######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.ImraatanFiImraa.Hindawi26241948 #META# Tags: novels #META# ID: 26241948 #META# Title: امرأتان في امرأة #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # إهداء‏ # امرأتان في امرأة‏ # ثمن الكتابة‏ # إهداء‏ # امرأتان في امرأة‏ # | امرأتان في امرأة # | امرأتان في امرأة # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم ~~بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال ~~الغياب، أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها ~~الأمطار في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة ~~العجلات قوية العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات ~~والمحطات، تنزلق وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث ~~الحفر والمطبات، مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل ~~قطعة من البلاستيك الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت ~~القائمة السوداء إليه قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح ~~وكوب ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو ~~حزب الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي؛ ~~حيث تلتقي بأنواع مختلفة من ms01 البشر، بعضهم مرضى بالجذام وإنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، أمال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في ms02 اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية ms03 والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | إهداء # إلى كل فتى وفتاة في ربيع العمر، لعلهما يدركان قبل فوات الأوان أن طريق الحب ليس ~~مفروشا بالورد، وأن الزهور المغمضة حين تتفتح في ضوء الشمس لأول مرة تسقط فوقها خراطيم ~~النحل تمتص ورقها الناعم، فإذا ما استسلمت الزهور انسحقت، وإذا قاومت واستبدلت الورق ~~الناعم بشوك نافر مدبب، استطاعت أن تحيا وسط النحل الجائع. # نوال السعداوي # مارس 1975 # | امرأتان في امرأة # كان اليوم هو الرابع، وكان الشهر هو سبتمبر، وكانت تضع قدمها اليمنى على حافة المنضدة ~~الرخامية، وقدمها اليسرى فوق الأرض. وقفة لا تليق على الإطلاق مع كونها امرأة، «لم تكن ~~امرأة بعد في نظر المجتمع»، كانت لا تزال فتاة في الثامنة عشرة. ولم تكن ملابس الفتيات في ~~ذلك الوقت تسمح لهن بأن يقفن هذه الوقفة. كن يرتدين شيئا اسمه «الجيب» يلتف حول الفخذين ~~بشدة ويضيق عند الركبتين، فإذا بالساقين ملتصقتان دائما، أثناء الجلوس وأثناء الوقوف، بل ~~وأثناء السير، لم تكن الساقان تنفصلان أبدا في حركة الخطوات المألوفة للآدميين، وإنما هي ~~حركة دورية غريبة، تنتقل بها قدما الفتاة فوق الأرض وتظل ساقاها ملتصقتين وركبتاها ملتحمتين ~~كأنما تضغط بين فخذيها على شيء تخشى سقوطه. # كانت «رغم كونها فتاة» تندهش، وتود أن تعرف هذا الشيء الذي يمكن أن يسقط من أي فتاة في ~~اللحظة التي تتباعد فيها ساقاها. وباستطلاع طبيعي كانت عيناها دائما تبحثان، وتراقبان تلك ~~الحركة الدودية التي تسير بها الفتيات. # لم يكن مظهرها يختلف كثيرا عن هؤلاء الفتيات، سوى أنها كانت ترتدي البنطلون، وساقاها ~~كانتا طويلتين، عظامهما مستقيمة، وعضلاتهما قوية، تستطيع أن تدب ms04 على الأرض وهي تمشي ، وتحرك ~~ساقيها بحرية، وتفصل بينهما بثقة. # دائما كانت تجد نفسها بين البنات، في مدارس البنات، وفي فصول البنات، واسمها في كشوف ~~البنات، بهية شاهين، التاء مربوطة مضافة إلى اسمها، تربطها بقوائم البنات كاللجام ~~الجلدي. # ولأن العقل البشري عاجز عن إدراك حقيقة الأشياء، فقد أصبحت معروفة عند الجميع كبهية ~~شاهين، أما حقيقتها فلم تكن معروفة لأحد. # وكانوا يندهشون حينما تسير، وتصبح هناك مسافة مرئية بين ركبتيها. وتراهم يحملقون في هذه ~~المسافة، فتتظاهر بأنها لا تراهم، وتواصل سيرها، تحرك ساقيها وتفصل بينهما، وتدب بكل قدم ~~على حدة فوق الأرض، بقوة تدرك بها عن يقين أنها ليست بهية شاهين. # ذلك اليوم بلغت الثامنة عشرة. كانت تقف وقفتها الطبيعية «الشاذة في نظر المجتمع» قدمها ~~اليمنى على حافة المنضدة الرخامية، وقدمها اليسرى فوق الأرض. وقفة لا تستطيع أن تقفها أية ~~فتاة في ذلك الوقت، ولا أي فتى أيضا. فهي تحتاج إلى ساقين على قدر كبير من الثقة بمرونة ~~عضلاتهما وقوة عظامهما واستقامتهما. وكانت سيقان الفتيان في معظم الأحوال معوجة «بسبب نقص ~~التغذية في الطفولة» والفتى منهم لا يستطيع أن يرفع قدمه ليضعها على حافة المنضدة الرخامية ~~العالية على أن تظل قدمه الأخرى فوق الأرض. أقصى ما كان يستطيعه الواحد منهم هو أن يرفع ~~إحدى قدميه ويضعها على حافة المقعد الخشبي المنخفض. وكانت ترى معظم الفتيان يقفون هذه ~~الوقفة، فهي عادية ومسموح بها للذكور فحسب. # الوحيد الذي كان يستطيع أن يرفع قدمه أكثر ليضعها على حافة المنضدة هو الدكتور علوي أستاذ ~~التشريح. يمر بين المناضد بمعطفه الأبيض ونظارته البيضاء، وحين يقف عند أي منضدة يخفض ~~الطلبة أقدامهم المرفوعة على المقاعد، ويقفون أمامه فوق ساقين تكادان تلتصقان. أما هو فيرفع ~~قدمه عاليا في الهواء، ويضعها بكل ثقة على حافة المنضدة، وينظر مباشرة في عيون الطلبة، ~~بعينين زرقاوين لا ترمشان. # حين كان يقف عند منضدتها لم تكن تخفض قدمها. وحينما يصوب إليها عينيه الزرقاوين تصوب إليه ~~عينيها السوداوين. كانت تدرك أن اللون الأسود أشد ms05 قوة من اللون الأزرق وبالذات في العينين. ~~الأسود هو الأصل، هو الجذر العميق الممدود في بطن الأرض. # بين أصابعه البيضاء المحمرة كان يبرز الملقط المعدني، يمده في بطن الجثة المفتوح، أو ~~الذراع، أو الساق، أو الرأس، أو العنق، ويمسك أي شيء بطرفيه الرفيعين ويصيح بصوته الحاد: ما ~~هذا؟ دائما كان يلتقط أصغر الأشياء وأدقها. وريد صغير يجري تحت عضلة صغيرة، شريان رفيع ~~مختف في ثنية جلد، عصب دقيق كالشعرة لا يكاد يمسك بالملقط. # كن ثماني فتيات حول جثة واحدة. وبينهن واحدة أو أكثر تحفظ أسماء الأوردة والشرايين ~~والأعصاب عن ظهر قلب. فما أن يسأل الدكتور علوي: ما هذا؟ حتى يرن في المشرحة صوت أنثوي حاد ~~ومنخفض في نفس الوقت بالاسم الصحيح. # في كل مرة كان ينظر إليها، متوقعا مرة أن ترد، أن تثبت له أنها تعرف الإجابة لكنها كانت ~~ترفض من حيث لا تدري أن يمتحنها أحد. # ذلك اليوم، الرابع من سبتمبر، كانت تحس أن شيئا خطيرا سيقع في حياتها. كل سنة في مثل ~~هذا اليوم ينتابها هذا الإحساس. تفتح عينيها في الصباح وترى الشمس متوهجة بشكل غير عادي، ~~وعيني أمها أكثر حدة وبريقا، وتهمس لنفسها بصوت خافت: في مثل هذا اليوم حدث لأمي شيء خطير ~~في نظري، فقد ولدتني. وفي كل مرة تحس أن شيئا خطيرا سيحدث في هذا اليوم، أشد خطورة من ~~كونها تولد. # وحينما تهمس في أذن أمها بهذا الخاطر تضحك تلك الضحكة الأنثوية المألوفة في ذلك الوقت، ~~المكتومة على شكل شهيق متقطع وتقول: اعقلي يا بهية. # لم تكن أمها تفهمها. وحين تراها في مكانها المعهود في السرير تزحف بهدوء إلى جوارها وتحتل ~~مكان أبيها. وكما كانت تراه يفعل تلف ذراعيها الصغيرتين حول عنقها الكبير. كانت تدرك ~~بإحساس يقيني أن جسد أمها هو الوحيد الذي يفهمها. وتلتف ذراعا أمها الكبيرتان حولها بقوة ~~غريبة تكاد تسحقها. # ذلك الحين كانت تقرأ قصص الأطفال والأساطير الخرافية. في إحدى تلك الأساطير كان هناك إله ~~رهيب يعبده الناس في مدينة سحرية، هذا ms06 الإله كان قادرا على أن يمسك بيده الواحدة أي شيء ~~صلب، ويضغط عليه، ثم يفتح يده، فإذا بها فارغة. # وكانت تنزعج أمام هذه القوة التي تهدد وجودها انزعاجا فطريا لم تفهمه في طفولتها، ~~لكنها أصبحت تفهمه بالتدريج، وأدركت من بعد أنها كانت تفهمه منذ البداية، منذ اللحظة التي ~~اكتشفت فيها أن لها جسدا خاصا منفصلا عن جسد أمها. # هذه اللحظة لا تغيب عن ذاكرتها، الألم فيها كان كالسكين الذي يمزق اللحم من اللحم، ومع ~~ذلك لم يكن ألما حقيقيا، حين دارت يدها دورة كاملة حول جسدها المستقل قفزت في الهواء ~~قفزة عالية، كعصفور يطير من الفرح، لكنها لم تكن عصفورا، وسقطت على الأرض «بسبب الجاذبية ~~الأرضية»، منذ ذلك السقوط وهي تعرف وزن جسدها الخاص، تعرف أنه أثقل منها، وأن الأرض تشده ~~إليها بقوة أكثر من قوتها، كذراعي أمها تشدانها إليها مرة أخرى، وبكل قوتها تحاول أن تجعل ~~جسديهما شيئا واحدا، بلا جدوى فالانفصال الأبدي حدث في لحظة مضت ولن تعود. # منذ طفولتها وهي تحس المأساة فوق جسدها الخاص، تحملها معها في كل خطوة، داخل كل خلية من ~~خلاياها. رغبة جامحة في العودة من حيث أتت في الخروج من مجال الجاذبية الأرضية، في أن تصبح ~~بغير جسد له ثقل، وله سطح، وله حدود خارجية تفصله عما حوله، رغبة جامحة في الذوبان كذرات ~~الهواء في الكون، والتلاشي الكامل النهائي. # كانت تحملق في صورة الإله الخرافي، وتدقق في أصابعه الكبيرة وهي تسحق الأشياء بضغطة ~~واحدة، وحينما تنهض في اليل مفزوعة تتسلل إلى سرير أمها وأبيها وتدس جسمها الصغير بين ~~جسميهما العاريين، لكن ذراعي أبيها الكبيرتين تشدانها بعيدا عنهما، بكل قوته يبعدها. أما ~~أمها فتنظر إليها بعينين سوداوين تشبهان عينيها وتقول بصوت حان: اذهبي إلى سريرك يا بهية، ~~لقد كبرت. # صوتها كان حانيا، تحس حنانه كالأصابع الناعمة فوق جسدها، تدور برقة وحنان، تدور دورة ~~كاملة وكأنها ترسم خطوط جسدها، تحدده عن الكون الخارجي، وتبكي وحدها في سريرها بسبب ذلك ~~الحنان، الذي يلامسها برقة ويؤكد ms07 وجودها المستقل، وكيانها الخاص المنفصل، وتنشج ببكاء مكتوم ~~يرجها ويرج السرير، وتجتاحها الرغبة الجامحة في أن تكف هذه الأصابع عن حنانها الخادع، ~~وأن تضغط عليها بقوة رهيبة، تخلصها إلى الأبد من جسدها وتجعلها هي وأمها شيئا ~~واحدا. # أغمضت عينيها لتنام لكنها لم تنم، تملكها الفزع لفكرة غريبة خطرت لها، ذلك أنها ستفني ~~حياتها كلها بحثا عن هذه اللحظة أو هربا منها، وخبأت رأسها تحت اللحاف من شدة الرعب، ~~وامتلأت حجرة نومها بأشباح الأساطير والآلهة الخرافية، يضغطون على جسدها ليسحقوها وهي تقاوم ~~بكل قوتها، ترفسهم بقدمها، وتعضهم بأسنانها، وتصرخ مستنجدة بأبيها وأمها. # صراخها لم يكن خوفا حقيقيا، كان خدعة، تخدع بها أمها. كانت تتعلم الخداع منها، كانت ~~أمها تكذب عليها، تنام معها في سريرها وتقول لها إنها لن تتركها، وفي منتصف الليل تحس بها ~~وهي تتسلل خارج سريرها وتذهب إلى سرير أبيها، وكانت تفعل مثلها تماما، تعرف كيف تصرخ بصوت ~~مرتعش مثير للشفقة، وتأتي أمها إليها وتنام في سريرها. # لم تكن أمها تفهم رغبتها، كانت تملأ فمها بالطعام، وحين تستدير تبصق الطعام في الصحن، ~~وتعجب كيف أن أمها لا تعرف مع أنها كانت مثلها. سألتها مرة فقالت إنها لا تذكر شيئا، ~~وأدركت أن الناس تنسى عن قصد الذكريات الحقيقية، ثم تملأ ذاكرتها بأشياء لم تحدث. # قالت لها ببراءة الأطفال إنها اكتشفت أنها فتاة وليست ذكرا، وكشفت عن ملابسها لتثبت لها ~~الحقيقة، لكنها ضربتها على يدها وصاحت: تحرمي! ولم ترد، فضربتها مرة أخرى وهي تقول: قولي ~~حرمت! ولم ترد، فرفعت يدها في الهواء وصفعتها على وجهها، ولم ينفتح فمها لتقول حرمت؛ لأن ~~ذهنها هو الذي انفتح على حقيقة غريبة، وأدركت وهي تزم شفتيها وتطرق برأسها إلى الأرض أن ~~الناس لا تحرم إلا الرغبات الحقيقية؛ لأنها قوية، أما الرغبات غير الحقيقية فهي ضعيفة ولا ~~تحتاج إلى قوانين تحريم، وبدأت تبحث في كل المحرمات من حولها لتكشف رغبات الإنسان ~~الحقيقية. # إنه البحث من أجل معرفة الحقيقة، ولا شيء أكثر من هذا، لم تكن تريد ms08 شيئا أكثر من هذا ، ~~وحينما يمر الدكتور علوي بعربته الطويلة من خلال نافذة المشرحة تلمع عيون زميلاتها السبع ~~وتتحرك سبع ننيات «جمع نني» في اتجاه واحد محدد. لكن النني الأسود الراسخ في عينيها يظل ~~مشدودا إلى ذلك الإحساس الغريب الذي ينبهها بأن كل شيء مباح غير حقيقي. وتلكزها إحدى ~~الزميلات بأصبع مدبب في كتفها قائلة: انظري! وترفع رأسها ناحية النافذة، وترى العربة ~~الطويلة، يطل منها رأس له عينان زرقاوان جاحظتان بعض الشيء ويلكزها الأصبع المدبب في كتفها ~~مرة أخرى: ما رأيك يا بهية؟ ~~- نظرته غير حقيقية. # وتضربها بكفها البضة على ظهرها وتقول بصوت ساخر: يا خيبتك القوية! # وتنفتح الأفواه السبعة في ضحكة أنثوية، مكتومة ومتقطعة، كأنفاس تلهث بحرمان عاجز عن ~~الارتواء إلى الأبد. # غضبت من حرمانهن أكثر مما غضبت من ضحكهن، وصعد الدم إلى وجهها، فلمت مشارطها وأدوات ~~تشريحها ووضعتها في محفظتها الجلدية، وغادرت المشرحة. حين سارت في الهواء الطلق، وتلاشت من ~~أنفها رائحة الفورمالين والجثث الميتة أدركت أنها لم تكن غاضبة من حرمانهن ولا من ضحكهن، ~~وإنما هي تريد أن تهمس في أذن أحد بذلك الإحساس الغريب الذي يتكون في جوفها كالجنين طوال ~~السنة، يتراكم يوما بعد يوم، ويعلو ويشتد ليبلغ الذروة في اليوم الرابع من كل سبتمبر، يؤكد ~~لها عن يقين أنها ليست بهية شاهين. # خرجت من الكلية وسارت في شارع القصر العيني، تحملق في الوجوه كأنما تبحث بينها عن وجهها ~~الحقيقي. وعند محطة الترام وقفت، وأدركت أنها لم تكن تبحث عن شيء، وأنها مرهقة ~~وجائعة. # جلست في الترام، ظهرها في ظهر رجل، ووجهها في وجه رجل، وعلى يمينها رجل وعن يسارها رجل، ~~وأمامها صفوف من الرجال الجالسين متلاصقين في صمت، أنصافهم السفلى ثابتة متحجرة فوق ~~المقاعد، وأنصافهم العليا تهتز بحركة بطيئة منتظمة كحركة الترام. وحين يقف الترام تتراجع ~~رءوسهم إلى الخلف بقوة، فإذا بهم يفتحون عيونهم في ذعر، وحين يطمئنون إلى أن رءوسهم لا تزال ~~في موضعها يغمضون عيونهم وينامون. # موظفون كلهم؛ لأن شارع القصر العيني مكتظ ms09 بالوزارات ودواوين الحكومة. أجسامهم لها شكل ~~واحد وملامحهم وبدلهم وأصابعهم وأحذيتهم كلها اتخذت شكلا واحدا كأنما الحكومة تصكهم كما ~~تصك النقود في قطع مخروطية متشابهة. أكتافهم متلاصقة، متهدلة بعض الشيء «رغم حشو البدلة ~~السميك» كأنما يحملون فوق أكتافهم عبئا أبديا لا يرى بالعين وإنما هو قائم وموجود، ~~والدليل على ذلك أنهم من حين إلى حين يحركون أكتافهم بطريقة توحي بأنهم يزحزحون العبء من ~~كتف إلى كتف. # ورغم أنهم نائمون إلا أن حركة عيونهم من تحت الجفن تكشف لها أن نومهم ليس حقيقيا، وحين ~~يفتحون عيونهم وينظرون إليها تدرك أن يقظتهم أيضا غير حقيقية، ويصبح كل شيء فيهم ومن حولهم ~~غير حقيقي. إذا انفرجت شفاههم وظهرت أسنانهم لا تعرف إذا ما كانوا يبتسمون أم يكشرون، وإذا ~~حركوا أصابعهم وهم يصعدون الترام أو يهبطون منه لا تعرف إذا ما كانوا يتبادلون التحيات أم ~~التهديدات ويصبح كل شيء مختلطا، والشيء ونقيضه يتماثلان، فالابتسامة كالتكشيرة، والتحية ~~كالتهديد، والصدق كالكذب، والفضيلة كالرذيلة، والحب كالكراهية. وتتشابه الحركات والملامح ~~والمعاني إلى حد الشعور بالاختناق، وتمد عنقها خارج الترام لتجذب نفسا عميقا من هواء ~~الشارع، وحين يعود تنفسها الهادئ تدرك التشويه الذي تصنعه الحكومات بالبشر، فيصبح الرجل ~~البالغ في حجم الطفل، لكن عظام جمجمته تفضح عمره الحقيقي، وتدل البدلة والكرافتة على أنه من ~~الطبقة الحاكمة، لكن مشيته تكشف عن حقيقة كونه من المحكومين. # في كل مكان كانت تراهم، يملئون الشوارع، وتكتظ بهم ~~الترامات، يدخلون ويخرجون من الأبواب، والردهات والأبنية، بأجسامهم الصغيرة، وأكتافهم ~~المحشوة العريضة وجماجمهم الكبيرة، وظهروهم المحنية، وشفاههم المنفرجة دائما عن ابتسامة ~~كالتكشيرة أو تكشيرة كالابتسامة. مخلوقات آدمية مسخت بقدرة قادرة، بقوة هائلة غير بشرية، ~~تحول البشر إلى مخلوقات أخرى غير بشرية. # هبطت من الترام وسارت نحو بيتها، رأت على بعد رجلا يشبه الرجال الآخرين ذا كتفين ~~عريضتين وجمجمة كبيرة وظهر محني، تفادت النظر إليه وأسرعت الخطى لتدخل بيتها، لكنه ناداها ~~باسمها فالتفتت إليه، ورأت وجه أبيها. لا بد أنه رأى ذعرا شديدا على وجهها لأن عينيه ms10 ~~اتسعتا في دهشة وقال : ما لك يا بهية؟ # وأخفت عينيها بكفها وجرت من أمامه إلى البيت. # كان وجهها لا يزال شاحبا حين فتحت أمها الباب، لكنها لم تلحظ شحوبها. كانت شاحبة دائما، ~~ومن الصعب على امرأة مثلها أن تقدر على تمييز درجات الشحوب، فهي قدرة نادرة تحتاج إلى قدرة ~~على التحديق الطويل، ولم تكن أمها تقدر على التحديق في وجهها. كانت عيناها لا تقويان على ~~الثبات في عينيها، واتخذت من ذلك دليلا على أنها كانت تخدعها منذ الطفولة، وأبوها أيضا ~~خدعها، كان يظهر أمامها في البيت بجسد طويل ضخم، وظهر مشدود وكف كبيرة قوية قادرة على ~~صفعها، مع أنه ليس إلا واحدا من آلاف الموظفين في الحكومة. ~~••• # ثماني عشرة شمعة مضاءة فوق المائدة البيضاء، وأمها تملأ فمها بالحلوى، وحين تستدير تبصقها ~~في الصحن وأبوها يبتسم في وجهها، ولكنها تشك في ابتسامته، أبوها كله أصبح حقيقة مشكوكا ~~فيها، الشك كالشمعة له ضوء أحمر وله لسعة حادة كالإبرة. لا زالت تذكر اللسعة فوق أصبعها، ~~والمائدة هي المائدة، ولكن كان عليها شمعة واحدة، كان عمرها عاما واحدا، الضوء الأحمر ~~كانت تراه في عينها كجزء منها، وجسمها الصغير الناعم زاحف فوق الأرض ملتصق كقطعة منها، لم ~~تكن قد انفصلت بعد عن الكون، ولم تكن يدها تستطيع أن تدور حول جسمها دورة كاملة، كانت يدها ~~صغيرة وجسمها كبيرا ضخما يشغل المساحة الضخمة بين السقف والأرض، وحينما كانت تمد يدها ~~وتتفقد ساقيها لم تكن تعرف أهما ساقاها أم ساقا الكرسي؟ وحينما رأت الضوء الأحمر في ~~عينيها لم تعرف أهو ضوء الشمعة أم ضوء عينيها، وغاظها الشك فأرادت أن تتأكد، ومدت أصبعها ~~فلسعتها النار، وعرفت الفرق بين اللهب وعينيها، ومن خلال الشك والألم أصبحت حدود جسمها ~~تتشكل وأعضاؤها تأخذ شكلها الخاص. # سمعت صوت أمها يأتيها من فوق المائدة البيضاء، مجتازا ثمانية عشر لسانا رفيعا من ~~اللهب: كل سنة وأنت طيبة يا بهية. دهشت ولم تصدق أنها بلغت ثمانية عشر عاما، هل دار الكون ~~حول نفسه ثماني عشرة ms11 سنة؟ لم تعرف كيف سألت السؤال، لكن خيطا حريريا غير مرئي يربط ~~دورتها بدورة الكون. حين كانت تحملق في قرص القمر تمتد بينها وبينه الخيوط الحريرية ~~كالأسلاك تشدها إليه وتشده إليها، لكن جاذبية الأرض أشد، وهي بينهما تبدو ساكنة من فوق ~~السطح، لكن أعماقها كدوامة البحر تغلي، تقاوم الشد من كل جانب، وينفجر في داخلها شيء صغير ~~مستدير كالبالونة المنتفخة، وتخرج البيضة الدقيقة بحجم رأس الدبوس، وفي رأسها عين واحدة ~~تحملق، تسبح إلى الأمام وتحملق باحثة عن لحظة الاتصال الأبدية، لتنسحق في الكون وتتبدد ~~تماما. # أصبح وجهها أحمر في ضوء الشموع وظن أبوها أنها تخجل كفتيات الثامنة عشرة، لكنها لم تكن في ~~الثامنة عشرة، ولم تكن فتاة، فما معنى فتاة؟ سألت السؤال لأبيها وأمها وزميلاتها في ~~المشرحة، وحينما سمع الدكتور علوي السؤال دب ملقطه المعدني في بطن المرأة المفتوح وأمسك ~~الرحم. مثلث صغير من اللحم بحجم ثمرة الكمثرى الصغيرة، أملس من السطح، ومجعد من الداخل ~~وقاعدته إلى أعلى ورأسه إلى أسفل. # ثبت عينيه الزرقاوين في عينيها السوداوين وابتسم لكنها لم تبتسم. وشدها من يدها إلى ~~المنضدة المجاورة وقال بلهجة الأستاذ: أما الرجل فهذا. وأمسك بطرفي الملقط عضو الذكر، ورأت ~~قطعة جلد سوداء مجعدة كقطعة براز قديم. ~~••• # حين عادت إلى البيت جلست أمام أمها وطلبت منها أن تحدق في وجهها طويلا ثم سألتها: هل أنا ~~بهية؟ وتشهق أمها شهقتها الأنثوية المكبوتة إلى الأبد، وتقول: اعقلي يا بنتي! لم تكن أمها ~~تفهمها، لكن كانت تفهم أمها، وحين تحدق في عينيها طويلا كانت تستطيع أن ترى رحمها، مكورا ~~وقابعا في قاع بطنها، وتلمح عضلاته وهي تنقبض وتنبسط، وتنقبض وتنبسط، في نبض سريع متصل، ~~كنبض الكون في سكون الليل، وبحركة لا مرئية ولا محسوسة كحركة الأرض. تود أن تضغط بكل قوتها ~~على هذا الرحم لتبطل حركته السرية المجنونة، وليسكن إلى الأبد، لكن أمها تطرق بعينيها إلى ~~الأرض، لا تقوى على النظر طويلا في عينيها. في أعماقها شيء تخفيه عنها، تدفنه في طيات ~~نفسها، وتلف ms12 عليه أحشاءها طبقة فوق طبقة، ليصبح غير مرئي، وحركته مخفية لا نهائية، سرية إلى ~~الأبد. # الأبد كلمة لا تعرف معناها؛ فاليوم يمر وراء اليوم، ودورة القمر تتعاقب مع دورة الدم في ~~عروقها، والخلية المنتفخة في أعماقها تنفجر في اللحظة نفسها، وتدور البيضة الدقيقة حول ~~نفسها دورانا سريعا مجنونا كدورة الأرض حول نفسها، وبعينها الواحدة تحملق في الكون باحثة ~~عن فناء ذاتها، بلا جدوى يتكرر الإحباط كل مرة، مع دورة القمر اللامجدية، ويتراكم الغضب في ~~أعماقها كسخونة الدم، يتجمع ويتراكم ويدور مع دورة الزمن داخل مجال جسدها، تحسه على يقين في ~~خلاياها، إحساسا ملحا شديد الإلحاح، ينبئها بأن شيئا خطيرا سيحدث لها في يوم من ~~الأيام، يوم معين محدد. # لم يكن من عادتها أن تحمل مفكرة بالأيام، ولم تكن تنظر إلى النتيجة المعلقة في حجرة أبيها ~~والتي تراه يشد منها كل يوم ورقة، يشدها بالطريقة نفسها وفي اللحظة نفسها كل صباح، يشدها ~~ويكورها بين أصابعه، وتشدها بعيدا وتصرخ في وجهه: اتركها! قبل أن يرفع أبوها يده الكبيرة ~~عن الورقة تتوقع أنها أخطأت، وأن الشمس لم تتوهج بدرجة غير عادية، وأن عيني أمها هما ~~عيناها ككل يوم، وأن ذلك الإحساس الغريب الذي انتابها ليس إلا وهما من أوهامها الكثيرة ~~المتنوعة. وتستدير وتترك أباها ليشد الورقة كما يشدها كل يوم، لكنه لا يشدها، وتسمع صوته من ~~خلف ظهرها يقول: كل سنة وأنت طيبة يا بهية، ويلتوي عنقها في حركة سريعة عنيفة، وتصطدم ~~عيناها بالرقم 4 «أربعة» فوق الورقة البيضاء كخط زجاجي أسود، ويهرب الدم من وجهها ويصبح ~~شاحبا. # تتلفت حولها وهي تسير في الشارع، وحين تسمع صوتا من خلفها تتوقف وتستدير كأن أحدا ~~يناديها، وتدرك بعد لحظة أنه ينادي اسما آخر على وزن بهية، كوفية أو نجية أو علية أو ~~زكية. # وحين تركب الترام يخيل إليها أن أحدا ركب وراءها، أنه يتبعها، وحين تهبط في شارع ~~القصر العيني تكاد تسمع خطواته من خلفها، وحين تدخل من باب الكلية يدخل. # في فناء الكلية الواسع ms13 المزدحم تفقده، تختلط الأصوات والملامح ، وتحس أنها تغرق في بحر ~~وحدها، دون أن يراها أحد، ودون أن يميزها أحد، وأن وجهها أصبح كوجه زميلاتها لا فرق بين ~~بهية أو علية أو سعاد أو إيفون، وفي هذه اللحظة تدرك المعنى الحقيقي للموت، كانت تبحث عن ~~الموت في جثث المشرحة، لكن الموت كالحياة لا يعيش في الجثث. # الموت لا يعيش إلا في ذهن حي، شديد الحياة، قادر على التقاط أدنى الأحاسيس وأكثرها ~~اختفاء وسرية، كذلك الإحساس بالضياع الذي تحسه ذرة هواء سابحة في الكون تقاوم الضياع بين ~~ملايين الذرات، أو كتلك الرغبة المحيطة التي تحسها قطرة ماء تقاوم الذوبان في ماء البحر. ~~المقاومة المجنونة اليائسة في قمة الإحباط، تصنع الاستسلام الكامل كالسكون الأبدي. من ينظر ~~إلى وجهها في تلك اللحظة يظن أنها عمياء وخرساء، وأن جسدها ساكن لا يتحرك، مع أن قدميها ~~تنتقلان على الأرض، القدم وراء القدم والأشياء أما عينيها بلون واحد وشكل واحد، والأجسام ~~كلها متشابهة، والحركات والأصوات متشابهة. تجد نفسها تجري بغير وعي، هاربة من فناء الكلية، ~~هاربة من التشابه المميت، داخلها وخارجها، في جسدها وفي العالم الخارجي. # كان لها ركن صغير منفصل، منعزل، بحذاء سور الكلية، وراء المبنى الضخم، تجلس. فيه مقعد ~~خشبي بغير ظهر، تجلس محنية إلى الأمام، تحملق في قطعة صغيرة من الأرض بحجم كف اليد لم ينبت ~~عليها العشب الأخضر، ودون بقية الأرض من حولها ظلت طينية اللون، مشققة، ومن بين الشقوق ~~الرفيعة تدخل وتخرج ملايين الكائنات الدقيقة بحجم النمل. ~~- بهية! # يرن الاسم في أذنها غريبا كاسم واحدة غيرها، وتنتفض من فوق المقعد، وفي انتفاضة جسدها ~~تدرك أن لها جسدا خاصا، يمكن أن تحركه وتهزه فلا تهتز معه الأجسام الأخرى، وأن له اسما ~~خاصا، حينما يرن في الجو ترفع رأسها وتندهش، وقد تسأل: من يناديني؟ في كل مرة تسمع النداء ~~تندهش، وتدرك بإحساس خفي أن أحدا يناديها باسمها من دون الأسماء الأخرى، ويتعرف على جسدها ~~من ملايين الأجساد، ويستطيع أن يميزها من بين المخلوقات السابحة ms14 في الكون بالبلايين. # يهرب الدم من وجهها في شحوب غير بشري، كشحوب التماثيل المنحوتة من الصخر، أو كوجوه الجثث ~~المرصوصة على المناضد الرخامية في المشرحة. ورأت لون وجهها حين نظرت في مرآة حجرة الطالبات، ~~وأصابعها حين لمست بشرتها كانت باردة مثلجة. وتعرف عن يقين أنها ترتعد وأنها تريد أن تهرب ~~من ذلك الصوت الذي ناداها، من ذلك النداء الذي يقصدها هي بالذات، من تلك القدرة الخارقة ~~التي استطاعت أن تميزها هي دون الآخرين، أرادت أن تهرب. بسرعة لم تألفها قدماها دست نفسها ~~بين الطالبات وجعلت جسدها يتوه بين أجسادهن، ورأسها يختفي بين رءوسهن. وحينما تتحرك الرءوس ~~تحرك رأسها معها، إلى اليمين أو إلى اليسار أو إلى الأمام أو إلى الخلف، تحتمي فيها كدرع، ~~وتظل كذلك بينهن مختفية، لا تقوى على أن تطل برأسها إلى الخارج، فهناك في الخارج قوة خارقة ~~للطبيعة تستطيع أن تلتقطها من وسط الزحام، وتميز جسدها من بين الأجساد. قوة قادرة رهيبة، ما ~~إن تطل برأسها حتى تشدها إليها بمغنطة أشد من جاذبية الأرض، وما إن تشدها حتى تدخل مجالها ~~الكهربي، وتدور في فلكها كنحلة مجنونة نزعوا عنها قرنها فراحت تدور حول نفسها حتى يسحقها ~~الدوران. # كانت تشعر بذلك الخطر ينمو داخلها ويكبر، ذلك الخطر الذي يهددها بأنها منسحقة لا محالة، ~~وأن جرثومة ما تعيش في جسدها، تنهشه في حذر وهدوء لتسحقه بالتدريج دون أن تدري، أو أنه ~~سينسحق فجأة وفي لحظة خاطفة تحت قضبان الترام، أو بين عجلات الأتوبيس، وأن أحدا لن ينقذها، ~~وحينما تسمع صراخا وتطل برأسها من الترام وترى الجسد الممزق فوق القضبان تحس أنه جسدها، ~~وهذا الوجه الشاحب هو وجهها، وهذا الدم الأحمر فوق الأسفلت هو دمها. ثم يتحرك الترام مرة ~~أخرى وتجد جسدها قابعا في مكانه فوق المقعد سليما صحيحا، ودمها لا زال داخل عروقها لم ~~يخرج، وتدرك بإحساس خفي، ولكنه يقيني، أن اليوم لم يأت بعد، وأنها لا زالت بهية شاهين، ~~طالبة الطب المجدة حسنة السير والسلوك، ابنه محمد شاهين المدير ms15 بوزارة الصحة. # تدخل الكلية بحركة تشبه حركتها كل يوم، وتتجه إلى مدرج علي باشا إبراهيم، وتجلس في المقعد ~~الذي تجلس فيه كل يوم، آخر مقعد في آخر صف من ناحية اليسار، من يراها يظن أنها نائمة في ~~مقعدها، مع أنها يقظة شديدة اليقظة، ترى الطلبة بوضوح أشد من أي وضوح سبق، تراهم وهم ~~يندفعون من الباب، يدوسون على أقدام بعضهم البعض، الحقائب المنتفخة بكتب التشريح مضغوطة تحت ~~الإبط، والنظارة البيضاء السميكة تهتز فوق الأنف تسندها اليد اليسرى من السقوط، والذراع ~~اليمنى ممدودة إلى الأمام تزيح الأجسام الأخرى من الطريق يتسارعون إلى احتلال الصفوف ~~الأمامية من المدرج، ويجلس الواحد منهم في مقعد وهو يلهث، ويفتح كشكول المحاضرات بأصابع ~~حمراء متورمة «بسبب التسلق على الترام» يدلكها بحركة سريعة ثم يضعها في جيبه، وقد يضع رأسه ~~داخل الكشكول ليراجع المحاضرات السابقة، أو يمد عنقه إلى اليمين أو إلى اليسار ويهمس في أذن ~~زميله بنكتة «في معظم الأحيان نابية»، وحين يدخل الأستاذ يدب الصمت في المدرج، ويصبح الواحد ~~منهم قادرا على سماع الأصوات المنبعثة من معدة الآخر «بسبب عدم تناول الإفطار قبل الحضور»، ~~يتحرك الأستاذ أمامهم من فوق المنصة، بخطوات بطيئة هادئة، وصوته هادئ وجسده هادئ وأعضاؤه ~~مستريحة وخلاياه مطمئنة، كذلك الاطمئنان الذي تشعر به خلايا المعدة بعد غذاء دسم، أو خلايا ~~الألية بعد الاسترخاء في مقعد وثير، ويغمض الطلبة عيونهم ويحلمون بالاسترخاء، ويدركون أنه ~~حلم قديم منذ الطفولة، منذ لمحوا البريق في عيون آبائهم وأمهاتهم حين يرن في الجو اسم ~~دكتور. # كانت تجلس في مقعدها الخلفي لا ترى عيونهم وإنما ظهورهم، وكلها محنية إلى الأمام فوق ~~كشاكيل المحاضرات، ويخيل إليها أنهم سيظلون إلى الأبد محنيين ومنكفئين فوق وجوههم، وتندهش ~~حين تراهم «بعد انتهاء المحاضرة» يتحركون، وأنهم ينهضون بسرعة ويندفعون نحو الباب، يدوسون ~~على أقدام بعضهم البعض، ويتدافعون بالأذرع وعظام الكوع المدببة، وحينما يندس كوع الواحد ~~منهم في ثدي طالبة تنفرج شفتاها في حركة غير مرئية، لا تكاد الشفة ترتفع عن الشفة، وبصوت ~~مكتوم ms16 غير مسموع تقول: آه! وتضع حقيبة الكتب المنتفخة فوق صدرها. في ذلك الوقت يكون ملمس ~~الثدي الطري قد سرى كالترياق من كوع الواحد منهم إلى كتفه إلى عنقه، وتتقلص العضلات وتصبح ~~الأعناق مشدودة، والملامح مشدودة، وتبدو العيون من شدة التوتر كنقطة الوسط في حبل مشدود من ~~طرفيه، ساكنة من السطح، لكن خلاياها العميقة تموج بحركة لا مرئية، حركة عنيفة مجنونة تقاوم ~~الشد، وتلتوي عضلات العين ناحية كل شيء فيه طراوة اللحم، لا تفرق بين الأثداء أو الأرداف ~~أو الحقائب الجلدية، ويضغط الواحد منهم بأسنانه، من غير وعي، على حقيبة كتبه الجلدية يقطع ~~منها قطعة يمضغها، وحين يكتشف أنها قطعة جلد يخجل من نفسه، ويخفي بكفيه الثقوب المنتشرة في ~~حقيبته. وفي الترام يصبح كل شيء فوق طاقته، ويجد نفسه مدسوسا، عن غير قصد، بين ثديي امرأة. ~~وفي منتصف الليل يغلق كتب التشريح وينام على السرير، لكن جسده يأبى النوم فقد تجمع الترياق ~~في بؤرة محددة، وتكون برأس مدبب كرأس الدمل، وما هي إلا ضغطة واحدة باليد حتى ينفقئ. # كانت تدرك بوضوح أنها لا تحب هؤلاء الطلبة، لا تحب اندفاعهم من الباب، بنظارتهم السميكة ~~وعيونهم المشدودة، وكيعانهم المدببة، واحتلالهم المقاعد الأمامية، وظهورهم المحنية تصبح في ~~وجهها، وتحملق في أعناقهم من الخلف وترى من فوق حافة الياقة البيضاء البشرة السمراء واضحة ~~المسام، ومنابت الشعر المقصوص وفتافيت كالدمامل الصغيرة. # وتهمس في أذن زميلتها بشيء، فتشهق الزميلة بالضحكة الأنثوية المكبوتة وتقول: اعقلي يا ~~بهية، وفكري في مستقبلك. # إحساس خفي، لكنه قوي، ينبئها بأن مستقبلها ليس في هذه المحاضرات الطويلة المملة، وليس في ~~الحصول على شهادة الطب، وتركيب اليافطة الطويلة في الميدان «دكتورة بهية شاهين»، واسترخاء ~~الأليتين في مقعد السيارة الوثير. كل هذا يبدو لها، بإحساس خفي، بلا معنى، كالصفحة البيضاء ~~الخالية تماما من الكتابة، كالليل الأسود الخالي من نجم واحد، كالكون الضخم، وقد أصبح كله ~~أسود أو أبيض لا فرق، فهو كله بلون واحد. # حينئذ تدرك العبث، عبث الكون من حولها، وعبث الحياة، وعبث هذا ms17 الأستاذ الذي رشق السيجارة ~~في زاوية فمه، وعبث هذه المحاضرة، وعبث هذه الظهور المحنية إلى الأمام والأعناق المرشوقة من ~~الخلف بالفتافيت. # تضع كتبها وكشاكيلها داخل حقيبتها، وبحركة جانبية يصبح جسدها منفصلا عن المقعد، وبحركة ~~إلى الخلف تخرج من الباب الخلفي للمدرج، وفي أقل من لحظة تصبح وحدها في فناء الكلية ~~الواسع. # تسأل نفسها وهي تحرك ساقيها في مشيتها العادية ماذا تريد بحياتها، وتترك السؤال بغير ~~جواب معلقا أمامها في الفضاء، يحركه الهواء أمام عينيها كبندول الساعة. # وتخبط الأرض بقدم واحدة بخبطة قوية واحدة، وتدرك عن يقين أنها تريد بحياتها شيئا معينا، ~~شيئا يمكن تحديده بنقطة محددة، تستطيع أن تصنعها بسن الريشة فوق صفحة بيضاء، وتستطيع أن ~~تلمسها بطرف أصبعها، تماما وباليقين نفسه الذي تلمس به جسدها وتحس حدوده الخارجية من تحت ~~ملابسها، وتستطيع أن تميزه من كل الأجساد، وتفصله عن الأرض، بحركة من قدمها. # فوق سريرها في حجرتها الصغيرة، تحملق في السقف، ترى نفسها وهي جالسة على كرسيها الأحمر ~~الصغير، وأمامها منضدتها الحمراء، فوقها الكراريس وكتاب المطالعة الرشيدة، غلافه أزرق، ~~تتوسطه التكت البيضاء، الاسم: بهية شاهين، الفصل: أول ابتدائي، وتشد الورقة البيضاء من ~~الكراسة، وبحركة من يدها الصغيرة تصنع بسن الريشة خطا واضحا، تدرك من شكله أنه خطها، وأن ~~اليد يدها، والأصابع من حول الريشة أصابعها، تحركها بإرادتها، وتصنع فوق الصفحة البيضاء ~~خطوطها المميزة، تصنع الدائرة الكبيرة ومن داخلها دائرتين صغيرتين، فيصبح أمامها وجه وعينان ~~تنظران إليها من فوق الورقة البيضاء، سوداوان وواسعتان كعينيها تطلان من خلال المرآة، ~~تتأمل خطوطها فوق الورقة كما تتأمل ملامحها، تعرفها كما تعرف وجهها لا تخلط بينه وبين ~~الوجوه الأخرى، وتستطيع أن تميزه، وتلمس خطوطها فوق الورقة بأصبعها تماما، وباليقين نفسه ~~الذي تلمس به جسدها، وتحس حدوده الخارجية من تحت ملابسها. # فتح أبوها الباب، فأخفت الورقة تحت كتاب المطالعة، لكن أصابعه الكبيرة رفعت الكتاب وشدت ~~الورقة ومن فوقها الخطوط. ضربها على يدها الصغيرة بكفه الكبيرة وهو يقول: تضيعين وقت ~~المذاكرة في الشخبطة! وكور الورقة في ms18 كفه الكبيرة وألقى بها في سلة المهملات. # حين تخرج، ترمق خطوطها المميزة مكورة إلى جوار قمامة البيت، وتظل تحملق بها كما تحملق في ~~وجهها في المرآة، وتشد ورقة جديدة، وبحركة يدها الإرادية تصنع خطوطها، وتدرك رغم طفولتها أن ~~شيئا ما يربط بينها وبين هذه الخطوط، كالأسلاك الكهربية غير المرئية أو الخيوط الحريرية ~~الرفيعة بلون الهواء، تمتد مشدودة بينها وبين خطوطها فوق الصفحة البيضاء، تؤكد قدرتها على ~~تمييز حركة يدها، وشكل أصابعها، وارتفاعة أنفها، وسواد عينيها. # وتسمع صوت أبيها وهو جالس في الصالة، قابع في مقعده الأسيوطي، فتخفي الورقة تحت كتاب ~~المطالعة، وتقرأ من الكتاب بصوت عال، يرن في أذنها كصوت واحدة غيرها، واسمها فوق الغلاف ~~يبدو تحت عينيها غريبا، كاسم تلميذة أخرى، مطيعة ومؤدبة، تسمع الكلام وتعمل الواجب، وتدفن ~~حقيقة نفسها في طيات الورقة المختفية. # منذ وعت الحياة وهي تسأل نفسها السؤال: لماذا كل الأشياء التي تحبها محرمة؟ حتى الطعام ~~يفرضون عليها أنواعا منه لا تحبها، تدسها أمها في فمها، وحين تستدير تبصقها في الصحن. ~~وأبوها بينه وبين خطوطها عداء، ما إن يراها فوق ورقة حتى يمزقها أو يكورها ويلقي بها بعيدا ~~مع القمامة ونفايات البيت. # كالحاجز الطويل الضخم كان أبوها يقف بينها وبين نفسها الحقيقية، يحول بينهما بضخامة جسمه، ~~وصوته القوي الخشن، وكفه الكبيرة وعينيه الكبيرتين القابعتين في مدخل البيت. حين يرن صوته: ~~بهية! تدرك أنه ينادي واحدة غيرها، لكنها ترد وتقول: نعم، ويسألها: عملت الواجب؟ وترد بصوت ~~مطيع مؤدب: نعم. ويتصل صوتها إلى أذنها بكلمة نعم، فتعلم عن يقين أنه ليس صوتها. # حين يختفي أبوها من الصالة، وتصبح في حجرتها وحدها تستطيع أن تسمع صوتها الحقيقي، وتستطيع ~~أن تحدد ملامحه ونبرته الخاصة، كما تحدد ملامح وجهها، وبأصابعها الرفيعة تخلع التكت البيضاء ~~بالاسم المستعار من فوق الغلاف الأزرق، وبسن الريشة فوق الصفحة البيضاء تحدد كل الأشياء كما ~~تراها على حقيقتها، وحين ترسم أباها تصنع له عينين حمراوين وشاربا طويلا أسود وكفا ~~كبيرة وأصابع تلتف حول عصا طويلة. # لم يكن ms19 لأبيها شارب طويل أسود، لكنها في ذهابها وعودتها من المدرسة كل يوم كانت ترى ~~الشرطي قابعا في كشكه الخشبي على ناصية الشارع. لم تكن ترى من وجهه إلا شاربا طويلا ~~أسود، وحين تقترب من مكانه تسرع الخطى وأحيانا تجري، وتظل تجري حتى تصل البيت. # أما العصا الطويلة فكانت تهتز أمام عينيها كل صباح وهي جالسة وراء درجها الخشبي في ~~الفصل، وصوت المدرسة يرن في أذنيها بنبرة حادة كنبرة أبيها: بهية شاهين! عملت الواجب؟ في ~~اللحظة الأولى تظن أن المدرسة تنادي واحدة غيرها، وتطبق شفتيها في صمت، لكن الصوت الحاد ~~يرن مرة أخرى: بهية شاهين. فتنتفض واقفة وترد بالصوت المؤدب المطيع: نعم. # اليوم الوحيد الذي كانت تحبه هو يوم الجمعة، فهي لا تذهب إلى المدرسة، ومن السرير الصغير ~~تنزلق بخفة إلى كرسيها الأحمر، ومن وسط الكراسة تشد ورقة بيضاء، وتلتف أصابعها الصغيرة حول ~~الريشة، وتحرك يدها فوق الورقة وتصنع خطوطها، وأحيانا تخرج من طيات حقيبتها قلما أحمر، أو ~~أزرق، أو أخضر، اشترته بمصروفها من الدكان المجاور للمدرسة، أو استعارته من زميلة، وتلون ~~الخطوط، وتصنع للشجرة أوراقا خضراء، وللبحر ماء أزرق، وللدم لونا أحمر، كيف عرفت أن الدم ~~لونه أحمر؟ # أول بقعة دم حمراء رأتها في حياتها كانت فوق سروالها الصغير الأبيض، ترسمها كالدائرة ~~الحمراء القانية وسط الصفحة البيضاء، وعينا الطفلة الصغيرة دائرتان واسعتان مذعورتان، ~~وجسمها صغير ورفيع كجسم العصفور يرتجف وراء الجدار، وعيون كثيرة كالدوائر الواسعة تحملق، ~~وتدفن سروالها بأصابعها المتورمة الصغيرة في حفرة وراء الجدار، وتسير في الشارع بغير سروال، ~~تنفذ الريح الباردة بين ساقيها تحاول أن ترفع فستانها عن فخذيها، لكنها تشد الفستان ~~بيديها الاثنتين وتقاوم الريح، وتسير فوق الشارع الأسفلت تتدلى من بين أصابعها الصغيرة ~~الحمراء حقيبة جلدية منتفخة بالكراريس وكتب الحساب والمطالعة. # وحين تقترب من الكشك الخشبي تسقط من بين ساقيها فوق الأسفلت نقطة حمراء قانية، تفترش ~~الأرض على شكل دائرة حمراء، تتسع وتكبر وتصبح في حجم قرص الشمس، يحملق فيها الشرطي بشاربه ~~الطويل الأسود، ويمد أنفه ms20 من وراء الكشك متشمما رائحة الدم، وتلقي حقيبتها على الأرض وتجري ~~لاهثة إلى البيت. ~~••• # حركت رأسها الثقيل فوق الوسادة ورأت الحقيبة الجلدية المنتفخة بكتب التشريح فوق مكتبها ~~الصغير، وفوق المكتب جمجمة، وكشاكيل، وكوب ماء فيه وردة حمراء. نهضت وقربت أنفها من الوردة، ~~لمحت بطرف عينها النتيجة معلقة على الجدار، فتذكرت موعد الامتحان. رصت الكشاكيل والكتب ~~أمامها وجلست تحملق في الجمجمة، جمجمة إنسان مات منذ سنين، اشترتها من فراش المشرحة ~~بثلاثة جنيهات. كانت في العام الماضي بجنيه واحد، لكن الأسعار ارتفعت والجثث شحت وأصبح لها ~~سوق سوداء، يشترك الحانوتي مع فراش المشرحة، مع خفير المقابر، وحين يدهس الترام الجسد ~~المجهول الذي عاش ومات دون أن يعرف لنفسه أبا أو أما «يسمونه العديم الأهلية» يبرز على ~~الفور الحانوتي وفي يده الأب، أي أب، يؤجره بالساعة، ويلقي الأب برأسه فوق الجسد الميت ~~ويبكي بدموع مزيفة، كدموع الآباء الحقيقيين، ويتسلم الجثة ويوقع عليها باسمه وتصبح ملكه ~~الخاص، يصنع بها ما يشاء، تماما كما يمتلك الأب ابنه ويصنع به ما يشاء. # ويبيع الأب جثة ابنه لخفير المقابر، الذي يبيعها للحانوتي، الذي يبيعها لفراش المشرحة، ~~وهذا بدوره يبيعها لعميد كلية الطب، أو للطلبة الأثرياء الذين يذاكرون في البيت ويحتقرون ~~الذهاب اليومي إلى المشرحة. # تأملت بهية الجمجمة، ورأت الشقوق الطويلة بين العظام كالجروح الغائر العميقة وعظام الخدين ~~بارزة، والعينان حفرتان غائرتان في الجبهة، والفكان مدببان من فوقهما فجوات الأسنان ~~العميقة. # كوجه الطفل الذي يتسلق على الترام بجلبابه الممزق، وفوق يده علبة الدبابيس وعلب الكبريت ~~وأمشاط الشعر، ينادي بصوته الممزق المبحوح، ويقفز من ترام إلى ترام، بساقه الوحيدة، وينظر ~~إلى الناس بعينيه الغائرتين، يبحث في الوجوه عن وجه له ملامح الأب والأم، يدس يده في جيبه ~~ويخرج قرشا أو قرشين ويشتري منه مشطا أو علبة دبابيس. # لكن الوجوه الجالسة في الترام ليس فيها آباء ولا أمهات، وإنما تلك الوجوه المتشابهة بقدرة ~~قادر، المصكوكة بمطرقة الحكومة كالنقود، جالسين متلاصقين في صمت، أنصافهم السفلى ثابتة ~~متحجرة فوق المقاعد، وأنصافهم العليا ms21 تهتز بحركة بطيئة منتظمة كحركة الترام، جماجمهم ~~الكبيرة تتذبذب كبندول الساعة، وأكتافهم العريضة «بسبب حشو البدلة السميك» متلاصقة، ~~والكرافتة ملتفة حول أعناقهم كالمشنقة، وحين يقف الترام فجأة تتراجع رءوسهم إلى الخلف بقوة ~~وترتطم بالترام فينتفضون في مقاعدهم، قابضين بأيديهم على رءوسهم ومحملقين حولهم بعيون واسعة ~~صفراء مليئة بالذعر، وترن في الجو صرخة طفل. # تسقط العيون كالدوائر فوق الجسد الممزق تحت عجلات الترام، ومن حوله تناثرت الدبابيس وعلب ~~الكبريت والأمشاط، وفوق الأسفلت البقعة الحمراء تفترش الأرض وتتسع الدائرة الحمراء كقرص ~~الشمس، والعينان الغائرتان تطلان من تحت العجلات الحديدية كحفرتين عميقتين في بطن ~~الأرض. # يتحسس كل واحد رأسه وعنقه وذراعيه وفخذيه، وحين يطمئن إلى أن رأسه لا يزال فوق عنقه، ~~وجسده لا زال في مقعده، ودمه لا زال في عروقه، تنفرج الشفاه عن تنهيدة طويلة عميقة، وتلمع ~~العيون بفرحة خفية، وقد يصافح بعضهم البعض مهنئين حامدين الله شاكرين فضله لأنه مزق تحت ~~العجلات جسدا آخر غير جسدهم، ويرفعون كفوفهم إلى السماء متمتمين بآيات الحمد، متوهمين أنهم ~~يرشون الله بهذه التمتمة فلا يبطش بهم في أي وقت، وتظل رءوسهم فوق أعناقهم إلى ~~الأبد. # مدت بهية يدها وحركت الجمجمة، فأصبحت العينان الغائرتان ناحية الحائط، وأغلقت كتاب ~~التشريح، ومدت يدها وراء السرير وشدت اللوحة البيضاء، أسندتها على الجدار وجلست على الشلتة ~~الصغيرة فوق الأرض وإلى جوارها الفرش والألوان. # حجرتها مظلمة تماما إلا من دائرة ضوء بيضاء مسلطة فوق اللوحة من لمبة صغيرة، والسماء من ~~خلال نافذة سوداء، والليل صامت وأبوها نائم، ولا صوت يسمع ولا حركة، إلا حفيف الفرشاة ~~تروح وتجيء فوق السطح الأملس، بتلك الحركة الخفيفة بأصابعها، تحرك يدها بإرادتها في أي ~~اتجاه، وترفع جفنيها بكل قوتها من فوق عينيها لتقاوم النوم، وتظل شاخصة إلى خطوطها، وبقع ~~الألوان، لا تكف عن الحملقة، ومن حين إلى حين تمتد يدها بتلك الحركة الإرادية تصفع الوجوه ~~المتشابهة بضربات الفرشاة، وتنزع بأصابعها قناع اللحم المشدود، وتسحب الجسد الممزق من تحت ~~العجلات، وتكسو الجمجمة النحيلة باللحم وتصبح الحفرتان الغائرتان ms22 عينين سوداوين تشبهان ~~عينيها. # في الصباح تفتح عينيها على صوت أبيها الحاد كصوت المنبه، وترتدي البنطلون الأسود ~~والبلوزة البيضاء، وتحمل الحقيبة الجلدية المنتفخة وتسير نحو الترام. تدب على الأرض ~~بقدميها وتفصل بين ساقيها في خطوتها، وحين ترى الوجوه المتشابهة في الترام تزم شفتيها في ~~غضب، وحين ترى زميلاتها يسرن بسيقانهن الملتصقة بتلك الحركة الدورية الغريبة تدرك أنهن من ~~فصيلة وهي من فصيلة. وتقف في المشرحة ترفع قدما فوق حافة المنضدة الرخامية، وتنتصب ساقها ~~الثانية فوق الأرض طويلة، عظامها مستقيمة وعضلاتها مشدودة، ترمق بطرف عينها سيقان الطلبة ~~المعوجة، ونظاراتهم السميكة داخل كتب التشريح، وأنوفهم الحمراء المتورمة، وظهورهم المحنية ~~المنكفئة فوق الجثث، تتلفت حولها في دهشة كالذي ضل الطريق. لكن المشرط بين أصابعها وكتاب ~~التشريح غلافه أزرق، ومن فوق التكت البيضاء الاسم: «بهية شاهين»، الفصل: أولى مشرحة، تندهش، ~~وتحرك المشرط من أعلى إلى أسفل في كتلة اللحم الغارقة في الفورمالين، ويصطك المشرط بشيء ~~صلب، أخرجته من التجويف بطرف المشرط، فسقط فوق المنضدة الرخامية محدثا صوتا كقطعة زلط، ~~شقها المشرط نصفين، فإذا بها جلطة دم تجمدت، واسودت. ضحكت زميلة من زميلاتها ضحكتها ~~الأنثوية المكبوتة وهي تقول: يا خبر! ظننت أنها رصاصة! مدت زميلة أخرى عنقها ونظرت إلى ~~القلب المشطور وتساءلت بدهشة: في القلب رصاصة؟ وأخفت واحدة فمها بكفها وشهقت: يا عيني! ~~وتنهدت أخرى بصوت مسموع: يا ريتني أنا. # إن شيئا من هذه المعاني المألوفة عن الموت لا يمكن أن يوجد في المشرحة، فالموت هنا ليس ~~موتا، والجثة ليست شخصا ميتا، وجلطة الدم متجمدة كقطعة رصاص في جوف القلب قد تكون شيئا ~~مثيرا لرغبة مكبوتة مدفونة في أغوار النفس، كأن ينشطر القلب، أو يكف الدم عن دورانه العبثي ~~ويتجمد في العروق، أنه الموت الذي يرغبه الإنسان ويرهبه، ويبحث عنه ويهرب منه، ويتصوره في ~~كل مكان ولا يجده في أي مكان ولا في المشرحة. # التفتت بهية إلى زميلتها التي قالت «يا ريتني أنا» وسألتها: ترغبين في الموت؟ فشهقت ~~الزميلة بدهشة واستنكار: الموت؟ بعيد الشر عني ms23 يا أختي. وأدركت بهية المأساة ، وعرفت لماذا ~~يخفي الإنسان رغباته الحقيقية؛ لأنها الرغبات العنيفة الساحقة في عنفها، ولأن الإنسان لا ~~يريد أن ينسحق، فهو يفضل الحياة الفاترة بغير رغبات حقيقية. # وأمسكت بهية بهذا الطرف من الخيط، وبدأت تسير نحو الطرف الآخر، وهي تدرك أنه ليس هناك طرف ~~آخر، وإنما هي الهاوية السحيقة بعينها. لمت مشارطها وأدوات تشريحها في الحقيبة الجلدية ~~وخرجت من المشرحة. سارت في الفناء بخطواتها الواسعة السريعة، وفي كل خطوة يتزايد إحساسها ~~بالقرب من الخطر، ودت لو تستدير وتعود إلى المشرحة لكنها مشدودة، بإحساس خفي، إلى هذا الخطر ~~بعينه، إلى هذه الحافة على شفا الهاوية. # بهية! رن الاسم في أذنها فانتفضت، وفي انتفاضة جسدها أدركت أن لها جسدا خاصا يمكن أن ~~تحركه وتهزه فلا يهتز معه الكون، وأن لها اسما خاصا، حين يرن في الجو تنتفض. في كل مرة ~~تسمع النداء تندهش. أية قوة خارقة استطاعت أن تميز اسمها من بين الأسماء الأخرى، وأية معجزة ~~تلك التي التقطت جسمها من بين ملايين الأجساد السابحة في الكون. # حين توقفت وجدت أنها لا تزال في فناء الكلية، وأنها أمام لوحة كبيرة معلقة فوق باب صغير ~~أخضر داكن. هذه الوقفة لم تزد عن نصف دقيقة، وكانت على وشك أن تستدير وتتجه إلى باب المشرحة ~~وتعود إلى ما كانت فيه وتظل فيه إلى الأبد، لكن نصف دقيقة قد تغير مجرى حياة الإنسان، قد ~~تنفجر قنبلة في نصف دقيقة، ويتغير شكل المدينة والأرض، الأحداث الخطيرة في الحياة تحدث ~~دائما بسرعة شديدة في ثوان، وأحيانا في غمضة عين، أما الأحداث التافهة فتحدث ببطء، وفي ~~وقت طويل قد يمتد طول العمر. # حين رفعت عينيها من فوق اللوحة أدركت أن أحدا أمامها، ليس أي أحد، وإنما هو هذا النوع ~~من البشر، الذي لا يمكن أن تمر عليه عيوننا دون أن تتوقف وربما لا تتوقف إلا بضع ثوان أو ~~ثانية واحدة، بسبب ضيق الوقت أو التحرج من الحملقة الطويلة، لكنها تكفي لأن تجعل هذه ~~الملامح أمام عيوننا ms24 إلى الأبد. استطاعت بعد أن مرت الدقيقة الأولى أن تتغلب على المفاجأة ~~وأن تقوى على الحملقة. وباستطلاع غريزي بحثت في الملامح غير العادية عن السبب الذي جعلها ~~غير عادية، ورأت الجبهة عادية والعينين عاديتين، والأنف عاديا والفم عاديا، ودهشت كيف ~~يتكون من مجموع هذه الملامح العادية ذلك الوجه الغريب غير العادي. # في تلك اللحظة كان قد أصبح أمامها تماما، يضع قدمه اليمنى على عتبة باب المعرض، وكاد ~~يصطدم بها لولا أنه رفع رأسه ورآها، وحينما التقت عيناها بعينيه أدركت أن سر غرابة الوجه ~~هو في حركة العينين حين تنظران، فهي حركة غريبة، تختلف عن حركة عيون الطلبة حين ينظرون. ~~عيونهم تبدو وكأنها لا تنظر، وكأنها لا تفعل شيئا، وإنما هي مفتوحة فحسب، كمرآة تنعكس على ~~صفحتها الأشياء. وبمعنى آخر عيون الطلبة لا تمارس النظر الحقيقي، وبالتالي فهي لا ترى ~~الأشياء، أو لا تراها على حقيقتها. # حينما تحركت عيناه أمام عينيها أحست أنه يراها، وأنها لأول مرة تصبح مرئية بعينين ~~أخريين غير عينيها، أمام المرآة فقط كانت تدرك أنها مرئية بعينين سوداوين هما عيناها، وفي ~~الشارع أو في الترام أو في الكلية ترى العيون عاجزة عن رؤيتها، عاجزة عن تمييزها من بين ~~الآلاف، وأنها تضيع وسط الأجساد المتشابهة، ولا شيء ينتشلها من الضياع إلا يدها حيت تلامس ~~جسدها، وتعرف عن يقين أن لها جسدها الخاص، وعيناها حين تلوذان بخطوطها فوق اللوحة البيضاء، ~~وتصبح حركة يدها مرئية، وخطوطها واضحة، منفصلة عن الكون بحدودها الخارجية، واستدارتها ~~الخاصة بحركتها الإرادية القوية، تحطم بها الإرادات الأخرى، وتنزع الغطاء عن الجسد وتشد ~~القناع عن الملامح، وتخلع «التكت» البيضاء بالاسم المستعار من فوق الغلاف الأزرق. # رأت عينيه الغريبتين تفصحان وجهها كما تفصحه هي في المرآة، وتنفذان من خلال عينيها إلى ~~السرداب الطويل الضيق في أعماقها. إن لحظة أخرى واحدة كافية لأن يصل إلى النهاية، لكنها ~~حركت رأسها إلى الناحية الأخرى. كانت تخاف من الوصول إلى النهايات، تستشعر خطر الوصول، ~~وتدرك استحالة العودة إلى حيث كانت، وأنها بطريقة ms25 سحرية ستصبح إنسانة أخرى غير «بهية ~~شاهين»، أي أنها ستصبح نفسها الحقيقية. # لم تكن تعرف بدقة ما هي نفسها الحقيقية، لكنها كانت تعرف عن يقين أنها ليست «بهية شاهين»، ~~طالبة الطب المجدة حسنة السير والسلوك، هذه الفتاة السمراء الشاحبة التي تقف مترددة أمام ~~الباب. # إن كلمة مترددة هنا غير دقيقة، وغير صحيحة أيضا، فالحقيقة أنها لم تتردد لحظة، كانت ~~مشدودة برغبتها المبهمة في السير إلى الأمام وعدم التوقف، والوصول إلى النهاية الخطرة، تدرك ~~أنها ذاهبة إليها لا محالة، فهي مصيرها، وأنها ليست ذاهبة ذهابا عاديا، وإنما هي مدفوعة ~~دفعا بشدة رغبتها في معرفة مصيرها، وبشدة الخوف من هذه المعرفة إلى حد الاندفاع في الاتجاه ~~المضاد. # لو كانت بهية شاهين حقيقة لاستدارت وسارت خطوة إلى الوراء ودخلت المشرحة وأصبح اليوم ~~كالأمس، كالغد، ولسقطت في دوامة الأيام العادية، والحياة العادية، والوجوه العادية، لكنها ~~لم تكن بهية شاهين، كانت إنسانة أخرى شيطانية لم تلدها أمها ولا أبوها، ملامحها تشبه ~~الملامح التي تطالعها في المرآة، ولكنها أكثر حدة، والعينان سوادهما أكثر سوادا، والأنف ~~ارتفاعه أشد ارتفاعا، والبشرة سمراء ليست شاحبة، وإنما هي متقدة حمراء بلون الدم. # لم تكن بهية شاهين تعجبها، كانت ترى عيوبها بسهولة، وتكره ذلك الصوت المطيع المؤدب، وتضيق ~~بتلك النظرة الهادئة الوادعة التي لا تنظر إلى الأشياء، وإنما تترك الأشياء تنعكس عليها ~~كصفحة ماء، وتكره ذلك الأنف الذي لم يرتفع بدرجة كافية، وتزدري ذلك الشحوب الذي تعرف سببه ~~الحقيقي، فهو شحوب البشرة حين يهرب منها الدم بسبب الخوف الذي يحاول الإنسان أن ~~يخفيه. # كانت بهية شاهين تخفي خوفها بتلك البشرة الشاحبة، لكن بشرة بهية شاهين لم تكن تخدعها، ~~كانت تعرف أعماقها الحقيقية، وتدرك كيف تخاف ومن أي شيء تخاف. # بهية شاهين كانت تخاف من نفسها الحقيقية، من هذه الإنسانة الأخرى التي تعيش داخلها، تلك ~~الشيطانة التي تتحرك وتنظر إلى الأشياء بكل قدرتها على الرؤية، ولأنفها ارتفاعة حادة غريبة، ~~كحد السيف، تشق به الكون نصفين وتمشي إلى الأمام، إلى الأمام بغير رفق، ms26 ولا تردد، لتصل إلى ~~النهاية ، نهاية النهاية، وإن كانت هي الهاوية السحيقة ذاتها. # لكن بهية شاهين كانت تتردد، تتوقف في المنتصف، تخاف من النهايات، فالنهاية في نظرها هي ~~النهاية، هي الذروة الشاهقة المخيفة، هي النقطة المعلقة في الفضاء لا شيء أمامها ولا شيء ~~خلفها، القمة الساحقة ومن بعدها الفناء. # في منتصف الطريق كانت تقف، تعرف أنها واقفة، لكنها آمنة في تلك النقطة المتوسطة، نقطة ~~الوسط في الحبل المشدود حيث تتعادل قوتا الشد، نقطة الصفر. قوتها تساوي صفرا ومقاومتها ~~تساوي صفرا. هي نقطة السكون الكامل والأمن الكامل الذي لا يهدده شيء، بمعنى آخر هي نقطة ~~الموت. # لم تكن بهية شاهين تعرف أنها تقف في جوف الموت ذاته، وأنها ميتة لا محال. عقلها كان ~~عاجزا عن إدراك هذه الحقيقة. كانت تظن بطريقة ساذجة مضحكة أنها ستنجو أو أن في استطاعتها ~~أن تنجو بالابتعاد عن الخطر، بالامتناع عن الحركة نحو الحياة الخطرة. لم يكن عقلها قادرا ~~على إدراك أنها في قلب الخطر، وأن أي حركة إنما هي حركة نحو النجاة، نحو الحياة، لكنها لم ~~تكن تعرف كيف تنقذ نفسها، ولماذا تنقذ نفسها، وبمعنى آخر لم تكن تعرف ما الهدف من ~~حياتها. # حين حركت رأسها إلى الناحية الأخرى ابتسم تلك الابتسامة الغريبة، لم ترها في تلك اللحظة. ~~همس بصوت خافت: بهية شاهين؟ # فاجأها السؤال، فتلعثمت لكنها تداركت الخطأ بسرعة، ورأت الاسم فوق اللوحة البيضاء، فردت ~~بصوت متردد: نعم. # ومد يده إليها وصافحها قائلا: سليم إبراهيم. # أول يد تلتف حول يدها، كفه بحجم كفها وأصابعه طويلة رفيعة كأصابعها، يد حقيقية بلحمها ~~ودمها، تسري حرارتها في كفها وتؤكد حقيقتها لأنها من نفس الحرارة يدها، وحركة الدم في ~~عروقها لها تحت الجلد ذبذبة، كذبذبة النبض فوق معصمها، وكذبذبة الأرض تحت قدميها، والهواء ~~من حولها. # حملق في عينيها السوداوين المتسعتين بذعر لا يحدث إلا عند الإحساس بالخطر، فاتسعت عيناه ~~بذعر مشابه، لكنه تدارك الخطأ بسرعة، فعادت عيناه إلى حجمهما المألوف، واجتازا في نصف دقيقة ~~ما يجتازه الرجل والمرأة ms27 للتعارف في نصف قرن. # قال لها: أهنئك على المعرض. # احمر وجهها بخجل مفاجئ، وتلعثمت: لا زلت في البداية. # لم يكن بالمعرض إلا ثلاثة أو أربعة طلبة. كانوا في الكلية بالآلاف، ولكن ماذا يهم طلبة ~~الطب في معرض للرسم؟ بماذا تفيدهم لوحة أو قصة أو قطعة موسيقى؟ لا شيء يهم إلا المشرحة ~~والمحاضرات التي تحفظ وتدون في ورقة الامتحان، ثم تتسرب من الذاكرة من بعد. # وقفا أمام لوحة واحدة متجاورين. قامته طول قامتها، وكتفه بحذاء كتفها، وذراعه بحذاء ~~ذراعها، وساقه بطول ساقها. لم يكن يفصل بينهما إلا مسافة صغيرة. مسافة من الهواء لا تزال ~~تمر بينهما وتفصل جسديهما. مسافة طويلة بطول قامتها لكنها رفيعة كالشعرة. شعرة من الهواء، ~~ورغم كونها هواء، بل لأنها هواء، فهي مسافة عازلة من مادة أخرى غير مادة جسديهما، ورغم ~~كونها رفيعة جدا، بل لأنها رفيعة جدا، فهي حادة جدا كحد السيف تفصل الجسد عن الجسد ~~وتقطع اللحم. # دهشت الدهشة نفسها التي تحدث في الأحلام، حين تحدث أكبر الأحداث في ثوان ويقابل الإنسان ~~الغرباء فيعرفهم، والأموات فيصافحهم، ويطير في الجو بذراعيه وساقيه، ويغوص إلى قاع البحر ~~دون أن يغرق، ويمشي على الحبل الرفيع دون أن يسقط، وتنهدم البيوت في ثانية، وتنبني البيوت ~~في ثانية، ويصبح أي شيء ممكنا وفي غمضة عين. # تعودت على هذه الدهشة في أحلامها، ولكنها الآن يقظة، عن يقين. حاولت أن تتأكد من يقظتها ~~اليقينية ولكنها عجزت، فليست هناك وسيلة مضمونة للتأكد أكثر من أن تلمس جسدها، ولكنها تفعل ~~ذلك في الأحلام أيضا حين تتشكك في نومها. وهذا العجز يرعبها، فهي غير قادرة بحال من ~~الأحوال على التأكد من شيء في حياتها، إن محاولة التأكد لا تفعل شيئا سوى أن تزيد ~~شكوكها. # عيناه السوداوان كانتا ثابتتين فوق اللوحة، واللوحة سوداء كالليل الدامس، فيه نقط بيضاء ~~تبدو كالنجوم، لكنها ليست نجوما، وإنما هي فصوص صغيرة من الماس، ولكنها ليست فصوصا، وإنما ~~هي عيون صغيرة تلمع بدموع شفافة، ليست عيونا، وإنما هما عينان صغيرتان في وجه ms28 الطفل النحيل ~~الشاحب، يسير في الشارع وحده، أصابعه الصغيرة حمراء متورمة من طرف المسطرة الحاد، عشرون مرة ~~فوق كل أصبع، بسبب الحقيبة المفقودة. الرجل الكبير ذو الشارب الطويل شده من ذراعه في ثنية ~~الشارع فوقعت الحقيبة على الأرض، وبذراعيه الصغيرتين وساقيه كان يضرب الساقين ~~الكبيرتين، لكنهما كانتا قويتين مفتوحتين كفكي القدر، وهو بينهما منكفئ بوجهه فوق ~~الأسفلت بجوار الجدار، ومن فتحتي أنفه يسيل خيط رفيع من الدم تجلط بعد فترة قبل أن يراه ~~أبوه. لكن أباه نظر في عينيه وأدرك من الشحوب أن الدم لا زال ينزف، ففتش عن الجرح بين ~~ذراعيه، وبين ساقيه، وحين رأى الدائرة الحمراء واضحة كقرص الشمس رفع كفه الكبيرة في ~~الهواء وصفعه على وجهه. # لمحت اللمعة السريعة فوق عينيه، وعضلة صغيرة تحت عينه اليسرى ترتجف. فأشارت إلى اللوحة ~~الأخرى، لكنه سألها بصوت خافت: كنت تبكين وأنت طفلة؟ # دهشت وتلعثمت. تذكرت أحلامها الطفولية، والإله الخرافي وأباها، والشرطي، والمدرسة، وحافة ~~المسطرة فوق أصابعها الصغيرة. وقالت: كانوا يضربونني من أجل واحدة أخرى اسمها بهية شاهين، ~~مطيعة ومؤدبة. # ضحك ضحكة قصيرة، ونظر إلى اللوحة الأخرى. طلبة الطب بنظاراتهم السميكة وكيعانهم المدببة ~~يتزاحمون حول أستاذ يجر عربة وينادي كالبائع المتجول على محاضراته المطبوعة بالبلوظة. وعلى ~~باب الكلية نسوة بالجلاليب السوداء والطرح السوداء يشددنها حول أعناقهن من وراء جثة خارجة ~~من المشرحة. وعلى محطة الترام رجل أعمى تجره امرأة كسيحة ومن خلفها أطفال أردافهم عارية. ~~ومن داخل عربات الترام تطل رءوس كبيرة متلاصقة متشابهة كعملات النقد المصكوكة، وعلى ناصية ~~الشارع ربض الشرطي ذو الشارب الأسود الطويل. # همس وهو واقف إلى جوارها دون أن يتحرك: بهية. # انتفضت لصوته حين لامس أذنها، واسم بهية أصبح شديد الخصوصية، ليس كاسم بهية، أية بهية، ~~ولكنها هي بالتحديد، هي دون الآخرين، دون الملايين، بكيانها الخاص هذا الواقف إلى جواره، ~~وبحدود جسمها الواضحة المنفصلة عن الفضاء الخارجي، وخطوط يدها فوق اللوحة، تصنع معالمها ~~وحركتها الخاصة، حركتها الإرادية تنتزعها من بين فكي الإرادات الأخرى. # تلفتت حولها، كان المعرض ms29 قد أصبح خاليا إلا منهما ، واقفين متجاورين، غير متلامسين، ~~تفصل بينهما تلك الشعرة الرقيقة من الهواء. رفيعة جدا وشفافة جدا كالهواء، وهزة يد تكفي ~~لتمزيقها، أية حركة خفيفة تكفي لتبديدها. لكن أحدا منهما لا يتحرك، إنهما واقفان جامدين ~~كتمثالين من الحجر، عيناهما ثابتة كأنما في ذعر، وبشرتهما شاحبة كأنما هرب منها ~~الدم. # كالخوف الذي نحسه في الأحلام، لكنه خوف حقيقي. تدرك حقيقته من رعشة جسدها المنتصب في وضع ~~رأسي، وبضع قطرات عرق ملموسة في كفها. وبحذر حقيقي حركت قدمها فوق الأرض، ثم حركت القدم ~~الثانية، وبدأت تحمل جسدها نحو الباب. لكن صوته جاء من خلفها: بهية. # توقفت، تسمرت في الأرض لحظة، وردت بصوت خافت: نعم. ~~- إلى أين تذهبين؟ ~~- لا أدري. ~~- تعالي معي. ~~- إلى أين؟ ~~••• # بإحساس ليس كامل الوضوح أدركت أن هذا الصوت المنتظم المتتابع لقدمين تنتقلان فوق أسفلت ~~الشارع إنما هو صوت حذائها، صوت مألوف لأذنها، كاسمها حين يرن في الجو. لكن عقلها لا يطمئن ~~كل الاطمئنان لأذنها، وما يبدو مألوفا لأذنها يصبح أمام عقلها غريبا شديد الغرابة. فما ~~الذي أتى بقدميها فوق أسفلت هذا الشارع؟ الشارع لم نره من قبل، فليس هو أحد شوارع القاهرة ~~العادية، تلك الشوارع المنبسطة في استواء ترى نهايتها أمامها في وضع أفقي، لكن هذا الشارع ~~ليس أفقيا، إنه صاعد إلى أعلى كطريق فوق جبل شاهق. # تساءلت في دهشة: هل تركنا القاهرة؟ وحينما سمعت صوته إلى جوارها أدركت أنها ليست وحدها، ~~وأنهما وصلا نهاية شارع القصر العيني واجتازا فم الخليج واتجها إلى جبل المقطم. لم تكن أتت ~~إلى هذا المكان من قبل، ولم تكن مشت فوق شارع يصعد فوق جبل كما تمشي الآن، كانت حياتها تسير ~~في خط أفقي مستو، بيتها في الدور الأرضي تدخله بصعود أربع درجات، والترام تركبه بصعود درجة ~~أو درجتين، والمشرحة في الدور الأرضي، والمدرج يرتفع عن فناء الكلية بثلاث درجات، وأقصى ما ~~تصعده هو ست درجات لتصعد إلى المعمل. # الآن، شيء غريب يحدث لجسدها وهي تبتعد عن الأرض. إنه يصبح ms30 أقل ثقلا. كأنها تتخفف في كل ~~خطوة من أثقال غير مرئية، تلتف كالخلخال الحديدي حول رسغيها. وصوت حذائها فوق الأسفلت أصبح ~~أقل حدة، وقدماها تتحركان وحدهما بخفة، كأنما لم يعودا يحملان جسدها، أو أن جسدها أصبح بغير ~~ثقل، والهواء من حولها بغير صوت. # صفقت بيديها وهي تجري بمرح: «أول مرة أصعد المقطم!» وسمعت صدى صوتها يتردد مرة أخرى من ~~سفح الجبل. توقفت ونظرت تحتها، رأت المدينة الكبيرة مستوية كالبساط الأخضر والبيوت ~~كالمربعات الصغيرة، وقدماها داخل حذائها المألوف على حافة الجبل، وإلى جوارهما قدمان أخريان ~~داخل حذاء أسود غير مألوف. # رفعت رأسها مندهشة، فالتقت عيناها بعينيه، عينان سوداوان لهما نظرة ثاقبة غريبة، تنزع عن ~~وجهها القناع، وتشد الأغطية عن جسدها وتصبح بهما مرئية. حركت رأسها إلى الناحية الأخرى فلم ~~تجد إلا السماء ومن تحتها الهاوية السحيقة. انتابها الإحساس الغامض الملح بأن شيئا خطيرا ~~سيحدث لها. قطعة الطوب تحت قدمها ستنفصل فجأة عن الجبل ويسقط جسدها تشده الأرض بقوتها ~~الرهيبة ويتناثر في الهواء أشلاء صغيرة كالذرات. وكما يحدث في الأحلام خيل إليها أنها ~~لو قفزت فسوف تنجو بجسدها من قبضة الأرض وتطير منطلقة في السماء. ومدت قدما واحدة وكادت ~~تتبعها القدم الثانية وتقفز، لكن قوة غريبة شدتها إلى الخلف. ظنت أنها يده، لكنه كان بعيدا ~~عنها واقفا جامدا كتمثال، ذراعاه إلى جواره، وعيناه السوداوان ثابتتان في عينيها، تنفذان ~~إلى السرداب الطويل الضيق في أعماقها، تريان أعماقها العميقة الخفية، وذلك النبض السريع ~~المتصل، كنبض الكون في سكون الليل، تلك الحركة السريعة المجنونة تدفنها في طيات نفسها، وتلف ~~عليها أحشاءها طبقة طبقة، لتصبح غير مرئية وحركتها إلى الأبد سرية. # هرب الدم من وجهها فأصبح شاحبا، وأصابعها أصبحت باردة مثلجة، وأغمضت عينيها بتلك الحركة ~~المخادعة التي تعلمتها في أحلامها، ثم فتحتهما، وأدركت أنها لا تحلم، والعينان السوداوان لا ~~تزالان في عينيها، والسواد ليس أسود تماما، وإنما تشويه زرقة، زرقة عميقة بعيدة القاع، ~~مجهولة الأغوار، كزرقة السماء حين نحملق فيها بعيوننا المفتوحة، ونرى كأنها غير موجودة، ms31 ~~وتسري فوق الجسد قشعريرة غير مفهومة، ندرك بها أننا أمام ضخامة الكون، ضخامة رهيبة مخيفة، ~~ضخامة صامتة ساكنة سكونا مفزعا، لأنه ليس سكونا حقيقيا، وإنما هناك حركة من تحته، حركة ~~خفية عنيفة تخطف بسرعتها البصر. # وأخفت وجهها بكفيها وصرخت بشهقة غير مسموعة: سليم. # رد بصوته الخافت: نعم. ~~- أنا خائفة. ~~- من أي شيء؟ ~~- من الموت. ~~- الموت غير موجود. ~~- ولكنني خائفة. ~~- من الحياة؟ ~~- نعم. # من يراها في تلك اللحظة يلحظ أنها ترتعد. لم يكن خوفها كالخوف الذي يبعدها عن الخطر، ~~ولكنه خوف آخر يقربنا من الخطر أكثر مما يبعدنا عنه. رغبة جارفة عنيفة في استشعار الخطر حتى ~~ذروته، حتى نهايته، نهايته الأخيرة التي تخلصنا منه إلى الأبد. كالعبء الثقيل كانت تحسه فوق ~~جسدها منذ أن أصبح لها جسد. منذ أن انفصلت عن الكون وانسلخت عن جسد أمها في كتلة صغيرة ~~محددة، تشدها الأرض إلى تحت، وتشدها السماء إلى فوق ويضغط عليها الهواء من كل جانب، وجسدها ~~الصغير دائما في قبضة الكون، بين فكي الأسد، وعن يقين تدرك أن الفك الأعلى سيهبط فوق ~~الأسفل في لحظة قادمة لا محالة. لو تشككت لحظة في هذا اليقين ربما فكرت في الهرب بطريقة أو ~~بأخرى. لكنها كانت تحمل اليقين فوق جسدها في كل خلية تنبض وتعرف أن اللحظة ستأتي، وأن هذا ~~النبض سيتوقف، ومن شدة اليقين كانت ترغب في أن تأتي اللحظة ويتوقف النبض وينتهي ~~العبء. # قالت بصوت خافت: ضمني بكل قوتك حتى ... # توقفت ولم تكمل، كانت تريد أن تقول حتى يتوقف النبض، لكن رغبتها الخفية في الموت بدت في ~~العلانية كرغبة محرمة، وأدركت بوضوح أكثر لماذا يحرم الناس الرغبات الحقيقية ويشرعون ~~الرغبات غير الحقيقة. # إن حركة واحدة منه كانت كافية لأن تصل بها إلى النهاية، لكنها كانت تخاف من الوصول إلى ~~النهايات، تستشعر خطر الوصول، وتدرك استحالة العودة إلى حيث كانت، وأنها بطريقة سحرية ستصبح ~~إنسانة أخرى غير بهية شاهين، أي أنها ستصبح نفسها الحقيقية. # أصبحت بعيدة عنه، تسير بخطوتها السريعة الواسعة، عيناها السوداوان مرفوعتان ms32 إلى أعلى، ~~سوادهما ليس أسود بما فيه الكفاية، وذلك الأنف الذي لم يرتفع بدرجة كافية، والبشرة الشاحبة ~~بسبب الخوف الذي يحاول الإنسان أن يخفيه. # جاءها صوته من الخلف: بهية. # لم تتوقف ولم ترد. صاح بصوت أعلى تردد صداه في جنبات الجبل: بهية. # بدأت تجري مبتعدة عن الصوت، لكنه أحاطها من كل جانب، فسدت أذنيها بيديها، لكنه نزع ~~يديها عن أذنيها وصاح بصوت غاضب: لماذا تذهبين؟ # حاولت أن تتحرك، لكنه سد الطريق بذراعه، دفعته بكل قوتها فشدها إليه بكل قوته، رفع وجهها ~~بيده، وأصبحت عيناه في عينيها، عينان غاضبتان، سوادهما تشويه زرقة داكنة مخيفة كزرقة بحر ~~بغير قاع، وحاولت أن تحرك رأسها إلى الناحية الأخرى، لكنه ثبت رأسها بيده وقال بصوت غاضب: ~~بهية شاهين ستجعلك دائما عاجزة عن بلوغ أية قمة، وتعيشين دائما في منتصف الطريق وتسقطين ~~في قبر الأيام العادية ككل الملايين. # صوته كان يرتعد، وتركت يده رأسها فسقط فوق صدرها يهتز، وعيناها تهتزان، وكل شيء في حياتها ~~أصبح مهزوزا. هذا الصوت المرتعد سمعته من قبل مرة، بل مرتين، بل مرات كثيرة، بل كل يوم حين ~~كانت تجلس في الترام وترى قطع البشر المصكوكة، وحين ترى الطلبة بنظاراتهم السميكة ورءوسهم ~~المنكفئة فوق الكشاكيل، وحين ترى الطالبات بعيونهن المنكسرة وسيقانهن الملتصقة، وحين تسمع ~~المحاضرات وهي تتلى بذلك الصوت المتكرر المتشابه، وحين يرن جرس المنبه في أذنها كل صباح ~~الرنين نفسه، وصوت أبيها يناديها النداء نفسه، ولا شيء لا شيء يقطع هذه الرتابة المستمرة ~~إلى الأبد. # رغبة جارفة طاغية كانت تتملكها لقطع هذه الرتابة، رغبة في الصراخ بلا سبب لتقطع الصرخة ~~الرتابة، في القفز من النافذة وانكسار ذراعيها أو ساقها، في إغماد سكين المطبخ في صدرها ~~لتصرخ من الألم ولتسمع صرختها بأذنها وتدرك عن يقين أنها حية وليست ميتة، رغبة جارفة وملحة ~~للإحساس بالحياة إلى حد اقتراف جريمة قتل، في أن تقتل جسدها بكامل وعيها وإرادتها. كانت ~~تدرك أنها ليست جريمة، وإنما الجريمة هي أن يقتل جسدها بغير إرادتها. وعن يقين كانت ms33 تعرف ~~أن هناك إرادة أخرى تتربص بها، وتنتهز الفرص أي فرص لسحقها، كانزلاقة قدمها على سلم الترام، ~~أو شرودها لحظة وهي تعبر الشارع، أو انطلاق رصاصة في الجو تصيبها خطأ. # إن موتها بهذا الشكل، بالصدفة وبغير إرادتها، يصبح جريمة غير مشروعة. إن الذي يجعل الموت ~~مشروعا هو أن تكون هدفه المحدد، أن تكون اختياره ويكون اختيارها. # حين رفعت رأسها من فوق صدرها لم تجده، التفتت بسرعة فرأت ظهره يكاد يختفي في ثنية الشارع ~~الملتوي الصاعد، هتفت بصوت عال: سليم. # لكنه لم يرد، رفعت صوتها أكثر ونادت: سليم. # تردد صدى صوتها في جنبات الجبل عدة مرات، لكن أحدا لم يرد. ~~••• # في حجرتها الصغيرة فوق سريرها أصبح جسدها ممدودا، وعيناها السوداوان تلمعان في الظلام ~~كفصين من الماس، يمتصان السواد ثم يفرزانه شعاعا أبيض كشعاع الضوء، وملايين الذرات ~~الدقيقة تسبح في الشعاع وتدور في حركة دائرية منتظمة كحركة الكون الأبدية، كالدق المنتظم في ~~أذنيها يهبط إلى عنقها وصدرها ويسرى في ساقيها تنميلا خفيفا كسريان الدم، ويصب في ~~كفيها وقدميها ويتجمع في أطراف أصابعها العشرين كرءوس الدبابيس، كأرجل النمل الدقيقة ~~تمشي تحت جلدها وفوق عظامها، وتكاد تسمع دبيبها كالأزيز الخافت المتصل، كملايين الأصوات ~~الخافتة المتصلة التي تصنع صمت الليل. # رفعت جسدها من فوق السرير، ولامست قدماها العاريتان الأرض الباردة فترنحت وكادت تسقط لولا ~~قدرة ساقيها الطويلتين المستقيمتين وعضلاتهما القوية المشدودة، ترفعان جسدها منتصبا إلى ~~فوق، بتلك السيطرة العجيبة على التوازن، والسير فوق الأرض بتلك الخطوة القوية الثابتة تشق ~~الكون كربان ماهر يمسك بدفة سفينة متينة. # شدت اللوحة من وراء السرير، وسلطت ضوء اللمبة فوق الصفحة البيضاء وجلست على الشاشة ~~الصغيرة فوق الأرض تحملق في ذرات العقيق السابحة في الشعاع، وحينما ضغطت بأصابعها على ~~الفرشاة أحست برءوس الدبابيس تحت جلدها، وفي كل ضغطة تستشعر الألم كوخز الإبر، لكن يدها لا ~~تكف عن الحركة، تروح وتجيء فوق اللوحة بتلك الحركة الإرادية، بتلك الرغبة الجارفة الملحة في ~~استشعار الألم حتى نهايته، في الضغط على أصابعها حتى تنزف ms34 دمها وتنسحق ويكف الألم. # رغبة غامضة جارفة، تهز جسدها، وتهز الأرض من تحتها، وتسري من أصابعها إلى ذراعيها إلى ~~عنقها إلى رأسها كأنما خلال سلك كهربي مشدود، وأصابعها تصبح مشدودة، وعنقها مشدودا، ورأسها ~~ثابتا لا يتحرك. # من يراها في تلك اللحظة يظن أنها مصلوبة، لولا حركة يدها يظن أنها ميتة، أو نائمة وهي ~~جالسة. لكنها يقظة شديدة اليقظة. عيناها المفتوحتان تريان أدق خط، تلتقطان النقطة وأصابعها ~~بطرف الفرشاة تستطيع أن تشق الكون الأسود بخط رفيع أبيض كالشعرة، كخط الأفق يفصل الأرض عن ~~السماء، والنهار عن الليل، خط أبيض تشوبه حمرة، حمرة داكنة قانية بلون الدم. # عيناها حين تريان اللون الأحمر القاني تتسعان، كذعر العينين أمام الدم الحقيقي. ما الذي ~~يخيفها في لون الدم؟ تحملق في عروقها الزرقاء تحت جلدها، وتحس ذبذبة النبض المنتظمة المتصلة ~~فوق معصمها، دقة بعد دقة بعد دقة، وبإحساس غامض خفي يخيل إليها أن الدقة القادمة هي آخر ~~دقة، وأن الصوت سينقطع، وتكتم أنفاسها، وترهف سمعها وتكاد تقبل اللحظة بغير دقة، لكن ~~أذنيها سرعان ما تلتقطانها خافتة ومقبلة بنفس الحركة، كالدقة السابقة، وكالدقة اللاحقة، ~~كالأزيز أو الطنين المستمر في أذنها، ترغب بعنف في أن ينقطع ويتوقف، وبعنف أشد ترهف السمع ~~في انتظار الدقة المقبلة، تخاف ألا تقبل. # تفتح عينيها في الصباح على صوت المنبه، وعينا أبيها الكبيرتان من فوق السرير، تشدانها ~~خارج السرير، وخارج حجرتها، وخارج البيت وتتعقبانها في الترام، وفي الكلية، وكفه الكبيرة ~~تدفعها في ظهرها داخل المشرحة. # تقف بجوار المنضدة الرخامية، على قدم واحدة، والقدم الثانية ترفعها في الهواء كأنما ترفس ~~أحدا، ثم تضعها بكل قوتها وكل ثقلها على حافة المنضدة، وقفة لا تستطيع أن تقفها أية فتاة ~~في ذلك الوقت، ولا أي فتى. الوحيد الذي يستطيع هو الدكتور علوي، يمر بين المناضد بنظارته ~~البيضاء ومعطفه القصير الأبيض، وعند منضدتها يقف، قدم على الأرض وقدم على حافة المنضدة ~~بجوار قدمها، وعيناه الزرقاوان تصبحان في عينيها. لكنها لا تطرق. عيناها السوداوان ~~مرفوعتان إلى أعلى شاخصتان إلى ms35 الأمام، تحملقان في الفضاء كأنما تبحثان. تفرزان ملايين ~~الذرات السابحة في الجو، وتفحصان الكائنات الدقيقة العائمة في الكون، وتبحثان بين آلاف ~~الكتل المتشابهة عن الوجه غير العادي، عن العينين اللتين تنظران إليها فتصبح بهما مرئية. ~~العينان السوداوان اللتان تلتقطان وجهها من بين الوجوه، وتنتشلان جسدها من بين ملايين ~~الأجساد الضائعة في الكون. # لكن الوجوه كلها متشابهة في المشرحة، وفي الشارع وفي الترام، وفي فناء الكلية الواسع ~~المزدحم تحس أنها تغرق في بحر وحدها، دون أن يراها أحد، ودون أن يميزها أحد، وأن وجهها أصبح ~~كوجه زميلاتها، لا فرق بين بهية أو علية أو سعاد أو إيفون. وتجري بغير وعي هاربة من الزحام ~~إلى ذلك الركن الصغير المنعزل بحذاء سور الكلية، وراء المبنى الضخم. تجلس على المقعد الخشبي ~~بغير ظهر، تجلس محنية إلى الأمام، تحملق في قطعة صغيرة من الأرض بحجم كف اليد، لم ينبت ~~عليها العشب الأخضر، ودون بقية الأرض من حولها ظلت طينية اللون، مشققة، ومن بين الشقوق ~~الرفيعة تدخل وتخرج ملايين الكائنات الدقيقة بحجم النمل. # بهية! رن الاسم في أذنها غريبا كاسم واحدة أخرى، وانتفضت من فوق المقعد. رأت أمامها ~~العينين السوداوين تخترقان عينيها، تنزعان عنها القناع وتشقان الغطاء، وتنفذان بغير رفق ~~ولا تردد إلى السرداب الطويل الضيق في أعماقها، إن لحظة واحدة كافية لأن يصل إلى ~~النهاية. # لكنها هتفت بصوت خافت: سليم. # ظل واقفا صامتا ينظر إليها. قالت: لماذا تركتني بالأمس؟ # عيناه ثابتتان في عينيها لا تتحركان. أخفت وجهها بيديها وبكت بصوت مسموع. # سألها بصوت هامس: لماذا تبكين؟ # قالت: أنت لا تحبني بما في الكفاية. # قال: أنت لا تحبين أحدا بما فيه الكفاية. تخافين من الحب كالموت وتقفين في منتصف ~~الطريق، هذه هي بهية شاهين. # صرخت: لا. # ناولها منديله الأبيض فمسحت دموعها. لمعت عيناها السوداوان في ضوء الشمس فابتسم. # سألها: ماذا فعلت ليلة الأمس؟ # ردت: لا شيء. # سألها: ألم ترسمي شيئا جديدا؟ # قالت: لا. # سكت لحظة ثم سألها: وماذا ستفعلين الليلة؟ # قالت بصوت خافت: لا أدري. # وضع ms36 يده في جيبه وأخرج مفتاحا صغيرا. ناوله لها، وهو يقول: هذا مفتاح شقتي بالمقطم، ~~تعالي في أي وقت بعد الثالثة، سأنتظرك. ~~••• # اختفى بسرعة وراء مبنى الكلية الضخم، وظلت هي واقفة في مكانها، أصابعها تلتف حول شيء ~~معدني صغير، رأسه مستدير ناعم يتوسطه ثقب، وذيله له أسنان صغيرة مشرشرة، تحسستها بطرف ~~أصبعها فسرت في جسدها قشعريرة، كحبات الرمل الناعمة الساخنة، تمشي في ذراعيها وتهبط إلى ~~ساقيها ثم تصعد إلى رأسها وتهبط إلى عنقها وذراعيها وتتركز في كفها المتكرر حول ذلك الشيء ~~الصغير. # كأي مفتاح من مفاتيح الأبواب، ولكن تدرك أن الأشياء تتغير بتغير أحاسيسها، ومفتاح معدني ~~صغير قد يصبح فجأة مفتاحا ذريا أو سحريا، يحرك الهواء والضوء من حوله في ذبذبة دائرية، ~~وينفث في الجسد حرارة تسري فوق الجلد كقشعريرة البرودة، ويتمدد فوق الكف ضخما يملأ الكف ~~ويزيد، طويلا بطول الذراع الممدودة، امتداد الشجرة في السماء، أو الأرض المنبسطة الممتدة ~~بامتداد البصر. # أحست قطرات العرق في كفها الساخنة تحت الجسم الصلب وأطراف أصابعها حين لامست سطحه المعدني ~~أصبحت باردة مثلجة. لفته في منديلها الصغير، ووضعته في جيبها، وبخطوتها الواسعة السريعة ~~كوثبات الفهد اجتازت الفناء المزدحم. حاصرتها العيون من كل جانب، فوضعت يدها فوق جيبها ~~لتخفيه، وكأنه قادر على أن يشق بمعدنه السحري منديلها وجيبها ويصبح أمام العيون واضحا ~~ومرئيا كقرص الشمس. ~~••• # ضغطت بيدها فوق جبيها عن غير وعي، واتجهت ناحية باب الكلية، لكنها سمعت صوتا ينادي: ~~بهية. # استدارت ورأت الدكتور علوي أمامها بعينيه الزرقاوين من خلف النظارة البيضاء ومن حوله ~~بعض الزميلات. # قال بلهجة الأستاذ: بهية، أين أنت؟ كنت أبحث عنك. # ارتبكت لحظة ثم قالت: كنت في حجرة الطالبات. # قال بصوت يكاد يكون أمرا: تعالي معي إلى مكتبي خمس دقائق. # همست في أذنها زميلة: سيضربك على أصابعك بالمسطرة. # ضحكت واحدة أخرى وهي تضع يدها على فمها قائلة: سيشرحك بالمشرط. # مدت إحداهن عنقها وقالت: سيمزقك إربا. # تنهدت واحدة: يا بختك يا ريتني أنا. # شهقات، زفرات، تنهيدات، أنفاس متأججة برغبة دفينة مدفونة في ms37 الجسد كالجرثومة، تريد أن ~~تنهش الجسد نهشا، وتمزقه، وتسحقه عن آخره فلا يبقى منه شيء. # دخلت وراءه مكتبه. كان قد خلع المعطف الأبيض والنظارة البيضاء، وعضلات الأستاذ المشدودة، ~~وأصبح كشاب رياضي، ممشوق الجسم، بشرته بيضاء محمرة ملوحة بالشمس، وعيناه الزرقاوان أكثر ~~اتساعا كأنهما مندهشتان. ~~- ماذا حدث لك هذه الأيام يا بهية؟ لست بهية التي عرفناها. # انتفضت في ذعر كأنه نزع فجأة جزءا من ملابسها ورأى شيئا خاصا جدا، شيئا كانت تخفيه ~~عن الأعين، وتحفظه لنفسها، وشدت حول عنقها ياقة البلوزة وقالت بصوت غاضب: أنا ككل ~~يوم. # رد بلهجة الأستاذ الواثق الهادئة: والتزويغ من المشرحة؟ # قالت: كنت مشغولة بالمعرض. # قال: لا يا بهية، ليس هو المعرض، أنت مشغولة بشيء آخر. # انفرجت شفتاها في دهشة، ولكنها زمتهما بسرعة كأنما في غضب، واستدارت ناحية الباب لتخرج، ~~لكنه سد عليها الطريق، وقال بلهجة الأستاذ: أنت مشغولة بشيء آخر يا بهية. # رفعت عينيها في عينيه الزرقاوين وقالت بحزم: لا. # وكأنما لم يسمع ردها وسأل بصوت هادئ شديد الثقة بنفسه: ما الذي يشغلك يا بهية؟ # وردت مرة أخرى: لا شيء. # شيء ما بين الدكتور علوي وبينها، شيء غير محدد وغير مفهوم، ولكنه موجود ومحسوس. تحسه في ~~عينيه الزرقاوين حين ينظر إليها، وفي صوته حين يحدثها، وبعض الأوقات تفكر في كنه هذا ~~الشيء، ماذا يكون. بل إنها رأته مرة في أحلامها. كان يرتدي قميصا وبنطلونا، وجسمه ممشوق ~~كشاب رياضي، وذراعه مشعرة محمرة ملوحة بالشمس، رفعها وحاول أن يضمها لكنها أفلتت. استطاع أن ~~يحوطها بذراعيه الاثنتين ونزع يدها من فوق شفتيها وقبلها. وصحت من النوم هو لا يزال ~~يقبلها، وحين دفعته بيدها ولم تجد أحدا أدركت أنها كانت تحلم. ودهشت كيف يفرض الدكتور علوي ~~نفسه عليها في أحلامها، مع أنها في يقظتها لا ترغبه، بل إنها تكاد تكرهه. تكره عينيه ~~الزرقاوين المقتحمتين، وتكره ضحكته. فهو لا يضحك كما يضحك الناس، ولكنه يضحك بوقار وأستاذية ~~وقهقهته مصنوعة مبتورة لا تكاد تسمع حتى تنقطع. يشعرهم دائما أنه أستاذ، يعرف ما ms38 لا ~~يعرفون، ويملك ما لا يملكون، وحركة ساقيه وهو يمشي فوق المنصة كحركة ساقي الأساتذة بطيئة ~~وواثقة من نفسها إلى حد الاسترخاء. وأليتاه من الخلف مترهلتان بعض الشيء، بسبب الجلوس ~~لفترات طويلة فوق مقعد وثير مريح. # كانت يده المشعرة المحمرة قد أصبحت فوق مقبض الباب، ويده الثانية فوق كتفها، تربت عليها ~~بحركة الأساتذة حين يربتون على أكتاف الطلبة، لكن يده حين لامست كتفها بقيت فوقها ثابتة ~~لحظة كالضغطة السريعة، أو انقباض عضلة باليد لا إرادية، وصوته اعترته رعشة وهو يقول: بهية ~~تعرفين أنني أهتم بك. # تداركها بسرعة بنبرة الأستاذ الهادئة الواثقة: والامتحان أصبح قريبا، ويهمني أن ~~تنجحي. # على محطة الترام نظرت في الساعة: كانت الثالثة والنصف، دق قلبها دقة عالية، وامتدت يدها ~~تتحسس جيبها. اصطدم طرف أصبعها بالحافة المعدنية الصلبة فابتعدت يدها مرتجفة كأنما تحمل في ~~طيات ملابسها قنبلة، ما أن تلمسها حتى تنفجر، وما أن تنفجر حتى يتناثر جسدها فوق الأسفلت ~~أشلاء، وجاء الترام بزحامه وضجيجه فابتعدت عن الناس حتى لا يصطدم بها أحد، عدلت عن ركوب ~~الترام وقررت العودة إلى البيت سيرا على الأقدام. # اجتازت شارع القصر العيني واتجهت إلى شارع النيل، الشمس كانت منعكسة بقوة على صفحة الماء، ~~والهواء الدافئ المحمل برطوبة خفيفة منعشة يلمس وجهها برقة. أغمضت عينيها تحت اللمسات ~~الدافئة. طريق الكورنيش كان خاليا في ذلك الوقت من الظهيرة، ونوافذ البيوت مغلقة بالشيش، ~~ولا أحد أمامها أو خلفها، ووقع قدميها فوق الأسفلت في أذنيها واضح بتلك الدقات المنتظمة ~~المألوفة. لكن ما يبدو مألوفا لأذنيها يصبح أمام عقلها غريبا شديد الغرابة، وهذه الدقات ~~فوق الأسفلت ليست وقع قدميها، وإنما وقع قدمين أخريين خلفها. استدارت فلم تجد أحدا. شعرت ~~بشيء يشبه خيبة الأمل. كأنها كانت تتوقعه، أو كان بينهما موعدا ولم يأت. وفي الوقت نفسه ~~كانت تدرك أنه ليس خلفها، وإنما ينتظرها في شقته بالمقطم، في أي وقت من بعد الثالثة. # رمقت الساعة بطرف عين، كانت الرابعة إلا ربعا. صعد قلبها ثم هبط بخبطة واحدة، وعيناها ~~السوداوان ms39 مرفوعتان إلى أعلى، وجهها الطويل النحيل شاحب، وشعرها الأسود القصير متناثر فوق ~~عنقها وأذنيها، وكتفاها النحيلتان تحت البلوزة لهما استدارة خفيفة، ونهداها الصغيران ~~يختفيان ويظهران مع أنفاسها الصاعدة الهابطة، وأصابعها الحمراء تلتف حول الحقيبة الجلدية ~~المنتفخة بكتب التشريح. # أصبحت في ميدان فم الخليج، أمامها شارع النيل والكوبري الذي يقود إلى بيتها في الروضة، ~~وعن يمينها النيل، وعن يسارها الشارع الصاعد نحو المقطم، من يراها يظن أنها ستستدير بجسدها ~~ناحية اليسار وتتجه إلى الشارع، لكنها لم تستدر، ظلت واقفة. كانت تدرك أن استدارتها هذه ~~ستعني لها شيئا ضخما، شيئا خطيرا. ستعني أنها لم تصبح بهية شاهين، وأنها أصبحت الإنسانة ~~الأخرى الأقوى التي بقدر ما تريدها وترهبها. # لحظة خطيرة مخيفة، تشبه الموت، بل هي نوع من الموت فعلا، يموت فيها الإنسان ويولد إنسان ~~آخر، لحظة قصيرة يستدير فيها جسدها ناحية اليسار، لا تستغرق من الزمن إلا ما تستغرقه قدم ~~ترتفع فوق الأرض ثم تنخفض أو جفن ينخفض فوق العين أو يرتفع، ومع ذلك بدت لها كلحظة العمر ~~كله، ككل السنين التي عاشتها والتي ستعيشها، ككل حياتها وقد تكورت وأصبحت بحذاء قدمها ما إن ~~ترفع قدمها وتخفضها حتى تدوسها وتسحقها كمسحوق ناعم من الرماد. # ولم يعد الشارع عن يسارها شارعا. الشوارع أيضا ككل الأشياء تتغير بتغير نظرتنا لحظة بعد ~~لحظة، وتغير الدم في عروقنا دقة وراء دقة، وهواء الصدر مع كل نفس جديد، وماء البحر مع كل ~~موجة. أصبح الشارع طويلا بارزا من بطن الجبل كذراع طويلة ممدودة، ومن فوقه شريط السماء ~~المحصور بين الجبل والمباني كالذراع الثانية، ذرعان ضخمتان كذراعي الإله الخرافي، منفجرتان ~~أمامها كفكي القدر ممدودتان في الأفق، بطول الأفق، وبعرض الأفق، مرفوعتان نحوها ومفتوحتان ~~تنتظران استدارة جسدها نحوهما. # عن يقين كانت تريد أن تستدير، وتلقي نفسها بين الذراعين الممدودتين، لكن جسدها قاوم ~~الاستدارة، ولم تستطع أن ترفع قدمها عن الأرض. انتفضت وهي واقفة، فسقطت الحقيبة الجلدية من ~~يدها وتبعثرت كتب التشريح على الأرض. # رمقت بطرف عين التكت البيضاء فوق الغلاف ms40 السميك «بهية شاهين» أولى مشرحة ، وتقلصت ذراعها ~~في الهواء، رفضتا أن تلتقطا الكتب، لكن جسدها انحنى فوق الرصيف فلمت الكتب ووضعتها في ~~الحقيبة. هذه الانحناءة كانت كافية لأن تعيد إليها بهية شاهين بكل قوتها وسطوتها، وتوارت ~~الإنسانية الأخرى في سردابها العميق، وبدأت قدماها تدبان بسرعة وقوة في الطريق نحو ~~بيتها. # حركة جسمها وهي تسير تبدو حركة قوية منتصرة، لكن إحساسها الحقيقي كان شيئا آخر. كانت ~~تشعر بالهزيمة وحينما رأت بيتها من بعيد غاص قلبها، كسجين مؤبد مساق إلى السجن، مساق بقوة ~~كقوة الحديد، تلتف حول يديها وقدميها، كالسلاسل تماما كانت تحسها حول معصميها ورسغيها ~~وعنقها، تشدها بغير رفق ولا رحمة إلى ذلك البيت الأحمر الصغير. # ومنذ تلك اللحظة لم يعد بيتها هو بيتها، ولا حجرتها هي حجرتها، ولا سريرها هو سريرها. ~~الأشياء تتغير كالإنسان، ليس تغيرا في الشكل فحسب، وإنما في المعنى أيضا. حقيقة الأشياء ~~نحن لا نعرفها أبدا، ولا نراها إلا بمقدار ما نعيها. إن وعينا هو الشيء الوحيد الذي يحدد ~~شكل الكون من حولنا، وحجمه، وحركته، ومعناه. # كانت تعي بيتها كالمكان الآمن، تلوذ به من زحام الترام، وزحام الكلية، وحرارة الشمس وبرد ~~الشتاء، وتجد فيه أباها الذي يعطيها المصروف اليومي وأمها التي تطعمها، وإخوتها الذين ترى ~~في ملامحهم شبها بملامحها، وكل شيء من حولها يبعث على الطمأنينة. # لكن البيت الآن أصبح كالسجن، وأبوها كالسجان، رابض في الصالة على كرسيه الأسيوطي يرقب ~~حركاتها وسكناتها، يحاول أن يستكشف من خلف ملامحها خبايا نفسها، وأصابع أمها لا تزال ~~بصماتها فوق أوراقها الخاصة في درج مكتبها، وتحت وسادتها، تفتش عن أسرارها، تبحث عن خطاب ~~غرام أو صورة شاب، وعيون إخوتها من حولها في كل مكان تحاصرها بالأسئلة. الأدهى من ذلك تلك ~~الزيارة التي تكاد تكون يومية، حين يأتي عمها وزوجته وابنه خريج التجارة «والمرشح للزواج ~~منها منذ الطفولة»، وتلك الابتسامة البلهاء على شفتيه، والسعادة الغبية القاتلة. # أدركت عن يقين أنها لا تنتمي إلى هذه الأسرة، والدم الذي يجري في عروقها ليس من ms41 دمهم. وإن ~~كانت رابطة الدم هي التي تجمعها بهذه الأسرة فهي تشك في هذه الرابطة، تشك في الدم الذي يجري ~~في عروقها أو الذي يجري في عروقهم. إن أمها لم تلدها. ربما وجدوها لقيطة بجوار جامع، بل لو ~~كانت أمها هي التي ولدتها حقا، وأن أباها كان مشتركا معها أو غير مشترك، فليس معنى ذلك ~~أنها تنتمي إليهما. إن تلك الرابطة التي تسميها رابطة الدم ليست رابطة في نظرها. فهي رابطة ~~بغير إرادة من أحد، بغير حرية. إنها الصدفة المحضة وحدها هي التي جعلتها ابنة أمها وأبيها ~~بغير اختيار منهما ولا منها. # لم تدر كيف وصلت إلى هذا المدى في التفكير، لكنها كانت تريد أن تصل إلى حقيقة واحدة هي ~~أن إرادة الإنسان وحدها هي التي تجعل للرابطة معنى. وكانت تريد أن تصل من هذه الحقيقة إلى ~~حقيقة أخرى، وهي أنها تريد أن تكون رابطة بينها وبين سليم، رابطة من نوع ما، من أي نوع، ~~تجعله حين يراها من وسط الآلاف يتوقف ويتجه نحوها، وتجعلها هي من دون الآلاف تتوقف وتتجه ~~نحوه، إن هذه الحركة الإرادية نحوه هي الشيء الوحيد الذي يكسب الرابطة معنى، بل يكسب ~~حياتها معنى، فما معنى حياتها؟ # لم تكن تعرف لحياتها معنى. لم تعرف بالضبط ماذا تريده بحياتها. كل ما كانت تعرفه أنها لا ~~تريد أن تكون بهية شاهين، ولا تريد أن تكون ابنة أمها أو أبيها، ولا تريد أن تعود إلى ~~البيت، ولا تريد أن تذهب إلى الكلية، ولا تريد أن تكون طبيبة، ولا تريد أن يكون لها مال ~~كثير، ولا زوج محترم، ولا أطفال، ولا بيت، ولا قصر، ولا أي شيء من هذه الأشياء. ماذا كانت ~~تريد؟ # عقل بهية شاهين لم يكن عقلها، كان لها عقلها الآخر الخاص، تحسه تحت القشرة المخية كبيرا ~~ضخما يملأ جمجمتها، ينبئها بطريقة شيطانية خفية أن كل تلك الأشياء ليست شيئا، وأنها تريد ~~شيئا آخر، شيئا مختلفا تماما، مجهولا ومعلوما في نفس الوقت، محددا وغير محدد، تستطيع ~~أن ترسمه ms42 بسن الريشة فوق الصفحة البيضاء خطا أسود محددا، ولكنها حين تنظر إليه بعينيها ~~السوداوين يصبح خطا طويلا ممدودا في الأفق، بطول الأفق، وبعرض الأفق، لا تعرف له أولا ~~ولا آخرا. # كالتائهة كانت تسير من شارع إلى شارع، كذرة هواء ضائعة بين ملايين الذرات السابحة في ~~الكون، تاركة نفسها للهواء يحركها في أي اتجاه، تبدو من الخارج كالمستسلمة تماما للضياع، ~~كالمستمتعة بالذوبان والفناء الكامل في الكون، لكنها من الداخل تقاوم، تشد عضلاتها وتقاوم ~~الحركات اللاإرادية، ترفض الاستسلام لها، وبكل قوتها تمنع قدميها من الحركة، بكل قوتها ~~تريد أن تقف. # كالحصان الجامح وجدت نفسها واقفة بجسدها الطويل النحيل منتصبا، عيناها السوداوان ~~مرفوعتان إلى أعلى، وشعرها الأسود متناثر فوق جبهتها وأذنيها وعنقها من الخلف، وأنفها ~~مستقيم حاد، وشفتاها مزمومتان في غضب. # تلفتت حولها لتعرف أين هي، لكنها كانت في مكان لم تأت إليه من قبل. والبيوت لم ترها ~~والناس من حولها يروحون ويجيئون في حركة المرور الدائبة، ولا أحد يعرفها ولا هي تعرف أحدا. ~~صعد الدم إلى قلبها في دقة كبيرة وتلاحقت أنفاسها كالذي يغرق في بحر، وكأنما تحولت ومن ~~فوقها ماء، ولا تستطيع يداها أو قدماها أن تمسك بشيء صلب. # بأصابع مرتجفة مذعورة حركت يدها كالذي يبحث وسط الماء عن قارب نجاة، وحينما لامس أصبعها ~~الحافة الصلبة في جيبها التفت أصابعها الخمسة حول المفتاح المعدني، وضغطت عليه، كأنما تريد ~~أن تتأكد من حقيقة وجوده، أو كأنما تستمد من صلابته إحساسا بأن في الحياة شيئا له قوام، ~~شيئا يمكن الإمساك به في الأصابع. # وبالسرعة نفسها وبالقوة نفسها، التي يندفع بها الجسد الغارق حين يمسك شيئا صلبا أصبح ~~جسدها يندفع، وقدماها تدبان فوق الأسفلت بقوة وبسرعة، وعيناها تبحثان في الشوارع المتداخلة ~~المتشابكة عن الذراع الممدودة من قلب الأفق، والسماء الزرقاء المحصورة بين البيوت والجبل. ~~كادت تجري، بل إنها جرت فعلا. وبحركة سريعة من عينيها نظرت إلى معصمها. كانت الساعة ~~الرابعة والنصف. صعد قلبها ثم هبط، وصدرها أصبح يعلو ويهبط، يعلو ويهبط، وقدماها تتلاحقان ~~كأنهما ms43 في سباق مع أنفاسها. ~~••• # انفتح الباب الصغير الذي يتدلى فوقه غصن لبلاب أخضر، ورأت الوجه الطويل النحيل بملامحه ~~العميقة المستغرقة إلى حد الإرهاق، كأنه لا ينام، ولا يأكل، ورأسه ينوء بهموم العالم ~~والبشر، وعيناه الزرقاوان العميقتان إلى حد السواد أو السوداوان إلى حد الزرقة، ونظرته ~~النافذة تقتحم الأغطية والأقنعة وتصل إلى القاع البعيد. ~~- أهلا بهية. # دهشت لصوته حين لامس أذنها، واسم بهية أصبح شديد الخصوصية، ليس كاسم بهية أي بهية، بل هي ~~بالتحديد، دون الملايين، بكيانها الخاص هذا الواقف في الصالة الغريبة. # الصالة تكاد تكون عارية بغير أثاث، إلا كنبة كبيرة في الركن ومنضدة عليها زهرية ورد ~~والنافذة الزجاجية الكبيرة من ورائها الجبل الضخم. جلست على الكنبة، واستدار هو ليغلق الباب ~~خلفها، فأصبح ظهره أمام عينيها، ووجهه وعيناه وملامحه لم تعد مرئية، فبدا كرجل غريب لا ~~تعرفه. وحينما سمعت صوت الباب يغلق تذكرت على الفور أنها بهية شاهين، طالبة الطب المجدة، ~~حسنة السير والسلوك، وأنها أصبحت الآن بالتحديد في بيت رجل غريب، ظهره كظهور الرجال، ولا ~~شيء يربطها به. ودهشت الدهشة التي تحدث في الأحلام، حين يجد الإنسان نفسه في أماكن غريبة لم ~~يعرفها من قبل، ويقابل أشخاصا غرباء لم يقابلهم من قبل. # وبدأ عقلها يعمل بسرعة الحركة في الأحلام، مصورا لها أشياء كثيرة. تصورت أباها قابعا في ~~كرسيه الأسيوطي في الصالة يحتسي قهوة الصباح، يفتح الجريدة فوق الصفحة الأولى فيرى جسد ~~ابنته بهية عاريا ومقتولا في شقة شاب أعزب بمدينة المقطم. أبوها كان يؤمن أن بهية لا تعرف ~~إلا الطريق من البيت إلى الكلية، وأنها تصلي وتصوم، وتذاكر في اليوم أربع ساعات، وحين تسمع ~~أغاني الحب في الراديو تغلقه، وحين يضحك معها أحد شباب الأسرة تنهره، وأنها ليست كأية فتاة ~~أخرى، جسمها ليس كجسم أية فتاة أخرى، بل إنها ليس لها جسم، وليس لها أعضاء، وبالذات تلك ~~الأعضاء الجنسية التي يمكن أن يثيرها أو يحركها واحد من الجنس الآخر. # خيالها عجز عن تصور الصدمة، حين يرى أبوها جسد ابنته ms44 المطيعة المؤدبة عاريا، ليس في حجرة ~~نومها الخاصة مثلا، وإنما في شقة شاب وليست عيناه فحسب هما اللتان تريانها وإنما آلاف ~~العيون التي تقرأ جريدة الصباح، ومنها عيون أفراد الأسرة العريقة الكبيرة المنتشرة في القطر ~~من أسوان إلى الإسكندرية، وخاصة عيون الفلاحين منهم والصعايدة، وعيون موظفي وزارة الصحة ~~جميعا، رؤسائه ومرءوسيه الذين أقنعهم على مدى ثلاثين عاما أنه المدير الكفء ذو الأصل ~~العريق والسمعة الشريفة، وأبناؤه وبناته جميعا حسنو السير والسلوك، وخاصة بهية طالبة الطب ~~المجدة. # ارتجفت الرجفة ذاتها التي تحدث في الأحلام، وأيقنت أنها على استعداد لأن تدفع عمرها كله ~~من أجل أن تمنع عن أبيها هذه الصدمة، وأنه من الممكن أن تموت ويتعرى جسدها ويتمزق إربا ~~بشرط ألا يرى أبوها ولا يعرف. كانت تحب أباها رغم كل شيء، وحين يمد لها يده كل يوم بالورقة ~~البالية ذات العشرة قروش يغوص قلبها في صدرها ثقيلا كقطعة حجر، وحين تضم أصابعها الورقة ~~الندية برائحة عرقه تكاد تخفي وجهها وتبكي. كانت تعلم أنه يكد ويشقى من أجلها وأجل إخوتها، ~~وأحيانا تراه وهو يشق الزحام بجسده النحيل ذي الظهر المحني، وحين يجتاز الشارع المكتظ ~~بالعربات السريعة ترتجف خشية أن تدهمه عربة، وذات مرة رأته واقفا على سلم الترام من شدة ~~الزحام، وخيل إليها أن السلم سيهوي تحت الأقدام الكثيرة ويصبح جسد أبيها تحت العجلات. ~~وذات مرة ذهبت إلى مكتب أبيها في الوزارة، فلمحته في الردهة يسير خلف رئيسه، ظهره أكثر ~~انحناء، وعضلات عنقه أكثر ارتخاء، ورأسه يميل إلى الأمام في خضوع، ورئيسه يسير أمامه ~~بحركة متعالية تجعل ظهره مشدودا وعضلات عنقه مشدودة ورأسه مائلا إلى الوراء في كبرياء. في ~~تلك اللحظة أرادت أن تنشق الأرض وتبتلعها، وحين ركب أبوها الترام إلى جوارها وابتسم لها لم ~~تبتسم له، وظلت تتفادى النظر في عينيه حتى أتى اليوم التالي، وحين مد لها يده بالورقة ~~البالية المبللة بعرقه كادت ترفضها، لكنها أخذتها وشعرت بالمهانة، وبصعوبة شديدة رفعت ~~عينيها في عينيه، ورأت سوادهما يترقرق من تحت دمعة ms45 شفافة غير مرئية. ~~••• # انتفضت لتقف ، وقبل أن تصبح واقفة تماما كان قد استدار، وأصبح وجهه أمامها، وعيناه في ~~عينيها فسرى في كيانها ذلك التيار السحري الذي يشعرها على الفور أن كل شيء في الزمان ~~والمكان خارج هذه اللحظة لا معنى وبلا وجود حقيقي، وأن حياتها كلها من خلفها ومن أمامها ~~ليست حياتها، وإنما حياة إنسانة أخرى، ولا شيء يربطها بالعالم الذي عاشت فيه، أو الناس ~~الذين عرفتهم، لا شيء يربطها بشيء سوى هذا الوجه بعينيه السوداوين الزرقاوين تنظران في ~~عينيها وتؤكدان وجودها الحقيقي. ~~- سليم. # رن صوتها في الصالة غريبا، كصوت واحدة أخرى، فاندهشت، والاسم أيضا «سليم» أصبح في أذنها ~~غريبا كاسم واحد آخر. رددته بينها وبين نفسها عدة مرات لتألف ذبذباته في أذنها، وفي كل مرة ~~يصبح أكثر غرابة عن المرة السابقة. اسمه سليم واسمها بهية، واسمه ليس أكثر غرابة من اسمها ~~حين يرن في أذنها، لكن ما أبعد الأسماء عن حقيقة الأشياء، وما أعجز حواس الإنسان عن إدراك ~~ما يحسه الإنسان! إن ما تحسه هي نحوه هو شيء أكثر من مقدرة أذنيها على السماع، وعينيها ~~على الرؤية، وأنفها على الشم، وأصابعها على اللمس. وأيقنت في تلك اللحظة أن للإنسان حواس ~~أخرى مجهولة، لم تكتشف بعد، وأنها كامنة، منكمشة في أغوار النفس، ولكنها أكثر من الحواس ~~المعلومة قدرة على الإحساس، فهي الحواس الحقيقية الطبيعية، لم تفسدها التربية في البيوت، ~~ولا التعليم في المدارس، ولا النظم ولا القوانين ولا التقاليد ولا أي شيء. كالنهر الطبيعي ~~المنطلق بغير سدود، وكالمطر المنهمر من السماء بلا حواجز ولا موانع إلى أن يكف وحده حين ~~ينضب. # كانت قد أصبحت جالسة على الكنبة، وهو إلى جوارها وأمامها النافذة الزجاجية والجبل من ~~خلفها، ومن خلف الجبل السماء الزرقاء الملوحة بحمرة الشمس وقت الأصيل. انعكس ضوء الشمس على ~~عينيها كالابتسامة اللامعة، فضحكت بصوت منطلق وقالت وهي تشير إلى النافذة: المنظر من هنا ~~رائع. # ظنت أنه سيحول عينيه عن عينيها وينظر إلى النافذة، لكنه لم يفعل، وظلت عيناه في ms46 ~~عينيها، تلعثمت وهي تقول: لماذا لا تنظر؟ أليس المنظر رائعا؟ # قال وعيناه لا تزالان في عينيها: أنت أروع من المنظر. # أبعدت عينيها عن عينيه، فاندهش وقال: لماذا تبعدين عينيك؟ # اضطربت وقالت: لا أدري. ولكن عينيك تبدوان أحيانا كأنهما ليستا عينيك. # سألها: عينا من؟ # قالت: عينا رجل آخر. # سألها: وأيهما تفضلين: أنا أم الرجل الآخر؟ # قالت: أنت. # ضحك وضحكت. وقال: أتشربين شيئا؟ # قالت: لا. # قال: أتأكلين شيئا؟ # قالت: لا. # وضحكت مرة أخرى بغير سبب، وحين سمعت صوت ضحكتها بأذنيها تساءلت بينها وبين نفسها أتكون ~~هذه اللحظة هي السعادة، وهل السعادة معناها أن يغيب العالم بكل ما فيه ومن فيه ولا يبقى من ~~الكون أجمع إلا تلك المساحة الصغيرة من الكنبة التي تجمع جسديهما متجاورين غير متلامسين ~~بعد، تفصلهما مسافة من الهواء لا تزيد عن ملليمتر؟ # حاولت أن تمسك بلحظة السعادة، لتعرف مذاقها الحقيقي، لكنها كانت رقيقة شفافة كطبقة رقيقة ~~من الهواء، ما أن ترفع يدها وتلمسها حتى تتمزق. كانت يدها بجوار يده فوق الكنبة، تفصلهما ~~شعرة من الهواء، لكن أحدا منهما لم يحرك يده، وكل منهما يخشى لو تحرك أن تتمزق شعرة الهواء ~~وتتمزق معها لحظة السعادة الرقيقة كالغلالة. # لكن كلا منهما كان يضيق بهذه اللحظة، يتعجل نهايتها، فالسعادة إحساس لا يحتمله الإنسان ~~إلا لحظة واحدة، تصبح معلقة في الزمن كذرة هواء سابحة في الكون، لا الأرض تجذبها ولا السماء ~~تشدها، معلقة، وما أشق على الإنسان أن يصبح معلقا بين السماء والأرض، وما أشد رغبته في أن ~~تطأ قدماه سطح الأرض أو سطح أي جسد صلب يؤكد وجوده الحقيقي بثقله المعهود. # وكقوة الأرض حين تشد إليها الجسد فلا يبقى بينها وبينه مسافة من هواء، التفت ذراعاه حولها ~~وذراعاها حوله، وبتلك الرغبة العنيفة في الذوبان في الكون، وفقدان الإحساس بالجسد وثقله ~~والفناء الكامل والتلاشي في الجو كذرات الهواء، كالموت إذا استطاع أحد أن يموت ويصحو ثم يصف ~~لنا الموت، ولكنه أيضا ليس كالموت تماما. فالموت موت، وربما فقد الإنسان الإحساس حقيقة، ~~ولكن ms47 أن يفقد الإنسان الإحساس ولا يفقده، وأن يتلاشى جسده ويظل موجودا، وأن يفنى العالم من ~~حوله ويبقى حيا، وأن تصبح السماء كالأرض والأرض كالسماء، وكل الأشياء تتشابك وتتداخل ~~وتمتزج في شيء واحد أو نقطة واحدة، في منتصف الرأس، تنبض بحركة محسوسة كنبض القلب بل ~~أشد. # بأذنيها كانت تسمع دقات قلبه، والصوت حين يلامس أذنيها يصبح كملمس جسدها، وبصعوبة شديدة ~~يمكنها التعرف على جسدها من جسده، والحرارة نفسها، والرائحة، ولون البشرة، وحركة الدم في ~~العروق، وكل شيء فيهما متشابه كأنهما جسد واحد. أرادت أن تهمس في أذنه بكلمة ما، لكنها لم ~~تجد الكلمة. أتقول له مثلا: «أحبك»، ولكن الكلمة تبدو قبل أن تخرج من شفتيها قاصرة، عاجزة ~~عما تحسه حقيقة. فما معنى كلمة «أحبك»؟ # الصمت يستطيع أن يعبر عن حقيقة إحساسها؛ لأنها بهذا الصمت تقول شيئا خطيرا، تقول إن ~~الكلمات المتداولة بين البشر لم تعد تصلح، وإنها في حاجة إلى كلمات أخرى، كلمات تصنعها ~~بنفسها، ولغة جديدة لم تفسرها الكلمات القديمة المستخدمة. وهو أيضا كان صامتا، مستغرقا ~~كأنما يبحث عن سر لحظة الاتصال الأبدية، حين يكف الجسد عن الإحساس بالانفصال عن الكون، ~~ويصبح هو والكون شيئا واحدا، وكيانا ضخما يملأ الساحة بين السماء والأرض. # حين رفعت عينيها إلى فوق رأت الجبل من وراء زجاج النافذة فأدركت ببطء أنها تعود إلى ~~مكانها المحدد فوق الكنبة، وتحسست جسدها بيدها، واكتشفت أن لها جسدا خاصا منفصلا عن ~~جسده، فاتسعت عيناها بالدهشة، لكنها رأته أمامها فابتسمت وكانت تضحك، وقالت له: أليس ذلك ~~غريبا؟ # قال: ما هو الغريب؟ # قالت: ذلك الذي يحدث بيننا. # قال: وما الذي يحدث بيننا؟ # قالت: شيء غريب. # قال: ولماذا غريب؟ # قالت: بهذه السرعة؟ وبغير كلمات؟ # قال: الحياة الحقيقية ليست فيها زمن، أما الكلمات فقد صنعها الناس ليبرروا حياتهم غير ~~الحقيقية. # ضحكت وضحك هو أيضا. # قالت: ولكن كيف يمكننا التفاهم مع الناس؟ # قال: التفاهم مع الناس مستحيل يا بهية، الناس لا يريدون إنسانا حقيقيا، تعودوا تزييف ~~كل شيء حتى أنفسهم وبمرور الزمن نسوا ms48 شكل أنفسهم الحقيقية. وحين يرون إنسانا حقيقيا ~~تفزعهم حقيقته إلى حد الشروع في قتله أو قتله فعلا؛ ولذلك فلا بد لهذا الإنسان أن يكون ~~مطاردا دائما، أو مقتولا أو محكوما عليه، أو مسجونا، أو معزولا في مكان بعيد عن ~~الناس. # قالت: في شقة في جبل المقطم. # قال: في شقة في جبل المقطم. # قالت: أنا أحبك يا سليم. # كانت عيناه السوداوان الزرقاوان شاخصتين نحو السماء والجبل، وظل صامتا لحظة طويلة ~~كالمستغرق في شيء بعيد. أرادت أن تسأله هل تحبني يا سليم، وتسمع صوته بأذنيها يقول أحبك يا ~~بهية، لكن السؤال بدا لها بلا معنى. فما جدوى الإجابة عنه؟ هي تحبه، وإذا كان هو يحبها أو ~~لا يحبها فهذا لن يغير من حبها شيئا. # قالت: فيم تفكر يا سليم؟ # قال: ربما يكون لنا طفل بعد سبعة شهور. # انتفضت في رجفة عنيفة، واهتزت يدها الموضوعة على مسند الكنبة، وأدركت أن فوق معصمها ~~عقربين يشيران إلى الساعة السابعة والنصف، وبذلك الإحساس الراكد الثقيل تذكرت البيت والكلية ~~وأباها والمشرحة، والترام، وزميلاتها وزملاءها، والدكتور علوي، والترام، والشوارع، والناس، ~~والعالم كله الذي انفصلت عنه وظنت أنها لن تعود. # تساءلت في دهشة: طفل؟ لم تخطر الفكرة ببالها قط، ولم تتصور من قبل أن الأطفال يخلقون بهذه ~~السرعة، وفي مثل هذه الغيبوبة عن العالم، والانفصال الكامل عن الأرض. أيمكن لذلك الجسد الذي ~~ذاب في الكون وتلاشى أن يخلق في لحظة التلاشي جسدا محددا مربوطا بالأرض، وأن تلد اللحظة ~~اللاموجودة لحظة موجودة ومجسدة يمكن للأصابع أن تلمسها وتمسك بها؟ # وبدأت تحس النبض الجديد في أعماقها، كحياة سحرية ولدت من العدم، كالذي ينظر إلى صخرة ~~ثابتة في الجبل وفجأة يراها تتحرك وتنبض بانتظام كنبض القلب. وانفرجت شفتاها عن الدهشة ~~نفسها، والفرحة، وصاحت وهي تضع يدها على قلبها: انظر يا سليم، إنه يتحرك. # ورآها تنظر إلى الجبل فتساءل بدهشة: ما الذي يتحرك؟ # قالت وهي تضحك: الجبل. # ضحك معها، لكنها كفت عن الضحك بعد لحظة، وأدركت أن فرحتها ليست حقيقية، وأن الجبل لا ms49 ~~يتحرك، وأنه ثابت، جامد، والأرض والحائط والنافذة والكنبة وكل شيء من حولها ثابت جامد، إلا ~~هذان العقربان فوق معصمها بحركتهما البليدة البطيئة الرتيبة، تذكرها أن الزمن يمضي ولا ~~يعود، وأن لحظات حياتها تسقط في العدم، وتأتي من العدم، وأن لا شيء يبقى سوى تلك الذبذبة ~~العبثية لعقربين من المعدن داخل علبة معدنية صغيرة بحجم القرش لها غطاء زجاجي. # قالت بصوت حزين: سليم. # قال: نعم يا بهية. # قالت: لا أريد أن أعود إلى البيت. # قال: لا تعودي. # قالت: ولكن ... # قال: ولكن ماذا؟ # قالت: أبي وأمي والكلية والناس و... # قال: وبهية شاهين. # أحست بقطرات العرق في كفها وتحت إبطيها، وبشرتها أصبحت شاحبة كبشرة بهية شاهين، وعيناها ~~أقل سوادا، وأنفها أقل ارتفاعا، وحاولت أن ترفع رأسها وتجعل عينيها سوداوين كما كانتا ~~وأنفها مرتفعا حادا يشق الكون نصفين تسير بينهما إلى الأمام بغير تردد، ولا خوف، وتصل ~~إلى النهاية، نهاية النهاية. لكن بهية شاهين كانت قد عادت إليها. كيف عادت؟ لم تعرف. وفجأة ~~وبغير أن تدري نهضت، وأمسكت حقيبتها الجلدية المنتفخة وسارت نحو الباب. ~~••• # حين احتواها سريرها في تلك الليلة ظنت أن الذي حدث لم يكن إلا حلما، وأنه لم يكن حلما ~~فلا بد أنه حادث طارئ اعترض حياتها العادية بغير إرادتها كحوادث القضاء والقدر، وأنها عادت ~~بقدرة قادر إلى مكانها المعهود في سريرها، وجسدها صحيح بكامل أجزائه وحدوده الخارجية ~~المألوفة. # ولكن بعقل آخر شيطاني كانت تدرك أن هذا الحادث الطارئ هو الشيء الوحيد الحقيقي في حياتها. ~~إنه ليس طارئا، وليس حلما، وليس قضاء وقدرا، وليس صدفة ولكنه الشيء الوحيد الذي فعلته ~~بإرادتها، الشيء الوحيد الذي أرادت أن تفعله. # حياتها كلها ليست من فعلها، وليست بإرادتها. فأمها هي التي ولدتها، وأبوها هو الذي أدخلها ~~كلية الطب، عمتها المريضة بالصدر تريدها أن تتخصص في الأمراض الصدرية، خالها يريدها أن تكون ~~طبيبة ناجحة ينهال عليها مال المرضى وتتزوج ابنه خريج التجارة، فتربح فلوسها من تجارته، ~~وينجبان أطفالا يرثون ثروتهما ويحملون اسمه واسم أبيه وجده. # كل واحد ms50 منهم كان يقول لها ماذا يريده، لكن أحدا منهم لم يسألها ماذا تريد هي؟ والحقيقة ~~أنها لم تكن تريد شيئا مما يريدونه هم، لم تكن تريد أن تكون طبيبة، وبالذات طبيبة أمراض ~~صدرية، كانت ترى طوابير المرضى بالدرن الرئوي كالهياكل البشرية، وأطباء الأمراض الصدرية ~~أجسادهم ممتلئة سمينة مترهلة، ولم تكن تحب عمها، ولا ابنه خريج التجارة، كان شابا وسيما ~~في نظر الأسرة كلها، فهو طويل ممشوق، أبيض البشرة، متورد الخدين، عيناه تلمعان بالصحة ~~والسعادة، وملامحه بريئة براءة الأطفال، وكأنه لا زال يرضع لبن أمه، ويبتسم للجميع ابتسامة ~~سعيدة. # كانت تكره ابتسامته وسعادته، تقابلهما بتكشيرة وشفتاها مزمومتان في غضب، لكنه لم يكن يغضب ~~ويظن بطريقة بلهاء، أو بغرور الرجال الأغبياء، أنها تخفي إعجابها به تحت هذه التكشيرة، ~~ويقول لها بصوته المسطح: «أنا أفهم البنات، البنت تقول لا لكن قلبها يقول أيوه.» # لو كانت تملك إرادتها لبصقت في وجهه، لكنها لم تكن تفعل أي شيء بإرادتها، وحينما ترى ~~أباها يبتسم له تبتسم هي الأخرى وتقول: «من قال لك إنني بنت.» # كانوا قد تعودوا أن يسمعوا منها هذا السؤال، لم يكن يغضبهم، بل بالعكس كان أبوها يغتبط ~~بعض الشيء، كأنما يفخر بشعور خفي أن ابنته ليست بنتا، أو يتمنى في قرار نفسه ألا تكون ~~بنتا. كانت تعرف أن أباها صادق في غبطته، وأنه كان يريدها ذكرا، لكن أمها أرادت شيئا آخر ~~وولدتها أنثى، أو لعلها لم تكن أمها، وإنما هي الصدفة المحضة التي جعلتها أنثى. # كلمة أنثى كانت حين تصل إلى سمعها ترن في أذنيها كالسبة، أو كالعورة العارية، كأول ~~عورة رأتها في حياتها. كانت تخجل حين تخلع ملابسها في الحمام، ولا تستطيع النظر إلى جسدها ~~العاري في المرآة، وحين تقترب أصابعها من عورتها وهي تستحم تبعدها بسرعة كمن مست يده منطقة ~~مكهربة أو محرمة. يد أمها حين ضربتها وهي طفلة لا زالت على يدها، آثار أصابعها الكبيرة ~~محفورة في ذاكرتها، ثابتة فوق الجلد كالوشم، وصوتها لا زال في أذنيها يردد: «تحرمي، قولي ms51 ~~حرمت.» ولم تنطق كلمة حرمت ، ولم تحرم، فما الذي يمكن أن تكون في تلك المنطقة المحرمة؟ ~~وبأصابع مرتجفة كانت تفحص جسمها، تحس بطريقة ما أن شيئا خطيرا يكمن في تلك المنطقة ~~المحرمة، لا تستطيع أن تلمسه، ولا تستطيع أن تراه بعينيها، لكنه موجود. تحسه عن يقين حين ~~تحرك ساقيها، وترتعش أصابع أمها حين تقترب منه وهي تغسل لها جسدها. شيء لا بد خطير ومخيف. ~~لكنها تحمله في جسدها، كجزء منها، لا يفارقها. أحيانا تنساه وتظن أنه خرافة من الخرافات ~~التي ملأت رأسها وهي طفلة، وأحيانا أخرى يصبح حقيقة مؤكدة وعارية، كالسلك الكهربي ما إن ~~تلمسه حتى ينتفض جسمها انتفاضة قوية. ~~••• # بهية، رن صوت أبيها في أذنيها كطلقة الرصاص. كصوت الحقيقة الوحيد، أدركت معه أنها بهية ~~شاهين طالبة الطب المجدة، حسنة السير والسلوك، العذراء الطاهرة، التي لم يمسها بشر، والتي ~~خلقت بغير أعضاء جنسية. # شدت الغطاء فوق رأسها وتظاهرت بالنوم، لكنها سمعت وقع قدمي أبيها في حجرتها تقترب من ~~سريرها، وأصابعه الكبيرة ترفع الغطاء عن رأسها، وعيناه تحملقان في عينيها، ويكتشف مصعوقا ~~أنها ليست بهية شاهين، وليست ابنته، وليست مهذبة ولا مطيعة ولا عذراء، وأنها خلقت بأعضاء ~~جنسية، واضحة ومرئية، مرئية من تحت الغطاء، ومن تحت الملابس، ليست مرئية فحسب، ولكنها ~~متحركة أيضا، كحركة الحياة، نابضة كنبض القلب، أزاحت في حركتها الحاجز الذي كان أمامها، ~~ومزقت الغشاء الذي كان يفصل بينها وبين الحياة، غشاء رقيق غير محسوس وغير مرئي، كلوح من ~~الزجاج يفصلها عن جسدها، ويقف بينها وبين حقيقتها، شفاف كالزجاج ترى من خلاله نفسها، ولكنها ~~تعجز عن لمسها أو الإحساس بها. كالزجاج تماما معرض للكسر عند أي حركة، وأي قفزة. # كانت أمها تشهق حين تراها تقفز من فوق السلم القفزة العالية، وتسمع قلبها يدب في صدرها، ~~وتتقلص عضلات ساقيها، وتضم فخذيها بقوة، وتسير نحو أمها بمشية البنات المألوفة، ساقاها ~~ملتصقتان، لا تكاد الساق تنفصل عن الساق، وفي اللحظة التي تنفصلان فيها يخيل إليها أن ~~شيئا من بينهما سيسقط، شيئا على ms52 شكل الزجاج المكسور. # وحين تختفي أمها داخل المطبخ تعود إلى القفز. لا يكفيها القفز من فوق السلم، فتقف على ~~حافة الشرفة (كان بيتهم في الدور الأول)، وتقفز في الهواء وتصرخ من الفرح حين تحس جسمها ~~طائرا في الهواء بغير ثقل، خفيفا كذرة هواء، والأرض لم تعد تشدها إليها، وقد تخلصت إلى ~~الأبد من قبضتها الحديدية. لكنها ليست إلا لحظة خاطفة، وصرخة فرح واحدة، ثم تشدها الأرض ~~إليها بقوتها المجنونة وتهبط بسرعة كنجم يهوي، ويرتطم جسدها بالأرض كقطعة حجر. # كانت تنهض، وتنفض التراب عن ملابسها، وتتفقد ذراعيها وساقيها. كل شيء في مكانه، وعظامها ~~كما هي لم تنكسر، وتدرك بإحساس خفي لكنه يقيني أن أمها تخدعها، وأن شيئا لا ينكسر في ~~جسدها، وتقفز وهي تمشي، وتحرك ساقيها بحرية، وتفصل بينهما بقوة، وتدرك عن يقين أن لا شيء ~~زجاجيا بينهما، وتصعد فوق الشرفة وتقفز مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، وعشرين، وفي كل قفزة ~~يزداد يقينها بأن شيئا لا ينكسر فيها، وأن عضلاتها قوية، وعظامها متينة، وتضرب الهواء ~~بركبتيها في كبرياء كما يفعل أخوها حين يمشي، وتشد قامتها، وترفع رأسها، وتصوب إلى الحياة ~~عينيها السوداوين مفتوحتين وحادتين، لا يرمش لها جفن. وبزهو غريب تحرك قدميها فوق الأرض، ~~وحين تقف ترفع قدما فوق أي كرسي أو منضدة، ترفعها بكل ثقة فوق أي حافة عالية، كما يفعل ~~أبوها حين يقف في الصالة، وبالكبرياء نفسها. # وتضربها أمها على ركبتها لتخفض قدمها قائلة: «عيب يا بهية، ألا ترين كيف تقف أخواتك ~~البنات؟» وتنظر إلى أخواتها البنات وترى سيقانهن السمينة الملتصقة، وعيونهن المنكسرة، كعيني ~~الجثة الراقدة فوق المنضدة، والمشرط في أصابعهن يرتجف حين يقترب من الرحم، أو عضو ~~الذكر. # كانت تغضب من عيونهن المنكسرة، وتدرك عن يقين أنها لا تنتمي إلى هذا الجنس، وأن شيئا ~~فيها لا ينكسر، وعيناها حين ترفعهما ترتفعان، وحين تثبتهما تثبتان، وليست هناك من قوة فوق ~~الأرض تستطيع أن تجعل عينيها تنكسران. ~~••• # في الصباح التالي ذهبت إلى الكلية ككل يوم، ودخلت المشرحة ككل يوم، لكن أبدا ms53 لم يكن ~~دخولها ككل يوم ، ولم تكن قدماها هما قدماها، ولم تكن يدها التي تمسك بالحقيبة هي يدها، ولم ~~تكن عيناها اللتان تنظر بهما إلى الأشياء هما عيناها، من يراها يظن أنها هي نفسها التي كانت ~~هنا بالأمس وأول أمس وأول أول أمس، لكن أبدا لم تكن هي بالتأكيد، كانت واحدة أخرى مختلفة، ~~والأشياء أصبحت أمام عينيها مختلفة. أحجامها أصغر مما كانت، وألوانها أخف مما كانت، ~~وحركتها أبطأ مما كانت. أجسام الطلبة أصبحت أصغر حجما، وسيقان الطالبات أكثر بطئا، ~~كالزواحف يسرن فوق الأرض، لا تكاد الساق تنفصل عن الساق، وإذا انفصلت عادت والتصقت بسرعة، ~~بقوة تضم الفتاة فخذيها كأن شيئا ثمينا سيسقط من بينهما في اللحظة التي ينفصلان فيها، ~~والحقيبة الجلدية المنتفخة بكتب التشريح فوق صدرها، تخفي تحتها شيئا ثمينا عن عيون الطلبة ~~وكيعانهم المدببة. والطالبة منهن لا تستطيع أن تسير منفردة، وإنما يسرن دائما على شكل ~~جماعات، كأسراب البط. فإذا ما وجدت الواحدة منهن نفسها منفردة في فناء الكلية أو في المدرج ~~أسرعت الخطى تطرقع بكعبها العالي لتلحق بزميلاتها وتخبئ جسدها بين أجسادهن. # لمحت الدكتور علوي يمر بين المناضد، فخرجت من الباب الخلفي للمشرحة. سارت في الفناء ~~الواسع تتلفت حولها كأنما تبحث عن أحد. دخلت المعرض ودارت حول اللوحات تتأمل خطوطها، ~~وعيناها السوداوان تبحثان في العيون عن العينين السوداوين الزرقاوين والوجه النحيل بملامحه ~~المرهقة المحددة. خرجت وسارت في الفناء بخطوات بطيئة، تتفحص وجوه الطلبة. وجوه كلها ~~متشابهة، وحركاتهم متشابهة، وأصواتهم متشابهة، وعيونهم حين تنظر إليها لا تراها، وتغرق في ~~البحر دون أن يراها أحد، ودون أن يميزها أحد، ووجهها يصبح كوجه زميلاتها لا فرق بين بهية أو ~~علية أو زكية أو إيفون. # جرت بغير وعي في الشارع. وقع قدميها في أذنها تعرفه، والشارع ليس أفقيا ككل الشوارع، ~~ولكنه يرتفع إلى أعلى، وجسدها يرتفع إلى أعلى وهي تلهث، وعيناها مشدودتان إلى ذلك البيت ~~الرمادي بلون السحب، مشدودتان بأسلاك رفيعة كخيوط حريرية غير مرئية، مشدودتان بكل قدرتها ~~على الحركة، بحركة الدم ms54 في شرايينها، بحرارة الدم وسخونته كانت تصعد، بقوة الانجذاب نحو ~~مصيرها أيا كان هذا المصير، أيا كان، وإن كان هو الموت والفناء الكامل. # بأصابع مرتجفة وضعت المفتاح في الباب، ودخلت، وظلت واقفة في الصالة الخالية، دقات قلبها ~~في أذنيها وأنفاسها تتلاحق، وصدرها يعلو ويهبط. نادت بصوت خافت: سليم. لكن البيت كان ~~خاليا. دهشت الدهشة نفسها التي تحدث في الأحلام، حين تتلاشى الأشياء التي تمسك بها في ~~لحظة، ويختفي الجسد الذي نحوطه بذراعينا في غمضة عين، وحين نفتح عيوننا لا نرى في الظلام ~~إلا الحائط ومن تحتنا السرير. # تحسست بيدها الشيء الذي تحتها، فوجدت أنها الكنبة التي جلست عليها بالأمس. مدت ذراعها في ~~الظلام فاصطدم بالحائط الصلب البارد. أغمضت عينيها مرة أخرى وظنت أنها تحلم. لكنها لم تكن ~~تحلم، وعن يقين أدركت أن سليم غير موجود، وأنها وحدها في بيته الخالي، جالسة فوق الكنبة ~~ويقظة. حاولت أن تتأكد من يقظتها اليقينية ولكنها عجزت. فليست هناك وسيلة للتأكد سوى أن ~~تلمس جسدها، ولكنها تفعل ذلك في الأحلام أيضا حين تتشكك في نومها. وهذا العجز يرعبها، فهي ~~غير قادرة بحال من الأحوال على التأكد من شيء في حياتها. إن محاولة التأكد لا تفعل شيئا ~~سوى أن تزيد شكوكها. # حين فتحت عينيها في الصباح أحست أن الذي تحتها ليس ملمس سريرها المألوف، ورأت النافذة ~~الزجاجية ومن خلالها الجبل فانتفضت واقفة. أول ليلة تغيبها عن بيتها، وأول ليلة ترقد في ~~مكان غير سريرها. تصورت أباها يزأر كالأسد الغاضب وقد قلب الدنيا بحثا وتنقيبا، وأمها ~~وأخواتها وعمها وأعمامها وعماتها وأفراد الأسرة جميعا انتشروا في الأرض كالجراد، يبحثون ~~عنها ويفتشون. # سارت إلى المرآة بخطوات ثقيلة. من كان يراها في ذلك الصباح يدرك أنها نامت بملابس الخروج، ~~وأن بياض عينيها تشوبه حمرة خفيفة، كتلك الحمرة التي تعقب البكاء، أو السهر الطويل، ولم ~~يكن منظرها هذا عاديا. كانت فتاة مثالية، ملابسها دائما مكوية، بياض عينيها أبيض صاف ~~ينم عن فتاة مطيعة مهذبة، تنام الليل في سريرها، لا تعرف السهر، ms55 ولا تعرف الشجن، ولم تبك ~~في حياتها مرة واحدة. # لم تعرف إلى أين تذهب ذلك الصباح، لكن قدميها حملتاها إلى الكلية ككل يوم، ورأت الفناء ~~مزدحما بالطلبة، يموج بحركة غير عادية، وشقت الزحام متجهة إلى المشرحة، لكن طالبا اعترض ~~طريقها قائلا: اليوم إضراب، لا محاضرات ولا مشرحة. # ورأت زميلاتها يقبلن نحوها بحقائبهن الجلدية المنتفخة وسيقانهن الملتصقة. # وقالت واحدة: فلنسرع إلى بيوتنا قبل توقف المواصلات. # وسألت واحدة: وهل ستتوقف المواصلات؟ # وردت أخرى: يقولون إن عمال الترام والأتوبيس سيشتركون في الإضراب. # وسألت زميلة: وما سبب الإضراب؟ # وضربتها واحدة على ظهرها: يا خيبتك القوية! ألا تعيشين على ظهر الدنيا؟ # وقالت واحدة: إنهم عيال وبعد قليل ينفض المولد ويجري كل منهم إلى مذاكرته. # وردت واحدة بسخرية: طلبة الطب لا يهمهم إلا المذاكرة والصم، أما طلبة الحقوق والآداب، ~~هناك الإضراب الحقيقي. # وضحكت واحدة: فلنذهب إلى هناك. # وشدتها زميلتها ناحية الترام: فلنذهب إلى البيت، الامتحان بعد شهر واحد. # وتجمعن متكئات، متلاصقات، وسرن نحو الترام برءوسهن المطرقة إلى الأرض، وعيونهن المنكسرة، ~~وسيقانهن المتلاصقة في تلك الخطوات الدودية الزاحفة. # وبقيت بهية واقفة وحدها، ترمق الطلبة المتجمهرين من بعيد، تحاول أن تلتقط من بين الوجوه ~~الوجه غير العادي، والعينين السوداوين الزرقاوين القادرتين على رؤيتها والتقاط وجهها من ~~بين الوجوه. كانت واقفة، تسند ظهرها إلى الحائط، وتتدلى من يدها الحقيبة الجلدية المنتفخة ~~بكتب التشريح، وعيناها السوداوان مرفوعتان إلى أعلى تبحثان، وأنفها المرتفع الحاد يشق الكون ~~نصفين، وشفتاها مزمومتان في غضب. لم تكن تحب طلبة الطب وبالذات حين يتجمهرون في أعداد ~~كبيرة. صورتهم وهم يتدافعون داخل المدرج لا زالت في رأسها، بنظاراتهم السميكة، وظهورهم ~~المحنية، وكيعانهم المدببة، وعيونهم المشدودة النهمة لكل شيء له طراوة اللحم. # وفجأة اهتز الكون اهتزازة عنيفة، كصوت زلزال ارتجت له السماء والأرض، وأدركت بعد لحظة أنه ~~ليس صوت زلزال، ولكنه صوت بشري، آلاف الحناجر البشرية تنطق بصوت واحد في لحظة واحدة، كصوت ~~السماء حين ترعد، كملايين الأصوات التي تصنع صوتا واحدا ضخما يملأ الكون، ولا يدخل من ms56 ~~الأذنين فحسب ولكنه يخترق مسام الجلد ويغزو جميع فتحات الجسد، ويصبح كالغاز ينتشر في لحظة ~~ويسري كالدم في كل خلايا الجسم. # مضت دقائق قبل أن يألف جسدها الارتجاجة، ويألف معها الصوت. لأول مرة في حياتها تسمع ~~هتافا ينطلق من آلاف الحناجر في نفس واحد طويل عريض، بطول السماء وعرضها، قوي كالريح ~~العتية تقتلع من أمامها البيوت والشجر، ولم تكن أذناها من ضخامة الصوت قادرتين على تبين ~~الكلمات، ثم رنت في أذنيها كلمة «مصر». لم تكن هي مصر التي كانت تسمعها من فم أبيها أو ~~أمها أو أحد المدرسين أو المدرسات أو أحد الزملاء أو الزميلات، ولكنها «مصر» بذلك الصوت ~~القوي الضخم، الذي يملأ الكون ويرج السماء والأرض، وسرت فوق جسدها قشعريرة، وأحست حركة ~~الشعر فوق جلدها وهو ينتصب، وحركة تحت جفنيها دافئة ناعمة كحركة الدموع حين تتجمع، وصور ~~قديمة من طفولتها بدأت تتابع أمام عينيها مهتزة كأنها من وراء ماء متحرك، صدر أمها الدافئ ~~تحت وجهها ورائحة اللبن في أنفها، ورائحة التراب وأشجار التين في قريتهم، ويد أبيها الكبيرة ~~تمسك يدها وهي تجتاز الشارع، ووجه عمتها الطويل النحيل وهي تسعل وتبصق الدم وعيون إخوتها ~~الصغار المغمضة وهم نائمون متلاصقون وأفواههم مفتوحة يريلون فوق الوسادة، وعيون الأطفال ~~الجائعة من حول الترعة، وطوابير المرضى في فناء المستشفى ونحيب النسوة بملابسهن السوداء ~~المتربة مندفعات وراء الجثة الخارجة من المشرحة. # ابتلعت الدموع وظلت واقفة. كانت القشعريرة لا تزال فوق جسدها، والصوت الضخم لا زال يتردد، ~~ومرت المظاهرة أمامها، ورأت وجوها غير التي كانت تراها في المشرحة وأجساما غير الأجسام ~~التي كانت تندفع داخل المدرج، فالملامح أصبحت بارزة حادة كالسيف والبشرة محتقنة بالدم، ~~والعيون مرفوعة إلى أعلى، والظهور مشدودة بغير انحناء، والسيقان مشدودة مستقيمة عضلاتها ~~قوية، والأقدام تدب على الأرض وتهز السماء وتهز الشجر. # ووجدت نفسها بينهم كقطعة منهم، كجزء من جسد ضخم، حرارته من حرارتها، وملامحه تشبه ~~ملامحها، وبشرتها محتقنة بالدم، وأنفها حاد يشق الكون، وعيناها شاخصتان إلى الأمام، ورأسها ~~مرفوع، وظهرها مشدود، وساقاها ms57 عضلاتهما قوية، وقدمها تدب على الأرض، وتهز الأرض، وصوتها ~~ينطلق وحده من حنجرتها قويا ضخما يملأ الكون، وبكل ما تملك من قوة تهتف: «الحرية لك يا ~~مصر!» # إحساس غريب بالذوبان في الكون الضخم، في الجسد اللانهائي الممتد، في أن يصبح الإنسان ~~جزءا من كل، ويذوب في كل ما حوله كقطرة ماء في بحر، وذرة هواء في الجو. إحساس غريب، له طعم ~~لذيذ في الفم، وسعادة طاغية ينتشي لها الجسد، كالنشوة التي أحست بها بالأمس، في ذلك المكان ~~البعيد في حضن الجبل، كنشوتها وهي طفلة حين كانت ترى الإله الخرافي يضغط على الشيء ثم يفتح ~~يده فإذا هي فارغة، وضحكتها الطفولية حين كانت أمها تضغط عليها بكل قوتها ويكاد جسداهما ~~يصبحان واحدا. # رغبة كامنة في جسدها، قديمة منذ الطفولة، منذ أن أصبح لها جسد خاص منفصل عن الكون. رغبة ~~ملحة في أن يعود جسدها إلى الكون، أن يذوب إلى آخر ذرة، أن تتحرر وتصبح بلا جسد، وبلا ثقل ~~له وزن، كالروح الخفيفة الحرة المحلقة في أي مكان وأي زمان بغير قيود تشدها إلى ~~الأرض. # رغبة في حرية طاغية لا محدودة، لا يحصل عليها الإنسان إلا في اللحظة التي يقرر فيها ~~الخلاص، ويمزق تلك الشعرة التي تفصل الحياة عن الموت، لا يرهب الموت، وحين يكسر الإنسان ~~رهبة الموت يصبح قادرا على أي شيء في الحياة، وإن كان الموت ذاته. # وأحست في تلك اللحظة أنها قادرة على اختراق الحديد بجسدها، وتلقى الرصاص في صدرها، ~~والخناجر المسمومة وغير المسمومة، وأن أي قوة في العالم لا تستطيع أن تجعل جسدها يسقط، أو ~~ساقيها تتوقفان عن الحركة إلى الأمام، أو صوتها يكف عن الانطلاق مناديا بالحرية. من ينظر ~~إلى وجهها في تلك اللحظة ير في سواد عينيها القرار الرهيب أن لا عودة إلى الخلف، أن لا قوة ~~في العالم تحول بينها وبين حريتها. # وكأنما أصبحت بعد هذا القرار أقل توترا، وأكثر ارتخاء، ولم تعد عضلاتها مشدودة، وتركت ~~جسدها ذائبا في الكون، متحركا معه، منسجما كنغم في ms58 لحن، وخطواتها كإيقاع راقص في رقصة ~~جماعية، وصوتها ليس هتافا وإنما غناء، والكون كله يغني معها: «بلادي بلادي بلادي لك حبي ~~وفؤادي.» # الصوت يخرج من صدرها كالأنفاس الساخنة، وقلبها تحت ضلوعها يدق، وأحشاؤها تنبض، وأحزان ~~قديمة وهموم ثقيلة تفارق جسدها مع كل نفس، وكل دقة، وعيناها من شدة الفرح تدمعان، ودموعها ~~تسيل فوق خديها، وتدخل أنفها وفمها، فتلعقها بلسانها وهي تضحك وتغني، وغناؤها يتمزق ~~بالبكاء والنشيج ولكنه لا ينقطع ولا يتوقف: «بلادي بلادي بلادي لك حبي و...» # وكلمة حبي تنسلخ عن صدرها كقطعة حية من لحمها، كحفنة ساخنة من دمها، تضغط على الكلمة بكل ~~قوتها، بكل عنفوان حياتها، بكل رغبتها المكبوتة في الحب، والانطلاق كالطائر الحر في ~~السماء. # أهو الحب الذي جعلها قادرة على إدراك كل هذه الأحاسيس؟ وأدركت عن يقين أنه الحب. الحب ~~الحقيقي الذي يجعل الإنسان قادرا على أن يحب كل شيء، وكل الناس، ويستطيع أن يفتح ذراعيه ~~ويحتضن الأرض والسماء والشجر، وحين يفتح الإنسان عينيه وينظر بين ذراعيه يرى أنه يحتضن ~~جسدا واحدا محددا، يعرف ملامحه وحدوده الخارجية عن ظهر قلب، ويستطيع أن يلتقطه من بين ~~ملايين الأجساد السابحة في الكون، ويميزه، يميزه بكيانه الخاص وعينيه الخاصتين القادرتين ~~على رؤيته والتقاطه من بين البشر. # إن مثل هذه اللحظات تبدو كالحلم، كل اللحظات السعيدة تبدو كالحلم، فقد أفاقت على صوت ~~طلقات الرصاص، وأدركت أن هذا الصوت هو الصوت الحقيقي الذي بدأت تسمعه، وبدأت تعود معه إلى ~~واقع حياتها، وإلى القيود التي تربطها بالأرض، وكلما دوت طلقات الرصاص أفاقت على الحقيقة، ~~ورأت بعض الطلبة يسقطون على الأرض، وبعضهم يتقدم إلى الأمام مواجها الرصاص بصدره، وبعضهم ~~يحتمي بجدران البيوت والدكاكين. # ظلت واقفة كالتمثال في مكانها، شامخة بقامتها الطويلة وعينيها السوداوين المرفوعتين إلى ~~أعلى. لو انطلقت رصاصة في المساحة المحددة التي يشغلها جسدها لسقطت على الفور ميتة، لكنها ~~كانت تدرك أنها لن تموت بغير إرادتها، وهي لا تريد الموت بعد، ولكنها تريد أن تبكي، وأن ~~الحزن هو الحقيقة الوحيدة في حياتها، ms59 وأنها حين كانت تضحك لم تكن تضحك، وحين كانت سعيدة ~~كانت تدرك في أعماقها البعيدة أن هذه السعادة ليست حقيقية، وأن شيئا ما يتهددها، يتهدد ~~حياتها، إرادة أخرى تتربص بها، في كل لحظة، وفي كل ركن، تنتهز الفرص لتنقض عليها، ولا أحد ~~ينقذها، لا أبوها ولا أمها ولا إخوتها ولا أحد على الإطلاق. # وفجأة، وكأنما انشقت الأرض عنه، رأت وجه سليم، كان ينثني فوق الأرض ويحمل جسدا تنزف منه ~~الدماء، وتلاشت الصور أمام عينيها، ولم يبق إلا ذلك الوجه بخطوط ملامحه المميزة وهو يجتاز ~~الميدان ببطء، ومن فوقه جسد آخر، رأسه مائل، والدم الأحمر يغرق القميص الأبيض، ويسيل خلفهما ~~راسما فوق الأسفلت شريطا طويلا أحمر. ~~••• # كالحالمة، بين مصدقة وغير مصدقة، كانت تجلس في الحجرة المجاورة لحجرة العمليات في مستشفى ~~قصر العيني القديم. أحداث كثيرة حدثت في وقت قصير جدا إلى حد عدم التصديق، لكن عيني سليم ~~السوداوين الزرقاوين أمامها تؤكدان وجودها ويقظتها، وحين يغيب في الحجرة المجاورة تفقد ~~الأشياء من حولها حقيقتها ووجودها، وحين يقبل مرة أخرى وتلتقي عيونهما يسري في جسدها ذلك ~~الإحساس العجيب بحقيقة الأشياء، وحقيقة وجودها، وتدرك أن هذه اللحظة هي عمرها الحقيقي، وأن ~~الأيام التي مضت والسنون لم تكن إلا حلما أو وهما. # أحست في فمها طعم الحياة ساخنا لاسعا وقد امتزج برائحة الأثير النفاذة وصبغة اليود، ~~ورعشة محسوسة تحت ضلوعها، ورجفة يدها حين تمسك شيئا، ورجفة ساقيها حين تقف أو تمشي، رجفة ~~الحياة الحقيقية، مزيج من الخوف والإقدام، الإحساس بالخطر والأمان، فقدان الإحساس بالزمان ~~والمكان واكتساب قدرة عجيبة على الإحساس بالزمان والمكان. مزيج غريب من أحاسيس متناقضة ~~ذائبة كلها في وعاء واحد وفي انسجام كامل كألوان الطيف. # خيل إليها أن العالم كله يتحرك من أجل إحداث هذا المزيج العجيب في جسدها، وأن الإضراب ~~والمظاهرة والهتاف والنشيد وطلقات الرصاص، والأجسام التي سقطت، والدم الأحمر الذي سال فوق ~~الأرض، والرأس النازف الذي ساعدت في حمله إلى العربة، وحجرة العمليات، ورائحة الإثير وصبغة ~~اليود، والأطباء بمعاطفهم البيضاء، والممرضات ms60 ببرانيطهن البيضاء، كل ذلك حدث من أجل إحداث ~~ذلك المزيج المتناقض في جسدها. # من ينظر في عينيها في تلك اللحظة ير حزنا عميقا دفينا تعلوه سعادة غريبة طاغية، تبدو ~~كالبريق الخاطف فوق سواد عينيها، كالحركة السريعة، كلفحة هواء ساخن، كأنفاس طفل يلهث ~~بالجري وراء كرة، كرفرفة جناح عصفور تحت أشعة الشمس، وسمعت صوت أحد الأطباء يقول: مجدي ~~مات. # صوته نفذ في أذنها كطلقة رصاص جديدة مزقت الشعرة بين اليقظة والحلم، وبين الحياة والموت، ~~وأدركت بوضوح أن سبعة من الطلبة ماتوا، وأن عددا أكبر أصيب بجراح، وأن عددا آخر حمل في ~~العربات إلى السجن، وأن مصر ليست حرة، والقيود لا زالت باقية، وعيون الأطفال لا زالت بجوار ~~البركة جائعة، وطوابير المرضى لا زالت واقفة في فناء المستشفى تبصق الدم، والنسوة بملابسهن ~~السوداء لا زلن يبكين وينتحبن، وأبوها في الصالة لا زال قابعا في كرسيه الأسيوطي، والشرطي ~~على ناصية الشارع لا زال من وراء الكشك الخشبي يتشمم رائحة الدم. # سقط رأسها فوق صدرها كأنما نامت، ويبدو أنها نامت فعلا؛ لأنها أفاقت على صوت سليم، وصوت ~~سليم حين يناديها تبدو كل الأشياء كالحلم: بهية. # انتفضت من فوق الكرسي على صوت النداء، بهية، من دون الأسماء كلها يتعرف على اسمها، ومن ~~دون الوجوه كلها يتعرف على وجهها، وبتلك الحركة الإرادية الوحيدة يتجه نحوها، وصوته المميز ~~في أذنها: بهية، أنت متعبة، وملابسك عليها دم. نظرت إلى ملابسها، ورأت بقع الدم تلطخ صدرها ~~وأكمامها، دم مجدي الذي تجمد في شرايينه منذ دقائق. وقال الطبيب فوزي: وأنت يا سليم قميصك ~~كله دم. تعالوا معنا إلى بيت الأطباء، وهناك يمكن أن نزيل البقع. # كان بيت الأطباء في القصر العيني الجديد، فاجتازوا الكوبري الصغير الذي يفصل المستشفى ~~القديم عن المستشفى الجديد. ومن بين قضبان الكوبري كان الماء يجري، وقارب صغير جلس فيه فتى ~~وفتاة يجدفان ويضحكان ويلوحان لامرأة شقراء في شرفة قصر من قصور جاردن سيتي، وعلى باب ~~المستشفى كان هناك الحشد المألوف، وعربات الكارو تحمل البرتقال، والوجوه الضامرة، ms61 وأجساد ~~كالهياكل، ونساء يحملن أطفالا لهم وجوه عجائز، وعجائز يسيرون بأجسام صغيرة كأجسام الأطفال، ~~ونساء لهن ملامح رجال، ورجال لهم ملامح نساء، وعلى الأسفلت بصاق دموي، وبراز أطفال، وكلاب ~~جرباء جائعة تنبش في القمامة المبعثرة هنا وهناك. # ودوى من خلفهم بوق سيارة حاد، ورأوا العربة السوداء الطويلة داخلها أربعة وجوه سمينة ~~وثماني عيون جاحظة. وهمس سليم: البوليس. # وتقدم نحوها الرجل ذو الفم المدبب الممدود كفم الفأر قائلا: تعالوا معي. # ولم يتحرك أحد منهم من مكانه، فأحاط بهم ثلاثة رجال وساروا أمامهم إلى عربة كبيرة ~~كالصندوق، جوانبها الأربعة مغلقة ومظلمة من الداخل كالزنزانة المتحركة. # جاء مقعدها إلى جوار شق صغير في جدار العربة، كشق المفتاح في الباب، رأت من خلاله الشوارع ~~المزدحمة بالناس، والعربات، والترام. كانت الشمس قد بدأت تغرب وأنوار الشوارع والبيوت ~~والدكاكين بدأت تنتشر، ومعها تنتشر تلك الحركة المصاحبة لقدوم الليل وخروج الناس للتنزه ~~والسهر، أو للعمل في وردية الليل أو لشراء حاجياتهم. عالم آخر تنظر إليه من خلال ثقب صغير ~~في صندوق مغلق، كالعالم المسحور الذي كانت تراه وهي طفلة من خلال الثقب في صندوق الدنيا، أو ~~جراب الحاوي. # وأصبحت حركة الشوارع والناس أمامها حركة غريبة، منفصلة تماما عن العالم الذي أصبحت فيه، ~~والذي بدا لها لا يعرف شيئا اسمه طعام أو شراب أو نوم أو بيوت أو آباء أو أمهات، أو دكاكين ~~أو ناس تشتري، أو أطفال يولدون أو عجائز يمتن، أو شوارع يمشي فيها الناس، أو ترامات تسير ~~فوق قضبان. وبدت لها حركة الناس وهم يسيرون حركة عبثية بلا معنى، وخيل إليها أن هؤلاء ~~الناس ميتون أو أنهم يعيشون في عالم فاتر بغير حرارة وبغير نبض. عالم الناس أصبح ميتا في ~~نظرها، والحياة كلها أصبحت متجمعة متركزة في تلك العربة، أو ذلك الصندوق المغلق، أو ~~بالتحديد ذلك المقعد الذي يشغله الجسم النحيل ومن فوقه الرأس والملامح المحددة المرهقة ~~المحملة بالهموم، والعينين العميقتين بقدرتهما العجيبة على الرؤية والنفاذ إلى حقيقة ~~الأشياء. # توقفت العربة، وانفتح باب الصندوق، وجاء ms62 عدد من الرجال ساروا من أمامهم ومن خلفهم، ودخلوا ~~معهم إلى مبنى غريب، ووجدت نفسها في حجرة ضيقة خالية، وانغلق الباب عليها وحدها، وظلت ~~عيناها ثابتتين فوق الباب الموصد لا تريان شيئا إلا الباب. حاجز كبير مصمت من الخشب الداكن ~~السميك، يحول بينها وبين سليم. يقف بينها وبين حياتها، يمنعها من الحركة، يشدها بعيدا عن ~~إرادتها كذراعي أمها الكبيرتين حين كانتا تشدانها، وصوت أبيها حين ينهرها، وصوت الترام وهو ~~يزحف فوق القضبان، وباب الكلية الحديدي والمشرحة بالمناضد الرخامية ومن فوقها أشلاء الجثث ~~وسيقان الطلبة المعوجة وعيون الطالبات المنكسرة، وعينا الدكتور علوي الزرقاوان بنهمهما ~~الخفي. ~~••• # بقبضة يدها القوية تضرب الباب الخشبي، وبقدمها اليمنى، واليسرى، تضرب الباب السميك ~~المصمت، بكل جسدها تضربه، لكن جسدها يرتد عنه ويرتطم بالجدار ثم يرتد عن الجدار ويرتطم ~~بالباب كالذي يضرب رأسه ليكسر الحائط، فيبقى الحائط وينكسر الرأس. لكن رأسها لا ينكسر، لا ~~شيء فيها ينكسر. وجسدها الطويل يظل ممدودا فوق الأرض، يشغل المساحة بين الجدار والباب، ومن ~~تحته تنساب خيوط رفيعة من الدماء، من تحت أنفها وأذنيها، ومن بين أصابع يديها وقدميها، ~~ويفتح الشرطي الباب، أنفه يتشمم رائحة الدم، وعيناه تتلصصان، تصوب إليهما عينيها السوداوين ~~فيطرق إلى الأرض بحركة مستسلمة ككل رجال الشرطة، يقاومها بحركة أخرى متغطرسة وبشد عضلات ~~ظهره وعنقه، وتجحظ عيناه كالمشنوق، والسوط يتدلى من بين أصابعه الغليظة المشققة كأصابع ~~الجلاد. # كل شيء من حولها يبدو مألوفا، كأنه حدث من قبل مرة أو مرتين، والألم في جسدها أحسته من ~~قبل، وتلك البقع الحمراء فوق الأرض، بل هذا الشرطي رأته، والعينان، والأنف، والسوط، ~~والجدار، والبقع الحمراء، والباب، وكل شيء يتكرر، وكأنما تستطيع أن تعرف ما الذي سيحدث في ~~الغد، والورقة البيضاء تخفيها تحت البرش، كما كانت تخفيها عن عيني أبيها، وحينما يختفي ~~السجان تخرج الورقة، وتنظر في خطوطها المميزة، تعرف خطوطها كما تعرف ملامحها، وبتلك الحركة ~~الإرادية القوية تحرك الفرشاة فوق الصفحة البيضاء، وكل الأشياء تتخذ شكلا جديدا، وألوانا ~~جديدة، أو بعبارة أخرى ألوانها الحقيقية. ms63 وتصبح عيناها قادرتين على اكتشاف أن ورق الأشجار ~~ليس أخضر، والسماء ليس لونها أزرق، والجدار ليس رماديا، بل إنه ليس مصمتا أيضا، بل هو ~~شفاف كستارة من حرير، جسدها يخترقه بسهولة، وهي تشعر بقوة خارقة، حقيقية وليست وهمية، لها ~~كثافة مادية ملموسة، تحسها بأصابعها متينة مرنة كالمطاط، لا تنكسر وإنما تنثني فحسب تحت ~~الضغط الشديد، تدرك بها أن جسدها لا يمكن أن ينسحب من الحياة، ويظل قلبها يدق بتلك الضربات ~~العالية كالقهقهات، ويصبح للأشياء ألوان زاهية، والبقع الحمراء فوق الأرض تصبح متوهجة ~~وضاءة كقرص الشمس، والنجوم تسطع بضوء قوي كضوء القمر، واخضرار الشجر يصبح أزرق داكنا، ~~وكل ورقة لها خيوط ونسيج بارز كالأسنان المشرشرة، يحركها الهواء بذبذبة غير مرئية كحركة ~~الزمن، ويصبح الماضي كالحاضر كالمستقبل، والأمس كاليوم كالغد، يصبح الزمن بغير زمن، وهذه ~~حقيقة رائعة لا يكتشفها الإنسان إلا في زنزانة السجن. # هذا الاكتشاف أو هذا الإدراك هو السبب الحقيقي وراء تلك النشوة العجيبة التي كانت تطل من ~~عينيها السوداوين، والتي كانت تجعل جسدها النازف يتراقص برشاقة نادرة، يداعب أسراب البق ~~النشطة فوق البرش. وهي مقدرة خارقة للعادة، لا يكتسبها الجسم إلا حين يتخلص من وعيه ~~الإنساني المزيف ويصبح بوعيه الحقيقي. # حين أطل الحارس برأسه من الباب دهش، كانت بهية تفرد ذراعيها وتتحسس بأصابعها عروقها ~~النافرة المنتفخة، وحينما تحس دورة الدم في جسدها تضحك، فالإنسان منذ آلاف السنين يحاول عن ~~طريق دورة الدم في جسده أن يعرف الكون، وتنظر بهية إلى الشرطي بعينيها السوداوين، تدرك عن ~~يقين أن الكون يدور مع دورة الدم في جسدها، وأن هذا الدوران بالذات هو ما يفزع رجال الشرطة، ~~ويشل تفكيرهم، خاصة إذا كان الدوران شديدا إلى حد أن يبدو السطح أملس ساكنا كسطح الأرض، ~~مع أن لونه أحمر وردي كلون الدم، ويمشي ببطء أشبه بالكبرباء في العروق الزرقاء تحت ~~الجلد. # سألها الشرطي بصوته الحاد الأنثوي: أنت بهية شاهين. # أجابت على الفور ولا تزال تضحك وعيناها مرفوعتان إلى أعلى بشموخها العادي: لا. # حملق فيها الشرطي ms64 بعينين جاحظتين: أتكذبين؟ # وضحكت وهي تطرقع أصابع يديها فصفعها على وجهها، فانساب الخيط الرفيع الأحمر من فمها ~~وأنفها، لكن عينيها السوداوين ظلتا مرفوعتين إلى أعلى، وأنفها له ارتفاعة حادة تشق الكون ~~أمامها نصفين، وحين سارت إلى جوار الشرطي بدت ساقاها في البنطلون الأسود طويلتين، عضلاتهما ~~مشدودة، وعظامهما مستقيمة، تدب بكل قدم على حدة فوق الأرض، وتفصل بين ساقيها بثقة. وحين ~~وصلت إلى الحجرة الفسيحة المزدحمة بالأجسام وقفت وقفتها المألوفة، اتكأت بقدمها اليمنى فوق ~~الأرض، ورفعت قدمها اليسرى عالية في الهواء، ثم وضعتها فوق الحاجز الخشبي الذي بينها وبين ~~ضابط يجلس من خلف مكتب صغير. # فتح الضابط دفترا كبيرا بحجم المكتب ورن صوته في الحجرة مناديا: بهية شاهين. # أدركت أنه ينادي واحدة أخرى فلم ترد، لكنه نادى مرة ثانية بصوت عال: بهية شاهين. # وتلفتت حولها تبحث في الوجوه عن واحدة اسمها بهية شاهين. لم تتعرف على وجهها بين وجوه ~~النساء الواقفات والجالسات فوق الأرض، ورنت في الحجرة ضحكة أنثوية ممطوطة تبعتها ضحكات ~~كركرت مصحوبة بطرقعات اللبان ومصمصات الشفاه، ورائحة عرق ونتانة امتزجت برائحة عطر نفاذ ~~كصبغة اليود، ووجوه بعضها سمين مكتظ باللحم وبعضها ناحل ممصوص، الجلد فوق العظم، والكحل ~~الأسود ساح من الحر حول العينين فأصبح كشنبر أسود لنظارة بيضاء، والجسد السمين المترهل ~~يترجرج تحت الفستان الحريري الضيق، برجرجة البروزات والانبعاجات والأثداء والأرداف، والجسد ~~الناحل كعود الذرة الجاف بغير الثديين ولا ردفين، والأقدام الأنثوية الصغيرة تطل من الشباشب ~~المفتوحة بأظافرها الطويلة الحمراء وكعوبها المشققة المسودة بالطين. # وقالت واحدة من الضامرات: أين بهية شاهين؟ # وردت واحدة من السمينات: أنا اسمي بهية الشربتلي. ~~- أهلا وسهلا يا أختي. ~~- أهلا بك. ~~- متى يتوب علينا ربنا؟ ~~- ربنا راضي عنا كل الرضا. ~~- والنبي يا أختي. ~~- طبعا، نحن زين النساء. ~~- رددت الروح في جسدي يا أختي. ~~- لولانا لمات الأزواج الشرفاء، وانهارت البيوت المحترمة. ~~- ولكنهم يتأففون من رائحتنا. ~~- لأنها رائحتهم الحقيقية. ~~- ويضعوننا في السجن. ~~- لأننا نعرف شكل عوراتهم. ~~- ويخافون منا إلى حد الموت. ~~- ويرغبوننا إلى حد الموت. # ورنت الضحكات ms65 الممطوطة وطرقات الشباشب واللبان، وفاحت رائحة النتانة ذات العطر النفاذ، ~~وخبط الضابط بيده فوق المكتب الكالح كمنضدة المطبخ وصاح غاضبا: سكوت يا غجر! أليس عندكم ~~حياء؟ # وكركرت واحدة بضحكة طويلة: حياء إيه يا شاويش؟ أصحاب الحياء ماتوا. # وغمز لها الرجل بحاجبه قائلا: صدقت والله. # ثم رمقها بعينين متوعدتين تلمعان بالشهوة. # انفرجت شفتا بهية عن ابتسامة سرعان ما تقلصت حين رأت أباها أمامها، وكأنما انشقت الأرض ~~عنه. رمقها أبوها بنظرة حادة متوعدة، وأجاب على أسئلة الضابط، ووقع بإمضائه (على شكل ~~شخبطة) على المحضر، ودفع غرامة عشرة جنيهات قبل أن يتسلم ابنته. # ركبت التاكسي، وجلست، عن يمينها جلس أبوها، وعن يسارها عمها. وانغلقت أبواب العربة ~~وانطلقت بها، كالمقبوض عليها بسلطة أخرى تشبه سلطة البوليس، وأبوها من ناحية وعمها من ~~الناحية الأخرى كرجلي الشرطة، ووجهاهما من جانب جامدان صامتان، وعيناهما شاخصة إلى الأمام، ~~لا يلتفتان ناحيتها، تماما كشرطيين غريبين عنها، يسوقانها إلى المقصلة أو إلى ~~الزنزانة. # اجتمع رجال العائلة الكبيرة، وجلسوا حول المائدة يلتهمون الفراخ المحشية، وبعد الغداء ~~جلسوا في الصالة يدخنون، ويسلكون أسنانهم من اللحم بأعواد الخلة وقد ارتفع بطن الواحد منهم ~~فوق فخذيه كالمرأة الحامل، وملأت أليتاه السمينتان المترهلتان المقعد الأسيوطي الكبير. ~~ويتجشأ الواحد منهم بصوت عال، ثم يتنحنح ويقول بصوت خشن رزين (ليس هو صوته الحقيقي): أنا ~~رأيي أن نخرجها من الجامعة، الجامعة مفسدة لأخلاق البنات. # ويرد الآخر: أنا رأيي أن نزوجها بأسرع ما يمكن، فالزواج هو الحصن المنيع لأخلاق ~~البنت. # ورد الآخر: أنا رأيي أن نفعل الاثنين معا، بعبارة أخرى نخرجها ونزوجها، والعريس ~~موجود. ~~••• # إنها في قبضة القدر، والأصابع التي تقبض عليها حديدية كالقضبان لا ترتخي والمسافة بين ~~القضيب والقضيب لا تكفي لأن تخرج رأسها. القدر هو أبوها. يملكها كما يملك ملابسه الداخلية. ~~يعلمها أو لا يعلمها فهو الذي يدفع مصاريف الكلية. يزوجها أو لا يزوجها فهو الوكيل ~~عنها مع أنها لم توكله. # المؤامرة أصبحت تحاك ضدها، بتكتم وسرية، تسمع الهمس، وترى النظرات في العيون، وتدرك الخطر ~~القريب وتفكر ms66 في وسيلة للنجاة. # وفي منتصف الليل حين تسمع شخير أبيها تتسلل من فراشها وترتدي ملابس الخروج، وتجلس على ~~حافة السرير تفكر إلى أين تذهب، في مثل هذا الوقت، إلى أين يمكن أن تذهب فتاة مثلها في ~~الثامنة عشرة؟ # لم تكن تحس أنها فتاة، أو أنها في الثامنة عشرة. هذه السن في ذلك الوقت كانت تسمى سن ~~المراهقة، والمراهقة كلمة مشبوهة مريبة، ما إن ترن في الجو حتى يرتعد الآباء والأمهات برغبة ~~جنسية مكبوتة، يرفقونها بتكشيرة حادة، ويلوحون لأبنائهم وبناتهم بأصابع مهددة، فترمقهم عيون ~~الناس بنظرات الريبة، أما الآباء والأمهات فينساقون وراء غرائزهم دون أن يرتاب فيهم ~~أحد. # كانت تدرك أنهم لن يفسروا هروبها من البيت إلا تفسيرا جنسيا، مع أنها في ذلك الوقت لم ~~تكن لها رغبة جنسية، (علاقتها بسليم كانت شيئا آخر). منذ ذلك اليوم الذي ضربتها أمها على ~~يدها (كانت في الثالثة من العمر) وهي تشعر بالغثيان إذا ما رأت أعضاء ولد أو بنت، وحين تلمح ~~أعضاءها في الحمام صدفة تبعد عينيها بسرعة، بمعنى آخر لم تكن تدرك أنها أنثى، وسليم في ~~نظرها لم يكن ذكرا. كانت ترى في عينيه صورة نفسها الحقيقية، وحركتها إليه تؤكد حريتها ~~وإرادتها، وحين تكون معه تضيع رغبتها في الطعام، وتضيع شهوتها الجنسية، وتصبح إنسانا ~~جديدا بغير غرائز وبغير تلك الشهوات المعروفة، وإنما هي شهوة جديدة عارمة بغير اسم. شهوة ~~إلى أن يكون الإنسان نفسه الحقيقية، أن يدوس بإرادته على الإرادات الأخرى، ويمزق شهادة ~~ميلاده، ويغير اسمه، ويغير أباه وأمه، ويضع أصبعه في عيون كل الذين خدعوه وكذبوا عليه، ~~ولا يستثني من ذلك عينيه فيخرقهما ويصنع لنفسه عينين جديدتين. # كانت تعرف أن عينيها تكذبان وتخفيان رغبتها الجنسية، لكنها لم تكن تخفيها بإرادتها. كانت ~~تتقلص وحدها رغم أنفها، وتحس بها وهي تنسحب منها، كالروح تنسحب وحدها من الجسد. وفي بعض ~~اللحظات، حين كانت تحس حاجتها إليها، وتحاول أن تستحضرها «كما تستحضر الأرواح» فلا تحضر، ~~وتظل بعيدة عنها، كالروح الهائمة محلقة فوق رأسها، ولا تستقر ms67 أبدا في جسدها، لا زال صراخ ~~أختها فوزية في أذنيها، وبركة الدم من تحتها حمراء قانية، وفي كل يوم تنتظر دورها، والباب ~~يفتح وتدخل أم محمد بالموسى الحادة لتقطع ذلك الشيء الصغير بين فخذيها. لكن أم محمد ماتت ~~وانتقل أبوها إلى القاهرة وظل الشيء الصغير في جسدها. # أحيانا كانت تخاف منه، وتظن أنه شيء ضار وجد خطأ أو نسي في جسدها. وتود لو صحت أم ~~محمد من قبرها وجاءت بموساها، لكن صورة أختها فوزية تتراءى أمامها، وهي تمشي إلى دورة ~~المياه تعرج وتتأوه، وبعد أن التأم الجرح لم تعد تجري كما كانت، وخطواتها أصبحت بطيئة، ~~وساقاها حين تمشي تظلان ملتصقتين لا تكاد الساق تنفصل عن الساق. # وأصبحت تكره اليوم الذي تستحم فيه، وحين تخلع ملابسها تصوب نحو أعضائها نظرة كراهية، بل ~~إنها كرهت الله لأنه هو الذي خلقها، وكانت قد سمعت من أبيها مرة أن الله هو الذي خلق ~~أجسامنا وأعضاءنا، وذات يوم قالت لأمها إنها تكره الله فشهقت أمها وضربتها على وجهها قائلة: ~~كيف تقولين هذا؟ # وردت وهي تبكي: لأنه يخلق أشياء سيئة. # فضربتها مرة أخرى وهي تقول: إن الله لا يخلق إلا الأشياء الجميلة. # فقالت وهي تمسح دموعها: فمن إذن الذي خلق تلك الأعضاء السيئة؟! # وحملقت أمها في وجهها بعينين متسعتين ولم ترد، وسمعتها في تلك الليلة تهمس في أذن ~~أبيها: هذه البنت غير طبيعية! # لم تكن تعرف بعد ما هو الطبيعي، وتصورت أن الرغبة الجنسية غير طبيعية، فأصبحت تتقزز حين ~~تلمح أعضاء الرجال بارزة من تحت سراويلهم، وتشعر برغبة في القيء حين يدس الواحد منهم كوعه ~~في صدرها وهي واقفة في الترام. كانت تكرههم، وتكره سراويلهم، وأعضاءهم القبيحة البارزة، ~~وعيونهم المدببة النهمة، ورائحتهم التي يختلط فيها البصل بالتبغ، وشواربهم الكثة التي تبدو ~~فوق شفاههم كالحشرات السوداء الميتة. # كانت تعرف أن أباها رجل فأصبحت كراهيتها له مزدوجة، وحين ينقطع شخيره في الليل لحظة تتخيل ~~أنه مات، ولم تكن تحب أمها أيضا، ولا النساء ولا أثوابهن المفتوحة عند الصدر، ms68 تكشف عن ~~نهدين منتفخين برغبة مكبوتة، وعيونهن المكحلة كالجواري تتأجج بالشبق، لكن سيقانهن السمينة ~~الملتصقة وعيونهن المتكسرة تفضح برودهن الجنسي إلى الأبد. # ومع ذلك كانوا يسمونها مراهقة، وحين كانت تقف في الشرفة لتستمتع بأشعة الشمس يتصور أبوها ~~أنها تطل على الجار الأصلع، وحين تتأخر، أو تشرد، أو ترسم، أو تفكر، أو تستحم، أو تنظر في ~~المرآة، فالسبب واحد، وهو الرجل. وقد أدركت من بعد أن رءوس الآباء والأمهات لا يشغلها إلا ~~الجنس؛ ولهذا يتصورون أن أبناءهم وبناتهم على شاكلتهم. # في حفل عائلي كبير طرقعت فيه الصاجات، وترجرجت أجساد الراقصات، وجحظت عيون الرجال ~~بالشهوة، وامتلأت البطون بالطعام والشراب، باعوها لرجل من الرجال مقابل ثلاثمائة جنيه. وسط ~~الزهور والأنوار كان وجهها يطل على العالم شاحبا، وأمها تزغرد بذلك الصوت الحاد الذي يتقطع ~~قرب النهاية كالنشيج المكتوم. وأبوها يسير مختالا بالبدلة الجديدة يتحسس من حين إلى حين ~~الجيب الداخلي، حيث ترقد المحفظة المنتفخة بالمهر، والأطفال يجرون ويلعبون لكن عيونهم ترمق ~~العروس فيتحسسون أعضاءهم من تحت ملابسهم في وجل وخوف، والرجال بسراويلهم وسيقانهم المعوجة ~~يروحون ويجيئون مختالين بذكورة مترهلة نهمة كالمعدة المريضة، والنساء بفساتينهن اللامعة ~~وعيونهن المنحلة من فوقها سحابة تخفي ذكرى زفاف أليم. # الفستان الحريري الأبيض، ضيق عند الصدر يخنق ثدييها، ويلتف عند الردفين وحول ساقيها عدة ~~لفات وثنيات كالكفن، ويجرجر على الأرض في ذيل طويل، تتعثر فيه قدماها المتأرجحتان فوق كعب ~~عال رفيع، تسير نحو «الكوشة» المحاطة بباقات الورد كقبر الجندي المجهول، ودقات الطبول في ~~أذنيها بطيئة ثقيلة كدقات اللحن الجنائزي، ويدها الصغيرة الباردة في يد «العريس» الكبيرة ~~أصابعه الغريبة حول أصابعها تلتف كأصبع القدر، وساقاها من تحت لفائف الكفن تتحركان ببطء ~~كأنما تسير نحو كارثة مجهولة، وعيناها السوداوان مفتوحان شاخصتان إلى الأمام، ثابتتان في ~~الفضاء على لا شيء. # كالصفعة القوية الحادة سمعت الباب وهو يغلق، والأصوات كلها انقطعت، والصور، ووجدت نفسها ~~تجلس داخل عربة كعربات البوليس، عن يمينها رجل «أبوها» وعن يسارها رجل «العريس»، وجهاهما من ~~الجانب مشدودان، وعضلاتهما مشدودة، وعيناهما ms69 شاخصة إلى الأمام تراقبها خلسة كعيون رجال ~~البوليس. # وعند باب الشقة الجديدة تسلم العريس الوديعة من الأب، وانتقلت ملكية بهية شاهين من محمد ~~شاهين إلى محمد ياسين. لكن أحدا من الرجلين لم يكن يدرك بعد أنها ليست بهية شاهين، ~~وبالتالي لا يمكن أن تصبح بهية ياسين. # هي الوحيدة التي كانت تعرف، وحين انغلق الباب عليهما رفعت عينيها السوداوين المقتحمتين ~~ورأت الشارب الأسود تعلوه نقطة بيضاء بلون المخاط، وشعر الصدر الكث الأسود تتخلله حبات عرق، ~~وغابة الشعر أسفل بطنه، وتلك القفزة فوق السرير كقفزة قرد، ضحكت بصوت عال، فاتسعت عيناه في ~~دهشة. سارت بخطوات بطيئة نحو الدولاب وفتحته فاندهشت هي الأخرى. قمصان النوم العارية من ~~الصدر والظهر والبطن، والملابس الداخلية ذات الكرانيش والمخرمات والدنتلا، وزجاجات عطر، ~~وعلب مساحيق بيضاء، وخضراء، وحمراء، وفرش للرموش وشباشب منبعجة إلى أعلى ومن فوقها وردة ~~حمراء، وفوط حمام، وصابون تواليت، وبودرة إزالة الشعر، ومعجون إزالة الرائحة، وزيوت دهان ~~وتدليك. # أدوات المرأة في حياتها الزوجية، كلها أدوات جنسية. تنتقل الفتاة من بيت أبيها إلى بيت ~~زوجها فتتحول بقدرة قادر من مخلوق لا جنسي «بغير أعضاء جنسية» إلى مخلوق جنسي ينام ويصحو ~~ويأكل ويشرب الجنس. يظنون ببلاهة غريبة أن الأعضاء التي بترت بالموسى يمكن أن تعود، أو أن ~~الرغبة التي ذبحت وماتت وشبعت موتا يمكن أن تصحو. # ابتسم لنفسه في زهو، وأدرك أن تمنع الفتاة العذراء الجاهلة بالرجل. فاستمد من جهلها ~~ثقته بنفسه فسار أمامها عاريا يتبختر مستعرضا رجولته. ضحكت مرة أخرى، فاشتعل الدم في ~~عروقه بعدوانية الذكر، وانقض عليها كالوحش المفترس. رفسته بقدمها في بطنه فسقط على الأرض. ~~فرك عينيه في دهشة وعدم تصديق، هذه القدم القوية لا يمكن أن تكون قدم أنثى، قدم الأنثى كما ~~عهدها «من تجاربه مع المومسات» قدم صغيرة لينة، يستطيع أن يلويها بيد واحدة. أما هذه القدم ~~فصلبة قوية كالقذيفة. # قال لنفسه الزوجة غير المومس، وأدرك أن تمنع العذراء يزيد ويشتد بمقدار طهارتها وجهلها ~~بالرجل. تضاعف زهوه وتأكد أنه الغازي الأول، واطمأن ms70 إلى أنها لن تكتشف ضعفه فانقض عليها ~~بوحشية أشد، فرفسته بقوة أشد. # بعقل الأزواج البطيء بدأ يدرك أنها ترفضه، فاتسعت عيناه في ذعر وصاح بصوت غاضب: كيف ~~ترفضين؟ # ردت بغضب أشد: لست مومسا. # قال بصوت المالك: أنت زوجتي. # سألت بدهشة: من قال لك هذا؟ ~~- أبوك وأنا والمأذون. # صاحت بغضب: أحط صفقة في التاريخ! # صفعها على وجهها فضحكت. أدركت أن الناس يغضبون حين نشد الغطاء عن عوراتهم. كان عاريا، ~~وعورته سوداء قبيحة، رمقتها بنظرة متقززة. # أخفى نصفه الأسفل تحت الملاءة في خجل، كخجل العذراوات ليلة الزفاف «بسبب فقدان الثقة في ~~النفس»، لكنه تذكر أنه رجل، والرجل لا يخجل، فشد عنه الملاءة ونظر إليها، فلم تهتز عيناها ~~السوداوان المرفوعتان إلى أعلى. # صاح بغضب: أنت لست أنثى! # الاتهام التقليدي، يلقي به الرجل في وجه المرأة، يظن أن الأرض من تحتها تهتز، وأن شيئا ~~لا يبقى لديها، فماذا يبقى للمرأة «في رأيهم» إذا لم تكن تقدس عورة الرجل؟ # هزت كتفيها بحركة لا مبالية وقالت: من قال لك إنني أنثى؟ # قال بغضب: أبوك خدعني إذن. # ضحكت: عليك أن تسترد منه الثمن. # قال: إنه نصاب! # قالت: كان عليك أن تفحص البقرة قبل شرائها! # كالباحثة عن الفضيحة، فالفضيحة وحدها هي التي تنقذها، هي التي تجعل الجميع يلفظونها، وهي ~~تريد أن تلفظ، أن تصبح بغير أب وبغير أم وبغير أسرة تظللها أو تحميها، فالحماية إنما هي ~~الخطر ذاته. إنه الاعتداء على حقيقتها، واغتصاب إرادتها ووجودها. # ظلت جالسة في مقعدها، ورأته يشد الملاءة فوقه وينام، وارتفع شخيره بعد فترة، فأدركت أن ~~شخير الأزواج كشخير الآباء، وتسللت على أطراف أصابعها إلى الشارع، وحينما رأت خيوط الفجر ~~الأحمر في الأفق، تذكرت أن هذا الصباح هو «الصبيحة»، وأن الفضيحة تنتظر أسرتها، وأن أباها ~~سيقبل، يتشمم رائحة الدم، وتفتش أمها ملاءة السرير وقميص النوم، وينتشر أفراد الأسرة في بيت ~~العرس يبحثون بلا جدوى عن شرفهم غير الموجود. ~~••• # بقدمين ثابتتين سارت في الشارع ترتدي بلوزتها البيضاء وبنطلونها الأسود، تدب بقدمها على ~~الأرض بقوة، وتفصل ms71 بين ساقيها بثقة، خطواتها واسعة سريعة كخطوات الشاب الرياضي، وحذاؤها ~~منخفض بغير كعب، وشعرها الأسود القصير متناثر فوق أذنيها وعنقها من الخلف، وعيناها ~~السوداوان شديدتا السواد ومرفوعتان إلى أعلى، وأنفها المرتفع الحاد يشق الكون بغير رفق ولا ~~تردد، وشفتاها مزمومتان في إصرار كالغضب أو غضب كالإصرار. حين بلغت شارع القصر العيني أدركت ~~أنها تعرف هدفها. # لمحت إحدى زميلاتها تهبط من الترام فتراجعت واختفت وراء الجدار، راقبت جموع الطلبة ~~والطالبات وهم يهبطون من الترام أو الأتوبيس ويسيرون نحو الكلية. حين هدأ الشارع وابتلعت ~~الكلية الطلبة والطالبات خرجت من وراء الجدار وسارت حول سور الكلية، تنظر من خلال القضبان ~~الحديدية إلى باب المشرحة، والباب المجاور لا تزال تعلوه اللوحة البيضاء تحمل اسمها، ورءوس ~~الطلبة والطالبات تتحرك من وراء نوافذ المدرجات والمشرحة. ~~- بهية شاهين! # رن الصوت من خلفها فانتفضت. رأت أمامها وجه أحد زملائها. تذكرت اسمه. كان هو رءوف ~~قدري. # سألها: كيف حال الكلية؟ # قالت: لم أعد بالكلية. # سأل: أأنت أيضا فصلوك؟ # سألت: وهل فصل أحد؟ # قال: فصل أربعة وأنا خامسهم. # قالت: وأنا فصلت، ولكن بسلطة أخرى. # ضحكت: تعددت السلطات والفصل واحد. # سألت: والدكتور فوزي؟ # قال: كما هو في المستشفى. # اجتازت الكوبري الصغير بين المستشفى القديم والجديد، رأت من خلال قضبان الكوبري القارب ~~المزركش والفتى والفتاة يجدفان ويلوحان للمرأة الواقفة في شرفة القصر، مرت من جوارها سيارة ~~سوداء طويلة كسيارات البوليس، تبعتها سيارة إسعاف، شقت ببوقها الحاد الزحام الواقف أمام باب ~~المستشفى، وطوابير من رجال بوجوه شاحبة، ونساء بجلاليب سوداء، وأطفال بعيون جاحظة، وتجار ~~البرتقال بعرباتهم الكارو، وقطط وكلاب تجري هنا وهناك بين أكوام القمامة. # دخلت فناء المستشفى الجديد الواسع، اصطفت فيه عربات أساتذة الكلية والأطباء، كالسفن ~~الطويلة الراسية في الميناء، أو الطيارات القابعة فوق أرض المطار، ظهرها المقوس يلمع تحت ~~أشعة الشمس كالفولاذ، ورأسها مدبب حاد كبوز المدفع، ومؤخرتها طويلة ناعمة كذيل ثعبان، داست ~~بقدمها بقوة فوق الأرض، كأنما تدوس على كل الذيول الناعمة، وكل الرءوس المدببة الحادة، وكل ~~الأساتذة والأطباء بسياراتهم ms72 اللامعة الطويلة، وبطونهم البارزة من الأمام، وأردافهم ~~المترهلة من الخلف، ومقاعدهم الجلدية الوثيرة، وأسمائهم المعلقة فوق اليفط في الشوارع ~~والميادين، والشهادات التي رشقوها بالدبابيس فوق ظهورهم، ورائحة الدم وعرق المرضى تفوح من ~~الأوراق المالية المكومة في جيوبهم المنتفخة. # اتجهت نحو العيادة الخارجية، ولمحت رأس الدكتور فوزي يطل من وراء طابور الأجساد الضامرة ~~كالهياكل، يتساند الجسد فوق الجسد، وبمشقة تنتصب الساقان الرفيعتان المعوجتان، وبمشقة أشد ~~ينتصب الرأس فوق العنق، والعيون غائرة والأفواه مفتوحة تلهث، والرائحة العفنة كرائحة الجسد ~~الميت. # شقت طريقها وسط الأجساد لتصل إلى الدكتور فوزي. إن كلمة شقت هنا غير صحيحة، إذ الحقيقة ~~أنها لم تكن تلمس الجسد منهم حتى يترنح، أو يستند إلى الجدار، أو يتهاوى على الجسد الآخر، ~~والعيون الصفراء تلتفت نحوها بصعوبة، وتتطلع إليها كأنما من وراء سحابة، أو من عالم آخر، ~~وبذهول كذهول الغيبوبة يدركون أنهم واقفون في الطابور. # رأت الدكتور فوزي جالسا عند رأس الطابور، السماعة المعدنية حول رقبته كحبل المشنقة، ~~والقلم في يده يجري فوق الورق بأسماء الأمزجة «رواند وصودا أو حديد وزرنيخ»، والعرق الغزير ~~يتصبب من جبهته، وصوته يرن بين الأنفاس اللاهثة والحشرجات والسعال، خذ نفس! اكتم نفسك! قول ~~آه! قول واحد اثنين ثلاثة أربعة! مد إيدك! مد رجلك! شد حيلك! # رآها الدكتور فوزي وهي واقفة، فترك مقعده واتجه نحوها باسما: أهلا بهية، كنت أريد أن ~~أتصل بك لأطمئن عليك، لكني لم أعرف عنوانك. هل أنت بخير؟ # قالت بصوت هادئ: لا. # التقت عيناهما في لحظة صمت طويلة. # ثم سألته: ما أخبار سليم؟ # قال: نقلوه من سجن مصر إلى سجن طرة. # سألت: والزيارة؟ # قال: ممنوعة حتى بالنسبة لأمه. # قالت: سمعت أنهم أفرجوا عن بعض الطلبة. # قال: ربما، ولكن أمثال سليم لن يخرجوا الآن. # سألت: ومتى يخرجون؟ # قال: لا أحد يعرف، وقد يمتد بهم الحال سنين. # صاحت: سنين؟! # قال بحزن: سنين طويلة لا يعرف عددها أحد. # صافحته بأصابع مرتعدة وجرت إلى الشارع. رأت الناس سائرين إلى أعمالهم أو إلى بيوتهم كأي ~~يوم عادي كأن ms73 شيئا لم يحدث، كأن شيئا خطيرا لم يحدث. مع أن أخطر شيء حدث، أخطر شيء ويمكن ~~أن يحدث حدث، ولا أحد يدري، ولا أحد يهتم، وسارت كالتائهة في الشارع، وحين وصلت إلى سور ~~الكلية رأت من خلال النوافذ رءوس الطلبة والطالبات وهم منكفئون فوق الجثث. كما كانت تراهم ~~في أي يوم عادي، وكأن شيئا لم يحدث. ضغطت على أسنانها في غيظ، وخبطت الأرض بقدميها، ما ~~أقبح الحياة العادية بعد الحادث الجلل، ما أفظع استمرار الحياة اللامبالي، والسماء تبقى ~~معلقة فوق، والأرض تظل ممدودة تحت، والسحب تتحرك حركتها العادية المحايدة، والناس يسيرون في ~~الشوارع سيرهم اليومي اللامبالي. لماذا لا يتوقف هذا العبث؟ خبطت الأرض بقدمها مرة أخرى. ~~لماذا لا تكف هذه الحركة اللامبالية عن الدوران الساحق؟ لماذا لا يتوقف الناس لحظة، ويرفعون ~~رءوسهم ويرون السلاسل الحديدية الملتفة حول أعناقهم؟ # بهية! # سمعت الصوت من خلفها فانتفضت. ورأت وجها يطل من سيارة طويلة سوداء كسيارات البوليس. ~~تذكرته على الفور. إنه الدكتور علوي. هبط من العربة بسرعة واتجه نحوها. سألها بلهفة: بهية! ~~أين أنت كل هذه المدة؟ # سكتت ولم ترد. شدها من يدها نحو العربة: تعالي معي، أريد أن أتحدث معك. # كان الوقت ظهرا، والشمس قوية تدخل من نافذة العربة تحسها فوق ذراعها ساخنة، وقالت ~~لنفسها: «سنين طويلة لا يعرف عددها أحد.» ورفعت عينيها نحو السماء بنظرة شاردة تائهة في ~~خضم بلا حدود. هذا الزمن غير المحدد، غير المعروف، كعمرنا، حين نجهل اليوم الذي نموت فيه، ~~ونظن بطريقة ساذجة أنه لن يأتي أبدا، أو نحس بسذاجة أشد أنه آت في كل لحظة وفي كل وقت. ~~هذه المأساة غير المحدودة، اللانهائية، نعيشها، ونحملها فوق أجسادنا كالعبء الأبدي. # لو قال لها إنه سيخرج بعد خمس سنوات أو عشر أو عشرين ربما خفت المأساة. ربما استطاعت أن ~~تحتمل. فالانتظار محتمل طالما أنه موقوت، ندرك نهايته ونعرفها، ونستطيع أن نحددها بسن ~~القلم. ولكن أن نعيش في قبضة خطين متوازيين لا يلتقيان، أن نصبح داخل فكين لا ندري متى ms74 ~~ينقبضان، فهذه هي مأساتنا، وسر الحزن العميق في أفراحنا، وسر المرح اللامبالي في أحزاننا، ~~نعرف أننا نخدع أنفسنا، وأننا في قبضة إرادة أخرى غير إرادتنا، وأنها ستفتك بنا لا شك في ~~لحظة قادمة لا نعرف متى. # أحست والعربة منطلقة بأقصى سرعتها أنها في قبضة القدر، وأن انحرافة واحدة من السيارة ~~تجعلها جثة مهشمة في قاع النيل. والتفتت ناحيته. وأدركت أنها ليست في قبضة القدر، وإنما في ~~قبضة هاتين اليدين الكبيرتين اللتين تقبضان على عجلة القيادة. إن حركة واحدة من هاتين ~~اليدين كافية لأن تسحقها العربة. # اجتاحها إحساس غريب باللامبالاة، وانحرفت السيارة فجأة وكادت تصطدم بعربة أخرى فلم تهتز. ~~اللامبالاة الحقيقية حين يدرك الإنسان عبث حياته اللإرادية، وعبث موته غير الموقوت، وعبث ~~ربطه بالسلاسل إلى أجل غير محدد. اللامبالاة الحقيقية حين يتأكد الإنسان من موته في أي لحظة ~~فلماذا لا تكون هذه اللحظة وليست غيرها؟ # وسمعت صوت الدكتور علوي يقول: أود أن أتناول غدائي معك اليوم، فهل توافقين؟ # قالها بأدب شديد وتردد شديد فدهشت. لو قال لها في تلك اللحظة: «أود أن ألقي بك في قاع ~~النيل فهل توافقين؟» لقالت له أوافق. لكنه يدعوها للغداء فحسب. وبدت لها الدعوة للغداء إلى ~~جوار الدعوة للموت تافهة، فقالت بصوت فاتر: أوافق. # انطلق بالسيارة في طريق طويل تظلله الأشجار. لم تكن تعرف من القاهرة إلا أجزاء قليلة، ~~وأحست أنها في مكان لم تره من قبل، لكنها لم تسأل. وظلت صامتة، تاركة نفسها لذلك الشعور ~~المريح من اللامبالاة، وسمعته يقول: لماذا تركت الكلية؟ # ردت بصوت ساخر: زوجوني. # ضحك ومد يده وأمسك يدها: أهي نكتة؟ # قالت: ليست نكتة، إنها الحقيقة. # اتسعت عيناه في دهشة مصطنعة: وماذا فعلت به؟ # قالت بهدوء: هربت. # ضحك مرة أخرى: ستطلبين في بيت الطاعة. # ضحكت وحركت وجهها ناحية الشمس. رأى عينيها السوداوين مرفوعتين، وأنفها مرتفعا حادا، ~~وشفتيها مزمومتين. سألها: وكيف ستعيشين؟ # هزت شعرها القصير المتناثر وقالت: سأعمل وأعيش. # قال: سيبحثون عنك في كل مكان. # قالت بثقة: لن يجدوني. # قال: الاختفاء في بلد ms75 كالقاهرة صعب، ثم إن عيونهم كثيرة، وكل السلطات ضدك. # رمقت الشارع بنظرة حذرة، والتفتت ناحيته بعينين فاحصتين، وقالت: وأنت أيضا ضدي، أليس ~~كذلك؟ # ابتسم وقال: كان من الممكن أن أكون ضدك، لكنني أحبك. # رنت الكلمة في أذنها غريبة «أحبك»، انفرجت شفتاها لتسأل: «ماذا تعني؟» لكنها أطبقت ~~شفتيها في صمت وتوقفت السيارة أمام بيت صغير من حوله حديقة. أخرج المفتاح من جيبه وفتح ~~الباب. وجدت نفسها في صالة كبيرة جدرانها مغطاة بالورق الملون، والستائر وردية، والمدفأة ~~فوقها تمثال لامرأة زنجية عارية، ولوحة فوق الجدار لامرأة راقدة عارية. تلفتت حولها في ~~دهشة. ابتسم قائلا: أشقى طول النهار في الكلية والمستشفى والعيادة من أجل لحظات سعيدة في ~~مخبئي هذا. # خلع الجاكتة ففاحت رائحة الأوراق المالية من الجيب الداخلي، كرائحة المستشفى: مزيج من ~~العرق والأنفاس اللاهثة المريضة. حركت رأسها الناحية الأخرى، فناولها كأسا وهو يقول: هذا ~~نبيذ مصري يسمونه «عمر الخيام». إنه أحسن نبيذ في العالم. ما رأيك؟ # ردت بصوت فاتر: لا أعرف، فأنا لم أذق لا النبيذ المصري ولا غير المصري. # نظر في عينيها السوداوين الحزينتين ثم قال: لي فلسفة خاصة في الحياة، وهي أن أعيش الحياة ~~يوما بيوم، لا أفكر في الأمس، ولا في الغد. وعليك منذ الآن أن تفعلي مثلي. # قالت بهدوء: لي فلسفة أخرى. # ضحك بصوت عال: المرأة الجميلة لا تحتاج إلى فلسفة. # لم تضحك. مد يده وأمسك يدها ولثمها: بهية، أنا أحبك، ألا تعرفين معنى الحب؟ # ردت بصوت واضح: لا. # حوطها بذراعيه وضغط بصدره على صدرها، وأحست دقات قلبه سريعة، وبيده اليسرى أمسك يديها ~~الاثنتين، وباليد اليمنى بدأ يفك أزرار ثوبها. دفعته بقدمها القوية فسقط على الأرض. نهض وهو ~~يحملق فيها بدهشة. كانت دهشتها أشد. جلس على مقعد بجوار المدفأة وأطرق لحظة ثم قال: يبدو ~~أنني أخطأت. كنت أظن أنك تحبينني. # ردت بدهشة: من أين أتاك هذا الظن؟ # قال بلهجة الأستاذ: أنا أفهم المرأة. # سألت: وبأي عقل تفهمها؟ # فأشار بإصبعه نحو رأسه وقال باسما: الرجل له عقل واحد في ms76 رأسه. ألم أعلمك ذلك في ~~المشرحة؟ # ردت بصوت ساخر: المشرحة شيء والحقيقة شيء آخر. # قال: ما هي الحقيقة؟ # قالت: عقل الرجل ليس في رأسه. # سألها: وأين يكون؟ # ردت بجرأة: بين ساقيه! # فارتدى الجاكتة وهو يقول: أنت فتاة غير طبيعية. # قالت وهي تبتسم: وأنت رجل عادي. ~~••• # دبت بقدمها على الأرض بزهو «فتاة غير طبيعية»، ومن هي الفتاة الطبيعية في نظرهم؟ التي ~~تنظر بعينين منكسرتين، التي تمشي بساقين ملتصقتين، المطيعة الخاضعة، المبتورة الأعضاء ~~الجنسية، المنقوعة في الدهانات والمساحيق الفواحة بالعطر، المشبعة ليل نهار بتأوهات الأغاني ~~وأفلام الجنس، الحافظة عن ظهر قلب قصص الغرام والعشق، والعاجزة عن أن تخوض تجربة واحدة، ~~العفيفة الطاهرة العذراء والمنشغلة طول عمرها بنتف شعرها وإغراء الذكر. # سارت بخطواتها الواسعة السريعة، تتلفت يمينا ويسارا، تتفحص وجوه الناس. كان الشارع ~~مزدحما بهم، ووجوههم كلها متشابهة، وحركاتهم متشابهة، وأصواتهم متشابهة، وعيونهم حين تنظر ~~إليها لا تراها، وأحست أنها تغرق في بحر دون أن يراها أحد، ودون أن يميزها أحد، وأن وجهها ~~أصبح كوجه علية أو زكية أو نجية أو إيفون. # جرت بغير وعي نحو شارع المقطم، عيناها تبحثان في الأرض والشجر والسماء عن العينين ~~القادرتين على رؤيتها، عن الوجه النحيل والملامح المرهقة المحملة بهموم البشر، نادت بصوت ~~عال: «سليم!» لكن الجبل ابتلع الصوت والصدى. ورددت مرة أخرى بصوت عال: «سليم!» لم يرد ~~عليها أحد، لكنها لم تستدر لتعود. كانت تدرك أنه موجود، كالسماء والهواء والشمس والقمر ~~والأفلاك. ظاهرة من ظواهر الكون. تتنفسه في كل وقت، وتحس ملمسه فوق جسدها وهي سائرة أو ~~جالسة أو نائمة، وحين تحملق في السماء ترى في زرقتها عينيه، وفي كل قوس مرفوع حاد ترى ~~أنفه، وفي كل خطوة تدب بها على الأرض تسمع وقع قدميه. وكادت تستدير خلفها لتراه، لكنها لم ~~تستدر. كانت تعرف أنه غير موجود، وأن السماء خالية منه، والأرض فارغة من البشر، والكون أجوف ~~كالصندوق الفارغ، أفرغت منه الهواء مضخة خرافية. # بهية! رن صوته من خلفها فانتفضت. لم تجد أحدا شدت قامتها بقوة. ms77 في هذه الحركة القوية ~~أدركت أنها ستذهب إليه، وأنها ستفني حياتها من أجل الذهاب إليه، وأن شيئا لن يحول بينها ~~وبينه، لا الموت ولا طلقات الرصاص ولا الدم ينزف، ولا المشرط الحاد يقطع اللحم، ولا الباب ~~الحديدي العالي ولا القفل. # سارت بخطوات سريعة واسعة كأنما تعرف هدفها، لكنها توقفت بعد لحظات. لم تعرف إلى أين هي ~~ذاهبة. وحينما تلفتت حولها لمحت رأس أبيها من وراء زجاج نافذة تاكسي، وإلى جواره لمحت عمها، ~~ورأس ثالث غريب برز أمامها من خلال ضباب كثيف فتذكرت ليلة زفافها. اختفت وراء جدار وهي ~~تلهث. فمرق التاكسي بالرءوس الثلاثة في بحر العربات وابتلعه الخضم. خرجت من وراء الجدار ~~وسارت في الشارع بساقيها القويتين المشدودتين، ووقع قدميها في أذنيها تعرفه، القدم وراء ~~القدم، تدب بهما على الأرض، تتحدى الأرض، ترفع قدما إلى أعلى ثم تهوي على الأرض، كأنها ~~ستخرق الأرض، وتتحدى العالم كله من حولها، من يقترب منها تستطيع أن تقذفه بقدمها، ومن ~~يلمسها أو يحرك الهواء من حولها تستطيع أن تدب أصابعها في عينيه، ومن يقف في طريقها تستطيع ~~أن تشق بطنه بمشرطها وتقتله. أجل تقتله. كانت قادرة في تلك اللحظة على اقتراف أي جريمة قتل، ~~بل إن شيئا لم يكن يخمد النار المتأججة في نفسها إلا جريمة قتل. ~~••• # الساعة الثالثة صباحا، تلك الساعة التي تسبق ظهور أول خيوط الفجر، والظلام يخيم على ~~الحواري الطينية الضيقة، والبيوت القديمة المتلاصقة المتساندة بعضها فوق بعض كهياكل الأجساد ~~المريضة، وأنفاس حي الدراسة المزدحم في الحجرات الضيقة تهب من شقوق النوافذ ساخنة محملة ~~بتراب الجبل ورائحة العرق والبصل والكشري والسمك المقلي، والحي الذي يضج في النهار كخلية ~~النحل مستغرق في النوم، نوم الأجساد المكدودة المهدودة يكاد يشبه الموت، والصمت لا يمزقه من ~~حين إلى حين إلا نباح كلب، أو صراخ رضيع، أو عواء قط. # في تلك الساعة تكون الحركة على أشدها داخل الحجرة في بدروم البيت القديم، وتروس المطبعة ~~الصغيرة تضغط الحروف السوداء فوق الصفحة البيضاء، وحين تمتلئ الصفحة تنقلب ms78 وتسحب التروس ~~ورقة جديدة، سرعان ما تمتلئ بالسطور السوداء، فتنقلب وتظهر على الفور مكانها الورقة الجديدة ~~البيضاء، والوجوه الثلاثة النحيلة مرهقة شاحبة، والعيون الست شاخصة تتابع حركة الورق ~~الدائرية، ترتفع بينها عينان سوداوان إلى أعلى، ارتفاعتهما مألوفة، وسوادهما شديد، والأنف ~~مرتفع حاد يشق الكون نصفين، والشفتان مزمومتان في إصرار وغضب. # بهية! يرن الصوت في أذنيها، فتتلفت حولها، وترى رءوف يرص الورق في الحقيبة الجلدية، وفوزي ~~يضع المطبعة داخل تجويف في أرض الحجرة، وتعود الأرض مستوية كما كانت بألواح الخشب. ويئن في ~~الصمت صوت الباب الخشبي الصغير وهو يفتح، وتدلف منه الأجسام الثلاثة واحد بعد الآخر، لا ~~يمكن التعرف عليها من بينهم، فالظلام يخفي الوجه، وملامح الجسد في الظلمة متشابهة، والساقان ~~داخل البنطلون عضلاتهما قوية مشدودة، واليد اليمنى تتدلي منها حقيبة جلدية منتفخة. # وفي الميدان الصغير ينحرف رءوف إلى اليمين ويبتلعه الشارع المظلم، ويستمر فوزي متجها إلى ~~الميدان الكبير، أما بهية فتسير بخطواتها الواسعة السريعة نحو الأتوبيس الراقد في الموقف، ~~صدرها يعلو ويهبط، وأنفاسها لاهثة تتقطع، والحقيبة الجلدية المنتفخة فوق صدرها، تحوطها ~~بذراعيها كذراعي الأم تلتفان حول طفلها، وفي المحطة تهبط، تعرف هدفها، وتعرف أين تقذف ~~بالحروف الملتهبة فوق الرءوس، أيها الناس استيقظوا، افتحوا النوافذ، وافتحوا عيونكم وانظروا ~~السلاسل الملتفة حول أعناقكم وافتحوا، أذهانكم واعلموا أن عرق جبينكم يسلب، وزرعكم ينهب، ~~ولحمكم يؤكل، ولا يبقى لكم إلا العظام، هياكل عظيمة متراصة في الطوابير، يسند الواحد الآخر، ~~والأنفاس تتمزق بسعال متقطع، والدم أحمر ينزف من جرح غائر في الصدر. # تقذف بالحروف والكلمات في الوجوه، وتعود بالحقيبة فارغة، متخففة من العبء، تقفز بالحقيبة ~~على الأرض كعصفور، وتدندن لنفسها بأغنية قديمة وبحركة الأطفال الفرحين بالعودة من المدرسة ~~تهز حقيبتها الفارغة، وتقذفها في الهواء، ثم تلتقطها بيديها الاثنتين، وتلمح الرجل ذا ~~العينين المتجسستين قادما بمشيته الحذرة، فترمقه بنظرة جانبية، وحين تحس به وهو يتعقبها ~~تدخل في طريق آخر، وتضلله ثم تخرج إلى الشارع الواسع، يبتلعها الزحام كالمحيط، وتسير في ~~الشارع بعينيها المرفوعتين، ترقب الناس وهم ms79 يدورون في طاحونة حياتهم اليومية من أجل لقمة ~~العيش، والترام بسلمه المائل تحت الأجساد يصلصل صارخا بالعبء، وتدور عجلاته الحديدية فاغرة ~~فاها لأي قدم تسقط. وعلى الرصيف تجلس العجوز العمياء باسطة يدها المعروقة إلى الأمام، ~~وأطفال يتطلعون إلى العالم بعيون صفراء فاغرين أفواههم لأي لقمة تسقط، ومن نوافذ الترام ~~والأتوبيس تلمح الرءوس المتشابهة والأعناق المشنوقة بأربطة العنق والعيون الجاحظة المذعورة، ~~والتمتمات الخافتة بآيات الكرسي والنفاثات في العقد. ومن حين إلى حين تمرق سيارة طويلة ~~سوداء كسيارة البوليس ومن خلف الزجاج اللامع تلمح الوجوه السمينة باللحم بعيونها الضيقة ~~المتلصصة. # حين يهبط الظلام تعود بخطواتها الواسعة السريعة إلى حجرتها الصغيرة فوق السطح، تسمع صوت ~~أنفاسها اللاهثة كنشيج متقطع، وخيوط العرق تجري فوق وجهها وتحت إبطها، تغلق الباب من خلفها ~~بالذراع الحديدية، وتحكم إغلاق النوافذ، وتتمدد فوق السرير الصاج الصغير تحملق في الظلام. ~~يبرز أمامها الوجه النحيل المرهق، والعينان السوداوان الزرقاوان القادرتان على رؤيتها، تهتف ~~بصوت خافت: «سليم!» لكن أحدا لا يرد. تدرك أنها وحدها فتنهض وتشد اللوحة من تحت السرير، ~~تسندها إلى الجدار، وتلتف أصابعها حول الفرشاة تضغط عليها، وتحس للضغط لذة غامضة تمتد من ~~أصابعها إلى ذراعها إلى عنقها إلى رأسها كأنما خلال سلك كهربي مشدود. # إن من يراها وهي جالسة في الظلام في تلك اللحظة يندهش. عضلات جسدها مشدودة كالمصلوبة، ~~وعيناها السوداوان ثابتتان فوق خطوطها، ورأسها فوق عنقها ثابت، وذراعها ثابتة، وأصابعها حول ~~الفرشاة ثابتة، وساقاها وقدماها ثابتة كتمثال من الجرانيت. # كم من الوقت يمضي وهي على هذا الحال. لا أحد يدري. قد ينقضي الليل كله وهي جالسة لا ~~تتحرك، لا تضيف خطا واحدا إلى اللوحة، لكن عينيها لا تتحولان عن خطوطها، تعيش حياتها ~~مرة أخرى، وتشهد لحظات عمرها وهي تمر أمام عينيها لحظة بعد لحظة، كشريط سينمائي. # وقرب الفجر، تمتد يدها بالفرشاة، تحركها فوق اللوحة، تغير الخطوط وتصنع في حياتها لحظات ~~أخرى، لحظات جديدة هي التي تصنعها بإرادتها، بتلك الحركة الإرادية فوق الورق، في أي اتجاه ~~وفي كل الاتجاهات، ms80 حركة قوية حرة، تحطم بها الإرادات الأخرى، وتصنع بنفسها خطوط حياتها، ~~وشكل ملامحها، وتجعل عينيها أكثر سوادا، وأنفها أكثر حدة وارتفاعا، وشفتيها مزمومتين في ~~غضب أو إصرار أشد. # حين تشعر بالتعب، تترك جسدها يسقط، ويستلقي ممدودا فوق السرير الصاج. يرتجف من البرد تحت ~~الباطنية البالية الوحيدة، تشدها فوق رأسها ومن حول قدميها المثلجتين، وتصطك أسنانها، بذلك ~~الصوت المتقطع الخافت كصوصوة عصفور وليد سقط من عش أمه في أرض عراء ينتفض الانتفاضات ~~السريعة، وعيناه الصغيرتان الدامعتان تلمعان في الظلام بالنظرة اليتيمة المذعورة. # وجرت الدمعة الساخنة من زاوية عينها فوق الوسادة، ~~أحست رطوبتها الدافئة تحت خدها، وأطلت برأسها من تحت الغطاء لترى أمها، الوجه الطويل النحيل ~~كوجهها، والعينان السوداوان الواسعتان، والصدر ذو الدفء السخي. دفنت رأسها في صدر أمها ~~تتشممها، وتبحث في جسدها عن فتحة أو تجويف يحتويها، تكمن فيه بعيدا عن العالم، بعيدا عن ~~القوى المتربصة بها، تقبع كالجنين الآمن، وحنين غريب عنيف للأمان يرج جسدها، حنين للتكور ~~داخل الرحم، داخل الطمأنينة، داخل السكون بغير صوت وبغير حركة. والتفت ذراعا أمها الكبيرتان ~~حولها بقوة غريبة، تشدانها إليها مرة أخرى، وبكل قوتها تحاول أن تجعل جسديهما شيئا واحدا، ~~بلا جدوى فالانفصال الأبدي حدث في لحظة مضت ولن تعود. # بهية! رن الصوت في أذنيها ففتحت عينيها. لم تجد أحدا، وضوء الشمس ينفذ من شيش النافذة ~~المتآكل. وسمعت الطرقات البطيئة التي تأتيها كل صباح من وراء الباب، ورأت الشيخ العجوز ~~بعمامته وقفطانه، والعينين الرماديتين ذاب سوادهما في بياضهما، والأصابع الغليظة السمراء ~~من حول السبحة الصفراء تتحرك بسرعة وانتظام كالرعشة الدائمة، تماثلها رعشة أخرى في شفتيه ~~الرفيعتين الصفراوين، تهسهس وتبسمل وتبسبس بكلمات مبتورة وحروف لا يسمع منها إلا حرف السين ~~طويلا وممتدا كأنه صفير يصاحب الشهيق والزفير. # حين رآها اتسعت الفرجة بين شفتيه الجافتين وظهرت أطراف أسنانه الصفراء المتآكلة، وهمس ~~بصوت كفحيح ثعبان نائم: «هل صحيت؟» # ردت بصوت ضجر: لأ. وأغلقت الباب. سمعت أنفاسه تهسهس من خلف الباب. في زمجرة خافتة، ذكر ~~عجوز ذبح الدخان ms81 صدره، ونزف عمره في فراش أربع زوجات باردات عفيفات أنجبت كل واحدة منهن ~~عددا من الأولاد والبنات، مات نصفهم وتزوج النصف الآخر، ولم يبق معه من زوجاته إلا امرأة ~~عجوز تتسند على الجدران، وتصنع له الشاي أسود، وتعد الجوزة في المساء، وعلى السرير الخشبي ~~الكالح يرقد إلى جوارها، ويدس أصابعه الغليظة بين ثدييها المترهلين، ويهتز جسداهما الضامران ~~اهتزازات واهية، وأنفاسهما الباردة ذات الرائحة الراكدة تلفحها نفحة دفء خافتة، سرعان ما ~~تتلاشى كحشرجة الاحتضار الأخير، وتتركهما فوق السرير الخشبي العتيق كالجثتين ~~الهامدتين. # تلف اللوحة بالورق، وتدلف من الباب الخشبي الصغير بجسمها الطويل الممشوق، وساقيها ~~المشدودتين داخل البنطلون، وتسير في الحارة، القدم تدب وراء القدم، والساق تنفصل عن الساق ~~بمسافة كبيرة مرئية، تحملق فيها عيون رجال الحارة في الدكاكين، وعيون النسوة من فرجات ~~الأبواب وشقوق النوافذ. امرأة هي أم رجل؟ لولا النهدان الصغيران النافران تحت البلوزة ~~لأقسموا أنها رجل. وما دامت هي امرأة فقد أصبحت الحملقة مشروعة، وأصبح جسدها نهبا للعيون ~~الجائعة المحرومة، يبحلقون، ويتهامسون ويتجرأ أحدهم فيضحك شاهقا بصوت داعر، ويعلق آخر بلفظ ~~ناب، ويتشجع أطفال الحارة فيجرون وراءها، يتراقصون بأردافهم، ويكشف الصبيان منهم عن ~~عوراتهم، ويقذف أحدهم بحجر من خلفها، ويضع الآخر يده في فمه ويصفر صفارة طويلة، ويقهقه ~~الرجال الجالسون على المقهى بأصوات مبحوحة ويخبطون أفخاذ بعضهم البعض بكفوف خشنة مشققة ~~كالأرض الظمأى، وتضرب النسوة على صدورهن المتهدلة من خلف النوافذ شاهقات بتلك البحة ~~الأنثوية المكبوتة إلى الأبد: شوفوا الخوجايا! # تشق طريقها بين النظرات والضجيج والتعليقات النابية، ترفع عينيها السوداوين إلى أعلى، ~~وتزم شفتيها في غضب يتحدى القدر. وحين يختفي جسدها في الشارع الواسع تعود الحارة إلى ~~حياتها الطبيعية، وترتفع طلقات الحديد من دكان السمكري، وطرقعات الأكواب والطاولة في ~~المقهى، وصياح الأطفال والصبية وشجار النسوة من وراء الشقوق، وأصوات الرجال الخشنة تقسم ~~بأغلظ الأيمان وبالطلاق بالثلاثة، وتتصاعد رائحة السمك المقلي والفلافل والكشري، وتتراقص ~~حبات السبحة بين أصابع الشيخ العجوز، ويفترش سجادة الصلاة أمام النافذة، وحين يركع يحتك ~~جسده بصوف ms82 السجادة فتجتاحه الرغبة المكبوتة، وتطل عيناه المتآكلتان على الحارة تترقبان ظهور ~~أي جسد ملفوف. # حين أصبحت في الشارع الواسع أحست بضربة الهواء البارد على خديها الساخنتين كالصفعة ~~المفاجئة، تقلصت عضلات وجهها وسرى في جسمها ذلك الإحساس الغريب بالقرب من الخطر. رمقت ~~الشرطي الواقف بطرف عين ثم دخلت إلى المحل الصغير. نزعت الورق عن اللوحة، وابتسم الرجل ~~العجوز كعادته حتى يتأمل لوحاتها، ودس يده المعروقة في جيبه وأخرج ثلاثة جنيهات، عدها ~~واحدا واحدا، ثم ناولها لها وهو يعدها مرة أخرى واحدا بعد الآخر. # خرجت إلى الشارع، فأدركت على الفور أن عينين ترقبانها، وأن قدمين تتبعان قدميها. تسللت ~~إلى أنفها رائحة المخبز، فدخلت والتهمت قطعة الكعك التي تحبها. وقفت أمام الخزينة لتدفع ~~فلمحت العينين الضيقتين من خلفها في المرآة المواجهة. خرجت إلى الشارع. حركت يدها لتنادي ~~تاكسيا ورمقت الساعة فوق معصمها. وقف التاكسي أمامها فركبت. عند ثنية الشارع التفتت إلى ~~الخلف فرأت العينين الضيقتين خلفها داخل تاكسي. هبطت في ميدان العتبة. كانت تعرف أن رءوف ~~وفوزي ينتظرانها في ذلك البدروم، لكنها لم تذهب. ظلت تتجول في شارع الموسكي، تراقب النساء ~~والفتيات وهن يسرن بسيقانهن السمينة الملتصقة، يزحمن الشارع بأجسادهن وأردافهن البارزة من ~~تحت الفساتين اللامعة، وعيونهن المكحلة ترمق الفترينات بنظرات مسعورة، ونهم لشراء الملابس، ~~وقمصان النوم العارية، والشباشب المفتوحة، وأدوات الزينة، والعطور ودهانات البشرة، وأصواتهن ~~الحادة ترن من الدكاكين، وطرقعات اللبان، وشهقات الإعجاب بالمودلات الجديدة، وقعقعات الكعوب ~~العالية المدببة تحت الأجساد المحملة بلفائف المشتريات من كل لون وصنف. # تزم بهية شفتيها في غضب، فالرغبة النهمة للاستهلاك تعويض عن الحرمان الأبدي، والعيون ~~المتأججة بالشبق من تحتها برود كالصقيع، والشعور المتموجة كالحرير من تحتها مخ أملس كمخ ~~الأرنب لا يعرف من الحياة إلا الأكل والتناسل. # خرجت إلى الشارع الواسع حين بدأت الشمس تغرب. ~~واكتست السماء والأرض والبيوت والأشجار بحمرة شاحبة يزداد شحوبها لحظة بعد لحظة كوجه يضيع ~~منه الدم في احتضار طويل بطيء، ثم أضاءت مصابيح الشارع، وانعكست مئات من دوائر الضوء الأبيض ~~على ms83 الأسفلت وفاترينات المحلات وزجاج العربات ووجوه الناس، وتألق كل شيء في النور الأبيض، ~~وسمعت صوت ضحكة ناعمة ورأت فتاة تتأبط ذراع شاب، وذراعه الأخرى تحوطها. ابتسمت لهما وسرى في ~~جسدها المرهق إحساس مفاجئ بالنشاط. ملأت صدرها بهواء الليل الرطب، ولمعت عيناها السوداوان ~~كفصين من الماس، تراقبان في سرور الأطفال كور النور المعلقة فوق المحلات كالبالونات ~~الملونة، والعربات تجري فوق الأسفلت اللامع، وزجاج النوافذ يبرق كالمرايا، والناس بملابسهم ~~الزاهية يتحركون في الضوء الأبيض كأسراب من الغزلان، وأطلق طفل صاروخا صغيرا تطاير في ~~الجو كملايين الذرات اللامعة الملونة. # سمعت صوت ضحكتها ترن في أذنيها كضحكتها وهي طفلة، وكادت تقفز فوق الأرض قفزات الأطفال، ~~لكنها رأت العينين الضيقتين أمامها. استدارت فرأت عينين أخريين تراقبانها، انحرفت إلى ~~الشارع الجانبي عن يمينها فإذا بالعينين تسدان عليها الطريق، اتجهت بسرعة إلى الحارة ناحية ~~اليسار فبرز لها من الظلمة جسد الشرطي السمين بأزراره اللامعة والسلاح المدبب يتدلى من ~~حزامه الجلدي. # توقفت. تلفتت حولها بحركة سريعة. تلك الحركة حين يصبح الإنسان مهددا، وقوى معلومة ~~ومجهولة تتربص به، تنتهز الفرص لتقضي عليه. هذه الحركة السريعة في العينين، في كل ~~الاتجاهات، تبحث عن اليد التي ستطعن من الخلف أو من الأمام أو من الجانب الأيسر أو الأيمن، ~~وهذه الحركة الدائبة في الرأس، كل خلية في الرأس تتحرك، تفكر، كيف ينجو الإنسان من الخطر ~~المتربص، كيف يحمي جسده من الطعنات، ويحمله بعيدا في حذر، هذه الانقباضة الحذرة في ~~العضلات، هذه الدقة القلقة في الصدر، دقة الدم الصاعد الهابط، تلك الحركة السريعة المنتظمة ~~أبدا، دقة القلق، ومعها دقة الإحساس بالحياة وأصابعها الطويلة الرفيعة ترتعش رعشة سريعة ~~غير مرئية، وقدماها ثابتتان فوق الأرض، وخطوط جسدها ثابتة، ذلك الثبات القوي، ثبات الأرض ~~تحت قدميها، لكن تحت هذا الثبات حركة سريعة محسوسة، كذبذبات الهواء في الأذن، وذبذبات الدم ~~تحت جدران الشرايين، ذبذبة سريعة تبدو من الخارج ساكنة، ولكن تحت هذا السكون تختفي الحركة ~~العنيفة المروعة، حركة الصراع بين المقاومة والاستسلام، الحركة الوحيدة التي يدرك بها ms84 ~~الإنسان الفرق بين حياته وموته . لحظة رهيبة، وبقدر ما ترهبها تعشقها، وبقدر ما تهرب منها ~~تسعى إليها، فهي اللحظة الوحيدة التي تدرك فيها أنها حية حقيقية، والإحساس بالحياة لا يحدث ~~إلا في مواجهة الموت، كالأبيض لا يكون أبيض إلا في مواجهة الأسود. # انفرجت شفتاها عن ابتسامة، ولمعت عيناها بالبريق، فهذه اللحظة هي هدفها، كانت تريدها من ~~البداية، وتسير نحوها بثبات وإصرار، تدرك أنها لا تسير إلا إلى الخطر، حافة الخطر تلك ~~المساحة الصغيرة التي لا تتسع إلا لقدة واحدة، معلقة في الفضاء، من فوقها السماء ومن تحتها ~~الهاوية السحيقة، ويصبح الإنسان مشدودا بين قوتين رهيبتين، قوة تشده للسقوط في القاع وقوة ~~تشده للانطلاق في السماء. # عن يقين كانت تعرف أنها لن تسقط في القاع. لن تستسلم. لن تكون بهية شاهين، ولن تعود إلى ~~الوجوه العادية، ولن تغرق في بحر الأجساد المتشابهة أو تسقط في قبر الأيام العادية. # رفعت عينيها السوداوين إلى أعلى، وشدت عضلات ظهرها وساقيها، وتقدمت نحوهم بخطوتها ~~الواسعة، تدب كل قدم على حدة فوق الأرض، وتفصل بين ساقيها بثقة وحرية. حين أصبحت أمامهم ~~وجها لوجه قالت بصوتها الهادئ الواثق: هيا بنا. # تقدم نحوها أحدهم، ووضع الحديد حول معصميها وقفله بمفتاح وضعه في جيبه. سارت أمامهم ~~بخطوات سريعة، عيناها تسبقان قدميها تبحثان بين الوجوه عن الوجه النحيل والملامح المرهقة ~~المحملة بهموم البشر، والعينين القادرتين على التقاط وجهها من بين الوجوه وانتشال جسدها ~~من بين ملايين الأجساد السابحة في الكون. # وحين رأته أمامها صاحت بصوت فرح كصوت الأطفال: سليم! # ومدت ذراعيها لتلتفا حوله، لكن ذراعيها لم تمتدا، وارتعشت يداها من تحت الحلقة الحديدية ~~المغلقة. ms85