######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.InnahuDam.Hindawi49386150 #META# Tags: novels #META# ID: 49386150 #META# Title: إنه الدم #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # دماء في ميدان التحرير‏ # تشريح الجثة‏ # سعدية وفؤادة في السجن‏ # شاكر‏ # مع التيار‏ # في بيت رجل‏ # الفصل من الجورنال‏ # كوكب الكميلي‏ # بدرية‏ # قرار الزواج‏ # كاتبة فقط‏ # حميدة‏ # سعدية‏ # على شاطئ الإسكندرية‏ # الشيخ متولي‏ # الإجهاض‏ # منصب جديد‏ # الأرق‏ # في السجن‏ # محظورات‏ # هنادي‏ # داليا‏ # في الكافيتيريا‏ # كوكب‏ # الحب الثاني والثالث‏ # الأمل الوحيد‏ # اللحظة الخاطفة‏ # في الخيم‏ # القاهرة أم نيويورك‏ # اللقاء‏ # هدف واحد‏ # خيمة الأم‏ # تأنيب ضمير‏ # ثمن الكتابة‏ # دماء في ميدان التحرير‏ # تشريح الجثة‏ # سعدية وفؤادة في السجن‏ # شاكر‏ # مع التيار‏ # في بيت رجل‏ # الفصل من الجورنال‏ # كوكب الكميلي‏ # بدرية‏ # قرار الزواج‏ # كاتبة فقط‏ # حميدة‏ # سعدية‏ # على شاطئ الإسكندرية‏ # الشيخ متولي‏ # الإجهاض‏ # منصب جديد‏ # الأرق‏ # في السجن‏ # محظورات‏ # هنادي‏ # داليا‏ # في الكافيتيريا‏ # كوكب‏ # الحب الثاني والثالث‏ # الأمل الوحيد‏ # اللحظة الخاطفة‏ # في الخيم‏ # القاهرة أم نيويورك‏ # اللقاء‏ # هدف واحد‏ # خيمة الأم‏ # تأنيب ضمير‏ # | إنه الدم # | إنه الدم # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع ~~كتابة مقدمة من نصف صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، ~~تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم بدورة الأرض حول نفسها، أو ~~دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو ~~لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في ~~أي مكان فوق كوكب الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى ~~الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال الغياب، أراها أمام باب بيتي، ~~بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، ~~متينة العجلات قوية العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها ~~وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة ~~الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات ms001 ، مليئة بالكتب ~~وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من ~~البلاستيك الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون ~~الاجتماعية ومصلحة السجون وإدارات الرقابة على النشر والكتابة ~~والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في ~~جواز سفرها، يبتسم في وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق ~~بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت القائمة السوداء إليه قبل ~~عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب ~~الجهاد أو داعش أو حزب الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ~~ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي؛ حيث تلتقي بأنواع مختلفة من ~~البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب بالجنون ~~أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، ~~اكتسب ثقافة نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك ~~أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى ~~محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو الطبقة العليا، ~~يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على ~~رأسها الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس ~~العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت ~~في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول مادة أو أول كتلة ~~مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور ~~الباشوات القدامى والجدد في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم ~~طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي والطعام الفاخر الذي يبتلعه ~~سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة ~~عن المماليك والأتراك، كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف ~~من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى له وهو صغير أن الله خلق ~~للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ms002 ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا ~~منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، ~~والزلازل تهز الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا. ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف ~~وخمسميت سنة أو أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة ~~وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو الطب والهندسة والفلك، واكتشف ~~أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، ~~واعتبرته الكنيسة الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن ~~جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها ~~وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد والخيانة؛ لأنه ~~بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة ~~لا تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات ~~فقير مسكين معزول في بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوه يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور ~~يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري ~~بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة ~~الحجر الصحي بالمطار بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة ~~والمخابرات، ثوبها مكرمش ms003 وشعرها منكوش، نامت على الكرسي وإلى جوارها ~~الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد ~~الصباحات، دون سابق إنذار، يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك ~~يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين والمعتقلات بمناسبة ~~العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، ~~يصحو الناس في الصباح الباكر ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على ~~شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم في المنتجعات الجديدة على شاطئ ~~البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل ~~الأخضر والملانة والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية ~~والخصوصية الثقافية وتاريخ الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا ~~تحتفل بالأعياد، وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها ~~السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- إنتي اللي مش معقولة. ~~- إزاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | دماء في ميدان التحرير # إنها مدينة القاهرة، تبدو للعين الكليلة مساحة لا متناهية من شيء ~~يشبه الأسمنت له لون الرماد، يشقها مجرى رفيع رمادي يتلوى تحت كتل ~~الأسمنت على جانبيه، يعلوها دخان وبخار وقتام ورمال، وغبار يهب ~~ويتجمع من فوقها على شاكلة سحابة سوداء، إنه الشتاء أيضا والشهور ~~والليالي التي يهب فيها الناس من النعاس ويراق فيها الدم. # جلست فوق حجر بجوار خيمتها، كانت تلهث قليلا، الزحام شديد، لا مكان ~~لقدم، الملايين من المتظاهرين خرجوا إلى الشوارع والميادين، الهتاف ~~يدوي: يسقط النظام. # خلعت شالها الصوفي الأخضر من حول كتفيها، فرشته فوق الحجر لتجلسها، ~~كانت تجاهد للوقوف، تشد عضلاتها، تقاوم الانحناء، يعود قوامها إلى وضعه ~~المستقيم، عظام ظهرها قوية متينة، لها قوة أربعين رجلا وعشرين حصانا، ~~كما ms004 كانوا يقولون عنها ، لكنها لم تعد شابة، وليست كهلة، كلمة عجوز لا ~~تنطبق عليها، لا أحد يعرف عمرها. # منذ العاشرة صباحا حتى الثانية بعد الظهر كانت تمشي في جوارها وسط ~~الصفوف، خمس ساعات وأكثر، من الجنوب إلى الشمال، فوق الكباري القديمة ~~والجديدة التي تجتاز النيل، كوبري الجيزة، كوبري الجامعة، كوبري ~~الجلاء، كوبري قصر النيل، كوبري 6 أكتوبر، الزحام شديد فوق الكباري وفي ~~الشوارع، في المدن والقرى، في كل المحافظات، الملايين من المتظاهرين ~~يهتفون: يسقط النظام. فوق الحجر الذي وضعت عليه شالها الصوفي الأخضر ~~أجلستها، لم يعد البريق في عينيها كما كان، بصرها لا يزال قويا ~~حادا، كانت ترى من بعيد مثل زرقاء اليمامة، البؤبؤ الأسود كبير ~~لونه كلون الليل، لم تورثني سواد عينيها ولا بشرتها السمراء، ورثت ~~بشرتي البيضاء من أبي، ولون عيني من عينيه الخضراوين، وقصر نظري من ~~قصر نظره أيضا الذي يسمونه «مايوبيا»، وقد كان أبي يضع نظارة طبية ~~منذ طفولته، خلعت نظارتي بعد اكتشاف العدسات اللاصقة، عيناي خضراوان ~~لونهما لون الزرع، تلمعان في مرآة حقيبتي، كعيون القططة، كان أبي ~~يسميني القطة المتوحشة، لاحظت أنها تلهث وريقها جاف، وقد لاحظت ~~حالتها قبل أن تلحظها هي، أخرجت من حقيبتها زجاجة ماء معدنية صغيرة، ~~ناولتها إياها إذ كان معها سندويتش جبنة بيضاء مع شرائح صغيرة من ~~الطماطم، التهمتها بشهية الأطفال وشربت الماء كمسافر جف حلقه في ~~الصحراء، قالت رافعة وجهها نحوها: «تعيشي لنا يا أمي.» أشرق وجهها ~~بالابتسام، خلعت الشال الأخضر، والبلوفر الصوفي السميك، بسطت ~~ذراعيها الطويلتين كالجناحين، وصفقت في الهواء كما كانت تفعل وهي ~~طفلة منذ العاشرة من عمرها، أترى هذه اللحظة في الحلم؟ هؤلاء الملايين، ~~النساء، الشباب، الشابات، الرجال، الأطفال، العجائز، هذه الوجوه من ~~كل الأعمار والأشكال والبقاع، ملايين، الملايين تملأ الشوارع ~~والميادين، أصواتهم تدوي في صوت واحد، يهز عرش الأرض والسماء ~~بكلمتين اثنتين: يسقط النظام! تلاشت خطوط الزمن فوق جبينها، ~~انقشعت السحابة والتعب، عاد البريق إلى عينيها، ألقت البلوفر والشال ~~وحقيبة يدها إلى الأرض، وانطلقت وسط الملايين ms005 تهتف معهم: يسقط النظام . ~~الكلمتان تخرجان من بين شفتيها مع الشهيق والزفير، كأنما في السماء ~~آذان تلتقط الصوت، وآذان الأرض أيضا في جهاز أمن الدولة، ينشق الكون ~~عن عساكر جيش وبوليس ملابسهم عادية، بعضهم بالجلابيب والشوارب واللحى ~~الطويلة، يحملون البنادق والسياط والنبال، هجموا على ميدان التحرير، ~~داسوا الناس بالحوافر والعجلات، أطلقوا النيران والغازات، ارتفع الغبار ~~في السماء مع الدخان وكرات من النار، زجاجة الماء تطير من يدها، هي ~~نفسها تطير مع الزجاجة وتسقط على الأرض فبدت لها دماء حمراء. # دماء أمها تنزف فوق الأسفلت في ميدان التحرير أمام عينيها، كما ~~نزفت فوق الأسفلت في السجن، أحاطتها بالشال الصوف الأخضر، البلوفر ~~الأزرق أصبح لونه كلون التراب، قميصها الأبيض يغرق في الدم، حملوها إلى ~~الخيمة، غطوها بالبطانية الصوف، تضاعفت الملايين، طافت التظاهرات في ~~الشوارع والميادين، الهتاف يدوي: يسقط النظام. في وسط الصفوف كانت ~~تمشي منذ دقائق، كان يبدو عليها الإعياء، لكنها تمشي، تمد عنقها إلى ~~الأمام وتمشي، ترفع ظهرها وتمشي، أخذتها أمس إلى دورة المياه، دخلتا من ~~الباب الخلفي للميدان، كان زحام من كائنات تختفي كل منهن تحت خيمة ~~سوداء، واقفات في بركة مياه تتسرب من تحت أبواب المراحيض، ناولتها ~~إحداهن منديل ورق وقالت: ليه راسكم عريانة؟ # ردت: ليه راسكم اختفت؟ # انتفضت خيمة سوداء وخطفت منديل الورق من يدها، حاولت منعهما من ~~الدخول لكنها دفعتها بيدها القوية، فسحت في الطريق لأمها كان الزحام ~~شديدا، بعض المراحيض معطلة طافحة المجاري، غاص حذاؤها في المياه، ~~براز يطفو على السطح، امرأة تغسل يديها من كوز صفيح، الرائحة غير ~~محتملة، همست أمها: أرجوك لنخرج من هنا. رمقتهما النساء المتنقبات ~~بعيون غاضبة. # بصقت واحدة ناحيتهما وصاحت: كلكم في الجحيم والثعبان الأقرع ~~يضربكم بذيله في أعماق قبوركم. قالت لها: أنتم الجحيم فوق الأرض. ~~رجال من ذوي اللحى الطويلة كانوا عند المدخل، يرتدون جلابيب بيضاء ~~متسخة بالطين والتراب، يشمرونها حتى الركب، يحمل كل منهم خيزرانة ~~ومطواة من قرن الغزال مختفية في جيب سرواله، تتركز عليهما الأضواء، ~~اقترب أحدهم منها ms006 ولسعها فوق ظهرها بالخيزرانة ، شدت منه العصا ~~وضربته على ظهره، انضم إليه رجل آخر يتحرش بها، نزعت أمها العصا ~~من يده وانهالت عليه ضربا، لم تكن ضرباتها قوية، ابنتها في ريعان ~~الشباب، تقدم أربعة رجال نحوها ينزعون عنها ثيابها، تمتد أياديهم بين ~~نهديها وساقيها، انقضت الأم عليهم كالجبل يسقط فوقهم، استعادت ~~قوتها القديمة، مارد نائم في أعماقها لا يصحو إلا عند الخطر، أنقذت ~~ابنتها من بين أيديهم، والهتاف يدوي: يسقط النظام. جلست تحت خيمتها ~~في الميدان حين هبط الظلام، كان لها خيمة من قماش أزرق هو قلع مركب، ~~يلجأ إليها الشباب والشابات للراحة بعد التعب، يتناولون شيئا من ~~الطعام أو الماء، يجلسون ويتحدثون حتى الفجر، كان منهم جلال أسعد ~~وفؤادة وسعدية وهنادي وداليا وحميدة وبدرية البحراوي، ينصرفون إلى ~~بيوتهم قبل هجمات البوليس، وقد يبيتون في الخيمة أيام الاعتصامات مع ~~أمهات الشهداء والشهيدات، قتل الآلاف بالرصاص الحي أو الغازات أو ~~التعذيب، لم تعثر الابنة على جثة أمها، ولم تعثر الأم على ابنتها، كانت ~~الجثث تختلط بعضها ببعض، تتلاشى الفروق بين البشر، يساوي الموت بينهم، ~~تهمس في الليل أصوات مبحوحة: لو أشوف ابني بين الجثث؟ مش عارفة عايش ~~والا ميت؟ لو أشوف أمي بعيني في المشرحة يمكن النار في قلبي ~~تبرد! # مش عارفة جثة بنتي راحت فين؟ # في مشرحة زينهم الزحام شديد، الموتى أكثر من الأحياء، يدخل رجل ~~يرتدي ملابس عسكرية، ينحني له الدكتور المدير، يناوله ورقة رسمية ~~ويخرج مسرعا، رائحة الموت نفاذة، فوق منضدة جثة يشرحها طبيب، ~~ملامح الميت تشبه ملامح الطبيب، يدخل رجل يرتدي بذلة مكوية أنيقة ومن ~~حوله حرس ينادونه سعادة الباشا، أحدهم يدس في يد الطبيب ورقة من مائة ~~جنيه، تسري حمرة خفيفة في الوجه الخالي من الدم، يتقاضى الطبيب ~~9 جنيهات لتشريح الجثة الواحدة حسب اللائحة، ويتقاضى مساعده 125 قرشا، ~~تقدمت الأم بظهرها المنحني من الممرض متوسلة إليه: فين بنتي؟ # لم يكن في جيبها إلا ثلاثة جنيهات، دفعها الممرض بيده القوية خارج ~~المشرحة، ممنوع الدخول هنا، مفهوم؟ ms007 لكن الابنة الشابة دفعت الممرض ~~بيدها القوية ودخلت إلى المشرحة تزعق: يا لصوص، يا مرتشين، يا مزوري ~~التقارير. وكان الممرض أيضا يبيع الجثة لطلبة كليات الطب بالقطعة، ~~يتقاسم المدير والطبيب والممرض الدخل اليومي كل حسب درجته في الكادر ~~الحكومي. # | تشريح الجثة # خرجت التظاهرات تطالب بالقصاص من القتلة. # نشرت الصحف: # أدلى الدكتور الطبيب الشرعي الذي شرح جثة جلال أسعد ~~بأقواله أمام نيابة قصر النيل، قال: إن الوفاة نتيجة حادث ~~تصادم وليست بسبب تعرض المتوفى للتعذيب، مشيرا إلى أنه ~~عثر في الملابس على آثار احتكاك بجسم حديدي ولا توجد آثار ~~ضرب، وواجه مدير النيابة الطبيب الشرعي بأقوال الشهود ومنهم ~~الكاتبة الصحفية المعروفة كوكب الكميلي، قالت إن المجني عليه ~~توفي نتيجة تعذيبه من قبل ثلة من ضباط البوليس داخل ~~معسكر الأمن المركزي بالجبل الأحمر، لكن هذه الكاتبة الصحفية ~~غيرت أقوالها لاحقا، وأقوال عامل موقف الحافلات بميدان عبد ~~المنعم رياض، الذي قال إنه شاهد سيارة ميكروباس متجهة إلى ~~كوبري 6 أكتوبر تصدم جلال أسعد، بالإضافة إلى أقوال الممرض ~~المسعف وسائق سيارة الإسعاف التي نقلت جلال أسعد، قال الاثنان ~~إنهما في أثناء وقوفهما في نقطة التمركز أمام المتحف المصري، ~~أخبرهما شخص يستقل دراجة بخارية بوجود جثة شاب صدمته سيارة ~~ملاكي مسرعة أمام مطلع كوبري 6 أكتوبر. أمرت نيابة قصر النيل ~~بتشكيل لجنة ثلاثية لإعادة تشريح الجثة بناء على طلب محاميه، ~~بعد معارك مع النيابة ومصلحة الطب الشرعي، حصل المحامي على ~~نسخة من تقرير الطب الشرعي، الذي أكد أقوال النيابة وأن ~~جلال أسعد لم يقتله التعذيب، بل مات فجاة في إثر حادث ~~سيارة. # قذفت أم جلال أسعد عربة البوليس بالحجارة، ومن خلفها الأمهات والشباب ~~والشابات مزقوا معطف الطبيب الشرعي وهم يصرخون: يا مجرمين يا لصوص. ~~وانطلقت الملايين في التظاهرات وهي تهتف: يسقط النظام! # أصبحت خيمتها في ميدان التحرير هي البيت والمسكن، كانت مرهقة من ~~السير في التظاهرات، قلبها ثقيل، أمها نزفت حتى الموت، الآلاف من ~~الشباب قتلوا بالرصاص، والآلاف ماتوا نتيجة التعذيب في المعسكرات، ~~والآلاف فقدوا ms008 أبصارهم، كانت الرصاصة تنطلق من القناصة مباشرة إلى ~~عيونهم، تختلط الجثث بعضها ببعض، لا تستطيع العودة إلى البيت ولا تريد ~~أن تعود، خيمتها أصبحت بيتها، تتمدد فوق الأرض فوق كليم من وبر الجمال ~~السميك، تتغطى ببطانية من الصوف الرصاصي، تطل من فتحة الخيمة إلى ~~السماء، سوداء قاتمة بلا قمر ولا نجوم، الميدان هدأ قليلا بعد يوم ~~عاصف، أنين المصابين يأتيها من مستشفى الميدان في الناحية الأخرى، فتحت ~~عينيها في الظلمة، رأت طيف أمها جالسا عند باب الخيمة كأنما ~~يحرسها، بدا الحلم حقيقة: ليه جيتي يا أمي؟ ~~- قلقت عليكي يا بنتي. ~~- الخيمة باردة عليكي. ~~- الخيمة أدفا من البيت. # جلست في جوارها فوق الكليم، أحاطت كتفيها بشالها الأخضر، همست في ~~أذنها، سامحيني يا أمي، كذبت عليك، كنت خائفة منهم، كنت في حاجة إلى ~~أن أنسى، النسيان يشفي الألم لكن منذ أن رأيت دمها فوق الأسفلت بدأ ~~عقلي يصحو وذاكرتي تعود، خافتة كالهواء، تتسرب قطرات ضوء من وراء ~~سحابة سوداء، دم فوق الأسفلت في السجن، يشبه الدم فوق أسفلت ميدان ~~التحرير، يشبه الدم فوق ملاءة السرير، دمي ودمك وكل الدماء المراقة ~~أمام عيني، حياتي مرت مثل الحلم، الأرض في الميدان صلبة كالرخام، لا ~~أشعر بالألم، جسمي شبه مخدر، ليلة باردة كالصقيع، أرقد فوق الأسفلت، ~~البرودة لا تصل إلى جسمي، كبرودة البحر في الحلم أسبح فيه ولا أبرد ولا ~~أغرق، مع أنني عارية ولا أعرف السباحة، صوتها كتلك الأصوات التي نسمعها ~~في الأحلام، تأتي من بعيد مع أنها قريبة، أو تأتي من قريب وهي بعيدة، ~~قد تأتي من السماء أو من بطن الأرض، أو من السقف، أو تأتي من كل الجهات ~~كهواء يملأ الأذن، لكنه ليس هواء بل صوت حقيقي أسمعه، وامرأة حقيقية ~~من لحم ودم ترقد في جواري على الأرض، غادرت أمي الخيمة، لا أعرف أين ~~ذهبت، ربما إلى دورة المياه، لم يعد في مقدورها أن تحبس البول ساعات ~~طويلة، ضعفت عضلات الحوض والمثانة، تتسرب القطرات من بين ساقيها قبل ~~أن تصل إلى ms009 المرحاض، أردت أن أذهب معها إلى دورة المياه ، على بعد ~~خطوات، عند البوابة الخلفية، لكن النوم غلبني، لم أرها في الظلمة وهي ~~تغادر خيمتنا، تصورت أنها راقدة في جواري وأنا أحكي لها، لم أكن ~~أحكي لك يا أمي، غيابك يشجعني على البوح، الثورة كسرت حاجز الخوف، ~~كنت أخاف ألسنة الناس أكثر من الموت، ظل الخوف ينمو معي، عشت الجحيم ~~فوق الأرض، والجنة لم تكن تحت قدميك بعد موتك، الأرض، الأسفلت تحت ~~ظهرك العاري، كان الأسفلت صلبا باردا كالثلج في شهور الشتاء، جسدك ~~كان ساخنا ملتهبا يحوط جسدا أكثر سخونة والتهابا، داخل رحمك، جسد ~~آخر ينمو ويشرب دمك، تشربين السم وتشرفين على الموت، وتبقى هي في ~~رحمك متشبثة بالحياة، تنتصر إرادتها على إرادتك، هل كرهت ابنتك ~~لأنها جاءت إلى الدنيا بالرغم من إرادتك؟ لم ترغبي قط في الحمل، لكنها ~~المصادفة؛ سقطت الحبة من يدك وأنت تضعينها في فمك، أشياء صغيرة مثل ~~حبة من حبوب منع الحمل قد تفجر الكون، الكون حدث مصادفة، الانفجار ~~الكبير، تحبل الأمهات مصادفة، الحب لا يحدث إلا مصادفة، كل شيء صادق ~~يحدث مصادفة، الجرائم تقتضي التخطيط والتربص وسبق الإصرار، جاءك ~~المخاض في الليل، كما يأتي الأمهات دائما في الظلمة، كتمت الأنين كي ~~لا توقظي الجميع، لا يوقظ النساء في السجن أي صوت، تنام الواحدة منهن ~~كالجثة الهامدة وهي تحلم بالموت، دسست في فمك طرف ملاءتك، ضغطت ~~عليها بأضراسك تسحقين الصرخة، كنت راقدة على الأسفلت فوق ظهرك، فاتحة ~~فخذيك، ضاغطة بيدك اليمنى على بطنك، على رأس الجنين، يتقلص جدار ~~بطنك تحت كفك فتضغطين أكثر، يقل الألم بازدياد الألم، بيدك اليسرى ~~تضغطين على الأرض، ترفعين جسمك قليلا، تضغط عظام ظهرك على الرحم، ~~تكتمين الهواء في صدرك، ويضغط الهواء على بطنك، يختنق الجنين بالضغط، ~~من فوق ومن تحت، يقاوم الاختناق فتشق المولودة طريقها برأسها الصلب، ~~خارجة إلى الهواء عبر قناة المهبل، تتلوى فوق الأسفلت غارقة في الدم، ~~قطعة لحم نازفة ساخنة من فلذة كبدك، تلفين جسدها الملتهب بالبطانية ~~الصوف، تفوح ms010 منها رائحة السجن، مزيج من دموع قديمة ودماء جديدة، نحل ~~صوفها الرخيص بمرور الزمن، تغير لونها من سواد الرصاص إلى حمرة الدم ~~الجديد، ومن البياض إلى صفرة البول والدموع القديمة، في الصباح ~~حملتها فوق صدرك، وضعتها في الطشت في غرفة التنظيف، جففتها بملاءة ~~السرير، نظرت إلى عينيها الخضراوين وأطلقت زغرودة متحشرجة ~~قصيرة، هي غير الصفارة الحادة الممدودة التي يسمونها الزغرودة، والتي ~~تطلقها النسوة، بأفواههن وأنوفهن وأصابعهن، في الأفراح والمآتم. # في الصباح بحثت عنك في الخيام، في دورة المياه بالميدان، الرائحة ~~هناك تشبه رائحة السجن، الظلمة شديدة، انزلقت قدمي في المياه الطافحة، ~~كدت أسقط لولا سرعة جسمي الذي استعاد توازنه تشبثا بالحياة، الموت ~~يتربص في هذا المكان، سرت في جسدي قشعريرة، أجسمك غارق في مياه ~~المجاري، أم هو جسمي ممدود أمامي؟ لا أفرق بين جسدي وجسدك، لا أرى ~~إلا بعض أجسام ملفوفة بالبطانيات من الرأس إلى القدمين، أصوات ~~الشخير من الأنوف تختلط بأصوات الخرير من الصنابير، لم تكوني في أي ~~مكان، الدنيا كلها خلت منك، كأنما مات الكون. # | سعدية وفؤادة في السجن # تلقت أمي تربية في البيت والمدرسة يسمونها التهذيب، لا تفعل ما ~~تفعله النسوة الأخريات، لا يدخل السجن إلا القاتلات أو المومسات أو ~~الشحاذات أو المتهمات بتجارة المخدرات أو السرقة، غالبيتهن من الفقيرات ~~المطحونات الحالمات بالجنة بعد الموت، لا يدخل السجن من النساء ~~المتعلمات غير الحالمات بالجنة إلا القليل النادر، الجريمة غالبا ~~تندرج تحت بند السياسة، والثورة لقلب نظام الحكم، كانت هي أيام الثورة، ~~من أجل الحرية والعدل والكرامة، بعضهم يقول إنها انتفاضة وليست ثورة، ~~والشباب بلطجية وليسوا ثوارا، والشابات عاهرات ولسن ثائرات، شارك أمي ~~وأبي في الثورة، كان عمري أربعة شهور داخل رحمها وهي تسير مع ~~المتظاهرين، تهتف معهم: يسقط النظام. رأسها شامخ مرفوع، طويلة القامة ~~ممشوقة الجسم، تمارس رياضة الفولي بول والسباحة، انتفاخ الحمل تخفيه ~~قوة عضلات البطن، تبدو في التاسعة عشرة، على الرغم من بلوغها الخامسة ~~والعشرين، عقلها يكبر عمرها بعشرين عاما، أبي يسير في جوارها، لكن ms011 ~~رأسها يرتفع عن رأسه ثلاثة سنتيمترات، عظام ظهرها مشدودة أكثر، بشرتها ~~أشد سمرة تشوبها حمرة الشمس، ورث أبي بشرته البيضاء من أبيه وانحناءة ~~خفيفة لفقرات الظهر، صلعة صغيرة مبكرة في منتصف رأسه، يسيران، يده في ~~يدها، متساويين، كتفها إلى كتفه، لا تعلو كتفها إلا ثلاثة سنتيمترات، ~~تجمع الملايين من الناس في ميدان التحرير الذي أصبح كالدار الكبيرة ~~تضم مئات الخيام، انقضت عليهم عربات البوليس البوكس، حطمت خيامهم، ~~حملت بعضهم إلى السجون، وسقط بعضهم الآخر بطلقات الرصاص، لم يعرف أحد ~~من مات ومن اختفى ومن في المشرحة ومن في السجن، كان المشهد يتكرر، خرجت ~~مع أمي من السجن، بلغت من العمر عامين، تعلمت المشي حافية القدمين على ~~الأسفلت، لا أحس ببرودة الأرض أو بسخونتها، لا تخترق جلدي مسامير ولا ~~قطع زلط، لا أبكي من جوع أو مغص، تتركني أمي أزحف أمام العنبر، ألتقط ~~مع الطيور فتات الخبز أو حبوب الفول والعدس، أزقزق مع العصافير في ~~الصبح، ترن ضحكتي في فناء السجن، تتجمع المومسات من حولي والقاتلات ~~وبائعات المخدرات والشحاذات وكل المسجونات، تحملني كل واحدة فوق صدرها ~~وهي تضحك، أحس بالأنين تحت ضلوعها، عرفت دقة الفرح في الصدر من دقة ~~الحزن، قبل أن أبلغ الثالثة من عمري! # حملتني أمي فوق صدرها لدى خروجها من السجن، خرجت معنا امرأة كانوا ~~يسمونها سعدية القتالة، طويلة القامة سمراء البشرة تكاد تشبه أمي، في ~~السجن ولدت ابنتها، أناديها هنادي وتناديني داليا، كنت ألعب معها على ~~الأسفلت، أمي وأمها تتحدثان كأنهما صديقتان، أمي تناديها سعدية وهي ~~تنادي أمي الأستاذة، بلاش حكاية الأستاذة دي يا سعدية. ~~- يا ست فؤادة، العين ما تعلاش عن الحاجب. ~~- عين إيه وحاجب إيه كلنا ولاد تسعة. ~~- ولاد بس؟ وفين البنات؟ ~~- غلبتيني يا سعدية. ~~- عليكي واحد يا أستاذة. # وتدوي قهقهاتهما في أرجاء السجن ناشرة عدوى الضحك بين النساء. # في مكتب السجان تدوي الضحكات، تهتز أرجل الكرسي تحت أليتيه السمينتين ~~من طول الجلوس وراء المكتب، وأكل الدهن والمداهنة، فوق رأسه تهتز ~~الصورة داخل البرواز، تتقلص ms012 عضلات الوجه المربع، ينتصب شعر رأسه ~~المصبوغ بلون أسود كالليل. ~~- إيه اللي بيحصل ده؟ ~~- مافيش حاجة يا معالي الباشا. ~~- أنا سامع هتاف ضدي يا حمار؟ ~~- شوية نسوان بيضحكوا يا فخامة الرئيس. ~~- كده؟ طيب سيبهم يتسلوا. # خرجت سعدية وابنتها من السجن إلى غرفة في الزقاق وراء القبور، كانت ~~تعيش في هذه الغرفة مع زوجها قبل أن تقتله، ناولتها أمي ورقة صغيرة ~~كتبت عليها عنوان بيتنا، أصبحت سعدية تأتي إلينا كل يوم من الساعة ~~السابعة صباحا إلى الخامسة مساء ما عدا الجمعة وأيام الإجازات، تقول ~~عنها أمي إنها شغالة محترمة وليست خادمة، كانت أمي تسكن في شقة صغيرة ~~بعمارة جديدة في شارع التحرير، كان اسمه شارع الملك ثم تغير الاسم مع ~~تغير الزمن، استأجرت أمي هذه الشقة قبل أن تتزوج أبي، عادت إلى عملها ~~في الجورنال بعد خروجها من السجن، كانت لي غرفة فيها سرير من الخشب، ~~لونه بني أدكن، وخزانة ملابسي ومكتبي من اللون ذاته، فوق الجدار صورة ~~لرجل له شارب أسود، عيناه خضراوان لامعتان، تطلان من تحت جبهة عالية ~~وحاجبين كثيفين، شفتاه مطبقتان بعضلات قوية تنم عن الإرادة والتصميم، ~~كانت أمي تقول إن أبي كان في عداد الثوار، لكن. لكن إيه يا ~~ماما؟ # تسكت أمي، تبتلع دموعها في صمت، أرهف أذني لصمتها، أحاول أن أعرف من ~~هو أبي وماذا كان؟ أتأمل ملامح وجهه في ضوء النهار، في الليل أحدق إلى ~~صورته تحت ضوء اللمبة، تتغير النظرة في عينيه مع تغير الضوء والمكان ~~الذي أقف فيه، أمام خزانة الملابس أو وراء مكتبي، تبدو نظرته قوية ~~ثائرة مستقيمة، وأحيانا تبدو هادئة ملتوية مستكينة، بلغت الثامنة من ~~عمري، يوم دق جرس الباب، عرفت أنه أبي الذي يدق الجرس؟ كيف عرفت؟ لم ~~أره في حياتي ولم أسمعه يدق الجرس، لم تصف لي أمي طريقته في دق الجرس، ~~أبي يدق الجرس؟ # كانت أمي جالسة في الصالة تشاهد التلفزيون، وأنا جالسة وراء ~~المائدة أشرب اللبن الساخن مع الكاكاو، وأتابع الصور المتحركة عبر ~~الشاشة، ألاحظ أصابع أمي ms013 الطويلة النحيفة ترتعش فوق أزرار التلفزيون، ~~تنتقل من قناة إلى قناة، تهتز الصورة الكبيرة منقسمة إلى مئات من ~~الصور الصغيرة، تصعد الوجوه وتهبط، تنقسم بالطول والعرض، تتحول خطوطا ~~رأسية وأفقية، سوداء وبيضاء وحمراء، تظلم الشاشة وتضيء وتظلم وتضيء، ~~أنفاس أمي تلهث، أصابعها فوق الأزرار ترتعش أكثر، تظهر كرة قدم طائرة ~~من فوق الرءوس ويرتفع صراخ الجماهير: جون جون. تختفي الصورة، تظهر ~~راقصة نصف عارية تفرقع بالصاجات، يتلوى جسمها وينثني كأنما تشعر بألم ~~والجماهير تهتف: الله الله، تختفي الصورة ويظهر الشيخ الكبير ذو اللحية ~~الطويلة يقول بصوت وقور: الرجل يعمل من أجل الله، والمرأة تعمل من أجل ~~الشيطان، عمليات زرع الكلية أو الكبد كفر بالله؛ لأنها تؤجل لقاء ~~العبد ربه، ختان المرأة وحجابها وتعدد الزوجات أمر من الله. تصفع ~~أمها وجه الشيخ بيدها وتغير المحطة، تظهر صورة رئيس الدولة على الشاشة ~~المضيئة، يخطب في ذكرى النصر العظيم أو الثورة المجيدة، في يده منديل ~~يمسح عرقه، ملامح وجهه متقلصة، تشبه ملامح الملاكمين ومدربي الرياضة ~~وكرة القدم، جبهته عريضة تنزلق إلى شعر أسود مصبوغ بدقة، رأسه مربع ~~قوي العظام مشبع بالسلطة، عيناه زائغتان تنظران إلى الفراغ، جفونه ~~متورمة، انتفاخات في الجلد تحت العينين حتى الصدغين، عضلات وجهه ~~متهدلة، تنم عن هزيمة خفية، فمه مفتوح على آخره يزعق: ذكرى النصر ~~العظيم والثورة المجيدة. انتفضت أمها من مقعدها واقفة، شفتاها ممطوطتان ~~في امتعاض، امتدت ذراعها وصفعت شاشة التلفزيون بكفها وهي تكلم ~~نفسها، كانت هزيمة مش نصر ... # | شاكر # لم تسمع أمي جرس الباب يدق، طغى الصوت الزاعق في التلفزيون على كل ~~الأصوات. ~~- الجرس يا ماما! ~~- مدت أمي يدها إلى سماعة التلفون: آلو. ~~- جرس الباب يا ماما مش التلفون! # سارت إلى الباب، تعثرت بالسجادة الملونة في الصالة، ارتطمت ساقها ~~بالمنضدة في البهو، فتحت الباب، رأت رجلا أمامها، يحمل صرة ملابس، ~~ملامح وجهه تشبه الصورة فوق الجدار، شاكر؟ أحاطته بذراعيها وهي تجهش ~~بالبكاء، شمت في ملابسه رائحة السجن، العرق والدموع والدم، تطلع الأب ~~بعينيه المتسعتين دهشة، أهي ابنته ms014 الجالسة وراء المائدة تحدق إليه؟ ~~عيناها خضراوان لونهما من لون عينيه، أول مرة في حياته يراها، حدقت ~~إليه، لا يشبه الرجل في الصورة، وجهه أكثر طولا ونحافة، شعر رأسه لم ~~يعد أسود أو غزيرا، تتخلله شعرات بيض، جبهته أصبحت أعرض مما كانت، ~~لكن عينيه خضراوان تشبهان عينيها: بابا؟ # حملها بين ذراعيه عاليا إلى فوق فوق، ثم تلقفها بين يديه قبل أن ~~تسقط على الأرض، تشهق فرحا وتجهش بالبكاء، يذوب الضحك في دموعها في ~~الحمام، سمعتهما من وراء الباب، أبوها وأمها يشهقان وينشجان، ضحك ~~وبكاء ثم ضحك وبكاء، بلغت الابنة ثمانية أعوام، تستطيع التمييز بين ~~الشهيق والنشيج، أرض الشقة من الخشب، تلمعه الشغالة سعدية بالورنيش مثل ~~حذاء أبيها، تخرج الأم كل صباح مع الأب، يعملان معا في الجورنال في ~~شارع متفرع من ميدان التحرير، في المساء يذهبان معا إلى المسرح أو ~~السينما أو إلى ندوة أو اجتماع، تسوق الأم سيارتها الصغيرة وفي جوارها ~~يجلس الأب، كان يقود سيارته الخاصة حين يخرج وحده في الليل، أتدرب على ~~البيانو في غرفتي التي تطل على الشارع الرئيسي، سريري له غطاء مزركش، ~~فوق مكتبي كتبي وأقلامي وكراريسي، البيانو في الركن في جوار النافذة، ~~اشترت أمي هذا البيانو في عيد ميلادي قبل فصلها من الجورنال. # كانت أمي في الصالة تتحدث مع أبي: أنا عارفة سبب قرار الفصل، الكل ~~عارف السبب. ~~- وساكتين ليه؟ ~~- الكل خايف. ~~- خايفين من إيه؟ ~~- إنتي عارفة. # أمي اسمها فؤادة، فتحت عيني على وجهها وأنا أخرج إلى الدنيا، أبي لم ~~أره إلا بعد ثمانية أعوام من مولدي، السيدة أم رءوف كانت تسكن الشقة في ~~جوار شقتنا، تتحدث أمي عن أبي الغائب في السجن: يختلف عن جميع الرجال، ~~ليس فيه خشونتهم وغلظ أصواتهم، قامته ممشوقة في كبرياء، انحناءة خفيفة ~~تنم عن التواضع، يمارس الرياضة في النادي، أصابع يديه نحيفة طويلة، ~~يعزف على البيانو أحيانا إن وجد الوقت، أنا أفضل الكمنجة لكني لا أجد ~~الوقت، شاركنا في التظاهرات، كنا زملاء. تحملق السيدة أم رءوف في وجه ms015 ~~الأم: الحب يا بنتي أعمى! مش الحب يا أم رءوف. أمال إيه؟ صداقة! ~~- وإيه الفرق يا أستاذة بين الصداقة والحب؟ ~~- زي الفرق بين فيلم أبيض وأسود وفيلم ملون. # مش فاهمة حاجة يا ست فؤادة. الابنة داليا تحدق بعينيها الخضراوين إلى ~~السيدة الجارة، وجهها مربع أبيض، عيناها ضيقتان غائرتان كعيون الطيور ~~الجارحة، جسمها سمين قصير مترهل، ترتدي جلبابا واسعا رمادي اللون، ~~تلف رأسها بطرحة بيضاء، تمشي بخطوات بطيئة زاحفة، تبتسم في وجه أمها، ~~وفي ظهرها ترشقها بعين مخيفة، ترى الابنة ظهر أمها ومن فوقه عين ~~الجارة، كتبت داليا في مفكرتها بعد أن دخلت المدرسة: لا ترى أمي ظهرها ~~إلا في المرآة، بعد أن ينثني جسمها وتلتوي حول نفسها، أدرب جسمي أمام ~~المرآة لأرى ظهري، أنا أكره جارتنا لأنها تكره أمي من وراء ظهرها، تكتم ~~الابنة السر خوفا من السيدة أم رءوف، كانت أمها تتركها معها في البيت ~~حين تخرج، دق جرس التلفون، رفع شاكر السماعة: آلو، الأستاذة فؤادة في ~~إسكندرية، حترجع يوم الإثنين. المفكرة في جوار التلفون فوق المنضدة، ~~نوتة صغيرة مشبوك بها قلم رصاص بخيط رفيع، يسجل فيها الأب أو الأم ~~رسائل التلفون في غياب أحدهما، كتب التاريخ في أعلى الصفحة، الساعة ~~التاسعة صباحا، خطه متعرج قليلا، يقاوم رعشة غير مرئية لأصابعه، فوق ~~يده آثار حرق بأعقاب سجائر وكعوب أحذية حديدية، كانت تقبلها زوجته وهو ~~نائم، وتلثمها بشفتيها الدافئتين، رئيس التحرير طلبك بالتلفون، عاوز ~~يقابلك في أقرب فرصة، كانت فؤادة واقفة فوق شاطئ البحر، ترتدي لباس ~~السباحة، يسمونه المايوه، يكشف سلسلة عمودها الفقري، من العنق إلى ~~الشق بين الردفين، ظهرها طويل مشدود، يمتد إلى عنق قوي يحمل شعرها ~~الغزير الأسود، مرفوعا فوق رأسها، الردفان المشدودان بعضلات قوية، ~~الساقان طويلتان مستقيمتان مسحوبتان برشاقة إلى قدمين سمراوين ~~أظفارهما مقصوصة نظيفة، واقفة على حافة البحر الأبيض المتوسط، عيناها ~~تحدقان إلى زرقة المياه الذائبة في زرقة السماء، حركت جسمها نصف ~~دائرة ضد الشمس، ظلت واقفة تحدق إلى اللانهائي، ذراعاها الطويلتان على ~~جانبيها مرتخيتان، هواء ms016 البحر واليود والوجود يخترق عظام ظهرها حتى ~~أسفل فقرة، تأتي إلى البحر لتغسل نفسها مما يحدث في حياتها، بإصبعها ~~الطويلة الصلبة المدببة تضغط على الحفرة تحت ضلوعها، تلامس إصبعها جدار ~~قلبها الأملس وحافة المعدة المتقلصة، تغوص إصبعها حتى عظام ظهرها، ~~تتذكر ما حدث وتنسى، تترك ذاكرتها للنسيان، الكسل اللذيذ وهواء البحر، ~~تبتسم لنفسها، تتقلص الابتسامة مع انقباضة الشفة السفلى تحت أسنانها ~~الأمامية، حادة بارزة مدببة، شفافة بيضاء ملائكية، تقاطيع وجهها ~~حادة، منحوتة بقوة، بشرتها معبأة بالشمس واليود والملح، عيناها تحت ~~الجبهة العالية عميقتان، الخدان بارزان تحت جلد مشدود رقيق يكاد ~~يتمزق ويسيل منه الدم، ألقت نفسها في البحر وسبحت مع التيار حتى ~~الصخرة، لا تجد لذة في السباحة السهلة، تفضل أن تسبح ضد الأمواج، تبذل ~~جهدا ممتعا في مقاومة التيار، يأخذها البحر بعيدا عن الشاطئ، تختفي ~~عن أنظار الحارس في كشك الرقابة، ينفخ في صفارته، يلوح بالراية ~~السوداء، ثم يراها تخرج من كبد البحر مثل الشراع، تضرب المياه بقوة ~~ذراعيها وساقيها عائدة إلى الشاطئ. # ارتدت ملابسها بسرعة داخل الكابينة، يحتفظ جسدها بالملح حتى تعود إلى ~~البيت، ترتدي القميص الأبيض الفضفاض من الكتان، بنطلون واسع من ~~الجبردين الرصاصي، حزام من الجلد ذو قفل حديدي مشدود فوق بطنها، جيبها ~~الخلفي لم يعد فيه كيس النقود، نشله لص في محطة القطار، محطات ~~القطارات تمتلئ بالنشالين، وأصابع اللص سريعة كلفحة هواء، مدربة ~~خفيفة تسرق الكحل من العين كما تقول السيدة جارتها، البلد أصبح عامرا ~~باللصوص والسماسرة ومهربي البضائع والمخدرات والجنس والأعضاء البشرية ~~ومكاتب الاستيراد والتصدير، لم يكن معها ثمن تذكرة الترام، سارت إلى ~~بيت صديقتها كوكب، من شاطئ ميامي إلى شاطئ جليم، حملها المصعد إلى ~~الدور الرابع عشر، فتح لها الخادم الباب، قادها فوق مساحات من ~~السجاجيد العجمية إلى الشرفة الكبيرة، امتد بصرها إلى المدينة كلها، ~~تكاثرت الجوامع والمنارات ومن فوقها مكبرات الصوت أهلا أهلا فؤادة ~~حبيبتي ... # ظهرت كوكب في الشرفة، قصيرة ممتلئة مربعة، تضع حجابا تزينه فصوص من ~~اللؤلؤ، تترجح فوق كعب رفيع ms017 عال جدا، ترفل في ثوب أحمر شفاف، ~~مشغول فوق الصدر بخيوط زرقاء، شفتاها مصبوغتان بلون أحمر قان، وجهها ~~شاحب بالرغم من المكياج، عيناها صغيرتان تلمعان ذكاء، كانت مجتهدة في ~~الدراسة تحفظ الدروس عن ظهر قلب، وقعت في حب زميلها الذي مات في إثر ~~حادث سيارة، ساورها تساؤل عن معنى الحياة، لم يجب أحد في المدرسة أو ~~الأسرة عن تساؤلها، بدأت زميلة مسلمة تتقرب إليها بإعطائها أشرطة ~~مسجلة لأحد الدعاة المشهورين، أولها شريط عنوانه عذاب القبر، يحكي عن ~~الثعبان الأقرع الذي ينزل إلى زنقة القبر المظلم، ويضرب البنت بذيله في ~~أعماق الأرض لعدم ارتدائها الحجاب، أصابها الهلع، ساعدتها زميلتها على ~~شراء الحجاب وارتدائه بحماسة، أصبحت تصرخ في وجه أمها قائلة: «إنتي ~~كافرة، تحجبي، حاتموتي ويضربك الثعبان الأقرع بذيله في أعماق قبرك.» ~~وألقت جميع أشرطة الموسيقى والأغاني التي أحبتها في القمامة، ~~وانتزعت الصور عن حيطان البيت، وتمثال إيزيس الذي زينت به المكتبة في ~~الصالة دفنته في حفرة في الأرض، وغطت جهاز التلفزيون بملاءة ~~سوداء، ثم استمعت إلى الأشرطة الأخرى، وأصبحت ترى نفسها تمشي فوق ~~الصراط المستقيم وعيون الشياطين في الجحيم تشير إلى جسدها العاري، ~~الذي كتبت عليه فضيحتها بحروف من نار: هذه البنت لم تلبس الخمار. ~~أخذتها الزميلة إلى محل أمام جامع أسد بن الفرات، فاشترت الخمار ~~والأشرطة كلها لهذا الداعية المشهور التي تبلغ أربعين شريطا، غضب ~~أبوها بشدة ونزع خمارها بالقوة فتمادت في التمرد على الأسرة، ~~أخذتها أمها إلى الشيخ محمد الغزالي ليصحح أفكارها، لكنها لم تسمع ~~له، سيطر الداعية الشهير على عقلها وقلبها فأحبته كالعبد للرب، ~~أخلصت في خدمته وتوزيع أشرطته وتدريسها في الجامع، واستسلمت لكل ما ~~يقوله وما يفعله، يضمها إلى صدره كالأب الحنون ويقرأ القرآن، أكبر من ~~جدها فلم تشك فيه، في يوم فض بكارتها من دون أن تشعر بالخطأ، كان هو ~~الصواب والحق المطلق، فوجئت بالحمل، تصورت أنها مريم العذراء تحمل ~~المهدي المنتظر، فهي الوحيدة من نساء العالمين التي ذكرها القرآن ~~باسمها وخصص لها سورة كاملة. # بعد ms018 أيام في الجامع كان الداعية الشهير يتحدث عن شرائطه بعنوان سيرة ~~الرسول، حكى لهم أن سيدنا جبريل نزل على النبي الطفل ليختنه، وكانت هي ~~قد قرأت عن الأضرار الطبية لختن الإناث والذكور، فسألته عن المرجع ~~الذي يستند إليه في ختن النبي، فإذا به يزمجر غضبا ويطردها من الحصة ~~قائلا: «إنتي قليلة الأدب، إزاي تسألي عن شيء يخص عضو الذكر عند ~~النبي؟» # خرجت تبكي في الشارع مكسورة القلب تشعر بالذنب، غاب عنها النوم ~~وفقدت شهيتها للطعام لأنه حرمها من لقائه، فأخذتها أمها إلى صديقة لها ~~طبيبة نفسية شديدة الرحمة والفهم، شجعتها على البوح ... ذهبت إليه ~~الطبيبة النفسية فإذا به ينكر كل شيء ويتهمها بالفساد والكفر، ~~ساعدتها أمها والطبيبة على إجراء عملية الإجهاض، خلعت كوكب الخمار ~~لكنها لم تملك الشجاعة لخلع الحجاب، سافرت مع زوجها بكري إلى الخليج ~~للعمل في صحيفة الإسلام والإيمان، ثم عادا إلى مصر، فعينا في ~~الجورنال بقرار جمهوري. ~~- محفظتي نشلوها يا كوكب، لازم أرجع مصر الليلة عاوزة سلفة. ~~- سلفة إيه؟ ده احنا أهل. ~~- البلد بقت كلها لصوص. ~~- سمعت عن القرار. ~~- قرار إيه؟ ~~- فصلك من الجورنال. ~~- أنا نسيته يا كوكب. ~~- شيء مؤلم يا فؤادة. # | مع التيار # يرتعش صوت كوكب ألما وينسدل جفنها الأعلى مخفيا الفرحة، لا فائدة ~~من الصدق في هذا البلد يا فؤادة، الفساد منتشر وخصوصا في الصحافة، ~~رئيس التحرير يتلقى الأوامر بالتلفون كل يوم من السيد الرئيس، نصحتك ~~كثير، قلت لك لازم تمشي مع التيار يا كوكب، لا يمكن أغير نفسي، المسألة ~~مش نفاق يا حبيبتي، أنا زيك لا يمكن أنافق لكن مجرد ذكاء اجتماعي، صعد ~~الدم إلى وجهها كل حاجة بقت مقلوبة يا كوكب، الصدق بقى غباء والنفاق ~~بقى ذكاء. انزلق جسد كوكب قليلا إلى الوراء في المقعد، مدت ذراعها ~~إلى جرس يتدلى من الجدار، ظهر السفرجي، بشرته سوداء مثل بشرة أهل ~~أسوان أو السودان، يرتدي قفطانا قطيفيا أحمر من حوله فوطة بيضاء، ~~تشربي إيه يا حبيبتي؟ وحشني كلامك الثوري، هات شربات الورد من الثلاجة ~~يا ms019 عم عثمان، شكرا أنا لازم أمشي، تمشي من اسكندرية لمصر؟ ~~- أمشي لإيطاليا كمان يا كوكب؟ ~~- عارفاكي يا فؤادة تعملي أي حاجة. # أطلقت كوكب ضحكتها القصيرة كالشهقة المتقطعة. # أنا وبكري راجعين بعد الغدا، تتغدي معانا سمك مشوي وننزل مصر ~~بالعربية سوا إيه رأيك؟ ظهر الزوج بكري في الشرفة، مرتديا روب دي ~~شامبر حريريا لونه كلون البحر، يفوح منه عطر الحلاقة، صاح مرحبا ~~بها، يحبها ويكرهها في آن واحد، واقفة ليه يا فؤادة؟ إذا حضرت ~~الشياطين غابت الملائكة؟ ~~- بالعكس يا بكري. ~~- أنت الملائكة طبعا. # انطلقت الضحكات في الشرفة العلوية، جاء شراب الورد المثلج، ابتلعته ~~جرعة واحدة مثل شربة زيت الخروع، اعتذرت عن الغداء وخرجت بعد أن أغلق ~~الخادم الباب وراءها، أطرقت كوكب طويلا وهي تشعر بثقل في قلبها، نوع ~~غامض من الهزيمة، رفضت فؤادة دعوتها، ربت زوجها كتفها: ما لك يا ~~كوكب؟ # مش عارفة يا بكري ليه أحيانا أحس فجأة بالحزن. يشير بكري إلى صورتها ~~في الجورنال: تحزني ليه؟ صورتك في الجورنال، الوزير بيسلمك الجايزة، ~~الأستاذ محمد أكبر مفكر عندنا يعتبرك الكاتبة الأولى في مصر والعالم ~~العربي. ابتسمت كوكب في سخرية: كفاية عليه السيدة الأولى. تلعثمت ثم ~~قالت: أنا فخورة إني باشتغل معاه رغم إني باحتقره. تتلعثم تتردد، تحاول ~~كشف أعماقها لزوجها أو لنفسها: أيوه يا بكري، بصراحة أنا باحتقر المفكر ~~والكاتب الكبير ده. شيء طبيعي يا كوكب. أنا متناقضة وانت بتحتقرني يا ~~بكري؟ ~~- التناقض أصل الكون يا كوكب، ربنا نفسه متناقض. ~~- أستغفر الله العظيم! رجل مؤمن يقول الكلام ده؟ # أنا مؤمن والحمد لله، لكن التناقض سنة الحياة، لا تحاولي جلد ذاتك، ~~صديقتك فؤادة رفضت دعوتك بسبب الغيرة، أنت تصعدين إلى القمة وهي تهبط ~~إلى القاع، وأنت متزوجة الكاتب المرموق أنا، وتشتغلين في أكبر دار ~~صحفية في مصر والعالم العربي، فعلا يا بكري، أكبر جورنال في الشرق ~~الأوسط، وأنا مخلصة في عملي، والأستاذ محمد يقدر شغلي، رغم أني ~~أحيانا أسرق أفكار غيري وأعيد كتابتها، إيه الكلام اللي أنا بقوله ~~ده؟ ~~- أنا فاهمك ms020 يا كوكب. # ابتلعت دموعها، أحاطها بذراعيه وهمس في أذنها: أحبك يا كوكب كما أنت ~~ولا يمكن أحب واحدة تانية. وضعت رأسها فوق صدره وتنهدت في راحة تعترف ~~له بأشياء تخفيها عن نفسها، تشعر بحرية معه، ترفع عن قلبها العبء، لم ~~تعد تشعر بثقل شيء، إلا صدره المغطى بالشعر الأسود الخشن يضغط نهدها ~~الأيسر، أخذها إلى غرفة النوم، في السرير العريض صعدها، دخلها وخرجها ~~بسرعة، ثم انقلب فوق ظهره مغمضا عينيه، قبل أن يسقط في النوم قال: على ~~فكرة دعيت الأستاذ للعشاء الجمعة الجاية! ~~- راجل عظيم؟! ~~- أهم مفكر في مصر والعالم العربي. ~~- بصراحة يا حبيبي أنا لا أفهم ما يكتبه! ~~- يا كوكب ده فيلسوف عالمي. # تململت كاتمة الضيق، لا تشعر بلذة في قراءة الأستاذ، كلماته مقعرة ~~متعالية، يدعي العلم، يردد أقوال فلاسفة من الغرب والشرق، لم تعد تشعر ~~بلذة في القراءة، كل شيء في حياتها يخلو من اللذة، القراءة والكتابة ~~والحب والجنس وكل شيء، وجدت نفسها تصيح بغضب: أرجوك يا بكري، بلاش كلمة ~~عالمي دي. ~~- ما لها كلمة عالمي يا كوكب؟ ~~- أباتت كلمة مقززة؟ ~~- كل شيء مقزز حتى الصحافة والكتابة ... # وأرادت أن تكمل لكنها توقفت، يتركها زوجها تتكلم ويسقط في النوم، ~~تروح عن نفسها بالهمس، تواصل الحديث مع زوجها النائم حتى ينزاح العبء ~~عن صدرها، تغسل عن نفسها كل ما يسبب لها التقزز، تصبح نظيفة طاهرة، ~~ثم تغرق في نوم عميق كالملائكة. هبط الليل وفؤادة تمشي على شاطئ ~~البحر، من أين لها بتذكرة القطار؟ هل تبيت في الكبينة على الشاطئ؟ ~~تذكرت فجأة أخاها، إنه يسكن في شقة تطل على محطة الرمل، ويعمل في ~~مكتب بالإسكندرية. وصلت إلى شقة أخيها متعبة جائعة ريقها ناشف، دقت ~~الجرس لكن لم ينفتح الباب، واصلت دق الجرس والخبط على الباب الخشبي ذي ~~اللون البني الأدكن، له مقبض ذهبي منقوش عليه حروف الله، لم ينفتح باب ~~أخيها فازدادت حيرة، لا تعرف ما تفعل، أمام الباب قطعة من السجاد، ~~مكتوب عليها كلمة أهلا، تكورت فوقها ورأسها بين يديها، ms021 انفتح باب ~~الشقة المجاورة، ظهر شاب طويل نحيف يرتدي بيجاما بيضاء، اتسعت عيناه ~~دهشة: حضرتك أخت عصام؟ ~~- أيوه، أنا أخته. ~~- اتفضلي، استريحي عندي، عصام دايما يرجع متأخر، اتفضلي لغاية ما ~~يرجع. # كان واقفا في الباب، نظرته توحي بالثقة، وهي جالسة لم تنهض قالت ~~ولسانها جاف من الظمأ: كوباية ميه من فضلك؟ ~~- اتفضلي عصام صديقي. # دخلت من الباب المفتوح، الصالة واسعة فيها كنبة كبيرة من الجلد ~~وبعض الكراسي من النوع الأسيوطي، ومكتبة من خشب الزان محملة بالكتب، ~~قالت لنفسها: رجل يقرأ الكتب، إذن لا خوف منه. تملؤها الكتب منذ ~~الطفولة بالطمأنينة، لمحت عناوين روايات عربية وأجنبية وكتب في ~~الاقتصاد والتاريخ والفلسفة، كتب الأدب لها عندها جاذبية خاصة، أفرغت ~~كوب الماء البارد في جوفها الساخن، غمرتها الراحة فاستندت إلى المسند ~~الجلدي: أنت بتحب قراءة الروايات؟ ~~- أيوه. # لكن كان يشتغل مهندسا، يضع رسوم الإنشاءات والمباني، يتحدث ~~عن فن المعمار بحماسة عاطفية. دار الحديث بينهما كأنه زميلها في ~~الجورنال، الإبداع في المعمار لا يختلف عن الإبداع في الأدب أو ~~الموسيقى أو أي شيء آخر، لكن لا أحد يهتم بالحاجات دي في بلدنا؟ # | في بيت رجل # كانت تنظر إلى الساعة من حين إلى حين، تسير إلى باب أخيها تدقه، ~~تضغط على الجرس، ثم تعود حائرة، بلغت الساعة منتصف الليل، عصام اتأخر ~~جدا، دايما يتأخر، زمانه جاي في السكة عندي صينية بطاطس في الفرن، ~~جعانة؟ جدا وضحكت نهض إلى المطبخ وكوباية ميه كمان من فضلك، أكلت ~~بشهية الأطفال في غرفة الطعام، ونامت حتى الصباح في غرفة الضيوف، قلقت ~~في نومها مرة أو مرتين، تتلفت حولها بدهشة، غرفة غريبة عنها، وهي ~~راقدة بملابسها لم تخلع الحذاء، تدرك فجأة أنها تمضي الليل في بيت رجل ~~لا تعرفه، ليس لباب الغرفة مفتاح، ينتابها القلق ثم يغلبها النوم، تفتح ~~عينيها في الظلمة، ترهف أذنيها لسماع صرير باب غرفتها وهو يدخل؟ مجرد ~~خيالات ومخاوف طفولية قديمة، حين كانت تسد شقوق الشيش بأوراق الصحف؛ ~~خوفا من تسلل الشيطان أو الملاك مندوب الله ms022 إلى السيدة مريم العدرا، ~~لكن الليل انقضى في أمان، قفزت من الفراش على ضوء النهار، صافحت الرجل ~~وشكرته، لم تسأله عن اسمه، سارت إلى باب شقة أخيها ضغطت الجرس، فتح ~~أخوها الباب، اتسعت عيناه دهشة، جيتي من مصر امتى؟ # دلوقتي أتقول له أين قضت الليلة؟ لا أحد يصدق؟ تكاثرت المساجد ~~والمسابح وفتاوى وأحاديث من نوع: ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان ~~الشيطان ثالثهما. دخلت الصالة، كانت مائدة الفطور معدة، فتاة جالسة ~~تشرب الشاي وهي مرتدية قميص نوم أحمر شفافا، حمالة رفيعة فوق الكتف ~~البيضاء العارية، رأسها ملفوف بالحجاب، تلعثم أخوها قليلا: ~~صديقتي. # ابتسمت الفتاة وهمست: اتفضلي الفطور جاهز. شكرا، لازم أرجع مصر ~~حالا، نشلوني يا عصام وعاوزة أستلف منك ثمن تذكرة القطار إلى القاهرة. ~~جلست في جوار النافذة، تحب السفر بالقطار منذ الطفولة، تشرد عيناها في ~~المساحات الخضراء الممدودة إلى الأفق، لم تعد المساحات خضراء، تقلصت ~~الخضرة وتقلصت البهجة، في محطة طنطا اشترت رزمة من الجرائد، رائحة ~~السميط أعادت إليها شيئا من البهجة، قضت الوقت وهي تقرأ وتقضم السميط ~~مع الجبنة الرومية، في الصفحة الأولى من الجورنال رأت الصورة، صورته ~~تظهر في كل يوم في الصفحة الأولى، في كل مكان في البلد، فوق أعمدة ~~النور والسواري، في مكاتب الموظفين والحلاقين، وفي دورة المياه ~~بالقطار، تطل عيناه عليها وهي جالسة فوق المرحاض، تهتز الخطوط فوق ~~جبينه مع الاهتزازات فوق القضبان، ويشتد غضبه حين يراها تمسح المرحاض ~~بالجورنال، وصلت إلى محطة باب الحديد، ركبت الأوتوبيس إلى شارع ~~التحرير، تمشي بخطوتها السريعة، الناس يرمقونها وهي تمشي، يحملقون في ~~ظهرها المشدود ورأسها المرفوع، نوع من الكره تثيره في الرجال والنساء، ~~يكرهون كيانها وكبرياءها، جسمها ممشوق مثل جسم شاب رياضي لكنها فتاة، ~~خطوة واسعة واثقة تنم عن الكرامة، ليست خطوة أنثى، عيناها شاخصتان إلى ~~الأمام تتحديان الأنوثة والذكورة معا، لم تكن ترى أحدا وهي تمشي، لا ~~تتلفت هنا وهناك، كأنما الكون خال من البشر، تمشي نحو الأفق، حتى ~~التقاء الأرض والسماء، تمشي كأنما إلى اللامنتهى، ms023 زوجها شاكر كان ~~ينتظرها، بشرته بيضاء، شعره أسود كثيف إلا صلعة صغيرة في منتصف الرأس، ~~عنقه رفيع يطل من فتحة القميص المفتوح، صدره أملس ليس عريضا وليس فيه ~~شعر، عضلات ذراعيه قوية، يمارس الرياضة في النادي. ~~- مكتب الرئيس طلبك مرتين. ~~- الرئيس أنهوه؟ ~~- مش عارفه. ~~- رئيس التحرير؟ ~~- عاوز يقابلك. ~~- بخصوص؟ ~~- قرار فصلك. # حدقت إلى عينيه الخضراوين من خلال زجاج النظارة البيضاء، في صوته ~~رنة سرور غامض وهو ينطق «قرار فصلك»، يخفي الصراع في أعماقه بابتسامة ~~أو بنصف ابتسامة، شارك في التظاهرات، هتف للحرية والعدالة والمساواة، ~~دخل السجن وخرج، صدر له كتاب عنوانه تحرير المرأة: فصلني خلاص عاوز ~~يقابلني ليه؟ ~~- يمكن يرجع في قراره. ~~- لا يمكن أرجع الجورنال. ~~- بلاش مشاكل جديدة يا فؤادة. # يتحسس مؤخرة رأسه بأطراف أصابعه، حركة لا إرادية، منذ خرج من السجن ~~قرر ألا يدخله مرة أخرى، يرمق زوجته بغضب مكبوت، تعيش في الخيال ~~غير معترفة بالواقع، تصفع الناس برأيها من دون أن تفكر في العواقب، ~~كان الأفضل أن يتزوج ابنة عمه سوسو، ليست ذكية ولا جميلة، لكنها أنثى ~~رقيقة، تحب رعاية الأطفال وتجيد الطبخ وأعمال الإبرة، ليس لها طموح ~~خارج البيت والأسرة، لكنه اختار فؤادة، ليس بسبب الحب أو الجنس، زوجته ~~في نظره باردة، تفتقد ضعف الأنوثة، لا تطيع إلا عقلها، كانت له علاقات ~~بنساء شبقات غير مختونات، يفضل الفتيات العذراوات دون سن العشرين، لكنه ~~تزوج فؤادة بعد خروجه من السجن، كان متعبا معزولا عن الحياة، أراد ~~زوجة قوية الشخصية تعيده إلى الحياة، تحمل عنه أعباء البيت ومصاريف ~~الأسرة، جميلة ممشوقة يفخر بها في الحفلات، ولا مانع من أن تكون مثقفة ~~أو كاتبة، شرط ألا تعوقها الكتابة عن واجباتها الزوجية، دخلت فؤادة ~~الحمام، تركت نفسها تحت مياه الدش تغسل الرمال والماء المالح، ناسية ~~جسمها تحت المياه المتدفقة، علاقة طفولية تربطها بالماء والبحر، قالت ~~لها جدتها وهي طفلة إنها كانت «سمكة» تسبح تحت الماء، وجدوها على ~~الشاطئ فأخذوها إلى البيت، سمكة نوعها إيه يا جدتي؟ تضحك جدتها من دون ms024 ~~أسنان، تستعيذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، عرفتي منين أنواع السمك ~~يا عفريتة؟ # كانت فؤادة طفلة في الرابعة من عمرها، تسمع جدتها تنشد مع الراديو ~~الأناشيد الوطنية، النصر المجيد، الصوت يدوي في الإذاعات انتصرنا، ~~تحدق إلى عيني جدتها، التحديقة المخيفة مثل العفاريت، تريد أن تسألها ~~عن الحرب والنصر، لكنها تسألها عن أنواع السمك، تعد الجدة الأسماء على ~~أصابع يدها المعروقة، التي يعلوها نمش أسود: البلطي والبوري والبياض ~~والقراميط والثعابين وسمك موسى. تتذكر الطفلة قصة سيدنا موسى التي ~~حكتها الجدة فتسألها: وسيدنا محمد له سمك كمان؟ تخبط الجدة على صدرها ~~مستعيذة من الشيطان الرجيم أستغفر الله العظيم، سيدنا محمد ما لوش سمك. ~~صوت زوجها يأتيها من وراء باب الحمام: رئيس التحرير ع التلفون، خرجت ~~تلف نفسها بالبشكير الأبيض الكبير، جففت يدها المبللة، وأمسكت السماعة: ~~آلو، آلو. ~~- لأ يا أستاذ، النهارده مش ممكن أنا في أجازة. ~~- بكرة الساعة عشرة الصبح يا فؤادة؟ # | الفصل من الجورنال # ممكن. وضعت السماعة وزوجها يبحلق فيها، ملامحها هادئة خالية من أي ~~قلق، كأنما لم تفصل من الجورنال، واقفة تلف نفسها بالبشكير الأبيض ~~الكبير، شق رفيع طويل في البشكير يكشف عن فخذها الناعمة الممشوقة ~~المحروقة من الشمس، يهبط إلى ساقها الطويلة حتى قدمها الحافية المبللة ~~بالماء فوق بلاط الصالة، تحركت شهوته قليلا، أراد أن يأخذها إلى ~~الفراش، لكن الرغبة لم تكن كافية، جسدها منذ ليلة الزفاف لم يشبعه ~~جنسيا، تعود إشباع شهوته مع نوع آخر من النساء، جسم ممتلئ باللحم، ~~طري يلين تحته من دون جهد، أو بجهد قليل، لا يحب أن يبذل جهدا في ~~الفراش، تكفيه الجهود الأخرى خارجه، يفضل أن تأخذ المرأة المبادرة، ~~وتقوم هي بالعمل، دخلت غرفتها وأغلقت الباب من خلفها، كانت لها غرفتها ~~الخاصة وسريرها، ومكتبها، ومكتبتها، وخزانة ملابسها، لكل منهما ~~الاستقلال الكامل، لا يسيطر أحدهما على الآخر، لهما قانون خاص، بالبنود ~~التي يتفقان عليها، في غرفتها تمددت فوق سريرها، تنشد الراحة ~~والاسترخاء بعد الحمام الساخن، تستعيد دفء الماء الذي يغرق جسمها، منذ ~~الطفولة ms025 تعشق النوم، على الجدار فوق مكتبها صورة ملونة لأمها وأبيها ~~بملابس البحر، تتمدد هي تحت الشمس، من حولها الأطفال يبنون القصور من ~~الرمال ثم يهدمونها، يعيدون بناءها وهدمها، أبيات شعر وقصاصات ورق ~~مثبتة بدبابيس على لوحة خشبية، فوق المكتب مذكرة هامة، لا تنسي موعدك ~~... # ثم غلبها نوم لذيذ، انتفضت على صوت زوجها من وراء الباب الساعة ~~التاسعة يا فؤادة، ميعادك الساعة العاشرة مع رئيس التحرير، زوجها يحرص ~~على المواعيد، أدخله أبوه المدرسة الألمانية في الطفولة، أعجبته شخصية ~~هتلر وبطريق الكنيسة والسلطة الإلهية المطلقة، وهو في العاشرة من عمره ~~انفصل أبوه عن أمه وتزوج فتاة تصغره بأربعين عاما، كان يناديها ماما، ~~تضربه في غياب أبيه وتلسعه بالمكواة من دون سبب، ثم تغمره بالقبلات حين ~~يعود أبوه، مبنى المؤسسة الصحفية في عمارة شاهقة جديدة في شارع متفرع ~~من ميدان التحرير، ناطحة سحاب جدرانها زجاج ذات أعمدة من خرسانة حديد ~~وأسمنت، من الطراز التجاري الأمريكي السريع، يشغل مطعم ماكدونالد نصف ~~الدور الأرضي، تفوح منه رائحة الهامبورغر، النصف الآخر يبيع أجهزة ~~الفيديو والديسكو، تتصاعد منه تسجيلات أغاني موسيقى راقصة صاخبة، لا ~~يعلو عليها إلا أصوات الميكروفونات تذيع الصلوات والتسبيحات من الجوامع ~~المجاورة، يشغل الجورنال الأدوار الحادية عشرة بعد الأرضي، مكتب رئيس ~~التحرير في الدور الثاني عشر تشغل السكرتيرة غرفة واسعة هادئة إلا من ~~أزيز خافت لجهاز التكييف، لها نوافذ كبيرة زجاجية تكشف نهر النيل وجبل ~~المقطم وقلعة محمد علي، ترتدي السكرتيرة ثوبا هفهافا قصيرا، يكشف ~~جزءا من الفخذين الرشيقتين، خطوتها سريعة خفيفة مثل خطوات راقصات ~~الباليه، تنتعل حذاء فضيا مفتوحا من الأمام، تمتص السجادة السميكة ~~فرقعة الكعب العالي الرفيع، تبتسم بإتقان مثل نجوم الشاشة أو العرائس ~~فوق المسرح، سارت فؤادة وراءها بحذائها الأسود المعفر وقميصها الواسع ~~الأبيض من القطن والبنطلون الرصاصي من الجبردين، مكتب رئيس التحرير ~~ضخم، مفروش بالسجاجيد العجمية، فوق رأسه صورة ضخمة لرئيس الدولة، من ~~تحتها صورة وزير الثقافة ثم رئيس المجلس الأعلى للأدب والصحافة وصور ~~رؤساء تحرير الجورنال السابقين، في صف ms026 طويل، ثم صورته في آخر الطابور ~~داخل إطار ذهبي، رأسه من فوق المكتب الضخم صغير الحجم يخلو من الشعر، ~~إلا شعيرات سوداء نافرة وراء أذنيه، فوق المكتب أوراق ومجلات مصرية ~~وعربية وأجنبية، وأجهزة تلفون متعددة مختلفة الألوان، منافض بلورية ~~ملأى حتى الحافة بأعقاب السجائر، دخان يتصاعد إلى السقف، علب سيجار ~~وسجائر مرصوصة في جوار أكوام الكتب والورق، سيجارة مشتعلة بين إصبعين ~~صفراوين في يده اليسرى، يده اليمنى تمسك القلم الذي يتحرك فوق الورق ~~بخطوط عشوائية، صوته متحشرج، جفونه المتورمة مسدلة قليلا، كأنما ~~يحاول الاستيقاظ من النوم. حاولت كثيرا أن أمنع هذا القرار لكن ~~الأغلبية في المجلس وقفوا ضدك، الأستاذ رئيس المؤسسة وقف ضدك بعنف ~~وهدد بالاستقالة إن لم يصدر قرار فصلك، لا بد وأنه عانى منك الكثير، ~~فعلا عانى مني الكثير، ليه التطرف ده يا بنتي؟ لك قلم ممتاز ومستقبل ~~جيد في الصحافة، ألا تهتمين بمستقبلك الصحفي؟ ~~- لا. ~~- أنا أحاول مساعدتك، وقد أعطيتك فرصا كثيرة سابقة أتنكرين ~~ذلك؟ ~~- لا أنكر. # أشعل سيجاره وراح ينفخ الدخان، فؤادة تسبب له ضيقا، عيناها تحدقان ~~إلى عينيه بثبات، ليس في التحديقة وقاحة بل انتباه وتركيز، اسمعي يا ~~بنتي، الصحافة لها أصول وتقاليد، هل تظنين أنك قادرة على كسر الأصول ~~والتقاليد؟! هذا عبث، جنون. ~~- نعم. ~~- حين أطلب إليك حذف أجزاء من مقالك، هل هذا يغضبك؟ ~~- طبعا يغضبني. ~~- أعطيك فرصة أخيرة. ~~- شكرا. ~~- سأضطر إلى تنفيذ القرار، سوف تندمين. ~~- لن أندم، كنت أنوي الاستقالة منذ مدة، تعودت أن أقرر لنفسي ولا ~~أنتظر قرارات الآخرين، كان يجب أن أترك الجورنال من زمان، أنا بصراحة ~~لا أحب الصحافة، لا أشعر فيها بأي متعة، الصحافة ليس فيها إبداع أو ~~تجديد، معظمها نفاق وكذب. # نفخ رئيس التحرير عمودا من الدخان وصمت طويلا، شيء ما يجذبه فيها، ~~ليس كلامها بل طريقتها في التعبير وتحديقة عينيها. ~~- النفاق طبيعي في الصحافة يا فؤادة، اسمه ذكاء سياسي، والإبداع ~~والتجديد ممكن تطبيقهما في الصحافة، تجارب الماضي وضرورات الحاضرة ~~مهمة، العملية الإبداعية في الصحافة طويلة بطيئة تدرجية ms027 جماعية، ~~تقتضي التعاون بين الجميع واحترام رأي الأغلبية ، الاحترام غير الخضوع، ~~مش عارف إنتي عاوزة إيه؟ ~~- عاوزة أعبر عن نفسي، عاوزة أكتب اللي في دماغي. ~~- أنا عاوز الحقيقة يا فؤادة؟ ~~- أيوه يا أستاذ. ~~- الحقيقة أن دماغك دي عاوزة الكسر، إنتي عارفة قيمة قلمك عندي ~~المشكلة دماغك، مطلوب كسرها، إحنا بنعيش في دولة فاسدة من قمة رأسها ~~لأسفل مؤخرتها، النفاق يكسب في كل مجال خصوصا الصحافة، لا يمكن أن ~~أستمر فوق الكرسي بدون إراقة ماء وجهي، لازم أحط مناخيري في الأرض، ~~الوزير مناخيره في الأرض ليرضي رئيسه، ورئيسه مناخيره في الأرض ليرضي ~~رئيسه، ورئيس الكل عارفاه مين؟ ~~- ربنا يا أستاذ محمد؟ ~~- ربنا يجعل كلامنا خفيفا على قلبه يا فؤادة، اسمعي كلامي كفاية ~~مبادئ وكلام فارغ، شعب إيه وثورة إيه؟ في التاريخ كله النظام واحد في ~~الكون كله، لا يمكن يتغير. ~~- ممكن يتغير يا أستاذ. ~~- اسمعيني وكفاية عبط ومثالية، أفلاطون لم يكن مثاليا، كان يؤمن ~~بالقوة فوق الحق، لا يوجد شيء اسمه حق دون قوة، القوة هي كل شيء، أنا ~~أصدرت قرار فصلك تحت ضغط القوة العليا من فوق رأسي، لازم أنفذ الأمر ~~وإلا أقعد في البيت وعيالي يموتوا من الجوع فاهماني؟ ~~- لكن يا أستاذ محمد ... ~~- أرجوكي لا تقاطعيني، أخطر شيء أن العيال يجوعوا، أبويا الله يرحمه ~~جوعنا كلنا من أجل رأيه الحر، أمي اشتغلت في البيوت، وأنا خرجت من ~~المدرسة واشتغلت في ورشة ميكانيكي، كان يضربني في بطني بكعب جزمته، أنا ~~ممكن أضحي برأيي الحر من أجل أولادي، أبويا كان أناني يفكر في نفسه في ~~رأيه وخلاص، أنا أفكر في أولادي، لازم يتعلموا كويس ويعيشوا كويس ويكون ~~لهم كرامة، أنا مستعد يا بنتي ألغي قرار الفصل بشرط أنك تغيري طريقتك ~~وتمشي في الصف، كلنا ماشيين في الصف، موافقة؟ ~~- لأ مش موافقة يا أستاذ محمد. ~~- مش فاهم إنتي عاوزة إيه؟ ~~- عاوزة أعمل الشيء اللي باحبه. ~~- إيه هو؟ ~~- الكتابة. ~~- شغلنا كتابة في كتابة. ~~- الصحافة غير الكتابة، عاوزة أكتب أدب؟ ~~- أدب إيه يا فؤادة، ms028 إنتي عايشة في الخيال، حاولي تعيشي الواقع، ~~الأدب الحقيقي أو الإبداع الحر لا يمكن يوكل عيش، قوليلي اسم أديب واحد ~~عايش على الأدب، كلهم موظفين في الدولة في الصحف والمجلات، كلهم ماشيين ~~في الصف فيه ناس تمردوا وكتبوا أدب حقيقي، زي مين؟ ~~- الكاتبة بدرية البحراوي. ~~- بدرية البحراوي كاتبة موهوبة لا يمكن حد ينكر، لكن شوفي هي عايشة ~~إزاي، كان ممكن تكون في قمة الأدب وتعيش في المجد لكن مين يعرف بدرية ~~البحراوي النهارده؟ اسمها اختفى تقريبا، اسمعي نصيحتي يا بنتي، فكري ~~بعقل، أنا كنت الوحيد في المجلس اللي دافع عنك، كلهم وقفوا ضدك. ~~- عارفة أيوه عارفة. ~~- الأفضل تغيري طريقتك، موافقة؟ ~~- لأ. # يصمت رئيس التحرير لحظة، يرمقها في صمت، ينفث الدخان من أنفه، يراها ~~تحدق إلى عينيه، لا يرى في تحديقة عينيها وقاحة، بل ثقة بالنفس ونوعا ~~من الأدب، كان مثلها في طفولته، قبل أن يضربه الميكانيكي بكعب حذائه في ~~بطنه. كلهم بيتهموكي بالتطرف أو بالجنون، اعذريني لصراحتي معك. ~~- أعذرك طبعا. ~~- اسمعي، لازم أنفذ قرار فصلك، أنا آسف. ~~- ما فيش داعي للأسف يا أستاذ، كنت عاوزة أتحرر من عبء عمل لا أحبه، ~~ولا أجد فيه أي متعة، مهنة الصحافة لا تناسبني، لا أستطيع الخضوع ~~لتقاليد هذه المهنة، أنا أحب الكتابة الأدبية، إنها متعتي الوحيدة، ~~الكتابة الأدبية مهنة أيضا لها تقاليدها ومدارسها وأساتذتها الكبار، ~~لا يمكنك الخروج على قواعدها، ممكن الخروج على أي قاعدة يا أستاذ، ~~الإبداع هو خلق قواعد جديدة. ~~- ألا تعترفين برواد الأدب الكبار المعروفين اللي حصلوا على أعلى ~~الجوائز؟ ~~- التاريخ يا أستاذ محمد هو اللي يحكم ويفرز الرواد الحقيقيين من ~~الرواد المفروضين بالدولة ورئيسها، وكل إنسان مبدع رائد في مجاله يا ~~أستاذ محمد، طبعا الدراسة والقراءة ضرورية في العلم والفن، ليس في ~~الأدب فقط لكن الإبداع ينبع من الحياة، من الملاحظة الدقيقة للواقع ~~والخبرة والتجربة والحساسية والمشاعر والتفكير، الشكل لا ينفصل عن ~~المضمون، الجلد لا ينفصل عن اللحم، كل قصة لها تكوينها، كل قصة كائن حي ~~له بصمته وصفاته ms029 المميزة. # يرمقها في صمت، ينفث الدخان في السقف ، في أعماق عينيها إيمان بما ~~تقول، يستمع إليها بشيء من الدهشة، ليس كلامها الذي يدهشه بل الطريقة ~~التي تتكلم بها، حماستها لما تقول من دون أن يطرف لها جفن، من أين لها ~~هذه الثقة العارمة بنفسها؟ يقلب الملف فوق مكتبه الخاص بسيرتها ~~الذاتية، عمرها ثلاثة وعشرون عاما، تخرجت في كلية الهندسة، لم تتخرج ~~في كلية الآداب أو الإعلام، قليلة الاختلاط بزملائها وزميلاتها في ~~الجورنال، لا تحضر اجتماعات التحرير، لها زميلة تتبادل وإياها الحديث ~~هي كوكب، وصديقة لها تعمل في المطبعة اسمها حميدة. يا فؤادة لمن ~~تكتبين؟ ~~- أكتب لنفسي. ~~- مش عاوز قراء وجمهور؟ ~~- أكتب لنفسي وبعد ذلك للآخرين. ~~- والكتابة هدفها إيه؟ ~~- هدفها الكتابة. ~~- ده مش معقول. # دق جرس التلفون فوق مكتبه، تركه يدق وراح يفكر، جنونها معقول، لا ~~يريد أن يخسرها الجورنال، بالرغم من جنونها لها قلم، لها شخصية لا يمكن ~~تجاهلها، بالرغم من غرابتها ليست غريبة، ضميره يؤنبه لأنه يفصلها، ~~يبذل أقصى جهده لإبقائها، وهي لا تحاول مساعدته. إنتي خطيرة يا ~~فؤادة. ~~- يعني إيه خطيرة؟ # مد يده ورفع سماعة التلفون: آلو، أيوه، جاي حالا. # نهض واقفا. # حاولي مراجعة نفسك، اسألي صاحبتك كوكب، هي صحفية ممتازة، عاقلة ~~متزنة، قررنا جميعا ترشيحها لجائزة الدولة، ممكن ترشيحك السنة القادمة ~~لو عقلت وبطلت الجنون، أنا أعطيتك وقت أكتر من اللازم، أمامك فرصة ~~أخيرة للتفكير. ~~- أنا فكرت خلاص. ~~- خلاص. # | كوكب الكميلي # تنهدت رافعة ذراعيها «خلاص» كأنما ترفع عن قلبها عبئا ثقيلا، رمقها ~~من ظهرها وهي تخرج من الباب، طويلة ممشوقة الجسم، مثل شاب رياضي، ~~خطوتها واسعة خفيفة، كأنما تنطلق بسرعة إلى موعد هام، أهم من ~~الجورنال ومن كل شيء، القاعة الضخمة ملأى بالمئات من المثقفين، الرجال ~~والنساء من مختلف الأعمار، وجوه معروفة تظهر في الصحف والإعلام، ~~صحفيون، أدباء، مفكرون وما يقال عنهم صفوة المجتمع، جالسون في مقاعدهم ~~ينتظرون، يتطلعون إلى المنصة العالية، الكراسي من خلفها مغطاة بالقطيفة ~~الحمراء ومطعمة بالذهب، سبعة آلاف سنة لم تتغير الكراسي منذ ms030 الإله ~~آمون، نقل العالم شكل الكرسي ومعناه عن الحضارة المصرية القديمة، لا ~~ينفصل الشكل عن المعنى، خمسة كراسي يلمع ذهبها تحت الأضواء القوية ~~يتوسطها الكرسي الأضخم الأكثر ذهبا الأثمن قطيفة، يجلس فيه رئيسهم، ~~يأتي متأخرا بعد أن تمتلئ الكراسي جميعا، ويدب الصمت ثم يدوي الصوت ~~الجهوري الجمهوري: السيد رئيس الجمهورية. يدوي التصفيق والأجسام تنتفض ~~وقوفا، والأعناق تشرئب نحو كتلة الضوء، تصبح العيون عمياء من شدة ~~الكهرباء، يبدو وجهه كوكبا مضيئا من دون ملامح واضحة، إلا الجبهة ~~المسطحة وأرنبة الأنف المعقوفة والشفة السفلى الممطوطة في اشمئزاز ~~وكبرياء مصطنعة، يلقي وزير الثقافة خطابا ركيكا حافلا بأخطاء النحو ~~والصرف والتاريخ والجغرافيا، تصبح مصر هي قمة العالم، رئيسها هو رئيس ~~القمة العالمية، فيلسوف القرن الواحد والعشرين، يعطي توجيهاته للجميع ~~من وزير الثقافة إلى وزير الحربية والبوليس والتعليم والأمن والاقتصاد ~~والسياسة، والدين والأدب والعلم وحماية الأخلاق والبيئة، وجمع القمامة ~~ورعاية أطفال الشوارع، هو رب العائلة البشرية الذي صنع كل شيء من ~~الإبرة إلى الصاروخ بإرادة الله طبعا أيها السادة، يقدم الوزير فخامة ~~الرئيس، يتمطى فخامته ويمط الكلام، يخرج صوته بطيئا مشمئزا، شفتاه ~~الممتلئتان النديتان المشربتان بالحمرة، وعصير الفواكه والكسل، تتحركان ~~في بلادة، العيون والآذان وقرون الاستشعار تتابع الحركة والصوت ~~والضوء، ثم يبدأ توزيع الجوائز، يتقدم الفائزون والفائزات في صفوف ~~منتظمة، ملابسهم أنيقة نظيفة، ملامحهم مغسولة لا يظهر منها إلا ~~الابتسامة العريضة الممدودة بين الأذنين، والعنق ينحني مع الرأس لحظة ~~امتداد فخامة اليد بالجائزة الرفيعة، ويدوي التصفيق دويا كبيرا، ~~كوكب الكميلي بعد أن تسلمت الجائزة وجلست في مقعدها تدور بعينيها في ~~القاعة باحثة بين الوجوه عن وجه معين، تدرك منذ تسلمت الجائزة أن ~~العيون ترمقها، كوكب الكميلي عيناها سوداوان يكسوهما بريق الذكاء ~~والانتباه، شفتاها ناعمتان ملونتان بحمرة عاقلة متزنة تشبه العذرية، ~~تحوم عليهما ابتسامة تنم عن فرحة مكتومة، لا تظهري فرحك للناس وإلا ~~كرهوك، إن الله لا يحب الفرحين، درس تعلمته في البيت والمدرسة، ترفع ~~رأسها وهي جالسة بزهو، تدرك أنها جميلة، وأن جمالها أمر طبيعي ms031 من عند ~~الله، ميزها الله من الآخرين والأخريات ، إنها كوكب الكميلي نجمة الأدب ~~والصحافة، نائبة رئيس التحرير، بطلة السباحة والكرة الطائرة، حصلت على ~~أعلى الأصوات في الانتخابات، أصغر الأعضاء سنا، عيون الرجال تلتهمها ~~حبا، عيون النساء تأكلها حسدا، هذا الحشد من المثقفين جاء ليشهد ~~حصولها على الجائزة، تدور عيناها على الرءوس في القاعة محاولة معرفة ~~عددهم، في القاعة خمسمائة كرسي جميعها ممتلئة من دون استثناء، بعض ~~الناس يقفون وراء الصف الأخير على الجانبين، جميعهم يعرفون موهبتها ~~الصحفية والأدبية، إلا زميلها أحمد عارف الذي تصور أنه الفائز ~~بالجائزة، لكنها صرعته في المنافسة، بالجهد المتواصل والصبر والعرق ~~والأرق، تهمس لنفسها، نعم اشتغلت يا كوكب الكميلي مثل كلب لتصرعي غريمك ~~أحمد عارف، لم يعد لديك منافسون بعد أحمد عارف، ثم ابتلعت كوكب الكميلي ~~لعابا مرا، شعرت فجأة بغصة في حلقها، تنزلق الغصة من الحلق إلى ~~المعدة، تشبه الكرة الصلبة الباردة الخاوية من الداخل، مثل ثقب الأوزون ~~الأسود، أو فراغ من هواء مضغوط، يتحول من بخار في المعدة إلى قطعة ~~صلبة، تتحرك في أحشائها، كتلة متراكمة من القلق والحيرة والشك داخلها ~~الثقب، هل أنت يا كوكب الكاتبة الموهوبة التي تستحق هذه ~~الجائزة؟ # عيناها تدوران في القاعة بحثا عن وجه أحمد عارف، لمحت وجهه النحيل ~~الشاحب بنظارتيه الطبيتين البيضاوين فوق عينيه اللامعتين تحت ~~الأضواء، ابتسمت في وجهه وهزت رأسها بتحية، يتخفى الزهو تحت التواضع، ~~يرد لها التحية بانحناءة رأس مستسلم، وابتسامة كبرياء مهزومة، تشعر ~~كوكب بدوار لذيذ، كأنما شربت كأس نبيذ معتق، نشوة النصر على أحمد ~~عارف، أقوى المنافسين لها، دعي العيون تشهد يا كوكب الكميلي كيف ~~تتفوقين اليوم على أحمد عارف وغيره من الكتاب والصحفيين، في نهاية ~~الحفلة وقفت بقامتها الطويلة الرشيقة بين كبار الأدباء ورؤساء التحرير، ~~الأديب الكبير خالد الحموي، الحائز جائزة مبارك يبتسم في وجهها، يشد ~~على يدها بقوة وحرارة، مبروك يا أستاذة عقبال جايزة مبارك. وزير ~~الثقافة يربت كتفها بحنان الأب، مبروك يا بنتي لك مستقبل أدبي مرموق ~~يفخر به الوطن. ms032 يعانقها الزملاء والزميلات مهنئين، تستمع إلى عبارات ~~التهنئة والتقدير بفرح كبير، تتذكر صديقتها فتشتد فرحتها، لم تعد ~~منافسة خطيرة لها بعد فصلها، كانت هي تخص كوكب بصداقتها، تعاملها برقة ~~وتساعدها على الكتابة، لم تكن كوكب تجيد الكتابة باللغة العربية، ~~مقالاتها ملأى بالأخطاء، لا تتأخر عن تصحيحها إن طلبت إليها كوكب ذلك، ~~أحيانا تعيد كتابة المقال أو فقرة تراها ناقصة، كتبت لها مقالا ~~كاملا حين سافرت في الإجازة، مدحه رئيس التحرير كثيرا، هنأ كوكب ~~عليه، نشره في مكان مميز أعلى الصفحة، مع صورة كوكب داخل إطار، في ~~الليل تحلم كوكب بكابوس يثقل قلبها، تبدو صديقتها هي الكابوس أو الشبح ~~الذي يطاردها في الظلمة، تتمنى أن يأخذها الله؟ ثم تقول لنفسها في ~~الحلم: ما ذنبها يا كوكب إذا كان الله هو الذي يعطي الموهبة لمن يشاء ~~ويحرم من يشاء؟ لكن أين العدل يا رب؟ تتشكك كوكب في عدالة الله في ~~أثناء النوم، حتى يطلع النهار فيعود إليها الإيمان كاملا، طردت كوكب ~~الشبح بهزة قوية من رأسها، فازدادت الأصوات المهنئة من حولها، يقول ~~لها أحمد عارف: «ألف مبروك يا كوكب يجب أن نحتفل بك الليلة في النادي ~~الثقافي، الوزير سيحضر، وكبار الأدباء ورؤساء التحرير جميعهم.» شكرا ~~يا أحمد أنت كاتب ممتاز كنت تستحق الجائزة أكثر مني لكن معلهش السنة ~~الجاية تاخذها. لم تحضر صديقتها فؤادة الحفلة كعادتها، لم تكن تحب ~~الحفلات والحياة الاجتماعية الأدبية والثقافية، تمنت كوكب أن تراها ~~في الحفلة، لتشهد مع الآخرين فوزها، تجول عيناها في القاعة باحثة عنها، ~~لم تكن فؤادة في الحفلة، أصبح غيابها غصة في حلق كوكب، إبرة تنخس ~~صدرها، أرادت أن تقرأ على وجهها ما قرأته على وجه أحمد عارف والمنافسين ~~لها؛ الحسد، لكن فؤادة لم تحضر حفلة الجائزة في الصباح، ولا حفلة ~~المساء، لم تتصل بها كوكب منذ فصلها من الجورنال، ركبت سيارتها بعد ~~الحفلة، عازمة على زيارة فؤادة في بيتها، أقنعت نفسها بأنها زيارة ~~واجبة دافعها الصداقة، يداها تدوران مع عجلة القيادة وهي شاردة، يتحلق ms033 ~~الأطفال في الشوارع حول سيارتها يمسحون زجاجها، يبيعون علب مناديل ~~الورق المعطرة، أو زهور القرنفل، عقود الياسمين، أو لا يبيعون شيئا، ~~لكن يحملقون من خلال الزجاج المغلق بعيون واسعة جائعة، يقشعر جسمها ~~خوفا وهي ترى التحديقة في عيونهم، تدوس بقوة دواسة البنزين منطلقة ~~بالسيارة، فتحت فؤادة الباب لترى كوكب أمامها تلهث، وقد صعدت الأدوار ~~في الظلمة، كان المصعد معطلا، أنوار السلم منطفئة، كانت فؤادة ترتدي ~~قميص نوم أبيض مجعدا، وكان شعرها ملفوفا فوق رأسها في ضفيرتين، مدت ~~كوكب يدها نحوها بزهرة قرنفل وعقد ياسمين، كنت عاوزة أزورك قبل كده لكن ~~الشغل كتير إنتي عارفة. مبروك الجائزة يا كوكب. الجائزة مش مهمة، المهم ~~إنت يا فؤادة، أنا قلقت عليكي من يوم قرار الفصل. أنا نسيته يا كوكب. ~~حد ينسى قرار مهم بالشكل ده؟ ~~- أنا زعلت منهم في الجورنال، قلت لهم إزاي تفصلوا أكتر واحدة موهوبة ~~فينا، عارفة تقديري لك يا فؤادة؟ ~~- عارفة يا كوكب. ~~- عاوزة آخد رأيك في موضوع مهم. ~~- رأيي أنا يا كوكب؟ ~~- رأيك كان دايما له قيمة عندي. # ضحكة خافتة وهي تحدق إليها: إيه الموضوع يا كوكب؟ # الأستاذ محمد رشحني لرئاسة تحرير مجلة المرأة الجديدة، العدد الأول ~~سيصدر في عيد النصر الجاي؟ مش عاوزة أسيب الجورنال، مين فات قديمه تاه، ~~إيه رأيك؟ # اختاري الشيء اللي تحبي تعمليه يا كوكب. مش باحب حاجة في الصحافة ولا ~~تحرير المرأة ولا حاجة من الكلام الفارغ عاوزة إيه يا كوكب، مش عارفة، ~~عاوزة أحب يا فؤادة، عاوزة الراجل اللي أحبه بحق وحقيقي، اتجوزت بكري ~~من غير حب، ثم تطلق كوكب ضحكتها العالية المجلجلة التي تنتهي بشهيق ~~عميق كالنشيج، ثم تحكي لها قصة حبها القديمة قبل الزواج، لا يمكن أنساه ~~يا فؤادة مش عارفة ليه، هو الوحيد اللي حبيته وكنت عاوزة أتجوزه، لكن ~~هو كان بيحب واحدة غيري دايما نبص للشيء في إيد غيرنا مش كده والا إيه ~~يا فؤادة؟ ~~- إيه يا كوكب. # وانفجرت الصديقتان بالضحك، قادت فؤادة سيارتها الصغيرة صباح اليوم ~~التالي، كانت ms034 بدرية البحراوي تسكن في الناحية الأخرى من المدينة ، في ~~شقة بسيطة من غرفتين، غرفة لمكتبها ومكتبتها، وغرفة للنوم، ومائدة ~~الطعام في المطبخ، وصالة بها بعض المكاتب، انتقلت إلى هذه الشقة ~~الصغيرة بعد تقديم استقالتها من سطرين: # لا تهتم الدولة بفتح العقول، شعب مغلق العقل يسهل حكمه، انفض الناس ~~عنها بعد فقدانها المنصب، لم يعد اسمها يظهر في الصحف، وبعد منع ~~كتاباتها أصبحت تنشرها في مجلات الشباب غير المعروفة، لا يزورها في ~~مكتبها إلا القليل، شابات وشباب متمردون فقراء يشقون طريقهم ~~بصعوبة. # | بدرية # عانت بدرية البحراوي العزلة، أصبحت تكره المدينة وشوارعها الملأى ~~بالقمامة، وجوه الناس المعفرة المرهقة، أكثر ما تكره الوجوه المغسولة ~~في الصحف المنشورة، تجلس وراء مكتبها، الساعة وراء الساعة، اليوم وراء ~~اليوم تمد يدها قبل النوم إلى الصحف، ترى صورهم داخل البراويز، منشورة ~~مقالاتهم وقصصهم ورواياتهم مع الرئيس والوزير، الكاتب الروائي والمفكر ~~والأديب العالمي، تلقي بالصحف في صفيحة القمامة، قادت فؤادة سيارتها في ~~الحواري المتربة المتفرعة من الشارع الرئيسي، أكوام القمامة تسد مدخل ~~المباني والعمارات، أطفال الشوارع ينبشونها مع القططة والكلاب ~~الشاردة، وجوههم تشبه وجوه العجائز وعيونهم يأكلها الذباب، امرأة ~~عجوز عمياء تجلس مسندة ظهرها إلى الحائط، ذراعها ممدودة ويدها مفتوحة، ~~لا ينظر إليها أحد، كل يجري إلى رزقه، ألقت فؤادة في اليد الفارغة ~~قطعة نقود، فانفرجت الجفون المغلقة عن شق رفيع وصوت مشروخ: كتر خيرك ~~يا بنتي. ابتسمت، تفعل الابتسامة ما تفعله قطعة نقود، أمام العمارة ~~توقفت، صعدت السلم إلى الدور الثاني، فوق لوحة نحاسية صدئة قرأت الحروف ~~المحفورة: بدرية البحراوي. دقت الجرس، فتحت لها فتاة طويلة نحيفة ~~عيناها سوداوان تلمع فيهما ابتسامة، في الصالة بعض من المكاتب الصغيرة، ~~تحمل أكواما من الكتب والأوراق والمجلات والصحف، الرفوف من الأرض إلى ~~السقف ملأى بالكتب، في ركن الصالة مائدة دائرية يجلس من حولها عدد من ~~الشباب والشابات يتناقشون، لم ينتبه أحد إلى دخولها فجلست في أقرب ~~مقعد وراحت تتصفح المجلات والكتب، انقضى ما يقرب من نصف ساعة، ثم ~~نادتها الفتاة ms035 الطويلة النحيلة، كانت الأستاذة بدرية البحراوي تجلس ~~وراء مكتبها مرتدية قميصا أبيض واسعا، من خلفها لوحة للبحر، اسمك ~~ايه؟ ~~- فؤادة. ~~- جيتي هنا ليه؟ ~~- لأقابلك. ~~- ليه؟ ~~- كتاباتك. ~~- كتاباتي؟ # شجعتني، راحت تحملق في الوجه أمامها، حركت الكرسي قليلا لتراها عن ~~قرب، لفؤادة وجود يحس به الآخرون بشكل غامض، عيناها الثابتتان بهذه ~~التحديقة انتبهت بدرية فجأة، لم تدرك وجودها إلا هذه اللحظة التي تحدق ~~إليها، ماذا تريدين مني؟ ~~- أريد أن أعمل معك. ~~- أنا لا أعمل شيئا. ~~- ألا تكتبين؟ ~~- كنت في زمن مضى. ~~- لماذا لا تفتحين مدرسة للإبداع الأدبي؟ ~~- سيغلقونها. ~~- لأ يا أستاذة. ~~- استمري في عملك بعيدا عني. ~~- ليس لي عمل. ~~- كيف؟ ~~- فصلوني بقرار وزاري. ~~- أصبح لديك وقت أكثر للكتابة. ~~- فعلا. ~~- مبروك، أنت محظوظة. # ابتسمت بدرية، تغير وجهها مع الابتسامة، بدت شابة وليست كهلة. # صوتها أصبح أكثر دفئا: # أنت لا تصلحين للعمل في هذا الجو الملوث، بؤرة فاسدة، أهنئك على ~~خروجك منه سليمة، لا يمكن لمبدعة العمل في هذا المجرور باكابورت يا ~~أستاذة بدرية، أعرف أعرف؛ لهذا يفصلون كاتبة مثلك، لا يطيقون الصدق ~~لأنه يكشف كذبهم، كالمرآة تعكس صورهم المشوهة، أطرقت طويلا، تهدلت ~~عضلات وجهها، بدت فجأة مثقلة بالحزن، متى قررت أن تكوني كاتبة؟ ~~- مذ كان عمري تسع سنين. ~~- في السن الصغيرة دي؟ ~~- أيوه. ~~- ليه قررتي تكوني كاتبة؟ ~~- ماعرفش، كرهت المدرسة، وكرهت البيت، أقول لك الحقيقة كلها؟ ~~- قولي الحقيقة كلها. ~~- كرهت المدرسة والبيت، أبويا لأنه بيظلم أمي، وكرهت أمي لأنها تقبل ~~الظلم كرهت الدنيا كلها، ابتديت أكتب لأكشف الظلم، كنت باحلم ~~بالعدل. ~~- الناس لا تتكلم بهذه الصراحة، أنت مختلفة؟ ~~- أيوه. ~~- لا أقصد أنك شاذة. ~~- نعم. ~~- أنت طبيعية لكنك شاذة في نظرهم. ~~- أيوه. # سكتت بدرية، بدا عليها التعب والضجر، ثم قالت كأنما تكلم نفسها: أنا ~~قررت العزلة الكاملة عن الناس، لا أريد أن يأتي أحد منكم إلي، اذهبوا ~~وتمردوا بعيدا عني، لا أريد تحمل مسئولية أحد، أنت لا تعرفين خطورة ~~اقترابك مني، الثمن باهظ لا يمكنك دفعه، أنت تسيرين نحو تحطيم نفسك، ~~الأفضل لك ألا ms036 تأتي إلى هنا مرة أخرى، أنا قررت العزلة ولا أريد رؤية ~~أحد. مرت لحظة صمت طويلة، يا أستاذة نحن في حاجة إليك، لست وحدي، ~~جيلنا بأجمعه الشابات والشباب في حاجة إليك، أرجوك افتحي مكتبك ~~وسأعمل معك من دون أجرة. ومن أين تأكلين؟ الكتابة تأتي بعد الأكل لا ~~أحد يموت من الجوع يا أستاذة، حدقت بدرية إلى وجه فؤادة، ملامحها ~~طفولية لم تكسرها الحياة بعد، أشفقت عليها من مشقة الطريق الذي تريد أن ~~تمشي فيه، اسمعي يا بنتي لا تضيعي وقتك، لا فائدة من التعلق بفكرة ~~مثالية يستحيل تحقيقها، روحك الجميل لن يستريحوا حتى يحطموه، تملكين ~~العقل المفتوح، لا شيء يثير حقدهم مثل العقل المفتوح، لا تكوني صادقة؛ ~~فالصدق لا يفيدك بل يضرك، هل أنت يا أستاذة التي تقولين هذا؟ هل أنت ~~كذبت لتحققي ما تريدين؟ # بالطبع لا، لكن لست أنت بدرية البحراوي، لا أعني أنك أفضل مني أو ~~أنني أفضل منك، كل منا تختار طريقها وتتحمل مسئولية قرارها، أنا جئت ~~إليك بملء حريتي وبمسئوليتي عن نفسك، واثقة بذلك، لكني لا أنصحك ~~بالسير في طريقي، ألم يحذرك أحد من هذا الطريق الشاق؟ # يا أستاذة كثيرون حذروني، لكني لا أحترم رأيهم، لا أريد أن أكون ~~مثلهم، لن تكوني مثلهم، لديك موهبة ليست لديهم، أنا أعرفهم وهم ~~يعرفونني، يحترمون رأيي وإن اختلفوا معي، يأخذون من أفكاري ما يشاءون ~~من دون ذكر اسمي، يمكنني أن أعطيك خطاب توصية للوزير الجديد، لقد كان ~~يعمل تحت رئاستي وهددته بالفصل، كان يسرق أفكار غيره من دون أن يذكرهم، ~~لكنه يحترم رأيي وسوف يعينك على الفور في المجلة الأدبية الجديدة، لن ~~يعجبك العمل معهم لكن سوف تتعودين هل توافقين؟ لا أوافق، أنت لم تفعلي ~~هذا يا أستاذة، نعم لم أفعله؛ لهذا أقوله لك بصدق، لو كنت مثل الآخرين ~~لما قلته لك لكنك مختلفة يا فؤادة، أنت تحبين الكتابة، الكتابة هي حبك ~~الحقيقي، هذه هي اللعنة، الحب الصادق الحقيقي واضح في عينيك، يراك ~~الناس ويخافون الصدق، ألا ترين الخوف ms037 في عيون الناس؟ ~~- أنا لا أنظر إليهم. ~~- ألا تعرفين ما فعلوه معي؟ ~~- لم تخافي منهم. ~~- الخوف يؤدي إلى الكراهية. ~~- نعم. ~~- أتريدين أن تكوني مثلهم؟ ~~- ليتني أصبح مثلك. # أشكرك، لكن أحذرك يا فؤادة، قد تندمين وتقولين لنفسك، بدرية البحراوي ~~شجاعة كتبت ما تريد، قد تتمنين الموت من أجل ما تكتبين، ربما يبدو لك ~~الموت جميلا، لكن لا تجهدي نفسك كما أجهدت نفسي عشرين عاما من أجل ~~قضية خاسرة، لم تكن خاسرة يا أستاذة وإلا لما جئت إليك؟ # لا أريد أن أشعرك باليأس يا فؤادة، لكن لا أريد أن أخدعك أيضا، قد ~~يأتي يوم تلعنين بدرية البحراوي واليوم الذي جئت إليها، تجدين نفسك في ~~البيت، وحيدة، حزينة، تنظرين إلى الأوراق المتراكمة فوق مكتبك غير ~~المنشورة، تريدين تمزيقها، تنظرين إلى أصابعك حول قلمك، تكرهين ~~أصابعك وقلمك، تريدين كسر القلم، وعظام أصابعك، تريدين كسرها مع ~~القلم، تلعنين اليوم الذي أحببت فيه الكتابة واليوم الذي ولدتك فيه ~~أمك، قد تسيرين في الشوارع جائعة مثل القططة الشاردة، تركبين الترام ~~أو الأوتوبيس أو القطار من دون تذكرة حتى تري الكمساري قادما فتسرعي ~~إلى النزول، لكنه يمسكك من قفاك ويأخذك إلى رجال البوليس، يتعرفون ~~وجهك من صورك القديمة في الصحف ويقولون لك: «عيب كده يا أستاذة ~~بدرية.» قد يقع بصرك على صورة أحد تلاميذك البلداء يتسلم الجائزة ~~الكبرى، يصفقون له في القاعة الفسيحة الفاخرة، يقدمونه بلقب الكاتب ~~العالمي الكبير، وأنت تسيرين في الشوارع المتربة وأصابع قدميك تلتهب ~~داخل الحذاء القديم، وحلقك جاف من العطش، والدنيا قبيحة ملأى بالكره ~~والكذب وكل الموبقات، ولكن. # ولكن ... # ولكن إيه؟ # قد تقرئين قصة بقلمك غير منشورة، تتوقفين أمامها مشدوهة، لا تصدقين ~~أنها كلماتك أنت، وإبداعك أنت، وتتبدل الدنيا بسرعة في عينيك، ~~تصبح جميلة ملأى بالصدق والجمال والحب، يدب فيك الحماسة والأمل، ~~تحملين القصة في حقيبتك مخافة أن يبلغك الموت قبل تسليمها إلى رئيس ~~التحرير، توقفك السكرتيرة عند الباب متأففة من منظرك، ترمق كعب حذائك ~~المتقطع بعينيها المكحلتين، تقول لك: «إن رئيس التحرير في ms038 اجتماع هام ~~مع الوزير، لن يأتي قبل ساعتين .» تنتظرين في مكتب السكرتيرة حتى يأتي ~~رئيس التحرير، يقول لك: تعالي غدا. في الغد تذهبين إليه، تتمنين أن ~~تظهر قصتك إلى النور ويقرأها الناس، تنظرين إليه وهو يقرؤها بعينين ~~ملؤهما الفتور واللامبالاة، تلعنين نفسك لأنك تعرضين إبداعك لمثل ~~هاتين العينين الوقحتين، كأنما تعرضين عليهما جسدك العاري وروحك ~~الغالي، يمط شفتيه متأسفا ويعتذر لك لأن صفحات الجورنال كلها مشغولة، ~~ولا مكان لك، ترين قصة ركيكة تحتل صفحة كاملة بقلم زميلتك كوكب أو ~~غيرها، تعودين إلى بيتك، هل تعرفين ما تفعلين في بيتك؟ تبكين يا فؤادة، ~~تبكين دموعا ودما حتى تفرغ عيناك من الدموع والدم، حتى تنفجر عيناك ~~ولا يبقى لهما أثر، أترغبين بعد هذا كله يا فؤادة في الكتابة؟ ~~- نعم. # أطرقت بدرية في إرهاق واضح، أغلقت جفونها، مسحت قطرات العرق فوق ~~جبهتها بمنديل أبيض، بدت حزينة يائسة، جالسة في مقعدها منحنية قليلا ~~إلى الأمام صوتها المشروخ يهمس، هذه أول مرة أبوح بهذا الكلام. ~~- أشكرك. # | قرار الزواج # يبدو شاكر للناس بارد المشاعر، عاطفته الجياشة تختفي تحت وجه جامد، ~~لا يبتسم إلا نادرا، ضحكته إن ضحك ليس لها صوت عال، لم تسمعه زوجته ~~يقهقه قط، لم تسمعه يقول لها كلمة أحبك، كتب لها قبل الزواج رسالة يقول ~~فيها: # عزيزتي فؤادة # أشعر في كل مرة أقابلك أنك مختلفة عن النساء لا أعرف كيف، ~~شيء فيك يجذبني إليك، لا أعرف ما هو، لم أتعود البوح ~~بمشاعري، عشت في طفولتي وحيدا حزينا، أسمع من وراء الباب ~~المغلق أبي وأمي يتشاجران، أرى أبي يضرب أمي حين يعود متأخرا ~~في الليل تفوح منه رائحة الخمر، اكتشفت أمي أنه تزوج في السر ~~ممثلة في السينما من درجة الكومبارس، عاشت أمي الحزن أسمعها ~~تبكي وحدها في الليل، تهمس لنفسها، لو كانت فنانة محترمة لكنت ~~سامحته لكن كومبارس؟ كرهت أبي وكرهت الله، كيف يمنح الرجل حق ~~الزواج بأكثر من امرأة؟ أليس هذا ظلما وإهانة وقهرا لأمي ~~ولجميع النساء؟ وسألت الله عن الفقر والجوع ms039 وبؤس الأطفال، ~~كانوا يرمقونني وأنا أمشي بعيون واسعة ملأى بالهوان، في ~~أعماقي ثورة على الظلم أدخلتني السجن، وحزن عميق منذ الطفولة ~~أبعدني عن الحياة، فهل تستطيعين إعادتي إلى الحياة يا فؤادة؟ ~~لا أملك سلطة أو مالا أو جاها، لكن سأحاول أن أمنحك ما ~~تستحقين من حب وحنان ورعاية، سأكون مخلصا لك، لن أجعلك ~~تندمين لأنك قبلت الزواج بي ربما تفخرين بي، حين أحقق لك ~~ولأطفالنا ما يريدون في هذه الحياة. # شاكر # لم يكن لشاكر موهبة أدبية تجذبها، ~~أو ملامح الفتى الذي يعيش في خيالها، يكتب بلغة الصحافة وليس الأدب، ~~قامته متوسطة ذكاؤه متوسط، ملامحه وسيمة متوسطة من دون جاذبية، لا يخفق ~~شيء تحت ضلوعها حين تراه، يرتدي دائما بذلة أنيقة وحذاء لامعا، لون ~~الجورب متسق ولون القميص والبذلة وربطة العنق، يبدو بصوته الرصين ~~وملامحه الجامدة مثل الأستاذ الجامعي، بشرته بيضاء متوردة قليلا تنم ~~عن الراحة، لكنه كان متواضعا يحاول الاقتراب من البسطاء والفقراء ~~والضعفاء والنساء، حين وصلتها الرسالة بدأت فؤادة تدرك وجوده، كانت ~~خارجة من قصة حب تركت في قلبها جرحا غائرا، قررت عدم تكرار التجربة، ~~أوحى إليها شاكر أنه يستحق الثقة، حكت له كل حياتها، وهو حكى لها عن ~~أمه وأبيه وطفولته الحزينة، لم يحك شيئا عن حياته الأخرى. وراء ~~مكتبها الفاخر جلست كوكب تنظر في مرآتها الصغيرة، تلامس بالفرشاة أنفها ~~وخديها، تختفي البثور الدقيقة تحت البودرة، يختفي الشحوب تحت لمسات ~~باللون الأحمر، بعد عشر دقائق بالضبط ستأتي فؤادة إلى مكتبها، تحافظ ~~دائما على موعدها، تبتسم كوكب لنفسها في المرآة، أسنانها صغيرة بيضاء ~~منتظمة «صفي لولو» كما يقول الأستاذ، كلمة الأستاذ تعني الرئيس لهذه ~~المؤسسة الضخمة، الأستاذ يكبرها بعشرين عاما وأكثر، متزوج وله ثلاثة ~~أبناء يدرسون في الخارج، يخفق قلبها حين يرمقها بعينيه العميقتين ~~في أثناء اجتماع المجلس، يدعوها إلى مكتبه أحيانا للتحدث، يستطلع ~~رأيها في بعض قراراته، وخصوصا التعيينات الجديدة، لعبت دورا في ~~تعيين أحمد عارف مديرا لمكتبها، بدرجة نائب رئيس تحرير، دقت الجرس، ~~ظهر أحمد عارف على ms040 الفور، أصابت ظهره انحناءة خفيفة، صوته أصبح ~~خفيضا ، ناولته ماكيت العدد الجديد ثم نظرت إلى ساعتها، يا أحمد بعد ~~سبع دقائق ستأتي الأستاذة فؤادة إلى مكتبي أتعرفها؟ ~~- أيوه طبعا قرأت كتاباتها. ~~- إيه رأيك فيها؟ # كاد يتسرع ويقول: كتاباتها بديعة. لكن حاسة الشم المرهفة لدى مديري ~~المكاتب، جعلته يسكت لحظة ثم يمط شفتيه بامتعاض، قائلا: موش بطالة يا ~~أستاذة كوكب. أنا رأيي يا أحمد أن موهبتها متوسطة، لكن ممكن تتحسن لو ~~اشتغلت معانا في المجلة، إيه رأيك؟ ~~- الرأي رأيك يا أستاذة. # | كاتبة فقط # جلست كوكب وراء مكتبها تنتظر دخول فؤادة، انتزعت من الأستاذ الموافقة ~~على تعيينها في المجلة، تتأمل الغرفة الواسعة الفاخرة، المكتب، ~~المكتبة، أصص الزرع الأخضر في الأركان، السجاجيد، النجفة الكريستال ~~تتدلى من السقف، دخلت فؤادة بقامتها الطويلة الممشوقة، رأسها شامخ ~~كأنما لم تعرف الألم والهوان، جلست في مقعدها تنظر إلى كوكب بتلك ~~التحديقة، لم يتغير شيء فيها، ينقبض قلب كوكب، يثقل ويغوص في أحشائها، ~~لا تتصوري يا فؤادة فرحتي، قرار تعيينك يصدر اليوم أو غدا ستكونين ~~معنا في المجلة، أتوافقين؟ ~~- أوافق بشرط يا كوكب. ~~- بشرط إيه؟ ~~- شرط أن أكتب ما أريد، لا أحد يتدخل في عملي، سأكون كاتبة فقط، لا ~~علاقة لي بتحرير المجلة أو إدارتها، أتوافقين؟ ~~- أوافق. # بدا السرور على وجه كوكب. ~~- ستحبين العمل معي يا فؤادة. # شعرت كوكب بلذة وهي تقول: «معي» وتعني تحت رئاستي، ثم قالت: المؤسسة ~~أكبر المؤسسات في الشرق الأوسط، ومجلتنا الأولى في مصر والعالم العربي، ~~ده مكانك يا فؤادة، مش مع بدرية البحراوي. ~~- بدرية البحراوي أعظم كاتبة لا أسمح لك. ~~- متأسفة يا فؤادة، مش قصدي حاجة. # دق جرس التلفون، انشغلت كوكب في المحادثة. # استغرقت فؤادة في تأمل اللوحات على الجدران، صور رئيسات التحرير ~~السابقات للمجلة، رئيس الدولة أو الوزير يقدم لإحداهن الجائزة ~~التقديرية، صورة كوكب في آخر الطابور، أنهت كوكب المكالمة التلفونية، ~~اتجهت نحو فؤادة: نحتفل بالتعيين الجديد؟ إيه رأيك ناخد درينك سوا؟ ~~عندهم هنا في الكافيتيريا نبيذ أحمر عمر الخيام؟ ~~- شكرا يا ms041 كوكب، ليس لدي وقت. # تحركت الغصة في حلق كوكب، ابتلعت لعابا لا يخلو من مرارة، لم تتوقع ~~أن تقبل فؤادة العمل معها أو تحت رئاستها، أما وقد قبلت فهذا يثلج ~~صدرها إلى حد ما، والأفضل أن تتركها تمضي قبل أن تتراجع وترفض، لكن ~~شيئا غامضا خارج إرادتها يجعلها تستمر في الكلام، تعالي ناخد كاس ~~نبيذ والا النبيذ حرام؟ ~~- مش حرام طبعا لكن عندي شغل. ~~- فيه حاجات أهم من الشغل. ~~- زي إيه يا كوكب؟ ~~- حاجات إنسانية. ~~- إنسانية؟ # قصدي يا فؤادة أنك ترفهي عن نفسك شوية، إنتي أخلاقية أوي، إنتي جادة ~~زيادة عن اللزوم، الحياة مش كلها شغل، الترفيه مهم والاسترخاء، ابتسمت ~~فؤادة، كانت جالسة في مقعدها مسترخية، أنا في حالة استرخاء يا كوكب ~~أعرف، لكن ليه ترفضي دعوتي؟ ~~- أقبلها ليه؟ لأي سبب يا كوكب؟ # هل كل شيء عندك له سبب يا فؤادة؟ ألا تفعلين شيئا بدون سبب؟ لمجرد ~~الترفيه أو التسلية مثل غيرك من الناس، حياتك وشخصيتك وكلامك كله جد، ~~كل حاجة عندك مهمة، كل دقيقة من وقتك مهمة، حتى وأنت قاعدة ساكتة في ~~الكرسي، ألا يمكن أن تكوني غير مهمة مرة واحدة في حياتك. ~~- لأ. ~~- ألا تشعرين بالتعب من مناطحة القدر، من حكاية البطولة دي؟ ~~- بطولة إيه؟ # ماعرفش يا فؤادة، يمكن لم تقومي بعمل بطولي لكن شكلك وكلامك وطريقتك ~~وشخصيتك كلها توحي للناس بالبطولة، لا أفهمك يا كوكب، يمكن كلمة ~~البطولة غلط يا فؤادة، قصدي إنك مختلفة عن كل الناس، كأنك تضعين نفسك ~~في جانب والعالم كله في الجانب الآخر، أنا أختلف معك يا فؤادة، لا أريد ~~أن أغرد خارج السرب، أريد الانتماء إلى هذا العالم، إنه مليء بالأشياء ~~الجميلة، ليست الحياة كلها حربا وقتالا. ~~- قتال إيه يا كوكب؟ ~~- أيوه قتال، أنت تقاتلين العالم يا فؤادة، قد ترتكبين جريمة قتل ~~لتكتبي ما تريدين. # ماذا يضايقك في طريقتي يا كوكب إذا كنت راضية عن طريقتك؟ # سكتت كوكب لا تعرف الرد، ثم سألت: ليه بتكرهيني يا فؤادة؟ ~~- أنا مش باكرهك يا كوكب. ms042 ~~- طيب ليه مش بتكرهيني؟ ~~- وليه أكرهك يا كوكب ؟ # يبدو الحوار بينهما غريبا مضحكا، تريد كوكب أن تتوقف عن الحديث ~~وتتركها تمضي، لكنها لا تستطيع، شيء في داخلها يدفعها إلى ~~الاستمرار. ~~- أعرف يا فؤادة أنك لا تحبينني لأنك لا تحبين ولا تكرهين أي ~~أحد. ~~- مش فاهمة يا كوكب! ~~- أنت لا تشعرين بوجود أحد، إلا ... ~~- إلا إيه؟ ~~- إلا أنت. ~~- غير صحيح. ~~- ما هو الصحيح إذن؟ ~~- لا شيء يا كوكب، أظن أنك تشعرين بالإرهاق والأفضل أن تستريحي ~~قليلا. ~~- سأراك الإثنين المقبل يا فؤادة. ~~- إلى اللقاء يا كوكب. # عندي سؤال أخير: إنتي بتشوفي حميدة؟ ~~- أحيانا. ~~- كانت زميلتي في المدرسة. ~~- أيوه عارفة يا كوكب. ~~- وكانت بليدة وبتسقط في الامتحانات. ~~- ما فيش علاقة بين البلادة والسقوط في الامتحانات. ~~- إزاي ده؟ ~~- بعدين نتكلم إلى اللقاء يا كوكب. # كان شاكر يقود سيارته الخاصة بنفسه، أكبر من سيارة زوجته ومن طراز ~~أحدث، يميل شاكر إلى السيارات الكبيرة الحديثة، بخلاف زوجته، كان ~~عائدا إلى بيته حين لاحظ في المرآة سيارة زرقاء تتبعه، يضع السائق ~~نظارة سوداء، في جواره رجل يضع كاسكيت يخفي نصف وجهه الأعلى، انحرف ~~إلى شارع صغير متفرع من شارع التحرير، تبعته السيارة الزرقاء، أيقن ~~أنه مراقب والأفضل ألا يتوقف عند البيت، فوق المقعد في جواره كانت ~~حقيبته الجلدية السوداء منتفخة بالأوراق والصحف والمجلات، ومنشورات ~~الحزب السرية وكان عنده موعد مهم لم يسجله في مفكرته الصغيرة خوفا من ~~أن تقع في يد زوجته، لم تكن فؤادة تراقبه أو تشك فيه، منحته ثقة كاملة ~~وكانت هي مشغولة بالكتابة، لا تكاد ترفع وجهها عن المكتب، تعود شاكر ~~منذ طفولته إخفاء أشياء عن الآخرين، كانت له حياته التي لا يمكن البوح ~~بها، منها العادة السرية في المراهقة، في مكتبها كانت فؤادة جالسة ~~مستغرقة في الكتابة، حين دخلت كوكب حاملة بعض الأوراق وضعتها فوق ~~المكتب، وقالت: فؤادة ممكن تراجعي المقال ده، أنا كتبته بسرعة، لازم ~~يروح المطبعة خلال ساعة، عندي اجتماع دلوقتي مع الريس. خرجت كوكب بسرعة ~~قبل أن تنتبه فؤادة، قبل ms043 أن تحدق إليها، قبل أن ترى هل غضبت أم لم ~~تغضب، وهل جرحت كرامتها؟ # لكن فؤادة راجعت المقال، كان ركيكا حافلا بالأخطاء، صححته قدر ~~الإمكان وأرسلته إلى المطبعة، بعد أيام قليلة، دق جرس التلفون في مكتب ~~فؤادة، جاءها صوت سكرتيرة كوكب، يا أستاذة فؤادة، سعادة رئيسة التحرير ~~تطلب حضورك إلى مكتبها حالا. تذهب فؤادة وتستمع إلى ما تقوله كوكب ~~رئيسة التحرير، تشكرها على تصحيح المقال ثم تعطيها مقالا آخر لتصححه ~~أيضا، في البداية تخوفت كوكب، هل فؤادة تغضب؟ لكن فؤادة تأخذ المقال ~~وتراجعه وترسله إلى المطبعة، تشجعت كوكب وبدأت تعطي أوامرها لفؤادة، ~~تشعر بلذة غامضة ترتعش لها جوارحها وهي تعطيها أمرا، تتوقع غضبها، ~~تتمنى أن تجرح شموخها، أن تخدش كرامتها أي خدش وإن كان طفيفا، لكن ~~فؤادة لا يظهر عليها أي غضب أو ضيق، تواصل تصحيح المقالات الركيكة ~~وترسلها إلى المطبعة، تصورت كوكب أنها تكتم الغضب وسوف تنفجر يوما ما، ~~لكن الأيام مرت، ستة شهور مرت، دون أن تفقد فؤادة هدوءها، كلما ازدادت ~~هدوءا ازداد غضب كوكب وكادت تنفجر. # كانت فؤادة قد بدأت تكتب رواية طويلة، تستغرق النهار والليل، في ~~المكتب والبيت والشارع، تمشي كالنائمة مستغرقة في الرواية لا ترى ~~أحدا، تخطو بحذر فوق الرصيف خشية الاصطدام بشيء، لا تحس بشيء خارج ~~الرواية، إن قامت القيامة وسقط النظام، إن اشتعلت المؤسسة بالنار، أو ~~سقطت السماء على الأرض، أو مات الناس فهي منصرفة إلى الكتابة لا تدري ~~بشيء، يدق جرس التلفون وهي تكتب، يأتيها صوت كوكب أو أي صوت كأنما من ~~كون آخر، تقول: أيوه، نعم، حاضر. كمن تتكلم في النوم، ثم تضع السماعة ~~وهي مغمضة، لا تصحو إلا وهي تكتب، لا تنتبه لشيء إلا ما يدور في ~~الرواية. # كان مكتب فؤادة في الدور فوق المطبعة، تسمع أزيز ماكينات الطباعة وهي ~~جالسة في مقعدها، كان الصوت يضايقها مثل الأصوات الأخرى التي تضج بها ~~المدينة، أبواق السيارات، صفارات سيارات الحريق والإسعاف، والبوليس، ~~الميكروفونات فوق المآذن والمباني، تذيع الصلوات والتكبيرات أو الغناء ~~والرقص. ms044 # كانت تسد أذنيها بقطع من القطن أو المطاط ، وتغلق النافذة ~~بإحكام. # كل هذه الأصوات لم تعد تسمعها، كأنما تموت حواسها كلها وهي تكتب إلا ~~حاسة واحدة؟ # شيء غريب يحدث لها وهي تكتب، يموت فيها كل شيء ليصحو شيء جديد لم ~~تعرفه البتة، أو قديم جدا عرفته منذ الطفولة، يختفي أزيز المطبعة إلا ~~همس خافت، مثل حفيف نسمة هواء، أو موسيقى ناعمة تدغدغ مشاعرها، تصحو ~~ذاكرتها النائمة منذ بدأت تتعلم الحروف، تنقضي الساعات وهي تكتب، لا ~~يوقظها إلا جرس التلفون، صوت كوكب، أو حميدة العاملة في المطبعة، ~~يسألها عن شيء في المقال المصحح، كانت حميدة قد عرفت خط فؤادة، وعرفت ~~أنها تصحح مقال رئيسة التحرير، رأتها في مدخل المبنى فتوقفت. ~~- الأستاذة فؤادة؟ ~~- أيوه. ~~- أنا حميدة في المطبعة. ~~- أهلا يا حميدة. ~~- عندي بن برازيلي محوج. ~~- محوج؟ ~~- تشربي معايا فنجان قهوة؟ ~~- طبعا يا حميدة. # | حميدة # لم تستطع فؤادة رفض دعوتها، كانت ترفض دعوات الآخرين في المؤسسة من ~~الصحفيين والكتاب والكاتبات، وجدت نفسها تسير وراء حميدة، تهبط معها ~~السلم دورين إلى المطبعة، تجلس معها في الكافيتيريا الصغيرة الخاصة ~~بعمال المؤسسة، تراقبها وهي تضع الماء على النار في كنكة صغيرة، تغسل ~~فنجانين بالماء والصابون لونهما أبيض وحوافهما ذهبية، تغسل الملعقة ~~الصغيرة، تجففها جيدا بفوطة بيضاء نظيفة، تخرج برطمان البن من ~~حقيبتها الكبيرة المصنوعة من قماش قلع المركب، ملفوفا في فوطة زرقاء ~~ذات مربعات بيضاء، تفوح رائحة البن المحوج وهي تفتحه، تضع في الكنكة ~~ثلاث ملاعق، تقلبها مرة أو مرتين، بعد دقيقة أو دقيقتين ترفع ~~الكنكة قبل أن تفور القهوة على النار، تجلس حميدة أمامها وبينهما منضدة ~~ذات سطح مصقول من الفرومايكا، ترشف فؤادة القهوة، يلتهب طرف لسانها ~~بألم لذيذ، مع الشهيق العميق تملأ رئتيها بالنكهة القوية، تذكرها ~~رائحة البن بأمها وجدتها، تنطلق منها ضحكة طفولية، باحب ريحة البن ~~المحوج! # عينا حميدة سوداوان واسعتان تثبتهما في العينين أمامها، شيء في ~~هاتين العينين يشدها إلى شيء آخر في أعماقها لا تعرفه. كان نفسي أطلع ~~لمكتبك من شهرين ms045 يا أستاذة فؤادة. بلاش أستاذة دي. كان نفسي أكلمك يا ~~فؤادة. تكلميني؟ ~~- أيوه. ~~- كنت مترددة. ~~- ليه يا حميدة؟ ~~- أنا عاملة مطبعة وإنت كاتبة مهمة. ~~- أنا موظفة هنا في المؤسسة زيك تمام. ~~- قريت لك قصة من شهرين لا يمكن أنساها. # اتسعت عينا فؤادة بدهشة. # تواصل حميدة الحديث وهي ترشف القهوة، تحدق إليها فؤادة من دون حركة، ~~فنجان قهوتها فوق المنضدة يبرد، كنت على وشك الانتحار بعد تجربة ~~مؤلمة، بالضبط مثل بطلة قصتك، كنت في الواحدة والعشرين، أكبر منها ~~بسنتين، تعلمت منها أن الألم يمكن أن يقتلني، ويمكن أن يخلقني من جديد، ~~قررت تغيير حياتي. كانت حميدة جالسة، في ثوب العمل الأزرق المبقع بحبر ~~المطبعة، أصابع يدها اليسرى تضم فنجان القهوة، يدها اليمنى بأصابعها ~~الطويلة النحيفة فوق المنضدة، تعلوها رعشة خفيفة غير مرئية، مدت فؤادة ~~ذراعها فوق المنضدة لتمسك يدها بيدها، كنت حامل في شهرين، رحت عيادة ~~دكتورة، حكيت لها كل حاجة، عملت لي العملية في ساعة ونص ساعة، رفضت ~~تاخد مني أي فلوس، خرجت من عيادتها أجري في الشارع عاوزة أطير من ~~الفرح، حسيت أن الدنيا حلوة وفيها إنسانة حلوة لها قلب كبير، فرحت ~~بيها زي ما فرحت بيكي هنا في المؤسسة. إنتي بتكتبي يا حميدة؟ # ضحكت حميدة. ~~- أكتب؟ ~~- أيوه. ~~- باكتب كتابات الناس ع الكومبيوتر يا فؤادة، بيدفعوا لي بالكلمة، ~~الماهية يدوب أسدد بيها الإيجار. ~~- وكتاباتك إنتي يا حميدة؟ # تتنهد حميدة. ~~- آه! كتاباتي أنا؟ كانت زمان لما كان عندي جهد ووقت. الكتابة بتفرض ~~نفسها يا حميدة، أيوه لكن يا أستاذة فؤادة الكتابة عاوزة وقت وراحة ~~وأنا هنا في المطبعة من سبعة الصبح لسبعة بالليل، وفي البيت يا دوب آكل ~~وأنام، الساعة خمسة أصحى، ساعتين في المواصلات على الأقل، أكتب إيه ~~وامتى يا فؤادة؟ ~~- كلنا حياتنا صعبة يا حميدة، أنا متأكدة إنك كاتبة. ~~- كاتبة حتة واحدة؟ ~~- أيوه. ~~- عرفتي منين؟ ~~- من عينيكي. # ضحكت حميدة غير مصدقة مندهشة. # تحت ضلوعها انتفضت العضلة القديمة منذ كانت طفلة. ~~- عندي كراسة تحت المرتبة باكتب فيها، تعرفي الأستاذة ms046 بدرية ~~البحراوي؟ ~~- طبعا قريت كل اللي كتبته. ~~- إيه رأيك نتقابل عندها؟ ~~- يا ريت. # حين عادت حميدة إلى بيتها، أخرجت من تحت المرتبة كراسة أوراقها ~~مكتوبة بخط يدها، داخل كيس من الدمور، أضاءت اللمبة الخافتة في جوار ~~سريرها، قرأت بضع صفحات ثم وضعتها في حقيبتها، وسقطت في النوم من شدة ~~التعب. انتهت فؤادة من كتابة الرواية، وضعتها في مظروف كبير لونه ~~أبيض، وضعت المظروف داخل دوسيه بلاستيك، تحملها بعناية داخل حقيبتها، ~~تتحسسها مثل كنز ثمين، لم يشأ أحد أن ينشرها، تعود إليها مع هذه ~~الكلمات؛ «نأسف ليست هذه هي الكتابة التي نريدها، القراء لا يقبلون ~~على هذا النوع من الكتابة، روايتك بطيئة الحركة لا تتماشى مع سياسة ~~الجورنال، نحن في عصر السرعة، البزينيس والربح السريع، اخطف واجر، نحن ~~نقول الصدق ولا نخدعك، اكتبي رواية أخرى تجاري السوق، هذه الرواية لن ~~تبيع، السوق عرض وطلب، هذا الأدب غير مطلوب، الناس يبحثون عن الأدب ~~المكشوف، الجنس العاري أدب الفراش وليلة الزفاف، اسمك غير معروف في ~~السوق، لا ننشر إلا للأسماء المشهورة.» بعضهم كان يبتسم في إشفاق، ~~يعبر عن إعجابه بالأسلوب أو المعنى الجديد، يمدح إبداع الأجيال الجديدة ~~من الشابات والشباب، بديع جدا لكن غريب جدا، مثل كل الخيالات في ~~هذه المرحلة من العمر، طموح جميل لكن الكتابة المطلوبة شيء آخر، يرد ~~إليها الرواية مزهوا بنفسه ونجاحه، فشلها يزيد من إحساسه بالنجاح، ~~بعضهم يبدي اللامبالاة، ينظر إلى كلماتها على الورق من دون اكتراث، قد ~~يطلب إليها الناشر رؤية الرواية، تمد يدها فوق مكتبه بروايتها، تخلع ~~عنها غلافها أمام عينيه، تحس بأن عضلات يدها تتقلص كأنما تخلع ملابسها ~~وتعرض جسدها، يدها مبللة بالعرق والعار، ليس لأنها تعري روايتها، بل ~~لأنها تعريها أمام عيون لا تكترث. وراء نافذتها في بيتها تجلس فؤادة، ~~تطل على المدينة عاجزة عن الكتابة، السيارات تمر من بعيد من دون صوت، ~~المباني تتخفى وراء السحابة، الشقة غارقة في الظلمة، الصمت ثقيل ينم ~~عن خطر غامض، الأيام خالية والعمر خاو، يرمقها الفراغ بعين ms047 سوداء ~~كالموت، أصابعها حول القلم مرتخية، عرفت هذه الحالة من قبل، تبدو ~~وكأنما لم تعرفها، كأنما أصابعها لم تمسك القلم قط، كأنما لم تكتب في ~~حياتها حرفا، كأنما لن تكتب بعد هذه اللحظة أبدا، إحساس مرير بفقدان ~~الثقة بنفسها بل بفقدان نفسها كلها، تطبق جدران الغرفة عليها، تكاد ~~تختنق، تهرب إلى الشارع، تمشي في الظلام، تحاول استنشاق الهواء، ~~المباني من حولها تتمايل نحوها تكاد تسقط عليها، الشارع مهجور لا أحد ~~فيه، تسمع وقع حذائها فوق الأسفلت كشخص يتبعها، تستمر في المشي لا ~~تعرف إلى أين لا تستطيع التوقف ولا النظر إلى الخلف، رفعت ياقة الجاكتة ~~تخفي نصف وجهها، وضعت يديها في جيوبها، أسرعت الخطى، في ضوء سيارة ~~سريعة رأت ظلها الطويل يخرج من بين قدميها، ومن بطن الأرض يخرج مارد ~~طويل أسود، تصورت أنه الشيطان يتبعها، كادت تصرخ، ثم تذكرت أنها لا ~~تؤمن بوجود الشياطين، تنفست الصعداء، شهيق عميق وزفير عميق، ~~استعادت هدوءها واستدارت عائدة إلى بيتها. # | سعدية # في السابعة صباحا تدق سعدية الجرس، تعرف طريقتها في دق الجرس، ~~تختلف عن دقات الجرس الأخرى، وخصوصا الطريقة التي يدق بها شاكر الجرس ~~أو ابنتها داليا، أو جارتها أم رءوف. # تشعر بالفرح حين تأتي سعدية، تترك لها مفاتيح البيت والدواليب وكل ~~شيء. ~~- صباح الخير يا أستاذة. ~~- صباح الخير يا سعدية. # تأتي ابنتها هنادي معها في الإجازات أيام الدراسة، كبرت هنادي وأصبحت ~~في الخامسة عشرة، تدرس في معهد الكومبيوتر، أصبحت فتاة ممشوقة الجسم، ~~تساعد أمها في الطبخ، قد تعطيها فؤادة بعض صفحات من الرواية لتكتبها ~~على الكومبيوتر، قد تجلس مع ابنتها داليا تتفرجان على التلفزيون، تجلس ~~هنادي على السجادة فوق الأرض، وتجلس داليا على الكرسي أو تستلقي فوق ~~الكنبة المبطنة بالقطن، تسند ظهرها إلى شلتة ذات كيس ملون، ترى وجه ~~هنادي شاحبا ينم عن التعب، تعالي يا هنادي إلى الكنبة. ~~- كتر خيرك يا ست داليا. ~~- ست إيه ده أنا عندي خمستاشر سنة زيك. ~~- العين ما تترفعش عن الحاجب. ~~- إيه الكلام الفارغ ده؟ ~~- كل ms048 الناس بتقول كده. ~~- ناس إيه ده إحنا مولودين سوا في السجن. ~~- في السجن؟ # وتضحك داليا، وكذلك هنادي لكن تحت ضلوعها عضلة تنتفض. # تحت لمبة النور المجاورة لسريرها أخرجت فؤادة الكراسة من الكيس ~~الدمور، وضعت نظارة القراءة وفتحت كراسة حميدة، ولدتها أمها فوق الأرض ~~في المستشفى المجاني، وتركتها إلى جوارها غارقة في الدم، وسقطت في ~~النوم العميق أو الموت، من حولها في عنبر الأمهات أجساد كثيرة ممدودة ~~فوق الظهر أو البطن، أو متكورة حول نفسها كالجنين، أرداف وأثداء ~~متهدلة تطل من جلابيب المستشفى الدمور، ملوثة بالطين والدم، وأطفال ~~عراة أشبه بلون الدود، إناث وذكور يزحفون فوق الأرض صامتين أو يئنون ~~أنينا مكتوما، تعرفت الأم وجه ابنتها، التقطت عيناها الوجه المألوف ~~من بين المئات أو الألوف، يشبه وجهها في الصورة، مدت إليها يدها عبر ~~أكوام اللحم والدم، فأطبقت الأصابع الخمس الدقيقة على إصبع الأم، ~~بقوة أكبر من جاذبية الأرض، خرجت الطفلة مع أمها خارج المستشفى بعد أن ~~همست في أذنها بالحلم، معها أمهات مع أطفالهن بعد أن قرر المستشفى ~~إخراجهن في ليلة العيد، في المساء كانت الأمهات يتجمعن حول التلفزيون، ~~تظهر على الشاشة صور الفنانين والفنانات، تتذكر كل منهن حلم طفولتها، ~~تمسح بكفها المتشققة دموعها الجافة، كانت الطفلة حميدة تحدق إلى وجه ~~الفنانة فانحفرت الملامح في عقلها من طول التحديق إليها، مرت السنون ~~وهي تحدق إلى الوجه حتى أصبحت شابة طويلة القامة ممشوقة الجسم، ترمقها ~~عيون الرجال بنظرات مشتعلة بالجوع، من المراهقين دون سن العشرين ومن ~~العجز فوق الثمانين، كانت الشمس على وشك المغيب، رأت سيارته البيضاء ~~تبرق تحت الشعاع الغارب، ممدودة كاللبؤة الناعسة أمام الباب الحديدي، ~~طويلة رشيقة كالطائرة، رأسها مدبب مثلث، مؤخرتها مربعة مكتنزة، مدقوقة ~~فيها اللوحة البرونزية بأربعة مسامير، حفظت أرقامها السبعة من طول ~~التحديق إليها، السائق أدكن السمرة يزداد سوادا في جوار بياضها ~~الناصع، يدعك ظهرها المقوس بفوطة صفراء، قطرات عرقه يجففها بمنديل ~~منقط بالأحمر والأزرق والأصفر الباهت، المرة الأولى أزوره في بيته، بعد ~~تردد طويل اتخذت قراري، ms049 أوقفني رجل الأمن من وراء مكتبه في مدخل ~~العمارة، نظر إلى صورتي في البطاقة ثم رمقني بنظرة عرفتها، منذ ~~الطفولة أشم رائحة الذكر في عين الرجل، نظرة الشبق في عيونهم، في ~~البيوت والشوارع والحوانيت، جميع اللابسين السراويل البيضاء والبناطيل ~~السوداء، يبرز من تحتها لمجرد اللمس شيء صلب مدبب، بدا في طفولتي ورما ~~خبيثا مصنوعا من العظم، أو رأس ثعبان يتلوى من الألم، ركبت المصعد ~~إلى شقته، أول مرة يصعد جسدي إلى هذا الارتفاع، المصعد الحديدي ينغلق ~~وينفتح وحده أو بقوة الجان، ورد ذكرهم في القرآن كما سمعت من أمي، تحت ~~ضلوعي عضلة ترتجف، يزيد السحر من جاذبية الجن، كنت أومن بالسحر مثل ~~جميع الأطفال من حولي في الزقاق، أرهف السمع لما يدور بين النمل من ~~همس، ورد ذكره في الكتاب، أتوضأ وأصلي لأطرد الشيطان قبل أن أنام، ~~ارتديت الحجاب وعمري أحد عشر عاما ثم ارتديت النقاب في الثالثة عشرة ~~والقفاز الأسود يخفي يدي الاثنتين، توقف المصعد فجأة، انفتح بابه ~~الحديدي فانطلقت إلى الخارج أجري، ليست أول مرة أركب المصاعد ~~الكهربائية، يلازمني الخوف في كل مرة، يراودني حلم مزعج متكرر، المصعد ~~الكهربائي يتوقف بي بين الأدوار، تنقطع الكهرباء، الباب لا ينفتح، أدق ~~الباب بقوة، أصرخ أنادي لعل أحدا ينقذني، لا أحد يسمعني، أموت وحدي ~~داخل الظلمة، لم أعرف قدر أمي إلا بعد موتها، كنت أشخط فيها من دون ~~سبب، أو بسبب مؤخرتي المكتنزة، تصورت أنني ورثتها منها، لم يكن لأمي ~~أخت أو أخ، ولا أحد يزورها في الزقاق، سمعتها تقول: الفقير مكروه من ~~أهله. كانت أمي تضعني في حضنها، تحميني من البنات الكبيرات، يقرصنني في ~~صدري أو يضربنني بالشلاليت على مؤخرتي، يقلن لي: يا بنت الخدامة. تبصق ~~أمي في وجوههن، الخدامة أشرف منكن. في الليل لا يغمض لي جفن، أحدق إلى ~~عين الجن، أصفع بيدي القدر والمصير، وكل وجوه البنات في الزقاق، أصرخ ~~في النوم: لن يكون مصيري مثل مصير أمي والشغالات المطحونات، سأكون ~~فنانة مثلها نسيت اسمها لكن ملامحها محفورة ms050 في خيالي. باب الشقة من ~~الخشب لونه بني أدكن، اسمه أحمد شاكر محفور فوق قطعة من النحاس ~~المجلوة. # توقفت لحظة، هدأت أنفاسي والخفقات تحت ضلوعي، مددت يدا مرتعشة تدق ~~الجرس، كنت أرتدي ثوبي الأرجواني الغالي، الذي يشبه فستان الفنانة في ~~الفيلم، يلتف حريره الناعم مشدودا حول الردفين الممتلئين بأنوثة ~~بارزة متحفزة، فتحة صدره واسعة تكشف الشق العميق بين النهدين، يتفجران ~~بالشبق العنيد، اشترى هذا الثوب لي رجل اسمه أشرف نور، يرفعني هذا ~~الثوب من طبقة الشغالات وخريجات السجون إلى طبقة الدكاترة وسيدات ~~الطبقة العليا، كانت أمي تعرف بيوت العائلات الراقية، في حي الزمالك ~~وجاردن سيتي، والشقق المفروشة للسائحين العرب والأجانب، تدعك ظهورهم ~~ومراحيضهم، ثم تشتري لي البسبوسة وتدفع إيجار الغرفة ومصاريف المدرسة، ~~ضميري ينزف دما يا أمي، كنت لا أطيق ملمس يديك المشققتين، ولا رائحة ~~المراحيض في أنفاسك المتقطعة، يصحو ضميري في النوم ليؤنبني، في الصباح ~~أنسى أمي وكل نزيلات السجن، أرتدي ملابسي وأندفع نحو الشغل، حلم ~~الطفولة لا يفارقني، هو بنفسه فتح الباب، وليس الخادم أو الخادمة، كان ~~وحده في الشقة، زوجته مسافرة، والخادمة في إجازتها الأسبوعية، خفق قلبي ~~في توثب، هو بنفسه حدد الموعد والمكان، اقترحت أن يكون لقاؤنا في حديقة ~~الأتيليه، حيث يلتقي الأدباء والأديبات في أول التعارف، تكتسي القصص ~~الغرامية بأغطية سياسية، وتتخفى شهوات الجسد تحت قصائد من الشعر، لم ~~أكن أديبة أو فنانة معروفة أو غير معروفة، كنت «لا شيء»، لم أدخل ~~مدرسة، لم أتعلم الأدب أو الفن، فتاة معدمة معدومة الأهل، مولودة في ~~الزقاق، اشتغلت أي شيء لأعيش، كانت أمي تقول: العيش فوق كل حاجة يا ~~بنتي، الجوع كافر مالوش رب. بعد موتها بدأت أفحت الأرض، وأحش البرسيم، ~~أحمل السباخ وروث الجاموس على رأسي، ادخرت أجرة القطار إلى القاهرة، في ~~أعماق رأسي صورتها محفورة، أرسمها بالقلم على قصاصة ورق، أرسم العينين ~~والأنف والفم والخدين، ملامحها تشبه ملامح الفنانات على الشاشة وخصوصا ~~العينين والأنف، في عالم القاهرة الضخم عشت، قطرة في بحر أو ذرة ~~تذروها ms051 الرياح، ليس لي اسم ولا أهل ولا بيت ، أعيش تحت جبل المقطم، في ~~حي القبور، بيوت الأحياء الموتى، يرقدون في قبر واحد، رجال ونساء ~~وأطفال لا جنس لهم ولا عمر، كالقرش الممسوح تتلاشى ملامح الوجوه، ~~ينامون مع البراغيث والناموس والبق، وذباب الليل والخنافس والدود، ~~يبلعون الدخان مع السم، أملا في الموت والنسيان، كنت أعيش على مبالغ ~~صغيرة من أعمال غير نظيفة، ورثت مهنة أمي في دعك المراحيض، ذهبت ~~لتنظيف بيت أستاذ من سويسرا اسمه «جوزيف جورج»، نشأ بيننا نوع من ~~العلاقة استمرت ستة شهور، ثم عاد إلى بلده، كان يمنحني أجرة قيمة تقيني ~~الأعمال غير الشريفة، يحوطني بذراعيه في حنان، يضعني على السرير الناعم ~~الوثير، يقبل شعري وعنقي وفمي، ويمص الحلمتين كالطفل الرضيع، يهبط ~~بشفتيه حتى أسفل بطني، يفرق شعر العانة ويقبل الشفتين النديتين بخشوع، ~~يقبل كل شيء باحترام يقترب من التقديس، ثم يدخلني برفق، برقة شديدة، ~~لا أشعر بألم أو هوان، يبدو جسدي من تحته مقدسا بالرغم من العري ~~الكامل، ناديته مرة أبويا، تصورت أن الأب يكون على هذه الشاكلة، لم ~~أعرف شكل أبي، سمعت أمي في الليل تقول: كان أبوك يسكن في قصر على ~~النيل، لونه أبيض، حواليه جنينة ملأى وردا وزهورا، في وسطها تمثال ~~لملاك له جناحان. كانت أمي تصف لي الشارع، تقول: كان اسمه شارع ~~الجنائن، تظلله الأشجار، وشبابيك القصر لونها أخضر، كان أبي يطل من ~~الشرفة على النيل، مرتديا بذلة أنيقة من الصوف الإنكليزي لونها رصاصي، ~~فيها خطوط زرقاء رفيعة، ربطة العنق براقة من الحرير، لونها أحمر فيها ~~خطوط زرقاء أيضا، ولون جوربيه من لون ربطة العنق. عرفني جوزيف جورج، ~~قبل سفره، بصديق له من السويد اسمه غريب يصعب نطقه، عشت معه شهرا ~~واحدا ثم سافر، كان مثل جوزيف في الرقة والحنان، بكيت في حضنه الليلة ~~الأخيرة، علمني جوزيف شيئا من الإنكليزية يكفي للتحاور البسيط، لماذا ~~تبكين يا حميدة؟ ~~- أريد أن أكون امرأة محترمة. ~~- أنت امرأة محترمة يا حميدة. ~~- إذا كنت محترمة فلماذا لا تأخذني ms052 معك إلى السويد؟ ~~- السويد؟ ~~- ممكن أن أشتغل هناك . ~~- تشتغلي إيه يا حميدة؟ ~~- أشتغل فنانة. # ابتسم السويدي في حنان، وهو يربت كتفي. ~~- سأكتب لك من السويد يا حميدة. # لم يكتب رسالة واحدة، وصلتني منه بطاقة صغيرة في السنة الجديدة فيها ~~كلمتان فقط بحبر أحمر، هابي كريسماس ثم لم أسمع عنه، عرفني جوزيف قبل ~~سفره بمنتج في السينما اسمه «أشرف نور»، من أثرياء الخليج العربي، ~~قال: وجهك فوتوجينيك. خبطني على مؤخرتي بيده، طيزك مغرية يا بت. أردت ~~أن أصفعه على وجهه أو أركله في بطنه بقدمي، لكني ابتلعت الإهانة، تدربت ~~على ابتلاع الإهانات من أجل العيش، صوت أمي «العيش فوق كل ~~حاجة.» # الجوع كافر ما لوش رب، كنت أومن بوجود ربنا، لكن حين يقرصني الجوع أو ~~يهدر رجل كرامتي أكف عن الإيمان بشيء، كان أشرف نور سمينا مربعا ~~أبيض، وجهه مستدير مثل القمر، دون الجاذبية أو الجمال، كان يسكن في ~~الزمالك في جوار بيت أم كلثوم، أنام وأحلم بأن أكون محترمة مثل أم ~~كلثوم، كانت فقيرة مثلي وأصبحت فنانة كبيرة، وأسأله هل تأخذني فنانة في ~~فيلمك الجديد؟ يقبض بأسنانه على شفتي السفلى فأصرخ، تشتعل شهوته مع شدة ~~ألمي، يهمس في أذني بخوار ثور، أنت فنانة في الحب، صدره يغطيه شعر ~~أسود كثيف، له عضو ضخم لونه أحمر، يندفع داخلي بسرعة النفاثة، أحس بأنه ~~في عمق بطني، يضربني في أحشائي برأس شاكوش، ضربتين أو ثلاثا ثم ينسحب ~~متأوها، مرتخيا صغير الحجم، مبللا كالخرقة البالية برائحة منفرة، ~~ثم أسمع شخيره بعد أن ينام فجأة، أتركه نائما وأتقيأ في الحوض، لا شيء ~~في معدتي إلا ماء أصفر كلون الكركم، بطعم المرارة والمهانة، ذقت طعم ~~الاحترام مع رجال من سويسرا والسويد، يعتبرون المرأة إنسانا وإن كانت ~~فتاة ليل، أسوأ نوع من الرجال هم أثرياء النفط، يعتبرون المرأة بلغة ~~ينتعلونها في القدم، أو نعجة يركبونها في الليل، كنت أحلم بالسعادة ~~والاحترام، مثل نجوم السينما، أمي قرأت أسرار الغيب في قاع الفنجان، ~~قالت: حتبقي نجمة فنانة. غرست أمي ms053 في عقلي بذر الطموح، استحال في جسدي ~~فيروس مرض، زحف السم الزعاف في كل كياني، ينخر عظامي، يجري في عروقي مع ~~الدم، سرقت من «أشرف نور» مبلغا من المال، كان يخبئ أوراق البنكنوت ~~تحت البلاطة بلا عدد، داخل جراب من الجلد تحت السرير، دخلت بالمبلغ ~~المسروق مدرسة الكومبيوتر، تفوقت على زملائي في حركة الأصابع فوق ~~الحروف، بدأت أكسب رزقي في الكتابة على الكومبيوتر، رسائل الدكتوراه ~~والماجستير لطلبة الجامعات، أو سيناريوهات أو روايات مكتوبة بخط اليد، ~~أقوم بنسخها على شاشة الكومبيوتر، ثم حظيت بوظيفة سكرتيرة لرجل أعمال ~~في شركة بمصر الجديدة، نام معي ثلاث مرات في أسبوع واحد، دفع لي راتب ~~ثلاثة شهور، بدأت سمعتي تسوء، ترمقني عيون الرجال بنظرة أعرفها، أصدها ~~عني كالموت، الموت أخف من الهوان، قررت أن أترك الشركة وأبدأ حياة ~~نظيفة، قبل أن يهجرني «أشرف نور» عرفني بأديب اسمه شاكر، كان ينوي ~~إنتاج روايته للسينما، عنوانها رغبات دفينة، تتسرب من صفحاتها ~~الخمسمائة والخمسين رائحة العقم والشيخوخة، وشيء من المراهقة المتأخرة، ~~يغرق بطلها العجوز في خيالات شبقية كلما وقعت عينه على لوليتا ~~الصغيرة، خط يده أيضا كان لا يقرأ، دفع لي مقدما لأكتبها على ~~الكومبيوتر، معتذرا عن خطه الرديء، لكن روايته كانت أصعب في القراءة ~~من خط يده، ناولني الأجرة داخل مظروف أبيض بأصابع مرتعشة مكرمشة، ~~تعلوها بقع نمش سوداء، يلعق شفته السفلى بطرف لسانه وهو يتكلم، من تحت ~~النظارة الطبية السميكة يرمقني، يتطلع إلى لوليتا البريئة، كنت أرتدي ~~وجهي العذري بمهارة تدربت عليها وبذكاء فطري، أجلسني في الصالة التي ~~تغطي جدرانها رفوف الكتب، الأغلفة الجلدية الرصينة، يستمد من رصانتها ~~ملامح الأستاذ الكبير، يرتدي بذلة لونها رصاصي فيها خطوط بيضاء رفيعة، ~~من الصوف الإنكليزي، الجو يميل إلى الحرارة أول الربيع، من وراء الصالة ~~شرفة كبيرة تطل على كورنيش النيل. ~~- تشربي إيه يا أستاذة حميدة؟ ~~- ولا حاجة يا أستاذ. ~~- لازم تشربي حاجة يا حميدة. # خلع علي بسرعة لقب الأستاذة، حافظت على لهجتي المتحفظة، لا ألغي ~~المسافة الضرورية لاحترامي، تدربت ms054 ألا أرفع الكلفة بيني وبين الرجال، ~~يرتفع ثمني بازدياد المسافة، فهم النظرة في عيني: تشربي إيه يا أستاذة ~~حميدة؟ # كانت موسيقى حالمة تنبعث من ركن المكتبة، يحوطه ضوء غير مباشر، يكشف ~~عن تمثال برونزي للإلهة إيزيس، ترتدي ثوبا شفافا لا يخفي نهديها ~~وفخذيها، تحمل فوق رأسها قرص الشمس. ~~- تشربي إيه يا أستاذة؟ ~~- ولا حاجة يا أستاذ شاكر. قلتها بحزم ودخلت في الموضوع: كان ممكن ~~أكتب رواية حضرتك ع الكومبيوتر لكن أنا مسافرة الإسماعيلية خالتي ~~عيانة، عندي زميل ممتاز مستعد يكتبها. ~~- إنتي عارفة خطي كويس يا حميدة، وأخطائك قليلة، عندك دقة في شغلك، ~~بتاخدي بالك من الهمزة والنقطة والفواصل، أكتر شيء يتعبني هو التصحيح ع ~~الكومبيوتر، معظم خريجي الجامعات النهارده ما يعرفوش مبادئ اللغة، ~~وكمان مهملين، إنتي يا أستاذة حميدة أنقذتيني من العيال دول. ~~- زميلي مختلف عنهم يا أستاذ، ومجتهد، وعنده ضمير، حضرتك جربه في ~~الرواية دي، والرواية الجاية أنا أكتبها. نهض ليرد على جرس التلفون، ~~ظهره منحن نحيف منكمش، يشد عضلات ظهره ليبدو أكثر طولا، مفاصله ليست ~~مرنة، يمط عضلات عنقه ويمشي بخطوة يجعلها رشيقة، كانت ضفائري مصففة ~~لأبدو في العشرين أو أكثر قليلا، لم يعد أمامي إلا ثلاث سنوات وأصبح ~~في الأربعين، كلمة عانس تؤلمني مثل الخنجر، فكرت في اصطياده كزوج، لكن ~~عندي بعض مبادئ، لا أسبب ألما لامرأة مثلي ولا أقبل أن أكون زوجة ~~ثانية، يبدو لين العريكة من نظرته المنكسرة، سهل الوقوع في الحب، كلما ~~تقدم الرجل في السن أصبح فريسة سهلة، في عينيه شيء من حنان، يذكرني ~~بجوزيف وصديقه السويدي، أنا في حاجة إلى حنان الأب قبل الحب والجنس، ~~لا توحي يده أنه قادر على الضرب، كرهت أعضاء الرجال الضخمة القوية، ~~ترتعش أصابعه قليلا وهو يمسك القلم أو الفنجان، ليس ممشوقا، وليس ~~لجسده جاذبية الرجولة، البذلة الأنيقة لا تكفي، تخيلته في السرير ~~عاريا، قلت لنفسي: لا يمكن أن أدخل معه الفراش وإن دفع مال قارون. ~~تشربي عصير لمون؟ ~~- كوكا كولا يا أستاذ. ~~- أنا لا أشجع المنتجات ms055 الأمريكية يا أستاذة. ~~- متأسفة، هل أنت شيوعي؟ ~~- أنا اشتراكي مش شيوعي. ~~- وإيه الفرق يا أستاذ شاكر؟ # الشيوعي عضو في الحزب وأنا مستقل تماما. بسط ذراعيه في الهواء وهو ~~يردد: مستقل تماما. كأنما يهم بالطيران فارتطمت ذراعه برأس ~~نفرتيتي فوق رف المكتبة، سقط التمثال البرونزي على السجادة العجمية ~~السميكة من دون صوت، انحنى ببطء وأعاده إلى الرف، نهضت أستعد للخروج ~~على مهل، لم أشأ أن أفقده الأمل، تعودت أن أترك الباب مفتوحا أو ~~مواربا أمام الرجل، أملا في العودة عند الحاجة، روايتك عجبتني جدا ~~يا أستاذ، كان نفسي أكتبها ع الكومبيوتر لولا السفر. # اتجهت عيناي إلى عينيه مباشرة، لا أخشى النظر إلى عمق عينيه. # لا يملك القدرة على رؤية الكذب في عيني إلا الأذكياء الموهوبون، لمعت ~~عيناه الذابلتان بالفرح الطفولي. ~~- صحيح عجبتك روايتي؟ ~~- جميلة جدا يا أستاذ. # لم أعد أشك في قدرتي على الكذب كما كنت منذ عشر سنوات، تدربت خلايا ~~جسدي وعقلي على امتصاص السموم وهضمها من دون أن يهتز لي جفن، روايتك يا ~~أستاذ جميلة قرأتها بمتعة. # نطقت كلمة «متعة» بشفتين مرتعشتين بإتقان، عيناي لم يرف لهما رمش، ~~أثبتهما في عينيه بنظرة مفعمة بالصدق، تدريب طويل على التمثيل أمام ~~الكاميرا في شقة أشرف نور في الزمالك، أراد أن يجعلني ممثلة في فيلمه ~~الأخير، كانت شهوته الجنسية تتغلب على رغبته الفنية، وانتهى بي الأمر ~~إلى عملية إجهاض نزفت فيها نصف دمي، بعد موت أمي خلعت الحجاب والنقاب ~~والقفازين الأسودين، لكني عدت لأومن بوجود الله، المنتقم الجبار، ~~انتقم لي من أشرف نور، قرأت خبره في الجورنال، وقع حادث أليم للفنان ~~أشرف نور، انقلبت سيارته في الطريق الصحراوي بعد اصطدامها بعربة لوري، ~~فاضت روح الفنان الكبير في مستشفى الهرم بعد منتصف الليل بعشر دقائق، ~~تشيع الجنازة من جامع عمر مكرم الحادية عشرة صباح الغد، بعد أكثر من ~~شهر جاءني صوت الأستاذ شاكر في التلفون، كان متوترا وغاضبا، زميلك ~~طلع عيني يا حميدة، السطر الواحد فيه عشرون غلطة، غير السطور الساقطة ~~والنقط والفواصل ms056 الناقصة، صححت ثلاث صفحات في أسبوعين، لا يمكن أن ~~أكمل، لازم تكتبي إنتي الرواية، ما فيش غيرك هيكتبها. حاضر يا أستاذ ~~أنا تحت أمرك. أصبحت أتردد إلى شقته، يراجع معي الأخطاء على ~~الكومبيوتر، نشرب عصير الليمون في الشرفة المطلة على النيل، يعد لي كوب ~~الشاي الأخضر، ويملأ له كأس النبيذ الأحمر، سألته مرة عن زوجته ~~الكاتبة، قرأت لها رواية في ليلة واحدة، لم أتركها لحظة واحدة لأفرد ~~ساقي أو أشرب كوب ماء، روايتها جميلة حقيقي يا أستاذ. التقطت أذنه كلمة ~~«حقيقي» فانقبضت عضلة تحت عينه، ارتفعت يده تدلكها بحركة بطيئة، هل ~~تشعر بالغيرة من زوجتك يا أستاذ شاكر؟ ~~- بالعكس أنا بافرح لنجاحها. ~~- الرجل لا يشعر بالغيرة إلا من الرجال. # ثبتت عينيها في عينيه وابتسمت، زم شفتيه وغير الموضوع. ~~- فقدنا فنانا كبيرا، أشرف نور. ~~- يمهل ولا يهمل يا أستاذ. ~~- مش فاهم. ~~- ربنا منتقم جبار يا شاكر بيه. ~~- إنتي مؤمنة بوجود ربنا؟ ~~- طبعا، وأنت مؤمن؟ ~~- أنا لا أتكلم في الدين أو السياسة مع البنات الجميلات. # هذه العبارة أعجبته في رواية من الروايات، أصبح يكررها مع ~~الفتيات. ~~- إنتي جميلة جدا. ~~- شكرا. ~~- أخذت من وقتك كتير. ~~- أبدا. ~~- الحوار معاكي ممتع، احكيلي عن حياتك يا حميدة. ~~- الدنيا ظلمت يا أستاذ لازم أروح. ~~- أستلم الرواية ع الكومبيوتر إمتى، قوليلي؟ ~~- بعد أسبوعين. ~~- شكرا يا حميدة. ~~- والمبلغ يا أستاذ؟ # تدربت أن أطلب حقي عن أي عمل، كنت أخجل وأتلعثم عند الحديث عن ~~الفلوس، ثبت عينيه الخضراوين الضيقتين في عيني، أفاق لحظة من نشوة ~~النبيذ، وقال: عاوزة كام؟ ~~- حسب السعر في السوق. ~~- قولي عاوزة كام؟ ~~- زي السوق يا أستاذ مش أكتر. ~~- يعني كام؟ ~~- الرواية كام كلمة؟ ~~- هي بالكلمة والا بالصفحة؟ ~~- بالكلمة يا أستاذ. # رأيته يرمقني بنظرة مخلبية، نظرة رجل إلى رجل، بعد خروجها شرب شاكر ~~كأسا من الويسكي البلاك ليبل، أراد أن يمسح الإهانة بالخمر، يقول عقله ~~من حقها أن تطلب أجرتها عن شغلها، قلبه يحدثه أنها منجذبة إليه، لماذا ~~تأتي إلى بيته؟ كان يمكن أن تصر على لقائه ms057 في مكان عام مثل الفتيات ~~المستقيمات، نهض متثاقلا يدلك عظام ظهره، إن جلس طويلا يشعر بآلام ~~العمود الفقري، يقولون مرض الأدباء هو الانزلاق الغضروفي، يسعده ~~الانتماء إلى الأدباء بأي شيء وإن كان انزلاق الغضاريف، فتح ~~التلفزيون، رأى وجه زوجته يطل عليه وهي تتحدث في مؤتمر نيويورك، يقف في ~~جوارها رجل طويل ممشوق يرمقها بإعجاب، ضغط بإصبعه الزر فأظلمت الشاشة، ~~نهض متثاقلا، يسير بخطوة بطيئة وظهره منحن، دخل الحمام، أفرغ مثانته ~~في المرحاض ثم بصق في الحوض متخلصا من المرارة. # | على شاطئ الإسكندرية # تمددت فؤادة فوق شاطئ البحر بالإسكندرية، تلامس أشعة الغروب ~~الدافئة ساقيها الناعمتين، يرفع الهواء الحنون ثوبها الهفهاف الأبيض، ~~من تحت نظارة الشمس السوداء تتأمل جسد زوجها الممدود فوق الشيزلونج ~~يقرأ الجورنال، يوحي الشيزلونج العتيق بأرستقراطية قديمة، عظامه مثل ~~أرجل الشيزلونج، المايوه من النوع الحديث آخر صيحة، لا يخفي إلا ~~العورة، لونه الأحمر الزاهي يزيد من شحوب بشرته، من تحت نظارته ~~الزجاجية رآها تتأمله طويلا: أتعرف ما أريد أن أقوله؟ ~~- تريدين أن تقولي إنك لا تحبينني. ~~- متيقن؟ ~~- أنت لا تحبين أي رجل. ~~- متيقن؟ ~~- أنت لا تحبين أحدا. ~~- متيقن؟ ~~- أنت لا تحبين إلا نفسك يا فؤادة. ~~- أنت تتكلم مثل كوكب يا زوجي العزيز. ~~- لو عرفت الحب ما أغرقت نفسك في الكتابة. # منذ التقينا وأنت تحملقين في وجهي، تشككين في أنني زوجك، أنت لا ~~تحبين شخصي، هذه هي الحقيقة، نعم الحب يدفع الإنسان إلى عمل ~~الاستثناءات، أشياء لم يفعلها قط، لو أنك عرفت الحب لشعرت بالرغبة في ~~الخضوع والطاعة، بالرغم من اعتراضك على الخضوع والطاعة. وماذا عنك يا ~~زوجي العزيز لو أنك عرفت الحب لفقدت الرغبة في السيطرة بالرغم من ~~اعتراضك على السيطرة. ~~- نعم. ~~- نحن ندفن رءوسنا في الرمل مثل النعامة، نحن نتظاهر بما ليس فينا، ~~أصبح الخداع متقنا فلا نتعرفه أنت وأنا؟ ~~- نعم نحن الاثنان معا. ~~- نواجه الحقيقة بعد مائة عام؟ ~~- وبعد ألف عام. ~~- نواجه التاريخ المزيف بعد سبعة آلاف عام! ~~- ليه لأ يا زوجي العزيز؟ # تقلبت سعدية فوق المرتبة ms058 النحيفة من البلاستيك، جسمها نحيف مهدود ~~من التعب ، عظام عمودها الفقري تحتك بالبلاط تحت المرتبة، تتقلب من ~~جنب إلى جنب عاجزة عن النوم، يدوي أذان الفجر بصوت متقطع متحشرج، قبل ~~أن تضع جسدها المنهك فوق المرتبة أجهشت بالبكاء الجاف، جفت دموعها من ~~طول ما بكت، تورمت جفونها والتهبت وقلبها احترق، مصائبها تهون أمام هذه ~~المصيبة، ابنتها هنادي راقدة في جوارها على المرتبة المشققة الرمادية، ~~غارقة في نومها، تمد ذراعها تريد أن تضمها إلى صدرها كما تفعل كل ~~ليلة، ذراعها الطويلة الناحلة تعجز عن الامتداد، تتقلص عضلاتها في ~~الهواء، رائحة العرق تحت إبطها تملأ أنفها، تؤكد لها الهوان والفقر، ~~يثقل قلبها أكثر مما كان، تسقط ذراعها إلى جوارها، طويلة نحيفة كذراع ~~المكنسة من الخشب، ترمق ابنتها النائمة إلى جانبها، نهداها لم ترهما ~~إلا اليوم، كأنما في ليلة واحدة برزا من بطن الأرض، برعمان دقيقان كل ~~منهما بحجم زيتونة صغيرة خضراء، تهبط عينها وتثبت فوق ارتفاعة البطن ~~الصغيرة تكاد لا ترى، تبتلع لعابا مرا كالعلقم، طفلتها حامل في ~~شهرها الثالث، كان موتها أهون، بالأمس ضربتها حتى انكسرت ذراع المكنسة ~~الخشبية، تسألها والدم يغلي في رأسها: قولي مين المجرم؟ مين هو؟ اسمه ~~إيه عشان أشرب من دمه؟ ~~- ماعرفش. ~~- انطقي يا بت قولي اسمه ماعرفوش! # تنهال الضربات فوق رأس البنت، تحمي رأسها بذراعيها، وهي تلهث ~~ماعرفوش، لا ينتهي الضرب حتى تنهار الأم من التعب، يسقط جسمها الضامر ~~مهدودا فوق الأرض، تئن وتنشج بصوت خافت، تكتم الصوت بكفها فوق فمها، ~~تخشى الآذان المتلصصة من وراء الجدران، وخصوصا أذن الشيخ متولي، يسكن ~~الغرفة المجاورة، يتلصص على الجيران من شق في الجدار، جدران البيوت ~~من الصفيح المدهون بالبويا، الخشب المطلي بالجير، الطين المجبول ~~بالتبن، أو قماش قلع المركب القديم، تتشقق الجدران في الشتاء كما في ~~الصيف والربيع، تحت ماء المطر والصقيع، ولهيب الشمس ورياح الخماسين ~~تسمح الشقوق في الجدران بمرور الأصوات، وإن كانت خافتة كالنشيج ~~المكتوم، والحشرات الصغيرة كالبق والقمل والبراغيث، أو متوسطة الحجم ~~مثل الخنافس والصراصير ms059 والفئران الصغيرة، نظرت سعدية إلى الساعة في ~~معصمها ، لها قرص أبيض كبير، تبدو الأرقام فوقه واضحة سوداء، أهدت ~~إليها الأستاذة فؤادة هذه الساعة وعلمتها قراءة الأرقام والحروف، ~~ارتدت بسرعة جلبابها الأسود، لفت رأسها بالطرحة البيضاء، وحملت ~~الصفيحة الفارغة بين ذراعيها كالطفل، قبل أن تفتح الباب وتخرج لكزت ~~ابنتها في كتفها برأس إصبعها المدبب كرأس الدبوس، قومي يا بت قامت ~~قيامتك ورانا شغل. الطفلة غارقة في النوم، انقلبت من جنب إلى جنب وهي ~~تموء بأنين مكتوم، لعنتها أمها ولعنت يوم زواجها بأبيها متعوس الرجا، ~~طردته من ذاكرتها، وانطلقت مسرعة حاملة الصفيحة، الطابور الطويل سبقها ~~إلى حنفية الماء الوحيدة في الزقاق، وجوه شاحبة أجسام ناحلة، يسكنون ~~معها في الحي العشوائي وراء المقابر، ليس لها واسطة في الحكومة لتحصل ~~على غرفة في مقبرة مبنية بالطوب الأحمر، حصلت على هذه الغرفة من ~~الخشب بعرق جبينها، لم تفرط في شرفها، لا يبقى يا سعدية بعد الموت إلا ~~الشرف، صوت المرحومة أمها محفور في رأسها، سوف تذبحه المجرم الذي ~~اعتدى على شرف ابنتها، تدور بعينيها الحمراوين على الوجوه الواقفة في ~~الطابور، تستقر عيناها على عيني الشيخ متولي، يقف داخل جلبابه الأبيض، ~~من فوقه معطف أسود قديم منحول عند الكوع، يلف عنقه بكوفية صفراء ~~كالحة، يبربش بعينيه الغائرتين داخل الجبهة العريضة المنحدرة إلى صلعة ~~كبيرة، هو؟ مش هو؟ # يدور السؤال في رأسها، في منتصف جبهته زبيبة سوداء علامة الصلاة ~~والسجود والخشوع لله، في عينيه نظرة ملتوية أقرب إلى الشيطان منها إلى ~~الله، أمامه في الطابور فتاة من عمر هنادي ابنتها، في الخامسة عشرة أو ~~السادسة عشرة، رأسها ملفوف بحجاب ملون عدة لفات، تحمل زلعة فوق رأسها ~~تمسكها بيديها الاثنتين، تبدو طالبة في المدرسة أو المعهد، سنة أولى ~~مثل ابنتها، يتحرك الطابور ببطء، تنظر سعدية إلى ساعتها في قلق، تعود ~~إلى فحص الوجوه الشاحبة الواقفة في الطابور، كل منهم يحمل صفيحته كمن ~~يحمل صليبه، يتنافسون في الحصول على الماء، ينتصر الشباب ذوو العضلات، ~~من بعدهم الشابات عضلاتهن أقل ms060 قوة، ثم الرجال الكهول ثم العجز والمرضى، ~~في المؤخرة تقف النسوة الطاعنات في السن أو المريضات، قد تفترش الواحدة ~~منهن الأرض من شدة الإعياء، ترمقهن سعدية من بعيد، عيون منكسرة ~~تشوبها صفرة، وجوه طويلة شاحبة متغضنة، ملأى بالبقع والتجاعيد، ~~كعوب سوداء تطل من شباشب بلاستيك، أياديهن مشققة تعلوها بقع بيضاء ~~وزرقاء، أيمكن يا سعدية أن تصبحي واحدة منهن؟ # أن تكوني امرأة ميتة في القبر يا سعدية أفضل من امرأة مريضة أو عجوز ~~فقيرة ليس لها أحد في هذه الدنيا؟ نعم الموت أفضل لك يا سعدية، لكن ... ~~أين سيدفنونك يا سعدية وليس عندك قبر؟ # تكلم نفسها أو تخاطب الرب. # آه يا رب، أتعرف مين المجرم؟ اسمه إيه يا رب؟ شكله إيه؟ بني آدم أو ~~حيوان؟ يعتدي على طفلة زي هنادي؟ # تتطلع بعينيها إلى السماء تبحثان عن وجه الرب أو وجه الرجل الذئب؟ ~~أيختفي وراء هذه السحابة السوداء أو ذلك العمود من الدخان؟ # تستقر عيناها فوق الوجه الكبير المعلق بين السماء والأرض، فوق عمود ~~النور الحديدي الطويل تثبت عيناها، فوق الوجه المربع في الصورة، فوق ~~العمود صورته معلقة وفوق كل الأعمدة في الزقاق، والأزقة كلها في الحي، ~~وخارج الحي في الشوارع كلها، من شارع المعهد المتوسط إلى شارع المعهد ~~العالي، إلى شارع قصر العيني الرئيسي، حتى ميدان التحرير، الوجه في ~~الصورة تعرفه منذ انفتحت عيناها على الدنيا، قد يتغير حجم الأنف ~~الكبير، يقل طوله أو عرضه قليلا، أو تزحف شعرات رمادية أعلى الصدغين، ~~لكن شعر رأسه يظل أدكن كلون الليل، كأنما يصبغه بالحناء البغدادية، ~~عظام الصدغين قوية، فكاه نتوءان بارزان تحت أذنيه، جبهته عريضة، تنحدر ~~إلى صلعة كبيرة حتى منتصف رأسه، عضلات شفتيه منقبضة في تكشيرة عريضة ~~تشبه الابتسامة الواسعة، أسنانه مدببة بيضاء حادة، العيون في الطابور ~~ترمق الصورة من تحت الجفون، يكتمون أنفاسهم، أجهزة حديثة تلتقط أي نفس ~~يفلت من بين الشفتين، أو تنهيدة أو زفير يخرج من الصدر، أو كلمة يهمس ~~بها أحدهم، تبربش عيونهم تتطلع نحو فجوة في عمود ms061 النور تطل منها ~~أسلاك كهربائية، يتساءلون: أجهاز تسجيل في هذه الفجوة أم يختفي وراء ~~برواز الصورة؟ # | الشيخ متولي # يدور الهمس الخافت، ثم يرتفع صوت الشيخ متولي، يسب الفتاة الواقفة ~~أمامه في الطابور، يحاول الالتصاق بها لتترك له مكانها في الصف، لكنها ~~تصده عنها بقوة فيتراجع إلى الوراء، يدوس قدم رجل عجوز يقف خلفه، ~~يبسمل ويحوقل ويلعنه والدنيا، في مؤخرة الطابور امرأة مريضة بالحمى ~~تفترش الأرض وتلهث، سعدية واقفة منتصبة وفي رجلها شبشب بلاستيك أصفر، ~~تتكئ بركبتها اليسرى على الصفيحة الفارغة، عظامها قوية إلا مفصل الركبة ~~اليسرى والفقرات الأخيرة أسفل ظهرها، شعرها أسود قاتم سوى شعرات بيض ~~قليلة، تصبغها بالحناء البغدادية، تخشى أن تستبدلها الأستاذة بشغالة ~~أكثر منها قوة أو شبابا، تلقي نظرة على ساعتها من حين إلى حين، تخشى ~~أن تتأخر عن موعد الشغل، في السابعة صباحا تنتظرها الأستاذة فؤادة ~~وزوجها شاكر بيه، لتعد لهما الفطور قبل خروجهما إلى الجورنال، الشيخ ~~متولي اشتبك في عراك مع شاب اسمه جلال أسعد، أشفق على المريضة في آخر ~~الطابور وفسح لها في المكان في أول الصف. # يغضب الشيخ متولي مزمجرا: الرجالة وراهم شغل يا جلال، النسوان مش ~~مفروض يخرجوا. تزمجر الفتاة الواقفة أمامه: إحنا بنشتغل أكتر منكم يا ~~رجالة؟! ~~- بتخرجي ليه وسط الرجالة؟ ~~- أكل عيش يا شيخ. ~~- مكانك البيت يا بت؟ # ينتهز فرصة اندفاعة الأجسام من خلفه ليحتك بردفيها النافرين، تدفعه ~~بقوة بعيدا عنها. ~~- عيب عليك يا شيخ يا بتاع ربنا. # تغمز بعينها جلال أسعد، قامته طويلة ممشوقة، ترمقه بإعجاب، لا يلتفت ~~إليها، يخاطب الشيخ متولي: ما فيش في قلبك رحمة يا شيخ؟ # أحد الشباب يشد الشيخ من شراشيب كوفيته، يا شيخ يا عجوز مناخيرك أد ~~الكوز. يقهقه الشباب ساخرين، يتصدى لهم جلال أسعد: كفاية يا جدعان ده ~~زي والدكم. سعدية واقفة تنقل جسمها من قدم إلى قدم، تتكئ بركبتها على ~~الصفيحة، تزيد الآلام في ظهرها وركبتها مع طول الوقوف في الطابور، وفي ~~منزل الأستاذة فؤادة أمام الحوض تغسل الصحون والحلل، أعطتها الأستاذة ms062 ~~بلوفر صوف قديم لونه أزرق باهت، أصبحت ترتديها تحت جلبابها في الشتاء، ~~لا تبخل عليها الأستاذة بشيء، أعطت ابنتها هنادي الصيف الماضي فستانا ~~حريريا أحمر بهت لونه، ولم تعد ابنتها داليا ترتديه، داليا طفلة تصغر ~~هنادي بثلاث سنين لكنها أطول منها قامة، عظامها تكبر أسرع منها، تأكل ~~كل يوم الفراخ أو اللحم أو السمك مع الخضراوات والفواكه كلها ~~فيتامينات، ابنتها تأكل الخبز مع الجبن أو الفول المدمس أو قطعة طعمية، ~~قد تناولها الأستاذة قطعة بسبوسة أو قطعة من الكنافة أو التورتة، ~~جيرانها في الحي يحسدونها، الأستاذة فؤادة وزوجها شاكر بيه من أكرم ~~الناس، لا يبخلان عليها بما أعطاهما الله، حتى الشيكولاتة من سويسرا ~~تلفها الأستاذة في الورقة الفضية من الألومينيوم وتعطيها لابنتها، آه ~~يا هنادي يا بنتي إزاي يضحك عليكي المجرم؟ # دفعت لك مصاريف المعهد من سلفة الأستاذة، كان ممكن تتخرجي بعد سنتين ~~وتبقي أستاذة محترمة، تقعدي على مكتب وتكتبي ع الكومبيوتر، وربنا يتوب ~~عليكي من وقفة الطابور دي وشيل صفيحة الميه على راسك، آه يا هنادي حطمت ~~قلب أمك سعدية؟ # تمسح سعدية دموعها الجافة بكفها المشققة، بعد ساعتين أو أكثر من ~~الوقوف على قدميها تصل إلى حنفية الماء، تملأ الصفيحة، تلف الحواية ثم ~~ترفع الصفيحة الثقيلة بذراعيها القويتين وتضعها فوق رأسها، تسير بين ~~الأزقة الضيقة مستغرقة في أفكارها، تسرع الخطى حتى لا تتأخر عن ~~الأستاذة، تصل إلى الزقاق الشبيه بشق الثعبان، تسده أكوام قمامة تجري ~~بينها كلاب وقططة شاردة، تضع الصفيحة على الأرض أمام باب الغرفة، ~~تخرج المفتاح الكبير الصدئ من الجيب العميق في جلبابها، تفتح الباب ~~الخشبي المشقق، تملأ أنفها رائحة قيء عفن، ابنتها هنادي متكورة حول ~~نفسها في الركن تمسك بطنها بيدها وتفرغ ما في جوفها، تئن بصوت خافت، ~~ترمقها أمها بغضب، تلكزها في كتفها، يعني ناقصين مصايب؟ قومي امسحي ~~الأرض من القرف ده. غسلت سعدية ذراعيها وتحت إبطيها، ارتدت جلبابا ~~نظيفا، هل تشم الأستاذة رائحة العرق في ملابسها؟ # في طريقها إلى بيت الأستاذة رأت سعدية التظاهرات ms063 في الشوارع، شبابا ~~من الطلبة والعمال، والطالبات والعاملات ، وربات بيوت، وموظفين وفلاحين ~~وعاطلين بدون عمل، ملايين من الناس معظمهم شباب يهتفون: # يسقط يسقط حكم الجيش، # مش كفاية لبسنا الخيش، # جايين يخدوا رغيف العيش! # يسقط يسقط حكم العسكر، # هو يلبس آخر موضة، # وإحنا بنسكن عشرة في أوضة. # كفاية دين عاوزين تموين. # كفاية صلاة وزعيق عاوزين نعيش. # | الإجهاض # تركب سعدية الأوتوبيس حتى تصل إلى باب الشقة، تدق الجرس، تعرف ~~الأستاذة فؤادة أنها سعدية من رنين الجرس، موعدها في السابعة صباحا لا ~~تتأخر إلا نادرا ولسبب خارج عن إرادتها، ودخلت سعدية المطبخ، خلعت ~~جلبابها النظيف، علقته في الشماعة وراء باب المطبخ، ارتدت الجلباب ~~الآخر الذي تشتغل به، وضعت كيس نقودها ومفتاح الغرفة في درج صغير أسفل ~~دولاب الحلل، رأتها فؤادة تبكي وهي واقفة أمام الحوض، غسالة الصحون ~~جاية أول الشهر يا سعدية. ~~- كتر خيرك يا ست فؤادة. ~~- وميعاد العملية يوم الخميس الساعة عشرة الصبح. ~~- أنا خايفة عليها يا أستاذة. ~~- عملية بسيطة جدا. # تعرف سعدية أنها عملية إجهاض، تفقد ابنتها طفلها وهي تفقد حفيدها، هل ~~كانت تحلم أن يكون لها حفيد، وأن تعيش ابنتها حياة أفضل من ~~حياتها. # ترمق بطرف عينها بطن الأستاذة المرتفعة قليلا تحت الفستان. # تتحسس فؤادة بطنها بيدها الناعمة، تعد الشهور على أصابعها الطويلة ~~الرشيقة، أظفارها نظيفة مقصوصة بعناية. # ترمق سعدية ارتفاع بطنها، تقول لنفسها: إشمعنى يا رب بنتي تعمل ~~إجهاض، وغيرها لأ. تطبق شفتيها وتبعد عينيها عن الأستاذة، تشعر بتأنيب ~~الضمير، أتقابل المعاملة الطيبة بالحسد والحقد؟ ~~- فاضل خمس شهور يا سعدية. ~~- يفوتوا حالا يا أستاذة وتجيبي أخ للمحروسة بنتك. ~~- يمكن تطلع بنت مش ولد. ~~- أنا عارفة أنه ولد. ~~- عرفتي منين يا سعدية؟ ~~- كانت المرحومة أمي بتعرف الولد من البنت من ريحة قميصها. ~~- ده علم جديد ما حدش من الدكاترة يعرفه. # وتضحك فؤادة، يسرها أن تتبادل الحديث مع سعدية، تقول عنها الشغالة ~~وليس الخادمة، لم تدخل مدرسة لكن عقلها ورث جينات الحضارة القديمة ~~والذاكرة الجماعية منذ إيزيس وأوزوريس. ~~- أيوه يا أستاذة ms064 لو دخلت المدرسة كنت بقيت ست محترمة. ~~- إنتي محترمة يا سعدية من غير مدرسة؟ ~~- مين يحترم خدامة في البيوت يا ست فؤادة؟ # تزم سعدية شفتيها، تبتلع المرارة، تدعك قاع الحلة المحروق بالسلك، ~~تنظر إلى أصابعها المشققة الملتهبة بالصابون والصودا الكاوية، تختلس ~~نظرة إلى أصابع الأستاذة الناعمة. # كان يمكن لهنادي لو أكملت التعليم في المعهد أن تجلس خلف مكتب بدلا ~~من أن تدعك الحلل والمراحيض. ~~- آه يا أستاذة لو تعرفي. # ينقطع صوتها، يخرج الهواء الساخن من صدرها. # لم تعد قادرة على الكتمان، تريد أن تفضفض عن نفسها، ليس لها أحد في ~~الدنيا إلا السيدة فؤادة وزوجها. ~~- آه يا أستاذة لو تعرفي إيه اللي جوه قلبي. ~~- يا سعدية عملية الإجهاض سهلة! # في الصالة جلست الأستاذة فؤادة على الأريكة المبطنة بالقطن، المغطاة ~~بقماش حريري أزرق منقوش بزخارف خضراء، خطر لها أن تدعو سعدية للجلوس ~~على الأريكة في جوارها، لكن سرعان ما طردت الفكرة من رأسها. # تركتها تجلس على الأرض فوق السجادة العجمية، حيث تجلس بعد الانتهاء ~~من العمل تخيط الجوارب والأزرار الساقطة، تعد فنجان شاي تشربه في كوب ~~بلاستيك أزرق، تضعه على الرف العلوي بالمطبخ مع علبة الشاي، ليس الشاي ~~الدارجيلنيج الثمين، الذي تشربه الأستاذة وزوجها وضيوفهما، في فناجين ~~رقيقة صينية حوافها منقوشة. ~~- هنادي كانت عاقلة وذكية يا ست فؤادة. ~~- أيوه يا سعدية كانت بنت ممتازة. ~~- أيوه يا أستاذة، دفعت لها مصاريف المعهد من السلفة، كنت باحلم أنها ~~تتخرج وتبقى ست محترمة، لكن نعمل إيه للشيطان؟ # تمص سعدية شفتيها بحسرة. ~~- ما شيطان إلا بني آدم يا سعدية، لازم نعرف المجرم، إزاي يعتدي على ~~طفلة عمرها ستاشر سنة؟ ~~- لازم سقاها حاجة مخدرة؟ # تمسح دموعها بكفها. # كانت تتمنى أن يكون لها حفيد قبل أن تموت، أن ترى ابنتها جالسة ~~محترمة خلف مكتبها مثل الأستاذة فؤادة، ولها زوج محترم مثل شاكر بيه، ~~ولها مطبخ وحمام فيه دش وحنفيات ماء بارد وساخن. ~~- خايفة عليها تموت في العملية يا أستاذة. ~~- العمليات دي بقت سهلة جدا وما فيش فيها ms065 أي خطورة وأنا مستعدة ~~أدفع المصاريف. ~~- سلفة تانية يا أستاذة وأسددها كل شهر؟ ~~- ما تحمليش هم يا سعدية. ~~- البركة فيك يا أستاذة. ~~- إنتي بقيتي واحدة من العيلة يا سعدية. # في الليل وهما في الفراش، حكت فؤادة لزوجها شاكر الحكاية، اتسعت ~~عيناه من دون اندهاش كبير، لم يعد هناك شيء يدهشه في الكون، تحكي له ~~زوجته، يستمع إليها وهو راقد فوق ظهره داخل المنامة الحريرية البيضاء، ~~شاخصا إلى السقف. # لا يرتدي شاكر بيه إلا المنامة المكوية، تقف سعدية ممسكة المكواة ~~بيدها اليمنى، يدها اليسرى فوق ظهرها حيث الألم، تكوي قمصانه الإفرنجية ~~ومناماته، وجواربه أيضا لا يلبسها إلا مكوية، لون الجورب يتسق ولون ~~ربطة العنق، وياقة القميص ترتفع فوق عنقه منشاة. # ينام محملقا في السقف مستغرقا في أفكاره، لا يحكي لزوجته عن شيء، ~~تعود الكتمان منذ الطفولة، عاش طفلا وحيدا، يتكلم مع نفسه، في ~~المدرسة يمشي في الفناء وفي يده كتاب، في الجامعة كان له صديق واحد ~~يسكن في الفيلا المجاورة بجاردن سيتي. ~~- مش غريبة دي يا شاكر؟ ~~- غريبة ليه؟ ~~- طفلة تبقى حامل؟ ~~- هي عمرها كام؟ ~~- ستاشر سنة. ~~- البنات بيجوزوا في الريف سن عشر سنين يا فؤادة ويخلفوا ~~كمان. ~~- خسارة البنت تفقد مستقبلها يا شاكر. ~~- تفقده ليه؟ المشكلة بسيطة يا فؤادة. ~~- بسيطة؟ ~~- بالنسبة إلى المشاكل في الدنيا، أقله لها حل، عملية إجهاض في ساعة ~~واحدة، وتكمل تعليمها في المعهد. ~~- أنتم الرجالة لا يمكن تحسوا بمشاكل النساء، تصور أم تفقد طفلها ~~بالإجهاض؟ تصور بنت تصبح أم وهي طفلة ومن غير زواج؟ تصور مشاعر سعدية ~~أمها؟ ~~- أتصور كوارث أكبر، البلد النهارده على كف عفريت، التظاهرات ~~بالملايين في الشوارع في مصر كلها، من القاهرة إلى الإسكندرية إلى ~~أسوان، الشباب والنساء والرجال، الطلبة والعمال وكل المناطق الشعبية، ~~والعاطلون والمعدمون، نصف الشعب تحت خط الفقر، النظام لازم يسقط، سياسة ~~القروض تسببت بالاحتلال البريطاني لمصر، الحكومة ماشية في ركاب أمريكا ~~والبنك الدولي وصندوق النقد، حلقة مفرغة، زيادة القروض يعني زيادة ~~الديون وزيادة فوائدها ويزيد التضخم وترتفع الأسعار. # القروض ms066 لها شروط تخرب البلد، رفع الدعم يعني رفع الأسعار، لا يمكن أن ~~تنتهي التظاهرات، إذا لم يتغير النظام فستقوم ثورة الجياع. ~~- أنا خايفة على حياة هنادي، أمها سعدية مسكينة وغلبانة. ~~- أنا خايف على البلد كلها. ~~- أنا خايفة عليك وعلى نفسي وبنتي داليا والطفل اللي جاي في ~~السكة. ~~- كل الناس تعبانة مش إحنا بس. ~~- مش كفاية اللي حصل لنا. # فاكر يا شاكر؟ ~~- أيوه فاكر يا فؤادة. ~~- أنا مش عاوزة طفل تاني يا شاكر في الظروف دي. ~~- الظروف دايما كده ويمكن يكون ولد ظريف نسميه ظريف. # يضحك شاكر من دون صوت وتزم شفتيها في وجوم. # كان رجال البوليس قد هجموا على البيت. # وضعوا الحديد في يديه وقادوه إلى التخشيبة ليقضي الليلة واقفا على ~~قدميه مع القتلة والمجرمين المحكوم عليهم بالإعدام، من دون ماء أو طعام ~~أو مرحاض أو نافذة. واقف على قدميه محاط بأجسام واقفة متلاصقة، تنز ~~عرقا وغضبا في غرفة صغيرة، كان يمكن أن يختنق ويلفظ أنفاسه، في ~~اليوم التالي أخذوه إلى سجن القلعة، وهو سجن قديم منذ عصر محمد علي، ~~نزعوا من يديه الكلابشات وقضى يومين في حبس انفرادي داخل زنزانة ~~لها بابان؛ باب داخلي خشبي وباب حديدي خارجي، رقد على الأرض بملابسه ~~وحذائه الجلدي، كان مرتديا بذلة والبالطو من الصوف، طلبت زوجته فؤادة ~~أن يرتدي البالطو، لكنه اعترض، أراد أن يثبت لضباط البوليس أنه رجل خشن ~~يتحمل البرد، ولا يطيع زوجته، اعترض البوليس على البالطو أيضا، لكن ~~فؤادة أصرت، وأخيرا خضع الضباط وحمل شاكر البالطو على يده. # في جنح الليل انفتح البابان ودخل شباب إلى الزنزانة تنزف منهم ~~الدماء، في اليوم التالي في منتصف الليل نقلوهم إلى سجن الاستئناف بباب ~~الخلق، حيث كان مئات من المعتقلين في التظاهرات. # استمرت المناقشات في السجن، اشترك فيها المسجونون مع السجانين، شكر ~~السجانون الشباب الثوار وقالوا لهم: أنتم انتصرتم على الحكومة يا ~~شباب. # في الصباح أحضر الشاويش لهم الصحف، المانشيت الكبير في الصفحة الأولى ~~يقول: تم القبض على رءوس الفتنة. # لم تنم فؤادة ms067 منذ جاء رجال البوليس إلى البيت وأخذوا معهم زوجها، وإن ~~غفت لحظة تصحو فزعة على صوت الجرس. # تم حظر التجوال ونزلت القوات المسلحة إلى الشوارع. # قتل الآلاف من الشباب، الأعداد الحقيقية لا يعرفها أحد. # لم تسمع فؤادة الجرس ذلك الصباح، تعرف دقة سعدية فتشعر براحة عميقة، ~~تنتشلها سعدية من عبء أعمال البيت والمطبخ، ليس من السهل العثور على ~~شغالة مثلها، تواظب على مواعيدها كالساعة، تحمل العبء صابرة كالجمل ~~صامتة كالجبل، لا تشكو ولا تطلب شيئا، نظيفة لا تشم في ملابسها رائحة ~~عرق، ذات كبرياء وعزة نفس. # فؤادة لا تكره في الدنيا مثل شغل البيت والمطبخ، لم تدربها أمها على ~~هذه الأعمال، متكررة متشابهة، تقوم بها الآلات، والزوجات والخادمات من ~~قاع المجتمع، بالأمس لم تذهب فؤادة إلى الجورنال، غسلت الصحون ~~المتراكمة في الحوض، أخرجت قطعة اللحم المجمدة من الثلاجة، قشرت الثوم ~~والبصل، دمعت عيناها فعطست، وضعت الحلة على النار ثم أسرعت لترد على ~~التلفون في الصالة، انخرطت في نقاش حاد مع رئيس التحرير: أنا ~~المسئولة عن كتاباتي يا أستاذ موش إنت. ~~- أنا رئيس التحرير المسئول موش إنت يا أستاذة فؤادة. # يستمر النقاش الحاد حتى تنبعث من المطبخ رائحة دخان، اللحمة اتحرقت ~~يا أستاذ، تلعن الجورنال والصحافة ورئيس التحرير. # دق الجرس فانتفضت فؤادة مسرعة إلى الباب. ~~- تأخرت يا سعدية. ~~- معلهش يا ست فؤادة. ~~- إزي هنادي؟ ~~- الحمد لله. ~~- المشكلة بسيطة ولها حل. ~~- البركة فيك. ~~- دكتور كويس هيعمل العملية. ~~- كتر خيرك يا ست فؤادة. ~~- ما فيش خطر من عملية الإجهاض. # انتفضت سعدية حين سمعت كلمة الإجهاض، خرجت الكلمة سهلة من بين شفتي ~~الأستاذة، كأنها شكة إبرة وليست عملية جراحية لقتل الطفل في بطن ~~ابنتها، تسد أذنها بيدها السمراء المشققة، لا تريد أن تسمع كلمة إجهاض، ~~لا تحس الأستاذة بمأساة ابنتها، لا يهمها إلا أن تحضر سعدية في الموعد ~~وتقوم بالشغل. # ترمق سعدية بطرف عينيها بطن الأستاذة المرتفع تحت البلوزة الحريرية، ~~هي حامل مثل ابنتها في الشهر الثالث، زوجها شاكر بيه في جوارها، لا ~~يفكر ms068 الأب والأم في إسقاط طفلهما، ولهما طفلة أخرى في المدرسة. # فين العدل يا رب؟ # أطرقت سعدية وابتلعت دموعها ثم دخلت المطبخ، وهي تهمس لنفسها من دون ~~صوت: ربنا يكفيهم شر العين والحسد، دول أطيب ناس، أستغفرك يا ~~رب. # في الليل دار الحوار بين فؤادة وشاكر: ~~- لازم نشوف دكتور يا فؤادة. ~~- دكاترة الإجهاض حرامية يا شاكر. ~~- ممكن نشوف دكتور كويس. ~~- وإذا ماتت في العملية يا شاكر؟ ~~- تموت ليه؟ ~~- خايفة عليها. ~~- العملية بسيطة. ~~- لكن أنا قلقانة عليها. # سامعني يا شاكر؟ # إذا ماتت نعمل إيه؟ # سامعني؟ # إنت نمت يا شاكر؟ # راقدة في جواره في السرير العريض مفتوحة العينين ترمقه وهو نائم، كتب ~~لها رسائل حب قبل الزواج، كان يدخل مكتبها في الجورنال، يمد يده بورقة ~~مطوية أربع طيات، حروفه دقيقة يكتبها بحبر أزرق، جمعت رسائله في ~~صندوق كبير يلفه شريط ملون. ~~- إنت نمت يا شاكر؟ سامعني؟ # ينام بسرعة، ما إن يضع رأسه على الوسادة حتى تسمع شخيره ~~الخافت. ~~- وإذا ماتت نعمل إيه يا شاكر؟ سامعني؟ # راح شاكر في النوم العميق. # ترمقه بعينيها المفتوحتين، تتغير ملامحه في النوم، يصبح رجلا لا ~~تعرفه، لم تقابله قط من قبل. # قابلته لأول مرة في اجتماع في الجورنال، كان يحرك عينيه الخضراوين ~~من تحت النظارة البيضاء على الوجوه في الاجتماع. ~~- سيتولى الأستاذ شاكر صفحة السياسة المحلية. # أصدر رئيس التحرير أمره وهو جالس وراء مكتبه الكبير من ~~البلور. # | منصب جديد # من فوق صلعته اللامعة تحت الضوء يطل الوجه المربع الكبير من الصورة ~~داخل البرواز الذهبي، شعره أسود قاتم كأنما مصبوغ أو شاب في ربيع ~~العمر. # المحررون يرمقون الصحفي الجديد بنظرة متوجسة، يضع نظارة طبية، ~~عيناه من وراء الزجاج فيهما نظرة فاحصة على غرار عيون الأطباء، قال ~~المسئول عن صفحة السياسة المحلية: وأروح أنا ورا الشمس يا ~~أستاذ؟ ~~- لأ انتم الاتنين تشتغلوا مع بعض. ~~- إزاي يا أستاذ؟ المركب اللي لها ريسين تغرق. # يختلس الصحفي نظرة متشككة إلى القادم الجديد، ليس شابا حديث ~~التخرج، يبدو في الأربعين، لم يسمع اسمه في ms069 مجال السياسة أو الصحافة، ~~يرتدي بذلة كاملة، بالرغم من أن الجو ليس باردا، بشرته تميل إلى ~~البياض، عيناه خضراوان، أيكون من مصر أو من الشام؟ أنيق المظهر، أيكون ~~من عائلة ذات نفوذ؟ أتكون له واسطة كبيرة في الحكومة؟ # لم يكن سهلا لحملة الدكتوراه والماجيستير الحصول على وظيفة عادية ~~فما بال صحفي في جورنال مهم، ومسئول أيضا عن صفحة السياسة ~~المحلية؟ # قالت كوكب مسئولة صفحة المرأة: القيادة الجماعية أفضل من القيادة ~~الفردية، ويمكن أن يكون للصفحة مسئول أو اثنان أو ثلاثة، مش مهم المنصب ~~المهم الشغل. # رمقتها العيون في صمت وغضب مكبوت، تستطيع برمش عينها أن ترسل الواحد ~~منهم وراء الشمس. ~~- يا أستاذة كوكب يمكن لسعادة الأستاذ شاكر أن يتولى مع سعادتك صفحة ~~المرأة؟ # ضحك المحررون، تقلص وجه رئيس التحرير، غمزت كوكب بعينها الصحفي ~~الجديد: ماعنديش مانع، عندك مانع يا أستاذ شاكر؟ # عيناه الخضراوان تبتسمان من وراء النظارة في صمت، مزيج من السخرية ~~والمرارة المكبوتة، أراد أن ينهض ويفر هاربا من النظرات القاسية غير ~~المرحبة، إلا الصحفية كوكب، في عينيها رقة وإن كانت مصطنعة، ابتسم لها ~~بتحفظ من دون أن يرد، همس لنفسه، أي رجل محترم لا يعمل في صفحة المرأة ~~وإن آمن بالمساواة بين البشر، التفت شاكر ناحية رئيس التحرير وهو ينظر ~~إلى ساعة يده: متأسف يا أستاذ. # ثم استوى واقفا. # قامته ليست طويلة، جسمه نحيف ممشوق، كتفاه بالرغم من حشوة البذلة ~~الأنيقة نحيفتان، منحنيتان قليلا إلى الأمام، يشدهما مع عضلات صدره ~~فتصبح قامته أطول، يمد عنقه إلى أعلى كالطاووس أو الديك الرومي، تختفي ~~انحناءة ظهره، ياقة قميصه الناصع البياض منشاة، حول عنقه ربطة عنق ~~لامعة مشدودة بإحكام، مشبوكة فوق صدره بدبوس يلمع. ~~- متأسف، عندي موعد عاجل. # لم يكن لدى شاكر موعد مهم، أراد أن يخرج من القاعة الخانقة الملأى ~~بدخان السجائر، لكن شيئا آخر يخنق أكثر من الدخان. # خرج من الشارع الجانبي إلى شارع النيل، ملأ صدره بالهواء، تطلع إلى ~~الأشجار الطويلة على جانبي الطريق، وضع يديه في جيبي ms070 البنطلون ~~المشدود حول خصره بحزام جلدي، توقف فجأة ، تذكر شيئا، بينما كان يدور ~~بعينيه على الوجوه في الاجتماع، التقت عيناه عيني فؤادة، أول مرة ~~يلتقيها، كانت جالسة في جوار النافذة خلف كوكب، عيناها تشردان خارج ~~النافذة ثم تعودان، تتأمل مكتب رئيس التحرير كأنما تراه لأول مرة، ~~الصلعة تلمع تحت الصورة الكبيرة ذات البرواز الذهبي، السقف المنقوش ~~بالزخارف تتوسطه النجفة، الجدران المغطاة بالورق الملون المصقول، ~~الوجوه الجالسة حول المائدة الكبيرة على شاكلة نصف دائرة، عيونها نصف ~~مفتوحة. # عيناها من الجانب وهي شاردة يكسوهما بريق وحزن عميق. # التقت عيناه عينيها وهي تحرك رأسها من النافذة إلى الوجوه، هز ~~رأسه مبتسما في تحفظ، هزت رأسها من دون أن تبتسم، ثم عادت عيناها إلى ~~خارج النافذة. # عادت إليه ملامح أمه في شبابها، كان لها هذا الأنف المرتفع المستقيم، ~~ممشوقة الجسم قوية العضلات، ينجذب هو دائما إلى المرأة القوية، تعود ~~إليه طمأنينة الطفولة أو راحة مجهولة المصدر. # | الأرق # تتقلب سعدية فوق المرتبة الإسفنج، لا تستطيع النوم، ابنتها غارقة ~~في النوم، تقيأت أمس في الجردل، كتمت فمها بكفها، آذان الجيران وعيونهم ~~تتلصص من شقوق الجدران، سألها الشيخ متولي وهي واقفة في الطابور، وفي ~~عينيه الغائرتين نظرة ملتوية: ما لها بنتك هنادي؟ هي عيانة؟ ~~- مين قالك إنها عيانة يا شيخ؟ ~~- القيء يا سعدية من أعراض الكوليرا! ~~- كوليرا إيه يا شيخ يا ضلالي؟ # يغمزها بنصف عين، تبصق على الأرض. ~~- شيوخ آخر زمن! إلهي ياخدك يا شيخ. # أيكون هو؟ # لو كان هو الأب المجرم فسوف تشرب من دمه، سوف تذبحه وتقطع عضوه ~~بالسكين، أرمل عجوز عقله بين فخذيه، تفوح منه رائحة عفنة، يبيع آيات ~~الله بالزيت والسكر، والأصوات في الانتخابات والمسابح وإمساكيات ~~رمضان. # ابنتها غارقة في النوم وهي لا يغمض لها جفن، لكزتها برأس السكين في ~~بطنها. ~~- قومي يا بت قامت قيامتك، قومي انطقي اسمه، مين هو يا بت؟ # انتفضت ابنتها من النوم تدعك جفونها الحمراء المتورمة من ~~البكاء. ~~- قوليلي مين هو يا بت؟ ~~- ماعرفش ماعرفش ماعرفش، قلت لك ms071 ميت مرة ماعرفش. ~~- قولي اسمه وإلا دبحتك بالسكين . # في عيني أمها نظرة مفزعة، لم تعد تعرفها، تبدو امرأة غريبة لم ترها ~~من قبل، في عينيها نظرة قاتلة، تخفي هنادي عينيها بيديها ~~وتنشج. ~~- انطقي يا بت. # تصرخ هنادي. ~~- ماعرفش. ~~- هو الشيخ متولي يا بت؟ ~~- لأ. ~~- أمال مين يا بت؟ ~~- مش عارفة. # وضعت حد السكين على عنقها. ~~- انطقي اسمه؟ # تشهق البنت كأنما تلفظ النفس الأخير. ~~- اسمه جلال يامه. ~~- جلال إيه يا بت؟ ~~- جلال أسعد، خلاص عرفتيه يامه؟ كفاية، سيبيني في حالي. # وتكورت ~~هنادي فوق الأرض تجهش بالأنين حتى غطت في النوم. أخفت سعدية السكين ~~تحت جلبابها الأسود، فتحت الباب وخرجت، قررت أن تواجه جلال أسعد، أن ~~يعترف أنه اغتصب ابنتها، تشق عنقه بالسكين وتفضحه في الحي، توقفت ~~فجأة تفكر ستكون الفضيحة لها ولابنتها أيضا. # إذا اعترف جلال أسعد بفعلته وأبدى استعداده للزواج بابنتها؟ # جلال أسعد شاب محترم، سوف يتخرج في معهد الكومبيوتر، لن تتزوج ابنتها ~~رجلا أفضل منه، سيوفر لها شقة وحماما، لن تقف في الطابور أمام ~~الحنفية، وسيشتري لها جهاز العروسة، وسريرا ومخدات، ومطبخا فيه حلل ~~وصحون، وفناجين شاي لها حواف منقوشة، واقفة في الشارع خيالها شارد مع ~~أحلامها عن مستقبل ابنتها وزوجها جلال أسعد، انتبهت إلى الجسم الصلب ~~تحت جلبابها، آخ السكين؟ أتقتل زوج ابنتها؟ # استدارت عائدة، كانت ابنتها هنادي تغط في النوم، ابتسمت وهي ترمق ~~ارتفاعة البطن، حفيدها سيكون اسمه مسعود؛ لأنه مسعود، يحمل اسم أبيه ~~جلال أسعد، يكتب أبوه شهادة ميلاد رسمية باسمه الثلاثي، مسعود جلال ~~أسعد، يدخل المدرسة والمعهد العالي، يصبح موظفا محترما يجلس خلف ~~مكتب، خرجت من الباب بدون السكين، تمشي بخطوات سريعة، يندفع جسدها إلى ~~الأمام بقوة، عاد إليها شبابها، لم تعد تحس بآلام ظهرها وركبتها، لم ~~يكن جلال أسعد في بيته، باب الشقة مغلق بقفل، ورقة مثبتة بدبوس فوق ~~الباب الخشبي، مكتوب عليها حروف لم تستطع قراءتها، آه لو تعلمت في ~~المدرسة! الأستاذة دربتها على قراءة الأرقام وبعض الحروف، التقت ~~عيناها كلمة «معهد» من ms072 الورقة المعلقة على الباب، لا بد أنه معهد ~~الكومبيوتر، دفعت ابنتها المصاريف وها هي في سنتها الأولى، أمامها ثلاث ~~سنوات وتتخرج، ياه تلات سنين يا سعدية؟ يا ترى مين يعيش؟ يمكنها تزويج ~~هنادي من جلال أسعد في شهر أو شهرين، شهرين على الأكثر حتى لا يلحظ ~~الجيران ارتفاعة بطنها، وتصبح ابنتها ست بيت لا تخرج مثلها كل يوم ~~للشغل، لا بد أنه معهد الكومبيوتر، كانت تمر أمامه في طريقها إلى منزل ~~الأستاذة، يمكن أن تذهب إليه بخطوتها السريعة في ساعة ونصف ساعة، لكن ~~الأوتوبيس أسرع، وهي لا تستطيع الانتظار، أمامها مهام عاجلة، أهمها أن ~~تشتري ملابس حفيدها من المحل الكبير في ميدان السيدة، عرفت أنه ولد من ~~رائحة قميص أمه هنادي، آه يا بنتي ربنا يمتعك بالسلامة، نزلت من ~~الأوتوبيس أمام باب المعهد، المبنى الأبيض الضخم له أعمدة عالية، خفق ~~قلبها، مزيج من الرهبة والفرح، جلبابها الأسود أصبح كالحا أجرب إلى ~~جانب الأعمدة البيضاء، الحوش كبير من الأسفلت لا يعلوه التراب، الأشجار ~~خضراء تهتز تحت السماء الزرقاء، رائحة الهواء منعشة، الوجوه نضرة ~~نظيفة، شباب أجسامهم طويلة ممشوقة، وشابات رشيقات يسرن بخطى سريعة، ~~ملابسهن نظيفة أنيقة، انكمشت داخل جلبابها الأسود الذي يشبه لون ~~التراب، سألت أحد الطلاب عن جلال أسعد، أشار إلى الركن البعيد في ~~الفناء، وقال: ربما في «الكافيتيريا». رنت كافيتيريا في أذنها مثل ~~كلمة في أغنية، أول مرة تسمعها في حياتها، راحت تتغنى بها وهي تمشي في ~~الفناء كافيا تيريا، كافيا تيريا، يا كافيا خيرها وشرها. # كان جلال أسعد واقفا وسط ثلة من الطلاب يستعدون للخروج في ~~التظاهرات، رأى جلال أسعد امرأة ترتدي جلبابا أسود تقترب منه، رأسها ~~ملفوف بطرحة سوداء، وجهها طويل شاحب، عيناها سوداوان تنظران إليه في ~~وجل. ~~- أنت جلال أسعد؟ ~~- أيوه أي خدمة؟ ~~- أنا أم هنادي. ~~- هنادي مين؟ ~~- ما تعرفش هنادي؟ ~~- هي في سنة إيه؟ # يغوص قلبها إلى أخمص قدميها، تنطق بصعوبة: سنة أولى. # قال أحد الطلاب: يا دوب الواحد يعرف فصله. # وقال جلال أسعد: اسمها ms073 هنادي إيه؟ اسم والدها إيه؟ # أطرقت تبتلع لعابا مرا: أبوها ميت. # قال أحدهم: الله يرحمه لكن اسمه إيه؟ # مسحت حبات العرق فوق جبينها بكم جلبابها، لم تتوقع أن ينكر جلال ~~علاقته بابنتها، أيكون نذلا إلى هذه الدرجة؟ وإذا غدر بها هل يغدر ~~بابنه في بطنها؟ # ربت جلال أسعد كتفها، أزاحت يده عنها، إيه المشكلة يا أمي يمكن ~~نحلها؟ # يتجمع الغضب في حلقها كالغصة، لا تستطيع النطق، يبدو أن ابنتها غابت ~~عن باله، وانتهى الأمر بالنسبة إليه، يتظاهر بأنه لا يعرفها، تريد أن ~~تبصق في وجهه وتقول له: يا مجرم يا سافل. تتلفت حولها مختنقة بالغصة في ~~حلقها، لا تقوى على التنفس، إيه مشكلة بنتك؟ # تبتلع لعابا جافا مرا وتنطق بصعوبة: تشربي شاي يا حاجة؟ ~~- مش عاوزة شاي، عاوزة الحقيقة. ~~- حقيقة إيه يا أمي؟ ~~- حكايتك مع هنادي بنتي. ~~- حكاية إيه؟ # رفعت سعدية رأسها متحدية: ما تفتكرش إنك تعمل العملة وتهرب ~~بجلدك. ~~- أنا مش فاهم حاجة. # قربت فمها من أذنه وهمست بشيء، صاح جلال أسعد معترضا: أنا لا ~~يمكن أن أخدع أي بنت، أنا عندي ضمير. # ثبت عينيه في عينيها، كانت واقفة تنتفض، تراخى جسدها فوق ~~المقعد، أخفت وجهها بيديها وأجهشت بشهيق عميق، رأت في عينيه نظرة ~~مباشرة، أحس قلبها أنه مستقيم، أطرق رأسه طويلا ثم رفع وجهه إليها، في ~~عينيه حزن عميق: أنا عندي ضمير يا أمي. أنا عارفة يا بني. ابتلع دمعة ~~لمعت في عينيه واختفت بسرعة. أنا عارفة إنك لا يمكن تخدع بنت غلبانة زي ~~هنادي. أمي علمتني أقول الحق ولا يمكن أكذب على حد. وأمك عايشة؟ ~~- أمي ماتت في السجن. ~~- آه يا ضنايا ربنا يبارك فيك. # تستدير سعدية لتغادر المكان، الأرض تدور بها، تستند إلى الجدار، يضع ~~يده في جيبه، ثم يناولها بعض الجنيهات، ترفع رأسها بشموخ وترفض، إنتي ~~زي أمي. أيوه يا ابني. دي مساعدة بسيطة يا أمي. عندنا شرف وكرامة زي ~~المرحومة أمك. # يراها تمشي بظهرها المحني وجسدها المكدود، يتذكر أمه في أيامها ~~الأخيرة، كانت تخدم ms074 في البيوت لتنفق عليه وتدفع مصاريف تعليمه من عرق ~~جبينها، لم تقبل مساعدة من خاله شقيقها، ولا من عمه شقيق أبيه، كانت ~~تشتغل في بيت الدكتور محمود بك في الزمالك، تساعدها على الشغل أخته ~~الصغيرة، يعملان معا إحدى عشرة ساعة كل يوم لدفع مصاريف تعليمه وأجرة ~~الغرفة والطعام وملابسه الجديدة وأحذيته الجلدية، كانت أخته في الثالثة ~~عشرة من عمرها، اعتدى عليها الدكتور البك، انكشفت الحقيقة حين ارتفعت ~~بطنها بالحمل، أمسكت أمه سكينة المطبخ وغرزتها في قلب الدكتور، ماتت ~~أمه في السجن، وقفزت أخته من فوق الكوبري وغرقت في النيل، في ظهرها ~~المحني كان جلال أسعد يحملق، يكاد يناديها لتعود، صوته لا يطلع، تخنقه ~~الدموع، يغمره الإحساس بالشفقة، عودته أمه منذ طفولته أن يشفق على ~~الضعفاء والمساكين، يفكر كيف يساعدها؟ # هل يتطوع مع زملائه للبحث معها عن المجرم؟ # هل يبحث عن طبيب يجري عملية الإجهاض ويدفع أجرته؟ # هل يتطوع للزواج بابنتها ويمنح الطفل اسمه؟ # كان واقفا مثل تمثال حجري يحملق في ظهرها المحني وهي تبتعد، من حوله ~~الطلاب يتأهبون للخروج في التظاهرة إلى ميدان التحرير، في أعماقه رغبة ~~طفولية في التضحية، يمكن أن يضحي بحياته من أجل الوطن ويموت برصاصة في ~~التظاهرة، فلماذا لا يقدم هذه التضحية البسيطة من أجل هذه الأم ~~المطحونة وابنتها البائسة؟ # رفضت الأم نقوده بكبرياء، فهل تقبل أن يتزوج ابنتها بدافع ~~الشفقة؟ # في عينيها رأى الكبرياء والشموخ بالرغم من الفقر والخضوع. # اختفى ظهرها المحني في زحام الطلاب لكن طيفها لم يبرح خياله، أصبح ~~يلوح له في النوم. # شرعت سعدية تتقلب فوق المرتبة، راح الحلم وضاع الأمل الوحيد الباقي، ~~لن يصبح لابنتها زوج محترم، ولا بيت فيه مطبخ وحمام، ستظل ابنتها تعيش ~~في هذا الزقاق، تقف في الطابور المزدحم لتملأ الصفيحة بالماء، لن يكون ~~لها حفيد يذهب إلى المدرسة والمعهد العالي، ويصبح رجلا محترما يجلس ~~وراء مكتب. # آه يا ربي ليه تكسر قلبي؟ ليه تبهدلني البهدلة دي؟ ليه تاخد مني ~~الأمل الوحيد؟ وإنتي يا هنادي يا بنتي، ليه ms075 تكدبي على أمك؟ # لكزت ابنتها النائمة بطرف المكنسة : ليه يا هنادي تكدبي على ~~أمك؟ # تموء البنت بصوت قطة جريحة. ~~- قومي يا بت قامت قيامتك. # لم تنهض ابنتها إلا بعد أن ضربتها بالمكنسة فوق رأسها وبطنها، وهي ~~تصيح بصوت مذبوح: قومي يا بت اتأخرنا ع الأستاذة. # في الثامنة صباحا كانت سعدية تدق الجرس، من خلفها تقف ابنتها ~~ترتعد، فتحت الأستاذة الباب، اتأخرتي يا سعدية. ~~- معلهش يا ست فؤادة. # تنظر إلى الساعة بقلق. ~~- العملية الساعة عشرة، يا دوب تغسلي الصحون، وتكوي قمصان ~~البيه. # وقفت معها ابنتها أمام الحوض تساعدها، تجفف الصحون الصينية والكئوس ~~الكريستال وترصها في الدولاب، أصابعها ترتعد، دخل شاكر بيه إلى المطبخ، ~~عاوز فنجان قهوة يا سعدية. ~~- حاضر يا بيه. ~~- اعملي فنجان قهوة للبيه يا هنادي. # يلتفت شاكر بيه إليها: إزيك يا هنادي؟ # أطرقت البنت ولم ترد. # انزلقت الكأس الكريستال من بين أصابعها المرتعشة إلى الأرض، وانكسرت ~~بصوت حاد، أقبلت الأستاذة بسرعة إلى المطبخ تسأل: إيه حصل؟ # شهقت سعدية وهي تلملم الزجاج المتناثر فوق البلاط، معلهش يا أستاذة، ~~مش تاخدي بالك يا هنادي، أصلها خايفة يا أستاذة من العملية، دي بسيطة ~~يا هنادي. تختفي البنت وراء أمها، تنشج بصوت مكتوم، اعملي القهوة ~~بسرعة للبيه عشان نروح العيادة، العربية جاهزة. # ركبت الأستاذة وراء المقود في سيارتها الصغيرة، في جوارها جلس زوجها ~~واضعا حقيبته الجلدية فوق ركبتيه، في الخلف جلست سعدية وفي جوارها ~~ابنتها. # كانت العيادة في شارع جانبي متفرع من ميدان باب الخلق، عمارة عالية ~~تحمل أسماء أطباء ومحامين ومحاسبين ومكاتب استيراد وتصدير وحلاقين ~~ومدلكين وكل أنواع المهن الحرة. # أوقفت السيارة أمام باب العمارة، نزلت سعدية ومن خلفها ابنتها، بقيت ~~الأستاذة وزوجها بالسيارة، قالت وهي تطل من النافذة: عيادة الدكتور في ~~الدور السابع، الشقة جنب الأسانسير، كل شيء مدفوع يا سعدية، قولي ~~للدكتور إنك من قبلنا. وانطلقت بهما السيارة. # دخلت سعدية ومن ورائها ابنتها مدخل العمارة الكبير، البلاط أبيض ~~لامع، الجدران من المرايا، رأت سعدية نفسها في المرآة شبحا أسود ~~اللون، ms076 شبشبها البلاستيك يحتك بالبلاط أو البلاط يحتك بشبشبها ، رأت ~~أمامها باب المصعد ففتحته ودخلت من ورائها ابنتها. # أقبل البواب مسرعا، دفعهما خارج المصعد وهو يزعق: الأسانسير ~~عطلان. # بعد لحظة، رأته ينحني ويفتح باب المصعد لرجل طويل مهيب، يرتدي بذلة ~~سوداء وربطة عنق حمراء، اتفضل يا سعادة البيه. # ابتلعت سعدية لعابها المر، وعدتها الأستاذة أن تأتي معها إلى عيادة ~~الدكتور، لن تتركها حتى تطمئن إلى نجاح العملية وسلامة ابنتها، تركتها ~~أمام باب العمارة وانطلقت مع زوجها. # هل ستموت ابنتها في العملية وقد تركتها الأستاذة وحدها؟ # تلهث سعدية ومن خلفها ابنتها، يصعدان السلالم إلى الدور السابع، تطرد ~~الهواجس والشكوك، الأستاذة من أطيب الناس، لا تتخلى عنك يا سعدية ~~بعد هذه السنين؟ # ترتعش عيناها فوق أسماء الأطباء، أبواب عياداتهم مفتوحة يطل منها ~~الموت. ~~- فين اسم الدكتور؟ ~~- تعرفي القراية أكتر مني يا هنادي. # تبربش ابنتها، تتطلع إلى الأسماء بعينين حمراوين من بين جفونها ~~المتورمة. # في نهاية الممر الطويل، تشير الابنة بإصبع صغيرة مرتعشة إلى باب ~~أبيض مفتوح. # تدخل الأم وابنتها من خلفها، الصالة ملأى بنساء ملابسهن نظيفة ~~أنيقة، تفوح رائحة عطر في الجو، تعثرت سعدية بشبشبها بالسجادة فوق ~~الأرض، أقبل نحوها التمرجي بخطوة متحفزة، لهثت: إحنا من قبل الأستاذة ~~فؤادة وشاكر بيه. # أشار إليها بقلم رصاص في يده إلى ممر داخلي أمام المرحاض وأمرها ~~بالانتظار، وقفت سعدية مسندة ظهرها إلى الحائط الأبيض، الألم في عمودها ~~الفقري وركبتها اليسرى، لم يكن بالممر مقاعد، تكورت هنادي فوق البلاط ~~تلف جسمها بشال أمها الأسود، مرت ساعة ثم ساعة فثلاث ساعات، ثم أشار ~~إليهما التمرجي بالدخول إلى غرفة العمليات. # جلس شاكر في جوار زوجته وهي تقود السيارة، يرمق أنفها المرفوع وهو ~~يزم شفتيه، لا يعرف سبب الضيق بالضبط. # ارتفاعة أنفها غير مألوفة، كان لأمه هذا الأنف، كانت ذات إرادة قوية ~~تتغلب على إرادة أبيه، يحب المرأة القوية كما أحب أمه وكرهها في الوقت ~~ذاته، كره سلطة أبيه المطلقة وأحبها وأصبح يمارسها، احتقر أباه حين ~~اكتشف أنه يكذب على ms077 أمه ويخونها في الخفاء، أصبح يكره الكذب والخيانة ~~ويمارسهما في الوقت ذاته، كان يشعر بتأنيب الضمير فيجلد نفسه أو غيره ~~ممن يقعون تحت سلطته، أفاق على صوت فرملة حادة، كاد سائق متهور يصطدم ~~بسيارتهما لولا انتباه فؤادة وقدرتها الفائقة على القيادة، شوارع ~~القاهرة مزدحمة بالسيارات، لا يحترم السائقون قانون المرور والإشارات، ~~يترك لزوجته مهمة قيادة سيارتها لكنه لا يكف عن إعطائها ~~التوجيهات. # سوقي على مهلك، خلي بالك من العربيات، ورانا لوري، اعملي الإشارة، ~~العربية طالعة شمال، خليكي ع اليمين، يشعر بلذة وهو يعطيها التوجيهات، ~~ينتهز أي فرصة ليوجه إليها النصائح، كان متفوقا في كلية الحقوق، كان ~~يمكن أن يكون أستاذا مرموقا في القانون أو مستشارا في مجلس الدولة ~~أو وزيرا للعدل، لكن يبتلع كلمة «لكن» مع لعاب مر، تدرب في حياته ألا ~~ينطق كلمة «لو»، لا شيء يمكن أن يقضي عليه إلا الندم، العيون في ~~الشوارع ترمقه جالسا في جوار زوجته، لا تقود المرأة السيارة وفي ~~جوارها رجل، مهما ارتفعت المرأة لا ترتفع عن زوجها، عضلة صغيرة تنقبض ~~تحت عينه اليسرى، تنقبض هذه العضلة دائما قبل أن يغضب، لمحتها فؤادة ~~بجانب عينها، أصبحت تقرأ وجهه وحركة عضلاته، أوقفت السيارة في جوار ~~الرصيف. ~~- سوق إنت يا شاكر. ~~- مين قال إني عاوز أسوق؟ ~~- فيه حاجة عاوز تقولها؟ ~~- مش عاوز أقول حاجة. ~~- زعلان ليه؟ ~~- مش زعلان. # تضغط دواسة البنزين وتواصل القيادة. # ترمقه من الجانب، أنفه مرتفع مقوس يشبه أنف أبيه، فتحة الأنف واسعة ~~يسدها شعر يهتز مع حركة أنفاسه المسرعة، يزعق فجأة بغضب. ~~- كنت عاوزة تروحي معاهم العيادة؟ ~~- كان لازم أروح معاهم يا شاكر. ~~- يعني إحنا ناقصين مصايب؟ ~~- مصايب إيه يا شاكر؟ ~~- مش عارفة مصايب إيه؟ ~~- كنت أطلع معاهم للدكتور ع الأقل؟ ~~- وتورطينا إحنا في جريمة؟ ~~- جريمة إيه؟ ~~- مش عارفة جريمة إيه؟ ~~- دي عملية بسيطة. ~~- وإذا ماتت؟ ~~- إن شاء الله تعيش. ~~- إن شاء الله تموت. ~~- حرام عليك، فين الإنسانية يا شاكر؟ ~~- عندك إنسانية أكتر مني؟ # يرتفع صوته أكثر. ~~- عندك شجاعة أكتر مني؟ # يزعق ms078 منفجرا بالغضب. ~~- عندك رجولة أكتر مني؟ # تنطلق كلمة رجولة من بين شفتيه كالقذيفة. # فؤادة لا ترد، تدرك في صوته طبقات الكراهية المتراكمة المكبوتة على ~~مدى السنين، المتنكرة بأشكال من الصداقة أو الحب أحيانا، تذوب مشاعره ~~المتناقضة في شعور واحد بالغضب، منذ زواجها به تنتابه لحظات غضب لم ~~تكن تعرف مصدرها، كانت تقول لنفسها ربما السجن يتراكم فيه الغضب ~~المكبوت؟ كان يمكن أن يكون أستاذا بكلية الحقوق، وزيرا للعدل، قاضيا ~~مرموقا، مستشارا قانونيا مشهورا، لكنه أصبح محررا مجهولا في ~~صفحة السياسة المحلية، زوجته مسئولة صفحة السياسة الدولية، اسمها ~~معروف، تحضر المؤتمرات في الخارج، راتبها من الجورنال ضعف راتبه، ~~قامتها أطول من قامته، كتفها وهي تمشي في جواره أعلى من كتفه، ثلاثة ~~سنتيمترات فقط. # قالت له وهي تضحك معه قبل الزواج: معظم الرجال يفضلون المرأة الصغيرة ~~التي تتهشم عظامها في العناق. # قال لها: بالعكس أنا أفضل المرأة القوية الطويلة القامة، شرط ألا ~~تزيد عني بأكثر من تلاتة سنتي. # تمسك فؤادة المسطرة وتقيس المسافة بين كتفها وكتفه، وتقول: بالضبط ~~تلاتة سنتي. # ويضحكان وهما يشربان الليمون المثلج في النادي. # في الشارع الجانبي كان الموقف الخاص بالجورنال، تركت فؤادة مفاتيح ~~السيارة للعم عثمان، له راتب كل شهر، يتشاركان في دفعه مثل كل النفقات ~~في البيت وخارجه، حسابهما في البنك مشترك، لا تجيد فؤادة الحسابات ~~وأعمال البنوك، يتقن شاكر هذه الأعمال، إنه دقيق عملي لا يجنح مثلها ~~إلى الخيال، أخرج المحفظة من جيبه، تقدم نحو العم عثمان وناوله بضعة ~~أوراق، رفع الرجل كفيه إلى السماء، ربنا يخليك يا سعادة البيه. # ابتسم شاكر، تراخت عضلاته المتقلصة، تلاشى في حلقه طعم المرارة ~~قليلا؟ # وقفت سعدية في الممر مسندة ظهرها إلى الحائط، رافعة ذراعيها إلى أعلى ~~كالمصلوبة، تدعو الله أن يفتح باب غرفة العمليات وتخرج منه ابنتها ~~سليمة، ذراعاها ملفوفتان حول صدرها، الخفقات تحت ضلوعها تتصاعد، يا رب ~~أنقذها يا رب، يا رب ماليش غيرها. كلما انفتح الباب وخرجت ممرضة، تسرع ~~نحوها تتصيد أي كلمة تطمئنها، بنتي حالتها إيه ms079 ربنا يخليكي، لم تعد ~~تطلب من الرب إلا أن ينجي ابنتها من الموت، لا يهم أن يكون لها زوج ~~محترم أو غير محترم، يجلس خلف مكتب أو لا يجلس، أن يكون لها مطبخ فيه ~~فناجين مزركشة أو غير مزركشة، وحمام فيه ماء أو من غير ماء، المهم يا ~~رب أن تعيش ابنتها، أن ترى وجهها في الصبح راقدة في جوارها، أن تلف ~~ذراعيها حولها وتضمها إلى صدرها، مضى الوقت بطيئا، مرت ساعتان ولم ~~تخرج ابنتها من غرفة العمليات، الأستاذة قالت إن العملية تتم في ساعة ~~أو أقل، انتهزت فرصة خروج إحدى الممرضات وانفتاح الباب فاندفعت داخل ~~الغرفة، رأت عددا من الأطباء والممرضات ملتفين حول المنضدة تحت الضوء ~~وسط الغرفة، لم تر ابنتها من رءوسهم المتلاصقة، إلا قدميها المرفوعتين ~~في الهواء فوق الرءوس، صغيرتان بيضاوان كأنما لم يبق منهما قطرة دم ~~تحت المنضدة، سقطت عيناها فوق جردل مليء بالدم وكتل صغيرة متجمدة حمراء ~~كأنما مقطوعة من الكبد، انطلقت الصرخة من صدرها من دون أن تدري: ~~بنتي! # تجمعت حولها بعض الممرضات وسقنها خارج الغرفة، وهي تنتفض وتصرخ: بنتي ~~ماتت؟ ~~- بنتك بخير يا حاجة. ~~- العملية نجحت؟ ~~- أيوه نجحت يا حاجة. ~~- وفين بنتي؟ ~~- خارجة حالا بعد دقيقة، استريحي، هات لها كوباية ميه يا محمد. # وانطلق التمرجي وعاد بكوب الماء. # فوق المرتبة على البلاط رقدت هنادي تنزف وتصرخ من الألم، بقيت قطعة ~~من الجنين ملتصقة بالرحم، تتقلص عضلاتها بقوة لتطردها مع قطع الدم ~~المتجلطة، أمها سعدية في جوارها تسقيها الماء بالسكر، يا رب اشفيها يا ~~رب ماليش غيرها. # غابت سعدية عن شغلها بعض أيام، جاءت الأستاذة تزورها ومعها كيس فيه ~~تفاح، التفاح يعوضها عن الدم يا سعدية، إزيك يا هنادي؟ # ترمقها هنادي بعينين حمراوين ولا ترد. # تمد يدها بتفاحة. ~~- كلي التفاحة دي يا هنادي. # تدفع هنادي التفاحة من يدها بغضب فتسقط على الأرض، تلتقطها الأم ~~بسرعة وهي تلهث. ~~- عيب عليكي يا هنادي. ~~- معلهش يا ست فؤادة، اعذريها، نزفت دم كتير وراسها سخنة زي ~~النار. # باين ms080 عندها حمى، خايفة عليها تروح مني. ~~- تروح منك ازاي يا سعدية؟ العملية نجحت والحمد لله وكلها يومين ~~وتقوم بالسلامة، إديها قرص كل ست ساعات من الدوا ده لمدة تلات أيام، ~~وخدي المبلغ ده سلفة تحت الحساب، اعملي لها فرخة وشوربة خضار، لازم ~~تاكل كويس عشان تعوض الدم. ~~- كتر خيرك يا أستاذة ربنا يطول عمرك يا رب، أرد جمايلك دي كلها ~~ازاي؟ ~~- يا سعدية ما تحمليش هم، إحنا عيلة واحدة. # كان العيال في الزقاق قد تجمعوا حول سيارة الأستاذة يتحسسون سطحها ~~الأملس الناعم، تتلصص عيون الجيران وهم يتهامسون يا بختها سعدية ~~بالأستاذة فؤادة، يمصمصون شفاههم، ربنا ياخد بيد بنتها هنادي، ينخفض ~~الهمس فلا يكاد يسمع، فضيحة هنادي وأمها على كل لسان في الحي، لا تنام ~~سعدية طوال الليل، ابنتها راقدة تهذي من الحمى، تبلل الأم منديلها بماء ~~الصفيحة وتمسح جبهتها الساخنة، يجف المنديل فتعود تبلله بالماء، تجس ~~الجبهة وتشهق، مولعة نار يا بنتي، ترفع كفيها نحو السقف الأسود من ~~الدخان، تخاطب الرب يا رحيم يا كريم ماليش غيرها. يغلبها النوم فتغفو ~~لحظة وهي جالسة، ترى نفسها داخل بركة من الدم، من حولها أجسام متكورة ~~حول نفسها بالجلاليب الدمور، ملوثة بالطين والدم، وأطفال عراة يزحفون ~~على الأرض مثل الدود، التقطت عيناها وجه ابنتها تزحف، يشبه وجهها وهي ~~طفلة، مدت إليها يدها عبر أكوام اللحم والدم، فأطبقت الأصابع الصغيرة ~~الدقيقة على إصبعها، تضمها إلى صدرها ترضعها، ثديها جاف تعتصره فلا ~~تسقط منه قطرة لبن، ولدتها فوق الأسفلت في السجن، ضغطت بكفها على بطنها ~~حتى خرجت المشيمة، مثل رغيف ساخن من الدم، حفرت بأصابعها حفرة في الحوش ~~ودفنتها، قطعت الحبل السري بحجر له رأس مدبب، شدت الدوبارة من ~~سروالها وربطت السرة، كانوا ينادونها باسم سعدية القتالة، تقول إنها لا ~~تقتل ناموسة، كانت تشقى في الحقل طوال النهار وهي حامل، زوجها راقد في ~~الدار يأكل ويدخن الجوزة، تخفي نصيب ابنها المريض من الخبز والجبن في ~~حفرة بالجدار، والنقود تدخرها لتشتري له الدواء وتخبئها تحت الأرض، ms081 ~~يسهر زوجها في الغرزة يدخن الحشيش ويعود آخر الليل، يأكل طعام ابنها ~~المريض ويفتش عن النقود، إن لم يعثر على شيء يضربها حتى تعض الأرض، في ~~يوم عادت من الحقل فلم تجد النقود، ابنها راقد يلفظ أنفاسه الأخيرة، ~~مات ابنها بين يديها، لفت رأسها بالطرحة السوداء وسارت إلى الغرزة، ~~رأته متربعا وسط الرجال يتعاطون الحشيش، أمسكت الشومة وضربته فوق ~~رأسه، نقلوه إلى المستشفى وأخذوها إلى السجن، كانت حاملا بهنادي. فتحت ~~ابنتها جفونها الحمراء الوارمة وشهقت، أمه إنتي فين؟ أفاقت سعدية ~~وهتفت أنا هنا جنبك يا هنادي. عطشانة يامه. أسرعت الأم وناولتها كوب ~~الماء، اشربي يا بنتي بالشفا، ناولتها قطعة من تفاح الأستاذة، وضعتها ~~بين أسنانها ثم بصقتها على الأرض: مش عاوزين منهم حاجة يامه. ~~- إحنا عايشين من خيرهم يا هنادي. ~~- مش عاوزة منهم حاجة. ~~- ربنا يشفيكي يا بنتي. # | في السجن # غابت سعدية عن الشغل أسبوعا ثم عادت، نهضت الأستاذة تفتح الباب، ~~تعرف أنها سعدية من دقة الجرس، تبتهج فؤادة بعودة سعدية، لا تستريح لأي ~~شغالة غيرها، تشعر معها بالطمأنينة، أمينة لا تسرق شيئا من البيت، لا ~~تختلس أي نقود مما تشتريه من السوق، مستقيمة الأخلاق، لا تصدر منها ~~كلمة خارجة على الأدب، تعرف حدودها، لا تتعدى المسافة بين الخدم ~~والسادة، ملابسها نظيفة دائما بالرغم من الفقر، لا تشم منها رائحة ~~عرق، رغم التعب والشغل طوال النهار، كانت زميلتها في السجن، نزفت الدم ~~فوق الأسفلت وهي تلد ابنتها هنادي، كما نزفت هي دمها في السجن ذاته وهي ~~تلد ابنتها داليا، خرج شاكر بيه من غرفته مرتديا البيجامة البيضاء ~~الحريرية. ~~- اعملي النهارده صينية مكرونة بالبشامل. ~~- حاضر يا بيه. ~~- وحشتنا الصواني بتاعتك في الفرن. ~~- ماتشوفش وحش يا بيه. # يجلسان في غرفة الطعام يتناولان الفطور، يقرآن الصحف في صمت، يعلقان ~~على الأخبار بكلمات قليلة، يتناقشان في موضوع ما، يتبادلان بعض ~~الفكاهات، ينظر شاكر إلى التايير الأنيق ويقول لزوجته: لازم عندك ميعاد ~~مهم؟ # تضحك فؤادة في مرح وتتساءل: ميعاد مهم؟ مع مين؟ ~~- إيش عرفني أنا؟ ms082 ~~- فيه حد مهم في البلد؟ # يبتسم شاكر: طبعا فيه. ~~- زي مين؟ # غمزها بعينه: رئيس التحرير. ~~- ده له صلعة وكرش ما شاء الله. # يضحكان في مرح. # تشعر سعدية بالتفاؤل حين تسمع ضحكاتهما، تريد لهما الحياة المستقرة، ~~استقرارها جزء من استقرارهما، فرص الشغل قليلة والناس الطيبة مثلهما ~~نادرة. # تقول فؤادة: لازم هنادي ترجع المعهد. ~~- هي خايفة يا أستاذة. ~~- ليه؟ ~~- عرفوا الحكاية في المعهد. ~~- عرفوا منين؟ # أطبقت سعدية شفتيها، لم تقل إنها هي التي فضحت ابنتها، ذهبت لتقابل ~~جلال أسعد وسط الطلاب، كان المفروض أن تقابله خارج المعهد. ~~- عرفوا منين يا سعدية؟ ~~- الناس بتشم الأخبار يا أستاذة. ~~- الناس غرقانة في مشاكلها يا سعدية. ~~- يا ريت تكلميها، هي بتسمع كلامك يا أستاذة. ~~- هاتيها معاكي بكرة وأنا أقنعها. ~~- لما تخف يا أستاذة وتقوم بالسلامة. ~~- إذا احتجت سلفة قولي يا سعدية. ~~- الأدوية غليت نار. ~~- كل حاجة غليت يا سعدية. ~~- اخصمي السلفة كل شهر من ماهيتي. ~~- إنتي بقيتي واحدة من العيلة يا سعدية. # | محظورات # كانت فؤادة تكتب مقالات في السياسة الدولية، يحذف رئيس التحرير ما ~~يراه غير متفق مع سياسة الدولة، لم يكن مسموحا انتقاد الصداقة بين مصر ~~وأمريكا والشراكة والتعاون ومعاهدة كامب ديفيد للسلام والهوية ~~الإسلامية، والعلاقات الودية مع دول النفط والخليج. # يكتب شاكر مقالات في السياسة المحلية، أحيانا ينتقد سياسة ~~الاستيراد من دون تخطيط، تكتظ الشوارع بالسيارات المستوردة، أصبح عدد ~~السيارات في مصر أكثر من عدد الناس، يملك الفرد سيارتين أو أكثر، تحرم ~~الأسر الفقيرة نفسها من الطعام لتملك سيارة، بدلا من إهدار العملة ~~الصعبة والأموال في شراء السيارات الأجنبية، لماذا لا تصلح الحكومة ~~المواصلات العامة، بدلا من أن يركب شخص واحد سيارة يركب خمسون في ~~أوتوبيس، إنشاء مترو الأنفاق تحت الأرض يحل مشكلة المرور، القطار ~~الواحد يحمل مئات، ويخف الزحام من الشوارع، ويقل التلوث بالغازات ~~المنبعثة من عوادم السيارات، أصبح التلوث يهدد الحياة في مصر والعالم ~~نتيجة ازدياد حجم الانبعاثات الكربونية، وارتفاع حرارة الكون، وذوبان ~~الثلوج عن قمم الجبال، وارتفاع منسوب المياه في المحيطات ms083 والبحار ومنها ~~البحر الأبيض المتوسط، مما يهدد بإغراق ثلث مساحة دلتا النيل تدريجا ~~تحت مياه البحر في العقود المقبلة، وازدياد ملوحة الأراضي في الدلتا ~~كلها، التي تنتج 65٪ من غذاء مصر، تغيرات المناخ خطيرة، والمفروض وضع ~~استراتيجية من الآن للتخفيف من هذا الخطر. # يمط رئيس التحرير شفتيه. ~~- يا شاكر بلاش كلمة استراتيجية، دي كلمة شيوعية، عاوز تروح تاني ورا ~~الشمس، ده كلام يخدم الرأسماليين في مصر، مشروع مترو الأنفاق سيحقق ~~مكاسب كبيرة لشركات القطاع الخاص، يا شاكر ابعد عن الشر وغني ~~له. ~~- يعني أكتب في إيه يا أستاذ؟ ~~- اكتب في السياسة المحلية. ~~- مشاكل المواصلات والمرور وتلوث البيئة سياسة محلية مش كده؟ ~~- مكاتب استيراد السيارات فيها فوايد يا شاكر. ~~- لمين يا أستاذ؟ # يغمز رئيس التحرير بعينه مشيرا إلى الصورة فوق رأسه داخل البرواز ~~ويهمس: هو واللي حواليه عارفهم يا شاكر؟ ~~- كل الناس عارفاهم يا أستاذ. # كانت فؤادة تشعر في مكتبها بالغربة، لم تكن تحب الصحافة أو السياسة، ~~دخلت قسم الصحافة في الجامعة لترضي أباها، كان يقول: الصحافة هي كل ~~شيء، أكبر رأس في البلد يخاف من أصغر صحفي. تجلس فؤادة شاردة، تتحرك ~~عيناها خارج النافذة، كيف تحرر نفسها من الجورنال، سعدية تحررها من ~~أعباء البيت، تساعدها على الطبخ والتنظيف، تعمل من الساعة السابعة ~~صباحا حتى الخامسة مساء، تسع ساعات كاملة من دون توقف، لن يكون عندها ~~وقت للطفل الجديد القادم، لماذا تركت نفسها تحمل للمرة الثانية، تكفيها ~~ابنتها داليا لا تملك الجهد لطفل ثان ولا تريده، حياتها الزوجية ~~خالية من اللذة أو السعادة، تشعر بالغثيان كل صباح، تساورها فكرة ~~الإجهاض، لا تستطيع تحمل عبء طفل جديد، وابنتها داليا تكفيها، أوتوبيس ~~المدرسة يحملها كل صباح ويعود بها في الرابعة مساء، في الثانية بعد ~~الظهر تعود هي وشاكر من الجورنال. # تساعد سعدية على إعداد الغداء بالرغم من الإرهاق. # يستلقي زوجها فوق السرير بالبذلة والحذاء شاخصا إلى السقف حتى ~~تناديه: الغدا جاهز يا شاكر. # صوتها يشبه صوت أمه، حين كانت تناديه وهو طفل، كانت أمه ms084 درية هانم، ~~تزورهما في العيد الكبير والصغير، وهما يزورانها في بيتها في عيد ~~ميلادها، ويوم شم النسيم والكريسماس، نشأت صداقة بين زوجته وأمه، ~~تجلسان معا وتتحدثان، تحكي درية هانم حكايتها لفؤادة وشاكر وتعيدها، ~~لا تنسى منها شيئا وخصوصا ذلك المشهد مع الطبيب، ذهبت درية هانم إلى ~~الدكتور مصطفى صديق والدها، وضع الطبيب يده فوق بطنها وقال: لا يمكن، ~~عملية الإجهاض يا درية هانم خطرة جدا بعد الشهر الرابع. # أجهشت بالبكاء. ~~- سيكون لك طفل جميل يا درية هانم. ~~- مش عاوزاه يا دكتور كرهت. ~~- فيه أم تكره ابنها؟ ~~- أيوه يا دكتور إذا كرهت أبوه. ~~- مش قادر أتصور يا درية هانم. # الرجل لا يمكن أن يتصور آلام النساء يا دكتور وإن كان طبيبا ~~نسائيا. # ضحك الدكتور وقال: زوجك محترم من الجميع. ~~- أنا مراته أقرب الجميع إليه فقدت احترامي له. ~~- أنا مستعد أصلح بينكم يا درية هانم. ~~- القلب اللي ينكسر لا يمكن يرجع سليم يا دكتور. ~~- اسمعي مني النصيحة يا درية هانم، زوجك أحسن من غيره، أنا طبيب نساء ~~عارف خبايا البيوت، كل الرجالة بيكدبوا ويخونوا زوجاتهم. ~~- فيه رجالة عندهم ضمير يا دكتور. ~~- إنتي ست طيبة وعلى نياتك، المسألة مش ضمير. ~~- أمال إيه يا دكتور؟ ~~- القانون الإلهي، ربنا حلل لنا الزواج بأربع نساء. ~~- ده قانون غير عادل لا يمكن أقبله. ~~- يا درية هانم لازم تكوني مؤمنة بالله وإلا ... ~~- وإلا إيه يا دكتور؟ # يضحك الطبيب ويسكت. # على الرغم من مرور السنين، لا تنسى درية هانم هذا الحوار بينها وبين ~~الدكتور، تسأل ابنها بعد أن تنتهي من رواية قصة حياتها: تصور يا شاكر ~~لو الدكتور عمل لي عملية الإجهاض؟ # يبتسم شاكر لأمه نصف ابتسامة ويقول: كنت أنا ما جيتش للدنيا يا ~~أمي. # يغمز فؤادة بطرف عين ويكمل كلامه: يمكن كان ده يبقى مفيد لبعض ~~الناس. # تضحك فؤادة: قصدك أنا يا شاكر؟ ~~- لأ مش قصدي. # | هنادي # رقدت هنادي مريضة بالحمى تنزف دما أسبوعا كاملا، تتركها أمها ~~وتخرج إلى الشغل، تنهض هنادي وتمشي في الغرفة، تملأ الكوز بالماء ms085 من ~~الصفيحة وتشرب، تأكل نصف تفاحة أو نصف برتقالة أو بعض حبات عنب، فقدت ~~الكثير من وزنها، تتماثل للشفاء ببطء شديد، تتساوى في أعماقها الرغبة ~~في الحياة والرغبة في الموت. # كان يمكن أن تعود إلى المعهد، كان يمكن أن ينقذها التعليم من الفقر، ~~لولا أمها، مثل الدب يقتل صاحبه بحجر ليهش ذبابة. # لكن يا هنادي أنت السبب؟ ليه كدبتي على أمك ليه؟ # لم تعد أمها تسألها ليه كدبت يا بنتي؟ أصبحت هنادي نحيفة هزيلة، ~~كالخيال تمشي داخل الغرفة، تخشى الخروج من الباب ومواجهة الجيران، تخفي ~~وجهها بالنقاب حتى لا يعرفها أحد، تفكر سعدية في الهجرة إلى حي آخر، ~~لكن لا يمكن أن تعثر على غرفة بهذا الثمن، ولا يمكن أن تطلب المساعدة ~~من الأستاذة، يكفي أنها دفعت مصاريف العملية، سوف تسدد للأستاذة ديونها ~~من راتبها كل شهر، كانت هنادي تساعدها على الشغل حين يأتي الضيوف ~~وتزداد الأعباء، أو حين تتأخر الأستاذة وزوجها في حفلة أو اجتماع، ~~تبقى هنادي مع ابنتهما داليا، كانت علاقة صداقة تجمع بين فؤادة وسعدية، ~~تتحدث فؤادة أحيانا عن مشاكلها في الجورنال لسعدية، تقول لها إنها ~~تكره الجورنال بكل من فيه، تراها مكبة فوق أوراقها تكتب الساعة وراء ~~الساعة، تعد لها فنجان شاي أو قهوة، تقشر لها برتقالة أو تفاحة، ~~كفاية يا أستاذة افردي رجليكي شوية. لازم المقال يخلص يا سعدية. ~~- مقال إيه يا أستاذة؟ ~~- السياسة الخارجية يا سعدية. ~~- السياسة إيه يا أستاذة؟ ~~- كدب في كدب السياسة يا سعدية. ~~- كانت المرحومة أمي تقول عنها بوليتيكا يا أستاذة. # ترفع فؤادة وجهها من فوق المكتب: السياسة بالإنكليزي اسمها بوليتيكا ~~يا سعدية. ~~- ما لك ومال البوليتيكا دي يا أستاذة؟ # تضحك فؤادة: الدنيا كلها بوليتيكا يا سعدية. # بعد أن تنتهي فؤادة من الكتابة تتمدد فوق السرير مبعدة ما بين ~~ساقيها، قدماها تتورمان من طول الجلوس وراء المكتب في البيت والجورنال، ~~تأتي إليها مرتين في الأسبوع ممرضة متخصصة في التدليك، اسمها خديجة، ~~فتاة في العشرين تلف رأسها بإيشارب أبيض، تحمل حقيبة فيها ms086 جهاز كهربائي ~~للتدليك وأنواع متعددة من الزيوت والدهانات ، حين تغيب خديجة تقوم سعدية ~~أو ابنتها هنادي بالمهمة، تجلس فوق السجادة على الأرض وتدلك قدمي ~~الأستاذة. # | داليا # كان الأوتوبيس الأحمر يأخذ الطفلة داليا إلى المدرسة كل صباح، ما عدا ~~أيام الإجازات، تأخذها معها فؤادة إلى الجورنال، تعطيها بعض قصص ~~الأطفال، تجلس داليا على الكرسي في جوار النافذة المطلة على النيل، ~~تشرد بعيدا أو تقرأ قصة، تحمل معها في حقيبة المدرسة مفكرة تكتب فيها ~~خواطرها، تخفيها في مكان سري في غرفتها، تخشى أن تقع في يد أبيها أو ~~أمها، كتبت داليا في مفكرتها: لا أحب أبي. ثم مسحتها، وكتبت: أحب ماما ~~فؤادة وماما درية. # كانت تنادي جدتها ماما درية، تزورهم جدتها درية في الأعياد، تجلسها ~~إلى جوارها على الكنبة وتحكي لها الحكايات، تشم في ملابسها رائحة عطر ~~يشبه الياسمين. # نحيفة الجسم ممشوقة إلا انحناءة ظهرها، شعرها أبيض تلفه خلف عنقها ~~بتوكة فضية على شاكلة فراشة، حين تجلس جدتها في جوار أبيها تبدو ~~ملامحها متشابهة، تطبق شفتيها وهي تمضغ الطعام من دون صوت، بأطراف ~~أصابعها تمسك الشوكة، مشيتها تشبه مشيته، نصفها الأعلى يندفع إلى ~~الأمام، تشد عضلات عنقها إلى أعلى وكذلك ظهرها فتختفي الانحناءة، تواصل ~~داليا الكتابة في مفكرتها، في ليلة حارة مشبعة ببخار الماء ولدتها ~~أمها، خرجت إلى الدنيا صامتة من دون صراخ، وجهها شاحب أزرق مطبقة ~~الشفتين مغلقة العينين جفونها متورمة، كأنما كانت تبكي بكاء مكتوما ~~داخل الرحم، مدينة القاهرة تغطيها سحابة سوداء من الدخان والهوان، ~~هزيمة من الهزائم المتكررة لم تسمع أمها الأخبار في جهاز التلفزيون ~~داخل المكتبة في الصالة، كانت في غرفتها تكتب، في نظرها أن الأخبار ~~ملفقة، ترسلها الجهات العليا إلى الصحف، انطلقت الإذاعات ذلك اليوم ~~مؤكدة النصر المجيد بفضل الزعيم العظيم، لم يكن أبوها في البيت، قال ~~لأمها قبل أن يخرج إنه في اجتماع طارئ بالحزب، جسمه نحيف يمشي ~~منحنيا، يجلس واضعا ساقا فوق ساق، البنطلون من الصوف الإنكليزي له ~~ثنية مكوية، ترتفع حين يرفع ساقه لتكشف ms087 عن جوربه ذي اللون النبيذي ~~الشبيه بلون ربطة العنق، ومنديله يطل من جيب السترة معطرا بالأوسوفاج، ~~عيناه خضراوان، بياضهما واسع تشوبه صفرة، تتخللها شعيرات دموية، يضع ~~نظارة طبية، لا تفارق عيناه الجورنال أو الكتاب الذي يقرؤه، يتكلم مع ~~أمها من دون أن ينظر إليها، لا يرتفع جفنه الأعلى عن البؤبؤ الأزرق ~~الصغير إلا حين يغضب أو يندهش، يضع أوراقه في درج مغلق بالقفل، حقيبته ~~الجلدية السوداء يفتحها ويغلقها بأرقام سرية، يشعر بلذة في إخفاء ~~الأشياء، يقلد أباه في حركة شفتيه الممتلئتين، يمطهما إلى الأمام في ~~وجه زوجته غاضبا. ~~- مش من حقك تعرفي كل حاجة عني، أنا راجل حر. ~~- الزواج مش سجن. # سمعت أم رءوف صوته من خلال الجدار، كانت الجدران في العمارات الجديدة ~~مغشوشة هشة، تسمح بمرور أي صوت بين الجيران، قطرات ماء تسيل في الليل ~~من صنبور قديم، شخير رجل غارق في النوم العميق، همسات الحب والشبق أو ~~لكمات البغض والغضب. # جاءت أم رءوف في اليوم التالي، سمينة مربعة الجسم تعرج قليلا، تلف ~~شعرها بإيشارب ملون، تصبغ شفتيها باللون الأحمر، اشتغلت في شبابها ~~ممرضة حتى تزوجت الدكتور جرجس وأصبح لها ولدان، تساعد أم رءوف في الطبخ ~~مع أمها حين تغيب الخادمة سعدية. # عاد أبوها إلى البيت فرآها جالسة أمام التلفزيون، رمقها بنظرة سريعة ~~من تحت جفنه الأعلى، كأنما لم يتعرف ملامحها، ساورته فكرة مرت كالبرق، ~~ابنته أم لا؟ رمقته بنظرة من تحت جفونها نصف المغمضة، لم تميز وجهه، ~~وخصوصا فمه الرمادي المطبق في صمت. # كان الصمت يخيم على الشقة، ترمقها أم رءوف بطرف عينها، تمص شفتيها ~~وتقول إنها بنت، ثم تضيف إليها كلمة الهزيمة. # أصبحت فجيعتها اثنتين. # كان يكفي الإنسان أن يكون «بنتا» ليشعر بالفجيعة، فكيف إذا لحقت به ~~الهزيمة أيضا؟ # أخفت وجهها تحت الغطاء، تمنت أن تعود مرة أخرى إلى رحم أمها، من ~~دون جدوى، لم يكن لأحلامها أن تتحقق بالتمني «وما نيل المطالب ~~بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.» # كانت أمها تردد هذا البيت أيام الهزائم، تشرح معناه ms088 لطفلتها. # يعني الدنيا مش سهلة، العمل مهم يا داليا. # تخرج أمها كل صباح إلى عملها في الجورنال، أحيانا تأخذ داليا معها، ~~بلغت الثامنة من عمرها، كانت تسجل في مفكرتها السرية ما يدور في ~~رأسها. # كان الواقع يذوب في خيالي والحلم يمتد بعد أن أصحو من النوم. # مكتب أمي كان واسعا يطل على النيل، الشمس ساطعة تملأ الدنيا بالدفء، ~~أشعر بالسعادة حين أخرج معها، كانت تتركني في البيت قبل أن أدخل ~~المدرسة مع أم رءوف، وجهها أسمر يقترب من السواد، أصابعها قوية ~~وأظفارها طويلة تصبغها بالمونيكير، ترتدي فستان أمي الحريري في غيابها، ~~تلون شفتيها بإصبع الروج، تأخذه من درج أمي، تضربني في الحمام، تضع ~~سكين المطبخ فوق عنقي وتقول: أدبحك لو قلتي لأمك. # تجلس أمي وراء مكتبها مرتدية جاكيت من الجلد، لونه بني غامق، البؤبؤ ~~الأسود في عينيها كبير الحجم بريقه لامع، ينطفئ البريق حين يدخل مكتبها ~~رئيس التحرير، ولا يظهر في عينيها حين تكون في البيت، تمشي أمي فوق ~~كعبين رفيعين، يدقان الأرض بصوت قوي مسموع، أحيانا تنتعل حذاء ذا كعب ~~مربع يشبه حذاء أبي، فلا يكون لوقع قدميها أي صوت. # قلت لأمي ونحن في مكتبها: أنا أكره أم رءوف يا ماما. ~~- ليه يا داليا؟ ~~- ماعرفش. # كلمة «ماعرفش» كانت تلازمني في طفولتي. ~~- دي ست غلبانة يا داليا. ~~- مش باحب الغلابة يا ماما. # يطل أبي برأسه من وراء الجورنال، يرتفع الجفن الأعلى فوق البؤبؤ ~~الأزرق، يرمقني بنظرة غاضبة: مش بتحبي الغلابة ليه يا داليا؟ لازم ~~تعرفي أن الغلابة دول هم أصل البلد، لازم تتخلصي من أفكار والدتك ~~البرجوازية. # يغمز أمي، يضحك بصوت غير مسموع أو يبتسم نصف ابتسامة، تضحك أمي ~~ضحكتها المرحة وتقول بشيء من السخرية: بنتنا داليا مش برجوازية يا ~~شاكر، عندها ميول اشتراكية زي الباشا الأحمر. # الباشا الأحمر هو اسمع الدلع، كانت جدتي تطلقه على جدي. # تزورنا جدتي في العيد، نحيفة الجسم، شعرها أبيض تلفه خلف عنقها بتوكة ~~فضية على شاكلة فراشة، تتكلم ثلاث لغات، العربية والفرنسية ~~والإنكليزية، دماؤها ms089 خليط من بلاد البحر الأبيض المتوسط، أبوها كان ~~سفيرا لمصر، يحمل لقب البك أو الباشا، يسافر إلى بلاد العالم، ترك لها ~~بعد موته عزبة كبيرة في الزقازيق، وبيتا يشبه القصر في جاردن سيتي، ~~حين تجلس جدتي في جوار أبي تبدو ملامحهما متشابهة، حركة عضلات الفم ~~المطبق، مضغ الطعام من دون صوت، أطراف أناملها تمسك بالشوكة، الخطوة ~~الخفيفة السريعة، نصفها الأعلى منحن إلى الأمام، رأسها مطرق قليلا ~~بالرغم من الكبرياء، أبي يمشي رافعا رأسه، يمد عنقه إلى أعلى مثل ~~الديك الرومي، شادا ظهره المقوس قليلا. # تردد جدتي مع أمي البيت القائل: # وما نيل المطالب بالتمني # ولكن تؤخذ الدنيا غلابا # كان الراديو يردده أيضا والتلفزيون والمعلمون والمعلمات في المدرسة، ~~والناس في كل مكان، يعلو أصواتهم جميعا صوت يرج السماء والأرض، تقشعر ~~له الأبدان، تنتفض له القلوب، تصورت أنه صوت الله وأنا في السادسة من ~~عمري، كان هو الرجل الوحيد الذي أحبه وأخافه في وقت واحد. # كان الله في خيالي يبدو رجلا مثل أبي وجدي، يتكلم بصوت أقوى من كل ~~الأصوات، ثم عرفت بعد أن بلغت السابعة أن الله ليس رجلا، ليس له جسد ~~ولا لسان ولا صوت. # أصبح الله صامتا بعد أن جاوزت الثامنة من العمر، كنت أصحو من النوم ~~أكبر مما كنت قبل أن أنام، قد يزيد عمري سنة كاملة أو نصف سنة في ليلة ~~واحدة أو ليلتين. # التاريخ في النتيجة فوق مكتبي، كان يوما حارا وغائما، قالت أمي ~~إنني أصبحت في الثامنة من عمري، ويمكن أن أفهم ما يحدث في ~~البلد. # سمعتها تقول: التظاهرات الوطنية في الشارع تطالب بالحرية. # أبي قال: تظاهرات شعبية يقوم بها الفقراء من أجل العدالة، لكن ~~الراديو والتلفزيون والمعلمات والمعلمين في المدرسة، كانوا يقولون: ~~إنهم البلطجية والمجرمون يتآمرون مع المأجورين من الخارج على ~~الوطن. # من فوهات الميكروفونات تنطلق عبارة «الله أكبر» من فوق الجوامع، من ~~الإذاعات وأجهزة التلفزيون، تذوب الأصوات كلها في صوت واحد قادم من ~~السماء، وتنتفض القلوب رعبا، يختلط الأمر في عقلي، لا أعرف ms090 السماء من ~~الأرض وماذا تعني كلمة الوطن، كل شيء يبدو غير مفهوم، مراحل عمري ~~أيضا لم تكن واضحة المعالم، تذوب طفولتي في شبابي وتمر كلها من وراء ~~ظهري في أثناء نومي، الدنيا تذوب في الآخرة والجنة في النار والنهار في ~~الليل والحياة في الموت، أصحو فجأة على جرس المنبه قرب رأسي، هناك ~~دائما رنين جرس حاد يوقظني من النوم العميق، يمر الزمن في الليل وأنا ~~غائبة فيما يشبه الموت. # كان جدي يزورنا مع جدتي، سمعته يقول لي: النوم ميتة صغرى يا داليا، ~~الناس تفقد الوعي حين تنام. # لم تكن جدتي تسمع ما يقوله، تقول إنه وهو في الغرفة الأخرى رجل عجوز ~~يفقد الوعي من دون نوم، لم يكن جدي يزورنا مع جدتي إلا في عيد السنة ~~الجديدة، يحمل صندوقا كبيرا من الكرتون، ملفوفا بورق ملون وشريط ~~أخضر رفيع، يشتري الحلويات من المحال الغالية، يرتدي بذلة أنيقة دكناء ~~اللون من الصوف الإنكليزي، بذلة بيضاء من الشاركسن أيام الحر، مع ربطة ~~عنق ملونة، حذاؤه الأسود الجلدي يلمع لا تعلوه ذرة تراب، نظارته لامعة ~~بيضاء، يجلس واضعا ساقا فوق ساق، يشبه أبي في حركته وتقاطيع الوجه ~~وخصوصا الأنف، لكن شعر جدي أبيض خفيف سقط عند منتصف رأسه، تاركا صلعة ~~مستديرة محمرة اللون قليلا، انحناءة ظهر جدي أكثر من انحناءة أبي، ~~صوتاهما متشابهان لكن صوت جدي يتحشرج من جراء دخان الغليون الكثيف ~~والسيجار الغليظ الذي يتدلى من بين شفتيه، لم يكن أبي يدخن، أسمعه يقول ~~لأمي إنه توقف عن التدخين في السجن، ترن كلمة السجن في أذني حادة ~~مدببة جارحة، حمراء كالدم، مثل لون الوطن والدنيا والآخرة والملائكة ~~والشياطين. # كنا نزور جدي في شقته في شارع الدقي، ونزور جدتي في بيتها في جاردن ~~سيتي، سألت أمي لماذا لا يعيش جدي وجدتي معا؟ # حكت لي أمي الحكاية، كانت جدتي فتاة جميلة من عائلة كبيرة، ~~تزوجها جدي وهو طالب في الجامعة، أبوه فلاح فقير كان يشتغل في عزبة ~~أبيها في الزقازيق، أنفقت جدتي على جدي حتى ms091 تخرج وأصبح أستاذا في ~~الجامعة، وشخصية سياسية مرموقة ، عاش معها في بيتها بجاردن سيتي، أنجبت ~~أبي، خرج جدي من البيت ذات صباح ليلعب الجولف في النادي، غاب يومين، ~~وفي اليوم الثالث وجدت جدتي في صندوق البريد مظروفا صغيرا، يشبه ~~مظاريف الحكومة والمحكمة، وقعت عينها على ورقة الطلاق من مأذون حي ~~الدقي، عرفت خط زوجها وإمضاءه، كان يوقع به شيكات البنك التي يصرفها ~~من حسابها على مدى أربعة وثلاثين عاما. # تضحك أمي ضحكتها الساخرة، بعد أن كبرت أكثر فهمت القصة، كان لجدها ~~شقة سرية في الدقي تسمى جارسونيرة، معظم الرجال من هذه الطبقة كان لهم ~~بيت سري، يرتفع عدد البيوت السرية بارتفاع المنصب في الحكومة أو الرصيد ~~في البنك. # عرف جدها نساء كثيرات من الأنواع كافة، لكن هذه الفتاة الصغيرة رفضت ~~تسليم نفسها له من دون عقد مكتوب، تدربت على فهم الرجال، عرفت أنهم ~~يخدعون البنات ويخونون زوجاتهم، كانت تعمل في كاباريه النيل مع أمها، ~~تتغلب بنات الليل على أعتى الرجال في الذكاء. وضعت الفتاة لجدها الشروط ~~في العقد: (1) أن يطلق زوجته طلقة بائنة. (2) أن يسجل سيارة مرسيدس ~~باسمها. (3) وشقة باسمها تطل على النيل. (4) أن تكون عصمتها ~~بيدها. # فعل جدها ذلك كله، تزوجته ستة شهور فقط ثم هجرته إلى شاب تحبه، فشل ~~جدها في إعادتها إليه وفقا لقانون الطاعة، كان لأمها محام ماهر مختص ~~بقضايا الفنانات والراقصات، حاول جدها العودة إلى جدتها لكنها رفضت، ~~وفشل أبوها في إقناع جدتها بالعيش مع جدها، تحررت جدتها من عبء الكره ~~لزوج تراكم فوق صدرها أربعة وثلاثين عاما، أصبح جدها يعيش في شقته ~~بالدقي يجتر أحزانه، حتى مات وحيدا في غرفة نومه، فاحت الرائحة بعد ~~أيام فكسر جيرانه الباب. # غابت جدتي طويلا، سافرت إلى لندن في الصيف، ثم عادت بعد عامين ~~وبصحبتها شاب إنكليزي اسمه روبرت، طويل القامة شعره أسود غزير يشبه ~~غريغوري بيك، قدمت أمي لهما الكعك والبسكويت، بدت جدتي شابة من جديد، ~~بشرتها ناعمة خالية من التجاعيد، تلون شفتيها بالروج الأحمر الخفيف، ~~أصبح ms092 شعرها أسود بعد أن كان أبيض، ضفيرة طويلة تهتز فوق ظهرها كلما ~~ضحكت وألقت برأسها إلى الوراء، أصبحت تمشي بظهر مستقيم من دون ~~الانحناء إلى الأرض. # تحكي جدتي لأمي قصة حبها لروبرت. ~~- الحب مالوش علاقة بالعمر يا فؤادة. ~~- أيوه. ~~- أنا في عز الشباب يا دوب خمسة وخمسين سنة، وهو أصغر مني بعشرين سنة ~~بس. ~~- أيوه. ~~- ستنا خديجة أم المؤمنين مرات النبي # صلى الله عليه وسلم # أتجوزته وهي أكبر ~~منه بعشرين سنة. ~~- أيوه. # تجلس داليا تستمع إلى الحوار، ترمقها جدتها بعينين تلمعان وتهز ~~رأسها. ~~- جدك يا داليا اتجوز بنت أصغر منك، بينه وبينها تسع وأربعين سنة، ~~لكن روبرت أصغر مني بعشرين سنة بس. ~~- أيوه من حقك تعيشي حياتك. # والزمن بيجري. # لم أكن أشعر بمرور الزمن إلا حين أقف أمام المرآة، تطل من داخلها ~~فتاة لم يعد لها وجه الطفلة، تشبه الفتاة في الصورة المثبتة في بطاقتي ~~الشخصية، يتغير وجهي داخل المرآة بأسرع من الصورة في بطاقتي، أرى نفسي ~~شابة محمرة الخدين ناعمة البشرة تتفجر حياة، إن اقتربت من المرآة أكثر ~~وتأملت وجهي يتغير لونه مع حركة العين، أو الجفن، يصبح شاحبا مائلا ~~إلى الصفرة أو الزرقة، تظهر تجاعيد فجأة من بين ثنايا الجلد، أرى أمامي ~~فتاة حزينة في ربيع العمر أو امرأة كهلة لا أعرفها، يغوص قلبي في القاع ~~حين أدرك أنني هذه الواقفة أمام المرآة، وأن مراحل عمري تمر والزمن ~~يمضي من دون أن أدري. # قد يعود الزمن إلى الوراء وأنا أحملق في المرآة، يظهر أمامي فجأة وجه ~~الطفلة، خداها متوردان يتفجر منهما الدم، شفتاها تنفرجان عن ابتسامة ~~مشرقة كالشمس، عيناها تلمعان ملؤهما الضوء، في مفكرتي السرية كتبت ما ~~كان يدور في خيالي من أسئلة: # هل تفعل أمي مع أبي شيئا سريا في الليل؟ # هل يخفي أبي عن أمي شيئا خارج البيت؟ # هل أبي هو أبي؟ # هل الله هو الله؟ # هل أباح لجدي خيانة جدتي؟ # هل يحرقني في النار لأنه خلقني أنثى؟ # أشطب بأصابع مرتجفة كلمة أنثى، سمعتها لأول مرة ms093 من فم جدي، لفظها ~~بطرف لسانه كأنما يبصق ، ثم أخرج منديله الحريري النبيذي من جيبه ومسح ~~فمه. # كرهت جدي وكرهت أبي والله، وجميع المعلمين في المدرسة، كرهت جدتي ~~أيضا وأم رءوف وجميع النساء إلا أمي. # لم تكن أمي في نظري امرأة، كانت أمي، هي الوحيدة التي تحبني ويمكن أن ~~تموت من أجلي، وهي الوحيدة التي يمكن أن أموت من أجلها. # سمعت أبي يقول إنه مستعد للموت من أجل الوطن، لكني لم أعرف ما هو ~~الوطن، تصورت أنه المكان الذي يذهب إليه أبي في الليل ويمارس العادة ~~السرية، لم أعرف معنى الموت حتى رأيت وجه أم رءوف الميت، ظل روحها ~~بالرغم من موتها يأتي إلينا يدق جرس الباب، تصورت أن الموت ليس موتا ~~بل مجرد الانفصال بين الروح والجسد، لم أعرف أن الروح والجسد يموتان ~~معا. # صحوت من النوم فجأة على الرنين، ترتجف عضلة تحت ضلوعي لدى سماع ~~الجرس، خوف غامض راسب في أعماقي منذ ولدت، أتوقع خبرا سيئا أو كارثة ~~أو هزيمة جديدة، لما أعرف بعد معنى الهزيمة، أقفز من السرير، أرتدي ~~ملابسي في غمضة عين، أخرج من دون فطور، أمشي إلى حيث ينتظرني الأوتوبيس ~~الأحمر، عند ناصية الشارع أرى الرجل واقفا يقرأ الجورنال، أتعرف ~~وجهه، يأتي إلى بيتنا يوم الإثنين من كل أسبوع، يتظاهر أنه لا يراني، ~~تبربش عينه من وراء الجورنال ويرمقني بنظرة جانبية. # فوق عمود النور في الشارع أرى الصورة الضخمة معلقة، الوجه المربع ~~بأنفه الطويل وشاربه الأسود وأسنانه البيضاء الحادة في ابتسامة تشبه ~~التكشيرة، صورته كانت معلقة في صالة بيتنا، وفي المدارس والشوارع ~~والأبنية وأعمدة النور، ترمقه عيون الناس في وجل، يهمسون من دون صوت ~~«الراجل الكبير». # يخلع أبي الصورة من فوق الجدار في الصالة، إلا يوم الإثنين، حين يبقى ~~في البيت مرتديا البذلة ومنتعلا الحذاء، بذلته أنيقة وحذاؤه لامع ~~يشبه حذاء جدي، يقرأ الصحف في غرفة الصالون، ينتظر مجيء رجل نحيف أسمر ~~اللون يرتدي بذلة صفراء شاحبة، يحمل حقيبة رمادية باهتة، تقدم أمي له ~~القهوة ms094 أو الشاي، وقطعة من الكيك أو البسكوت، وأحيانا تناوله بضعة ~~جنيهات داخل مظروف أبيض مغلق، تهمس في أذنه: مصاريف المواصلات يا ~~أستاذ. # يخرج الرجل مع أبي من الصالون، الحقيبة تحت إبطه، يبتسم في وجهي، ~~أسنانه صفراء مشرشرة، عند زوايا فمه لعاب أبيض متجمد. # ويسألني: اسمك إيه يا شاطرة؟ ~~- داليا. ~~- عمرك كام سنة؟ ~~- ثمانية. ~~- في مدرسة إيه؟ ~~- ماعرفش. # تخرج كلمة «ماعرفش» من فمي مثل قذيفة ألقي بها في وجهه، في عينيه ~~نظرة مخيفة تتخفى تحت جفونه، كنت في المدرسة النموذجية للبنات، أشعر ~~بنوع من السرور حين أخفي عنه اسم مدرستي، في زوايا عينيه الغائرتين ~~دموع متجمدة تشبه العمش، تبربش عيناه بحركة خفيفة، يتلصص على كل شيء ~~في بيتنا، حتى صدر أمي يرمقه حين تنحني لتقدم له القهوة قبل أن ~~يخرج. # يتطلع إلى الوجه المربع في الصورة المعلقة في الصالة، ينحني قليلا ~~يؤدي له التحية، ثم يرشقني بنظرة فاحصة: معبود الجماهير، عارفاه يا ~~شاطرة؟ ~~- ماعرفوش. # تنطلق من فمي كلمة «ماعرفوش» حادة مدببة مثل قطعة لعاب متجمدة في ~~حلقي. # بعد أن يخرج الرجل تقول أمي إنه مخبر في الجهاز السري. يضحك أبي من ~~دون صوت أو يبتسم، كان الضحك غائبا في بيتنا، تنفرج شفتا أبي ~~المطبقتان عن ابتسامة أو نصف ابتسامة، لم أسمعه يضحك بصوت مسموع، أمي ~~تضحك بصوت عال مع الضيوف في غرفة الصالون، كانت لأمي ضحكة ترن في ~~الجو فيزول عني الخوف الغامض الدفين، وأحيانا أسمعها تغني لنفسها أو ~~مع الراديو، فأغني معها أغنية أم كلثوم، افرح يا قلبي، من دون أن يفرح ~~قلبي، تحيطني أمي بذارعيها فنرقص معا على إيقاع الموسيقى، كان جسمي ~~نحيفا خفيفا لكن قلبي ثقيل بالحزن، إلا لحظات قليلة مفاجئة يشق ضوء ~~الشمس قلبي، تحت ضلوعي أحس بالخفقان، أتلفت حولي أتوقع شيئا يحدث، ~~أن يدق الجرس ويدخل أبي. # كانت صورته معلقة فوق الحائط، ملامحه لا تشبه ملامح أبي. # أشعر بالفرح حين تصطحبني أمي إلى مكتبها، له نافذة كبيرة تكشف مدينة ~~القاهرة من هضبة الأهرامات إلى جبل المقطم ms095 وقلعة محمد علي ونهر النيل، ~~كان لها زميلة في الجورنال اسمها كوكب، سمينة مربعة الجسم تترجح فوق ~~كعبها العالي، تقرصني في خدي. ~~- بنتك حلوة يا فؤادة. ~~- أيوه. ~~- مش شبهك ولا شبه جوزك. ~~- أيوه. ~~- يا ترى جيبتيها منين؟ ~~- من عند ربنا؟ ~~- زي ستنا مريم؟ ~~- أيوه. ~~- لا يمكن حد يغلبك يا فؤادة؟ ~~- لا يمكن. ~~- تمشي من إسكندرية لإيطاليا؟ ~~- أيوه. # تضحك كوكب وتقهقه بصوت ناعم متقطع يشبه الشهيق أو النشيج، وتسير إلى ~~مكتبها تفرقع بحذائها فوق الأرض الناعمة الممسوحة. # | في الكافيتيريا # جلست كوكب تكتب مقالها الأسبوعي، أمامها فوق مكتبها عدد من بطاقات ~~التهنئة بعيد ميلادها، فوق رأسها صورة ضخمة للوجه الكبير داخل البرواز، ~~لا يختلف كثيرا عن الوجه السابق، سقط عنه شعر الرأس قليلا وانتقل إلى ~~الذقن قليلا، تاركا مساحة من ظل خفيف فوق الجبهة العريضة، دق جرس ~~التلفون، انتفضت في مقعدها. ~~- كل سنة وإنتي طيبة يا كوكب. ~~- شكرا مين بيتكلم؟ ~~- أنا زيدان مش عارفة صوتي؟ ~~- الحقيقة لأ. ~~- إزاي تنسيني يا كوكب؟ ~~- مشغولة جدا. ~~- نتعشى سوا النهارده؟ ~~- أنا مرتبطة ع العشا. ~~- نتقابل ع الغدا؟ ~~- لازم أخلص المقال يا زيدان. ~~- حاولي تخلصيه يا كوكب، عندك ساعتين ونتقابل في الكافيتيريا الساعة ~~اتنين ونص. ~~- خليها ثلاثة ونص أكون خلصت المقال. ~~- أوكيه يا كوكب. # زيدان زميل لها بالجورنال، يردد كلمة أوكيه كثيرا، طويل عريض ~~بشرته سمراء، شعره أكرت مقصوص، حليق الوجه من دون شارب أو لحية، شفتاه ~~ممتلئتان قليلا لونهما يميل إلى الزرقة، خليط من أب مصري وأم من ~~السودان، صوته متحشرج بذكورة مذكرة، يقهقه بصوت عال، يتقد حماسة ~~وطموحا إلى مراكز القوة، عضو في الحزب الحاكم، كلما قابلها مصادفة في ~~الممر رمقها بنظرة شبقة، تثبت عيناه فوق صدرها أو ساقيها من الخلف، ~~تحس بنظراته فوق ظهرها من دون أن تلتفت، لم يعد قلبها يخفق لأي رجل، ~~انتهى حبها الأول وهي طالبة في كلية الآداب، وانتهت معه الخفقات تحت ~~الضلوع، اقترن الحب في جسدها بالخوف منذ الطفولة. # يدعوها زيدان إلى الغداء في كافيتيريا الجورنال، يحفظ جميع النكات ms096 في ~~البلد، ما إن يجلس أمامها حتى يسألها ضاحكا: سمعت آخر نكتة؟ # ترد بسرعة: مش عاوزة أسمعها. # يمد عنقه ويهمس في أذنها بنكتة جديدة مقهقها بصوت عال. ~~- أنت قليل الأدب يا زيدان. # يضحك بشدة أكثر كأنما تمدحه. # تفضل أن تتناول الغداء مع فؤادة أو وحدها في الكافيتيريا، أو في ~~مكتبها، تأكل ساندويتش وتكمل كتابة مقالها، تقبل دعوة زيدان أحيانا أو ~~زميل آخر، لا تعرف لماذا تقبل مثل هذه الدعوات، لماذا تتحمل صحبة ~~مملة، ربما هو الحزن أو الاكتئاب الغامض منذ الطفولة، أو لأنها عاجزة ~~عن الكتابة وشاعرة بالغضب من نفسها، لم تعد تشعر بمتعة أي شيء، حتى ~~الكتابة فقدت لذتها، منذ طفولتها كان لها مفكرة تكتب فيها بلذة كبيرة، ~~تخفيها في مكان سري، لم يكن لها متعة إلا الكتابة، لم تمارس العادة ~~السرية في الطفولة أو المراهقة مثل بعض البنات، في المدرسة مقالها كل ~~أسبوع في الجورنال أصبح واجبا ثقيلا على قلبها، الكتابة من دون ~~إبداع مثل الجنس من دون حب، عمل تفرضه الحياة لمجرد الاستمرار في ~~الحياة. ~~- يا كوكب مش مصدقة ليه إني باحبك. ~~- أنا مش فايقة لك النهارده يا زيدان. ~~- ليه حصل إيه؟ ~~- ماعرفش. ~~- زعلانة من إيه؟ ~~- ماعرفش. ~~- الدنيا ما تستهلش يا كوكب خديها إيزي، عاوزة تاكلي إيه؟ ~~- شوربة عدس وسلطة خضرا؟ ~~- يا سلام ع الرجيم والرشاقة. ~~- وإنت قررت تاكل إيه؟ ~~- اسكالوب واسباجيتي وبابا غنوج وكريم كرامل للحلو. ~~- إنت بقيت تخين زي الفيل يا زيدان. # يضحك بصوت عال مقهقها كأنما تمدحه. ~~- إيه رأيك نتعشى سوا الليلة يا كوكب؟ ~~- أنا مشغولة لميت سنة ع الأقل. ~~- مشغولة بغيري؟ ~~- ماعرفش. ~~- مين هو؟ ~~- ماعرفش. ~~- يا كوكب أنا باحبك والله العظيم. # يظن زيدان أنه يحبها، أو أنها تحبه، أو أقله تفكر فيه أحيانا، كانت ~~لا تذكره إن غاب، بل تنساه في حضوره وتفكر في شيء آخر، مرة واحدة في ~~ليلة شتوية العام الماضي تناولت العشاء معه، كانت أمه قد ماتت منذ ~~يومين، بدا منكسرا كالطفل اليتيم، يجلس في الكافيتيريا وحيدا مطرق ~~الرأس، لم ms097 تر في عينيه هذه النظرة المكسورة، رجل هزمته الدنيا، ~~حطمه الزمن، شعرت بالشفقة عليه، أرادت أن تربت رأسه بحنان أمه ~~المفقودة، أن تمسك يده بيدها، أن تحيطه بحنانها وتخفف عنه الحزن، دعاها ~~إلى العشاء تلك الليلة فلم ترفض، كانت تشعر بالشفقة عليه، لكنه لا يفهم ~~الفرق بين إشفاقها وحبها، تناولت العشاء معه في مطعم يطل على الهرم، ~~بعد كأسين من النبيذ فك الربطة المعقودة حول عنقه، تحرر قليلا من ~~الحزن، ظهرت قطرات عرق فوق جبهته، جففها بمنديله وهو يحكي لها. قبل ~~أن تموت أمه بيوم واحد دخلت غرفته، يبدو عليها الإرهاق والإعياء، ~~وجهها يزداد شحوبه، عيناها يغشيهما لون أصفر باهت، تربت بيدها ~~المعروقة الناحلة فوق ركبته وهو في سريره مستلقيا يقرأ، لم يرفع عينيه ~~إليها، كان مشغولا بالقراءة، تعود ألا يراها وإن تحركت أمامه، ~~ألا يسمعها وإن تكلمت بصوت مسموع، رأى أباه يعاملها بهذه الطريقة، ~~لم تكن تشكو، تبكي في الليل وحدها، تجعل من نفسها مطية لزوجها وابنها، ~~ليس لها مطالب إلا أن تراهما سعيدين، تلك الليلة فاض بها الألم، ~~أرادت أن تتكلم مع ابنها الوحيد، تفتح قلبها المغلق له، تحكي له ~~فجيعتها، تكشف له شيئا مما تكتمه، أملا في شيء من الراحة، تسع سنوات ~~ونصف سنة تحمل العبء، بعد أربعين عاما انكسر قلبها، طعنها زوجها في ~~ظهرها وهي تصد عنه الطعنات بصدرها، كتمت الحقيقة تسع سنوات ونصف سنة في ~~قلبها، أرادت حماية ابنها من الألم، لم تشأ تشويه صورة أبيه في ~~نظره. # زيدان يحكي بصوت مشروخ، جفونه محمرة متورمة، قضى الليل يبكي بعد ~~موتها مسترجعا صوتها وهو راقد يقرأ في سريره، يرد عليها بضجر من دون ~~أن ينظر إليها. # سامعني يا زيدان؟ سامعني يا بني؟ أيوه يا ماما سامعك. أنا تعبانة يا ~~ابني عاوزة أقولك حاجة. عاوزة تقولي إيه أنا مشغول. يا ابني أنا أمك ~~وإنت ابني الوحيد، أكلم مين غيرك؟ الكلام ده سمعته منك كثير يا ماما، ~~وأنا مشغول والله العظيم مشغول. أيوه يا بني إنت مشغول ربنا ms098 يعينك يا ~~حبيبي، لكن يا زيدان نفسي إنك تسمعني مرة واحدة قبل ما أموت يا بني. يا ~~ماما أنا حاموت قبلك والله العظيم. يا بني بعد الشر عنك ده أنا أفديك ~~بعمري، لولا إني تعبانة وخايفة أموت قبل ما أقولك اللي مكتوم في قلبي ~~من تسع سنين. أيوه يا ماما عارف اللي مكتوم في قلبك من تسع سنين، عارف ~~حكاية أبويا والبت الشرموطة، أكلت عقله وصرف عليها تحويشة عمرك، كل ~~الرجالة يا أمي أندال، الخيانة بتجري في دمهم يا أمي. لأ يا بني مش ~~كلهم، فيه رجالة عندها ضمير وأخلاق زيك يا زيدان يا بني. أنا يا أمي زي ~~كل الرجالة وأنذل منهم كمان، أرجوكي سيبيني ورايا شغل. طيب يا بني تصبح ~~على خير. # يمسح زيدان دموعه بمنديل ورق، كان ممكن يا كوكب أرد عليها وأقول لها ~~وإنتي من أهل الخير يا ماما، كان ممكن أعمل أي حاجة تخفف عنها الحزن، ~~لكن الأنانية يا كوكب، أنا اتربيت على الأنانية وأبويا اتربى على ~~الأنانية، زي كل الرجالة، أمي اتعذبت في حياتها كتير، كان ممكن أقف ~~جنبها واخد حقها من أبويا، لكن كنت بافكر في نفسي ومشغول بنفسي وبس، ~~عندي إحساس بالندم يا كوكب، عندي إحساس بالذنب وتأنيب الضمير، كنت عارف ~~ان أبويا ظلم أمي ومص دمها، وبعد لما كبرت وصحتها تعبت سابها وراح لبنت ~~شرموطة، كان ممكن أمنعه، كان ممكن آخد منه حقها على الأقل، كان ممكن ~~أعمل حاجة تريحها في آخر عمرها لكني كنت أعمى مش شايفها، شايف نفسي بس، ~~لو كنت سمعتها الليلة الأخيرة في عمرها يمكن كان ضميري يرتاح، لو ~~الليلة دي ترجع تاني يا كوكب، لكن الزمن لا يمكن يرجع، وضميري عمره ما ~~يرتاح. # ينشج زيدان، يبكي، يكتم النهنهة بالمنديل، تربت كوكب كتفه، تمسك يده ~~بيدها، تلف ذراعها حوله، تخفف عنه وتبكي معه. أرجوكي يا كوكب، إنتي ~~الوحيدة اللي ممكن تخففي عني، أرجوكي خليكي معايا. # في عينيه استجداء، رجل منكسر يسترحمها، يطلب إليها الشفقة، قلبها ~~يفيض شفقة ms099 عليه وعلى نفسها وجميع الناس، تذيب الشفقة قلبها تتأهب ~~روحها لبذل العطاء، ينتفض كيانها بلذة غامضة مع تأهبها للعطاء، يزيد ~~ضعفه من قوتها، احتياجه إليها يؤكد استغناءها عنه، يمتلئ روحها بالثقة ~~بنفسها ويفيض على غيرها، يمكنها أن تمنحه أي شيء في هذه اللحظة حتى ~~نفسها من دون أن تنقص شيئا، إحساس بالاكتمال يصاحب إحساسها ~~بالاستغناء. # تشعر بدوار خفيف له لذة النبيذ، نسمة الليل ورائحة الياسمين، موسيقى ~~خافتة تأتي من مكان ما، ضوء فضي يترقرق فوق موجات النيل، تحيطه ~~بذراعيها، تغمض عينيها، تغيب ملامحه في الظلمة وتظهر ملامح وجه آخر، ~~تعرفه ولا تعرفه رأته من قبل في زمان ومكان آخر، ثم فتحت جفونها ~~المغلقة، رأته نائما عاريا غارقا في النوم، يشخر بصوت مسموع، ساقاه ~~معوجتان، بطنه منتفخ، سارت على أطراف أصابعها إلى الحمام، تقيأت الضلوع ~~المشوية مع النبيذ الأحمر الذي أصبح لونه أسود. # في الكافيتيريا كان يقول: هتعملي إيه الليلة يا كوكب؟ ~~- هاقعد في البيت أكمل المقال يا زيدان. ~~- مقال إيه يا كوكب ماحدش بيقرا مقالات دلوقتي، خلاص التلفزيون ~~والفضائيات غلبت الصحافة. ~~- مش عاوزة أخرج معاك. ~~- ليه يا كوكب؟ ~~- مرة واحدة حصلت وأخيرة. ~~- ليه يا كوكب؟ ~~- ماعرفش ليه. # كانت في جوارهما مائدة يجلس إليها زميل لهما اسمه بكري، قريب من ~~رئيس التحرير، أو مقرب منه، أنيق وسيم، يرتدي بذلة كاملة وربطة عنق ~~لامعة، تلتقيه أحيانا في الممر من دون أن يرفع عينيه إليها، تشعر ~~بكراهية غامضة نحوه، أنيق أكثر من اللازم، طموح أكثر من اللازم، ~~ربما له صلة بمكتب الأمن، يختلف عن بقية الصحفيين في شيء ما، على ~~الرغم من التشابه في الصوت وحركة اليدين، ربما يكون في منصب أعلى من ~~زملائه في الحزب، ربما يكون ضمن الدائرة الضيقة للأعضاء المميزين، ليس ~~من الأتباع المطيعين الممسوحين مثل زيدان، ذو شخصية مستقلة نوعا ما، ~~لا ترى على وجهه سمات الولاء، ربما تعبر ملامحه عن الذكاء. # كان زيدان يلتهم الإسكالوب بنهم، ينتفخ شدقاه بالطعام، يمضغ بصوت ~~مسموع، يتكلم بفمه المملوء، تتناثر بعض ذرات ms100 من بين شفتيه الزرقاوين، ~~تقل زرقتهما قليلا مع حركة الفكين، يلعق شفته السفلى بلسانه، ينظف ~~أسنانه بعود كبريت أو بعود رفيع من الخشب يأتي دائما مع صحون اللحم، ~~كان له ضرس ذهبي يظهر في فكه العلوي مع اتساع فمه، يخلعه بإصبعين ~~ينزع عنه بقايا الطعام بمنديل الورق كلينكس، ثم يعيده إلى مكانه في ~~الفجوة بين الضروس، أنا مستعد أتجوزك يا كوكب؟ ~~- قلت لك ميت مرة لأ. ~~- ليه يا كوكب؟ ~~- من غير ليه. ~~- إيه السبب يا كوكب؟ ~~- مافيش سبب. ~~- أنا متأكد إنك بتحبيني. ~~- إنت غلطان. ~~- هل أنا غبي؟ ~~- جدا. # يقهقه بالرغم من كلمة جدا، غباوة العقل أم غباوة الإحساس، يظن أنها ~~تحبه لمجرد لحظة حزن عابرة منحته فيها نفسها مرة واحدة، سقطت من ~~ذاكرتها، راحت في العدم، لكنه لا ينساها، يتصور أنها تحبه أو يمكن أن ~~تتزوجه لمجرد هذه المرة الوحيدة في حياتها. ~~- يا كوكب، السنين بتجري مش خايفة من سن اليأس؟ ~~- مش خايفة من حاجة؟ ~~- مش عاوزة تكوني أم لأطفال حلوين زيك؟ ~~- مش عاوزة أطفال. ~~- أمال عاوزة إيه؟ ~~- ماعرفش. # تخرج من فمها كلمة «ماعرفش» كالقذيفة في وجهه، حركت رأسها في ضجر ~~إلى الناحية الأخرى، كان بكري يتحدث مع آخرين وقفوا في جواره وهو جالس، ~~تحرك رأسه ناحيتها فالتقت عيونهما في لحظة خاطفة كالبرق، كأنما انفتحت ~~خلية في عقلها ثم انغلقت، برغم سرعتها انتقلت رسالة منه إليها: أنا ~~أشعر بما تشعرين به، أعرف كراهيتك لكل هذا الرياء، أعرف الكره المتراكم ~~في قلبك لهذا النظام، لكن لا تقلقي أنا أفهمك وواقف إلى جانبك. # مرت الرسالة مثل بارقة ضوء انطفأت كأن لم تكن، عاد وجه بكري جامدا ~~كما كان، لحظة حدثت وانتهت، لم تتيقن قط حدوثها، ربما كانت من صنع ~~خيالها. # عادت إلى مكتبها وجلست ساهمة، زميل لها في الجورنال يشعر مثلها ~~بفساد العالم، يكره الحزب الحاكم مع أنه من أعضائه البارزين، ربما ~~ينتمي إلى المتمردين من أعداء النظام؟ كانت تسمع الهمس يدور في ~~الجورنال عن جماعات وخلايا سرية من الثوار تعمل تحت ms101 الأرض، تطلعت ~~حولها تتفقد الجدران، كانت أجهزة حديثة توضع داخل الحيطان في المكاتب ~~والبيوت، تلتقط أي نفس وأي حركة توحي بالتمرد. # | كوكب # اعتقل سكرتير التحرير منذ يومين، التقطت الأذن السحرية حديثه مع ~~زوجته في غرفة النوم، قبض عليهما البوليس في الصباح قبل أن يرتديا ~~ملابسهما، وقدما للمحاكمة بتهمة الخيانة الوطنية. الساعة فوق مكتبها ~~تشير إلى الواحدة والربع، ساعتان إلا ربعا أمامها لتنتهي من كتابة ~~مقالها الأسبوعي، كل يوم أربعاء يظهر المقال في الصفحة الأخيرة، أشادت ~~الصحف العالمية بالديموقراطية في مصر، نشرت النيويورك تايمز أخبار ~~الانتخابات المصرية في الصفحة الأولى، نجح الرئيس بأغلبية كبيرة، أعلن ~~الرئيس الأمريكي وقوفه مع الرئيس المصري في خطواته الحثيثة نحو ~~الديموقراطية، صدر قرار من رئيس التحرير بخصوص سفر الصحفية كوكب إلى ~~مدينة نيويورك لتغطية المؤتمر الصحفي الدولي عن الديموقراطية، لم يبق ~~على موعد السفر إلا أسبوع واحد، كان رئيس التحرير قد كلمها عبر ~~التلفون الشهر الماضي، مقالك الأربع اللي فات كان رائع يا كوكب، ناس ~~كثير مدحت المقال منهم معالي الوزير، سألني عنك، قلت له دي أحسن صحفية ~~عندي في الجورنال، ولها قراء كتير، سألني هي حلوة زي صورتها المنشورة ~~مع المقال، قلت له هي أحلى من الصورة مليون مرة. يقهقه رئيس التحرير ~~من خلال سماعة التلفون، تهتز الأسلاك مع الجدران مع الصورة فوق الحائط، ~~إنتي عارفة يا كوكب إن الوزير بتاعنا من أقرب الناس للراجل الكبير، ~~ويمكن تبقي رئيسة التحرير وأنا أروح في شربة ميه. # هذه هي طريقة رئيس التحرير في التعبير عن أي حدث، ربما لم يحدث شيء ~~على الإطلاق، وربما حدث العكس، أي أن الوزير أبدى غضبه من مقالاتها، لا ~~يمكن معرفة إن كان رئيس التحرير جادا أم هازلا. ~~- أنا مش عاوزة أكون رئيسة التحرير. ~~- عاوزة تكوني إيه؟ ~~- عاوزة أكون زوجة وأم. ~~- اتجوزي بكري هو غرقان في حبك لشوشته. # الاجتماع الكبير في قاعة التحرير، حضرته كوكب قبل سفرها، كانت ~~القاعة مزدحمة بالمحررين، أصوات مناقشات وصخب ودخان سجائر، وغليون بني ~~غامق من هافانا يهتز ms102 بين شفتي رئيس التحرير، وشفاه المحررين الكبار ~~ذوي الأعمدة اليومية، بينما هي جالسة رأت بكري جالسا في الصف ~~الأمامي، يتابع ما يدور باهتمام كبير، أنفه من الجانب مقوس قليلا ~~شفتاه مطبقتان، يبدو عليه الاستغراق، أو النوم العميق وعيناه ~~مفتوحتان. # كان رئيس التحرير يتحدث بصوته الجهوري عن الديموقراطيات في ظل ~~الرأسمالية الحديثة وما بعد الحديثة في القرن الواحد والعشرين، يقول: ~~إن العالم سيشهد نوعا جديدا من الديموقراطية، يجمع بين مزايا ~~الرأسمالية ومزايا الاشتراكية، إيجابيات القطاع الخاص وإيجابيات القطاع ~~العام، لن يكون للدولة سيطرة على رجال الأعمال إلا بالقدر الضروري ~~لضمان حرية التجارة، والديموقراطية، وعدم هروب المستثمرين ~~الأجانب. # قال محرر في الصفوف الخلفية: إن دور الدولة لا بد أن يزداد، وإلا ~~طغى المال على السياسة وتجاوز الفساد ما هو عليه الآن. # دب الصمت في القاعة، اتجهت أضواء الكاميرات والفلاشات إلى الوجه ~~المغمور في الصف الأخير، بدا طويلا نحيلا أصفر شاحبا يزداد شحوبا، ~~ثم عادت الأضواء إلى وجه رئيس التحرير. في لحظات أصبح مقعد المحرر ~~المغمور خاليا، أين اختفى لم يعرف أحد، أكد رئيس التحرير أن الشيوعية ~~والنازية والفاشستية وجميع النظم الشمولية كلها سقطت في مزبلة التاريخ ~~إلى غير رجعة؛ لأنها تقوم على الدكتاتورية والاستبداد وعدم حرية ~~التعبير، وأن طريق المستقبل الوحيد نحو الديموقراطية هو الرأسمالية ~~التي ثبت نجاحها في كل البلاد شرقا وغربا، حتى الصين وروسيا أيها ~~السادة اتجهتا إلى نحو الرأسمالية. # انتهى الاجتماع بالتصفيق، وتدافع الجميع خارجين من القاعة، لمحت بكري ~~يمشي أمامها ببضعة صفوف، يختفي ظهره في الزحام بين الأجسام، يهرولون ~~بخطى مسرعة نحو مناطق النفوذ، رجال ونساء يتطلعون إلى الأضواء، يهرول ~~زيدان مع المهرولين، راحت تجري متمايلة فوق كعبها العالي الرفيع، خارج ~~القاعة رأته واقفا، اقترب منها وصافحها كل سنة وإنتي طيبة يا كوكب. ~~قبل أن يسحب يده ترك في كفها ورقة صغيرة مطوية. # دخلت مكتبها وأغلقت الباب، أطفأت النور، ربما هناك عين سحرية تلتقط ~~الكلمات في الرسالة، جلست ساهمة وفي كفها الورقة مطوية لم تفتحها، ربما ~~يكون بيتها ms103 أكثر أمانا من المكتب، علقت حقيبتها الجلدية بالحزام في ~~كتفها، هبطت السلالم إلى الدور الأرضي، خرجت من الباب الخلفي إلى موقف ~~السيارات، ركبت سيارتها إلى البيت، كانت أمها في السرير تئن بصوت ~~خافت. ~~- ما لك يا ماما؟ ~~- تعبانة شوية يا كوكب. ~~- أطلب الدكتور؟ ~~- لأ، مش ضروري. ~~- يمكن شوية إرهاق؟ ~~- يمكن. ~~- قلت لك يا ماما لازم تستريحي. ~~- ما قدرش يا كوكب. ~~- ليه يا ماما؟ ~~- اتعودت ع الشغل. ~~- اتعودي ع الراحة يا ماما. ~~- مين يصرف ع البيت؟ ~~- أنا يا ماما. ~~- مش كفاية. ~~- كفاية جدا. ~~- مهنة الصحافة يا كوكب على كف عفريت. ~~- لكن أنا مستقرة في شغلي يا ماما. ~~- ما فيش أمان في الزمن ده، فيه جرانيل كتيرة جديدة عاوزة محررين ~~ومحررات، طيب يا بنتي أقوم أسخن لك الأكل؟ ~~- أكلت في الكافيتيريا ولازم أكمل المقال قبل ما أنام. # أسرعت كوكب إلى غرفتها، خلعت ملابسها، استحمت ثم ارتدت قميص النوم، ~~دخلت فراشها الناعم وفتحت الورقة المطوية: # كوكب، هل يمكن أن نتحدث معا ~~قبل سفرك إلى نيويورك؟ # أرجو الاتصال بي في أقرب وقت. # خط يده حروفه دقيقة صغيرة، توحي بالدقة والتردد، متعرجة قليلا ~~فوق السطر توحي بعدم الاستقامة، تكاد تشبه حروف أبيها، لا تميل إلى ~~أبيها منذ الطفولة. # غلبها النوم وهي تفكر في أبيها، يشهد كثيرون أنه إنسان كفء في عمله ~~مخلص للوطن، قضى في المعتقل ستة شهور قبل أن تولد، كانت جريمته المقال ~~الوحيد الذي نشره، يربط فيه بين القوانين الاشتراكية الاقتصادية ~~والديموقراطية السياسية. # قبل أن تستغرق تماما في النوم تذكرت بكري، الرسالة المتبادلة بينهما ~~عبر النظرة السريعة، كانت أقوى تأثيرا من رسالته المكتوبة. # هل يكشف خط اليد حقيقة الإنسان أكثر من عينيه؟ هل تستطيع العين إخفاء ~~الحقيقة أكثر من حروف الخط؟ # لم تذهب إلى مكتبها في اليوم التالي، أصابها أرق فلم تغف إلا قرب ~~الفجر، صداع حاد في نصف رأسها يصاحبها دائما مع الشعور بالاكتئاب، ~~سمعت جرس المنبه فانتفضت رعبا، لكنها عادت إلى النوم حتى أيقظها جرس ~~التلفون، جاءها صوت الدكتور طبيبها النفسي: ms104 يا كوكب كان معادك ~~امبارح؟ ~~- آه نسيت يا دكتور. ~~- يبقى الحالة أحسن؟ ~~- الحالة زي ما هي يا دكتور. ~~- عاوزة تيجي النهارده؟ ~~- أنا تعبانة في السرير. ~~- تعبانة من إيه؟ ~~- شوية برد وزكام. ~~- استريحي يومين. ~~- حاضر يا دكتور. ~~- وبعدين كلميني. ~~- حاضر. # أغمضت عينيها وغطت في النوم، دخلت أمها توقظها. ~~- رئيس التحرير ع التلفون. ~~- أنا نايمة يا ماما. ~~- قلت له إنك نايمة. ~~- شكرا يا أمي. ~~- قالي صحيها. ~~- باشتغل في عزبة أبوه؟ ~~- قلت له ما قدرش أصحيها. ~~- برافو عليكي يا أعظم أم في الدنيا. ~~- كرامتك يا كوكب فوق الكل. # أمي الوحيدة أحس منذ طفولتي أنها تحبني، في عينيها نظرة مستقيمة غير ~~ملتوية، العيون الأخرى تلتوي إن أطلت النظر إليها، حتى أبي لم تكن ~~عيناه تثبتان في عيني، تنحرف إلى الناحية الأخرى بنظرة جانبية، عيون ~~الناس ومنهم جدي وجدتي وعمي وعمتي كلها تلتوي بحركة غير ~~مستقيمة. # كانت أمي الوحيدة صديقتي وعائلتي ووطني، وكل من لي في الدنيا، ~~الوحيدة التي أحس أنها من دمي وجسدي وعقلي وروحي، يمكن أن أضحي بحياتي ~~من أجل أمي فقط، لم أشعر أن الوطن هو وطني أو أبي هو أبي لأموت من ~~أجلهما. # في اليوم التالي، جاءها صوت رئيس التحرير: إنتي فين يا كوكب؟ ~~- أنا عاوزة إجازة مرضية يومين. ~~- مش ممكن المفروض تسافري نيويورك. ~~- ما اقدرش أسافر. ~~- ليه؟ ~~- عيانة. ~~- عيانة بإيه؟ ~~- عندي حرارة أربعين والدكتور أمرني أبقى في السرير أسبوعين. ~~- أسبوعين ليه؟ هي أنفلونزا الطيور؟ ~~- ماعرفش يمكن أنفلونزا الخنازير! ~~- اسمعي يا كوكب لازم تحضري المؤتمر في نيويورك. ~~- ماقدرش أسافر. ~~- الوزير قرر إنك تسافري. ~~- أنا مش باشتغل عند الوزير. ~~- كده؟ ~~- أيوه كده. # جسدها ينتفض رعبا، قد يصدر الوزير قرارا بفصلها، في أعماقها تود أن ~~يصدر قرار الفصل وترتاح من عبء كتابة مقالها الأسبوعي، من عبء الكذب ~~على القراء كل أربعاء، إلا أنها في اليوم التالي ذهبت إلى مكتبها في ~~الجورنال، كتبت مقالها في ساعة واحدة وسلمته إلى المطبعة، اتصلت برئيس ~~التحرير وقالت إنها تحسنت ويمكن أن تسافر لحضور مؤتمر ~~نيويورك. # تحت لمبة ms105 النور تواصل فؤادة القراءة من كراسة حميدة، تسرب الحلم ~~الممنوع إلى سريري ذات ليلة، رأيته يمشي خلسة مثل دودة الحرير تحت ~~اللحاف، لم أدون شيئا عن هذا الحلم قبل أن أتعلم الكتابة. ~~«الكتابة» تصرخ أمي «لعنها الله الكتابة.» عبارة واحدة من كلمات ~~ثلاث لم أفهمها، أحس بها فقط حين تنطقها بقشعريرة برد، ورجفة تبدأ أسفل ~~البطن وتنتهي بأطراف أصابعي، حتى بلغت الرابعة من عمري، قبل أن أتعلم ~~الحروف أدركت أن الكتابة مثل جريمة القتل، تؤدي إلى السجن والموت ثم ~~الجحيم بعد الموت (تقول أمي إن بابا يعيش في الجحيم بعد موته في ~~السجن)، أدركت قبل النطق أن ما قبل الموت يمتد إلى ما بعد الموت، حروف ~~الكلمات حين تنطقها أمي تتحول فوق جسدي إلى كائنات حية دقيقة، لها ~~أرجل مشرشرة مثل أسنان المنشار، تترك فوق جلدي بقع دم مريبة، تلتقطها ~~عين أمي في البيت وعين الله في السماء، وعيون الجيران المتلصصة من شقوق ~~النوافذ والأبواب، قبل أن أتعلم الكتابة أدركت أنني أعيش رهن الرقابة ~~الدائمة، عيون كثيرة تطل على سريري في اليقظة والنوم، في الأرض ~~والسماء (كانت الأرض تبدو ممدودة في السماء لتصبح جزءا منها)، تصورت ~~أن أبراج المراقبة الكونية تدون تفاصيل الحلم من تحت اللحاف، في خيالي ~~صورة لها ترضعني، قطرات لبنها تملأ فمي مع دموعها، لم أفرق بين لبن ~~الأم ودموعها في طفولتي المبكرة، كلاهما دافئ ناعم أبتلعه من دون وعي، ~~حتى تعلمت تركيز نظرتي لأدقق الرؤية، أصبحت أفرق بين عين أمي وحلمة ~~ثديها، لولا صورة أبي فوق الجدار لتصورت أنه لم يكن موجودا، كل ~~الأشياء تبدو لي غير موجودة حتى أحسها بيدي، لا أكف عن ملامسة الصورة ~~بأصابعي داخل إطارها الأسود؛ لأدرك عن يقين أن أبي عاش في الحقيقة، ~~حتى اليوم بعد أن قاربت الثلاثين يبدو أبي حلما ... أسمع أمي تهمس ~~لجارتنا فتحية «عنيدة زي المرحوم أبوها.» تقرب فتحية فمها من أذن أمي ~~«راكبها عفريت اسمه الكتابة.» بعد أن تعلمت لغة الكلام عرفت أن ضمير ~~الغائب في ms106 أحاديثهما الهامسة يعود إلي «أنا»، أحيانا ألتقط اسمي ~~حميدة حين تسقط كلمة من بين أسنانهما المضمومة في لعاب داخل فم واحد، ~~أتظاهر أنني لم أسمعهما، أخشى عقاب أمي (لم أتخيل في الحقيقة أنها ~~أمي)، تقرصني في ذراعي أو فخذي، قرصتها لادغة غائرة تترك في اللحم حفرة ~~حمراء تصبح زرقاء، لم يكن لشفتيها قدرة على الابتسام حين تلتقي ~~عيناها عيني، كان أبي في الصورة يبتسم لي دائما، إن غيرت مكان الصورة ~~فوق الجدار أو غيرت مكاني فوق الأرض، لا تتغير ابتسامة أبي، كنت أقضي ~~الساعات في غرفتي، أغلق بابي بالمفتاح وأخلو إلى أبي، أنظر إلى صورته ~~من الزوايا كافة، من اليمين واليسار والوسط، أصعد فوق الخزانة لأنظر ~~إليها من فوق، أهبط إلى الأرض وأرقد فوق بطني لأنظر إليها من تحت، لم ~~تتغير ابتسامة أبي ولا النظرة في عينيه المشعة بالضوء. # كنت مشغولة بسؤال يراودني قبل النوم وبعد النوم، يمتد النوم في ~~اليقظة دائما، والحلم يمتد في النهار أيضا، أسأل نفسي منذ الرابعة من ~~عمري (حتى هذه اللحظة لم تتغير الأسئلة منذ طفولتي): هل أحببت أبي لأني ~~أحبه أم لأني أحب نفسي؟ هذا السؤال كان يراودني كالإثم كلما وقعت في ~~الحب، أول حب في حياتي كان حب الله، ثم سمعت أمي تهمس في أذن فتحية ~~«ربنا وضع بابا في السجن.» بعد موت أبي سمعتها تقول: «بابا مات في ~~السجن بإرادة ربنا.» هكذا شفيت من الحب الأول. # | الحب الثاني والثالث # كان الحب الثاني في حياتي لأبي، وكان الحب الثالث لأمي، تصورت أن أبي ~~يستحق الحب أكثر من أمي، كان الناس ينادونني باسمه، يمتد الحب من الجسم ~~إلى الاسم، كان لي زميل اسمه عوضين، يهمس في أذني: كان والدك وطنيا ~~عظيما لكن ... يصمت طويلا، يرمق رجال الأمن عند المدخل، ترتجف أصابعه ~~رجفة غير مرئية، ألتقطها بعين سحرية في عصب بالمخ، لم أسمع أحدا ~~يتكلم على حاسة تزيد على السادسة، احتفظت بالسر لنفسي، خشيت أن ~~يتهموني بخفة العقل أو الجنون، لم تعجبني النظرة في عيني ms107 عوضين، لكن ~~عينه كانت مثل مغناطيس، يلتقط جسدي من ذرات الكون الهلامية، يخصني ~~بالحديث عن الرئيس المستبد، والحكومة الفاسدة، والانتخابات المزورة، ~~وينتهي حديثه معي بتركيز عينه على نهدي الأيسر. # كان بيتنا من غرفة واحدة في بدروم إحدى العمارات، تحيط بها عمارات ~~الجيران، منها عمارة الحاج منصور، انتقلت أمي إلى البدروم بعد موت أبي، ~~بقالة الأب جرجس كانت خلف المكتبة، الجامع عند الناصية الشرقية له ~~منارة أو مئذنة تمتد إلى السماء، والكنيسة عند الناصية الغربية لها جرس ~~يرتفع إلى الرب، كلمة «الرب» تعني «الله» بلغة ماريانا ابنة جرجس، ~~قالت: الرب شيء والله شيء آخر. أمي أصبحت ترتدي الحجاب ثم النقاب، ~~وبدأت تضع كلمة الله في كل عبارة تنطقها، الله يرحم بابا يا حميدة، ~~الله يرحم جدك، الله يرحمنا جميعا، الله يغفر لنا ذنوبنا، إرادة الله ~~فوق إرادة الجميع، في شهر رمضان تزيد أمي من نطق كلمة الله، وتدوي كلمة ~~الله من الجامع المجاور وكل الجوامع وكل الإذاعات ... # بيت كوكب كان لونه أبيض، من دورين تحيط به حديقة كبيرة، يلتف حولها ~~سور حجري تتسلقه أشجار الياسمين والبوجانفيليا من كل الألوان، ~~«الجهنمية»، شرفات البيت واسعة مرفوعة على أعمدة مستديرة في نعومة ~~الرخام، في الحديقة الخلفية ثلاث غرف، أكبرها للسائق، الوسطى للطباخ، ~~الصغرى لامرأة كبيرة السن سمينة بيضاء البشرة، تناديها كوكب «دادا»، ~~مكتبة الحاج منصور تجاور البيت، يفصلها عنه مشتل كبير للزهور ضمن أملاك ~~الحاج، فوق باب المكتبة يافطة سوداء مكتوب عليها بحروف بيضاء «هذا من ~~فضل الله»، كانت المكتبة تنمو العام وراء العام مع حركة السوق، ظهرت ~~يافطة أكبر فوق اليافطة الأولى مكتوب عليها «سوبر ماركت الإيمان»، ~~تأخذني كوكب إلى داخلها المزدحم بالناس مثل خلية النحل، يصيبني الدوار ~~وأنا أمشي في الممرات الطويلة المتشعبة، أتطلع حولي بعينين ~~نائمتين في الحلم، الرفوف اللانهائية تحوي كل نعم الله، أغدقها الله ~~على الحاج منصور، من الإبرة إلى الصاروخ، كما تقول فتحية، تؤكد أن الله ~~يعطي من يشاء بغير حساب، تمشي كوكب أمامي مزهوة بثراء أبيها، كان ms108 أبي ~~لا يملك شيئا إلا راتبه الصغير، أرسم على وجهي ابتسامة الانبهار، ثم ~~تتقلص عضلات وجهي بتكشيرة، لم تفهم كوكب قط تقلبات وجهي، قلت لها إن ~~الثراء الفاحش هو نتاج ظلم فاحش. هذه العبارة عثرت عليها في أوراق أبي، ~~لكن كوكب كانت تؤمن بأن الخير يأتي من عند الله وبأن الفقر يأتي من عند ~~الله، أصبح عوضين يردد كلامها، لم يعد يقترب مني أو يتكلم على أبي، ~~يتبادل ورجال الأمن الابتسام، أصبح يركب السيارة مع كوكب حتى بيتها، ~~يساعدها على كتابة مقالاتها الركيكة، كان لكوكب أصدقاء كثر، لكنها ~~تزوجت نائب رئيس التحرير، اسمه بكري، جاءتني بالبريد دعوة إلى حضور ~~حفلة زفافهما في فندق هيلتون النيل يحضرها الوزير ورئيس التحرير، أرسلت ~~إليهما باقة ورد مع كلمتين «تهنئتي القلبية»، ثم دخلت الحمام لأغسل ~~طبقة من الرماد تلتصق بجلدي، كانت حروف الكذب تتناثر من حولي، تتساقط ~~رمادا على جسدي، أحك جلدي بالليفة والماء الساخن، أستبدل الليفة ~~بالفرشاة ذات الأسنان السلكية الخشنة، يلتهب جلدي تعلوه كدمات مدماة ~~وجروح، من دون أن يزول التراب، تظل الكلمتان الكاذبتان «تهنئتي ~~القلبية» تسريان من أذني إلى رأسي، تختلطان بشعيرات الدم الدقيقة على ~~نحو ذرات رماد لا يمكن غسلها ... # قبل أن تملك كوكب السيارة كانت تركب حنطورا له مظلة كبيرة تختفي ~~تحتها، ما عدا قدميها المكشوفتين اللتين أراهما داخل حذائها ~~الجلدي الناعم اللامع ذي الرأس المدبب، كلما مر الحنطور في جواري وأنا ~~أمشي في الشارع، يكاد يدوسني لولا رنين الجرس المعلق في عنق الحصان، ~~وسرعتي في القفز بعيدا عن العجلات بالرغم من حقيبة كتبي الثقيلة، كانت ~~حرارة الشمس تذيب الأسفلت فيصبح طريا كالعجين، يغوص فيه كعب حذائي ~~فينخلع من قدمي لحظة القفز، تدوسه إحدى العجلات فيغوص أكثر، أضع حقيبتي ~~على الرصيف لأشده من الأرض بيدي الاثنتين، ثم أدس قدمي فيه وأسرع ~~إلى المدرسة، لم تكن هذه العملية تستغرق دقيقة واحدة، لكن العيون في ~~الشارع كانت ترقبني، وكذلك العيون الأخرى في أبراج المراقبة التي لا ~~أراها، لكني أعرفها وأكاد أراها ms109 لولا سطوع الشمس، كانت كوكب تسبقني إلى ~~المدرسة راكبة الحنطور، أسمع من بعيد حوافر الحصان تدق الأرض، صوت ~~الكرباج يلسع الهواء قبل أن يسقط على جسده، لا تنتفض عضلة في جسد ~~الحصان ولا شعرة، يندفع إلى الأمام يشق الهواء برأسه الشامخ فوق عنقه ~~القوي الذي لا ينحني، يتحول رأس الحصان في الحلم إلى رأس أبي، تسبقني ~~كوكب إلى الفصل كما تسبقني في الامتحان، تجلس دائما في الصف الأول، ~~تقيم المدرسة لأبيها احتفالا كبيرا آخر العام، كان يتبرع بمبلغ ~~خمسة آلاف جنيه لمجلس الأهل في المدرسة كل سنة، تحول إلى ألف دولار بعد ~~أرباحه في البورصة، كنت أفرح حين أمرض وأغيب عن المدرسة، أجلس في الصف ~~الأخير، في جوار نافذة خلفية صغيرة، مفتوحة على السماء، أتطلع نحوها ~~لأسرح بعيدا من المدرسة والبيت والجيران والحنطور وكوكب وأبيها، ~~تراودني صورة أبي الميت في السجن، تتكور الدموع في حلقي كالغصة ~~فأصمت طوال الحصة، أتابع بزاوية عيني اليمنى حركة شفتي المدرس، لكن ~~عيني اليسرى في ناحية النافذة حيث أرى طفلة فقيرة تمشي في الشارع أظن ~~أنها أنا، أصبحت لي هذه القدرة على الفصل بين العين اليمنى واليسرى، ~~كل عين ترى شيئا، وأصبحت صورة الطفلة الفقيرة تشغل نصف عقلي الأيسر، ~~يراجع نصف عقلي الأيمن الدروس وأنجح في الامتحان آخر العام بدرجة ~~مقبول، تقول كوكب إنها أذكى مني لأنها تنجح بامتياز أو أقله جيد جدا، ~~وتقول إنها ورثت الذكاء من أبيها؛ لأن الصفيح يتحول في يده ذهبا، لكن ~~أبي لم يكن ذكيا في نظرها؛ لأنه لم يعرف كيف يجمع الفلوس ومات في ~~السجن فقيرا منبوذا ... # كنا نخرج من المدرسة الساعة الخامسة والنصف، والشمس لا تزال ساطعة ~~ساخنة، في شهور الشتاء يحل الظلام قبل الخامسة، أعود إلى البيت حاملة ~~حقيبة كتبي الثقيلة، كنت أخاف الظلمة لأن الأرواح والعيون الخفية ~~تتخفى فيها، أنظر خلفي وأنا أمشي، حيث كنت أتخيل أن أحدا يمشي خلفي، ~~أو عينا ترقبني؛ إذ إنني رأيت مرة شبحا طويلا يمشي ورائي، ~~تملكتني رغبة في الجري لكني ms110 تجمدت في مكاني كتمثال، كان قلبي ~~ينتفض لكن عضلات وجهي تحجرت، توقف الشبح أمامي يرمقني بعين واحدة، ~~أما الثانية فلم تكن موجودة، بدت العين الواحدة مرعبة أكثر من ~~عينين اثنتين، تصورته كائنا غير بشري، قبل أن أجري تحول جسدي إلى ~~صخرة، العين الواحدة بيضاء تماما ترمقني، تشبه عين الله حين يغضب إن ~~لمست يدي تحت اللحاف الجرح المفتوح في جسدي، أغمض عيني وأحدق إلى العين ~~الواحدة بكل قدرتي على التحديق من تحت الجفون، أصبحت أثق بأنني أحمل ~~أبي في أحشائي، تنطلق من عيني روحه مثل لسان من اللهب أو النار، ~~تحميني النار من الشبح الراكض خلفي في الليل، كانت الأشباح كلها تتبدد ~~حين أحدق إليها بعيني أبي الميت، أو تتراجع أمام نظرتي المسدلة جفونها ~~... # كانت ماريانا جرجس في المدرسة تجلس عن يساري، وفاطمة عبد الله تجلس ~~عن يميني، كان لأبيها محل للحلوى خلف الجامع، نشترك نحن الثلاث في ~~المقعد الخشبي، لكل منا درج ليس له قفل نضع فيه كتبنا وكراريسنا ~~وأقلامنا، وما نحضره من البيت من طعام، كانت والدة ماريانا تحشو لها ~~رغيف الفينو بالجبنة الرومية والبسطرمة من بقالة أبيها جرجس، وكانت ~~والدة فاطمة تلف لها فطيرة بالسكر الناعم، أو قطعة جاتو تعلوها طبقة من ~~الشيكولاتة من محل أبيها الحلواني، في أثناء الفسحة كنا نخرج إلى الحوش ~~لنأكل، كنت أجلس وحدي على دكة خشبية خلف الفناء في جوار المكتبة، لم ~~يكن معي شيء آكله، أخرج من دون فطور في السابعة صباحا، وأعود إلى ~~البيت لأتناول العشاء، كان الجوع يقرصني في فسحة الغداء، أقضي الوقت في ~~المكتبة حتى يرن الجرس، تمر ساعة الغداء من دون أن أحس بها وأنا أقرأ، ~~كنت أرفض أن آخذ أي طعام من أحد، أحيانا تأتي كوكب أو ماريانا لتجلس ~~معي، قد تقدم لي واحدة منهما قطعة من الساندويتش، أو إصبع موز أو نصف ~~برتقالة، كنت أدعي أني أكلت، مرة واحدة قرصني الجوع ورائحة البسطرمة ~~تفوح، ناولتني ماريانا قطعة من الساندويتش فأخذتها، كان يمكن أن آخذها ~~منها ms111 لأنها صديقتي، فاطمة تقول عنها إنها نصرانية «عضمة زرقا مصيرها ~~جهنم الحمرا.» أما كوكب فسوف تدخل الجنة لأن أباها زار قبر الرسول ~~محمد، وفي عيد الأضحى يرسل إلى الفقراء مصارين الخروف ... # كانت فاطمة عبد الله توزع الكعك في العيد بعد شهر رمضان، تعطي كل بنت ~~كعكة واحدة، إلا كوكب تحظى بكعكتين اثنتين، لم تكن تعطيني شيئا، ~~ترمقني وأنا جالسة على الدكة وحدي، تمر أمامي مع بعض البنات، تهمس لهن ~~بشيء فأسمع ضحكاتهن من بعيد، ذات صباح رأيت كلمتين محفورتين بسن ~~القلم فوق المقعد الخشبي أمامي «بنت الشيوعي» صعد الدم إلى رأسي ~~وارتج قلبي تحت ضلوعي، كلمة شيوعي رنت في أذني رنينا شائنا، حرف ~~الشين ينطوي على الشر، تبدأ بحرف الشين كلمات مثل شريرة، شقية، شيوعية، ~~شيعية، شعبوية، شيطانية، شبقية، لم أكن أفهم هذه الكلمات حتى دخلت ~~المدرسة الثانوية، لكن كلمة الشيوعية التصقت بي، أصبح الأطفال في ~~الشارع يرددون ورائي: بنت الشيوعي أهه أهه. تجرأ صبيان الشوارع على ~~قذفي بالطوب، أو شد حقيبتي من يدي، أو شد حلمة ثديي من فوق المريول، ~~أصبحت كلمة الشيوعية جزءا من اسمي محفورة في جسدي، تطاردني في النوم ~~واليقظة، من المدرسة إلى المعهد، حتى بعد أن بدأت العمل في المطبعة، لم ~~تكف الكلمة عن مطاردتي، كانت فاطمة عبد الله تضع في درجها علبة ملأى ~~بالأقلام، تتهامس دائما مع الزميلة الجالسة أمامها أو خلفها، مددت يدي ~~في لحظة خاطفة وأخذت من العلبة قلما أزرق، لم تلحظني فاطمة أو أي ~~زميلة في الفصل أو المعلمة، كانت تتطلع خلفها إلى السبورة فلم ترني، ~~تعودت الكتابة بقلم حبر أزرق، ثم بدأت أستخدم الأقلام الجافة الزرقاء، ~~أشتريها من المكتبة مع الورق الأبيض غير المسطر، أحيانا أدس القلم في ~~حقيبتي من دون أن يراني أحد، قلبي ينتفض وألهث من الرعب، أخرج من ~~المكتبة بخطى بطيئة ثابتة كأنما لم أقترف جريمة، بعد أن أصبح في ~~الشارع أجري إلى البيت ضاغطة تحت إبطي الحقيبة، داخلها الكنز الثمين، ~~تجتاحني سعادة طاغية فأغني في البيت، ms112 أرقص أمام المرآة، سعادتي ~~بالقلم الأزرق الجديد الذي لم أدفع فيه شيئا، وسعادتي بالإفلات من ~~رجال البوليس، جريمة السرقة والفضيحة والسجن نجوت من الثلاثة بإرادة ~~الله، أومن بالله حين يغمض عينه عن جرائمي، أتحسس القلم في يدي، ~~ناعم حنون كصدر أمي، أمر به على السطح الأملس مغمضة العينين، تذوب ~~الحروف الزرقاء في الورقة البيضاء في أثناء النوم، أدونها في الظلمة ~~تحت اللحاف من دون أن أفتح عيني، يظهر اللون الأزرق واضحا فوق السطح ~~الأبيض، يتسرب ضوء خافت من تحت اللحاف، يمشي ناعما تحت جفوني له ~~دفء الدموع، أرى أمي تصحو من النوم، تجلس أمام المرآة تصفف شعرها ~~بمشطها المربع من العاج الأبيض، عيناها مكحلتان، أنفها من الجانب ~~مرفوع، أبي في هذه اللحظة يكون واقفا وفي يده كتاب، يرتفع الكرباج في ~~الجو محدثا صفيرا يشبه الريح، يسقط الكرباج فوق رأس أبي الواقف ~~دوما، من دون أن يسقط الكتاب من يده، ومن دون أن تتحرك عضلة أو شعرة ~~في جسده، يظل واقفا برأسه المرفوع والكتاب في يده، مات أبي مرفوع ~~الرأس قبل أن أصحو من النوم، قبل أن أرسم ملامحه بالقلم، قبل أن أتعلم ~~الكتابة، كان الجيران يحكون عن أبي: كان المرحوم شامخ الرأس مثل جواد ~~جامح، رأيت شعر أبي في النوم لونه أبيض كلون الحصان، كوكب داخل الحنطور ~~لا يظهر منها إلا حذاؤها اللامع تحت المظلة، يرتفع الكرباج في يد ~~الحوذي ثم يسقط فوق رأس الحصان المرفوع، يظل الحصان شامخا يشق الكون ~~نصفين، من دون أن ترتعش في جسده شعرة أو ينحني رأسه ... # في الليل تجلس سعدية فوق المرتبة وفي جوارها ابنتها هنادي نصف نائمة ~~ونصف غائبة فيما يشبه الغيبوبة، منذ عملية الإجهاض لم يكف النزف، ~~فقدت هنادي الكثير من وزنها، أصبح وجهها طويلا شاحبا وعيناها ازدادتا ~~حجما واتساعا واشتعالا، تود أمها لو تضمها إلى صدرها، لولا الإحساس ~~الغامض بالكره، لم تعرف سعدية أن الأم يمكن أن تكره ابنتها، أو أن ~~الإحساس بالكره يمكن أن يتحول إلى غصة، إلى حبة فول ms113 تسد حلقها، حصاة أو ~~قطعة زلط في حذائها تحك باطن قدمها، تتراكم أحزانها وأوجاعها منذ ولدت، ~~وتتجمع في نقطة ملتهبة أسفل ضلوعها فوق المعدة، تضغط عليها بإصبع ~~واحدة فتحس بأن المرارة تمتد من حلقها إلى أحشائها. # آه يا رب! كيف تصمت على هذا القهر المتراكم فوق ظهر امرأة واحدة، حتى ~~كادت تبرك على الأرض كالجمل ينوء تحت حمله؟ # كيف تبدد الأمل الوحيد الباقي في حياتها؟ # | الأمل الوحيد # كانت هنادي هي أملها الوحيد بعد أن راح ابنها، زوجها، وكل من كان ~~لها. # ترمق ابنتها بكره، سلبت منها ابنتها الأمل، نهشت حلمها الباقي، كسرت ~~قلبها وزادت من العبء حتى انقصم ظهرها، خانت أمها وكذبت عليها، آه يا ~~هنادي تفعلين ذلك بأمك التي ماتت من أجل أن تكوني امرأة محترمة، لو ~~أنك اعترفت لأمك بالحقيقة. # فتحت هنادي جفونها، رأت النظرة في عيني أمها فارتعدت، أيمكن أن ~~تضربها أمها بالشومة فوق رأسها كما فعلت مع أبيها؟ كانوا ينادونها في ~~السجن سعدية القتالة، تعتكر عيناها أحيانا وتطل منهما هذه النظرة ~~القاتلة المرعبة. ~~- صاحية يا هنادي؟ ~~- أيوه يا أمي. ~~- ليه تخبي عن أمك الحقيقة؟ ~~- خايفة يا أمي. ~~- خايفة من مين؟ ~~- خايفة منهم؟ ~~- مين هم؟ ~~- مش عارفة. # انتقلت سعدية وابنتها من الغرفة في الزقاق إلى الخيمة في ميدان ~~التحرير، لم تعد قادرة على تسديد إيجار الغرفة، لم تعد قادرة على ~~مواصلة الذهاب يوميا إلى بيت الأستاذة، جاءت الأستاذة إلى الخيمة، ~~تحمل لهما الطعام والفاكهة لكن سعدية تقول لها: لا يمكن أن آكل إلا من ~~عرق جبيني يا أستاذة. ~~- إنتي بتشتغلي يا سعدية وده حقك. ~~- أنا مش قادرة أشتغل وبنتي عيانة. ~~- بكرة هنادي تخف وتبقى زي الحصان. ~~- ربنا يسمع منك يا أستاذة. ~~- الدوا ولع نار يا سعدية. ~~- كل الأسعار ولعت. ~~- خدي السلفة دي. ~~- أنا لسه باسدد السلفة اللي فاتت. ~~- إنتي واحدة من العيلة يا سعدية. ~~- كتر خيرك. ~~- وهنادي زي بنتي داليا، الاتنين مولودين في السجن مش فاكرة؟ ~~- أيوه فاكرة يا أستاذة. ~~- الدنيا برد في الخيمة. ~~- الخيمة أدفا من ms114 البيت. ~~- أيوه صحيح. ~~- الناس كتير حوالينا كأننا عيلة واحدة. ~~- داليا عاوزة تعيش معاكم في الخيمة. ~~- معانا بنات كتير من عمرها وعمر هنادي. ~~- المظاهرات جمعت ناس كتير. ~~- تعالي الخيمة إنتي كمان يا أستاذة. ~~- كفاية علينا المظاهرات أنا وشاكر. ~~- إنتو عملتو خير كتير، ربنا يحميكم يا رب. ~~- لكن الخيمة حلوة ودافية يا سعدية. ~~- بوجودك يا أستاذة. ~~- فاكرة أيام السجن يا سعدية؟ ~~- كانت حلوة، أحلى من عيشة الزقاق. # وتضحك فؤادة وسعدية كأنهما صديقتان حميمتان، كما كانتا تضحكان في ~~السجن، الأسفلت تحت الخيمة يشبه الأسفلت في السجن، تجلسان متجاورتين ~~فوق الأرض لا شيء يفرق بينهما، إلا أن فؤادة ترتدي بالطو من الصوف ~~المتين وسعدية لا ترتدي بالطو. # قبل أن تغادر الخيمة خلعت فؤادة البالطو، وغطت به هنادي الغارقة في ~~النوم. # فتحت هنادي جفونها في الصباح، عيناها حمراوان تتطلعان إلى قطعة من ~~السماء تطل من باب الخيمة، تسمع الهتاف يدوي في الميدان، يسقط ~~النظام. # سخونة شديدة تتدفق من قلبها إلى عنقها إلى رأسها، وبرودة شديدة ~~تجعلها تنتفض مع العرق الغزير الذي يجري إلى قدميها، تحس بأنهما شيء ~~خارج جسدها، أمها في جوارها تغطيها بالبالطو الصوف وبشالها الأخضر، ~~تدلك قدميها المثلجتين حتى يجري فيهما الدم. ~~- آه يا بنتي لو تقولي الحقيقة يمكن ربنا يشفيكي. # كانت هنادي تخاف على أمها من الحقيقة، لكن هتاف الملايين بأنفاسهم ~~الساخنة المحمومة، كأنما أذابت القفل الحديدي في رأسها، وامتدت السخونة ~~من رأسها إلى صدرها وبطنها حتى الجرح النازف أسفل البطن. # عادت إليها ذكرى اليوم المشئوم حين كانت واقفة في المطبخ تصنع كوبا ~~من اليانسون لشاكر بيه، كانت الأستاذة فؤادة في الإسكندرية مع ابنتها ~~داليا في إجازة نصف السنة ولن تعودا إلا نهاية الأسبوع، وكانت أمها ~~سعدية تعاني الوجع في عظام ظهرها، فأرادت أن تأخذ إجازتها السنوية، ~~أرسلتها أمها بدلا منها لتنظف البيت وتطبخ البازلاء التي يحبها البيه، ~~وتكوي ملابسه وجواربه. # كان شاكر بيه مستلقيا في السرير داخل منامته الحريرية البيضاء يئن ~~بصوت خافت، دخلت هنادي حاملة الصينية فوقها كوب اليانسون تتصاعد ms115 منه ~~الأبخرة والنكهة المنعشة، وضعتها فوق الكوميدينو في جواره، ثم وقفت ~~تنتظر لعله يأمرها بشيء آخر. ~~- هاتي الإزازة من الدولاب في الحمام، مكتوب عليها فاليوم ~~عارفاها؟ ~~- أيوه طبعا عارفاها. # أسرعت هنادي إلى دولاب الأدوية الزجاجي، تعلمت بعض الكلمات ~~الإنكليزية في معهد الكومبيوتر ومن الأستاذة فؤادة، تقرأ بسهولة كلمة ~~فاليوم فوق الزجاجة، وكثيرا ما كانت تنظف الدولاب وتمسح الغبار عن علب ~~الأدوية، وتتدرب على قراءة الحروف الأجنبية. ~~- برافو عليكي يا هنادي إنتي بنت ذكية. # ابتسمت هنادي في سرور؛ إذ قلما تسمع كلمات مدح من شاكر بيه، هاتي ~~الكرسي واقعدي هنا عاوز أسألك سؤال. ~~- حاضر يا بيه. # وقفت هنادي قرب الكرسي من دون أن تجلس، لم تتعود الجلوس على الكراسي ~~في البيت، لم يكن لديها الوقت لتجلس، وإن شعرت بالتعب فهي تجلس فوق ~~السجادة على الأرض كما ترى أمها تفعل. ~~- مبسوطة في المعهد يا هنادي؟ ~~- أيوه. ~~- أهم حاجة التعليم، والمستقبل أصبح للكومبيوتر. ~~- أيوه. # يرشف شاكر بيه من كوب اليانسون، يا سلام اليانسون بتاعك ممتاز ممكن ~~يعالج أي مغص، واقفة ليه يا هنادي؟ اقعدي. ~~- حاضر. # تجلس هنادي على طرف الكرسي في حرج. # أنا عندي اجتماع مهم في الحزب الليلة لكن مش حاقدر أروح، يضع يده على ~~بطنه ويتأوه، آه مش عارف سبب المغص ده إيه؟ يمكن تسمم ~~غذائي. ~~- بعد الشر عنك يا بيه. ~~- كل شيء في البلد بقه مسمم، الأكل والهوا والميه، نظام فاسد مش كده ~~يا هنادي؟ ~~- أيوه يا بيه الناس كلها بتقول كده والمظاهرات بتهتف يسقط ~~النظام. ~~- بتمشي في المظاهرات يا هنادي؟ ~~- أيوه لما يكون عندي وقت أروح الميدان مع المظاهرات. ~~- لازم تخلقي الوقت للثورة يا هنادي، النظام ده لا يمكن يسقط من غير ~~ما كل الناس تشارك في المظاهرات. ~~- حاضر يا بيه. # يبتسم شاكر: حاضر يا بيه، كل حاجة حاضر يا بيه، إنتي مطيعة أوي لازم ~~تتمردي تثوري شوية. ~~- حاضر يا بيه. # يضحك شاكر بصوت عال، لأول مرة تسمعه يضحك بهذا الصوت. ~~- إنتي عارفة يا هنادي إن كلمة بيه دي ms116 سقطت من القرن الماضي، وما فيش ~~بيه ولا باشا والناس كلها ولاد تسعة، كلنا بنتولد بعد تسع شهور في ~~البطن. # زمت هنادي شفتيها، لم تسمع شاكر بيه يتكلم بهذه اللهجة، رنت كلمة ~~البطن في أذنها كأنها نابية، تأوه شاكر بيه وهو يضغط على بطنه، لو ~~كانت مراتي تعرف واجبها تجاه زوجها ما كانتش تسافر وتسيبه تعبان، لكن ~~طبعا هي الأستاذة الكاتبة العظيمة وأنا الزوج الغلبان، يعجبك الحال ~~المعكوس ده يا هنادي؟ الست تبقى الراجل والراجل يبقى الست؟ ~~- أنا مع تحرير النساء لكن الست لازم تفضل ست فيها أنوثة زيك يا ~~هنادي. # تشعر هنادي بالارتباك، رنت كلمة أنوثة في أذنها نابية، لم يحدث أن ~~سمعت مثل هذا الكلام من شاكر بيه، لم يحدث أن تكلم بهذه الطريقة على ~~زوجته، كان يمدحها في كل مناسبة، يقول إنها أعادته إلى الحياة بعد ~~عزلة السجن، شجعته على أن يفكر ويكتب بحرية، ومن هي حتى تقول رأيها ~~فيما يخص حياته مع زوجته الأستاذة؟ # إنها ليست إلا ابنة الخادمة، صحيح أن أمها سعدية تتمتع باحترامهما ~~وثقتهما على مدى سنوات، لكنها تظل الخادمة، وهي أصبحت طالبة في معهد ~~الكومبيوتر لكنها تظل ابنة الخادمة، إلا أنها شعرت بشيء من الزهو ~~ليصبح لها رأي يستمع إليه شاكر بيه، لكن إحساسها بالزهو يشوبه إحساس ~~بالغضب منه، كيف يمدح زوجته في حضورها ثم يذمها في غيابها؟ # قرأ شاكر بيه التعبير على وجهها فتراجع قليلا. # أنا آسف يا هنادي إن خرجت مني كلمات غير لائقة في حق زوجتي المحترمة، ~~لكن المغص، الألم في الجسم ممكن يؤثر في العقل. # أطرقت هنادي تفكر، كانت الأستاذة فؤادة أقرب إليها من شاكر بيه، ~~وابنتهما داليا أقرب إليها من أمها وأبيها، هي الوحيدة التي تجعلها ~~تجلس على الكنبة في جوارها في غيابهما، وتعطيها نصيبها بالتساوي من ~~الشيكولاتة والبسبوسة، بعد داليا تأتي أمها الأستاذة فؤادة، تسألها عن ~~أحوالها في المعهد، تشجعها على الاهتمام بدراستها والتخرج لترفع العبء ~~عن كاهل أمها المكدودة. # | اللحظة الخاطفة # لم يكن شاكر بيه ينظر ms117 ناحية هنادي فما باله يتبسط معها في الحديث ، ~~أو يشكو لها من زوجته، لأول مرة يتحدث معها بهذه الطريقة، ربما يعاني ~~الألم ويطلب مساعدة ما. # أحست هنادي بشيء من الشفقة نحوه، عضلة تحت ضلوعها لانت له وتحمست ~~للمساعدة، جلست في الكرسي تفكر وعيناها منكستان تنظران إلى قدميها ~~السمراوين الخشنتين تطلان من الشبشب، كانت مثل أمها تخلع حذاءها المتسخ ~~بتراب الزقاق ما إن تدخل البيت، تخفي الحذاء تحت دولاب المطبخ، وتنتعل ~~الشبشب الأصفر البلاستيك الذي أعطتها إياه الأستاذة، لا تنتعله إلا في ~~البيت. # كان هو مستلقيا فوق السرير تطل قدماه البيضاوان الناعمتان من ~~المنامة الحريرية، فصعدت عينيها إلى وجهه المحتقن بحمرة الدم، يبدو ~~عليه الألم. # خطر لها للتخفيف من ألمه أن تدلك قدميه كما كانت تفعل مع الأستاذة ~~حين تتورم قدماها من طول الجلوس خلف المكتب، تقول الأستاذة عن ~~التدليك ماساج، أسرعت إلى الدولاب في الحمام وعادت ممسكة زجاجة زيت ~~اللوز، جلسة ماساج واحدة وتخف يا شاكر بيه، زي الأستاذة. # ابتسم شاكر واسترخى في السرير فاتحا ساقيه. # كان لزيت اللوز الممزوج بالكولونيا رائحة ناعمة تشبه الموسيقى ~~الحالمة التي تبعث في الجسم خدرا لذيذا. ~~- الأستاذة كانت بتحب الزيت ده. # أغمض شاكر عينيه وهو يئن بصوت خافت. ~~- الله يا سلام الماساج ده شيء ساحر! ~~- الأستاذة كانت دايما تقول كده. # تقلصت عضلات وجهه فجأة وقال بغضب: الأستاذة، الأستاذة، ما عندكيش ~~غير الأستاذة؟ هي الأستاذة دي ربنا سبحانه إذا كان ربنا موجود؟ # انتفضت هنادي في الكرسي وكفت يديها عن الحركة، لم تسمع في حياتها ~~أحدا يتشكك في وجود ربنا سبحانه. ~~- أستغفر الله العظيم يا شاكر بيه. ~~- متأسف يا هنادي أنا مش طبيعي النهارده، يمكن التسمم الغذائي ~~... ~~- أعمل لك كمان كوباية يانسون؟ ~~- أظن أن التدليك أحسن من اليانسون يا هنادي. ~~- حاضر يا بيه. ~~- إيه حكاية بيه دي؟ # ارتجفت يداها وهي تدلك قدميه. ~~- اطلعي فوق شوية يا هنادي، أيوه فوق السمانة ومفاصل الركبة آه، أيوه ~~كده. ~~- انت جواك تعب كتير يا أستاذ شاكر. # شعرت بثقة أكثر بنفسها ms118 حين قالت أستاذ بدلا من بيه. # سكبت قطرات الزيت فوق ركبتيه وراحت تدلكهما بحماسة، سمعته يتنهد ~~ويهمس. ~~- أيوه جوايا تعب كتير، الألم في كل جسمي، إنتي خبيرة في الماساج، ~~أكثر من المتخصصين. # أرادت أن تضحك في سرور لكنها ابتسمت وقالت: المتخصصين درسوا الماساج ~~زي ما أنا بادرس الكومبيوتر، كل شيء عاوز علم ودراسة. ~~- برافو عليكي يا هنادي، الفرق بين الدول هو العلم والدراسة. ~~- أيوه أمي دايما تقول كده، ولما أتخرج من المعهد هاشتغل ع ~~الكومبيوتر وأمي تستريح من الشغل، حلم حياتي أن أمي تستريح. # لم يسمع شاكر بيه ما قالته هنادي لأنه كان ينقلب بجسمه فوق وجهه، ~~كاشفا عن ظهره. ~~- سلسلة العمود الفقري عاوزة تدليك قوي جدا يا هنادي. ~~- حاضر يا أستاذ. # تحركت يداها فوق ظهره بقوة، بدت يداها أكثر سمرة وخشونة بالنسبة ~~إلى ظهره الأبيض الناعم، يبدو بياضه شاحبا أبيض كأنما ليس فيه قطرة ~~دم، مثل لون عجين العيش الفينو، أو لون الجير الأبيض على الحيطان ~~النظيفة. # لأول مرة في حياتها ترى ظهر رجل نظيفا، ليس مثل ظهور الرجال في ~~الزقاق، تطل من تحت قمصانهم البالية مسودة مشعرة خشنة كأنما من خشب ~~مشقق، بدا ظهر شاكر بيه أبيض ناعما طريا مثل رغيف فينو من الفرن ~~الإفرنجي. ~~- آه يا سلام إيديكي فيها سحر يا هنادي. # ينتفخ صدرها زهوا بقدرتها على منحه كل هذه اللذة والراحة، كانت ~~يداها تدلكان ظهره بقوة، تنزعان عن عضلاته السموم، تخرجان من بين ~~فقراته التعب والإرهاق، شعرت هنادي بقوتها وأهميتها، تلاشى شاكر بيه ~~المتكبر المتجهم القديم، أصبح تحت يديها شاكر آخر أكثر مرونة ~~تستطيع أن تجدده بيديها، ليصبح إنسانا جديدا أو زوجا أفضل ~~للأستاذة فؤادة، هي تستحق زوجا إنسانا يراعي مشاعرها، كانت تسمع ~~شجارهما أحيانا من وراء باب غرفتهما المغلق، كانت ترى الأستاذة جالسة ~~حزينة، أحيانا تلمح الدموع في عينيها، تفكر ماذا تقول لها لتخفف ~~عنها، لكنها تسكت، تتذكر نصيحة أمها، يا داخل بين البصلة وقشرتها ما ~~ينوبك إلا ريحتها. # هنادي منهمكة في تدليك ظهر شاكر ms119 بيه، الممدود في استسلام تحت يديها، ~~يداها تتحركان كأنما بقوة إلهية أو شيطانية قادرة على نزع السم من ناب ~~الثعبان، انزلي شوية يا هنادي، عند الفقرات اللي تحت في ~~السلسلة. ~~- حاضر. # وهبطت يداها تدلكان الفقرات أسفل ظهره، تتحرك أصابعها بحرص حتى ~~لا تلمس الشق بين أليتيه، أول مرة في حياتها ترى ظهر رجل وأليتيه، تشعر ~~بضيق في التنفس لكنها تواصل التدليك بهمة وحماسة، وانقضت لحظات لم ~~تسمع فيها صوته، كأنما سقط في النوم، ثم رأته ينقلب فوق ظهره وأصبحت ~~يداها فوق صدره الأملس بدون شعر، تدلكان الترقوة والعضلات بين ضلوعه ~~الناعمة الدقيقة التي تكاد تتكسر تحت قوة عضلات يديها السمراوين، ~~ازداد إحساسها بقدرتها على التحكم في جسمه فاشتدت حماستها لإتقان ~~عملها، حتى بدأت أنفاسه تسرع بوتيرة غريبة مفاجئة، فتحول الزهو بنفسها ~~إلى رهبة غامضة، ثم تحولت الرهبة إلى فزع حين رأت شاكر بيه يشدها إلى ~~السرير لتصبح راقدة فوق ظهرها وهو يضغط كتفيها إلى أسفل، ليصبح نهداها ~~تحت صدره وبطنها تحت بطنه، كانت اللحظة خاطفة فانخطف بصرها وتوقفت ~~أنفاسها، فلم تشعر إلا بيده تفتح فخذيها ويدخلها بقوة جعلتها تطلق صرخة ~~مكتومة من الرعب واللذة والألم، والمقاومة والخضوع والإثم والخوف ~~والرفض والعبودية والاستسلام اليائس، كأنما هو القضاء والقدر جثم عليها ~~وزهق روحها، أو كأنه هو الرب ذاته أمرها ونفذ الأمر، الرب الذي خلقها ~~والذي يحييها ويميتها ويمنحها الحياة أو يقصف عمرها ولا راد لإرادته، ~~ودب الصمت في أذنيها مثل صفارة طويلة ممدودة بين السماء والأرض، كأنما ~~فرغ الكون من البشر والكائنات الحية وغير الحية، إلا هو وهي الاثنان ~~الوحيدان اللذان يعيشان بعد سقوط القنبلة النووية فوق الكون، حتى أمها ~~سعدية زالت من الوجود. # شاكر بيه فوقها تسمعه يهمس أوه يا إلهي أوه ... يتحرك داخل أحشائها وهي ~~تضغط على شفتها السفلى، تكتم الألم حتى نزفت شفتها الدم، حاولت أن ~~تدفعه بعيدا عنها لكن قوة أكبر منها كانت قد سحبت منها قوتها، والألم ~~الحارق بإرادة الله واللذة الخارقة بإرادة الشيطان. # كان جسده يتلوى ms120 من تحتها مثل قرموط ثعبان بشرته ملساء بيضاء ناعمة، ~~ما إن تقبض عليه حتى ينزلق تحت العرق الغزير وزيت اللوز، يفلت من بين ~~يديها كالسمكة في البحر. # أفاقت من الغيبوبة وعادت إلى الوعي، رأته نائما فوق ظهره أو نصف ~~نائم، فمه مفتوح في ابتسامة معوجة، يهذي بكلمات متقطعة مبتورة، أنا ~~آسف أنا مغلوب على أمري ... مراتي غالباني ... مراتي لوح الثلج ... أصلها ~~كاتبة مش امرأة ... يلعن دين الكتابة ... # دق جرس الباب أو جرس التلفون أو جرس دراجة في الشارع تجمد كل منهما ~~في مكانه، فتح عينيه كأنما يصحو من النوم أو الموت، أمرها أن تذهب ~~إلى المطبخ ونهض هو إلى الباب، لكنه انتبه إلى أنه ليس جرس الباب، بل ~~جرس التلفون. # كانت ابنته داليا تتكلم من الإسكندرية. ~~- داليا حبيبتي، وحشتيني. # كانت تسمعه وهي واقفة وراء الباب تمسح الدم من بين فخذيها بفوطة ~~مطبخ قديمة، تندهش لقدرته على تقمص دور الأب، أن ينفصل عما حدث ~~ويعود إلى شخصيته القديمة، أرادت أن ترفع يدها وتصفعه على وجهه، لكن ~~يدها امتدت وأمسكت يده، أرادت أن تقبل يده وتقسم له أنها فتاة ~~شريفة لم يلمسها أحد قبله، لكن يدها تجمدت في الهواء، وقفت عاجزة عن ~~الحركة، عاجزة عن النطق، تحس كأنما هي غير موجودة، أصبح وجودها عبئا ~~عليها أكثر من وجوده. ~~- واقفة كده ليه يا هنادي؟ ولعي السخان بسرعة عشان آخذ حمام، واغسلي ~~ملاية السرير. # ارتجفت أصابعها وهي تشعل عود الكبريت، تدخله في ثقب السخان فينطفئ، ~~تشعل عودا آخر فينطفئ، وأخيرا نجح العود الثالث في إشعال ~~السخان. # رأته يمشي عاريا ويدخل الحمام، أسرعت إلى غرفة نومه، رأت بقع ~~دمها فوق ملاءة سريره، نزعتها وكورتها في يدها كأنما تخفي جريمة، وفي ~~الحوض دعكتها بالماء الساخن والصابون حتى تلاشت كأن لم تكن، سمعته ~~يدندن تحت مياه الدش بلحن لا تعرفه. # جلست على البلاط في ركن المطبخ تحس بالبرودة مع الألم تنفذ إلى ~~عظامها، والدم يسيل من بين ساقيها على البلاط الأبيض، دمها يلوث أرضه ~~النظيفة كما لوث ms121 ملاءته البيضاء المكوية، ومياه الدش الغزيرة تغسل جسده ~~الأبيض الناعم من رائحة دمها الفاسد، رائحة الدم تتبعها مثل ظلها، فوق ~~الأسفلت في الميدان، والدم في السجن فوق الأسمنت، والدم في المستشفى، ~~والدم في الزقاق وفي كل مكان، تضع وجهها بين يديها وتبكي من دون صوت، ~~تخشى أن يسمع نشيجها وهو في الحمام، تفكر في أمها فيرتعد جسدها، خرج من ~~الحمام وارتدى البذلة الأنيقة المكوية، وانتقى الجورب الذي ينسجم لونه ~~مع لون ربطة العنق، يتحرك في البيت بخفة، يصفر فمه وهو يمشط شعره ~~كأنما لم يحدث شيء منذ دقائق، وكأنما لم يحطم قلب فتاة صغيرة، وسوف ~~يحطم قلب أمها المكدودة، قبل أن يخرج قال لها: اسمعي يا هنادي اللي حصل ~~حصل، إحنا الاتنين كان لازم نفكر بعقل، لكن نعمل إيه للشيطان، غلطة ~~وفاتت وربنا يغفر الذنوب جميعا إلا الشرك به، مش لازم حد يعرف اللي ~~حصل، عشان سمعتك ومستقبلك. # | في الخيم # تكورت أمها سعدية تحت الخيمة فوق الأسفلت، لم تعد تسمع الهتافات ~~المطالبة بالقصاص من القتلة والمجرمين، وبسقوط النظام، لفت ذراعيها ~~وساقيها حول نفسها لتتقي الرجفة التي شملت جسدها وعقلها وروحها، مثل ~~الحمى تجتاحها رغبة ملتهبة في الانتقام الآن في هذه اللحظة من المجرمين ~~جميعا، وعلى رأسهم هذا الرجل الذي يرتدي مسوح القديسين، والذي قضى على ~~حلمها وحلم ابنتها في حياة فضلى، تفك ذراعيها وساقيها فيندفع جسدها ~~خارج الخيمة صارخة اقتلوهم، اقتلوه. ثم يتهاوى جسدها إلى الأرض، تنتفض ~~مثل الفرخة المذبوحة ثم يسكن جسدها من دون حراك، تتلفت حولها في ~~ذهول، لا تعرف ماذا تفعل، ثم تنهض وتدخل الخيمة، تتكور فوق الأسفلت ~~في جوار ابنتها تنشج من دون صوت، لم يكن أحد في الخيمة في أثناء ~~النهار، فالجميع خرجوا في التظاهرات، الشباب والشابات من مختلف المهن ~~والطبقات، والأطفال من مختلف الأعمار وكبار السن من النساء والرجال، ~~ومنهم الكاتبة بدرية البحراوي، تركت بيتها مثل الآخرين وأقامت معهم في ~~الخيمة، تهتف معهم: يسقط النظام. # أصبحت الخيام في ميدان التحرير الملجأ للكثيرين والكثيرات ممن ms122 ليس ~~لهم بيوت أو ممن سئموا حياتهم في بيوتهم. # رقدت سعدية تنتفض من الكره المتراكم في جسدها منذ ولدت في الفقر ~~والقهر والهوان، تحاول ابتلاع ريقها الجاف، في حلقها يتجمع الكره مع ~~الرغبة في الانتقام كالغصة، تتحول المشاعر المكبوتة إلى ورح من اللحم ~~يسد حلقها ويمنعها من التنفس، تشهق كأنما تختنق تخرج أنفاسها مثل صوت ~~مشروخ بكلمات متقطعة ... إزاي يا رب تعمل فينا ده كله؟ فين العدل فين ~~الرحمة؟ # تذكرت سعدية ما حدث في حياتها، زوجها الحشاش في الغرزة، ابنها المريض ~~يموت بين ذراعيها، ابنتها تنزف في عملية الإجهاض، الطابور الطويل ~~أمام الحنفية في الزقاق، مفاصل ظهرها تئن فوق الأسفلت، تسري الكراهية ~~من حلقها إلى عمودها الفقري، تمشي في عروقها مع الدم مثل رءوس ~~الدبابيس، تنخس ظهرها وبطنها وذراعيها وساقيها. # آه يا رب! إزاي انخدعت في الراجل ده؟ شكله من بره ملاك ومن جوه ~~شيطان؟ دخل السجن عشان الغلابة والمساكين؟ آه يا نصاب، نصبت على الناس ~~كلها حتى على مراتك الأستاذة فؤادة الست الطيبة؟ # انتفضت عضلة تحت ضلوعها بلذة قادمة، حين تكشف حقيقته للأستاذة، ~~لكنها تفكر، تتراجع، لا يمكن أن تتسبب بكل هذا الألم للأستاذة، التي ~~منحتها الصداقة والرعاية وكانت كريمة معها ومع ابنتها، أيمكن أن تهدم ~~حياتها المستقرة مع زوجها ولهما ابنة وطفل مقبل في الطريق، الأفضل أن ~~تواجهه وحده، أن تنزع بيديها القناع عن وجهه وتبصق عليه، لن تكفيها ~~البصقة، لا بد أن تصفعه، لن تكفي الصفعة، لا بد أن تضربه على رأسه ~~بالشومة كما فعلت مع زوجها، لكن إذا مات يا سعدية فسوف يأخذونك إلى ~~السجن، وتصبح ابنتك هنادي وحيدة في هذا العالم، ابنتها هنادي قطعة من ~~قلبها كما كان ابنها قطعة من قلبها، أقدمت على قتل زوجها من أجل ابنها، ~~ويمكن أن تقتل شاكر من أجل ابنتها، أما هو فلا قلب له، يقدم على قتل ~~ابنه بدم بارد بعملية الإجهاض؟ # لم يطرف له جفن وهو يقول لها: يجب أن تجري هنادي العملية، كيف لأب أن ~~يقتل ms123 طفله في رحم فتاة صغيرة بريئة شاركها في الفراش؟ # ألم يشعر بتأنيب الضمير؟ # تتكور سعدية حول نفسها، تسمع من بعيد الهتافات، كان شاكر يمشي بين ~~المتظاهرين وهو يهتف ضد الظلم والفساد، أيمكن أن يهتف ضد نفسه؟ أم أنه ~~لا يعرف ما يفعله؟ وكيف لا يعرف وهو يملك العلم والمعرفة والقوة ~~والسلطة؟ # إنه يملك كل ما لا تملكه هي، الخادمة الفقيرة الجاهلة، سوف تعطيه ~~درسا في الأخلاق والإنسانية، فالأخلاق والإنسانية ليس لهما علاقة ~~بالعلم والقوة والسلطة، بل العكس يا سعدية، تقل الإنسانية والأخلاق ~~بازدياد العلم والقوة والسلطة، سوف تؤكد لشاكر بيه أن كرامة ابنتها لها ~~ثمن غال، وأنه لا يمكنه امتهان ابنتها وسلب شرفها ومستقبلها من دون أن ~~يدفع الثمن، ليس بالمال يا شاكر بيه؛ لأن كنوز الدنيا لن تعوض ابنتي ~~ضياع حلمها للانعتاق من حياة الزقاق العفنة، والسكن في شقة نظيفة فيها ~~سرير ومطبخ وحمام فيه ماء، وأنها هي أمها المكدودة من التعب، التي ~~انكسر ظهرها تحت العبء ونزفت دما حتى أوشكت على الموت، لن تقف في ~~الطابور الطويل كل يوم ساعتين لتملأ الصفيحة، وسوف تأخذ حقها وحق ~~ابنتها بيدها. # أيوه يا سعدية برغم أنك لا تقرئين ولا تكتبين ولم تدخلي مدرسة، ~~لكنك تعرفين عن ضميره الغائب وقلبه الفاسد أكثر مما هو يعرف، أكثر مما ~~تعرف زوجته الأستاذة الكاتبة المتعلمة التي تشاركه في الفراش كل ~~يوم. # تخبط سعدية بيدها السمراء المشققة فوق الأسفلت، تخبط الأرض الصلبة ~~بيد أصلب من الأرض، تستمد القوة من صلابة الأسمنت تحتها في الخيمة، من ~~أصوات الملايين التي تهتف: يسقط الفساد والظلم. تشعر سعدية بقوة جديدة ~~تغزوها في مواجهة شاكر بيه، يمكنها بكلمة واحدة تخرج من بين شفتيها ~~أن تهدم حياته وتخرب بيته، أن تحرمه سعادة الحياة مع زوجة محبة مخلصة ~~له وابنته داليا الرقيقة الحنون وابنه القادم في الطريق. # أيوه يا سعدية لا بد أن تحطمي هذا الرجل كما حطم حياة ابنتك، ولا ~~تدعيه يستمر في تحطيم البنات الأخريات. # تهب سعدية واقفة تنفض عن جلبابها ms124 التراب، ابنتها هنادي سقطت في ~~النوم، غطتها بالشال الصوفي الأخضر الباهت الذي أعطتها إياه الأستاذة ~~فؤادة في بداية الشتاء. # تخرج سعدية من الخيمة ومن الميدان، يدب في جسمها نشاط مفاجئ ودماء ~~حارة تتدفق في عروقها، لم تعد تشعر بالآلام في ظهرها أو وجع المفاصل، ~~تمشي بخطى واسعة سريعة، ظهرها مستقيم، عيناها مرفوعتان نحو السماء ~~تتحديان الآلهة والشياطين. # هو الذي فتح الباب حين دقت الجرس، كان مرتديا البذلة الكاملة ~~استعدادا للخروج، بادرها قائلا: الأستاذة في مؤتمر في نيويورك، وأنا ~~مسافر مع داليا إسكندرية، خدي إجازة خمس أيام يا سعدية وتعالي السبت ~~الجاي. # أرادت أن تفتح فمها وتقول شيئا لكن صوتها لم يخرج، كان واقفا ~~محصنا داخل البذلة المكوية ذات الخطوط الحادة القوية حشوة الكتفين ~~تكسبهما سماكة وصلابة، كان واقفا في المدخل محصنا بالبيت وبالجدران ~~التي فوقها اللوحات والمكتبة الملأى بالكتب، يبدو أطول مما كان وأصلب، ~~كأنما هو مصنوع من حجر، أو جبل لا يمكنه الصعود إليه فكيف ترفع يدها ~~وتصفعه؟ أو تجري إلى المطبخ لاختطاف السكين من الدرج وغرزه في قلبه؟ أو ~~تفتح فمها وتبصق عليه؟ # ظلت واقفة أمامه تنتفض داخل جلبابها القديم الباهت، تنظر إلى ~~قدميها السوداوين المتشققتين داخل شبشبها المتهرئ من ~~البلاستيك. ~~- تحبي أوصلك بالعربية يا سعدية؟ # هزت رأسها بالنفي من دون أن تنطق. # | القاهرة أم نيويورك # كانت الشمس مشرقة في مدينة نيويورك، والنافذة الكبيرة تكشف مساحات ~~الخضرة الممتدة إلى الأفق، تملأ الكاتبة فؤادة رئتيها بالهواء النقي، ~~عيناها تمتصان الخضرة بشهوة الظمأ إلى اللون الكثيف الأخضر مبللا ~~بقطرات مطر أو ندى خفيف، بلورية رقراقة، فصوص لؤلؤ تهبط في الليل فوق ~~الأشجار، تمتصه الأغصان والأوراق الخضراء عند الفجر، قبل خروج القرص ~~الأحمر الساخن من بطن الأرض. # جفونها ثقيلة تسقط فوق عينيها المرهقتين في إغفاءة قصيرة أو طويلة، ~~تتلاشى اللحظة الحاضرة والعشرة آلاف ميل التي قطعتها الطائرة بالأمس ~~عبر البحار والمحيط، من قارة أفريقيا إلى قارة أمريكا، تعود ذاكرتها ~~إلى الوراء حين كانت طفلة في التاسعة من العمر، في المدرسة الابتدائية، ms125 ~~تظن أن قريتها هي كل الدنيا، قرص الشمس تظنه يولد من بطن الأرض، وقطرات ~~الندى تهبط من السماء بأمر الله، كان الطريق الزراعي يمتد طويلا من ~~البيوت الطينية المتلاصقة السوداء، إلى الحقول الخضراء الواسعة الممتدة ~~حتى النيل، كانت تمشي عند الفجر وفي جوارها عبد الجليل ابن عمتها، يجر ~~الجاموسة بحبل طويل ومن خلفه العنزة الصغيرة، التي كانت تنطلق من دون ~~قيد تسبقهم إلى الحقل، فروتها بيضاء مثل القطن، إلا رأسها وذيلها ~~فلونهما أسود، تتقافز هنا وهناك، ذيلها يهتز فرحا بحريتها، ربما تحمد ~~الله لأنه خلقها عنزة وليس جاموسة يجرونها بالحبل. # كانت فرحة بحريتها كالعنزة، لا يجرها عبد الجليل بحبل، تسبقه إلى ~~الحقل برغم أنه أكبر منها وساقاه أطول من قائمتيها، لكنه مقيد بحبل ~~يربطه بالجاموسة البطيئة، تشده إلى الوراء من حين إلى حين لترعى العشب ~~على جانبي الطريق، يسخر عبد الجليل من نفسه كعادة الفلاحين في مصر منذ ~~عصور السخرة ويقول: أنا مربوط مع الجاموسة بالحبل يا فؤادة. تشفق عليه ~~في أعماقها، مسكين عبد الجليل، أبوه فلاح فقير لم يدخل مدرسة، وأمه ~~تشتغل في الحقل وتعجن روث الجاموسة، يداها متشققتان وكعباها سوداوان ~~كلون الأرض، تجري على الطريق الزراعي، تشكر الله في سرها، لا بد أن ~~الله يحبها أكثر من عبد الجليل، ابن الفلاح الفقير، وهي تحب الله أكثر ~~من الآلهة الآخرين، رأت صورهم في كتاب التاريخ بالمدرسة، رع وآمون ~~وأوزوريس وإيزيس ومعات، كان أجدادها في مصر القديمة يؤمنون بهم. # تنطلق ساقاها الممشوقتان تسابقان الريح، جسمها خفيف تكاد تطير ~~كالعصفورة لولا جاذبية الأرض، لا تطير إلا مسافة محدودة ثم يسقط جسدها ~~مشدودا إلى أسفل بقوة خفية، يساورها غضب خفي من الله، يحب الطيور ~~أكثر من الناس فمنحها أجنحة؟ # لكن الغضب سرعان ما يتلاشى خوفا من عقابه وناره الحارقة بعد ~~الموت. # يبدو موتها بعيدا عنها أو مستحيلا، تنطلق، تجري بين الأشجار على ~~جانبي الطريق كأنما إلى الأبد. # قطرات الندى فوق الأوراق الخضراء تلمع شفافة رقيقة، ثم تتبخر فجأة ~~مع طلوع الشمس، تندهش ms126 لسرعة تغير الأشياء من حولها، لحظة بعد لحظة ~~تختفي أشياء وتظهر أشياء، تتغير ألوان الشجر والأرض والسماء والشمس ~~والقمر والنجوم، تتغير رائحة الزرع في الحقول والزهور والهواء، تتألق ~~الأضواء على صفحة النيل وتتكسر وتخبو، تتغير حركة الموجات الصغيرة تهبط ~~مع التيار من الجنوب إلى الشمال، تنبهر، تندهش، ثم تزول الدهشة ~~والانبهار ويصبح كل شيء عاديا، عيناها بالرغم من تعب الرحلة الطويلة ~~تتسعان بدهشة طفولية، يتلاشى الزمان والمكان في غمضة عين، والأهل ~~والوطن والجغرافيا والتاريخ، كل شيء من حولها يتغير، حتى جسدها على ~~المقعد في جوار النافذة، لم يعد جسد الطفلة التي كانت تسابق الريح، ~~أصبحت كاتبة وامرأة ناضجة زوجة وأما، جسدها لا يزال قويا مشدود ~~العضلات، لكنها لم تعد تسابق به الريح، ترتدي قميص نوم جديدا غير ~~مألوف، اشتراه لها جورج نلسون في المطار، قال الموظف في شركة الخطوط ~~الجوية الأمريكية وهو يقرأ من شاشة الكومبيوتر أمامه: نحن في أشد الأسف ~~على تخلف حقيبة الأستاذة في مطار القاهرة، وسوف تصل الحقيبة صباح الغد ~~على طائرة أخرى، ثم اتجه إليها وقال: يمكنك يا أستاذة شراء ما ~~تحتاجين إليه هذه الليلة من ملابس داخلية، تسدد الشركة ثمنها تعويضا ~~من تأخر الحقيبة، لكن أرجوك لا تشتري قميص نوم شهرزاد بألف ~~دولار. # ضحك الموظف كاشفا عن أسنان بيضاء لامعة تشبه الصور في الإعلانات عن ~~أنواع معجون الأسنان الأمريكية، يتكلم لغة إنكليزية بلكنة أمريكية ~~شمالية متآكلة الحروف. # لم يضحك جورج نلسون، ربما لم تعجبه الفكاهة غير المناسبة للأستاذة ~~المصرية، يغازلها موظف المطار بالطريقة الأمريكية الفجة، يتصنع خفة ~~الدم، يخاطبها كأنما هي أنثى جذابة مثل شهرزاد ونساء ألف ليلة وليلة، ~~وهي أستاذة ذات قيمة أدبية محترمة. # ضحكت فؤادة متخففة قليلا من التعب، وسألت موظف المطار: ماذا تعرف ~~عن شهرزاد؟ # قال الموظف بسرعة كمن حفظ الكلمات عن ظهر قلب: كانت زوجة الملك ~~شهريار أخضعته لإرادتها بذكائها، وأنقذت حياتها وغيرها من البنات، قرأت ~~القصة في المدرسة الابتدائية ولم أنسها قط. ~~- برافو مستر؟ ~~- اسمي ديفيد. ~~- برافو يا مستر ديفيد. ms127 # جورج نلسون واقف في جوارها، وهي تملأ الأوراق الخاصة بحقيبتها ~~المفقودة، تشعر بوجوده، كما شعرت به في أول لقاء منذ عشرة أعوام، لها ~~قرون استشعار منذ الطفولة، ورثتها عن جدة بعيدة من جداتها القديمات، ~~أقدم من الجدة معات، قبل آمون وأخناتون، لم يكتشف العلم مصدرها، أو ~~الجينات التي تكونها، ويمكن توارثها عبر آلاف الأجيال، هناك فئات من ~~البشر تلقاهم فؤادة مرة واحدة في العمر، ولا تنساهم، وهناك فئات ~~أخرى، تلقاهم ألف مرة، ولا يبقى لهم في ذاكرتها أثر. # جورج نلسون، بقي في خيالها بدون أن تعرف السبب، أمه بيضاء كاثوليكية ~~من كندا، أبوه مسلم من السنغال، جده الكبير أرثوذوكسي من إيطاليا، ~~وجدته الكبرى بوذية من الهند، خليط من الدماء، يرفع بعض الناس فوق ~~الحدود المرسومة، لكن الأمر ليس تعدد الهوية أو الدماء المختلطة ~~المنابع فحسب، بل هناك شيء آخر غامض ربما هو الحضور أو الوجود. # لم يتغير إحساسها بوجوده منذ عشرة أعوام. # السؤال يدور في رأسها. # إحساس ينبع من أين؟ مكان غامض في عقلها؟ في الجسد أو الروح؟ ذبذبة ~~خفيفة في صمام البطين داخل القلب؟ # بطرف عينها ترمقه وهو واقف في جوارها، يده اليمنى فوق الطاولة، ~~أصابعه طويلة ممشوقة، مفاصله بارزة قليلا، ظهر يده أحمر اللون محروق ~~بالشمس، تتخيله في قريتها يشتغل بالفأس مثل عبد الجليل الفلاح ابن ~~عمتها، أو في النادي الرياضي قابضا بيده على مضرب التنس، طويل القامة ~~مستقيم الظهر، يرتدي قميصا أبيض من دون ربطة عنق، وبنطلون رصاصي أدكن ~~اللون، تتركز الزرقة في بؤرة عينيه وهو ينظر إلى موظف المطار، ويسأله: ~~وما حدود ثمن القميص الذي تستطيع شركتكم دفعه للأستاذة؟ # قال الموظف: مائة وخمسون دولارا أو مائتان على الأكثر. # يحمل جورج نلسون لقب بروفيسور، أستاذ دكتور، كان في استقبالها في ~~المطار، ليس من عمله استقبال أحد، لكنها تحتل مكانة خاصة عنده لا يعرف ~~ما هي بالضبط، لم يلتقها منذ عشرة أعوام، كانت فؤادة مرهقة بعد الرحلة ~~الطويلة من أفريقيا إلى أمريكا، ولا يمكنها التجوال في سوق المطار ms128 ~~لشراء القميص، بادر إلى القول: هل أنوب عنك ؟ أتثقين باختياري؟ # هزت رأسها بالإيجاب. # عاد إليها بعد نصف ساعة بقميص حريري شفاف ثمنه مائة وثمانون ~~دولارا، صاحت: هذا القميص يناسب فتاة مراهقة ليلة زفافها، كما أنني ~~لا أنام إلا في قميص من القطن المصري طويل التيلة. وضحكت. ~~- ومن أين أحصل على هذا القطن هنا في أمريكا؟ ~~- ألا تستولون يا جورج على القطن المصري مثل الاستعمار ~~البريطاني؟ # ضحك جورج. ~~- نحن في الحقيقة أشد شراسة من الاستعمار القديم. # هذه المشاكسات حدثت بينهما منذ أول لقاء، ينتمي مثلها إلى الفكر ~~الاشتراكي الناقد للاستعمار والسوق الحرة والعولمة، مؤلفاته ~~ومحاضراته حرضت الطلاب والطالبات على المشاركة في التظاهرات ضد النظام ~~الرأسمالي والحروب الاقتصادية والعسكرية، تركها جالسة مسندة رأسها إلى ~~الحائط، عيناها محمرتان قليلا نصف مغلقتين، راح يبحث في السوق ~~بالمطار، عاد إليها بعد نصف ساعة ومعه قميص مكتوب عليه «مائة في ~~المائة» من القطن. ~~- شكرا يا جورج. # ضحكت، تتخفف من الحزن، في أعماقها حزن غامض متراكم، وتحت ضلوعها ~~ترفرف عضلة صغيرة فرحا بشيء جديد، أهو القميص من القطن المصري مائة ~~في المائة؟ # بالرغم من نعومة القميص والتعب، أصابها الأرق تلك الليلة، فتحت ~~جفونها تنظر إلى السماء من خلال الزجاج المغلق، بدت السماء المظلمة ~~السوداء هي سماء القاهرة، تذكرت أن الشمس تطلع في مصر قبل أمريكا بسبع ~~ساعات، في القاهرة الآن الضوء ساطع في منتصف النهار، يغلبها الحنين إلى ~~طفلة ولدتها في الوطن ثم ماتت وهي تحبو، أو إلى جدة قديمة عاشت وماتت ~~قبل أن تولد. # تتقلب في الفراش الوثير الذي له نكهة معطرة تنعشها قليلا، يقفز ~~خيالها فوق القارات والبحار والمحيطات وجسدها تحت الغطاء. # هل كانت أمس في القاهرة؟ هل هي اليوم في شمال الولايات المتحدة ~~الأمريكية؟ يعود إليها الشك الطفولي في ما حولها، كأنما العالم الخارجي ~~غير موجود إلا في خيالها، أو أنه يتغير ويتشكل وفق مزاجها وإرادتها، ~~انتهى الليل وطلع النهار، أشرقت الشمس قوية دافئة تشبه شمس قريتها، ~~بعض سحب بيضاء قليلة في الشمال ناحية ms129 كندا، الهواء مشبع بالخضرة ~~المروية برائحة تشبه طمي النيل أو طين الترعة، تحمل قريتها معها أينما ~~سافرت، لم تعش في القرية إلا فترة قصيرة من طفولتها، جذورها راسخة في ~~الأرض، في خلايا عقلها، يستحيل اقتلاعها من ذاكرتها وإن أرادت، مدينة ~~القاهرة مجرد فرع من القرية، مهما قويت وتجبرت القاهرة تضيع من ~~ذاكرتها، تنساها بالرغم من أنها ابتلعت حياتها كالحوت، ابتلعت مراهقتها ~~وشبابها وعمرها كله، حوت ضخم من الأسمنت المسلح، مدينتها عاشت عمرها في ~~جوفها الحديدي وكرهتها، تود الفرار من فكيها القابضين على عنقها من دون ~~جدوى، تسحقها المدينة التي يسمونها القاهرة، المقهورة بحكامها، القاهرة ~~لأهلها منذ قرون السخرة والعبودية، وصلت حقيبة ملابسها في اليوم التالي ~~حتى غرفتها في الفندق، في الدور الثلاثين تطل على مدينة نيويورك ~~وناطحات سحابها جاردن فيليج، فندق من خمسة نجوم لا ينزل فيه إلا ~~الشخصيات الكبيرة، والأستاذات والأساتذة من ذوي الدرجات العالية، لا ~~يقبل عقلها فكرة أنها واحدة من هذه الطبقة المتجمدة فوق القمة، ربما ~~يكون جورج نلسون غير هؤلاء، في أعماقها تنتمي إلى المعذبين في الأرض، ~~ليست فقيرة مثل عبد الجليل ابن عمتها أو الفلاحين في قريتها، لكن هل ~~تخرج طفلة من قرية مظلمة مدفونة في بطن النيل؟ # كل شيء من حولها يبدو عاديا، رأته من قبل، في حياة أخرى، يلوح ~~لها وجه أمها غارقا في الدماء، ثم يتلاشى كالحلم. # تصحو فؤادة من النوم غارقة في العرق، ترتعش من البرد، لا تعرف أهي ~~مدينة القاهرة أم نيويورك، تحمل غرفتها الرقم واحد في الدور الثلاثين، ~~تطل نوافذها الكبيرة الزجاجية على الخضرة الدكناء، والأشجار الكثيفة ~~الأغصان والأوراق، وزهور متعددة الألوان، عيناها تمتصان الخضرة ~~والألوان، محرومتان من الخضرة والألوان على مدى السنين، منذ أن تركت ~~القرية وأصبحت من أهل المدينة، بدت القاهرة من نافذة الطائرة على شكل ~~كتل من الأسمنت والخرسانة والحجر والطوب، مساحات من البيوت المتلاصقة ~~الممتدة إلى ما لا نهاية، بحثت عيناها عن شجرة واحدة من دون جدوى، ~~يأكل الأسمنت الشجر والزرع؟ تزحف الصحراء إلى الوادي ms130 وينكمش النهر؟ لم ~~يعد النيل هو الإله القديم ، أصبح خطا رفيعا يتلوى كالثعبان، ~~مخنوقا وسط كتل صلبة لونها كلون القطران. # يعني جاردن فيليج باللغة العربية «قرية الحديقة» هي الحي الأخضر في ~~هذه المدينة على غرار «جاردن سيتي» في القاهرة. # مدينتها لا يمكن الفكاك منها، مدفونة في بطن عقلها تحت خط الفقر ~~والمرض والجهل، الثالوث المزمن، قبل أن تولد لم يكن يحمل لقب «صاحب ~~الجلالة» إلا الله والملك، فاروق الأول ملك مصر هو الأخير من حكامها ~~غير المصريين، آخر سلالة محمد علي باشا، الجندي الألباني، الذي حكم مصر ~~عشرين عاما، كانت هي تنطلق خارج الرحم تشهق بأول نفس، ومصر تنطلق من ~~تحت الحكم العبودي، يغني الراديو: بلادي بلادي لك حبي وفؤادي، مصر مصر ~~أمنا، يرتفع صوت جمال عبد الناصر يعلن الحرب على الثالوث المزمن ~~الاستعمار والإقطاع والرأسمالية المستغلة. # كانت طفلة تحبو حين سمعت صوت عبد الناصر يعلن تأميم قناة السويس، ~~الراديو يبث أناشيد النصر الوطني، تنجذب عيناها إلى البريق في عيني عبد ~~الناصر، أنفه يبدو لها أطول من اللازم، وصوته يهز جدران الراديو ~~والبيت، أمها تنصت إلى خطب عبد الناصر وتصفق فرحا حين خرج الإنكليز من ~~مصر ويوم تأميم قناة السويس. # كان خالها محمود يكره عبد الناصر، يقول عنه متآمر مخادع يدغدغ مشاعر ~~العمال والفلاحين بوعود كاذبة بإعادة الثالوث المزمن، الفقر والجهل ~~والمرض. # تختلف أمها معه، تقول له: عبد الناصر اشتراكي مش شيوعي زيك يا ~~محمود. ~~- إيه الفرق بين الاشتراكية والشيوعية يا أختي العزيزة؟ ~~- يسألها بسخرية محاولا أن يكشف لها جهلها، وأنها لا تعرف الألف من ~~كوز الذرة في السياسة. يمتد الحوار بينهما حتى يعود أبوها من الجامعة، ~~ويعلن أن مصر لن تتحرر بالخطب الثورية، اشتراكية شيوعية أو اشتراكية أو ~~إسلامية، كان أبوها يقول: العلم هو الإله، لا تقنعه الأحزاب السياسية، ~~يقول إنها ظواهر صوتية، من حزب الوفد إلى الليبراليين إلى الناصريين ~~إلى الشيوعيين إلى الإخوان المسلمين. # يلوح بيده ضجرا ويقول: كلهم يتاجرون بمعاناة الشعب الفقير يا ~~محمود. ~~- مش كلهم يا ms131 محمد بيه. ~~- مين فيهم مخلص يا محمود؟ ~~- إحنا الشيوعيين مخلصين يا محمد بيه. ~~- يمكن إنت يا محمود مخلص لأنك شاب مثالي، لكن قياداتكم كلها ~~مغرضة. # يأتي عمها مصطفى (شقيق أبيها) في زيارة من حين إلى حين، ويشارك في ~~الجدل الدائر، كان مصطفى عضوا في جماعة الإخوان المسلمين، يقول: إن ~~الإسلام هو الحل لكل المشاكل. # لا تفهم الطفلة شيئا من النقاش الدائر بين أبيها وأمها وخالها ~~وعمها، قد تعلو أصواتهم الزاعقة وهي نائمة في غرفتها، تتصور أحيانا ~~أن معركة ستنشب، ويضرب كل منهم الآخر بالكراسي أو اللكاكيم، لكن ~~سرعان ما تهدأ أصواتهم، ثم تسمع ضحكاتهم المرحة في غرفة الطعام، ~~واصطكاك أسنانهم وملاعقهم وسكاكينهم، في أثناء تناولهم العشاء الشهي من ~~اللحم المشوي، رأت أمها تبكي ذات يوم وتصب اللعنات على عبد الناصر ~~وأعوانه. ~~- شوية عساكر مجرمين يا فؤادة، حطوا خالك محمود وعمك مصطفى في السجن. ~~الكلمة ترن مفزعة بصوت أمها. ~~- السجن؟ # تشرح لها أمها ما حدث، محمود ومصطفى وغيرهما من الشباب في السجون، ~~يعاقبون على نقدهم «سياسة عبد الناصر» بالحرق بأعقاب السجائر المشتعلة، ~~ونفخ بطونهم بالخراطيم والضرب بالشوم. ~~- شوية عساكر مجرمين يا فؤادة. # لم تكن تفهم بعد لا في السياسة، ولا في الشيوعية، ولا الإخوان ~~المسلمين، رأت أمها تبكي ذات يوم، وأبوها يلوح بيده في وجه مذيع ~~الأخبار في التلفزيون ويزعق: هزيمة منكرة مش نكسة يا عبد الناصر يا ~~كذاب. # لم تعرف حينئذ ما الفرق بين الهزيمة والنكسة، كان زميل لها في ~~المدرسة الابتدائية، اسمه جابور، أبوه ملحق ثقافي في سفارة المجر، أمه ~~من أب إسباني وأمها جزائرية وجدتها نرويجية، خليط من الدماء والأجناس ~~يبدو ساحرا، طويل القامة ممشوق الجسم، يلعب التنس ويعزف على الكمنجة، ~~أصابعه طويلة نحيفة ممشوقة العظام. # لم تكن تحب الأولاد من ذوي الأصابع القصيرة السمينة، مثل خالها ~~محمود، كانت أصابعه قصيرة سمينة، تشبه أصابع أمها، عمها مصطفى كانت له ~~أيضا هذه الأصابع القصيرة البضة، بالرغم من أنه شقيق أبيها. # كانت فؤادة معجبة بقامة أبيها الطويلة النحيفة، يمارس الجري ms132 ~~والسباحة في النادي، وأحيانا التنس، ورث أبوها قامته الفارعة من جدته، ~~لم تدخل جدته مدرسة، علمت نفسها بنفسها، وكتبت قصائد الشعر منذ ~~طفولتها، كان جابور أول حب في حياة فؤادة من أول لقاء، أصابعه النحيفة ~~تضرب أوتار الكمنجة بقوة، تصورت أنها يمكن أن ترحل معه إلى المجر أو ~~إلى آخر الدنيا. # لم تكشف سرها الخطير إلا لزميلة لها في المدرسة، تسكن في بدروم ~~العمارة المجاورة لها، أبوها عامل فقير في مصنع لكنه أب حنون، يحب ~~ابنته وزوجته، ويشتري لهما الجمبري، تأكل فؤادة مع صديقتها الجمبري ~~الذي تطبخه أمها، تندهش الأم لأن ابنتها لم تصادق من بنات العمارة إلا ~~ابنة العامل ساكن البدروم، كانت تترك لابنتها بعض الحريات غير الضارة، ~~مثل حرية اختيار الصديقات، أما جابور فلم تعلم عنه الأم شيئا، إلا بعد ~~سنوات من رحيله مع أبيه إلى المجر. # يوم الوداع أعطى كل منهما الآخر خصلة من شعر الرأس، خلط كل ~~منهما قطرة دم من إصبع الآخر، تبادلا القسم على الزواج بعد أن يكبرا ~~ويستقلا عن الأب والأم. # شاركت فؤادة، وهي طالبة في الجامعة، في تظاهرات الخبز، نسيت حبيبها ~~القديم جابور بمرور الأيام وحرارة الأحداث، وقعت في حب ماجد أحمد ~~زميلها في الجامعة، لم يكن حبها الجديد «قويا» مثل السابق في ~~المراهقة، ربما نضجت أكثر، أو أن «ماجد أحمد» لم يكن هو الحب. # كان ماجد أحمد متوسط الطول، لم يكن ممشوقا أو رياضيا، لم يعزف على ~~الكمنجة أو العود أو البيانو، لم تكن تهتز حين تراه، كما كانت تهتز حين ~~ترى جابور أو ابن عمتها الفلاح عبد الجليل. # في مفكرتها تحت وسادتها كتبت بالقلم الرصاص: ~~«الحب أمر غامض، يحدث أو لا يحدث، من دون سبب أعرفه.» # علامة الحب فقط تراها، البريق المشع من العينين، تراه في عيني من ~~تحبه أو من يحبها، هل شعرت أن ماجد أحمد يحبها؟ # ربما كان معجبا بها، كان لها بعض معجبين في الجامعة لا تنتبه إليهم، ~~بالرغم من عدم اهتمامها بهم، أو بسبب ذلك، كانوا ms133 يهتمون بها، لم تحس ~~بوجودهم كجنس آخر، ربما تأثير أمها وأبيها فيها، غرس فيها بذور الطموح ~~في العلم أو الأدب، ليس في الزواج والأطفال. # في المدرسة الثانوية، تفوقت بالرغم من انغماسها في الحب، لا تنسى ~~واجب المدرسة ومراجعة دروسها، تحب أن تحل مسائل الحساب وعمليات الجبر ~~والهندسة، وعلم الأحياء والكيمياء، لكن أكثر ما تحب هو الأدب الإنكليزي ~~والعربي، روايات فيرجينيا وولف ومي زيادة. # كانت تحصل على أعلى الدرجات في الأدب، يتنافس المدرسون والمدرسات في ~~استعارتها إلى فصولهم حين يأتي مفتش اللغة العربية أو الإنكليزية، ~~يجلسونها في الصف الأول، تجيب عن أسئلة المفتش، يصفق لها ويهنئ ~~الفصل بها، يمنح المدرس أو المدرسة تقريرا ممتازا، وبعد انصراف ~~المفتش تطرد فؤادة إلى فصلها. # اكتسبت في الجامعة مكانة بين الأساتذة وزملائها، تنافس في حبها ثلاثة ~~من الطلاب، وأستاذها د. يوسف عبد الله طلب يدها من أبيها زميله في ~~الجامعة. # كان الدكتور يوسف في السبعين من العمر، يدرس الأدب العربي، من ~~أشعار عمر الخيام إلى قصائد أبي نواس، يضع وردة حمراء في عروة البذلة ~~الأنيقة من الصوف الإنكليزي، يصبغ شعره الأبيض بالحناء السوداء مثل ~~كبار رجال الدولة، كان يشرف على رسائل الماجيستير والدكتوراه للطلبة ~~والطالبات، في يوم من أيام الربيع ضبط في أحد المدرجات الخالية ~~بمحاولة تقبيل طالبة، لم ينله أي عقاب، لكن الطالبة فقدت سمعتها ~~وأخرجها أبوها من الجامعة. # لم تكن فؤادة تطيق النظر إليه، قصير القامة مترهل الردفين، ذو كرش ~~بارزة، ناعم الصوت مع الطالبات، خشن قاس مع الطلبة، كان صديقا لأبيها ~~بالرغم من الاختلاف بينهما، يزورهم في البيت أحيانا، تسمعهما يتناقشان ~~في الصالون في السياسة أو الأدب أو أي شيء آخر: ~~- إزاي يا يوسف تفكر في بنت من عمر أحفادك؟ ~~- الحب يا محمد. ~~- حب إيه ده اللي يلغي عقلك؟ ~~- شيئان يا محمد لا يمكننا مقاومتهما. ~~- إيه وإيه يا يوسف؟ ~~- الشيخوخة والحب. ~~- كلام فارغ يا أخي وفين المسئولية؟ ~~- الحرية فوق المسئولية يا محمد. ~~- حريتك في المتعة لا تكون فوق مصلحة الآخرين يا يوسف. ms134 ~~- الذات أولا يا محمد، ربنا حلل لنا الزواج بأكثر من واحدة، والرسول ~~قال: ابدأ بنفسك. وإلا انسحقت الذات تحت اسم مصلحة الآخرين، أنا ~~ليبرالي مش شيوعي زيك يا محمد. ~~- أنا لا شيوعي ولا ليبرالي يا يوسف، أنا مع الحرية لكن بشرط ~~المسئولية، لا يمكن يا يوسف أن نحقق ملذاتنا على حساب الغير. ~~- ولا يمكن يا محمد كبت رغباتنا ومشاعرنا تحت اسم مراعاة مشاعر ~~الآخرين ورغباتهم، الفرد أولا، لا يمكن سحق الفرد من أجل ~~المجموع. ~~- نعيش في مجتمع إنساني وليس غابة يا يوسف، المصلحة العامة فوق ~~أهواء الفرد، على العموم الرأي يرجع إلى فؤادة هي صاحبة القرار. # صرخت فؤادة فزعا: معقول يا بابا أتجوز العجوز ده أبو كرش؟ # بدا ماجد أحمد جميلا رشيقا جذابا إلى جانب أستاذها د. يوسف، لكن ~~ماجد لم يكن قط فتى أحلامها، أهو غياب البريق في عينيه؟ # ليس أي بريق، بل البريق الخاص الذي يهز أعماقها على نحو خفي؟ # ترك لها أبوها حرية اختيار شريك حياتها بعد التخرج، لم تعرف لماذا ~~تزوجت شاكر، ربما يئست من العثور على فتى أحلامها، أو أدركت أخيرا أنه ~~غير موجود، ليلة الزفاف لم تهتز شعرة في جسدها؟ # كان كيانها كله يهتز حين ينظر إلى عينيها جابور، مجرد النظر من بعيد ~~من دون تلامس، كان الحزن الغامض يتسرب إلى أعماقها، يشبه الهزيمة، ~~هزيمتها الخاصة في عمق جسدها، هزائم الوطن كانت سياسية عامة، تؤلمها ~~عقليا، لا تترك جروحا غائرة في القلب أو الروح. # كانت أمها أقرب إليها من أبيها، تفضل الحياة في القرية في بيتهم ~~القديم الذي يسمونه الدار، تكتب قصائدها في الليل وتنشرها أحيانا في ~~مجلة الشعر، ذات يوم أحاط البوليس بالدار وقاد أمها إلى مركز الشرطة، ~~قضت فيه يوما كاملا، من الخامسة صباحا حتى التاسعة مساء، ثم ~~أفرجوا عنها. # رآها أهل القرية تدخل الدار في التاسعة مساء، فتحت الباب ودخلت ~~بقامتها الفارعة المرفوعة، لم تكن شابة ولم تكن عجوزا، كأنما ليس لها ~~عمر، أضاءت مصابيح البيت وجلست في الشرفة المطلة على ms135 جسر النيل، توافد ~~عليها أهل القرية مهنئين، أقاموا احتفالا صغيرا بعودتها سالمة من ~~التخشيبة، تبارى شباب القرية في إلقاء قصائدهم، تشجعهم أمها على كتابة ~~الشعر وقراءة ما تنشره الكاتبة بدرية البحراوي. # نشأ الطفل ماجد وحيدا حزينا، أبوه من أسرة متوسطة بسيطة، من ~~الموظفين في الدولة، لم يتميز أحد في أسرته في العلم أو الأدب أو ~~السياسة، يحتل أبوه منصب وكيل وزارة أو مدير عام، ويظل كما هو شخصية ~~باهتة تشبه القرش الممسوح، تصك الحكومة موظفيها مثل قطع العملة أو ~~النقود، فهم شكل واحد، فصيلة واحدة من البشر، يعيش الموظف ويموت من ~~دون أن يتغير شيء في العالم. # لم تختلف أمه عن أبيه كثيرا، تطيع زوجها كما يطيع زوجها رئيسه في ~~الحكومة، اشتغلت أمه في وزارة التعليم (ناظرة أو مديرة إدارة)، كانت ~~توفق دائما بين طاعة زوجها ورئيسها المباشر في العمل. # كانت جدته متفوقة في الدراسة، بالرغم من التربية الصارمة لأبيها، ~~كان أحد أقطاب حزب الوفد القديم، كان ماجد قريبا من جدته منذ طفولته، ~~يناديها «ماما الكبيرة» هي والدة أمه، غرست في عقل حفيدها طموحا إلى ~~الحياة السياسية، السياسة تقود إلى الحكم، لكن الأدب يقود إلى ~~السجن. # تقص عليه الحكايات عن أمجاد أبيها في حزب الوفد، بعضها حقيقي وبعضها ~~من نسج أحلامها: جدك كان راجل عظيم يا ماجد، هو اللي كان ورا سعد ~~زغلول، لولا جدك الله يرحمه لا يمكن كان سعد باشا يقف قصاد الإنكليز، ~~لكن الدنيا حظوظ، جدك كان يكره المظاهر ويحب يشتغل بهدوء وإخلاص، ~~بعيدا عن الدعايات والصحافة. # أصبح ماجد أحمد يتشبه بجده، يعمل بجد بعيدا من الأضواء، لا يتمتع ~~بصفات الزعامة، أو الشخصية القيادية، موظف مجتهد يخدم الزعيم من دون ~~أن يظهر. # لم يكن ماجد في الجامعة من زعماء الطلبة، طالب مجتهد سياسي جاد، يقف ~~كالجندي المجهول وراء الزعيم أو القائد، يلمح فؤادة تمشي في الفناء وسط ~~مجموعة من الطلبة والطالبات، قامتها طويلة كالعنقاء، في عينيها ~~بريق، طموح خفي غير قابل للخضوع، في أعماقه أراد أن يمتلكها، ms136 أن يلوي ~~هذا العنق الطويل ويدمي شفتيها بأسنانه ، رغبة دفينة في اكتساب ~~الرجولة، غرستها فيه جدته منذ الطفولة: جدك يا ماجد كان راجل من ضلع ~~راجل، مش زي الرجالة بتوع النهارده، الواحد منهم يمشي ورا مراته ويسمع ~~كلامها، رجالة خرعين أوعى تكون زيهم، ارتبطت الرجولة في عقله بالسيطرة ~~على زوجته وعدم السير خلفها أو سماع كلامها، كما ارتبطت لذة الجنس في ~~أعماقه برغبة الامتلاك، ولذة الإيلام والقسوة، بالرغم من مظهره الهادئ ~~شبه المستسلم كموظف مطيع للرؤساء، أول لقاء بينهما كان في رحلة جامعية ~~إلى معبد أبي سنبل، في قارب على النيل جلس في جوارها، ومن حولهما ~~مجموعة من الطلبة والطالبات، يتحاورون في السياسة في ليلة قمرية ~~تتخللها نسمات نيلية طرية، مع كأس من الشمبانيا، أخرج أحد الزملاء ~~الأثرياء من حقيبته الزجاجة الطويلة ذات العنق الرشيق، فرقعت السدادة ~~في الهواء فضحك الجميع، كان ذلك في نهاية الخريف بعد اغتيال السادات ~~بقليل وصعود مبارك إلى الحكم، مبارك شكله غبي وعبيط، لكنه حويط وغويط، ~~إزاي يا أخي يكون قاعد جنب السادات، كتفه في كتفه، ويخرج من معمعة ~~الرصاص، زي الشعرة من العجين، خرج سليم مية المية من غير رصاصة ~~واحدة؟ ~~- عاوز تقول إنه اتفق مع الأمريكان على خطة الاغتيال؟ ~~- ليه لأ؟ ~~- هما الأمريكان دول ربنا يا أخي، عندهم كل القوى الجهنمية الخفية ~~دي؟ ~~- ليه لأ؟ ~~- نظرية المؤامرة دي خطيرة، شماعة الأمريكان والسي آي إيه والعفريت ~~الأزرق وإحنا يا أخي إيه؟ إيه يا عزيزي؟ # ورنت الضحكات على صفحة النيل والموجات الصغيرة تترقرق تحت ضوء ~~القمر. ~~- إيه رأيك يا ماجد؟ # كان ماجد قليل الكلام يبدو شاردا حزينا وحيدا بالرغم من الصخب من ~~حوله، لم يشعر باكتمال رجولته بين الرجال، يتفوقون عليه في السيطرة على ~~قلوب النساء، يضحكون، يقهقهون بصوت ذكوري قوي، وهو يبتسم في هدوء، ~~يبدو مترفعا عن السباق في معارك الكلام السياسية، التي يعشقها الطلاب، ~~يبدو عميقا متكبرا على الشباب من عمره، يسمونه الأستاذ ماجد، مزيج من ~~الهزل والجد. ~~- عاوزين نسمع رأي الأستاذ ماجد، ms137 اسكتوا يا جماعة. # يظل صامتا، يتأملهم كأنه أستاذ يطل على التلاميذ، يزيدهم صمته ~~تشوقا إلى سماع رأيه. # أخيرا يتكلم ماجد أحمد بصوت هادئ، عميق بطيء، مثل الأساتذة الكبار ~~ويقول: أنا لست ممن يؤمنون بنظرية المؤامرة يا جماعة، لكن اغتيال ~~السادات مثير للشكوك، هناك أدلة أن السادات كان في شبابه مجندا في ~~المخابرات الأمريكية ويتقاضى أجرا، لكن هل استمر في هذا العمل بعد أن ~~أصبح رئيسا لمصر؟ ثم إذا كان السادات خادما لأمريكا فلماذا ~~تقتله؟ # رد الطالب صاحب زجاجة الشمبانيا، واسمه زكي، كان ثراؤه يكسبه ثقة ~~بالنفس وشجاعة، يتحدى ماجد أحمد، ليس في أمور السياسة فحسب، بل أيضا ~~في أمور الحب وجذب انتباه الطالبات، وقد لاحظ أن ماجد حرص على الجلوس ~~في جوار فؤادة، البريمادونا، كما يسمونها، قال زكي: إن السادات أصبح ~~ورقة محروقة في نظر الأمريكان، وبعد ما حقق لهم الصلح مع إسرائيل في ~~كامب ديفيد وزرع الفتنة الطائفية في مصر، اتفقوا على التخلص منه، سواء ~~بالتواطؤ مع مبارك أو من غير تواطؤ، فمبارك في أيديهم في كل الأحوال ~~ويعمل معهم. # سكت الجميع يفكرون ثم قال زكي: إيه رأيك يا فؤادة؟ # سألها زكي باهتمام، كان ثريا وسيما تتنافس فيه الطالبات، لكنه ~~غير جذاب لعينيها البراقتين، قالت وهي ترشف الشمبانيا باستمتاع، وتتأمل ~~ضوء القمر على صفحة النيل، وتملأ صدرها بالهواء: الكلام في السياسة ~~يفسد جمال القمر. # هلل الجميع وشربوا نخب الجمال، لكن زكي اعترض متحديا فؤادة، وقال: ~~القمر جميل والسياسة قبيحة فعلا، لكن يا جماعة إحنا طبقة طفيلية ~~عايشين من عرق الفلاحين، إزاي نفكر في القمر الجميل وننسى الغلابة ~~الفقرا؟ # ضحكت فؤادة وردت: خلاص يا زكي بقيت شيوعي؟ # فانفجر الجميع بالضحك، وأخرج زكي زجاجة ثانية من الشامبانيا. ~~- أنا معاكي يا فؤادة إحنا مش حنحرر الفقرا هما يحرروا أنفسهم ~~بأنفسهم وإحنا نحرر أنفسنا بأنفسنا، ابدأ بنفسك كما قال رسول الله، ~~تحيا الحرية. # ورفع الجميع كئوسهم إلى أعلى، يتخللها ضوء القمر، متكسرا فوق ~~السائل الشفاف، تلك الليلة أكمل الطلاب والطالبات سهرتهم في الفندق، ms138 ~~لكن فؤادة انسحبت إلى غرفتها، كانت تشعر بالحزن ، بحرمان غامض من الحب، ~~الرجل الذي يمكن أن يهز قلبها غير موجود؟ # نسيت جابور وعبد الجليل وجميع من عرفتهم من قبل، لم تلتق الرجل الذي ~~تحلم به. # من هو هذا الرجل؟ هل له وجود أم حلم؟ ليس هو ماجد أحمد يقينا ولا ~~زكي ولا أحدا من الطلبة أو الأساتذة. دخل ماجد غرفته قرب الفجر بعد ~~السهرة في الفندق، أصابته الشمبانيا بنشوة وشجاعة، فكر أن يسير إلى ~~غرفة فؤادة ويدق بابها، تخيل أنه رأى بريق الحب في عينيها وهي في ~~جواره في القارب، أتنتظره في غرفتها؟ # ثم عاد إلى رشده بعد أن خلع ملابسه، نظر إلى جسده في المرآة، بدا ~~جسده العاري ضئيلا هزيلا، وخصوصا القفص الصدري، ضلوعه نحيفة بارزة، ~~صدره ليس عريضا كما تقتضي الرجولة، العمود الفقري مقوس قليلا عند ~~لوحي الكتف، عيناه باهتتان لا يطل منهما بريق، ابتلع لعابا مرا مع ~~فقدان الثقة بنفسه، صعد إلى السرير الناعم الوثير، داعب النوم عينيه ~~المحمرتين من أثر الشامبانيا، امتدت أصابعه المخدرة قليلا تداعب الشيء ~~أسفل بطنه، حركة تعودها منذ الطفولة، انتفض بعد لحظات عدة انتفاضات ~~باللذة الحادة السريعة، ثم سقط في النوم العميق. # الصالة واسعة فيها أريكة فاخرة بيضاء تقابل التلفزيون الكبير المنتصب ~~فوق قطعة أثاث عريق، خشب أسود مشغول برسوم ذهبية، الأريكة والكراسي من ~~الطراز نفسه، خشب يشتد سوادا ولمعانا في جوار الأغطية والجدران ~~الأنيقة الناصعة البياض، ثلاث غرف كبيرة للنوم والأكل والمكتب، المطبخ ~~كبير فيه كل الأدوات الحديثة، والحمام واسع أبيض الجدران، كامل ~~التجهيز وكل شيء في مكانه، السرير كبير، ملوكي الحجم من بطن التاريخ ~~العريق، يتسع لإمبراطورة وزوجها الإمبراطور لا عمل لهما إلا الأكل ~~والجنس، كل منهما يزن مائتي كيلو غرام، يتحركان من غرفة النوم إلى ~~غرفة الطعام فوق عربة تجرها الخيول، أغلقت جفونها تنشد النوم، تتشمم ~~عطر الملاءات البيضاء الجديدة، تدفن وجهها في نعومة الوسادة الحانية، ~~تسيل دموعها وحدها من بين الجفون، حزن قديم غامض منذ الطفولة، فرح ~~جديد ms139 أكثر غموضا، شدة التعب أو شدة الراحة، أو الاثنان معا، لا يكشف ~~لذة الراحة إلا ألم التعب، في الصباح جاءت إلى شقتها «مارلين» طالبة ~~جامعية في الثالثة والعشرين، تم تعيينها مرافقة لها، عيناها كبيرتان ~~سوداوان، أبوها من العراق وأمها أمريكية، تتقن العربية والإنكليزية، ~~طويلة القامة ممشوقة، شعرها غزير أسود كلون الليل، تجمع بين السمرة ~~الخمرية لأهل دجلة والفرات، والعيون الزرق القاتمة الخضرة لأهل أوروبا ~~والشمال، سحر الهوية المتعددة، والدماء المختلطة من الشرق والغرب، ولدت ~~مارلين في بغداد، قبل غزو صدام حسين الكويت بعامين، عاشت مع أمها ~~وأبيها أهوال الحروب المتتالية على العراق، أصبحت في الرابعة عشرة من ~~عمرها، بدأت تدرك عمق الخلاف بين أمها وأبيها، كرهت أباها، أصرت على ~~البقاء مع أمها بعد الطلاق، حرمها أبوها ماله فلم تعبأ، تركت له العراق ~~وما فيها ورحلت إلى أمريكا مع أمها، تحكي قصتها لفؤادة وهي تقود ~~سيارتها الحمراء عبر شوارع نيويورك: اشتغلت يا أستاذة فؤادة وأكملت ~~تعليمي من عرق جبيبني، تزوجت أمي رجلا أمريكيا قاسيا غليظا يشبه ~~أبي العراقي، تركتهما وعشت وحدي، أعد الآن لدرجة الدكتوراه في علوم ~~المرأة والجندر، يعيش معي في بيتي صديقي بيل، إنسان رقيق حساس، ليس ~~مثل أبي أو زوج أمي، تعلمت درسا من حياة أمي التعيسة، أن يكون لي ~~عملي وحسابي في البنك وبيتي وسيارتي وكل ما أريد، وإن أعجبني رجل يسكن ~~معي في بيتي، ولا أسكن في بيته، عاشت أمي مع أبي عشرين عاما وهي تكرهه ~~وتعجز عن الانفصال عنه، كان يملك البيت والسيارة والحساب في ~~البنك. # أقامت الجامعة حفلة عشاء للمشاركين في المؤتمر، جلس جورج نلسون في ~~جوار فؤادة، ألقى رئيس الجامعة كلمة قصيرة، ثم تكلم نائبه (البروفوست) ~~ثم تكلم جورج نلسون، ثم تكلمت الأستاذة باتريشيا، في قسم علوم المرأة ~~والجندر، صديقة قديمة لفؤادة، كانت أستاذة في الجامعة الأمريكية ~~بالقاهرة، خمس سنوات عاشتها باتريشيا في القاهرة ونمت الصداقة بينهما، ~~همست باتريشيا في أذنها، ألا تشتاقين يا فؤادة إلى كأس نبيذ أحمر عمر ~~الخيام؟ ~~- ما ألذ ms140 نبيذكم المصري عمر الخيام، لا أنساه. # أقبلت مارلين ومعها شاب طويل أسود البشرة، أقدم لك بيل صديقي، ~~البوي فريند، أسنانه بيضاء تلمع في وجهه القاتم السواد، تنم ملامحه عن ~~هدوء ورقة وثقة بالنفس، كانت تفزع مثل أمها من الرجال السود ذوي ~~الملامح الزنجية، بقايا عنصرية تخلصت منها بعد أن تعودت رؤية نساء ~~ورجال سود البشرة في أمريكا. ~~- أهلا بيل، أعتذر لك لأني أشغل مارلين عنك ساعات كثيرة. ~~- مارلين سعيدة بوجودك هنا، وأنا سعيد لأنها سعيدة. # ثم أقبل جورج نلسون يحمل لها صحن الفاكهة في يد، وفي يده الأخرى كوب ~~عصير برتقال. ~~- لم تأكلي شيئا يا فؤادة؟ # انشغلت كعادتها بالكلام عن الأكل، التقطت بالشوكة حبة من الفراولة ~~الحمراء، وتذوقت عصير البرتقال برشفة واحدة لم تكررها، قال جورج: لم ~~يعجبك العصير بالطبع، فهو ممزوج بالكيماويات، يلسع الحلق مثل كل أنواع ~~العصير الأمريكية ومنتجات الرأسمالية الجشعة. # قالت باتريشيا: أنا آكل البرتقال الطازج بقشره ولا أشرب أنواع ~~العصائر الكيماوية السامة. وانفجر الجميع بالضحك. # تنتمي باتريشيا إلى الحركة النسائية الراديكالية، تقاطع منتجات السوق ~~الحرة، لا تأكل اللحوم ولا الفراخ ولا البيض، مثل كثير من النساء ~~الفيمينيست في العالم، تأكل الفاكهة والخضراوات بتربتها من ~~الحقل. # قادت صباح السبت سيارتها الفولكس فاجن الصغيرة (تكره السيارات ~~الأمريكية) مسافة ساعتين، لتشتري طعام الأسبوع من مزرعة صديقها إرنست، ~~الذي يملك قطعة أرض صغيرة، في جوار النهر، يزرعها بيده، يأكل منها هو ~~وأسرته، ويبيع ما يفيض لزبائنه وأصدقائه في القرى المجاورة. # دعت باتريشيا فؤادة وجورج إلى المزرعة، همست في أذنها، يشارك إرنست ~~مع جورج في تنظيم التظاهرات ضد الحكومة وتجار وول ستريت وضد الحروب في ~~العراق وفلسطين وأفغانستان، وضد صفقات الأسلحة وأجهزة القمع التي ~~تشحنها حكومتنا إلى حكومتكم يا فؤادة. # وقال جورج: شحنات من القنابل ومقذوفات الغاز ترسلها الحكومة ~~الأمريكية إلى الحكومة المصرية لمساعدتها على التصدي للتظاهرات والثوار ~~أو من يسمونهم مثيري الشغب، بعد إزالة اسم الشركة الأميركية المصدرة ~~للعبوة، تلعب حكومتنا دور عصابة إرهابية تحت اسم المعونات والمساعدات ~~الإنسانية، وقالت ms141 باتريشيا: فؤادة تعرف كل هذا يا جورج، نريد أن نسمع ~~رأيها في هذه المزرعة. # قالت فؤادة: أنا أحب الأرض التي تنبت الخضرة كأنما أعود إلى أصلي ~~وجذوري. # شيء ما يربط فؤادة بالأرض ورائحة المياه والزرع، يذكرها جورج نلسون ~~بقريتها وابن عمتها عبد الجليل، البشرة المحمرة بالشمس وهواء النيل، ~~القامة الطويلة مثل الأشجار، الأصابع القوية الممشوقة تعزف على ~~الجيتار. # في بيت إرنست المطل على النهر، تمددت فؤادة فوق الأريكة ترشف ~~النبيذ الأحمر، وهي تستمع إلى اللحن الهادئ المفعم بالشجن يعزفه جورج، ~~سمعته يقول لها: فؤادة، لماذا الحزن في عينيك؟ # ابتلعت الدموع وابتسمت: وهل أنت سعيد يا جورج؟ ~~- كيف نشعر بالسعادة في مثل هذا العالم؟ ~~- هل يمكن أن نغيره يا جورج؟ ~~- ممكن. ~~- ممكن يا جورج؟ ~~- ممكن يا فؤادة. # يضحكان ويرددان معا: عالم جديد ممكن. # كان في جوارها جورج جالسا على شلتة فوق الأرض وهي متمددة فوق ~~الأريكة، مد يده وأمسك يدها، الخفقات القوية التي تحت ضلوعها لم تكن ~~تحس بها منذ الطفولة. ~~- فؤادة أتعرفين؟ ~~- ماذا؟ ~~- أنني أحبك؟ # دب الصمت، لم تعد تسمع إلا الدقات تحت ضلوعها. # بدت كلمة الحب بالإنكليزية مختلفة، محملة بشحنة أكبر من العمق ~~والجدية، قال: منذ أول لقاء لنا منذ عشر سنوات، وأنا أحبك يا ~~فؤادة. # دخلت في تلك اللحظة باتريشيا وهي تحمل باقة من الزهور، ومن خلفها ~~إرنست يجر عربة صغيرة محملة بالخضراوات الطازجة من المزرعة، ويهتف: ~~هيا يا أصدقائي إلى المطبخ، حان موعد الطعام، خبزت لكل واحد منكم ~~رغيفا بحجم القمر من دقيق الذرة، ولكل منكم طاجن أرز بني بالشعيرية ~~في الفرن وصحن صلطة كبير، مع طماطم وخس وبصل وجزر وخيار وكرفس وكل ما ~~تخرجه الأرض، وأنت يا باتريشيا عليك أن تفتحي زجاجة الشامبانيا لأن ~~عضلاتك أقوى من عضلاتي. وانطلقت الضحكات، وساروا إلى مائدة الطعام ~~الصغيرة في المطبخ الكبير، جدرانه من الزجاج، تكشف المزرعة والسماء ~~وضوء القمر المنعكس على النهر، وفي ركن من المطبخ نافورة ماء تحيط بها ~~نباتات وشجيرات خضراء، وحول المائدة أربعة كراسي، قال إرنست: ms142 لا ندعو ~~إلى المزرعة إلا اثنين فقط ممن نحبهم. وسرى الدفء وحرارة الصداقة ~~والصدق بالرغم من البرودة في الخارج. # | اللقاء # بعد العشاء، ارتدوا المعاطف وخرجوا يتمشون في جوار النهر، أمسكت ~~باتريشيا يد إرنست، وأمسك جورج يد فؤادة، انطلقت باتريشيا تجري وتصفق ~~بذراعيها وتهتف: يسقط النظام. # وراح الجميع يرددون وراءها: يسقط النظام. # همس جورج في أذن فؤادة: هل تأخذينني معك إلى الخيمة في ميدان ~~التحرير؟ ~~- متى تأتي يا جورج؟ ~~- أي وقت تشائين. ~~- سأكتب إليك من القاهرة. # في مطار كينيدي تعانقا، تعاهدا على اللقاء، ناولها باقة ورد أبيض ~~وأحمر، لم تنظر إلى عينيه، ابتلعت دموعها وتشاغلت بالبحث عن أوراق ~~السفر في حقيبة يدها، لوح لها بيده وهي تختفي وراء الحاجز، وعاد في ~~طريقه وهو يشعر بشيء ثقيل في صدره، وبين جفونه دمعة محبوسة لم ~~تسقط. # في مطار القاهرة، كانت داليا تنتظر وفي جوارها أبوها، التقطت وجه ~~أمها من بين كتل الأجسام، شعرها الأسود القصير الغزير، بشرتها السمراء ~~عيناها تبرقان. ~~- ماما. # شقت داليا الزحام حتى عانقت أمها. ~~- وحشتيني يا ماما. # جاء زوجها من خلفها يمشي بخطوته البطيئة وهو يبتسم بهدوء، قائلا ~~بصوته الخالي من الحرارة: حمد الله ع السلامة يا فؤادة. # أخذ منها الحقيبة ذات العجلات، وأخذت داليا باقة الورد الأبيض ~~والأحمر. ~~- أخبار سعدية إيه يا داليا؟ ~~- هي في الخيمة مع هنادي وحميدة. ~~- ومين بيشتغل في البيت؟ ~~- أنا باعمل شغل البيت وبعدين أنزل الميدان. ~~- والدراسة يا داليا؟ ~~- الدراسة سهلة يا ماما. # وقال شاكر: الثورة باتت عبثا، البلد في أزمة اقتصادية خطيرة والكل ~~متوقع ثورة الجياع. ~~- الناس كلها في التحرير يا بابا حتى الأستاذة بدرية ~~البحراوي. # مط شاكر شفتيه بضيق: مين هي؟ ما حدش يعرفها. ~~- ناس كتير يعرفوها يا بابا. # وقالت فؤادة: وإنت عارفها يا شاكر وقريت كتاباتها. ~~- أنا؟ ~~- أيوه إنت. # رمق زوجته بغضب وقال: يمكن نسيت حافتكر إيه والا إيه. # لم ينس شاكر أنه كان يشتري كتب بدرية البحراوي من مكتبة صغيرة في ~~بدروم إحدى العمارات بمصر القديمة، صاحب المكتبة شاب اسمه محمد، ms143 عاطل ~~عن العمل مثل معظم خريجي الجامعات، كان يحب القراءة منذ سن مبكرة، ~~وخصوصا كتب الفلسفة، من سقراط إلى ابن رشد، إلى أبي العلاء المعري، ~~إلى سارتر وسيمون دي بوفوار، أصبح يجمع الكتب القديمة من سور الأزبكية، ~~ويخبئ كتبا جديدة ممنوعة في مخزن تحت الأرض في المكتبة، تعرضت ~~مكتبة محمد لهجمات البوليس كما أخذوه هو إلى السجن، لكنه لا يزال ~~مدمنا القراءة، وتجميع الكتب الممنوعة داخل المكتبة. # | هدف واحد # نقل محمد مكتبته إلى خيمة في ميدان التحرير، يبيع فيها الصحف ~~والمجلات والأعلام ومنشورات الثورة، حفر في الأرض تحت الخيمة مخزنا ~~صغيرا للكتب، ألقى رجال الشرطة قنابل الغاز على الخيمة، وهاجموها ~~بخراطيم المياه والرصاص الحي، فقد محمد عينه اليسرى بطلقة واحدة من ~~قناص ماهر، لكنه بقي حيا، وبقيت الكتب في المخزن في أمان يبيعها ~~لمن يطلبها. # خبأ شاكر كتاب بدرية البحراوي الأخير في درج مغلق بالقفل أسفل ~~مكتبه، كان يقوم بتأليف كتابه عن تحرير المرأة، يفتح الدرج في الليل ~~بعد أن تنام زوجته وابنته، فينقل ما يشاء من كتاب بدرية البحراوي ثم ~~يغلق الدرج. # نال كتاب شاكر نجاحا كبيرا، كتب مقدمته الأستاذ رئيس التحرير، ~~تنافس كبار المفكرين في الكتابة عنه، نشرت الصحف بعض أجزاء من الكتاب، ~~ظهرت صورة شاكر على الشاشة في حوار طويل، سأله المحاور بمن تأثرت في ~~أفكارك التحررية عن المرأة؟ # مط شاكر عنقه إلى أعلى، وشردت نظراته في الأفق البعيد مثل الفلاسفة ~~الكبار، وردد بعض الأسماء إلا اسم بدرية البحراوي. # كان الحزن يدهم شاكر، لا تعرف زوجته الأسباب، تحاول التخفيف عنه لكنه ~~كان كتوما، لا يصرح لها بأسراره، وفي الخفاء يذهب إلى طبيبه النفسي. ~~أحزان كثيرة تثقل قلبه، أكثر مما أثقلته في السجن، يقترب أحيانا من ~~الانهيار العصبي، لم يعرف إن كانت الهموم العامة هي السبب أم همومه ~~الخاصة. # طبيبه النفسي صديق له، كانت له عيادة غير بعيدة من مكتبه، يمشي ~~إليها حين يشعر بالوحدة أو يشتد به الاكتئاب، تمدد فوق الأريكة ~~المريحة وراح يرشف الويسكي بالثلج من ms144 دون ماء. # سأله الطبيب: يا شاكر حاول تكتشف بنفسك سبب شعورك بالاكتئاب. ~~- مش عارف السبب يا دكتور. ~~- إنت شاركت في التظاهرات؟ ~~- طبعا مشيت في أغلب التظاهرات أنا وفؤادة، مشينا في وسط الملايين ~~وكان عندنا أهداف الثورة نفسها، حرية عدالة كرامة، لكن ... ~~- لكن إيه يا شاكر؟ ~~- مش عارف، مش عاوز أسمع سيرة تظاهرات أو مبادئ الثورة، إنت عارف ~~الأوضاع السياسية كلها بقت سيئة. ~~- إنت شاركت في الثورة إزاي يا شاكر؟ ~~- في كل التظاهرات وفي المناقشات والحوارات والفيس بوك ~~والتويتر. ~~- ليه شاركت في الثورة والحزب الثوري يا شاكر؟ ~~- أنا أؤمن بالنضال الجماعي يا دكتور. ~~- ليه يا شاكر؟ ~~- لا أؤمن بالعمل الفردي، لازم أشعر بالانتماء إلى شيء أكبر مني، ~~لازم أشعر إني جزء من شيء كبير، وإني فعال ومؤثر ولي دور كبير في تحرير ~~الوطن وتغيير النظام، أنا باكتب والناس بتناقشني في كتاباتي سواء ~~سياسية أو أدبية لكن الكتابة مش كفاية. ~~- هل نجحت يا شاكر في تغيير شيء؟ ~~- الثورة يا دكتور لا يمكن تنجح بسرعة، التغيير بياخد وقت ~~طويل. ~~- وإيه المشكلة دلوقتي يا شاكر؟ ~~- مش عارف يا دكتور ليه فقدت حماسي وشهيتي للحياة. ~~- وفؤادة أخبارها إيه يا شاكر؟ ~~- انفصلنا للأسف. ~~- ليه؟ ~~- خلافات بسيطة يا دكتور بتحصل لكل زوجين، المشاكل العامة أخطر من أي ~~مشكلة خاصة، الوضع السياسي والاقتصادي في البلد أصبح خطير، الفقر ~~والجوع والبطالة، الناس كلها تعبانة وفقدت الأمل في الثورة. ~~- وفؤادة رأيها إيه يا شاكر؟ ~~- أنا رأيي يا دكتور إن الثورة فشلت والتظاهرات عبث. ~~- وفؤادة رأيها إيه يا شاكر؟ # بدا الغضب على شاكر: فؤادة، فؤادة؟ إيه يهمك من رأي فؤادة؟ المهم ~~رأيي أنا، وأنا شايف إن البلد بتغرق رغم الكلام الكتير عن الإنقاذ، ~~البلد بتغرق، أنا خايف على مصر يا دكتور. ~~- ليه قررت فؤادة الانفصال عنك يا شاكر؟ ~~- مين قال إن هي اللي قررت الانفصال؟ قرار الطلاق في إيد الرجل، كان ~~قراري أنا، أنا بعت لها ورقة الطلاق، والصحف نشرت الخبر يا ~~دكتور. ~~- مين بعت الخبر للجرايد يا شاكر؟ ~~- مش فاكر ms145 يا دكتور. ~~- مش فاكر ازاي يا شاكر؟ ~~- حافتكر إيه والا إيه يا دكتور. ~~- إنت اللي نشرت الخبر؟ ~~- يمكن أنا يا دكتور. ~~- ليه؟ ~~- لازم الناس تعرف يا دكتور. ~~- تعرف إيه؟ ~~- إني أنا اللي طلقتها مش العكس. ~~- وسبب الطلاق إيه؟ ~~- كل يوم تروح ميدان التحرير وتقعد في الخيمة مع الخدامين وشوية ~~عيال، أهملت شغلها وواجباتها الزوجية، شجعت بنتنا داليا وزميلاتها على ~~التمرد. ~~- إزاي؟ ~~- طريقة ملابس البنات بقت مثيرة غير محتشمة، والاعتصام في الخيام ~~بالليل والنهار، شباب وشابات في خيمة واحدة، الثورة لا تعني التسيب ~~الأخلاقي، البنات المتبرجات دول مسئولين عن انتشار التحرش ~~والاغتصاب. # ضحك الطبيب: إنت انضميت للحزب الإسلامي يا شاكر؟ # رد شاكر بغضب: الإسلاميين أخلاقهم أحسن من العلمانيين يا ~~دكتور. ~~- وإيه كمان يا شاكر؟ ~~- عاوز الحقيقة؟ ~~- أيوه. ~~- الحقيقة إن فؤادة كانت هي راجل البيت، هي الكاتبة المعروفة وأنا ~~الكاتب المغمور، كل الدعوات والمؤتمرات تيجي باسمها، والناس يطلبوها في ~~التلفون وأنا ما فيش حد يطلبني، طبعا كنت عارف ده قبل الجواز، وتصورت ~~إن بعد الجواز يمكن الأمور تتغير، لكن فؤادة لا يمكن تتغير. ~~- وتتغير ليه يا شاكر؟ ~~- الزوجة غير الكاتبة يا دكتور. ~~- إزاي يا شاكر؟ ~~- الزوجة مفروض تكون تابعة لزوجها مش العكس يا دكتور. ~~- إنت في كتابك قلت كلام تاني يا شاكر. ~~- أيوه؛ لأن الحياة الحقيقية غير الكلام في الكتب. ~~- وإيه تاني يا شاكر؟ ~~- فؤادة بقت تقول كلام سخيف. ~~- زي إيه؟ ~~- تقول لي إن الخيمة في ميدان التحرير أدفا من بيتنا، والحزب بتاعي ~~تخلى عن مبادئ الثورة وعمل مفاوضات سرية مع الحكومة والجيش والتيارات ~~الإسلامية وأمريكا كمان، وقالت إن أنا من المسئولين عن إجهاض الثورة ~~لأني انتخبت الإسلاميين. ~~- وإنت انتخبتهم يا شاكر؟ ~~- أيوه ما كانش فيه بديل لهم إلا الثورة المضادة وفلول النظام ~~السابق، لكن مراتي ما تفهمش في السياسة زي كل النسوان. ~~- النسوان؟ ~~- إنت عارف يا دكتور عقلية النساء؟ ~~- إنت نشرت في كتابك يا شاكر إن عقل المرأة يساوي عقل الرجل. ~~- أيوه لكن الطبيعة تتغلب في النهاية. ~~- إنت بتشعر بالذنب يا ms146 شاكر؟ # اتسعت عينا شاكر في دهشة: الذنب؟ ~~- تأنيب ضمير مثلا يا شاكر. ~~- ليه يا دكتور؟ ~~- إنت عارف ليه. ~~- مش فاهم يا دكتور. ~~- حاول تفهم يا شاكر. # | خيمة الأم # الهتافات تدوي من بعيد، والظلمة شديدة في ميدان التحرير، تهدمت بعض ~~الخيام نتيجة هجمات البوليس، لم يبق إلا خيام قليلة صامدة في وجه ~~العواصف، منها الخيمة الكبيرة التي يسمونها «خيمة الأم»، التي أصبحت ~~ملجأ الشباب والشابات والأطفال الذين من دون مأوى، والأمهات كبيرات ~~السن اللواتي خدمن الأسرة طوال العمر، ثم تثاءب الزوج العجوز قائلا: ~~«أنت طالق.» فأصبحت الأم منهن في الشارع، واحتلت بيتها طفلة عروس ~~تصغر زوجها بخمسين عاما. # يجلسون على الكليم والسجاجيد القديمة فوق الأسفلت، تحيط فؤادة ابنتها ~~داليا وهنادي بذراعيها، تدفئهما في حضنها، كفت هنادي عن الأنين، خف ~~عنها الألم ونهضت تتحدى القدر، صوت بدرية البحراوي يسري في أذنيها ~~كحفيف هواء دافئ، لا شيء اسمه القدر والمصير، نحن نقرر مصيرنا ~~بإرادتنا، تشرئب الآذان لسماعها، تتفتح عيون الأطفال والبنات والشباب ~~من مختلف الأعمار والفئات، كان جلال أسعد جالسا مع بعض زملائه في ~~الركن البعيد من الخيمة، تخفق العضلة تحت ضلوعه حين تلتقي عيناه عيني ~~الفتاة الجالسة هناك التي لم يعرف اسمها، لأول مرة يلتقيها، يأتي إلى ~~الخيمة كثيرون من الشباب والشابات الذين لا يعرف أحدهم الآخر. # تخلفت سعدية عن المجيء، كانت ترقد فوق منضدة في المشرحة أو في ~~معسكر اعتقال في الجبل الأحمر، أو في مكان آخر لا يعلمه أحد. # صوت بدرية البحراوي يسري في الآذان والعيون المشرئبة: نحن نحقق أهداف ~~الثورة بأنفسنا، ننتزعها بأيدينا، الحرية والعدالة والكرامة تؤخذ ولا ~~تعطى. # تهب هنادي واقفة، تتدفق سخونة الدم في جسمها من الرأس إلى القدمين، ~~تنزع عن كتفيها الشال الصوفي الأخضر، تمشي خارج الخيمة، تملأ صدرها ~~بهواء الفجر، لا تشعر ببرودة الجو ولا تسمع طلقات الرصاص. # خرج وراءها جلال أسعد. ~~- اسمك إيه؟ ~~- هنادي. ~~- اسمي جلال أسعد. ~~- إنت في المعهد؟ ~~- أيوه. ~~- أمي سعدية القتالة تعرفها؟ ~~- سعدية أعرفها، قتلت مين؟ ~~- قتلت أبويا، ولدتني في السجن، ms147 واشتغلت أمي في البيوت عشان تدفع لي ~~مصاريف الدراسة. ~~- أمك عظيمة يا هنادي زي المرحومة أمي شالت حجر على ظهرها زي العبيد ~~عشان أبقى إنسان حر، كنت أتمنى إنها تكون عايشة عشان أرد لها ~~الجميل. # أطرق جلال أسعد وابتلع دموعه. ~~- وأنا كنت حاموت في عميلة إجهاض. ~~- عملية إجهاض؟ ~~- أيوه. ~~- عمرك كام يا هنادي؟ ~~- ستاشر سنة. # مد يده وأمسك يدها: إنتي شجاعة يا هنادي. ~~- كلام الأستاذة بيشجعني أكتر. ~~- الأستاذة كاتبة عظيمة. ~~- عشان كده اضطهدوها. ~~- لكن الثورة قامت يا هنادي. ~~- أنا خايفة يجهضوها. ~~- ما فيش خوف بعد النهارده. ~~- أيوه. ~~- أنا معاكي يا هنادي. ~~- وأنا معاك يا جلال. # أحاطها بذراعيه وأحاطته بذراعيها. # أقام لهما الميدان حفلة زفاف عزف فيها الشباب والشابات موسيقى الثورة ~~وأغانيها، أنشد الشعراء والشاعرات قصائد عن الحرية والعدالة ~~والكرامة. # جلست بدرية البحراوي تحت الخيمة ومن حول كتفيها بطانية صوف، وفي ~~جوارها داليا وحميدة وأعداد من الثوار والثائرات. # لم يعرف أحد أن جلال أسعد لن يعيش بعد هذه الليلة إلا بضعة أيام، ~~كانت عيون السلطة تترصده، بدأت وزارة الداخلية تصطاد الشباب الثوار ~~واحدا وراء الآخر، مستخدمة وسائل مختلفة للتخلص منهم، مجندة البلطجية ~~لخطفهم في الليل، أو سيارة تصطدم بهم، أو تلفيق تهم لهم، ثم إيداعهم ~~السجن وتعذيبهم حتى الموت. تلقى جلال أسعد ذلك اليوم مكالمة تلفونية ~~عبر تلفونه المحمول وهو جالس في الخيمة، تطلب حضوره فورا إلى مركز ~~بوليس قصر النيل، خرج من الخيمة مسرعا، سار نصف ساعة حتى باب مركز ~~البوليس، كان أمام الباب زحام من أهالي المفقودين وأمهات المقتولين ~~والمعتقلين، قبل أن يدخل من الباب هجم عليه رجل ضخم يعمل لحساب ~~الشرطة، ضربه بمطواة من قرن الغزال في فخذه، ثم هرب قبل أن ينتبه إليه ~~أحد، سقط جلال أسعد على الأرض ينزف دما، عرفه بعض الأهالي، كان جلال ~~أسعد شخصية معروفة بين الثوار، كان هو الأدمن، مسئول الصفحة ~~الإلكترونية التي توجه الشباب، وتنظمهم، يكشف فيها المسكوت عنه، ذو ~~أسلوب بسيط مركز مباشر بالصورة والخريطة والفيلم، يتصل بالآخرين ~~ويتفاعل معهم ms148 بسرعة ومهارة، يتحدث الجميع عن شجاعته واستعداده للتضحية ~~من أجل الثورة، كان يتطوع لمساعدة الأهالي في البحث عن أبنائهم، ~~والدفاع عنهم مع المحامين الثوار، حملوه إلى داخل مركز الشرطة وهو ينزف ~~دما، تلكأ رجال الشرطة عن طلب الإسعاف، فغضب الأهالي ونشبت معركة ~~بينهم وبين رئيس الشرطة، انتهت بطرد الأهالي من المركز بالقوة، بقي ~~جلال أسعد راقدا على الأرض ينزف دما بينما يحقق معه أحد رجال ~~البوليس، أنت متهم بإشعال النار في مقر الإخوان المسلمين فما هي ~~أقوالك؟ # يحاول جلال أسعد أن يرد بصوت قوي بالرغم من النزف: دي تهمة ملفقة ~~لأني مش بلطجي والكل عارفني. # استمر التحقيق ساعة ونصف الساعة وهو ينزف دما، ثم حملوه إلى ~~المعتقل. # زحفت الآلاف من أهالي المقتولين والمفقودين إلى مشرحة زينهم، تقودهم ~~هنادي وداليا وحميدة وفؤادة وبدرية وجميع سكان الخيام، والبيوت من ~~الخيش والصفيح في الأزقة والقبور، هجموا على المشرحة، حملوا جثث ~~أولادهم وبناتهم إلى الشارع، من بينهم صلاح محمد (19 سنة) قتل بطلق ~~ناري في رأسه أثناء التظاهرة في شارع محمد محمود، عمر محمد (21 سنة) ~~قتل برصاصة في رأسه فوق كوبري قصر النيل، زكي حسين (23 سنة) قتل ~~برصاصة في العنق أمام قصر الاتحادية، أحمد جابر (26 سنة) قتل نتيجة ~~ارتجاج في المخ بعد أن دهسته عربة بوليس، هادية شمس قتلت برصاصة في ~~رأسها في أثناء التظاهرة في ماسبيرو، سميحة محمد قتلت برصاصة اخترقت ~~عينها اليمنى إلى المخ أمام المتحف، ثمة جثث لشباب وشابات تغيرت ~~ملامحهم ولم يتم التعرف إليهم، تحولت الجنائز إلى تظاهرات شارك فيها ~~الملايين في الشوارع والميادين وهم يهتفون ضد رئيس الدولة، ارحل ارحل، ~~يسقط النظام، يسقط القمع، يسقط التعذيب والخراطيش وقنابل الغاز. # تقارير الطب الشرعي مزورة، في اجتماع تحت الخيمة قالت بدرية ~~البحراوي: يتبع الطب الشرعي وزير العدل والمفروض أن يكون جهازا ~~مستقلا عن الحكومة حتى تعبر التقارير عن الحقيقة، لكن الطبيب الشرعي ~~يخاف أن يشهد بالتعذيب وإلا تعرض للعقاب أو الفصل؛ لهذا لا يثق أحد ~~بتقارير الطب الشرعي. ms149 # في غرفته المكيفة بالجورنال، كان رئيس التحرير في اجتماع عاجل مع ~~كبار المحررين والكتاب. جاءت اليوم إشارة من الرئاسة بتكذيب الخبر، ~~الذي نشرته بعض الصحف المأجورة من الخارج، أن جلال أسعد مات بالتعذيب ~~في السجن وليس في إثر حادث سيارة، تم تفتيشه بعد أن صدمته السيارة ~~ووجد في جيبه مطواة من قرن الغزال وطبنجة ونبلة، اتسعت عينا شاكر ~~بدهشة وتساءل: نبلة؟ ~~- أيوه يا أستاذ، نبلة. # وكتمت كوكب الضحك بيدها، فأكمل رئيس التحرير: النبلة يستخدمها ~~البلطجية في ضرب الثوار الأبرياء، يتم تسديد النبلة إلى العين، لدينا ~~تقارير عن فقء بعض عيون الأبرياء بالنبلة. رجال الشرطة يخدمون الوطن ~~وبعضهم تعرض للقتل من قبل هؤلاء البلطجية، مطلوب منكم مقالات عن ~~المؤامرات الخارجية على مصرنا الحبيبة، كيف يضحي رجال الشرطة بحياتهم ~~من أجل مصر، تحولت الثورة إلى فوضى، لم يعد الشعب المصري يحتمل استمرار ~~هذه التظاهرات المأجورة التي تهدف إلى انهيار الدولة، الاقتصاد ينهار، ~~السياحة انهارت، البطلجية انتشروا في كل مكان، لا بد من الحفاظ على ~~هيبة الدولة وإلا فالعوض على الله. # قالت كوكب عن رؤيتها للتظاهرات في نيويورك ولندن: أنا شاهدتهم بعيني ~~يا أستاذ، وأعتقد أن الحركة الثورية في نيويورك معظمها من الشيوعيين، ~~يريدون القضاء على السوق الحرة والديموقراطية، الثوار في لندن تابعون ~~للشيوعيين في نيويورك، التظاهرات في لندن قامت بتغيير اسم ميدان سان ~~بول إلى ميدان التحرير، مما يدل على أن التظاهرات في بلادنا تحركها ~~الشيوعية العالمية لإضعاف مصر والعرب والقضاء على الإسلام، أنتم تعرفون ~~أن الفكر الشيوعي يقوم على الإلحاد وقلب نظام الحكم بالعنف وليس ~~بالانتخابات والوسائل الديموقراطية السلمية، لكن الحمد لله لقد نجح ~~بوليس نيويورك في فض التظاهرات التي سموها «احتلوا وول ستريت»، بعد أن ~~هددوا باحتلال الشركات الكبرى في وول ستريت. ~~- برافو يا كوكب، عاوزين مقال في السياسة الدولية عن الموضوع ~~ده. ~~- حاضر يا أستاذ. ~~- وإنت يا شاكر عاوزين مقال في السياسة المحلية ومشروع ~~النهضة. ~~- آسف يا أستاذ. ~~- يعني إيه آسف يا شاكر؟ ~~- معناها إني آسف ما قدرش أكتب ms150 عن مشروع وهمي. # قبل أن يغادر المبنى أرسل شاكر استقالته مكتوبة إلى رئيس مجلس ~~الإدارة. # خرج من العمارة الضخمة للجريدة الكبرى، متجها نحو شارع النيل، توقف ~~لحظة يلتقط أنفاسه، ثم جلس فوق دكة خشبية يرمق انسياب مياه النهر تحت ~~الكوبري، شيء في حركة الموجات الهادئة الصغيرة يهدئ الغضب المتراكم ~~داخله منذ الطفولة، منذ أن ترك أبوه أمه من أجل نزوة عابرة وأصبح ~~طفلا وحيدا، منذ أن ضربه البوليس وأخذوه إلى السجن، منذ أن حرقوا ~~جسده بأعقاب السجائر وصعقوه بالكهرباء، تراءى له وجه فؤادة وهنادي ~~ونساء وفتيات ضاعت ملامحهن من ذاكرته، أراد أن ينفس عبرهن عن غضبه ~~المتراكم، نهض متثاقلا لا يعرف إلى أين يذهب، فكر أن يسير إلى خيمة ~~الأم في ميدان التحرير ثم طرد الفكرة، بعد قليل وجد نفسه في عيادة ~~صديقه الطبيب النفسي. ~~- تعبان جدا جدا. ~~- إيه اللي حصل يا شاكر؟ ~~- استقلت من الجورنال، مش قادر أستمر في البلد دي. ~~- كل البلاد زي بعض يا شاكر. ~~- يعني إيه؟ ~~- أنظمة الحكم كلها فاسدة قائمة على القوة. ~~- أيوه عارف. ~~- المهم أنت يا شاكر. ~~- أعمل إيه؟ ~~- راجع نفسك. ~~- غلطت كتير وعندي ندم كبير. ~~- بلاش الندم يا شاكر، الندم يضعف الإرادة. ~~- عاوزني أعمل إيه؟ ~~- كلنا بنغلط، المهم عدم الاستمرار في الخطأ. ~~- يعني أعمل إيه؟ ~~- ماعرفش يا شاكر. ~~- إنت دكتور ما تعرفشي؟ يعني إيه؟ ~~- يعني إنت اللي تتحمل مسئولية أعمالك مش أنا. # صمت شاكر ثم همس لنفسه: فعلا أنا المسئول مش أنت. # كان الطفل محمد يحمل الصحف كل صباح إلى سكان الخيام في ميدان ~~التحرير، بينما كانت فؤادة تمر بعينيها على صفحة أخبار العالم، قرأت ~~هذا الخبر: سقط ثلاثة قتلى وأربعة عشر جريحا من بين المتظاهرين في ~~حركة «احتلوا وول ستريت»، في أثناء هجوم بوليس نيويورك عليهم أمس، أحد ~~القتلى أستاذ بجامعة نيويورك اسمه جورج نلسون، حمله المتظاهرون بسرعة ~~إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة بسبب الدم الغزير الذي نزف منه، ~~واشتعلت التظاهرات بعد وفاته يقودها الطلاب والطالبات في جامعات ~~نيويورك. # قالت فؤادة تخاطب ms151 سكان الخيمة: جورج نلسون قتلوه في نيويورك كما ~~قتلوا جلال أسعد هنا ، هذه هي الطريقة الحديثة في عصر الإنترنت لتصفية ~~الثوار جسديا، خطف واغتيال أكثر الشباب نشاطا في الثورة وعلى رأسهم ~~الأدمن، وهم المسئولون عن صفحات الاتصال الإلكتروني في الإنترنت، يتولى ~~الشاب أو الشابة منهم تحرير صفحته للتواصل مع الشباب وتعبئتهم للوحدة ~~والتظاهر والضغط من أجل تحقيق أهداف الثورة، الحرية والعدالة والكرامة، ~~يكشف الأدمن في شبكة تواصله الاجتماعي عن خبايا الظلم والقهر للأغلبية ~~الساحقة في المجتمع، من النساء والأطفال والفقراء والمهاجرين وجميع ~~المقهورين بالقوانين الرأسمالية العسكرية الأبوية العنصرية الدينية ~~البوليسية. كان جورج نلسون في نيويورك هو الأدمن لصفحة «احتلوا وول ~~ستريت»، ينظم التظاهرات ضد جشع أقطاب وول ستريت كما فعل جلال أسعد هنا ~~ضد فساد الحكم الطبقي الديني الأبوي، أصبح الشباب الأدمن المسئولون عن ~~صفحات الفيس بوك والتويتر واليوتيوب، هم القوة المنظمة للتظاهرات ~~والثورات الشعبية الجديدة في البلاد كافة، نحن نعيش في عالم واحد ~~تحكمه أقلية جشعة رأسها في البيت الأبيض في واشنطن، تمارس الشعوب ~~المقهورة ثورتها بطريقة جديدة تهدد النظم الحاكمة عالميا ~~ومحليا، هذه النظم تستخدم الأديان والسلاح والمال والإعلام لإجهاض ~~الثورات الشعبية الجديدة من نيويورك إلى القاهرة؛ لهذا يتجه سلاح القتل ~~والخطف إلى الثوار من النساء والرجال مثل جورج نلسون وجلال أسعد، ~~وسعدية المرأة التي لا نعرف أين هي، خطفت وهي تقود أكبر تظاهرة ضد ~~النظام الفاسد، الذي جعلها تشقى طوال عمرها حتى انكسر ظهرها ثم اغتالها ~~غدرا، لكنها أنجبت فتاة ثائرة هي هنادي، التي انتصرت على القهر ونهضت ~~وأصبحت قوة جديدة للثورة، تكلمي يا هنادي. # نهضت هنادي، فتاة طويلة القامة ممشوقة في عينيها بريق التحدي والثقة ~~بالنفس: أمي سعدية شقيت من أجلي لأكون إنسانة محترمة لها بيت فيه حمام، ~~كانت أمي تقف بالساعات في الطابور عشان تملا صفيحة ماء، أمي عاشت وماتت ~~من أجلي، كان نفسي إنها تعيش وتشوفني باحقق حلمها، أنا أصبحت إنسانة ~~قوية باعتمد على نفسي لتحقيق أحلامي، أنا نضجت من خلال الألم والدم، ~~الثورة ms152 نضجت من خلال دم شبابها وشاباتها، لازم ندفع ثمن الحرية بالدم، ~~جلال أسعد وكل اللي نزفوا دمهم من أجل الثورة عايشين معانا، لا يمكن ~~يموتوا، لازم ناخد حقهم، لازم نكشف التقارير المزورة اللي قالت إنهم ~~ماتوا في حوادث عادية بالصدفة، لازم نثبت أنهم ماتوا بالرصاص وبالتعذيب ~~في السجون والمعتقلات، لازم نحقق أهدافنا بأنفسنا، زي ما قالت الأستاذة ~~بدرية: إحنا اللي نحقق أهداف الثورة بأيدينا، الحرية تؤخذ ولا تعطى، ~~العدالة والكرامة تؤخذ ولا تعطى. # | تأنيب ضمير # وجد شاكر نفسه في مكتب كوكب الكميلي، كانت تكتب مقالها الأسبوعي، ~~اعترض مدير مكتبها طريقه لكنه أزاحه بيده، لازم أشوفها دلوقتي. ~~- هي مشغولة يا أستاذ. # واتجه شاكر مباشرة إلى بابها المغلق، فتحه ودخل. # نهضت كوكب مرحبة به وقالت: فيه إشاعة إنك استقلت من الجورنال يا ~~شاكر؟ ~~- حقيقة مش إشاعة يا كوكب. ~~- ليه استقلت يا شاكر؟ ~~- خلاص مش قادر أستمر. ~~- يا ريت تسلفنا شوية شجاعة يا شاكر. ~~- الحكاية مش شجاعة يا كوكب. ~~- أمال إيه؟ ~~- تأنيب ضمير. ~~- ضميري مات من زمان. ~~- إزاي؟ ~~- ما فيش أمل خلاص. ~~- لأ يا كوكب فيه أمل. # أطرقت كوكب وساد صمت طويل، ثم رفعت رأسها باديا عليها الإعياء ~~والتعب، أنا ما قدرش أستقيل يا شاكر. ~~- ليه؟ ~~- أسباب كثيرة، منها الماهية الكبيرة والاسم الكبير. ~~- ممكن تعملي حاجات غير الاستقالة. ~~- زي إيه؟ ~~- مش عارف، إنتي أدرى مني. ~~- إنت بتتكلم زي الدكتور النفساني بتاعي. ~~- إنتي بتروحي لطبيب نفسي يا كوكب؟ ~~- وباخد حبوب ضد الاكتئاب كمان. ~~- وقال لك إيه الدكتور؟ ~~- قال لي ضميرك تعبان. ~~- أيوه. ~~- وسألته أعمل إيه؟ ~~- قال لك إيه؟ ~~- قال لي إنتي أدرى مني. ~~- فعلا الأمر في إيدك. ~~- أيوه لكن ... ~~- لكن إيه؟ ~~- المسألة صعبة جدا. ~~- ما فيش حاجة صعبة يا كوكب. ~~- سمعت عن استقالتك من يومين وفكرت أعمل حاجة. ~~- زي إيه؟ ~~- أغير أقوالي في النيابة وأقول الحقيقة، لكن ... ~~- لكن إيه؟ ~~- خايفة يرفدوني. ~~- الخوف مرض يا كوكب. ~~- مش قادرة أتخلص منه. ~~- كنت خايف أستقيل وبعد الاستقالة راح الخوف. ~~- أيوه. ~~- الخوف وهم يا كوكب. ~~- وإيه أخبار فؤادة؟ ms153 ~~- فؤادة في الخيمة. ~~- فكرت أزورها لكن خفت يضربوني بالطوب. ~~- ليه يضربوكي؟ ~~- إنت عارف ليه؟ ~~- عشان غيرت أقوالك يا كوكب؟ ~~- أيوه. ~~- كلنا بنغلط، المهم عدم الاستمرار في الخطأ. ~~- جلال أسعد مات بالتعذيب في معسكر الجبل الأحمر، دي الحقيقة اللي ~~قلتها يا شاكر، هددوني واضطريت أغير أقوالي وأقول إن عربية ~~صدمته. ~~- هددوكي بإيه؟ ~~- بالفصل وحاجات تانية كتير ممكن يلفقولي أي تهمة وإنت عارف يا ~~شاكر. ~~- أيوه عارف، لكن الجرانيل كثيرة عاوزة ناس تكتب فيها وإنتي لك اسم ~~كبير، والجورنال بتاعنا أصبح سيئ السمعة، وما حدش بقه يقراه يا ~~كوكب. ~~- الجرانيل التانية مقروءة أكثر لكن أنا زهقت من الصحافة، الصحافة ~~والسياسة أعمال غير نظيفة. ~~- أيوه صحيح يا كوكب. # في صباح اليوم التالي، وزع الطفل محمد الصحف على سكان الخيام في ~~الميدان، كانت فؤادة جالسة أمام الخيمة تحت أشعة الشمس حين لمحت ~~المانشيت الكبير الذي يقول: الأستاذة الكاتبة الصحفية كوكب الكميلي ~~سحبت أقوالها الأخيرة، وأكدت أن شهيد الثورة جلال أسعد، مات بالتعذيب ~~في معسكر الأمن بالجبل الأحمر، وليس إثر حادث سيارة. # ودب في الخيمة نشاط جديد. # كانت الملايين في الشوارع والميادين تهتف: يسقط النظام. وبدأ العصيان ~~المدني في كل المحافظات من أسوان إلى الإسكندرية. # همست داليا في أذن هنادي: فاكرة السجن وإحنا بنلعب سوا؟ ~~- كانت أيام حلوة يا داليا. # وانطلقت ضحكاتهما وهما تسيران بين الصفوف. # اهتزت أرجل كرسي العرش وهو جالس في استرخاء، لم يعد شعر رأسه أسود، ~~أصبح لونه رماديا ونبتت في وجهه لحية. ~~- فيه إيه بيحصل في البلد؟ ~~- ولا حاجة يا فخامة الرئيس. ~~- أنا سامع أصوات؟ ~~- شوية نسوان بيضحكوا مع بعض. ~~- كده خليهم يتسلوا. ms154