######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.HubbFiZamanNaft.Hindawi30529386 #META# Tags: novels #META# ID: 30529386 #META# Title: الحب في زمن النفط #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # الحب في زمن النفط‏ # ثمن الكتابة‏ # الحب في زمن النفط‏ # | الحب في زمن النفط # | الحب في زمن النفط # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من ~~نصف صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، ~~لا تهتم بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال الغياب، ~~أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة العجلات قوية ~~العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق ~~وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، ~~مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت القائمة ~~السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو حزب ~~الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي؛ حيث ~~تلتقي بأنواع ms01 مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي ms02 قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة ms03 الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | الحب في زمن النفط # ذلك اليوم في سبتمبر ظهر الخبر في الصحف. # نصف سطر أخرجته المطابع متآكل الحروف: ~~«خرجت امرأة في إجازة ولم تعد.» # كان اختفاء الناس أمرا طبيعيا، كل يوم تطلع الشمس بمثل ما تطلع الصحف، في الصفحة ~~الداخلية ركن لأخبار الناس، كلمة «الناس» يمكن حذفها أو استبدالها بكلمة أخرى، دون أن ~~يتغير شيء في الكون، الناس، الشعب، الأمة، الجماهير؛ كلمات تعني الكل ولا شيئا في ~~آن واحد. # في الصفحة الأولى كانت هناك صورة ملونة لصاحب الجلالة، بالحجم الطبيعي، وعنوان كبير: ~~«الاحتفال بالعيد الميلادي الملكي.» # فرك الناس عيونهم، زوايا الجفون متآكلة، قلبوا الصفحة وراء الصفحة، تثاءبوا حتى طقطقت ~~عظام الفكين، وظهر الخبر في الصفحة الداخلية، لا يكاد يرى بالعين المجردة: ~~«خرجت امرأة في إجازة ولم تعد.» # لم تكن النساء تخرجن في إجازة، وإن خرجت واحدة فهي تخرج لقضاء حاجة ضرورية، قبل الخروج لا ~~بد من تصريح مكتوب من زوجها، أو مختوم من رئيسها في العمل. # لم يحدث أن خرجت امرأة ولم تعد، كان يمكن للرجل أن يخرج ولا يعود سبع سنين، ومن بعدها ~~يحق للزوجة أن تتحرر منه. # نشط رجال البوليس في البحث عنها، خرجت منشورات وإعلانات في الصحف تطلب العثور عليها حية ~~أو ميتة، ومكافأة سخية من صاحب الجلالة الملك. ~~«ما علاقة صاحب الجلالة باختفاء امرأة من عامة الناس؟!» # كان معروفا أن لا شيء يمكن أن يحدث في العالم دون أمر من صاحب الجلالة، مكتوب أو غير ~~مكتوب، لم يكن جلالته يعرف القراءة والكتابة، وكان ذلك نوعا من الامتياز، فما ms04 جدوى القراءة ~~والكتابة ؟! كان الأنبياء لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، فهل يمكن للملك أن يكون أفضل من ~~الأنبياء؟! # وكان هناك أيضا الآلة الكاتبة: وهي تدور بقوة الكهرباء. # وآلة كاتبة جديدة تدور بقوة النفط، وتكتب بجميع اللغات، وراء الآلة الكاتبة كان هناك كرسي ~~من الجلد يدور، من فوقه جلس مندوب البوليس، فوق رأسه تتدلى من الجدار صورة مكبرة لصاحب ~~الجلالة، داخل إطار من الذهب، حواشيه محلاة بحروف مقدسة. ~~- هل حدث أن خرجت زوجتك في إجازة من قبل؟ # أطبق زوجها شفتيه في صمت، اتسعت عيناه كمن يصحو من النوم فجأة، كان مرتديا منامة وعضلات ~~وجهه متهدلة، فرك عينيه بطرف أصبعه وتثاءب، كان جالسا فوق كرسي من الخشب ثابت في ~~الأرض. ~~- لا. ~~- هل حدث بينكما شجار؟ ~~- لا. ~~- هل خرجت عن طاعتك في يوم من الأيام؟ ~~- لا. # كان التحقيق يدور في غرفة مغلقة، لمبة حمراء معلقة فوق الباب، لا يخرج شيء إلى الصحف، ~~تحفظ التقارير داخل ملف سري له غلاف أسود، كتب عليه: ~~«امرأة تخرج في إجازة.» # مندوب البوليس كان جالسا فوق الكرسي المتحرك، يدور به فيصبح ظهره ناحية الجدار، وصورة ~~صاحب الجلالة في مواجهته، كان الكرسي الآخر ثابتا في الأرض، من فوقه جلس رجل آخر، ليس ~~زوجها وإنما رئيسها في العمل. ~~- هل كانت من النساء المشاغبات أو المتمردات على النظام؟ # رئيسها في العمل كان واضعا ساقا فوق ساق، بين شفتيه غليون أسود يلتوي إلى الأمام مثل ~~قرن البقرة، عيناه شاخصتان إلى أعلى. ~~- لا، كانت امرأة مطيعة تماما. ~~- هل يمكن أن تكون قد اختطفت أو اغتصبت؟ ~~- لا، كانت امرأة عادية لا تثير الرغبة في اغتصابها. ~~- ما معنى ذلك؟ ~~- أعني كانت امرأة مستسلمة لا تثير شهية أحد. # هز مندوب البوليس رأسه علامة الفهم، استدار بالكرسي فأصبح ظهره ناحية رئيسها، دق بأصابعه ~~فوق الآلة الكاتبة، تسربت رائحة غريبة تشبه الجاز المحروق، مد ذراعه وأدار المروحة، ثم ~~استدار بالكرسي. ~~- أتعتقد أنها هربت؟ ~~- ولماذا تهرب؟! # لم يكن أحد يعرف لماذا يمكن لامرأة أن تهرب؟ وإذا هربت فإلى أين ms05 تذهب؟ وهل يمكن أن تهرب ~~وحدها؟ ~~- أتظن أنها هربت مع رجل آخر؟ ~~- رجل آخر؟! ~~- نعم. ~~- لا يمكن. كانت امرأة شريفة تماما، ولا شيء يشغلها إلا العمل والبحث. ~~- البحث؟ ~~- كانت تعمل في البحوث بإدارة الحفريات. ~~- الحفريات! ما معنى هذا؟ ~~- الحفريات هي الآثار المكتشفة من حفر الأرض. ~~- مثل ماذا. ~~- تماثيل قديمة للآلهة القدامى مثل آمون، وإخناتون، أو الإلهات القديمات مثل نفرتيتي ~~وسخمت. ~~- سخمط! ما هذا؟ ~~- إلهة الموت القديمة. ~~- أعوذ بالله! # وجاء خبر من ناظر إحدى المحطات النائية، شوهدت امرأة تهبط إلى المركب، من فوق كتفيها ~~تتدلى حقيبة جلدية بحزام طويل، تشبه الطالبات أو الباحثات في الجامعة، كانت امرأة وحيدة ~~تماما بلا رجل، شيء يطل من حقيبتها له رأس حديدي مدبب يشبه الإزميل. # أصبح مندوب البوليس متوترا، ظهرت حبات العرق فوق جبينه، ضغط فوق زر أسود فازدادت ~~سرعة المروحة، كان لها عنق يدور حول نفسه، وهواء الغرفة شبه مخنوق. ~~- أكانت امرأة طبيعية؟! # فوق الكرسي الخشبي الثابت جلس رجل من علماء النفس، كان فمه يميل إلى الاعوجاج ناحية ~~اليسار، والغليون ذو القرن الملتوي يميل ناحية اليمين، عيناه شاخصتان إلى أعلى قليلا فوق ~~الجدار، كانت الصورة داخل الإطار المذهب، نفث الدخان كثيفا في وجه صاحب الجلالة، ثم انتبه ~~في توجس، وأدار رأسه إلى الناحية الأخرى حيث المروحة وأسدل جفنيه. ~~- لا أظن أنها كانت امرأة طبيعية. ~~- أتعني انشغالها بهذا البحث؟ ~~- نعم، غالبا ما يشير انشغال المرأة بأمور خارج البيت إلى مرض نفسي. ~~- ماذا تعني؟ ~~- امرأة شابة تنطلق في عمل بلا جدوى مثل جمع تماثيل قديمة؟! أليس ذلك دليلا على المرض أو ~~على الأقل الانحراف؟ ~~- انحراف؟ ~~- هذا الإزميل يكشف كل شيء. ~~- كيف؟ ~~- المرأة كي تعوض عن رغباتها التي لم يتم إشباعها تستمتع بغرس رأس الإزميل في الأرض ~~وكأنه عضو الرجل. # انتفض مندوب البوليس فوق الكرسي، دار به حول نفسه عدة دورات كالمروحة، تصلبت أصابعه فوق ~~الآلة الكاتبة وهو يدق كلمة «عضو الرجل»، توقف عن الكتابة واستدار بحركة سريعة. ~~- المسألة تبدو خطيرة! ~~- أجل ولي عدة مؤلفات في هذا ms06 المرض؛ فالمرأة منذ طفولتها تبحث عن هذا «العضو» دون جدوى، ~~ومع اليأس تتحول هذه الرغبة إلى رغبة أخرى. ~~- رغبة أخرى! مثل ماذا؟ ~~- مثل النظر إلى نفسها في المرآة، كنوع من الحب المهووس للذات. ~~- أعوذ بالله! ~~- وتميل المرأة إلى العزلة والصمت وأحيانا الرغبة في السرقة. ~~- السرقة؟ ~~- سرقة التحف النادرة والتماثيل القديمة، وخاصة تماثيل الإلهات الإناث، فهي تنجذب إلى ~~بنات جنسها دون الجنس الآخر. ~~- أعوذ بالله! ~~- وتراودها في الوقت ذاته رغبة ملحة في الاختفاء. ~~- الاختفاء؟! ~~- بمعنى آخر انجذاب شديد نحو الانتحار أو الموت. ~~- يا حفيظ! ~~- واقع الأمر إن النساء الباحثات عن الحفريات يشعرن بلذة شديدة حين يحفرن الأرض، ~~وينجذبن إلى رأس الإزميل أكثر مما تجذبهن رأس الإلهة نفرتيتي، ومهما كانت محاولتهن فإنهن ~~تعجزن عن تحويل عيونهن عن رأس الإزميل كأنما هو العضو المنشود. ~~- كفى! كفى! # بلغ التوتر بمندوب البوليس أقصاه، كف تماما عن التنفس، ثم بدأت أنفاسه تلهث، والكرسي ~~يدور به دون توقف. ثبت الكرسي، وأمسك زجاجة «الكوريكتر» وبدأ يمسح كلمة «العضو» من جميع ~~الأوراق، لكن الخبر تسرب إلى الصحف رغم اللمبة الحمراء، بدأ الصحفيون يكتبون عن الموضوع ~~بلا حياء، وكادت أخبار المرأة المختفية تحجب الأنظار عن الاحتفالات بعيد صاحب ~~الجلالة. # في اليوم التالي صدر الأمر الملكي: تحريم الإجازات على النسوة، وإذا خرجت المرأة في إجازة ~~محظور إيواؤها أو التستر عليها. ~~••• # ذلك الصباح من شهر سبتمبر هبطت امرأة في ربيع الشباب إلى المركب، كانت تلف شعرها الأسود ~~الغزير في ضفيرتين طويلتين، تدوران ثلاث مرات حول رأسها وتلتقيان فوق جبينها في عقدة كبيرة، ~~جسمها طويل نحيف داخل ثوب واسع إلى ما تحت الركبتين، يطل من تحته سروال واسع طويل ينتهي ~~برباط مشدود أعلى القدمين، من فوق كتفها تتدلى حقيبة لها حزام جلدي طويل، تشد بيدها فوق ~~الحزام، وتمضي في طريقها بخطوات واسعة، عيناها إلى أعلى، تبدو كالموشكة على الانطلاق نحو ~~مراكب الشمس. رمقها ناظر المحطة بفضول طبيعي، عند البوابة رآها تمد يدها للحارس بتذكرة ~~السفر، حملق فيها لحظة، ثم ردها إليها، وكانت هي ms07 قد انطلقت خارج المحطة، لم يكن في حركتها ~~شيء يثير الريبة، إلا ذلك الحماس غير المألوف بين النساء، وهي تتطلع نحو الشمس، بعينيها ~~العاريتين من أي غطاء، وشيء يطل من حقيبتها يشبه رأس إزميل. # أمام المحطة كانت المركبات واقفة كالعادة في انتظار الركاب، وانطلقت المرأة نحو واحدة ~~منها، ركبت بخطوات غير مترددة، واحتلت مقعدا في المؤخرة. # بقيت المرأة في المركبة حتى النهاية، حين هبط منها جميع الركاب هبطت هي الأخرى، وسارت على ~~قدميها، بدت معالم الطبيعة مزيجا من الألوان الغريبة، متنافرة ومتداخلة، خضرة العشب، صفرة ~~الصحراء، حمرة الصخور، زرقة السماء، بياض السحب. # واصلت السير بخطواتها الواسعة، تشد بيدها فوق الحزام المعلق فوق كتفها، كأنما تمضي ~~بإرادتها أو بغير إرادتها نحو هدف معين. # ولم تعد هناك قرى أو مساحات من الأرض المزروعة، حقول متناثرة وأشجار شوكية، ثم تغيرت ~~التربة فأصبحت صحراوية نوعا ما، ترابها أسود ناعم تشوبه حمرة داكنة، كأنما غرق في الدم ثم ~~جف تحت الشمس، علق بقدميها وهي تمشي، بين الحين والحين راحت كتل من أشجار النخيل أو البلح ~~تلقي بظلالها على الأرض، وظهرت وسط الرمال كأنما بطريق الصدفة بقعة محددة سوداء. # تحت ظل جدار توقفت المرأة ربما للمرة الأولى منذ هبطت من المركبة، مسحت وجهها بكم ~~ثوبها لتجفف العرق، راحت تحدق فيما حولها، خلعت عن كتفها الحزام الجلدي، وفتحت الحقيبة، ~~أمسكت بالإزميل في يدها اليمنى، والحقيبة في يدها اليسرى ثم شرعت في السير من جديد، نافضة ~~عن قدميها التراب، خبطت كعبيها في الأرض عدة خبطات، ولاحت من بعيد مساحة كبيرة من الماء ~~الأسود تشبه البحيرة الراكدة. # ثم اتسع الأفق وراء جبل منخفض، ظهرت قرية صغيرة بيوتها سوداء من الطين أو مادة أخرى تشبه ~~الطين، متلاصقة في كتلة واحدة فوق السطح أكوام كالتلال السوداء وبراميل مقلوبة، الأزقة ضيقة ~~مسدودة، بعض البيوت على هيئة أكواخ من الخشب أو الصفيح، ومساحة كبيرة من الأرض ~~العراء. # في الأفق كانت هناك قمة جبل، ومن تحتها تمتد القرية تخترقها مواسير ضخمة كالأنابيب، غارقة ~~فيما ms08 يشبه المياه السوداء ، وآبار لها فوهات واسعة يتدفق منها سائل يشبه الزئبق له رائحة ~~الجاز، امتزجت به رائحة البشر، وشيء أشبه بالسردين المملح أو الفسيخ، وكلاب ميتة في الطريق ~~صدمتها المركبات المسرعة في الليل. # انحدر الطريق ومعه المرأة، كانت تسير بخطواتها السريعة متجهة نحو هدفها، حقيبتها معلقة ~~بالحزام فوق كتفها، أطفال القرية يلعبون في البركة أمام الجامع، رجال عجائز جلسوا القرفصاء ~~على الأرض العراء، عكفوا على النظر إلى أصابع أقدامهم، ومن حين إلى حين يرفعون عيونهم إلى ~~السماء ويحدقون في اللاشيء، طابور طويل من النسوة المختفيات تحت العباءات السوداء يسرن ~~بخطوة بطيئة، فوق رءوسهن البراميل. # كفت النسوة عن الحركة، وهن يرقبن المرأة، لمعت عيونهن من خلال الثقوب الصغيرة، لكن ~~المرأة مضت في طريقها، الإزميل في يدها ولا شيء يعنيها إلا البحث، توفقت لحظة تمسح العرق ~~بكم ثوبها وتحملق حولها، كانت الأنابيب تلتوي وتمتد بلا نهاية، والطريق ينحدر إلى ~~البركة، أخرجت من حقيبتها خريطة صغيرة نظرت فيها طويلا ثم رفعت إلى السماء عينين شبه ~~غائمتين، في تلك اللحظة مرت بها طفلة من القرية، كانت ترتدي العباءة السوداء ولا شيء يظهر ~~منها إلا عينان صغيرتان، سألتها عن الطريق لكن الطفلة انتفضت وابتعدت مسرعة. # بدت الحيرة على وجهها، ونوع من الاضطراب، كان الأفق يتسع وبعض طيور تحلق في الجو، حركة ~~الأجنحة ومن خلفها زرقة السماء أعادت إلى نفسها بعض الثقة، الطريق يبدو أمامها مأمونا، لكن ~~الأرض تزداد بلولة وتلين تحت قدميها، والقرية بدت كأنما تغوص إلى أغوار البركة. # من مكانها حيث وقفت حملقت حولها، أي قرية هذي؟ حركت قدميها لتواصل السير لكن عاصفة ~~هبت فجأة كادت تقتلعها من الأرض، لولا أنها ثبتت قدميها، وأمسكت في جدار راح يهتز ~~تحت ثقل جسمها. # أفاقت على أصوات تشبه الغمغمة، رأت الطفلة واقفة من بعيد تتحدث إلى طفلة أخرى، تقرب كل ~~منهما رأسها ثم تنظران ناحيتها، أرادت أن تنادي عليهما وتسألهما عن اسم القرية، زعقت بأعلى ~~صوتها، رأتهما تستديران، وأدركت من ظهرهما المقوس أنهما امرأتان عجوزتان. # نظرت ms09 إلى الساعة في يدها، كانت السابعة وعشرين دقيقة، ضربت الأرض بالإزميل، وخطر لها ~~سؤال، أيمكن حقا أن تعيش الإلهات تحت سطح الأرض؟ ألا يكون ذلك مجرد خدعة بقصد استدراجها ~~إلى هذا المكان؟ # أغمضت عينيها فيما يشبه النوم، رأت الغرفة المربعة الأركان العارية من الأثاث، والسرير من ~~الخشب يتسع لاثنين يعلوه غطاء أصفر باهت، بقعة دم قديمة فوق الغطاء، رف عليه بعض كتب عن ~~الحفريات، وتمثال صغير من الحجر للإله ذي الثدي الواحد، وصورة الإله إخناتون له ثديان ~~بارزان وردفان كبيران. # من وراء دخان الغليون يرمقها رئيسها في العمل، كان يؤمن بأن الإله الذكر يمكن أن يكون له ~~ثدي أو ثديان، لم يكن يؤمن بوجود الإلهات، وإن وجدت واحدة فهي زوجة الإله وليست إلهة ~~حقيقية. # زميلاتها وزملاؤها في القسم كانوا يؤمنون بما يؤمن به رئيسهم، جاءوا إلى قسم الحفريات عن ~~طريق اليأس، يمطون شفاههم حين ينطقون الكلمة، «حفريات»، تجذبهم الموميات أكثر مما تجذبهم ~~الكائنات الحية، عيونهم تتجه إلى أسفل كأنما إلى بطن الأرض، تكاد تكون مشيتهم واحدة، العنق ~~يبدو ملتويا والجفن مسدل فوق العين، عظمة الأنف منكسة، الردفان سمينان متهدلان من طول ~~الجلوس وراء المكتب. # رفعت عينيها إلى السماء، رأت النجوم والكواكب ثابتة في مكانها القديم منذ كانت طفلة، ~~خالتها كانت تشير بأصبعها إلى نجم بعيد لا تكاد تراه، هذا هو المريخ، وهذا هو عطارد، ~~والمشترى، زحل، لكن هذه هي ست الكل الزهرة. ~~••• # تعلقت عيناها بالنجمة، وفجأة بدأت الحركة، انطلقت الزهرة من مكانها وعبرت السماء، ~~ذيلها من خلفها رفيع طويل، ثم بدأت النجوم تتباعد بعضها عن البعض، تجري هنا وهناك ولها ~~أشكال الحيوانات، كان هناك نجم يشبه الثور، وآخر يشبه الأسد، والحوت، والعقرب. # الأرض أيضا بدأت تتحرك تحت قدميها، حملقت فيما حولها، كان رجل يمشي من بعيد بظهر ~~منحن، رأسه ملفوف بغطاء أبيض. ~~- أهو زلزال يا عم؟ ~~- لا، إنه الثور يحرك قرنيه، وتنتقل الأرض من قرن إلى قرن. # كان صوت الرجل واضحا كأنما يتحدث مباشرة في أذنيها، ومع ذلك بدا كأنما ms10 يأتي من قاع بئر، ~~كان يبتعد في حركة المشي البطيئة، لا ترى منه إلا الظهر المحني، يختفي شيئا فشيئا داخل ~~سحب كالشبورة. # صاحت بأعلى صوتها تنادي عليه، لكن صيحتها كانت تتبدد. # ثم رنت ضحكة مكتومة، إنها الطفلة العجوز واقفة داخل عباءتها، عيناها الصغيرتان تلمعان ~~من داخل الثقبين. ~~- ليس الثور يا أختي. ~~- ما هو؟ # استدارت الطفلة واختفت داخل غيمة من الغبار كالدخان، في مكانها وقفت تثبت قدميها في ~~الأرض، أمسكت حزام الحقيبة وراحت تشد عليه، ليس أمامها إلا الثبات في مواجهة هذه الحركة ~~المجنونة. # رفعت عينيها إلى الأفق، كانت المساحات السوداء تمتد أمامها كالصحراء اللانهائية، رمالها ~~متحركة لونها أسود، والهواء شديد الجفاف، سطح لسانها تشقق، وعيناها تبحثان في الظلمة عن ~~قطرة ماء، لمحت شيئا يتحرك، حية صغيرة تشبه الحرباء، عينها تلمع، تزحف فوق بطنها وبشرتها ~~سوداء، حركتها رشيقة، قفزاتها خفيفة مرحة، كأنما تبتهج بقدرتها على تغيير لونها. # تراخت قبضتها حول حزام الحقيبة، ربما لا يكون الثبات هو المطلوب، تركت نفسها للريح، حركة ~~لم يألفها جسمها أول الأمر، بدا ثقيلا، ثم أصبح أقل وزنا، أغمضت عينيها فيما يشبه ~~الاستسلام. # إحساس جديد بدأ يتسرب إليها على استحياء، كان الجو حارا، مع كل خطوة يعلق غبار أسود ~~بحذائها، تتوقف لحظة، تخبط كعبيها أحدهما في الآخر، تفك الضفيرتين من حول رأسها، تنفضهما، ~~تخبط الواحدة بالأخرى، تتطاير من حولها الذرات السوداء، تلتصق بأنفها وجبهتها كأنما تجذبها ~~رائحة العرق. # جلست القرفصاء دون أن تلامس مؤخرتها الأرض، ولم تشأ أن تلوث ثوبها، فتحت الحقيبة وأخرجت ~~الإزميل، ضربت الأرض عدة ضربات، لكن الرائحة كانت غير محتملة، وضعت المنديل فوق أنفها، ~~عنقها يلتوي إلى أسفل، في القاع البعيد كانت الأرض تتسع، والظلمة تزداد كثافة، وهي تمشي نحو ~~القاع، من يراها يظن أنها لم تكن تمشي، ارتطمت يدها بجدار من الطين، يشبه جدران البيوت في ~~القرية، سمعت في الداخل أصواتا، كانت واقفة تستند بيدها على الجدار، يدها الثانية تقبض على ~~الإزميل، وأنفاسها تلهث. # انفتح باب في الجدار، أحدث صوتا يشبه صرير ms11 الساقية، مفاصل حديدية صدئة أو طقطقة خشب ~~قديم، وظهرت امرأة شابة داخل عباءة سوداء تحمل فوق رأسها برميلا ضخم الحجم، منتفخ البطن ~~يداها مشققتان، قدماها كبيرتان داخل خف جلدي، كعباها يطلان لونهما أسود، تلف رأسها بمنديل ~~أسود مربوط فوق جبينها على شكل عقدة، حاملة فوق رأسها البرميل بشكل مائل، مملوء حتى الحافة ~~يوشك على السقوط، دون أن يسقط، تلوي وتحرك رأسها دون أن تمسكه بيدها، دون أن تسقط منه قطرة ~~واحدة. # كانت المرأة تحملق إلى الإزميل في يدها، لم تر في حياتها امرأة تحمل آلة حادة، تراجعت ~~إلى الوراء خطوة. ~~- إنه إزميل. ~~- ماذا يا أختي؟ ~~- أحفر به الأرض وأبحث عن الإلهات. ~~- ماذا؟ ~~- الإلهة سخمت مثلا. ~~- سخماط؟! # أصاب المرأة اضطراب، بدأ جسدها ينتفض، لكن البرميل كان ثابتا في مكانه، متربعا فوق ~~رأسها رابط الجأش. ~~- قليل من الماء أرجوك. ~~- ماذا؟ ~~- ماء ... ماء ... # راحت تصرخ وهي تردد: ماء ... ماء ... والمرأة واقفة ترمقها بعينين متسعتين من خلال الثقبين، ~~كأنما هي ترى قطعة من الغنم تمأمئ، هبت في تلك اللحظة عاصفة جديدة كادت تقتلعها من ~~الأرض، والمرأة واقفة تهز رأسها والبرميل ثابت متربع فوق رأسها. ~~- من أنت؟ # رأت الشك في عيني المرأة، أخرجت من حقيبتها بطاقتها الشخصية، الاسم، والجنس، ولون ~~العينين، والمهنة، باحثة في قسم الحفريات، حسنة السير والسلوك، متزوجة، بدون أطفال، ~~تقاريرها السرية لا غبار عليها، سددت أقساط التأمينات والضرائب، ليس عليها ديون، وليس لها ~~سوابق، لم تصدر ضدها أحكام حتى الآن. # حملقت المرأة في البطاقة كأنما لا تعرف القراءة، تأملت صورتها المشبوكة بدبوس. ~~- لماذا لا تسترين وجهك؟ أليس عندك حياء؟! # أعادت إليها البطاقة واستدارت، مضت بخطوة بطيئة مبتعدة على امتداد المنخفض، تمصمص بشفتيها ~~وتطرقع بالخف الجلدي، كعباها أسودان يحركان الغبار في الجو، فوق ظهرها نتوء يشبه صنم الجمل، ~~من حولها تجمعت النسوة فوق رءوسهن البراميل، تقرب كل منهن رأسها من الأخرى، يدور الهمس ~~بصوت كالغمغمة، نهضت واحدة منهن، بدت من بعيد كالطفلة، عادت بعد لحظة ومن حولها عدد من ~~الرجال، يرتدون الجلاليب الواسعة، ms12 فوق رءوسهم أغطية بيضاء. # ظلت أصوات النساء منخفضة لا تزيد عن الهمس، ارتفعت أصوات الرجال، كانوا يتكلمون في نفس ~~واحد، كل منهم يحرك ذراعيه في الهواء، يضرب الأرض بقدميه، غبار كثيف يتصاعد، ثم توقفت ~~الأصوات كلها فجأة، عم الصمت، لم تسمع فيه إلا نباح كلب من بعيد، استدارت لتمضي في طريقها، ~~أسرعت الخطى تشد بيدها فوق الحزام المعلق على كتفها، لكن الأصوات كانت تتبعها، واستوقفها ~~رجل يلف حول عنقه كوفية سوداء، فوق وجهه التصق ذرات سوداء كالنمش. ~~- إنت يا مره! # ارتطمت كلمة «مره» بأذنيها مثل شفرة زجاج، تصلبت عضلات وجهها، كيف يمكن لرجل أن ~~يستوقفها في الطريق ويسبها، أدارت له ظهرها ومضت في طريقها، تبعها وهو يضرب الأرض بقدميه، ~~صوته لا يكف عن ترديد تلك الكلمة النابية. # مد ذراعه الطويلة كالعصا الخشبية وأمسك ذراعها، قرب فمه من أذنها وراح يزعق: يا مره! ~~رائحة نفاذة تدفقت من فمه، خليط من اللعاب الأسود يسيل من الزاوية بين الشفتين. ~~- من أنت؟ ~~- أنا باحثة محترمة و... ~~- من أين أتيت؟! # استدارت وأشارت برأسها إلى الطريق الذي جاءت منه، بدا مثل سرداب طويل مظلم، طمسته المياه ~~السوداء كالطوفان، أغمضت عينيها ثم فتحتهما. ~~- خرجت في إجازة و... ~~- لم نسمع هذا من قبل. ~~- يمكنني العودة. ~~- لا يوجد طريق في هذا الوقت. ~~- أيمكنني تأجير غرفة حتى الصباح؟ ~~- أنت وحدك؟ # هز الرجل رأسه عدة مرات: لا يمكن، ابتعد عنها يضرب الأرض بقدميه. # فتحت الحقيبة وأخرجت الخريطة، هل أخطأت المكان؟ انحنى جسمها فوق الأرض، بدت لمن يراها من ~~بعيد أنها مقبلة على النوم، لكنها استغرقت طويلا في تحديد المكان، عثرت على بقعة حددتها ~~بالقلم، أمسكت الإزميل وحفرت. # تدلى رأسها وهي تحفر فيما يشبه الإعياء، ربما كان المكان صحيحا وقد تكون واحدة من ~~الإلهات مختفية، لكن الظلمة حالكة والذرات السوداء تتراقص أمام عينيها، أزاحت الطين ولمحت ~~شيئا يشبه قرن بقرة، قبل أن تمتد ذراعها سمعت الأصوات من خلفها؛ طابور من الرجال يطل ~~عليها، يرتدون الجلاليب، رءوسهم ملفوفة بغطاء أبيض، من خلفهم طابور ms13 من النسوة داخل العباءات ~~السوداء، أخرجت واحدة من تحت العباءة ثديها العاري، أخذت تشد الحلمة السوداء بين أصبعها ~~حتى اندفع من الثقب خرطوم رفيع أسود اللون، ثم أخرجت من تحت العباءة طفلا صغيرا، قبض ~~بكفيه الصغيرين على الحلمة وراح يرضع بصوت مسموع. # أصوات الرجال بدأت تنخفض كأصوات النسوة، جلسوا القرفصاء على شكل حلقة، في الوسط حجر كبير ~~جلس عليه رئيسهم، في أصبعه الصغير خاتم تلمع من فوق رأسه صورة لصاحب الجلالة، تحوطها ~~اللمبات الملونة، ومكبر للصوت على شكل القمع. ~~- بمناسبة عيد صاحب الجلالة أمرنا بالصرف. # الصوت هو صوت جلالته، شفتاه تتحركان في الصورة، فركوا عيونهم بأصابعهم، زوايا الجفون ~~متآكلة يشوبها الاحمرار، يتبادلون النظرات، يرددون في نفس واحد: «قادر على كل شيء.» ثم يدب ~~الصمت، يدعك كل منهم زاوية عينه، يتأمل الذرات السوداء العالقة بطرف أصبعه، يمسحه في ~~جلبابه، ثم يدعك عينه الثانية. # غمغم صوت صاحب الجلالة من خلال القمع، كلماته متآكلة الحروف، لسانه معوج، ولم يفهم أحد ~~ماذا يقول، هز رئيسهم رأسه علامة الإعجاب، هزوا رءوسهم، ثم توقف رأسه عن الاهتزاز، توقفت ~~رءوسهم، نهض من فوق مقعده، فنهضوا، اختفى في عتمة الليل واختفوا من خلفه، ومن خلفهم ~~النسوة. # لم يبق إلا صورة صاحب الجلالة، معلقة في السماء بلا أعمدة، ومن فوقها البوق، ورجل واحد ~~يكنس الأرض، اقترب منها بخطوات بطيئة، كان هو الرجل ذو النمش، والكوفية السوداء، تمخط بصوت ~~عال. ~~- لا بد من إخلاء المكان. ~~- وأين أبيت؟ ~~- تعالي معي. # قادها إلى الطريق المنحدر، يسبقها بخطوة أو أكثر، كلما أسرعت لتمشي إلى جواره ترمقها ~~عيناه فتبطئ السير لتصبح في المؤخرة، هبط المزلقان يلقي بنصفه الأعلى إلى الأمام، ويده تهرش ~~ظهره. # كانت تتبعه فوق كتفها حزام الحقيبة، تمسكه بأصابعها كأنما يحميها من السقوط، في يدها ~~الثانية الإزميل، ينتفض بانتفاضة جسمها ويبدو في الظلمة كأنما هو ينتفض وحده. # انحدر الطريق وازدادت الأرض سيولة، الرائحة النفاذة تشتد، قدماها تغوصان حتى الركبتين، ~~شمر الرجل جلبابه وربطه حول وسطه، ثم قفز داخل مركب، قفزت وراءه فاهتز ms14 المركب، كادت تسقط ~~لولا حركة من ذراعها استعادت بها توازنها. # بدا لها المشهد طبيعيا، لولا الرائحة النفاذة، الذرات السوداء المتطايرة تدخل أنفها ~~وأذنيها، وتلتصق بزوايا جفونها، الظلمة تتراكم أمام عينيها كالتلال، والصمت، إلا صوت ~~المجداف يخبط في بحر أسود لا نهائي. # بدأ الرجل يدعك عينيه وهو يغني: # يا واهب الحياة # يا قابض الروح # ارحمنا من الطوفان # يا مفرج الكرب. # عيناه وهو يغني شاخصتان نحو الأفق، يحك زاوية عينه بطرف أصبعه ثم يقرب أصبعه من عينه، ~~يتأمله طويلا قبل أن يمسحه في جلبابه، ثم بدأ يهرش ظهره وتحت الإبط وما بين الفخذين، صوت ~~غنائه يسري في الليل حزينا، إلا في لحظات متقطعة، حين ينتفض كأنما بلذة مفاجئة. # أوقف المركب عند كتلة من الظلام تشبه الجدار، انحنى باتجاه الظلمة، تنحنح بصوت عال ~~معلنا عن مجيئه، لم يسمع إلا نباح كلب، صاح وهو يدق على الباب: «افتح يا أخي.» # من وراء الباب جاءت نحنحة رجل آخر، ومن أعماق الظلمة انفتح الباب، اندفعت الرائحة تؤلم ~~غشاء الأنف، ظهرت شعلة صغيرة تهتز في يد كبيرة، وصوت متحشرج يخرج من الحلق: «ادخلي يا ~~مره.» # واقفة في مكانها لا شيء فيها يتحرك إلا عنقها، يلتوي إلى أعلى نحو السماء، تبحث عن ~~الهواء، من فوق كتفها الحزام تشده كأنما تشد ذاكرتها من الظلمة، كيف جاءت إلى هنا؟ # ارتفع صوته أكثر: «ألا تسمعين الكلام؟» # حركت قدميها ودخلت، اجتازت عتبة منخفضة مألوفة الشكل، لكن البيت كان يهتز تحت قدميها ~~كأنما هو مركب، انغلق الباب من خلفها فاستدارت، لم يكن الرجل ذو النمش الأسود هناك، وسمعت ~~صوت المجداف يتحرك مبتعدا، انخرط الرجل في سعال متقطع ثم تمخط بصوت عال، تراجعت إلى ~~الوراء خطوة، بدت في فزعها كأنما ترتد إلى الطفولة، وانطلقت من فمها صرخة، والضوء شاحب لا ~~تكاد ترى شيئا، دعكت بطرف أصبعها عينها، الغرفة عارية من الأثاث والمقعد ثابت في الأرض، ~~ساورها الشك، ألم تغادر قط مكانها؟ ~~- اخلعي ملابسك. # لم يعد صوته غريبا على أذنيها، صوت الريح يضرب النافذة، خيوط ms15 من السائل الأسود تزحف من ~~تحت عقب الباب، قطرات سوداء كالمطر تتساقط من السقف. # لم تكن في حقيقة الأمر نافذة، مجرد ألواح من الخشب، والأرض لم تكن أرضا، وإنما هي ~~الألواح تئن تحت قدميها مثل القطط المريضة، تند عنها بلولة كالعرق يلتصق بكعب حذائها، أو ~~بطن قدميها إذا خلعت الحذاء. ~~- الرائحة غير محتملة؟ # وضعت المنديل فوق أنفها وأغمضت عينيها، صوته متحشرج بعيد، كأنما يأتي من العالم الآخر، ~~جالس فوق مقعده الخشبي، لا ترى منه إلا قدميه وركبتيه داخل المنامة، نصفه الأعلى يختفي وراء ~~الصحيفة، حروف سوداء من الرصاص، السطر وراء السطر، مصبوبة في خطوط أفقية دقيقة. ~~- مطلوب باحثون بقسم الحفريات. ~~••• # دقت الطلب على الآلة الكاتبة، ملأت خانة الاسم والسن، والديانة، وفي خانة الجنس دقت أربعة ~~حروف «أنثى»، رمقها رئيس القسم بعيون متسعة. ~~- هذا القسم لا يقبل إلا الذكور، فالعمل غير ملائم. أعني حفر الأرض. ~~- كانت خالتي تحفر الأرض، وأمي كانت أيضا تحفر الأرض، وتزرع و... ~~- الحفريات شيء آخر، أعني البحث عن الآلهة في بطن الأرض. ~~- الآلهة في السماء، أليس كذلك؟ ~~- لكن هناك آلهة أخرى، ألم تقرئي شيئا عن الحفريات؟! # انتبهت إلى شيء يزحف تحت قدمها، أصبع ناعم طويل يشبه ذيل الثعبان، يلتوي وينثني ويحفر ~~لنفسه طريقا هابطا من السقف، سرسوب من السائل الأسود، تجمعت حوله جيوش من النمل والأبراص ~~والسحالي، وصراصير تشبه الخنافس لها أجنحة ترفرف فيما يشبه المرح. # سمعت صوته من وراء الصحيفة، كان يكلم نفسه، أو يقرأ أحد المانشيتات بصوت مسموع، دبت بعض ~~الحركة في الغرفة الغارقة في الظلمة، أشاعت بعض البهجة تلك الأجنحة الصغيرة، ترفرف حول ~~ذؤابة الضوء، مدت ساقيها فوق مقعد منخفض، قدماها متورمتان من طول السير، حقيبتها فوق كتفها ~~تتدلى من الحزام، والإزميل داخل الحقيبة بطبيعة الحال، عيناها تحملقان حولها تستكشف المكان، ~~فوق الجدار الأسود رأتها مرة أخرى، السحلية السوداء أو الحرباء، رمقتها بعينين صغيرتين، ~~أصبحت بينهما ألفة. # تنحنح الرجل بصوت مسموع، اختفت السحلية داخل الشق، لم تعرف كيف رآها من خلف الصحيفة، نصفه ~~الأعلى ms16 كان مختفيا تماما ، لا يظهر منه إلا قدماه وركبتاه داخل المنامة، ربما هي قرون ~~الاستشعار، يتوجس لأي صداقة قد تنشأ بينها وبين كائن آخر. ~~- جهزي العشاء. # قالها بلهجة من استأجر امرأة للطهي، لم تكن هناك خانة في الطلب الذي دقته على الآلة. في ~~خانة العمل كتبت: باحثة عن الإلهات. ~~- أنا جائع! # صاح بصوت عال، وهي جالسة ممدودة الساقين، قدماها ملتهبتان تسلخ عنهما الجلد، تكسوه ~~طبقة سوداء. # في المطبخ كانت النافذة مسدودة، ألواح خشبية مدقوقة بالمسامير، ورق الصحف مضغوط بين ~~الشقوق، مكوم وراء الباب يمنع دخول السرسوب من تحت العقب، وصنبور الماء مسدود بورق ~~الصحف. # وهي واقفة أمام الحوض أحست بالرجل خلفها، أنفاسه فوق مؤخرة عنقها، لم تعرف كيف تشعل ~~الموقد، ناولها شيئا يشبه المسدس، تضغط عليه بالإبهام فيطرقع والشرارة تنطلق، ضحكت ~~كالطفلة. # أشياء صغيرة كانت تضحكها، تتبدد الظلمة ويلمع في الأفق ضوء، رأته يلوي عنقه إلى أعلى ~~بكبرياء، تابعت بعينيها نظرته حتى السقف، كان السرسوب الأسود يزحف. ~~- ما هذا؟ ~~- ألا تعرفين ما هذا؟ ~~- لا. ~~- إنه النفط. ~~- أيتسرب النفط من السقف؟! ~~- بالطبع، حين يرتفع المنسوب في الأرض أو يهطل من السماء. ~~- أتمطره السماء أيضا؟ ~~- تعطي السماء من تشاء بغير حساب. # في المدرسة وهي طفلة عرفت أن النفط لا يوجد إلا في بطن الأرض، عبر ملايين السنين يتوالد ~~من الأجسام الميتة، تتحلل بسبب الحرارة، وكائنات صغيرة اسمها البكتريا، وذرات التراب ~~والرمل، وغبار المعادن، كل ذلك يتحلل إلى قطرات دقيقة تشرب الماء، تختزن في طبقات ~~كالإسفنج، تنساب إليها الرمال وصخور جبرية متشققة، تحبس بين حبيباتها، وتخزنه في الشقوق ~~داخل طبقات عازلة تحول دون تسربه إلى أعلى، وطبقة من المياه في جوف الأرض، يطفو فوقها، تحول ~~دون تسربه إلى أسفل كالمصيدة، تنغلق عليه الأبواب من جميع الجهات تمنعه من الخروج إلى سطح ~~الأرض، إلا إذا اهتزت بفعل زلزال أو بركان أو قنبلة تسقط في الحرب. # أطبقت شفتيها في صمت، كان عنقه لا يزال ملويا إلى أعلى يخاطب السماء كأنما هي واحدة من ~~الإلهات. رفعت ms17 راسها فارتطم به من الخلف، كان واقفا وراءها، يحتك بها دونما حياء، انكمشت ~~داخل جسدها في حرج، لم يكن في عقد العمل خانة لهذه الأشياء، أشاع انكماشها في نفسه الثقة، ~~فالتصق بها أكثر، أنفاسه تلفح عنقها من المؤخرة، ذراعه امتدت ودارت حول صدرها، ثم استقرت ~~يده فوق النهد الأيسر، رأت أظافره سوداء تفوح منها رائحة النفط. ~~- ألا تأخذ حماما أولا؟ ~~- ماذا؟ # بدا عليه الغضب، لم يحدث من قبل أن بلغت امرأة هذه الجرأة، كادت يده ترتفع وتسقط فوق ~~وجهها، ربما ارتفعت فعلا، ثم تراجع إلى الخلف، أدركه الإعياء فجأة، أشار إلى زجاجة صغيرة ~~فوق رف خشبي، فتح فمه عن آخره حتى رأت اللهاة الحمراء تنتفض في حلقه. ~~- أربع نقط. # سكبت في حلقه أربع قطرات، أغمض عينيه طويلا، ثم فتحهما، لعق شفته السفلى بطرف ~~لسانه. ~~- أهو ماء؟ ~~- لا، نوع مقطر من النفط يروي أكثر من الماء، ويطهر الأمعاء، افتحي فمك. # سكب في فمها القطرة الأولى ثم الثانية، أرادت القطرة الثالثة والرابعة، تشبثت بالزجاجة ~~تقبض عليها بأصابعها الخمسة، لكنه شدها منها وخبأها. ~~- لك نقطتان فقط حسب القانون. # أطرقت برأسها، إرهاق أشبه بالاستغراق، كأنما سمعت عن هذا القانون من قبل، وسقطت في ~~النوم، رأت نفسها تستحم في مياه دافئة، السماء زرقاء صافية، والحقول خضراء، في أنفها رائحة ~~الزرع، تجلس فوق الجسر عند الغروب تنتظر ظهور الأضواء. # فتحت عينيها على شيء يحرق تحت الجفن، كانت الغرفة تغرق في الظلمة، ضوء خافت ينبعث من ~~ذؤابة متهالكة، وهو جالس في مكانه وراء الصحيفة المفتوحة، قدماه حافيتان فوق البلاط. # أخفت حقيبتها تحت إبطها، سارت تجر قدميها إلى المطبخ، عادت وفي يدها كوب من الشاي الأسود، ~~مد ذراعه وأمسك الكوب دون أن ينطق، وراح فيما يشبه النعاس وهو جالس، كانت الصحيفة متكورة ~~فوق الأرض، فتحتها تقلب الصفحة وراء الصفحة. ~~«امرأة خرجت في إجازة ولم تعد، محظور إيواؤها أو التستر عليها حسب القانون.» # علقت الحقيبة فوق كتفها بلا صوت، شدت الباب بحذر وخرجت، صوت الريح يعوي كصوت الذئاب ~~الجائعة، ms18 قدماها تغوصان مع كل خطوة، لا تعرف السائل من اليابس، تتسند على الجدران كما كانت ~~تفعل وهي طفلة، قبل أن تتعلم المشي، خالتها تمسك يدها: «تاتا خطي العتبة. هيلا هوب هيلا. يا ستنا الطاهرة.» # وهي طفلة لم تعرف من هي الست الطاهرة، ربما كانت مريم العذراء، في ظلمة الليل كانت روحها ~~ترفرف أحيانا فوق أسطح القرية، فيعود البصر إلى بعض العيون العمياء، وتدب الحركة في بعض ~~السيقان الكسيحة، أو ربما كانت هي السيدة زينب، الوحيدة من الأنبياء القادرة على شفاء ~~خالتها من الوجع. ~~- ماذا تقولين؟ ~~- سأكون نبية؛ لأشفي الناس من الأمراض. ~~- هل فقدت عقلك؟ لا يوجد بين الأنبياء امرأة واحدة! # صوته كان يرن في أذنيها واضحا، يبدد أحلامها، صوت رجل، ربما هو زوجها أو رئيسها في ~~العمل، في امتحان الدخول كان جالسا وراء مكتبه. # بين شفتيه الغليون الأسود يهتز وهو يسألها السؤال وراء السؤال: ماذا تعرفين عن «نمو» إلهة ~~المياه الأولى؟ ~~- نمو؟ ~~- و«إنانا» إلهة الطبيعة والخصب؟ ~~- إنانا؟ ~~- و«سخمت» إلهة الموت؟ # لم تكن تعرف أن هناك شيئا اسمه إلهات، الأنبياء جميعهم رجال وليس بينهم امرأة واحدة، كيف ~~إذن يكون بين الآلهة إناث؟! وأيهما أعلى درجة، النبي أو الإله؟ أما إله الموت فقد كان اسمه ~~عزرائيل بالمذكر وليس سخمت بالمؤنث. # تحت ضوء اللمبة كانت تقرأ، وهو جالس في مكانه المعتاد، يختفي نصفه الأعلى وراء ~~الصحيفة. ~~- أتقرئين؟ # لم يكن يظهر منه إلا القدمان والساقان، ركبتاه بارزتان مدببتان من تحت المنامة، أتكون ~~عيناه في ركبتيه؟ ما إن تفتح الكتاب وتقرأ حتى تراهما تهتزان، تتوجسان! ~~- اتركي الكتاب. ~~- الامتحان غدا ولم أكمل القراءة، و... ~~- أنا جعان. # نظرت للساعة في يدها، التاسعة وعشر دقائق، جهزت له الأكل منذ ساعة واحدة، كيف يجوع بهذه ~~السرعة؟ وإن جاع فالوعاء فوق الموقد، والمطبخ على بعد ثلاث خطوات، رآه جالسا يهز ركبتيه، ~~يحرك قدميه في الهواء، يطرقع أصابعه. ~~- عطشان. # لم يكف عن الطلب، كالطفل، لا يستطيع أن يطعم نفسه، ولا يسقي نفسه، ما إن يراها تفتح ~~الكتاب حتى يصيح، كأنما الكتاب ms19 رجل آخر يأخذها منه. # تخفي الكتاب تحت الوسادة، تنتظر حتى ينام، ويغرق في النوم، يتصاعد الشخير بذلك الإيقاع ~~المنتظم، تفتح الكتاب وتقرأ، كانت هناك وصية من الإلهة الأم إلى ابنتها: «لا تنسي أمك. ~~احمليها كما حملتك. حملتك في بطنها طول السنة. أعطتك حياتها وماتت.» # في هدأة الليل يسري الصوت في أذنيها، لم تسمع صوت أمها إلا وهي جنين في الرحم. # تراه يتقلب في نومه كأنما يسمع الصوت، تنتصب شعيراته في توجس، يفتح عينيه فجأة فتخفي ~~الكتاب، ينقلب على الجنب الآخر ويعاود النوم، ترقد في مكانها تنتظر، لا تعرف إن كان نائما ~~أو متظاهرا بالنوم، أنفاسه لم ترتفع بعد، وإيقاع الشخير لم ينتظم. ~~- صاحية؟ # تغمض عينيها وتطبق شفتيها، تترك أنفاسها تعلو وتهبط، ثم تسقط في النوم، يتهاوى جسدها ~~إلى أسفل كأنما سقط في بئر. ~~••• # كان كل شيء يغدو مبللا، حتى أغطية الفراش، بلولة سوداء نفاذة الرائحة، رأته يجثو على ~~يديه وقدميه، ثم مد ذراعه نحوها، راح يحدق في وجهها دون أن يغير وضعه، شفتاه منفرجتان على ~~نحو غير طبيعي، يكشف عن الشعر فوق صدره. # أدركت أنه سيمضي قدما في تلك اللعبة، فانقبضت عضلاتها وأحكمت إغلاق جسدها، أطبقت شفتيها ~~وتظاهرت بالنوم. # اشتد تدفق السائل الأسود بصوت كالشلال، ارتفع حتى ركبتيه وهو جالس، نهض بجسد ثقيل يتثاءب، ~~يدعك عينيه، تمخط في الحوض، أحضر من المطبخ مغرفة الأكل، بدأ يغرف من الأرض، ينحني بجذعه ~~إلى أسفل، يملأ المغرفة، يرفعها بذراعيه، ومعها نصفه الأعلى، ويفرغها في البرميل، يملأ ~~البرميل وراء البرميل دون توقف. ~~- المنسوب يرتفع بشكل مفزع! ~~- خير من عند الله. ~~- إني أختنق. ~~- لا تقفي هكذا، اهبطي بركبتيك. # جعلها تبرك كالجمل، عصر خرقة بالية، ثم لفها على شكل دائرة، وضعها فوق رأسها، ثبتها ~~بدقات متتابعة، كأنما يدق مسمارا في جدار، انثنى بنصفه الأعلى مثبتا قدميه في الأرض، ~~رفع البرميل بذراعيه الاثنين ثم وضعه فوق رأسها، التوى عنقها تحت الثقل، وكاد البرميل يسقط، ~~هبت الريح فأمالت البرميل إلى جانب، تركته مائلا وحركت قدميها، القدم وراء القدم، ms20 حركة ~~السير العادية، الطريق أمامها كأنما مشت فيه من قبل، هذا الطابور من النسوة تعرفه، وهي ~~واحدة من الطابور، يسرن بخطوة بطيئة ثابتة كالزمن، تزداد العاصفة والشلال يهدر، أجسادهن ~~تهتز كالقشة في مهب الريح، كل شيء يهتز، إلا البرميل فوق الرأس، يظل ثابتا في مكانه، رابط ~~الجأش. # كانت تعود بجسد منهك، تتكور فوق الأرض، ركبتاها تحت ذقنها، حقيبتها تحت رأسها، حلقها جاف ~~ولسانها تشقق، تفتح عينيها في الظلمة، تبحث عن الزجاجة، لم تكن في أي مكان، تعود إلى النوم، ~~ثم تصحو على الصوت، كان قد اصطاد حيوانا يشبه الخروف أو الماعزة، ذبحها بالسكين، تدفق الدم ~~كالنافورة، العينان تنظران نحوها، تستنجدان بها، وصوته يزأر. ~~- هيا، اطبخي! ~~- أنا لا آكل اللحم. ~~- ليس من الضروري أن تأكليه، عليك أن تطبخيه! ~~- لن أطبخه! # مد ذراعه الطويل بالسكين، رمقت النصل اللامع، فالتوى عنقها إلى أسفل، انكمشت داخل جسدها ~~تخفي رقبتها بيديها الاثنتين. # جرت جسدا ثقيلا إلى المطبخ، مسحت الدم حول العنق، أشعلت الموقد ووضعت الوعاء، تصاعد ~~البخار حتى السقف، أحست به واقفا خلفها، يتشمم رائحة اللحم، يحتك بها من الوراء، غريزة ~~الأكل عنده كانت تصحو وتوقظ معها الغرائز الأخرى، تركت جسدها له وراحت في النوم، بينما هي ~~نائمة شعرت بألم، يشبه وخز الإبرة، كان ضميرها يؤنبها، كيف أعطيته نفسي مقابل وجبة ~~عشاء؟ # في الصباح هب تيار عنيف، تناهى إليها على متن الريح صوت يشبه المجداف، أرهفت السمع وقلبها ~~يدق، سمعت صوت امرأة يشبه صوت خالتها. # تبدد الصوت حين حرك الرجل جفونه، شدها إلى أعلى وظهر النني الأسود محدقا فيها، ~~أمسك خرقة بالية، ربما هي سروالها، أخذ يلويه بين يديه كأنما يعصره، جعله على شكل حزام ~~وضعه فوق رأسها، جعلها تثني جذعها، ثم رفع البرميل بيد واحدة. ~~- إنه ثقيل جدا! سوف يحطم عنقي. # صوتها يرتد إليها، كأنما هي تكلم نفسها، سارت به في الطريق نحو الشركة، كالنائمة ~~في حلم، ربما لهذا السبب كان جسمها قويا، استطاعت أن تحمله دون عناء، بل أحست بنوع من ~~الخفة كما ms21 يحدث في الأحلام، لكن قلبها كان ثقيلا، هذا العمل ترفضه بقرة تحترم نفسها، ربما ~~لا يقبله إلا نوع منقرض من الحمير، والبرميل أيضا من النوع المنقرض، له أذنان كبيرتان، ~~وبطن منتفخ بالحبل كالإله ذي الثدي الواحد. # ترددت بعض الأصوات من بعيد، صرخات خافتة ذات إيقاع واحد، أعقبها صوت كالغمغمة، وضحكات ~~مكتومة ثم الصمت. # بدا لها أنها تمشي دون أن تتقدم خطوة واحدة، واقفة حيث كانت، لا يفصلها عن عتبة الدار إلا ~~خطوتان، كان الباب مفتوحا وهو جالس في مقعده وراء الصحيفة. ~~- العاصفة مستمرة. ~~- يمكنك الانتظار. ~~- في هذا الوضع؟! ~~- حين يزحف النفط فلا شيء يقف في طريقه، وعليك التعامل معه نهارا حين تسطع الشمس ~~ويجف. ~~- وهذا البرميل يسخن رأسي! ~~- لا بد من الانتظار، لا بد! ~~- قال: «لا بد» وهو ينظر إلى أعلى، دارت سحابة رمادية عند الخط الفاصل بين السماء ~~والأرض. ~~- النفط يشرب بخار الماء في الجو، وحين تتبدد السحب بواسطة الشمس يحدث الجفاف. ~~- الجفاف؟ ~~- نعم، وينحسر السائل متحولا إلى صلب، ويمكنك السير بسهولة دون أن تغوص قدماك، ويمكن ~~أيضا أن تسير فوقه الدبابات. # حين قال: «الدبابات» كست عينيه لمعة، تشبه الدموع، ربما أخذوه إلى الحرب، ستصبح مساحته ~~فوق الفراش خالية، وتكف عن الطبخ، شدت عضلات عنقها تحت ثقل البرميل، ضربت الأرض ~~بقدميها. # كان الرجل منشغلا بالتطلع إلى الطريق، ظهرت بشائر الموكب الكبير، صف من حملة الطبول ~~يدقون النشيد الوطني، سرب من الدراجات البخارية، والألعاب النارية، موظفو البلاط داخل ~~سيارات سوداء طويلة، من خلفهم الصحفيون، دبابة ضخمة يطل منها صاحب الجلالة يلوح بيديه كأنما ~~للجماهير، إلى جواره رئيس الشركة يرفع القبعة علامة التحية. # كان الطريق خاليا أمامها وهي تسير حين لسعتها العصا الخيزران فوق ردفيها. ~~- انحني بسرعة! # لم تكن تعرف بعد كيف تؤدي التحية، انحنت إلى الأمام وثنت جذعها إلى الخلف، أصبحت مثل جمل ~~يبرك، بدأ الرجل يعلمها الأنشودة، ترددت نغمة صوتية هادئة شبه موسيقية، مع كل مقطع يجفف ~~عرقه بكم جلبابه. ~~- أهي أنشودة وطنية؟ ~~- نعم، فنحن هنا نتبع المبدأ: أنا ms22 أحب وطني. ~~- أهو وطنك؟ ~~- أمي دفنت هنا، وحيث تدفن الأم يكون الوطن. # قال: «الوطن» وأطرق إلى الأرض، جعل جفونه تنسدل فوق عينه كأنما يخفي الدموع، لم يكن يذكر ~~أمه إلا حين يتهدده الموت، بين يديه ورقة صغيرة مختومة بوجه صاحب الجلالة، والاستدعاء ~~الفوري. # رقدت مفتوحة العينين ترهف السمع، أحست به يدخل إلى جوارها في الفراش، أعطى وجهه للحائط، ~~مدت ذراعها وربتت على عنقه من الخلف. ~~- لا تذهب، فليس لك إلا مقبرة أمك. ~~- من لا يذهب يقتل. ~~- ومن يذهب يقتل. ~~- لا مفر من الموت. ~~- إذن نموت بإرادتنا. # قالتها بلا صوت وهي تخرج من الفراش، علقت حقيبتها فوق كتفها وأمسكت الإزميل، سارت بخطوة ~~سريعة تطبق عينيها في مواجهة العاصفة، قدماها تغوصان في المياه السوداء حتى الركبتين، بدت ~~الحركة مستحيلة، توقفت تشق بعينيها الظلمة وأذناها مرهفتان، كانت الأصوات خافتة أول الأمر، ~~مثل حفيف الهواء أو هفهفة الجلاليب، تأتي من أسفل المنحدر حيث بيوت القرية، وتعلو بالتدريج، ~~تشبه إيقاع الدفوف ودقات الطبل، رأت امرأة تدور حول نفسها فوق قدم واحدة، من حولها النسوة ~~على شكل دائرة، نافشات شعورهن، أسنانهن تصطك، باسطات أذرعهن، يخبطن الأرض بأقدامهن، يدرن ~~حول أنفسهن مع دورة الأرض، ينشدن في نفس واحد: «يا ستنا الطاهرة. خففي عنا الأثقال.» # المرأة في الوسط طويلة، رأسها مربوط بمنديل أسود، تشبه خالتها، تدب الأرض بقدميها، ترفع ~~عينيها إلى السماء كأنما تناجي الإلهة الأم، ينتفض جسمها مع كل دورة، تزداد حركتها سرعة ~~وخفة، وفي قمة الانتفاضة الأخيرة يخف جسمها كأنما يتلاشى، يتوقف الزمن ويدب الصمت، ثم تشع ~~الحركة من جديد، تفيض نحو المحيط، وأجساد النسوة تنتفض. ~~- يا ستنا الطاهرة. نجينا من الطوفان. # كأنما هي أنشودة قديمة كانت تغنيها البنات في المدرسة، انفرجت شفتاها وبدأت تهمس ~~بالأغنية، لكن الكلمات تجمدت فوق شفتيها، وانشقت الظلمة عن كشافات الضوء، أغمضت عينيها ولم ~~تسمع إلا نباح كلاب، وعجلات من حديد تدق الأرض، اختفت النسوة يخفين شعورهن تحت المناديل ~~السوداء، لم تبق إلا المرأة الطويلة التي كانت في الوسط، حوطها الرجال ms23 وحملوها إلى ~~العربة، صرخة واحدة ثم دب الصمت. # لم تعرف كيف عادت إلى الدار، جفونها كانت ملتصقة، تدعك زواياها بطرف أصبعها، ترى الذرات ~~السوداء كالضباب، ومن حولها يتدفق الشلال، الرائحة النفاذة في أنفها تعيدها إلى الواقع، كل ~~شيء يبدو كالحلم، الحركة الوحيدة المؤكدة هي حركة النفط، حركة غريبة كأنما هي النقيض لأي ~~حركة أخرى. # كان الرجل قد عاد من الحرب بذراع واحدة، في الصباح خرج يملأ البراميل، ذراعه حين تدفعها ~~تبدو رفيعة ناحلة، كأنما فقدت نصف وزنها، تهتز تحت الريح، ترتفع وتهبط في حركة لا نهائية، ~~كمن ينزح الماء من البحر. ~~- عبث! عبث! # قالها بصوت غير مسموع، وانثنى عنقها تحت الثقل، حركة ذراعه وهو ينزح النفط تشبه حركة ~~عنقها وهي تحمل البرميل، توقفت في مكانها كالحصان الجامح، ثبتت قدميها في الأرض، لكن التوقف ~~بدا مستحيلا، كان النفط يتدفق وله شكل السائل، يمكن للأجسام الخفيفة أن تطفو عليه، إذا خف ~~جسمها يمكنها السباحة، لكنها لم تتعلم كيف تطفو فوق الماء، قبل أن تنزل البحر كان عليها أن ~~تخلع ملابسها، ولم يكن للنسوة أن يخلعن الملابس. # أغمضت عينيها دون أن تعرف الوقت، نظرت إلى الساعة في يدها وجفونها مغلقة، ثم تذكرت أنه لا ~~يمكن أن تعرف الزمن دون أن تفتح عينيها، شدت جفونها فانفتحت نصف عين، كانت الساعة الخامسة ~~وعشر دقائق، في الأفق شعاع خافت لم تعرف إن كان الفجر أو الغروب. # بدأت في النهوض من الفراش، قبل أن تتحرك أرادت أن تتأكد أن الرجل غارق في النوم، راحت ~~تنقل القدم وراء القدم بلا صوت، انقلب الرجل على الجنب الآخر وغاب في النوم، تأملته طويلا، ~~متكور حول نفسه مثل الطفل اليتيم، مستسلم للنوم فيما يشبه اليأس، ثنت جذعها إلى الأمام ~~كأنما ستطبع فوق جبينه قبلة وداع. ماذا يقول عنها حين يصحو فلا يجدها؟ ضميرها لا يزال حيا ~~أو هكذا تصورت، لن تسبب لها قبلة الوداع أي أذى على أي حال. # فتحت الباب وخرجت، تقدمت بضع خطوات وبدأت الأرض تلين، قدماها تغوصان حتى ms24 الركبتين ، نجحت ~~في إخراج ساقها اليمنى ثم اليسرى، ثم عادت أدراجها تلهث. # كان الرجل جالسا مطرقا فيما يشبه الحزن، امتلأت عيناها بحنان له شكل الدموع. ~~- حاولت الهرب لكني لا أستطيع الحركة. # ظل الرجل صامتا لا شيء فيه يتحرك. ~~- لن أستطيع البقاء هنا! # تصلبت واقفة وصوتها اختنق، اكتسب صمت الرجل وإطراقة رأسه معنى مخيفا، هل ارتبط مصيرها ~~بمصيره إلى الأبد؟ # كانت الشمس قد ارتفعت في السماء، تلتهب أشعتها بلون أحمر، اشتعلت بعض أطراف البركة ~~بالنار، تصاعد الدخان يحجب السماء وقرص الشمس، رفع رأسه وهو يفرك عينيه. ~~- هذا الدخان نعمة من الله؛ فهو يخفف الحرارة. # لم يعد صوته يثير في جسدها موجات الغضب، ارتسم فوق وجهها تعبير يائس، كانت واقفة حافية ~~القدمين، رأسها يتدلى فوق صدرها، عظام جسمها تهدلت في استسلام وحزام الحقيقة يتدلى فوق ~~كتفها. ~~- نعم، المقاومة لا معنى لها. # صوتها متهالك النبرة، تكاد لا تسمعه، ولم يكن للرجل أيضا أن يسمعها، كان مطرقا برأسه، ~~وفي إطراقته شيء إنساني، عاطفة ما تربطها به، ليست هي الحب عن يقين. # انزلقت قدمه فجأة وسقط فوق وجهه، ساعدته في النهوض تنفض الغبار عنه، لكنه دفعها بعيدا، ~~وعضلات وجهه تتقلص. ~~- لولا وقوفك هكذا ما وقعت. ~~- قدمك انزلقت. ~~- ليست قدمي! ~~- إذا لم تكن قدمك فماذا تكون؟ ~~- أنت! وقوفك هكذا في طريقي. # كانت واقفة بعيدة عنه، لا يمكن مهما حدث أن تكون سبب وقوعه، لكنه كان عاجزا عن إدراك ~~آخر، كان يؤمن بهذا المبدأ: إذا أصابه شر فهو من المرأة، وإن أصابه خير فمن نفسه. # لم تفتح فمها بكلمة واحدة، أمسكت رأسها بيديها، عليها أن تتظاهر بأن قدمه لم تنزلق، وأنها ~~السبب في وقوعه، وعليها أن تعتذر عن خطئها وتطلب منه المغفرة. # تكورت عند قدميه، عيناها تتطلعان إليه وهو واقف، كفت عن الحركة تماما، تظاهرت بالموت ~~لحظة، ثم أفاقت، كان الشلال يتدفق، يغرق كل شيء، لكن أهل القرية يسيرون في طريقهم كأنما لا ~~يحدث شيء، أصوات باعة الصحف تتصاعد، وهو واقف بلا صوت، الصمت يؤكد أن كل ms25 شيء واضح دونما ~~كلام، البرميل أمامها والبركة خلفها ولا شيء آخر. # تهالك جسمها فوق الأرض، ربطت المنديل حول رأسها وأجهشت بالبكاء، انهمرت الدموع تحرق زوايا ~~الجفون الملتهبة، تذوب في الغبار العالق برموشها، تهبط فوق خديها كالخيوط السوداء. # حركت رأسها ناحية الرجل، كان واقفا في مكانه، خلع قميصه وكشف عن صدره، راح يداعب ~~بأصابعه كتل الشعر الملتصق بعضه البعض، في جسده العاري شيء غير إنساني، لم يكن في مقدورها ~~أن تضع رأسها فوق هذا الصدر، مربع عريض ومغلق كالصندوق، لاحت لها فكرة أن تفتحه بالإزميل، ~~لكن يدها لم تتحرك من مكانها، كانت الفكرة خيالا يروح في رأسها ويجيء. # مدت يدها لتمسك الإزميل، في تلك اللحظة أصابها ألم حاد في الصدر، كأنما قطعة متجمدة من ~~النفط دخلت مع الهواء إلى الرئة. # أطلقت الصرخة فوثب فوق قدميه، ظل واقفا مترددا بعض الشيء متهدل الملامح، لم يكن ثمة أمل ~~في قدرته على إزالة الألم، لكنه كان موجودا، في وجوده شيء ما، أو في الحركة التي وثب بها ~~فوق قدميه، أو في ملامحه رغم تهدلها، أو نظرة الفزع في عينيه، كان هناك شيء ما يخفف ~~الألم. # استطاعت أن تحرك قدميها نحوه بضع خطوات، يدها فوق صدرها تدوس على الألم، اقتربت منه فلم ~~يعد بينها وبينه إلا خطوة واحدة، لم يسبق في حياتها أن شاهدت وجه رجل بمثل هذا ~~اليأس. # رفعت عينيها إلى السماء، كانت الشمس تغرب، والضوء انطفأ، أتت بحركة انحناء مفاجئة كأنما ~~ستنام، التوى عنقها بزاوية حادة إلى الأمام، أفزعتها الحركة فانتفضت واقفة، أمسكت الحزام ~~الجلدي فوق كتفها وشدته بقوة، انزلقت الحقيبة من فوق كتفها وسقطت إلى الأرض، انطلق الإزميل ~~خارجا منها بحركة مباغتة. # هبت نسمة هواء طرية، فتحت أزرار ثوبها تتلقى الطراوة فوق بشرتها العارية، كان للهواء ملمس ~~منعش، أعاد إليها شيئا من سعادتها الطفولية، لم تكن كل طفولتها أحزانا، كانت هناك بعض ~~لحظات سعادة، حين كانت تجلس فوق الجسر، عند الغروب، رأته ينظر إليها، يركز النظر إلى صدرها ~~العاري، لم يكن بها ms26 أي رغبة لإغوائه، كانت تريد الهواء فحسب، يرطب بشرتها الملتهبة، ويجفف ~~العرق. # كان عريها طبيعيا تحت وطأة الحر، لكنه ظل يحملق في صدرها كأنما كشفته عمدا، مدت ذراعها ~~لتغلق الثوب فلم تمتد ذراعها، أغمضت عينيها في إعياء، أجل يمكن لها أن تهرب، ألم تهرب من ~~قبل مرة؟ ألم تصنع ثغرة في الجدار تسلك منها وخرجت في إجازة؟ # تلفتت حولها، لم تكن هناك جدران أربعة تحوطها، مجرد مساحات ممدودة من السائل، بركة أو ~~بحيرة أمواجها سوداء، يمكن العثور على قارب، أو تصنع لنفسها مركبا من الجريد، في طفولتها ~~صنعت سفينة صغيرة من زعف النخيل، وصنعت أيضا طائرة بجناحين من ورق الشجر. # بدأت تشد جسمها وتنهض، حركت قدميها في الاتجاه الآخر بعيدا عن الرجل. # ابتعدت بضع خطوات، رأته عن بعد أكثر إنسانية، ينظر إليها بعينين أكثر رقة، عيناها تنجذبان ~~نحوه، يمكنه أن ينادي عليها لو أراد، لكنه صامت، وفي صمته شيء غير مستقيم. # لم تسر إلا بضع خطوات وعادت، كان الرجل قد دخل إلى الدار، رأته مستلقيا فوق ظهره يقطر ~~في فمه من الزجاجة، بطرف لسانه مسح قطرة سقطت فوق شفته العليا، تطلع حوله كأنما لم يتوقع ~~مجيئها. ~~- أنت أناني، أليس كذلك؟ ~~- نعم، ولكني أفضل من رجال كثيرين. ~~- هذا أكيد. ~~- غدا سأعطيك نصيبك، حين يصرفون المنحة. ~~- غدا لن أكون هنا. ~~- ماذا تقولين؟ ~~- أرجوك، ساعدني لأعود، فهناك زوجي ينتظرني، قد تساوره الشكوك، وأيضا رئيسي في العمل لا ~~يقل عن زوجي تشككا، وقد خرجت في إجازة، وهذا أمر يثير الشكوك، ولكن لم يكن يشغلني شيء، إلا ~~البحث عن الإلهات، ولعلك سمعت عن الإلهة سخمت. ~~- سخمط؟! # مط شفتيه إلى الأمام، وهو ينطق الكلمة، انقلبت شفته السفلى إلى الخارج، وقلب حرف التاء ~~إلى الطاء. ~~- ألا تعرف شيئا عن الحفريات؟ ~~- في عيد صاحب الجلالة يأمرون بالصرف. ~~- صرف ماذا؟ ~~- الزجاجات. ~~- لم أعد أريد شيئا! ~~- ما المشكلة إذن؟ ~~- لا أفهم لماذا لا تطلق سراحي؟ ~~- سراحك؟ ~~- نعم، فأنا مثلك إنسانة ولي حقوق. ~~- ماذا؟ ~~- حقوق المرأة! ألا تعرفها؟! ~~- هذا شيء لم ms27 نسمع به، وعندنا قانون حقوق الإنسان فقط. # نكست عينيها، تنهدت بلا صوت، تهاوت ملامحها وتهدلت كتفاها، لم تبذل محاولة للرد، بدا لو ~~كان الكلام بلا معنى. # غاب هو الآخر في صمت طويل، أطرق برأسه كأنما يتطلع إلى قدميه، أو ربما سقط في النعاس، ~~ثم رفع رأسه، عيناه تنظران إليها. ~~- لماذا لا تريدين البقاء هنا؟ ~~- ولماذا تريد اللقاء هنا؟ ~~- عملي هنا. ~~- أتسمي هذه السخرة عملا؟ ~~- هناك طابور طويل ينتظر بلهفة أن يخلو مكاني. # رفع ذراعه وأشار إلى خط أسود في الأفق، تابعت عيناها حركة أصبعه، كان الخط على شكل قوس ~~منحن، يختفي وراء سحابة قاتمة، تتبدد قليلا تحت ضوء الشمس، يبدو الخط متحركا، على شكل ~~نقط سوداء، آلاف النقط، تظهر على شكل رءوس متلاصقة، منحنية إلى أسفل، يسيرون بحركة بطيئة ~~تشبه الزحف، يجرون أقدامهم جرا، يتقدمون خطوة وراء خطوة بظهور محنية، رجال لهم شوارب ~~مفتولة، ونساء رءوسهن مربوطة بلا وجوه، تهب العاصفة وسحابة جديدة تظهر، يختفون تماما عن ~~الأعين، لا يبدو لهم أثر، إلا ذلك الخط الأسود يتبدى في الأفق على شكل القوس. # حركت عينيها ناحية الرجل، أمسك فأسا وراح يضرب الأرض، يملأ البراميل واحدا وراء الآخر، ~~ظهره كان ناحيتها، تسللت على أطراف أصابعها، يمكنها أن تبتعد قليلا وتهرب، ربما تنجح في ~~الهرب قبل أن يستدير إليها. # لمحت الرغيف فوق لوح الخشب، أحست آلام الجوع فجأة، خلعت الحقيبة عن كتفها ومدت ذراعها، ~~قضمت بأسنانها قطعة خبز، تلتها بقضمة ثانية، وثالثة، رآها الرجل وهي تأكل. ~~- كيف تأكلين طعامي ثم ترفضين الخضوع لطاعتي؟ ~~- أهو طعامك؟ ~~- بالطبع. ~~- أنا لا آكل من عرقك، أنا أعرق مثلك؟ ~~- مثلي؟ ~~- نعم مثلك، ألا أحمل البراميل كل يوم إلى الشركة؟ ~~- الشركة؟! # رنت الكلمة في أذنيها غريبة، كلمة غامضة، الشركة، ما هي؟ من هم الشركاء في هذه ~~الشركة؟ لمن يبيعون البراميل؟ كم يدفعون لها في اليوم؟ هل يأخذ الرجل أجرها؟ منذ جاءت لم ~~تقبض شيئا، لم تمسك بين يديها شيئا من النقود. # غامت الدنيا في عينيها، حركت رأسها ناحية الرجل، ms28 بدأ يضرب الأرض بالفأس، ضربة وراء ضربة، ~~حركة ثقيلة بطيئة، ثم يلقي الفأس جانبا، يتثاءب، يمسح عرقه بكم جلبابه، يملأ القفة حتى ~~الحافة، يرفعها على مهل بحركة متثاقلة، ثم يفرغها في البرميل، يطقطق البرميل بصوت ~~عال. ~~- المرأة لا يصح أن تعمل من أجل النقود. ~~- ولماذا تعمل؟ ~~- من أجل هدف أكبر. # بدا الكلام منطقيا، هناك هدف آخر لحياتها، من أجل الهدف الأكبر يمكنها أن تخضع لهدف ~~أصغر، أحست بالارتياح لهذه الفكرة. # رفعت البرميل بذراع واحدة، ووضعته فوق رأسها، التوت عضلات عنقها تحت الثقل، لكنها عادت ~~واعتدلت، كان النفط المتجمد على قدر كبير من اللزوجة، يرتج داخل بطن البرميل ومن الفوهة ~~يتصاعد شيء كالبخار. # تقدمت في طريقها نحو الشركة، انعكس خيالها فوق سطح البركة، بدت والبرميل فوق رأسها كأنما ~~هي الإلهة حتحور تحمل قرص الشمس بين قرنيها. # شدت عضلات عنقها بما يشبه الكبرياء، من قعر البرميل كانت السخونة تنفذ مثل الشمس، سارت ~~بخطواتها الثابتة لا تأبه لشيء. # بدت الشركة من بعيد كبقعة سوداء في مساحة أكثر سوادا، قطعة من الأرض مرتفعة في السماء ~~على شكل مدخنة تقذف اللهب، وذرات سوداء تبدو تحت لهيب الشمس حمراء. # ربما ولدت هنا وليست لديها حياة أخرى، التوى عنقها بحركة مفاجئة وكاد البرميل يسقط، رفعت ~~ذراعها وأمسكته بحركة سريعة. # كانت الشركة تبتعد كلما هي اقتربت، غابت الشمس وبدأ الليل يزحف، أتت بحركة انحناء مفاجئة ~~كأنما ستنام، منذ الطفولة لم تحمل شيئا فوق رأسها، أرسلتها خالتها إلى المدرسة، كانت تربط ~~المنديل وتلفه حول جبينها ثلاث مرات، وتقسم بالسيدة الطاهرة ألا تحمل بنت أختها شيئا فوق ~~رأسها. # رفعت البرميل من فوق رأسها وحملته فوق ظهرها، ربما يكون هذا الوضع أفضل؛ إذا تسربت ~~السخونة إلى الظهر فلا شيء هناك إلا العظم، أما سخونة الرأس فهي تذيب العقل. ~~«ألهذا السبب تحمل الحمير فوق ظهرها وليس فوق رءوسها!» # أدهشتها الفكرة، أصبح ذهنها أكثر نشاطا، بدت لها الحمير أكثر ذكاء من النسوة، أدركت ~~أيضا لماذا يرفض الرجال أن يحملوا فوق رءوسهم؟ أزاحت البرميل ms29 قليلا أسفل ظهرها، فأصبح ~~أقل وزنا، بدأ الهواء المنعش يدخل صدرها ببطء، تحرر رأسها من الثقل، طرأت لها فكرة جديدة، ~~كانت دهشتها تزداد كلما أوغلت في الفكرة، بدأ جسدها يرتعد، موجة من التمرد تغزوها على شكل ~~الرعشة. # مسحت العرق عن جبينها بكفها، أمعنت النظر إلى حياتها، ما الذي يعجزها؟ في طفولتها ماذا ~~أرادت أن تكون؟ تساقط جسدها من الإعياء، كانت تريد أن تكون نبية مثل السيدة الطاهرة، ~~بمقدورها أن تعيد الحركة إلى السيقان الكسيحة، والبصر إلى العيون المريضة. ~~- امرأة نبية؟! لم نسمع عن هذا من قبل! ~~- ورثت الجنون عن خالتها. ~~- ركبها عفريت. # أغمضت عينيها وراحت في النوم، كانت تقاوم اليأس بالسقوط في النوم، يسترد عقلها بعض ~~الحماس، يزحف الأمل إلى جسدها مثل دودة الأرض، نظرت إلى الساعة فوق معصمها، الوقت يمضي وهي ~~راقدة، هبت فوق قدميها، مدت ذراعها وقبضت على الإزميل. # كانت الأرض تتغير مع تغير النفط، وكان النفط يتغير مع حركة الشمس والريح، وأنفاسها في ~~صدرها تعلو وتهبط مع ارتفاع درجات الأمل واليأس، واندفاعة الدم من القلب إلى الذراعين، ومن ~~الذراعين إلى الإزميل، ومن الإزميل إلى الأرض، ومن الأرض إلى النفط والريح ~~والشمس. # بدا كل شيء يدور في توازن عجيب كأنما هو ناموس الكون، إذا تغير النفط فكل شيء من حولها ~~يتغير، الأرض والسماء وجسدها أيضا يتغير، ربما هي قوة للنفط غير معقولة، أو طبيعة أخرى غير ~~مألوفة، فالنفط المتجمد ليس هو النفط السائل، وطين النفط الراسب في القاع له قوام آخر، ~~ومقاومة مختلفة تماما، وفي بطن الأرض يتغير كل شيء حتى الرطوبة، وفي رأسها تدور الفكرة ~~وراء الفكرة، والإزميل يضرب الأرض الضربة وراء الضربة، دون جدوى، لا أثر لشيء وكل شيء ينتهي ~~إلى لا شيء. # حين عادت رأت الرجل راقدا فوق ظهره وعيناه مفتوحتان وفي يده سيجارة مشتعلة، حرك رأسه ~~قليلا ناحيتها وسأل: هل قلت شيئا؟ لم تكن تكلمت، كانت ترمق الشعلة في يده، ربما كان ~~الحريق هو الخلاص. ~~- ماذا قلت؟ ~~- لا شيء. # قالت «لا شيء» برنة خضوع، ms30 غرق المكان في الصمت، إذا اشتعلت ذرة واحدة فسوف تلتهم النار ~~كل شيء، لم تجذبها فكرة الموت حرقا، حركت قدميها ناحية الباب، شدت المقبض بذراعيها ~~الاثنتين لم ينفتح، تشرب بالبلولة والتصق بالأرض. # أطفأ الرجل السيجارة في كعب حذائه، ثم أمسك الصحيفة واختفى وراءها، رأت صورة صاحب ~~الجلالة والمانشيت الكبير. ~~«بمناسبة العيد أمر جلالته بغسل تمثال النصر.» # أغمضت عينيها، ثم فتحتهما، رأت شيئا يجري يشبه الثعبان، رفع ذيله حين رآها، كأنما يؤدي ~~التحية، هزت رأسها ترد التحية، نفخ الهواء بصوت مسموع، أدركت أنه يقول شيئا بلغة أخرى، هزت ~~رأسها علامة الفهم. # تحولت الاهتزازة إلى حركة مباغتة من يدها، وشدت الصحيفة من فوق رأس الرجل. ~~- لا يمكن لواحد من البشر أن يحتمل هذا، وأنت تتمدد فوق الكرسي تدخن وتقرأ كأنما لا يوجد ~~خلل في العالم! ~~- أي خلل؟ ~~- هذا الخلل! ألا تراه؟ # تابعت عيناه أصبعها وهي تشير إلى أعلى في حركة دائرية. # كان تمثال النصر من حجر السيج، تعلوه طبقة سوداء من غبار النفط، يبدو وجهه قبل الغسيل ~~أسود تطفو عليه بقع الزيت. # ولم يكن لها أن تتخلف عن حضور الاحتفال، صدر الأمر مكتوبا على الآلة، ومختوما بالصقر، ~~على النسوة أن يقمن بالغسيل، وعلى الرجال الوقوف في صفوف منتظمة، وأداء التحية. # لم تعرف كم من الزمن مضى وهي تغسل، بدا لها التمثال طيعا تحت يديها، أنفاسها كانت تتلاحق ~~مع حركة ذراعيها، والخفقات تحت ضلوعها، ودقات الساعة فوق معصمها، بدت حركة الغسيل لا نهائية ~~أو ربما حركة لا إرادية، أو محاولة للهروب من حركة أخرى. # بعد الغسيل أصبح الوجه أبيض اللون، كوجه صاحب الجلالة، مملوءا باللحم، وصدره عريض، يعلوه ~~نهدان بارزان كصدر الإله إخناتون. # استمرت حملقتها في التمثال طويلا، هبت ريح من الجنوب ملأت عينيها بذرات النفط، اشتد ~~الألم كالحرق فأغلقت جفونها، من ورائها سمعت الصوت، ويد الرجل تكاد تلمسها. # فتحت عينيها نصف فتحة، لم يكن هو الرجل، رأت امرأة واقفة، تحمل فوق رأسها الكرة الأرضية ~~أو قرص الشمس، لها قرنان طويلان يلتويان إلى ms31 الأمام ، الضوء كان خافتا، أو ربما هو التهاب ~~العينين أضعف بصرها، لم تر وجه المرأة، ولم تتأكد مما تحمله فوق رأسها. # لم يعد عقلها قادرا على التمييز، كل شيء اختلط داخل رأسها مع اشتداد الحرارة، ارتفع قرص ~~الشمس في السماء، وازدادت حركة الريح مع تدفق السائل الأسود، هبط العرق على شكل قطرات من ~~أنفها، لم يكن لذراعها أن ترتفع لتمسح العرق، تركته يتساقط مع دموعها ويفيض، ربما كان قرص ~~الشمس هو العدو، اشتغل عقلها من جديد وهي تفترش الأرض لكن صوت المرأة قطع عليها ~~التفكير. ~~- قومي يا أختي استحمي، كل عيد وأنت طيبة. # تقلبت في موضعها تتأملها، جلبابها أسود طويل، لها ملامح خالتها، عنقها يلتوي تحت الثقل، ~~إلى جوارها طشت الغسيل، أمسكت قطعة حجر وراحت تدعك قدمها المشققة، تزيل عنها الطبقة ~~السوداء، تصقلها بقوة كأنما هي قدم تمثال النصر، أحدث الدعك في رأسها خدرا لذيذا، لم تعرف ~~ما علاقة القدم بالرأس. # لولا ضربة الشمس كان يمكنها الاستمتاع أكثر بعملية الغسل، ولولا أيضا بعض الحياء، فهي ~~امرأة غريبة عنها وليست خالتها، وهي تخلع ملابسها كلها، كان العري مفزعا، لم يحدث قط أن ~~تعرت أمام امرأة أو رجل، على الأخص زوجها، كانت في نظره طاهرة كالعذراء مريم، ورئيسها في ~~العمل كان يسميها الست الطاهرة، حتى دخل فجأة في حملة تفتيشية. ~~- أين المنشور؟ ~~- ماذا؟ ~~- المنشور الذي أخفيته. ~~- لم أخف شيئا. ~~- رأيته معك بخط يدك ضد صاحب الجلالة. ~~- لم أكتب شيئا. ~~- ارفعي ذراعيك! # رفعت ذراعيها إلى أعلى، أحست أصابعه تفتش بين نهديها، وتهبط إلى أسفل حيث المنطقة ~~المحرمة. ~~- هذا انتهاك لحرمة الجسد! # حين ثابت إلى وعيها كانت تصيح: أين حقوق الإنسان؟ رأت نفسها راقدة في الفراش، من حولها ~~النسوة حاملات البراميل، فوق عيونهن سحابة، طبقة داكنة من النفط تحجب النني، وكان هناك أمر ~~من صاحب الجلالة: «أي امرأة تضبط وفي حوزتها ورقة وقلم تقدم للمحاكمة.» # كلما نظرت في عيونهن اشتدت وطأة الألم، اختفت الواحدة وراء الأخرى، بدأت واحدة منهن ~~وتبعتها الأخريات، سمعت أصواتهن عبر ms32 الجدار ، يلهثن بصوت متقطع، طقطقت فقرات أعناقهن تحت ~~البراميل، وقد أقدامهن فوق الأرض مكتوم، تحمله الريح إلى بطن الجسر حيث بيوت القرية، نباح ~~الكلاب يأتي من بعيد، والسؤال يدور في رأسها: هل تهرب وحدها أم تكشف لهن الخطة؟ ~~••• # لم تكن الخطة مكشوفة بعد، وكتب رئيسها في العمل تقريرا سريا، كانت التقارير عنها لا ~~تكتب إلا في السر، امرأة أخرى احتلت مكانها في القسم، تراها جالسة في مكتبها تحملق حولها ~~في فضول، لن تكف عن الحملقة حتى تعرف السر، تفتح أدراجها تفتش الأوراق، تقبض بأصابعها على ~~رسالة حب قديمة، أبيات من الشعر تقرؤها، بين كل بيت وبيت ترتفع أنفاسها في تنهيدة طويلة، في ~~الملف السري تعثر على تاريخ ميلادها، صورة خالتها من حول رأسها المنديل، تتوقف عيناها فوق ~~البيت، غرفة بلا دورة مياه في الزقاق، يدفعها الفضول إلى النظر من شق الباب، ترى الغرفة ~~راقدة في الظلمة عارية من الأثاث، بحركة جانبية من عينها تلمح زوجها جالسا يقرا الصحيفة، ~~يحرك رأسه قليلا فترى أنفه من الجانب، كبير ومقوس يشبه أنف صاحب الجلالة، لكن صورته غير ~~منشورة واسمه مجهول، جالس بلا حراك صامت تماما، يشي الصمت بغيابها، تمتلئ نفسها بالحسد ~~لأنها استطاعت أن تهرب، كيف هربت؟ خرجت في إجازة ولم تعد؟ تكتم السر في قلبها ثم ينفجر ~~رغما عنها، تنتشر الإشاعة في قسم الحفريات، يتهامس الزملاء والزميلات وتطفو فوق عيونهم ~~نظرة تنم عن الغيرة. # لم تكن الغيرة أمرا مضادا للعقل، كانت طبيعية تماما في عيون الموظفين، فليس هناك إنسان ~~أشد غيرة من الموظف، خاصة في قسم الحفريات، يرى الناس من حوله تتحرك وهو حبيس مكتب من ~~الخشب، يتحدث الناس عن المستقبل وهو يعيش في الماضي مع الحفريات، والحياة تمضي في طريقها ~~بدونه، لا يتغير شيء في الكون إن عاش أو مات، ليس أمامه إلا النعاس وهو يقرأ الصحيفة، أو ~~البحث عن الآلهة في بطن الأرض، نوع من العشق الإلهي، يقوده إلى الحنين للموت، أو الخروج في ~~إجازة. ~~••• ~~- هل حدث بينكما شجار؟ ~~- أبدا. ms33 # رد زوجها على السؤال في غرفة التحقيقات، أدار رجل البوليس جسمه مع الكرسي. ~~- أتظن أنها انتحرت؟ ~~- أبدا. ~~- ألم تكن تحن للموت؟ ~~- أبدا. ~~- كيف تفسر اختفاءها إذن؟ ~~- لا شيء. ~~- لا شيء؟ ~~- نعم لا شيء! # مط زوجها شفتيه وهو يقول لا شيء، تثاءب حتى طقطقت عظام فكيه، حرك وجهه ناحية الصحفيين، ~~انطلق شعاع الفلاش وحرق سطح عينيه، ظهرت صورته في الصفحة الداخلية، فكه مربع والوجه ~~مستطيل أكثر من اللازم، لا علامات مميزة إلا شامة سوداء فوق خده الأيسر، من بين شفتيه ~~المطبقتين أفلتت الابتسامة، في خياله منذ الطفولة كان يرى صورته إلى جوار صاحب الجلالة، ~~ترفع أمه ذراعيها إلى السماء، تدعو السيدة الطاهرة أن يصبح ابنها مثل الملك. «لم لا يا ~~ستنا الطاهرة؟ ألم تلده بطن مثل البطن التي ولدت الملك؟» # كان لهاث النسوة قد اختفى مع خيالهن الأسود، نباح الكلاب من بعيد بدأ، لم تكن الكلاب تنبح ~~دونما سبب، أتدبر هؤلاء النسوة حركة ما؟ في عيونهن تحت السحابات نظرة متمردة، عمل مضاد ~~في حالة كمون دائم. # فتحت عينيها فأحست حرقة الشمس، كانت تهذي بالحمى، وكلمة العمل المضاد ترسم من حولها ستائر ~~من الوهم، ترى نفسها متربعة كالبرميل فوق رءوس النسوة، يسرن بها في أزقة القرية، تطل ~~عليهن العيون من فوق الأسطح، يخبطن الأرض بأقدامهن، وتهتز صورة صاحب الجلالة فوق العمود، ثم ~~تسقط تحت الأقدام تدوسها. # دعكت عينها بطرف أصبعها، الألم حارق، وهي ممدودة فوق الأرض، منهوكة القوى، طارت ذبابة ~~ووقفت فوق أنفها، راحت تأكل قطعة متسلخة من الجلد، رفعت ذراعها لتهشها، لكن الذبابة بقيت في ~~مكانها، في يدها الأخرى كان الإزميل راقدا، بلا حراك، ترامى من بعيد صوت نباح، وأطفال ~~يتقاذفون بالحجارة، ورجال يتشابكون بالأيدي، والنفط يتدفق بلا اتجاه، وألوان السماء تغيب في ~~الظلمة. ~~- جهزي العشاء! # صوت الرجل يخرق أذنيها، نبرة آمرة، طبيعية تماما حين يخاطب الرجل زوجته، خادمة غير ~~مدفوعة الأجر، أيكون هو زوجها؟ لا تعلم تماما متى تزوجها، ربما أقدم على الزواج منها في ~~غيابها وحرر العقد دون حضورها، ms34 لم تكن المرأة تحضر عقد زواجها على أي حال، وكل شيء يمكن أن ~~يتم دون الحاجة إلى وجودها. # تقلصت عضلات أصابعها حول الإزميل، شحنة مفاجئة من الغضب، دفعت الدم في العضل، رفعت ذراعها ~~وضربت بطن الأرض، ارتطم رأس الإزميل بشيء صلب، تمثال من البرونز، أو حجر السيج، لونه أقل ~~عتامة كالزجاج البركاني. # ارتعدت أصابعها وهي تشده إلى الخارج، لامست أطراف أناملها سطحه الناعم، تحسست العنق ~~والصدر، ارتطمت يدها بالنهدين البارزين، أطلقت صيحة وفتحت عينيها، كانت هي الإلهة حتحور، ~~عارية الثديين، تمسك نهديها بكفيها في وضع عطاء كامل، ممسكة بزوج من الأفاعي. # كادت تمسكها لولا أن تدفقت كثبان النفط وأغرقت كل شيء، أيكون هو طوفان نوح؟ في كتاب ~~الحفريات قرأت عن الطوفان، سنين القحط والجفاف، وزحف الجبل والصحراء، كانت الأرض مقبلة على ~~العصر الجليدي، وحدث خلل في التوازن الحيوي للغلاف الجوي، وانقلب نظام الحكم بعد مقتل ~~الإلهة الأم. ~~- جهزي الأكل، أنا جعان! # لم تسمع هذه المرة، كان صوت النفط المتدفق يغطي على كل شيء، تراخت أصابعها حول الإزميل ~~وسقط، كاد التيار يجرفه لولا أن مدت جذعها وأطلت برأسها حتى الحافة، تشبه دوامة البحر، تدور ~~حول نفسها بسرعة دورات الأرض، يتصاعد منها الدخان كأنما هي تغلي، ارتدت طفلة تصرخ: يا أماه! # ارتج جسدها مع الكلمة، أماه؟ لأول مرة تنطق الاسم بوضوح، منذ ولدت لم يحدث أن نادت على ~~أمها، ربما لأنها ماتت وهي تلدها، أو لأنها لم تكن تعرف النطق بعد. # حين هدأت العاصفة تمددت في استرخاء، أنفاسها تلهث وعيناها مغلقتان، عادت إليها صورة ~~الطوفان القديم، كان الخوف من الغرق يملأ قلوب الناس، وفي قمة الخوف يلهجون مثلها باسم ~~الأم، خالتها حين كانت تخاف تصرخ: «يا امه»، بدلا من «يا أماه!» تبصق في فتحة جلبابها، ~~الأزقة كانت ضيقة مسدودة بأكوام السباخ، البيوت طينية لا يظهر منها إلا ذؤابات ضوء، ترسم ~~الظلال كالأشباح، ليل القرية كان مخيفا، ليل مسكون يلائم الشيطان تماما ليتجول فيه، كانت ~~خالتها تمشي في بطن الجسر حين رأته تلك ms35 الليلة ، كان هو الشيطان بلحمه ودمه متجسدا على شكل ~~البشر، وقال الناس: الطوفان من الشيطان. وراحوا ينادون على الإلهة الأم لتنقذهم: يا أمنا ~~الحبيبة، أين أنت؟ ~~- أهو الشيطان الذي أخفاك؟ ~~- وضع غلالة سميكة فوق وجهك؟ ~~- شوه صورتك وغير اسمك؟ # كانت نائمة حين قرأت الأغنية في الكتاب، صوت غنائهم يسري في أذنيها من تحت الوسادة، ينقطع ~~الغناء فجأة، ويدوي صوت زوجها. ~~- أنا جعان! ألا تسمعين؟! # لم تغير وضع جسمها الممدود فوق الحافة، صوته الغاضب كان يأتي من بعيد، كأنما من قاع ~~البئر، لا تكاد تسمعه بأذنيها، لا يلامس منها إلا حافة الوعي، انقلبت على جنبها الآخر لتخفف ~~من حدة الشمس، صوته رغم الغضب يشبه صوت طفل رضيع، ألم تفطمه أمه بعد؟ قبل أن تفطمها خالتها ~~كانت تمسك بفكيها حلمة الثدي، كانت الدنيا ليلا، والحرارة انخفضت بعد غياب الشمس، وصوت ~~الطوفان كأمواج البحر. ~~- أنا جعان. # صوته أصبح مملوءا بالرقة، كان الجوع يهذب من طبيعة الرجال، يكشف عن الإنسان تحت القشرة ~~الخشنة، وامتلأ قلبها بالشفقة كالأم، دخلت المطبخ وأشعلت الموقد، ضغطت على المسدس فانطلقت ~~الشرارة، ضحكت كما كانت تفعل وهي طفلة، سخنت له الحساء في وعاء من الألومنيوم، قشرت البطاطس ~~ورءوس البصل قطعتها بالسكين، تصاعد البخار من الوعاء، وتساقطت ذرات النفط من السقف، صنعت ~~طبقة معتمة فوق سطح الحساء، راحت تنزعها بيد المغرفة، لكنها كانت تعود وتسقط فتنزعها فتعود، ~~إلى أن نجحت في نزعها تماما، إلا ذرات قليلة سوداء ظلت طافية فوق السطح كالذباب ~~الميت. # كان يرشف الحساء بصوت مسموع يشبه الأنابيب وهي تشفط النفط، بين كل رشفة يزمجر بصوت يشبه ~~قرقعة الريح، ويدب الصمت بعد أن ينتهي من الأكل، يغمض عينيه دون أن يخلع بدلة الشركة، لونها ~~أزرق تعلوها بقع النفط كالزيت، تفوح منها رائحة الجاز المخزون في بطن الأرض، يبدو وهو نائم ~~كطفلتها التي ولدتها في حياتها السابقة ثم ماتت، حين يصحو من النوم تخلع عنه ملابسه، تدعك ~~جسمه بقطعة من الحجر، ثم تنشفه بسروالها القديم، تلوي المنشفة بين يديها حتى ms36 تصبح مثل حزمة ~~من سلك الألومنيوم، تنشفه بقوة كأنما هو قاع الصحن، من بعيد يترامى نباح الكلاب، ولهاث ~~النسوة، في إيقاع منتظم يشبه اللحن، تهز رأسها بالإيقاع ذاته، مع حركة ذراعيها وأنفاسها ~~المتصاعدة، والدقات تحت ضلوعها، ثم تصبح الحركة بطيئة، رتيبة متكررة تجلب لها النعاس وهي ~~واقفة. # تثاءب بصوت عال، رأته يدخن وهو جالس وراء الصحيفة، ينفث الدخان من بين شفتيه ويغيب في ~~اللذة. ~~- نفس أرجوك! ~~- ماذا تقولين؟! ~~- نفس واحد من السيجارة! ~~- النسوة لا تدخن بأمر صاحب الجلالة. # أطبقت شفتيها ولم ترد، كانت قد أطعمته وحممته، جعلت منه طفلتها الغائبة، مسحت عنه الألم، ~~أليس من حقها أن تغيب في اللذة مثله؟ # حين ناولها البرميل لتحمله أرادت أن تقلبه فوق رأسه، لكنها تراجعت، يمكنها الخضوع اليوم ~~من أجل هدف أكبر في الغد، لا يمكن أن تخسر كل شيء من أجل نفس واحد. # كان الدخان يتسرب من فتحتي أنفه، تتسع الفتحتان وتهتز شعيراتهما من شدة اللذة، جذبت ~~نفسا عميقا من الهواء، شهيق عميق مرة ومرتين، تسرب بعض الدخان إلى صدرها، نفثته من فمها ~~وأنفها، أجل، إذا لم يكن في الحياة لذة فمن حقها أن تنفث الدخان في الهواء، قد يتسرب الغضب ~~مع الدخان خارج جسمها، وتبدو الدنيا أقل كآبة، أو ربما يصعد الدخان إلى رأسها فتعثر على ~~فكرة عبقرية تخلصها من حياتها. # كانت ترى صور العباقرة في الكتاب، تحوط رءوسهم سحب الدخان، يميل الواحد منهم برأسه إلى ~~ناحية، يسند ذقنه بيده، عيناه نصف مفتوحتين شاخصتان إلى أعلى، ثابتتان فوق اللاشيء، والدخان ~~يتصاعد من فتحتي أنفه المتسعتين، وفي الكتاب أيضا كانت ترى صورة الأنبياء، ولا يمكن للواحد ~~منهم أن يرى الإله إلا من وراء سحابة دخان. # جذبت نفسا آخر أكثر عمقا، امتلأ رأسها بالدخان، بدا عقلها ينبض تحت العظام، والفكرة ~~تولد بحركة محسوسة، حوطت رأسها بيديها تخشى عليها الإفلات، قد تتسرب الفكرة من الثقوب التي ~~تفتح على الأذنين أو العينين أو الأنف، راحت تضغط بيديها على عظام رأسها، لم يكن في مقدورها ~~أن ms37 تستمر على هذا الوضع فسقطت ذراعاها إلى جوار جسمها. ~~- أتنامين وأنت واقفة؟ # تمطت وتثاءبت بصوت يشبه مأمأة الماعز، سمعت بأذنيها الصوت كصفير الريح، كانت العاصفة تهدر ~~والذرات السوداء تزحف من تحت ملابسها، تغزو فتحات الجسم، أغمضت عينيها تماما وذابت اليقظة ~~في حلم غريب، رأت نفسها تمتطي صهوة الإزميل كأنه حصان، يجري بها عبر مدينة مجهولة، مبانيها ~~عالية، أطراف المباني تشق السحب، شوارعها ضيقة لا تكاد تسمح بمرورها، يطير بها الإزميل في ~~الجو بلا أجنحة، يحلق فوق الأسطح وهي تهز رجليها كأنما تركب المرجيحة، عيون النسوة ترمقها ~~بإعجاب مملوء بالحسد، أيديهن ترتفع في الهواء تصفق، ثم تشدها الأيادي إلى أسفل بأمل ~~إسقاطها، تهز رجليها بقوة ليرتفع بها الحصان، الذي لم يعد حصانا، وإنما عصا من الجريد، ~~تركبه كما يفعل أطفال القرية. # تشدها الأيادي فتسقط، يتهاوى جسمها ويغرق في الضباب، ثم ترى نفسها تمشي فوق الأسفلت، يذوب ~~تحت قدميها من شدة الحر، تعلق بكعب حذائها قطعة من القطران لها رائحة النفط، تسرع الخطى وهي ~~تلهث، وتدخل في بناية سوداء، بلا نوافذ ولا أبواب، إلا الأعمدة الحديدية، والرائحة خانقة، ~~الإزميل داخل حقيبتها، والحزام فوق كتفها تشد عليه، قدماها تصعدان السلالم، توشك على ~~الانزلاق، تستعيد توازنها دون أن تمسك شيئا، لم يكن هناك درابزين، والسلم حلزوني ضيق، لا ~~يسمح بمرور جسمها، تندفع داخل باب صغير ينفتح فجأة، فإذا بها داخل الغرفة العارية من ~~الأثاث، إلا مقعد يدور حول نفسه، ومنضدة يتحلق حولها عدد من الرجال، لا يظهر منهم إلا ~~النتوءات البارزة في عظام الوجه، الجبهة، الخدان، الفكان، عظمة الأنف، والذقن. # لم يرفعوا رءوسهم حين دخلت، عاكفون في استغراق فوق كتاب، يقلبون أوراقه بأصابع مفاصلها ~~بارزة، يبدءون من الغلاف حتى الصفحة الأخيرة، ثم يبدءون من جديد. ~~- أهذا هو اسمك؟ # الصوت يشبه زوجها، لكن الغليون الأسود في الفم يؤكد أنه رئيسها في العمل، دار حول نفسه ~~وهو جالس في المقعد، أصبح أمامها مباشرة، رأت وجهه وأدركت أنه المحقق في البوليس، دب الصمت، ~~سمعت قرقعة الأوراق، وسحب ms38 الدخان تتصاعد إلى السقف، أصبعه يشير إلى الاسم فوق غلاف ~~الكتاب. ~~- إنه اسمك أليس كذلك؟ ~~- نعم. ~~- والكتاب؟! ~~- عن الإلهات. ~~- أليس ذلك تجديفا في حق الآلهة. # أرادت أن ترفع يدها وتسأل، ما هو التجديف، وأين المجداف، لكن الضباب أعاقها عن الرؤية، ~~وسمعت ضجة مفرقعة صادرة عن أوراق تتكسر، ملأت أنفها رائحة دخان، كان الورق يحترق، طارت ~~شرارة من فوهة الغليون المشتعل، امتد الحريق إلى براميل النفط، انفجر الواحد وراء الآخر ~~وارتفعت ألسنة النيران في السماء. # حين فتحت عينيها كان أنفها مملوءا بالدخان، الرجل جالس في مكانه يحدق فيها، تصور أنها ~~سرقت سيجارة من جيبه وهو نائم، قبل أن ينام كان يعد السجائر، والقروش في جيبه الداخلي، ~~والزجاجة يخبئها في مكان لا تعرفه، لكن الدخان كان يغرق المكان، يزحف فوق بيوت القرية ~~كالشبورة السوداء. # خرجت الصحف تعلن أن الحريق تم بفعل الشيطان، رفع أهل القرية أذرعهم نحو السماء، يرجمون ~~الشيطان بالحجارة، ارتفعت أصواتهم كهدير الرياح، لكن السماء لم تسمع دعاءهم، كان الشيطان ~~يتمشى فوق الجسر، ترمقه عيون النساء من وراء الشيش، تنتفض أجسادهن داخل الجلاليب السود، ~~يربطن رءوسهن بالمناديل، تشد الواحدة منهن المنديل، وتلفه ثلاث مرات، تعقده فوق جبينها على ~~شكل رأس الثعبان، تدور حول نفسها وتضرب الأرض بقدميها: «يا ستنا الطاهرة!» ترتفع أصوات ~~النسوة، ودقات الطبول، وصياح الأطفال، وقرقعة العصا في أيدي الرجال، ونقيق الضفدع في ~~البركة، ونباح الكلاب تجري هنا وهناك، والغبار يتصاعد في السماء، ويمتلئ الكون بضباب أسود، ~~يزحف متدفقا كالشلال، لا هو بالسائل ولا هو بالدخان، ولا يمكن الإمساك به بين أصابع ~~اليد. ~~- أين أخفيت الزجاجة؟ # قالتها وهي تصحو فجأة من النوم، حلقها تشقق من الظمأ، والسخونة في جوفها كالحريق، كان ~~الرجل راقدا وجهه للحائط، دست يدها تحت رأسه، لم يكن هناك إلا عقب سيجارة محترق، تسللت على ~~أطراف أصابعها، فتحت الباب وخرجت، لكن الهواء لم يعد له ملمس الهواء، يدها حين تمتد أمامها ~~تصطدم بشيء صلب، تراجعت إلى الوراء خطوة وراء خطوة، حتى دخلت بظهرها من الباب، ms39 حركة لم ~~يألفها جسمها منذ الطفولة، كانت تمشي إلى الأمام ووجهها إلى الخلف، أو تخرج من الباب ~~بظهرها، في تلك اللحظة تكون خالتها واقفة أمامها، تحدق فيها بعينين يرتعش لهما البدن، لم ~~تكن فعلت شيئا سوى أن سألتها: هل صحيح يا خالتي الشيطان يتمشى فوق الجسر؟ فانقلبت عيناها ~~إلى الداخل ثم إلى الخارج، كانت العاصفة في أوجها، والمطر يهطل وانطفأت كل الأضواء، ولم تعد ~~تسمع إلا صفير الريح، وصوت خالتها يدوي في ظلمة الليل: «ما شيطان إلا بني آدم.» # قبل الفجر سمعت الكلاب تنبح، وقرقعة العجلات مع صفير الريح، هجم الرجال على خالتها ~~وحملوها إلى العربة، قفزت خلفهم تجري، تمد ذراعها عن آخره لتمسك يدها، قدماها تغوصان في ~~البركة حتى الركبتين، العجلات تشق المياه السوداء وتختفي في الظلمة، الكلاب تسبح من خلفها، ~~لا يظهر منها إلا رءوس سوداء مستطيلة مثل سرب من الضفادع، وهي تغوص في البركة، تمتلئ أذناها ~~بطين أسود وأصوات تأتي من بطن الأرض. ~~- امرأة لا تؤمن بوجود الشيطان؟! ~~- إنها مجنونة يا صاحب الجلالة. ~~- بل كافرة! ~~- نعم يا صاحب الجلالة، والكفر والجنون شيء واحد. # كانت قد غاصت تماما، ولم يظهر منها في ضوء الشفق إلا ذراع ممدودة عن آخرها، وأصابعها ~~الخمسة متقلصة، تقبض على قطعة من الطين المتجمد. # امتدت إليها الأذرع تشدها إلى الخارج، كأنما يشدونها خارج الرحم. # وجوه النسوة من حولها سمراء مليئة بالتجاعيد، اندفع الهواء إلى صدرها بصوت حاد كالصرخة ~~وفتحت جفونها الملتصقة، رأت الرجل راقدا مغمض العينين، ذراعه تنزف الدم، وهي إلى جواره ~~عارية الجسد، والدم لونه أسود، يتجمد في أجزائه، وتظل أجزاء أخرى ما بين السيولة والصلابة، ~~وهي تمد ذراعها لتمسك بالدرابزين، رائحة في أنفها غريبة، تشبه الجاز المتعفن. ~~- جهزي الشاي. # سمعت صوته وهو يشد سرواله إلى أعلى، كان نصفه الأعلى عاريا، يجلس أمام عتبة البيت، من ~~حوله أربعة من الرجال، عاكفين في استغراق حول لعبة ما، أوراق سميكة مربعة، كان هو جالس في ~~الوسط يوزع عليهم الأوراق، جسده يرتخي فوق المقعد، والصدارة تلائم ms40 جسده تماما، تتسق مع ~~ملامحه، أصابعه يضمها بالأوراق ويفردها ثم يضمها، وعيون الآخرين تنظر إلى يده ~~متلهفة. ~~- الشاي! # في صوته لهجة الأمر، كأنما هو زوجها، وهي تنظر إليه من خلال غشاوة، ربما استبدلوا زوجها ~~برجل آخر، انبعثت خشخشة صادرة عن حركة توزيع الورق، وجوه الرجال مشدودة، عيونهم ثابتة فوق ~~الورق، داخل كل عين يدور «النني» حول نفسه، لا بد أنهم خمسة وليسوا أربعة، كان رأس خامسهم ~~يختفي وراء الصحيفة، أيكون هو زوجها؟ ساقاه ممدودتان أمامه، قدماه كبيرتان، وأصابعه ~~متلاصقة، بين الأصبع والأصبع غشاء أسود. # كانت الشمس قد بدأت في الهبوط، سقط الضوء الشاحب على الصفحة الأولى، ذرات سوداء تسبح في ~~الشعاع المائل، أعلى الصفحة قرأت التاريخ، الثلاثاء الموافق السادس عشر، نظرت في الساعة، ~~الثانية، وعقرب الثواني يتحرك، لا بد أن الزمن يمر كالمعتاد، وقرأت المانشيت الكبير. ~~- صاحب الجلالة يعلن الحرب على الشيطان. # أوراق اللعب لم تكن هي الكوتشينة، وإنما هي شيء يشبه الشطرنج، أجسام العساكر مصنوعة من ~~الخشب، واقفة في مكانها عاجزة عن الحركة، أصابع كبيرة تلتف حولها، وتحركها من مكان إلى ~~مكان. ~~- كش ملك! # ليس صوت زوجها بالتأكيد، لم يعد يطلب الشاي، استغرق في اللعب، يبدو أن الملك لا يريد أن ~~يكش، ارتفع الصوت مرددا: كش! بدأت النبرة يعلوها الغضب، والأصوات تختلط بعضها ببعض. ~~- هذه قواعد اللعبة يا أخي. ~~- أنت تغش. ~~- أنا أكثر أمانة منك. ~~- أنت جاهل. ~~- أنت حمار. # تركوا الملك واشتبكوا في معركة بالأيدي، ارتفع الغبار في الجو، وانتشر رذاذ لعابهم من ~~حولهم، وأنفاسهم تلهث، لم يفطن أحدهم إلى الصحيفة، دحرجتها الريح، تقلب الصفحة وراء الصفحة، ~~وفجأة رأت صورة تشبهها. ~~«امرأة خرجت في إجازة ولم تعد، مطلوب العثور عليها حية أو ميتة، ممنوع إيواؤها أو ~~التستر عليها.» # لم يكن لها هذا الأنف في الصورة، أيكون هو أنف امرأة أخرى خرجت في إجازة؟ كان رئيسها في ~~العمل يقول إن أنفها روماني، تصورت الأمر أنه نوع من الهجاء. كان الرومان في نظرها من آكلي ~~اللحوم. # في الصفحة نفسها رأت صورة ms41 المحقق ، كان جالسا فوق الكرسي يدور به حول نفسه ثم يتوقف، ~~فيصبح ظهره للحائط ووجهه ناحية زوجها. ~~- أهذه صورة زوجتك؟ ~~- نعم. ~~- متأكد؟ ~~- نعم متأكد. ~~- مائة في المائة؟ ~~- ليس هناك ما هو مائة في المائة. ~~- أنت غير متأكد إذن؟ ~~- نعم، لا. ~~- ماذا تعني بنعم، لا؟ أهذه إجابة؟ ~~- ماذا تكون الإجابة؟ ~~- إما نعم، وإما لا. ~~- إذن نعم. ~~- أنت غير متأكد إذن؟ ~~- نعم. ~~- مائة في المائة. ~~- لا. # ضرب رجل البوليس الأرض بقدميه، فإذا الكرسي يدور حول نفسه دون توقف، انتهز زوجها الفرصة، ~~فأخفى وجهه وراء الصحيفة، حين توقف الكرسي أصبح وجه المحقق ناحية الحائط، راح يدق بأصابعه ~~على الآلة الكاتبة، ثم استدار، كان رئيسها في العمل جالسا، والغليون الأسود بين شفتيه، ~~يهتز والدخان يتصاعد. ~~- لم أكن أتغزل في أنفها، فأنا لست من المعجبين بالأنوف الرومانية، وأفضل عليها ~~الأنوف الوطنية من النوع الأفطس. ~~- ماذا تقول؟ ~~- كانت امرأة مطيعة تماما ولا شيء فيها يثير الشهية. # كان المحقق يدور بالكرسي حول نفسه، وعاصفة من الهواء تقلب الأوراق، لم يكن هناك دليل على ~~شيء، والصحيفة مفتوحة أمام عينيها، صورتها تظهر وتختفي مع حركة الريح، وأخبار المفقودين من ~~الناس أسفل الصفحة، كان اختفاء الناس أمرا طبيعيا، وهناك قانون للمفقودين من الرجال، ~~على المرأة أن تنتظر زوجها المفقود سبع سنوات، ولا تذهب لرجل آخر، فالجنين يبقى في الرحم ~~حيا سبع سنين، وهو ملك الرجل المفقود حتى يعود، والمرأة ليست إلا وعاء، المفقودات من ~~النساء لم يكن لهن قانون، ليس على المرأة أن تصبح مفقودة ليذهب زوجها لامرأة أخرى. # أغمضت عينيها في مواجهة الريح، شعاع الشمس مثل لسان اللهب، كانت الفكرة تدور في رأسها ~~مؤلمة كالمسمار، إذا كان التحقيق مستمرا فلا بد أن هناك حملات تفتيش، وهناك من يتعقب ~~خطاها، ربما هناك كلاب من النوع الجيد، ذلك النوع المستورد الذي يميز رائحة البشر، ~~يدربونها على التقاط الرائحة من المسافات البعيدة، ورؤية النجوم وقت الظهيرة، والدق على ~~الآلة الكاتبة، واستخدام الأدوات الحديثة، وهي لا تعرف شيئا عن الحداثة، كل ما تعرفه ms42 ينتمي ~~إلى الماضي والحفريات، لن تحميها الإلهة حتحور أو سخمت من أي كلب مدرب، لكن في أعماقها شيء ~~غامض، ربما كان الأمر عائدا إلى ذلك الرجل الآخر، أيكون هو الذي أرسل البلاغات عنها إلى ~~البوليس؟ أو ربما هو رئيسها في العمل، لقد لمح بطرف خفي إلى شكل أنفها، وهذه دعوة صريحة لما ~~هو أكثر من الأنف. # أفاقت على صوت الشخير المنتظم، كان الرجل يغط في نومه فوق عتبة الباب، راح يتنفس بصوت ~~عال كعادته، ينفخ الهواء وشفتاه تهتزان، راقدا فوق ظهره، واضعا ساقه اليمنى فوق اليسرى، ~~يهز قدمه في الهواء، ارتفعت الشمس في كبد السماء، وصلت الحرارة إلى درجة حطمت فيها كل شيء، ~~حتى تلك الغلالة الباقية من الحياء، رأته ينزع عن جسمه السروال أيضا، أصبح عاريا كما ~~ولدته أمه، لكن الحياء سرعان ما عاوده مع انخفاض الشمس، فارتدى السروال على حين ظل نصفه ~~الأعلى عاريا. # لم تكن عيناها تتابعان حركة الشمس، كانت تثبت نظرتها فوق الصورة في الصحيفة، تحت الأنف ~~الروماني كان فمها مطبقا مزموما، زاوية كل عين ملتهبة، واسمها الثلاثي غائب، ليس هناك أي ~~تقرير من البوليس، ربما كف الرجل عن إرسال البلاغات. # أشاعت الطمأنينة في جسدها نوعا من النشاط، نهضت من مكانها وداست فوق النفط المتجمد، لم ~~تكن ترتدي إلا السروال الواسع، منتفخ إلى حد كبير، وجذعها عار تماما، كان الهواء رغم ~~انعدامه يتخلل بشكل ما إلى تحت الإبط، رفعت ذراعيها إلى أعلى تستشعر بعض الارتياح، تراكم ~~النفط حول خصرها حيث أحكمت ربط الحزام، أرادت أن تهرش زاوية كل عين، حين تذكرت فجأة أن ~~الظمأ يحرق جوفها. # استدارت لتبحث عن الزجاجة، وفي الاستدارة أصبحت الشمس في عينيها تماما، لم تستطع أن تخطو ~~نحو البيت، بدا الكون من حولها مشتعلا بنار حمراء، ولا أثر للرجل، كان ذلك أمر طبيعي فهو ~~يختفي حين يشاء، ويعود متى يشاء، وقد يغيب سبع سنين، وعليها أن تنتظره بحكم القانون. # بدا غياب الرجل عاديا، مع طوفان النفط، يمكن لأي شيء أن يغيب في ms43 غمضة عين، خارج العتبة ~~مباشرة كان الشلال يتدفق كأنما العاصفة تبدأ من جديد. # حين رفعت قدمها لتجتاز العتبة رأت الإزميل راقدا، من حول رأسه حزام الحقيبة ملفوفا على ~~شكل عقدة، تدفق في جسدها إحساس بالألفة، كأنما هي ترى الرجل الغائب، وقد عاد متنكرا على ~~هيئة الإزميل. # ربما كان ثمة شيء قد حدث، أصبح للإزميل الحديدي وجود إنساني، بدد الوحشة، وامتدت يدها ~~إليه، تربت عليها فوق صدرها، كالأم تعثر على طفلها المفقود، وكأنما الإزميل كان يتحرك ~~وحده، فانزلق إلى الأرض، يحفر فيها برأسه المدببة الصغيرة، بإصرار عجيب، راح يحفر بإصرار ~~وعناد، كأنما هو طفل يبحث عن أمه، ويدرك عن يقين أنها هناك، راقدة في تلك الحفرة، في بطن ~~الأرض. ~~- ألا تكفين عن البحث؟ # فاجأها صوته، ثبتت في موضعها متجمدة، سقط الإزميل من يدها، برزت الأوردة الزرقاء فوق ~~يديها المشققتين، أدركت وهو ينظر إليها أن نهديها عاريان، حوطت صدرها بالملاءة وفي عينيها ~~النعاس، لم تكن صاحية تماما، ولا تعرف إن كان هو زوجها أم رجل غريب، لو كان هو زوجها فمن ~~الأفضل أن تصرخ، فهي لا تذكر أنها تزوجت رجلا له هذا الشكل، وإذا كان الرجل غريبا فسوف ~~يمضي إلى حال سبيله دون حاجة إلى الصراخ. # لم يكن صوتها حين صرخت ينتمي إلى عالم البشر، ربما لم تفتح فمها على الإطلاق، خشية ~~امتلائه بذرات النفط، ومع ذلك رأت النسوة يتجمعن حولها، ومن فوق رءوسهن البراميل، أدركت ~~أنها تحت المراقبة، ويمكن للآذان أن تسمع صوتها وإن لم يخرج، وعيونهن كانت ترمقها بنوع من ~~الغضب. ~~- أنت امرأة مثلنا؟ لماذا لا تحملين البرميل؟! # أرادت أن تثبت أنها ليست مثلهن، وأنه لا يمكن أن تعيش وتموت مثل حيوان. ~~- عندي هدف آخر! ~~- ماذا يا أختي؟ # وتذكرت كل شيء دفعة واحدة، راحت تحكي الحكاية وراء الحكاية، بدأت بخالتها والسيدة زينب ~~والسيدة مريم العذراء، وأنها أرادت أن تكون نبية لتشفي الناس من الأمراض مثل الإلهة ~~سخمت. # رنت كلمة «سخمت» في الجو المعفر بذرات النفط، انقلب حرف التاء إلى الطاء، ms44 وما إن ~~سمعت النسوة الاسم حتى ربطن رءوسهن بالمناديل السوداء وبدأن يلطمن خدودهن ويصرخن في نفس ~~واحد. ~~- سخماط! # لم يكن وقوع الأمر على هذا النحو بالأمر الغريب، كان أشبه ما يكون بالعودة إلى الطفولة، ~~وخالتها تربط رأسها بالمنديل الأسود، وتسب كل من يقترب منها، وإذا كانت نساء هذه القرية ~~من نوع خالتها فلا بد أن الطوفان الأسود أمر طبيعي، وامتلأ قلبها باليأس، وعيناها تتحركان ~~وتدوران بحثا عن الفرار. # رأت أمامها امرأة من الجارات، تحمل البرميل فوق رأسها، وجهها يختفي تماما وراء حجاب أسود ~~لا يطل منها إلا نصف عين، فانفجرت فيها مثل بركان. ~~- أنت لست بقرة عمياء تدور في ساقية؟ ينبغي أن يكون من حقك أن تري ما حولك، أليس كذلك؟ أم ~~أنك اقترفت جريمة في الخفاء فلم يعد في مقدورك أن تظهري أمام أهل القرية بوجهك ~~المكشوف؟ ~~- لا أريد أن أكشف وجهي. ~~- أهناك سبب يدعوك لكل هذا التخفي. ~~- ليس هناك أي سبب يدعوني لكشف وجهي. ~~- تستطيعين على الأقل رؤية العالم. ~~- رؤية ماذا؟ ~~- العالم، ألا يكفي أن تري العالم؟ ألم تشعري برغبة في رؤية العالم من حولك؟ ~~- كانت عندي رغبة، ثم سئمت كل شيء. ~~- اسمعي يا أختي! حتى البقرة تنزع الرباط من فوق عينيها والحيوانات في القفص ترفس. ~~- كنت أرفس كثيرا حتى سئمت الرفس أيضا. ~~- غيرت الجارة لهجتها فجأة وقالت برقة: سمعناك تصرخين؟ أكان يضربك؟ ~~- يضربني؟ # في صوتها وهي تسأل دهشة، أكان الرجل يضربها برأس الإزميل؟ سيطر عليها الغضب، كانت تريد ~~ألا يعرف أحد، لكن يبدو أن هذه القرية لا يخفى عنها شيء، والرقابة محكمة، أرادت أن تخفي ~~وجهها، ألا تعترف أبدا أنه ضربها، ماذا لو عرف أهل القرية أنها مثل غيرها من النساء؟ سرت ~~القشعريرة في جسدها، كانت بشرتها قد تخربشت من الضرب، والجفاف في حلقها، أرادت أن تترك ~~جسمها يسقط إلى الأرض، لكن من حولها عيون مفتوحة، تنتظر سقوطها، فإن سقطت مرة واحدة فسوف ~~يسهل من بعد أي شيء، من الأفضل أن تعترف، وليس في مقدورها الهرب. # كان ms45 الرجل قد عاد، رأته يقترب منها من الخلف، ضغط ركبته اليمنى في ظهرها، ثم حوطها بذراع ~~واحدة، انبعثت رائحة نفط راكد من تحت إبطه، مرر أصابعه المشققة صعودا وهبوطا فوق عمودها ~~الفقري، بقيت مكانها متصلبة، ثم ندت عنها صرخة الألم حين ضغط بقسوة على الفقرة ~~الأخيرة. ~~- أتشعرين بلذة؟ ~~- لا. # ضحك الرجل، وبدا أنه يداعبها، تمهيدا لشيء، وإن كانت حركته مفاجئة، كأنما هي طبيعية، أو ~~ربما أصابعه انزلقت وحدها على نحو بريء. # استدارت لتواجهه، لم تكن ثمة براءة، ولا هي أيضا شهوة الحب، كان يدفعها إلى الركوع، ومن ~~بعد أن تركع يصبح كل شيء ممكنا، رأت أن النوم هو المهرب الوحيد، ربما كانت نائمة فعلا؛ ~~لأن أنفاسها كان لها صوت مرتفع، وساقاها وذراعاها في حالة انتفاض، أكانت غاضبة، ربما، فهذا ~~الرجل يحاول على الدوام أن يفسد عليها النوم، وهو ينجح في ذلك على الدوام حين يشاء، أما هو ~~فيغط في النوم دون أن يقلقه شيء. # حين تقلبت في نومها علقت ذرات النفط بأذنيها، وحول العينين، التصقت ذرة في الزاوية ~~فأزالتها بطرف أصبعها، مدت ذراعها في الظلمة تبحث عن الزجاجة، لم تكن هناك، كان الرجل ~~راقدا وجهه للحائط وظهره ناحيتها، بدا ظهره أقل إيلاما من وجهه، وأصبح الأمر محتملا بعض ~~الشيء، لكن الليل طويل لا يريد أن ينتهي، والأرق كالمطرقة تدق في الرأس، ربطت المنديل ~~وعقدته فوق جبينها كما كانت ترى خالتها تفعل، أغمضت عينيها وجعلت أنفاسها منتظمة، ثنت ~~ركبتيها وتكورت حول نفسها كالجنين، حاولت أن تتذكر وجه أمها قبل أن تلدها، تتبعت الطريق ~~الذي مشت فيه كل يوم من البيت للمدرسة، كان هناك شجرة ونهر طويل، رأت مكانها المعتاد فوق ~~الجسر حين كانت تجلس ساعة الغروب، وتنتظر ظهور الأضواء، راحت تعدد أسماء النجوم، بدأت بزحل ~~والمشتري وانتهت بالزهرة والمجرة، حاولت أن تعد على أصابعها أسماء الإلهات القديمات، بدأت ~~بنون ونمو وانتهت بنوت وسخمت. # لكن الأرق لم يفارقها، ظل كالمطرقة بدق رأسها، حركت عينيها ناحية الرجل، رأته يغطي وجهه ~~بالصحيفة، كان لا ms46 يزال نائما أو ربما كان يقرأ الأخبار ثم نام وهو يقرأ، أنفاسه منتظمة ~~كالشخير، خشخشة الورق تحت ضربات الريح، ونباح الكلاب من بعيد، ولهاث النسوة، أعناقهن تطقطق ~~تحت البراميل، لكن هدير الشلال المتدفق يكتسح كل الأصوات، والأوراق كالشاكوش يدق رأسها، ~~والساعة فوق معصمها تدق، والدقات تحت ضلوعها، وأنفاسها، كلها تدق في أذنيها. # أطبقت جفونها في محاولة أخيرة للنوم، لكن ما إن فقدت الرؤية حتى سقطت فيما يشبه البئر، ~~وكل الأصوات توقفت، تجمد الزمن، لم تعد الساعة فوق معصمها تصدر أي صوت، زحفت ذرات النفط ~~تحت القرص وغطت العقربين، عقرب الثواني أيضا كف عن الحركة، لم يكن شيء يتحرك إلا أوراق ~~الصحيفة تنقلب وحدها تحت حركة الهواء، تكشف كل صفحة عن عناوين بالخط الأحمر والأسود. ~~«صاحب الجلالة يتبرع بثلاثة ملايين دولار لحديقة الحيوان في القطب الشمالي.» ~~«قتل نصف مليون في حرب النفط.» ~~«حرم صاحب الجلالة توزع الحلوى في عيد الطفولة.» ~~«إطلاق الرصاص على امرأة ضبطت في الشارع وهي تمشي بوجه مكشوف.» ~~«بيع الديون الخارجية بالمزاد.» ~~«وزير النفط يحصل على رشوة أكبر من ميزانية الدفاع.» ~~«بيع المخدرات في فصول المدارس.» ~~«انتشار فيروس الإيدز بين الأطفال.» ~~«من الإلحاد إلى الإيمان ومن الشك إلى اليقين، بقلم رئيس الصحوة الدينية ورئيس الحزب ~~الشيوعي سابقا.» ~~«مصرع ثلاثة من النسوة في الطابور أمام المخبز.» ~~«ثمانية رجال يغتصبون طفلة في المدرسة.» ~~«أم تذبح أطفالها الأربعة في عيد الأم ثم تنتحر.» ~~«رجل مفقود يعود بعد سبع سنوات فلا يجد زوجته، مطلوب العثور عليها حية أو ميتة، ممنوع ~~إيواؤها أو التستر عليها.» ~~«معلومات جديدة يحصل عليها البوليس عن المرأة التي خرجت في إجازة، كانت المرأة شديدة ~~الشغف بالبحث عن الموميات كنوع من الترفيه.» # مضى الوقت وهي تحملق في كلمة «الترفيه»، لا بد أن النوم غلبها لأن عقلها كان متوقفا، ~~الترفيه، لم تعرف معنى الكلمة، والشمس بدأت تصعد، ربما خرج الرجل إلى الشركة، وحاملات ~~البراميل ليس لهن صوت، نهضت على أطراف أصابعها، زحفت يدها تحت الفراش وأخرجت الحذاء، كان ~~مملوءا بالنفط ms47 حتى الحافة، أفرغته ونفضت كل فردة بالأخرى، وضعت الإزميل في الحقيبة، ~~والخريطة، علقت الحزام فوق كتفها، وانطلقت قبل أن تلحظها عين، أغلقت جفونها وهي تجري، كأنما ~~إغماض عينيها يخفيها عن الأعين. # كان الخلاص يبدو وشيكا، والهروب أكثر يسرا لو أنها استمرت في عدم الرؤية، لكن فكرة ~~جديدة طرأت على عقلها، يمكنها أن تخفي وجهها عن الأنظار تماما، دون أن يتعرف على وجهها ~~أحد، من حق المرأة أن تخفي وجهها بالكامل دون أن يطاردها أحد. # لكن الأمر في حالتها كان مختلفا، فهي امرأة مكشوفة الوجه، الصحيفة نشرت صورتها واسمها ~~الثلاثي وعنوانها، غرفتها أيضا ظهرت في الصورة، والسرير الخشبي الساقط الألواح، واللمبة ~~المتهالكة فوق مكتب يعلوه الغبار، وكتاب مفتوح تطل منه رأس مومياء، ودرج في المكتب به بعض ~~قطع النقود، ودفتر توفير في البنك بلا رصيد، ثم هناك ذلك الحبل المتدلي من السقف، كأنما ~~جاهز للالتفاف حول العنق، والذباب الميت الملتصق به، وفي نهايته اللمبة المحروقة، ثم الصمت، ~~أجل الصمت الذي يصفر في الأذنين كالريح، أو ذلك الشخير المعتاد لرجل يغط في ~~النوم. # كان زوجا مثاليا يوفر لها السكينة، وكل شيء يشير إلى رغبته الصادقة في استمرار ~~الزواج. # قالها رجل البوليس وهو يدور بالكرسي، يهز يده في الهواء ممسكا بهراوة طويلة، أشار بها ~~إلى المكتب. ~~- لا شيء يثير الاشتباه إلا رأس المومياء، هذي! أتعرف رأس من هذه؟! ~~- رأس أم الهول. # كان رئيسها في العمل يرد بصوت مملوء بالثقة، فيضغط على كلمة «أم الهول» بفكيه وأسنانه، ثم ~~ينفث الدخان في السقف، والغليون بين شفتيه، رمق رجل البوليس بطرف عينه، وراح يؤكد بصوت ~~عال: نعم أم الهول. ~~- أم الهول؟ لم نسمع بها من قبل؟ ~~- عدم السماع بها لا يعني عدم وجودها. ~~- أهي زوجة أبو الهول؟ # لم يعد رجل البوليس مستقرا في الكرسي، يدور به حول نفسه والهراوة في يده، رفع ذراعه ~~وكادت تهبط فوق رأس أم الهول، لكن رئيسها في العمل كان جالسا مستقرا، ينفث الدخان من ~~فتحات أنفه وفمه، أذناه أيضا خرج منهما ms48 الدخان ، الغليون الأسود يلتوي إلى الأمام بزاوية ~~حادة، وعنقه أيضا يلتوي بالزاوية نفسها، عيناه إلى أعلى نصف مفتوحتين، يرمق رجل البوليس ~~بطرف عين. ~~- بعد أن اغتصب أبو الهول العرش أمر بإزالة النهدين من التمثال، وإضافة اللحية. ~~- اللحية؟! ~~- نعم، لحية مستعارة، انظر! # مد رجل البوليس يده بالهراوة وفحص شعر اللحية المتدلية من الذقن، انتهز رئيسها في العمل ~~الفرصة وراح يستعرض الكثير من علمه بالحفريات. ~~- صانعو التماثيل سخروا أنفسهم لخدمة الإله الجديد، وتغير الفن بتغير الحكم، حتى شكل ~~العيون تغير، فالعين المستقيمة ذات الخطوط المباشرة أصبحت خطوطا ملتوية ذات نظرة ~~مزدوجة. ~~- نظرة مزدوجة؟ كيف ذلك؟ ~~- مثلا حين تنظر بعينك اليمنى إلى زوجتك، وإلى امرأة أخرى بالعين اليسرى. ~~- هذا أمر طبيعي، أليس كذلك؟ ~~- كان غير طبيعي حينئذ، وقد تغيرت الشفتان أيضا لتتحول الابتسامة إلى تقطيبة، وكانت ~~اليد مفتوحة فأصبحت مغلقة والأصابع ممسكة بهراوة. # خرجت كلمة هراوة من بين شفتيه من دخان الغليون، فانتفض رجل البوليس واقفا دونما سبب، ~~مخفيا الهراوة في يده وراء ظهره. ~~- ماذا تعني من كل ذلك؟ ~~- أصبحت أم الهول، تغيرت الميم إلى باء، وكان الطوفان يكتسح كل شيء، والزراعة تموت، ومياه ~~الأنهار تتحول إلى سائل أسود له طعم حادق كالملح، وأمر الإله الجديد بإزالة النهدين من فوق ~~التماثيل وإضافة عضو الذكر. # تصلبت أصابع رجل البوليس وهو يدق فوق الآلة. # لم يكن بمقدوره أن يدق كلمة العضو، واستدار داخل الكرسي بحركة دائرية، لم تظهر الحركة في ~~الصورة داخل الصحيفة، لكنها استطاعت أن ترى كل شيء وهي نائمة، عيناها نصف مغمضتين، وفي ~~الحلم تبدو لها الحقيقة أكثر وضوحا. ~~••• # في الحلم كانت تبحث عن شيء تقوله لزوجها، فقد انقطع الحديث بينهما منذ بدأ، لم يكن هناك ~~طريقة لجذبه إليها إلا الاختفاء، كانت في حاجة أيضا إلى جذب الآخرين، والأخريات من النسوة، ~~تدخل عليهن كل يوم في المكتب، شفتاها تنفرجان عن ابتسامة أو تكاد، لولا التكشيرة فوق ~~جبينهن، وعيونهن المنكسة فوق الكتاب، أو وجه صاحب الجلالة يتدلى فوق رءوسهن، أو صورة الإله ~~إخناتون قبل ms49 إزالة النهدي، أو ابنة أم الهول التي نزعت عن أمها اللحية المستعارة وكشفت عن ~~أنها امرأة، (مريت-را) ابنة حتشبسوت! # كانت تفتح الباب كل يوم وتطل على تمثالها، الابنة الوحيدة التي تعرفت على وجه أمها، تجلس ~~إلى مكتبها تتطلع إلى وجوه النسوة، لون البشرة أصفر كأنما من الصلصال، رءوسهن نحتت من ~~الحجر الجيري، يغوص في أعماقها إدراك أنها واحدة منهن، تبتلع لعابا مرا يفيض كراهية ~~للذات، لكن عيد صاحب الجلالة يأتي وتنتشر الأضواء، صوت الغناء والموسيقى يتردد في الآذان، ~~يرتدي الأطفال الملابس الجديدة، العيد في الشوارع غيره في البيوت، لا شيء في البيوت إلا ~~أزواج يخفون وجوههم وراء الصحف، يلفون رءوسهم بسحائب من الدخان، تقف الزوجات في المطبخ، ~~يسلقن الفراخ المثلجة لها رءوس من البلاستيك، علب السردين من الصفيح الممغنط، بعد الأكل ~~هناك سفينة للنزهة تبحر ولا تعود، في الطابور الطويل تسقط الشهيدات، وفي نهاية العيد هناك ~~الأتوبيس المتهالك الذي يسقط بمن فيه، قبل انصرام اليوم تذبح الأم أطفالها ثم تلقي بنفسها ~~في اليم، لكن ما أحد يرغب في ارتكاب معصية، والكل يؤدي الفرائض، يرسم فوق وجهه علامة ~~الابتهاج، يرسمها بالقلم الملون فوق بشرة مشققة، وجوه كثيرة تطل في العيد من عربات ~~الأتوبيس، وفوق المراجيح، وفي الاحتفالات الرسمية، لم يكن هناك شيء يبدد الفرحة إلا وجه ~~امرأة مكشوف. ~~••• ~~- أتعتقد أنها ارتكبت معصية؟ ~~- بالطبع، هذا طبيعي. ~~- ماذا تعني؟ ~~- بصرف النظر عن كشف الوجه فالنسوة بالطبيعة آثمات، إن كيدهن عظيم. # اختلط عليها الصوت، لم تعرف أهو زوجها أو رئيسها في العمل، كان الوجه مثل كل الرجال ~~الآخرين، مكشوف مع جحوظ العينين، يبدو كمن صحا من النوم فجأة، يظهر على الدوام غيرة عليها ~~من الرجال، قد يغار من صداقة تنشأ بينها وبين الكائنات الأخرى، كالزواحف مثلا، عداء قديم ~~غير مفهوم بينه وبين السحلية، وهو من النوع المكتوم، كعادة الأزواج أو الرؤساء، لا يطلع ~~أحدا على خلجات نفسه، إلا أمام رجل البوليس في التحقيق، حين بدأ يتعرف لأول مرة. ~~- يراودني الشك. ~~- لم نسمع منك هذا ms50 من قبل! ~~- هذا العيد مثلا ... ~~- ماذا في العيد؟ ~~- يجعلنا نعتقد أن شيئا ما موجود، بينما لا وجود له؛ ولهذا فإني أفضل العمل في شركة ~~النفط. ~~- النفط؟ ~~- نعم، إنه سائل بلا قوام لكنه يبعث أكثر على الطمأنينة. ~~- لا أفهمك. ~~- لا أستطيع التعبير عن نفسي بصورة أدق. ~~- أتعني أنك متورط مع المرأة؟ ~~- لا، ولكني حين يزداد التدفق فأنت نفسك تصبح مثل النفط، وهكذا يتبدد القلق بشأن ~~الموت. ~~- لا بد أنك مقتنع بما تقول، وأحسب أنك أقنعتها، فخرجت في إجازة، أليس كذلك؟ ~~- لم تكن في حاجة إلى اقتناع مني. ~~- كيف؟ ~~- أعتقد أن فيها شيئا يشبه النفط مثل سائر النسوة. ~~••• # أمسكت رأسها بيديها الاثنتين، لأول مرة تسمع رأيه فيها وهي غائبة، كان حضورها الدائم يحجب ~~الحقيقة، وأصبح الغياب في حد ذاته هدفا، قد يكشف فيه عن خلجات نفسه، كان بينهما ما يشبه ~~الثأر، يرتدي ثوبا آخر أكثر رقة، وينتهي الحوار بينهما بالصمت، تخرج من البيت إلى العمل كل ~~يوم كأنما تخرج من قبضة لتسقط في قبضة أخرى، والسقف واحد يشبه القبو، تشد نفسها من القبو ~~لتصبح تحت قبو آخر، والضجة تشبه الصمت. # لم يكن طلب إجازة لم تعلن عنه لأحد، لكن الحسد ظهر على الفور في عيون النسوة، يتخفى تحت ~~طبقة من اللوم، وكلهن رغبة في المعصية، يضقن ذرعا بالفضيلة، لولا أن طلب الإجازة كان ~~يستوجب التصريح، وجرأة غير مسبوقة للحب. ~~- الحب؟! # أجل، كان يمكن لقلبها أن يخفق، فالأمر بسيط للغاية، والحب لم يكن معدوما بينها وبين ~~الرجل، كان يربطهما بقوة إلى حد وقوع خصام كل يوم، ولا فكاك من التواجد معا تحت سقف ~~واحد. ~~- كيف كانت العلاقة بينكما؟ ~~- شرعية بالطبع. ~~- أهناك عقد مكتوب؟ ~~- بالطبع. ~~- من أي نوع؟ ~~- عقد عمل وزواج. # تتسع عينا رجل البوليس ويشتد جحوظهما، ثم يدور بالكرسي، «والنني» يدور حول نفسه، وتستقر ~~عيناه في السقف. ~~- أتعني أنها كانت تعمل عندك؟ ~~- كلنا نفعل ذلك، أليس كذلك؟ ~~- لكن نحن ندفع شيئا على الأقل. ~~- لزوجاتنا؟ ~~- لعشيقاتنا على الأقل، أليس كذلك؟ # لم تكن بها رغبة ms51 لمتابعة التحقيق، بدا لها الهروب نوعا من المستحيل، حركت قدميها فوق ~~الأرض فلم تتقدم خطوة واحدة، كان النفط قد امتص قوتها، وانتهى الرجل من ملء البرميل، وقف ~~ينتظرها وهي لا تتحرك، راح يحدق فيها طويلا، ثم رفع ذراعه إلى أعلى. # كانت لديها فكرة المقاومة، ورد الصفعة بالصفعة، لكن ذراعها ظلت ملتصقة بجسمها، ربما هي ~~لزوجة النفط تجعل الأشياء تلتصق، أو لأن حركة ذراعه جاءت مباغتة، ولم يكن أمامها وقت ~~للحركة، في أعماقها أرادت الانقضاض عليه، لم يتحرك فيها شيء إلا الفكين، وانطلقت الصرخة من ~~الحلق. ~~- لا تصرخي. ~~- أتضربني؟ ~~- ما عليك إلا حمل البرميل؟ # بدت في وقفتها كاملة الخضوع، لم تظهر مقاومة ما، كانت في حالة أشبه بالنوم، أو أن ~~الصفعة غير المتوقعة انتزعت منها إرادتها جعلتها تبرك كالجمل، وضع الحواية فوق رأسها ومن ~~فوقها البرميل، وكان عليها أن تمضي قدما مع النسوة إلى الشركة، وكل واحدة منهن تقول كلمة، ~~لمجرد الثرثرة في الطريق. ~~- أتفهمين؟ لن يضربك إذا واصلت العمل. ~~- هل أنت عصيت يا أختي؟ ~~- ليس من الضروري أن تحدث المعصية، يكفي أن تفكري فيها. ~~- أحيانا يكون الفكر أخطر. # واصلت السير بعنق ملتو وأنفاسها تلهث، يتقلص صدرها هبوطا وصعودا مع حركة التنفس، تدفع ~~بفمها المزموم ذرات النفط المتطايرة حولها، تنفخها بعيدا عن وجهها، قدماها مشدودتان إلى ~~الأرض، تغوصان إلى ما تحت الركبتين، تركت نفسها تغوص، لا شيء أمامها إلا أن تغوص، أن تصل ~~إلى القاع، ومن بعد القاع لا يكون هناك طريق آخر إلا الصعود. ~~- منذ جئت لم آخذ أجرا! ~~- ألا يكفيك أن أتستر عليك؟ # أرهفت السمع للكلمة «أتستر»، اتسعت عيناها بزواياها الملتهبة، لم يكن هدفها الستر، كان ~~لها هدف آخر، عن يقين كان لها وإن لم تعرف ماذا كان، قدماها تتحركان دون أن تخطو فوق الأرض ~~شبرا، والهواء لا يكفي لشهيق عميق، تورم قدماها وتساقط عنهما الجلد، زحف النفط تحت ~~أظافرها كالطين الأسود، البرميل فوق رأسها ثقيل، يسخن دماغها تحت الشمس، شفتاها زرقاوان ~~مفتوحتان وأنفاسها متلاحقة، ضغطت بأسنانها على شفتها ms52 السفلى فانفجر منها الدم، لونه أزرق ~~ينساب فوق ذقنها ساخنا، له طعم حادق على طرف لسانها، فوق سطح البركة رأت صورتها منعكسة، ~~كالشبح الهائم على وجه الأرض، خيل إليها أنها تصرخ. ~~- النجدة! # حركت عنقها ناحية الرجل، لم يعد يسمعها، وإن سمع الصوت لا يبدو عليه الفهم، يحملق فيها ~~بنظرة لم ترها من قبل، أيفكر في قتلها؟ # رفعت ذراعها وهمت بإلقاء البرميل فوق رأسه، بدت لها الحركة مشروعة تماما، مجرد دفاع عن ~~النفس، قبل أن ترتفع ذراعها عاودت النظر في عينيه، ثم تراجعت إلى الوراء، عيناه لم ترهما ~~أبدا بهذا الشكل، لم تكن الرعدة ظاهرة، لا شيء فيهما يعبر عن الخوف، لكن كل شيء فيه كان ~~كأنما مات من الخوف. # امتدت يدها وأمسكت يده، تشابكت أصابعهما، حوطها بذراع واحدة وحوطته بذراعيها الاثنتين، ~~أغمضت عينيها، وكان هو مغمض العينين، كانا يسيران متعانقين، لا يريان الأرض تحت أقدامهما، ~~يغوصان معا إلى أغوار البركة كأنما يسقطان في قبضة قوة أكبر منهما، لا يستطيعان الفكاك ~~منها. # في تلك اللحظة أصبح كل منهما يمسك بجسم الآخر، يشتد التماسك، يصبح الجسدان كتلة واحدة ~~تتشبث بأجزائها، لا يبغي الانفصال عن جزء منها. ~~- أكان ذلك هو الحب؟ # ربما كان؛ لأنها لم تسمع صوت النسوة، كانت مغمضة العينين، غائبة فيما يشبه الإغماء، ثم ~~بدأت أصوات النسوة تدنو منها، مجرد أصوات بلا أجسام، أسندت رأسها فوق حافة البركة، كأنما ~~تهم أن تأخذ شربة ماء، أو تقذف الغصة من حلقها، سمعت صوتها يخرج من جوفها كأنما تتقيأ، تخفف ~~صدرها من الألم وبدأت الأضواء تظهر، كان الطابور يتحرك من بعيد فوق الخط الفاصل بين السماء ~~والأرض، أشباح سوداء فوق رءوسهن البراميل، يقتربن منها والملامح تزداد وضوحا. ~~- ماذا تفعلين هنا يا أختي؟ # رأت المرأة واقفة أمامها تحت عباءة سوداء لا يظهر منها شيء. ~~- أنا؟ ~~- نعم أنت؟ من غيرك؟ ~~- أنا باحثة في علم الحفريات. # دوت ضحكة واحدة تبعتها ضحكات خافتة مكتومة. ~~- ألم تحبلي يا أختي؟ # لطمت الكلمة وجهها مثل الصفعة، تحبلي؟ أيكون ذلك هو سبب ms53 احتجازها هنا؟ كانت قد أضربت عن ~~الحبل منذ ماتت أمها وهي تلدها، لم تكن تعرف ما جدوى الحبل، كل النساء يحبلن. ~~- هل ينقلب العالم إذا كفت امرأة واحدة عن الحبل؟! ~~- أيتها الحمقاء! # تجردت فجأة من الظلمة، ظهر ضوء من بعيد، حملقت ناحية المرأة، ثم انحنت جالسة فوق الأرض، ~~تحت إليتها عثرت على شيء صلب، كان هو الإزميل، رأسه ملفوف بحزام الحقيبة، مشدود حول عنقه ~~كحبل المشنقة. ~~- من منا الحمقاء؟ # لم يكن هناك صوت، مجرد غمغمة كالصمت، أو ذرات سابحة في الجو، واصلت الحديث وهي تضرب رأس ~~الإزميل في الأرض. ~~- أنا حمقاء؟! ألا يشغلك إلا الحبل؟! وأنا ماذا يشغلني؟! أجل، أنا باحثة، باحثة عن ماذا؟ ~~أجل أبحث عن أشياء لا تعرفينها، «نمو» إلهة المياه الأولى، وإنانا الإلهة الأم، ~~وسخمت. ~~- سخماط؟ ~~- أليس هذا دليل جهلك؟ خير لك أن تنصرفي عني وتحملي برميلك إلى الشركة، ستظل النسوة على ~~حالهن إلى يوم القيامة، أليس هناك من يقاوم النفط؟ ألم تفكري أبدا في التضامن؟ فكري في ~~الأمر، لن تلومي إلا نفسك إذا دفنت في هذه البركة، سوف يسيطر النفط على كل شيء، ويشق طريقه ~~إلى كل مكان، ماذا حدث؟ لماذا لا تنطقين؟! # بدلا من أن ترد المرأة اختفت على نحو بدا طبيعيا، استدارت دون أن تخلف وراءها ~~صوتا، ولا أي أثر لقدميها على الأرض. ~~- أتهربين دون كلمة واحدة؟! # صرخت بصوت عال متخاذل غير مسموع على الإطلاق، كفت عن الحركة وأعادت الإزميل إلى الحقيبة، ~~لسانها بدأ يحتك بسقف حلقها، صوت الاحتكاك في أذنيها مسموع، لمحت الزجاجة فجأة فوق الرف، ~~كانت جافة تماما، رفعتها إلى فمها تهزها عدة مرات، لم تسقط قطرة واحدة، انخرطت في نشيج بلا ~~صوت، بلا دموع بلا حزن، أو أي شيء، لم تحس شيئا على الإطلاق، كانت امرأة أخرى تلك التي ~~تنشج وليست هي. # التصقت بالأرض تتظاهر بالموت، تتكور حول نفسها أملا في النجاة، حركت عينيها قليلا ناحية ~~الباب، كان الرجل واقفا على العتبة منكوش الشعر، هل كان يتنصت عليها؟ تركت دموعها تهبط ms54 ~~قبل أن تضيع الفرصة، لم يكن البكاء مجديا، تحركت شفتاها بما يشبه التردد، ربما كانت ~~الابتسامة أفضل، لم تشعر بوخز الضمير، يمكنها أن تبتسم في وجهه رغم كل شيء، لولا الإعياء ~~الشديد، ونوع من التنميل كالشلل يسري في شفتيها. # كان وجهه للحائط وظهره ناحيتها، بدت الابتسامة غير ضرورية، كان البرميل ساخنا بفعل ~~الشمس، وأنفاسها تتقطع مثل بقرة تحتضر، لوت عنقها إلى الناحية الأخرى للتخفيف من الثقل، ~~فتحت عينيها لحظة في مواجهة الشمس، ثم أغلقتها على الفور بإحكام شديد. # حين وصلت الشركة كان وجهها مثل سمكة مشوية، خداها عظامهما متفحمة، فوق رأسها تحت قاع ~~البرميل حفرة عميقة، في مؤخرة عنقها ورم ينز سائلا أسود، جلبابها تعلوه البقع، والرائحة ~~تفوح من العرق. # رمقها رئيسها في العمل من بين أطراف جفونه المغلقة. ~~- عليك بارتداء ثوب نظيف، وضعي بعض العطر تحت الإبط. ~~- نعم ... ~~- حان وقت وصول جلالته ولا نريد أن نؤذي أنف جلالته، أليس كذلك؟ # لم تكن عضلات لسانها تطاوعها للرد، وخرج صوتها مكتوما. ~~- في ليلة ... العيد ... طلع ... البدر ... # تذكرت أغنية في الطفولة، كانت تغنيها مع البنات في المدرسة، حين كان يصل الرئيس، ~~ويغنين في نفس واحد: طلع البدر علينا، ومن خلفه تقبل حرم الرئيس ترتدي دوائر من الضوء ~~حول العنق واليدين والرجلين، من خلفها النسوة يتسابقن فوق الكعوب الرفيعة، ينكفئن على ~~وجوههن وأردافهن تهتز من الخلف. ~~- طلع البدر علينا ... # لم تكن تعرف لماذا ينثني عنقها ويلتوي إلى الداخل، بدا لو كانت تنحني لأداء التحية، تخفي ~~الورم البارز بين طيات العنق، تمسح الجلد بكفها تمحو البقع السوداء. ~~- لماذا كانت تشعر بكل هذا الخزي؟ # كانت تظن أنها ضحية العيد، وعليها أن تخفي أثر الدم بعد الذبح، كان يمكن لها أن تواجه ~~الخزي، لولا الرجل، أجل، لولاه ربما استطاعت أن تنجو، وماذا بعد أن تنجو؟! # خطر لها السؤال فجأة، ولم تعرف ماذا تفعل لو قدر لها أن تنجو. ~~- سأكتب قصة حياتي. # سمعت الرجل يضحك بصوت كالسعال، كان منثنيا فوق البرميل يملؤه، فارتج البرميل بالصوت، ~~سمعت القرقعة ms55 داخل بطنه الممتلئ فأدركت أنه النفط أيضا يضحك. ~~- أتفكرين في الكتابة حقا؟! ~~- أعني، في غير أوقات العمل، قد يهبط الوحي. ~~- الوحي؟ ~~- أجل قد يهبط الوحي أحيانا على راعي بقر أو دودة نفط. ~~- هذا النفط يتغلب على أي وحي وإن هبط من السماء. ~~- قد يختلف الأمر، حين يأتي الوحي من بطن الأرض. ~~- ماذا تقصدين يا مره؟! # لم يكن عقلها قادرا على الرد، وبدا الحوار بلا معنى، السخونة في رأسها تشتد، والوجع في ~~مؤخرة الدماغ كالمطرقة يدق، حشدت المنديل وعقدته فوق جبينها، لم تعرف من أي حفرة في رأسها ~~خرجت فكرة الكتابة. # كان الوحي ينزل دون حاجة إلى كتابة أو قراءة، يرفع صاحب الجلالة عينيه إلى أعلى فإذا ~~بالوحي يهبط من السماء كالمطر، يعبئونه في الزجاجات، وفي العيد يصرفونه من المنحة، يحصل ~~الرجل على زجاجة كاملة لنفسه، ولامرأته النصف، لم يكن للمرأة أن تتسلم نصيبها بنفسها، ولا ~~بد من زوج ينوب عنها أو وكيل آخر. ~~- خداع الذات لا يفيد شيئا يا مره، ثم إن مثل هذه الأوهام لا جدوى منها. ~~- ماذا تعني؟ ~~- الكتابة مثلا ليست إلا نوعا من الوهم، وإذا كان صاحب الجلالة لا يكتب ولا يقرأ، وجميع ~~الأنبياء، لم يكونوا في حاجة إلى الكتابة أو القراءة، ثم ما هو الفارق بين حمل القلم وحمل ~~البرميل؟! هيا انطقي! ولا تكوني غبية! # ثنت المرأة عنقها ولم ترد، كان الصمت شيئا طيبا للغاية، دفعها إلى إغلاق عينيها في يأس ~~كامل. # رفعت البرميل فوق رأسها واندفعت إلى الخارج، من الناحية الأخرى من البركة هبت عاصفة ~~جديدة، ليس أمامها إلا أن تمضي في الطريق حتى النهاية، لا يزال بعيدا عن عقول النسوة فكرة ~~الكشف عن وجوههن، لقد حملن البراميل قبل طلوع الشمس واختفين في الظلمة، امتدت ذراعها إلى ~~أعلى، وهزت البرميل بقوة، لم تنسكب منه إلا قطرة متجمدة من النفط، كانت عيناها تتطلعان إلى ~~السماء، لم تر شيئا، قربت أصابعها من أنفها فانبعثت رائحة الجاز العفن. ~~- ما الذي يحدث لو استمرت حياتها بهذا الشكل؟! # ربما تكون ms56 هناك مؤامرة، رئيس الشركة له بشرة حمراء، يرطن بلغة أجنبية، وتقول الصحيفة إنه ~~رجل كبير القلب، يتبادل البراميل مع صاحب الجلالة علامة الحب، وفي هذه المنطقة الأثرية ~~أيضا رفات الموتى، وحفريات مقدسة من الآلهة القدامى، وبعض الإلهات من الزمن الحجري. ~~- أجل، تغيرت المقدسات مع هبوب العاصفة. ~~- ألا يوجد حفريات هنا في بطن الأرض؟ ~~- لا يوجد إلا النفط يا مره. ~~- ما هذا؟ ~~- زجاجة إضافية في عيد صاحب الجلالة، ألم أقل لك إنه كبير القلب واسع الرحمة لا ينسى ~~الرعية، ما رأيك في جرعة صغيرة؟ لنحتفل معا بعيد جلالته. # التوى لسانها داخل حلقها، حركت قدميها في الهواء مثل بقرة مربوطة الوثاق، هذا الرجل ليس ~~زوجها وليس مندوب الشرطة، لماذا لا يفك وثاقها ويتركها تعود؟ إنها شابة في ربيع العمر، ~~وتحمل لقب «باحثة» ولها زوج ينتظرها. ~~- سأملأ لك كأسا. ~~- أليس الشرب حراما؟ ~~- ما دمنا وحدنا ولا أحد يرانا، وإن كان الأمر يستوجب بعض الحرص. # إنهم يوزعون علينا هذه الزجاجات، ومعنى ذلك أن الشرب مباح ليلة العيد حتى يضرب مدفع ~~الإمساك، هل أنت على قيد الحياة؟ أراك لا تتنفسين؟ خذي هذا الكأس، وانسي كل شيء. ~~- سأنسى. ~~- أهذا وعد؟ # هزت رأسها علامة الإيجاب، بدت ليلة العيد ملائمة تماما للهروب، بعد أن يشرب الرجل يفقد ~~وعيه، وليس عليها إلا أن تشتري تذكرة العودة، فتحت الحقيبة لتخرج النقود، لم يكن هناك شيء، ~~قلبت البطانة وهزت الحقيبة، لم يسقط قرش واحد. ~~- أين النقود؟ ~~- ماذا تقولين؟ ~~- أنا أعمل وأستحق بعض الأجر. ~~- أود أن أسألك سؤالا صغيرا لمجرد إرضاء فضولي. ~~- نعم. ~~- ألست أوفر لك كل شيء حتى الحب؟ هل ينقصك شيء؟ هيا انطقي ولا تكوني جاحدة! ~~- أنت رجل مثالي، هذا صحيح، ولكن أنا أعمل طول النهار وجزء من الليل، من يدفع ~~الأجر؟ ~~- أجرك على الله. ~~- الله؟! ماذا تقول يا رجل؟ ~~- ألا تؤمنين بوجود الله يا مره؟! # صوته أصبح غاضبا، والنبرة مهددة، كانت تطالبه بأجرها، فإذا به يطالبها بالإيمان، ما ~~علاقة الإيمان بالأجر؟ لم تكن تعرف، لكن الوضع انقلب، أصبح هو ms57 صاحب الحق، وهي لم تعد لها ~~طلب، أجلسها في قفص الاتهام، وراح يدور حولها نافشا شعره، مزمجرا بالغضب. ~~- امرأة مثلك لا يمتلئ قلبها بالإيمان، ماذا تستحق إلا الحرق في النار! هيا انطقي ودافعي ~~عن نفسك! # التوى لسانها في حلقها وعجزت عن الرد، كانت مؤمنة تماما مثل الرجل وأكثر، قلبها كبير، ~~أكبر من قلبه، يتسع لإيمان أكبر من إيمانه، بل يشمل الآلهة القدامى أيضا، والإلهات، لكن ما ~~علاقة الآلهة بالنقود؟ وهي امرأة تؤدي عملها بالكامل، تحمل فوق رأسها البرميل، في شركة ~~رسمية للنفط، والعمل شاق، ازداد مشقة بعد قيام العاصفة، وكان يمكنها أن تتجنب كل هذه ~~المشاق، ضربت بقدميها الأرض وهي تصيح: كل هذه المشاق! ~~- ولماذا أتيت في الأصل؟ # تجمدت في مكانها لا تنطق، كان الرد واضحا لا يحتمل وضوحا أكثر، لقد جاءت لأنها عجزت عن ~~الاستمرار هناك، أجل جاءت لتتجنب مشاق أكثر، هذا كل ما في الأمر. ~~- أهذا كل ما في الأمر؟! ~~- نعم، كل ما في الأمر. # بدا الأمر بسيطا غاية البساطة، انفرجت شفتاها عن تنهيدة عميقة تشبه الراحة، وانكفأت ~~رأسها بحركة مباغتة فوق صدرها كأنها تنام، لكن الحركة أيقظتها فانتبهت، كان رأسها ثقيلا، ~~والسخونة تتدفق من أعلى مع الثقل، كأنما تحمل قرص الشمس في منتصف النهار، مع أن الدنيا ليل، ~~والرجل راقد إلى جوارها مفتوح العينين. ~~- ألم تحصلي على إجازة؟! ~~- ماذا تعني؟ ~~- هذا أمر يقلق صاحب الجلالة ورئيس الشركة بطبيعة الحال. ~~- ألم تنجح امرأة واحدة في الحصول على إجازة؟ ~~- كانت هناك امرأة من أسرة فقيرة، وأهلها جميعا من اللصوص، قالوا إن عفريتا ركبها، ~~فالعفاريت تتبع الفقر، واللصوص تتبع العفاريت، ومع ذلك لم تنجح في الهرب. ~~- كيف كان ذلك؟ ~~- نشرت الصحف صورتها وأعادوها قبل أن تجتاز الحدود. ~~- أتعني أنه لم تهرب امرأة واحدة؟! ~~- ولا رجل واحد. # تهاوى جسدها وهي راقدة، كأنما تسقط في نوم أعمق، تكورت حول نفسها مثل دودة النفط، أصبح ~~وجهها بلون الأرض، ضغطت بيدها فوق صدرها، ثم انتفضت. ~~- لا يوجد نبض! # نهض الرجل من الفراش، بدأ يدلك ms58 قلبها بأطراف أصابعه، أخذتها الدهشة ولم تستطع الرفض، كان ~~ينتهز فرصة غياب النبض ليدوس بأصبعه فوق نهدها، يمرره داخل الشق بين النهدين، كانت هناك ~~طبقة متجمدة من النفط لها رائحة العرق، تململت فيما يشبه الحرج. ~~- كنت أنوي الاستحمام، لكن ... ~~- لا داعي للحرج فأنا لست رجلا غريبا. # كان القمر يطل فوق البركة بضوء شاحب، بقعة مستديرة من لون متهالك البياض فوق مساحة كالحة ~~السواد، والنافذة مصنوعة من ألواح الخشب لها مزلاج عريض، نمت فوقه طحالب النفط فاخضوضرت ~~أطرافه، كانت النافذة واطئة فيها شقوق، تطل من بينها عيون النسوة، ثلاثة أو أربعة يضحكن ~~بصوت مكتوم، واحدة من النسوة تتحدث إلى جارتها في البيت الملاصق، تحكي لها ما يفعله معها ~~زوجها في الفراش، تقطع الحديث بضحكات كالشهقات، ثم تجهش بالبكاء. ~~- عشر سنين مضت على زواجك ولم تحبلي؟! ~~- أمر الله. ~~- بل هي ضرتك الملعونة، سحرت لك. ~~- أهو سحر إذن؟ يا للمصيبة! ~~- أنت أسعد حظا مني، ولك ضرة واحدة وأنا لي ثلاث ضرائر، وما إن أبطل سحر واحدة حتى ~~يأتي سحر الأخرى. ~~- ومع ذلك حبلت، أليس كذلك؟ # صوتها يتسرب إليها من وراء الجدار يشبه صوت خالتها، كانت تلف حول رأسها الطرحة السوداء ~~وتخرج، تجوب الأزقة تلم الودع والقواقع، وعظام الموتى من بطن الأرض، تصحنها في الهون ومعها ~~الشبة واللبان الدكر، تشربها على الريق وقبل النوم، تبلل به وسادة زوجها وما بين الفخذين، ~~كان لكل عفريت من الجن حجاب خاص، يكتبه شيخ أعمى في غرفة مظلمة، كان الأعمى أكثر قدرة من ~~المبصر على طرد العفاريت الجان، وكان الشيخ الميت أكثر قدرة من الأعمى بطبيعة الحال، وتدفع ~~المرأة قطعة من الفضة أو فرخة مذبوحة، لم يكن للمرأة أن تحبل دون أن تدفع شيئا. # في نهاية الليل انقطعت أصوات النساء، جاء الصباح بشعاع أحمر يلسع مثل لسان من ~~اللهب. ~~- أرجوك، هل لي في شربة ماء؟ # لا بد أنه كان غائبا في النعاس، لم تسمع أي رد، جلبابه ممزق من الصدر، غارق في عرق أسود ~~كالدم المتجمد، ذرات النفط ms59 تلتصق بالشعر، وشفتاه مشققتان مثل أرض قحط. ~~- ألم تسمعني؟ قطرة واحدة لو سمحت. # صوتها جاف، وجسدها يرتعد بالحمى، تصعد السخونة من تحت الجلد، تذيب القشرة شيئا فشيئا، ~~انفرجت شفتاها تلهث، ولعقت بطرف لسانها السائل الذائب. ~~- سأعطيك الزجاجة بشرط واحد. ~~- ما هو؟ ~~- أن تكفي تماما عن تلك المؤامرة. ~~- ماذا تعني؟ ~~- ألا تعرفين أنك مراقبة بدقة وحركتك مرصودة. ~~- مرصودة؟ ~~- كل حركة، بل كل خلجة. ~~- خلجة. ~~- نعم، عليك أن تنسى كل شيء عن أمك وخالتك وحتحور وسخمت وجميع النسوة، نعم، جميع النسوة، ~~أتفهمين ذلك؟ # هزت رأسها علامة الفهم، لم تكن تفهم شيئا، كانت تريد الزجاجة ولا شيء غيرها، خطا الرجل ~~فوق الأرض نافضا عنه ذرات النفط، قرب عنق الزجاجة من شفتيها، التهمتها بأسنانها تهزها عدة ~~مرات، تتلوى مثل دودة الأرض، كانت الزجاجة جافة بلا قطرة واحدة مقلوبة فوق فمها، قعرها سميك ~~مرفوع إلى السماء، ينفذ منه قرص الشمس مباشرة إلى عينيها، كأنما هو عمود ممدود من نار ~~الآخرة. # طوحت بالزجاجة في عين الشمس، أطرق الرجل رأسه في خزي. ~~- ألم تكن تعرف أنها فارغة؟ ~~- أعرف، لكن ... ~~- إذا افترضنا أن للمرأة روح مثل الرجل ... ~~- أجل. ~~- فلا بد أن هذه الروح تسكن جسدها. ~~- أجل، لكن ... ~~- لكن ماذا؟ ~~- بعد الاحتفال بالعيد ينسون الصغار من أمثالنا ويستولي على نصيبنا الكبار. # كانت تنظر في عينيه، تدرك أنه يغطي بالكلمات على شيء آخر، كان يختفي في الغرفة الخلفية، ~~ويأخذ نصيبها، ثم يخفي الزجاجة في مكان لا تعرفه، أيحاول السيطرة عليها عن طريق ~~العطش؟ # كان الرجل واقفا يحملق في الفراغ، يتحاشى النظر إلى عينيها، ربما كان يعلم كل شيء، له ~~ضلع في المؤامرة، في اللحظة الحاسمة سوف يقف مع صاحب الجلالة أو على الأقل رئيس ~~الشركة. # تصلبت عند مدخل البيت تلوي عنقها نحو الأفق، السحب تتراكم على شكل نطف سوداء، ليس ~~هناك ما يشير إلى هدوء العاصفة، ارتفع صدرها وهبط في زفير عميق، مع كل نفس بدت روحها كأنما ~~تخرج من جسدها. # ظلت مطبقة شفتيها في صمت، لم يكن في الصمت ms60 إنقاذ لشيء، عليها أن تكشف الأمر للجارات، ربما ~~تستطيع النسوة عمل شيء. ~~- أجل، يمكنها اللجوء إلى النسوة. # سمعته يقهقه بصوت قرقعة البرميل، تجمدت في مكانها من الفزع، أيعرف النسوة أكثر منها؟ ~~أيمكن أن تضحي بها النسوة إذا لزم الأمر؟ # ظلت واقفة حيث كانت، لفت ذراعيها حول صدرها كمن تحس البرد، عيناها تتذبذبان دونما وعي، ~~تقدم قدما وتؤخر الأخرى، كالفأرة الواقفة أمام ثقب في الجدار، لا تعرف إن كان طريقا للهرب ~~أم فوهة مصيدة، غلبها الإعياء وهي واقفة، تساقطت قطرات العرق من جبينها، لعقتها بطرف لسانها ~~تستشعر الطراوة، بدت كأنما استعادت شيئا من الثقة، عليها أن تتقدم وليكن ما يكون، أجل، دون ~~مخاطرة لا تحدث حركة. # حركت قدميها وتقدمت نحو الطريق، كان قرص الشمس يختفي وراء الأفق، رياح شمالية تهب مع ذرات ~~النفط، على حافة البركة رأتها جالسة تفك الرباط الأسود من فوق وجهها، تدعك أنفها وزوايا ~~عينيها، ومن حولها النسوة يفعلن مثلها، يكشفن وجوههن، تمسك كل واحدة الرباط الأسود بين ~~يديها، ثم تهزه في الهواء عدة مرات، محدثا صوتا مثل طرقعة الهواء، بدأت تدب بقدميها فوق ~~الأرض، تدور حول نفسها دورة كاملة، والأصوات ترتفع كدقات الطبول، النسوة يرقصن على شكل ~~حلقة، وأقدامهن تدب بالإيقاع ذاته، الغناء يتصاعد إلى السماء مع الغبار. ~~- أهو قدرنا أن نحمل فوق رءوسنا! ~~- براميل النفط إلى الأبد! ~~- لا يا أختاه! لا يا أختاه! ~~- ليس هو قدرنا! ليس هو قدرنا! # كان مدهشا أن تلمح ذؤابة الضوء في الظلمة، أن تكشف الصلة بين القدر والنفط، بدا لها ~~جسدها مثل الجدار، منتصبا في وجه العاصفة، لا شيء يمكن أن يسقطها. # في تلك اللحظة ظهر الرجل رافعا ذراعه، كادت الضربة تفلق رأسها، لكنها وثبت متفادية ~~الموت، انثنى فوقها فيما يشبه العراك، طرحته أرضا رغم الإعياء، خطف الإزميل من يدها ~~ليجردها من السلاح، فأمسكت البرميل من أذنيه. ~~- القوة لا تهزمها إلا القوة. # دارت بها الأرض وهما يتصارعان، في لحظة خاطفة أصبح فوقها، ملأه الغرور بامتلاكها فانتصب ~~شعر رأسه، بدا في انتصابه ms61 أشبه بعرف الديك، وكان يمكن للمعركة أن تنقلب إلى شيء آخر يشبه ~~الحب، لولا أنها خطفت الإزميل من يده. # تذكرت فجأة أنها كانت تحمل لقب الباحثة، أنها خرجت في إجازة، كان هناك شيء تبحث عنه، راحت ~~الحمى التي انتابت جسدها تنحسر، بدا لها أن المرأة التي خرجت في إجازة لم تكن هي الباحثة، ~~أنها لا تستطيع أن تحب الرجل دون أن يخضعها، وإن بدت حركة الإخضاع بريئة، إلا أنها لم تكن ~~بريئة تماما. # كانت مع رجلها الآخر تتفادى هذا الخطر، كان مصابا بفيروس مجهول الاسم، يندرج تحت بنت ~~الحب، لم يكن هو الحب على وجه اليقين، وإن لم يكن هناك ما يثبت العكس، في لحظة تتوقع فيها ~~الحب تراه يجز على أسنانه من شدة الكره، وفي مرة انهال بأسنانه على كتفها في عضة كبيرة، ~~رقدت في الفراش تهذي، تصدر أصواتا تشبه نباح كلب، وجاء الطبيب فغرس في فخذها إبرة ضد ~~السعار، كتب فوق ورقة كلمات غير مقروءة، من نوع: الامتناع الكامل عن الحب وعن أكل المخللات ~~المنقوعة في النفط. ~~- بمقدورك النظر إلي دونما ألم؟ # نعم، في أعماقها كانت راضية عنه، ويمكن أن تنظر إليه دون ألم، فلم يكن هناك بديل آخر، كان ~~الأمل معدوما تماما، ولا بد من كتابة العقد. ~~- ألا يكفي الوعد؟ ~~- لا بد من كتابة ورقة. ~~- ألا توجد عندك ثقة؟! ~~- ماذا تعني؟ # وقعت على العقد بحركة أشبه بتسليم الروح، كانت الصحف تنشر بإسهاب عن حوادث الاغتصاب، ~~اغتصاب الجسد بطبيعة الحال، فلم يكن أحد يعرف شيئا اسمه اغتصاب الروح. ~~- أتبولين وأنت واقفة؟ هذا ممنوع للنسوة! # من شق الباب كان يراها، لم يكن مسموحا للمرأة أن تقف حين تبول، وكانت هي تفضل الوقوف، ~~فالمرحاض غارق فيما يشبه البركة، وإن جلست تخشى أن يلامس جسدها المقعد، كانت الصحف تتحدث عن ~~الفيروس، ينتقل عن طريق الجلوس، وعن طريق الشيطان أيضا، ما إن ترفع المرأة ثوبها حتى يكون ~~هناك متجسدا على شكل البشر. ~~- إذا اجتمع رجل وامرأة فثالثهما الشيطان. # لم يكن الجماع يتم ms62 دون وجود الشيطان، كالسير في الظلمة فوق الجسر، فجأة يظهر الشيطان، ~~واقفا منتصب الشوارب مثل قط جائع، الرجال والنساء على السواء أسرى الوقوع بين أنيابه، كل ~~منهم يتشكك في الآخر، من الذي بدأ، لا أحد يعرف عن يقين ما الذي حدث، ولإثبات البراءة ~~يكتبون ورقة، من لا يعرف الكتابة يستأجر قلما، والأقلام كثيرة، أكان هناك ولع ~~الكتابة؟! ~~- لا، صاحب الجلالة نفسه لم يكن يكتب. ~~- ما المشكلة إذن؟ ~~- مجرد ضوابط. ~~- ماذا تعني؟ ~~- إذا هاجت الروح فلا حدود لهياجها، وإذا لم يكن هناك ورقة فلا ضوابط على الإطلاق، أليس ~~كذلك؟ # لم تفتح فمها لترد، كان قد رآها من شق الباب، لم يكن بمقدورها أن تتخفى، لا مجال للحركة ~~حين تلتف الشبكة، من السماء تسقط شباك الموت كالمطر الأسود، في الزواج أيضا يبدو أن هناك ~~شبكة، وهياج الروح مثل هياج العاصفة، ليس أمام الجسد إلا الخضوع، أو ربما هو هاجس غامض، ~~ربما تكون الورقة هي الضمان. ~~- ليس هناك ضمان لشيء. ~~- ماذا تقول؟ ~~- في غمضة عين ينقلب كل شيء إلى النقيض، كنت أراك شابة موفورة الحماس، فإذا بك كهلة عجوز، ~~ألا ترين نفسك؟ # كانت المرأة مستلقية في الخلاء أمام البيت، تدلى طرف ثوبها فوق حافة البركة، تطلعت إليه ~~بعينين متسعتين، عينا بقرة مذعورة، حملق الرجل فيها بعين واحدة جاحظة، عين قرموط من السمك ~~مخنوق، فركت زوايا عينيها بطرف أصبعها، دققت النظر إليه، أيكون مثل هذا الرجل حقيقيا؟! ~~بدا لها غير حقيقي، ومع ذلك استمرت في النظر إليه، وانهال تدفق النفط مع الريح، تسلل من تحت ~~ثوبها إلى السروال، وزحف فوق فخذيها، راحت تقاوم الزحف، لكن بعد فوات الوقت. # انتفضت واقفة تنفض عنها السائل الأسود، لكنه راح يزحف رغم إرادتها، يتكور تحت جدار البطن ~~ويتراكم فوق الذراعين والكتفين، نشجت بصوت مبحوح، أصبح أكثر إصرارا، زحف فوق النهدين ومن ~~هناك صعد إلى العنق، أكان يخنقها؟ ~~- لسوء الحظ ليس النفط رجلا حتى يمكن التخلص منه. # سمعت الصوت الغريب يخترق جسمها، بدا لو كان هو صوتها، أو صوت ms63 أمها وهي داخل الرحم، لم تكن ~~هي أمها فيما يبدو، وإنما امرأة أخرى استعارت جسمها، وقد انتهت مدة الإعارة، وعاد الجسم إلى ~~صاحبته الأصلية، ربما كانت تخدع نفسها لمجرد الإفلات، لكنها لم تكن تنسى صوت أمها قبل أن ~~تولد، كانت تعوم في سائل غليظ القوام، وتغرق في أحلام كثيرة، آخرها حلم بأنها تبول في ~~الخلاء وتخشى أن يراها أحد. ~~- أنا باحثة محترمة. # أجل، كم مرة حاولت أن تعرفه بنفسها، كم مرة أكدت له حقيقتها، وكونها باحثة في علم ~~الحفريات، ولها زوج ينتظرها هناك، ورئيس في العمل يشهد بكفاءتها، وزميلاتها من النسوة عن ~~يقين يتذكرنها، أيمكن أن تفقد النسوة ذاكرتهن أيضا؟ ~~- أليس من العدل أن تدفع لي أجري؟ هل يمكن أن أفقد عرق جبيني كل هذا العمر؟ وأنا لا أريد ~~إلا تذكرة العودة. # بلل الرجل شفته السفلى بلسانه، وابتسم دون أن ينظر إليها، بدت ابتسامته مجرد تجاعيد في ~~الجلد حول الفم، لم يكن أمامها إلا أن تمسك الإزميل، بينما هي ترفع ذراعها انطلقت منه ~~الصرخة. ~~- أتنوين قتلي؟! # هبطت ذراعها ولم تنطق. ~~- من المؤكد أن الحوار انقطع. ~~- يمكننا أن نبدأ من جديد. ~~- كيف هذا؟ ~~- يمكننا الوصول إلى حد أدنى من الاتفاق، ليس أمامنا إلا هدف واحد، أن نحمي أنفسنا من ~~الموت، أليس كذلك؟ لحسن الحظ ما زلنا أشداء، ولنا سواعد قوية ونستطيع العمل، وهذا هو الهدف ~~من بقائنا هنا، فالنفط رغم كل شيء أفضل من كائنات أخرى أشد قسوة، ويمكن للنفط أن يترفق بنا ~~إذا استسلمنا له، لكنك لا تكفين عن المقاومة. # اتسعت عيناها ولم تنطق. ~~- نحن لا نطلب إلا الرحمة، وكلنا نعلم أن المستفيد الوحيد من النفط هو صاحب الشركة، وصاحب ~~الجلالة بطبيعة الحال، وهذا أمر منطقي، ما الخطأ في هذا؟ إنه حقهم بأمر السماء، ألا تكفين ~~عن الطمع؟! # لم تكن تعرف عن يقين أنه صوت الرجل، ربما يعود الأمر كله إلى خيالها، وفي الخارج كانت ~~أصوات النسوة كالغمغمة، وضحكات متقطعة كالنشيج. ~~- ما بالك تدخلين في أمور لا تخصنا. ~~- كيف؟ ألا ms64 نحمل البراميل؟ ~~- عليها اللعنة، أصابتنا بوجع الدماغ وسوف تقضي علينا جميعا. ~~- لا بد من التضامن لنصبح قوة. ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله. # كان الرجل قد شرع في العمل، رأته يحرك ذراعيه بهمة جديدة، وعضلاته نافرة، مسح العرق ~~بكم قميصه وتوقف فجأة، حرك رأسه ناحيتها، لمحها من بعيد تحادث النسوة، لعب الفأر في ~~عبه وحلق صقر في الأفق على ارتفاع منخفض، فرد جناحيه الكبيرين وحجب الشمس، تطلعت المرأة ~~إلى السحب، بدا وجهها شاحبا تعلوه الذرات السوداء كالنمش، غامت عيناها وأصبح الدم في ~~عروقها لونه أحمر، وانفتحت حقيبتها فجأة بقوة الريح، رأت أنفا طويلا يعبث بمحتوياتها يشبه ~~أنف فأر، أخرج الإزميل، وراح يفتش داخل البطانة، اشتدت الريح وكادت تقتلعها من مكانها، تدفق ~~الشلال كالمطر فوق وجهها، مسحته بكم جلبابها وفتحت عينيها، لم يكن فأرا وإنما هو الرجل، ~~تكور حول نفسه فوق الأرض كالدودة، وراح يفتش جيوب الحقيبة. ~~- هذا ليس حقك! ~~- ما هذه الورقة؟ ~~- لي أوراقي الخاصة. ~~- أعندك زوج آخر؟! # كان له أصابع غريبة الشكل، والورقة كانت مطوية في القاع تحت البطانة، لا يمكن لأي أصبع أن ~~يصل إليها، إلا بعد تدريب طويل في مدرسة البوليس، مدت ذراعها واختطفت الورقة، ألقت بها داخل ~~حلقها وابتلعتها، هجم عليها بحركة مباغتة، أصبح فوقها يركبها كالحصان، أدخل أصبعه في حلقها ~~ليخرج الورقة، يدور به تحت اللهاة، وبين ثنايا اللحم، أنفاسه تتدافع من فمه المفتوح، ~~كالبخار يندفع من فوهة القطار، ثم أخرج أصبعه في النهاية بشيء صغير، يشبه حبة الفول، أو ~~قطعة متجمدة من النفط. ~~- أنت تستحق الشكر رغم كل شيء. # قالتها بصوت مفعم بالصدق، بدا جسمها أكثر قوة، وأنفاسها تدخل صدرها وتخرج بسهولة أكثر، ~~لقد استطاع أن يخلصها من الغصة في حلقها. # يبدو أنه لم يسمعها، كان يرقب حركة الورقة داخل أحشائها، لم يحدث قط أن انتوى خداعها بهذا ~~الشكل، سيراقب مواعيد دخولها إلى المرحاض، لن تفلت بأي حال. ~~- لنفرض أنها عقد زواج فمن هو الرجل؟ وإن لم تكن عقد زواج فماذا تكون؟ رسالة حب ms65 ؟ # بدا الحب في عينيه أقل خطرا من الزواج، فليس في الحب شيء ملزم، أخرج من جيبه سيجارة، ~~انتفضت أصابعه وهو يشعل الكبريت، كان جالسا فوق برميل مملوء، وانتشر الدخان من حوله على ~~شكل دوائر، ثم رفع عينيه إلى الأفق، كان الصقر قد حط فوق حافة البركة، وراح يأكل شيئا ~~صغيرا، يتلوى بين أسنانه كالدودة. ~~- إذا كان الأمر في نهاية المطاف مجرد الحب، فأي نوع من الحب يكون؟! # هكذا راح يسائل نفسه وهو ينفث الدخان، لم يكن يعرف من الحب إلا نوعا واحدا، ذلك الذي لا ~~يدفع فيه شيئا. # تعبت المرأة من الوقوف فجلست فوق المقعد، من وراء الباب كان يرقبها من شق المفتاح، ربما ~~تكون الورقة قد هضمت تماما، أو ربما الكلمات ذابت مع ذوبان الحبر، رآها تضغط بيدها فوق ~~أحشائها، كأنما تثبت الحروف فوق الورقة، تحميها من الزوال، ألهذا الحد يكون ~~الحب؟! # سمعها تدندن بصوت مرتفع، بدأت تغني أغنية كانت تغنيها في الطفولة، ترفع صوتها فتغرق ~~الأصوات الأخرى في الصمت، من وراء الباب يتسرب غناؤها، لقد أنقذت الورقة وما عليها من حروف، ~~وطرأت لها فكرة وهي جالسة، ستكون ليلة العيد أفضل وقت للهرب؛ فالرجل يذهب إلى الحفل، إنها ~~دعوة صاحب الجلالة، ولا يمكن أن يتخلف، يرتدون الثياب اللامعة والأحذية الجديدة، يجلسون ~~الساعة وراء الساعة والأبواب مغلقة، لا يمكن أن يخرج وإن جاءه مغص، يتلوى في مقعده الساعة ~~وراء الساعة، وقد يفلت منه البول قبل وصول صاحب الجلالة، يتحسس الواحد منهم المقعد من تحته، ~~ثم يقرب أصبعه من أنفه خلسة، تتسع عيناه في فزع، ليست هي رائحة البول، فوق أصبعه يرى طبقة ~~سوداء، لا هي بالسائل ولا هي بالصلب، ولها رائحة النفط، لكن أحدا لا يستطيع النطق، يمسح كل ~~منهم أصبعه في سرواله خلسة ويبقى في مقعده جالسا ينتظر فتح الأبواب. ~~- ربما يجتاز الحدود قبل عودته من الحفل. # كان الرجل ثابتا وراء الشق في الباب، لم يعرف تماما متى يمكنه الانقضاض، بدت له المرأة ~~نائمة وهي جالسة، رأسها يتدلى فوق ms66 صدرها، وعيناها مغلقتان، كان يفكر أيهما أكثر خطورة، أن ~~تكون رسالة حب أم عقد زواج، ربما كان بمقدوره أن يكشف عن الخطرين معا، إذا كان الرجلان ~~واحدا. # في تلك اللحظة هبت العاصفة فانسد الشق من الباب، بدا الطريق أمامه مسدودا تماما، ولا ~~شيء يراه إلا الظلمة، سمع المرأة كأنما تضحك من وراء الباب، أتكون هناك علاقة بين الحب ~~والنفط؟ أصابته الفكرة بالرعب، وتراجع إلى الوراء خطوة، فإذا به ينقلب فوق ظهره. # لم تره المرأة حين انقلب، تصورت أنه لا يزال وراء الباب، كان الألم يمزق أحشاءها، ~~وأنفاسها تتلاحق كأنما تشهق، لم يكن هو الضحك أو النشيج المتقطع، كانت تحاول الصراخ طالبة ~~النجدة، لولا أنها تذكرت أنه وراء الباب ويمكن أن ينقض لسماع الصوت. ~~- كيف تشد السيفون بلا صوت؟! # لم يكن هناك ماء بطبيعة الحال، ولا شيء تزيل به الأثر، لم تشأ أن تفتح الباب وتخرج بوجه ~~بريء، أكثر ما كان يقلقها هو الرائحة، مزيج من العرق والنفط وبقايا السردين والمخلل، أكانت ~~رائحة منفردة؟! بالطبع لا، كانت شديدة الألفة تحس نحوها بالحب، لكن الرجل وضع يده فوق أنفه ~~وصرخ فيها يشبه النجدة، فانتهزت الفرصة ووثبت خارج الباب. # كانت الشمس تنكسر عند المغيب، وفي ضوء الغسق، بدأت تتحسس موضع قدمها على الأرض، عثرت على ~~البقعة المحددة فوق الخريطة، رفعت ذراعها وضربت بالإزميل المرة وراء المرة، وفجأة أحست به ~~يرتطم بشيء صلب، كان تمثالا صغيرا من البرونز، النهد البارز بوضوح لا يقبل الشك، والردفان ~~أيضا يؤكدان أنها امرأة، فوق رأسها تحمل قرص الشمس والقرنان يلتويان إلى الأمام، لا بد ~~أنها الإلهة حتحور، من غيرها؟ كانت في الرأس حفرة، والجلد تآكل بفعل النفط ومياه المجاري ~~في بطن الأرض، لكن الوجه كان مستديرا، والابتسامة فوق الشفتين، والذقن والأنف يتسمان ~~بالرقة، والحزام حول الخصر النحيل، والثعبان الملفوف والمعقود حول الجبين، فوق الصدر لم يكن ~~هناك إلا ثدي واحد، ربما أكل النفط الثدي الآخر، لكن الحروف كانت محفورة فوق الحجر، والاسم ~~داخل برواز، الإله ذو الثدي الواحد ms67 ، اتسعت عيناها ودققت النظر، أدركت أن الثدي قد أزيل بفعل ~~فاعل، كانت هناك النية لإزالة الثاني، لكن الوقت لم يكن كافيا لاستكمال الإزالة، كانت هناك ~~محاولة أيضا لمسح الابتسامة، أو رسم خطوط حول الفم ليكتمل العبوس، لكن الجسد ظل كما كان ~~ممتلئ الردفين، والروح ترفرف حول النهد الواحد كأنما هو ثدي الأم. ~~- سيجذب هذا التمثال كثيرا من السياح، ويأتي الفوج بعد الفوج، وتتدفق العملة ~~الصعبة. ~~- ماذا تقول؟ ~~- ألا تفهمين كلامي؟ ماذا حدث لك؟ هل أنت مريضة! ~~- لا، ولكني طلبت إجازة. ~~- ماذا تقولين؟ ~~- مجرد طلب. ~~- هل فقدت عقلك؟! # لم يكن رئيسها في العمل يدرك ما تقول، كانت قد اكتشفت علامات التزييف، وتحويل الإلهات إلى ~~آلهة، لم يكن لها أن تحكي لزوجها عن رئيسها في العمل، لم يكن الزوج يطيق سماع الحديث، ~~ورئيسها لم يكن يطيق سماع زوجها، ولم تكن هي تطيق سماع الرجلين، كل ما كانت تريده هو ~~الورقة، تكتب عليها الطلب، فلم يكن هناك إجازة دون ورقة مكتوبة، يحدد تاريخ المغادرة، ~~وتاريخ العودة، والمكان المقصود، ولا يمكن ترك العودة بلا تاريخ محدد، ويمكن للرجل أن يغيب ~~سبع سنوات، ثم يعود فيجد زوجته بحكم القانون، أما المرأة فلم تكن إجازتها إلا يوم جنازتها، ~~والفرق مجرد حرف واحد فوق الآلة الكاتبة، وينقلب الفرح إلى مأتم. # اختفى الضوء فوق متن كثبان النفط، فضاعت معالم الطريق في الظلمة، توقفت عن السير، كانت ~~الريح تصفر دون أن تسمع شيئا، قناة الأذن انسدت تماما وكانت في حاجة إلى حاسة السمع، ~~أيمكن أن تهرب دون أن تتسمع الأصوات؟ نظرت إلى الساعة في يدها، عقرب الساعات يشير إلى ~~السابعة، وعقرب الدقائق متوقف، وعقرب الثواني تآكل حتى النهاية، لو كان بمقدورها عبور ~~الحدود قبل طلوع النهار؟ لن تسعى إلى التشبث بالنفط مثلما تشبثت بالحب، فالطريق أمامها يبدو ~~منزلقا، الانحدار شديد، والكثبان عالية، ليس هناك فارق بين الصعود أو الهبوط، وهي تترك ~~جسدها يتحرك كما كانت تتركه وهي طفلة، رأسها يرتطم بالظلمة، وقدماها تغوصان لما فوق ~~الركبتين. # حل الليل، وامتد ms68 النفط بلا نهاية، أمواج فوق أمواج، ولا أثر لأضواء القرية، ولا البيوت، ~~ولا الجسر، أغمضت عينيها، وتصورت زوجها يصحو من النوم فلا يجدها، سيلوي عنقه ناحية باب ~~المرحاض، إذا كان مغلقا يدرك أنها هناك، وإن كان مفتوحا يظن أنها في الحمام، أو ربما في ~~المطبخ، كان قادرا على تحديد مكانها دون أن يفتح عينيه، وإذا فتح عينيه فلا يمكن رؤيتها ~~إلا من وراء الباب. # لم تخطر له قط فكرة فقدانها ولا في الحلم، فالمرأة لم يكن مباحا لها أن تكون مفقودة، ليس ~~لها مكان آخر تفقد نفسها فيه، وإن وجد المكان فليس هناك الرجل الآخر، وإن وجد الرجل فليس ~~هناك الورقة، ولم يكن للمرأة وجود دون ورقة. ~~- ولم يشك هو في وجودها أبدا، أليس كذلك؟ # كان في استطاعة زوجها حين يمد ذراعه وهو نائم أن يمسكها، كان في استطاعته حين يصحو ويمد ~~ساقه أن يركلها، فالمكان ضيق تماما، يزداد ضيقا بمرور الوقت ومع ازدياد حجم الجسم، وتراكم ~~الشحم، وقلة الحركة، وفي ليلة العيد يحملها فوق ظهره، كما لو كانت خروفا، يضعها فوق ~~الميزان، وبالثمن الذي يقبضه يشتري تلك الآلة الجديدة. ~~- أي آلة تلك؟ ~~- تلك التي يدق عليها بأصابعه فتكتب له دون أن يتعلم الكتابة. # أجل، كان الحلم مشروعا تماما، والآلة لم يكن لها فم مثل المرأة لتأكل ولا لسان يتكلم، ~~فوق كل ذلك تكتب بخط واضح، وإذا لم تكتب فهي تظل في مكانها لا تبرحه، وإن تآكلت مع الوقت ~~يمكن استبدالها، ويصبح بمقدوره الاستغناء عن المرأة تماما. ~~- إنها نوع جديد من الماكينات، ولها زر للكتابة، وزر للقراءة، وزر للشطب، وآخر للمسح ~~... ~~- ومن يطبخ لك؟ ~~- وهناك زر أبيض تضغط عليه وتطلب ما تشاء من الأطعمة، وتأتيك الوجبة ساخنة تماما، ومعها ~~السلطات والمخللات وكل شيء. ~~- والجنس؟ أعني الحب. ~~- هذا له زر آخر لونه أحمر. # كانت المرأة ترهف أذنيها، والأصوات تأتي عبر مسافات تستغرق زمنا طويلا، كانت من المهارة ~~بحيث استطاعت الخروج في إجازة، أجل، فإن البقرة الأليفة قد تخرج يوما في إجازة ms69 ، والماكينة ~~أيضا قد تكف يوما عن العمل، لا يمكن لأحد أن يتهم إحداهما بسوء الخلق. لكنها كانت لسوء ~~الحظ امرأة، ولا يمكن لها أن تكون بريئة. ~~- إذا هجرت المرأة فراش زوجها ليلة واحدة تعلق من شعرها يوم القيامة وتحرق في ~~النار. # كان هو صوت زوجها في أيام الحب، لم يكن يطيق أن تغيب عنه ليلة واحدة، لكن ذلك كان قبل أن ~~تكتشف تلك الماكينات، وقبل أن يصبح للنفط قوة تشبه الكهرباء، وكانت هي شابة هادئة الطبع، ~~مطيعة تماما لأوامر زوجها ورئيسها في العمل، باحثة محترمة من الدرجة الأولى، لها اسم في ~~السجل مع صورة مومياء، وقد أعجب بها الجميع، لم يكن لها أعداء، ولم يكن لها أيضا أصدقاء، ~~فلا شيء يلوث سمعة المرأة إلا الأصدقاء، وفوق كل ذلك لم يكن لها شأن إلا بالتنقيب عن ~~الحفريات. ~~- والآلهة؟ وصاحب الجلالة؟ ألم يكن لها بهم أي شأن؟! ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني، ألم يكن لها اهتمام بالسياسة؟ ~~- أتقول السياسة؟! ألا تعرف أنه محظور على النسوة تعاطي السياسة؟! ~~- ألم تكن تقرأ الصحف على الأقل؟ ~~- لم تكن تقرأ ولا تكتب. ~~- كانت جميلة إذن. # بدا لها الحوار غريبا، وإن كان طبيعيا تماما، لكن الأمر لم يكن سهلا، فالمرأة لا ~~تستطيع أن تكون جميلة إلا من خلال مرآة جيدة النوع، وكانت المرايا تفسد مع الوقت، تزحف ~~إليها الذرات السوداء مع هبوب العاصفة، يبدو وجهها مليئا بالبقع، تتزايد البقع بمرور ~~الأيام، تنتشر فوق الأنف، والخدين وتصعد إلى الجبين تغطيه، وتطمس الملامح كلها والعينين، ~~ولا يبقى منها إلا عين واحدة، أو نصف عين. # تجمدت في مكانها واقفة، لمحت صورتها منعكسة على السطح، أهو وجهها؟ لم تكن ترى إلا نصف ~~عين، وفوق رأسها البرميل، وعنقها يلتوي إلى ناحية، وفوق رأسها البرميل، أتكون واحدة من ~~الجارات وليست هي؟ ضربت بيدها المرآة فكسرتها، أجل، ما جدوى المرآة لامرأة لم تعد ترى ~~وجهها؟ ~~- لا بد أن هناك سببا يدعو المرأة إلى إخفاء وجهها عن العالم. ~~- أجل، بالتأكيد. ~~- هذا دليل على فجور النسوة. ~~- أجل. ~~- طيب ms70 ، إذن هل عندك خبر جديد؟ ~~- أبدا، لم يعثروا لها على أثر بعد. ~~- ما هذه الماكينة؟ يبدو أنك اشتريت آلة كاتبة جديدة. ~~- أجل، وهي تكتب وتشطب وتمسح وتغسل وتطبخ، وكل شيء. ~~- يمكنك إذن السفر والاستمتاع بإجازة، وعندي استراحة بعيدة في الخلاء. ~~- أتعني جارسونيرة؟ ~~- لقد أصبح لها اسم جديد، ألا تعرف ذلك؟ ~~- نعم، استراحة، هذا اسم أفضل، ويمكن أن أدفع لك بعض الأجر، رمزي على الأقل. ~~- لا مانع، إن كنت تصر، وقد ارتفعت الأسعار بارتفاع سعر البرميل. ~~- أجل، وهذا أيضا بسبب فجور النسوة، ألم تسمع عن هذه البدعة الأخيرة؟ ~~- نعم، بدأت النسوة تطالب بأجورهن. ~~- سيؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني. ~~- لا تقلق، فهناك ماكينات جديدة ستحمل البراميل فوق أربع أرجل من الكاوتش بدل النسوة، ~~وتمشي بقوة النفط. ~~- هذا من فضل الله علينا، ألا ترى أن الله معنا دائما؟ ~~••• # واصلت التسمع عبر المسافات الطويلة، توقفت تمسح بكفها العرق، أمن الأفضل ألا تعود؟ ~~تلفتت حولها تقدم رجلا وتؤخر الأخرى، كانت تقف فوق حافة البركة، تطلعت عيناها إلى السماء ~~تراقب ظهور الأضواء، ربما كانت طفولتها هي السبب، لم تكن قادرة على نسيان طفولتها، كانت ~~تصعد عند الغروب فوق الجسر، وتجلس تنتظر، حقول الزرع ممدودة بامتداد النهر، أسفل المنحدر ~~ترقد البيوت متلاصقة متساندة بعضها إلى بعض، فوق الأسطح أقراص الجلة والحطب وأبراج ~~الحمام، والأرض ترابية يتصاعد منها الغبار ورائحة الخبيز، والروث يتطاير منه الذباب والبعوض ~~والصراصير الطائرة السوداء، البركة الكبيرة وراء الجامع يلعب فيها الأطفال يتصاعد منها نقيق ~~الضفادع مع أصوات الضحك والبكاء، من الطريق الزراعي تنبعث أصوات العائدين من الحقول، تثير ~~أرجلهم الغبار، وأرجل الجاموس والبقر، تختلط أنفاسها مع أنفاس البشر، وهي جالسة فوق الجسر ~~تنتظر، تتابع بعينيها ارتعاشة النجوم فوق رأسها، وأسفل المنحدر ترتعش ذؤابات الضوء في ~~البيوت، وصوت الناي يسترسل في ظلمة الليل، وغناء النسوة الحزين يجلسن في العتمة وظهورهن إلى ~~الجدار، وخالتها تربط رأسها بالمنديل، وهي فوق الجسر جالسة لا تريد العودة، مرتدية جلبابا ~~ملطخا ذيله بالطين، تمشي به كل يوم ms71 من الدار إلى الحقل، وفوق رأسها تحمل زكائب المحاصيل، ~~وفي المساء لا تلعب مع الأطفال، فاللعب لم يكن إلا للصبيان، ولا شيء يساوي عندها الجلوس فوق ~~الجسر، عيناها مثبتتان في اتجاه الأفق، قلبها ينبض بقوة، والأضواء تنتشر فوق رأسها في ~~السماء، والمصابيح في النوافذ ترتعش، فوق العمود يرتفع الكلوب، تحوم حوله الفراشات الخضراء، ~~ذات الأرجل المشرشرة، وتمتلئ المصطبة بالرجال، يخرجون من البيوت، ويأتون من القرى المجاورة، ~~يشربون الشاي والدخان، ويتناقلون أخبار الصحف، تغمض عينيها وترى نفسها وقد دخلت المدرسة ~~وتعلمت القراءة والكتابة وأصبحت باحثة في علم من العلوم، أو كاتبة من هؤلاء اللائي ترى ~~صورهن في الصحف، كان الشريان في عنقها يدق بقوة، كأنما تتدفق إلى رأسها الأفكار العبقرية، ~~كانت خالتها وجميع الجارات يرفعن كفوفهن المشققة إلى أعلى، يبتهلن إلى الست الطاهرة أن تمنع ~~عنها الحسد والأرواح الشريرة، تسمع أصواتهن تهمس بصوت كحفيف الهواء: «هذه البنت لها عقل ~~يوزن بلد.» # في طفولتها امتلأ رأسها بهذه الفكرة، وأفكار أخرى بلا عدد، تفيض من حولها وهي ترقب ~~النجوم، ترى الحياة تحت الأضواء واضحة كل الوضوح، مثل كتاب مفتوح، بسيطة كل البساطة، وأن ~~الموت أبسط من الحياة ويبدأ لحظة الولادة، وأن الحبل يعجل بالموت، والزواج مضاد للعقل، ~~وأن الملوك والآلهة كانوا مذنبين ومرتكبي آثام كثيرة، وأنها شهدت موت أبيها وهي جنين في بطن ~~أمها، وابتهجت بذلك الحادث السعيد إلى حد الانزلاق من الرحم. # في تلك اللحظة كانت تحس جسمها ينزلق وحده أسفل الجسر، وحين تعود إلى الدار تتلقى علقة ~~ساخنة، أو تبيت بغير عشاء، لكنها كل يوم عند الغروب تمشي إلى الجسر، وتجلس في مكانها هناك، ~~تنتظر ظهور النجوم، كأنما تكتشف شيئا جديدا، في كل مرة تظهر فيها الأضواء. ~~- ما الذي يمكن أن تخسره الواحدة منا بحق الست الطاهرة؟! # ومع ذلك لم تفكر واحدة من النسوة في الهروب، لم تكن تفهم السر، لماذا تضطر المرأة للعودة ~~وهي لا تخسر شيئا إن لم تعد؟ اللهم إلا العلقة الساخنة، لكن النسوة بدأن في الابتعاد داخل ms72 ~~الظلمة، لم تسمع منهن إلا أصواتا هامسة من بعيد كحفيف الهواء: هذه المرأة تفكر في ~~الهروب. ~~- امرأة بلا عقل. ~~- ركب رأسها الشيطان. ~~- بل إنه البرميل يسخن الرأس. ~~- لعنة الله عليه، أصابنا جميعا بوجع الدماغ. ~~- الرحمة يا ستنا الطاهرة. ~~••• # كان الرجل قد عاد فجأة، بدأ يرفع البرميل من فوق الأرض، وهي تبرك كالجمل فوق ركبتيها، ~~بحركة واحدة أصبح البرميل فوق رأسها، لا يفصله عن فروة الشعر إلا تلك الحواية، ملفوفة حول ~~نفسها والعقدة فوق الجبين، بدأت السخونة تتسرب وعنقها يلتوي، كانت تفكر ماذا يمكن أن تخسر؟ ~~لم يكن هناك شيء تخسره، اللهم إلا ذلك الاحتكاك أثناء النوم، حين تمتد ذراعه في الظلمة، ~~ويمسك يدها، فتتركها له لمجرد استغراقها في النوم، فإن لم تكن مستغرقة تتركها له أيضا، مع ~~تأنيب الضمير، وقد تسحبها منه وهي تتثاءب ثم تتقلب على الجنب الآخر لتواجه الحائط. ~~- ألم يكن بيننا في البداية حب؟ # قد يكون هذا هو صوته، أو ربما هو صوتها، كل منهما اكتشف بعد فوات الأوان هذا الشك، الذي ~~كان موجودا منذ البداية، وواضحا كل الوضوح، لكن كل شيء كان غامضا، وعسيرا على الفهم، ~~ربما هو النفط، أو السخونة في الرأس، وربما هو الخجل أيضا حين يكون الحب غائبا، وحين تكون ~~الصداقة بين الرجل والمرأة غير واردة، فما الذي يمكن أن يجمعهما معا؟ ~~- ماذا تقول؟ ~~- الحبل. # كان الرجل في مكانه واقفا، مدليا كتفيه، صدره عار في مواجهة الليل، رأته يشد عضلات ~~وجهه ويفتح فمه، حركة أشبه بابتسامة الحب، كانت أشد قسوة من الكشف عن أنياب الذئب، قد يتورط ~~في عمل الحب، لكن ذلك لن يكون إلا بسبب اليأس، واشتداد الحرارة أو التهاب الجلد. ~~- الرجل يفوق المرأة في كل شيء حتى الحب. ~~- أتعني حب الذات؟ ~~- اسمعي! ما هذه الأصوات؟ # لم يكن في إمكانها سماع أي شيء، ربما كانت الأصوات تنبعث من الماضي أو الخيال المصاب ~~بضربة شمس، واستطاعت رغم ذلك أن تدرك العلاقة بين حب الذات وشهوة الجنس. # رفعت ذراعها إلى أعلى، وأمسكت قعر البرميل ms73 ، خشية السقوط، أوغلت بقدميها في البئر، أدركت ~~وهي تغوص أن هناك شيئا آخر في الطفولة، لا يمكن أن تنساه، وهي النظرة في عيني خالتها، قبل ~~أن تختفي العربة في الليل ومعها الكلاب، كان تدفق المطر يزداد مع قوة الريح، والذرات ~~السوداء تتطاير بسرعة أكبر، تشبه الصراصير الطيارة في الليل، رغم المطر وانزلاق الأرض، كان ~~عليها أن تحمل من البراميل الضعف أو الضعفين، بأمل الحصول على تذكرة العودة، أو نصف تذكرة، ~~كان يمكن تخفيض الثمن إلى النصف في حالة الأطفال تحت سن الرشد أو النسوة من ذوات السمعة ~~الطيبة، أو الرجال من ذوي الأمراض، والمصابين بالعته. # أوغلت حتى القاع غير هيابة لشيء، تركت أمواج النفط المتدفقة تلطم صدرها وتمزق الجلباب، ~~يتعرى جسمها، يتلوى مع حركة الموج، تلهث كالطفلة، تسبح، تدخل المياه صدرها فتشهق، ترتفع ~~ذراعها وتهتز بعنف كالفرخة المذبوحة، ترقص. # هدأت العاصفة قليلا، وهدأ معها جسمها، بدأ عقلها يعمل، أجل، لم يكن لعقلها عمل سوى ~~التفكير في الهرب، كان يمكن أن تهرب تلك اللحظة، لولا جسمها المدفون في الأرض، والرجل أيضا ~~واقف فوق رأسها كالصقر، ورئيسها في الشركة لا يكف عن المساءلة: كم برميلا حملت؟ لماذا ~~تأخرت عن الحضور في الموعد المحدد؟ كان هناك دفتر للحضور والانصراف، وعليها أن توقع كل يوم، ~~حضورها وانصرافها وعدد البراميل التي تحملها. ~~- أجل، إذا كان جسمها مدفونا في هذا المكان فلماذا لا تبدأ على الفور بالحفر؟! # عقدت عزمها في الحال على الإمساك بالإزميل، والعودة إلى البحث، لم يعد لديها هدف إلا ~~العثور على جسدها، إن لم تعثر على الجسد بأكمله، ربما تجد عضوا أو شيئا من الرفات، وقد ~~يحالفها الحظ فتعثر أيضا على واحدة من الإلهات، تدفق الحماس إلى جسدها على شكل انتفاضة ~~العضلات، يدها تشد على الحزام كالموشكة على ضرب عصفورين بحجر واحد. # كانت الحرارة شديدة، نزعت الحقيبة من فوق كتفها ومعها الحزام، فكت أزرار الثوب وتخلصت ~~تماما من ملابسها، بدا جسمها شابا أكثر شبابا مما تصورت، خطرت لها فكرة أن جسمها قد ~~اندس ms74 بالقوة في المساحة التي تشغلها، عبثا حاولت أن تضع يدها عليه، كان هناك من يمسك ~~يدها في يده، ربما هو الرجل، من غيره؟ كان يؤنبها لأنها لم تجهز العشاء، في الأمسيات التي ~~لم يكن يؤنبها فيها كان يستغرق في النوم، دون أن ينطق حرفا، أو حتى ينظر إليها. # لم تكن الحرارة مزعجة، ربما بسبب العري، نسمة هواء تداعب النهدين، تتسع عيناها وهي ترقب ~~ذلك الجسد العاري، تشتد الدهشة حين يتحرك الجسد إلى الناحية الأخرى ويختفي. # كان عليها أن تحرك رأسها قليلا لتراه مرة أخرى، جسد طويل مشدود العضلات خاصة عضلات ~~البطن، بسبب عدم الحبل لا شك، وعضلات العنق، إنه البرميل لا شك، وعضلات الذراع اليمنى، ~~بسبب الحفر بالإزميل لا شك، وأصابعها طويلة مسحوبة الأطراف مشبعة بالحركة دون أن تحركها، ~~ولون الأظافر أسود. # لم يسبق لها قط أن تأملت جسمها من هذا القرب، قمة أنفها حمراء ملتهبة بسبب الشمس، وجفونها ~~متورمة، كتفاها يهبطان بحدة إلى اليمين وإلى الشمال، لونهما برونزي قاتم مثل كتفي ~~المومياء، لكن عند الصدر كانت تبتدئ منطقة اللحم الحقيقي، نهدان بارزان في كبرياء، حاران، ~~كأنما تسخنهما من الداخل روح خفية، والحلمتان نافرتان مستنفرتان تنبضان مع نبض آخر ينبعث من ~~عمق مجهول. # هبطت عيناها مع انسياب الجسم، تجمدتا فوق غابة الشعر أسفل البطن، عبثا حاولت أن تنظر، ~~لم يكن لها أبدا أن ترى بوضوح، وإن دققت النظر تحس الالتهاب في عينيها، لم تكن تستطيع ~~النفاذ إلى هذه الغابة، التي بدت لها رغم الكثافة فارغة من الداخل، أكان ذلك بسبب فراغ ~~العالم؟! # أشد ما كان يفزعها، هو عجزها عن التحديق طويلا في عينيها، تراهما غائرتين تحت عظام جبهة ~~يابسة كالأرض، تنظر إليهما، كما لو كانتا نقطتين في الأفق بعيدتين جدا، أبعد من النجوم، ~~كأنما لو كانتا عيني امرأة أخرى تطلان عليها من وراء السحب. ~~- عينا واحدة من الإلهات لا شك. # كانت قد حددت المكان حسب الخريطة، واصلت الحفر على مدار اليوم من الشروق إلى الغروب، لم ~~تكن تتشكك في المكان ms75 ، ورائحة جسدها تتصاعد من بطن الأرض، لا شيء يدل على الجسد إلا الرائحة، ~~لكنها في نهاية اليوم لم تعثر على شيء، خرجت مع الإزميل خاوية اليدين. # ربما أخطأت المكان، لا شيء كالخطأ يعيد إليها الأمل، حملت حقيبتها وانتقلت إلى مكان آخر ~~تصورت أنه الصحيح، كانت الرائحة تتصاعد منه على نحو أشد، كلما اشتدت الرائحة ازداد يقينها ~~أنها بالقرب من جسدها، حفرت حتى وصلت القاع، لم تعثر على شيء، فانتقلت إلى مكان آخر، لم تكن ~~مستعدة لقبول اليأس، انقضى اليوم وهي تحفر دون طائل، احتضنت الأمل على امتداد اليوم وراء ~~اليوم، وفي كل يوم تنتقل من مكان إلى مكان، في نهاية المطاف حين انصرم النهار الأخير وغابت ~~الشمس، تهاوى جسدها وراحت تجهش بالبكاء. ~~- أيكون من الأفضل أن تعود إلى حمل البراميل؟ # لكن الدموع كانت تنحدر كالبخار المحبوس، تخفف رأسها من ثقل الضغط ثم فتحت عينيها، أدركت ~~أن جفونها ملتهبة والدموع امتزجت بذرات النفط، لكن عقلها كان يصفو على نحو غريب، ولاحت لها ~~فكرة من بعيد كالنجم يلمع في ظلمة الليل، إن عدم وجود الإلهات في هذا المكان لا يعني عدم ~~وجودهم على الإطلاق، ثم إن الأرض تدور، وربما قد تبدل المكان بمكان آخر مع دورة ~~الأرض. ~~- فكرة منطقية تماما. # وكان هناك الدليل على هذه الفكرة، إن موضع جسمها قد تبدل فعلا، لم تعد في مكانها ~~الأول، كان تدفق الشلال يجرفها إلى مكان آخر، وفي بطن الأرض كان التيار أيضا يدفع الرفات ~~بحركة مستديمة، كان يمكن لرفاتها على هذا النحو أن تجتاز الحدود، لولا نقطة التفتيش، وإذا ~~كان الحارس غارقا في النوم. # ربما هو حظها العاثر، كان الحارس يقظا بسبب يقظة البعوض ليس إلا، والمبيدات أيضا كانت ~~مغشوشة تلتهمها البعوضات في غمضة عين، وتغدو الواحدة منهن في حجم الضفدعة، أجل، كان يمكن أن ~~تفلت بعض الأجسام من جواز المرور، ربما أفلح جسمها في الهرب بلا تذكرة، ولا تصريح مكتوب بخط ~~زوجها، ولا ورقة صفراء مختومة بالصقر وتوقيع رئيسها في العمل، لم تكن ms76 لديها النية في خرق ~~القوانين، كانت مثال الطاعة والولاء، وكان يمكن على الأقل لرفاتها أن تموت دون فحوص، لولا ~~إنشاء ذلك المبنى الذي سمي فيما بعد بالمشرحة، في أحلامها بالليل لم تكن تستطيع النظر إلى ~~جسدها الممدود، فوق المنضدة الباردة من الرخام، وأنفها مملوء بالفورمالين. # وأحست يدا حانية تهدهدها، كانت بطبيعة الحال يد الرجل، من غيره؟ صوته في أذنيها رقيق ~~كالهواء. ~~- لن تكون رائحة الفورمالين أسوأ من النفط في نهاية المطاف. # كان صادقا كل الصدق، بدت رائحة الفورمالين أكثر رقة، أو ربما هو الحلم، حين يصبح الشيء ~~جميلا لمجرد أنه غير موجود، وخطرت لها فكرة. ~~- لا بد أنها جميلة الآن في عيني زوجها لمجرد أنها غير موجودة. # إثر هزة عنيفة ارتمت أرضا فاقدة الوعي، لم تستطع تثبيت قدميها في المكان، جرفها التيار ~~في اتجاه لا يمكن أن تحدده، وقبل أن تستعيد الحواس انبعث صوت أشبه بصفارة المركب، انطلقت ~~تجري نحو الشاطئ، وصوت الأمواج كالطبول ترتفع. ~~- النجدة! # انطلق صوتها كالصفارة وسط دقات الطبول، لم تعرف أهي طبول العيد، أم صفارة الصمت تدوي في ~~الآذان قبل النفس الأخير، إلا أنها كانت ترى الشراع من بعيد، نقطة بيضاء في الأفق، الظهور ~~الأول لأي موكب في البحر، عيناها تكتشفان الضوء، نقطة واضحة كل الوضوح، محددة مثل قطرة ماء، ~~واضحة وصافية وعذبة، كصوت أمها يسري في أذنها قبل الولادة. ~~- امسكي إيدي. # رأت ذراعا طويلة في نهايتها خمسة أصابع، مفرودة ممدودة إليها، وهي تمد ذراعها كما كانت ~~تمده وهي طفلة، عيناها شاخصتان ثابتتان فوق نقطة الضوء، قفزت إلى الأمام تهزها النشوة، ~~الصوت في أذنيها واضح محدد كالنجم. ~~- هاتي إيدك في إيدي. # حركت جذعها لتمد ذراعها أكثر، اختفى الصوت كأنما بددته الحركة، أو اختنق في قرقعة الطبول، ~~ونباح الكلاب من بعيد، أطبق الظلام يشبه التجويف داخل الرحم، أدركت أن أمها لا بد عاشت هذه ~~اللحظة، حين كانت تغيب الشمس ويغرق الكون في الظلمة، كانت تجلس مثلها فوق الجسر، عيناها ~~تنظران، وحين تظهر الأضواء ينتفض جسدها كما كانت ms77 هي تنتفض، وقلبها يدق بقوة، توشك على ~~اكتشاف ذلك الشيء، الذي كان يبدو في كل مرة ليس شيئا. # كانت البركة تمتد أمام عينيها لا نهائية، الرجل كان يستدير عائدا إلى البيت، ظهره أصبح ~~مقوسا بعد أن تهاوى في الفراش، كان نومه ثقيلا، وهي راقدة مغلقة الجفون، في أحلامها لم ~~تكن تكف عن الهروب، ساقاها تطلقهما للريح، ومن خلفها كان هناك شيء يجري فوق قدمين، وأحيانا ~~أربعة أو ستة لم تكن قادرة على أن تعد الأرجل أو القوائم، وصوت اللهاث من خلفها عال مسموع، ~~له إيقاع منتظم كالشخير، حين تستدير لا ترى شيئا يجري وراءها إلا ظلها الأسود فوق ~~الأرض. ~~- إنت صاحي؟ ~~- لأ، نايم. # لم تكن تعرف كيف يرد عليها وهو نائم، لكنه كان يتكلم في النوم أكثر من أي وقت آخر، فإذا ~~انقلب على الجنب الآخر لم تسمع الصوت، كان الليل حارا كأنما قرص الشمس لم يغب، الظلمة ~~كثيفة القوام تكاد تلمسها باليد، وضوء اللمبة يتهالك رغم الثبات، لا شيء يتحرك إلا تلك ~~الكائنات، ذات الأجنحة، كان من الطبيعي أن تنجذب الفراشات البيضاء إلى الضوء، لكن هذه ~~الكائنات لم تكن بيضاء، ولم تكن صغيرة كالفراشات، كانت كبيرة بحجم الضفادع، سوداء بلون ~~الليل. ~~- هل يغير النفط أيضا من طبيعة الفراشات؟! # راحت الضفدعات تدور بحركة سريعة حول المصباح، حدقت في إحداهن طويلا، كان لها رأس أسود ~~كأنما مربوط بمنديل، فمها مزموم بلا ابتسامة، ترتطم بزجاج المصباح المرة وراء المرة، ظلها ~~فوق الجدار أكبر من حجمها الحقيقي، يتراقص مع حركتها، يترنح مثل فرخة مذبوحة، تتخبط ولا تكف ~~عن الانجذاب إلى اللهب، تتشبث به تحاول الثبات عليه خشية السقوط. # كانت تبدو لها ضفدعة عاقلة تماما رغم سعيها المجنون، ألم يكن لديها ما تمسكه إلا ما ~~يدمرها؟! كانت تسعى إلى النجاة، مع أنه ليس إلا الموت، وقد أصابها اللهب بسخونة في الرأس، ~~وسقطت محترقة إلى الأرض مثل سمكة مشوية، عيناها جاحظتان مملوءتان بالندم، مدت ذراعها لتربت ~~على رأسها، وفجأة تصاعدت منها رائحة اللحم المشوي، بحركة ms78 سريعة من يدها أدخلتها في فمها، ~~والتهمتها في لحظة، لم يكن لديها وقت لتأنيب الضمير. # لمحها الرجل وهي تتلمظ بعد الوجبة الشهية، مسحت فمها بكفها كأنما تخفي الإثم، شدت عضلات ~~ظهرها، سارت تدب بقدميها كما كانت تفعل وهي طفلة، إنها تسرع الخطى، كأنما لتلحق موعدا ~~محددا في المكان المحدد، أنفاسها تلهث كالأطفال، تكاد تصرخ من الفرح حين تصل قبل الموعد ~~بلحظة، تلك الليلة كانت الريح تعصف، والغبار الأسود يحجب السماء والأرض، ظلت جالسة في ~~مكانها تنتظر، ربما انتصف الليل وهي تنتظر، كانت على يقين أن النسوة هناك وراء السحب، وأنهن ~~سوف يظهرن مثل كل ليلة، السحب كانت تراها متحركة، وسوف تنتقل من هذا المكان إلى مكان آخر، ~~سوف تظهر النسوة حتما، عن يقين سوف يظهرن، وبدأت تغني لتسلي نفسها، كانت تسمع خالتها ~~والنسوة من الجارات يغنين للست الطاهرة، أو يغنين للشمس حين تطلع، أو للقمح عند الحصاد، أو ~~لمياه النيل حين تفيض، أو للقمر حين يصبح بدرا، تتوه عيناها في خضم الظلمة السوداء، تلمع ~~الدموع في عينيها، النسوة لم يظهرن ككل ليلة. ~~- هل وشين بها عند صاحب الجلالة؟ # كانت الريح تلطم وجهها بالذرات السوداء، كل شيء من حولها تغطى بالظلمة، لا هي بالسائلة ~~ولا هي باليابسة، تتسرب من تحت الجلد وتدخل مسام جسمها، تزحف من تحت العظام إلى مراكز الحس ~~والعصب. ~~- بللي لسانك بقطرة أو قطرتين. # كان الرجل واقفا، ذراعه ممدودة إليها بالزجاجة، وهي تحاول أن تمد ذراعها، عيناها ~~مفتوحتان عن آخرهما، شفتاه تتحركان دون أن تسمع الصوت، وأذناها مسدودتان، تراكمت الذرات ~~وذابت مع السخونة كالشمع الأسود، وهو واقف أمامها على بعد امتداد الذراع، يده تمسك الزجاجة، ~~ذراعها ملتصقة بجسمها، تحاول أن تحركه فلا يتحرك، جسمها في مكانه ثابت، بينما الضفدعات ~~تتطاير بخفة حول اللمبة. # اتسعت عيناها تحملقان في الضوء، جفونها ملتهبة لا تقوى على إغلاقها، اللهب يلسع البياض ~~العاري، شدت جفونها وأغمضت عينيها، بدت الظلمة أفضل من الضوء، عقلها أيضا بدا لها أكبر من ~~عقل الضفدعة، من تحت الجفون ms79 كانت ترى نقاط الضوء تسبح في المساحات السوداء، مثل قطرات الماء ~~تنزلق من بين عينيها. ~~- أتبكين كالنسوة؟ # لم تكن تعرف أنها هي التي تبكي، كان النشيج يسري في أذنيها كصوت واحدة من الجارات، أو صوت ~~خالتها، أو أمها وهي بعد جنين، أو ربما هي الست الطاهرة نفسها، لم تكن سمعت صوت السيدة ~~الطاهرة أبدا، لكن خالتها كانت تسمعه، وحين تنام تترك النافذة مفتوحة، ترهف أذنيها في ~~الليل، قبل طلوع الفجر، يسري الصوت هادئا كشعاع من الضوء، لا تكاد تسمعه وهي راقدة فتنهض، ~~تشرئب بعنقها نحو الأفق، يأتيها الصوت من بعيد قبل ظهور الشفق. ~~- أمرت بشفائك من وجع الرأس، انهضي! # تنهض خالتها على الفور من رقادها، تفك المنديل من حول رأسها، تجلس في الطشت، تصب الماء ~~بالكوز فوق جسمها، مع كل كوز تهمس باسم الست الطاهرة ثلاث مرات. ~~- من هي الست الطاهرة يا خالتي؟ # تفتح خالتها ذراعيها كأنما هي كل العالم، الست الطاهرة هي أم الكون، هي أم السماء والأرض، ~~هي الوحيدة القادرة على شفائها، هي أم الآلهة جميعا والأنبياء، هي واهبة الحياة والصحة، ~~وهي إلهة المرض والموت. ~~- نعم يا ابنتي، من تعطي الحياة هي القادرة على أخذها ومن تجلب المرض هي التي تجلب ~~الشفاء. ~~••• # من وراء الكثبان العالية، عبر المسافة البعيدة في الليل، رأت مندوب البوليس جالسا، كان ~~هو الكرسي المتحرك ذاته، يدور به فيصبح وجهه ناحية زوجها، بدا كأنما أيقظوه فجأة من ~~النوم. ~~- أراك متورم الجفون، وشفتاك مشققتان، هل أنت مريض؟ ~~- منذ العيد لم يرسلوا إلينا المنحة. ~~- ألا تكف عن التذمر وأنت في نهاية العمر؟ ألا تعرف أن صاحب الجلالة هو الخادم الأمين ~~والساهر على الدوام من أجل راحتنا؟ ~~- أجل، هذا واضح تماما لكن ... ~~- ليس عندك حجة الآن لعدم الكتابة، وعندك هذه الآلة الجديدة. ~~- أتنوي الشركة توصيل التيار؟ ~~- أجل، وإذا جاء التيار يمكن لك أن تكتب حين تنقطع الكهرباء، وهذه الآلة الجديدة كما تعرف ~~تفكر، وتكتب وتشطب وتمسح و... ~~- وتغسل وتطبخ وكل شيء، إنها تقوم بعمل أربع زوجات على ms80 الأقل. ~~- ألم تعد زوجتك من الإجازة بعد؟ ~~- أتعني الأولى أم الأخيرة؟ ~~- على أي حال نحن جادين في البحث، لا بد من تقديم تقرير لصاحب الجلالة قبل نهاية العيد، ~~وهو كما تعرف في انتظار مقالك الجديد بمناسبة عيد ميلاده، أتعرف أنه سألني عنك، ولماذا لم ~~تعد تكتب؟ # منذ كف عن الكتابة لم يكن هناك إلا فراغ العالم، امتداد الليل في النهار ولا أحد يسأل ~~عنه، مساحات من الظلمة لا يملؤها إلا النوم، أو قراءة الصحيفة أو تحريك الذراعين والساقين ~~في الهواء، مع طرقعة أصابع القدم، كان مثل صاحب الجلالة لا يعرف القراءة ولا الكتابة، لم ~~يكن له أن يكون أفضل من الملك، ثم ما جدوى القراءة والكتابة؟ الأنبياء جميعا كانوا أميين ~~واستطاعوا رغم ذلك قيادة العالم، أليس كذلك؟ # كان يدق طول الليل بأصبعه، الدقات تطرقع في رأسها وهي نائمة، صوت الريح أيضا كان يفرقع، ~~والشلال يهدر كالمطر يدق النوافذ والأبواب، تلف رأسها بالمنديل الأسود، تعقده فوق جبينها ~~كرأس الثعبان، ترى نفسها في المرآة مثل الإلهة سخمت، يرمقها بعينين حمراوين ملتهبتي ~~الزوايا. ~~- صاحية؟ ~~- لأ. # تقولها بلا صوت، تغمض عينيها متظاهرة بالنوم، تحكم إغلاق جفونها، لكنه يمد ذراعه، يحاول ~~فتح عينيها بأصابعه، كأنما سيسكب فيها القطرة، لا شيء ينسكب في عينيها إلا ضوء اللمبة، ~~يلامس بياض العين كاللهب، وهو جالس في مكانه يخفي نصفه الأعلى وراء الصحيفة. ~~- من الطبيعي أن تشعر بالخزي حين تقرأ مقالك، أليس كذلك؟ ~~- لا تكلميني بهذه الطريقة الخالية من الاحترام! ألا تعرفين أنني زوجك؟ ~~- لا، لم أكن أعرف. ~~- ألا تعرفين أن الله أمر المرأة أن تسجد لزوجها؟ هيا اسجدي يا مره! ~~- ألا تعرف أنك تسجد لصاحب الجلالة؟ ~~- ما العيب في هذا؟ الجميع يسجدون له. ~~- ألم يعلن أنك تسلمت رشوة من الشيطان لتكف عن الكتابة عنه. ~~- لم يكن إلا عتابا رقيقا من جلالته، وكتبت شكوى له. ~~- شكوت منه إليه؟ ~~- ما العيب في هذا؟ الجميع يشكون منه إليه، هيا اخلعي ثوبك الوسخ وخذي حماما لنحتفل معا ~~بالعيد، وعندنا بدل الزجاجة زجاجتان ms81 ، انظري! ~~••• # كان يمسك في كل يد زجاجة، ويدور حول نفسه، يدق الأرض بقدميه في إيقاع راقص، طبول العيد ~~تدق الإيقاع ذاته، واهتزت الأرض تحت جسده، فانفكت دكة اللباس، تساقط سرواله حتى قدميه، رفسه ~~بقدمه اليمنى، فطار في الهواء ثم اشتبك في خطاف في السقف، ظل معلقا يتأرجح تحت الضوء، ~~تعلوه البقع السوداء، تفوح منها رائحة النفط، وهو يواصل الرقص عاريا، كما ولدته أمه، يدور ~~حول نفسه دورة كاملة، ثم يعود إلى النقطة ذاتها حيث بدأ. # كانت تظنه في عمر الشباب، لكن جسده العاري كشف أنه كهل كتفاه تهبطان متهدلتين إلى أسفل، ~~صدره مقوس تحت فروة ناحلة من الشعر، عضلاته مثل حبال مرتخية، وبشرته يابسة مثل طبقة من ~~الجبس يمكن أن يخلعها عنه. # هبطت عيناها مع انسياب جسده أسفل البطن، كان ضوء منحرف يتساقط فوق كتلة الشعر، تهتز مع كل ~~تنفس ملقية ظلالها على الجدار، شريان عنقه نافر ينتفض، يرسمه الضوء الشاحب بخط أسود، أجل، ~~كان هناك نفط حقيقي في عنقه، في هذا الشريان المنتفخ، وفي هذا السائل الأسود الذي يجري مجرى ~~الدم. # ظلت واقفة تحملق داخل ملابسها الكاملة، وهو ينظر إليها يتوقع منها أن تخلعها، لكنها أصبحت ~~تشك في أمره، ولا تعرف إن كان عليها أن تتعرى مثله. لم يكن لها هدف من البقاء معه إلا ~~الاحتماء وراء جدار، وإن سقط الجدار في مواجهة الشلال فلن يكون بينهما شيء. ~~- أجل، سينهار الجدار وينهار كل شيء معه. # ربما استغرقت وقتا طويلا حتى تعرت، حدث كل شيء كأنما لا شيء، ثم دوت الصفارة في ~~أذنيها كالصرخة، صرخة ألم كاملة السواد مكتملة اليأس، صرخة بلا حدود شقت الظلمة مثل حد ~~السيف، تحمل من عرض البركة ومن أعماق الأرض والسماء جميع الآلام، مثل ظهر حيوان مثقل بجميع ~~الأوجاع، بذكرى الإهانات والصفعات، وحفلات الأعياد، والزجاجات والمقالات، والأنوار ~~المتلألئة، والأوحال وجميع الأشواق الدفينة للموت أو العودة إلى رحم الأم. # أصبح كل شيء كأنما يتكشف تحت ضوء الصرخة، القمر الذي صعد في السماء، الهواء الذي يحرك سطح ms82 ~~البركة، العري الذي بلغ قمة اليأس، العرق المحموم بالأمل، ذكريات طفولة غامضة، غرفة مجهولة ~~في حياة سابقة، إزميل باحثة بلا بحث، إلهات لا وجود لهن في أي مكان، وأشلاء صغيرة، مبعثرة، ~~لا يمكن أن تلمها إلا قوة خارقة، تلمها وتصنع منها ذلك الشعاع الممدود من عينيها حتى سطح ~~القمر. ~~- أهي نهاية العالم؟ ~~- بل هي روح الست الطاهرة تحلق. # قالتها دون أن تفتح شفتيها، منذ إخفاقها في الهرب أوشكت أن تنسى كل شيء، حياتها كلها ~~عديمة الجدوى، لكن الأمر ينقلب مع انقلاب حركة العين، ترى الروح تحوم فوق سطح القمر، تدرك ~~على الفور أن اللحظة جاءت، وقد تم اختيارها لأداء الرسالة، تشد عضلاتها وتنهض، تسرع الخطى ~~في الطريق، فوق كتفيها الحقيبة معلقة بالحزام، تشده بيدها كأنما تشد وجودها من ~~العدم. ~~- أجل، لقد تم اختيارها وعليها أن تقود النسوة إلى طريق الخلاص. # ماذا تقولين يا أختي؟ ~~- هناك طريق بلا شك. ~~- ألم تحبلي حتى الآن؟ ~~- ليس من السهل وجود رجل قادر على الحب. # في أعماقها كانت تحن للحب، كان للنسوة الأخريات أزواج وأطفال، تعد كل واحدة منهن أسماء ~~أطفالها على أصابعها، عيونهن مملوءة بالزهد في كل شيء، لم يعد لهن أمل في الحياة، وهي ماذا ~~حققت؟ لم تعثر على شيء، لكنها على الأقل لا تخجل من كشف وجهها، والنظر بكل عينيها إلى ضوء ~~القمر. ~~- ألهذا السبب لم تر الرجل في حياتها قط؟ # كان الرجل واقفا على العتبة، لم تفتح فمها وتقل شيئا، إن قالت فلم يكن بمقدوره أن ~~يفهم، وإن فهم فإن القدر يتدخل حتما ليفرق بينهما، كانا يعيشان داخل نظام يحكمه القدر، ~~والقدر لا يدرك من الحب إلا نوعا واحدا، تلك العاطفة الجياشة للأرض وصاحب الجلالة، ربما ~~كان ذلك بسبب الحدود التي يفرضها النفط، قوة المد والجذر المختبئ في المياه السوداء، قصف ~~الريح وحركة الموج مع تدفق الشلال، كانت على يقين أن الرجل الواقف أمامها ليس هو رجل ~~أحلامها، كلاهما كان قادما من نقطتين متعارضتين ليلتقيا صدفة، كأنما لم يكن يجمعهما شيء ms83 ~~إلا القدر. ~~••• ~~- وكانت أيضا لا تجيد الطهي، امرأة بلا قيمة تحاول أن تستقي قيمتها من قيمة ~~الإلهات. # إنه صوت زوجها أو ربما رئيسها في العمل، يدلي بأوصافها لرجل البوليس، في طريقها إلى العمل ~~قد تمر بالصدفة أمام مطبخ، تلمح رءوس البصل متدلية، يصيبها المنظر كأنما بطعنة خنجر، تشتهي ~~أن تموت قبل أن تلمس شعرة من تلك الرءوس، كانت هذه الشعرات الصفراء تظهر لها في الحلم ~~كأسنان كماشة، تقبض على عنقها من الخلف، وتلقي بها إلى ما وراء الموت. ~~- ربما كانت في حاجة إلى إجازة. # لم يكن للمرأة أن تخرج في إجازة، كأنما الباب إذا انفتح وخرجت فلن تعود، جاءتها فكرة ~~الحب، حب كبير تستحق أن تموت من أجله امرأة لم تعرف الحب، نزيلة السجن الدائم، الهواء ~~المعدوم، الدخان والذرات السوداء، الصمت وقرقعة أوراق الصحيفة، النصف الأسفل لرجل نائم، ~~والمطبخ، أجل، قد تنبعث من المطبخ رائحة اللحم المشوي فإذا بالرجل يصحو، تستيقظ الشهوة ~~وربما الحب، غير أن المكان هو أبدا لا يتغير، مدفوعة فيه بحكم غريزة البقاء، وجبات الأكل ~~لا نهائية، لا تكفي لإرواء الغليل، أجل كانت هناك الورقة والآلة، دقت بأصابعها ~~الطلب. ~~- هل طلبت إجازة؟ ~~- نعم. ~~- هل حصلت على موافقة زوجها؟ ~~- لا. ~~- هل حصلت على موافقة رئيسها في العمل؟ ~~- لا. ~~- كيف خرجت في إجازة إذن؟! # يدب الصمت في غرفة التحقيق، يدور رجل البوليس حول نفسه داخل الكرسي، يشعل اللمبة الحمراء، ~~يطرد الصحفيين، يدق بأصابعه فوق الآلة ثم يستدير، يحملق في وجه زوجها ورئيسها في ~~العمل. ~~- أتريد الصراحة؟ ~~- نعم. ~~- ألن يتسرب الخبر إلى الصحافة؟ ~~- لا، بكل تأكيد! ~~- أجل، كانت الحاجة إلى الخروج ضرورية. ~~- كيف؟ ~~- خرجت تبحث عن كبريائها الضائع، كان لها كبرياء حيوان انتصب فوق قدمين ولم يعد يزحف فوق ~~أربعة قوائم، أجل، لم تكن هي امرأة مطبخ ولا سرير، لا تحفظ الألحان التي تغنيها النسوة في ~~الحمام، ولا تعرف الحب الذي ينبعث في قلب زوجها حين يراها تحشو الكرنب، وأكثر من ذلك لم تكن ~~رموشها تهتز حين ينظر إليها رئيسها ms84 في العمل أو صاحب الجلالة. # تتجمد أصابع رجل البوليس فوق الآلة، يمسح كلمة صاحب الجلالة، ويواصل الدق بيد واحدة، ويده ~~الثانية تمسح العرق عن وجهه. ~~- امرأة عيناها حجريتان مقطوعتان من جبل جليدي بارد. # إلى هنا توقفت أصابعه تماما وكف عن الكتابة، دار بجذعه عدة دورات داخل الكرسي ثم ثبت في ~~مكانه، وجهه ناحية الحائط، لم يعرف تماما من الذي يتكلم، رئيسها في العمل أو زوجها، لم ~~يحاول الاستدارة بالكرسي، ظل يحملق في الجدار، معطيا ظهره للرجلين. ~~- ماذا تعني بهذا الجليد البارد؟! ~~- أعني أنهما عينان. ~~- أجل. # تبادل زوجها مع رئيسها في العمل النظرات، بدا كأنما كل منهما يحاول أن يتخيل شكل ~~عينيها، نفث رئيسها في العمل الدخان كثيفا من الغليون، هز زوجها ركبتيه ثم أسدل ~~جفونه. ~~- أعني أنهما عينان لا مباليتان، لا تنظران إليك، وإن نظرت فهي نظرة تتجاوزك إلى نقطة فوق ~~رأسك بعيدة في الأفق. ~~- أكانت تتطلع إلى رجل آخر؟ # استدار رجل البوليس ليواجه الرجلين بنظرة قاطعة كالسيف، تطلع أحدهما للآخر قبل ~~الإجابة. ~~- لا، لم تكن تتطلع إلى رجل آخر، أجل، لم تكن تتطلع إلى رجل آخر، ربما كانت عيناها لهذا ~~السبب تستفزان الواحد منا، تود أن تصفعهما لتنظران إليك، أجل يمكن القول إنهما عينان ~~وقحتان، عينان بالرغم من اللامبالاة بك فهما يباليان بكل شيء آخر وإن كان لا شيء، مجرد نقطة ~~متناهية الصغر في الأفق. # دب الصمت طويلا في غرفة التحقيق، لم تسمع إلا أنفاس الرجل الثلاثة تعلو وتهبط، وأزيز ~~المروحة تدور حول نفسها، وذبابة تطن وترتطم بضوء اللمبة، والذرات السوداء كرذاذ المطر تدق ~~النافذة. # تسربت إليها الأصوات عبر المسافة البعيدة، ذابت كلها في صوت واحد بإيقاع منتظم، كان صمت ~~رجل البوليس يدوي على نحو واضح، أدركت أنه يعرف كل شيء، وبدأت أصابعه تدق من جديد فوق ~~الآلة. ~~- أجل، ماذا عن شكل عنقها؟! ~~- نعم عنقها، هذا أيضا غريب الشكل، أطول من أي عنق، كأنما هو خط الأفق، يرتفع كأنما عنق ~~العنقاء، عنق لا يمكن الإمساك به لخنقه مثلا، عنق ms85 يثير شهوتك، ذلك أنه لا يمكنك السيطرة ~~عليه، عنق يوشك أن ... # دب الصمت، كفت الأصابع عن الدق، ودار الكرسي حول نفسه ثم توقف، لم يسمع إلا صوت ~~لهاث. ~~- أن ماذا؟ ~~- أن يتبدل وينقلب إلى النقيض بحركة مفاجئة، فينثني ملتويا مستسلما كأنما يحمل من فوقه ~~ثقلا كبيرا. ~~- شيء مفزع. ~~- أجل، لا شك أنك ترتعش أمام هذا العنق. ~~- وماذا عن بقية جسمها؟ ~~- أجل، هذا أيضا مفزع. ~~- كيف؟ ~~- جسمها تراه موجودا أمامك لا شك، هذا الحضور اللامتناهي لوجودها، الذي يتلاشى فجأة ~~فيصبح غيابا كأنما إلى الأبد. # وانقطعت كل الأصوات تماما، لم تسمع حتى أنفاسهم الثلاثة، وربما توقفت المروحة أيضا أو ~~انقطع التيار فجأة، واللمبة انطفأت، والذبابة طارت أو احترقت، ولم يبق إلا رذاذ المطر يدق ~~أذنيها مع إيقاع الدقات في شريان العنق، وصفير الريح من بعيد يشبه صمت الليل. # ثم جاءتها الضحكة عبر الظلمة، لم تعرف من من الرجال كان يضحك، ضحكة غريبة متقطعة ~~كالنشيج، عالية النبرة تشبه صوت رجل يقهقه، يهتز جسمه مع اهتزاز رأسه بالضحك. # من وراء الكثبان وعرض البركة جاءتها القهقهة، تشبه قرقعة الهواء، ترتطم بالجدران مثل رذاذ ~~مطر متجمد، تتسرب من تحت عقب الباب مع السرسوب الأسود، كان وجهها للحائط ورأسها ملفوف ~~بالمنديل، بحركة من عنقها على شكل نصف دائرة أصبح وجهها ناحية الباب، كان الرجل واقفا ~~مشمرا جلبابه، رأسه مبلل كأنما أغرقه المطر، نفض شعره وانتفض مثل ضفدعة تخرج من البركة، ~~التقت عيناها بعينيه فإذا به يدير بياض عينيه بحركة الهواء ينقلب السطح ليكشف عن ~~القاع. ~~- صاحية؟ # نبرته رقيقة محكومة، تحمل حنو الرجل حين يفقد السيطرة على امرأته، خلع ملابسه بحركة من ~~يحاول أن يخلع الإهانة، كان طويلا وجلده مبللا ومشدودا كأنما مصنوع من جلد حقيقي، يلمع ~~في الظلمة مثل حذاء ممسوح في المطر، تقدم نحوها بخطوة من يريد إثبات أنه يمتلك شيئا لا ~~يملكه. ~~••• ~~- الرجال آلات لإخفاء الحقيقة، يتصورون في أعماقهم أنهم يملكون الحقيقة. ~~- أيكونون هم الآلهة؟! # إنه صوت امرأة تتحدث إلى النسوة، يشبه صوتها حين كانت ms86 شابة، تهز كل واحدة منهن رأسها ~~علامة الفهم. ~~- هذا مفهوم يا أختي، لكن رءوس البصل لا تزال هناك في المطبخ، لم تلمسها يد، ويوشك موعد ~~الأكل أن يأتي، ويصيح الرجل، هذا واضح، هل فهمت؟ ~~- نعم، فهمت يا أختي، لكن الضفدعات تطورت وخرجت من قاع البركة إلى الضوء، وأنتن النسوة ~~عاجزات عن الحركة. # دب الصمت حين عاد الرجل، صاح كعادته طالبا الأكل، ثم رقد في الفراش عاريا، مد ذراعه في ~~الظلمة تحت الغطاء، كأنما يمد يده تحت الماء، عبثا حاولت أصابعه أن تصل إلى يدها، أخيرا ~~وصلت إليها عبر المسافة البعيدة، كان وجهها للحائط، أحست قبضة يده خشنة مبللة بعرق أسود، ~~حملتها الدوامة إلى بطن الأرض، صدره متجمد مثل صدر مومياء، أجوف من الداخل، يملؤه فراغ ~~العالم، ولا مفر، عليها أن تضع رأسها فوق هذا الصدر الحجري، كأنما هو صدر الإله إخناتون بعد ~~أن أزالوا عنه النهدين. ~~- ماذا تقولين يا أختي؟ ~~- أدركت بعد فوات الوقت أن كل شيء حقيقي، أعني الزواج، وربما أيضا البحث عن الإلهات، ~~وكل شيء آخر في الحياة، بما في ذلك الموت. ~~- والحب! ~~- لا، لم أحبه، وإن فعلت ذلك فسوف يغرق العالم في الوهم. # كان جسدها عاريا على تماس مع العالم العاري، بكل حقيقته مثل اللحم، وكان يمكن أن تنزلق ~~من الفراش وتهرب، لكن الخروج من ذلك البئر كان مستحيلا، أو ربما بدا لها النفط أفضل من أي ~~شيء آخر. # طوت ذراعها في المكان الضيق، اختنقت بالدخان والغبار الأسود، بدا لها الموت نوعا من ~~الخلود، والهروب من الموت ليس إلا الغباء. أجل، الموت هو عبقرية الكائن الحي حين يصبح ~~خالدا مثل الآلهة. # تظاهرت بالموت وهي راقدة، سقط جسدها في العمق دون أن تطوي ذراعها الثانية، كانت العتمة ~~تشبه العين السوداء الضخمة، عين لا تكف عن النظر إليها، عين مقدسة لا تنام، لا بد أنها عين ~~إلهة الموت سخمت، أو ربما هي عين الست الطاهرة، تنظر إليها وتذكرها بالرسالة. ~~••• # فتحت عينها فجأة، كان الرجل يحملق فيها من وراء الصحيفة ms87 ، عيناه تخترقان الورق ~~وتنفذان. ~~- نعم كانت تحت المراقبة الدائمة. ~~- بأمر من صاحب الجلالة؟ ~~- ربما، أو ربما هو رئيسها في العمل، أو زوجها، استأجر رجلا يراقبها نظير مبلغ من المال، ~~أو ربما هم الثلاثة لا أحد يعرف بالتحديد، لكن المراقبة كانت مستمرة، أربعة وعشرين ساعة في ~~اليوم، رجل البوليس كان معهم بطبيعة الحال، يدور بالكرسي حول نفسه، ويدق على الآلة الكاتبة: ~~«اجتمعت مع النسوة في الساعة السادسة والنصف دون الحصول على تصريح بالاجتماع، عادت إلى بيتها ~~في الثانية إلا عشر دقائق، ساقت المركبة وحدها دون الاعتماد على سائق رجل، كل ذلك يشكل ~~خطورة على نظام العالم، يستوجب السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، وحمل الأثقال فوق رأسها، ~~يستدعي الأمر بطبيعة الحالة فصلها من العمل وطلاقها من زوجها، وإن لم تكن متزوجة يمكن لصاحب ~~الجلالة في هذه الحالة أن يفوض القاضي العام بإصدار الحكم بالإعدام.» # كان الفراش يهتز في العتمة كلما تقلب الرجل من جنب إلى جنب، يصدر عن ألواح الخشب أنين مثل ~~قط يموء، يتشمم بأنفه رائحة الطعام، لم يكن ينبعث من المطبخ رائحة أكل، رءوس البصل راقدة في ~~الحوض لا تزال، الموقد مطفأ، والوعاء الألومنيوم فارغ، يلمع قاعه تحت الضوء بوميض ~~رمادي. ~~- ألم تصرخي طالبة النجدة؟ # ربما هي واحدة من الجارات، جاءت على الصوت، لم تكن هي صرخت على الإطلاق، أو صرخت لكن ~~صوتها لم يطلع، كانت تريد أن تخفي الأمر في الصمت، وتركت جسمها ممدودا على الأرض، إحدى ~~ساقيها ملفوفة بحزام الحقيبة، عارية تماما إلا من بقايا سروالها الممزق، يلتف حول قدمها ~~كالخلخال، مطرز من الحواف باسمها واسم زوجها داخل دائرة مغلقة على شكل القلب. # تحت الضوء الشاحب رأت فخذيها كبيرتين ضخمتين كأنما كانت تنظر إليهما من خلال عدسة مكبرة، ~~طويلتين ومسحوبتين بعيدا عنها، لا تكاد تراهما عبر المسافة البعيدة، كأنما هما فخذا امرأة ~~أخرى. # وصعدت عيناها فوق جسدها تتسعان مع حركة الصعود، تتوقفان، كأنما مصعوقتان أمام رأسها ~~المتدلي فوق العنق، مربوط بمنديل أسود، والوجه الأسمر يزداد سمرة في الضوء ms88 المعتم، تعلوه ~~نقط سوداء كالنمش، وخطوط كالتجاعيد مرسومة بالقلم، تهبط من زوايا الجفون الملتهبة كالدموع ~~السوداء، والرموش ساقطة، كأنما هي انتقلت من الشباب إلى الكهولة بحركة جانبية من عينها، ~~انتفضت واقفة تشد عضلات ذراعيها وساقيها، تشد أعماق عقلها الباطن من جوف الأرض، تذكرت أنها ~~رأت هذا الوجه من قبل، وعاشت هذه اللحظة في حياة سابقة، مشهد العقاب هذا هو الذي كانت تراه ~~في أحلام اليقظة والنوم. ~~- هذا مخجل لامرأة محترمة مثلها تبحث عن الإلهات. # وسمعت صوتها ينتحب، أريد أن أموت من الخزي على الأقل، ثم سكتت عن النحيب فجأة، وجاء صوت ~~يشبه صوت امرأة من النسوة. ~~- أجل، ما المشكلة إذن؟ إنه يضربني دائما وهو منتفخ بالكبرياء، لن يطلع الصبح حتى أكون ~~قد فتحت الباب وخرجت، نعم أعرف، سأمضي غدا، فامسحي هذه الدموع السوداء، لن ينقلب العالم ~~لأن امرأة رقدت مع رجل غريب في لقاء عابر. # كان صوتها يتبدل مع كل حركة من جسمها، وجسمها ينتقل من البرودة إلى السخونة وهي تنقلب من ~~جنب إلى جنب، رائحتها تتضوع من عمق فيها لا يمكن لها أن تفهمه، رائحة اللحم الراقد في بطن ~~الأرض، ربما أرادت أن تموت في تلك اللحظة، أو ماتت فعلا، ثم مس طرف أنفها طرف أنفه وهو ~~ينسحب من فوقها، أدركت لحظتها فقط أن جسدها كالماء، وهي قطعة يابسة تغوص إلى القاع، وترسو ~~بقدميها في بطن الأرض. ~~- امرأة ساقطة إلى هذا الحد؟ ~~- ماذا تعني؟ ~~- ألا تعرفين ماذا أعني؟ ~~- أتراقبني؟ ~~- أجل، لولا ذلك ما رأيتك مع الرجل الآخر. ~~- وأنا رأيتك، هل نسيت؟ ~~- أجل، هذا طبيعي، ويعطيني الله بدل المرأة أربعة ألا تعرفين ذلك؟ # كان واقفا يمط عنقه، مملوءا بالفخر، كلما زاد عدد النسوة في حياة الرجل يزداد عنقه ~~طولا، كان عنقه يمتد إلى ما لا نهاية، مثل خط الأفق، مشهد يرعبها أكثر من الموت، يضعها هي ~~والرجل في عالم يتأرجح، بيت قائم فوق الماء، ميزان تهتز كفتاه دونما عدل. # كان واقفا يتطلع إلى أعلى، عيناه تبربشان، يحاول إمساك السماء بعينيه ms89 ، كأنما هي الشيء ~~الوحيد القابل للإمساك في مساحات من الوهم. # كانت راقدة في مكانها لا تزال، لامست بيديها خديها الملتهبتين بالصفعات، نظرت إليه بطرف ~~عينها وهو واقف، كان بالقرب من الباب، لا يبعد عنها بضع خطوات، وبدا بعيدا جدا كأنما هو ~~غائب. ~~- كيف يمكن لرجل قريب إلى هذا الحد أن ينسحب إلى مسافة لا نهائية لمجرد حركة واحدة من طرف ~~عينها؟ ~~- أجل، هذا طبيعي، إن امرأة مثلك تتجاوز بإثمها الحدود يمكن برمشة عين أن تقلب ~~النظام. ~~- أهو نظام متهالك إلى هذا الحد؟ # لم يكن في طاقته أن يرد، لكن قلبه في الباطن كان يهتز، كأنما كان يخشى هذه اللحظة طول ~~العمر، ما الذي يمكن أن يمحو هذا الإثم إلا أن تركع المرأة بين يديه، أن تبلل بدموعها قدميه ~~وتطلب الغفران، أجل كلما اشتد هوانها اشتد كبرياؤه، فلا شيء ينتقص من كبرياء الرجل قدر ~~امرأة بلا إثم يملؤها بالندم. # كان واقفا ينتظر منها الركوع أو الدموع، ولهاث التوبة أو الندم، لكنها ظلت صامتة صمت ~~الموتى في القبور، لم يفلح معها التهديد بعقاب الأرض والسماء، لم يكن أمامه إلا أن ينتظر، ~~مهما طال الوقت ينتظر، فلا شيء يمكن أن ينقذ كبرياءه إلا انفراجة شفتيها بكلمة مثل «اغفر ~~لي.» ~~- أكان في عينيه استجداء؟ # أجل، نعم، وبحركة من عينيها الملتهبتين انقلب الوضع، كأنما كانت تقلب بجفونها الصور في ~~كتاب، بدا في الصورة منثنيا إلى أسفل، راكعا بين يديها، يبلل قدميها بدموعه، يستعطفها أن ~~تنطق بالكلمة «اغفر لي»، أرادت أن تفتح فمها وتستغفره دون جدوى، شفتاها ملتصقتان بالنفط ~~كالصمغ، جفونها أيضا ملتصقة كالشفتين، ورموشها تلاصقت بعضها بالبعض. # أمام عينيها لم تر إلا الظلمة، متى تتحرك هذه السحب السوداء بعيدا وتظهر الأضواء؟ إذا ~~كانت الأضواء قد ظهرت هناك فلماذا لا تظهر هنا؟ وإذا كان الإثم قد وقع هنا فلماذا تعرضت ~~للعقاب هناك؟ # وانفتح الباب بقوة الريح المباغتة، تدفق شلال النفط بصوت زاعق، وانتصبت الكثبان السوداء ~~بين الأرض والسماء، رفع الرجل ذراعه علامة اليأس، أدرك أن الفرصة ms90 ضاعت منه، وأن خواءه ربما ~~انكشف لعين العالم، ولا أمل في إخفاء الحقيقة. ~~- أكان ذلك بسبب تدفق النفط في وقت غير مناسب؟! # إنه يتكلم مع نفسه وذراعه مرفوعة، كأنما يخاطب قمم الكثبان أو قوة ما غير محددة في ~~السماء. ~~- أيها النفط إذا لم تغرقها تماما حتى الموت فلن يبقى في العالم شيء من كبرياء ~~الرجل. # يبدو أن النفط استجاب لدعاء الرجل، وانهمر الشلال بقوة أكثر، والمرأة ترفس بساقيها ~~وذراعيها تقاوم الغرق، أجل، لم يكن للنفط أن يتخلى عن طبيعته وينحاز إلى المرأة، هكذا أيقن ~~الرجل. ~~- ألا تعتذرين عن خطيئتك يا مره؟! ~~- حاولت لكن ... ~~- هل سبق أن حدث ذلك من قبل؟ ~~- نعم، حدث من قبل ... # قالتها وعيناها تتسعان بين السماء والأرض، تبادلت مع الرجل النظر دونما إرادة، رأت في ~~الضوء الشاحب نظرات متبادلة تهدم بقية الأمل. # أكانت لها حياة من قبل؟ لكن السؤال بدا أكبر من قوة خيالها، وأدرك الرجل أنها كانت آثمة ~~طول الوقت منذ الولادة حتى الموت. ~~- آه، نعم، كنت أعرف ذلك، ما الجديد إذن؟ # قال ذلك وهو يتسلق سلما عاليا إلى السقف، كان سرواله المخلوع لا يزال في الخطاف ~~يتأرجح، ذراعه تمتد تحاول الوصول إليه، ظهره من الخلف مقوس مثل صنم الجمل، ساقاه أيضا ~~مقوستان يغطيهما شعر ناحل، مبلل بالعرق الأسود، يلتصق بعضه بالبعض. ~~- الآن عليها أن تتخذ القرار وإلا فلن تتخذه أبدا. # هكذا بدا لها الأمر، البقاء إلى الأبد أو العودة الآن وفورا، كان هو أول قرار حاسم في ~~حياتها، أيكون النفط هو الذي أجبرها عليه؟ أو ربما ذكريات حياتها السابقة بدت أفضل مما ~~كانت، وإن كانت للصفعات ذكرى كالعلامات السوداء، لكن ضرب النسوة كان أمرا طبيعيا، والرجل ~~لا يكف عن الاستعانة بالسماء، تهمس له السماء من أعلى: واضربوهن، لم يكن لها أن تتوقع ~~مستقبلا أفضل، إلا إذا تقبلت الضرب بكبرياء، وجعلت رأسها مثل رأس الإلهة سخمت مصنوعا من ~~البرونز، وتدخل المطبخ شامخة بعنقها مثل الإلهة نفرتيتي، تقف أمام النار تبتلع الدخان في ~~بطنها كأنما هي بطن ms91 الأرض، تختزن الألم كأنه الحبل، ثم تتعطر من الخارج لتخفي الرائحة، ~~وتقاوم الرغبة في رفع ذراعها لتصفع الرجل، وتبتسم في وجهه كالملاك. ~~- أيكون لك وجهان يا امرأة؟ ~~- وأنت لك الضعف، أربعة وجوه، أليس كذلك؟ # كانت قوة النفط لا تزال تتدفق، تدفعها من جديد إلى ما لا تريد، كانت عاجزة تماما عن ~~إدراك ما هو الحب الرفيع وما هو الحب الوضيع، منذ الطفولة أدركت أشياء هامة لا يدركها أحد، ~~عبثا حاولت أن تبحث عما تريد البحث عنه، ولم يكن الرجل إلا عقبة في حياتها مثل كثبان ~~النفط. ~~- إنه رجل مثالي لا يستجيب إلا لطلب السماء بضرب النسوة. # هكذا كانت تواسي نفسها، في أعماقها أرادت التوبة، أن تجعله يلعب دوره السماوي ويمنحها ~~الغفران، في اجتماع النسوة سمعت صوت المرأة الشابة، يشبه صوتها حين كانت في عمرها إلا أنها ~~لم تكن تخفي فمها بيدها كما كانت هي تفعل، تفتح شفتيها عن آخرهما وتبتلع الذرات السوداء ~~كأنما هي لا شيء. ~~- في غياب الحبل تلعب المرأة دور الأم، وتجعل من الرجل طفلا، فتمنحه دورا يلعب ~~به. # لم تكن تعرف لماذا لم يرتفع بطنها، نساؤه الأربع أيضا بلغن اليأس بلا أمل، رفعن أيديهن ~~للسماء يطلبن الحبل، نادين على جميع الأنبياء والقديسين بالاسم، لم يستجب إليهن أحد، نادين ~~على الست الطاهرة وغيرها من القديسات دون جدوى. ~~- أيكون الرجل هو السبب؟ ~~- لا يمكن، ما دخل الرجل بحبل النسوة؟! # تحت ضلوعها أحست العضلة تنتفض، وفي رأسها عضلة أخرى تطرد الفكرة، هذا الطفح الأسود فوق ~~وجهها ربما كان الفيض في حنان الأمومة، أو ربما هو الحنين إلى رحم الأم. ~~- أتكون أمها قد دفنت حية في بطن الأرض، وهذا هو ما يدفعها إلى الحفر بالإزميل رغم ~~استحالة الأمر؟ # كان في مقدورها أن تدور حول الأرض وهي راقدة ثم تعود إلى النقطة ذاتها حيث كانت، والرجل ~~أيضا كان هناك، عاد لتوه من العمل، لون وجهه ممتقع والنمش الأسود يزداد سوادا في ~~وجهه. ~~- هل وشيت بي؟ ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعرف أنك تتحرقين شوقا للانتقام ms92 مني، لكني أحذرك، نحن شريكان في كل شيء، بل أنت كنت ~~تحرضينني دائما ضد صاحب الجلالة، وكنت أقاوم إغواءك لي، بكل قوتي، وإذا أنا استسلمت يوما ~~فلم يكن ذلك إلا بسبب اليأس من إصلاحك، أجل، إنك ضلع أعوج لا يمكن إصلاحه إلا بكسره. # كف صدرها عن الحركة وبدأت تختنق، إنه رجل بلا كبرياء، في حياتها السابقة كانت له رجولة ~~أكثر، كانت تريد أن تصرخ بكلمات محبوسة تود الخلاص منها، كلمات ينبغي أن تلفظها قبل نهاية ~~العالم، كلمات نابية، طعمها كالغثيان، تتمتم بها النسوة في الفراش مع الرجل، وكانت الحرارة ~~قادرة على إذابة الحياء، وتنقلب الرذيلة إلى فضيلة بحركة من شفتي الرجل. ~~- لا أريد أن يعرف أي أحد ما حدث، ذات يوم يمكننا أن ننسى كل شيء ونحتفل معا بعيد صاحب ~~الجلالة، هاتي يدك في يدي. # ذراعه كانت ممدودة نحوها مثل العصا الطويلة، قبل أن تمد يدها كان قد قبض عليها بأصابعه، ~~أصابع كبيرة تغطيها البقع ونتوءات فوق الجلد بلون النفط. # في الليل حاولت أن تحرر يدها من يده دون جدوى، وانقلبت على جنبها الآخر، أصبح وجهها ~~للحائط. ~~- أجل، غدا أهرب حين يخرج إلى العمل. # وهي تحملق في الحائط سقطت في النوم، رأت نفسها جالسة فوق الجسر تنتظر ظهور الأضواء، يدب ~~الصمت حين تكتمل الظلمة، ثم تبدأ نقط الضوء تظهر من بعيد، تتكاثر كأنما تتوالد، بالآلاف أو ~~الملايين، بلا عدد كالنجوم، تتجمع في شعاع أبيض يحلق في الأفق، يهبط فوق السطح، وتهمس ~~الست الطاهرة في أذنيها. ~~- هيه؟ ماذا فعلت حتى الآن؟! أترقدين هكذا مثل بقرة مريضة؟! # شدت جسمها من تحت الغطاء، كانت العاصفة تلقي بالغبار الأسود، سيل منهمر من السماء ومن بطن ~~الأرض، الرجال يملئون البراميل، من بعيد تراهم فوق خط الأفق كالظلال السوداء الصغيرة، بحجم ~~الأطفال يحركون أذرعتهم في الهواء كأنما يلعبون، يحاولون إفراغ مياه البحر في جرادل صغيرة، ~~أو إفراغ السماء من الهواء في دورق من الصفيح. # التوى عنقها تحاول النظر إلى النسوة، ظل البرميل فوق رأسها ثابتا، لم ms93 تعد تسقط منه قطرة ~~واحدة وإن حركت رأسها، كان الوصول إلى النسوة يقتضي الانزلاق فوق المنحدر المغمور بطين ~~النفط، في منتصف الطريق توقفت، نظرت من خلال الأفق إلى الكثبان السوداء، والبيوت الأكثر ~~سوادا عند السفح، والأسطح غارقة في الظلمة، مغطاة بالبراميل المقلوبة، وأبراج حمام أسود ~~الريش يشبه الخفافيش، وأطراف المآذن ورءوس المقابر كالصلبان المرفوعة، لم تكن تعرف اسم هذه ~~القرية التي وجدت نفسها فيها بالصدفة، كانوا يسمونها مسقط الرأس، أجل، أي مسقط هذا الذي ~~تهاوى فيه رأسها؟ # رفعت النسوة أذرعهن، نزعن البراميل بحركة قوية من العنق، وانثناءة من الجذع، جلسن على ~~حافة صخرة يغطيها طحلب أسود، كانت الأرض مبللة رطبة، الصمت يدوي كصفير الريح، سطح البركة ~~يتموج تحت الضوء الشاحب، أمواج تتعاقب وتتكوم في الأركان مع الطحالب، والكثبان تحوط المكان ~~كالجدران تحجز كل ما وراءها في العالم. # كانت هي تجلس في الوسط، كما كانت خالتها تجلس وسط النسوة، أخرجت واحدة من جيب جلبابها ~~ورقة مطوية، كانت الحروف بالحبر الأسود بخط زوجها، أو رئيسها في العمل، وختم صاحب الجلالة ~~بطبيعة الحال. # مدت النسوة أعناقهن يحاولن القراءة، بدت الحروف غريبة كأرجل صراصير الليل الأسود. ~~- هذا مفزع. ~~- أهناك وسيلة لإنقاذها؟ ~~- مساعدتها على الهرب؟ ~~- آه، لكن ... # عند هذه الكلمة أطبقت النسوة في صمت، سمع صوت يشبه أنفاس مكتومة، هواء محموم يخرج من ~~الصدر، أو ربما هو صوت انسحاب الروح من الجسم، وانفرجت شفتاها عما يشبه الصرخة، أجل، كلنا ~~في حاجة إلى الهرب، ولكن إلى أين والعالم فارغ، ومن قبل، نعم، من قبل قلت لكن مرارا هذه ~~الكلمة «التضامن»، لكن هذه الكلمة ممنوع النطق بها، وكأنما هي الشيطان أو إلهة الموت ~~سخمت. ~~- سخماط؟ ~~- علينا أن نصحح النطق وهذا في يدنا لأنه لساننا الذي ننطق به. ~~- لن نكون جديرات بحق نأخذه من أياد ليست أيادينا. ~~- وهكذا نسمح لأنفسنا بأوضاع لا ينبغي أن يقبلها الحيوان. ~~- ليس أمامنا إلا عدد محدد من الأشياء التي يمكن لنا أن نفعلها بأيدينا. ~~- الهرب مثلا؟ ~~- سنهرب فوق أرجلنا، هذا واضح، فوق أرجلنا ms94 وليس أرجل غيرنا. ~~- وتذكرة السفر؟ ~~- آه تذكرة! ~~- علينا أن نطالب بأجورنا. # هتفن في نفس واحد، أصبحت الكلمة مثل كرة من الضوء تنط من فم إلى فم، ترتطم بالظلمة ~~كالجدار، فتعود مرتدة يحملها الهواء إلى حيث الفم لا زال مفتوحا، تدخل فيه حيث كانت قبل ~~أن تخرج، ويدب الصمت. ~~- ألم نطالب بأجورنا من قبل؟ ~~- أجل من قبل. ~~- علينا إذن أن نكف عن المطالبة ونأخذ أجورنا بأيدينا. ~~- أجل، لن نكون جديرات بحق نأخذه من أياد ليست أيادينا. # وتبادلت النسوة النظرات من وراء الغطاء الأسود، هرشن رءوسهن حيث التهب الجلد تحت قاع ~~البرميل، لم تتحرك عضلة واحدة في وجوههن، ولا الشفاه انفرجت عن صوت، عيونهن تتذبذب من تحت ~~غمامة، كانت هي تنظر إلى البركة المغطاة بالغبار، الطحالب في الأركان يجرفها التيار، تبدو ~~البركة عميقة كالبحر أو المحيط، وأجساد ميتة ترقد في القاع. ~~- أهناك من يراقبنا؟ # من وراء الثقب في الباب كانت العين تطل، عرفته على الفور من ظهره، الصنم كان بارزا تحت ~~الضوء الشاحب، رفعت النسوة أذرعهن بحركة واحدة قوية، عادت البراميل واستقرت داخل الحفر فوق ~~الرءوس، لم تعد ترى منهن إلا ظهورا مقوسة، أجسادهن صغيرة كالأطفال يتناقص حجمها بالابتعاد، ~~ولا صوت إلا هفهفة الجلاليب من بعيد كحفيف الهواء. # كانت وحدها جالسة، ظلمة الليل تضعف، الظلام كالستار كان يحجبها، فإذا بالضوء يكشفها، ~~ورأت الرجل واقفا، أدركت أنه رآها، وهي كانت من قبل رأته، واقفان متساويان في الرؤية وطول ~~الجسم، لم يكن لهذا الوضع المستقيم أن يحدث في عالم غير مستقيم. ~~- لم يعد أمامك فرصة. # قالها بنبرة كالغضب، يحاول بالغضب أن يخفي عدم الاستقامة. إنها فرصتها الأخيرة وإن ضاعت ~~فلا شيء بعدها، ورفعت ذراعها تحمي وجهها من الصفعة، إن لم ترفعها الآن فلن ترفعها من بعد، ~~وإن عاشت تعيش مرفوعة الرأس، وإن ماتت تموت وهي ترفس، لا تكف عن الرفس حتى آخر نفس. ~~- هذه المرأة تنزف. # أجل كانت النسوة في حاجة إلى النزيف، وإلا فسوف يبقى العالم كما هو وينتهي كل شيء إلى لا ms95 ~~شيء، علينا أن نأخذ دم هذه المرأة الطازج وننقله إلى العالم المشرف على الموت. ~~- أخيرا أغمضت عينيها وماتت واقفة كالشجرة. # ظلت واقفة في مكانها، عاجزة عن الحركة، جذورها في بطن الأرض، رأسها عال تطوحه الريح، ~~أوراقها ترتعش، تثني ذراعيها وتلتوي كالفروع، تحاول دون جدوى التخلص من أغصانها، الهواء ~~يحتك بها بصوت مسموع وإيقاع منتظم كالأنفاس في النوم. ~~- أتعودين للنوم في هذا القيظ؟! # سألها بصوت مملوء بالغيرة، كأنما يغار من قدرتها على النوم، كان تدفق النفط يأكل الجدار، ~~والغيرة تأكل قطعة من لحمه تحت الضلع الأعوج، ونهض واقفا ينزع عنه ملابسه كأنما يخلع عنه ~~جلده. ~~- لم أعد أحتمل، وعندي رغبة ... ~~- في الكتابة؟ ~~- أجل. ~~- لديك الآن هذه الآلة الجديدة ولست في حاجة إلى معرفة القراءة أو الكتابة. ~~- أجل، لكن صاحب الجلالة يريد مقالا في عيد ميلاده غدا. ~~- أجل، يمكن للآلة الجديدة في بضع دقائق أن تنسخ مقالك في العام الماضي أليس كذلك؟ ~~- أجل، نعم، إني أعرف ذلك. ~~- ما الجديد إذن؟ # بغريزتها كانت تدرك كل شيء، في أعماقها كان الخواء ينتشر، ما جدوى التظاهر إذن؟ ما من ~~حاجة تدعو إلى التخفي، ربما كان لا يزال بينهما شيء من العاطفة، بقايا حب في حياتها ~~السابقة، لكن الريح هبت وجرف تيار النفط كل شيء. # وسمعت صوت رجل البوليس يدق على الآلة ويدور بالكرسي حول نفسه. ~~- كما ترى لقد خرجت المرأة في إجازة. ~~- أجل هذه الحالات أصبحت عادية تماما، ومن كل ثلاث من النسوة تخرج واحدة. ~~- أهو مرض جديد؟ ~~- أجل، نسميه عندنا في الطب النفسي انفصام في الشخصية، قال: «عندنا في الطب النفسي» ~~والتوى عنقه نحو السماء بزاوية حادة، واهتز الغليون المثبت في زاوية فمه. ~~- أتعني ازدواجية الشخصية؟ ~~- لا، في الازدواجية تكون المرأة والشخص الآخر اثنين متلازمين على نحو إجباري، أما في ~~الانفصام فإن المرأة تصبح هي وذلك الرجل الآخر شخصا واحدا، مفهوم؟ ~~- أجل، أعرف ذلك، والنتيجة واحدة على أي حال. # بالطبع، لكن الازدواجية حالة طبيعية تماما، وجميع النسوة يندرجن تحت هذا النوع. ~~- أجل، أعرف ذلك ms96 ، إلا زوجاتنا طبعا. ~~- بالطبع؛ لأن الرجل منا يختلف عن جميع الرجال، فنحن من سلالة مميزة عن البشر تمتد إلى ~~الأنبياء، ألم تسمع حديث صاحب الجلالة بمناسبة عيد ميلاده؟! ~~- أجل، سمعته، كان خطابا تاريخيا، وقد كتبت ذلك في مقالي في الصحيفة ولا بد أن جلالته ~~رآه. ~~- لا بد أنه رأى الصور على الأقل، فإن جلالته لا يعرف القراءة كما تعرف. ~~- أجل، أعرف، وليس في ذلك عيب، وكان الأنبياء جميعا لا يعرفون القراءة ومع ذلك قادوا ~~العالم إلى عصر جديد. ~~- أجل، أعرف ذلك، لكن جلالته يحب الصور الملونة، خاصة صوره، ولا يمل النظر إلى صوره ~~المنشورة في الصحف، وفوق الشاشة، أليس كذلك؟ ~~- أجل، هذا طبيعي لرجل عظيم مثله يقودنا إلى عصر النفط الجديد. ~~- أجل، ما العيب في النفط؟ ~~- لا شيء! إلا ... ~~- إلا ماذا؟ ~~- لا شيء. ~~- أحس أنك تريد أن تقول شيئا، هيا تكلم ولا تخف. ~~- أبدا مجرد شيء تافه، حين عدت من العمل اليوم وجدت ورقة صغيرة. ~~- ورقة صغيرة؟ ~~- نعم، ورقة صغيرة فوق الكرسي بجوار السرير. ~~- أجل، فوق الكرسي بجوار السرير، أعرف ذلك. ~~- كيف عرفت؟ # دب الصمت كالموت، لم يسمع إلا صوت أزيز المروحة، وأنفاسهما تلهث، ثم جاء صوت أحدهما ~~بعيدا وخافتا كأنما من بطن الأرض. ~~- وماذا كتبت لك في الورقة؟ ~~- أجل، لا شيء، مجرد أنها خرجت في إجازة، هذا كل ما في الأمر. ~~- أهذا كل ما في الأمر؟ ~~- نعم، هذا كل ما في الأمر. ~~- أجل، أنا أيضا وجدت ورقة. # دب الصمت مرة أخرى كالموت، كف الهواء عن الحركة، المروحة أيضا كفت عن الأزيز، أنفاسها ~~كأنما توقفت تماما. # حركت رأسها من فوق الوسادة، كان الرجل راقدا مفتوح العينين، فجأة رنت الضحكة في ظلمة ~~الليل، أجل، كان هو الرجل الذي يضحك، عن يقين كان يضحك، ربما كان بالضحك يخفي شيئا آخر، ~~وجهه كان ناحية الحائط ولم تعرف فيم يفكر، لكنها حين سمعته يضحك ضحكت هي الأخرى، وبدت ~~الحياة أفضل مما كانت. ~~- أجل، طالما أن لديه القدرة على الضحك فلن يكون هناك داع للهرب ms97 على الأقل الليلة، ~~ويمكنها مواصلة النوم، وفي الغد تبدأ محاولة جديدة. ~~(تمت) ms98