######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.ImraaCindaNuqtatSifr.Hindawi97404718 #META# Tags: literature #META# ID: 97404718 #META# Title: امرأة عند نقطة الصفر #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # امرأة عند نقطة الصفر‏ # ثمن الكتابة‏ # امرأة عند نقطة الصفر‏ # | امرأة عند نقطة الصفر # | امرأة عند نقطة الصفر # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم ~~بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال الغياب، ~~أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة العجلات قوية ~~العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق ~~وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، ~~مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت القائمة ~~السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو حزب ~~الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي؛ حيث ~~تلتقي بأنواع ms01 مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي ms02 قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة ms03 الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | امرأة عند نقطة الصفر # 1 # هذه المرأة حقيقية من لحم ودم، قابلتها في سجن القناطر منذ بضعة أعوام، كنت أقوم ~~ببحث عن شخصية بعض النساء المتهمات أو المحكوم عليهن في قضايا متنوعة. # وقال لي طبيب السجن: إن هذه المرأة حكم عليها بالإعدام؛ لأنها قتلت رجلا، ~~ولكنها ليست كالقاتلات المقيمات هنا في السجن؛ فهي شخصية مختلفة تماما، ولن تقابلي ~~واحدة مثلها داخل السجن أو خارجه، إنها ترفض مقابلة أحد، وترفض أن ترد على أحد، وهي ~~لا تأكل إلا نادرا، ولا تنام إلا عند الفجر، تراها السجانة أحيانا جالسة شاردة ~~محدقة في الفراغ ساعات طويلة، وذات يوم طلبت ورقة وقلما، وقضت ساعات كثيرة منكفئة ~~فوق الورقة، ولم تعرف السجانة إذا كانت رسالة إلى أحد، أم أنها لم تكتب شيئا على ~~الإطلاق. # وسألت طبيب السجن: وهل هي ستقابلني؟ # وقال: سأحاول أن أقنعها بأن تجلس معك بعض الوقت، وربما توافق حين تعلم أنك طبيبة ~~نفسية ولست محققة من النيابة؛ فهي ترفض الإجابة على أي سؤال، وقد رفضت التوقيع على ~~الالتماس لرئيس الدولة من أجل تخفيف الحكم عليها من الإعدام إلى السجن ~~المؤبد. # سألته: من كتب لها هذا الالتماس؟ # قال: أنا كتبته لها؛ لأني في الحقيقة لا أشعر أنها قاتلة، لو نظرت في وجهها وعينيها ~~فلا يمكن أن تتصوري أن هذه المرأة الرقيقة يمكن أن تقتل. # وسألته: ومن قال إن عملية القتل لا تحتاج إلى رقة؟! # حملق في وجهي بدهشة لحظة خاطفة، ثم ضحك ضحكة عصبية قصيرة وقال: هل قتلت أحدا؟! # قلت: وهل أنا امرأة رقيقة؟! # حرك ms04 رأسه إلى الناحية الأخرى ، وأشار إلى نافذة صغيرة وقال لي: هذه هي نافذة ~~زنزانتها، سأذهب لأقنعها بأن تنزل إليك. # وعاد إلي طبيب السجن وحده، رفضت فردوس أن تقابلني. # وكان علي في ذلك اليوم أن أقوم بفحص نفسي لبعض المسجونات الأخريات، ولكني ركبت ~~سيارتي وغادرت السجن. # وفي بيتي عجزت عن عمل أي شيء، كان علي أن أراجع مسودات كتابي الأخير، لكن ذهني ~~كان عاجزا عن التركيز في شيء آخر غير هذه المرأة المسماة «فردوس»، والتي سوف ~~ينفذ فيها حكم الإعدام بعد عشرة أيام. # في الصباح الباكر من اليوم التالي وجدت نفسي في السجن، لم يكن طبيب السجن قد وصل ~~بعد، وطلبت من السجانة أن تسمح لي بمقابلة فردوس، لكن السجانة قالت لي: لا فائدة يا دكتورة؛ إنها لن تقابلك أبدا. # وسألتها: لماذا؟ # قالت: إنهم سيشنقونها بعد أيام، فما الذي تريده منك أو من غيرك؟! اتركوها في ~~حالها! # كانت لهجة السجانة غاضبة، ونظرت إلي بعينين حانقتين وكأني أنا التي سأشنقها بعد ~~أيام. # وقلت للسجانة: أنا لست من المسئولين هنا في السجن أو خارج السجن. # قالت بغضب: كلهم يقولون ذلك. # سألتها: ولماذا أنت غاضبة إلى هذا الحد؟ هل تعتقدين أن فردوس بريئة ولم تقتل؟ # ردت بغضب أشد: قتلت أم لم تقتل، إنها بريئة، ولا تستحق الشنق، إنهم هم الذين يستحقون ~~الشنق. # سألتها: من هم؟ # نظرت إلي في ريبة وقالت: من أنت؟ ... هل «هم» الذين أرسلوك إليها؟ # سألت مرة أخرى: من هم؟ # تلفتت حولها في حذر أشبه بالخوف، وابتعدت عني وهي تقول: هم! ألا تعرفينهم؟ # قلت: لا. # ضحكت ضحكة ساخرة وتركتني، وسمعتها تقول لنفسها: كيف لا تعرفينهم وكل الناس ~~تعرفهم؟ # وتكررت زيارتي للسجن، وفي كل مرة حاولت أن أرى فردوس، لكن محاولاتي كلها باءت ~~بالفشل، وأصبح البحث النفسي الذي أقوم به مهددا، بل إن حياتي كلها بدت أمام ~~عيني كأنما هي فاشلة أو مهددة بالفشل، وأحسست أن ثقتي بنفسي بدأت تهتز أو اهتزت ~~فعلا. ومرت بي لحظات قاسية خيلت إلي أن هذه المرأة القاتلة ms05 والتي ستقتل ~~بعد أيام أفضل مني، وأنني إلى جانبها لست إلا نملة صغيرة تزحف على الأرض وسط ملايين ~~الحشرات. # كلما تذكرت شكل عيني السجانة أو طبيب السجن وهما يتحدثان عن رفضها لكل شيء، ~~وإعراضها عن كل شيء - وبالذات عن لقائها بي - يزيد إحساسي بضآلتي، وفي إحدى الليالي ~~أصابني أرق، وسؤال ملح في أعماقي لا يريد أن يكف: أي نوع من النساء هي؟ وإذا ~~رفضتني فهل معنى ذلك أنها أفضل مني؟ ولكنها رفضت أيضا مخاطبة رئيس الدولة! # وتملكني إحساس غريب أشبه باليقين أنها أفضل من كل الرجال وكل النساء الذين نسمع ~~عنهم أو نراهم أو نعرفهم. # وخطر لي هذا السؤال وأنا أحاول أن أتغلب على الأرق: هل رفضتني وهي تعرفني؟ أم ~~رفضتني دون أن تعرفني؟ ~~••• # في الصباح التالي وجدت نفسي في السجن، لم أكن أسعى إلى محاولات جديدة للقاء فردوس؛ ~~فقد يئست تماما من لقائها، لكني كنت أبحث عن السجانة أو طبيب السجن. # لم يكن الطبيب قد ظهر بعد، ووجدت السجانة فسألتها: هل قالت لك فردوس إنها تعرفني؟ # وردت السجانة: لا، لم تقل لي شيئا. ولكنها تعرفك. # سألتها: وكيف عرفت أنها تعرفني؟ # قالت: أنا أحس بها. # وظللت واقفة في مكاني جامدة، وتركتني السجانة إلى عملها، حاولت الاتجاه إلى سيارتي ~~لأغادر السجن، لكني لم أتحرك من مكاني، إحساس ثقيل يجعل قلبي ثقيلا وجسدي ثقيلا ~~وساقي ثقيلتين عاجزتين عن الحركة، إحساس أثقل من الأرض، كأنما الأرض هي التي تقف ~~علي، ولست أنا التي أقف على الأرض، بل إن السماء أيضا أصبحت سوداء كالأرض، وتضغط ~~هي الأخرى فوقي، إحساس لم أجربه في حياتي من قبل إلا مرة واحدة، ومنذ سنوات بعيدة ~~حين أحببت رجلا لم يحبني، وأصبح رفضه لي ليس رفض إنسان واحد في عالم ضخم مليء ~~بملايين البشر، ولكنه رفض العالم كله لي، بكل ما فيه وبكل من فيه. # وشددت ظهري لأرفع قامتي وأتنفس شيئا من الهواء، وخف الثقل عن رأسي بعض الشيء، ~~وبدأت أتلفت حولي وأندهش لوجودي في السجن في هذا الوقت ms06 المبكر، ورأيت السجانة ~~منكفئة على بلاط أحد الممرات تمسح الأرض، وتملكني إحساس غريب بالاستخفاف بها؛ فهي ~~امرأة تمسح بلاط السجن، ولا تقرأ ولا تكتب ولا تعرف شيئا في علم النفس، فكيف صدقت ~~إحساسها على الفور! إن فردوس لم تقل لها إنها تعرفني، وإذا كانت لا تعرفني ~~وترفضني، فإن هذا الرفض يجب ألا يؤلمني؛ لأنها لا ترفضني أنا بالذات، وإنما ترفض ~~العالم كله بمن فيه. # تحركت ناحية سيارتي لأغادر السجن، وأنا أدرك أن مثل هذه الأحاسيس الذاتية يجب ألا ~~تراود باحثة علمية أثناء إجرائها لأي بحث. وكنت أبتسم وأنا أفتح باب سيارتي، وقد ~~أعاد ملمس سيارتي تحت يدي إحساسي بذاتي وكرامتي كطبيبة، مهما كانت فهي أفضل من ~~امرأة محكوم عليها بالإعدام بسبب جريمة قتل، وعاد إلي إحساسي العادي بنفسي (الذي ~~يلازمني معظم الوقت) حين أدرت محرك العربة وضغطت بقدمي على دواسة البنزين، وبكل ~~قوتي أيضا دست على إحساسي الطارئ (الذي يراودني أحيانا في لحظات الفشل) بأنني لست ~~إلا نملة صغيرة تمشي على الأرض وسط ملايين الحشرات. وسمعت صوتا من خلفي غلب على ~~صوت محرك العربة ينادي: يا دكتورة! يا دكتورة! # كانت هي السجانة، وقد جرت خلفي تلهث وبصوت لاهث كالأصوات التي أسمعها في الحلم، ~~وفمها أيضا أصبح كبيرا، وشفتاها كبيرتين، تتحركان أمام عيني كمصراعي باب كبير ~~يفتح ويغلق ثم يفتح ويغلق، وسمعتها تقول: فردوس يا دكتورة! فردوس ستقابلك! # لو أنها كانت تقول: إن رئيس الدولة هو الذي سيقابلني ما كان صدرها يعلو ويهبط بهذا ~~الشكل، وما كانت أنفاسها تلهث بهذه السرعة، وما كانت عيناها أو وجهها يعكس هذا ~~الانفعال العنيف! # وأصبحت أنفاسي تلهث هي الأخرى كأنما بالعدوى، أو بعبارة أصدق: ألهث لأن قلبي بدأ ~~يدق دقا عنيفا، لم أعرف كيف هبطت من العربة، وكيف سرت خلف السجانة أتبع خطاها، ~~بل إن قدمي كانتا تسبقانها في بعض الممرات، قدمان سريعتان خفيفتان كأنما لا ~~تحملان جسدي، وإحساس غريب أزرق، وكأنني أمسك السماء بعيني، وأمسك العالم بيدي، ~~والعالم كله ملكي، إحساس لم أجربه في ms07 حياتي إلا مرة واحدة منذ سنوات بعيدة حين ~~أحببت لأول مرة، وذهبت في أول موعد للقاء حبيبي. # وتوقفت لحظة قبل أن أدخل من باب فردوس لأجمع أنفاسي وأعدل ياقة ثوبي، كنت في ~~الحقيقة أحاول أن أسترد نفسي، أن أسترد إحساسي العادي بنفسي، وبأنني باحثة علمية ~~أو طبيبة نفسية أو أي شيء من هذا القبيل. وزاد من إحساسي بنفسي صوت مفتاح الزنزانة ~~يصر صريرا غليظا، وقلت لنفسي وأنا أضغط على مقبض حقيبتي الجلدي: من هي هذه ~~المرأة المسماة فردوس! أليست إلا ... # لكني لم أكمل، وجدتني وجها لوجه أمامها، وتسمرت في الأرض، لم أتحرك ولم أتكلم ~~ولم أسمع صوت قلبي وهو يدق، ولم أسمع صوت المفتاح وهو يغلق الباب علينا، كأنما مت ~~في اللحظة الأولى التي التقت عيناي بعينيها: عينان قاتلتان كسكين ثاقب عميق ثابت، ~~لا يرمش لها جفن، ولا تهتز في وجهها عضلة. # وأفقت بعد لحظات على صوت تبينت أنه صوتها، وصوتها أيضا كالسكين، ثاقب عميق ثابت ~~بارد لا تهتز فيه نبرة، وسمعتها تقول: أغلقي النافذة. # وسرت نحو النافذة في طاعة عمياء وأغلقتها، تلفت حولي في دهشة، لم يكن ~~بالزنزانة سرير أو كرسي أو أي شيء يمكنني الجلوس عليه، وسمعتها تقول: اجلسي على الأرض. # ووجدت جسدي ينثني وحده ويجلس على الأرض، كنا في شهر يناير والأرض عارية، لكني لم ~~أشعر ببرودتها. # كمن يتحرك وهو نائم، والأرض من تحتي لها شكل الأرض وفيها برودة الأرض، ولكنها ~~برودة لا تصل إلى جسدي، كبرودة البحر في الحلم، أسبح فيه ولا أبرد ولا أغرق، مع ~~أنني عارية الجسد ولا أعرف السباحة. وصوتها أيضا كتلك الأصوات التي نسمعها في ~~الأحلام، يخيل إلينا أنها تأتي من بعيد مع أنها قريبة، أو تأتي من قريب وهي ~~بعيدة، ولا نعرف بالضبط من أين تأتي: من فوق أم من تحت، من يمين أو من يسار، وقد ~~نظن أنها تأتي من بطن الأرض، أو من قلب السماء أو السقف، وقد تأتي إلينا من كل ~~الجهات كهواء يملأ الأذن، لكنه ليس هواء، ms08 وإنما صوت حقيقي أسمعه ، وامرأة حقيقية من ~~لحم ودم تجلس على الأرض أمامي، ونافذة الزنزانة مغلقة، ولا يمكن أن يكون هذا الصوت ~~إلا صوتها. # 2 # دعيني أتكلم ولا تقاطعيني؛ فليس عندي وقت لأسمعك، في الساعة السادسة تماما بعد ~~الظهر سيأتون ويأخذونني، وفي صباح الغد لن أكون هنا، ولن أكون في أي مكان يعرفه ~~أحد، إن هذه الرحلة إلى مكان مجهول يجهله كل الناس فوق هذه الأرض، بما فيهم الملوك ~~والأمراء والحكام ورجال البوليس، تملؤني بالزهو، كنت أبحث دائما عن شيء يملؤني ~~بالزهو، شيء يجعلني أحس أنني أفضل من جميع الناس، وعلى الأخص الملوك والأمراء ~~والحكام، لم أكن أمسك أي جريدة وأرى فيها صورة لأي رجل منهم حتى أبصق على وجهه، كنت ~~أعرف أنني لا أبصق إلا على ورق الجريدة الذي أحتاج إليه في فرش دواليب المطبخ، ومع ~~ذلك كنت أبصق ثم أترك بصقتي تجف وحدها. # من يراني وأنا أبصق على الوجه يظن أنني أعرفه بالذات، لكني لم أكن أعرفه بالذات، ~~فلست إلا امرأة واحدة. لا يمكن لامرأة واحدة مهما كانت أن تعرف كل الرجال الذين تنشر ~~الصحف صورهم. مهما كنت فلم أكن إلا مومسا ناجحة، ومهما نجحت المومس فلا يمكن لها ~~أن تعرف كل الرجال. ولأن كل رجل عرفته أردت أن أرفع يدي عاليا في الهواء ثم أهوي ~~بها على وجهه، ولأنني كنت أخاف أن أرفع يدي، ولأنني كنت مومسا، فقد كنت أخفي ~~خوفي بطبقة من المساحيق، ولأنني كنت ناجحة، فقد كانت مساحيقي ثمينة جيدة النوع، ~~كمساحيق النساء الشريفات من الطبقة العليا، وشعري مصفف عند حلاق متخصص في شعور نساء ~~العائلات، وشفتاي صبغتا بلون طبيعي شريف، لا يكشف عن الخلاعة ولا يخفيها في ~~الوقت نفسه، وعيناي رسمتا بخطوط متقنة فيها نداء وفيها رفض، كزوجة أي موظف كبير ~~في الطبقة العليا، لم أكن أنتمي للطبقة العليا إلا بمساحيقي وشعري وحذائي الثمين، ~~وأنتمي إلى الطبقة المتوسطة بشهادتي الثانوية ورغباتي المكبوتة، وأنتمي إلى الطبقة ~~السفلى بمولدي من أب فقير فلاح، لم يقرأ ولم ms09 يكتب، ولم يعرف من الحياة إلا أن يزرع ~~الأرض، ويبيع الجاموسة المسمومة قبل أن تموت، ويبيع ابنته العذراء قبل أن تبور، ~~ويسرق زراعة جاره قبل أن يسرقه جاره، وينحني على يد العمدة دون أن يقبلها، ويضرب ~~زوجته كل ليلة حتى تعض الأرض، وصباح كل جمعة يرتدي جلبابا نظيفا ويذهب ليصلي ~~الجمعة في الجامع، وأراه بعد الصلاة يمشي بين أمثاله من الرجال يتحدثون عن خطبة ~~الجمعة، وكيف أن إمام الجامع كان عظيم البيان والبلاغة، وإعجازه ما بعده إعجاز؛ ~~فالسرقة حرام، والظلم حرام، والضرب حرام، والطاعة واجبة، وحب الوطن واجب، وحب الحاكم من ~~حب الله، حفظ الله الملك أو الرئيس، وأدامه ذخرا للوطن والعروبة والإنسانية ~~جمعاء. # أراهم يسيرون في الحواري، ويهزون رءوسهم بالإعجاب والإيجاب على كل ما قاله فضيلة ~~الشيخ الإمام، يهزون رءوسهم ويمسحون أيديهم، اليد باليد أو اليد بالجبهة، يبسملون ~~ويحوقلون ويتمتمون ويبسبسون. # كنت أحمل فوق رأسي «الزلعة» الثقيلة المملوءة، عنقي تحت الثقل يلتوي إلى الخلف أو ~~إلى ناحية اليمين أو اليسار، أحاول أن أحفظ توازن الزلعة فوق رأسي فلا تقع، وأحرك ~~ساقي وأنا أسير لأحفظ توازن عنقي بطريقة معينة دربتني عليها أمي، كنت لا أزال صغيرة ~~لم يظهر ثدياي بعد، ولم أعرف عن الرجال شيئا بعد، لكني كنت أسمعهم يبسملون ~~ويحوقلون، وأراهم يهزون رءوسهم ويفركون أيديهم، ويسعلون ويتمخطون بصوت عال غليظ، ~~ويهرشون دائما تحت إبطهم أو ما بين فخذيهم، وينظرون فيما حولهم بعيون حذرة متلصصة ~~متشككة متربصة عدوانية في شبه ذلة. # أحيانا لم أكن أتعرف على أبي من بينهم، كان يشبههم تماما إلى حد أنني لم أعرف ~~أنه أبي، وسألت أمي عن أبي، وكيف ولدتني بغير أب، فضربتني، وأتت بامرأة معها مطواة ~~أو شفرة موس، وقطعوا قطعة من اللحم بين فخذي. # بكيت طوال الليل، وفي الصباح لم ترسلني أمي إلى الحقل ككل يوم، كانت تحمل السباخ ~~فوق رأسي، وأذهب إلى الحقل، وكنت أفضل الحقل على الدار؛ ألعب مع الماعز، وأركب ~~الساقية، وأعوم في الترعة مع الأولاد. ولد صغير اسمه «محمدين» ms10 كان يقرصني تحت الماء، ~~ويتبعني داخل الخص، وتحت القش، يجعلني أرقد وأرفع جلبابي، ونلعب معا لعبة عريس ~~وعروسة، وأشعر بلذة شديدة تنبعث من مكان في لا أعرفه بالتحديد، وأغمض عيني، وأحاول ~~أن أبحث عن هذا المكان حتى أجده، وأدرك أنني كنت أعرفه من قبل، ونلعب مرة أخرى حتى ~~تغيب الشمس، ونسمع صوت أبيه ينادي عليه من الحقل المجاور، فأمسك به لكنه يجري ويقول ~~إنه سيأتي غدا. # لم تعد أمي ترسلني إلى الحقل، وقبل طلوع الشمس تلكزني في كتفي لأصحو وآخذ الزلعة ~~لأملأها، ثم أعود لأكنس تحت البهائم وأعجن الجلة وأرصها في الشمس، وفي أيام الخبيز ~~أعجن وأخبز. # أجلس القرفصاء وبين ساقي ماجور العجين، ألت وأعجن، ووهج الفرن في وجهي يحرق أطراف ~~شعري، فلا أعرف أن جلبابي قد انحسر عن فخدي إلا حينما أرى يد عمي تتحرك ببطء من ~~وراء الكتاب الذي يقرؤه وتلمس ساقي، ثم لا تلبث أن تصعد حذرة مرتعشة متلصصة، تبتعد ~~كلما دبت في مدخل الدار قدم، وتلتصق بشدة وبعنف إذا أطبق السكون والصمت، اللهم ~~إلا صوت عود من الحطب أكسره وألقي به في الفرن، أو صوت أنفاسه المنتظمة من وراء ~~الكتاب، لا أرى وجهه، ولا أعرف إذا ما كان نائما يشخر أو يقظا يلهث. # كان يفعل ما فعله محمدين وأكثر، لكني لم أكن أشعر بتلك اللذة الشديدة تنبعث من ذلك ~~المكان المجهول والمعلوم من كياني، وأغمض عيني أحاول أن أبحث عن اللذة دون جدوى، ~~كأنما ضاع المكان أو كأنما جزء من كياني اختفى مني إلى الأبد. # ولم يكن عمي صغيرا، كان أكبر مني بسنين كثيرة، يسافر وحده إلى مصر، ويذهب إلى ~~الأزهر ويتعلم، ولم أكن إلا طفلة لم تفك الخط بعد، يضع عمي بين أصابعي قلم الرصاص، ~~ويجعلني أكتب فوق لوح الأردواز: أ، ب، ج، د ... وأحيانا يجعلني أردد وراءه: الألف لا ~~شيء عليها، والباء نقطة تحتها، والجيم نقطة وسطها، والدال لا شيء عليها، ويهز رأسه ~~وهو يتلو ألفية ابن مالك كما يتلو القرآن، وأهز رأسي أنا ms11 الأخرى وراءه، وأردد ~~بالحرف الواحد ما يقول. # وتنتهي الإجازة، ويركب عمي الحمارة، وأحمل فوق رأسي «السبت» الكبير مليئا بالبيض ~~والجبن والفطير، ومن فوقه كتبه وملابسه، وأسير وراءه حتى محطة قطار الدلتا، ويحدثني ~~عمي طوال الطريق عن حجرته في القلعة في نهاية شارع محمد علي، والأزهر، والعتبة ~~الخضراء، والترام، والناس في مصر، ويغني بصوت عذب وهو يهتز فوق الحمارة: «في البحر لم فتكم، في البر فتوني. # بالتبر لم بعتكم، بالتبن بعتوني. # آه يا ليلي يا عيني آه.» # وحين يركب عمي القطار ويسلم علي أبكي وأقول له: خذني معك إلى مصر، ويقول عمي: ~~ماذا ستفعلين في مصر يا فردوس؟! فأقول له: سأدخل الأزهر وأتعلم مثلك، ويضحك عمي ~~ويقول: الأزهر لا يدخله إلا الرجال. وأبكي وأمسك بيد عمي والقطار يتحرك، لكنه يشد ~~يده من يدي بكل قوته، فأقع على وجهي فوق الأرض. # وأعود أدراجي مطرقة الرأس، أتأمل شكل أصابع قدمي على الطريق الزراعي، وأسأل نفسي: ~~من أنا؟ ومن أبي؟ ومن هي أمي؟ وهل سأقضي عمري كله أكنس الروث من تحت البهائم وأحمل ~~السباخ فوق رأسي، وفي أيام الخبيز أعجن وأخبز! # وأدخل دار أبي، أنظر إلى الجدران الطينية كواحدة غريبة عن الدار لم تدخله من قبل، ~~وأتلفت حولي وكأنما في دهشة، وكأنما لم أولد هنا، وإنما سقطت من السماء فجأة، أو ~~خرجت من بطن الأرض؛ لأجد نفسي في مكان غير مكاني، ودار غير داري، وأب غير أبي، وأم ~~غير أمي. # أكانت أحاديث عمي عن مصر والناس في مصر هي التي تغيرني؟ أم أنني كنت واحدة أخرى ~~غير التي ولدتها أمي؟ أم أن أمي ولدتني حقا وأنا تغيرت؟ أو هي التي تغيرت وأصبحت ~~امرأة أخرى تشبه أمي لكنها ليست أمي؟ # كنت أحاول أن أذكر شكل أمي الحقيقي كما رأيتها لأول مرة في حياتي، عينان بالذات ~~أذكرهما، لا أعرف شكلهما، عينان بالذات أرقبهما أو هما ترقباني، عينان وإن اختفيت ~~عنهما ترياني وتتبعاني، فإذا تعثرت وأنا أتعلم المشي أمسكتاني. # كنت كلما أحاول المشي أقع؛ قوة من الخلف ms12 تدفعني لأنكفئ على وجهي، وقوة من الأمام ~~تدفعني من بطن الأرض، وأنا بين كل ذلك أقاوم؛ أشد ذراعي وساقي وأحاول أن أنهض، لكني ~~أسقط، وأتأرجح، تتجاذبني القوى المتصارعة من كل جانب، كحجر قذف به في بحر متلاطم ~~بغير شاطئ وبغير قاع، يضربه الماء إذا غاص، ويضربه الهواء إذا طفا، فإذا به يغوص ~~ويطفو، ولا شيء بين السماء والأرض يمسك به إلا هاتان العينان، أمسك بهما ويمسكان ~~بي، عينان بالذات لا أذكر شكلهما، ضيقتان أم واسعتان، لهما رموش أم ليس لهما رموش، ~~كل ما أذكره دائرتان من البياض الشديد داخلهما دائرتان من السواد الشديد، ما إن ~~أنظر فيهما حتى يصبح بياضهما أشد وسوادهما أشد، كأنما يملؤهما ضوء الشمس، ينفذ ~~إليهما من مكان سحري ليس على الأرض وليس في السماء؛ لأن الأرض مظلمة سوداء، والسماء ~~ليل ليس فيه شمس ولا قمر. # عرفت أنها أمي، كيف عرفت؟ لا أدري. وزحفت إليها لتدفئني في صدرها، كانت دارنا ~~باردة، وحصيرتي ووسادتي ينقلهما أبي في الشتاء إلى القاعة البحرية الباردة، ويأخذ ~~مكاني في قاعة الفرن، وفي الصيف أجد حصيرتي ووسادتي في قاعة الفرن، ولم تكن أمي في ~~الشتاء تدفئني، كانت تدفئ أبي، وفي الصيف أراها جالسة عند قدميه، وفي يدها كوز تغسل ~~ساقيه بالماء البارد. # بعد أن كبرت يدي قليلا، وضع أبي الكوز في يدي، وعلمني كيف أغسل ساقيه، وأصبحت ~~أقوم بدور أمي، أين ذهبت أمي؟ لم أعرف، ولكني رأيت امرأة أخرى، ضربتني على يدي ~~وأخذت مني الكوز، وقال لي أبي إنها أمي. كان شكلها وجلبابها ووجهها وحركاتها تماما ~~كأمي، وعرفت أنها أمي. حينما كنت أنظر في عينيها لم تكن هما العينان اللتان تمسكاني ~~قبل أن أقع، لم تكن هما الدائرتان؛ البياض الشديد داخلهما السواد الشديد، ما إن أنظر ~~فيهما حتى يصبح بياضهما أشد وسوادهما أشد، كأنما يملؤهما ضوء الشمس أو ~~القمر. # لم يكن الضوء يصل إلى عينيها أبدا، حتى في الأيام المشرقة، وفي عز سطوع الشمس، لم ~~يكن الضوء يصل إليهما. وأمسكت بيدي رأسها ذات ms13 نهار، وحركته ليصبح وجهها ناحية ~~الشمس، لكن عينيها بقيتا مطفأتين لا يصل إليهما الضوء. وبكيت وحدي في الليل، كنت ~~أبكي بصوت مكتوم حتى لا يسمعني إخوتي الصغار الراقدون إلى جواري، وكان لي - ككل ~~الناس - إخوة وأخوات، يتزايدون بسرعة في الربيع كالكتاكيت، وفي الشتاء يرتجفون ~~ويسقط عنهم ريشهم، وفي الصيف يسهلون وينحلون، ثم يموتون واحدا وراء ~~الآخر. # حين تموت البنت منهم، يأكل أبي عشاءه وتغسل أمي ساقيه وينام ككل ليلة. وحين يموت ~~الولد يضرب أبي أمي، ثم ينام بعد أن يتعشى، لم يكن أبي ينام بغير عشاء مهما حدث، ~~وأحيانا حين لا يكون بالدار طعام نبيت كلنا بغير عشاء إلا هو، كانت أمي تخفي طعامه ~~منا في فتحة داخل الفرن، ويجلس يأكل وحده ونحن ننظر إليه، وذات مرة مددت يدي داخل ~~صحنه فضربني على يدي. # من شدة الجوع لم أبك، جلست أمامه أراقبه وهو يأكل، عيناي تتبعان يده منذ أن تهبط ~~إلى الصحن حتى ترتفع وتدخل فمه، كان فمه كبيرا كفم الجمل وفكاه عريضين، يهبط ~~الفك الأعلى فوق الفك الأسفل بصوت عال مسموع، وأسنانه تمضغ الطعام حتى آخره، ثم ~~تصطك بعضها بالبعض، ولسانه يدور داخل فمه في حركة دائرية، كأنما لسانه يمضغ هو ~~الآخر، وقد يمتد خارج فمه ليلعق شيئا سقط على شفتيه أو ذقنه. # وتناوله أمي كوز الماء فيشرب ويتجشأ، ويطرد من فمه أو بطنه الهواء بصوت عال مسموع، ~~ثم يدخن الجوزة ويملأ الدنيا من حوله بدخان كثيف، ويسعل ويتمخط، ويشفط بأنفه وفمه، ~~ثم يترك الجوزة ويرقد، وما هي إلا لحظات حتى يرتفع شخيره في الدار كلها. # عرفت أنه ليس أبي، عرفت دون أن يقول لي أحد ودون أن أدري، ولم أهمس بهذا السر ~~لأحد، كنت أكتمه بيني وبين نفسي، وفي كل مرة يأتي إلينا عمي في الإجازة الصيفية، ~~أتشبث بجلبابه وأقول له: خذني معك، كان عمي أقرب إلي من أبي، فهو ليس كبيرا في ~~السن مثل أبي، وهو يجعلني أجلس إلى جواره، وأنظر في كتبه، وقد علمني الحروف ~~الأبجدية، ms14 وأرسلني بعد أن مات أبي إلى المدرسة الإلزامية، وبعد أن ماتت أمي أخذني ~~معه إلى مصر. # أيمكن أن يولد الإنسان مرتين! حين وضعت يدي على «الزر» وعم الحجرة نور الكهرباء، ~~أغمضت عيني من شدة الضوء وصرخت، ثم فتحت عيني وخيل إلي أنني أفتحهما لأول ~~مرة، أو أنني أولد للمرة الأولى، أو الثانية؛ فقد كنت أعرف أنني ولدت من قبل، ~~ولأول مرة أرى نفسي في مرآة، لم أعرف أول الأمر أنها مرآة، وفزعت حين رأيت أمامي ~~فتاة صغيرة ترتدي فستانا يصل إلى الركبتين فقط، وقدماها داخل حذاء، وتلفت في ~~الحجرة حولي، لم يكن بها أحد غيري، لم أدرك أول الأمر من أين جاءت هذه الفتاة، لم ~~أعرف أنها أنا؛ لأني كنت أرتدي جلبابا طويلا يلامس الأرض، وقدماي حافيتان بغير ~~حذاء، لكني تعرفت على الفور على وجهي، كيف عرفت أنه وجهي؟ فلم أكن رأيت نفسي في ~~مرآة من قبل، لكن الحجرة كانت خالية، ومرآة الدولاب أمامي، وهذه الفتاة الواقفة ~~أمامي هي أنا، وهذا الفستان القصير والحذاء اشتراهما لي عمي لأذهب بهما إلى ~~المدرسة. # ظللت واقفة أحملق في المرآة، أحملق في وجهي، من أنا؟ # فردوس كما ينادون اسمي، وهذا الأنف الكبير المكور يشبه أنف أبي، وهذا الفم الرفيع ~~يشبه فم أمي. # إحساس ثقيل زحف على جسدي وأنا واقفة، لم أكن أحب شكل هذا الأنف، ولا شكل هذا الفم، ~~وكنت أظن أن أبي مات، لكنه لا زال حيا بأنفه الكبير المكور، وأمي أيضا لا تزال ~~حية بشفتيها الرفيعتين، وأنا فردوس نفسها لم تتغير ولم تتبدل، وإن ارتدت حذاء وإن ~~ارتدت فستانا. # وكرهت المرآة، ولم أعد أنظر إليها، وإذا نظرت إليها فأنا لا أنظر إليها، وإنما ~~أمشط شعري أو أمسح وجهي أو أعدل ياقة فستاني، وأحمل حقيبة كتبي وأجري إلى المدرسة، ~~كنت أحب المدرسة؛ فهي مليئة بالأولاد والبنات، نلعب في الفناء ونجري ونلهث، ونقزقز ~~اللب، ونطرقع اللبان، ونشتري «العسلية» والخروب، ونشرب العرقسوس والتمر الهندي وعصير ~~القصب، وكل شيء كان له طعم لذيذ حاد. # وأعود إلى ms15 البيت لأكنسه وأمسحه، وأغسل ملابس عمي، وأرتب سريره وكتبه، واشترى لي ~~عمي مكواة حديدية ثقيلة، أسخنها على وابور الجاز وأكوي له قفطانه وعمامته، وقبل غروب ~~الشمس بقليل يعود عمي من الأزهر فأحضر له عشاءه، نأكل معا ثم أرقد على الكنبة ~~الصغيرة، ويجلس عمي في سريره يقرأ بصوت عال، وأقفز إلى جواره في السرير، وأمسك ~~أصابع يده الطويلة الكبيرة، وأنا أمسكها رعشة رهيبة تذكرني برعشة منذ الطفولة، كحلم ~~قديم لا أزال أذكره. # وفي ليالي الشتاء الباردة أتكور كالجنين في حضن عمي يدفئني وأدفئه، وأدفن وجهي في ~~صدره أريد أن أقول له: أحبك، لكني لا أقول، وأريد أن أبكي لكني لا أبكي، وأنام ~~نوما عميقا حتى الصباح. # ومرضت يوما بالحمى، فجلس عمي إلى جواري في السرير يمسك رأسي، ويربت بأصابعه ~~الطويلة الكبيرة على وجهي، ونمت طوال الليل وأنا أمسك يده في يدي. # واشترى لي عمي ساعة يد صغيرة حين حصلت على الشهادة الابتدائية، وأخذني تلك الليلة ~~إلى السينما، ولأول مرة أدخل السينما، ورأيت امرأة ترقص وفخذاها عاريتان، ورأيت ~~رجلا يعانق امرأة ويقبلها في شفتيها، وأخفيت وجهي بيدي، ولم أجرؤ على أن أنظر ~~ناحية عمي، وقال لي عمي: إن الرقص حرام، والتقبيل في الشفتين حرام. لكني لم أعد ~~قادرة على أن أنظر في عينيه، وحين عدت في تلك الليلة إلى البيت لم أجلس إلى جواره ~~في السرير كما كنت أفعل كثيرا، واختفيت تحت اللحاف فوق كنبتي الصغيرة. # كنت أرتجف، وأحس من حيث لا أدري أن أصابع عمي الطويلة الكبيرة ستقترب مني بعد قليل ~~وترفع اللحاف عني بحذر كبير، وأن شفتيه ستلامسان وجهي وشفتي، وأصابعه ستمشي فوق ~~فخذي بطيئة مرتعشة لتصعد إلى فوق. # شيء غريب لم أعرفه من قبل؛ لأنه لم يحدث أبدا، أو لأنه كان يحدث على الدوام، وفي ~~مكان ما في جسدي أشعر أن هناك لذة قديمة مفقودة، أو لذة جديدة لا أعرفها ولا أستطيع ~~أن أحددها، فكأنها في مكان ما خارج جسدي، أو جزء من كياني لم يعد جزءا مني. # وأصبح ms16 عمي يخرج كثيرا، أصحو في الصباح فإذا به خرج، وأنام في الليل قبل أن يعود، ~~وحين أناوله كوب ماء أو صحنا فيه طعام يأخذه دون أن ينظر إلي، وحين أخفي رأسي ~~تحت اللحاف لأنام، أرهف السمع لوقع قدميه، وأكتم أنفاسي وأتظاهر بالنوم، وأنتظر ~~أصابعه لتأتي، لكنها لا تأتي، وأسمع صرير سريره حين يرقد فوقه، وأعرف أنه نام حين ~~يصل إلى أذني صوت الشخير المنتظم. # وأصبح عمي رجلا آخر، ولم يعد يقرأ قبل أن ينام، ولم يعد يرتدي الجبة والقفطان، ~~واشترى بدلة و«كرافتة»، وعين موظفا في وزارة الأوقاف، وتزوج ابنة أستاذه في ~~الأزهر. # وأدخلني عمي المدرسة الثانوية، وأخذني معه إلى بيته الجديد لأعيش مع زوجته، كانت ~~زوجته امرأة قصيرة سمينة بيضاء البشرة، حين تمشي يتمايل جسدها البطيء الحركة من جنب ~~إلى جنب، فتكاد تشبه في مشيتها البطة «المزقمة»، وصوتها رقيق، ليس في رقته رقة، ~~وإنما قسوة وغلطة، وعيناها سوداوان واسعتان، في اتساعهما خمول ونعاس أكثر من النشاط ~~واليقظة. # لم تكن تغسل قدمي عمي، ولم يكن عمي يضربها أو يرفع صوته على صوتها، كان يعاملها ~~بأدب شديد، لكنه هذا النوع من الأدب الخالي من الاحترام الذي يعامل به الرجال ~~النساء، كنت أحس أنه يخشاها أكثر مما يحبها، وأنها من طبقة أعلى من طبقته. وحين ~~يزورنا أبوها أو أحد من أفراد أسرتها يشتري عمي اللحم أو الدجاج، وترن في البيت ~~ضحكاته، وحين تزورنا عمته بجلبابها الريفي الطويل ويديها المشققتين ينزوي في ركن ~~البيت لا يبتسم ولا يتكلم. # وتبكي عمته إلى جواري في السرير، وتتحسر على «الكردان» الذهبي الذي باعته ليتعلم ~~في الأزهر، وفي الصباح تفرغ «السبت» من الدجاج والبيض والفطير، وتحمله في ذراعيها ~~فارغا وتخرج، وأقول لها: ابقي معنا يوما آخر يا جدتي، لكن عمي لا يقول لها شيئا، ~~زوجته أيضا تظل صامتة. # كنت أذهب إلى المدرسة، وأعود لأكنس البيت وأمسحه وأغسل الصحون والملابس، زوجة عمي ~~كانت تطبخ فقط، وتترك لي الصواني والحلل لأدعكها وأغسلها، ثم أتى عمي بخادمة صغيرة ~~أصبحت تنام معي ms17 في حجرتي، أنا فوق السرير وهي على الأرض، وفي ليلة باردة قلت لها: ~~تعالي ونامي إلى جواري في السرير، وجاءت زوجة عمي ورأتها نائمة في سريري فضربتها ~~وضربتني. # وعدت من المدرسة في يوم فوجدت عمي غاضبا مني، وزوجته ظلت غاضبة حتى أخذني عمي ~~ومعي ملابسي وكتبي، وأصبحت أبيت في القسم الداخلي بالمدرسة، وفي نهاية كل أسبوع ~~يأتي إلى المدرسة الآباء والأمهات أو الأقارب يزورون بناتهن في الداخلية أو يأخذنهن ~~لقضاء الخميس والجمعة بالبيت، وأطل عليهم من فوق السور العالي، وأنظر إلى الشارع ~~والناس كما ينظر السجين إلى الحياة خارج السجن. # وأحببت المدرسة رغم كل شيء؛ كتب جديدة، وعلوم جديدة، وصديقات في مثل عمري، نذاكر ~~معا، ونحكي بعضنا للبعض حياتنا وأسرارنا وأعماقنا، لم ينغص علينا حياتنا إلا ضابطة ~~الداخلية، تمشي على أطراف أصابعها تتجسس علينا بالليل والنهار، تتسمع أحاديثنا، ~~وتفتش على نومنا وأحلامنا، فإذا ما تنهدت واحدة منا وهي نائمة أو صدر عنها - وهي ~~تحلم - صوت أو حركة؛ انقضت عليها الضابطة بغتة كما ينقض الموت. # وكانت لي صديقة اسمها «وفية» سريرها إلى جوار سريري، أقرب رأسي من رأسها بعد أن ~~يطفأ نور العنبر، ونظل نتحدث ونتحدث حتى منتصف الليل، تحكي عن ابن عم لها ~~تحبه ويحبها، وأحكي لها عن آمالي في المستقبل، لم يكن في طفولتي أو حياتي الماضية ~~ما أحكيه، ولم يكن في حاضري حب أو شيء من هذا القبيل، وأصبح المستقبل هو الشيء ~~الوحيد الذي أستطيع أن أحكي عنه، فالمستقبل لا زال ملكي أنا، أرسمه بخيالي كما ~~أريده، وأغير فيه بحريتي واختياري. # أحيانا أتخيل أنني سأكون في المستقبل طبيبة أو مهندسة أو محامية أو قاضية. وذات ~~يوم خرجت المدرسة في مظاهرة كبيرة ضد الحكومة، فإذا بي محمولة على أكتاف البنات ~~أهتف بسقوط الحكومة، وعدت إلى المدرسة مبحوحة الصوت، منكوشة الشعر، ممزقة الملابس، ~~لكني قضيت الليل وقد تخيلت نفسي زعيمة كبيرة أو رئيسة دولة. # كنت أعرف أن النساء لا يصبحن رؤساء للدول، لكني كنت أحس أنني لست كالنساء، ولست ~~كالبنات؛ ms18 فالبنات من حولي كلهن يتحدثن عن الحب، وأنا لا أتحدث عن الرجل، ما يشغل ~~البنات لم يكن يشغلني، وما يهم البنات لم يكن يهمني. # وسألتني وفية ذات ليلة: هل أحببت يا فردوس؟ وقلت لها: أبدا يا وفية، لم أحب ~~أبدا، ونظرت إلي بدهشة وقالت: غريبة! وقلت: لماذا غريبة؟ قالت: لأن شكلك يوحي ~~بأنك تحبين. قلت: وما هو الشكل الذي يوحي بالحب؟ قالت وهي تهز رأسها: لا أعرف، ولكني ~~أحس أنك أنت بالذات لا يمكن أن تعيشي بغير الحب. وقلت: ولكني أعيش بغير الحب، ~~وقالت وفية: إما أنك تكذبين أو أنك لا تعيشين. # نامت وفية وظللت مفتوحة العينين أحملق في الظلام، صور بعيدة غارقة في الظلمة تظهر ~~شيئا فشيئا، وأرى «محمدين» راقدا في «الخص» فوق القش، أستعيد رائحة القش في ~~أنفي، وأستعيد ملمس أصابعه فوق جسدي، وينتفض كياني بلذة قديمة لا أعرف مكانها ولا ~~أستطيع تحديدها، فكأنما تنبعث من شيء بعيد عني، خارج كياني، مع نهايتها شيء كاللذة، ~~شيء أحاول أن أمسك به، أن ألمسه لو للحظة، لكنه يفلت مني كالهواء أو كالسراب أو ~~كالحلم يتبدد ويضيع، وأبكي وأنا نائمة، كأنما ضاع الآن فقط، ولم يضع مني من ~~قبل. # الليل في المدرسة كان طويلا، والنهار كان أطول، أذاكر كل دروسي، وتبقى أمامي ~~الساعات الطويلة قبل أن يدق جرس النوم، واكتشفت مكتبة المدرسة: حجرة مهملة في ~~الفناء الخلفي، مقاعدها مكسورة، ورفوفها مخلوعة، فوقتها تراب كثيف يغطي الكتب، أمسح ~~الكتاب بفوطة صفراء، وأجلس على مقعد مكسور تحت لمبة ضعيفة أقرأ. # أحببت القراءة، وفي كل كتاب كنت أعرف أشياء جديدة: عرفت الفراعنة، وعرفت الفرس ~~والأتراك والعرب، قرأت عن جرائم الملوك والحكام، وعن الحروب وثورات الشعوب وحياة ~~الثوار، وقرأت روايات الحب وقصائد الغزل، لكني كنت أفضل أن أقرأ عن الحكام أكثر مما ~~أقرأ عن الحب، قرأت عن الحب، قرأت عن حاكم كان عدد جواريه من النساء والمومسات كعدد ~~جنود جيشه، وحاكم آخر لا يشغله في حياته إلا الخمر والنساء وجلد العبيد بالسياط، ~~وحاكم آخر لا ms19 يحب النساء، وإنما يستعذب الحرب والقتل وتعذيب الرجال، وحاكم مجنون ~~بنفسه وعظمته، لا يعترف في البلد برجل آخر غيره، وحاكم يهوى المؤامرات والمناورات، ~~ويكذب على الناس والتاريخ. # وأدركت أنهم كلهم رجال، ونفوسهم شرهة مشوهة، وشهواتهم للمال والجنس والسلطة لا ~~حدود لها ولا رقابة عليها، وأنهم يفسدون وينهبون الناس، ولهم حناجر قوية، صوتهم ~~مقنع، وكلامهم معسول، وسهامهم مسمومة، ولا يكتشف التاريخ حقيقتهم إلا بعد أن يموتوا، ~~ويكرر التاريخ نفسه بغباء وإصرار شديد. # وكانت الصحف والمجلات تأتي إلى المكتبة فأقرؤها وأرى صورها، وأشهد الحاكم منهم وهو ~~جالس في صلاة الجمعة يبربش بعينيه في نظرة منكسرة ذليلة، هل يخدع الله كما يخدع ~~الناس! ومن حوله رجال حاشيته يهزون رءوسهم على كل ما يقال بالإعجاب والإيجاب، ~~يبسملون ويحوقلون ويفركون أيديهم، وينظرون فيما حولهم بعيون حذرة متلصصة متشككة ~~متربصة عدوانية في شبه ذلة. # وأراهم يصلون على أرواح شهداء الوطن، الذين ماتوا في حرب أو مجاعة أو وباء، وأرى ~~رءوسهم تهبط إلى الأرض ومؤخراتهم ترتفع في الهواء، مؤخرات سمينة مكتنزة باللحم ~~والخوف معا، وحين تخرج كلمة «الوطنية» من بين شفاهم المكتنزة أدرك على الفور أنهم ~~لا يخافون الله، أما الوطنية فهي أن يموت أبناء الفقراء من أجل أرضهم. # وحينما أمل القراءة وأمل التاريخ المعاد والصور والقصص المتكررة، أجلس في فناء ~~المدرسة وحدي، قد يكون الليل مظلما بغير قمر، وجرس النوم دق، وكل النوافذ قد ~~أغلقت وأظلمت، لكني أجلس في الظلمة وحدي أفكر، ترى ماذا أكون في المستقبل؟ وهل ~~سأدخل الجامعة؟ هل سيدخلني عمي الجامعة؟ # رأتني مرة إحدى المدرسات وأنا جالسة، فزعت أول الأمر حين رأت في الظلمة كتلة بحجم ~~الجسم ثابتة. قالت من بعيد وقبل أن تقترب مني: من الذي جالس هناك؟ وقلت بصوت ضعيف ~~خائف: أنا، أنا فردوس، واقتربت مني وعرفتني ودهشت؛ فأنا من أحسن بنات فصلها، وأحسن ~~بنات فصلها ينمن بمجرد أن يدق جرس النوم. # قلت لها: إنني مؤرقة ومتعبة. فجلست معي، كان اسمها «إقبال»، ممتلئة الجسم ~~وقصيرة، شعرها أسود طويل، وعيناها سوداوان، رأيتهما ms20 أمامي في الظلمة، تنظران إلي، ~~ترياني رغم الظلمة، وكلما أبعدت رأسي تتبعاني، تمسكان بي ولا تتركاني، ومهما أخفيت ~~عيني بيدي ترياني، وأجهشت بالبكاء ويداي فوق عيني، فأمسكت يدي ورفعتهما عن وجهي، ~~وقالت: فردوس، فردوس، أرجوك لا تبكي. قلت لها: دعيني أبكي. وقالت: لم أرك أبدا ~~تبكين، فما الذي حدث؟ قلت: لا شيء، لا شيء. قالت: لا يمكن، لا بد أن شيئا حدث! قلت ~~لها: لم يحدث أي شيء يا أبلة إقبال. قالت بدهشة: أتبكين بغير سبب؟! قلت لها: لا أعرف ~~السبب، ولم يحدث في حياتي شيء جديد. # ظلت جالسة إلى جواري صامتة، عيناها السوداوان شاردتان في الظلمة، تغرورقان بالدموع ~~فتلمعان لحظة، وتزم شفتيها وتبتلع الدموع، فتجف عيناها وتضيع اللمعة، ثم لا تلبث ~~عيناها أن تغرورقا بالدموع وتلمعا، وتزم شفتيها فتختفي الدموع، لكن دمعة ظلت باقية ~~في عينيها، ثم سقطت على أنفها، فأخفت وجهها بيد وأخرجت منديلها باليد الأخرى ومسحت ~~أنفها. قلت لها: أتبكين يا أبلة إقبال. قالت: لا يا فردوس. وأخفت منديلها، وابتلعت ~~ريقها، وابتسمت. # كان الليل صامتا ساكنا، لا صوت ولا حركة، والدنيا ظلاما، لا شمس ولا قمر، ووجهي ~~ناحية وجهها، وعيناي في عينيها، ورأيت أمامي دائرتين من البياض الشديد، داخلهما ~~دائرتان من السواد الشديد تنظران إلي، وكلما كنت أنظر فيهما يشتد بياضهما ويشتد ~~سوادهما، فكأنما ضوء ينفذ إليهما من مكان مجهول سحري، ليس فوق الأرض وليس في ~~السماء؛ لأن الأرض مظلمة بالليل والسماء سوداء بغير شمس ولا قمر. # أمسكت عينيها بعيني، ومددت يدي فأمسكت بيدها، وفي التلامس المفاجئ الغريب انتفض ~~جسدي بلذة عميقة قديمة، أقدم من عمري الذي أعيه، وأعمق من وعيي الذي عاش معي، أحسها ~~في مكان ما في كياني، فكأنما ولدت معي، وكبرت أنا وحدي وهي لم تكبر، أو أنني ~~عرفتها قبل أن أولد، أو ولدت أنا وبقيت هي دون أن تولد. # تذكرت شيئا وانفرجت شفتاي لأقوله، لكن صوتي اختنق كأنما نسيت الشيء لحظة تذكره، ~~وقلبي اختنق بضربات قوية تشبه الخوف على شيء ضاع أو سيضيع، ms21 ويدي أمسكت يدها في قبضة ~~قوية، ولا يمكن لأي قوة أخرى أن تنزع يدها من يدي. # أصبحت في كل مرة ألقاها تنفرج شفتاي بشيء أذكره وأنساه، ويدق قلبي بضربات خوف أو ~~ما يشبه الخوف، وأود أن أمد يدي وأمسك يدها، لكنها كانت تدخل إلى الفصل ثم تخرج دون ~~أن تراني، وإذا نظرت إلي فهي تنظر إلى أي تلميذة أخرى. # وفي سريري قبل أن أنام أفكر: هل نسيت أبلة إقبال؟ وتقرب «وفية» سريرها من سريري ~~وتسألني: نسيت ماذا؟ وأقول لها: لا أعرف يا وفية، وتقول وفية: أنت تعيشين في ~~الخيال يا فردوس، وأقول لها: أبدا يا وفية، أبدا، لقد حدث. وتسألني وفية: ما الذي ~~حدث؟ أحاول أن أقول لها ما حدث، لكني لا أعرف كيف أقوله أو لا أجد ما أقوله، شيء ~~ونسيته، أو كأنما لم يحدث شيء على الإطلاق. # وأغمض عيني أحاول أن أسترجع الصورة، وتتراءى لي الدائرتان الشديدتا السواد ومن ~~حولهما البياض الشديد أحملق فيهما، وكلما حملقت فيهما اتسع السواد واتسع البياض ~~واتسعت الدائرتان، ويصبح السواد كبيرا بحجم الأرض، والبياض أبيض ساطعا بحجم قرص ~~الشمس، وعيناي تغرقان في البياض وفي السواد معا، تعميان عن البياض وعن السواد، ~~وتختلط أمامهما الصور، فلا أعرف وجه أمي من أبي من عمي من محمدين من إقبال من وفية، ~~وأفتح عيني في ذعر كمن أوشك أن يفقد البصر، وأرى حدود وجه وفية أمامي في الظلمة، لم ~~تنم بعد، وتقول لي: أتحبين أبلة إقبال يا فردوس؟ وأرد بدهشة: أنا؟ وتقول: نعم، ~~أنت ومن غيرك؟! وأقول لها: نعم، ولكنها امرأة، وهل يمكن أن أحب امرأة؟ # لم يكن قد بقي على الامتحان النهائي إلا بضعة أيام، ووفية لم تعد تحدثني عن ~~حبيبها، وجرس النوم لم يعد يدق مبكرا، وفي كل ليلة أجلس مع وفية والبنات في حجرة ~~المذاكرة، وضابطة الداخلية تمر علينا من حين إلى حين، تفتش على مذاكراتنا كما كانت ~~تفتش على نومنا، فإذا ما رفعت واحدة منا رأسها من فوق الكتاب لتتنفس أو لتحرك عنقها ms22 ~~أو تفرد ظهرها؛ ظهرت الضابطة فجأة من حيث لا تدري، فتضع رأسها في الكتاب على ~~الفور. # كنت أحب الدروس والمذاكرة رغم الضابطة ورغم كل شيء، وظهرت نتيجة الامتحان النهائي، ~~وكان ترتيبي الثانية على مدرستي والسابعة على جميع مدارس القطر، وفي ليلة حفل توزيع ~~الشهادات نادت الناظرة على اسمي في القاعة المليئة بمئات الآباء والأمهات والأقارب، ~~ولم يتقدم إليها أحد، ودب الصمت في القاعة، ونادت الناظرة على اسمي مرة ثانية، ~~حاولت أن أقف، لكني لم أقف، وقلت وأنا جالسة: نعم، ورأيت الرءوس تستدير، والعيون ~~كلها تتجه نحوي، عيون كثيرة تحولت أمام عيني إلى دوائر كثيرة من البياض داخلها ~~دوائر كثيرة من السواد، كلها تتحرك في حركة دائرية واحدة، تستقر في النهاية في عيني ~~أنا وحدي. # وجاءني صوت الناظرة يقول بلهجة آمرة: لا تردي وأنت جالسة، قفي. وعرفت أنني وقفت؛ ~~لأنني رأيت الدوائر البيضاء ومن داخلها الدوائر السوداء تتحرك إلى أعلى، وتصل مرة ~~أخرى إلى عيني لتستقر عليهما. # وقالت الناظرة بصوت عال رن في أذني عاليا، أعلى من أي صوت سمعته في حياتي: أين ~~ولي أمرك؟ ودب الصمت في القاعة ثقيلا، كأنما أصبح له صوت، وهواء القاعة أيضا أصبح ~~له صوت وأنفاس الجالسين أصبح لها صوت، وصل إلى أذني وأنا أقف وراءهم، وكانت الرءوس ~~قد عادت إلى موضعها، ولم أر إلا الظهور من الخلف. # عينان فقط ظلتا في عيني، عينان فقط رأيتهما أمامي تمسكان بعيني، ومهما أبعدت عيني ~~أو حركت رأسي تتبعاني وتمسكان بي، وأظلمت القاعة في عيني، وغاب عنها الضوء ~~تماما، إلا من هاتين العينين السوداوين الشديدي السواد ومن حولهما دائرتا البياض ~~الشديد، وكلما نظرت فيهما يشتد السواد ويشتد البياض كأنما ينفذ إليهما الضوء من ~~مكان مجهول لا أعرفه؛ لأن القاعة مظلمة والليل خارج القاعة مظلم. # خيل إلي في الظلمة أنني مددت يدي وأمسكت بها، أو أنها هي التي مدت يدها ~~وأمسكت بي، وأحسست التلامس المفاجئ، فانتفض جسدي بألم دفين يشبه اللذة، أو هي في ~~الحقيقة لذة تشبه الألم، لكنها لذة ms23 بعيدة في القاع البعيد ، قديم! أقدم من ذاكرتي، ~~وأقدم من عمري الذي أذكره، فإذا بي أنساها بمجرد أن أذكرها، فكأنها حدثت لي يوما ~~ثم ضاعت في الزمن، أو أنها لم تحدث على الإطلاق. # وانفرجت شفتاي لأقول لها، لكنها قالت لي: لا تقولي شيئا يا فردوس، وقادتني من يدي ~~بين صفوف الجالسين حتى وصلنا إلى المنصة حيث وقفت الناظرة وتسلمت أبلة إقبال ~~شهادتي، ووقعت بأنها استلمت شهادة تفوقي، وقرأت الناظرة مجموع درجاتي في العلوم، ~~وسمعت ضجة في القاعة تشبه التصفيق، ومدت الناظرة يدها بعلبة ملفوفة في ورق ملون، ~~ومن حولها شريط أخضر رفيع، ومددت يدي لكن يدي لم تمتد، ورأيت أبلة إقبال تقترب مرة ~~أخرى من الناظرة، وتأخذ العلبة الملفوفة، ثم عادت بي بين صفوف الجالسين إلى حيث كنت ~~أجلس، وجلست، فوضعت الشهادة ومن فوقها العلبة على ركبتي. # وانتهى العام الدراسي، وجاء الآباء وأولياء الأمور واستلموا بناتهم، وأرسلت ~~الناظرة برقية إلى عمي، فجاء هو الآخر واستلمني، لم أكن رأيت أبلة إقبال بعد الحفل، ~~وحين دق جرس النوم في تلك الليلة لم أنم، سرت إلى الفناء، وجلست في الظلمة ~~وحدي. # وكلما سمعت صوتا من بعيد أو أحسست حركة ما تلفت حولي، ورأيت كتلة بحجم الجسم ~~تتحرك قرب مدخل الفناء، فانتفضت واقفة، قلبي يدق ورأسي يدق وصدري يدق، وخيل ~~إلي أن الجسم الذي رأيته يقترب مني، فسرت نحوه في الظلام ببطء، وفي حركة السير ~~أدركت أن العرق الغزير قد بلل كل جسدي بما في ذلك شعر رأسي وبطن يدي، وشعرت بشيء ~~من الخوف وأنا أسير في الظلام وحدي، فناديت بصوت خافت لم يصل إلى أذني: أبلة إقبال، ~~ولم أسمع صوتا، واشتد خوفي، لكني كنت لا أزال أرى في الظلمة كتلة بحجم الجسم، وقلت ~~بصوت عال سمعته بأذني هذه المرة: من هناك؟ وكأنما بدد الصوت العالي الحلم كمن ~~يتكلم وهو نائم فيصحو على الصوت. وانقشعت الظلمة عن جدار قصير بني أمام مدخل ~~الفناء، جدار قصير بطول الإنسان وبغير طلاء، خيل إلي أنه بني هذه ms24 اللحظة ~~فقط، وإن كنت رأيته من قبل. # وقبل أن أترك المدرسة لآخر مرة، ظللت أتلفت حولي، عيناي تمسحان النوافذ والجدران ~~والأبواب، تترقبان شيئا يفتح فجأة وتطل منه عيناها لحظة قبل أن أمشي، أو تلوح لي ~~يدها بحركة الوداع العادية، ولكن عيناي تكفان عن الحركة، وفي كل لحظة أفقد الأمل، ~~لكن الأمل سرعان ما يعاودني، وعيناي تروحان وتجيئان بسرعة، وصدري يعلو ويهبط بسرعة ~~أشد، وقبل أن يخرج عمي إلى الشارع وأنا معه، قلت له وأنا ألهث: أرجوك، انتظرني لحظة ~~أخرى، وحين أصبح عمي في الشارع وأنا من خلفه، ومن خلفي باب المدرسة الذي أغلق ~~خلفنا، ظللت أنظر إلى الباب، ظللت أنظر إلى الباب المغلق كأنما سيفتح، كأنما ~~الباب فعلا سيفتح. # وسرت خلف عمي بخطوات ثقيلة والباب المغلق لا زال في عيني، حين أشرب أو آكل أو أنام ~~يظل الباب المغلق أمام عيني، كنت أعرف أنني أصبحت في بيت عمي، وأن امرأة تعيش معه ~~هي زوجته، وأن أطفالا يجرون في البيت هم أولادهما، وأن البيت ليس فيه مكان لي إلا ~~الكنبة: كنبة خشبية صغيرة في حجرة الطعام، لا يفصلها عن حجرة النوم إلا جدار رفيع، ~~يصلني من خلاله كل ليلة أصوات خافتة: ~~- ليس من السهل هذه الأيام الحصول على عمل بالثانوية، وهي لا تعرف أن تكتب على ~~الآلة الكاتبة، لا تعرف أعمال السكرتارية أو الاختزال أو مسك الدفاتر أو أي شيء من ~~هذا القبيل. ~~- وماذا تعرف إذن؟ ~~- لا شيء، هذه المدارس الثانوية العامة لا تعلمهم شيئا، كان من الأفضل أن أدخلها ~~مدرسة التجارة المتوسطة. ~~- كان فعل ماضي، ولكن الآن ماذا ستفعل بها؟ ~~- يمكنها أن تبقى معنا حتى أجد لها عملا. ~~- قد يبقى هذا الحال من عام إلى عشرة، والبيت ضيق والدنيا غلاء، وهي تأكل ضعف ما ~~يأكله كل عيالنا. ~~- إنها تساعدك في أعمال البيت والأولاد. ~~- عندنا الخادمة، وأنا أطبخ، ولسنا في حاجة إليها. ~~- قد تخفف عنك الطبخ، وتتفرغين أنت لرعاية الأولاد. ~~- طبخها لا يعجبني ولا يعجبك أيضا، ألا تذكر «البامية» التي طبختها ms25 لنا وقلت لي: ~~إنها ليست البامية التي تعودت أن تأكلها من بين يدي؟ ~~- يمكنك أن تبقيها بدل سعدية، ونوفر أجر الخادمة. ~~- لا يمكن لها أن تسد بدل سعدية، سعدية خفيفة سريعة، قلبها حام، وأكلها قليل، ~~ونومها خفيف، أما هي فثقيلة الحركة باردة القلب. ~~- وما العمل؟ ~~- يمكننا التخلص منها بإرسالها إلى الجامعة، وتعيش في بيت الطالبات. ~~- الجامعة؟ لتجلس بجوار الرجال؟ شيخ محترم ورجل دين مصل يرسل ابنة أخيه لتخالط ~~الرجال؟! ثم من أين آتي بمصاريفها في بيت الطالبات، وثمن الكتب واللبس، والدنيا غلاء ~~كما تعرفين، والأسعار تزيد بسرعة مجنونة، وراتب الحكومة لا يزيد كل عام إلا بضعة ~~ملاليم؟! ~~- عندي فكرة هائلة يا سيدنا الشيخ. ~~- ما هي؟ ~~- خالي الشيخ محمود رجل صالح، ومعاشه كبير، وليس له أولاد، وهو وحيد منذ ماتت زوجته ~~العام الماضي، ولو تزوج الشيخ محمود فردوس، لعاشت معه حياة طيبة ووجد فيها الزوجة ~~المطيعة التي تخدمه وتؤنس وحدته، فردوس كبرت يا سيدنا الشيخ ولا بد أن تتزوج؛ إن ~~بقاءها حتى الآن بغير زواج شيء خطر، فردوس بنت طيبة، ولكن أولاد الحرام ~~كثيرون. ~~- أنا معك، ولكن الشيخ محمود كبير في السن عليها. ~~- من قال إنه كبير؟! إنه لم يحل إلى المعاش إلا هذه السنة، وفردوس ليست ~~صغيرة؛ مثيلاتها من البنات تزوجن من سنين وأنجبن، والرجل الكبير المضمون الذي ~~يعاملها معاملة طيبة أفضل من الشاب الذي يهينها ويضربها؛ أنت تعرف أخلاق الشباب هذه ~~الأيام. ~~- أنا معك، ولكن لا تنسي هذه العاهة الواضحة في وجهه. ~~- عاهة! من قال إنها عاهة؟! ثم إن الرجل لا يعيبه إلا جيبه يا سيدنا ~~الشيخ. ~~- وإذا لم ترض فردوس به؟ ~~- ولماذا لا ترضى به؟! ليس أمامها فرصة أحسن منه، لا تنس أن لها أنفا مكورا ~~كبيرا كالكوز، ليس عندها ورث ولا إيراد ولا معاش، ولا يمكن أن نجد لها زوجا أفضل ~~من الشيخ محمود. ~~- وهل يوافق الشيخ محمود؟ ~~- لو أنا كلمته في الموضوع سيوافق، ويمكنني أيضا أن أطلب مهرا كبيرا. ~~- كم؟ ~~- مائة جنيه أو حتى مائتين إذا ms26 كان معه. ~~- إذا دفع مائة فهذا فضل من عند ربنا، وأنا لا أطمع في أكثر من هذا. ~~- سأبدأ معه بمئتين، أنت تعرف أنه رجل يموت على القرش، ويجادل بالساعات من أجل ~~تعريفة. ~~- إذا وافق على مائة فهذا فضل من عند الله، ويمكنني أن أسدد الدين الذي علينا، ~~ويتبقى شيء نشتري به لفردوس بعض الملابس الداخلية وفستانا أو اثنين، لا يمكن أن ~~نزوجها بملابسها التي عليها. ~~- ولا تحمل هم جهاز أو عفش، بيت الشيخ محمود كامل من كل شيء وأثاث المرحومة زوجته ~~شغل متين وأصيل، أفضل بكثير من شغل هذه الأيام الفالصو. ~~- معك حق. ~~- والله يا سيدنا الشيخ ابنة أخيك فردوس هذه ربنا يحبها، وسيكون لها حظ لو أن ~~الشيخ محمود رضي بها. ~~- أتظنين أنه سيرضى؟ ~~- طبعا يرضى، ولماذا لا يرضى؟! يكفيه أنه سيناسب شيخا محترما ورجل دين ~~مثلك. ~~- ربما يفكر في امرأة من أسرة غنية، أنت تعرفين أنه يعبد القرش. ~~- وهل أنت فقير يا سيدنا الشيخ؟! حالنا أحسن من حال الكثير، نحمد الله على كل ~~شيء. ~~- أي نعم، نحمده ونشكره سبحانه وتعالى على كل شيء، أي نعم نحمده ونشكره. # أسمعه وأنا راقدة يقبل يده مرتين وهو يردد: نحمده ونشكره، القبلة الأولى يطبعها ~~على بطن يده، ويقلب يده ثم يطبع القبلة الثانية على ظهرها. ومن خلال الجدار الرفيع ~~يصل إلي صوت القبلتين واحدة وراء الأخرى، وما هي إلا لحظات حتى ينتقل صوت القبلات ~~من يده إلى يد زوجته أو ذراعها أو ساقها؛ لأنني أبدأ في سماع صوتها وهي تشد منه ~~ذراعها أو ساقها وتقول له: لا يا سيدنا الشيخ، لا، ويرد عليها بصوت خافت كالفحيح: ~~لا إيه يا مرة! ويطقطق السرير تحتها، وأعود أسمع أنفاسها المتقطعة تلهث، وتعترض مرة ~~أخرى: لا يا سيدنا الشيخ، حرام عليك والنبي، ويعود فحيحه اللاهث يقول مرة أخرى: ~~حرام إيه ونبي إيه يا مرة؟ أنا زوجك وأنت مراتي، وتشتد طقطقة السرير، يتلاحم فوقه ~~جسدان ثقيلان يتصارعان، يلتصقان ثم يبتعدان، ويلتصقان ويبتعدان في حركة مستمرة تبدأ ~~أول ms27 الأمر ثقيلة بطيئة، ثم لا تلبث أن تنتابها سرعة غريبة مجنونة، تهز السرير وتهز ~~الأرض، وتهز الجدار بيني وبينها، وتهز الكنبة الخشبية التي أرقد عليها، ويهتز جسدي ~~هو الآخر من فوق الكنبة، وأجدني ألهث معهما وبالسرعة الرهيبة نفسها، وحينما يهبطان ~~وتهدأ أنفاسهما أهدأ أنا الأخرى، وتعود أنفاسي إلى سرعتها البطيئة المنتظمة، وأرغب ~~في النوم وأنا غارقة في بحر من العرق. # في الصباح أعددت الفطور لعمي، وكلما رفع إلي عينيه حين أناوله كوبا أو فنجانا ~~حركت عيني إلى الناحية الأخرى. وانتظرت حتى خرج، فدخلت إلى كنبتي الخشبية، وأخرجت ~~من تحتها حذائي فلبسته، وارتديت فستاني ووضعت قميص نومي وشهادتي الثانوية وشهادة ~~تفوقي في حقيبتي الصغيرة. كانت زوجة عمي في المطبخ تطبخ، وسعدية الخادمة في حجرة ~~الأولاد تطعمهم، وجاءت ابنة عمي الصغيرة «هالة»، واتسعت عيناها السوداوان وهي تنظر ~~إلى حذائي وفستاني والحقيبة الصغيرة، لم تكن تعلمت الكلام بعد، ولا يمكن لها أن ~~تنطق اسمي كاملا فردوس، ولكنها تناديني باسم «دوس» وهي الوحيدة بين أخواتها التي ~~تبتسم حين تراني، أو تناديني وأنا أجلس وحدي في الحجرة، وتأتي إلي وتقفز على ~~الكنبة وتقول: «دوس، دوس»، وأربت على رأسها وشعرها وأقول: نعم يا هالة، وتقول: دوس، ~~دوس، وتضحك وتحاول أن تلعب معي، لكن صوت أمها من الحارة يناديها، فتقفز من فوق ~~الكنبة وتجري إليها وهي تتأرجح على ساقين صغيرتين. # وظلت هالة تنقل عينيها من حذائي إلى فستاني إلى الحقيبة، وقالت وهي تمسك بذيل ~~فستاني: دوس، دوس، وأعطيتها صورة من صوري لأشغلها، وفتحت باب الشقة ثم أغلقته خلفي ~~بهدوء شديد، وسمعت صوتها من وراء الباب يناديني: دوس، دوس، فأسرعت قدماي تهبطان ~~السلم، وظل صوتها في أذني حتى وصلت نهاية السلم، وخرجت إلى الشارع، وحين سرت في ~~الشارع ظللت أسمعه من خلفي، فاستدرت ونظرت، ولكني لم أجد أحدا. # وسرت في الشارع كما كنت أسير كل مرة، سوى أنني هذه المرة لم أكن ذاهبة إلى مكان ~~محدد، فلم أكن أعرف بعد إلى أين أذهب، ورفعت عيني إلى الشارع، وكأنما ms28 أرى الشارع ~~لأول مرة في حياتي، كأنما عالم آخر يفتح أمامي لم يكن موجودا من قبل، أو أنه ~~كان موجودا ولم أكن أراه، كيف لم أره من قبل؟ ولكني أصبحت كأنما عين جديدة فتحت ~~في رأسي، ورأيت الناس السائرين على أقدامهم أو الراكبين في الأوتوبيسات والسيارات ~~كلهم مسرعون، كلهم يهرولون دون أن يروا الشارع ودون أن يروني، ولأنهم لا يرونني فقد ~~استطعت أن أراهم، السائرون على الأقدام ملابسهم رثة، أحذيتهم كعوبها متآكلة، ~~ووجوههم شاحبة وعيونهم ذابلة مثقلة بهموم، مستسلمة لشيء أشبه بالحزن، والراكبون في ~~السيارات أكتافهم عريضة مكتنزة باللحم، ووجوههم مستديرة، وعيونهم من وراء زجاج نوافذ ~~السيارات حذرة متلصصة متشككة متربصة عدوانية في شبه ذلة، والراكبون في الأتوبيسات ~~لا أرى وجوههم أو عيونهم، وإنما هي رءوس متلاصقة مكدسة، وظهور متزاحمة مكدسة بعضها ~~فوق البعض، فوق سلم الأتوبيس وفوق سطحه، فإذا ما توقف الأتوبيس لحظة في محطة أو ما ~~شابه المحطة، استطعت أن ألمح وجوها صفراء تلمع بالعرق وعيونا جاحظة مليئة ~~بالذعر. # دهشت لهذا الكم الهائل من الناس الذين في الشارع، ودهشت أكثر لأنهم يسيرون ~~كالعميان لا يرون أحدا ولا يرون أنفسهم، ودهشت أكثر فأكثر لأنني كنت واحدة منهم، ~~وملأتني الدهشة بإحساس له لذة، كطفل يفتح عينيه لأول مرة ويكتشف العالم، لكن ما هي ~~إلا لحظة وسرعان ما ينطلق صراخ المولود حين يقذف إلى الخارج في عالم آخر لم يكن ~~فيه من قبل. # حين أقبل الليل ولم أعرف مكانا معينا أبيت فيه، أحسست بشيء داخلي يصرخ من الفزع، ~~وكنت قد أرهقت وقرضني الجوع فأسندت ظهري إلى جدار بيت ووقفت أنظر حولي، ورأيت ~~الشارع واسعا ممتدا أمام بصري كالبحر، وأنا قطعة حجر قذفت فيه، قطعة حجر ~~تتدحرج، والناس السائرون والراكبون هم الناس الراكبون أو السائرون كالعميان لا يرون ~~أحدا، آلاف العيون، آلاف العيون تمر أمامي في كل لحظة، تمر دون أن تراني. # عينان فقط رأيتهما تتحركان نحوي ببطء رأيتهما تسقطان فوق حذائي، وترتفعان ببطء ~~شديد فوق ساقي، فوق فخذي، فوق بطني، فوق ms29 صدري، فوق عنقي، فوق شفتي، ثم تستقران في ~~النهاية في عيني. # سرت فوق جسدي رجفة باردة كرجفة الموت، أو كرجفة الفزع حتى الموت، سددت عضلات ~~ظهري ووجهي؛ لأذر الرجفة وأطرد الفزع؛ فهما عينان، عينان فقط، وليستا سكينا أو ~~مطواة. وابتلعت ريقي، وحركت قدمي لأسير، واستطعت أن أحرك جسدي وأبتعد عن العينين، ~~لكني أحسست بهما فوق ظهري، اقتربت من محل فيه نور ساطع، دخلت المحل وأخفيت نفسي بين ~~الناس المتزاحمين، خرجت من المحل بعد قليل أنظر إلى الشارع في حذر، وحينما لم أجد ~~العينين جريت بسرعة، كان عندي هدف واحد محدد، هو أن أصل بيت عمي بأسرع ما ~~يمكن. # لا أدري كيف تحملت الحياة في بيت عمي وزوجته، ولا أدري كيف تزوجت الشيخ محمود، لكن ~~أي شيء كان قد أصبح أقل فزعا من تلكما العينين اللتين كلما كنت أتذكرهما حتى تسري ~~فوق جسدي رجفة باردة. لم أكن أعرف لونهما: سوداوان هما أم خضراوان، ولم أعرف شكلهما: ~~ضيقتان أم واسعتان، وما كان يمكن لي أن أعرفها من بين عيون الناس، لكني ما كنت أسير ~~في الشارع بالليل أو النهار إلا وأتلفت حولي، فكأنما ستنشق الأرض فجأة وتصبح ~~هاتان العينان أمامي. # وانتقلت من بيت عمي إلى بيت الشيخ محمود، وأصبح لي سرير مريح بدلا من الكنبة ~~الخشبية، سرير ما كنت أتمدد فوقه لأستريح من عناء المطبخ والغسل وتنظيف البيت ~~الكبير والأثاث المثير، حتى يأتي الشيخ محمود، كان قد تجاوز الستين من عمره، ولم أكن ~~أتممت التاسعة عشرة، وتحت شفته السفلى ورم كبير يتوسطه ثقب يجف في أيام، وفي أيام ~~أخرى تتساقط منه كالصنبور البالي قطرات حمراء كالدم أو صفراء أو بيضاء ~~كالصيد. # حينما يجف الثقب أتركه يقبلني، وأحس الورم الكبير فوق شفتي ووجهي مثل الكيس أو ~~القربة المليئة بالماء الراكد أو الدهن، وفي غير أيام الجفاف أبعد عنه شفتي وأبعد ~~أنفي؛ فهي رائحة تشبه رائحة الكلب الميت تخرج من الثقب. # وفي الليل يلف ذراعيه وساقيه حولي، وأترك يده المعروقة تعبث بجسدي كله لا ms30 تترك ~~شيئا، كيد جائع لم ير الطعام من سنين، فإذا به يمسح الصحن ويلعقه لا يترك فيه ~~شيئا. # ولم تكن قدرته على الأكل كبيرة، كان الورم في وجهه يعرقل حركة فكيه حين يمضغ، ~~ومعدته العجوز ضعيفة يربكها الأكل الكثير، لم يكن يأكل إلا قدرا قليلا من الطعام، ~~لكنه في كل مرة لا بد أن يمسح الصحن، يمسحه ويدور حوله لا يترك فيه شيئا، وينظر ~~دائما في صحني وأنا آكل، وإذا ما انتهيت وبقي في الصحن شيء يأخذه ويأكله، وهو ~~يؤنبني على إسرافي، لم أكن مسرفة، ولم أكن أترك في الصحن طعاما، وإنما هي تلك ~~البقايا الضئيلة العالقة بقاع الصحن والتي لا يمكن أن تزول إلا بالماء ~~والصابون. # وحين ترتخي ذراعاه وساقاه من حولي أسحب جسدي بهدوء من تحت جسده، وأسير على أطراف ~~أصابعي إلى الحمام، أغسل وجهي وأغسل فمي، وأغسل ذراعي وفخذي، أغسل كل جسدي لا أترك ~~شيئا، أغسله بالماء والصابون عدة مرات. # كان على المعاش وبغير عمل وبغير أصدقاء، لا يخرج من البيت، ولا يجلس على مقهى خشية ~~أن يدفع ثمن فنجان القهوة، وطوال النهار يلازمني في البيت أو في المطبخ، يراقبني ~~وأنا أطبخ أو أغسل، فإذا ما أفلتت من يدي علبة مسحوق الصابون وسقط منها شيء على ~~الأرض؛ انتفض وهو جالس وأنبني على إهمالي، وإذا ما ضغطت بيدي قليلا على الملعقة ~~وأنا آخذ قطعة سمن للطبخ؛ صاح ونبهني إلى أن علبة السمن تتناقص بسرعة أكثر من ~~اللازم، وإذا ما جاء الزبال؛ فتش صحيفة القمامة قبل أن يخرجها له، وفي مرة وجد في ~~صفيحة القمامة بقايا طعام، فأخذ يصيح بصوت عال سمعه الجيران، ثم بدأ يضربني بسبب ~~وبغير سبب. # ضربني مرة بكعب الحذاء حتى تورم وجهي وجسدي، فتركت بيته وذهبت إلى عمي، لكن قال ~~لي: إن كل الأزواج يضربون زوجاتهم، وزوجة عمي قالت لي: إن عمي يضربها. وقلت لها: إن ~~عمي شيخ محترم ورجل يعرف الدين معرفة كاملة، ولا يمكن أن يضرب زوجته. وقالت زوجة ~~عمي: لأنه يعرف أن ms31 الدين يبيح ضرب الزوجة ، وليس للزوجة الفاضلة أن تشكو زوجها، ~~وواجبها الطاعة الكاملة، ولم أعرف ماذا أقول لزوجة عمي، وقبل أن تضع الخادمة الغداء ~~فوق المائدة أخذني عمي إلى بيت زوجي، وكان زوجي قد تناول غداءه وحده، ولم يسألني ~~حتى المساء إذا ما كنت تغديت، وتعشى وحده دون أن يكلمني، وفي الصباح أعددت الفطور، ~~وجلس في مقعده ليأكل دون أن ينظر إلي، وجلست بدوري في مقعدي لآكل، فإذا به يرفع ~~عينيه ويثبتهما في صحني، كنت جائعة، وكنت أريد أن آكل بأي شكل، بأي ثمن، فوضعت يدي ~~في الصحن، ثم رفعتها إلى فمي، ولم تكد يدي تصل إلى فمي حتى انتفض واقفا وهو يصيح: ~~لماذا عدت من بيت عمك؟ ألا يحتمل عمك أن يطعمك بضعة أيام؟ هل عرفت الآن أنني أنا ~~الوحيد الذي أحتملك، وأنا الوحيد الذي أطعمك، لماذا تنفرين مني إذن؟ لماذا تبعدين ~~وجهك عن وجهي؟ هل شكلي قبيح؟ هل رائحتي كريهة؟ لماذا تبعدين أنفك كلما قربت ~~منك؟ # وانقض علي ككلب مسعور، وكان الثقب في الورم تتساقط منه قطرات صديدية عفنة ~~الرائحة، ولم أبعد وجهي، ولم أبعد أنفي، وتركت وجهي تحت وجهه، وتركت جسدي تحت جسده، ~~تركته بغير إرادة وبغير مقاومة وبغير أي حركة وبغير أي حياة، كأنما هو جسد ميت، أو ~~قطعة أثات أتركها حيث تكون، أو فردة حذاء أخلعها وأتركها تحت أي مقعد. # وفي مرة أخرى ضربني بعصاه الغليظة حتى نزف الدم من أنفي وأذني؛ فتركت بيته ولم ~~أذهب إلى بيت عمي، سرت في الشارع بعيني المتورمتين والكدمات فوق وجهي، لكن أحدا من ~~الناس لم يرني، كانوا يهرولون مسرعين، إما راكبين أو سائرين على الأقدام، وجميعهم ~~كالعميان لا يرون، والشارع واسع مزدحم ممتد أمام بصري بلا نهاية كالبحر، وأنا قطعة ~~حجر قذفت فيه، تتلاطم أمواجه من كل جانب وتدفعني هنا وهناك، وحيث تدفعني أتدحرج ~~كقطعة حجر، وتعبت من السير، فجلست على مقعد خال رأيته فوق الرصيف، وتصاعدت إلى أنفي ~~رائحة نفاذة كالقهوة، فأدركت أن لساني جاف وأنني جائعة، ms32 وحين جاء صبي المقهى ~~وسألني: ماذا تشربين؟ قلت له: كوب ماء أرجوك، فرمقني بنظرة غاضبة، وقال: إن المقهى ~~ليس لعابري السبيل، وأن ضريح السيدة زينب على بعد خطوات، وهناك ماء كثير لمن يريد، ~~ورفعت عيني إليه، فحملق في وجهي، وحاولت أن أقول له لكني لم أستطع، وأخفيت وجهي ~~بيدي وبكيت، وتركني الصبي ثم عاد ومعه كوب ماء، وحاولت أن أبتلع الماء، لكن شيئا ~~كالغصة كان يسد حلقي، وسقط الماء من بين شفتي، وجاء صاحب المقهى بعد قليل وسألني: ~~ما اسمك؟ قلت: فردوس. قال: ما هذه الكدمات في وجهك؟ هل ضربك أحد؟ حاولت أن أقول له، ~~لكن صوتي اختنق وتنفست بصعوبة وابتلعت الدموع. قال: استريحي يا فردوس، سأحضر لك ~~فنجان شاي ساخن، هل أنت جائعة؟ # لم أكن رفعت عيني إلى وجهه بعد، لكن صوته كانت له نبرة منخفضة فيها بحة خفيفة، ~~ذكرتني بصوت أبي حين كان يسألني: هل أنت جائعة؟ بعد أن يأكل، وبعد أن يضرب أمي ~~ويهدأ، ولأول مرة أحس أن أبي كان رجلا طيبا، وأنني كنت أحبه دون أن أدري، وسمعته ~~يقول: أبوك موجود؟ قلت: لا. قال: كل الناس تموت يا فردوس، وأمك هل هي موجودة؟ قلت: ~~لا. قال: أليس لك أحد: أخ أو عم أو خال؟ وقلت: لا، وفتحت حقيبتي الصغيرة بسرعة، ~~وأخرجت شهادتي الثانوية، وقلت: أنا حاصلة على الشهادة الثانوية، ويمكنني أن أشتغل ~~بالثانوية أو الابتدائية أو أشتغل أي شيء. # اسمه كان بيومي، وحين رفعت عيني إلى وجهه لم أشعر بخوف، أنفه كان مكورا كبيرا ~~يشبه أنف أبي، وبشرته سمراء كبشرته، وعيناه مستكينتان هادئتان، لا توحيان بأنها ~~يمكن أن تضرب أو تقسو، وقال لي: إنه يسكن في بيت من حجرتين، وأنني أستطيع أن أسكن ~~في حجرة منهما حتى أحصل على عمل، وفي الطريق إلى بيته توقف أمام محل فاكهة وقال: ~~أتحبين البرتقال أم اليوسفي؟ وحاولت أن أرد لكن صوتي لم يخرج، لم يسألني أحد من قبل ~~أتحبين البرتقال أم اليوسفي؟ أبي لم يكن يشتري لنا فاكهة، وعمي ms33 أو زوجي كان يشتري ~~دون أن يسألني، ولم أكن فكرت من قبل فيما إذا كنت أحب البرتقال أكثر من اليوسفي؟ ~~وقلت: اليوسفي، وأدركت بعد أن اشترى اليوسفي أنني كنت أحب البرتقال؛ لأن اليوسفي ~~كان أرخص ثمنا. # وكان لبيومي شقة من حجرتين صغيرتين في حارة تطل على سوق السمك، أكنسهما وأمسحهما ~~وأشتري من السوق السمك، أو أشتري أرنبا أو لحما، وأطبخ له طعامه، وكان يشتغل طول ~~النهار في المقهى دون أن يأكل شيئا، وحين يعود بالليل يتناول عشاء دسما، ثم ينام ~~على سرير في حجرته، وأنام أنا على مرتبة على الأرض في حجرتي. # أول ليلة ذهبت معه كانت الدنيا شتاء وبردا، فقال: خذي أنت السرير، وسأنام أنا ~~على الأرض، لكني رفضت وذهبت ونمت على الأرض، فجاء إلي وأمسكني من ذراعي، وسار معي ~~إلى السرير، كنت مطرقة إلى الأرض وأنا أسير إلى جواره، تتعثر خطواتي في حرج شديد، ~~لم يحدث في حياتي من قبل أن فضلني أحد على نفسه، أبي كان يأخذ لنفسه قاعة الفرن ~~في الشتاء ويتركني في القاعة الباردة، وعمي كان يأخذ السرير ويتركني فوق الكنبة ~~الخشبية، وزوجي كان يأكل ضعف ما آكل ومع ذلك لا يكف عن النظر في صحني. # حين وصلنا إلى السرير قلت: لا يمكن أن أنام على السرير. فقال: ولا يمكن أن تنامي ~~على الأرض. كنت لا أزال مطرقة، ويده لا تزال ممسكة بذراعي، ورأيت يده كبيرة، ~~وأصابعه طويلة كأصابع عمي، وفيها أيضا تلك الرعشة الخفيفة وأغمضت عيني. # كالحلم القديم أو الذكرى القديمة قدم عمري، أحسست بالتلامس المفاجئ، وبانتفاضة ~~جسدي بلذة غامضة تشبه الألم، أو ألم ليس في حقيقته ألما، وإنما هي لذة لم أعرفها ~~أبدا في حياتي، أو عرفتها في حياة أخرى غير حياتي، أو هي حدثت في جسد آخر غير ~~جسدي. # وأصبحت أنام في سرير طوال الشتاء والصيف أيضا، لم يضربني مرة واحدة، ولم ينظر في ~~صحني وأنا آكل، كنت أعطيه السمكة كلها ولا آخذ لنفسي إلا الرأس أو الذيل، وإذا ما ~~طبخت أرنبا ms34 أعطيته الأرنب، ولم آخذ إلا الرأس. كنت أنهض من مقعدي دائما قبل أن ~~أشبع، وحين أكون ذاهبة إلى السوق أتطلع إلى بنات المدارس وهن سائرات في الشارع، ~~وأتذكر أنني كنت واحدة منهن وأنني حاصلة على الشهادة الثانوية، وتوقفت مرة أمام بعض ~~الطالبات وأنا أتطلع إليهن، فإذا بهن ينظرن بازدراء إلى ملابسي ورائحة السمك ~~تغرقني، فقلت لهن: إنني حاصلة على الشهادة الثانوية، فإذا بهن يسخرن مني، وسمعت ~~واحدة تهمس في أذن زميلتها وتقول: يبدو أنها مجنونة، انظري إنها تكلم نفسها! ولم ~~أكن أكلم نفسي، ولكني كنت أقول: إنني حاصلة على الشهادة الثانوية. # وحين عاد بيومي في تلك الليلة قلت له: إنني حاصلة على الثانوية، وأريد أن أعمل، ~~فقال لي: إن المقهى يمتلئ كل يوم بشباب بغير عمل، كلهم حاصلون على شهادات من ~~الجامعة. وقلت: ولكني لا بد أن أعمل، لا أستطيع أن أستمر هكذا، وسألني دون أن يرفع ~~عينيه إلى وجهي: ماذا تقصدين بكلمة «هكذا»؟ قلت وأنا أتلعثم: لا يمكن أن أستمر في ~~أن أعيش في بيتك، فأنا امرأة وأنت رجل والناس تتكلم، وأنت وعدتني بأن أبقى حتى تجد ~~لي عملا، ورد بغضب: وماذا أفعل؟ هل أخلق عملا من المساء؟ قلت: أنت مشغول طول ~~النهار بالمقهى، ولم تبحث لي عن عمل، وسأخرج اليوم لأبحث بنفسي عن عمل. # كان صوتي منخفضا، وكنت مطرقة إلى الأرض، لكنه انتفض واقفا وصفعني على وجهي وهو ~~يقول: أترفعين صوتك على صوتي يا بنت الشوارع يا ساقطة؟! كفه كانت كبيرة قوية، أقوى ~~كف تسقط على وجهي، جعلت رأسي يرتج في الهواء عدة مرات، وارتجت الأرض والحجرة من ~~حولي، فأمسكت رأسي بيدي، وحين استقرت الأرض والحجرة مرة أخرى رفعت رأسي والتقت ~~عيناه بعيني. # وكأنما أرى العينين لأول مرة، عينان سوداوان تنظران في عيني، وتتحركان ببطء شديد ~~فوق وجهي وعنقي، وتهبطان ببطء أشد فوق صدري وبطني، وتستقران في النهاية أسفل بطني ~~بين فخذي، سرت فوق جسدي رجفة باردة كرجفة الموت، وامتدت يدي دون أن أحس، وأخفيت ~~بطني وفخذي، لكن ms35 يده القوية الكبيرة امتدت ونزعت يدي، وضربني بقبضة يده في بطني حتى ~~فقدت الوعي. # وأصبح يغلق علي باب الشقة قبل أن يخرج، وأصبحت أنام على الأرض في الحجرة الأخرى، ~~ويأتي في منتصف الليل يشد عني الغطاء ويصفعني ويرقد فوقي، لم أكن أفتح عيني، وأترك ~~جسدي تحت جسده بغير حركة ولا رغبة ولا لذة ولا ألم ولا أي شيء، جسد ميت لا حياة فيه، ~~كقطعة من الخشب، أو جورب من القطن، أو فردة حذاء، وذات مرة أحسست أن جسده أثقل مما ~~كان، وأنفاسه لها رائحة لم أشمها من قبل، وفتحت عيني فرأيت فوق وجهي وجها آخر غير ~~وجه بيومي، وقلت: من أنت؟ قال: أنا بيومي. قلت: لست بيومي. قال: أنا وبيومي شيء ~~واحد، وسألني: أتشعرين بلذة؟ وخفت أن أقول: لا أشعر بشيء، وأغمضت عيني وقلت: نعم، ~~فغرز أسنانه في لحم كتفي، وعضني عدة مرات في صدري وبطني وهو يردد: يا مرة يا بنت ~~ال ... وسب أمي بكلمة لم أستطع أن أسمعها أو أنطقها، لكني سمعتها بعد ذلك كثيرا من ~~بيومي ومن أصدقاء بيومي حتى تعودت سماعها، وتعودت أن أنطقها أحيانا حين أحاول فتح ~~الباب فأجده مغلقا، فأضرب الباب وأقول: يا بيومي يا ابن ... وكدت أن أسب أمه ~~بالكلمة نفسها النابية، لكني تداركت الخطأ، وأصبحت أسب أباه بدلا من أمه. # ورأتني إحدى الجارات ذات يوم وأنا أبكي من خلال شراعة الباب، فسألتني وحكيت لها ~~فبكت معي، وقالت: إنها ستطلب البوليس، لكني فزعت من كلمة البوليس، وطلبت منها أن ~~تحضر نجارا ليفتح الباب، وجاء النجار وفتح الباب، فخرجت من بيت بيومي إلى الشارع ~~أجري، أصبح الشارع هو المكان الآمن الذي أجري إليه، وألقي فيه بكل نفسي، كنت ~~أجري ومن حين إلى حين أنظر خلفي، فإذا لم أر وجه بيومي انطلقت أجري. # ووجدت نفسي في نهاية النهار في شارع لا أعرفه، شارع نظيف، مرصوف بالأسفلت، يطل على ~~النيل، وعلى جانبيه أشجار عالية، والبيوت تحوطها أسوار وحدائق خضراء، والهواء دخل ~~صدري نظيفا خاليا من التراب، ms36 ورأيت مقعدا حجريا بحذاء النيل فجلست، وتركت وجهي ~~في مواجهة الهواء المنعش وأغمضت عيني، لكني سمعت صوت امرأة يأتيني من جواري ويقول: ~~ما اسمك؟ وفتحت عيني، فرأيت عينيها، لون أخضر، يحوطني ويلفني ويغرقني. # إحساس غريب بأنني أغرق في خضرة داكنة لها كثافة، ولها ملمس كملمس ماء البحر، أغرق ~~فيه وأنا نائمة أحلم، أغوص في الماء فلا يصيبني البلل ولا أغرق، أترك نفسي في جوف ~~البحر، يبتلعني حتى القاع، أو يرفعني برفق فوق السطح دون أن أسبح وأتحرك. # وأحسست بجفني يثقلان كأنما سأنام، لكن الصوت عاد إلى أذني، صوت ناعم له نبرة ~~ناعسة: أنت متعبة، شددت جفني بقوة وقلت: نعم. ازدادت الخضرة داخل عينيها قوة ~~وحدة، وقالت: ماذا فعل بك الكلب؟ انتفضت كمن يصحو من النوم فجأة: من هو؟ قالت وهي ~~تلف الشال الأخضر حول كتفيها وتتثاءب: أي كلب منهم، كلهم كلاب تحت أسماء مختلفة: ~~محمود، حسنين، فوزي، صبري، إبراهيم، عوضين، بيومي ... قاطعتها لاهثة: بيومي! # ضحكت بشدة، ورأيت أسنانها صغيرة بيضاء مدببة، تتوسطها سن ذهبية: أنا أعرفهم كلهم، ~~من الذي بدأ: أبوك، أخوك، خالك، عمك؟ انتفض جسدي فوق المقعد الحجري: عمي! ضحكت مرة ~~ثانية وألقت بالشال الأخضر وراء ظهرها وقالت: وماذا فعل بيومي بك يا ... لم تقولي لي ~~اسمك، ما اسمك؟ قلت: فردوس، وأنت من أنت؟ قالت وهي تشد ظهرها وعنقها في كبرياء ~~غريب: أنا شريفة صلاح الدين، وكل الناس تعرفني. # طوال الطريق إلى بيتها كنت أحكي قصتي، تركنا شارع النيل ودخلنا في شارع صغير ~~جانبي، وبعد قليل صعدنا في إحدى العمارات الكبيرة، وارتجف جسدي وهو يرتفع وحده إلى ~~أعلى داخل المصعد، وأخرجت من حقيبتها مفتاحا، ووجدت نفسي على النيل، أخذتني إلى ~~الحمام لأستحم، وعلمتني كيف أفتح الماء الساخن والبارد، وأعطتني ملابس من عندها، ~~ملابس ناعمة يفوح منها عطر جميل، وأصابعها وهي تمشط لي شعري أو تعدل ياقة الفستان ~~حول عنقي ناعمة، وكل شيء من حولي ناعم، وأغمضت عيني تاركة نفسي للنعومة، وجسدي أصبح ~~ناعما كجسد طفل ولد منذ لحظة. # حينما ms37 فتحت عيني ورأيت نفسي في المرآة؛ أدركت أنني أولد من جديد، بجسد ناعم نظيف، ~~وملابس ناعمة نظيفة، وبيت نظيف، وهواء نظيف، وتنفست بعمق لأملأ صدري بالهواء ~~النظيف، وتلفت حولي فرأيتها واقفة تنظر إلي بعينين يشع منهما ضوء قوي أخضر ~~بلون الشجر ولون السماء ولون النيل، وألقيت بنفسي بين عينيها، وحوطتها بذراعي وأنا ~~أقول: من أنت؟ قالت: أمك. قلت: أمي ماتت من سنين. قالت: أختك. قلت: ليس لي أخت ~~ولا أخ، كلهم ماتوا وهم صغار كالكتاكيت. وقالت: كل الناس تموت يا فردوس، وأنا سأموت ~~وأنت ستموتين، ولكن المهم أن تعرفي كيف تعيشين. قلت: وكيف أعيش؟ الحياة قاسية، ولا ~~يعيش إلا من هو أقسى من الحياة يا فردوس، الحياة قاسية، ولا يعيش إلا من هو أقسى ~~منها. وقلت: ولكنك لست قاسية، فكيف تعيشين يا شريفة؟ وقالت: أنا قاسية شديدة ~~القسوة. قلت: ولكنك رقيقة ناعمة. قالت: بشرتي ناعمة، لكن قلبي قاس ولدغته قاتلة، ~~قلت: كالحية. قالت: نعم، كالحية، والحية والحياة شيء واحد يا فردوس، إذا عرفت الحية ~~أنك لست حية مثلها قرصتك، وإذا عرفت الحية أنك لا تلدغين لدغتك. # وأصبحت تلميذة صغيرة بين يدي شريفة، تفتح عيني على الحياة، وتسلط الضوء على ~~حوادث لم أعرفها، وملامح من وجهي وجسدي لم أرها من قبل، عرفت أن لي عينين سوداوين ~~فيهما بريق يشد إليه العيون، وعرفت أن أنفي ليس كبيرا وليس مكورا، وإنما هو أنف ~~له نعومة وفيه امتلاء، ينم عن شهوة حادة قادرة على النهم، وجسدي ممشوق، وفخذاي ~~عضلاتهما مشدودة قادرة على أن تشد أكثر وأكثر، وعرفت أنني لم أكره أمي ولم أحب عمي، ~~ولم أعرف بيومي ولم أر رجلا آخر من أتباع بيومي. وقالت لي شريفة: بيومي وأتباع ~~بيومي لم يعرفوا قيمتك؛ لأنك تعرفين قيمة نفسك، الرجل يا فردوس لا يعرف قيمة ~~المرأة، ولكن المرأة هي التي تحدد قيمتها، كلما كان ثمنك غاليا أدرك الرجل قيمتك، ~~ودفع لك من عنده، وإذا لم يكن عنده سرق من الآخرين وأعطاك. تساءلت في دهشة: وهل ~~لي ms38 قيمة يا شريفة؟ وقالت : أنت جميلة ومثقفة. قلت: مثقفة؟! لم أحصل إلا على ~~الثانوية. قالت: وهل هذا قليل؟ أنا لم أحصل على الابتدائية. قلت بشيء من الحذر: وهل ~~لك قيمة يا شريفة؟ قالت: بالطبع، لا يمكن أن يلمسك أحد دون أن يدفع غاليا، وأنت ~~أكثر شبابا مني وأكثر ثقافة، ولا يمكن أن يلمسك أحد دون أن يدفع ضعف ما يدفعه لي. ~~قلت: ولكني لا أستطيع أن أطلب من الرجل شيئا. قالت: لا تطلبي شيئا، ليس هذا هو ~~شأنك ... إنه شأني أنا. # أيمكن أن يتغير النيل والسماء والشجر؟! ولكني تغيرت، فلماذا لا يتغير النيل؟ ~~ولماذا لا يتغير لون الشجر؟ كنت أفتح النافذة كل صباح فأرى النيل وأرى الشجر لونه ~~أخضر، والخضرة يشع منها ضوء قوي داكن يشعرني بقوة الحياة وقوة جسدي وقوة الدم ~~الساخن داخل عروقي، يبعث الدفء في جسدي: دفء ناعم نعومة الملابس الحريرية، والسرير ~~الحريري، وعطر كعطر الورد يملأ أنفي، وأترك جسدي يغرق في الدفء والنعومة والعطر، ~~وأمدد ساقي تحت الغطاء الحريري، وأدفن وجهي في الوسادة الحريرية، أنهل النعومة ~~بأنفي وفمي وأذني. # وفي الليل تسقط أشعة القمر فوق جسدي بيضاء حريرية، وأصابع الرجل أيضا بيضاء ~~حريرية، وأظافر بيضاء نظيفة، ليست كأظافر بيومي السوداء بلون الشاي الأسود، ولا ~~أصابع عمي من تحتها طبقة من الطين الأسود، وأغمض عيني وأترك جسدي يعزف في الضوء ~~الأبيض، وأحس الأصابع الحريرية فوق وجهي وفوق شفتي، تهبط فوق عنقي، وتغوص بين ثديي، ~~وهي تهبط فوق بطني، أسفل بطني بين فخذي، وأحس الانتفاضة في جسدي، انتفاضة غريبة في ~~بدايتها لذة تشبه الألم، وفي نهايتها ألم يشبه اللذة، لذة قديمة قدم حياتي، عرفتها ~~منذ زمن بعيد ونسيتها منذ زمن بعيد، أبعد من عمري الذي عشته، وأبعد من اليوم الذي ~~ولدت فيه، فكأنها تنبعث من جرح قديم في جسدي، أو من عضو خارج جسدي، واحدة أخرى، ~~أحسها كما لو كانت تنبعث من جسد امرأة أخرى غيري. # وقلت لشريفة ذات يوم: لم لا أحس يا شريفة؟ وقالت شريفة: نحن ms39 نعمل يا فردوس، ~~والعمل عمل، لا تخلطي بين العمل والإحساس. قلت: ولكني أريد أن أحس يا شريفة. وقالت ~~شريفة: الإحساس يا فردوس لن يعطيك شيئا إلا الألم. وقلت: أليست هناك لذة، أية لذة ~~ولو ضئيلة؟ وضحكت شريفة بشدة، ورأيت أسنانها البيضاء الصغيرة المدببة تتوسطها السن ~~الذهبية، وقالت: ألا تشعرين بلذة حين تأكلين الفراخ المحشوة بالأرز؟ ألا تشعرين ~~بلذة وأنت تعيشين في هذا البيت الدافئ النظيف المطل على النيل؟ ألا تشعرين بلذة ~~حين تفتحين النافذة كل صباح وترين النيل والسماء والشجر؟ ألا يكفيك كل هذا؟ لماذا ~~تطلبين أكثر؟! # لم يكن ما أطلبه جشعا، ولكني كنت قد فتحت النافذة ككل يوم فلم أجد النيل؛ موجود ~~أمام عيني لكني لم أعد أراه، وكأنما عين الإنسان لم تر الموجود، والعطر أيضا تحت ~~أنفي موجود ليل نهار، فلم أعد أشم العطر، وكأنما الأنف كالعين لا تدرك الموجود، ~~والنعومة، والحرير، والفراش الوثير، والطعام، وكل شيء موجود، أصبح كأنما هو غير ~~موجود. # ولم أكن أخرج من البيت، بل لم أكن أخرج من حجرة النوم، بالنهار وبالليل أظل مصلوبة ~~فوق السرير، وفي كل ساعة يدخل رجل، رجال كثيرون: من أين يأتون! وكلهم متزوجون، كلهم ~~متعلمون، وكلهم يحملون حقائب جلدية ثقيلة، والمحافظ في جيوبهم الداخلية ثقيلة، ~~وأجسادهم ثقيلة بسنين طويلة طول الدهر، وبطونهم ثقيلة بشبع زائد عن الحد، وعرق غزير ~~مختزن يملأ أنفي برائحة عطنة كرائحة الماء الراكد. وأبعد أنفي عن الرائحة، لكنهم ~~يشدون أنفي، ويغمسونه في الرائحة، ويغرزون أظافرهم الطويلة المدببة في جسدي، وأطبق ~~فمي لأكتم الصرخة، لكن شفتي تنفرجان رغم إرادتي عن أنة خافتة مكتومة، يسمعها الرجل ~~منهم فإذا بصوته الغبي يرتطم بأذني: أتشعرين بلذة؟ وأكور شفتي لأبصق في وجهه، فإذا ~~به يمسك شفتي بأسنانه، وأحس لعابه اللزج داخل فمي، فأطرده بلساني إلى فمه مرة ~~أخرى. # رجل واحد فقط لم يكن غبيا، ولم يسألني أتشعرين بلذة، ولكنه سألني: أتشعرين بألم؟ ~~وقلت: نعم. قال: ما اسمك؟ قلت: فردوس، وأنت؟ قال: أنا فوزي. قلت: كيف عرفت أنني ~~أشعر بألم؟ ms40 قال: لأني أحس بك . وقلت في ذهول: تحس بي! قلت: لا أدري، وشريفة قالت لي ~~العمل عمل ليس فيه إحساس. وضحك ضحكة قصيرة وهو يقبلني فوق شفتي وقال: شريفة تضحك ~~عليك؛ تكسب من ورائك، وأنت لا تأخذين شيئا إلا الألم. وبكيت فمسح دموعي وحوطني ~~بذراعيه فأغمض عيني وقبلني فوق جفني برقة وهو يقول: أترغبين في النوم؟ قلت: ~~وشريفة؟ قال: لا تخافي من شريفة. قلت: وأنت، ألا تخاف منها؟ ضحك ضحكته القصيرة ~~وقال: وهي التي تخاف مني. # كنت لا أزال نائمة في سريري وعيناي مغمضتان، لكن أصواتا خافتة وصلت أذني من خلال ~~الجدار الذي يفصل حجرتي عن حجرة شريفة، وسمعت صوتها وهي تتحدث مع رجل خيل إلي ~~أنني سمعت صوته من قبل. ~~- ستأخذها مني يا فوزي؟! ~~- سوف أتزوجها يا شريفة. ~~- أنت لا تتزوج يا فوزي. ~~- هذا في الماضي، ولكني كبرت وأريد ابنا. ~~- ليرث الأرض والأموال؟! ~~- لا تسخري مني يا شريفة، لو أردت أن أكون صاحب ملايين لأصبحت، ولكني رجل يعشق ~~لذائذ الحياة، وأكسب المال لأنفقه، ولا شيء يستعبدني، لا المال ولا الحب. ~~- أتحبها يا فوزي؟! ~~- وهل أنا قادر على الحب يا شريفة؟! ألم تقولي لي إنني رجل فقدت القدرة على ~~الحب؟! ~~- أنت لا تحب يا فوزي ولا تتزوج، ولكنك تريد أن تأخذها مني كما أخذت كاميليا من ~~قبل. ~~- كاميليا هي التي جاءت معي. ~~- وقعت في حبك، أليس كذلك؟! ~~- النساء تحبني، ما ذنبي أنا؟! ~~- الويل لمن تحبك يا فوزي. ~~- إذا لم أحبها. ~~- وهل أنت تحبها يا فوزي؟ ~~- أحيانا. ~~- هل أحببتني يا فوزي؟ ~~- أتعودين إلى هذا السؤال يا شريفة؟ ليس عندي وقت كما تعرفين، سوف آخذ ~~فردوس. ~~- لن تأخذها. ~~- سآخذها. ~~- أتهددني يا فوزي؟ ولكني لم أعد أخاف من تهديدك، لا تستطيع يا فوزي أن تسلط علي ~~البوليس، فأنا الآن لي في البوليس معارف وأصدقاء أكثر منك. ~~- وهل أنا رجل يلجأ إلى البوليس؟ الرجل الضعيف هو الذي يلجأ إلى البوليس، فهل أنا ~~رجل ضعيف يا شريفة؟! ~~- ماذا تقصد يا فوزي؟! ~~- أنت تعرفين. ~~- ستضربني يا ms41 فوزي؟! ~~- منذ فترة طويلة لم أضربك، ويبدو أن عندك حنينا إلى الضرب. ~~- إذا ضربتني سأضربك يا فوزي. ~~- هذا جميل، وسنرى من يغلب فينا. ~~- إذا وضعت يدك علي يا فوزي، فسوف أحضر لك شوقي. ~~- من هو شوقي هذا؟ هل لك رجل غيري؟ أتحبين رجلا غيري يا شريفة؟ أتجرؤين؟! # لم أسمع من خلال الجدار صوت شريفة وهي ترد عليه؛ ربما ردت بصوت خافت لم أسمعه، أو ~~أنه وضع يده على فمها قبل أن ترد؛ لأني سمعت صوتا يشبه اليد حين تلامس الفم، تبعه ~~صوت آخر يشبه صوت اليد حين تلامس الوجه، ثم تتابعت أصوات خافتة لم أميز أهي قبلات ~~عنيفة أم صفعات خفيفة، وسمعت صوت شريفة يعترض: لا يا فوزي، لا. ويرد عليها بصوت ~~غاضب كالفحيح: لا إيه يا مره؟ ويطقطق السرير تحتهما، وأعود أسمع أنفاس شريفة ~~المتقطعة تلهث، وتعترض مرة أخرى: لا يا فوزي، حرام عليك والنبي. ويعود فحيحه الغاضب ~~اللاهث: حرام إيه ونبي إيه يا مره؟ مين شوقي ده عشان ادبحه! وتشتد طقطقة السرير، ~~يتلاحم فوقه جسدان يتصارعان، يلتصقان ثم يبتعدان، ويلتصقان ويبتعدان في حركة مستمرة ~~لم تلبث أن أصابتها سرعة غريبة شبه مجنونة هزت السرير من تحتهما هزات عنيفة متلاحقة ~~كالأنفاس اللاهثة، والأرض أيضا أصبحت تهتز وتلهث معهما، والجدار بيني وبينهما أصبح ~~يهتز، والسرير الذي أرقد عليه بدأ يهتز. # وصلت الاهتزازة العنيفة إلى رأسي فأيقظتني من النوم فجأة، وتراءى لي وجه فوزي من ~~خلال ضباب كالحلم، وعاد إلى أذني صوته وهو يقول: شريفة تضحك عليك وتكسب من ورائك. ~~ثم صوت شريفة وهو يقول: إذا ضربتني سأضربك يا فوزي. وفتحت عيني فوجدت جسدي ممدودا ~~فوق السرير وليس إلى جواري رجل، والحجرة من حولي مظلمة خالية ليس بها أحد. سرت على ~~أطراف أصابعي إلى حجرة شريفة، فرأيتها راقدة عارية وإلى جوارها فوزي. عدت إلى حجرتي ~~على أطراف أصابعي، وارتديت أول فستان وقع تحت يدي، وأخذت حقيبتي الصغيرة وخرجت إلى ~~الشارع. # كانت الدنيا ليلا، ليلا أسود بغير قمر، والفصل شتاء، شتاء باردا ms42 قارصا، وشوارع ~~القاهرة خالية تماما، والنوافذ والأبواب كلها مغلقة بإحكام لا ينفذ منها الهواء، ~~وأنا أسير في البرد ومن حول جسدي فستان رقيق شفاف، لكني لا أشعر بالبرد، تحوطني ~~الظلمة من كل جانب، وليس لي في هذه الدنيا كلها مكان أذهب إليه، لكني لم أعد أخاف، ~~لا شيء في الشارع يمكن أن يخيفني، ولا هواء بارد يمكن أن يقرصني، هل تغير جسدي؟ هل ~~أصبحت أحمل جسد امرأة أخرى؟ وأين ذهب جسدي الحقيقي؟! # لكني سرعان ما نظرت إلى أصابع يدي، أصابع يدي هي أصابع يدي، أصابع رفيعة طويلة قال ~~عنها أحد الرجال: إنه لم ير في حياته مثلها؛ فهي أصابع فيها قوة وذكاء، ولها لغة، ~~وإنه حين يقبلها تحدثه بصوت يكاد يسمعه. ضحكت وقربت أصابعي من أذني ولم أسمع شيئا، ~~ضحكت مرة أخرى، وسمعت صوت ضحكتي بأذني، دهشت وتلفت حولي، خشيت أن يسمعني أحد ~~وأنا أضحك وحدي، فيسوقني إلى مستشفى العباسية. لم أر أحدا في الظلمة، لكني رأيت ~~رجلا من رجال البوليس مقبلا نحوي، أمسكني من ذراعي وقال: إلى أين تذهبين؟ قلت: لا ~~أعرف. قال: أتأتين معي؟ قلت: إلى أين؟ قال: إلى بيتي. قلت: لا. لم أعد أثق في أي ~~رجل! وفتحت حقيبتي الصغيرة وجعلته يرى شهادتي الثانوية، وقلت له: إنني سأبحث عن عمل ~~بالثانوية أو بالابتدائية أو أي شيء آخر آخذ منه أجرا. قال: سأعطيك أجرك، ولا تظني ~~أنني سآخذك بالمجان؛ فلست كغيري من رجال البوليس. كم تأخذين؟ قلت: كم آخذ! لا أعرف. ~~قال: لا تتخابثي علي ولا تساومي معي، وإلا أخذتك إلى نقطة البوليس. قلت: لماذا ~~تأخذني؟ أنا لم أفعل شيئا. قال: أنت مومس، وواجبي هو أن أقبض عليك وعلى مثيلاتك ~~لنطهر الوطن منكن ونحمي العائلات الكريمة من فسادكن، ولكني لا أريد أن أستخدم معك ~~الشدة، ويمكن أن نتفاهم بهدوء، سأعطيك جنيها كاملا. ما رأيك؟ # حاولت أن أفلت من يده، لكنه أمسكني، وسار بي في أزقة ضيقة مظلمة، ثم أدخلني من باب ~~خشبي صغير، وأرقدني على سرير، ثم خلع ms43 ملابسه، وأغمضت عيني، فأحسست بالثقل من فوقي، ~~والحركة بالأصابع والأظافر السوداء، والأنفاس اللاهثة، والعرق اللزج العطن، واهتزازة ~~السرير والأرض والجدران كأنما الدنيا تدور، وفتحت عيني ونهضت أشد جسدي من فوق ~~السرير، وارتديت الفستان، وأسندت رأسي المنهك على الباب لحظة قبل أن أخرج، وسمعت ~~صوته من خلفي يقول: ماذا تنتظرين؟ ليس معي نقود الليلة، سأعطيك المرة ~~القادمة. # سرت في الحواري الضيقة والدنيا لا تزال ليلا، والهواء لا زال باردا قارصا، ~~والمطر بدأ يهبط، وتراب الأرض أصبح طينا يغوص فيه حذائي، وأكوام من القمامة أمام ~~كل بيت، ورائحة عطنة تحوطني من كل جانب وتغرقني، وأنا أسرع الخطى، أريد أن أخرج ~~من الحواري إلى الشارع الأسفلت، أي شارع من الأسفلت أدوس عليه فلا يحوط حذائي ~~الطين. # حين وصلت الشارع الأسفلت كان المطر لا يزال ينهمر، فوقفت تحت مظلة إحدى محطات ~~الأتوبيس، أخرجت منديلي من حقيبتي، ومسحت وجهي وشعري وعيني، رأيت من تحت المنديل ~~شيء أبيض ظننت أول الأمر أنه المنديل، ورفعت المنديل عن عيني، لكن الضوء ظل في عيني ~~قويا بسبب الضوء الذي يصدر عن الأتوبيس، ظننت أن الفجر طلع أو المواصلات بدأت، ~~لكنه لم يكن الأتوبيس، كانت سيارة ظلت واقفة أمامي وضوءها القوي في عيني، ثم هبط ~~منها رجل دار حول السيارة في خطوات سريعة، وفتح الباب ناحيتي، وانحنى وهو يقول لي ~~بأدب شديد: تفضلي، ادخلي من هذا البرد والمطر. # كنت أرتعد من الصقيع، وفستاني الخفيف المبلل بالمطر يلتصق بجسدي، ويشف من تحته ~~ثدياي بغير مشد، وحلمة الثدي دائرة سوداء بارزة، ضغط عليها بيده وهو يساعدني في ~~ركوب السيارة، وفي بيته الدافئ خلع عني الفستان والحذاء ذي الطين، وغسل جسدي بماء ~~دافئ وصابون، ثم حملني إلى السرير، وأغمضت عيني فأحسست الثقل فوق صدري وبطني، وحركة ~~الأصابع نفسها، لكن الأظافر نظيفة مشذبة، والأنفاس تلهث برائحة معطرة، والعرق غزير ~~لزج، ولكنه غير عطن. # حين فتحت عيني كان ضوء الشمس يغرقني، وتلفت حولي لا أعرف أين أنا، ورأيتني في ~~حجرة نوم أنيقة، ورجل غريب يقف ms44 أمامي، نهضت بسرعة وارتديت فستاني وحذائي، وبينما أنا ~~أمسك حقيبتي الصغيرة لأخرج من الباب، مد يده ووضع في يدي ورقة بعشرة جنيهات، ~~وكأنما انقشعت عن عيني غشاوة، فإذا بي أبصر لأول مرة في حياتي حركة يدي وهي تلامس ~~الورقة المالية، حطمت اللغز ومزقت الستار الذي حجب عني حقيقة عرفتها وأنا طفلة، ~~حين أعطاني أبي لأول مرة قرشا. لم يكن أبي يعطيني مصروفا، كنت أشتغل في الحقل ~~والدار، وآكل مع أمي ما يبقى من أبي، وإذا لم يبق شيء نمت بغير عشاء، وفي العيد ~~الكبير رأيت العيال يشترون من الدكان الحلوى، فذهبت إلى أمي وبكيت، وقلت لها: ~~أعطيني قرشا. وقالت أمي: ليس معي قروش، القروش مع أبيك. وذهبت إلى أبي وقلت له: ~~أعطني قرشا. فضربني على يدي وقال: ليس معي قروش. لكنه ناداني وقال لي: سأعطيك ~~قرشا إذا فتح الله علينا وبعت الجاموسة قبل أن تموت، ورأيت أبي يصلي ويدعو الله أن ~~يمد في أجل الجاموسة، لكن الجاموسة ماتت قبل أن يلحقها أحد، وكف أبي عن الصلاة ~~والدعاء، وظل صامتا طوال العيد، وكلما كلمته أمي انقض عليها وضربها. ولم أطلب ~~منه القرش. وجاء العيد الصغير ورأيت الحلوى في الدكاكين، فقلت لأبي: أعطني قرشا، ~~فقال: تطلبين القرش في أول النهار؟ اذهبي واكنسي تحت البهائم، وحملي الحمارة وخذيها ~~إلى الحقل، وفي آخر النهار سأعطيك القرش، وأعطاني القرش حين عدت من الحقل، أول قرش ~~يعطيه لي، أول قرش يصبح لي، أضعه في كفي وأحوطه بأصابعي وأضغط عليه؛ فهو قرشي أنا، ~~ليس قرش أبي ولا قرش أمي، ولكنه قرشي أفعل به ما أشاء، وأشتري به ما أشاء، وآكل به ~~ما أشاء: حلوى أو خروبا أو عسلية أو أي شيء أختاره. # كانت الشمس مشرقة في ذلك اليوم، وكنت أسير بخطوات سريعة نشطة، قبضة يدي اليمنى ~~قوية، تضغط على شيء داخل كفي، شيء ثمين ليس قرشا واحدا، وإنما ورقة بعشرة جنيهات ~~كاملة، أول مرة أمسك ورقة مالية بهذا الحجم، وأول مرة تلامس الورقة يدي، ~~والتلامس المفاجئ يجعل ms45 جسدي ينتفض انتفاضة غريبة ترج كياني بعنف يكاد يصل إلى حد ~~الألم، أحسه ينبعث كأنما من جرح غائر في أحشائي، يؤلمني حين أشد عضلات ظهري وأتنفس ~~بعمق، وأحس به يصعد إلى بطني كالرعشة، كأنما الدم يرتعش في عروقي، وسخونة الدم في ~~صدري تصعد إلى عنقي وتذوب في حلقي لعابا غزيرا يملأ فمي بالدفء، وله طعم لذيذ ~~شديد اللذة إلى حد المرارة. # ابتلعت ريقي وأنا أقف أمام مطعم يشوي الفراخ على نار متوهجة من خلف زجاج شفاف، ~~عيناي تدوران مع اللهب تتبعان دورة الفراخ المحمرة حول سيخ حديدي، اخترت مائدة ~~بجوار النافذة تغرقها الشمس، واخترت فرخة حمراء سمينة، وجلست آكل ببطء، ببطء شديد ~~أمضغ، وأستبقي الطعام في فمي بضع لحظات قبل أن أبتلع، وفمي وهو مملوء كفم طفل منتفخ ~~بالحلوى، والطعام داخل فمي أصبحت له حلاوة، حلاوة شديدة كقطعة العسلية التي ~~اشتريتها بأول قرش أخذته من أبي، لم تكن أول مرة أذوق فيها العسلية؛ فقد اشترتها لي ~~أمي من قبل، لكنها كانت أول عسلية أشتريها أنا، وبقرشي أنا، وأختارها من بين أنواع ~~الحلويات الأخرى. # انحنى جرسون المطعم وهو يضع بقية الصحون أمامي، يداه تمتدان أمامي بصحن ممتلئ، ~~وعيناه تبتعدان عن الطعام، لا تنظران في صحني، حركة عينيه وهما تبتعدان عن طعامي ~~مزقت الستار عن عيني، ولأول مرة في حياتي أرى أنني آكل من صحن لا تنظر فيه العينان. ~~منذ ولدت، وهناك عينان مفتوحتان دائما، وكلما جلست وأمامي صحن الأكل، فهما ~~تنظران في الصحن ولا ترمشان. # أيمكن أن تفعل الورقة المالية كل هذا؟ وكيف لم أعرف من قبل؟ وهل كنت لا أعرف من ~~قبل؟ وأدركت أنني كنت أعرف من قبل، منذ زمن بعيد عرفت، منذ ولدت وفتحت عيني، ~~ورأيت أول ما رأيت من أبي قبضة يده، وأصابعه مضمومة بقوة حول شيء في كفه لا يفتحها، ~~وإذا فتحها فهو يستبقي الشيء في يده، شيء مستدير أبيض اللون، يتحسس بأصابعه الخشنة ~~الكبيرة سطحه الأملس، ويحركه فوق قطعة حجر ملساء، فإذا بصوت يرتفع في الجو ms46 ~~كالرنين. # كنت لا أزال جالسة في الشمس، والورقة المالية في حقيبتي لم أدفع ثمن الغداء بعد، ~~وفتحت الحقيبة لأخرجها، وجاء الجرسون في هذه اللحظة، وانحنى في أدب شديد وهو يلم ~~الصحون الفارغة، يداه تمتدان فوق المائدة أمامي تلمان الصحون، وعيناه تبتعدان عن ~~حقيبتي، لا تنظران إلى الورقة المالية، حركة عينيه كحركة رأيتها من قبل، وإغماضة ~~الجفن وهو يغض الطرف عن النقود، ومن تحتها نظرة تمتد إلى يدي، كإغماضة زوجي الشيخ ~~محمود حين كان يصلي وتمتد نظراته من تحت الجفن إلى المائدة تبحث عن صحني، وكإغماضة ~~عمي حين كان يقرأ، ثم تمتد يده من وراء الكتاب تبحث عن ساقي، إغماضة الجفن نفسها، ~~وحركة العينين نفسها، والجرسون لا زال واقفا، والورقة المالية لا زالت في يدي، ~~يلمح حركتها بطرف عين، وبعينه الأخرى يغض البصر في حياء، كمن يغض البصر عن عورة ~~محرمة، ودهشت: أيمكن أن تكون الورقة المالية محرمة كاللذة المحرمة؟ كدت أفتح فمي ~~وأسأل الجرسون: من حرمها؟ لكني أطبقت شفتي كأنما أعرف الجواب من قبل، من زمن ~~بعيد حين ضربني أبي لأول مرة على يدي وأنا أمدها لآخذ القرش، وحين ضربتني أمي حين ~~ضيعت في السوق قرشا، وحين أعطاني عمي قرشا وقال لي: لا تقولي لأمك، وحين كانت ~~شريفة تعد الجنيهات، فإذا ما لمحتني خبأتها، وأصبحت كلما رأيت أحدا يعد النقود، أو ~~يخرج من جيبه أي قروش أبعد عيني، كأنما النقود عورة أو شيء محرم علي أنا وحدي ~~ومباح للآخرين، كدت أسأل الجرسون: من أباحها؟ ومن حرمها؟ لكني أطبقت شفتي في صمت، ~~ودفعت له أجره، فأطرق رأسه وهو يمد يده، وعيناه لا تزالان بعيدتين. # ولم أعد أبعد عيني، ولم أعد أطرق رأسي، أصبحت أسير في الشارع رافعة رأسي، رافعة ~~عيني أنظر إلى الناس في عيونهم مباشرة، وإذا عد أحدهم الجنيهات، فأنا أنظر إلى ~~النقود ولا أبعد عيني، وكنت لا أزال أسير في الشارع والشمس تغرق ظهري، وسخونة الطعام ~~الشهي تسري في جسدي، وبقية الجنيهات العشرة لا تزال في جيبي، وحذائي يدب ms47 على ~~الأسفلت بقوة ونشوة كنشوة طفل حطم اللعبة وعرف اللغز. # اقترب مني رجل وهمس في أذني، فنظرت إليه مباشرة ولم أبعد عيني، وقلت: لا. واقترب ~~رجل آخر وهمس لي بالسر، فحصته بعيني، وقلت: لا. وقال: لماذا؟ فقلت: لأن هناك رجالا ~~كثيرين قادمين، سوف أختار مما أشاء. فقال: ولماذا لا تختاريني؟ قلت: لأن أظافرك ~~سوداء، وأنا أحب الأظافر النظيفة. واقترب رجل آخر وهمس بالسر، فقلت: كم تدفع؟ قال: ~~عشرة. قلت: لا، عشرين. قال: أمرك، ودفع لي. # كم من عمري مر قبل أن أملك نفسي وجسدي؟ كم من العمر راح قبل أن أشد نفسي وجسدي من ~~قبضة الآخرين؟ فأختار طعامي الذي آكله، وأختار بيتي الذي أسكنه، وأرفض الرجل الذي ~~أنفر منه، وأختار من الرجال من هو نظيف الأخلاق والجسد! مر من عمري ربع قرن، ~~وكنت في الخامسة والعشرين حين أصبح لي بيت أختاره، ومن ينظم لي مواعيد عملي في ~~الأوقات التي أحددها، وبالشروط التي أفرضها. وأصبح لي رصيد في البنك يزيد على ~~الدوام، وأصبح لي أوقات فراغ للراحة والتريض، ومشاهدة السينما والمسرح وقراءة ~~الصحف، ومناقشة أمور السياسة مع أصدقائي القليلين المقربين، أختارهم من بين كثيرين ~~يحومون حولي ينشدون صداقتي. # أحد أصدقائي اسمه ضياء، كان صحفيا أو كاتبا أو شيئا من هذا القبيل، كنت أفضله ~~لأنه مثقف، وأنا أحب الثقافة منذ دخلت المدرسة وعرفت القراءة، منذ أصبحت قادرة على ~~شراء الكتب، وأملك في بيتي مكتبة كبيرة أقضي بها أوقات فراغي، وعلى جدرانها ~~علقت اللوحات الفنية يتوسطها إطار ثمين داخله شهادتي الثانوية. # لم أكن أستقبل أحدا في مكتبتي، فهي حجرتي الخاصة بي وحدي، وحجرة نومي هي غرفة ~~الاستقبال، وحين استقبلت ضياء لأول مرة، قال لي قبل أن أرفع الغطاء المزركش عن ~~السرير: انتظري قليلا لنتكلم معا بعض الوقت، فأنا أحب الحديث قبل أي شيء آخر. كان ~~وجهي ناحية السرير وظهري ناحيته، فلم أر وجهه وهو يقول هذا الكلام، لكن صوته حين ~~لامس أذني أحسست له نبرة لم أسمعها من قبل في صوت الرجال. واستدرت ms48 لأرى وجهه. لم ~~أكن أستدير ولا أرى وجه الرجل، وأغمض عيني ولا أفتحهما إلا بعد أن يتلاشى الثقل فوق ~~جسدي. # ونظرت في وجه ضياء مباشرة بعينين مباشرتين مرفوعتين، ورأيت أن وجهه أيضا كصوته، ~~له ملامح لم أرها من قبل. وجهه يبدو كبير الحجم بالنسبة لجسمه، وعيناه تبدوان ~~صغيرتين بالنسبة لوجهه، بشرته سمراء وعيناه ليستا سوداوين، لم أتبين لونهما في ~~الضوء الكهربائي الخافت، جبهته عريضة تبدأ عند منتصف رأسه وتهبط إلى أنف صغير، وليس ~~له شارب فوق شفته العليا، وشعر رأسه يبدو قليلا بالنسبة لحجم رأسه الكبير. # خيل لضياء أنني لم أسمعه؛ لأنني وقفت أمامه دون أن أرد. فقال مرة أخرى يؤكد ما ~~قاله من قبل: لنتكلم معا بعض الوقت، فأنا أحب الحديث قبل أي شيء آخر. قلت: ولكنك ~~ستدفع كأي رجل آخر، فالوقت عندي محدد ولكل دقيقة ثمن. قال: كأنني في عيادة طبيب! ~~لماذا لا تعلقين في حجرة الانتظار قائمة بالأسعار؟ وهل عندك أيضا كشف ~~مستعجل! # قالها بشيء من السخرية، ولم أعرف سبب سخريته، وقلت: أتسخر من مهنتي أم من مهنة ~~الطبيب؟ قال: من الاثنتين. قلت: وهل هذه كتلك؟ قال: نعم، فيما عدا أن الطبيب يؤدي ~~عمله وهو يشعر أنه محترم. قلت: وأنا؟! قال: أنت غير محترمة. # قبل أن تصل كلمة «غير محترمة» إلى أذني رفعت يدي الاثنتين بسرعة وأخفيت أذني، لكن ~~الكلمة قد نفذت كالسهم إلى رأسي. ودب الصمت بعد أن أطبق شفتيه وانقطع صوته، لكن ~~الكلمة ظلت باقية في أذني، موجودة في أعمق مكان من أذني، مدفونة في رأسي كشيء مادي ~~له قوام، وله طرف حاد كنصل سكين، شقت الأذن وشقت الرأس ودخلت المخ. # كانت يداي لا تزالان مرفوعتين فوق أذني تحولان بينهما وبين صوته، وصوته لم يعد ~~مسموعا، وشفتاه حين تكلم لم تكن لهما حركة مرئية، فكأنما لا يتحركان، والكلمة خرجت ~~من فمه كأنما هي سقطت وحدها من بين شفتيه، وكدت أراها تسير في الجو من فمه إلى أذني، ~~كشيء له ملمس وله سطح محدد، بالضبط كالبصقة. ms49 # حين قرب شفتيه ليلمس شفتي كانت كلمته لا تزال في رأسي، فأبعدته عني وقلت: عملي ~~غير محترم، فلماذا تعمله معي؟! وحاول أن يشدني بقوة ولكني رفضت، وفتحت له الباب ~~ليخرج. # وخرج ضياء من بيتي، لكن كلمته لم تخرج من أذني؛ فهي دخلت رأسي في لحظة مضت، وما من ~~قوة في العالم تستطيع أن ترجع الزمن إلى الوراء لحظة واحدة، كان رأسي قبل هذه ~~اللحظة هادئا، أضعه كل ليلة على الوسادة، وأنام نوما عميقا حتى الصباح. لكن رأسي ~~أصبح يموج بحركة مستمرة لا تكف ليل نهار، كأمواج تضرب الشاطئ في مد وجزر، يجعل ~~للماء زبدا ورغوة كأنما يغلي، صوت كهدير البحر، ينبعث من الوسادة إلى أذني، ولا ~~يمكن أن أتبين صوت الماء من صوت الهواء؛ فهي كلها ضربات واحدة متعاقبة كالليل ~~والنهار، متلاحقة كضربات القلب تحت الضلوع، كمطرقة تدق في رأسي بكلمة واحدة: «غير ~~محترمة»، تحت العظام تدق، وخارج العظام تدق، وفي السرير تدق، وفي حجرة الطعام تدق، ~~وفي الشارع تدق، في كل مكان من الدنيا، مطرقة تدق فوق رأسي بالكلمة، تضربني على رأسي ~~ووجهي، وأكاد أحس ملمسا فوق وجهي لزجا باردا كالبصقة، كوقع الكلمة النابية فوق ~~أذني باردة لزجة، كوقع كل الكلمات النابية فوق أذني، وكل العيون الوقحة التي ~~تعريني ولا تغض البصر، بل والعيون المؤدبة التي تغض البصر وتحت الجفن تتلصص نظرة ~~ظاهرها الأدب وباطنها السخرية والاحتقار. # كلمة واحدة سلطت الضوء على حياتي، فرأيتها على حقيقتها، ومزقت الغشاوة عن عيني: ~~محترمة، لم أكن أعرف من قبل، وعدم المعرفة كان أفضل، وكنت آكل وأنام نوما عميقا، ~~فهل من شيء يقتلع هذه المعرفة من رأسي؟ فهي ليست إلا ألما حادا كالسكين تشق ~~الرأس وهي ليست سكينا، ولم تكن إلا كلمة واحدة نفذت كالسهم إلى رأسي قبل أن أغطي ~~أذني بيد، فهل من شيء يقتلع الكلمة من الرأس كما تقتلع الرصاصة، أو كما ~~يستأصل ورم المخ؟! # لم يكن من شيء في العالم يمكن أن يرجعني إلى ما كنت عليه قبل أن أسمع ms50 هذه ~~الكلمة، لكني منذ تلك اللحظة لم أعد أنا، أصبحت امرأة أخرى، وحياتي الماضية أصبحت ~~وراء ظهري، لا أريد أن أعود إليها وإن شقيت وتعذبت وجعت وتعريت. سأكون امرأة ~~«محترمة» بأي ثمن، وإن دفعت حياتي الثمن، سأفعل أي شيء لتكف الكلمات النابية عن ~~الوقوع فوق أذني، وتكف العيون الوقحة عن السقوط فوق جسدي. # كنت لا أزال أملك شهادتي الثانوية، وشهادة تفوق مدرستي، وعقلا قويا صارما يصر ~~على عمل محترم، وعينين سوداوين لهما نظرة مباشرة مستقيمة، لم أترك إعلانا عن عمل ~~دون أن أتقدم، ولم تكن هناك من وزارة أو مصلحة أو شركة إلا وسعيت إليها، وحصلت آخر ~~الأمر على وظيفة سكرتيرة بإحدى الشركات الصناعية الكبرى. # وأصبح لي مكتب صغير، يفصله عن مكتب رئيس الشركة باب صغير، تعلوه لمبة حمراء وجرس، ~~وحين يرن الجرس أدفع بيد الباب الصغير، وأدخل إلى المكتب الكبير، حيث يجلس رئيس ~~الشركة، رجل جاوز الخامسة والخمسين، قصير القامة، سمين، أصلع الرأس، وأسنانه سقط ~~بعضها، والبعض الآخر تغطيه طبقة صفراء تتخللها أجزاء سوداء، يرفع رأسه من فوق ~~الأوراق، ويكلمني والسيجارة بين شفتيه: لا أريد مقابلات إلا الشخصيات الكبيرة، ~~مفهوم؟ وقبل أن أسأل من هم الشخصيات الكبيرة، يكون رأسه قد سقط فوق الأوراق، ~~غارقا في بحر من الدخان. # بعد أن ينتهي العمل أحمل حقيبتي الصغيرة وأعود إلى البيت، لم يكن بيتي الآن بيتا، ~~وإنما حجرة صغيرة بغير دورة مياه، استأجرتها في بيت امرأة عجوز، تصحو كل صباح عند ~~الفجر لتصلي، ثم تنقر على باب حجرتي، لم تكن مواعيد العمل تبدأ إلا في الثامنة ~~صباحا، لكني كنت أستيقظ في الخامسة؛ لأحمل فوطة وجهي، وأهبط إلى دورة المياه حيث ~~يقف طابور من الرجال والنساء، لم يكن مرتبي الضئيل يساعدني على أن أسكن إلا في هذا ~~البيت، وفي هذه الحارة المزدحمة بدكاكين الحدادة والسمكرة، وعلي أن أجتاز عددا ~~من الحواري وجزءا من الشارع حتى أصل إلى محطة الأتوبيس، ويأتي الأتوبيس، فتندفع فيه ~~أجساد الرجال والنساء، كل منهم يصارع من أجل الدخول، وأصارع ms51 مثلهم حتى أدخل فرنا ~~من الأجساد المتلاصقة المنصهرة في كتلة واحدة. # وكان للشركة بابان: باب يدخل منه كبار الموظفين لا يحرسه أحد، وباب آخر يدخل منه ~~صغار الموظفين ويحرسه موظف على شكل بواب، يجلس على مكتب صغير من فوقه دفتر الحضور ~~والانصراف، وأبحث عن اسمي في الكشف الطويل فأوقع أمامه، وينظر في ساعته، ثم يكتب ~~أمام اسمي الوقت الذي حضرت فيه بالدقيقة، وعند الخروج من الشركة أيضا ينظر في ~~ساعته، ويسجل أمام اسمي الوقت الذي أخرج فيه بالدقيقة. # كان كبار الموظفين يحضرون في أي وقت، ويخرجون في أي وقت، ولكل منهم سيارة صغيرة أو ~~كبيرة، ألمح الواحد منهم وهو جالس داخلها، وأنا أقف على قدم واحدة داخل الكتلة ~~الجسدية المحشورة في الأتوبيس، وذات مرة لمحني أحدهم وأنا أجري لأتعلق بالأتوبيس، ~~فإذا بنظرته تسقط على رأسي وجسدي كالماء البارد، نظرة موظف كبير إلى موظفة صغيرة، ~~واندفع الدم إلى رأسي، وتعثرت قدمي وأنا أجري فتوقفت، واقترب مني بسيارته وقال: ~~يمكنني أن أوصلك. نظرت مباشرة إلى عينيه، عيناه تقولان: أنت موظفة فقيرة غير ~~محترمة، تجرين وراء الأتوبيس، ولكني سأوصلك في عربتي؛ لأن جسدك الأنثوي أثارني، ~~وسوف يشرفك أن يشتهيك موظف محترم مثلي، ومن يدري ربما أساعدك في المستقبل في ~~الحصول على علاوة قبل زملائك. # حينما لم أرد، ظن أنني لم أسمعه، فقال: يمكنني أن أوصلك. وقلت بهدوء: إن ثمن جسدي ~~أغلى من علاوة. واتسعت عيناه بدهشة، ولعله دهش كيف قرأت أفكاره بهذه السرعة، وانطلق ~~بسيارته يجري. # وأدركت بعد ثلاثة أعوام قضيتها بالشركة أنني حظيت وأنا مومس باحترام أكثر ~~وقيمة أكبر من جميع موظفات الشركة وأنا منهم، كنت أعيش وأنا مومس في بيت له ~~دورة مياه خاصة، أدخلها في أي وقت، وأغلق علي الباب دون أن يتعجلني أحد. ولم يكن ~~جسدي ينضغط بين الأجساد في الأتوبيس، ويتدافع عليه أعضاء الرجال من الأمام والخلف. ~~ولم يكن ثمن جسدي بخسا، لا يزيد عن علاوة أو وجبة عشاء أو نزهة بالسيارة على ~~كورنيش النيل، أو مجرد إرضاء ms52 المدير، أو تجنب غضب الرئيس. # قضيت هذه الأعوام الثلاثة دون أن يلمسني أي مدير أو موظف كبير بالشركة، لم أشأ أن ~~أمتهن جسدي بهذا الثمن البخس، بعد أن تعودت على الثمن الغالي المرتفع، بل إنني كنت ~~أرفض مجرد دعوة الغداء أو التنزه بالسيارة على كورنيش النيل. كنت أفضل أن أعود ~~إلى سريري وأنام بعد ساعات العمل الطويلة، وأرقب بإشفاق زميلاتي الساذجات، وهن ~~يعطين أجسادهن أو جهدهن كل ليلة نظير وجبة عشاء أو تقرير سنوي جيد، أو مجرد ~~الاطمئنان إلى أن الواحدة منهن لن تضطهد أو تنقل إلى مكان آخر، وفي كل مرة ~~يعرض علي أحد المديرين دعوته أقول له بهدوء: لست أشرف من زميلاتي، ولكن ثمني ~~مرتفع عنهن. # وأدركت أن الموظفة تخاف على وظيفتها أكثر مما تخاف المومس على حياتها؛ فالموظفة ~~تخاف أن تفقد وظيفتها وتصبح مومسا، وهي لا تدرك أن حياة المومس قد تكون أثمن من ~~حياتها. وتدفع الموظفة ثمن هذا الخوف الوهمي من حياتها وصحتها وجسدها وعقلها، تدفع ~~أبهظ شيء نظير أبخس شيء. وكنت أدرك أننا كلنا مومسات بأثمان متفاوتة، وأن المومس ~~الثمينة أفضل من البخس والاحتقار الذي أراه كل يوم في عيون الموظفين الكبار وهم ~~ينظرون إلى الموظفات الصغيرات، والانضغاطة المهينة بين أجساد الرجال في الأتوبيس، ~~وطابور الصباح الطويل أمام دورة مياه تطفح على الدوام. # ولم أحرص كثيرا على وظيفتي، فأصبحت الشركة تحرص علي. ولم أحرص كثيرا على إرضاء ~~أحد من الموظفين الكبار، فأصبح الموظفون الكبار يتنافسون على إرضائي. وانتشرت إشاعة ~~في الشركة بأنني موظفة شريفة، بل أشرف الموظفات، وأن أحدا من الرجال لم ينجح في ~~كسر كبريائي، وأن أكبر موظف عجز عن أن يجعل رأسي ينحني أو عيني تطرف. # وأحببت عملي رغم كل شيء؛ فأنا أقابل زميلاتي، يحدثنني وأحدثهن، ومكتبي أفضل من ~~بيتي، ودورة المياه في الشركة لا يقف أمامها طابور طويل، ولا يتعجلني أحد وأنا ~~أدخلها، وفناء الشركة فيه حديقة خلفية صغيرة، أجلس فيها آخر النهار قبل أن أعود إلى ~~بيتي، وقد يقبل الليل وأنا ms53 جالسة، لا أتعجل العودة إلى الحجرة المعتمة، والحارة ~~القذرة، ودورة المياه النتنة. # وذات يوم وأنا جالسة رآني أحد الموظفين، فزع أول الأمر حين رأى في الظلمة كتلة ~~بحجم الجسم ثابتة. قال من بعيد وقبل أن يقترب مني: من؟ من جالس هناك؟ وقلت بصوت ~~حزين: أنا، أنا فردوس. واقترب مني وعرفني، ودهش، فأنا من أحسن موظفات الشركة، وأحسن ~~موظفات الشركة ينصرفن على الفور بعد انتهاء العمل. # قلت: إنني أستريح قليلا لأنني متعبة. وجلس معي. كان اسمه إبراهيم، ممتلئ الجسم ~~وقصير، شعره أسود مجعد، وعيناه سوداوان، رأيتهما أمامي في الظلمة، تنظران إلي ~~تريانني رغم الظلمة، وكلما أبعدت رأسي تتبعانني، تمسكان بي ولا تتركاني، مهما أخفيت ~~عيني بيدي تريانني، وبكيت ويدي فوق عيني، فأمسك يدي ورفعهما عن وجهي وقال: لم أرك ~~أبدا تبكين، فما الذي حدث؟ قلت: لا شيء، لا شيء. قال: لا يمكن، لا بد أن شيئا حدث. ~~قلت له: لم يحدث أي شيء. قال بدهشة: أتبكين بغير سبب! قلت له: لا أعرف السبب، ولم ~~يحدث في حياتي شيء جديد. # ظل جالسا إلى جواري صامتا، عيناه السوداوان شاردتان في الظلمة، تغرورقان بالدموع ~~فتلمعان لحظة، ويزم شفتيه ويبتلع الدموع، فتجف عيناه وتضيع اللمعة، وفي مرة زم ~~شفتيه وابتلع الدموع، لكن دمعة ظلت باقية في عينيه، ثم سقطت على أنفه، فأخفى وجهه ~~بيد، وأخرج منديله باليد الأخرى ومسح أنفه. قلت له: أتبكي يا إبراهيم؟ قال: لا يا ~~فردوس. وأخفى منديله وابتلع ريقه وابتسم. # كان فناء الشركة صامتا ساكنا لا صوت ولا حركة، والدنيا ظلاما لا شمس ولا قمر، ~~ووجهي ناحية وجهه، وعيناي في عينيه، ورأيت أمامي دائرتين من البياض الندي داخلهما ~~دائرتان من السواد الشديد، تنظران وكلما كنت أنظر فيهما يشتد بياضهما ويشتد ~~سوادهما، فكأن ضوءا ينفذ إليهما من مكان مجهول سحري، ليس فوق الأرض وليس في ~~السماء؛ لأن الأرض مظلمة بالليل، والسماء سوداء بغير شمس ولا قمر. # أمسكت عينيه بعيني، ومددت يدي فأمسكت يده، وفي التلامس المفاجئ الغريب انتفض جسدي ~~بلذة عميقة قديمة، ms54 أقدم من عمري الذي أعيه، وأعمق من وعيي الذي عاش معي، أحسها في ~~مكان ما في كياني، فكأنها ولدت معي، وكبرت أنا وحدي وهي لم تكبر، أو أنني عرفتها ~~قبل أن أولد، أو ولدت أنا وبقيت هي دون أن تولد. # تذكرت شيئا وانفرجت شفتاي لأقوله، لكن صوتي اختنق، كأنما نسيت الشيء لحظة تذكره، ~~وقلبي اختنق بضربات قوية تشبه الخوف على شيء ضاع أو سيضيع، ويدي أمسكت يده في قبضة ~~قوية، ولا يمكن لأي قوة أخرى أن تنزع يده من يدي. # وأصبحت في كل مرة ألقاه تنفرج شفتي بشيء أذكره وأنساه، ويدق قلبي بضربات خوف أو ما ~~يشبه الخوف، وأود أن أمد يدي وأمسك يده، لكنه كان يدخل الشركة ثم يخرج دون أن ~~يراني، وإذا نظر إلي فهو ينظر إلي كما ينظر إلى أي موظفة أخرى. # وفي اجتماع كبير لعمال الشركة سمعته يتحدث عن العدالة وإزالة الفوارق بين المديرين ~~والعمال، وصفقنا له طويلا، وانتظرنا عند الباب لنصافحه، وأعطاني يده فأمسكتها، ~~وعيناي أيضا أمسكتا بعينيه، واسمه «إبراهيم» أكتبه وأنا شاردة على ظهر مكتبي، أو ~~على ظهر يدي، وما إن أراه وهو يجتاز فناء الشركة حتى أقف، كأنما سأذهب إليه، لكني ~~أجلس مرة أخرى. # وتلمحني زميلتي فتحية وأنا أقف وأجلس، فتقترب مني وتهمس: ماذا حدث لك يا فردوس؟ ~~وأقول لها: أبدا يا فتحية أبدا، لقد حدث. وتسألني: ما الذي حدث؟ وأحاول أن أقول ~~لها ما حدث، لكني لا أعرف كيف أقوله، أو لا أجد ما أقوله، كأنما حدث شيء ونسيته، أو ~~كأنما لم يحدث على الإطلاق. # وأغمض عيني أحاول أن أسترجع الصورة، وتتراءى لي الدائرتان الشديدتا السواد ومن ~~حولهما البياض الشديد، أحملق فيهما، وكلما حملقت فيهما اتسع السواد واتسع البياض، ~~ويصبح السواد كبيرا بحجم الأرض، والبياض ساطعا بحجم قرص الشمس، وعيناي تعرفان في ~~البياض وفي البياض وفي السواد معا، تعميان عن البياض وعن السواد، وتختلط أمامهما ~~الصور، فلا أعرف وجه أمي من أبي، ولا وفية من فتحية، ولا إقبال من إبراهيم، وأفتح ~~عيني ms55 في ذعر كمن أوشك أن يفقد البصر، وأرى حدود وجه فتحية في السواد أو البياض لم ~~تتركني بعد، وتقول لي: أتحبين إبراهيم يا فردوس؟ # وأقول لها: أبدا يا فتحية. وتقول: لماذا إذن ترتجفين كلما سمعت اسمه؟ وأقول لها: ~~أنا؟ أبدا، لم يحدث، أنت تبالغين دائما يا فتحية. وتقول فتحية: إبراهيم رجل ثوري ~~ممتاز. وأقول لها: نعم، ولكنني موظفة صغيرة، فهل يمكن أن يحب إبراهيم فتاة فقيرة ~~مثلي؟ # وتكونت في الشركة لجنة ثورية برئاسته، وانضممت إلى اللجنة أعمل ليل نهار، وفي أيام ~~الإجازات أعمل بغير أجر، لم أعد أفكر في الأجر، ولم يعد الوقوف في طابور الصباح ~~أمام دورة المياه يؤلمني، ولا الانضغاط بين الأجساد في الأتوبيس يهينني، وذات مرة ~~رآني وأنا أجري خلف الأتوبيس، أوقف سيارته الصغيرة وناداني، ركبت إلى جواره، وسمعته ~~يقول: أنا معجب بك يا فردوس؛ لو أن عندنا في الشركة خمسة لديهم حماسك ونشاطك ~~وإيمانك، لاستطعنا أن نفعل أي شيء في العالم. # ولم أرد، كنت أضغط بحقيبتي الصغيرة على صدري لأكتم دقات قلبي، وأحاول أن أجعل ~~تنفسي طبيعيا، لكني اكتشفت بعد لحظة أنني ألهث، وقلت له - وأنا أعلم أنني أكذب: ~~لا زلت أبتسم، وظل صامتا، ثم سألني بعد قليل: أتعودين إلى البيت مباشرة أم تريدين ~~أن نجلس معا بعض الوقت؟ فاجأني السؤال، فقلت قبل أن أفكر: لا أريد العودة إلى ~~البيت. لكني تداركت الأمر وقلت: ولكنك متعب من العمل طول اليوم، والأفضل أن تعود ~~إلى بيتك وتستريح. وقال: ربما أستريح إذا تحدثت معك بعض الوقت، إلا إذا كنت متعبة ~~وفي حاجة إلى الراحة. قلت دون أن أدري: الراحة! إن حياتي ليس فيها أي نوع من ~~الراحة. وأحسست بيده الدافئة القوية تمسك يدي، فانتفض كياني برجفة امتدت إلى رأسي ~~وجذور الشعر فوق جسدي، وسمعته يقول: فردوس، هل تذكرين أول مرة رأيتك؟ قلت: نعم. ~~قال: منذ ذلك اليوم وأنا أفكر فيك. قلت: وأنا أيضا. # تحدثنا ذلك اليوم في كل شيء، حكيت له طفولتي وحياتي الماضية، وحكى لي طفولته ~~وأحلام ms56 مستقبله. وفي اليوم التالي تحدثنا وحكينا كل شيء، حتى الأحاسيس التي أخفيتها ~~عن نفسي حكيتها له، وحكى لي كل شيء. وفي اليوم الثالث أخذني إلى بيته الصغير، وقضيت ~~الليل معه، أحكي له ويحكي لي، واحتواني بجسده واحتويته بجسدي. وأصبحت كمن أمسك ~~الدنيا بقبضة يده، واتسع العالم أمام عيني وتوهجت الشمس، وتألقت كل الأشياء بضوء ~~غريب، حتى طابور دورة المياه المشتركة تألق في عيني، وعيون ركاب الأتوبيس لم تعد ~~صفراء باهتة، وإنما لامعة متألقة، وعيناي في المرآة تألقتا بضوء عجيب، وجسدي أصبح ~~خفيفا كالريشة، أعمل طول النهار، ولا أشعر بتعب أو رغبة في النوم. # نظرت إلى وجهي صباح يوم إحدى زميلاتي في الشركة، فهتفت مندهشة: ماذا حدث يا فردوس؟ ~~قلت: لماذا؟ قالت: وجهك لم يعد هو وجهك. قلت: ماذا؟ قالت: وجهك أصبح يشع بنور عجيب. ~~قلت: أنا أحب. قالت: الحب! قلت: أتعرفينه؟ قالت في حزن: لا. قلت: يا مسكينة! قالت: ~~يا مخدوعة! أتصدقين أن هناك شيئا اسمه الحب؟! قلت: الحب جعلني إنسانة أخرى، والحب ~~جعل الحياة في عيني جميلة. قالت بأسى: يا مخدوعة! أتصدقين كلمات الحب التي تقال ~~لمثيلاتنا الفقيرات؟ قلت: إنه رجل ثوري يحارب من أجلنا ومن أجل كل الفقراء. قالت في ~~حزن: أتصدقين الكلام الذي يقال في الاجتماعات يا مسكينة؟ قلت بغضب: كفى، أنت تضعين ~~منظارا أسود ولا ترين الشمس. # كان وجهي للشمس، أحملق في الضوء والدفء يغمرني حين لمحته يجتاز فناء الشركة ~~كعادته، ولمعت في الشمس عيناه، لمعة غريبة جديدة جعلت عينيه غريبتين في عيني، كأنما ~~هما عينا رجل آخر، وجريت إليه لأستقبله، لكني رأيت حوله بعض الموظفين يصافحونه ~~ويهنئونه. لم يرني وسط الزحام، وسمعت أصواتا ترن في أذني: خطب ابنة رئيس مجلس ~~الإدارة بالأمس، شاب ذكي يستحق كل خير، مستقبله باهر، سيصعد سريعا في الشركة. # وضعت يدي فوق أذني لأحول بينهما وبين الأصوات، وتركت الجمهرة حوله، وخرجت من باب ~~الشركة، ولم أعد إلى بيتي. # ظللت أمشي في الشارع، عيناي لا تريان، دموعي فوق وجهي تسيل وتجف، وأقبل ms57 الليل ~~ودموعي قد جفت فوق وجهي وعنقي، لكنها لا تزال تبلل ثوبي فوق صدري، وهواء الليل ~~البارد نفذ إلى جسمي فارتجفت، وحوطت ذراعي حول صدري أدفئه. وتذكرت ذراعيه حولي، ~~فارتجفت مرة أخرى، وبكيت، لكن الدموع لم تعد تسقط من عيني، وسمعت صوتا يشبه ~~النشيج، وعرفت أنه صوتي. # وعدت تلك الليلة إلى الشركة، ودخلت مكتبي، ولممت أوراقي في حقيبتي الصغيرة، وسرت نحو ~~باب الخروج، لم أكن رأيت إبراهيم منذ خبر الصباح، فوقفت عند الباب أتلفت حولي، ~~الحديقة الصغيرة في الفناء الخلفي، فسرت إليها وجلست، وأنا أتلفت حولي، وكلما سمعت ~~صوتا من بعيد، أو أحسست حركة ما؛ أرهفت أذني. ورأيت كتلة بحجم الجسم تتحرك قرب مدخل ~~الفناء، فانتفضت واقفة، قلبي يدق ورأسي يدق وصدري يدق، وخيل إلي أن الجسم الذي ~~رأيته يقترب مني، فسرت نحوه في الظلام ببطء، وفي حركة السير أدركت أن العرق الغزير ~~قد بلل كل جسدي بما في ذلك شعري وبطن يدي، وشعرت بشيء من الخوف وأنا أسير في ~~الفناء المظلم وحدي، فناديت بصوت خافت لم يصل إلى أذني: إبراهيم! ولم أسمع صوتا، ~~واشتد خوفي، لكني كنت لا أزال أرى في الظلمة كتلة بحجم الجسم، وقلت بصوت عال سمعته ~~بأذني هذه المرة: من هناك؟ وكأنما بدد الصوت العالي الحلم، كمن يتكلم وهو نائم ~~فيصحو على الصوت، وانقشعت الظلمة عن جدار من الطوب بني أمام مدخل الفناء، جدار ~~قصير بطول الإنسان وبغير طلاء، خيل إلي أنه بني هذه اللحظة فقط وإن كنت ~~رأيته من قبل. # وقبل أن أخرج من باب الشركة ظللت أتلفت حولي، عيناي تمسحان النوافذ والجدران ~~والأبواب، تترقبان شيئا يفتح فجأة، وتطل منه عيناه لحظة قبل أن أمشي، أو يلوح لي ~~بيده بحركة الوداع العادية، ولم تكف عيناي عن الحركة، وفي كل لحظة كنت أفقد الأمل، ~~لكن الأمل سرعان ما يعاودني، وعيناي تروحان وتجيئان بسرعة شديدة، وصدري يعلو ويهبط ~~بسرعة أشد، وقبل أن أخرج إلى الشارع توقفت لحظة أخرى وانتظرت، وحين أصبحت في ~~الشارع توقفت لحظة كأنما أتوقع ms58 شيئا، كأنما شيء سيفتح فجأة، لكن كل النوافذ ~~والأبواب ظلت مغلقة. # لم أعرف في حياتي ألما كهذا الألم، وحين كنت مومسا كان ألمي أقل حدة؛ ألما ~~وهميا أكثر مما هو ألم حقيقي. حين كنت مومسا لم أكن أنا نفسي، وشعوري لم يكن هو ~~شعوري، ولا شيء كان يؤلمني كهذا الألم الذي أحسسته، ولم أشعر بالمهانة التي شعرت ~~بها، ربما لأنني وأنا مومس كنت قد أهنت أكثر من اللازم، فلم يعد هناك ما يهينني ~~أكثر، أو أن حياة المومس هي الشارع، وليس هناك ما أتوقعه من الشارع. ولكن في الحب ~~توقعت شيئا، في الحب بدأت أحلم بأن أكون إنسانة، أو ربما لأنني وأنا مومس لم أكن ~~أعطي شيئا بغير مقابل، ولكني في الحب أعطيت نفسي بغير مقابل، بذلت للحب كل شيء ~~عندي، وسلمته نفسي بغير أسلحة وبغير دفاع. لكني وأنا مومس كنت في حالة دفاع دائم ~~عن نفسي، أحمي نفسي بأن أسحبها من أعماقي، وأعطي الرجل جسدا سلبيا فاقدا ~~الشعور، كنت أحمي نفسي بانسحابي وسلبيتي، أن أكون سلبية معناه أن أقاوم بطريقة ما. ~~أن أقول للرجل: تستطيع أن تأخذ جسدي، ولكنك لا تستطيع أن تجعلني أنفعل أو أهتز بلذة ~~أو حتى ألم، إنني أنام من الداخل ولا أشعر بشيء، لا أشعر حتى بالتعب؛ لأني لا ~~أستنفذ شيئا من جهدي، ولا أنفق شيئا من قوتي. لا أستخدم نفسي، وإنما أدخرها في ~~أعماقي. لم أشعر وأنا مومس أنني أبذل شيئا من طاقتي وأحاسيسي وأعماقي. كم بذلت ~~من نفسي، وكم أنفقت من جهدي وطاقتي وأحاسيسي وأعماقي! كم بذلت، وكم أعطيت بلا حساب ~~وبلا مقابل، كعطاء القديسين! ولم أكن أريد شيئا سوى أن ينتشلني الحب وأصبح نفسي، ~~وأصبح ذاتا محترمة لا يحتقرها الآخرون، ولكن لم يكن لي أن أبلغ مما أريد شيئا؛ ~~فأنا موظفة صغيرة فقيرة مهما فعلت، ومهما أعطيت عطاء القديسين، إن قدسيتي (كقدسية ~~أي فقير) لا يمكن أن تكون في نظر الآخرين فضيلة، وإنما هي غباء أو ضعف أشر ازدراء ~~من الرذيلة. # وأدركت ms59 أنني تخلصت من آخر قطرة من القدسية في دمي، وأصبح عقلي واعيا بالحقيقة، ~~حقيقة أنني أفضل أن أكون مومسا عن أن أكون قديسة مخدوعة. كل النساء مخدوعات، ~~الرجال يفرضون عليك الخديعة، ثم يعاقبونك لأنك مخدوعة، والرجال يفرضون عليك أن ~~تهبطي إلى الحضيض. # الرجال يفرضون عليك الزواج، ثم يعاقبونك بالضرب والشتيمة والخدمة المستمرة. إلا ~~أن أقل النساء انخداعا هن المومسات، ومن أجل الزواج أو الحب تنال المرأة عقابا ~~أشد. # كان الليل قد انتصف، والشارع أصبح هادئا، ونسمة النيل أصبحت ساحرة، وأنا أسير ~~أستمتع بهدوء الليل، ولم أعد أشعر بأي ألم. تلمس النسمة الرقيقة وجهي، وأتمتع بمنظر ~~الشارع الخالي والنوافذ المغلقة، أستمتع بغربتي عن الناس، وغربتهم عني، وغربة الأرض ~~والسماء والأشجار. كمن تسير في عالم سحري لا تنتمي إليه ولا ينتمي إليها، تفعل ما ~~تشاء ولا تفعل ما تشاء، حرية عدم الانتماء لأحد، ولذة الانفصال عن الكون. تحس ~~باستقلالها وبأنها كائن مستقل لا يحكمها رجل ولا تخضع لقانون زواج أو حب، هي خارج ~~الزمن وخارج القانون وخارج الكون. إذا لم يطلبها الذي سيأتي بعده أو الذي بعده، لا ~~تنتظر واحدا بالذات، فإذا ما غاب حزنت، ولا تتوقع شيئا بالذات إذا لم يحدث تألمت، ~~إنها لا تأمل في شيء، ولا ترغب في شيء، ولا تخاف من شيء، فكل ما يمكن أن يحدث حدث، ~~ولا شيء يمكن أن يحدث لها أكثر مما حدث. # ووجدتني أفتح ذراعي لليل الساحر، وأدندن بأغنية سمعتها تقول: لا آمل في شيء، ولا ~~أرغب في شيء، ولا أخاف من شيء، فأنا أملك حريتي. # ووقفت أمامي السيارة الطويلة الفاخرة، وأطل منها رجل، فضحكت، وفي الفراش الوثير ~~تقلبت دون أن أبذل من نفسي شيئا، ودون أن أشعر بلذة أو ألم، واكتشفت وأنا ~~أتقلب فوق الفراش أن الرجال الثوريين من ذوي المبادئ لا يختلفون كثيرا عن ~~الرجال الآخرين، إنهم بذكائهم ومبادئهم يحصلون على ما يحصل عليه الرجال الآخرون ~~بأموالهم. إنهم ثوريون، نعم، مثلنا نحن المومسات، والثورة عندهم كالجنس عندنا، شيء ~~يقدم ويمتهن. # وقابلت ms60 إبراهيم صدفة بعد زواجه بأربع سنوات، طلب أن يأتي إلي. ولم أكن تخلصت من ~~حبي له بعد، فرفضت، لم يكن في إمكاني أن أمتهن نفسي معه، لكني بعد عدة سنوات أخرى، ~~وبعد أن ألح في الطلب لم أرفض، وحين أوشك أن ينصرف من بيتي دون أن يدفع شيئا، قلت ~~له: نسيت أن تدفع الثمن، وأخرج حافظة نقوده بيد مرتعشة، وناولني ورقة ذات العشر ~~جنيهات، لكني قلت له: الثمن عشرون جنيها لا يقل وقد يزيد، وارتعشت يده مرة أخرى ~~وهو يخرج ورقة من ذات العشرة جنيهات، وأكتشف أنه حين أحبني لم يحبني، وإنما كان ~~يأتيني كل ليلة لأنه لم يكن يدفع شيئا. # أصبحت واعية بأنني أكره الرجال. خشيت أن أبوح بهذا السر سنين طويلة. وأكثر ما كنت ~~أكره ذلك الرجل الذي كان يحاول أن يعظني أو يقول لي إنه يريد أن ينتشلني مما أنا ~~فيه؛ كنت أكرهه لأنه يتصور أنه أفضل مني، وأنه قادر على إنقاذي. يفكر في إنقاذي من ~~أجل أن يتقمص دور البطل المنقذ الذي فشل في تقمصه في ظروف أخرى، يمارس دوره الأعلى ~~النبيل، يشعر بنبله حين يذكرني بانحطاطي، وكأنما يقول لنفسه: أنا نبيل رفيع الشأن، ~~أحاول أن أنتشلك أيتها المرأة الساقطة. # وكنت أرفض بطولتهم ونبلهم. إن أحدا منهم لم ينقذني وأنا زوجة أضرب وأركل ~~بالقدم. ولم ينقذني أحد حين مزقني الحب وكاد يحطمني. إن حياة المرأة في جميع ~~الأحوال سيئة، لكن حياة المومس قد تكون أقل سوءا. وقد أقنعت نفسي بأنني اخترتها. ~~إن رفضي لبطولتهم ونبلهم لإنقاذي وإصراري على أن أكون مومسا يؤكد لي أنني أنا التي ~~اخترت حياتي، وأنني أكثر حرية اختيار أقل لأشياء أكثر ملك سوءا. # المومس تقول: «نعم» دائما وتشترط الثمن. وحينما تقول المومس: «لا»، فهذا يعني ~~أنها ليست مومسا. ولأنني لست مومسا فأنا أقول: «لا» أحيانا، وكلمة «لا» جعلت ~~ثمني يرتفع يوما بعد يوم؛ فالرجل لا يحتمل أن ترفضه امرأة؛ لأنه مرفوض من الداخل، ~~ولا يمكن لأحد أن يحتمل الرفضين معا، وهذا هو ms61 السبب في أنني حين كنت أقول «لا» فإن ~~الرجل يصر، ومهما رفعت الثمن فهو يصر، ولا يحتمل أبدا أن ترفضه امرأة. # وأصبحت مومسا ناجحة، أحصل على أعلى ثمن، ويتنافس علي أعظم الرجال. وذات يوم سمع ~~عني عظيم من دولة من الدول، رآني فطلبني، ورفضت. كنت أعرف أن معظم هؤلاء الحكام لا ~~ينهزمون أبدا أمام الآخرين؛ لأنهم منهزمون دائما من الداخل، لا يمكن للإنسان أن ~~يحتمل الهزيمتين معا، وهذا هو سبب صعودهم المستمر إلى مقاعد الحكم، إن السيطرة ~~التي يشعرون بها وهم يحكمون الآخرين تمنحهم إحساسا مزيفا بالنسبة لأعماقهم، ولكنه ~~حقيقي بالنسبة للآخرين، وهذا هو الأهم. # وزاده رفضي إصرارا من أجل الانتصار علي. في كل مرة يأتيني رجل بوليس من عنده ~~وأنا أرفضه، وفي كل مرة يستخدم رجل البوليس معي أسلوبا جديدا، مرة يقدم لي المال، ~~ومرة يهددني بالسجن، ومرة يقول لي: إن رفضي لمثل هذا الحاكم قد يعد إهانة لشخصه ~~العظيم، ومن ثم يسيء إلى العلاقة بين البلدين، وأن الوطنية تستوجب مني أن أذهب ~~إليه، وقلت لرجل البوليس إنني لا أعرف شيئا عن الوطنية، وإن الوطن لم يعطني ~~شيئا، بل سلب مني كل شيء حتى شرفي وكرامتي، والغريب أن رجل البوليس صدم بكلامي ~~صدمة حقيقية أخلاقية، فكيف يمكن لشخص أن يفتقد المبادئ الوطنية؟! وضحكت من المفارقة ~~والازدواجية الأخلاقية، إنهم يأخذون مومسا لرجل، إنهم قوادون، ومع ذلك يتحدثون ~~باحترام عن المبادئ الوطنية والأخلاقية، وأدركت أن رجل البوليس يطيع الأوامر فحسب، ~~أي أمر يصدر إليه يصبح واجبا وطنيا مقدسا، يسوقني إلى السجن، أو يسوقني إلى ~~فراش شخص مهم، كلاهما سيان، وفي كلا الحالين هو يؤدي باحترام واجبه الوطني المقدس، ~~ومن أجل الواجب الوطني قد تحصل المومس على وسام الشرف، وقد تتحول جرائم القتل إلى ~~بطولات. # وكنت أرفض الذهاب إلى أي واحد منهم؛ إن جسدي ملكي أنا، أما أرض الوطن فهي من ~~أملاكهم هم، وقد أخذوني إلى السجن مرة بسبب رفضي أحدهم، فاستأجرت محاميا كبيرا ~~بمبلغ كبير من المال، وخرجت من السجن براءة، ms62 بعد أن قررت المحكمة أنني امرأة شريفة، ~~وأدركت أن الشرف يحتاج دائما إلى أن يفقد الإنسان شرفه، والحصول على الشرف يحتاج ~~إلى المال، وتدور الدائرة المفرغة على الدوام. # لم أشعر لحظة أنني امرأة غير شريفة، كنت أعرف أن مهنتي من صنع الرجال المسيطرين ~~على الدنيا والآخرة، وأن الرجال يفرضون على النساء أن يكن مومسات بأشكال مختلفة، ~~ولأنني ذكية واعية فقد فضلت أن أكون مومسا حرة عن أن أكون مومسا عبدة، وفي كل ~~مرة أعطي جسدي أقبض الثمن غاليا، وأستطيع بثروتي أن أستأجر ما أشاء من الخدم ~~ليغسلوا ملابسي وينظفوا أحذيتي، وأستطيع أن أستأجر المحامي للدفاع عن شرفي، وأستأجر ~~الطبيب لإجهاضي، وأستأجر الصحفي لينشر صورتي وأخباري. لكل شخص ثمن، ولكل مهنة أجر، ~~ويزيد الأجر بارتفاع المهنة، ويزيد الثمن بارتفاع الشخص في السلم الاجتماعي. وقد ~~تبرعت يوما بجزء من مالي لإحدى الجمعيات الخيرية، فنشرت الصحف صورتي، وأشادت ~~بموقفي المشرف، وأصبحت كلما أريد جرعة من الشرف أو الشهرة سحبت مبلغا من ~~البنك. # لكن أنوف الرجال تشم المال على نحو عجيب. فإذا برجل يرغب الزواج مني، ولكني رفضت؛ ~~لا زال فوق جسدي الأثر الباقي من حذاء زوجي، وجاءني رجل آخر يرغب في الحب، فرفضت؛ لا ~~زال في أعماقي الأثر الباقي من الألم السحيق. # وظننت أنني نجوت من الرجال، لكن الرجل الذي جاءني هذه المرة كان يرتدي مهنة معروفة ~~ضمن الرجال، هي مهنة القوادين، وظننت أنني سأصرفه بمبلغ من المال. لكنه مومس قواد ~~يحميها من القوانين ورجال البوليس، وأنا الذي سأحميك. قلت له: سأحمي نفسي بنفسي. ~~قال: لا توجد امرأة فوق الأرض تحمي نفسها. قلت له: لا أريد حمايتك. قال لي: الحماية ~~تفرض وإلا انقرضت مهنة الأزواج والقوادين. قلت: لا أقبل التهديد. قال: أنا لا ~~أهدد، أنا أنصح. قلت: وإذا لم أقبل النصيحة؟ قال: سأضطر إلى أن أهدد. قلت: وكيف ~~ستهددني؟ قال: لي وسائلي وأدواتي الخاصة، ولكل مهنة أدواتها. # ولجأت إلى البوليس، لكني اكتشفت أن صلته برجال البوليس أقوى من صلتي، ولجأت إلى ~~القانون، فاكتشفت ms63 أن القانون يعاقب النساء ويغض عينيه عن الرجال. # وضحك الرجل القواد، وكان اسمه «مرزوق» وهو يراقبني من بعيد، وأنا أبحث عن شيء ~~يحميني منه دون جدوى. وحينما لمحني وأنا أدخل بيتي دخل ورائي، حاولت أن أغلق الباب ~~في وجهه، لكنه أخرج من جيبه سكينا وهددني، ودخل ورائي. قلت له: ماذا تريد مني؟ ~~قال: أريد أن أحميك من الرجال الآخرين. قلت له: إن أحدا لا يهددني غيرك! قال: إذا ~~لم أهددك أنا، فسوف يهددك رجل آخر؛ فالقوادون كثيرون. وإذا رغبت في أن أتزوجك أيضا ~~فأنا مستعد. قلت: لا داعي للزواج أيضا، يكفي أن تأخذ أموالي، أما جسدي فهو ملك لي، ~~وقال بلهجة رجال الأعمال الناجحين: أنا رجل أعمال، أجساد النساء هي رأسمالي، وأنا ~~لا أخلط بين العمل وبين الحب. قلت له: هل تعرف الحب؟ قال: وهل هناك إنسان لا يعرف ~~الحب؟! ألم تعرفي أنت الحب؟ قلت: عرفته. قال: وأين هو الآن؟ قلت: غير موجود، وأنت؟ ~~قال: لا زال موجودا. قلت له: يا مسكين! قال: حاولت التخلص منه، ولم أستطع. قلت: هل ~~هي امرأة أم رجل؛ القوادون يفضلون الرجال دائما! قال: إنها امرأة. قلت: وهل تنفق ~~عليها؟ قال: أنفق عليها كل ما أملك، مالي ونفسي وجهدي وعقلي وجسدي وكل شيء، ومع ذلك ~~فأنا أحس أنني لا أكفيها، وأنها تحب رجلا آخر. وقلت: يا مسكين! قال: كل الناس ~~مساكين في الحب. وضحكت وقلت: لست مسكينة؛ لأنني لا أحب. قال وهو يثبت عينه في عيني: ~~أنت واهمة، فأنا أرى في عينيك التحطيم الذي يفعله الحب بالعينين. قلت: الحب يضيء ~~العينين بالنور ولا يحطمهما. قال: يا مسكينة، أنت لم تعرفي الحب، أنا الذي سأعرفك ~~بالحب! # حاول أن يشدني إليه، لكني دفعته بيدي بعيدا، وقلت: أنا لا أخلط بين العمل والحب! ~~قال: لا شيء عندي اسمه مستحيل. # أطبق ذراعيه حولي، وأحسست بالثقل المعهود فوق صدري، لكن جسدي ظل منسحبا منفصلا ~~عني، جسدا سلبيا تماما، لم ينهزم ولم يستسلم، سلبيته نوع من المقاومة، فهو قادر ~~على ألا ms64 ينفعل، وألا يشعر بألم أو لذة، وألا تهتز فيه شعرة واحدة. # واقتسم هذا الرجل معي أموالي، كان يأخذ القسط الأكبر، لكني كنت أرفضه في كل مرة ~~يقترب فيها مني، وأقول له: مستحيل! فيضربني ويقول: لا شيء عندي اسمه مستحيل. # وعرفت أنه قواد خطير، يسيطر على عدد من المومسات وأنا منهن، وله أصدقاء في كل مكان ~~ومن جميع المهن، ينفق عليهم بسخاء، له صديق طبيب يلجأ إليه إذا ما حملت واحدة من ~~المومسات، وله صديق في البوليس يحميه من هجمات البوليس، وله صديق في المحاكم يعرفه ~~ببنود القانون التي تحميه، ويطوع القانون لتبرئة أي مومس تحبس، أو دفع الغرامة ~~في أسرع وقت؛ لتخرج المومس من السجن ولا تتعطل طويلا عن عملها وإنتاجها. # وأدركت أنني لست حرة كما تصورت، وأنني لست إلا آلة جسدية تعمل ليل نهار؛ من أجل أن ~~يثرى بعض الرجال من مختلف المهن ثراء فاحشا. ولم أعد أملك حتى بيتي الذي دفعت فيه ~~عرقي وجهدي. وذات يوم قلت لنفسي: لن أستمر، ووضعت في حقيبتي الصغيرة أوراقي، وكدت ~~أخرج من الباب، لكنه ظهر أمامي على الفور، وقال: أين تذهبين؟ قلت: سأبحث عن عمل، ~~ولا تزال معي شهادتي. قال: ومن قال: إنك لا تعملين؟ قلت: سأختار العمل الذي ~~أريده. قال: ومن قال لك إن هناك أحدا على ظهر هذه الأرض يختار العمل الذي ~~يريده؟! قلت: لا أريد أن يستعبدني أحد. قال: ومن قال لك أن هناك أحدا على ظهر ~~الدنيا لا يستعبده أحد؟! الناس يا فردوس نوعان اثنان لا ثالث لهما: العبيد والسادة، ~~قلت: فلأكن من السادة وليس من العبيد. قال: كيف تكونين من السادة يا فردوس؟ إن ~~المرأة وحدها لا تستطيع، فما بالك إذا كنت امرأة ومومسا؟ ألا ترين أن هذا ~~مستحيل؟ قلت: لا شيء عندي اسمه مستحيل. # حاولت أن أخرج من الباب، لكنه دفعني وأغلق الباب، ثبت عيني في عينيه وقلت له: ~~سأخرج! قال وهو يثبت عينيه في عيني: لن تخرجي، ظلت عيناي ثابتتين في عينيه، ~~وأدركت أنني أكرهه ms65 بمقدار ما تكره المرأة الرجل المتسلط، وبمقدار ما يكره العبد ~~سيده، وأدركت من عينيه أنه يخاف مني بمقدار ما يخاف السيد من عبده، وبمقدار ما يخاف ~~الرجل المتسلط من المرأة. # لكنها لم تكن إلا لحظة خاطفة، وعادت إلى عينيه نظرة الأسياد المتكبرة، ونظرة ~~الذكور المقتحمة غير الهيابة لشيء، وأمسكت الباب لأفتحه، فرفع يده عاليا وصفعني، ~~فرفعت يدي أعلى من يده وصفعته، ورأيت الشرر الأحمر في عينيه، وتحركت يده نحو جيبه ~~ليخرج السكين، لكن يدي كانت أسرع من يده، وأغمدت السكين في عنقه. # وأخرجت السكين من عنقه، ثم أغمدته مرة ثانية في صدره، وأخرجته، وأغمدته في بطنه، ~~في كل أجزاء جسمه أغمدت السكين، ودهشت لسهولة حركة يدي وهي تغمد السكين، ودهشت أكثر ~~لأنني لم أفعلها من قبل، حاولت أن أعرف لماذا لم أفعلها من قبل، وأدركت أنني كنت ~~أخاف، وأن الخوف لم يفارقني إلا تلك اللحظة الخاطفة التي رأيت فيها الخوف في ~~عينيه. # وفتحت الباب وخرجت إلى الشارع، جسمي خفيف كالريشة، كأنما ثقل جسمي لم يكن إلا ~~تراكم الخوف أعواما فوق جسدي. الليل صامت والظلام بديع، كأنما الضوء لم يكن إلا ~~تراكم الوهم أعواما فوق عيني، النيل ساحر والهواء منعش، ورأسي مرفوع نحو السماء ~~بكبرياء من مزق الحجب وكشف الغيب، وقدماي تمزقان الصمت بوقع ثابت متصل، ليس ~~سريعا يتعجل شيئا أو يخاف من شيء، وليس بطيئا أيضا؛ لأنه وقع قدمي امرأة ~~واثقة من نفسها، تعرف طريقها وتعرف هدفها، حذاؤها جلدي ثمين، له كعب عال متين، ~~وقدماها لهما تقوس أنثوي، يرتفع إلى ساقين ممتلئتين لهما استدارة ناعمة، نزع كل ~~ما كساهما من شعر. # لا يمكن لأحد أن يتعرف علي بسهولة؛ فأنا امرأة أشبه كل النساء الشريفات من ~~الطبقة العليا، شعري مصفف عند حلاق متخصص في شعور نساء الطبقة العليا، وشفتاي ~~صبغتا بلون طبيعي شريف، لا يكشف عن الخلاعة ولا يخفيها في الوقت نفسه، وعيناي ~~رسمتا بخطوط متقنة، فيها نداء، وفيهما رفض، كزوجة أي موظف كبير في أعلى طبقة، لكن ~~خطوتي الواثقة القوية ms66 فوق الأسفلت تدل على أنني لست زوجة لأحد. # مررت بعدد من رجال البوليس، لكن أحدا منهم لم يتعرف علي، ربما ظنوا أنني إحدى ~~الأميرات أو الملكات أو الإلهات؛ فمن هذه التي يمكن أن ترفع رأسها في السماء على ~~هذا النحو؟ ومن هذه التي يمكن أن يكون لوقع حذائها فوق الأسفلت هذا الوقع! وظلوا ~~ينظرون إلي، وكان علي أن أرفع رأسي عاليا وأرتفع عن حياتهم العادية، أن أحتفظ ~~بهدوئي وبرودي، أن أسير بخطوة قوية ثابتة لا تتعثر، إنهم ينتظرون حتى تتعثر الواحدة ~~منا فينقضوا عليها. # وعند ثنية الشارع رأيت السيارة الفاخرة، يطل منها رأس رجل ملهوف، فتح باب السيارة ~~وقال: تعالي معي. قلت: لا. قال: سأدفع ما تطلبين. قلت: لا. قال: صدقيني، سأدفع ما ~~تطلبين. قلت: لا. قال: صدقيني، سأدفع ألفا. قلت: لا. قال: ألفين، ثبت عيني في ~~عينيه، وعرفت من الذعر الكامن في قاع عينيه أنه أحد الأمراء أو الحكام، فقلت له: ~~ثلاثة آلاف. قال: أوافق. # في الفراش الوثير، أغمضت عيني وانفصل عني جسدي، جسد لا زال شابا ولا زال قويا، ~~قادرا على الانسحاب والمقاومة. وأحسست بالجسد الثقيل فوق صدري، مثقلا بسنين طويلة ~~لا أعرف عددها، متخما بعرق مختزن، وشبع مستمر يزيد عن الحاجة ويزيد عن النهم، وفي ~~كل حركة يسألني بغباء؟ أتشعرين بلذة؟ وأغمض عيني وأقول: نعم. فيبتهج بسعادة غبية، ~~ويسألني مرة أخرى، فأقول: نعم. ويصدقني بغباء أشد، ويبتهج مرة أخرى، ويعاود الغباء، ~~في كل مرة أقول: نعم، أحس بالثقل مرة أخرى فوق صدري، وحينما هم بأن يسألني مرة ~~أخرى، انفجرت بالغضب وقلت: لا. وحينما هم بأن يناولني الأوراق المالية، كنت لا ~~أزال غاضبة؛ فانقضضت على الأوراق أمزقها ورقة ورقة. # ملمس الورقة المالية فوق أصابعي كملمس أول قرش لامس أصابعي، وحركة يدي وهي تمزق ~~الورقة مزقت الستار الأخير عن لغز حياتي، واكتشفت حقيقة عرفتها وأنا طفلة حين ~~أعطاني أبي لأول مرة قرشا، وضغطت بكل قوتي على الورقة أمزقها، كأنما أمزق قرش زوجي، ~~وأمزق زوجي، وأمزق أبي، وأمزق مرزوق، وأمزق ms67 بيومي وضياء وإبراهيم، أمزق فوق أصبعي، ~~وأمزق أصبعي أيضا. # واتسعت عيناه بدهشة وهو ينظر إلي وأنا أمزق الأوراق المالية عن آخرها، وقال: ~~أنت أميرة. قال: كنت أظنك مومسا. قلت: لست مومسا، لكن أبي وعمي وزوجي دربوني منذ ~~البداية لأكون مومسا، وضحك الأمير وقال: أنت تكذبين؛ فوجهك ينم عن أنك ابنة ملك، ~~قلت: لم يكن أبي مختلفا عن أي ملك إلا في شيء واحد. قال: ما هو؟ قلت: لم يدربني ~~على القتل، وتركني لأتدرب عليه في الحياة وحدي. وقال: وهل دربتك الحياة على القتل؟ ~~قلت: نعم. قال: هل قتلت أحدا؟ # قلت: نعم. # ثبت عينيه في عيني لحظة، ثم ضحك وقال: لا يمكن أن أصدق أن مثلك يمكن أن يقتل. قلت: ~~لماذا؟ قال: لأنك رقيقة. قلت: ومن قال: إن القتل لا يحتاج إلى الرقة؟ ونظر في ~~عيني مرة أخرى، ثم ضحك وقال: لا يمكن أن أصدق أبدا أنك يمكن أن تقتلي بعوضة، ~~قلت: قد لا أقتل بعوضة، ولكني قد أقتل رجلا. نظر في عيني لحظة أخرى ثم قال: لا ~~أصدق. قلت: وكيف أجعلك تصدق؟ قال: لا أدري كيف تجعلينني أصدق، ورفعت يدي عاليا ~~وأهويتها على وجهه في صفعة قوية وقلت: أتصدق أنني أصفعك؟ إن إغماد السكين في عنقك ~~لا يزيد عن هذه الحركة السهلة. # واتسعت عيناه في ذعر حين نظر في عيني، وقلت له: أتصدق الآن أنني يمكن أن أقتلك؟ ~~فأنت لست إلا بعوضة تنفق الآلاف من أموال شعبك الجائع على المومسات، وقبل أن أرفع ~~يدي لأصفعه مرة أخرى؛ صرخ مستنجدا كما تصرخ النساء مستنجدات، لم يكف عن الصراخ حتى ~~أقبل لنجدته رجال البوليس، وقال لهم: أمسكوها، إنها قاتلة مجرمة، وسألوني: هل أنت ~~قاتلة مجرمة؟ قلت: أنا قاتلة، ولكني لست مجرمة؛ فأنا مثلكم أقتل المجرمين فقط، ~~قالوا: إنه أمير بطل، وليس مجرما. قلت: بطولات الأمراء والملوك عندي جرائم؛ فأنا ~~لست مثلكم. قالوا: أنت مجرمة بنت مجرمة. قلت: أمي لم تكن مجرمة، لا يمكن لأي امرأة ~~أن تكون مجرمة؛ فالإجرام يحتاج إلى ذكورة. ms68 قالوا: ماذا تقولين؟ قلت : أنتم المجرمون، ~~بما فيكم الآباء والأعمام والأخوال والأزواج والقوادون والمحامون والأطباء ~~والصحفيون وجميع الرجال من جميع المهن. قالوا: أنت امرأة خطرة متوحشة. قلت: لأني ~~قلت الحقيقة، والحقيقة متوحشة وخطرة. # وكبلوني بالحديد وساقوني إلى السجن، وأغلقوا علي الأبواب والنوافذ، كنت أعرف ~~لماذا يخافون مني إلى هذا الحد، فأنا المرأة الوحيدة التي كشفت النقاب عن حقيقتهم ~~البشعة. وقد حكموا علي بالإعدام، ليس لأني قتلت، فكم من الآلاف يقتلون كل يوم! ~~ولكنهم يحكمون علي بالموت؛ لأنهم يخافون من حياتي، ويعلمون أنني لو عشت فسوف ~~أقتلهم، إن حياتي تعني موتهم، وموتي يعني حياتهم، وهم يرغبون في الحياة؛ فالحياة ~~لديهم مزيد من الجرائم، ومزيد من الغنائم. أما أنا فقد انتصرت على الحياة وعلى ~~الموت؛ لأني لم أعد أرغب في الحياة، ولم أعد أخاف الموت، لا أرغب شيئا، ولا آمل في ~~شيء، ولا أخاف من شيء، فأنا أملك حريتي. لا شيء يستعبدنا في الحياة إلا رغباتنا ~~وآمالنا ومخاوفنا، إن حريتي تملؤهم بالغضب؛ فهم يريدون أن يستعبدوني من خلال رغبة ~~أرغبها، أو شيء أخافه، أو أمل يلوح لي في الأفق. جاء أحدهم وقال لي: هناك أمل في ~~الإفراج عنك لو كتبت التماس عفو عن جريمتك لرئيس الدولة. قلت: لا أرغب في إفراج أو ~~عفو عن جريمتي؛ لأن جريمتي لم تكن جريمة. قال: قتلت رجلا. قلت: وإذا خرجت إلى ~~حياتكم مرة أخرى فلن أكف عن القتل، فهل يمكن إذن أن يكون هناك جدوى لو أنني كتبت ~~التماس عفو؟! قال: تستحقين الموت يا مجرمة! قلت: كل الناس تموت، والأفضل أن أموت ~~بجريمتي عن أن أموت بجريمتكم. # وأنا الآن أنتظرهم، وسوف يأتون بعد قليل ويأخذونني، وفي صباح الغد لن أكون هنا، ~~ولن أكون في أي مكان يعرفه أحد، إن هذه الرحلة إلى مكان يجهله كل الناس فوق الأرض، ~~بما فيهم الملوك والأمراء والحكام، تملؤني بالزهو، كنت أبحث عن شيء يملؤني بالزهو، ~~شيء يجعلني أرفع رأسي فوق رءوس جميع الناس وعلى الأخص الملوك والأمراء والحكام، لم ~~أكن ms69 أمسك أي جريدة وأرى فيها صورة رجل منهم حتى أبصق على وجهه، يظن أنني أعرفه ~~بالذات، لكني لم أكن أعرفه بالذات، فلست إلا امرأة واحدة، ولا يمكن لامرأة واحدة ~~مهما كانت أن تعرف كل الرجال الذين تنشر الصحف صورهم. مهما كنت فلم أكن إلا مومسا ~~ناجحة، ومهما نجحت المومس فلا يمكن لها أن تعرف كل الرجال، إلا أن كل رجل عرفته ~~أردت أن أرفع يدي عاليا في الهواء، ثم أهوي بها على وجهه؛ ولأنني كنت أخاف فلم أكن ~~أستطيع أن أرفع يدي؛ كان الخوف يصور لي هذه الحركة على أنها ثقيلة صعبة، ولم أكن ~~أعرف كيف أتخلص من خوفي حتى رفعت يدي أول مرة. حركة يدي في ارتفاعها ثم انخفاضها ~~مزقت الخوف، وأدركت أن الحركة سهلة، أسهل مما كنت أتصور، ولم تعد يدي عاجزة عن ~~الارتفاع عاليا في الهواء؛ لتهوي على أي وجه منهم، وحركة يدي أصبحت سهلة، وكل شيء ~~في يدي أصبح يتحرك بسهولة وطبيعية، ولو كان سكينا يدخل الصدر ويخرج بسهولة وطبيعية، ~~أقول هذه الحقيقة، فالحقيقة دائما سهلة بسيطة، وفي بساطتها دائما وحشيتها ~~وجبروتها، لم أصل إلى الحقيقة المتوحشة إلا بعد سنين طويلة من الكفاح، نادرا ما ~~يصل الإنسان إلى حقيقة رهيبة وجبارة في سنوات قليلة. الوصول إلى الحقيقة يعني أن ~~الإنسان لم يعد يخاف الموت. فالصدق كالموت يحتاج إلى شجاعة هائلة، والصدق كالموت ~~يقتل. وقد قتلت بالصدق وليس بالسكين، وهذا هو السبب وراء ذعرهم، وإسراعهم في ~~إعدامي. إنهم لا يخافون السكين، ولكن الصدق يرعبهم. هذا الصدق المرعب يمنحني قوة ~~عظمى، ويجعلني لا أخاف الحياة، ولا أخاف الجوع أو العري أو الانسحاق، لا أخاف ~~وحشية الحكام ورجال البوليس، وأبصق بسهولة على الوجوه الكاذبة والصحف ~~المزيفة! # 3 # وانقطع صوت فردوس فجأة، كما تنقطع الأصوات في الحلم، وحركت جسمي كمن يتحرك وهو ~~نائم، لكن الذي تحتي ليس هو السرير، وإنما شيء صلب صلابة الأرض وبرودة الأرض، ~~ولكنها برودة لا تصل إلى جسدي، كبرودة البحر في الحلم، أسبح فيه وأنا عارية، ms70 فلا ~~أبرد ولا أغرق، مع أنني لا أعرف السباحة. وصوتها انقطع لكن صداه الخافت المتصل لا ~~زال في أذني، كتلك الأصوات التي نسمعها في الأحلام، يخيل إلينا أنها تأتي من قريب ~~وهي بعيدة، ولا نعرف بالضبط من أين تأتي: من فوق أم من تحت، من يمين أو من يسار، ~~وقد تأتي إلينا من كل الجهات، كهواء يملأ الأذن، لكنه ليس هواء، وإنما صوت حقيقي ~~كنت أسمعه، وامرأة حقيقية من لحم ودم لا تزال تجلس على الأرض أمامي، ونافذة ~~الزنزانة مغلقة والباب مغلق، ولا يمكن إلا أن أكون يقظة؛ لأن الباب انفتح فجأة، ~~ورأيت عددا من رجال البوليس المسلحين أحاطوا على شكل دائرة، وسمعت أحدهم يقول لها: ~~هيا، حان موعدك! # وذهبت معهم، واختفت من أمام عيني إلى الأبد، لكن صوتها كان لا يزال يتردد في أذني، ~~يرج أذني، ويرج رأسي، ويرج الزنزانة، ويرج السجن، ويرج الشوارع، ويرج العالم كله. يسبب ~~الرعب في العالم كله، رعب الصدق القاتل، هول الحقيقة المتوحشة البسيطة بساطة الموت، ~~بساطة طفل لا يعرف الكذب، ولأن العالم كله يكذب فقد كان على فردوس أن تدفع ثمن ~~الصدق باهظا. # وركبت عربتي الصغيرة وأنا مطرقة الرأس، أخجل من نفسي، وأخجل من حياتي، وأخجل من ~~كذبي، وأخجل من خوفي، ورأيت الناس يهرولون في الشوارع، إلى كذبهم ونفاقهم، ولمحت ~~الصحف مرفوعة في الأكشاك، مليئة بالعناوين الكاذبة، وأعلام الزيف مرفوعة في كل ~~مكان، ودست بقدمي على دواسة البنزين بكل قوتي، كأنما أدوس على العالم كله، وأدركت ~~وأنا أوقف العربة فجأة، قبل أن تصطدم بالعالم، أن فردوس كانت أشجع مني. ms71