخروف البريء يذبح بدلا من البيه، لا دليل على أنه يترك بصمته، من يبحث ~~عن البصمة؟! البنت ليس لها أحد في مصر، أهلها في الصعيد، الحامل سفاحا تقتل مع ~~الجنين دون تحقيق. # انطلقت المشاعر السوداء المخبوءة تحت البشرة الملساء المنزوعة الشعر، الناعمة نعومة ~~الثعابين، العصا الخيزران كالكرباج، تمسكها الأصابع البضة المدببة الأظافر كالمخالب، ~~الجسد القصير الممتلئ بالغضب، بالحزن، بالإحباط، ينتفض مع انتفاضة الخادمة المضروبة، ~~الضاربة والمضروبة جسد واحد، تفصلهما العصا الخيزران، طنط نعمات، أتضرب نفسها بنفسها؟ ~~تنهار بعد الضرب من الإعياء، تتهاوى فوق المقعد تلهث، تنفض الهواء من صدرها، تشهق، ~~تتشنج، تنهمر الدموع من عينيها، العرق يتصبب من جسدها، تفرغ جسدها من المياه الراكدة ~~السوداء بلون قاع البرك. # طنط فهيمة لم تضرب شلبية، تستنفذ طاقته المخزونة في الخروج إلى المدرسة، تضرب ~~التلميذات بحافة المسطرة، تمر عليهن في طابور الصباح، تنهال المسطرة فوق الأصابع ~~الممدودة مثل مس هيمر ونبوية موسى وناظرة السنية وكل الناظرات، تعود طنط فهيمة من ~~المدرسة بعد الظهر منهوكة القوى. # أمي لم تضرب الخادمة سعدية بقسوة نعمات، تنفس أمي عن طاقتها في السجادة العجمية ~~بالمضرب الخيزران، في تخريط الملوخية بالمخرطة، فرم اللحم في المفرمة، تسعة من الأطفال ~~وأبوهم توكلهم طول النهار، يد زوجها تربت عليها في الليل، تدفئها في ليالي ~~البرد. # طنط نعمات عاشت وماتت، لم تحمل ولم تلد ولم يكفلها أحد، لم تملك في الحياة ms138 إلا ~~جهاز عرسها، كراسي الصالون المذهب، السرير النحاسي الأصفر، الدولاب الكبير، الشيفونيرة، ~~ترابيزة السفرة، البوفيه، «الدينوسوار» الدولاب الزجاجي للصيني والفضيات واثنتين من ~~الكومدينو، التسريحة أو التواليت، قطع الأثاث الشبيه بأثاث أمي. # لم تحصل طنط نعمات على شيء من معاش أبيها، القانون يحرم المطلقات من معاش الأب، بعد ~~الطلاق نفقة عام واحد من زوجها، أصبحت طنط نعمات بلا مورد، تطوف على بيوت الأهل في موعد ~~الأكل، عمتي رقية في كفر طحلة مثل طنط نعمات، الفقر في القرية أقل قسوة من المدينة، ~~القلوب في المدينة أشد قسوة من القرية، عاشت عمتي رقية وماتت أحسن حالا من طنط ~~نعمات. # لطنط فهيمة جزء من معاش أبيها، مع راتبها من المدرسة، تنتمي إلى طبقة أعلى من أختها ~~نعمات، ترمقها بطرف أنفها، طنط فهيمة رفضت الزواج بعقد رسمي، لم تشأ أن تفقد معاشها من ~~أبيها؛ الابنة المتزوجة مثل المطلقة، تحرم في القانون من معاش الأب. تزوجت طنط فهيمة ~~بعقد «عرفي»، العقد العرفي لا يعتبر عقد زواج رسمي، احتفظت طنط فهيمة بمعاش أبيها حتى ~~ماتت، العقد العرفي غير محترم مع أنه شرعي، الناس لا تحترم إلا العقود ~~الرسمية. # صورة شلبية محفورة في ذهني، تمشي وراء طنط فهيمة حاملة صرة من الدمور فيها ملابسها، ~~إلى أين تأخذها؟ تنقذها من بين يدي طنط نعمات، تنقذ سمعة العائلة الكريمة؟ لم أعرف ~~مصير شلبية، طردتها طنط فهيمة إلى أبيها ليقتلها؟ ربما تهيم على وجهها في الشوارع تتسول ~~طعامها؟ تبيع جسدها في سوق البغاء إذا اكتسى جسدها باللحم؟ لم أعرف مصير الطفل في ~~بطنها، القانون يحرم الطفل من الانتساب للأم، التبني محرم في الإسلام، آية في القرآن ~~تقول: # ادعوهم لآبائهم ~~، إذا كان الأب مجهولا يصبح ~~الطفل «غير شرعي»، يتحمل عن أبيه وزر الإثم، ضحية أخرى بريئة مثل خروف العيد، لماذا لا ~~يكون الأب المذنب هو الأب غير الشرعي؟! # كيف استطاعت طنط فهيمة أن تطرد شلبية من البيت؟ طنط نعمات اعتبرت الطرد أشد قسوة من ~~الضرب، في أعماقها الأمومة المكبوتة، الحنان الراقد في ms139 القاع، ترمق شلبية بعينين ~~مملوءتين بالدموع، تبتلع الدموع قبل أن يراها أحد، تسقط دمعة واحدة تمسحها بمنديلها ~~الحريري الأبيض. # طنط نعمات تخجل من دموعها، تلطم خديها بيديها، والدموع تظل حبيسة، سمات العائلات ~~المنحدرة من السلالات الراقية، عماتي الفلاحات الفقيرات يبكين بالدموع دون خجل، يفرحن، ~~يزغردن بصوت عال دون حرج، يغمروننا بالقبلات بالعناق عند الاستقبال، عند الوداع ~~تنهمر دموعهن، في المأتم يطلقن صراخا يشبه الزغاريد، يتجمعن في الحقل في الدار ~~في السوق، يواسين بعضهن بعضا في الأحزان والمصائب، البيت بجوار البيت، النافذة تطل ~~على النافذة والجارة، تتجمع الجارات أمام الدار، يجلسن على عتبة الباب، كل من تمر ~~في الزقاق تجلس معهن، الواحدة منهن لا تشعر بالوحدة، لا عزلة، لا جوع، تمد يدها إلى أي ~~حقل وتأخذ كوز ذرة. # طنط نعمات تعيش في الوحدة، البيت الكبير تحوطه حديقة واسعة وسور حديد، نوافذ الجيران ~~بعيدة، أتجلس على عتبة الباب كما تفعل ستي الحاجة أو عمتي رقية؟ أتمد يدها لتأخذ ~~رغيفا من أي مخبز كأنما الحقل؟ # طنط فهيمة مثل طنط نعمات، تلطم خديها وتظل دموعها محبوسة، في الليل أصحو على ~~جسدها ينتفض يرج السرير، جفونها مغلقة، وصوتها يخرج متحشرجا من بين فكين يصطكان: ~~«أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم!» ينقطع صوتها، تكف أنفاسها عن إصدار أي صوت، ~~ماتت؟! تشهق شهقة واحدة متحشرجة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!» ينتفض جسدها ~~انتفاضة واحدة، كالدجاجة المذبوحة، تهدأ، تعود أنفاسها عميقة منتظمة بالشخير ~~الخافت. # كانت ترى في نومها الكوابيس، شبح شلبية يلوح لها في الليل! طفلة متكورة بجوار صرة ~~ملابسها تبكي، صوت البكاء يخرق أذنيها مثل صفارة القطار، تقودها من يدها إلى القطار، ~~ترغمها على الصعود، تدفعها في ظهرها بقبضة يدها، تتبعها داخل القطار، تجلسها على مقعد ~~خشبي في الدرجة الثالثة مع صرة ملابسها المربوطة بالدوبارة. لم أكن مع طنط فهيمة في تلك ~~اللحظة، تصورتها واقفة فوق رصيف المحطة، شلبية جالسة على المقعد بجوار النافذة، يدها ~~النحيلة تمسك النافذة، يدها الثانية فوق صرة ملابسها، وجهها خال من ms140 الدم، عيناها ~~مملوءتان بالدموع وتتسعان لدموع العالم، تتفادى طنط فهيمة النظر إليها. # تنظر إلى الناحية الأخرى، تتعلق عيناها بالسماء، عمود السواري، يتحرك القطار إلى ~~الأمام معه شلبية، يتحرك الرصيف إلى الخلف معه طنط فهيمة، تمشي بظهرها إلى الوراء، ~~وجهها أصبح في رأسها من الخلف، ترفع طنط فهيمة يدها لتتأكد من وجود عينيها في مكانها، ~~تصطدم يدها بالنظارة الخارجية فتسقط على الأرض، تنكسر، يتناثر زجاجها في الجو مثل رذاذ ~~المطر، طنط فهيمة عاجزة عن الرؤية، لا ترى شيئا بدون النظارة، كيف تعود إلى ~~البيت؟! # عادت طنط فهيمة من محطة القطار بدون شلبية، لم تكلم أحدا في البيت، لم يكلمها أحد، ~~تنفجر بدون سبب مثل قطها المتنمر، عادت الأمور إلى ما كانت عليه، لم يعد أحد يذكر اسم ~~شلبية. جاء خادم عجوز في السبعين من العمر، عادت طنط فهيمة إلى طبيعتها، لكن كوابيس ~~الليل تراودها، أصحو في الليل على انتفاضة جسدها، صوتها المتحشرج، تكلم نفسها في ~~النوم، نشيج خافت كالبكاء المكتوم، تنفتح عيناها متسعتين جاحظتين في ذهول، تمتد يدها ~~تحت وسادتها، تتحسس المصحف، سلسلة المفاتيح، تغمض عينيها وتغط في النوم. # تغلق الباب على الخادم العجوز، تخشى عليه من الحمل السفاح، طنط نعمات تتهكم عليها، ~~طنط فهيمة لم تعد تأمن على شيء في البيت حتى نفسها، تغلق علينا الباب بالمفتاح في ~~الليل، تقرأ من المصحف سورة يس، تطرد بها الجان والشياطين، «أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم»، صوتها يشبه صوت ستي الحاجة وعمتي رقية، ملامحها أيضا تتغير، تصبح مثل طنط ~~نعمات خائرة القوى، مستسلمة للمصير المحتوم، في الصباح تتبدل، ترتدي وجه الناظرة ~~الشامخة، التايير الصوفي الأنيق، الحذاء الجلدي القوي، تضغط بإصبع الروج الأحمر على ~~شفتيها، تضحك بصوت عال ملقية برأسها إلى الوراء. # هذه المرأة التي سمعت بكاء شلبية، دفعتها بقوة داخل القطار، هي نفسها المرأة التي تضحك ~~وهي تصبغ شفتيها بالروج الأحمر؟! # في الرابعة عشرة من عمري، أنام في سرير واحد مع هذه المرأة، أخاف منها، أخاف لو ~~امتدت يدها نحوي تغطيني فأنتفض، أتمتد ms141 يدها إلى عنقي؟ أتدفعني بقبضتها لأسقط من ~~فوق السرير؟ # | سنة أولى سياسة # قضيت عاما دراسيا في هذا البيت الموحش، كان الليل طويلا، تسعى فيه الأرواح ~~والشياطين، روح جدي الميت، روح جدتي الميتة، أرواح الموتى لا تخيفني مثل أرواح الأحياء، ~~خالي يحي، هل ينكمش جسده ليدخل من تحت عقب الباب المغلق؟! # كانت طنط فهيمة تكره خالي يحيى؛ تقول: إنه شديد الغباء، فشل في الدراسة، أصبح ~~«ساعاتي». في الحلم أراه أشد غباء من القط الأسود، يتحول أيضا القط إلى روح شريرة، ~~من تحت عقب الباب المغلق يدخل خالي يحيى على أطراف أصابعه، يقترب من الوسادة تحت رأس ~~طنط فهيمة، يمد يده يأخذ المفتاح، في الحلم أقول لنفسي: يا سلام على الغباوة، ليه بيسرق ~~المفتاح إذا كان دخل من غير مفتاح ؟ # لا أحكي لطنط فهيمة هذه الأحلام، لا تطيق سماع هذا الكلام الفارغ، لا تنتظر مني إلا ~~الحديث عن المدرسة والدروس، طنط نعمات مولعة بهذه الحكايات الفارغة، تأكل وقت فراغها، ~~لا يقتل الفراغ إلا الفراغ. # حياتها كلها وقت فراغ، تملؤها بالحديث عن أي شيء، تتربع فوق الشلتة فوق السجادة في ~~الشمس، إلى جوارها الصينية عليها وابور السبرتو الصغير من فوقه الكنكة، ترشف القهوة ~~السادة من الفنجان المزركش رشفة رشفة، تمصمص شفتيها، تلعق بقايا القهوة، تحكي ~~حكاياتها من أول ما ولدتها أمها. بعد أن يفرغ الماضي من الحكايات تنظر إلى المستقبل، ~~تفرغ الفنجان فوق الصحن حتى يفرغ تماما من بقايا القهوة، ترفعه بالقرب من عينيها وتقرأ ~~الغيب، ترى مستقبلها على شكل خطوط سوداء متعرجة مرسومة بنتوء البن. بعد أن تنتهي ~~من المستقبل تعود وتتذكر الماضي، تحكي عن عريسها محمد الشامي ليلة العرس، تمص شفتيها ~~وتتنهد: ماحصلش حاجة، ثم تتذكر المرحوم أباها، تدعو الله أن يغفر له ذنوب بما فيها ~~الذنب الأكبر، إخراجها من المدرسة وهي صغيرة وتزويجها، وتتنهد تنهيدة عميقة: ربنا يسامحه ~~ويبشبش الطوبة اللي تحت رأسه. # طنط نعمات أقرب إلي من طنط فهيمة، كانت تفلت منها لحظات من الحنان، أبكي في الليل ~~حين ms142 أستعيد صوتها الحزين، كان هذا البيت الكبير مشبعا بالحزن. # ينتقل الحزن إلي كأنما بالعدوى، أتنفسه في الهواء الذي يتنفسه أهل البيت. # أرى خالي زكريا جالسا في الصالة يحملق في الفراغ ... أو غرفة أبيه الميت أو أمه الميتة، ~~يشرب السيجارة وراء السيجارة حتى اصفرت أسنانه وأصابعه. # خالي يحيى رغم القهقهة العالية تجمع الحزن فوق ظهره، أصلع، له سنام الجمل، يمشي ~~بظهره الأحدب فوق رصيف محطة القطار، يهرول بساقيه المقوستين داخل سروال متهدل، يصعد ~~سلما طويلا رفيعا، يصل إلى الساعة الكبيرة المعلقة فوق المحطة، يحرك عقاربها ~~المتوقفة ويغمز للبنات بطرف عين، أعاد للزمن حركته. # كان هذا الحزن منبعا من منابع الإلهام، أيقظ حاستي الأدبية وجعلني أكتب، الخادمة ~~شلبية، أهي بطلة روايتي أغنية الأطفال الدائرية؟ خالي يحي، أهو ذلك الرجل العجوز في قصة ~~ليست عذراء؟ عمتي رقية، أهي زكية في رواية الإله يموت في حضن النيل، أو موت الرجل الوحيد ~~على الأرض؟ ربما طنط فهيمة هي تلك الضابطة أو الناظرة، وطنط نعمات هي تلك المقهورة ~~المهجورة في إحدى رواياتي. # تركت هذا البيت الكبير الحزين لأدخل القسم الداخلي في مدرسة حلوان الثانوية للبنات. ~~مرت السنون دون أن أعود إليه لألقي نظرة لأستعيد الذكرى، أحب استعادة الذكريات، ~~الصور والأماكن القديمة، إلا هذا البيت، لم أعد إليه، الأحزان تحرق القلب، تحرق ~~الذاكرة، أمي ترد بعبارة واحدة حين أسألها: ليه اتجوزتي يا ماما؟ تقول: علشان اهرب من ~~بيت جدك شكري. # بيت الأحزان ... العيون تتحول إلى رماد، الموت يخطف الواحد وراء الآخر، يتراكم الحزن في ~~كيس داخل العنق، داخل الصدر. مات خالي زكريا شابا بلا أبناء بلا بنات، لم يترك وراءه ~~شيئا، مات خالي يحي، لم يذكره أحد، عاشت طنط فهيمة منقوعة في الحزن مع زوج يهددها ~~بالطلاق حتى ماتت، طنط هانم ماتت لم تأخذ معها عمارة من العمارات، آخر ما رأيت منهم ~~طنط نعمات، أهو جدي أتعس هذا البيت؟ نظامه العسكري؟ السلطة الأبوية تحطم أقرب ~~الناس إليها؟ الطبقة البرجوازية تتهاوى مع نهاية الحرب العالمية الثانية؟ النظام الطبقي ms143 ~~الأبوي يجري في التاريخ، السم يجري في الدم، في عروقي، في الشرايين، أتنفسه في الهواء ~~داخل البيت الحزين. # شتاء عام 1959م، في عيادتي الطبية في ميدان الجيزة، دق جرس التليفون، جاءني صوتها عبر ~~الأسلاك: إزيك يا دكتورة نوال. ~~- مين؟ ~~- مش فاكراني يا جارية ورور؟ ~~- طنط نعمات؟! إزيك يا طنط؟ إزي صحتك؟ ~~- نحمده، ولا يحمد على مكروه سواه. ~~- ياه! لسة فاكرة يا طنط نعمات! ~~- ما بقاش عندي غيره. ~~- مين؟ ~~- حيكون مين غير ربنا؟ ~~- صوتك تعبان يا طنط. ~~- تعبانة يا دكتورة. # صوتها ضعيف، رنة الحزن القديم، حشرجة صدر مملوء بالموت. # أعطتني عنوانها في حلمية الزيتون، تسكن في شقة أخيها يحيى مع زوجته وأطفاله، دخلت إلى ~~غرفتها المعتمة بجوار المرحاض، تذكرت غرفتي في بيت عمي الشيخ، لمبة كهربية 20 وات، ~~معلقة بين عوارض السقف الخشبية بلون الدخان، جهاز عرسها مكوم بعضه فوق بعض مثل النعش، ~~سريرها الأصفر النحاسي في الوسط، راقدة بين الأعمدة الحديدية الأربعة كالمصلوبة، وجهها ~~شاحب بلون ملاءة السرير، عيناها رماديتان مثل عيني جدتي آمنة، انفرجت شفتاها الجافتان: ~~كتر خيرك اللي جيتي، فيكي الخير يا دكتورة نوال. ~~«أنا جارية ورور يا طنط نعمات.» # سمعتها تضحك، عيناها تقاومان الظلمة، تشد جفونها، ويطل منها ببقايا بريق انطفأ ~~في زمن قديم. # أشارت إلى ثديها الأيسر ... وضعت يدي على الورم، تجمدت في مكاني. ~~«هو المرض إياه يا دكتورة نوال، أنا كنت عارفة إني لازم أموت بيه زي المرحومة ~~أمك.» # خرجت من عندهم أتحسس صدري، أهناك ورم خبيث في الثدي الأيسر فوق القلب مباشرة، هل ~~أموت خلال ثلاثة أشهر كما توقعت لطنط نعمات؟ # ركبت القطار من محطة الزيتون، كنت أركب القطار كل يوم من هذه المحطة منذ أربعة عشر ~~عاما، بدت محطة الزيتون معتمة متهدمة السلالم والجدران، رصيف القطار الذي كان طويلا ~~لا نهائيا أصبح قصيرا، أجتازه من أوله لآخره في نصف دقيقة، كنت أجري فوق هذا الرصيف ~~وألهث دون أن ألحق بالقطار، أنتفض في برد الشتاء وأتصبب عرقا في أيام الحر، كنت أقفز ~~في القطار ms144 بعد أن يتحرك، كان التلاميذ من شدة الزحام يقفون على سلم القطار أو يرقدون ~~فوق ظهره هربا من الزحام أو من دفع التذكرة، أحيانا يصعد إليهم الكمساري فوق ظهر ~~القطار، يقفزون إلى الأرض قبل أن يمسك بهم، سقط أحد التلاميذ وبتر القطار ساقيه ~~الاثنتين، رأيته ينزف على رصيف محطة سراي القبة، صورة الملك فاروق ترفرف فوق جسده ~~المقسوم نصفين على عمود طولي من عواميد السواري، بركة حمراء من الدم تلوث الرصيف ~~الأبيض اللامع كالرخام، فردة حذاء طارت من إحدى الساقين المبتورين، بقيت الفردة الثانية ~~في القدم الميتة، إلا أن التلميذ النازف فوق الأرض لم يكن يشعر أنه فقد ساقيه، يبتسم ~~لمن حوله في براءة، يتساءل بصوت طفولي: فين الفردة الثانية؟! لم يكن شغله تلك اللحظة إلا البحث عن فردة حذائه ~~المفقودة. # كان هذا التلميذ مثلي في السنة الثانية الثانوي، جاء من الريف مثلي ليدخل المدرسة، تركه ~~أهله في المدينة الضخمة ليسكن مع بعض الأقارب، «الأقارب زرايب»؛ كما كانت زينب ابنة عمتي ~~تقول: «المصايب من القرايب»، ربما كانت له عمة أو خالة تستولي على القروش التي يرسلها ~~أبوه إليه، لم يكن يملك ثمن تذكرة القطار، كان يحلم بدخول الجامعة ليصبح أستاذا ~~كبيرا مثل طه حسين. # في الليل وأنا نائمة كنت أرى نفسي تحت عجلات قطار الزيتون أو ترام السيدة، يضعون جسدي ~~المبتور الساقين فوق الرصيف من الزحام، أبحث عن فردة حذائي دون جدوى، أمشي حافية بدون ~~حذاء، أعرج فوق عكازين من الخشب، يلوح لي وجه حميدة الشقنقيري في مدينة منوف، أراها ~~مقبلة نحوي تمشي على عكازيها، أهب من النوم مذعورة أتصبب بالعرق. # قطار الزيتون كان مشهورا بالحوادث الأليمة، لا أعرف لماذا؛ ربما كانت ضاحية المطرية من ~~الضواحي الفقيرة، كان القطار يبدأ في محطة المطرية أو عين شمس وينتهي في محطة كوبري ~~الليمون أو باب الحديد ... في المطرية كان يعيش التلاميذ الفقراء المهاجرون مع عائلاتهم ~~من الريف ... أو المهاجرون وحدهم بحثا عن التعليم أو لقمة العيش. المدينة الضخمة تبتلعهم ~~مثل بلاعة تشفط ms145 الصراصير، قد يأكل القطار أو الترام أطرافهم، قد يصبح الواحد منهم ~~نشالا، يقفز بساق واحدة على سلم الترام يبيع الأمواس والأمشاط أو علب الكبريت، ثم ~~يقفز من الناحية الأخرى بعد أن ينشل المحفظة أو كيس الفلوس، أو الساندوتش الذي تأكله ~~واحدة من البنات في عربة «الحريم». # كان هناك عربة خاصة «للحريم» في الترامات والقطارات، أفضل الجلوس فيها عن الجلوس مع ~~الرجال، عيونهم ترمق صدري بنظرات حادة أشبه بالسهام، تمتد يد أحدهم فوق المقعد ~~وتقرصني في فخذي، في الزحام حين أقف بينهم قد يدس أحدهم إصبعه الصلب في ظهري، أو ذلك ~~الشيء الآخر الذي يتصلب بين فخذيه يدسه في جنبي، أو في الإلية وأنا واقفة مصلوبة ~~بين الأجساد، يداي مرفوعتان قابضتان على عمود علوي في سقف الترام أو القطار أو ~~الأتوبيس . # كنت أستدير أحيانا وأصفع الواحد منهم فوق وجهه، من أين كانت تأتيني الشجاعة؟ كنت ~~طفلة في الثانية عشرة أو الرابعة عشرة، لكن غضب الطفولة هو أقوى غضب ... أصدق غضب ... أنقى ~~غضب ... يتراكم في الجسد منذ الولادة ... يتوالد مع الزمن ولا يلد إلا نفسه. # كيف عاشت هذه الطفلة في أعماقي حتى اليوم؟! لا أعرف ... استطاعت أن تفلت من الموت، كيف؟ ~~لا أدري! ربما تدربت على الموت منذ الولادة فلم تعد تخشاه، ربما أصابها ذلك الشيء ~~الذي نسميه في الطب «بالحصانة»، يحتاج الجسد دائما إلى أن يحقن بالجراثيم ليكتسب ~~مناعة ضدها، «داوني بالتي كانت هي الداء!» أيكون هذا المثل الذي سمعته من جدي صحيحا؟ ~~هل نحتاج إلى جرعة من الموت لنكسب مناعة ضد الموت؟ ~~«نفي النفي إثبات.» # في حصة الجبر في السنة الثانية الثانوية عرفت هذه القاعدة؛ إذا أضفنا الناقص إلى ~~الناقص ينقلب إلى زايد «− + − = +». # دهشت في أول حصة للجبر والهندسة، كانت تسمى «الرياضة»، كنت أظن أن الرياضة تعني ~~الألعاب الرياضية في الفناء، أدركت رياضة أخرى؛ هي علم الحساب والجبر والهندسة أو ~~الرياضيات. أعجبتني هذه العمليات العقلية؛ أستشعر اللذة وأنا أحل المعادلات الجبرية ~~الصعبة، تزداد اللذة مع ازدياد الصعوبة. تبدو لي المعادلات ms146 معقدة مستحيلة الحل، ~~تتوالد العقدة وراء العقدة، تملأ الصفحة الأقواس والمكعبات والمربعات والمثلثات ~~والمسدسات، المعادلة مثل البناء الضخم أو الهرم يعلو ويعلو دون حل، وفجأة وأنا أضرب ~~أخماسا في أسداس أو أنفي النفي بالإثبات، إذا بالبناء الشامخ ينهار، تحل العقدة، ~~تنتهي المعادلة الصعبة إلى صفر. # يقفز عقلي، كأنما أنا العلامة فيثاغورس، هذه اللوغاريتمات أصبحت لعبتي، أفتح كراسة ~~الجبر في القطار أو الترام، أتسلى بحل المعادلات، أكاد أصرخ من اللذة. # في نهاية العام بعد الامتحان الأخير سافرت إلى منوف في إجازة الصيف، جاءت شهادتي ناجحة ~~بامتياز، ورسالة من ناظرة السنية إلى ولي أمر التلميذة نوال السيد السعداوي، كالآتي: ~~حصلت التلميذة على الدرجات النهائية في الجبر والهندسة، ويمكنها أن تدخل إلى قسم ~~الرياضية مع حصولها على مجانية التفوق ومكافأة شهرية، على أن تدخل معهد المعلمات بعد ~~حصولها على شهادة التوجيهية؛ لتصبح معلمة للرياضيات في مدارس البنات الثانوية بحسب ~~الشروط في القانون. # لم يكن في مدرسة السنية قسما داخليا، لم يكن لي أن أعود إلى بيت جدي لأغترف الحزن، ~~كنت أيضا أكره المعلمات أو الناظرات «الشروط في القانون»، لم أكن أعرفها أيضا، قال ~~أبي: إن وزارة المعارف كانت في حاجة إلى معلمات في مادة الرياضة، إنها تشترط على ~~خريجات المعهد أن يشتغلن كمعلمات لمدة أربع سنوات على الأقل، ألا يتزوجن، وفي حال ~~الإخلال بهذه الشروط ترد إلى وزارة المعارف مصاريف الدراسة كلها مع المكافأة ~~الشهرية. # سألني أبي ماذا أختار، كان متحيرا، إلا أنني حسمت الموقف، لا يمكن أن أقبل هذه ~~الشروط، بدت لي الشروط نوعا من العبودية، كأنما وزارة المعارف تشتريني بدفع مصاريف ~~دراستي، ثم تسمي ذلك مجانية التفوق، إذا كنت متفوقة فمن حقي المجانية دون ~~شروط. # نهض أبي من مقعده وصافحني، المرة الأولى التي يصافحني فيها، برافو يا نوال! أثبت ~~اليوم أنك ابنتي فعلا، كأنما لم أكن ابنته قبل ذلك، أو أنني لم أكن أستطيع أن أفعل ذلك ~~إلا لأنني ابنته! # نهض من مقعده وصافحني، يده الكبيرة حانية في قوتها، يستند على ms147 يدي بقوة الحنان، كان ~~أبي شديد الحنان، عيناه السوداوان يكسوهما بريق، دمعة كبيرة يبتلعها قبل أن تظهر، ~~أيفرح أبي بنجاحي؟! # أخي طلعت لم ينجح ذلك العام، لم يعد أبي يحزن كثيرا لسقوط أخي، يغمض عينيه ويشرد ~~طويلا، هل بدأ يراني في أحلامه؟ أيرى ابنته معلمة مرموقة؟ أستاذة أو طبيبة ماهرة؟ ~~أيعوضه نجاحي عن فشل أخي؟! هل أخي؟! هل تنتقل أحلامه من الولد إلى البنت؟! ~~••• # عام 1945م نقلني إلى مرحلة أخرى من حياتي، يسمونها المراهقة ... عمري أربعة عشر ~~عاما، قامتي تطول وأحلامي تتضاعف، أحلام جامحة محلقة في السماء بلا حدود، الفرق الوحيد ~~بينها وبين الجنون أنها عاقلة، تهدف إلى شيء بسيط هو تغيير العالم. # في النوم أراني فوق حصان أبيض مثل جان دارك، عيناي تكشفان الحجب كزرقاء اليمامة، ~~أردد أبيات الشعر كأنما أنا الخنساء. # لم أعد أبدد طاقتي في المعارك القديمة داخل البيت، أصبح أبي وأمي ينوبان عني في هذه ~~المهمة، تقدم عريس من طرف طنط فهيمة يحمل «الليسانس» من كلية الحقوق، هذه الكلية كان ~~يتخرج فيها الوزراء وكبار رجالات الدولة، كلمة «الليسانس»، تنطقها طنط فهيمة بعنق ~~يلتوي كالديك الرومي أو العنقاء، هذا العريس تتمناه أي بنت وإن كانت بنت الملك، ~~أيمكن أن أفلت منه؟ كان له أنف يشبه المنقار، صوته أخنف. # وقف أبي وأمي معي ضد فهيمة والقبيلتين من آل شكري والسعداوي، ابنتهما النجيبة «نوال» ~~سوف تحصل على الليسانس أو البكالوريوس، لم يعد مستقبلها في الزواج مثل البنات البليدات ~~الخانعات في البيوت ينتظرن العريس. # صورتي داخل فستان الزفاف تلاشت من خيال أبي وامي، حلت مكانها قامتي الفارعة داخل روب ~~المحاماة، أو معطف الأطباء الأبيض، أو ثوب الأساتذة في الجامعة أو الأدباء ~~الكبار. # إنه الانقلاب في حياة أبي وأمي، أخي طلعت كان حلمهما الأكبر، إلا أن رسوبه في المدرسة ~~العام وراء العام أصابهما بالإحباط، ثم تحول الإحباط إلى أمل جديد في ابنتهما الكبرى، ~~كنت أنا بالمصادفة هذه الابنة، وكان لا بد لي من أخ فاشل حتى أحظى بالاهتمام. # أصبحت في السنة ms148 الثالثة بمدرسة حلوان الثانوية للبنات بالقسم الداخلي، أنام في عنبر ~~ضخم يشاركني فيه ثلاثون تلميذة، نرقد على أسرة من الصاج الأبيض تشبه أسرة ~~المستشفيات، صفان طويلان، لكل سرير فجوة صغيرة في الحائط يسمونها دولابا، تغلق ~~بقفل مثل الدرج في الفصل، ويثبتن اسم التلميذة بدبوس مكتب، البطاطين رصاصية اللون ~~تشبه بطاطين الجنود في الجيش، حول المدرسة سور حجري عال كأسوار السجون، ضابطة ~~الداخلية تفتش على أحلامنا في الليل، عيناها حمراوان ينطلق منهما الشرر، في يدها ~~كشاف كهربائي، تظهر فجأة مثل عزرائيل الموت ثم تختفي فجأة. # إلا أنني تحررت من بيوت الأقارب، تلاشى من خيالي التمساح في بيت الضاهر، والغرفة في حي ~~العنبري، شعرت بالحنين إلى أمي وأبي وأخواتي، في الليل كنت أخفي رأسي تحت الغطاء ~~وأبكي، في الفصل لا أعرف اسم واحدة من التلميذات، في العنبر أدخل في السرير صامتة، ~~كلهن غريبات عني، وأغرب منهن المكان. # إلى جوار سريري من ناحية اليمين كان سرير تلميذة اسمها فكرية، عيناها سوداوان شاردتان، ~~شفتها السفلية ممطوطة إلى الأمام، تمطها بحركة ازدراء لكل ما في الكون، تتربع فوق ~~سريرها، تفرش أمامها اللوحة والألوان، بعد أن يدق جرس النوم وتنطفئ الأنوار تظل ~~جالسة في سريرها محملقة في الظلام. # من الناحية الأخرى كان سرير تلميذة اسمها سامية، نحيفة قصيرة القامة، تشبه سعاد زميلتي ~~في السنية، بشرتها سمراء شاحبة، شفتاها مطبقتان دائما، كنت أنجذب إلى هذه الانطباقة ~~للشفتين، لم تكن تجذبني البنات اللاهيات ذوات الشفاه الحمراء المنفرجة دائما بالثرثرة ~~أو الهأهأة أو الهسهسة. # بعد انتهاء الحصص كنت أقضي اليوم في المكتبة، كانت غرفة مهملة في الفناء بجوار دورات ~~المياه، رفوفها يعلوها التراب وخيوط العنكبوت، أغلفة الكتب سوداء كالحة، تفوح منها ~~رائحة الموميات مع براز الفئران. # كنت أبحث بين الكتب عن الروايات والقصص ... سامية كانت تبحث عن كتب التاريخ والسياسة، ~~فكرية لم تكن تحب القراءة، تمط شفتها السفلية بازدراء لكل الكتب، سامية ترمق الرواية ~~في يدي ثم تلوي في امتعاض: روايات إيه وكلام فارغ إيه، ده كلام رومانتيكي! # كانت ms149 المرأة الأولى التي أسمع فيها كلمة «رومانتيكي»، نطقتها سامية وهي تزم شفتيها ~~كأنها هي سبة، في يدها كتاب عن الحروب الصليبية، لم أكن أحب هذه الكتب عن الحروب ~~وفتوحات صلاح الدين الأيوبي وعمرو بن العاص. # حصة التاريخ تبعث في نفسي الملل، لم يكن التاريخ إلا مجموعة من الغزوات القديمة نحفظها ~~عن ظهر قلب، من غزوة أحد وبدر في عهد الرسول إلى غزوة نابليون على مصر. # مقررات التاريخ لا تشمل تاريخ مصر المعاصر، لم ندرس شيئا عن الاحتلال البريطاني ~~لمصر عام 1882م؛ لأنه كان مستمرا حتى ذلك الوقت، ولم نقرأ شيئا عن فساد الحكم الملكي ~~أو الأحزاب السياسية. # كانت حصة التاريخ تطمس التاريخ، تصنع من أفسد الحكام أبطالا، تفصل بين العصر والعصر ~~فلا ندرك الترابط بين العصور، نردد كالببغاء ما نحفظه في الكتب . # لم تكن فكرية تطيق الحديث عن التاريخ القديم أو المعاصر، تحكم على الحكومات كلها ~~بالفساد، والمحكومين كلهم بالخنوع والجبن، ترسم صورة الملك فاروق على شكل خروف العيد ~~المعد للذبح، والنحاس باشا على شكل الأراجوز الأعور في السيرك، أحمد ماهر باشا مثل ~~زكيبة القطن المثقوبة بالرصاص. # سامية كانت غاضبة على الجميع مثل فكرية، إلا أنها تستخدم لسانها بدل فرشاة الرسم؛ ~~أحمد ماهر يستحق ما أصابه من الرصاص، أصدر القرار بدخول مصر الحرب، النحاس باشا في رأيها ~~مهرج يتأرجح بين الملك والإنجليز، حزب الوفد لا علاقة له بالشعب، سعد زغلول لم يكن بطل ~~ثورة 19، إنه الشعب المصري الذي قام بالثورة، الفقراء من الشعب، العمال والفلاحون، بعد ~~الثورة تفاوض سعد زغلول مع الإنجليز، لم يحصل العمال والفلاحون على شيء، دماء شهدائهم ~~راحت هباء. ~~- أبوكي من العمال يا سامية ولا من الفلاحين؟ ~~- أبويا أستاذ محترم! # قالتها بغضب وهي تضغط بأسنانها على كلمة «محترم»، أدركت أنها لا تحترم العمال ولا ~~الفلاحين، رغم أنها لا تكف عن الحديث عنهم. ~~«وانتي أبوكي بيشتغل إيه يا نوال؟» # قلت لها بزهو الطاووس: إن أبي مثل أبيها أستاذ محترم، ثم حكيت لها قصة أبي في ثورة ~~19، كيف كان ms150 أحد أبطالها، تلقى الشظية في قدمه، نزف الدم فوق أسفلت الشارع، زمت ~~سامية شفتيها المطبقتين، وسألتني: أبوكي اسمه إيه؟ سؤالها كان غريبا، أدركت أن اسم ~~أبي مجهول في التاريخ، أبوكي في حزب الوفد يا نوال؟ مش عارفة! يا خبر! مش عارفة أبوكي في ~~حزب إيه؟! ~~«وانتي أبوكي في حزب إيه؟» # صمتت سامية طويلا ولم ترد على سؤالي، شحب وجهها أكثر مما هو، ثم همست في أذني: ~~بابا في الحزب الشيوعي، ده حزب سري. # لأول مرة أسمع كلمة حزب سري، ولأول مرة أرى شفتي سامية المطبقتين تنفرجان عن ~~ابتسامة أو شبح ابتسامة، بدأت تقترب مني أكثر، تحدثني عن أشياء لا أعرفها، ~~تناولني جريدة ملفوفة على شكل أسطوانة، تتلفت حولها في حذر وتهمس: اقريها على طول ~~ورجعيها تاني، اوعي حد يشوفها معاكي. # لم أكن أحب الهمس أو التخفي، يصيبني الشك أو النفور، كنت أظن أن اللصوص هم ~~الذين يتخفون في الظلمة، ثم عرفت أن «الثوار» أيضا يتخفون عن أعين ~~البوليس. # كان المرحاض هو المكان الوحيد في المدرسة الذي يمكن أن أغلق بابه علي وأقرأ الجريدة، ~~كان اسمها «الجماهير»، تشبه الجرائد الأخرى إلا أنها أصغر حجما، أقل ورقا، لونها ~~داكن، سطورها سوداء متلاصقة متآكلة الحروف، قد يسيح حبرها الأسود فيطمس بعض السطور أو ~~الكلمات، أسلوبها أكثر تعقيدا من العقاد أو العقباوي أو ابن المقفع، لا أكاد أفك ~~خطوطها أو أفهمها، من شدة الغيظ أو ربما الخوف كنت ألقيها في ثقب المرحاض وأشد عليها ~~السيفون. # لم تكن سامية تكف عن إعطائي هذه الجريدة، تدسها لي في حقيبتي بحركة سريعة كأنما هي ~~قنبلة زمنية، في الليل عندما تنام كل البنات في العنبر أنهض على طرف أصابعي، أخرج إلى ~~دورة المياه تحت ضوء المصباح البعيد في الشارع أحاول أن أفك طلاسم هذه الكلمات ~~المتلاصقة والسطور المتشابكة دون فواصل أو سواكن. # كانت هناك كلمات وعبارات تتكرر في كل صفحة: العمال، الفلاحون، الطبقات الكادحة، ~~البروليتاريا، البرجوازية، المتآمرون، الخونة، الصراع الطبقي، الطبقات الحاكمة، الأغلبية ~~الساحقة المسحوقة، الأقلية الانتهازية، اللصوص ms151 الذين يسرقون قوت الشعب. # في الإجازة الصيفية حين أسافر إلى منوف ترسل سامية إلي هذه الجريدة في البريد، تأتي ~~على شكل أسطوانة ملفوفة بدوبارة، يفكها أبي بصعوبة، ينفض عنها التراب، يقرأ عناوين ~~الصفحة الأولى مكتوبة بخط عريض أسود، ذاب الحبر مع التراب. ~~- مين يبعت لك الجريدة دي يا نوال؟ ~~- واحدة صاحبتي في المدرسة اسمها سامية. ~~- دي جريدة الحزب الشيوعي. ~~- إيه هو الحزب الشيوعي يا بابا؟ # لم يكن أبي يعرف عن الحزب الشيوعي إلا ما يقرؤه في صحف الحكومة أو صحف الأحزاب ~~السياسية؛ كالوفد أو الأحزاب الأخرى. كلمة الشيوعية، كلمة تعني عندهم الإلحاد والفساد ~~الأخلاقي وغرس الحقد في نفوس الشعب، التآمر لقلب نظام الحكم عن طريق العنف، الخضوع ~~لقوى خارجية في موسكو. # كان أبي يتعاطف مع حزب الوفد أو النحاس باشا حين يتصدى للإنجليز أو يصدر قرارات لصالح ~~الموظفين والفقراء من الشعب، لم يتعاطف أبي مع الإخوان المسلمين أو زعيمهم حسن البنا، ~~كان يراه مثل الشيخ المراغي متاجرا بالدين في حلبة السياسة. ~~- السياسة يا نوال لعبة بدون مبادئ. ~~- لكن انت يا بابا كنت دايما تشترك في المظاهرات. ~~- المظاهرات الشعبية شيء آخر. # كلمات أبي تنحفر في ذهني، السياسة لعبة بدون مبادئ، الأخبار في الصحف كلها عن الحروب ~~والمذابح والصراعات الحزبية، كنت أنجذب أكثر إلى الأدب والفن. # في المكتبة ألتهم أية رواية تقع تحت يدي، في الليل، بعد أن تنطفئ الأنوار، أخرج ~~مفكرتي السرية، وأكتب تحت ضوء القمر، بدأت رواية طويلة الصيف الماضي تحت عنوان ~~«مذكرات طفلة اسمها سعاد»، في النهار بعد انتهاء الحصص أجلس في الفناء فوق الدكة ~~الخشبية، تحت شجرة الكافور بجوار ملعب التنس أحتضن القلم والكشكول. # شمس الشتاء في حلوان قوية، دافئة، تسري حرارتها في جسدي وعقلي، ملأت الكشكول بالرواية، ~~ستون صفحة كتبتها، تنهمر دموعي مع «سعاد» بطلة القصة كأنما هي أنا. # في حصة اللغة العربية طلب المدرس أن نقدم له في الاختبار قطعة أدبية من خيالنا، قدمت ~~له الرواية، أعادها إلي في الأسبوع التالي، راح يرمقني بعينين ضيقتين: السماء ms152 لا تكون ~~غاشمة يا حمارة! أنت في حاجة إلى تقوية في الدين! # أعطاني صفرا في الاختبار، لم يترك صفحة من الرواية دون أن يشطب منها أو يعلم عليها ~~بقلمه الأحمر: خيال مريض ناتج عن ضعف الإيمان! أفكار غريبة شاذة لا ترد لأية فتاة ~~في هذا السن! # في النوم يلوح لي «الصفر» بقلمه الأحمر كأنما حكم بالإعدام، في النهار أحملق في ~~«الصفر» حتى أحس الألم الخارق فوق بياض عيني، كانت الدموع تتجمع تحت الجفن ثم تجف ~~تحت الشمس كالملح. # في إجازة الصيف أخذت الكشكول معي إلى منوف، خبأته بين كراريسي القديمة في الدرج، وقع ~~في يد أمي الرواية وتأشيرات المدرس، والصفر الأحمر الضخم على شكل حبل المشنقة. ~~«القصة حلوة يا نوال، والمدرس ده غبي.» # انتشلتني أمي من هاوية الشك في نفسي، كان الأستاذ في المدرسة مثل الإله، لا يمكن أن ~~نشك فيه، والأسهل أن نشك في أنفسنا. # أبي أيضا قرأ الرواية، جلست إلى جواره وهو يقرأ، عيناي فوق ملامح وجهه، ألتقط ما قد ~~يظهر عليها من أحاسيس قبل أن يدركها هو، أراقب اللمعة في عينيه حين تحوم حول شفتيه أو ~~تنقلب إلى انقباضة في عضلات الفم. # لم يكن أبي مثلي سريعا في إبداء رأيه، إنه بطيء بالطبيعة أو عن عمد، ربما قرأ في وجهي ~~لهفتي على سماع رأيه، فجلس صامتا فوق الكنبة مثل «أبو الهول»، أكان يستعذب تعذيبي؟ لم ~~أنس ما كان يفعله في طفولتي أيام السيرك، إنه يهوى إضاعة الوقت في مثل هذه اللحظات ~~الحاسمة في حياتي، ينتظر وينتظر حتى تفرغ طاقتي على الصبر وأنفجر من الغيظ، حينئذ يخرج ~~أبو الهول عن صمته ويقول: برافو يا نوال! عندك موهبة فعلا! # كان يمكن أن أقفز في الهواء، أنقض عليه وأعانقه بذراعي الاثنتين، أغمره بالقبلات، ~~رغم جنوني كنت عاقلة متزنة لا أستطيع تجاوز العادات أو التقاليد. # كلمة أبي «عندك موهبة» انحفرت في ذهني، مسحت الصفر الأحمر وتشطيبات المدرس، كنت ~~أحب اللغة والحروف، لم أكره إلا مدرس اللغة والنحو والدين، هؤلاء يقتلون الموهبة ms153 في ~~مهدها، أما الدين فلا شيء جعلني أكرهه مثل المدرسين، لم يكن يروقهم من كتاب الله إلا ~~الآيات العسيرة على الفهم، الكلمات التي تتكور في الحلق، المعاني التي لا تناسب مرحلة ~~العمر، والتفسيرات التي تزيد الأشياء غموضا، التهديدات بنار جهنم خالدين فيها، والتلويح ~~بجنة أبرز ما فيها الجلوس على الأرائك. سألت المدرس مرة: أيكون في الجنة قلم لمن يريد أن ~~يكتب وكشاكيل؟ انفجرت البنات في الضحك، وطردني المدرس من الحصة. # رغم كل شيء كنت أحب المدرسة، أكثر ما أحبه فيها هو العزلة، أدخل المكتبة لأقرأ وأكتب، ~~كنت أحب أيضا اللعب والجري في الفناء مع البنات، نقفز الحبل ... نلعب الباسكت بول «كرة ~~السلة» أو الفولي بول، إلا أن «التنس» كان لعبتي المفضلة، تشاركني في ذلك زميلة اسمها ~~صفية، بيضاء مستديرة الوجه، عيناها خضراوان ، هي الوحيدة التي تلعب التنس من كل ~~زميلاتي. # كنت أعشق حركة الجسم في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس، أغني لنفسي وأنا أحرك ساقي، ~~أكاد أطير في الجو، في غرفة الموسيقى أغني وأرقص مع البنات على اللحن الذي تعزفه ~~فاطمة، تلميذة معنا في العنبر تهوى الموسيقى والغناء، تغني لأم كلثوم «هو صحيح الهوى ~~غلاب»، و«افرح يا قلبي»، كان لصوتها بحة جميلة تهز قلوبنا بالفرح ... # قبل أن يدق جرس النوم ندخل إلى الحمامات تحت مياه الدش، أغني لنفسي: «عندما يأتي ~~المساء ونجوم الليل تنثر، اسألوا الليل عن نجمي، متى نجمي يظهر؟!» # أسمع فاطمة من وراء الجدار تغنيها بصوتها الشجي ... تنهمر الدموع من عيني مع المياه ~~الساقطة فوق رأسي، لم يكن ينغص علينا حياتنا إلا ضابطة الداخلية، اسمها كان «أبلة ~~عزيزة»، مثل الشاويشة في السجون، تحمل في يدها مفاتيح غرفة التأديب، ترتدي حذاء أسود ~~غليظا له كعب كاوتش سميك أو «كريب»، لا نسمع وقع قدميها حين تمشي مثل مس هيمر في مدرسة ~~منوف. # كانت ليالي الجمعة في الداخلية أجمل الليالي ... تخلو المدرسة من كل ضابطة الداخلية ... ~~تحمل حقيبة ملابسها الصفراء لقضاء نهاية الأسبوع ... نرقبها حتى تختفي وراء الباب ~~الخارجي، فنطلق الصفافير ms154 وصيحات الفرح، نقلب عنبر النوم إلى صالة للرقص والغناء أو ~~خشبة للمسرح. # عالم جديد كان ينفتح أمامي، الحياة المشتركة مع البنات من عمري، لم أعرف هذه السعادة ~~من قبل، في المدرسة الخارجية لم تكن هناك فرصة لهذه الحياة الجماعية، الحصة تأتي وراء ~~الحصة، ثم يدق جرس الانصراف فننطلق إلى بيوتنا، نخشى التأخير. في القسم الداخلي ~~عندنا الوقت، لا نخشى التأخر عن العودة إلى البيت أو الأهل، أحببت حياتي الجديدة بلا ~~أهل أعود إليهم، أصبحت الزميلات من الأهل، والمدرسة عندي أفضل من أي بيت. # الفناء واسع، أجري فيه كما أشاء، وعنبر النوم تدخله الشمس من نوافذ كبيرة، ينساب ضوء ~~القمر الفضي إلى سريري، عيون البنات يكسوها البريق، تطل من الأسرة الممتدة بطول ~~العنبر. # في الصباح نقفز من الفراش، نجري في الطرقات الطويلة ، نتزحلق على البلاط بالشباشب ~~والقباقيب، داخل الحمامات المفتوحة، إلا من نصف جدار، نتراشق المياه مثل الأطفال على شط ~~البحر في الإسكندرية، أستعيد طفولتي قبل السابعة من العمر، في ذاكرتي البعيدة صورة ~~لطفلة سعيدة تحملها أمواج البحر إلى السماء الزرقاء، إلى جوارها تسبح أمها كالسمكة، ~~عيناها يكسوهما بريق عسلي، ذراعاها ممدودتان جاهزتان لانتشالها من الغرق. # في الليل أقف في النافذة أطل على القمر، البنات نائمات، واقفة وحدي أحملق في ~~النجوم، أبحث عن نجمتي، يملؤني الحنين إلى حبي الأول، أستعيد ذكراه. تفتح «صفية» ~~عينيها، تنهض من سريرها، تسير حتى النافذة وتقف إلى جواري، تحملق في ضوء القمر، حول ~~عنقها سلسلة ذهبية يتدلى منها مصحف صغير، شيء آخر من الذهب على شكل القلب، تفتحه بأطراف ~~أصابعها، بعض شعرات سوداء، تقربها من فمها تقبلها، تعيدها داخل القلب الذهبي، تغلقه ~~بالقفل، حبها الأول والأخير، شعرات من رأسه هي الذكرى، تركت له خصلة من شعرها، لن تنساه ~~مدى الحياة، لن تتزوج إلا هو، جعلتني أقسم على المصحف ألا أعلن اسمه، دموعها تجري فوق ~~خديها تلمع في الضوء الأبيض. ~~«هو الوحيد اللي باحبه في الدنيا يا نوال، باحبه أكثر من أبويا وأمي، حيبقى دكتور، زي ~~القمر، ms155 أحلى واحد في الدنيا، مش ممكن أتجوز غيره.» # أقضي إجازة نهاية الأسبوع في المدرسة، مع البنات اللائي بدون أهل أو أقارب في القاهرة، ~~لم أكن أخرج من باب المدرسة إلا لأركب القطار إلى منوف، في إجازة العيد أو إجازة الصيف ~~في نهاية العام. # ليلة الجمعة لا يدق جرس النوم، ولا تنطفئ الأنوار، هذه هي ليلتنا الوحيدة في الأسبوع، ~~يمكن أن نسهر حتى الصباح، يمكن أن نرقص ونغني دون أن تنقض علينا الضابطة، يمكن أن ~~نقضي الليل في تمثيل إحدى القصص من تأليفي. # كان عنبر النوم يتحول إلى مسرح، نكوم الأسرة كلها في المؤخرة، نفسح مكانا للخشبة ~~في المقدمة، الملاءات نصنع منها الستائر، ندعو البنات من العنابر الأخرى ليصبحن ~~الجمهور. # في البداية كنت أقوم بالأدوار كلها، المؤلفة والمخرجة والممثلة وموزعة التذاكر، كانت ~~التذاكر مجانية أول مرة، مربعات صغيرة من الورق مقطوعة من أحد كشاكيلي، فوق كل مربع ~~يكتب اسم المسرحية وعنوان المسرح، عنبر ثالثة «أ»، هذا هو عنبرنا، الذي أطلقت عليه ~~العنابر الأخرى اسم «مسرح الحرية». # إحدى المدرسات كان اسمها «مس سنية»، كانت تدرس لنا اللغة الإنجليزية، طويلة ممشوقة ~~القامة، الوحيدة بين المدرسات التي تلعب التنس، الوحيدة بينهن التي تتحدث معنا بعد ~~انتهاء الحصص، أو تجلس معنا في الفناء، تناقشنا في الروايات الإنجليزية المقررة ~~علينا. # إحدى هذه الروايات كان اسمها «آدم بيد»، والبطلة تحمل سفاحا، ذكرتني بالخادمة شلبية ~~في بيت جدي، أوحت إلي بكتابة مسرحية أعطيتها عنوان: «صرخة في الليل»، كانت إحدى العروض ~~التي قدمها مسرح الحرية في ليلة من ليالي الجمعة. # كان العرض يبدأ بعد انتهاء العشاء وصعودنا من المطعم في الفناء، في اليوم السابق وزعنا ~~التذاكر، لم تعد مشرشرة أو مجانية، ثمن التذكرة أصبح مليما واحدا، مررنا على ~~العنابر بالتذاكر، زغردت البنات بالفرح، فرشنا البطاطين على الأرض ليجلس عليها الجمهور، ~~تجمع لدينا القروش فاشترينا بها لوازم مسرحية، أقنعة من الورق الكارتون، مساحيق لدهن ~~الوجوه والشخصيات، لب أسمر وفول سوداني محمص للقزقزة أثناء العرض. # قامت صفية بدور البطلة التي تحمل ms156 سفاحا، هربت في ظلمة الليل، ترتدي ثوبا واسعا تخفي ~~تحته بطنها المرتفع (حشونا بطنها بالملابس)، تجلس على حافة النيل حزينة تفكر في ~~الانتحار. # كان المسرح مظلما تماما، أطفأنا كل الأنوار، علقنا البطاطين فوق النوافذ لتحجب ضوء ~~القمر، أو نور الكهرباء في الطرقات الخارجية، أنفاس الجمهور مكتومة، في انتظار ما يحدث، ~~كان الجنين في بطن الأم، صرخت الأم صرخة واحدة مكتومة، ثم انطلقت من بعدها صرخات ~~المولود الجديد. # كانت فكرة هي التي تؤدي دور المولود من وراء الستار، مزقت صرخاتها الحادة سكون ~~الليل مثل صفارات الإنذار. # فجأة انفتح باب العنبر واندفعت أبلة عزيزة الضابطة في يدها كشاف الضوء، لسوء حظنا ~~كانت تقضي نهاية الأسبوع في المدرسة ولم تخرج كعادتها، سمعت صراخ المولود وهي تمشي في ~~الممر أمام غرفتها، تصورت أن واحدة من البنات قد حملت سفاحا. # | مظاهرات البنات # انقلبت الدنيا في مدرسة حلوان الثانوية للبنات، كان المفروض أننا بنات عذراوات لا نعرف ~~شيئا عن «الجنس» أو الحمل السفاح، هذه الكلمة يجب ألا ننطقها في السر أو العلن ~~باللغة العربية، وإن كانت مقررة علينا في إحدى الروايات فيمكن النطق بها باللغة ~~الإنجليزية فقط، وداخل الفصل فحسب، وليس في عنبر النوم. # لم يكن لنا أن نعرف كيف يمكن للحمل الطبيعي أن يحدث، فما بال الحمل السفاح! كانت ~~هناك حصة اسمها «رعاية الطفل»، تدخل ضمن المقرر في مدارس البنات فقط، في الحصة نهبط ~~إلى بدروم المدرسة حيث غرفة كبيرة بها حوض يشبه البانيو، يمتلئ بالماء، وطفل من ~~البلاستيك الأصفر تمسكه أبلة حكمت من تحت إبطيه وتشرح لنا كيف نحميه دون أن يغرق في ~~الماء، ودون أن يدخل الصابون في عينه، لم تكن تشرح لنا كيف يأتي هذا الطفل إلى العالم. ~~أبلة «حكمت» كانت تعطينا حصة أخرى تحت عنوان «الصحة والأحياء»، تشرح لنا كيف يحدث ~~التلقيح بين الزهور والنحل والديدان، أما التلقيح عند الإنسان فكان من المحرمات، ~~ومحظور علينا أن نعرفه. # في مكتب الناظرة الشبيهة بنبوية موسى وقفت أرتعد، في يدها تذكرة مكتوب عليها: مسرح ms157 ~~الحرية يقدم صرخة في الليل، تأليف نوال السعداوي، دليل الجريمة المادي تلوح به في ~~وجهي، عيناها جاحظتان من وراء النظارة كعيني طنط فهيمة، رذاذ لعابها يتناثر فوق وجهي من ~~شدة الغضب. ~~- واحدة طويلة زيك طول الباب تعمل حاجة فظيعة بالشكل ده! ~~- يا أبلة الناظرة، دي مجرد قصة خيالية. ~~- عاوزاها تبقى حقيقة؟! أما بنت قليلة الأدب بصحيح! وأصدرت الناظرة قرارا بنقلي من ~~القسم الداخلي إلى القسم الخارجي وخصم ثلاث درجات من السلوك والأخلاق، تدخلت مس سنية ~~لتخفيف العقاب، قالت للناظرة إني موهوبة. «يعني إيه يا ست سنية؟ الأخلاق عندي أهم من ~~أي حاجة، دي بنت جريئة وممكن تفسد كل بنات الداخلية!» # لم تغير الناظرة قرارها إلا بمجيء ولي الأمر؛ أي أبي. عدت إلى مكاني في القسم ~~الداخلي، إلا أن مسرح الحرية مات ، أصبحنا نكتفي بالغناء في ليالي الجمعة، نحن واقفات ~~في النوافذ مثل السجينات، نسهر على ضوء القمر، نسترجع الذكريات الماضية، أو نحلق في ~~السماء مع أحلام المستقبل. نتجمع حول فاطمة وهي تغني: «هو صحيح الهوى غلاب! ماعرفش ~~أنا»، نرد عليها في كورس جماعي، قد نهبط إلى غرفة الموسيقى، تدق فاطمة على البيانو، ~~وتلف صفية الحزام حول وسطها وترقص، نشاركها الرقص حتى يتصبب منا العرق. # لم تكن سامية تشترك في هذه الألعاب، تمط شفتيها المطبقتين في امتعاض. ~~«البلد في أزمة، وأنتم نازلين لعب؟!» # كانت سامية تشعرنا دائما بالإثم، كأنما نحن السبب في احتلال الإنجليز لمصر، أو فساد ~~الملك، أو انتشار الثالوث المشهور حينئذ: «الفقر والجهل والمرض»، أطلق عليها العنبر ~~اسم بعبع أفندي. # نمت الصداقة بيني وبين فكرية، الرسم عندها مثل الكتابة عندي، أقرأ لها ما أكتب وتريني ~~لوحاتها، في الليل بعد أن تنطفئ الأنوار تقرب سريرها من سريري وتهمس في أذني: «حادخل ~~كلية الفنون الجميلة وأبقى رسامة مشهورة.» # حققت فكرية النصف الأول من حلمها، بعد التوجيهية دخلت الفنون الجميلة، ثم انقطعت ~~أخبارها عني خمسة عشر عاما، كنت أبحث عن اسمها بين الرسامات دون جدوى. في صيف عام 1961 ~~كنت على شاطئ ms158 البحر في الإسكندرية ألعب مع طفلتي الصغيرة «منى» في المياه الزرقاء، ~~أحملها فوق الأمواج وأسبح بها كما كانت أمي تفعل معي وأنا في الرابعة من العمر، لمحت ~~فكرية فوق الرمال حافية القدمين تمسك حذاءها في يدها، عيناها السوداوان شاردتان، وشفتها ~~السفلية ممطوطة إلى الأمام بازدراء لكل ما في الكون. ابتسمت حين لمحتني داخل المياه، ~~أشرقت أسنانها البيضاء في الشمس، تعانقنها بحرارة الصداقة بعد غيبة خمسة عشر عاما، ~~سألتها عن الرسم، انطفأت بسمتها وهربت عيناها بعيدا وهي تمط شفتها: «أصلي أنا ~~اتجوزت.» ثم أفلتت منها ضحكة قصيرة ساخرة: «على العموم جوزي فنان كبير، وهو يرسم لنا ~~احنا الاثنين.» ضحكت: «يعني زي غاندي؟» سألتني ما علاقة غاندي بالرسم؟ حكيت لها عن ~~غاندي حين سافر إلى قصر ملك الإنجليز في لندن، وسأله الملك حين رآه يدخل عليه شبه عار: ~~لماذا لم ترتد ملابسك؟ فرد عليه غاندي: أنت ترتدي لنا نحن الاثنين! # فاطمة ذات الصوت الجميل الذي كان يفرحنا ويبكينا كان لها حلم واحد، أن تصبح كوكب ~~الشرق مثل أم كلثوم، دخلت كلية الآداب بعد الثانوية العامة، تزوجت أستاذها، يكبرها ~~بعشرين عاما، سافرت معه إلى الكويت أو السعودية، انقطعت عني أخبارها أكثر من ربع قرن، ~~ثم فجأة في خريف 1975 جاءني صوتها عبر أسلاك التليفون، قرأت عني شيئا في الصحف، ~~فراحت تبحث عني حتى عرفت رقمي، صوتها كان ضعيفا حزينا؛ فهي طريحة الفراش وتطلب ~~رؤيتي. # في مدينة الأساتذة بضاحية الدقي وجدت الفيلا الأنيقة تحوطها حديقة كبيرة، وكلب ضخم ~~يشبه الوولف في بيت جدي شكري بيه، قادني السفرجي يرتدي قفطانا وصديريا أحمر إلى ~~الأنتريه ثم الصالون الواسع، تبرق فيه الثريات والتحف ونباتات الظل، صعد بي ~~عبر ممرات وسلالم رخامية إلى الدور الثاني حيث غرفة النوم. # فوق سرير يشبه سرير الملكة نازلي (رأيته في طفولتي في إحدى الصور)، رأيت فاطمة راقدة، ~~بشرتها بيضاء بلون الملاءة، زوجها غائب في بلاد النفط يجمع المال، تزوج امرأة أخرى في ~~الكويت أو السعودية، تراكم الحزن داخل الكيس في الثدي فوق ms159 القلب، أشارت بإصبعها الشاحب ~~الناحل إلى الألم: «هنا يا نوال، هاتي إيدك، الدكتور قال إنه ورم ليفي حميد، لكن أنا ~~حاسة إنه بيكدب علي، يا ريت تقولي الحقيقة.» # كان ورما سرطانيا خبيثا من الدرجة الثالثة، كذبت عليها كما كذبت على أمي وخالتي ~~نعمات وكل المرضى بهذا الداء، لعنت اليوم الذي دخلت فيه كلية الطب وأصبحت طبيبة، لا أرى ~~الناس إلا في لحظات المرض أو الموت، عيون منطفئة يطل منها الحزن، عيناها كانتا بلون ~~العسل المصفى، يتألق صوتها وهي تغني: «افرح يا قلبي»، كانت تحلم بأن تكون كوكب الشرق، ~~لكنها تزوجت، وبنى لها زوجها مقبرة من الرخام، حفر عليها اسمه (وليس اسمها): «حرم ~~الأستاذ الدكتور فلان.» # ماتت صديقتي فاطمة وهي في الخامسة والأربعين من عمرها كما ماتت أمي، وراح اسمها في ~~العدم، لم تفعل بحياتها شيئا سوى الانتظار، داخل الصالون الفخم واجترار حلم ضائع، ~~صديقتي الثالثة سامية كانت صامتة مطبقة الشفتين، ترمقنا بعين صفراء حين نتكلم على ~~أحلامنا تحت ضوء القمر أو ذكريات الحب الأول، هي لا تؤمن بالحب أو الأحلام أو الخيال، ~~تمط شفتها في امتعاض. ~~«البلد في أزمة وانتم عايشين في الخيال! دي رومانتيكية طفولية!» تمط فكرية شفتها ~~السفلية في وجهها، تخرج لها لسانها، تتغطى سامية بالبطانية من قمة رأسها إلى قدمها. ~~«نام يا بعبع أفندي، نام واتغطى من الهوا!» تقول لها فكرية وتضحك حتى تدمع عيناها، تطل ~~سامية من تحت الغطاء، تخرج لها لسانها ثم تتغطى من جديد، لا تترك ثغرة واحدة لدخول ~~الهواء، لم نكن نعرف كيف تتنفس، كانت تنام بعمق طول الليل، لا تتقلب من جنب إلى جنب، ~~تتكور كالجنين حول نفسها، في الصباح الباكر تتسلل من الفراش دون صوت، تمشي بحذر فوق ~~الأرض، تتكلم بصوت خافت مملوء بالحذر. # في يوم ارتفع صوتها عن المعتاد وهي تقول: «بكرة فيه مظاهرة كبيرة أوي، وكل المدارس ~~حتخرج، ولازم مدرستنا تشارك في المظاهرة الوطنية.» ~~«المظاهرة الوطنية؟!» # هاتان الكلمتان لهما رنين في أذني بصوت أبي، الطفلة المبهورة الجالسة في الفرندة ms160 ~~البحرية بالإسكندرية، الأب الشجاع العملاق يضرب الأعداء، رصاصة تطير في الجو وتدخل ~~صدره، ينزف الدم الأحمر فوق أسفلت الشارع، أهب من نومي مذعورة، أمشي على أطراف أصابعي، ~~أتوقف عند باب الغرفة حيث ينام أبي وأمي، وقد يكون الباب مواربا فأسمع شخير أبي، أدرك ~~أنه حي، وأن الأمر لم يكن إلا حلما. أعود إلى سريري لأنام، فيعود إلي الحلم، إلا أنني ~~أنتقم لموت أبي، أرتدي درعا لا يخترقه الرصاص، أمسك السيف وأضرب الأعداء مثل جان دارك، ~~السيف في يدي يشبه رشاشة «الفلت»، الأعداء يتساقطون على الأرض كالذباب، يخف جسدي ويطير ~~في الجو كالفراشة، أحرك ذراعي بدل الجناحين، يتحول الهواء إلى مياه زرقاء، أسبح في البحر ~~كالسمكة، ترتفع الأمواج إلى السماء ثم تهبط بي إلى القاع، تمتد ذراعا أمي نحوي ~~وترفعني فوق السطح. ~~«المظاهرة الوطنية بكرة يا بنات.» # هذا هو صوتي المشتعل حماسا وأنا أمر على العنابر، الدم يرتفع من صدري إلى رأسي ~~ثم يهبط إلى قدمي، دم ساخن ملتهب، أحمل الشعلة في جسدي وأمشي حافية في ~~الممرات البلاط، أفتح أبواب العنابر الواحد تلو الآخر، وأهتف بالبنات: «بكرة ~~المظاهرة يا بنات.» # صوتي يشبه صوتي حين كنت أقول: «بكرة المسرحية يا بنات.» العالم يبدو في عيني ~~كالمسرح الكبير، التذاكر أصبحت منشورات، قطع مستطيلة من ورق الكراريس كتبنا عليها ~~بالحبر الأحمر: الجلاء بالدماء. كان في عنبرنا عشر نوافذ كبيرة على شكل صفين، صف ~~يطل على الممر الداخلي، وصف يطل على السماء والصحراء. # تلك الليلة السابقة على المظاهرة وقفنا في النوافذ، نشتغل على ضوء القمر «البادج» قطعة ~~مربعة من القماش الأبيض، طرزنا عليها بالخيط الحريري الأحمر حروف الكلمتين «الجلاء ~~بالدماء»، اشتغلنا طول الليل، لم تتخلف واحدة منا إلا سامية. # إلى جواري في النافذة وقفت فكرية وفاطمة وصفية منهمكات في التطريز، نسمة الليل في ~~حلوان دافئة حانية كأنامل الأم، يجتاحنا الحنين إلى الأهل، أضواء الشارع من بعيد تقود ~~إلى محطة القطار، النجوم في السماء تبدو لنا أقرب من الشارع، السور الحجري العالي يحوط ~~الفناء الواسع، الصحراء ms161 ممدودة حتى الأفق، رائحة العين الكبريتية تسري مع الهواء، ~~ثكنات الإنجليز العسكرية وراء تلال الرمال رابضة كالوحوش تنتظر الانقضاض. الليل في ~~حلوان صامت إلا من صوت مدفع يطلق، أو بضع رصاصات يعقبها نباح الكلاب، أو وقع أقدام ~~الجنود الإنجليز بأحذيتهم الحديدية، في أيديهم كشافات، يسلطون الضوء على نوافذ ~~المدرسة، يغازلون البنات بأصوات قبيحة، نهتف في نفس واحد: الجلاء بالدماء. # على مرمى البصر كانت الأشجار الباسقة، من ورائها الحديقة اليابانية، الهواء في حلوان ~~جاف رقيق، يملأ صدورنا بالشجن العميق، تنوعه عيوننا في خضم الكون اللانهائي، ~~نستشعر الوحشة والغربة، نسند رءوسنا فوق حافة النافذة، تتماسك أيدينا، نستأنس ~~بوجودنا معا، بحرارة أجسامنا وتآزرنا ضد العالم المجهول، يختلط في خيالنا وجه الأم ~~بوجه الأب بوجه الرب، يذوب الحب الأول في حب الوطن، ننشد معا: بلادي بلادي لك حبي ~~وفؤادي. ليالي حلوان غير تلك الليلة عام 1946م، عقارب الساعة تقفز من الثانية إلى ~~الرابعة، أوشك الفجر على الطلوع، واقفات في النوافذ نطرز تحت ضوء القمر البادج الذي ~~سوف نعلقه في المظاهرة على صدورنا ناحية اليسار فوق القلب. # سامية هي الوحيدة في العنبر التي نامت طول الليل، لم تكن تؤمن بالسهر في ضوء القمر، ~~عملية التطريز في نظرها عملية بطيئة، كتبت بالحبر الأحمر «الجلاء بالدماء» فوق البادج ~~وعلقته فوق صدرها في نصف دقيقة، كانت تؤمن بالأشياء العملية والنتائج السريعة، تبدأ ~~حديثها دائما بكلمة الواقع أو حتما، «الواقع يا بنات ان النوم أفيد من اللي انتو ~~بتعملوه ده!» «حتما يا بنات أبلة عزيزة حتطب عليكم والليلة مش فايتة على خير.» # لم يكن لسامية صديقات في العنبر إلا أنا، كان لانطباقة شفتيها وصمتها نوع من الغموض ~~يجذبني، ولأن سريرها كان مجاورا لسريري، أصبحنا نتبادل الحوار: «إيه فايدة الخيال يا ~~نوال، إيه فايدة القصص الخيالية؟ البلد في أزمة وانتي نازلة قراية روايات.» # في صوتها نبرة لوم وتأنيب، كلماتها تملؤني بالإثم، كأنما أنا أخون الوطن لأني أحب الأدب ~~والفن، وأقول لها: إن الخيال عندي ضروري كالهواء أتنفسه. تمط شفتيها دون ms162 اقتناع، لم ~~يكن لي أن أقنعها بالكلمات، كانت اللغة كالحاجز تقف بيننا، لديها عبارات معقدة تقف في ~~الحلق من الصعب فهمها: «لازم أشرح لك الديالكتيكية يا نوال»، كانت هذه الكلمة ~~«الديالكتيكية» تصيبني بالاكتئاب، إن سامية عاجزة تماما عن أن تشرحها لي، حين تسمعها ~~فكرية تنفجر بالضحك. قبل أن ننام كل ليلة تطل «صفية» علينا من سريرها وتهتف: ~~«تصبحوا على خير يا بنات، وعلى الديالكتيكية!» نخفي رءوسنا تحت الأغطية ونشهق بالضحك، ~~تزم سامية شفتيها بازدراء، تغطي نفسها من الرأس إلى القدمين، وهي تصيح: «الواقع يا ~~بنات انكم جهلة، وحتما مستقبلكم ضايع!» # لم يغمض لنا جفن تلك الليلة، دق جرس الصباح، ومن بعده جرس الفطور، قفزنا فوق السلالم ~~جريا نتسابق في الدخول إلى المطعم، نجلس على الدكة الخشبية الطويلة، نتشمم الخبز ~~المحمص واللبن الحليب، نعود أطفالا نصرخ من الفرح. # ثم تجمعنا في الفناء الواسع، نرتدي التايير الرمادي يعلوه البادج بالحروف الحمراء ~~البارزة: الجلاء بالدماء. انضمت إلينا تلميذات القسم الخارجي، ترامى إلينا أصوات ~~الهتافات في الشارع من بعيد. حلوان الثانوية للبنين خرجوا، والمدارس الابتدائية أيضا، ~~ارتفعت صيحات البنات: لازم نخرج في المظاهرة، احنا مش أقل من تلامذة الابتدائي! صعدت ~~واحدة فوق أكتاف الأخريات، وراحت تهتف: الجلاء بالدماء! ورددت وراءها المئات من ~~المتجمهرات في الفناء: الجلاء بالدماء! أضافت واحدة: يسقط الإنجليز! تسقط ~~الحكومة! # أصدرت الناظرة أوامرها، انغلقت البوابة الخارجية الكبيرة بالسلسلة الحديدية والقفل، ~~انتشرت في الفناء الضابطات في أيديهن العصا، مثل رعاة الغنم يضربن النعاج على ~~أردافهن ليدخلن الحظيرة. # إلى أن الهتافات ألهبت الحمية الوطنية، لم تعد النعاج نعاجا، تحولت إلى بشر تفور ~~دماؤهن، وأصواتهن تنشد: # مصر العزيزة لي وطن، وهي الحمى وهي السكن، وهي الفريدة في الزمن، وجميع ما ~~فيها حسن. هذه الكلمات محفورة في ذاكرتهن منذ المرحلة الابتدائية. # اندفعت البنات نحو البوابة الخشبية، مئات الأجساد الفتية القوية في أول الشباب تحولت ~~إلى جسد واحد يضرب الباب، السلسلة الحديدية ومعها مفاصل الباب تئن من تحت الثقل، ~~مئات الأذرع تحولت إلى ذراع واحد تلوي ms163 الحديد، بالغضب المتراكم منذ الولادة تلويه، ~~بالحلم المكبوت منذ الطفولة، والحب المحبوس بين طيات القلب، بكل الكراهية لهذه ~~البوابة ذات السلسلة الحديدية، بكل الأمل في الحرية وبكل اليأس أيضا. # كنت واحدة من هؤلاء البنات، جسدي أصبح جزءا من جسدهن، لا شيء يفصلني عنهن وإن ~~كان هو الموت. في هذه اللحظات ينطلق المارد الراقد تحت العقل الواعي، يسمونه ~~«اللاوعي»، قد يكون أكثر وعيا وأقرب إلى الفطرة الطبيعية، وإلا فمن أين تأتيه هذه ~~القوة؟ كنت أدرك تماما قوتي الجديدة، أصابعي الحديدية تلوي السلسلة الصدئة حتى ~~انكسرت، سقط القفل الحديدي على الأرض، داسته الأقدام، مئات الأقدام، وانفتحت البوابة ~~الضخمة على مصراعها بصوت يشبه الانفجار، وانهمرت أجساد البنات إلى الخارج مثل الشلال ~~الهادر: الجلاء بالدماء! # في الشارع انضم إلينا التلاميذ والمارة وأصحاب الدكاكين، عند محطة القطار أو دخول ~~السيرك أو شراء اللب والفول السوداني! # جلست بجوار النافذة والقطار ينطلق بنا دون أن يقف في المحطات، كل شيء تغير في ~~العالم، حتى زرقة السماء وتلال الرمال في الصحراء، أصبحت الزرقة أشد زرقة من مياه ~~البحر، والرمال بلون الذهب السائل تحت الشمس، صدري يعلو وينبض تحته قلب تضخم بفرحة ~~الحرية، كأنما أنا أمسك حريتي بيدي كما أمسك حافة النافذة التي تطير معي، والهواء ~~يطير شعري، أملأ به صدري، وأصوات الهتافات داخل القطار تدوي في أذني: تحيا مصر حرة، ~~يعقبها الأناشيد: بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي، والعجلات تجري فوق القضبان بالإيقاع ذاته، ~~والقطار أيضا يطلق صفارته كصوت المزمار الحاد أو الناي المنفرد يتمشى مع اللحن. # هبطنا من القطار في محطة باب اللوق، غرقنا في بحر من البشر، كأنما خرجت مصر كلها ذلك ~~اليوم، حكومة وشعبا، موظفون بالبدل والطرابيش، وتلاميذ المدارس بالشورت القصير حتى ~~الركبتين، بنات المدارس بالمرايل الدمور أو الكتان أو تيل المحلة، نساء بالملاءات ~~اللف والجلابيب السوداء، عمال المصانع بالبدل الزرقاء، تمورجية، ممرضات ~~بالملابس البيضاء، فلاحون بالفئوس، وأطفال تحملهم أمهاتهم فوق الصدور، مرضى فوق ~~العكاكيز أرجلهم مربوطة بالشاش والجبس. # أنهر من البشر تصب من الحواري والشوارع ms164 الجانبية في الميادين، واكتظت النوافذ ~~والشرفات وأسطح البيوت بالأجساد والأشجار أيضا، ثمانية وأربعون عاما مرت منذ ذلك ~~اليوم، إلا أن الصورة محفورة في ذاكرتي، المظاهرة الوطنية الأولى في حياتي، لأول مرة ~~أعرف معنى الوطن، يولد الحب شلالا هادرا يكتسح الحواجز بين الحلم والحقيقة، بين الجسد ~~يتلاشى الفاصل بين الحياة والموت واللذة والألم، يحلق الإنسان في الجو، أو يسبح في ~~جوف البحر كالأسماك، يفعل أي شيء وكل شيء. # لم أعرف من قبل هذه السعادة الجامحة المتدفقة بلا حدود، عرفتها من بعد في مظاهرات ~~أخرى، وفي اللحظات التي التقت فيها عيني لأول مرة بعيني طفلتي أو طفلي، يتدفق ~~الشلال المكبوت منذ العبودية، منذ أصبحت الولادة دنسا يستوجب التعميد، والوطن أرضا ~~يملكها الأسياد دون العبيد. # كنت أتلفت حولي في ذهول، الميدان الواسع مفروش بأجساد البشر، أهو ميدان الإسماعيلية ~~أو عابدين؟! أصوات الهتاف مثل دقات الطبل تدوي تحت ضلوعي: الجلاء بالدماء. يسقط صدقي ~~يسقط بيفن، لم أكن أعرف من هو صدقي ومن هو بيفن؟ # وقفنا صفوفا صفوفا، إلى جواري في الصف كانت فكرية وصفية وفاطمة وسامية، رأيت ثلاثة ~~رجال يسيرون نحونا يرتدون بدلا رسمية داكنة اللون، عضلات وجوههم مشدودة، مشيتهم ~~عسكرية، سمعنا أحدهم يقول: عاوزين مندوبة عن مدرستكم. # كانت المرة الأولى أسمع فيها كلمة مندوبة، التفت ناحية سامية؛ فهي التي تعرف معنى هذه ~~الكلمات، لم أجدها، اختفت سامية في غمضة عين، فص ملح وذاب. # أين راحت سامية؟! كانت هنا منذ لحظة! عاوزين مندوبة عنكم، يلا اختاروا واحدة بسرعة. ~~وحملقنا في وجوه بعضنا بعضا في صمت، لا نعرف ماذا نفعل، «نوال المندوبة بتاعتنا.» أكان ~~صوت صفية أم فكرية أم واحدة أخرى من البنات؟ «اتفضلي معانا يا آنسة نوال.» # آنسة؟ لأول مرة يقترن اسمي بلقب آنسة، في الصحف كنت أقرأ عن الآنسة مي زيادة والآنسة ~~سيزا نبراوي، في البريد كانت تأتي الرسائل إلى طنط فهيمة باسم: الآنسة فهيمة ~~شكري. # كأنما كبرت في هذه اللحظة عدة سنوات، تحولت من تلميذة في ثالثة ثانوي إلى آنسة، ~~شددت قامتي ms165 ومضيت معهم، قامتي طويلة تقارب قامتهم، يدبون بأحذيتهم فوق أسفلت ~~الميدان، قدماي تدبان الأرض ورأسي مرفوع في زهو كأنما بلغت سن الرشد وأصبحت الآنسة ~~المندوبة. الضربات تحت ضلوعي تؤكد أني مرعوبة، إلى أين يأخذني هؤلاء الرجال؟ فوق صدري ~~تلمع الحروف الحمراء: الجلاء بالدماء. صوتي مبحوح من الهتاف، أفتح فمي لأسأل أين نذهب، ~~صوتي لا يطلع كما يحدث في الأحلام، ذاب الواقع في الخيال وأنا أدخل معهم المبني الفخم، ~~أوهو قصر الملك أم هو السجن؟ بدت اللحظة خارج الزمان والمكان، كأنما عشتها من قبل في ~~النوم في السادسة من العمر، وجدت نفسي داخل بهو ضخم تغطيه السجاجيد الحمراء ~~السميكة، النجف الكريستال تتدلى من السقف، الصور الذهبية فوق الجدران المنقوشة، ~~تطل منها وجوه الملوك والسلاطين. توقفنا عند منضدة كبيرة مذهبة الحواف، من فوقها ~~كتاب حروفه من ماء الذهب، يسمونه سجل التشريفات، طلبوا مني أن أكتب اسمي واسم أبي، ~~تصورت أن الحكومة سوف تقبض عليه، تودعه السجن أو تضربه بالرصاص، وأنا ليس أمامي إلا ~~الطرد من المدرسة والعودة إلى البيت في منوف، ربما كان السجن أفضل أو الرصاص، ألهذا ~~السبب هربت سامية؟! # في قطار العودة إلى حلوان جلست مطرقة الرأس بين الزميلات نتبادل النظرات في صمت دون ~~أن نفهم شيئا، أيتمخض الجبل فيلد فأرا؟! انتهت المظاهرة الضخمة إلى لا شيء؟! مجرد ~~تسجيل أسمائنا في سجل التشريفات! # رأيت الدموع في عيني صفية تنشج بصوت مكتوم: «مالك يا صفية، حصل إيه؟!» أبدا يا نوال، ~~مفيش حاجة، افتكرت أخويا الكبير، ماله أخوكي الكبير؟ أبدا ولا حاجة، هي فين سامية يا ~~نوال؟ مش عارفة راحت فين؟ بصراحة يا نوال الفار بيلعب في عبي، يعني إيه يا صفية؟ # لأول مرة أسمع عبارة: «الفار بيلعب في عبي.» تصورت أن فأرا دخل تحت ملابسها من تحت ~~المقعد في القطار، ضحكت صفية حتى امتلأت عيناها بالدموع، ثم راحت تبكي من جديد: ~~«انتي على نياتك أوي يا نوال، لكن سامية دي مية من تحت تبن.» # في المدرسة أصبحت أنا المتهمة الوحيدة بإحداث ms166 الشغب، كلمة الشغب بلغة الناظرة تعني ~~المظاهرة الوطنية، سامية غابت عن المدرسة عدة أيام، لم تكتب اسمها واسم أبيها وجدها في ~~اللوح المحفوظ، لم تمر معي في العنابر توزع المنشورات. # في مكتب الناظرة وقفت أمامها أنتفض بالخوف، وهي تنتفض بالغضب: «أنا عملت تحقيق مع ~~البنات، وكلهم اعترفوا انك اللي حرضتيهم على الشغب!» أردت أن أفتح فمي وأقول أنها ~~مظاهرة وطنية، لكن صوتي لم يخرج، ربما أصابني التهاب في الحنجرة من طول ما هتفت: تسقط ~~الحكومة. ها أنا أسقط وليس الحكومة، وليست سامية المحرضة الأولى، هي التي جاءت وقالت: ~~بكرة المظاهرة. أوقعتني سامية في الفخ ثم تركتني، وهؤلاء البنات كيف يعترفن باسمي ~~للناظرة؟ ألم نشترك كلنا في المظاهرة؟ صوت الناظرة الغاضب يدوي: «تقدري تقوليلي من حرض ~~البنات غيرك؟ فيه واحدة تانية حرضت البنات غيرك؟ قوليلي اسمها حالا عشان ~~أعاقبها.» # أطبقت شفتي وأنا واقفة مطرقة الرأس، لم أنطق اسم سامية، لمحت الناظرة بطرف عين، ~~عيناها حمراوان بلون وجوه الإنكليز، صوتها خشن كأصواتهم حين يصرخون من ثكناتهم في الليل، ~~كنت أكره سامية في تلك اللحظة، لكن كراهيتي للناظرة كانت أشد، ربما لهذا السبب لم ~~أعترف لها بشيء. # مدت الناظرة ذراعها الطويلة، وخلعت عن صدري البادج، داست عليه تحت قدمها، رأيت ~~الحروف المطرزة بضوء القمر بلون الدم الأحمر تنهرس تحت حذائها، مدت ذراعها مرة أخرى ~~وخلعت عني جاكت التايير، نفذ الهواء الصاقع من تحت القميص الأبيض، أصبحت أرتعد ~~بالبرد والخوف معا، أمسكت المسطرة في يدها اليمنى، خدوش السلسلة الحديدية فوق أصابعي، ~~سقطت فوقها الضربات بحافة المسطرة كالسكين. # كانت ترفع المسطرة عالية كأنما تضرب السماء ثم تهبط بها فوق أصابعي، تضغط فكيها ~~بالغيظ وتصطك أسنانها بصوت يشبه اصطكاك المسطرة بمفاصل عظامي، أنفاسها تلهث مثل ~~صفارة القطار أو بخار مضغوط يندفع من زجاجة مفلطحة عنقها ضيق. # كانت قصيرة القامة، مربعة الجسم، تشبه البطة المزقمة، عيناها جاحظتان من وراء ~~النظارة البيضاء السميكة، تشبه طنط فهيمة ونبوية موسى وكل الناظرات، في كعب حذائها قطعة ~~من الحديد على شكل ms167 حدوة الحصان تدق بها الأرض. لم تكن ترتدي السواد مثل نبوية موسى، ~~إلا أن ملابسها كانت قاتمة اللون، وجهها قاتم، صوتها قاتم مثل كل الناظرات، ابتسامة ~~واحدة لم أرها على وجه واحدة من هؤلاء النساء، الجبهة عريضة تتوسطها تكشيرة دائمة ~~غائرة في اللحم. # أكان القانون يفرض عليهم هذا الشكل؟! هذا الجسم المتخشب مثل الصندوق المربع المغلق؟ ~~رغم المكياچ أو المساحيق أو النظارة السميكة، هناك شيء يطل من فوهة الصندوق، أو الثقبين ~~في الرأس، شيء يشبه البخار المضغوط، عاطفة ما شديدة العنف، مخزونة كالديناميت، تدمر ~~الواحدة منهن من الداخل، وفي الخارج يظهر في عينيها بلون الدم الأحمر، يطل المكبوت ~~من وراء النني الأسود الغارق في بياض رمادي. # صوت الناظرة يدوي في رأسي في اليقظة والنوم: «اعتبري نفسك مرفودة من المدرسة من ~~النهاردة.» كانت المدرسة «رغم الناظرات» هي الطريق الوحيدة أمامي لتحرير نفسي، وكان ~~تحرير نفسي أهم عندي من تحرير الوطن؛ فالوطن مجرد كلمة نهتف بها، لكن نفسي هي جسدي، ~~هذا اللحم الحي الذي يضرب بحافة المسطرة، هذا الدم الأحمر الذي يسيل من أصابعي ~~المتورمة، مفاصل عظامي التي تئن بالألم. # كانت الناظرة تركز الضربات فوق يدي اليمنى التي أكتب بها، ربما أرادت أن تفقدني ~~القدرة على الكتابة، هل اعترف لها المدرس أني كتبت قصة وصفت فيها السماء بأنها ~~غاشمة؟! # لم يكن للناظرة أن ترفدني بدون حضور ولي الأمر، جاء أبي إلى المدرسة، رأيته يدخل من ~~الباب بقامته الفارعة ورأسه المرفوع، خطوته فوق الأرض ثابتة وقوية، وقدمه كبيرة، كانت ~~له مشية خاصة، ينقل القدم بحركة هادئة، يعرف بالضبط أين يضع قدمه الثانية، تستقر بكل ~~ثقلها على الأرض، كأنما لا يخشى أحدا، لا الملك ولا الحكومة ولا الناظرة، لا يخشى إلا ~~الله. # جريت نحوه أحتمي فيه، ربت على كتفي بيده الكبيرة الحانية: «ما تخافيش يا نوال، تعالي ~~معايا.» سرت خلفت أكاد أمسك ذيل بدلته كما كنت أمسك ذيل أمي في الطفولة، اختفيت وراء ~~جسمه الكبير وهو يدخل إلى مكتب الناظرة. # نهضت واقفة فوق قدميها ms168 ترحب به في احترام: «أهلا سعداوي أبيه، اتفضل.» جلس أبي ~~وملأ المقعد، أشعل سيجارة وراح يتحدث في السياسة: «معاهدة صدقي بيفن لا تحقق أي شيء، ~~لا الجلاء ولا الاستقلال، إنها تكرس الاحتلال البريطاني يا أستاذة عزيزة.» «أيوة يا ~~سعداوي بيه، لكن سعادتك في الوزارة وعارف إن الحكومة مانعة المظاهرات منعا باتا.» ~~«الحكومة على وشك السقوط يا أستاذة عزيزة، بعد المظاهرة الكبيرة دي لازم حكومة صدقي ~~تسقط، البلد كلها شاركت في المظاهرة، حتى تلاميذ الابتدائي والنساء وربات البيوت.» «لكن ~~لازم يكون فيه نظام واحترام للقوانين، تصور يا سعداوي بيه إن بنتك دي اللي قاعدة عاملة ~~زي القطة المغمضة حرضت البنات على كسر باب المدرسة والخروج إلى الشارع، يبقى ناقص عليهم ~~إيه!» «دي كانت مظاهرة وطنية، ونوال بنتي أنا عارفها كويس، لا يمكن تحرض البنات على شيء ~~سيئ، ثم إنها من التلميذات المتفوقات في المدرسة.» «لكن التفوق شيء والتحريض على ~~الشغب شيء تاني، وأنا عندي أمر من الوزارة وعارف كل حاجة يا أستاذة عزيزة، الموظفون ~~الكبار في الوزارة كانوا كلهم مع المظاهرة، وأنا جاي دلوقتي من عند فهمي بيه وكيل ~~الوزارة.» # شيء كالسحر في كلمة فهمي بيه جعل وجه الناظرة يتغير، صوتها أيضا تغير وأصبح ناعما: ~~«سعادتك تعرف فهمي بيه؟» «أيوة، كان زميلي في كلية دار العلوم، قريب السنهوري، علشان كدة ~~رقوه قبل غيره.» # دقت الناظرة الجرس، طلبت فنجان قهوة لأبي، سألتني بصوت ناعم: تشربي إيه يا بنتي؟ حلقي ~~جاف مشروخ، حاولت أن أطلب كوب شاي دافئ باللبن، إلا أن صوتي لم يخرج. ~~••• # أصبحت في الخامسة الثانوية عام 1947م، إنه عام الكوليرا، في إجازة الصيف أصبح بيتنا في ~~منوف قلعة محصنة ضد الوباء، النوافذ كلها يسدها نوع من السلك ذي الثقوب الدقيقة، لا ~~ينفذ منها الذباب أو الناموس، صفائح قتل الحشرات تراكمت في ركن المطبخ من التوكس إلى ~~الفلت وال (د. د. ت). زجاجات السوائل المطهرة من السبرتو الأبيض، إلى الليزول ~~والبرمنجات. # سافر أبي إلى القرية وعاد ومعه ستي الحاجة، كانت الكوليرا ms169 تحصد الفلاحين والفلاحات كما ~~يحصد وباء «الشوطة» الفراخ، أراد أبي أن يحمي أمه على الأقل من هذا الوباء، لم تكن ستي ~~الحاجة تستطيع أن تنطق كلمة الكوليرا، تقول عنها «الكوريره»، نضحك عليها وتضحك معنا حتى ~~تطفر الدموع من عينيها، تمسحها بطرف طرحتها السوداء ثم تقول بصوت مكتوم: عاوزة أرجع ~~الكفر لبنتي زينب، خايفة عليها من الشوطة، وتسألها أمي: «اشمعنى زينب يا حجة مبروكة؟!» ~~«علشان هي أحسن بناتي، وقلبها أطيب قلب في الدنيا، والكوريره مش بتاخد إلا الناس ~~الطيبين.» وتعود ستي الحاجة إلى البكاء المكتوم، كأنما ابنتها زينب ماتت ~~بالكوليرا. # قبل أن تشرق الشمس في أحد الأيام رأينا ستي الحاجة واقفة على قدميها داخل جلبابها ~~الأسود، ما إن استيقظ أبي من النوم حتى قالت: «خدني يا ابني على الكفر، قلبي بياكلني ~~طول الليل على زينب، خايفة يكون جرى لها حاجة!» ارتدى أبي بدلته وسافر معها إلى القرية، ~~عاد بعد يومين شاحب الوجه أحمر العينين، أخته زينب ماتت بالكوليرا، وهي تلفظ أنفاسها ~~الأخيرة كانت تهذي بعبارة واحدة: هاتوا أمي أشوفها! وصلت ستي الحاجة بالضبط في اللحظة ~~السابقة للنهاية، فتحت زينب جفونها ورأت وجه أمها، انفرجت شفتاها عن ابتسامة، ~~وامتلأت عيناها بالضوء، ثم ماتت. # بكت عليها القرية الموبوءة بالكوليرا، حصد الوباء عددا من النساء والرجال في عائلة ~~أبي، إلا أن الحزن على عمتي زينب كان أكبر حزنا؛ فهي أقرب الشقيقات إلى أبي، وأحب ~~البنات إلى ستي الحاجة، فارعة القامة مثلها، بشرتها خمرية اللون، عيناها خضراوان بلون ~~البرسيم، أنجبت ولدا اسمه «نجاح»، وبنتا رضيعة ماتت في حضنها وهي تموت. # تحولت ستي الحاجة فجأة إلى امرأة عجوز، لم تعد تضحك كما كانت، وامتلأ وجهها ~~بالتجاعيد، تجلس على عتبة الدار، في حضنها «نجاح» ابن ابنتها زينب، تنظر في عينيه ~~الخضراوين بلون عيني أمه الميتة: «يتيم يا عين أمه، ربنا ياخد الكوريره واللي جاب ~~الكوريره.» # في منوف حصدت الكوليرا بعض الناس، أصبحت أمي مثل ضابط الجيش في البيت، تمسك الرشاشة ~~كأنما هي مدفع تقتل الذباب، إنها الحرب ms170 أعلنتها أمي على الوباء، تغلي الماء قبل أن ~~نشربه، تغسل الخضروات وتنقعها في محلول البرمنجات، تسخن الخبز فوق النار لتقتل ~~الجراثيم، لا يشتري أبي شيئا دون أن تطهره أمي، لا يعود أبي من الخارج دون أن يخلعه ~~ملابسه وتنقعها أمي في المحلول المطهر، ما إن يدخل أحد منا إلى المرحاض أكثر من مرة ~~في اليوم حتى ينتابها الذعر. # كان الراديو يذيع التعليمات للناس، تنصت أمي إليها بانتباه أو تدونها في النوتة، ~~أعراض الكوليرا هي: الإسهال مع القيء، إفرازات المريض شديدة العدوى. الإبلاغ فورا عن أي ~~مريض لعزله في المستشفى. # عشنا شهورا لا نسمع إلا أنباء الموتى، بعد انتهاء الوباء لم تكف أمي عن عمليات ~~التطهير والوقاية. حتى اليوم، ما زلت أسخن الخبز على النار كما كانت أمي تفعل في منوف ~~منذ سبعة وأربعين عاما، وما زلت أذكر وجه أبي الشاحب وعيناه الحمراوين حين عاد من ~~الكفر، وصوت ستي الحاجة وهي واقفة عند الباب داخل جلبابها الأسود: «قلبي بياكلني طول ~~الليل على زينب.» كيف أحست الأم أن ابنتها تموت رغم المسافة البعيدة، ولماذا لم تذكر ~~من بناتها الخمس إلا زينب، وهي الوحيدة فيهن التي ماتت بالكوليرا، وكأنما سمعت نداءها ~~في الليل عبر الأثير فسافرت إليها وأدركتها قبل النفس الأخير. # كان أبي يسمي ذلك «تلبياتي»، وهي القدرة الإنسانية على الإحساس بالآخرين رغم ~~المسافة البعيدة، كان لجدته الغزاوية هذه القدرة، وقد ورثتها ستي الحاجة عن ~~أمها. # أصبح حفيدها «نجاح» قلبها، عينها الذابلتين من البكاء، لا تفارقها، تلحظه يلعب أمامها ~~وهي جالسة على عتبة الدار، تحرم نفسها من الطعام لتدفع له مصاريف المدرسة كما فعلت مع ~~أبي وعمي الشيخ محمد، ثم أرسلته ليتعلم في مصر «القاهرة» كما أرسلتهما من قبل. # دخل نجاح المدرسة الثانوية، عاش مع بعض أقاربه في عين شمس أو المطرية، كان يركب القطار ~~كل يوم من البيت إلى المدرسة، القطار نفسه الذي كنت أستقله من محطة الزيتون حين كنت ~~أعيش في بيت جدي، القطار نفسه الذي كان يدهس التلاميذ الفقراء تحت ms171 القضبان. # سقط نجاح وهو يجري ليلحق بالقطار كما كنت أجري وأنا تلميذة في مثل عمره، كان يرتدي ~~حذاء جلديا اشترته له ستي الحاجة، انزلقت قدمه تحت القطار، بترت العجلات ساقيه ~~الاثنتين، زرته في مستشفى الدمرداش، رأيته راقدا تحت الأغطية بلا ساقين، يتطلع حوله ~~بعينيه الخضراوين الواسعتين ويتساءل في دهشة: راحت فين الجزمة الجديدة؟! # انشطر قلب ستي الحاجة من شدة الحزن ثم ماتت، قبل أن تموت قالت لابنتها الكبرى «عمتي ~~فاطمة»: «إبعتي يا فطنة لاخوكي السيد علشان ييجي.» «ليه يا امه.» «أنا هاموت يا فطنة ~~وعايزة أشوفه.» «تموتي إيه يا امه انتي زي الحصان، ما شاء الله.» «ابعتي يا بت لاخوكي، ~~عاوزة اشوفه قبل ما اموت.» # | هواجس الشك ويقين الإيمان # ماتت ستي الحاجة في دارها في قريتها كفر طحلة، ظل أهل الكفر يتحدثون عن موتها كما ~~تحدثوا عن موت أمها. # لم أشهد موتها، لكنني زرت القرية بعد عامين، كانت عمتي فاطمة لا تزال تحكي الحكاية، ~~ما إن جلست إلى جوارها حتى قربت فمها من أذني وراحت تعيد القصة من أولها لآخرها، ~~ترددها كل يوم بلا كلل أو ملل حتى ماتت هي الأخرى، صوتها يسري في الليل كأنما سمعتها ~~بالأمس وليس منذ أربعين عاما تقريبا. ~~«ستك الحاجة ماتت موتة الكل يتمناها، صحيت الفجر زي عادتها، اتوضت وصلت ونادت علي، ~~صحيت على صوتها يقول: يا فطنة، قلت عاوزة إيه يا أمه، قالت باين يا بنتي العمر خلاص، ~~نادي على اخواتك كلهم، وابعتي حد يسافر مصر يقول لاخوكي السيد تعالى حالا، أمك عاوزة ~~تشوفك قبل ما تموت. قلت: يا امه الشر برة وبعيد، وانتي كويسة خالص. # كانت ما شاء الله زي عادتها، قامت كنست الدار ورشت القاعة بمية الزير، ولبست الجلابية ~~السودا، وبخرت القلة، وحطت فيها مية الزهر. وقالت: لأجل أخوكي السيد يشرب منها، أصله ~~يا ضنايا ماكانش يشرب الميه إلا وعليها الزهر. ورقدت على الحصيرة وراسها ناحية القبلة، ~~وقالت: عشان اموت وراسي ناحية مكة المكرمة وقبر الرسول صلاة النبي عليه ألف صلاة. يا ms172 ~~ضنايا يا ابني لما تيجي وتشوف امك وهي بتموت، دا انت يا ابني طول عمرك قلبك حنين، لكن ~~خلي قلبك شديد يا عين امك، ده انا رايحة الجنة حدف؛ لأجل زرت قبر النبي، وعملت الخير، ~~وربيت خمس بنات يتامى، وأخوهم الشقيق وأخوه الشيخ محمد من الأب. قومي يا فطنة ادبحي فرخة ~~واعملي شوية ملوخية لاخوكي السيد، ونادي على نفيسة تحمي الفرن وتعمل فطيرتين، وخلي زينب ~~بنت بهية تروح الغيط تجيب شوية تين. # وفضلت ستك الحاجة على كدة من الصبح لغاية المغرب، وكانت تسكت شوية ونقول خلاص ماتت، ~~وبعد شوية تصحى وتقرأ سورة يس وتكلم عزرائيل كأنه واقف قصادها، تقوله: ابعد عني يا ~~عزرائيل لغاية ابني ما ييجي، نفسي أشوفه قبل ما اموت، لا يمكن تاخدني يا عزرائيل قبل ما ~~اشوف ابني السيد. قومي يا فطنة شوفي اخوكي اتأخر ليه، وانت يا واد يا حسني خد البريزة دي ~~هات باكو شاي وسكر من دكانة عمك الحاج عفيفي علشان خالك السيد بيه لما ييجي والرجالة ~~تملا الدار. وانتي يا بت يا نعيمة هشي الدبان من على وشك عشان خالك البيه يقول عليكي ~~نضيفة وحلوة، وانتي يا نجية خدي الزلعة امليها من البحر عشان مية الزير قربت ~~تخلص. # وفضلت ستك الحاجة على كدة طول النهار، تموت ونتشاهد عليها وبعدين تصحى وتقول: ابعد عني ~~يا عزرائين ربنا يخدك، هو السيد ابني لسه ماجاش؟ أنا شيفاه أهه جاي على المزلقان! قومي ~~يا بت يا فطنة قابلي اخوكي على المزلقان! وقمت زي ما ستك الحاجة قالت لي، ولقيت ابوكي ~~جاي ع المزلقان، كان يا عين امه وشه اصفر زي اللمونة. ركب أول قطر لغاية بنها، وبعدين ~~ركب التاكسي وقف بيه في السكة فوق الجسر بعد طحلة بشوية، وجه ماشي لغاية المزلقان. وستك ~~الحاجة راسها وألف سيف لا يمكن تموت ولا تخلي عزرائيل يقرب لها إلا بعد ما تشوفه. ~~وأخذته بالحضن ع المزلقان، وقلت له امك مستنياك يا اخويا. وكانت ستك الحاجة خلاص ~~اتشاهدوا عليها وغطوها، لكن ms173 أول لما سمعت صوت ابوكي شالت الغطا، فتحت عينيها وأخذته في ~~حضنها زي عوايدها، وهي تقول له: اتأخرت كدة ليه يا ابني؟ قال لها التاكسي وقف في السكة ~~يا امه، قالت له بركة اللي جيت يا ابني، وكانت دي آخر كلمة قالتها ستك الحاجة، وماتت ~~ورأسها ناحية القبلة، ونور النبي من حواليها صلاة النبي أحسن.» # كنت أسمع إلى صوت عمتي فاطمة وأتلفت حولي في بيت ستي الحاجة، كأنما روحها لا تزال ~~تعيش، أراها واقفة عند الباب تحوم حول الفرن، أو جالسة منتصبة فوق عتبة الباب، أو فوق ~~الحصيرة في الليل تطرد بذراعيها عزرائيل ثم تخفي فمها بطرف الطرحة السوداء، وتضحك حتى ~~تدمع عيناها بالضحك وتهمس: «اللهم اجعله خير يا رب.» # لم تختف روح ستي الحاجة إلا بعد أن مات أبي، ربما كانت تنتظره حيث يلحق بها في العالم ~~الآخر، أو ربما لأني كبرت أكثر وعرفت أن الروح لا تنفصل عن الجسم ولا تعود بعد الموت. ~~كنت قد درست الطب وقرأت الكثير خارج الطب، وتخلص عقلي من الخرافات، إلا أن روح ستي ~~الحاجة كانت تبدو لي كأنما هي مصنوعة من مادة روحية أو ربما هي أمها أو جدتها الغزاوية ~~وأورثتها هذه الروح عن «عشتار» أم الطبيعة والخصوبة، أو «نون» إلهة تكون الأنثى قبل ظهور ~~الإله الذكر. # عام 1947م حصلت على شهادة «الثقافة»، ثم انتقلت إلى السنة النهائية في المرحلة ~~الثانوية، كانوا يسمونها «التوجيهية». دخلت القسم العلمي وليس القسم الأدبي أو قسم ~~الرياضيات، كنت أفضل دراسة الكيمياء والطبيعة والأحياء أكثر من التاريخ والجغرافيا ~~وغيرهما من علوم الرياضة. # كانت مرحلة الثانوية في مدرسة البنين خمس سنوات وليست ست سنوات كما في مدارس البنات، ~~سألت أبي عن سبب هذه التفرقة، قال: إن وزارة المقارف «المعارف» تتصور أن البنات ~~ناقصات عقل ودين، يحصلن في ست سنوات ما يحصله البنون في خمس سنوات. وكانت هناك ~~موادة إضافية تدرس للبنات فقط؛ مثل مادة رعاية الطفل، والخياطة، والتطريز، والطهي، ~~وعمل الكحك، ودعك الزجاج والبلاط والمراحيض. # كنت أهرب من ms174 هذه الحصص بادعاء المرض، أربط رأسي بمنديل أسود مثل النساء الثكالى ~~وألزم السرير في العنبر حتى تأتي إلي الحكيمة، كانت امرأة سمينة قصيرة تتهادى فوق ~~الأرض بخطوة بطيئة مثل البطة، تجلس على طرف سريري، وتضع يدها البضة فوق جبهتي، أغمض ~~عيني حتى لا ترى «النني» الأسود القابع تحت جفوني، المتأرجح بالحياة والصحة، ~~والمشتعل بالرغبة في مواصلة الرواية التي أخفيها تحت الوسادة: «انتي سخنة شوية يا ~~بنتي، ويلزمك راحة وإسبرين، وبكرة تبقي كويسة إن شاء الله.» تضع في كفي ثلاث حبوب بيضاء ~~صغيرة، ألقيها في المرحاض في دورة المياه، وأعود إلى الفراش، وأواصل قراءة ~~الرواية. # إنها رواية «جين إير» باللغة الإنجليزية، تدرسها لنا «مس سنية»، الوحيدة بين ~~المدرسات التي تبتسم حين نلتقي، الوحيدة التي سمعتها تقول: نوال موهوبة، الوحيدة التي ~~تشرق الشمس بظهورها وتختفي بغيابها. # بدأت الضربات تتصاعد تحت ضلوعي في حصة الأدب الإنجليزي، لم أعرف، أهو حبي للأدب أم هو ~~مس سنية؟ كانت تشبه مس إيفون في مدرسة منوف، الخطوة الرشيقة الممشوقة ذاتها، إلا أن ~~قامتها أطول من مس إيفون وبشرتها أقل سمرة، والخفقات تحت ضلوعي أشد قوة، تذكرني بالحب ~~الأول وحرف «الفاء»، الروح المحلقة في السماء بلا جسم، عيناي في الحب لا يريان من ~~الجسم إلا العينين، ولا يريان من العينين إلا البريق الخاطف بلون العسل النقي الصافي ~~كعيني أمي. كانت تتمشى في الفصل وهي تقرأ لنا من رواية شارلوت برونتي، أو جين أوستن زو ~~إميلي برونتي، ثلاث نساء روائيات ندرسهم في حصة الأدب الإنجليزي، لم ندرس روائية واحدة ~~في الأدب العربي، ألم تكن هناك أديبات يكتبن باللغة العربية؟! في مكتبة المدرسة لم أعثر ~~على امرأة أحلامي دون جدوى، لم يكن أمامي إلا طه حسين. # بدأت مس سنية تلوح في خيالي، قلبي يخفق لمرآها، عيناها العسليتان تذكرني بأمي، هل ~~كنت أبحث عن الأم الغائبة في منوف أم الحب الأول المكبوت؟ لم أتصور أن لها جسد امرأة ~~أو رجل، لم يكن الحب يرتبط بنوع الجنس، كان نوعا آخر من الاحتياج ms175 يرتبط بنوع الإنسان، ~~أو الإله، الذي كنت أبحث عنه في طفولتي دون جدوى. # كانت تنطق اللغة الإنجليزية بلهجة أخرى غير الإنجليزي، كأنما هي تصنع لغتها الخاصة، ~~وصوتها الخاص، ومشيتها الخاصة، والبريق في عينيها حين تراني ينتشلني من غربتي في ~~الدنيا، تتبدد الوحشة وينقشع الحزن المجهول الدفين في أعماقي، أتحول فجأة إلى ~~إنسانة مرحة، أضحك وأرقص وأغني، يجلجل صوتي في الكون، أكاد أعانق الشمس بذراعي وأنا ~~أجري وأجري في الفناء الواسع، لا شيء يوقفني إلا السور الحجري العالي. # ولأنني لا أعرف التخفي أو السرية فقد عرفت المدرسة كلها قصة الحب، ما إن تفتح «مس ~~سنية» باب غرفتها في قسم المدرسة الداخلي حتى تتبارى البنات في البحث عني لأترك كل شيء ~~وأجري أطل عليها وهي تمشي في الممر لتدخل دورة المياه الخاصة بالمدرسات، أو تهبط ~~السلم لتذهب إلى أحد الفصول أو لتذهب إلى الفناء أو أي مكان آخر في الكون. # كانت قصص الحب بين التلميذات والمدرسات أمرا عاديا أحيانا، نشترك ثلاث أو أربع ~~بنات في حب مدرسة واحدة، تشتعل القلوب بالغيرة والتنافس، وتزداد المدرسة زهوا وفخرا ~~بازدياد عدد الواقعات في حبها. # أكثر البنات وقعن في حب أبلة نفيسة مدرسة الرسم، لا أعرف لماذا، كانت في نظرهن ~~أكمل المدرسات وأرشقهن وأكثرهن رونقا، إلا أنني لم أكن أنجذب إليها، كانت أشبه ~~بالدمية أو اللوحة المرسومة بإتقان، ملامحها شديدة التناسق إلى حد فقدان الشيء ~~المميز للجاذبية، شخصيتها أيضا كملامحها تفتقد الشيء غير العادي أو غير ~~المألوف. # أبلة نفيسة كانت أليفة مألوفة، لا يمكن لها أن تحرك خيالي، إنها تشبه الأميرات أو ~~زوجات الملوك والرؤساء، هذا النوع من النساء لا يظهرن إلا في كامل الزينة وفي ظل ~~الرجل، ثم يختفين فجأة باختفائه، يطلق عليهن «حرم صاحب الجلالة أو صاحب المعالي أو ~~السيادة»، لكن مس سنية كانت مختلفة، لا أعرف كيف؛ فهي لا تشبه واحدة من النساء، خاصة ~~هؤلاء اللائي يمكن أن نسميهن «نساء الظل»، وهي تظهر بلا زينة ولا مكياچ، وليست جزءا ~~من موكب الناظرة أو ms176 الوزير حين يزور المدرسة. # أحببت الأدب الإنجليزي لأنها هي التي كانت تدرسه لنا، كنت أنتظر حصتها كمن ينتظر ~~قطرة غيث في صحراء، ألتقط كل كلمة تخرج من بين شفتيها كأنما هي درة، يستقر درسها في ~~ذاكرتي دون مذاكرة، أحفظه عن ظهر قلب دون قراءة، مجرد السماع فحسب وأنا جالسة في حصتها ~~عيناي شاخصتان إليها كالمغناطيس، وأذناي مفتوحتان، لا يفوتني حرف واحد، تلكزني صفية ~~الجالسة إلى جواري فلا أحس، يشتعل حريق في الفصل فلا أنتبه إليه؛ إن حواسي كلها مع ~~عقلي وخيالي قد تجمعت وتركزت في هذه النقطة المحدودة من الكون حيث هي ~~تكون. # ثم جاءت الصدمة التي ضيعت السحر ومعه الحب، كان ذلك في بداية الصيف عام 1948م، كان ~~الامتحان النهائي على الأبواب، وتعودت مثل بنات الداخلية أن أمشي في الممرات الطويلة ~~أمام العنابر في يدي الكتاب أراجع الدروس، كان هناك ممر يدور حول غرف النوم الخاصة ~~بالمدرسات، وهو الممر المفضل لدى البنات لأسباب يعلمها الجميع، لم أكن أقترب من هذا ~~الممر، أخشى أن تفتح مس سنية بابها فتراني وتدرك أني أنتظرها، ألا تعرف أني أنتظرها؟! ~~كنت أتظاهر بالرزانة والثقل، ولست خفيفة أو شعنونة مثل البنات الأخريات. # كان اليوم الجمعة، ولم تكن مس سنية كغيرها من المدرسات تقضي يوم الجمعة في المدرسة، ~~تحمل حقيبتها الصغيرة بعد نهاية الحصص يوم الخميس ولا تعود إلا يوم السبت صباحا. هكذا ~~كنت أتمشى أيام الجمع في ذلك الممر دون حرج، أرفع وجهي من فوق الكتاب لأرمق باب ~~غرفتها المغلق ثم تعود عيناي إلى الكتاب، كنت أعرف أن غرفتها خالية منها، أن المدرسة ~~كلها خالية منها، بل إن الكون كله قد أصبح خاليا خاويا فارغ المعنى؛ لهذا كنت أتمشى ~~في الممر وأرمق بابها، كأنما الباب قد أصبح جزءا منها، ومع شيء من الخيال يمكن أن يكون ~~الكل ويعود للكون معناه. # فجأة انفتح الباب في اللحظة التي مررت بها أمامه، ورأيتها أمامي، تسمرت في مكاني فاقدة ~~النطق، لكني رأيتها، كانت ترتدي قميص نوم وفوطة على كتفها ms177 وفي يدها صابونة، منظر عادي ~~تماما، إلا أنه كان مفتوحا عند الصدر، ولمحت ذلك الشيء البارز في صدور النساء والذي ~~يسمونه «الثدي»، بعقلي الواعي كنت أقول لنفسي: إنها امرأة، ولا بد أن يكون لها ~~ثدي ورحم وكل شيء، إلا أنها فكرة مجردة، أما أن يصبح للفكرة لحم ودم فهذه هي الطامة ~~الكبرى. # أصابتني الصدمة بما يشبه الغثيان، كنت أظنها من فصيلة الأرواح، وكم رأيت ثدي أمي وهي ~~ترضع الطفل وراء الآخر، وكم رأيت من أثداء الزميلات في الداخلية، إلا أنني لم أشعر ~~بالنفور كما حدث لي هذه المرة، لماذا؟ لم أعرف، كانت صدمتي فيها كبيرة حين اكتشفت أنها ~~أنثى، أصابتني الفجيعة فيها كأنما هي المسئولة، أو كأنما خدعتني في الظاهر وهي في ~~الباطن شيء آخر. # تبددت نشوة الحب مثل سحابة الصيف الرقيقة، لم يعد لوجودها في الكون السحر القديم، ~~إلا أن علاقة خاصة ظلت تربطني بها، صورتها الأولى ظلت في خيالي بعد أن تركت المدرسة، ~~احتفظت في درج مكتبي بصورتها وهي تلعب التنس، طويلة ممشوقة تبتسم بإشراقة الشمس. مضت ~~أربعة أعوام أخرى ثم التقيت بها مصادفة في شارع قصر العيني، لم أتعرف عليها، ~~تحولت في أعوام أربعة إلى امرأة عرجاء عجوز. رفعت وجهها وابتسمت، تعرفت على ~~الابتسامة والبريق العسلي. مش معقول! مس سنية؟! # نطقت اسمها بسهولة، وكان هذا الاسم يصيبني بالخرس وقلبي تحت الضلوع يتوقف، انتي فين ~~يا نوال؟! في كلية الطب هنا في شارع قصر العيني، يعني حتبقي دكتورة مش أديبة! وتلعثمت ~~لم أعرف بماذا أرد، كأنما دخولي كلية الطب كان خيانة لها، «نوال، انتي موهوبة، خسارة ~~تدخلي الطب.» «وانتي فين يا مس سنية؟» «أنا انتقلت لمعهد الموسيقى هنا في شارع قصر ~~العيني.» # في الشارع نفسه على بعد دقيقتين بالخطوة السريعة، كنت أزورها في معهد الموسيقى، في ~~كل مرة يتدهور بها الحال، كانت مصابة بمرض لا علاج له في الطب، يسمونه التهاب ~~المفاصل المزمن، بالإنجليزية «روماتويد أرثرايتس». # آخر مرة رأيتها كان في عام 1955م، بعد أن تخرجت وأصبحت طبيبة ms178 امتياز في قصر العيني، ~~أصبحت عاجزة عن تحريك مفاصل يديها أو قدميها، كان وجهها رغم ذلك يضيء حين تراني، ~~يعود البريق إلى عينيها العسليتين، وقلبي كان يئن لماذا هي بالذات تصاب بهذا الداء، ~~لم يكن هذا المرض يصيب إلا واحدا في المليون من البشر. # ثم ماتت قبل أن تموت أمي بعام واحد. ~~••• # اشتهرت في مدرسة حلوان أنني عاشقة للأدب والشعر والنثر، في الحفلات المدرسية كنت أقف ~~على المنصة وألقي كلمة من تأليفي أو قصيدة شعر، أكبر الاحتفالات كانت بعيد ميلاد الملك ~~أو عيد مولد النبي، كانت هجرة النبي من مكة إلى المدينة المنورة من الاحتفالات الكبيرة ~~أيضا، يسمونها «عيد الهجرة». # عام 1948م أقامت المدرسة احتفالا كبيرا بعيد الهجرة، قبل الاحتفال بيومين جاءني ~~المدرس وطلب مني إعداد كلمة ألقيها في الاحتفال. حبست نفسي داخل المكتبة، قرأت عن ~~حياة النبي محمد ، ولدته أمه آمنة بنت وهب، ماتت وهو رضيع، كفله عمه عبد المطلب، ~~أصبح راعيا للإبل في الصحراء، اشتهر بالأمانة فسماه الناس الأمين، كان محبوبا في ~~قبيلته قريش، تزوجته السيدة خديجة من أشراف القبيلة، عهدت إليه بأموالها ليتاجر فيها، ~~كان يعتزل في غار حراء يفكر ويتعبد، نزل إليه سيدنا جبريل بالقرآن، قال له: # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق ~~الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم ~~. ~~لم يفهم النبي محمد ماذا يعني جبريل، أصابه الذعر، وعاد إلى زوجته خديجة يرتعد، أسنانه ~~تصطك، قال لها: دثروني دثروني، هدأت السيدة خديجة من روعه وشرحت له الأمر، أرسل الله ~~إليك جبريل يبلغك بالرسالة، أنت نبي الإسلام، انهض وبلغ الرسالة للناس. # كانت السيدة خديجة هي أول المسلمين الذين آمنوا بسيدنا محمد، من بعد ذلك دخل الناس في ~~دين الله أفواجا، إلا أنها كانت الأولى، لولاها ما بدأ زوجها رسالته وما بدأ الإسلام. ~~هكذا قال لي أبي، شعرت بالفخر لأنها امرأة مثلي، أتحدى بها عمي الشيخ محمد حين يقول: إن ~~الله لم يخاطب النساء في القرآن، وأنه لم يذكر اسم امرأة واحدة في كتابه الكريم إلا ~~مريم أم ms179 المسيح سيدنا عيسى عليه السلام. # بدأت أقرأ القرآن من الغلاف، أدركت أن كلام عمي الشيخ محمد صحيح، لم يذكر الله اسم ~~حواء ولم يخاطبها إلا من خلال زوجها آدم، لم يرد ذكر السيدة خديجة بحرف واحد مع أنها ~~أول من وضع الحجر الأساسي في صرح الإسلام، وهي التي وجهت زوجها نحو الطريق الذي جعله ~~نبي المسلمين. # أسئلة كثيرة كانت تدور في رأسي، لم يكن أبي يعرف الإجابة عنها، يكتفي بقوله: هذه حكمة ~~الله، وهناك أشياء في الدين تؤمن بها قلوبنا؛ لأن العقل البشري عاجز عن الإلمام بحكمة ~~الله. # لم تكف الأسئلة عن الدوران داخل رأسي، أصابني صداع مزمن مجهول السبب، قالت لي حكيمة ~~المدرسة: إنه بسبب فوران الدم في سن المراهقة، أعطتني حبوب الإسبرين وأقراصا ~~أخرى. # كانت حرارتي تهبط لكن الألم ينتقل إلى أجزاء أخرى من جسمي، تشتد الآلام في أيام ~~الحيض؛ # ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ~~فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن ~~، ألزم الفراش في هذه الأيام وأعتزل العالم، أقول لنفسي: «بيدي ~~لا بيد عمرو.» سأعتزل أنا العالم ولن أعطيه الفرصة كي يعتزلني، يتمرد جسدي على جسدي ~~وتتقلص العضلات في أحشائي فيصيبني المغص الحاد، ما إن أرى الدم في ملابسي حتى أشعر ~~بالغثيان، أكف عن الأكل وإن قرصني الجوع، وإذا أكلت تقيأت. # لا أكف عن تطهير نفسي، أغسل جسمي بالمياه الساخنة والصابون عدة مرات، أكاد أنقع نفسي ~~في الماء المغلي والصودا الكاوية، أفتح الدش فوق رأسي وأتشهد، كما أنا في معركة أموت ~~فيها من أجل الطهارة وابتغاء مرضاة الله، اقرأ الفاتحة والشهادة وبعض أجزاء من سورة مريم ~~أو سورة النساء، تصورت أن هذه السور تناسب هذه الحالة النسائية أكثر من السور ~~الأخرى. # لحسن الحظ جاء عيد الهجرة في يوم لا أعاني فيه من الأذى، كنت أخشى أن تأتي المناسبة ~~الطاهرة في يوم لا أكون فيه طاهرة، كان المدرسون يقولون لنا: إن النساء في أيام المحيض ~~يجب ألا يقفن بين يدي الله للصلاة، وألا يقرأن بصوت مسموع ms180 أو غير مسموع حرفا واحدا من ~~القرآن الكريم أو أحاديث الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. كنت أرتعد في الحصة حين يطلب مني قراءة ~~شيء من هذه الكلمات المقدسة، كان الموت أهون من الإعلان في الفصل عن حالتي من حيث ~~المحيض، منذ أدركني هذا الأذى وأنا أخفيه عن الناس جميعا بمن فيهم أمي وأفراد أسرتي في ~~البيت، كأنما هو جريمة أو إثم عظيم أنا المسئولة عنه. # منذ أن طلب مني المدرس أن ألقي كلمة في عيد الهجرة وأنا أدعو الله أن يمنع عني الأذى ~~ذلك اليوم، لم يكن لي أن أقف فوق المنصة أتحدث بصوت عال تسمعه الآذان عن الهجرة ~~النبوية الكريمة، وأستشهد بآيات من القرآن والأحاديث الشريفة وأنا ملتبسة بما يستوجب ~~اعتزال النساء حتى يتطهرن. وكنت أقترف الإثم في السر وأنا أعد كلمتي داخل المكتبة، ~~كنت أعرف أن الله يراني ويعرف متى يأتيني المحيض، وكم عذبتني هذه الفكرة التي لم ~~تفارقني منذ الطفولة. # حفظت كلمتي عن ظهر قلب لألقيها في الاحتفال بعيد الهجرة، كانت قبيلة قريش تؤمن ~~بالأصنام، وهي تماثيل من الحجر لا تنفع ولا تضر، كان سيدنا محمد يدعو الناس للإيمان ~~بالله الواحد الأحد والقرآن الكريم. استعدت قريش لقتل النبي فهرب منها في ظلام الليل، ~~رقد في فراشه ابن عمه «علي بن أبي طالب»، في الطريق إلى المدينة المنورة اختبأ النبي ~~وصاحبه في كهف مهجور، أرسل الله عنكبوتا فنسج خيوطا فوق الباب، هذه معجزة من معجزات ~~الله، رأى كفار قريش خيوط العنكبوت فلم يدخلوا الكهف، قال لهم عقلهم أن لا أحد دخل الكهف ~~وإلا تمزقت خيوط العنكبوت على الباب، مضوا في طريقهم، خرج النبي محمد وصاحبه من الكهف، ~~وصلوا إلى المدينة المنورة سالمين، استقبلهم جموع الأنصار بالفرح والتهليل. # وقفت على المنصة في مدرسة حلوان، القاعة مليئة بالتلميذات والمدرسات والمدرسون ~~جالسون في الصفوف الأمامية، تتوسطهم الناظرة والضيوف من وزارة المعارف، أنا واقفة مشدودة ~~القامة مرفوعة الوجه نحو السماء، ألقي كلمتي بصوت أبي، يتهدج صوتي وأنا أنطق اسم الله ~~تعالى، أحرك ms181 ذراعي في السماء وأنا أقول: معجزة من معجزات الله، أن يأتي العنكبوت في ~~هذه اللحظة وينسج خيوطه فوق الباب! أضغط على مخارج الألفاظ والحروف، أمد كلمة العنكبوت ~~من علامة التأكيد والإيمان المطلق بمعجزة الله، أحس الخفقان تحت ضلوعي والدموع تكاد ~~تقطر من عيني. أسمع التصفيق يدوي في القاعة فأعيد المقطع عن العنكبوووووت بصوت أم كلثوم ~~أو عبد الوهاب يغني أحد المواويل أو الشيخ محمد رفعت في الراديو يتلو القرآن باللحن ~~البطيء الممطوط. # أصبحت لي سمعة طيبة في المدرسة، يشيرون إلي بالبنان، هذه هي التلميذة المثالية، ~~تجمع بين العلم والإيمان، تتفوق في الكيمياء والفيزياء والبلاغة وفصاحة اللسان، تكتب ~~النثر والشعر وتحفظ الأحاديث والقرآن. # هكذا ارتبط الأدب العربي في خيالي بالإسلام، بدأ الدين يدخل وجداني مع حبي للأدب، نسيت ~~طفولتي، لا أعرف كيف تحولت من طفلة تشك في عدالة الله إلى فتاة رشيدة شديدة الإيمان، ~~فقدت قدرتي الفطرية على اكتشاف التناقضات، وفي النوم لم يعد الله يتجسد أمامي بشكل ~~آدمي أو غير آدمي، الشيطان أيضا غاب عن أحلامي، من تحت الوسادة يسري إلي صوت التصفيق ~~الحاد يدوي في القاعة، فكاي ينفتحان عن آخرهما، أتثاءب، أشد قصة العنكبوت وأتشدق ~~بمعجزات الله. # أفتح عيني في منتصف الليل أشعر بالإثم، أنهض إلى دورة المياه أتوضأ ثم أعود إلى ~~العنبر على أطراف أصابعي، أفرش قطعة من ملابسي فوق البلاط كأنما هي سجادة صلاة، أتهجد ~~لله ركعتين أو ثلاثا، أقرأ بصوت غير مسموع بعض الآيات من القرآن الكريم، كانت هي الآيات ~~ذات الجرس الموسيقي كأنما قصيدة شعرية ذات وزن وقافية: # والنازعات غرقا * والناشطات نشطا * ~~والسابحات سبحا * فالسابقات سبقا * ~~فالمدبرات أمرا * يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ ~~واجفة ~~. # والشمس وضحاها * ~~والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * والسماء وما ~~بناها * والأرض وما طحاها * ونفس ~~وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها ~~. # إذا الشمس كورت * وإذا النجوم ~~انكدرت * وإذا الجبال سيرت * وإذا ~~العشار عطلت * وإذا الوحوش حشرت * ~~وإذا البحار سجرت * وإذا النفوس زوجت * وإذا الموءودة سئلت * بأي ذنب ms182 ~~قتلت ~~. # كنت أتغنى بهذا المقطع الأخير كأنما أنشودة: # وإذا ~~الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت ~~. عيناي ~~تدمعان وأنا أنطق كلمة الموءودة، كأنما أنا التي وئدت منذ ولدت. # كانت طفولتي في طريقها إلى الزوال الكامل، الفتاة المثالية الناضجة بدأت تسيطر على ~~عقلي وجسدي، ذكريات الطفولة أصبحت كالإثم تستوجب الاستئصال من الذاكرة، شبح الحب الأول ~~كأنما شبح شيطان أو الخطيئة الأولى، ثم طغى الإيمان الكامل على بقايا الشك، وبدأت ~~أنحدر إلى اليقين بخطوة ثابتة تشبه خطوة أبي. # أصبحت المثل الأعلى للبنات في التقوى والصلاح، أواظب على الصلاة وصيام شهر رمضان ~~العظيم، أنطق الكلمات بلغة عربية فصيحة، أدعم كلامي بآيات من كتاب الله الكريم أو أحاديث ~~الرسول عليه الصلاة والسلام. ~~••• # جاءت شهادتي «التوجيهية» ناجحة بامتياز، أردت أن أدخل كلية الآداب لأصبح أديبة، قال ~~أبي أن كلية الآداب لا تخرج إلا الموظفين أو الكتبة وليس الأدباء، ثم ما مستقبل ~~الأدباء يا نوال؟ يعيشون ويموتون فقراء مثل الشاعر الديب، يردد أبي بعض أبيات يسخر ~~فيها الشاعر من فقره، ومنها ذلك البيت يقول فيه: وكأنني حائط كتبوا عليه: هنا يا أيها ~~المزنوق طرطر! تضحك أمي وتقول: «آداب إيه يا نوال، دي الكلية اللي بيدخلها الطلبة ~~الساقطين أو الواخدين درجات واطية، وانتي واخدة أعلى الدرجات، ادخلي كلية الطب، يمكن ~~تبقى دكتورة مشهورة زي الدكتور علي إبراهيم، وكمان تعالجينا ببلاش!» # في أحلامي كنت أرى نفسي أديبة مثل طه حسين، فأنا أحب اللغة العربية، حروفها وكلماتها ~~وجرسها الموسيقي في الأذن، كنت أؤمن أن الله وحده هو الذي خلق اللغة العربية، فضلها ~~على غيرها من اللغات وأنزل بها القرآن. تصورت الإنجليزية صنعها البشر، لكن العربية لغة ~~إلهية من صنع الله سبحانه وتعالى، والأمة العربية هي خير أمة خلقها الله. وأمشي في ~~الشارع مرفوعة الرأس في زهو، أرمق الإنجليز من علياء، إنهم يتكلمون لغة بشرية وينتمون ~~إلى أمة أدنى، لم يرد ذكرها في كتاب الله الكريم، في النوم تصحو الطفلة الخرساء ~~تسألني بلا صوت: «يعني إذا كان ربنا بيحبنا أكثر من الإنجليز، ms183 ليه خلاهم بينتصروا علينا ~~ويحتلونا، وهم اللي يكتشفوا قوة البخار والكهرباء والراديو واللاسلكي والطيارة ~~والغواصة؟!» # | ألفة الموت # دخلت كلية الطب خريف 1948م، السنة الأولى التي يسمونها الإعدادية، نتلقى المحاضرات في ~~مبنى كلية العلوم في المبنى الرئيسي للجامعة. # كلمة «الجامعة» كان لها رنين ساحر في الآذان ... جامعة فؤاد الأول في الجيزة، القبة ~~الضخمة والساعة المنتصبة في السماء تدوي بشكل مهيب تقشعر له الأبدان، لم يكن يدخلها ~~إلا الرجال، ثم فتحت أبوابها أخيرا للنساء. في القاعات يجلس الطلبة إلى جوار ~~الطالبات ... الدقات تتصاعد تحت ضلوعي لمجرد الفكرة ... أيمكن أن يكون هناك اختلاط بين ~~البنات والجنس الآخر من الرجال؟! ثلاث كلمات تجعل الدم العذري يصعد إلى وجهي: ~~الاختلاط، الجنس، الرجال. # لم يكن الاختلاط بين الجنسين مباحا إلا في مدارس رياض الأطفال وفي الجامعة، بينهما ~~كان الاختلاط ممنوعا؛ أي في المدارس الابتدائية والثانوية، قضيت عشر سنوات في هذه ~~المدارس (أربع سنوات في الابتدائية وست سنوات في الثانوية). # عضلة القلب تنتقض وأنا أمشي في الشارع قبل أن أدخل من الباب، كأنما سأقع في حب أول ~~رجل ألتقي به في الجامعة، أشد عضلات وجهي وجسمي، أرسم فوق جبهتي تكشيرة وأمط شفتي. ~~السابعة عشرة من عمري، ياه! سبعتاشر سنة؟! يرن الرقم في أذني ضخما، كأنما سبعون أو ~~سبعمائة، منذ بلغت السابعة من عمري يقولون عني كبيرة، أكبر البنات ... جميع البنات في آل ~~سعداوي وشكري بيه تزوجن وأصبحن أمهات قبل أن يبلغن السابعة عشرة من ~~عمرهن. # كان لعمي الشيخ محمد ابنة من زوجته الأولى في كفر طحلة اسمها فوزية، كان يمكن أن تدخل ~~الجامعة مثلي، لكنه زوجها من مدرس في قرية اسمها «بلتان» بجوار كفر طحلة، «الاختلاط في ~~الجامعة فيه خطورة على البنت يا سيد أفندي.» يهمس عمي في أذن أبي بصوت كفحيح الشيطان ... ~~تتصدى له أمي بصوتها العالي: «بنتنا نوال نرميها في النار ترجع سليمة، نوال غير كل ~~البنات يا شيخ محمد.» # كلمات أمي تنتشلني عاليا فوق رءوس البنات كما كانت ذراعاها ترفعانني فوق أمواج البحر ~~وأنا ms184 طفلة. منذ دخلت كلية الطب تناديني أمي بلقب الدكتورة، أبي يمنحني هذا اللقب أمام ~~الضيوف فحسب، يمط عمي الشيخ بوزه في ضيق كأنما بيني وبينه ثأر قديم أو عداء موروث ~~مجهول الأصل، لم يكن ينطق باسمي، يناديني بكلمة واحدة، هي: «يا بت!» ترن في أذني ~~نابية، فلا أرد عليه، «أنا باكلمك يا بت ردي علي.» أعطيه ظهري كأنما هو غير موجود، ~~«رايحة فين يا بت، تعالي هنا سمعي سورة البقرة، انتي حافظة القرآن ولا لأ، كتاب ربنا ~~أحسن لك يا بت من كتب الطب! القرآن جامع شامل لكل العلوم ... وانت يا واد يا طلعت، تعالى ~~هنا جنبي سمع سورة البقرة!» # كان أخي طلعت أكثر جرأة مني، يرد على عمي الشيخ ساخرا: «أنا اسمي الأستاذ طلعت، ~~الموسيقار الكبير.» ينتفض عمي الشيخ من فوق الكنبة كمن لسعته أفعى، تقفز العمامة ~~البيضاء الكبيرة من فوق رأسه، يمسكها بيديه الاثنتين وهو يستعيذ بالله من الشيطان ~~الرجيم، يهرول داخل قفطانه الواسع. # كانت له مشية تشبه زوجته في حي العنبري كالبطة المزقمة، جسمه قصير ممتلئ باللحم، له ~~كرش مرتفع مثل امرأة حامل، ساقاه رفيعتان تتأرجحان ويجري وراء أخي: «تعالى هنا يا واد ~~يا قليل الأدب!» # لم يكن يكسب في هذه المباراة إلا اللهاث، نسمع صوت الهواء يخرج من فمه وأنفه وربما ~~أيضا أمعائه، كانت زوجته الثانية لا تكف عن إطعامه بالفتة والكوارع بالثوم ومحشي ~~الكرنب، وكان أخي طلعت لا يكف عن الضحك ويسد أذنيه بأصابعه إذا رآه يدخل ~~المرحاض. # لم يكن أخي طلعت يفعل هذه الأشياء إلا في غياب أبي، أمي تكون بعيدة عنا في المطبخ، ~~تأتي إلينا حين يرتفع صوت عمي الشيخ وهو يؤنبنا نحن الاثنين، كنت أشارك أخي هذه ~~الشقاوة الصغيرة، والتي كانت مصدر بعض المباهج الكبيرة في حياتنا. # كان عمي الشيخ محمد مختلفا كل الاختلاف عن أبي؛ ربما لأنه لم يكن ابن ستي الحاجة، ورث ~~أبي عنها القامة الفارعة الممشوقة والذكاء الفطري، درس أبي وعمي معا في الأزهر، ~~تخرجا معا، بقي عمي في ms185 الأزهر أستاذا أزهريا، لا يدرك من الإسلام إلا الحدود ~~والقيود، اقتحم أبي دار العلوم ومدارس أخرى، بل علم نفسه اللغة الفرنسية، كان يمكن أن ~~يكون وزيرا للمعارف لو دخل لعبة السياسة والأحزاب، إلا أنه ترفع عن النفاق أو الصعود ~~إلى السلطات على حساب الكرامة وحرية الرأي. # لم يكن في بيت عمي الشيخ محمد مكتبة تضم كتبا أخرى غير القرآن والشريعة أو الكتب ~~الدينية، في مكتبة أبي كانت هناك الروايات وقصائد الشعر والتراجم، وكتب متعددة في ~~الأدب والنقد والفلسفة والتاريخ. كانت فوزية ابنة عمي الكبرى تحب المدرسة، تهمس لي حين ~~نلتقي بأحلامها، كانت مثل زينب (ابن عمتي بهية) تحلم بأن تكون أستاذة كبيرة، أصبحت زوجة ~~لأحد المدرسين في بلدة بلتان، وأنجبت عددا من الأولاد والبنات. أحيانا كنت أمر على ~~بيتها في طريقي إلى كفر طحلة، وجهها الشاحب الحزين يذكرني بوجه أمها ، يبدو عليها ~~الإعياء، أمامها وابور الجاز فوق الأرض، تقلب بالمغرفة داخل حلة كبيرة يتصاعد منها ~~الدخان، ابنتها الكبرى إلى جوارها، ترمقني بعينين يكسوهما البريق: «أنا عاوزة يا ماما ~~أطلع دكتورة زي خالتي نوال.» ترمقها أمها بنظرة صامتة، تمصمص شفتيها كأنها تتذكر حلمها ~~القديم، ثم تخفي وجهها داخل الحلة فوق النار. # أخذتني ابنتها إلى الغرفة الصغيرة، رفعت مرتبة السرير وأخرجت كشكولا يشبه مفكرتي ~~السرية وأنا في مثل عمرها، فتحة أصابعها الرفيعة الطويلة تشبه أصابعي، رأيت بين ~~الأوراق فراشة بيضاء محنطة، وورقة صغيرة مطوية، فتحتها فرأيت قصاصة إحدى الصحف ~~عليها صورتي، من تحتها مقال لي تحت عنوان: «المرأة إنسان له عقل.» # لمعت عيناها بالدموع وهمست في أذني: «نفسي أكتب زيك يا خالتي نوال.» إلا أن حلمها مثل ~~أمها، اندثر وراح في العدم. # في العام 1948، العام الذي دخلت الجامعة، انتقل أبي من منوف إلى الجيزة، قدم شكوى إلى ~~وزير المعارف، قال فيها: إن الترقية في الوزارة تعتمد على الوساطة أو القرابة لأصحاب ~~النفوذ، إنه سوف ينشر الشكوى في صحف المعارضة. # كان للمعارضة ضد الحكومة بعض القوة، انتشرت بين الناس الشائعات عن فساد الملك ms186 والحكم، ~~اشتدت وطأة الغلاء ومعه التذمر الشعبي، الحركة الوطنية أصبحت تجتذب أعدادا أكبر من ~~الشباب وطلاب الجامعة، المظاهرات الوطنية تنفجر من حين إلى حين. # أصبح أبي مراقبا عاما للتعليم في محافظة الجيزة، استأجر بيتا من دور واحد تحوطه ~~حديقة صغيرة، كان الحي جديدا هادئا في أول شارع الهرم يسمونه «العمرانية»، يطل ~~على ترعة طويلة يسمونها «ترعة الزمر»، نمت على جانبيها الأشجار الباسقة، تخترق شارع ~~الهرم من تحت كوبري صغير، لم يكن هناك عمارات عالية أو محلات تجارية ... لا نسمع ضجيج ~~السيارات في شارع الهرم الصاعدة إلى الأوبرج وهضبة الأهرامات الثلاثة، أو الهابطة تحت ~~نفق قطار الصعيد إلى ميدان الجيزة وكوبري عباس أو شارع الجامعة وحديقة الحيوان. # لم يكن لأمي أن تسكن في عمارة عالية أو شقة بدون حديقة، كانت تحب أن تفتح النافذة في ~~الصباح فتدخل الشمس وترى الأشجار والخضرة ، أصبحت الخضرة ضرورية لها كالهواء والشمس، أبي ~~تربى بين الزرع والحقول، يستشعر الحنين دائما إلى القرية ودار أمه المفتوحة على ~~المساحات الخضراء. # كل يوم أمشي على قدمي من البيت إلى الجامعة، مسافة ساعة في الصباح الباكر ومثلها في ~~العودة آخر النهار، تعودت المشي بخطوة واسعة سريعة، في قدمي حذاء جلدي أسود كعبه مربع ~~متين مثل كعوب الرجال، في يدي حقيبة جلدية سوداء تشبه حقائب الأطباء، أرتدي تاييرا ~~لونه رصاصي من الصوف الذي تصنع منه بدلة أبي، قامتي مشدودة طويلة أطول من زملائي في ~~الكلية، رياضة المشي كل يوم أصبحت ضرورية، ينعشني الهواء البارد في الصباح ~~الباكر. # أخرج من شارعنا الصغير إلى شارع ترعة الزمر، أسير حتى شارع الهرم، وأتجه يمينا نحو نفق ~~القطار لأصعد منه إلى ميدان الجيزة، ثم أنحرف إلى اليسار لأدخل شارع الجامعة. كان ~~شارعا مهيبا تظلله الأشجار الباسقة على الجانبين، وأشجار حديقة الحيوان الضخمة ~~تطل من وراء السور الحجري العالي، يترامى إلى أذني صوت زئير الأسد أو زقزقة العصافير، ~~في الناحية الأخرى كانت مدرسة السعيدية الثانوية التي دخلها أخي طلعت بعد مدرسة ~~منوف. # كالبحر الضخم من الأجسام ms187 يغطون أرض الشارع والرصيفين، لا يمكن لسيارة أن تمر، كلهم ~~ذكور، لم أكن ألمح طالبة مثلي إلا نادرا، أشعر بالغربة وسط هذا البحر من الرجال، يمضون ~~في طريقهم بخطوة جادة، قد يهمس أحدهم في أذني: «صباح الخير يا جميل.» أمام باب كلية ~~الزراعة كان ثلاثة من الطلاب ينتظرونني كل صباح. # يهتف واحد منهم حين يراني مقبلة في الشارع: «سامية جمال أهه!» مجموعة أخرى من الطلاب ~~أمام باب كلية الهندسة، يطلقون علي اسم «إستر ويليامز»، سألت بعض زميلاتي في الكلية ~~من هي «إستر ويليامز»، عرفت أنها بطلة فيلم اسمه «السابحات الفاتنات»، دخلت السينما، ~~ورأيتها فوق السينما، ورأيتها فوق الشاشة، كانت طويلة رشيقة فامتلأت بالزهو. سامية ~~جمال كانت راقصة ممشوقة القامة، لم أرها إلا على الشاشة، تذكرت أحلامي الطفولية حين ~~رأيت نفسي راقصة رشيقة تطير في الجو وتمشي فوق الأثير. # كانت هناك أيضا تعليقات ساخرة، يتهكم بعض الطلبة من خطوتي الواسعة الطويلة أو قامتي ~~الطويلة، اقترب مني طالب قصير وتطلع إلى رأسي العالي وقال ساخرا: «يا ترى الهوا ~~عندك فوق حلو؟» # حين أعود إلى البيت أحكي لأمي وأبي ... كانا يضحكان كثيرا على النكتة ... أحيانا ~~تتطلع أمي إلى رأسي وتسألني: «يا ترى الهوا عندك فوق حلو؟» لم تكن أمي طويلة القامة، ~~ترتدي الحذاء ذا الكعب العالي وتظل قامتها أقصر مني، تشب على أطراف أصابعها وتقول: ~~لو كنت طويلة زي نوال! # في الكلية ألمح العيون ترمقني، في أعماقي أدرك أن هناك شيئا يجذب العيون إلي، نوع ~~مجهول من الجاذبية، ليس هو الجمال الأنثوي المألوف ... شيء آخر لا أعرفه، لكني أحسه ~~وأدركه في الأعماق. # أصبحت لي صديقات بين الزميلات الجديدات، ومن زميلاتي القديمات في حلوان دخلت صفية معي ~~كلية الطب، سامية دخلت الصيدلة، فاطمة دخلت الآداب، أصبحنا نجتمع في بوفيه كلية الآداب، ~~الوحيد في الجامعة نرى فيه الطالبات جالسات، ربما لأن عددهن في كلية الآداب كان أكثر ~~من الكليات الأخرى. # لم تكن التقاليد حينئذ تشجع البنات على دخول الكليات العلمية، مثل: الطب والهندسة أو ~~العلوم ms188 البحتة. كلمة «العلم» في اللغة العربية مذكرة، لها رنين رجولي في الآذان، ~~كلمة «الآداب» مؤنثة، تتشابه حروفها مع كلمة أخرى، هي «الأدب»، وهناك مثل شائع يقول: ~~«الأدب فضلوه عن العلم.» وكأن «الأدب» بالمعنى الأخلاقي مطلوب من الإناث فحسب، أما ~~الذكور فهناك مثل شائع يقول: «لا يعيب الرجل إلا جيبه.» # إحدى الصديقات الجدد اسمها «كاميليا»، اشتهرت باسم «بطة»، كانت تسكن في أول شارع الهرم ~~بالقرب مني. # جسمها قصير ممتلئ على شكل مربع، وجهها كبير مربع تتوسطه عينان مربعتان واسعتان، ~~تكحلهما بالقلم السميك الأسود، أو مسحوق الكحل الأكثر سوادا، بشرتها سمراء تغطيها ~~بطبقة من مسحوق البودرة الأبيض، شفتاها ممتلئتان مربعتان أيضا، تصبغهما بقلم «الروج» ~~الأحمر، ترتدي «جيب»، «جونلة» ضيقة قصير، تزداد ضيقا عند ركبتيها السمينتين، فلا ~~يمكنها السير إلا بخطوة ضيقة بطيئة، تتعثر فوق الكعب العالي الرفيع. # كانت بطة نموذج الجمال الأنثوي ، صوتها رقيق، تقلب الحروف العربية الخشنة مثل الضاد ~~والطاء إلى حروف أكثر رقة، الدال «بدل الضاد»، والتاء «بدل الطاء»، والسين «بدل الصاد»، ~~وحرف الراء ينقلب إلى «غين» كما يفعل الفرنسيون، تقول عن صفية «سفية»، وكلمة الضلمة تصبح ~~«دلمة»، والطب يصبح «التب»، وبكرة تصبح «بكغة». # أصبح لبطة الكثير من المعجبين، تقلدها الزميلات في تكحيل العين والتايير الضيق ~~الأنيق، حتى «سامية» التي كانت في مدرسة حلوان شاحبة الوجه والشفتين أصبحت تلون ~~وجهها وتكحل عينيها، قد تلوي قدميها فوق الكعب العالي أو يلتوي لسانها فتقول «بكغة» ~~بدل «بكرة». # كان لبطة أيضا عم أو خال يحمل لقب «الباشا»، ومنصب في السراي، قد تظهر صورته في الصحف ~~فتشمخ بأنفها المربع في السماء كأنما هي بنت الملك. # كانت الجامعة في تلك الفترة تموج بالمظاهرات الوطنية، داس الطلاب على صورة الملك، ~~يخفق قلبي بالفرح حين أدخل من باب الجامعة فأرى الطلبة مجتمعين في الفناء، والهتاف ~~يدوي: يسقط الإنجليز، يسقط الملك، أستعيد أحلام طفولتي عن سقوط النظام أو تغيير ~~العالم. # لم تكن الطالبات يخرجن في المظاهرات إلا القليلات من كلية الآداب أو غيرها من الكليات ~~النظرية، طالبات الطب ms189 والعلوم وطلبة الكليات العلمية كانوا أكثر اهتماما بالدراسة عن ~~السياسة. ~~«السياسة دي تهريج وكلام فارغ للطلبة الفاضيين في الآداب والحقوق.» كنت أسمع هذه ~~العبارة تتردد على ألسنة أساتذة الطب والعلوم، لكن أبي كان يهتم بالسياسة، يقرأ ~~صحف الحكومة والأحزاب المعارضة، لا يكف عن الحديث عن فساد الملك والحكم، عن الاحتلال ~~الإنجليزي والاستعمار، «خير بلدنا رايح للأجانب وشوية الحرامية اللي ماسكين الحكم.» كان ~~يسمي مصر مجتمع ال 2٪ يملكون كل شيء، وبقية الشعب يعاني الفقر والمرض والجهل، والثالوث ~~المزمن إياه يا نوال ليس له حل إلا تغيير النظام، وكيف يتغير النظام؟ الشعب اللي نايم ~~ده لازم يصحى ويقوم ويثور يا نوال، كلمات أبي تجعل الضربات تحت ضلوعي تتصاعد، أحس ~~بالدم يغلي في عروقي، فوران من الغضب المتراكم في صدري منذ الطفولة، ألست واحدة من هذا ~~الشعب الذي يجب أن ينهض ويثور؟! في المظاهرات أجدني وسط الطلبة أهتف معهم بسقوط النظام، ~~أدوس بقدمي على صورة الملك والباشوات والإنجليز، في عام 1948م عرفت عدوا اسمه دولة ~~إسرائيل، وقضية وطنية جديدة اسمها تحرير فلسطين. # كانت السياسة عالما غامضا، لا أعرف عنه إلا القليل، أشارك في المظاهرات الطلابية ~~باندفاعة حب الوطن، أعود إلى البيت منكوشة الشعر مبحوحة الصوت، أصابتني طوبة في الرأس ~~كادت تقلع عيني اليسرى في إحدى المظاهرات. # بدأت أمي تحذرني: «بلاش تمشي في المظاهرات يا نوال، خطر عليكي.» أبي أيضا بدأ ~~يحذرني ويتراجع عن أقواله السابقة: «مظاهرات إيه وكلام فارغ إيه، خليكي في الطب يا ~~نوال، الدراسة عاوزة تفرغ كامل.» # إلا أن أبي لم يكف عن قراءة الصحف، في الصباح أو المساء، أراه جالسا في الصالة أو ~~الفرندة يرشف القهوة مع دخان السيجارة مع الأخبار المنشورة في الصفحة الأولى من جريدة ~~الأهرام، أمي إلى جواره ترشف قهوتها، تميل بنصفها الأعلى ناحيته، تلتقط بعينيها ~~العناوين: حل جماعة الإخوان المسلمين ... مصرع النقراشي باشا، مصرع حسن البنا، صورة الملك ~~فاروق داخل برواز كبير، فوق شغاف قلوب المصريين نقشت صورة صاحب الجلالة ~~المفدى. # هذا الشعب المصري الوفي الأمين ms190 يشمله الفرح الكبير في العيد الملكي العظيم، ولا يملأ ~~قلبه لصاحب الجلالة إلا الولاء والطاعة. # من غرفتي وأنا أراجع دروسي أسمع صوت أبي الغاضب: جرايد عاوزة الحرق! ولاء وطاعة إيه، يا ~~صحفيين يا منافقين! الملك خلاص نهايته قربت، كفاية عليه صفقة الأسلحة الفاسدة وانهزام ~~الجيش المصري في فلسطين! # فوق مكتبي كانت الكتب الجديدة وكشاكيل المحاضرات، في درج مكتبي كيس جلدي أسود به أدوات ~~التشريح: مشرط صغير نشرح به الصراصير والضفادع. # كانت جريدة الأهرام قد استقرت في سلة المهملات تحت مكتبي، أمسك المشرط في يدي، مزقت ~~به صورة الملك والحروف تحتها: «الطاعة والولاء!» # في قاموس اللغة في مكتبة أبي بحثت عن أصل هاتين الكلمتين، يرجع أصلهما إلى عهد ~~العبودية، العبودية تعني الوطنية والولاء والطاعة. وفي أول 1890م نشرت جريدة الأهرام ~~بمناسبة عيد ميلاد الخديو هذه الكلمات: «فوق شغاف قلوب المصريين نقشت حروف الحب والطاعة ~~والولاء، هذا الشعب المصري الوفي الأمين يشمله الفرح الكبير في عيد ميلاد الخديو العظيم، ~~إن مداد العبودية والطاعة والولاء تخطه يد الإخلاص، وتنقشه على قلب كل مصري ~~وطني.» # كلمة الحب تعني العبودية، وكلمة العبودية تعني الإخلاص والطاعة والولاء، ومنذ عام 1890م ~~حتى عام 1948م سقطت كلمة العبودية من قاموس الصحافة المصرية، كانت قوة العبيد تتصاعد ~~وتهدد الحكم من خلال الحركة الوطنية، إلا أن جريدة الأهرام ظلت تحافظ على ما تسميه ~~الموروث وإن كان الروث. إنها أحد أعمدة الحكم في مصر، أداة من أدوات قهر الشعب ~~والعبيد، لم يكن لكلمة الطاعة أو الولاء أن تزول من قاموسها وإلا زالت الجريدة ذاتها، ~~وهي تتخذ من صورة الأهرامات شعارها المطبوع في الصفحة الأولى، الهرم الأكبر في الجيزة، ~~والأحجار التي حملها العبيد فوق ظهورهم لبناء مقبرة فرعون تكاد تشبه كتل الأوراق ~~يحملها الصبية فوق ظهورهم كل صباح وهم يصيحون: الأهرام! الأهرام! ... خطبة الرئيس! ... خطبة ~~الرئيس! # عام 1949م دخلت مبنى كلية الطب في شارع قصر العيني، أصبحت في سنة أولى مشرحة، كلمة ~~«مشرحة» ترن في أذني ساحرة، أكثر سحرا من رنين الساعة ms191 أو قبة الجامعة الضخمة، خيالي ~~يسرح قبل أن أدخل من الباب. # أيمكن أن أشرح جسد إنسان، أن أفتح بالمشرط تلك العضلة تحت الضلوع لا تكف عن ~~الخفقان؟! أو الخلايا داخل الرأس لا تكف عن التساؤل واستعادة الصور في طفولتي؟! # في السنة الإعدادية لم أشرح إلا الضفادع أو الصراصير أو الخنافس، في حياتي منذ ولدت ~~لم تقع عيناي على إنسان ميت، قشعريرة تزحف إلى جسدي بمجرد سماع الكلمة، أرمق من بعيد باب ~~المشرحة، الضربات تحت ضلوعي تتصاعد، أنفاسي تضطرب، أيمكن أن ألتقي بالعفاريت أو الأرواح ~~وجها لوجه؟ رائحة نفاذة تنفذ إلى أنفي، أهذه هي رائحة الموت؟! # كانت رغبة الاستطلاع أشد من الخوف، دخلت بقدمي إلى المشرحة، دخلت معي صفية وبطة، ~~المناضد الرخامية مرصوصة في القاعة الواسعة، فوق كل منضدة جثة حولها ثمانية من الطلبة، ~~طلبة السنة الأولى يطلق عليهم اسم «الجونيور»، طلبة السنة الثانية اسمهم ~~«السينيور ». # أصبحنا ثماني طالبات نجلس حول منضدة واحدة، واحد من الطلبة «السينيور» جاء ليشرح لنا، ~~كان هو التقليد المتبع داخل المشرحة، الطلبة القدامى يساعدون الطلبة الجدد، يتنافس ~~الطلبة الجدد فيما بينهم على مساعدة الطالبات. # كنا نرتدي المعاطف البيضاء داخل المشرحة، نجلس على كراسي بدون ظهر، أربعة منا حول ~~الجزء الأعلى للجثة أو الرأس والعنق ... الأربعة الأخريات حول النصف الأسفل أو ~~الساقين. # في ركن المشرحة بالقرب من الباب كانت صناديق خشبية كبرة مملوءة بالفورمالين، يحفظ الجثث ~~من العفونة، قبور من الخشب قابعة في الركن بجوار الحائط، يسبح فيها الموتى، داخل السائل ~~ذي الرائحة النفاذة، يحرسهم فراش المشرحة «عم عثمان»، عيناه ضيقتان تلعمان كعيني ~~الصقر، أصابع يديه مشققة من طول ما غمسها في الفورمالين، بشرته محروقة، وجهه أسمر شاحب ~~ممصوص يشبه وجوه الفلاحين في قريتي. # كان عم عثمان يغلق الصناديق بالمفاتيح كأنما تحتوي كنوز الأرض، يقف أمامها منتفخ ~~الأوداج كأنما هو سيدنا رضوان يحرس باب الجنة! لم يكن يبتسم إلا في وجوه الطلبة ~~الأثرياء، ينفحه الواحد منهم ثلاثة جنيهات ثمن الجثة الواحدة، كان يسرق الجثث بالاتفاق ~~مع الحانوتي، ms192 يشتري الثلاثة بخمسين قرشا، وفي الليل يتسلل إلى القبور يجمع عظام ~~الموتى ثم يبيعها قطعة قطعة. # في الفناء أراه واقفا في الصباح الباكر داخل معطفه الأبيض المبقع بالفورمالين، أذناه ~~منتصبتان تلتقطان أصوات النسوة يولولن وراء النعش الخارج من المستشفى، الجسد الميت لم ~~يبرد بعد داخل التابوت الخشبي، يمشي عم عثمان في الجنازة حتى القبر، وأصبح يمتلك من ~~الأموال والعمارات أكثر من الدكتور مورو باشا عميد الكلية، هكذا كان الطلبة ~~يقولون. # حين أعود من المشرحة إلى البيت تصرخ أمي من الفزع كأنما أجلب في حقيبتي عفاريت الموت، ~~تجعلني أخلع حقيبتي وحذائي خارج الباب، ملابسي كلها مع المعطف الأبيض مع أدوات التشريح ~~تضعهما في الماء يغلي فوق النار. # في الأيام الأولى للمشرحة أصابتني الرجفة وأنا أقطع بالمشرط في اللحم الآدمي، توقفت عن ~~أكل اللحوم بكل أنواعها، ما تقع عيني على قطعة لحم في سلطانية الشوربة حتى يصيبني ~~الغثيان، كأنما هي ساق الميت تسبح داخل سائل الفورمالين. # كانت أمي تجهز لي وجبة غداء في علبة صغيرة أضعها في حقيبتي، ساندويتش من اللحم أو ~~البيض لإمدادي بالبروتينات ... بعض الخضروات والفاكهة الغنية بالفيتامينات، كنت ألقي هذه ~~العلبة بكل ما فيها إلى صفيحة القمامة، أقضي النهار كله في الكلية دون أن آكل شيئا، ~~أشرب كوب الشاي بالنعناع أو الليمون، يعده لي «عم محمد» في غرفة الطالبات. # كنت أندهش حين أرى الطلبة «السينيور» يمسكون المشرط بيد، وفي اليد الأخرى ساندويتش ~~يأكلون ويشرحون في الوقت ذاته، ثم راحت الدهشة وأصبح «الجينيور» يقلدون ~~«السينيور». رأيت الزميلات يأكلن وهن يجلسن حول المنضدة من فوقها الجثة، وفي غرفة ~~الطالبات أصبحت ألتهم ساندويتش اللحم الذي أعدته أمي، عادت لذة الأكل إلى ما كانت ~~عليه، عادت أشد مما كانت، الشهية للحياة تشتد بجوار الموت كالضوء يتألق أكثر بجوار ~~الظلمة. # أحد أساتذة الكلية كان قريبا لزميلتي بطة، من عائلة أمها أو أبيها، لم يكن «عم عثمان» يمنع عنها شيئا من الكنوز داخل الصناديق، أعطاها هيكلا عظميا كاملا بنصف ~~الثمن، كانت تسكن في منزل دورين ms193 في أول شارع الهرم، في الدور السفلي نصبت أمها ~~الهيكل العظمي فوق قوائم خشبية، كانت بطة تدعوني إلى بيتها لتراجع الدروس؛ فهي تشتري كل ~~ما هو مطلوب من كتب أو جثث. # لم يكن في مقدوري أن أشتري من عم عثمان إلا بعض عظام اليدين والقدمين، مرتب أبي في ~~الحكومة لم يكن صغيرا، لكنه ينفق على تسعة من الأولاد والبنات في المدارس، كان يمتلك ~~قطعة أرض صغيرة في كفر طحلة، يبيعها جزءا جزءا لتسديد الديون، مصاريف كلية الطب كانت ~~أغلى من غيرها، وثمن الكتب كان مرتفعا، الأسعار كلها تتضاعف مع ازدياد الغلاء. تأخرت ~~في دفع المصاريف في السنة الإعدادي، في سنة أولى مشرحة تأخرت أيضا في الدفع، وصل إلى ~~أبي خطاب من الكلية تطالبه بالدفع وإلا فسوف تضطر الكلية لفصل الطالبة ~~كريمتكم. # ثم جاء اليوم الذي ناولني فيه أبي المظروف داخله القسط الأول من المصاريف، لمحت ~~رعشة صغيرة في يده وهو يناولني المظروف، يقتطع من طعام إخوتي الصغار ليدفع ثمن تعليمي، ~~يخرج في الصباح الباكر كل يوم، يشقى في العمل طوال النهار، يعود إلى البيت مرهقا منهوك ~~القوى، أول كل شهر يناول أمي المرتب كله، تسدد ديون البقال والجزار والفكهاني والخضري ~~والمخبز والصيدلية ولا يبقى إلا القليل، نعيش نصف أيام الشهر على ما تسميه أمي الشكك، ~~نوتة صغيرة تدون فيها الديون يوما بيوم. # أول كل يوم تناولني أمي مصروفي لركوب الأتوبيس أو الترام إلى الكلية، كنت أمشي على ~~قدمي وأعيد إليها المصروف، أو أدخره لأشتري بعض الكتب، أو بعض المفاصل أو العظام من ~~عم عثمان. # كنت أشفق على أبي وأمي من العبء، أحاول التخفيف عنهما. # كانت أمي تشقى في العمل داخل البيت طوال النهار، تساعدها خادمة صغيرة تشبه سعدية، أقف ~~إلى جوارها أمام الحوض لأساعدها في غسل الصحون، قد أمسح البيت كله في يوم إجازتي ~~الجمعة، أو أعفي أمي من الطبخ أو إعداد المائدة أو أي عمل آخر في البيت. # كم كرهتها في طفولتي تلك الأعمال المتكررة الكئيبة، لا أنتهي من ms194 إعداد وجبة الفطور ~~حتى تأتي وجبة الغداء، لا ينتهي الغداء حتى نبدأ في الإعداد لطعام العشاء، لا أكاد أنتهي ~~من تنظيف الأرض حتى تغطى بالتراب، لا يفرغ الحوض من الصحون بعد الأكل حتى يمتلئ من ~~جديد، كأنما هو صراع لا نهائي ضد دوران الأرض حول نفسها، أو حركة التراب في الكون، أو ~~انقباضة عضلات المعدة أو الأمعاء داخل البطون. # ذلك اليوم ناولني أبي المظروف داخله القسط الأول من مصاريف الكلية، لمحت رعشت يده، ~~وبصمات أصابعه فوق أوراق البنكنوت من رائحة عرقه، كان قلبي يئن وأنا أحمل المظروف في ~~الشارع كأنما أحمل أبي بجسده الضخم داخل حقيبتي، أحمل الكرة الأرضية فوق رأسي وأمشي ... ~~ربما نوع ما من تأنيب الضمير أو الإحساس بالذنب، أيجوع أخوتي الصغار ويصابون بالأنيميا ~~أو فقر الدم لأصبح أنا طبيبة! # لم أحمل في حقيبتي هذا المبلغ الكبير من قبل ... خبأت المظروف داخل كشكول سميك داخل ~~الحقيبة، أغلقت الحقيبة بالقفل، وضعتها تحت إبطي، أتلفت حولي في الشارع، العيون ~~ترمقني بنظرة غريبة، كأنما هي كلها عيون لصوص، قادرة على اختراق الجلد واللحم، وأنوفهم ~~أيضا قادرة على التقاط رائحة الفلوس. # لم أركب الترام أو الأتوبيس حيث يكون النشالون، أصابعهم خفيفة تنشل النقود في غمضة عين ~~مثل أصابع الجان أو الأرواح الخفية، سرت على قدمي من الجيزة إلى شارع القصر العيني، ~~دخلت إلى مبنى الإدارة في الكلية، وقفت أمام الموظف المختص باستلام المصاريف أو شئون ~~الطلبة. # كان هناك طابور يتحرك ببطء شديد؛ فالموظف يترك مقعده ويغيب طويلا داخل مكتب آخر، لم ~~يكن أيضا يحترم النظام، ما إن يقدم له الطالب كارت توصية حتى يأخذه قبل الآخرين ~~الواقفين قبله، ما إن يدخل أستاذ في الكلية أو موظف كبير حتى ينتفض واقفا ويخرق نظام ~~الطابور، لا أحد يعترض من الطلبة الواقفين، الكل يكتم الغضب. من خلفي سمعت طالبا يهمس ~~في أذن زميله: «البوظان في الكلية زي البوظان في البلد كلها، نظام فاسد، والفلوس اللي ~~بندفعها دي خسارة فيهم، لو كان عندي قريبة أو واسطة ms195 للباشا العميد كنت أخذت ~~المجانية.» # رنت في أذني كلمة «المجانية»، سمعت عن شيء اسمه مجانية التفوق، كنت متفوقة والأولى ~~في مدرستي، فلماذا لم أحصل على المجانية؟! البوظان أو الفساد لا يمكن أن يقف في طريقي ~~لأحصل على حقي، الدم في عروقي يغلي وجسدي اندفع وحده خارج الطابور، سألت عن مكتب ~~العميد، إنه رئيس الكلية، أكبر رأس بين الأساتذة لا يمكن الدخول إليه، بابه مغلق تعلوه ~~لمبة حمراء، لا ينفتح إلا لكبار الأساتذة أو الوزراء والباشوات، العميد في اجتماع ~~مهم، قال لي مدير مكتبه، ثم سألني: معاكي كارت توصية؟! انفجرت بغضب: يعني لازم ~~أجيب واسطة للعميد علشان أقابله؟ # رمقني المدير بنظرة حانقة، كأنما أنا التي أخرق النظام أو القانون وليس هو ... سمعنا صوت ~~الجرس يرن فوق رأسه، انتفض واقفا، أحكم إغلاق بدلته بالأزرار ثم أنطلق بخطوة سريعة ~~وظهر منحن داخل غرفة العميد. # انغلق الباب وراءه، وقفت أحملق في الباب المسدود في وجهي تعلوه اللمبة الحمراء، حقيبتي ~~تحت إبطي داخلها المظروف، رعشة يد أبي وبصمات أصابعه مرسومة بالعرق، بشرة إخوتي الصغار ~~تعلوها بقع الأنيميا وفقر الدم، أصابع أمي حمراء ملتهبة بالصودا الكاوية والصابون، ليس ~~معي كارت توصية، وليس لي قريب يحمل لقب الباشا. # وجدت جسدي يندفع نحو الباب بقوة الغضب والخوف والأمل واليأس ومشاعر أخرى متناقضة، ~~تفاعلت معا داخل العضلة المنقبضة في صدري، وراء هذا الباب يقبع الموت أو الحياة سيان، ~~لم يعد يهمني ما الذي يمكن أن يحدث ... مجانية التفوق أو الفصل النهائي من الكلية، ~~كلاهما واحد، أصبح هدفي الوحيد هو فتح هذا الباب المسدود في وجهي بصرف النظر عن العواقب، ~~تبدد الخوف والأمل واليأس والغضب وغيرها من المشاعر، لم أكن أشعر بشيء، نوع من التخدير ~~الكامل لحواسي الخمس يسبق أي عمل شجاع وإن كان الارتماء تحت عجلات القطار أو ~~الانتحار. # رأيت نفسي داخل غرفة كبيرة مهيبة كأنما دخلت قصر عابدين يوم المظاهرة الكبيرة عام ~~1946م؛ النجفة الضخمة والسجاجيد السميكة، الصور المذهبة فوق الجدران، المكتب الضخم من ~~خشب الأبنوس الأسود تعلوه ms196 النقوش، من وراء المكتب يطل طربوش أحمر فاقع اللون، النصف ~~الأعلى لبدلة سوداء وربطة عنق، عينان واسعتان سوداوان تحملقان في وجهي وتتسعان، فوق رأسه ~~كانت صورة الملك فاروق داخل إطار ذهبي يرتدي ملابس الجيش والنياشين. # كان وحده في الغرفة، لا اجتماع مهما ولا أرى شيئا آخر، رمقت مدير مكتبه المرتجف ~~أمامه، منعني من الدخول، لكن الموضوع مهم جدا. «دكتور»، كنت أظن أن لقب «دكتور» ~~يناسب عميد كلية الطب، إلا أن مدير مكتبه همس في أذني قائلا: اسمه سعادة الباشا العميد، ~~لم يكن في مقدوري أن أنطق هذه العبارة «سعادة الباشا»، كأنما في حروفها تكمن الإهانة ~~أو العبودية، وما إن ينطقها لساني حتى يصاب بالشلل وأتحول من إنسان ناطق إلى حيوان ~~أعجم. # وقفت أحملق في وجه العميد لا أعرف كيف أبدأ، جاءني صوته من وراء المكتب منخفضا ~~مبحوحا، يشبه صوتي بعد الهتاف الطويل في المظاهرات: إيه الحكاية يا بنتي؟! كلمة «بنتي» ~~مع لهجته الهادئة أضاف عليه لمسة من الأبوية. # تشجعت وقلت دفعة واحدة: «أنا أستحق مجانية التفوق يا دكتور، فيه طلبة أقل مني أخذوا ~~المجانية علشان لهم واسطة»، رنت كلمة «واسطة» في الجو، فانتفض مدير المكتب وقال: سعادة ~~الباشا العميد معاندوش حاجة اسمها واسطة، أرجوكي انتي دخلتي بدون إذن وسعادة الباشا ~~العميد مشغول! # لم أتحرك من مكاني، لقد دخلت بقدمي وانتهى الأمر، علي أن أدافع عن نفسي حتى آخر ~~رمق، اسمك إيه يا بنتي؟ صوته مليء بالطيبة، فلماذا يضع أمامه بابه ذلك المدير الشبيه ~~بالضبع؟ تشجعت أكثر وقلت له اسمي واسم أبي. # أضفت بلهجة لا تخلو من الزهو أن أبي شارك في ثورة 19 وأنه من رجال التعليم في مصر، له ~~تسعة من الأولاد والبنات كلهم في المدارس والجامعات، لا يفرق بين تعليم الولد والبنت، ~~كأنما كنت أقف فوق منصة وألقي خطبة، رأيت العميد يبتسم: «وانتي نمرة كام في التسعة يا ~~بنتي؟» «أنا نمرة اثنين، فيه أخ أكبر مني بسنة واحدة وأنا الثانية، لكن كنت دايما ~~الأولى في المدرسة.» # لم يستغرق ms197 لقائي بالعميد أكثر من خمس دقائق، جعلني أكتب طلبا بالمجانية، أو أملأ إحدى ~~استماراته، ثم أمسك قلمه الأحمر وكتب التأشيرة أسفل الورقة: «تمنح الطالبة المجانية ~~الكاملة طوال سنين الدراسة بالكلية»، التوقيع: العميد د. مصطفى عمر. # لا أعرف كيف خرجت من مكتبه، أو كيف عدت إلى البيت، ربما خف جسمي فلم تعد قدماي ~~تلامسان الأرض، كأنما أطير وأحلق في الجو، رغم التحليق ظلت حقيبتي تحت إبطي داخل ~~المظروف، أحرك ذراعي وساقي في الهواء، أتعجل اللحظة وأنا أصل إلى البيت، أرسم وجه أبي ~~أمامي، عيناه السوداوان تتسعان وتتسعان ويملؤها البريق، ويشتد ليغرق الكون كضوء ~~الشمس. # كان أبي جالسا فوق الكنبة في الفرندا مرتديا البيجاما، عاد لتوه من الخارج، أمي في ~~المطبخ تعد له فنجان شاي مع قطعة من فطيرة الذرة التي خبزتها في الفرن، رائحة فطيرة ~~الذرة في أنفي حتى اليوم رغم مرور خمسة وأربعين عاما، صورة أبي محفورة في خيالي، عضلات ~~وجهه متهدلة قليلا من الإرهاق، شحوب قليل ينم عن التعب أو القلق. # انحناءة خفيفة لكتفيه كأنما يحمل فوقهما العبء، لون البيجاما أبيض يميل إلى الزرقة ~~قليلا بسبب الزهرة التي تضاف إلى ماء الغسيل، أزرارها من الصدف الأصفر حجم القرش، ~~أحد الأزرار مفقود، والزر الأخير مكسور، سروال البيجاما متهدل قليلا. # لحظة محفورة في ذاكرتي بالتفاصيل ... حكيت لأبي ما حدث، بدت الحكاية خيالية من تأليفي، لم ~~يصدقها حتى أخرجت المظروف من حقيبتي، فتحه بأصابع مرتعشة كأنما سيجده خاليا، حين ~~وقعت عيناه على أوراق البنكنوت نهض واقفا، مد يده لي مصافحا: برافو يا نوال، ~~برافو! جدعة والله! تعالي يا زينب شوفي بنتك عملت إيه! # يوم من أيام الفرح في بيتنا، ارتفعت مكانتي في عين أبي، أصبح يناديني بلقب دكتورة، حين ~~تكون أمي متعبة ينهض في الصباح الباكر ليعد لي الشاي والفطور، أو يجهز لي علبة ~~الغداء لآخذها معي إلى الكلية. # وأصبح في إمكاني أن أشتري بعض الكتب، وجمجمة كاملة باعها لي عم عثمان، وضعتها داخل ~~حقيبتي الجلدية مع الكتب والكشاكيل، ما إن رأتها ms198 أمي حتى صرخت: «جايبة معاكي ميت ... يا ~~نهار أسود.» وأغلقت علي غرفتي مع حقيبتي مع الميت، لم يكن لي أن أفتح الباب دون أن ~~تخفي عينيها بيديها الاثنتين، كأنما عفريت الميت خرج إليها لحظة انفتاح الباب. # | الحب والموت فوق منضدة واحدة # كانت أختي الصغرى ليلى تشاركني الغرفة، ما إن دخلت الجمجمة من فراش المشرحة حتى خرجت ~~هي بسريرها ومكتبها الصغير. # لم يعد أحد من البيت يدخل غرفتي، أبيت طول الليل وحدي مع ذلك «الميت» المجهول، يطل ~~رأسه من فوق المكتب بجوار سريري، عيناه حفرتان كبيرتان داخل عظام الجمجمة. # قبل أن تنام أمي تقرأ سورة يس، تطرد بها الروح الشريرة من البيت، لكن الحياة سرعان ما ~~تغلبت، واكتسحت العادة الشيء غير العادي، أصبحت أمي تدخل غرفتي تنفض التراب عن كتبي ~~وأوراقي، تمسح رأس الميت بالفوطة الصفراء، تدس طرف الفوطة داخل العين والأذنين والأنف ~~والفم، تزيل عنها التراب، تنظر داخل البئرين العميقتين حيث كانت العينان، ثم تتنهد ~~بصوت مسموع: «الدنيا فانية، والبني آدم آخرته التراب» ... سحابة شفافة من الحزن تكسو ~~عينها، سرعان ما تنقشع وهي تنظر إلى عينيها السلبيتين يملؤهما ضوء الشمس تبدد سحب ~~الصيف الرقيقة، أسمعها تضحك: «الدنيا ما تستاهلش إننا نزعل عليها أو نأخذها جد.» ضحكتها ~~ترن في البيت، الضحكة الطفولية القديمة، كرنين الماء الرقراق داخل إناء من الفضة، تخلع ~~جلباب البيت والشبشب، ترتدي فستانها الحريري الأصفر ذا الحمالات الرفيعة، يكشف عن ~~كتفيها البيضاوين كالرخام، تجلس أمام المرآة «التواليت» تكحل عينيها، تمر بالفرشاة على ~~خديها البارزتين، يصبح لهما لون الورد الأحمر، تضغط بإصبع الروج على شفتيها فتصبحان ~~مثل ثمرتي الكريز وسط وجهها المستدير الأبيض بلون القمر، ترتدي في أذنيها الحلق ~~الألماظ، طويل رفيع، فصوصه تلمع وتهتز مع اهتزازة رأسها، تطلق سراح شعرها الذهبي الناعم ~~فوق كتفيها العاريتين، تحوط عنقها الرخامي الأبيض بالعقد لألماظ، تسميه «البانتانتيف»، ~~ترتدي حول معصمها الأيمن الأسورة الذهبية ذات الفصوص الألماظ وتسميها «الشبكة» التي ~~شبكها بها أبي في السنارة أو مصيدة الزواج، حول المعصم الأيسر ترتدي الساعة ms199 الرقيقة ~~الحريمي ذات الفصوص الألماظ الصغيرة والأرقام الدقيقة غير المرئية بالعين المجردة، حول ~~إصبعها الخاتم «السوليتير» له فص كبير من الماس، والخاتم الذهبي الرفيع منقوش عليه من ~~الداخل اسم أبي. # قدماها الصغيرتان البضتان تتقوسان داخل الحذاء ذي الكعب العالي الرفيع، تتمشى فوقه ~~من غرفة إلى غرفة، ثم تستقر في النهاية داخل المقعد في الفرندة وتطل على السماء ~~وأطراف الأشجار من بعيد، تصنع لنفسها كوبا من عصير البرتقال أو الليمون، تعود إلى ~~مقعدها في الفرندة، ترشف العصير على مهل، تتأجج عيناها بالنشوة كأنما هي ترشف الخمر، ~~أذناها مرهفتان تنتظران صوت جرس الباب، تحفظ الطريقة التي يدق بها أبي الباب، تعرف ~~موعد عودته إلى البيت بالدقة، كان مثل الساعة شديد الانضباط، لم يكن في حياته إلا وظيفة ~~الحكومة، وزوجة واحدة هي أمي، وتسعة من العيال. # في الفرندة كنت أراهما «أبي وأمي» جالسين معا يرشفان عصير البرتقال أو الليمون ~~ويسكران ... تنطلق ضحكاتهما في أنحاء البيت إلى حد القهقهة العالية. قد يلعبان معا ~~الكوتشينة أو الطاولة، تنهزم أمي دائما وتنتفخ أوداج أبي مثل الديك الرومي أو الطاووس، ~~يمد ساقيه ويسترجع ذكريات البطولة، ثورة 19 أول هذه الذكريات، ثم نجاحه بامتياز في ~~كلية دار العلوم، وأخيرا انتصاره في الزواج من أمي رغم عراقيل أبيها شكري بيه. تضحك أمي ~~وتلقي بشعرها الذهبي الناعم خلف عنقها الرخامي: «فاكر يا سيد لما المرحوم بابا قالك ~~نجوزك فهيمة بدل زينب، وقلت له يا زينب يا بلاش.» تضحك أمي وتكركر، ضحكتها المتقطعة ~~كالماء المقطر داخل قلة من الفخار الرقيق: «لكن اشمعنى يعني زينب، هو انت كنت شفت شكلي ~~إيه؟!» تتأجج عينا أبي، تشتعلان بالبريق وهو يرمق استدارات الجسد الأنثوي الناعم إلى ~~جواره: «يعني كنت حاشوفك فين يا زينب، لكن أمي الحاجة مبروكة وصفتك لي حتة حتة، والأذن ~~تعشق قبل العين أحيانا.» # هنا يبلغ العشق ذروته، فينهض أبي ومعه أمي يختفيان داخل غرفة نومهما، من وراء الباب ~~المغلق أسمع الهمسات مع طقطقات السرير النحاسي مع القهقهات والشهقات والزفرات كالنشيج ~~والضحك في ms200 آن واحد. ~~••• # أمام غرفة الطالبات كانت حديقة صغيرة جرداء إلا من شجرة كافور كبيرة، أجلس تحتها أشرب ~~الشاي بالنعناع ... مبنى كلية الصيدلة ملاصق لنا، تأتي سامية وصفية، ونستعيد الذكريات ~~القديمة، قد تشاركنا «بطة» وغيرها من زميلات الطب أو الصيدلة، نرشف الشاي بالنعناع أو ~~القهوة باللبن ونحكي الحكايات. قصص الحب في المشرحة كانت أكثر منها في الصيدلة، الزملاء ~~السينيور يقعون في غرام الطالبات الجونيور، من فوق الجثث تتلاقى العيون وتقفز القلوب ... ~~تشتد الخفقات تحت الضلوع، يجتمع الحب والموت فوق منضدة واحدة كأنما هما توءمان، أمهما ~~واحدة وأبوهما على طرفي نقيض، غريمان مجهولان متنافسان، لا شيء يجمعهما إلا تلك الأم ~~الواحدة. # فوق منضدة التشريح تتقارب رءوس الزميلات، لا يكف الهمس والهسيس، الشهقات المتقطعة ~~المكتومة والقفشات، بطة تحكي آخر نكتة، نموت من الضحك، الزملاء يموتون من الغيظ أو ربما ~~الإعجاب، تأتي الرسائل داخل الكشاكيل أو بين طيات كتاب «كانينجهام»، رسائل معطرة بالحب ~~والفورمالين، كان الزملاء يستعيرون كشاكيل المحاضرات من الزميلات، يقترب الزميل من ~~الزميلة بخطوات متعثرة، خجول، والدم يتصاعد إلى وجهه كالعذراوات: «محاضرة الدكتور ~~البطراوي فاتتني يا زميلة، يا ترى أقدر استلف الكشكول بتاعك؟!» «أيوة يا زميل.» «متشكر ~~أوي يا زميلة.» ثم يأتي طالب آخر تقع عينه على واحدة أخرى من الزميلات: «أنا نسيت ~~(كانينجهام) في البيت، يا ترى أقدر استلف كتابك يا دكتورة؟» «أيوة يا دكتور»، «متشكر ~~خالص يا دكتورة.» # منذ دخلنا المشرحة ونحن نتبادل لقب دكتور ودكتورة والكشاكيل والكتب، ما إن يعود إلى ~~الواحدة منا كتابها أو كشكولها حتى تخفيه تحت الجثة أو فوق ركبتها تحت المنضدة، ~~تفتحه خلسة بعيدا عن العيون، تخفي الرسالة في جيبها أو حقيبتها، تخرجها من حين إلى حين ~~تتشممها: «الله على ريحة الفورمالين يا زميلات!» تنطلق الشهقات المكتومة والقفشات، ~~وتتأجج العيون بغريزة الاستطلاع. # أحد الزملاء السينيور كان يتردد على منضدتنا كثيرا، يمسك المشرط بين أطراف أصابعه ~~مقلدا أستاذ التشريح، ويشرح لنا: «لا يا زميلة، انتي ماسكة المشرط غلط، مش كدة ~~التشريح، هاتي أوريكي!» ... «لا يا دكتورة! ms201 مش كدة تمسكي الملقاط، ده ملقاط مشرحة مش حواجب ~~لا مؤاخذة!» # تكتم البنات الضحك، يرمق الزميل السنيور بطرف عين تلك التي جاء من أجلها، يتفادى النظر ~~إليها مباشرة كأنما هي غير موجودة ... إلا أننا كنا نعرف، فالحب وإن اختفى لا يختفي، ~~وهو لا يكف عن الشرح لنا، لا يفارق منضدتنا، «خلاص فهمنا يا دكتور.» يحمل مشرطه ويعود ~~إلى منضدته، تحوم عيناه من بعيد ... تدوران في المشرحة حول الوجوه، تستقر في النهاية عند ~~منضدة الزميلات. # تلكزني بطة في كتفي: «شايفة الواد السينيور اللي هناك ده؟» «أيوة ماله؟» «عينه على البت ~~صفية.» «حرام عليكي يا بطة، ده ولد طيب.» «قصدك أهبل.» «مش قصدي.» «على العموم الهبل هم ~~اللي بيقعوا في الحب يا نوال، والطلبة الواعيين زي القرود، عينهم على خمسة عين!» «خمسة ~~عين يعني إيه يا بطة؟» «يعني عيادة وعربية وعزبة وعمارة وعروسة.» # تشهق بطة بالضحك: «طبعا يا نوال، العروسة دي آخر حاجة، بعد ما يحوش الفلوس من العمارة ~~والعيادة، يروح يخطبها من أبوها الباشا ويجوزها على طول، لا حب ولا يحزنون!» ~~••• # عام 1951م انتقلت إلى سنة ثانية مشرحة بدون امتحانات، سيكون الامتحان الصعب آخر هذا ~~العام، يشمل العلوم كلها التي درسناها في عامين اثنين ومنها التشريح، أكبر مدرج «علي ~~باشا إبراهيم» يتسع لمئات الطلبة، نتلقى فيه المحاضرات وتعقد فيه الندوات ~~والاجتماعات الكبيرة أو الاحتفالات. كنت أشارك الطلبة في هذه الأنشطة خارج نطاق الطب، ~~أخرج معهم في المظاهرات، نهتف ضد الملك والإنجليز، في عيد الهجرة النبوية يدعوني زعيم ~~الطلبة من الإخوان المسلمين لإلقاء كلمة، وفي الاحتفال بإلغاء معاهدة 36 يدعوني زعيم ~~الطلبة الوفديين للمشاركة بإحدى الخطب ... في عيد العمال يأتي إلي زعيم الطلبة ~~الشيوعيين ويطلب مني مقالا لمجلة اسمها «الجميع»، في الندوات الثقافية أو الفنية ~~أتلقى الدعوة للمشاركة بقصة قصيرة أو قطعة أدبية. # كنت الطالبة الوحيدة في الكلية التي تلقي الخطب في المناسبات، وتكتب القصص والمقالات، ~~كان طلبة الطب كغيرهم من طلاب الجامعة يصدرون المجلات، وكنت أحب الأدب والفن أكثر من ~~الطب، ms202 لم أتوقف منذ المدرسة الثانوية عن كتابة القصص وتسجيل خواطري في مفكرتي السرية، في ~~أحلامي لا أرى نفسي طبيبة، وإنما كاتبة أديبة، ترمقني الزميلات بنظرات ساخرة: «أديبة ~~إيه وكلام فارغ إيه، هو الأدب في بلدنا يوكل عيش يا نوال؟!» # أغلب زعماء الطلبة كانوا في السنة النهائية أو الخامسة ... ننظر إليهم ونحن في المشرحة ~~كأنما هم عمالقة، كانت السنة النهائية في الطب تبدو لنا بعيدة أبعد من نجوم السماء، من ~~هؤلاء الطلبة كان هناك اثنان يصدران مجلة اسمها «طلبة القصر العيني»، أحدهما طويل ~~القامة نحيل الجسم اسمه «كمال كشميري»، والثاني قصير مربع اسمه «أحمد يونس» ... يسيران في ~~الفناء معا لا يفترقان، كالتوءمين، يدخلان إلى المشرحة معا، يتجهان إلى منضدة الطالبات ~~حيث أكون: «يا زميلة نوال، عاوزين منك مقال للعدد الجاي أو قصة قصيرة.» # أول مرة أرى حروف اسمي مطبوعة كان في هذه المجلة، حملقت في الحروف السوداء المنقوشة ~~فوق الورق الأبيض ، كأنما هي منقوشة فوق وجه القمر أو قرص الشمس، محفورة بالرصاص في ~~السماء، راسخة في الكون مثل الكواكب والأفلاك. # كلما أرى واحدا من الطلبة ممسكا بالمجلة أتصور أنه لا يقرأ فيها إلا مقالي، كان ~~بعنوان «طلبة الطب كما أراهم»، ضحك أبي كثيرا حين قرأ المقال: «عندك ملاحظة دقيقة يا ~~نوال، ووصفك للتفاصيل مدهش!» كيف وصفت الطلبة؟! لا أذكر، لكن المناخ العام في كلية الطب ~~لم يكن يروقني، أكثر الطلبة من النوع الصمام، يحفظون المحاضرات عن ظهر قلب، يتنافسون ~~في الدخول من باب المدرج، يدوسون على أقدام الزميلات، يحجزون مقاعد الصفوف الأمامية ~~أمام السبورة، ينكفئون فوق الكشاكيل يكتبون كل كلمة تسقط من فم الأستاذ. # في نهاية العام تصبح عيونهم حمراء، تتورم جفونهم، تشحب وجوههم، تتقوس ظهورهم وهم ~~يسرعون من مدرج إلى مدرج، أنفاسهم تلهث، أفواههم مفتوحة، ولا شيء يلوح لهم إلا شبح ~~الامتحان، وصفت أيضا بعض زعماء الطلبة من الأحزاب المختلفة. # كان زعيم الإخوان قصيرا ممتلئ الجسم أبيض البشرة، له رأس مربع يشبه رأس أبي الهول، ~~وصوت جهوري، يقف على المنصة ms203 ويلقي خطبة طويلة في عيد الهجرة النبوية، يحكي قصة العنكبوت ~~التي كنت أحكيها وأنا تلميذة في حلوان الثانوية، يضرب بقبضة يده على منضدة المنصة، يحرك ~~ذراعيه في الهواء، يسبل جفونه، يبربش، يبلل شفته السفلى بطرف لسانه، يرفع عينيه نحو ~~السقف، يتسرب الطلبة من المدرج دون أن يشعر بهم، يواصل الخطبة دون أن يسمعه أحد كأنما ~~يكلم نفسه أو يخاطب السماء. # زعيم الوفديين كان طويلا نحيفا مقوس الظهر أسمر الوجه ... يقفز فوق المنصة، يخطف ~~الميكرفون من الزعماء الآخرين ويهتف بصوت عال: «يحيا النحاس باشا.» لا أحد يرد عليه ... ~~ينسحب أحد الطلبة من لسانه: «مش عاوزين هتاف وخطب، عاوزين كلام يدخل العقل.» # يتقدم نحو المنصة زعيم الطلبة في الحزب الوطني، طبيب امتياز يرتدي بدلة أنيقة، طويل ~~ممشوق مرفوع الظهر، يمشي فوق المنصة كالطاووس ... يمسك الميكرفون بيد واحدة ... وفجأة ~~يدوي صوته الجهوري في المدرج ... كان اسمه فؤاد محي الدين، أصبح رئيسا للوزارة في عهد ~~السادات، ثم مات فجأة منكفئا فوق وجهه في مكتبه. يتبعه في إلقاء الخطب زميل له اسمه ~~إبراهيم الشبيني، قامته أقل طولا، بدلته أقل أناقة، لكن صوته ليس أقل ارتفاعا، ~~تعرفت عليه أكثر حين جمعنا مكتب واحد في وزارة الصحة. # إحدى المجلات في الكلية كان اسمها «الجميع»، كان يصدرها طالب في نهائي طب معروف بأنه ~~شيوعي، يمشي في الفناء بخطوة واسعة سريعة، رأسه منكفئ قليلا إلى الأمام كأنما ينطح ~~أحدا، يحرك ذراعيه بقوة في الهواء، يدخل إلى المشرحة ويتجه مباشرة إلى منضدة الطالبات، ~~يتكلم بلغة عربية فصحى ويضغط على مخارج الألفاظ: «يا زميلة يا نوال، أنا أجمع كفاءات ~~الكلية في مجلة «الجميع»، وأريد منك قصة أو مقالا عن المظاهرة الأخيرة، أنا اسمي ~~يوسف.» # رن اسمه في أذن الزميلات يسري، ربما ضاع حرف الفاء الأخير من كلمة يوسف في الضجة خارج ~~المشرحة، كانت هناك مظاهرة تتجمع في الفناء، لم تكن المظاهرات تكف منذ إلغاء ~~المعاهدة في أكتوبر 1951م حتى حريق القاهرة في يناير 1952م. # لم تكن زميلاتي يشتركن معي في المظاهرات، ms204 يشعرون بالنفور من كلمة السياسة والأحزاب، ~~أكثر ما يفزعهن هو دخول ذلك الشيوعي إلى المشرحة واقترابه من منضدتنا، ما إن يرونه حتى ~~يهتفن في نفس واحد: يسري الشيوعي جاي أهوه يا نوال! يا دي المصيبة! وتنتفض صفية فوق ~~مقعدها، تذكر أخاها الأكبر: «اسمعي يا نوال، مش عاوزين شبهة هنا كمان، أنا مش ناقصة ~~مشاكل.» وتقول «بطة» وهي تمط شفتيها باشمئزاز: «وكمان له تبريئة كأنه قاتل واحدة.» ~~وتنفجر الزميلات في الضحك: «صحيح والله، عليه بصة مخيفة زي أتال الأتلا.» # في إحدى المرات سألته بطة قائلة: «انت شيوعي بسحيح (بصحيح) يا يسري؟!» تركزت عيناه ~~اللامعتان في عينيها وقال: «أنا بسحيح اسمي يوسف مش يسري»، وضحكت الزميلات، وعرفنا أنه ~~رئيس تحرير مجلة «الجميع»، واسمه يوسف إدريس، وقد أصبح هذا الاسم فيما بعد من الأسماء ~~اللامعة بين الأدباء في مصر. # لم أكن أفهم ماذا تعني كلمة الشيوعية، هي والإلحاد والكفر والفساد والانحلال كانت ~~مضمومة في أذهان الزميلات داخل سلسلة واحدة ... سامية كانت صديقتي الأولى الشيوعية، تجلس ~~معنا في غرفة الطالبات صامتة، شفتاها لا تنفرجان عن ابتسامة، تنفجر البنات بالضحك وهي ~~جادة رصينة لا تضحك، تحكي الزميلات عن قصص الحب، عن رسائل الغرام داخل الكشاكيل، تمط ~~سامية شفتيها كما كانت تفعل في مدرسة حلوان وتقول: «الواقع يا بنات إن البلد في أزمة ~~وانتم مشغولين بالكلام الفارغ!» لم تكن سامية تعترف بوجود شيء اسمه «الحب»، ده شغل عيال ~~يا نوال ... دي رومانتيكية فاضية ... دي مراهقة طفولية برجوازية، اسمعي يا نوال، لازم أحكي ~~لك عن «ماركس» شوية. # أول مرة أسمع فيها عن اسم «ماركس»، رن في أذني يشبه اسم «مركس» أو «مرقس» (حين تنطقه ~~بطة)، الحبيب الأول لصفية وهي في حلوان الثانوية ... تصورت أن سامية قد وقعت (مثل صفية) في ~~حب رجل قبطي، إلا أن سامية ضحكت، لأول مرة في حياتي أراها تضحك، وقالت: «ده شيوعي مش ~~قبطي يا نوال»، «يا نهار أسود يا سامية، ده القبطي أحسن، على الأقل من أهل الكتاب، لكن ~~الشيوعي ملحد وكافر.» ms205 # كانت هناك مجلة أخرى في الكلية اسمها «شعلة التحرير»، يصدرها طالب في سنة رابعة أو ~~خامسة اسمه أحمد حلمي، لم يكن يدخل المشرحة أو يقترب من الطالبات، كان أحد زعماء الكلية، ~~يتكلم في المناسبات الوطنية بصوت هادئ، ينصت إليه الطلبة باهتمام أكثر، يخفي عينيه ~~وراء نظارة شمس، سمعنا أنه أحد الفدائيين في قناة السويس، يختلف عن الطلبة الآخرين في ~~كل شيء، لا نراه في الكلية إلا نادرا، تحوطه هالة من الغموض. # كان لبعض الأساتذة في الكلية اهتمامات وأنشطة أخرى خارج الطب؛ منهم الدكتور «سعيد عبده» ~~أستاذ الصحة العامة، كان يكتب في الصحف عمودا تحت عنوان «خدعوك فقالوا»، وكان يحب ~~الأدب والشعر مثل الدكتور إبراهيم ناجي الذي مات قبل أن أتعرف عليه. أستاذ الكيمياء ~~الحيوية «البيوكميستري» كان اسمه الدكتور «شفيق الريدي»، يحضر أحيانا الحفلات الثقافية ~~والغنائية، يجلس في الصف الأول مع الأساتذة. أحد الطلبة كان يهوى الموسيقى والغناء اسمه ~~«حسونة»، سمين مربع الجسم ، يعزف العود فوق المنصة، ويغني: «يا ريدي البس نضارة! خبي ~~عينك السحارة! يا ريدي آه يا ريدي!» # كان للدكتور الريدي عينان مشهورتان في الكلية، لونهما أخضر أو أزرق، يكسوهما البريق ... ~~تنجذب إليهما عيون الطلبة والطالبات، يتمشى كالطاووس في الفناء، يركب سيارته الطويلة ~~الفاخرة، ترمقه عيون البنات من نوافذ المشرحة، تشهق بطة: «يختي عليه وعلى حلاوته» ... ~~تردد الأخريات في نفس واحد: «قمر والله.» «يا أرض اتهدي ما عليكي أدي.» # لم أكن أنجذب إلى هذا النوع من الوسامة في الرجال، أواصل التشريح دون أن أرفع عيني ~~نحو الفناء، تشد «بطة» المشرط من يدي وتقول: «بصي يا نوال متعي عينك قبل ما نموت ونبقى ~~زي الجثة دي!» ~~«هاتي المشرط يا بطة بلاش مسخرة والامتحان قرب.» «امتحان إيه وزفت إيه، أنا عاوزة ~~عريس زي الريدي يا بلاش، بصي على العربية بتاعته! تجنن! دي كاديلاك دي ولا إيه يا ~~نوال؟!» «أنا ماعرفش في العربيات، هاتي المشرط!» «أمال تعرفي في إيه يا فالحة؟! في ~~المظاهرات وتحرير الوطن! أنا عاوزة أتجوز! يا ريدي آه يا ms206 ريدي.» وتنفجر البنات بالضحك ~~المكتوم. # اسمها الحقيقي كاميليا، ينادونها بطة، وهي تشبه البطة، قصيرة سمينة مربعة الجسم، ~~تتأرجح في مشيتها فوق الكعب العالي الرفيع، تكركر بالضحك بصوت الدواجن، صوتها يسرسع ~~إذا ارتفع مثل الجرس، شفتاها ممتلئتان باللحم، تصبغهما بالروج الأحمر، يداها صغيرتان ~~بضتان ناعمتان، أظافرها طويلة مدببة كالمخالب، مطلية باللون الأحمر. # لم تمسك بطة المشرط في يدها طوال العامين في المشرحة ... تخاف على أناملها الرقيقة من ~~الفورمالين، كان من السوائل الحارقة، يشقق الجلد ويطفئ لمعة الأظافر، لم تقبل واحدة ~~من الزميلات على الإمساك بالمشرط، يكتفين بالجلوس والفرجة على التشريح أو القراءة من ~~كانينجهام مع النظر إلى صور الكتاب. # كان الدكتور البطراوي يمر علينا في المشرحة، له قامة طويلة فارعة تشبه قامة أبي، شعره ~~أشيب، جبهته عريضة، لصوته بحة تنجذب إليها الأذن، يميل إلى الفكاهة والسخرية، يراني ~~واقفة في يدي المشرط والزميلات جالسات حول المنضدة: «مافيش واحدة منكم عاوزة تمسك ~~المشرط؟ طبعا خايفين على صوابعكم الناعمة! حتبقوا دكاترة إزاي يا هوانم؟!» # يضحك الدكتور البطراوي بصوته العالي يملأ المشرحة بجو من المرح، يرمقني بنظرة تشبه ~~نظرة أبي: «براڤو يا بنتي، انتي اللي فيهم، وريني عاملة إيه؟ عال عال! براڤو، لكن واحدة ~~من القوارير دي لازم تساعدك!» # تنكمش الزميلات كالدجاجات فوق مقاعدهن، يغطين أفواههن بأيديهن، ويكركرن بالضحك ~~المكتوم، يضحك الدكتور البطراوي رافعا قدمه فوق المقاعد الخالية: «مش كدة ولا إيه يا ست ~~بطة؟» تتشجع «بطة» وتفتح فمها قائلة: «رفكا بالكوارير يا دكتور!» تتحول ضحكة الدكتور ~~الأستاذ إلى قهقهة عالية، وتتجه عيون الطلبة إلى منضدة الطالبات: «رفكا بالكوارير دي ~~إيه يا بطة هانم، مش عارفة تنطقي حرف «القاف» وتقولي «القوارير»، أمال حتطلعي دكتورة ~~إزاي وتكلمي العيانين الفلاحين، واللا الصعايدة اللي يجولوا الجوارير، ولا إيه رأيك يا ~~دكتور عمرو؟!» # إلى جواره كان الدكتور عمرو «المدرس أو التيوتر»، يقف مشدودا مثل الجندي في حضرة ~~الضابط، ذراعاه معقودتان حول صدره، يهز رأسه موافقا على أي كلمة تخرج من فم الأستاذ ... ~~لكن ما إن يختفي الدكتور البطراوي حتى ms207 يفرد الدكتور عمرو ذراعيه وساقيه، يتمشى في ~~المشرحة مثل الطاووس، يقلد الأستاذ في طريقة المشي والكلام، يضحك بصوته العالي ويطلق ~~على الطالبات اسم القوارير، يمتلك سيارة طويلة تشبه سيارة الدكتور الريدي، ليس في رأسه ~~شعرات بيض وليس في إصبعه خاتم زواج أو خطوبة، ترمقه بطة بعينيها السوداوين المكحلتين: ~~«آهه، ده العريس المناسب مش التلبة (الطلبة)، دول شوية العيال، مفيش فيهم إلا «هشام ~~موغو» (مورو)!» # كان زميلنا في المشرحة يجلس إلى المنضدة المجاورة لنا، أبوه مورو باشا، أصبح عميد ~~الكلية، أبيض البشرة، متورد الوجه، طويل، ممشوق، بدلته أنيقة، لا يرتدي معطف المشرحة ~~الأبيض، لا يظهر إلا نادرا، لا يحضر المحاضرات، لا يشترك في المظاهرات، لا يمسك بين ~~أصابعه القلم أو المشرط ... يداه ناعمتان، يحرك بينهما سلسلة ذهبية تتدلى منها مفاتيح ~~السيارة، ما إن تلمحه بطة حتى تشد المشرط من يدي: «كفاية تشريح يا فالحة! فاكرة نفسك ~~حتطلعي الأولى علينا! لا يا عزيزتي! إحنا هنا في كلية الطب، وإذا كان أبوكي العميد أو ~~واحد من الأساتذة الكبار تطلعي الأولى علطول من غير ما تتعبي عينيكي في قراية ~~كانينجهام، ولا توسخي إيدك في الزفت الفورمالين!» # كانت بطة تعرف أشياء لا نعرفها، أحد أقرباء أمها أو أبيها كان أستاذا في الكلية، ~~تطلق عليه اسم «أونكل محمود»، ربما كان ابن عم خالة أمها، لكنها تتحدث عنه كأنه ~~أبوها. # حول منضدة التشريح يدور الحديث بين الزميلات حول شجرة العائلة وفروعها في أقسام الكلية، ~~ثم ينتقل الحديث إلى الخطوبة والزواج، واحدة منهن خطبها أحد المدرسين في الكلية، ~~تفتح حقيبتها وتخرج الشبكة لتفرج عليها البنات، تقرصها بطة في ذراعها أو فخذها: «عشان ~~يبقى الدور الجاي علي أنا، وطبعا جهاز العروسة من بونترمولي (تنطقه بونتغمولي) في ~~شارع سليمان باشا.» وينتقل الحديث من الشبكة إلى جهاز العروس، ثم إلى الأزياء ~~والمودات الحديثة، وماركات السيارات الأخيرة، وأنواع الأحذية والكعوب، ابتداء من ~~الدبابة الخشبية العالية إلى الكعب الرفيع المدبب من الفضة أو الألومونيوم، وأقلام ~~الروج من الأحمر الفاتح (ناتوريل) إلى الأحمر الداكن ms208 بلون الدم الأزرق. # كانت صفية أقرب الزميلات إلي، لا تصبغ شفتيها ولا ترتدي الكعب العالي، تشاركني ~~رياضة التنس أو البنج بونج يوم الخميس من كل أسبوع، تجتاز الكوبري الصغير فوق فرع النيل ~~بين القصر العيني القديم والقصر العيني الجديد (مستشفى المنيل الجامعي)، ندخل إلى الفناء ~~الواسع، به أشجار وأحواض زهور، ترتفع الساعة (تشبه ساعة الجامعة في الجيزة) فوق السلالم ~~الرخامية عند مدخل الإدارة، ملاعب الكلية على اليسار تحتل مساحة خضراء كبيرة، يحوطها ~~سور حجري عال، نرتدي الأحذية الكاوتش في غرفة صغيرة، لم تكن التقاليد تسمح للبنات ~~بارتداء الشورت القصير الذي يكشف عن الفخذين، الجونلة البيضاء ذات الكشاكيش أو الشورت ~~الطويل يغطي الركبتين. # كان يشاركنا اللعب الطلبة، منهم زميل لنا في المشرحة اسمه حسين كامل بهاء الدين، شعره ~~أسود ناعم يفرق على جنب، يمشي مطرق الرأس، ينظر إلى الأرض، أطلقت عليه صفية اسم التلميذ ~~المؤدب، لا يتكلم ولا يشارك في المظاهرات أو الاجتماعات السياسية، لكنه أصبح فيما بعد ~~من رجال السياسة مع علي صبري في عهد جمال عبد الناصر، ثم وزيرا للتعليم في عهد ~~مبارك. # زميل آخر لنا اسمه أحمد المنيسي، كان يشاركني الطاولة الخشبية في معمل الكيمياء ~~الحيوية «البيوكميستري»، نتبادل زجاجات الأحماض وأنابيب الاختبار، أصابعه وهو يمسك ~~أنبوبة الاختبار ترتعش قليلا، لا ترتفع عيناه إلى وجهي، ويصعد الدم إلى وجنتيه إذا ~~بادلني الحديث، في يوم سمعته يقول دون أن يحرك رأسه ناحيتي: «يا ترى أقدر أستلف منك ~~كشكول البيوكميستري، عاوز أنقل المحاضرة اللي فاتتني امبارح.» # ناولته الكشكول، في اليوم التالي أعاده إلي، بين أوراقه وجدت الرسالة الصغيرة مطوية، ~~فتحتها وقرأت هذه العبارة الوحيدة: «ستكون صورتك أمامي وأنا أقاتل في سبيل الله ~~والوطن.» # كلمة «أقاتل» خمسة حروف، أصبحت تلوح لي في النوم، ماذا يعني؟ هل يشترك في حرب العصابات ~~في القنال؟ أيمسك السلاح في يده ويقتل الإنجليز؟ هذه اليد التي ترتعش وهي تمسك أنبوبة ~~الاختبار؟ لكن أنفه من الجانب مرفوع، يرسم في الجو قوسا حادا، أيكون هذا هو أنف ~~الفدائيين؟! # كلمة ms209 الفدائيين كان لها رنين ساحر، الدقات تحت ضلوعي تتصاعد، في النوم أراه يضرب ~~الأعداء واحدا وراء الآخر، يتساقطون إلى الأرض وهو واقف شاهرا سيفه، قامته فارعة مثل ~~قامة أبي، يحملونه عاليا فوق الأعناق، تتطاير رصاصة في الجو وتستقر في صدره، يسقط إلى ~~الأرض ينزف الدم، يحملونه فوق عربة كارو، يضع يديه فوق قلبه تحت الضلوع، يستخرج شيئا ~~يمسكه بين أصابعه المرتعشة، ثم يفتح أصابعه لأرى صورتي! لم يكن عندي إلا صور قليلة ~~منها صورة الشهادة التوجيهية، التقطها لي مصور في منوف ضخم الجثة يعرج على قدمين ~~متورمين، يلتوي إلى الوراء حين يمشي، ربما أصيب بمرض الفيل أو شلل الأطفال وهو صغير، ~~جسدي كان يرتعد حين ألتقي به في طريقي إلى المدرسة، جاء إلى بيتنا حاملا صندوقه فوق ~~ظهره كمن يحمل صليبه ويمشي، أوقفني في الحقل أمام البيت والشمس في عيني، وضع رأسه داخل ~~الصندوق الخشبي ثم اختفى نصفه الأعلى تحت خيمة سوداء، رفع ذراعه اليمنى في الهواء ~~وصاح بصوت يشفه صفارة الإنذار في الحرب: «انتباه! واحد اثنين ثلاثة! كان المفروض في ~~هذه اللحظة (حسب أوامره) أن أتوقف تماما عن الحركة أو التنفس، وأفتح عيني وأغلق فمي، ~~إلا أن العكس هو الذي حدث، إذ اهتزت الأرض تحت قدمي، وتركزت الشمس القوية الحارقة في ~~العين السحرية الجاحظة من رأس الصندوق الأسود. # كنت أحفظ هذه الصورة مع أوراقي الخاصة ومفكرتي السرية في درج صغير أسفل مكتبي أغلقه ~~بالمفتاح. كانت هناك صور أخرى لي التقطها أخي طلعت، منها صورة تشبه إستر ويليامز أو ~~سامية جمال، فوق وجهي ابتسامة عريضة، عيناي يكسوهما بريق كضوء الشمس. # كنت أهدي هذه الصورة إلى صديقاتي البنات، نتبادل الصور، نكتب عليها من الخلف للذكرى ~~والتاريخ. # لم تكن الصداقة تحدث إلا داخل الجنس الواحد، لا شيء اسمه الصداقة بين الجنسين، لا يمكن ~~لبنت أن تعطي صورتها لرجل ليس زوجها أو خطيبها على الأقل، قد يحدث في الحب أشياء خارقة ~~للعادة والتقاليد، كأن تهدي البنت صورتها دون أن تكتب عليها حرفا واحدا، ms210 كان يكفي أن ~~تسقط هذه الصورة في يد شخص حتى تسقط البنت في نظر الناس. # منذ الرسالة داخل الكشكول لم أر «المنيسي» إلا مرة واحدة أخيرة، في معمل البيوكميستري، ~~حرك رأسه ناحيتي وابتسم على غير العادة، عيناه ملأهما بريق، رموشه سوداء غزيرة تهتز، ~~أصابعه حول أنبوبة الاختبار قوية صلبة رغم الرعشة الخفيفة، انفرجت شفتاه كأنما يقول ~~شيئا، صوته خافت لا أكاد أسمعه: «عاوز صورتك معايا.» # كنت فتاة مثالية، لا تهدي صورها وإن خفق قلبها بالحب، لم يكن قلبي يخفق له كما خفق في ~~الحب الأول، في عينيه رغم البريق القوي نظرة منكسرة خجولة تشبه نظرة البنات، كنت ~~أنفر من هذه النظرة في عيون الزميلات، فما بال الزملاء. # كان المعمل في الدور الثالث، لا يوجد كراسي نجلس عليها، نقف على أقدامنا الساعة وراء ~~الساعة أمام التخت أو الطاولة الخشبية الطويلة، نخلط الأحماض والمواد الكيميائية داخل ~~أنبوبة الاختبار، نضعها على النار وتتصاعد الغازات السامة أو غير السامة. # فجأة سمعنا صوت فرقعة، انفجرت الأنبوبة في يد أحد الزملاء، امتلأ المعمل بالدخان، ~~أسرعنا إلى الخارج نعطس ونسعل، هبطنا السلالم جريا إلى الفناء: «يا خبر، أنا نسيت ~~شنطتي فوق في المعمل!» لم يكن لي أن أعود إلى البيت دون حقيبتي، «أنا حاطلع حالا ~~أجيبها»، هذا هو صوت المنيسي الذي ناولني حقيبته لأحملها له حتى يعود، انطلق صاعدا ~~السلالم بشجاعة الفدائي يقتحم النار لا يخشى الموت، عاد حاملا حقيبتي، تبادلنا الحقائب ~~بلا كلمات، أطراف أصابعه لامست يدي عن غير قصد في حركة التبادل السريع: ~~«متأسف!» # كان واقفا أمامي ينطق كلمة متأسف وأنا لساني معقود، كان المفروض أن أحوطه بذراعي، ~~أو على الأقل أمد يدي أصافحه وأشكره، إلا أني وقفت مثل التمثال عاجزة عن فعل أي شيء، ~~قيود تحيطني وحواجز تقف بيني وبينه لا أعرف ما هي، كان واقفا يلهث قليلا (صعد ثلاثة ~~أدوار وهبط في لمح البصر)، وجهه محتقن بالدم، يضغط بأسنانه على شفته السفلى، لا أسمع ~~منه إلا كلمة متأسف، لم أعرف لماذا يعتذر، عن ms211 الرسالة التي وضعها في الكشكول أم عن ~~التلامس الخاطف غير المقصود؟ ثم سمعت صوته بصعوبة، كانت في الفناء ضجة وصخب وريح ~~محملة بالتراب والرمل دوت في أذني كالصفير الحاد الطويل، رأيته يمد يده لي يصافحني ~~بأصابع باردة، لم أسمع مما يقول إلا كلمتين: «أستودعك الله.» # في الطريق إلى البيت عاد إلي صوته: «أستودعك الله»، لم أفهم ماذا تعني هاتين ~~الكلمتين، لكن قلبي ينوء بثقل كبير، ربما كان تأنيب الضمير، هل أسأت إليه دون أن أدري ~~لماذا لم أفتح فمي وأشكره على الأقل؟ ~~••• # في المظاهرات لم يكن «المنيسي» بين الطلبة، هل سافر مع كتائب الفدائيين إلى القنال؟ منذ ~~إلغاء معاهدة 36 في أكتوبر 1951م فقد الاحتلال البريطاني سنده القانوني، بدأ الكفاح ~~المسلح بين الطلبة والشباب، حكومة الوفد كانت تشجع المقاومة الشعبية من وراء ~~الستار. # لم تكن زميلاتي البنات يشاركن في المظاهرات، أحيانا أكون الطالبة الوحيدة بين مئات ~~الطلبة أو الآلاف، في خيالي حلم الطفولة، أحمل السيف وأضرب الأعداء، يحملوني مثل أبي فوق ~~الأعناق: تحيا مصر حرة! تسري القشعريرة في جسدي كالكهرباء، أنتفض من مكاني حيث أكون في ~~المشرحة أو المدرج أو المعمل، يندفع جسمي بقوة مجهولة كأنما تأتي من السماء، أسير ~~بينهم والخفقات تتصاعد تحت ضلوعي قوية متلاحقة متدفقة تذكرني بالحب الأول. # صوتي يختنق بالدموع وأنا أهتف: «تحيا مصر حرة»، فيض من الدموع ينهمر من عيني يكتسح ~~أمامه أحزاني منذ ولدت، يتخفف جسمي من الثقل، كأنما يسقط عني جسمي، أسير بينهم بلا ~~جسم، بلا اسم، بلا أب ولا أم ولا أسرة، هؤلاء هم أسرتي وأهلي وبيتي. # أكان ذلك يسمونه حب الوطن؟ أم أنه الحنين إلى الحب الأول؟ لم أكن أعرف، كان الاثنان ~~يذوبان معا داخل شلال واحد، فيضان من المشاعر كالطوفان يكسر الجسور والحواجز، أنسى أنهم ~~رجال من جنس آخر، نصبح جنسا واحدا، نذوب داخل جسد واحد أو روح واحدة بلا ~~جسم. # أكبر مظاهرة كانت في نوفمبر 1951م، يسمونها «المظاهرة الصامتة»، أحيانا يكون الصمت ~~أقوى من الهتاف، في فناء الكلية تجمع ms212 مئات الطلبة، يحملون اللافتات الطويلة من الدمور، ~~كتب عليها بخط النسخ الأسود: يحيا العمل الفدائي. لا مفاوضات مع الاحتلال البريطاني. ~~طلبة الطب مع الشعب يد واحدة. يحيا كفاح الشعب المسلح. تحيا مصر حرة. مجموعة من الطلبة ~~الفدائيين يرتدون ملابس حرب العصابات، مجموعة أخرى يعلقون الشارات فوق صدورهم ~~ينظمون الصفوف، زعماء الطلبة يروحون ويجيئون، أصواتهم ترتفع من حين إلى حين: «عاوزين ~~نظام يا زملاء، الهتاف ممنوع، المظاهرة دي إحياء لذكرى أول وفد شعبي راح للحاكم ~~البريطاني سنة 19، وطلب منه رسميا جلاء الجنود الإنجليز عن مصر، دي أهم مظاهرة في ~~تاريخ الحركة الوطنية، لأول مرة في تاريخ مصر الحكومة والشعب في يد واحدة، بيجهزوا لضربة ~~كبيرة في القنال، لازم نوريهم النهاردة إن الشعب كله إيد واحدة قوية، عاوزين نمشي خطوة ~~واحدة، ماحدش يطلع برة الصف، جايز عناصر من أعوان الملك والإنجليز يندسوا بينا عشان ~~يعملوا شغب، يفسدوا المظاهرة، لازم نكون منتبهين لهم، لازم يكون فيه هدوء ونظام طول ~~المظاهرة .» # كان معي طالبتان من سنة أولى مشرحة، تقدم نحوي أحد المنظمين: «يا زميلة نوال، ~~الطالبات يقفوا في الصف الأول ودي اليافطة، تقدروا تشيلوها؟» كانت قطعة طويلة من القماش ~~الدمور، كتب عليها بالخط الأسود الكبير: «طالبات الطب مع الكفاح المسلح لتحرير الوطن.» ~~لها عمودان طويلان من الخشب، أمسكت بعمود، أمسكت الطالبة الثانية بالعمود الآخر، ~~يساعدها أخوها طالب كلية الطب أيضا، رفعنا اليافطة فوق رءوسنا وسرنا في الصف ~~الأول. # خرجت المظاهرة من باب الكلية مثل تمساح ضخم يزحف بلا صوت، التحمت مع المظاهرات الأخرى ~~في شارع القصر العيني، أنهر من البشر تتدفق من الشوارع الجانبية، تلتقي معا كالشلال، ~~تصب في ميدان الإسماعيلية، أقدام بلا عدد تخرج من جسد واحد له رءوس بلا عدد، أمواج ~~تعلو وتهبط كالبحر، ملايين الأنفاس ذابت في نفس واحد، بلا صوت، الصمت يدوي أقوى من الرعد ~~يرج الأرض. # خرجت مصر كلها ذلك اليوم، تحول كل شبر من الأرض إلى بشر، حتى الشجر صعد إليه الناس ~~حين ضاقت الشوارع والميادين، أسطح البيوت ms213 والنوافذ تحولت إلى أجساد لها رءوس وعيون تطل ~~على ما يشبه يوم القيامة، حين يقوم الناس أفواجا أفواجا، وينهض الأموات يسيرون فوق ~~أقدامهم. # لم يتخلف أحد، حتى التلاميذ الصغار والأطفال، وربات البيوت والنساء بالملايات اللف، ~~أطفالهن فوق صدورهن، فلاحون بالجلاليب والطاقيات فوق رءوسهم، عمال المصانع بالبدل ~~الزرقاء تعلوها بقع الزيت والشحم، عجائز يسيرون بالعكاكيز، موظفون بالطرابيش والبدل، ~~شحاذون بالجلاليب الممزقة، باعة متجولون فوق رءوسهم القفف، عربات كارو تجرها ~~الحمير. # مرضى خرجوا من المستشفى بالجلاليب البيضاء، تمورجية، ممرضات، أطباء بالمعاطف والسماعات ~~حول العنق، مشايخ بالقفاطين والعمائم البيضاء، قساوسة بالعمائم السوداء وقفطان الكنيسة، ~~المحامون داخل روب المحاماة، القضاة بوشاح القضاء، باعة الأمشاط في الترام، صبيان بذراع ~~واحدة أو بساق واحدة، صبي بلا ساق يسير فوق قطعة خشب لها أربع عجلات، يدفعها من تحته ~~بذراعيه ويمشي في المظاهرة، أصحاب الدكاكين أغلقوها بالأقفال الحديدية وساروا بين ~~الصفوف. # كنت أمشي رافعة ذراعي اليمنى حاملة اللافتة فوق رأسي، الساعة وراء الساعة، أمشي في ~~الحلم رافعة شعلة التحرير، كما أن جان دارك أو زرقاء اليمامة تقود وطنها إلى الحرية، ~~صوت عذب يسري في أذني يشبه الغناء مع الدقات على العود، في بحر المياه الزرقاء الدافئة ~~تحملني الأمواج عاليا ثم تهبط بي في رفق شديد، كذراعي أمي تؤرجحني فوق ركبتيها ~~وتغني: هوه، نامي نينه هوه! # أغمض عيني وأمشي كالنائمة، فجأة سمعت الصوت، فتحت عيني كأنما أصحو من النوم، أهي طلقة ~~رصاص؟! الشمس في عيني أصبحت شعاعا أحمر، احتميت وراء جدار بعيدا عن الضوء، سمعت صوتا ~~يناديني: «يا نوال»، الحلم يختلط بالحقيقة، الضوء يتحول إلى سائل يجري فوق الأسفلت، تحت ~~قدمي رأيت الشريط الأحمر، أتحسس ذراعي وساقي، كل شيء في مكانه، أستطيع أن أمشي وأنقل ~~القدم وراء القدم، الشمس غابت وراء ساحبة من الغبار، ثم انقشع الغبار عن وجه رأيته ~~من قبل كان يقترب مني، يتقدم نحوي بخطوة هادئة واثقة، يرتدي فوق عينيه نظارة شمس، يومض ~~من تحتها ضوء كالابتسامة: يا نوال؟ أهو اسمي؟ كف عرفه من ملايين الأسماء ms214 في ~~الكون؟ # لم أعرف أين انطلقت الرصاصة، كنت في شارع كبير لا أعرف اسمه، لم أكن أعرف من شوارع ~~القاهرة إلا القليل، كانت المواصلات متوقفة، لا أوتوبيس، لا ترام، لا تاكسي، لا عربة ~~كارو، لا شيء له عجلات يسير على الأرض، فقط الأقدام البشرية التي بدأت تتفرق كما تجمعت ~~بلا صوت بلا هتاف، تفككت الكتل من الناس وابتلعتها الشوارع الجانبية والأزقة: «يا نوال، ~~مفيش غير إننا نرجع ماشيين.» # ينطق اسمي بسهولة غريبة، يقول: «يا نوال»، كأنما يعرفني أو ناداني من قبل، سرت إلى ~~جواره صامتة لا أسمع إلا وقع أقدامنا فوق الأسفلت، حذائي من الجلد الأسود يشبه حذائه، ~~قدمه كبيرة بحجم قدمي، قامته بطول قامتي، يرتدي قميصا أبيض صدره مفتوح، لا ربطة عنق، لا ~~جاكيت، لا بلوفر، خطوته فوق الأرض قوية متحدية، أيكون أحد الفدائيين؟! # رحلة العودة بدت كأنما رحلة داخل الحلم، لم أنتبه إلا حين وجدت نفسي في شارع القصر ~~العيني، توقفت وأنا أقول: «أنا عارفة السكة للكلية من هنا.» كأنما أدركت فجأة أنني أمشي، ~~مد يده وصافحني، يد قوية كبيرة مملوءة بالثقة: «طيب، مع السلامة يا نوال!» مرة أخرى ينطق ~~الاسم «نوال»، الذي أصبح له وقع في أذني كأنما هو اسم غير كل الأسماء، وليس له مثيل بين ~~البشر، أهو حقيقة اسمي أنا؟ وكيف اكتسب هذا الرنين الجديد في الكون؟ # | أوراقي ... حياتي # سماء زرقاء، شديدة الزرقة، يسمونها هنا في «ديرهام» «كارولينا بلو»، في هذه ~~الولاية الجنوبية على الشاطئ الشرقي للمحيط الأطلنطي في أمريكا الشمالية، تذكرني بسماء ~~مصر ... في قريتي، في طفولتي، وخطواتي الأولى نحو الصبا والشباب في المدينة، طالبة حالمة ~~بكلية الطب، أمشي في المظاهرات، المظاهرة الصامتة بالذات في نوفمبر 1951، حين بدأ قلبي ~~يخفق للحب وأنا في العشرين من العمر، الخفقة القوية تحت الضلوع تذكرني بخفقة الحب ~~الأول وأنا في العاشرة من العمر. # السماء الزرقاء فوق رأسي الأشيب بشعري الأبيض المتناثر تشبه السماء الزرقاء في ~~القاهرة، وأنا أمشي في المظاهرة بشعري الأسود الغزير، وقامتي الفارعة المشدودة، والدماء ~~الفائرة ms215 في جسدي، فتاة شابة تتأجج عيناها بالبريق النابع من حلم الطفولة، لم يتغير ~~الحلم منذ كنت في السابعة من العمر، لم ينطفئ، غير قابل للانطفاء حتى نهاية ~~العمر. # الشمس ساطعة كأنما بداية الربيع مع أننا في نهاية الخريف، سماء القاهرة عارية من السحب، ~~لؤلؤ أزرق فوق رأسي وأنا أمشي، مياه النيل تترقرق، فيروز يسيل بين ضفتي النهر، الخضرة ~~تذوب في الزرقة، والعصافير تحتمي بفروع الشجر؛ فهناك ريح شمالية قادمة، شتوية رغم الدفء ~~الناعم بحرارة الجسم. # لقد جئت إلى هذا المكان البعيد ومعي أوراقي وذكرياتي، كلمة «جئت» لا تعبر عن ~~الحقيقة، لأنني لم آت إلى هنا بإرادتي، لم أغادر الوطن باختياري، قوى عاتية مثل الأعاصير ~~تقتلع الناس كما تقتلع الشجر، تنتزعهم من أرضهم وبيوتهم، تلقي بهم بعيدا في ما يسمونه ~~«المنفى». # بيني وبين كلمة «المنفى» عداء، لا توجد قوة يمكن أن تنفيني عن الوطن؛ فالوطن يسافر معي ~~حيثما أكون، والسماء تسافر معي، والشمس أيضا تسافر معي، والقمر والنجوم ، وأحلام طفولتي ~~تسافر معي داخل جسدي كما كنت طفلة، وقلبي يخفق بالقوة نفسها كما خفق وأنا في العاشرة ~~من العمر. # في الليل حين تهدأ رياح المحيط الأطلنطي وتنام العصافير، أشعل المصباح إلى جوار ~~المدفأة وأعود إلى الوراء ثلاثة وأربعين عاما، أراني أمشي في مظاهرة 1951، إلى جواري ~~«أحمد» الحب الثاني في حياتي وزوجي الأول، الذي منحني أغلى ما يمكن أن يمنح، وهي ~~ابنتي. ومدينة القاهرة التي عشنا فيها الفرح والحزن، الحرية والاستعباد، غرست في نفوسنا ~~تناقضها، تطاحنها، عذابها تحت سعير الاستعمار والإقطاع، سعير الحر والحرب والحب ~~والحنق، أي حنق، يشتعل فجأة، فيندفع الناس من بيوتهم إلى الشوارع يصرخون، يهتفون ضد ~~حكوماتهم، يلعنون الدين والدنيا معا. # القاهرة، مدينتي أحملها فوق صدري مثل أمي في أيامها الأخيرة، لم يكن لي أن أعرف مدينتي ~~إلا بعد أن أذهب بعيدا عنها، هنا في آخر الدنيا، وراء البحار والمحيط، في هذه ~~«الديرهام» الصغيرة المعزولة، تنتزعني من الوحدة نجمتي في السماء «الزهرة»، ولدت معي، ~~وتموت معي، تنتزعني كل ليلة من ms216 الظلام، بعيدا عن غبار الليالي المحملة برمال الصحراء ~~ورياح الخماسين، وأدرك الآن على البعد أن مدينتي بريئة، لا يمكن إدانتها بما فعلت ~~بنا؛ فهي كالأم تقتل أطفالها حماية لهم من موت آخر أشد وأقسى، وقد أنقلب ضد مدينتي ~~كما كنت أنقلب ضد أمي، أصب عليها غضبي، إنها التي يجب أن تدان وإن كان علينا نحن ~~أطفالها أن ندفع ثمن خنوعها أو اللامبالاة. # ما هذه المدينة القاهرة؟ المقهورة؟ ما كنه مدينتنا هذه وما سرها؟ وما الذي يمكن أن ~~يحدث لنا حين نسمع كلمة «القاهرة»؟ ... في غمضة عين أجتاز المحيط الأطلنطي والبحر ~~الأبيض المتوسط وثلاثة وأربعين عاما من العمر، وأجدني أمشي في شارع قصر العيني حيث ~~كلية الطب والمستشفى الفخم الراقد بين فرعي النيل مثل تمساح مريض مشقق البشرة، محروق ~~بالشمس، مملوك للذباب والشحاذين وأصحاب العاهات، يدقون بعكاكيزهم فوق الكوبري بين ~~قصر العيني القديم والجديد، وهؤلاء الذين يسكنون على الضفة الأخرى من النهر، في الحي ~~الراقي الذي يسمونه «جاردن سيتي»، القصور والفيلات الأنيقة تحوطها الحدائق، يسكنها ~~الباشوات من الطبقة العالية الحاكمة، وإلى جوارهم السفارات الأجنبية، السفارة البريطانية ~~التي حكمت مصر أكثر من سبعين عاما، والسفارة الأميركية التي تتربع على العرش اليوم، ~~دولة أخرى داخل الدولة. # وهؤلاء الذين ينتمون إلى ما يسمى «الشعب»، نحن الطلبة والطالبات، أبناء وبنات الطبقة ~~الوسطى، أو الفلاحين أو العمال من الطبقات الكادحة، يسمونها الطبقات «الدنيا» أو ~~«السفلى»، وأحيانا يقولون «الطبقات المحرومة». # كلمة «الحرمان» كانت تعبر بالضبط عن حالتنا نحن الأطفال وقد أصبحنا شبابا في غمضة ~~عين، وتفتحت عيوننا على مدينة ليس لنا فيها شيء إلا أن نمشي في شوارعها ونهتف ضد الملك ~~والحكومة والإنجليز، ضد الثالوث المقدس المترابط منذ 1882 بوثيقة كاثوليكية لا تنفصم ~~إلا بالموت، وقد خلف لنا ثالوثا آخر غير مقدس، ثالوثا شيطانيا، هو: «الفقر ~~والجهل والمرض.» # كلمة الحرمان لها وقع عذب في أذني، وكم شعرت بلذة الحرمان من الأكل أو الجنس في قمة ~~لحظات الحب، كالشمعة تحترق، يذوب شمعها، يسيل فوق جسدها من شدة العذوبة ms217 والرقة إلى حد ~~الفناء من أجل الآخرين، الإضاءة، أي إنكار لذواتنا، أن نحترق ونموت لينعم الآخرون ~~بالضوء، هكذا تربينا منذ ولدنا في بيتنا ومدارسنا، ونشأت الهوة بيننا وبين ذواتنا، ~~وأصبحت كلمات مثل: القناعة، والصبر، والزهد، والفداء، والتضحية، والحرمان، كلمات مقدسة، ~~نلوكها كل يوم في صلواتنا مثل حبات السبحة، وأحلامنا تنسحب من الأرض إلى السماء، إلى ~~الهواء؛ حيث نبحلق في الفراغ، نحلم بقصر بعد الموت في جنة عدن. # إلا أن عيوننا كانت ترتطم دائما بالقصور القائمة فوق الأرض، فوق الضفة الأخرى من ~~فرع النيل، في «جاردن سيتي»، وقد نتمشى بالقرب من تلك الأسوار العالية من الطوب الأحمر، ~~والشرفات الكبيرة ذات الأعمدة الحجرية العالية المطلة على النيل، يترامى إلى سمعنا ~~ضحكات أنثوية ناعمة، وقهقهات ذكورية غليظة، مع رائحة السيجار والكافيار والويسكي واللحم ~~المشوي، ودقات الموسيقى مع إيقاع الرقص والتانجو، وهنا ندرك أن كل شيء وفير موفور ~~متنوع وغزير، والأكل والجنس وكل شهوات الدنيا. # خيالي كان يسرح وأنا أمشي في جاردن سيتي، لا شيء يفصلها عن مستشفى القصر العيني إلا ~~بضعة أمتار، في بعض خطوات أنتقل من ثالوث الفقر والمرض والجهل إلى الثالوث المقدس؛ حيث ~~تختفي الكلمات المقدسة التي حفظناها عن ظهر قلب: الحرمان، الزهد، الصبر، القناعة، ~~الفداء، التضحية، وأكاد أفعل ما كان يفعله «منعم» الطفل الفلاح في منوف، حين كان يتشعبط ~~على قضبان النافذة في بيتنا ويشهق: ياه! ربنا بيحبكم، أعطاكم خير كتير، لكن احنا ~~الفلاحين الغلابة ربنا غضبان علينا. # كان «منعم» يتصور أنني سعيدة داخل هذا البيت، لم يكن يرى تعاستي، أنا أيضا كنت أتصور ~~أن سكان «جاردن سيتي» سعداء، يأكلون أنواعا من الفاكهة لا نأكلها مثل التفاح والكريز، ~~لم أكن أعرف ما هو الكريز وتلك الأسماء الأخرى التي لم ترد في القرآن الكريم، لم يكن ~~لسكان الجنة في كتاب الله إلا عناقيد العنب والنخيل (البلح). كان أبي يشتري لنا البلح ~~والعنب، إلا أن التفاح كان غالبا لا يأكله إلا الأغنياء، أما الكريز فلم أسمع عنه إلا ~~في جاردن سيتي. كنت ms218 أمر بالفكهاني الأنيق يعرض الثمار اليانعة بألوانها الزاهية، يهبط ~~الخدم من القصور ويشترون، يترامى إلى سمعي «الكريز» وكلمات أخرى لا أعرفها، أنواع ~~مأكولات أو فواكه ربما تزرع في أرض أخرى، يسمونها «بلاد برة»، وكل شيء يأتي من «بلاد ~~برة» كانوا يقولون عنه أفضل وأرقى، سواء كان مأكولات أم شهادات. ~~«بلاد برة»، يسمونها «الغرب»، وبلادنا يسمونها «الشرق»، يقولون إن الشرق روحاني، يحرم ~~لذائذ الدنيا وأولها لذة الجسد أو الجنس، سوف تتوافر هذه اللذة بإذن الله في جنة عدن، ~~وكم شعرنا بالفخر في أول الشباب لانتمائنا إلى الأرض المقدسة الطاهرة، مهبط الأنبياء ~~والأديان، الناس فيها يعيشون على الغذاء الروحي لأنهم تجاوزوا مشكلة الجسد. # ذات يوم في خريف 1957، بعد أن وقعنا قسيمة الطلاق وأنهينا قصة الحب التي دامت ست ~~سنوات، كنا نتمشى على شاطئ النيل بجوار القصر العيني، حين سألني أحمد فجأة: أتعرفين ~~يا نوال ماذا تفعل القاهرة بالحب؟ قلت: ماذا تفعل؟ قال: القاهرة تفعل بالحب ما يفعله ~~وابور الطحين؛ الخارج من تحته إما أن يكون رجلا مسحوقا مجروحا بعمق في رجولته، أو ~~روحا طاهرة تعاني الوحدة، يعني نبيا. # كانت ورقة الطلاق تعني الفراق بين الزوج وزوجته، إلا أننا كنا نلتقي، يدور بيننا ~~حوار أجمل من العلاقات الزوجية، أدركنا أن «الزواج» يفسد الحوار بين الرجل والمرأة، ~~يفسد الصداقة والحب، يدمر الأشياء، يسحقها، يطحنها مثل وابور الطحين، يعيدها إلى ما ~~كانت عليه في العصور القديمة، زمن العبودية. # كان «أحمد» طالبا في كلية الطب في السنة الرابعة وأنا في السنة الأولى، عرفته لأول مرة ~~في المظاهرة الصامتة الكبرى، ست سنوات عاشت قصة الحب، تبدو لي من بعد المكان والزمان ~~كأنما لم تكن إلا رواية قرأتها أو قصة في حياة امرأة أخرى، لم يبق منها إلا الخيال وصور ~~في الذاكرة أستعيدها. # الشمس كانت ساطعة ذلك اليوم من نوفمبر 1951م، الأشعة تنساب فوق رأسي من خلال عطر ~~الياسمين، الهواء مشحون بتراب الأرض، التراب ممزوج بمياه النيل له رائحة منعشة، تراب ~~الأرصفة وشوارع القاهرة وقد أطفئت برذاذ الماء، ms219 سحابات الخريف الخفيفة الندية تقترب من ~~الأرض، لا تحمل الأمطار وإنما الرذاذ القليل النادر ندرة التفاح والكريز، ينتشر اللون ~~الرمادي أو الأزرق المغبر، والأرجواني الصحراوي الجيري أو الترابي والقرمزي، فوق كل ~~هذا تسطع الشمس بقرصها المتوهج القادر على تمزيق السحب، تصبغ مياه النيل بالوهج ~~البرتقالي الأخضر، ورطوبة المطر المختنق تكسب الهواء لمعانا، ونكهة الأرض العطشى تتلقى ~~الرذاذ مهدية سماوية من عند الإله. # تحت كل ذلك تقبع مدينة القاهرة تحت غطاء شفاف من الحزن يشبه الشبورة، هواء الخريف ~~دافئ يحمل بقايا سخونة الصيف، يلهب الجسد خلال الرداء القطني الخفيف، يعالج الجسد وقد ~~عادت إليه الروح أو ربما هي الروح عاد إليها الجسد، قضبان سجني أحسها تتخلل وأنا ~~أمشي في المظاهرة الصامتة، بلا هتاف، تتساقط بين قدمي الأغلال رغم الصمت، مدينة ~~القاهرة ممدودة أمامي عارية عن الزيف، حبلى بالأمل، كالمرأة تسير نحو الحب، نحو ~~الحرية، نحو المستقبل المجهول، رغم ضوء النهار الساطع. # كانت الهتافات ممنوعة، لكن الآلاف كانت تتنفس في نفس واحد، يشق عنان السماء، تمشي ~~بخطوة واحدة ترتج لها الأرض، في مدينة واحدة هي القاهرة، تنشر شذراتها صامتة كأوراق ~~الزهر، وفي هذه اللحظة التقت عيوننا أنا وأحمد، ألحان خفيفة غير منطوقة تهز القلب، ~~أجسادنا وسط آلاف الشباب تدوس شوارع المدينة باحثين عن الاستقلال، عن الانعتاق، عن ~~التحرر من العبودية. # كان زعماء الطلبة يسيرون بين الصفوف، أحدهم كان «أحمد»، كان مملوءا بالحلم الطفولي ~~مثلي، وكنت مثله أمشي في شوارع المدينة، يخيم عليها كآبة الحكم الأجنبي، وكآبة الحكم ~~المحلي، يسمونه «الملكية السامية»، طنين عربات الترام وهي تنتفض فوق قضبانها الحديدية ~~في شارع قصر العيني، تفوح منه رائحة المشرحة والفورمالين، وجروح المرضى الغارقة في الدم ~~والصديد، ولون صبغة اليود في الجو، والسرادقات الطويلة داخل المستشفى، هنا كثيرا ما ~~التقينا. في المستشفى كان هناك مساحة من الأرض لملاعب الطلبة، كانت توجد دكة خشبية عند ~~ملعب التنس، رصت عليها أكواب الشاي بالنعناع الذي كنا نشربه، أو زجاجات الكازوزة ~~المثلجة في أيام الحر، يحملها إلينا «عم محمود» ms220 صاحب البوفيه، غرفة معتمة بجوار غرفة ~~تغيير الملابس، يغلي فيها الشاي على وابور جاز، يرص ألواح الثلج الطويلة داخل صندوق ~~خشبي يسميه الثلاجة، فوق طاولة خشبية مشققة يقطع الرغيف الفينو نصفين، يدس في كل ~~نصف شريحة من الجبن الرومي وقطعة من مخلل الخيار ويسميه «ساندوتش». # لكن كل شيء كان يسبح في ضوء غريب، من أين كان يأتي الضوء؟ عيناه بلون العسل المصفى ~~كانت تشع هذا الضوء، لم أكن أرى منه إلا هذا الضوء في العينين، كطفلة العاشرة في ~~حبها الأول، لا يمكن أن تهبط عيناها إلى ما تحت العينين. # فقط نتبادل النظرات في صفاء الأرواح السامية، هؤلاء الذين ينكرون رغبات الجسد، كان ~~ممتعا أن نجلس فوق الدكة مرتبكين خجلين متلعثمين، تتلاحق أنفاسنا في اضطراب، ~~ماذا كان يفزعنا؟ هل كنا ندرك ما ننكره؟ هل كنا نطرق إلى الأرض خجلا مما ~~يراودنا في خيالنا؟ لكن الرسائل كانت تمضي بيننا، من وراء وعينا، خلال عيوننا المتسعة ~~المندهشة، والكازوزة المثلجة أو الشاي المنعنع ، والدكة الخشبية المنزوعة القشرة، نجلس ~~عليها لا نحس العالم من حولنا. نرشف على مهل من الكوب الزجاجي، نرشف المدينة بكل ما ~~فيها، حتى المستشفى القديم المفعم برائحة الفورمالين، وصبغة اليود تسري إلى صدورنا ~~منعشة كزهر الياسمين. # كنت الليلة أقلب في ذكرياتي وأوراقي القديمة، تحول بعضها إلى ورق أصفر رقيق تآكلت ~~سطوره وبهتت الكلمات، البعض الآخر أتلفه المطر والرطوبة المرتفعة في ديرهام بولاية نورث ~~كارولينا، هذه الرطوبة لا نعرفها في مصر، الهواء هنا يتشبع بالماء، والأفق ينفتح عن ~~سيول كالأنهر تنهمر من جبال سماوية، تذرو الناس ومعهم أوراقهم وذكرياتها، إلا أنني ~~أقاوم، منذ ولدت أقاوم اللامبالاة بأوراقي وكتاباتي. # اللامبالاة تنتقل إلي كأنما بالعدوى، فما جدوى أن أكتب عن قصة حب ماتت منذ أربعين ~~عاما؟ مدفونة كالمومياء في بطن الصحراء على بعد آلاف الأميال في شمال أفريقيا؟! # ومع ذلك، فأنا أبالي، هذه الأوراق هي حياتي، هي حلم طفولتي وشبابي، هذه الذكريات أحبها ~~رغم الألم، أستحضرها، أثبتها في خيالي، فهي قصتي مع الحب حين ms221 كنت في العشرين من العمر، ~~أي حب يمكن أن يكون أكثر عمقا من هذا الحب؟ تعاسته كانت نوعا من النشوة، استعذاب ~~الألم يكشف عن آلام جديدة لا يعرفها إلا القديسون والعشاق، لكن لمسة واحدة باليد في ~~المصافحة العابرة، أو نظرة خاصة على البعد كانت قادرة على تحول الألم الهائل العميق ~~إلى سعادة أعمق. # كم أدرك الآن أنه من السهل أن يقع الإنسان في الحب، وأن الصمت في الحب أبلغ من الكلام؛ ~~فاللغة بشرية صنعها البشر، محدودة بحدود عقولهم وأجسامهم وتاريخهم، لكن الحب يتجاوز ~~التاريخ، يتجاوز العقل والجسد والروح، ويحلق وحده في ملكوت آخر. # من السهل أيضا أن يموت الحب، كما تنطفئ الحياة في غمضة عين، مثل جناح الفراشة يتمزق ~~لأقل لمسة؛ كالدقيق المسحوق الناعم يطير في الهواء بنفخة واحدة، شفاف يكشف ما تحته دون ~~عناء كالهواء. ~~«اللي متغطي بالأيام عريان، واللي متغطي بالحب عريان.» هكذا كنت أسمع من ~~الناس. # أنا وحيدة اليوم تماما، جالسة في غرفة مكتبي، أطل على الحديقة من ورائها غابة ديوك، ~~فتاة أميركية رشيقة جاءت تسقي الزهور، ترتدي بنطلونا من الجينز الضيق، شعرها ذهبي ~~مرفوع إلى أعلى، طالبة عندي في فصل الإبداع، في جامعة ديوك، تقبض من الإدارة مرتبا ~~شهريا نظير رعايتها الحدائق والزهور، تسدد من راتبها نفقات تعليمها وسكنها وطعامها ~~وبنزين سيارتها الحمراء الصغيرة. # يأتي إليها صديقها على باب الحديقة، يدق الكلاكس، تطير إليه كالفراشة كما كنت أطير ~~وأنا في العشري من العمر حين يدق أحمد جرس الباب. # اليوم لم أعد شابة، أصبحت كهلة تجاوزت الستين من العمر، لست سعيدة ولست تعيسة أيضا، ~~أجلس معلقة كالشعرة أو الريشة في منطقة انعدام الوزن، خليط من الذكريات البعيدة ~~الغارقة في الضباب، لا شيء يعيد إلي بهجة الشباب، العزاء الوحيد عندي في هذا القلم ~~أحركه فوق الصفحة الخالية فتمتلئ هذه الكتابة الصامتة من احتكاك سن القلم بالورق، ~~إلا أنها تجلب الماضي أمامي حاضرا، تبعث الحياة في الموتى، تعيد تشكيل الحقيقة لتكشف ~~عن حقيقتها الخفية. # إن ما نسميه حقيقة ليس ms222 إلا الغطاء المعتم، مثل: قشرة الأرض، تخفي في بطنها الأحجار ~~الكريمة، المعادن الثمينة، وإنها الكتابة، هذه الكتابة هي التي تبحث وتبحث حتى تعثر على ~~سبيكة الذهب أو الفضة، على الجوهرة المكنونة. # كانت الكتابة منذ طفولتي هي ملاذي الوحيد، أهرب إليها من الأم والأب والعريس، وبقيت ~~الكتابة في كهولتي أيضا الملاذ الوحيد أو الأخير، التصالح الممتع من خلال الكتابة مع ~~الماضي والحاضر، مع كل ما أصابني في الوطن من جراح. # لم أكن مثل أخواتي البنات، أستسلم للقضاء والقدر، كنت أسعى إلى تحقيق كل شيء آخر عن ~~طريق الخيال، وإلا فلماذا يقع الإنسان في الحب؟ لماذا كل هذه الآلام عند اللقاء بالآخر؟ ~~إن العزاء الذي أنشده في الكتابة (والذي قد لا أناله) ليس عزاء يمكن أن أراه في عيني ~~«أحمد» إذا التقيت به في القاهرة، لقد افترقنا وسلك كل منا طريقا مختلفا في ~~الحياة، وتحول الألم القديم إلى راحة أشعر بها اليوم، كأنما الزمن نسيج من الذهب، ~~يخفي كل ما هو مؤلم أو غير جميل، والكلمات فوق الورق تتخذ لنفسها حياة مستقلة. # ثمن الكتابة‏ # 1 - التهديد‏ # 2 - الانطلاق الأول‏ # 3 - طبيبة القرية‏ # 4 - الاعتداء الثلاثي‏ # 5 - عودة المكبوت‏ # 6 - الحب واليأس‏ # 7 - ليس لأمي مكان في الجنة‏ # 8 - موت أبي‏ # ثمن الكتابة‏ # 1 - التهديد‏ # 2 - الانطلاق الأول‏ # 3 - طبيبة القرية‏ # 4 - الاعتداء الثلاثي‏ # 5 - عودة المكبوت‏ # 6 - الحب واليأس‏ # 7 - ليس لأمي مكان في الجنة‏ # 8 - موت أبي‏ # | أوراقي ... حياتي (الجزء الثاني) # | أوراقي ... حياتي (الجزء الثاني) # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من ~~نصف صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، ~~لا تهتم بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو ms223 من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال ~~الغياب، أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس ~~وأغرقتها الأمطار في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، ~~متينة العجلات قوية العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات ~~والمحطات، تنزلق وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث ~~الحفر والمطبات، مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، ~~داخل قطعة من البلاستيك الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم ~~في وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت ~~القائمة السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا ~~لتستريح وكوب ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو ~~داعش أو حزب الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة ~~الحجر الصحي؛ حيث تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا ~~الخنازير، وبعضهم مصاب بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي ~~بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا ~~مدهشة في الرءوس التي تغوص فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، ~~نساء ورجال من المثقفين أو الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين ~~من فصيلة الثدييات على رأسها الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس ~~وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ~~ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين ms224 أول مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى ~~والجدد في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن ~~البلدي والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك ~~والأتراك، كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده ~~الكبير، الذي حكى له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب ~~من ثقلها حرك رأسه ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج ، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة ms225 يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، ~~نامت على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن ~~يسرقها أحد وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون ~~سابق إنذار، يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض ~~المعتقلين والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون ~~النسيم في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة ~~وسواحل البحر الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # الفصل الأول # | التهديد # فيضان من الخضرة يزحف مع الربيع على غابة ديوك، الزرقة الفيروزية تذكرني بسماء ~~قريتي في طفولتي، هنا «كارولينا بلو»، الولاية اسمها نورث كارولينا، إحدى ولايات ms226 الجنوب على ~~الشاطئ الشرقي لأمريكا الشمالية، المدينة صغيرة تشبه القرية، اسمها ديرهام. # نحن في بداية الربيع عام 1993م، النوافذ تطل على الحديقة «الروز جاردن»، بدأت ورودها ~~تتفتح بجميع الألوان، القاني الأحمر بلون الدم، الأبيض الفضي، الأصفر الكهرماني، الأرجواني ~~والزنبقي، عبيرها يسري داخل مسام جسدي، نسمة الدفء الأول بعد برد الشتاء، أفرد أصابعي، أنشد ~~اليقين، جسدي هو اليقين الوحيد، يبدو جسد امرأة، يسمونها هنا «بروفيسير دكتر ساداوي»، ثلاث ~~كلمات غريبة أسمعها كل يوم، تتردد على ألسنة الطلبة والطالبات، يجلسون في الفصل منتبهين كما ~~كنت أفعل وأنا في العشرين من العمر، حين كنت طالبة بكلية الطب بجامعة القاهرة منذ أربعين ~~عاما. # أنهض من السرير بحركة حذرة، أخشى من أن أصحو من النوم ويتبدد الحلم، في المرآة رأيتها ~~واقفة، قامتها الطويلة كما كانت، انحناءة خفيفة تحوم حول الكتفين، بشرتها سمراء بلون طمي ~~النيل، شعرها الأبيض غزير منكوش، جلبابها مكرمش من القطن المصري، فيه زهور صغيرة وردية، ~~قدماها كبيرتان مثل قدمي جدتها الفلاحة، الشبشب من نوع «زنوبة»، اشترته من دكانة صغيرة في ~~قريتها كفر طحلة. # هذه اللحظة دخل زوجها غرفة النوم، رآها واقفة أمام المرأة: «صباح الخير يا نوال.» انتبهت ~~إليه، عادت ذاكرتها فجأة: «صباح الخير يا شريف.» جاءا معا إلى جامعة ديوك منذ يناير ~~الماضي، في وطنها كانت حياتها مهددة، اسمها وضعوه في قائمة الموت، حراسة مسلحة حول بيتها ~~ليل نهار، البودي جارد يلازمها حيثما ذهبت، كان السفر هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ ~~حياتها. # تتلفت حولها في دهشة، البيت جميل، الحديقة جميلة، الشمس ساطعة، تحمل لقب بروفيسير دكتر، ~~لكن المنفى يظل هو المنفى. # أمامي النافذة مفتوحة على الشمس والخضرة الغزيرة، أشجار البلوط اكتست بالأوراق بعد عري ~~الشتاء، أشجار الصنوبر بسيقانها الطويلة الرشيقة تهتز مع الهواء كراقصات الباليه، أشجار ~~الأرز المثلثة الشكل تومض بدوائر الضوء كأشجار الكريسماس، وأشجار أخرى لا أعرفها تنبت في ~~الغابات الأمريكية كالنباتات الشيطانية، تتوارى وراء السحب برءوسها السوداء وشعورها ~~الطويلة، تذكرني بالغولة في حكايات جدتي والعفاريت، كنت أبحث عن العفاريت في ms227 قريتي وفي ~~مدينتي القاهرة، كانت العفاريت تبحث عني، تحمل اسما آخر هو «زوار الفجر»، لا يظهرون إلا ~~بعد منتصف الليل قبل طلوع الشفق الأحمر، يكون الناس غارقين في النوم العميق، أعمق مرحلة في ~~النوم يسمونها «الموتة الصغرى»، تخلو تماما من الأحلام، إن كان هناك حلم فلا يمكن تذكره، ~~في هذه الساعة يتحرك زوار الفجر، يدخلون البيوت على نحو عجيب، يدقون جرس الباب، إن لم ~~يفتح أحد يفتحون القفل، يكسرونه بأداة مكتومة الصوت. # فوق مكتبي تتراكم أوراقي حياتي، بدأت أكتب سيرتي الذاتية منذ غادرت الوطن، التهديد بالموت ~~جعل حياتي هامة تستحق الكتابة، حياتي تزداد قيمة بالاقتراب من الموت، لا شيء يقهر الموت مثل ~~الكتابة، لولا كتاب التوراة ما عاش النبي موسى أو اليهودية، لولا كتاب الإنجيل ما عاش ~~المسيح أو المسيحية، لولا كتاب القرآن ما عاش النبي محمد أو الإسلام. # ألهذا السبب كانت الكتابة محرمة على النساء والعبيد؟! # أمضيت السنين الخمس الأخيرة بعيدا عن مصر، أربع سنوات منها عشتها في مدينة ديرهام، ~~أستاذة زائرة في جامعة ديوك، أسير على القدمين من بيتي في سيلفان رود إلى الكامباس، أخترق ~~الغابة الصغيرة بين سيقان الأشجار الباسقة، لا أسمع إلا صوت حذائي الكاوتش يلامس الأرض، ~~تطقطق أوراق الشجر تحت قدمي، طائر أخضر يشبه عصفور الجنة يغرد فوق شجرة، حنين إلى صوت ابنتي ~~تناديني في الصباح، الشمس ساطعة تذكرني بشمس القاهرة في الشتاء، زرقة السماء لم أر مثلها ~~في العالم، الصفاء السماوي بلا دخان، لا ذرة تراب، زرقة مقطرة بلا شوائب لسماء ممدودة حتى ~~شاطئ الأطلنطي، بلا جبال، بلا ثلوج ولا صقيع، فقط الشمس والسماء، وأشجار الأرز والصنوبر ~~والبلوط، تتغير ألوانها في الخريف، تتفجر ألوان الطيف، مهرجانا من الأحمر والأخضر والأزرق ~~والأصفر والرمادي، يحلق طائر غريب لم أره في أي بلد، ريشه أخضر وأزرق، قدماه حمراوان، ~~الغابة ساكنة كالسماء، رهبة السكون المطلق، لا تتبدى أمامي إلا الطبيعة الأم، أكاد أرى وجه ~~الإله رع، وأنا أحملق في قرص الشمس، كأنما رأسه سيطل من وراء هذه السحابة ms228 الشفافة، شعره ~~طويل يشبه «نوت» إلهة السماء. # الصور تتزاحم في خيالي، لعبت دور الإلهة إيزيس ابنة نوت على خشبة المسرح، في المدرسة ~~الابتدائية منذ خمسين عاما، بلمسة واحدة من يدي أعدت الحياة إلى زوجي الميت ~~أوزوريس. # في ذاكرتي الطفولية صورتي وأنا أمشي على جسر النيل، أحملق في المياه تتحرك في موجات ~~صغيرة، تلمع في ظلمة الليل كالأسماك الفضية، تنشق عن امرأة شعرها طويل، تخرج من الماء نصف ~~عارية، تجلس فوق الجسر تمشط شعرها، تبتسم لي في حنان الأم، أجري مبتعدة عنها، أخاف أن ~~تخطفني وتأكلني في قاع البحر. # كيف تحولت الإلهة الأنثى القادرة على منح الحياة بعد الموت إلى غولة تأكل الأطفال؟! سؤال ~~لم يخطر لي على بال حتى بلغت الخامسة والعشرين من عمري، كنت طبيبة ناشئة في قريتي وسط دلتا ~~النيل، أمسك كشافا صغيرا وأمشي في الليل، أبحث عن الغولة أو العفاريت بلغة جدتي. ~~••• # رياح المحيط الأطلنطي تضرب هذه المدينة الصغيرة في جنوب أمريكا الشمالية، أمواج كالجبال ~~تمسح الشواطئ المهجورة، صرخات الطيور البحرية، أكبر من النورس ترفرف، تحفظ توازنها فوق حافة ~~الجرف الصخري، عواء الهيروكين القادمة من قلب الأطلنطي كعواء الذئاب أو نداء جنيات ~~البحر. # ذكريات تروح وتجيء مع خطواتي داخل الغابة، تعود بي إلى الوطن ومدينة القاهرة، أرى أصدقائي ~~وصديقاتي أحياء أمامي، يتحركون، لم يعودوا صورا في ذاكرتي أو أسماء في مفكرتي، أعدت ~~إليهم الحياة كما فعلت إيزيس بزوجها، صديقي رجاء أسير معه على شاطئ النيل، أدرك وأنا أمشي ~~أنه مات، مع ذلك أتأبط ذراعه قليلا في مشيته، كأنما له ساق أقصر من ساق، يضغط بقدمه اليمنى ~~على الأرض في كل خطوة، هذه المشية كنت أراها عيبا، أصبحت الآن هي الشيء المميز له، حركة ~~جذابة تميزه عن الرجال الآخرين، أتعرف عليه من بعيد بهذه المشية الخاصة والبدلة الرمادية ~~المكوية، حذاؤه اللامع رغم الشوارع المتربة، في أيام العطلات يكون في كامل هندامه، لا يجلس ~~على الدكك الحجرية بشط النيل، لا يقزقز الترمس ولا الفول الحراتي، هذه العيوب الصغيرة كانت ms229 ~~تفسد صداقتنا؛ فأنا أحب الجلوس على النتوءات الصخرية داخل البحر، المطر فوق وجهي وشعري، وهو ~~يفضل الجلوس على مقعد نظيف في الكازينو الأنيق الذي يطل من بعيد على البحر. # انتبهت إلى أنني أمشي في الغابة وحدي، صديقي رجاء لم يعد موجودا، مات منذ اثني عشر عاما ~~في نهاية أكتوبر عام 1981م. قبل أن يموت بأربعة أيام أرسل إلي رسالة من باريس، تراكمت مع ~~البريد فوق مكتبي في بيتي بشارع مراد بالجيزة، كنت غائبة عن البيت، أعيش داخل زنزانة في سجن ~~النساء بالقناطر شمال مدينة القاهرة. # خرجت من الغابة إلى طريق الجامعة، سأدخل بعد دقائق إلى الفصل لألقي على الطلبة والطالبات ~~محاضرة جديدة عن الإبداع والتمرد، أطرد بيدي ذكريات السنين الماضية، أشد ذراعي من ذراع ~~رجاء، لا أودعه، أدخره في ذاكرتي لأعود إليه، مهرجان الألوان يشتعل فوق رءوس الأشجار داخل ~~الكامباس، شريف يسبقني إلى الفصل، أراه من الخلف وهو يمشي، يرتدي بلوفر بنيا فيه مثلثات ~~رمادية، حذاء كاوتش لونه بني، في يده حقيبة جلدية مطوية، انحناءة قليلة مع الخطوة النشيطة ~~السريعة، شعره تساقط قليلا في منتصف الرأس، جسمه نحيف مشدود يندفع إلى الأمام، نوع من ~~الاقتحام العنيد، إرادته حديدية لا تلين، قضى أربعة عشر عاما داخل سجون مصر، لم تتغير ~~إرادته، كأنما الزمن داخل السجن معدوم، لم تتغير ملامحه، شمس المحاريق في الصحراء جعلت ~~بشرته سمراء تشوبها حمرة، الصمت في السجن زاده صمتا، الأكل القليل زاده نحافة، القضبان ~~الحديدية أضافت إليه العود المستقيم، التقينا في ربيع عام 1964م، ربيع معلق فوق سحب الشتاء ~~والنفحات الأولى لزهر البرتقال، لم نكن نؤمن بالمؤسسة الزوجية، نسخر معا من قانون الزواج، ~~العقد المكتوب يشبه عقود تأجير الدكاكين، كنا نعيش في مدينة القاهرة، بدون ختم الدولة ~~«النسر» لا يلتقي الرجل والمرأة إلا وثالثهما الشيطان. # القاهرة مدينتي المقهورة، أصبحت داخل قلبي منذ الطفولة، أحببتها وكرهتها، ما إن أعود ~~إليها حتى أفكر في الرحيل، ما إن أرحل عنها حتى أفكر في العودة، تلازمني في الليل والنهار ~~كأضغاث الأحلام، ms230 كواليس الحصار والمطاردة والسجن، خفقات النشوة والحب، آلام الهزيمة ولذة ~~المقاومة، والسقوط والنهوض، والنهوض والسقوط، مدينة القاهرة تقدم لي الحياة والموت في كأس ~~واحدة، أعود إليها كل مرة لأغادرها إلى الأبد. # إن كان هناك زمن فهو ما أخلقه بالكتابة، أسترجع تجارب الحياة في تلك القاهرة، المدينة ~~الغارقة في اللامكان واللازمان، مدينة تبدو من البعد غير موجودة إلا في خيالي، إن الحياة ~~تبدأ هنا والآن، مع حركة الهواء داخل صدري، حركة القلم بين أصابعي، عقارب الساعة تتحرك أمام ~~عيني، اللحظة الحاضرة هي التاريخ الحقيقي لحياتي، لحظة طويلة ممتدة ما بين الولادة والموت، ~~هي الماضي بعد أن مات، وهي المستقبل غير الموجود. # توقفت لحظة عن الكتابة، من خلال النافذة فوق غصن الشجرة رأيت السنجاب الصغير، يسمونه ~~«إسكويريل»، يتمرغ تحت الشمس بعد أن ولدته أمه، انقض عليه طائر ضخم يشبه النسر يسمونه ~~«الهوك»، أكله أمامي من الرأس إلى القدم، عيناي منجذبتان إلى عملية القتل، لا أستطيع تحريك ~~رأسي بعيدا عن المشهد، السنجاب الوليد يقاوم دون جدوى، القوة الهائلة المفترسة لا تترك له ~~مساحة التنفس، يداي إلى جواري مشلولتان، لا أستطيع إنقاذ الطفل المأكول، الشجرة بعيدة عني ~~وعالية وأنا جالسة في مقعدي، جسمي محبوس بين المكتب والجدار، قشعريرة تسري من رأسي إلى قدمي ~~عبر العمود الفقري، أسمع قرقشة العظام الصغيرة بين الفكين الكبيرين كأنهما عظامي، كأنما أنا ~~هذا السنجاب الصغير المأكول، كأنما النسر اختطف حياتي كلها وهي ساخنة متأججة بالحياة، ~~اختطفتها مني مدينة القاهرة كالوجبة الشهية قبل أن ألمسها، قبل أن أتذوق طعمها. # أنشد الحياة بعد الموت عن طريق الكتابة، مثل الأنبياء والآلهة، لست في شجاعة صديقي رجاء، ~~مات دون أن يكتب شيئا: «ما جدوى الكتابة يا نوال إذا كانت الرقابة تحذف أهم ما نكتب؟» كان ~~رجاء شاعرا، التقيت به لأول مرة في عيادتي بميدان الجيزة عام 1959م، كتب قصيدة شعرية عن ~~فشل الوحدة بين مصر وسوريا، حذفت الرقابة أهم أجزائها، لم يبق منها إلا أبيات مفككة بلا ~~معنى، قبل أن يموت بأربعة أيام ms231 بعث إلي برسالة قصيرة لا تزيد على سطرين: «أكتب إليك بعد ~~أن استقر بي الحال أخيرا، أنت الوحيدة التي أذكرها في غربتي الطويلة ولا أكاد أعرف إن كان ~~حبي لك هو الحقيقة.» ~~••• # الذكريات تمر بخاطري وأنا واقفة في الفصل، بدأ شريف يتحدث عن الإبداع والتمرد مع الطلبة ~~والطالبات، تجربة جديدة نعيشها في جامعة ديوك، زوجان يتقاسمان الفصل كما يتقاسمان الفراش، ~~أحيانا يحدث الصراع، لم يكن شريف من الرجال الذين تؤرقهم ذكورتهم، معركته في الحياة لم تكن ~~لإثبات تفوقه الجنسي، كان يعيش حلما كبيرا منذ الطفولة، تغيير العالم، إسقاط الرأسمالية ~~الكونية، إحلال الاشتراكية، العدل المثالي والحب، التقينا حول هذه المبادئ الثلاثة منذ ~~ثلاثين عاما، الحلم المثالي اللازوردي، مدينة القاهرة تتمطى تحت الشمس كالراقصة، تسهر تحت ~~الفجر عارية، في ضوء الشمس المشرقة تصحو طاهرة مثل زوجة الإله آمون، تتخفى وراء الحجاب ~~كالعذراء مريم، تطل على نهر النيل بلونه البرونزي، وأهرامات الفراعنة فوق هضبة الجيزة، ~~الآلهة الذين حكموا مصر منذ نشوء العبودية، لم يتنازلوا عن العرش حتى بعد الموت، اكتشفوا ~~العالم الآخر لمجرد الاستمرار في الحكم، أخذوا معهم إلى قبورهم أملاكهم: الذهب والفضة ~~والتاج والصولجان ، حتى الوجبات الشهية الساخنة وضعوها إلى جوار رءوسهم الميتة، ومعها ~~الفاكهة والحلوى، وقطع الحشيش والأفيون لزوم الوهم، لا تخلو رءوسهم من الوهم بعد الموت، لا ~~يخلو موتهم من القبلات الحارة، الأكلات اللذيذة والشهوة المتأججة لحين البعث في دار ~~النعيم. # الفراعنة المصريون هم أول من اكتشف الدين، هم سادة التوحيد والروحانية، سادة الشهوة ~~والمادية الحسية، باعوا الوهم للمعدمين داخل أناشيد الإله إخناتون ومزامير النبي موسى ~~وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف حتى آخر القائمة، هم سادة الحب والحرب والطب والتحنيط ~~والفلك والفلسفة والفن والمعمار، من هرم خوفو إلى جسد أبي الهول، رأس نفرتيتي، لوحات ~~كليوباترا، والآلهة من النساء والفيلسوفات، من نوت وإيزيس ومعابد إلهة العدل وسخمت إلهة ~~الطب إلى هيباثيا في الإسكندرية، قتلها الغزاة الرومان وحرقوا كتبها، مصر مقبرة الغزاة، ~~يدخلونها ويخرجون، لا بد من طردهم وإن مرت القرون، لكنهم ms232 يعودون، لا بد من عودتهم، تحت ~~أي حجة، تتغير الحجة من زمن إلى زمن، والسلاح في أيديهم يتغير، أيام نابليون تمنطقوا ~~بالبنادق، وقت الاحتلال البريطاني أمسكوا المدافع الرشاشة، في الاعتداء الثلاثي (الإسرائيلي ~~الفرنسي الإنجليزي) ركبوا الدبابات والطائرات المقاتلة تسقط القنابل، في أوقات اللاحرب ~~يتمنطقون بحزام السلام والعملات الصعبة، يدخلون إلى مصر، هؤلاء الرجال الطوال القامة البيض ~~البشرة المشربة بالحمرة، القادمون من وراء البحر والمحيط، مفسرو النظريات الكونية، يحملون ~~لقب «الخبراء»، يشبهون سربا من الطيور الجارحة منفوشة الريش، يطوفون شوارع القاهرة بأحاسيس ~~الغزاة يقتلون المعارضين، يشفقون على الشحاذين، يناولونهم البقشيش، يزورون بيوتهم داخل ~~المقابر، في مدينة الموتى أسفل جبل المقطم، وراء الشارع الأسفلت الممدود بين مصر القديمة ~~ومطار القاهرة الدولي، يحمل اسم أحد رجال الثورة «صلاح سالم»، كان يرتدي نظارة سوداء تشبه ~~طاقية الإخفاء، لا تظهر صورته إلا في صحيفة المساء مثل خفافيش الليل. # في المنفى رأيت مدينتي القاهرة، تمتد في خيالي بين أحاسيس الكره والحب، الرغبة والنفور، ~~تمتد أمامي في الغربة الطويلة، تسكنها وجوه صديقاتي وأصدقائي، يشتعل قلبي بالحنين لأسكن ~~معهم هذه المدينة، أجوب معهم شوارعها، أتمشى على شاطئ النيل تحت ضوء القمر مع رجاء وصفية ~~وسامية ورفاعة وبطة. # منذ خمس سنوات كان الرحيل عن القاهرة إجباريا، الرغبة في الإفلات من الموت، الدفاع ~~المشروع عن الحياة، جاءوا إلي قبل الفجر بقليل، ليلة التاسع من يونيو عام 1992م. ~~••• # لم تكن عندي معرفة بزوار الفجر، سمعت عنهم من شريف حين تزوجنا في ديسمبر 1964م، كان يحكي ~~لي عنهم، كيف يدخلون من الأبواب، كيف يسيرون على الأرض، عيونهم الضبابية وراء النظارات، في ~~أيديهم المختفية تحت القفازات، وجوههم المحلوقة تفوح برائحة الكولونيا، بدلهم المكوية ~~والحذاء اللامع بالبوز المدبب، خطوتهم فوق الأرض مكتومة، في ظلمة الليل جاءوا وأخذوا شريف ~~معهم، أول مرة عاملوه برقة، كان شابا في الخامسة والعشرين عام 1948م، طبيب تخرج بدرجة ~~الامتياز مع مرتبة الشرف، ينتمي لطبقة تشارك الملك في سرقة الشعب، أخرجوه من السجن للتحقيق ~~وقالوا له: «إنت ابن عيلة يا ms233 شريف، ابن ناس، سيبك من زمايلك دول شوية شحاتين عملاء موسكو.» ~~أعادوه إلى السجن ثم أخرجوه للتحقيق: «اسمع يا ولد، إنت باين عليك راسك ناشفة نقدر ~~نكسرها بسهولة، وأمامك فرصة واحدة.» قبل أن يكسروا رأسه هرب من السجن، لم يكن يهرب إلا ~~القتلة الخطرون، تحدثت عنه الصحف كأسطورة خرافية، رسموه على شكل شيطان أحمر ينزلق هابطا من ~~النافذة العلوية على جبل طويل ممدود في الفضاء، نشروا له صورة تشبه السفاحين، أصبح الأطفال ~~يرونه في الكوابيس، يهب الطفل منهم في الليل، يصرخ: حوشوا عني العفريت! # خيالي كان يسرح مع حكايات شريف، كالطفلة تستمع إلى قصص العفاريت، أتصورهم كائنات من صنع ~~الخيال، أرواح بلا أجساد كالآلهة، حتى رأيتهم وجها لوجه، كنت وحدي بالبيت يوم 6 سبتمبر ~~1981م، جالسة إلى مكتبي مستغرقة في الكتابة، رواية جديدة عنوانها: «سقوط الإمام»، دق جرس ~~الباب، لم أسمع الدقة الأولى ولا الثانية، توالت الدقات وأنا غائبة في عالم الإمام يسقط عن ~~العرش ويصحو بعد الموت ليطلب من حارس الجنة مقابلة الله، أفقت على الدقة السادسة أو ~~السابعة، رأيتهم من وراء الشراعة كالأشباح في كوابيس الطفولة، لم أفتح الباب، كسروا ودخلوا، ~~ملئوا حقائبهم بكتبي وأوراقي ، أخذوني إلى السجن وهم يقولون بأدب شديد: «مجرد سؤالين يا ~~دكتورة نوال وترجعي البيت.» ~~••• # كنت غارقة في النوم حين دقوا الجرس، الدقة الأولى سمعها شريف وهو نائم، كان يعرف طريقتهم ~~في دق الأبواب، والساعة التي يأتون فيها بعد منتصف الليل، قبل طلوع الفجر بساعة، ينقضون ~~على البيوت يسوقون الرجال والنساء إلى أماكن مجهولة لا يعلمها إلا الله ووزير ~~الداخلية. # كانت ليلة حالكة الظلمة بلا قمر ولا نجوم، الضباب عباءة سواء تغلف الأرض والسماء، لا هواء ~~إلا صهد الحرارة، صيف القاهرة في شهر يونيو، كنت أحلم أنني أسبح في بحر الإسكندرية، تسبح ~~أمي أمامي، مياه البحر سوداء كالسماء، أعلم في الحلم أنه الليل، وأن أمي ميتة، أراها تسبح ~~رغم الموت، تصعد فوق الأمواج العالية، تضربها بذراعيها وساقيها، أسبح خلفها بقوة، رأسي يشق ~~الماء كأنه ms234 الهواء، وأطير فجأة في الجو، أحلق فوق مدينة تشبه القاهرة، البيوت والعمارات ~~شكلها غريب مدببة الأسطح تشبه الأبراج، الأهرامات الثلاثة وأبو الهول فوق الهضبة، نهر النيل ~~تتسع مساحته يشبه بحر الإسكندرية، المياه الزرقاء أراها من الارتفاع الشاهق، أقول لنفسي في ~~الحلم: كيف أسير بلا جناحين، أيمكن أن يسقط جسمي بسبب الجاذبية الأرضية؟ السؤال يدور في ~~رأسي وأنا أرفرف بذراعي، يذكرني أن البشر لا يطيرون، فجأة أفقد القدرة على الطيران، ~~يتهاوى جسدي بطيئا حتى يلامس السطح، أحرك ذراعي في البحر وأسبح، المسافة بيني وبين الشاطئ ~~بعيدة، أمي لا أراها أمامي، والأمواج تعلو كالجبال السوداء، جسدي مربوط بحجر، مشدود إلى قاع ~~البحر، أصارع لأطلق سراح جسدي، أفتح فمي لأصرخ، صوتي لا يخرج، الشاطئ طويل يتدلى ويهتز، ~~يصلصل الجرس بصوت هدير الأمواج، علم أسود علامة الخطر يرفرف في الهواء، ممنوع النزول إلى ~~البحر، أمي جالسة فوق الرمال داخل فستان أسود، علامة الحداد، أراها في الحلم وأعلم أنها ~~ميتة، أسمعها تقول: إن أبي مات، وأعلم أنه ميت منذ ثلاثة وثلاثين عاما. # الدقة الثانية لجرس الباب، سمعتها وأنا غارفة في النوم، جرس المدرسة يصلصل، وأنا جالسة في ~~الامتحان أمامي ورقة الأسئلة، لا أعرف الإجابة عن أي سؤال، أنفاسي تختنق تحت الماء، باق من ~~الزمن خمس دقائق، العرق يتصبب من جسدي، أعيد قراءة الأسئلة، اللغة تبدو غير مفهومة ~~كالهيروغليفية، سوف أسقط في الامتحان، الموت أهون من السقوط، ألهث وأنا أكتب، ليست هي ~~الإجابة المطلوبة، مجرد خطوط وخربشات لا معنى لها، باق من الزمن دقيقة واحدة، القلم يرتعش ~~في يدي، يضع فوق الورقة ذبذبات، قطرات العرق تبلل الأسئلة، لا أرى الكلمات الجرس يدق. انتهى ~~الزمن المحدد، الأصابع الحديدية تشد الورقة من يدي، أهب من النوم مبللة بالعرق، أتحسس ~~الفراش من تحتي ليس مبللا، لست طفلة تبول في النوم، ليس هناك مدرسة ولا امتحانات، أنا في ~~سريري نائمة وجرس الباب يدق. # رأيت شريف ينهض من سريره، تذكرت فجأة أنه زوجي، تزوجنا منذ ثمانية وعشرين عاما، منذ ~~الزواج في ms235 غرفة واحدة فوق سريرين منفصلين، نؤمن بحرية الحركة من النوم كاليقظة، الظلمة ~~حالكة، يبحث عن نظارته فوق المنضدة بجوار السرير، حركته هادئة، لا يتعجل شيئا، يسيطر على ~~الزمن، يوقفه حتى يعثر على النظارة، حتى يخرج من السجن بعد أربعة عشر عاما، أراه من الخلف ~~وهو يمشي، انحناءة خفيفة يحملها فوق ظهره ويمشي، رأس مرفوع فوق عنق قوي لم ينثن أمام حبل ~~المشنقة، خرج من غرفة النوم إلى الصالة، فاردا ذراعيه أمامه كمن يمشي في النوم، خطوته فوق ~~الأرض شبه حالمة، لا يسرع الخطو ولا يبطئ، حركته لا تتغير، وإن دقت أجراس الكون فهو يعرفها، ~~لا شيء جديدا تحت الشمس، سمعته يفتح الباب الخارجي، يتحدث إلى رجال غرباء، الأصوات تسري من ~~تحت جفوني المغلقة كالحلم داخل الحلم. # دخلوا إلى الصالة الصغيرة في شقتنا بالجيزة، جلسوا حول المائدة المستديرة تعلوها صينية ~~نحاسية، أحدهم أحدب يرتدي بدلة غير رسمية، يضع منديلا حريريا في الجيب العلوي فوق صدره ~~ناحية اليسار، تفوح منها رائحة الكولونيا «لافندر»، وجهه محلوق، شعره محلوق، ملامحه محلوقة، ~~لا يكشف عن شيء من نفسه، لا تفلت منه كلمة واحدة تضيء الموقف، صوته مثل آلة تسجيل. # سمعت شريف يسألهم عن هويتهم، هو يعرفهم عن يقين، في كل يقيم ذرة شك، لا شيء مطلق أو كامل، ~~كل شيء نسبي أو ناقص، الحذر أيضا مطلوب، شريف كان أكثر حذرا مني، يعرف بحور السياسة ~~الغويطة، ينقلب الأصدقاء أعداء بين يوم وليلة، وينقلب الأعداء أصدقاء، تتخفى المصالح تحت ~~طبقة سميكة من الشعارات. ~~- حضراتكم مين؟ ~~- البوليس. # كلمة البوليس رنت في أذني وأنا غارقة في النوم، لا أريد أن أصحو، أمسك بذيل أمي وهي ~~واقفة إلى جواري، أول مرة سمعت كلمة البوليس كنت في السادسة من العمر، في مدينة الإسكندرية، ~~سمعت أبي يقول البوليس أمسك سعدية، تصورت أن عمل البوليس هو القبض على الخادمات الهاربات أو ~~اللصوص الحرامية، لم أعرف أن البوليس يقبض أيضا على الثوار وذوي الأفكار الجديدة. ~~- خير إن شاء الله! ~~- الدكتورة نوال السعداوي موجودة؟ ~~- أيوة، ms236 هي نايمة. ~~- أهلا يا دكتور شريف. ~~- أهلا بكم. ~~- عندنا أمر بوضع الحراسة على الدكتورة. # كلمة الحراسة تخترق الوسادة فوق أذني، سمعتها لأول مرة منذ ثلاثة وثلاثين عاما، في عهد ~~عبد الناصر كانت الحراسة توضع على أملاك الأثرياء الإقطاعيين والرأسماليين، وأنا لا أملك ~~شيئا، حتى الشقة التي نسكن فيها ليست ملكنا، ندفع إيجارها كل شهر لصاحب العمارة، وهي شقة ~~صغيرة من ثلاث غرف وصالة، ابنتنا منى لها غرفة واحدة، الصالة الصغيرة تشمل الاستقبال ومائدة ~~الأكل. ~~- الحراسة على حياتك يا دكتورة. ~~- حياتي؟! ~~- نعم حياتك. ~~- وماذا يهدد حياتي؟! ~~- ليس عندنا معلومات. # المعرفة سلاح، كيف أحمي حياتي دون أن أعرف ماذا يهددها؟ إذا كانت الحكومات تريد حقا ~~حمايتي، فلماذا تخفي عني أهم المعلومات؟ هذه الحكومة لم تكف عن البطش بي، لم تكف عن توجيه ~~الضربات إلي حتى الضربة الأخيرة منذ عشر سنوات والمجلة التي كنت أصدرها، كيف تحاربني ~~الحكومة كل هذه الحرب وفي الوقت نفسه تحرسني؟! ~~- أشكركم كثيرا لست في حاجة إلى هذه الحراسة. ~~- لا يا دكتورة، عندنا أمر ولا بد من تنفيذه. ~~- أتحرسون حياتي ضد إرادتي؟ ~~- أيوه. ~~- إزاي ده؟ ~~- لأن حياتك يا دكتورة ليس ملكك، إنها ملك الدولة! # أصبحت أعيش تحت الحراسة المسلحة وحياتي ليست ملكي، رجال مسلحون أمام باب البيت ليل نهار، ~~حارس يرافقني في كل خطوة، اسمه «البودي جارد»، شاب طويل عريض يحمل مسدسا، يرتدي قميصا ~~بلون الصاعقة، أتوقع الضربة على ظهري وأنا أمشي أمامه، لو انطلقت الرصاصة فهي منه أو أحد ~~الحراس، ما دامت هذه الحراسة موجودة أشعر بالخطر. # في الليل أسمع الدبات الخانقة تقترب من السرير، أهب من النوم مبللة بالعرق، أتوقع رؤية ~~الشيطان سافرا أو الإله ملثما، يصوب إلى رأسي المسدس، أرى الظلال تتحرك فوق الجدار، ~~أعود طفلة تخاف في الليل من العفاريت، في الصباح أستعيد شجاعتي أرتدي الحذاء الكاوتش، أخرج ~~مع شريف إلى شاطئ النيل، نمشي بخطوة سريعة في الرياضة اليومية، لم نكف عن هذه الرياضة ~~يوما واحدا، أدوس على الخوف وأخرج من باب البيت، قد تنطلق ms237 الرصاصة أو لا تنطلق، لم أعد ~~أشعر بالخطر، أصبحت جزءا منه، لم أعد أشعر بالموت، أصبحت أنا الموت. # أكان هو الوهم الذي وصفه صديقي رجاء في قصائده، أو ربما هو الحقيقة، فأنا أمشي على شاطئ ~~النيل، أدوس بقدمي على الأرض، جسدي يندفع إلى الأمام بحركة قوية، هذه اللحظة الحاضرة متصلة ~~تمتد إلى الأبد، هي الحقيقة الوحيدة أمام عقلي، اللحظة الماضية بكل مخاوفها ماتت، اللحظة ~~القادمة غير موجودة، سواء انطلقت فيها الرصاصة أو لم تنطلق، المستقبل ميت والماضي معدوم، ~~والموت غير موجود، الحاضر فقط هو الذي يعيش. ~~••• # قدمت طلبا لوزارة الداخلية أطلب الترخيص لي بحمل مسدس، إذا كانت حياتي مهددة فمن حقي ~~الدفاع عنها، رفضت الحكومة طلبي، أصبحت على يقين أن هذه الحكومة لا تريد حمايتي، ماذا تريد ~~إذن؟ # كانت الحراسة شكلية بلا فائدة، الحارس يجلس في مدخل العمارة على مقعد أخذه من بيتنا، رجل ~~متوسط العمر يشبه الفراشين في الحكومة، يرتدي بدلة صفراء باهتة أكمامها مهترئة، يمد يده ~~ويأخذ البقشيش من سكان العمارة، يحمل عنهم الحقائب أو أكياس الفاكهة والخضار، إن نفحه أحدهم ~~مبلغا كبيرا يصعد معه في الأسانسير حتى باب شقته، في الليل حين أدخل إلى العمارة أراه ~~نائما فوق المقعد، أوقظه وأنا أقول: اصحى يا عم محمد عشان تحرسني، يضحك الرجل، يكشف عن ~~أسنانه البيضاء تحت الشارب الأسود الكثيف: «معليش يا دكتورة أصل النوم سلطان.» ~~- يا ريت تنام في بيتك بدل نومة الكرسي دي؟ ~~- ما أقدرش يا دكتورة. ~~- ليه؟ ~~- إذا جه المفتش أعمل إيه. ~~- المفتش مش جاي روح نام في بيتك. # منذ جاءت الحراسة في 9 يونيو 1992م حتى غادرت الوطن في يناير 1993م، لم يأت المفتش مرة ~~واحدة، كانت الحراسة تتغير، يأتي شباب أكثر قدرة على اليقظة، أراهم واقفين في الليل، أرسل ~~إليهم المقاعد والبطاطين ووجبات الطعام، أعطيتهم بعض كتبي، لا يعرفون شيئا عن المرأة التي ~~يحرسونها، كنت أسألهم: أتعرفون من أنا؟ أتعرفون لماذا تحرسون حياتي؟! لا يعرفون شيئا، ~~عندهم أوامر واجبة التنفيذ، جنود في الحكومة واجبهم ms238 الطاعة دون مناقشة كالنساء في بيوت ~~الزوجية. ~~••• # في الصباح الباكر كان البودي جارد يدق الجرس، يفتح شريف الباب: «صباح الخير يا رفيق، ~~النهاردة ده عندك إجازة، ما فيش مواعيد عند الدكتورة، مش هتخرج من البيت، تعالى ~~بكرة.» # في اليوم التالي يأتي، يكرر شريف له العبارة، أصبح مهمتنا كيف نهرب من البودي جارد، في ~~غيابه يزول الخطر، أشعر بالحرية، أخرج وأمشي في الشوارع دون خوف، لا أستدير لأرقب يده قبل ~~أن تطلق الرصاصة في ظهري. ~~••• # الكتابة في حياتي هي الملاذ، لا شيء يعوضني عن حروفي فوق الورق، الكتابة أنقذتني من ~~الموت، عن طريقها أتنفس، أعبر عن نفسي، أكسر العزلة بين جسدي والعالم، أخلق كلماتي وكلماتي ~~تخلقني، لا أملك في حياتي إلا حروفي وحروفي تملكني، علاقة حب متساوية متكافئة لا يسيطر فيها ~~طرف على الآخر، لولا الكتاب لأصبحت من الموتى، وبسبب الكتابة دخل اسمي قائمة الموت. ~~«قائمة الموت»: عبارة جديدة دخلت حياتنا الأدبية في السنين الأخيرة، بدأنا نسمع عن أسماء ~~أدباء في قائمة الموت، ألتقي صدفة في الطريق بصديق فيسألني في قلق: «تعرفي مين في الآيمة يا ~~نوال؟» الإشاعات تنتشر في القاهرة كالدخان، لا أحد يعرف الحقيقة، نمشي في الضباب، إنه سمة ~~العصر، في الماضي كان العدو مرئيا، نراه أمامنا حاملا سلاحه العسكري، له اسم معروف، هذه ~~القوى المجهولة بلا اسم، كيف نحاربها؟ # في الليل أسمع صوتا ينطلق من الميكروفون، لا أعرف من أين تأتي؟ من مئذنة الجامع؟ قبة ~~الكنيسة؟ الديسكو كلوب، ماكدونالد؟! صوت غريب يسري في ظلمة الليل، اقتلوهم حيث وجدتموهم، ~~الكفرة أعداء الله فلان وفلان، أسماء أدباء وشعراء، ثلاثين أو أربعين اسما، ويرن اسمي ~~و«نوال السعداوي»، يخترق رأسي مثل طلقة الرصاص، تدوي حروف اسمي في الليل: اقتلوها الكافرة ~~عدوة الله. للصوت فحيح كأنفاس ثعبان، تفوح منه رائحة غريبة تشبه النفط. # كنت مستغرقة في كتابة روايتي الأخيرة: «الحب في زمن النفط»، في أعماقي أدرك أن النفط هو ~~القوة الخفية تحرك الأشياء من وراء الستار، أضع خطا تحت كلمة النفط، أشعر بشيء ms239 من الراحة، ~~خطوة أولى لإعطاء اسم للقوة المجهولة بلا اسم، هناك علاقة بين النفط وقائمة الموت، أمسك ~~بأصابعي طرف الخيط، لولا النفط ما قامت حرب الخليج في يناير 1991م، ما تحركت جيوش ثلاثين ~~دولة على رأسها الجيش الأمريكي، لولا النفط ما تحرك الجيش البريطاني وأقام في فلسطين دولة ~~إسرائيل، لولا النفط ما انقلب العالم ضد إيران في عهد مصدق، لولا النفط ما احتكم علينا ملوك ~~لا يعرفون القراءة ولا الكتابة. # في الرواية كان النفط هو البطل، الجزيرة غارقة في بركة من النفط، يحكمها صاحب الشركة ~~«الخواجة»، ولا يتحدث اللغة العربية، وصاحب الجلالة الملك مندوب الله على الأرض رأس العائلة ~~المقدسة، تبدأ الرواية بامرأة عادية من الشعب تخرج من بيتها في إجازة يومين، كان هناك أمر ~~من صاحب الجلالة: «ممنوع على النساء القيام بإجازة، إن خرجت المرأة يتم القبض عليها ~~وإعادتها حية أو ميتة.» # أغرقت نفسي في الكتابة، أسابق الزمن أخشى أن يسبقني، فكرة الموت تراودني دائما مع عملية ~~الخلق، ينتابني القلق كلما بدأت عملا إبداعيا، أحوطه بذراعي كالطفل أخشى عليه الضياع، ~~أمشي فوق الرصيف أخشى أن تصدمني سيارة، لا أبغي من الدنيا سوى أن أعيش لأكمل العمل، لينمو ~~المخلوق الصغير ويستقل. # فكرة الموت لا تفارقني منذ جاءت الحراسة، لا يمر يوم دون أن أسمع هذه الكلمة «القايمة»، ~~القايمة مين فيها النهاردة، مين انضرب بالرصاص، في مصر وفي الجزائر، يستخدمون في القتل ~~مدافع رشاشة ودراجات بخارية، يهربون وتفشل الحكومة في القبض على القاتل، البودي جارد يدق ~~الجرس كل يوم، الحراس أمام البيت أمسكوا شخصا مجهولا حاول الصعود إلى شقتي، كلما دق جرس ~~الباب أتوقع القاتل، لم أعد قادرة على الكتابة، فكرة موتي بالرصاص تحلق فوق رأسي، أطردها ~~فتعود مثل ذبابة عنيدة، يكبر حجمها أحيانا فتصبح كالطائر الأسود الضخم، لا يشبه النسر ولا ~~يشبه الصقر ولا الحدأة ولا أي كائن آخر، يفرد جناحيه فوق رأسي وأنا أكتب، أتوقف في منتصف ~~السطر، قبل أن أكمل حروف الكلمة يتجمد القلم في يدي. ~~- مالك يا ms240 نوال؟ فيه حاجة؟ ~~- مش قادرة أكتب يا شريف، عقلي واقف مشلول. # يناولني شريف كوبا من عصير البرتقال، أو فنجان شاي، ينظر في ساعته، يرى أنني لم أنهض من ~~مقعدي وراء المكتب سبع ساعات أو ثماني أو أكثر، أحيانا كنت أجلس إحدى عشرة ساعة دون أن ~~أنهض. ~~- «ريحي نفسك شوية، إدي نفسك أجازة يا نوال.» ~~- الإجازات ممنوعة يا شريف بأمر من صاحب الجلالة الملك. ~~- الملك مين يا نوال؟ # كنت أعيش داخل الرواية، يشدني شريف إلى الواقع، أعيش على الحافة أتأرجح بين الخيال ~~والحقيقة، أشد عضلات ظهري وأنهض بصعوبة، قدماي وارمتان، فقرات العمود الفقري أسمعها تئن، ~~كصرير الساقية في طفولتي، أصابتني الكتابة بمرض مجهول يشبه الانزلاق الغضروفي. # كل صباح كانت الصحف تدخل إلى شقتنا، قوة مجهولة تدفع بها تحت عقب الباب، الرجل صاحب الكشك ~~على ناصية شارع مراد مع شارع الجيزة، اسمه «محمد» يركب دراجة يوزع الصحف على البيوت، يفرشها ~~فوق الرصيف، يعلقها على جدران الكشك، أمر بها في طريقي إلى كورنيش النيل، أحرك عيني ~~بعيدا عنها، في البيت أتركها فوق الأرض، أركلها بقدمي لأفتح الباب، لا أقربها في الصباح، ~~إن قرأتها أفسدت علي اليوم، كالسم تقتل بوادر التفكير في خلايا المخ . # أصحو من النوم أشكو من الصداع، أجلس إلى مكتبي مربوطة الرأس، عقلي مثل الأرض البور، ~~الصحراء القحط، لا تنبت فيها زهرة، لا أضع كلمة واحدة فوق السطر، أعيد ما كتبته بالأمس، ~~يبدو فارغا من المعنى، كلمات ميتة كالزهور فوق القبور، أمزق أوراقي أقذفها بطول ذراعي، أضع ~~رأسي تحت ماء الدش، أبلع أقراص الأسبرين، أضرب الجدار بقبضة يدي، لا شيء يعالج الألم، ~~كالسكين يشق رأسي نصفين، يدخل شريف إلى غرفتي يراني منكفئة فوق مكتبي، القلم في يدي مكسور، ~~أوراقي من حولي ممزقة: «نوال فيه إيه؟» ~~- «مش قادرة أكتب يا شريف!» # كنت أتلقى تهديدات بالقتل، أصوات مجهولة تأتيني عبر أسلاك التلفون، شتائم باللغة العربية ~~الفصحى، والعامية المصرية، تشوبها أحيانا لكنه ... خليجية، سعودية وكويتية وجزائرية، عبر ~~البريد تأتي الشتائم على شكل رسائل بدون ms241 توقيع: «يا كافرة يا عدوة الإسلام، يا حليفة ~~الشيطان التي أخرجت آدم من الجنة وسبب الموت والخراب، كنت تنشرين سمومك عبر جمعيتك المشبوهة ~~التي أغلقتها الحكومة وحولت أموالها إلى جمعية نساء الإسلام، نعم إن النساء المسلمات ~~المؤمنات أحق منك بهذه الأموال، فهي أموال حرام ما لم توجه لخدمة الدين الحنيف، وما هذا ~~الشعار الكافر الذي رفعته في جمعيتكم المنحلة، (رفع الحجاب عن العقل)، ألا تعرفين أن الله ~~أمر النساء المسلمات بارتداء الحجاب، كلمة الحجاب مقدسة، كيف تحرضين النساء ضد طاعة الله، ~~مثلك لا يستحق إلا الموت!» # في إحدى الليالي كنت وحدي بالبيت، سافر شريف إلى قرية القضابة بجوار طنطا في مهمة ضرورية، ~~جلست إلى المكتب أحاول كتابة الفصل الأخير من الرواية، الليل ساكن، لا أسمع إلا صوت أنفاسي، ~~دقات الساعة الخافتة، الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، ابنتنا منى انتقلت إلى بيتها، ابننا ~~عاطف استقل بحياته، أصبحت لي غرفة مستقلة، أكتب فيها وأنام فيها بجوار أوراقي، أحب هذا ~~الانعزال الكامل وحدي مع أفكاري. # فجأة دق جرس الباب، تجمدت في مقعدي، من يأتي في هذه الساعة من الليل؟ الضربات تحت ضلوعي ~~تتصاعد، العرق يتصبب وأنا جالسة لا أريد النهوض، ربما أخطأ أحد الجيران وضغط بيده على ~~الجرس، جاءت الدقة الثانية فانتفضت واقفة، أنوار الشقة كلها مطفأة، سرت على أطراف أصابعي، ~~تحركت في الظلمة بلا صوت، من وراء شراعة الباب، لمحت خيالا أسود: استجمعت شجاعتي. ~~- مين بره الباب؟! # لم يرد أحد، الصمت يدوي في أذني كصفير الطاحونة في منوف، عقلي يفكر وحده، هل أجري إلى ~~المطبخ وأمسك السكين؟ لكن ماذا يفعل السكين في مواجهة مدفع رشاش؟ لو كان معي مسدس؟ ألهذا ~~رفضوا التصريح لي بمسدس؟ لماذا لا يرد ويقف صامتا هكذا؟ إذا كان هو القاتل فكيف تركه ~~الحارس يصعد؟ هل القتلة يدقون الأجراس؟ واقفة وسط الصالة داخل الظلمة مكتومة الأنفاس، مرت ~~لحظة ممدودة بلا نهاية، رأيت الخيال يتحرك وراء الشراعة ويختفي، شيء غريب أغرب من الخيال، ~~لماذا جاء ولماذا راح؟ # عدت إلى غرفة ms242 النوم كي لا أنام، أطرافي باردة، الدقات تحت ضلوعي بطيئة شبه متوقفة، فتحت ~~النافذة لأطل على الشارع، سأراه يخرج من باب العمارة، إن لم يخرج فلا بد أنه الحارس، مضت ~~الدقائق، لم يخرج أحد، عشر دقائق، عشرون دقيقة، واقفة في النافذة كالتمثال، شارع مراد مظلم ~~منطفئ الأنوار، لا أحد يتحرك، سيارات قليلة تمرق بسرعة الضوء، زئير الأسد يصلني من حديقة ~~الحيوان مع رائحة المجاري، سيارة بوليس تنطلق بصفارة حادة، ساعة الجامعة تدق مرتين ثم ~~تسكت، من بعيد يأتيني الصوت كالنشيج، امرأة تئن وحدها في الليل، لا أعرف من أين يأتي ~~الأنين، أهي الجارة التي تسكن فوقي، أم في الشقة تحت شقتي أم في الشقة المجاورة التي تسكن ~~فوقي، أم في الشقة تحت شقتي ناحية اليمين، أو المرأة الوحيدة في الشقة ناحية اليسار، الأنين ~~يحمله هواء الصيف في المدينة الكبيرة، يسري في أذني كالطنين، يذكرني بأنين أمي في الليل ~~ممدود يشبه النداء، يا ... نو ... ا ... ا ... ل ... ل، تناديني في الليل يا نوال، أدفن وجهي في ~~وسادتي، يتحول بكائي إلى أنين يعلو على أنينها أو أنين المرأة الأخرى. ~~- نوال، لازم تسافري! ~~- أسافر فين يا شريف؟ ~~- عندك صديقات في كل بلاد العالم ، إنت معروفة يا نوال؟ وأنا مستعد أسافر معاك. # بدأت أفكر في السفر، كيف أسافر؟ رحلاتي السابقة كان لها هدف، حضور مؤتمر، إلقاء محاضرة، ~~لم أجرب من قبل السفر بلا هدف، أو للهروب من الموت، أيمكن أن يكون مصيري هو النفي خارج ~~البلاد؟ # ألا تحتمل أرض الوطن أن تمشي فوقها كاتبة مثلي؟! عشت تجربة السجن والطرد من العمل ~~والمصادرة والمطاردة وتشويه السمعة، كل ذلك داخل الوطن، لم أعرف ماذا يكون المنفى. # ذات يوم دق الجرس، فتح شريف الباب، دخلت فتاة اسمها إليزابيث، جاءت إلى مصر في زيارة ~~قصيرة، طالبة بجامعة ديوك في ولاية نورث كارولينا، درست بعض رواياتي المترجمة إلى ~~الإنجليزية، أرادت أن تزورني قبل أن تغادر مصر، على باب العمارة رأت الحراسة المسلحة، صعد ~~معها الحارس حتى باب الشقة، سألتني: ms243 ما الذي حدث؟ قلت بهدوء وأنا أبتسم: لا شيء حدث، فقط ~~يحرسون حياتي. اندهشت الفتاة كيف أبتسم بهذا الهدوء. ~~- لماذا لا تسافرين يا دكتور ساداوي؟ ~~- وإلى أين أذهب؟ ~~- إلى جامعة ديوك، هناك أستاذتي الدكتور ميريام كوك وهي تدرس رواياتك في حصة الأدب ~~العربي، يمكن أن أطلبها بالتلفون غدا وأعطيها تليفونك، ما رأيك؟ ~~••• # يوم 8 يناير 1993م، أودع بيتي في الجيزة، الشقة الصغيرة في شارع مراد، استأجرتها من صاحب ~~العمارة في يناير 1960م، عشت فيها ثلاثة وثلاثين عاما، شريف يحزم الحقائب في الصالة، منذ ~~تزوجنا لم تكف الحكومة عن مطاردتنا ثلاثين عاما، لم نبدأ عملا إلا هدموه، لم نضئ مصباحا ~~إلا أطفئوه، لم ننشئ جمعية إلا أغلقوها، لم نصدر مجلة إلا صادروها، ها هي المطاردة تصل إلى ~~النفي خارج البلاد. # أدور على غرف الشقة أودعها، ابنتي منى واقفة في الصالة تحوطني بذراعيها: «مع السلامة يا ~~ماما ... كلميني في التليفون أول ما توصلوا ديرهام.» ابني عاطف واقف إلى جوارها، يحوطني ~~بذراعيه: «مع السلامة يا ماما، خلي بالك من نفسك.» منى وعاطف يعانقان شريف، العيون تلمع ~~بالابتسام لتخفي الدموع الحبيسة. # شريف يحمل الحقائب خارج الباب، حركته هادئة تشبه حركة أبي، كنت في السابعة من العمر حين ~~رأيته يحزم الحقائب بهذه الحركة الهادئة، أصدرت الحكومة قرارا بنفيه بعيدا عن المدينة، ~~اشترك في مظاهرة وطنية ضد الملك والإنجليز، عاش المنفى عشر سنوات، من 1938م حتى عام ~~1948م. # خرجنا من بيتنا نحمل حقائبنا، نودع الأهل والوطن، شريف يحوطني بذراعيه داخل الطائرة: ~~«أمامنا يا نوال رحلة بديعة، تجربة جديدة تضاف إلى تجاربنا السابقة.» تعانقنا في الجو بين ~~السماء والأرض، والبوينج تشق السحب نحو الشمال. # الفصل الثاني # | الانطلاق الأول # سماء ولاية نورث كارولينا تمتد فوق رأسي حتى الساحل الشرقي الجنوبي لأمريكا الشمالية، ~~الليل كثيف الظلمة بلا قمر، النجوم ترتعش من بعيد توشك على الانطفاء، في طفولتي كنت أسأل ~~أبي وأمي: مين خلق النجوم دي كلها؟ ربنا يا بنتي، وأعود أسأل: ومين خلق ربنا؟ يكف أبي وأمي ~~عن الرد، ms244 يدب الصمت لحظة، يبتلع أبي لعابه، أرى تفاحة آدم تعلو وتهبط في عنقه، يخرج صوته ~~متحشرجا: ما فيش حد خلق ربنا، هو خلق نفسه، لم يكن لعقلي الطفولي أن يتصور شيئا خلق ~~نفسه. # أصبع أبي الكبير هو أصبع الله يشير إلى السماء، يعطي كل نجم اسمه، ده المريخ، وعطارد، ~~وزحل، والزهرة، أتوقف عند الزهرة، النجمة الوحيدة الأنثى بين النجوم الذكور، إنها نجمتي، ~~ولدت معي وتموت معي، كانت ستي الحاجة - جدتي لأبي - تقول لكل واحد من الناس نجم في السماء، ~~يولد معه ويموت معه. # عيناي مشدودتان إلى «زهرة»، أهي النجمة نفسها التي كنت أراها في سماء قريتي في دلتا ~~النيل، تبعد عني في الزمان والمكان أكثر من نصف قرن وعشرة آلاف ميل، حنين جارف إلى طفولتي ~~وأيام صباي، في العاشرة من عمري عرفت الحب الأول، في العشرين من عمري عرفت الحب الثاني، مضت ~~عشر سنوات بين الأول والثاني، ثم مضت ثلاثة عشر عاما حتى عرفت الحب الثالث، في كل قصة ~~عشتها أسأل نفسي: لماذا هو بالذات من دون البشر؟ لم يكن للسؤال جواب، كأنما انعدام الأسباب ~~هو شرط الحب. # لحظات في عمري أتوقف عندها، تبدو عصية على الفهم، يدركها القلب دون كلام أو لغة، الحب ~~يسبق اللغة في التاريخ، الإدراك الجسدي يرتفع فوق العقل. # تفسد الكتابة لحظات الحب، القلم مثل المشرط يقتل اللحظة، يمزق الجسد، يفصل الرأس عن ~~العنق، عن القلب، عن الصدر، عن البطن. # في مفكرتي السرية وأنا في العشرين من العمر كان سهلا أن أكتب كلمة الرأس أو القلب أو ~~الصدر، كلمات بريئة تشير إلى أجزاء بريئة من الجسم، كلمة بطن لم ترد على لساني حتى بعد ~~دخولي كلية الطب وتشريح بطون الجثث، كلمة «جنس» لم أنطقها حتى بعد زواجي الأول أرقد مع زوجي ~~في سرير واحد، يصنع منا الزواج حيوانا بجسد واحد ورأسين، لم أنطق كلمة «جنس»، وإن نطقت ~~كلمة «زوجي» باللغة العامية «جوزي» ترن في أذني نابية. # وفي كلية الطب لم ندرس شيئا عن الجنس، درسنا الجهاز ms245 التناسلي والبولي والحمل والولادة ~~وأمراض النساء وسرطان الرحم وسرطان الخصية، لم نعرف شيئا عما كان يشغلنا معظم الوقت، كان ~~علم الطب مفصولا عن حياتنا اليومية. # أصبحت لي مكتبي الصغيرة في غرفة نومي، إنها غرفتي وحدي لم تعد تشاركني فيها أختي الأصغر ~~ليلى، منذ أدخلت جمجمة الميت إلى غرفتي، أخرجت أختي سريرها. # أول ما أسعدني حين بلغت العشرين من عمري من غرفتي الخاصة، حريتي، أحلم بها في طفولتي وأنا ~~ألعب بالعرائس مع أختي، وفي سنين المدرسة الابتدائية والثانوية وفي مدرسة حلوان الداخلية، ~~حنين إلى الحرية أشد من حنين إلى الحب، الحب عندي هو الحرية وإلا ماذا يكون الحب؟! # في خريف 1951م أدركت أنني أملك حريتي، في الصباح أفتح عيني فتغمرني سعادة مجهولة، أقفز من ~~السرير بخفة العصافير، أندهش من خفة جسمي، أندهش لصوت رذاذ الماء ينهمر من الدش، أغتسل ~~بفرحة طفولية، أحس الخفقات تحت ضلوعي، أغني لنفسي في الحمام: «عندما يأتي المساء ونجوم ~~الليل تنثر، اسألوا الليل عن نجمي، متى نجمي يظهر.» علاقة خفية بين النجوم وخلجات القلب، لم ~~تعد خفية بعد أن تجاوزت الستين من العمر، قرأت في علم الكون الجديد، التشابه في تكوين جسد ~~النجم وجسد الإنسان. # أصبح لي لأول مرة في حياتي مكان خاص أغلق بابه علي، غرفة صغيرة تتسع لسريري «السفري» من ~~الصاج، ومكتبة لها رفوف عليها كتبي، ومكتب صغير أجلس إليه والباب مغلق، أسجل في مفكرتي ~~السرية ما أشاء، أشرب الشاي بالنعناع دون رقيب أتمدد فوق السرير وأشرد كما يحلو لي الشرود، ~~أبحلق في الفراغ بالساعات دون أن يتهمني أحد بالجنون. # كانت غرفتي تطل على حديقة خلفية صغيرة، نخلة طويلة ممدودة نحو السماء، رأسها المنكوش ~~بالزعف أو سباطات البلح يشبه رأسي، شعري الأسود الغزير يطيره الهواء، اشترى لي أبي مكتبا ~~صغيرا من الخشب له ثلاثة أدراج ناحية اليمين، درجان ناحية اليسار، الدرج الأعلى له مفتاح ~~واحد يغلق الأدراج كلها، فوق الحائط ثلاثة رفوف هي المكتبة، عليها كتب الطب، كشاكيل ~~المحاضرات، ولوحة خشبية أرشق فيها الجدول والمواعيد، ms246 فوق الرف العلوي الكتب غير الطبية، ~~روايات وقصص، فلسفة وتاريخ، وكتب أخرى أحصل عليها من المكتبات العامة. # من نافذتي الأمامية أطل على جزء من الشارع الصغير المتفرع من شارع ترعة الزمر بالعمرانية، ~~الحي الهادئ في أول شارع الهرم بالجيزة، من نافذتي الخلفية أطل على منزل الجيران، يقف في ~~الشرفة شاب ممتلئ الوجه أبيض البشرة يشبه الملك فاروق، يمسك في يده مرآة تعكس الضوء، يسلط ~~علي دائرة الضوء المتحركة فأغلق الشيش من وراء شقوق الشيش أراه، يضع فوق عينيه منظارا ~~مكبرا أو تلسكوب، أسد شقوق النافذة بورق الصحف القديمة. # فوق مكتبي الجمجمة، أجلس إلى المكتب لأذاكر دروسي، أقرأ، أكتب، أفتح النافذة الأمامية، ~~وجهي ناحية السماء، لا بد أن أرى الأفق حين أكتب، تشرد عيناي في المساحات الواسعة ~~اللانهائية، لا حواجز أمامي في مجال الرؤية. # كانت الجمجمة تؤنسني، تذكرني بالموت فيشتد إحساسي بالحياة، تملؤني بالفرح لأنني أعيش رغم ~~وجود الموت، إلى جوار الجمجمة مروحة كهربية صغيرة، تحدث صوتا خافتا حين تدور، كحفيف ~~الهمس، تؤنسني تحمي وحدتي. # يكفي أن أغلق بابي لتغمرني السعادة، لم يكن أحد في البيت يقلقني في نومي أو يقظتي، أقرأ ~~في سريري حتى الفجر، أحبس نفسي في غرفتي لأكتب يومين أو ثلاثة، أرتدي ملابسي وأخرج ، لم يعد ~~أحد يسألني إلى أين أذهب أو متى أعود، الدراسة في كلية الطب تمتد طول النهار، والمظاهرات ~~الوطنية قد تنفجر في أي وقت. # كنت أمشي في المظاهرات مع الطلبة، وأمشي كل يوم من بيتي في أول شارع الهرم إلى كلية الطب ~~في شارع قصر العيني، وأعود مشيا أو أركب الترام إذا تأخر الوقت، أختار الأحذية بدون كعب ~~عال، الأحذية الجلدية المتينة غير اللامعة، كل شيء لامع يبدو لي قبيحا، الشعر المدهون ~~بالبريانتين، القماش الشاركسكن، الأحذية الجلاسيه، البشرة المدهونة بالكريم، الشوارب ~~المنمقة المقصوصة بعناية، ربطة العنق المربوطة بدقة وإحكام، تجذبني الطبيعة التلقائية، وشيء ~~من الفوضى الضرورية لإكمال أي نظام، شيء من القبح اللازم لأي جمال، لم أحب أدوات الزينة، لم ~~ألون وجهي بالمساحيق، لم ms247 أصبع شفتي بالأحمر الصناعي، أرتدي الأقمشة الخشنة الرخيصة، تزيد ~~خشونتها من نعومة بشرتي، لا أرتدي الفساتين المكشوفة الصدر، أصبحت أمتلك جسدي ولست في حاجة ~~إلى عرضه للعيون، أرتدي أحيانا القمصان الرجالي، تزيد رجولتها من أنوثتي. # في أعماقي أدرك أنوثتي العارية الكامنة الزاهدة في الظهور، يشتد زهدها باشتداد تأججها، ~~تتخفى عن الأعين تحت غلاف الجسد، لا يطل منها شيء إلا البريق الخاطف في العينين، وأصحو ~~مبكرة قبل أن يصحو البيت، أتناول فطوري، فنجان الشاي الساخن جدا باللبن الحليب، قطعة من ~~الجبن الأبيض وعسل النحل، نصف رغيف، أشرب الشاي بالنعناع في منتصف النهار أو بعد الظهر، ~~بدأت أحب القهوة مع السهر أيام الامتحانات، كنت أحب النوم، أستغرق فيه حتى الموت، ثم أصحو ~~أبعث إلى الحياة من جديد. # أهوائي الصغيرة أعشقها، مثل الحملقة في السماء دون عمل أي شيء، الكون يبهرني، الكواكب، ~~النجوم، يراودني السؤال دائما من أين جاء هذا الكون؟ متى بدأ وهل يمكن أن ينتهي؟! # خفق قلبي بالحب للمرة الثانية في حياتي داخل مدرج صغير بجوار المشرحة في كلية الطب، نهبط ~~إليه تحت الأرض بضع درجات، يجتمع فيه أغماء الطلبة، يرتبون الإضرابات والمظاهرات ~~الوطنية. # خريف عام 1951م كان مشحونا بالأحداث السياسية، منذ إلغاء معاهدة 1936م، في أكتوبر 1951م، ~~لم تكف المظاهرات ضد الاحتلال البريطاني، حكومة الوفد برئاسة النحاس باشا تشجع المقاومة ~~الشعبية، تسلح الفدائيين في القنال من وراء الستار. # سافر زميلي أحمد المنيسي مع كتائب الفدائيين ولم يعد، كنا نتبادل الحديث في معمل الكيمياء ~~الحيوية (البيوكمستري)، رسالته الصغيرة بخط يده داخل كشكولي، كلماته المترددة الخجول: ~~«ستكون صورتك أمامي وأنا أقاتل في سبيل الله.» أنفه من الجانب مرفوع يرسم في الجو قوسا ~~حادا، في عينيه بريق قوي يتحدى الإنجليز، ونظرة خجولة لا ترتفع إلى عيني، كانت التقاليد ~~صارمة تفصل بين الجنسين بسكين حاد، تحرم تبادل الكلمات أو النظرات رغم الاختلاط في ~~الجامعة. # منذ الرسالة في الكشكول لم أر المنيسي إلا مرة واحدة قبل أن يموت، كان يحارب الإنجليز في ~~القنال وسقط شهيدا، ms248 أقاموا له حفل تأبين، حفروا اسمه فوق حجر في مدخل كلية الطب، ثم سقط ~~الحجر وسقط معه اسمه في التاريخ، وأسماء فدائيين آخرين ماتوا أو لم يموتوا، عادوا من الحرب ~~يطاردهم البوليس المصري قبل الإنجليز، تحولوا بقدرة قادر من أبطال مدافعين عن الوطن إلى ~~مجرمين في نظر الحكومة وإرهابيين في نظر الإنجليز. # أحمد حلمي كان من الفدائيين، التقيت به لأول مرة في المدرج الصغير بجوار المشرحة، كنت ~~الطالبة الوحيدة التي تدعى إلى هذه الاجتماعات، ربما لأنني كنت أشارك في المظاهرات الوطنية ~~وأكتب في مجلات الكلية، ورثت عن أبي أحلامه الطفولية، أكتب الشعر والأدب، أحمل السلاح، أضرب ~~الأعداء وأحرر الوطن، لم أر نفسي في أحلامي مرتدية ثوب الزفاف أو طرحة الدخلة، لم يكن للزوج ~~مكان في أحلامي، لا يمكن لاسم رجل أن يحذف اسمي أو يحتل جسدي. # هذه الحقيقة الهائلة تحت ضلوعي! أهي حقيقة أم وهم؟ كنت جالسة في المدرج الصغير في اجتماع ~~تنظيم المظاهرة الكبيرة، تسربت الخفقة تحت الضلوع خافتة أول الأمر ثم تصاعدت، كتمتها بحقيبة ~~كتبي، هذا القلب داخل صدري لم يخفق هذه الخفقة منذ الحب الأول وأنا في العاشرة من العمر، ~~عشر سنوات مضت تحولت الطفلة إلى فتاة في العشرين، طالبة مجدة بكلية الطب تدرس التشريح ~~والكيمياء الحيوية والفيزياء والفسيولوجيا والباثولوجي (علم الأمراض)، حفظت القرآن عن ظهر ~~قلب وأجزاء من التوراة والإنجيل، قرأت كتبا كثيرة خارج مقررات الطب، في الفلسفة والدين ~~والتاريخ منذ الفراعنة وقدماء المصريين حتى الاحتلال البريطاني والخديوي إسماعيل والملك ~~فؤاد وفاروق والأحزاب السياسية، كنت أدخر أجر الترام أو الأتوبيس لأشتري كتابا جديدا أو ~~رواية أدبية، زميلتي «سامية» أمدتني ببعض الكتب عن الماركسية، في مكتبة أبي كان هناك الجاحظ ~~وابن رشد وابن خلدون وابن سينا والطبيب الرازي وأبو العلاء المعري، رسالة الغفران قرأتها ~~قبل أن أقرأ الكوميديا الإلهية، ولد «دانتي» في إيطاليا عام 1265م، قرأ مثلي عن التراث ~~المصري والمسيحي والإسلامي، لا بد أنه قرأ ابن عربي الصوفي كما قرأه أبي، ورسالة الغفران ~~لأبي العلاء المعري، ms249 ألهذا جاءت صورة العالم الآخر في الكوميديا الإلهية كما جاءت في رسالة ~~الغفران؟ كنت أسمع أبي يقول إن «دانتي» نقل عن أبي العلاء المعري، تمط سامية شفتيها ~~بامتعاض: معري إيه يا نوال ... ده عره خالص ... عشان كده سموه معري ... إيش جابه لواحد عظيم زي ~~ضانطي (دانتي)، تفخم حرف الدال وتقلب التاء إلى طاء، زميلتي «بطة» تقلب الراء إلى غين، ~~وتلعن الجميع: المعغني (المعري) ودانتي وماغكس (ماركس) تسخر منه، تقول عنه مغكس (مرقس) حبيب ~~زميلتنا صفية منذ المدرسة الثانوية. # لم تكن واحدة من الزميلات تمشي في المظاهرات، أو تحضر الاجتماعات السياسية في المدرج ~~الصغير، تلوي بطة شفتها السفلية الحمراء: «سياسة» إيه يا نوال دي كلام فاغغ (فارغ)، تشيح ~~صفية بوجهها بعيدا: «كفاية أخويا أسعد في السجن والسياسة خربت بيتنا.» تزم سامية شفتيها ~~بازدراء: الطلبة دول كلهم عملاء للأحزاب السياسية المتنافسة على الحكم، ما فيش إخلاص في ~~البلد إلا في الحزب الشيوعي. # كلمة الشيوعية ملبدة بالغموض والإشاعات، الحزب الشيوعي غير شرعي، يعمل تحت الأرض، زعيم ~~الشيوعيين كان طالبا في السنة النهائية، اسمه إسماعيل شلبي، نحيف الجسم يرتدي بدلة سوداء، ~~فوق عينيه نظارة سوداء تتدلى منها سلسلة ذهبية، قصير القامة يلقي خطبة طويلة عن الفقراء من ~~العمال والفلاحين، يتململ الزملاء في مقاعدهم، ينظرون في ساعاتهم، ينهض زعيم الإخوان ~~المسلمين «عمران عبد الموجود» بجسمه المربع داخل البدلة الضيقة، الصديري تتدلى منه سلسلة ~~ساعة فضية من قبر الرسول بأرض الحجاز، يقف على المنصة مائلا بجذعه ناحية اليمين، واضعا ~~يده اليسرى في جنبه، رافعا يده اليمنى، شفتاه الممتلئتان منفرجتان، يبتسم لقوة ما في ~~السماء، يقف صامتا في هذا الوضع بضع ثوان، كأنما عدسة سحرية في الفضاء تلتقط له صورة، ثم ~~يستدير ببطء ليواجه الحاضرين بصوت أشبه بالرعد، يبدأ خطبته بسم الله العلي العليم ويختمها ~~بالصلاة على خاتم الأنبياء أجمعين، يتململ الزملاء في مقاعدهم، يتسلل بعضهم من الباب ~~الخلفي، ينهض أحدهم معترضا: «يا أخ عمران كفاية إنشا عاوزين كلام مفيد»، ينهض فؤاد محيي ~~الدين، كان من أطباء ms250 الامتياز أو النواب في قصر العيني، أطولهم قامة شديد النحافة كالعصا ~~الخيزران، شديد الأناقة بدلته خطوطها مستقيمة مكوية، ياقة قميصه منشاة ناصعة البياض بلا ذرة ~~تراب ولا عرق، ربطة عنقه زهية الألوان معقودة بإتقان في نقطة الوسط بالضبط تحت ذقنه يشدها ~~بأطراف أصابعه الطويلة الرفيعة، يشد عنقه الطويلة بحركة الديك الرومي أو الطاووس، كبرياء ~~ربما أو اختناق، فالمدرج تحت الأرض، النوافذ كلها مغلقة، الهواء شبه معدوم، دخان السجائر ~~يتصاعد إلى السقف، جميعهم ينفخون الدخان من أنوفهم، كأنما هذا النفخ جزء من طقوس السياسة أو ~~الرجولة، يخبط فؤاد محيي الدين المنصة بقبضة يده القوية، لا تقل قوة عن قبضة زعيم الإخوان، ~~صوته لا يقل جهورية عن صوته، يردد كلمات مصطفى كامل باشا: «لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون ~~مصريا، نحن يا زملاء مصريون انتماؤنا إلى مصر مسلمين وأقباطا لا فرق، دستورنا هو القانون ~~يصدر عن البرلمان وليس القرآن الدين لله والوطن للجميع يا إخوان!» # وينهض يوسف إدريس من مقعده، كان طالبا في السنة النهائية، يتجه نحو المنصة بخطوة واسعة ~~سريعة، رأسه مائل إلى الأمام بقوة كأنما ينطح الهواء، متوسط الطول والنحافة، ليس أنيقا مثل ~~فؤاد محيي الدين، بدلته واسعة قليلا، ربطة عنقه واسعة متهدلة حول عنقه، معوجة على جنب، ~~ربما عقدها بسرعة دون أن ينظر في المرآة، لم يحرص أن تأتي العقدة بالضبط في نقطة الوسط مثل ~~فؤاد محيي الدين، يقف على المنصة واضعا يده اليمنى في جيبه، يحرك يده اليسرى في الهواء، ~~يحملق في الحاضرين بعينين لامعتين غائرتين تحت عظام الجبهة، يثبتهما بحدة في عيون الجالسين ~~كأنما يبغي تنويمهم مغناطيسيا، صوته لا يقل ارتفاعا عن صوت فؤاد محيي الدين، يخلط الفصحى ~~بالعامية: «يا أيها الزملاء، بلادنا تمر بمرحلة خطيرة علينا أن نكون جميعا فدائيين نحمل ~~السلاح في القنال ونطرد الاستعمار، ويا زملاء، مش كفاية القضاء على الاستعمار، لا بد من ~~ثورة شعبية تحقق العدالة بين الطبقات الكادحة والطبقات العليا.» # تسري الهمهمة بين الطلبة، يرفع أحدهم صوته: «ده كلام شيوعي.» ms251 يتصدى له طالب آخر: «اسكت يا ~~أخ خلينا نسمع.» أسكت يعني إيه؟ لا يمكن أسكت! تنشب مشاجرة في ركن من أركان المدرج، ينهض ~~زعيم الوفد «سليمان محمد» يسرع إلى المنصة، لا يتخلى يوسف إدريس عن مكانه، يقف الاثنان معا ~~فوق المنصة، زعيم الوفد أقصر قامة من يوسف إدريس، أكثر نحافة، بدلته أكثر تهدلا واتساعا، ~~كأنما أخذها من أبيه أو أخيه الأكبر، ربطة عنقه باهتة مفكوكة، ياقة قميصه مسودة قليلا، ~~قبضة يده تضرب المنصة أقوى من الجميع، صوته أعلاهم فهو ينتمي إلى حزب الأغلبية وهو الحزب ~~الحاكم أيضا بزعامة النحاس باشا، يهتف بعض الطلبة النحاس! النحاس! يشتد الهرج والمرج، يقفز ~~زعيم الوفد فوق المنصة يضرب المنصة بقدمه القوية، حذاؤه له كعب سميك تبطنه قطعة حديد على ~~شكل حدوة الحصان، صوته أعلى من صليل الخيل: يحيا النحاس زعيم الأمة. # في الصف الآخر بجوار الباب الخلفي كنت أجلس، لأخرج حينما أشاء دون أن يراني أحد، كانت ~~عيونهم تتجه نحوي دائما، ربما لأنني الطالبة الوحيدة التي تحضر هذه الاجتماعات السياسية، ~~الآلام الحادة في مؤخرة رأسي أو الصداع، ربما بسبب الاختناق «الإسفكسيا» بلغة الطب، الهواء ~~تشبع بالدخان أو النيكوتين وثاني أكسيد الكربون وانعدام الأوكسجين، ارتفعت الحرارة ونسبة ~~السموم في الدم، جالسة في مقعدي عاجزة عن النهوض لأخرج من الباب الخلفي، عقلي مشلول، توقف ~~الدم النقي عن تغذية خلايا المخ يؤدي إلى ضمور العقل أو البلادة، هل غفوت أو سقطت في غيبوبة ~~تشبه النعاس؟ ثم أفقت فجأة على صوت يقول: فين أحمد حلمي؟ # انتفخت عيناي لسماع الاسم، تحركت الأعناق نحوه، كان جالسا في الصف الأخير مثلي، لكن في ~~الناحية الأخرى قرب النافذة، تفصلني عنه مساحة طويلة من المقاعد الخالية، يرتدي القميص ~~الأبيض المفتوح، لم يكن يتعجل الكلام، لا يلقي خطبة، لا يضرب المنصة بقبضة يده، لا يضغط على ~~مخارج الألفاظ، مع ذلك صوته مملوء بالحماس، يدخل في الموضوع مباشرة دون مقدمات: «يا زملاء ~~كتائب الفدائيين في القنال تلزمهم ذخيرة ومؤن وخطوط خلفية، لا وقت للصراعات الحزبية، ms252 نحن في ~~حاجة إلى الوحدة الشعبية!» # وعاد إلى مقعده بالخطوة الهادئة نفسها التي سار بها إلى المنصة، التقت عيوننا لأول مرة ~~عبر الصف الطويل الخالي، لم يكن يرتدي نظارة الشمس، عيناه رأيتهما في لحظة خاطفة، وميض من ~~الضوء يشف من تحته ضوء أشد، نافذتان مفتوحتان إلى عمق البحر، داخل المحارة العميقة في جوف ~~المحيط. # عدت إلى البيت سيرا على القدمين، كان يوما خريفيا من أيام نوفمبر عام 1951م، الشمس ~~على وشك الغروب أو غربت منذ لحظات، وصلت كوبري عباس وألوان الغسق تنتشر في السماء، مهرجان ~~من الأحمر والأزرق والأخضر والأصفر والبرتقالي والذهبي والفضي كلها تتعانق وراء السحب، تتخذ ~~أشكالا لها رءوس وأذرع مثل آلهة الهند ومصر القديمة، تتغير أشكالها مع توهج السماء بلون ~~الدماء ثم تذوب الحمرة في لون برتقالي فاتح، لا يلبث أن يتلاشى في اللون الرمادي، وهذا ~~أيضا يتلاشى بدوره، يسري الليل في الكون لا صوت، لا حركة، إلا نسمة باردة خفيفة تهز أوراق ~~الشجر، مياه النيل تمشي فوق الأرض، إيقاع صوته يرن في أذني داخل الصمت، أصل إلى شارع الهرم ~~وأمشي وأمشي بالخطوة نفسها غير السريعة، أمشي وأمشي كأنما إلى آخر الدنيا. # تأخرت في العودة إلى البيت، سخنت أمي لي العشاء، شوربة الدجاج والأرز المفلفل، التهمت ~~الطعام بشهية الطفلة، أمي جلست أمامي ترمقني، تحوطني بعينيها كما كانت تفعل حين أعود من ~~المدرسة، البريق في عينيها يشف ضوءا قويا كالنافذة المفتوحة إلى أعماقي، صوتها يخترق ~~المتاريس التي أقمتها حول القلب تحت القفص الصدري: «فيه حاجة يا نوال حصلت النهاردة في ~~الكلية؟» # السؤال عادي تسأله أمي كل يوم، أدفن وجهي في الصحن أتفادى النظر إليها، سحابة من الشك ~~تطفو على ملامحها، تعاود السؤال: «فيه حاجة حصلت يا نوال؟» أمضغ الكلمات مع الأكل وأغمغم: ~~«أبدا ما فيش حاجة حصلت.» # في غرفتي وحدي أغلق الباب، أفتح النافذة أحملق في السماء، هل لأمي قرون استشعار؟ أو هما ~~عيناي مكشوفتان كالكتاب المفتوح؟ في المرآة أحملق في وجهي، عيناي لم يتغير فيهما شيء، ~~المقلتان ms253 السوداوان يكسوهما البريق، أشد بريقا من المعتاد، هذه الفتاة داخل المرآة أهي ~~التي كنت أراها كل يوم؟ يأتيني الصوت الهامس في أعماقي كالصمت: ماذا حدث يا نوال؟ لا شيء! ~~لا شيء! مجرد لقاء صامت عبر الصف الطويل من المقاعد الخالية. # منذ هذا اللقاء الصامت في نوفمبر 1951م حتى الطلاق في يناير 1957م التقينا كثيرا، تكلمنا ~~وعشنا تجربة الحب والزواج والإنجاب، إلا أن هذا اللقاء الصامت لأقل من نصف الثانية هو ~~الباقي في ذاكرتي، هي اللحظة غير القابلة للضياع، أتذكرها من بين ملايين اللحظات الأخرى، ~~أهم حدث وقع في حياتنا على مدى السنوات الست من اللقاء حتى الفراق، كم من عقبات مرت بنا، ~~وكم افترقنا ثم التقينا، ولا شيء يدفعنا إلى اللقاء إلا هذه اللحظة الواحدة الصامتة عبر ~~الصف الأخير من المقاعد الخالية في المدرج الصغير. # أهي رسالة أو شفرة سحرية تنتمي إلى عالم غير عالمنا تحدث في اللازمان واللامكان ~~واللاكلام، لحظة خارج الكون فوق قوانين الطبيعة ومنطق العقل، مع ذلك تبدو أكثر اللحظات ~~اتساقا مع الطبيعة والمنطق تفرض نفسها على العقل والذاكرة، على الزمان والمكان وحركة ~~التاريخ، إلا فلماذا أذكرها هي بالذات دون السنوات الست، مع أنها لن تستغرق إلا نصف الثانية ~~أو أقل؟ # ما بين هذه اللحظة من نوفمبر 1951م حتى يناير 1957م تغيرت حياتي كما لم يحدث في أي فترة ~~من العمر، في هذه السنين أيضا تغيرت الحياة في مصر وانقلب نظام الحكم. # كان أحمد حلمي أحد الفدائيين الذين شاركوا في حرب القنال ومهدوا الطريق لقلب نظام الحكم، ~~الفدائيون كانوا وقود الثورة، جنودها المجهولون يقفون في الصفوف الأولى، صدورهم عارية ~~يتلقون أول الضربات، يدفعون ثمن الثورة أو النصر لا يذكرهم أحد، الجنود المجهولون ليست لهم ~~أسماء ولا وجوه إلا قطعة حجر تسقط مع الزمن. # في المدرج الصغير يدوي صوت الزعماء، يحثون الطلبة على الانضمام إلى كتائب الفدائيين، لكن ~~أحدا من هؤلاء الزعماء لم ينضم، لم يسافر واحد منهم إلى الحرب في القنال، لم يصب أحد ~~منهم بخدش، تخرجوا ms254 جميعا وصعدوا إلى مراكز الحكم، قد ألتقي بأحدهم صدفة في اجتماع أو ~~مؤتمر، لا أحد منهم يذكر ما حدث قبل الثورة، لا يذكرون اسم واحد من الفدائيين. # قبل أن يسافر أحمد مع كتائب الفدائيين تقدم إلى أبي، كان أبي مع العمل الفدائي ضد ~~الإنجليز بشرط ألا يكون أحد الفدائيين زوجا لابنته: «يعني إيه تسيب الكلية وتروح تحارب؟! ~~الزواج مسئولية يا ابني.» يرمقني أبي بعينيه السوداوين، يرى خيبة أملي فيه، ألم يملأ طفولتي ~~ببطولته في ثورة 19؟ يتراجع أبي، يستعيد ثقتي فيه: «طيب يا ابني، أنا موافق على الخطوبة، ~~لكن عقد القران والزواج لن يكون إلا بعد أن تتخرج وتصبح طبيبا.» # التف الخاتم الذهبي حول إصبعي محفورا عليه اسم أحمد حلمي، أرادت أمي أن يلتف شيء آخر حول ~~عنقي أو معصمي يسمونها الشبكة، رنت كلمة «الشبكة» في أذني مفزعة، أيمكن أن أكون مشبوكة ~~للعريس؟ كلمة «عريس» سيئة السمعة منذ طفولتي تدربت منذ العاشرة من عمري على تطفيش العرسان، ~~لم أحلم مرة واحدة بفستان الزفاف، لكن الحب شيء آخر، يحملني فوق جناح الريح، أطير في ~~السماء، أحلق مثل نجمة الزهرة، إلى جواري نجم آخر يحلق معي، مصنوع من الضوء، بلا جسد إلا ~~العينين، ولا شيء ماديا يلامسني إلا خاتم رفيع من الذهب محفور عليه اسمه. # صوت أمي يدوي في الصالة: «العريس لازم يقدم الشبكة ... الناس تقول علينا إيه يا ~~نوال؟» ~~- «الناس مين يا ماما؟» ~~- «طنط هانم وطنط فهيمة وكل القرايب لازم حيقولوا فين الشبكة ... أقول لهم إيه يا نوال؟» ~~- «قولي لهم ما فيش شبكة، قولي لهم نوال بنتي غير مؤمنة بالشبكة.» # يشحب وجه أمي كأنما أعلن عدم إيماني بربنا. # كانت قيمة العروس تتحدد بقيمة الشبكة، وقيمة العريس لا يحددها شيء إلا الشبكة، في عائلة ~~أمي وأبي وكل العائلات، في الكلية أيضا شهقت الزميلات: خطوبة من غير شبكة وكمان لواحد من ~~بتوع حرب العصابات ... إنت مجنونة يا نوال! # في غرفة الطالبات كنت أعطيهن دروسا في الحب، يشتعل البريق في عيني، أحلق بخيالي في ~~السماء ms255 السابعة: «يا جماعة إنتو مش فاهمين الحب، لحظة الحب أهم من مليون شبكة، أهم من مال ~~قارون.» تكركر بطة بضحكتها المرحة مثل كركرة الماء داخل قلة من الفخار عنقها ضيق: «أنا ~~باموت في الحب بشرط إنه يكون أستاذ دكتور وعنده خمسة عين مش فدائي ما حيلتوش حاجة!» تعود ~~صفية إلى قصة حبها القديمة مع الدكتور مرقس، كان طبيبا ناجحا عنده ثلاثة عيون فقط (عيادة ~~وعربية وعزبة) إلا أنه قبطي وهي مسلمة، وهو مستعد للتخلي عن المسيح من أجل الحب، لكن أمه ~~ترفض، وهو لا يمكن أن يتخلى عن أمه من أجل صفية. # سامية أيضا أصابتها عدوى الحب، كان لها زميل في كلية الصيدلة اسمه رفاعة، شيوعي مثلها ~~«طبعا لازم يكون شيوعي يا أخواتي لا يمكن إني أحب راجل برجوازي!» تكركر بطة بضحكتها ~~الممطوطة: «أنا باموت في الغجل (الرجل) البغجوزاي (البرجوازي).» وتنفجر البنات بالضحك إلا ~~سامية تزم شفتيها الرفيعتين بامتعاض: «الرجل البرجوازي لا يمكن يحب المرأة حب حقيقي، الرجل ~~البرجوازي (وتنفجر) لا يعرف حاجة غير مصلحته الخاصة زي الاستعمار بالضبط!» يتصاعد الغضب إلى ~~وجه صفية بلون الدم الأحمر: «يعني الراجل الشيوعي بس هو اللي بيعرف الحب يا سامية؟! قطيعة ~~تقطع الشيوعية واللي جابوها!» وينشب الشجار بين سامية وصفية لا ينتهي إلا بصوت بطة الحانق: ~~«يلعن دين البغجوازية على دين الشيوعية ربنا ياخد الاتنين.» # مصر في نهاية عام 1951م تنوء تحت نظام ملكي فاسد، وأحزاب تتنازع السلطة، واستعمار بريطاني ~~حول مصر إلى مزرعة قطن أهلها عبيد، حزب الأغلبية (الوفد) يتأرجح بين مطالب الشعب ومطالب ~~الملك والإنجليز، أحزاب الأقلية تتآمر للقفز إلى الحكم، تارة مع الملك، تارة مع الإنجليز، ~~مصر حبلى بالثورة، الشباب طلاب الجامعات هم وقودها ومخاضها. # فوق الدكة الخشبية بجوار ملعب التنس في الكلية كنا نجلس أنا وأحمد، ينتظرني حتى أنتهي من ~~مباراة التنس، أو أنتظره حتى يراجع العدد الجديد من مجلة شعلة التحرير، حديثنا يتجاوز ~~المجال المألوف بين الجنسين، يخاطبني كما لو كنت زميلا له. # تمر الساعة وراء الساعة، نرشف ms256 الشاي بالنعناع أو الكازوزة المثلجة، محور الأرض يميل بسرعة ~~نحو المغرب ومعه قرص الشمس، الليل يهبط فجأة وكان أذان الظهر ينطلق من الجامع منذ ~~لحظة. # بدايات الشتاء كانت باردة نوعا، تغلف القاهرة شبورة بلون الضباب، رذاذ المطر خفيف، أنا ~~وأحمد جالسان فوق الدكة الخشبية، وهو متكئ بكوعه على المسند، يدخن سيجارة «البلمونت»، عيناه ~~من وراء النظارة شاردتان في الأفق، صوت المؤذن من بعيد ينادي، حي على الصلاة ... حي على ~~الفلاح، يرتفع الصوت من المئذنة إلى السماء، يتعلق كذرات البخار في جسد الشبورة، يرتل ~~المؤذن آيات الله، الدعاء لله الواحد الأحد لا شريك له، يشق الدعاء عقلي الشارد، صوته يعلو ~~من نغمة إلى نغمة حتى تبدو السماء ملبدة بضباب الشك. # أستمع إليه يتحدث عن الكفاح المسلح في القنال، سوف يسافر إلى التل الكبير مع الفدائيين، ~~يتكلم بصوته الهادئ، ينفخ الدخان مع أنفاسه البطيئة كالأسد النائم، يده كبيرة مثل يد أبي، ~~يمدها فوق الدكة الخشبية ويمسك يدي، أغمض يدي كالنائمة في حلم، أراه حاملا السلاح يضرب ~~الإنجليز ويحرر الوطن، النساء في القرية يطلقن الزغاريد، الرجال يحملونه فوق الأعناق ثم ~~أسمع صوت الانفجار، طلقات رصاص، يسقط إلى الأرض ينزف، شريط الدم أراه يلمع فوق الأسفلت، أهب ~~من النوم فأراه جالسا إلى جواري، سلسلة المفاتيح في يده يمدها حتى جذع الشجرة يحفر بسن ~~المفتاح رسما له شكل القلب، ينقش اسمي واسمه داخل القلب، يحفره في جذع شجرة الكافور كأنما ~~يحفره في التاريخ. # عاشت الشجرة ثلاثة وعشرين عاما بالحروف المحفورة عليها، كنت أمر بها أحيانا بعد الزواج ~~وبعد الطلاق، كانت الحروف باقية تتعانق داخل الشجرة رغم الانفصال، ثم جاء شباب آخرون حفروا ~~أسماءهم وطمست السنون أسماءنا، الشجرة كلها راحت في العدم، في عام 1974م جاء بلدوزر ~~واقتلعها، أقاموا مكانها مبنى من الأسمنت. # قبل أن يسافر أحمد مع الفدائيين فكرت: هل أسافر معه؟ في طفولتي كنت أحمل السلاح في الحلم ~~وأحرر الوطن، لكن الكفاح المسلح كان للرجال فحسب، لم يكن للمرأة أن تنال شرف تحرير الوطن، ms257 ~~إن تطوعت في جبهة القتال لا تعمل إلا ممرضة أو مرفهة عن المقاتلين إن ماتت فداء الوطن لا ~~تحمل لقب فدائية، مجدها الوحيد في التمريض أو في الترفيه، بدت المهنتان مهينتين لفتاة تريد ~~أن تحمل السلاح لا جردل البول أو بدلة الرقص. # كنت أحب الوطن، يمكن أن أضحي بحياتي من أجل الوطن، لكن كرامتي أغلى من حياتي، لا أضحي بها ~~من أجل شيء وإن كان الوطن، هل أهبط بنفسي من أجل الوطن لأرقص للمقاتلين أو أحمل بولهم ~~وبرازهم؟ # إلا أن جبهة القتال كانت تجذبني، كلمات مثل: التضحية، الوطن، الفداء، الخطر، الموت، ترن ~~هذه الكلمات في أذني ساحرة، اللذة العارمة في كشف المجهول، الزهو بنفسي وارتداء زي البطولة، ~~الثقة بالنفس إلى حد عدم تصور الموت، كنت أتصور موت الآخرين لكن موتي أنا مستحيل، أهي حماقة ~~طبيعية في تلك المرحلة؟ لكني حتى اليوم وبعد أن تجاوزت الستين لا أتصور نفسي ميتة، كم حاولت ~~وتخيلت دون جدوى، كم تمددت فوق الفراش لأموت دون أن أموت. # رياح الشتاء جاءت من ناحية الشمال تحمل البرد والصقيع، جو من الكآبة يخيم على مدينة ~~القاهرة، كلية الطب صامتة كأنما مات كل من فيها، منذ سافر أحمد إلى القتال أصبح الكون ~~مهجورا، شبورة سوداء تحجب الشمس، والهواء ثقيل تشبع بالحزن والهزيمة، كنت أصحو من النوم ~~على صوتي يهتف في الحلم: يسقط الإنجليز! يسقط الدكتور دري! كان الدكتور «دري» هو الأستاذ ~~الإنجليزي الوحيد الباقي في كلية الطب، رحل الآخرون مع تصاعد الحركة الوطنية، يشبه النمر ~~المتوثب داخل معطفه الأبيض القصير حتى الركبتين، يحمل قلما أسود ضخما يطل من جيبه ~~كالمسدس، يصوبه نحوي حين يكلمني، وفي الحلم يطلق علي الرصاص، أهب من النوم صارخة: يسقط ~~الإنجليز، يسقط الدكتور دري! منذ تخرجت في ديسمبر 1954م لم أره، مضت أربعون سنة منذ رأيته ~~آخر مرة، لكن وجهه باق في ذاكرتي، بشرته بيضاء حمراء مشربة بدمائنا، مجدولة بعناقيد ~~الاستعمار، قصير نحيف الجسم، فكاه عريضان، عيناه تخرقان زجاج نظارته الطبية، يتمشى فوق ~~المنصة منتفخا ms258 بالكبرياء، ذراعاه معقودتان خلف ظهره، يتلو المحاضرات بصوت حاد مثل طلقات ~~المسدس، لا يكف عن ترديد كلمة: هواي؟ بعد كل جملة يرشقنا بالسؤال: هواي؟ # ذلك اليوم استدار الدكتور دري ليكتب كلمة «هواي» على السبورة # Why # أصبح ظهره ناحية الطلبة، رءوسهم منكفئة فوق ~~الكشاكيل يكتبون، الصمت مطبق في المدرج الكبير والأنفاس مكتومة، فجأة انطلق صوت من وسط ~~الطلبة يهتف بلغة إنجليزية ركيكة: # Why you English here in ~~country? ~~«لماذا أنتم في بلادنا يا إنجليز؟» ثم اختفى الصوت في الصمت ~~كفص الملح يذوب في مياه المحيط. # تجمد الدكتور «دري» في مكانه قبل أن يستدير ثم استدار ليواجه الطلبة، عيناه زرقاوان ~~تحملقان، مئات الوجوه مصفوفة على شكل أنصاف دوائر تصعد حتى السقف، عيناه ككشافين يدوران فوق ~~الوجوه، كما كان يدور فوق وجوهنا كشاف ضابطة الداخلية ونحن نائمات في العنبر، ثم انطلق ~~صوته: # if you are a man stand up ~~«إذا كنت رجلا انهض ~~واقفا!» # لا أحد يقف، لا صوت يسمع، مات المدرج بكل من فيه حتى الدكتور دري، لم أسمع إلا صلصلة جرس ~~الترام في شارع قصر العيني، دوت في الصمت كصفارة وابور الطحين في منوف، أو صرخات متقطعة ~~لطفلة تشهق، ثم بدأت الحياة تعود إلى المدرج، أول من تحرك كان الدكتور دري، أخرج من جيب ~~معطفه الأبيض منديلا حريرا كبيرا مسح جبهته وأنفه الأحمر، مسح يديه من الطباشير والعرق، ~~طوى المنديل بحركة مسرحية بطيئة ، أربع طيات، طوى المنديل ... أعاده إلى جيبه، انفرجت شفتاه عن ~~ابتسامة ساخرة، مد يده وأغلق كتابه المفتوح أمامه، وضعه تحت إبطه، سار نحو الباب الأمامي ~~بخطوة بطيئة، فتحه بهدوء ثم استدار، قبل أن يخرج حملق في الوجوه ثم صاح: # We ~~are here because you are cowards ~~«نحن هنا لأنكم جبناء» كلمة «كواردز» ~~بالإنجليزي يتضاعف مذاقها المر حين تنقل إلى اللغة العربية. # انطلقت الكلمة من فمه مثل القذيفة بيضاء بلون البصاق، رأيتها تطير من فمه بحجم حبة الفول، ~~حلقت في الجو وانقسمت إلى مئات الذرات الصغيرة، بعدد الطلبة في ms259 المدرج، فوق وجه كل واحد ~~منهم التصقت البصقة، لم يرفع أحدهم يده ليعترض أو يمسحها عن وجهه، في الليل وأنا نائمة ~~أنتفض بالغضب، أكثر ما يغضبني أن البصقة فوق وجهي أيضا، يدي لم ترتفع لتمسحها، ملتصقة ~~بوجهي لا تزول وإن اغتسلت بالماء والصابون. ~~••• # جاءني خبر استشهاد أحمد المنيسي، صفرت أذناي وأنا أسمع الخبر، الصغير الحاد الممطوط ~~كصفارة وابور الطحين في منوف، سمعت الجزء الأول من الاسم «أحمد» ثم كفت أذناي عن ~~السماع. # في فناء كلية الطب أقاموا له الصوان فوق الأعمدة الخشبية يشبه خيمة السيرك في منوف، ~~القماش السميك الأحمر يرفعونه في الأعياد والمآتم، يرصون الكراسي الصفراء من الخيزران، ~~يمتلئ الصوان بالرجال، يشربون القهوة السوداء في فناجين صغيرة بيضاء، أو الشربات الأحمر ~~اللون في أكواب طويلة من الزجاج، تهتز رءوسهم مع الترتيل الممطوط للقرآن، أو طرقعات الصاجات ~~في الرقص والغناء. # كان هو حفل تأبين أحمد المنيسي، امتلأ الصوان بطلبة الطب والكليات الأخرى، جلس الأساتذة ~~في الصفوف الأولى يتوسطهم العميد، زعماء الطلبة يروحون ويجيئون داخل بدل رصاصية اللون وربطة ~~العنق سوداء، فؤاد محيي الدين يغطي عينيه بنظارة سوداء، يزم شفتيه علامة الحزن بشدة أكثر من ~~اللازم، إبراهيم الشربيني من خلفه يمشي أقل قامة، أقل أناقة وأكثر حزنا، يوسف إدريس من حول ~~عنقه ربطة سوداء غير معقودة بإحكام، يصيح بصوت غاضب في عمران عبد الموجود زعيم الإخوان: ~~«يعني المنيسي شهيدكم إنتم بس يا إخوان يا مسلمين ولا شهيد مصر كلها؟!» ~~- «المنيسي شهيدنا كلنا يا أخ يوسف لكن البرنامج مليان وفيه حفلات تأبين كثيرة جاية في ~~السكة تقدر تتكلم فيها.» # تحول المنيسي إلى كلمة من أربعة حروف «شهيد»، ترن في أذني ثم تتوقف في حلقي، يداي باردتان ~~كالثلج، ترتعدان فوق حجري وأنا جالسة في الصوان، أمسك يدي اليسرى باليمنى، أدفئ الواحدة في ~~الأخرى، هواء بارد يتسرب من بين الفتحات في القماش. # يهتز الصوان مع حركة الهواء، زعيم الإخوان فوق المنصة يلقي خطبة طويلة، لم أسمع منها ~~شيئا، صورة المنيسي تعود، واقف إلى جواري ms260 في معمل البيوكمستري، أصابعه الطويلة القوية حول ~~أنبوبة الاختبار، تعلوها رعشة خفيفة، صوته يهمس مترددا: «أستودعك الله.» عيناه رموشها ~~غزيرة مملوءتان بالبريق، طويل القامة، أطول قامة من أحمد حلمي وأكثر وسامة؛ فلماذا لم يخفق ~~له القلب كما خفق للآخر؟! # كانت لقلبي مقاييس خاصة، لا يعترف بالقيم الموروثة ولا الرجولة المألوفة، ولا الوسامة ولا ~~شيء، إلا ذلك المجهول المتخفي داخل عناصر الدم أو الكيمياء، داخل اللاوعي أو الوعي الطفولي، ~~حلم الطفلة في السابعة من العمر، فتى الأحلام تنسجه الأيام من حكايات الأم والأب والجدة، ~~ذلك البطل يحمل السلاح يحرر الوطن يشبه أبي في طفولتي، له ملامح سعد زغلول باشا إلا أن ~~البريق في عينيه أشد، أنفه أكثر شموخا، إرادته لا تلين والنظرة في عينيه لا تنكسر. # أحمد المنيسي كانت له نظرة رغم البريق منكسرة، لا ترتفع عيناه إلى عيني، مثل زعيم الإخوان ~~المسلمين «عمران عبد الموجود» وكل الطلبة في هذه الجماعة، لم تكن عيونهم تنظر مباشرة في ~~العيون الأخرى، فهي دائما مطرقة إلى السماء، لا ترى إلا الله أو الفراغ. # الصوان من حولي يغرق في الضباب، كل شيء يبدو غير حقيقي حتى الموت، الوجوه تتراءى لي كما ~~في النوم، الأصوات تختلط بعضها ببعض، الخطب المدوية في الميكروفون مثل الانفجارات في معسكر ~~التدريب بجوار الكلية، صراخ النسوة وراء الميت الخارج من قصر العيني مثل الزغاريد في حفلات ~~الزفاف، وأقف على صوت ينادي اسمي: ~~«الأخت نوال السعداوي» كلمة الأخت ترن في أذني غريبة، لم أكن واحدة من الأخوات المسلمات، ~~لم أنضم في حياتي إلى حزب من الأحزاب، تكرر النداء «الزميلة نوال» رن في أذني «الشهيدة ~~نوال»، نهضت من مقعدي كما ينهضون من الموت، سرت فوق ممر طويل مفروش بالسجاد الأحمر، الحمرة ~~قانية بلون الدم فوق الأسفلت، أمشي بحذر كأنما أمشي فوق الدم، أحسه تحت قدمي ينبض وينزلق، ~~أمسك بعمود السلم الصاعد إلى المنصة، بضع درجات خشبية تهتز تحت جسدي، أقف وراء الميكروفون، ~~أثبت قدمي في الأرض، أثبت عيني في آلاف العيون الشاخصة نحوي، ms261 يدوي الصوت الجهوري: «والآن ~~أيها الإخوة كلمة الزميلة نوال السعداوي.» # أحملق في الوجوه لا أعرف ماذا أقول، لم أحضر في حياتي حفل تأبين، كلمة «حفل» تبدو لي ~~مناقضة للموت، والمنيسي لم يمت في خيالي، حروفه لم يجف حبرها داخل كشكولي، صورته محفورة لا ~~تختفي عن عيني، ماذا أقول لهؤلاء الرجال الجالسين يرمقونني بعيون محدبة ومقعرة، أجل! مات ~~المنيسي أيها السادة، استشهد في سبيل الله والوطن، وفي سبيل ماذا نعيش نحن أيها السادة؟! ~~لنلقي الخطب من فوق المنابر؟! لنقيم حفلات التأبين؟! لكن التأبين يعني الموت والمنيسي لم ~~يمت، إنه حاضر أمامي في هذه اللحظة، أكثر حضورا من كل الحاضرين في الصوان، الذين يمجدون ~~الشهداء دون أن يموتوا مثلهم، أليس الصمت أبلغ من الكلام وما جدوى أن نكون هنا؟! لماذا لا ~~نكون هناك في جبهة القتال لتشرب الأرض دماءنا كما شربت دماء الشهداء؟! # كان أحمد حلمي هناك في الجبهة، والآخرون من الفدائيين، انقطعت أخبارهم عنا، لم نعرف هل ~~ماتوا؟ هل أخذهم الإنجليز أسرى؟ هل قبضت عليهم الحكومة وأخفتهم في سراديب السجون؟! الأجانب ~~أو الحكومة المصرية كلاهما تاريخ أسود، يتعاونان في الباطن، وفي الظاهر يتبادلان العداء، ~~مصالحهما تتلاقى أو تتعارض إلا أن عداءهما للشعب المصري واحد، أيمكن أن يذهب دم المنيسي ~~وغيره من الشهداء هدرا؟! # أنهيت كلمتي وهبطت إلى مقعدي، صعد إلى المنصة بعدي واحد من زعماء الجامعة في كلية الحقوق، ~~اسمه «حسن دوح»، كان يحمل لقب خطيب الجامعة، وقف وراء الميكروفون مطرقا صامتا، آلاف ~~العيون مرفوعة نحوه، الأنفاس مكتومة، الصمت يدوي في الصوان كالصفير، انتظرنا ماذا يقول، كان ~~مشهورا بالخطب السياسية النارية، لم يقل حسن دوح شيئا، عبارة واحدة قالها ثم ترك المنصة: ~~«أيها الإخوان ليس عندي ما أقول بعد سماعي كلمة الزميلة نوال.» # في نهاية الحفل تجمع من حولي بعض الزملاء: «كلمتك كانت رائعة! الكلمة اللي خرجت من القلب ~~ودخلت القلوب، أقصر كلمة وأحسن كلمة، خطيب الجامعة ما عرفش يقول حاجة بعدها!» # عيونهم ترمقني بإعجاب، تحملني عيونهم فوق الأعناق، كأنما أصبحت ms262 سعد زغلول باشا، والشهيد ~~المنيسي هل نسوه؟! أينتهي الموتى بانتهاء حفلات التأبين؟ سرت من الصوان إلى محطة الأتوبيس ~~أحمل حقيبة كتبي. # هذه الحقيبة حملها إلي المنيسي منذ أسابيع، رغم الحريق في المعمل صعد إليه وعاد يحملها ~~إلي، فوق جلدها أرى بصمات أصابعه، غائرة في الجلد مثل الجرح، سوادها داكن بلون الموت، بلون ~~تأنيب الضمير، لماذا لم يخفق له قلبي؟ هل ذهب إلى الحرب يأسا من الحب؟ الكون من حولي يبدو ~~كالحلم، الناس تمشي في الشارع كالخيالات، الأتوبيس يأتي ويذهب إلى العدم، الطلبة يهرولون ~~إلى الكلية كالأشباح، ينظرون في ساعاتهم بعيون جاحظة، يقبضون على حقائبهم تحت إبطهم، يقبضون ~~على أرواحهم داخل أجسادهم، يقبضون على عقولهم داخل جماجمهم، يتدافعون من الأبواب، يدوسون ~~على أقدام بعضهم بعضا، يتنافسون على جثث المشرحة، على المقاعد الأمامية في المدرج، الدرجات ~~العليا في الامتحانات، يسرعون من الكلية إلى البيت ومن البيت إلى الكلية، يتخرجون أطباء، ~~يفتحون العيادات، يشترون السيارات، العمارات، يتزوجون وينجبون ويموتون كما مات المنيسي، إلا ~~أن المنيسي مثل الشهداء لا يموت، يعيش هناك في الدار الآخرة مع الأنبياء. # كنت واقفة عند محطة الأتوبيس أحمل حقيبتي، جاء الأتوبيس مزدحما لا محل لقدم، وقفت أكثر ~~من ساعة أنتظر، العربات كلها محشورة بالبشر، أهو يوم القيامة حين يقوم الموتى أفواجا؟ في ~~طفولتي لم أتصور الموتى ينهضون من القبر، أيمكن أن يكون هناك حياة أخرى غير هذه الدنيا؟! ~~مات المنيسي وهو في العشرين من العمر، مر سريعا عبر العالم مثل طيف أو خيال، أتكون الحياة ~~حلما قصيرا نصحو منه بعد الموت؟ بدت الحياة الدنيا خيالا والحياة الأخرى هي الحقيقة، كان ~~عقلي يتلاشى مع المنيسي مرتين، مرة في الدنيا ومرة أخرى بعد الموت. # كان يوما طويلا حزينا، خرجت في الصباح دون فطور، أقبل الليل وأنا واقفة عند المحطة، ~~أسند ظهري إلى العمود المرشوق في الأرض، أفقت على صوت ينادي اسمي: زميلة نوال. تعرفت على ~~وجهه، عمران عبد الموجود زعيم الإخوان واقف أمامي بلحمه ودمه، بجسمه المربع داخل البدلة ~~الضيقة، الصديري ms263 تتدلى منه سلسلة الساعة الفضية، يقف على الرصيف مائلا بجذعه ناحية اليمين، ~~واضعا يده اليسرى في جنبه، يده اليمنى ممدودة نحوي تقبض على ورقة صغيرة مطوية، شفتاه ~~الممتلئتان منفرجتان، يبتسم لقوة ما في السماء، وقف صامتا في هذا الوضع بضع ~~ثوان دون أن ينظر إلي، عدسة سحرية في الفضاء تلتقط له صورة، ثم ناولني الورقة وهو يقول ~~بصوت مرتبك قليلا: «الرسالة دي لك يا زميلة نوال.» # صعدت إلى الأتوبيس وسط الزحام، شققت طريقي بين الأجساد المنهوكة في العمل طول اليوم، ~~العرق يفوح من الملابس القديمة المبقعة بالزيت، يقفون الجسد ملاصق للجسد، معلقون مثل شرائح ~~السردين في العمود الحديدي في السقف، احتل جسدي بين أجسادهم مكانه، رغم الزحام لا أحد منهم ~~يلتصق بي، وإن مال الأتوبيس فجأة يحرصون على عدم ملامستي، عيونهم مطرقة إلى الأرض، وجوههم ~~شاحبة ممصوصة مثل أقاربي الفلاحين في كفر طحلة، إلا أنهم يحترمون المرأة أكثر من الأفندية ~~أو البهوات ذوي البدل الإفرنجية، أهو احترام حقيقي أم مجرد خوف دفين نابع من الفقر؟! # هبطت في المحطة أول شارع الهرم، اجتزت الكوبري الصغير فوق ترعة الزمر، شارع الترعة مظلم ~~بلا مصابيح، حي العمرانية يرقد في أول الليل كأنما منتصف الليل، لا أسمع إلا وقع قدمي على ~~الأرض، سؤال يدور في عقلي، هل أفتح الحقيبة وأقرأ الرسالة المطوية؟ في أعماقي شيء يزهو، ~~الأنوثة الكامنة منذ الطفولة كالعملاق النائم، كالمارد الراقد في سبات عميق، يصحو فجأة ويطل ~~برأسه يفحص وجوه الرجال، يبحث عن وجه معين مصنوع من مادة الخيال، لا يشبه أحدا من الطلبة ~~وخاصة ذلك الزعيم الإخواني، يده صغيرة، قبضة مملوءة باللحم، جسمه سمين بلا عظام مكبوس داخل ~~البدلة، عيناه تنظران في الفراغ مملوءتين بالفراغ، ماذا كتب لي في الرسالة؟ # كان أبي جالسا في الصالة وأمي تحضر لي العشاء، حكيت له عن حفل التأبين، سمعت صوت أمي من ~~المطبخ تقول: مسكين المنيسي ضيع حياته على الفاضي، صمت أبي طويلا ثم قال: أبدا يا زينب مش ~~على الفاضي، الإنجليز مش خايفين ms264 إلا من الفدائيين والنحاس باشا شرابة خرج! # أردت أن أسأل أبي: هل يبقى المنيسي خالدا في التاريخ؟ كلمة الخلود في عقلي مقدسة مثل ~~كلمة الله، الوطن، التضحية، الفداء، التاريخ. الكلمات المقدسة أحفظها عن ظهر قلب، تروح ~~وتجيء في رأسي وأنا جالسة إلى المائدة. # ثم وضعت أمي أمامي صحن مرق الدجاج ساخنا يتصاعد منه البخار، والنكهة تسربت من البخار إلى ~~الصدر والرئتين، والقلب والمعدة ثم صعدت إلى خلايا المخ، حيث كانت الكلمات المقدسة لا تزال ~~تروح وتجيء محدثة رنينها البراق، الذي بدأ يجف ويشحب إلى جوار نكهة مرق الدجاج. # بعد تناول الطعام ثقلت جفوني بالنوم، ثم تذكرت الرسالة المطوية في اللحظة الساقطة بين ~~اليقظة والغيبوبة، في هذه اللحظة تصحو الذاكرة لا أعرف كيف، عادت إلي أحداث اليوم كشريط ~~سينما يعود إلى الوراء، رأيت عمران عبد الموجود زعيم الإخوان واقفا أمامي، يده اليمنى ~~ممدودة نحوي تقبض على ورقة صغيرة مطوية، بأصابع نصف نائمة وأنا في السرير، نصف صفحة من ورق ~~الكشاكيل المسطر: «قبل أن أسمعك في حفل تأبين الشهيد المنيسي كنت أؤمن بالله والوطن ونفسي، ~~لكن الآن أصبحت أومن بك قبل نفسي.» # بدت الرسالة بريئة لوجه الله والوطن، أعطيتها لأبي ولأمي، كنت أزهو بها، ها هو مخلوق يؤمن ~~بي بعد الله والوطن مباشرة، كأنما صعدت إلى درجة واحدة عالية، في مستوى الله والوطن أو ~~بعدهما بدرجة واحدة أو نصف درجة، مع ذلك لم يخفق قلبي له خفقة واحدة، كنت ألتقي به أحيانا ~~في فناء الكلية، يصافحني بتلك اليد الصغيرة القبضة الطرية، يكلمني وعيناه شاخصتان إلى ~~الفراغ، تخرج قبلي بعامين أو ثلاثة، أصبح طبيبا لأمراض النساء، بعد انفصالي عن أحمد ~~تقدم لي، لم أتصوره زوجا، لم أتصور يده الصغيرة القبضة الطرية تلامسني، وإن تصورتها تسري ~~في جسدي قشعريرة، كأنما هي يد حيوان مائي ذو ذنب قرموط من السمك، ثم مضت عشرون سنة قبل أن ~~أراه على شاشة التليفزيون، أصبح في عهد السادات داعية إسلاميا كبيرا، سافر إلى أرض ~~الحجاز أو السعودية وعاد محملا ms265 بالذهب والفضة، اشترى قصرا كبيرا في مصر الجديدة، وجامعا ~~في مصر القديمة، ثم مضت عشرون سنة أخرى قبل أن ألتقي به في زيورخ في المؤتمر الدولي ~~للأديان، قدم بحثا طويلا عن الإسلام والديمقراطية، بعد أن ألقيت كلمتي جاء إلي وصافحني، ~~يده لم تتغير منذ أربعين عاما، قبضة صغيرة طرية ندية بالعرق، وجهه تغير كثيرا، أصبح ~~شاحبا متهدل العضلات، شعر رأسه سقط، نما الشعر فوق وجهه وذقنه، طالت لحيته حتى لامست صدره، ~~يقف على المنصة بالطريقة نفسها منذ كان طالبا بالكلية، يميل بجذعه ناحية اليمين، يده ~~اليسرى في جيبه، يده اليمنى تتحرك في الهواء، يتوقف صامتا عن الكلام لحظة أو بضع لحظات، ~~شاخصا في الفراغ كأنما عدسة سحرية في السماء تلتقط له صورة. # عاد أحمد من القنال إلى الكلية، عاد شخصا آخر يخفي عينيه وراء نظارة سوداء داكنة، وجهه ~~أصبح طويلا شاحبا، متهدل الملامح منكسرا كالأسد الجريح، كانت هزيمة مفجعة له ولكل ~~الفدائيين، الشتاء كان باردا مليئا بالغيوم، ريح باردة قادمة من الشمال تضرب رءوس ~~الأشجار، النسوة بالجلاليب السود يولولن وراء الميت، ملاعب الكلية مهجورة والبوفيه مغلق، عم ~~محمود مريض في بيته، على الدكة الخشبية في ملعب التنس نجلس، الحزن يغلف الكون، سحابة سوداء ~~تحجب الشمس، يصمت أحمد طويلا شاردا، يدوي الصمت في أذني مثل صفارة وابور الطحين في منوف، ~~جرس الترام يصلصل في شارع قصر العيني مثل صراخ النسوة، صوت الأذان من فوق مئذنة الجامع ~~يتصاعد داخل السحب، قطرات المطر تبلل الدكة الخشبية، أتحسسها بيدي أمسحها بمنديلي الأبيض، ~~حول إصبعي يلتف خاتم الخطوبة من الذهب، محفورا عليه اسم أحمد حلمي، يشع ضوءا رفيعا ~~نحيلا في كون مظلم، ناعم حول إصبعي كالخيط الحريري، له كثافة مادية في عالم من الخيال، ~~رفيع كالشعرة له متانة الذهب يربطنا معا حتى الموت. # الهزيمة كالموت، لم يكن ينسى الهزيمة، الدم المراق على أرض القنال، صوته يسري في أذني رغم ~~مرور أكثر من أربعين عاما: «تصوري يا نوال إحنا الفدائيين اللي كنا بنحارب الإنجليز في ~~القنال ms266 أصبحنا مطاردين من البوليس مثل المجرمين!» # هذه العبارة محفورة في ذاكرتي، سمعتها لأول مرة في حياتي من أحمد حلمي في أول الشتاء بعد ~~حريق القاهرة في 26 يناير 1952م، وسمعتها للمرة الثانية في نهاية عام 1956م بعد الاعتداء ~~الثلاثي على مصر وتطوع الأطباء في جبهة القتال من بورسعيد إلى الإسماعيلية والسويس، وسمعتها ~~للمرة الثالثة بعد حرب 6 أكتوبر 1973م، في كل أزمة يمر بها الوطن ويهب الشباب للتطوع ~~والفداء تحدث المأساة؛ يتحول الفدائيون من أبطال وطنيين إلى مطاردين من البوليس، يدخلون ~~السجون أو يهربون أو يهاجرون، إلا من يستسلم منهم ويدخل حظيرة الحكومة أو السلطة الحاكمة ~~كما تدخل الزوجة إلى بيت الطاعة. ~~••• # في هذا المنفى البعيد وراء البحر والمحيط، وعلى بعد أكثر من أربعين عاما، يعود إلي ~~الصوت يحكي قصة الشاب الفدائي في نهاية 1951م وبداية 1952م قبل حريق القاهرة، صوت أحمد ~~المنيسي وغيره من الشهداء، الجنود المجهولون في التاريخ، وهم أجدر بأن يعرفهم الناس، أن ~~يحفظوا أسماءهم ويعرفوا قصصهم أكثر من قصص الملوك والحكام أو رؤساء الدول والحكومات، الذين ~~يتربعون على العرش في الدنيا والتاريخ، في القصور فوق الأرض وفي جنة الخلد، الفدائيون ~~يموتون وتضيع أسماؤهم وحكاياتهم، ألهذا السبب كرهت حصص التاريخ في المدرسة؟! فضلت تشريح ~~الصراصير والضفادع على قراءة حياة الملوك وغزواتهم. # من هذه المسافة البعيدة عن الوطن، يعود إلي صوته رغم انقضاء أربعة وأربعين عاما، يحكي ~~الحكاية كما حدثت على أرض القنال، حيث ترك كلية الطب ولقب «دكتور» ليحمل لقب ~~«فدائي»: # بعد إلغاء المعاهدة في أكتوبر 1951م أصبح الكفاح المسلح واجبا وطنيا، قرأت في مجلة روز ~~اليوسف مقالات لإحسان عبد القدوس يدعو الشباب للتطوع للعمل الفدائي لطرد الإنجليز من قناة ~~السويس، ذهبت إلى إحسان عبد القدوس في مكتبه بالمجلة ومعي مجموعة من اثني عشر طالبا ~~جامعيا يريدون التطوع، أرسلنا إحسان عبد القدوس لعزيز المصري، كانت له ميول ألمانية من ~~أيام الحرب العالمية ويكره الإنجليز، كان عزيز المصري حذرا لم يمنحنا الثقة في أول لقاء، ~~كانت الحكومة المصرية ms267 ترسل إليه جواسيس الحكومة أو الملك، قابلنا عزيز المصري عدة مرات حتى ~~تأكد أننا لا نعرف شيئا عن البوليس السياسي وليس لنا صلة بجواسيس الحكومة أو الملك، أرسلنا ~~عزيز المصري إلى وجيه أباظة، تدربنا على السلاح في قشلاقات العباسية، وصل عددنا حوالي ~~ثلاثين فدائيا، قابلنا أشخاصا آخرين مع وجيه أباظة، منهم أنور السادات ومجدي حسنين، ~~تدربنا على الدبابات، إحكام التصويب، الضرب بالدشم، أصبحنا كتيبة فدائية مستعدة للسفر ~~للقنال، المسئول العسكري عنا كان اسمه بهاء، المسئول الإداري كان اسمه سعد زغلول فؤاد، من ~~أفراد كتيبتنا عزت المصري من الفيوم، عباس الأعسر من الشرقية، وسمير رضا كان عمره ثمانية ~~عشر عاما، وزميل آخر اسمه رزق، وآخرون نسيت أسماءهم، استلم كل منا سلاحه، حملت مدفعا ~~رشاشا من نوع «تومي جان» يضرب رصاص 9 ميللي، زملائي الآخرون حملوا رشاشات «ستين» وقنابل ضد ~~الدبابات «بريجا» وقنابل يدوية وبنادق، أول عملية خرجت فيها كانت في منطقة بالقرب من التل ~~الكبير اسمها المحجر، منطقة غنية بالفحم تحوطها حراسة إنجليزية مشددة، كانت الخطة تهدف ~~لتفجير معسكر الإنجليز في المحجر والعودة بأسرى أحياء منهم، تلقينا أوامر كالآتي: الزحف على ~~بطوننا مسافة نصف كيلو متر بين التل الكبير والمحجر، فوهة السلاح تكون إلى أعلى بعيدة عن ~~التراب، نتخذ الكمين في بطن الترعة عند الكوبري الصغير، ننتظر حتى يبدأ بهاء رئيس الفرقة ~~الإشارة، وهي إلقاء قنبلة على فرقة الحراسة الإنجليزية، بعدها نبدأ إطلاق النار وتنفيذ ~~الخطة، إلا أن كل هذا لم يحدث، فوجئنا بسماع صوت فرقعة غير متوقعة، وبدأ كشاف ضخم يدور مثل ~~قرص الشمس وفوقه شيء أشبه بالبرج، تحول الليل فجأة إلى نهار من شدة الضوء، يدور مع الكشاف ~~رشاش يضرب علينا رصاصا قبل أن نطلق نحن النار، كان شيئا مفاجئا لنا، لس عندنا علم بوجود ~~هذا الكشاف، وليس عندنا أوامر كيف نتصرف معه، لكن الفدائي المتعلم في الجامعة غير الجندي ~~العادي؛ ولهذا تصرفنا على مسئوليتنا، كان إلى جواري في الكمين سمير رضا، ضربنا النار فورا ~~في عين الكشاف ذاته، ms268 لم يكن أمامنا شيء آخر نفعله لإنقاذ حياتنا، شعار الفدائي (اضرب ~~واجر)، لا تسمح لهم أن يقتلوك أو يأخذوك أسيرا ... اكتفينا بتحطيم الكشاف وانسحبنا دون ~~تحقيق الهدف الأول من العملية، رجعنا زاحفين على بطوننا نشعر بفشل العملية، بعد يومين قمنا ~~بعملية ناجحة عوضنا بها الفشل، كانت العملية على طريق المعاهدة الذي يصل إلى الإسماعيلية، ~~عرفنا أن سيارة محملة بالذخيرة في طريقها للقوات الإنجليزية في الإسماعيلية، رابطنا على ~~الضفة الأخرى من ترعة الإسماعيلية، كنا خمسة من الفدائيين، لمحنا سيارة الذخيرة قادمة على ~~الطريق، أمامها عربة عسكرية واثنان من الموتوسيكلات، انتظرنا حتى أصبحت أمامنا فضربنا ~~النار، انفجرت السيارة وانسحبنا دون خسائر في الأرواح أو السلاح، تشجعنا وفجرنا سيارة أخرى ~~كانت تقل القائد الإنجليزي لمنطقة الشرق الأوسط، ضربنا السيارة ونجحت العملية، لكن قائدها ~~بهاء أصيب في قدمه برصاصة ورجع بدون سلاحه، لم نفرح للأسف بهذه العملية، فقد مات زميل لنا ~~دون داع، اسمه عباس الأعسر كان معي في مجموعتي، وكنا نسكن في بيت ريفي من الطوب النيء مثل ~~معظم البيوت في القرى الفقيرة، بدأ أحدنا اسمه رزق ينظف سلاحه، تومي جاك 9 ميللي، فجأة ~~انطلقت رصاصة من مدفعه وهو ينظفه واخترقت جدار الصالة حيث كنا نجلس، ثم انطلقت إلى الجدار ~~الثاني للغرفة الداخلية اخترقته ونفذت إلى الحائط الثالث للغرفة الأخرى حيث كان يجلس عباس ~~الأعسر مسندا رأسه إلى الحائط، دخلت الرصاصة إلى رأسه وخرجت من الناحية الأخرى، شيء أغرب ~~من الخيال، كان قائدنا بهاء غير موجود، وكنت أتولى القيادة في غيابه، سمعت الطلقة وجريت ~~لأتبين ماذا حدث في الغرفة، داخل الغرفة الداخلية رأيت عباس الأعسر في غيبوبة كاملة، طلبنا ~~الإسعاف لكنه مات داخل سيارة الإسعاف، في الليلة السابقة كان معنا عباس الأعسر حين نجحنا في ~~تفجير سيارة القائد العام الإنجليزي وعدنا جميعا سالمين، فكيف نفقد زميلنا عباس الأعسر في ~~البيت بهذا الشكل العبثي لمجرد أن رزق كان ينظف سلاحه؟ أصاب الغضب الشديد أفراد الكتيبة ~~وصمموا على عقاب رزق بالطرد، كان علي أن أنفذ ms269 هذا القرار بصفتي القائد، كنت أعرف أن رزق ~~تسبب في موت عباس دون قصد، إن الرصاصة اخترقت ثلاثة جدران لتدخل في رأس عباس، مهزلة أو ~~سخرية القضاء والقدر، إلا أن الخبر وصل إلى القاهرة، في اليوم التالي جاء وجيه أباظة ومعه ~~والد سمير رضا، هكذا فقدنا سمير أيضا، أخذه أبوه معه إلى القاهرة، قال له إن أمه أصابها ~~مرض القلب من شدة القلق عليه، انخفضت الروح المعنوية بعد فقدان عباس الأعسر وسمير، لكننا ~~واصلنا العمليات الفدائية، أحد أغنياء الصعيد اسمه لملوم عبد الرحمن لملوم كان يمدنا ~~بالذخيرة والسلاح، له أرض في الفيوم استطاع فيما بعد أن يحمينا من البوليس والحكومة، ثم ~~تلقينا الأوامر بتغيير محل إقامتنا فورا، لقد كشف الإنجليز مواقع الفدائيين ويستعدون لحركة ~~تمشيط واسعة، حملنا سلاحنا وسرنا في الصحراء لا نعرف إلى أين، لم تأت إلي أي أوامر عن ~~المكان الأمين الذي نتجه إليه، سرنا في الصحراء ثلاثة أيام ولياليها هي أيام التيه الأعظم ~~كما سميناها، فقدنا الطريق وأشرفنا على الموت من شدة العطش، قابلنا قافلة من البدو الرحل ~~أنقذونا، بحثنا عن موقع جديد نمارس منه العمل الفدائي، كان هناك رجل وطني اسمه عبد الحميد ~~صادق، كان يورد العمال المصريين للجيش الإنجليزي، لكنه انضم إلى العمل الفدائي وأصبح يشجع ~~العمال على سرقة الأسلحة من الإنجليز وإعطائها لنا، تشجعنا وتحسنت حالتنا المعنوية، تزايد ~~عددنا بوصول كتائب جديدة من الإخوان المسلمين والشيوعيين وبعض الشباب من حزب الوفد، استمرت ~~عملياتنا ضد الإنجليز حتى يوم 26 يناير 1952م يوم حريق القاهرة، دبر الإنجليز الحريق للقضاء ~~على العمل الفدائي، هل استخدموا حزب مصر الفتاة أو أحمد حسين؟ هل دخل فيها أعوان وجواسيس ~~الملك؟ لماذا تخلت حكومة الوفد عنا تماما بعد أن كانت تشجعنا؟ وزير الداخلية فؤاد سراج ~~الدين لماذا لم يؤمن مدينة القاهرة؟ كان عنده من رجال البوليس ما يكفي تأمين جبهة القتال ~~في مدن القنال أيضا، لكنه ترك القاهرة تحترق، وأصبحنا نحن الفدائيين بلا حماية، جاءتنا ~~أوامر غريبة من وجيه أباظة تقول: ms270 كل مجموعة تدافع عن نفسها وتحمي نفسها لا تحاولوا الاتصال ~~بنا أو الحكومة، أصبح ظهرنا مكشوفا وقائدنا بهاء عاد إلى القاهرة وحده، عرفنا أنه في ~~البوليس السياسي، أصبحنا وحدنا في مواجهة الإنجليز، اختبأنا في منطقة اسمها العباسة، سلاحنا ~~فوق أكتافنا، لا يمكن لمن حمل السلاح أن يتنازل عنه بسهولة، قررنا الاستمرار في العمل ~~الفدائي بدون معونة الحكومة، كان معنا الأهالي والفلاحين والبدو، لكن الناس بدأت تخاف بعد ~~حريق القاهرة، والفلاحون والبدو جاءتهم أوامر من البوليس بعدم حماية الفدائيين، بدأ شعور ~~الأهالي يتغير نحونا، والخوف يتزايد ويمنعهم من حمايتنا، هكذا أصبحنا معزولين تماما بلا ~~سند من أحد، بدأ الإنجليز حركة تمشيط للقضاء علينا، كدنا نسقط أسرى في يد نقطة تفتيش ~~إنجليزية، استطاع زميلنا الذي كان يقود سيارتنا واسمه إسماعيل رضا أن ينقذنا، فقد لمح على ~~بعد 10 أمتار منه مدفعا رشاشا ونقطة تفتيش إنجليزية، رجع إسماعيل بظهر السيارة حوالي ~~ثلاثة كيلو مترات، يمكن لو أطلقوا النار أن يصيبونا جميعا لكنهم لم يطلقوا النار، ربما ~~أرادونا أحياء وليس أمواتا، أو ربما كانت لديهم أوامر ألا يطلقوا النار إلا للضرورة حتى ~~لا يثيروا الأهالي ضدهم، كان غضب الأهالي قد تزايد بعد حريق القاهرة، إلا أن الخوف كان أشد ~~من الغضب، وأخيرا اجتمعنا وقررنا إنهاء العمل الفدائي والعودة إلى القاهرة، حيث وجدنا ~~حكومة جديدة، والأوامر باعتقال الفدائيين وتسليم سلاحنا للبوليس، اختفينا في الفيوم داخل ~~مغارة في منطقة أثرية اسمها هرم اللاهون، حاولنا الاتصال بوجيه أباظة دون جدوى، عزيز المصري ~~اختفى، بهاء عاد إلى البوليس السياسي، اكتشفنا غلطة عمرنا، وهي أن العمل الفدائي يبدأ في ~~الداخل، ضد العدو الداخلي، ثم يتفرغ للعدو الخارجي؛ لأن العدو الداخلي يمكن أن يضربنا في ~~الظهر وفي البطن ويقضي علينا تماما، كما حدث، وأصبحنا في نظر الحكومة مطاردين مثل قطاع ~~الطرق، نرقد في مغارة في جبل اللاهون، يتسلل واحد منا في الظلام ليجلب لنا بعض الطعام، دفنا ~~سلاحنا في بطن الأرض، وقلنا لا يمكن أن نسلمه لحكومة خائنة، كنت أنام ms271 وأحلم أني أحارب ~~الإنجليز، في اليقظة أستعيد ذكريات القنال، في يوم خرجنا في إحدى العمليات الناجحة، فجرنا ~~معسكر الإنجليز وعدنا إلى البيت سالمين، لكن اكتشفت أن زميلا لنا غير موجود، كان الواجب أن ~~أخرج إلى الطريق وأبحث عنه حتى أجده وإلا عثر عليه الإنجليز أسيرا، وعن طريق تعذيبه يكشفون ~~مواقعنا، مشيت في الليل وحدي بدون المجموعة أبحث عن زميلنا، كان الفجر لم يطلع بعد وأنا ~~أزحف الطريق كله عائدا حيث كنا، نصف جسمي كان في الأرض والنصف الآخر في الطين ومياه ~~الترعة، أخفي سلاحي في صدري أحميه من التلوث، سلاحي كان أغلى من جسدي، مدفع رشاش تومي جام 9 ~~ميللي، أخيرا عثرت على زميلنا، كان غارقا في النوم في بطن ترعة الإسماعيلية وسلاحه نائم ~~فوق صدره يحوطه بذراعيه كالأم تحتضن طفلها، جلست إلى جواره أتأمله وهو نائم يحلم بتحرير ~~الوطن، عمره كان عشرين عاما مثل عمري وكل الفدائيين، لم يكن يدور بخيالنا أننا كنا فريسة ~~بين الحكومة والملك والإنجليز، وان قيادتنا التي سلمناها حياتنا مثل بهاء ووجيه أباظة وعزيز ~~المصري وأنور السادات ومجدي حسنين، هؤلاء جميعا تركونا وحدنا نواجه مصيرنا تحت رصاص ~~الإنجليز أو مغارات جبل اللاهون، وجميعهم حصلوا على مناصب عالية في الدولة ودخلوا التاريخ ~~على أنهم الأبطال الذين طردوا الإنجليز وقاموا بالثورة، أما نحن الذين حملنا السلاح وحاربنا ~~فقد أصبحنا مطاردين مثل المجرمين. ~~••• # قبل حريق القاهرة انتقلت من مرحلة المشرحة في الكلية إلى مرحلة المستشفى، نقوم نحن الطلبة ~~والطالبات بالمرور على عنابر المرضى نتدرب على الفحص وتشخيص الأمراض، بعد الحريق في 26 ~~يناير 1952م أصدر الملك فاروق قرارا بإقالة النحاس وحكومة الوفد، بدأت الحكومة الجديدة في ~~ضرب الحركة الوطنية والعمل الفدائي، امتلأت الزنازين بالشباب الوطني من مختلف الاتجاهات، ~~الإخوان المسلمين، الشيوعيين، الوفديين، الشباب من اتحاد العمال والنقابات والطلاب ~~المستقلين والفدائيين العائدين من القنال، ثم إعلان قانون الطوارئ، صدر قرار بحل اتحاد ~~العمال، غرقت مدينة القاهرة في الظلمة والصمت، رائحة الدخان تفوح من الجدران السوداء ~~المتفحمة في قلب المدينة. ms272 # ثم جاء يوم 23 يوليو 1952م، كنت في حصة المرور على عنبر الجراحة في مستشفى قصر العيني ~~الجديد، الأستاذ قصير القامة نحيف الجسم، عيناه الواسعتان تطلان من وراء النظارة البيضاء ~~تحت جبهة عريضة تصل إلى منتصف الرأس أو أكثر يسمونها الصلعة، صوته خافت، ملامحه خافته بلا ~~جاذبية للعين أو الأذن إلا النحافة الشديدة أو الهزال، يشبه المهاتما غاندي زعيم الهند، ~~الوجه الناحل والعينان الكبيرتان تطلان من تحت العدسات البيضاء الكبيرة. # كان يلقي علينا محاضرة طويلة عن سرطان المثانة، مريض راقد فوق السرير، عظام وجهه بارزة من ~~شدة الهزال، أكثر هزالا من غاندي، يلتف حوله الطلبة يتنافسون على فحصه، خراطيم سماعتهم ~~ممدودة نحو الجسد النحيل، تتلوى وتتعارك فوقه كخراطيم الذباب من حول قطعة لحم، رائحة الدم ~~والصديد العفن تبعثان على الغثيان، أقف في الصفوف الخلفية مكتوفة الأيدي، أتلفت حولي في ~~العنبر الواسع، وجوه المرضى الناحلة الشاحبة تطل من فوق السراير، فلاحون فقراء كلهم، جاءوا ~~من قرى تشبه قريتي كفر طحلة، دودة البلهارسيا تمص دماءهم، لا يبقى منهم إلا القليل يمصه ~~الأطباء الكبار في العيادات الخاصة، ثم ينتهي بهم المطاف فوق السرير في قصر العيني، تقضي ~~عليهم أصابع الطلبة في حصص التدريب، يخرجون من المستشفى إلى المشرحة، أو يحملهم النعش إلى ~~القبر، تولول من خلفهم النسوة بالجلاليب السود. # بعد انتهاء الحصة خرجنا من العنبر، كانت معي الزميلتان بطة وصفية، خرجنا إلى الممر ~~الطويل، له نوافذ كبيرة تكشف النيل، التراب يغطي النوافذ والزجاج مكسور، أتوقف لحظة لأستنشق ~~الهواء النقي، أغسل الرئتين من أدران المرض والجراثيم، تتعلق عيناي بالأفق، أشعة الشمس ~~تتموج فوق مياه النيل، سبائك من الذهب، قلبي يئن رغم الطبيعة المملوءة جمالا وفرحا، كأنما ~~الحزن لا يظهر إلا بجوار الفرح، لا أعرف لماذا يغمرني الحزن دائما في لحظة الفرح، أهو ~~الحزن المتراكم منذ ولدت؟ أم هذه الآلام التي تحوطني كل صباح في عنابر المرضي؟ أم هو غياب ~~أحمد عن الكلية؟ لم أكن أعرف أين هو، في السجن مع المعتقلين؟ أو جثة مقتولة ms273 على شط ترعة ~~الإسماعيلية؟ أو داخل مغارة في جبل اللاهون؟ # فجأة رأيت المرضى يندفعون خارج العنابر يهتفون: تحيا الثورة، كان الراديو قد أذاع الخبر، ~~استولى الجيش على الحكم في مصر وانتهى عصر الملك فاروق، سمعوا الخبر وهم راقدون فنهضوا من ~~المرض، كأنما هي وجوه الجثث في المشرحة، نهضت من الموت، أصبحت تتحرك وتمشي، تفتح أفواهها عن ~~آخرها وتهتف: تحيا الثورة، شاب مبتور الساقين في الحرب قفز من فراشه بدون ساقين بدون ~~العكازين، كان يهتف تحيا الثورة. # من عنابر الرجال انطلق الهتافات، من عنابر النساء انطلقت الزغاريد، اندفع الجميع إلى ~~الخارج، المرضى والمريضات بالجلاليب الدمور والشباشب، الممرضات والتمورجية بالمرايل البيضاء ~~والصنادل، أطباء الامتياز والنواب بالمعاطف والسماعات حول الأعناق، الطلبة والطالبات ~~وتلميذات التمريض وعمال المراحيض والمطبخ والمغسل والمشرحة، جميعهم اندفعوا إلى الشارع ~~يهتفون: تحيا الثورة. # أصبح جسدي يندفع معهم وصوتي يهتف مع أصواتهم، صفية أيضا رأيتها تجري معنا وتهتف: تحيا ~~الثورة، بطة فوق كعبها العالي الرفيع يطرقع مع صوتها الجاد تصيح: تحيا الثوغة (الثورة)، ~~توقفت جنازة ميت خارج من المستشفى، وضع الرجال النعش فوق الرصيف وانطلقوا مع الناس يهتفون: ~~تحيا الثورة، تحولت ولولة النسوة الثكالى إلى زغاريد. # في تلك اللحظة كنت أبحث عن أحمد حلمي، أبحث عن وجهه بين الوجوه، أريد أن شاركه الفرح، كان ~~مقبلا من فوق الكوبري الصغير بين المستشفيين القديم والجديد، خرج من المخبأ في جبل ~~اللاهون، كانت الثورة هي الأمل الجديد، لأول مرة في حياتنا نتعانق بالأذرع، اكتشفنا أن لنا ~~أذرعا يمكن لها العناق، لم يكن لنا إلا الأيدي في المصافحة، بعد الزواج والمشاركة في ~~الفراش لم يكن جسدي يهتز كما كان يهتز في المصافحة، لم أعرف لماذا، أهو الخيال الجامح في ~~الحب يضاعف المشاعر، أم أن «الجنس» مخيب للآمال مثل العمل الفدائي؟ # في العناق الأول أحسست أن أحمد ليس هو أحمد، لم أعرف ذلك بعقلي، عرفته بالأعمق، بالأصدق، ~~بإحساس الجسد الفطري لم تلوثه العلوم، شيء فيه راح لم يعد، شيء فيه تركه على شط الإسماعيلية ~~وعاد وحده، ms274 أهو قلبه تركه هناك وعاد بلا قلب؟! إلا أننا نسير إلى شجرة الكافور، نتحسس حروف ~~اسمه واسمي داخل القلب المحفور، نتحسس الخاتم الذهبي في أصبعه وأصبعي منقوشا عليه اسمي ~~واسمه، الشيء المادي الوحيد في عالم من الهيولة والضباب، نمسكه بأصابعنا، نتشبث به كالغريق ~~يتشبث بقارب نجاة أو الأعمى يبحث في الظلمة عن خيط من ضوء. # في 26 يوليو اعتلى الملك فاروق اليخت الملكي لآخر مرة في حياته، كان واقفا داخل بدلته ~~البحرية البيضاء، فوق بحر الإسكندرية، سبحت فيه وأنا طفلة، صوت أبي في الفرندة البحرية ~~يهتف: يسقط الملك، سقط الملك وتشكل مجلس وصاية على ابنه الطفل أحمد فؤاد، ورث اسم جده، كنت ~~في الخامسة من العمر حين مات الملك فؤاد عام 1936م، جاء الصبي الصغير فاروق من بريطانيا ~~ليرث عرش أبيه، الهتافات في شوارع الإسكندرية تدوي، مات الملك يحيا الملك، الراديو يغني: ~~ملك البلاد يا زين يا فاروق يا نور العين، يطل الغلام الملك على الناس بوجه أبيض مستدير، ~~وجه طفل أصبح ملكا فجأة، لا يعرف شيئا عن دهاليز السياسة، حوطته القوى الثلاث كالسلسلة ~~الحديدية، القصر والإنجليز والأزهر، ثلاثة رجال هم أركان الحكم، أحمد حسنين، علي ماهر، ~~الشيخ المراغي، كان أبي يسميه الشيخ المرائي (بدل المراغي) أو الشيخ الأزعر (بدل ~~الأزهر). # كيف تحول الطفل إلى ملك مثل أبيه؟ إلى قاتل وعربيد كأبيه؟ واقفا في اليخت يلقي على مصر ~~النظرة الأخيرة، ملؤها الحزن أو الندم، ربما كان الأفضل له ألا يكون ابن ملك، كنت أسمع ~~الناس في قريتي يقولون: «السلطان من ابتعد عن السلطان.» أهناك مرض في السلطان يشبه ~~السرطان ؟! يأكل الخلايا السليمة، ينمو بشراهة وجنون حتى يأكل ذاته، بلغ به النمو ~~السرطاني أن يسعى لتناول التاج من يد الله ويكون خليفة المسلمين. # أسمع أبي يقول: إن الله ليس له يد أو لسان، فكيف تمتد يد الله حاملة تاج العرش لتناوله ~~للملك فاروق؟ أو الماروق كما سماه أبي، يحلو لأبي أن يكتشف التشابه في الحرف والمعنى، ~~فالنحاس هو النحاس حين ينظر ms275 بعينه اليمنى إلى الملك والعين اليسرى تفر بعيدا إلى الناحية ~~الأخرى، لم يسلم أحد من سخرية أبي إلا جمال عبد الناصر، أشار إليه في الصورة بإصبعه وقال: ~~«هو ده اللي فيهم لكن محمد نجيب مجرد يافطة.» ~~«محمد نجيب» أول حاكم مصري منذ الملك مينا في مصر القديمة، ملامح وجهه ريفية بسيطة تطفو ~~عليها ابتسامة خالية من الدهاء، صوته فيه بحة تقربه من قلوب الفقراء. # في بداية الثورة صدر قرار العفو عن المسجونين السياسيين، انفتحت أبواب الزنازين وخرج ~~زملاؤنا من حزب الوفد والإخوان المسلمين والمستقلون وغيرهم، إلا الشيوعيين لم يشملهم قرار ~~العفو، بقي داخل السجن شقيق صفية «سعد» وخطيب سامية «رفاعة»، أعلن زكريا محيي الدين «أحد ~~الضباط الأحرار» أن الشيوعيين مجرمون اجتماعيون وليسوا مجرمين سياسيين، مطت سامية شفتيها ~~بازدراء: «بقة دي ثورة يا نوال؟ دول شوية عساكر عملوا انقلاب وأمريكا معهم لتدخل مصر بدل ~~الإنجليز!» # تحديد الملكية الزراعية بدأ بمائتي فدان للأسرة، وخمسين فدانا لكل ولد أو بنت، ثم إلغاء ~~الألقاب والأحزاب وإسقاط النظام الملكي وإعلان الجمهورية في يوليو 1953م. # وجوه الناس في الشارع تغيرت، تغير الشارع، سقطت الحواجز بين الغرباء، كانوا يسيرون بوجوه ~~شاحبة عابسة كل في طريقه، لا أحد يبتسم لأحد، لا أحد يقول صباح الخير لأحد، أصبح الشارع ~~مثل البيت، الناس تكلم بعضها بعضا، يتصافحون دون سابق معرفة، يتساءلون عن الصحة وعن أخبار ~~الثورة، يهنئون بعضهم بعضا، يتناقشون في السياسة، يتنبئون ماذا يحدث غدا، يتوقعون كل يوم ~~قرارا جديدا. # في طريقي إلى الكلية ألتقط بعض تعليقاتهم على الأخبار: «أخيرا ربنا فرج علينا! حد كان ~~يصدق يا ناس إن عرش الملك ده كله يسقط في يوم وليلة؟! خلاص يا عم ما فيش حاجة اسمها باشا ~~ولا بيه! يعني هي كلمة «باشا» دي عربية؟ دي كلمة تركية يا عمي من أيام المماليك ~~والعثمانيين! يعني خلاص البلد اتحررت يا ناس؟ يعيش محمد نجيب يعيش!» # لم يكن للأحزاب القديمة أن تستسلم، لم يكن للباشوات وأصحاب الأراضي أن يتنازلوا عن ~~أملاكهم دون معركة، ms276 نشب الصراع بين القديم والجديد، تكتل القديم وراء محمد نجيب، كونوا جبهة ~~قوية تحت اسم الديمقراطية أو الحريات أو إعادة الأحزاب المنحلة، ضمت الجبهة قيادات الوفد ~~والإخوان والشيوعيين، بين الثلاثة عداء مشهود وبحور من الدم، في السياسة يتكتل الأعداء في ~~حلف واحد ضد عدو أكبر، في الغابة أيضا قد يتحالف القط والفأر ضد النمر أو الأسد. # لم يكن الأسد ظاهرا في الصورة، بدأت الثورة بصوت أنور السادات في الراديو، ووجه محمد ~~نجيب في الصحف، رأى أبي الأسد في الصورة واقفا إلى جوار محمد نجيب أشار إلى وجهه بإصبعه ~~وقال: «هذا هو القائد الفعلي للثورة يا نوال!» كان الناس يهتفون لمحمد نجيب ولا أحد يعرف ~~جمال عبد الناصر، سألت أبي: كيف عرفته؟ قال: عرفته من عينيه، عيناه تأملتهما في الصورة، ~~نفاذتان غائرتان تحت جبهة عريضة عظامها قوية، أنفه كبير بارز مقوس في الجانب، شفتاه رفيعتان ~~مزمومتان في ثورة أو غضب منذ الطفولة، ملامح محمد نجيب إلى جواره تبدو بريئة ساذجة ~~كالأطفال. # التقيت بجمال عبد الناصر أول مرة وجها لوجه في المؤتمر الوطني للقوى الشعبية عام 1962م، ~~كان أبي قد مات منذ ثلاث سنوات، الثورة في عنفوانها تحطم القلاع الإقطاعية وتعلن القرارات ~~الاشتراكية، ملامح عبد الناصر في الحقيقة أكثر جاذبية من الصور، عدسة الكاميرا لا تنقل ~~البريق في العينين، اللون البرونزي لبشرة بلون طمي النيل، القامة الطويلة الفارعة تشبه قامة ~~أبي وجدتي الريفية، انحناءة خفيفة وهو يمشي تذكرني بمشية أبي، أيحمل العبء ذاته فوق كتفيه؟ ~~يميل بهما إلى الأمام ويمشي بخطواته الواسعة، كأنما لا يحمل شيئا لولا هذه الانحناءة ~~الخفيفة، تذكرني بالعبء، كان يحمله أبي ليطعم تسعة من الأطفال وأمهم وأمه وأخته المطلقة في ~~القرية، العبء حملته بعد أبي. # لم يحمله أخي الأكبر، اجتمعت الأخوات والإخوة الصغار واتخذوا قرارا بعد موت أبي: ~~«الوصاية علينا تكون لأختنا نوال.» لم يكن معاش أبي يكفي الأسرة الكبيرة، كان علي أن أعمل ~~لأدبر مصاريف أخواتي في المدارس والجامعة وابنتي بعد الطلاق. # ألهذا زحف الشيب إلى رأسي ms277 وأنا في ربيع العمر؟ أم أنني ورثت الشعر الأبيض عن أبي كما ورثت ~~عنه العبء؟ في طفولتي كأنما أرى الشعرات البيض تزحف إلى شعره الأسود الغزير، فاحم بلون ~~الليل، لون شعري، تسري فيه الشعرات البيضاء كأنما خلسة، تشق سواد الظلمة كخيوط ~~الفجر. # تخرجت في كلية الطب في ديسمبر 1954م، الدراسة كانت ست سنوات ونصفا من الأشغال الشاقة، ~~محاضرات طويلة مملة تتلى علينا، نحفظها عن ظهر قلب ننساها بعد الامتحان، تعلق أسماء ~~الناجحين على السبورة في مدخل الكلية، العبقرية المفاجئة لأبناء الأساتذة تظهر، يحتلون ~~المراتب الأولى، يحصلون على المناصب العليا في المستشفى الجامعي والكلية، العرش يرثه الابن ~~عن الأب عن الجد، النظام الوراثي في المملكة المصرية وكليات الطب. # الانهيارات العصبية تصيب الطلبة في الامتحانات النهائية، الإدمان على المنبهات ~~«الآنفيتامجين» للسهر في المذاكرة، المنومات «الفاليون» لعلاج الأرق، ثم «الماكسيتون» ~~لليقظة في الامتحان، الأساتذة لا يرحمون المرضى الفقراء فهل يرحمون الطلبة أطباء المستقبل ~~المنافسين لهم في السوق؟! # كنت شديدة الانتباه للدروس، لا تفوتني محاضرة أو حصة في المعمل أو المستشفى، الأساتذة ~~والمدرسون يعبرون عن إعجابهم بهذه الطالبة النجيبة، أذناها عيناها حواسها الخمس تلتقط ~~الكلمة قبل أن تسقط من أفواههم، لا تغيب حتى في الإجازات، يرونها في عنابر المرضى تراجع ~~التشخيص والعلاج، خطوتها وهي تمشي سريعة مستقيمة لا تتلكأ في الفناء مع زميل أو أستاذ، لا ~~تتلفت حولها هنا أو هناك، كالسهم تنطق داخل الكلية وخارجها، قدماها لا تلتويان فوق الكعب ~~العالي، عيناها تنظران مباشرة في عيون الناس. # كان يدرس لنا في قسم الجراحة أستاذ مساعد أو مدرس اسمه الدكتور رشاد، أصابعه طويلة صلبة ~~كالمسامير الحديدية ينقر بها على صدور المرضى، يخرق بها الصدر أو البطن، يدوس بسماعته ~~المعدنية بين الضلوع كما يدوس بحذائه على الأرض، طفل كان هناك في العنبر مريض بالقلب، اسمه ~~مصطفى لا أنساه، ملامحه تشبه ابن عمتي نفيسة وكل أطفال القرية، عمره عشر سنوات، مثل عمري في ~~منوف وأنا أحلم بالحب الأول، بشرته سمراء بلون بشرتي، عيناه سوداوان واسعتان باتساع ms278 عيني، ~~مملوءتان بالبريق، انطفأ البريق بعد أيام من دخوله قصر العيني، كست عينيه سحابة من الحزن، ~~الألم يكتمه حين تدوس السماعات فوق صدره، أربعون أو خمسون سماعة أو أكثر، بعدد الطلبة ~~المتزاحمين حول السرير، المتنافسين على سماع الخشخشة في الدم، أو اللغط في صمام يرشقه ~~الدكتور رشاد بنظرة صارمة، إن رفض أن يخلع الجلباب يرتفع الصوت الآمر: «اقلع يا ولد لأقلعلك ~~عينك.» إن أصر على الرفض أو تردد قليلا هبطت اليد الحديدية فوق صدغه صفعة واحدة، يخلع ~~بعدها مصطفى الجلباب الفلاحي الباهت، ضلوعه صغيرة هشة تنتفض كضلوع الفرخ الصغير، تطقطق تحت ~~السماعات المعدنية، تنكسر بصوت مسموع للأذن، هل كانت الآذان كلها صماء؟! مسدودة بخراطيم من ~~الكاوتش، تتدلى من أعناقهم مع رأس السماعة الغليظ. # لم يكن اللغط مسموعا لآذانهم، محشوة بالصمغ ربما وذرات التراب المتراكمة في الشوارع، ~~ومدرجات الكلية وعنابر المستشفى والسنين ... يسلك الواحد منهم أذنيه بعود كبريت، ويظل ~~اللغط غير مسموع ... خافتا هامسا كحركة الدم داخل صمام القلب، كحفيف الهواء يلامس ورقة ~~وليدة في أول الربيع. # يخرج الدكتور رشاد من جيبه قطعة نقود فضية يلقي بها فوق المنضدة كمن يلقي الرهان في سباق ~~الخيل أو البورصة: «الشلن ده مكافأة لمن يقول لي ما هو نوع هذا اللغط.» هذه العبارة كلها ~~يقولها بالإنجليزية، الدراسة في كلية الطب لم تكن باللغة العربية، المراجع والكتب وأسماء ~~الأمراض وأنواع اللغط، وكل شيء باللغة الإنجليزية، حتى النكت، ويندفع الطلبة من جديد نحو ~~الطفل المريض، يدوسون على أقدام بعضهم، يتدافعون بالمناكب والأذرع والأكتاف، يضرب الواحد ~~منهم كوعه في بطن الآخر، يشق طريقه نحو الصدر المكشوف، رأس سماعته منتصب أمامه كالقضيب يلمع ~~سطحه المعدني مثل رأس الكوبرا يتلوى فوق خرطوم من الكاوتش يستقر في النهاية داخل الحفرة في ~~اللحم بين الضلوع، وتنطلق من الطفل صرخة لا يسمعها أحد. # لم يكن للطالبات مجال في هذه المنافسة، معركة بالأجساد فهل تدس البنت العذراء جسدها بين ~~الذكور لتسمع خشخشة في الدم أو تحصل على خمسة قروش؟ وكنت أقف في الصفوف ms279 الخلفية يتراءى لي ~~وجه الطفل من بين الأجساد، تلتقي عيناه بعيني، تتشبث عيناه كأنما بعيني الأم أو العمة أو ~~الأخت الكبيرة، يرمقني بنظرة استجداء طويلة تذكرني بعيني خروف العيد في طفولتي، كانت عيناه ~~ترمقاني من وراء جسد الجزار بنظرة الاستجداء نفسها، وكنت أقف صامتة عاجزة عن إنقاذه كما أقف ~~الآن. # في النوم تطاردني العينان، عينا الطفل المريض أو عينا الخروف المذبوح؟ متشابهتان واسعتان ~~دامعتان بلا دموع، تشوبه صفرة تطفو عليها شعيرات دقيقة بلون الدم. # ترمقني العينان في الظلمة، مفتوحتين بلا جفون بلا رموش، لا صوت، لا حركة، فقط هذه النظرة ~~الخرساء بذلك الاستجداء حتى أهب من النوم مبللة بالعرق. # كان الدكتور رشاد في قسم الجراحة يشبه الدكتور عمرو في المشرحة، يقف أمام الأستاذ رئيس ~~القسم مكتوف الذراعين، مكتوف الساقين، كالتلميذ المؤدب أو البنت العذراء، يختفي الرئيس ~~فيفرد الدكتور رشاد ذراعيه وساقيه، يتمشى في العنبر لاويا عنقه إلى الوراء كالطاووس أو ~~الديك الرومي، يقلد الأستاذ رئيس القسم في مشيته، في الطريقة التي ينطق بها الحروف، يقلب ~~حرف القاف إلى كاف كنوع من الرقة، أو الانتماء إلى الطبقات العليا المقلدة للأجانب، يضحك ~~بصوت عال في غياب الرئيس، مقلدا قهقهة الأساتذة، ملقيا برأسه إلى الوراء، عيناه تتجهان ~~نحو الطالبات: «الآنسات الكوارير (القوارير) ساكتين ليه؟ ما فيش واحدة فيكم عاوزة تكسب ~~الشلن؟ ياللا يا ست بطة شدي حيلك، وانتي يا ست صفية وانتي يا ست فوزية ويا ست سميحة ويا ست ~~نبيلة ...» ويأتي الدور علي، يهم أن ينطق اسمي بالسخرية نفسها لكنه يتوقف، لا أعرف لماذا، ~~كنت أرمقه بنظرة مشبعة بالغضب، كلمة القوارير ترن في أذني الجوارير أو الجواري، تشتعل عيناي ~~بنار سوداء أثبتها في عينه لا يطرف لي جفن. # لم أرفض في حياتي رجلا كما رفضت الدكتور رشاد، لم أكن أعرف أن الرجل ينجذب إلى المرأة ~~التي ترفضه، لا يهدأ حتى يرفض الرفض، معركة يخوضها حتى آخر نفس، يشهر فيها كل أسلحته الخمسة ~~عين، عمارة تطل على النيل في المعادي، عزبة في الشرقية، ms280 عيادة في ميدان الإسماعيلية، عربة ~~«شيفروليه» زرقاء طويلة يتهادى بها أمام محطة الأتوبيس، يراني واقفة، يوقف السيارة بجانب ~~الرصيف، يطل برأسه من النافذة: «تعالي يا نوال أوصلك.» أنتزع من عضلات وجهي ابتسامة: أشكرك ~~يا دكتور، لا يستسلم الدكتور رشاد لهذا الرفض المؤدب، يكرر الطلب: «تعالي أوصلك بدل زحمة ~~الأتوبيس.» أشكرك يا دكتور، شكرا يا دكتور، أهز رأسي بالشكر والرفض، وهو يكرر الطلب، يزداد ~~رفضي بازدياد إصراره، يزداد إصراره بازدياد الرفض. # في أعماقي كنت أرفضه، جسدي يرفضه حين يصافحني بيده كالقبضة الحديدية، عقلي يرفضه أيضا ~~والروح الكامنة في جسدي، الغامضة غموض الملائكة والشياطين، حتى اليوم لا أعرف لماذا رفضته ~~بهذا العنف. # لكن الكراهية كالحب تحدث بلا سبب، أو ربما ذلك السبب غير المدرك بالعقل، مثل الحقائق ~~الكبرى لا يدركها العقل البشري ومنها حقيقة وجود الله، وقد تشككت في هذه الحقيقة وغيرها من ~~الحقائق الكبرى، لكني لم أتشكك في مشاعري تجاه الناس، تتحدد مشاعري دائما في أول لقاء، ~~يحدث الحب أو الكره من النظرة الأولى للوجه، العينان نافذتان أطل داخلهما وأعرف الإنسان، ~~عظام الوجه مع الأنف والفم تستكمل الصورة، منذ كنت طفلة في السابعة حتى تجاوزت الستين من ~~العمر لم تتغير نظرتي لوجوه الناس، لم أفقد ثقتي في الانطباع الأول، النظرة الأولى تلهمني ~~أشياء كثيرة يعجز عنها العقل أو العقل الظاهر، لم أكن أعرف الكثير عن العقل الباطن، قرأت ~~شيئا مما كتبه سيجموند فرويد عن أجزاء العقل الواعية والأجزاء غير الواعية شيئا فشيئا مع ~~تزايد العلم بخلايا المخ وأسرار الخلية الحية، تجارب الحياة تكشف الحجاب أكثر من ~~العلم. # في صيف عام 1957م قبل وفاة أمي جاء الدكتور رشاد إلى بيتنا في حي العمرانية، تقدم لأبي ~~يطلب يدي، كان يوما حارا مليئا بالغبار، توقفت سيارته الزرقاء الشيفروليه أمام بيتنا، ~~أطلت عليها عيون الجيران من النوافذ، انبهرت بها النساء والرجال من عائلة أمي وأبي، وانفتح ~~بابها وخرج العريس طويلا ممشوقا داخل بدلة أنيقة بيضاء من الشاركسكن، كنت أكره البدل ~~اللامعة والأحذية اللامعة والشعر اللامع ms281 المدهون والدبوس اللامع في الكرافتة والفص اللامع ~~في الخاتم. # في غرفة الصالون جلس الدكتور رشاد، كل شيء فيه يلمع خاصة النظارة الزجاجية، ولا شيء فيه ~~منطفئ إلا العينين، أنظر في عينيه أبحث عن البريق، لم أعرف متى انطفأ البريق في عينيه؟ في ~~طفولته؟ في شبابه وهو طالب؟! أم مؤخرا بعد أن أصبح أستاذا مساعدا في كلية الطب؟! ~~- أهلا رشاد بيه. ~~- أهلا سعداوي بيه. # يتبادلان لقب البكوية رغم سقوط الألقاب منذ الثورة، الأب والعريس جالسان في الغرفة ~~الشديدة الإضاءة، تدخل الخادمة حاملة الصينية الفضية العتيقة، حملتها وأنا في العاشرة من ~~العمر وانقلبت فوق صدر العريس، تعثرت الخادمة في خيط السجادة العجمية، عتيقة أيضا منذ ليلة ~~زفاف أمي، بهتت ألوانها بمثل ما بهت وجه أمي، كادت الصينية تنقلب فوق بدلة الدكتور رشاد، ~~أفلتت من فمي ضحكة مسموعة وأنا جالسة في الركن، تذكرت طفولتي في منوف حين كانت تزورنا مس ~~إيفون، أمد قدمي وأخفي الثقب في السجادة، منذ الثورة لم أعد أخجل من مظاهر الفقر، لم أعد ~~أخفي عمتي الفلاحة عن أعين زملائي وزميلاتي. ~~- أهلا رشاد بيه. ~~- أهلا سعداوي بيه. # كنت أرتدي ثوبا قديما من قماش رخيص اسمه جباردين، لونه رمادي حزين، قلبي ثقيل مملوء ~~بالحزن، أبي عيناه تلمعان بالفرح، هذا هو الزوج المناسب لابنته الدكتورة، وليس الزوج ~~السابق، الطالب الفاشل أو الفدائي الموهوم. # لم تدخل أمي إلى غرفة الصالون، كانت في فراش المرض قبل وفاتها بثلاثة شهور، على طرف ~~السرير تجلس خالتي نعمات، جاءتنا في زيارة ذلك اليوم، تأملت الدكتور رشاد من شق الباب، ~~وعادت إلى أمي تشهق بالفرح: «زي القمر والله ودكتور أد الدنيا ... أي بنت في الدنيا تتمناه، ~~ليه بنتك نوال ترفضه يا زينب؟» ~~«مش عارفة يا نعمات اسأليها.» سألتني طنط نعمات ذلك اليوم: إيه عيب الدكتور رشاد يا نوال؟ ~~لم أعرف بماذا أرد، لم يكن فيه عيب واضح، «مش عارفة يا طنط مش باحبه.» تشوح طنط نعمات بيدها ~~في الهواء: «حب إيه وكلام فارغ إيه، أخدتي إيه من الحب ms282 يا بنتي غير إنك بقيتي ~~مطلقة.» # كلمة «مطلقة» اخترقت أذني بصوت طنط نعمات كالكلمة النابية، كان طلاق المرأة نوعا من ~~العار، المرأة المطلقة لا يتزوجها أحد، يقولون عنها امرأة نصف عمر تم استخدامها من قبل، إن ~~تزوجها أحد فهو يشرب من إناء شرب منه غيره، هكذا كان يكتب عبد الحليم عبد الله ويوسف ~~السباعي ونجيب محفوظ وغيرهم من الأدباء الرجال. # حاربت في البيت لأرفض الدكتور رشاد، كما حاربت من قبل لأتزوج أحمد، لم أكن أؤمن بالزواج ~~إلا لسبب واحد هو الحب، كلمة زواج أو عريس لها منذ طفولتي تاريخ سيئ، استطاع الحب أن يطمس ~~هذا التاريخ فأقدمت على زواجي الأول، إلا أن الحب عمره قصير كزهور الربيع، أو ربما هو ~~الزواج يفسد الحب، هناك شيء غير طبيعي في مؤسسة الزواج، أيكون هو قانون الطاعة؟ أول بند من ~~القانون يقول: الرجل يمتلك زوجته وهي لا تملكه، واجب الزوج الإنفاق وواجب الزوجة ~~الطاعة. # كلمة «الطاعة» ترن في أذني كالكلمة النابية، كنوع من السباب أو إحدى صفات العبيد، الناس ~~من حولي يقولون الطاعة فضيلة، وأنا أراها رذيلة، الطاعة معناها أن ألغي عقلي وإرادتي وأصبح ~~مطية للإرادات الأخرى، الطاعة معناها أن أفقد إنسانيتي وأتحول إلى فصيلة أخرى، يسمونها ~~الإناث، أو الزوجات المطيعات، أو الحيوانات المستأنسة في البيوت، لا ترفع الواحدة منهن ~~عينها في عين زوجها، واجبها الطاعة وواجبه الإنفاق. # كلمة «الإنفاق» ترن في أذني كالسباب، كلمة مهينة مشبعة بالإهانة، الإنفاق مقابل الطاعة، ~~الأسياد بالخدم والعبيد، أو علاقة الذكور بالإناث في بيوت البغاء، الرجل يدفع الفلوس ~~والمرأة تلبي أوامره، الطاعة هنا مثل طاعة الزوجة مقابل الإنفاق وليس بسبب الاقتناع. # البند الثالث في قانون الزواج أسوأ من البند الأول، من حق الرجل أن يطلق زوجته حين يشاء ~~ويتزوج عليها امرأة أخرى إذا شاء، وليس للزوجة أن تطلق زوجها إلا في المحكمة إذا أراد ~~القاضي، ولا يمكن لها أن تتزوج رجلا آخر وإلا اعتبرت زانية؛ لأنها تجمع بين زوجين، الرجل ~~لا يكون زانيا إذا جمع بين أربع ms283 زوجات. # قانون الزواج ينتهك قانون الأخلاق، المبدأ الأول في الأخلاق هو أن الناس جميعا متساوون ~~أمام القانون بصرف النظر عن الجنس أو النوع أو الطبقة أو العرق أو العقيدة، المبادئ ~~الأخلاقية تسري على الجميع لا فرق بين ذكر وأنثى أو فقير وغني أو حاكم ومحكوم. # لم يكن لي أن أقرأ بنود قانون الزواج دون أن يتملكني الغضب، ينتفض جسدي بالغضب، هل يمكن ~~أن أضع نفسي تحت طائلة هذا القانون؟ أليس هذا نوعا من الجنون أن أقدم على الزواج من أي ~~رجل، وإن أحببته، فما بال رجل لا أحبه؟! # كان الطلاق الأول في حياتي هو الانطلاق، كالعصفور ينطلق في السماء، بعد توقيع القسيمة، ~~انفتح باب السجن وخرجت إلى الحرية، قبضت بأصابعي الخمسة على ورقة الطلاق كالغريق يقبض على ~~قارب النجاة، لحظة من لحظات العمر المتألقة، تشبه لحظة نجاحي وحصولي على شهادة الطب، أو ~~اللحظة حين تسلمت أول مرتب عن عملي، تحررت وأصبحت أنفق على نفسي، كان أبي هو الذي ينفق ~~علي، لم يكن يطلب مني الطاعة مقابل الإنفاق، علمني الكرامة واحترام نفسي، علمني الجدل ~~ومناقشة كل شيء حتى وجود الله، كنت أناقش أبي وأناقش الله، فهل أنحدر إلى مرتبة الزوجات ~~واجبهن الطاعة مقابل الإنفاق؟! لم أكن في حاجة إلى زوج ينفق علي، أحمل لقب دكتورة، لي ~~كيان جديد ليس هو أنثى أو ذكر، أفحص أجساد الذكور كالإناث، أصعد فوق التقسيمات المفروضة ~~بالجنس، أصعد فوق القانون الذي يحكم النساء، يسمونه قانون الأحوال الشخصية، تنحدر تحته ~~المرأة من إنسانة كاملة الأهلية إلى زوجة ناقصة الأهلية، كالطفل أو القاصر لم يبلغ سن ~~الرشد، كالمريض بعقله المجنون في حاجة إلى وصي، زوجها هو الوصي عليها، يمتلك جسدها وعقلها ~~تحت اسم الشرع، يضربها إن عصت الأوامر تحت اسم التأديب، يتزوج عليها ثلاث نساء أخريات، يطلق ~~عليها الرصاص إذا لمحها مع رجل آخر، ويخرج من ساحة المحكمة بريئا شهما مدافعا عن ~~الشرف. # كلمة «الشرف» ترن في أذني غريبة، ينتفض جسدي بالغضب، كان الشرف قاصرا على سلوك المرأة، ms284 ~~يرتبط بجزء معين في نصفها الأسفل، لم يكن الشرف يتعلق بسلوك الرجل، لا يعيب الرجل إلا جيبه، ~~إذا امتلأ جيب الرجل بالفلوس أصبح شريفا وإن مارس الجنس مع عدد من النساء داخل الزواج أو ~~خارجه. # صوت النسوة والرجال من عائلة أمي وأبي يرتفع في نفس واحد: ما له الدكتور رشاد؟ عيبه إيه؟ ~~الرجل ما يعيبه إلا جيبه! عنده عمارة وعزبة وعيادة وعربية شيفروليه، ناقصه إيه؟ ناقصه إيه ~~الدكتور رشاد؟ # السؤال يدور في رأسي وهو جالس أمامي في غرفة الصالون، أبي منشغل بالحديث في السياسة، ~~تضاعف حماسه لجمال عبد الناصر بعد تأميم قناة السويس عام 1956م، كاد يتطوع في المقاومة ~~الشعبية ضد الاعتداء الثلاثي. ~~- من أول ما قامت الثورة ومن أيام محمد نجيب وأنا أقول إن جمال عبد الناصر هو القائد ~~الفعلي للثورة ... ولا إيه رأيك يا رشاد بيه؟ ~~- أنا معك يا سعداوي بيه، لكن عبد الناصر رايح شمال خالص ناحية الاتحاد السوفييتي وده فيه ~~خطورة على بلدنا يا سعداوي بيه ... ~~- خطورة إيه يا رشاد بيه؟ ~~- الشيوعية يا سعداوي بيه. ~~- عبد الناصر لا يمكن يكون شيوعي يا رشاد بيه، ده راجل مسلم ومؤمن بالله والرسول، لكن ~~أمريكا رفضت تمويل السد العالي وأصبح تأميم القناة وتأميم الشركات الأجنبية شيئا ضروريا، ~~يعني إحنا ما صدقنا خلصنا من الاستعمار الإنجليزي لازم نقع في الاستعمار الأمريكي يا رشاد ~~بيه؟ ~~- أنا ضد الاستعمار الأمريكي يا سعداوي بيه، لكن أنا كمان ضد الاستعمار الروسي. ~~- جمال عبد الناصر راجل وطني رفض كل الأحلاف يا رشاد بيه، ولا يمكن يقع تحت الاستعمار ~~الروسي أو غيره. # في غرفة الصالون كان يدور الحوار بين أبي والدكتور رشاد، كنا في صيف عام 1957م، في بيتنا ~~في حي العمرانية، أجلس في مقعدي صامتة أتابع الحوار، لا أحد منهما يسألني الرأي، الحديث ~~يدور بعيدا عني، كأنما أنا غير موجودة، لماذا يتلاشى وجود المرأة لمجرد وجود الزوج؟ لم يكن ~~الدكتور رشاد زوجي بعد، كان عريسا يتقدم لأبي، يعني مجرد مشروع زوج فقط، لكنه استطاع أن ms285 ~~يلغي وجودي، وأبي أيضا الذي دربني على الجدل والنقاش لم يحرك رأسه ناحيتي ليسألني رأيي في ~~جمال عبد الناصر أو الدكتور رشاد نفسه! # ناقصه إيه الدكتور يا نوال؟ سألني أبي بعد أن انتهت الزيارة، لم أكن أملك الإجابة، رأيته ~~جالسا في غرفة الصالون داخل بدلته اللامعة، الدبوس الذهبي في الكرافتة يلمع، أسنانه تلمع، ~~شعره الأسود يلمع، الخاتم في إصبعه يلمع، كل شيء فيه يلمع إلا العينين؛ لم يكن يجذبني شيء ~~في الكائنات الحية إلا بريق العينين، ليس أي بريق، فالقط المتوحش أو النمر المفترس في عينه ~~بريق، كنت أبحث عن بريق خاص لا أراه إلا في عيني الإنسان، لماذا ضاع هذا البريق من عيني ~~الدكتور رشاد؟! لم أعرف، كل ما عرفت أن في عينيه نظرة مليئة بالقسوة وإن كان صوته رقيقا ~~مليئا بالحنان. # لم يغفر لي الدكتور رشاد أنني رفضته، كالجرح الغائر في جسده لم يلتئم، كانت البنات ~~والنساء يتمنينه، فلماذا لم يرغب إلا فيمن ترفضه؟ أهي الرجولة الهشة تتهاوى عند أي هزة؟ أو ~~الغرور الذكري ينقلب إلى النقيض عند أي تهديد؟! # ولم يؤنبني أحد على ضياع هذا العريس كما فعلوا مع العريس الأول حين كنت في العاشرة من ~~العمر، صمت الجميع في وجوم، إلا طنط نعمات قالت بصوت كنعيق البوم: «منفوخة على إيه يا ست ~~نوال ... ده جواز المطلقة زي أكل الطبيخ البايت! ويا ريت مطلقة وبس لكن كمان مخلفة وعندك ~~بنت!» # رنت في أذني كلمة «بنت» كطلقة الرصاص، كتلة متجمدة من الحزن لها كثافة الرصاص، متراكمة في ~~جسد طنط نعمات منذ ولدت من أمها حتى تزوجت بلا حب، وطلقت بلا سبب، وماتت قبل أن تموت، ~~خرجت الكلمة من فمها متجمدة كالبصمة، رمادية بلون النني في عينيها، اخترقت رأسي وعادت ~~بذاكرتي إلى الوراء، حين ولدت بنتا وليس ولدا مثل أخي، حين دب الصمت في الكون ولم تنطلق ~~الزغاريد من أفواه النسوة، أيكون مجيئي إلى الحياة سببا لحزن أهلي؟! # هذا السؤال لم يكف في طفولتي عن الدق في رأسي، مثل ms286 المطرقة فوق رأس مسمار، لماذا يكون ~~وجودي في الحياة سببا لحزن أهلي؟ كنت أحب أهلي رغم حزنهم على وجودي، يدور في رأسي سؤال ~~آخر: كيف يتحول وجودي من سبب للحزن إلى سبب للفرح؟! كيف أنتزع البسمة أو الضحكة من تلك ~~الأفواه المزمومة؟! كان الفرح الوحيد بالبنت يوم يأتيها العريس، تنفرج الأسارير وتنطلق ~~الزغاريد، كان فرحي الوحيد حين أنجح في الدراسة، في العلم أو الطب أو الأدب، هذه المجالات ~~كانوا يسمونها رجولية، وما هي المجالات الأنثوية عندهم؟! دعك المراحيض أو مسح البلاط وتقشير ~~البصل والثوم. # أصبح السؤال يدور في رأسي منذ الطفولة: كيف تتغير قلوبهم فيدخلها الفرح بنجاحي في الطب أو ~~الأدب أكثر من نجاحي في دعك المراحيض؟ كيف تتغير أحلام أمي وأبي فيريانني داخل معطف الأطباء ~~أو الأدباء وليس داخل فستان الزفاف. # كان الطريق طويلا شاقا مليئا بالحفر والانتكاسات، قد يفرح أبي وأمي بنجاحي في الطب، ~~لكن سرعان ما يتبدد الفرح حين لا أخضع لإرادتهما فيما يخص حياتي، أو حين لا أنجح في ولادة ~~الذكر وإنما هي أنثى، بنت، بنت، بنت! الكلمة بأصواتهم خاصة صوت طنط نعمات يملؤني بالغضب، ~~بالتحدي، سوف تكون هذه البنت رغم أنوفهم سببا للفرح، سأفرح بابنتي وإن حزنوا، سأطلق زغرودة ~~طويلة ممدودة في الزمان حتى ألف عام، ممدودة في المكان حتى السماء السابعة، حتى آذان الآلهة ~~أو الشياطين إذا كانت لهم آذان، سأعلن في الكون أنني ولدت بنتا وأنني أتحدى بها العالم، ~~أغير بها العالم ليفرح بالبنت كما يفرح بالولد وربما أكثر وأكثر. # في قمة الربيع عام 1956م، في اليوم الثامن من شهر أبريل جاءت ابنتي «منى» إلى الوجود، ~~آلام الولادة تبددت لحظة الولادة، كأنما هي آلام وهمية مفروضة على النساء منذ نزول الآية: ~~«تلدين في الأسى والألم ويكون اشتياقك لزوجك وهو يسود عليك.» # في المدرسة الابتدائية في منوف قرأت هذه الآية في «الإنجيل»، قال أبي إن الإنجيل كتاب ~~الله مثل التوراة أنزلهما الله هدى ونورا للناس يؤمن بهما المسلمون كالقرآن، لم يكن عقلي ~~الطفولي قادرا ms287 على هذا الإيمان، تتكور الآية في حلقي كالغصة: «تلدين في الأسى والألم ويكون ~~اشتياقك لزوجك وهو يسود عليك.» لم أكن اعرف ماذا يعني الله بعبارة «ويكون اشتياقك لزوجك وهو ~~يسود عليك.» تصورت أن المرأة إذا اشتاقت لزوجها فهو يسيطر عليها، قلت لنفسي: لن أتزوج ~~أبدا، وإن تزوجت فلن أشتاق لزوجي، وإن اشتقت فلن يسود علي. # تفجر في كياني لحظة الولادة شلال عجيب من الفرح، شلال عجيب من الأحاسيس اسمه الأمومة، قبل ~~أن تأتي ابنتي إلى الوجود لم أعرف ما معنى الأمومة، في أحلامي لم أر نفسي أما تحمل على ~~كتفها طفلا، أو ترضعه من ثديها، كنت أحمل سلاحا لتحرير الوطن، أو مشرطا لتشريح الجسد، أو ~~قلما أكتب به القصص، لحظة الولادة تغير جسدي، تفجر منه الشلال المتراكم في التاريخ، ~~المخزون في خلايا الجسد والعقل والروح، التحم ثلاثتهم في شيء واحد اسمه الأمومة، أصبح الجسد ~~والعقل والروح كيانا واحدا صلبا هو الأم، بين ذراعي الأم كانت الطفلة المولودة أشبه ~~بالمعجزة، هذه القدرة على تكرار نفسي داخل جسد آخر له ملامحي، وشكل أصابعي، والمقلتان تشعان ~~الضوء كإشراقة الشمس، وهذا الاكتشاف الجديد كالنهر المتدفق باللبن الدافئ، يسري من جسدي في ~~طفولتي، أنا وهي كيان واحد، أفتح عيني وأصحو فوق صدرها كالشاطئ الوحيد في البحر الواسع، ~~النبض في صدرها يدق مع النبض في صدري، تمديدها الصغيرة تمسك يدي، عيناها عسليتان بلون عيني ~~أمي، تتطلعان نحوي باندهاش بفرحة اكتشاف الأم، أصابعها الخمسة الصغيرة تلتف حول يدي كما ~~التفت أصابعي الخمسة حول يد أمي وأنا أرقد بجوارها ليلة مولدي. # أستعيد اليوم وجه طفلتي حين كانت تضحك، كم كان عمرها حين سمعتها تضحك لأول مرة؟ كانت لها ~~ضحكة مميزة عن كل الأطفال في العالم، ترن في البيت تتجاوز الجدران إلى الشارع إلى الكون، ~~أسمعها وأنا أمشي في الشارع، أو واقفة في غرفة العمليات بالمستشفى، أو جالسة أكتب في مكتبي، ~~أو راكبة القطار أو الترام أو الأتوبيس، لها رنين عجيب في أذني، كالماء المقطر يهتز داخل ~~إبريق من ms288 الفضة، أسمعها وأنا غارقة في النوم تبدو كالحقيقة، وأسمعها وأنا صاحية يقظة تبدو ~~كالحلم، أحملها فوق صدري وأطعمها كما كانت أمي تحملني فوق صدرها وتطعمني، رائحة طفلتي في ~~أنفي كأنما هي رائحة أمي في طفولتي، واللبن الدافئ يسري داخل عروقي كالدم. # في عيد ميلادي يأتيني صوتها عبر أسلاك التليفون، يجتاز البحر الأبيض المتوسط وقارة أوروبا ~~والمحيط الأطلسي والشاطئ الشرقي الجنوبي لأمريكا الشمالية حتى مدينة دير هام، يخترق صوتها ~~المساحات والمسافات، لا توقفه أرض ولا بحر ولا سماء، يأتيني وأنا نائمة في السرير عند طلوع ~~الفجر، يسري في أذني مثل أول شعاع للشمس «كل سنة وانتي طيبة يا ماما.» لا يمكن أن تنساه، في ~~كل عام تذكرني به، يأتيني صوتها حيث أكون، في المنفى حيث تلقي بي الرياح خارج الوطن، يرن ~~جرس التليفون بجوار سريري، أرفع السماعة: «كل سنة وانتي طيبة يا ماما.» يأتيني صوتها كأنما ~~في الحلم، كنت أنسى دائما يوم مولدي، لم أحتفل أبدا بعيد ميلادي، النهاردة إيه يا منى؟ ~~تضحك ابنتي ضحكتها المميزة تسري عبر الأسلاك إلى أذني، تمشي كالدم الدافئ إلى جسدي النائم: ~~«النهاردة عيد ميلادك يا ماما.» أصحو فجأة كأنما من غيبوبة «مش معقول يا منى دي الأيام ~~بتجري بسرعة أوي.» يعود إلى ذاكرتي صوت جدتي الريفية وأنا طفلة: «اللي متغطي بالأيام ~~عريان.» أردد العبارة بصوت جدتي، تضحك ابنتي كما كانت تضحك وهي طفلة، أستعيد طفولتي، يتدفق ~~الحماس إلى عقلي الناعس، أقفز من السرير كما كنت أفعل وأنا في السابعة من العمر، أفتح ~~النوافذ على آخرها، أستقبل الشمس والهواء، هذا عام جديد يضاف إلى عمري الطويل، هذه ابنتي ~~تذكرني رغم البعد، تشدني إلى الوطن، تحوطني كذراعي أمي، صوتها يأتيني وإن صمتت كل الأصوات، ~~إن نسيني الجميع لا تنساني، تفسح لي مكانا دائما في سريرها، في مدخل بيتها، في قلبها ~~أجدني وإن امتلأت المساحات في قلبها، إن تعبت أو مرضت أجدها بجواري، تمتد ذراعاها نحوي ~~تحملني فوق صدرها كما كنت أحملها فوق صدري، كبرت ابنتي وأصبحت هي ms289 الكاتبة المعروفة «منى ~~حلمي»، يخفق قلبي حين أرى اسمها مطبوعا فوق الورق، أصابعها تلتف حول القلم تشبه أصابعي، ~~حروفها قوية بارزة محفورة فوق وجه القمر. # في طفولتي تصورت أن قلب أبي أكبر من قلب أمي، كان يتسع قلبه لحب الله والوطن، لم أسمع أمي ~~تتحدث عن الله أو الوطن، تصورت أن الأبوة تعلو على الأمومة كما يعلو الرجل على المرأة أو ~~يسود عليها، ثم اكتشفت أن قلب الأم أكبر من قلب الأب، لا شيء في الكون أكبر من قلب الأم، لا ~~تشترط الأم الطاعة مقابل الحب، الأمومة راسخة في التاريخ قبل أن يعرف الأب أطفاله، لم تنشأ ~~الأبوة إلا بنشوء النظام الطبقي الأبوي وفرض قانون الزواج على المرأة، الأمومة كالشمس ~~والمطر والزرع، ظاهرة من ظواهر الطبيعة من غير حاجة إلى قوانين. # تعلمت الحب بلا شروط من خلال أمومتي، ثم امتدت الأمومة خارج جدران البيت وروابط الدم، ~~أصبحت أحب الحب بصرف النظر عن صلة الرحم، بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو الطبقة أو الدين، ~~عشت قصصا متعددة من الحب وأصبح لي في كل شبر من العالم قصة حب. # بعد مولد ابنتي في ربيع 1956م امتد الفرح ليشمل الوطن كله، في 8 يونيو 1956م تم إعلان ~~الدستور الجديد وإلغاء الأحكام العرفية، والإفراج عن المعتقلين في 2 يوليو 1956م، ولم يلبث ~~أن دوى الصوت في الراديو يعلن تأميم قناة السويس، إنه صوت جمال عبد الناصر، واليوم ~~هو 23 يوليو 1956م عيد الثورة الرابع، والشهر الرابع من عمر ابنتي، والأفراح في كل بيت، والسجون ~~انفتحت أبوابها وخرج كل المسجونين السياسيين ومنهم الشيوعيين، خرج أسعد شقيق صفية التي ~~أصبحت الدكتورة صفية في مستشفى الأطفال، وتزوجت مدير المستشفى ، خرج من السجن رفاعة خطيب ~~سامية، حضرت فرحهما، واشتغل الاثنان في صيدلية بشارع قصر العيني، تزوجت بطة أحد الأساتذة ~~وشاركته عيادته الكبيرة في ميدان الدقي، أما أنا فقد اخترت طريقا آخر، كنت أبحث عن شيء ~~جديد، لا أريد أن أكون مثل الطبيبات النساء، يسعين إلى العمل في ms290 القاهرة في حضن الأهل ~~والأسرة، كنت أبحث عن عمل يأخذني بعيدا في أحضان الريف، أكنت أشتاق إلى قريتي أو هي ابنتي ~~أعادتني إلى طفولتي؟! أم أنني مللت القاهرة بكل ما فيها؟! # منذ جاءت ابنتي للوجود دار سؤال لم يخطر أبدا لعقلي: هذه الابنة! أهي السبب الأول ~~لوجودي؟ أي الهدف الأول من الحب والزواج والطلاق وكل شيء؟ لا شيء خارج كيان هذه الابنة ~~يرتبط بوجودي، مثل ذكر النحل ينتهي دوره بانتهاء الإخصاب، ولا يبقى للمرأة منه إلا الأسى ~~والألم. # أهي الأمومة في قوتها الكاسحة تحطم كل شيء إلا نفسها وموضوع حبها؟! كان الرجل البدائي ~~يقتل أطفاله أو يأكلهم، لم يمنعه إلا الأم، كانت تقتل الأب قبل أن يأكل أطفاله، لولا هذه ~~الأمومة القاتلة في حبها لانقرضت الحياة فوق الأرض واندثرت في التاريخ فصيلة ~~الإنسان. # الفصل الثالث # | طبيبة القرية # كان يوما دافئا من أيام سبتمبر 1956م، مدينة القاهرة تركتها وراء ظهري، ليست هي الأرض ~~التي خرجت منها، هذه الشوارع الأسفلت لا تنبت فيها زهرة، إن نبتت تدوسها الأحذية، الكعوب ~~السميكة المربعة أو العجلات الحديد، خطوتي فوق الأرض واسعة قوية، كخطوة جدتي الفلاحة، في ~~أعماقي حنين لرائحة الزروع وخبيز الفرن، ابنتي أحملها فوق صدري، عمرها ستة شهور، أغطيها ~~بشال لونه وردي، اشتغلته بيدي بخيوط من الحرير، دقات قلبها تنبض مع الدقات تحت ضلوعي، ~~أحوطها بذراعي أخفيها عن العيون. # أجري لألحق بالقطار كما كنت وأنا طفلة، أحمل قلب الطفلة داخل جسد المرأة، أفرح بركوب ~~القطار والجلوس إلى جوار النافذة، التلاميذ والتلميذات يجرون نحو القطار يتصايحون بالفرح، ~~صورة جمال عبد الناصر تعلو جدار المحطة، بطل تأميم القناة وأحداث أخرى كانت تتوالى منذ ~~خطابه الشهير في 17 مارس 1953م، كنت طالبة بكلية الطب، والطلبة يتجمعون حول الراديو في ~~الفناء ويصفقون، صوت جمال عبد الناصر يدوي: «نحن نرفض الأحلاف العسكرية الأجنبية تحت اسم ~~الدفاع المشترك، إن الدفاع عن الشرق الأوسط يهم دول المنطقة أكثر من غيرهم، لن يستطيع شعب ~~رازح تحت نير الاستعمار أن يدافع عن استمرار ms291 هذا الاستعمار في وطنه بحجة تخوفه من اعتداء ~~آخر قد يتعرض له هذه الشعب وقد لا يتعرض، إننا نريد جلاء ناجزا غير مشروط.» # لم يتم الجلاء إلا بعد ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر من هذا الخطاب، وفي 17 يونيو 1956م أقلعت ~~الباخرة «إيڨان جيب» من قناة السويس حاملة آخر الجنود الإنجليز، انتهى الاحتلال البريطاني ~~الذي دام اثنين وسبعين عاما، ليعود من جديد بعد أربعة شهور فقط، حين وقع الاعتداء الثلاثي ~~على مصر. # في المقعد أمامي جلست تلميذة في العاشرة من عمرها تقريبا، حقيبة كتبها فوق ركبتها، ~~مريلتها من الدمور بالمربعات الصغيرة الزرقاء، تشبه مريلتي في المدرسة الابتدائية، أول رحلة ~~لي بالقطار من منوف إلى القاهرة منذ أربعة عشر عاما، كنت طفلة تهرب من القرية إلى المدينة، ~~اليوم أنا شابة تهرب من المدينة إلى القرية، في الرحلة الأولى لم أكن أملك إلا قلمي الرصاص ~~وكشكولي الأزرق، اليوم أملك شهادة الطب ولقب دكتورة. # تخرجنا أطباء دون أن نعطي حقنة واحدة في العضل أو الوريد، دربت نفسي بنفسي في سنة ~~الامتياز، اختلست بعض الجراحات الصغيرة، أجريتها في غيبة الأستاذ والنائب، أولها عملية ~~إجهاض وآخرها عملية استئصال الزائدة الدودية. # كنت أسمع أبي يقول: الجامعة ليس فيها تعليم مثل وزارة المعارف (المقارف)، إذا تعلم الناس ~~فيها فلن يبقى حاكم على عرشه، كلية الحربية لا تخرج إلا الجهلاء، إن أصبحوا هم الوزراء ماذا ~~يكون الحال؟! تضحك أمي وتسأله: يعني لو عملوك وزير التعليم حتعمل إيه يا سيد؟ كلمة سيد لم ~~تخرج من فم أمي حتى أنجبت منه طفلها الخامس، منذ تزوج أبي لا تتحدث عنه إلا بضمير الغائب ~~«هو»، أنجبت منه أطفالها التسعة دون أن تخلع ملابسها أمامه، أنا أيضا لم أخلع ملابسي أمام ~~زوجي الأول . # ضحكت على نفسي وأنا جالسة في القطار، انتبهت التلميذة الجالسة أمامي، ضحكت هي الأخرى، ~~عيناها السوداوان تلمعان بالبريق، يشبه البريق الذي كنت أراه في عيني وأنا طفلة، حقيبة يدي ~~داخلها مرآة صغيرة مستطيلة، اختلست إليها نظرة سريعة، لمحت البريق فابتسمت لنفسي، ms292 كان ~~القطار يجري بعيدا عن القاهرة، كالسجين يهرب من وراء القضبان، البيوت تتراجع إلى الوراء ~~سوداء بالدخان، الكون ينفتح على الأفق، زرقة السماء والحقول الخضراء تتسع مع اتساع دلتا ~~النيل. # الحقيبة الكبيرة إلى جواري فوق المقعد، نصفها ملابس ونصفها كتب، مؤلفات جديدة في الطب ~~والفلسفة، روايات بالعربية والإنجليزية، ومفكرتي السرية، لم أكن أفتح مفكرتي إلا بعد أن ~~ينام الجميع، في ضوء القمر أكتب أخشى أن أضيء النور، لا أحد يراني إلا عين الله التي لا ~~تنام. # اهتز القطار منتفضا فوق العجلات، أطبقت ذراعي حول ابنتي، أيخرج عن القضبان وينقلب؟! ~~الخوف من عقاب الله مدفون في أعماقي، منذ الطفولة أخاف منه! # دخل القطار محطة بنها، استيقظت ابنتي من النوم، ابتسمت امتلأت عيناها بالضوء، منذ ولدت ~~ابنتي تمتلئ عيناها بالفرح حين تراني، لم يفرح أحد بوجودي في الحياة مثل ابنتي، عيناها ~~عسليتان بلون عيني أمي، ترمقني أحيانا بنظرة تشبه أمي، يختلط علي الأمر، أظنها أمي عادت ~~طفلة، تمتد يدها لتطبق على يدي كما كانت أمي بأصابعها الخمسة تطبق على يدي. # لم يكن عقلي يلتقط هذه اللحظة من قبل، هذه اللمسة الحميمة بين الأم والابنة، كان عقلي ~~محشورا بأشياء ثقيلة، مشغولا عن هذه اللمسات الرقيقة بالقضايا الكبرى. # كيف خلت مفكرتي من أحاسيس الأمومة؟! هذا الشلل الطاغي بالفرح، هذه اللمسات بين جسد الأم ~~وجسد الابنة، التيار المتدفق باللذة يسري مع الدم في الأوردة والشرايين، ينقلب الألم سعادة ~~وينقلب الخوف شجاعة، إذا انقلب القطار في هذه اللحظة يمكن أن أطير من النافذة وابنتي بين ~~ذراعي، يمكن أن أفعل أشياء خارقة للعادة. # في مدينة بنها هبطت من القطار، رصيف المحطة كان مزدحما بالناس، موظفون بالبدل الإفرنجية، ~~العجائز منهم بالطرابيش، فلاحون بالجلاليب والطواقي، نساء البندر بالفساتين القصيرة حتى ~~الركبتين، الفلاحات العجائز بالجلاليب السوداء الطويلة، رءوسهن ملفوفة بالطرح، الشابات ~~بالجلاليب الملونة والضفائر الطويلة، ناظر المحطة ينفخ في صفارته، ينتفخ صدغاه بالهواء مثل ~~ناظر محطة منوف، بائع السميط والجبنة الرومي ينادي بصوته القديم، القطار ينفث الدخان الكثيف ~~مطلقا صفارة ms293 طويلة حادة، صورة جمال عبد الناصر تغطي الجدران، التلاميذ والتلميذات يتسابقون ~~في الجري فوق الرصيف، يصرخون بالفرح يتقاذفون بالحقائب بالكراريس بالقراطيس. # أتوقف دائما لأرقب هذا المشهد في المحطات، حركة الناس المسافرين، يجرون بالحقائب هنا ~~وهناك، صاعدين أو هابطين، رائحة الدخان تملأ الجو، مع رائحة السميط والجبنة الرومي، مع ~~الكازوزة والصفافير واللهجات من كل نوع، الحركة النشيطة مع الحماس، كالعدوى يدب النشاط في ~~جسدي، أحرك قدمي فوق الأرض بخفة، أجري وسط الناس كمن تسبح في البحر، الحقيبة في يدي والطفلة ~~فوق صدري، يهتز جسدها مع حركة جسدي، تضحك بشهقات الأطفال المتقطعة، عيناها تلمعان بالدهشة: ~~إلى أين تجري أمها بهذا الحماس؟ عيناها تتساءلان، لم تتعلم عنها بعد، العينان تنطقان قبل ~~اللسان، لغة العيون تعجز عنها الكلمات، همست في أذنها بالأغنية: إجري إجري إجري ... وديني ~~أوام وصلني! ضحكت ابنتي وراحت تهز رأسها مع اللحن كما كنت أهز رأسي وأنا في عمرها ~~وأغني: دي دي تيا ... دي دي تيا ... # ركبنا سيارة أجرة من محطة بنها، المسافة بينها وبين قرية طحلة عشرة كيلو مترات، الشوارع ~~في مدينة بنها ترابية مليئة بالحفر والمطبات، يصعد الطريق بنا إلى جسر النيل، السيارة قديمة ~~مكسورة النوافذ، تصطك عجلاتها وأبوابها بعضها ببعض، تعلو وتهبط مع المطبات مثل المرجيحة، ~~تضحك ابنتي وهي تتأرجح فوق صدري، أضحك معها والسائق يشاركنا الضحك، ويقول: العربية دي فيها البركة زي القطط بسبع أرواح، كان عندي حنطور ما شاء الله عليه، والحصان ~~كان زي الحصان، لكن ربنا افتكره، دفنته في التربة مع المرحوم أبويا، وحزنت عليه أكثر من ~~أبويا - الله يرحمه - كان حصان أصيل ابن ناس، ياكل قليل ويشتغل كثير، عشان كده ربنا أخده، ~~ربنا دايما ياخد الحاجات الغالية الأصيلة! ~~- البقية في حياتك يا أسطى وحياة العربية الجديدة. ~~- دي عربية قديمة من أيام سيدنا نوح، لكن ربنا عوضني بيها عن الحصان، وأهي ماشية زي ~~الحصان، مع إنها صفيح في صفيح لا تاكل ولا تشرب ولا تموت، سبحان الله ربنا حط الروح في ~~الصفيح، مش روح واحدة ms294 لكن سبع أرواح! # ابنتي ترمق السائق بانتباه، رأسه ملفوف بكوفية بيضاء لها شراشيب حمراء تهتز مع اهتزازات ~~رأسه، تضحك وتمد يدها لتمسك الشراشيب، يداعبها السائق، يشير إلى النيل: شوفي البحر حلو إزاي ~~ما فيش بحر زي ده عندكم في مصر! # الهواء منعش له رائحة الطمي والزرع، دخان القاهرة يتسرب من مسام جسدي وعقلي، حياتي ~~الماضية تتقهقر إلى الوراء ومعها المدينة، كأنما لم تكن لي حياة إلا في هذه البقعة من ~~الأرض، فوق هذا المكان من جسر النيل، في هذه اللحظة الحاضرة الممدودة في الكون إلى ما لا ~~نهاية. # على باب الوحدة تجمع الفلاحون والفلاحات، وانطلقت الزغاريد والأصوات: يا ألف مرحب ~~بالضكطورة! الدنيا نورت من طحلة لكفر طحلة لدجوي والرملة لغاية بنها كمان! دي الضكطورة ~~بتاعتنا، السعداوية بنت السيد بيه، أبوها ربنا يطول عمره أفضاله على الجميع! يا ألف مرحب ~~المجمع نور يا ضكطورة! # كلمة المجمع تعني عندهم الوحدة المجمعة، وهي مجموعة من المباني الجديدة البيضاء، ترقد وسط ~~الزرع مثل حمامات السلام، تشمل الوحدة ثلاثة أقسام: القسم الصحي، القسم الاجتماعي، والقسم ~~التعليمي أو المدرسة. # كان مشروع الوحدات المجمعة الريفية في بدايته عام 1956م، أحد مشاريع الثورة، يشرف عليه في ~~القاهرة جهاز إداري ضخم اسمه المجلس الأعلى للخدمات، يرأسه رجل من أعوان جمال عبد الناصر ~~اسمه محمد فؤاد جلال، يحتل القصر الفخم في شارع قصر العيني، خلف البرلمان، أصبح هذا القصر ~~في عهد أنور السادات مقر هيئة جديدة أطلق عليها اسم مجلس الشورى وباللغة العامية الشورة، ~~الشوربة باللغة الشعبية الساخرة، وتعني اختلاط الحابل بالنابل أو الفوضى في الدولة، تطورت ~~إلى كلمة شعبية أخرى «كوسة» ثم بمية، وتعني الفساد وانتشار الواسطة والرشوة. # لم ألتق بفؤاد جلال إلا مرة واحدة، في الاحتفال الكبير بتعيين أول فوج من الأطباء، كانوا ~~جميعا من الذكور، رفض المجلس الأعلى للخدمات تعيين الطبيبات في الريف. # على المنصة العالية يجلس فؤاد جلال من حوله أعضاء المجلس الأعلى، فوق رأسه صورة جمال عبد ~~الناصر، إطارها ذهبي سميك، الجدار تعلوه الزخارف منقوشة ms295 بماء الذهب، مقعد فؤاد جلال يشبه ~~كرسي العرش، في هذا المقعد داخل هذا القصر كان يجلس قبل الثورة رجل فوق رأسه صورة الملك ~~فاروق، بعد موت جمال عبد الناصر جلس رجل آخر فوق رأسه صورة أنور السادات، اليوم يجلس في ~~المقعد نفسه داخل القصر نفسه رجل آخر فوق رأسه صورة حسني مبارك. # داخل الإطار الذهبي السميك تتوالى صور الحكام واحدا وراء الآخر، تعلو الصورة فوق رءوس ~~الرجال، رجلا وراء رجل، تنحني ظهورهم أمام الصورة، يؤدون لها التحية كعبدة الأصنام، ~~يتحدثون بصوت هامس يخشون أن تسمعهم، يرمقونها بطرف عين كأنما تراهم، يقلدون صاحبها في كل ~~شيء، الصوت والحركة، وحبات المسبحة بين أصابعهم كأنما هي أصابعه، إن كانت عنده لازمة معينة ~~أصبحت لهم، لدغة أو تأتأة أو فأفأة، إن قال والله يقولون والله، وإن قال بسم الله يقولون ~~بسم الله، يبدءون كلامهم دائما بهذه الكلمات الأربع: «حسب توجيهات السيد الرئيس.» # من فوق المنصة العالية بدأ فؤاد جلال يخطب: «حسب توجيهات السيد الرئيس بدأنا مشروع ~~الوحدات المجمعة في الريف، في العهد البائد أيها السادة عانى الفلاحون ثالوث الفقر والمرض ~~والجهل، وجاءت الثورة المباركة المجيدة لتنصف المحرومين الكادحين في القرى والنجوع، وهذه هي ~~مهمتنا الأولى في المجلس الأعلى للخدمات، وهي خدمة الشعب!» # وجوه الرجال الجالسين إلى المنصة العالية لا توحي أنهم في خدمة الشعب، وجوههم العسكرية ~~مشدودة كأنما بالأسلاك، البدل من الصوف الإنجليزي مشدودة بالمكواة الحديدية، الأكتاف عريضة ~~محشوة بالقطن، يدسه الترزي في أكتاف الرجال لتصبح أعرض من الحقيقة، وكانت أمي تدسه في أكتاف ~~العريس، نلعب به ونحن أطفال، الدمى نتفرج عليها في مسرح العرائس، أكتافهم المحشوة وأعناقهم ~~المشدودة إلى أعلى بالخيوط. # كانت القاعة مليئة بالأطباء، صدر القرار بتعيينهم في الوحدات المجمعة، ثلاثمائة طبيب أو ~~أكثر، رءوسهم محلوقة، أكتافهم مدكوكة، والكتف تلاصق الكتف. # انتهى فؤاد جلال من إلقاء خطبته، دوت القاعة بالتصفيق، كان التصفيق واجبا وطنيا، يؤكد ~~به الإنسان ولاءه للحكومة، إن لم ترتفع اليدان بهذه الحركة التصفيقية، أو إن جاءت الصفقة ~~فاترة، رمقته ms296 العيون بالشك، قد يسقط اسمه الثلاثي من أهل الثقة، ليدخل في قائمة أخرى بوزارة ~~الداخلية. # توالت الخطب من أعضاء المجلس الأعلى، أربعة عن يمين الرئيس وأربعة عن يساره، سقطت جفوني ~~في إغفاءة، عاد إلي كابوس الامتحان يكاد يشبه امتحان الهيئة في الجيش، الكلية الحربية لم ~~تكن لها علاقة بالحرب، يتخرج الضابط أحد الوجهاء، لا تربطه بالحرب إلا البدلة العسكرية، ~~يزهو بها أمام البنات، كتفاه المحشوتان تلمع فوقهما النجوم، جلست في الامتحان أمام رجلين من ~~أعوان فؤاد بيه، الأول اسمه محمد بيه والثاني اسمه مصطفى بيه، متشابهان كالتوءمين، أحدهما ~~أبيض البشرة، والثاني داكن السمرة، نسخة من الكربون. ~~- اليوزباشي السعداوي قريبك يا دكتورة. ~~- ليس في عائلتنا أحد يوزباشي. ~~- وكفر طحلة تبقى فين يا دكتورة؟ ~~- في محافظة القليوبية. ~~- يا دكتورة نوال العمل في الريف صعب وأنت طبيبة ممتازة بلا شك، لكن مهما كنت فأنت من ~~الجنس اللطيف، مش كده يا محمد بيه؟ ~~- طبعا يا مصطفى بيه الدكتورة نوال من الجنس اللطيف. # صوته وهو ينطق كلمة اللطيف رقيق، أكثر رقة من صوت النساء، يده يحركها في الهواء أصغر ~~حجما من يدي، أنامله أكثر نعومة من أناملي، بشرته بيضاء متوردة بالحمرة كوجوه العذراوات، ~~يرتدي قميصا حريريا له أزرار ذهبية لامعة، كنت أرتدي قميصا من تيل المحلة السميك، بشرتي ~~سمراء محروقة بالشمس. ~~- والجنس اللطيف يا محمد بيه لا يمكن يتحمل خشونة الحياة في الريف بدون كهرباء ولا مياه ~~نقية من الحنفية ... مش كده ولا إيه؟ ~~- أيوه كده يا مصطفى بيه، وعندي سؤال لك حالة مستعجلة في نص الليل تقدري تخرجي في الظلمة؟ ~~ما تخافيش الديابة تأكلك في الطرق الزراعية؟ وإذا الكعب العالي انغرز في الطين أو كوم ~~السباخ تعملي إيه يا دكتورة؟ # كنت أرتدي حذائي الجلدي الأسود، كعبه مربع سميك يشبه كعوب الكادحين من الرجال، مدقوقة فيه ~~قطعة حديد على شكل حدوة الحصان، يعلوه تراب الشوارع من الجيزة إلى شارع قصر العيني، سمعتهما ~~يضحكان بخلاعة موظفي الحكومة في غيبة رئيسهم، وميوعة الأزواج في غيبة زوجاتهم، أحدهما ms297 أبيض ~~له وجه عرائس المولد والثاني داكن السواد رغم الاختلاف في اللون ملامحهما متشابهة، كأنما ~~الحكومة تصكهم كما تصك النقود، يصبح الواحد منهم باهت الملامح كالقرش الممسوح. # أفقت على صوت التصفيق يرج القاعة، انتهت الخطب، وارتفع صوت من فوق المنصة يقول: أهناك ~~أسئلة يا حضرات الدكاترة؟ دب الصمت، لم يتقدم أحد، لم أسمع إلا الأنفاس المكتومة، رأيت يدي ~~ترتفع، صوتي ينطلق وحده يطلب الكلمة، تفضلي يا دكتورة، وجدتني أسير إلى الميكروفون، لمحت ~~العيون ترمقني، تترقب ماذا أقول، الضربات تحت ضلوعي قوية متصاعدة، الغضب المتراكم يتجمع في ~~حلقي، أبتلعه وأتكلم بصوت أبي الهادئ، أعدت إلى ذاكرتهم مبادئ ثورة يوليو، العدل والمساواة ~~وتكافؤ الفرص، ثم تساءلت: لماذا لم تعين الطبيبات في الوحدات المجمعة مثل الأطباء؟ قلت ~~إنني من قرية اسمها كفر طحلة، تخرج فيها النساء كل يوم قبل الفجر، يشتغلن بالفئوس في ~~الحقول، في صقيع البرد وتحت لهيب الشمس، عند الغروب يرجعن إلى البيوت، يطبخن ويغسلن ويخبزن، ~~لا يأكلن إلا بعد أن يأكل الجميع، يرتدين في الصيف والشتاء جلبابا واحدا، يمشين في الطرق ~~الزراعية حافيات، وتساءلت: أليست هؤلاء النساء ينتمين إلى الجنس اللطيف؟! # بعد انتهاء الحفل هب فؤاد جلال من فوق المنصة، الموظفون يحيطون به من كل جانب، رآني واقفة ~~وسط الأطباء، أقبل نحوي وصافحني: أعجبتني كلمتك يا دكتورة نوال، سيصدر قرار تعيينك في وحدة ~~طحلة المجمعة، يمكنك الحضور إلى مكتب الدكتور عبده سلام غدا لاستلام القرار. # كالحمامة البيضاء وسط الحقول الخضراء، كان بيتي الجديد الصغير من دورين، يسميه الفلاحون ~~«الفيلا» بحرف الفاء، وليس الڨاء، وليس ذات النقط الثلاث، لا توجد باللغة العربية هذه ~~الحروف اللاتينية، يصعب على المصريين نطقها (مثل الباء الثقيلة)، كان بالوحدة المجمعة ثلاث ~~فيلات (ڨيلات) متشابهات، الأولى قريبة من البوابة يسكنها الاختصاصي الاجتماعي، إلى جوارها ~~الثانية مخصصة لناظر المدرسة، كانت خالية لأنه يسكن في القرية مع أسرته، الڨيلا الثالثة ~~للطبيب، أصبحت هي بيتي، تتكون من صالة الاستقبال ومائدة الطعام والمطبخ في الدور الأول، في ~~الدور الأعلى غرف النوم ms298 والحمام، وشرفة تطل على الحقول الممدودة إلى الأفق. # أول يوم دقت بابي امرأة فلاحة فارعة القامة مرفوعة الرأس ذكرتني بجدتي أم أبي، ربطت ~~حمارتها البيضاء أمام البيت، دقت الباب بكفها الكبيرة المحروقة بالشمس، جلبابها الأسود ~~الطويل والرائحة ذاتها، خليط من الزرع والجميز والذرة المشوية وخبيز الفرن، الضحكة نفسها ~~حتى تدمع عيناها السوداوان اللامعتان، وطرف الطرحة السوداء تخفي بها فمها المملوء بالضحك ~~والعبارة بالصوت نفسه: الله اجعله خير يا رب! # اسمها أم إبراهيم، قالت لي حين دخلت من الباب: «يا ضكطورة نوال احنا قرايب من ناحية ~~المرحومة ستك الحاجة مبروكة وأنا وحيدة، العيال كبروا وتركوا الدار، والراجل راح مطرح ما ~~راح، خديني عندك في البيت أخدمك إنتي والمحروسة بنتك بعيني الاتنين.» # أعطيتها لقب «دادة أم إبراهيم»، ومفاتيح البيت والدولاب وابنتي الطفلة، وماهيتي الشهرية، ~~ومفكرتي السرية، علمتها القراءة والكتابة، أصبح عندها ساعة يد كبيرة ونوتة صغيرة تدون فيها ~~المصاريف والمواعيد، اشتريت لها جلابيب ملونة، ومناديل بيضاء تربط بها شعرها الأسود الطويل، ~~تضفره على شكل ضفيرة واحدة، تهتز وراء ظهرها المرفوع حين تمشي، خطوتها فوق الأرض قوية، تدب ~~بقدمها الكبيرة وصوتها يملأ البيت بالفرح: نهارنا أبيض يا ضكطورة زي الشهد! # روائح الفل والياسمين تملأ الجو، زرعت ثلاث شجرات في الحديقة الصغيرة أمام البيت، واحدة ~~فل، والثانية ياسمين، والثالثة شجرة اليوجانفيليا الحمراء، دم الغزال، كنت أنام في غرفة ~~النوم الكبيرة إلى جواري تنام ابنتي في سريرها الصغير الهزاز، في الغرفة الثانية تنام ~~أم إبراهيم، تصحو مع زقزقة العصافير عند الفجر، تسخن لي صفيحة الماء في الحمام، تهبط إلى ~~المطبخ، تجهز الفطور والشاي، حين يلتصق العقربان داخل قرص الساعة فوق الرقم سبعة، تهتف من ~~الدور الأول، صوتها يصلني في الدور الأعلى وأنا غارقة في النوم: «الساعة سبعة يا دكتورة، ~~صباح الخير، النهاردة الشمس طالعة والزرع فتح، يا حلاوة النورات يا دكتورة.» تفتح نوافذ ~~البيت، تفتح الشرفة المطلة على المزارع، تدخل الشمس حتى السرير، وأنا نائمة، تفتح النافذة ~~في الصالة المطلة على مباني الوحدة، تهتف بصوتها ms299 المرح: «صلاة النبي أحسن الطوابير مالية ~~المجمع، العيانين واقفين على باب الوحدة من الفجر، قومي يا ضكطورة، الشامي جاهز وسخنت لك ~~فطيرة في الفرن!» # أخرج من البيت في الثامنة صباحا، أخترق الحديقة والمزرعة الخاصة بالوحدة، أسير تحت ~~التكعيبة إلى العيادة الخارجية، كل شيء في غرفة الكشف الطبي جاهز، التمورجي عبد الفتاح واقف ~~كالألف عند الباب داخل المريلة البيضاء الطويلة، جسمه لا يكف عن الحركة، كالسهم ينطلق، ~~كالسهم يعود، كل شيء تحت يديه يتحول من الفوضى إلى نظام، طوابير المرضى والمريضات تصبح ~~خطوطا مستقيمة، قد يصل عددهم إلى مائة أو أكثر، النظام يجعل كل شيء ممكنا، أنتهي من ~~العيادة الخارجية في ثلاث أو أربع ساعات، أصعد إلى الدور العلوي حيث القسم الداخلي وغرفة ~~العمليات، دربت الممرضات الثلاث على العمل، أكثرهن نشاطا كان اسمها «زينات»، تخرجت من ~~مدرسة التمريض الملحقة بمستشفى قصر العيني، أعطيتها لقب الحكيمة، كانت تسكن مع الممرضات في ~~القسم الخاص المواجه للقسم الداخلي، امرأة في الثلاثين من عمرها، لم تتزوج، متوسطة القامة، ~~بيضاء البشرة، عيناها خضراوان مستديران تشبهان عيون القطط، تلمعان في الليل، تمر على ~~المرضى، في يدها كشاف كهربي صغير، حول شعرها الملفوف «الكاب» الأبيض، فوق ثوبها القصير حتى ~~الركبتين المريلة البيضاء المربوطة حول وسطها بحزام رفيع. # كان معي في الوحدة عدد من الموظفين الرجال، دربت أحدهم على أعمال الصيدلية وقراءة الروشتة ~~وصرف الدواء، دربت موظفا آخر على أعمال الثقافة الصحية، والمرور على البيوت في القرى ~~التابعة للوحدة، يشرح لهم وسائل الوقاية من مرض البلهارسيا والإنكلتوستوما أو الملاريا، ~~الأمراض المتوطنة والأمراض المعوية التي تصيب الأطفال، يسكن في القرية مع زوجته وطفلين، ~~تخرج من المعهد الصحي، كان قصير القامة ممتلئ الجسم يرتدي بدلة وكرافتة مثل الموظفين في ~~الحكومة. # يوم السبت كان يوم العمليات الجراحية وهو أول يوم في الأسبوع، يوم الخميس كان للمرور على ~~البيوت، وبقية الأيام للعيادة الخارجية، يوم الجمعة هو إجازتي، أتمشى فوق جسر النيل تحت ~~أشعة الشمس، أدفع عربة الأطفال أمامي ذات الكبوت، يطل منها وجه ms300 ابنتي، عيناها العسليتان ~~تلمعان بالضوء، بشرتها البيضاء متوردة بالصحة، تضحك بصوت يشبه الزقزقة، تقبض بأصابعها ~~الصغيرة على يدي حين أرفعها من العربة، أحملها عاليا فوق رأسي لترى النيل. # في منتصف الليل سمعت الدق على باب بيتي، كان هو التمورجي عبد الفتاح، واقفا في الظلمة ~~كالسهم الأبيض داخل مريلته الطويلة، رأسه الأصلع يلمع تحت ضوء القمر، يسكن في القرية مع ~~زوجته وأطفاله الثلاثة، يأتي إلى الوحدة عند الفجر، لا يغادرها حتى منتصف الليل، يعرف ~~المرضى واحدا واحدا باسم الأب والجد. ~~- محمود ابن الحاج حسنين من دار أبو هشام جابوه دلوقتي من الكفر حالته متأخرة أوي يا ~~ضكطورة. ~~- عنده إيه يا عبد الفتاح، أنت دلوقتي بقيت أحسن مني في تشخيص الأمراض! ~~- العفو يا ضكطورة، أنا آجي إيه جنب سعادتك، جايز يكون المصران الأعور أو حصوة في الكلية ~~اليمين، عنده مغص شديد أوي وجسمه سخن نار! ~~- افتح أوضة العمليات وجهز كل حاجة إنت والحكيمة زينات وأنا جاية حالا. # بعد دقائق كنت أجتاز الحديقة الصغيرة والمزرعة، جسمي الطويل النحيف يندفع داخل المعطف ~~الأبيض، في يدي كشاف نور على شكل مسدس، أشق به الظلمة، على باب غرفة الكشف رأيت القبيلة من ~~آل أبو هشام، الأم داخل جلبابها الأسود الطويل، رأسها ملفوف بالطرحة السوداء، تمسح عينيها ~~بطرف الطرحة: ربنا يخليكي يا ضكطورة، محمود ابني ماليش غيره هو الوحيد على ست بنات، إلهي ~~ربنا يحط في إيدك البركة، إلى جوارها يقف الأب حسنين داخل قفطان طويل وعمامة كبيرة حول ~~رأسه، من حولهما حشد من العائلة الكبيرة الممدودة من كفر طحلة، يتطلعون نحوي في رهبة كأنما ~~أنا الإله الشافي. # بعد الفحص الطبي أصبحت داخل غرفة العمليات، داخل المريلة المعقمة الطويلة، وجهي اختفى ~~وراء القناع من الشاش، شعرت بالراحة لهذا الاختفاء، في أعماقي شيء من التردد، في الطب لا ~~يكون التشخيص أبدا مائة في المائة، ليس عندي جهاز أشعة، وسائل التشخيص الحديثة غير موجودة، ~~أعتمد فقط على أصابعي، وحواسي الخمس، وحاستي السادسة، مع خيالي الفني، في كلية الطب لم ms301 ~~نتعلم الجراحة، في سنة الامتياز دربت نفسي على بعض الجراحات الصغيرة، اختلست من وراء ~~الأستاذ أو النائب عملية فتاق أو إجهاض أو عملية لوز أو مصران أعور في أحسن الحالات، كان ~~المشرط يثبت في يدي دون رعشة، تعودت الإمساك به في سنوات المشرحة، فتح بطن الميت ليس مثل ~~فتح الإنسان الحي، الأحشاء الميتة خالية من الدم مملوءة بالفورمالين، فاقدة الحركة، كنت ~~أقطع فيها بالمشرط دون وجل، وأغور في بطن الجثة الميتة دون أن يهتز لي جفن. # أول مرة فتحت بطن إنسان حي أصابتني الرجفة، لأول مرة تلمس أصابعي الأحشاء المتحركة ~~النابضة بالحياة، الاهتزازة من طرف المشرط تجعل الدم كالنافورة الحمراء، كالموجات الكهربية ~~الصاعقة، لا أعرف من أين تتفجر ومتى تتوقف، لها سرعة أشد من الضوء، وأشد من الأحمر ~~القاني. # أنفاسي كانت تلهث أمام حركة الدم في الجسد الحي، كأنما للدم حياة خاصة مستقلة عن الجسد، ~~مادة أخرى غير جسدية، أشبه بالروح السائلة المتدفقة دون توقف، أمد يدي إليها أمسكها، ~~أوقفها، أسدها عند الفوهة، أقاومها بكل قوتي، وهي تقاومني، صراع بيني وبين هذا الخرطوم ~~المنطلق في وجهي مثل لسان اللهب. # كان الدم هو الروح المقدس عن المصريين القدماء، الحياة سرها يكمن في الدم، هكذا قال أبو ~~قراط، جسد الإنسان يتكون من الدم أساسا، وعناصر أخرى ثانوية كالماء والصفراء والملح، إذا ~~مرض الدم مرض الجسد كله، إذا مات الدم مات الإنسان. ~~- عرق! # إنه صوتي يرن في غرفة العمليات، يشبه صوت أستاذ الجراحة في الكلية، كان اسمه الدكتور أحمد ~~أبو ذكري، تبرز قطرات العرق فوق جبهته العريضة، يرفع وجهه من فوق البطن المفتوح الغارق في ~~الدم، تمتد يد الحكيمة الممسكة بقطعة من الشاش، تمسح عن جبينه العرق قبل أن يتساقط في ~~الجرح. ~~- عرق! # انتفضت الحكيمة زينات الواقفة إلى جواري، أمسكت قطعة من الشاش المعقم، مسحت العرق عن ~~جبهتي، لم تكن لحسن الحظ تسمع الدقات المتصاعدة تحت ضلوعي، كأنما البطن المفتوح أمامي هو ~~بطني أنا، وهذا الدم المراق تحت يدي هو دمي، وهذه الأمعاء ms302 التي تنقبض وتنبسط هي ~~أمعائي. # هل كان المصران الغليظ محشوا بالفطير المشلتت والبطة المحشية بالفريك؟! أطعمت الأم ~~ابنها محمود حتى لكمته، كان في زيارة للقرية في إجازة العيد، هو طالب في الأزهر بالقاهرة، ~~عمره عشرون عاما، الوحيد على نصف دستة من البنات، أرقب البالونة في جهاز التخدير، تنقبض ~~وتنبسط مع حركة الرئتين والقلب، أقلد حركة الدكتور أحمد أبو ذكري، أشمخ بأنفي العالي المطل ~~من فوق القناع. ~~- عرق! # صوتي العالي يزعق مع أنفي الشامخ، لا شيء يخفي الرعب إلا الصوت الزاعق والأنف الشامخ، ~~أيمكن أن تتوقف هذه البالونة عن الحركة؟! لماذا لم أرسله مع أمه إلى مستشفى بنها المركزي؟ ~~لم يكن في الوحدة سيارة للإسعاف، لا شيء يمكن أن يركبه إلا الحمارة أو الدراجة بدون فرامل، ~~قديمة صدئة يملكها طباخ الوحدة، كنت أستعيرها منه أحيانا لإسعاف الحالات الطارئة في ~~البيوت، أرسلت إلى المجلس الأعلى في القاهرة أطلب سيارة، لم يرد المجلس الأعلى، أرسل إلي ~~بعد عام كامل سيارة قديمة على شكل «البوكس»، تمشي يوما وتتعطل شهرا، أصبحت الحمارة تجر ~~السيارة، أمام القصر الفاخر في شارع قصر العيني كنت أرى السيارات الفاخرة الطويلة، يركبها ~~كبار الموظفين في المجلس الأعلى، لكل واحد منهم سيارة أو سيارتان، واحدة للعمل العام ~~والثانية للعمل الخاص. ~~- عرق! # البالونة لا تزال تتحرك والحمد لله، تذكرت الله في هذه اللحظة: يا رب أنقذ محمود من ~~الموت، أنت يا رب الذي تحيي وتميت، كل شيء بإرادتك، لماذا أتدخل في إرادتك العليا وأنقذه من ~~الموت؟ كان يمكن أن أرسله إلى مستشفى بنها على ظهر الحمارة؟ إذا مات في الطريق فهي مسئولية ~~وخلعتها على الله. # أصابعي حول المشرط ثابتة تقطع المصران الملتهب، كيف ظل المشرط في يدي ثابتا؟ في أعماقي ~~صوت أمي ينتشلني من الغرق : نوال ترميها في النار ترجع سليمة، نوال أشطر واحدة في الدنيا! ~~تيار من الثقة بالنفس اندفع في عروقي كالروح تدب في الجسد، أمسكت المصران الأعور بين طرفي ~~الملقط، رفعته عاليا لتراه عيون الحكيمة والممرضات، كان متضخما منتفخا ms303 يقطر دما، ألقيت ~~به في الجردل مع الفوط والشاش والدم المتجمد. # أفاق محمود من البنج بعد ساعة أو أكثر، أول كلمة نطقها كانت «آه»، رنت في أذني أعذب من ~~لحن الحب الأول، فتح عينيه ورآني إلى جواره، عيناه واستعان «والنني» أزرق أجمل من زرقة ~~السماء، أغمض عينيه فاتحا شفتيه، تصورت أنه يلفظ النفس الأخير، نجحت العملية لكن المريض ~~مات، هكذا كنت أسمع من أساتذة الجراحة. ~~- أمه! # خرجت هذه الكلمة من بين شفتيه المنفرجتين، كلمة «أمه» باللغة الريفية تعني أمي، لا ينادي ~~الإنسان على أمه إلا لحظة الموت، أو لحظة البعث إلى الحياة بعد الموت، يوم القيامة لا يحمل ~~الناس إلا اسم الأم، يندثر اسم الأب في التاريخ مع زوال الدنيا الفانية والنفاق، مهما ارتفع ~~الأب إلى مصاف الإله تظل الأبوة غير مؤكدة وهشة تذروها الريح. # ضحكت الحكيمة زينات وهي تلمس شفتيه الجافتين بقطعة من الشاش المبللة بالماء: عاوز أمك يا ~~محمود؟ أهي واقفة برة على الباب هي وأبوك الحاج حسنين وأخواتك وخالاتك وعماتك وأعمامك وكل ~~أهل الكفر قاعدين في الحوش ومعاهم حميرهم كمان يا سيدي! # مرت أربعون سنة من هذه اللحظة، انفرجت الشفتان الباهتتان عن ابتسامة واهنة، هي أجمل ~~ابتسامة رأيتها في حياتي، لا أنساها هذه الابتسامة، الوجه الشاحب يسري فيه الدم بالتدريج، ~~والشعر الأسود الناعم الغزير، خصلة ساقطة فوق الجبهة البيضاء بلون الشهد، أمه سمراء سوداء ~~العينين، أبوه أشد سمرة، عيناه أشد سوادا، من أين جاءته زرقة العينين والبشرة ~~البيضاء؟! ~~- يمكن يا زينات كان له جد أبيض أو جدة عيونها زرقاء ورث عنها الجينات. ~~- جينات يعني إيه يا دكتورة؟ ~~- حاملات الوراثة في الخلية. ~~- لأ يا دكتورة مش الجينات دي الجنيات، لازم أم محمود كانت جنية من جنيات البحر لافت على ~~واد حليوة أبيض وعيونه زرق! # أطلقت أم محمود زغرودة طويلة حادة اخترقت السحب حتى السماء السابعة، مثلا هذا الصوت لا ~~يصدر إلا عن جنية بنت جنية، امتدت الزغاريد من طحلة إلى كفر طحلة إلى دجوي والرملة حتى ~~مدينة بنها، ms304 كان الشفاء من المرض عند الفلاحين والفلاحات كالبعث من الموت، كان الموت كثيرا ~~والشفاء قليلا ينتهز الناس فرصة نهوض أحدهم بعد الرقاد ليفرحوا وتنطلق الزغاريد، أو فرصة ~~موت أحدهم ليحزنوا يلطمون الخدود يشقون الجيوب، الفرح والحزن كلاهما نشاط جمعي، لا يتخلف ~~عنه أحد، يتوزع الحزن والفرح على الجميع، فيخف الحزن أو يشمل الفرح كل البيوت. # مع الزغاريد انطلقت الدعوات من أفواه الرجال والنساء: إلهي يحميكي يا ضكطورة نوال، إلهي ~~يطول عمرك يا رب، إلهي ينصرك على أعدائك دنيا وآخرة. بعد الغروب يجلس الرجال على المصاطب، ~~يشربون الشاي والمعسل، يكركرون بالجوزة ويتسامرون. ~~- الضكطورة بنت بلدنا، ربنا وضع البركة في إيدها، يا سلام يا جدعان، سبحان الله! أهي ~~الضكطورة دي واحدة من الحريم! أي والله صحيح قلنا كده وأكثر من كده كمان، لكن دلوقتي إيه ~~اللي حصل يا جدعان؟ طابور الرجالة على باب أوضة الكشف بقى أطول من طابور النسوان! # يضحكون في هدأة الليل، يكركرون بالضحك مع كركرة الجوزة، تتوهج الشعلة تحت النسمة، تتضاحك ~~النسوة المتربعات في مدخل الدار أو فوق جسر النيل. # ما يدور على ألسنة الناس تنقله إلي دادة أم إبراهيم، لم تكن الكهرباء دخلت هذه القرى، ~~الظلمة في الليل دامسة، في البيت توقد أم إبراهيم الفانوس، أقرأ عليه وأنا في السرير، أصبحت ~~عندي مكتبة، رفوفها من الخشب تصعد حتى السقف، تطل منها الكتب القديمة والجديدة في الطب ~~والفلسفة والأدب والتاريخ والفن، ألتهم الكتاب وراء الكتاب باللغة العربية والإنجليزية، لم ~~تنقطع صداقتي بالزميلات القديمات، أولهن سامية وزوجها الدكتور مصطفى المدير أو نائب المدير، ~~في ميدان الدقي، كانت الدكتورة بطة «كاميليا»، وزوجها الدكتور حمدي الأستاذ بقصر العيني، ~~أصبحت بطة تقود سيارة «بويك»، تأتي بها أحيانا إلى القرية، قد تحمل معها صفية وسامية، قد ~~يأتي معهن أزواجهن، تمتلئ «الفيلا» بالضيوف، لا يكف الأهل والأقارب عن زيارتي من القاهرة ~~والقرية، تتألق أم إبراهيم بالفرح، يتصاعد صوتها من الدور الأول إلى الثاني، تتصاعد معه ~~رائحة الفطير المشلتت، والملوخية بالأرانب أو الحمام المحشي بالفريك. # حين ms305 لا يأتينا زوار يصبح البيت هادئا، أحب الهدوء بعد الضجيج، أعشق الدخول إلى سريري، ~~معي كتاب أو رواية جديدة أو قصة أكتبها لإحدى المجلات، أو مفكرتي السرية أدون فيها مذكراتي، ~~قد أحمل ابنتي من سريرها لتنام في حضني، تأتي أم إبراهيم بالطشت المليء بالماء الساخن ~~والملح تدلك قدمي وساقي، تقدم لي الينسون المغلي، المغات، أو السحلب، الأعشاب تلمها من ~~الغيطان، تغليها في الماء على النار، تصبها في كوب الفخار على شكل السلطانية يتصاعد منها ~~البخار. # بعد الغروب في القرية تهبط الظلمة، أخرج لأتمشى على جسر النيل، أشهد قرص الشمس ينحدر في ~~الأفق البعيد، تنعكس صورته في الماء، تتلون السماء، تتجسد السحب بأشكال لا حدود لها، وألوان ~~بلا نهاية، تتغير وتذوب حتى آخر قطرة، يهبط الظلام كالعباءة السوداء تخفي القرية. # أحيانا أرتدي المعطف الأبيض وأمر على البيوت مع الممرضات والحكيمة زينات، نجلس مع الرجال ~~على المصاطب، أو مع النسوة في مدخل الدار، إذا أردت التنكر أرتدي جلابيب الفلاحات، أربط ~~رأسي بمنديل أسود من حوله الطرحة السوداء، أمشي في الأزقة لا يتعرف علي أحد، يواصل الرجال ~~أحاديثهم فوق المصاطب دون أن يقطعوا الحديث أو ينهضوا وقوفا هاتفين: «يا ألف مرحب ~~بالضكطورة، اتفضلي، الدنيا نورت، هات الشاي يا ولد، حصلت لنا البركة.» كنت أحب هذه الجولات ~~الحرة، أملك الطريق، لا يستوقفني أحد، لا يعرفني أحد، أمشي كما يحلو لي المشي، بلا اسم، ~~يداي فارغتان أفتحهما، ذراعان أفردهما عن آخرهما، أعانق بهما جسمي والكون، لحظات الحرية ~~والسعادة، أنسى من أنا وماذا أكون، وأتذكر كل شيء، فأعرف من أنا وماذا اكون، كأنما الذاكرة ~~كالضوء لا نراه إلا في الظلمة. # المدرسة في الوحدة كان لها ناظر اسمه الأستاذ عبد المنعم، أشيب الشعر قصير القامة، يرتدي ~~بدلة إفرنجية وطربوشا، في أيام الإجازات يرتدي الجلباب، فوقه العباءة في الشتاء وكوفية ~~رمادية، يتحدث عن أبي باحترام وإجلال: السيد بيه السعداوي راجل عظيم لو كان فيه عشرة زيه في ~~البلد كان التعليم انصلح. # الاختصاصي الاجتماعي حسب اللائحة كان المسئول الإداري ms306 عن الوحدة، اسمه الأستاذ خير الله، ~~له صلعة كبيرة يحوطها شعر أسود خشن على شكل دائرة فوق منتصف رأسه، بشرته تميل إلى الشحوب أو ~~الصفرة، له أنف كبير مقوس، شاربه أسود يمتد فوق شفته العليا، يخفي عينيه وراء نظارة سوداء، ~~كرجال المباحث السرية. # لم تكن الصحف والمجلات تصل إلا بالبريد، متأخرة شهرا أو شهرين، لا أعرف ماذا يدور في ~~العالم إلا راديو صغير بالبطاريات، تقول عنه أم إبراهيم «الراديون» تذكرني بستي الحاجة حين ~~تقول: افتحي الراديون يا ضكطورة عاوزة أسمع أم كلثوم، كانت مثل ستي الحاجة تحب أغنية: مدام ~~تحب بتنكر ليه ده اللي يحب يبان في عينيه. # سألتها كما سألت جدتي وأنا طفلة: هل عرفت الحب؟ رمقتني بعينيها السوداوين الغائرتين تحت ~~جبهة عريضة سمراء حرقتها الشمس: «أيوه يا ضكطورة حبيت زي كل الناس.» كانت واقفة عند باب ~~الشرفة تحمل طفلتي بين ذراعيها، تهدهدها، صوتها المرح يغني مع أم كلثوم، طويلة فارعة القوام ~~مملوءة بالشباب، ذراعاها قويتان ترفعان الطفلة حتى السماء دون عناء، جلبابها الطويل من ~~الكستور المشجر ينسدل فوق جسمها الممشوق حتى القدمين. ~~- حبيتي مين يا دادة أم إبراهيم؟ ~~- حبيت ربنا سبحانه وتعالى وحبيت سيدنا محمد ألف صلاة عليه وحبيت الإمام الشافعي والسيدة ~~زينب وستنا مريم العدرا. ~~- قصدي الحب التاني يا أم إبراهيم. ~~- الحب التاني أنهوه يا ضكطورة؟ ~~- اللي بتغني له أم كلثوم. # توقف جسمها عن الحركة فجأة، عيناها كستهما سحابة، تجاعيد ظهرت فوق جبهتها العريضة، تقلصت ~~الابتسامة فوق شفتيها، شدت منديلها حول رأسها، عقدته ثلاث عقدات عند منتصف الجبين، بدت في ~~الخمسين مع أنها لا تزال في الثلاثين أو الأربعين. ~~- وراني المر يا ضكطورة خمسة وعشرين سنة، خلفت منه الولدين والبنتين، لولا ربنا أخده كنت ~~ضربته بالفاس وخلصت منه. ~~- وراكي المر إزاي يا أم إبراهيم؟ ~~- «كان يضربني كل ليلة، لا يمكن تفوت ليلة من غير ما يضربني بفلقة الحمارة، من غير سبب ~~والله يا ضكطورة، أصل الضرب ده عادة في بلدنا من ليلة الدخلة لازم العريس يضرب عروسته ms307 عشان ~~تعرف إن الله فوق وجوزها تحت، وراني المر يا ضكطورة من أول ليلة لآخر ليلة خمسة وعشرين سنة، ~~كنت عيلة صغيرة ألعب مع العيال، بزازي ما طلعوش، والعادة ما جاتنيش، ويا لا هوب مسكوني ~~وجوزوني أبو إبراهيم، وهربت منهم في الجرن، لكن الولية الداية الآرحة مسكتني هي وأمي وخالتي ~~وعمتي، وكتفوني زي الفرخة، وخبوا راسي بالبشكير عشان أبو إبراهيم ياخد وشي، نزف الدم يا ~~ضكطورة وكنت هاموت وبدل الجوازة تبقى جنازة.» # صوتها يذكرني بالمرحومة جدتي، كنت طفلة أجلس إلى جوارها في صحن الدار وهي تنقي الغلة، ~~اليوم أنا الطبيبة في القرية، لا تزال هذه العادة موجودة، ليلة الزفاف تفض بكارة العروس ~~بإصبع الداية أو العريس، يشق بظفره المدبب غشاء البكارة، يتلقى الدم الأحمر فوق البشكير ~~الأبيض، يرفعه عاليا لتراه العيون المجتمعة في الحفل، تنطلق الزغاريد من حلوق النساء، يرفع ~~والد العروس رأسه في زهو، لم يعد له زهو في حياته المرة إلا دم ابنته العذراء، إن لم ينزف ~~الغشاء ليلة الزفاف يضيع شرف الرجل، لا يسترد شرفه إلا بإراقة دم ابنته، منذ نشوء الزواج في ~~التاريخ أصبح لدم المرأة دور ثلاثي تجاه شرف الرجل: (1) إثباته (2) إنكاره (3) استرداده. ~~ليس للرجل دور فيما يخص شرفه، الرجل لا يعيبه إلا جيبه، إذا امتلأ جيبه بالفلوس أصبح ~~شريفا، لا يتعلق شرف الرجل بسلوكه بل بسلوك بناته ونسائه: «يا أم إبراهيم لازم العادات دي ~~تتغير.» ~~- «يا ريت يا ضكطورة يا ما بنات نزفوا الدم ليلة الدخلة وبنت عمي ماتت موت، دفنوها ليلة ~~فرحها، كله من الدايات يا ضكطورة.» # الدايات؟ رنت في أذني الكلمة، أضاءت نقطة ضوء، أيمكن الوصول إلى هؤلاء الدايات، كانت ~~الداية هي الحكيمة في القرية، مثل حلاق الصحة، يقوم بعمل الجراحات الصغيرة، فتح الدمامل ~~والخراريج ، خلع الأسنان، طهارة الأولاد، والداية تقوم بطهارة البنات، كلمة «الطهارة» باللغة ~~العامية تعني «الختان». # في كلية الطب لم ندرس شيئا عن العادات الصحية الضارة المنتشرة في الريف والمدن منها عادة ~~ختان الذكور والإناث، تخرجت طبيبة دون أن ms308 أعرف شيئا عن «البظر» أو غشاء البكارة، بدأت أعلم ~~نفسي بنفسي، أحضر مع أم إبراهيم الأفراح والمآتم، أشهد حفلات الزواج، فض غشاء البكارة، ختان ~~الأولاد والبنات، لم تكن الدايات وحلاقو الصحة يرحبون بوجودي، في يوم رأيت حلاق الصحة يعطي ~~حقنة في فخذ امرأة فلاحة دون أن يرفع جلبابها «إزاي تعمل كده يا راجل؟» «أعمل إيه يا ضكطورة ~~أصلها مكسوفة ومش عاوزة وركها يتعرى!» في إحدى عمليات الختان لطفل عمره ثمانية أيام بتر ~~حلاق الصحة رأس القضيب، نزف الطفل، كاد أن يموت لولا أن نقلناه بسرعة إلى الوحدة، تم إيقاف ~~النزيف، بقي بالقسم الداخلي حتى التأم الجرح، لكن القضيب ظل بلا رأس، في إحدى حفلات الزفاف ~~ثقب ظفر العريس مثانة العروس وهو يفض بكارتها، حملوها فوق الحمارة بعد منتصف الليل، أتوا ~~بها إلي وهي بين الحياة والموت. # النزيف الناتج عن ختان البنات كان شائعا، تلوث الجرح شيء طبيعي، لم يكن لدى الدايات من ~~وسائل تطهير الجروح إلا تراب الفرن. # يوم الخميس كان المرور على البيوت، تخرج فرقة الممرضات مع المثقف الصحي، يتحدثون مع ~~النساء والرجال عن وسائل الوقاية من الأمراض، البلهارسيا والإنكلستوما والملاريا والدرن ~~الرئوي، أضف إليها الأمراض الاجتماعية: ختان الذكور والإناث، فض غشاء البكارة، بدأ حلاقو ~~الصحة والدايات يحاربون فريق الثقافة الصحية، عقدت لهم اجتماعا في الوحدة، بدأت برنامجا ~~من الندوات في القسم الصحي لرفع الوعي لدى الدايات وحلاقي الصحة، كنت كمن ينفخ في قربة ~~مقطوعة، وقالت أم إبراهيم: «ومنين ياكلوا يا ضكطورة إذا ما كانش فيه طهارة ولا أخد وش ~~العرايس؟» # الفصل الرابع # | الاعتداء الثلاثي # صوت جمال عبد الناصر يدوي في الراديو: سنقاتل، سنقاتل! كان الاعتداء الثلاثي قد وقع في 29 ~~أكتوبر 1956م، الجيوش الثلاثة ضربتنا من البر والبحر والسماء، إسرائيل وإنجلترا وفرنسا، ~~بدأت المقاومة الشعبية في القاهرة، تطوعت سامية ورفاعة وأسعد شقيق صفية، صوت جمال عبد ~~الناصر في الإذاعة يحث الشعب على القتال، منذ الطفولة أحلم بجبهة الحرب، تلوح لي في النوم ~~كأنما هي الحب، أرتدي بدلة الصاعقة ms309 أضرب العدو أحرر الوطن، أهتف بصوت أبي: تحيا مصر ~~حرة! # خلعت معطف الأطباء وارتديت بدلة حرب العصابات، نسيت ما حدث للفدائيين قبل حريق القاهرة، ~~كان ذلك أيام الملك والحكومة الخائنة، اليوم أصبحت الحكومة وطنية، جاءنا من مدينة بنها بعض ~~رجال الجيش، تحولت الوحدة إلى معسكر للتدريب على السلاح، تطوع الممرضون والممرضات، تكونت ~~فرقة الإسعافات الأولية، ارتفع علم مصر فوق مباني الوحدة البيضاء، في الليل أجلس في الشرفة ~~أتطلع إلى النجوم، أطرز في ضوء القمر الحروف فوق بدلة الصاعقة: «سنقاتل حتى النصر»، منذ عشر ~~سنوات في حلوان وقفت في نافذة المدرسة الثانوية، إلى جواري زميلاتي فكرية وفاطمة وصفية، ~~نطرز فوق البادج الكلمتين: «الجلاء بالدماء»، فوق أصابعي أستعيد خدوش السلسلة الحديدية، ~~وضربات المسطرة الحادة، وصوت الناظرة يهددني بالطرد، في قلبي جرح لم يلتئم، وجه الشهيد أحمد ~~المنيسي، وصوت أحمد حلمي يأتيني كأنما من قاع البئر: «تركونا وحدنا نواجه مصيرنا تحت الرصاص ~~وأصبحوا هم الأبطال، أما نحن الذين حملنا السلاح وحاربنا فقد أصبحنا مطاردين مثل ~~المجرمين.» # تراني أم إبراهيم داخل المعسكر فوق كتفي البندقية، تمسح دموعها بطرف طرحتها السوداء: ~~«مالك وماللحرب يا ضكطورة، قطيعة تقطع الحرب واللي جابوها، قلبي انكوى من الحرب تمان سنين، ~~ابني البكر إبراهيم راح فلسطين، كان مع جمال في الفلوجا، كل ليلة أشوفه في المنام، يقولي ~~أنا راجع يامه، تمان سنين يا ضكطورة ما اعرفش إن كان ميت ولا حي!» # في الخامسة والعشرين من عمري لم أفكر في الموت، كان بعيدا عني أبعد من نجوم السماء، لم ~~تكن الحرب في خيالي تعني الموت، حلم الطفولة هو الباقي في ذاكرتي، ورثته عن أبي، ضاعت من ~~مخيلتي الأحداث الأليمة، فجيعة القلب في الحب، يذوب الحزن في جسدي كما تذوب السموم، في ~~أعماقي الطفلة لا تموت، الفتاة الصغيرة العذراء لم يمسها بشر، أصحو في الصباح مشرقة متجددة ~~كالشمس، أغني لطفلتي في سريرها: # طلعت يا محلا نورها شمس الشموسا ... ياللا بنا نملا ونحلب لبن الجاموسا. # تضحك ابنتي تكركر بالضحك، أحوطها بذراعي، بدأت أعطيها ms310 لبن الجاموسة الطازج المخفف ~~بالماء، تحلبه عمتي فاطمة في كفر طحلة، ترسله إلي فوق الحمارة مع الزبدة والقشدة والجبنة ~~القريش، لم تكن طفلتي تأكل إلا عصيدة القمح، الأرز المسحوق المطبوخ على النار مع اللبن ~~المخفف بالماء، نصف صفار البيضة المدهوك بقطعة جبن، مع قليل من عصير العنب أو البرتقال، ~~تجلس في كرسيها العالي إلى المائدة أمامها حاجز يمنعها من السقوط، كرات حمراء وخضراء وزرقاء ~~وصفراء، تحركها بأصابعها الطفولية، تتصادم الكرات بصوت الموسيقى، تهز رأسها مع اللحن وتغني: ~~دي دي تيا ... دي دي تيا ... # في الدور الأرضي أسمع صوت أم إبراهيم تدندن لنفسها بالموال القديم: # في البر لم فتكم في البحر فتوني، بالتبر لم بعتكم بالتبن بعتوني ... # يتصاعد صوتها العذب مع نكهة الشاي والفطيرة الساخنة في الفرن، تعود إلي رائحة أمي ~~وصوتها يغني وأنا طفلة. ~~- صباح الخير يا ضكطورة، الفطور جاهز ع السفرة. # أصبحت دادة أم إبراهيم جزءا من أسرتي الصغيرة، تهدهدني في السرير، تدللني، تغمرني بالحب، ~~تعوضني عن الأم الغائبة والحب المفقود، تتربع فوق الشلتة بجوار السرير، تحكي لي قصتها من ~~يوم ولدتها أمها، وقصة أمها وجدتها ونساء طحلة وكفر طحلة، قبل أن تنام تطل على ابنتي في ~~سريرها، تحكم إغلاق النوافذ والأبواب، تأتيني إلى سريري لتحكم من حولي الغطاء، تمسك ~~قدمي اليمنى تدلكها بين يديها الكبيرتين القويتين، ثم القدم اليسرى، وتعود إلى القدم ~~اليمنى، حتى يذوب التعب المتراكم طوال السنين. ~~- يا ضكطورة طول النهار واقفة على رجليكي في أوضة الكشف، واللي زاد علينا كمان المعسكر، ~~إلهي يعينك وينصرك على أعدائك وأولهم الراجل اللي اسمه «خير الله»، الرجل ده كله شر، ولازم ~~يكون اسمه شر الله! وهو اللي كان لازم يشيل السلاح ويروح الحرب مش يقعد هنا زي ~~المره! # كلمة «المره» خرقت أذني بصوتها الحاد ، تعني باللغة الدارجة «المرأة»، أكبر إهانة للرجل ~~المحترم أو غير المحترم أن يقال له «أنت مره»، كيف نطقت أم إبراهيم بهذه الكلمة؟ ألا ترى ~~أني امرأة وهي أيضا امرأة وهذه الإهانة تشملني وتشملها؟ ~~- سامحيني يا ms311 ضكطورة إلهي يشل لساني إن نطقت الكلمة دي تاني! أصل لساني واخد على كلام ~~الفلاحين الزفر، لكن المره ما لها يا ضكطورة، فيه مره بعشرين راجل من زي اللي ما يتسماش خير ~~الله! # أصبح المعسكر في الوحدة خلية من النحل، الشباب من القرى الأربع تسابقوا للتدريب على ~~السلاح، الفتيات دخلن فريق الإسعافات الأولية، لم تقبل على حمل السلاح إلا الحكيمة زينات، ~~كانت تتدرب معي على الرماية، أحد المدربين ضابط في الجيش ينادونه «اليوزباشي علاء»، أبيض ~~البشرة طويل يميل إلى البدانة عريض الكتفين، تلمع فوقهما النجوم العسكرية، يأتي كل يوم داخل ~~عربة جيب، شاربه أسود كثيف، عيناه زرقاوان ضيقتان تنغلقان حين يضحك، يقفز لحم وجهه ليصبح ~~مستديرا كوجوه الأطفال، تتلاشى العينان إلا من خطين رفيعين تحت الحاجبين الكثيفين، صوته ~~يخرج من الأنف، تشوبه رنة استعلاء، كبرياء الطبقة الجديدة مع التهاب الجيوب الأنفية. ~~- يا دكتورة الشعب فقير وجاهل لو مسك السلاح في إيده أول ما يضرب الحكومة، وعندي أوامر من ~~القيادة العليا بعدم توزيع السلاح على الشباب في المعسكرات. # كان متحمسا لتدريبي على الرماية وإطلاق النار، لم يكن متحمسا لسفري إلى بورسعيد ضمن ~~المقاومة الشعبية. ~~- «هي بلدنا ما فيهاشي رجالة يحاربوا؟ المرأة رقيقة زي ورق السوليفان، معقول تروحي الحرب ~~يا دكتورة نوال وتقتلي زي الرجالة؟» # لم يكن يكف عن ترديد هذه العبارات، نوع من الغزل الركيك يصيبني بالنفور، يده يتركها فوق ~~كتفي حين يعلمني كيف أحمل البندقية، عيناه تختلسان النظر إلى صدري تحت بدلة الصاعقة، ترتعش ~~يده السمينة بحركة ملحوظة، إذا التقيت عيوننا يتراجع إلى الوراء كالفأرة أمام القط، أعطاني ~~لقب «الكابتن»، وأطلق علي اسم «وايلد كات»، تعني بالإنجليزية القطة المتوحشة # Wild cat ~~. # انتهيت من فحص المرضى في العيادة الخارجية، جاء اليوزباشي علاء، «تسمحي يا دكتورة نوال ~~أتكلم معاكي ؟» طلبت له فنجان قهوة، يحلو له الحديث عن نفسه، بطولاته في القوات المسلحة، ~~الميدالية التي أخذها من يد عبد الحكيم عامر، شهادة التقدير حصل عليها من الكلية الحربية، ~~جائزة التفوق في الإبراهيمية الثانوية، ms312 الفائز الأول في مسابقة الجري بالمدرسة الابتدائية، ~~يضع يده البيضاء السمينة داخل صدره، يخرج محفظة جلدية منتفخة يشد منها جراب من البلاستيك ~~الشفاف «دي صورتي في المير دي دييه يا دكتورة نوال.» # تخرج كلمة «المير دي دييه» من تحت شاربه الأسود الضخم رقيقة منفردة، صديقتي بطة تخرجت ~~من هذه المدرسة الفرنسية، كانت تتفاخر بها، تمد عنقها كالديك الرومي وتقلب الراء إلى غين ~~«الميغ دي دييه» الكلمة تعني بالعربية «أم الله»، عبارة كافرة في الإسلام، الله ليس له أم، ~~لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، كان اليوزباشي علاء في الإخوان المسلمين من أعوان ~~كمال الدين حسين، «إزاي يا أستاذ علاء تبقى مسلم وموحد الله وتدخل مدرسة أم الله؟» # السؤال كان مفاجئا، ربما لم يكن يعرف أن المير دي دييه تعني أم الله، تصاعد الدم إلى ~~وجهه، أخرج من الجراب صورة والده: «أنا كنت طفل يا دكتورة وطبعا والدي هو اللي دخلنا ~~المدرسة، مستوى التعليم فيها كان مرتفع عن مدارس الحكومة، كل العائلات المحترمة في مصر كانت ~~تعلم أولادها في المدارس دي، والدي كان أميرالاي في الجيش أيام الملك فاروق، بعد الثورة ~~أصبح في البيت، مالوش شغلة غير أنه يشتم جمال عبد الناصر، وكل ليلة يحلم إنه ضربه بالرصاص، ~~يصحى من النوم يسمع صوته في الراديو يعرف إنه لسه صاحي، يتنكد طول النهار، رفع إيده عليها ~~وضربها، صممت على الطلاق بعد ثلاثين سنة زواج.» # كان يرشف القهوة ويحكي، ملامح أبيه في الصورة تشبه السفاحين، «وكان والدك بيضربك وأنت ~~طفل؟» أعاد الصورة إلى الجراب وابتسم: «والدي كان راجل عسكري يؤمن بمبدأ الطاعة أو ~~الضرب.» # في المعسكر يدربنا اليوزباشي علاء على الرماية، رئيس الوحدة العسكرية في بنها كان يزور ~~المعسكر أحيانا، يقف أمامه اليوزباشي علاء كالتلميذ المؤدب «حاضر يا افندم» يؤدي التحية ~~الموروثة منذ الاحتلال التركي، يخبط كعبيه، يرفع ذراعه اليمنى حتى يلامس إبهامه جبهته، مع ~~الشباب من الفلاحين ينقلب الحمل الوديع إلى أسد، يخاطبهم بلهجة آمرة، إن أخطأ أحدهم يشتم ms313 ~~أمه وأباه «يا ابن ال ...» وفي يده عصا من الخيزران يلسع بها أجسامهم، في يوم رأيته يضرب أحد ~~الشباب في المعسكر، تذكرت طنط نعمات حين كانت تضرب الخادمة شلبية، وأمي حين كانت تضرب ~~السجادة العجمية، كان الشاب غلاما تطوع في فريق المقاومة الشعبية، نحيف الجسم يرتدي ~~جلبابا قديما، بشرته سمراء تعلوها بقع بيضاء علامة المرض بالأنيميا أو فقر الدم، مرض ~~معروف في الطب باسم البلاجرا، نقص في الغذاء يصيب نهايات الأعصاب بالتبلد، منتشر بين أبناء ~~الفلاحين الفقراء، يؤدي إلى الخمول والفهم البطيء، لم يكن الغلام يلبي الأوامر بالسرعة ~~الواجبة، ينهال عليه اليوزباشي علاء بالعصا الخيزران، يهبط بها على الجسم الهزيل، لا يلين ~~للتوسلات، يزداد قسوة كلما ازداد الغلام ضعفا، العصا الخيزران في يده كالكرباج، يمسكها ~~بأصابعه الغليظة، ينتقض جسده الضخم كالدب الأبيض، ينفض عن فروته الغضب كرذاذ الماء، كالمياه ~~الراكدة تحت الجلد، مكبوتة في ثنايا اللحم منذ الطفولة، ينتفض مع انتفاضة الغلام المضروب، ~~الضارب نفسه بنفسه، ويغمض عينيه، يجز على أسنانه، يرفع العصا عاليا في السماء، كأنما يضرب ~~السماء، بالضبط كان يضربها، كأنما هي الهدف، أو الوجه المتخفي وراء السحابة، له ملامح أبيه، ~~مرسوم عليه كلمة الله. # وقع الاعتداء الثلاثي، دخل جيش إسرائيل سيناء، تبعته جيوش إنجلترا وفرنسا في دخول ~~بورسعيد، منذ أنشأها الإنجليز في عام 1948م أصبحت دولة إسرائيل هي أداة الاستعمار في العالم ~~العربي، كلمة الاستعمار غير صحيحة مشتقة من الفعل «يعمر»، ما يفعله الاستعمار هو «الخراب» ~~وليس العمران، الكلمة الصحيحة هي «استخراب». # منذ تأميم قناة السويس يتأهب الجيش البريطاني لاستردادها، منذ مساندة مصر للثورة ~~الجزائرية يتأهب الجيش الفرنسي للانتقام، كانت الخطة هي أنه تضرب إسرائيل الضربة الأولى ~~وتحتل سيناء، هكذا تفسح المجال لبريطانيا وفرنسا للدخول تحت الحجة المعروفة: الحماية أو فك ~~الاشتباك! # كان يوم جمعة ، وكنت أتمشى فوق جسر النيل تحت أشعة الشمس، نسمة الهواء خريفية ناعمة، لم ~~تفقد بعد حرارة الصيف، لم تكتسب بعد برودة الشتاء، أحيط كتفي بشال من الصوف الخفيف، ~~لونه أزرق، اشتغلته بيدي، ms314 أدفع أمامي العربة ذات الكبوت داخلها ابنتي، بلغت مشارف الحدود ~~بين طحلة وكفر طحلة، رأيت المظاهرة مقبلة نحوي، عددهم يقارب المائة أو أكثر، تلاميذ وطلاب ~~الأزهر والجامعة جاءوا في الإجازة، يحملون لافتة طويلة من الدمور كتبوا عليها بالخط النسخ ~~«يسقط الاعتداء الثلاثي الغاشم»، بعضهم يحمل صورة جمال عبد الناصر، يتقدم المظاهرة تلميذان ~~يحملان صورة كبيرة لبريطانيا على شكل دب أبيض تربعت فوق رأسه امرأة في قدميها حذاء له كعب ~~عال مدبب كالمسمار يعلو رأس بريطانيا العظمى، يدوي الهتاف. ~~- يسقط الإنجليز اللي بتحكمهم مره! ~~- يسقط الجيش البريطاني جيش النتاية! # كلمة «النتاية» اخترقت رأسي مثل طلقة الرصاص، باللغة الدارجة تعني الأنثى، ترن في أذني ~~أكثر إهانة من كلمة مره، تنطوي على معنى الجنس المدنس، تشملني من رأسي إلى قدمي كأنما أنا ~~هذه النتاية التي يهتفون بسقوطها، كنت أعرف أنهم يشتمون ملكة بريطانيا، فلماذا يشملون معها ~~كل امرأة وكل أنثى؟ كان يرأس فرنسا رجل، فلماذا لا يهتفون «يسقط جيش الذكر!» لماذا لا ~~يشتمون معه كل رجل وكل ذكر؟ إذا أخطأت امرأة واحدة أصبحت كل النساء آثمات كأمهن حواء، وإذا ~~أخطأ رجل واحد فإن رجلا واحدا أخطأ وآدم بريء وكلهم أبرياء. # كنت واقفة جامدة كالتمثال، سارت المظاهرة في طريقها فوق الجسر، تصاعد الغبار تحت أقدامهم ~~يضربون الأرض بقوة، ملأ أنفي التراب مع المهانة، لم أعد الطبيبة التي تعالجهم من الأمراض، ~~الفدائية المتأهبة للسفر إلى جبهة القتال، تحولت إلى كلمة نابية، نتاية، يلفظونها من ~~أفواههم كأنها «نتانة». # كان الشال الأزرق فوق كتفي، هبت عاصفة باردة من ناحية البحر، طيرته في الهواء، جريت وراءه ~~لم ألحقه، رأيته يحلق في الفضاء ثم يهبط إلى بطن الجسر، يرتجف كالحمامة المذبوحة تنزف بدم ~~أزرق. # عدت إلى البيت أرتجف من البرد، ابنتي تسعل وتعطس، عيناها حمراوان، استقبلتنا أم إبراهيم ~~عند الباب: حصل إيه يا ضكطورة كفى الله الشر؟! إيه الهيصة اللي ع الجسر دي؟! ادخلي يا ~~دكتورة من العفرة، مالك صافرة كده زي الليمونة؟ والمحروسة بنتك لازم أخدت برد، قلت ms315 لك بلاش ~~خروج النهاردة والدنيا كلها غيام. ~~- سعادة الباشا يا ضكطورة! ~~- سعادة الباشا مين عبد الفتاح؟ ~~- الباشا الكبير من دار عبد العليم! # دخل إلى مكتبي رجل طويل نحيف يرتدي بدلة أنيقة، من خلفه رجل يرتدي قفطانا من الصوف ~~الإنجليزي فوق جبة حريرية وعمامة بيضاء كبيرة، ومن خلفهما دخل الأستاذ خير الله الاختصاصي ~~الاجتماعي، ومن خلفه ناظر المدرسة الأستاذ عبد المنعم، يلهثان. # كنت أرتدي بدلة المقاتلين، أنتظر من القاهرة إشارة للسفر إلى جبهة القتال في بورسعيد، ~~رمقني الباشا أو البك بعينين متسعتين، تطوع الأستاذ خير الله بالحديث قبل أن أتكلم، صوته ~~تشوبه سخرية خفيفة: الدكتورة نوال يا سعادة البيه من المتحمسين للثورة وجمال عبد الناصر. # امتقع وجه عبد العليم بيه لسماع الاسم «جمال عبد الناصر»، تسرب منه الدم، أصبح شاحبا ~~أكثر طولا ونحافة، شفتاه الرفيعتان تقلصتا بحركة عصبية، أسنانه صغيرة مدببة بلون الدخان، ~~أخرج سيجارا غليظا داكن اللون، ثبته بين شفتيه بأصابع مرتعشة، أشعله بعود كبريت، عود ثان ~~حين انطفأ، عود ثالث، نفخ من فمه وأنفه دخانا كثيفا أسود، تمتم بصوت لا يكاد يسمع: الراجل ده مش هايجيبها البر! # انكمش الناظر داخل بدلته الرصاصية وأخفى نصف وجهه بالكوفية حول عنقه، أسدل جفونه كأنما لم ~~يسمع شيئا، كان يكفي أن يسمع المرء كلمة ضد جمال عبد الناصر حتى يصبح من أعداء ~~الثورة. # كان الأستاذ خير الله مثل الناظر موظفا بالحكومة، أعلى درجة أو درجتين، ينتمي إلى طبقة ~~خريجي الجامعة المثقفين، له قطعة أرض يملكها، وصلات بأصحاب الأراضي، عائلة عبد العليم ذات ~~سطوة وأرض ومال، وأعضاء في مجلس النواب والشيوخ في عهد الملك، وصداقات ومصاهرات بالطبقة ~~العسكرية الجديدة بعد الثورة، لهم أمام الوحدة قصر كبير يخلو من السكان معظم شهور السنة، ~~يمتلئ بالرجال في موسم الانتخابات أو جمع المحاصيل. # كانت الزيارة قصيرة، أبلغني عبد العليم بيه بصوت رقيق من خلال دخان السيجار أنه سمع عن ~~كفاءتي الطبية، جاء في إجازة أسبوع مع زوجته للاستجمام في العزبة، أصابها نزيف من الرحم ~~فجأة. ~~- يا ريت ms316 يا دكتورة نوال تفتحي عيادة خاصة في طحلة. ~~- ليه يا أستاذ عبد العليم؟! ~~- فيه ناس لا يمكن يدخلوا الوحدة أو أي مستشفى حكومي. ~~- ليه يا أستاذ؟ ~~- مستوى الخدمة دائما أقل من العيادات الخاصة. ~~- الوحدة دي فيها كل الأدوية والأجهزة وفيها خدمة أعلى من العيادات الخاصة، ثم إن قانون ~~الوحدات المجمعة يمنع الدكاترة من فتح العيادات الخاصة. # لم يكن الأستاذ خير الله مسرورا من هذا الحوار، لم تعجبه طريقتي في الرد على سعادة ~~الباشا أو البيه: «وتقوليله «أستاذ» كده حاف، مش عارفة إنه ممكن يوديني في داهية.» ~~- «وإنت مالك يا أستاذ خير الله.» ~~- «أيوه مالي يا دكتورة، لأني أنا رئيس الوحدة وأنا المسئول.» ~~- «يا أستاذ أنا المسئولة عن كلامي مش إنت!» # تحت اسم رئيس الوحدة لم يكن خير الله يكف عن التدخل في شئوني، كان عاطلا طول النهار، بلا ~~وظيفة إلا الجلوس تحت التكعيبة والدردشة مع ضيوفه، يشربون الشاي ويدخنون، يكركرون بالضحك ~~والجوزة، يتمشى معهم في مزرعة الوحدة، كأنها جزء من أملاكه، يرمق المزارعين من طرف أنفه ~~كأنهم عبيد الأرض، يستعرض سلطته بالشخط في الموظفين، يقتحم مع ضيوفه القسم الصحي، يتباهى ~~أمامهم بغرفة العمليات، والمرضى الراقدين في القسم الداخلي، والممرضين والممرضات بملابسهم ~~البيضاء النظيفة، يفتح غرفة الكشف دون استئذان، قد أكون منهمكة في فحص مريض أو ~~مريضة. ~~- يا أستاذ خير الله دي أوضة الكشف مش المزرعة. ~~- أنا رئيس الوحدة يا دكتورة نوال، من حقي المرور في أي وقت. ~~- لأ يا أستاذ، مش من حقك دخول أوضة الكشف، ومش من حقك التفتيش على القسم الصحي، دي ~~مسئوليتي أنا! # هكذا كان يدب الصراع بيني وبينه، كانت اللائحة تقول إن رئيس الوحدة مسئول عن الأعمال ~~الإدارية فقط، لم يكن يأبه بالقانون، له معارف من ذوي النفوذ، يتفاخر بأنه قادر على الإطاحة ~~بأي أحد لا يخضع للأوامر. # يوم 6 نوفمبر 1956م تحولت مدينة بورسعيد إلى قطعة من النار، صوت عبد الناصر يدوي في ~~الراديو، «سنقاتل حتى النصر»، القنابل والصواريخ تتساقط من الطائرات، والأسطول يضرب من ms317 ~~البحر، الدبابات نزلت في الشوارع، القناصة هبطوا بالطائرات الهليوكبتر على سطح البيوت، ~~أطلقوا النيران على الناس في النوافذ والمارة في الشوارع، دافعت النساء والأطفال عن حياتهم ~~من حارة إلى حارة، ومن بيت إلى بيت بالحجارة والشوم والسكاكين، تكونت فرق من الفدائيين، ~~فتيان وفتيات وأطفال من أهل بورسعيد، أمسك الإنجليز غلاما صغيرا كان يقاتل، ضربوه، عذبوه ~~ليعترف على زملائه الفدائيين، لم ينطق بكلمة واحدة، قلعوا عينيه ثم قتلوه دون أن يفتح فمه، ~~غلام آخر في حي المناخ قتلوه أمام أمه، عذبوها لتدلي بشيء عن الفدائيين ماتت دون أن ~~تنطق. ~~- ماتت يا ضكطورة؟ ~~- أيوه ماتت يا أم إبراهيم. ~~- يا كبدي عليها لازم قلبها انحرق على ابنها، لكن الموت أهون من اللي أنا فيه، لا أنا ~~عارفة ابني حي ولا ميت، لو عرفت إنه مات يمكن قلبي يبرد شوية، خايفة يكونوا بيعذبوه في ~~السجن جوه إسرائيل! # قلب الأم المكلومة منذ حرب 1948م، قلوب الأمهات المكلومات في حرب 1951م، في حرب 1956م، في ~~حرب 1973م، الحروب الخمس شهدتها في حياتي، أريقت فيها الدماء، أغلب الضحايا بنات وأبناء ~~الفلاحين الفقراء الجنود المجهولين والمجهولات، لا يملكون من أرض الوطن شبرا، لا تمنحهم ~~الحكومة إلا الفقر أو الطعن في الظهر، الصوت الحزين يأتيني من قاع البئر: «نحن الذين حملنا ~~السلاح وحاربنا أصبحنا مطاردين مثل المجرمين ...» في فناء كلية الطب قطعة من الحجر عليها ~~أسماء الشهداء، سقطت تحت المبنى الجديد واندثرت في التاريخ. ~~- بلدنا زي الغولة يا ضكطورة تأكل ولادها، ياما بهدلوني في الحكومة، وأنا رايحة جاية من ~~طحلة لمصر، زي الفرخة الدايخة، أسألهم ابني فين يا ناس، ما شفتش منهم إلا البهدلة، ما شفتش ~~قرش واحد من معاش ابني اللي راح الحرب ولا رجعشي، تمان سنين يا ضكطورة سنة ورا سنة لغاية ما ~~روحي طلعت وخلاص بطلت أسافر مصر! # عاشت مدينة بورسعيد ثمانية وأربعين يوما تحت الحصار، في منتصف ليلة 7 نوفمبر أصدرت ~~الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرارها بوقف القتال، هدد الاتحاد السوفييتي بضرب لندن ~~وباريس بالصواريخ، ms318 أعلنت الولايات المتحدة موافقتها على القرار بإيقاف النار، لم يعد أمام ~~الجيوش الثلاثة إلا الانسحاب، وخرج آخر جندي بريطاني من بورسعيد يوم 23 ديسمبر ~~1956م. # كنت أحرك مفاتيح الراديو لأسمع الأخبار، إذاعة صوت العرب في القاهرة ضربت بالقنابل، ~~أعلنت سوريا أنها ستنطلق من إذاعة دمشق، أناشيد النصر من محطة القاهرة لم تتوقف، في أعماقي ~~إحساس غامض بالهزيمة تدربت على السلاح مع مجموعة من شباب القرية، تأهبا للسفر إلى بورسعيد، ~~كل يوم نسأل اليوزباشي علاء: لماذا لا نسافر؟ ماذا ننتظر؟ لم يكن عنده إلا رد واحد: ننتظر ~~الإشارة من القاهرة. # انتهت الحرب دون أن تأتي الإشارة، هل كانت المقاومة الشعبية مجرد تهديد سياسي للأعداء، ~~أيمكن لهذه الحكومة أن تسلح الشعب؟! أيمكن أن يتحول الشعب المصري إلى جيش التحرير كما كان ~~الراديو يقول؟ # لم تغير الثورة من جوهر الحكومة المصرية، أقدم حكومة مركزية في التاريخ البشري، تمرست منذ ~~عهود العبودية على قهر الشعب، الثقة مفقودة بين الشعب والحكومة منذ آلاف السنين، تناقض ~~معروف في التاريخ بين الحكام والمحكومين، لا يمكن لحكومة أن تستمر على عرشها! دون أن تسلب ~~الشعب حقوقه الأساسية، أولها المعرفة وثانيها السلاح. # إذاعة القاهرة تحجب عنا الحقيقة؟! لم نعرف ماذا يحدث بالضبط، كنا نتجمع حول الراديو، فريق ~~الإسعافات الأولية، والفريق الذي تدرب على السلاح، نحرك مفاتيح الراديو بحثا عن الإذاعات ~~الخارجية، كان معنا شاب فدائي من قرية طحلة، اشتبك مع اليوزباشي علاء في حوار ساخن، قرر ~~السفر إلى بورسعيد دون انتظار الإشارة، تعقبه اليوزباشي علاء وأمسكه في محطة بنها، سلمه ~~لرجال البوليس في مركز الشرطة، ضربوه ثلاثة أيام، عاد إلى القرية ذراعه مكسورة، تجمع الشباب ~~في المعسكر غاضبين، هتفوا ضد اليوزباشي علاء، تصدى لهم الأستاذ خير الله، هتفوا ضده هو ~~الآخر، كنت في بيتي حين سمعت الهتاف: يسقط الخونة! # في اليوم التالي جاءت إلى القرية فرقة من رجال الشرطة، يتقدمهم رجل من المباحث، قصير مربع ~~يخفي عينيه وراء نظارة سوداء، تم القبض على بعض الشباب، فتشوا البيوت بحثا عن ms319 السلاح، ~~ضربوا الآباء والأمهات، أشاعوا جوا من الإرهاب، ضابط المباحث رأيته يدخل مكتبي في القسم ~~الصحي: «تسمحي يا دكتورة آخذ من وقتك دقيقتين؟ مجرد سؤال أو سؤالين.» # هذه هي لغة البوليس، لم أكن أعرفها بعد، لم أعرف أن الدقيقتين قد تصلان إلى ساعتين أو ~~ثلاث ساعات، وقد تعني ما هو أكثر، حين أخذوني من بيتي في 6 سبتمبر 1981م لم أسمع منهم إلا ~~هذه العبارة: «مجرد سؤال أو سؤالين يا دكتورة» ثم وجدت نفسي داخل السجن. ~~••• # شتاء عام 1957م في قرية طحلة كان باردا مغبرا، الأغاني لا تكف في الراديو، انتصرنا ~~انتصرنا! في أعماقي أدرك الهزيمة، الجرح الغائر في القلب لم يلتئم، أصابع ضبابية تلتف في ~~النوم حول عنقي، أفتح فمي لأصرخ، صوتي لا يطلع، أتكور تحت الغطاء أخفي وجهي، كالطفلة تخاف ~~العفاريت، أهل القرية يؤمنون بوجودها كإيمانهم بوجود الله، كانت أم إبراهيم مثل أهل القرية، ~~تقرأ قبل أن تنام سورة يس، تطرد بها العفاريت وأرواح الجان «ربنا ذكرهم في القرآن يا ~~ضكطورة»، العرافة تقرأ الغيب في الودع والفنجان، العاقرات من النساء يذهبن إلى الشيخ حمدان، ~~يحبلن في الأوضة الضلمة، يزوره الله في المنام، رفع عنه الحجاب رغم أنه أعمى اصطفاه الله ~~وأفقده البصر، أعطاه القدرة على تحبيل النساء وطرد العفاريت من أجسادهن. ~~- «البت مسعودة بنت الحاج زيدان ركبها العفريت يا ضكطورة.» ~~- «عفريت إيه وكلام فارغ إيه يا أم إبراهيم؟!» # تبصق أم إبراهيم في فتحة جلبابها عند العنق: «أستغفر الله العظيم، ربنا يجعل كلامك خفيف ~~على قلوبهم يا ضكطورة، ضصطور يا سيادنا ضصطور.» تنهض واقفة، تهش بذراعيها العفاريت من حولها ~~كما تهش الذباب: «الحاج زيدان أخد بنته مسعودة للشيخ حمدان لكن العفريت فضل راكبها يا ~~ضكطورة.» ~~- «الشيخ حمدان ده راجل نصاب يا أم إبراهيم.» ~~- «أستغفر الله العظيم، ده ولي من أولياء الله يا ضكطورة.» # لا يمر يوم دون أن تحكي أم إبراهيم شيئا عن العفريت الذي ركب مسعودة بنت الحاج زيدان، ~~كان أبوها يدور بها على المشايخ العميان في القرى ms320 المجاورة: «ربنا كشف الحجاب عنهم يا ~~ضكطورة، ما حدش يعرف ربنا إلا العميان.» # الفصل الخامس # | عودة المكبوت # قصة مسعودة والعفريت حديث القرية، لم يكن عفريتها مثل العفاريت الأخرى، يتحدى أولياء الله ~~الصالحين، ربما يكون هو الشيطان ذاته، «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» عبارة تجري على ألسنة ~~أهل القرية من المهد إلى اللحد، لا تكف أم إبراهيم عن الاستعاذة بالله من الشيطان والجن ~~والعفاريت، أصبحت أطارد هذه الكائنات داخل عقلها، وعقول النساء والرجال في القرية، يوم ~~الخميس كان المرور على البيوت، الحكيمة زينات والممرضات والمثقف الصحي جبهة واحدة ضد ~~الخزعبلات، «ما فيش حاجة اسمها عفاريت يا ناس، ما عفريت إلا بني آدم.» هذه العبارة سمعتها ~~من جدتي وأنا طفلة «ما عفريت إلا بني آدم.» # لم يكن سهلا مقاومة هذه الأرواح الخفية، وردت في كتاب الله الكريم، أيمكن لعلوم الطب أن ~~تحارب كلمة الله؟! أكثر الناس مقاومة لنا هو العمدة وأصحاب الأراضي الكبيرة، وشيخ الجامع، ~~وحلاقو الصحة ورجال الأمن من الخفراء، وشيخ الخفر، والشيخ حمدان، كانوا جبهة واحدة، الطبقة ~~الحاكمة في القرية مثل أختها في المدينة، لا يمكن أن تعيش دون وجود العفاريت. # تملكتني إرادة التحدي، أصبحت أمشي في الليل عيناي تشقان الظلمة، أيمكن أن ألتقي بالعفاريت ~~وجها لوجه؟ في طفولتي كنت أخاف السير في الظلام، اليوم أصبحت طبيبة في السادسة والعشرين من ~~عمري، أحمل في يدي كشافا صغيرا، أضرب في الظلام ضد القوى الغيبية. ~~- قوليلي يا مسعودة العفريت ركبك إمتى وفين؟ ~~- ما اعرفش يا ضكطورة وحياة ربنا ما اعرفش. # كانت راقدة في صحن الدار، أبوها الحاج زيدان يؤمن أن الله هو الشافي وليس الأطباء، أمها ~~الحاجة فطنة ترى أنها ورثت الجنون عن عمتها شقيقة أبيها، ركبها العفريت ولم يغادرها حتى ~~حرقت نفسها، سكبت صفيحة الجاز فوق رأسها ثم أشعلت عود الكبريت، صورة مسعودة تؤرقني في ~~الليل، تطاردني في النوم، أراها تجري فوق الجسر والنار مشتعلة فيها، صراخها يأتيني من تحت ~~الوسادة، كالطنين في أذني، كالأنين الممدود يناديني، يذكرني بأنين جدتي وأنا ms321 طفلة، وأنين ~~أمي وطنط نعمات وكل امرأة سمعتها تئن في الليل. ~~- أنا رايحة لمسعودة في بيتها لازم أسمع منها حكاية العفريت ده! ~~- يا ضكطورة الشغل عليكي بيزيد وطوابير العيانين مالهاش نهاية، بلاش زيارة البيوت ما ~~ينوبك منها إلا البراغيث. ~~- يا أم إبراهيم حكاية العفاريت دي مش داخلة مخي، المسألة فيها سر لازم أكشفه. ~~- يا ضكطورة حاتكشفي على إيه والعفاريت دول ربنا يكفيكي شرهم، مالهومش إلا الأقوى ~~منهم. ~~- أنا رايحة لمسعودة يا أم إبراهيم، لا يمكن أكون الدكتورة هنا وأسيبها وحدها ~~للعفاريت. # في أعماقي صوت يدفعني إلى مسعودة، صوت عميق بعيد يأتي من الطفولة، فوق شاطئ البحر أراها ~~تمشي، سعدية الخادمة تكبرني ببضع سنوات قليلة، طفلة جسمها نحيف كالبوصة، هربت من البيت بعد ~~أن ضربتها أمي، أرادت العودة إلى أمها في كفر الشيخ، تاهت على شاطئ الإسكندرية وفي أذنها ~~حلق من الصفيح. ~~- قوليلي يا مسعودة العفريت ركبك إزاي؟ ~~- مش عارفة يا ضكطورة. ~~- حاولي تفتكري يا مسعودة. ~~- مش فاكرة حاجة يا ضكطورة. # صوتها يذكرني بشلبية الخادمة الصغيرة في بيت المرحوم جدي، لهجتها وملامحها، نحيفة الجسم ~~سمراء البشرة، عمرها كان أربعة عشر عاما، ترتدي جلبابا واسعا، متكورة حول نفسها، تشد ~~أطراف الجلباب حول جسمها، عيناها سوداوان واسعتان ترفعهما نحوي ثم تخفي رأسها بين ركبتيها، ~~أخذتها طنط فهمية إلى محطة القطار، ثم عادت بدونها. ~~- يا مسعودة حاولي تفتكري أنا ممكن أساعدك. ~~- مش فاكرة حاجة يا ضكطورة. ~~- العفريت جالك منين يا مسعودة، من قدامك ولا من وراكي؟ ~~- من ورايا يا ضكطورة. ~~- من وراكي إزاي يا مسعودة؟ ~~- كنت راكعة يا ضكطورة بعد ما صليت العشا جه من ورايا وركبني. # انتفضت أمها الحاجة فطنة، كانت جالسة إلى جوارها متربعة داخل جلبابها الأسود، أخفت نصف ~~وجهها بطرف طرحتها السوداء: «إلهي يخزيكي يا بت يا مسعودة، العفريت يخاف من ربنا يا بت ~~ويخاف من سجادة الصلا، إلهي يخليكي يا ضكطورة شوفيلها دوا أصلها مجنونة زي المرحومة عمتها.» ~~نهضت مسعودة فجأة كادت تضرب أمها: «إنتي المجنونة يامه ربنا ياخدك!» رنت ms322 العبارة في أذني، ~~أضاءت شيئا في رأسي، ماذا فعلت الأم حتى تتمنى لها الابنة الموت؟ لم يكن للابنة أن تنطق في ~~حضور أمها، حاولت التخلص من الأم، تلازم ابنتها كظلها، إن دخلت المرحاض تدخل وراءها: «خايفة ~~تعمل في نفسها حاجة يا ضكطورة، المرحومة عمتها حرقت نفسها.» # حالة مسعودة تزداد سوءا يوما بعد يوم، تنهض أحيانا من النوم وتجري هاربة فوق الجسر، ~~يمسكها خفراء الليل، يعودون بها إلى أهلها، أركبها أبوها الحمارة ذات يوم وجاء بها إلي: ~~«خديها عندك في المستشفى يومين يا ضكطورة يمكن ربنا يشفيها.» # في القسم الداخلي أعطيتها غرفة خاصة، تحت رعاية الحكيمة زينات، أمر عليها في الصباح قبل ~~العيادة الخارجية، وفي الظهر بعد الانتهاء من فحص المرضى، قبل أن أنام أزورها في غرقتها، ~~أتحدث معها، أحاول أن أعرف حكايتها، زينات تحنو عليها أكثر من الأم، تعطيها جرعات صغيرة من ~~المهدئات، «هذه الحالات يا زينات لا تعالج بالعقاقير، أو الصدمات الكهربية، لا بد من البحث ~~عن السبب الحقيقي للأزمة.» تفرغت زينات لمسعودة، تشاركها الغرفة، تنام فوق السرير الآخر، ~~تأكل معها، تسهر معها في الليل، «احكي لها عن حياتك يا زينات يمكن تتشجع وتحكي لك عن ~~حياتها.» # في إحدى الليالي جلسنا نحن الثلاث في غرفة مسعودة، كانت زينات تحكي عن طفولتها، هربت من ~~أبيها في حي الشرابية، أراد أن يزوجها من جزمجي عجوز، له حفيدة من عمرها، احتضنتها امرأة من ~~عائلة أبيها كانت ممرضة في قصر العيني، بلا زوج ولا أطفال، أصبحت هي ابنتها، أدخلتها مدرسة ~~التمريض «أنا عمري دلوقتي واحد وتلاثين سنة عاوزة أبقى حكيمة في القصر العيني زي المرحومة ~~خالتي والناس كلها تقول لي اتجوزي يا زينات عشان يكون لك طفل ولا اتنين، لكن الدنيا مليانة ~~أطفال على قفا من يشيل، وياما أطفال اتولدوا على إيديا دول، وياما أطفال في الملاجئ، وإذا ~~كنت عاوزة أطفال أقدر أتبنى طفل منهم، ولا إيه رأيك يا دكتورة؟» ~~- طبعا تقدري يا زينات لكن يمكن تقابلك مشكلة من الناحية القانونية أو الشرعية؛ ms323 لأن ~~التبني ممنوع في الإسلام. ~~- ممنوع ليه يا دكتورة، ده كله خير وبركة، لولا خالتي الحكيمة كان زماني عند الراجل ~~العجوز الجزمجي يعمل في اللي هو عاوزه، كان أكبر مني بخمسين سنة وأنا يدوبك كده من عمر ~~مسعودة أربعتاشر سنة، وكان جسمي يتنفض لما أشوفه يا دكتورة كأنه عزرائيل الموت. # انتفضت مسعودة فوق سريرها لحظة، انفرجت شفتاها عن صوت مبهم، ثم أطبقتهما بإحكام، عيناها ~~ثابتتان فوق زينات وهي تحكي، «لكن يا دكتورة ليه التبني ممنوع في الإسلام، ده سيدنا محمد ~~كان دايما يعطف على اليتامى والأطفال، والملاجئ يا دكتورة حالتها تصعب على الكافر، أنا عشت ~~فيها شهرين قبل ما أعرف طريق بيت خالتي الحكيمة، كان عندنا مشرف بعين واحدة نقوله يا فندي، ~~أخدني مرة في الأوضة بتاعته وقفل الباب، وهات يا ضرب بالخيزرانة، وبعدين لقيته فوقي راكبني ~~زي الحمارة و...» # أطبقت زينات فمها حين انطلقت الصرخة من فم مسعودة، حادة ممدودة ثم انقطعت فجأة، أخفت ~~رأسها تحت الملاءة، جسمها يرتعد، همست في أذن زينات: «كلامك مس وترا في حياتها، كفاية كده ~~إديها نص قرص في اليوم.» # قبل أن أنام تلك الليلة دلكت أم إبراهيم قدمي المتورمتين، ثلاث ساعات قضيتها جالسة في ~~غرفة مسعودة، الكرسي من القش غير مريح وحكاية زينات غير مريحة، تملؤني بالحزن الغامض، في ~~طفولتي فكرت في الهرب من الأهل والعريس، كنت أنام وأحلم أنني أمشي في الليل وحدي، أتوه في ~~الطريق اللانهائي كما تاهت سعدية، يقابلني في الظلمة رجل تناديه البنات في المدرسة يا ~~أفندي، يغلق علي الباب، يقترب بجسده من جسدي، تخرج من فمه رائحة غريبة ودخان، ويزحف شيء ~~بين فخدي كالإصبع الغليظ: «يا ضكطورة إنتي تاعبة نفسك مع البت مسعودة ما فيش لها علاج إلا ~~الزار، أصل العفاريت يا ضكطورة تخاف من الطبل والرقص.» ~~- «اسكتي يا أم إبراهيم، زار إيه وكلام فارغ إيه.» ~~- «أنا يا ضكطورة ياما ركبتني العفاريت وما في حاجة تطردها من جتتي إلا الزار، اسأل مجرب ~~ولا تسأل طبيب.» # العبارة تسري في ms324 أذني وهي تدلكني، اسال مجرب ولا تسأل طبيب، يداها مدربتان تعرفان موضع ~~الألم، تمشي أصابعها فوق سلسلة العمود الفقري، تتوقف فوق ظهري عند فقرة معينة، تضغط بإصبع ~~واحد فوق نقطة محددة، تعرفها بحكم الخبرة والتجربة: «هي دي الحتة اللي بتوجعك يا ~~ضكطورة؟» ~~- «أيوه يا أم إبراهيم هي دي بالضبط.» # تدور يداها تبحث في مؤخرة القدم، والكتفين، والذراعين، والساقين، والقدمين، وبطن القدم، ~~وغضاريف الأصابع: «يا ضكطورة إنتي جواكي تعب كتير أوي.» هذه العبارة ذاتها سمعتها بعد ثمان ~~وثلاثين سنة باللغة الإنجليزية، في مدينة «سياتل» على الشاطئ الشمالي الغربي للمحيط الهادي ~~«الباسيفيك» في أمريكا الشمالية، قضيت ستة شهور من 1994م أستاذة زائرة في جامعة واشنطن، ~~كانت لي زميلة صينية تجاوزت الستين مثلي، سمعتني أتحدث عن آلام الانزلاق الغضروفي، جاءت إلى ~~بيتي معها علبة صغيرة مستطيلة داخلها مجموعة من الإبر الصينية، بأصابعها الرفيعة المدببة ~~حددت مواضع الألم، فوق كل موضع غرزت إبرة في اللحم، كانت هي بالضبط المواضع التي حددتها أم ~~إبراهيم بأصابعها في قرية طحلة وصوتها يكاد يشبه صوتها رغم اختلاف اللغة: # You have a lot of pain inside you Nawal # ومياه البحيرة ~~من نافذة بيتي في ضاحية «كوين آن» تبدو في حركتها الهادئة كنهر النيل. # في طفولتي شهدت بعض حفلات الزار مع ستي الحاجة وعماتي، منذ السادسة من عمري لم أشهد ~~الزار، ذهبت إليه وأنا طبيبة القرية مع أم إبراهيم، ومسعودة وأمها وخالاتها وعماتها كلهن ~~أصبحن داخل حلبة الرقص وأنا معهن، دقات الطبول ترج الجسد، ترج الروح، يذوب الجسد في الروح، ~~دقات الطبول ترج الأرض والسماء، تذوب الأرض في السماء، الأجساد كلها تذوب في جسد واحد، لا ~~أكاد أعرف أم إبراهيم من أم مسعودة، ولا مسعودة من شلبية، الأبخرة تتصاعد مع البخور ~~المحروق، والشبة تتشكل داخل النار، تصبح جسدا من الدخان، هو العفريت أو الشيطان بعينه، ~~الصراخ ينطلق من الحناجر كالزغاريد، «شيخ محضر يا شيخ محضر واللي عليه عفريت يحضر!» # الأجساد انطلقت من عقالها، تتلوى حول ألسنة النار كالثعابين الحمراء، الأثداء ms325 والأرداف ~~تنتفض مع انتفاضات الطبول، الشعور الطويلة انفكت ضفائرها تتطاير منكوشة كرءوس جنيات البحر، ~~الأفواه مفتوحة عن آخرها يصرخن في نفس واحد: شيخ محضر يا شيخ محضر واللي عليه عفريت يحضر! ~~حضرت كل العفاريت وكل من ركبهم العفاريت، والعرق أصبح يتصبب والأنفاس تلهث كأنما في سباق ~~الزمن، الصراخ والعويل يختلط بدقات الطبول، العرق يختلط بالدم، من أين جاء الدم؟ ربما هو ~~ديك أو فرخة ذبحت، أو امرأة غرزت أظافرها في لحمها أو لحم آخر، لا يمكن التمييز بين اللحم ~~واللحم، ذابت النسوة في جسد واحد، الشعر الأسود المنكوش يقذف نفسه إلى الأمام فيغطي ~~النهدين، ثم يقذف نفسه إلى الخلف فيغطي الظهر تضرب أطرافه الردفين، الجلباب أصبح مشقوقا من ~~الصدر حتى الذيل، القدم اليمنى تضرب الأرض فينفتح الجلباب، تظهر استدارة الفخذ، ترتفع الساق ~~في الهواء، تضرب الأرض بالقدم اليسرى، يتسع الشق في الجلباب، تظهر من الجانب استدارة الثدي ~~هابطة إلى البطن، ترتعش البطون مع ارتعاشات الطبلة، تتهاوى الرءوس إلى الأرض تلامس الأرض، ~~تلعق التراب ثم تنهض من جديد: شيخ محضر يا شيخ محضر واللي عليه عفريت يحضر! # انفلت الجسد من سياج العقل، وانفلت العقل من سياج الجسد، صدمة النقاء المطلق في مواجهة ~~الفساد المطلق، صدمة الشيطان يلتقي وجها لوجه مع الله، صدمة الحرية تواجه الاحتباس كالصدمة ~~الكهربية، كالأسياخ المحمية، والأفواه مفتوحة عن آخرها تصرخ من الألم واللذة، بالفرح ~~بالخلاص الأبدي، بالحزن الأزلي، منذ ولدن من بطون أمهاتهن، منذ امتدت الموسى تقطع في ~~أجسادهن، منذ ضربن ليلة الزفاف ونزفن الدم حتى الموت، منذ حرقت الأرض أقدامهن، وحرق الملح ~~بطونهن، وكوى المر أكبادهن، منذ امتصت الدودة دماءهن، وأكلت الحرب أولادهن، والتهم الموت ~~صبيانهن وبناتهن. # اصرخي يا بت يا مسعودة خلي العفريت يطلع من جتتك يا بت! اصرخي بأعلى صوتك يا مسعودة ~~اصرخي! # تصرخ أم إبراهيم بصوت أعلى من مسعودة وجميع النسوة، صراخها يعلو في الكون، يخترق السموات ~~واحدة وراء الأخرى حتى السماء السابعة ، يخترق أذان الملائكة والشياطين، تنادي على رب الكون ~~الله الواحد ms326 الأحد، تنادي على الأنبياء واحدا وراء الآخر من سيدنا إبراهيم حتى سيدنا محمد ~~آخر المرسلين، تنادي على السيدة خديجة والسيدة زينب والسيدة مريم العذراء، أم المسيح، تطلب ~~منهم جميعا أن يعيدوا إليها ابنها الغائب في الحرب منذ ثماني سنين، تفرد ذراعيها عن آخرهما ~~تحتضن ابنها الهابط من السماء، يمسك بيديه الاثنتين مظلة مفتوحة أشبه بالبراشوت، قدماه ~~ثابتتان فوق بساط الريح، يتحول الصراخ إلى زغاريد، تنطلق الزغرودة من حلق أم إبراهيم، أعلى ~~من كل زغاريد النسوة: «باب السما مفتوح وابني إبراهيم نازل أهو بالبراشوت تعال يا حبيبي ~~تعال في حضن أمك!» دموعها تنهمر من عينيها يكسوهما بريق الفرح، تعانق ابنها بذراعيها تضمه ~~إلى صدرها، تضم الحلم والحقيقة، الروح والجسد، الوعي واللاوعي، تضمهم جميعا بين ذراعيها ~~الاثنتين. # هل فقدت أم إبراهيم عقلها أم أنها بلغت العقل؟ السؤال يلازمني، يروح ويجيء في رأسي، في ~~الليل تحت ضوء الفانوس أفتح مفكرتي السرية وأكتب: أيكون العقل الحقيقي هو القدرة على ~~فقدانه؟ # في هدأة الليل، تحت ضوء القمر المكتمل بدرا، تمددت مسعودة قرب الفجر، نام الجميع، كانت ~~تهذي بصوت خافت يشبه حفيف الهواء، وجهها مغسول بالعرق الغزير، أوراق الشجر تلمع بقطرات ~~الندى، العصافير في أعشاشها لم تنهض بعد، صوت مسعودة يسري في أذني من بعد الزمان والمكان ~~كالحلم: # كان عمري عشر سنين، وكنت في المدرسة شاطرة ونفسي أبقى ضكطورة، مسكوني أبويا وأمي، وجوزوني ~~غصب عني من ابن عم العمدة، راجل كبير أكبر من سيدي أبو أبويا، والناس كلها تخاف منه، أصله ~~كان حرامي وقتال قتلا، قتل مراته، وعنده أولاد وبنات في مصر متجوزين ومخلفين، وكنت أقوله يا ~~سيدي، وكان ينادي علي في الظلمة وأنا نائمة ويقول قومي يا بت قامت قيامتك، أعمل نفسي مش ~~سامعاه، وأهرب بره الدار في المزارع، كان زي العفريت يعرف أنا فين، يجيبني من سابع أرض، ~~يشدني من ذراعي ويقول: لما سيدك ينادي عليكي يا بت تيجي على طول، قولي حاضر يا سيدي، ~~يناولني كف على صدغي ويركب فوقي زي ما يركب ms327 الحمارة، ويكتم فمي بإيده عشان صوتي ما يطلعش، ~~وكنت أموت يا ضكطورة وروحي تطلع وهو فوقي زي الجبل، وكان لازم قبل ما ينام أدلكه من فوق ~~لتحت، يتمدد فوق الفراش وأنا تحت رجليه، يحط قدمه في بطني وأنا قاعدة متربعة، أدلك صوابعه ~~صباع صباع، ومشط القدم أدلكه، يضربني بكعبه في بطني ويقول: ادعكي يا بت أوي، مالك خرعة كده؟ ~~فين الأكل اللي بوكلهولك يا بت؟ يضربني بكعبه في بطني ويقول: الأكل بينزل يروح فين يا بت؟ ~~افتحي يا بت رجليكي عشان أشوف الأكل بيروح فين؟ كان يغمي راسي بالجلابية ويقول: انطقي يا بت ~~قولي الأكل بيروح فين، وأقول له ما اعرفش يا سيدي والنبي ما اعرفش، ربنا يخليك ويطول عمرك ~~فيه حاجة بتحرقني زي النار، يقول لي بتحرقك فين يا بت انطقي، ما اعرفش يا سيدي والنبي ~~ما اعرفش، كنت يا ضكطورة أحس حاجة زي النار في جسمي، ما اعرفش كان يمسك إيه في إيده، زي ما ~~يكون عمود حديد أو رجل الكرسي الخشب، يضربني في بطني، لما أصرخ يضربني بكفه على فمي، يكتم ~~نفسي بإيده، ويقول مش عاوزة تقولي الأكل بيروح فين يا بت، لازم أشوفه بيروح في أنهي داهية، ~~لازم أجيبه يا بت من الحتة التايهة، عارفاها الحتة التايهة فين يا بت؟! # لم تكن مسعودة تصل إلى هذا الحد من حكايتها حتى يصيبها الإغماء، تفقد الوعي، تفقد النطق، ~~تكسو عينيها نظرة مرعبة، تتلفت حولها، ناحية السماء، ناحية الأرض، ترفع ذراعها وتشهق: حوشوا ~~عني العفريت! تتصلب عضلات وجهها، أشبه بنوبة صرع، تهدأ بعد قليل وتغط في النوم العميق مبللة ~~بالعرق، في تشخيص المرض كتبت هذا التقرير: # المريضة مسعودة زيدان مصابة بمرض عصبي وتحتاج ~~البقاء بالقسم الداخلي حتى يتم لها الشفاء تحت الرعاية الطبية، أنصح بعد شفائها ألا تعود ~~إلى بيت زوجها، فهو سبب المرض، يكبرها بواحد وخمسين عاما، يضربها كل ليلة ويغتصبها جنسيا ~~من الخلف وهي ساجدة تصلي لله ، أرغمها أبوها على الزواج منه وهي في العاشرة من العمر، ms328 كانت ~~تظن أنه الإله، بعد أن كبرت قليلا تصورت أنه الشيطان أو العفريت الذي يركب النسوة في ~~القرية، بالكشف الطبي عليها اتضح أنها مصابة بالتهابات مزمنة وقروح في فتحة الشرج، ناتجة عن ~~العنف في إدخال العضو الذكري لرجل كبير داخل جسد طفلة صغيرة، وتكرار هذا العنف كل ليلة لمدة ~~ثمانية أعوام، لم تعرف الزوجة وهي في الثامنة عشرة من عمرها كيف تخرج من أزمتها إلا عن طريق ~~المرض العصبي إذ ارتد الخوف المكبوت على شكل عفريت. ~~- «والنبي يا ضكطورة تخليني هنا على طول، إلهي ربنا يطول عمرك.» # هذا هو صوت مسعودة بعد أن تماثلت للشفاء، القروح والجروح التأمت، أصبحت تمشي في ردهات ~~القسم الداخلي تتحدث مع الممرضات، لأول مرة يرينها تبتسم، أشرق وجهها بالأمل، جاء زوجها ~~يستلمها من المستشفى، أغلقت على نفسها باب غرفتها، هددت أن تحرق نفسها، زوجها سمين الجثة له ~~كرش تحت الجبة من السكروتة، يلف رأسه بعمامة خضراء، في يده مسبحة صفراء، يبسمل ويحوقل ويسعل ~~بصوت المصابين بالربو، يخرج من جيبه بخاخة يلصقها بفتحتي أنفه الواسعتين. ~~- مسعودة مراتي يا ضكطورة لازم أخدها في إيدي ع الدار. ~~- اعقلي يا مسعودة وارجعي مع جوزك أنا أبوكي وقلبي عليكي. ~~- يا حاج زيدان البنت مش عاوزة ترجع، خليها على راحتها. ~~- على راحتها إزاي يا ضكطورة دي مراته على سنة الله ورسوله وإذا مارجعتش بالذوق يرجعها ~~بالعافية ده راجل عارف ربنا والآنون. # كلمة الآنون باللغة العامية تعني القانون، زوجها كان يعرف حقه الشرعي، لم يكن للزوجة أن ~~تخرج من بيت زوجها بدون إذن، إن خرجت يمكن أن يعيدها حسب قانون الأحوال الشخصية، إن رفضت ~~العودة يمكن أن يطلب مركز الشرطة، يحملها رجال البوليس إلى بيت زوجها، يسمونه بيت الطاعة في ~~القانون. # تحصنت بالطب لأبقي مسعودة بعيدا عن زوجها، القانون أقوى من الطب، يستند إلى شرع الله، ~~أصبحت كمن تصارع الله والشرع، لم يكن لي أن أتخلى عن مسعودة، سبق أن تخليت عن سعدية وشلبية، ~~كنت طفلة بلا حول ولا قوة، اليوم أنا ms329 طبيبة الوحدة المجمعة، فهل أتخلى عن ~~المسئولية؟! # لم تخرج مسعودة من المستشفى إلا بمجيء رجال البوليس، أخذوها بالقوة إلى بيت زوجها، كان ~~معهم رئيس الوحدة الأستاذ خير الله، أرسل شكوى ضدي إلى المجلس الأعلى بالقاهرة، ثلاث صفحات ~~فولسكاب، بالآلة الكاتبة، من ثلاث نسخ، واحدة لمكتب رئيس المجلس الأعلى فؤاد بك جلال، ~~الثانية لمكتب الدكتور عبده سلام، أمين عام المجلس، الثالثة لمكتب رئيس الجمهورية، قرأت ~~الشكوى بعد عام كامل في القاهرة بمكتب الدكتور عبده سلام، ملخصها الآتي: «الدكتورة نوال ~~السعداوي طبيبة وحدة طحلة المجمعة بمحافظة القليوبية تظهر ازدراء للقيم والآداب العامة ~~وتحرض النساء على التمرد على الشريعة الإسلامية والقانون.» ~~••• # هذه العبارة أصبحت هي التهمة الموجهة إلي، تحاصرني في كل عمل أقوم به، تنقض علي في ~~كل كلمة أكتبها، تطاردني في كل خطوة، تنتقل في دهاليز الحكومة من عهد إلى عهد، العام وراء ~~العام، أربعين عاما حتى اليوم. # لم أعرف حينئذ أن المدافعين عن القيم والآداب والشريعة هم المنتهكون لها في الواقع ~~والحقيقة. # في بيت زوجها المطل على النيل عاشت مسعودة أسبوعا واحدا، في الأسبوع الثاني اختفت، بحث ~~عنها البوليس أسبوعا كاملا، في القرى المجاورة والحقول، في محطات القطارات، في أقسام ~~الشرطة، في المستشفيات والملاجئ، في بيوت الغوازي والعوالم، جاءوا إلى الوحدة فتشوا ركنا ~~ركنا، دخلوا بيتي فتشوه، ثم ظهرت مسعودة طافية فوق سطح النيل، عثروا على جثتها عند الحدود ~~ما بين قرية الرملة ومدينة بنها. # كان يوما ترابيا أغبر، وقفت فوق الجسر داخل معطفي الأبيض، يداي إلى جواري مشلولتان، ~~واقفة مثل النسوة المقهورات داخل الجلاليب السود، أرقب مسعودة ينتشلونها من مياه النيل، ~~كالعروسة الصغيرة كانوا يلقونها للإله العجوز، عمره عشرة آلاف عام، لا يشتهي إلا العذراوات ~~الصغيرات، تزف الواحدة منهن إليه تحت اسم «عروس النيل»، يبتلعها كما ابتلع سيول المطر ~~بعد ذوبان الثلوج في العصر الجليدي الأخير، يشق قلب أفريقيا عبر الصخور والصحاري والقفار، ~~يجري مسافة 6825 كيلومترا، يرتفع بالفيضان ليلة الثاني عشر من شهر بئونة، يسمونه يونيو، ~~تسقط من السماء ms330 نقطة مطر واحدة فيفيض النيل، يسمونه ليلة النقطة، كانوا ينقشونها على ~~الجدران منذ خمسة آلاف عام، باللغة الهيروغليفية يكتبون: «هذا هو الإله الذي يخرج من النيل ~~ولا يجرؤ أحد على الكلام عنه.» كانوا يسمونه أوزوريس الطلسم ملك الموتى، يشعلون له المصابيح ~~في الليل، يسجدون بين يديه، يبنون له البيت يسمونه المعبد، يقدمون الطعام ويذبحون له الوز ~~والبط والحمام. # انتشلوها من بين ذراعيه العجوزين، رأيتها محمولة بين أذرع الرجال، جلبابها ملتصق بجسدها ~~النحيف كالبوصة، أبوها وأمها وزوجها وأهالي القرية كلهم واقفون، من أين جاء كل هؤلاء الناس؟ ~~سماء القرية رمادية، الرياح محملة بالغبار، أنا واقفة داخل معطفي الأبيض أنتظر، إلى جواري ~~زينات والممرضات، رجال ونساء جالسون فوق الجسر ينتظرون، صوت الطاحونة ونباح كلاب من بعيد ~~وعويل، نتف سحب رمادية تعبر سماء ميتة، كل شيء نائم شبه مخدر، صياد وحيد كان يرمي شبكته، ~~يلمها يشمر جلبابه يأتي إلى الجسر يقف وينتظر، النسوة تركن الحقول والبيوت وجئن سائرات ~~على أقدامهن المشققة، وقفن عند الجانب الخلفي من الجسر، عجوز تتكئ على عكازها، حزامها حول ~~جلبابها، قدماها مسودتان، امرأة وحيدة تعيش في خص من قش تشد طرحتها حول رأسها، تسير نحو ~~الجسر وهي تعصر عينيها الذابلتين، يلوح من تحت جلبابها كعبان ملطخان بالطين، رجال بالجلابيب ~~الكاشمير والصداري الحرير أقبلوا يسيرون بكبرياء، أيديهم معقودة خلف ظهورهم، العيال الأولاد ~~والبنات فضوا ألعابهم وجاءوا من الحارات والأزقة، وقفوا بعيدا واجمين ذاهلين ينتظرون ظهور ~~الجثة الطافية فوق النيل، كأنما ينتظرون ظهور العذراء مريم فوق قبة الكنيسة، أو ظهور المهدي ~~المنتظر، جاءوا وأنا أيضا جئت، واقفة داخل معطفي الطبي بلا حراك، في أعماقي أشعر بالذنب، ~~عجزت عن إنقاذ مسعودة كما عجزت عن إنقاذ شلبية منذ اثني عشر عاما، تركتها وحدها تواجه ~~العالم، في بطنها الجنين السفاح، هل قذفت بنفسها من القطار؟ هل عادت إلى أهلها في الصعيد ~~فقتلوها؟ أتتسول طعامها في شوارع القاهرة فوق كتفها طفلها؟ في أحد البارات أو بيوت الدعارة؟ ~~في زنزانة بسجن النساء؟ في عنبر بمستشفى الأمراض ms331 العقلية بالعباسية؟ # في ذاكرتي تعيش مسعودة وشلبية، توءمان متشابهان، أراهما من بعد الزمان والمكان، تطلان ~~علي من فرجة في السحب، الوجه النحيل الشاحب، البشرة السمراء بلون طمي النيل، العينان ~~المملوءتان بالخوف وحزن الطفولة، الجسم الصغير الممصوص كالبوصة، راحت شلبية ضحية الاغتصاب ~~غير الشرعي، وسعدية ضاعت من ذاكرتي كما ضاعت على شاطئ البحر الأبيض منذ سبعة وخمسين ~~عاما. # في المدرسة الابتدائية في منوف وقفت على خشبة المسرح، كنت في العاشرة من عمري ألعب دور ~~الإلهة إيزيس، كانت ربة الحكمة والمعرفة، أعادت الحياة إلى جسد زوجها الميت أوزوريس، أمها ~~الإلهة نوت كانت إلهة السماء، كتبت لها في الوصية قبل أن تموت: «لا أوصي ابنتي التي ستلي ~~العرش من بعدي أن تكون إلهة لشعبها تستمد سلطتها من قداسة الألوهية بل أوصيها أن تكون حاكمة ~~رحيمة عادلة.» # هذه العبارة منقوشة على الحجارة منذ سبعة آلاف عام، بالضبط عام 4988 قبل الميلاد، كيف ~~انقلب الوضع في كتاب التوراة وأصبح الإله يستمد سلطته من قداسة الألوهية والوحدانية وليس من ~~العدل والرحمة؟! وفي كتاب الله توقفت عند هذه الآية: # إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن ~~يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ~~، وبدأت أفكر كيف انقلب ~~النظام في العالم ليصبح الشرك بالله أكبر الجرائم وليس الظلم؟ # وجاءت الإشارة العاجلة من المجلس الأعلى للخدمات بالقاهرة مطلوب حضور الدكتورة طبيبة ~~الوحدة المجمعة بقرية طحلة، وصدر القرار بلا تحقيق بنقل الدكتورة من وحدة طحلة إلى قسم ~~الأمراض الصدرية بوزارة الصحة، لم يكن يذهب إلى القسم إلا الأطباء الراسبون في الامتحانات ~~أو ذوو العاهات، تقذف بهم الوزارة إلى قسم أمراض الدرن الرئوي أو قسم الجذام أو الأمراض ~~العقلية. # حملت طفلتي وحقيبتي وغادرت القرية، لم تودعني أم إبراهيم، حزمت متاعها القليل داخل صرة من ~~الدمور: «أنا معاكي يا ضكطورة لآخر العمر.» فرحت أمي بعودتي إلى جوارها، لزمت الفراش بعد أن ~~أقعدها المرض: «أيوه يا نوال خليكي معايا عشان تعالجيني.» فرح أبي بعودتي إلى البيت: «افتحي ms332 ~~عيادة في ميدان الجيزة مستقبلك هنا مش في الوحدات الريفية.» فرحت صديقتي صفية: «أيوه يا ~~نوال عشان نروح النادي سوا ونلعب تنس زي زمان.» حوطتني بطة بذراعيها تكركر بالضحك: «فلاحين ~~إيه وزفت إيه خليكي هنا معانا نروح السينما والمسرح.» وسامية جاءتني في زيارة إلى بيتي: ~~«وإنتي بعيدة يا نوال حسيت إني وحيدة، رفاعة هربان من البوليس؛ عاوز الوحدة الفيدرالية بين ~~مصر والعراق، وعبد الناصر عاوزها اندماجية، وأنا وحدي في الأجزخانة.» # الفصل السادس # | الحب واليأس # في أعماقي حنين مكبوت لشيء بلا اسم، لم تعد الأسماء المتداولة تصلح، كلمة الحب قاصرة ~~عاجزة محملة بالتحريمات، بالإباحات، بالقيم المعكوسة. # في الليل أحلم به، في النهار أبحث عنه، عنها، عنهم، عنهن، بالمفرد، بالجمع، بالمذكر، ~~بالمؤنث، فهو يتجاوز هذه التصنيفات، مصنوع من مادة ليست الروح وليست الجسد وليست العقل، هي ~~مزيج الثلاثة في تكوين جديد لا يشبه أحدا من البشر، ليس له لحية ولا شارب، ولا أثداء ولا ~~أرداف ولا رحم ولا قضيب، مع ذلك له ملامح الإنسان، العينان لا أرى فيهما إلا الضوء، ~~الذراعان لا يحوطاني إلا بالحنان، اليدان لا تحملان أساور ولا خواتم ولا سلاسل، يدان ~~مفتوحتان لا تحملان من الهدايا إلا الحب. # وأنا أمشي ألمح وجها يشبهه، أتوقف فجأة كأنما أصحو من الحلم، أو أسقط في غيبوبة النوم، ~~نظرة العينين تذكرني، حركة الجسم وهو يمشي، الطريقة التي يحمل بها رأسه وتدوس قدماه الأرض، ~~رنين صوته في أذني، لم أسمعه من قبل وسمعته قبل أن أولد، يختلف عن أصوات الرجال والنساء، ~~مع ذلك يبدو مألوفا، يهمس في أذني كل ليلة، يناديني نوال، يعرفني، يلتقطني من بلايين ~~الأجرام السابحة في الكون، يحوطني، لا أدرك من كيانه إلا العناق، تغرقني اللذة كالمياه ~~الدافئة في بحر الإسكندرية، منذ طفولتي يراودني هذا الحلم، أكثر من ستين عاما يراودني في ~~النوم واليقظة، هو الوحيد بين الكائنات الحية يعرف كيف يعانقني، كيف يذوب كيانه في كياني، ~~بلا ألم بلا أسى بلا إثم بلا توبة، بلا إذن، ولا مأذون، ولا استئذان، ms333 أستجيب له كالسماء تحن ~~إلى الأرض، كالصحراء لم تعرف المطر، كالطير يندفع تجاه البحر، كالفراشة تنجذب إلى اللهب، ~~تنحرق تصير رمادا، مع ذلك لا تكف عن الانجذاب والاحتراق حتى الموت والحياة من جديد دون ~~توقف. # أهي اللذة المستحيلة إلا في الخيال؟! في طفولتي كنت أسمع النسوة يتهامسن بها، يقربن ~~رءوسهن، يسري بينهن الهسيس، الشبق المحترق في عيونهن، الشهوة المكبوتة في أعماق الجسد، ~~والروح والعقل، يتزوجن وينجبن ويبلغن سن اليأس وهي مكبوتة، يعشن ويمتن ويدفن في القبور وهن ~~عذراوات، لماذا يعجز رجال العالم عن فض بكار النساء في الحياة الدنيا؟! أهي مشكلة تاريخية ~~منذ انفصال الروح عن الجسد والسماء عن الأرض؟! ألهذا ليس للرجال عمل في جنة عدن إلا فض ~~بكارة العذراوات؟ # لكل واحد منهم اثنتان وتسعون عذراء، ويعود الغشاء سليما ليتمزق ثم يعود سليما ليتمزق ~~وهكذا إلى ما لا نهاية؟! ~~••• # عام 1958م قضيته في مستشفى الأمراض الصدرية بالعباسية، أركب الأتوبيس من الجيزة إلى ميدان ~~التحرير، ثم الترام إلى العباسية، أهبط في نهاية الخط، أمشي في الصحراء مسافة الساعة بخطوة ~~سريعة، أمر في الطريق بمستشفى الأمراض العقلية، الأشجار الكثيفة الأوراق تطل من وراء السور ~~العالي، رءوس المرضى المنكوشة، يقفز أحدهم من فوق السور، يقبل نحوي داخل مريلته البيضاء ~~مربوطة بحزام رفيع حول الوسط، يقهقه باندهاش إنتي مجنونة ولا إيه؟! # أمي اشتد عليها المرض، أسمع أنينها طول الليل، أبي كالجمل المنهوك يحمل العبء، أخي الأكبر ~~تخرج واشتغل في مديرية التحرير، مشروع جديد بدأته الثورة لزراعة الصحراء، بقية الأخوة ~~والأخوات في المدارس والجامعات، وأنا أصابني الهزال، أخرج كل صباح في السادسة لأصل ~~المستشفى في الثامنة، ساعتان أقضيهما في الطريق، ساعة داخل الأتوبيس والترام، وساعة أمشيها ~~في الصحراء، أصابتني ضربة شمس، تهب العاصفة فيغرقني الرمل، يدخل تحت ملابسي، بين القدم ~~والحذاء، بين الجفن والعين، العرق يغرقني وأنا أمشي، أحمي رأسي من الشمس بحقيبتي، عيناي ~~حمراوان، أصابع قدمي تسلخت، أصل إلى المستشفى منهوكة الجسد، هياكل بشرية تتحرك داخل ~~العنابر، كالأشباح معلقة بين الحياة والموت، لا ms334 يكفون عن السعال، لكل منهم كوز من الصاج ~~الصدئ مملوء بالدم والبصاق، بعضهم لا كوز ولا سرير ولا مرتبة، يرقدون على الأرض في الممرات، ~~يبصقون على البلاط، بقع الدم كاللطع الحمراء، أدوس عليها وأمشي، أنفاسي محبوسة، الهواء ~~معدوم والرائحة غير محتملة. # وجهي أصبح طويلا نحيلا، عيناي السوداوان اشتد سوادهما، علامة المرض بالسل، فالدرن ~~الرئوي يضفي على العيون بريقا كالضوء، الاقتراب من الموت يشعل الرغبة في الحياة، والرموش ~~تزداد غزارة، وشعر الرأس يزداد نعومة وكثافة، يضفي الدرن على الإنسان جاذبية خاصة، رهافة ~~الحواس مع الألم واليأس، والسير على الحافة بين الحقيقة والوهم. # في هذه الحالة تصير الكتابة هي الملاذ الوحيد، تتحول الحياة إلى حروف فوق الورق، المرض ~~والموت والحب، الثالوث المترابط يصبح الإنسان فريسة له، يلتقط العدوى لأقل نفس، ينزف حتى ~~الموت بلا صوت، ويسقط في الحب دون أن يكون هناك أحد. # كتبت قصة بعنوان: «الحرباء والحب»، لم ينشرها أحمد بهاء الدين في مجلة صباح الخير: «أرجوك ~~يا نوال ابعدي عن الموضوعات الحساسة.» ~~- «وإيه هي الموضوعات الحساسة يا بهاء؟» ~~- «الثالوث إياه مش عارفاه؟» عارفة اتنين بس: ربنا وعبد الناصر، والثالث مش عارفاه؟ ~~- «الثالث هو الجنس يا دكتورة.» ~~- «لكن القصة دي مافيهاش جنس خالص!» # كانت القصة تدور حول حرباء بلون الرمال، ألتقي بها في الصحراء كل يوم وأنا في طريقي إلى ~~المستشفى، تهز ذيلها فرحا حين تراني، أخاف منها، أتصور أنها حية، في خيالي منذ الطفولة خوف ~~من الحية، أراها في الحلم تسعى كالأفعى، ألم تكن هي الشيطان الذي أخرج آدم وحواء من الجنة؟ ~~لكن هذه الحية تفرح بلقائي، تقفز فوق تل الرمل رافعة ذيلها، عيناها الصغيرتان تلمعان في ~~ابتسامة، أتفاءل بها، أفرح بوجودها، كانت صديقة لحواء، أليست هي الحية التي دلتها على شجرة ~~المعرفة؟! قالت حواء في كتاب الله التوراة: ~~«قال الله لا تأكلا من ثمر هذه الشجرة ولا تمساه لئلا تموتا، فقالت الحية للمرأة: لن ~~تموتا، بل يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر، فرأت حواء أن ms335 ~~الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون شهية للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضا ~~معها فأكل، فانفتحت أعينهما، وسأل الله آدم: هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك ألا تأكل منها، ~~فقال آدم: المرأة أعطتني من الشجرة فأكلت، فقال الله لحواء: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت: الحية ~~أغرتني فأكلت، فقال الله للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت، على بطنك تسعين وترابا تأكلين ~~كل حياتك، وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وقال للمرأة: تكثيرا أكثر أتعاب حملك بالوجع تلدين ~~أولادا وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك، ودعا آدم اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي، ~~وقال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر، والآن لعله يمد يده ~~ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى الأبد، فطرده الله من الجنة، وأقام آدم وحواء ~~شرقي جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة.» # لم تكن الحية عدوة المرأة، الرب هو الذي وضع العداوة بينهما، وهو يؤكد هذه الحقيقة في ~~سورة البقرة: # وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما ~~الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا ~~بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ~~* فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ~~إنه هو التواب الرحيم ~~، وفي سورة طه # فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة ~~الخلد وملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما ~~سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ~~ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ~~* قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ~~فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقى ~~. # ترن كلمة «عدو» في أذني، أتوقف عندها، لماذا خلق الله العداوة بين حواء والحية وبين آدم ~~وحواء؟ ألأنهم أكلوا من شجرة المعرفة؟ هل يمكن أن تكون المعرفة هي الإثم؟! # كل صباح، الحرباء تبتسم لي، أتوقف أبادلها الابتسام، إن لم ms336 أجدها فوق التل أبحث عنها، ~~عيناي تفتشان عن جسمها النحيل الأصفر، إن لم تظهر ينتابني القلق، هل أصابها شيء؟ هل ضربها ~~أحد وماتت؟ أنادي عليها بلا صوت، تحس خطوتي على الأرض، تخرج من تحت الرمل، ترقص حول نفسها ~~بالفرح، ترفع ذيلها في الهواء علامة التحية. # في الطريق إلى المستشفى أمشي بنشاط، تخفف قلبي من العداوة، عصيت تعاليم الرب وأحببت ~~الحية، ينتابني الإحساس بالذنب، يعود إلي الخوف، أيعاقبني الله على هذا الحب ~~الآثم؟ ~~••• ~~- اكتبي طلب للوزير يا نوال تطلبي فيه النقل من مستشفى الأمراض الصدرية. # صوت أبي يتردد في أذني قبل موته بشهر واحد، كنت أسعل طول الليل كالمرضى بالسل، يسمعني أبي ~~فيصحو من النوم، ينهض يسقيني الدواء ويغطيني، لم أذهب إلى طبيب ليكشف على صدري، كنت أكره ~~الأطباء وأريد الموت، يسقيني أبي الدواء كالطفلة رغم أنفي: «دكتورة إزاي ومش عارفة تعالج ~~نفسها، باب النجار مخلع!» أكتم السعال في الوسادة حتى لا يسمعني، تصحو أم إبراهيم قرب ~~الفجر، تناولني الكوب يتصاعد منه البخار: «اشربيه ع الريق يا ضكطورة اللبان الدكر المغلي ~~أحسن من ميت دوا؛ اسأل مجرب ولا تسأل طبيب.» يوم الجمعة تأخذني أشم الهواء في الخلاء، شاطئ ~~ترعة الزمر يمتد وراء حي العمرانية، الحقول الخضراء الممدودة حتى الأهرامات، تمسك أم ~~إبراهيم يدي وتمشي بين المزارع، تنقلني رائحة الفول الحراتي إلى القرية والطفولة، أفك يدي ~~من يدها وأجري في المساحات الواسعة، عيناي تشربان الخضرة كالروح الظمأى، مسام جسدي تتفتح ~~تحت أشعة الشمس، أفرد ذراعي أعانق الهواء الطلق، أحركهما كالجناحين أكاد أطير كما يحدث في ~~الحلم: «الله يا أم إبراهيم الدنيا حلوة أوي.» ~~- «أيوه يا ضكطورة اضحكي كده زي زمان لما بتضحكي الشمس بتطلع.» # تحوطني بذراعيها كالطفلة في حضن الأم، أبكي فوق صدرها، أطلق سراح الدموع المكبوتة منذ ~~ولدتني أمي حتى ماتت: «فضفضي عن نفسك يا ضنايا أنا أمك.» تتربع وسط الزرع داخل جلبابها ~~الواسع، تحكي لي الحكايات بصوت جدتي، تستعيد وجه ابنها المفقود في الحرب، وابنتها المريضة ~~في القرية، تمسح دموعها ms337 بكفها الكبيرة، تتطلع نحو الشمس وتضحك: «ما حدش واخد منها حاجة يا ~~ضكطورة.» تمد يدها إلى الزرع، تقطف الفول الحراتي، تفصصه بأصابعها السمراء الطويلة، تناولني ~~الحبة وراء الحبة، أقضمها بأسناني، وصوتها يسري في أذني تغني: # في البحر لم فتكم في البر فتوني ... بالتبر لم بعتكم بالتبن بعتوني ... آه يا ليل يا ~~عين. # انتقلت إلى مستشفى الأمراض الصدرية بالجيزة، كان أقرب إلى بيتي من مستشفى العباسية، وسط ~~الحقول في نهاية حي العمرانية، لم أعد أضيع في الطريق أربع ساعات، أسير من باب البيت إلى ~~باب المستشفى على القدمين، مسافة أقطعها بالخطوة السريعة في ساعة واحدة رياضة يومية في ~~الصباح الباكر على شاطئ الترعة، أستنشق رائحة الزرع والماء، لم يكن أبي مطمئنا على صحتي، ~~ما إن يسمعني أسعل حتى يقول: «اكتبي طلب للوزير، سيبي الأمراض الصدرية يا نوال، وافتحي ~~العيادة في ميدان الجيزة.» # كانت العيادة حلم أبي وأمي، ماتت أمي قبل أن أحقق لها الحلم، فهل أحققه قبل أن يموت أبي؟ ~~لم يكن معي ما يكفي لفتح عيادة، راتبي من الحكومة أربعة عشر جنيها، أنفقها كلها في البيت، ~~أبي بلغ الستين وأحيل إلى المعاش، انخفض راتبه إلى النصف، الأسرة عددها بعد موت أمي عشرة ~~أفراد، أنا وابنتي وأم إبراهيم والأخوان وأخواتي البنات الأربع، أختي ليلى تزوجت وتركت ~~البيت، وأخي الأكبر طلعت سافر إلى مديرية التحرير. ~~••• # أول مبلغ أحصل عليه من الكتابة كان ثلاثة جنيهات، مكافأة عن قصة قصيرة، لم أعرف أن ~~الأدباء يتقاضون رواتب ومكافآت، الكتابة عندي كالحب لا تنتمي إلى عالم الماديات. # أمسكت الجنيهات الثلاثة في يدي، قبضت عليها بأصابعي الخمسة، لأول مرة أدرك الترابط بين ~~المادة والروح، لأول مرة ترتفع قيمة الفلوس في نظري، منذ الطفولة أسمع أبي ينطق الكلمة ~~بازدراء «فلوس» يلفظها من فمه كالبصقة، لا يحب الفلوس إلا التجار، أصحاب الذمم الخربة، لا ~~يقرءون الكتب، لا يشاركون في المظاهرات الوطنية، يضعون المليم على المليم ويكسبون الملايين، ~~أصبحت محصنة ضد الثراء، كلمة تاجر تملؤني بالنفور. # وضعت الجنيهات الثلاثة في ms338 يد أبي ونظرت في عينيه، عادت إليهما اللمعة القديمة كالدمعة ~~الشفافة المحبوسة، لم يكن لنجاحي معنى إذا غابت هذه اللمعة، كنت أضع شهادة المدرسة في يده ~~وأنا تلميذة أنظر في عينيه، أنتظر ظهور الضوء، إن لم يظهر انقلب النجاح سقوطا. ~~- التلاتة جنيه دول عن قصتي اللي نشروها في المجلة! ~~- مبروك يا نوال عقبال ما تفتحي العيادة في ميدان الجيزة. # هل أجهض أبي فرحتي بهذه العبارة؟ في أحلامه كان يراني طبيبة، مع أنه يعشق الأدب والشعر، ~~هو الذي جعلني أحب اللغة العربية، منذ الطفولة يقرأ علينا أبيات المتنبي وأبي العلاء المعري ~~وبشار بن برد والعقاد وحافظ وشوقي. ~~- الأدب عندي أهم من الطب يا بابا. ~~- الأدباء بيموتوا من الجوع في بلدنا ويدخلوا سجون، خليكي في الطب يا نوال وافتحي ~~العيادة. # في أحلامي لم أكن أرى نفسي طبيبة، لم تجذبني مهنة الطب، مهنة عاجزة أمام مآسي البشر، في ~~قريتي يموت الأطفال في الشتاء قبل بلوغ الثانية من العمر، مثل الكتاكيت يرتعشون بالبرد ~~ويسقط عنهم ريشهم، في الصيف يموتون قبل بلوغ الخامسة من العمر، النزلات المعوية والإسهال ~~يسمونها أمراض الصيف، إذا نجا الطفل من الموت حتى سن العاشرة أصابته دودة البلهارسيا، تأكل ~~كبده وطحاله، يموت في العشرين من العمر، إن عاش فهو ينزف الدم في البول، يتضخم الكبد ~~والطحال، يمتلئ البطن بالماء، يسمى في الطب «استسقا»، إن عاش الفلاح بعد الثلاثين فهو ناحل ~~شاحب ممصوص الوجه، تشاركه في دمه الديدان والعمدة والحكومة، يشتغل طول العام دون عائد إلا ~~الخبز المقدد وقطعة من الجبن الحادق مع المخلل، زوجة الفلاح هي عبدة العبد، تأكل ما يبقى ~~منه، يشغلها كالجاموسة في الحقل والدار، يضربها كالحمارة بالعصا إن عصت الأوامر، يطردها من ~~البيت بعبارة واحدة ينطقها ثلاث مرات: إنت طالق إنت طالق إنت طالق، تصبح الزوجة في الشارع، ~~تدخل طابور الشحاذات إن كانت عجوزا أو المومسات إن كانت شابة. # أبي كل يوم يلح علي: «افتحي العيادة يا نوال! تحرري من وظيفة الحكومة، الوظيفة مقبرة ~~وإن كنت وزيرة، يصنعونك ms339 بقرار ويخلعونك بقرار، في عيادتك الطبية لا أحد يصنعك ولا أحد ~~يخلعك.» # لم تكن العيادة حلم حياتي، وليس معي ما يكفي لفتحها، كنت في حاجة إلى سبعين جنيها، ثمن ~~الأجهزة الطبية والأدوات والأثاث وإيجار الشقة في العمارة العالية بميدان الجيزة، كانت شقة ~~صغيرة في الدور الأول، قال لي صاحب العمارة وهو يفرجني عليها: إذا كانت التكاليف عليك كثيرة ~~يا دكتورة هناك طبيب أسنان في الدور الثاني يبحث عن طبيب آخر يشاركه العيادة. # كنت أريد عيادة لا يشاركني فيها أحد، لم تكن الجنيهات معي تكفي، عيادة دكتور الأسنان ~~يدخلها الضوء أكثر من الشقة الأرضية، الصالة واسعة فيها كراسي أنيقة ملونة زرقاء وحمراء ~~وخضراء وصفراء، الجدران مطلية بالزيت تبرق، دورة المياه نظيفة لامعة، التمورجي يرتدي مريلة ~~بيضاء ناصعة البياض، ينحني لي: «أهلا بالست الدكتورة»، دكتور الأسنان عيناه فيهما نظرة ~~مستقيمة، حركته نشيطة مليئة بالحماس: «أهلا وسهلا يا دكتورة نوال، ممكن تاخدي الأوضة ~~الجوانية أوسع من الأوضة بتاعتي وبعيدة أكثر عن دوشة العيانين في الصالة.» # انخفض المبلغ المطلوب للعيادة إلى النصف، أدفع نصف إيجار الشقة، نصف راتب التمورجي، ~~الأثاث لغرفتي بسيط، طاقم مكتب ومكتبة صغيرة، منضدة للفحص الطبي والعمليات الجراحية، جهاز ~~تعقيم وأدوات طبية بالتقسيط عن طريق نقابة الأطباء، وافتتاح العيادة بحفل صغير، حضره أبي، ~~والأصدقاء والزملاء من الأطباء والطبيبات، والزملاء الجدد من الأدباء والأديبات، والشريك في ~~العيادة طبيب الأسنان وزوجته، وأطباء آخرون لهم عيادات في العمارة، صاحب العمارة أيضا حضر ~~الحفل، ولأول مرة في حياتي أسمع أبي يضحك بصوت عال، يلقي رأسه إلى الوراء مقهقها، كانت ~~بطة كعادتها تحكي آخر النكت. # بالأمس كانت الليلة الأخيرة من عام 1958م، أقامت بطة حفلا كبيرا في بيتها بالزمالك، ~~رقصنا بالأطواق الهولا هوب، أنا وبطة وصفية، رقصة جديدة انتشرت في مصر بين الشباب في نهاية ~~الخمسينيات وبداية الستينيات، كان لي طوق من البلاستيك لونه أخضر، أتدرب عليه في البيت، لم ~~تشاركنا سامية الرقص، انهمكت في الحديث مع الدكتور حمدي زوج بطة، أصدر جمال عبد الناصر ~~أمرا ms340 باعتقال الشيوعيين، في الصباح صحوت على صوت سامية عبر التليفون: «رفاعة مسكوه امبارح ~~يا نوال بعد نص الليل، مش حاقدر أحكي في التليفون، حافوت عليكي في العيادة.» # زوجة طبيب الأسنان اسمها سعدية عثمان، تعرفت على صديقتي سامية، تميل سعدية عثمان إلى ~~الفلسفة الماركسية، زوجها الدكتور عزت عبد الغفور يتحدث بحماس عن المادية الجدلية، وكتاب ~~أصل العائلة لفردريك إنجلز «الزوجة في البيت هي البروليتاريا زي العمال في المصنع» تكركر ~~بطة بالضحك: «والبغوليتاغيا يعني إيه يا دكتوغ عزت؟ ... باين عليها كلمة شيوعية.» تتقلص ملامح ~~صفية، يشحب لونها: «هي الشيوعية ورانا ورانا، الجمعة اللي فاتت بابا جت له أزمة قلبية، ~~أخويا أسعد أخدوه زوار الفجر لسجن أبو زعبل.» أرادت بطة أن تروح عن صفية: «سمعتوا آخر ~~نكتة عن جمال عبد الناصر؟» كركرت بالضحك قبل أن تحكي النكتة، منذ صدور قانون الإصلاح ~~الزراعي تقول إنه «دكتاتوغ»، بعد صدور القرارات الاشتراكية أصبحت تقول عنه «شيوعي»، «إيه هي ~~النكتة يا بطة؟» «كان فيه واحد ماشي في الشارع بيزعق ويقول الله ياخدك يا راجل طلعت روحنا، ~~جه البوليس مسكوه وحطوه في السجن، قالهم تمسكوني ليه يا ناس؟ قالوا له أنت شتمت جمال عبد ~~الناصر، قالهم أنا قلت يا راجل ما جبتش سيرة عبد الناصر يا ناس، قالوا له هو فيه راجل غيره ~~في البلد مطلع روحنا؟!» # كان هو أول يناير 1959م وأول يوم في عيادتي بميدان الجيزة، التمورجي داخل المريلة البيضاء ~~يروح ويجيء، حاملا أكواب الشربات والشاي بالنعناع أو السحلب الساخن باللبن، فوق الجدار ~~علقت صورة كاريكاتير رسمها لي صلاح جاهين، واقفة داخل معطفي الأبيض، السماعة تتدلى من جيب ~~المعطف، فوق سرير الكشف يرقد صلاح جاهين بجسمه الضخم، كان هو أول فنان مريض يدخل عيادتي، ~~نهض أبي من مكانه فوق الكنبة الجلدية، سار بقامته الفارعة نحو الصورة، وقف يتأملها، إلى ~~جواره وقف صلاح جاهين: «خطوطك يا أستاذ صلاح تدل على موهبة كبيرة في فن الكاريكاتير.» ضحكت ~~بطة وكركرت: «الكايغاتيغ فن جميل فعلا ، لكن أجمل لوحة هي لوحة ms341 الأسعاغ، فين هي يا ~~نوال؟!» ~~- لا يمكن يا بطة أعلق في عيادتي لوحة الأسعار، هي دكانة أبيع فيها الصحة للناس؟ ~~- حتبقى عيادة مجانية يا ست نوال هانم؟! # كانت الأفكار الجديدة تغزو عقولنا نحن الشباب، في مجال الطب كانت الاشتراكية تعني أن ~~الصحة حق للإنسان، إذا مرض لا بد أن يحظى بالعلاج والشفاء دون قيد أو شرط، اتسع مفهوم الصحة ~~وشمل الجسد والعقل والحياة الاجتماعية والثقافية، الفقر مرض اجتماعي سياسي وإن جاءني مريض ~~فقير فهل أطرده من العيادة لمجرد أنه لا يملك ثمن الكشف؟ # كان أبي لا يزال واقفا يتأمل صورتي فوق الجدار، يدور بعينيه على الأجهزة الطبية، أدوات ~~الجراحة تلمع كالفضة داخل دولاب صغير من الزجاج، جهاز التعقيم منتصب في الركن كالإله ~~البرونزي الصغير، منضدة العمليات يعلوها مشمع أحمر يوحي بالرهبة، مكتب كبير تعلوه بنورة ~~لامعة، لوحة نحاسية مستطيلة فوق المكتب، منقوش عليها الاسم واللقب، دكتورة نوال السعداوي، ~~يتأمل أبي اسم «السعداوي» طويلا، يبتسم لنفسه في زهو، كأنما هي عيادته أو عيادة المرحوم ~~جده السعداوي. # كانت المرة الأولى التي يزور فيها أبي عيادتي وكانت أيضا الزيارة الأخيرة، مات بعدها وهو ~~واقف، كالشجرة تسقط فجأة وهي منتصبة. ~~••• # أرمق نفسي داخل معطف الأطباء، لست أنا هذه الواقفة داخل المرأة، إنها الدكتورة السعداوي، ~~ابنة أبيها، فتحت العيادة من أجله، دخلت كلية الطب من أجله، نجحت وحصلت على الشهادة من ~~أجله، تضعها داخل صندوق من خشب الزان المبطن بالجوخ ترقد فيه الشهادة كالتابوت أو ~~النعش. # اكتبي طلب للوزير اطلبي النقل من القسم الموبوء ده! # صوت أبي يرن في أذني، أجلسني في يوم أمامه وجعلني أكتب الطلب، سلمته لمدير مكتب الوزير في ~~وزارة الصحة، مات أبي ومضت ثلاثة أعوام لم يأتني الرد، كنت في مستشفى الأمراض الصدرية ~~بالجيزة، انتقلت من القسم الباطني إلى قسم الجراحة، أحب الجراحة والمشرط في يدي كالقلم، في ~~الدرن الرئوي لا يكون العلاج الباطني شافيا، يظل المرض كامنا في الرئة، يصحو فجأة ويقضي ~~على المريض، في إحدى الغرف الخاصة كان يرقد ms342 شاب في الثالثة والعشرين من عمره، تخرج منذ ~~عامين من قسم الفلسفة بكلية الآداب، لم يشتغل بسبب المرض، اسمه حنا سليمان، يجلس في شرفته ~~المطلة على الحقول الممدودة حتى الأهرامات، في يده كتاب، عيناه شاردتان سوداوان يشتد ~~سوادهما وبريقهما باشتداد المرض، رموشه تزداد غزارة وشعره الأسود، خصلة سوداء فوق جبهته ~~العالية، عظام وجهه بارزة منحوتة في رأس تمثال من البرونز، جسمه نحيف يزداد نحافة يكاد ~~يتلاشى، قميصه أبيض واسع يملؤه الهواء، كالروح تحلق فوق الأرض بلا جسد. # كنت مسئولة عنه ضمن مرضى آخرين كثيرين، حالته كانت متأخرة، صورة الأشعة تكشف الدرن في ~~الرئتين، الأمل معدوم في الشفاء، لا أستطيع التحديق في الصورة، هل يمكن التحديق في الموت ~~بالعينين المفتوحتين؟ مع ذلك كنت أنظر، لا أكف النظر، أحاول أن أعرف كيف تعمل جرثومة الدرن، ~~كيف تكف الحياة في الخلايا الحية، عقلي مشدود إلى المعرفة، ظاهرة الموت تبدو معقدة، السر ~~المغلق على نفسه، تعودت رؤية الموتى كل يوم، أصبح الموت جزءا من الحياة، مع ذلك أندهش حين ~~يموت أمامي إنسان، كأنها المرة الأولى في حياتي، كيف تنسحب الروح من الجسد وإلى أين تذهب؟ ~~وهل هناك شيء اسمه روح؟ من اخترع هذه الكلمة في اللغة؟! # كان الحوار يدور بيننا في شرفته المطلة على المزارع: «هناك أشياء يا دكتورة لا يمكن أن ~~يدركها العقل، مثلا الروح، نحن لا نفهم ما هي الروح، مع ذلك نؤمن بوجودها، إذا لم يكن ~~للإنسان روح فهو لا يعرف اليأس، الحيوان لا ييأس، اليأس صفة إنسانية، كيركجارد يقول عدم ~~الوعي باليأس نوع من اليأس، حين أقول لست يائسا فهذا يعني أنني قهرت اليأس وأعيش في هدوء، ~~لكن هذا الهدوء هو اليأس أو الاستسلام الكامل لليأس.» # كنت أستمع إليه، أحب الموضوعات إليه هو اليأس، أهو تأثير كيركجارد عليه أو الدرن ~~الرئوي. ~~- أتؤمنين بوجود الله يا دكتورة نوال؟ ~~- منذ الطفولة، كنت أفكر كثيرا. ~~- الإنسان يحتاج لوجود الله من أجل التوبة! ~~- لكن هل هناك توبة بدون خطيئة ؟ ~~- لا أعرف، هل نولد ومعنا ms343 الخطيئة؟ ~~••• # كنت أقاوم فكرة اليأس والموت، الأرض لم تعد مسطحة بل كروية، الحياة لم تعد خطا مستقيما ~~له بداية ونهاية، إنها أقرب إلى شكل الدائرة، تذوب البداية في النهاية بلا فاصل، كنت في ~~التاسعة والعشرين من عمري، أقترب من الثلاثين، الرقم «ثلاثون» يبدو لي كبيرا، كأنما بلغت ~~نهاية العمر، ماتت أمي ومات أبي، أصبحت الوصية على أخواتي القاصرات الأربع، وابنتي الطفلة، ~~وأم إبراهيم أصبحت بديل الأم، ترعى أمور البيت وأخذت أنا دور الأب، واجبي الإنفاق والعمل ~~خارج البيت في العيادة والمستشفى، ليالي النوبتشية كانت مرتين في الأسبوع، أقضيها في جناح ~~الطبيبات داخل المستشفى، لنا غرف خاصة للنوم، الصالة وقاعة الطعام مشتركة مع الأطباء، كان ~~معي زملاء وزميلات لا أذكر منهم أحدا، ملامحهم ممسوحة في ذاكرتي، كنت أشاركهم العشاء ثم ~~أنسحب إلى غرفتي لأقرأ، ليالي النوبتشية لا أنام، أتمشى في الحديقة حول المستشفى، أخرج إلى ~~شاطئ الترعة، الطريق المظلم يمتد بي عبر الأشجار، أمشي فوق العشب الأخضر دون أن أسمع وقعا ~~لخطواتي، القمر في الأفق والنجوم ساكنة، مشيت إلى حافة الترعة وجلست، كان الصمت يدخل مسام ~~جسمي كالهواء، يملؤني بحزن غامض يشبه الفرح، مرت دقائق وأنا أحدق في النجمة الثابتة لا ~~يقهرها ضوء القمر، ثم تحرك الهواء ببطء ومعه الزمن، تحركت معه السماء والنجوم والأرض، كل ~~شيء في الكون يتحرك يتمدد إلى ما لانهاية، ثم يتقلص ليصبح نجمتي الوحيدة الساهرة معي، وجسدي ~~الوحيد الممدود على الأرض، عقلي يتساءل ... أتكون الأرض والسماء شيئا واحدا؟ أيكون المكان ~~هو الزمان ولا فاصل بينهما؟ # في طفولتي قال أبي إن الزمن هو الله وهو خالد إلى الأبد وموجود منذ الأزل في السماء، الله ~~هو الثابت المطلق في حالة سكون دائم لا يتغير مثل الزمن، الأرض هي المكان المتحرك المتغير، ~~هي الجسد الفاني الزائل، في مصر القديمة كانت «نوت» إلهة السماء، زوجها جيب كان إله الأرض، ~~كيف انقلبت الأوضاع واصبحت الإلهة الأنثى ترمز إلى الأرض والجسد، وزوجها الإله يرمز إلى ~~السماء والروح ؟ ~~- يا نوااااااال، يا يا نواااااال. ms344 # صوت يناديني من السماء من بطن الأرض يشبه صوت أمي، ينقلب فجأة ليصبح صوت أبي، عيناه ~~مملوءتان بالدموع، لم أر في حياتي أبي يبكي، أيكون هو أمي؟ تختفي الدموع المحبوسة، يدها ~~باردة ميتة، أعرف أنها ماتت، مع ذلك أمسك يدها في يدي. # ألمح الضوء في نافذة حنا، لم يكن ينام مثلي، أراه جالسا في سريره كأنما هي آخر ليلة في ~~حياتي، التوهج الأخير قبل الانطفاءة، كالطير الحبيس في القفص، هالة من الحزن تحوطه لها ~~رهبة، لا أستطيع الحملقة في عينيه، لا أقوى على النظر في الموت، أخشى إن نظرت إليه أن يكف ~~عن النظر، عيناه تنظران إلى خارج سياج العقل، تنطلق عيناه من القيود جميعا بما فيها ~~العينان ذاتهما، أحرك يدي نحوه لأمسك يده، تتجمد ذراعي في منتصف الطريق، لا تفصلني عنه إلا ~~مسافة نصف ذراع أجتازها في الحلم بسهولة، تصبح في الواقع كالبحر الواسع يفصلنا. # أمسك بأصابعه النحيفة القلم، كتب شيئا على قطعة من الورق، طواها وناولها لي: «الإنسان ~~يعطي حياته للحب ثم عليه أن يموت، كان الموت ضروريا فلماذا لا أقول الحقيقة وأمضي؟ لا شيء ~~يبدد الوهم إلا الموت، اليأس أحتضنه بين ذراعي كالأمل، والخطيئة في الحب هي الفضيلة، لا ~~تمسحها إلا التوبة، إن راحت الخطيئة راح الله، آه يا ربي من كشف الحقيقة.» # كنت أجلس على طرف سريره وهو راقد، عيناه تتأججان بالبريق، كالنهار يولد من الظلمة، قلبي ~~يرفرف تحت الضلوع، الحزن والفرح يذوبان في إحساس واحد، يتجاوزان قواعد المنطق، كنت حبيسة ~~المخاوف الثلاثة: الله والخطيئة وعدوى الدرن، تضاءلت الثلاثة إلى جوار الموت، لا يرقى إلى ~~مرتبة الموت إلا الحب، وهو مستغرق في الكتابة، أصابعه حول القلم كالوتر المشدود، كأنما هي ~~آخر حروف يكتبها، يسعل وهو يكتب، ينساب الدم الأحمر فوق الورقة البيضاء، لا تتوقف أصابعه عن ~~الحركة حتى يصيبه الإغماء، في ذاكرتي غرام مشبوب لفنان ينزف، يعزف البيانو وهو يموت، أكان ~~هو شوبان؟ الملامح واحدة، خداه البارزان تكسوهما حمرة خفيفة، علامة المرض بالسل وعلامة ~~الحب، عيناه ms345 سوداوان يكسوهما البريق، رموشه سوداء غزيرة، شعر رأسه أسود كثيف، خصلة أمامية ~~تسقط فوق وجهه وهو يكتب، قميصه أبيض واسع يملؤه الهواء، كالروح بلا جسد، كالحب الأول وأنا ~~في العاشرة من العمر، يعزف لحن الحلم المستحيل، أهناك علاقة بين المستحيل والحب؟! # كان معي في المستشفى زملاء أطباء، رجال أشداء متوردو الوجوه، أجسادهم قوية ممتلئة، بعضهم ~~يحمل الدكتوراه، ودرجة الأستاذ، وعربة وعيادة وعزبة أو عمارة، ملامحهم خالية من التعبير، ~~عيونهم بلا بريق، جفونهم بلا رموش، يهرولون من المستشفى إلى العيادة، المرضى في نظرهم أرقام ~~في الملفات أو حالات داخل العنابر، لا أحد فيهم يقرأ الأدب أو الفلسفة أو يسمع الموسيقى، لا ~~حديث لهم إلا عن أنواع الجراثيم وماركات السيارات، أتفادى الجلوس معهم في غرفة الأطباء، ~~أربعة أعوام قضيتها في هذا المستشفى ليس في ذاكرتي إلا صورة هذا الشاب، أجلس على طرف سريره ~~وهو راقد، النافذة العريضة تطل على الحقول الخضراء، تشبه الحقول أمام بيتنا في الطفولة، ~~اللحن يسري في أذني يشبه لحن الحب الأول، الشمس تنحدر في الأفق عند الغروب، أرقب الغسق ~~الأحمر ينتشر في السماء، تتصاعد الدقات تحت ضلوعي، أقضي الليل إلى جواره ساهرة، عند الفجر ~~أرقب الشفق بلون الغسق، عيناي مشدودتان إلى قرص الشمس، كيف يسقط في بطن الأرض وكيف يظهر؟ ~~يرفرف قلبي كجناحي الحمام، أفرد ذراعي عن آخرهما كالجناحين وأكاد أحلق في الجو. # من السهل جدا أن نحب، ومن الصعب جدا أن نحب، فالحب مثل الكتابة فيه السهل الممتنع أو ~~السهل المستحيل، لم يكن في مقدوري أن أمد يدي وأمسك يده، مع أن الروح تعانق الروح، على طرف ~~سريره كنت أجلس وهو راقد، أسمع صرير الهواء في رئتيه، لولا هذا الصرير لأفلتت مني اللحظة ~~الحاضرة، أمسكها بيدي لأمسك الحقيقة، بيدي الأخرى أمسك جسمي قبل أن يتلاشى وأنا جالسة على ~~طرف سريره، وجهه النحيل الشاحب ضارب إلى البياض، عيناه شاخصتان إلى السقف تلمعان، يداعب ~~بأصابعه النحيلة القلم، يبتسم بالفرح ثم يغرقه اليأس، أنفاسه تتأرجح كالسفينة فوق أمواج ~~البحر، أثبت ms346 عيني المفتوحتين في الجدار، أخشى إن لم أثبتهما أن يسقط جسدي من طرف السرير، أو ~~أسقط أنا من فوق جسدي، لم يكن في مقدوري إغلاق جفوني، عيناي كالنافذة المفتوحة في مهب ~~الرياح، والسماء كالصحراء السوداء، تلقي ظلها الثقيل على الأرض، المستشفى كالمحطة بين ~~السماء والأرض، يعيش داخلها أحياء أموات، وجودهم معلق بين الحلم والحقيقة، نشوة الأمل ~~واليأس، والبصاق الممزوج بالدم، يأتون ويذهبون كالمسافرين، أشعة الصدر متشابهة والسعال، ~~والعدوى تجعل البشر كالجراثيم، والأطباء كالمرضى، والدخول كالخروج، والفضيلة كالرذيلة، لا ~~توجد حسنات ولا سيئات، هنا تتساوى كل الأشياء، يتحقق العدل المستحيل، ينفتح القلب للحب ~~كالزهر في الربيع. # في ساعة متأخرة من الليل قلبه يواصل النبض، لا يريد التوقف، جفوني لا تريد السقوط فوق ~~عيني، إن سقطت جفوني أترنح كأنما أسقط في بئر، أسمعه يقول شيئا، يحرك شفتيه لينطق، كلمات ~~لا يمكن سماعها، يلفظها في مواجهة المجهول، بعد لحظة يفتح عينيه ويسترد الحياة كأنما من ~~أجلي فقط، يجاهد ليفتح جفونه يرفع عنها جبلا، يغدر بالموت ويفتح عينيه، يبتسم لي بزهو ~~المنتصر، كان أملي أن يعيش وكان أملي ألا يعيش، حين استطعت الوقوف على قدمي شعرت بالانتعاش، ~~الدم يجري في جسدي كالضوء يولد من الظلمة، خلعت معطفي الأبيض وانطلقت إلى الهواء الطلق، ~~كنت أنجو بنفسي، أعانق الحياة بفرح لأني أعيش، تلوح لي صورته في ذاكرتي فأشعر بالإثم، تركته ~~وحده يموت وهربت، أليست هي الخيانة للحب؟ ~~••• # داخل الميكروسكوب أتأمل جرثومة الدرن، ألا يمكن أن أكتشف شيئا يقتل هذه الدودة الصغيرة؟! ~~أتلفت حولي في معمل المستشفى، رفوف خالية يعلوها التراب، تشبه الرفوف في مكتبة المدرسة ~~الثانوية، الكتب القديمة الصفراء الورق غلافها مقطوع، كالبرطمانات المشروخة الزجاج بلا ~~غطاء، الموظف يرتدي مريلة بيضاء مبقعة بجميع الألوان، عيناه صفراوان كالمصابين بداء الوباء ~~الكبدي: «عاوزة حاجة يا ست الدكتورة؟!» ~~- «أيوه عاوزة أعمل بحث.» # كلمة «بحث» لم تكن واردة حينئذ، الأطباء يعالجون الأمراض، لا علاقة لهم بالبحث، قابلت ~~مدير المستشفى يجلس وراء مكتب ضخم، لا أرى منه إلا الرأس الأصلع، تعلوه ms347 صورة رئيس الدولة ~~داخل برواز ذهبي عريض، عيناه تتسعان تحت النظارة الزجاجية والحاجبان يرتفعان: بحث إيه يا ~~دكتورة نوال؟ المعمل عندنا يا دكتورة يا دوب للتحاليل، والبحوث الطبية يلزمها عقول ~~وإمكانيات مش موجودة، وعاوزة تعملي بحث عشان إيه؟ ~~- «عشان أكتشف علاج للدرن الرئوي.» # هل نطقت شيئا خارج حدود العقل؟ لماذا يرمقني بهذه النظرة الساخرة؟ ~~- الاكتشافات يا دكتورة تحدث في أوروبا مش في مصر، باستير في فرنسا، كوخ في ألمانيا، ~~دارون في إنجلترا، بافلوف في روسيا، حتى البلهارسيا المرض المتوطن في مصر من مئات السنين لم ~~يكتشفه طبيب مصري، عارفة اكتشفه مين؟ خواجة اسمه «بلهارس». # صوته يرن في أذني كنعيق البوم، ملامحه تبدو صلعاء مثل رأسه، يؤمن بتفوق العقل الأوروبي ~~على العقل المصري، درس الجراثيم فقط ولم يدرس التاريخ: «يا دكتورة الطب في العالم بدأ في ~~مصر، التشريح والتحنيط، ورئيسة الأطباء كانت امرأة هي الإلهة «سخمت»، الأطباء العرب معروفون ~~في التاريخ منهم «ابن سينا» والطبيب «الرازي»، وأنا عندي عقل وممكن أكتشف شيء في الطب، إذا ~~كنت مصرة على حكاية البحث يا دكتورة نوال اكتبي طلب على عرضحال وحطي عليه الدمغة وأنا ~~أحوله لوكيل الوزارة، يمكن يكون لك حظ وتسافرين فرنسا، هناك معهد «باستير» تقدري تكتشفي فيه ~~علاج للسل والسرطان وكل حاجة، يعني أنت أقل من الست مدام كوري اللي اكتشفت ~~الراديوم؟» # كتبت الطلب وبدأت أحلم بالسفر، في الليل أحرك ذراعي وأطير فوق البحر المتوسط، أجتاز ~~اليونان وإيطاليا وأهبط في فرنسا، لا أعرف كيف أهبط، ربما أنا داخل الطائرة، لم أركب طائرة ~~من قبل، أراها فقط في الجو، لا يزيد حجمها عن الحمامة، كيف يدخل جسمي الفارع الطويل ~~داخلها؟! كيف أتحول إلى نقطة سوداء داخل السحب البيضاء تذوب شيئا فشيئا؟! # لم أعرف أن وزارة الصحة مثل المستشفى، الداخل إليها مفقود والخارج مولود، لم تكن الطلبات ~~فوق العرضحالات تخرج من الوزارة، إنها تدخل ولا أحد يعرف مصيرها إلا عفاريت الجن: «أصل ~~السيد الوزير لازم يؤشر على الطلب يا دكتورة نوال.» ~~- «طيب، والطلب فين ms348 دلوقتي يا أستاذ؟» ~~- «مش عارف، المهم أنه مشي من عندي يا دكتورة، جايز يكون راح مكتب السيد المدير العام، ~~أصله لازم يروح الأول للسيد المدير العام، بعدين يطلع للسيد الوكيل، بعد كده يروح لمكتب ~~السيد الوزير.» # أخذت إجازة مرضية من المستشفى، الوجع في صدري يمتد من الرئة إلى القلب إلى الروح، أشعر ~~بالتعب حين أصحو من النوم، لا يضيع الوجع إلا في الحلم، إنه طفلي المقدس، أهدهده وأنا ~~نائمة، يتحول بين ذراعي إلى جسد دافئ ذراعاه تلتفان حولي كمياه النهر، إن هبت العاصفة يصبح ~~شلالا يبتلعني، أفتح جفوني في الظلمة قبل أن يدمرني، أمد يدي تحت الوسادة أتحسس القلم ~~والكشكول، دون أن أضيء اللمبة أكتب، أدفع اليأس بالكتابة، أثبت سن القلم فوق الورقة كأنما ~~أثبت حياتي، إن لم أثبتها تفلت من يدي، يأخذها مني إله العدم، كالمحمومة ألهث وأنا أكتب، ~~كأنما سأموت قبل أن أكمل العبارة، أريد أن أكملها وأمضي، لا يمكن أن أذهب دون أن أقولها، ما ~~دمت موجودة فالموت غير موجود، وحين يحل بي الموت لن أكون موجودة، فلماذا لا أكتب ما ~~أريد؟ # لتذهب وزارة الصحة إلى الجحيم، لا أريد أن أبقى فيها ولا أريد السفر، كل ما أريد هو أن ~~أحاجج الرب كما حاججه سيدنا أيوب، عندي من الصبر ما كان عنده ويزيد، فأنا ميتة والموتى ~~خالدون، لم أدرك موت أمي إلا بعد موتها بوقت طويل، يعجز العقل عن إدراك الموت إلا بعد ~~رحيله، أم إبراهيم كانت تقول: «السكينة سارقاكي يا ضكطورة.» الدجاجة المذبوحة لا تحس ~~بالسكين، الموت أنواع ودرجات كالحب، كلها مصنوعة من الوهم ما عدا موت الأم. # الفصل السابع # | ليس لأمي مكان في الجنة # الحزن على أمي هو أكبر حزن في حياتي، يزداد مع مرور الأيام لا يخف كالأحزان الأخرى، أدخل ~~إلى البيت وأسير إلى غرفتها، فجأة ترتطم عيناي بسريرها الخالي، لماذا يعجز العقل عن إدراك ~~الموت في حينه؟ أتسكن الروح المكان فترة من الوقت بعد غياب الجسد؟ لا أؤمن بانفصال الروح عن ~~الجسد، مع ms349 ذلك أتجول في غرف البيت أبحث عنها كأنما سأجدها، أفتح باب المطبخ، ودورة المياه، ~~والحمام، غيابها يصدمني مع أنني أعرف أنها ميتة، ملابسها معلقة في الدولاب، فستانها الحريري ~~الأصفر ذو الحمالات، علبة البودرة، قلم الروج والمكحلة، المشط المربع من العاج، تمشط به ~~شعرها وهي جالسة أمام المرآة، تستدير حين تراني، تميل نحوي، أمد لها ذراعي، تتحول فجأة إلى ~~اللاشيء. # فوق الجدار صورتها داخل برواز أسود، عيناها مرفوعتان، نظرتها مستقيمة، أنفها عال، أسنانها ~~الأمامية بارزة، جبهتها مرتفعة، خطوط وجهها واضحة محفورة لا يمسها الزمن. # كانت تحلم بالعزف على البيانو، ركوب الخيل، ركوب الطائرة واكتشاف العالم، تزوجت في ~~الخامسة عشرة من عمرها، ماتت في الخامسة والأربعين، لم تحقق شيئا من أحلامها، كانت تصوم ~~رمضان وتصلي أيام الامتحانات، تؤمن أن الله موجود، حين تمرض تنسى الله وتؤمن ~~بالأطباء. ~~••• # صوتها يناديني في ظلمة الليل: يا، يا، يا نوااال يا دكتورة مش عارفة تشوفيلي علاج، أصحو ~~من النوم، أمشي على أطراف أصابعي حافية، لا أريد أن أوقظ أبي، كان ينام في الصالة، ترك لها ~~السرير العريض وغرفة النوم، وجهها يطل من تحت الملاءة بلون الملاءة، أكل السرطان عظامها على ~~مهل، الشهر وراء الشهر، السنة وراء السنة، لم تعد تستطيع تحريك ذراعيها وساقيها، أرفع جسدها ~~لأغير الفراش المبلل. ~~- الموت أهون يا نوال. ~~- أنا بنتك يا ماما وجسمك هو جسمي. ~~- لكن البول ده! لو كنت أمشي بس لدورة الميه! # أصبحت كالطفلة تبول وهي نائمة، تتأذى من بلولة فراشها، لا تطيق رائحة المرض، كانت شابة ~~جميلة تتزين وتتعطر، ترى نفسها في المرآة أميرة، لا تخرج منها رائحة إلا معطرة، لا تعطس، إن ~~عطست تكتم العطسة بيدها، لا تتجشأ، لا يصدر عن أمعائها صوت، جسدها لا يعرق، إن ظهرت قطرة ~~عرق تمسحها بمنديلها الحريري، بشرتها ملساء لا ينمو عليها الشعر، إن نما تنزعه قبل أن تراه ~~عين. ~~- يا نوااال هاتيلي سم أشربه عشان أموت إذا كان في قلبك رحمة. # قلبي مليء بالرحمة، فهل أقتل أمي؟ هل يفيض حبي لها ms350 فأنهي حياتها؟! في الحلم وأنا نائمة ~~أبحث عن وسيلة للقتل بلا ألم، أيمكن أن أزيد لها جرعة المورفين إلى حد الموت؟! ستموت دون أن ~~تشعر بشيء، هل أكون إلهة الموت مثل سخمت في مصر القديمة، كانت تقبض الأرواح وتشفي المرضى، ~~القادرة على منح الحياة والصحة هي القادرة على القتل ومنح الموت والرحمة، كانت سخمت رئيسة ~~نقابة الأطباء القديمة، ليس في مصر اليوم نقيبة للأطباء، زميلتها «معات» كانت إلهة العدل ~~ورئيسة القضاء منذ سبعة آلاف عام، ليس في مصر اليوم امرأة قاضية. ~~- يا نوااال ارحميني من الألم ... # أسمع نداءها في الليل والنهار، تطلب الموت والرحمة، أصبح الموت هو الأمل، هو الحلم البعيد ~~المنال، أيمتلئ قلب ابنتها بالحب والحنان وتحقق لها الرائحة؟ # ابنتها ممزقة بين حبها لنفسها وحبها لأمها، تتردد في قتلها بجرعة زائدة من المورفين، ~~عملية سهلة بالنسبة لطبيبة مثلها، مجرد أن تملأ الحقنة بالسائل الشفاف، تغرز الإبرة في وريد ~~الأم وتضغط على المكبس، حركة بسيطة لا تزيد على دقيقة أو دقيقتين، لكن يدها ترتعش أصابعها ~~مشلولة، أيحق للطبيب أو الطبيبة إنهاء الحياة إذا انعدم الأمل في الشفاء؟ ما جدوى استمرار ~~الجسد الممزق بالألم واليأس المطلق؟ قلبها يقول لا شيء مطلق لا شيء مائة في المائة، هناك ~~ذرة شك في كل يقين، لا يقين إلا رحمة الله أو معجزة وهذه مشكوك فيها أيضا. # وفي ليلة حين فاض بها الألم وفاض حب ابنتها لها أقدمت على إنهاء حياتها، قرار يحتاج إلى ~~تضحية بالذات من أجل الأم، تضحية الابنة من أجل أمها لا يساويها إلا تضحية الأم من أجل ~~أطفالها، هل كنت أرد دين الأمومة؟! وفشلت في المهمة! كان حبي لنفسي أكثر من حبي لأمي، ~~تركتها تعيش مع الألم حتى ماتت وحدها بدوني. # حين ماتت أمي ماتت معها المدينة، أصبح الكون ميتا، ألهذا كانت الأم مقدسة أو ملعونة في ~~الكتب السماوية؟! يوم 28 سبتمبر 1958م ماتت أمي، كتبت في مفكرتي السرية أقول: «كأنما ماتت ~~مدينة القاهرة مع أمي، كيف تتحول المرأة إلى مدينة؟ ms351 أهي المرأة الأولى في التاريخ؟» # أبدا، ليست المرأة الأولى، مدينة بابل القديمة كانت امرأة ورد ذكرها في الكتاب المقدس، ~~هي التي وقفت أمام الإله الذكر متحدية، أرادت أن تبني لأهلها مدينة لها برج رأسه عال، جمعت ~~سكان المدينة، جعلتهم قوة واحدة تبني وتعمل وتتكلم لغة واحدة، لماذا أصبح الإله مهددا؟ ~~لماذا كره العمل والوحدة بين الناس؟ لماذا حول المدينة إلى امرأة زانية وكانت هي الأم ~~الكبرى الحانية؟! وهذه كلمات الله في التوراة: «فنزل الرب ينظر المدينة والبرج ... وقال الرب ~~هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون ~~أن يعملوه، هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم بعضا، فبددهم الرب من هناك على ~~وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة؛ لذلك دعي اسم بابل، لأن الرب هناك بلبل لسان كل ~~الأرض.» # منذ المدرسة الابتدائية أتذكر هذه الكلمات، وأوصاف المرأة الزانية التي هي مدينة بابل، ~~وصفها الإنجيل وصفا دقيقا حتى رسمتها في حصة الدين، امرأة طويلة فارعة القامة مثل جدتي، ~~«تجلس على العرش في السماء تمتطي الوحش القرمزي، زنى معها ملوك الأرض وسكر سكان الأرض من ~~خمر زناها، تقول عن نفسها: أنا جالسة ملكة ولست أرملة ولن أرى حزنا، وقد أمر الإله الرب أن ~~يعطوها عذابا وحزنا وضربا وموتا وجوعا وأن تحترق بالنار؛ لأنه الرب الإله عيناه كلهيب ~~النار وعلى رأسه تيجان كثيرة وهو متسربل بثوب مغموس بدم، ويدعى اسمه كلمة الله، من فمه يخرج ~~سيف ماض لكي يضرب به الأمم، وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب ملك ورب الأرباب.» ~~••• # حين ماتت أمي لم ألبس ثوبا أسود، لم يكن عندي ثوب أسود، شغلني الحزن على أمي، لم يكن ~~عندي الوقت لشراء الثوب الأسود، ولماذا اللون الأسود؟ يعلو الحزن فوق جميع الألوان، أرتدي ~~ملابسي العادية لا أعرف ما لونها، لا أنظر إلى نفسي في المرآة، امتص الحزن الوقت واللغة، ~~أصبح الصمت أبلغ من الكلام، أكثر النسوة صراخا أقلهن حزنا. # كانت هي ms352 خالتي هانم شكري، سمعتها تصرخ، من حولها أختها فهيمة ونعمات وأخريات من عائلة ~~أمي، كانت في مقدمة الركب، مقبلة نحوي بجسدها البض داخل فستان أسود جديد من الحرير اللامع، ~~يضيق عند الردفين ويكشف عن الشق العميق بين النهدين، عيناها مكحلتان، وظلال خفيفة فوق كل ~~جفن، حاجباها المنتوفان مرسومان بالقلم الأسود على شكل قوسين، شفتاها مدهونتان بقلم روج ~~«ناتوريل» طرحتها السوداء شفافة، تنحدر بميل إلى نصف الجبهة، تطل من تحتها خصلات الشعر ~~المكوية، والحلق الألماظ يتدلى من الأذن، والعقد يحوط العنق، في يدها حقيبة يد تميل إلى ~~اللون الداكن من جلد الثعبان، وفي قدميها حذاء من جلد الثعبان ذاته، له شريط رفيع يدور حول ~~الرسغ، تشف نعومته من تحت جورب أسود شفاف، قدماها المقوستان تتأرجحان فوق الكعب الرفيع ~~العالي. ~~- يا حبيبتي يا زينب كان بدري عليكي! # بهذه العبارة كانت تصرخ، صراخها جاف تخشى على الكحل أن تذيبه الدموع، لا تكف عن الصراخ، ~~وإن كفت تطلق تنهيدة طويلة عميقة كأنما تخرج من المبيضين، تشد عنقها إلى أعلى كالمختنقة، ~~تتنفس بعمق تلمع عيناها بالفرح، تشكر الله في سرها لأنه لم يأخذها إليه وأخذ أختها بدلا ~~منها. # أرادت طنط هانم أن تدخل إلى غرفة أمي الميتة، منعتها من الدخول، أغلقت الباب دونها، لا ~~أريد أن ترى جسد أمي العاري، كانت أم إبراهيم تغسلها، قبل أن تلفها بالكفن الحريري، وقفت ~~وراء الباب أصد عن أمي عيون الغرباء، هذه العيون اللامعة بالفرح، تتأجج بشبق الاستطلاع، ~~تتحرق شوقا لرؤية العورات. # لم تكن لجسد أمي عورة إلا الثدي الواحد كالإله ذي الثدي الواحد، هذا السر كانت تخفيه عن ~~العالم، كأنما هي المسئولة عن غياب الثدي الآخر، تحشو الفراغ بالقطن كما كانت تحشو أثداء ~~العرائس، يصبح لها مثل كل النساء ثديان، تمشي مرفوعة الرأس تختال بأنوثتها، لا أحد يراها ~~إلا من الظاهر، لا شيء يحيرها إلا الظاهر، لا تصدقه كأنما هو الحلم، تخشى أن تفتح عينيها ~~فتصحو. # اشتريت لأمي كفنا حريريا أخضر، علامة الموت في سن الشباب، عشرة أمتار ms353 من محل إسلام ~~باشا في ميدان الجيزة، لفتها أم إبراهيم بعناية، كالأم تلف طفلتها، تحبس دموعها حتى لا ~~أراها، تبتسم في وجهي: «البركة فيكي يا ضكطورة وفي السيد بيه ربنا يعينه على فراقها يا ~~رب.» # في عربة الموت السوداء جلست إلى جوار الصندوق، يسمونه النعش، داخله أمي، لم يكن لي أن ~~أفارقها حتى يواريها القبر، هبطت أيضا معها تحت الأرض أريد أن أرى أين تنام، مسحت التراب ~~تحتها بكفي، نزعت الحصى وقطع الطوب الصغير، فرشت لها مهدا من الأرض الناعمة، وضعت رأسي فوق ~~صدرها، أذني تتحسس قلبها، كأنما سأسمع أنفاسها أو الدقات تحت الضلوع، لم يكن هناك إلا الجسد ~~النائم داخل الحرير، بلا نبض بلا حركة، أتصحو بعد قليل؟ الظلمة داخل القبر كاملة إلا من ضوء ~~خافت، ينبعث من الثقب فوق رأسي، تطل منه طنط هانم، في يدها مقص كبير، تناوله لي، صوتها ~~يأتيني كأنما من عالم آخر: «لازم تقصي الكفن كويس يا نوال عشان ما حدش يسرقه.» # كانت السرقة شائعة في الدنيا والآخرة، يسرقون الموتى كما يسرقون الأحياء، يفتحون المقبرة ~~في الليل، يأخذون الكفن الحريري، ينزعون من الميت أسنانه الذهبية، يسرقون عظامه بعد أن ~~يتلاشى اللحم، قد يسرقون الجثة كلها بلحمها وعظامها، لتستقر في بيت أحد الطلبة الأثرياء في ~~كلية الطب. ~~- يا طنط هانم فيه حارس بيحرس المقبرة في الليل. ~~- حاميها حراميها يا نوال، لازم تقصي الكفن، كل الناس بتعمل كده. # كانت الفكرة هي صنع عدد من الثقوب في القماش ببوز المقص، هكذا يحدث الإتلاف للكفن الحريري ~~ولا يصلح للسرقة، أمسكت المقص بيد ثابتة كأنه المشرط، باليد الثانية أمسكت الكفن فوق صدر ~~أمي، رفعته عن جسدها حتى لا يصيبها المقص، ارتطم بوز المقص بصدرها فارتعشت، تصبب العرق يجري ~~فوق ظهري وأنا متكورة داخل القبر، سمعت صوت أبي يناديني: يا نوال اطلعي، امسكي في ~~إيدي! # رأيت ذراع أبي ممدودة إلي من فوق رأسي، كالحبل يمدونه إلى قاع البئر، ينتشلون به ~~الغرقى، أمسكت بأصابعي الخمسة في يد أبي وصعدت إلى سطح ms354 الأرض، أنفض عن ملابسي التراب، وجهي ~~وشعري بلون التراب، جسدي يغطيه التراب، كالموءودة يخرجونها من القبر، قلبي تحت ضلوعي لا ~~ينبض. # في البيت أخذتني أم إبراهيم إلى الحمام، غسلت عني تراب القبر، دلكت قدمي وساقي: «خالتك ~~هانم دي زي التعابين، ناعمة من بره ومن جوه سكين، كان لازم هي اللي تنزل وتقص كفن أختها ~~شقيقتها بنت أمها وأبيها، وهي ست كبيرة وجامدة لكن أنت يا ضنايا لسه صغيرة، كان بدري عليكي ~~تشوفي كل اللي شوفتيه يا ضنايا ... ربنا يعينك.» # في الليل أحاطتني بذراعيها، كنت أهذي بالحمى، راقدة في الفراش، أمد عنقي فوق الغطاء طلبا ~~للهواء مدفونة في الأرض أبحث عن ثقب للخلاص، جسد أمي داخل الكفن معه جسدي، كلانا جسد واحد ~~لا ينفصلان، تحوطني ذراعاها تحت الكفن ثم تتركني لتموت وحدها، ثم تعود تمسكني وتحوطني، ~~جسمها يصبح جسمي ثم ينفصل عني، أصبح أنا وحدي وهي جسم آخر منفصل، نلعب معا تحت الكفن هذه ~~اللعبة اللانهائية، الاتصال ثم الانفصال، ثم الاتصال والانفصال من جديد، كنا نلعبها في بحر ~~الإسكندرية وأنا في الخامسة من العمر. # في منتصف الليل كنت أنهض من سريري، نسيت أن أمي ماتت، سمعت صوتها يناديني من غرفتها، أسير ~~على أطراف أصابعي حتى لا أوقظها، في سريرها أبي نائم مكانها، كان ينام على الكنبة في الصالة ~~وهي مريضة، فتح عينيه ورآني: صاحية ليه يا نوال؟ ~~- الساعة كام يا بابا؟ ~~- الساعة أربعة ونص يا نوال الفجر يا دوب طلع! ~~- ياللا يا بابا نروح نشوف ماما يمكن الكفن انسرق وبقيت عريانة! # قضيت عدة ليال مؤرقة، جاء يوم الخميس ذهبت مع أبي لزيارة أمي في المقبرة، يسمونها ~~القرافة، بالقرب من جبل المقطم اسمها «الغفير» بناها المرحوم جدي شكري بيه، من الحجر ~~الأحمر، تشبه البيت الصغير، يحوطه حوش كبير وسور حجري، وباب حديدي صغير، له مفتاح في جيب ~~الحارس، يرتدي جلبابا طويلا متربا ويداه مشققتان، يشبه الحانوتي وفراش المشرحة، يوم ~~الخميس هو يوم زيارة الموتى، امتلأ الحوش الواسع بالكراسي الخيزران ، جلست عليها النسوة ms355 من ~~عائلة شكري بيه، الفساتين الجديدة السوداء من الحرير اللامع، الطرح الشفافة الهفهافة تنحدر ~~في أنوثة ناعمة على الجبين، الشق بين النهدين يطل من فتحة «العنق» «الدي كولتيه»، رائحة ~~البودرة والعطور الفرنسية، كلمات عربية ركيكة تنقلب فيها الضاد إلى دال والقاف إلى كاف، ~~تتخللها بعض كلمات فرنسية أكثر ركاكة، يتهامسن بأخبار العائلة وآخر الفضائح، فلان ماشي مع ~~فلانة وفلان اتجوز على مراته وفلانة ماشية مع فلان، ثم تفتح الواحدة منهن فمها عن آخره ~~وتطلق الصوت: كان بدري عليكي يا حبيبتي يا زينب! # تستريح وتسترخي في المقعد ثم تطلق التنهيدة العميقة كأنما تشدها من قاع الحوض، تطلق سراح ~~الحزن المتراكم في جوفها، تسري التنهدات في أذني وأنا واقفة، أخشى أن أقترب وإلا أصبحت ~~واحدة منهن، تتراخى أجسادهن بعد عدد من الصرخات، يتمدد اللحم داخل الفساتين الضيقة، تنفرج ~~الشفاه المدهونة بالروج، تفرد كل منهن ذراعيها تتمطى، ترفع وجهها نحو السماء تتلقى شعاع ~~الشمس، تلمع عيناها بالسعادة لأنها لم تمت وغيرها مات، ثم تنهال بأسنانها على فطيرة الرحمة ~~تأكلها عن آخرها. # كنت آخر من غادر المقبرة، أدور حولها وأعود، هناك شيء نسيته، أبحث فوق الأرض وفي الأركان، ~~يرمقني الحارس بعينين ضيقتين، إحدى عينيه مغلقة تماما، العين الثانية نصف مفتوحة تبربش، هل ~~أحكم إغلاق المقبرة؟! هل تسلل في الليل وسرق الكفن رغم الثقوب بالمقص؟ أسرق أمي كلها وباعها ~~لفراش المشرحة؟ ~~- افتح يا عم محمد عاوزة أشوف ماما! ~~- ما اقدرشي أفتح القبر يا ضكطورة. ~~- ليه يا عم محمد؟ ~~- حرام نفتح عليها، ربنا في كتابه الكريم قال ... ~~- ربنا ما له يا عم محمد؟ # تدخل أبي بيني وبينه: «يا نوال، اطمئني، عم محمد راجل طيب ولا يمكن حد يقدر يقرب من ~~المقبرة.» خرجت مع أبي من الحوش، أغلق الحارس وراءنا الباب، يرمقني بعين مفتوحة والثانية ~~نصف مفتوحة تبربش، كانت له عين مغلقة تماما فكيف انفتحت؟ الشكوك تملؤني، أستدير وأنا أمشي ~~لأرمق الباب الحديدي الصغير، أتوقف لحظة كأنما سأعود، يحثني أبي على مواصلة السير، أمشي إلى ~~جواره حتى ms356 نهاية الزقاق، أستدير وألقي نظرة على الباب المغلق كأنما سيفتح، كأنما الباب ~~فعلا سيفتح وتخرج أمي عارية الجسد بلا كفن، أطرد الصورة عن عقلي وأسير إلى جوار أبي، ~~خطوتي ثقيلة، والباب الحديدي لا يزال في عيني، في النوم أفتح الباب وأدخل، أحفر الأرض وأقفز ~~داخل الثقب، أسقط في البئر فوق قدمي كما تسقط القطط، كانت المقبرة غويطة أكثر مما كانت، ~~مظلمة شديدة الظلمة، سقفها منخفض، أحني ظهري وأنا أمشي، ذراعي ممدودة أمامي، في يدي كشاف ~~أبحث بين الجثث عن أمي، عدد كبير من الموتى الملفوفين في الأكفان القديمة، رأيت المرحوم جدي ~~والمرحومة جدتي وجميع الرجال والنسوة من عائلة شكري بيه، دست بقدمي على جمجمة تشبه الجمجمة ~~الموجودة فوق مكتبي، لها شارب طويل يشبه شارب جدي، كدت أنكفئ فوق وجهي، لمحت كفن أمي ~~الحريري الأخضر، ولمعة الحرير الجديد، ولأنني أعرف شكل جسد أمي، استداراتها الخاصة عند ~~الكتفين والردفين، الثدي الغائب ناحية اليسار فوق القلب، نفضت الغبار عن صدرها الناعم، ~~أحكمت الثوب الحريري الأخضر حولها، أغلقت النافذة والباب حتى لا تصاب بالبرد، تركتها نائمة ~~وأطفأت النور. ~~••• ~~- ماما رايحة الجنة يا نوال، الجنة تحت أقدام الأمهات. # صوت أبي يكلمني حين أفكر في مصير أمي، لم أعد طفلة أصدق كل ما يقوله أبي، أنا في السابعة ~~والعشرين من عمري، طبيبة متعلمة، أعالج الأمراض، أعرف أن الموت حقيقة مثل الجسد، والجسد إن ~~ذهب ذهبت معه الروح. ~~- وأين تذهب الروح حين تذهب؟! # من هذا السؤال بدأت رحلتي الطويلة داخل الخضم المقدس، المحاط بالغموض والتناقض، المتسربل ~~تحت اسم صاحب الجلالة، أول الرحلة هذه العبارة من أربع كلمات «الجنة تحت أقدام الأمهات.» ~~قال أبي إنها حديث من أحاديث الرسول - عليه الصلاة والسلام - بدأت أبحث في الأحاديث النبوية ~~عن حقوق الأمهات في الجنة، لم أكن أبغي إلا الاطمئنان على مصير أمي، لم أتصورها داخل النار، ~~عاشت وماتت من أجل زوجها وأطفالها التسعة، اشتغلت من أجلهم الليل والنهار بلا أجر إلا ~~طعامها، خرجت من بيت أبيها إلى بيت الزوجية وهي ms357 طفلة، ماتت في عز الشباب، لم تعرف في حياتها ~~رجلا غير أبي، أخلصت له منذ ليلة زفافها حتى ليلة موتها، لم تشرب الخمر، لم تلعب الميسر، ~~لم تدخن سيجارة واحدة، لم يكن لها أصدقاء رجال أو نساء، قضت عمرها ما بين غرفة النوم ~~والمطبخ، ألا تستحق بعد كل ذلك أن تدخل الجنة؟! # في مكتبة أبي عثرت على مجلدات تحوي أحاديث الرسول محمد، كلها أحاديث صحيحة عن السيدة ~~عائشة - رضي الله عنها - وعن الرواة من الصحابة والذين سمعوا الأحاديث من فم الرسول مباشرة ~~دون وسيط، كانت هناك أحاديث مكذوبة يعرفها أبي، يعلم عليها في هامش الكتاب، يكتب بخط يده ~~«هذا الحديث عن أبي هريرة وهو حديث مكذوب.» # نشأت فكرة الحياة بعد الموت قبل الأديان السماوية الثلاثة، بدأها قدماء المصريين من ~~الفراعنة، تصوروا أن الجسد حين يموت تخرج منه الروح، إن الروح الصالحة المطيعة لفرعون تذهب ~~إلى دار النعيم، مع الملائكة والملوك والأمراء، الروح المتمردة العاصية تذهب إلى دار الجحيم ~~مع الشياطين والعبيد من النساء والرجال. # كان فرعون هو الحاكم فوق الأرض وهو أيضا الحاكم بعد الموت، هو الذي يحدد من يذهب إلى ~~الجنة ومن يذهب إلى النار. # اندثر الكثير من أوصاف الجنة والنار عند قدماء المصريين، إلا أن النعيم في الجنة لا يختلف ~~كثيرا عما جاء في الكتب السماوية، الفاكهة اللذيذة والأرائك المريحة والأنهار تجري بالمياه ~~العذبة والعسل الشهي واللبن الطازج، والخمر تجري كالأنهر داخل كئوس من الفضة والذهب، بعد ~~شرب الخمر تأتي نشوة الجنس، هناك ترابط بين لذة فقدان العقل واللذة الجنسية. # عثرت بين أحاديث الرسول على حديث يصف الحياة في الجنة على نحو تفصيلي، أدهشتني التفاصيل ~~الخاصة باللذة الجنسية، وهي لذة قاصرة على الرجال، يشتمل الحديث على هذه الفقرة، تصف علاقة ~~الرجل في الجنة بالحوريات العذراوات ولكل رجل اثنتان وسبعون حورية. # يدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليه سبعون زوجا من ~~سندس وإستبرق، وإنه ليضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده ms358 من صدرها، ومن وراء ثيابها وجلدها ~~ولحمها وإنه لينظر إلى مخ ساقه كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت، كبده لها مرآة ~~يعني وكبدها له مرآة، فبينما هو عندها لا يملها ولا تمله ولا يأتيها من مرة إلا وجدها ~~عذراء، ما يفتر ذكره ولا يشتكي إلا أنه لا مني ولا منية، فبينما هو كذلك إذ نودي: إنا قد ~~عرفنا أنك لا تمل إلا أن لك أزواجا غيرها، فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما جاء واحدة قالت: ~~والله ما في الجنة شيء أحسن منك وما في الجنة شيء أحب إلي منك. ~~••• # أتقلب في الفراش مؤرقة، في الحلم أرى أمي تمشي في الجنة وحدها، ماتت في الخامسة والأربعين ~~أما لتسعة من العيال، ليست حورية عذراء ولا تريد أن تنقلب بعد كل هذا العمر إلى فتاة ~~صغيرة بلهاء تقف في الطابور الطويل ضمن اثنتين وسبعين عشيقة لرجل واحد، تنتظر دورها لتدخل ~~حيث يفض بكارتها وهي تبكي بالألم، وما إن يتمزق غشاؤها حتى يخلق الله لها غشاء جديدا، لا ~~يلبث أن يتمزق مع الألم ليعود سليما من جديد، وهكذا يستمر عذاب الحوريات في الجنة، لا يقل ~~عذابهن عمن دخلوا النار، كلما احترقت جلودهم يخلق الله لهم جلودا جديدة لا تلبث أن تحترق ~~ثم تعود سليمة من جديد، ويستمر العذاب الأبدي دون انقطاع. # سألت أبي ذات يوم: «أليس سيدنا محمد هو الذي قال: الجنة تحت أقدام الأمهات؟ لماذا إذن لم ~~يرد حديث واحد له عن حقوق الأمهات في الجنة؟ لماذا لم ترد فقرة واحدة في القرآن أو التوراة ~~أو الإنجيل عن حقوق النساء في الجنة؟» # موت أمي جعلني أفكر في حياتها داخل الجنة، عقلي لا يكف عن التفكير في هذا الموضوع، أعيد ~~قراءة القرآن من الغلاف إلى الغلاف، لا شيء عن حقوق أمي في الجنة، كيف تكون الجنة تحت أقدام ~~أمي؟ أتنقلب فتاة عذراء في ذلك الكابوس المرعب لإشباع شهوات الرجال؟! لا عمل لهم إلا شرب ~~الخمر وممارسة الجنس مع أعداد غير محدودة من العذراوات ms359 البيضاوات البشرة؟! # كانت بشرتي سمراء بلون بشرة أبي وجدتي الفلاحة، ساورني الهاجس: أيقلب الله بشرتي فتصبح ~~بيضاء بمثل ما يقلب أمي لتصبح عذراء؟ # استمر البحث طويلا دون جدوى، لم أعثر في الجنة على حقوق للنساء إلا حديث لأحد الفقهاء ~~يقول: «ليس للمرأة في الجنة إلا زوجها.» # إذن لا بد لأمي أن تنتظر في قبرها حتى يموت أبي، لا يزال أبي مملوءا بالقوة والصحة، جسمه ~~ممشوق كما كان، خطوته فوق الأرض لم تتغير، أصابه الحزن بعد موت أمي، ارتدى ربطة عنق سوداء، ~~بعد أربعين يوما نزع من عنقه علامة الحداد، بدأ يهتم بهندامه، يقف أمام المرآة يسرح شعره ~~يقصقص شاربه، يضع قطرات ماء الكولونيا تحت إبطه. # في قبرها كانت أمي تنتظره، ليس لها في الجنة إلا زوجها، الإخلاص الزوجي مفروض عليها في ~~الدنيا والآخرة، تصعد أمي إلى الجنة بقلب ثقيل، تجلس وحيدة على السندس الأخضر. # تنتظر موت أبي، مات أبي بعدها بأربعة شهور فقط لحسن حظها، فرحت بموته، أسرعت إليه ~~مفتوحة الذراعين، صوتها يتألق: «أهلا يا سيد أخيرا نجتمع في الجنة.» # هنا أتوقف قليلا لأشرح موقف أبي، إنه رجل صالح مؤمن بالله والرسول، أخلص لأمي في الدنيا ~~رغم أنه له الحق في أربع نساء، ها هو في الجنة له الحق في اثنتين وسبعين عذراء فهل يخلص ~~لأمي؟ # لم يكن الإخلاص الزوجي مطلوبا منه في الدنيا فما بال الحياة الأخرى في الجنة؟ وإذا كان ~~الله والرسول قد منحاه كل هذا العدد من الحوريات فلماذا يخلص لأمي؟ وماذا تفعل أمي في الجنة ~~إذا انصرف عنها رجلها الوحيد؟ # منذ موت أمي وأنا أكتب القصة، أعطيتها عنوان «ليس لأمي مكان في الجنة»، بعد أن ينصرف عنها ~~أبي إلى العذراوات تفكر أمي في العودة إلى الأرض، ربما تكون الأرض أفضل لها من الجنة، على ~~الأقل كان زوجها مخلصا لا يخونها إلا في الحلم بالجنة. # قرأت القصة في الندوة الأدبية، كل أربعاء كانت الندوة تنعقد في عيادتي بميدان الجيزة، ~~يحضرها عدد من الأدباء والشعراء ، كانت هناك نهضة ms360 أدبية في نهاية الخمسينيات وبداية ~~الستينيات مع النهضة السياسية، كنا في ربيع العمر نتغنى بمبادئ الاشتراكية الجديدة، العدل ~~والحرية وتكافؤ الفرص، مجموعة من الشباب والشابات، أطباء وطبيبات، أدباء وأديبات، شعراء ~~وشاعرات، صحافيون وصحافيات، يملؤنا الأمل في المستقبل، شاركنا أيام الدراسة في المظاهرات ~~الوطنية وإسقاط الملكية، إن عهد الجمهورية أمامنا، نشارك في صنعه، لنا دور في بناء المجتمع ~~الاشتراكي الجديد. # كانت الندوات الأدبية لا تكف، نادي القصة في شارع قصر العيني، دار الأدباء، في الصحف ~~والمجلات الجديدة تعقد الندوات، في وسط البلد في شارع شريف كان يحيى حقي يرأس تحرير مجلة ~~أدبية جديدة، اسمها «المجلة» وفي مبنى روز اليوسف أحمد بهاء الدين يرأس تحرير مجلة الشباب ~~الجديدة اسمها «صباح الخير»، وفي عيادتي كل أربعاء يجتمع شمل الأصدقاء والصديقات والزملاء ~~والزميلات في مجال الطب والأدب. # بعد أن قرأت قصتي القصيرة «أمي ليس لها مكان في الجنة» دب الصمت، كان أحمد بهاء الدين ~~حاضرا تلك الندوة، مر عليه يوسف إدريس بسيارته الصغيرة الفولكس فاجن، تركب إلى جواره أهداف ~~محمود، صحافية جديدة تتدرب في روز اليوسف، كانت صديقة لبهاء وهو رئيسها في المجلة، تتقرب ~~منه بشكل ملحوظ، ترمقه بعينين صغيرتين غارقتين في الكحل مملوءتين بالإعجاب، ما إن ينطق كلمة ~~حتى تصيح بصوت رقيق: «أيوه يا بهاء كلامك مظبوط.» يبتسم لها بشيء من الخجل، يتحرج من ~~إعجابها به أمام الناس، يتفادى الجلوس إلى جوارها، يختار المقعد بجوار يوسف إدريس أو صلاح ~~عبد الصبور أو صلاح جاهين، أو عبد الحليم عبد الله، أو أي رجل آخر، ينهمك معهم في الحديث عن ~~جمال عبد الناصر وأنور السادات وكمال الدين حسين وغيرهم من رجال الثورة. ~~- القصة دي يا نوال لا يمكن نشرها في المجلة إلا بعد مئة سنة إن شاء الله. ~~- ليه يا بهاء؟ ~~- موضوع الدين حساس جدا في بلدنا. # أكثر المتحمسين كان صلاح عبد الصبور، أعجبته الفكرة، يميل إلى الصمت في معظم الأحيان، ~~بشرته سمراء بلون طمي النيل، عيناه واسعتان هادئتان لا تكشفان التمرد في أعماقه، رأيته ms361 ينهض ~~واقفا ويقول: «نوال السعداوي مسكونة بإرادة شيطانية لتسمية ما لا يمكن تسميته، أتوقع أن يشنقوها في ~~ميدان التحرير لو نشرت هذه القصة!» # ضحك يوسف إدريس بصوته العالي، يقهقه ملقيا برأسه إلى الوراء، يعاكس أحمد بهاء الدين بنوع ~~من التحدي: «أنا لو مكانك يا بهاء لنشرت القصة وليكن ما يكون، يا جماعة لازم نتحدى الرقابة ونكسر ~~التابوهات!» # انفعل أحمد بهاء الدين: «طبعا يا يوسف اللي على البر شاطر، لو كنت أنت رئيس التحرير لا يمكن تنشر قصة زي دي، ~~وأنا في المجلة كسرت تابوهات كثيرة، وأنت عارف كده يا يوسف! وأنا أول واحد في مصر نشر لنوال ~~السعداوي، مع أن قصصها عبارة عن قنابل زمنية، فاكرة الرسالة اللي بعتها لك بالبريد وإنت في ~~طحلة؟!» ~~- طبعا فاكرة. # كانت رسالته مشجعة رغم أنه اعتذر عن نشر قصة مسعودة والعفريت، كنت أعاني حالة من الإحباط ~~والحزن، منذ رأيتهم ينتشلونها من النيل، في الليل أرى جثتها راقدة إلى جواري في السرير، ~~جاءتني الرسالة في البريد من أحمد بهاء الدين: # عزيزتي الدكتورة نوال السعداوي # أود أن أشكرك على هذه القصة البديعة، فهي جديدة تماما شكلا ومضمونا، إلا أنني ~~لا أستطيع للأسف نشرها في المجلة، هناك اعتبارات خارج نطاق وضعي كرئيس التحرير، ~~وأرحب بلقائك حين تأتين إلى القاهرة، عندنا أطباء يكتبون القصة القصيرة منهم يوسف ~~إدريس ومصطفى محمود، أما الطبيبات فلا أعرف طبيبة تكتب القصة في مصر إلا أنت، ~~ويسعدني التعرف عليك وأن ترسلي إلينا إنتاجك بصفة مستمرة. # الرسالة مكتوبة بخط اليد، حروفه صغيرة دقيقة لا تكاد ترى فوق السطر، تنم عن الحذر ~~والدقة، تخيلته رجلا صغير الحجم صغير اليدين والقدمين، خطواته فوق الأرض حذرة، يتردد قبل ~~أن يكتب. # حين التقيت به لأول مرة تطابقت الصورة في خيالي مع الحقيقة، رغم ذلك صدمتني الحقيقة، ~~قامته بدت أقصر مما توقعت، نظارته الطبية تجعل له ملامح الأطباء وليس الأدباء، من وراء ~~العدستين تكسو عينيه لمعة ذكاء، وشيء من الدهاء. # منذ التقيت به في أوائل 1957م حتى مات في ms362 عام 1996م أصبح أحمد بهاء الدين أحد أصدقائي، ~~كان يمتلك حاسة أدبية عالية، شديد الحساسية إلى حد المرض، نختلف ونتفق، تمر الأعوام العام ~~وراء العام دون أن نلتقي، فإذا التقينا دار الحوار بيننا كأنما لم ينقطع، كان في نظري ~~أديبا ضل طريقه إلى الصحافة. # أحيانا كنت أنسى أنني طبيبة، يستهويني الأدب، تتغلب الأديبة على الطبيبة، إلا أن ~~الصديقات والأصدقاء لا ينسون، ما إن يشكو أحدهم أو إحداهن المرض حتى يصبح فوق سرير الفحص، ~~خاصة أحمد بهاء الدين، كان يتوهم المرض دون أن يعرف أين يكون، أضع السماعة فوق قلبه لأسمع ~~الدقات القوية تشق طريقها عبر القفص الصدري، يتطلع نحوي وهو راقد كأنما يراني لأول مرة، ~~يضحك بصوته الخافت الخجول: ما كنتش أعرف إنك دكتورة بصحيح يا نوال! # في درج مكتبي الأسفل رقدت قصتي القصيرة «ليس لأمي مكان في الجنة»، ثلاثون عاما رقدت ~~القصة كالجثة الهامدة، لم تكن في مصر مجلة واحدة تستطيع نشرها، عثرت عليها بالصدفة في بداية ~~عام 1982م بعد خروجي من السجن، كنت أبحث في أوراقي القديمة لأكتب كتابي الجديد بعنوان ~~«مذكراتي في سجن النساء»، أطلت علي قصة أمي من بين الأوراق، انتشلتها من العدم، حذفت بعض ~~العبارات التي تمس المحظورات، جعلت البطلة امرأة فقيرة سمراء لا تشبه أمي، فيها ملامح جدتي، ~~تحلم بالجنة، وهي تسير تحت قرص الشمس في لهيب الصيف، مات زوجها وهي في ريعان الشباب، فأخلصت ~~له في موته كما أخلصت في حياته، لم يمسسها رجل إلا زوجها، في القبر بعد موتها كانت تحلم ~~بلقائه في الجنة، بعد أن صعدت إلى الجنة راحت تبحث عنه لم تجده في أي مكان، رأت بابا ~~مغلقا تتسرب من ورائه تأوهات رجل ينتشي باللذة، دفعت الباب بلا صوت، رأت زوجها عاريا في ~~السرير مع واحدة من الحوريات، وطابور طويل من الفتيات واقفات ينتظرن دورهن، أغلقت المرأة ~~الباب بلا صوت وعادت إلى الأرض، انتهت القصة. ~~- إيه الفرق بين الفنان والشخص العادي يا رجاء؟ ~~- الفنان يتجاوز حدود المناطق المحرمة ولا تهمه ms363 النتائج. ~~- إيه هي المناطق المحرمة؟ ~~- الثالوث إياه الدين والجنس والصراع الطبقي. # هذا الحوار يدور بيني وبين رجاء، إنه يفاجئني أحيانا بهذه العبارات المضيئة، يقف في صفي ~~حين يشتد الصراع في الندوات. # يساندني في لحظات الانطلاق وراء الحدود المسموح بها، يميل إلى السخرية أحيانا: «تصوري ~~نفسك يا نوال واحدة من اتنين وسبعين فتاة واقفة في الطابور على باب حمار مالوش شغلة غير ~~تمزيق الأغشية؟!» ~~- يبقى جهنم أحسن من الجنة يا رجاء! # رغم السخرية أشعر بالمرارة، في أعماقي بقايا إيمان بالحياة بعد الموت، أتوقف عند هذا ~~الرقم اثنتين وسبعين، لماذا هذا الرقم بالذات؟ وكيف يتمدد خيال الرجل الجنسي إلى هذا الحد؟! ~~اثنتين وسبعين امرأة في ليلة واحدة وخيال المرأة يتقلص إلى 72 / 1 من الرجل! # كان «رجاء» شاعرا يؤرقه كثير من الأسئلة مثلي، في خياله امرأة واحدة لا يريد إلا هي، ~~أحيانا أسأله: مين هي يا رجاء؟ يبتسم: «مش عارف اسمها، يا ريت أعرف اسمها، كلما امتلكنا ~~القدرة على تسمية الشيء زادت سيطرتنا عليه.» # كان يطوف المكتبات بحثا عن الكتب، كتب قصيدة عنونها «حواء ومريم العذراء»، كانت أمه ~~ممثلة معروفة ماتت في حادث غامض وهو طفل صغير، كانت أيام الحرب في الأربعينيات، في ~~الإسكندرية وقت ضربها بالقنابل، في الشرفة المطلة على الميناء كان البحر ينتفض تحت النيران، ~~أمه واقفة ظهرها ناحيته، كانت تبكي، أبوه يدفعها من الخلف، لا يرى من أبيه إلا ظهره العريض ~~الطويل، داخل الجلباب الأبيض، يشده من ذيل جلبابه «بلاش تزء ماما يا بابا!» يستدير أبوه ~~نحوه بوجه رجل غريب «اسكت أنا مش أبوك!» # يتوقف رجاء عند هذه الذكرى، لا يعرف بالضبط ماذا حدث، هل ألقت أمه نفسها من الشرفة؟ هل ~~أبوه هو الذي قتلها؟ لماذا كان ينظر إليه بتلك النظرة الغريبة ويقول: أنا مش أبوك؟ قبل أن ~~تسقط أمه من الشرفة يسألها: مين بابا يا ماما؟ حوطته بذراعيها وهي تبكي: «أبوك هو ده يا ~~حبيبي» في أعماقه كان يحس أن هذا الرجل الغريب ليس هو أباه. ~~- عاوز أقولك ms364 حاجة غريبة أوي يا نوال. ~~- إيه يا رجاء؟ ~~- وأنا طفل كنت أمشي على شط البحر أبحث عن أبي في وجوه الرجال، وفي البيت أشوف أبويا كأن ~~له وجهين، وجه حقيقي هو أبويا ووجه تاني هو زوج أمي، كانت أمي فنانة، أنا ورثت عنها كل ~~صفاتها، كانت أمي شريفة لكن أي فنانة في بلدنا لازم تكون غير شريفة، أبويا كان ياخد فلوسها ~~يصرفهم على واحدة تانية في سيدي بشر، ويرجع البيت يضربها ويقول إنها مش شريفة، كرهت أبويا ~~وفكرت إني أقتله، كان عمري تسع سنين، كراهية أبويا هي اللي أوحت إلي بقصيدة «حواء ومريم ~~العذراء»، كانت أمي في نظري وأنا تلميذ في المدرسة الابتدائية زي مريم العذراء بالضبط، لم ~~يمسسها بشر إلا روح طاهرة من عند الله، مع ذلك أبويا يقول عليها ساقطة، زي أمها ~~حواء. # أكاد أفهم ما يعنيه رجاء ولا أفهمه، تنتابني رغبة ملحة في المعرفة، كيف تحولت حواء في ~~التاريخ إلى مريم العذراء؟ ما علاقة اللذة الجنسية عند المرأة بالمعرفة والإثم؟ كيف هبطت ~~نوت إلهة السماء لتصبح فوق الأرض حواء الآثمة؟ # كان رجاء مثلي مسكونا برغبة المعرفة الآثمة، يريد أن يعرف كيف ماتت أمه، منتحرة أم ~~مقتولة؟ قبل أن يرى المعركة بين أبيه وأمه كان يؤمن بالله والخير، أبوه كان هو الله والخير، ~~ثم رأى المشهد العجيب، أبوه يضرب أمه حتى تنزف الدماء من أنفها، يدفعها من الخلف لتسقط من ~~الشرفة، أكان حلما أم حقيقة؟ أمه ماتت وهو طفل، قالوا إنها ألقت نفسها من الشرفة، أبوه قال ~~له: أنا مش أبوك، انقلبت السماء على الأرض منذ ذلك اليوم، أصبح للإله صورة أخرى، هي النقيض، ~~كان يبحث مثلي عن الإلهة الأم، كيف اختفت الإلهة الأنثى من التاريخ، كيف تحولت الأم الطاهرة ~~إلى الزانية الساقطة؟! الأسئلة الطفولية كانت تلح عليه، تحولت في شبابه إلى قصائد شعر، كان ~~يقرؤها علينا في ندوات العيادة. ~~- من حواء إلى مريم العذراء كان التحول. ~~- في الأدب والشعر والدين. ~~- كان الخيال سليما في الحضارة القديمة. ~~- والروح ms365 داخل الجسد داخل العقل. ~~- انفصلت الروح منذ مقتل الأم. ~~- وانفصل خيال الرجل. ~~- أصبح أبي يقول لنفسه: أنا والله واللذة والشرف. ~~- وأمي تقول لنفسها: أنا الشيطان والألم والعار. ~~- انحدرت من ربه المعرفة. ~~- إلى العذراء بلا شهوة. ~~- من مبدأ اللذة إلى مبدأ الألم. ~~- سقطت جميع الأمهات. ~~••• # أصبح رجاء صديقي الوحيد بين الرجال، كان لي أصدقاء كثيرون، أطباء وفنانون وأدباء، لم يكن ~~فيهم من يتحدث معي مثل رجاء، كلهم ذكور يتطلعون إلى الجالس في مقعد الحكم، يتطلعون إلى ~~الطبقة العليا وإن تكلموا على الاشتراكية والعمال والفلاحين. يقسمون النساء إلى فئتين ~~اثنتين: (1) عشيقات ملتهبات بالشهوة والعار. (2) زوجات باردات بالاحترام والأمومة. # كنت في الثلاثين من عمري في أوج الشباب، طبيبة وأديبة معروفة، ممشوقة الجسم فارعة القامة، ~~الرجال من حولي كثيرون كالذباب، ينجذبون إلى المرأة الحرة بلا رجل، خيالهم عاجز عن رؤية ~~المرأة، هي في نظرهم واحدة من اثنتين: (1) زوجة مملوكة لرجل واحد. (2) امرأة حرة مملوكة ~~لجميع الرجال. # الخيال العاجز منذ التحول في التاريخ، يتنافسون من حولي على نحو عجيب، يفكرون في أسرع ~~الطرق للوصول إلى غرفة النوم. # كان عقلي أمامهم كالباب الموصد، يسد عليهم الطريق، يحول بينهم وبين جسدي، كلمة عشيقة ~~ترن في أذني مهينة، كلمة زوجة لا تقل مهانة، لم يكن لرجل أن يتملكني وإن كان رئيس الدولة، ~~لا أمسح اسمي لأحمل اسمه وإن كان هو الإله المعبود. # الفصل الثامن # | موت أبي # بعد موت حنا لم أعد أؤمن بالعلاج الباطني، انتقلت إلى قسم الجراحة بمستشفى الأمراض ~~الصدرية بالجيزة، تدربت على العمليات الصعبة، أصابعي الطويلة رفيعة عظامها قوية، هي الأصابع ~~المطلوبة للإمساك بالمشرط، أساتذة الجراحة يتساءلون: كيف تكون المرأة جراحة؟ هذا المجال ~~للرجال الذكور مثل الجزارة، لم أفهم ما الفرق بيني وبين زميلي الطبيب، أصابعه ترتعش حول ~~المشرط وأصابعي ثابتة، أفتح الضلوع دون أن يطرف لي جفن، أستأصل فص الرئة المصاب بالدرن أو ~~الرئة كلها إن كانت مصابة، يعيش الإنسان برئة واحدة حياة طبيعية، الجسد له قدرة خارقة ~~للتعويض عما يفقده. # عامان قضيتهما داخل غرفة ms366 العمليات، في بحور من الدم، لا تفارقني الرائحة حتى في النوم، ~~رائحة الإثير واليود وأنفس المرضى، أقف في اليوم الواحد سبع ساعات، أقطع في لحم الناس، ~~تورمت قدماي من طول الوقوف، أصابتني الآلام في العمود الفقري، عاد إلي الشحوب والهزال، ~~يؤرقني الألم، أسعل طول الليل، يأتيني صوت أبي الميت من بطن الأرض «اشربي الدوا يا نوال.» ~~تفتح أم إبراهيم عينيها من عز النوم، أكانت تسمعه هي الأخرى؟ تسقيني اللبان الدكر المغلي، ~~تضع قدمي في الماء الساخن والملح، تدلكهما بين يديها الكبيرتين: «حرام عليكي نفسك يا ضكطورة ~~ريحي جسمك شوية.» ~~- «يا ريت يا أم إبراهيم آخذ إجازة لنهاية العمر، مش عاوزة أشوف عيانين، مش عاوزة أشوف ~~دم، مش عاوزة أروح المستشفى، مش عاوزة أروح العيادة، عاوزة أكتب أكتب أكتب وبس!» # أجهشت بالبكاء وأنا أصرخ: «عاوزة أكتب أكتب أكتب وبس! كان غلط إني أدخل الطب يا أم ~~إبراهيم! خلاص مش عاوزة أروح المستشفى!» # هل كنت أمزق شعري وأنا أصرخ، حاطتني أم إبراهيم بذراعيها كالأم تحتضن طفلتها، صوتها القوي ~~يرن في رأسي: «بلاش تروحيها يا ضكطورة، تروح المستشفى في ستين داهية!» # تشوح بيدها في وجه القضاء والقدر: «في ستين داهية المستشفى.» صوتها يشبه صوت جدتي ~~الفلاحة، كفها الكبيرة وهي تشوح في وجه العمدة، صوت أبي وهو يلقي بالتقرير في وجه الناظر: ~~«في ستين داهية وظيفة الحكومة!» # هذه اللحظة يصحو العملاق الراقد في أعماقي ينتفض واقفا متأهبا لفعل أي شيء، تتملكني قوة ~~خارقة للعادة، يلتحم جسدي مع روحي مع عقلي في كيان واحد، عاقل ومجنون، من النار والطين، ~~إرادة شيطانية أو إلهية، أيهما أقوى، روح أبي الميت تنهض، روح أمي في قبرها تصحو، روح جدتي ~~وأمها الغزاوية والعامرية التي تمردت على رسول الله ونفرتيتي وحتشبسوت وعشتار وتوت وإيزيس ~~حتى الآثمة الأولى حواء، كلهن يتجمعن داخل جسدي في روح واحدة يستحضرها صوت أم إبراهيم وهي ~~تشوح بكفها المشققة الضخمة في وجه العفاريت الجن: «في ستين داهية الدنيا والآخرة ~~كمان.» # لحظة الاستغناء المطلق، الانعتاق الكامل، تكررت ms367 هذه اللحظة في مراحل مختلفة من حياتي، ~~أنقذني الاستغناء من الاستعباد، ينطلق صوتي عاليا يصل إلى السماء: في ستين داهية الدنيا ~~والآخرة، أنا حرة أعمل اللي أنا عاوزاه واللي يحصل يحصل! ~~- الساعة سبعة يا ضكطورة والنهاردة سبعة في الشهر والمرحومة أمي كانت دايما تقول السبعة ~~كلها خير وبركة. # تفاءلت بالرقم سبعة كأنما بالعدوى، نتيجة الحائط تشير إلى يوم السبت سبعة من شهر سبعة ~~«يوليو» عقارب الساعة تشير إلى رقم سبعة. # أهي مجرد صدفة أم حلقة متصلة في التاريخ منذ آلاف السنين؟! ولماذا كان رقم سبعة مقدسا؟ ~~في مدينة بابل القديمة كان عدد الآلهة سبعة، في مصر القديمة كانوا يغنون للسبع سواقي، ~~السماوات عددها سبعة والأرض من سبعة طوابق، أعمار الإنسان سبعة، والخطايا السبعة، وفي ~~التوراة قتلت سارة ابنة طوبيا أزواجها السبعة، وفي الإنجيل المرأة في السماء لها سبعة رءوس، ~~وسيوف الحزن السبعة في قلب العذراء، وفي القرآن السبع بقرات والسبع سنابل خضر ويابسات، ~~والبحر يمده الله سبعة أبحر، ويمتد التقديس من سبعة إلى سبعين، فالمسيح له سبعون تابعا، ~~وفي الجنة لكل رجل اثنتان وسبعون حورية عذراء. ~~••• # هذه اللحظة كنت واقفة أمام المرآة، عيناي تتأججان بالبريق، ابتسامة تحوم حول شفتي في ~~استحياء: هل أؤمن بأساطير الأولين؟! أيمكن أن أتفاءل بالرقم سبعة مثل أم إبراهيم؟ # رفعت وجهي إلى ساعة الحائط، إنها السابعة وسبع دقائق بالضبط، تضاعف التفاؤل ومعه البريق ~~اللامع، اندفعت إلى الشارع بقوة ليس لها اسم، ركبت الأتوبيس، وجدت نفسي داخل وزارة الصحة في ~~شارع مجلس الأمة، واقفة بقامتي الفارعة المشدودة في قلب مكتب الوزير. ~~- لازم أقابل الدكتور نور الدين طراف دلوقتي حالا! ~~- حاضر يا فندم! # انتفض مدير المكتب واقفا، لم يسمع هذا الصوت من قبل. # هذا الصوت لا يصدر عن الموظفين في الحكومة أو الموظفات، وليست هي لهجة الأطباء أو ~~الطبيبات، ولا هي لهجة الضيوف من خارج الوزارة، صوت ينم عن جسارة لم يعرفها في النساء أو ~~الرجال. # قامتها المرفوعة وعيناها المشتعلتان بنار سوداء، أتكون مبعوثة من مكتب رئيس الجمهورية؟! ms368 ~~حركتها توحي أنها قادمة لتوها من عند جمال عبد الناصر. ~~- أقول له مين يا فندم؟ ~~- الدكتورة نوال السعداوي. # نطقت الاسم كأنما هو اسم إلهة السماء نوت، روح الإلهة الأنثى هي التي نطقت الاسم، هي التي ~~تحمل رأسي عاليا فوق عنقي، لعبت دور الإلهة إيزيس على خشبة المسرح في المدرسة الابتدائية، ~~لم تغادر جسدي روحها الإلهية، ترقد في السرداب العميق بين القلب والحجاب الحاجز، إن أقلقها ~~شيء تهب من نومها كالمارد يستيقظ. ~~- اتفضلي يا فندم استريحي دقيقة واحدة، السيد معالي الوزير عنده ضيوف أجانب، أول ما ~~يخرجوا حاديله خبر إن سيادتك موجودة، تحبي تشربي إيه؟! ~~- فنجان قهوة مضبوط! # دق الجرس إلى جوار مكتبه، ظهر على الفور الساعي، رجل عجوز يرتدي بدلة صفراء باهتة، ~~أزرارها واقعة، ظهره محني، وجهه متغضن يشبه المومياء، أكان ساعيا منذ نشوء أول حكومة ~~مركزية في عهد الملك مينا؟ ~~- فنجان قهوة مضبوط لسعادة الدكتورة. ~~- حاضر يا فندم. # الغرفة طويلة ضيقة نوعا ما، تشبه الغرف في القطارات، الكراسي من نوع «الفوتيي» الكبير، ~~وكنبة طويلة تبتلع الغرفة، المكتب ضخم يحتل المساحة الباقية، حجم مدير المكتب ضخم أيضا، ~~ليس فارع القامة لكنه ممتلئ باللحم، محشور في المقعد وراء المكتب، رأسه كبير أصلع، تعلوه ~~صورة لجمال عبد الناصر داخل برواز ذهبي، لا تكف الأجراس عن الرنين، يرفع السماعة ويرد قبل ~~أن يسمع الصوت عبر الأسلاك: أرجوك كلمني بعد ساعة مشغول دلوقتي! يرفع سماعة أخرى: حاضر يا ~~فندم حالا يكون التقرير عند سعادتك! ويرن جرس آخر فإذا به ينتفض واقفا، يرفع السماعة بيد ~~مرتعشة: حاضر يا معالي الوزير! # ينزلق جسده من وراء المكتب كالصابونة أو الشعرة تخرج من العجين، يتوقف لحظة أمام باب ~~جانبي مبطن بالجوخ الأخضر، يلتقط أنفاسه، يساوي الشعرات القليلة فوق الصلعة، يزرر الجاكتة ~~بأصابع منتفضة، يعدل ربطة عنقه لتصبح تحت ذقنه، يدفع الباب بيد رقيقة حانية، يدخل رأسه فقط، ~~ثم النصف الأعلى من الجسم، يظل النصف الأسفل خارج الباب، ردفاه سمينتان كردفي الزوجة ~~المطيعة القعيدة في البيت، ينزلقان داخل الباب ms369 الأخضر بلا صوت مع ساقيه وقدميه. # بعد دقائق قليلة يخرج من الباب الأخضر ذاته، يندفع جسده كله خارجا من الباب كالصاروخ، ~~يلهث قليلا، في يده أوراق كثيرة، تبدو على ملامحه الأهمية، يشخط في مساعده الذي يظهر فجأة: ~~الدوسيه ده حالا يروح للبيه الوكيل! يبتسم في وجهي علامة الإيجاب. ~~- تفضلي يا دكتورة، معالي الوزير في انتظارك. # الغرفة الواسعة والمكتب الضخم والجدران المنقوشة والسجاجيد العجمي والنجف المتدلي من ~~السقف، كلها تذكرني بأول مرة أدخل سراي عابدين بعد مظاهرة عام 46، وأول مرة أدخل مكتب عميد ~~كلية الطب، الدكتور مصطفى عمر لأحصل على مجانية التفوق عام 1949م، وأول مرة أدخل إلى القصر ~~الفخم في شارع قصر العيني حيث كان المجلس الأعلى للخدمات عام 1957م، أصبح اليوم مجلس ~~الشورى، والمكاتب الفاخرة الأخرى رأيتها على مدى الأربعين عاما الماضية، وقصر العروبة في ~~مصر الجديدة، قابلت فيه رئيس الجمهورية بعد خروجي من السجن في نهاية خريف 1981م. # هذه القصور الفاخرة منذ السلاطين والملوك الفراعنة، المكاتب ضخمة كالتوابيت تتحنط داخلها ~~أجساد الحكام والوزراء، كالقبور الواسعة المزركشة، مملوءة بالذهب وهيبة الحكم، كالأهرامات ~~يجلس على قمتها الإله يرقد تحتها فرعون. # كان الوزير جالسا وراء مكتبه الضخم، رابضا كالأسد في عرينه، رأسه مربع ثابت كأبي الهول، ~~فوقه صورة جمال عبد الناصر داخل برواز ذهبي عريض، كلمة «الله» منقوشة بماء الذهب إلى جوارها ~~فوق الجدار، عبارة منقوشة فوق المكتب «الصبر مفتاح الفرج»، «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت ~~من ذهب.» # وقف وهو يصافحني، طويل القامة عريض، يده كبيرة قوية يشد بها على يدي، أكاد أعرف الرجل من ~~الطريقة التي يصافحني بها، مستقيم الأخلاق لا يعرف الالتواء، يصافحني كما يصافح الرجل ~~رجلا، عيناه تنظران إلي في خط مستقيم. ~~- قريت لك يا دكتورة نوال قصة في مجلة نقابة الأطباء، عندك موهبة أدبية زي الدكتور كامل ~~حسين أستاذ العظام، له قصة جميلة اسمها قرية ظالمة، يا ترى قرأتيها؟ # آخر ما كنت أتوقعه أن يدور الحديث حول الأدب في أول لقاء لي مع وزير الصحة، يرفعني ms370 الأدب ~~فوق الأطباء والموظفين في الحكومة، يسترخي جسدي في المقعد، أضع ساقا فوق ساق، أشعل سيجارة، ~~أنفث الدخان من أنفي حتى السقف، عيناي تشردان بعيدا في الأفق، تتجاوزان رأس الوزير ورأس ~~جمال عبد الناصر داخل البرواز، الأدباء في نظر أبي كانوا يرتقون عن الملوك والوزراء، الوزير ~~يأتي بقرار ويذهب بقرار، الأديب لا أحد يعينه ولا أحد يخلعه. ~~- وإنتي فين يا دكتورة نوال؟ ~~- في الأمراض الصدرية يا دكتور طراف. ~~- اشمعنى الصدرية يعني؟ ~~- «عمتي بهية في كفر طحلة ماتت بالسل، كان عندي أمل أني أكتشف علاج يقضي على الدرن ~~الرئوي، حلم طفولي انتهى تماما.» # ضحك الدكتور نور الدين طراف، أدركت من الطريقة التي يضحك بها أنه يائس مثلي في جدوى وزارة ~~الصحة أو أي وزارة أخرى في الحكومة، منذ جاءت الثورة وهي ترفع شعار «هز الجهاز ~~الحكومي.» ~~- الحكومة دي ما فيهاش فايدة يا دكتورة نوال، جمال عبد الناصر راجل وطني مخلص لكن حواليه ~~طبقة عازلة عزلته تماما عن الناس. # إذا يئس من حكومته الوزير فمن يكون عنده أمل؟ أليس الوزير جزءا من النظام؟ ~~- إذا عجز الوزير عن اختراق الطبقة العازلة فمن يستطيع؟! ~~- المشكلة أن الطبقة العازلة من أهل الثقة، لكن وزير الصحة ليس إلا من أهل الخبرة. # كأنما أطل على القاهرة من قمة هرم خوفو، عقلي يتفتح لمعرفة جديدة، تسري لذة المعرفة في ~~جسدي، أشعر بالسعادة، عرفت شيئا جديدا اسمه الطبقة العازلة، وشيء آخر اسمه أهل الثقة، ~~وشيء ثالث اسمه أهل الخبرة، بدأت أفكر كيف يشتغل جهاز الدولة. # مع اللذة يسري شعور آخر يشبه الإثم، هل عرفت شيئا لا يصح أن أعرفه؟ سرا من أسرار ~~الحكم؟ الثمرة المحرمة فوق شجرة المعرفة؟ # أصبح الدكتور نور الدين طراف صديقي منذ أول لقاء، يحدثني كأنني أحد الزملاء، يفتح قلبه، ~~يحكي لي عن فساد الحكم الملكي، كان يحلم بتغيير النظام، دخل الحزب الوطني، لم يكن الطب هدفه ~~وإنما السياسة والحكم، كان من المقربين لجمال عبد الناصر، لكن الطبقة العازلة أبعدته إلى ~~وازرة الصحة، ثم خلعته عن ms371 الوزارة بعد قليل، رفسته إلى أعلى كما يقولون، أصبح مستشارا ~~لرئيس الجمهورية، ومسئولا عن النقابات المهنية في الاتحاد الاشتراكي، مناصب ضخمة بلا ~~مسئولية، يجلس بلا عمل إلى مكتب فخم داخل القصر المطل على النيل، اسمه الاتحاد الاشتراكي، ~~الحزب الوحيد الذي انضم إليه جميع الموظفين في الحكومة بالأمر. # التقيت بالدكتور نور الدين طراف ثلاث مرات، المرة الأخيرة قبل أن يموت بفترة قصيرة، كان ~~يسكن في شقة تطل على النيل في حي العجوزة، في البلكونة الزجاجية المستديرة بالدور الأول ~~جلسنا، كان حزينا شاحبا بعد هزيمة 1967م. ~~- الثورة دي خيبت آمالنا فيها يا دكتورة نوال، كان ممكن عبد الناصر ينتصر في الحرب ويحرر ~~البلد، لكن المشكلة الناس اللي حواليه، كان لازم الجيش ينهزم إذا كانت القيادة في إيد عبد ~~الحكيم عامر، وكان لازم الاتحاد الاشتراكي يفشل ومجلس الشعب يفسد إذا كانت القيادة في إيد ~~أنور السادات! ~~••• # كان الدكتور نور الدين طراف هو الذي أصدر القرار بنقلي من الأمراض الصدرية إلى الثقافة ~~الصحية بوزارة الصحة، أدركت من عملي في الريف والمدينة أن الوقاية خير من العلاج، «وأن درهم ~~وقاية خير من قنطار علاج» مثل شعبي يجري على ألسنة الناس، لا يمكن إبادة البلهارسيا دون أن ~~يكف الفلاحون عن التبول في مياه الترع، وهذا يقتضي حملات من الثقافة ورفع الوعي، لا يمكن ~~إبادة الدرن الرئوي دون أن يتعلم الناس كيف ترتفع مناعة الجسم، كيف يمكن القضاء على الثالوث ~~المزمن: الفقر، الجهل، المرض. # كلمة الثقافة الصحية قريبة إلى قلبي، ترتبط كلمة الثقافة في خيالي بالأدب والكتاب، أصبح ~~لي مكتب في وزارة الصحة، كان الدكتور نور الدين طراف قد خرج من الوزارة، جاء الدكتور النبوي ~~المهندس وزيرا للصحة، كان أستاذا في طب الأطفال، يؤمن بالعلاج أكثر من الوقاية. # كلمة الثقافة تحولت إلى كلمة الإعلام، يتنافس الوزراء على نشر صورهم مع تصريحاتهم عن ~~الاشتراكية، دخل جهاز إعلامي جديد إلى مصر اسمه التليفزيون، يتسابق إلى الظهور فيه ~~المسئولون في الحكومة، لم يعد العمل في الميدان هو مقياس النشاط، بل ms372 الظهور فوق الشاشة ~~الصغيرة، عدد مرات النشر في الصحف، حجم الصورة المنشورة والمساحة وكمية الكلام. # اصطدمت بوزير الصحة الجديد، تخصص في أمراض الأطفال، لا يعرف شيئا عن الطب الوقائي، يريد ~~تحويل قسم الثقافة الصحية إلى قسم الدعاية للوزير. ~~- أنا آسفة يا دكتور مش شغلتي. ~~- إنتي موظفة في الوزارة وأنا الوزير، عليكي تنفيذ التعليمات. ~~- أنا آسفة يا دكتور! أنا دكتورة مش موظفة! # كلمة «موظفة» أو «موظف» ترن في أذني محملة بالإهانة، لها تاريخ سيئ منذ طفولتي، كان يكفي ~~أن يقول أبي: فلان «موظف» لأدرك أنه ممسوح الشخصية، مسحوق بالعبودية، واجبه الطاعة مثل ~~النساء في بيوت الزوجية. # منذ الفراعنة يحتل «الوزير» مركزا مرموقا في الدولة، كلمة «وزير» تخلع القلوب، تخلخل ~~المفاصل، إذا ابتسم الوزير في وجه موظف ابتسمت له الدنيا والآخرة، وإن كشر الوزير في وجه ~~أحد كشرت له الأرض والبشرية والسموات السبع. # أصبحت أجلس إلى مكتبي في الوزارة بلا عمل، كان الوزير غاضبا علي، غضب الجميع لغضبه، ~~أصبحت المنبوذة من بوذا المقدس، لا أحد يبتسم في وجهي لا أحد يقرئني السلام. # كان يشاركني غرفة المكتب مدير الإدارة، الدكتور إبراهيم الشربيني، تربطه بالوزير علاقة ~~خاصة، زمالة قديمة في نقابة الأطباء أو شيء من هذا القبيل، أصبح الدكتور إبراهيم الشربيني ~~شخصية هامة في الوزارة، يجلس إلى مكتب ضخم يبتلع نصف مساحة الغرفة، في النصف الآخر مكتبي ~~الصغير يشبه منضدة المطبخ، يجاوره مكتب آخر صغير يجلس إليه طبيب من أعوان الدكتور الشربيني ~~اسمه الدكتور صلاح، تربطه بالدكتور الشربيني علاقة خاصة، يتقرب الموظفون إليهما بسبب ~~علاقتهما الشخصية بالوزير، يزدحم المكتب بالزوار طوال النهار، لا يوجد بالغرفة إلا كنبة ~~جلدية واحدة تكفي أربعة أشخاص، بقية الضيوف يقفون على أقدامهم أمام مكتب الشربيني، يتصايحون ~~ويضحكون ويقهقهون، أعلاهم صوتا هو المدير الدكتور الشربيني، يتطرق الحديث إلى نقابة ~~الأطباء والانتخابات القادمة، يلقي عليهم الدكتور الشربيني خطبة رنانة عن الميثاق الاشتراكي ~~الجديد لعمل النقابة والوزارة. # كان وجودي بالمكتب مثل عدم وجودي، لا ورقة واحدة تصل إلى مكتبي من عند المدير، ms373 فهو يعمل ~~كل شيء وحده، يتلقى وحده البريد من مكتب الوزير والإدارات الأخرى، لا يشرك معه إلا صديقه ~~الدكتور صلاح، وأنا جالسة إلى مكتبي أتفرج على ما يحدث. # بدأت أكتب القصص القصيرة في المكتب، إلا أن الأصوات العالية تقطع حبل التفكير، ورنين جرس ~~التليفون فوق مكتب الدكتور الشربيني لا يكف عن الرنين، والساعي عم حسين يدخل ويخرج حاملا ~~فناجين القهوة، يشربها الضيوف وهم واقفون، منهم أساتذة في كلية الطب، يريدون مقابلة الوزير، ~~لا أحد يمكنه ترتيب اللقاء إلا صديقه الحميم الدكتور إبراهيم الشربيني، أهم الشخصيات التي ~~تفد إلى مكتبنا هي مذيعة التليفزيون، شابة كاملة الزينة والماكياج، تتأرجح فوق الكعب ~~العالي، تقلب الراء إلى غين مثل صديقتي بطة، تدخل من باب الوزارة كالأميرة، يحف بها ~~الموظفون والسعاة، يترك الدكتور الشربيني الضيوف جميعا ويصعد بها إلى مكتب الوزير، يدخل ~~بها إلى الوزير مباشرة من الباب الرئيسي الأخضر دون المرور على مدير مكتبه، يطرد الوزير ~~أعضاء اللجنة الطبية إن كانت هناك لجنة، تدخل كاميرات التليفزيون، يضع الوزير الماكياج، ~~يبتسم للشعب المصري وهو يدلي بالتصريحات الهامة عن المشروعات الصحية الاشتراكية ~~الجديدة. # مكتب الوزير في حالة طوارئ، اللمبة الحمراء مشتعلة فوق الباب الرئيسي، والباب الفرعي، ~~مدير مكتب الوزير يمنع الدخول: «السيد معالي الوزير عنده تسجيل في التليفزيون.» كلمة ~~التليفزيون ترن في الجو مهيبة شبه مقدسة، كلمة جديدة دخلت قاموس اللغة العربية منذ شهور ~~قليلة، لم يكن يمتلك جهاز التليفزيون في مصر إلا الأثرياء والوزراء ورئيس الجمهورية، كان ~~ذلك منذ سبعة وثلاثين عاما، اليوم أصبح التليفزيون في كل بيت في المدن والقرى، بما فيها ~~بيت زينب ابنة عمتي في كفر طحلة، في مدخل الدار الترابي يتربع التلفزيون كالإله فوق منضدة ~~خشبية، مغطى بمفرش من القماش السميك، لا يقربه أحد إلا رب الدار، يعود على حمارته من الحقل ~~عند الغروب، من خلفه البقرة والماعزة، يجلس في مدخل الدار بعد العشاء يدخن الجوزة، يمد يده ~~ويفتح التلفزيون، ترمقه عيون النسوة وهن جالسات على الأرض، البقرة أيضا تطل برأسها ms374 من باب ~~الزريبة وتتفرج على التلفزيون . # بعد موت الدكتور النبوي المهندس خلفه في مقعد وزير الصحة عدد من الوزراء بلغ عددهم ستة ~~حتى غادرت الوزارة، لم يكن الواحد منهم يختلف كثيرا عن الدكتور النبوي المهندس، وتكرر ~~الصدام بيني وبين كل وزير جديد حتى خرجت نهائيا من الوزارة في أغسطس 1972م، حملت أوراقي ~~وغادرت مكتبي لآخر مرة، عند الباب الحديدي الخارجي للوزارة توقفت لحظة، استدرت لألقي بصقة ~~على المكان، كالسجين يطلق سراحه بعد اثني عشر عاما داخل الزنزانة. ~~••• ~~- الوظيفة في الحكومة مقبرة يا نوال. # هذه عبارة أبي قبل أن يموت بأيام قليلة، بلغ الستين من عمره وأحالوه إلى المعاش، فرد ~~ذراعيه عن آخرهما كأنما يفردهما لأول مرة، كأنما كان حولهما قيد حديدي: «أنا تحررت بعد ~~ثلاثة وثلاثين سنة سجن، أخيرا عندي وقت أقرأ وأكتب.» # كان جالسا في الصالة داخل الروب دي شامبر، اشتريت له هذا الروب من عمر أفندي، صوفه ناعم ~~لونه رمادي ثمنه أربعة عشر جنيها، أول مبلغ يتجمع في درج مكتبي بالعيادة، كان الشتاء ~~باردا، شهر فبراير عام 1959م، خرجت من عيادتي إلى محل عمر أفندي، في جيبي الأربعة عشر ~~جنيها، المبلغ كبير جمعته من المرضى، مزيج من السعادة والألم، أيمكن أن أبيع الصحة للناس ~~بالفلوس؟ # الفلوس في جيبي تدفئني، سأشتري بها روب صوف لأبي، أراه ينتفض داخل البيجاما الخفيفة، كان ~~يشتري لنا الملابس الشتوية ويظل هو بالبدلة الصيفية. # كان جالسا في الصالة، الشعر الأبيض يكسبه جلالا على نحو خاص، أو ربما شيء آخر في عينيه ~~يشع منه الجلال، أو شيء في أعماق روحه، كان له حضور إذا حضر، وغياب إذا غاب، له هيبة غامضة ~~خالية من السلطة، هيئة النبلاء دون أن ينحدر من طبقة النبلاء، عيناه قادرتان على اختراق ~~أعماق الآخرين لو أنه ثبتهما في عيونهم، نادرا ما كان يفعل ذلك، لم يكن يستخدم قوته مع ~~الأقل منه قوة، صدره مملوء بشيء آخر غير العضل، ربما هو قلبه الكبير يرفع ضلوعه، أمه ~~الفلاحة كان لها هذا الكبرياء الطبيعي، ms375 رغم انحناءة الشيخوخة كانت تمشي مرتفعة الصدر، أبي ~~كانت له هذه المشية، كتفاه تميلان إلى الأمام قليلا، انحناءة خفيفة كالجمل القادر على ~~السير بخطوة ثابتة والأحمال فوق ظهره. # فتح الكيس مكتوب عليه عمر أفندي، رأى الروب شامبر: «ده لك يا بابا من الإيراد الأول في ~~العيادة.» عيناه رأيتهما تلمعان يكسوهما الضوء يروح ويجيء كالدمعة الحبيسة. ~~- مبروك يا نوال نجاح العيادة. ~~- مبروك لك يا بابا دي عيادتك أنت. ~~- كنت اشتريلك تايير جديد، أنا راجل فلاح مش واخد على الروب دي شامبر ده ... دي حاجة ~~كمالية. ~~- لأ يا بابا دي حاجة ضرورية في البرد. ~~- المهم دلوقتي إنتي وإخوتك وبنتك. ~~- اطمن يا بابا على كل حاجة. ~~- أنا مطمئن يا نوال عليهم طول ما إنتي موجودة، أنا طبعا موجود لكن مين عارف يحصل إيه ~~بعد يوم أو يومين والأعمار بيد الله. # هل أدرك أبي أنه سيموت بعد ساعتين بالضبط من هذه الكلمات؟! كانت الساعة العاشرة مساء، ~~عاد لتوه من المقهى الذي كان يسهر فيه أحيانا مع زملائه المحالين إلى المعاش، ألمحه جالسا ~~وسطهم بشعره الأبيض كالهالة تحوط رأسه المرفوع، يلعبون الطاولة أو الشطرنج، يتناقشون في ~~السياسة، قد يرفع رأسه ويلمحني سائرة في طريقي إلى العيادة، يشير إلي لأدخل وأسلم على ~~أصدقائه «الدكتورة نوال، بنتي!» عيناه تلمعان بالفخر وهو ينطق كلمة «بنتي»، واللهجة نفسها ~~حين كان يناديني في منوف وهو جالس في مقهى «جرامينو» ويقول لأصدقائه: «دي نوال بنتي تلميذة ~~شاطرة عند مس هيمر وعاوزة تطلع دكتورة.» واللوحة الكبيرة تحمل اسم «الدكتورة نوال ~~السعداوي»، يراها أبي من نافذة المقهى في المبنى المقابل، أصدقاؤه يرونها والجالسون في ~~المقهى، والراكبون في الترام والأتوبيس، والسائرون في الميدان، يتحدث أبي مع أصدقائه عن ~~ابنته الأديبة أيضا، قد يحمل إليهم قصة منشورة في إحدى المجلات: «بنتي الدكتورة نوال عندها ~~موهبة من الطفولة، كنت أشجعها وأقول لها تقدري تجمعي بين الطب والأدب زي الدكتور إبراهيم ~~ناجي والدكتور كامل حسين.» # كان اليوم هو الخميس 19 فبراير 1959م، انتهيت من فحص المريض الأخير ms376 في العيادة، كانت ~~الساعة الثامنة مساء، خلعت معطفي وخرجت إلى الميدان، في المقهى لم ألمح الرأس العالي ~~بالشعر الأبيض، كان أبي يسهر أحيانا مع أصدقائه في المقهى حتى العاشرة مساء، أسرعت الخطى ~~إلى البيت عبر شارع الربيع الجيزي ومحطة القطار، كان هذا الطريق أقصر قليلا من النفق ~~الطويل حتى أول شارع الهرم، كنت مدعوة تلك الليلة إلى حفل نقابة الأطباء في الأوبرج، تبدأ ~~الحفلة في العاشرة مساء تشمل العشاء ومشاهدة بعض الراقصات والاستماع إلى بعض المطربات، لم ~~أكن أنجذب إلى هذه الحفلات، صديقتي بطة قررت المرور علي بالبيت لتأخذني إلى الحفل في ~~سيارتها: «لازم يا نوال تشوفي نجوى فؤاد رقصها يجنن، نفرفش شوية ونبعد عن قرف ~~العيانين.» # المسافة من عيادتي إلى بيتي خمس عشرة دقيقة بخطوتي الواسعة السريعة، وجدت أبي جالسا في ~~الصالة داخل الروب دي شامبر، كان في يده كتاب يقرؤه، أزاح نظارة القراءة قليلا إلى أعلى، ~~يبتسم تحت لمبة النور: «جيتي بدري من العيادة الليلة؟» ~~- «بطة جاية دلوقتي، عندنا حفلة في الأوبرج، النقابة بعتت لي دعوة، لكن مش عاوزة أروح يا ~~بابا.» ~~- «ليه يا نوال، لازم تروحي تغيري جو شوية من العيادة والمستشفى.» # كنت أريد أن أبقى معه تلك الليلة، منذ انشغلت في العيادة لم أعد أراه إلا في الصباح قبل ~~أن أخرج إلى المستشفى، أحيانا أخرج قبل أن يصحو فلا أراه إلا بعد الظهر إن لم يخرج إلى ~~المقهى، في يده كتاب الجاحظ، أريد أن أتحدث معه عن نظريته في المعرفة، سمعت بوق السيارة ~~يصرخ أسفل البيت، من الشرفة رأيت بطة جالسة في السيارة أطلت من النافذة: اتأخرنا يا نوال نص ~~ساعة. # كانت الساعة العاشرة مساء، البيت كله نائم إلا أبي يقرأ في الصالة، وأخي الأصغر في غرفته ~~يراجع دروسه، تركت له على قصاصة ورق رقم التليفون في الأوبرج، أبي موفور الصحة، لم أتوقع ~~شيئا تلك الليلة، تركت رقم التليفون بحكم العادة، في جسدي إدراك يسري عبر العمود الفقري، ~~أهو تعب النهار الطويل؟! وقفت في غرفة العمليات ms377 سبع ساعات، لم أسترح إلا ساعة الغداء وذهبت ~~إلى العيادة ، أبي في الصالة يقرأ داخل الروب دي شامبر، رفع عينيه من فوق الكتاب وأنا أفتح ~~الباب، التقت عيوننا، أكان يقول شيئا؟! كأنما كانت آخر نظرة يلقيها علي: «خليك صاحي لغاية ~~ما أرجع يا بابا مش حتأخر.» ~~- «أنا سهران الليلة يا نوال مع عمنا الجاحظ.» # كنت أرتدي ملابس عادية، جيب وبلوزة وبلوفر أسود، بطة كانت ترتدي ثوب السهرة، زوجها إلى ~~جوارها يرتدي بدلة لامعة والبابيون، في الأوبرج تفرقنا، اخترت مائدة بعيدة عن الصحب، ~~ينتابني الحزن في الحفلات والأعياد، جلست على طرف المائدة مطرقة شاردة، الأطباء والطبيبات ~~من حولي يأكلون ويشربون ويضحكون، الراقصة تطرقع بالصاجات على أنغام الرق والطبل، أمامي صحن ~~فيه طعام وكوب فيه شراب، لم تكن عندي شهية لشيء، جاء المصور والتقط لي صورة، لم أرفع وجهي ~~إلى الكاميرا، انتبهت إلى ضوء الفلاش فوق وجهي الشارد في حزن، وسمعت الصوت ينادي ~~اسمي: الدكتورة نوال السعداوي، لك تليفون يا دكتورة! # كان هو أخي الأصغر، لم يقل إلا كلمتين: «تعالي بسرعة.» أصبحت أجري خارج الأوبرج، وجهي نحو ~~الجيزة، لم أستطع الوقوف لانتظار التاكسي، تصورت أن قدمي أسرع، أحد الأطباء أدركني بسيارته، ~~هل رآني وأنا أنهض من المائدة؟! أعرف اسمه، أخذني إلى البيت، أعلى السلم رأيت أخي الأصغر ~~واقفا، باب الشقة مفتوح، وجهه خال من الدم، دخلت إلى الصالة، نور اللمبة مضاءة، فوق ~~المنضدة، نظارة أبي والكتاب مفتوح، مقعده خال، تقدمت نحو الداخل بضع خطوات، جسدي يتأرجح ~~كالقارب فوق الأمواج، أمد ذراعي كمن تمشي في النوم. # رأيته ممدودا فوق البلاط، في الطرقة الصغيرة أمام باب الحمام، راقدا فوق ظهره، وجهه ~~ناحية السقف، عيناه مفتوحتان، جسدي النائم ينثني إلى الأرض، يدي المخدرة تمتد إلى يده ~~تمسكها، أكنت أجس النبض؟! هل غلبني النوم؟ سقط رأسي دون أن أشعر فوق صدره، كالطفلة في ~~الرابعة من العمر تنام فوق صدر أمها. ~~- البقية في حياتك يا دكتورة نوال. # صوت الطبيب صاحب السيارة، أول صوت أسمعه وأنا أفيق، البقية ms378 في حياتي؟ ما معنى هذه ~~العبارة؟ ~~- الأفضل ننقله على السرير يا دكتورة. # ضمير الغائب في كلمة ننقله تعود إلى أبي، أصبح غائبا عن الوجود، جسده لا يزال موجودا ~~ممدودا فوق الأرض، نقلناه إلى السرير نحن الثلاثة أنا والطبيب وأخي الأصغر، بضع خطوات ~~قليلة لهثنا فيها، فوق أذرعنا الست امتدت القامة الفارعة، أثقل ما فيها الرأس، حوطته بذراعي ~~أحميه من الارتطام ونحن ندخل في غرفة النوم، فوق السرير النحاسي العريض، أصبح نائما، عيناه ~~مفتوحتان، مد الطبيب يده وأسدل الجفون فوق العينين، غطاه بالملاءة من الرأس إلى ~~القدمين. # في الصالة جلسنا نحن الثلاثة، الصمت يدب في البيت، أخواتي البنات نائمات في الغرفة ~~الداخلية، ابنتي في غرفتي غارقة في النوم، أم إبراهيم في القرية تزور ابنتها المريضة، حكى ~~أخي الأصغر ما حدث، كان في غرفته يراجع دروسه حين سمع الصوت يدوي في الصالة، كالجدار يسقط، ~~كالشجرة تسقط وهي واقفة. # خرج الطبيب ودخل أخي غرفته، سرت على أطراف أصابعي، كشفت الملاءة عن وجهه، عيناه مغمضتان ~~ملامحه ليست نائمة وليست صاحية، ملامح منحوتة داخل الجرانيت، تعلوها ابتسامة توحي بالراحة ~~النهائية، السكون الإلهي الخالي من العبء، القائم بذاته لذاته، لا يشوبه شيء خارج الذات ~~الأبدية. # قضيت الليل إلى جواره، هو غائب وجسده فوق السرير، وأنا أقف في مهب الحياة، كالشجرة ~~الوحيدة سقطت من حولها الأشجار، عارية بلا أوراق في الشتاء، أرتعد بالبرد، أسناني تصطك، ~~عيناي جافتان وحلقي جاف. # في الصباح أيقظت أخواتي الصغيرات، ابتسمت في وجوههن: «النهاردة الجمعة ما فيش مدرسة، ~~تحبوا تروحوا فين؟» هتفت أصغرهن: «نروح جنينة الحيوانات.» # الموت جزء من الحياة والحي أبقى من الميت، انشغلت بأخواتي وابنتي عن موت أبي، حضرت لهن ~~الفطور والغذاء أخذتهن إلى حديقة الحيوان، تركتهن يلعبن تحت أشعة الشمس، جريت إلى مكتب ~~الصحة بالقرب من كوبري عباس لاستخراج شهادة الوفاة، جريت إلى محل إسلام باشا في ميدان ~~الجيزة، اشتريت الكفن الحريري الأبيض، مررت على محل الحانوتي في شارع سعد زغلول، اتفقت معه ~~على أجرة عربة الموتى من الجيزة إلى ms379 كفر طحلة. # رمقني الرجل بنظرة فاحصة وطلب ضعف المبلغ، منذ موت أمي عرفت الأسعار، ولا يمكن لهذا ~~الحانوتي أن يضحك علي، ألأنه يراني امرأة؟! أيظن أن حزني على أبي سيطغى علي فلا أكتشف ~~جشعه؟! وقفت أساومه رافعة صوتي بغضب: ده استغلال وأنا رايحة لحانوتي غيرك! # رضخ الرجل لإرادتي، شعرت بنوع من الزهو، لا يمكن لأحد أن يخدعني وإن كنت في قمة الحزن، لم ~~أكن أشعر بالحزن، كانت السكينة «سارقاني» بلغة أم إبراهيم، للموتى مهام كثيرة: استخراج ~~شهادة الوفاة، والغسيل والكفن والسفر إلى القرية والصلاة في الجامع والجنازة والدفن، لا بد ~~أن أنتهي من كل هذا الساعة الخامسة مساء، موعد عودة أخواتي وابنتي من حديقة ~~الحيوان. # من مكتب سنترال الجيزة أرسلت برقية إلى أخي الأكبر في مديرية التحرير، طلبت مكالمة ~~تليفونية «ترنك» إلى عماتي في كفر طحلة: «بابا مات، خلوا حد يفتح المقبرة، العربية حتوصل ~~عندكم الساعة اتناشر الضهر، قبل صلاة الجمعة والدفن على طول بعد الصلاة ما فيش صوان اللي ~~عاوز يعزي يبعت تلغراف.» ~~••• # هبط قلبي مع هبوط النعش من بيتنا محمولا فوق الأكتاف منها كتفاي، كان أبي يهبط هذه ~~السلالم كل يوم فوق قدميه، الآن يهبط داخل الصندوق المغلق، قلبي تحت ضلوعي مثل قطعة حجر، ~~يغوص في القاع، يثقل مع كل درجة يهبط فيها النعش، خرج الصندوق إلى الشارع داخله أبي، رأيته ~~يغادر بيتنا للمرة الأخيرة. # داخل عربة الموتى السوداء جلست، الصندوق إلى جواري لا يزال فيه أبي، أستأنس بوجوده وأعلم ~~أنه ميت، أريد أن أستبقيه إلى جواري أطول فترة ممكنة، إلا أن الرحلة كانت ساعة واحدة، عند ~~الجسر رأيت رجالا كثيرين واقفين، من كفر طحلة وطحلة والقرى المجاورة، كان المنادي قد طاف ~~يعلن خبر الوفاة وموعد الجنازة والصلاة في الجامع. # عند المقبرة هبطت تحت الأرض مع أبي الملفوف بالحرير الأبيض، أردت أن أقص الكفن كما فعلت ~~مع أمي، همست عمتي فاطمة في أذني: «ما حدش هنا بيسرق الكفن يا ضكطورة.» خرجت من المقبرة ~~وحدي بدون أبي، أبحث بين ms380 الوجوه عن وجهه، الهواء البارد يلفحني من كل جانب. # طابور طويل من آل السعداوي يتقدمهم أحد الأقرباء «الحاج محمد» كان أبي يسميه «مسيلمة ~~الكذاب»، استولى على نصيب أبي من الأرض، سافر إلى الحجاز ليمسح ذنوبه، عاد يحمل لقب الحاج، ~~يقترف من الذنوب ما يشاء، ثم يزور قبر الرسول ويمسح ذنوبه، يلف رأسه بعمامة كبيرة، في يده ~~مسبحة صفراء، يبسمل ويحوقل بأسماء الله التسعة والتسعين، فوق جبهته زبيبة سوداء علامة ~~التقوى والسجود الطويل، عيناه ضيقتان تلمعان كعيني الصقر، حاجبان كثيفان فوق أنفه كالنتوء ~~في صخرة، شاربه الأسود طرفاه مبرومان إلى أعلى فوق الصدغين المدببين. ~~- السيد بيه السعداوي لازم ينعمل له صوان كبير أوي يا ضكطورة عشان الناس تيجي تعزي من مصر ~~وبنها وكل بلاد الدنيا! ~~- اسمع يا حاج محمد، الصوان والحاجات دي كلها مظاهر فارغة، وبابا قال لما أموت مش عاوز ~~صوان، والمصاريف أولى بيها إخواتي البنات. ~~- لا يمكن يا ضكطورة! ده السيد بيه السعداوي على سن ورمح! لا يمكن يموت فطيس كده! ~~- طيب يا حاج محمد اعمل أنت الصوان ومعاك فلوس الأرض بتاعة السيد بيه السعداوي! # كان أبي ينتمي إلى جيل ثورة 19، جيل يشعر بذاته الجديدة، يريد تأكيدها والظهور على مسرح ~~الأحداث، كان يؤمن بالله والرسول، انتقل عن طريق التعليم إلى الطبقة الوسطى، عرف فساد الحكم ~~الملكي والاحتلال البريطاني، الهوة الساحقة بين الفقراء والأغنياء، يقرأ القرآن مثل ما يقرأ ~~المعري والمنفلوطي، يميل إلى الصوفية، يحلم بتحرير الوطن، يحب الأدب والشعر، يراوده حلم ~~طفولي أن يكون كاتبا كبيرا أو شاعرا مرموقا مثل حافظ وشوقي، إلا أن الحكومة قضت عليه، ~~أفنى عمره داخل الوظيفة، عاش حياته يعاني الإحباط، لا يجد العزاء إلا في قراءة القرآن، ~~يرتفع عن متع الحياة الزائلة، يقاوم الشهوات بسعادة وحزن، يشتهي لذة الدنيا ويشتهي سعادة ~~الآخرة، يضحي باللذة من أجل السعادة، اختيار مؤلم يمنحه بعض الراحة. # كان أبي يشعر بالتفرد، يمشي بقامته الفارعة شامخا قوي الجسم قوي الروح، يكبح جماح نفسه، ~~يتغلب على الشيطان، يرى نفسه محشورا داخل ms381 الأتوبيس، قطعة من السردين، واقف في الطابور أمام ~~المخبز، يشعر بالمهانة، يعيش في ظل حكومة تقتل كل تفرد، يعود إلى البيت محبطا مرهقا، ~~القرآن يعيد إليه السلوى، الحزن نوع من العبادة، يركع ويسجد لله، يعشق امتهان النفس أمام ~~الله، الله هو اليقين ما عداه قابل للشك. # لم يكن موت أبي مثل أمي، أربعة شهور ونصف تفصل الحدثين، لم تمت أمي إلا في حضوري، ~~انتظرتني حتى أعود إلى البيت، لم تسلم روحها إلا ويدها ممسكة يدي، كالعصا تتكئ عليها ~~لتغادر الدنيا، كانت تتكئ على ذراعي حين نمشي على شاطئ الترعة، طال بها المرض وهي راقدة في ~~الفراش، من شدة الألم توسلت إلي أن أنهي حياتها، لم أملك شجاعة قتلها، لم يرتفع حبي لها ~~إلى هذه الدرجة، كنت أحب نفسي أكثر، أشفق على نفسي من تأنيب الضمير. # كانت أحملها بين ذراعي كالطفلة، أطعمها في فمها بيدي، أدلك ظهرها ببودرة التلك، أغير ~~فراشها المبلل، أضع وعاء البول تحت ردفيها، أراها عارية وأنا أحممها، لا يخدش عريها حيائي، ~~جسدها يشبه جسدي، يحملها جسدي كأننا جسد واحد، ضاع الوجع من جسدي حين ماتت أمي، تلاشى جسدها ~~المريض داخل جسدي، نهضت واقفة أفرد قامتي عن آخرها، أفرد ذراعي وأملأ صدري ~~بالهواء. # موت أبي كان مختلفا، مات أبي في غيابي، انتهز فرصة غيابي في حفل الأوبرج ومات، أراد أن ~~يموت وحده دون أن يمسك بيدي، مات فجأة، قبل أن يموت كان في المقهى مع أصدقائه يلعب الطاولة، ~~ضحك معهم كثيرا على المقارف في وزارة المعارف، اشترى من الفاكهة في ميدان الجيزة ثلاثة ~~كيلو برتقال بصرة، كيس آخر ملأه بالموز المغربي أبو نقطة، حمل الكيسين بين ذراعيه وعاد ~~بخطوته الواسعة يدب فوق الأرض، كانت شهيته للحياة مفتوحة، خلع ملابسه وارتدى البيجاما ~~والروب دي شامبر، جلس يقرأ في كتاب الجاحظ عن جوهر الحياة، نهض إلى الحمام ليغتسل قبل أن ~~ينام، خرج من الحمام، فوق الطرقة بين الحمام وغرفة النوم سقط كالشجرة تسقط وهي ~~واقفة. # الموت المفاجئ غير الموت البطيء، ms382 الجسد القوي حين يسقط يكون له دوي، كالجبل يتهاوى من ~~الارتفاع، أحسست الدوي وأنا في حفل الأوبرج، اهتز جسدي رغم المسافة، هناك إشاعات كالردار ~~تنطلق عبر الجو، يسمونها «تليباثي»، تعني التعاطف بين الأجساد رغم البعد. # كان بيني وبين أبي مسافة لا يمكن اختراقها، فهو من الجنس الآخر يختلف عني وعن أمي، حين ~~مات أبي بدأ الوجع في جسدي، تلاشت المسافة بيننا وأصبح جسده الميت هو جسدي، سقطت إلى الأرض ~~كما سقط، إن نهضت أشعر بالوجع، والريح الباردة تنفذ إلي كأنما أرقد فوق البلاط، أغفوت ~~خارج البيت في العراء؟! # مع كل ذلك مات أبي دون أن أبكي، في أعماقي لم أشعر بالحزن، إنه الفرح الغامض، كالسجين ~~يتلقى نبأ الإفراج. # ثمن الكتابة‏ # لحظات سقطت في العدم‏ # حدث من وراء الوعي‏ # إهدار الدم‏ # الصورة الممزقة‏ # المشرط والقانون‏ # الهزيمة الكبرى‏ # تضامن النساء‏ # الصديقات القديمات‏ # الشرفة في الدور السادس والعشرين‏ # من مفكرتي السرية عام 1947‏ # الباحثة عن الحب‏ # إجهاض الثورة‏ # الطيران في الحلم‏ # ثمن الكتابة‏ # لحظات سقطت في العدم‏ # حدث من وراء الوعي‏ # إهدار الدم‏ # الصورة الممزقة‏ # المشرط والقانون‏ # الهزيمة الكبرى‏ # تضامن النساء‏ # الصديقات القديمات‏ # الشرفة في الدور السادس والعشرين‏ # من مفكرتي السرية عام 1947‏ # الباحثة عن الحب‏ # إجهاض الثورة‏ # الطيران في الحلم‏ # | أوراقي ... حياتي (الجزء الثالث) # | أوراقي ... حياتي (الجزء الثالث) # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من ~~نصف صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، ~~لا تهتم بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، ms383 مهما ابتعدت وطال ~~الغياب، أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس ~~وأغرقتها الأمطار في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، ~~متينة العجلات قوية العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات ~~والمحطات، تنزلق وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، ~~وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، مليئة ~~بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم ~~في وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت ~~القائمة السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا ~~لتستريح وكوب ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو ~~داعش أو حزب الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة ~~الحجر الصحي؛ حيث تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا ~~الخنازير، وبعضهم مصاب بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي ~~بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا ~~مدهشة في الرءوس التي تغوص فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، ~~نساء ورجال من المثقفين أو الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين ~~من فصيلة الثدييات على رأسها الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس ~~وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ~~ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى ~~والجدد في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ ms384 الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن ~~البلدي والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك ~~والأتراك، كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده ~~الكبير، الذي حكى له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن ~~تعب من ثقلها حرك رأسه ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول ms385 يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، ~~نامت على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن ~~يسرقها أحد وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون ~~سابق إنذار، يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض ~~المعتقلين والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون ~~النسيم في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة ~~وسواحل البحر الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | لحظات سقطت في العدم # | حدث من وراء الوعي # القلم بين أصابعي، والصفحة تحت يدي بيضاء، يتحرك القلم دون أن يكتب شيئا، ~~ترمقني الصفحة البيضاء بسخرية، كأنما لم أكتب في حياتي سطرا. تبدو اللغة ~~غريبة، كلماتها مبنية للمجهول، حروفها مقدسة، تخاطب المرأة بصيغة المذكر، كل شيء ~~مذكر في اللغة، حتى الإله والشيطان والموت. الصفحة الخالية من الكتابة ~~لونها أبيض ms386 بلون الموت، الكفن أبيض، وسرير المستشفى أبيض، معاطف الأطباء والطبيبات، ~~ومرايل الممرضات والممرضين . عيناي مفتوحتان لا أعرف إن كنت الطبيبة أو المريضة، ~~الكاتبة أو الصفحة البيضاء غير المكتوبة، المساحات الخالية بين السطور، ~~الساقطة من حياتي والسنين، تسرب الروح من الجسد وغياب العقل. # هل عجزت عن الكتابة أم أشرفت على الموت؟ كانت هناك علاقة دائمة بين الموت وعدم ~~الكتابة، فوق فمي كمامة، رائحة الأثير تملأ الجو، ربما هو المخدر، يلجئون دائما ~~إلى المخدر في مواجهة الوعي، جسدي مصلوب فوق منضدة الجراحة في غرفة العمليات، أو ~~ربما هي منضدة المشرحة في كلية الطب، مربوطة الذراعين والساقين بخراطيم من ~~المطاط. أسمعهم يتكلمون عني بضمير الغائب، كلمة الضمير في اللغة مذكرة مثل ~~كلمة إنسان، لا يوجد في اللغة مؤنث كلمة ضمير. أصواتهم متشابهة، ملابسهم بيضاء، ~~رائحتهم واحدة، مزيج من الأثير وصبغة اليود ودخان سجائر. صوت ينادي اسمي واسم أبي، ~~لم يكن لي أب واحد، هناك دائما أكثر من أب، اسم الأب الواحد أسطورة، في التاريخ ~~يحجب الأصل تحت صورة أب رمزي، لغة تجعلها كائنات مذكرة أو لا نكون، صورة ~~مقدسة تعيش على كبت الحقيقة، تحت تأثير المخدر تطل الحقيقة المكبوتة من تحت ~~الماء مثل رأس جبل من الثلج. ~~- وأين هي أمي؟ # أتلفت حولي أبحث عن وجه أمي بين الوجوه، أصابع حديدية تثبت رأسي في المنضدة، ~~تزحف الأصابع إلى عنقي تضغط عليه، أيحاولون خنقي لأني أسأل عن أمي؟ أين اختفت أمي؟ ~~قتلوها؟ دفنوها في مقبرة ومعها اسمها؟ شطبوا على اسم أمي، مسحوه بالأستيكة، ~~قالوا: ربما بعد الموت تحملين اسم أمك؛ لأن الحقيقة بعد الموت تظهر، ويختفي اسم ~~الأب المزيف. # الصوت ينادي اسمي مرة أخرى، يرن الاسم في أذني مألوفا، سمعته مرارا في ~~مراحل حياتي السابقة، رأيته فوق أغلفة كتبي ورواياتي، الصوت يناديني بلهجة ~~خشنة ذكورية، صوت رجل ملامحه غريبة، هذا الرجل لا أعرفه، مع ذلك يمسك يدي المثبتة ~~فوق المنضدة، يقول للأطباء والطبيبات إنه زوجي. ~~- متى تزوجت هذا الرجل؟! # أرفع يدي لأمسك رأسي، يدي لا ms387 تتحرك، الصداع يقسم رأسي قسمين، ذاكرتي لا تسعفني، ~~لحظات في حياتي سقطت في العدم، أحاول استعادتها دون جدوى، هذا الأثير يخدرني، ~~يستخدمون المخدر لقتل الذاكرة، أقاوم، أفتح فمي لأصرخ، صوتي لا يخرج. ~~••• # مربوطة الذراعين والساقين، فوق فمها كمامة، تفتح فمها نصف فتحة وتقول لهم: لا ~~أريد مخدرا! لا أريد أن أفقد الوعي! أنا طبيبة ولست مريضة واسمي نوال وأمي اسمها ~~زينب، أما جدي السعداوي فأنا لا أعرفه، مات قبل أن أولد. ~~••• # الصوت يناديها باسمها وهي لا ترد، زوجها يقول لهم: إنها ليست نائمة، وليست ~~غائبة عن الوعي، إنها فقط تكتب، وهي حين تكتب تصبح غائبة عن هذا العالم، لا تسمع ~~أحدا، ولا ترد على أحد. # قالت لزوجها بعد ليلة الزفاف المؤلمة: سأكتب ما لا يكتب. كل يوم تجلس إلى ~~مكتبها من أول النهار حتى آخر الليل، القلم بين أصابعها، والصفحة تحت يدها ~~بيضاء، تمزق الورقة وراء الورقة، تمزق شعرها، تفتح فمها عن آخره تطلب الهواء، ~~تختنق، تشد الكمامة فوق فمها، تعض بأسنانها الأصابع الملفوفة حول ~~عنقها. # جسمها فوق المقعد أصبح جزءا من ~~المقعد، مربوطة إلى المقعد بالحبال، نصفها الأسفل مربوط لا يتحرك، النصف الأعلى ~~لا نرى منه إلا الرأس المطوق فوق المكتب، القلم بين أصابعها الطويلة ~~السمراء يرسم على الورقة حروفا سوداء مبتورة، يحتك سن القلم بالصفحة ~~البيضاء، يصنع صريرا خافتا، أذناها تلتقطان الصوت داخل الصمت، ينتصب رأسها ~~وعيناها نصف مغمضتين. # كأنما لم أكتب في حياتي، لم تمسك أصابعي القلم، لا أعرف اللغة، واللغة لا ~~تعرفني، هذه الحروف ليست حروفي، لم أتعلمها من أمي، يقولون عنها: لغة الأم، وهي لغة ~~رجل غريب مات قبل أن أولد. أحاول النهوض من مقعدي وراء المكتب، قدماي وساقاي مربوطة ~~بالحبال، أسير نحو السرير بجسدي المربوط، أستغيث في النوم بلا صوت، شريف نائم ~~إلى جواري مستغرق في النوم. # أرمقه بشيء من الحسد، منذ تزوجنا عام 1964 وهو ينام بسهولة، يضع رأسه فوق الوسادة ~~وينام في نصف ثانية، ضوء خافت يسقط فوق الجدار من خلال شقوق ms388 النافذة، نسمة خفيفة ~~تحرك النتيجة المعلقة، التاريخ يشير إلى العام الجديد 2000، يبدو الرقم غريبا ، ~~يفتح شريف عينيه، يرمق الرقم بدهشة، يا خبر بقينا في سنة 2000 كده بسرعة؟! أطفو فوق ~~السرير كأنما أعوم فوق الزمان والمكان. ~~••• # الزمن يمضي وأنا متجمدة تحت ~~الغطاء، أحاول النوم دون جدوى، كأنما نسيت كيف أنام، أحاول الكتابة دون جدوى، ~~كأنما نسيت اللغة. شريف نائم إلى جواري، ترك سريره في غرفته وجاء إلى غرفتي، ~~تحدثنا قليلا قبل النوم، يكتب رواية جديدة وأنا عاجزة عن الكتابة، كأنما لم ~~أكتب أبدا، عيناي مفتوحتان كأنما لم أنم أبدا، يفتح شريف جفونه، يراني ~~محملقة في السقف. ~~- ما لك يا نوال؟ ~~- مش عارفة أكتب يا شريف، لا يمكن حاكتب أبدا أبدا، كل مرة تقولي كده يا نوال ~~وتكتبين، المرة دي هي الأخيرة يا شريف، كل مرة تقولين هي دي الأخيرة، لأ خلاص هي دي ~~الأخيرة، ولا يمكن حاكتب، خلاص فقدت القدرة على الكتابة، حاولي تنامي يا نوال، مش ~~عارفة أنام، خلاص فقدت القدرة على النوم. ~~••• # أنهض من السرير وأمشي في الظلمة، على أطراف أصابعي أمشي حتى لا يشعر بي شريف، ~~أسير إلى الشرفة، نحن في الدور السادس والعشرين، في القرن الواحد والعشرين، ~~أمد قدمي إلى السور وأقفز في الهواء. # ثم أفتح عيني، أرى جسمي ممدودا فوق السرير، إلى جواري القلم والصفحة البيضاء، ~~تعلوها خطوط متعرجة بلا كلمات، بلا عبارة واحدة ذات معنى. # يفتح شريف عينيه، يراني صاحية شاخصة إلى السقف. يربت على كتفي: نامي يا نوال. ~~أهمس بصوت خائر: تفتكر يا شريف إن فيه تناقض بين الزواج والإبداع؟ يضحك شريف، ~~جايز يا نوال ... لكن خلاص نعمل إيه بعد خمس وثلاثين سنة؟! ~~••• # الكتابة في حياتي كانت تأخذني إلى ~~بئر عميقة في بطن الأرض، إلى مكان يخلو من البشر، إلى مساحة لا يشاركني فيها أحد، ~~لا أسمع صوتا، لا شيء يتحرك، صمت مطبق كالموت. كنت أحمل قلمي وأوراقي وأغادر ~~البيت، أمشي وأمشي دون توقف، أتلفت حولي كأنما أبحث، أتطلع إلى الأرض ~~والسماء والبيوت ms389 والشوارع والعمارات والأزقة، أبحث عن شق أهرب فيه، أختفي ~~داخله وأغلق ورائي سبعة أبواب، لا يكفي باب واحد لطرد الأصوات، أبحث عن الصمت ~~داخل الصمت. أتلفت حوالي لا أعرف إلى أين أذهب، أسير بحذاء نهر النيل، ~~أتوقف لحظة أحملق في المياه، أمد قدمي فوق السور وأقفز. # أصحو من النوم مبللة بالعرق، الأوراق مبعثرة فوق السرير، والقلم في يدي، إلى ~~جواري رجل نائم. # النتيجة فوق الجدار مكتوب عليها التاريخ، اليوم والشهر والسنة، أحملق في الرقم ~~1956، هل عادت عقارب الساعة إلى الوراء أربعة وأربعين عاما وأنا غارقة في ~~النوم؟ الرجل النائم يفتح عينيه، الظلمة شديدة لا أرى من ملامحه إلا ~~العينين، من خلال الضباب الأسود يبرز الأنف، عظمة كبيرة تتوسط الوجه مقوسة ~~قليلا، تحت الأنف شارب أسود كبير. # لا شيء ينفرني في الرجال مثل الشعر فوق وجوههم، يذكرني بالفصائل السابقة ~~لنشوء الإنسان. # كان نائما على جنبه الأيسر، ظهره ناحية الحائط، وجهه ناحيتي، التاريخ فوق ~~الحائط يشير إلى عام 1956، قشعريرة باردة تزحف إلى جسدي، ذاكرتي تعود إلى السطح ~~بالتدريج، أخرج من بطن الأرض جزءا جزءا، أصحو فوق شيء يهتز، جفوني ثقيلة أفتحها ~~بصعوبة، التاريخ فوق الحائط ثابت عند عام 1956، النافذة مفتوحة بدون زجاج ولا ~~شيش، الهواء البارد ينفذ إلى جسدي، وأنا راقدة فوق ظهري، أسناني تصطك، أرتجف ~~بالحمى، في حلقي غصة وفي أنفي رائحة دم، عيناي تدوران فوق الجدران، المكان ~~غريب لم أره من قبل، الحائط بلا طلاء لونه أسود تعلوه بقع أكثر سوادا، الشقوق ~~في الجدران تشبه الشقوق في الأرض، يتدلى من السقف سلك كهربي مات فوقه ذباب ~~أسود. عيناه مغمضتان والزمن لا يتحرك، التاريخ ثابت عند عام 1956، بالضبط يوم ~~23 يوليو 1956، أشد جفوني لأصحو، عيناي مفتوحتان من قبل، لم أغمضهما لحظة واحدة ~~طول الليل، كنت أفكر في الهروب، كيف أهرب وإلى أين؟ # الليل كان طويلا بلا نهاية، مسمار ~~في الحائط يتدلى منه معطف أبيض تعلوه بقعة دم، حقيبة صغيرة من الجلد الأسود، ~~ملقاة في وسط الغرفة، من حولها تبعثرت أدوات طبية، ms390 سماعة لها خرطوم أسود طويل، ~~حقنة لها إبرة طويلة، أربطة شاش وقطن، وصورتي فوق بطاقتي ممزقة ومعها ~~اسمي. # لا يزال نائما على جانبه الأيسر، ~~وجهه ناحيتي، ذراعه اليمنى ممدودة فوق السرير. كنت أترك مساحة كبيرة بيننا، ~~مسافة طويلة أطول من ذراعه الممدودة، يده ضخمة كبيرة، أصابعه غليظة، لم أر في ~~حياتي أصابع غليظة بهذا الشكل. أتلفت حولي أبحث عن مكان الباب، الظلمة شديدة لا ~~أرى الباب، كأنما الغرفة بدون باب، أربعة جدران عالية سوداء، ولا منفذ ~~للهروب. # هذه الليلة صيف عام 1956 تعود إلى ذاكرتي، ومعها ليلة أخرى في صيف عام 1941، ~~بالضبط 30 أغسطس 1941، أردت الهرب من بيت أبي وأنا في العاشرة من العمر، لم تكن ~~الليلة مفزعة مثل تلك الليلة 23 يوليو 1956. اللحظات المنسية في حياتي تطفو فوق ~~سطح الذاكرة، عيون سوداء صغيرة تلمع وسط خضم من السواد، نجوم تظهر في الليل ~~من وراء سحابة كثيفة سوداء. الهروب من بيت الأب أقل إفزاعا من الهروب من بيت ~~الزوجية. كلمة «زواج» تعني باللغة العامية «الجواز»، كانت جدتي تقول: «ربنا ~~كتب علينا الجواز يا بنت ابني، مصيرك الجواز زي كل البنات، القدر والمكتوب ع ~~الجبين لازم تشوفه العين، جوازتي كانت جنازتي يا بنت ابني، نحمدك يا رب على كل ~~المصايب ولا يحمد على مكروه سواك.» # منذ السادسة من عمري، وأنا أحفظ هذه الكلمات الثلاث عن ظهر قلب، أنطقها في ~~نفس واحد: «ربنا، المصائب، الجواز.» ~~••• # كلمة الحب لم تكن هي الجواز، كنت أغني مع الراديو للحب، لم نكف نحن ~~البنات عن الغناء للحب، لم أسمع في حياتي أغنية واحدة عن الزواج. # الحب مصيدة الفئران تدخلها البنات آمنات مغمضات العيون مثل القطط المغمضة، يفتحن ~~عيونهن مفزوعات، تحول الحب إلى أربعة جدران سوداء في بناء آيل للسقوط هو بيت ~~الزوجية. # في العاشرة من عمري خفق قلبي بالحب الأول، لم أكن أرى من الرجل إلا عينيه، كان ~~يمكن أن أموت من أجله، اختفى الرجل لحسن حظي قبل أن أهرب من بيت أبي، سافر ولم ~~يترك ms391 إلا صورة ضوئية اختفت هي الأخرى، وسقطت في العدم. التقيت به صدفة بعد ثلاثين ~~عاما، رأيت وجها غريبا له أنف طويل مدبب وشفتان رفيعتان إلى حد التلاشي، ~~أيمكن أن يقبل بهما امرأة؟! عيناه صغيرتان غائرتان بلا بريق ولا ضوء، كيف كانت ~~عيناه تغرقني كالشمس، لم أستطع الحملقة فيهما، كنت أسقط في ما يشبه الإغماءة إن ~~رنت حروف اسمه في الجو. # في العشرين من عمري خفق قلبي بالحب الثاني، عيناه كالحب الأول كانتا هما ~~الشمس، هربت من بيت أمي وأبي، تركت كتبي وأوراقي وأقلامي وملابسي وصور طفولتي، ~~سرت في الطريق إليه لا ألتفت ورائي، تحول الحب لسوء الحظ إلى زواج، فتحت ~~عيني على الجدران الأربعة السوداء، داخل مطبخ في بيت قديم آيل للسقوط في حي ~~بمدينة القاهرة اسمه المنيل. ~~••• # بالأمس رأيت فيلما مفزعا مخرجه «ستانلي كوبريك»، مأساة الجنود الأميركيين في ~~حرب فيتنام، مكنة الحلاقة ذات الموسى الحادة تدور على رءوس الشباب في ربيع ~~عمرهم، تجتز شعورهم عن فروة الرأس، الخراف يسلخون جلودها في المذبح. يتحول ~~الشاب الفنان الرقيق إلى قاتل سفاح، يدرب على القتل دون أن يطرف له جفن، ~~يقول له المدرب العسكري: سلاحك في يدك مثل سلاحك بين فخذيك منبع القوة ~~والرجولة. # تدور الكاميرا على أجسام الشباب في معسكر التدريب، يمسكون باليد اليمنى ~~البندقية، وباليد اليسرى يمسكون العضو الذكري أسفل البطن، يسيرون في صف طويل ~~يشبه القطار الطويل يسير فوق القضبان، كل منهم يمسك قضيبه. # كنت جالسة فوق الكنبة الزرقاء العريضة في الصالة، إلى جواري شريف يتابع الفيلم، ~~دخل المدرب العسكري غاضبا إلى أحد الشباب يأمره أن يسلم سلاحه، نهض الشاب ~~واقفا يرمقه بعينين يختفي سوادهما تحت الجفن، تحولت العينان إلى مساحة من البياض ~~بلون الثلج، المدرب العسكري يقترب منه، يأمره أن ينزع سلاحه، الشاب واقف في مكانه ~~ثابت، البياض في العينين ثابت، النني الأسود الصغير اختفى تماما تحت الجفن، اللون ~~الأبيض في العينين كالثلج، تحرك إصبع واحد على الزناد، انطلقت الرصاصة في صدر ~~المدرب العسكري، سقط إلى الأرض غارقا ms392 في دمه، توقف الشاب يلهث، جلس فوق ~~المرحاض، وضع فوهة البندقية في حلقه، ضغط بإصبع واحد، تفجر الدم من حوله، ~~فوق الجدار الأبيض اللامع من السيراميك، فوق السقف الأبيض، وبلاط الأرضية ~~الأبيض، غرق البياض في دم أحمر. # منذ طفولتي يفزعني الدم الأحمر فوق الملاءة البيضاء، دم العذرية والحيض ~~والختان، قطعة دم متجلطة تنزلق من جسدي وأنا أمشي في الشارع، نقطة دم تتركها ~~الإبرة فوق ذراعي بعد أن ينزعها الطبيب، وجه الطبيب يشبه وجه المدرب العسكري ~~في الفيلم، وجه ممسوح الملامح رمادي اللون كالجرانيت، والعينان ممسوحتان إلا من ~~البياض الأبيض بلون الثلج، يقف أمامي شاهرا الإبرة في وجهي مثل البندقية. # انتهى الفيلم بعد منتصف الليل، أطفأ شريف جهاز الفيديو، ذهبنا معا إلى النوم، ~~أصبح لكل منا غرفة نوم مستقلة، داخل كل غرفة مكتب صغير ومكتبة لها رفوف تحمل ~~الكتب والأوراق والصور وخطابات الحب السرية، تعودت الكتابة والنوم داخل ~~غرفة خاصة، لها باب لا يفتحه أحد، الكتابة مثل النوم تحتاج إلى الصمت المطبق، ~~الصمت داخل الصمت. # منذ الطفولة تفزعني الأفلام كأنما هي الحقيقة، يفزعني الظلام في الليل، ~~أتسلل من سريري لأنام بجوار أمي أو أختي، تجاوزت الستين عاما والطفلة في ~~أعماقي هي الطفلة، أخاف الظلام حين أمشي وحدي في الليل، منظر الدم في الأفلام ~~يرتعد له جسدي، يسألني شريف كيف اشتغلت طبيبة وجراحة في مستشفى الصدر بالجيزة؟ ~~وكيف أمسكت المشرط في يدك وفتحت الصدر والبطن دون أن يطرف لك جفن؟ # وأقول لشريف: إنها امرأة أخرى تلك التي اشتغلت بالطب والجراحة، أو ربما يختلف ~~الدم المراق تحت أيدي الأطباء والطبيبات عن الدم المراق تحت أيدي العساكر ~~والأزواج. ~~••• # صور من الماضي ماتت وراحت في العدم، أحاول استعادتها دون جدوى، اللون الأحمر ~~القاني يلطخ السطح الأبيض، مشهد أراه في النوم حين يغيب الوعي، حين يتسرب ~~اللاوعي إلى الوعي، منذ الطفولة يرتعد جسدي لمنظر الدم. # قطرة حمراء فوق ملاءة السرير البيضاء، من أين يأتي الدم في الطفولة؟ ولماذا ~~يتكرر دون انقطاع؟ منذ التاسعة من عمري رأيت ms393 الدم في الفراش، تعودت رؤيته ~~الشهر وراء الشهر، السنة وراء السنة حتى أدبرت طفولتي. # لم تعد البقعة الحمراء فوق الملاءة تفزعني، أصبح غيابها هو المفزع، أفتح عيني ~~كل صباح وأبحث عن البقعة الحمراء فوق الملاءة، في ملابسي، في ثنايا النسيج ~~الأبيض أبحث عن قطرة واحدة حمراء. # تمط سامية شفتيها الرفيعتين وتقول: هذه أشياء غير مهمة يا نوال، المهم ~~قضية تحرير العمال والفلاحين من الرأسمالية والإمبريالية. ويضحك شريف حين ~~يسمعها تنطق هذه العبارة في نفس واحد، يعرف أنها صديقتي منذ المدرسة الثانوية ~~في حلوان الداخلية، وقد أصبحت زميلة له في حزب اليسار منذ أكثر من نصف ~~قرن. # رغم الاختلاف تستمر صداقتي بها، الصداقة القديمة منذ الطفولة تصبح مثل علاقات ~~الدم، حين كتبت عام 1965 عن الختان ومشاكل المرأة الجنسية قالت: إنني أخون ~~القضية الوطنية. وفي عام 1972 حين كتبت عن النظام الطبقي الأبوي، قالت: لا ~~يوجد إلا النظام الطبقي فقط أو المشكلة الاقتصادية. وفي عام 1982 حين بدأنا ~~نشكل تنظيما للنساء اعترضت، وقالت: لا تمثل النساء طبقة ولا يحق لهن تكوين ~~تنظيم مستقل. ثم نطقت كلمة «فيمنيست» وهي تمط شفتيها الرفيعتين ~~بامتعاض. # لكن سامية تغيرت مع مرور الأعوام، وفي عام 1995 حضرت مؤتمرا للمرأة في نيويورك، ~~ثم عادت تتحدث عن النظام الطبقي الأبوي. وفي عام 1997 أصبحت ترأس تنظيما ~~نسائيا مستقلا، ومجلة للمرأة من النوع الفيمنيست. وفي عام 1998 بعد أن أصدر ~~وزير الصحة قرارا بمنع ختان البنت فتح شريف الجريدة ذات صباح، رأى صورة سامية ~~تتلقى الجائزة أو الوسام باعتبارها الرائدة في مجال النضال ضد الختان. ~~••• # في المدرسة الثانوية كانت البنات يبحثن في ثنايا ملابسهن الداخلية عن القطرة ~~الحمراء، كان اختفاء الدم في حياة البنت يعني كارثة، تخشى البنات الحمل ~~السفاح. # لا يغسل العار إلا الدم، الرجال يقومون بالغسيل، والنساء يفقدن الدم، ~~يتحول القاتل إلى بطل يحمي الشرف، تدفن البنت في الخفاء، ويدفن معها اسمها ~~واسم أمها، يتألق اسم الأب بعد مقتل البنت. # منذ قصة العذراء الطاهرة في التاريخ تخشى ms394 البنات الحمل السفاح، يدور ~~السؤال في رءوسهن وهن نائمات: أيمكن أن تتكرر القصة في التاريخ؟ هناك قصص ~~تكررت وجاء ذكرها في كتب الله، كم مرة تكرر عصيان بني إسرائيل لأوامر الله؟ كم مرة ~~تكرر غفران الله لبني إسرائيل؟ كم مرة أرسل الله إلى البشر رسولا يحثهم على ~~الإيمان به؟ كم كان عدد الأنبياء والمرسلين؟! كم مرة تكرر نزول الأنبياء إلى ~~الناس؟ كم مرة أرسل الله مندوبه إلى سيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى، وسيدنا عيسى، ~~وسيدنا محمد؟! لماذا إذن لا يتكرر نزول مندوب الله إلى إحدى البنات لتحمل كما حملت ~~ستنا مريم العذراء؟! # في المدرسة الابتدائية ورد السؤال إلى ذهني وأنا نائمة، كالحلم الآثم كتمته في ~~أعماقي، ثم اكتشفت أن جميع البنات أحلامهن آثمة. وفي المدرسة الثانوية أيضا ~~همست لي الزميلات بما يدور في عقولهن أثناء النوم، قالت صفية: إنها منذ قرأت ~~قصة العذراء مريم وهي تحلم بمندوب الله يهبط إليها في الليل. وقالت سامية: ~~إنها لا تؤمن بالله مع ذلك يأتيها المندوب في الحلم. وفي كلية الطب قالت ~~صديقتي بطة: أما أنا يا نوال فقد جاءني المندوب في الواقع والحقيقة وليس في الحلم. ~~ثم كركرت بالضحك، بالشهقات المتقطعة كهواء محبوس يخرج من عنق زجاجة ~~ضيق. ~~••• # كنت غارقة في النوم حين التفت الأصابع الغليظة حول عنقي، كما يحدث في الأحلام ~~حاولت أن أفتح فمي لأصرخ، صوتي لا يخرج، الأصابع الغليظة قوية، أقوى من أصابعي، ~~أفتح فمي طلبا للهواء، أشهق بصوت مكتوم، كان يمكن أن أستغيث وأوقظ الجيران، لكني ~~رأيت أن الموت أهون من الفضيحة. # كلمة «الفضيحة» كانت تخرق أذني منذ ولدت، ولادة الأنثى كانت في حد ذاتها فضيحة ~~تتكتم الأسرة الخبر، تتخفى الأم الوالدة عن عيون الناس، يغرق بيت المولودة ~~الأنثى في الصمت. # كلمة «أنثى» في حد ذاتها فضيحة، إن قال لي أحد أنت أنثى أصفعه على وجهه. كلمة ~~«جنس» ترن في أذني نابية. لا أستطيع أن أنطق كلمة «جوزي» بالعامية، أنطقها باللغة ~~الفصحى المحترمة وأقول زوجي. كنت قد تزوجت للمرة الأولى ms395 تحت اسم الحب الكبير، قصة ~~طويلة بدأت وأنا في العشرين من العمر فتاة عذراء، وانتهت وأنا في السادسة ~~والعشرين زوجة عذراء، تحولت إلى أم عذراء ، ثم تحررت بالطلاق. # لماذا لم أفقد عذريتي حتى اليوم، بعد أن تجاوزت الستين عاما؟ لكن العذرية ~~مثل القضاء والقدر، مكتوبة على جبين النساء، ليس في مقدور البشر أن يهتكوا ~~عرض المرأة الصالحة التي تعرف الله، وتعرف أنه اصطفى العذراء مريم من نساء ~~العالمين، هي الوحيدة ذكر اسمها في كتابه الكريم، ولها سورة كاملة في القرآن باسمها ~~«مريم»، تتطلع النساء إلى هذا النموذج الأمثل للطهر والنقاء؟! # منذ الطفولة أرى السيدة مريم العذراء النموذج الأعلى، أم المسيح، الوحيدة ~~دون النساء أجمعين تم تعريفها بالاسم في القرآن، جميع النساء الأخريات ~~مجهولات الاسم، حواء زوجة سيدنا آدم، وزوجات سيدنا محمد عليه السلام لم يذكر اسم ~~واحدة منهن في القرآن، حتى السيدة خديجة لم يذكر اسمها. # كان طبيعيا أن يتجه طموح الفتاة المسلمة المثالية إلى مريم العذراء وليس أي ~~امرأة أخرى، منذ أدركني البلوغ في سن التاسعة من العمر أقسمت بيني وبين الله، ~~أنني سوف أكون مثل ستنا مريم، وسوف أحمل وألد دون أن أمارس الجنس وأصبحت أنتظر ~~كل ليلة مندوب الله. # وطال الانتظار العام وراء العام، ثم جاءني رجل يتخفى في الظلام، وهمس في أذني ~~أنه مندوب الله. كنت فتاة مثالية يرتعد جسدي حين أسمع كلمة «الله»، أغمض عيني ~~وأهمس: يا رب أرجو أن تذكر اسمي في كتابك الكريم كما ذكرت اسم ستنا مريم، ولماذا ~~تصطفيها هي وحدها، ألا يمكن يا رب أن تصطفي امرأتين وقد اصطفيت أكثر من عشرين ~~رجلا من الأنبياء الصالحين؟! # كان ذلك في الطفولة الساذجة والمراهقة الأولى، ثم دخلت كلية الطب، أصبحت أفصل ~~بين الحلم والواقع، بين الوهم والحقيقة. وقعت في حب حقيقي وتزوجت زواجا حقيقيا ~~على سنة الله والرسول، وحملت وولدت وأصبحت أما حقيقية غير عذراء وغير طاهرة. كان ~~هناك شيء غير طاهر يحدث لي في الليل، شيء لا يبعث على اللذة بل الألم ms396 والإثم، كان ~~زوجي الأول رجلا مكتمل الرجولة، كان فدائيا شجاعا يضحي بحياته من أجل ~~الوطن، عاد من جبهة القتال كافرا بالوطن. ~~- الخيانة يا نوال! ~~- خيانة الحكومة يا أحمد. ~~- الحكومة هي الوطن يا نوال. ~~- الحكومة شيء والوطن شيء آخر. ~~- هذا وهم يا نوال. ~~- هذه حقيقة يا أحمد. ~~- لأ، وهم، كل شيء وهم يا نوال، خلاص أنا اكتشفت الحقيقة، كنت مخدوعا. # جسدي يرتعد حين سمع صوته في الليل يردد: «وهم يا نوال»، كان يصحو طول الليل، يحقن ~~نفسه بجرعة مضاعفة من الماكسيتون فورت، يجلس وراء المكتب ويمسك القلم بين أصابعه، ~~يكتب كلمتين اثنتين لا غير: «الثلاثة وهم» ثم يشطبهما ويبدأ من جديد «الثلاثة وهم» ~~يشطبهما بالقلم ثم يكتبهما أول السطر. # كان يكتب بقلم رصاص، ويشطب بالقلم ذاته، حين ينقصف القلم يضعه في البراية، يحركه ~~المرة وراء المرة حتى يصبح له سن طويل رفيع مدبب. يكور الورقة القديمة ~~ويرميها في الصفيحة تحت المكتب، تمتلئ بالورق المكور، يفرغها في صفيحة القمامة ~~في المطبخ، ويعود يجلس إلى المكتب. # يفرغ البراية من النشارة بعد أن يبري القلم وراء القلم، لا يترك القلم إلا ~~بعد أن يصبح أقصر من عقلة الإصبع. لم يكن يخرج من البيت إلا ليشتري أقلام ~~الرصاص، رزم الورق الأبيض، وعلبة الماكسيتون فورت من الصيدلية في شارع ~~المنيل. # كنت قد تخرجت واشتغلت طبيبة في مستشفى قصر العيني الجديد أو مستشفى المنيل ~~الجامعي، يبعد عن بيتنا مسافة نصف ساعة على القدمين، أخرج في الثامنة صباحا ~~وأعود في الثالثة بعد الظهر، أراه جالسا وراء المكتب في غرفة النوم، كانت ~~الشقة صغيرة، بها غرفة واحدة، وصالة صغيرة للطعام، ومطبخ صغير، وشرفة صغيرة ~~تطل على فرع النيل الصغير، يتكون البيت من أربعة أدوار، في كل دور شقتان ~~متقابلتان، ونحن في الدور الثالث. # كان راتبي الشهري عشرة جنيهات ونصفا، أشتري بها الطعام ومصاريف البيت، كانت ~~أمه تعطيه تسعة جنيهات كل شهر، نصيبه من ميراث أبيه، ينفق الجنيهات التسعة على ~~شراء الأقلام الرصاص والورق وعلب الماكسيتون فورت. قبل الطلاق بفترة ms397 قصيرة لم ~~تعد الجنيهات التسعة تكفي، كان يحقن نفسه بجرعة تتزايد يوما وراء يوم، ~~وهذا أمر معروف في الطب، إن الجسد قادر على التغلب على أي سموم تمشي في الدم، ~~مخدرات أو منبهات، يدخل الماكسيتون فورت تحت المواد المنبهة، يحتاج المدمن إلى ~~زيادة الجرعة حتى يتغلب على مقاومة الجسم للمادة الكيميائية. # كان يفتح حقيبتي ويأخذ منها ليشتري الماكسيتون فورت، أصبحت أخبئ الحقيبة في مكان ~~لا يعرفه، بدأ يبيع أثاث البيت، لم يكن عندنا إلا أشياء قليلة، لم يبق إلا ~~السرير الصاج الأسود العريض، والمكتب الخشبي والمقعد الواحد الذي يجلس فوقه ~~طول الليل يكتب عبارة واحدة من كلمتين: ~~«الثلاثة وهم»، ثم يكور الورقة ويلقيها في الصفيحة. # قبل الطلاق بثلاثة أيام خلع الشيش والزجاج من النافذة، وعاد يحمل علبة ~~الماكسيتون فورت، نمت طول الليل أرتجف بالبرد، كان السرير تحت النافذة، لم يكن ~~عندنا إلا بطانية واحدة، فتحت عيني قرب الفجر، رأيته جالسا يكتب ويشطب ويرمي الورق ~~في الصفيحة. # حين رآني أفتح عيني رمقني بنظرة غريبة، رأيته رجلا غريبا، صوته أصبح ~~غريبا. ~~- صحيتي يا دكتورة؟ ~~- أيوه. ~~- قوليلي: الثلاثة دول وهم ولا لأ؟ ~~- الثلاثة مين؟ ~~- الأب، الوطن، الحب. ~~- حقيقة وهم ... لا يهم، المهم هو أنك تبطل هذا السم الذي تحقن به ~~نفسك! ~~- لا يعالج السم إلا السم ... وداوني بالتي كانت هي الداء. ~~- لا يمكن حياتنا تستمر بهذا الشكل. ~~- طبعا خلاص الحب راح يا دكتورة! ~~- مش عارفة. ~~- أنا عارف، الحب وهم كبير. ~~- لأ. ~~- يعني مؤمنة بالحب؟ ~~- أيوه. ~~- مين هو الرجل السعيد يا دكتورة؟ لا يمكن أكون أنا؛ لأني أنا خلاص ~~انتهيت! ~~- كل شيء يتوقف على إرادتك أنت. ~~- انتهت الإرادة وكل شيء، لم يبق إلا الموت، وكما كنا نقول أيام الحب: نعيش سوا ~~ونموت سوا، إيه رأيك نموت سوا؟ ~~••• # ليلة 23 يوليو 1956 قبل أن يطلع الفجر. # العالم يحتفل بعيد الثورة الرابع وأنا أختنق، أصابع غليظة تلتف حول عنقي في ~~الليل، أحاول أن أصرخ، صوتي لا يطلع كما يحدث في الحلم، أفتح فمي طلبا للهواء، ~~أشهق ms398 بصوت مكتوم، كنت أفضل الموت على أن يسمع صوتي أحد. # في حياة النساء كان الموت أفضل من الاستغاثة، المرأة في الشقة المجاورة كانت ~~تستغيث، أسمع صوتها في الليل وأنا نائمة، يفتح الجيران نوافذهم يسمعون صوتها. امرأة ~~أخرى تستغيث في العمارة المجاورة، في الصباح أسمع الناس يتهامسون. # أب يضرب ابنته؛ لأنها تأخرت في الليل، رجل يضرب زوجته؛ لأنه وجد حصوة في ~~صحن الأرز، زوج يقتل زوجته؛ لأنه يشك في سلوكها، يتهامس الناس: وما له؟ ~~الشرف فوق كل حاجة، كل رجل حر في بيته، الرجال قوامون، ربنا قال: ~~«واضربوهن»، بنات حواء، ربنا قال: # إن كيدكن ~~عظيم ~~. # يغلق الجيران نوافذهم وينامون، تصحو المرأة على الفضيحة، سيرتها على كل لسان، تكف ~~بعد ذلك عن الاستغاثة. لم أصرخ تلك الليلة، منذ الطفولة لم ألجأ إلى الصراخ حين ~~يقترب الموت، كنت أفكر في طرق المقاومة أو الهرب. ~~••• # منذ صيف عام 1956 حتى صيف عام 1960 فقدت جزءا من ذاكرتي، أربعة أعوام كاملة نسيت ~~ملمس الأصابع الغليظة حول عنقي، سقطت في العدم كأن لم تكن، لم يبق منها إلا ظلال ~~سوداء فوق جدار أسود، ثم اختفت هذه الظلال أيضا وراحت في العدم. # في النوم وأنا غائبة عن الوعي، تبدأ الظلال في الظهور من بطن الخضم الأسود ~~مثل قمة جبل الثلج تحت الماء. # | إهدار الدم # بداية عام 2000. # القلم بين أصابعي والصفحة تحت يدي بيضاء، مساحة من الفضاء تنتظر كلماتي، ~~النافذة مفتوحة أمامي على السماء، أحملق في مساحات من الخواء، أبحث ~~عما كان أبي يقول إنه الحقيقة. منذ الطفولة كنت أجادل أبي، لم يكن عقلي يقبل أي ~~شيء دون برهان، يغضب أبي ويقول: هناك حقائق ليس لها برهان، يرمقني بنظرة حمراء لأكف ~~عن الجدل، ولم يكف عقلي عن التساؤل. # كان عقلي مشكلة حياتي، أردت التخلص منه منذ الطفولة. في سن المراهقة أصبحت ~~بلا عقل، فتاة وادعة مطيعة لا تجادل، لا يدور في رأسها سؤال، أشياء أخرى تدور في ~~جسدها، رغبات عارمة يرتج لها الجسد، أحلام في اليقظة والنوم عن ms399 الحب، أشياء لها ~~ملمس مادي، الجسد يعانق الجسد في الليل، ترمقني أمي بنظرة حمراء لأكف عن الحب، ~~لم يكن جسدي يكف عن رغباته. # أصبح جسدي مشكلة حياتي، أردت التخلص منه منذ المراهقة، في سني الشباب الأولى ~~أصبحت بلا جسد، امرأة ناضجة مثالية حسنة السيرة والسلوك، زوجة مطيعة لزوجها في ~~البيت، مطيعة لرئيسها في العمل، تضحي بحياتها من أجل الأسرة، وإن قامت الحرب ~~تضحي بالأسرة وتموت فداء الوطن. # مرت بي أيام أمشي في الطريق مثال الخيال، شبح من الأموات، شاحبة الوجه مطبقة ~~الشفتين في صمت، لا شيء يتحرك في عقلي أو جسدي، منذ زمن طويل فقدتهما، أترنح ~~وأنا أمشي مثل خيال. كان الموت قريبا مني أكاد ألمسه بيدي، الموت من أجل الوطن، من ~~أجل الله، من أجل زوجي. يعلو الله فوق الجميع، من بعده يأتي الوطن أو الملك أو ~~الرئيس، بعد ذلك يأتي الزوج. # في الليل، كنت أهتف يسقط الملك يسقط الزوج يسقط الإنجليز. كان ذلك في طفولتي، ~~تغيرت الأسماء في مرحلة الشباب، أسمع الشباب يهتفون، يسقط الرئيس يسقط ~~الأمريكان، أشاركهم الهتاف وأضيف من عندي ويسقط الزوج. # صديقتي صفية تهتف معي يسقط الزوج، تنضم إلينا الصديقات الأخريات سامية وبطة، ~~الثلاث زوجات مطيعات يحلمن بالطلاق في الليل، أربعة وأربعون عاما يحلمن ~~بالطلاق، يتكرر الحلم كل ليلة حتى انتهى القرن وجاء القرن الجديد الواحد ~~والعشرون. # ذاكرتي تروح وتجيء في الزمن على نحو عجيب، يتلاشى نصف قرن في لحظة، واللحظة ~~الحاضرة تمتد أمامي لا نهائية، يلتحم الماضي بالحاضر في لحظة واحدة، الصوت ~~يتسرب إلى أذني واضحا كأنني أسمعه الآن، اقتلوها الكافرة عدوة الله. أهب ~~من النوم على الصوت يزعق في شارع الجيزة، النافذة مغلقة بالشيش الخشبي ~~والزجاج المزدوج، شريف نائم في سريره المجاور لسريري، كان لنا سريران منفصلان في ~~غرفة نوم مشتركة، الجدران بيضاء نظيفة والملاءة ناصعة البياض، الأرض من البلاط ~~الناعم، أنزلق فوقه حين أمشي، فوق المنضدة الساعة تشير إلى الواحدة، النتيجة ~~فوق الحائط ثابتة عند 31 ديسمبر 1998، عيد رأس السنة الجديدة، أشياء ms400 مفزعة تحدث ~~دائما ليلة العيد، منذ طفولتي لا أحب الأعياد، يمتلئ قلبي بالحزن حين يتألق ~~العالم بالفرح. # أهدروا دمها الكافرة عدوة الله. # جفوني مثقلة بالنوم، يسري الصوت إلى أذني قبل أن أفتح عيني، أضواء خافتة ~~تتسرب من شقوق الشيش، أمشي إلى النافذة على أطراف أصابعي، أتوقف لحظة ~~لألتقط أنفاسي، أطل من بين الشق، الشارع ليس فيه أحد، عربة كارو يجرها ~~حمار، صاحبها راقد فوق ظهره يهتز مع اهتزاز العربة، سيارات مسرعة تظهر أنوارها ثم ~~تختفي، الشق ضيق، أخشى أن أفتح النافذة، الصوت يزعق، يردد بعض الأسماء، ~~يرن اسمي واسم أبي وجدي السعداوي الذي مات قبل أن أولد. ~~- اقتلوهم الكفرة أعداء الله. # أذناي من وراء النافذة المغلقة تلتقطان الأسماء واحدا وراء الآخر، يرن اسمي ~~في الجو: نوال السعداوي. يخترق رأسي مثل طلقة الرصاص، يفتح شريف عينيه، يراني واقفة ~~وراء النافذة جامدة مثل تمثال. ~~- فيه إيه يا نوال؟ ~~- سامع الصوت؟ # يفتح شريف النافذة، من أين ينبعث الصوت، الميكروفون فوق مئذنة الجامع المجاور ~~لنا، أو الجامع الآخر الجديد في الشارع الخلفي، أو الجامع القديم وراء الكنيسة، ~~أو المئذنة الجديدة بدون جامع، تبرز بين البيوت من فوق ميكروفون ضخم، يربت شريف ~~على كتفي: نامي يا نوال وبكرة الصبح نعرف إيه بيحصل في البلد. # يأتي الصبح ولا نعرف شيئا. لا أحد في الكون يعرف الحقيقة إلا الله والسيد ~~الرئيس. هكذا قال يوسف إدريس لشريف عبر أسلاك التليفون، يضحك ويقهقه بصوت يهز ~~الأسلاك. أيوه يا شريف محدش عارف حاجة، البلد على كف عفريت، فاكر حريق القاهرة في ~~يناير اثنين وخمسين، الحكومة والإنجليز حرقوا البلد عشان يضربوا العمل الفدائي في ~~القنال، أنا متوقع حرايق في البلد مش حريق واحد، الجماعات الإسلامية دي عملها ~~السادات عشان يضربنا يا شريف، عشان يضرب اليسار كله، وطبعا معاه الأمريكان، أنا ~~باسمع اسمي في الميكروفونات فوق الجوامع، الجوامع دي كلها بنتها الحكومة بفلوس ~~أمريكا، عشان يتخلصوا منا يا شريف، أنا عارف إن الحكومة والأمريكان عاوزين يخلصوا ~~مني أنا بالذات؛ لأن مقالاتي في ms401 الأهرام أخطر من المقالات في صحف المعارضة، ~~عاوزين يقتلوني يا شريف. ~~- مش أنت لوحدك يا يوسف، فيه ناس كثير عاوزين يقتلوهم أكثر منك، لو كانت الحكومة ~~عاوزة تتخلص منك كانوا شالوك من الأهرام يا يوسف. ~~- أيوه يا شريف، لكن أنا عارف إن الحكومة سايباني أكتب عشان تكون عندنا معارضة ~~وديموقراطية، لكن المسألة تطورت وخلاص مش عاوزين أي معارضة، على فكرة أنا سمعت اسم ~~نوال، مش عارف إزاي يهدروا دم امرأة؟ ~~- زي ما بيهدروا دم الرجل يا شريف. ~~- لكن المرأة غير الرجل يا شريف. ~~- مش فاهم. ~~- في الصعيد مثلا دم الرجل هو المطلوب في الثأر، وفي السياسة أيضا دم ~~الرجل هو المطلوب. ~~- ليه يا يوسف، هو الرجل فقط اللي عنده دم؟! # كان الجدل يدور بين شريف ويوسف عبر أسلاك التليفون، يضحك يوسف بصوت عال، تهتز ~~الأسلاك مع قهقهته ويتحول الحديث من السياسة إلى المرأة. # كان يوسف إدريس زميلا لأحمد حلمي في كلية الطب وأحمد المنيسي وفؤاد محيي الدين ~~وغيرهم من الطلبة، لماذا بدا أحمد حلمي مختلفا عن الجميع؟! الصوت الهادئ ~~المنخفض، الكلام القليل، الخطوة فوق الأرض الواثقة غير المتسرعة؟ العمل في صمت دون ~~ضجة، في الاجتماعات في المدرج الصغير كنت أراه جالسا في الصف الأخير، يتنافس ~~زعماء الطلبة على الميكروفون وهو في مكانه جالس، يدقون بقبضة اليد على ~~المنصة ويلقون الخطب، يثرثرون بأصوات عالية وهو صامت، يتكلمون في وقت واحد ~~يقاطعون بعضهم بعضا، وإذا تكلم أحمد حلمي صمت الجميع. # حين التقيت لأول مرة بشريف حتاتة عام 1964 تذكرت أحمد حلمي عام 1951، برزت ملامحه ~~من العدم، الجبهة العريضة، والشعر الأسود الغزير، الحاجبان الكثيفان، العينان، ~~الأنف، الصوت، المشية فوق الأرض، الكلام القليل والعمل في صمت، مات أحمد حلمي بعد ~~أن عاد من الحرب مهزوما، ماتت الروح قبل أن يموت الجسد، كان يحقن نفسه بالسم لينسى ~~الخيانة، مات شهيد الوطن مثل أحمد المنيسي دون أن يقام له حفل تأبين. # كان زعماء الطلبة مثل زعماء الأحزاب السياسية، تعلموا منهم قواعد اللعبة، لم ~~يستشهد منهم أحد، ms402 لم تسقط من أحدهم قطرة دم، أصبح فؤاد محيي الدين وزيرا للصحة ~~ثم رئيسا للوزراء، كان في كلية الطب ضمن اليسار، عضو لجنة العمال والطلبة، وفي ~~عهد عبد الناصر كان يخطب عن الاشتراكية والقطاع العام، وفي عهد السادات لم ~~يعترض على شيء، جلس في مقعد رئيس الوزراء، يتلقى التوجيهات من السيد الرئيس، ~~الانفتاح والرأسمالية والسوق الحرة والقطاع الخاص، ثم سقط في مكتبه ومات ~~بالسكتة القلبية وهو رئيس الوزراء في عهد حسني مبارك. # التقيت بفؤاد محيي الدين لأول مرة عام 1951، في اجتماعات طلبة كلية الطب ~~بالمدرج الصغير، تخرج قبلنا بعدة سنوات وتخصص في الأشعة، طويل القامة ~~نحيف الجسم أنيق الملابس يشبه الطاووس، عيناه تتجاوزان كلية الطب إلى وزارة ~~الصحة ومجلس الوزراء. التقيت به أكثر من مرة وهو وزير للصحة، كنا نتحدث في ~~الأدب والإبداع، تتجاوز عيناه جدران مكتبه ويتنهد قائلا: كنت أتمنى أن أكون أديبا ~~مبدعا مثلك ومثل يوسف إدريس. ثم يضحك، إيه رأيك يا نوال نتبادل المواقع، تبقي أنت ~~وزير الصحة وأنا أديب مشهور في العالم زيك. أضحك وأقول له: إذا بقيت وزيرة ~~الصحة لازم يرفدوني بعد أسبوع. # صوت أبي الميت كان يهمس في أذني، الوزير يأتي بقرار ويذهب بقرار، والأديب لا أحد ~~يعينه ولا أحد يعزله إلا قلمه. # لم يكن فؤاد محيي الدين صديقا، رغم حديثنا عن الأدب والفن، كان هناك حاجز زجاجي ~~يقف بيني وبينه، ربما كنت أحس أن ميوله السياسية تحجب ميوله الأدبية، أن طموحه ~~في المنصب العالي أكثر من طموحه الأدبي. يوم 25 نوفمبر 1981 كان لقائي الأخير بفؤاد ~~محيي الدين، كان جالسا إلى جوار رئيس الدولة حسني مبارك فوق الكنبة المذهبة ~~في قصر العروبة، إلى جواره محمد حسنين هيكل، ثم فؤاد سراج الدين، وشخصيات أخرى ~~ممن أدخلهم أنور السادات السجن قبل اغتياله بشهر واحد. هذه الاعتقالات عرفت ~~باسم مذبحة سبتمبر الأسود عام 1981، كنت واحدة من المسجونات، ثم أصدر حسني مبارك ~~قرارا بالإفراج عن الدفعة الأولى من المسجونين بعد اغتيال السادات بشهرين، انفتح ~~باب السجن في ms403 صباح ذلك اليوم وحملوني من الزنزانة داخل سيارة فولكس فاجن إلى قصر ~~العروبة، حيث استقبلنا رئيس الدولة ورئيس الوزراء فؤاد محيي الدين. # كنت أرتدي حذائي الكاوتش، أخفيت داخله رسالة إلى رئيس الدولة أطالبه ~~بالتحقيق في جريمة اعتقالي دون سبب إلا كتابة رأيي، قبل الاجتماع أخرجت الرسالة ~~من حذائي وناولتها لرئيس الدولة، قرأها كلها حتى آخر سطر ثم قال لي: معلهش يا ~~دكتورة نوال. # رنت كلمة «معلهش» في أذني غريبة، هل يضعونني في السجن دون جريمة ثلاثة شهور ثم ~~يقولون لي معلهش؟ ألقى رئيس الدولة علينا خطبة عن نظامه الجديد في ظل ~~الديموقراطية والحرية والقانون، علينا أن ننسى الماضي ونتطلع إلى المستقبل، قال ~~بلغته هذه الحروف: بلاش ننبش القبور. وكان يعني أن ننسى فترة السجن، أن ننسى ما ~~فعله السادات بنا، وأن ننتظر ما يفعله الرئيس الجديد. # لم يقنعني هذا الكلام، كنت أرى أن تقييم الماضي ضرورة لعدم تكرار الأخطاء، وأن ~~التحقيق فيما حدث يتمشى مع القانون، ثم لماذا ينتظر الناس دائما ما يفعله ~~رئيس الدولة، لماذا لا يعملون بدلا من مجرد الانتظار؟ ولماذا يصبح رئيس ~~الدولة هو الفرد الوحيد الذي يعمل والذي يتخذ القرار ونحن علينا أن نجلس في ~~بيوتنا وننتظر؟ # بدأ فؤاد سراج الدين يتكلم بعد أن انتهى رئيس الدولة من كلمته، قال فؤاد ~~سراج الدين: يا سيادة الرئيس، لقد أنابني زملائي لأتكلم عنهم. دهشت لهذه العبارة ~~الأولى؛ لأن أحدا لم يأخذ رأيي في موضوع الإنابة هذه، كان عددنا ثلاثة وعشرين ~~شخصا، منهم واحد وعشرون رجلا، وامرأتان فقط، أنا واحدة منهما، سألت زميلتي: هل ~~تعرفين شيئا عن هذه الإنابة؟ هزت رأسها بالنفي، سألت الزميل الجالس إلى ~~جواري، فقال: لا أعرف شيئا يا دكتورة نوال، لكني سمعت أن محمد حسنين هيكل ~~اقترح على اثنين من أصدقائه المقربين إنابة فؤاد سراج الدين للتحدث نيابة عن ~~الجميع، وأبلغوا رئيس الوزراء الدكتور فؤاد محيي الدين بهذا القرار لإبلاغه ~~للسيد الرئيس، وبالطبع لم يأخذ رأينا أحد. قلت: كيف ينوب عنا أحد دون أن ~~نعلم؟ ms404 هذا تصرف غير ديموقراطي ... كيف نقبله نحن الذين دخلنا السجن؛ لأننا اعترضنا ~~على التصرفات غير الديموقراطية؟ ابتسم الزميل في أسى وقال: يا دكتورة نوال ~~الأفضل أن نسكت وإلا أعادونا إلى السجن! # لم يعبر فؤاد سراج الدين عما كان يجيش في صدري، رفعت يدي وطلبت الكلمة بعد أن ~~انتهى من كلمته، رمقتني بعض العيون بشيء من الضيق، ثلاثة أو أربعة من كبار ~~الأسماء الذين كانوا داخل السجن بالأمس ثم أصبحوا اليوم شيئا آخر، يتطلعون إلى ~~رئيس الدولة ورئيس الوزراء ويرمقون المساجين الآخرين شزرا. # أعطاني رئيس الدولة حق الكلام، تكلمت، قلت كل ما عندي في أقل من خمس دقائق، ~~تشجع بعض المسجونين الآخرين وطلبوا الكلمة، ربما تلعثم أحدهم خوفا أو ~~رعبا، إلا أنه فتح فمه وعبر عن رأيه، زميلتي المسجونة تكلمت وطلبت حماية ~~النساء الحوامل في السجن، وتكلم شاب عن رعاية صغار السن وعدم تعريضهم ~~للضرب أو التعذيب ... وفجأة رأيت محمد حسنين هيكل ينظر في ساعته فوق معصمه، وقال ~~هذه العبارة: أظن أن وقت السيد الرئيس ثمين ولا يسمح بمزيد من الكلمات ~~وأقترح قفل باب الحديث. # في لقاء لي مع محمد حسنين هيكل بعد بضعة شهور سألته: لماذا قلت هذا الكلام، وهل ~~وقت الرئيس أثمن من وقت ثلاثة وعشرين شخصا دخلوا السجون دون جريمة؟ وإذا كان ~~هو لم يقفل باب الحديث لماذا تقفله أنت وكنت مسجونا معنا؟ ثم لماذا لم تأخذوا ~~رأينا في موضوع إنابة فؤاد سراج الدين ليتكلم عنا؟ ألم تفعلوا بنا ما يفعله أي حاكم ~~دكتاتور رغم أنكم تكتبون عن الديموقراطية؟! # كان شريف معي في هذا اللقاء وسمعني أقول هذا الكلام، نظر إليه محمد حسنين هيكل ~~وقال: الدكتورة نوال صعبة أوي مش كده ولا إيه يا دكتور شريف؟ ابتسم بهدوء وقال: ~~نوال تعبر عن رأيها وهذا حقها. # بعد اللقاء مع رئيس الدولة يوم 25 نوفمبر 1981 خرجت من قصر العروبة، قالوا ~~لنا داخل القصر: إن قرار الإفراج صدر ويمكننا العودة إلى بيوتنا. اجتزت حديقة ~~القصر الكبيرة أشم رائحة الزهور، رمقني ms405 أحد الصحافيين فأقبل نحوي، نظر إلى حذائي ~~الكاوتش مندهشا، وقال: أتقابلين رئيس الدولة بهذا الحذاء الكاوتش؟! قلت: ولماذا ~~تنظر إلى حذائي يا أستاذ؟! # وقفت عند محطة الأتوبيس أنتظر سيارة أجرة تحملني إلى بيتي في الجيزة . فوق الأرض ~~وضعت حقيبتي بها ملابس السجن، أرمق الناس وهي تمشي في الشارع، كيف يمشون هكذا ~~دون أن تقبض عليهم الشرطة، كأنما لم أمش في الشارع أبدا بهذه الحرية؟ ~~كأنما رجال البوليس سوف يأتون بعد لحظة لإعادتي إلى السجن. لم تكن كلمتي أمام ~~رئيس الدولة هي الكلمة المطلوبة، انتزعتها من بين براثن السلطة وزملاء ~~السجن. لم يطلبها أحد، لم يرغب في سماعها أحد. تقلصت وجوه الرجال حين تكلمت، ~~بما فيها وجه رئيس الدولة، كيف تتكلم امرأة بهذا الشكل في أمور لا يتكلم فيها ~~أحد. كلمة فؤاد سراج الدين لم تخرج عن تقديم الشكر والامتنان لرئيس الدولة؛ ~~لأنه أطلق سراحنا. كلمة زميلتي لم تخرج عن طلب حماية المرأة الحامل في السجن ~~باسم الشفقة، كلمة الشفقة تطرب لها آذان الرجال، الشفقة بالمرأة الحامل ~~الضعيفة، ضعف النساء يؤكد قوة الرجل، الرجولة هي القوة والقوامة، ~~الرجال قوامون على النساء. زميلة السجن كانت ترتدي الحجاب، تؤكد به هوية ~~الأنثى التي يطلبها الرجال. لم تتقلص الوجوه حين تكلمت الزميلة المحجبة، خرجت من ~~السجن وأصبحت صورتها في كل مكان، تكتب في صحف الحكومة والمعارضة، تتحدث باسم ~~الإسلام والتراث والحجاب، أصبح لها مقال أسبوعي في إحدى الصحف الحكومية الكبرى، ~~صورتها بالحجاب على رأس المقال، على وجهها ابتسامة أنثوية ناعمة، شفتاها ~~متوردتان. # أمام باب الشقة في الجيزة وضعت حقيبتي على الأرض، رأيت اسمي فوق رقعة نحاسية ~~صغيرة، ضغطت على الجرس، فتح شريف الباب، مش معقول! أي مفاجأة! كان يظن أنني في ~~السجن، لم ينشر الخبر بعد في الصحف. ألقيت ملابس السجن في صفيحة القمامة، ~~وأخذت حماما ساخنا، تمددت فوق السرير النظيف الدافئ، الملاءة بيضاء ناعمة ~~تفوح برائحة صابون معطر، أدفن رأسي في الوسادة الناعمة، أغمض عيني كأني في حلم ~~سأصحو منه بعد لحظة، وأجد ms406 نفسي في زنزانة السجن. # جاءني ابنتي منى وابني عاطف من المدرسة آخر النهار، أخفاني شريف في الغرفة ليصنع ~~لهما المفاجأة، أراهما من ثقب الباب جالسين في الصالة، سحابة من الحزن تطفو فوق ~~الوجهين الحميمين، عيون أطفال خطف بريقها غياب الأم، خيالهما قادر على اختراق ~~جدران السجن، يكسر القضبان الحديد، يرى الأم جالسة فوق الأرض، تكتب بأصابعها فوق ~~التراب رسالة إلى أطفالها. # في صباح اليوم التالي قرأ شريف الصحف، خبر الإفراج عن المسجونين في الصفحة ~~الأولى، برقيات التهنئة إلى السيد رئيس الدولة يتبارى على نشرها الكتاب ~~المعروفون، ذوو الأعمدة اليومية الثابتة أو المقالات الأسبوعية الطويلة، لم يفتح ~~أحدهم فمه حين صدر قرار الاعتقال، وتم حبس أكثر من ألف شخص دون تحقيق ودون جريمة، ~~كتب أغلبهم يؤيدون قرار الحبس، وصمت الباقون. قلت لشريف: الصمت في مثل هذا الوقت ~~جريمة أو على الأقل مشاركة في الجريمة. # في جريدة الأهرام ظهرت برقية التهنئة لرئيس الدولة بقلم يوسف إدريس، الكاتب ~~الكبير، ظهر اسمه بالبنط العريض، كأنما هو بطل الإفراج عن السجناء، لا يفوقه ~~بطولة إلا رئيس الدولة، أصبح البطلان محط الأنظار، واختفى المسجونون داخل ~~البيوت أو بين السطور، لا تنشر أسماؤهم إلا بالبنط الصغير جدا، لا يكاد يرى ~~بالعين المجردة. # حين كنت في السجن كتبت رسالة إلى توفيق الحكيم ويوسف إدريس، قلت لتوفيق الحكيم: ~~أنت رئيس اتحاد الكتاب، ورئيس لجنة القصة بالمجلس الأعلى للفنون والآداب، وأنا ~~عضوة باتحاد الكتاب، وعضوة بلجنة القصة، وقد دخلت السجن دون تحقيق ودون جريمة، ~~أرجو أن ترفع صوتك ضد هذا الحبس غير القانوني، وأن ترسل مندوبا من اتحاد الكتاب ~~ليكتب تقريرا عن حالة الزنزانة التي أعيش داخلها. # وفي الرسالة نفسها إلى يوسف إدريس قلت له: أنت زميل لي في اتحاد الكتاب ولجنة ~~القصة، ولك مقال أسبوعي بجريدة الأهرام، أرجو أن تكتب شيئا ضد قرار الحبس دون ~~تحقيق ودون جريمة. # لم ينطق توفيق الحكيم أو يوسف إدريس بكلمة واحدة، لم يجتمع اتحاد الكتاب ليقرر ~~إرسال مندوب ليرى حال الزنزانة، وفجأة بعد ms407 قرار الإفراج يخرج يوسف إدريس عن صمته ~~ويرسل إلى رئيس الدولة يهنئه بعبارات التمجيد والولاء. # بعد أيام جاء يوسف إدريس إلى بيتنا في زيارة، قال: إنه جاء للتهنئة، وكان يريد ~~أن يشتري لي باقة ورد ، لكن جميع محلات الورد كانت مغلقة. وضحك شريف، يا يوسف بلاش ~~مبالغة، معقول كل محلات الورد قفلت؟! سهر معنا يوسف إدريس تلك الليلة، ربما كان تحت ~~تأثير مادة الماكسيتون التي أدمن عليها مثل أحمد حلمي، يصبح لسانه ثقيلا في ~~الكلام، يحتقن وجهه ويتورم قليلا، يداه أيضا تتورمان، يميل إلى السهر والكلام دون ~~انقطاع، يصور له الوهم أنه بطل. ~~- عارف يا شريف مين السبب وراء صدور قرار الإفراج عن المساجين؟ ~~- مين يا يوسف؟ ~~- أنا يا شريف، أنا اللي ... # شريف يستمع إليه، يبتسم بهدوء ونوع من السخرية الخفيفة، يعرف أن يوسف إدريس لم ~~يرد على رسالتي، ولم يكتب كلمة واحدة ضد قرار الحبس، وأنه يعيش وهم البطولة ~~منذ كان طالبا في كلية الطب، وأن مادة الماكسيتون المنبهة تسري في دمه، تصور له ~~الوهم كأنما هو الحقيقة. # كان يوسف إدريس يجلس أمامي منفوخا بالماكسيتون وغرور العظمة، أصبح يحمل لقب ~~الكاتب الكبير، وأصبحت أنا السجينة رقم 1536. الألم في عمودي الفقري، والنوم فوق ~~أرض الزنزانة، صمت الزملاء والزميلات من الكتاب والأدباء، وصمت نقابة ~~الأطباء، أرسلت رسالة إلى نقيب الأطباء فلم يرد. # تلك الليلة لم يكف عن الكلام، يقول إنه السبب وراء خروجنا من السجن. ~~وكان شريف يتثاءب ويريد أن ينام، وأنا أيضا مللت كلامه عن بطولته الوهمية، وقلت ~~وأنا أتثاءب: أعتقد يا يوسف أنك في حاجة إلى الذهاب إلى بيتك لتنام. قال: ولكني ~~لا أريد أن أنام. قلت: ولكننا نريد أنا وشريف أن ننام. نهض متثاقلا واقفا فوق ~~قدميه، وقال: عرفت يا نوال أنني كنت السبب وراء قرار الإفراج عنكم؟ قلت: ~~وكيف أعرف وأنت لم تنطق بكلمة واحدة حين كنا في السجن؟! # مثل البالونة المنفوخة بالهواء تثقبها إبرة رفيعة، انكمشت البالونة وجلس يوسف ~~إدريس بعد أن كان واقفا، رمقني بشيء ms408 من الغضب، لم أنس أنه صمت حين كان ~~الكلام واجبا. أكثر ما كان يغضبه أنه لم ينس هو أيضا، أكان ضميره يؤرقه؟! أكان ~~يحقن نفسه بالماكسيتون لينسى دون أن ينسى؟! كان أحمد حلمي يقول: الماكسيتون ليس مثل ~~المخدرات يضعف الذاكرة، إنه أخطر المنبهات جميعا، يشعل الأحاسيس، تلتهب خلايا ~~العقل إلى حد نسيان كل شيء، مع ذلك تظل الذاكرة مشتعلة لم تنس شيئا. ~~••• # أول مرة أسمع عن قائمة الموت أو إهدار الدم كان عام 1988، أرسلت الحكومة حراسة ~~أمام بيتي في الجيزة، وبودي جارد لحماية حياتي، لم أكن أدرك فكرة إهدار الدم، لم ~~أسمع اسمي يرن في الليل من فوق الجوامع. وقال شريف: ما رأيك أطلب لطيفة ~~الزيات في التليفون، لا بد أن لديها بعض معلومات؟ # لم تشأ لطيفة الزيات أن تتكلم عبر الأسلاك. أنت عارف يا شريف، التليفونات ~~عليها رقابة، أنا جاية الجيزة ويمكن أمر عليكم بالبيت، بوسلي نوال يا شريف. # كانت لطيفة الزيات صديقتي منذ نهاية الستينات نلتقي بصفة منتظمة في اجتماعات ~~لجنة القصة بالمجلس الأعلى للفنون والآداب، وكان لها أخ يحتل منصبا كبيرا في ~~الدولة، يلتقي بالسادات أحيانا، يهمس لأخته لطيفة أحيانا بمعلومات لا يعرفها ~~أحد. حين فقدت منصبي في وزارة الصحة في أغسطس عام 1972 همست لطيفة في أذني: ~~السادات بيقول لسانك طويل. وأطلقت ضحكتها العالية على شكل قهقهات متقطعة، ومدت ~~يدها البضة الناعمة وأمسكت يدي، وراحت دون انقطاع، يتورد وجهها الممتلئ، يقفز ~~الخدان المكتنزان إلى أعلى، يضغطان على العينين الصغيرتين، تنغلق الجفون إلا من شق ~~ضيق يطل منه جزء من النني على شكل خط أسود، يصبح وجهها مستديرا كوجوه الأطفال، ~~يهتز جسمها المربع الممتلئ. أسمع ضحكتها في الشارع قبل أن أدخل بيتها، تذكرني ~~بضحكة أمي، لكن جسد أمي لم يكن يهتز، وكان لضحكتها رنين في الجو يشبه رنين الفضة ~~المجلوة. لم تكن أمي تدخن ولم يكن صوتها مبحوحا أو مشروخا بالدخان. كنت أضحك مع ~~لطيفة وأقول لها: أنت مدخنة يا لطيفة. تموت على نفسها من الضحك، ثم ms409 تصمت فجأة، ~~تكسو وجهها سحابة حزن وتقول: أعمل إيه يا نوال، خلاص ما فيش لذة في حياتي إلا دي. ~~وتشير إلى السيجارة بين شفتيها. # كانت تجلس إلى جواري في لجنة القصة، يجلس توفيق الحكيم عند رأس المائدة؛ فهو رئيس ~~اللجنة، يجلس نجيب محفوظ وثروت أباظة عن يمينه، ويجلس يوسف إدريس ويوسف الشاروني عن ~~يساره. يفتح توفيق الحكيم الحديث عن الاشتراكية والرأسمالية، ثم يطرح السؤال: هل ~~الله اشتراكي أم رأسمالي؟ يقهقه يوسف إدريس ويقول: أعتقد أنه من أهل الوسط يا أستاذ ~~توفيق. تقهقه لطيفة الزيات وتقول: يعني قصدك من الحكومة؟ # لم يكن مثل هذا الحديث يعجب بقية الأعضاء، لكن أحدا لم يكن يعترض على الرئيس، ~~منذ الإله أخناتون ورمسيس الأول، يحترم المصريون الملوك والرؤساء. يدرك توفيق ~~الحكيم هذه الحقيقة ويسترسل في حديثه متجاوزا الخطوط الحمراء، يحكي بعض الفكاهات ~~عن الملك فاروق، يضحك يوسف إدريس ويقول: النكتة دي فيها إسقاط يا أستاذ توفيق؟ ~~إسقاط على مين يا يوسف؟! وينفجر أعضاء اللجنة بالضحك، تتصاعد القهقهات مع دخان ~~السجائر حتى السقف. # ثم ينتقل توفيق الحكيم من السياسة إلى المرأة، لا يمل الحديث عن المرأة، رغم أنه ~~كان يحمل لقب عدو المرأة. تلمع عيناه وهو يتحدث، تدوران على وجوه الرجال أعضاء ~~لجنة القصة، ثم تثبتان على وجه واحدة من الأديبات. # رغم كهولة توفيق الحكيم كان يتمتع بحيوية تفوق الشباب، شعره الأبيض مع البريق ~~في العينين يضفي عليه جاذبية خاصة. تنقضي الساعة وراء الساعة وهو يحكي ~~النوادر والفكاهات عن أيام شبابه، يحرك رأسه ويديه في حماس ويقول: المرأة ملاك أو ~~شيطان ولا ثالث لهما. يهتف أعضاء اللجنة في نفس واحد على رأسهم يوسف إدريس: تمام ~~يا أستاذ! # يرمقني توفيق الحكيم بطرف عين، يراني صامتة مترفعة عن الرد، أفكر في شيء آخر، ~~تطلق لطيفة الزيات ضحكتها، القهقهة المتقطعة المتصلة، تشعل سيجارة جديدة بأصابع ~~ترتعش قليلا، يهتز جسمها مع الضحك، تمد يدها المهتزة تحت المائدة وتمسك يدي، ~~تقرب فمها من أذني وتهمس: عينه عليكي يا نوال! ~~- مين يا ms410 لطيفة؟ ~~- يعني مش عارفة؟! ~~••• # حين دخل اسمي قائمة الموت عام 1988، همست لطيفة الزيات في أذني: بيقولوا يا ~~نوال روايتك سقوط الإمام فيها إسقاط! ~~- إسقاط! ~~- أيوه يا نوال. ~~- إسقاط على مين؟! ~~- على السادات. ~~- ده مات يا لطيفة من سبع سنين! ~~- بيقولوا لسه عايش. # وأطلقت ضحكتها الطويلة المتقطعة الأنفاس، أشعلت السيجارة وراء السيجارة، ~~تحكي لي الحكاية المرة بعد المرة، تنسى أنها حكتها من قبل، ترتعش أصابعها وهي ~~تشعل عود الكبريت، تضحك بعد كل عبارة تنطقها وتمد يدها لتمسك يدي. ~~••• # عام 1992 دخل اسمي قائمة الموت مرة أخرى، وضعت الحكومة حراسة مسلحة أمام ~~بيتي في الجيزة، وبودي جارد يرافقني ليل نهار، قال شريف: حياتك في خطر يا نوال، ~~ولا بد من السفر إلى مكان بعيد. # لم نكن نعرف من أين تنطلق الرصاصة، من الجماعات الإسلامية أم من الحراس؟ كانت ~~صديقتي القديمة بطة في مؤتمر إعلامي دولي في لندن، وكانت سامية في نيويورك في ~~مؤتمر نسائي دولي، جاءت صفية إلى بيتي وسألتني: هل لطيفة الزيات صديقتك يا نوال؟ ~~قلت لها: نعم، هي صديقتي. قالت صفية: غريبة أوي، ليه هي بتقول كلام ضدك يا نوال؟ ~~كلام ضدي؟ يمكن مجرد إشاعات يا صفية. لأ يا نوال، ده كلام مكتوب في المجلة، خدي ~~اقري يا ستي! # كانت مجلة أدبية عربية، وحوار أجرته إحدى الصحافيات مع لطيفة الزيات، ~~سألتها هذا السؤال: كيف تفسرين نجاح روايات نوال السعداوي المترجمة إلى اللغات ~~الأجنبية؟ جاء رد لطيفة الزيات؛ لأن نوال السعداوي تكتب للغرب! # قبل ذلك بأيام قليلة كانت لطيفة الزيات في بيتي، كانت تقول لي: إنني أهم ~~روائية عربية، وإنها سوف تصدر كتابا نقديا عن أعمالي الأدبية. كانت ~~تتحدث بحماس، وتضحك مع شريف وتقول له: أنت يا شريف كاتب مبدع، روايتك «الشبكة» ~~جميلة جدا، هل تنوي ترجمتها إلى الإنجليزية؟ ~~- دي رواية طويلة جدا يا لطيفة. ~~- وما له؟ ~~- أنا مشغول بترجمة روايات نوال. ~~- اشمعنى يعني؟ ~~- روايات نوال بتعجبني. # عام 1980 ظهر أول كتاب لي باللغة الإنجليزية، كان شريف هو الذي تحمس لترجمته، ms411 ~~نجح الكتاب وترجم إلى لغات متعددة، ومن بعده بدأ الناشرون في أنحاء مختلفة من ~~العالم يطلبون ترجمة كتبي الأخرى. # وأصبح جرس التليفون يرن في بيتنا، الأدباء الكبار يأتون إلينا في زيارات ~~مفاجئة، جاء عبد الرحمن الشرقاوي يحمل عددا من كتبه، أهداها لي ولشريف. بعد ~~أن انتهت الزيارة، قال لشريف وهو يودعه على الباب: «عندك كارت بلانش، إذا شفت ~~إن كان كتاب من كتبي ممكن ترجمته ونشره في لندن!» وقال شريف بهدوء: «أنا روائي ولست ~~مترجما يا عبد الرحمن.» كانت الزيارة الأولى والأخيرة لعبد الرحمن الشرقاوي، ~~قرأنا نعيه في جريدة الأهرام بعد شهور قليلة. وكان يوسف إدريس يضحك مع شريف، ~~يداعبه ويقول: يعني اشمعنى نوال يا أخي اللي أنت نازل ترجمة لرواياتها، ما تترجم ~~لي رواية أو مجموعة قصص يا شريف! ويضحك شريف معه ويقول: لازم تعملي شوية إغراءات ~~يا يوسف، ثم أنت عندك الحكومة كلها ومؤسساتها والمترجمين بتوعها. # قرأ شريف معي ما كتبته لطيفة الزيات عني، وبدأ عدد من الماركسيين والماركسيات ~~يرددون ما قالته لطيفة، وعدد من النقاد الأدباء والأديبات العاجزين عن نشر ~~أعمالهم في الخارج. كان نجاح روائية مصرية خارج البلاد أمرا غير مألوف، وهي لا ~~تتبع لا الحكومة ولا حزبا ولا المجلس الأعلى للثقافة. # حين عادت سامية من الخارج قالت لي: والله يا نوال حاجة تفرح إن كاتبة مصرية ~~تحصل على هذا التقدير والاحترام في العالم. قلت لها: وما رأيك فيما أشاعته صديقتك ~~لطيفة؟ مطت سامية شفتيها الرفيعتين وقالت: شيء طبيعي يا نوال، أنا كمان باحقد ~~عليكي، الغيرة تنهش قلبي وأحيانا أقول يا رب تموتي يا نوال! # يضحك شريف، ويقول: أنا باحب صراحتك يا سامية، لكن المشكلة ليست الغيرة أو الحقد، ~~المشكلة إن نوال كاتبة مستقلة لا تستند إلا على قلمها، ويمكن أن تنقد الشرق والغرب ~~والحكومة والمعارضة واليسار واليمين، والمشكلة أيضا تتعلق بالمناخ العام ~~والإحباط ... لطيفة الزيات ويوسف وكثير من الأصدقاء كانوا زملاء لي في الحركة ~~الديموقراطية للتحرر الوطني، حين بدأنا الحركة عام ستة وأربعين ضد الملك ms412 ~~والإنجليز كان المناخ العام أفضل من اليوم، كنا في مرحلة الشباب عندنا مبادئ ~~وحماس وأمل، المناخ الجيد يبرز أحسن ما في الإنسان، لكن الحركة ضربت ودخلنا ~~السجون، لم يهزمنا السجن لكننا انهزمنا من الداخل، تفككت الحركة، وتفرق ~~الزملاء ، وانتشرت الإشاعات، المناخ السيئ يبرز أسوأ ما في الإنسان، وأنت يا ~~نوال من جيل آخر جاء بعدنا. # أما جيلنا فقد تمزق بين الطموح والإحباط، بين تأييد السلطة ومعارضتها، ~~لطيفة الزيات هي المثل على ذلك، هذه الضحكة العصبية دليل على التمزق ~~والإحباط، رعشة الأصابع والإفراط في التدخين، وابتلاع حبوب الفاليوم. إنها تعرف ~~تماما أنك ناقدة للغرب أكثر منها، وتعرف أيضا أن الغرب ليس شيئا واحدا، ~~وهناك في الغرب من هم أكثر تقدما وأكثر اشتراكية من الاشتراكيين عندنا، المسألة ~~ليست غرب وشرق، هي تعرف ذلك، ويوسف إدريس يعرف ذلك، لكن المسائل الشخصية ~~تتغلب على المسائل العامة، والإحباط يولد الإشاعات، وما معنى أن يكتب أديب ~~أو أديبة للغرب أو للشرق. وأغرب شيء هؤلاء الذين يقولون: إن الأعمال الأدبية ~~الناقدة لمجتمعنا تسيء إلى سمعة مصر في الخارج! أعظم الأعمال الأدبية لا بد أن ~~تكون ناقدة لمجتمعها، أهم أعمال يوسف إدريس أو نجيب محفوظ الأدبية هي التي نقدت ~~النظام الحاكم، وأشكال الظلم أو القهر في بلادنا؛ لكن يوسف إدريس ونجيب محفوظ ~~في الأهرام، أكبر جريدة حكومية في مصر، وهما جزء من النظام، يتمتعان بحصانة ~~السلطة، وقد ترجمت أعمالهما إلى اللغات الأجنبية عبر وزارة الثقافة أو المجلس ~~الأعلى للثقافة، وكلها مؤسسات حكومية؛ لكن أعمالهما لم تنجح في الخارج كما نجحت في ~~مصر؛ لأن النجاح الأدبي في بلادنا لا يعتمد على جودة العمل فقط ولكن على الدعم ~~الحكومي أيضا، ولا يمكن للكاتب أن يشتهر ويحمل لقب كاتب كبير دون أن تكون له ~~علاقات طيبة بالمسئولين الكبار، وهذه هي المشكلة بالنسبة لك يا نوال أو غيرك من ~~الأديبات أو الأدباء الذين لا يسيرون في فلك السلطة. # إن السلطة في مصر تملك كل مؤسسات الثقافة والنشر والإعلام والترجمة، ~~ويمكنها أيضا مصادرة ms413 أعمالك، وتشويه سمعتك، لكنها لا تملك مصادرة أعمالك ~~المترجمة في الخارج. شاءت الصدف يا نوال أن تتزوجي شريف حتاتة، وأن يقوم شريف ~~بترجمة رواياتك! أتعرفين يا نوال آخر إشاعة عنك؟ يقولون: إنك تزوجتيني لأترجم ~~أعمالك! كان شريف يضحك ، يحاول أن يخفف عني وطأة الألم. # كنت في بداية يناير 1992، نتأهب للرحيل إلى المنفى، أصبح الخطر يحوطنا من كل ~~جانب، يتحدث الناس كل يوم عن قوائم الموتى، الأسماء التي تم إهدار دمها، جرائم ~~تحدث دون أن يقبض على القتلة، الهمس يدور بين الناس، لا يعرفون الوهم من ~~الحقيقة، ولا الإشاعات من الحقائق. كانت الحراسة المسلحة أمام بيتنا، والبودي جارد ~~يتبعني حيثما أذهب، لا أعرف من أين تنطلق الرصاصة. في النوم أرى دمي مهدرا فوق ~~أسفلت الشارع، تزحف قشعريرة باردة إلى جسدي من الرأس إلى بطن القدمين، والصوت ~~يزعق: اقتلوها الكافرة عدوة الله والإسلام. # | الصورة الممزقة # كنت غارقة في النوم، رأيت أبي جالسا في الصالة يقرأ، رفع عينيه إلي واندهش ~~قليلا. نوال؟! متى جئت؟ كيف كان الحفل؟ تساءلت في دهشة: أي حفل؟ قال: حفل نقابة ~~الأطباء. عادت ذاكرتي في الحلم أربعين عاما إلى الوراء، قلت لنفسي: هل يذكر هذه ~~الليلة؟! إنها الليلة التي مات فيها، الخميس 19 فبراير 1959، أراه جالسا في ~~الصالة يحدثني وأعرف أنه ميت. انتهى القرن العشرون أصبحنا في القرن الواحد ~~والعشرين والألفية الثالثة، الرقم 2000 إلى جوار تاريخ اليوم يبدو غريبا، ياه، سنة ~~2000؟! لم أكن أعرف أنني سأعيش حتى القرن الواحد والعشرين، كأنما أختلس من ~~الزمن قرنا جديدا وأعود طفلة في السابعة من العمر أتذكر طفولتي. تبدو أقرب ~~مما كانت، وكانت تبدو بعيدة في الماضي، كان الأمس يبدو كأنه العام الماضي أو ~~القرن الماضي، ثم تغير الزمن مع التقدم في العمر، أصبح القرن الماضي ~~كأنه الأمس، أرى وجه أبي الميت قريبا، أكاد ألمسه بأطراف أصابعي رغم مرور نصف ~~قرن، أكاد أسمع وقع قدميه على البلاط في الصالة، في المرآة يطالعني وجهه كأنما ~~لم يغب أبدا. يقول لي شريف: إن الحزن ms414 على فراق أبي لم يفارقني. ربما هو يعرف ~~حقيقتي أكثر مني، ربما كان حبي لأبي أكبر حب في حياتي، لا يفوقه إلا حبي لأمي، قلبي ~~ينوء بحبها بعد أن فرقنا الموت، أيكون الفراق هو شرط الحب؟! # أفقت من النوم على جرس التلفون، صوت سامية يقول: أنت نائمة والمظاهرات ~~مشتعلة في جامعة الأزهر، وقد أذاعوا اسمك ضمن من أهدروا دماءهم من الأدباء، صوتها ~~يأتيني كأنما في الحلم، ألم يهدروا دمي من قبل؟! ماذا تقولين يا لطيفة؟! أنا ~~لست لطيفة يا نوال، أنا سامية، لطيفة ماتت من ثلاث سنين. # أفقت من النوم، النتيجة فوق الحائط مكتوب عليها التاريخ بخط واضح، 9 مايو ~~عام 2000، سماعة التليفون لا تزال في يدي، صوت سامية يسري إلى أذني، وهي تقول: ~~الشيخ في الجامع اللي جنب بيتنا عمل خطبة في الجمعة عليكي يا نوال، قال: إن ~~كتبك كلها كفر في كفر، والجماعات الإسلامية حركوا الطلبة في الأزهر عشان يعملوا ~~مظاهرات ضد رواية نشرتها وزارة الثقافة، بيقولوا فيها كلام ضد القرآن، والطلبة في ~~الأزهر هتفوا ضد وزير الثقافة وضد السيد الرئيس، يعني المسألة مش رواية، ~~المسألة النظام كله، والطلبة غلابة مش عارفين حاجة، بيروحوا في الرجلين! وأنت ~~يا نوال يمكن يعملوك كبش فداء. الشيخ في الجامع كان بيحرض الناس ضدك، لكن ~~تعرفي إيه اللي حصل؟ أخويا كان في الجامع بيصلي معاهم، قال لي: الناس خرجوا من ~~الجامع بعد الصلاة وراحوا المكتبات يشتروا كتبك! قلت بصوت أبي الميت: رب ضارة ~~نافعة يا سامية. تنهدت بصوت حزين وقالت: يمكن اشتروها عشان يحرقوها مش عشان ~~يقروها. ~~- يحرقوها يحرقوها، يا سامية! ~~- خسارة الكتب تنحرق يا نوال. ~~- الحريق يأكل الورق وليس الكتب يا سامية! ~~- الكتب مصنوعة من الورق ولا إيه؟ ~~- أيوه في القرن الماضي، لكن إحنا في القرن الواحد والعشرين، يا سامية، والكتب ~~أصبحت غير قابلة للحرق، تعبر القارات عبر الأثير دون الحاجة إلى ورق أو ~~مطبعة. ~~- ممكن يحرقوا الكمبيوتر. ~~- الكتب ليست في الكمبيوتر. ~~- أمال فين يا نوال؟ ~~- في اللوح المحفوظ من مادة ms415 غير قابلة للحرق. ~~- واللوح المحفوظ ده فين؟ ~~- في السماء يا سامية. ~~- عند ربنا؟! (ضحكة قصيرة مكتومة تنم عن عدم الإيمان في الطفولة، والإيمان في ~~الكهولة). ~~- لأ يا سامية. ~~- أمال فين يعني؟ ~~- اللوح المحفوظ ده اسمه «الديسك» من مادة صلبة قوية، وفيه ملايين النسخ، بلايين ~~النسخ، تنتشر في الكون زي الفيروسات في الجو وتتكاثر عبر الإنترنت والويب، والقوى ~~الإلكترونية المعروفة والمجهولة. ~~- وإيه القوة المجهولة؟ ~~- فيه حاجة جديدة اسمها الكوارك أصغر من الإلكترون ويحمل طاقة أكبر، فيه قوى ~~مجهولة داخل الذرة، وداخل خلية المخ، لا زال المخ مجهولا يا سامية، مخ الإنسان، ~~والخلية الحية والجينوم والذرة والكواكب والشمس والقمر والنجوم، لكن أهم حاجة إن ~~الكتب لم تعد قابلة للحرق! ~~••• # كانت جدتي آمنة والدة أمي ترمقني بغضب وأنا في السابعة من عمري، تقول عني ~~إنني لا أطيع مثل البنات في عائلة شكري بيه. كلما كانت جدتي تقول شيئا غير مقنع ~~أسألها ليه؟ تلسعني بالعصا الخيزران وتصرخ: مش عاوزة أسمع منك كلمة ليه دي أبدا ~~يا بنت ... فاهمة؟! # لم أكن أبكي كما تبكي البنات، أدق الأرض بقدمي بغضب، وأقول ليه تضربيني؟! يشتد غضب ~~جدتي حين تراني أدق الأرض بقدمي، وحين تسمعني أردد كلمة ليه، أكثر ما يغضبها ~~أنها لا ترى في عيني أي دموع، إنها جدتي زوجة شكري بيه مدير القرعة العسكرية ~~عاشت مقهورة وماتت مقهورة حبيسة البيت كالقصر وقبر من الرخام، لم يكن لها أن ~~تنفس عن غضبها المكتوم إلا بلسع الأطفال بالعصا الخيزران، لم أعرف في طفولتي ~~ماذا كان يغضبها، حتى همست أمي في أذني بالثالوث المقدس، الرب والأب والزوج، كنت ~~أراها ترمق السماء بغضب وتقول: يا رب! لم تكن تنطق الكلمة الثانية ولا الثالثة، ~~وسألت أمي: ليه مش بتنطق جدي، وضعت أمي يدها على فمي وقالت: اسكتي. # في الليل أصحو مختنقة بالدموع الحبيسة، تتجمع في حلقي كالغصة، أسمع شخير جدتي وهي ~~غارقة في النوم، ملامحها تبدو مستسلمة بلا حول ولا قوة. في النهار تبدو قوية ~~قاسية أتمنى موتها، في النوم تبدو ms416 ضعيفة مستسلمة، أكره قوتها بمثل ما أكره ~~ضعفها، أود ألا تصحو وتموت وهي نائمة. أعود إلى النوم وأحلم أن جدي هو الذي مات، ~~أكره جدي أكثر من جدتي، أدعو الله أن يأخذه، أراه في الحلم نائما يشخر، أود أن ~~أطبق أصابعي حول عنقه. أنتفض من نومي مذعورة، أنهض من السرير وأمشي على أطراف ~~أصابعي، أجلس في الفرندة الواسعة، أتذكر أن جدي مات منذ سنوات، الذي ترقد إلى جواري ~~في السرير هي خالتي فهيمة، وهي التي أسمعها تشخر في الليل، وهي التي أريد أن ~~أطبق على عنقها بأصابعي. # في ضوء مصباح الشارع كتبت في مفكرتي السرية: حين تراودني فكرة القتل أمسك ~~القلم وأكتب، أرى كلماتي فوق السطور تنتفض، لولا الكتابة لأمسكت الساطور ~~وقتلتها أو قتلت نفسي. # بيت المرحوم جدي، ضاحية الزيتون، 19 أبريل 1945 # بعد ستة وثلاثين عاما من هذا اليوم، وجدت نفسي داخل زنزانة في سجن ~~النساء بالقناطر، كانت لي مفكرة سرية أخبئها تحت الأرض كما كنت أفعل في ~~بيت جدي وأنا في الرابعة عشرة من عمري، يدي ترتعش بالغضب وأنا أكتب هذه ~~الفقرة في مذكرات السجن: تتطلب الكتابة شجاعة مثل القتل، لو لم تعرف ~~أصابعي القلم ربما عرفت الفأس أو الساطور، يدها، فتحية القاتلة، حين ~~أمسكت الفأس وقتلت زوجها، تشبه يدي وهي تمسك القلم، لا شيء في حياتي ~~أثمن من القلم، الكتابة تتطلب شجاعة مثل القتل وأكثر. # سجن النساء بالقناطر، 14 نوفمبر 1981 # كنت جالسة أكتب تلك الليلة من شتاء عام 1960، حين دخل زوجي إلى غرفتي. أمامي فوق ~~المكتب تراكمت الأوراق، رواية طويلة سهرت عليها طوال الليالي والشهور والسنين، ~~كانت تنمو في أحشائي كالجنين، أحوطها بذراعي، أهدهدها في سكون الليل، رأسي يسقط ~~وينام فوقها وأنا جالسة، أهبط معها إلى بطن الأرض حيث الصمت داخل الصمت. # كانت الرواية تأخذني إلى عالم آخر، أنسى فيه نفسي وابنتي وإخوتي وأقرب الناس ~~من دمي ولحمي، فما بال رجل ليس من دمي ولا لحمي ولا يربطني به شيء، إلا ورقة ~~زواج. # حين اقتحم غرفتي ms417 فجأة لم أتعرف على ملامحه، هذا الوجه الأبيض السمين المتورد لم ~~يكن يجذبني في الرجال، هذا الجسم المربع الممتلئ باللحم ينفرني في النساء فما ~~باله بالرجال، والعينان ليس فيهما ما أبحث عنه، والأنف ليست له الارتفاعة التي ~~أحبها، والصوت ليست فيه النبرة التي تجذب أذني ، كل شيء فيه ليس ما أريد في الرجل، ~~فما بال أن يكون زوجي؟! # لا بد أنها امرأة أخرى تقمصت جسمي واسمي وذهبت معه إلى مكتب المأذون ووقعت ~~العقد، امرأة غيري ساخرة عابثة لا تؤمن بالحب، ترتدي معطف الأطباء دون أن تؤمن ~~بالطب، تكره الرجال والأمراض ورائحة المستشفيات، لم تدخل كلية الطب إلا من ~~أجل أبيها الميت وأمها الميتة، تكره الزواج منذ الطفولة، لم تتزوج للمرة ~~الثانية إلا لتمسح من ذاكرتها المرة الأولى. # كان زوجها الأول فدائيا، مات بعد أن عاد من الحرب، لم يبق منه إلا خيال رجل، ~~وهذا الخيال أيضا راح وسقط في العدم. قبل الزواج بدأت رواية طويلة. بعد الزواج ~~كفت عن الكتابة، رقدت الأوراق فوق مكتبها مثل جثة هامدة. # كل ليلة حين أنام أظن أنني لن أصحو، في الصباح تعود إلي ذاكرتي مع ضوء ~~الشمس، أرتدي ملابس الخروج، أحمل حقيبتي الجلدية السوداء التي تشبه حقائب ~~الأطباء، أتذكر أنني تخرجت في كلية الطب وأصبحت طبيبة. الساعة فوق معصمي ~~تشير إلى الثامنة، أسرع الخطو في الطريق إلى المستشفى، أتوقف لحظة ألتقط ~~أنفاسي، أتذكر أنني تزوجت ولي طفلة تحتاج إلى كوب لبن وزوج يحتاج فخذ دجاجة ~~محمرة. # ذاكرتي مثل جبل الثلج تحت الماء، لا أكاد أعرف الزوج الأول من الثاني، ~~كلاهما كان يحب فخذ الدجاجة المحمرة. صديقتي بطة تكركر بالضحك وتقول: حين ينطفئ ~~النور يتساوى جميع الرجال. تعترض صفية وتقول: لا يفرق بين الرجل والرجل إلا ~~الحب. لم تكن سامية تؤمن بالحب، تقول عنه رومانتيكية طفولية، الحب وهم كبير يا ~~نوال، الحب قبل الزواج يفسده، والحب بعد الزواج ينتهي بالطلاق، تزوجيه يا ~~نوال لأنك لا تحبينه، لا يصلح للزواج إلا رجل لا يخفق له قلبك، ms418 على الأقل حين يخونك ~~مع واحدة ثانية لا تشعرين بالألم! # وامتلأت عيناها بدموع محبوسة، كانت تنتفض بالغضب، صوتها يتقطع وأنفاسها تلهث: ~~تصوري يا نوال ... تكرر هذه العبارة مع اللهاث: تصوري! ~~- أتصور إيه يا سامية؟ ~~- شيء لا يمكن أصدقه! ~~- إيه يا سامية؟ ~~- تصوري يا نوال ... # صوتها يختنق تكف عن الكلام، تنشج بصوت مكتوم، أنفاسها تتقطع مع كلماتها، تصوري ~~يا نوال ... مش قادرة أتصور يا نوال ... تصوري رفاعة جوزي، الرجل المثالي صاحب المبادئ، ~~الرجل اللي دخل السجون عشان المبادئ، تصوري رفاعة ... هل ممكن حد يصدق أن رفاعة ~~يعمل كده؟! من يوم ما مسكوه ودخل السجن وأنا زي النحلة رايحة جاية عشان ~~يطلعوه. ~~- عمل إيه رفاعة يا سامية؟ ~~- تصوري إنه له علاقة بواحدة تانية! ~~- وعرفت إزاي؟ ~~- وقع في إيدي جواب كتبه لها باين مسكوه قبل ما يبعت لها الجواب. ~~- مجرد جواب يا سامية. ~~- رسالة حب يا نوال! ~~- مجرد حب عذري حب طاهر رومانتيكي. ~~- رفاعة رجل مادي جدلي ماركسي لا يمكن يؤمن بالكلام الفارغ ده! # حين سمعت بطة القصة أطلقت ضحكتها الساخرة وقالت: كل الرجالة خائنين يا سامية ~~يمين ويسار ووسط، وكل النساء خائنات، بنات حواء أو بنات مريم العذراء، الفرق ~~الوحيد بينهم أن الرجل خيانته مكشوفة، لكن المرأة بير من جوه بير. والعلاج الوحيد ~~إنك تخونيه زي ما خانك، وربنا قال العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم. وكمان من ~~حظك السعيد أنه محبوس في السجن! ترددت صفية في التعليق، أطرقت قليلا تفكر، ثم ~~رفعت إلينا وجهها شاحبا وقالت: الطلاق عندي أحسن من الخيانة؛ لأنك يا سامية ~~حتخوني نفسك مش أي حد تاني. # صوت صفية كان يرتعش قليلا، وهذا الشحوب بدا غريبا، أتعيش صفية المأساة نفسها؟! ~~لم تكن صفية مثل سامية وبطة، تميل أكثر إلى الكتمان. كان في شتاء عام 1960، وكان لا ~~بد من مرور أربعين عاما حتى أسمع صفية تقول: خلاص يا نوال أنا قررت الانفصال عن ~~مصطفى. ~~••• # كنت أقول لنفسي لا يمكن أتزوج دون حب، كيف يجمعني فراش واحد مع رجل لا ms419 أحبه، ~~وتسألني بطة: وليه مش بتحبيه يا نوال، رجل محترم من رجال القانون مركزه مرموق وعنده ~~عربية وشقة وفلوس وواقع في غرامك لشوشته، ليه ترفضيه؟ عيبه إيه يا نوال؟ # هذا السؤال «عيبه إيه» ظل يحيرني نصف قرن، كنت أسمعه من أبي وأمي وجدتي وخالاتي ~~وعماتي ، عيبه إيه العريس يا نوال؟ سؤال لم أعرف جوابه، وبطة تلح في السؤال. ~~- مش عاوزة تتجوزيه ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~- عيبه إيه؟! ~~- يمكن ... ~~- يمكن إيه؟! ~~- عينيه ... ~~- ما لها عينيه؟! ~~- مطفية. ~~- حاتعملي بعينيه إيه في الجواز يا نوال؟! # تكركر بطة بضحكتها المتقطعة، شهقاتها ترن في أذني مثل هواء محبوس يندفع من ~~عنق زجاجة ضيق، ضحكتها معدية، أضحك رغم الثقل في القلب، رغم أنني لا أحبه ~~سأتزوجه، رغم انطفاءة عينيه، رغم أنني أكره رجال القانون، يصبهم القانون في قالب ~~واحد كالأسمنت. السؤال يدور في رأسي، لماذا أتزوجه وأنا لا أريد أن أتزوجه؟ قوة في ~~السماء أو الأرض تدفعني إلى الزواج رغم إرادتي؟! قوة غامضة كالوهم، كضغط الهواء ~~الجوي، قوة إلهية أو شيطانية تدفعني إليه رغم أنفي وأنا في كامل الوعي. # تلك الليلة من شتاء عام 1960 تأخرت في العيادة، جلست إلى مكتبي بعد أن انتهيت من ~~آخر مريض، وضعت رأسي بين يدي الاثنتين وسقطت في ما يشبه النوم، هذه الحالة ~~المتأرجحة بين النوم واليقظة، اللحظة التي يغيب فيها العقل الواعي، تختفي الأنا ~~العليا تحت سطح البحر، يبرز رأس جبل الثلج من تحت الماء، يرمقني مثل عين في السماء، ~~عين مفتوحة لا يطرف لها جفن، ساهرة طوال الليل لا تنام. أمسك القلم وأكتب كلماتي ~~فوق الورق متقطعة أنفاسي ألهث، ذؤابة ضوء يضربها الهواء تكشف عن الشيء المتخفي في ~~الظلام، لا ينتمي إلى طقوس اللغة أو الكتابة، يتمرد على كل ما هو مألوف، يخلق من ~~حوله اضطرابا وقلقا وتشكيكا في كل ما درجت على الإيمان به، يفرض علي القطيعة ~~مع مفردات اللغة، والاستغناء عن الثواب والعقاب، يدفعني نحو المجهول خارج ~~المفهوم. # أفقت على صوت سامية، كانت تمر علي بالعيادة حين ms420 تشتد بها الأزمة، زوجها رفاعة في ~~السجن مع أسعد شقيق صفية. منذ الأحداث الأخيرة في العراق امتلأت السجون بكل ~~من رأى أن الوحدة الفيدرالية مع العراق أفضل من الاندماج الكامل، كان جمال عبد ~~الناصر يرى أن الوحدة الاندماجية أفضل، دخل السجون كل المعارضين في الرأي. ~~جاءت سامية وراحت تشرح لي الفرق بين الوحدة الفيدرالية والوحدة الاندماجية. كان ~~لصوتها نبرة خطابية تؤلم الأذن، إن ارتفع صوتها أو انخفض تظل هذه النبرة المؤلمة، ~~إن فرحت أو ضحكت يظل لصوتها رنين متشائم يوشك على البكاء. منذ المدرسة الثانوية ~~كانت صديقتي، يجذبني إليها اختلافها عن بطة وصفية وبقية الزميلات، وجهها النحيل ~~الشاحب دون مساحيق، شفتاها الرفيعتان المزمومتان بقوة غير أنثوية، أحاديثها عن ~~ماركس والفرق بين الدياليكتيكية المادية وغير المادية، ولينين وعبد الناصر. تغيرت ~~سامية قليلا قبل زواجها من رفاعة أيام الحب، بدأت تكحل عينيها قليلا، تضفي على ~~خديها وشفتيها شيئا من اللون الأحمر الشاحب، لم تتغير نبرة صوتها بل زادت حدة. ~~وتواصل حديثها، أستمع إليها ورأسي بين يدي الاثنتين: تفتكري عبد الناصر مخلص للبلد ~~يا نوال؟ الوحدة العربية فشلت بانفصال سوريا عن مصر، والديموقراطية فشلت بدخول ~~المعارضين السجون، والاشتراكية فشلت، لا فيه تنمية ولا فيه تذويب الفوارق بين ~~الطبقات، والأموال اللي عادت لمصر بعد تأميم قناة السويس وتأميم الشركات كلها ~~راحت في جيوب الطبقة الجديدة من ضباط الجيش وأعوانهم، لا يمكن عبد الناصر يكون ~~مخلص للبلد يا نوال! # يزداد صوتها تشاؤما حين تنتقل من حديثها عن عبد الناصر إلى زوجها رفاعة. ~~- تفتكري رفاعة مخلص يا نوال؟ # كنت منشغلة بسؤال آخر يدور في رأسي، لماذا أتزوج رجلا لا أحبه؟ ~~- هل عبد الناصر مخلص يا نوال؟ هل رفاعة مخلص؟ هل الإخلاص الزوجي منفصل عن ~~الإخلاص الوطني؟ ~~- إيه اللي يجبرني يا سامية إني أتجوز رجلا لا أحبه؟ أهي خيانة له أم خيانة ~~لنفسي؟ ~~- المناخ العام الفاسد يؤدي إلى حياة خاصة فاسدة. ~~- الفساد في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية يؤدي إلى فساد في الحب ~~والجنس؟! خيانة النفس هي خيانة ms421 الآخر. ~~- يا خسارة يا نوال، كان بيني وبين رفاعة حب جميل قبل ما نتجوز، المشكلة في مؤسسة ~~الزواج يا نوال؟ ~~- المشكلة في النظام كله يا سامية. ~~- عشان كده الراجل منهم ممكن يكون يخون مراته، والواحدة فينا ممكن تكذب على نفسها ~~وتقول لجوزها أنا باحبك وهي مش طايقة تشوفه، أو تقوله أنت الرجل الوحيد في حياتي ~~وهو مش الوحيد! # أطبقت شفتي في وجوم، تذكرت أنني قلت لزوجي الأول إنه أول حب في حياتي مع أنه كان ~~الحب الثاني، وسوف أقول لزوجي الثاني إنني أحبه مع أنني لا أحبه، قوى غيبية ~~تدفعني إلى الكذب، تختفي وراء سحابة في السماء، أو ربما هو عام 1960 عام الهزيمة ~~الصغرى، كما كان صديقي رجاء الشاعر يقول. تنبأ بوقوع هزيمة 1967 قبل أن تقع بسبعة ~~أعوام، وفي إحدى الندوات الأدبية بالعيادة ألقى قصيدة مطلعها هذه الأبيات: # كل شيء من حولنا ينبئ بالهزيمة، # السحب في السماء ووجوه الرجال العسكرية، # لا أمل في هذه الطبقة الجديدة ولا في كتابة الشعر، # الكلية الحربية لا تخرج إلا الجهلاء، # إن أصبحوا هم الوزراء # فليس أمامنا إلا الموت أو السجن # أو المنفى خارج البلاد. # قوة تشبه اليأس أو الهزيمة تدفعني إلى الموت أو الزواج، كان ~~العريس صالحا في نظر الجميع، حتى أم إبراهيم أصبحت تلح علي كل يوم: إتجوزيه يا ~~ضكطورة ده الجواز سترة وعشان تجيبي للمحروسة بنتك أخ أو أخت. وفي حفل الزواج ~~الصغير همست صفية في أذني: نظره سليم ستة على ستة ومش لابس نظارة نظر زي جوزي. ~~وكركرت بطة بضحكتها وقالت: عينيه مطفية أحسن يا نوال عشان ما يشوفش حاجة! ومطت ~~سامية شفتيها في امتعاض، الواقع يا أخواتي أن الإخلاص انتهى من الوجود! ~~••• # لم يكن يتركني أكتب داخل غرفتي، لا يكف عن فتح الباب والدخول، يحاول قراءة ما ~~أكتب، لا شيء يجهض الرواية قبل أن تكتمل إلا العين الغريبة، لا أحد يقرأ ما أكتب ~~داخل غرفة بابها مغلق. لا أحب النور الكهربي الشديد الإضاءة، يكفيني الضوء المتسرب ~~من المصباح ms422 في الشارع، أو لمبة صغيرة يسمونها سهارة، أو لمبة جاز حين تنقطع ~~الكهرباء. يكفيني أن أرى حروفي فوق الورق، ويغرق بقية المكان في الظلمة. تنمو ~~الرواية في خيالي كالظلال المتحركة في الأركان، تبدأ ذاكرتي تصحو حين ينام ~~الكون. أجلس في الظلمة ساكنة داخل الصمت، لا تصحو ذاكرتي إلا بعد ساعتين أو ~~ثلاث ساعات أنسى فيها مشوشات النهار. أنزع قشرة المخ، الأنا العليا والكذب، ~~أشدها بأصابعي مثل خصلة شعر أو قطعة من فروة الرأس، أحسها تحت يدي مثل الندبة، أو ~~الجرح القديم المفتوح، يلتئم في الظلمة مع مرور الزمن داخل السكون. تبدأ ذاكرتي ~~تصحو، يتحرك القلم فوق الورق، يندفع وحده فوق السطور، صوت في أعماقي كالوحي تمليه ~~الكلمات، تتدقق الرواية كمياه النهر الهادئ، يصبح شلالا الساعة بعد الساعة، ~~ينتفض القلم بين أصابعي، يسري في ذراعي تيار ساخن يصعد إلى رأسي ويهبط إلى القدمين، ~~شحنات من الدم تتدفق إلى جسدي كالمصابة بالحمى، أنتفض وأنا جالسة في مقعدي وراء ~~المكتب. # لم يكن يتركني لأكمل الكتابة، كأنما الرواية جنين في أحشائي من صلب رجل آخر ~~يريد إجهاضها، يفتح الباب ويدخل، إن وجد الباب مغلقا يدقه بقبضة يده، يفتح الراديو ~~بأعلى صوت، يطرقع بالقبقاب فوق بلاط الحمام، يجلس في الصالة ويتحدث في التليفون ~~بصوت يصل إلى الجيران، أو يتحدث مع الزوار في غرفة الاستقبال ويقهقه بصوت يرج ~~الجدران. # كانت أمه تزورنا كثيرا، أسمع صوتهما من وراء الباب المغلق، يشكو لها مني: «اتجوزت ~~يا ماما واحدة مجنونة، تصحى في نص الليل تكتب.» # تمصمص الأم شفتيها في حسرة، «معلهش يا ابني كل شيء قسمة ونصيب، وأنت اللي اخترتها، ~~والكتابة مافيهاش ضرر، أحسن ما تخرج زي النسوان التانية في الشوارع وتصرف الفلوس ~~على مافيش، كان لازمك يا ابني واحدة تانية مكسورة العين تكون بين إيديك وتحت رجليك، ~~لكن خلاص أهي بقت مراتك، يمكن ربنا يهديها لما تولد، ربنا يرزقك بابن يقولك يا ~~بابا، ويقول لي يا نينة، ياما نفسي أعيش وأشوف ابنك يا رب يا كريم، وأهي حامل ms423 في ~~شهرين.» ~~- حامل في شهرين؟! # ترن الكلمات في أذني وأنا منكفئة أكتب، أرفع رأسي من فوق المكتب، أتلفت حولي كمن ~~تصحو من الحلم، أو كمن تسقط في النوم، صوت يتحدث عن امرأة حامل في شهرين، صوت ~~غريب لم أسمعه من قبل، والمرأة الحامل أيضا لا أعرفها، ليست هي أنا بالتأكيد، إن ~~كانت هي أنا فالأمر شديد الخطورة، كارثة! كيف يحدث الحمل دون حب ودون زواج، دون أن ~~أفقد العذرية؟! # ربما هو حلم، منذ الطفولة يراودني هذا الحلم، في السابعة من عمري كنت أتحسس بطني ~~تحت الغطاء، أخشى أن يرتفع بالحمل. كانت البنات في المدرسة يتهامسن بكلمة لا ~~أفهمها، الحمل السفاح، تشرحها لي البنات دون جدوى، الشيطان إبليس هو وراء ~~الحمل السفاح، قبل أن أنام أسد شقوق النافذة بالصحف القديمة حتى لا يتسلل منها ~~إبليس، صديقتي القبطية إيزيس لم تكن تسد شقوق نافذتها، كانت تؤمن بالحمل المقدس، ~~وليس الحمل السفاح، تشرح لي الفرق بينهما، ستنا مريم العذراء، تسلل إليها مندوب ~~الله في الليل وحملت بسيدنا المسيح، هذا هو الحمل المقدس، أتحسس تحت الغطاء ارتفاعة ~~بطني، كنت في السابعة من عمري أنشد المثالية في كل شيء حتى الحمل. ~~- حامل في شهرين؟! # الصوت الغريب يخرق أذني مثل رصاصة، أنتفض في مقعدي وراء المكتب، يسقط القلم من ~~يدي، أرفع وجهي من فوق الأوراق، أرى أمامي امرأة عجوزا تلف رأسها بطرحة سوداء، ~~بشرتها بيضاء ووجهها سمين مستدير، عيناها صغيرتان غائرتان في اللحم، ترمقني بنظرة ~~الحدأة، نظرة فاحصة مدققة تهبط إلى بطني تخترق جدار الرحم، تستكشف الجنين في ~~أحشائي، تفتح فخذيه تبحث عن عضو الذكر، تريد التأكيد أنه طبق الأصل من صلب أبيه ~~وليس من صلب رجل آخر. # منذ تزوجت كان الغثيان يصيبني كل صباح، أغلق الباب وأفرغ معدتي في الحوض. في ~~طفولتي سمعت جدتي تقول: إن الزواج يصد النفس عن الأكل، وقالت أمي: إنه الحمل ~~وليس الزواج، عرفت أن الحمل يعني انقطاع الدم. # حملت في الزواج الأول وأنجبت طفلة جميلة، كانت ابنة الحب وليس الزواج، ms424 لم أكن ~~أومن إلا بالحب، تصورت أن الزواج بدون حب ينتج عنه أطفال مشوهون. أتحسس بطني ~~وأنا جالسة وراء المكتب، في أحشائي حمل غير مقدس، جنين مصنوع من الكذب، نطقت كلمة ~~«أحبك» لرجل لا أحبه، يقاسمني الفراش تحت اسم الزواج، بشرته بيضاء، وجهه سمين ~~ممتلئ مثل أمه وأنا أحب الوجوه النحيفة الرشيقة، قامته قصيرة، جسمه مربع مكتنز ~~باللحم وأنا أحب القامة الطويلة الممشوقة، يداه صغيرتان بيضاوان ناعمتان خجولتان، ~~أصابعهما قصيرة مضمومة، وأنا أحب اليد الكبيرة الشجاعة المفتوحة. # كل صباح أفتش عن قطرة حمراء في ملابسي أو فوق الملاءة، أفتح عيني كل يوم أبحث عن ~~نقطة دم، تظل الملاءة نظيفة بيضاء ناصعة البياض، يصدمني اللون الأبيض، يذكرني ~~بالموت والمرض والكفن الحريري ومعاطف الأطباء والأسرة البيضاء ورائحة ~~المستشفى. # بدأت أرى في الحلم ملاءة حمراء بالدم، منذ طفولتي كرهت دم الحيض، ويسألونك عن ~~الحيض قل هو أذى، ولا تقربوا النساء حتى يطهرن. كان الغثيان يصيبني منذ الطفولة ~~حين أرى بقعة الدم في ملابسي أو فوق الملاءة، أصبحت أنشدها في النوم واليقظة، ~~أحلم بها، أستحضرها، أشدها من براثن القضاء والقدر، أضرب بطني بقبضة يدي، أقفز من ~~فوق السور في الشرفة، كنا نسكن في الدور الأول في بيت أبيض كبير من دورين، لم يكن ~~ارتفاع الشرفة كافيا لإسقاط الجنين، إنه جنين شرس يتشبث بجدار الرحم كالقملة تلتصق ~~بجلدة الرأس، جنين مكتنز الوجه عيناه صغيرتان غائرتان في اللحم مثل أبيه وأم ~~أبيه. # حاولت طرد الجنين الغريب من جسدي، ابتلعت حبوبا سامة لأقتله داخل الرحم، حقنت ~~نفسي بعقاقير الإجهاض، قفزت من الشرفة فانكسرت ذراعي اليمنى دون أن يسقط الجنين. ~~أخذتني بطة بسيارتها البويك إلى مستشفى قصر العيني، أصبح زوجها الدكتور حمدي رئيس ~~أحد أقسام الأمراض الباطنية، صورة ~~الأشعة كشفت عن كسر في عظمة «الريدياس»، علق الدكتور حمدي ذراعي في عنقي برباط من ~~الشاش. أخذتني بطة إلى قسم الجراحة لعمل جبيرة من الجبس حول ذراعي، سرت إلى جوارها ~~في الممر الطويل، النوافذ الكبيرة المطلة على النيل، وجوه الممرضات ms425 الشاحبة، وجوه ~~المرضى والمريضات الأكثر شحوبا، وجوه الأطباء ممتلئة باللحم رغم الشحوب، تعرفت ~~على بعض الأساتذة وزملاء الدراسة، توقف أحدهم وهتف: مش معقول؟ دراعك ما له ~~يا نوال؟ # تذكرت صوته الناعم الرقيق، حين كان يقول عن الطالبات الآنسات الكوارير «القوارير» ~~يقلب القاف إلى كاف كنوع من الرقة. إزيك يا ست بطة، وإزي الدكتور حمدي، إيه ~~الحكاية يا نوال دراعك فيه إيه؟ # كنت في حالة من الإعياء، الألم والحزن وغثيان الحمل غير المقدس. ثلاث سنوات مضت ~~منذ جاء إلى بيتنا يطلب يدي من أبي، كان يوما حارا مليئا بالغبار، وكانت أمي في ~~فراش المرض. في غرفة الصالون جلس مع أبي يتحدثان في السياسة. كانت له سيارة ~~شيفروليه زرقاء طويلة، يرتدي بدلة بيضاء لامعة من الشاركسكن، شعره لامع، حذاؤه ~~لامع، الدبوس في الكرافتة لامع، الفص اللامع في الخاتم حول إصبعه، النظارة الزجاجية ~~تلمع فوق عينيه، كل شيء فيه يلمع، لا شيء فيه منطفئ إلا العينان. # كان يرمقني من تحت النظارة بنظرة فاحصة، يرمق ذراعي المعلق في عنقي برباط الشاش، ~~لا بد أن وجهي كان شاحبا؛ لأنه قال: إنتي عيانة ولا إيه يا نوال؟ تطوعت بطة ~~بالرد نيابة عني، عندها كسر في الريدياس يا دكتور رشاد. ~~- ورايحين على فين يا بطة؟ تعالوا معايا ع القسم لازم دراعك يتجبس يا نوال؟ # كان ذلك منذ أربعين عاما، التقيت بالدكتور رشاد عدة مرات أخرى، في اجتماع ~~بوزارة الصحة، أو نقابة الأطباء، أصبح له منصب كبير في الجامعة وفي الدولة ~~وفي المجلس الأعلى للبحوث الطبية. يرمقني من تحت النظارة بنظرة مخلبية. كان من ~~أعوان عبد الناصر، ثم أصبح من أعوان السادات. حين دخلت السجن عام 1981 قال ~~لصديقتي بطة: نوال تستاهل السجن عشان تبطل كتابة! وفي عام 1993 حين عرف أنني أعيش ~~في المنفى خارج مصر قال لصديقتي بطة: تستاهل عشان الكلام اللي كتبته ضد حرب الخليج! ~~ده كلام فارغ! # منذ عامين سألته إحدى الصحفيات في حوار طويل نشر في جريدة كبرى، سألته عن ~~رأيه في كتابات ms426 بعض النساء، سهير القلماوي وأمينة السعيد ولطيفة الزيات وغيرهن. ~~قال إنهن نساء عظيمات تستحق كل منهن ما حصلت عليه من جوائز. ثم سألته الصحفية: ~~وما رأيك في كتابات نوال السعداوي؟ وجاء رده: كتاباتها تستهين بالقيم الإسلامية ~~والتقاليد الشرقية، نحن هنا في الشرق نؤمن بالروحانيات لكن القيم في الغرب ~~مادية وإباحية ، وهي تكتب للغرب. # لم أقرأ هذا الحوار في الجريدة، لكن بطة قرأت لي هذه الفقرة عبر الأسلاك، ثم قالت: ~~الدكتور رشاد لم يغفر لك أنك رفضته، الرجل لا ينسى المرأة التي رفضته، يظل ~~الجرح مفتوحا لا يلتئم. على العموم يا نوال الدكتور رشاد أحسن من غيره، إنتي ~~عارفة زكريا، الدكتور زكريا اللي كان بيدرس لنا الفسيولوجي، الراجل ده هو الوحيد ~~اللي أشاع إنه عمل معايا علاقة مع إني لا حبيته ولا فكرت فيه يوم واحد، كان لازم ~~ينفس عن إحباطه بالإشاعات، أي راجل يعلن إنه عمل علاقة بامرأة تأكدي إنها الوحيدة ~~اللي رفضته! والغريب يا نوال إن الدكتور زكريا بقى من كبار الأدباء فجأة، عملوه ~~عضو في اللجنة الأدبية العليا أو معرفش المجلس الأعلى للقصة والرواية، حاجة زي ~~كده مع إنه عمره ما نشر كتابا واحدا في الأدب أو كتب قصة واحدة! المسائل بقت كلها ~~عك في عك؛ وأكبر دليل على العك إن الدكتور رشاد كمان بقى يفتي في الأدب النسائي ~~مع إنه مالوش في الأدب ومالوش في النساء! # كركرت بطة بضحكتها المتقطعة المرحة، لكن صوتها أصبح مبحوحا مشروخا، تتخلله بعض ~~الشهقات من حين إلى حين، تشكو الشيخوخة وآلاما مجهولة السبب، وصداعا في مؤخرة ~~الرأس، فحصها زوجها الدكتور حمدي وقال لي: إنها مثل الحصان ولا شيء فيها مريض ~~إلا عقلها. ~~- تصوري يا نوال صاحبتك بطة اللي عمرها ما عرفت ربنا سافرت مكة ورجعت لابسة طرحة ~~وماسكة سبحة؟ ~~••• # أمام المرآة في غرفة نومي رأيت الوجه الطويل الشاحب، الذراع اليمنى الملفوفة ~~في الجبس الأبيض، معلقة في عنقي برباط من الشاش، البطن المرتفع قليلا تحت ~~الثوب الواسع، عادت إلي الذاكرة شيئا فشيئا، مثل ms427 قطرات الماء البارد يتساقط ~~فوق رأسي. # هذه المرأة داخل المرآة؟ أهي أنا؟ زوجة لرجل لا تحبه، طبيبة في مهنة ليست مهنتها، ~~تحمل في أحشائها جنينا ليس جنينها، تعيش في بيت ليس بيتها، تخرج كل يوم رغم ~~أنفها إلى مرضى لا تطيق رائحتهم. # النتيجة فوق الحائط ثابتة عند العام 1960، هذه الذراع الملفوفة بالجبس تعود بي إلى ~~بداية عام 1955، بالضبط أول يناير 1955. صحوت من النوم مشرقة متألقة كالشمس في ~~اليوم الجديد، ارتديت ثوبي الجديد بمناسبة العام الجديد ونجاحي في كلية الطب بتفوق، ~~أصبحت طبيبة امتياز في المستشفى الجامعي (قصر العيني الجديد). أرى نفسي في المرآة ~~داخل ثوب أبيض فيه زهور وردية، عيناي السوداوان يكسوهما البريق، قلبي يخفق بالحب، ~~حول إصبعي خاتم الخطوبة يحمل اسمه، لمحته من النافذة قادما في الطريق يحمل باقة ~~ورد، أدخلته الخادمة إلى غرفة الاستقبال. كان هناك باب من الزجاج يفصل الصالة عن ~~غرفة الاستقبال، وستارة فوق الباب صنعتها أمي بإبرة التريكو. كان أبي جالسا في ~~الصالة يقرأ، سأل الخادمة من جاء؟ قالت الدكتور أحمد. كانت تعرفه من الزيارات ~~السابقة، وحفل الخطوبة الصغير منذ عامين. خلع أبي نظارة القراءة ونهض. تصورت أنها ~~سيدخل إلى غرفة الاستقبال ليسلم على الدكتور أحمد، لم يكن طبيبا بعد، طلبة ~~السنة النهائية في الكلية كانوا يحملون لقب دكتور. كان أبي غاضبا؛ تأخر أحمد ~~عن زملائه في التخرج بسبب سفره مع الفدائيين إلى جبهة القتال في القنال. # طلب مني أبي أن أرد إليه خاتم الخطوبة وأطلب منه ألا يزورنا في البيت. قال ذلك ~~بصوت منخفض لا يصل إلى غرفة الاستقبال، الباب الزجاجي بين الصالة والغرفة كان ~~مغلقا، أبي كان هادئا بالطبيعة، صوته لا يرتفع إلا عند الغضب الشديد، لم يكن ~~غاضبا هذه اللحظة، أصدر قراره في هدوء كامل، ابنته الطبيبة لن تتزوج طالبا ~~فاشلا تخلف عن زملائه عامين. # تطورت الأمور على نحو غريب سريع، لا أعرف ماذا حدث بالضبط، رأيت أمي تأتي إلى ~~الصالة مرتدية ثوبها الأزرق، في قدميها شبشب أزرق تسميه البانتوفلي، سارت بخطوة ms428 ~~سريعة إلى الباب الزجاجي وأغلقته بالمفتاح، وضعت المفتاح في جيبها ثم عادت إلى ~~غرفتها، جاءت الخادمة وقالت: إن الدكتور أحمد ترك باقة الورد فوق المنضدة في ~~غرفة الاستقبال ثم انصرف. # كان لغرفة الصالون باب آخر يقود إلى الحديقة الصغيرة والباب الخارجي من دون المرور ~~بالصالة، هل سمع صوت أبي؟ هل سمع صوت المفتاح يدور في الباب الزجاجي حين أغلقته ~~أمي؟! # كنت واقفة في الصالة متجمدة، جسمي متجمد وعقلي متجمد، ارتدى أبي ملابسه وخرج، ~~واقفة في مكاني لا أتحرك، رعدة خفيفة أصابتني من قمة رأسي إلى قدمي، كأنما ماء ~~ساقع ينسكب من السقف فوقي وأنا واقفة، الدقات تحت ضلوعي تتصاعد، الدموع تتراكم في ~~حلقي كالغصة، والغضب المتراكم منذ ولدتني أمي أربعا وعشرين سنة. كنت أدق الأرض ~~بقدمي حين أغضب في السابعة من العمر، لم أعد أدق الأرض بقدمي، لم يكن أمامي شيء ~~قابل للكسر إلا الباب الزجاجي المغلق، وجدتني أندفع نحوه، أضربه بقبضة يدي اليمنى ~~ضربة واحدة هائلة. # لم أفقد الوعي هذه اللحظة، كنت في كامل الوعي، كامل الانتباه، لم أحس بأي ألم، فقط ~~دخلت قبضة يدي في الباب الزجاجي وخرجت من الناحية الأخرى. # بقي معصمي داخل اللوح المكسور، حركت ذراعي لأشد يدي خارج الزجاج، سقط اللوح ~~الكبير بكل ثقله فوق معصمي مثل السكين، سقطت قبضة يدي إلى أسفل فجأة، رأيتها ~~تتدلى لا أستطيع رفعها مهما حاولت، كف قلبي عن الدق وتفجر الدم بلون أحمر ~~يلطخ الباب الأبيض والبلاط وثوبي الأبيض. # اللون الأحمر القاني فوق السطح الأبيض أعادني إلى الحلم الطفولي القديم، رأيت ~~نفسي طفلة تحبو تمسك أمها يدها حتى لا تسقط، رأسي أثقل من جسمي لا أستطيع أن ~~أرفعه فوق عنقي، لا أستطيع أن أرفع يدي، ذراعي ثقيلة مخدرة. شددت جفوني لأصحو من ~~النوم، رأيت وجه أمي أول ما رأيت يبرز وسط الضباب، كان شاحبا رماديا بلون ~~الضباب، انفرجت شفتاها عن ابتسامة خفيفة، سمعت صوتها يأتي من بطن الأرض: الحمد ~~لله جت سليمة يا نوال. كانت ترتدي الثوب الأزرق والبانتوفلي ms429 الأزرق في قدميها. ثم ~~رأيت وجه أبي، كان طويلا شاحبا، يردد ما قالته أمي: الحمد لله جت سليمة يا نوال. ~~من حولي معاطف الأطباء البيضاء، مرايل الممرضات، الجدران البيضاء، رائحة المستشفى، ~~وأنا راقدة في السرير الأبيض، داخل ثوب أبيض، ذراعي اليمنى ملفوفة بالجبس ~~الأبيض. # أفقت من البنج ورأيت الدكتور عبد العظيم، كان أستاذا بقسم الجراحة في مستشفى ~~القصر العيني الجديد، عاد لتوه من لندن بعد أن تخصص في جراحة الأعصاب والعضلات ~~الدقيقة، طويل نحيف له وجه مبتسم، قال: مبروك يا دكتورة نوال، العملية نجحت تسعين ~~في المائة والباقي عليك أنت. لم أفهم شيئا مما يقول، في اليوم التالي شرح لي ~~الحقيقة: العملية كانت صعبة، استغرقت أكثر من تسع ساعات، أنسجة المعصم تمزقت وأربطة ~~العضلات، عملت كل جهدي يا دكتورة نوال عشان أرجع كل حاجة زي ما كانت، أنا عملت ~~اللي علي والباقي على ربنا. وسمعت أبي يقول: كان يمكن تفقدي إيدك اليمنى كلها ~~لولا عناية الله، ومهارة الدكتور عبد العظيم، دي أول عملية جراحية من هذا النوع ~~يجريها بعد عودته من الخارج. وقالت أمي: ربنا بيحبك يا نوال، وإن شاء الله إيدك ~~ترجع زي ما كانت مش كده يا دكتور؟ # لم يكن الدكتور عبد العظيم متأكدا أن يدي اليمنى سوف تعود كما كانت، كان يشك في ~~الشفاء الكامل، النتيجة لن تعرف إلا بعد التئام الجرح وإزالة الجبس، كان الجبس ~~ضروريا حتى لا يتحرك المعصم. # بدأت أستعيد قوتي في اليوم الثالث، في اليوم الرابع رأيت الدكتور سعيد ~~عبده واقفا إلى جوار السرير، كان أستاذا في الكلية للصحة العامة، يجمع بين الطب ~~والأدب، يكتب عمودا منتظما في الجريدة بعنوان «خدعوك فقالوا». قرأ لي بعض ~~المقالات والقصص في مجلات الكلية، سمع كلمتي في حفل تأبين الشهيد أحمد المنيسي ~~ومناسبات أخرى. قال الدكتور سعيد عبده: تقدري يا نوال تجهزي كلمة تلقيها في حفل ~~التخرج نيابة عن الطلبة؟ أنا شايف إنك في حالة كويسة، والصوان حيكون هنا جنبك في ~~حوش المستشفى، يدوب خطوتين، ويمكن استخدام ms430 التروللي إذا كان المشي صعب عليك، إيه ~~رأيك؟ إنت الوحيدة بين طلبة الطب اللي عندك قلم وممكن تكتبي كلمة أدبية كويسة ~~وتلقيها في حفل التخرج؛ ده حفل مهم جدا يا نوال، عميد الكلية حيحضر ورئيس ~~الجامعة وكمال الدين حسين وزير التعليم، غير كل الأساتذة والطلبة والطالبات. # كان ذلك منذ خمسة وأربعين عاما، وأصبح في درج مكتبي صورة فوتوغرافية لي جالسة ~~وراء الميكرفون على المنصة: ذراعي اليمنى ملفوفة بالجبس ألقي كلمتي في حفل التخرج ~~بداية عام 1955، عن يميني يجلس وزير التعليم وعن يساري رئيس الجامعة ثم عميدة كلية ~~الطب. هذه الصورة بقيت في درج مكتبي عامين ثم تمزقت مع صورتي فوق بطاقتي ~~الشخصية وبطاقة نقابة الأطباء، وصور أخرى في الشباب والطفولة. كانت ~~الصور ضمن أوراقي التي حملتها معي من بيت أبي، ذكريات طفولتي، لحظات عمري غير ~~المنسية ومفكرتي السرية، انقض عليها يمزقها، أصابعه الغليظة ترتعد، عيناه اختفى ~~النني تحت الجفن، والبياض بلون الثلج تخترقه شعيرات دموية جاحظة، يمسك الصورة بين ~~إصبعين ويصرخ: دي صورتك في حفلة التخرج مع العميد والوزير، طبعا بقيتي دكتور عظيمة ~~وأنا فاشل مدمن، إزاي تعيشي مع فاشل مدمن يا دكتورة؟ لكن فين كلامك بتاع زمان، نعيش ~~سوا ونموت سوا، مش عاوزة تموتي معايا ليه يا دكتورة؟ عاوزة تمشي وتسيبيني أموت ~~لوحدي؟! # مزق الصورة، ألقى بها في صفيحة القمامة، وانقض على الصور والأوراق كلها ~~يمزقها ورقة ورقة، ثم انقضت أصابعه الغليظة المرتعدة حول عنقي، كان في حاجة إلى ~~جرعة جديدة من الماكسيتون فورت لا يستطيع شراءها من الصيدلية، لم يجد في حقيبتي ~~قرشا واحدا، لم يجد في البيت شيئا يمكن أن يبيعه، لم يعد يؤمن بالله أو الوطن أو ~~الحب. يصرخ بصوت يسمعه الجيران: الثلاثة وهم، والإخلاص وهم. كأنما تكشفت له ~~الحقيقة النهائية ولم يبق إلا الموت ... لكن قبل أن يموت الفدائي لا بد أن ~~يقتل، الدرس الأول تلقاه في حرب العصابات: لا تمت قبل أن تقتل عدوك. ~~••• # بقيت الصورة الممزقة في الدرج السنة وراء السنة، خمس سنوات، ms431 حتى عام 1961، ~~دق جرس الباب ودخلت ثريا حمدان، كانت تسكن إلى جواري في شارع الجيزة، تشغل ~~منصبا كبيرا في مبنى التلفزيون الجديد. سألتني: عندك رواية للشاشة الصغيرة ~~يا دكتورة نوال؟ قلت: لا أكتب للتلفزيون يا أستاذة ثريا. سألتني: ليه يا دكتورة؟ ~~قلت: لا أعرف، لم أجرب. قالت: حاولي تكتبي حاجة للتلفزيون؛ عندك قلم مميز ولك ~~قراء وقارئات، والشاشة في حاجة إلى أعمال أدبية جيدة، وهي نادرة، هيه قولي لي ~~متى أتسلم الرواية منك؟ # جلست في الليل أفكر، فتحت الدرج حيث الأوراق القديمة والذكريات الطفولية، ~~لمحت صورتي الممزقة ضمن الأوراق، تأملتها طول الليل، قبل شروق الشمس أمسكت القلم ~~وصفحة بيضاء، كتبت عنوان الرواية: الصورة الممزقة. # كانت هي الرواية الأولى التي كتبتها لشاشة التلفزيون، رواية طويلة عرضت في ~~ثماني حلقات، كل حلقة أربعون دقيقة، كنت أتابعها بعد أن أعود من العيادة ... أم ~~إبراهيم تجلس عيناها فوق الشاشة، تمسح دموعها وتنشج بصوت مكتوم. في درج مكتبي حتى ~~اليوم دوسيه كبير مكتوب عليه «الصورة الممزقة»، من مائتين وعشرين صفحة، أفكر اليوم ~~في طبعها داخل كتاب حتى لا تسقط من التاريخ. # | المشرط والقانون # أحملق في المرآة وأنا واقفة في غرفتي، ذراعي ملفوفة بالجبس، النتيجة فوق الحائط ~~ثابتة عند العام 1960، صورة الأشعة على المكتب والتقرير، كسر في عظمة الريدياس ~~اليمنى. منذ خمسة أعوام كدت أفقد يدي اليمنى بسبب الغضب، عادت يدي كما كانت إلا من ~~جرح عميق فوق المعصم غائر حتى العظم. # غضبت من أبي وضربت الباب الزجاجي. اليوم أنا غاضبة من نفسي، من هذه المرأة داخل ~~المرآة، تزوجت بلا حب وحملت بلا حب ثم قفزت من الشرفة لقتل الجنين، لكن الجنين لم ~~يحدث له شيء، فقط انكسرت ذراعي اليمنى. # رفعت اليد الملفوفة بالجبس وضربت الوجه داخل المرآة، انكسرت، وانقسم وجه المرأة ~~قسمين، أصبح لها وجهان، في كل وجه عين واحدة. # استدرت لأرى المرأة العجوز ورائي، رأسها ملفوف بالطرحة السوداء، ترمق ذراعي داخل ~~الجبس بنظرة الحدأة المستكشفة، «حصل إيه كفى الله الشر يا دكتورة نوال؟»، «أبدا ms432 ~~ما فيش حاجة يا طنط، رميت نفسي من البلكونة»، ثم ضحكت، ضحكت هي الأخرى غير مصدقة ~~ما أقول، أدركت أن الحقيقة حين أقولها لا يصدقها الناس. وكان ابنها حين ~~يسألني «أتحبينني يا نوال؟» أرد بسرعة: لأ. يضحك غير مصدق ما أقول. وقالت أمه في ~~اليوم التالي: خدي إجازة من المستشفى يا دكتورة عشان صحتك وصحة العيل اللي جوه ~~بطنك. ترمق بطني بنظرة حانية كأنما ترى حفيدها، ابن ابنها الغالي، تضمه داخل ~~جفونها، تصعد نظرتها إلى صدري ثم وجهي، تلتقي عيناها بعيني، ترمقني بنظرة ~~الحدأة. # لا شيء يربطني بهذه المرأة أو ابنها إلا الجنين في أحشائي، قطعة من هذين الغريبين ~~داخل جسدي. فكرت في التخلص من جسدي، راودتني فكرة الانتحار، نظرت إلى الأوراق ~~المتراكمة فوق مكتبي، الرواية! تشدني إليها لأكملها قبل أن أموت، قررت تأجيل ~~موتي إلى بعد الانتهاء من الرواية. ~~••• # لم أعد قادرة على الكتابة، أمسك القلم بيدي اليسرى، أصابع اليد اليمنى لا تزال ~~ضعيفة بعد إزالة الجبس، لا أستطيع أن أمسك القلم بين أصابعي، ينزلق من بينها ~~كأنما هي فاقدة الحياة، أعيدها إلى الحياة يوما بعد يوم بالتدريب، تمرينات ~~لعضلات الأصابع والمفاصل، تحريك المعصم، تحريك الذراع، تكرار التمرينات عشر ~~دقائق كل ساعة، أهبط إلى الحديقة الصغيرة خلف البيت أمسك فأسا صغيرة، أشتغل بها ~~كل يوم نصف ساعة، ثم أجلس تحت شجرة الكافور، ترمقني عصفورة صغيرة واقفة فوق الفرع ~~بعيون حزينة. # إنه عام 1960، عام الهزيمة الصغرى، هزيمتي الخاصة وانسحابي من الحياة، حنيني ~~إلى الموت، أيام الحزن العميق والأحداث المؤلمة الساقطة من الذاكرة، لولا ~~النسيان ربما مات الإنسان، داخل خلايا المخ مصفاة تنقي العمر من لحظات الضعف ~~والهزيمة، تلقي بها في قاع التاريخ، تظل كامنة في البئر، داخل قوقعة سميكة، جرح ~~مفتوح غائر في اللحم، نظن أنه التأم، فإذا ما حلت بنا هزيمة أخرى أدركنا ~~أنه لم يلتئم، يطل من تحت الجلد مثل رأس الدمل، إن هي إلا هزة واحدة حتى تسقط ~~القشرة وينزف الجرح. # ثلاثة شهور من الحزن، كنت في ms433 التاسعة والعشرين من عمري أرى نفسي عجوزا في نهاية ~~حياتي، أنشد الموت وأنا راقدة إلى جواره في السرير العريض، أحمل في أحشائي جزءا ~~منه لا أعرف كيف أتخلص منه، أبحث في أركان البيت عن سم أبتلعه، أفتح العلبة ~~السوداء في الصيدلية الصغيرة البيضاء فوق الحوض، أبتلع الحبوب السامة حبة ~~وراء حبة ثم أتوقف فجأة، يلوح لي وجه ابنتي الطفلة تبكي على موت أمها، عيون ~~أخواتي الأربع القاصرات بلا أم ولا أب، ليس لهن في الحياة إلاي، تنهمر دموعي ... ~~أبكي عليهن قبل أن أبكي على موتي. # فوق المائدة في الصالة تتراكم الصحف، تأتيني كل صباح من تحت عقب الباب، أركلها ~~بقدمي. صورة الدكتور حمدي زوج صديقتي بطة تظهر في الصحف، يدلي بتصريحات عن ~~الديموقراطية، يردد ما يقال عن أعداء الثورة، يدعو الله أن ينزل عليهم ~~الطير الأبابيل، تجعلهم في بئر سجيل. كل من يعارض جمال عبد الناصر يصبح من ~~أعداء الثورة، كل من يرى أن الوحدة الاندماجية لن تنجح بين مصر والعراق. فشلت ~~الوحدة بين مصر وسوريا، أصبح رجاء الشاعر من أعداء الثورة، طارده البوليس حتى هرب ~~إلى باريس، أسعد شقيق صفية دخل المعتقل ومعه رفاعة زوج سامية. تمط شفتيها وتقول: ~~شوية عساكر يا نوال مسكوا الحكم وعاملين إرهاب في البلد! ~~••• # مسرح الأحداث في حياتنا الخاصة هو السرير، ربما أيضا مائدة الطعام، يدور كل ~~شيء داخل الأربعة جدران، قد يتسرب شيء خارج الأبواب المغلقة إلى آذان الجيران، ~~ارتطام أجسام بالحوائط والجدران، تكسير الصحون وتطاير الشظايا في الجو، زعيق متدرج ~~الصوت يعلو وينخفض، ثم يدب الصمت. في الصباح ينخرط الزوج في عمله، تنخرط ~~الزوجة في عملها، يعود الاثنان في نهاية اليوم إلى مكانهما بين الجدران الأربعة، ~~حيث تتكرر المأساة. # كانت تحلم كل ليلة بالفرار دون جدوى، لماذا كانت تعجز؟ الخوف من الفشل للمرة ~~الثانية في الزواج؟ الخوف من ألسنة الناس؟ الخوف من الوحدة؟! رغم أن الوحدة ~~كانت تبدو لها مثل النجمة بعيدة المنال! اهو التناقض التاريخي في عتمة هذه ~~العلاقة التي يسمونها ms434 الزواج؟ # كنت أتفادى الخروج معه إلى حيث يرانا الناس، قامتي أطول من قامته، يدي سمراء ~~محروقة بالشمس، أصابعي طويلة رفيعة، أصابعه قصيرة ممتلئة بالراحة وعدم العمل، قدمه ~~صغيرة بيضاء شاحبة لم تلمسها الشمس، خطوتي فوق الأرض واسعة قوية، خطوته ضيقة ~~مترددة مهتزة، لم يكن لي أن أراه يمشي حتى يعتريني المرض، لا أعرف هل أستسلم ~~للقلق أم أسرح في الأحلام، يمشي بجواري في المدينة المكتظة يهز ذراعيه، كأنما له ~~ذراع أقصر من ذراع، جسمه يهتز بحركة تؤلم العين، عضلاته مرتخية من طول الجلوس في ~~المكتب والبيت، يركب السيارة من البيت إلى المكتب، لا يمشي، لا يمارس الرياضة، ~~ذراعه إن تعرت تبدو بيضاء تكشف من تحتها عروقا طويلة متعرجة تمشي فيها دماء ~~زرقاء، أرمقها بدهشة مع أنها عروق طبيعية؛ فالدم الأحمر يبدو تحت الجلد بلون ~~أزرق. كنت أنسى الطب والمنطق، يصيبني القلق كلما تعرت ذراعه، كأنما كشف عن عاهة ~~مستديمة، يتباهى بها أمام الرجال، ينافسهم فيما يسمونه الذكورة، أنكمش داخل نفسي ~~خزيا، أبقى في مكاني مسمرة مذهولة لا أعرف إن كنت في حالة من اليقظة أو أغط في ~~النوم. # ذات يوم جاءتني صديقة جديدة من الأديبات، دق الجرس، فتح لها الباب وأدخلها غرفة ~~الاستقبال، سألتني «جوزك اللي فتح لي الباب؟» ترددت قليلا «لأ مش هو» ثم تراجعت ~~وقلت «أيوه هو.» كان في نظر العالم رجلا وسيما مملوءا بالرجولة، لكن عين الأديبة ~~تكشف ما تحت الجلد. جلست أمامها في غرفة الاستقبال أتفادى النظر إلى عينيها، كانت ~~لي هاتان العينان قبل الزواج، كأنما في حياة سابقة كنت مثل زرقاء اليمامة أرى ما ~~لا يراه الناس، فما الذي حدث لأفقد البصر؟ # كنت أمسك عقله الأبيض المرتخي أدلكه وأجادله؛ لتسري فيه دماء حمراء بدل الزرقاء، ~~كنت أقاوم الطبيعة، ويصيبني الإعياء أو المرض، لا يعرف هو ما يعتريني، يتطلع في ~~الشقة الواسعة لا يعرف لماذا لا أفرح، الأثاث الفاخر، الفساتين الحريرية التي ~~اشتراها لي، والشباشب ذات الوردة الذهبية والكعوب الرفيعة العالية، وفخذة الخروف ~~المشوية فوق المائدة ms435 والسيارة الطويلة أمام الباب، وصوته يزعق «عاوزة إيه ~~أكثر من كده؟» أمسح دموعي حائرة مذهولة، أتهم نفسي بفقدان البصر، كيف لا أرى كل هذه ~~النعم؟ # أعود إلى طبيعتي الأولى، وتنقلب النعم إلى النقم، كلمتان متشابهتان رغم ~~التناقض، لا يفرق الواحدة عن الأخرى إلا نقطة أو نقطتان. # في السابعة من عمري ضربني المدرس على أصابعي بالمسطرة بسبب نقطة حبر سقطت من سن ~~القلم، تحولت كلمة بعل إلى بغل، لم أعرف حينئذ أن كلمة بعل تعني الزوج. وفي مرة ~~أخرى سقطت نقطتان من الحبر فوق كلمة اللاه، أصبحت اللاة، لم أعرف أنها مؤنث كلمة ~~اللاه، وتعني الإلهة الأنثى التي كان يعبدها العرب ثم حرم الإسلام ~~عبادتها. # شطب المدرس بالقلم الحبر الأحمر على الكلمة ولسعني بالعصا الخيزران. # كانت الرواية هي هدف حياتي، قررت تأجيل موتي حتى أنتهي منها، دربت يدي ~~اليسرى على الكتابة، أصبحت أكتب باليدين الاثنتين، أستبدل الواحدة بالأخرى حين يحل ~~بإحداهما التعب، أحتضن القلم بين أصابعي وأكتب. يتسلل نور النهار من شقوق الشيش ~~وأنا منكفئة فوق الأوراق، أسمع زقزقة العصفور فوق شجرة الكافور تفرد ريشها تحت ~~أشعة الشمس، تلتقي عيناها بعيني وتبتسم ثم تطير محلقة في الجو. # كان هو يشاركني السرير، لا شيء يفسد الحياة الزوجية إلا السرير المشترك، ~~والحمام المشترك، انتهاكات يومية للحياة الخاصة. # صحوت من النوم ذات يوم رأيته يقرأ أوراقي، كأنما كان ينتهك جسدي، ربما كان ~~انتهاك الجسد أقل ألما. سمعت صوتي يقول: دي أوراقي مش من حقك تقرأها! # رأيته يمسك الرواية، يلقي بها من النافذة، وجدتني أقفز وراء الرواية من ~~النافذة، تصورت أنني بهذه القفزة سوف أنقذها. # هذه اللحظة كان يمكن أن تنهي حياتي، أن يتحطم رأسي فوق الأسفلت، لم تكن لحظة ~~جنون، كنت عاقلة في كامل الوعي، كانت لي تجربة سابقة، قفزت من سور الشرفة فلم أفقد ~~حياتي، كسر في الريدياس اليمنى ثم التأم العظم. هذه الرواية سهرت عليها الليالي ~~والأيام، والشهور والسنين، أكثر من ثلاثمائة ورقة بحجم الفولسكاب الكبير، عقلي ~~قال في تلك اللحظة: إن ms436 أنقذت الرواية أنقذت حياتي. # لحظة من الخيال ربما، وجدت نفسي أمشي فوق الماء، أهتز قليلا لكني أواصل المشي، ~~أدخل إلى سراديب طويلة تشبه الممرات في مستشفى قصر العيني، طوابير المرضى والمريضات ~~يفترشون الأرض إلى جوارهم قفف وأطفال يخبطون الهواء بسيقان معوجة يرمقون ~~الأطباء بنظرة استجداء، يدب الأطباء فوق البلاط بكعوب قوية عسكرية، معاطفهم بيضاء ~~ناصعة البياض، عيونهم من خلف النظارات مطفأة أو مغمضة، ينقرون بأصابعهم ~~الغليظة على صدور الأطفال الذين تحملهم النساء فوق صدورهن المهدلة، وأنا أمشي بين ~~طوابير المريضات أترنح فوق ساقين يتساقط من بينهما الدم، تنفرج شفاههن الشاحبة عن ~~صوت خافت: «ربنا يشفيكي يا بنتي»، يمسحن عيونهم الذابلة بطرف الجلباب الأسود ~~المغطى بالتراب، أشق طريقي بينهن بصعوبة، أتفادى النظر إلى عيونهن، لكن صدري يمتلئ ~~بالدفء، أحتفظ في ذاكرتي بهذه النظرة الحانية في العيون الذابلة. # فتحت عيني فوجدتني غارقة في الدم، راقدة فوق منضدة من الرخام تشبه مناضد ~~المشرحة أو غرفة عمليات الجراحة، فوقها ملاءة من المشمع الأحمر، فوق رأسي كشاف ~~كهربي قوي الضوء، راقدة فوق ظهري مفتوحة الساقين، الذراعان والقدمان مربوطة ~~بأحزمة جلدية في قوائم حديدية ترتفع فوق المنضدة، أسمع الأطباء يتبادلون الكلمات ~~غير المفهومة، يشمخون بأنوفهم ويقولون «إفاكيوويشن» عقلي مشلول مخدر، ترن ~~الكلمة في أذني منذ المدرسة الثانوية «إفاكيوويشن»، خرجت مع البنات في المظاهرة عام ~~1946، كنا نهتف في وجه الإنجليز في نفس واحد: «إفاكيوويشن ويذ بلاص»، وتعني ~~«الجلاء بالدماء»، أو طرد الاحتلال الأجنبي من بلادنا بالحرب المسلحة، لكنها تعني ~~في لغة الطب أو الجراحة، طرد الجنين من الرحم بالأدوات الطبية المسلحة، بمعنى ~~آخر: عملية «الإجهاض». ~~••• # كان هو نائما إلى جواري في السرير العريض، شخيره يسري في أذني مثل دقات ~~الساعة المشروخة، عيناي مفتوحتان شاخصتان إلى السقف، تحررت من القيد الذي كان ~~يربطني به، عملية «الإفاكيوويشن» حررتني من الاحتلال الأجنبي لجسدي، نزعت عن نفسي ~~الجسد الغريب الذي كان جزءا مني، بدأ الطلاق يلوح في السماء مثل شفق الفجر، ~~أنفاسي تلهث كأنما أجري وأنا راقدة في السرير. # كان يتغطى ms437 بالملاءة من الرأس حتى القدمين، تطل قدماه البيضاوان من طرف ~~الملاءة مضغوطتين صغيرتين، كأنما حشرتا داخل حذاء من الحديد، كأقدام الفتيات في ~~الصين القديمة، كانت أمه تدلكهما كل ليلة منذ طفولته، تلفهما في جراب من الصوف، ~~داخل صندوق مبطن بالحرير، تبخرهما، تخشى عليهما من عين الحسود. # فتح عينيه ورآني مفتوحة العينين شاخصة إلى السقف. ~~- صاحية ليه؟ ~~- بافكر. ~~- في إيه؟ ~~- في الطلاق. # انتفض واقفا غاضبا، قال إن الطلاق بيد الرجل وحده، الطلاق يتم بإرادة الرجل ~~حين يريد وليس بإرادة المرأة حين تريد، الطلاق حق مطلق للرجل بحسب القانون، وهو ~~رجل قانون، رغم قامته القصيرة المربعة شمخ بأنفه مثل الأطباء في المستشفى ~~وقال: أنا رجل قانون! ثم نطق عبارة باللغة العامية انفجر بعدها شريان في رأسي: ~~«نجوم الضهر أقرب لك من الطلاق يا دكتورة!» ~~••• # منذ طفولتي سمعت أبي يردد هذه العبارة. ~~«إذا كان ثمن الحرية فادحا فإن ثمن العبودية أفدح.» # وعاش أبي المنفي في منوف عشرة أعوام، لم تغفر له الحكومة التمرد على الرؤساء، ~~ولم يغفر لها خيانة الشعب، اشتغل موظفا في هذه الحكومة ثلاثة وثلاثين عاما حتى ~~مات، كل يوم يفكر في الاستقالة ثم يتراجع، كان العائل الوحيد لأسرته وعياله ~~التسعة وأمهم، كالمربوط في الساقية، يقول عن نفسه رهين المحبسين: الوظيفة ~~الحكومية وسرير الزوجية. # قبل أن يموت بشهور قليلة أحالته الحكومة إلى المعاش، أصابه انتعاش كأنما يولد ~~من جديد، فرد ذراعيه من آخرهما وأخذ شهيقا أعقبه بزفير طويل، وقال: أخيرا ~~تحررت بعد ثلاث وثلاثين سنة سجن، أخيرا سأقرأ وأكتب ما أريد، ثم مات أبي فجأة قبل ~~أن يكتب شيئا أو يترك أثرا. # قبل أن يموت، قال: لو عادت حياتي إلى الوراء ربما لم أدخل الحكومة ولا الزواج، ~~إنهما المصيدة والمقبرة. وكان يقول: اتركي وظيفة الحكومة وافتحي عيادتك الطبية يا ~~نوال، لا شيء يقتل الإنسان مثل الوظيفة الحكومية. # وفي التاسعة من عمري سمعت أبي يقول لأخته ~~رقية: «الطلاق لك أفضل من الزواج التعيس، اخلعيه يا رقية، من حق المرأة أن تخلع ~~زوجها ms438 إذا ردت له المهر وتنازلت عن النفقة»، كان أبي دارسا للشريعة الإسلامية في ~~الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي ودار العلوم. # لولا أبي ما استطعت أن أعرف هذا الحق الشرعي للمرأة يسمونه «الخلع»، ساعدني ~~أبي على أن أخلع زوجي الأول، تنازلت عن النفقة والمهر، الكلمتان ترنان في أذني ~~نابيتين، لم يكن المهر إلا خمسة وعشرين قرشا، حين سألني المأذون كم يكون المهر؟ ~~رنت الكلمة في أذني نابية؛ لا أقبل أن يدفع لي الرجل مقابل الزواج، ما الفرق ~~بين الزواج والبغاء؟ قال المأذون: العقد لا يكون صحيحا دون المهر، على الأقل ~~خمسة وعشرون قرشا، كنوع من الرمز! قلت: رمز لأي شيء؟! قال: رمز قوامة الرجل على ~~المرأة، الرجل واجبه الإنفاق والمرأة واجبها الطاعة. قلت: أنا طبيبة يضع الناس ~~أرواحهم بين يدي ولا أقبل أن ينفق علي أحد، كيف أعيش عالة على زوجي وأنا طبيبة؟! ~~قال المأذون: العقد يكون باطلا دون مهر. همس زوجي في أذني: هذه مجرد شكليات. أمسكت ~~القلم ووقعت العقد. تكررت الواقعة في الزواج الثاني، لا بد من الرمز بالقروش ~~على قوامة الرجل وإلا بطل عقد الزواج، همس زوجي في أذني: هذه مجرد شكليات. أمسكت ~~القلم ووقعت العقد، أصبحت للمرة الثانية تحت طائلة القانون العبودي، يسمونه قانون ~~الأحوال الشخصية، تفقد فيه المرأة كيانها الإنساني، تصبح ناقصة الأهلية، قاصرا ~~مثل الطفل لم يبلغ سن الرشد أو المريض بعقله أو المعتوه، في حاجة إلى الوصاية، ~~وزوجها هو الوصي عليها. # في الطلاق الأول كان أبي معي، دخل إلى مكتب المأذون بقامته الفارعة، كانت له ~~هيبة الأنبياء، نهض المأذون واقفا، أهلا سعادة البيه. قال أبي: ابنتي ~~الدكتورة تريد خلع زوجها والتنازل عن جميع حقوقها المادية وغير المادية! قال ~~المأذون مخاطبا زوجي: هذا حقها الشرعي يا أستاذ، ثم كتب قسيمة الطلاق. # في الطلاق الثاني لم يكن أبي موجودا، مات أبي قبل أن أتزوج بعام ونصف، كنت ~~وحدي في مواجهة رجل قانون، لا أعرف إلا القليل في القانون، صوت أبي الميت يقول: ~~اخلعيه يا ابنتي هذا حقك ms439 الشرعي. عيناي تدوران في المكان تبحثان عن أبي، واقفا ~~إلى جواري بقامته الفارعة يمسك يدي، صوته في أذني، تقدمي يا نوال ولا تخافي أنت ~~على حق. # كان رجل القانون واقفا أمامي في غرفة النوم، صوته يزعق: «نجوم الضهر أقرب ~~إليك من الطلاق»، قامته مربعة قصيرة، قدماه صغيرتان بيضاوان، يرتدي منامة حريرية ~~بيضاء، وجهه أبيض بلون المنامة، عيناه صغيرتان غائرتان في اللحم كعيني ~~أمه. # كنت واقفة أمامه، قامتي أطول من قامته، قدماي كبيرتان أكبر من قدميه، سمراوان ~~محروقتان بالشمس، وهو واقف أمامي يمط عنقه شامخا بأنفه، يقول إنه رجل قانون، ~~إن الرجل وحده يملك حق الطلاق، المرأة لا تملك هذا الحق. ~~- المرأة تملك حق الخلع إن تنازلت عن حقوقها المادية بحسب الشرع يا ~~أستاذ! ~~- هذا في الشرع فقط يا دكتورة وليس في القانون! ~~- أتعيش معي ضد إرادتي؟! ~~- هذا حقي القانوني! ~~- أنا لا أريد أن أعيش معك! ~~- اذهبي إلى المحكمة! # المحكمة؟! اخترقت الكلمة رأسي مثل طلقة رصاص، لم أدخل في حياتي محكمة، ترن ~~الكلمة في أذني على وزن مشرحة أو مقبرة، الداخل إليها مفقود والخارج مولود، طوابير ~~النسوة بالجلاليب السود أمام أبواب المحاكم، تشبه الطوابير أمام باب المستشفى ~~والمشرحة والقبور، وجوههن الضامرة الشاحبة، عيونهن الذابلة جفت من الدموع، ~~جحافل المحامين والقضاة داخل أروابهم مثل جحافل الأطباء يدقون الأرض بكعوب ~~حديدية، يشمخون بأنوفهم، ترمقهم عيون النسوة المكلومات، واقفات في الطوابير ~~الممدودة من الشارع حتى باب المحكمة. # كان واقفا أمامي يمط عنقه القصير الممتلئ باللحم، تيار من الدم الساخن يندفع من ~~قمة رأسي، يهبط إلى عنقي وصدري حتى بطن القدمين، الغضب المتراكم في أعماقي منذ ~~الطفولة، العشب الأسود في قاع البحر، خطوت نحوه خطوة واحدة، أردت أن أقبض بأصابعي ~~على عنقه، أصابعي طويلة قوية أمسكت بها المشرط وفتحت الصدور والبطون، فجأة تذكرت ~~أنني طبيبة جراحة، حقيبتي جاهزة بجوار المكتب داخلها المشرط، سرت نحوها خطوة بخطوة ~~بطيئة، لم أسرع الخطو، مشيت بخطوة هادئة تشبه خطوة أبي الميت، رفعت قدمي اليمنى عن ~~الأرض كما كان يرفعها، ms440 ثم القدم اليسرى، قدماي ثابتتان وعيناي مفتوحتان لا يطرف ~~لهما جفن، كنت هادئة مثل أبي وفي كامل الوعي. انثنيت بجسمي الطويل أرفع الحقيبة من ~~فوق الأرض، ثم انتصبت قامتي الفارعة مثل أمي، فتحت الحقيبة بأصابع قوية ثابتة، ~~أخرجت مشرط الجراحة من جرابه الجلدي الأسود بحركة قوية سريعة، كالفارس يمتشق ~~سلاحه واثقا من النصر، لمع النصل الحاد تحت الضوء بلون أبيض. # كان ظهري ناحيته لم أستدر بعد لأواجهه، النافذة مفتوحة أمامي، ضوء الفجر ~~يشقشق في الأفق، العصفورة في عشها داخل شجرة الكافور، التقت عيناها بعيني ~~فانتفض ريشها وطارت بعيدا، بدأ جسمي يتحرك لأستدير وأواجهه، قبل أن تكتمل ~~الاستدارة تجمدت لحظة وأنا ألمح وجهي في مرآة الدولاب، ليس هو وجهي، الملامح لا ~~أكاد أعرفها، البشرة شاحبة بلا قطرة دم، المقلتان كبيرتان مشتعلتان بنار سوداء، ~~الجلباب قديم شاحب البياض يتدلى تحت الركبتين، القدمان حافيتان فوق بلاط أبيض، ~~النصل الحاد يلمع في يدها بلون الموت الأبيض. # هذه الصورة محفورة في ذاكرتي حتى اليوم، نسيتها منذ تلك اللحظة كأنما لم تكن، ثم ~~عادت إلي بعد عشرين عاما، في خريف 1981، التقيت لأول مرة في حياتي بامرأة قاتلة ~~داخل السجن، كانوا يسمونها فتحية القتالة، لم أتخيل حين رأيتها لأول مرة ~~أنها يمكن أن تقتل، كانت هادئة وادعة، وإن غضبت كل السجينات هي لا تغضب، ثم ~~رأيتها مرة واحدة في لحظة غضب، أدركت أنها يمكن أن تقتل، عيناها الصافيتان مثل ~~السماء في يوم مشرق تلبدتا وتعكرتا وأصبحتا بلون الطين الأسود. كانت الشاويشة ~~في السجن تقول: القتل ليس جريمة يا ضكطورة، إنه لحظة غضب واحدة وتفوت، القتالات ~~أحسن ناس، لا يدوروا ولا يلفوا زي بتوع المخدرات والنشالات. # تجمدت أمام المرآة وأنا أنظر إلى وجهي، ثم أكمل جسمي الاستدارة وأصبحت ~~أواجهه وجها لوجه، وعينا لعين، ماذا رأى في عيني؟! رأيته يتراجع إلى الوراء من ~~دون أن يستدير حتى التصق ظهره بالحائط، أصبح جزءا من الحائط بغير حراك، وجهه ~~بلون الحائط الأبيض، شفتاه بيضاوان منفرجتان دون أن ينطق، تصورت أنه مات ms441 وهو واقف ~~قبل أن أقترب منه. # لم أعد في حاجة إلى المشرط، نطقت عبارة واحدة من كلمتين بصوت أبي الميت: أنا ~~خلعتك. ~~••• # أربعون عاما مضت على هذه اللحظة، تصورت أنها سقطت في العدم، إلا أنها باقية في ~~الذاكرة مثل نجم صغير يتألق في الظلمة، حصلت بعدها على ورقة الطلاق وأنا في بيتي ~~معززة مكرمة، لم أخرج إلى المحكمة أو مكتب المأذون، لم أدفع شيئا للمحامين أو ~~الزوج المخلوع، لم أرد له شيئا لأنني منذ البداية رفضت أن آخذ شيئا، وتحررت ~~من قانون الطاعة بفضل مشرط الجراحة. # أقمت حفلا صغيرا في بيتي بمناسبة الطلاق، جاءت صديقاتي الثلاث بطة وصفية ~~وسامية، أطلقت دادة أم إبراهيم زغرودة طويلة، قالت بصوت جدتي الفلاحة: بركة يا ~~ضكطورة رجعتي لنا بالسلامة. كركرت بطة بضحكتها الطويلة المتقطعة، وقالت: عقبال ~~عندنا يا رب! ابتسمت صفية بهدوئها المعتاد وقالت: إنت يا نوال أشجع واحدة فينا. ~~ورفعت سامية ذراعها في الهواء كأنما تهتف في مظاهرة، تسقط مؤسسة الزواج! ~~••• # أربعون عاما أسمع سامية تنطق الهتافين معا في نفس واحد: تسقط مؤسسة الزواج ~~تسقط الإمبريالية والصهيونية! مضى أربعون عاما من دون أن تتحرر سامية من زوجها ~~رفاعة، ومن دون أن تتحرر مصر من الإمبريالية والصهيونية. # في السنوات الأخيرة فقدت سامية بعض قوتها مع فقدان الشباب وأحكم رفاعة سيطرته ~~عليها، ومنذ هزيمة 1967 فقدت مصر بعض قوتها، بعد معاهدة كامب ديفيد عام 1976 فقدت ~~مصر الوحدة العربية، تمزقت داخليا تحت وطأة الفتنة الدينية السياسية، وبعد ~~الهزيمة في حرب الخليج عام 1991 دخلت مصر غابة العولمة تحت السيطرة الإسرائيلية ~~الأميركية. # | الهزيمة الكبرى # التقيت بشريف عام 1964 في وزارة الصحة، خرج من السجن منذ عام واحد بعد ~~أربعة عشر عاما وراء القضبان. شهقت بطة حين سمعت الخبر، إنت مجنونة يا ~~نوال، خريج سجون وشيوعي كمان؟! انتفضت صفية، الشيوعية ضيعت أخويا أسعد ~~ومالهاش مستقبل في بلادنا يا نوال! مطت سامية شفتيها، الشيوعية ليست المشكلة ~~يا أخواتي، المشكلة هي مؤسسة الزواج، مؤسسة فاشلة وليس لها مستقبل، وسوف ms442 تنقرض ~~بإذن الله! # كركرت بطة بالضحك، يسلم بقك يا سامية، لكن المشكلة الحقيقية هي نوال، هي لا تؤمن ~~بمؤسسة الزواج منذ العصر العبودي، فكيف تدخل المؤسسة بإرادتها للمرة الثالثة؟! ~~لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين فما بال الثالثة؟ # كنت في الثالثة والثلاثين من العمر، سقطت أوهام كثيرة عشعشت في عقلي وخيالي، لم ~~يعد قلبي يخفق كما كان في العاشرة من عمري أو العشرين، حياتي أصبحت كاملة دون ~~رجل، الطب والأدب وابنتي وأخواتي والصديقات والأصدقاء، حياتي ممتلئة بكل ما يشبع ~~حاجات الإنسان وما يفيض، فلماذا أتزوج؟ لماذا أضع نفسي تحت طائلة قانون يعود بي إلى ~~الوراء عشرين عاما فأصبح قاصرة لا أملك جسمي ولا عقلي ولا أسافر إلا بإذن من ~~زوجي؟! # سألت شريف: هل نحن بحاجة إلى قانون الزواج؟ ألا يمكن أن نتزوج بإرادتنا الحرة ~~دون كتابة ورقة؟! ما جدوى هذه الورقة إذا كنت أثق بك وأنت تثق بي؟ سنتزوج نحن ~~الاثنين ونفترق إن شئنا بإرادتنا نحن الاثنين ... فلماذا الورقة؟ # لكننا كنا في عام 1964 وليس عام 2000، انقضى ستة وثلاثون عاما حتى يسقط قانون ~~الزواج القديم، كنت أتمرد عليه وحدي، كنت أعرف أنه بقايا العصر العبودي، لكن ~~أغلب النساء لم يكن معي، حتى صديقاتي الثلاث بطة وصفية وسامية لم يملكن شجاعة ~~الطلاق أو الاعتراض على القانون إلا داخل الغرف المغلقة، اليوم تغير الحال، زاد ~~عدد النساء والشابات المتمردات على قانون الزواج القديم، وتم تعديل القانون ~~أكثر من مرة داخل مجلس الشعب، تعديل طفيف لا يمس جوهر القانون القديم. هكذا بدأت ~~الفتيات يتزوجن دون قانون، أو بقانون جديد ليس فيه عقد رسمي مختوم بالنسر، وإنما ~~عقد عرفي تعارف الناس عليه قبل نشوء الحكومات. إن الحاجة إلى الحب والجنس ~~تنتصر على أعتى الحكومات المركزية وأقدمها في التاريخ وهي الحكومة المصرية، أكثر ~~من ذلك بدأت الفتيات يتزوجن بدون عقد على الإطلاق، دون حاجة إلى ورقة مكتوبة، مجرد ~~الثقة المتبادلة بين الرجل والمرأة، كل منهما بالغ الرشد ومسئول عن الوفاء بالوعد، ~~يمسك كل منهما بيد ms443 الآخر وينطق الوعد، لا أحد يشهد عليهما إلا الله، أليست شهادة ~~الله أهم من شهادة موظف الحكومة؟! # قلت لشريف: إنهم يتكلمون كثيرا على الإيمان بالله، مع ذلك لا يؤمنون به، وإلا ~~فلماذا لا تعترف الحكومة بشهادة الله؟! # ضحك شريف وقال بصوته الهادئ: يا نوال أتريدين أن نتزوج أم تريدين تغيير العالم؟ ~~قلت: أريد الاثنين يا شريف، قال ربما يتغير العالم بعد قرن أو نصف قرن، ولكننا نريد ~~أن نتزوج اليوم، وإن لم نذهب إلى مكتب المأذون ونسجل العقد المكتوب فسوف يصبح ~~أطفالنا غير شرعيين. # كان يوم 10 ديسمبر 1964، ذهبنا إلى المأذون وكتبنا العقد، سأل المأذون كم المهر؟ ~~قلت له خمسة وعشرون قرشا، رمز العبودية، وضحكت، لكن المأذون لم يضحك، كان غاضبا ~~لأن أجره يزداد بازدياد المهر، أراد أن يعقد الأمر طمعا في أجر أكبر، ناوله ~~شريف أجرا سخيا وقال: اكتب العقد يا شيخ بلاش تعقيدات، عندنا موعد ولازم نمشي ~~بسرعة! # كان موعدنا في البيت مع ابنتي منى، عمرها سبعة أعوام، طفلة عيناها عسليتان يكسوهما ~~بريق، اشتد البريق وهي تفتح العلبة الملفوفة بالشريط الأخضر اللامع، ارتدت ~~الفستان الجديد. # لونه وردي له كولة بيضاء من الدانتيلا، وباقة من الورد البلدي الأحمر والزهور ~~البيضاء، جلسنا نحن الثلاثة حول المائدة الصغيرة في شقة الجيزة نحتفل بعيد زواجنا ~~الأول، لا أحد يشهد عليه إلا الله والطفلة في السابعة من عمرها. # في أول لقاء مع شريف أدركت أنني أثق فيه، عيناه رأيتهما، نافذتان مفتوحتان إلى ~~الأعماق، العينان هما الإنسان في نظري، هناك قول مأثور يقول: «تكلم حتى أراك» وأنا ~~أقول: أرني عينيك حتى أراك. # في أول لقاء سألت شريف عن علاقته بالكتابة والأدب، هذا السؤال كنت أسأله لأي رجل ~~أو امرأة يمكن أن أصادفها، الكتابة عندي أعز ما أملك، الماء والهواء والكتابة، ~~ثلاثة عناصر ضرورية للحياة، أنا أكتب إذن أنا موجودة. لا أتصور الحياة الدنيا بدون ~~ورقة وقلم، الحياة الأخرى أيضا لا أتصورها بدون ورقة وقلم. في المدرسة الثانوية ~~طردني مدرس الدين من الفصل عام 1946 ms444 حين سألته: أيكون في الجنة ورقة وقلم لمن يريد ~~أن يكتب؟ وفي السجن عام 1981 كان الحراس يفتشون كل يوم ويقول رئيسهم مهددا: ~~إذا وجدنا ورقة وقلما فهذا أخطر من أن نجد طبنجة! واستطعت رغم ذلك أن أخفي ~~الورقة والقلم تحت أرض الزنزانة دون أن يعثر عليهما أحد، ومنذ طفولتي لم أكن أنام ~~دون الورقة والقلم تحت وسادتي ، ومن أجل الورقة والقلم خلعت من حياتي الزوج ~~الأول والثاني. # كان شريف هو زوجي الثالث، لم يكن يكتب إلا المقالات السياسية، منذ أول لقاء ~~قلت له: أنت أديب يا شريف قبل أن تكون سياسيا وقبل أن تكون طبيبا. قال: منذ ~~طفولتي يا نوال كنت أحب الموسيقى والأدب، وكانت أمي تمسك يدي وتقول أصابعك خلقت ~~للموسيقى. # قبل الزواج حدثني شريف عن حياته في السجن وفي البيت، عن طفولته حين كان في ~~العاشرة من عمره عام 1933. ينتمي شريف إلى الطبقة الأرستقراطية المصرية، أصحاب ~~الأراضي والإقطاع منذ الخديوي والسلطان والمماليك، يملكون الأرض والمصانع ~~والشركات، يشاركهم فيها الأسرة المالكة والأجانب، مثلهم الأعلى الملك فؤاد ~~الأول ثم فاروق الأول، يتفاخرون بجذورهم في الأرض المصرية، يرثونها عن الأب والجد، ~~يتزوجون الشقراوات الأجنبيات حين يسافرون إلى باريس أو لندن للسياحة أو للحصول على ~~الشهادات العليا. مدينة القاهرة في الثلاثينيات من القرن العشرين كانت تتألق في ~~الليل كالرجل الداعر، يتزوج المرأة الأجنبية أو الأرستقراطية من الطبقة العليا، ثم ~~يتسلل في الليل إلى العشيقة المصرية من الطبقات الدنيا. يتكلم اللغة الإنجليزية ~~أو الفرنسية في البيت، وفي وكر العشق أو اللذة يتكلم اللغة العامية الدارجة، أو ~~لغة الشوارع. يثبت في عروة البدلة الأنيقة وردة حمراء، والطربوش الأحمر فوق رأسه ~~مائل نحو أذنه اليمنى أو اليسرى. ينتمي إلى حزب اليمين أو حزب اليسار، يحمل لقب ~~الباشا الأحمر أو الأخضر أو الأصفر. يتحدثون عن الشعب المصري الفقير مع رشفات ~~الويسكي وقضمات الكافيار ودخان السيجار، يتبارون في الانتخابات على المقاعد ~~في مجالس النواب أو الشيوخ، وفي الليل يتبارون على بنات الهوى في الكباريهات ~~والعوامات الراسية ms445 على شاطئ النيل. في البيت الكبير بيت العيلة الكريمة يحتفظون ~~بالزوجة الأولى العجوز أم الأولاد، عفيفة طاهرة كالأم العذراء. في البيت الثاني ~~الخفي، مثل الحكومة الخفية، هناك الزوجة الثانية الشابة المكتنزة باللحم، من ~~أجل الحب والعشق واستعادة الشباب. تحت سنة الله والرسول، لكل منهم ثلاثة بيوت أو ~~أربعة بحسب عدد الزوجات، ثم الشقة السرية تحمل اسم «الجارسونيرة» وهي كلمة ~~فرنسية تعني المكان الذي تفد إليه المومسات أو العشيقات السريات. يعود الرجل ~~منهم آخر الليل إلى زوجته الأولى، تفوح منه رائحة الخمر وعطر النساء، يخلع ~~الطربوش والبدلة والوردة الحمراء في العروة، يعطي أم الأولاد ظهره، ثم يسقط في ~~النوم يشخر حتى ظهر اليوم التالي. # لم يرث شريف عن هؤلاء الرجال العهر وفراغ الدماغ، ورث عن أمه الإنجليزية ~~الإرادة الحديدية، وعن جدته الفلاحة أم أبيه ورث الضمير الحي والاستقامة. لم تقرأ ~~جدته كتاب الله، كانت مثل جدتي الفلاحة أم أبي لا تعرف القراءة، وكانت تقول ~~ربنا هو العدل عرفوه بالعقل. ورث شريف عن جدته الإيمان بالعدل، أصبح في أعماقه منذ ~~الطفولة جهاز عضوي يؤمن بالعدل أشبه بجهاز المناعة ضد الأمراض، أليس هو ~~الضمير؟! # منذ طفولته كان قلبه يرق للخدم في البيت والشحاذين ذوي العاهات في ~~الشوارع. في النوم يرى نفسه نبيا أو قسيسا يدعو إلى العدل والخير، كان طفلا ~~وحيدا حزينا في بيت كبير، أبوه غائب معظم الوقت، أمه تنظر إلى أصابعه الطويلة ~~النحيفة وتقول أصابع فنان مبدع أو جراح ماهر. كان يحب الفنانين ويكره الجراحين، لم ~~يكن رجال الطبقة العليا يحترمون أهل الفن، يقولون عنهم «أرتيست»، يلفظون الكلمة ~~بطرف اللسان في ازدراء. يدخل الأرتيست إلى قصورهم في الأفراح من الأبواب الخلفية ~~مع الخدم، يعزفون العود أو الكمنجة مع الطبلة والرق، يطرب السادة للغناء ~~والموسيقى، يهزون رءوسهم طربا، يلقون طرابيشهم على الأرض، ينتشون، ينهلون من ~~المتع التي حرمها الله حتى الثمالة، ثم ينامون، وفي الصباح ينهضون، يركعون لله ~~ركعتين كنوع من الرشوة، يضعون الطرابيش فوق رءوسهم، يشمخون بأنوفهم يتفاخرون ~~بالتقوى والصلاح. # على ms446 شاطئ النيل في الجيزة كنت أتمشى أنا وشريف، يحكي لي عن طفولته وأيام الدراسة ~~وكلية الطب، المظاهرات الوطنية، أحداث كوبري عباس في الجيزة، فتح البوليس الكوبري ~~على الطلبة المتظاهرين، غرق بعضهم في مياه النيل، تلقى بعضهم الرصاص في صدره قبل ~~أن يقفز فوق السور، اختلط الدم الأحمر بالماء والطمي. # تخرج شريف في كلية الطب، عام 1946، كان طالبا متفوقا يحلم أن يكون طبيبا ~~مثاليا، يعالج الفقراء بالمجان. اصطدم الحلم بالواقع القبيح، الدم والصديد ~~والعرق في جلاليب الفلاحين، الوجوه الضامرة الممصوصة، ينزفون الدم في البول، ~~يمرضون بسبب الفقر والجهل والاستعباد وليس بسبب الجراثيم. # تحول الطبيب المثالي إلى مناضل ثوري يحلم بإلغاء الفوارق بين الطبقات، كلمة الطبقة ~~كانت محرمة، محظورا النطق بها، تعني الشيوعية والإلحاد، أليس الله هو الذي ~~خلق الفقير والغني؟ أليس المال هو مال الله يعطي من يشاء بغير حساب؟ # صوت شريف هادئ ينساب في أذني مع نسمة الليل في الربيع، نحن في عام 1965، عيناه ~~يكسوهما حلم حزين، ملامحه تذكرني بملامح أبي وزوجي الأول، ملامح الفدائيين ~~والقديسين، أتذكرهما رغم مرور السنين، المظاهرة الصامتة عام 1951، الهتاف ~~يدوي تحيا مصر حرة. عيناه تلتقطانني من وسط الملايين يكسوهما البريق، الحب ~~جزء من الخيال وجزء من الحقيقة، يخفق له القلب رغم الموت والحرب، الدماء فوق الأرض ~~والأصابع حول عنقي، الهروب في الليل قبل طلوع الفجر أحمل طفلتي فوق صدري، فتح لي ~~أبي بيته وذراعيه، لم يؤنبني ولم يعاتبني، ربما كان يحس تأنيب الضمير، ألم يملأ ~~خيالي منذ الطفولة بأحاديث البطولة؟ سعد زغلول وثورة 1919، الحرب والقتال وتحرير ~~الوطن، الحرية والاستقلال أو الموت الزؤام، في أعماقه جهاز للإيمان، أشبه بجهاز ~~المناعة ضد الأمراض، في خياله صورة عن الله، يحاول أن يستبدل الصورة بالحقيقة، يلوي ~~عنق الحقيقة، يلوي عنقي لأصبح مطابقة للصورة، عنقي غير قابل للالتواء مثل عنقه، ~~رأسي غير قابل للانحناء مثل رأسه، كلما عجز عن تغييري اشتد به الإحباط، لم يملك ~~شيئا يغيره إلا ابنته بعد أن عجز عن تغيير العالم. # راح أبي ضحية الحلم الكبير ms447 مثل زوجي الأول، يذوب الحلم في الحقيقة، مؤرق في الليل ~~والنهار، يسمع الدقات المنتظمة للزمن والنبض، الساعة فوق معصمه وقلبه تحت ~~الضلوع، دقات منتظمة غريبة في انتظامها، مفزعة في استمرارها كدقات الموت البطيء، ~~يهب من النوم حاملا سلاحه، يذهب إلى حرب لا يعرفها، يندفع في الظلام كمن ~~يمشي في النوم، يمشي فوق الموت دون أن يتوقف، دون أن ينظر إلى الوراء، يتطلع ~~إلى السماء، يرى صورته محمولا فوق الأعناق، الناس تهتف باسمه: يعيش يا يعيش! وهو ~~يمشي فوق السحب حاملا سلاحه، مرهق يبحث عن الراحة، حزين ينشد الفرح، مهزوم يحلم ~~بالنصر، يمشي وحده مثل خيال، الوجوه من حوله ميتة، كلهم موتى، كلهم غارقون في ~~الهزيمة، لا يملكون إلا سلاحا مكسورا أو قلما مقصوفا، كلمات فوق الورق تطير في ~~الهواء، طلقات الرصاص والدم المراق، عيناه غارقتان في الدموع، أهي دموع الحزن أم ~~الفرح؟ أهو الموت أم الانطلاق نحو حياة جديدة؟ # كنت أخرج لأتمشى على شاطئ النيل في الجيزة، شريف يمشي إلى جواري، يحكي لي عن ~~السجن، أربعة عشر عاما في السجن، دخل عام 1949 وخرج عام 1963، عشر سنوات منها ~~تحت حكم جمال عبد الناصر من 1953 حتى 1963 مع الأشغال الشاقة، قطع الأحجار في ~~الجبل في سجن طرة وأبو زعبل. # يسترجع شريف الذكريات وأنا أمشي إلى جواره صامتة أرمق الناس في الطريق، وجوه ~~الرجال متهدلة، عيونهم منكسرة، إلى جوار كل واحد منهم زوجته يقبض على يدها ~~كالأسيرة، النساء أجسادهن سمينة مربعة، يتأرجحن فوق كعوب رفيعة، ثقيلات الخطو ~~بطيئات الحركة، بطونهم عالية، إلى جوارهن تسير بناتهن نحيفات رشيقات، كالزهور ~~يتفتحن في الربيع، ثم يأتي موسم القطف، يصبحن مثل أمهاتهن بعد ليلة الزفاف ~~مكسورات القلب مترهلات. # إنه عام 1967 شهر يونيو، بالضبط 10 يونيو، وأنا أمشي بجوار شريف في شارع ~~الجيزة، الساعة الرابعة صباحا قبل طلوع الفجر بقليل، الدنيا ظلام، الناس تمشي في ~~الليل كمن يمشون في الحلم، خرجوا من بيوتهم يهتفون ضد الهزيمة، يطالبون بالسلاح، ~~الحرب والقتال حتى الموت، تحيا مصر حرة، ms448 الأجساد تغطي الشوارع، لا مكان لقدم، مثل ~~يوم الحشر حين ينهض الموتى من القبور أفواجا أفواجا، وأنا أمشي إلى جوار شريف، ~~كما مشيت إلى جوار أحمد في المظاهرة الصامتة منذ ستة عشر عاما، الخطوة فوق الأرض ~~هادئة ثابتة، الصوت هادئ يشبه الصوت، العينان يكسوهما البريق ذاته والحلم ذاته، ~~تحيا مصر حرة، نموت فداء الوطن، صوت عبد الناصر يهتف في الإذاعات سنقاتل حتى ~~النصر ، الملايين في الشوارع تهتف في نفس واحد: النصر! النصر! # منذ العاشرة من عمري وأنا أهتف معهم، في المدرسة الابتدائية في منوف، في المدرسة ~~الثانوية في حلوان، في كلية الطب في شارع قصر العيني، في نقابة الأطباء بدار ~~الحكمة، في وزارة الصحة بشارع مجلس الأمة، وفي شوارع القاهرة والإسكندرية ~~والسويس والإسماعيلية وبورسعيد والجيزة والفيوم وبني سويف والمنيا وأسيوط وقنا ~~وأسوان. # سمعت شريف يهتف مع الناس: الموت حتى النصر! عيناه يكسوهما بريق الحلم الطفولي، ~~كالدمعة الحبيسة لا تسقط ولا تجف. خرج من السجن بعد حكم بالأشغال الشاقة أربعة ~~عشر عاما، خرج نحيف العود منتصب الرأس أكثر صلابة مما كان، لم يفقد الحلم ولا ~~الأمل، يفكر بالليل والنهار في الثورة، يهب من النوم حاملا سلاحه، يندفع ~~في الظلام يمشي فوق الموت لا يتوقف، يسقط بين أيدي البوليس، يدخل السجن ويخرج ~~ثم يدخل ويخرج. يسير إلى جواري صامتا يفكر، الرجال من حوله يتكلمون ويثرثرون، ~~يتناثر في الجو رذاذ لعابهم، لا يكفون عن الكلام، يقاطع بعضهم بعضا، يتكلمون في ~~وقت واحد وهو صامت، وإذا تكلم صمت الجميع. # منذ أن صدرت القرارات الاشتراكية عام 1962 أصبح الناس أعضاء في الاتحاد ~~الاشتراكي، صدرت الأوامر الإدارية ودخل الموظفون والموظفات الحزب الوحيد، لم يتخلف ~~أحد في الوزارات أو الجامعات أو مؤسسات الدولة خوفا من الجهاز الحكومي، أقدم ~~جهاز في التاريخ البشري منذ الفراعنة، لم يعرف الشعب المصري إلا حكم الفراعنة ~~أو الاحتلال الأجنبي. جاء القرن الواحد والعشرون ولم يتحرر الشعب المصري بعد، ~~تغيرت الأسماء والوجوه والألقاب وطرق الاستعباد والاستبداد، وبقي فرعون على حاله ~~ومعه الاحتلال الأجنبي، ms449 تخلص الشعب المصري من السيطرة الأجنبية بضعة أعوام ~~قليلة ثم سرعان ما عادوا. # كلمة «الاشتراكية» كانت تجري على لسان جمال عبد الناصر قبل الهزيمة بأعوام ~~قليلة، بالضبط منذ عام 1962، ما يجري على لسان رئيس الدولة يجري على ألسنة ~~رجال البلاط من الوزراء والموظفين والمثقفين من أصحاب الأقلام في الصحف ~~والمجلات. بدأت الوجوه تظهر على شاشة التلفزيون، السيد الرئيس من حوله كبار ~~رجال الدولة والأدباء والصحفيين، أصبحوا يحملون لقب النخبة، يندرجون تحت ~~فئة المثقفين، إحدى فئات الشعب العامل الخمسة «العمال والفلاحون والجنود ~~والرأسمالية الوطنية والمثقفون». كلمة فئات تبدو أكثر براءة من كلمة طبقات، ~~مفردها كلمة طبقة، تنطوي على الصراع الطبقي أو الشيوعية. رئيس الدولة أصبح ~~ينطق عبارة جديدة «تذويب الفوارق بين الطبقات»، انتشرت العبارة في كل مكان، ~~يرددها رجال البلاط والمثقفون وأصحاب الأقلام، ينطقون العبارة بصوت رئيس الدولة، ~~واللهجة ذاتها، يخرجون لسانهم عند نطق حرف الذال في كلمة «تذويب». # كانت بطة لا تزال صديقتي هي وصفية وسامية، اكتشفت بطة جذورها الفقيرة من الفلاحين ~~في قرية السنبلاوين، زوجها الدكتور حمدي اكتشف أن أباه كان عاملا في مصانع ~~النسيج بالمحلة الكبرى، ارتدى الدكتور حمدي بدلة زرقاء كحلية من تيل المحلة، ~~لها ياقة مكوية منشاة شديدة الأناقة تشبه ياقة وزير الخارجية، رشح نفسه في ~~الانتخابات ودخل مجلس الشعب تحت فئة العمال. # لم ينجح الدكتور مصطفى زوج صديقتي صفية في الانتخابات تحت فئة الفلاحين، رغم ~~ارتدائه الجلباب والطاقية، وتحريك السبحة بين أصابعه بالحركة ذاتها مثل السيد ~~الرئيس والوزراء والمثقفين ورجال البلاط، إلا أنه أصدر كتابا جديدا عن ~~الاشتراكية في الإسلام، أوضح الخلاف بين الاشتراكية الإيمانية الإسلامية ~~والشيوعية المادية الإلحادية. قال الاشتراكية بدأت في الإسلام بأبي ذر ~~الغفاري رضي الله عنه، والرسول # صلى الله عليه وسلم # كان اشتراكيا يحارب أغنياء قريش من ~~أجل «تذويب الفوارق» بين الطبقات في الجزيرة العربية، ثم استطرد قائلا: كلمة ~~«تذويب الفوارق» لا تعني إلغاء الفوارق؛ لأن الله خلق الناس درجات، وهذا هو الفرق ~~بين الاشتراكية الإيمانية والشيوعية الإلحادية، الشيوعية ترى العالم ms450 بدون ~~طبقات على الإطلاق، مما يخالف كلام الله في الكتب السماوية، وفي القرآن نص لا ~~يقبل التفسير ولا التأويل، خلقنا الله درجات، أي طبقات، طبقة فوق طبقة، طبقة ~~أعلى وطبقة أدنى، وخلقنا الله من نفس واحدة ذكر وأنثى، لكن الذكر أعلى من الأنثى، ~~والرجال عليهن درجة، إن هؤلاء النساء اللائي يحاولن مساواة المرأة بالرجل ~~يخالفن كلام الله في القرآن والكتب السماوية. # أصبح الدكتور مصطفى أحد كبار المفكرين في مصر، اسمه الدكتور مصطفى الزهيري، ~~زوج صديقتي الدكتورة صفية. كانت صفية تؤمن بأن الناس خلقوا درجات أو طبقات، ~~لكنها لم تؤمن بأن الرجل يرتفع عن المرأة درجة. صديقتي سامية لم تكن تؤمن ~~بالفكرتين معا، تمط شفتيها وتقول: الناس سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين ~~عربي وأعجمي ولا رجل ولا امرأة إلا بالصلاح والتقوى. لم تعد بطة تكركر بالضحك، ~~أصبحت تجلس في وقار تضع الساق فوق الساق، يكشف فستانها الحريري الضيق عن ركبتين ~~كبيرتين مكتنزتين باللحم، أصبحت بطة تحتل منصبا كبيرا في الاتحاد الاشتراكي، ~~وعضوا بارزا في نقابة الصحفيين، كيف تحولت بطة من طبيبة إلى صحفية؟ أعضاء ~~الاتحاد الاشتراكي دخول وزارة جديدة اسمها وزارة الثقافة والإعلام، احتلوا المناصب ~~العالية في مبنى التلفزيون الجديد، ومبنى الإذاعة، والمؤسسات الصحفية الجديدة ~~ودور النشر ومجلس الثقافة الأعلى الدائم واللجان التي أصبحت تحمل لقب ~~اللجان الدائمة. أم إبراهيم كانت تقول: الدوام لله. # أصبحت بطة رئيسة لإحدى اللجان الدائمة في جهاز التلفزيون، تظهر فوق الشاشة ~~تتحدث، صوتها أصبح وقورا فيما عدا حرف الراء تقلبه إلى غاء، تقول: الاشتغاكية ~~بدلا من الاشتراكية، هذه اللدغة في اللسان منذ الطفولة لم تستطع تغييرها مهما ~~حاولت، يلتوي لسانها وعنقها القصير السمين وهي تنطق الكلمة، كأنما هي غصة في ~~الحلق، تشهق قليلا كالمختنقة تمد عنقها إلى أعلى مزهوة بالشعر الأسود أو ~~الباروكة المصفوفة فوق رأسها درجات فوق درجات، على شكل هرم أكبر من رأسها، تمط ~~شفتيها الحمراوين المكتنزتين بحركة تكاد تشبه صديقتي سامية. وكانت بطة منذ أيام ~~الدراسة لا تكف عن الضحك والكركرة، شفتاها ms451 منفرجتان دائما كأنما لا يمكن أن ~~تنطبق إحداهما على الأخرى. ~~«العمال والفلاحون نسف المجتمع ومن حقهم الحصول على نسف المكائد في مجلس ~~الشعب.» # صوتها يرن في أذني وأنا جالسة أمام الشاشة الصغيرة في بيتي بالجيزة، شريف إلى ~~جواري يتابع حديثها، يبتسم في هدوء حين يسمعها تقول «نسف المجتمع» بدلا من «نصف ~~المجتمع»، و«المكائد في مجلس الشعب» بدلا من «المقاعد في مجلس الشعب». إلى ~~جوارها يجلس الدكتور رشاد، ترك الطب وتفرغ للسياسة، أصبح من أعوان الوزير، يرأس ~~إحدى اللجان العليا الدائمة، يظهر على شاشة التلفزيون، يعجز مثل بطة عن نطق حرف ~~الراء، يقول: الديموكغاتية بدل الديموقراطية، يلتقي بي أحيانا في فناء وزارة ~~الصحة أو مدخل نقابة الأطباء بدار الحكمة في شارع قصر العيني، يستوقفني ويهتف ~~بصوته الرقيق: نوال مش معقول! شعرك بقه أبيض خالص زي التلج، لكن مديكي تشاغم خطيغ! ~~(يعني تشارم خطير)، وكلمة «تشارم» تعني باللغة العربية «جاذبية». # منذ المؤتمر الوطني للقوى الشعبية عام 1962 لم ألتق بالدكتور رشاد إلا على ~~شاشة التلفزيون، أو في الطريق بالصدفة. كان عضوا في المؤتمر الوطني مثلي عام 1962، ~~إلا أنه كان يجلس في الصفوف الأمامية مع النخبة المثقفة، كنت أجلس في ~~الصفوف الخلفية مع الشباب. حين جاء دوري في الكلام قلت بصوت سمعه الجالسون ~~فوق المنصة، منهم جمال عبد الناصر ووزير الداخلية، تعكرت الوجوه وأنا أقول ~~الفلاح هو الذي بوله أحمر، هذا ما سمعته من جدتي الفلاحة، أهناك فلاح واحد في مصر ~~لا ينزف الدم مع البول؟! ينتشر مرض البلهارسيا في الريف بنسبة 99٪. سجل وزير ~~الداخلية اسمي الثلاثي فوق ورقة أمامه. بعد الاجتماع استوقفني الدكتور رشاد عند ~~الباب الخارجي للجامعة في الجيزة، وقال: بأه ده كلام يتآل يا نوال؟ الفلاح بوله ~~أحمر؟! ده تهكم واضح على الاشتغاكية وسيادة الغيس شخصيا (يعني الاشتراكية ~~وسيادة الريس). # منذ هذا المؤتمر عام 1962 دخل اسمي القائمة السوداء، أصبح لي دوسيه صغير في وزارة ~~الداخلية يحمل اسمي الثلاثي، الأب والجد السعداوي الذي مات قبل أن أولد. بعد أن ~~تزوجت ms452 شريف حتاتة في ديسمبر 1964 أضيف إلى اسمي كلمة أخرى سيئة السمعة «شيوعية» ~~يضيفون إليها كلمة أكثر سوءا «حمراء»، لي جريمة سابقة تصطبغ باللون الأحمر، هي ~~عبارتي عن الفلاح وبوله الأحمر وأنا امرأة أيضا، المرأة الحمراء ليست كالرجل ~~الأحمر، كان في مصر رجل يسمونه «الباشا الأحمر» تعني الباشا الشيوعي؛ يمكن ~~للرجل أن يكون أحمر دون المساس بأخلاقه، فهي كلمة سياسية، أما «المرأة الحمراء» ~~فهي تندرج - مثل الليالي الحمراء - تحت بند الأخلاق، مثل «امرأة الشارع» في اللغة ~~تعني المومس أما «رجل الشارع» فهو المواطن الكادح من فئات الشعب، «الرحل الحر» ~~يعني الرجل الأبي الشجاع المدافع عن الحرية، أما «المرأة الحرة» أو الداعية إلى ~~حرية المرأة فهي إباحية تدعو إلى الفساد الأخلاقي. # سكن شريف معي في شقتي الصغيرة بشارع مراد بالجيزة، أصبحت الشقة تحت المراقبة ~~ثمانية وعشرين عاما حتى انتقلنا منها، كانت مراقبة غير دائمة متقطعة بحسب ذبذبات ~~الحكم في مصر، حكم مذبذب بين اليسار واليمين، يستقر في الوسط دون نظرية أو فكر، ~~ينتقل من النقيض إلى النقيض بين يوم وليلة، يلعن الاستعمار كالشيطان يوما ~~ويقدسه كالإله في يوم آخر، ما بين هذا وذاك يتحول الأصدقاء إلى أعداء، أو الأعداء ~~إلى أصدقاء. # مثل هذا الحكم لا يؤدي في النهاية إلا إلى الهزيمة، منذ ولدت في بداية ~~الثلاثينات حتى اليوم لم تشهد بلادنا إلا الهزيمة وراء الهزيمة، حل الأميركان محل ~~الإنجليز، ودولة إسرائيل أصبحت تملك الترسانة النووية والسلطة العليا، تحلم بأرض ~~الله الموعودة من النيل إلى الفرات، لم يعد الفرات بعيدا عنها بعد حرب الخليج عام ~~1991. منذ عهد السادات وبداية عصر الانفتاح عام 1974 كف رجال البلاط والنخبة ~~المثقفة عن نطق كلمة الاشتراكية، أصبحت من الكلمات المحظورة، عادت مصر إلى مجتمع ~~النصف في المائة، ازداد الفقراء فقرا والأثرياء ثراء، فتحت البورصة أبوابها ~~المغلقة منذ العهد الملكي القديم، انتشرت كلمة الديموقراطية والليبرالية، ~~تجمع نفر من النخبة المثقفة في قصر السادات وصدر قرار جمهوري بإنشاء المعارضة ~~والأحزاب السياسية، أصبح حزب الحكومة هو الأكبر، يمكن عند ms453 الضرورة أن يبتلع ~~الأحزاب الأخرى، يمين ويسار ووسط، كما ابتلعت عصا موسى الثعابين الصغيرة. # لم أدخل أي حزب بطبيعة الحال، كتبت مقالا بجريدة الشعب، إحدى الصحف الجديدة ~~التي حملت اسم حزب العمل، أحد الأحزاب المعارضة، كان مقالا بعنوان «من ينشئ ~~الأحزاب في مصر، الشعب أم الحاكم؟» وفي يوم 6 سبتمبر 1981 اقتحم رجال البوليس ~~بيتي في شارع مراد بالجيزة، كسروا الباب وأخذوني إلى سجن النساء بالقناطر ~~الخيرية، وجدت نفسي متهمة بالتآمر لقلب نظام الحكم في مصر لحساب دولة أجنبية ~~اسمها بلغاريا، لماذا بلغاريا بالذات؟! لا أعرف. # لم أسافر في حياتي إلى بلغاريا، ليس لي معرفة بامرأة بلغارية أو رجل بلغاري، لا ~~أعرف اللغة البلغارية، لا أكاد أعرف شيئا عن بلغاريا، أنسى موقعها فوق خريطة ~~العالم. # إن تلفيق التهم للمعارضين أمر معروف في كل العهود، في كل البلاد، لكن هذه التهمة ~~كانت أشبه ما تكون بالنكتة، يضحك شريف ويقول: كده يا نوال تتآمري مع بلغاريا على ~~قلب نظام الحكم من غير ما تقولي لي؟! # لم أدرك مأساة هزيمة 1967 إلا في زيارة لقريتي صيف عام 1968، حين التقيت بحفيد ~~دادة أم إبراهيم، اسمه على اسم أبيه الذي لم يعد من حرب 1948. كان راقدا فوق ~~الحصيرة على الأرض، من حوله النساء يبكين في صمت، عيونهن ذبلت من البكاء، سقطت ~~عنها الرموش، يولولن بأصوات جماعية خافية كالنحيب المكتوم: إلهي ينتقم منك يا ~~ميخا! وجوههن ضامرة ممصوصة محروقة بالشمس، رءوسهن ملفوفة بالطرح السوداء، ~~الجلاليب بلون التراب، وإبراهيم راقد فوق الحصيرة يهذي بالحمى، أمه تكاد تشبه ~~أمها دادة أم إبراهيم، لكنها أكثر ذبولا وإعياء، تمسح عن وجه ابنها العرق بطرف ~~طرحتها السوداء، تبكي بلا صوت وابنها يحكي ما حدث له في الحرب، نجا من الموت لكنه ~~عاد حطام إنسان. # كان إبراهيم قد بلغ عامه الواحد والعشرين قبل أن يذهب إلى الحرب بأيام، كان يستعد ~~لحفل زواجه من ابنة عمته زهيرة، جاءه أمر الاستدعاء في شهر مايو 1967، ترك القرية ~~والعروسة، ارتدى الزي العسكري وانطلق يهتف: الله، الوطن، ms454 تحيا مصر حرة. حلقوا رأسه ~~ورحلوه إلى منطقة بير الحما بالقرب من مغارة الفحم في العريش. قامت الحرب يوم 5 ~~يونيو وهو في بير الحما، عرف ذلك من الراديو، سمع المذيع يقول انتصرنا انتصرنا. ثم ~~فوجئ بعد ثلاثة أيام بالضبط يوم 8 يونيو بالدبابات الإسرائيلية تحيط به وبزملائه ~~الجنود، وتم تدمير كتيبته بالكامل وقتل قائدها. # يمسك إبراهيم رأسه بين يديه ويجهش بدون صوت، تمسح أمه العرق فوق جبهته بطرف ~~جلبابها، ترمقه النساء لاهثات، تسأله كل واحدة منهن عن ابنها: وكان مين معاك يا ~~إبراهيم؟ مش فاكر كان مين معاك يا إبراهيم؟ يبربش إبراهيم بعينيه، يرمق السقف ~~الأسود بلون الهباب، يمسك رأسه بين يديه ويقول: مش فاكر مين كان معايا لكن قائد ~~الكتيبة كان اسمه فؤاد عبد الحكيم، أخذوه وقتلوه مع الأسرى. # يسكت إبراهيم يبتلع ريقه، تناوله أمه كوز الماء، تسأله إحدى النسوة: مش ~~فاكر اسم حد من اللي كانوا معاك يا إبراهيم؟ يتذكر إبراهيم: كان معايا واحد اسمه ~~أنيس كان شاويشا متطوعا من الإسماعيلية، وواحد تاني من بورسعيد اسمه جمعة، وجت ~~دبابة ومشيت على الأرض، أمرونا إننا نرقد ع الأرض على شكل صفين فوق علامة جنزير ~~الدبابة، وكانت الدبابة تمشي بعيد عنا وبعدين ترجع هاجمة علينا عشان ~~تدفنا في الأرض، وكان اللي يقوم واقف عشان ينقذ نفسه من الدبابة يضربوه ~~بالنار، وقلت لنفسي: خلاص يا إبراهيم ربنا أراد إن عمرك ينتهي، وماحدش بيموت ناقص ~~عمر ده مصيرنا مكتوب على الجبين. والدبابة وهي ماشية كانت تضرب بالمدافع بين ~~الصفين الراقدين ع الأرض. # ومات اللي مات، منهم جمعة من بورسعيد، وربنا كتب لي عمر جديد أنا وأنيس، أخذونا في ~~الليل جوه عربية، وكنت تقريبا فاقد الإحساس ودراعي اليمين فيها جرح كبير ينزف ~~مش عارف من إيه، وحطونا في مكان بعيد في الصحراء وحوطونا بالأسلاك الشائكة ~~وحطوا علينا حارس اسمه ميخا. يتوقف إبراهيم عن الكلام، يلهث، وتمزق النسوة ~~الطرح السوداء، يصرخن في نفس واحد: ربنا يحرقك في نار جهنم يا ميخا! أمه ~~تناوله ms455 كوز الماء تمسح عرقه، يرمقها بعينين تبربشان: لا يمكن أنسى شكل ميخا يا أمه، ~~كان عددنا حوالي تلتمية وميخا قال عشرة عشرة؛ يعني نقف صفوف، كل صف عشرة، ويضرب ~~علينا الرشاش. # وكان الكل يندفن، اللي مات واللي لسه صاحي، وبعدين ميخا قال عشرة عشرة، ونقف صفوف، ~~كل صف عشرة، بين الصف والصف متر، يمشي ميخا يعد الصفوف وإذا لقي صف ناقص واحد ~~ياخذ منه اتنين، أو صف زايد واحد ياخد منه اتنين برضه، يطلعهم على جنب ويضربهم ~~بالنار، ويقول لنا ياللا احفروا وادفنوا زمايلكم. وبعدين يقول عشرة عشرة، ويضرب ~~بالنار. احنا الباقيين قسمنا مجموعة في اليمين ومجموعة في الشمال، اللي في اليمين ~~عليها تحفر وتدفن، وأنا دفنت بإيديا زميل مضروب بالرصاص لكن صاحي وعينيه في عيني، ~~وأنا بارمي الرمل عليه وفي ضهري مدفع وزميلي صاحي يقول لي اردم يا دفعة خلص علي ~~بسرعة، ولما ردمت الرمل على عينيه الدنيا دارت بي ووقعت ع الأرض. # كنت فاقد الإحساس، ولما فقت لقيت نفسي جوة عربية ماشية في الصحراء وجنبي أنيس ~~وفرحت أوي بأنيس، هو الوحيد اللي عرفته، قال ياللا ننط. وقفزنا من العربية في ~~الضالمة ومشينا في الصحراء يوم وراء يوم لغاية ما وصلنا البحر، كان هو بحر العريش، ~~ولقينا أعداد كتيرة أوي ماشيين على البحر مشينا معاهم. وجت الطيارات الميراج حلقت ~~فوقنا، كانت الطيارة تنزل عجلتها الأمامية ويمكن تلمس الأرض وتضرب علينا، وشفت ~~رأس طايرة في الهواء من غير جسم، أو جسم طاير في الهواء من غير رأس. وبعد الميراج ~~جت الطيارات الهيلوكوبتر تصطاد واحد واحد من البحر، وخرجت من البحر مبلول ومش عارف ~~أنا مين، وبعدين افتكرت إن اسمي إبراهيم وإنهم استدعوني من الاحتياط يوم 25 مايو، ~~وافتكرت أنيس ورحت أدور عليه، يظهر إنه مات أو غرق في البحر مش عارف. ومشيت ع ~~البحر وأقول يمكن ربنا ياخد بيدي، لكن جت عربيات جيب وأخذوني السجن، وكان اليوم ~~ده هو 25 يونيو، يعني شهر بالضبط من يوم ما سافرت. قالوا إني ms456 أسير من الأسرى في ~~بير سبع، وكان معايا زمايل كتير ما عرفش أسماءهم، عصبوا عينينا وكتفونا زي الفراخ ~~ونقلونا لسجن تاني اسمه عتليت، مات فيه اللي مات، وأنا مش عارف إزاي عشت، لكن كل ~~يوم كنت أدعي ربنا إني أموت، لغاية ما جه يوم قالوا اجهز، وعرفت إني راجع بلدي ضمن ~~مجموعة في تبادل الأسرى، كان اليوم ده 26 فبراير 1968، يعني تسع شهور ويوم من أول ~~ما استدعوني من الاحتياط. # سكت إبراهيم طويلا، كان يرتعش ، تصطك أسنانه، ينتفض كالمصاب بحمى الملاريا، ~~همست أمه في أذني: ربنا يخليكي يا ضكطورة اكشفي عليه واكتبي له دوا يشفيه إلهي ~~يكفيكي شر المصايب يا رب! # لم يكن إبراهيم مريضا بالحمى أو أي مرض عضوي، وأنا أفحصه انفرجت شفتاه الزرقاوان ~~عن أنفاس متحشرجة وصوت خافت: مش قادر أنام يا دكتورة من يوم ما خرجت من عتليت وأنا ~~بافتكر زمايلي اللي ماتوا وزمايلي اللي دفنتهم بإيديا. ويحملق إبراهيم في يديه ~~الناحلتين المرتعشتين ويهمس: بإيديا دول دفنت زمايلي في الرمل في الصحراء، وكل ليلة ~~أحلم إني واقف في الصحراء أردم الرمل على أنيس وهو صاحي عينيه في عيني ويقول لي ~~كده يا إبراهيم تعمل كده يا إبراهيم؟! مع إن أنيس يا دكتورة غرق في البحر وما كانش ~~واحد من اللي اندفنوا في الرمل، إيه اللي يخليه يقولي كده يا إبراهيم كده يا ~~إبراهيم؟! # وتجهش أمه بالبكاء تمسح دموعها بكفها الكبيرة المشققة وتهمس: ما عندوش غير حكاية ~~أنيس يا ضكطورة. # ومات إبراهيم حفيد دادة أم إبراهيم وهو يهذي باسم أنيس، يخفي يديه تحت الغطاء ~~المهترئ ويصرخ: أبدا أبدا يا ناس مش إيديا دول اللي دفنت زمايلي في الرمل، ده ~~ميخا يامه! وتلطم النسوة خدودهن، يمزقن شعورهن يمرمغن رءوسهن في التراب ويولولن ~~في صوت واحد: إلهي يحرق قلبك وقلب أمك يا ميخا! # | تضامن النساء # في طفولتي المبكرة قبل أن أعرف من هو أبي، عرفت أمي، عرفتها بالشكل والرائحة ~~والاسم والجسم، كان جسمها هو جسمي أو يشبه جسمي. كنت أتضامن ms457 مع أمي ضد أبي والعالم ~~الخارجي؛ لكن شيئا ما حدث جعلني أبتعد عن أمي، كنت طفلة لا أعرف بالضبط ماذا ~~يبعدني عن أمي، وماذا يبعد أمي عني، ربما هو أبي كان يقف بيني وبين أمي، أو ربما هو ~~العالم الخارجي كان يخدعني، يصور لي أن الأب هو كل شيء، الاسم والشرف والاحترام ~~والدين والعلم والماضي والحاضر والمستقبل والدنيا والآخرة. # لم يكن للآن شيء من كل هذا، بدأت أثور ضد أبي والعالم الخارجي من أجل أمي ، تصورت ~~أن أمي سوف تفرح وتتضامن معي، لكنها تضامنت مع أبي والعالم الخارجي ضدي. هذه أول ~~صدمة في طفولتي، كنت في السادسة من عمري حين تلقيت الصدمة الأولى من أمي، رأيتها ~~واقفة تبتسم والأيادي الغليظة تنتزعني من الفراش، تربط ذراعي وساقي، وتستأصل ~~بالموسى عضوا من جسدي. # أصابتني خيبة أمل في أمي، أصبحت أتجه نحو أبي، بدا أبي كأنما يحنو علي أكثر من ~~أمي، وكأنما يحبني أكثر من أمي، أي خديعة وأي وهم تسرب إلى عقلي دون أن ~~أدري؟! # كم مضى من العمر وأنا أعيش هذا الوهم؟ قبل أن تموت أمي بقليل أو ربما بعد أن ماتت ~~بدأت أدرك الحقيقة، كانت الحقيقة مثل جبل الثلج الغارق تحت الماء، تكشف عن نفسها ~~جزءا جزءا. # حين بلغت الخمسين من العمر وبعد أن دخلت السجن أدركت أن تضامن النساء أخطر من ~~السلاح النووي، لم يكن يهدد إدارة السجن إلا التضامن بيننا نحن النساء. بعد ~~أن خرجت من السجن أدركت أن تضامن النساء يمكن أن يسقط النظام الحاكم. # ألهذا السبب كان تنظيم النساء من المحرمات في نظر الأحزاب السياسية ~~جميعا، يمينا ويسارا، وحكومة ومعارضة؟! منذ بدأنا تجميع صفوف النساء في مصر ~~عام 1982 تضافرت القوى الحكومية وغير الحكومية على ضرب أي محاولة يمكن أن توحد ~~النساء. # النساء أنفسهن كن يضربن المحاولة مثل الرجال، كالأم التي تضرب ابنتها إرضاء ~~للزوج أو الأب الحاكم. منذ عام 1982 وحتى هذا العام 2000 كم محاولة ضربت؟ بعد كل ~~ضربة ننهض من جديد ونجمع صفوف ms458 النساء، ثمانية عشر عاما نحاول توحيد جهود المرأة ~~المصرية دون جدوى. وفي عام 1999 شكلنا لجنة تحضيرية، أكثر من مائة شخص من أجل ~~تكوين الاتحاد النسائي المصري. عقدنا الاجتماعات، نشرنا الدعوة بين الجمعيات ~~النسائية. بدأت الفكرة تنتشر، تحمست لها أعداد كبيرة من الشابات والشباب، ~~وجمعيات المرأة في المحافظات. قررنا عقد اجتماع يوم 22 أغسطس عام 1999 للإعلان عن ~~بدء تكوين الاتحاد النسائي المصري. قبل موعد الاجتماع بأيام قليلة فوجئنا بحملة ~~صحفية ضد الاجتماع وتصريحات حكومية إن هذا الاجتماع غير قانوني. # وفي عام 1992 نشرت كتابا كاملا بعنوان «معركة جديدة في قضية المرأة»، يوضح ~~الكتاب كيف أغلقت الحكومة المصرية جمعية تضامن المرأة العربية بقرار غير قانوني، ~~يوم 15 يونيو 1991، رفعنا قضية ضد الحكومة في المحكمة الإدارية بمجلس الدولة، ~~وانقضى تسعة أعوام دون أن يصدر قرار المحكمة. # وتستمر المعركة حتى اليوم من أجل تضامن النساء. بدأت ظاهرة جديدة هذا العام هي ~~تضامن الأم مع ابنتها ضد الأب أو الأخ، يوم 17 يونيو 2000 دافعت أم عن حياة ابنتها ~~حتى الموت، الابنة الصغيرة تعرضت للاغتصاب وحملت سفاحا، وبدأت علامات الحمل ~~تظهر على الفتاة الصغيرة. ذاع الأمر بين أهل قرية «الرواتب» التابعة لمركز أبو طشت بمحافظة قنا في صعيد مصر. عقد رجال الأسرة مجلسا واتخذوا قرارا؛ قتل الفتاة ~~لمحو العار، وقع الاختيار على شقيقها (اسمه بدر نور الدين) للإجهاز عليها، ويساعده ~~في ذلك عمها (عبد الفتاح) وابن عمتها (عبده محمود) وابن عم أبيها (أحمد راشد)، ~~أربعة رجال أشداء يعملون بالفئوس في الأرض. استدرجوا الفتاة الصغيرة بمفردها ~~لقتلها، لكن أمها الواعية أدركت ذلك، كانت تقف لهم بالمرصاد تحول دون قتل ابنتها، ~~اتفق الرجال على خداع الأم وابنتها، قالوا إن ابن عمتها عبده محمود سوف يتزوج ~~منها تغطية على العار (ربما هو الذي تسبب في الحمل لا نعرف) ولكنه سيتزوج منها بعد ~~إجهاضها من الحمل السفاح. # أصرت الأم على الذهاب مع ابنتها مع بعض سيدات الأسرة لمتابعة عملية الإجهاض، ~~التي تمت داخل عيادة طبيب في نجع ms459 حمادي، ظلت الفتاة ثلاثة أيام تحت الملاحظة ~~بالعيادة، وفي اليوم الثالث طلبت الأم عودة ابنتها، أحست أن مؤامرة تدبر لقتل ~~ابنتها؛ هددت بإبلاغ الشرطة إذا تعرضت ابنتها لمكروه. تم اصطحاب الأم لمرافقة ~~ابنتها في العودة بصحبة ابن عمتها عبده محمود، واتفقوا مع سائق أجرة على السير في ~~طريق زراعي بعيد عن البيوت لتمكينهم من تنفيذ الجريمة. في ليلة الحادث كان ~~الرجال الثلاثة الآخرون ينتظرون في الطريق، وهناك حاولوا انتزاع الفتاة من يد ~~والدتها لقتلها، إلا أن الأم تشبثت في استماتة لحماية ابنتها، وقدمت نفسها فداء ~~لها وهي تستغيث وتستعطفهم بالصفح عنها، لكن طعنات السواطير هوت على جسد الأم ~~يضربها الأربعة الرجال حتى أصبحت جثة ممزقة أمام ابنتها، ثم انهالوا على البنت ~~الصغيرة بالسواطير بعد قتل الأم، وتم تمزيق الجثتين إلى اثنتي عشرة قطعة، ألقوا بها ~~في الترعة داخل أكياس بلاستيك كبيرة. # هذه هي الأم الجديدة التي أصبحت تتضامن مع ابنتها الحامل سفاحا حتى الموت، وكانت ~~الأم في الماضي القريب تتضامن مع رجال الأسرة في قتل ابنتها لمحو العار. لا يمكن أن ~~أنسى هذه الأم التي كانت تمشي في الشوارع تزغرد بالفرح، إلى جوارها يمشي ابنها ~~الأكبر حاملا رأس ابنتها الصغرى على سن السكين بعد أن فصل رأسها عن جسها. لم ~~تكن الفتاة قد حملت سفاحا، بل كانت تحب زميلها في العمل وتفكر في الزواج منه، ~~رآها أخوها تمشي في الشارع مع زميلها؛ فانقض عليها بالسكين، وراحت الأم تزغرد ~~بالفرح، وتمشي إلى جواره مرفوعة الرأس بعد أن غسلت العار بالدم، أي عار وأي دم؟! ~~أي خديعة وأي وهم كان يعشعش في عقول الأمهات كما كان يعشعش في عقلي منذ ~~الطفولة. # كان صوت أمي يخفت إلى جوار صوت أبي، كان أبي يقول هذا العالم فاسد يا ابنتي، قائم ~~على دعامتين: الظلم والكذب. مع ذلك كان أبي يرى أن أخي أعلى مني درجة لأنه ذكر، ~~يعطيه ضعف ما يعطيني من مصروف، ويقول: للذكر مثل حظ الأنثيين. # كنت أتطلع لأمي لتقول شيئا، كان أبي ms460 يدعم كلامه بكلام الله، لم يكن لأمي أن تعارض ~~كلام الله. # منذ عام 1957 حين كنت طبيبة القرية بدأت الحكومة تطاردني بهذه التهمة، معارضة كلام ~~الله، لم أقترف إثما إلا التضامن مع فتاة مريضة حملها البوليس بالقوة إلى بيت ~~زوجها، كان يكبرها بواحد وخمسين عاما، يضربها كل ليلة ويغتصبها جنسيا من الخلف ~~وهي ساجدة تصلي لله. كنت الطبيبة المسئولة، واجبي حماية الفتاة من زوجها، لكن قوة ~~البوليس كان أقوى مني، انتزعوا الفتاة وأعادوها إلى زوجها. ألقت نفسها في النيل بعد ~~أسبوع، وأنا أصبحت متهمة بالعمل ضد الدين، دخل اسمي القائمة السوداء، تحت اسم عدوة ~~الله، هل التضامن بين النساء يعني عداوة الله؟! # منذ عام 1957 أصبحت متهمة بعدم الإيمان بالله، وفي عام 1962 أضيفت إلي تهمة ~~جديدة هي: عدم الإيمان بالثورة المجيدة. كان زملائي وزميلاتي في نقابة الأطباء قد ~~انتخبوني لأكون عضوا في المؤتمر الوطني للقوى الشعبية، عقد في قاعة جامعة ~~القاهرة عام 1962. جلس جمال عبد الناصر فوق المنصة يتوسط الوزراء كبار رجال ~~الدولة. تبارى أعضاء المؤتمر في تعريف من هو الفلاح ومن هو العامل، فجأة تلاشت ~~البديهيات والظواهر الواضحة كالشمس، لم يعد أحد يعرف من هو العامل الحقيقي ومن ~~هو الفلاح الحقيقي. كنت شابة صغيرة حديثة العهد بألاعيب السياسة، حين جاء دوري ~~للكلام قلت الفلاح هو الذي بوله أحمر. # في طفولتي كانت جدتي تقول إن البول الأحمر دليل الصحة والعافية، لم أكن أعرف ~~أنه الدم، حتى سمعت أبي يقول إن كل الفلاحين في مصر يمرضون بالبلهارسيا. وفي كلية ~~الطب عرفت أن أبي كان صادقا، ومات أبي قبل المؤتمر الوطني للقوى الشعبية بثلاث ~~سنوات. لم يشهد المباراة حول تعريف من هو الفلاح ومن هو العامل، ولا هؤلاء الذين ~~خلعوا البدل الإفرنجية وارتدوا الجلاليب أو العفاريت الزرق ودخلوا البرلمان أو ~~مجلس الشعب تحت اسم الفلاحين أو العمال. # في فبراير 1958 بدأت الوحدة بين مصر وسوريا، وفشلت في سبتمبر 1961. ظلت أسباب ~~الفشل مجهولة، لا يعرف الشعب شيئا عما يدور في الدوائر العليا، ms461 تمتلئ الصحف ~~بالأكاذيب وتسري الإشاعات. # كان صديقي رجاء الشاعر يعرف ما يدور، كتب قصيدة حذفت الرقابة أهم أجزائها، كشف ~~فيها عن أن الوحدة لم تقم إلا لإنقاذ سوريا من خطر الاشتراكية، وراء قيام الوحدة ~~كان رجال حزب البعث والأثرياء في سوريا، لم ينقذ جمال عبد الناصر ما أرادوه، طردوه ~~من سوريا وحدث الانفصال. # أصبح رجاء الشاعر مطاردا من البوليس، لم يكن رجاء ينتمي إلى حزب اليسار أو ~~اليمين، كان شاعرا يكتب القصائد، أصبح متهما بالشيوعية، لم يكن أمامه طريق ~~للحياة إلا الهجرة خارج الوطن. # بعد هزيمة عام 1967 لم يعرف أحد سبب الهزيمة، امتلأت الصحف بالأكاذيب. جاءتني ~~رسالة من رجاء الشاعر، يقول فيها: أعيش في باريس مع أديب من سوريا وشاعر من العراق، ~~لم يعد الوطن العربي يحتمل وجود الشعراء والأدباء، نتابع هنا ما يحدث في بلادنا. ما ~~حدث في مصر يوم 5 يونيو ليس نكسة بل هزيمة كبرى، خططت لها الولايات المتحدة مع ~~إسرائيل، أبلغوا الاتحاد السوفييتي كذبا أن إسرائيل تستعد للهجوم على سوريا، أبلغت ~~موسكو هذا الخبر إلى القاهرة، قام عبد الناصر بتهديد إسرائيل إذا اعتدت على سوريا. ~~كانت الخطة هي استدراج مصر إلى الحرب. لم يكن جمال عبد الناصر مستعدا للحرب، لكن ~~المستشارين الأمريكيين في الجيش المصري غرروا به، شجعوه على طرد القوات الدولية ~~من شرم الشيخ، خرجت القوات الدولية بسرعة دون اعتراض. الثالوث المشارك في الخطة: ~~الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ألا يذكرك هذا بالاعتداء الثلاثي على مصر عام ~~1956، ورابعهم إسرائيل؟! ما إن خرجت القوات الدولية من شرم الشيخ حتى بدأت ~~إسرائيل هجومها على مصر، ضربت الطيران المصري كله وهو نائم فوق الأرض صباح يوم 5 ~~يونيو 1967، واحتل الجيش الإسرائيلي سيناء بالكامل. # وفي عام 1973 جاءتني رسالة من رجاء الشاعر، يشرح لي كيف وقعت الثغرة في حرب أكتوبر ~~1973، وخسائر الجيش المصري. كانت الصحف تنشر الأكاذيب ولا أحد يعرف الحقيقة. كتب ~~رجاء الشاعر يقول: لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دورا مشابها لما حدث في حرب ~~1967، أقنعت أنور السادات أنه ms462 يمكن أن يحرك القضية السياسية بمعركة عسكرية ~~محدودة، لكن الجيش المصري بعد أن أسقط خط بارليف أراد أن ينطلق إلى المضايق ومنها ~~إلى تل أبيب، هنا أصدر السادات أمرا بإيقاف النار، انتهز الجيش الإسرائيلي هذه ~~الفرصة وطوق الجنود المصريين، هكذا وقعت الثغرة. # أعقب هذه الهزيمة استدراج السادات لتوقيع ~~المعاهدة مع إسرائيل في كامب ديفيد عام 1976، أكبر مسمار في نعش الوحدة العربية. ~~وجاءت حرب الخليج عام 1991 لتمسح من الخريطة اسم العالم العربي، وتضع بدلا منه اسم ~~الشرق الأوسط تحت سيطرة إسرائيل. # منذ تزوجت شريف عام 1964 لم تكف الحكومة عن مطاردتنا، حصل شريف على عمل في الهند ~~وغادر مصر عام 1973. عاش وحده في المنفى أربعة أعوام، أغرق نفسه في العمل والكتابة ~~وأحب الهنود. بقيت في مصر لأرعى الابنة والابن، يرتبطان بحياتهما في المدرسة، ~~الزملاء والزميلات والأهل والأصدقاء والصديقات، لم يكن لنا أن نخلعهما من جذورهما ~~في هذه السن المبكرة ليعيشا الغربة. # ثم انتقل شريف إلى أديس أبابا في الحبشة، عاش ثلاثة أعوام أخرى في المنفى، لم يعد ~~إلى مصر إلا عام 1980، قبل أن يكسر رجال البوليس باب بيتنا ويأخذوني إلى السجن ~~يوم 6 سبتمبر 1981. # بعد خروجي من السجن بدأت النساء والشابات يترددن على بيتي في الجيزة، ظهرت ~~في الأفق فكرة إنشاء جمعية تضامن المرأة العربية، تكونت النواة الأولى من مائة ~~وعشرين امرأة من ثمانية بلاد عربية منها مصر. أصبح شعارنا: رفع الحجاب عن العقل، ~~المعرفة قوة، والتضامن بين النساء قوة. # في عام 1982 بدأنا نؤسس الفرع المصري تحت اسم الجمعية الأم، وقفت الحكومة ~~المصرية ضدنا ثلاثة أعوام، وصلني خطاب في 19 أغسطس 1983 بشعار الدولة النسر، ~~يقول الآتي بالحرف الواحد: # تقرر رفض تسجيل جمعية تضامن المرأة العربية لعدم موافقة مباحث أمن ~~الدولة، بعد الاطلاع على رد مديرية أمن القاهرة، إدارة البحث الجنائي ~~قسم مكافحة جرائم الآداب العامة. # أرسلت صورة من هذا الخطاب إلى جميع الصحف ~~في مصر، أردت أن أكشف كيف تتعامل الحكومة مع المواطنات من الشعب، كيف تنتهك ~~الحكومة ms463 القانون والدستور تحت اسم مكافحة جرائم الآداب العامة. بدأت حملة صحفية ضد ~~وزارة الشئون الاجتماعية، قادها كبار الصحفيين من اليمين واليسار ومن الحكومة ~~أيضا. جريدة الأخبار من أكبر الصحف الحكومية في مصر، مصطفى أمين من أكبر ~~الصحفيين المصريين، يكتب عمودا يوميا في جريدة الأخبار تحت عنوان «فكرة»، يوم ~~23 أكتوبر 1983 نشر ما يأتي بالحرف الواحد: # فكرة! # منذ عام اجتمع عدد من السيدات، بعضهن أستاذات في الجامعة، ومدرسات ~~بها وصحفيات وشاعرات وكاتبات وربات بيوت، واتفقن على تأليف جمعية ~~«تضامن المرأة» مهمتها النهوض بالمرأة والدفاع عن حقوقها والارتقاء ~~بها. # واعترض البعض بأنها حركة عنصرية رجعية تعمل على تكتيل النساء ضد ~~الرجال، وتفصل بين مشاكل المرأة ومشاكل المجتمع. ولكن جمعية تضامن ~~المرأة تفادت هذا الاعتراض عندما فتحت عضويتها للرجال، وفعلا اشترك بعض ~~الرجال في نشاط الجمعية. # ومنذ بداية العام والجمعية في نشاط مستمر، تجتمع مرة كل أسبوعين، ~~وتقيم ندوات ثقافية وفنية وأدبية وتناقش بعض الكتب التي ترتبط بأهداف ~~الجمعية. ونظمت دراسات عن مشاكل المرأة العامة ونظرة الصحافة ~~والتلفزيون والإذاعة والسينما إلى المرأة المصرية. # وتقدمت الجمعية إلى وزارة الشئون الاجتماعية لشهرها، وإذا ~~بالجمعية تتلقى خطابا من إدارة مكافحة جرائم الآداب العامة ترفض قيام ~~هذه الجمعية! # ودهشت عضوات الجمعية، ما علاقة بوليس الآداب بجمعية هدفها المساهمة ~~في رفع المستوى الاجتماعي والثقافي للمرأة في مختلف المجالات وربط ~~مشاكلها بمشاكل المجتمع، وفتح مجالات جديدة أمام المرأة في العمل، وتنمية ~~الشخصية الأصلية للمرأة المصرية؟! # هل الحديث عن الحرية قلة أدب؟! هل الكلام عن الديموقراطية عمل ~~فاضح في الطريق العام؟! هل مطالبة المرأة بمزاولة حقها الانتخابي قلة ~~حياء؟! نفهم أن يكون عمل بوليس الآداب محاربة الفساد؟ ولكن ما علاقة ~~بوليس الآداب بأساتذة الجامعة والمثقفات والمؤلفات والشاعرات؟ أي شيء ~~في أهداف الجمعية فيه قلة أدب أو قلة حياء؟ # إن رئيسة الجمعية هي الدكتورة نوال السعداوي الكاتبة المعروفة ~~وصاحبة المؤلفات العديدة التي ترجمت إلى عدة لغات، وآخر كتاب لها هو ~~«الإنسان»، اثنتا عشرة امرأة في زنزانة واحدة، وهو مهدى «إلى ms464 كل من عرف ~~القهر في البيت أو في السجن»، وهي رواية عن حياة 12 سيدة قبض عليهن في ~~5 سبتمبر سنة 1981 بتهمة أنهن خصوم الحكومة! وبينهن عدد من أبرز أساتذة ~~الجامعة ومدرساتها والصحفيات والكاتبات. # فهل اعتبر بوليس الآداب أن هذا الكلام قلة أدب وقلة حياء ولهذا رفض أن ~~تكون جمعية رئيستها مثل هذه الدكتورة طويلة اللسان؟! # وسكرتيرة الجمعية هي الدكتور منى أبو سنة الأستاذ بكلية التربية ~~بجامعة عين شمس. ومن أعضاء الجمعية الدكتورة لطيفة الزيات، ~~والدكتورة ليلى عنان، والدكتورة عواطف عبد الرحمن، والدكتورة عفاف ~~محفوظ، وإنجي رشدي المحررة بالأهرام، وعائشة أبو النور الكاتبة بأخبار ~~اليوم، والأستاذات عطيات الأبنودي وشهيرة محرز ومنى حلمي والدكتورة سهى ~~عبد القادر ... # يقولون إن الدولة تحيل كل شيء يتعلق بالمرأة إلى بوليس ~~الآداب. # وإذا كان هذا صحيحا، فهذا أمر لا يمكن السكوت عليه في الوقت الذي أصبح ~~في مصر وزيرات وسفيرات ووكيلات وزارات وعضوات في مجلس الشعب! # صدق ... أو لا تصدق! # مصطفى أمين # وفي جريدة الشعب الناطقة في ذلك الوقت بلسان حزب العمل الاشتراكي، كتب فتحي ~~رضوان من أكبر رجال السياسة في مصر يقول في 22 نوفمبر 1983 تحت عنوان: # دولتنا بوليسية # تفضلت الأديبة الكاتبة الدكتورة نوال السعداوي، فأطلعتني على خطاب ~~أرسل إليها من السيد المدير العام للمكتب الفني بالإدارة الاجتماعية ~~بالوايلي بمنطقة القاهرة، مؤرخ في 9 / 8 / 1982 يتضمن قرارا صادرا من ~~سيادته يقتضي برفض عدم إشهار جمعية «تضامن المرأة»، وقد ذكر الخطاب ~~المشار إليه كجزء من قرار الرفض ومسبب له ما نصه: عدم موافقة مباحث أمن ~~الدولة. # والحق أنني تولاني عجب لا نهاية له من أن إدارة من إدارات الحكومة، لا ~~تجد حرجا في أن تعلن ببساطة أنها تعمل لحساب مباحث أمن الدولة، ~~وأنها تتلقى صراحة أوامر وتوجيهات من هذه المباحث فتعمل بها وتطيعها، ~~وتعلن للناس ذلك؛ أي تعلن للناس أنها لا تجد بأسا في أن تكون ذيلا ~~لإدارة مباحث أمن الدولة المكونة لجهاز أكبر كثيرا وأضخم، وهو جهاز ~~الدولة الشامل العظيم؛ ومن ms465 ثم فإن هذا الجهاز الجزئي، مهما بلغ من ~~خوف الناس منه وخشيتهم من قدرته على إيذائهم، ولا سيما في ظل قوانين ~~الطوارئ، إلا أنه ليس سيد الحكومة، ولا صاحب الأمر والنهي فيها. # فإذا كانت وزارة الشئون الاجتماعية قد قبلت أن تخضع في المسائل ~~الخاصة بتأليف جمعيات لتوجيهات إدارة مباحث أمن الدولة وأن تتلقى ~~الأوامر منها فتطيع وتنفذ الأمر، وكأن هذه الوزارة عسكري من عساكر ~~الشرطة، يوجه فيتجه ويؤمر فيذعن؛ فقد كان ممكنا أن يتم ~~هذا الأسلوب من الخضوع والطاعة، في تستر؛ فرسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال ~~لنا: «إذا بليتم بالمعاصي فاستتروا»، والستر الذي نريد أن ~~نسدله على الوزارة، يقتضيها أن تتلقى خطابات إدارة مباحث الأمن، فتنفذ ~~ما جاء فيها وتتحمل مسئولية القرار الذي أصدرته إدارة المباحث دون أن ~~تعلن أنها تلقت هذا الأمر، تلقت الخطاب الصادر من الوزارة إلى ~~الجمهور المتعامل بوضع هذا الاعتراف المؤذي في صدر هذا الخطاب؛ فيعرف ~~الناس جميعا أن حكومتنا هي حكومة بوليسية، وأن صاحب السلطة الحقيقية ~~في تصريف البلاد هو مخبر المباحث الذي يكتب التقرير لإدارة المباحث ~~التابع لها، مقترحا عدم التصريح بتأليف تكوين الجمعية التي يطلب ~~تشكيلها عدد من أفاضل أساتذة الجامعة أو عدد من أفاضل السيدات ~~والكاتبات وصاحبات الرأي ممن لهن عدد ضخم من التلاميذ والمريدين؛ ~~بدعوى أن هذه الجمعية جمعية شيوعية. # والحكومة البوليسية هي حكومة مكروهة من العالم كله، وبعض الحكومات ~~البوليسية تخفي «بوليسيتها» تحت ستار من المدنية والسرية، ولا تفعل ~~ما تفعله وزارة الشئون الاجتماعية علنا وبلا خجل. # فقد سبق أن أخبرني وكيل تعليم من كليات الجامعات أنه فكر وعدد من ~~زملائه الأساتذة في تأليف جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في إحدى عواصم ~~الصعيد؛ فجاءهم خطاب مماثل تماما للخطاب الذي وصل السيدات اللواتي ~~فكرن في تكوين جمعية تضامن المرأة. # والمؤسف حقا أن هذا التصرف الذي يصدر من وزارة ترأسها أستاذة للقانون ~~هي الدكتورة أمال عثمان، وهي بحكم ثقافتها، ومهنتها وعلمها، تعرف ~~الحكومة البوليسية، تعرف ما يقوله وقاله علماء القانون ms466 في استهجانها، ~~والدعوة إلى وضع حد لخصائصها في كل بلد. # والطريف الذي يحول الأمر، في موضوع دس المباحث أنفها في نشاط ~~الوزارات والمصالح الحكومية، إلى مهزلة مبكية ومأساة مضحكة، أن طلب ~~وزارة الشئون الاجتماعية يقول: إن ~~اقتراح منع التصريح بتكوين جمعية تضامن المرأة، صدر من إدارة البحث ~~الجنائي لمكافحة جرائم الآداب العامة ... ومعنى ذلك بعبارة واضحة أن تصنيف ~~النشاط الاجتماعي في وزارة الشئون الاجتماعية أضاف تأليف الجمعيات إلى ~~إدارة تكافح الانحطاط الخلقي، وترويج الفاحشة والعمل على ممارستها، وهو ~~شيء آخر يرينا العقلية التي يحكم بها على نشاط أصحاب الرأي ~~والراغبين في الخدمة. # فبماذا ننصح السيدات اللواتي أردن أن يدافعن عن حقوق المرأة التي هي ~~فرع أو ربما أصل لحقوق الإنسانية؟! أننصحهن بالكف عن هذه المحاولة ~~الشريفة السامية، وأن يدعن مجتمعنا بلا محاولة لرفع ~~مستواه؟! # أم ننصحهن بإنشاء جمعيتهن دون مراعاة قواعد القانون التي تحتم على ~~من تسول له نفسه تكوين جمعية أن يعرض أمره على إدارة تكافح عيوب ~~الآداب وآفاتها؟ # إنه مصاب يبكي ويضحك، ولكن لا نجد له حلا، إلا أن ندعو الله أن ~~يأخذ بيد هذا البلد، وأن نقول للسيدة أمال عثمان وزيرة الشئون ~~الاجتماعية إنها لا تخدم السيد اللواء حسن أبو باشا الوزير المشرف ~~على إدارة مكافحة جرائم الآداب العامة، ولا تتلقى منه الأوامر، بل إنها ~~لا تخدم السيد رئيس الجمهورية، إنما هي تخدم القانون الذي ~~تعلمته وأصبحت أستاذة فيه، وبفضل هذه الأستاذية اختيرت للوزارة، ~~وأنها بسبب تبعيتها للقانون وانتسابها إلى أسرته يجب أن تراجع قواعد ~~وأساليب العمل في وزارتها لتمنع صدور خطاب بهذه الصورة المؤذية الجارحة ~~التي نقلنا صيغتها بالحرف الواحد، ولنمنع من باب أولى، صدور قرار ~~مؤسف محزن كالقرار المانع من تكوين جمعية تضامن المرأة. # فتحي رضوان # وفي جريدة الجمهورية، وهي من أكبر الصحف الحكومية في مصر، كتب صلاح حافظ في 8 ~~ديسمبر 1983 مقالا شديد اللهجة ضد منطق أمال عثمان وزيرة الشئون الاجتماعية، ~~واعتبر خطابها الرسمي إلينا فضيحة للحكومة المصرية، وأنه لا يزال على مكتبه ms467 ~~يلوثه. # وكتب صلاح حافظ يقول بالحرف الواحد: # نعم تلوثه! # فلا شيء ينقض الوضوء في اعتقادي قدر ما تنقضه ورقة تقول لنساء ~~يعلمن أولادنا في الجامعة: أحلنا أمركن إلى بوليس ~~الآداب! # ولا شيء يهين مصر، ويلوثها، ويمتهن ثقافتها وحضارتها، ويشهر بها ~~في العالم كله ... مثل ما يفعله قرار مختوم بختم الدولة يعترف بأن الجهة ~~المختصة بالتعامل مع الأساتذة والمديرات والكاتبات في مصر هي بوليس ~~الآداب! صحيح أن في مصر عقولا ومنظمات تعتبر مجرد تعليم المرأة فسقا ~~ودعارة، مجرد وجودها في حقل العمل ضلالة وانحلالا؛ لكن الدولة لا ~~تكف في دعايتها عن اتهام هؤلاء الناس بالجهل والضلال، فما بالها ~~تتبنى نفس أفكارهم، وتجعل التعامل مع المثقفات والرائدات من اختصاص ~~البوليس المتخصص في مقاومة الفسق والدعارة؟! # هل تسللت هذه العقول، وتلك المنظمات، إلى داخل جهاز الدولة؟ وهل ~~سيطرت إلى الحد الذي جعل الثقافة والدعارة في بلادنا وجهين لعملة ~~واحدة، حسابها ورصيدها عند بوليس الآداب؟ # كنت أتصور حتى الآن أن الرأي في شئون الجمعيات الثقافية للجهات ~~الثقافية في الدولة. # لقد تخلفنا كثيرا فيما يبدو، دون أن نشعر. # ولن ينقذنا من هذا التخلف إلا أن ننسى بعض الوقت الذين يشهرون بنا ~~في الخارج، ونلتفت بعض الوقت إلى الذين يشهرون بنا في الداخل. # الذين يلطخون وجه مصر على راحتهم، ويزينون اللطخ بالتوقيعات وختم ~~النسر، ويقدمون للدنيا كلها وثائق تثبت أننا قوم نكره الثقافة ~~كراهية الدعارة، ولا نميز بينهما. # ومتى؟! # على مشارف القرن الواحد والعشرين، وبعد سبعة آلاف سنة من حضارة نفاخر ~~بها العالم الذي نزعم أننا نحن الذين علمناه وربيناه! # تخلصوا من هؤلاء يا سادة. # وثقوا أن مصر بعدهم ستستعيد ريادتها، وقيادتها، ودورها الحصين في ~~العالم، وأنها ستقهر كل الصعاب التي تواجهها. # فالمشكلة ليست عجز مصر وإنما إجهاض حماس شعبها، وقدرته الخلاقة، ~~وفرض التخلف عليها فرضا بأمثال هذه النظم التي لا تطالب راقصات الهرم ~~إلا بدفع الضرائب بينما تحيل الكاتبات وأساتذة الجامعات إلى بوليس ~~الآداب! # امتدت الحملة الصحفية ضد أمال عثمان وزيرة الشئون الاجتماعية وضد الحكومة ms468 ~~المصرية منذ ديسمبر 1983 حتى نهاية عام 1984. هكذا اضطرت أمال عثمان أن تعترف ~~بشرعية جمعية تضامن المرأة العربية، وجاءنا الخطاب الرسمي من وزارة الشئون ~~الاجتماعية في 7 يناير 1985 يقرر الموافقة على تسجيل الجمعية. # بعد خمسة شهور فقط التقيت بأمال عثمان وجها لوجه في مؤتمر المرأة العالمي، الذي ~~عقد في مدينة نيروبي عاصمة كينيا في يونيو 1985، رمقتني بنظرة حمراء، أدركت أنها ~~تكن لي كراهية مكبوتة، وأنها لن تتوانى عن توجيه ضربة إلي عاجلا أم آجلا، ~~في الظهر أو في البطن. كانت تسرع الخطى لتلحق بموكب السيدة حرم الرئيس. ~~وفي المساء أقامت أمال عثمان حفل عشاء كبيرا للسيدة حرم الرئيس دعت إليه جميع ~~النساء المصريات المشاركة في المؤتمر، لم أذهب إلى الحفل وآثرت أن أقرأ في سريري ~~رواية دنماركية جديدة عن مصر القديمة، وفي نيروبي آثرت أن أنام بعد يوم طويل حافل ~~بالعمل واللقاءات مع أعداد كبيرة من نساء العالم. # صديقتي بطة (الدكتورة كاميليا) كانت إحدى المشاركات في مؤتمر نيروبي، رأيتها في ~~قاعة كينياتا تهرول فوق كعبها العالي وراء أمال عثمان من أجل اللحاق بموكب ~~السيدة حرم الرئيس، وذهبت بطة إلى حفل العشاء تلك الليلة، وفي الصباح الباكر ~~جاءت إلى غرفتي بالفندق. # مش معقول يا نوال اللي بتعمليه ده! ليه ماجيتيش الحفلة؟ كلهم راحوا إلا إنتي؟ مش ~~كفاية اللي عملوه فيكي؟! عاوزاهم يقفلوا الجمعية بتاعتك؟! أنا بصراحة يا نوال ~~باخاف أقول إنك صاحبتي وإلا رفدوني من شغلي! ثم كركرت بطة بضحكتها الطويلة ~~المتقطعة، ضحكت معها ثم قلت: لا يمكن يرفدوكي يا بطة عندك حصانة عائلية برلمانية. ~~أطلقت بطة ضحكة أخرى وقال: وعندي حصانة دبلوماسية كمان أمال خيبانة زيك يا ست ~~نوال؟! # ظلت وزيرة الشئون الاجتماعية على عدائها لجمعية تضامن المرأة العربية، ومع ~~أجهزة الحكومة والأمن، وبعض النساء شجعتهن الوزيرة على تكوين جمعية جديدة للمرأة. ~~لجأت الحكومة إلى مبدأ فرق تسد، امتلأت الساحة المصرية بالجمعيات ~~النسائية، كل أربع أو خمس نساء يشكلن جمعية أو مركزا أو رابطة أو شركة مساهمة ~~أو أي ms469 شيء، المهم أن تتعدد الفرق ويضرب بعضها بعضا، تتنافس أيها تقترب أكثر من ~~دوائر السلطة والمال والنفوذ. # لم تدخل جمعية تضامن المرأة العربية في هذا الصراع بين النساء، لكن وزارة ~~الشئون الاجتماعية لم تكف عن مطاردة الجمعية ومعها وزارة الداخلية، أجهزة ~~الأمن والمباحث كانت تتربص، تطارد العضوات في أماكن العمل والبيوت، تسلط عليهن ~~صحف الجماعات الإسلامية والإرهابية، التابعة للحكومة. بدأنا نقرأ هجوما في تلك ~~الصحف على أنشطة الجمعية، تحت المانشتات الكبيرة الحمراء والسوداء، بدأنا نقرأ ~~عناوين من نوع: جمعية نوال السعداوي الكافرة تنظم مؤتمرات ضد الأخلاق والتراث، ~~جمعية تضامن المرأة العربية مأجورة لهدم الإسلام والآداب العامة. # في 22 مارس 1990 عقدت جمعية تضامن المرأة العربية اجتماعا كبيرا من أجل الوحدة ~~الوطنية، كانت أحداث القتل الإرهابية تغتال الأبرياء في صعيد مصر، ثم وقعت أحداث ~~أبو قرقاص بالمنيا، وبدأت الفتنة الطائفية تهدد بلادنا. ثم عقدت الجمعية اجتماعا ~~آخر كبيرا ليلة الخميس 29 مارس 1990، زاد عدد المشاركين في الاجتماع عن المائة، ~~كونوا جميعا الهيئة التأسيسية للجنة المصرية للدفاع عن الوحدة الوطنية. في ~~الاجتماع الثالث ليلة 5 إبريل 1990 بلغ أعضاء الهيئة التأسيسية مائة وتسعة ~~وأربعين عضوا وعضوة من مختلف التيارات السياسية أو المدارس الفكرية في مصر، ~~أجمعوا على ضرورة العمل المتواصل لإخماد الفتنة الطائفية وتوحيد الشعب المصري ~~نساء ورجالا. # هنا أدركت الحكومة خطر جمعية تضامن المرأة العربية، هنا بدأت الحرب الضاربة ضد ~~الجمعية وضد عضواتها، على رأسهم بطبيعة الحال رئيسة الجمعية نوال السعداوي. ~~بدأت وزارة الشئون الاجتماعية مع وزارة الداخلية إيفاد المراقبين والمفتشين ~~ورجال المباحث إلى أي اجتماع تعقده الجمعية. اشتدت الحملة في صحف الحكومة ~~والصحف الإسلامية ضد الجمعية الكافرة ورئيستها الزنديقة التي لا تحترم القيم ~~أو الآداب العامة. # ثم قامت حرب الخليج في يناير 1991، حرب أخرى جديدة في سلسلة الحروب المتعاقبة منذ ~~نشوء دولة إسرائيل عام 1948، محاولة كبرى من جانب الثالوث القديم، أو الحلفاء ~~الأربعة ضد العالم العربي، الولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا وإسرائيل، وزاد عددهم ~~إلى ثلاثين جيشا مسلحين بالقنابل الليزر، ضربوا ms470 بغداد ليلة 16 يناير 1991. احترقت ~~بغداد، مات نصف مليون من النساء والأطفال والشباب، وحتى اليوم ونحن في يونيو ~~عام 2000 لا يزال الشعب العراقي تحت الحصار، يموت فيه كل يوم آلاف الأطفال دون ~~دواء، دون طعام. # إنها حرب النفط الثانية بعد حرب 1973، إنه الاستعمار القديم يرتدي حذاء جديدا ~~يسميه النظام العالمي الجديد، ويدوس به على أرواح الشعوب من أجل البترول وتنشيط ~~تجارة الأسلحة، وفتح أسواق جديدة في بلاد ما يسمى العالم الثالث. # النساء والفقراء هم العملة الرخيصة في الحروب والأزمات، أول من يدفع وآخر من ~~يأخذ، سنة القانون الطبقي الأبوي الذي يحكم عالمنا الحديث وما بعد ~~الحديث. # أرادت الولايات المتحدة أن تستخدم في حرب الخليج بعض الجيوش العربية كنوع من ~~الغطاء، كنوع من التمويه يحدث دائما في كل الحروب، هكذا دخل الجيش المصري والجيش ~~السوري الحرب ضد العراق تحت لواء الجيش الأمريكي وجيوش الحلفاء ~~الثلاثين. ~~- الحلفاء؟! # في طفولتي سمعت أبي ينطق كلمة الحلفاء بطرف لسانه، يلفظها كأنها هي بصقة، ~~الحلفاء يا ابنتي هم الأعداء، يتخفى العدو تحت اسم الصديق، ماذا نفعل يا ابنتي؟! ~~ضحكنا حين سمعنا الإذاعات تقول بصوت السادات عام 1976 صديقي كارتر، ثم ضحكنا حين ~~رددت الإذاعات هذه العبارات عام 1991 مع تغير الأسماء. # وتجمعت النساء العربيات من خمس عشرة دولة عربية في مؤتمر جمعية تضامن المرأة ~~العربية خلال الفترة من 4-7 سبتمبر 1990، أصدرت النساء المجتمعات بيانا ضد غزو ~~العراق للكويت، وضد قيام حرب الخليج العسكرية، وتم تشكيل لجنة من النساء للعمل ~~على منع الحرب وحل الأزمة بالطرق السلمية. # هنا انتهزت وزارة الشئون الاجتماعية الفرصة لتوجيه ضربتها إلى الجمعية، صدر ~~قرار أمال عثمان وزيرة الشئون الاجتماعية بإغلاق جمعية تضامن المرأة العربية، ~~ومصادرة أموالها وتحويلها إلى جمعية أخرى اسمها نساء الإسلام. صدر هذا القرار غير ~~القانوني في 15 يونيو 1991، بدأت حملة في الصحف الحكومية والإسلامية التابعة لها ~~لتشويه سمعة الجمعية المأجورة الخائنة للوطن، وسمعة رئيستها نوال السعداوي ~~المعادية للإسلام والآداب العامة ومصالح الوطن الكبرى. # لم يصدق أحد هذه الحملة، ms471 وبدأت بعض الأقلام تعارض قرار وزيرة الشئون، الذي أصدره ~~نيابة عنها نائب محافظ القاهرة. # في 21 يوليو 1991 بجريدة الأخبار كتب مصطفى أمين في عموده اليومي بعنوان «فكرة» ما يلي: # في يوم 15 يونيو 1991 أصدر نائب محافظ القاهرة لمنطقة غرب القاهرة ~~قرارا بحل جمعية لتضامن المرأة العربية. # ونحن نشجع قيام الجمعيات في بلادنا، وندهش لأن نائب المحافظ يغلق ~~جمعية لتضامن المرأة العربية وينقل أموالها إلى جمعية أخرى بغير أن ~~يذكر سبب هذا الإغلاق. # والذي نعرفه أن هذه الجمعية قامت منذ سنوات طويلة ... منذ إنشائها وهي ~~تلقى المعاكسات، بالرغم من أن الدكتور محمود شريف وزير الحكم المحلي ~~ألقى محاضرة في هذه الجمعية وفي الوقت نفسه صدر قرار يحظر على الجمعيات ~~بدائرة غرب القاهرة أن تجادل في (الأمور السياسية) ولا نعرف مثل هذا ~~القرار في أي بلد ديموقراطي، وقد عشنا طوال عمرنا نرى نقابة المحامين ~~ونقابة الأطباء وغيرهما من الجمعيات والنقابات تشتغل بالسياسة، وفي ~~ثورة 1919 كانت جمعية المرأة الجديدة تصدر قرارات تهاجم الاحتلال ولم ~~يحلها الإنجليز. # إننا ندهش أن تحل جمعية بغير تحقيق، وبغير أن يوجه إليها تنبيه إذا ~~أخطأت. # نفهم أن تحل جمعية بسبب الآداب العامة، أو لأنها تدعو إلى قلب نظام ~~الحكم بالقوة، ولكن لا نفهم أن تحل جمعية لأن رئيستها أو أحد أعضائها ~~يعارض الحكومة، وخاصة أن رئيسة هذه الجمعية الدكتورة نوال السعداوي ~~كانت تلقي الخطب والمحاضرات علنا تعارض فيها سياسة الحكومة، وكانت ~~الصحف العالمية تعتبر هذه المعارضة دليلا على أن في مصر ديموقراطية ~~تسمح بحرية الرأي. # هذا القرار أزعج كثيرا من الجمعيات؛ فإذا اعترضت جمعية ما على حالة ~~التموين في البلاد فهذا تدخل في السياسة! وإذا طالبت جمعية ~~بالإكثار من زراعة البرسيم فهذا تدخل في السياسة! وإذا طالبت جمعية ~~بمنع استيراد الحمير إلى مصر فهذه سياسة! بل صميم السياسة. كل شيء ~~في البلد سياسة؛ ولهذا فمن واجب كل الجمعيات في مصر أن تسأل ما هي حدود ~~السياسة المسموح بها. # إن الذين أصدروا هذا القرار لم يعلموا ms472 حتى الآن أن في مصر ~~ديموقراطية. # مصطفى أمين # وفي 31 يوليو كتب فليب جلاب رئيس تحرير جريدة الأهالي يقول تحت عنوان: وزارة ~~الشئون و«الحلفاء» الراشدون: # لا يستطيع أحد مهما بلغت جرأته على الحق أن يقنعنا بأي في مصر حكومة ~~واحدة. # لدينا حكومة تتحدث عن الانفتاح والتعددية والشرعية، ولدينا حكومة أو ~~حكومات أخرى تعتقد أن أعظم مظاهر الديموقراطية والتعددية ~~والشرعية هي تطبيق القانون العثماني أو على أحسن الفروض مبادئ الحكم ~~المملوكي. # ولا يستطيع أحد أن يشكل جمعية لممارسة أي نشاط اجتماعي (دعك من النشاط ~~السياسي) إلا بعد إجراءات وتحريات تستدعي تدخل الأمم المتحدة وربما ~~قوات «الحلفاء» الراشدين لدى صاحبة العظمة وزارة الشئون ~~الاجتماعية. # ويبدو أن الوازرة وافقت في ظروف دولية غير مواتية على تسجيل جمعية ~~تضامن المرأة (المصرية) كما سجلت إدارة الهيئات الدولية بوزارة ~~الخارجية المصرية جمعية أخرى دولية بنفس الاسم ذات وضع استشاري في ~~المجلس الاقتصادي الاجتماعي بالأمم المتحدة. # وما إن بدأت تباشير النظام العالمي الجديد حتى رأت وزارة الشئون ~~الاجتماعية والسيد نائب محافظ القاهرة للمنطقة الغربية أن الفرصة ~~أصبحت مواتية لتأديب رئيسة الجمعية المصرية الدكتورة نوال السعداوي، ~~والخلط بين الجمعيتين ومصادرة ممتلكاتهما وتسليمهما إلى «محتسب» موظف في ~~وزارة الشئون يرأس هو نفسه جمعية نسائية، مع الاحتفاظ له شخصيا ~~بعشرة في المائة من هذه الممتلكات جزاء المشقة التي سيعانيها في عملية ~~الاستيلاء على أموال الغير. # ونشر نائب المحافظ بيانا يعتمد فيه على بلاغ لسيدة تزعم فيه أن ~~الجمعية المصرية تحتفظ في بنك مصري بأموال أخرى لم تبلغ عنها، وهي في ~~الحقيقة أموال الجمعية الدولية، وزعم المسئول أنه راجع وزارة ~~الخارجية فأبلغته أنها لا تعرف شيئا عن الجمعية الدولية، مع أن لها ~~ملفا منذ تسجيلها في الأمم المتحدة. والمدهش هو أن رجالا مسئولين ~~يعتقدون أن من يريد إخفاء أموال عن مراقبة وزارة الشئون الاجتماعية ~~يقوم بإيداعها في بنك مصري باسم الجمعية في عاصمة مصر، مع أن تهريب مثل ~~هذه الأموال يمكن أن يتم بغاية اليسر إلى بنوك في الخارج لو كان ms473 لما يزيد ~~على 100 مليار دولار في الخارج، والأكثر إثارة للدهشة هو أن السيد ~~نائب المحافظ استفسر عن حقيقة الجمعية في وزارة الخارجية؛ فعرف منها ~~أنه ليست هناك جمعية بهذا الاسم رغم الوثائق الرسمية التي تقدمها ~~الدكتورة نوال السعداوي. # ولما كان من المستحيل أن تجهل إدارة الهيئات الدولية بوزارة الخارجية ~~المصرية اسم جمعية دولية ذات ملف رسمي لديها؛ فقد يكون سؤال محافظ ~~القاهرة عن طريق الخطابات الرسمية المعروفة قد وجه إلى وزارة أخرى أو ~~ربما لوزارة الخارجية في عاصمة أخرى ... أو ربما لم يستدل مندوب ~~المحافظة على عنوان وزارة الخارجية كما حدث منذ أسبوعين عندما سجل أحد ~~«المحضرين» على إنذار موجه لوزارة الصناعة لتنفيذ حكم لصالح عمال ~~المحلة، بأنه لم يستدل على عنوان وزارة الصناعة بالقاهرة. # وهكذا استطاعت وزارة الشئون مع السيد نائب المحافظ أن يعيدا إلى ~~ذاكرة المصريين والقاهرة بعض تقاليد مصر الزاهرة في عصور العثمانيين ~~والمماليك حتى لا يتوهم أحد أن مبادئنا السياسية والاجتماعية ~~تنبع من خارج بلادنا في قضية إنشاء الجمعيات بالذات. # وهذا عمل من جلائل الأعمال يمكن أن يبعد الناس - ولو لأيام معدودة - ~~عن مناقشة أمور كئيبة مثل الارتفاع الصاروخي للأسعار وضريبة الرأس (أو المبيعات) وما يتعرض له العرب من الخليج إلى المحيط دون استثناء، من ~~إذلال وإهانة لم يسبق لهما مثيل. # وفي جريدة الأخبار يوم 17 أغسطس 1991 كتب صلاح حافظ تحت عنوان: وزارة «الجماعات»: # عندي «للإسلاميين» في مصر خبر سعيد: # وزارة الشئون الاجتماعية قررت أن تنوب عنهم، وتنفذ برنامجهم، دون ما ~~حاجة إلى استيلائهم على الحكم! # وقد اختارت الوزارة أن تبشر الأمة المصرية بهذا الفتح العظيم منذ ~~حوالي أسبوعين، وبدأت بقرار لن يصدقه القارئ، وإن كنت أقسم بالله العظيم ~~ثلاثا أنه صدر. # موضوع القرار جمعية اسمها «تضامن المرأة المصرية». # وهي جمعية ترأسها الطبيبة الكاتبة الأديبة نوال السعداوي، ولا أحد يجهل ~~من هي نوال السعداوي. وهذه الجمعية تعمل في مصر منذ سنوات ولها مقر، ~~ولها صفة اعتبارية؛ بناء على قرار صادر من وزارة الشئون ~~الاجتماعية. ms474 # لكن شيئا ما حدث فجأة في الوزارة. # شخص ما في الوزارة لم تعد تروق له هذه الجمعية، وقد يكون السبب ~~أنه يكره النساء المتمردات، أو أن زوجته التحقت بالجمعية وعادت ~~تناقشه بلهجة لم يألفها، أو أنه مسئول عن مراجعة حسابات آلاف من الجمعيات ~~... ويريد أن يختصر العدد، أو أن السيد البدوي زاره في المنام وأركبه ~~حصانا أبيض، وقال له «قم واشطب هذه الجمعية.» # المهم على أية حال، هو أنه فعل. # وفي الصباح التالي صدر قرار من الدكتورة أمال عثمان الممثلة ~~للمرأة في مجلس الوزراء، بإلغاء جمعية «تضامن المرأة المصرية». # ولم يكن في القرار أسباب؛ لأن القوانين في مصر لا تلزم صاحب أي قرار ~~بأن يشرح أسبابه. # لكن هذا لا يهم. # إنما المهم أن القرار فرض على الجمعية أن تسلم بيتها، ~~وأدواتها وأموالها، لجمعية أخرى في ضاحية المعادي، اسمها «جمعية نساء ~~الإسلام»! # وهذا هو ما يستحق أن نتوقف عنده. # فجمعية «نساء الإسلام» هذه بحكم اسمها جمعية للمسلمات فقط ... والجمعية ~~التي تقرر حلها لكل المصريات؛ فكيف تسلم جمعية قومية ممتلكاتها وفلوس ~~عضواتها لجمعية لا تقبل في عضويتها غير فريق المسلمات! # وإذا كانت جمعية نوال السعداوي ضارة، وغير مرغوب فيها ونخشى إذا ~~تركناها أن تلوث البيئة، أو تثير حربا عالمية ثالثة، فلم لا تحل ~~وتئول أموالها إلى أعضائها، وما معنى اغتصاب ممتلكاتها كما فعل صدام ~~حسين بالكويت؟! # إن شيئا كهذا لا يمكن أن يحدث في بلد متحضر. # وأمام القضاء المصري الآن دعوى رفعتها هذه الجمعية وستكسبها؛ لأن ~~القضاء المصري لا يزال متحضرا والحمد لله. # لكن ما يهمنا هو السؤال الخطير: من الذي قرر حين رأت الوزارة حل ~~الجمعية أن تلتهم فلوسها جمعية دينية؟ # قيل لي عندما سألت: إن المسألة أبسط كثيرا مما توهمت، وإن الرجل ~~المكلف بتصفية جمعية نوال السعداوي كان بالصدفة الرجل الذي أسس جمعية ~~نساء الإسلام؛ فاختار على سبيل الكسل أن يضم الجمعية المحلولة إلى ~~الجمعية التي أسسها. # وفي اعتقادي أن هذا عذر أقبح من الذنب. # فمعناه أن مصائر الجمعيات في ms475 بلادنا أصبحت رهنا بمدى راحة بعض الصغار، ~~من كبار الموظفين في أجهزة الدولة، وأن حكومتنا لم تدرك بعد - برغم ~~آلاف الدروس - أهمية الجمعيات الأهلية في بناء المجتمع والنظام، وأنها ~~بإهدار كرامة العمل الاجتماعي الأهلي تنهي إلى الأبد إمكان التوحد ما ~~بين الناس ونظام الحكم، وتلغي المبادرة الشعبية، والإرادة ~~الجماهيرية، وكل ابتكار يمكن أن يساند أجهزة البيروقراطية البلهاء ~~المتعفنة. # ثم يبقى بعد ذلك السؤال ... # من الذي أصبح يحكم هذه الأجهزة البلهاء ... إلى أي مدى أصبحت تديرها ~~«الجماعات» وهو سؤال أشفق على الدكتورة أمال عثمان من مواجهته؛ لكنني ~~أدعوها أن تفعل. # فهي بالنسبة لي نموذج لنجاح المرأة في المناصب الكبرى، ونجاحها ينصف ~~موقفي من المرأة عموما، وسيؤلمني كثيرا أن تقفل عينيها عن مثل هذه ~~الفضيحة في وزارتها، وأن يخرج علينا غدا من يعيرنا قائلا: هذه ~~وزيرتكم ضحكوا عليها، ولا يفلح قوم ولوا أمورهم امرأة! # مع خالص حبي، وتأييدي واحترامي للدكتورة أمال عثمان! # صلاح حافظ # لم تسفر هذه الحملة الصحفية عن شيء، كما أن القضية العاجلة التي رفعناها ~~بالمحكمة الإدارية لم تسفر عن شيء؛ لقد قررت الحكومة المصرية إغلاق جمعية تضامن ~~المرأة العربية، وكانت وزيرة الشئون الاجتماعية أمال عثمان تنتظر هذه الفرصة منذ ~~أصدرت قرارها بتسجيل الجمعية عام 1985. # لم تدخل صديقتي سامية تضامن المرأة منذ إنشائها، لم تكن تؤمن بتضامن النساء داخل ~~تنظيم خاص بهن، فقط تؤمن بالحزب السياسي ومشاكل العمال والفلاحين. ثم تغيرت سامية ~~وأصبحت ترأس جمعية نسائية وتتحدث عن النظام الأبوي والختان والعنف ضد النساء حتى ~~حصولها على وسام الختان. ثم سرعان ما انقلبت على نفسها حين تغيرت موازين الحكومة، ~~وبدأت تعلن أنها لم تتكلم على الختان أو ذلك الشيء الهامشي في حياة النساء وهو ~~الجنس، إنها فقط معنية بمشكلات الفقر ومحو الأمية بين النساء. # أصبحت هذه هي النغمة الجديدة السائدة في مصر خلال هذا العام 2000، أصبحت زعيمات ~~الجمعيات النسائية يهرولن إلى مؤتمرات المرأة، ينطقن كلمة «الفقر» ~~بالطريقة ذاتها التي تنطقها الحكومة، وفي المساء يحضرن حفل العشاء الفاخر على ~~ضفاف النيل، ms476 تلتهم الواحدة منهن فخذة خروف مشوية، مع رشفات من الكأس البلوري، ~~وترن كلمة «الفقر» في الجو عارية كالعورة. # وفي أغسطس 1997 بعد عودتي من المنفى، كنت أسير في شارع قصر العيني حين التقيت ~~وجها لوجه بصديقتي سامية. كانت واقفة عند ناصية الشارع، حيث كانت تعمل في ~~الصيدلية القديمة هي وزوجها رفاعة. اختفت الصيدلية وانتصب مكانها مبنى كبير تعلوه ~~يافطة لامعة: الشركة التجارية العالمية، مكتب الاستيراد والتصدير. وأدركت أن ~~سامية أصبحت تملك شركة خاصة مع زوجها، أصبح الاثنان من كبار رجال الأعمال في مصر، ~~يتاجران بالعقاقير والكيماويات وحبوب منع الحمل، وحبوب إعادة الشباب وتنشيط ~~القوى الجنسية لدى الرجال، ومنها حبوب الفياجرا وحبوب جديدة لم تنزل السوق ~~بعد. ~~- خلاص يا سامية بقينا نعيش في دولة رجال الأعمال؟! ~~- ونساء الأعمال يا نوال، يعني نسيب الرجالة ياخدوا كل حاجة؟! لازم يكون فيه ~~مساواة! واحنا في عصر العولمة، العالم كله مع العولمة إلا أنت يا عزيزتي! # ضحكت سامية ضحكة قصيرة ساخرة، ثم مطت شفتيها الرفيعتين، وقالت: أنا شركتي صغيرة ~~بالنسبة لشركة صاحبتك بطة، عارفة رأسمالها كام؟! وكمان جوزي رفاعة مشاركني فيها، ~~لكن بطة عاملة شركة لوحدها وجوزها حمدي عنده شركة لوحده. ~~- وبطة تتاجر في إيه يا سامية، حبوب الفياجرا برضه؟! ~~- الفياجرا سوقها واقف يا نوال، رجل عجوز عنده تسعين سنة بلع الحبوب ومات بالسكتة ~~القلبية، اسمه معروف، كتبت عنه الصحف، ومن يومها حصل هبوط كبير في ~~المبيعات. ~~- بطة أخبارها إيه؟ بتشوفيها يا سامية؟ ~~- طبعا، بنتقابل دائما في مؤتمرات رجال ونساء الأعمال مع الوزراء والمسئولين، ~~لكن بطة من نساء الأعمال الشاطرين أوي يا نوال. ~~- تتاجر في إيه يا سامية؟ ~~- عاملة مصنع كبير لملابس المحجبات، شوبينج سنتر كبير في الدقي للزي الإسلامي ~~والجلاليب الفلاحي والقلل والفخار والتحف والآثار القديمة، وعندها مجلة مهمة أوي ~~بتدافع فيها عن تراثنا القديم والهوية الأصلية، والخصوصية الثقافية و... # وأطلقت سامية ضحكة قصيرة جافة ثم مطت شفتيها الرفيعتين في امتعاض: التجارة ~~بالدين لها سوق كبير أوي أكبر من سوق الفياجرا يا نوال، على ms477 العموم التجارة حلال، ~~والوزراء بقوا من رجال الأعمال، مش أحسن من اللي بيسرقوا، وعندهم حصانة برلمانية؟! ~~خدي الجورنال اقرئي عن السيد الوزير والسيدة الوزيرة، وطبعا عندهم حصانة ~~وماحدش قفل الجمعية بتاعتهم، ولا حد عمل تحقيق معاهم، وشوفي حكاية نواب القروض ~~وسرقات أعضاء مجلس الشعب واللي هربوا من أصحاب البلايين من غير ما حد يمسكهم في ~~المطار، رغم أن ما حدش يقدر يخرج من المطار إذا كانوا عاوزين، و... ثم تمط شفتيها ~~وتسكت. # حتى المجلات والصحف الحكومية أصبحت تنشر ~~عن ظاهرة تهريب الأموال وفساد النظام السياسي في مصر. في مجلة روز اليوسف يوم ~~24 يونيو 2000 قرأت موضوعا كبيرا تحت عنوان «الشائعات صناعة رجال الأعمال»، جاء ~~بالحرف الواحد: «انتشرت الشائعات عن الهروب وسوء الموقف إلى حد ينذر بزعزعة ~~سوق المال.» ثم مانشيت كبير: «ديون رجال الأعمال للبنوك 7 مليارات فقط مشكوك في ~~تحصيلها من إجمالي 240 مليار جنيه.» # وفي جريدة الأهالي، إحدى الصحف المعارضة، جاء في الصفحة الأولى يوم 28 يونيو ~~2000 هذا المانشيت الضخم: «القائمة السرية للقروض التي تواجه خطر الضياع، ~~25 مليار جنيه، ديون 37 رجل أعمال للبنوك، شركات وهمية، وقروض؛ نظير عمولات وشيكات ~~وسماسرة لنهب الأموال، نواب القروض ليسوا وحدهم، والنظام المصرفي بلا ~~ضوابط.» # أزمة الاقتصاد في مصر أصبحت حديث الساعة، أزمة السيولة وأزمة الركود، وانتشرت ~~النكت والفكاهات حول القطط السمان والرءوس الكبيرة والحيتان، أصغرها بلقب وزير أو ~~وزيرة أو نائب بمجلس الشعب أو الشورى. # | الصديقات القديمات # أجلس إلى مكتبي الصغير في غرفة نومي، أطل على القاهرة من الدور السادس ~~والعشرين، ترقد المدينة تحت سحابة من الضباب الأسود بلون الدخان، يبدو أول ~~النهار كأول الليل. عدت إلى مصر بعد سنوات الغربة، أعيش الغربة داخل الوطن كالغربة ~~خارجه، لم تعد السماء زرقاء صافية كما كانت، الهواء أصبح مشبعا بالدخان ~~والهزيمة، نهر النيل أصبح حبيسا داخل مدينة من الأسمنت، ارتفعت الجدران السوداء ~~وزحفت على كل شيء، لم تعد هناك شجرة واحدة خضراء ألمحها في مجال الرؤية. # نافذتي عالية أطل منها ms478 على نهر النيل، كانت له رائحة جدتي وطفولتي، الطمي الأسود ~~بلون بشرتي. كنت أسبح في النيل مغمضة العينين، يدفعني التيار الهادئ، يهبط نحو ~~الشمال مع الأشرعة البيضاء، وأجنحة حمائم السلام، والطيور المهاجرة من الشمال أو ~~من الجنوب، مع حركة الشمس والقمر. # في مصر تنساب مياه النيل مع الأرض من الجنوب إلى البحر الأبيض، وقد تعاكسها ~~الرياح الشمالية تبطئ حركتها. تمشي بجوار الشاطئ مع حركة الحمير والجاموس، ~~والأقدام الحافية بلون الأرض، يذهبون إلى الحقول عند الفجر، يعودون مع الغروب، ~~بيوتهم من الطين المحترق بالشمس، وجوههم بلون أقدامهم وأكثر سمرة، ضامرة ممصوصة، ~~وأيديهم مشققة بالفأس. # تركت حي الجيزة الذي كنت أسكنه قبل أن أسافر إلى المنفى، قررت ألا أعود إليه، ~~أركان شقتي في الجيزة تعشش فيها ذكريات سوداء، سنوات المطاردة والحبس، وجوه رجال ~~البوليس تطل من الباب، فوهات البنادق مصوبة ناحيتي، رائحة الخيانة أشمها في كل ~~ركن، تحت الابتسامات الناعمة ألمح آلة القتل، تحت اسم الحماية يمشي البودي جارد ~~خلفي ويده فوق المسدس. # عدت من المنفى منذ عامين إلى هذه الشقة الصغيرة في حي قديم اسمه شبرا، يكتظ ~~بالجوامع والكنائس. تبرز قبابها ومآذنها فوق أسطح البيوت الواطئة المتلاصقة. بحر ~~أسود من الأسمنت بلا شجرة واحدة خضراء، يرتفع عند جبل المقطم ناحية الشرق، تعلوه ~~قلعة محمد علي، قمم الأهرامات الثلاثة خوفو وخفرع ومنقرع تبرز من الضباب بلون ~~الدخان ناحية الغرب، والنهر يمشي يشق طريقه بين الأسفلت، كالسهم الأبيض ينعكس ~~عليه الضوء، ينقسم عند شبرا ليحتضن الجزيرة الصغيرة، اسمها وراق العرب، ثم يمشي ~~رغم محطة الكهرباء الضخمة إلى القناطر الخيرية، يجتازها رغم السدود، وشبح السجن ~~الأسود بنوافذه الصغيرة المسدودة بالقضبان الحديد. # عيناي مشدودتان إلى الماضي بحكم الحنين، رغم الجرح الدفين يبدو الماضي أجمل من ~~الحاضر. والنيل كما كان يمشي إلى الإمام لا ينظر إلى الخلف، ينقسم إلى الفرعين ~~الكبيرين، دمياط ورشيد، كالأم تفرد ذراعيها وتحتضن دلتا النيل، تشبه المروحة أو ~~الكف المفتوحة الأصابع على البحر، صدرها مفتوح لتلقي الضربات من الغرب فوق منارة ~~الإسكندرية. ms479 واحترقت بورسعيد من الشرق تحت قنابل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وأمريكا ~~من وراء الستار. لم تكن مياه النيل تتقهقر إلى الوراء، تمشي في طريقها، تفرغ شحنتها ~~في جوف البحر، تلقي فيه نفسها كالفتاة العذراء تفضل الموت غرقا عن أن يغتصبها ~~الإله. # من نافذتي أطل على المدينة كلها التي يسمونها القاهرة الكبرى، هي العاصمة منذ ~~أكثر من ألف عام، عندها يختنق النيل بالدخان والجدران المسلحة، إنها ~~القاهرة، وتقهر أهلها منذ الفراعنة، كما تقهر معبودها المقدس إله الفيضان، وترفع ~~صيحاتها قبل الشروق عبر مكبرات الصوت المثبتة فوق المآذن، وأجراس الكنائس في حي ~~شبرا تتبارى مع أصوات الرجال يؤذنون للصلاة خمس مرات في النهار، وفي الليل تعلو ~~فوق التراتيل المقدسة طرقعة الصاجات في حفلات الزفاف مع دقات الطبول والغناء ~~والرقص. # في طفولتي كنت أحب الغناء والرقص، وأجلس إلى جوار عمتي بهية، تتربع فوق الأرض ~~الترابية، بين ساقيها تحتضن الطبلة، تنقر عليها بأصابعها السمراء المشققة، ينطلق ~~اللحن الراقص، والقدم تدق الأرض مع الإيقاع. أقدام النساء كبيرة مثل قدم جدتي، ~~بحجم قدم النبي المحفورة فوق الحجر الأسود، أقدام نساء يخرجن قبل الفجر حاملات ~~الفئوس، يأكلن ما تزرعه أيديهن، يشربن من ماء النيل. جدتي أطولهن قامة، ورثت قامتها ~~الفارعة عن أمها، لم تكن أجيرة عند أحد، زوجها مات قبل أن يسيطر عليها، العمدة كانت ~~تقف أمامه مرفوعة الرأس، تشوح في وجهه بيديها الكبيرتين المشققتين، وفي الليل ~~تغني مع النساء على إيقاع الطبلة: يا عزيز يا عزيز كبة تاخد الإنجليز. # في الخامسة من عمري سألتها «الإنجليز مين يا ستي الحاجة؟» تضحك حتى تدمع عيناها، ~~تمسحهما بطرف جلبابها الواسع، وتحكي حكاية الإنجليز حين دخلوا مصر وهي طفلة، تمد ~~عنقها القوي العضلات وتشمخ بأنفاسها وتقول: كنت عيلة صغيرة ألعب مع العيال، سمعنا ~~أن الإنجليز دخلوا مصر، روحنا للعمدة كان عددنا عشرين أو تلاتين وكلنا عيال صبيان ~~وبنات، وسألنا العمدة عاوزين إيه يا عيال؟ قلنا عاوزين نحارب الإنجليز يا عمدة. كان ~~راجل كشر غلس وشه أحمر زي الإنجليز، شخط فينا، وقال: ms480 امشوا على بيوتكم يا ولاد ~~المركوبة. حسيت إن جتتي ولعت نار، يقول على أمي المركوبة، أمي اللي عمر ما حد ركبها ~~حتى جوزها ما عرفش يركبها، رحت ماسكة طوبة وزقلاها في عينه، طارت عينه الشمال، ~~وأنا جريت على الدار ورايا العيال والغفر ورانا بالشوم، ضربوا العيال، فتحوا راس ~~الواد عقلة الصباع، كان زي القرد، ياما فتحوا راسه وأمه تلطم وتقول مات لكن بعد ~~يومين يقوم زي العفريت، وهو اللي فتن علي وقال إني أنا اللي رميت الطوبة في عين ~~العمدة، وأبويا كان يخاف من العمدة، وقال لازم البنت نجوزها، ما فيش غير الجواز ~~يشكمها ويا لا هوب مسكوني وجوزوني. # ورثت بشرة جدتي السمراء، والدماء في جسدي تشدني إليها، في أعماقي عشق لقوة ~~ملامحها، كأنما منحوتة في الصخر، والنيل تسميه البحر، تنعكس عليه أشعة الشمس بلون ~~الذهب السائل، أو الدم القاني المخلوط بالطمي. كانت جدتي جامحة كالنيل في عصره ~~الأول حين كان يفيض ، ينحدر من منابعه العليا جموحا يجتاز الصخور والنتوءات ~~الحجرية لا يجسر على ركوبه أحد، فإذا ترك الأرض العالية يفقد جموحه، يستطيع ~~الناس الاقتراب منه، قد يضيق فلا يصبح سوى أذرع مسطحة، يجتازه الناس مع بهائمهم ~~وسلالهم من الجريد المضفور أو القش المبروم، يبولون فيه دون حرج، يفقد إله الفيضان ~~شموخه القديم، يمضي منحدرا إلى الوادي السهل، يبتلع في جوفه قمامة الصعيد ~~والدلتا، وعظاما مفزعة من اللحم، جلود خراف مذبوحة ومسلوخة ثم منفوخة، يتعلق بها ~~جسد فتاة صغيرة تسبح مع النهر جسدا إلى جسد، ترتج مع رجرجات الموجات كأنما في رقصة ~~النفس الأخير. # أتطلع إلى وجوه النساء أبحث عن وجه جدتي، قسمات وجهها كانت أكثر حدة، قامتها ~~أطول بحثا من هامات الرجال، رأسها في السماء كالشجرة، عيناها سوداوان، بريقهما ~~خاطف كالبرق، نظرتها ثاقبة كالسهم تفلق الكون نصفين، تنطلق إلى الحقل كالشراع لا ~~يوقفها شيء، وحيدة من غير حارس ولا زوج، وجهها ناحية الشمس رفيقها القمر في الليل، ~~وأشجار النخيل على ضفاف النيل. # القلم في يدي يتحرك فوق الورق كأنما ms481 بقوة لا إرادية، أريد التوقف عن الكتابة دون ~~جدوى، إنها الملاذ الوحيد أتمسك بها حتى النفس الأخير، لولا الكتابة لاندثرت منذ ~~نصف قرن وراح اسمي في العدم كما راح اسم جدتي وأمي. # منذ طفولتي كنت أندهش كيف تروح أسماء النساء في العدم، أتلفت حولي أبحث عن أحد ~~مندهش غيري فلا أجد. أمامي فوق المكتب صورة في الصفحة الأولى من جميع الصحف، ~~كلمتان تحت الصورة، صاحب الجلالة، الملك أو الرئيس، أتلفت حولي وأندهش، كأنما ~~الماضي يبعث حيا، ينهض من قبره الإله خادم فرعون، أو فرعون خادم الإله. وفي كل ~~بلد أسافر إليه داخل الوطن العربي، أرى الصورة فوق الجدران، لا يكاد يخلو جدار من ~~الصورة بالحجم الطبيعي، بالبدلة العسكرية أو بدلة الصلاة أو بدلة التشريفات، أو ~~وشاح القضاء، أو الروب الجامعي، أو بدلة العمال أو الفلاحين إلا فئة النساء، لا ~~يمكن للرجل أن يرتدي ملابسهن وإن تحدث باسمهن في الانتخابات وحصل على ~~أصواتهن . # في رحلاتي داخل الوطن العربي أتلفت حولي وأندهش، أبحث عن أحد مندهش غيري فلا أجد، ~~وأسأل الناس فيضحكون، يحكي أحدهم فكاهة أو حكاية. كثيرة هي الحكايات عن الحكام ~~العرب، يختلفون ويتفقون، يتخاصمون ويتصالحون، يتغير الحلفاء إلى أعداء، وينقلب ~~الأعداء أصدقاء. يجتمعون في حلقات هرمية يسمونها القمة، بعضهم يسلك الممشى المركزي ~~ويطوف حول المحراب وصولا إلى البيت الأبيض في واشنطن، بعضهم يفضل الممشى الجانبي ~~الأكثر ظلالا المفضي إلى الحظيرة حيث تحجز خراف الأضاحي، أما الخيول الجامحة فهي ~~تحبس وراء القضبان، تسرح الغزلان والحملان في أي مكان دون خوف، وفي مواسم ~~الانتخابات تطوف بهم العربات البوكس، تجمعهم للإدلاء بأصواتهم وأصواتهن، تتراوح ما ~~بين 98,9٪ و99,9٪ أو شيئا من هذا القبيل. # أهبط الأدوار الستة والعشرين لأمشي على شاطئ النيل، ساعة ونصفا أمشيها كل ~~صباح، عضلاتي قوية، بشرتي مشدودة إلا من خطوط خافتة تحت العينين، البريق الأسود ~~داخل النني يطل كأنما من بؤرة لم تكشف عن نفسها بعد، لم يبق أمامي إلا عامان ~~وأبلغ السبعين من العمر، ياه سبعين سنة؟! الرقم يرن ms482 في أذني مهولا؛ مع ذلك تبدو ~~طفولتي قريبة، تزداد قربا مع التقدم في العمر، كأنما كنت بالأمس في العاشرة، ~~ذكريات الطفولة تعود أقوى مما كانت، وسنوات الشباب حين كنت في العشرين أو ~~الثلاثين تبدو الأمس. # منذ أيام قليلة التقيت صدفة بصديقتي بطة «الدكتور كاميليا»، رأيت امرأة عجوزا ~~تملأ وجهها التجاعيد، تتكئ على ذراع زوجها، لم أتعرف عليها، توقفت عن السير حين ~~رأتني وصاحت: نوال! مش معقول! # كانت بطة من أقرب الصديقات إلي، تخرجنا معا من كلية الطب، رغم الاختلاف في كل ~~شيء كنا نلتقي، تمر السنوات دون أن أراها وفجأة يدق جرس التليفون في بيتي وأسمع ~~صوتها: إزيك يا نوال؟ أهلا يا بطة. # كان هناك شيء يجمع بيني وبين صديقتي بطة، التعود القديم أو الإدمان؟! تملأ حياتي ~~الجادة بشيء من الاستهتار، إلى جوارها أحس بالنقاء، يحتاج النقاء لشيء من الفساد ~~ليرى نفسه. # كانت بطة تحب الفن والسينما والرقص، لم تكن تطيق الحديث في السياسة ، لا تؤمن ~~بهذه الكلمات الثلاث الكبيرة: الوطنية، الاشتراكية، الإخلاص الزوجي. تطلق ضحكتها ~~المتقطعة كالشهقات، وتقول: إذا كان ربنا خلقنا درجات الخيانة الزوجية ليه أحيانا ~~نؤمن بالإخلاص، كان ربنا خلقنا درجات ليه نؤمن بالاشتراكية أو العدالة؟! وإذا لم ~~تكن سامية توافق على ما تقوله بطة، تزم شفتيها الرفيعتين وتصف بطة بالبرجوازية ~~المنحلة، تشهق بطة بسخرية وتقول لسامية: أنت شيوعية غارقة لأذنيك في حب ~~البرجوازية. ينسحب الدم من وجه صفية حين تسمع كلمة الشيوعية، كأنما تسمع عن مرض ~~أو وباء، كلمة البرجوازي أيضا كانت تغضبها، تهمس في أذني: بطة وسامية زي القط ~~والفار لازم يتناقروا، يالا بينا يا نوال نلعب ماتش تنس! # كانت صفية أقرب الصديقات إلي، إن غابت عني الصديقات فهي لا تغيب، تزورني في بيتي ~~من حين إلى حين، أراها من النافذة وهي تركن سيارتها الفيات الزرقاء، في شارع جانبي ~~صغير متفرع من شارعنا في الجيزة، في مواجهة سور حديقة الحيوانات. منذ بدأ السادات ~~عصر الانفتاح غرقت الشوارع تحت فيضان من السيارات المستوردة، أصبحنا نستورد كل ms483 شيء ~~حتى الخبز وعصير البرتقال، ومن كاليفورنيا أخيرا جاء الفول المدمس في ~~العلب. # اختفت الشجرة أمام بيتي وارتفعت الجدران، حاجبة الشمس والهواء، لم أعد أرى ~~الشارع الجانبي الصغير حيث تركن صفية سيارتها أمام محل البقالة، أتابعها بعيني ~~وأنا واقفة في النافذة بالدور الخامس، يبدو الشارع العريض مسدودا بالسيارات، ~~التي تتلاصق بجوار الرصيف وفوق الرصيف، لا يبقى إلا ممر ضيق لا يسمح بمرور ~~المشاة. أتابع صفية وهي تشق لنفسها طريقا بين السيارات، رأسها مطرق إلى الأرض ~~قليلا. وفي كلية الطب كانت تتهيب الدخول إلى المدرج المليء بالطلبة، تختفي ورائي ~~حين ندخل من الباب، تتعثر خطواتها قليلا حين ترمقها العيون، تكاد تجري لتلحق بي ~~وأنا أمشي بخطواتي الواسعة السريعة أواجه عيونهم أرد إليهم سهامهم، صفية تطرق ~~إلى الأرض، لا تريد النظر إلى هذه العيون المحملقة، تمد ذراعها وتمسك ذراعي، ~~تتشبث بيدي كالطفلة تمسك يد أمها. # قالت صفية: مبروك يا نوال روايتك الأخيرة، أنا أحسدك لا أعرف من أين تأتيك ~~الشجاعة؟! ألا تخافين ألسنة الناس؟! إنها تنهش سمعتك يا نوال، ألا تسمعين ما ~~يقولون؟! ليس عندي وقت يا صفية لسماع ما يقوله الناس، اسمعي هذه القصة القصيرة، ~~انتهيت منها الآن فقط. # تراجعت صفية إلى الوراء فوق الكنبة في الصالة الصغيرة، فوق المنضدة زجاجة بيرة ~~ستلا مثلجة، صحون صغيرة بها قطع جبنة بيضاء، خيار، طماطم، زيتون أخضر وأسود. # تنهدت قبل أن تمسك زجاجة البيرة، مسحت بمنديلها قطرات عرق فوق جبينها، لم يكن ~~العرق يظهر فوق جبينها مهما جرت، كنا نلعب التنس ولم يكن العرق يظهر. شيء ما يحدث ~~في حياة صفية، يظهر رغم إرادتها على شكل قطرات العرق، رعشة خفيفة لأصابعها البيضاء ~~وهي تمسك زجاجة البيرة، تصبها في الكوب بحذر حتى لا تفور الرغوة، قطرات ماء تتكثف ~~على جدار الكوب الزجاجي، تنتشي قليلا، يعود البريق إلى عينيها الخضراوين الناعستين ~~قليلا. الشمس اختفت تقريبا، لم أعد أرى الشمس من نافذتي، إلا شعاعا طويلا ~~رفيعا يتسرب عند الغروب مائلا بين الجدران العالية. أبواق السيارات تزعق في ms484 ~~الشارع، لا أكاد أسمع صوت صفية وهي تحكي عما حدث لها بالأمس. أغلق النافذة ~~بالزجاج والشيش، مع ذلك يصلنا صوت الأبواق تصرخ، أصوات الرجال تزعق فوق مآذن ~~الجوامع من خلال الميكروفونات، طرقعات جارتي بالقبقاب فوق بلاط غرفتها المجاورة، ~~الرجل في الشقة الأخرى يؤدب زوجته بالصفعات والشتائم، رياح وعواصف رملية تهب ~~من الصحراء، صفافير سيارات البوليس والإسعاف والنجدة، ماسورة المجاري مكسورة في ~~الشارع المجاور، طبيخ بايت يغلي تتصاعد رائحته من المنور، أصوات قطط تتنافس حول ~~صفائح القمامة، مقلوبة أو مفتوحة بدون غطاء، بائع الروبابيكيا ينادي، وبائع ~~الصحف يزعق: أهرام! أخبار! السادات يزور إسرائيل، أهرام! أخبار! جمهورية! # أفرغت صفية كوب البيرة المثلج في جوفها، أسندت رأسها إلى الوراء فوق المسند، ثم ~~ضحكت جاءه الله في المنام وقال له قم وانهض وسافر إلى إسرائيل! شوفي الراجل ~~المجنون يا نوال! معقول ربنا يقوله في الحلم روح إسرائيل؟ هو فاكر نفسه سيدنا محمد ~~وبيعمل رحلة الإسراء والمعراج؟ لكن العيب مش عليه، العيب على اللي حواليه، كلهم ~~منافقين وكدابين زي الدكتور المحترم جوزي. ~~- المناخ العام الفاسد يا صفية يشجع الناس على الفساد. ~~- أيوه، لكن جوزي مصطفى طول عمره فاسد، عارفة البنت إياها اللي كان ماشي ~~معاها؟ ~~- البنت أنهيه يا صفية؟ ~~- اللي حكيت لك عنها قبل كده. # كنت أنسى هذه الحكايات عن الخيانات الزوجية، ما أكثر هذه الحكايات التي سمعتها ~~من الصديقات، ومن النساء اللائي يترددن على عيادتي أو بيتي، تشبعت ذاكرتي بهذه ~~الحكايات فلم أعد أسمعها، وهي قصص متشابهة إلى حد كبير، الرجل الذي يخون زوجته في ~~السر، تكشف الزوجة الخيانة، الصدمة والغضب والرغبة في الانتقام، أكثر مما يخيفها ~~غضب زوجها أو غضب الله، تخشى الطلاق أكثر مما تخشى نار الآخرة، أكثر ما تخشاه أن ~~تتحول العشيقة السرية إلى زوجة ثانية، وكم من زوج أقدم على الزواج من عشيقته ~~كنوع من العقاب لزوجته التي كشفت السر، وقد منحه الله والقانون حق الزواج بأربع ~~نساء. # أصبحت صفية تتردد على طبيب نفسي اسمه الدكتور عبد القادر، كان زميلا ms485 لنا في ~~كلية الطب، منذ الصدمة الأولى حينما عرفت لأول مرة أن زوجها يخونها ذهبت إلى ~~الدكتور عبد القادر، كان يكتب لها بعض الأدوية المهدئة للأعصاب، يتابع حالتها منذ ~~خمس سنوات، تشعر بشيء من الراحة حين تتحدث معه، يكن لها نوعا من الإعجاب أو ~~الحب منذ أيام الدراسة، أراد أن يقيم معها علاقة، ترددت صفية وامتنعت ربما بسبب ~~الخوف، لكن الدكتور عبد القادر كان يرى أن صفية مريضة. # بالوفاء الزوجي، يقول لها: الوفاء مرض نفسي عند كل الزوجات مثل الوفاء عند ~~الكلاب، يعطيه اسما علميا في الطب النفسي، ويحكي لها قصة الكلب الوفي. # حكت لي صفية القصة كما حكاها لها الدكتور عبد القادر: اشترى الشاب الأعمى كلبا ~~صغيرا بخمسة وعشرين قرشا ليقوده في الطريق، ظل الكلب مع سيده خمس سنوات، شفي ~~الشاب وعاد إليه بصره، حاول أن يستغني عن الكلب، رفض أن يفارق سيده، كان للكلب دور ~~هام في حياة سيده الأعمى، أصبح الكلب هو عيناه يرى بهما بدلا من عينيه المريضتين، ~~أحب الكلب هذا الدور، أحب سيده وأخلص له كل الإخلاص، أصبح إحساسه بحاجة سيده إليه ~~هو الحب في نظر الكلب، وهو القانون الذي يحكم علاقة الكلاب بأسيادها ويجعلها وفية ~~لهم، لكن السيد شفي ولم يعد بحاجة إلى الكلب، كيف يتحمل الكلب هذا الموقف ~~الجديد عليه؟ إنه يرفض التنازل عن الدور الذي يؤديه لسيده، دوره الوحيد في الحياة ~~ولا دور غيره، أصبح وجود الكلب يعتمد على وجود سيده، لم يعد هناك كلب له ذات مستقلة ~~عن ذات سيده، لم يعد هناك «أنا وأنت» أصبح «أنت» فقط، ذابت شخصية الكلب في شخصية ~~سيده، كالزوجة التي تذوب شخصيتها في شخصية زوجها، إزاء هذا التفاني وهذه التضحية ~~وافق السيد على رغبة الكلب ولم يطرده من بيته كما تطرد المرأة المطلقة. ثم مات ~~السيد، توقف الكلب عن الأكل، ارتدى الحداد ومات حزنا على سيده كالأرمل التي ~~تموت بموت زوجها، هذا الإخلاص والوفاء يسميه الدكتور عبد القادر «الوفاء ~~الكلابي»، وثمن شراء الكلب خمسة وعشرون ms486 قرشا، مثل الحد الأدنى للمهر في عقد ~~الزواج. # كفت صفية عن الحديث، وامتلأت عيناها بالدموع وهي تردد لنفسها بصوت مشروخ: وفاء ~~كلابي! # كان ذلك في نهاية عام 1978، وكان شريف قد أمضى أربع سنوات بعيدا في الهند، ~~الرسائل بيننا متصلة، تنقطع أحيانا لانشغاله في العمل، أو لانشغالي في عملي، ~~مسئولية البيت والابنة والابن، وفي الليل أجلس إلى أوراقي أكتب روايتي الجديدة، ~~ومقاومة حرب الإشاعات التي أطلقها أعوان السادات ضدي، وضد كل من عارض سياسة ~~الانفتاح، أي فتح أسواق مصر للبضائع الأجنبية دون ضوابط، تدمير الإنتاج والصناعات ~~المصرية، تكميم الأفواه واستيلاء موظفي الحكومة على الصحف والإعلام ودور النشر. ~~بدأ نقاد الأدب المعينون في المؤسسات الصحفية الهجوم على أعمالي الأدبية، بدأت ~~الصحف الإسلامية الحكومية الجديدة تشوه صورتي ترسمني على شكل الشيطان، الذي ~~يحارب الإسلام ويتمرد على القيم والآداب العامة. # وجدت نفسي معزولة داخل البيت، هرب الأصدقاء والصديقات، انضم بعضهم إلى حزب ~~الحكومة، البعض الآخر إلى حزب الإخوان المسلمين، وأحزاب المعارضة يسار ويمين، كان ~~السادات قد أصدر قراره بإنشاء الأحزاب، واختيار أعضائها ورؤسائها، أصبحت هذه ~~المعارضة الشرعية بديلا للمعارضة الشعبية الحقيقية. # شعرت بالاختناق والغربة، أغرقت نفسي في العمل والكتابة، امتنعت دور النشر في مصر ~~عن نشر أعمالي، أرسلتها إلى دور النشر في لبنان، اخترقت الحصار المفروض علي، ~~انتشرت كتبي في البلاد العربية، أصبحت الرسائل تصلني من المغرب والمشرق، القراء ~~والقارئات العربيات، أصبحت هذه الرسائل تشجعني على الاستمرار في الكتابة، اختفى ~~اسمي من القائمة الرسمية للأديبات في مصر، تم طردي من لجنة القصة في المجلس الأعلى ~~للفنون والآداب، أصبح نقاد الأدب يتبارون في الهجوم على أعمالي وكتاباتي، ~~ويقولون إنها لا تنتمي إلى الأدب، إنها مجرد بحوث طبية أو اجتماعية، إنها تسيء إلى ~~المجتمع، تشوه صورة الوطن والدين، تدعو إلى الفوضى والإباحية، ترفض القيم الأصلية ~~والتراث المجيد. # ظهر على سطح الحياة الأدبية نساء موظفات مواليات للنظام الحاكم، يضعن الحجاب على ~~عقولهن، تملك كل منهن عمودا في جريدة حكومية كبرى، أو صفحة كاملة تعرض فيها ~~الأزياء والمكياج، ms487 تحولت الصحفيات فجأة إلى أديبات، يحملن لقب مبدعة أو كاتبة ~~كبيرة؛ كالحلية تتدلى من الأذنين، وفصوص الماس تلتف حول العنق، والتيربون الأنيق ~~يغطي الشعر إلا خصلة أمامية تتدلى فوق الجبين، والروج الأحمر القاني بلون الشفتين، ~~والبشرة المشدودة بالعملية الجراحية في نيويورك أو باريس أو لندن، والمساحيق تغطي ~~ما قد يظهر من تجاعيد، والعبارات الإنشائية الضخمة عن الخصوصية والهوية ~~الإسلامية. # لم يكن لي مكان داخل هذا الصخب، جاءتني فرصة للعمل خارج مصر بالأمم المتحدة، ~~سافرت إلى أديس أبابا بالحبشة عام 1978، وإلى بيروت بلبنان عام 1979، قدمت استقالتي ~~في نهاية 1980 وعدت إلى مصر، أدركت أن الأمم المتحدة لا يختلف نظامها عن الحكومة ~~المصرية وغيرها من الحكومات، الداخل إليها مفقود والخارج مولود، النظام الطبقي ~~الأبوي تسيطر فيه القوة على الحق، تسيطر الأموال على الفكر والإبداع، يسيطر ~~الرئيس على المرءوسين والمرءوسات، خاصة الصغيرات السن، الرقيقات الناعمات ~~المعطرات، الناعسات العيون المسدلات الجفون، يخفق قلب الواحدة منهن للحب، في ~~المؤتمر الدولي على جبال سويسرا في الصيف، أو في الشتاء تحت أشعة الشمس الاستوائية ~~في سري لانكا أو الهند، وفي الربيع يعقد المؤتمر الدولي لمناقشة مشاكل الفقر ~~والجوع في العالم، أو مشاكل ختان الإناث وحوادث الاغتصاب، يتبارى خبراء الأمم ~~المتحدة في إلقاء الخطب عن الجنس أو الاقتصاد، وفي الليل يتبارون على الرقص مع ~~الخبيرات الشابات، ينجذب الخبير الإفريقي الأسود إلى الشقراوات البيضاوات من ~~الشمال. # كنت أقاطع هذه الحفلات، يكتب رئيس الإدارة تقريرا ضدي، يقول لي إن حضور الحفلات ~~جزء من العمل بالأمم المتحدة، والرقص مع الرئيس نوع من المجاملة الرقيقة، لا يخرج ~~عن واجبات الموظفة الدولية. بدأ النزع يدب بيني وبين الرؤساء الأفارقة السود ~~والرجال البيض على حد سواء. حاول أحدهم أن يغازلني، كان يشبه الدب الأبيض، ~~يصعد الدم الأحمر إلى وجهه حين يراني، أستاذ بجامعة بنسلفانيا في الولايات ~~المتحدة الأمريكية قبل أن يلتحق بالأمم المتحدة، أصبح يحمل لقب كبير الخبراء في ~~اللجنة الاقتصادية الإفريقية، لم يكن يعرف شيئا عن مشاكل إفريقيا الاقتصادية، يقبض ~~راتبا من الأمم ms488 المتحدة يصل إلى ثلاثين ضعف راتبه في جامعة بنسلفانيا، وراتبا آخر ~~من البنك الدولي تحت لقب مستشار. كان يناديني باسمي الأول، وأناديه باسمه الأول، ~~المساواة التقليدية الشكلية داخل الأمم المتحدة للتغطية على عدم المساواة بين ~~الأفراد والدول. ~~- جاية الحفلة الليلة يا نوال؟ ~~- لأ يا رولاند. ~~- ليه يا نوال؟ ~~- عندي شغل. ~~- شغل إيه؟! ~~- رواية جديدة يا رولاند. ~~- لازم تاخدي إجازة شوية. # لم يكن رولاند ذكيا، أغلب الرؤساء أغبياء، تعمي السلطة عيونهم عن رؤية الحقيقة ~~الواضحة كالشمس، عيناي مثل كتاب مفتوح يقرؤه الجميع من حولنا، إنني لا أطيق رؤية ~~رولاند أثناء النهار فما بال الليل. وكان الليل ساحرا على شواطئ إفريقيا ~~الدافئة، في الشرق أو الغرب أو الجنوب، أجملها شاطئ بحيرة فيكتوريا ومنابع النيل. ~~التقيت هناك بأحد الثوار من شيلي في أمريكا الجنوبية، هرب من وطنه قبل أن يحكموا ~~عليه بالإعدام، كان طبيبا نفسيا ترك الطب والتحق بالأمم المتحدة كأحد خبراء ~~التنمية الصحية، ثم استقال بعد أن أكمل الأربعة أعوام، الحد الأدنى للحصول على ~~المعاش. عاد إلى شيلي ثم مات في فبراير 1984، انطلقت في صدره رصاصة من مصدر مجهول، ~~هرب القاتل دون أن يمسكه البوليس. أرسل إلي بطاقة صغيرة من شيلي قبل اغتياله ~~بشهرين فقط، بالضبط في عيد رأس السنة الجديدة أول يناير 1984، كتب على البطاقة هذه الكلمات: # إلى من جعلت شاطئ فيكتوريا أجمل من الوطن، وتركت فراغا في حياتي ~~لا يملأه أحد، انتهيت من الراوية التي بدأتها منذ خمس سنوات يوم لقائنا ~~الأول عند منابع النيل، ربما نسيت هذا اللقاء يا صديقتي العزيزة، لكنه ~~اليوم الذي رأيت في عينيك نفسي الحقيقية. # روبرت # حين قرأ شريف البطاقة ابتسم وقال: يبدو أنه إنسان عاطفي. قلت: جدا. قال: هل ~~أعجبك؟ قلت: جدا. ضحك شريف وقال: حكيت لي عن كل الذين غازلوك بمن فيهم الدب ~~الأبيض ولم أسمع شيئا عن هذا الروبرت؟ قلت: وأنت حكيت لي عن كل من وقعت في غرامك ~~إلا تلك السوزانا الصغيرة من لوزان (وكانت صورتها قد وقعت في يدي بالصدفة ms489 وهي ~~مرتدية مايوه بيكيني على شاطئ موزمبيق جوارها شريف يبتسم في سعادة، مرتديا مايوها ~~إفريقيا من سبعة ألوان، مثل ألوان الطيف). # في صباح يوم مشرق على شاطئ بحيرة فيكتوريا، دعاني روبرت على الغداء في مطعم صغير ~~يطل على البحيرة، كنت أمشي كل صباح على الشاطئ لمدة ساعة ونصف قبل أن أحضر ~~جلسات المؤتمر الدولي، تعودت على رياضة المشي كل صباح أو الجري سبعة كيلو مترات، ~~أستقبل أول شعاع للشمس من وراء البحيرة، أرفع ذراعي في الهواء، أغمض عيني، أحس ~~الشعاع الدافئ فوق جفوني، أفتح عيني على خضرة الشجر والأرض، وحصان أبيض يركبه فارس ~~يرتدي بدلة بيضاء، لوح لي بيده من تحت زرقة السماء: صباح الخير يا نوال. ~~- صباح الخير يا روبرت. ~~- أين ستتناولين العشاء الليلة؟ ~~- لا أعرف، هناك حفلة عشاء للمشاركين في المؤتمر. ~~- لا أحب حفلات العشاء. ~~- ولا أنا. ~~- إيه رأيك أدعوك إلى مطعم صغير يطل على البحيرة؟ ~~- سأدفع ثمن عشائي يا روبرت. ~~- كما تشائين . # وأنا أرشف النبيذ الأحمر مع قضمات من الحمامة المشوية، كنت أراه جالسا أمامي ~~يرمقني بعينين زرقاوتين يكسوهما البريق، عيناه تلتقيان بعيني، أتظاهر أنني لا أرى ~~ما فيهما، أقضم بأسناني عظام الحمامة الصغيرة، أسمعها تقرقش بصوت مسموع، أثبت له ~~أنني منشغلة عنه بالحمامة المشوية، وأنني لست هشة العظام مثل الحمامة، أو حسناوات ~~الأمم المتحدة، السمراوات أو الشقراوات، وقلبي مليء بالحنين إلى منابع ~~النيل. ~~- عيناك السوداوان ساحرتان وشعرك الأبيض هذا في ريعان الشباب. ~~- أنت أيضا شعرك أبيض في ريعان الشباب. ~~- أهي وراثة؟ ~~- ربما. ~~- أو دليل العبقرية؟! # الحوار يدور حتى نعود إلى الفندق، لم يكن شريف معي في هذا المؤتمر، قلت له حين ~~سافرت إليه، كدت أقع في الحب يا شريف لولا ... قال: لولا ماذا يا نوال؟ قلت: لولا ذلك ~~المرض النسائي. قال: أي مرض هذا؟ قلت: هذا المرض الذي يسميه الدكتور عبد ~~القادر ... قال شريف: وما يسميه؟ قلت: الوفاء الكلابي. وضحكنا ثم شربنا نخب ~~هذا الوباء المزمن. ~~••• # الصوت يوقظني من النوم، أمد ذراعي وأمسك يده، تنسحب يدي ms490 وحدها وتختفي تحت ~~الوسادة، عيناه زرقاوان بلون البحيرة في يوم مشرق. أعود إلى النوم، وأصحو على صوت ~~جرس التليفون، إنها صفية تكاد تصرخ: صحيح يا نوال ما يقوله الدكتور عبد ~~القادر؟ أفتح جفوني، وأرى الساعة تشير إلى الثالثة صباحا، أصيح بضيق: يا صفية ~~أنت تعرفين الدكتور عبد القادر منذ أيام الكلية، ألم يكن يدس لك في الكشكول ~~رسالة حب كل يوم؟ إنه يريد الانتقام منك؛ لأنك رفضت الزواج منه، يرد ~~لك الصفعة يا صفية. الدكتور عبد القادر يقول لي ما أقول لنفسي يا نوال، كيف ~~أخلص لزوجي وهو خائن؟! الوفاء مقابل الخيانة ليس وفاء بل مرضا! إنه التعلق ~~المريض بالزواج وإن كان فاسدا، إنه الخوف المريض من فقدان الحب وإن كان غير ~~موجود، أو فقدان الدور المزيف الذي لعبته في حياة زوجي خمس سنوات، كيف أفقد ~~حاجته إلي؟! كان يقول لي لا أستطيع الحياة بدونك، أنا لم أحبه يا نوال، لكني ~~أحببت اعتماده على وجودي ، لكني تشبثت به، كنت أخاف الطلاق، أصبحت أعتمد عليه يا ~~نوال، لا أستطيع أن أعيش بدونه، انقلبت الأوضاع، أصبحت مثل الكلب التابع لسيده، ~~لا يستطيع أن يفارقه، ويموت بموته. العبارة تنطقها صفية بصوت يقطر مرارة، تضغط على ~~الحروف، تلوكها، تلفظها من بين شفتيها حرفا حرفا؛ كالعلقم المر ينساب ~~قطرة قطرة ... وفاء ... كلابي؟! ~~••• # عام 1998 دق جرس التليفون في شقتي الصغيرة الجديدة في حي شبرا القديم، تركت شقتي ~~في الجيزة بعد العودة من المنفى العام الماضي. عشت فيها منذ عام 1960، سبعة ~~وثلاثين عاما عشتها في شقة الجيزة شارع مراد، بعد الطلاق الثاني استأجرت هذه ~~الشقة في الدور الخامس، إلى جوار الكنيسة الكبيرة، تطل على آخر سور حديقة ~~الحيوان، عشت مع طفلتي الصغيرة ودادة أم إبراهيم، استأجرت لأخواتي الشقة في ~~الدور الثالث، دخلت ابنتي مدرسة الحضانة المجاورة في شارع النيل، ودخلت أخواتي ~~الجامعة التي لا تبعد عن البيت إلا مسافة عشر دقائق على الأقدام بالخطوة ~~السريعة. # في ديسمبر 1964 تزوجت شريف، ترك بيت أسرته في الزمالك وأصبح ms491 يشاركني شقتي ~~الصغيرة، ثلاث غرف وصالة، غرفة مستقلة لابنتي تشمل سريرها، دولاب ملابسها، مكتبها ~~الصغير، مكتبها به رفوف حتى السقف تحمل كتبها، كراريسها، ألبومات الصور، علب ~~الألوان، شرائط الموسيقى، والأفلام. منذ العاشرة من عمرها أصبحت تكتب خواطرها في ~~مفكرة تشبه مفكرتي وأنا في مثل عمرها. أصبح لها أخ اسمه عاطف، ولدته في المستشفى ~~الجامعي في مدينة نيويورك فجر يوم 10 ديسمبر 1965، كنت أدرس في جامعة كولومبيا ~~للحصول على درجة الماجستير، عدت إلى مصر أحمل ابني وشهادة التفوق، عمره سبعة أشهر، ~~بشرته سمراء بلون بشرتي، عيناه سوداوان يكسوهما بريق، فرحت ابنتي منى بأخيها، أصبح ~~شريف أبا لأول مرة في حياته، حمل عاطف بين ذراعيه وقال: طفل جميل يا نوال لأنه ~~يشبهك، عيناه السوداوان وبريق الذكاء. ضحكت وقلت: ربما بريق ذكاء الأب ... ألست أكثر ~~مني ذكاء يا شريف؟! ضحكت ابنتنا الطفلة وقالت أظن أنه ورث ذكاء أخته أكثر من الأب ~~أو الأم! # أصبح لعاطف غرفة خاصة به في الشقة الصغيرة ، بها سريره ودولاب ملابسه، مكتبه ~~الصغير، مكتبة بها رفوف حتى السقف تحمل كتبه، كراريسه، ألبومات الصور، علب ~~الألوان، شرائط الموسيقى والأفلام السينمائية، منذ طفولته عشق عاطف السينما ~~والموسيقى، يعزف على الجيتار، يسجل أفكاره مثل ابنتنا منى في مفكرته الخاصة. # الغرفة الثالثة في الشقة اقتسمتها مع شريف، لكل منا سرير صغير، دولاب ملابس، مكتب ~~صغير، مكتبة لها رفوف حتى السقف، منذ تزوجنا عشنا في هذه الغرفة، نكتب فيها وننام ~~ونقرأ ونسمع الموسيقى ونشاهد الأفلام. كانت هذه الغرفة هي حياتنا، المساحة الصغيرة ~~الدافئة التي تضمنا، لم تكف الحكومة عن مطاردتنا داخل هذه الشقة الصغيرة، ~~حوطها رجال البوليس والحراسة والبودي جارد، تخلل نوافذها الأصوات الزاعقة في ~~الميكروفونات تهدر دمنا، وأجهزة الإعلام والصحف تنشر - والهواء في الليل - ~~الإشاعات، قطعوا الأشجار في الشارع أمامنا، حلت مكانها العمارات العالية ~~والجدران الأسمنت، حجبت عنا الشمس، تتسرب من شقوق الشيش أضواء النيون المتحركة من ~~حول الديسكو كلاب، ومآذن الجوامع التي أصبحت تتوالد وتتكاثر على نحو سريع، لا ~~يفوقها سرعة إلا ms492 توالد وتكاثر محلات ماكدونالد الأمريكية، أغلقت المحلات المصرية ~~أبوابها واختفت المنتجات المحلية من السوق. # حين عدنا من المنفى عام 1997 وجدنا شقة الجيزة مظلمة خانقة مثل زنزانة السجن، ~~تعشعش فيها ذكريات سوداء، فقدنا فيها الزمن والطمأنينة، لم يكن لنا أن نعيش داخل ~~هذه الشقة، انتقلنا إلى الشقة الجديدة في حي شبرا القديم، غرفتان فقط والصالة، ~~وغرفة خاصة بشريف ينام فيها، الصالة للاستقبال ومنضدة صغيرة للطعام في المطبخ، ~~وشرفة صغيرة تطل على النيل من الدور السادس والعشرين في حي شبرا القديم. # استقلت ابنتنا في حياتها الخاصة، أصبحت الدكتورة منى حلمي الكاتبة والأديبة ~~المعروفة، لها مؤلفاتها وكتبها ومقالاتها في الصحف والمجلات، ابننا استقل بحياته ~~الخاصة، أصبح المخرج السينمائي عاطف حتاتة، يهتم النقاد بأفلامه الروائية، ~~يقولون إنها تفتح بابا جديدا في السينما المصرية حصلت أفلامه على جوائز مهمة داخل ~~مصر وخارجها. # أصبحت أنا وشريف نعيش وحدنا في شقة شبرا الصغيرة، نهبط الأدوار الستة والعشرين ~~كل صباح في الساعة السادسة، نمشي على شاطئ النيل مسافة سبعة كيلومترات، نعود ~~لنشرب الشاي مع الجبنة القريش أو الزبادي بدون دسم، وعسل النحل والخبز البلدي ~~المحمص. # أصبح لنا عدد قليل من الأصدقاء والصديقات، يتناقص عددهم بمرور السنين، يموت بعضهم ~~أو يهاجرون، أو ينشغلون بمشاكل الأولاد والأحفاد، مرت السنوات دون أن أسمع صوت ~~الصديقات القديمات بطة وصفية وسامية، أقرأ أخبارهن من حين إلى حين، أو يرن جرس ~~التليفون بعد غياب السنين ويأتيني صوت إحداهن. # لم تنقطع زيارات الشباب والشابات إلى بيتنا منذ عودتنا من المنفى، أجيال جديدة ~~من المبدعين والمبدعات في مجال الأدب والفن والسينما، بدأنا فكرة تكوين مدرسة ~~فكرية جديدة تضم هؤلاء الشباب والشابات، أصبحت الفكرة تنمو، تتخذ شكلا أكثر ~~تحديدا في ظل القوانين المتغيرة، خاصة قانون الجمعيات الجديد الذي ما إن صدر في ~~نهاية عام 1999 حتى ألغته المحكمة الدستورية العليا في بداية العام 2000، وفي مصر ~~يحكمنا قانون الطوارئ الذي يحرم الاجتماعات، ويسوق إلى السجن أي مجموعة لا ترضى ~~عنها القوى الحاكمة المسيطرة. # ثم دق جرس التليفون ms493 في بيتي ذات يوم من أيام شهر يونيو الماضي، صوت رجل عبر ~~الأسلاك يقول: بطة هانم معاك على الخط يا دكتورة. # كلمة هانم لم أسمعها من نصف قرن، في طفولتي كانت النساء في عائلة جدي شكري بيه ~~يحملن لقب الهانم، أمي كان أبي يناديها أحيانا زينب هانم، لم تكن النساء في ~~عائلة أبي الفقيرة في قرية كفر طحلة يحملن لقب هانم، كلمة هانم توحي بالرقة ~~والنعومة والانتماء إلى الطبقات العليا وسلالات الأتراك منذ المماليك والإمبراطورية ~~العثمانية. ~~- بطة هانم يا دكتورة معاك على الخط. # دوى صوت طويل عبر الأسلاك صوتها المألوف، وقد أصابته بحة أو شرخة الشيخوخة. ~~- إزيك يا نوال. ~~- أهلا يا بطة. ~~- بنتي شيرين كتب كتابها الخميس الجاي، وقالت لي لازم يا ماما تدعي الدكتورة ~~نوال، بنتي معاها الدكتوراه من جامعة هارفارد في النقد الأدبي، قرأت كل كتبك، ~~ورواياتك بالعربي والإنجليزي، ومعجبة بيكي أوي يا نوال، لازم تيجي عشان إنتي ~~وحشتيني أوي، نفسي أشوفك بعد الغيبة الطويلة دي، ده احنا صحاب من زمان من أيام ~~الكلية، ولا يمكن الصداقات القديمة تروح يا نوال، أنا عاملة الفرح في الفيلا ~~الجديدة جنب أرض الجولف في مصر الجديدة، خدي العنوان يا نوال، والعريس إنسان ممتاز، ~~كان زميل شيرين في هارفارد ومن أكبر رجال الأعمال. # نطقت الكلمتين من أنفها وقلبت الراء إلى غين كعادتها القديمة، قالت غجال الأعمال، ~~رنت في أذني عجول. بعض الأشياء الساقطة منذ النظام الملكي عادت، ومنها ~~اللدغة الفرنسية في اللسان، والديوك الرومية المحشوة بالمكسرات في ليالي الكريسماس، ~~والعجول المذبوحة في مولد النبي يوزعونها على الفقراء، والزبيبة السوداء عادت ~~بارزة فوق جباه المؤمنين الصالحين، والطرحة السوداء أصبحت تلتف حول جبين المؤمنات ~~الصالحات، وصديقتي بطة ذات الميكروجيب رأيتها ترتدي الطرحة من الحرير المستورد ~~الثمين، تميل فوق جبينها ناحية أذنها اليمنى بانحدار شديد كما كان الطربوش يميل فوق ~~رءوس الرجال أيام الملك والإنجليز. ~~- أهلا يا نوال، الدكتور نوال يا هوانم صاحبتي من أيام الدراسة كانت أشطر واحدة ~~فينا، لكن يا خسارة سابت الطب ms494 وبقت تكتب روايات مش معقول إن بوسيبل! ~~- إن بوسيبل ليه يا بطة هانم ما شاء الله الدكتورة نوال اسمها مالي الدنيا، ده ~~أنا كنت في سوسيغا «سويسرا» الصيف اللي فات، كان عندي كده شوية دبريشن «اكتئاب»، ~~والدكتور بتاعي، الله يمسيه بالخير، قال اخرجي بره شمي شوية هوا، قلت أروح أزور ~~بنتي في جنيف، أصل بنتي متجوزة خبير في الأمم المتحدة، طبعا أسلم وبقه اسمه ~~جابر بدل جورج، وعندهم بنت ما شاء الله زي القمر سموها فاطمة على اسم بنت النبي، ~~يقولوها فاتيما، تتكلم إنجليزي وألماني وفرنساوي وما تعرفش كلمة عربي، علمتها تقول ~~يا جدتي بالعربي، أصل كلمة جدتي حلوة أوي في وداني. وأنا باحكي الحكاية دي كلها ~~ليه؟ أيوه افتكرت، لقيت بنتي ماسكة في إيدها كتاب بالألماني، وقالت لي ده كتاب ~~الدكتورة نوال السعداوي بيدرسوه في الجامعة هناك، وهتعمل عليه الدراسة، وقالت ~~والنبي يا مامي لما تروحي مصر ابعتي لي كل كتب الدكتورة نوال. # صوتها يذكرني بصوت طنط هانم منذ نصف قرن، إلا أنها أكثر ثراء، تلمع المجوهرات ~~حول عنقها، ترمق خواتمها المرصعة بفصوص الماس وتمصمص شفتيها: «الحاجات» دي كانت ~~مرمية في الصندوق خمستاشر سنة كل سنة تنطح أختها، من أيام الحراسة السودة ربنا ما ~~يعيدها لغاية ما شفت الهانم لابسة جواهرها، الستات كلهم حواليها لابسين، رحت فاتحة ~~الصندوق وقلت يعني أنا مش واحدة من الهوانم، ده أبويا كان بيه وأمي كان أبوها باشا، ~~ويعني الهانم كان أبوها مين؟! # دب الصمت في الصالون المطل على الحديقة الهادئة في مصر الجديدة، وتظاهرت بعض ~~الهوانم بعدم السماع، انكب بعضهن على الأطعمة الممدودة داخل الشرفة الزجاجية ~~الطويلة، قربت إحداهن فمها من أذني وهمست: «أصل العريس يقرب للهانم من بعيد» ونهضت ~~إلى الطابور المتدافع نحو المائدة بخطوات وئيدة، كل منهم يحمل صحنا كبيرا من ~~الصيني المزركش. تعرفت على الدكتور حمدي بسهولة بين الواقفين، ساقاه المعوجتان ~~داخل البنطلون المكوي، صدره النحيف المبطط تحت البدلة الأنيقة المحكمة حول جسمه، ~~رأسه الكبيرة بشعره المجعد، لم يعد كثا ms495 كما كان ولا أسود، ظهرت له صلعة حمراء ~~وسط الرأس، من حولها كتلة بيضاء من الشعر المضغوط كأنما بالمكواة الحديدية. كان ~~يتحدث مع أحد الرجال حين لمحني جالسة، تقدم نحوي وقال بصوت تشوبه حرارة غير ~~عادية: الدكتورة نوال السعداوي لازم تعرفها يا محمد بيه. ~~- اتفضلي يا دكتورة. # وأفسح لي الدكتور حمدي مكانا في الطابور، وقفت أمامه أحمل صحنا كبيرا ~~فارغا، لم ألتقط من الطعام إلا قطعة طماطم مع الجبن وأعواد قليلة من الجرجير، ~~رائحة الأطعمة الدسمة لم تعد تثير شهيتي، منذ سنوات قاطعت السمن والزبدة والدهون ~~الحيوانية، أصبحت أفضل الخضروات على اللحوم. في الصحن الضخم وسط المائدة يطل ~~فخذ خروف أو عجل يكاد يشبه أفخاذ بني آدم، تسقط عليه السكاكين بصوت مسموع، والأسنان ~~أيضا صوتها يكاد يسمع، لولا صوت الدكتور حمدي المرتفع يتحدث مع صديقه غير بعيد ~~عني. ~~- خلاص يا محمد بيه التلفزيون والفيديو والإنترنت طغوا على كل حاجة، الكتب خلاص ~~سوقها راحت، ماحدش بقه يقرأ يا محمد بيه. ~~- أيوه صحيح يا معالي الباشا. ~~- لكن العريس بتاعنا راجل غاوي كتب، عنده دكتوراه في العلوم الإلكترونية، من جامعة ~~هارفارد، وراجل مثقف جدا جدا رغم أنه قريب الهانم. # جاءت العبارة الأخيرة خافتة شبه هامسة، أعقبتها ضحكة مكتومة متقطعة، ثم صمت طويل ... ~~عادت فيه أصوات السكاكين والملاعق والأسنان. وارتفع صوت الدكتور حمدي مرة أخرى: ~~إيه يا دكتورة نوال إنت مش بتاكلي ليه عاملة رجيم ولا إيه؟! عشان كده محافظة على ~~قوامك؟ ثم دارت عيناه تبحثان عن زوجته، رآها منهمكة في الأكل والحديث مع إحدى ~~السيدات، قرب فمه من أذني وهمس «قولي لصاحبتك بطة هانم تعمل رجيم.» # كانت بطة منهمكة في الحديث مع المدعوين والمدعوات، ألمح بينهم وجوه الصديقات ~~القديمات وزملاء قدامى من الأطباء والأدباء، وجوه جديدة لا أعرفها من رجال الأعمال ~~«البزنيس» وكلاء الشركات الأجنبية، ونساء الأعمال صاحبات الشركات الجديدة في السوق ~~الحرة، رجال البورصة وقيادات أحزاب المعارضة، وأعضاء مجلس الشعب والشورى ~~والقيادات الصحفية والإعلامية، رئيسات الجمعيات النسائية والمنظمات غير ~~الحكومية، في العهد ms496 الملكي كان اسمها الجمعيات الخيرية، تنشغل فيها النسوة بتنظيم ~~الحفلات أو جمع التبرعات تحت رعاية صاحبة الجلالة الملكة أو الأميرة، تغير اللقب في ~~عهد السادات إلى السيدة الأولى على غرار النظام الأمريكي، وكانت التبرعات توضع ~~في مكان أمين لا ينفق منه إلا الأمناء والأمينات، يوزع الباقي على الفقراء ~~والعميان «عبيد إحساناتهم» بحسب القول المأثور عن الشعب المصري بلسان ~~الخديوي. # فوق الجدار لمحت صورة تشبه الملكة تتطلع بطة هانم إليها بخشوع «والله يا نوال ~~الست دي عظيمة وبتقوم بدور مهم وبتعمل حاجات كتير أوي للناس الغلابة واليتامى»، ~~وأكملت السيدة التي سافرت تشم الهواء في سويسرا: «يسلم بقك يا بطة هانم، وربنا ~~قال في القرآن الكريم: # فأما اليتيم فلا تقهر ~~* وأما السائل فلا تنهر * ~~وأما بنعمة ربك فحدث ~~، وربنا ما شاء الله أنعم عليها ~~خير كتير أوي.» # قبل أن تنتهي الحفلة أخذتني بطة من يدي إلى غرفة داخلية، «لازم تشوفي الشبكة يا ~~نوال، إيه رأيك مش تجنن! أنا عاملة حفلة تانية صغيرة «أنتيم» أوي، داعية صاحباتي ~~القريبين أوي واعملي حسابك حنسهر للصبح!» ~~••• # الصداقات القديمة لها ذكرياتها الخاصة، لكن الضحك لم يعد يخرج من القلب كما كان، ~~أكبرنا سنا هي سامية بلغت السبعين عاما، وبعدها بطة تصغرها بعامين، ثم صفية ~~وأنا من عمر واحد، أعلاهن صوتا هي سامية، يخرج من الأنف المرفوع فوق الشفتين ~~الرفيعتين شبه المتلاشيتين، قامتها طويلة نحيفة تحوطها بشال ملون، تبدو كالطيف ~~الشاحب يتلفع بألوان زاهية، عنقها نحيف ينثني قليلا تحت رأس كبير وشعر قصير ~~«الأجارسون» مصبوغ بلون أسود داكن، كأنما هو رأس مسروق من تمثال رجال إفريقي، ~~الجاكيت من الصوف الإنجليزي المتين مطرز فوق الصدر بشعار حزب اليسار، أو حزب ~~الطبقة العاملة، وهذا الشكل مجرد ذكرى؛ لأن صديقتي سامية لم تعد من الطبقة ~~العاملة، ولا هي عاملة بل مالكة لمزرعة كبيرة في دلتا النيل وشركة استيراد وتصدير، ~~انطفأ في عينيها العنف القديم، وأخذت رعشة تهز شفتيها المزمومتين كأنما سؤال مكبوت ~~يتأهب للإفلات من قبضة إرادتها الحديدية. # على الرغم من ms497 بلوغها السبعين فإن ابنة الطبقة العاملة لا تشعر بالتقدير ~~الكافي لطبقتها، تتهكم على الرجال في حزبها خاصة زوجها رفاعة، تمط شفتيها ~~المطبقتين وتقول مناضل ماركسي! بهذه العبارة من كلمتين، كانت تقدم زوجها، وقد أسقطت ~~الكلمة الثانية مع سقوط الاتحاد السوفييتي. # في عينها الصغيرتين شبه الخاليتين من الرموش تلمع دمعة شفافة حين تسمع كلمة ماركس ~~أو الاتحاد السوفييتي، الأمر بالنسبة لها ليس هذا ولا ذلك، بل هو إيمانها الذي ~~سقط، وكانت ترغب في الإيمان بشيء تراه ضخما فوق عرشه معصوما من الخطأ، محصنا ضد ~~الموت أو السقوط، ترتعش جفونها كأنما دمعة مكبوتة تستعد للإفلات منها. # صوتها تشوبه رنة أنفية شبه بكائية، تميل إلى النحيب الصامت، حتى قبل السقوط ~~السوفييتي أحيانها فأقول: «لكل جواد كبوة يا سامية»، هنا تتحمس لإنقاذ ماركس: ~~«يا نوال ده جورباتشوف الملعون تآمر مع أميركا!» تضيق عينها حتى تطفر الدمعة ~~الحبيسة وترتعش شفتاها كأنما تكبت الرغبة في الصراخ، إلا أن هذا الغضب ينقلب إلى ~~حزن صامت شبه مستسلم حين تتحدث عن زوجها رفاعة. يدق جرس التليفون في بيتي ويأتيني ~~صوتها الباكي: «نوال عاوزة أشوفك.» تجتاحها هذه الرغبة المفاجئة لرؤيتي حين تريد أن ~~تغتاب زوجها: «تصوري يا نوال بعد أربعين سنة جواز أكتشف إني عمري ما حبيت الراجل ~~ده!» ~~••• # في غرفة داخلية لا يدخلها الرجال تربعت السيدة التي سافرت إلى سويسرا ~~أمامها السبرتاية تعلوها الكنكة، ورائحة البن المطحون بالحبهان، فناجين صغيرة من ~~الصيني، ترشف الهوانم القهوة، ترتسم الشفاه الحمراء على حافة الفناجين، لا يبقى في ~~القاع إلا الثمالة، ترجها السيدة بحركة تذكرني بطنط نعمات وأنا طفلة في ~~العاشرة، تقلب الفنجان ثم تعدله وتقرأ البخت أو الطالع. هؤلاء الهوانم أكثر دجلا ~~من الهوانم القديمات منذ نصف قرن، يكتبن ما يسمى الوثيقة، تشبه العهد القديم بين ~~أرواح الجان والبشر، مكتوبة على مطواة قرن غزال أو حدوة حصان، تطلب من الجان إبقاء ~~الزوج مع زوجته كي لا تخلعه من قدمها مدى العمر، وحروف مكتوبة بدم الحيض على ظهر ~~صورة الزوج تأمره بالعودة ms498 راكعا فوق ركبتيه كالخروف يعود إلى الحظيرة. # تلتقي عيناي بعيني بطة، الدكتور كاميليا، متربعة فوق الشلتة بجسمها القصير ~~السمين، ازدادت سمنة، عيناها الواسعتان أقل اتساعا، النني الأسود أقل سوادا، ~~جفونها وارمة شاحبة رغم الكحل الأسود، تحت الجفون تجاعيد تختفي تحت البودرة ~~والمكياج، ساقاها السمينتان القصيرتان مضمومتان تحتها، تبسمل وتحوقل فيما ~~يشبه الشبق، تكركر بضحكتها القديمة كأنما عادت التلميذة الصغيرة «فاكرة يا نوال أد ~~إيه أنا كنت باحب حسين، وكنت مخطوبة لحمدي وباكرهه زي العمى، كنت واخدة حريتي وأنا ~~متجوزة، ولا عمري حفظت آية في القرآن ولا ركعت لربنا ركعة واحدة، وطلع طارق ابني ~~طويل وحلو مش زي أبوه المكعبر، أصلي وأنا حامل كنت باتوحم على حسين.» # وقاطعتها السيدة الهانم التي سافرت إلى سويسرا: أيوه يا بطة هانم الوحم ~~مفعوله باتع زي السحر تماما، وربنا زكره في القرآن وسيدنا محمد عليه الصلاة ~~والسلام قال ... # وانطلقت أصوات النساء تصلي وتسلم على النبي، وبطة هانم تواصل كلامها، توجه ~~الحديث إلي. كنت جمهورها المستمع الوحيد والأخريات انشغلن عنها بأحاديث جانبية، ~~كل منهن تحكي قصة حبها المكبوت، كلمة هنا أو هناك، وعبارة تكاد تتكرر وبصوت خافت ~~«أصل جوزي عمري ما حبيته يا حبيبتي» ويرتفع صوت بطة هانم على الأصوات، وقطعة ~~الشبة تطرقع في النار وتتخذ شكلا آدميا مثل جمجمة محروقة تشير إليها ~~الأصابع القصيرة ذات الظفر الأحمر الطويل المدبب يشبه مخلب القط. # شوفي يا نوال رأسها السودة زي وشها علشان تعرفي إن البت السكرتيرة كانت عاملاله ~~عمل، وأنت عارفة حمدي طول عمره راجل دوغري لا يمكن يبص لواحدة، إلا البت المفعوصة ~~دي ما عرفش عملت إليه شألبت كيانه، عمرها عشرين سنة وهو فوق السبعين، أصل ~~الرجالة عقلهم بيصغر كل ما يكبروا في السن، ورحت شفتها في مكتبه، بت سودة ~~وجربانة جلدة على عضمة، وطردتها من المكتب، رحت عملاله عمل عند الشيخ المحلاوي، ده ~~شيخ مشهور أوي يا نوال لازم سمعتي عنه، الناس تيجي له من كل البلاد، حتى من ~~أميركا وأستراليا، ناس متعلمين ودكاترة. # وكنت ms499 لا يمكن أصدق في حكاية المشايخ وأنت عارفاني من زمان، لكن قالوا لي عليه، ~~وكان حمدي عشان يعاندني فرش شقة في الزمالك للبت المفعوصة، وسمعت إنه عمل معاها عقد ~~عرفي، أو رسمي ما اعرفش، بقيت ما نامش الليل يا نوال، وقلت يانا يا هي في الدنيا. ~~ورحت للشيخ المحلاوي، قلت أجرب، مش حاخسر حاجة، أول ما دخلت عليه شفت النور، نور ~~يا نوال والله، نور من عند ربنا، قمر منور قاعد على الكنبة، وقال لي تعالي اقعدي ~~جنبي يا كاميليا يا بنت سعدية، عرف اسم أمي إزاي ما اعرفش، أمي ماتت من ثلاثين سنة ~~وماحدش يعرف اسمها، لقيته عارف عني كل حاجة، عمل لي العمل، علقه في صدري، حجاب عليه ~~كلام من القرآن وكلام تاني لا يمكن حد يقراه غيره، وقال بعد أسبوع واحد جوزك حيرجع ~~ويقفل شقة الزمالك. # وفعلا يا نوال بعد أسبوع واحد بالضبط، وكان يوم جمعة الصبح، لقيت حمدي راجع، من ~~يومها مابقتش اقرأ غير القرآن، وربنا قال عن السحر يا نوال وعن أرواح الجان، وآلاف ~~الناس بتروح للشيخ المحلاوي، رغم إن الفيزيتا بتاعته بقت عشرة آلاف دولار يعني ~~ثلاثين ألف جنيه، لكن كل يوم عنده آلاف ولازم أحجز قبلها بشهر أو شهرين، باشوفه مرة ~~واحدة في السنة، وحمدي يقولي إزاي تصرفي فلوسك على الشيخ المحلاوي، وأقول له أهي ~~فلوسي من عرق جبيني أصرفها على حد واحد عارف ربنا أحسن ما أصرفها على الشيطان، ~~ويسكت حمدي، يخاف يفتح سيرة الشيطان، عشان مافكروش بالفلوس اللي صرفها في شقة ~~الزمالك. ~~••• # كانت المرة الأخيرة أرى فيها صديقتي القديمة بطة، صوتها كان يأتيني أحيانا عبر ~~الأسلاك، يرد عليها شريف نيابة عني: نوال خرجت يا بطة لما ترجع أقولها تطلبك. لم ~~أكن أطلبها، عيناها لا أريد أن أراهما مرة أخرى، رأيت فيهما شيئا مخيفا يشبه ~~الموت، كأنما ماتت عيناها، تسري قشعريرة باردة في جسدي إذا تذكرتهما، وأسأل نفسي ~~أهي الصدمة النفسية العنيفة في الزواج وشريك الحياة؟! أهو الانحدار الذي أصاب ~~المجتمع في ms500 السنين الأخيرة؟! أهو اليأس المطلق إلى حد الإيمان المطلق بالشيخ ~~الأعمى؟! وكان الشيخ المحلاوي أعمى مثل الشيخ حمدان في القرية، وكانت تقول عنه ~~أم إبراهيم منذ أربعين عاما: «ربنا كشف الحجاب عنه يا ضكطورة وماحدش يعرف ربنا إلا ~~العميان.» ~~••• # إنها بدايات يونيو 2000، يوم صيفي رمادي غارقة تحت شبورة خانقة بلون الدخان، أعيش ~~المنفى داخل الوطن كما عشته في الخارج، أشعر بالغربة وأنا أمشي في الشارع، تشبه ~~غربتي حين كنت في مدرسة منوف الابتدائية ويرمقني الرجال بعيون جاحظة، يقذفني أحد ~~الصبية بطوبة! أو كلمة نابية يسب بها أمي، يصب اللعنات على أعضاء الأنثى، خاصة ~~العضو المبتور بالموسى، الملعون في الغياب كالحضور. # هربت من القرية إلى المدينة، لكن الضجيج، في النهار والليل، ومكبرات الصوت مثبتة ~~فوق الجوامع والبيوت حتى المقابر، أصبح من حق الموتى سماع الأذان للصلاة وتلاوة ~~القرآن في المأتم أو الطبول والغناء في الأفراح، ولم يعد من حق الأحياء النوم، ~~خاصة في الأحياء الفقيرة مثل حي شبرا القديم، وفي الأحياء الراقية في مصر ~~الجديدة لا تسمع الطبقة العالية ورجال الأعمال ونساؤهم إلا زقزقة العصافير وحفيف ~~الأشجار في الحدائق الخضراء. # شبح الموت يطاردني منذ زيارتي الأخيرة لبطة، أشعر بالإثم حين تطلبني فأنكر وجودي، ~~أقلب أحيانا في ألبوم الصور القديم، أراها إلى جواري يدها في يدي نضحك وسط حوض ~~من الزهور، شعرنا الأسود يطيره الهواء، فمها مفتوح عن آخره كأنما أطلقت نكتة من ~~نكاتها المأثورة، تبتسم صفية في الصورة بهدوئها المعهود، لم تكن تطلق هذه ~~الضحكة الرنانة التي تطلقها بطة، تكركر ضحكتها مثل الماء الراقراق يخرج من عنق ~~بلورية ضيقة، وسامية واقفة في طرف الصورة، شفتاها الرفيعتان مزمومتان في ~~مواجهة الشمس القوية، لم تكن تضحك أبدا، وإن ابتسمت لا تنفرج شفتاها عن مساحة ~~مرئية للعين. # أحيانا يدفعني الحنين فأطلب صفية، هي أقربهن إلي، إن لم أجدها أطلب سامية. ~~ذلك اليوم طلبت بطة، بالأمس تركت لي رسالة تليفونية على آلة التسجيل: نوال ~~كلميني، أنا في البيت. صوتها المبحوح تشوبه شرخة خفيفة جديدة وربما ms501 عندها زكام أو ~~برد، في صيف أيام متربة حارة يهب هواء ساخن من الصحراء مع ذرات الرمال ~~والدخان وفيروسات الأنفلونزا الصيفية القادمة من وراء البحار، ترشح الأنوف ~~مع ارتفاع خفيف في الحرارة ثم ينتهي الزكام بعد أيام قليلة. # قلت: ربما أصابها فيروس وهي في البيت لم تخرج، ربما هي تنتظر مكالمتي، وأدرت قرص ~~التليفون برقمها، رعشة خفيفة كالقشعريرة زحفت علي كالهواء البارد، كأنما ~~النافذة انفتحت مع أنها مغلقة كأنما جسدي يدرك اللحظة القادمة قبل أن يدركها ~~عقلي، وجاءني صوت رجل غريب، هل أخطأت الرقم؟! كنت أضع السماعة حين سمعته يقول: ~~عاوزة مين حضرتك؟ ~~- عاوزة بطة. ~~- مين حضرتك؟ ~~- أنا نوال السعداوي. ~~- أهلا يا دكتورة. ~~- مين حضرتك؟ ~~- أنا الدكتور حمدي. ~~- ما عرفتش صوتك يا دكتور ... أقدر أكلم بطة؟! ~~- بطة؟ ... تعيشي إنتي. # توقف الهواء في صدري، الكلمتان «تعيشي إنتي» نسيت معناهما، غاب عن ذاكرتي لحظة، ~~أصبح عقلي مثل صفحة بيضاء، ثم بدأت الذاكرة تعود بالتدريج. كنت طفلة في منوف حين ~~سمعت الكلمتين لأول مرة في حياتي، كانت لنا جارة اسمها أم محمد، سألت عنها أمي ~~ذات يوم فقالوا لها تعيشي إنتي. وقالت أمي إن أم محمد ماتت. # أمسكت رأسي بيدي الاثنتين وأجهشت دون بكاء دون دموع، كأنما نسيت البكاء منذ ~~الطفولة ولم تعرف عيناي الدموع. عاد شريف إلى البيت رآني راقدة في الفراش مربوطة ~~الرأس، قلت له: بطة ماتت يا شريف. كأنما أقول أمي ماتت أو أختي أو أخي، وكان أخي ~~طلعت قد مات منذ شهور قليلة، ربما لم يكن وجهي شاحبا مثل هذا الشحوب؛ فلم يكن أخي ~~صديقي في الطفولة، لم يكن بيننا حكايات عن الحب ولم نكن نضحك كثيرا كما كنت أضحك ~~حين تحكي بطة آخر النكت، وأفقت على صوت شريف: البقية في حياتك يا نوال. # ومن يمكن أن يواسيني في هذا اليوم إلا صديقتي صفية أو سامية؟! لم تكن سامية في ~~مصر، كانت في مؤتمر خارج البلد، وبكت صفية عبر الأسلاك حين سمعت الخبر، أغرقتها ~~بالدموع، وسماعة التليفون في يدي ms502 أصبحت مبللة. # قلت لها تعالي شوية يا صفية، وجاءت ~~صفية إلى بيتي، جلست إلى جواري وأنا راقدة في السرير، حكيت لها عن زيارتي الأخيرة ~~لبطة، كانت تعرف كل شيء، ولا شيء يدهشها، هي أيضا تعرضت لصدمة من نوع آخر، إلا ~~أنها لم تذهب مثل بطة إلى الشيخ المحلاوي، كانت تذهب إلى الدكتور عبد القادر ~~أستاذ الطب النفسي، وكان زميلا لنا في الكلية منذ أربعين عاما، أصبح يمتلك ~~الخمسة «عين»، ومنها عمارة عالية في مصر الجديدة يسمونها عمارة «الدكتور» إلى ~~جوارها عمارة لا تقل عنها ارتفاعا يسمونها عمارة «الشيخ»، أصبح الدكتور ~~والشيخ متجاورين كما كانا في العصور السالفة، ومن الكهنة ورجال الدين ~~القدامى انزلق الأطباء إلى التاريخ الحديث. كان الليل قد تأخر وصفية تحكي دون ~~انقطاع، ست ساعات مضت وهي متكئة بكوعها على الوسادة دون أن تغير جلستها على ~~السرير، دون أن تتغير نبرة صوتها الخافت، أو تتحرك عيناها الشاخصتان نحو قطعة من ~~السماء وراء زجاج النافذة المغلق، كأنما تهمس لنفسها أو لامرأة أخرى كامنة في ~~أعماقها، أو تخاطب القوة المجهولة داخل هذا الخضم الأسود الذي اسمه السماء، ~~والذي بدأ سواده ينقشع بالتدريج ليصبح رماديا بلون الضباب، وانتبهت ~~صفية فجأة كمن تصحو من النوم وصاحت: يا خبر، النهار طلع يا نوال! ~~- باين عليك تعبانة تحبي أوصلك البيت؟! ~~- بيت إيه وزفت إيه خليه ينهد على أصحابه! ~~- نامي شوية يا صفية وبعدين نتكلم. # أغمضت عينيها، راحت في النوم وكوعها كما كان في مكانه لم يتغير، حركتها قليلا ~~لتنزلق الوسادة تحت رأسها، غطيتها بالبطاطين، وأطفأت اللمبة الصغيرة إلى جواري، ~~لتغرق الغرفة في الظلمة إلا خيطا رفيعا من الضوء الرمادي يتسرب من وراء ~~الزجاج. # وأغمضت عيني أنشد النوم دون جدوى، صوت صفية الهامس يسري كأنما لم ينقطع، أراها ~~إلى جواري نائمة مغمضة العينين. ليلة كاملة مضت ونحن نتحدث، تذكرني بليالي ~~الداخلية في حلوان الثانوية. كنا نقضي الليل كله في حديث متصل، تفتح القلب ~~الذهبي يتدلى من السلسلة حول عنقها، تلثم الصورة وخصلة شعر من رأسه، ms503 اسمه مرقص ~~أبوه قبطي وأبوها مسلم، هددها بالسكين لتقطع علاقتها بمرقص. أصابته ذبحة صدرية ~~حين دخل أخوها سعد السجن بتهمة الشيوعية، أمسكه البوليس وهو يهتف في مظاهرة ~~ضد الإنجليز، وكانت ضابطة الداخلية تمر علينا بكشافها، تفتش على نومنا ~~وأحلامنا، لم نكن نحلم إلا بالحب والحرية، وفي ضوء القمر تشتعل فوق صدورنا الحروف ~~«الجلاء بالدماء»، والناظرة تضربنا بالمسطرة فوق أصابعنا حتى تنزف منها الدماء، ~~نلف حولها أربطة من الصوف، ندفنها تحت البطاطين ونتهامس طوال الليل، نتشاطر الألم ~~والفرح والأمل في المستقبل. # الليل ساكن لا أسمع إلا صوت أنفاسي، وأنفاسا خافتة إلى جواري، صفية غارقة في ~~النوم، عضلات وجهها مسترخية كأنما نفضت عنها العبء، بشرتها بيضاء إلا خطا ~~واحدا داكنا عميقا في اللحم يمتد من زاوية عينها اليسرى حتى زاوية الفم، لم ألحظ ~~هذا الخط من قبل، أدرك فجأة أنها لم تعد شابة، لم يبق أمامها إلا شهور قليلة ~~وتبلغ السبعين من العمر، إلا أن أنفها وذقنها وشفتيها وكل ما في وجهها يبدو ~~طفوليا، كما كانت في المدرسة الثانوية، ولا شيء يخرجها من الطفولة إلا هذا ~~الخط الوحيد الذي بدا أنه ظهر فجأة على وجهها كأنما طعنة مباغتة أصابت نصف وجهها ~~الأيسر، أو صفعة حادة غيرت موضع الفك فتحرك نحو الأنف، أكاد أرى الأصابع مرسومة فوق ~~الخد الأيسر، تشبه أصابع زوجها الدكتور مصطفى، كانت له كف كبيرة ضخمة تشبه قدم ~~الفيل. # وعلى مهل ومن دون أن أوقظها طبعت على خدها قبلة خفيفة كأنما بهذه الملامسة ~~السريعة أمسح نصف قرن من الألم الغائر في اللحم. ~~••• # منذ كتابه عن أبي ذر الغفاري والاشتراكية في الإسلام لم يكتب مصطفى ~~الزهيري إلا مقالات قصيرة تنشرها صحف الحكومة في مصر وصحف حكومية أخرى في عدد من ~~البلاد العربية، تصله المكافآت بالدينار أو بالدولار على شكل شيكات، تكون فوق ~~مكتبه قبل النشر، إلا أن كلمة الاشتراكية سقطت تماما من مقالاته منذ ~~السبعينات، وسقط أبو ذر الغفاري في الثمانينيات، ولم يبق في ~~التسعينيات إلا الإسلام ووجه الله الكريم. أعلن ms504 الدكتور مصطفى الزهيري في أحد ~~المقالات أنه رأى الله، ومنذ ذلك المقال ظهرت الزبيبة السوداء فوق جبهته العريضة، ~~والسبحة الصفراء بين أصابعه لها فصوص تلمع في الظلمة، وأصبح أستاذا له لحية ~~طويلة بكرسي في أرضي الحجاز بجوار الحرمين الشريفين، وفي مصر أصبح يملك الخمسة ~~«عين»، وعيونا أخرى تتجاوز أحلام طلبة الطب والكليات الأخرى، ومنها شارع وجامع في ~~مصر الجديدة أصبح يحمل اسم الزهري، ومكتبة كبيرة وقاعة سينما واسعة لعرض الأفلام ~~الدينية في رمضان وموائد الرحمن لليتامى والمساكين. # حين تزوج صفية منذ أربعين عاما على الوفاء والصدق حكى لها عن حبه الأول لابنة ~~العمدة، حين تزوجت ابن خالتها التاجر بالموسكي، صام عن الطعام ثلاثة أيام، في اليوم ~~الرابع قرصه الجوع، كان يوم الجمعة وأمه تخبز أمام الفرن تساعدها واحدة من البنات ~~اليتيمات، تكسب قوت يومها بمساعدة النساء في الخبيز. حملت أمه الخبز الساخن مع ~~الجبن والمخلل وخرجت إلى زوجها في الحقل، كان يوما شتويا باردا، وقبع الدكتور ~~الزهري - وكان عمره عشرين عاما - على ظهر الفرن يلتهم الرغيف والبنت اليتيمة ~~الصغيرة كانت تقاومه بذراعيها وساقيها، تستحلفه بالله والرسول أن يتركها، ولم ~~يتركها وقد تخيلها حبيبته الأولى ابنة العمدة، إلا أنها بلا أم ولا أب، ولن ~~يصيبه أذى إذا انكشف الأمر، وفعلا ظل الأمر طي الكتمان، ولم يعرف شيئا عن ~~البنت منذ حادث الفرن. غادر القرية إلى القاهرة، استأجر غرفة في شارع الملك. كانت ~~له مع البنات والنساء مغامرات، حكى لصفية عنها بزهو كثير، كأن الفساد الأخلاقي هو ~~الرجولة، وسألها عن حياتها السابقة، كانت صفية عذراء لم يمسسها بشر، إلا أن قلبها ~~مليء بالإثم. في المدرسة كانت تعلق في عنقها صورة مرقص، لم تعرف في حياتها إلا ~~هذا الحب العذري، لم يقبلها أحد على شفتيها أو خدها، حرقت الصورة ومعها ~~الذكرى قبل الزواج، وفي ليلة الزفاف أرادت أن تقول الصدق، حكت لزوجها قصة ~~حبها الوحيدة، نسي كل شيء في الكون إلا هذه القصة، وإن شردت عيناها لحظة نحو السماء ~~بعد أربعين عاما يسألها: ms505 بتفكري في الدكتور مرقص؟! ~~- كان عنده شك فيك يا صفية رغم السنين دي كلها؟! ~~- أبدا، كان عنده شك في نفسه طول الوقت، رغم جسمه الطويل العريض وغزواته مع ~~البنات والستات كان عنده شك في رجولته، ودايما يبلع فيتامينات ويشتري برطمانات زيت ~~كبد الحوت وملكات النحل، وكل ما يسمع عن أقراص جديدة للتنشيط الجنسي يشتريها، حتى ~~حبوب الفياجرا، لكن المشكلة مش الجنس، المشكلة الشرخ في الشخصية من الطفولة، ~~الفساد اللي ينخر في العضم، أبوه كان كده وجده، ويظهر إن معظم الرجال بالشكل ده ~~إلا القليل جدا، ويمكن كلامك صحيح يا نوال عن النظام الطبقي الأبوي، كنت دايما ~~أعارضك وأقولك طبقي إيه وأبوي إيه، لكن أخيرا فهمت بعد أربعين سنة جواز وكنت مش ~~عارفة حاجة، ومشغولة بالعيال والشغل في المستشفى، وهو كان المدير لا شغل ولا مشغلة، ~~ييجي آخر الليل ويقول كان في اجتماع مع الوزير، وبعد ما انحال على المعاش بقت الحجة ~~السفر في المؤتمرات، والحقيقة إنه كان متجوز واحدة تانية ، وعايش معاها أكثر من ~~عشرين سنة وأنا مش داريانة، ولما عرفت قالي ده حقي حسب القانون والشرع، وإن كان مش ~~عاجبك نعمل طلاق، قلت له نعمل طلاق، راح رافع إيده وضربني، حسيت إن عيني الشمال ~~طارت، ولعن أبويا وأمي وقال: كان لازم أطلقك من أربعين سنة من أيام سي مرقص أفندي ~~بتاعك! # بعد ساعة نهضت صفية وعادت إلى بيتها، لم يطلقها زوجها ولا هي طلبت الطلاق، جاءني ~~صوتها مستسلما عبر أسلاك التليفون: طلاق بعد أربعين سنة يا نوال وأروح فين؟ ... ~~أبويا مات وأمي ماتت والعيال اتجوزوا وما عنديش بيت إلا بيتي، يروح هو مطرح ما يروح ~~وأنا في بيتي لغاية ما أموت، وعندي معاشي ومش عاوزة حاجة من حد، ولكن أي بنت ~~تسألني: «أقول لخطيبي بصدق عن حياتي قبل الخطوبة؟» أقول لها: «تبقي حمارة لو قلتي ~~والدنيا دي ما ينفعش فيها إلا الكذب!» # | الشرفة في الدور السادس والعشرين # يوم من أيام يوليو الحارة عام 2000، أجلس في الشرفة المطلة على النيل ms506 في ~~الدور السادس والعشرين، منذ عودتي من المنفى وأنا أعيش في هذه الشقة ~~الصغيرة في حي شبرا القديم، أعيش المنفى داخل الوطن كما عشته في الخارج. لم يعد ~~هناك داخل وخارج، أو شرق وغرب، أو شمال وجنوب، أو العالم الإسلامي والعالم المسيحي. ~~نحن نعيش في عالم واحد يحكمه نظام طبقي أبوي منذ نشوء العبودية، تغيرت أشكال ~~العبودية تحت أسماء جديدة؛ منها العولمة وحرية السوق، والخصخصة والخصوصية، يتربع ~~على قمة النظام العالمي الجديد أقل من خمسمائة شخص يملكون أكثر من نصف ثروة العالم، ~~ويعيش مليار ونصف من البشر تحت خط الفقر، أغلبهم نساء وشباب وأطفال، يعيشون داخل ~~هذه البيوت على شكل العشش، أراها من حولي، تمتد من شبرا إلى إمبابة وبولاق وروض ~~الفرج، ومن نزلة السمان عند سفح الأهرامات إلى القلعة والسيدة زينب وسفح ~~المقطم، تتساند البيوت القديمة الآيلة للسقوط إلى جوار المباني الجديدة الفاخرة، ~~يتربع على العرش في بلادنا قلة قليلة تملك الثروة والسلطة والسلاح، والاتصالات ~~بالخارج، من حولها نخبة مثقفة تعيش في كنفها، تحول جرائمها إلى بطولات. تحت اسم ~~الديموقراطية يتم ذبح الديموقراطية، تحت اسم حقوق الإنسان يتم ذبح حقوق ~~الإنسان، تحت اسم حقوق المرأة يتم ذبح حقوق النساء. من يختلف في الرأي عن الفرد ~~الحاكم أو الأفراد الحاكمين يجد نفسه في السجن دون محاكمة، أو محاكمة شكلية تختفي ~~فيها العدالة، يفقد الإنسان سمعته الأدبية أو الوطنية، يتحول من مدافع عن حقوق ~~الفقراء والنساء إلى خائن للوطن، يتم اختزال الوطن إلى أفراد قلائل أو فرد واحد ~~يجلس على العرش، مثل فرعون القديم الحاكم والإله في آن واحد. # حين يبلغ الحزن مداه تعجز العين عن الدمع، تكف الحواس الخمس عن الإحساس، لا يبقى ~~إلا الحاسة السادسة، المجهولة الغائرة في أعماق الجسد والعقل والتاريخ، القادرة ~~وحدها دون الحواس الأخرى على إدراك أن الأرض تدور رغم السكون، أن الزمان يلتحم ~~بالمكان، لا شيء يفصل الروح عن الجسد أو الإله عن الشيطان أو المرأة عن ~~الرجل. # منذ أيام قليلة أصابني غثيان شديد وقيء، ms507 رقدت في الفراش لا أستطيع الحركة، تصورت ~~أنها النهاية، طلبت حضور ابنتي وابني لأراهما قبل مغادرة الدنيا، الاثنان ~~الغاليان هما قطعة من جسدي وعقلي، ثالثهما شريف رفيق العمر منذ خمسة وثلاثين عاما، ~~الأسرة الصغيرة الدافئة العواطف، تختلف عن أغلب الأسر الخاضعة لسيطرة رجل واحد، ~~أسرتنا لا يسيطر فيها أحد، لا رجل ولا امرأة ولا ابن ولا ابنة، كلنا سواسية، يدور ~~بيننا الجدل حتى نصل إلى القرار الأصوب. # قالت ابنتي: ماذا أكلت بالأمس يا أمي؟ # قلت: لم آكل إلا بطيخا مع جبنة بيضاء قريش. # قال شريف: هناك حالات تسمم بسبب البطيخ أو الخيار أو الخوخ، يرشونها بالمبيدات ~~الحشرية، أو يحقنونها بالهرمونات، يستوردون أغذية من الخارج غير صالحة للبشر، ~~يرسلونها إلى بلادنا الإفريقية بمثل ما يرسلون النفايات النووية لتدفن في ~~صحرائنا الشرقية أو الغربية، أصيب بعض الفلاحين في قرية ميت حلفا بمحافظة القليوبية ~~بإشعاع نووي وماتت أسرة بكاملها، ويعيش سكان القرية تحت رعب الإشعاع، وهناك تكتم ~~شديد على هذه الأخبار الأخيرة، لا نعرف بالضبط ماذا حدث ... لكن بعض الحقائق تتسرب ~~إلى الصحف. # اشتد الغثيان والدوار، قلت لشريف ولابنتي وابني: لا أريد أن أدفن في مقبرة تحت ~~الأرض ليأكل جسدي الدود، أريد أن أتبرع بجسدي إلى مشرحة عادلة، تشرح جسدي وتعرف ~~الأسباب الحقيقة لهذا التسمم الغذائي، وأرجو محاكمة المسئولين الكبار عن مشروعات ~~التنمية والإصلاح الاقتصادي، التي أدت إلى مزيد من الفقر والجهل والمرض. # سمعت صوتي يصرخ وأنا في الفراش، لازم الناس دي تتحاكم محاكمة علنية عشان الناس ~~تعرف. رأيت حولي ثلاثة من الأطباء، شخصوا الحالة تسمما غذائيا، أخذت العلاج ثم ~~تماثلت للشفاء بعد أن فقدت شهيتي لجميع أنواع الفاكهة في مصر. # أجلس في الشرفة العالية، أطل على أسطح البيوت القديمة الآيلة للسقوط، جسمي لا ~~يزال ضعيفا بعد النقاهة من المرض، أشعر بالدوار كلما حركت رأسي، كأنما سأفقد ~~الوعي. فكرة الموت تلوح قريبة مني، أتذكر أمي حين ماتت ويدها في يدي، أكاد أحس يدها ~~تمسك يدي، رغم مرور أكثر من أربعين عاما على موتها، ms508 وجه أبي يلوح أمامي كأنما مات ~~بالأمس، كنت في أول الشباب أتفتح كالزهرة المغلقة الأوراق، لا أعرف شيئا عن ~~جرائم الإله المتنكر في زي فرعون، لا أحد يحاسب الإله، يعيش ويموت ملفوفا بالعلم ~~المقدس، ويساق إلى المقصلة كبش فداء من عامة الشعب، يطلقون عليه اسم الشيطان. ~~رجل فقير نطق الحقيقة دون أن يدري، أو فتاة صغيرة غريرة حملت سفاحا ولم تعرف من ~~الذي اغتصبها في ظلمة الليل، ربما هو الإله ذاته المتنكر في ثوب رب العائلة الكبيرة ~~أو الصغيرة، تسقط عنه الجريمة بحكم القوة أو القدسية، تساق الفتاة إلى الموت أو ~~إلى الزواج ممن اغتصبها؛ حماية لشرف العائلة. # تغيرت الأشياء عبر أربعين عاما، ~~تضامنت النساء المقهورات تحت اسم الشرف مع الرجال المقهورين تحت اسم الفقر. ~~بدأ الترابط بين القهر الجنسي والقهر الاقتصادي، أخطر ما يهدد النظام الحاكم هو هذا ~~الترابط، بين الجنس والاقتصاد. منذ نشوء العبودية حتى اليوم، كيف يغتصب الإله ~~الفتاة العذراء في الظلمة وكيف يسرق قوت الفقراء من الشعب، كيف ينجو من العقاب ~~تحت اسم السيادة أو القدسية، ربما يحاكم بعد الموت، ربما ينقلب عليه بعد الموت أحد ~~أعوانه ويكشف جرائمه تحت اسم «عودة الوعي». # قبل أربعين عاما كنت في ربيع الشباب، اليوم أنا في مكان آخر وزمان آخر، أشعر ~~بشيء من الوهن بعد النقاهة من التسمم الغذائي، أشعر بشيء من التفاؤل كلما زاد ~~الترابط بين المقتولين تحت اسم التنمية والإصلاح الاقتصادي. رغم المحاولات لضرب ~~التضامن بين هؤلاء وهؤلاء فإن المقهورات والمقهورين لا يكفون عن التمرد والثورة ~~والاستمرار في الكفاح ضد النظام الحاكم وأعوانهم من النخبة المثقفة. # يحدث هذا في مصر وفي بلاد العالم الأخرى، تتكرر المظاهرات الشعبية في عواصم ~~الغرب والشرق، والشمال والجنوب، ضد الآلهة في واشنطن ولندن وباريس ودمشق والرياض ~~والقاهرة والخرطوم وبغداد وتونس والرباط وموسكو وطوكيو وبكين وغيرها وغيرها، يتجمع ~~الآلهة في اجتماعات القمة هنا وهناك تحت اسم العولمة والديموقراطية وحقوق ~~الإنسان وحقوق النساء، ويتجمع الشياطين المقهورون والمقهورات في مظاهرات في ~~الشوارع تحت اسم العولمة ms509 من أسفل، يضربون الآلهة بالحجارة والطوب والزلط، يرد ~~الآلهة بالقنابل النووية والمسيلة للدموع. # قرأنا عن المظاهرات في سياتل في خريف 1999، ومظاهرات أخرى تتكرر، آخرها المظاهرات ~~في جنوب فرنسا في أول يوليو 2000، تجمع الرجال والنساء والشباب والأطفال ~~وضربوا معاقل الآلهة، منهم «ماكدونالد» الإله القوي الذي يلد نفسه في جميع بلاد ~~العالم، و«سينسبري» الإله الجديد المنافس للآلهة القدامى، وفي شارعنا الذي يسمونه ~~شارع معهد ناصر فتح «سينسبري» محلا ضخما، أطلق عليه اسم «سينسبري أغاخان»، ليست ~~منطقة أغاخان الثرية المجاورة لنا، ولكن منطقة حي شبرا القديم الفقير. جاء هذا ~~السوبر ماركت البريطاني الجديد ليضرب محلات البقالة الصغيرة والمنتجات المحلية ~~المصرية، وليملأ شارعنا بالصناديق الفارغة والقمامة والذباب دون أن تحاسبه وزارة ~~البيئة المصرية، رغم أنها تحاسب المحلات المصرية الفقيرة حسابا عسيرا، وقد تأمر ~~بإغلاقها إن لم تتخلص من قمامتها أو ما يسمونها النفايات. حاولنا أنا وشريف مع ~~سكان الحي الفقير أن نعترض على النفايات المتراكمة في شارعنا، التي يلقي بها السوبر ~~ماركت اللامع البلاط «سينسبري» إلى عرض الشارع الذي نعيش فيه، ذهبت محاولاتنا حتى ~~اليوم عرض الرياح، لم يتحرك مسئول واحد في الحكومة المصرية لحماية حي شبرا الفقير ~~من نفايات الإله البريطاني الجديد. # يدور الصراع غير المتكافئ بين الآلهة الكبار القليلين المالكين للإعلام والسلاح ~~والمال، وبين الملايين من الشعوب الفقيرة المعدمة من النساء والرجال، يلعب ~~الإعلام دورا أمضى من السلاح العسكري. بالأمس قرأت في بعض الصحف المصرية ~~تشويها للمظاهرات الشعبية الأخيرة في جنوب فرنسا، كتب أحد رؤساء تحرير صحيفة ~~حكومية يقول في 1 يوليو 2000 التالي: شهدت فرنسا مظاهرات شعبية مؤيدة للشذوذ الجنسي ~~ضمن الهتافات ضد العولمة، تحولت هذه المظاهرات إلى ما يشبه الظاهرة العالمية ~~لتشجيع الشذوذ الجنسي تحت اسم محاربة العولمة والشرعية الدولية، وقد قطع ~~الرجال والنساء في الغرب شوطا كبيرا في قبول الشذوذ الجنسي كأنما هو شيء ~~طبيعي، مع أنه انحراف أخلاقي خطير، وقد شارك في هذه المظاهرات مئات الألوف من ~~الشعب الفرنسي تتقدم صفوفهم الأحزاب السياسية المختلفة ومنظمات حقوق ~~الإنسان؛ فهل ms510 يمكن لنا أن نؤيد مثل هذه المظاهرات المنتشرة في الغرب اليوم؟! نحن ~~بلاد شرقية لنا خصوصية دينية وقيم نابعة من تراثنا وثقافتنا وهويتنا الأصلية، ولا ~~نقبل أن ننساق وراء هذه الإباحية والشذوذ الجنسي الخطير! # هكذا تم الربط بين المظاهرات الشعبية ضد العولمة وضد كافة أشكال القهر ~~الاقتصادية والجنسية إلى مجرد مظاهرات ضد القيم والأخلاق والخصوصية والهوية. # جسدي ينتفض بالغضب وأنا أقرأ الصحف، أكتشف الزيف بحكم خبرتي ومشاركتي في بعض هذه ~~المظاهرات الشعبية العالمية، التي كسرت الحواجز بين الناس، حواجز الدين أو ~~الجنس أو الجنسية أو العرق أو اللون أو المهنة أو غيرها. كنت أجد نفسي بين آلاف ~~البشر بصرف النظر عن اختلافاتنا نهتف معا ضد هؤلاء القلة من الآلهة الذين يتربعون ~~على العروش في جميع البلاد، وأسمع صوت شريف يقول: هذا الغضب يا نوال مضر بصحتك، ~~وأنت لا زلت في دور النقاهة بعد هذا التسمم الغذائي، علينا أن نحافظ على صحتنا. ~~وأقول له: معك حق يا شريف، لكن كيف لا أغضب وأنا أقرأ هذا التزييف اليومي تحت اسم ~~الهوية والخصوصية واحترام الاختلافات الثقافية، يشجعون الخصخصة وضرب الاقتصاد ~~المحلي، وتحت اسم العولمة من أعلى يضربون العولمة من أسفل. # كان معنا تلك الليلة صديق قديم لشريف، اسمه عادل أمين، وهو محام معروف، تولى ~~الدفاع عني حين دخلت السجن عام 1981، جاء في زيارة لنا تلك الليلة يحمل زجاجة ~~نبيذ وكتابا جديدا سجل فيه وقائع محاكمة الشيوعيين عام 1953، ضحك عادل أمين وهو ~~يجلس معنا في الشرفة العالية، يرشف من كأسه على مهل، وقال: لا بد لنا من نبيذ عمر ~~الخيام يا دكتور شريف حتى نتذكر هذه المحاكمات منذ سبعة وأربعين عاما، وفي هذا ~~الجزء من كتابي نقلت أقوالك في التحقيق عام 1953، وأقوال الدكتور إسماعيل صبري ~~عبد الله وغيره من قيادات الشيوعيين، وسوف تكتشف الفرق الكبير بين أقوالك في ~~التحقيق وأقوالهم، وأنت يا شريف إنسان صادق مستعد أن تدفع حياتك لتعبر عن رأيك، ~~وهذا واضح في التحقيق معك، لكن بعض زملائك الشيوعيين لم يكونوا كذلك، ms511 لقد دخلوا ~~السياسة لأهداف أخرى مثل الحصول على منصب وزير أو رئيس وزراء أو جوائز الدولة، ~~وأنت لم تحصل على شيء من هذا، لكنك حظيت باحترام الجميع وأنا منهم. # تركت شريف وعادل أمين يتبادلان الذكريات عن التحقيقات، أخذت الكتاب إلى غرفتي ~~لأقرأ ماذا قال شريف حتاتة في ذلك التحقيق عام 1953، ذلك العام كنت طالبة بكلية ~~الطب، أعاني ما يعانيه أحمد حلمي والفدائيون الذين شاركوا في حرب القنال عام 1951، ~~أصبحوا كبش الفداء بين صفقة الحكومة المصرية والاحتلال البريطاني، مات بعضهم على ~~أرض المعركة، مات بعضهم في المنفى في الخارج أو في الداخل، من عاش منهم أصابه المرض ~~النفسي أو الإدمان من أجل النسيان، حتى اليوم لم يؤرخ أحد لهذه الفترة من حياة ~~مصر، سقطت أسماء هؤلاء الفدائيين الشهداء في العدم. # تحت اللمبة الكهربية في غرفتي فتحت كتاب عادل أمين وقرأت أقوال شريف حتاتة في التحقيق: # ذكر شريف أنه قبض عليه في 3 نوفمبر 1953 الساعة الرابعة صباحا، وأودع ~~السجن الحربي، وتم التحقيق معه يوم 5 نوفمبر 1953، وقيل له إنه مقبوض ~~عليه بأمر من مجلس قيادة الثورة، وعومل بطريقة غريبة، السجن الانفرادي ~~المطلق لمدة أربعة شهور محروما من كل شيء، صحف أو كتب أو الاتصال ~~بعائلته أو بمحام، وضرب عدة مرات ضربا مبرحا، وكبل بالحديد ~~الخلفي والحديد في الأرجل، وهدده ضابط المخابرات أحمد محمود بالشنق، ~~وبالاعتداء الجنسي، والانتقام من أفراد عائلته إن لم يدل بالأقوال ~~التي يريدها، كما هدده عدة مرات بالاعتداء عليه وشنقه داخل زنزانته. لم ~~يصدر أمر من النيابة العامة بحبس شريف حتاتة إلا في 15 مارس 1954، ونقل ~~إلى سجن مصر بأمر حبس عسكري، مطلوبا تقديمه لمحكمة الثورة وإعدامه مع ~~بعض زملائه، لولا أن هذه المؤامرة أحبطت. كان التحقيق يجري في ظل ~~الأحكام العرفية. وقال شريف في التحقيق: إن الشعب المصري يريد الكفاح ~~المسلح في القنال لطرد الاحتلال، وإن النيابة مشتركة في الجريمة ضده، ~~وإنه يحتج على هذا الإرهاب. وأضاف أن التعذيب أدى إلى إصابة زميله كمال ~~عبد الحليم باختلال ms512 في قواه العقلية، وعولج بالصدمات الكهربية في ~~المستشفى العسكري، ومرض الآخرون بحالات عصبية وجسمية يحملونها معهم ~~بقية العمر. # وتم مع شريف حتاتة ضبط مطبوعات كالآتي: ست نسخ من نشرة صوت الفلاحين، ست عشرة صفحة ~~مكتوبة بالآلة الكاتبة ومطبوعة بالرونيو في شكل كتيب صغير، الصفحة الأولى منها ~~عبارة مأثورة عن فردريك إنجلز تقول: «بغير نظرية ثورية لا يمكن أن توجد حركة ~~ثورية»، وفي الختام عبارة تقول: «رجال الحكم في مصر يتعاونون مع الاستعمار لا ~~يستطيعون مواجهة الشعب إلا بالدبابات والمشانق ومحاكم الثورة»، ثم هذه العبارة ~~الأخيرة: «تسقط جمهورية الدكتاتورية العسكرية وتحيا الجمهورية الشعبية ~~الديموقراطية.» وقد حكم على شريف حتاتة بعشرة أعوام سجن مع الأشغال الشاقة، ~~أداها بالكامل داخل سجون مصر، لم يطلق سراحه إلا عام 1963، وظل تحت المراقبة ~~عدة سنين بعد ذلك، حتى غادر مصر عام 1973، ثم عاد إلى الوطن عام 1980. # وفي عام 1981 دخلت أنا السجن وبقي شريف خارجه، وعشنا المطاردة عدة سنوات حتى ~~1988، حين دخل اسمي قائمة الموت. وفي عام 1991 وجهت إلينا الحكومة ضربة كبيرة بسبب ~~وقوفنا ضد حرب الخليج. وفي عام 1992 كان لا بد من السفر خارج الوطن حماية ~~لأرواحنا، ثم عدنا إلى الوطن بعد ستة أعوام في المنفى، وها نحن نعيش المنفى داخل ~~الوطن، في تلك الشقة الصغيرة، تكاد تشبه العلبة من الأسمنت المعلقة بين السماء ~~والأرض في الدور السادس والعشرين في حي شبرا القديم، لولا هذه الشرفة العالية ~~المطلة على النيل والفضاء الواسع، لولا انهماكنا في الكتابة الإبداعية، ولولا ~~زيارات الأصدقاء القدامى والصديقات الجديدات من الشابات والشباب ... ربما أصابنا ~~الاختناق أو الموت بالذبحة الصدرية أو التسمم الغذائي. # في هذه الشرفة نجلس في الليل، شبورة سوداء ترقد تحتها مدينة القاهرة، المآذن وقباب ~~الكنائس تغرق في الخضم الأسود على حد سواء، أصوات صاخبة ترتفع من خلال مكبرات ~~الصوت، تراتيل دينية بصوت ذكوري خشن، وتراتيل غنائية بأصوات المطربات وراقصات ~~يطرقعن بالصاجات، رائحة الهامبرجر الأمريكي تتصاعد من قمامة سينسبري البريطاني فوق ~~الشاشة، وفي الإذاعات تتكرر الصورة الواحدة والصوت ms513 الواحد للحاكم الإله، من حوله ~~رجال ونساء البلاط. # قلبي ينوء بالحزن على هذا الوطن، ستون مليونا من البشر يعيش نصفهم تحت خط الفقر، ~~أغلبهم نساء معذبات داخل البيوت، يعانين إلى جانب الفقر الاغتصاب الجنسي داخل ~~الزواج أو خارجه، يقهرهن رجال العائلة بمثل ما يقهرهن رجال الدولة. # منذ ولدت في بداية الثلاثينيات وأنا غاضبة ثائرة ضد هذا الظلم منذ الطفولة أحلم ~~بعالم آخر، أبحث عن شيء لا أعرف ماذا أسميه، تعجز اللغة الطبقية الأبوية عن ~~التعبير عنه، ليس هو الحب الذي يتغنى به هذا العالم المزدوج الوجه، وليس هو الإله ~~الذي يعبده الرجال ويضعهم في درجة أعلى من النساء. # شيء أبحث عنه لا أجده في هذا الكون، قد يجذبني البريق في عيني الإنسان أو ~~الإنسانية، أنتبه كالعشب الحساس العاري، أبحث تحت البريق عن الشيء العميق، أنخدع ~~وأخدع نفسي المرة وراء المرة، ثم أفيق بعد عام أو عامين أو عشرين عاما، أكتشف ~~جزءا من الحقيقة التي تتخفى مثل جبل الثلج، يتراكم الحزن في قلبي العام وراء ~~العام، لا شيء إلا الحزن حين أواجه الحقيقة في هذا العالم. # مفتوحة العينين أحملق في وجه الموت، أحملق في وجه الزيف، في وجه فرعون الإله حاكم ~~البلاد، أثبت عيني وهو جالس فوق المنصة العالية، أشير إليه بإصبعي وأقول له: أنت ~~أول من يحاسب عن الظلم والفساد والفقر في هذا البلد وليس نائبك أو مندوبك؛ لأنك ~~الوحيد الذي تقبض في يدك على السلطة المطلقة، ومن يملك السلطة هو المسئول. # لكنهم يفصلون بين السلطة والمسئولية، كلما ازدادت السلطة اكتسب الحاكم حصانة أكبر، ~~مثل الإله يصبح مسئولا عن الخير فقط، أما الشر فهناك كبش الفداء أو الضحية، يسمونه ~~الشيطان أو حواء الآثمة، أي النساء الفقيرات المغتصبات جسديا واقتصاديا ~~تحت سطوة القيم الطبقية الأبوية. # في المرآة أرى سحابة الحزن تكاد تخفي البريق القديم في عيني، أجلس في الشرفة ~~العالية أطل على المدينة، القاهرة لأهلها المقهورة بحكامها، أقاوم الحزن بالكتابة، ~~أحب ملمس القلم بين أصابعي، الأوراق متراكمة فوق مكتبي بخط يدي، ms514 تطل من داخل ~~الغلاف البرتقالي مكتوب عليه: أوراقي حياتي، الجزء الثالث. مفكرتي الصغيرة غلافها ~~أزرق تشبه الكشكول في طفولتي عام 1942، مكتوب عليها 2000. ثمانية وأربعون عاما مضت ~~منذ بدأت أكتب في مفكرتي السرية، لم يعد عندي أسرار، كتبتها كلها ونشرتها على ~~الناس، تحولت من ذكريات مكبوتة تبعث على الخزي والعار إلى قيمة علمية وأدبية ~~يدرسها الطلاب والطالبات في جامعات العالم، ما عدا الجامعة المصرية. # هناك مثل شائع يقول: «لا كرامة لنبي وسط أهله.» أحيانا أدرك أن الحظ يحالفني؛ ~~لأنني أعيش ولم يغتلني أحد بعد، أفرد ذراعي عن آخرهما وآخذ شهيقا عميقا، أشعر ~~بحرية الخروج من دائرة المألوف، أتذكر أبي منذ اثنين وأربعين عاما حين ترك الحكومة ~~المصرية، فرد ذراعيه عن آخرهما وقال: أخيرا تحررت بعد ثلاثة وثلاثين عاما عشتها ~~رهين المحبسين، الوظيفة الحكومية وسرير الزوجية! # ضحك شريف وقال: أبي أيضا مثل أبيك تحرر من الحكومة بعد الإحالة إلى المعاش. لكنه ~~تحرر من سرير الزوجية قبل ذلك يا شريف كان أبي مخلصا لأمي، لم يكن يفصل بين ~~الإخلاص للزوجة والإخلاص للوطن. قال شريف: أنت مثالية يا نوال، كل شيء نسبي في ~~الحياة، لا يوجد إخلاص مائة في المائة. قلت: كم تستخدم نظرية النسبية يا شريف ~~لتبرير كثير من الموبقات في العالم! ضحك شريف وقال: وكم من موبقات أكثر تحدث تحت ~~اسم المثالية والمطلق. # يدور الحوار بيني وبين شريف ونحن جالسان في الشرفة، ستة وثلاثون عاما منذ تزوجنا ~~ونحن في حوار دائم، نطل من الشرفة العالية على القاهرة من أهرامات الجيزة إلى جبل ~~المقطم والقلعة، مساحات من الأسمنت بلا شجرة خضراء أو حديقة للأطفال، قطعوا الأشجار ~~وزحفت الجدران على الزرع، جدران سوداء بلا نوافذ، أو نوافذ كالشقوق داخل الشقق، ~~كالعلب المستوردة، يحفظون فيها الفاصوليا وحبوب الصويا، داخل كل علبة تكدست ~~الأجسام، الجد والجدة والأب والأم والأولاد والبنات والأحفاد والحفيدات، والأعمام ~~والأخوال والخالات والعمات وأولادهم وبناتهم، يرقد اللحم إلى جوار اللحم في غرفة ~~واحدة، يدس الواحد منهم إصبعه في عين الآخر دون أن يراه، ms515 يدخل قضيب أحدهم في ثقب ~~مظلم داخل الجدار أو داخل اللحم، لا يعرف في الظلمة الجدار من الجسد. لا شيء يتحرك ~~في النوم إلا الأشباح وأرواح الجان، ورد ذكرهم في كتاب الله، كلهم يؤمنون بالكتاب ~~وبالأرواح الخفية، ينامون دون أن يتكلم أحد في النوم، في النهار يسيرون بعيون نصف ~~مغمضة، لا أحد ينطق بشيء مما يدور في عقله، إنهم يعيشون تحت حكم قانون الطوارئ يشبه ~~قانون الأحكام العرفية، إن نطق أحدهم بما يدور في رأسه أخذوه إلى السجن دون ~~تحقيق. بالأمس وافق مجلس الشعب على مد العمل بقانون الطوارئ ثلاثة أعوام أخرى حتى ~~عام 2003، وبعدها لا أحد يعرف الغيب إلا الله والسيد الرئيس. # بالأمس اعترض مجلس الشعب على حق المرأة في السفر دون إذن زوجها، قلت لابنتي: ~~أنت أكثر حرية من أمك لأنك غير متزوجة. قالت ابنتي: ولماذا تزوجت يا أمي؟ قلت: لم ~~يكن ممكنا أن أنجب أطفالا منذ أربعين عاما دون زواج، أنا لا أومن بورق الزواج ~~أو شهادة الطب أو الأدب أو شهادة الميلاد أو الوفاة ، لكني تزوجت بعقد مكتوب ليكتسب ~~أطفالي الشرعية، لكن اليوم لم يعد عقد الزواج الرسمي صالحا، لم تعد النساء ~~خاضعات مكسورات، أغلب الشابات المثقفات يرفضن الزواج الرسمي، بدأت أنواع ~~أخرى من الزواج غير الرسمي تنتشر مثل الزواج العرفي وزواج المسيار، وزواج ~~الدم، وكلها تتحدى الزواج الرسمي المختوم بالنسر. # في هذه الشرفة في الدور السادس والعشرين يدور الحوار بين أجيال مختلفة من الشباب ~~والشابات، من عمر ابنتي، وعمر ابني، أرمقهم بإعجاب ... عيونهم لم تعد منكسرة، رءوسهم ~~لم تعد مطرقة إلى الأرض، عيونهم لم تعد نصف مغمضة، يتحاورون ويعبرون عما يدور ~~في عقولهم دون خوف. # وقال شريف: سيكون المستقبل أفضل من الحاضر يا نوال! قلت: لكننا لن نكون هنا يا ~~شريف. قال: لا يهم أن نكون هنا بأجسامنا لكن أفكارنا ستكون موجودة في الكتب. # وأسأل بدهشة: أيكون الورق أطول عمرا من البشر؟! ألهذا لجأ الآلهة أيضا إلى الكتب ~~من أجل البقاء؟! # | من مفكرتي السرية عام ms516 1947 # اليوم 9 يوليو 2000، تجمع في بيتي أعداد من الشابات والشباب، أسسوا جمعية جديدة ~~باسم النهضة الفكرية للمرأة المصرية. بدأت معاكسات وزارة الشئون الاجتماعية، رفضت ~~تسجيل الجمعية في مارس الماضي، لكن العضوات والأعضاء أصروا على مواصلة العمل، ~~أنظر إلى وجوههم، أتذكر نفسي منذ أربعين عاما، حين كنت في مثل هذا العمر، ربيع ~~الشباب، يعود إلي حماسي كما كنت في العشرين أو الثلاثين، ابنتي منى وابني عاطف ~~جزء من هذه النهضة الفكرية والفنية الجديدة، هذه الوجوه تشبه ابنتي وابني، كأنما ~~ولدتهم جميعا في مكان وزمان لا أدري عنه شيئا. # لا شيء يعيد إلي التفاؤل والأمل مثل العمل الجماعي، هذه الوجوه الشابة المليئة ~~بالتفاؤل والأمل، عيونهم يكسوها البريق، يبتسمون ويضحكون، يتحركون في بيتي كأنما ~~بيتهم، يدخلون إلى المطبخ، يصنعون الشاي، يقطعون فطيرة الذرة، ثم تتولى واحدة منهم ~~إدارة الاجتماع، شابة في الخامسة والعشرين اسمها ابتسام، تكتب الأدب والشعر، تخرج ~~إلى المظاهرات ضد الفساد في الدولة والعائلة، خاضت تجربة الزواج والأمومة، ~~خرجت من التجربة برواية جديدة طويلة وطفلة عمرها ثلاثة أعوام، تحملها معها في كل ~~مكان، تدربها منذ الطفولة على رؤية العالم، والتحدي، تعيش وحدها مع طفلتها، تنفق ~~عليها من راتبها الشهري، تشتغل في إحدى الصحف الجديدة، تحصل على ما يكفيها ويكفي ~~طفلتها ... قالت ابتسام في الاجتماع: أنا امرأة سعيدة أستمتع بالحياة دون حاجة إلى ~~رجل. قال أحد الشباب: ليس كل الرجال متخلفين. ضحك الجميع، ~~وقال شاب: أغلبهم متخلفون، لا بد من الاعتراف أن ~~قلة نادرة من الشباب تخلصوا من عقدة الذكورة. وقالت إحدى الشابات: لا بد من ~~الاعتراف أن قلة نادرة من الشابات تخلصن من عقدة الأنوثة. # يدور الحوار بينهم وهم جالسون في صالة بيتي، أستمع إليهم، ربما هم هؤلاء القلة ~~النادرة، وإلا فلماذا جاءوا إلي أنا بالذات؟! وقالت ابتسام: قرأت كتبك يا دكتورة ~~نوال وتغيرت حياتي كلها، استطعت أن أحول كل تجربة مؤلمة مررت بها إلى عمل ~~إبداعي. هذه الكلمات ترن في أذني كالموسيقى، كالماء يروي الزهرة، كالهواء النقي ~~يدخل صدري، ms517 يطرد الغبار والحزن واليأس، أتلفت حولي وأرى الفقر يشتد، الجهل يشتد، ~~المرض يشتد، الثالوث المزمن القديم منذ عهود الملكية والإقطاع: «الفقر، الجهل، ~~المرض»، هذا الثالوث يتجسد أمامي أينما ذهبت، كأنما لم يتحرك الزمن منذ كنت طفلة في ~~السابعة من العمر. # لكن هذه الوجوه الشابة تعيد إلي التفاؤل والأمل، تقول ابتسام: لسنا قلة نادرة ~~يا دكتورة نوال، نحن أغلبية هذا الشعب، الأغلبية الصامتة التي لم يكن لها صوت، ~~أصبح لنا صوت، ربما ضعيف في مجموعة صغيرة لكن صوتنا سوف يكبر ويكبر. تطلق ضحكة ~~مرحة يشاركها الجميع الضحك، أضحك معهم، أسمع صوت ضحكتي بأذني، أستعيد طفولتي ~~وشبابي، يتسرب الألم من جسدي والحزن، أنهض بحركة خفيفة كأنما في العشرين من العمر، ~~كأنما تلاشت أربعون سنة من عمري، أيكون الزمن هو الوهم؟! أتكون الشيخوخة هي المرض ~~المؤقت لا يشفيه إلا الأمل؟! # همست لشريف في الليل، سأعيش حتى القرن الثاني والعشرين، ضحك شريف وقال: بالأمس ~~قلت يا نوال إنك ستموتين غدا. نعم يا شريف، كان ذلك بالأمس، لكن اليوم أنا شابة ~~من جديد، ما رأيك في كأس من النبيذ وقليل من الفول السوداني، وكثير من الحب؟! يضحك ~~شريف، الساعة الآن الثالثة صباحا يا نوال. إيه يعني يا شريف؟! وليه تبص في ~~الساعة؟! تعود شريف أن ينام والساعة حول معصمه، وخاتم الزواج حول إصبعه، أي ~~خاتم، ولا أعترف بأي خاتم. # يقول شريف عنها: «الفوضى الضرورية لأي نظام»، نحن في حاجة إلى شيء من الفوضى لندرك ~~النظام، شريف كان يدرس معي في جامعة ديوك المادة الجديدة التي أطلقنا عليها اسم ~~«التمرد والإبداع». حين التقيت بشريف لأول مرة منذ ستة وثلاثين عاما قلت له: أنت ~~يا شريف متمرد ومبدع، في أعماقك حنين للفوضى رغم مظهرك الخارجي المنظم ~~جدا. # أصبحت نظرية الفوضى في علم الكون الجديد جزءا لا ينفصل عن النظام، وفي علم ~~الفلسفة الجديد أصبح الشيطان جزءا من الإله، تلاشت الثنائيات الباطلة الموروثة ~~منذ نشوء العبودية؛ ومنها ثنائية الذكر والأنثى والحاكم والمحكوم؛ ألهذا السبب لا ~~أعترف بأي حكومة ms518 في العالم؟! تشترك الحكومات جميعا في بعض الصفات الأساسية، على ~~رأسها القهر والتضليل، ما إن ترن كلمة «حكومة» في أذني حتى تتكور يدي في قبضة ~~قوية، كأنما سأضرب رأس ثعبان. # وأندهش حين يفخر أحد بمنصبه العالي في الحكومة، أو حين ينال جائزة حكومية تحمل اسم ~~جائزة الدولة. ~~- ما الفرق بين الحكومة والدولة؟ ~~- في الأنظمة الدكتاتورية لا يوجد فرق؛ لأن الشعب لا يشارك في الحكم. ~~- وهل يشارك الشعب في أي حكم في العالم؟ ~~- في عالمنا الطبقي الأبوي هذا؟ ~~- نعم. ~~- لا توجد ديموقراطية حقيقية في أي بلد، العالم تحكمه القوة والأموال وليس العدل ~~أو الحرية. # يدور الحوار في بيتنا عام 2000 كما كان يدور منذ نصف قرن في بيت أبي، سقط النظام ~~الملكي وبدأ النظام الجمهوري وظلت الحكومات كما هي، لا يمكن لحكومة أن تبقى مستقرة ~~فوق عرشها دون قهر الشعب وتضليله، كان أبي يقول: لا شيء يضلل الشعب مثل نظام ~~التعليم. # كنت في الثامنة والعشرين من عمري حين مات أبي، كلماته محفورة في ذاكرتي، وزارة ~~التعليم تلعب دورا في تجهيل الناس بالحقيقة ، المعرفة إثم حتى اليوم، أصبحت ~~عمليات التجهيل أكثر إتقانا مع تطور تكنولوجيا التعليم والإعلام الحديث وما بعد ~~الحديث. # في أعماقي حنين منذ الطفولة للمعرفة، شهوة المعرفة أكبر عندي من الشهوة الجنسية، ~~لا يجذبني الرجال ذوو الفحولة الذكورية، لقد مر بحياتي رجال كثيرون، انجذبوا إلى ~~أنوثتي الخادعة، إلى البريق المطل من العينين، تصوروا أنني أبادلهم الحب، لكن سرعان ~~ما تحدث المأساة، تصطدم الذكورة التقليدية بأنوثة مختلفة غير قابلة ~~للاختراق. # بعد موت أبي وأمي تصورت أنني تحررت، في طفولتي كنت أحلم أنهما ماتا لأخرج من البيت ~~بدون إذن، أصحو من النوم مبللة بالدموع، أبكي على موتهما بمثل ما أبكي على عدم ~~موتهما. # بعد موت أبي جاءت صديقتي بطة لتعزيني، مرت علي بعيادتي في ميدان الجيزة، كانت ~~الساعة السابعة أول الليل، العيادة خالية من المرضى والتمورجي في إجازة، انتهزت ~~فرصة موت أبي لأغلق عيادتي شهرا كاملا، علقت ورقة على الباب تقول: ~~«العيادة ms519 مغلقة حتى يوم 21 مارس»، كنت أريد أن أكتب «العيادة مغلقة إلى الأبد»، ~~لقد فتحت هذه العيادة من أجل أبي، دخلت كلية الطب من أجل أبي، وقد مات أبي وانتهت ~~علاقتي بمهنة الطب، أما العيادة فقد أصبحت مقرا لندوات الأدب، حيث ألتقي الأصدقاء ~~والصديقات. # دخلت بطة كعادتها مثل ريح تدفع الباب، تدق الأرض بكعب حذائها العالي المدبب، جسمها ~~السمين القصير مدكوك داخل ثوب حريري أسود، علامة الحداد على موت أبي، فتحة الصدر ~~واسعة تكشف عن عنق سمين ناعم حتى الشق العميق بين النهدين المضغوطين بالمشد، رأت ~~وجهي الشاحب الحزين فجلست مطرقة إلى الأرض ترسم على وجهها علامات الحزن، عيناها ~~السوداوان الواسعتان مرسومتان بالكحل، تملأهما ضحكة مرحة مكتومة الصوت. ~~- تشربي إيه يا بطة؟ ~~- قهوة سادة سوداء يا نوال، مش كده ولا إيه؟ # أفلتت من شفتيها الممتلئتين تنهيدة قصيرة، لعقت بطرف لسانها شفتها السفلى السمينة ~~وقالت: عندك حاجة تانية؟ قلت: عندي ينسون يا بطة. هنا أطلقت ضحكتها المرحة وقالت: ~~مش تبطلي طفولة بقة إنت كبرتي يا نوال، عندك جين تونيك؟ # كانت أول مرة في حياتي أسمع كلمة «جين تونيك»، قالت بطة: إنه الشيء الوحيد الذي ~~تشربه حين تكون حزينة، المشروب الوحيد الذي يبدد الكآبة وتبدو الحياة تحت أضواء ~~جديدة، في أعماقي حنين لأذوق كل ما تشتهي الأنفس، وكان وجود أبي في حياتي كاللوح ~~الزجاجي السميك الشفاف، أرى من خلاله الحياة وإن مددت يدي نحوها يعترضني حاجز لا ~~أراه. # دق جرس التليفون فوق مكتبي، جاءني الصوت يقول: البقية في حياتك يا نوال، سأمر عليك ~~بعد ساعة. لمعت عينا بطة وتساءلت: مين هو؟ قلت لها: رجاء الشاعر. مطت بوزها وقالت: ~~يعني! وهي كلمة شاعت في ألسن الناس في مصر منذ الوحدة مع سوريا، وهي تعني ~~الموافقة وعدم الموافقة في وقت واحد، بعد فشل الوحدة وانفصال سوريا عن مصر بقيت ~~الكلمة تتردد على الألسن، وتعني اللامبالاة أو عدم الاهتمام، يهز الواحد منهم كتفه ~~ويقول «يعني»، أو تمط الواحدة منهن شفتيها وتقول «يعني»، فندرك ماذا تعني. ms520 بدأت ~~الكلمة أول ما بدأت على لسان جمال عبد الناصر في الأيام الأولى للوحدة مع سوريا، ~~دخلت الكلمة القاموس المصري بقرار شفهي شبه جمهوري، تشبها بالسوريين، ثم انتقلت ~~إلى المصريين تشبها بالرئيس عبد الناصر، وأعقب ذلك الإمساك بالسبحة بين الأصابع. ~~ودخلت كلمة أخرى إلى القاموس المصري مع تحريك حبات السبحة، وهي كلمة «واللا»، تضحك ~~بطة وهي تردد كلمة «واللا» بصوت عبد الناصر، تعقبها بكلمة «يعني»، ثم تطرقع أصابعها ~~القصيرة البضة وتمط شفتيها وتقول: عارفة يا نوال أنا باعرف بتوع الاتحاد الاشتراكي ~~من طريقة كلامهم. وكان الاتحاد الاشتراكي قد تكون بعد صدور القرارات الاشتراكية عام ~~1961، وعقد المؤتمر الوطني للقوى الشعبية عام 1962، وخرج الميثاق إلى الوجود ~~وصديقتي بطة تسخر من كل ذلك، تمط بوزها وتقول: يعني! # لم يكن صديقي رجاء الشاعر يعجب صديقتي بطة، تقول عنه «اشتراكي غارق لأذنيه في عشق ~~البرجوازية»، وهو نحيف الجسم قصير القامة، قدماه صغيرتان، وهي لا تطيق القدم ~~الصغيرة في الرجال، كما لا تطيق القدم الكبيرة في المرأة، ترمق بإعجاب قدمها ~~الصغيرة البضة المقوسة داخل الحذاء ذي الكعب العالي ، تقارنها بقدمي الكبيرة داخل ~~حذائي بدون كعب، وتمط شفتيها: مش عارفة يا نوال إيه اللي عاجبك في جزم الرجالة ~~دي اللي بتلبسيها! كانت بطة تتولى مهمة تحويلي إلى أنثى مثلها، ترمق بشرتي السمراء ~~بشيء من الامتعاض، وتقول: عارفة إيه اللي ناقصك يا نوال عشان تبقي ملكة جمال، شوية ~~بودرة وروج وتصبغي شعرك الأبيض ده! # كأنما كانت النقيضة لي، رغم اختلافي معها في كل شيء، كان هناك شيء غامض يجمعنا، ~~تلازمني في كل مكان أذهب إليه كظلي، تطلبني كل يوم في التليفون وتأتي لزيارتي في ~~البيت أو العيادة، أصمم في كل مرة ألا أرد عليها، لكن ما إن يرن الجرس وأعرف صوتها ~~حتى أقول أهلا بطة. كانت تملأ حياتي الحزينة بشيء من المرح، تملأ حياتي الجادة ~~بشيء من الاستهتار، إلى جوارها أحس بالنقاء، كأنما يحتاج النقاء دائما إلى شيء من ~~الفساد ليرى نفسه، كالضوء لا نراه إلا في الظلمة. ms521 # حين قالت بطة «يعني» ومطت بوزها، قلت لصديقي رجاء الشاعر: إنني متعبة وحزينة لموت ~~أبي ولا أقابل أحدا من الناس. أحسست في صوته خيبة الأمل، كان يريد أن يراني في ~~تلك الليلة، وكانت معي صديقتي بطة، وهي قادرة على تسليتي أكثر منه، تجعلني أضحك من ~~أعماق قلبي، لا تحدثني عن سوريا أو العراق أو مصر أو الإيمان بالله أو الوطن، تخرج ~~من حقيبتها زجاجة الجين، وتسألني: عندك ثلج يا نوال؟ لا تنتظر مني الإجابة، تنهض ~~وتفتح الثلاجة في البيت أو العيادة، تضع قطع الثلج في صحن صغير، تفتح زجاجة ماء ~~التونك، تخلط الجين بالتونيك مع الثلج وقطعة من الليمون على شكل الدائرة، تغمسها في ~~الكأس بطرف إصبعها ثم تمصه وتقول: يا ترى مين العبقري ده اللي اكتشف الجين تونيك؟ ~~تعرفي أنا باحسدك ليه يا نوال؟ لأنك قدرتي تطلقي جوزك؛ ولأن أمك وأبوكي ماتوا ~~وبقيتي إنسانة حرة! # تطلق بطة ضحكتها المرحة المعدية مثل المرض؛ فأضحك مثلها بقوة لا إرادية، أود أن ~~أشعر أنني إنسانة حرة، لكن القيود تلفني كخيوط من الحرير، ذراعاي مشبوكتان حول ~~صدري، لا أستطيع أن أطلق هذه الضحكة العالية المرحة التي تطلقها وتكاد تخرق الحوائط ~~الأربعة. ~~- يا بختك يا بطة بتقدري تضحكي من كل قلبك. # تتوقف بطة عن الضحك فجأة، يسقط وجهها كأنما في قاع مجهول، تكسو عينيها سحابة حزن ~~كثيفة، ترشف الجين تونيك في صمت، تمصمص شفتيها وتقول: أنا باضحك معاكي بس يا نوال، ~~باحاول أفضفض عن نفسي ... وسرعان ما تنقشع السحابة، تلمع عيناها من جديد، يطل منهما ~~بريق مشع متأجج بالرغبة المكبوتة، يشتغل رأسها بالخيال الجامح، تبدأ في الاعتراف ~~بشيء لا تنطق به وهي في كامل الوعي، تعرفي يا نوال أنا نفسي في إيه دلوقتي؟ تصمت ~~لحظة مترددة ثم تهمس: نفسي أخرج وأمشي في الشارع وأصطاد أي راجل يقابلني، راجل لا ~~يعرفني ولا أعرفه، متهيأ لي يا نوال إن هو ده الراجل اللي ممكن يقدر يحقق المعجزة، ~~ممكن يحقق المستحيل، اللذة المستحيلة يا نوال! # كانت بطة ms522 تؤمن أن هناك تناقضا بين الحب والجنس، لا يمكن أن تتحقق اللذة الجنسية ~~إلا مع رجل فاسد لا يؤمن بالثالوث المقدس: «الله، الوطن، الحب». وكانت تقول إنها ~~حين تحب الرجل لا تمارس معه الجنس حتى يحتفظ بصورتها الملائكية حتى الموت، ثم ~~تطلق ضحكتها وأنطلق أضحك كأنما بالعدوى. ~~••• # كنت وحدي بالبيت، مات أبي ليلة الخميس 19 فبراير 1959، مضت سنة كاملة على موته ~~وخمسون يوما. الليلة هي أول إبريل عام 1960، لم يكن بيتنا يخلوا إلا نادرا، تلك ~~اللحظات يتسع الأفق فجأة، وأكاد أرى الإله «رع» وراء السحابة البعيدة. يصمت الكون ~~وأكاد أسمع دبة النملة، وحفيف أوراق الأشجار البعيدة، نسمة الليل تصيح رقيقة ناعمة ~~كحرارة الجسم، أستشعر اللذة حين أفرد جسمي حتى النهاية، أمد عنقي حتى النهاية، ~~يصبح رأسي عاليا قريبا من رأس الإله «رع» في السماء، لم تكن هذه الحركة مباحة ~~للنساء، والمفروض ألا يعلو رأس المرأة عن رأس أبيها أو زوجها، فما بال من هو ~~أعلى منهما في الكون، كانت قامتي شامخة وعنقي طويلا، وكان لا بد من علاج هذا ~~العيب. # أصبحت أمشي بقامة منحنية قليلا، لا أستطيع أن أفراد جسدي حتى نهايته في اليقظة أو ~~في النوم، الانحناءة تنمو كالصنم فوق ظهري دون أن أدري، كالعضو الغريب ينمو خلسة ~~ويصبح جزءا من الجسم، كالخوف من عقاب الله يتسلل إلى العقل ويكمن فيه، كالمرض ~~المزمن. كانت أسرتنا كبيرة العدد، يسميها أبي «الفاميليا» ينطق الكلمة بسخرية، ينفث ~~الهواء مع الياء الأخيرة، والألف المدودة يمدها مع زفير طويل، مملوء بالضجر والزهو ~~الخفي، يشير إلينا بإصبعه الطويل ونحن متراصون حول المائدة: ~~«الفاميليا الكريمة تسعة من العيال وأمهم.» # عرفت منذ الطفولة أن الفاميليا هي أسرة أبي فقط، أمي مثلنا نحن الأطفال واحدة من ~~العيال، كلمة العيال ترن في أذني مهينة تنم عن الاحتقار، العيال هم من يعيشون عالة ~~على غيرهم. # لم تكن أمي تواظب على الصلاة أو تلاوة القرآن، يسألها أبي كل يوم: ليه يا زينب ~~مش بتصلي؟ تضحك أمي ضحكتها المرحة الساخرة وتقول: أنت ms523 بتصلي بالنيابة عني يا سيد. ~~يندهش أبي ويقول: بالنيابة عنك إزاي يا زينب؟ تواصل أمي السخرية: إنت بتنوب عني في ~~كل حاجة حسب القانون والشرع، يبقى لازم تنوب عني في الصلاة كمان، ولا إيه؟! # في طفولتي لم أفهم كلام أمي، أدركت بالفطرة أنها لا تؤمن بالله، تزمجر أحيانا ~~بغضب مكتوم وتخاطب السماء قائلة: يعني كل حاجة من حق الرجال دنيا وآخرة واحنا ~~مافيش حاجة؟! تتراجع بعد لحظة وتهمس: أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم. # بعد موت أبي أدركت أن الفاميليا ماتت، ألم يكن عمودها وعميدها؟! ألا يسقط البناء ~~بسقوط العمود؟! الفرح الخفي يهزني وأنا أرى البناء يسقط، يبدو لي منذ الطفولة ~~واهيا، مصنوعا من الوهم، أو مجرد الاسم، كانت أمي تضحك حين يشير أبي إلينا نحن ~~التسعة ويقول بزهو: أولادي! # تضحك أمي وتسأله: من قال إنهم أولادك؟! يضحك أبي مدركا الفكاهة، ثم سرعان ما ~~ينتابه سعال جاف ويصمت فجأة كأنما يسقط في بئر عميقة بغير قاع. # كان أبي يؤمن بالحياة الأخرى بعد الموت، يحكي لنا كيف يعاقب الله المذنبين، كيف ~~تلقى أجسادهم في النار لتحترق، نختفي نحن الأطفال تحت السرير من شدة الخوف، تقول ~~أختي الصغرى: إن الميت لا يمكن أن يحس شيئا. كان الموت في نظرنا نحن الأطفال هو ~~الموت، هو نهاية الألم ونهاية الإحساس، لم نصدق في طفولتنا ما يقوله الكبار، كانت ~~أختي الصغرى تشاركني اللعب تحت السرير، وتقول لي: إن الأطفال يعرفون ما لا يعرفه ~~الكبار. وأسألها: ليه؟ تقول: لأن الكبار عقلهم صغير. وننفجر بالضحك المكتوم حتى لا ~~يسمعنا أبي أو أمي الجالسان في الصالة. # كان البيت خاليا تلك الليلة، دادة أم إبراهيم أخذت ابنتي الطفلة وأخواتي الأربع ~~الصغيرات في رحلة إلى القرية، ربما كانت إجازة شم النسيم أو عيد الربيع، أو ~~الاحتفال بعيد العمال أو أحد المشاريع الاشتراكية الجديدة، أصبحت أم إبراهيم تتغنى ~~بالاشتراكية مثل وزير الصحة. بعد موت أمي أصبحت هي بديل الأم، تطبخ وتغسل ~~الصحون وتدعك المرحاض. بعد موت أبي أصبحت أنا بديل ms524 الأب، أتولى الإنفاق على ~~الفاميليا الكبيرة، ورثتها عنه ضمن أشياء أخرى منها أثاث البيت واسمه الكريم ودينه ~~الحنيف، ونصف فدان من الأرض الزراعية في كفر طحلة، استولى عليها الحاج محمد ابن ~~عمه. # أول كل شهر أناول أم إبراهيم مرتبها مثل الموظفين في الدولة، أوراق البنكنوت ~~تمسكها في يدها لحظة قبل أن تدسها في جيبها، عيناها يكسوهما البريق القديم، ~~كشعاع من الضوء ينفذ من قاع عظام الرأس، ترتعش أطراف أصابعها قليلا كأنما تجري ~~وهي واقفة، ثم تطلق ضحكتها المرحة وتقول: «أصل الفلوس يا ضكطورة راكبها عفريت اللهم ~~احفظنا يا رب من شرهم!» # كان الليل هادئا وأنا راقدة فوق الكنبة في الشرفة البحرية، أستمتع بالوحدة وغياب ~~الأسرة عن البيت. لم تكن الأصوات تنقطع في بيتنا إلا في منتصف الليل، حينئذ تسري من ~~خلال الجدران أصوات الجيران. كانت غرفة نومي ملاصقة لغرفة نوم جارتنا الست حمدية ~~وزوجها السيد أحمد عبد التواب، يسري أنينها في الليل وأنا غارقة في النوم، أو ~~صوت أم كلثوم تغني قرب الفجر، «هو صحيح الهوى غلاب ما عرفش أنا»، أو صوت جمال عبد الناصر يخطب في إحدى المناسبات الوطنية، يضغط على مخارج الألفاظ بقوة، «الاشتراكية! ~~أيها الإخوة والأخوات! علينا جميعا أن نبني المجتمع الاشتراكي الجديد!» # تلك الليلة أول الربيع كان الكون هادئا وأنا وحدي في البيت بلا أسرة ولا صوت يسري ~~من عند الجيران، إلا شيء خافت يشبه حفيف الشجر من بعيد، ربما هو صوت أمإلا شيء خافت يشبه حفيف الشجركلثوم تغني ~~في راديو الجيران بمناسبة عيد الربيع، أو صوت جمال عبد الناصر يخطب في عيد العمال. ~~حروف الكلمات لم تعد مسموعة والصوت لم يعد صوتا، بل صار شيئا مسحوقا يتسلل من ~~وراء الجدار الحجري كالرماد الناعم، كحفيف أوراق الأشجار في الأفق البعيد، إلا ~~كلمة واحدة ظلت متماسكة الحروف، تقاوم الانسحاق داخل الجدار، تحملها نسمة الليل إلى ~~أذني وأنا راقدة فوق الكنبة في الشرفة، ترن في الجو بصوت أنثوي يشبه صوت سامية عضو ~~اللجنة القيادية في الاتحاد الاشتراكي، تقف ms525 فوق المنصة وراء الميكرفون وتنطق بصوت ~~جمال عبد الناصر كلمة الاشتراكية! الاشتراكية أيها الإخوة والأخوات. # لم تكن سامية أقرب الزميلات إلي في عنبر الداخلية، كانت تكبرني بعامين اثنين، ~~بدت في ذلك الوقت كأنما تكبرني بقرن أو قرنين، تعرف قواميس لغات لا نعرفها، تفك ~~طلاسم كلمات غامضة على عقولنا نحن التلميذات الصغيرات، ومنها كلمة الشيوعية ~~والمادية الدياليكتيكية، وعلى رأسها اسم «ماركس»، وهو اسم يختلط في أذاننا مع اسم ~~«مركس» بصوت زميلتنا «بطة»، حين كانت تقلب حرف القاف الخشن إلى حرف الكاف الرقيق، ~~تشبها بالطبقة الراقية والأجانب، ويصعد الدم إلى وجه صفية حين ترن في الجو كلمة ~~«مركس» أو «مرقس»، فهو الاسم الذي تعلقه داخل القلب الذهبي فوق صدرها، يحتقن خداها ~~البيضاوان بلون الدم، ترمقني بعين حمراء كأنما أنا أفشيت السر، وكانت هي تحكي قصة ~~حبها للزميلات في عنبر الداخلية، أو لأي زميلة تسهر معها بعد أن يدق جرس النوم، ~~تقفان معا في النافذة تطلان على القمر والنجوم في غياب أبلة عزيزة ضابطة ~~الداخلية. # لم تكن «بطة» معنا في حلوان الثانوية، أصبحت زميلة لنا في كلية الطب، كان الحديث ~~بين الزميلات موصولا على الدوام، لا يفصل المدرسة عن الجامعة أو الطفولة عن ~~المراهقة عن الشباب، لا يقطعه زواج أو طلاق أو موت الزوج أو أي حادث آخر يعترض ~~حياة البنات والنساء، كأنما عطش الحب لا يرتوي أبدا حتى تبلغ المرأة مائة ~~عام. # كنت منذ الطفولة أخفي عن أبي وأمي كثيرا من المحرمات التي تتردد في عقولنا نحن ~~الأطفال، أغلبها يتعلق بالحب أو الموت، ومنها فكرة أن الموت نهاية الألم، أي أن ~~الجسد الميت لا يحس شيئا إن وضع في النار. كانت هذه الفكرة واضحة لعقلي منذ ~~الطفولة الأولى قبل أن أبلغ السابعة من العمر، لكنها بدأت تختفي كلما كبرت ودخلت ~~المدرسة. كانت صفية أقرب الزميلات إلي في عنبر الداخلية، تكبرني بعام واحد، ~~وتبدو كأنما هي امرأة ناضجة، ثدياها ممتلئان باللحم مثل أمي، كأنما تزوجت وأنجبت، ~~أو خاضت تجارب في عالم الحب لا ms526 نعرفها، حول عنقها سلسلة ذهبية يتدلى منها قلب ~~مصنوع من الذهب، تفتحه بأطراف أصابعها الناعمة البضة كأصابع أمي، تلثمه بشفتيها، ~~وصدرها يعلو ويهبط من أنفاسها، تلتقط خصلة شعر رفيعة ملفوفة داخل تجويف القلب، ~~تقربها من أنفها وتشمها، تأخذ شهيقا عميقا مع تنهيدة طويلة، ثم تفتح جفونها ~~ورموشها، ترتعش وتقول بصوت يتقطع مع أنفاسها: «باحبه يا نوال باموت فيه!» ... تكرر ~~هذه العبارة الليلة وراء الليلة، كلما وقفت معها في النافذة بعد أن يدق جرس ~~النوم، حين يغلبني النعاس أتركها وحدها واقفة في النافذة تناجي القمر، وفي ~~الحلم أراها ممدودة فوق السيخ المحمي في النار، يحرقها الله المرة وراء المرة، إن ~~إثمها ليس واحدا بل اثنين، الإثم الأول هو الحب، كان الحب محرما على البنات إلا ~~في الأغاني والأفلام، الإثم الثاني هو «مرقس» حبيبها القبطي وهي مسلمة، كنت أهمس ~~في أذنها «الحب ده حرام ربنا حيحرقك في النار يا صفية»، تهز كتفيها، تمط شفتيها إلى ~~الأمام وتهمس: «بعد ما أموت يا نوال مش حاحس بحاجة»، يسري صوتها في هدوء الليل ~~كحفيف الأشجار تتراءى من بعيد في الظلمة كالأشباح أو أرواح الجان، يتسلل الحفيف ~~إلى أذني في الليل مخيفا مثل فحيح الشيطان، يرتعد جسدي وأنا واقفة في النافذة ~~إلى جوارها، تسري القشعريرة من قمة رأسي إلى بطن القدمين، أحس البرودة تصعد من بلاط ~~العنبر إلى منابت الشعر تحت الجلد، والشعيرات الدموية تنتصب فوق ذراعي العاريتين ~~كرءوس الإبر، أقرب شفتي المرتعشتين من أذنها وأهمس: «يعني مش حانحس بالنار بعد ~~ما نموت يا صفية؟» وتفلت من بين شفتيها ضحكة مكتومة وهي تخفي فمها بيدها الناعمة ~~البضة «نار الحب يا نوال بس نحس بيها.» أتركها وحدها واقفة في النافذة وأختفي تحت ~~الغطاء، كل شيء في كياني يرتج، والسرير من تحتي يرتج في صرير مسموع يكاد يوقظ ~~بنات العنبر، وأنتفض تحت الأغطية كالفرخة المذبوحة، إلا خلية واحدة في رأسي تظل ~~هادئة وقورة لا ترتج ولا تهتز، كأنما هي تعرف الحقيقة منذ ولدت، أو كأنما هي ~~الخلية الوحيدة ms527 في عقلي التي عاشت منذ الطفولة. # لم تنقطع صداقتي بصفية حتى اليوم، أصبحت زوجة الداعية الإسلامي الكبير الدكتور ~~مصطفى الزهيري، تلف رأسها بحجاب أنيق يتمشى مع الأصالة ولا يتعارض مع الحداثة، ~~يسمونه «البونيه»، كلمة فرنسية تنطقها بصوت قوي يشبه صوت زوجها، تضغط على أسنانها ~~وهي تقول «البونيه» بلهجة رجولية تتناقض مع وجهها السمين البض الذي يفيض أنوثة، ~~وشفتاها الممتلئتان الناعمتان ضغطت عليهما بإصبع الروج الأحمر قبل أن تخرج من ~~البيت، وبعد أن ارتدت البونيه وأحكمته حول رأسها، لا يظهر من شعرها الأسود المصبوغ ~~إلا خصلة نافرة رفيعة تتدلى فوق جبهتها العريضة من الأمام، أو فوق عنقها القصير ~~السمين من الخلف. # في النوم يتكرر الحلم القديم رغم مرور السنين، وأراها تشوى في النار كخروف ~~العيد، دون أن تشعر بالألم، تنطلق ضحكتها في سكون الليل، وصوتها يسري في أذني ~~كالسيخ الحامي «نار الحب يا نوال بس نحس بيها»، كنت أحكي لها الحلم وهي واقفة إلى ~~جواري في النافذة، عيناها تشتعلان بالضوء كأنما بنار خفية، تسري حرارتها إلى رأسي ~~وعنقي وأنا واقفة إلى جوارها، دون أن تلامسني أو ألامسها، كأنما هي شعلة مختبئة في ~~الأعماق، لا أعرف من أين تتدفق هذه السخونة وتسري من قمة رأسي إلى أسفل الكعبين، ~~يصبح البلاط ساخنا تحت قدمي الحافيتين، والبنات غارقات في النوم داخل العنبر، ~~وأبلة عزيزة ضابطة الداخلية غائبة في إجازة، ولا أحد يطل علينا من السماء إلا ~~القمر المكتمل بدرا، يتألق نوره فوق رمال الصحراء الممدودة تحت عيوننا حتى الأفق، ~~بحر من الفضة السائلة تشع موجاته ومضات من الضوء الأبيض تبدو في الظلمة كفصوص ~~اللؤلؤ. # هذه الصورة محفورة في عقلي رغم مرور خمسة وأربعين عاما، وقصيدة من الشعر كتبتها ~~في مفكرتي السرية قرب الفجر، بعد أن سهرت الليل واقفة عند النافذة مع صديقتي صفية، ~~هي تحكي عن نار الحب وتحلم بالزواج من مرقس بعد أن يعتنق الإسلام، وأنا أحلم بأن ~~أكون كاتبة أو شاعرة أو ممثلة فوق المسرح أو راقصة أو أي شيء آخر إلا ms528 ~~الزواج. # كان الشفق الأحمر بلون الدماء يسبق ضوء الفجر إلى السماء، وكنت أشعر كأنما ~~تورمت قدماي من طول الوقوف، ثماني ساعات أو تسع منذ دق جرس النوم ونحن ~~واقفتان نطل على القمر والنجوم ... تركتني صفية قبل الفجر بقليل ونامت، كان النوم ~~قد هجرني كأنما إلى الأبد، ولن يعرف جسدي التعب أو الألم، كأنما ينبوع ينفجر في ~~أعماقي بأشياء لا أعرفها، أمسكت القلم وأنا واقفة، الورقة البيضاء فوق حافة ~~النافذة، وبدأت أكتب، كان القلم يمشي وحده كأنما بقوة خارج جسدي وعقلي، خارج ~~الزمان والمكان، كلمات من الشعر أو النثر تكتب نفسها بنفسها. # قرأت على صفية في الليلة التالية، وفي الليلة التي بعدها، والتي بعدها ... تلمع ~~الدموع في عينيها وأنا أقرأها، أتوقف لحظة لأبتلع دموعي، أطوي الورقة وأخفيها تحت ~~مرتبة السرير، تشدها من تحت المرتبة وتقرأها. في ليلة وهي تعيد قراءتها بدت ~~الكلمات قديمة كأنما راحت شحنتها الأولى المتوهجة، أمسكت الورقة ومزقتها، وفي يوم ~~كنت وحدي بالعنبر، خرجت كل البنات في رحلة إلى الحديقة اليابانية، فتحت مفكرتي ~~السرية وأعدت كتابة القصيدة، بقيت في ذاكرتي حتى اليوم، أعطيتها عنوان: «لن أموت»، ~~أردد بعض أبياتها أحيانا حين يفيض بي الشجن أو الحنين، لا أعرف من أين ينبعث الشجن ~~ولمن يكون الحنين، ربما هو الحب الغائب الحاضر، الطيف الذي لا يتجسد أبدا في ~~الواقع والحقيقة، ربما هو الوهم أو الحزن أو الخوف من الموت، أقول لنفسي حين تتأزم ~~الأمور وأوشك على الهلاك: «لن أموت، سأتحدى القضاء والقدر، ولا لن أموت.» # في خريف عام 1981 حين كان التشاؤم يسود المسجونات معي في الزنزانة، ويحوم شبح ~~الموت حول رءوسنا، إذا بالقصيدة تهب منتصبة داخلي كالمارد، تقاوم اليأس، تتحدى ~~الموت، وأسمع صوتي الغاضب يقول: لن نموت، وإن متنا فلن نموت ساكتات ... لن نمضي في ~~الظلمة دون ضجة، لا بد أن نغضب ونغضب، نضرب الأرض ونرج السماء ... لن نموت دون أن ~~نكسر قضبان الحديد، وإن متنا فلن نموت صامتات. # مذكراتي في سجن النساء 1981 ~~••• # وفي مفكرتي السرية عام 1947، وأنا ms529 تلميذة في المدرسة الداخلية في حلوان ~~الثانوية، ظلت هذه القصيدة مكتوبة بالحبر الأسود، محفورة في ذاكرتي وفوق ~~الورق: # قبل أن أغيب في النوم كل ليلة، أقول لنفسي: # سيأتي الصبح حتما ولن أموت، وإن مت # فلن يؤلمني شيء، بعد الموت # لا السقوط في الامتحان، ولا الضرب # على أطراف الأصابع بالمسطرة # ولا زمهرير البرد ولا لهيب الشمس ولا نار الجحيم # لم أجد إلا صديقتي في العنبر لأسألها: هل نموت؟ # وإن متنا هل يؤلمنا أن نموت؟ أين نحن؟! # الآن في عنبر الموتى، في اللامكان واللازمان # ولا وجود للحب إلا بعد أن نحترق في الحريق # ونصير كالرماد، وكرمال الصحراء في حلوان # كأننا يا صديقتي متنا قبل الأوان # رأيت المشهد في الحلم، وعرفت أننا نمضي # إلى حيث لا ندري، فهل أكون في الغد ما أريد أن أكون؟! # شاعرة أو ناثرة أو حتى آثمة؟! # هل أرى اسمي فوق كتاب ممنوع؟! وأشق السماء # بقلمي، وأجعل المطر رهن مشيئتي؟! # والنهار والشعر والنثر # ينثال من خطيئتي، # فليحرقني الله في نار جهنم # ولتشرب الأرض دمائي # لكني أبدا لن أموت. # حلوان الثانوية 1947 # | الباحثة عن الحب # صيف عام 1963 بدأت كتابة رواية أعطيتها عنوان «الباحثة عن الحب»، في أعماقي حنين ~~غامض لشيء أكثر غموضا، لا أعرف بالضبط عما أبحث، بلغت الثانية والثلاثين من ~~العمر، أصبحت طبيبة ناجحة وأديبة معروفة، في حياتي كثير من الأصدقاء والصديقات، ~~نساء ورجال أتبادل معهم الحديث على شاطئ النيل، نتحاور في الطب والأدب والفلسفة، مع ~~قضمات من الحمام المشوي ورشفات نبيذ عمر الخيام، نطل على مدينة القاهرة من فوق ربوة ~~الأهرامات، نتسكع في المدينة بعد أن ينام الكون ... أعشق الشوارع الخالية من السيارات ~~والبشر، يصفو عقلي وأتطلع إلى النجوم، يعود إلي السؤال الطفولي - كنت أسأله لأبي ~~وأنا في السابعة من العمر: مين خلق النجوم دي كلها؟ ربنا يا ابنتي. ومين خلق ربنا ~~يا بابا؟ ربنا خلق نفسه بنفسه يا ابنتي. لم يكن عقلي الطفولي يقبل هذه الفكرة، أن ~~يخلق أحد نفسه بنفسه. # في العشرين من عمري نسيت ms530 الأسئلة الطفولية كلها، انشغلت بالدراسة في كلية الطب ~~والنجاح في الامتحانات آخر العام. قبل الامتحان بأيام قليلة أواظب على الصلاة، لم ~~أكن أرى أمي تصلي إلا وقت الأزمات، أسمع الشيخ في الراديو يقول النساء ناقصات عقل ~~ودين. بدأت أتشبه بأبي، أواظب على الصلاة في غير أوقات الامتحان، بلغ بي الإيمان ~~ذروته عام 1952، حين بلغت الواحدة والعشرين من العمر، أصبحت في الأوراق الرسمية ~~مواطنة في سن الرشد، أحظى بحقوق الإنسان فيما عدا الحقوق التي منحها الله للرجال ~~دون النساء، كان الدستور المصري ينص على المساواة بين الناس أمام القانون، لكن ~~شريعة الله تنص على أن الرجال أعلى درجة من النساء، كان التناقض واضحا بين ~~الدستور والشريعة، لم أكن أرى هذا التناقض وأنا في الواحدة والعشرين من عمري، ~~الإيمان المطلق الأعمى يجعلني لا أرى التناقضات الواضحة للعيان. # كنت أمشي في طريقي من البيت إلى الكلية في خط مستقيم، لا أحرك رأسي هنا أو هناك، ~~وأعود من الكلية إلى البيت مباشرة دون أن أتطلع إلى هذا أو ذاك، كل يوم أروح ~~وأجيء في الطريق ذاته، كالبقرة العمياء معصوبة العينين تدور في الساقية، وفجأة ~~التقيت بأحمد حلمي ... كنت أمشي في فناء الكلية حين استوقفني وناداني باسمي: نوال. ~~توقفت عند سماع اسمي بهذا الصوت، كأنما لم ينادني أحد باسمي من قبل، أو كأنما كلمة ~~نوال لم تكن اسمي، أصبحت اسم امرأة أخرى جديدة ولدت لتوها في هذه ~~اللحظة. # ربما هما العينان وليس الصوت، عيناه وهو واقف أمامي في الفناء، عيناه فقط رأيتهما، ~~ربما لم تكونا هما العينين، بل شيء آخر لم أره تماما؛ لأنني لم أملك القدرة على ~~النظر إليه، فقدت شجاعتي قبل أن ترتفع عيناي إليه. # أتوقف عند هذه اللحظة بعد مرور خمسين عاما، أتذكرها، أستعيدها، تعود إلي كما ~~حدثت، تعود معها التفاصيل الصغيرة الدقيقة، تصورت أنها ضاعت من الذاكرة خلال نصف ~~قرن، تفاجئني أنها تعيش في الحاضر كما عاشت في الماضي، لحظة لم تتكرر في حياتي منذ ~~خمسين عاما، أتكون هي لحظة الحب ms531 الكبير أو الوهم الأكبر؟! # كان أحمد واقفا في الفناء، بالضبط عند الباب الصغير بين فناء الكلية والمدخل إلى ~~مستشفى قصر العيني القديم، كان يرتدي قميصا أبيض، وفي يده مجلة يناولها إلي ~~ويقول: ده العدد الجديد من مجلة شعلة التحرير يا نوال. ينطق حروف اسمي كأنما ~~يعرفها، كأنما يألفها، رغم أنها المرة الأولى التي أقابله وجها لوجه. أخذت المجلة ~~وانشغلت بفتح حقيبتي وإدخال المجلة فيها بين كتب الطب وكشاكيل المحاضرات والمشرط ~~وأدوات التشريح، حقيبتي كانت ثقيلة ممتلئة، وكان علي أن أفتحها وأضع المجلة فيها، ~~حركة أنقذتني من النظر إلى عينيه، تظاهرت أني منهمكة في فتح الحقيبة، وإفساح مكان ~~للمجلة بين الكتب والكشاكيل، بدت الحقيبة مكدسة بأشياء قديمة مهترئة لا قيمة لها ~~إلى جوار المجلة الجديدة، يبرق اسمها فوق الغلاف بخط أحمر، يلمع تحت شعاع الشمس: ~~«شعلة التحرير». ~~- يا ريت يا نوال تقري قصة العدد وتقوليلي رأيك. # كنت في طريقي إلى مدرج علي باشا إبراهيم، أسرع الخطى قبل أن أتأخر عن موعد ~~المحاضرة. كان الأستاذ هو «أنريب»، يدرس لنا علم الفسيولوجي، يلقي المحاضرة بلغة ~~إنجليزية تشوبها لكنة روسية. جاء من روسيا إلى مصر ليصبح أستاذا في كلية الطب في ~~نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، قصير سمين مربع الجسم داخل معطف أبيض، له وجه ~~مربع عريض يشبه الدب الأبيض، لحيته كثيفة تشبه لحية تشيكوف ودوستيوفسكي. كان يحكي ~~لنا عن العالم الروسي «بافلوف» الذي اكتشف نظرية الارتباط الشرطي، أحدثت طفرة في ~~علم الفسيولوجي، وفي نظرية المعرفة. خيالي الأدبي كان يسرح مع الدكتور «أنريب» ~~وهو يحكي لنا قصة الكلب والجرس، إنها التجربة التي أجراها بافلوف في المعمل، كان ~~يضع الطعام أمام الكلب كل يوم في ساعة معينة، يقبل الكلب على الطعام بشهية، كل ~~يوم في الموعد نفسه يجد الكلب الطعام في المكان نفسه، يأكل بشهية، ويلحس الصحن، ~~أصبح بافلوف يدق جرسا عدة دقات تصاحب اللحظة التي يأكل فيها الكلب الطعام، بدأ ~~الكلب يسمع دقات الجرس مع قضمات أسنانه على الطعام، تكرر الحدث كل يوم، عدة أيام، ms532 ~~ثم بدأ بافلوف يدق الجرس دون أن يقدم الطعام للكلب، أصبح لعاب الكلب يسيل لمجرد ~~سماع صوت الجرس، وأصبحت معدة الكلب تفرز الأنزيم الخاص بالهضم كأنما هي تستقبل ~~الطعام. لقد ارتبط صوت الجرس في خيال الكلب وعقله برائحة الأكل ومذاقه في فمه ~~ومعدته. توصل بافلوف إلى الارتباط الشرطي بين المادي والخيالي في عملية التعليم ~~والتدريب في حياة الكلاب، وحياة البشر على حد سواء. كانت العلاقة بين المادة والروح ~~تشغلني أحيانا، أدرك أن الجسد لا ينفصل عن العقل، وأن الخيال جزء من ~~الحقيقة. # كنت أستغرق بعقلي وجسدي فيما يقوله الدكتور أنريب. لم يكن يتلو علينا المحاضرة ~~مثل الأساتذة الآخرين، كان يحكي لنا الحكايات، نفهم الفسيولوجي ونظرية المعرفة ~~الجديدة عن طريق القصص، والربط بين الخيال والواقع، الربط بين الماديات ~~والروحانيات. # يتخلخل الإيمان الأعمى بانفصال الروح عن الجسد، تدور في رأسي الأسئلة الطفولية ~~القديمة، عيناي ترتفعان إلى السماء في رهبة، كلمة «الله» ترمز إلى الروح بدون جسد، ~~عقلي الطفولي كان عاجزا عن الإيمان بوجود الروح دون جسد. بلغت سن الرشد، ونسيت ~~البديهيات، سرت نحو النضوج والإيمان الأعمى بالأرواح المنفصلة عن الأجساد، بدأت أرى ~~في الليل أشباح الجن، أومن بوجودها وبكل ما ورد في القرآن. # في غرفة الطالبات فتحت حقيبتي، الغلاف الجديد والعنوان بالخط الأحمر، شعلة ~~التحرير، لمحت الصديقات البريق في عيني، رمقتني بطة بعين مجربة وهمست: حب جديد ~~يا نوال؟! لم يكن للطالبات حديث في أوقات الفراغ إلا عن الحب. كثيرة هي قصص الحب ~~بين الطلبة والطالبات، يدس الطالب رسالة حب في كشكول الطالبة، تقرأها علينا في غرفة ~~الطالبات، تتورد خدود البنات وهن جالسات تحت شجرة الكافور الضخمة، يحفرن بمشرط ~~التشريح فوق جذع الشجرة حروف الاسم داخل القلب، يرسمن القلب بدقة كما هو مرسوم في ~~الكتاب، وكما يظهر في صدر الجثة فوق منضدة التشريح. # كنت واحدة من هؤلاء البنات المراهقات في كلية الطب، أومن بالحب الروحي المنفصل عن ~~الجسد، كما أومن بالله، الروح العليا في السماء، المنفصلة عن الجسد الأدنى فوق ~~الأرض، وكنت ms533 أجد رسالة الحب داخل الكشكول، كل يوم يدس أحد الطلبة الرسالة، كان ~~الطلبة عددهم بالمئات، والطالبات عددهن قليل يعد على أصابع اليد الواحدة، أو اليدين ~~الاثنتين. كان نصيبي من رسائل الحب أكثر من زميلاتي، لم يكن للزميلات نشاط في ~~الندوات الأدبية بالكلية، أو الاجتماعات السياسية أو المظاهرات الوطنية، ربما ~~كنت الطالبة الوحيدة في ذلك الوقت التي تكتب القصص القصيرة والمقالات، وكان رؤساء ~~تحرير المجلات من الطلبة الكبار يأتون إلي وأنا جالسة بين زميلاتي في المشرحة، ~~تحمر وجوه البنات حين يأتي إلينا طلبة غرباء ليسوا زملاء لنا في المشرحة. كان ~~الطلبة الغرباء أكبر سنا وأكثر جرأة في التطلع إلى البنات، يرفعون رءوسهم في ~~كبرياء كأنهم زعماء، يتنافسون على الخطب في المظاهرات، ينقسمون إلى فرق متناحرة ~~بعدد الأحزاب في مصر قبل سقوط الملك: الإخوان المسلمون يرفعون شعار السيف والقرآن، ~~الشيوعيون شعارهم المطرقة والمنجل، والوفديون يحملون صورة النحاس باشا، الحزب ~~الوطني يردد كلمات مصطفى باشا كامل، أحزاب الأقلية لكل منهم شعاره، الحكومة والسراي ~~والإنجليز لكل منهم حزب داخل البلاد، المستقلون لهم أحزابهم، بعضهم يتبع عزيز ~~المصري، بعضهم يؤمن بالألمان والنازية ، بعضهم يؤمن بالحلفاء والديموقراطية، ~~كلهم توابع للقوى المتصارعة في الساحة السياسية. # بدا أحمد حلمي كأنما هو المستقل الوحيد، مجلة شعلة التحرير يصدرها مع مجموعة من ~~زملائه، يدفعون نفقاتها من جيوبهم. كان هو رئيس التحرير، قرأت عددين أو ثلاثة، نشرت ~~فيها بعض القصص القصيرة بأقلام طلبة الطب ذوي الميول الأدبية. قرأت قصة أحمد حلمي ~~بعنوان «كلب وغلام»، لا أنسى القصة رغم مرور نصف قرن من الزمان، صورة الكلب الصغير ~~الأعرج يأكل من صفيحة قمامة إلى جواره طفل أعرج. كان أحمد حلمي ينظم الندوات ~~الأدبية، يربط بين الفقر والمرض، بين الطب والأدب. لم يكن يوسف إدريس يكتب القصة ~~بعد، كان يكتب المقالات السياسية ويرأس مجلة أخرى اسمها «الجميع». # في إحدى الندوات الأدبية قال يوسف لأحمد: قرأت قصتك «كلب وغلام»، إزاي كتبتها يا ~~أخي؟ شيء عجيب فعلا، تصور يا أحمد وأنا نايم في عز النوم أشوف ms534 الكلب الأعرج بياكل ~~من الزبالة مع الطفل الأعرج، يا أخي القصة دي أحسن من ميت مقال سياسي! # لم يكتب أحمد حلمي شيئا بعد هذه القصة، سافر إلى القنال وعاد محطما، خانه ~~الأصدقاء قبل الأعداء. تزوجنا ضد إرادة أبي، كان أبي يؤمن بالعمل الفدائي والموت من ~~أجل الوطن، ملأ خيالي وعقلي منذ الطفولة بأناشيد الفداء، بلادي بلادي أفديك بروحي ~~ودمي. عاش أبي المنفي في منوف عشر سنوات، كف فيها عن النشيد، أصبح ينوء بالحمل ~~الثقيل، عائلة من تسعة عيال وأمهم، أصبح رهين المحبسين الوظيفة الحكومية والأسرة ~~الأبوية. # كان أبي يؤمن بالله والوطن، ولكن أحمد حلمي كان يؤمن بالوطن فقط. في أول حديث لنا ~~عن الدين سألني: أتؤمنين بالله يا نوال؟ قلت: طبعا ... مرت لحظة صمت طويلة، كنا نجلس ~~في حديقة الشاي، مكان هادئ يطل على بحيرة صغيرة، يعوم فيها البط داخل حديقة ~~الحيوان بالجيزة. كنت أرتدي بلوزة وردية جديدة، أرى وجهي منعكسا فوق مياه البحيرة، ~~عيناي يكسوهما بريق، الدقات تحت ضلوعي محسوسة، أنفاسي تتعاقب بسرعة لم أتعودها، ~~أحاول أن أتظاهر بالهدوء وأنشغل بمراقبة البط يفرد أجنحته في الماء ، يتطاير فوق ~~ريشة الرذاذ مثل ذرات من اللؤلؤ تلمع تحت أشعة الشمس. ~~- وأنت يا أحمد هل تؤمن بالله؟ ~~- لأ يا نوال. # الصدمة الأولى في الحب، تجمدت الدقات تحت ضلوعي، توقفت الأنفاس وقدرتي على ~~النطق، لم أعد أرى البحيرة ولا البط، غامت عيناي، مرت سحابة حجبت الشمس، تصورت أن ~~الله سمع كلمة «لأ» وأراد أن يدمر الأرض والشمس وكل ما في الكون. # فتحت عيني ورأيت أحمد جالسا أمامي، كأنه كائن ميت لا أقوى على النظر ~~إليه. ~~- آسف يا نوال إذا كنت صدمتك، أنا دائم التفكير في فكرة نشوء الكون، أنا غير مقتنع ~~بنظرية الخلق في الكتب السماوية، أنا شرحت جسم الإنسان في المشرحة، وقريت كتاب ~~داروين «أصل الأنواع»، الكتاب ده بمثابة المسمار في عرش الإمبراطورية البريطانية؛ ~~لأنه هدم أهم أركانها وهو الكتاب المقدس، أو أهم ما في الكتاب المقدس وهي نظرية ~~الخلق ونشوء الكون. ms535 # صمت أحمد قليلا، أحسست الجفاف في حلقي، شيء يؤلمني تحت الضلوع، أنفاسي عادت بطيئة ~~ودقات القلب لم تعد هناك، أحس الدم يمشي في صدري بطيئا بارد الملمس، كأنما جرح في ~~صدري مفتوح منذ الطفولة، جرح لم يلتئم منذ ولدت ولم أسمع الزغاريد، لم أشهد في ~~العيون إلا الحزن والصمت، أصابع غليظة سمراء كالمسامير الصدئة تحاول خنقي تحت ~~الماء، وأنا أرفس بقدمي وذراعي وأطفو، صوت يخرق أذني مثل السيخ المحمي في النار، ~~بنت وليست ولدا! العوض على الله! كلمة «الله» تنفذ إلى أذني مثل المسمار الحديدي ~~الذائب في النار، الله يفضل الرجال على النساء، الله صاحب الجلالة مذكر وليس ~~مؤنثا، في القرآن الله لا يلد ولا يولد، وفي التوراة - الكتاب الأول المقدس - الله ~~لا يلد البنات، أبناء الله تزوجوا بنات الناس وأنجبوا البشرية. ~~- قريتي أصل الأنواع يا نوال؟ ~~- لأ. ~~- لازم تقريه يا نوال، وكمان كتاب كارل ماركس «رأس المال»، في سنة 1882، السنة ~~نفسها اللي احتلت فيها مصر مات داروين، عملوا له مقبرة عظيمة في وست مينيستر أبي، ~~كان كارل ماركس في لندن من سنة 1849، مات في لندن بعد داروين بسنة واحدة، قبل ما ~~يموت أهدى كتابه «رأس المال» لداروين، لكن داروين كان مؤمنا بالمسيح والإمبراطورية ~~البريطانية، عشان كده رفض هدية كارل ماركس، رفض أن يستلم كتاب «رأس المال»، كان ~~خايف من الكنيسة والحكومة في لندن، قريتي «رأس المال» يا نوال؟ ~~- لأ. ~~- ده كتاب مهم يا نوال، أنا مش ماركسي ولا شيوعي لكن الكتاب ده مهم لازم ~~تقريه. # دار هذا الحوار بيني وبين أحمد قبل زواجنا وقبل سفره إلى الحرب مع الفدائيين، عدت ~~إلى البيت سيرا من حديقة الحيوان إلى بيت أبي في أول شارع الهرم، قدماي تسيران ~~وحدهما في الطريق وعقلي شارد. كادت سيارة تصدمني وأنا أجتاز الشارع لأهبط تحت ~~نفق القطار، كأنما أسير في نفق مظلم لا أعرف الحقيقة من الخيال. بدا كل شيء من حولي ~~يتخبط في الوهم، الحب والإيمان بالله، والكتاب المقدس ونظرية الخلق ونشوء الكون ... ~~أتطلع إلى ms536 السماء كأنما أتوقع أحدا يرد، أتطلع إلى أبي في البيت أود أن أسأله لكن ~~صوتي لا يخرج، لم تعد كلمة «الله» تخرج من فمي عادية، أصبحت مشحونة بالكهرباء أو ~~الديناميت، أخشى لو نطقت بها أن ينفجر المكبوت في أعماقي منذ الطفولة، أن ينكشف ~~السبب الحقيقي وراء إيماني، وهو الخوف من أبي أو الخوف من الله ونار جهنم الحمراء ~~بعد الموت. # بعد أن سافر أحمد إلى الحرب في القنال بدا الكون خاويا بلا معنى، بلا إله ولا ~~شيطان، ولا أي شيء، كلية الطب بدت بلا معنى وبلا هدف، الطلبة يهرولون إلى ~~المشرحة والمستشفى كالأشباح في عالم من الوهم، الأرواح الخفية والجان وكل ما ورد في ~~القرآن، أرى أبي راكعا يصلي فأشفق عليه من الوهم، أكاد أقول له لا توجد جنة بعد ~~الموت ولا جدوى من الركوع والصلاة، أضع يدي فوق فمي أحبس الكلمات في حلقي. # حزمت حقيبتي وقررت السفر إلى القنال، تطوعت مع بعض الممرضات في المستشفى للسفر إلى ~~الجبهة، تدربت على الإسعافات الأولية. كانت لي صديقة بين الممرضات اسمها وديدة، ~~خطيبها سافر مع الفدائيين إلى القنال، أرادت أن تراه ثم تعود، أنا أيضا أردت أن ~~أرى أحمد ثم أعود، لم يكن الطريق إلى الإسماعيلية طويلا، ساعتين بالسيارة، ~~ويمكن أن أعود بالسيارة في اليوم نفسه، أو في اليوم التالي. # ركبت مع وديدة السيارة اللوري، جوار السائق، خلفنا جلس أحد الممرضين وسط ~~زجاجات الدم والبلازما، أفقت على صوت السائق يقول: فاضل كيلو واحد على الإسماعيلية، ~~قلبي يخفق تحت الضلوع، لم يعد إلا كيلو واحد وألتقي أحمد، أحوط صدري بذراعي، أكتم ~~الخفقات عن السائق بجواري، أخشى أن يكتشف السبب الحقيقي وراء سفري إلى ~~الإسماعيلية، لقد أعلنت له أنني متطوعة مع الممرضات من أجل الوطن. # خرجنا من القاهرة في الليل، وديدة ركنت رأسها فوق حافة النافذة، شردت عيناها في ~~السماء، صوتها المبحوح يدندن بأغنية أم كلثوم «هو صحيح الهوى غلاب ماعرفش أنا»، ~~يذكرني صوتها بزميلتي فاطمة في مدرسة حلوان الداخلية. فتحت حقيبتي وأخرجت ~~الساندويتش، ms537 رغيف فينو طويل داخله جبن رومي وبيضة مسلوقة بالملح والفلفل، قسمت ~~الرغيف ثلاثة أقسام ناولت السائق جزءا، وديدة جزءا، وأخذت الجزء الأخير. # كنت جائعة، رائحة الخبز والجبن والفلفل تصيبني بانتعاش مفاجئ، أعود طفلة تأكل ~~بشهية، أتذكر أمي حين كانت تجهز الساندويتش لآخذه إلى المدرسة وأنا طفلة في ~~السابعة من العمر. # رائحة الخبز والجبن والفلفل أعادت إلى خيالي صورة أمي في طفولتي، مثل صوت الجرس في ~~تجربة بافلوف، يستحضر في خيال الكلب صورة الطعام، هناك تشابه بين خيال الكلب وخيال ~~الإنسان. تعود إلى ذاكرتي قصة «كلب وغلام»، كان لأحمد أسلوب مميز في الكتابة، ~~كلماته فوق السطر تتتابع بهدوء يشبه خطوته فوق الأرض، يشبه صوته حين يتكلم، الإيجاز ~~في التعبير يبدو كالإعجاب، والتصوير الدقيق إلى حد التجسيد. يتراءى لي جسم الغلام ~~الصغير النحيف، وجسم الكلاب يشبه الغلام صغيرا ونحيفا، يأكلان معا من صفيحة ~~القمامة، عيونهما غائرة داخل عظام الجمجمة، المقلتان السوداوان بارزتان فوق البياض ~~مشتعلتان بنار الجوع، كل منهما ينظر إلى الآخر في ألفة وصداقة، يتيمان وحيدان في ~~مدينة القاهرة الراقدة تحت شبورة رمادية، وسماء ملبدة بالآلهة غير مبالية . # همست وديدة في أذني والعربة اللوري تدخل إلى مشارف الإسماعيلية: لازم أعرفك ~~باليوزباشي رجب، ناويين نتجوز على طول أول ما يرجع من الحرب، وحشني موت يا نوال، ~~حتبقى مفاجأة لما يشوفني، ما يعرفش إني تطوعت في كتيبة التمريض عشان أشوفه. # ثم أطبقت شفتيها في صمت، كأنما تخون الوطن، تفكر في الحب وقت الحرب، وتنتمي إلى ~~عالم النسوة العاطلات الخاملات، لا شيء يشغلهن إلا الرجال. # سمعنا دوي الانفجارات من بعيد، أسرع السائق فوق الطريق المحاذي للسكة الحديد، ~~لم أكن أعرف إلى أين نتجه، الظلمة كثيفة، الشفق الأحمر تراءى من بعيد، دوي ~~الانفجار يشتد، السائق يدوس على البنزين، صوته يعلو على صوت الموتور: لازم نوصل ~~المعسكر قبل الفجر ما يطلع. كأنما هو في سباق مع حركة الشمس حول الأرض أو الأصح ~~حركة الأرض حول الشمس كما قال كوبيرنيكس، كوكب الشمس مركز الكون وليس الأرض، مسمار ms538 ~~كبير في نعش الكنيسة عام 1543، قبل مسمار داروين بثلاثة قرون ونصف، وكم من مسامير ~~أخرى تعاقبت حتى اليوم، وأصبحت الشمس مجرد كوكب ضمن أربعمائة بليون كوكب آخر في ~~المجموعة الشمسية، تبعد عن الكوكب الأرض أربع سنوات ضوئية، أي بلايين البلايين من ~~الكيلومترات، المسافة بين الشمس والأرض أكثر من مائة وخمسين مليون كيلو متر ~~تجتازها أشعة الشمس في ثماني دقائق ضوئية، أي بسرعة نصف مليون كيلومتر في الثانية ~~الواحدة. # المدافع تدوي في أذني، السيارة اللوري تتخبط فوق مطبات الطريق، الموتور ~~يعلو فوق صوت السائق، زجاجات الدم والبلازما تتخبط وراءنا، التمورجي القابع في قاع ~~السيارة يشير إلى السماء في فزع، فيه غارة جوية وفوق راسنا طيارة! # كان ذلك في نهاية عام 1951، كنت في العشرين من العمر، لا أعرف معنى الحرب، كنت ~~أسمع عن المدافع والرشاشات، لم أعرف في حياتي حتى ذلك الوقت إلا رشاشة الفلت، ~~أمسك مقبضها بيدي وأحركه كالمنفاخ، يتطاير رذاذ الفلت ويقتل الذباب. منذ سافر ~~أحمد إلى القنال وأنا أرى حلما يتكرر في النوم، أمسك رشاشة الفلت وأحرك ~~مقبضها، يتساقط الجنود الإنجليز إلى الأرض كالذباب الميت. في طفولتي كان يطربني ~~سماع صفارة الإنذار تعلن عن الغارة الجوية، ينطلق الناس خارج بيوتهم إلى ~~المخابئ تحت الأرض، تخرج النساء بقمصان النوم والرجال بلا أحذية ولا بدل ولا ~~كرافتة. في المخبأ تذوب الفوارق بين الأغنياء والفقراء، يختلط النساء بالرجال ~~والبنات بالأولاد، نلعب نحن الأطفال معا في الظلمة بقطع الطوب الصغيرة، نرسم فوق ~~التراب المربعات ونلعب السيجة، حين تنطلق صفارة الأمان نشعر بالحزن، تعود كل ~~عائلة مع أطفالها وراء جدران بيتها، تعود التقاليد تفصل البنات عن الأولاد، تبقى ~~البنات داخل المطبخ ويخرج الأولاد يلعبون في الشارع. كانت جدتي تقول: إن الله ~~فرق بين البنات والأولاد، وهو الذي خلق العائلات وخلق البيوت والجدران. # لم أكن أرى الكشافات في القرية، كنت أراها في بيت جدي في القاهرة، حين تدوي ~~صفارة الإنذار أجري إلى الشرفة الواسعة المطلة على السماء، تتعلق عيناي ~~بكشافات الضوء، تروح وتجيء في الكون ms539 اللانهائي، أذرعها بيضاء طويلة تمسح الظلمة من ~~السماء، كأنما هي أذرع الله تكشف طائرات الأعداء، وترن أصوات المدافع في أذني من ~~بعيد مثل صواريخ العيد. # توقفت العربة اللوري عند المعسكر، خيام سوداء متفرقة تتخفى تحت الشجر، عربات جيب ~~مصفحة مركونة على جانب الطريق، عربات كارو تجرها الخيول أو الحمير، أوعية ~~للأكل وماء داخل قرب من جلد الماعز، شباب يرتدون بدل حرب العصابات، بدو الصحراء ~~يجرون جمالهم من فوقها الأسلحة مختفية تحت عباءات من صوف الإبل. # بدأ الشباب ينقلون زجاجات الدم والبلازما، رأيت رئيس المعسكر واقفا أمام باب ~~الخيمة، يتأمل الشباب ينصبون خيامهم، يحفرون خنادق تحت الأرض، الجو مشبع بالرمال ~~والتراب. سألت أحد الشباب عن أحمد حلمي، لا أحد يعرف أحدا باسمه الحقيقي، الجميع ~~يحملون أسماء تنكرية. # من بعيد وسط الضباب على شط القنال كتلة ضخمة من السواد تنتصب في الظلمة مثل قلعة ~~ضخمة تحرس قناة السويس، يقولون عنها معسكرات الإنجليز، قناة السويس ترتبط في خيالي ~~الطفولي بالخديوي عباس، وديليسبس، والفلاحين يحفرون القناة من أجل الله والوطن، ~~كالعبيد بنوا الهرم الأكبر من أجل فرعون والوطن ... الكرابيج كالسياط تلسع أجسادهم، ~~يسقطون من الإعياء ويموتون، يتطوع أبناؤهم الفقراء فداء الوطن، يتلقون الرصاص ~~في صدورهم، يستشهدون في ساحة القتال وهم يهتفون: الملك، الله، الوطن! # سمعت الشباب يهتفون، كل فرقة تهتف بشعار مختلف: الإخوان المسلمون يرددون لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله، الشيوعيون يهتفون الكفاح المسلح الكفاح المسلح يحيا ~~الشعب، شباب الوفد يهتفون النحاس النحاس. تختلط أصوات الشباب وتذوب في الصمت، ~~يتعالى الغبار مع ضربات المعاول في الأرض. على الضفة الأخرى للقناة أرى تلال سيناء، ~~رمالها تشوبها حمرة تحت أشعة الشمس كأنما هي غارقة في الدم. منذ التاريخ كانت ~~سيناء هي البوابة الشمالية يدخل منها الغزاة، يركبون الخيول والحمير والدبابات ~~أو الطائرات. فوق الخريطة تبدو مثلثة الشكل، شبه جزيرة سيناء، تلال من الرمال ~~دفنت تحتها أجساد الشباب الفقراء، لم يكن أبناء الأثرياء يذهبون إلى الحرب، ~~يدفع الأب الفدية، مبلغا من المال يشتري به حياة ms540 ابنه، يموت الشاب الفقير في سبيل ~~الله والوطن. # في الليل، داخل الخيمة، همست وديدة في أذني: ما حدش عارف حد هنا، مش عارفة أنام ~~يا نوال، خايفة موت نرجع من غير ما أشوفه. ثم أغمضت عينيها وراحت في النوم ... تشبه ~~الطفلة، شعرها أسود غزير يغطي وجهها، ترتدي قميص نوم من الكستور الأبيض فيه زهور ~~صغيرة حمراء. فتحت عينيها ورأتني شاخصة إلى سقف الخيمة، همست في أذني: صاحية ليه ~~يا نوال؟! اللي واخد عقلك يتهنا بيه! لازم أرجع بكره يا وديدة، بابا ما يعرفش ~~إني هنا، قلت لهم في البيت إني في مستشفى القصر العيني وعندي نوبتشية، لازم أرجع ~~بكرة يا وديدة. # كانت المرة الأولى أكذب على أبي وأمي وأبيت خارج البيت، رتبت مع السائق أن أعود ~~معه في العربة اللوري في الصباح. فقدت الأمل في العثور على أحمد. كل شيء هنا يبدو ~~غريبا، مثل الحلم المفزع. رأيت الممرضات يغسلن الجروح من الدم والصديد، في إحدى ~~الخيام رقد شباب ينزفون الدم، فوق رءوسهم زجاجات الدم والبلازما، والخراطيم السوداء ~~الرفيعة يجري فيها الدم من الزجاج إلى الأذرع الممدودة فوق الأرض، أحد الشباب لفظ ~~النفس الأخير، دفنوه في الأرض في مقبرة بجوار الخيمة. # لم يعرف أحد كم من الفدائيين ماتوا في هذه الحرب عام 1951، لكن الأرقام نشرت بعد ~~ثلاثين عاما. في عام 1981، وأنا داخل الزنزانة في سجن النساء بالقناطر الخيرية، ~~جاءت زوبة، من عنبر المومسات تحمل أرغفة الخبز لنا، لفت الأرغفة الثلاثة الخاصة ~~بي داخل ورقة من أوراق الصحف، وهمست: بالهناء والشفاء يا دكتورة نوال. كانت زوبة ~~تهرب لنا بعض أوراق الصحف. الصحيفة تحمل تاريخ 27 أكتوبر 1981؛ أتذكره لأنه ~~تاريخ ميلادي. لم تكن إلا صفحة واحدة داخلية، فيها بعض الأخبار وخبر صغير في أسفل ~~الصفحة يقول: في حرب 1951 قتل من الفدائيين ما يزيد عن مائتي فدائي. كشفت الحقائق ~~بعد ثلاثين عاما عن أن هذه الحرب ضد الاحتلال البريطاني هي التي مهدت لثورة ~~يوليو عام 1952، إلا أن أسماء هؤلاء الشهداء ضاعت في التاريخ، ms541 بعضهم حفر اسمه ~~على عمود من الحجر بالقرب من شط القنال، سقط الحجر مع الزمن واندثر الاسم في ~~العدم. # كنت أرمق هؤلاء الفدائيين بعين ملؤها الحسد، وهم يسيرون برءوس مرفوعة، سلاحهم فوق ~~كتفهم، عيونهم تلمع بالكبرياء، إن سقطت قنبلة فوق الخيمة يموتون واقفين في ~~كبرياء، وأنا أموت في فراشي راقدة مع النساء الممرضات. لم يكن للمرأة أن تنال شرف ~~الموت وهي تقاتل، كانت تموت وهي راقدة في فراشها، أو وهي تحمل براز الفدائيين في ~~الجردل، أو تغسل جروحهم من الدم والصديد. # من بعيد كنت أرمق معسكرات الإنجليز، ينتابني القلق أو الخوف من المجهول، هل أعيش ~~حتى أرى هذه المعسكرات حطاما؟! إنها تبدو مثل القلعة المحصنة، مثل الأبراج ~~العالية تسكنها كائنات غير بشرية، مفترسة ومخيفة، يتراقص من فوقها العلم البريطاني، ~~مثل طائر خرافي من الطيور الجارحة، خطوطه حمراء بلون الدم تتقاطع مع خطوط سوداء ~~بلون الموت. # بعد أربعة عشر عاما جئت إلى الإسماعيلية بعد حرب 1967، تغير شكل العلم فوق ~~معسكرات الأعداء، أصبح يحمل نجمة داود، يرفرف في الظلمة، والعربة اللوري تشق الطريق ~~ما بين الإسماعيلية وبورسعيد. # تحت ظلمة الليل كانت الصحراء تتلاشى والسماء، كل شيء في الكون يتساوى في الظلام، ~~أعلام الدول ومعسكرات الأعداء، كلها تتساوى وتذوب في السواد، عيناي مفتوحتان لا ~~أنام، وديدة راحت في النوم تحلم بعودة خطيبها من الحرب وليلة الزفاف. أخشى أن ~~أسقط في النوم ولا أصحو في الصباح، أخشى أن تسقط قنبلة وأموت في الإسماعيلية، ~~يكتشف أبي وأمي أنني كذبت عليهما وقضيت الليلة في الإسماعيلية وليس في نوبتشية ~~القصر العيني، كان الموت أهون في نظري من انكشاف الكذب. # خرجت من الخيمة أتمشى في الصحراء، الشفق الأحمر يسري في صدري مع نسمة الفجر، ~~أستشعر الحنين للحب، أمشي نحو عين الماء، أتصور أنني سوف ألتقي بأحمد هناك، ربما ~~نهض من النوم ليشرب، ربما يدرك أنني هنا في الإسماعيلية، في الخيمة المجاورة له، ~~وأنني أنهض وأمشي إلى عين الماء، كأن بيننا موعدا وأنا أمشي إليه، وهو يمشي إلي، ~~نقطتان ms542 صغيرتان في الكون تمشيان نحو بعضهما، نجمان مؤرقان في سماء الليل والكون ~~كله نائم. لم يكن أحد عند عين الماء، أحسست خيبة الأمل، كأنما أحمد خان العهد وتخلف ~~عن الموعد. غسلت وجهي وذراعي بالماء البارد، ملأت كفي بالماء وشربت، ليس له طعم ماء ~~النيل، له نكهة معدنية، كأنما أضيفت إليه مادة كيمائية، هل سمم الأعداء الماء؟! كنت ~~أسمع من البدو أن الأعداء يسممون عيون الماء والآبار. من بعيد رأيت البدو يسيرون ~~وهم يقودون الحمير أو الجمال، نصبوا خيامهم وانضموا إلى كتائب الفدائيين، الفلاحون ~~أيضا جاءوا بفئوسهم، وقطاع الطرق جاءوا بالأسلحة. والفلاحات أيضا، منهن امرأة ~~فارعة القامة تحمل بندقية فوق كتفها يسمونها أم الفدائيين، ترتدي جلبابا واسعا ~~أسود، تربط رأسها بحزام من جلد الماعز، قدماها كبيرتان سمراوان، كعبان مشققان، تشبه ~~جدتي الفلاحة أم أبي، خطوتها واسعة فوق الأرض، خفيفة الجسم، قفزاتها سريعة كوثبات ~~الفهد. # هنا وهناك بركت الجمال والحمير، راحت في ما يشبه النعاس، والحصان الأبيض يركبه ~~رئيس المعسكر، أهداه إليه أحد الأعراب من سيناء، تلال سيناء وصخورها منتصبة في غضب، ~~كأنما تريد الانقضاض على معسكرات الأعداء. ~~«الله أكبر ولله الحمد، هذه التلال يا إخواني خلقها الله لتحمي المسلمين من غزوات ~~الكفرة!» هذا هو صوت أحد الفدائيين في كتيبة الإخوان المسلمين، صوته ينطلق مع أذان ~~الفجر. وصاح شاب من كتيبة الوفد أو الشيوعيين «والحماية العسكرية هنا ليه يا أخ إذا ~~كانت التلال دي حاميانا؟!» نشب حوار أشبه بالمعركة بين الشباب، كادت تستخدم فيه ~~الأيدي والبنادق. لم يفضه إلا حضور رئيس المعسكر، عضلاته مشدودة، علامة القيادة، ~~سلاحه يطل من جيبه، يرتدي كاسكيت يحجب نصف وجهه العلوي، ذقنه مربعة عريضة، راح ~~يتمشى بعد أن فض العراك بخطوة الأسد الهادئ الواثق من نفسه، يرفع وجهه نحو السماء، ~~عيناه تشردان في الأفق نحو معسكرات الأعداء، ربما كان يتخيلها حطاما، يتخيل نفسه ~~بطل النصر، أينتصر حقا على الإنجليز؟! وإن انتصر وأصبح بطلا لمن يدين بهذه ~~البطولة؟! لهؤلاء الشباب الفدائيين أم للإنجليز الأعداء؟! # أغمض عينيه كأنما نام ms543 وهو واقف، ثم أطرق إلى الأرض، ربما اجتاحه شعور بالإثم ~~وتأنيب الضمير، سؤال يدور في عقله، أيمكن أن يكون بطلا دون وجود الإنجليز ~~الأعداء؟! أحرجه السؤال فاستدار، لم أعد أرى إلا ظهره، وارتفع صوت الفدائي يمزق ~~الصمت: يا إخواني، إن جبل سيناء معنا ضد الإنجليز؛ فقد ظهر الله فوق هذا الجبل ~~لسيدنا موسى عليه السلام، اصطفاه الله من كل جبال العالم ليهبط فوقه، وهناك أيضا ~~معبد سانت كاترين، والطريق الذي سارت فيه السيدة مريم مع سيدنا عيسى عليه ~~السلام ويوسف النجار هاربين إلى مصر، هذا يا إخواني جبل مقدس، الرمال فيه ~~مقدسة، التلال والصخور تتربص بأعدائنا الإنجليز، وإذا كان الجبل معنا فإن الله ~~معنا والنصر معنا، وسوف تصبح هذه المعسكرات حطاما بإذن الله، نزيلها من الوجود، ~~ونبني مكانها جامعا ومئذنة يرتفع من فوقها صوت الحق، الله أكبر الله أكبر! # دب الحماس في الشباب، هتف بعضهم: الله أكبر. فريق آخر راح يهتف: يحيا كفاح ~~الشعب المسلح! وانطلقت أصوات أخرى تهتف: النحاس النحاس! وارتفع شعار الهلال ~~والصليب في الجو، مع راية عليها سيفان يحملان المصحف الشريف، وراية أخرى مرسوم ~~عليها المطرقة والمنجل، وعلم مصر يرفعه بعض الشباب. # كان رئيس المعسكر واقفا من بعيد يتطلع إليهم، نصف وجهه العلوي يختفي تحت ~~الكاسكيت، عضلات فمه مشدودة، يمسك ذقنه المربعة بأصابع متوترة، ربما كان يفكر أن ~~معركته الأولى هي إخضاع هذه الفرق المتناحرة، ثم بعد ذلك يأتي إخضاع الإنجليز، ~~أيكون إخضاع الإنجليز أسهل؟! هؤلاء الشباب الفدائيون ليسوا جنودا من أبناء ~~الفلاحين الفقراء الجهلة، إنهم طلبة في الجامعات، رءوسهم محشوة بالأفكار الجديدة: ~~حرية الرأي، الاستقلال، الديموقراطية، العدالة الاجتماعية. هل تنفع هذه الأفكار ~~في الحرب؟! الحرب ليس فيها إلا فكرة واحدة: الطاعة العمياء للأوامر وقتل العدو ~~أينما كان! # كلما فرغت الدماغ من الأفكار أصبح الجندي أفضل. # كان واقفا من بعيد مطرق الرأس كأنما يفكر في هذه العبارة، الغبار الرمادي ~~الأصفر يغطي الكون، العواصف الصحراوية تهب يعقبها نباح الكلاب، صوت طلقات الرصاص ~~من بعيد، أهي بنادق صيد؟! هل ms544 خرج الإنجليز في رحلة للصيد في الصحراء أم خرجوا مع ~~كلابهم في حملة استكشاف أوكار الفدائيين؟! كلابهم لديها جهاز عصبي حساس يعرف رائحة ~~العدو، هذه الرياح الصحراوية قد تحمل رائحة الفدائيين إلى أنوف الكلاب، الرياح ~~قادمة من ناحية الجبل، أينقلب الجبل ضد المسلمين ويصبح مع الإنجليز؟! # كان السؤال يدور في رأسي وأنا واقفة أنتظر سائق اللوري، أتلفت حولي في دهشة لا ~~أكاد أعرف من أين جئت وإلى أين أمضي؟! الأرض مفروشة داخل الخيمة بقطع من فروة ~~الخرفان، سرير من الصاج ترقد فوقه وديدة، فوقها كليم من الصوف، طشت نحاس وإبريق ~~ماء، تحت وسادتها المصحف الكريم، آية منقوشة تتدلى عند باب الخيمة # إن ينصركم الله فلا غالب لكم ~~، مقعد من ~~القش المجدول، كنبة من البامبوه أو عيدان البوص المشغولة بأيدي النساء من البدو، ~~حصيرة فوق الأرض من القش أو الجريد. # كانت وديدة راقدة في سريرها تحملق في الظلمة، تنظر إلى أصابع يديها، أصابع شاحبة ~~رفيعة تهتز في الضوء الشاحب، ترسم على الجدار ظلالا سوداء على شكل أصابع، عيناها ~~شاخصتان مفتوحتان لا يطرف لهما جفن. سرت فوق جسدي قشعريرة، «وديدة!» ناديتها بصوت ~~هامس، لم تتحرك شفتاها، تصورت أنها ماتت في هذا الوضع، يدها اليمنى فوق صدرها، ~~صغيرة ناعمة كأصابع الطفلة، خاتم الخطوبة يلتف حول إصبعها، يشع في الظلمة ضوءا ~~خافتا ذهبي اللون. # بعد عام واحد من هذا اليوم كنت أمشي في فناء مستشفى قصر العيني الجديد، رأيت وديدة ~~تمشي منحنية الظهر ترتدي ملابس الحداد السوداء، تصورت أن خطيبها قتل في الحرب؛ ~~لكنها أجهشت بالبكاء، وهمست في أذني: يا ريته كان مات في الحرب على الأقل كنت ~~أفتكره بالخير ... مسحت دموعها وصمتت، تصورت أن خطيبها تعرض لخيبة الأمل مثل أحمد ~~حلمي، يحقن نفسه بالسم لينسى الخيانة، الحرب مثل وابور الطحين يا وديدة، إن لم تقتل ~~الجسد قتلت الروح، يصبح الإنسان ميتا وإن عاش. # أجهشت وديدة بالبكاء المكتوم، أنفاسها تتقطع مع كلماتها وهي واقفة في فناء ~~المستشفى: موت الضمير أفظع شيء يا نوال، والرجل ms545 الخائن للحب يخون الوطن أيضا. ~~كان خطيبها من البوليس السياسي، تنكر في زي الفدائيين، عاد من القنال سرا قبل ~~حريق القاهرة 26 يناير 1952. اختفى عن خطيبته وديدة ستة شهور حتى قيام ثورة ضباط ~~الجيش يوم 23 يوليو، ظهر اسمه في الصحف بعد بضعة شهور، فتحت وديدة الجريدة ذات ~~صباح، رأت صورته وخبرا عن حفل زفافه إلى ابنة أحد رجال الثورة، كان الحفل ليلة عيد ~~رأس السنة الجديدة أو يناير 1953. ارتدت وديدة ملابس الحداد السوداء، ابتلعت مائة ~~قرص لونه أسود مع كوب من الماء، تمددت في سريرها داخل عنبر الممرضات، أنقذوها في ~~المستشفى بغسيل سريع للمعدة. أجهشت بالبكاء حين عادت إلى الحياة، حاولت الانتحار ~~مرة ثانية، أنقذها من الموت طبيب جديد في سنة الامتياز، وقعت في حبه وكفت عن ~~الانتحار. # بعد عشرة أعوام وأنا أمشي داخل حديقة الحيوان التقيت أحمد حلمي وجها لوجه، كان ~~ذلك في يوم حار من صيف عام 1963، كنت أهبط في الصباح الباكر من بيتي في شارع ~~مراد، أمشي مسافة دقيقة أو دقيقتين لأصبح في شارع الجيزة، أمام باب حديقة الحيوان. ~~لم أكن أدفع رسوم الدخول، أصدر الطبيب البيطري للحديقة أمرا بإعفائي من الرسوم، ~~قلت له: إنني أكتب رواية طويلة جديدة، وأن الوحي لا يهبط علي إلا وأنا أتمشى في ~~ممرات الحديقة. كان رسم الدخول خمسة قروش فقط، ليست لها قيمة الآن، كانت تبدو لي ~~منذ سبعة وثلاثين عاما مبلغا كبيرا لا يمكنني دفعه كل صباح، وكان الطبيب ~~البيطري يتابع ما أنشره من قصص ومقالات. ~~- وإيه عنوان الرواية الجديدة يا دكتورة نوال؟ ~~- الباحثة عن الحب يا دكتور. # لمعت عيناه الضيقتان لحظة ثم انطفأ البريق، كأنما عادت إلى ذاكرته صورة من الماضي ~~البعيد، كان رجلا قصيرا ممتلئ الجسم في الخمسين، يبدو لي عجوزا وأنا في مرحلة ~~الشباب. كنت أقف أمام جبلاية القرود، تلفت حوله في دهشة يتأمل وجوه الحيوانات، ~~كان الشمبانزي جالسا مربعا فوق جذع شجرة يشبه الإنسان. تركته واقفا يتأمله ~~وسرت إلى حديقة الشاي، هناك كانت المنضدة التي ms546 أجلس إليها كل يوم وأكتب ~~الرواية، أتسلى بمراقبة البط في البحيرة الصغيرة، يسبح تحت أشعة الشمس ~~الذهبية، يفرد أجنحته ويطير فوق سطح الماء، ينفض عن ريشه الرذاذ، تتناثر من حوله ~~القطرات اللؤلؤية، تشع ضوءا مثل ذرات تتساقط من الشمس. # كنت أكتب الفصل الأخير من الرواية، كانت البطلة قد أعلنت لبطل القصة أن ما ~~بينهما قد انتهى، وسألها بدهشة كيف ينتهي الحب؟! قالت: الحب ينتهي مثل زهرة تموت ~~ولا تعود، مثل فراشة تطير فوق الزرع يقبض عليها الأطفال وتموت في أيديهم. سألها: هل ~~في حياتك رجل آخر؟ قالت: ليس في حياتي رجل آخر، لكن في حياتي نساء ورجال كثيرون، ~~بعد أن خرجت من خندق الحب إلى الحياة الواسعة. # رفعت وجهي من فوق الأوراق، كانت الشمس قد مالت نحو الغرب، أسراب البط عادت إلى ~~بيوتها، رأيت إلى جواري شخصا واقفا، كان يرتدي قميصا أبيض، ونظارة سوداء تخفي ~~عينيه، ابتسم قليلا، تذكرته على الفور. ~~- أهلا يا أحمد. ~~- إزيك يا نوال! # لم تعد كلمة نوال بصوته تهزني، لا شيء يدق تحت ضلوعي، لعب الزمن دوره في نسيان ~~الألم والحزن والفرح والحب، قميصه الأبيض أصبح مثل أي قميص، نظارته السوداء مثل أي ~~نظارة سوداء، واسمه أحمد حلمي أنطقه كأي اسم عادي. # جلس معي بعض الوقت قبل أن ينصرف، طلبت له كوب شاي، قال: أتذكرين حين جلسنا هنا في ~~أول لقاء لنا منذ اثني عشر عاما؟! # كنت أذكر اللقاء الأول، لم تعد الذكرى تؤلمني أو تفرحني، جلست معه أشرب الشاي كما ~~أجلس مع أي زميل أو صديق، أتكلم معه بحرية وسهولة، أصبحت العلاقة بيننا أكثر ~~إنسانية. # لم تعد علاقة بين رجل وامرأة، تحررنا من ثقل التاريخ والإرث العبودي القديم، ~~جلست معه ودار الحوار بيننا أجمل مما كان، نكهة الشاي أصبحت أحلى مما كانت، أصبح ~~أحمد إنسانا بعد أن كف عن أن يكون زوجي. # | إجهاض الثورة # صباح السبت 15 يوليو 2000. # جالسة إلى مكتبي أحاول الكتابة، أود أن أنهي هذا الجزء الأخير من قصة حياتي، ~~القلم بين أصابعي ms547 لا يتحرك، شريف يقرأ الصحف في الصباح، ثم يجلس إلى مكتبه يواصل ~~كتابة روايته الجديدة، لا أعرف كيف ينتقل بهذه السهولة من قراءة الأخبار إلى كتابة ~~الرواية؛ إن قرأت الصحف أتوقف عن الكتابة يوما أو يومين حتى يزول التوتر ~~والغضب، حتى أنسى حوادث القتل والحرب، أو أخبار المفاوضات من أجل السلام، كلاهما ~~محكوم بقوة السلاح والمال والإعلام؛ الثالوث الذي يحكم العلاقات بين الدول أو ~~الجماعات والأفراد. # أصبحت أقرأ الصحف بطريقتي الخاصة، أكتشف التناقض بين السطور المكتوبة وغير ~~المكتوبة، والصور المرسومة في الصفحة الأولى، الابتسامات العريضة فوق الوجه واليد ~~تختفي وراء الظهر ممسكة بآلة القتل. هذا الصباح كانت صورة الثالوث في كامب ديفيد ~~الثانية، منذ واحد وعشرين عاما كانت كامب ديفيد الأولى، الوجوه الثلاثة في ~~الصفحة الأولى، الرئيس الأمريكي والرئيس الإسرائيلي والرئيس المصري، يبتسمون ~~للكاميرا ويتفاوضون من أجل السلام، كلمة السلام تعني الاستسلام أمام بطش السلاح ~~والمال والإعلام. خرج الرئيس المصري صفر اليدين يبتسم للكاميرا يعلن الانتصار، ~~وفي عيد النصر 6 أكتوبر 1981 انطلقت مائة وعشرون رصاصة في صدره، سقط قتيلا وهو ~~يشهد موكب النصر المصنوع من البالونات والألعاب ~~النارية الملونة، سار في جنازته الرؤساء الأميركيون والإسرائيليون وتخلف الشعب ~~المصري عن الموكب. ذلك اليوم كنت في زنزانة داخل سجن النساء بالقناطر الخيرية، ~~كان الرئيس المصري القتيل هو الذي أمر باعتقالي ضمن المعارضين لمعاهدة كامب ~~ديفيد، كان يسميها معاهدة النصر والسلام، أصبح اسمها اليوم معاهدة الهزيمة ~~والاستسلام، لا تتكشف الأوراق السرية للمفاوضات والمعاهدات إلا بعد عشرين أو ثلاثين ~~عاما من حدوثها، لا تعرف الشعوب شيئا عما يدور في المداولات السرية، تنشر الصحف ~~وأجهزة الإعلام أخبارا ملفقة، يعيش الناس في أوهام النصر، وأوهام الثراء بعد ~~الموت، في قصور الجنة، يموتون والابتسامة على وجوههم وقلوبهم محروقة وفلذات أكبادهم ~~مقتولة. # هكذا كانت صورة الرئيس الفلسطيني في كامب ديفيد الثانية، يبتسم للكاميرا، يداه ~~وراء ظهره فارغتان، لا يملك شيئا، لا السلام ولا المال ولا الإعلام، ظهره عار لا ~~يستند إلى أية قوة، جردوه من سلاحه ومن ms548 شعبه، جروه إلى مائدة المفاوضات في كامب ~~ديفيد. # الرئيس الأمريكي يبتسم في وجه الرئيس الإسرائيلي، أياديهما تتشابك من وراء ~~الظهر، يتبادلان السلاح والمال والإعلام، حصلت إسرائيل بالأمس فقط على 2,8 مليار ~~دولار، وحصلت مصر على 2 مليار دولار، صدر قرار الكونجرس الأميركي والمفاوضات تجري ~~في كامب ديفيد. قرأت الخبر في الصحف بالأمس، واليوم السبت 15 يوليو 2000 أرى صورة ~~الرؤساء الثلاثة الأميركي والإسرائيلي والفلسطيني، تحت الصورة مانشيت كبير يتألق ~~تحت أضواء النصر: تلعب مصر دورا قياديا في عملية السلام كامب ديفيد الثانية ~~كما لعبت في كامب ديفيد الأولى. # شريف يناولني الصحيفة لأقرأ الأخبار، أختفي في غرفتي، أشعر بالعار! ما علاقة خبر ~~المعونة الأمريكية لمصر ومعاهدة كامب ديفيد الأولى والثانية؟! # كلمة المعونة تجعل الدم يصعد إلى رأسي، كأنما شريان سينفجر حتما، ترن كلمة ~~المعونة في أذني نابية، مثل البصقة أو الصفعة على الوجه. منذ عهد السادات أصبحت ~~مصر تتلقى المعونة الأميركية؛ من أجل استمرار المعونة تحدث التنازلات. قلت لشريف: ~~الدولة التي تعيش عالة على غيرها كالمرأة أو الطفل الذي يعيش عالة على غيره، ~~منذ بلغت سن الرشد أصبحت أعول نفسي بنفسي، لكن كيف يكون الفرد مستقلا في وطن غير ~~مستقل؟! # منذ الطفولة أهتف مع أبي، الاستقلال التام أو الموت الزؤام. لم أعرف ما هو ~~الموت الزؤام، تصورت أنني لن أموت وإن سرت إلى الموت بقدمي، كنت أسمع أمي ~~تقول: نرمي نوال في النار ترجع سليمة. أصبحت أمشي داخل النار دون أن أحترق، أسافر ~~إلى جبهة القتال ثم أعود دون أن أموت. # كم مرة سافرت وعدت من دون أن أفقد ذراعا أو ساقا، بعد هزيمة 1967 تطوعت ضمن ~~مجموعة من الأطباء، سافرنا إلى جبهة القتال في القنال، كان عددنا ستة أطباء ~~متطوعين، انقسمنا إلى ثلاث فرق، كل فرقة تتكون من طبيبين، سافرت الفرقة الأولى إلى ~~السويس، والثانية إلى الإسماعيلية، والثالثة إلى بورسعيد، كنت ضمن الفرقة التي ~~سافرت الإسماعيلية مع زميل لي اسمه الدكتور طلعت حمودة. # كان صباحا مكفهرا ملبدا بالغيوم، تركت مكتبي ms549 في وزارة الصحة ~~لأركب العربة اللوري إلى مدينة الإسماعيلية، جلست إلى جوار السائق في المقعد ~~الأمامي، صعد طلعت حمودة من الخلف وجلس فوق دكة خشبية بين الصناديق المعبأة ~~بزجاجات الدم والبلازما، كان شابا من عمري نحيف الجسم قصير القامة، يمكن أن يجلس ~~بسهولة في أي مقعد، الطريق بين القاهرة والإسماعيلية يستغرق بالسيارة حوالي ~~الساعتين، عجلات العربة اللوري ضخمة تضرب الأسفلت بقوة، أصابع السائق طويلة سمراء ~~مشققة، تحوط عجلة القيادة كالأم تحتضن طفلها في صدرها، عيناه غائرتان تحت جبهة ~~عريضة تتطلعان نحو جبهة القتال بشيء من القلق، يرتدي بدلة صفراء مهترئة، طاقية فوق ~~رأسه لونها أصفر شاحب، شعر رأسه كثيف مجعد يتخلله الشيب، عمره خمسون عاما، بدا لي ~~عجوزا وأنا في تلك المرحلة من الشباب، كنت أناديه عم محمد، يناديني باسم ~~الضكطورة ... يذكرني بلهجة دادة أم إبراهيم وأقاربي في القرية، كان صامتا طوال ~~الطريق، مستغرقا في التفكير، جسده القصير الممتلئ يهتز مع اهتزازات العربة اللوري، ~~أصوات الزجاجات تتخبط داخل الصناديق، صوت الدكتور طلعت حمودة يأتينا من الخلف: ~~فاضل كام كيلو يا عم محمد على الإسماعيلية؟ ~~- أربعة كيلو يا ضكطور. ~~- أنا سامع أصوات انفجارات. ~~- أيوه يا ضكطور. ~~- جايه منين دي يا عم محمد؟ ~~- عساكر إسرائيل بيضربوا الإسماعيلية من البر التاني. # أتابع الحوار بين السائق والدكتور طلعت حمودة دون أن أدرك ماذا يحدث، لم أكن ~~أعرف ما هي الحرب حتى ذلك اليوم في نهاية عام 1967، لم أكن أسمع صوت القنابل إلا في ~~الأفلام، لم أكن شهدت القتلى والأشلاء الممزقة إلا في الصور. # سمعت صوتا غريبا، يشبه صوت الريح تعوي بصفارة حادة تكاد تخرق الأذن، يشبه ~~صوت طائرة نفاثة أو جسم صلب مدبب يخترق الكون بسرعة تفوق سرعة الضوء. كانت العربة ~~اللوري قد دخلت الإسماعيلية، ضغط السائق على دواسة البنزين، اختار الطرق الجانبية ~~بعيدا عن شاطئ القنال، لم تكن إلا دقائق حتى وصلنا إلى المستشفى، في هذه الدقائق ~~توقف عقلي عن التفكير، اختفى الدكتور طلعت حمودة تحت الصناديق، أخفيت رأسي بذراعي ~~الاثنتين، سمعت عم ms550 محمود يقول: ربنا ستر يا ضكطورة، فيه دانة عدت من ورانا، ربنا ~~ستر! # كانت المرة الأولى التي أسمع فيها كلمة «دانة» إنها مثل القذيفة التي تنطلق في ~~الجو وتحدث ذلك الصوت الشبيه بصفارة الريح العاتية، يعقبها على الفور صوت ~~الانفجارات. رأيت جدرانا تسقط ونيرانا تشتعل، أغمضت عيني كأنما في الحلم، كأنما ~~العربة اللوري تمشي داخل النار، وصوت أمي يأتيني من تحت الأرض: نوال نرميها في ~~النار ترجع سليمة. # فتحت عيني على مشهد عجيب، وجدت نفسي واقفة أمام باب المستشفى، العربة اللوري واقفة ~~بجوار الرصيف داخلها الصناديق، مقعد السائق عم محمد خال ليس فيه أحد، فقط ذراعه ~~اليمنى بأصابعه الخمسة السمراء المشققة قابضة على عجلة القيادة، أين ذهب جسد السائق ~~عم محمد؟! رأيت بعض الوجوه من حولي، وصوتي يقول كأنما ليس صوتي: فين عم محمد؟! فين ~~الدكتور طلعت حمودة؟! # كان الدكتور طلعت حمودة منبطحا تحت الصناديق فوق أرض العربة اللوري، أخرجوه من ~~الباب الخلفي شاحب الوجه يهمس بصوت متحشرج: حصل إيه يا دكتورة نوال؟ ~~- مش عارفة يا دكتور طلعت. # رأيت من حولنا بعض التمورجية بالمرايل البيضاء، أصواتهم تصرخ فينا: ادخلوا المخبأ ~~بسرعة! أخذوني والدكتور طلعت حمودة إلى المخبأ تحت المستشفى ، كان هناك مدير ~~المستشفى والأطباء والممرضات والتمورجية وعدد من الجرحى، سمعت أصواتا تقول: عم ~~محمد راح، مسكين، ضربته الدانة، وفجأة اهتز المخبأ كأنما زلزال يرج الأرض، تساقط ~~التراب فوق رأسي من السقف، تصورت أن السقف سوف يسقط، وسوف نموت كلنا تحت ~~الأنقاض. # توالت القذائف والدانات فوق المكان الذي نحن فيه، انخلع قلبي وانبطح الجميع فوق ~~الأرض، تصورت أنهم ماتوا جميعا وأنا الوحيدة على قيد الحياة، ثم سمعت صوت مدير ~~المستشفى يقول: الضرب المرة دي جاد، يظهر عاوزين يهدوا المستشفى. وقال أحد ~~الأطباء: أصلهم بقوا قريبين أوي مننا، بقوا على الناحية التانية من القنال قصادنا ~~على طول، وجايز شايفينا. # كان الجنود الإسرائيليون قد وصلوا إلى الضفة الأخرى من قناة السويس، بعد احتلالهم ~~لأرض سيناء كلها بعد خمسة أيام فقط من حرب يونيو ms551 1967، وكان التراب يتساقط فوق رأسي ~~وأنا جالسة فوق الأرض متكورة حول نفسي، أضع يدي فوق أذني حتى لا أسمع صوت ~~الدانات التي تصفر وتعوي كالريح العاتية، يعم السكون لحظة ثم تدوي ~~الصفارة في أذني، يعقبها صوت الانفجار ويتساقط مزيد من التراب فوق رأسي، اخترقت ~~إحدى الدانات جدار المخبأ ورأيت مدير المستشفى راكعا يصلي يقرأ الشهادة بصوت ~~مرتعش. # يوم من الأيام السوداء في حياتي، رأيت الموت دون أن أموت، دون أن أفقد الوعي لحظة ~~واحدة. # غرقت تحت التراب المتساقط من السقف إلا أنني بقيت في مكاني أتنفس، وكان هناك في ~~الناحية الأخرى جهاز تليفزيون فوق منضدة، كانت الصور تظهر على الشاشة رغم ~~الدانات، لم ينقطع التيار الكهربي، ولم ينقطع الإرسال لحظة واحدة، لم أعرف ماذا ~~كان يعرض فوق الشاشة، ربما أحد الأفلام القديمة لأني رأيت راقصة تشبه سامية جمال ~~ترقص وفريد الأطرش يغني. كان مشهدا غريبا مذهلا، نحن في الإسماعيلية غارقين تحت ~~التراب تنهال علينا الدانات من الجيش الإسرائيلي المرابط على ضفة القنال، ومدينة ~~القاهرة ترقص وتغني. # بدا المشهد كأنما في مسرحية عبثية، وقد تطوعت للموت من أجل وطن يرقص ويغني بينما ~~أنا أموت، إلا أنني نجوت وعدت إلى القاهرة بعد عدة أيام. مات زميلي الدكتور طلعت ~~حمودة بعد أسبوع واحد بالسكتة القلبية وهو يقود سيارته في الشارع بجوار وزارة ~~الصحة. وقلت لشريف: تصور يا شريف كان التلفزيون نازل رقص وغنا واحنا تحت الأرض ~~بنموت! يظهر التلفزيون في بلد واحنا في بلد تانية! وكتبت قصة قصيرة بعنوان بلد غير ~~بلد. ودق جرس الباب صباح يوم، رأيت أحد الرجال يناولني ورقة صغيرة: استدعاء ~~الدكتورة نوال السعداوي للحضور إلى إدارة المخابرات العامة بسراي القبة. أخذني ~~شريف بسيارته الفيات الصغيرة إلى مبنى المخابرات، انتظرني في الشارع ما يقرب من ~~ست ساعات، تركوني في غرفة تشبه الزنزانة أربع ساعات، ثم جاء رجل بوليس، أخذ يحقق ~~معي ساعتين، أول سؤال كان عجيبا: لماذا سافرت إلى الإسماعيلية؟ أدركت أننا نعيش ~~في دولة المخابرات، وأن النظام في مصر ms552 لم يتغير منذ الملك فاروق، وكما طارد ~~البوليس الفدائيين بعد أن عادوا من حرب 1951، وحرب 1956، فإنه يطارد الأطباء الذين ~~تطوعوا لبناء الطوارئ الطبية في مدن القنال الثلاث بعد حرب 1967. # أما الدكتور طلعت حمودة فقد مات بالسكتة القلبية بعد أيام قليلة من عودتنا من ~~الإسماعيلية، ترك وراءه زوجة شابة وطفلين صغيرين، أقاموا له في وزارة الصحة حفل ~~تأبين، يشبه حفل تأبين زميلي أحمد المنيسي الذي استشهد على أرض القنال في نهاية ~~عام 1951، حفروا اسمه على لوحة الشهداء في فناء الوزراء، سقطت اللوحة بعد سنوات ~~قليلة، وراح اسم طلعت حمودة في العدم، بمثل ما راح اسم أحمد المنيسي وأحمد حلمي ~~وغيرهما من الفدائيين. أما السائق عم محمد فقد اندثر اسمه مع جسمه في العدم، دون ~~حفل تأبين، دون لوحة شرف يسقط فوقها اسمه. # في صيف عام 1968 أرسلت نقابة الأطباء إلى جبهة القتال في الأردن فريقا من الأطباء ~~المتطوعين، كنت الطبيبة الوحيدة التي تطوعت للسفر ضمن مجموعة من خمسة أطباء، لماذا ~~تطوعت؟! لا أعرف، كنت في حاجة إلى السفر بعيدا عن القاهرة، بعيدا عن الصحف ~~وشاشة التلفزيون، لم أكن أطيق رؤية تلك الوجوه التي تظهر فوق الشاشة أو على ~~الصفحة الأولى من الجرائد اليومية، لم أعد أطيق سماع الأكاذيب في الإذاعات، سجلت ~~اسمي ضمن الأطباء المسافرين إلى جبهة القتال في الأردن. # وجدت نفسي أعيش في خيمة بمنطقة الأغوار بالقرب من السلط، أركب عربة الإسعاف مع ~~امرأة يداها وقدماها محروقة بالشمس، تلف رأسها بالشال الفلسطيني، يسمونها أم الفدائيين. كانت عربة الإسعاف تنطلق بنا في الليل تقود العربة فتاة فلسطينية ~~فدائية، عيناها مرفوعتان إلى أعلى، فيهما بريق خاطف، تتطلع نحو شاطئ نهر الأردن، ~~إلى جوارها سلاحها، السيارة مصفحة من نوع الجيب، عجلة القيادة كبيرة تقبض ~~عليها يد الفتاة، أصابعها طويلة، عظامها قوية تشع من تحت الجلد ما يشبه الضوء، ~~وحركة خفيفة لها إرادتها الخاصة، أصابع كالحديد لا تلين، قابضة على عجلة القيادة ~~الحديدية كأنما هي لعبة أطفال، أرمق يدي خلسة وأنا جالسة إلى جوارها، ms553 عظام ~~أصابعي تبدو رقيقة هشة، يدي اليمنى معقودة مع يدي اليسرى فوق حجري، يدها اليمنى ~~تقود السيارة وحدها دون الاستعانة بيدها اليسرى؛ مبتورة عند الكوع، تستعين بها ~~حين تهتز فوق مطبات الطريق. # كانت صامتة شاخصة إلى الأمام، وجهها من الجانب من الفولاذ أو الماس، نوع من ~~الأحجار الكريمة المشعة، لا أستطيع أن أحرك عيني بعيدا عن هذا الأنف المرفوع ~~الشامخ، يشق الظلمة مثل نصل السيف، أيكون لأنفي مثل هذه الارتفاعة الشامخة، لم تحرك ~~رأسها ناحيتي، وأنا لا أحرك رأسي بعيدا عنها. # في المقعد الخلفي جلست أم الفدائيين، عيناها غائرتان عميقتان تغطيهما طبقة شفافة ~~من الدموع، تشبه اللمعة الخاطفة أو الابتسامة الدائمة، تشبه أم إبراهيم أو جدتي ~~الفلاحة في قريتي على ضفاف النيل، ملامح وجهها مؤكدة في عتمة الليل، الجبهة البارزة ~~القوية مثل النتوء الصخري يطل على النهر، يناديها الفدائيون «أمنا»، كما ينادون ~~الأرض الضفة الأخرى من النهر، حيث الوطن والأهل، هي تناديهم أطفالي كما تنادي الأرض ~~نبتها الأخضر. لم يكن لها بيت، لا رجل ولا أب ولا أم، البيوت كلها بيتها، الرجال ~~كلهم رجالها، النساء نساؤها، في ذاكرتها منذ ثلاثين عاما قصة حب، وجنين في ~~أحشائها لم تلده أبدا، أو ولدته ثم ضاع منها في الأغوار. # الظلام مكتمل والقمر والنجوم غابت، العربة المصفحة تشق الليل كالسهم المارق، ~~الجنود الإسرائيليون يطلون علينا من أبراج المراقبة، الظلمة تحوطنا، تخفينا عن ~~عيونهم، وصلنا إلى حطام مدينة اسمها الكرامة، وقعت معركة الكرامة من شهرين فقط، ~~21 مارس 1968، قتل كل سكانها. توقفت العربة بجوار جدار أسود مثقوب بالرصاص ~~والدانات، مرسوم عليه وجه طفل يبتسم، عين الطفل اليمنى مثقوبة تحت الابتسامة وحروف ~~متعرجة محفورة في الحجر: سنقاتل حتى الموت. البيوت كلها متهدمة، الشوارع والأزقة ~~خالية من البشر. عثرت وأنا أمشي في شيء صغير، فردة حذاء طفل، انحنت الفتاة الفدائية ~~بجسمها النحيف الممشوق، التقطت فردة الحذاء بأصابعها الطويلة القوية، ضمتها إلى ~~صدرها كأنما تضم الطفل، عيناها مرفوعتان تشقان الظلمة، تتطلعان إلى الأرض وراء ~~النهر، إلى البيت القديم ms554 الذي ولدت فيه، كانت في العاشرة من عمرها حين استولى ~~الإسرائيليون على البيت، ذبحوا أباها أمامها، أربعة منهم اغتصبوا أمها واحدا وراء ~~الآخر، ثم بقر أحدهم بطنها قبل أن يقطع ثدييها بخبطة واحدة. أخوها أخذوه إلى ~~السجن الذي يسمونه سجن الأنصار، قطعوا أصابع يده اليمنى، لم يعد قادرا على حمل ~~السلاح، يجلدونه كل يوم بالسياط، يدخلون في فتحة الشرج عمودا من الحديد، يطفئون ~~السجائر في جسده، بتروا ساقيه وذراعيه، دون جدوى، لا يمكن أن يعترف، لا ينطق اسم ~~أحد زملائه الفدائيين أو الفدائيات، نماذج من القوة الإنسانية يعجز عنها ~~الخيال. # عادت الفتاة إلى العربة ومعها فردة الحذاء، وضعتها إلى جوار سلاحها، وانطلقت في ~~الأغوار. عند حافة النهر توقفت، كان هناك الجريح راقدا داخل العشب، حوطته ~~أم الفدائيين بذراعيها كالأم تعثر على ابنها، تناديه باسم طفلها الغائب، لم تعد ~~الأسماء تهم، غسان أو يوسف أو فتحي أو زياد، كلهم هذا الجسد الجريح ينزف الدم، فقد ~~ذراعيه وساقيه، يئن بصوت مكتوم، يناديها أمي، وهي تغرقه بدموعها وتناديه ~~ابني. # حملنا الفدائي الجريح إلى الخيمة في معسكر السلط، شفي بعد ثلاثة شهور، أصبح يمشي ~~داخل مقعد يتحرك فوق العجلات، جسد ورأس بلا أطراف، عيناه زرقاوان عميقتان تشعان ~~ما يشبه اللهب الأزرق، ابتسامته عريضة، أسنانه بيضاء مثل فصوص من اللؤلؤ. # في المدرسة الابتدائية في منوف كانت لي زميلة اسمها حميدة مبتورة الساقين، داست ~~عليهما عجلات كارو في يوم العيد، لم يكن في إمكاني النظر إلى جسمها المبتور، يرتعد ~~جسدي لمنظر الأجساد المشوهة، كأنما التشويه مرض معد ينتقل لمجرد النظر. # في الخيمة كنت أنام تحت رأسي قطعة حجر ناعمة دافئة تشع حرارة الشمس في الليل، إلى ~~جواري أم الفدائيين نائمة عيناها نصف مفتوحتين، شفتاها نصف منفرجتين، أنفاسها عميقة ~~مسموعة في صمت الليل، ملايين الأصوات الخافتة الهامسة تصنع الصمت، تدوي في أذني ~~بكلمة واحدة: «ابني». # تركت في القاهرة ابني عاطف عمره عامان ونصف، وابنتي منى عمرها عشرة أعوام، يرعاهما ~~زوجي شريف، غبت عنهم ثلاثة شهور ونصف الشهر، ms555 الحنين إليهم يشدني إلى القاهرة، أود ~~العودة وأود البقاء. بدأت رواية جديدة أعطيتها عنوان: عين الحياة، بطلتها امرأة ~~تشبه أم الفدائيين، طويلة القامة فارعة مثل جدتي الفلاحة في القرية، هذه المرأة ظلت ~~تتراءى لي في النوم حتى جلست إلى مكتبي، تجسدت فوق الورق باسم عين الحياة. بعد ~~عودتي إلى القاهرة كنت أتابع أخبارها حتى ماتت في مدينة عمان بالأردن في سبتمبر ~~الأسود عام 1970، قبل موت جمال عبد الناصر بشهر واحد؛ لكنها بقيت حية في روايتي عين ~~الحياة، يقرؤها الناس في بلادنا العربية، وفي بلاد أخرى بعد أن نشرت الترجمة فيما ~~بعد. أستعيد صورتها وهي تمشي على حافة النهر تبحث، لم يكن بحثا عاديا تعرف فيه ~~الشيء المفقود، أو تعرف أنها قد تجده وقد لا تجده، كان بحثا غريبا عن ابن لم ~~تلده، أو ولدته ثم ضاع منها في زمان ومكان لا تدري عنهما شيئا. ~~••• # الليلة الأخيرة في معسكر السلط قبل أن أعود إلى القاهرة، خرجت من الخيمة أتمشى في ~~الأغوار، كنت أرتدي بدلة الفدائيين، من فوقها معطف الأطباء الأبيض، الليل ساكن إلا ~~من حفيف الأشجار، صوت مياه النهر من بعيد، نسمة الصيف الناعمة تتسلل بين جبال ~~الأردن، أمشي في الأغوار كأنما أمشي في حلم داخل حلم. أسمع وقع حذائي على الأرض ~~الصخرية، لونها أحمر كالدم يغطيها عشب أخضر، ريح باردة خفيفة من الشمال لها رائحة ~~الخيال، نسمة دافئة تهب من الناحية الأخرى، حيث يرقد الشاب قبل أن يفقد أطرافه، ~~أغمض عينيه ويحلم أنه عاد إلى الضفة الغربية حيث ترقد أمه العجوز، تبحث في النوم ~~عن ابنها الغائب في الضفة الشرقية، تصطك أسنانه قليلا كأنما من الرجفة، أو رعشة ~~الخيال، الريح محملة برائحة الحلم، صوته يسري في أذني في سكون الليل: أراك في ~~معطفك الأبيض تسيرين بين الخيام، أراك بالعين في جسدي، في مكان غير المكان الذي ~~توجد فيه العيون، هل عندك وقت لأكشف لك عن هذه العين وأخبرك بسر قوة ذراعي ~~وساقي؟! لا تخافي يا دكتورة هناك في الضفة الأخرى ms556 وراء النهر أعداء اعتقدوا ~~أنني مت، لكني لم أمت، أنا فقط جريح، والجرح ليس في محجر العين، أنا أراك هنا ~~والآن في ضوء القمر المختفي، أشهد ما بعد الموت، لماذا أنت صامتة؟ هل أنت جريحة ~~مثلي؟ لا تخافي إن فقدت ذراعيك وساقيك، ما دمت قادرة على الاستماع إلي، فأنت ~~قهرت الموت، قهرت العدو داخلك قبل العدو هناك على الضفة الأخرى، وأنا مثلك ~~قادر على الاستماع إليك، ليس لأمثالك إلا الاقتراب، أو التلامس جسدا لجسد، أعطيني ~~يدك، ضعيها فوق صدري العاري لألمسها وتلمسين، انتظري لا تبتعدي عني، لا تخافي من ~~شكلي المختلف، ربما فقدت أطرافي لكني لم أفقد قلبي، لست من الرجال الذي يغتصبون ~~النساء في الظلمة، لم يعد لي جسد رجل أو امرأة، إنما هي الرغبة الأخرى يا دكتورة، ~~أتعرفين الرغبة الأخرى؟! # كان راقدا فوق ظهره مبتور الذراعين والساقين، حول عينه اليسرى رباط من الشاش ~~الغارق في الدم، بشرته بلون الطوب الأحمر، لم يكن وهما ولا خيالا، كان فدائيا ~~فلسطينيا في لحظات الاحتضار الأخيرة، يفتح فمه ويغلقه في صمت، يحاول أن يكشف ~~قبل أن يرحل عن سر خفي، اقتربت بأذني من فمه وقلت: تكلم ... أنا أسمعك ~~يا غسان. ~~- يا دكتورة أتعرفين الرغبة الأخرى؟! كل الأجسام الراقدة هنا في الخيام كانوا ~~شبابا مثلي فقراء، لا يملكون شيئا في الحياة إلا أجسادهم، وهذه الأجساد أيضا لا ~~يملكونها، تملكها القيادة العسكرية، وهي قيادة لها رائحة تشمينها من البعد، أتعرفين ~~رائحة القيادة؟! هواء ثقيل بارد يهب من هذه الناحية، انظري، لم أكن أعرف أن السلطة ~~لها رائحة، ولها صوت يصطك مثل قرقعة الحديد أو ارتطام الفولاذ بالمعادن ~~الصلبة، يتحول الصدى إلى صوت أشبه بهذا الصوت الذي نسمعه، اسمعي! # حركت رأسي في الاتجاهات الأربعة أحاول التقاط صوت الريح فلم أسمع إلا صمت الليل، ~~ملايين الأصوات الهامسة التي تصنع الصمت، قربت أذني من فمه. ~~- لا أسمع شيئا يا غسان. ~~- لأنك فقدت أذنيك يا دكتورة منذ زمن بعيد، منذ ولدت على هذه الأرض، وأردت أن ~~تحمي نفسك ms557 من سماع الكلمات النابية؛ مثل كملة «مرة»، ألم تسمعي كلمة السباب ~~الأولى فوق هذه الأرض؟ إذا أرادوا إهانة رجل يقولون له: «ابن المرة». إن أعدائي ~~قادرون على تمزيق جسدي بالألم، لكنه أخف منذ هذه الإهانة، وفي يوم قال لي قائدنا أو ~~زعيمنا كما يسمونه، قال لي: «ابن المره»، منذ ذلك اليوم فقدت أذني حتى لا أسمع ~~الكلمة مرة أخرى. لم أكن فعلت شيئا سوى أنني لم أضع قليلا من السكر في فنجان ~~قهوته، نسيت أنه يشرب القهوة ع الريحة كما تقولون في مصر، وكان يفقد مزاجه إن لم ~~يشرب قهوته ع الريحة في الصباح، يصبح هائجا كالضبع، يكاد يعض من حوله بأسنانه، ~~ومن فمه تنثال كلمات السباب، أولها هذه الكلمة يا ابن المره! وهربت من المعسكر بعد ~~أن فقدت أذني، وكنت قد فقدت ذراعي اليمنى في عملية فدائية داخل الضفة الأخرى، في ~~قلب أرض العدو، التي كانت أرض أمي، نجحت في تدمير معسكر العدو وبدأت أهرب لأعود إلى ~~هنا، وأنا أزحف فوق بطني شممت رائحة أمي في الأرض، تمهلت قليلا، توقفت لحظة أملأ ~~صدري بالرائحة، وانهمرت طلقات الرصاص من حولي مثل سرائب الحمام الأبيض في ظلمة ~~الليل، لم أعرف أنها طلقات رصاص، كنت مستغرقا في اللذة الطفولية، عدت طفلا أدس ~~أنفي داخل صدر أمي وأملأ صدري بالرائحة، أتذكرين رائحة أمك يا دكتورة؟! ~~- رائحة أمي؟! # فاجأني السؤال، ماتت أمي منذ تسع سنوات، نسيت رائحة أمي، بدأ الهواء يتحرك حاملا ~~لي الرائحة، أوشكت الإمساك بها قبل أن تتسرب من الذاكرة، لكن الهواء تحرك بفعل ~~الريح؛ فهربت مني كما تهرب السمكة الصغيرة من بين أصابعي في البحر. # جلست فوق قطعة حجر بجوار الخيمة، وهو راقد كما كان فوق ظهره، قطعة مربعة من اللحم ~~البشري بلا ذراعين ولا ساقين، عين مربوطة بالشاش، العين الأخرى ترمقني في الظلمة ~~كالنجمة الوحيدة في سماء سوداء، صوته يدخل مسام جسدي مع نسمة الليل ~~كالحلم. ~~- هربت من المعسكر يا دكتورة أزحف فوق قطعة من الخشب لها أربع عجلات، أدفعها ms558 ~~بكتفي، لم أعرف ماذا أفعل بجسمي بلا أطراف ولا آذان ولا عيون، ولا شيء إلا هذا ~~الصدر المكشوف والضلوع تحتها قلبي يخفق ممتلئا بالحنين للحب، ورأيت عيون الأطفال ~~ترمقني من بعيد في خوف، يتحسسون أذرعهم وسيقانهم، يطمئنون إلى وجودها، يخشون ~~فقدانها، كأنما يرون مستقبلهم في، وعيون الكبار ترمقني من بعيد أيضا، يلقون ~~إلي بقطعة من النقود من بعيد، لا يكاد يقترب مني أحدهم إلا وضاعت منه أطرافه ~~وأذناه وعيناه، تسقط قطعة النقود فوق بطني، ألتقطها بلساني، الذي أصبح يدي ألتقط ~~بها الأشياء، وصنعت لي القيادة ملفا صغيرا ضمن ملفات أصحاب العاهات أو الشحاذين، ~~كنت ألتقط طعامي من فضلات الناس في الطريق، وإذا جاء المبعوث الأميركي يزور ~~قائدنا تنتشر عربات الجيب المصفحة في الشوارع تلم الشحاذين، تكنس الشوارع من ~~القمامة، تدهن سيقان الأشجار بالبويا البيضاء، ترفع الأعلام وأقواس النصر، تحولت من ~~الفدائي وجه الوطن المشرف إلى الوجه المخزي المطلوب إخفاؤه كالعورة عن عيون ~~الضيوف. ~~- وكيف عدت إلى معسكر الفدائيين يا غسان؟ ~~- آه يا دكتورة، هذا سؤال مهم، جاءني مندوب من القيادة وسألني؛ أيهما تفضل: أن ~~تعيش شحاذا محتقرا أم تموت شهيدا مكرما؟ قلت على الفور: أموت! كنت أنشد الموت ~~دون جدوى، أريد أن أمسك بيدي مسدسا أو موس حلاقة لأقتل نفسي، لم تكن لي يد أمسك ~~بها آلة القتل، ربطوا حول صدري وبطني حزاما من القنابل الموقوتة، حملوني مثل طرد ~~من الديناميت إلى معسكر الأعداء لسوء الحظ لم تنفجر القنابل، كانت كلها مغشوشة، ~~صفقات الأسلحة الفاسدة تجارة دولية، تقتسم القيادات الربح فيما بينها. سقطت أسيرا ~~بين أيدي الأعداء تشاءموا من منظري فأعادوني إلى قيادتي كنوع من العقاب لها، وضعوني ~~في هذه الخيمة في معسكر السلط. # كلما أرادوا تفجير معسكر في الضفة الأخرى ربطوا حزام القنابل حول صدري وبطني، ~~أنطلق في مهمتي سعيدا، وعندي أمل وحيد، ألا تكون القنابل مغشوشة لأموت شهيدا ~~وأدخل الجنة مع الأنبياء، ويحصل أبي بعد موتي على المعاش، كان أبي ينشد موتي فهو ~~رجل فقير يعول أسرة كبيرة. ms559 أحيانا أصدق أن هناك جنة بعد الموت، وأحيانا تبدو لي ~~الجنة مجرد خدعة من اختراع القيادة، أتعرفين أحدا في هذه القيادة يا دكتورة؟ ~~القيادة هي القيادة في أي بلد في العالم، هل وقعت في حب أحدهم؟ هل وقع أحدهم في ~~حبك؟ ~~- أنا يا غسان؟! ~~- أيوه! إنت! كيف جئت إلى هنا يا دكتورة؟ لا أحد يأتي إلى هنا من دون أن يمر على ~~القيادة، دون أن تفحصه القيادة، إنهم رغم قبح الملامح، فيهم شيء من الجاذبية، ~~وتشتد الجاذبية بارتفاع المكانة؛ لهذا يحظى القائد بنصيب أكبر من النساء ... هل ~~أغراك أحدهم بالتطوع والموت في سبيله؟! نعم في سبيله وليس في سبيل الله أو الوطن؛ ~~فالمرأة أكثر ذكاء من الرجل، لا يمكن أن تموت المرأة من أجل كلمة مجردة، بل من ~~أجل شيء ملموس حقيقي؛ مثل جسد رجل له ذراعان يضمانها في الليل، وأنا رجل بلا ذراعين ~~ولا ساقين لم تعد هناك امرأة ترغب في الموت من أجلي. # الساعة تنقضي وراء الساعة وأنا جالسة فوق قطعة الحجر بجوار الخيمة، وهو راقد فوق ~~ظهره، صدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة، تعلوه طبقة من التراب والدم، عينه الوحيدة لا ~~تزال مفتوحة ترمقني في الظلمة وتومض مثل ذؤابة ضوء توشك على الانطفاء، صوته ينخفض ~~قليلا، يتقطع، أكاد لا أسمعه، أقرب أذني من فمه. ~~- استمر ... أنا أسمعك يا غسان. ~~- صوتك الحنن يكشف أنك عرفت في حياتك رجالا كثيرين، إن صدرك مثل صدر الأم رقدت ~~فوقه رءوس كثيرة متعبة، لكنك كنت تطردين الرجال الأطفال الباحثين عن الأم، كنت ~~تبحثين عن رجل مكتمل الرجولة يحمل السلاح ويقتل العدو، تريدين فدائيا شجاعا لا ~~يخاف الموت، تضعين رأسك فوق صدره كأنما هو صدر أمك؛ ألهذا جئت إلى هنا يا ~~دكتورة؟! ~~- لا يا غسان، أنا لا أبحث عن صدر أضع عليه رأسي، لكني بعد الهزيمة لم أعد أطيق ~~الحياة في مدينة القاهرة، الهواء هناك أصبح مشبعا بالدخان والهزيمة، العيون منكسرة ~~حزينة، حتى جمال عبد الناصر نفسه تهدلت ملامحه وانكسرت عيناه مثل الأسد ~~الجريح. ms560 ~~- سمعت من الزملاء أنك كاتبة، هل جئت إلى هنا بحثا عن رواية جديدة؟ كنت في ~~طفولتي أكتب الشعر وكانت هناك لها عينان سوداوان مملوءتان بالأمل والحلم مثل شعاع ~~الشمس، عيناها أراهما بعيني الواحدة تشبهان هذه الطفلة؟ ~~- هل تراني يا غسان؟ ~~- لا يا دكتورة، لا أراك؛ لأن العين الباقية لم تعد ترى، لكني أراك بقلبي، صوتك ~~يذكرني بصوت أمي، أحلم كل ليلة أنني عدت إلى حضن الأم في الوطن القريب البعيد، ~~أحلم بامرأة لها صدر الأم وجسد الأنثى، لكن الأمومة والأنوثة لا يجتمعان في امرأة ~~واحدة، وأنت طبيبة وكاتبة لا يمكن لرجل أن يلمسك إلا إذا كان جريحا أو موضوع رواية ~~جديدة، أتحلمين مثلي بالموت ودخول جنة عدن؟ لكن الجنة خلقت لنا نحن الذكور وليس ~~فيها للإناث دور إلا الجواري الحوريات، أتعرفين هذه الحقيقة يا دكتورة؟ ~~- نعم أعرفها يا غسان؛ لذلك لم أحلم أبدا بدخول الجنة. ~~- أنت إنسانة ذكية، كشف زيف الذكورة والأنوثة، تجتازين المحيط الواسع بينهما بخطوة ~~واحدة من قدمك، وأنا أريد منك طفلا يرث ذكاءك قبل أن أموت، أتحققين رغبة إنسان ~~فقد كل شيء من أجل الوطن إلا القدرة على الإنجاب؟! # رأيته يضغط على أسنانه كأنما يكتم ألما عميقا في الجسد، يمر بلسانه على صدره ~~المملوء بالجروح والكدمات، كان يتحرك فوق المقعد ذي العجلات بصعوبة، يريد أن يتبول، ~~يخجل أن يتبول أمامي، تحت الشعر الأسود الكثيف أسفل بطنه كانت المثانة منتفخة ~~ممتلئة حتى الحافة، يجز على أسنانه من شدة الألم، أسمع صوت اصطكاك الفكين القويين، ~~وأقدام حديدية تصطك بالأرض، شباب فدائيون استيقظوا من النوم بدءوا يؤدون ~~التدريبات، ينظفون بنادقهم يملأونها بالرصاص، يطلقونها في الجو، الفجر لم يطلع بعد، ~~وأنا متكورة حول نفسي أمام باب الخيمة، أرتدي المعطف الأبيض فوق بدلة الحرب، في ~~جيبي قلم رصاص جاف، في الجيب الآخر مفكرتي اليومية، قد أنزع منها ورقة غير مكتوبة ~~لأكتب عليها اسم دواء، أو كلمة غسان، صوته أصبح ممزوجا بالعرق والدم. الآن لم يعد ~~جسده يفزعني، لم أعد أراه مشوها، أحوطه ms561 بذراعي كأنما هو طفلي، حملت به وولدته في ~~مكان وزمان لا أدري عنهما شيئا، إنه يموت بين ذراعي، أنا أحقق له رغبته الأخيرة ~~قبل أن يموت. # مات غسان تلك الليلة قبل أن يطلع الفجر، وضعوه داخل حفرة في الأرض وأهالوا التراب ~~فوقه، عدت إلى القاهرة صباح اليوم التالي، كان شريف ينتظرني بالمطار، رآني شاحبة ~~الوجه معفرة الملابس، سألني: ماذا حدث في الأردن؟ قلت: مات غسان يا شريف. قال: من ~~هو غسان يا نوال؟ قلت: شاعر مجهول ربما ينجب طفلا ذكيا في جنة عدن يرجم إبليس ~~بالحجارة. ضحك شريف وقال: أهي رواية جديدة؟! # كان ذلك في نهاية صيف عام 1968، لم أكن أعرف أنه بعد عشرين عاما بالضبط سوف ~~يتزايد عدد الأطفال في فلسطين، أطفال من الأولاد والبنات يشبهون غسان، ملامحهم ~~فدائية منحوتة في الصخر، عيونهم يكسوها البريق، أصابعهم قوية، أعدادهم كثيرة أكثر ~~من الأعداء، قلوبهم شجاعة لا تهاب النار ولا تطمع في الجنة، قلوب أطفال ولدوا بلا ~~أب ولا أم، يمسك الواحد منهم أو الواحدة منهن حجرا. قامت ثورة الأطفال عام 1988، ~~عرفت باسم ثورة الحجارة، انتصر الأطفال على الجنود المسلحين، أصبحت ثورتهم حديث ~~العالم، كادت موازين القوى تنقلب ضد إسرائيل لولا عملية الإجهاض السرية، المؤامرة ~~الجديدة تحت اسم المفاوضات في أوسلو ومدريد، وكامب ديڨيد الأولى والثانية، ولا ~~نكاد نعرف متى تكون الثالثة والرابعة، ربما بعد الموت في يوم القيامة. # | الطيران في الحلم # من نافذة الطائرة أطل على الغابة الصغيرة التي يسمونها غابة ديوك، عصفت بها رياح ~~المحيط الأطلنطي والهوريكين، خلع عنها الشتاء أوراقها، أشجار البلوط تلمع عارية ~~تحت الشمس، رءوسها حليقة منتظمة في صفوف، كرءوس الجنود في المحافل والمارشات ~~العسكرية. أشجار الأرز مثلثة الرأس تومض أوراقها بدوائر الضوء، الثالوث المقدس في ~~عيد المسيح، يسمونه الكريسماس، نحن في اليوم الأخير من الشهر الأخير من عام 1996، ~~وأنا في طريق العودة إلى الوطن بعد سنوات المنفى، أشجار الصنوبر بسيقانها ~~النحيفة الرشيقة تتمايل مع الهواء مثل راقصات الباليه. من وراء النافذة الصغيرة ~~المستديرة، لوحت بيدي ms562 أودعهم، أربع من طالباتي واثنان من الطلبة، جاءوا نيابة عن ~~الفصل إلى المطار، عيونهم تلمع فيها الابتسامات والدموع، ينادونني باسم دكتر ~~ساداوي، كريس أصغرهم سنا، عمره عشرون عاما، عيناه زرقاوان بلون مياه المحيط، ~~أكثرهم انتباها في فصل الإبداع والتمرد، طويل ممشوق، بشرته بيضاء ملوحة بالشمس، في ~~حفل الوداع بالأمس عزف أغنية على الجيتار من تأليفه وتلحينه: # خذيني معك إلى الشاطئ الإفريقي # يا ابنة النيل عيناك ساحرتان # الليل أقضيه حبيس الإنترنت # وفي الغابة أجري كالحصان # أذناي مسدودتان بالسماعات # رأسي مشدود بالأسلاك # عيناي تنظران ولا تريان # آه يا أستاذة التمرد والإبداع # أريد أن أطير معك في الحلم # إلى حيث أعثر على نفسي من جديد. # إلى جوار كريس كانت تجلس كارولين، تتريض معي أحيانا في الغابة، ~~تفضل الرسم على الكتابة، في طفولتها كانت مثلي تطير في الحلم، لم تحلم أختها ~~بالطيران أبدا. سألتني كارولين: لماذا يعجز بعض الناس عن الطيران في النوم؟! ~~أهدتني لوحة رسمت فيها نفسها محلقة في الجو، تحرك ذراعيها في الهواء وتطير كما ~~كنت أفعل في أحلامي بدون أجنحة. وهي فتاة أميركية ولدت في مدينة نيويورك، ~~عيناها زرقاوان، نفاذتان، بشرتها سمراء، ولدتها أمها في حي هارلم الفقير، أبوها ~~أسود اللون جندوه في حرب فيتنام ولم يعد، حصلت على منحة تفوق وجاءت إلى جامعة ~~ديوك تدرس الرسم والإبداع، تشتغل وأمها في هارلم، تشتغل عاملة في مصنع للبلاستيك، ~~تنفق على البيت وأطفالها الأربعة. # قالت كارولين وهي تودعني: سأدخر ثمن التذكرة إلى القاهرة وأزورك يا نوال، أصبحت ~~تناديني باسمي، رغم فارق العمر نتبادل الحديث كأنما من عمر واحد، في طفولتها تذهب ~~مع أمها إلى الكنيسة، كانت في العاشرة من عمرها، سرقت من زميلة لها في المدرسة ~~قلما ملونا، كانت تحب الرسم ولم تكن تملك ثمن القلم الملون. سمعت في الكنيسة أن ~~السرقة حرام، وأن الاعتراف ضروري لمسح الذنوب، تسللت من وراء أمها وذهبت إلى ~~القسيس، طلب منها أن تركع وتعترف، أغمضت عينها واعترفت بالسرقة، ربت القسيس بيده ~~على كتفها وقال: غفر الله لك ms563 يا كارولين. ثم امتدت يده من كتفها إلى صدرها وبطنها، ~~همس في أذنها: لا تخافي ولا تصرخي أنت فتاة مؤمنة يحبها الله. لكن كارولين صرخت من ~~الألم، عرفت أمها ما حدث، تكتمت الخبر، خرجت كارولين من الحادثة سليمة، لم تحمل ~~بالمسيح مثل العذراء مريم، وفقدت إيمانها بالله والكتاب المقدس. # أول يوم دخلت إلى الفصل سألت الطالبات والطلبة: لماذا اخترتم هذا الفصل بالذات؟ ~~قال كريس: أنا أدرس الموسيقى، كنت متمردا منذ الطفولة، أريد أن أعرف العلاقة بين ~~التمرد والإبداع. وقالت كارولين: أنا أدرس الرسم، في الطفولة كنت أحلم بالطيران، ~~أختي لم تكن تطير في الحلم، أريد أن أعرف لماذا يعجز بعض الناس عن الطيران في ~~الحلم. وقالت طالبة هندية اسمها مايا: قرأت روايتك «فردوس»، وتغيرت حياتي، فوجئت ~~باسمك ضمن الأستاذات في جامعة ديوك، جئت إلى هنا لأكون طالبة من فصلك. بشرتها ~~سمراء، عيناها سوداوان يكسوهما البريق، شعرها أسود غزير، في نهاية العام الدراسي ~~بدأت تكتب رواية طويلة قبل أن تعود إلى الهند. # كان شريف قد سبقني في السفر إلى القاهرة، قال لي: يمكننا العودة إلى الوطن وقد زال ~~الخطر إلى حد كبير، جاءتنا رسائل تقول إن قائمة الموت لم تعد هناك والأحوال في مصر ~~أكثر هدوءا. سافر شريف، وبقيت في جامعة ديوك ثلاثة شهور أخرى حتى انتهى العام ~~الدراسي. # الطائرة تحلق فوق المحيط الأطلسي متجهة شمالا نحو نيويورك، أول مرة ركبت ~~الطائرة منذ سبعة وثلاثين عاما، منذ الطفولة كان هناك حلم يتكرر أنني أطير في ~~الجو، أحرك ذراعي كالجناحين وأشعر بجسمي ينفصل عن الأرض ويحلق في السماء، كأنما ~~أمتطي جوادا له جناحان، أخترق السحب، أجدني في عوالم أخرى وبلاد لا أعرفها، ~~وأتلفت حولي في ذعر، أرى الأرض بعيدة راقدة في الظلمة، ومصباح صغير في نافذة ~~وطفلة مؤرقة في الليل ترمق الطائرة في السماء، تلمع في الخضم الأسود ~~كالنجمة. # تشهق جدتي حين أحكي لها الحلم. ~~- هذه ليست أحلام البنات. ~~- وماذا تحلم البنات يا جدتي؟ ~~- يحلمن بالعريس وفستان الزفاف. # لكني لم أحلم بالعريس ms564 أو فستان الزفاف، وفي كل عيد يشتري لي أبي فستانا جديدا، ~~ويشتري لأخي طائرة صغيرة لها زمبلك. كان أخي يلوي الزمبلك بأصابعه حتى يتكسر، يقذف ~~الطائرة في الهواء، لكنها لا تطير، تسقط إلى الأرض، كنت أجلس إلى جوار حطام ~~الطائرة ثقيلة القلب، أجمع أشلاءها وأعيد تركيبها لتصبح طائرة من جديد، أركب ~~الزمبلك مكانه أسفل البطن، أحركه ناحية اليمين دورة واحدة أو دورتين، فجأة تتحرك ~~الطائرة وتحلق في الغرفة، أصفق بيدي الاثنتين وأصرخ من الفرح، تسمعني جدتي أو ~~إحدى النسوة من عائلة أمي أو أبي، أرى تكشيرة الغضب فوق وجهها، تشد الطائرة من يدي ~~وتلقي بها على الأرض ثم تصرخ: تعالي المطبخ لا وقت للعب! # كنت أفضل اللعب بالطائرة على تقشير البصل والثوم، وأهمس لأمي بأحلامي، كانت أمي في ~~طفولتي تحلم بالطيران مثلي، لكنهم أمسكوها كما تمسك الفرخة قبل الذبح، وساقوها ~~إلى حفل زفاف تحت إيقاع الطبول. # منذ ركبت الطائرة لأول مرة عام 1963، لم أتوقف عن السفر، سبعة وثلاثون عاما رأيت ~~فيها بلاد العالم، كتبت الجزء الأول من رحلاتي في كتاب صدر منذ خمسة عشر عاما، لم ~~أنشر الجزء الثاني بعد، ربما أفعل ذلك بعد الانتهاء من هذا الكتاب الجديد. # الطائرة تحلق بي فوق المحيط الأطلسي متجهة نحو الجنوب بعد الهبوط في نيويورك جاءت ~~المضيفة الأميركية تجر العربة عليها المشروبات، انحنت باسمة سألتني: ماذا تشربين ~~يا سيدتي؟ قلت: جين تونيك. تذكرت صديقتي بطة منذ ثمانية وثلاثين عاما حين سمعت ~~منها لأول مرة كلمة «جين تونيك»، كان ذلك بعد موت أبي في فبراير 1959، أصبح الجين ~~تونيك مشروبي المفضل، يساعدني قليلا على الاسترخاء، أنسى قليلا مشاكل الحياة، ~~أتحرر من مخاوفي الراقدة في قشرة المخ، مخاوف صغيرة مكبوتة منذ الطفولة. رغم عشقي ~~للطيران كنت أخاف من ركوب الطائرة، أراها تسقط وتتحول إلى حطام. اهتزت الطائرة ~~قليلا وأنا أقول «جين تونيك»، سمعت الصوت ينبعث من الميكروفون يقول: اربطوا ~~الأحزمة، نمر ببعض المطبات الهوائية. كم مرة سمعت هذا النداء خلال رحلاتي في ~~العالم على مدى سبعة ms565 وثلاثين عاما، مئات المرات! آلاف المرات! وفي كل مرة لا يحدث ~~شيء، لا تسقط الطائرة؛ مع ذلك ما إن أسمع النداء حتى أتصور أن الطائرة سوف تسقط ~~حتما هذه المرة. # أخذت كأسين من الجين تونيك، تبعتهما بزجاجة نبيذ أحمر بوردو، سرى الدفء في أوصالي، ~~شعرت بالنشوة، شحنة من الحياة تدفقت في عقلي وجسدي، تلاشى الخوف من سقوط الطائرة، ~~جاءت المضيفة الأمريكية مرة أخرى بالمشروبات، كانت ابتسامتها مشرقة كالشمس، بدت ~~أجمل امرأة رأيتها في حياتي، قالت بصوت رقيق: ماذا تشربين قبل العشاء يا سيدتي ~~الجميلة؟ رنت كلمة «جميلة» في أذني كالموسيقى، منذ الطفولة لم يكن أحد من عائلة ~~أمي أو أبي يقول عني «جميلة»، كنت أسمع أحيانا كلمة «ذكية»، لكن كلمة «جميلة» لم ~~يكن ينطقها أحد، إلا في وصف واحدة من أخواتي اللاتي ورثن بشرة أمي البيضاء، ~~وأصابعها الناعمة البضة، واستدارات جسمها الممتلئ وعينيها العسليتين الوادعتين، ~~وصوتها الرقيق. كانت هذه هي مقاييس الجمال الأنثوي، أما أنا فقد ورثت بشرة أبي ~~السمراء، والقامة الطويلة النحيفة، العينين السوداوين المرفوعتين لا يطرف لهما جفن، ~~«تندب فيهما رصاصة» بلغة جدتي والدة أمي. # في المقعد المجاور لي بالطائرة كان هناك رجل، صعد من نيويورك لم أنتبه إليه إلا ~~بعد الجين تونيك والنبيذ الأحمر، كنا يرشف النبيذ على مهل مع حبات من الفستق، يقرأ ~~في جريدة الجارديان، ملامحه من الجانب تبدو مألوفة، هذا الأنف المرتفع في كبرياء ~~يشبه أنف أبي، هذه الجبهة العريضة تشبه جبهة شريف، هذا الشعر الأبيض الغزير أراه في ~~المرآة كل يوم، بشرته مزيج من السمرة والحمرة، رغم الخطوط الغائرة قليلا حول الفم ~~والأنف تبدو بشرته مشدودة بلا تجاعيد، هذا الوجه رأيته من قبل، ربما فوق الشاشة، ~~يكاد يشبه جريجوري بيك، هذه الوسامة الطبيعية غير الذكورية، هذا المزيج من الشباب ~~والكهولة والطفولة، الجسم القوي الممشوق مع بياض الشعر واستقرار الملامح، عيناه ~~يكسوهما بريق أشبه بالجنون وهدوء مثل العقلاء والحكماء من الفلاسفة في التاريخ، ~~مزيج عجيب! لا أدري أهي ملامحه الحقيقية، أم هو خيالي الجامح ms566 وأنا أطير في السماء ~~أرشف الجين تونك والنبيذ الأحمر؟! # رأيته يرمقني بطرف عينه، تظاهرت أنني لا أراه، ربما كان يتأمل شعري الأبيض الغزير ~~مع بشرتي السمراء الملوحة بالشمس، ربما لمح البريق الأسود في عيني وأنا أبتسم ~~للمضيفة وأقول: زجاجة أخرى من النبيذ وقليل من الفستق يا سيدتي. ابتسمت المضيفة ~~ووضعت أمامي زجاجة البوردو وصحنا مليئا بالفستق والبندق، سمعت صوت أسناني تقرقش ~~بشهية الطفلة، كنت جائعة، أتشمم رائحة العشاء من غرفة الأكل والمضيفة ترص الصواني ~~فوق العربة، جاءني صوته بعد قليل، سمعته بوضوح رغم أزيز الطائرة: إلى أين أنت ~~ذاهبة؟ ~~- إلى القاهرة، وأنت؟ ~~- إلى لندن. ~~- هل أنت إحدى نجمات السينما، ملامحك مألوفة تماما، كأنما رأيتك فوق الشاشة، ~~لا أذكر اسم الفيلم ولا المخرج، أهو فيليني أو ستانلي كوبريك؟ # ضحكت بصوت لم أسمعه بأذني منذ تسعة وثلاثين عاما كان ذلك في صيف عام 1959، بعد ~~موت أبي بخمسة شهور، قرأ المخرج صلاح أبو سيف روايتي «مذكرات طبيبة»، جاءني في ~~زيارة إلى البيت، كان يريد إخراج الرواية كفيلم سينمائي، ثم قال لي قبل أن ~~ينصرف: إيه رأيك تمثلي إنت دور الدكتورة في الفيلم؟! # ضحكت يومها وقلت: لا يمكن يا أستاذ صلاح. ليه يا دكتورة نوال؟ عندك وجه فوتوجينيك ~~وعندك موهبة كمان ... قلت: موهبة في الكتابة وليس في التمثيل. قال صلاح أبو سيف: ~~الموهبة الفنية هي الموهبة، في الكتابة، في الموسيقى، في التمثيل، على العموم فكري ~~في الموضوع، حاتصل بيكي بالتليفون بعد أسبوع. # كانت مواعيد صلاح أبو سيف دقيقة، جاءني صوته بعد أسبوع بالضبط يسألني عبر الأسلاك: ~~رأيك إيه يا دكتورة نوال؟ ~~- رأيي إن الرقابة حترفض الفيلم. ~~- أيوه، لكن ممكن نغير بعض المشاهد في السيناريو، كل المخرجين بيعملوا كده. ~~- لكن، إذا غيرنا حاجة في الرواية حتبقى رواية تانية وليست مذكرات ~~طبيبة. ~~- يمكن أقدر أفوت الرواية من الرقابة، لكن قررت إيه بخصوص التمثيل؟ # خلال ذلك الأسبوع أخذت رأي الصديقات بطة وسامية وصفية، ضحكت بطة وقالت: خذيني معك ~~يا نوال طول عمري أحلم إني أكون نجمة سينمائية. ms567 ومطت سامية بوزها في وجهي وقالت: ~~تمثيل إيه وكلام فارغ إيه يا نوال ... دي حاجات غير محترمة في بلادنا. وقالت صفية: ~~أنا متأكدة إن الرقابة حترفض الرواية، وتبقى المشكلة محلولة. # كان ذلك في يوليو 1959، مصر تتأرجح بين اليسار واليمين والوسط والإخوان المسلمين، ~~أعوان عبد الناصر يضربون أي رأي لا يدين بالولاء والطاعة، والرقابة على الكتب ~~والأفلام والصحف وكل شيء. رفضت الرقابة رواية مذكرات طبيبة. حاول صلاح أبو سيف ~~مرة أخرى بعد عامين، لم ينجح في الحصول على الموافقة. حاول مرة ثالثة عام 1966، ~~ومرة رابعة عام 1972، ثم سمعت صوته اليائس عبر الأسلاك يقول: المشكلة ليست في ~~الرواية يا دكتورة، المشكلة في اسم نوال السعداوي. ~~- ما له الاسم يا أستاذ صلاح؟! ~~- بيقولوا عليكي شيوعية. # كانت المضيفة قد جاءت بالعربة عليها صواني الطعام، سألتني: سمك أم لحم البقر أم ~~فراخ؟ تحيرت لحظة وقلت: ما رأيك أنت؟ ابتسمت وقالت: كله لذيذ يا سيدتي. ضحكت وقلت: ~~هاتي كله! ضحك الشاب الكهل الشبيه بجريجوري بيك الجالس إلى جواري وقال للمضيفة: أظن ~~أن لحم البقر الأكثر لذة يا سيدتي. ~~- لماذا يا سيدي؟ ~~- لأنه مريض بالجنون. # أطلقت المضيفة ضحكة عالية متحررة من قيود الأرض، ووضعت أمامه طاجنا ملتهبا ~~خارجا لتوه من الفرن، تفوح منه رائحة اللحم المشوي والبازلاء الخضراء، لم أكن ~~بهذه الجرأة لأمرض بجنون البقر، رغم الجين تونيك والنبيذ الأحمر كانت خلية في عقلي ~~لا تزال واعية تماما، خاضعة لقيود الأرض والمنطق، تؤكد لي أن السمك المشوي أو ~~الفراخ المشوية أفضل للصحة من اللحوم الحمراء. توقفت عن أكل اللحم الأحمر منذ ~~عامين؛ بسبب ارتفاع الكوليسترول في الدم، وبسبب ما أقرأه في الصحف الأمريكية عن ~~مرض جنون البقر في بريطانيا. كان جريجوري بيك يلتهم طاحن اللحم بشهية الأطفال، ~~أسنانه بيضاء حادة مثل أسنان الذئب، عيناه تلمعان بلون السماء الأزرق تشوبه خضرة ~~الزرع. ~~- هل قال لك أحد من قبل أنك تشبهين صوفيا لورين؟! ~~- وهل قال لك أحد من قبل أنك تشبه جريجوري بيك؟! # ضحكنا طويلا وجاءت المضيفة تجر العربة ms568 عليها زجاجات الليكور الصغيرة، أنواع من ~~المشروبات المركزة التي يشربها الأثرياء بعد وجبات الطعام كنوع من مسك الختام، أخذ ~~زجاجة صغيرة من الكونياك «ديمي مارتن»، وأخذت أنا زجاجة من الليكور، له نكهة ~~البرتقال، اسمه «كوانترو». # دار بيننا حوار طويل، طوال المسافة ما بين نيويورك ولندن، سبع ساعات ونصف ساعة ~~نتحاور معا دون انقطاع، نام الركاب جميعا في الطائرة، إلا هو وأنا، شحنة من ~~الحياة والسعادة تغمرني من قمة الرأس حتى بطن القدمين، حالة من الحالات لم ~~أعشها منذ كنت في العاشرة من العمر، تشبه الطيران في الحلم، أرمق جناح الطائرة ~~الفولاذي الأسود يشق السحب البيضاء كأنما هو خيال، أو مشهد في فيلم سينمائي، وأنا ~~ألعب دور صوفيا لورين، ولماذا صوفيا لورين بالذات؟ في أول الشباب حين كنت طالبة ~~بالسنة الأولى بالجامعة كان بعض الطلبة ينتظرونني أمام مدخل الكلية، أسمع أحدهم ~~يقول: سامية جمال جت أهه! صديقتي بطة كانت تقول إنني أشبه إستر ويليامز، لكن صفية ~~تقول إنني أشبه صوفيا لورين، أما سامية فكانت تراني عاطلة من الجمال، إلا العينين. ~~فقط عيناك يا نوال، والباقي كله لا شيء، صحراء جرداء. تمط بوزها إلى الأمام وهي ~~تنطق الكلمتين: صحراء جرداء. # تكلمنا سبع ساعات ونصفا دون أن أسأله أو يسألني عن اسم أبي أو جدي، أو جنسيتي ~~أو ديني أو قبيلتي أو عائلتي أو أي شيء آخر من هذا القبيل. بدت كل هذه الأشياء غير ~~ضرورية، المكتوبة في جواز السفر، وما يسمونها عناصر الهوية أو الشخصية، بدت في ~~تلك اللحظة كأنما هي أغطية، مجرد أغطية، تخفي حقيقة الإنسان أكثر مما ~~تظهرها. # وكأنما جزء من الحقيقة بدأ يظهر فوق السطح، مثل جبل الثلج تحت الماء، يظهر ~~بالتدريج مع يقظة ما يسمونه اللاوعي، أو على الأصح غياب الوعي، ربما بسبب الارتفاع ~~الشاهق فوق كوكب الأرض واكتشاف الكواكب الأخرى، أو ربما التغيير الكيميائي داخل ~~خلايا المخ إثر النبيذ والجين تونيك والكوانترو. ~~- يبدو أنك سافرت كثيرا في بلاد العالم. ~~- وأنت أيضا؟ ~~- سافرت إلى كل بلاد العالم ما ms569 عدا البلاد العربية وإسرائيل. ~~- لماذا؟ ~~- لأني غاضب من حكومة إسرائيل ومن الحكومات العربية، كنت أحد المسئولين في الأمم ~~المتحدة عما يسمونه مشكلة الشرق الأوسط، ثم قدمت استقالتي. ~~- قدمت استقالتك من الأمم المتحدة؟! ~~- منذ ثلاثة أيام فقط في اجتماع نيويورك الأخير. # فرد ذراعيه عن آخرهما وملأ صدره بشهيق عميق أعقبه بزفير طويل، وقال: أخيرا تحررت ~~من سجن الوظيفة بالأمم المتحدة بعد ثلاثين عاما، عشت ثلاثين عاما كالسجين، أسيرا ~~للقوى الدولية ومحكمة العدل ومجلس الأمن، كنت أفكر كل يوم في الاستقالة، لكني لم ~~أكن أملك حريتي، كنت أسيرا لمؤسسة أخرى داخل البيت. # حركته وهو يفرد ذراعيه عن آخرهما ويقول «أخيرا تحررت من سجن الوظيفة» يكاد يشبه ~~أبي حين فرد ذراعيه عن آخرهما بعد أن أحالوه إلى المعاش وصاح بعد أن أخذ شهيقا ~~عميقا أعقبه بزفير طويل: أخيرا تحررت بعد ثلاث وثلاثين سنة، كنت رهين المحبسين ~~الوظيفة الحكومية وسرير الزوجية. ~~- هل أنت متزوجة؟ ~~- نعم. ~~- وعندك أولاد وبنات؟ ~~- ابنة واحدة وابن واحد، وأنت؟ ~~- عندي ثلاث بنات، تخرجت الكبرى من كلية الصيدلة؛ لكنها لم تحب رائحة الأدوية ~~فالتحقت بفرقة موسيقية في سويسرا، الابنة الوسطى درست الأدب المقارن ثم سافرت إلى ~~باريس، حيث تزوجت زميلا لها من جنوب إفريقيا، الابنة الصغرى في لوس أنجلوس ضمن ~~حركة نسائية جديدة يسمونها ما بعد الفيمينيست. ضحك بصوت طفولي وقال: أنا مع تحرير ~~المرأة، لكن ابنتي تعيش مع زميلة لها أمريكية، تفخر بأنها «ليزبيان»، أنا لست ضد ~~الحرية الجنسية؛ لكني لا أنجذب للذكور، ربما أكون رجلا تقليديا عجوزا، وأنت؟ ~~ماذا عن ابنتك وابنك؟ ~~- ابنتي تخرجت من كلية الاقتصاد وحصلت على درجة الماجستير والدكتوراه، لكنها ~~تركت كل ذلك وتفرغت للأدب وكتابة القصص والمقالات، وابني تخرج من كلية الهندسة ~~واشتغل مهندسا لمدة أسبوع واحد فقط ثم تفرغ للإخراج السينمائي. ~~- فانتاستيك! هذا جنون رائع! وأنت؟ ~~- أنا تخرجت من كلية الطب وكذلك زوجي شريف، لكنه ترك الطب وتفرغ للأدب وكتابة ~~الروايات، وأنا أيضا كاتبة روائية. ~~- أنتم أسرة عجيبة مجنونة، وكلكم تعيشون في القاهرة. ~~- نعم. ms570 # لم يكن سألني عن اسمي حتى ذلك الوقت، ولم أكن سألته عن اسمه، لكني تذكرت أنني قرأت ~~عن استقالة أحد المسئولين بالأمم المتحدة في إحدى الصحف قبل هبوط الطائرة في ~~نيويورك، كان هو قد غادر مقعده واختفى قليلا ربما في دورة المياه. رأيت جريدة ~~الجارديان تطل من الجراب أمام مقعده، بدأت أتصفحها حتى رأيت صورته في إحدى الصفحات، ~~وحوارا قصيرا معه عن أسباب استقالته. أعدت الجارديان إلى مكانها في الجراب، عاد ~~إلى مقعده يحمل لفة صغيرة مربوطة بشريط أخضر رفيع، وضعها في حقيبته الصغيرة تحت ~~مقعده، ضحك وقال: لا بد من هدية صغيرة لزوجتي أكفر بها عن ذنوبي الكبيرة. ~~- قرأت الحوار معك في الجارديان. ~~- ما رأيك؟ ~~- أتفق معك في كل شيء إلا شيئا واحد! ~~- ما هو؟ ~~- كان يجب أن تستمر في موقعك ولا تستقيل؛ لأن شخصا آخر سوف يحتل مكانك وينفذ ما ~~يريدون. ~~- أنا معك، لكني تعبت، ثلاثون سنة وأنا أعيش هذه المأساة، أشارك في هذه اللعبة ~~السياسية التي يسمونها اجتماعات الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، وكلها مجرد ~~لعبة للتغطية على جرائم إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، لم تنفذ إسرائيل ~~قرارات مجلس الأمن، بينما تقوم الأمم المتحدة بنزع أسلحة الدمار الشامل في العراق ~~والبلاد العربية والإفريقية والآسيوية. لم تتحرك لنزع السلاح النووي في إسرائيل؛ ~~لأن الولايات المتحدة ومعها بريطانيا، تريدان أن تكون إسرائيل القوة العسكرية ~~النووية الوحيدة في المنطقة. تملك إسرائيل أكثر من مائتين وخمسين صاروخا محملا ~~برءوس نووية، أين ستوجه هذه الرءوس؟ إلى بغداد ودمشق والقاهرة وطهران وأنقرة وأي ~~بلد في المنطقة لا يدين بالولاء والطاعة! وهذه اللعبة السياسية التي يسمونها ~~مفاوضات السلام في الشرق الأوسط! أيمكن أن يكون هناك سلام وشعب العراق يموت منه ~~الآلاف يوميا من الجوع تحت الحصار لأكثر من ثمانية أعوام؟! وهذه الأكذوبة عما ~~يسمونه برنامج النفط مقابل الغذاء؟ هل يعقل أن فريق التفتيش على أسلحة الدمار ~~الشامل في العراق الذي يضم موظفين في المخابرات الأميركية يعيدون صياغة التقارير ~~كما يشاءون؟! هل يعقل أن يتم تحميض ms571 الأفلام في إسرائيل، هذه الأفلام التي تم ~~تصويرها في العراق بواسطة فريق التفتيش؟ هل يعقل أن المخابرات الإسرائيلية الموساد ~~كانت تزود فريق التفتيش بالمعلومات عن المواقع الهامة كي يتم تدميرها بالكامل، ~~ولإسرائيل خبرة في هذا منذ ضربت المفاعل النووي في العراق. وهذه المهزلة التي ~~يسمونها تحريك عملية السلام، والمفاوضات المسدودة لتحقيق بعض حقوق الشعب ~~الفلسطيني، في الوقت الذي لا تتنازل إسرائيل عن شيء، بل يزداد عدد المستوطنات ~~ويزداد عدد القتلى من الفلسطينيين! وبكل أسف فإن بعض الحكومات العربية تشارك في هذه ~~اللعبة كما شاركت في حرب الخليج عام 1991. # توقف عن الكلام حين سمعنا الصوت ينبعث في الميكرفون يقول: اربطوا الأحزمة ستهبط ~~الطائرة في مطار لندن، هيثرو. ~~- أنا أعيش في لندن منذ ثلاثين عاما، زوجتي إنجليزية وهي أستاذة في الجامعة ~~تدرس الفيزياء، شعرها أبيض مثلك وهي في جنيف الآن تحضر مؤتمرا نسائيا، إنها ~~فيمينيست من الموجة الأولى، وهي تحب النساء أيضا، حب بريء، وليس مثل ابنتنا ~~الصغرى في لوس أنجلوس، ثم ضحك، وسألني، هل أنت فيمينست؟! ~~- هذه كلمة إنجليزية، وفي لغتنا العربية نستخدم كلمات مختلفة، وإن كان المعنى هو ~~تحرير النساء، بالطبع أنا مع تحرير النساء وتحرير الرجال أيضا؛ فالمشكلة ~~تتعلق بالنظام الأبوي منذ نشوء العبودية وحتى اليوم. # هبطنا من الطائرة، كانت الساعة في لندن السابعة صباحا، أخرجت ساعتي الصغيرة من ~~حقيبة يدي، كانت لا تزال حسب التوقيت في «ديرهم» متأخرة عن لندن سبع ساعات. حركت ~~الوقت إلى الأمام بإصبعين اثنين سبع دورات، رأسي يدور دائما في تلك اللحظة حين ~~أهبط من الطائرة وأحرك الوقت إلى الوراء أو إلى الأمام، يبدو الوقت لعبة أو أكذوبة ~~دولية أو كونية مثل قرارات الأمم المتحدة. أترنح قليلا في مشيتي مع الدوران في ~~رأسي أو في الأرض تحت قدمي، ربما بسبب الساعات الطويلة في الجو داخل الطائرة ~~النفاثة، لكن ما هي إلا لحظة ويعود رأسي ثابتا في مكانه، والأرض ثابتة تحت قدمي. ~~أدب بقوة على بلاط الممر اللامع الذي يشبه الرخام الأبيض، كعب حذائي مربع ms572 متين ~~يشبه كعوب أحذية الرجال، لا ألبس الكعب الأنثوي الرفيع العالي، خطواتي واسعة ~~سريعة، في يدي حقيبة جلدية صغيرة، وهو يمشي إلى جواري بالخطوة الواسعة السريعة، ~~جسمه ممشوق وشعره أبيض غزير، عيناه يكسوهما بريق طفولي، يتلفت حوله في دهشة كأنما ~~يرى مطار هيثرو للمرة الأولى، توقف أمام بوتيك صغير يبيع البطاقات والهدايا ~~التذكارية. ~~- ما رأيك بأن أشتري لك هدية صغيرة من لندن؟ ~~- أشكرك، ليس عندي وقت. ~~- متى تقلع طائرتك إلى القاهرة؟ ~~- الساعة الرابعة مساء. ~~- أوهوه! الساعة الآن السابعة صباحا، أمامك أكثر من ثماني ساعات انتظار، أنا لا ~~أطيق الانتظار في المطارات، وأنت؟ ~~- أنا لا أطيق الانتظار أيضا، لكن معي رواية جديدة كنت أنوي قراءتها في ~~الطائرة. ~~- ضيعت وقتك في الكلام؟! ~~- أبدا، لقد استمتعت بالحديث معك. ~~- فاتت سبع ساعات مثل سبع دقائق، لم أشعر بالوقت. ~~- الوقت أكذوبة كونية مثل قرارات مجلس الأمن. # أطلق ضحكة طفولية، مددت يدي لأودعه لكنه تراجع خطوة إلى الوراء وقال: ولماذا ~~تودعيني الآن وأمامك ثماني ساعات؟! ما رأيك في فنجان قهوة كابيتشينو وقطعة ~~كرواسان؟ لا أحد ينتظرني في البيت وليس عندي عمل بعد الاستقالة، ويمكن أن أبقى معك ~~قليلا إن شئت. # دخلنا إلى الكافيتيريا، نكهة القهوة تملأني بالانتعاش، أتشمم النكهة، أملأ بها ~~صدري في شهيق عميق، ألامس بطرق لساني رغوة اللبن المغلي الممزوج بالبن، يحترق طرف ~~اللسان من شدة السخونة، مع ذلك لا أغتاظ ولا أتوقف عن تكرار ارتشاف السطح الملتهب، ~~كما كنت أفعل في طفولتي، أرشف الشاي واللبن المغلي، يتصاعد البخار إلى أنفي، أتلقاه ~~فوق وجهي، تمتصه مسام بشرتي، أضم قطعة الكرواسان كأنما هي الفطيرة التي كانت أمي ~~تخرجها من الفرن، وهو يرمقني بعينين يكسوهما البريق، كأنما رأيت هذا البريق وهاتين ~~العينين في مكان وزمان لا أدري عنهما شيئا، كأنما أنا أجلس في هذه الكافيتريا في ~~مطار هيثرو منذ زمن بعيد، منذ وعيت الحياة وأصبح عندي ما يسمى الوعي، كأنما سأبقى ~~جالسة هكذا في مكاني إلى آخر الزمن، حتى يتسرب مني الوعي وأموت. # بعد لحظة واحدة ms573 أفيق إلى أنني أجلس إلى رجل غريب، تصادف أن جلس إلى جواري في ~~الطائرة من نيويورك إلى لندن، إنني أجلس معه في الكافيتيريا داخل صالة الترانزيت، ~~أقرأ كلمة «الترانزيت» باللغة الإنجليزية، أعرف أنها تعني الانتظار المؤقت الذي سوف ~~ينتهي عاجلا بعد دقائق أو ساعات قليلة. ~~- أنت شاردة تماما، فيم تفكرين؟! ~~- هذه الحياة غريبة جدا، تصور أن ... ~~- نعم أتصور أن الصدفة أغرب من الخيال. ~~- عندنا مثل عربي يقول: رب صدفة خير من ألف ميعاد. ~~- هي تبدو لنا صدفة، لكنها ليست صدفة، وقد ركبت آلاف الطائرات وجلس إلى جواري آلاف ~~الرجال والنساء ... ومع ذلك لم أتبادل كلمة واحدة مع أي منهم، إنها ليست صدفة ~~يا ... فجأة توقف عن الحديث، اتسعت عيناه بدهشة، تصوري لم أعرف اسمك حتى الآن! أنت ~~عرفت اسمي من الجارديان، لكن أصدقائي ينادونني باسم «بيل». ~~- اسمي نوال يا بيل. ~~- نافال؟! ~~- نوال، بالواو. ~~- ناوال. ~~- لا توجد ألف بعد النون، نوال. ~~- نوال؟ ~~- أيوه هذا صح! ~~- يا له من اسم عجيب، نوال! # أصبح ينطق الاسم على نحو صحيح، لم تكن كلمة «نوال» سهلة النطق لمن لا يتكلمون ~~اللغة العربية، أغلب أصدقائي الأجانب وصديقاتي ينطقون اسمي «نافال» أو ناوال، ~~دائما بالألف بعد النون، لكنه أصبح يناديني نوال كأنما يعرف اللغة العربية. ~~- هل تعرف بعض كلمات عربية يا بيل؟ ~~- كلمات قليلة جدا مثل شوكرن. ~~- شكرا وليس شوكرن. ~~- شوكرا. ~~- شكرا، بدون الواو بعد الشين. ~~- شكرا. ~~- أيوه هذا صح. ~~- شكرا نوال. ~~- الاسم يأتي أولا، نقول: نوال، شكرا، وليس شكرا نوال. ~~- نوال، شكرا. # أطلق ضحكته الطفولية المعدية، ضحكت وأنا أعلمه النطق الصحيح، وهو ينطق الحروف ~~بدقة كأنما سيتكلم اللغة العربية حتى الموت، وأنا أضحك كما كنت أضحك في المدرسة ~~الابتدائية في منوف. ~~- سأقول لك سرا يا نوال، لو قلت تعال معي إلى القاهرة سأشتري تذكرة وأركب ~~معك الطائرة الساعة الرابعة، لكني أعرف أنك لن تقولي هذا؛ لأنك إنسانة عاقلة، وأنا ~~أيضا عاقل ... لكن هذا العقل جعلني سجين الوظيفة ثلاثين عاما، هذا العقل قضى على ~~سعادتي في الحياة، ms574 ولقد جاءتني بعض الفرص القليلة لأخرج من السجن لكني كنت ~~أخاف، منذ عشرة أعوام تقريبا، قابلت إنسانة مثلك في مؤتمر الأمم المتحدة في جنيف ~~عام 1986، كدت أترك كل شيء وأسافر معها إلى ريو دي جانيرو، لكني تراجعت وعدت إلى ~~السجن، مثل المحكوم عليه بقرار مؤبد من قوة عليا مجهولة. ~~- ربما هي مارجريت تاتشر. أطلق ضحكة ثم واصل الحديث: تقريبا كل عشر سنوات ألتقي ~~بهذا النوع من الناس، نساء أو رجالا، هذا النوع من الصداقة النادرة التي لا ~~تعرف الفروق المصنوعة بين البشر، لا الجنس ولا الجنسية ولا اللون ولا العرق ولا ~~اسم العائلة، فقط الاسم الأول: نوال. # حين نظرت إلى الساعة وجدتها الواحدة والنصف، مضت ست ساعات ونصف ونحن نتكلم دون أن ~~نشعر، كانت الكافيتيريا قد ازدحمت بالمسافرين، ناس يجيئون يجرون حقائبهم ثم ~~يروحون، ويأتي غيرهم بحقائبهم ثم يمضون في حياتهم دون أن يتركوا وراءهم أثرا. ~~أتأمل وجوه المسافرين، رجالا ونساء وأطفالا، كأنما رأيت هذه الوجوه من قبل في كل ~~المطارات، وهذه الحقائب يجرونها فوق العجلات، وهذه الفتاة الجرسونة التي تحمل ~~الصينية فوقها الصحون والأكواب وتجري بين الموائد، وصوت الملاعق، وفرقعات سدادات ~~الزجاجات، وصوت الثلج داخل الكئوس، ورائحة الشواء والطواجن الخارجة من ~~الفرن. ~~- لا بد أنك جائعة وقد أتى موعد الغداء، أنا شخصيا أشعر بجوع غريب، ماذا تشربين ~~قبل الغداء، جين تونيك؟! # حكيت له عن صديقتي بطة وأول مرة أسمع كلمة الجين تونيك منذ سبعة وثلاثين عاما في ~~عيادتي الطبية، بميدان الجيزة عام 1959، بعد وفاة أبي. ~~- أنت طبيبة يا نوال؟ ~~- نعم، ولكني كرهت المهنة، أغلقت عيادتي منذ سنين طويلة. ~~- وماذا تعملين الآن؟ ~~- أكتب روايات وقصصا! ~~- فانتاستيك! أنت مجنونة يا نوال، وأنا أحب هذا الجنون، أنجذب إليه لأني أفتقده، ~~لقد فقدت جنوني ثلاثين عاما داخل السجن، أصبحت موظفا بالأمم المتحدة أشارك في ~~مهنة السياسة الدولية دون أن أومن بها، وأخيرا بعد ثلاثين سنة أحرر نفسي، لكن ~~بعد فوات الأوان يا نوال، كان حلم حياتي أن أكون موسيقيا مثل شوبان أو ~~موتسارت. ms575 ~~- ليس هناك شيء اسمه فوات الأوان، أنت لا زلت في ريعان الشباب يا بيل. ~~- لكني أرى نفسي في المرآة كهلا عجوزا. ~~- المرآة خادعة وكاذبة مثل قرارات الأمم المتحدة! ضحكنا ونحن نرشف الجين تونيك، ثم ~~طلبنا زجاجة النبيذ الأحمر، مع السمك المشوي وطاجن أرز في الفرن، وسلاطة خضراء من ~~الخيار والطماطم والخس. # ثم سمعنا الصوت يعلن في الميكرفون عن توجه المسافرين للقاهرة إلى باب الخروج رقم ~~أربعة، سار معي حتى باب الخروج، توقف لحظة يصافحني، تظاهرت أنني لا أرى عينيه، ~~ابتسمت وأنا أشد على يده وأقول: سنلتقي مرة أخرى يا بيل. ~~- هذا أكيد يا نوال، سأكتب إليك، ومن يدري ربما ترينني في القاهرة قريبا ~~جدا. ~~••• # استدرت قبل أن أختفي وراء باب الخروج، رأيته واقفا يلوح لي بيده، عيناه فيهما ~~حزن عميق. سرت نحو باب الطائرة بخطوات بطيئة ثقيلة، جلست في مقعدي بجوار النافذة، ~~دخل رجل وجلس في المقعد المجاور لي، وجهه أبيض منتفخ باللحم، كتفاه عريضان مثل ~~مروضي الثيران في إسبانيا. خلع الجاكيت وناوله للمضيفة بحركة ذوي السلطة والنفوذ، ~~جلس وملأ المقعد بجسده الضخم، فتح حقيبة سوداء سامسونايت وأخرج منها بعض الأوراق، ~~راح يبحلق فيها بعينين جاحظتين قليلا، أسند رأسه إلى الوراء، ثم راح في سبات ~~عميق. ~~••• # في مطار القاهرة، كان ينتظرني شريف، ومنى وعاطف، الوجوه الثلاثة الحميمة رأيتها ~~تطل علي وأنا أخرج من الباب أجر العربة فوقها الحقائب، تعانقنا بحرارة الشوق ~~والحب. سرت بينهم أملأ صدري بنسمة الوطن الدافئة. في الليل قبل أن يحوطني شريف ~~بذراعيه حكيت له ما حدث في مطار هيثرو، ابتسم شريف بهدوئه المعتاد وقال: أول ما ~~شفتك في المطار قلت نوال راجعة من مغامرة مثيرة، مشكلتك يا نوال إن كل حاجة بتبان ~~في عينيك. وضحكنا كما كنا نضحك منذ ثلاثين عاما، حين كنا نحكي عن المغامرات قبل ~~الزواج. ms576