######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.HananQalil.Hindawi42627191 #META# Tags: novels #META# ID: 42627191 #META# Title: حنان قليل #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # حنان قليل‏ # كرامة‏ # الطريق‏ # الكوافير سوسو‏ # لن تجديه يا ليلى‏ # ليست عذراء‏ # هيتروفس ... هيتروفس‏ # الشيء الصعب‏ # مجرد صورة‏ # الدوسيه الضائع‏ # ومات الحب‏ # سوسن‏ # فراغ‏ # لا شيء‏ # حينما أكون تافهة‏ # قصة من حياة طبيبة‏ # من أجل من؟‏ # ثمن الكتابة‏ # حنان قليل‏ # كرامة‏ # الطريق‏ # الكوافير سوسو‏ # لن تجديه يا ليلى‏ # ليست عذراء‏ # هيتروفس ... هيتروفس‏ # الشيء الصعب‏ # مجرد صورة‏ # الدوسيه الضائع‏ # ومات الحب‏ # سوسن‏ # فراغ‏ # لا شيء‏ # حينما أكون تافهة‏ # قصة من حياة طبيبة‏ # من أجل من؟‏ # | حنان قليل # | حنان قليل # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم ~~بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال ~~الغياب، أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس ~~وأغرقتها الأمطار في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، ~~متينة العجلات قوية العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات ~~والمحطات، تنزلق وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث ~~الحفر والمطبات، مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، ~~داخل قطعة من البلاستيك الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، ~~يبتسم في وجهها: حمدا لله ع ms01 السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن ~~وصلت القائمة السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها ~~كرسيا لتستريح وكوب ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب ~~الجهاد أو داعش أو حزب الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها ~~في غرفة الحجر الصحي؛ حيث تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وإنفلونزا ~~الخنازير، وبعضهم مصاب بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي ~~بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا ~~مدهشة في الرءوس التي تغوص فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، ~~نساء ورجال من المثقفين أو الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من ~~فصيلة الثدييات على رأسها الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس ~~العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، ~~تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي ~~حكى له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك ~~رأسه ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، أمال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا ms02 سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير ms03 ، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | حنان قليل # كانت تجلس القرفصاء على بلاط الحمام البارد، وجسمها الضئيل الضامر ينتفض من البرد، ~~وأسنانها تصطك ... # وأخذت تتلفت حولها في الحمام الواسع مذهولة! أهذا هو الحمام؟! لم تكن تتصور أنه ~~يمكن أن يكون في العالم حمام بهذا الشكل؛ فإن الحمام الوحيد الذي رأته في حياتها هو ~~حمام العمدة، وقد دخلته مرة واحدة صدفة، حينما كانت تلعب «المساكة» مع ابنة العمدة، ~~وابنة شيخ الغفر، ودخلت لتختفي في حجرة في آخر الدوار، قالت عنها ابنة العمدة إنها ~~الحمام، ورأت فيه طشتا كبيرا وزيرا، وفنطاسا ضخما في نهايته صنبور صغير، ولم تكن قد ~~رأت صنبورا قط في حياتها، أو حماما، وكان كل ما رأته في دار أبيها طشتا وكوزا من ~~الصفيح، تنقلهما أمها من قاعة إلى قاعة، كلما رغب فرد من أفراد البيت في الاستحمام، ~~وكانت ترى أمها تضع في هذا الطشت نفسه الدقيق لتنخله، وفي موسم الحصاد ترى الطشت مملوءا ~~بالشعير، وفي موسم «الذرة» مملوءا «بالذرة». # وتلفتت حولها في دهشة، ومسحت بطرف جلبابها عينيها الملتهبتين وأنفها، وأخذت تتأمل ~~ذلك الشيء الأبيض اللامع، الذي يشبه الحوض الواسع، والذي لو ملئ بالماء لغرقت فيه، وتلك ms04 ~~الصنابير الفضية الكبيرة التي تعلوه. # ورأت حوضا آخر صغيرا معلقا في الحائط، تعلوه أيضا صنابير كبيرة براقة، ورأت ~~شيئا عجيبا أبيض، يشبه الكرسي وليس بكرسي، وشيئا آخر يشبه سلطانية الشوربة، ولكنه كبير ~~الحجم جدا، يتسع لسلق جدي أو خروف. # وكفكفت دمعها وأخذت تتحسس بيديها السمراوين الخشنتين، أرض الحمام الملساء الناعمة، ~~في مثل نعومة الصحن المصنوع من الخزف. ~~- بت يا بهية ... يا بهية! # جاءها صوت رفيع حاد من خلال باب الحمام المغلق، فانتفضت لسماع اسمها، ووقفت مذعورة ~~حائرة ... ماذا تفعل؟ # أصبح الصوت الرفيع أكثر حدة، فارتجفت بهية وهي تمسك بأكرة الباب البراقة، تحاول أن ~~تلويها لتفتح الباب، ولكن الأكرة أبت أن تتحرك فألصقت فمها بالباب، وقالت بأعلى صوتها، ~~كما كانت تنادي على أمها في الحقل: ده أنا جوة في اللي اسمه إيه الحمام، مش عارفة ~~أطلع. # ووقفت بهية مشدوهة حينما رأت أكرة الباب تتحرك وحدها ثم ينفتح الباب، ورأت أمامها ~~امرأة بضة نظيفة، ثم رأت يد المرأة ترتفع إلى أعلى، ثم تهوي على وجهها النحيل في لطمة ~~قوية! ~~- انتي قاعدة جوة الحمام بتعملي إيه؟ مين قالك تدخلي هنا؟ ~~- معلهش يا ستي، والنبي يا ستي، ربنا يخليكي يا ستي، مش انا والنبي، ده الراجل عبده اللي ~~عندكم قال لي اقعدي هنا لغاية ما ستك تنادي عليكي. # وفهمت بهية منذ ذلك اليوم ما يجب في هذا البيت وما لا يجب، وما عليها أن تعمله وما لا ~~تعمله، ما هو محلل وما هو محرم، وكان يعمل معها في البيت نفسه طباخ اسمه عبده، يبيت في ~~حجرته فوق السطح، وفتاة أخرى كبيرة تبيت معها على دكة خشبية في أحد أركان المطبخ، وأنست ~~بهية إلى خديجة، حتى راحت تروي لها كيف قتل والدها، وهما تتسليان بالحديث قبيل النوم، ولكن ~~خديجة نفرت من الحديث؛ خشية أن يطلع لها عفريت القتيل، وفضلت أن تنام، وسرعان ما كان ~~شخيرها يملأ المطبخ. # وظلت عينا بهية مفتوحتين لا يغلبهما النعاس، وراحت تفكر في أمها، وفي أختها الرضيعة ~~زينب، وهمست لنفسها «يا ms05 ترى يا امه بتعملي إيه دي الوقت؟» # وعادت إليها صورة أبيها قبل مقتله بدقائق، وهو يمسك بيدها في السوق، ويضرب بعصاه الأرض ~~في قوة وبأس. # ووقفت عند هذه الصورة لا تجرؤ على الاسترسال في ذكرياتها؛ فلقد بدأت تشعر بالخوف لو أنها ~~استعادت صورة مقتله، وتكورت بجانب خديجة والتصقت بها؛ تريد أن تلتمس من دفئها بعض ~~الطمأنينة والأمن، وأغمضت عينيها لتنام، لكن صورة أمها بثيابها السوداء المتربة وقامتها ~~النحيلة وبشرتها الصفراء تجلس على عتبة الدار وفي حجرها أختها زينب، تمتص اللبن من ~~ثديها الهزيل الضامر، ورأت نفسها تجلس إلى جوارها تنبش في التراب، وهي تحس آلام الجوع؛ إذ ~~مضت أيام كثيرة لم تصب فيها إلا بعض كسرات من الخبز المقدد، وقطعة خيار مخللة عثرت ~~عليها في قاع «الزلعة». # وانتبهت على رجل، أفندي يقف أمام أمها، ومعه نفوسة تاجرة الفراخ، ولم تفهم كل ~~الكلام الذي كانوا يقولونه، ولكنها التقطت كلمة «بهية» من بين كلامهم، فأرهفت السمع لترى ~~ماذا يمكن أن يكون لها من شأن في هذا الحديث الجاد مع هذا الأفندي النظيف. # وسمعت الأفندي يقول: هي سنها كام؟ # فأجابت أمها: عشر سنين والنبي. # فقال الرجل: ياه! دي لسة صغيرة قوي! # فأجابت نفوسة: صغيرة إيه يا سي محمد! دي لهلوبة في الشغل تمسح وتغسل، وتحمل المحروسة ~~الصغيرة، دي بكرة تعجبك وتبقى عال قوي، قومي يا بت يا بهية، قومي بوسي إيد سيدك. # وقامت بهية، إنها لا تستطيع إلا أن تطيع بعد أن رأت أمها تنكس رأسها دلالة على ~~الموافقة. # وأخذها الأفندي معه، وقبل أن تمضي معه استدارت إلى أمها الجالسة على عتبة الدار، وفي ~~حجرها أختها زينب قائلة: اقعدي بالعافية يا امه، خلي بالك من زينب. # وسمعت أمها تقول: الله يعافيكي يا بهية، خلي بالك من نفسك. # ورأتها تمسح عينيها وأنفها بكمها، فاستدارت مسرعة، وسارت في أثر الأفندي، وقلبها ينوء ~~بثقل كبير. ~~••• # وفتحت بهية عينيها في الصباح الباكر على صوت رفيع حاد يقول: بت يا بهية، إنتي لسة ما ~~صحيتيش؟ # فانتفضت بهية في ms06 فزع، وفتحت عينيها ، وحينما رأت المطبخ الواسع، وموقد الغاز، والثلاجة ~~الكبيرة عرفت أنها في مصر، في بيت سيدها محمد أفندي الشهدي، وليس في دارها بقرية كفر خناش، ~~وردت: حاضر يا ستي، أنا صاحية. # وانطلقت بهية إلى سيدتها، فوجدتها مضطجعة على سريرها الوثير، تحتضن طفلتها، وترضعها من ~~ثدي بض سمين. ~~- إنتي يا بت لسة نايمة؟ ~~- لا يا ستي أنا صاحية من الصبح. ~~- خدي اللفف دي اغسليها في الحمام، وانشريها في البلكونة، وبعدين تعالي بسرعة علشان ~~تحملي نوسة. ~~- حاضر يا ستي. # وفي لمح البصر طارت بهية لتفعل ما أمرتها به سيدتها، ثم حملت الطفلة الصغيرة على ذراعيها، ~~ووقفت تهدهدها. ~~- بس يا ستي نوسة بس، بس يا ستي نوسة بس، بس ... # وكفت الطفلة عن البكاء، وأخذت بهية تتأمل وجهها وعينيها وشفتيها، فرأت أنها تشبه ~~أختها زينب شبها غريبا، وخيل لها أنها هي، فاحتضنتها بحنان وقوة إلى صدرها، ~~وقبلتها. # ولم تكد ترفع وجهها عن الطفلة، حتى انتفضت على الصوت الرفيع الحاد يقول غاضبا: إنتي ~~بتبوسيها يا بت يا بهية؟ عمى في عينك، إياك تاني مرة تبوسيها، وللا تقربي وشك من وشها كدة ... ~~فاهمة؟ # وقبل أن تنطق بهية بحرف أحست بيد تهوي على وجهها في صفعة قوية. ~~- حاضر يا ستي، معلهش يا ستي، والنبي يا ستي حرمت. # وابتعدت اليد عنها فهدأت دقات قلبها، وانتظمت أنفاسها، وحملت الطفلة بين ذراعيها، وهي ~~تحاول أن تبعد وجهها عنها بقدر ما تستطيع. # وتأملت وجه الطفلة مرة أخرى، فلم تر فيها أي شبه بينها وبين أختها زينب، ورأت في ~~عيني الطفلة استعلاء وقسوة يشبهان الاستعلاء والقسوة في عيني أمها، وشعرت أنها تكره ~~هذه الطفلة وتحقد عليها. # أهكذا يكون جزاؤها؟ إنها لم تفعل شيئا، لم تخطئ، لم تكسر كوبا أو طبقا، لقد قبلت ~~الطفلة فحسب، وقبلتها لأنها تحبها وتحنو عليها، أهكذا يكون جزاء الحب والحنان؟ # وأشاحت بوجهها بعيدا عن الطفلة، وأخذت تهدهدها بآلية ليست فيها عاطفة، وتذكرت أختها ~~زينب، ترى من يهدهدها؟ كثيرا ما كانت تسمع بكاءها وهي نائمة على الأرض ms07 في صحن الدار ، ~~وقد تعرى ردفاها، وغشي التراب أنفها وفمها، فتجري إليها، وتمسح وجهها، وتهدهدها ~~وتقبلها، وترعاها حتى تعود أمها من الحقل. # ترى من يجري إليها الآن؟ ترى من يمسح لها التراب من فوق أنفها وفمها؟ # ونظرت بهية إلى وجه الطفلة التي تحملها، وجه ناعم نظيف بلا تراب، وهي تهدهدها، وتلاعبها ~~كلما همت بالبكاء، أليست أختها زينب مثل هذه الطفلة؟ ألا تستحق أختها هذا ~~الحنان؟ # ويصفعونها بعد كل ذلك لأن في قلبها حنانا! # وأحست بهية، طفلة العاشرة، بثورة عارمة تضطرم في أعماقها، ولم تشعر إلا وهي تضع ~~الطفلة على السرير، وقد غمرها شعور بأنها لا تريد أن تحملها بين ذراعيها، ووقفت بجوار ~~الطفلة كالتمثال تنظر إليها في كراهية! # وبكت الطفلة تريد أن تحمل. # وكانت أمها في الحمام، فنادت على بهية بأعلى صوتها: نوسة بتعيط ليه يا بت ~~يا بهية؟ # ولم ترد بهية، واقتربت من الطفلة، وأخذت تربت عليها لتكف عن البكاء، لكن الطفلة ~~التي كانت قد تعودت أن تحمل ظلت تبكي وتصرخ، وجاءها الصوت الرفيع الحاد الغاضب: نوسة ~~بتعيط ليه يا بت؟ # واغتاظت بهية ... ممن؟ لم تكن تدري، أمن الأم القاسية، التي تناديها غاضبة، أم من الطفلة ~~المدللة التي تريد أن تحمل؟ ولم تعرف تماما ماذا فعلت، لكنها رفعت يدها في الهواء وهوت ~~بها على وجه الطفلة في لطمة قوية، ثم جرت إلى باب الشقة وفتحته، وانطلقت في الشارع ~~تعدو. # ولم تهدأ بهية إلا بعد أن ابتعدت عن بيت سيدها كثيرا. # ورأت رجلا تبدو على ملامحه الطيبة، فسألته عن «الكافوري» الذي يمكن أن يوصلها إلى قرية ~~كفر خناش، وكان الرجل طيبا فدلها على الطريق، وأعطاها بعض القروش. # وجلست بهية على أرض «الكافوري»؛ فقد أبى الكمساري أن يمنحها كرسيا لتجلس عليه؛ لأن ~~القروش التي كانت معها لم تكف لتصرف بها نصف تذكرة، وتبرع لها الكمساري بحيز صغير ~~من أرض العربة حتى تصل إلى قريتها. # ووقفت العربة في «كفر خناش». # وانتفضت بهية واقفة على قدميها، وقفزت من العربة، ووضعت ذيل جلبابها بين ms08 أسنانها، ~~وأطلقت ساقيها للريح. # ووجدت باب الدار مفتوحا كعادته دائما، فاندفعت داخلة متلهفة، وقبل أن تصل إلى صحن ~~الدار، سمعت صوت أختها زينب تبكي بحرقة، فجرت إليها، ورأتها كما كانت تراها دائما عارية ~~الردفين، والتراب يغشى أنفها وشفتيها. ~~- يا حبيبتي يا زينب! # وأخذتها بين ذراعيها، وراحت تغمر وجهها بالقبلات، وتنهدت بهية في سعادة؛ إنها تستطيع أن ~~تحب زينب كما تريد، وتحنو عليها كما تريد، وتقبلها كما تريد، لن ينهرها أحد ولن ~~تتلقى عن ذلك صفعات أو شتائم. # وضمت بهية أختها إلى صدرها أكثر وأكثر، وحينما رأت أمها تدخل من باب الدار قالت لها: ~~ماهانتش علي زينب يا امه، قلت اجي اشيلها. # وأجابت أمها والدموع في عينيها: بركة يا بنتي اللي جيتي. # | كرامة # كان عقلي مشلولا لا يريد أن يفكر، بل لا يستطيع أن يفكر حتى لو أراد ... وكانت نفسيتي ~~منهارة مهلهلة، فتاتها هنا وهناك في ثنايا أعماقي الحالكة، فلا أهتدي إلى شيء ~~منها. # ولم أكن أحس شيئا إلا قدمي المنهوكتين، وهما تنتقلان بلا وعي في خطوات ممزقة ~~ضالة، وبعد أن همت في طرقات عديدة لا أكاد أتبينها، وجدتني فجأة أمام بابه؛ باب ~~مكتبه، وقرأت اسمه على الرقعة النحاسية الصفراء فارتجفت، وهممت أن أستدير، وأعود من ~~حيث أتيت، فلم أستطع، وقفت أحملق كالمعتوهة في حروف اسمه: «ضياء الدين توفيق» آه! إنه ~~اسمه، إنه هو! إنه مكتبه! باب مكتبه نفسه الذي شهد خروجنا ودخولنا كل يوم لمدة خمس سنوات ~~كاملة. وكثيرا ما كنا نقف أمام هذا الباب في الظلام، ويأخذني بين ذراعيه ويقبلني، ~~وتتراءى لي الرقعة النحاسية وعليها اسمه، وكأنها تهتز من فرط السعادة والنشوة، وتتراقص ~~حروف اسمه وتضيء بنور جميل، فأهمس له قائلة: ضياء ... أحبك! خمس سنوات كاملة، بأيامها ~~ولياليها، أحببته، وعشت لحظات عمري معه سواء كنا معا أو فصلت بيننا آلاف الأميال، ~~حينما كان يسافر، وكثيرا ما كان يسافر في بعثاته الصحفية. # ثم ... آه ... لعلني أنسى! # كان اليوم منذ سنتين، صباح اليوم الذي كنت أستلقي فيه على فراشي، وأتثاءب، وأستعيد ms09 في ~~سعادة كلماته الرقيقة لي، وأتحسس موضع شفتيه الملتهبتين على وجهي، وأخذت أقلب صفحات ~~جريدة الصباح في تكاسل لذيذ. # وفجأة خارت قواي، وتوقف قلبي عن ضرباته، وأخذت أذناي تصفران صفيرا عاليا جعلني ~~صماء، واهتزت الكلمات السوداء المطبوعة أمام عيني، لكني استطعت أن أقرأها مرة ومرتين ~~وثلاثا، وأنا لا أحس بنفسي، وكأنني في حلم. # وقرأت للمرة العشرين خبر زواجه وأنا لا أصدق، وظننته رجلا آخر يحمل اسمه، وجريت ~~كالملسوعة إلى التليفون، وقالت لي شقيقته في سخرية لا تخلو من مزيج من الشفقة والتشفي: ~~أيوة ... ضياء ... إنه في بيته يا «شوقية»، لقد تزوج، ألم تعرفي ذلك؟ # وكانت بي بقية حياة، فاستطعت أن أرد عليها قائلة: أشكرك. # ولكن ما بالي أقف بعد سنتين من البعد عنه كالمعتوهة أمام باب مكتبه، لا أستطيع الدخول، ~~ولا أستطيع العودة؟ آه ... ليت قلبي يتوقف الآن تماما، فأموت وأقع جثة هامدة هنا، حتى ~~يتعثر بجثتي وهو خارج فيراني، ويرى ماذا فعل بي! # ووقفت أمام اللوحة النحاسية التي تحمل اسمه أفكر، ولا أفكر، وقلت لنفسي في جرأة ~~الضعيف، الذي يريد أن يمنح نفسه بعض الشجاعة: فلأدخل ... ماذا سيحدث؟ هل ستنطبق السماء على ~~الأرض؟! لن يحدث شيء، سوف يقابلني بفتور غاية ما في الأمر، أو سوف يقابلني بحرارة ~~أكثر ما في الأمر، ولن يكون هناك فارق كبير عندي بين هذا وذاك؛ فلقد انتهى ضياء من حياتي، ~~وخرج من نطاق آمالي وأحلامي. # لكني أريد أن أراه، أريد أن أنظر في عينيه، وليكن ما يكون؛ فهو الوحيد الذي أحبه، وهو ~~الوحيد الذي يفهمني، وتذكرت كرامتي التي منعتني من لقائه طوال هاتين السنتين. # ولكن اليوم، بل هذه اللحظة، لا أستطيع أن أراه، ولا أرى دخلا للكرامة في ذلك؛ فأنا لا ~~أريد أن أتزوجه، فهو رجل متزوج، وإن لم يكن متزوجا فلست أفكر في الزواج منه. # أنا لا أريد سوى أن أراه وأحادثه، ودفعت الباب برفق، واخترقت الدهليز الطويل الذي يقود ~~إلى حجرته، ورأيت باب حجرته مغلقا فانتابني اليأس، لكن الأمل دفعني إلى أن ms10 أدفع بابه ~~فانفتح ، وخفق قلبي بشدة كأنني مقدمة على عمل جلل، وليست مجرد زيارة قصيرة لدقائق. # ورأيته جالسا إلى مكتبه فاشتدت خفقات قلبي، ورفع رأسه من فوق الأوراق المتراكمة على ~~مكتبه، ورآني، وظل برهة قصيرة محدقا في وأنا واقفة على عتبة الباب لا أستطيع أن أدخل ~~ولا أن أخرج، كأنما شلت قدماي، ثم أفاق لنفسه، وسمعته يقول وهو يقف ويقبل نحوي باسما: ~~أهلا شوقية، اتفضلي. # وتحركت نحوه في بطء، وأنا لا أدري تماما بكياني، واقتربنا من منتصف الحجرة، ولم يكن ~~يفصلني عنه إلا خطوة واحدة، ورأيته يمد يده إلي، ورفعت يدي لأصافحه فأحسست بها ثقيلة ~~كأنها نصف مشلولة، واستقرت يدي في يده برهة قصيرة، أحسست فيها بكل عواطفي القديمة تتقد ~~فجأة، ولم أستطع ... وجدتني من حيث لا أدري بين ذراعيه وفي أحضانه، رأسي على صدره العريض، ~~وشفتاه الدافئتان تلثمان كل جزء من وجهي وشعري ... ودموعي تبلل وجهي! # وأفقت لنفسي بعد لحظة ... آه ... ما هذا الذي فعلت؟ وسحبت نفسي منه شيئا فشيئا، وابتعدت ~~عنه، وجلست على كرسي رأيته أمامي، وجلس هو إلى جواري، وقلت بعد فترة صمت في صوت ضعيف ~~ممزق: ضياء، أنا آسفة لأنني أتيت إليك اليوم، لكني تلقيت صدمة ثانية من «رءوف»، ~~و... # وقاطعني قائلا: رءوف؟ من هو رءوف؟ ~~- رجل مثل كل الرجال، عرفته صدفة بعد أيام من قراءتي لخبر زواجك، وكنت يائسة مغضبة ~~مصدومة، وكان رقيقا مهذبا لطيفا، ورحبت بصداقته ثم حبه، الحق أني لم أحبه يا ضياء، ~~لكني كنت في حاجة إلى أحد، رجل أو امرأة؛ ليسري عني، ليحدثني، ليملأ الفراغ الذي ~~خلفه فراقك في حياتي. # وكان رءوف رقيقا حنونا، وكنت في حاجة إلى الرقة والحنان، وأحبني، أو هكذا قال، ولم ~~أنفذ إلى أعماقه لأعرف هل هو صادق أم كاذب، ماذا كان يهمني من أعماقه؟ فليكن ما يكون، ~~كاذبا أو صادقا، فأنا لا أريد منه إلا أن يظهر لي الحب، أن يعاملني برفق، أن يحنو ~~علي ساعة لقائي به وكفى، لا أريد أكثر من ذلك شيئا. # لقد ms11 علمتني صدمتي فيك أن أقنع باليسير، أن أكتفي بالظاهر ولا أنبش في الأعماق، بل أهرب ~~منها حتى لا تصدمني حقيقة أخرى، وقلت لنفسي فلأحاول أن أعيش في سعادة كاذبة على أن أعيش في ~~واقع صادق مؤلم. # ولكن لم أستطع يا ضياء، لم أستطع أن أغير نفسي طويلا، سرعان ما أفقت لنفسي، أو ~~أفاق هو لنفسه، ولعله كان أيضا هاربا مثلي من صدمة، ويكتفي مني بظاهري ولا يبحث عن ~~أعماقي، أو لعله كان يريد أن ينسى بي حبا قديما كما كنت أفعل، ومثل هذه الأشياء لا تدوم ~~طويلا يا ضياء. # وكان ضياء يجلس إلى جواري، يستمع إلي وفي عينيه ألم بليغ، وأحسست بسعادة خفية ~~حينما لمحت الألم في عينيه، لم أدر لماذا؟ لكني شعرت أنه كان يحس، وأنا أتكلم، أنه ~~المسئول عما حدث وأنه سبب شقائي. # ضياء يتألم! ومن أجلي! # هذا هو ضياء كما عرفته، وكما أحببته، وهذه هي نظرة الألم في عينيه من أجلي لم تتغير ~~ولم تتبدل، كأنه لم يصدمني أبدا، كأنه لم يهجرني أبدا، كأنه لم يتزوج امرأة ~~غيري! # ولم أعاتبه، بل لم أفكر في أن أعاتبه، رغم أنني كنت أنوي ذلك في أول لقاء لي بعد ~~زواجه، لكني نسيت أنه خان عهدي، أحسست من نظرة الألم في عينيه أنه إنسان صادق، أنه لا ~~يستطيع أن يخدع أحدا، لا شك أنه أجبر على الزواج إجبارا، ولعل وراء ذلك سببا لا ~~أعرفه! # وعاد إلي حبي القديم له دفعة واحدة، ورآه في عيني، فهو يفهم نظراتي، وقلت له: ضياء، ~~إنك رجل فاضل، أفضل رجل عرفته، إنك إنسان نبيل، أنبل إنسان عرفته! # كيف قلت له ذلك؟ لم أدر! # أفضل رجل! أنبل رجل! كيف؟ هو الذي لفظني كالنواة، وتزوج امرأة غيري دون أن يطلعني ~~على الخبر! # لم أعرف كيف قلت له ذلك، لكني أحسست في عينيه الصدق، والفضيلة، والنبل، وأحسست في ~~لمسات يديه العاطفة الحقيقية، التي لا تعرف الزيف أو الكذب! # ومضى وقت الزيارة سريعا، ولم أشعر إلا وأنا أقف وأقول له: ms12 طيب يا ضياء ، أشكرك على حسن ~~استقبالك لي، وأرجو لك حياة سعيدة. # ومددت له يدي لأنصرف، وظل ممسكا بها بعض الوقت، ثم قبلها أصبعا أصبعا، كما ~~تعود أن يفعل طوال سني حبنا، وقال لي: شوقية، هل سأراك مرة ثانية؟ ~~- طبعا. ~~- متى؟ ~~- قريبا جدا. # وهممت بأن أخطو نحو الباب، لكني تذكرت شيئا فجأة فقلت له: على فكرة، ما رأيك في الزواج ~~بعد أن تزوجت؟ هل أنت راض عنه؟ # ولم يرد بسرعة، ولم يبتسم كعادته، أخذ يفكر برهة قبل أن يجيب، وأحسست من تردده ~~أنه يحاول أن يغير شيئا مما كان يريد أن يقوله، وأشفقت عليه من أن يقول ما يريد، ~~وأشفقت على نفسي من سماع ما سيقوله، فقلت له بسرعة: لا تفكر كثيرا يا ضياء، فأنا لا ~~أريد أن أسمع الرد أيا كان، سأحاول أن أراك مرة أخرى. # وخرجت مسرعة، خرجت أعدو كأنما ورائي شبح يطاردني، وواصلت عدوي حتى وصلت إلى بيتي، ~~وجريت إلى حجرتي ألهث وأغلقتها على نفسي. آه ... ما هذا الذي فعلت؟ # وتقلبت في فراشي، ثورة عارمة تجتاح نفسي، ليست ثورة على ضياء، وليست ثورة على رءوف، ~~وليست ثورة على أحد، وإنما ثورة على نفسي، وسمعت كلمة تتردد في أعماقي: كرامة! # كرامة! تلك الكلمة التي ترن فجأة في أعماقي، وتحاسبني بلا رحمة ولا شفقة ... ضياء؟ مرة ~~أخرى ضياء؟ تذهبين إليه! الرجل الذي خان عهدك؟! الرجل الذي أحبك خمس سنوات، ثم تزوج ~~امرأة أخرى في يوم وليلة؟ ثم تتهاوين بين ذراعيه، وتذرفين الدموع بين يديه، وتقولين له ~~أحبك، وتتركين له شفتيك مرة أخرى؟! # ثم تعترفين له بما كان بينك وبين رءوف؟ # ما هذا الذي فعلت؟ # وأحسست بضغط شديد في رأسي، كأنما يوشك أن ينفجر، وتقلبت في الفراش أبحث عن شيء من ~~الراحة، ووضعت الوسادة على رأسي، وضغطت عليها بكل قوتي؛ لأوقف هذا السيل المتدفق من ~~الأفكار، لكن رأسي ظل مشحونا مضغوطا. # وفجأة دق جرس التليفون، فرفعت السماعة إلى أذني في إعياء، وجاءني صوته نفسه؛ ضياء! الصوت ~~الذي كان يحدثني كل ms13 يوم خمس سنوات متتالية، كيف أنساه؟! الصوت العميق الدافئ الحاني، ~~الذي كان متهلفا دائما، كيف أنساه؟! قال بنفس صوته القديم: شوقية، أريد أن أقابلك ~~الليلة، لقد خرجت مسرعة، فلم أقل لك كل ما أريد، هل أستطيع أن أراك الليلة؟ # وسكت قليلا لأفكر، وكنت في حاجة إلى شيء يريحني من عذابي، ويخمد تلك الكلمة التي ~~تتردد في أعماقي: كرامة! تلك الكلمة القوية الطاغية التي تسحقني سحقا: كرامة! # وأردت أن أخفف رأسي من ثقله، وقلبي من لوعته، فقلت له وأنا أستعين بكل ما في نفسي من ~~شجاعة وقوة: إني آسفة يا ضياء، لا أستطيع أن أراك مرة أخرى! # ووضعت السماعة في مكانها، وعدت إلى فراشي خفيفة، كأنما فقدت نصف وزني، ووضعت رأسي على ~~الوسادة، رأس هادئ مستقر، وبحثت عن تلك الكلمة الجبارة، التي ترن في أعماقي فلم أجدها، لا ~~أدري أين اختبأت مني، وابتسمت لنفسي في زهو وانتصار وقلت: جبانة! جبانة تلك الكلمة التي ~~اسمها كرامة! # | الطريق # - لا أريد أن تحبني، أرجوك ... أنا لست فاضلة كما تظن. # قالت هذه الكلمات، وهي تجلس معه على شاطئ النيل، وتفصل بينهما مائدة صغيرة، عليها زجاجة ~~بيرة مثلجة وكوبان فارغان، وطبق مشهيات «أورديفر» كبير. # ولم يرفع عينيه إليها، مد يده إلى زجاجة البيرة، وملأ الكوبين، ثم ناولها واحدا، ~~وأخذ لنفسه الأخير، وقال وهو ينظر في عينيها، ويقرب كوبه من كوبها: «في صحتك ... وسعادتك.» ~~وصمت قليلا ثم قال: سعادتنا! # وقربت «ليلى» الكوب من شفتيها وأخذت رشفة، وسرت البيرة المثلجة في جوفها ~~الساخن فأنعشتها، وبددت شيئا من ذلك الوجوم الذي كان يملأ نفسها، والتفتت ناحية ~~النيل وهامت نظراتها الشاردة على صفحته السوداء الرقيقة، وهي تمر بين صفين طويلين ~~متقطعين من النور الأخضر الفاتح؛ صف فوقها ثابت واضح، وصف تحتها يهتز ويتعرج ~~كلما هبت نسمة رقيقة، وتمطت، وتنفست، وابتسمت، ثم قالت: إنني أحب الليل. # قال وهو ينظر في عينيها: وأنا أحبك أنت! # وضحكت، ومالت برأسها إلى الوراء، وعاد يقول لها: أهكذا أصبح الحب عندك مهزلة؟ # وضحكت مرة ثانية، حتى ms14 دمعت عيناها، وكساهما بريق شديد جعلهما يشعان في الليل كفصين ~~من الماس. # وشاركها الضحك، وهو يقاوم في نفسه رغبة، لو أطاعها لقام من مكانه، وذهب إليها، حيث تجلس ~~وأخذ رأسها الصغير بين يديه، وقبل كل جزء في وجهها، حتى عينيها. وبعد فترة صمت ~~طويلة قالت له، وهي تثبت فصيها الماسيين في مكر: وماذا أصبح الحب عندك بعد حياتك ~~العريضة المليئة بالتجارب؟ # وشردت نظراته بعيدا في الليل، وهو يداعب شفته السفلى بأسنانه، وتعبث أصابعه ~~الطويلة بشعر رأسه القصير، ثم قال بعد فترة وهو ينظر إليها نظرة عميقة جادة نفذت إلى ~~أعماقها: أصبح كل شيء. ~~- تعني أنني كل شيء لك الآن؟ ~~- بكل تأكيد. ~~- إذن فأنت تعرض علي الزواج. ~~- بكل تأكيد. ~~- هل أنت جاد؟ ~~- كل الجد. ~~- أنت رجل جريء جدا. ~~- لماذا؟ إن معظم الرجال يتزوجون! ~~- إن الرجل الغبي هو الذي يتزوج، والرجل الذكي يتزوج في لحظة غباء! # وضحك، وفرد جسمه الطويل في استرخاء، وأسند رأسه إلى ظهر الكرسي، ثم قال بعد فترة صمت ~~قصيرة، وهو معلق بصره إلى السماء: ماذا كنت تقصدين بأنك لست فاضلة؟ ~~- أنني لست فاضلة. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- إنني لا أومن بالحب. إن الحب هو الفضيلة الوحيدة في هذه الحياة، ولكن الرجل والمرأة ~~لا يلتقيان أبدا عند هذه الفضيلة. ~~- كيف؟ ~~- المرأة التي تؤمن بالحب تقابل رجلا لا يؤمن بالحب. وحينما يؤمن الرجل بالحب يقابل ~~امرأة لا تؤمن بالحب. ~~- لماذا؟ ~~- لأن المرأة تبدأ الطريق وهي مؤمنة بالحب، ثم تفقد هذه الفضيلة في نهاية الطريق، ~~والرجل بالعكس، يبدأ بلا فضيلة، ثم يجدها في نهاية الطريق. ~~- وكيف يكون اللقاء بينهما إذن؟ # وتوقفت أناملها عن دق المائدة، وحولت عينيها عن السماء إلى الماء، وظلت تنظر في ~~البحر الغارق في الظلام فترة، ثم قالت: حينما تقابل امرأة في أول الطريق رجلا في نهاية ~~الطريق، يصبح الاثنان واحدا ويتزوجان. وحينما تقابل امرأة في نهاية الطريق رجلا في أول ~~الطريق، يبقى الاثنان اثنين، وقد يتزوجان وقد لا يتزوجان. وحينما تقابل امرأة في أول ~~الطريق رجلا في أول الطريق، ms15 يصبح الاثنان ثلاثة ولا يتزوجان. ~~- وحينما تقابل امرأة في نهاية الطريق رجلا في نهاية الطريق أيضا ماذا يفعلان؟ # وسكتت لتفكر، وثبتت عينيها على كوب البيرة المثلجة، وقد تكثفت عليه قطرات صغيرة من ~~الماء، وأمسكت الكوب، وأخذت رشفة، ثم نظرت إليه، وابتسمت، ثم قالت: يشربان البيرة ~~فقط! # وطافت نظراته على صفحة النيل الهادئة، وقال وهو يمسك ذقنه بيده: وما طول هذا ~~الطريق؟ ~~- ليس له طول ثابت، قد يكون سنة واحدة، وقد يكون عشرين سنة، وقد يكون العمر كله! # ونظر إليها في مكر وقال: وكم كان طول طريقك؟ ~~- ست سنوات. وأنت؟ ~~- لا أعرف، إنني لست فاضلا بعد! # وضحكت في مرح، وشاركها الضحك، ورفع كل منهما كوبه إلى فمه. # ثم قالت وما زالت الابتسامة تضيء وجهها: إذن فقد سبقتك. ~~- إنني أحب المرأة التي تسبقني. ~~- حتى ولو كانت غير فاضلة؟ ~~- إنني أحب المرأة التي تقول عن نفسها إنها ليست فاضلة! ~~- ولكني لا أقول فحسب، إنني فعلا كذلك. ~~- هذه الصراحة تعجبني. ~~- ولكنها ليست صراحة، إنها الحقيقة المرة! ~~- ولماذا مرة؟! إنني أحس في هذه اللحظة أنك أفضل نساء العالم! ~~- أوه! عجيب هذا المخلوق الذي اسمه رجل! حينما تقول له المرأة إنها فاضلة لا يصدقها ~~أيضا! ~~- لأن المرأة تقول دائما عكس ما بها. ~~- لكني لا أشارك النساء هذه الصفة، أقسم لك إنني لست فاضلة، أرجوك صدقني! ~~- لا أستطيع أن أصدقك! ~~- لماذا؟ ~~- إن امرأة مثلك لا يمكن إلا أن تكون فاضلة! ~~- بل لأن الحقيقة إذا صدرت من صاحبها لا يصدقها الناس. # ووضع سيجارتين بين شفتيه، وأشعلهما وناولها إحداهما، وأخذ كل منهما ينفث دخانه في ~~الهواء صامتا شاردا، ثم مزق السكون صوته العميق الهادئ: ماذا قلت؟ ~~- عن أي شيء؟ ~~- عن الزواج. ~~- أي زواج؟ ~~- زواجنا! ~~- ولماذا تريد أن تتزوجني؟ ~~- لأنني أحبك! ~~- وهل الحب عندك يعني الزواج؟ # واعتدل على كرسيه وارتسمت على وجهه أمارات الجد الصارم وقال: لا، لا، لا، الحب شيء ضخم ~~جدا، والزواج شيء تافه جدا، ولكن لا غنى للشيء الضخم عن الشيء التافه، الحب بلا زواج ~~يعيش، يعيش ms16 بقوة، ويموت بقوة ، شهادة وفاة واحدة تقضي عليه، ولكن الحب مع الزواج لا يموت، ~~شهادة ميلاد واحدة تضمن له الحياة أبدا. ~~- تقصد الولد؟! ~~- إنه سر الحياة! ~~- لم يعد سرا ما دمت قد بحت به. # وضحكا، وقال وهو ينظر إلى أسنانها: إنني أحب ضحكتك، كأنما أرى فيها الدنيا بشمسها ~~وقمرها، وهوائها، ومائها، ونهارها، وليلها، ودفئها وبردها. إنك تعبرين عن الحياة تعبيرا ~~صادقا، بهذه الضحكة الطبيعية السهلة، إنني أحب الحياة حينما تضحكين. ~~- بدأت أظن أنك ستنظم شعرا في يوم ما! ~~- ربما! ~~- إذن فأنت تغريني على عدم قبول الزواج. ~~- لماذا؟ ~~- لأن الشاعر يقع في حب كل النساء ما عدا زوجته. ~~- الشاعر فقط؟ # وضحكت، ومالت برأسها إلى الوراء، وأخذ يدها من فوق المائدة، وقربها من شفتيه، وقبلها ~~ثم قال: هل وافقت؟ ~~- هل وافقت أنت؟ ~~- على أي شيء؟ ~~- على نقائصي؟ ~~- كل منا له نقائصه. ~~- ولكني لا أومن بالحب. # ونظرت إليه وسحبت يدها من يده، ثم قالت: ولكني قد أمل الحياة معك؛ فأنا بطبعي سريعة ~~الملل. ~~- لن تملي معي الحياة أبدا. ~~- إنك مغرور جدا. ~~- لست مغرورا، ولكنها الحقيقة التي لا يصدقها الناس إذا صدرت من صاحبها. # وضحكت، ثم قالت وهي تثبت فصيها الماسيين في عينيه: بل إنها الكذبة التي أصدقها، أو ~~التي أريد أن أصدقها. # وضحكا، وأخذ يديها الصغيرتين في يديه، وقبلهما، وقال لها في صوته العميق الدافئ: يا ~~زوجتي العزيزة ... # ونظرت إليه في دهشة، وقالت: بهذه السرعة؟! # قال وهو ينهض واقفا: أي سرعة؟! # لقد ضيعنا وقتا طويلا في الطريق! # | الكوافير سوسو # كانت أصابعه الخشنة بعظامها العريضة البارزة، وجلدها الأسمر الجاف، تبدو نشازا بين ~~خصلات الشعر الذهبي الناعم، تجمع بعضها وتفرق بعضها، تلف بعضها وتفك بعضها، تنتقل في ~~سهولة ويسر بحركات فنية خفيفة، رغم شكلها الغليظ الثقيل، الذي يوحي للرائي، أنها لم ~~تخلق لتمسك مشطا أو دبوسا، وإنما لتقبض على فأس أو ساطور. # والشعر الذهبي بينها طيع مستكين، ينهدل تارة وينتصب تارة، يتفرق ويتجمع، وينثني ~~وينفرد ... حتى يتخذ في النهاية شكلا أخيرا، وكأنه أصبح شعرا غير ms17 الشعر، فيه ~~تموجات جديدة، بعضها يذهب إلى اليسار وبعضها ينحرف إلى اليمين، فيه خصلة بيضاء، وخصلة ~~رمادية، وخصلة كستنائية. # وتتقلص الأصابع الغليظة متكورة محترسة تسويه من بعيد، وتتحسس الشعرات الرفيعة ~~النافرة، تضمها إلى أخواتها وتعيد بلمساتها الخفيفة، نظرة واثنتين وثلاثا على الشكل ~~الأخير، مرة من بعيد، ومرة من قريب، من اليمين ومن الشمال ومن الخلف ومن الأمام، حتى ~~تطمئن اطمئنانا كاملا، فترتخي عضلاتها وتبعد مستريحة راضية هانئة. # كانت هذه الأصابع الغليظة هي كل شيء في حياة سعيد أو سوسو، كما كتب على لافتة محله، ~~وكما تناديه الأصوات الرفيعة الناعمة، يفكر بأصابعه، وينظر بأصابعه، ويشتم بأصابعه، ~~ويعيش بأصابعه ... # لكنه اليوم بدأ يحس أن له رأسا فوق عنقه، تثقله أفكار كثيرة. # سوسو! # أخذ الاسم يدق في رأسه كمطرقة حادة، بينما راحت أصابعه السميكة تسبح في رشاقة، بين ~~خصلات الشعر الناعم. # سوسو! # وقلب شفتيه امتعاضا، وهو يراجع اسمه بينه وبين نفسه، ما الذي جعله يسمي نفسه ~~سوسو؟! # ونظر إلى المرآة فرأى صدره يغطيه شعر أسود كثيف، وتأمل قامته الطويلة العريضة، ~~وهبطت نظراته إلى يديه، فرأى أصابعه الغليظة، وهي تنتقل بغير وعي بين خصلات الشعر. غريبة! ~~كيف سمى نفسه سوسو؟! أو سمح لنفسه أن يسمي هذه الجثة الضخمة المغطاة بالشعر سوسو؟! ~~لماذا لم يسم نفسه طرزان أو ضرغاما، أو أي اسم من تلك الأسماء المذكرة الخشنة، التي ~~تليق برجولته، وتجبر الناس على احترامها؟ # نظر إلى المرآة ثانية، يتفقد نفسه؛ ليكتشف أي شيء فيها يشبه سوسو. # ولم يجد شيئا إلا ذلك القميص المشجر، الذي يبدو شاذا على صدره العريض المشعر. # وأحس بالدماء تغلي في رأسه، وود لو خلع هذا القميص أو مزقه، وشطب اسم سوسو من ~~اللافتة. ~~- أوه! حاسب شوية يا سوسو، المكوة لسعتني! # صاحت صاحبة الشعر الأسود الداكن، بعد أن مست المكوة في يد سوسو الثائرة طرف ~~أذنها. # لسعة خفيفة، أصابت جسمها بشيء من الانتشاء، فعادت تتأوه من جديد، وهي تنظر إلى سوسو ~~نظرة نداء مكتوم صارخ، وقالت في ميوعة أنثوية: أوه! مش تحاسب ms18 علي يا سوسو ! # ولم يرد عليها سوسو، لم يجد في نفسه رغبة للرد على هذا النداء المكتوم، كما كان يفعل ~~دائما، ويقول لها في ميوعة مذكرة: بعد الشر عنك، انشالله يا مدام أنا اللي أتلسع! # ويتعمد أن يلسعها مرة أخرى لسعة خفيفة، لتنتفض على كرسيها، وتنتشي أكثر وأكثر وتتأوه ~~أكثر وأكثر. # كان يعلم أن أنوثتها الصائحة في المجتمع المحروم، في حاجة إلى شيء من هذه الأشياء ~~الصغيرة؛ لسعة خفيفة بالمكوة، قرصة في الذراع، نظرة اشتهاء خفيفة، شدة شعر مقصودة. # هذه الأشياء الصغيرة المباحة في المجتمع، التي تنفس بها النساء عن ضغط غرائزهن، أشياء ~~صغيرة لا يطلق عنها المجتمع الإشاعات، ويرضاها الأزواج كل الرضا، ما دامت الزوجة ~~ستصفف شعرها كما تفعل كل النساء. إن المجتمع لا يرضى عن الشذوذ أيا كان، حتى ولو كان ~~شذوذا فاضلا، ويرضى عن المعتاد حتى ولو كان خاطئا. # ثم إن هذه الأشياء الصغيرة، تحدث داخل صالون الكوافير سوسو، وسوسو هذا لا يثير غيرة ~~الأزواج، يكفي أن اسمه سوسو، وأنه يلبس قميصا مشجرا، إنهم لا يعتبرونه رجلا. # إن المجتمع ينظر إلى الكوافير سوسو على أنه امرأة لها شنب! # ووضع سوسو المكوة على النار، وراح ينظر إليها وهي تلتهب وتحمر، وتذكر حادثة اليوم ~~التي قلبت يومه إلى جحيم أشد نارا من هذه النار التي يراها بعينيه. لقد قضى ست سنوات أو ~~أكثر، وهو يصفف شعور النساء، دون أن يشعر بأي خزي أو عار، وظل اسمه سوسو معلقا على ~~لافتة محله سنوات وسنوات، والنساء ينادينه سوسو، ولا شيء في ذلك يمس رجولته. وماذا كان ~~يعنيه من تلك الكلمة الجوفاء الفارغة «رجولته»، ما دام يكسب في اليوم عشرين جنيها تقريبا، ~~وله رصيد ضخم في البنك، يزيد عن رصيد أي بيه محترم؟ ثم إنه في النهاية يعود إلى زوجته؛ ~~ليثبت لها كل ليلة أنه رجل. # لكن حادثة اليوم هي التي أصابت رجولته في الصميم. كان ذاهبا في الصباح إلى محله ليفتحه ~~ويبدأ عمله اليومي، حينما قابله في الطريق رجل يعرفه، وهو ms19 صاحب البقالة الجديدة ، الكائنة ~~بجوار محله، ووقف الرجل يتأمل القميص المشجر، ثم قال في ميوعة وهو يربت على كتفه، كأنه ~~يربت على كتف امرأة: إزيك يا سوسو! يا حنتوسو! # ولم يعرف لماذا غلى الدم في عروقه في تلك اللحظة! لقد ظلت النساء ست سنوات كاملة ~~ينادينه سوسو ويربتن على كتفه، لكنه لم يشعر في أي لحظة أنهن يعاملنه كامرأة، ~~وبالعكس كن يشعرنه برجولته دائما، ولكن هذا الرجل الصفيق يناديه سوسو، ويعامله ~~كامرأة. # وانتبه سوسو من حمية الصراع في رأسه، على ذراع ناعمة بضة، تلتف حول عنقه وصوت ناعم ~~يهمس في أذنه: صباح الخير يا سوسو، اديني ميعاد عشان تعمللي شعري، أجيلك امتى؟ # ونظر إليها سوسو في استغراب! إنها تلصق جسمها بجسمه، بشكل يلفت النظر، ولكن كل ~~النساء داخل المحل لا يلتفتن؛ إن ذلك شيء عادي جدا عند الكوافير سوسو في نظر المجتمع، ~~وشيء غير عادي جدا في حجرة تضم رجلا وامرأة متحابين! # وقال سوسو في تأدب: بعد ساعة يا مدام. # ونظرت إليه شزرا وقرصته في أذنه، وقالت وهي تتأوه: هئ ... مالك النهاردة كدة واخدها جد ~~قوي؟ هئ ... هئ ... # وانطلقت حناجر النساء تقول جماعة: ... هئ ... هئ ... مش عارفة سوسو ماله النهاردة؟ مبوز كدة ~~ليه؟ شايل طاجن سته، الواد جد خالص، آل يعني ... ما تتعدل يا واد يا سوسو وللا أجيلك، وانت ~~عارف أنا باعمل لك إيه! ~~- إيه؟ بتعمليلو إيه يا روحية؟ ~~- هئ هئ هئ ... هو عارف، ده سر بيني وبينه. ~~- هئ ... لازم بتقرصيه، أصله واد مضروب بيموت في القرص! # قرص! # نفذت الكلمة من أذنه إلى رأسه كطلقة المسدس. إن النساء تعودن أن يقرصنه من ذراعه، ومن ~~رقبته، ومن أذنه! كيف سمح لهن بذلك؟ كيف ترك جسمه نهبا لأصابعهن النهمة ~~الجائعة؟ # وأحس سوسو بمرارة في حلقه، تشبه المرارة التي تحس بها المرأة التي تترك جسدها نهبا ~~لجوع الرجال، يعبثون به كيف شاءوا وأنى شاءوا. # إلى هنا لم يحتمل سوسو مزيدا من الأفكار والهواجس، إلى هنا بلغت أعماقه قمة التوتر، ~~فانفجر في النساء ms20 كالضرغام: بس! مش عاوز كلام ولا هأهأة، إنتم إيه؟ جايين تعملوا شعركم وللا ~~جايين ... # ولم يكمل، كان على وشك أن ينطق بكلمة نابية، فأمسك نفسه بصعوبة، والعرق الغزير يتصبب ~~من رأسه ورقبته، ونظرت إليه النساء فاغرات أفواههن، مشدوهات، وساد بينهن الصمت لحظة، ثم ~~أفقن مفزوعات على شكله الغريب الثائر. ~~- هو جرى له إيه؟ ~~- يا نهار اسود باين عليه اتجنن! ~~- اتجنن؟ ~~- اتجنن؟ # واندفعت النساء مذعورات خارج المحل بشعورهن المنكوشة، وكأن ماردا يطاردهن. # وجلس سوسو في المحل الخالي ورأسه بين يديه، ومن حين إلى حين يرفع رأسه، وينظر إلى ~~شعر صدره العريض في المرآة، ثم إلى أصابع يديه الغليظة الخشنة، ويهتف لنفسه بصوت مكتوم: ~~أنا راجل، أنا ضرغام، أنا سبع! # وبعد أيام قليلة، كانت اللافتة المكتوب عليها «كوافير سوسو» قد اختفت، وظهر مكانها ~~لافتة أخرى خشنة كتب عليها: «جزارة سعيد الضبع»! # | لن تجديه يا ليلى # الشخصيات # أسامة محمود: # مهندس ناجح، في الخامسة والثلاثين من عمره. # ليلى زوجته: # مدرسة لغة عربية، في الثلاثين من عمرها. # المنظر ~~(صالة أنيقة في منزل المهندس أسامة محمود، يجلس أسامة على أحد الكراسي الكبيرة، يبدو ~~عليه الشرود والتفكير العميق، يمسك رأسه بين يديه، تدخل زوجته ليلى ومعها حقيبة، وقد ~~ارتدت ملابس الخروج، وحينما يسمع وقع قدميها يرفع رأسه، ويقول لها بصوت حزين): # أسامة ~~: # هل أنت جادة فيما قلت؟ # ليلى ~~: # ألم نتفق على كل شيء؟ وكتبت لك تنازلا عن كل شيء؟ # أسامة ~~: # ولكن بقي شيء لم نتفق عليه بعد! # ليلى ~~: # ما هو؟ # أسامة ~~: # الجنين. # ليلى ~~(ساخرة) ~~: # الجنين! إنه داخلي أنا بكل أسف، وأنا حرة فيه، أبقيه أو لا أبقيه! # أسامة ~~(غاضبا) ~~: # أنا أبوه ومن حقي أن أمنعك. ~~(ليلى تنظر إليه ولا ترد.) # أسامة ~~(مستعطفا) ~~: # ليلى، اسمعيني، لا تكوني حمقاء، إنك لا تحبينني ولا تريدين الحياة معي، هذا ~~من شأنك، ولكن هذا الطفل ابني أنا. # ليلى ~~: # ولكن ألا ترى أنه من الأصلح لثلاثتنا، أنا وأنت والطفل، ألا يولد الطفل ~~أبدا؟ كيف تكون حياته حينما يكبر ويعلم أن أمه وأباه لا ms21 يعيشان معا؟ # أسامة ~~: # ولماذا أمه وأبوه لا يعيشان معا؟ # ليلى ~~: # لأن أباه لا يفهم أمه. # أسامة ~~: # ولكنه يحبها! # ليلى ~~: # إنه يحب نفسه. # أسامة ~~: # ألأنني أريد أن أوفر لك الراحة؟ ماذا تأخذين من هذا الجري والتعب كل يوم؟ ~~عشرين جنيها كل شهر؟ سأعطيك هذه العشرين جنيها في يدك كل شهر، ولا داعي ~~أبدا لأن تكون زوجتي موظفة حكومية، تلهث وراء الأتوبيس كل صباح. # ليلى ~~: # إنك لا تفهمني، أنا لا أعمل من أجل العشرين جنيها، إنني أحب عملي. # أسامة ~~: # عملك؟ إن عملك الأساسي في الحياة هو بيتك، هو زوجك، هو أنا! # ليلى ~~: # أنت؟ # أسامة ~~: # نعم أنا! ألا أكفيك؟! # ليلى ~~: # ولكنك لا تحقق ذاتي، إنك تحقق ذاتك أنت، وما أنا إلا وعاء يحمل ~~أطفالك، الذين تسميهم باسمك، ويصنع أكلك الذي تهضمه وتحوله إلى فضلات، ~~إنني أعيش من أجل وجودك. إن وجودي أنا لا وجود له. # أسامة ~~: # كيف ذلك؟ أنت زوجتي، حرم المهندس أسامة محمود! # ليلى ~~: # حرم المهندس أسامة محمود! حتى اسمي تلغيه وتضع اسمك على غلافي، يا لك من ~~أناني! ~~(ثائرة) # لا أريد هذا، لا أريد هذه ~~الحياة، لست في حاجة إليها، أستطيع أن أعيش وحدي، وأنفق على نفسي، صحيح أنه لن ~~يكون بيتا كبيرا كهذا، ولكنه سيكون بيتي أنا، أضع عليه اسمي: «ليلى صادق»، ~~سيكون بيتا صغيرا بسيطا، ولكني سأحبه؛ لأنه سيكون ملكي، وسأعيش فيه كما ~~أريد. سأكون حرة، لست تابعة لأحد، سأحقق ذاتي، وأشعر بفرديتي، ويمكنني أن ~~أستأجر «خادمة» صغيرة، تغسل ملابسي وتصنع طعامي، وتقوم مقام الزوجة - كما يراها ~~الرجال - وتتولى هذه الأعمال التافهة الجامدة، التي لا يمكن لأي إنسان ذكي ~~أن يجعلها حياته. # أسامة ~~: # لقد أفسدك التعليم والعمل، لو لم تتعلمي وتتوظفي، لما كان في إمكانك أن ~~تتركي هذا البيت، ولعشت معي راضية قانعة. لا يمكن أن تسير الحياة وقد أصبحت ~~النساء رجالا. # ليلى ~~(ساخرة) ~~: # النساء رجالا! ومن قال إن المرأة تصبح رجلا إذا تعلمت، وعملت وأصبحت ~~إنسانا له كيانه واسمه؟ هل خلقت المرأة لتطبخ وتغسل؟ # أسامة ~~: # خلقت لتكون أما. ms22 الرجل لا يمكنه أن يلد أو يرضع الأطفال. إن الطبيعة ~~خلقت للمرأة رحما ليحمل داخله الجنين، وخلقت لها ثديين ليرضع منهما. لماذا ~~لا تحاكمين الطبيعة لأنها خلقتك امرأة ولم تخلقك رجلا؟ # ليلى ~~: # إنني لا أريد أن أكون رجلا؛ لقد خلقت امرأة ولا أشعر بأي نقص في طبيعتي. ~~إن الرجل هو الذي أدخل في نفس المرأة أنها أقل منه، وأضعف منه، وقال لها إن في ~~داخلك رحما، والطبيعة أرادت هذا النقص فيك. ولكن الطبيعة بريئة، هذا الاختلاف ~~لا يعني أن المرأة أضعف من الرجل، وأقل منه، وأن له الحق في أن يفرض عليها ~~سيطرته وحمايته. الطبيعة تنطق بأن المرأة إنسان كالرجل، لها رأس مثل رأسه، ومخ ~~مثل مخه، ويدان مثل يديه، ورجلان مثل رجليه، وكتفان مثل كتفيه، وقلب مثل قلبه، ~~وكبد مثل كبده. وإن الحمل والولاة وظيفة واحدة من وظائف كثيرة، يقوم بها جسم ~~المرأة. لماذا تتهم المرأة بالضعف، حينما يخرج رحمها محتواه، ولا تتهم ~~الرجل بالضعف، حينما تخرج أمعاؤه محتوياتها مثلا؟ إن الفلاحة تلد طفلها في ~~العراء، وتضعه على رأسها في القفة، وتواصل عملها في الحقل، تماما كما ينتحي ~~زوجها وراء شجرة ليقضي حاجته، ثم يعود إلى مواصلة عمله. لماذا إذن يستعبد ~~الرجل المرأة، ويلغي ذاتها لتصبح تابعة له طول العمر؟ # أسامة ~~: # إن منطقك عجيب! لم أسمع في حياتي امرأة تتكلم كما تتكلمين. إن المرأة ~~ضعيفة، حتى ولو لم تحمل وتلد، إنها امرأة. جسمها ضعيف، وعواطفها متقلبة تطغى ~~على تفكيرها، إغراؤها سهل. إنها في حاجة إلى رجل يقودها، إلى رجل تتبعه، ومن ~~تتبع المرأة إذا لم تتبع رجلها؟ # ليلى ~~: # وهل لا بد للمرأة أن تكون تابعة لأحد؟ ألا يمكن أن تكون مستقلة؟ إن منطقك ~~يشبه منطق الإنجليز حينما احتلوا مصر، قالوا إنها ضعيفة وتحتاج إلى حماية، ~~ولكن حمايتها ضد من، وهم الذين يعتدون عليها؟ حمايتها ضد أنفسهم؟ إن المرأة ~~ليست ضعيفة كما تقول، عواطفها لا تغلب تفكيرها، وإغراؤها ليس سهلا. إن المرأة ~~تعرف كيف تحكم عواطفها وغرائزها طوال حياتها. بعض ms23 النساء يعشن في عذرية ~~دائمة ولا يتكلمن، وبعض النساء يطوين قلوبهن على مشاعر لا تجد طريقا إلى ~~النور، والمرأة تقاوم الرجل دائما، والرجل يلهث وراء المرأة دائما، وتقول إن ~~المرأة ضعيفة لأن إغراءها سهل! ما بالك إذن بالرجل الذي في غير حاجة إلى ~~إغراء على الإطلاق! إن الرجل هو الذي في حاجة إلى حماية! # أسامة ~~: # ولكن القوانين كلها تفرض حماية الرجل للمرأة؛ فهو الذي يختارها، وهو الذي ~~يتزوجها، وهو الذي يطلقها، وهو الوصي عليها لا يمكن أن تخالفه. هذه ~~هي القوانين التي وضعتها الطبيعة، وتسير عليها كل النساء. # ليلى ~~: # الطبيعة لم تضع قوانين، الرجل هو الذي شرعها كما يهوى، هو الذي شرع ~~سيادته. # أسامة ~~: # ولكن المرأة تحب من الرجل أن يكون سيدها، إنها تعشق وضعها عند ~~قدميه. # ليلى ~~: # المرأة لا تعشق ذلك، لقد ربوها على أن الرجل هو السيد، ولقنوها وهي ~~طفلة أنها أقل من أخيها الولد، وأن أمها أقل من أبيها، وقتلوا شخصيتها، ~~وفرديتها، وأعدوها لمتعة الرجال! ماذا تنتظر من امرأة تتربى هذه التربية ~~غير أن تتزين وتتعطر، وتدلك ساقيها، وتزحف إلى قدمي الرجل؟ # أسامة ~~: # إن المرأة الطبيعية هي التي تفعل ذلك. ما قيمة المرأة في الحياة، إذا لم تجذب ~~الرجل إليها؟ وما قيمتها إذا لم تتزين وتتعطر؟ أم أنك تريدين أن يتزين ~~الرجل للمرأة؟ # ليلى ~~: # وهل من الضروري أن يتزين أحدهما؟ لماذا لا يكون كل منهما على طبيعته؟ لا ~~أدري لماذا تضع المرأة على وجهها تلك المساحيق البيضاء، والحمراء، والخضراء! ~~إنها تفسد ملامح الوجه، وتخفي لون البشرة الطبيعي الذي يعكس النفس والروح. ~~إنني أرى وجوه النساء في الشارع، فيخيل إلي أنه وجه واحد مكرر، كلهن ~~متشابهات، كأنهن يلبسن وجوها صناعية في حفلة تنكرية! إنني لا أنتمي إلى ~~هؤلاء النساء، أنا لست منهن! # أسامة ~~: # بالطبع لست منهن؛ فأنت لست امرأة، ولكن إذا لم تكوني امرأة فماذا تكونين ... ~~رجلا؟ # ليلى ~~: # لست رجلا، ولست امرأة، كتلك التي تسميها أنت امرأة، إنني لا أعترف ~~بتسميتك؛ لأنني امرأة في أعماقي، ولكني من نوع ms24 لا تعرفه، ولا تستطيع أن تعرفه؛ ~~إنه يبدو لك غريبا شاذا كأنه جنس ثالث. # أسامة ~~: # امرأة! إنني لم أر في حياتي امرأة ولا رجلا مسترجلا مثلك، وبالطبع الرجل ~~هو الذي يحكم على أنوثة المرأة. # ليلى ~~(ساخرة) ~~: # أعتقد أن أمامك خمسين سنة من القراءة والفهم، حتى تتمكن من أن تحكم على ~~أنوثتي وتفهمها. # أسامة ~~: # ها ... ها ... من قال إن الأنوثة في الكتب؟ إنها إحساس فطري، يشعر به الرجل نحو ~~المرأة. # ليلى ~~: # كل إحساس فطري يحتاج إلى التهذيب، والدراسة والتطور. إن الرجل الذي يعيش في ~~الغابة، يفهم أنوثة المرأة فهما، يختلف عن الرجل الذي يعيش في نيويورك. إن ~~الأنوثة منذ خمسين عاما، كانت تختلف تماما عن الأنوثة في هذه الأيام، ثم دعني ~~أسألك أولا: ما هي الأنوثة؟ # أسامة ~~: # الأنوثة هي الجمال. # ليلى ~~: # الجمال! أي جمال؟ # أسامة ~~: # جمال المرأة. # ليلى ~~: # أي شيء في المرأة؟ # أسامة ~~: # جسمها، ووجهها ... # ليلى ~~: # جسمها ووجهها! هل هذا هو الجمال؟ إن جسم المرأة ووجهها ليسا إلا جلدها ~~الخارجي، تستطيع أن تغيره كالحرباء، مرة خضراء على العشب، وأخرى صفراء على ~~الرمال. إن الجمال في رأيك يوجد في علب أنيقة في الصيدليات، ومحلات ~~الخردوات، ويستورد لنا من ماكس فاكتور وكريستيان ديور... # أسامة ~~: # أين يوجد الجمال إذن؟ # ليلى ~~: # تحت الجلد، في الدم، الدم يجري في كل كيان المرأة، ويغذي قلبها ومخها. الدم ~~يرسم روح الجسم، ويحدد تعبيره وأحاسيسه، ومفاهيمه، وملامحه ... # أسامة ~~: # وإذا كانت الملامح قبيحة؟ # ليلى ~~: # القبح ليس في الملامح، القبح في الدم. تصور امرأة عيناها واسعتان ~~براقتان، ولكن نظراتها تشع الكراهية أو الغيرة أو التكلف أو البرود، هل ~~تقول إن عينيها جميلتان؟ إن جمال العينين يكمن في جمال النظرة، النظرة التي ~~تعبر عن المعنى الجميل؛ كالحنان، أو الحب، أو الرقة، أو التسامح ... النظرة ~~الدافئة الطبيعية التي تشعرك أنك أمام عينين نابضتين بالحياة يجري فيهما دم ~~ينفعل ويتأثر ويعكس صور الحياة كلها، وليستا عينين متشنجتين تروحان ~~وتجيئان كقطعتي زجاج. # أسامة ~~: # الواقع أنني لم أدرس علم النفس، ولا علم الأرواح، إنني أحكم على ms25 الناس ~~بمظهرهم، ليس لدي وقت لأن أغوص في الأعماق، إني أضيع حياتي لو أنني فعلت ~~ذلك. # ليلى ~~: # بل إنك تضيع حياتك؛ لأنك لا تفعل ذلك. # أسامة ~~: # اسمعي يا ليلى، لقد ضقت ذرعا بهذه المناقشة، إنني أحبك لكنك تعملين على ~~القضاء على هذا الحب. # ليلى ~~: # حب؟ إنك لم تحبني قط! لقد أحببت امرأة غيري تلبس جلدي. # أسامة ~~: # أنا لا أفهم هذه الألغاز، أنا رجل مهندس، لا أفهم إلا في الهندسة، ولكني لا ~~أمانع في أن تكون هوايتك اعتناق هذه الألغاز، على ألا تتعدى حدود النظريات، ~~أتعرفين؟ لا تتعدى الكلام. والآن ماذا تنوين عمله؟ هل ما زلت مصرة على ~~الطلاق؟ # ليلى ~~: # طلاق؟ تلك الورقة التي يكتبها المأذون لنصبح غرباء! ولكن ألم تشعر أننا كنا ~~غرباء، ونحن في سرير واحد؟ # أسامة ~~(يشير إلى بطنها) ~~: # ولكن هذا الجنين يشهد على أننا لم نكن غرباء. # ليلى ~~: # الجنين لا يشهد على شيء إلا على الزواج، إنني أحس أنه ليس طفلي. # أسامة ~~: # ليس طفلك؟ ماذا تقولين؟ # ليلى ~~: # لست إلا وعاء يحمله ويغذيه، إنه قطعة غريبة عني! # أسامة ~~: # لقد فقدت عقلك بلا شك، أنت في حاجة إلى طبيب. ~~(ليلى تمسك رأسها بين يديها وتنتحب، أسامة يقترب منها ببطء ~~ويضع يده على كتفها، ليلى تستمر في النشيج.) # أسامة ~~: # ليلى ... ليلى، ما الذي أصابك هذا الصباح؟ لم كل هذه الثرثرة؟ لأنني طلبت منك ~~أن تتركي العمل؟ كفى، كفى، لا تبكي، اذهبي إلى العمل، ولا داعي لكل هذه ~~الثرثرة. # ليلى ~~(ترفع رأسها وتنظر إليه في دهشة) ~~: # ولكنني ... # أسامة ~~(ساخرا) ~~: # لا تحبينني! ولكنني أحبك. # ليلى ~~: # كيف؟ # أسامة ~~: # إنني أحبك ولا أطلب منك أن تحبيني، ويكفيني أنك لا تحبين أحدا غيري. # ليلى ~~: # ولكني قد أحب أحدا غيرك. # أسامة ~~: # لا أظن. # ليلى ~~: # لماذا؟ # أسامة ~~: # لأنك لن تجديه، لن تجديه يا ليلى. ~~(يقترب منها، ويأخذ الحقيبة من جوارها، ويتجه إلى داخل البيت. ~~تبقى ليلى وحدها في الصالة، تضع رأسها بين يديها وتبكي.) ~~(يسدل الستار.) # | ليست عذراء # أقفل الحاج بدوي دكانه بالقفل، ونفض يده من التراب، ms26 ثم أدخلها في جيبه، وأخرج قرن قرنفل ~~وضعه تحت ضرسه، الذي يؤلمه من ثلاثة أيام، ولم يخرج ورقة النشوق كعادته؛ ليشم ويعطس؛ ~~فقد كان مهموما حزينا، نفسه مصدودة عن النشوق وعن كل شيء. # حتى إنه حينما مر في طريقه على قهوة بيومي، التي يجلس عليها كل ليلة مع الحاج محمد؛ ~~ليشرب الجوزة ويدردش، ويراقب الست حمدية، وهي تجلس وراء الشيش الموارب، وعلى رأسها المنديل ~~الحرير الأحمر، الذي يلتهم حاجبها الأيمن، ويترك حاجبها الأيسر متدليا على عينيها العسلية ~~المنكسرة. # لم يستطع الحاج بدوي أن يعرج على القهوة، ولا حتى أن يلتفت إليها، بل مر من بعيد ~~وهو يكبس عمامته على رأسه لتخفي جبهته، إنه لا يريد أن يراه أحد، ولا أن يرى هو أحدا، ~~يكفيه ما سمعه من الناس، الذين ليس لهم عمل منذ ثلاثة أيام إلا الحديث عن الحاج بدوي، وشرف ~~الحاج بدوي، وسيرته على كل لسان منذ ليلة الفضيحة، ولولا تجارته وحاجته إلى القروش التي ~~يكسبها، من بيع البهارات والقرنفل والجنزبيل، لولا ذلك لبقي في بيته لا يبرحه ~~أبدا. # ووصل الحاج بدوي إلى بيته وهو يلهث، إنه لم يتعود المشي السريع هكذا، وأخرج المفتاح ~~من جيبه وفتح الباب، ودخل حجرة النوم، وأخذ يخلع ملابسه في تثاقل، ثم وثب على السرير، ~~وحينما وضع رأسه على الوسادة، سمع شخير زوجته الخافت وهو يعلو على أنفاسها، فالتفت إليها ~~وهي غائبة كالموتى في نوم عميق، وأخذ يتأمل بشرتها ذات التجاعيد، وشفتيها اليابستين، ~~ومصمص شفتيه بازدراء، وأعطاها ظهره وهو ينفخ، وغطى رأسه باللحاف لينام، لكن صورة سعدية ~~بملابس العرس ظهرت أمامه وهي تجلس في وسط كوشة من البنات والأزهار، وعلى رأسها تاج أبيض، ~~والعريس ببدلته الكحلي يروح ويجيء بين الناس، والناس يبحلقون في الناس ويشربون الشربات ~~بالأربعة أكواب، والصوان الفخم مقام، وصوت الميكروفون يذيع الأغاني والزغاريد، وإيقاع ~~الرقص والصاجات، وحي السيدة زينب الذي يبيت كل ليلة بعد صلاة العشاء، ساهرا في نوافذه يطل ~~على ذلك العرس النادر، ويحكي قصة العريس والعروس مئات المرات. # وقلب ms27 الحاج بدوي فجأة وجهه ناحية زوجته، ولمعت عيناه الضيقتان كعيني الصقر، وهو يتأمل ~~عظام فكيها البارزة المدببة. إنه لا يذكر أن رأى لزوجته وجها غير هذا الوجه، ولكم دعا ~~في كل ليلة بعد زفافه على أم يوسف الخاطبة، ولعنها ولعن أجدادها، وبصق عليها وعليهم. عشر ~~سنين مضت، وهو في كل ليلة يصب اللعنات على رأسها كلما رأى وجه زوجته. # وكانت سعدية طفلة في العاشرة تجري وتلعب، وأحيانا تقفز فيرى ساقيها وفخذيها السمينتين، ~~ولم يدر لماذا كان يطيل النظر إليها، وحينما كان يستدرجها إلى «البلكونة»، ويجلسها إلى ~~جواره، ويمر بأصابعه على ساقيها، يتحسس بشرتها الناعمة كأنه يقول لنفسه: عيب يا حاج ~~بدوي، ده انت خالها، وبتربيها بعد موت أبوها، عيب يا راجل، يا اللي حاجج بيت الله! # لكنه كان لا يستطيع أن يقاوم هذه الرغبة الملحة كلما رآها وهي تقفز، فرق كبير بين ~~ساقيها الناعمتين وبين ساقي زوجته الرفيعتين اليابستين. # وأحيانا حينما كان يفقد السيطرة على رغبته يضمها إلى صدره، ويداعب بشاربه الكثيف ~~وجهها الناعم النضر، ولا يتركها إلا بعد أن تخنقها رائحة التبغ في أنفاسه فتصرخ، أو تعض ~~أصبعه. # وفي مرة لم يكن بالبيت سواها، وكان مستلقيا على السرير، يعربد بأنفاسه مع الجوزة، ~~ويراقب سعدية وهي تلعب كعادتها، وأحس برغبة جارفة، وشعر كأن دمه يغلي في عروقه، ولم يستطع ~~المقاومة، وقام إليها وحملها، ووضعها على السرير، وأحس الحاج بدوي بالعرق يتصبب من ~~جسمه، فأزاح عن نفسه اللحاف، وتذكر منظره وهو يلبس ثيابه ويضع عمامته على رأسه، وينزل ~~مهرولا إلى السوق، ثم يعود إليها فيجدها كفت عن البكاء، وحينما يعطيها الحلوى الكثيرة، ~~تبتسم في سذاجة وتنسى كل شيء، وأحس بالراحة أنها لم تفهم شيئا، لن تقول لأمها ... # وجف عرق الحاج بدوي فأحس بالبرد، وسحب اللحاف ليغطي نفسه، فتعرت زوجته وظهرت ~~ساقاها الرفيعتان، ينظر إليها بضيق. إنه يكره زوجته من أول ليلة، ولقد كرهها أكثر بعد ~~حادثة سعدية، وأحس بالندم، وأصبح يفر من البيت إلى القهوة ليشرب الجوزة، ويدردش مع الحاج ~~محمد، ms28 في الوقت الذي يبحلق فيه إلى «سيقان» النسوة، وهن يجتزن الشارع أمامه. # وانتشلته من ضياعه الست حمدية، تلك الأرملة السمينة التي تسكن في مواجهة القهوة، وكان ~~يراها وهو يجلس على القهوة، تنظر بعين واحدة من فرجة الشباك، ويرى يديها البيضاوين ~~السمينتين، وهي تمسك بضلفة الشيش، وساعدته الست حمدية في التعرف عليها، وفي زيارتها، ~~وفي كل شيء، واستعاض بها عن زوجته «الكركوبة»، ونسي بها سعدية. # لم يعد يثيره منظر ساقيها وفخذيها وهي تقفز، حتى بعدما كبرت واستدارت، وبرز صدرها ~~بشدة، لم يشعر نحوها بأي شيء، لولا تلك الحادثة المؤلمة التي وقعت منه، والتي كانت تطفو ~~على ذاكرته، كلما فكر في زواجها. ولقد اختار لها حسين أفندي عريسا؛ لأنه رجل طيب، كان ~~المرحوم أبوه رجلا غبيا، ولا يمكن لحسين أفندي أن يرث الذكاء عن أمه؛ لأنه فشل في تجارة ~~الطعمية بعد أبيه، ونظره ضعيف، ولم يصلح إلا في وظيفته الحقيرة، التي توسط له فيها أحد ~~أقاربه. # وانتفض الحاج بدوي في فراشه، وعاد إلى ذاكرته صوت حسين أفندي، ذلك الرجل الغبي الطيب كما ~~كان يظن، وهو «يجعر» بأعلى صوته، ويسب الشرف ويبصق على العرض، ويصر على أن ~~يطلق «بالثلاثة» قبل ظهور الشمس، وأن يسترد مهره وكل هداياه، وأن يتنازلوا عن المؤخر ~~وعن النفقة، وأن ينهوا الموضوع في السر، وإلا جعلهم مثلة الحي. # وأحس الحاج بدوي بنار تتقد في بدنه، فقذف اللحاف عن جسده، ورماه على جثة زوجته، وقام ~~يتمشى في الحجرة. # لقد أصبحت رقبته في «قصر» السمسمة، وهو لا يستطيع أن يرفع رأسه في الحي، ولا أن يجلس ~~على القهوة، ولا حتى أن يرى الست حمدية، إنه الآن في نظر الناس كلهم رجل بلا شرف، حتى يغسل ~~شرفه، والرجل عندهم لا يغسل شرفه إلا بالدم! # وصعد الدم إلى وجهه. إن سعدية تنام الآن في حجرتها، ولا يفصله عنها سوى باب غير ~~مقفول. # وتصور نفسه مرة أخرى الحاج بدوي الذي يمشي رافعا رأسه، وجلس على القهوة مع الحاج ~~محمد يشد أنفاسه مع الجوزة ويدردش، ms29 وكل رجل يمر عليه يقرئه السلام، والست حمدية ... آه! ~~مرة أخرى يذهب إليها، وتأخذه بين أحضانها الدافئة، ثلاثة أيام مضت وهو محروم من كل ~~هذا. # ووضع الكوفية على رقبته وأدخل «المطوة» في جيبه، ثم مشى على أطراف أصابعه، ودفع باب سعدية ~~ببطء. # وفي الظلام الدامس أخذ يتحسس بيديه حتى وصل سريرها. كان كل جسمه يرتعد وأنفاسه تتلاحق ~~بسرعة، وكاد يفر من الحجرة بسرعة، لولا أنه تخيل سرير الست حمدية، وهي راقدة عليه تفتح ~~ذراعيها لأحضانه، وألهبه الحماس فأخرج «المطوة» من جيبه، ومد يده على السرير يتحسس رقبة ~~سعدية، ولكن يده لم تصل إلى شيء، فاستعان بيده الأخرى، ولم يعثر في الظلام عليها، ففتح ~~النور ونظر على السرير ليجده خاليا، ونظر تحت السرير، وفي الدولاب، ووراء الشماعة ... لكن ~~سعدية لم تكن هناك. # وعاد إلى حجرته والعرق يتساقط من كل جسمه، وزحف على السرير بجوار زوجته. لقد هربت سعدية ~~قبل أن يقتلها، قبل أن يثبت للحي أنه رجل يغسل شرفه بالدم. كان يحب أن يقتلها أول ليلة، ~~سيقولون إنه جبان، لن يستطيع الجلوس على القهوة، لن يرفع رأسه بين الناس، لن يستمتع بأحضان ~~الست حمدية الساخنة، وجحظت عيناه في غيظ وحيرة، وكانت «المطوة» لا تزال في يده، ورأى زوجته ~~راقدة كأنها ميتة! # ولم يدر لماذا أخذ يبحلق في رقبتها الرفيعة المعروقة، وهي تصعد وتهبط مع شخيرها، ~~واهتزت «المطوة» في يده، وخيل إليه أنه رفع يده بها، وأسقطها على رقبتها، وانفجرت ~~دماؤها في وجهه واختلطت بعرقه. لكنه كان لا يفعل شيئا، وترك «المطوة» في يده وأعطاها ~~ظهره. وحينما أغمض عينيه وراح في غيبوبته، ظهرت له صورة سعدية؛ طفلة صغيرة في العاشرة تمسك ~~صرة ملابسها، وتسير في الشوارع ليس لها مأوى، وفتح عينيه، وأحس بشيء ساخن سخونة الدم، ~~يسيل على وجهه، وسمع صوت نشيجه هو يعلو ... ويعلو ... على صوت أنفاسه. # | هيتروفس ... هيتروفس # كان ذلك منذ عشر سنوات أو أكثر قليلا، وكان مدرج علي باشا إبراهيم غاصا بالطلبة على ~~سعته الكبيرة؛ فهو أكبر مدرج بكلية ms30 الطب، لكنه أصبح يضيق عاما بعد عام، بذلك العدد ~~المتزايد من طلبة الطب؛ فكل طالب بالثانوي يريد كلية الطب، ويحلم بكلية الطب، ويرى نفسه في ~~منامه وقد أصبح من هؤلاء السعداء الذين ينتمون إلى كلية الطب، ويراهم كل يوم وهم يركبون ~~الأتوبيس من محطة القصر العيني، وعلى أيديهم معاطف بيضاء متسخة تفوح منها رائحة غريبة ~~نفاذة، لا بد أنها رائحة الجثث التي يشرحونها، ويضحكون في كبرياء، ويتكلمون بصوت ~~عال، ويتبادلون كلمات بالإنجليزية، ترن في قوة وخيلاء، لا شك أنها أسماء الأمراض، ~~التي يكتشفون سرها الدفين، أو أسماء ما يشرحون من جسم الإنسان، ويقفون على كل ما ~~ينطوي عليه ذلك المخلوق العجيب، وينادي كل منهم الآخر قائلا: «دكتر»، ويتساءل طالب ~~الثانوي بينه وبين نفسه، إن كان «دكتر» تصغيرا أم تكبيرا للقلب «دكتور». على أي حال فإن ~~للكلمة وقعا جميلا في نفسه، يحس فيها شيئا من الامتياز عن الناس، ويرى الإعجاب بها في ~~عيون ركاب الأتوبيس، ويبيت يحلم أنه حصل على الثانوية، ودخل كلية الطب، وركب الأتوبيس، ~~وفاحت رائحة نفاذة من معطفه، ونطق بكلمات إنجليزية ساحرة، وزميل يناديه يا «دكتر»، ~~ونظرات كلها إعجاب تتجه إليه ... # وهكذا كانت الأحلام تتكاثر، وتتكاثر معها وفود الطلبة إلى كلية الطب، حتى بلغت الدفعة ~~الواحدة في أيامي الخمسمائة أو تزيد، لا يعرف الطالب زميله، ولا يمكن أن يعرفه، ولا يعرف ~~الأستاذ الطالب، ولا يمكن أن يعرفه. ويقضي الطالب ست سنوات ونصفا في الكلية على أقل ~~تقدير، ثم يخرج منها ولا يكاد يعرفه أحد، اللهم إلا بعض الفراشين الذين كان يرشوهم؛ ~~ليسرقوا له ذراعا أو رجلا أو جمجمة، هذا إذا كان طالب طب مثاليا في نظر حرس الكلية ~~على الأقل. أما إذا كان طالب طب فاشلا، أصابه الملل من الجري بالمشرط وراء الشرايين ~~والأوردة والشعيرات الدقيقة، فاتخذ لنفسه هواية أخرى غير التشريح، وهي الخطابة، ولم يجد ~~موضوعا يمارس فيه هوايته إلا السياسة، سياسة البلد، ونظام البلد، والاستعمار، والإنجليز ... ~~و... و... فإذا ما انتهت مشاكل البلد أو خيل له ms31 ذلك، تحول إلى سياسة البلاد الأخرى؛ فلسطين ~~الشهيدة ... و... و... ويضرب بقبضة يده على منضدة الأستاذ، ويخطب بصوت جهوري تهتز له جدران ~~مدرج علي باشا إبراهيم الشاهقة. أما الطلبة فلا يكاد يسمعه أحدهم، ويعدونه شرا لا بد ~~منه كل صباح. أما حرس الكلية فهم يولون موهبته الخطابية أهمية أكثر، ويدونون اسمه في ~~سجلاتهم، ويحفظون ملامحه في صورة شمسية، ويتعقبون خطاه داخل الكلية، في المعامل ~~والمدرجات، ودورات المياه، ولا شك أن هذا العمل مفيد إلى حد ما؛ فهو يخفف فراغهم ~~الموحش بعض التخفيف، ويرضي غرور الطالب الفاشل بعض الرضا. # وفي ذلك اليوم كان المدرج بمقاعده وأرضه ونوافذه، مختفيا تحت أجساد الطلبة المتلاحقة، ~~وزفيرهم الساخن يرفع حرارة الجو، فنصبح في الصيف ونحن في الشتاء، وكنت ألبس معطفا ~~سميكا كاللحاف، لم أجد بدا من أن أخلعه وأضعه في حجري، وهو المكان الوحيد الذي بقي ~~خاليا في المدرج! # وكان الصخب يملأ المدرج، والأصوات العالية الغليظة الجشاء تهز طبلة أذني الرقيقة ~~فتكاد تمزقها، ولم أكن أدري مصادر كل هذه الأصوات المتباينة المتنافرة، لكني كنت أرى ~~المدرج وقد امتلأ بأفواه متلاصقة تتسع وتضيق، وتضيق وتتسع، في سرعة عجيبة تسبق ~~العين. وهناك على مرمى البصر وقف مكان الأستاذ طالب أعرفه، والحق أنني لا أعرفه شخصيا، ~~لكني أستطيع أن أتعرف على أنفه من وسط آلاف الأنوف؛ فهو خطيب الدفعة، وكل دفعة لها خطيب ~~على الأقل، وكان لدفعتنا خطيب واحد، ولهذا فقد كانت فرقة حسنة السمعة، يتنبأ لها حرس ~~الكلية بالنجاح المطرد، هذا إذا لم يزد عدد الخطباء أثناء الدراسة الطويلة الشاقة، وكثيرا ~~ما كان يزداد. # وكان الخطيب واقفا كالضرغام، يهدر ويزبد، وكلماته النارية تندفع في أذني كطلقات الرصاص، ~~لا تلبث أن تستقر في رأسي وتفرقع: «أيها الشباب، أيها الأبطال! هذا هو يومكم، الوطن يناديكم ~~فلبوا النداء! أيها الشباب، ليس مكانكم هنا في المدرجات، وليس عملكم التشريح والمرورات، ~~ولكن مكانكم هناك ... في ساحة القتال، في أرض القنال! هيا أيها الشباب! دعوا المشارط ~~والمحاضرات، ودعوا الكتب والمذكرات، هيا انطلقوا إلى ms32 الميدان، إلى الميدان . الاستقلال أو ~~الهلاك! أيها ال...» # وظهر الأستاذ في فتحة الباب، واختفى الخطيب، وانقطع الهدير، وتوقف الصخب، وثبتت الأفواه ~~المتحركة، وساد السكون في المدرج، ووقف الأستاذ بقامته القصيرة النحيلة، ينظر من خلال ~~نظارته السميكة إلى الطلبة في تحفز كأنه يتوقع هجوما من أحد، أو كأنه يسلح جسمه ~~بنظرات قوية، قد تخيف تلك العيون الشاخصة إليه من كل شبر في المدرج، وظل الأستاذ ~~دقيقة أو دقيقتين، متسلحا وراء نظارته الغليظة، والصمت التام يشمل المدرج، والطلبة ~~يجلسون متأهبين مترقبين، أقلامهم في أيديهم، ومذكراتهم مفتوحة وأنفاسهم مكتومة، ~~وآذانهم مرهفة تنتظر أول درة، تسقط من بين شفتي الأستاذ الخطير. # وأخيرا انفرجت الشفتان، لا عن درة، إنما عن قنبلة: «هيتروفس، هيتروفس.» وتشنجت ~~نظرات الطلبة يحملقون في الأستاذ، وساد الصمت ثانيا، ثم انطلق الصوت الرفيع الحاد مرة ~~أخرى، كطلقة المدفع: «هيتروفس، هيتروفس.» وتصلبت رءوس الطلبة، وهي مشدودة نحو الأستاذ بلا ~~وعي، وكأنه ألقى في وجوههم بتعويذة من التعاويذ، أو طلسم من الطلاسم، وارتخت عضلات ~~الأستاذ المتحفزة، لقد ملك زمام الطلبة وسيطر عليهم، ونظر إليهم في كبرياء وزهو، وراح ~~يتمشى من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين واضعا يده في جيبه، ثم استدار في ~~عظمة وأمسك بأطراف أصابعه قطعة من الطباشير، كأنه يمسك صرصارا أو خنفساء، وكتب على ~~السبورة بالإنجليزية: «هيتروفس، هيتروفس.» ثم استدار إلى الطلبة ونفض يده من الطباشير، ~~ووضعها في جيبه، وأخرج ورقة مطوية فضها وبدأ يقرأ، وانكفأت رءوس الطلبة، يدونون ~~محاضرة اليوم في علم الطفيليات. # وانقضت دقائق قليلة اتخذ فيها صوت الأستاذ نغمة واحدة رتيبة جعلت رأسي يدور، وشعرت ~~برغبة في النعاس، لكني أفقت فجأة، شيء ما قطع تلك النغمة الرتيبة المنظمة، وارتفعت ~~رءوس الطلبة وتلفتت هنا وهناك؛ لتعرف مصدر الصوت النشاز. # ورأيته هو بأنفه، خطيب الدفعة، واقفا منتصبا بين الرءوس، وسمعته يقول: «هل لي أن أسأل ~~سؤالا؟» وتوقف الأستاذ وصوب نحوه نظرة حادة كالخنجر، لم أفهم منها هل ساءه أن يقطع ~~عليه سلسلة الإملاء، أو خشي أن يسأله سؤالا لا ms33 يعرف جوابه، وسمعت الأستاذ يقول له في ~~صوت رفيع حاد: «الأسئلة آخر المحاضرة، ليست الآن!» فرد الطالب الخطيب بحماس لا يفارقه ~~أبدا: «ولكني لا أستطيع أن أتابع المحاضرة؛ إنه سؤال خاص بالعنوان.» # وارتسمت على وجوه الطلبة نظرات الاهتمام والاستطلاع والتعجب، وقال الأستاذ: «أي عنوان؟» ~~فقال الطالب: «عنوان المحاضرة.» والتفت الأستاذ إلى السبورة، ثم إلى الطالب، وقال في ~~آلية: «هيتروفس، هيتروفس؟!» وسكت الطالب وبلع ريقه وقال: «هل الأسماء قليلة إلى ذلك الحد؟ ~~ألم تكن هيتروفس واحدة كافية ليسمى بها الطفيل، ويكون الاسم الثاني شيئا آخر بدلا ~~من التكرار، أم إنها قلة في الأسماء؟» # ودوت خمسمائة ضحكة أو أكثر، اهتز لها المدرج وارتعدت جدرانه، وابتسم الأستاذ ~~ابتسامة ساخرة، عليها مسحة من العلم الممزوج بالفلسفة، وأخذ يتمشى واضعا يديه وراء ~~ظهره، ومطرقا رأسه كأنما يفكر في الرد، ثم توقف ونظر إلى الطالب وقال في سخرية: ~~ليست قلة في الأسماء، ولكنها عادة عند بعض الطفيليات، أن يسمى الابن بنفس اسم ~~أبيه! # وضحك الطلبة. وارتسمت على وجه الأستاذ فجأة أمارات الصرامة، وتلاشت ابتسامته، وعاد ~~يتسلح ضد موجة الضحك والهرج، بنظراته القوية الحادة، وقال للطالب في شدة: اجلس ولا تسأل هذه ~~الأسئلة السخيفة مرة أخرى، ثم نظر إلى ساعته وقال غاضبا: لقد أضعت من المحاضرة عشر ~~دقائق، إنك طالب مشاغب، ما اسمك؟ # وسكت الطالب وطأطأ رأسه، وقال بصوت خفيض: حسين حسين شاكر، وضج الطلبة بالضحك، وقصف ~~المدرج برعد القهقهة العالية، ونظرت إلى الأستاذ، كان يضحك هو الآخر، وفرحت؛ فقد كانت ~~المرة الأولى التي رأيته فيها يضحك منذ دخلت الكلية، أما خطيب الدفعة فقد خلع عليه الطلبة ~~اسما جديدا هو: هيتروفس، هيتروفس شاكر، وظل هذا الاسم يطارده حتى تخرج في الكلية، بعد ~~خمسة عشر عاما، وأصبح طبيبا ناجحا. # | الشيء الصعب # كان صوته العميق الهادئ ينساب في الليل، ويصل إلى أذني دائما هادئا، يريح أعصابي ~~المرهقة من العمل طول اليوم، ويجعلني أمدد ساقي على السور الحديدي، في استرخاء ~~يشبه النوم، وأترك نظراتي المطمئنة تهيم في صفحة النيل الساكنة. ms34 هدوء ... هدوء عجيب ~~يخلفه صوته، ونظراته، وحركاته في كل مكان يوجد فيه، وأنا أحب كل شيء هادئ في الرجل، ليس ~~دائما. # وأرهفت أذني إلى الصوت العميق أستمع، كان يحدثني عن نفسه، عن طفولته، وحياته، وشبابه، ~~عن أمه وأبيه، وأخيه، عن تجاربه مع النساء، عن عمله، عن ماضيه، وحاضره ومستقبله. # كان يتكلم، وكنت أستمع، وأنا أنظر في عينيه ال... العسليتين، لا البنيتين؟ لا ليستا ~~بنيتين، ما لونهما؟ لا أدري، ليستا سوداوين ولا زرقاوين، ولا خضراوين، ولكن لهما مع ذلك لون ~~أراه، وأحسه، وأفهمه، لون غريب عميق، كأنه طبقات كثيفة كثيرة، متراكمة بعضها فوق بعض، ~~ليس لها قرار، وليس لها سطح، شيئان كرويان يطلان على عالم معلوم وغير معلوم، وينفذان ~~إلى عالم مجهول وغير مجهول. # وسمعته يقول: ولكن لماذا أحكي لك كل هذا عن نفسي؟! # ونظرت إلى طبقات عينيه وابتسمت، فقال: لا أدري، ولكني أشعر أنني أريد أن أحكي لك كل شيء ~~عني، حتى تلك الأشياء التي كنت أخجل منها بيني وبين نفسي، أريد أن أحكيها لك. # وأسند رأسه إلى ظهر الكرسي في راحة واسترخاء، ونظر بعينيه العميقتين في السماء، وظل ~~تائها في ذلك السواد الداكن فترة، كأنما يبحث فيه عن شيء، ثم التفت إلي، ونظر في عيني ~~نظرة طويلة، أحسست بها تمشي في كل كياني، وتصيبني برجفة غريبة، كأن شحنة جديدة من ~~الأحاسيس، اجتاحت نفسي وجسمي. # ورأيته يقترب مني، وامتدت أصابعه تبحث عن يدي، وأمسكها بكلتا يديه، واستكانت يدي بين ~~كفيه الكبيرتين الدافئتين، كما يستكين العصفور الوليد في صدر أمه. # لكنها لم تكن سوى لحظة، لحظة استكانة قصيرة، غافلت فيها عاطفتي عقلي، وتسربت مني تريد ~~أن تمارس حقها في أن تعيش، وأن تستكين، وأن تهدأ، وأن تضع رأسها على صدر عريض حنون. # لم تكن سوى لحظة تنبه بعدها عقلي، وشد عاطفتي من لجامها فأخضعها، وجذبت يدي من كفيه ~~الدافئتين الكبيرتين فشعرت بالبرد، كأنني تعريت في برودة الليل، كأنني فقدت مأوى في يوم ~~مطير. # وانتفضت، انتابني شعور بالخوف، ذلك الخوف الذي يشعر ms35 به المرء، حينما تتولد في نفسه ~~حاجة جديدة إلى شيء ضروري، قد لا يستطيع الحصول عليه، أو قد يضيع منه لو أنه حصل ~~عليه. # وقادني الشعور بالخوف إلى رغبة في التمرد، ذلك التمرد الذي يحس به العاجز ليضفي على ~~نفسه قوة من عنده. # وجدتني من حيث لا أدري أغضب، وقلت له في ثورة: ماذا تريد مني؟ # قال في حنان: أحبك، أحبك، أحبك. # قلت في ثورة: هل نسيت أنك رجل متزوج؟ إنني لا أقبل هذا الحب؛ لأنني أعرف ~~نهايته. # قال في هدوء: وما نهايته؟ ~~- ستأتي بعد فترة وتقول لي: لن أستطيع التخلي عن زوجتي! ~~- لن أقول ذلك. ~~- ولن أقبل منك أن تتخلى عن زوجتك. # وسكت قليلا، ثم قال: وما الذي يرضيك الآن؟ ~~- ألا نتقابل. ~~- أبدا؟ ~~- أبدا. ~~- هل هذا هو الحل؟ ~~- ليس أمامنا سواه. ~~- إنني أوافق على شرط. ~~- ما هو؟ ~~- أن تقابليني حينما تريدين أن تغيري هذا القرار. # وافترقنا، ومضى يوم، واثنان، وثلاثة. # وفي نهاية اليوم الثالث جاءني صوته العميق الصادق يقول: أريد أن أراك. ~~- متى؟ ~~- الآن. # وجلست إلى جواره أستمع إلى صوته العميق الهادئ، وأشعر براحة تسري في أعصابي المرهقة، ~~فأمدد ساقي على السور الحديدي في استرخاء يشبه النوم، وأترك نظراتي المطمئنة في صفحة ~~النيل، قال: لن يكون بعد ذلك قرارات. # وضحكت، فقال: أتضحكين؟ ماذا فعلت في الأيام الثلاثة؟ ~~- وماذا فعلت أنت؟ # قال وهو شارد وعيناه في السماء: تعذبت! # وشعرت في هذه اللحظة أنني أريد أن أقترب منه، وأمسك رأسه بين يدي وأسنده على صدري لأمنع ~~عنه العذاب. # ونظر في عيني، وكأنه قرأ رغبتي، فقال في صوت غضوب: لماذا تحبين الرجل الضعيف؟ ~~- لأنني أشعر أنه يحتاج إلي. ~~- إنني أحتاج إليك. # وانتابني مرة أخرى الشعور بالتمرد، فقلت له في ثورة: أنت لست في حاجة إلي، ستعود بعد ~~قليل إلى زوجتك. # وسكت فترة طويلة، وعيناه تفتشان في ظلمة الليل عن الإجابة، ثم قال: أنت لا تعرفين ~~أن الطاقة التي يشحنها الحب لا يفرغها إلا الحب! # وأعجبني كلامه، لكني رددت قائلة: هل طاقة الحب ms36 تفرغ؟ ~~- لا، إن الحب يشحنها من جديد. # وسكت قليلا لأفكر، وأحسست به يقترب مني ويقول: خبريني ماذا تريدين؟ # فقلت في ذعر وأنا أراه يقترب مني أكثر وأكثر: لا شيء. # قال في شدة: ما معنى لا شيء هذه؟ أنا لست مستعدا لأن أضحي بحبي لك، سأكافح من أجله، ~~لن أضيع فرصة حياتي، سأتخلى عن كل شيء إلا أنت، هل تتزوجيني؟ # وسرت رجفة في كياني، ولم أشعر إلا وأنا أضع يدي على فمه، وأقول: لا تقل ذلك! لا أستطيع. ~~هل نسيت زوجتك؟ ~~- إنني أشعر أنني أرتبط بك أنت ولا أرتبط بها، إنني لا أستطيع أن أتخلى عنك، لم يكن ~~زواجي إلا وظيفة ألقيت على عاتقي. ~~- لا، لا تقل هذا، سأعود إلى القرارات مرة أخرى. # قال في حزم: أنت لا تملكين إصدار هذه القرارات وحدك، إنك لم تعودي وحدك، لقد ارتبطنا، ~~أي قرار إن كان هناك قرارات، يجب أن نصدره معا، ونوافق عليه معا. # واقتربت يداه مني تبحثان عن يدي، وعثر عليهما، واستكانت يدي بين كفيه الكبيرتين ~~الدافئتين، كما يستكين العصفور الوليد في صدر أمه. # ومرة أخرى لم تكن سوى لحظة، لحظة استكانة قصيرة، غافلت فيها عاطفتي عقلي، وتسربت مني ~~تريد أن تمارس حقها في أن تعيش. # لحظة قصيرة لمعت كالبرق، ثم أدبرت سريعا، وتنبه عقلي، وانتزع قلبي من بين كفيه ~~الحانيتين الدافئتين. # ونظر إلي فنظرت بعيدا عنه في صفحة النيل، وسمعته يقول في مرارة وألم: إنك لم ~~تحبيني! # وافترقنا بلا قرار على ألا نعود، ومضى يوم، واثنان، وثلاثة، وأربعة. # وبت الليل مؤرقة أفكر، وبدا لي السرير خشنا، كأنه مصنوع من الحجر، وبدت لي ~~الوسادة يابسة، كأنها مليئة بالمسامير، وبدا لي الليل طويلا ممتدا، كأنه لن ينتهي، ~~وعيناي الحمراوان المسهدتان تجوبان في ظلمة الليل، تبحثان عن أشياء أحسها ولا أفهمها، ~~وأفهمها ولا أصدقها، وأصدقها فأعود لا أفهمها. # لماذا قلت له لا؟ لماذا تخليت عن حياتي؟ # وتقلب كياني المرهق ينشد مكانا على السرير أقل خشونة، وتحرك رأسي الثقيل على ~~الوسادة، يتلمس بقعة خالية من ms37 المسامير، سأطلبه في الصباح وأسحب هذه اللا. # وسبقني، كان يسبقني ببضع دقائق، وجاءني صوته الحبيب يسألني عن صحتي، وقلت له: ماذا ~~فعلت في تلك الأيام الأربعة؟ # قال لي: وماذا فعلت أنت؟ # قلت له: تعذبت! # وسكت قليلا، فقلت له: أريد أن أراك. ~~- متى؟ # قلت: الآن. # وانساب صوته العميق الهادئ في أذني يريح أعصابي، ويجعلني أمدد ساقي على السور ~~الحديدي، في استرخاء يشبه النوم، وأترك نظراتي المطمئنة تهيم في صفحة النيل. # وسألني وهو يبتسم: لم تقولي كيف تعذبت؟ # ونظرت في طبقات عينيه الكثيفة الكثيرة، ثم قلت له: لماذا تحب المرأة الضعيفة؟ # قال: أنا لا أحب المرأة الضعيفة أبدا، ولكني أحب المرأة القوية حينما تضعف. # وأحسست فعلا أنني أضعف، وأنني لا أستطيع أن أقاوم كفيه الكبيرتين الدافئتين، ورأسي ~~الثقيل المتعب، وهو يميل ليستريح على صدره العريض. # لحظة استسلام بعد أيام من الصراع، لحظة انتصار العاطفة على العقل بلا خجل، بلا عقد، ~~بلا صراع، أروع لحظة في الحياة. # ومضت اللحظة ولم أعرف مداها، خلت أنها عمر جديد، يضاف إلى عمري، عمر جديد كامل له ماض، ~~وله حاضر، وله مستقبل. # ومضت اللحظة رغم روعتها، ورغم عمرها، مضت كما يمضي كل شيء رائع في الحياة، وانتهت كما ~~ينتهي أي عمر مهما بلغ مداه. # وفتحت عيني، واسترددت يدي ورفعت رأسي، وأمسكت حقيبتي، ووقفت. # قال: ماذا حدث؟ # قلت: كل شيء ينتهي! ~~- ولماذا تهربين؟ ~~- إنه شيء صعب! ~~- ما هو ذلك الشيء الصعب؟ ~~- إن كل شيء ينتهي. # وسمعته يضحك في مرارة وسخرية، ويقول: انتهيت من مشكلة زوجتي، فخلقت مشكلة أصعب. لماذا ~~تعاملين نفسك بهذه القسوة؟ لماذا تتركين عقلك وعاطفتك يتصارعان؟ # ونظرت في أسى إلى صفحة النيل فاقترب مني، وأمسك يدي في شدة وقسوة، وقال: لن تكسبي ~~شيئا من هذه المعركة؛ لأن ميدانها الوحيد هو نفسك، نصف ذاتك يصارع النصف الآخر، والنتيجة ~~بالنسبة لك شيء واحد؛ هو أنك تخسرين نصفا دائما. # ونظرت في أعماق عينيه، أفتش عن شيء من هذا الصراع عنده، وقلت له: وأنت؟ ألست ~~مثلي؟ # قال في ثقة غريبة: ms38 لا، إن ذاتي لا تتصارع، إن عقلي هو قلبي، وقلبي هو عقلي. # وأحسست أنه أكثر مني، وأقوى مني، أكثر طبيعية، وأكثر بشرية، أكثر إنسانية. ووددت في تلك ~~اللحظة، أن ألقي نفسي بين ذراعيه القويتين، وأقول له: علمني، علمني! # وكأنما أحس رغبتي، فنظر إلي وكأنه يحتويني بكل كيانه، وقال باسما: سأعلمك، ~~ولنبدأ من هذه اللحظة. # واعتدل في كرسيه، وقال كأنه أستاذ يخاطب تلميذته: والآن وقبل كل شيء يجب أن تعترفي، هل ~~تحبينني؟ # وكان جادا، وكان راضيا، وكان قويا، وكان محبا، ونظرت في أغوار عينيه العميقتين ~~فأحسست أنه ... أنه رجلي الوحيد، وقلت له: نعم أحبك. # ورأيته يبتسم ابتسامة عريضة، ثم يضحك في انطلاق غريب، وسمعته يقول وهو ينظر في ~~عيني بحنان كبير: هل كان شيئا صعبا؟ # قلت وأنا أنظر بعيدا عن عينيه حتى لا يكتشف كذبي: أبدا، لم يكن شيئا صعبا. # | مجرد صورة # صعدت هند سلم القطار، وقفزت داخل الديوان لتلحق بالمقعد المجاور للنافذة، تماما ~~كما كانت تفعل وهي طفلة، لم تغيرها عشرة أعوام طويلة، كبرت فيها واستدارت ونضجت، ونالت ~~الليسانس وتزوجت، لكنها هي هند التي يسعدها أي شيء، وأقل شيء، مثل السفر وركوب القطار، ~~والجلوس بجوار النافذة. # وجلس إلى جوارها زوجها حسين، بعد أن شب على قدميه، ووضع الحقيبة فوق الرف، ونفض يديه ~~بتأن. إنه هادئ الأعصاب، كما يبدو من ملامحه الهادئة، فيما يشبه الابتسامة، وحركاته ~~البطيئة، كأنه لا يتعجل شيئا، واثق أن كل شيء يأتي في أوانه. # وتحرك القطار وهند تطل من النافذة، وتراقب بيوت القاهرة، وهي تتراجع إلى الوراء، ~~والقطار متجه ناحية الشمال إلى الإسكندرية. # وجفت الابتسامة على شفتيها، وانتشر على ملامحها وجوم سريع. هذه أول مرة تسافر إلى ~~الإسكندرية بعد زواجها، وكانت آخر مرة في صيف العام الماضي بعد أن نالت الليسانس بدرجة «جيد ~~جدا»، وعينت في وظيفة ممتازة بعد النجاح بشهر واحد، وقبضت أول مرتب ستة عشر جنيها، ~~وأخذت إجازة مرضية وسافرت إلى الإسكندرية. وهناك وسط الأمواج الباردة، كانت تقذف جسمها ~~الساخن، وتنطلق بذراعيها وساقيها، تسبح كأنها ms39 طائر يعوم في الهواء، ثم تخرج من الماء، ~~وتنثر شعرها الناعم؛ ليقذف بالماء عنه، وتمدد جسمها المبلل تحت الشمسية، وتضع رأسها على ~~الرمل الدافئ، وعيناها نحو السماء تتقلبان وتفتشان في الزرقة العميقة الداكنة عن أشياء، ~~أشياء كثيرة تفكر فيها أولها سعادتها، سعادتها هي. لقد حبست نفسها عشرة أعوام في ~~المدرسة والجامعة والبيت لتذاكر وتنجح وتنال الليسانس، وقد تحقق لها ذلك، ماذا بقي إذن؟ ~~لا شيء سوى أن تعيش، أن تطلق من نفسها ما كانت تكبله، ولم تكن تكبل سوى مشاعرها، ~~أحاسيسها كامرأة، رغباتها، استطلاعها، شقاوتها، وكانت شقية بطبيعتها، متحفزة متحمسة، ~~مليئة بالحياة، متعصبة لها. # وقضت ثلاثين يوما في الإسكندرية، تساوي ثلاثين عاما من عمرها الذي فات، عرفت أنواعا ~~كثيرة من الرجال، الشاب الذي يدلي خصلة من شعره على جبهته، ويلبس المايوه الضيق، ويتبختر ~~أمام الكبائن، يطرقع باللبان في فمه، والسلسة في يده؛ والرجل المتفلسف الذي يلبس الشورت، ~~ويجلس وقورا أمام الكابين، ويمسك كتابا بالمقلوب؛ والرجل الهائم على وجهه، يزوغ بصره هنا ~~وهناك، وتخرج من بين شفتيه من حين إلى حين تقليعة أو تعليق، رجال في كل مكان، يكثرون ~~ويتكاثرون في الصيف، كأنهم ذباب، وهي لم تعرف الرجال، وإن كانت قرأت عنهم في الكتب، ~~لكنها في هذه الأيام القليلة، تريد أن تراهم عن كثب، أن تسمع كلامهم، أن تقرأ أفكارهم، أن ~~تلمس عضلاتهم وشواربهم، ولم تكن تريد واحدا بالذات، كان في خيالها رجل، فتى أحلامها، لكنها ~~لم تكن تبحث عنه، أو أنها أجلت البحث عنه، حتى ترى وتتفرج، وتتمعن في الفرجة، وأصبح ~~كل يوم من هذه الأيام الثلاثين مليئا بالمواعيد، مشحونا بالشخصيات المتناقضة، في الصباح ~~تسابق في الماء شابا مائعا، يخيل إليها أنه فتاة قصت شعرها. وتحت الشمسية على ~~الرمال، تجلس مع رجل يأكل الكلام، كأنه من جوعه للحم الآدمي يلتهم لسانه، وينظر إليها ~~كخرتيت طلع توا من الماء. وفي المساء تجلس في الكازينو المطل على البحر، مع رجل أشيب، ~~يخلط الأدب بالفلسفة والحب بالموت، كأنه يضرب الرمل ويخط بالودع، ولم ms40 تكن تريد إلا أن ~~تتفرج على الرجال، أن تعرفهم، أن تدرسهم. ووقف القطار فأفاقت من خيالها. # ونزلا من القطار، وهند تتأمل محطة سيدي جابر بوجوم؛ لقد انتهى صيف العام الماضي، وانتهت ~~معه كل مغامراتها، ولم يبق في نفسها شيء بالمرة سوى مفاهيم دخلت رأسها عن الحياة والناس. ~~وبعد الثلاثين يوما عادت إلى القاهرة، لتلتقي صدفة بفتى أحلامها حسين وتتزوجه. # ونظرت إلى زوجها ورأت ملامحه الهادئة الباسمة، وأحست أنها تثق فيها كما تثق دائما، ~~لكنها لم تكن تدري ما سر ذلك الوجوم بداخلها. # إنها لا تخاف شيئا، وضميرها لا يؤنبها على شيء، كانت كلها مغامرات بريئة، مجرد تجارب ~~نفسية، لا تحرك إلا تفكيرها وتأملاتها، لم يمس قلبها أو وجدانها إنسان، ولم يهز ~~أنوثتها رجل، كانت كالعالم العجوز، الذي يشرح في معمله مجموعة من الضفادع والفيران. ~~وعلى أي حال، فقد انتهى الصيف، ومات في الماضي كما يموت أي شيء، ولا يبقى له أثر، وعادت ~~إليها طمأنينتها، حينما تذكرت مسألة الموت هذه. كانت تستخدم ذكرى الموت دائما لحل مشاكلها؛ ~~لأنها تشحنها بموجة استخفاف بالحياة وما فيها من مشاكل واهتمامات وعقد ... وتقول لنفسها ~~ما دام الإنسان حتما «ميتا»، فكل ما في حياته هين تافه، وبهذا استخدمت ذكرى موت جدها ~~في التخفيف من وطأة حزنها على تأخرها في التوجيهية، واستخدمت ذكرى موت أمها في ~~التخفيف، من حزنها على أبيها وهكذا. # ولكن هذه الحالة لا تلبث لحظات، كأنها ومضات روحية قوية، لا تلبث أن تنطفئ، وتتركها ~~«إنسانة» عادية في مهب الحياة، تحزنها أشياء صغيرة، مثل فقدان نصف ريال، ويسعدها أيضا ~~أشياء تافهة؛ مثل السفر وركوب القطار والجلوس بجوار النافذة. # وقضيا أياما سعيدة في الإسكندرية؛ الصباح كله للبلاج والبحر، والمساء كله للسهر والفسح ~~والرقص. # حتى كان صباح، وهند وحدها تحت الشمسية، تمدد جسمها المبلل بالماء على الرمل الدافئ، ~~وعيناها ناحية السماء لا تتقلبان، ولا تفتشان عن شيء، إنها سعيدة في حياتها، ولا تطلب ~~مزيدا من شيء، وفجأة وقف أمامها مارد طويل، حجب عنها السماء والبحر، ونهضت برأسها ms41 وهي تصيح ~~في دهشة: «مين؟» # ورد عليها صوته الغليظ: «مين! إيه نستيني؟» # وابتسمت في عدم اهتمام قائلة: «تقريبا.» # واحمر وجهه من لهجتها، ونظر إليها من قدمها إلى رأسها، كأنه يفحصها بلا إعجاب، ثم ~~قال: «تقريبا يعني إيه؟» # وغاظتها نظرته الجريئة الوقحة، ولهجته الشديدة الآمرة، كان هو كذلك دائما؛ جريئا وقحا ~~معتدا بنفسه مغرورا، لكنها لم تضق به كما ضاقت هذه المرة. كانت في العام الماضي لا ~~يهمها شيء سوى أن تتفرج، وكانت تقبل الناس على علاتهم وبأخطائهم وعيوبهم؛ لأنهم ~~كانوا لا يهمونها في شيء، لكنها اليوم، وبعد أن أحبت وتزوجت، يهمها زوجها وتهمها ~~سعادتها، وهي لا تسمح لأي رجل أن يكلمها بلهجة شديدة آمرة، إلا زوجها في أوقات غضبه فقط ~~ويعتذر بعدها، ولكن هذا الرجل من يكون؟ ذلك الشاب المستهتر الذي قابلته في الصيف الماضي، ~~والذي لا مبدأ ولا عمل له، الذي يظهر على البلاج في موسم الصيف، كما يظهر التين الشوكي في ~~شهر يوليو، والبلح في سبتمبر، مجرد كائن حي يمشي على رجليه، ويكسو صدره شعر أسود ويلبس ~~في أصبعه الصغير خاتما من الماس، وأبوه كان باشا أيام الباشوات. # واحمر وجهها من الغيظ، وهي تراه يثني جسمه الطويل، ويجلس في برود بجانبها على الرمل، ~~وانتفضت واقفة على ركبتيها، وهي تقول بشدة: «تسمح تقوم من هنا!» وأصابه برود أشد ~~لثورتها، فأجاب بهدوء وعناد: «مش قايم!» # ولم يشعر إلا ويدها ترتفع، وتهوي على وجهه في لطمة قوية، وهي تأمره بلهجة حادة ~~كالكرباج: «اتفضل قوم بسرعة!» # واحمر نصف وجهه الذي أصابته اللطمة، واصفر النصف الآخر، ونظر إليها نظرة ارتعدت لها ~~مفاصلها، نظرة فيها دهشة وشر وحقد، نظرة رجل مصاب في كرامته، إلى أبعد حدود الإصابة، وفرد ~~جسمه الطويل، وقام في تثاقل، ومشى خطوتين ثم استدار إليها، وقال في صوت متغير غريب: ~~«لازم أدفعك تمن الصفعة دي!» # ودق قلبها بعنف، لماذا يقول هذا؟ وماذا يملك حتى يستطيع أن يفعل ضدها شيئا، ويغرمها ~~ثمنا أي ثمن؟ وغاب لون الدم من وجهها وارتعشت أصابعها في ms42 الرمل، وأحست بيد قوية تمسك ~~قلبها، لقد تذكرت الصورة، الصورة التي التقطت لها، وهي جالسة بالمايوه، وبجوارها ذلك ~~الشاب يوشوشها في أذنها، كانت أيامها تحيا في فكرة معينة عن الحياة، تريد أن تعيش ~~فيها فترة، وقد انتزعت نفسها من بين البشر لتتفرج عليهم، وهي ليست منهم، فماذا يضرها من ~~صورة أو آلاف الصور؟ مجرد ورقة عليها رسومات! لكنها الآن تحس شيئا آخر. # صحيح أنها ورقة، ولكنها تسجل جزءا من حياتها، تسجل موقفا لها مع رجل، يستطيع من يراها، ~~أن يحكي عنهما ألف قصة وقصة. وشعرت بالخوف فتذكرت الموت، وقالت لنفسها: الناس تموت كل يوم، ~~واليوم الذي يفوت لا يعود مرة أخرى أي أنه يموت. ولكن هذا غير صحيح؛ الماضي قد لا يموت، قد ~~تسجله أشياء تافهة مثل ورقة أو صورة، فيبعث حيا من جديد، ورقة حقيرة صغيرة، يذيبها ~~قليل من ماء البحر، لكنها تقف أمامها كأنها ثلاثون يوما كاملة، بكل دقائقها وثوانيها، وكل ~~حوادتها وشخصياتها ومفارقاتها، هذه الورقة في جيب هذا الرجل المغرور، إنها سلاح يمكنه أن ~~يستعمله ضدها، والرجل الحقير لا يلهب حقارته مثل إهانة امرأة له. # وقضت هند صباحا سيئا، تفكر في الصورة وتتصور الرجل، وهو يعطي زوجها الصورة، ويحكي له ~~قصة حب خرافية، وأي قصة حب يمكن أن تركب على صورة رجل وامرأة يتهامسان، وفجأة، ~~أحست هند بيد على كتفها فانتفضت، كان هو زوجها وقد عاد ومعه السندوتشات وزجاجة بيرة، ~~ووضع الأشياء وهو يقول لها باسما: «إنتي نمتي وللا إيه؟» # وابتسمت في إعياء، وهي ترد مازحة كعادتها: «إيه.» وضحك زوجها وهو ينظر في عينيها: «دمك ~~خفيف، عمرك ما تنسي النكتة دي أبدا.» # ونظرت إليه هند بعناية، كأنها تراه لأول مرة وتفحصه، وتفتش في عينيه ويديه، عن مدى ~~حبه لها وثقته فيها. رأت عينيه الباسمتين ويديه الهادئتين الواثقتين فهدأت، إنه حسين، ~~زوجها الذي أحبته، والذي يملأ حياتها، ويستولي على قلبها، وتحس بكل الرجال إلى جانبه ~~كأنهم نساء. وأعادت النظر إلى عينيه ويديه، إنه رجلها وحبيبها، ولكن ماذا يكون ms43 من ~~أمره إذا رأى الصورة؟ وأحست بالقبضة تمسك قلبها، وسمعته يقول باسما: «ياللا يا هند ~~قربي، أنا مت من الجوع!» # وأعاد لها صوته العميق الحنون ثقتها فيه، إنه لن يخذلها، هذا الرجل لا يمكن أن يفصلها ~~عنه آلاف الناس، تتراص بينه وبينها، فما بالها بقطعة من الورق الصغير، مطبوع عليها ~~رسومات، أي رسومات. # وعاد إليها هدوءها كاملا فأكلت، وشربت البيرة، واستلقت بجوار زوجها على الرمل، وطال ~~بينهما الحديث كما يطول دائما. # وفي صباح اليوم التالي، كانت قد نسيت تماما الرجل والصورة، لولا أنها لمحت زوجها، ~~مقبلا عليها من بعيد، ممسكا بيد رجل طويل، ما إن تبينته حتى عادت القبضة إلى قلبها ~~تعتصره بشدة، ونهضت من رقدتها على الرمل، وجلست متحفزة تستعد لمواجهة الأمر، وتستجمع ~~قواها الهاربة في أركان نفسها، ووصل زوجها وجلس بجوارها، فارتعدت وبلعت أنفاسها لتبدو ~~هادئة، ونظرت إلى زوجها، إلى عينيه ويديه؛ لتطمئن على حبه لها وثقته فيها، كان كما هو ~~هادئا باسما، لم تتغير ملامحه، إلا من معنى طفيف ساخر. # ووضع حسين الصورة في جيب قميصه بتأن، ونظر إلى زوجته وهو يبتسم، قائلا: «تصوري يا ~~هند الجدع يمشيني لآخر البلاج، عشان يوريني صورة!» ونظر إلى الرجل نظرة ساخرة عميقة واثقة، ~~وقال له: «حد قالك إني غاوي صور؟ هي صورة لطيفة فعلا؛ لأن فيها هند، لكن انت تعبت ~~نفسك.» # وسكت حسين ووضع يده على جيبه، وربت على الصورة برفق وحنان، وقال له: «خلاص يا سيدي ~~الصورة وصلت مكانها، تقدر تروح.» # وبعدما اختفى الشاب من أمامهما، نظرت هند إلى زوجها في دهشة، فرأت عينيه الباسمتين في ~~عينيها، وأحست يديه الحبيبتين الواثقتين على يديها، وسمعت صوته الدافئ الحنون يقول لها: ~~«أما مغفل صحيح! إيه يعني صورة، وحتى لو كان فيه حاجة، إنتي عارفة إني لا يمكن أحاسبك ~~على حاجة قبل ما تعرفيني.» # ونظرت هند في عينيه، ودموع الفرح في عينيها، إنها لم تخطئ حينما عرفت من أول وهلة، أنه ~~فتى أحلامها، إنه رجلها الذي يثق في نفسه وفيها، رجلها الوحيد ms44 الذي استطاع بقوته الناضجة ~~الواعية، أن يمس وجدانها ويهز أنوثتها. # وابتسمت وهي تقول: «دي كانت مجرد مقابلات على البلاج.» # فقال وعلى جبهته تكشيرة، وفي عينيه ابتسامة: «كانت شقاوة يعني!» # وردت بسرعة: «شقاوة ببراءة.» # واقترب منها وقبل كتفها في حنان، وهو يهمس في أذنها: «أنا عارف يا هند إيه ...» ثم نظر في ~~عينيها، وهو يسألها باسما ككل مرة: «وللا ايه؟» وهو يعرف أنها لن تنسى أن تقول له: «إيه.» ~~وفعلا كان. وضحكا معا للمرة الألف على النكتة، حتى في هذه المواقف الخطيرة، لا تنسى هي ~~هذه النكتة الصغيرة. # | الدوسيه الضائع # دقت الساعة التاسعة صباحا، حينما كان الدكتور خالد يسير في الممر الطويل الضيق ~~المظلم، الذي يقود إلى حجرة الأرشيف، وبين شفتيه سيجارة لم يشعلها بعد، وفي نظراته كآبة ~~حبيسة، لم تجد طريقا إلى الانطلاق. # وأخرج من جيبه علبة الكبريت، وأشعل السيجارة ثم ألقى بعود الكبريت على الأرض الأسفلت، وهو ~~يلعن هذا الممر المظلم الكئيب، الذي قاده إليه الحظ السيئ. منذ ثلاثة شهور، يأتي صباح كل ~~يوم، ويتحسس بقدميه درجات السلم المتهدمة، حتى يصل إلى الممر الضيق الطويل، كأنه سرداب في ~~بطن الأرض، ويرى «الدولاب» المعدني الذي يرتكن على الحائط اليمين، والنضد الخشبي الذي وضع ~~إلى اليسار، ثم الباب المغلق إلى اليسار أيضا، ولا يعرف لماذا هو مغلق وإلى أي سرداب ~~يقود. # وأخيرا يأتي الباب المفتوح عن اليمين، وعليه لوحة نحاسية صغيرة، كتب عليها ~~«الأرشيف». # وتنهد الدكتور خالد وهو يدخل من الباب الصغير، إلى حجرة مظلمة رطبة، يبتلع نصف ~~مساحتها تقريبا دولاب خشبي كبير، له أرفف كثيرة، تختفي تحت عدد لا يحصى من الدوسيهات، ~~ويشغل النصف الآخر مكتب خشبي كبير، أسود اللون، ينوء تحت أكوام من الدوسيهات، ومن خلف هذه ~~الأكوام يظهر رأس محفوظ أفندي، موظف الأرشيف بنظارته السميكة البيضاء وشعره الأبيض، يرتكن ~~على جسد نحيل، يغرق في بدلة واسعة قديمة، كأنها صنعت له منذ عشرين أو ثلاثين عاما، ~~حينما كان شابا ممتلئ الجسد، لم تنحل وبره السنون بعد. # وكان محفوظ أفندي ms45 كعادته يكتب شيئا حينما دخل الدكتور خالد. انقضت ثلاثة شهور بأكملها، ~~والدكتور خالد يأتي إلى هذه الحجرة، صباح كل يوم، ولا يرى محفوظ أفندي، إلا وهو جالس يكتب، ~~ونظارته البيضاء السميكة تتدلى على أرنبة أنفه، فيخيل إليك في تلك اللحظة، أنه لا يرى ~~شيئا إلا أنفه، لكنه حينما يرفع رأسه، ويبربش بعينيه في الفضاء، ثم يقول بصوته الرفيع: ~~أهلا دكتور خالد اتفضل؛ تعرف في هذا الوقت أنه قد يرى شيئا آخر. # وجلس الدكتور خالد كما تعود أن يجلس على الكرسي الخشبي الوحيد في الحجرة، باستثناء كرسي ~~محفوظ أفندي بالطبع؛ إذ له ثلاثة أرجل فقط، تركه محفوظ أفندي جانبا لمن تسوقه المقادير ~~لينزل ضيفا عليه. # وأسند الدكتور خالد الكرسي إلى الحائط، وجلس عليه بمهارة اكتسبها بعد خبرة ثلاثة أشهر، ~~وقال لمحفوظ أفندي جملته التقليدية: «صباح الخير يا محفوظ أفندي، خير إن شاء الله، يا ترى ~~لقيت الدوسيه؟» وتململ محفوظ أفندي في كرسيه، وهو يفرك يديه، وقال بصوته الرفيع: أبدا ~~والله يا دكتور خالد، أنا مش عارف الدوسيه ده راح فين، كل يوم أفرز الدوسيهات اللي سيادتك ~~شايفها دي، واللي في الدولاب الكبير ده، والدوسيه بتاعك مش باين أبدا، حاجة غريبة! زي ما ~~يكون عفريت خده، بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأخرج محفوظ أفندي ~~مسبحة صفراء من أحد أدراج مكتبه، وأخذ يبسمل على كل حبة من حباتها، ويصلي على ~~النبي، ثم انتهى منها بعد دقائق، وأعادها في خشوع إلى الدرج، والتفت إلى الدكتور خالد ~~وقال: «أنا رأيي يا بيه انك تيجي هنا بكرة، يمكن ربنا يكون سهل واعتر على الدوسيه هنا ~~وللا هنا.» # وقال الدكتور خالد، وهو ينفث دخان سيجارته في أسى: «لا بكرة ولا بعده، خلاص ما فيش ~~فايدة.» # واهتزت نظارة محفوظ أفندي، وهو ينفعل قائلا: «لا يا بيه ما تقولش كدة، ما فيش حاجة ~~بعيدة على ربنا أبدا. ربنا قادر على كل شيء، مين يعرف بكرة تيجي تلاقي الدوسيه ظهر فجأة ~~كدة على وش الدوسيهات، الإنسان ms46 لازم ما يفقدش الأمل في ربنا بسرعة كدة يا دكتور.» # وقال الدكتور خالد وهو ينفخ: «بسرعة؟! يا شيخ حرام عليك، مش مكفيك ثلاثة أشهر باجي هنا كل ~~يوم، ثم إن ربنا ماله يا أخي؟» # وكأنما أطلق الدكتور مقذوفا ناريا في وجه محفوظ أفندي، أو فجر في جسده قنبلة يدوية، ~~فانتفض محفوظ أفندي على كرسيه، وارتج جسده النحيل داخل البدلة الواسعة، وقال: «أستغفر ~~الله العظيم، أستغفر الله العظيم ...» # ثم التفت إلى الدكتور خالد، وقال في عتاب ولوم شديدين: «ربنا ماله؟ بقى ده كلام تقوله يا ~~دكتور؟» # وانفجر الدكتور خالد غاضبا: «هو أنا قلت حاجة على ربنا يا أخينا؟ أنا ما كفرتش ولله ~~الحمد، وإن كانت المصيبة دي تكفر اللي عمره ما كفر.» # وقال محفوظ أفندي في بلادة: «مصيبة إيه كفى الله الشر؟» # وشد الدكتور خالد شعر رأسه، وصاح قائلا: «بقة انت لسة مش عارف مصيبة إيه؟ مصيبتي! ~~مصيبة الدوسيه. الدوسيه اللي لابس طاقية الإخفاء، مصيبة البعثة اللي حتروح مني!» # وبربش محفوظ ببقايا عينيه المتآكلتين من وراء الزجاج السميك، وقال: «بعثة إيه يا دكتور؟» ~~ويرد الدكتور خالد: «بعثة أمريكا عشان آخذ الدكتوراه.» # واندهش محفوظ أفندي، واتسعت المسافة الرفيعة الضيقة بين جفنيه، وقال: «تاخد الدكتوراه؟! ~~هو انت لسة ماخدتهاش؟ أمال اسمك الدكتور خالد ليه؟» # وهز الدكتور خالد يديه في زهق، وقال: «لا، ده موضوع شرحه يطول، المهم إن ضياع الدوسيه ح ~~يضيع علي البعثة.» # وقال محفوظ أفندي في غباء: «ليه يا بيه؟» # ووقف الدكتور خالد وقد نفد صبره وقال: «أوف! ربنا يطولك يا روح!» # تلفت حواليه في حيرة، وقال يخاطب نفسه: «وبعدين! الدوسيه ضاع! مش معقول! والبعثة! آخ ~~ياني!» # ونظر إلى محفوظ أفندي يحاول أن يفتش في جزء منه عن قبس من الأمل في العثور على ~~الدوسيه، لكنه وجده وقد انكفأ على الشيء الذي يكتبه دائما، ونظارته السميكة متدلية على ~~أذنه، وكأنه نسي وجوده تماما. # وخطرت للدكتور خالد فكرة، وهو واقف هكذا، فانتعشت روحه بعض الشيء، وخلع سترته ووضعها على ~~الكرسي الخشبي، وشمر ms47 عن ساعديه وبدأ يفرز بنفسه الدوسيهات واحدا واحدا، ومحفوظ أفندي ~~غائب عن العالم في الشيء الذي يكتبه. # وانقضت ساعات والدكتور منهمك في البحث، حتى تصبب منه العرق، وشعر بألم في أصابع ~~يديه، لكنه كان متحمسا يعمل بأمل جديد، أنقذه من الشعور الكئيب باليأس. وانتهى من ~~الدوسيهات التي فوق المكتب، فانتقل إلى الدوسيهات المتراصة في الدولاب، وأعمل فيها البحث ~~والتفتيش. # ولم يجد شيئا، وعاد متعبا يائسا، ولبس سترته وجلس على الكرسي، بعد أن أسنده إلى ~~الحائط، ونظر في أسى إلى محفوظ أفندي، وقال: «حاجة تطير العقل، الدوسيه بتاعي مش ~~هنا!» # وتهلل وجه محفوظ أفندي، وقال: «عشان تعرف إني ما كدبش أبدا، وأنا عارف شغلي كويس خالص، ~~وحافظ الأرشيف ده ورقة ورقة، ده أنا بقى لي خمسة وثلاثين سنة في الشغلة دي يا دكتور.» وأطرق ~~الدكتور خالد في حيرة وأسى، ونظر محفوظ أفندي إلى النافذة ثم صاح: «ياه! ده الشمس راحت من ~~فوق الحيطة اللي جنبنا.» # ونظر الدكتور في ساعته، ثم قال: «اتنين ونص!» # وشد محفوظ أفندي نفسه من فوق الكرسي بصعوبة، وقال وهو يتأوه: «آه يا كعبي الشمال! شوف ~~يا دكتور أنا اديت الحكومة نص ساعة زيادة من وقتي، لكن معلهش أنا مش بادقق، ربنا قال اعمل ~~الخير وارميه البحر. آه يا كعبي الشمال! الروماتزم يا دكتور تاعبني خالص، أعمل له إيه ~~بس؟» # ونظر الدكتور إلى كعب محفوظ أفندي، في حركة آلية يفعلها أي طبيب، حينما يتأوه إلى ~~جانبه مريض ويشكو من جزء في جسمه. ورأى الدكتور شيئا على الأرض، ولم يصدق عينيه أول ~~الأمر، فأغمض عينيه وفتحهما، ثم أعاد النظر مرة ومرتين وثلاثا، ولم يشعر إلا وهو يقفز من ~~فوق كرسيه كالمجنون، وصاح في وجه محفوظ أفندي قائلا: إيه ده؟ # ونظر إليه محفوظ أفندي في تعجب، وقال في بلادة: «كعبي.» وقال الدكتور: «إيه اللي تحت ~~كعبك ده؟» # وقال محفوظ أفندي، وهو يأخذ مسبحته من الدرج، ويغلق أدراج مكتبه: «ولا حاجة، دول شوية ~~دوسيهات حطيتهم تحت كعبي، يحوشوا عني رطوبة البلاط.» ms48 # وأخرج الدكتور الدوسيهات من تحت المكتب، وفرزها بسرعة ثم تهلل وجهه فجأة، وهو يمسك ~~بأحد الدوسيهات، وصاح: «آهه! الدوسيه بتاعي يا راجل يا مجنون! بقى تدوخني ثلاث شهور ~~والدوسيه بتاعي تحت رجليك! مستقبلي كله تحت رجليك! أما معتوه صحيح!» # وبربش محفوظ أفندي من تحت نظارته السميكة، وقال في برود: «اسكت يا دكتور، اسكت ده ~~ربنا!» # وقال الدكتور في دهشة: «إيه؟ ربنا قالك تحط الدوسيات تحت رجليك؟!» # وحرك محفوظ أفندي حبات مسبحته في خشوع، وقال: «لا يا دكتور، ده ربنا زي ما قلت لك ~~قادر على كل شيء، مش قلت لك إن ربنا يمكن يظهره كده فجأة على وش الدوسيهات! يا سلام، ياما ~~انت كريم يا رب!» # | ومات الحب # كنت أجلس على حافة السرير بجواره وهو نائم، عيناه مغمضتان، عيناه الحبيبتان اللتان كنت ~~أنظر فيهما فتشرق الدنيا في عيني، عيناه السوداوان يكسو بياضهما دائما حمرة خفيفة، ~~تضفي على نظراته قوة، وصدق عاطفة. وملامحه كلها نائمة غائبة في ملكوت آخر. # ومددت يدي في رهبة، وتحسست جبينه، وسرت في جسمي قشعريرة باردة، وانتقلت أصابعي في ~~غير وعي تتحسس خديه، وأنفه، وشفتيه وجفنيه، ولم أدر كيف اشتقت لأن أنظر في عينيه، ~~لأن أرى ولو لمرة واحدة سواد عينيه الحبيب، الذي كنت أنظر فيه، فأرى الدنيا بأسرها تشرق ~~وتبتهج. ووجدت أصابعي تفتح الجفنين في تهيب، وانحسر الجفنان عن عينيه، ورأيت سوادهما ~~نائما غائما، ليست فيه حياة، وليست فيه دنيا تشرق، وليس فيه أي شيء. سواد ميت غارق في ~~بياض ميت، شيء كروي أسود! جماد! # لا، لا ... وانطلقت مني صرخة، لم يسمعها أحد إلا أعماقي الحزينة المفجوعة، وتركت أصابعي ~~جفنيه، فأنزلتا على عينيه كالستائر تخفيهما عني، وكأنما أشفقا علي من التحديق ~~فيهما. # وانتفضت، إن عقلي يأبى أن يقبل هذا الواقع الشاذ، الذي يشبه الخيال؛ لقد كان أبي منذ ~~دقائق يملأ هذا البيت نشاطا، ومرحا، وحياة! لقد كانت عيناه ... عيناه هاتان! تتألقان ببريق ~~يعكس الدنيا بكل صورها! كيف؟ كيف تخمد هذه الحياة فجأة؟ كيف تنطفئ هاتان العينان، ms49 ~~وتصبحان قطعتين كرويتين من جماد؟ أهذا هو الذي يسميه الناس موتا؟ # وأحسست بدموع ساخنة تجري على وجهي، ورأيت وجه أبي يشحب عما كان، واتخذت ملامحه شكلا ~~رصينا رهيبا، كأنها ملامح تمثال نحت من الجرانيت. وأمسكت وجهه البارد في يدي، وقربت ~~شفتي من بشرته، وقبلته، وهمست في أذنه: «أبي، أين أنت؟ هل تسمعني؟ إنني أحبك.» وشعرت ~~براحة بعض الشيء، كأن كلماتي من صدقها وحرارتها أذابت جليد الموت، وبعثت في أذنيه ~~الحياة فسمعني، وابتسمت، وعانقته، وأخذت أتحسس جيوبه، وكان لا يزال بالمنامة الجديدة ~~التي اشتراها بالأمس، ووضعت يدي في جيب الساعة العلوي، فوجدت نظارته، وقلمه، وعلبة سجائره، ~~وخفق قلبي من الدهشة. هذه الأشياء! أشياؤه! تؤكد لي أنه لم يمت؛ لأنها تعيش في جيبه حية ~~تنتظره! وتأملت نظارته، وخيل إلي أن فيها حياة، أن فيها عينيه تنظران، ونظرت إلى ~~قلمه الحبر، ورأيت أصابعه تلتف حوله تكتب، وارتعشت أصابعي، وأنا أعيد هذه الأشياء إلى ~~مكانها في جيبه، وأزحت الملاءة عنه قليلا؛ لأبحث عن يديه، وأمسكت أصابعه بأصابعي ... آه! ~~وأمسكت يده بكلتا يدي، ووضعت وجهي في راحته الكبيرة، وبكيت! # ولم أدر إلا بيد على كتفي، فوقفت وغطيت أبي بالملاءة حتى وجهه، وأغلقت عليه الحجرة. لا ~~أريد أن يرى أحد أبي وهو راقد شاحب ضعيف. إن الضعف عورة، ولا أريد أن يرى أحد عورة أبي، ~~أبي الرجل القوي العملاق، الذي علمني كيف أمشي، وكيف أتكلم، وكيف أحب. كنت أجلس إلى جواره ~~كل ليلة، وأستمع إلى حديثه العذب وهو يشرح لي كل شيء حتى الحب! وكان بطبيعته فنانا يعشق ~~الفن. وفي ليلة سألته: «ماذا تفعل يا أبي لو عرفت أنني أحب؟» وكان يجلس بجوار المدفأة، ~~فنظر إلي مدققا، ثم قال: «لا شيء، المهم أن يكون إنسانا يستحق هذا الحب.» # وسألته: «وكيف أعرف أنه يستحق؟» # قال: «ما دمت لا تعرفين فهو لا يستحق!» # وسمعت في البيت ضجة، وصخبا، ورأيت أناسا كثيرين، رأيتهم من قبل، يلبسون السواد، ~~ويروحون ويجيئون لا أدري لم؟ وبعد وقت لم أعرف مداه، رأيت الرجال ms50 يحملون أبي في ~~صندوق خشبي، ونزلوا به إلى الشارع، وانطلقت العربة، وكنت أجلس في العربة نفسها بجوار ~~الصندوق، ولم أكن أبكي، لكن شيئا ثقيلا كان جاثما على صدري، يقبض على قلبي بيد من ~~حديد، ونظرت من نافذة العربة إلى الطريق، فوجدت الحياة على أشدها، الناس يجرون، والعربات ~~تتسابق، والشوارع كلها مليئة بالصخب والسعي والكفاح، وتراخت اليد الحديدية عن قلبي بعض ~~الشيء، وجذبت نفسا عميقا من هواء الشارع، ثم نظرت إلى داخل العربة، فوجدت صندوق الموت ~~يحمل أبي، فعادت اليد الحديدية تقبض على قلبي من جديد. # وسارت عربة الموت وسط عربات الحياة السريعة، وأنا أجلس داخلها أجتر آلامي وأحزاني. ~~وأخيرا وصلنا، وأنزل الرجال صندوق أبي، ووضعوه على الأرض، ثم فتحوه وحملقت داخل الصندوق ~~لأرى أبي، وخفق قلبي خفقة عنيفة، كأنه يفرغ بها كل دمه. ورأيت أبي ملفوفا في أقمشة ~~بيضاء، لا تظهر منه شيئا، وحملوه، وأدخلوه في حفرة صغيرة، ثم أهالوا عليه التراب، ~~وتلفت حولي في ذعر كأن الدنيا قد خوت وأقفرت، أو كأن ريحا عاتية أقلبت واقتلعت أبي، ~~فأصبحت أنا في مهب الريح أنتظر دوري. ورأيت الرجال ينفضون عن ملابسهم وأيديهم التراب في ~~آلية غريبة، وكأنهم فرغوا من وجبة غذاء عادية، ولم يواروا الثرى إنسانا، كان هو بصري ~~وسمعي وحياتي. # وبقيت وحدي كالمذهولة أحملق في الحفرة الصغيرة، التي ابتلعت أبي. أهكذا؟! ... أهكذا ينتهي ~~الإنسان؟! أهكذا ينتهي أبي الرجل القوي الجبار، الذي كنت أنظر إليه كعملاق تطاول هامته ~~السماء؟! أهكذا ينتهي به المطاف إلى أن يرقد في حفرة من التراب؟! # لا، لا! صرخت من أعماقي في ثورة، واندفعت إلى مكان الحفرة، وأخذت أنبش بأصابعي في ~~عصبية تشبه الجنون. لا! إنني لا أقبل هذا، إنها قاسية! لا أقبلها أبدا، سأتحداها، سأنبش ~~حتى أفتح هذه الحفرة، وأخرج أبي منها! وأحسست بثورة في أعماقي تندلع وتضطرم، ثورة على ~~الحياة، وثورة على الموت، وثورة على ... # وأفقت على يد تسحبني، وصوت يقول لي: «هيا بنا نعد.» وعدت مع اليد التي سحبتني أنظر ~~إلى الحياة شزرا، وأسخر ms51 في أعماقي من جريهم وحماسهم، وأقول لهم في نفسي: «كفى، كفى ... كفاكم ~~جهلا وجريا، ألا تعلمون ما نهايتكم؟ حفرة في التراب، تراب يهال عليكم، تراب في ~~تراب!» # ولم ألبس السواد، كان موت أبي، بل مشكلة الموت نفسها تشغل تفكيري كله، حتى إنني كنت أضع ~~ملابسي على جسمي بلا وعي، ولا أكاد أعرف لون الرداء الذي أرتديه. # وجاءني صوته في التليفون حزينا، معزيا، مخففا. والحقيقة أن هزة الموت أنستني ~~هذا الصوت فترة، لكني رغم ذلك كنت أنتظره، كنت أتلمس شيئا قويا من الحياة يعيدني ~~إليها، شيئا عنيفا يهزني فتسقط عني، بعض الشيء، غشاوة الموت القاتمة، وما من شيء ~~يستطيع أن يفعل ذلك إلا الحب. # وقلت له وأنا أتشبث ببقايا حماس في قلبي: «أريد أن أراك.» قلتها ببساطة، وكانت المرة ~~الأولى التي أقول له فيها أريد أن أراك. كنت أشعر أحيانا برغبة في النطق بها، لكن ~~شيئا ما في أعماقي يمنعني، فأقول شيئا غيرها، أو عكسها، أو لا أقول شيئا على الإطلاق، ~~لكني بعد أن شهدت الموت، رأيت الحياة أبسط وأتفه من أن أكتم في صدري كلمة أريد أن أنطق ~~بها. # ودعاني إلى بيته، وترددت قليلا، ثم وافقت. ولبست ملابسي بإهمال، زاد بعد موت أبي عما ~~عهدته في نفسي، ولم أضع على وجهي أية مساحيق، ونظرت إلى عيني طويلا في المرآة، وقلت ~~لنفسي: «ليس في الحياة شيء يبعث على الذعر، حتى ذهابي إلى بيته!» # ووصلت إلى بيته دون مشقة كبيرة، وفتح لي الباب، ورأيته لأول مرة بعد موت أبي، ولا أدري ~~تماما ماذا كان وقع منظره علي، وهو في بيته، هل ضاعت هيبته الجميلة، التي كنت أهواها ~~فيه، أم إن موت أبي أضاع هيبة الحياة، بكل ما فيها حتى هو؟! # وقال بعد أن تكلمنا قيلا: «لم أرك فاترة كاليوم!» # وقلت: «لقد جعل الموت الحياة باهتة في عيني.» # فقال: «بالعكس، إن الموت يجعل الحياة في عيني زاهية. تصوري لو أننا نعيش إلى الأبد، ~~كيف تكون هناك حياة إذا لم يكن هناك موت؟ وعلى ms52 كل فإن الموت مصيره إلى الموت، كما قال ~~طاغور.» # واقترب مني قليلا، وقال: «لم أكن أتصور أن شيئا ما في العالم، يستطيع أن يغرس الحزن ~~في عينيك، لم يكن التشاؤم أحد صفاتك.» # قلت: «بل إن التشاؤم أحد صفاتي.» # ولا أدري لماذا يثير الرجل حزن المرأة؟ لعله يرى فيه نوعا من الضعف أو الأنوثة! ورأيته ~~يقترب مني أكثر، ويأخذ يدي في يديه ويقبلها، وهمس قائلا: «أحبك.» وكأنني لم أسمع كلمته، ~~ولم أحس قبلته، فلم تهتز خلية واحدة في جسمي، وشعرت بالصقيع يحوطني من داخلي وخارجي، ~~ولم أجد في نفسي شيئا من الحرارة، حتى لأسحب يدي من يده. # كان عقلي قد تجمد عند فكرة الموت، ووقف عندها ينظر إلى الحياة شزرا، ويرى كل ما فيها ~~تافها حتى الحب؛ فلا هو يعارض، ولا هو يحبذ، يستسلم لما يحدث في سلبية مطلقة تشبه ~~الموت. # ورأيته يبتعد عني، ثم يقول: «أنت لا تحبينني.» # وقلت: «إن الموت ...» وقاطعني قائلا: «لا ... لا تقولي الموت، الموت لا يغير شيئا من ~~الحب.» # وسكت، ورحت أفكر وأبحث في زوايا نفسي، عن حبي له، لكني لم أجد شيئا، كأنما ~~تبخر حتى آخر قطرة. # وقلت في عجب: يا إلهي! إن الموت أقوى من الحب. # وسمعته يقول: «بل الحب أقوى من الموت، إذا كان حبا حقيقيا. أما إذا كان وهما، فإنه ~~يبهت ويتلاشى بجوار لون قوي صارخ كلون الموت.» وودعني وهو يقول: أرجو أن تقابلي حبك ~~الحقيقي يوما ما لتصدقي كلامي. # لم أصدقه في ذلك اليوم، لكني أحسست بشعور خفي، ينبئني بأنني سأصدقه يوما ما. # | سوسن # كانت تشب على أطراف أصابعها؛ لتطل برأسها الصغير، من فوق جدار الشرفة المبني بالطوب ~~الأحمر، واستطاعت بعد محاولات كثيرة أن ترى العربة الصغيرة الزرقاء، وهي واقفة أمام الباب ~~تحت الشرفة، تهتز وتنتفض وتصدر عنها أصوات، لا تعرف مصدرها تشبه «الشخشخة»، التي تسمعها ~~وهي تتفرج على المركب الصغيرة تسبح في حوض الماء، تلك اللعبة الجميلة التي أحضرتها لها ~~أمها منذ أيام في عيد ميلادها الرابع. # وشبت على أطراف ms53 أصابعها أكثر وأكثر ، حتى استطاعت أن تدلي رأسها من الشرفة لترى العربة ~~الزرقاء، وهي تنطلق مسرعة في الشارع القصير، ثم تنحني إلى اليسار وتختفي، وأسندت ذقنها ~~الصغير على حائط الشرفة، والدموع تنهمر من عينيها الصغيرتين، ونظراتها الزائغة اليائسة ~~تتعلق بنهاية الشارع الذي ابتلع العربة، لا تدري إلى أين، وقلبها الطفل يدق دقا سريعا ~~متواصلا، وقد اجتاحه شعور بالخوف والفقدان، وأن تلك القوة التي ترعاه وتحميه قد ركبت ~~العربة واختفت في نهاية الشارع. # ونادت بصوتها الرفيع الباكي: «ماما، ماما ...» وظلت نظراتها اليائسة ترقب نهاية الطريق، ~~وقد صور لها أمل ضعيف، أن العربة الزرقاء ستعود منه فجأة. # ولكن العربة لم تعد. وبقيت نهاية الشارع خاوية مقفرة، كخرابة مهجورة، ولم تعرف أي وقت ~~مضى وهي واقفة، متكئة بدقنها ويديها على الحائط، حتى جفت الدموع على خديها، وكفت عن ~~نداء أمها، وأغمضت عينيها وراحت في النوم. # وفتحت عينيها بعد فترة، فوجدت نفسها في السرير الكبير ترتجف من البرد، وقد بللت الفراش ~~وتعرى جسمها الصغير، بعد أن رفست عنها الغطاء وهي نائمة كعادة الأطفال. ونهضت من السرير ~~مسرعة، وخرجت إلى الشرفة ونظرت إلى نهاية الشارع علها تجد العربة الصغيرة مقبلة. ~~ولما لم تجد شيئا دخلت يائسة إلى الحجرة، وقد بدأت تحس بالجوع، ودارت في حجرات البيت ~~الواسعة الخاوية لتبحث عن دادة فاطمة، ووجدتها كعادتها متكومة حول نفسها على الأريكة، في ~~حجرة النوم المهجورة في أقصى البيت، والتي ليس بها إلا سرير قديم، تنام عليه دادة فاطمة، ~~وبعض الأثاث العتيق الذي استغنت عنه الأسرة. ~~- جوعتي يا حبيبتي؟ ده انتي من الصبح ما كلتيش يا ضنايا، تاكلي إيه؟ أجيب لك شوية رز ~~وفاصوليا ولحمة؟ # وفكت قدميها ويديها، وفردت جسمها النحيل اليابس، وقامت في تكاسل وهي تقول لنفسها: ~~«أنا عارفة قلب امك ده إيه! حجر؟ يا قلبها ياختي، تهون عليها بنتها كدة؟!» ومسحت بكفها ~~دمعة سالت على خدها؛ فقد تذكرت ابنتها الطفلة أيضا، وقد تركتها في البلدة مع أبيها ~~المشلول، وجاءت هي إلى القاهرة لتشتغل وتعولهما، وقالت لنفسها: ms54 «طيب أنا سايباها عشان ~~أأكلها وأشربها، لكن دي سايبة بنتها ليه؟ عشان الراجل! اخص عليها، راجل إيه وهم إيه! هو فيه ~~بعد الضنى حاجة؟!» # وجلست سوسن على المائدة تراقب دادة فاطمة، وهي تروح وتجيء وتضع الأطباق أمامها، وتأملت ~~أصابعها الغليظة الجافة وهي تمسك بالأطباق، فتذكرت أمها بأصابعها الرفيعة الرقيقة، وهي ~~تعد لها الطعام في بيتها. ~~- هي ماما بتروح فين يا دادة؟ ~~- بتروح المدرسة يا حبيبتي، عشان تدرس للأطفال وتعلمهم الحساب. ~~- أنا عاوزة أروح معاها المدرسة. ~~- لما تكبري يا حبيبتي شوية كمان تروحي المدرسة. ~~- وهي ماما بتبات فين؟ في المدرسة؟ ~~- أيوة في المدرسة. # وتنهدت دادة فاطمة، ومسحت عينيها بكمها، ثم جرت هيكلها النحيل، وذهبت إلى حجرتها، ~~وجلست سوسن تأكل وحدها، ثم تذكرت المركب، فقفزت من فوق كرسيها، وذهبت إلى صوانها ~~الصغير، وأخرجت منه المركب، وملأت الحوض بالماء، وجلست تتفرج على المركب وهي تسبح في ~~الماء، وتحدث شخشخة غريبة، تشبه الصوت الذي تحدثه عربة أمها الصغيرة، حينما تهتز ~~وتتحرك، وتأخذ أمها وتجري في الشارع ثم تختفي. # وضاع رونق المركب في عينيها، وفقدت اللعبة لذتها، فأمسكتها بيدها وأغرقتها في الماء، ~~ثم جرت إلى الشرفة لتنظر إلى الشارع؛ علها تجد عربة أمها قادمة إليها، لكنها لم تجد ~~شيئا، فشبت على أصابعها لترى الشارع أكثر، لعل العربة مختبئة هناك تحت الشرفة، وتدلت ~~رأسها في الهواء دون أن ترى شيئا، فعادت إلى دادة فاطمة منكسة الرأس، تبكي بلا دموع وقالت ~~لها: «عاوزة أروح لماما، وديني يا دادة لماما.» ~~- يا قلب امك يا حبيبتي! # ومدت دادة فاطمة يديها المعروقتين، وأخذت الطفلة بين ذراعيها وربتت عليها: يا ضنايا ~~أوديكي لماما، حاضر أوديكي لماما. # وقامت من جلستها ولبست رداءها الأسود، الذي تلبسه عند الخروج، وقالت لنفسها في ثورة: ~~«حوديها لأمها، بلا وجع قلب! تشوفلها طريقة في بنتها، هو أنا حاقعد لهم! هو أنا ماعنديش ~~قلب؟! أمال لو ماكنتش مدرسة قد الدنيا، ولها ماهية تغنيها عن أي راجل، كانت عملت ~~إيه؟» # وكادت سوسن تجن من الفرح، وهي تمسك بيد دادة ms55 فاطمة، وتمشي في الشارع، وراحت تتلفت هنا ~~وهناك، وتنظر في كل عربة خلفها علها تجد أمها. وأخيرا رأت دادة فاطمة تتوقف أمام ~~بيت وتدق الجرس، وخفق قلبها الصغير حين فتح الباب، ورأت أمامها رجلا طويلا، هو نفس ~~الرجل الذي تراه، يجلس بجوار أمها في العربة، وتكرهه، وتخاف منه، وتحس أنه بأنفه الطويل ~~المقوس كالغراب الكبير، أو الحدأة التي خطفت ذات يوم كتكوتا من فوق السطح. # ووقف الرجل الطويل في فتحة الباب يسدها، والطفلة تنظر إليه وقد تراجعت إلى الوراء ~~قليلا، ودادة فاطمة أيضا ربما شعرت بما شعرت به الطفلة، فوقفت كالتمثال لا هي تدخل ولا هي ~~تعود من حيث أتت، ولو خيرت بين الاثنين لعادت من حيث أتت؛ فقد بدا لها الرجل غريبا عنها ~~وعن الطفلة، والبيت ليس لها فيه مكان. # ونظرت إلى سوسن كأنها تستشيرها الرأي، لكن سوسن لم تتزحزح عن رأيها، ووقفت تنظر من الشق ~~الصغير من الباب، الذي بقي دون أن يسده جسم العملاق الواقف أمامها، ووقفت تنظر من خلال ذلك ~~الفلق علها ترى أمها، أو لعل أمها تراها فتأخذها إليها، لكن أمها لم تظهر، وسمعت صوت ~~الرجل الأجش يقول: «روحية لسة ماجتش من المدرسة.» # وقالت دادة فاطمة في تخاذل: «طيب نستناها!» # ودخلت سوسن ووراءها دادة فاطمة، وفتح لهما الرجل حجرة الضيوف. # وجلست الطفلة تتلفت حولها في الحجرة، وتنظر إلى الصور المعلقة بالحائط، ورأت أمها ~~في إحدى الصور، فقامت مسرعة إلى الصورة، وقالت: دادة، ماما أهه! # وضحكت سوسن في سعادة، وكأنها ترى أمها حقيقة، لكنها ما لبثت أن عادت منكسرة، بجوار دادة ~~فاطمة، وقد تبينت أنها ليست صورة أمها وحدها، وإنما يقف إلى جوارها ذلك الرجل الطويل، ~~الذي لا تعرف سر ظهوره فجأة في حياتهما. # وأخيرا سمعت صوت أمها في البيت، فقفزت من الفرح وجرت خارج الحجرة، وهي تصيح: «ماما جت ~~يا دادة!» # وأحست سوسن بالدفء، الذي كانت تحسه كلما أخذتها أمها بين ذراعيها، ووضعت رأسها على ~~صدر أمها، وراحت تربت بيديها الصغيرتين على ظهرها، ثم قبلت ms56 وجهها وخديها وشعرها ، ~~وأدخلت أنفها الصغير في شعر أمها، وأخذت تشمه وتقبله. # ومضى الوقت سريعا جدا، وأفاقت سوسن على صوت دادة فاطمة تقول: «ياللا نروح يا سوسن.» ~~وسمعت أمها تقول لفاطمة: «خلي بالك منها كويس في السكة يا فاطمة، واوعي ~~العربيات.» # وحملقت سوسن في وجه أمها لتفهم السبب الذي من أجله توافق أمها على كلام فاطمة، ولماذا ~~لا تبقيها معها في البيت هنا دائما، وقالت الطفلة والدموع في عينيها: «لا مش عاوزة أروح ~~البيت اللي هناك، أنا عاوزة ماما!» # لجأت إلى الصراخ والبكاء، وتشبثت بملابس أمها، ولكنها في النهاية لم تجد بدا من ~~الاستسلام، وأخذت الشيكولاتة الكبيرة في يدها، التي أعطتها لها أمها لتكف عن البكاء، ~~وخرجت إلى الطريق مع دادة فاطمة، وهي تشعر بالحزن العميق، حتى إنها سارت إلى جوار دادة ~~فاطمة صامتة واجمة. # ووصلا البيت، وأسرعت سوسن إلى سريرها، ووضعت الشيكولاتة تحت الوسادة، ثم أخذت تدور في ~~حجرات البيت الواسعة الباردة، لتجد شيئا يسليها، لكنها لم تجد شيئا، الكل لا يحس ~~بها، والكل مشغول عنها، وأخيرا ذهبت إلى سريرها، وألقت على قطعة الشيكولاتة نظرة يائسة ~~حزينة، ووضعت رأسها على الوسادة ونامت. # وفي الصباح ما إن فتحت عينيها حتى تذكرت أمها، فوضعت يدها تحت الوسادة وتحسست قطعة ~~الشيكولاتة، وأمسكتها في يدها وهي تفكر في سر ذلك الرجل الغريب، الذي تعيش معه أمها ~~في ذلك البيت البعيد. # وفجأة سمعت صوت عربة، فقفزت من السرير وجرت إلى الشرفة، وشبت على أطراف أصابعها، ~~ودلت رأسها في الهواء لتنظر إلى الشارع، ولم تر عربة أمها الزرقاء، وإنما عربة أخرى ~~وقفت أمام باب الجيران. وزاغت نظراتها الحزينة في طول الشارع، تفتش عن عربة أمها، ~~وتعلقت عيناها بنهاية الشارع، التي تبتلع العربة في كل مرة، وانهمرت الدموع من عينيها ~~في ثنية الشارع. وأخذت تنادي بصوت عال باك: ماما! وهي تنادي على أمها: ماما ... ماما! ~~فقد خيل إليها أنها مختبئة، لعلها تسمعها وتخرج من مخبئها، ولكن صوتها الرفيع كان ~~يرن في أنحاء الشارع، ثم يعود إليها ms57 كما هو، وأرهفت أذنيها لتنصت إلى الصدى، وقد ~~خيل إليها أن أمها ترد عليها، ولكنها ما لبثت أن عرفت أن ما تسمعه، ليس إلا صوتها نفسه ~~يقول: ماما ... # وأسندت سوسن ذقنها الصغير على حافة الشرفة، وراحت تراقب الطريق، وهي شاردة ~~يائسة. # وأفاقت بعد قليل على عربة تدخل فجأة من ثنية الطريق، وخفق قلبها، عربة زرقاء صغيرة، ~~عربة أمها نفسها! وصرخت من الفرح، وقفزت إلى أطراف قدميها لتطل برأسها من ~~الشرفة. # لم تكن إلا لحظة من الزمن خاطفة، برقت كنصل السيف، ثم سقطت في الماضي، كأي لحظة من ~~لحظات العمر، لكنها كانت لحظة تساوي الزمن، ضاعت فيها حياة بأكملها. # وملأ البيت الصراخ والبكاء، ومن عيون غرقة في بحر من الدموع، انطلقت نظرات ساخطة هي ~~نظرات دادة فاطمة تصوبها إلى الأم التي جلست كالتمثال لا تبدي حراكا، وكأنما قبضت ~~روحها وهي جالسة، وكان إلى جوارها الرجل الطويل نفسه، جالسا ينظر إليها ويحاول من حين ~~إلى حين أن يغتصب كلمة أو كلمتين يخفف بهما عنها. # وكان البيت الواسع بعد أن انقطع عنه الصراخ والبكاء، يغرق في لجة من الصمت الكئيب، ~~والناس داخلة إما جالسون في صمت حزين، وإما رائحون غادون في الحجرات الكثيرة، وكأنما ~~يبحثون عن شيء، وهم في الواقع لا يبحثون عن شيء. # وفجأة مزق السكون صوت حاد كطلقة المدفع، والتفتوا جميعا في فزع نحو الأم، وقد عقد ~~الذهول ألسنتهم، ورأوها - الأم نفسها - منتصبة على قدميها كالنمرة، ويدها اليمنى ترتفع ~~عاليا في الهواء، ثم تسقط في قوة على وجه الرجل الجالس بجوارها: اخرج برة! اخرج ... مش ~~عاوزة اشوفك! # كان صوتها مجنونا مبحوحا، ويداها طائشتان ترتفعان وتهويان على وجه الرجل الذي تراجع ~~إلى الوراء، في ذهول ألجم لسانه. # والتف حولها أهل البيت وأبعدوها عنه، وذهبت دادة فاطمة إلى الرجل الواقف في ذهول ~~كالتمثال وربتت على كتفه: اخرج يا حبيبي، اخرج. # ولم يتزحزح الرجل من مكانه، وكأنه ثبت في الأرض بمسامير، ونظرت إليه دادة فاطمة في دهشة ~~وغيظ، وقالت له في شدة: «ما تخرج ms58 بقة! هو أنت إيه؟!» # ونظروا إليه وهو يجر نفسه كالمشلول ويخرج من الباب، ورأوا الأم تجري وتغلق خلفه الباب، ثم ~~تستدير إليهم وعلى وجهها ابتسامة عريضة، تشبه ابتسامة الموتى الشاحبة، قبل أن تذهب روحهم ~~إلى الأبد، ولكن سرعان ما غابت الابتسامة، ورأوها تنظر كالمجنونة إليهم، وتجري إلى الشرفة، ~~وجروا وراءها مذعورين وجذبوها من ملابسها، وأغلقوا عليها إحدى الحجرات. # وجلسوا في صالة البيت واجمين، ومن خلال نشيجها المكتوم داخل الحجرة المغلقة، سمعوا صوتها ~~وكأنه آت من بعيد: «سامحيني يا سوسن يا حبيبتي ... سامحيني!» # | فراغ # وضعت قدمي على سلم صغير؛ لأصعد فوق المنضدة الحديدية، المغطاة بملاءة حمراء من ~~المشمع، وما إن استويت عليها حتى أحسست بيد قوية خشنة تمسك ذراعي بغير رفق، وتربطها ~~برباط من الكاوتشوك، ثم تشد الرباط بقوة، وشعرت بألم حاد في ذراعي، انتقل سريعا إلى ~~معدتي، وأحسست بطعم شيء غريب في جوفي، وفجأة، رأيت السماء تكتسي بلون أحمر قان، ثم أخذ ~~اللون الأحمر يبهت شيئا فشيئا، حتى أصبح غلالة حمراء رقيقة، تهتز مع النسيم الرقيق على ~~نافذة حجرتي، ووجدتني أجلس وحدي في حجرتي، والباب مغلق علي، أجلس على طرف الكرسي، وأضغط ~~أصابع يدي في عصبية وانفعال، وأهز رأسي في ضيق وحيرة. # لقد مللت ... مللت كل شيء! لم يعد هناك شيء يثيرني، يحركني، يهزني! عرفت كل شيء، ~~ومارست كل شيء، وماذا كانت النتيجة؟ عدما. لا شيء! عرفت الكفاح المرير من أجل دريهمات ~~قليلة، وعرفت الرخاء والكسل والنعيم بلا تعب، عرفت دموع الألم والحزن، وجربت دموع الفرح ~~والنشوة، عرفت الحب والكره، وجربت الأصدقاء والأعداء، عرفت الرجال والنساء، ولعبت مع ~~الأطفال لعبة الثعلب فات فات. # مرت بي سنين كنت أخرج فيها كل صباح باكر، قبل أن تبزغ الشمس لألحق بأول قطار يقلني ~~إلى بني سويف. ولم يكن القطار يحمل إلا العمال والمزارعين، والموظفين الصغار من الدرجة ~~التاسعة فما تحت، وكانت البراغيث تترك كل هؤلاء وتقبل نحوي متبخترة وتتسلق ساقي، ثم ~~تبدأ عملها اليومي كأنها موظف حكومي نشط، وأبدأ أنا في القفز من ms59 مقعد إلى مقعد ، وقد ~~منعني الحياء والخفر من أن أدافع عن نفسي بالطريقة الطبيعية ضد هذه الحشرات اللعينة. # وكان عملي مرهقا، أو لعله كان الذهاب إلى عملي هو المرهق. # وانتهت سنوات القحط هذه كما ينتهي أي شيء، ووجدتني فجأة أقوم من فراشي الوثير، وأنا ~~أتثاءب في استرخاء وكسل، وأنظر إلى عقارب الساعة بنصف عين، وحينما أجد أن الساعة لم تبلغ ~~إلا التاسعة، أعود فأغمض عيني وأسبح في أحلام لذيذة؛ فإن عملي ليست له مواعيد، أذهب ~~العاشرة أو الحادية عشرة، أو لا أذهب على الإطلاق، تبعا لمزاج سيادتي الشخصي؛ فأنا مديرة ~~كبيرة، وليس لأحد سلطان علي! # لكن سنوات الرخاء لا تلبث أن تدبر، كما يدبر أي شيء، وأجد نفسي محشورة مع ركاب الدرجة ~~الثانية في الأتوبيس، بعد أن كنت أركب عربة خاصة بي، وأعطي لسائقها الأوامر بأن يذهب بي ~~حيثما أشاء. # وكانت لي صديقة حميمة، عملها الرئيسي في الحياة هو أن تسجل ما يطرأ على حياتي من ~~تغيير، إلى جانب أعمالها الأخرى كربة بيت لها زوج وأولاد، وكانت تقول لي دائما: يا شيخة ~~حرام عليكي، ده أنا تعبت مش لاحقة أجري وراكي فين وللا فين، مش ناوية تستقري بقى؟ # كانت كلمتها هذه تثير في نفسي كثيرا من الأفكار والأسئلة والحيرة، أستقر؟ كيف؟ ولماذا؟ ~~ومتى؟ # ثم كيف أستقر وأنا أقف على أرض كروية، تدور وتلف بلا توقف؟ كيف لا أتحرك وقدماي ~~مشدودتان إلى شيء يتحرك؟ # لكن صديقتي كانت مخلصة، وكانت تحبني، فلم أشأ أن أغضبها، فقلت لها: «حاضر يا عزيزتي، ~~سأستقر ... ولنبدأ.» # وكانت البداية أن عرفتني بعريس؛ فإن الاستقرار في رأي صديقتي هو الزواج، ولا شيء غيره، ~~ولم أكن أعرف ذلك إلا بعد أن وجدت نفسي أجلس في حجرة الصالون في بيتها، ومعي رجل لم أقابله ~~من قبل، ولم يعجبني الرجل، لكني رحت، مجاملة لصديقتي، أفتش في ملامحه أو في جيوبه عن ~~شيء يثير الاهتمام، لكنه كان خالي الوفاض من كل شيء، حتى عيناه كانتا خاليتين من ~~التعبير! # لكني رغم كل ذلك ms60 تزوجته مجاملة لصديقتي ، لم أشأ أن أخيب ظنها في نفسها، وفي ~~مقدرتها على إقناعي بالاستقرار. # تزوجته لأنني أشعر نحو صديقتي بعاطفة ما لا أستطيع أن أصفها، ولكنها عاطفة قوية، ~~تجعلني أفكر في بعض الأحيان أن أسعدها، وأحسست أن زواجي من هذا الرجل سيكون سببا في ~~سعادتها. # لكني لم أستطع أن أستمر في إسعاد صديقتي كثيرا، وهذا عيبي؛ فأنا لا أتجمل بشيء من ~~الصبر، وسرعان ما يصيبني الملل. # آه الملل! هذا العملاق الفاغر فاه دائما، يبتلع في جوفه كل شيء، ثم يترك من حولي ~~فراغا كئيبا قاتلا كأنه الموت، فراغا عنيدا يتبعني أينما ذهبت، ويطاردني بالليل ~~وبالنهار، لا يخشى رهبة الحكومة وموظفيها الموقرين، فيتسلل إلي من تحت باب المكتب، ~~وأجده متربصا بي وأنا أقلب الأوراق وأنجز الأعمال. # ولا تخدعه الهوايات التي جمعتها في نفسي، فيلاحقني وأنا ألهث أثناء اللعب والمباريات، ~~ويجلس يدندن وأنا أعزف على آلتي، فتعلو دندنته الغليظة النشاز على صوت أنغامي. # أستغيث منه، وأصرخ في أذنه، وألطمه على وجهه، وأكسر القلم في عينه، وأقلب عليه دواة ~~الحبر، لكنه ثقيل عنيد لا يفارقني، فألقي كل ما في يدي، وأترك له المكان، وأخرج إلى ~~الخلاء لأشم الهواء، فإذا به يتسلل مع الهواء إلى أنفي! # وأخبط رأسي في جذع شجرة سميكة خشنة، حتى تسيل منه الدماء، لكنه لا يدعني؛ فليس هو ممن ~~يرهبون منظر الدماء. # ورأيت الناس يسيرون اثنين اثنين، رجلا وامرأة، والتقت عيناي بعيني رجل يختلف عن ~~الآخرين، قلت له: «أهو أنت؟» قال: «نعم.» # وسرنا جنبا إلى جنب، وعرجنا على طريق النيل، وهبت نسمة باردة ندية من صفحة الماء ~~فشعرت بالبرد، وأحسست بيده في يدي، فنظرت إليه، كان قريبا مني ويقع على وجهه ضوء مصباح ~~قريب، وتأملت وجهه، كان غريبا، لم يكن هو الوجه الذي رأيته من قبل، كانت عيناه صغيرتين ~~حمراوين، وأنفه كبير الحجم، وشاربه الطويل يتدلى على حافة فمه. # ووقفت، وسحبت يدي من يده، وقلت له: «لنرجع، لقد أخطأت، إنك لست هو.» # وعدت إلى بيتي، وأغلقت باب حجرتي، وجلست ms61 على طرف الكرسي أضغط أصابع يدي في حيرة وقلق، ~~وتلفت حولي كأنما أفتقد شيئا، آه! تذكرت ... الفراغ، أين هو؟! # ولم يمهلني، رأيته يدخل منحنيا من فرجة الباب، ويقف منتصبا أمامي، أهلا ... ~~فراغ! # وجلس إلى جواري بوجهه الجديري القبيح، وقال لي مشفقا: «إنك يا عزيزتي في حاجة إلى شيء ~~جديد.» # فقلت في مرارة: «لم يعد هناك شيء جديد.» # قال: «لماذا لا تسافرين؟» # قلت: «لقد سافرت إلى كل شبر من الأرض، يخطر على بالك.» # قال ساخرا: «الأرض! وهل تسمين هذا سفرا؟ أنت في حاجة إلى تغيير جو الأرض، لماذا لا ~~تسافرين إلى الزهرة؟! هيا ... هيا، إن آخر سفينة تطير إلى هناك في السابعة مساء، أمامك ~~أقل من ساعة لتعدي حقيبتك.» # وقلت: «والله فكرة! عجيبة! لماذا لم أفكر في ذلك من قبل؟» # ووجدتني بعد قليل، أقف في مطار سفن الفضاء، في يدي حقيبتي، وعلى وجهي ابتسامة بلهاء، ~~تنم عن أي شيء ما عدا الذكاء أو الفهم. ورأيت حشدا من النساء والرجال، يجرون نحو ~~السفينة فجريت معهم، وارتقيت بضع درجات صغيرة، ثم وجدتني في جوف السفينة، ورأيت مضيفة ~~حسناء تبتسم لي، وتقودني إلى أريكة صغيرة، ووضعت حقيبتي في مكان خاص، وجلست على ~~الأريكة، فإذا بي أغطس فيها، كأنني وقعت في إناء من العجين، وتلفت حولي لأبحث عن منقذ ~~ينتشلني، فرأيت عددا كثيرا من الأرائك، تغطس فيها أجسام كثيرة لا تبدي ذعرا، وإنما ~~تستلقي في هدوء، فغطست بدوري في صمت، وسمعنا صفارة رفيعة، أعقبها صوت نسائي رقيق يقول: ~~«السفينة ارتفعت، سنتوقف في الزهرة عشر دقائق لنمون.» # ونظرت في العدسة التي إلى يساري، فرأيت الأرض تبتعد عنا بسرعة هائلة، فشعرت براحة ~~تسري في أوصالي، وتمددت في أريكتي، وأغمضت عيني؛ لأسرح ما أشاء في تلك الرحلة إلى ~~الزهرة، وقلت لنفسي: يا لها من مغامرة! ترى ما شكل الرجل هناك؟ وهل عندهم حب؟ وتركت ~~لخيالي العنان، يرسم ما يشاء من المغامرات البريئة. # وبعد ساعات لم أعرف عددها، سمعت صوت المضيفة الحسناء تقول: «تذاكر الزهرة ...» وأخذت ~~حقيبتي في يدي، ms62 ونزلت من السفينة ، وعلى وجهي ابتسامة عريضة جدا، استعنت عليها بكل مواهبي، ~~وتلفت حولي لأجد رجلا أو مخلوقا في المطار فلم أجد، وسرت أضرب في الأرض الرملية، ~~علني أجد عربة أو تاكسيا يقلني إلى البلدة، وقبل أن أصل إلى موقف العربات رأيت رجلا ~~يقف في وسط المطار وفي يده حقيبة، وانبسطت أسارير وجهي، لا أدري كيف، واتجهت نحوه، ولما ~~اقتربت منه وجدته رجلا عاديا، يشبه رجال الأرض وله شارب صغير، ولم أجد بدا من أن ~~أسأله: «هل أنت من الزهرة؟» فقال الرجل بصوت غليظ: «نعم.» فقلت: «وإلى أين أنت مسافر؟» ~~فقال: «إلى الأرض.» قلت: «الأرض! لماذا؟» فقال وهو شارد: «الفراغ.» # وحملقت في وجهه لحظة، وقلت: «الفراغ؟ إنه في الأرض، لقد ودعته منذ ساعات!» فقال ~~غاضبا: «هراء، إنه في الزهرة، لقد ودعته أنا منذ دقائق!» فقلت له في غضب: «بل إنه في ~~الأرض.» فقال في ثورة: «بل إنه في الزهرة!» قلت: «في الأرض.» قال: «في الزهرة!» قلت: «في ~~الأرض.» قال: «في الزهرة!» وصفعني على وجهي. فتحت عيني، ورأيت الطبيب واقفا بجواري، يخبط ~~بيديه على وجهي في صفعات لينة، وسمعته يناديني باسمي سهير ... سهير، مبروك يا ستي، خلاص ~~العملية. # وتقلبت في الفراش مذهولة، أحس أن رأسي قد أصبح في ثقل الكرة الأرضية، وقلت في غضب: ~~«في الأرض! في الأرض ...» # وسألني الدكتور ضاحكا: «إيه هو اللي في الأرض يا سهير؟» فقلت وأنا أتثاءب من أثر ~~المخدر: «الفر... الفر... ا... ا... غ.» # | لا شيء # كانت أنثى، في أنوثتها دفء، وفي جاذبيتها لهب. وكانت حرة لا يمتلكها رجل؛ لأنها ~~تمتلك رجالا كثيرين يحبونها ولا تحبهم، وكلما أحبوها لم تحبهم، وكلما لم تحبهم ~~أحبوها. # وكانت ذكية لم تبع نفسها لرجل؛ فكل امرأة مثلها يمتلكها زوج كالأسد، يراقبها ~~ويحاسبها، وقد يصفعها أو يركلها، ثم يخرج يشكو منها لامرأة أخرى، ويبكي كالطفل بين ~~يديها، لم تقبل أن تعيش مع الأسد وهو يزأر، وانتظرت في بيتها كالملكة ليأتيها الطفل ~~الشاكي الباكي، وكم من أطفال اشتكوا وبكوا بين يديها، وكانت ms63 امرأة لكنها لم تكن نمرة. ~~كان لها قلب ينبض أحيانا، وإن تراكم عليه غبار الطرق المتربة التي تسير فيها؛ فلم يكن ~~لديها وقت لتنفض الغبار عن قلبها؛ لأنها مشغولة كرجال الأعمال وملاك الأطيان، تمتلك ~~أطيانا من الرجال لا حد لها، من كل صنف، وكل طبقة، وتعرف كيف تجعلهم يضعون رءوسهم على ~~حجرها، ويتنفسون بهدوء واستسلام، ثم يذرفون الدموع ويشتكون. # ولم تكن تسمع شكواهم؛ لأنها كانت تسرح دائما، تنظر بطرف عينها إلى الحياة بأستاذية ~~وكبرياء؛ فالحياة تحت قدميها، كل شيء فيها موجود عندها في العربة، في الثلاجة، في الدولاب، ~~على الرف، أو في جيب رجل، كل شيء سهل الحصول عليه من أي مكان، قريب أو بعيد. ليست في ~~الحياة مسافات ولا مستحيلات عندها، الحياة التي تذل الملايين من النساء مثلها، وتربطهن ~~في البيوت كالماشية، يغسلن جوارب أزواجهن، وتنصهر بشرتهن الرقيقة أمام نار الطهو ~~والشي، وبعد أن يلتهم كل زوج الطعام الشهي، ويبدل الجورب المتسخ، ويصدر الشخطة ~~أو التكشيرة، يفر من البيت والزوجة إلى الحياة ... إليها! # وتتلقاهم باسمة ناعمة معطرة؛ فهي لا عمل لها إلا أن تتزين وتتعطر، وتدلك ~~ساقيها ويديها. # وكم تمنت هذه الحياة الخاملة، بلا واجبات من زمن طويل، حينما كانت في السابعة عشرة من ~~عمرها، فتاة صغيرة تتعلم الآلة الكاتبة؛ لتحصل على عمل، وفي أول شهر قبضت فيه ماهيتها، ~~خفق قلبها ولمعت عيناها من الفرح، وهي تخفي الستة جنيهات، بعد أن عدتها عشر مرات في ~~بطانة حقيبتها، وضغطت عليها تحت إبطها، حتى لا يخطفها أحد الصبيان الذين يقفزون على ~~سلم الترام، وأول ما وصلت بيتها أخرجت الجنيهات الستة لأمها، وهي تنظر في عينيها لتشبع ~~نفسها من السعادة الضخمة، التي تحسها وتراها، واغرورقت عينا أمها بالدموع، وهي تحتضنها ~~وتقبلها قائلة: «ربنا يخليك يا فريدة يا بنتي، خلاص ربنا فرجها علينا، وعوضنا بك عن ~~المرحوم!» # ومن يومها وفريدة تحس أنها تفتح بيت المرحوم أبيها، وأنها تعول أسرتها، وأصبحت تثق ~~في نفسها، كما يثق في نفسه أي رجل يفتح بيتا ويعول أسرة، ms64 ورفعت رأسها وهي تمشي؛ ~~لتشعر العالم أي مسئولية ترعاها، وأي أهمية لوجودها. وحينما كان يعاكسها في الطريق شاب ~~رقيع، كانت تنظر إليه شذرا، كأنها تتعجب من جرأته على معاكستها، هي التي تقبض ماهية ~~وتعول أسرة. أو حينما توشك على دهسها عربة تتعجب، كيف لا يحترم الناس حياتها ~~ويقدرون وجودها؛ لأنه إن ضاع يضيع معه وجود أسرة بأكملها. # ولما بلغت فريدة العشرين من عمرها، واشتد بروز نهديها وضمور خصرها تحت الفستان ~~البسيط، الذي تلبسه في المكتب كل صباح، لاحظت أن سكرتير «سعادة البك» يطيل إليها النظر، ~~وهي تكتب على الآلة الكاتبة، واختفت لهجته الخشنة الآمرة، التي عودها عليها بصفته ~~رئيسها المباشر. وكأي أنثى فهمت بغريزتها السبب، ودب الحماس الدافئ في داخلها، وجعلها ~~تتمشى بخطوات أخف وأرشق، وفي بيتها بعد أن تأكل ما أعدته أمها، تذهب إلى سريرها ~~وتمدد ساقيها، لتقضي ساعة أو أكثر في تخمين لذيذ، عما سيكون سببا لهذه الرقة ~~الجديدة. # ولم تعش أياما كثيرة في لذة هذا التخمين؛ إذ أصبح السبب مؤكدا، واعترف لها السكرتير ~~بحبه في ليلة مقمرة بجانب النيل، وتذوقت طعما جديدا لم تعرفه من قبل، طعم الرجل، ~~أنفاسه وعرقه. ولم يعجبها هذا الطعم، أو لم يكن في مستوى خيالها الخصب، وأحست أن الواقع ~~صغير بالنسبة للخيال، لكنها قنعت به، وظنت أنها لن تجد واقعا خيرا منه؛ فهو رجل مثل كل ~~الرجال وهو رئيسها. # وبعد أيام قليلة اعتادت هذا الواقع وألفته، وأصبح أجمل مما كان، ولم تتصور أن هناك ~~سعادة أكثر من أن تتزوج هذا السكرتير، لولا أنها اكتشفت سعادة أكبر؛ إذ تغيب السكرتير ~~يوما عن العمل، واضطرت إلى القيام بأعماله، ودخلت حجرة «سعاد البك» لأول مرة، وتعثرت ~~قدماها في السجاد الفاخر، ولم تجرؤ على التدقيق في ملامح «البك»، لكنها رأت ابتسامة على ~~شفتيه، ابتسامة رقيقة، وبعد هذا اليوم أصبح «البك»، يطلبها إلى حجرته، ويكلفها بأعمال ~~ليست من اختصاصها، وبعد انتهاء العمل في أحد الأيام لمحت «سعادة البك»، وهو يركب عربته، ~~ولم تتوقع أن يناديها بالاسم، ويدعوها ms65 للركوب معه قائلا : بيتك فين يا فريدة؟ # وتلعثمت وهي تقول: في العباسية. # وابتسم وهو يفتح لها باب العربة قائلا: عال، تبقي في سكتي، وأنا طالع مصر ~~الجديدة. # وركبت إلى جواره، وهي تلتصق بباب العربة، لتحصل على أكبر مسافة بينه وبينها، وأطرقت ~~وهي تفرك أصابعها، إنها أول مرة في حياتها تركب عربة ملاكي، وبجوار من؟ «سعادة البك» رئيس ~~رئيسها، وصاحب الجاه والمال والمكتب وكل شيء. ولم يساورها شك في أن تصرفات البك معها، ما ~~هي إلا إشفاق عليها، وخصوصا وهي كما وصفت نفسها في طلب العمل، يتيمة الأب وتعول ~~أسرتها. # ولم يدم يقينها بهذا الإشفاق قليلا؛ إذ بعد ثلاثة أيام بالعدد، كانت تركب بجوار البك، ~~ولم تكن تلتصق بالباب خجلا، وإنما كانت تلتصق بالبك نفسه، الذي حوطها بذراعه، وبين كل ~~عمودي نور، يميل عليها ليأخذ قبلة، وكانت فريدة تنظر إلى ما حولها، كأنها عمياء أو ~~نائمة تحلم. وأوقف البك العربة فنزلت، وانحنى أمام المصعد، لتدخل أمامه فدخلت، وصعد المصعد ~~إلى أعلى، كأنه يصعد إلى السماء، ثم وقف وخرجت أمامه، وأخرج البك من جيبه مفتاح شقته، وفتح ~~الباب وانحنى لها لتدخل أمامه فدخلت. # لم تدر فريدة كيف فرطت في نفسها مع هذا البك، رغم أن السكرتير لم يستطع أن يأخذ ~~منها شيئا، لكنها كانت لا تستطيع أن تخالف البك، أو خيل إليها أنه شرف عظيم لها، أن ~~تنام في أحضانه على فراشه الوثير، ولم تعرف قيمة ما منحته له من نفسها، إلا بعد شهر ~~كامل، بعد أن ملها البك ولم يعد يوصلها إلى البيت أو يعطيها مواعيد لتلقاه بالليل كما ~~كان يفعل. وعادت فريدة منكسرة إلى مكانها، على الآلة الكاتبة بجوار السكرتير، وتباعد ~~عنها السكرتير أياما قليلة، ثم عاد يبثها غرامه، فعادت إليها ثقتها بنفسها، وبكت على ~~صدره، وهي تحكي له قصتها مع البك بالعكس؛ قالت إن البك أحبها وظل يغريها، لكنها لم ~~تحبه؛ لأنه سمين وله كرش، ثم تركها بعد أن يئس منها، وأحست بالزهو وهي تحكي، ولو ~~بالكذب، عن انتصارها ms66 على البك، وزاد زهوها حينما لمحت معالم التصديق في عيني ~~السكرتير. # وعرفت أن السكرتير لن يتزوجها لأنه متزوج؛ ولهذا لم تلتزم معه العفة والأدب، ~~وتعمدت أن تكون مستهترة؛ فهي تقبله مرة، وتهجره مرة، وتحكي له بالكذب عن مغامراتها مع ~~رجال آخرين؛ لتعذبه وتهزأ من رجولته، وهي في الواقع تتمرن على الخلاعة، وتجرب معه ~~الحياة المستهترة بلا خلق، ولعل تجربتها السافرة هذه هي التي أفهمتها سر الرجل؛ لأنها ~~كانت تقلبه وتفتش فيه بجرأة عن نقط ضعفه؛ لذلك حينما سكن إلى جوارهم ذلك الشاب الطيب، ~~الذي تخرج من معهد التربية واشتغل مدرسا، استطاعت فريدة في الدقائق التي تمكثها في ~~البيت، أن تجذب عينيه إليها، ثم تجذبه كله بعد أيام، ليطلب يدها من أمها، وقبلت فريدة ~~الزواج بلا تفكير؛ لأنه شيء جديد لم يحدث لها من قبل؛ فقد عاشت مع البك في شقته أياما ~~طويلة، لكنها لم تعتبر ذلك زواجا؛ لأنها تريد أن يعرف الناس أنها تزوجت، أن يصبح لها ~~زوج وبيت وأولاد، أن يكون لها رجل تضع يدها في يده في ضوء النهار كالناس الشرفاء، لا أن ~~تتلصص معه في الظلام كالمشبوهين. # وحينما جلس الشاب الطيب أمامها، وأخذ يدها في يده اغرورقت عيناها بالدموع، دموع الحب، ~~وأحست وهو يردد وراء الشيخ العجوز «لقد قبلتك زوجتي يا فريدة» لأول مرة في حياتها، ~~أنها تحب هذا الشاب الطيب، الذي يعلن زواجها أمام كل الناس بصوت عال. # ودخلت معه بيته لأول مرة، وهي تحس أنها ستبذل حياتها إرضاء لهذا الزوج الطيب، وأن ~~تخلص له كل الإخلاص، لكنها لم تستطع؛ إذ شعرت بعد أيام قليلة، أن أمنيتها تحققت، وأن ~~الناس عرفوا أنها تزوجت، ونادوها بالعروسة ثم كفوا عن النداء، وانتهى الحماس الذي كانت ~~تحس به، نحو هذه الحياة الجديدة، ولم يعد عندها للزواج معنى بعد هذا سوى ذلك الزوج ~~البارد، الذي يتحرك في البيت بشبحه البطيء البليد، فيثير في نفسها شعورا بالكآبة، كأنها ~~تعيش في قبر وتدفن معها حيويتها وذكاءها وجاذبيتها. وحينما كان يجلس زوجها معها، ms67 يتكلم ~~ويرى لسانه وهو يخرج ويدخل، ولعابه الأبيض وهو يتجمع عند زاويتي فمه، تشمئز من حديثه ~~وغبائه، وتثور فيها نيران التمرد على هذا القيد السخيف، وتتأجج رغبتها في الانطلاق، في ~~الحرية، في الاستهتار، في أن تعيش كل لحظات يومها وليلها، أن تنشر جاذبيتها أمام الرجال، ~~وتستمتع بما تراه في عيونهم من رغبة ولهفة. # وصممت أن تطلق هذه الحياة الراكدة؛ فهي لا تؤمن بالزواج أيا كان، ولا تحتمل أن ~~تبيع أنوثتها ومواهبها لرجل مقابل لا شيء، سوى قيود واحتكار والتزامات هي في غنى ~~عنها. # وعادت فريدة بحقيبة ملابسها إلى بيتها، وقابلتها أمها بالدموع؛ فالأم لا يفجعها شيء ~~مثل طلاق بنت من بناتها، ومسحت لأمها دموعها وهي تبتسم، وقالت لها إنها هي التي طلقت ~~زوجها؛ لأنه أناني أراد أن يستولي على كل إيرادها، ولا يترك شيئا لأسرتها. # وتنفست فريدة بهدوء، كأنها أوقعت عصفورين بحجر واحد، وجففت أمها دموعها وهي تدعو ~~على الرجل الأناني المخادع، وتقبل ابنتها في حب وامتنان، وهي تقول: ربنا يسعدك يا بنتي ~~ويعوضك، طول عمرك بتضحي علشانا. # وعادت فريدة إلى حياتها الأولى، عادت رب البيت الذي ينفق ويدبر، ويدخل ويخرج بلا ~~حساب، وعادت إليها ثقتها بنفسها، وشعورها بأهمية وجودها، وعادت حرة لا يمتلكها رجل، وتمتلك ~~رجالا كثيرين يحبونها ولا تحبهم، وكلما أحبوهم لم تحبهم، وكلما كرهتهم أحبوها، لكنها ~~تعرف كيف تجعلهم يضعون رءوسهم على حجرها، ويتنفسون بهدوء، وأصبحت الحياة تحت قدميها، كل ~~شيء فيها موجود عندها في العزبة أو الثلاجة أو في الدولاب، أو في جيب رجل، ليس في الحياة ~~مستحيلات عندها. # ورغم كل هذا لم تكن نمرة دائما، كان لها قلب ينبض من تحت الغبار الذي تراكم عليه، ~~وحينما تحس بقلبها وهو ينبض، تتطلع حولها كالمشدوهة، وتموت الابتسامة الدائمة على ~~شفتيها، وتضع يدها على قلبها، وهي ترى الحياة أمامها ضخمة كالعملاق، وهي تحت أقدامه لا ~~تستطيع أن تلمسه، لكنها تحاول أن ترى شيئا، فتنظر من بين أقدامه كالشاردة إلى نفسها، إلى ~~حقيقتها، فتجدها لا شيء. # | حينما أكون تافهة ms68 # جلست على المقعد الخشبي المؤلم، وأسندت ذراعي التي تحمل رأسي على مكتبي، وأخذت أفكر ~~رغم أنفي، ورغم أنني عاهدت نفسي على ألا أفكر، وأن أشتغل في هذه الوظيفة كما يشتغل ~~الناس، لكني في هذه اللحظة شعرت بالعجز الكامل، عن مقاومة التفكير؛ فالأشياء التي تعيش داخل ~~رأسي أحس لها دبيبا، وأسمع لها همسا عاليا يكاد يفلق رأسي نصفين. # واستسلمت في ضعف لأن أفكر، فوضعت الملف الغليظ في درج المكتب، وأغلقت القلم الحبر ~~ووضعته في حقيبتي، وأعطيت ظهري للرجل الذي يجلس بالقرب مني؛ لأحجب عن عيني رأسه الغليظ ~~ولأبعد أذني عن صوته الأجش. # وأخذت أفكاري تتقاذفني بسرعة هائلة، وأنا بينها أدور وألف كأنني داخل تروس ساقية، ~~تدور وتئن وتزن. # وسمعت الأشياء التي تعيش في رأسي، تدب من فوقي وتقول: «ما هذا الذي أعمله؟ هل هذا هو ~~طموحي؟ هل هذه هي آمالي؟ لا شيء! واحدة من الناس، من الملايين، أجلس على هذا المكتب الخشبي ~~ست ساعات متواصلة، أقوم فيها لأتمشى مرة أو مرتين؛ لألين مفاصلي ثم أجلس ثانية، لو ~~مت هذه اللحظة فلن يفقد العالم شيئا يذكر، بل لعله سيزيد مقعدا خاليا للآلاف ~~المنتظرين على الأبواب يطلبون الشغل. لن يشعر العالم بفقدي أبدا، ربما سطر أو سطران في ~~ذيل جريدة لا يقرؤهما إلا بعض الموظفين المحالين إلى المعاش.» # وأحسست بوجوم يجثم على صدري، فأغلقت درج مكتبي بالمفتاح، وأخذت حقيبتي وخرجت إلى ~~الشارع، وكانت السماء تمطر رذاذا خفيفا، وهواء الشتاء يهب باردا يلفح وجهي، ويصيب ~~جسمي برعدة تصطك لها أسناني، ووضعت يدي في جيبي لأدفئهما، وسرت أنظر إلى العربات ~~الفاخرة، وهي تجري ومن وراء الزجاج المحكم في تعال وكبرياء، بلا إشفاق على حالي، وأنا ~~أصارع المطر، الذي بدأ ينهمر ثقيلا على رأسي، فيفسد تسريحة شعري التي دفعت فيها بالأمس ~~ثلاثين قرشا، اقتطعتها بمشقة من ميزانية الأكل. # وضعت حقيبتي على رأسي، ونظرت شذرا إلى امرأة تجلس كملكة في عربة طويلة جدا، وقلت ~~لنفسي إنها عربة زوجها بلا شك، تأخذها منه في الوقت الذي يعمل فيه ms69 لتذرع بها الشوارع من ~~أجل لا شيء. إن شكلها لا يدل على أنها تشتغل شيئا، وإنما أحد يشتغل من أجلها، لا يمكن ~~لهذه المرأة أن تصحو من النوم، قبل الحادية عشرة صباحا. أي لذة تلك التي تجدها في ~~الراحة والكسل؟! # ومضيت أفكر، وخطرت لي فكرة غريبة؛ سأستقيل من عملي وأبحث عن زوج يشتغل من أجلي، وأنام ~~حتى العاشرة صباحا، لقد تعبت من القيام مبكرة. ما جدوى كل هذا العناء الذي أنا فيه؟ لا ~~شيء! حتى المأكولات التي اشتهيتها، وأنا تلميذة صغيرة، لا أستطيع أن أشتريها. # وأحسست ببرودة أخرى غير قطرات ماء المطر، تتساقط على رأسي، وأنا أشعر بطموحي وآمالي ~~وأحلامي، كلها تتقلص وتنكمش، لتنحصر في هدف واحد، هو العثور على زوج. # وأسرعت إلى بيتي، وقد غمرتني الفكرة الجديدة، بنوع من الحماس، وحينما وصلت إلى العمارة، ~~رأيت عربة خضراء طويلة، تقف وتنزل منها فيفي، ورأيت البواب يقف لها في احترام وإكبار، ~~ولا يكاد ينظر إلي، وفتح لها باب المصعد فدخلت أمامي، ودخلت وراءها. كانت فيفي ممثلة ~~ناشئة، لم تشتهر بعد، لكنها كانت تستأجر شقة بأربعين جنيها، خمس غرف، وكنت أنا أعيش في ~~غرفة واحدة بعشرة جنيهات، ولا يتبقى لي من المرتب إلا ستة جنيهات تقريبا، أنفقها في ~~الأكل والملبس والمواصلات، ولا يبقى للبواب إلا عشرون قرشا، أدفعها له في أول كل شهر في ~~خزي شديد، فيرشقني بنظرة احتقار بالغة، وأبلع ريقي وأقول له: «معلهش يا عم محمد، إن شاء ~~الله في الشهر الجاي أزودك.» # وتمر الشهور تلو الشهور، ولا أزيد شيئا، بل لعلي كنت أنقص وزنا. # وقلت لنفسي وأنا أدخل شقتي، سأستقيل من شغلي وأصبح ممثلة، ولم لا؟ إنه أسهل طريق ~~للحصول على الفلوس واحترام الناس، أسهل من الحصول على زوج! # ونظرت إلى المرآة أتأمل ملامحي، وأتخيل نفسي على الشاشة، أمثل والناس يتفرجون، ~~وأخذت أفتح فمي وأغلقه، وأنظر نظرة غرام مرة، ونظرة عتاب مرة، ونظرة انتقام مرة ... مدهش! ~~ورضيت على نفسي. إنني أصلح للتمثيل، يا للغباء! كيف ضللت طريقي ودخلت كلية ms70 الطب؟! # وخلعت ملابسي ولبست ملابس النوم، ودخلت السرير دون أن آكل، إن نفسي مصدودة، بعد أن انتشيت ~~من بريق المجد والجاه والشهرة، التي رسمتها لحياتي المقبلة، وغلبني النوم فنمت. # ولم أدر كم مضى من الوقت، لكني صحوت على صوت طرق شديد على باب شقتي، فقمت مذعورة لأرى ~~من الطارق، ورأيت عم محمد البواب يقف لاهثا، ويقول لي في استعطاف: «والنبي يا دكتورة ~~عايدة، الست فيفي تعبانة جوي، وطالبة حضرتك دلوقت.» # ووضعت على كتفي روبا صوفيا، وأخذت حقيبتي، وصعدت مع البواب إلى شقة فيفي، وهناك على ~~السرير الناعم، الذي يبرق بالحرير من فوق ومن تحت، رأيتها ... فيفي التي سحرت لبي بعربتها ~~وملابسها ومالها، تنام أمامي وحول عينيها هالتان سوداوان، وعلى وجهها صفرة بائسة. كانت ~~ترتجف وتئن، ولما رأتني قالت في استعطاف: «أرجوك يا دكتورة أنا عيانة خالص، عندي صداع ~~وحرارة، وجسمي كله بيرتعش، أرجوك تكشفي علي.» # وجلست بجوارها، وأمسكت يدها لأعد نبضها، ومضت لحظة صمت رهيبة، كتمت فيها فيفي ~~أنفاسها، ووقف البواب خلفي، وأحسست كأنه من رهبة الموقف كتم هو الآخر أنفاسه، ووقف في ~~خشوع وإجلال. # ومددت يدي في ثقة، ووضعت السماعة في أذني، ونظر البواب إلى الآلة الصغيرة في خشوع ~~كأنه ينظر إلى شيء سحري إلهي فوق قدرته البشرية، ثم استدار وأعطانا ظهره متأدبا. # وتركت فيفي صدرها تحت سماعتي في استسلام، ونظرت إلي في ثقة وإجلال، كأنني قادرة على ~~منحها الشفاء، في اللحظة التي أسمع فيها دقات قلبها، وأتممت الفحص، وكتبت لها العلاج، ~~ونصحتها بما يجب أن تتبعه. # ورأيت فيفي تبتسم في راحة، وأنا أضع أدواتي في حقيبتي، وأخرجت من تحت وسادتها كيسا، ~~ومدت لي يدها بجنيهين. # لكن تراجعت في إباء وكبرياء، وقلت لها باسمة: «لا، مش معقول، ده احنا جيران!» # نظر إلي البواب مندهشا، ثم أسرع فحمل عني حقيبتي، وسار خلفي في خشوع. # وعند باب شقتي أخذت منه الحقيبة، ثم أغلقت بابي، وذهبت إلى فراشي لأكمل نومي، وابتسمت ~~لنفسي في سعادة، وأنا أحس بدفء السرير، ونمت أحلم بورقتين ناعمتين، ms71 كل منهما تساوي ~~جنيها. # | قصة من حياة طبيبة # كتبت الطبيبة «س» في يومياتها تقول: # التقطت نظراتي المرهقة، نظراتها الفزعة القلقة في استنجادها المكتوم، وفي حيرتها ~~الهائلة، وكأنها بعينيها الصغيرتين الزرقاوين، وهما تتفحصان وجهي، تبحثان في أعماقي عن ~~شيء من الرحمة والإشفاق. # وأحسست أن إرهاق جسمي من كثرة العمل، بدأ يتبدد سريعا، وأن نشاطا جديدا اجتاح ~~أعماقي، وكأنما أحست نفسي أنها على وشك أن تعطي شيئا من ذاتها، أو أن تمنح شيئا ~~لصاحبة هاتين العينين المستغيثتين، فأخذت تشحن نفسها بطاقة جديدة استعدادا للبذل. # وجلست الفتاة المتهالكة أمامي، ونظراتها متشبثة بوجهي لا تتحول عنه، مما جعلني لا ~~أتنبه للرجل الطويل العريض الواقف بجوارها، والذي فطن إلى أنني لم أره، فأراد أن يشعرني ~~بوجوده، فقال بصوت له نبرة مثقفة لم تهذب من غلظته وخشونته: أرجوك يا دكتورة أن تكشفي ~~على أختي، أريد أن أطمئن عليها؛ وذلك لأننا سنزوجها في الأسبوع القادم لابن ~~عمها. # ولا أدري من أين جاءتها الشجاعة، فسمعتها تقاطعه قائلة: أنا لا أحبه! ولا أريد أن ~~أتزوجه! # ونظرت إلي في استعطاف: لا أحبه يا دكتورة! # وأشار لها الأخ في شدة أن تصمت، وقال محتدا: إنها لا تريد أن تتزوج لسبب آخر ~~يا دكتورة ... أظنك تفهمين. أرجوك الكشف عليها؛ لتطلعيني على الحقيقة. # وعادت العينان الصغيرتان الزرقاوان، تفزعان في قلق واستنجاد مكتوم، وأخذت أنظر في ~~أعماقها؛ لعلي أهتدي إلى خيوط القصة، لكني لم أجد فيهما إلا فزعا وقلقا واسترحاما، ~~وكنت على وشك أن أقذف في وجه الأخ برأيي ... أن أقول له: متأسفة يا سيدي، أنا لا أستطيع الكشف ~~عليها من أجل هذا الغرض، إن الطب لم يعمل من أجل هذا، ثم إن هذه المسألة شيء يخصها وحدها، ~~ولا داعي لك كأخ أو لي كطبيبة أن نتدخل. # وكأنما أحست الفتاة بما يراودني، فازدادت نظراتها تشبثا بي، وكأنها تقول لي: أرجوك، ~~لا تتخلي عني، سيذهب بي إلى طبيب آخر. # ووقفت وقد عزمت على أمر، وقلت بلهجة الطبيب حينما يقرر أمرا، وليس هناك من قوة ~~تستطيع ms72 أن تقف أمام الطبيب حينما يحزم في نفسه أمرا: تسمح تجلس في الخارج قليلا، حتى ~~أنتهي من الكشف. # وأصبحت أنا والفتاة وحدنا، ونظرت إليها، وشجعتها نظراتي المشفقة الرحيمة، على أن تنظر ~~إلي في اطمئنان، قالت في استعطاف: أرجوك يا دكتورة، ارحميني من هذا الأخ، ~~سيقتلني! # واقتربت منها قليلا، فرأيتها تنظر إلى يدي في فزع، وتقول: هل ستكشفين علي! أرجوك، لا ~~أستطيع! لا أستطيع! # ووضعت يدي في جيبي المعطف الأبيض لأطمئنها، وقلت لها وأنا أجلس إلى جوارها: لا تخافي، لن ~~أكشف عليك، ولكن قولي لي الحقيقة، وسوف تكون سرا، لن أبوح به لأحد أبدا. # قالت: لا أحبه يا دكتورة، ولا أريد أن أتزوجه. # ونظرت إليها وابتسمت ابتسامة ذات معنى، فقالت: ولا أحب رجلا آخر. # وأحسست أن الفتاة لا تقول الحقيقة. # ووضعت رأسي بين يدي وفكرت ... إنني لن أكشف على الفتاة؛ لأن هذا ليس من حقي، إلا إذا طلبت ~~مني ذلك، وهي لم تطلب، بل إنها ترفض! # وأخذت أنظر إلى ملامح الفتاة، لعلي أنزع الحقيقة منها، ولكني سرعان ما تراجعت، وقلت ~~لها: حسنا يا فتاتي الصغيرة، سأخبر أخاك أنني لا شأن لي بهذا الموضوع. # ورأيت الفتاة تقبل نحوي في ذعر واستعطاف: لا ... لا أرجوك، سيذهب بي إلى طبيب آخر قد ~~يكون فظا، قولي إنك كشفت علي، وأنني فتاة شريفة، هذا شيء يسير عليك يا دكتورة، مجرد ~~كلمة تتفوهين بها تنقذين بها حياتي. إن أخي رجل قاس، إنه سيقتلني! ارحميني يا ~~دكتورة! # سأقول لك الحقيقة: إنني أحب رجلا آخر وهو يحبني، وقد اتفقنا على الزواج في الشهر ~~القادم، أقسم لك أنه لم يحدث بيننا شيء مخل بشرفي! # ونظرت إلى العينين الزرقاوين المسترحمتين، وكأنما تؤكدان لي أنها على حق. # وابتسمت لها، وكأنني أؤكد لها أنها على حق، ولكن ... ولكن ماذا؟ # سألت نفسي، وسألت ضميري، وراجعت كلمات القسم الذي رددته في أول يوم مارست فيه عملي، ~~واستعدت في ذاكرتي قوانين الطب ... # ولم أشعر إلا وأنا أتجه إلى الباب فأفتحه، وطلبت من أخيها الدخول، وقلت له ms73 في ثبات ~~وقوة : إن أختك فتاة شريفة! # قلتها وأنا أومن بعقلي ووجداني وإنسانيتي أنها شريفة. إن الطب يستطيع فقط أن يفرق بين ~~المرض وغير المرض، ولكن لا يستطيع أبدا أن يفرق بين الشرف وغير الشرف. # وارتسمت على ملامح الأخ الفجة ابتسامة، لم تكسبها الثقافة من الهدوء المعقول، ابتسامة ~~عريضة، كأنه بهذه الكلمات قد اطمأن على شرفه أو استرده. # وقلت له وقد انفعلت بالشعور الجديد: أظن من اللائق أن تعتذر لأختك عن شكك ~~فيها. # واعتذر لها وهو ينظر إليها في سعادة ريفية ساذجة، ثم أخذها وخرج. # ووضعت رأسي على كتفي ... أفكار شتى تعصف برأسي. # ولم أشعر بيدي وهي تزحف إلى درج المكتب، وتسحب منه ورقة بيضاء وقلما، وكتبت ورأسي ما ~~زال ثقيلا، كتبت قسما جديدا، وهو: ~~«أقسم أن تكون إنسانيتي وضميري، هما قانوني في عملي وفني.» # ووضعت القلم، وأحسست براحة لم أشعر بها منذ فترة طويلة. # | من أجل من؟ # دق جرس التليفون بجوار رأسي حادا صارخا ملحا، فتقلبت في فراشي، أبعد رأسي عنه، ~~أهرب منه، ولكنه ظل يهدر في سكون الليل، يمزق من حولي ستائر النوم المخدرة اللذيذة، ~~يلاحقني كلما هربت منه. وامتدت يدي بلا إرادة، ورفعت المسماع إلى أذني، وقلت وأنا أتثاءب: ~~ألو! # وجاءتني حشرجة خشنة، تبينت فيها صوت رجل، يقول: الدكتورة موجودة؟ ~~- أيوة. ~~- أرجوك اسعفيني، أنا مريض. ~~- أين تسكن؟ ~~- شارع الجيزة رقم كذا ... ~~- حاضر، سآتي إليك حالا. # قلت الجملة الأخيرة بلا تفكير، وخلعت ملابس النوم، وارتديت ملابس الخروج، وأخذت حقيبتي ~~المعدة، وخرجت إلى الشارع، وركبت سيارتي الصغيرة، واتجهت إلى الجيزة، وكنا في فبراير ~~والجو قارس البرد، والليل شديد الظلمة بلا قمر، ولا أكاد أرى طريقي، إلا من خلال أنوار ~~المصابيح المتناثرة، بعضها منير، ومعظمها مطفأ، لا أدري لم! # وضغطت بقدمي لأطلق العنان للسيارة، فانطلقت بي كالطائرة، ووجدتني بعد دقائق قليلة في ~~شارع الجيزة، ووقفت في عرض الشارع لاهثة، ووضعت يدي على قلبي في أسى. # آه ... لقد نسيت رقم بيت المريض، وأخذت أستجمع ذاكرتي، وأركزها في الكلمات التي سمعتها ~~من ms74 المريض لكي أذكر الرقم الذي قاله دون جدوى، كأنما أصبح عقلي مادة صلبة من الحجر لا تعي ~~شيئا. # وسرت بالعربة يائسة تائهة، أتخيل الرجل المريض وهو ينتظرني بين لحظة وأخرى وأنا لا ~~أجيء، ويظن أنني تلقيت استغاثته ثم استسلمت للنوم، ولا يعلم أنني ربما أمر من أمام ~~بيته دون أن أعلم! # وفجأة من بين يأسي وحزني، لمحت نورا خافتا في إحدى النوافذ، فخفق قلبي من الفرح ~~والأمل، وقلت لنفسي: هو! ... المريض ينتظرني! من غيره يستطيع أن يسهر إلى هذا الوقت من ~~الليل؟ # ونظرت إلى ساعتي، كانت الثالثة صباحا، فانطلقت بعربتي تجاه النور، وأوقفتها أمام البيت، ~~وصعدت السلم، ووضعت يدي على الجرس، وقبل أن أضغط على الجرس، أحسست بهاتف من أعماقي ~~يقول لي: وماذا لو لم يكن بيت المريض؟ وخفت من المغامرة، وهممت بأن أعود أدراجي، لكني ~~تذكرت صوت المريض الضعيف الحائر، وتخيلته جالسا ينتظرني، فاندفعت إلى الجرس، وضغطت عليه ~~بكل قوتي، وسمعت صوت أقدام تقترب من الباب، ورأيت «الشراعة» تفتح، ويطل منها رأس ~~امرأة مشعث، ونظرت إلى المرأة في دهشة كبيرة، فقلت لها على الفور: «متأسفة، هل يسكن ~~هنا المريض الذي ...» # وقاطعتني المرأة في صوت حاد مستنكر: «مريض؟!» ورشقتني بنظرة ارتياب بالغة، فاعتذرت ~~لها بسرعة، وهرولت إلى السلم أجري، وقد أحسست أنها ستجري خلفي، وتمسكني من ~~ملابسي. # وركبت عربتي وعدت إلى شارع الهرم، أسير على مهل، وفي قلبي ثقل كبير. ووصلت البيت، ~~ووضعت مفتاح الشقة في الباب ودخلت، فإذا بي أرى زوجي واقفا في الصالة، ولما رآني أقبل ~~علي، وسألني قائلا: «أين كنت، لقد استيقظت بالصدفة فلم أجدك، أين كنت؟» # وحكيت له القصة من بدايتها، منذ سمعت المحادثة التليفونية، حتى ضغطت على جرس البيت ~~المجهول، ولاحظت أن أنفاسه تعلو وتهبط، ورأيته ينظر إلي دهشة وفزع، وسألني: ومن الذي فتح ~~الباب؟ رجل أم امرأة؟ # ونظرت إليه في أسى، وقلت: لم يكن هو بيت المريض. # لكنه لم يأبه لكلامي، وأعاد سؤاله قائلا: رجل أم امرأة؟ # قلت وأنا شاردة: امرأة. # فهدأت ملامح وجهه، ms75 وعاد ليواصل في راحة بال واطمئنان. # وجلست في الصالة أفكر ... أشياء كثيرة ترتطم برأسي، وتسبب لي ألما، ولم أدر إلا ونور ~~الصباح يملأ المكان، وأنا أجلس وقد غلبتني سنة من النوم تشبه اليقظة. # وانقضت على تلك الليلة أيام كثيرة خلت أنني نسيتها، حتى كان يوم كنت أجلس في عيادتي، ~~وقال لي التمورجي إن رجلا يريد مقابلتي ... ودخل الرجل، ورأيته ينظر إلي متفحصا، ثم ~~قال: حضرتك الدكتورة سعاد. ~~- أيوة. # فمصمص شفتيه وقلبهما، وسكت قليلا ثم قال: حضراتكم عاملين دكاترة؟ # ودهشت لهذا الهجوم المفاجئ، وقلت في فزع: ماذا تقول؟ # فقال في ثورة: أنا كنت على وشك الموت، ولا دكتور واحد رضي يسعفني، وفضلت للصبح لغاية ما ~~جاني دكتور ... لكن بعد إيه؟! حتى انتي يا دكتورة قلتي لي إنك جاية وكذبت علي؟ # وترددت قليلا في أن أحكي له القصة، ثم رويت له ما حدث، لكنه لم يصدقني وخرج وهو يقول: ~~«طبعا، كل الدكاترة بيقولوا كدة.» # وجلست، وضعت رأسي على كفي، وفي قلبي ألم يعتصره بلا رحمة أو شفقة، وقلت لنفسي في أسى ~~ما من أحد عرف الحقيقة، لقد ارتابت المرأة التي فتحت لي الباب في أمري، وارتاب زوجي في ~~الشخص الذي كان بالبيت المجهول، وارتاب المريض في أنني خرجت لأسعفه! وأنا؟! وأنا أعلم ~~أنني فعلت ذلك بكل وعيي وكامل إرادتي، ولكن ما الفائدة وما من أحد غيري يعلم؟ # وأحسست بدموع ساخنة تسيل على وجهي، ولم أدر ما سببها، هل كنت أبكي من أجل الناس؟ أم ~~كنت أبكي من أجل نفسي؟! ms76