######OpenITI# #META# URI: 1442NawalSacdawi.KanatHiyaAdcaf.Hindawi53962902 #META# Tags: novels #META# ID: 53962902 #META# Title: كانت هي الأضعف #META# AuthorID: 84163053 #META# Author: نوال السعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ثمن الكتابة‏ # كانت هي الأضعف‏ # نظر ويحفظ‏ # العطش‏ # المقال‏ # حلقة الخيول الدائرية‏ # الصورة‏ # ليس بغلا‏ # الكذب‏ # المربع‏ # الأنف‏ # رجل‏ # الرجل ذو الأزرار‏ # هؤلاء‏ # لا أحد يقول لها ...‏ # بلد غير البلد‏ # ثمن الكتابة‏ # كانت هي الأضعف‏ # نظر ويحفظ‏ # العطش‏ # المقال‏ # حلقة الخيول الدائرية‏ # الصورة‏ # ليس بغلا‏ # الكذب‏ # المربع‏ # الأنف‏ # رجل‏ # الرجل ذو الأزرار‏ # هؤلاء‏ # لا أحد يقول لها ...‏ # بلد غير البلد‏ # | كانت هي الأضعف # | كانت هي الأضعف # تأليف # نوال السعداوي # | ثمن الكتابة # | مقدمة قصيرة # لا أجيد كتابة المقدمات، يمكن أن أكتب قصة من ألف صفحة، ولا أستطيع كتابة مقدمة من نصف ~~صفحة، أما رفيقة عمري فهي شخصية عصية على الفهم، تكتب في النوم كما تكتب وهي صاحية، لا تهتم ~~بدورة الأرض حول نفسها، أو دورتها حول الشمس. # تضحك وتقول: نحن أحرار، ندور كما نشاء؛ حول أنفسنا، أو حول غيرنا، أو لا ندور. # لكن عقلي يدور، رغم مشيئتي، في النوم كما في اليقظة. # أصحو من النوم كل صباح على رنين الجرس، صوتها يأتيني من حيث تكون، في أي مكان فوق كوكب ~~الأرض، هي تعشق السفر منذ كانت طفلة، لا تعود إلى الوطن حتى ترحل، مهما ابتعدت وطال الغياب، ~~أراها أمام باب بيتي، بحقيبتها العتيقة بلون النبيذ الأحمر، حرقتها الشمس وأغرقتها الأمطار ~~في الجنوب والشمال، أصبحت أقل حمرة مما كانت، وإن ظلت حمراء اللون، متينة العجلات قوية ~~العضلات، أقل قوة بمرور الزمن، تجرها من خلفها وهي تجتاز المطارات والمحطات، تنزلق ~~وراءها بخفة فوق الشوارع المرصوفة الناعمة، وتغوص بثقلها في الأزقة حيث الحفر والمطبات، ~~مليئة بالكتب وملابسها وأوراقها، مقبضها متين لا ينخلع، يحمل اسمها، داخل قطعة من البلاستيك ~~الأبيض بحجم كف اليد. # اسمها الثلاثي كان مسجلا في أقسام وزارة الداخلية والشئون الاجتماعية ومصلحة السجون ~~وإدارات الرقابة على النشر والكتابة والمصنفات الفنية. # يحملق ضابط الشرطة بمطار القاهرة في اسمها الثلاثي، يتأمل صورتها في جواز سفرها، يبتسم في ~~وجهها: حمد الله ع السلامة يا أستاذة. يدق بالمطرقة على جواز سفرها فتدخل. وإن وصلت القائمة ~~السوداء إليه ms01 قبل عودتها، يعتذر لها برقة ورثها عن أمه، يناولها كرسيا لتستريح وكوب ~~ماء: آسف يا أستاذة، عندي أوامر لازم أنفذها. وإن كان عضوا بحزب الجهاد أو داعش أو حزب ~~الحكومة، يكشر عن أنيابه مبرطما بصوت غليظ، ويحجزها مع حقيبتها في غرفة الحجر الصحي؛ حيث ~~تلتقي بأنواع مختلفة من البشر، بعضهم مرضى بالجذام وأنفلونزا الخنازير، وبعضهم مصاب ~~بالجنون أو الكفر، منهم الكوافير سوسو، كان شهيرا في الحي الراقي بجاردن سيتي، اكتسب ثقافة ~~نادرة من الحلاقة للنساء والرجال، أصابعه ماهرة تدرك أفكارا مدهشة في الرءوس التي تغوص ~~فيها، يأتي سكان الحي الراقي إلى محله الأنيق بشارع التنهدات، نساء ورجال من المثقفين أو ~~الطبقة العليا، يؤمنون أن الإنسان تطور عبر ملايين السنين من فصيلة الثدييات على رأسها ~~الشمبانزي الأم الكبرى، وأن الأرض كروية تدور حول الشمس وليس العكس، وأن الكون نشأ بالصدفة ~~البحتة حين حدث الانفجار الكبير وانتشرت في الفضاء ذرات، تناثرت وتجمع بعضها لتكوين أول ~~مادة أو أول كتلة مادية في الوجود. # وكان من زبائن الكوافير سوسو، أيضا، البوابون والطباخون في قصور الباشوات القدامى والجدد ~~في جاردن سيتي، منهم الحاج منصور الشهير باسم طباخ الباشا؛ رجل سمين مملوء بالسمن البلدي ~~والطعام الفاخر الذي يبتلعه سرا. # وبينما هو يترك رأسه بين يدي الكوافير سوسو، يحكي الحكايات القديمة عن المماليك والأتراك، ~~كيف عاشوا في الأناضول، ولا بد أن يذكر الأسلاف من أجداده وعلى رأسهم جده الكبير، الذي حكى ~~له وهو صغير أن الله خلق للثور قرنين؛ لأنه يحمل الأرض فوق قرن، وإن تعب من ثقلها حرك رأسه ~~ونقلها إلى قرنه الثاني. # ويضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو، امال الزلازل والبراكين والبرق والرعد بييجوا منين؟ ~~- منين يا حاج منصور؟ ~~- لما الثور يحرك الأرض على راسه من قرن لقرن يحدث البرق والرعد، والزلازل تهز ~~الأرض. # يضحك الكوافير سوسو: مش معقول يا حاج منصور. ~~- لا، معقول يا سوسو. ~~- الكلام ده كان زمان قبل جاليليو. ~~- جاليليو خواجة يهودي نصراني ما يعرفش ربنا ms02 . ~~- لازم تعرف حاجة عن جاليليو يا حاج، اسمعني. ~~- سامعك يا خويا. ~~- جاليليو أمه ولدته في إيطاليا بعد العدرا مريم ما ولدت المسيح بألف وخمسميت سنة أو ~~أكتر، وكانت إيطاليا وأوروبا كلها محكومة بالكنيسة وعايشة في الجهل والظلام، درس جاليليو ~~الطب والهندسة والفلك، واكتشف أخطاء العلماء اللي قبله في اليونان، منهم أرسطو. ~~- أرسطو كان مؤمن بربنا يا سوسو؟ ~~- أرسطو كان مؤمن بالكنيسة يا حاج منصور وبينشر أفكارها في كتبه، واعتبرته الكنيسة ~~الفيلسوف الأعظم وأغدقت عليه الأموال والمناصب، لكن جاليليو عمل منظار جديد واكتشف خطأ ~~أرسطو، وإن الأرض بتدور حول نفسها وحول الشمس، غضبت منه الكنيسة واتهمته بالكفر والإلحاد ~~والخيانة؛ لأنه بيعارض الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة ونظرية أرسطو عن إن الأرض ثابتة لا ~~تتزعزع ولا تتحرك أبد الدهر، قدموا جاليليو للمحاكمة وأدانوه، ومات فقير مسكين معزول في ~~بيته. ~~- مين قال لك الكلام ده؟ ~~- الباشا اللي باحلق له شنبه ودقنه. ~~- الباشا بنفسه يا سوسو؟ ~~- أيوة يا حاج منصور. ~~- لازم كلامه صح مية المية، لكن أنا مش حاسس إن الأرض بتدور يا سوسو! ~~- لأنها بتدور بسرعة كبيرة يا حاج، وانت جزء منها وبتدور معاها. ~~- مش معقول يا سوسو. ~~- مثلا وانت راكب جوة القطر يا حاج، لا يمكن تحس إنه بيجري بسرعة. ~~- لكن القطر غير الأرض يا سوسو، ولا إيه؟ ~~- إيه يا حاج! # وينفجر الكوافير والحاج منصور في الضحك. # تخرج هي، رفيقة العمر، تجر حقيبتها الحمراء ذات العجلات، من غرفة الحجر الصحي بالمطار ~~بعد عدة ساعات، أو عدة أيام حسب مزاج الحكومة والمخابرات، ثوبها مكرمش وشعرها منكوش، نامت ~~على الكرسي وإلى جوارها الحقيبة، تلمسها بيدها إن أفاقت في الظلمة فجأة، تخشى أن يسرقها أحد ~~وهي غارقة في النوم، أو غائبة عن الوعي من شدة التعب، وفي أحد الصباحات، دون سابق إنذار، ~~يأتي الضابط مبتسما، ويقول: مبروك يا أستاذة، صدر العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين ~~والمعتقلات بمناسبة العيد. ~~- أي عيد؟ # الأضحى الكبير، أو العبور العظيم، أو شم النسيم في بداية الربيع، يصحو الناس في الصباح ~~الباكر ms03 ليشموا البصل والرنجة والفسيخ، يتمشون على شاطئ النيل، الأغنياء منهم يشمون النسيم ~~في المنتجعات الجديدة على شاطئ البحر الأبيض بالساحل الشمالي، أو في الغردقة وسواحل البحر ~~الأحمر. # لكن يظل الفسيخ اللذيذ من نبروه، مع أصناف الطعام الفاخر ومعه البصل الأخضر والملانة ~~والرنجة من ضرورات العيد، لإعادة الذاكرة الطفولية والخصوصية الثقافية وتاريخ ~~الأجداد. # كنت أحب الفسيخ وهي لا تطيق رائحته، لا تزورني أبدا في المواسم، لا تحتفل بالأعياد، ~~وعيد ميلادها لا تذكره، إن ذكرتها به تمط شفتها السفلى وتنهمك في الكتابة. ~~- كم عمرك؟ ~~- مش فاكرة. ~~- مش معقولة انتي. ~~- انتي اللي مش معقولة. ~~- ازاي؟ ~~- إيه يهمك من عمري؟ ~~- عاوزة أعرف انتي عشتي كام سنة. ~~- ليه؟ ~~- مش عارفة. ~~(انتهت المقدمة) # 1 # نوال السعداوي # القاهرة # 22 مارس 2017 # | كانت هي الأضعف # الأصبع الأوسط من دون أصابع يده اليمنى؛ فليس هناك أصبع آخر يصلح، الأصبع الصغير أرفع ~~من اللازم، والإبهام أتخن من اللازم، السبابة ظفرها ميت لا ينمو بعد أن فرمته الفأس، ~~والظفر مهم، ربما أهم من الأصبع؛ فهو الذي سيشق الطريق. وقد ألح على أمه أن يستخدم ~~شيئا آخر أكثر صلابة كبوز العصا الخيزران، لكن أمه زغدته في كفته بأصابعها القوية فتدحرج ~~على الأرض وعجز عن البصق، فلعق التراب بلسانه وهو يتأمل قدمي أمه الكبيرتين تدبان بقوة، ~~وجسدها الفارع المدكوك يهز الأرض، وأصابعها الطويلة الصلبة تلتف حول الفأس وترفعه إلى أعلى ~~كما لو كان عود ذرة جافا، ثم تهوي به إلى الأرض لتشجها كالبطيخة. # قوية كالثور، تحمل على رأسها حمولة أكثر مما تحملها الحمارة، وتعجن ماجور عجين وتكنس ~~وتطبخ وتعزق وتحمل وتلد ولا شيء فيها يكل أو يمل ... رغم أنها أمه التي صنعته من لحمها وشرب ~~من دمها، لكنها احتجزت لنفسها القوة ولم تورثه غير القبح والضعف. # هذه الرغبة العنيفة في أن يلتصق بأمه ويضع رأسه في صدرها ويشم رائحة جسدها لم تكن ~~حبا؛ كان يريد أن يمتزج بها مرة أخرى لتلده مرة أخرى بعضلات أكثر قوة، كان يريد أن يسحب ~~من أنفاسها شيئا ms04 من القوة. حين كان يقبلها لم يكن يريد أن يقبلها، ولكنه يريد أن يعضها ~~ويأكل لحمها المدكوك قطعة قطعة، ولكنه لم يكن يستطيع، كل ما كان يستطيعه هو أن يدفس رأسه في ~~حجرها ويكرهها، وأحيانا يبكي، وأحيانا يهرب. تسلل يوما من الحقل آخر النهار، ووضع ذيل ~~جلبابه بين أسنانه، وظل يجري حتى دخل في أرض لا يعرفها وحوطه الظلام من كل جانب، وسمع ~~عواء ذئب من بعيد، فاستدار عائدا جريا إلى داره. ومرة سرق من جراب أمه قطعة من ذات الخمسة ~~القروش، وركب قطار الدلتا ونزل في قرية لا يعرف اسمها، أخذ يسير في شوارعها حتى عوت ~~معدته والتهبت شقوق قدميه، فقطع تذكرة وعاد بالقطار إلى قريته. ومرة سرق قطعة من ذات العشرة ~~القروش وذهب متخفيا إلى حلاق الصحة ووقف أمامه يلهث. ~~- «انطق يا ولد عاوز إيه؟» # وشد لسانه الجاف من سقف حلقه وأخفى أصابعه في جلبابه: «صوابعي ...» ~~- «مالها!» ~~- «مش بتمسك الفاس زي أمي.» # وزغده الرجل في كتفه: «وهو ده عيب يا وله، روح خلي أمك توكلك رطل لحمة وانت تبقى زي الحصان!» # وبكى في حجر أمه الفسيح حتى اشترت له قطعة من اللحم أكلها عن آخرها، وشرب وتجشأ وهو يشعر ~~بدفء ممتع يسري في أصابعه، فقبضها وبسطها وثناها وفردها سعيدا بقدرته الجديدة، لكنه شعر ~~بجفنيه يثقلان، فأغمض عينيه وراح في نوم عميق، ثم استيقظ بعد يومين ليجري وراء الجدار حيث ~~تسربت في أمعائه بقايا اللحم، وتسربت معها القدرة الجديدة. # ولكن لا بد من حل، إن في رأسه عقلا يشتغل، وهو أذكى رجال القرية؛ فهو يقرأ لهم الجرائد، ~~ويكتب لهم الخطابات، ويحل مشاكلهم، ويخطب الجمعة حين يغيب الإمام، ولكن عقله وذكاءه لن يشفعا ~~له؛ فالرجل عندهم جسد قوي وليكن له رأس بغل. # عقله يشتغل لكن عضلاته تتهدل، والأيام تمر واليوم الملعون يقترب، وكل الطرق يجربها ولا ~~تنفع، فيغلق باب القاعة الخلفية على نفسه ويقف يمرن عضلاته، يقبض أصابعه ويثنيها ويفردها ~~ويطرقعها، كل ليلة يتمرن، وأصابعه تنقبض تارة وتلتوي تارة أخرى ms05 ثم تسقط. # وحل اليوم، ورأى أمه قبل الفجر تكنس القاعة وترشها، وترص الدكك الخشبية أمام الدار، وحاول ~~أن يتناوم أو يتماوت، لكن أمه زغدته في كتفه بأصابعها المعهودة فانتفض على قدميه، وبدأت وفود ~~الناس تملأ صحن الدار؛ رجال يحملون العصي ويتصارعون ويرقصون، ونساء يرتدين الجلابيب الملونة ~~ويغنين ويزغردن ويقذفنه بأشياء تلسع قفاه، وهو مسمر في الأرض ببلغة جديدة ناشفة تحك أصابع ~~قدميه، وحول عنقه كوفية جديدة يشدها بأصابع متشنجة فيكاد يخنق بها نفسه لولا عضلاته التي ~~تلين كالعجين، وساقاه لا تتحركان وإنما هي دفعات من الخلف ومن اليسار ومن اليمين تجعله ~~يتذبذب، فكأنه يرقص مع الراقصين ويترنح مع المترنحين، إلى أن وجد نفسه على عتبة القاعة، رفع ~~رأسه من فوق صدره ليرى أمامه شيئا عجيبا، شيئا نصفه الأعلى مغطى بشال أحمر كبير، والنصف ~~الأسفل فخذان رفيعتان عاريتان، إلى جوار كل ساق امرأة تقبض عليها بذراعين مفتولين نفرت ~~منهما عروق غليظة. # ظل واقفا على عتبة الباب عيناه تزغللان، وفمه يحاول أن ينفتح ليصرخ، لكن شيئا لا يخرج من ~~بين شفتيه إلا لعابه الذي يجري من زاوية فمه دافئا ناعما كذيل حية لا تعض. # وشعر بأصابع قوية تشبه أصابع أمه تضغط على كتفيه وتجلسه على مؤخرته، وأحس بعض الراحة حين ~~افترشت أليتاه الأرض الرطبة المرشوشة، وظل جالسا مغمضا عينيه في شبه غيبوبة، لكن لكزة ~~أخرى في كتفه جعلته يفتح عينيه ليجد نفسه وجها لوجه مع الساقين المنفرجتين، وأشاح بوجهه ~~بعيدا فلمح بزاوية عينه جمهور الرجال والنساء من خلفه محتشدين في صحن الدار، أبطلوا الطبل ~~والزمر والرقص ووقفوا ينتظرون، عيونهم مفتوحة عن آخرها، ترقب باب القاعة في شغف ولهفة. ~~ولكن لا ... لن يمتع أنظارهم بالفضيحة، إنه ليس أبله، بل إنه أذكى رجال القرية؛ يقرأ لهم ~~الجرائد، ويكتب لهم الخطابات، ويخطب حين يغيب الإمام ... ولا بد له أن يخرج إليهم رافعا رأسه ~~كما فعل كل رجال القرية، بما فيهم ذلك الصبي الأبله الذي يتهته ويريل. # وبسط يده اليمنى وشد أصبعه متقدما به بين الساقين، ms06 ولكن ذراعه ارتجفت نافضة عنه ~~الأصبع الذي سقط متهدلا كذيل جرو ميت. # ولم يتوقف، ظل يحاول ويناضل، والعرق الغزير يجري في قنوات وجهه ليصب في فمه، فيلعقه بلسانه ~~وهو يختلس النظر إلى المرأتين الجالستين إلى جواره، وكانت كل امرأة منهما منقضة بجسدها ~~على الساق التي من نصيبها، مشيحة بوجهها ناحية الحائط؛ تأدبا من أن تتفرج على مثل هذا ~~المشهد، أو زهدا في شيء تراه كثيرا، أو استنكارا من أن تصنع من نفسها رقيبا على رجولة ~~رجل لحظة زفافه، أو خجلا أو إشفاقا ... أو أي شيء، المهم أنهما لم تكونا تريانه. # وحرك عينيه ناحية الباب في حذر ليكشف جانبا من الجمهور الواقف المترقب، لمح بطرف عينه ~~الرجل العجوز والد العروس واقفا بالباب عيناه تروحان وتجيئان من باب القاعة إلى وجه الناس ~~في قلق وخوف. # وفرك أصابعه في اطمئنان، الحقيقة لا يعرفها أحد، فالمرأتان لا تريان إلا الحائط وصاحب ~~الشأن مستغرق في القلق على شرفه. # لا أحد يعرف الحقيقة، إلا هي، هي؟ من؟ إنه لا يعرفها، لم يرها أبدا، لم ير وجهها ولا ~~عينيها ولا شعرة واحدة من شعر رأسها، أول مرة يراها الآن، وهو لا يرى عروسا، لا يرى ~~أسنانا، مجرد شال أحمر كبير في نهايته فخذان رفيعتان منفرجتان كفخذي البقرة الكسيحة، ~~ولكنها موجودة أمامه تفضح عجزه، وتنصب قائمتها كالفخ لتصيد ضعفه وفشله، وهو يكرهها كما يكره ~~أمه، ويود لو مزقها بأسنانه إربا، أو صب عليها ماء نار فتنهشها. # ومنحته الكراهية ذكاء وكبرياء، فبصق على الأرض في تأفف ومصمص شفتيه في ازدراء، وشد ~~ملامحه مستجمعا قواه، ونهض من مكانه متمهلا، واستدار إلى الباب رافعا رأسه إلى أعلى، ~~مدليا البشكير إلى أسفل، وخطا خطوة بطيئة ثابتة نحو الرجل العجوز، ورمقه بنظرة استعلاء ثم ~~قذف البشكير في وجهه، نظيفا كما كان، مغسولا كما كان، لم تطأه بقعة دم حمراء. # وتهدلت عينا والد العروس في خزي، وانكمشت رقبته حتى التصق رأسه بصدره، وحف به الرجال من ~~كل جانب متآزرين متكاتفين، ثم استداروا جميعا إلى ms07 باب القاعة متحفزين ، وظهرت العروس على ~~عتبة الباب ورأسها الصغير من تحت الشال الأحمر منكس في انكسار، ونظرات نارية منذرة ترشقها ~~من كل جانب. # | نظر ويحفظ # إنه جالس على المقعد وأمامه الدوسيه الكبير المفتوح، عيناه مفتوحتان لا ترمشان، ~~والقاعة الكبيرة جدرانها بيضاء، وسقفها عال تتدلى منه نجفة بلورية، والمائدة مغطاة بمفرش ~~من الجوخ الأخضر، وفناجين القهوة تصنع فوقها نصف دائرة، يتوسطها فنجان أكبر تغطيه طبقة ~~كثيفة من البن أكثر كثافة من الفناجين الأخرى، وأكواب الماء مثلجة تكثفت عليها قطرات صغيرة ~~من الماء، وجهاز التكييف يزن في أذنيه كنحلة دءوب، وأصوات عالية خشنة، ورءوس تهتز، وتهتز ~~معها دوائر على الجدران هي انعكاسات الضوء على الصلعات، وأمام الفنجان الأكبر ذي الطبقة ~~الكثيفة من البن جسد كبير له رأس أبيض، يتحرك إلى اليمين فتتحرك الرءوس إلى اليمين وتتحرك ~~معها الدوائر، ودخان السجائر يتصاعد في الجو ويلتف حول النجفة في حلقات صغيرة تبتلعها حلقات ~~أكبر. # وهو جالس على المقعد، يرتطم بأذنه اسم «مدحت عبد الحميد» كحجر مدبب، وتتحرك الشفاه المبللة ~~بالقهوة، وتظهر أطراف الأسنان المصفرة بالدخان: «مدحت عبد الحميد كفاءة نادرة.» ويهتز الرأس ~~الأبيض وتهتز الصلعات اللامعة. # ويحاول أن يفتح شفتيه ويحرك لسانه، ولكن شفتيه لا تنفتحان، ولسانه جاف لا يتحرك، ومرارة ~~غريبة ملتصقة بحلقه كالصمغ، إنه يعرف قصة مدحت عبد الحميد وهي مكتوبة أمامه في الدوسيه، ~~ولكن هل يتكلم؟ # وبلل شفتيه ببعض الماء المثلج، وأحس بحنجرته وهي تعلو وتهبط وتحتك بجدار عنقه، ما قيمة أن ~~يفتح شفتيه ويقول شيئا؟ إنهم لا ينظرون إليه، يتكلمون أحيانا بلغة لا يفهمها، أياديهم بضة، ~~أظافرها ناعمة نظيفة، وربطات أعناقهم منشاة قوية كالورق الكرتون، وهم يضحكون ويتبادلون ~~النكات، وهو لا يستطيع أن يضحك، مع أنه يضحك بسهولة مع زملائه في المكتب، ومع زوجته في ~~البيت، ولكن هؤلاء لهم هيبة، نظراتهم تأمره بالصمت، تفرض عليه أن يكون من طبقة أدنى. # ولكن اسم مدحت عبد الحميد يخترق رأسه كرصاصة، مدحت عبد الحميد انطلاقة تحطم اللوائح ~~الجامدة، وتتحرك الشفاه الندية والرءوس ms08 اللامعة، أيمكن أن يسكت؟ وفتح شفتيه لينطق الكلمات ~~الملتصقة بحلقه كالصمغ، والمرارة يمتصها جوفه ويمتلئ بها، وتضغط على عضلات بطنه وصدره فيشعر ~~بالغثيان، لكنه غثيان عاجز لا يستطيع أن يطرد ما يريد أن يطرد، غثيان لا يشفى إلا إذا ~~طرد الهواء من صدره، وطرد الدم من قلبه، وطرد معهما الكلمات الملتصقة بالدم وانفتح حلقه ~~بكلمات عالقة كالديدان. # وفتح شفتيه نصف فتحة وأخرج من بينهما بعض الهواء الساخن، أيمكن أن تخرج بعض الكلمات؟ ولكن ~~ما جدوى أن يتكلم؟ إنهم أكبر منه، وهم يملكون قوت عياله، ما قيمة أن يدخل معركة خاسرة؟ ما ~~قيمة قطرة في محيط؟ من هو؟ الرقعة الصغيرة في البنطلون ظاهرة، وربطة عنقه متهدلة، وجلد يديه ~~خشن مجعد وهما يقلبان في الدوسيه، وما قيمة الدوسيه؟ # ما قيمة الحقيقة المدفونة؟ مدحت بك عبد الحميد سرق أموال الناس ولكن قريبه مرموق، وعبد ~~الغفار أفندي اكتشف السرقة ولكنه كاتب صغير، التحقيق بدأ وطال وطال، وكيل النيابة اختفى ~~وجاء غيره، أوراق ضاعت وأوراق جديدة ظهرت، وانتهى التحقيق وأصبح عبد الغفار أفندي هو ~~السارق. # وتأمل حلقات الدخان الكبيرة وهي تبتلع الحلقات الأصغر، وخفف المرارة المركزة في حلقه ببعض ~~الماء. # أيمكن أن يدافع عن عبد الغفار أفندي؟ لقد وعده قبل أن يدخل القاعة بأنه سيدافع عنه، ولكن ~~ما جدوى الدفاع، الأكبر يأكل الأصغر في الماء، وفوق الأرض وفي الجو، وإذا فتح شفتيه ودافع ~~عن عبد الغفار أفندي فماذا إذن يكون دور الآلهة؟ # وهو ليس إلا موظفا في الدرجة الثانية، له زوجة وتسعة أولاد، كل شهر يؤجل شراء البدلة، ~~وقوته تضعف مع الزمن، وبنطلونه يتهدل، ومع ذلك فكيف سينظر في عين عبد الغفار أفندي بعد ~~الجلسة؟ وكيف سينظر في أعين كل الناس؟ إنهم ينتظرونه خلف باب القاعة، لقد وعدهم بأن يقول ~~الحقيقة، وهز يده في ضيق، لماذا يطلبون منه المعجزات؟ إنه ليس إلها؟ وحرك رأسه ~~باستخفاف، وما قيمة هؤلاء الناس؟ إنهم لا يملكون قوت عياله، إنهم لا يملكون إلا نظرات ~~اللوم والعتاب. # وما جدوى نظرات اللوم ms09 والعتاب؟ إنها لا تنتزع اللقمة من فمه، ثم لماذا يقول الحقيقة ~~وحده؟ لماذا هم لا يتكلمون، لا يصرخون، لا يثورون؟ إنهم كثرة، إنهم أغلبية، ولكنهم مشتتون بغير ~~رباط، عصا رفيعة من الخيزران تخيفهم، وكلمة معسولة ترضيهم. # ومد يده إلى فنجان القهوة وابتلع رشفة، والتقطت أذناه اسم عبد الغفار أفندي من الجو، ~~تلفظه الشفاه الندية كبصقة لزجة، الكاتب الصغير الذي خان سيده، هذا الصنف لا أمان له، هذا ~~الصنف لا أصل له، هذا الصنف تربى في الأزقة. # وصعد الدم إلى رأسه: ما دخل الأزقة في السرقة؟ هو أيضا تربى في الأزقة، وليس له أصل، ليس ~~له أقارب لهم وظائف محترمة، وليس له قريب واحد مرموق، ولكنه لم يسرق أبدا، ثلاثون عاما مضت ~~منذ عين في وظيفته وكان يمكن أن يسرق لو أراد، أموال الناس كانت تحت يديه، وحين مرض ابنه ~~الصغير واستدان ساوره الشيطان لحظة، لكنه استعاذ بالله منه وطرد الفكرة من رأسه. # وتساءل بينه وبين نفسه: لماذا سرق مدحت بك عبد الحميد، وكان يملك عربتين وعمارة وليس له ~~إلا ولدان، لعله مرض أعوذ بالله، أو لعله العين الفارغة التي لا يملؤها إلا التراب. # وسمع الأصوات من حوله تخفت، ورفع رأسه ورأى رأس الأبيض يتحرك، واليد البضة الناعمة تمسك ~~القلم وتكتب القرار الأخير، مدحت عبد الحميد بريء، وتعلقت عيناه بسن القلم، وفتح شفتيه كأنه ~~يلهث، وسمع صوته كحشرجة: «لحظة واحدة يا أفندم.» # وتراجعت الظهور السميكة في استرخاء إلى مساند المقاعد الجلدية، وارتسمت حول الشفاه ~~الندية دوائر كالابتسامات. # ووضع يده في جيبه وأخرج منديله وجفف عرقه، وسمع صوتا غليظا مألوفا يقول: «اكتب عليه: ~~نظر ويحفظ.» # | العطش # أرض الشارع الإسمنت تلين تحت قدميها من شدة حرارة الشمس، تلسعها كقطعة حديد منصهرة، فتقفز ~~هنا وهناك، تتخبط كفراشة صغيرة تصطدم بلا وعي بجدران لمبة النور الحارقة، وكان يمكن أن تنحرف ~~إلى الظل في جانب الطريق، وتجلس بعض الوقت على التراب الرطب، ولكن سبت الخضار معلق في ~~ذراعها، ويدها اليمنى مطبقة على ورقة مهلهلة من ذات ms10 الخمسين قرشا، تردد بينها وبين نفسها ~~الأشياء التي ستشتريها من السوق كي تحفظها: «نص كيلو لحم بخمسة وثلاثين قرش، كيلو كوسة بخمسة ~~صاغ، كيلو طماطم بسبعة صاغ، والباقي ثلاثة قروش. نص كيلو لحم بخمسة وثلاثين، كيلو كوسة ~~بخمسة صاغ، كيلو طماطم بسبعة صاغ، والباقي ثلاثة قروش. نص كيلو لحم ب ...» # وكان يمكن أن تستمر في العد حتى تصل إلى السوق كالمعتاد كل يوم، ولكن عينيها لمحتا فجأة ~~شيئا غريبا، شيئا لم يخطر على بالها قط، وتغلب الدهشة على سخونة الأرض فوقفت تحملق، ~~عيناها مفتوحتان وشفتاها متدليتان، كانت هناك حميدة بلحمها ودمها، تقف أمام الكشك وفي يدها ~~زجاجة كازوزة مثلجة، ترفعها إلى فمها وتشرب منها. # لأول لحظة لم تعرف أنها حميدة، كانت تراها من الخلف وهي واقفة أمام الكشك ولم تتصور أنها ~~حميدة، قد تكون إحدى البنات اللاتي تراهن كل يوم أمام الكشك يشربن الكازوزة، البنات أولاد ~~الناس، اللاتي يلعبن بالكرة والحبل، ويذهبن إلى المدرسة ولا يشتغلن في البيوت، مثل سعاد ومنى ~~وأمل ومرفت وكل صديقات ستها الصغيرة سهير. # كانت تظن أنها إحدى هؤلاء البنات، وكانت ستمضي في طريقها، ولكنها لمحت سبت الخضار، لمحته ~~وهو يتدلى من ذراعها وهي واقفة أمام الكشك، ولم تصدق عينيها فدققت النظر ورأت خصلات شعرها ~~الأكرت تتدلى على قفاها من تحت المنديل الأبيض، هذا هو منديل رأس حميدة، وهذه هي ذراعها ~~يتدلى منها سبت الخضار، ولكن أيمكن أن تكون حميدة حقا؟ # وأخذت تفحصها من الخلف فحصا دقيقا، ورأت كعبيها المتشققين يبرزان من الشبشب البلاستيك ~~الأخضر، هذا هو شبشب حميدة الأخضر وكعباها، ورغم كل ذلك لم تستطع أن تصدق، وأخذت تفحصها من ~~جميع الزوايا: من الشمال ومن اليمين، وفي كل مرة ترى شيئا لا يمكن أن يكون إلا لحميدة التي ~~تعرفها: الجلباب التيل الأصفر وفيه شق صغير من الجنب فوق فخذها اليسرى، وفردة الحلق المصدية ~~في أذنها اليمنى، والجرح العميق القديم على صدغها الأيمن، هي حميدة إذن بعينها، بلحمها ~~ودمها، وليست بنتا أخرى بأي حال من الأحوال، ms11 ووقفت تتأملها أكثر . # كانت حميدة واقفة أمام الكشك، وفي يدها اليمنى زجاجة كازوزة على سطحها الخارجي تلك النقط ~~المائية الشفافة، لم تكن تشرب بسرعة مثل البنات الأخريات، ولكنها كانت تشرب ببطء شديد، تحوط ~~أصابعها حول الزجاجة تتحسس برودتها في تلذذ، وتظل ممسكة بالزجاجة لحظة، ثم ترفعها في بطء إلى ~~فمها، وتلامس طرف شفتيها بفم الزجاجة، وتلعقه بلسانها ملتقطة كل ما حوله من رذاذ، ثم ترفع ~~ذراعها إلى أعلى قليلا لتميل الزجاجة على فمها ميلا خفيفا لا يسمح إلا برشفة واحدة من ~~السائل الوردي المثلج، وإلى هنا تطبق شفتيها بإحكام شديد محتفظة بالرشفة في فمها بعض الوقت، ~~لا تبتلعها دفعة واحدة، ولكنها تمتصها على مهل حتى تتلاشى في فمها إلى آخر قطرة فيها، ~~مستمتعة أشد الاستمتاع، ملقية برأسها إلى الخلف بعض الشيء، وعضلات ظهرها مسترخية متكئة في ~~راحة على جدار الكشك الخشبي. # إلى هنا لم تستطع أن تقاوم، وكانت قد اقتربت بلا وعي شيئا فشيئا من الكشك ووقفت تحتمي ~~في ظله من الشمس. # فجلست على الأرض ووضعت سبت الخضار إلى جوارها، وعيناها معلقتان تراقبان اللقاء الحار بين ~~شفتي حميدة وفم الزجاجة، ثم الرشف وعملية المص البطيئة، وما يعقبها من استمتاع واسترخاء. ~~وكان التراب ساخنا يلسع ردفيها النحيلين من خلال الجلباب الدمور البالي، ولكنها لم تهتم، ~~كل ما يهمها أن تظل ترى، أن تظل تتابع حركات حميدة حركة حركة بعينيها وأعضائها، فتثني رأسها ~~إلى الخلف كلما ثنت حميدة رأسها إلى الخلف، وتفتح شفتيها كلما فتحت حميدة لسانها، ولكن حلقها ~~جاف ليس فيه قطرة لعاب واحدة، ولسانها ناشف يروح ويجيء ويرتطم بجدران حلقها كالعصا الخشبية، ~~والجفاف يمتد من حلقها إلى زورها ويغوص حتى معدتها، جفاف غريب فظيع لم تشعر به من قبل، كأن ~~الماء تبخر فجأة من كل خلايا جسمها، من عينيها ومن أنفها ومن الجلد الذي يغطي كل أجزائها، ~~جفاف وصل إلى عروقها وإلى الدم الذي يجري فيها فجففه أيضا، وشعرت بآلام حرق في جوفها ~~وتحسست جلدها فشعرت به سميكا جافا مجعدا ms12 كجلد السردينة المجففة ، وشعرت بطعم الملح في ~~فمها مرا كالعلقم لاذعا حارقا، وهي تحاول أن تبحث عن ريقها لتبلل شفتيها المملحتين، ولكن ~~طرف لسانها التهب دون أن يعثر على قطرة واحدة، كل ذلك وحميدة لا تزال أمامها تحيط شفتيها ~~بفم الزجاجة المثلجة، وتمتص خلايا جسدها الكازوزة خلية خلية، وحميدة تحمل في ذراعها سبت ~~الخضار مثل سبتها، وفي قدميها شبشب مثل شبشبها، وعلى جسدها جلباب رخيص مقطوع مثل جلبابها، ~~وهي تشتغل في البيوت مثلها. # وارتخت قليلا عضلات أصابعها المطبقة على الورقة القذرة من فئة الخمسين قرشا، وعادت إلى ~~ذاكرتها الأسطوانة التي كانت تحفظها: نص كيلو لحم بخمسة وثلاثين، كيلو كوسة بخمسة صاغ، كيلو ~~طماطم بسبعة صاغ ويفضل ثلاثة صاغ ... وثمن زجاجة الكازوزة ثلاثة صاغ، غالية جدا، كانت العام ~~الماضي بثلاثة تعريفة فقط، لو وقع هذا الحادث العام الماضي لكان من الممكن أن تفكر في شراء ~~زجاجة، ثلاثة تعريفة ليست قليلة ولكن كان يمكن أن تدبر الأمر، فالكوسة أحيانا بخمسة ونصف، ~~والطماطم بسبعة ونصف، أما اللحم فلا يمكن أن تزيد عليه تعريفة؛ لأنه بالتسعيرة، والست تعرف ~~التسعيرة عن ظهر قلب، ولا يمكن أن يفوتها شيء، حتى بالنسبة للخضار الذي يتغير ثمنه كل يوم ~~فيزيد أو ينقص تعريفة كانت أيضا تعرف الزيادة أو النقصان يوما بيوم، كأنها تحلم بالتسعيرة ~~كل ليلة، وإذا فرض واستطاعت أن تغالطها في تعريفة الكوسة وتعريفة الطماطم، فمن أين لها ~~بالتعريفة الثالثة؟ ليس من السهل أن تدعي أنها ضاعت منها؛ فهذه لعبة لا تخيل على الست ~~الناصحة ذات الصفعات القوية، كما أنها ستلجأ في كل هذا إلى الكذب، والكذب أخو السرقة كما ~~تقول لها أمها: «اوع يا بت يا فاطمة تمدي إيدك على قرش، السرقة يا بنتي حرام وربنا يحرقك في ~~النار ...» # كانت تخاف من النار، كيف يمكن أن تشتعل النار في شعرها ورأسها وجسمها، وإذا كانت لسعة عود ~~الكبريت تؤلمها، فما بال النار تلتهم كل جسدها؟ لم تكن تتصور هذه النار، لم تعرفها، لم تشعر ~~بها، الذي تشعر ms13 به هو تلك النار الأخرى التي تحرق جوفها، نار الجفاف والعطش، نار لا يطفئها ~~شيء سوى بعض رشفات من زجاجة الكازوزة، والكشك إلى جوارها تستطيع أن تلمس جداره بكفها، ~~وحميدة أمامها تشرب زجاجة الكازوزة، ولكن كيف تحصل على الثلاثة قروش، أسهل شيء هو أن توزعها ~~بالتساوي على اللحم والكوسة والطماطم، تزيد قرشا على كل منها، كلام أمها لا معنى له الآن، ~~النار التي تهددها بها لم تعرفها، لم تر أحدا يحترق بها أمامها، ربما لا تكون هناك هذه ~~النار، وإذا كانت موجودة فهي بعيدة جدا عنها، بعيدة بعد الموت، وهي لا تعرف متى تموت، ~~ولا تتخيل أنها ستموت يوما. # ونهضت من جلستها تنفض التراب عن جلبابها، ووقفت تتطلع إلى حميدة وهي تفرغ آخر جرعة من ~~الكازوزة في فمها، وتضم شفتيها حول فم الزجاجة لا تود أن تفارقها، وشد الرجل الزجاجة من يدها ~~فتطبع عليها قبلة وداع طويلة قبل أن تنتزعها إلى الأبد من بين شفتيها، ثم تفتح يدها اليسرى ~~في حرص وتعد ثلاثة قروش كاملة. # ارتعدت بعض الشيء وهي تقف أمام الكشك في المكان نفسه الذي كانت تقف فيه حميدة، وهبت من ~~داخل الكشك نسمة رطبة تحمل رائحة الكازوزة، ليحدث بعد ذلك ما يحدث، الصفعات القوية لم تعد ~~تؤلمها فقد تعودتها، والنار التي تحرق لم تعد تخيفها لأنها بعيدة، والدنيا بكل ما فيها من ~~آلام ومخاوف لا تساوي رشفة واحدة من الكازوزة المثلجة. # | المقال # الدم الأحمر يصعد متهاديا إلى خديه، ويمشي حثيثا في أصابع يديه وقدميه، دافئا مشبعا ~~بالدفء، من النار المتوهجة شديدة الوهج في قلب المدفأة الكبيرة، والقلم البارد بين أصابعه ~~المحتقنة بالسخونة يتأرجح على صفحة بيضاء يروح ويجيء على سطورها الخالية من الحروف، لا يصنع ~~شيئا إلا خطوطا قصيرة مشرشرة. # وقام من كرسي مكتبه وسار إلى المدفأة وجلس القرفصاء أمامها، وقرب القلم منها ليشيع في ~~جسمه البارد الدفء، وجذبت النار بشدة توهجها عينيه، فحملق فيها متفرسا، شاعرا بخمول عجيب ~~يشبه النشوة أو ألذ منها، وتمنى بينه وبين نفسه ms14 لو جلس بقية عمره مقرفصا على هذا النحو إلى ~~جوار تلك السخونة اللذيذة التي تسري في كل فقرة من فقرات عظامه، لكن القلم الممدود بين ~~أصابعه ذكره بالمقال الذي لا بد أن يسلمه للجريدة اليوم، فاستجمع إرادته وعاد متثاقلا ~~إلى كرسي مكتبه، ووضع القلم على الورقة وحاول أن يكتب، لكن سن القلم راح يتأرجح مرة أخرى ~~فوق الصفحة البيضاء، ويرسم عليها خطوطا قصيرة مشرشرة كأرجل الصراصير. # واقتحمت ذاكرته في الحال صورته وهو تلميذ صغير جالس في حصة الأحياء، يرسم أرجل الصرصور ~~وشواربه. كان يكره الصرصور، ويكره حصة الأحياء، ويود لو قفز من السور وهرب من المدرسة، لكن ~~عيني أبيه تطلان عليه من فوق صحن الملوخية تقولان له في استجداء: «اتعلم يا ابني لاجل ~~تكون أفندي لك مقام كبير مثل خالك البيه.» وقفزت أمامه صورة خاله وهو يهبط من العربة السوداء ~~الطويلة، ومعه زوجته البيضاء السمينة ومن خلفهما ابنتهما الرشيقة، ثم يسيرون إلى بيتهم ~~المبني بالطوب الأحمر وهم يتطلعون بازدراء إلى العيال الملتفين حول العربة، ويضعون مناديلهم ~~الحريرية البيضاء على أنوفهم ليحولوا بينها وبين عاصفة التراب التي قامت في الزقاق المترب، ~~ويسمع طفلا يهمس في أذنه وهو يشهق: «خالك البيه!» فيرد عليه بنظرة زهو عالية، ثم يجري نحو خاله ويمد له يده الملوثة بالطين ~~والجميز، ويقول له في انبهار وهو يلهث: «حمد الله على السلامة يا خالي البيه.» # ووقع القلم من بين أصابعه وارتطم بالمكتب، وابتسم لنفسه في سخرية، وهو يتأمل أرجل ~~الصراصير المرسومة على الورقة التي شدت من الماضي البعيد هذه الصور ومسح أنفه بطرف منديله ~~الحريري الناعم، لتطرد رائحة العطر الرجالي الثمين أشباح الماضي الأغبر، ورفع رأسه من فوق ~~المكتب ليتأمل اللوحات الفاخرة على الجدران، واصطدمت عيناه بوجه زوجته الكبير على الحائط، ~~وانقبض قلبه وهو يتأمل الملامح الحادة المثلجة، الأنف الممدود إلى أعلى في تحد وقسوة، ~~والشفتان الرفيعتان المشدودتان اللتان لا يعرف كيف يقبلها، والعينان الزرقاوان السليطتان ~~تشوب زرقتهما أرستقراطية مترفعة منفرة، ومصمص شفتيه وهو يتساءل: ما فائدة الملامح ms15 في ~~الزواج؟ وبماذا كانت تفيده ملامح خديجة الحلوة؟ وهربت عيناه من عيني زوجته وهبطت على ~~الورقة، وأمسك القلم ليكتب عنوان المقال، وبخط كبير وفي أعلى الصفحة كتب: «طريقنا إلى ~~الاشتراكية»، ووضع تحته خطا عريضا، ثم أخذ يفكر في بداية المقال، وأصابعه ملتفة حول القلم ~~تضغط عليه كأنما لتعتصر منه الكلمات، والقلم بينها يتلوى ويتأرجح على الورقة ليضع خطا ~~ثابتا تحت العنوان أو ليرسم رجل صرصور، وأصابع يده اليسرى تعبث بذقنه وشاربه، تارة تشد ~~شعره، وتارة تتحسس حفرة ... # ومط عنقه إلى الأمام وهز القلم بخفة، ووضع سنه على الورقة، ولكنه أدرك أن الورقة بما عليها ~~من خطوط وأرجل صراصير لم تعد صالحة للمقال، فكورها بيديه وألقاها في سلة المهملات، وفتح درج ~~المكتب ليخرج ورقة جديدة، لكن عينيه التقطتا كتابا صغيرا بعنوان: «نحو الاشتراكية»، فقبض ~~عليه بيديه، وفتحه بسرعة وبرقت عيناه وهو يقرأ، وقد شعر أن الوحي والإلهام ينزلان به، فأغلق ~~الكتاب وقذف به في الدرج، وسحب الورقة البيضاء النظيفة وانكفأ عليها يكتب: «أنا فلاح ابن فلاح فقير ...» ورفع القلم عن الورقة ليرى شكل الجملة، ولم تعجبه كلمة ~~فقير فشطبها وكتب كلمة معدم، وابتسم في رضا وهو يقرأ: «ابن فلاح معدم»، أجل هذه ~~الكلمة أفضل تؤكد للناس أنه رجل له ماض مشرف. # وسخن رأسه بالحماس، وجرى القلم على الورقة يخلع على رأسه أمجادا لا حصر لها من الفقر، ~~ويكيل على رءوس آبائه وأجداده مفاخر لا حد لها من الحرمان والعدم، وزحزحت حمى الحماس دون ~~وعيه غطاء المخزن الغائر في قاع مخه، المغلق على الذكريات الأليمة، وتسربت من تحته صور ~~دفنت بلا وعي في اللاوعي، وتراءت له أمه بجلبابها الأسود المترب وطرحتها السوداء يتكور ~~طرفها الطويل على عدد من كيزان الذرة، وقدميها المشققتين الوارمتين تحت حلقة الخلخال ~~الحديدية، تنتقلان على الأرض في تثاقل وبطء كخفي الجمل المنهك، وهو بجلبابه الزفير ~~المتآكل ينخل تراب الفرن بأصابعه وركبتاه المدببتان تحت صدره، وصوت أبيه المختنق يدب في ~~أذنه: «يشتغل معي في الحقل.» ويرتفع صوت أمه المنبوح: ms16 «لا! سيذهب إلى المدرسة.» ثم يتحشرج فمها ~~لتتثاءب فتقفز شفتها العليا كاشفة عن أسنانها البارزة، وعن مساحة كبيرة من لثتها الحمراء ~~فتظهر أمامه في الحال أسنان خاله البارزة ولثته الحمراء وهو يتثاءب، حين يراه جالسا في ركن ~~الصالة الكبيرة يضم ركبتيه الرفيعتين على أطراف سرواله المشرشر، ويضم شفتيه اليابستين على ~~عواء معدته الخاوية، ويزداد معه عواء معدته فيحرف وجهه إلى الجهة الأخرى متظاهرا بالانشغال ~~عن فم خاله بأي شيء، طاويا في أعماق نفسه شحنات غير محدودة من الكراهية لخاله الذي يجلس على ~~الأريكة الطرية ويتثاءب كالثور الملكوم، ولزوجة خاله التي تتلكأ في الخروج من المطبخ لتدعوه ~~للعشاء، وتسير وساقاها ملتصقتان كالبقرة الحبلى، ولأبيه الغبي الذي لم يحسن في الحياة شيئا ~~سوى عزق الأرض، ولأمه التي حملته دون النساء في بطنها الخاوي فأورثته القبح والفقر، ولكل ~~الناس الذين ينامون على الأسرة ويدخلون المدارس ويدفعون المصاريف، ثم يأكلون بعد كل ذلك ~~حتى يشبعون. # كان يكره كل شيء، يكره المذاكرة، ويكره المدرسة، ويكره التلاميذ، ويكره الشتاء، ويكره الريح ~~الباردة التي تدخل إليه طول الليل من شقوق الجدران، ويكره النهار، ويكره الشمس التي تكوي رأسه ~~طول الصيف، ويكره البواب الذي يطالبه بأجرة الحجرة كل شهر، ويكره السكان الذين يعيشون في ~~شقق محكمة، ويكره المرأة السمراء النحيلة التي تسكن الحجرة الخشبية ويكره طبيخها البايت، ويكره ~~فحيحها البارد تحت عنقه وهي تهمس في أذنه بكلمات قبيحة. # كان يكره كل شيء حتى نفسه والرائحة العطنة الراقدة في ملابسه، وجسمه العنيد الذي ينز ~~دائما بذلك العرق اللزج، وأصابع قدميه المدببة التي تطل دائما من الحذاء، ونظرات الكراهية ~~الصفراء التي تطل دائما من عينيه في المرآة الصغيرة المشروخة، ومعدته الشرهة التي تلتهم في ~~لحظة خاطفة الرغيف والعشر طعميات ثم تنقبض على نفسها الفارغة وتعوي كالذئب. # كان يكره كل شيء وأي شيء ما عدا تلك اللحظة الباهرة العجيبة التي يتكور فيها حول الرغيف ~~والعشر طعميات الساخنة يتشممها ويلعقها بلسانه، ثم يحتويها في فمه ويمصها مصا حتى تذوب في ~~جوفه السحيق ms17 وتتلاشى. # وانفرجت شفتاه بلا وعي وفرت من بينهما قطرة لعاب دافئة لم يستطع أن يدركها بطرف لسانه، ~~فسقطت على الورقة تحت يده، وشدت إليها عينيه فمصمص شفتيه بازدراء وهو يقرأ كلمات الفقر ~~والعدم التي كتبها، وكور الورقة في يديه، وألقى بها في سلة المهملات، ثم سحب ورقة جديدة ~~نظيفة وكتب وقلبه ينوء بثقل كبير: # الاشتراكية هي ألا تندفع الريح من شقوق الجدران طول الليل، وألا تسقط الشمس على ~~الرءوس طول النهار، وألا تخرج أصابع الأقدام من الأحذية، وألا تتكدس في أحشاء الناس ~~الكراهية. # وتوقف القلم بين أصابعه، وعاد ينظر إلى الجملة الأخيرة يقرؤها ويتأملها: ~~ألا تتكدس في أحشاء الناس الكراهية؟ وتساءل بينه وبين نفسه: بماذا يكافح الناس إذا ~~لم يكدسوا في أحشائهم الكراهية؟ وأي شيء غير الكراهية علمه الكفاح والإصرار على ~~النجاح؟ وأي شيء غير الكراهية ألهب إرادته، وطرد النوم، وخنق الغريزة، وسلب من خلايا ~~عقله وجسمه استرخاءها ولو للحظة واحدة عابرة؟ أي شيء غير الكراهية؟ وامتدت يده إلى ~~الورقة تكورها وتلقي بها في السلة وتسحب ورقة أخرى نظيفة. # ولكن القلم راح يتأرجح مرة أخرى على السطور الخالية من الحروف يضع الخطوط الصماء، أو يمارس ~~هوايته الأصلية في رسم الصراصير المشرشرة، والكلمات لا تريد أن تخرج، كأنه لم يكتب أبدا، ~~مع أنه كثيرا ما كتب، وكثيرا ما ملأ الصفحات في المجلات والصحف؛ أن يضع الكلمة بجوار ~~الكلمة، والجملة بجوار الجملة، لم يكن أبدا عسيرا عليه، إن اسمه طويل عريض يحتل عرض الصفحة، ~~وإن ثقافته واسعة ممتدة من المدرسة الإلزامية إلى ماجستير حقوق، وهو يحفظ عددا كبيرا من ~~الكلمات المثقفة والمصطلحات الجديدة. ومط عنقه إلى الأمام في اعتداد وثقة، وتعجب كيف ~~ضيع كل ذلك الوقت في كتابة كلمات سوقية بسيطة يكتبها أي شخص لم يحصل من الثقافة ما حصل، ~~ولم يحفظ من المصطلحات ما حفظ. # وحوط القلم بأصابعه في ثقة وضغطه على الورقة وكتب: # إن المرحلة الثورية التي نجتازها ~~تتطلب الجمع بين الأيدولوجية المتبلورة الأصلية والعمل التطبيقي في إطار القوانين العامة ms18 ~~للعالم المنطلق نحو آفاق المستقبل الاشتراكي. # ووضع القلم على المكتب ومسح أرنبة أنفه بالمنديل الحريري تفوح منه رائحة العطر الرجالي ~~الثمين، وتأمل الكلمات التي كتبها وهو يمط عنقه إلى الأمام في زهو، وتثاءب وفرد ساقيه ~~وذراعيه وتمطى في ارتياح، ونظر إلى الساعة ثم طبق الورقة بسرعة ووضعها في جيبه، ونزل إلى ~~الشارع، ورأى الصبي الصغير يجري إلى العربة الطويلة ليفتح الباب، ودخل إلى العربة وجلس ~~ليدير المحرك، ورأى الصبي الصغير يلمع زجاج العربة بحماس ثم يقف في عرض الشارع ليراقب ~~المرور حتى هدأ، وأشار له أن يسير مقبلا نحوه باسطا يده، فضغط على دواسة البنزين بقوة ~~وانطلقت العربة كالسهم في الشارع الواسع. # وفي المرآة الصغيرة التي أمامه رأى الصبي الصغير يتراجع إلى الوراء ويده لا تزال مبسوطة ~~إلى الأمام، وفي عينيه نظرات يعرفها، نظرات ظلت تطل إليه سنين طويلة من مرآته الصغيرة ~~المشروخة. # | حلقة الخيول الدائرية # الشبه كبير بينها وبين الخيول، لكنها ترفع قائمتيها الأماميتين إلى أعلى فتبدو وكأنها ~~تدور على قائمتين اثنتين، وفي الوسط واحد منها، لماذا هو بالذات في الوسط؟ إنه لا يختلف ~~عنها، القائمتان الأماميتان مرفوعتان إلى أعلى فلا تلمسان الأرض، بل ترتفعان فوق الركبتين ~~وتتدليان على الجنين كاليدين، هو تماما مثلها، لكنه في الوسط، في مركز الدائرة، ولا أحد ~~يقترب منه، الكل يدور في المحيط الخارجي، وجهه ناحيته ينظر إليه ولا يرمش، يقف حين يقف، ~~ويدور حين يدور، ويهز رجله حين يهز رجله، ويطرقع بحافره حين يطرقع، ويميل بمؤخرته إلى ~~اليمين أو الشمال فيميل. # والمتفرجون جالسون في مقاعدهم، الصفوف الخلفية ترى ظهور الصفوف الأمامية، والصفوف ~~الأمامية ترى ظهور الخيل، الكل لا يرى إلا ظهورا، والظهور مقوسة تظهر منها فقرات العمود ~~الفقري واضحة ومدببة تؤلم العين، وحركة الدوران تؤلم العين، والمقاعد الخشبية تؤلم الفخذين، ~~والملعب كبير واسع مستدير بغير سور يمنع الهواء البارد. # الهواء البارد يطرد النوم، والمتفرجون ينفخون في أيديهم ليدفئوها، والحوافر تصطك بالأرض، ~~الصوت المنتظم يتبع الحركة، والحركة على شكل دائرة. الكل في المحيط الخارجي، ms19 وواحد فقط في ~~الوسط، واحد فقط لا يختلف عن الكل، فالقائمتان الأماميتان مرفوعتان إلى أعلى متدليتان على ~~حافة البطن بلا عمل، والقائمتان الخلفيتان هما فقط اللتان تدوران كالخيول تماما حين ترقص ~~أو حين ترفس، لكنها ليست خيولا، فالوجوه ملوية ناحية الوسط والظهور ناحية المتفرجين، ~~والمتفرجون سئموا منظر الظهور وغلبهم النوم فوق المقاعد الخشبية لولا الهواء البارد الذي ~~يلفحهم. # | الصورة # كان كل شيء يمكن أن يستمر كما كان في حياة نرجس، لولا أن يدها اصطدمت صدفة بظهر نبوية ~~فارتطمت أصابعها بكرة طرية من اللحم، ورأت عيناها المندهشتان بروزين صغيرين يهتزان تحت ~~جلبابها مع اهتزازات ذراعيها وهي تغسل أمام الحوض، لأول مرة تكتشف أن لنبوية ردفين، نبوية ~~التي جاءت إليهم من البلد العام الماضي خادمة صغيرة جسمها ناحل كعود الذرة لا تكاد تعرف ~~ظهرها من بطنها، ولولا اسمها نبوية لظنت أنها ولد. # ووجدت نرجس نفسها أمام المرآة في حجرتها، واستدارت حول نفسها أمام المرآة، واتسعت عيناها ~~في دهشة حين رأت بروزين صغيرين يهتزان تحت الفستان، وامتدت يدها في استطلاع تستكشف ظهرها، ~~واصطدمت أصابعها المرتجفة بكرتين طريتين من اللحم! هي أيضا نما لها ردفان؟! # ورفعت فستانها من الخلف لتكشف عنهما، ولوت رأسها لتراهما من الناحية الأخرى، لكنهما كانا ~~يدوران مع جسمها ويختفيان وراءها، وحاولت أن تثبت نصفها الأسفل أمام المرآة وتدور بعينيها ~~دورة كاملة حول جسمها، لكنها لم تستطع، كان رأسها يلف فيلف معه نصفها الأعلى، وكلما دار نصفها ~~الأعلى دار معه نصفها الأسفل، وشعرت بشيء من الاستغراب أنها لا تستطيع أن ترى نفسها من ~~الخلف، على حين أنها تستطيع أن ترى نبوية من الخلف، وخيل إليها في تلك اللحظة أنها ~~اكتشفت محنة جديدة للإنسان؛ ذلك أنه لا يستطيع أن يرى جسمه الذي ولد به، والذي يحمله معه ~~في كل مكان وفي كل وقت كما يستطيع أن يرى أجسام الآخرين. # وخطرت لها فكرة سريعة أن تذهب إلى المطبخ وتطلب من نبوية أن تنظر إلى ظهرها، ثم تصف لها ~~ردفيها بدقة؛ ما شكلهما؟ هل ms20 هما مستديران أم بيضاويان؟ هل هما يهتزان وهي واقفة أم حين تسير ~~فقط؟ هل هما بارزان وملفتان للنظر أم أنهما لا يلفتان النظر؟ # وهمت أن تذهب لكنها توقفت، أيمكن أن تطلب من نبوية مثل هذا الطلب؟ نبوية الخادمة التي ~~لم تكن تبادلها الكلام، كانت تصدر إليها أوامر أبعد ما تكون عن الكلام، وكانت إجابات نبوية ~~بحاضر أو نعم أبعد ما تكون عن الإجابات، وإنما هي ردود فعل تلقائية تتتابع بانتظام بنفس ~~السرعة ونفس الدرجة من الارتفاع كذبذبات الآلة سواء بسواء. # وشعرت بشيء من الغيظ وصممت على أن ترى ظهرها بنفسها، فشدت فستانها فتعرت تماما من الخلف ~~وثبتت قدميها في الأرض، ولوت رأسها ودارت بعينيها حول جسمها، لكن رأسها ما لبث أن توقف عن ~~الحركة ولم تكمل عيناها الدورة حول نفسها، وشدت عضلاتها بقوة وحاولت أن تلوي رأسها مرة أخرى، ~~وبينما هي تدور برأسها أمام المرآة وقد تعرى ظهرها عن آخره، اصطدمت عيناها بعيني أبيها ~~فارتجفت، كانت تعرف أنهما ليستا عينيه الحقيقيتين، وإنما هي صورته المعلقة على الجدار، لكن ~~جسدها الصغير ظل يرتجف حتى شدت الفستان وغطت ظهرها، ولم تستطع أن تحول عينيها عن عينيه، ~~كانت تريد أن تراهما بما فيه الكفاية وأنها تريد أن تراه أكثر، ثلاثة عشر عاما منذ ولدت ~~وهي تراه كل يوم من الخلف فقط، حين يكون ظهره ناحيتها تستطيع أن ترفع عينيها وتتأمل قامته ~~الطويلة العريضة، لم ترفع عينيها في عينيه مرة واحدة، ولم يحدث أن بادلته النظرات أو الكلام، ~~إذا نظر إليها أطرقت، وإذا وجه إليها كلاما لم يكن كلاما وإنما توجيهات وأوامر ترد عليها ~~بحاضر أو نعم في تتابع آلي وطاعة عمياء؛ حين أمرها أن تترك المدرسة وتبقى في البيت، تركت ~~المدرسة وبقيت في البيت، وحين أمرها ألا تفتح النوافذ لم تفتح النوافذ، وحين أمرها أن تتوضأ ~~قبل أن تنام لتحلم أحلاما شريفة، أصبحت تتوضأ قبل أن تنام وأصبحت تحلم أحلاما ~~شريفة. # وظلت عيناها مشدودتين إلى عينيه، تريد أن تنظر إليه ولا تطرق، أن ms21 تثبت عينيها في عينيه ~~وتراهما وتعرفهما وتألفهما، لكنها لم تستطع، كانت هناك مسافة دائما تبعد عينيها عن عينيه ~~فلا تستطيع أن تراهما عن قرب رغم أن أنفها كاد يلامس الصورة، وبدا لها وجهه كبيرا وأنفه ~~ضخما مقوسا وعيناه غائرتين واسعتين تكادان تبتلعانها، وأخفت وجهها بيديها، وعاد إلى ذاكرتها ~~المكتب الكبير، ومن خلفه ارتفع أنف أبيها المقوس من بين الأوراق الكثيرة، يتطلع من حين إلى ~~حين إلى ذلك الطابور الطويل من الناس الذين وقفوا أمامه وعيونهم شاخصة إليه في استجداء ~~وخشوع، ويهتز رأسه الكبير بين أكوام الورق، وتلتف أصابعه الطويلة الغليظة حول القلم ويجري به ~~على الورق في سرعة شديدة، وتضم ساقيها الرقيقتين الصغيرتين وهي جالسة في الركن وتنكمش حول ~~نفسها كاتمة أنفاسها، أيمكن أن تكون ابنة هذا الرجل العظيم؟ وحين كان أبوها يقف ترتفع قامته ~~الطويلة العريضة من وراء المكتب ويكاد طرف أنفه العالي يلامس السقف، ويرتفع رأسها في زهو ~~وهي تسير إلى جواره في الشارع وتكاد ترى العيون كلها متجهة إلى أبيها، والشفاه كلها حين ~~تنفرج إنما هي تنفرج بالدعاء لأبيها، وتكاد أذناها الصغيرتان تلتقطان همسا خافتا يدور ~~دائما بين الناس السائرين في الشارع، هذا هو صاحب الأمر والنهي وهذه هي ابنته نرجس التي ~~تسير بجواره، وحين يجتازان الشارع يمسك أبوها يدها في يده، وتلتف أصابعه الكبيرة حول أصابعها ~~الصغيرة؛ فيخفق قلبها، وتتلاحق أنفاسها، وتميل برأسها لتلثم يده، وما إن تلامس شفتاها يده ~~الكبيرة المشعرة حتى تنفذ إلى أنفها تلك الرائحة القوية، رائحة أبيها المميزة، لا تعرف ~~تماما ما هي، ولكنها تشمها في كل مكان يوجد فيه، وحين تدخل حجرته تشمها في كل أنحاء الحجرة ~~وفي السرير وفي الدولاب وفي الملابس، وأحيانا تدفن رأسها في ملابسه لتشمها أكثر وأكثر، وقد ~~تقبل ملابسه وتلثمها وتركع أمام صورته الكبيرة فوق سريره وتكاد تصلي، ليست تلك الصلاة ~~العادية التي تؤديها بسرعة لإله لم تره أبدا، ولكنها عبادة حقيقية وإله حقيقي تراه بعينيها ~~وتسمعه بأذنيها وتشمه بأنفها، وهو الذي يشتري لها الطعام والملابس، ms22 وله مكتب كبير وأوراق ~~كثيرة يعرف كل ما فيها، وقضى للناس حاجاتهم، وفوق كل ذلك يكتب بالقلم بسرعة تخطف ~~البصر. # ووجدت نرجس نفسها راكعة أمام الصورة كأنما تصلي، فنهضت وهي مطرقة إلى الأرض في خشوع، ولثمت ~~يده كعادتها كل ليلة قبل أن تنام، وبينما هي تستلقي على ظهرها احتك ردفاها البارزان بالسرير ~~فسرت في جسدها رعدة لذيذة جديدة، وامتدت أصابعها المرتجفة تتحسس ظهرها. كتلتان مكورتان من ~~اللحم تنحشران بينها وبين السرير، وانقلبت على وجهها ليزول إحساسها بهما وتنام، لكن ردفيها ~~ارتفعا في الهواء ضاغطين بثقلهما على بطنها، وانقلبت على جنبيها لكنهما ظلا يحتكان بالسرير ~~مع كل حركة شهيق أو زفير، وتوقفت عن التنفس لحظة لكن أنفاسها ما لبثت أن تتابعت وتلاحقت ~~بسرعة جعلت جسمها الصغير ينتفض في اهتزازات سريعة ويهز معه السرير محدثا صريرا خافتا، ~~خيل إليها في سكون الليل أنه مسموع وأنه يصل إلى أذني أبيها النائم في حجرته، والذي ~~سيعرف بلا ريب مصدره وسببه الحقيقي. # وارتعدت لهذه الفكرة وحاولت أن تكتم أنفاسها ليكف السرير عن الصرير، وكادت تختنق لولا أن ~~الهواء اندفع بقوة داخل صدرها فارتج جسمها ارتجاجا شديدا، وارتج مع السرير وهو يزعق في ~~سكون الليل بالصرير الغليظ، فقفزت خارج السرير. # وما إن استقرت بقدميها على الأرض حتى كف السرير عن الصرير، ولم تعد تسمع إلا صوت أنفاسها ~~المتلاحقة، التي أخذت تهدأ شيئا فشيئا حتى هدأت تماما، وما إن عاد السكون إلى حجرتها ككل ~~ليلة حتى تذكرت أنها لم تتوضأ قبل أن تنام، وشعرت بشيء من الراحة حين اكتشفت سبب تلك ~~الأحاسيس الآثمة التي تسللت إلى جسدها غير الطاهر. # وبينما كانت نرجس واقفة أمام الحوض تتوضأ وهي تبسمل وتحوقل وتستعيذ بالله من الشيطان ~~الرجيم، التقطت أذناها صوتا خافتا ينبعث من وراء باب المطبخ، نبوية لم تنم حتى الآن؟ ودفعت ~~باب المطبخ برفق، لكن الباب لم يفتح، ووصل إلى أذنيها الصوت الخافت مرة أخرى، فوضعت أذنها على ~~الباب وسمعت بوضوح صوت أنفاس تتلاحق بسرعة واضطراب، وابتسمت وهي تحس ms23 شيئا من الراحة ؛ نبوية ~~مؤرقة مثلها تستكشف ردفيها الجديدين! وتحرك رأسها بغير وعي فوق الباب، فأصبحت عيناها على الثقب ~~ونظرت داخل المطبخ، كانت الكنبة الصغيرة التي تنام عليها نبوية خالية، وأبصرت شيئا يتحرك ~~على أرض المطبخ، دققت فيه النظر، واتسعت حدقتا عينيها وهما تستقران على كتلة عارية من اللحم ~~تتدحرج على الأرض ولها رأسان: أحدهما رأس نبوية بضفائرها الطويلة، والآخر رأس أبيها بأنفه ~~المقوس العالي! كان يمكن في تلك اللحظة أن تسقط على الأرض بعيدا عن الثقب، لكن عينيها ظلتا ~~فوق الثقب وقد التصقتا به التصاقا وكأنما هما جزء منه، وتجمدت نظراتها فوق الكتلة الكبيرة ~~العارية وهي تتدحرج، فيصبح رأس نبوية على الأرض ويرتطم بصفيحة الزبالة ويرتفع رأس أبيها إلى ~~فوق ويخبط في قاع الحوض، ولكن سرعان ما يتبادلان المواقع فيرتطم رأس نبوية بقاع الحوض ويهبط ~~رأس أبيها إلى حيث صفيحة الزبالة. ثم ما لبث أن اختفى الرأسان تماما بين الحلل، ولم تعد ترى ~~إلا أربع أقدام بأصابعها العشرين تنتفض في ارتعاشة سريعة، وقد تشابكت والتحمت بعضها بالبعض ~~في شكل عجيب كأنما هي حيوان مائي متعدد الأذرع أو أخطبوط. # لم تعرف نرجس كيف انفصلت عيناها عن الثقب، وكيف عادت إلى حجرتها ونظرت في المرآة، كان ~~رأسها الصغير ينتفض ويدور حول جسمها في اهتزازات سريعة، واصطدمت عيناها الزائغتان بردفيها ~~البارزين وهما يصاحبان جسمها في اهتزازات سريعة قوية، وامتدت يدها بغير وعي تكشف ظهرها عن ~~آخره وهي ترمق وجه أبيها بطرف عينيها، وكادت الرجفة القديمة تسري في ذراعها فتشد فستانها ~~وتغطي نفسها، لكن ذراعها لم تتحرك، وظلت تحملق في وجه أبيها دون أن تطرق. كانت عيناه ~~الواسعتان جاحظتين، وأنفه المقوس الحاد يشطر وجهه شطرين، وقد التصق بطرفه المدبب العالي خيط ~~طويل من العنكبوت يهتز مع نسمة الليل المتدفقة من خلال الشيش. # واقتربت نرجس من الصورة ونفخت العنكبوت عن أنف أبيها، لكن رذاذ لعابها انتشر فوق الصورة ~~والتصق العنكبوت بوجه أبيها، وحاولت أن تنفخه مرة أخرى لكنه التصق أكثر، وامتدت يداها بغير ~~وعي ms24 وبأظافرها الطويلة الحادة راحت تنزعه فعلا، لكنها كانت تنزع معه أيضا ورق الصورة الذي ~~تبلل بلعابها وتساقط من بين أصابعها إلى الأرض فتافيت صغيرة. # | ليس بغلا # لم يكن فاقدا للوعي، كان يعرف كل ما يدور حوله، ويرى ويسمع الأصوات واضحة حادة، ربما ~~أوضح من أي وقت آخر، لكنه لم يكن يتحرك، وربما لم يكن يبدو للعيان أنه يتنفس؛ فصدره لا يعلو ~~ولا يهبط. حقيقة، كان صدره لا يعلو ولا يهبط، لكنه كان يتنفس في الخفاء. كيف كان يتنفس في ~~الخفاء؟ كيف كان الهواء يدخل صدره ويخرج دون حركة أو صوت؟ كيف كان الهواء يدخل صدره ويخرج ~~دون أن تهتز الشعيرات الرفيعة على فتحتي أنفه؟ لا أحد يعرف ولا هو نفسه يعرف. أشياء كثيرة ~~أصبح يفعلها دون أن يعرف كيف يفعلها، قوى جديدة غريبة اكتسبتها بعض أعضاء جسمه هكذا ~~بالغريزة دون وعي أو تدرب، الجدار العالي بعد يوم واحد أصبح يعرف كيف يتسلقه، كيف يقفز إلى ~~أعلى قفزة واحدة هائلة ترفعه إلى الطاقة الحديدية، فيمسك فيها بكل قوته ثم يرفع جسمه إلى فوق ~~على عضلات يديه؛ ليطل من بين القضبان على ذلك الجزء الصغير المربع من السماء. # كيف كان جسمه يتمدد وينكمش، ويتصلب ويرتخي، ويختفي ويظهر، وفقا لإشارات أو نظرات أو أصوات ~~معينة، بل كيف كان أن يخرج منه عضو جديد كالأميبا أو وحيدة الخلية إذا لزم الأمر، لا أحد ~~يمكن أن يصدق أن جسمه هذا الذي حمله أكثر من عشرين عاما وعرف ثقله وكثافته وقدراته يمكن أن ~~يتغير بهذا الشكل وبهذه السرعة فكأنه ليس جسمه، كم من مرة وضع الرسالة المطوية بين اللثة ~~والصدغ، ومر من جوار الحارس ناظرا إلى الأمام موحيا إلى جسمه بكل إرادته وبكل غريزة البقاء ~~فيه ألا يرى فلا يرى. # لم يكن غريبا إذن أن يتنفس وصدره ساكن، ويسحب الهواء دون أن تهتز شعيرات أنفه، فهذه هي ~~الوسيلة الوحيدة التي تجعله حيا، فما إن يتوقف صدره عن الحركة وتتوقف شعيرات أنفه عن ~~الاهتزاز حتى يتوقف ذلك ms25 الصوت الغليظ الذي يدوي في الهواء ثم يهوي مرتطما بشيء صلب. له ~~طراوة اللحم، وله إحساس معين يحسه ويعرفه، ليس ألما مبرحا بل ليس ألما على الإطلاق، ~~وإنما أشبه ما يكون بالضغط أو الشد، وهنا أيضا يكتسب الجسم قدرة خارقة عجيبة، يكتسب القدرة ~~على عدم الإحساس بالألم، كأنما الشومة الغليظة التي ترتفع في الهواء ثم ~~تهوي لا ترتطم بجسمه هو وإنما بجسم آخر منفصل عنه، لكنه قريب منه، قريب إلى حد أنه قد لا ~~يكون منفصلا وقد يكون جسمه هو، ومع هذا التشكك والالتباس والاختلاط يصبح الألم أيضا شيئا ~~مشكوكا فيه، ملتبسا إلى حد الاختلاط بإحساس آخر يشبه الإحساس بالفرح أو اللذة، ويكاد يحس ~~أنه سعيد، وقد يشعر برغبة في أن يبتسم؛ ذلك أن فكرة غريبة خطرت بباله، وهي أن الشاويش هو ~~الوحيد الذي يلهث من التعب، وقد وقف على بعد خطوة منه يتحسس يديه من فرط الألم الذي يحسه ~~بعد ذلك المجهود المضني، وقد يئن أنينا خافتا يختلط بأنفاسه اللاهثة، ويبتسم هو في الخفاء ~~دون أن يحرك عضلات شفتيه، ويرقب الشاويش دون أن يحرك جفنيه، ويتنفس دون أن يحرك صدره بتلك ~~الطريقة الجهنمية التي لم يرد لها وصف في كتب الطب! ولكن كم يجهل الأطباء الجسم الإنساني، ~~إنهم يشرحونه كقطعة من اللحم ويحكمون عليه بحواسهم الخمس العقيمة، أيعرفون شيئا عن تلك ~~الحواس الجديدة أو الأعضاء التي تنبت فجأة؟ وكيف يعرفون وهم لم يعيشوا التجربة الفريدة التي ~~يعيشها هو؟ # ورأى الشاويش وهو ينتصب فاردا عضلاته باسطا الشومة أمامه ضاربا على رأسها بيد، ورافعا ~~اليد الأخرى مشدودة الأصابع لترتطم بجبهته، ويظهر الضابط علوي قصيرا سمينا أبيض، وشفته ~~العليا مشقوقة من الوسط لتصنع قناة بين فمه وأنفه كما هو الحال في الجنين في شهوره الأولى؛ ~~حيث لم تتم بعد تلك الحواجز التي تفصل الأعضاء بعضها عن البعض، ويرن في أذنه الصوت ~~الغريب، صوت لا يعرف أهو يفلت من الأنف إلى الفم، أم من الفم إلى الأنف: «فين المطبعة يا مغفل؟ ~~انطق. حتاخذ ms26 ايه من السكوت ؟» وتتسرب كل قوته وصلابته إلى عضلات شفتيه، وتترك جسده مرتخيا ~~هامدا ممدودا، وتصبح شفتاه كشريطين رفيعين من الصلب الملتهب يطبقهما بكل قوته فتلتحمان ~~ببعضهما بعضا في شفة واحدة عريضة. # الصوت الحاد الأخنف يرن في رأسه، وهو عاجز عن النطق ليس عجزا لا إراديا لعدم القدرة ~~على تحريك اللسان، وليس فقدانا للذاكرة ونسيان مكان المطبعة، وليس تمسكا بمبدأ أو وفاء ~~لعهد أو التزام، فهو لم يعد يذكر تلك المسائل والعواطف البشرية، إنه لم يعد بشرا، أصبح ~~كائنا آخر له جسم آخر وأعضاء أخرى، وهو قادر على النطق، قادر على أن يفتح شفتيه ويقول: ~~«شارع وسط البلد، نمرة 6.» هذه الكلمات لا تزال في ذاكرته واضحة، أكثر وضوحا من أي شيء آخر، بل ~~لا يكاد يكون هناك شيء غيرها في ذاكرته، نسي شكل ملامح أمه، ونسي علم الجيولوجيا الذي قضي ~~سنوات عمره يتعلمه، أفرغت ذاكرته كل محتوياتها ولم يبق إلا تلك الكلمات القليلة: شارع وسط ~~البلد نمرة 6. # ودوى الصوت الحاد الأخنف في رأسه محدثا أصداء غريبة في تجويف رأسه، الذي اتسع وانتفخ ~~فكأنه صندوق كبير مفرغ يكبر الصوت كالميكروفون. ~~«فين المطبعة يا مغفل؟ انطق. حتاخد إيه من السكوت؟» الضابط علوي ذو الشفة الأرنبية ~~المشقوقة لا يمكن أن يعرف ما الذي يمكن أن يأخذ من السكوت، إلا ذلك الضرب المبرح حتى ~~الاقتراب من الموت أو لعله الموت حقيقة، ولكن هناك شيئا آخر لا يعرفه علوي ولا يمكن أن ~~يعرفه لا لنقص في عقله، ولا لأن بعض خلايا وجهه متوقفة في نموها عند مرحلة الجنين في شهوره ~~الأولى، ولكن لأنه شيء غريب جدا، لم يعرفه أحد من قبل وما كان له هو أن يعرفه لولا أنه ~~عاش هذه اللحظة العجيبة التي يعيشها الآن، لحظة ينفصل فيها الجسم عن النفس دون أن يموت ~~أحدهما، لحظة يصبح فيها جسمك وكأنه شيء آخر بعيد عن نفسك، ليس بعيدا جدا ولكنه منفصل عن ~~نفسك بمسافة صغيرة متناهية الصغر، كشعرة رأس أو واحد من الألف من شعرة ms27 الرأس، في تلك اللحظة ~~لا يهمك جسمك، فهو ليس جسمك، وألمه ليس ألمك، وبقاؤه ليس بقاءك، وفي تلك اللحظة بل في ذلك ~~الجزء من اللحظة تنشطر غريزة البقاء إلى شطرين، ليسا شطرين ~~متساويين، وإنما أحدهما شطر كبير جدا يخيل إليك أنه هو الكل وليس هناك جزء آخر بعيد، ليس ~~بعيدا جدا وإنما قريب بقرب ذلك الجسد منك، وهكذا يحدث ذلك الشيء العجيب، تكون أنت ~~متكورا على نفسك متقوقعا حولها منتفخا بكل غريزة البقاء فيك، ويكون جسدك هناك على غير ~~بعد منك، عاريا مرتخيا ممدودا، لا يحس بالبرد أو الحر ولا يعرف الضرب من الركل من ~~الزغد من الزغزغة، كل شيء يصبح لديه سواء، كضغط ما يروح ويجيء، ويجيء ويروح، كذلك الضغط ~~الطبيعي للهواء من فوق، وللأرض من تحت، على أي كائن أو جسم. # في تلك اللحظة لا يكون لبقاء ذلك الجسم معنى، يبقى أو لا يبقى سيان، المهم هو نفسك، هو ~~تلك النقطة الهلامية المحسوسة وغير المحسوسة التي يتركز فيها بقاؤك، تلك القطرة السرية ~~المجهولة من الحياة التي تجعلك حيا حتى ولو فقدت إحساسك بوجود جسدك، تلك القطرة التي إذا ~~جفت جفت فيك الحياة وأصبحت ميتا ولو كان جسدك ما زال محسوسا. # لم يكن غريبا أن تتركز غريزة البقاء في تلك القطرة، وأن يتحوصل ويصنع حولها قوقعة صلبة ~~منيعة، قوقعة حديدية تغلق فوهتها إغلاقا غريبا كأنما انصهرت شفتاها الحديديتان وذابتا ~~بعضهما بالبعض، ولم تعد هنالك فوهة أو حتى معالم فوهة، ولكن هل يمكن أن يتخيل تلك القوقعة ~~الحديدية بغير فوهة، وداخلها مساحة صغيرة متناهية الصغر لا تتسع لأكثر من قطرة، وداخلها مساحة ~~صغيرة متناهية الصغر لا تتسع لأكثر من قطرة واحدة، ذابت فيها كل حياته وكل ذاكرته التي نفضت ~~عنها كل شيء وتركزت وتبخرت وتكثفت في قطرة واحدة مقطرة هي المطبعة؟ ~~«فين المطبعة يا مغفل؟ انطق. حتاخد إيه من السكوت؟» # الصوت الأخنف لا يزال يردد السؤال الغبي الأجوف: «حتاخد إيه من السكوت؟» سؤال غريب، أغرب ~~سؤال سمعه في حياته، سؤال ms28 ليس له جواب لأن أحدا لا يعرف الجواب، سؤال لم تستطع البشرية ~~بأكملها أن تجيب عنه حتى الآن، هي التي أجابت على ملايين الأسئلة، وكشفت الملايين من أسرار ~~الأرض والسماء، سؤال بغير جواب، والسؤال نفسه ليس سؤالا، لا يعرف أحد كيف يسأله أو ما الذي ~~يسأله، أو ما الذي يريد أن يعرف بالضبط؛ ذلك أنه يعرف الجواب، ليس تلك المعرفة العادية ~~الواضحة حيث يمكن أن يعرف، ولكنها معرفة مجهولة كعدم المعرفة سواء بسواء. إنه يعرف أن هناك ~~بؤرة صغيرة في مكان منه تتركز فيها الحياة كبؤرة العدسة، صغيرة ودقيقة ولا مرئية، وربما لا ~~موجودة ولكنها محسوسة في مكان ما من نفسه يعرفها ويحسها دون جدوى، كسراب ولكنها ليست سرابا، ~~إنها الحقيقة ماثلة في كيانه كحقيقة وجوده، حقيقة صغيرة متناهية الصغر كذرة أو واحد في ~~الألف من الذرة، يعلقها كل لحظة بذهنه ويختزنها في جوفه ويتقوقع حولها متشبثا بها إلى ~~الأبد، فهي سر حياته وسر وجوده وسر بقائه، عرفها تماما كما عرف نفسه ولم يعرفها أبدا كما ~~لم يعرف نفسه. ~~«المطبعة فين؟ انطق يا مغفل! حتاخد إيه من السكوت؟» # الصوت الحاد الأخنف يزداد حدة ويزداد خنفا، والقوقعة من حوله تزداد سمكا وصلابة، ~~والقطرة في داخلها تزداد أمنا وطمأنينة فترق وتصفو وتشف حتى تكاد ترى الحروف من خلالها ~~واضحة جليلة، «شارع وسط البلد، نمرة 6»، حروف تلمع بلون الرصاص، تلتف وتتشابك، وتغلظ وتنحف، ~~وتنفصل وتتصل، ورائحة الورق حين يسحق بين فكي المطبعة رائحة نفاذة غريبة، لا تدخل إليك من ~~فتحتي الأنف كأي رائحة، وإنما تشق عظام رأسك وتغزو نافوخك بكلمة تعرفها قبل أن تقرأها، ~~وتدور المطبعة في رأسك وتصطك الحروف الرصاصية كالأسنان وتولد الكلمة؛ كلمة وليست إلا كلمة، ~~ولكنها النقطة التي بدأ بها كل شيء، النقطة التي بدأت منها حياته، وامتدت على طول السنين ~~حتى هذه اللحظة التي يعيشها الآن، خيط طويل بدأ بنقطة وما زال ممتدا إلى تلك النقطة ~~الهلامية الصغيرة المتناهية الصغر، التي تلتف حولها نفسه وتحوطها وتحميها كجنين في بطن ms29 ~~أمه. # الآن أصبح الشيء أقل غموضا، وأصبح في استطاعته أن يتصور خطا طويلا رفيعا كالشعرة، يبدأ ~~بنقطة تدور حولها المطبعة في شارع وسط البلد رقم 6، وينتهي إلى تلك النقطة الحبيسة داخل نفسه ~~في تلك الصحراء الواسعة الجرداء، حيث لا شيء إلا الشاويش بشومته ذات الرأس الغليظ الأعوج، ~~بصوته الحاد الأخنف. ~~«فين المطبعة يا مغفل؟ انطق. حتاخد إيه من السكوت؟» # السؤال هو هو لكن الجواب لم يعد مجهولا، إنه لا يستطيع أن يقول إنه عرف الجواب، وإن في ~~إمكانه أن يقول لماذا هو يسكت، وما الذي سيأخذه من السكوت، وما حقيقة هذا الخيط الطويل الممتد ~~ما بين نقطتين مجهولتي الأصل: إحداهما فرضها هو نفسه، والأخرى فرضت عليه كما فرضت عليه ~~نفسه، ولكنه يعلم علم اليقين أن المطبعة لا تزال تدور في تلك الشقة الصغيرة في شارع وسط ~~البلد، تروسها وحروفها الرصاصية تصطك والورق يسحق بين فكيها، وتخرج الرائحة النفاذة تنفذ ~~إلى النافوخ، أيمكن أن يكتشفوا مكانها من الرائحة؟ أيمكن أن تتوقف المطبعة عن الدوران؟ ~~أيمكن أن يفقئوا تلك العين التي يرى بها رغم تلك المساحات الشاسعة بين مكانه في الصحراء ~~ومكانها في وسط البلد؟ أيمكن أن يسحقوا تلك النقطة الأولى التي بدأ بها خيط حياته الطويل ~~المشدود منها إلى نقطة الحياة الحبيسة داخل نفسه؟ # أيمكن أن تفوح الرائحة؟ أيمكن أن يفتح واحد فمه ليتنفس أو يلهث أو يئن فتخرج من بين شفتيه ~~مع الهواء كلمات «شارع وسط البلد، رقم 6»؟ أيمكن أن يحدث هذا؟ إن مجرد التفكير في إمكانية ~~حدوثه يزلزل كيانه، في مكانه هو إحدى النقطتين اللتين يشد بينهما الخيط، وبقاؤه هو بقاء هذا ~~الخيط مشدودا بين نقطتيه الاثنتين، الاثنتين معا؛ لأن زوال واحدة معناه انقطاع الخيط وزوال ~~الثانية. ~~«فين المطبعة يا مغفل؟ انطق. حتاخد إيه من السكوت؟» # الآن فقط يستطيع أن يعرف لماذا يسكت، لماذا لا يفتح شفتيه المطبقتين ويئن ويجعل الكلمات ~~تخرج مع الهواء: «شارع وسط البلد، رقم 6». إن القضية ليست التزاما بمبدأ أو وفاء لعهد ما تجاه ~~آخرين، ms30 فالآخرون هنا ليس لهم وجود، إن جسده الذي هو أقرب الآخرين إلى نفسه لا يفصله عنه إلا ~~تلك الشعرة أو الواحد في الألف من الشعرة، لم يعد له وجود، فما بال الآخرين. ولكن القضية أخطر ~~من ذلك بكثير، إنها قضية نفسه، قضية ذاته، بقاء هذه الذات أو عدم بقائها، استمرار وجود ذلك ~~الخيط المشدود يحمل من وسط البلد الماء والهواء إلى ذاته الحبيسة داخل القوقعة، أن يبقى أو ~~لا يبقى هذه هي القضية، والبقاء هنا ليس ذلك البقاء الجسدي، فالجسد لم يعد محسوسا وإنما هو ~~بقاء من نوع آخر، إنه بقاء الخيط مشدودا بين تلكما النقطتين. ما هو هذا الخيط؟ وما هما ~~تلكما النقطتان؟ هذا ما لا يعرفه أبدا. # ولم يعد يسمع الصوت الحاد الأخنف، لا بد أن الضابط علوي سكت قليلا لتستريح حبال صوته، ~~وبدأ يسمع قدمي الشاويش الثقيلتين يصطك حديدهما بالأرض الأسفلت، وسمع صوت الشومة وهي ترتفع ~~في الهواء وتستقر لحظة، ثم تهوي فجأة وترتطم بشيء صلب له طراوة اللحم وكثافته، ولكنه ليس ~~لحما، أو على الأقل ليس لحمه هو بالذات، وإنما لحم آخر لا يبعد كثيرا عنه، ربما لا يفصله ~~عنه إلا مسافة صغيرة جدا متناهية الصغر كشعرة أو واحدة في الألف من الشعرة، ولكنها مسافة ~~على أي حال تفصله عن ذلك اللحم المضروب، لو كان بغلا لمات، ولكنه ليس بغلا، إنه إنسان له ~~عقل يعرف كيف يفكر، وكيف يتغلب على أي قوى، وكيف ينتصر في النهاية، كيف ينتصر ... كيف؟ وهو ليس ~~إلا نقطة واحدة حبيسة، ليست طليقة في الهواء ولا يمكن أن تنطق كالذرة وتنفجر، ولكنها حبيسة ~~داخل قوقعة سميكة صلبة بغير فوهة، كيف تنتصر؟ وعلى أي قوى؟ أي قوى هائلة وساحقة ومبيدة؟ إنه ~~لا يكاد يصدق، لا يكاد يكتم الفرحة، لا يكاد يخفي الزهو، وأي زهو. إنه قادر على الانتصار ~~رغم كل شيء، قادر على أن يمنح المطبعة الدوران، والدوران قادر على أن يجعل الحياة تسري في ~~الخيط الطويل المشدود ما بين وسط البلد ومكانه ms31 البعيد في الصحراء ، إنه منتصر، إنه سعيد، ربما ~~يريد أن يرقص. # وها هو ذا الصوت الأخنف يعود مرة أخرى، وها هو ذا يطبق شفتيه الحديديتين المنصهرتين في شفة ~~واحدة، لو فتحوا فمه بمنشار فلن يخرج من حلقه ذرة هواء؛ لأن حلقه هو الآخر أصبح مسدودا ~~بغير فوهة، ولأنه أصبح يعرف كيف يتنفس داخل القوقعة بغير هواء يدخل ويخرج. ~~«أخدت إيه من السكوت يا مغفل؟ زميلك اعترف ... شارع وسط البلد نمرة 6.» إنه الصوت الحاد ~~الأخنف، هو بأنفه المفتوح على فمه، هو الذي يقول «شارع وسط البلد نمرة 6»، هو هو الحاد ~~الأخنف. # لم يعرف تماما ماذا حدث، لكن الصوت دوى في أذنه كالفرقعة، كبالونة كبيرة منتفخة ~~بالهواء انفجرت، كسلك رفيع طويل مشدود انقطع فجأة، ولم يعد يرى الشاويش ولم يعد يسمع الصوت ~~الحاد الأخنف، لم يعد يرى أو يسمع شيئا، ولم يحس أصابع الشاويش الغليظة وهي تلتف حول قدميه ~~وتجره بعيدا إلى حيث لا يعلم أحد. # | الكذب # فجأة أصبح عاريا تماما. # لم يعرف كيف خلع ملابسه، لكنه كان يريد أن يضعها أمام أمر واقع، أمام رجل عار. إن ~~العري في حد ذاته كفيل بأن يطور العلاقة بينه وبينها. لم يعد عنده صبر، فالحاضر خطر ~~والمستقبل غير مضمون، ولم يعد عنده وقت، فالشباب أدبر والكهولة تقترب بابتعاده عن الأربعين، ~~ورصيده من القوة أصبح يقل، وكثيرا ما فشل جسده في لحظات تأجج فيها القلب. # كان يتحدث في شيء ما، كان موضوعا جافا، لعله كان علما أو سياسة أو فلسفة، وكانت هي ~~تجلس أمامه مرتدية فستانا حديثا، لم تكن نظرتها مغرية أو مشتهية أو أي شيء من ذلك الشبق ~~الذي تتقنه النساء المحتشمات، بالعكس كانت نظرتها تطرد الرجل أكثر مما تناديه، تطرده بكل ~~عنف وبغير رجعة كما نطرد عن أنفسنا المرض أو الموت أو أي شيء نحس أنه إذا ما انقض علينا ~~فمن المحال ألا يفتك بنا. ~~«نحن مسوقون إلى حقنا، أردنا أم لم نرد.» قال لنفسه هذه الجملة حين لمح نفسه في المرآة ~~عاريا، ms32 عشرون سنة عاشها مع أم أولاده الخمسة، زوجة شرعية خجول وعذراء وتعشق الإنجاب بغير ~~أن يتعرى الجسم. # وأشاح بوجهه بعيدا عن المرآة. # فقد اصطدمت عيناه بصدر مشعر كصدر القرد، وبطن عال كبطن امرأة حامل، لم يكن يظن أن بطنه ~~ارتفع إلى هذا الحد. في كل يوم كان يرتفع ارتفاعا قليلا جدا غير ملحوظ، ويضيق البنطلون ~~بسيطا جدا لا يزيد عن مليمتر أو نصف مليمتر، لكنه التراكم؛ تراكم الأيام، مئات الأيام، ~~آلاف الأيام، وتراكمت معها المليمترات بعضها فوق بعض، عشرين سنة. # وكانت هي تجلس وفي يدها الكتاب، كانت تعرف أنه جالس في كرسيه بكامل وقاره يتحدث، فالكلمات ~~تخرج من فمه متتابعة واحدة وراء الأخرى بغير فواصل وبغير سكتات، كأنما كان يمضغ لعابه ثم ~~يفرزه حروفا متلاصقة ممتدة كسائل له قوام، أو كالخيط يتدلى من فمه طويلا وحريريا، لا ~~ينتهي ولا ينقطع، وربما يلتف ويتشابك كالشرنقة، وربما استطاع حرف واحد أن ينفصل من تلقاء ~~نفسه ويتطاير في الجو كذرة مائية أو فقاعة لا تلبث أن تسقط فوق أي شيء صلب. # كانت تنصت إليه، وهو ليس ضيفا عاديا، إنه صديق زوجها منذ سنين كثيرة أكثر من السنين ~~التي جمعت زوجها بأي أحد. وهو رجل مؤدب، تستطيع أن تحس ذلك من عضلات وجهه المشدودة، وتقلص ~~عضلات العنق، والكرافتة المربوطة حول رقبته والمعقودة بشدة، كأنما لا تفك أو لا يمكن أن ~~تفك أبدا، كأنه ينام ويصحو بها، بل كأنه ولد بها، والجاكت ذي الصفين من الأزرار، ~~والبنطلون الضيق المزرر بإحكام، وساقيه المضمومتين وركبتيه المتلاصقتين كما تجلس المرأة ذات ~~الحياء أو الفتاة العذراء. أجل، كانت له عذرية رجل لا يبدو أن خلع ملابسه أبدا، أو أن ~~ملابسه يمكن أن تخلع حتى لو أراد. # ولم يكن وجوده بالبيت وإن غاب زوجها يزعجها في شيء، تتركه يتحدث في كرسيه وتفعل ما تريد؛ ~~قد تكتب، وقد تقرأ، وإذا وقع منها القلم وتدحرج تحت المنضدة فهي تنثني لتلتقطه بغير حرج، فإذا ~~ما قفز فستانها الضيق القصير وتعرت تماما من الخلف ms33 لم تنزعج، فهو لا يمكن أن ينظر إليها، ~~وإذا نظر فإن نظرته رفيعة مثقفة، تحط على جسدها بغير ثقل وبغير حرارة كالهواء سواء بسواء، ~~حتى حديثه غير المنقطع لم يكن يزعجها في شيء، بل لعله كان يسليها، فإذا ما غاب فتحت ~~الراديو. # أعطى ظهره للمرآة وظل واقفا، كانت جالسة أمامه على كرسي منخفض وفخذاها نصف عاريتين نصف ~~منفرجتين، الوضع الطبيعي الذي تتخذه فخذا المرأة الحديثة حين تجلس، وكانت عيناه تنفذان ~~بينهما بسهولة وتبلغان نهايتهما دون مشقة على الإطلاق، وكان قد انتقل في حديثه من السياسة ~~العالمية إلى أصل الكون، إلى الجبرية في الأديان، لكن عضلات عنقه كانت - وهو يتحدث - تتقلص ~~في شدة محدثة صريرا غريبا يخشى أن يكون مسموعا، فإذا به يتكلم بصوت أعلى مما تقتضيه ~~الآداب الحديثة. كان يشعر بشيء من الحرج، لكن صوته يرن في الصالة ذات الأثاث المودرن ويهز ~~الستائر الشفافة فوق النوافذ هزا رقيقا ناعما يدغدغ أذنيه، فإذا به يعشق صوته ويستشعر في ~~نطق الكلمات لذة كبيرة. # وكان الكتاب لا يزال في يدها، وعيناها على سطر فوق إحدى الصفحات، لم تكن تحرك عينيها من ~~كلمة إلى كلمة. كانت تعشق الكتب بشدة لكن كرهها للقراءة كان أشد، فإذا بعينيها تزحفان ~~كمنقار، وتسري نعومة الورق الفاخر في نعومة أناملها؛ فتستشعر ترابطا حسيا بينها وبين ~~الثقافة. # وظل واقفا وظهره إلى المرآة، إنها لم ترفع رأسها بعد من فوق الكتاب، كل ما حدث حينما ~~انقطع صوته فجأة أن امتدت يدها بغير وعي إلى الراديو فامتلأت الصالة بصوت رصين يتلو ~~القرآن، ربما لو كان برنامجا آخر غير محتشم، تمثيلية مثلا أو قطعة موسيقية، ربما تحرك من ~~مكانه، أما أن يتلى القرآن وبذلك الصوت الوقور، فلم يكن أمامه إلا أن يظل واقفا في مكانه ~~بغير حراك. كان الفصل شتاء - اليوم الأخير من شهر يناير بالتحديد - وبالرغم من النوافذ ~~المتينة المحكمة، كان هناك تيار من هواء بارد متجه إلى عموده الفقري بالذات، وفكر في أن يمد ~~يده ليلتقط شيئا من ملابسه الملقاة تحت ms34 قدميه، لكنه خشي إن تحرك أن يلفت نظرها قبل أن ~~تنتهي تلاوة الآيات. استطاع فقط أن يرمق بشيء من الحسرة البلوفر بصوفه الإنجليزي الغالي ~~يشيع الدفء في البلاط، وإلى جواره كانت هناك الكرافتة بربطتها المحكمة المحترمة وذيلها ~~الطويل الرفيع اللامع من السولكا، وإلى جوارها تماما ويكاد يلتصق بها كان هناك سرواله ~~القطني الخشن الضخم، يفضح حجم بطنه وانبعاج فخذيه، يفضحهما بغير شفقة وبغير حياء وبغير ~~مراعاة للآداب العامة. # وانتهت التلاوة، وبدأ يفكر في الحركة التي يمكن أن يبدأ بها، وخيل إليه أن حركة ~~الذراع قد تكون أكثر لياقة من غيرها، ولعله حرك ذراعه فعلا؛ لأن الشعر الكثيف تحت إبطه ~~أصبح ظاهرا للعيان، لكن خلجة واحدة لم تتحرك فيها، كانت لا تزال جالسة تقرأ في الكتاب، ~~وفخذاها نصف عاريتين نصف منفرجتين، الوضع العادي الذي تتخذه فخذا المرأة الحديثة حين ~~تستغرقها القراءة، ذلك الاستغراق الطبيعي لأي شخص مثقف، لكنه لم يكن يظن أو لم يكن يدور ~~بخلده أبدا أن الاستغراق مهما بلغ من العمق أو الثقافة يمكن أن يحول بين المرأة وبين رجل ~~عار. # وكانت أذناها قد التقطتا صوت المقرئ، فامتدت يدها بغير وعي وأدارت المسمار بشيء من الرهبة، ~~وبدأ صوت كالهدير يذيع نشرة الأخبار. ربما لو كانت وحدها لامتدت يدها مرة أخرى وأدارت ~~المسمار، لكنها كانت تعرف أنه جالس في كرسيه، عنقه مشدود ومربوط بالكرافتة، ونصفه الأعلى ~~صندوق أحكم إغلاقه بصفين من الأزرار، وساقاه مضمومتان ملتصقتان في احتشام؛ الوضع ~~الطبيعي الذي تتخذه ساقا الرجل الحديث حين يستمع إلى النشرة. وكانت عيناها قد تسربتا من فوق ~~السطر خلسة فوق ذراعها البض الناعم، لكنهما لم تلبثا أن تعثرتا ببضع شعرات نافرات خشنات ~~فتذكرت موعد الحلاقة. # وكان هو قد بدأ يشعر بالحيرة، فما الذي يفعله ليخرجها من ذلك الاستغراق؟ وضع أصبعه في فمه ~~ليصفر كما كان يفعل وهو طفل حاف يلعب في الحارة عاري الأرداف، وربما وضع أصبعه في فمه فعلا ~~لكنه لم يصفر، لم تعد عضلات فمه قادرة على إحداث تلك الأصوات المنافية ms35 للذوق العام، وظل ~~واقفا جامدا عاريا كالتمثال، لكن الصمت دب فجأة في الصالة؛ ربما انقطع تيار الكهرباء، ~~ورفعت رأسها من فوق الكتاب فإذا بالصالة غارقة في الظلام، وكادت تصطدم به وهي متجهة إلى ~~حجرة المكتب، لولا أنه تراجع خطوة إلى الوراء، ولما عادت بكتاب آخر كان التيار قد عاد، وكان ~~هو جالسا في كرسيه المعتاد بكامل ملابسه وكامل وقاره. # | المربع # كان نائما في تلك المساحة المحددة له بالسنتيمترات، ومن تحته أرض صلبة ناعمة تنفث برودة ~~ورطوبة كبلاط الحمام، ومن حوله من كل جانب كتل من اللحم، طرية وساخنة ولزجة، مختلفة الأشكال ~~والأحجام، أذرع وأرجل ورءوس وظهور وبطون، آدمية كلها من درجة السخونة ومن رائحة الأنفاس، ~~وقد لا تكون آدمية كلها بجوار حصان أو حمار ليقف على هذه الفروق، لكنه يعلم بما يشبه اليقين ~~أنها آدمية كلها، ويعلم بما يشبه اليقين أيضا أنه واحد منها وأنه آدمي مثلها، لكنه ليس ~~يقينا كاليقين، فالشيء هنا لا يبدو كالشيء نفسه، إنه يبدو شيئا آخر، مختلفا تماما، ~~مختلفا إلى حد أنه لا يصبح هو الشيء نفسه وإنما شيئا آخر قد يصل في بعض الأحيان أن يكون ~~هو النقيض نفسه، فهذا اليقين مثلا لم يعد يقينا كما تعوده أن يكون، وإنما أصبح أبعد ما ~~يكون عن اليقين، وأقرب ما يكون إلى الشك، لكنه أيضا ليس شكا كالشك وإنما شك غريب يتأرجح ~~بين الشك واليقين، فلا هو شك ولا هو يقين، تلك الحالة الشاذة التي تمر بنا أحيانا، ربما ~~أثناء النوم، ليس النوم تماما وإنما تلك اللحظة الخاطفة السابقة للنوم، أو تلك اللحظة ~~الخاطفة السابقة لفقدان الوعي أو ربما الموت الكامل. وهو لحظة لا يمكن لي أن أصفها، ولا يمكن ~~لأحد غيري أن يصفها، إلا إذا مارس الموت مرة ثم صحا وجلس كالأحياء ومسك القلم ووصف لنا تلك ~~اللحظة وصفا دقيقا، وهذا ما لم يحدث أبدا. # على أن الأمر ليس هاما بالنسبة إليه إلى هذا الحد أن شيئا لا يعنيه من تلك الأمور التي ~~تعنينا، أن ms36 مجرد التفكير على هذا النحو فيما إذا كان ما يحدث له يقينا أو لا يقينا، أنه ~~نائم أو غير نائم، أن هذه اللحظة التي يمر بها تندرج في حكم الزمن تحت اليقظة أو النوم أو ~~الموت، هذه كلها تفصيلات تافهة لا تعنيه، فهو مشغول بما هو أهم، وهو مستغرق فيما هو ضروري ~~له الآن، ضرورة ملحة إجبارية، ضرورة لا تخطر على بال أحدنا؛ لأنها ليست ضرورية لنا، أو ~~لعلها ضرورية لكنها موجودة ومتوفرة في كل مكان وزمان، كالهواء نستنشقه من الجو دون أن يفرغ، ~~وكالأرض نمشي عليها ونرقد فوقها دون أن تنوء بثقلنا أو تضيق بأحجامنا. # لكنه ليس واحدا منا، أو بعبارة أصح: لم يعد واحدا منا. أشياء كثيرة تغيرت بالنسبة إليه، ~~ليس تغييرا بطيئا متدرجا كذلك الذي يحدث في حياة البشر العادية، وإنما هو تغيير فجائي، ~~كزوبعة تهب وتكتسح كل شيء، أو فيضان يغرق كل شيء، أو زلزال أو بركان يقضي على كل شيء، هكذا ~~في لحظة واحدة تغير كل شيء، في لحظة من تلك اللحظات التي تسبق ظهور أول خيوط النهار، وتسبق ~~ظهور أول خيوط الوعي، قبل أن يستيقظ تماما من النوم وقبل أن يرتدي البدلة والحذاء. أجل، لم ~~يكن هناك وقت لارتداء البدلة والحذاء، لكنه أصر على أن يرتدي البدلة والحذاء، كيف يخرج من ~~بيته بغير بدلة وبغير حذاء؟ وضاعت بضع ثوان في ارتداء البدلة والحذاء، ولم يكن هناك وقت لأن ~~يودع ابنه الصغير الراقد في الحجرة المجاورة، ليته ودعه قبل أن يمشي، لكن ذلك لم يبد ~~ضروريا في تلك اللحظة، كان ارتداء البدلة والحذاء يبدو ضروريا أكثر. أشياء ما كانت تبدو ~~ضرورية أكثر من غيرها، حفلات العشاء مع رئيس الفرع كانت تبدو ضرورية أكثر من قضاء الليلة مع ~~ابنه الصغير، كل ما يتعلق برئيس الفرع كان يبدو ضروريا أكثر من أي شيء آخر، لكن البدلة ~~خلعها والحذاء خلعه ولم يعد يستخدمهما، وابنه الصغير سيصحو من النوم ويعرف أنه اختفى دون أن ~~يخطره. # على أن كل هذا ms37 لا يخطر بباله الآن، أن يفكر في ابنه لم يعد ضروريا، إن التفكير في ~~الآخرين من الكماليات، بل إنه رفاهية وأي رفاهية، أن يفكر المرء في شخص آخر غير شخصه، بل أن ~~يفكر في شيء آخر غير جسمه، جسمه هذا الذي لم يكن يتصور أنه بهذا الحجم الضخم. لم يسبق له ~~أبدا أن عرف حجم جسمه، ربما عرف الطول والوزن ولكن الحجم؟ من منا فكر في أن يعرف حجم ~~جسمه ويقيس ذلك الحيز الذي يشغله؟ لم يفكر واحد منا في هذا، لم تكن هناك ضرورة لذلك أبدا، ~~فالمساحة بين الأرض والسماء تتسع للناس جميعا، لا تتسع فحسب ولكنها واسعة فضفاضة. # على أن الأمر لم يعد كما كان، وكل شيء تغير بسرعة مذهلة، لم تعد هناك سماء وإنما جدار ~~عال أجرب تبرز منه ألواح رفيعة طويلة كالقضبان الحديد، والأرض لم تعد أرضا وإنما مربعات ~~صغيرة مرسومة ومحددة كصفحة في كراسة الرسم البياني، وهو لا يملك إلا مربعا واحدا فقط، ~~هكذا بالمسطرة لا يزيد سنتيمترا واحدا ولا ينقص، بل إنه قد ينقص إذا ما تكاثر العدد، ~~والعدد قد يتكاثر، بل دائم التكاثر، كالخلية الحية تنقسم وتتكاثر بغير توقف. # على أنه أيضا لا يفكر الآن فيما سيكون من بعد، سيزيد العدد أو لن يزيد، ستقل المساحة ~~المحددة له أو لن تقل، هذا شيء لا يعنيه؛ فالتفكير في المستقبل رفاهية لا يستمتع به إلا من ~~تجاوز بفكره اللحظة الحاضرة وتغلب عليها، لكنه لا زال يعيش هذه اللحظة الحاضرة، وبعبارة ~~أصح: لا زالت هي تعيشه ولا زالت تحتويه، إنه يعيش داخلها وتحوطه خيوطها كالعنكبوت، وكان هذا ~~في حد ذاته شيئا غريبا مروعا؛ ذلك أنه بدلا من أن يعيش هو اللحظة ويستهلكها، إذا بها ~~هي تمسكه وتلتف حوله وتستهلكه. # لكنه لا يستهلك أبدا، لا يتلاشى أبدا ولو أراد، إنه باق وموجود رغم كل شيء، بل إن ~~وجوده هو الشيء الوحيد الذي يعيه، وجسمه هو الشيء الوحيد الذي يحسه، بل لم يسبق له أبدا أن ~~وعى وجوده ms38 هذا الوعي، أو أحس جسمه كل هذا الإحساس؛ فالجسم كجسم أو كتلة معينة من اللحم لها ~~وزن وحجم لا نحس به، نحمله معنا في كل مكان بغير تردد وبغير عبء، وحين نأكل يأكل بغير حرج، ~~وحين نمارس الجنس يمارس معنا الجنس بغير خجل، وحين ننام ينام. # لكن الأمر بالنسبة إليه أصبح مختلفا، وهو لا يعرف كيف أصبح مختلفا، ولماذا أصبح ~~مختلفا، إنه لا يعرف شيئا، كل ما يعرفه أنه كان واحدا من الناس، وكان له زوجة وابن وبيت ~~وسرير ينام عليه، وكان له مكتب يقف على بابه ساع، وكان له رئيس هو رئيس الفرع، وكان يعمل ~~كثيرا، طول النهار وجزءا من الليل، لم يكن يعرف ماذا يعمل تماما، ولكنه كان يعمل بكل ~~تأكيد ويتقاضى أجرا عن عمله يكفيه، وكانت سمعته طيبة، يؤدي الفرائض ولا يسكر ولا يعربد ولا ~~يسرق ولا يكذب. والحق ربما كذب في بعض الأحيان، ذلك النوع من الكذب الذي ليس كذبا، كأن ~~يذهب مع رئيس الفرع إلى حفل عشاء ويقول لزوجته إنه ذاهب لاجتماع اللجنة الدائمة، ذلك النوع ~~من الكذب البسيط الذي لا يغضب أحدا إلا زوجته، وغضب زوجته لم يكن شيئا يذكر؛ لأنه لم ~~يكن له ضرر يذكر. # وهكذا كان واحدا من الناس، عاديا ومحترما وله سمعة طيبة، وله بيت من ثلاث غرف وسرير ينام ~~عليه ويمد ساقيه عن آخرهما دون أن يعوقهما شيء، فما الذي حدث؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ أهو عقاب ~~ما؟ وإذا كان عقابا، فما هو الذنب الذي اقترفه؟ ومن هو الذي شرع العقاب أو وقفه؟ # أسئلة كثيرة لا تدور بذهنه الآن كما تدور بأذهاننا؛ ذلك أنها أسئلة تتعلق بشيء مضى، ~~والتفكير في الماضي كالتفكير في المستقبل رفاهية لا يستمتع بها إلا من تجاوز بفكره الحاضر، ~~أو من هو قادر على تجاوزه. لكنه غير قادر على الخروج من قبضة اللحظة الحاضرة، لقد سقط ~~فيها واحتوته وحاصرته، ولم يعد أمامه إلا أن يدور في جوفها إلى الأبد، أو يختنق ويموت ~~ويتلاشى. # لكنه أبدا لا يتلاشى، ms39 وليس هناك من شيء يبشر بهذا التلاشي، جسمه هو جسمه بل لعله يبدو ~~أكبر حجما مما كان يظن، لم يكن يظن أبدا أن جسمه بهذا الحجم الكبير، وأن ساقيه حين تمتدان ~~تصبحان بكل هذا الطول. لو كان أصغر حجما، لو كانت ساقاه أقل طولا، ربما كان في إمكانه أن ~~يتكور حول نفسه بسهولة أكثر، وربما كان في مقدوره أن يشغل بالضبط المساحة المحددة له، ذلك ~~المربع الصغير من الأرض، مرسوما ومحددا بالمسطرة لا يزيد سنتيمترا واحدا، وأبدا مهما ~~زاد حجم جسمه، ومهما طالت ساقاه، ومهما علت درجته، ومهما كانت علاقته طيبة برئيس الفرع، فالكل ~~هنا سواء؛ النحيف والسمين، والطويل والقصير، المتعلم والجاهل، الساعي والمدير، كلهم سواء، ~~متساوون كأسنان المشط، يلبسون من قماش واحد، وينامون فوق مربعات صغيرة كمربعات البلاط، ~~مرسومة ومحددة ومتساوية، ولكل منهم مربع واحد فقط. # وهذا التساوي في حد ذاته شيء فظيع مروع، ليس هو التساوي بمعنى التساوي، ليس هو أن يأكل مع ~~الكل من صحن واحد، أو يلبس مع الكل من قماش واحد، أو يبول مع الكل في وعاء واحد، أو ينام مع ~~الكل في مربع واحد، ليس هو التساوي كحدث يحدث، وإنما هو الإحساس بالتساوي، الإحساس بأنه واحد ~~من هذه الكتل اللحمية المتراصة في صفوف والمتلاصقة، لا شيء يميزه عنها، لا شيء يدل على أنه هو ~~نفسه وليس واحدا آخر، لا اسم ولا لقب ولا ملابس ولا شهادة ولا درجة ولا علامة، ولا حتى ختم ~~أو وشم طبع على بطن يده، وهو لا يكره التساوي، أو بعبارة أصح: لم يكن يكرهه، بل إنه كثيرا ~~ما قرأ عنه وانفعل، وكثيرا ما تأثر لمنظر طفل يشحذ، وثار لمنظر ثري متخم، كثيرا ما تأثر ~~وكثيرا ما ثار، وفي كل مرة كان صادقا، صادقا أكثر من أي مرة سابقة، حتى إن الدموع كانت ~~تطفر من عينيه أحيانا من شدة الصدق، على أنه لم يعد يذكر الآن شيئا؛ فالتذكر رفاهية لا ~~يستمتع به إلا ذلك الذي يستطيع أن يرقد فوق بطنه ms40 أو ظهره، ويمد ساقيه عن آخرهما دون أن ~~يعوقهما شيء ويتذكر، لكنه لا يستطيع أن يمد ساقيه، فالمساحة صغيرة لا تزيد عن مربع واحد من ~~مربعات البلاط، ومن حوله أذرع وأرجل ورءوس وبطون، تحوطه من كل جانب، وتضغط عليه من كل ~~ناحية، وهو يحاول بكل قوة وكل جهد أن يتكور حول نفسه، وأن يتقلص وينكمش ويتضاءل؛ ليحشر نفسه ~~داخل المساحة المحددة ويدخل في المربع، وهو لا يعرف كيف يمكن أن يحدث ذلك، كيف يمكن أن ~~ينكمش جسمه الضخم ليصل إلى ذلك الحجم الصغير، كيف يمكن أن يتكور ويتكور ليصبح كالجنين وفي ~~حجم الجنين. كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ إنه لا يعرف، ولكنه يعرف أنه لا بد أن يحدث؛ فليس هناك ~~من حل آخر، المساحة محددة، والمربع واحد فقط لا يزيد سنتيمترا واحدا لأي سبب، وجسمه هو ~~جسمه بحجمه وكثافته لا ينقص جزءا ولا يعود جنينا بأي حال، لكنه لا بد أن يدخل في المربع، ~~نعم لا بد. لماذا لا بد؟ وكيف؟ إنه لا يعرف، ولكنه يعرف أنه لا بد أن يحدث، ربما بعد مجهود ~~فظيع مروع ليس في طاقة البشر، وربما بعد وقت طويل بغير حدود، ربما بعد أي شيء، ولكنه في ~~النهاية سيحدث. # على أن ذلك لا يحدث، وجسمه لا زال كما هو بحجمه، ومن حوله أذرع وأرجل ورءوس وبطون ساخنة ~~ولزجة تحيط به من كل جانب وتضغط وتضغط، لكنه لا ينضغط وتبقى تحت أي ثقل قطرة زئبق، وهو ليس ~~أضعف من قطرة زئبق، إنه يقاوم بكل قوة؛ يقاوم حجم جسده، ويقاوم طول ساقيه، يقاوم كثافة لحمه ~~وعظامه، يقاوم بكل قوته وكل حيله وفكره، يقاوم بغير كلل أو ملل وبغير فتور أو يأس، يتكور ~~ويتقلص وينكمش داخل نفسه كثعبان يحاول أن يدخل في ثقب ضيق، تماما كثعبان، ليس تماما فهو ~~ليس ثعبانا، إنه إنسان، أكثر مرونة، أكثر حيلة، وأكثر قدرة. كان له مكتب وساع ورئيس فرع، ~~وكان له زوجة وابن وبيت من ثلاث غرف، وكان له سرير، أجل كان ms41 له سرير واسع ، يمد فوقه ساقيه ~~لآخرهما ويتمدد فوق بطنه أو ظهره، ويغمض عينيه ويحلم، يحلم كما يحلم أي أحد أراد أو لم يرد، ~~يحلم بحفل عشاء مع رئيس الفرع، يحلم بعلاوة استثنائية، يحلم بتحقيق المساواة بين البشر. أجل ~~كان يحلم كل ليلة كأي أحد، وربما هو يحلم الآن، لكن السرير ليس تحته وإنما أرض صلبة رطبة ~~كأرض الحمام، وعيناه غير مقفلتين، وساقاه ليستا ممدودتين أفقيتين كما يحدث في النوم، ~~ولكنهما مرفوعتان إلى أعلى مقوستان متشابكتان فوق بطنه منثنيتان تحت ظهره. كيف استطاع أن ~~يثني ساقيه إلى هذا الحد؟ كيف لانت مفاصله؟ كيف انثنت عظامه؟ إنه لا يدري، فهو لم يكن بطلا ~~من أبطال اليوجا، ولكنه كان رجلا مفكرا يعيش بذهنه، ولا يحرك عضلاته إلا لقضاء ضرورة ~~ملحة، وكانت مفاصله من قلة الحركة قد يبست وتصلبت، تطقطق أحيانا كلما جلس أو وقف ~~كمفاصل الباب الصدئ، غير أن ذلك لم يكن يهمه أو يضره؛ فهو قادر في النهاية على أن يمشي ~~ويجلس ويقف ويأكل ويمارس الجنس. ثم إن مفاصله ليست هي الوحيدة التي تطقطق، كثيرا ما سمع ~~مفاصل زملائه، بل إن رئيس الفرع أيضا كانت مفاصله تطرقع. # على أن كل شيء أصبح مختلفا بطريقة مذهلة، وما كان في وسع أحد أن يتصور أن تلك الكتلة ~~المستديرة المتكورة كانت في الأصل رجلا، أو يمكن أن تكون رجلا بعد أن تنفك وتتمدد، ما كان ~~لأحد أن يتصور، لكن الأمر لم يكن خيالا أو حلما، كان حقيقة، حقيقة الأرض الصلبة الباردة ~~تحت أليتيه، حقيقة السخونة ذات الرائحة الآدمية التي تملأ أنفه، وحقيقة وجود جسمه بثقله ~~وحجمه، وجودا حقيقيا أكثر من أي شيء آخر، بل لا شيء غيره يبدو حقيقيا، لا شيء غيره يبدو ~~موجودا، أو كان موجودا في وقت من الأوقات، لا مكتبه ولا الساعي ولا رئيس الفرع ولا زوجته ~~ولا ابنه ولا بيته ولا حتى السرير، ربما كان كل عمره السابق حلما، حلما طويلا جدا، ربما ~~كان أملا أو وهما أو دعوة صلاة، ms42 ربما كان أي شيء لكنه كان، وهو الآن بجسمه الضخم فوق تلك ~~المساحة الصغيرة المحددة، يحاول أن يدخل في المربع، لكنه لا يدخل؛ فالمربع أصغر من جسمه، ~~وجسمه أكبر من المربع، لكنه لا بد أن يدخل ولا بد لهذه اللحظة من أن تمر، هذه اللحظة التي ~~احتوته في داخلها والتفت حوله وضيقت عليه الخناق كاللجام أو سلسلة من حديد، هذه اللحظة ~~الضخمة الطويلة الممتدة إلى الأبد، كيف تكون لحظة واحدة من الزمن طويلة إلى هذا الحد؟ وكيف ~~كانت اللحظات تمر به من قبل؟ وهل يمكن لهذه اللحظة أن تمر؟ إنه لا يعلم، ولكنه يعلم أنها لا ~~بد ستمر، ربما بعد وقت طويل جدا لا يعرف طوله، وربما بعد مجهود فظيع مروع ليس في طاقة ~~البشر، لكنها في النهاية ستمر هكذا كما تمر أي لحظة من العمر، وربما بالبساطة نفسها التي ~~تمر بها أي لحظة أخرى. # | الأنف # إذا كان واقفا على قدميه، فلماذا لا تكون قامته بطولها المعهود؟ ولماذا لا تكون أعضاء ~~جسمه متراصة بعضها فوق البعض بالترتيب القديم: الرأس فوق، ومن تحتها الرقبة، فالصدر، فالبطن، ~~فالساقان. والقدمان أليستا هما اللتين ترتكزان على الأرض؟ # يبدو أن هذا ليس هو ما يحدث. إنه واقف، هذا شيء يدركه منذ وصل إلى هذا المكان، لكنه ~~ليس واقفا على قدميه، وإنما على شيء مفلطح طري له طراوة بطنه. أيكون نائما؟ ولكنه ~~يرتدي البدلة والحذاء والكرافتة، الكرافتة تلتف حول رقبته بإحكام، وربطتها تحت ذقنه مقوسة ~~ومبرومة بإتقان. أجل، كرافتة محكمة حول الرقبة، كان هذا هو شرط الدخول إلى المكان. # ما العلاقة بين شريط طويل يغطي الرقبة وبين الاحترام؟ ولكن هناك أمكنة أكثر احتراما ~~من الرقبة، وكان هو يحب رقبته عارية، وخاصة ذلك الغضروف المدبب «تفاحة آدم» دليل ~~الرجولة الذي لا يقبل الشك، لكن تأتي أوقات لا يحتاج المرء فيها إلى دليل الرجولة أو ~~الرجولة نفسها. ثم ما علاقة غضروف مدبب في الرقبة بالرجولة؟ هذا ما لا يستطيع أن ~~يفهمه. # لكن الأشياء تبدو أكثر وضوحا، إنها ليست ms43 أشياء ولكنها شيء واحد، شيء واحد ابتلع كل ~~الأشياء وأصبح ضخما، أكثر ضخامة من أي شيء رآه في حياته، أكثر ضخامة من الهرم الأكبر. حين ~~وقف أمام الهرم كان يستطيع أن يرفع رأسه ويرى قمته، أما الآن فهو لا يستطيع أن يرى القمة، ~~وربما لا يستطيع أن يرفع رأسه. إن رأسه ليس في ذلك الوضع الرأسي المألوف الذي يستطيع منه أن ~~يحركه بسهولة ويرفعه، رأسه في وضع أفقي غريب، يتساوى في ارتفاعه عن الأرض مع رقبته وصدره ~~وبطنه ومؤخرته، كأنه منبطح فوق بطنه على الأرض، أو على أقل تقدير: نائم على بطنه. # لكنه واقف، إذا كان الوقوف يعني الارتكاز على القدمين. إنه مرتكز بقدميه على الأرض، هذا ~~شيء مؤكد أو يصبح مؤكدا الآن، والشيء الطري المفلطح ليس بطنه بأدنى شك، فهو يدوس عليه، ~~يدوس عليه بكل ثقله حتى يكاد يغوص فيه. قد يكون الغوص هو السبب في ذلك القصر الشديد الذي ~~أصاب قامته فأصبح قزما لا يكاد رأسه يرتفع عن الأرض. # ربما هو فخ نصب له. أي شيء يمكن أن يكون فخا في هذه الأوقات، وهو بطبيعته حذر شكاك ~~يرتاب في كل شيء، ولكن أحيانا ما يخطئ ويثق، ليست ثقة تماما ولكن ثقة متشككة؛ فالأشياء لا ~~تبدو هي الأشياء، والكلمات لا تبدو هي الكلمات، بل هو أيضا لا يبدو أنه هو. كان فارع الطول؛ ~~إذا ما وقف على قدميه ارتفع رأسه فوق رقبته واستطاع أن يطل بعينيه إلى فوق. # لكن عينيه لا تستطيعان رؤية ما هو فوق، فالبناء ضخم، أضخم من الأهرامات لو أنها تراصت ~~بعضها فوق البعض وأصبحت هرما واحدا قمته أعلى من قدرة البصر، وجسمه أكبر من حدود الحواس ~~الخمس، بناء ضخم يحجب من خلفه السماء والشمس، ويرسم ظله الأسود الكثيف فوق الأرض وفوق البيوت ~~والعمارات والشوارع والعربات ومباني الحكومة وقضبان الترام. # فخ لا ريب وعليه أن يتملص، لا تزال قدماه رغم كل شيء قادرتين على الحركة. حركة القدمين ~~تصبح أحيانا معجزة، يرفع قدما ويخفض القدم الأخرى وهكذا ms44 يتحرك، لا يعرف إلى أين يهرب، ليس ~~مهما أن يعرف، إنه قادر على التحرك، هذه القدرة في حد ذاتها شيء خارق، إنه قزم لا يكاد ~~رأسه يرتفع عن الأرض، والبناء الضخم شامخ في السماء لكنه يستطيع أن يتحرك، أما البناء فلا ~~يستطيع. # مقارنة تنطوي على خبث. الخبث أيضا قدرة خارقة، إنه ليس كحركة القدمين، ولكنه حركة داخل ~~الرأس، ربما حركة جسدية أيضا ولكنه حركة على أي حال، إنه قدرة بغير شك، وهو يفتش عن ~~قدراته، يبحث داخل جسمه الصغير عن كل أسلحته الخفية، أجل الخفية، فكل شيء يجب أن يعمل في ~~الخفاء في هذه الأوقات، وبالذات حين يواجه المرء بمثل هذا الشيء الضخم. إنه بناء، وليس إلا ~~بناء حجريا عاجزا عن الحركة ولكنه ضخم ضخامة غريبة، ضخامة تملأ المساحة بين الأرض ~~والسماء، ضخامة تبدو من كبرها ممتدة بين السماء والأرض فكأنما هي شيء متحرك مع أنها جماد ~~ثابت، كالكرة الأرضية ثابتة ومتحركة في الوقت نفسه. # وارتعدت قدماه، إنه حذر وشكاك لكنه ليس جبانا، الحذر شيء والجبن شيء آخر، لا يذكر أنه ~~خاف مرة من أحد، كان إحساسه بنفسه يفوق إحساسه بالآخرين، مجرد إحساس أو مجرد وهم، ولكن ما ~~هو الإنسان؟ الإنسان هو ما يتوهمه في نفسه، وكان يتوهم أنه أقدر من الآخرين فأصبح أقدر منهم ~~وأصبح جسمه أقدر على التهام الأكل، وفي كل مرة حين يجلس إلى المائدة ويحس ببطنه يعلو طربا ~~فوق فخذيه، يقول لنفسه: سأقلل من الطعام. ثم يأكل أكثر من أي مرة سابقة. # لو أكل أقل ربما كان أكثر قدرة على الحركة، ربما كان أخف وزنا، ربما كانت مطالبه أقل، ~~لكن مطالبه كانت تزداد يوما بعد يوم، ليست مطالبه وحده وإنما مطالب زوجته ومطالب أولاده ~~ومعارفه وأصدقائه، لا أحد في هذه الأوقات بغير مطالب، وعليه أن يسد أفواها كثيرة، عليه أن ~~يدفع مقابل الوهم بأنه أقدر من الآخرين، عليه أن يدفع مقابل أي شيء وإن كان مجرد فم ~~يغلق. # وتحسس فمه، شفتاه موجودتان وقادرتان على الانفتاح والانغلاق. ms45 أجل، وهذا صوت يخرج يشبه ~~صوته، إنه صوته بالفعل، النبرة المعهودة والكلمات نفسها، إن مجرد النطق معجزة في بعض ~~الأوقات، النطق قدرة خارقة في حد ذاتها، إنه قزم لا يكاد رأسه يرتفع عن الأرض والبناء ضخم ~~شامخ، لكنه يستطيع أن ينطق أما البناء فلا. # على أن هذا أيضا سلاح قديم أبلاه الزمن، فهذا صوت أعلى من صوته، ونبرته أكبر وأضخم، تكاد ~~تصم أذنيه الصغيرتين، قد لا يكون صوتا بشريا تماما، والكلمات قد لا تكون منطوقة بالطريقة ~~نفسها التي ينطق هو بها، ولكن هل من الضروري أن يكون كل شيء بشريا تماما؟ هل من الضروري ~~أن يكون كل شيء مفعولا بالطريقة التي يفعلها هو؟ لماذا يحكم دائما على الأشياء ~~بجسده؟ # ارتعدت قدماه أكثر، هذا البناء الحجري قادر على إصدار أصوات مسموعة في كل أنحاء السماء ~~والأرض، ليست مسموعة فحسب ولكنها رنانة ضخمة تبتلع في جوفها صوته فلا يسمعه أحد، وهذا ~~البناء الحجري قادر أيضا على التحرك، ليست حركة صغيرة كحركة قدم وراء القدم الأخرى، ولكنها ~~حركة ضخمة جبارة تهز الأرض كزلزال، وتبتلع في جوفها حركته فلا يلحظه أحد، لا أحد يسمعه ولا ~~أحد يلحظه، فماذا يدل على أنه موجود؟ ليس هناك أي دليل. # تصبب العرق من كل جسمه، غزيرا لزجا وله رائحة، لأول مرة في حياته يشم رائحة عرقه، ~~الرائحة نفسها التي كان يتأفف منها كلما اشتد اقترابه من الآخرين، لو كان ميتا لفقد قدرته ~~على الشم، إنه موجود إذن، وتشبثت أصابعه بأنفه؛ بهذا الدليل الوحيد على أنه لم يمت. لم يكن ~~يهتم كثيرا بأنفه، فالأنف لم يكن في نظره عضوا مهما، بعض الناس قطعت أنوفهم وعاشوا، بعض ~~الناس دفنوا أنوفهم في التراب وبقيت أجسامهم تعيش وترفل في النعيم. # وارتجفت أصابعه فوق أنفه، أنفه أيضا لم يكن مائلا إلى أعلى في ذلك الوضع الطبيعي ~~المألوف، كان مائلا إلى أسفل، وأرنبة أنفه الرفيعة المدببة مرتكزة على الأرض، على حين كانت ~~قدماه معلقتين في الهواء! كيف استطاع أن يقف على أرنبة أنفه؟ وكيف ms46 استطاعت أرنبته الرفيعة ~~المدببة أن تحمل جسده؟ # قد تكون صلاة، وربما هو نسي حركات الصلاة، أربعون سنة مضت منذ كان يصلي، كان طفلا صغيرا ~~وكان هناك شيء اسمه الإيمان، ولكن ماذا يكون الآن هذا البناء الحجري الشامخ في السماء وظله ~~الكثيف الأسود مرسوم فوق الأرض، والبيوت والعمارات والشوارع والعربات ومباني الحكومة وقضبان ~~الترام؟ # أيرجع الزمن إلى الوراء ويعود يعبد الأوثان؟ # فخ لا شك وقع فيه، ونفخ من الغيظ فدخلت ذرات التراب إلى أنفه، وحاول أن يعطس أو لعله عطس ~~فعلا؛ فلكزه أحد في جنبه، لم يكن يدري حتى تلك اللحظة أن معه آخرين، لكنه استطاع أن يلحظ ~~بطرف عينه صفا طويلا من الأنوف أرنبتها الرفيعة المدببة مرتكزة على الأرض، على حين بقيت ~~الأقدام معلقة في الهواء. # | رجل # في مثل هذه اللحظة النادرة التي لا تمر بكل الناس، وإنما بقلة قليلة جدا حالفها الحظ، ~~أو بالأحرى خانها الحظ فإذا بها لسبب ما وجها لوجه مع الحياة وقد تعرت عريا كاملا، وبدت ~~على حقيقتها كوميض مكهرب يصعق الإنسان في التو واللحظة، فيموت ويموت معه السر، أو لعله يكون أكثر ~~احتمالا فلا يموت تماما وإنما يصبح في تلك الحالة المترددة بين الوعي واللاوعي، وتختلط ~~الأشياء بعضها بالبعض فلا يعرف الحقيقة من غير الحقيقة، ولا يدرك اليقظة من النوم. # في هذه اللحظة كانت خديجة قد رفعت يدها وفتحت الباب، وكأنما أصيب جسدها بمس كهربي ففقدت ~~القدرة على النطق والحركة، تجمد جسدها في مكانه وتجمد الدم في عروقها، وكان من الممكن أن ~~يتوقف قلبها عن الحركة وتفارقها الحياة تماما لولا أن عينيها ظلتا قادرتين على الرؤية ~~بقدرة قادر، فكأنما الحياة انسحبت من كل جسدها لتتركز فيهما. واستطاعت خديجة أن ترى المشهد ~~العجيب، ربما لم تدرك تماما أهو حلم أم حقيقة، لكنها كانت تراه بوضوح، وتعرفت منذ الوهلة ~~الأولى على رأس عشماوي بشعره الأكرت وقفاه الأسمر الغليظ، لكنه بدا لها في تلك اللحظة كرأس ~~رجل غريب لم تره من قبل ولم تعش معه عشر سنوات كاملة، ms47 وربما كان هذا هو السبب الذي جعلها ~~تتأمل المنظر بغير إحساس، أو بإحساس محايد كمشاهد في سينما أو مسرح أو بالأحرى سيرك تقوم فيه ~~الحيوانات بألعاب عجيبة تذهل الإنسان، فيفتح فمه وينطق مشدوها: «يا خبر!» # وحينما انفتح فم خديجة وخرج صوتها المبحوح المشدوه: «يا خبر!» ارتطمت على الفور أربع عيون ~~متسعة مذعورة بعينيها الجاحظتين، أربع عيون بدت لها من شدة ذعرها غير آدمية، لكنها سرعان ما ~~تعرفت على عيني عشماوي ببياضهما الواسع المصفر وجفنيهما الوارمين، أما العينان الأخريان ~~فقد اختفتا في اللحظة نفسها التي ظهرتا فيها، فكأنما لم تكونا إلا لقطة خاطفة في فيلم وليستا ~~عينين حقيقيتين في إنسان مجسد حي. # ولأول وهلة أيضا اختلط الأمر على عشماوي، فلم يتأكد تماما من أن هاتين العينين الجاحظتين ~~المطلتين عليه هما عينا خديجة الغائرتان الضيقتان، ولعله أيضا لم يدرك أهو شيء حقيقي ذلك ~~الذي يحدث أم أنه مجرد كابوس، وامتدت يده بغير وعي تتحسس جسمه ليتأكد من يقظته، فارتطمت ~~أصابعه بظهره العاري، وجثمت عليه الحقيقة كجدار ثقيل لم يستطع معه أن يتحرك، استطاع فقط أن ~~يدفن وجهه في بطن السجادة العجمي السميكة، لكن بقية جسده ظل كما كان فوق الأرض ظاهرا ~~وعاريا ومرئيا، تراه عينا خديجة بوضوح، وتستطيع أن تعد فقرات ظهره فقرة فقرة. لم تكن ~~تظن أن جسمه نحيل إلى هذا الحد، وأن عظام كتفه دقيقة وصغيرة بهذا الشكل، كان يبدو لها في ~~البدلة ممتلئا عريض الكتفين، وحينما جاء لأول مرة وخطبها من أبيها وافقت على الفور، أبوه ~~مزارع أجير يعمل في أرضهم لكنه علم ابنه في المدارس وأصبح عشماوي موظفا في الحكومة يرتدي ~~البدلة، كثيرا ما رفضت غيره من شباب القرية، حتى ابن العمدة رفضته، إنه يملك وحده عشرة ~~أفدنة ولكنه لم يتوظف في الحكومة ولا زال يرتدي الجلباب، جلباب من السكروته الغالية حقا ~~ولكنه جلباب يتهدل فوق كتفيه وساقيه واسعا فضفاضا كجلابيب النساء، والرجل لكي يكون رجلا ~~لا بد له من كتفين غير متهدلتين صلبتين عريضتين في وضع أفقي ms48 مستقيم، وهذا ما تفعله الجاكتة، ~~ولا بد له من ساقين منفصلتين بعضهما عن البعض يمكنه أن يحرك كلا منهما على حدة وبثقة ~~وحرية، وهذا في نظرها هو صفة الرجولة التي تميزها على الأنوثة، والتي لا يمكن أن تحدث إلا في ~~ظل البنطلون. ~~••• # ولأول مرة في حياتها ترى خديجة عشماوي بغير ملابس، كانت تراه بالبيجاما قبل أن ينام وبعد ~~أن يصحو من النوم، لكنها لم تره أبدا بغير ملابس على الإطلاق، حتى في تلك اللحظات التي كان ~~يمكن لها أن تراه بغير ملابس لم تكن تجرؤ على أن تفتح عينيها، إنها امرأة شريفة ومن أسرة ~~كريمة ولا يصح لها إن تحملق في مثل هذه الأوقات، ولم يكن الشرف وحده هو الذي يمنعها وإنما ~~الخوف أيضا والرهبة كل الرهبة للتجسس على ذلك الشيء الخطير الذي اسمه جسد الرجل، كانت ~~ترهبه وتجهله، وحينما كان يقترب منها ويحوط ذراعيه حولها تنتفض، لم تكن تتصور أن هناك زوجة ~~يمكن أن تكون أسعد منها، أو أن زوجها يحبها أكثر مما يحبها عشماوي. نعم، عشماوي يحبها، هذا شيء ~~أكيد، وهو يبذل كل جهده ليمنحها السعادة كل جهده. # وبقيت كلمة «كل جهده» مكورة في حلقها كالغصة، إحساس مبهم قديم بدأ يبرز من منطقة ضبابية ~~في قاع سحيق من نفسها، كدبوس ينخر في رأسها لتخرج فكرة غريبة لم تخطر ببالها، عشماوي كان ~~يبذل كل جهده ليرضيها، إرضاؤها كان عسيرا عليه، كان يحاول أن يرضيها رغم إرادته، رغم رغبته. ~~عشماوي لم يرغبها، لم يحبها أبدا، حتى في أكثر اللحظات نشوة حين يغرقها بالهدايا والحب، بل ~~في قمة تلاحم العشق كان هناك دائما ذلك الإحساس الغامض الراكد في أعماقها يفصل بينها وبينه ~~كلوح من الزجاج البارد، أو كبؤرة صديدية مزمنة؛ لا هي تخرج إلى السطح وتنفجر، ولا هي تموت ~~وتؤكل بكرات الدم البيضاء. لكنها لم تكن تحس بها، استطاعت دائما أن تتجاهلها لتنساها، ~~وأحيانا كانت تنهر نفسها وتتهم جسدها بالجشع والطمع، وأحيانا أخرى لم يكن أي شيء يجدي ~~فتصعد المرارة من ms49 مكانها الخفي السحيق ، وتكاد تحس طعمها القابض في جوفها. # وكأنما انقشعت عن ذاكرة خديجة سحابة أو غشاوة، فراحت تتذكر أشياء لم تكن تذكرها، وتلحظ ~~أشياء لم تكن تلحظها، كم من مرة سافر عشماوي في مأموريات مفاجئة، كل ليلة كان يخرج بحجة ~~حضور اللجان، كم من ليلة مرت عليها وهي مؤرقة تتقلب في الفراش وهو نائم إلى جوارها يشخر، ~~وحينما كان يقترب منها بعد كل محاولاتها للإفصاح ويحاول أن يرضيها، لم يكن يرضيها في معظم ~~الأحيان، بل لعله لم يرضها أبدا، كانت توهمه وتوهم نفسها أنها رضيت، لكن جسدها كثيرا ما ~~كان يخونها فيظل متشبثا به مستجديا مستميتا ليبلغ النهاية، فلا هو يبلغها ولا هو يكف عن ~~الطلب، ويظل مشدودا بينهما مصلوبا لا يخلصه إلا الإرهاق والتعب، فيسقط كفرخة مذبوحة يرتعش ~~وينتفض، ثم لا يلبث أن يهمد تماما ويكف عن الحركة. # لم يكن عشماوي حتى ذلك الحين قد تحرك من مكانه، خديجة رأت وعرفت، فلماذا يبذل أي جهد؟ ~~كثيرا ما بذل من جهد، وكثيرا ما حاول أن يبذل، لكنها الآن عرفت، جاءت بقدميها وعليها أن ~~تتحمل النتيجة، هي امرأة مهما كان الأمر وهو ما زال الرجل، ربما لم تره في وضع الرجل تماما ~~لكنه لا زال بالنسبة إليها الرجل، ليس أي رجل وإنما موظف محترم، مدير مكتب السيد الوكيل، لو ~~أنها جاءت إلى مكتبه في أي وقت من النهار لرأت بعينيها كيف ينحني له الموظفون صغارا ~~وكبارا، كيف يستأذن منه مديرو العموم قبل أن يدخلوا إلى السيد الوكيل، كيف يستطيع أن يطلب ~~أي واحد منهم بالتليفون. حين تخرج عشماوي في معهد المعلمين، كان عليه أن يختار بين وظيفتين: ~~أن يكون مدرسا في مدرسة، أو أن يكون سكرتيرا خاصا لأحد المديرين، ورفض أن يكون مدرسا، ~~ما قيمة مدرس؟ يعيش مدرسا ويموت مدرسا أو على الأكثر ناظر مدرسة؟ أما أن يكون سكرتيرا ~~خاصا لأحد المديرين فهذا هو الطريق المفتوح، أن يلتصق بأحد الكبار كما تلتصق القملة بجلدة ~~الرأس. كل الذين وصلوا قبله من ms50 الموظفين كانت لهم صلة وثيقة بأحد الكبار، وهل هناك صلة أوثق ~~من أن يكون سكرتيرا خاصا؟ # وكان عشماوي من ذلك النوع من الناس الذي صنع وتشكل ليكون سكرتيرا خاصا، نوع لا ~~تكون له شخصية خاصة أو تفكير خاص أو رأي خاص أو حياة خاصة، بل أيضا ليس له جسد خاص وإنما هو ~~كتلة هلامية شفافة كلوح زجاج يظهر من خلاله الشخص الآخر، كمرآة تعكس الصورة، إنه دائما ~~صورة لشخص غيره، صورة طبق الأصل لكنها ليست الأصل أبدا. # ولم يكن عشماوي يعرف تماما ما هو عمل السكرتير الخاص، لكنه كان يعتقد أنه لا بد أن يلعب ~~دور «البودي جارد»، أو أن يصنع من جسده درعا واقية للسيد المدير أو السيد الوكيل من بعد؛ أن ~~يحول جسده بينه وبين الناس، أن يقف حوله في كل اجتماع، وأن يصنع من مكتبه مصفاة ثقوبها واسعة ~~لا تبقي إلا أشخاصا معينين لهم حجم معين ووزن معين، يتدرب السكرتير الخاص على معرفة لهجتهم ~~في التليفون، ومشيتهم حين يدخلون عليه المكتب، وطريقة وضع السيجارة في الفم وتحريكها من ~~زاوية، وطريقة كلامهم خاصة حين ينطقون اسم السيد الوكيل مثلا قائلين «ماجد بك»، إن طريقة ~~نطقهم لكلمة «بك» ليست طريقة مرءوس لرئيس، وإنما هي طريقة ند لند، و«بك» ل «بك»، وأحيانا لا ~~يقولون ماجد بك وإنما الأستاذ ماجد، أحيانا يكتفي بعضهم بأن يقول ماجد «حاف» إمعانا منه ~~في أن يفهم السكرتير الخاص درجة الألفة بينه وبين السيد الوكيل، أشياء كلها صغيرة تحتاج إلى ~~ملاحظة دقيقة تعود عليها عشماوي وأصبح يتقنها إتقانا شديدا، وقد أدرك بعد شيء من الخبرة ~~أن عمله لا يزيد عن مجموعة من الطقوس الصغيرة، والصغيرة جدا، لكنها هامة بل هامة جدا؛ كأن ~~يكون هناك دائما أمام باب السيد الوكيل اثنان من السعاة في وضع الاستعداد دائما، قبل أن ~~يخرج السيد الوكيل أو قبل أن يدخل لا بد وأن تحدث الانتفاضة ثم الانتصابة في ظهريهما ~~الاثنين في وقت واحد، والذراع ترتفع في نفس اللحظة، والأصبع الكبير يلامس ms51 الجبهة، وقبل أن ~~يعلن السيد الوكيل عن خروجه تكون العربة السوداء في منتصف السلم تماما، والسائق في وضع ~~الاستعداد واقفا فاتحا الباب الخلفي بيده اليسرى، ويده اليمنى متأهبة للارتفاع في اللحظة ~~التي تهل فيها صلعة السيد الوكيل على أول درجات السلم. # أما حين يكون السيد الوكيل مستقرا في مكتبه، فهناك أشياء أخرى صغيرة ودقيقة جدا أصبح ~~عشماوي يتقنها، أصبح يفهم معنى أي حركة تصدر عن أي عضو من أعضاء السيد الوكيل دون حاجة إلى ~~كلام، هزة الرأس مثلا أصبح يفهمها على الفور، وهزة الرأس ليست هي هزة الرأس في كل الأوقات ~~والأحوال، هناك الهزة التي تعني أن السيد الوكيل مغتبط، وهناك الهزة التي تعني أنه غير ~~مغتبط، وهناك الهزة التي تعني أن عشماوي يجب أن يظل باقيا موجودا جاثما فوق صدر الزائر ~~بكل حجمه وكثافته، وهناك الهزة التي تعني أن عشماوي يجب أن يخرج. # وأصبح عشماوي خبيرا، وحينما انتقل من مكتب المدير إلى مكتب المدير العام، ثم إلى مكتب ~~السيد الوكيل، لم يكن في حاجة إلى خبرة جديدة؛ فالأسلوب هو الأسلوب في كل مكان، واختصاصات ~~السكرتير الخاص هي الاختصاصات، وتقاليد الموظفين هي التقاليد، وعلاقة الرؤساء بالمرءوسين هي ~~العلاقة، وشخصية الموظف هي الشخصية؛ حمل وديع ناعم الصوت أمام رئيسه، وأسد مستأسد مرتفع الصوت ~~أمام مرءوسيه، ولكل موظف حسب درجته مشية خاصة، وطريقة تدخين خاصة، وطريقة خاصة حين ينطق ~~كلمة «بك»، وطريقة خاصة حين يمسك الدوسيه، حتى إن عشماوي أصبح يتعرف على درجة الموظف وكادره ~~من مشيته وصوته وحركاته. # وقد أدرك عشماوي أن هناك ما هو أهم من الخبرة؛ ذلك أن يطيع الأوامر، خاصة كانت أو عامة. ~~أحد المديرين كان يرسله صباح كل يوم ليوصل أطفاله إلى المدرسة، ومدير آخر كان يترك له ~~«المدام» ليرافقها في جولاتها الشرائية، ومدير آخر كان يرسله إلى سوق التوفيقية لشراء لحم ~~الأسبوع، ومدير آخر دفعه إلى التدريب على الشطرنج ليلاعبه في ساعات الفراغ، أما السيد ~~الوكيل هذا فله هواية أخرى غريبة. # كان السيد الوكيل من ذلك ms52 النوع من الرجال الذي يظن بينه وبين نفسه أنه أكثر رجولة من أي ~~رجل آخر، ربما لم يكن واثقا من ذلك كل الثقة، لكنه كان يريد دائما أن يثق بذلك كل الثقة، ~~ولم يكن يعرف تماما ماذا يفعل ليتحقق له ذلك، ولكنه كان يحس كلما ظهر أمامه رجل برغبة عنيفة ~~في إخضاعه، ولم يكن الإخضاع في نظره يعني الإخضاع العادي الذي يمكن أن يحدث بين رئيس ومرءوس، ~~ولكنها رغبة طاغية في أن يسحق من أمامه، يسحق عقله ونفسه، بل وجسده أيضا بحيث لا يبقي له على ~~شيء. # وكانت له طرق متعددة للإخضاع: مرة باللين ومرة بالشدة، ومرة بالعطاء ومرة بالحرمان، ~~أحيانا كان يعطي ويغرق في العطاء حتى يستمرئ المرء لذة الحياة الرخية، وتتعود أليتاه على ~~ركوب العربة الطرية كل يوم من البيت إلى المكتب، ومن المكتب إلى البيت، وتتعود زوجته على ~~الشقة الجديدة والميزانية الجديدة، ويتعود هو على العلاقات الرفيعة وممارسة السلطة، ثم فجأة ~~يهبط به إلى حيث كان، إلى ماهيته الأصلية بغير بدلات ودون حضور جلسات، إلى الانحشار في ~~الأتوبيس كقطعة السردين، إلى التوقيع في دفتر الحضور والانصراف بالدقيقة، إلى أن يكون في ~~مكتب مشترك بين أربعة آخرين وبغير تليفون، وبغير ساع على الباب. # وكان عشماوي قد خبر كل هذا وأصبح يعرف كيف يكسب على طول الخط في مقابل تنازلات صغيرة غير ~~منظورة، تنازلات من ذلك النوع الغيبي أو المعنوي، تلك الأشياء التي تعارف الناس على تسميتها ~~بالاحترام أو الرجولة أو الكرامة، وغيرها من الصفات المعنوية غير المحسوسة، وكان قد أدرك ~~بغير شك أن مثل هذه الصفات لم تعد معنوية، لم ير في حياته رجلا فقيرا بغير سلطة حظي بشيء ~~من هذه الصفات، كما أنه لم يكن يحس حين يتنازل عن شيء من هذا أنه يفقد شيئا، ربما أحس ~~بطريقة خفية عميقة أنه يفقد شيئا، لكنه كان دائما في نظره شيئا صغيرا، وصغيرا جدا لا ~~يزيد عن كونه إحساسا مبهما غير منظور، وحينما كانت تنازلاته تزيد عن كونه إحساسا ms53 مبهما ~~غير منظور، وحينما كانت تنازلاته تزيد يوما بعد يوم، ومكاسبه تزيد بالسرعة نفسها، لم يكن يظن ~~أن اليوم سيأتي حتما حين تزيد تنازلاته إلى حد كبير أكبر مما كان يتصور. # ولم يكن عشماوي يتصور أن ما حدث له سيحدث، وقبل أن يحدث لم يكن يتصور أنه يتنازل عن شيء ~~كبير طالما أنه سيحدث في الخفاء ولن يدري به أحد. # وكان من الممكن قبل أن تلتقي عيناه بعيني خديجة أن يمر الحدث وينطوي كغيره من الأحداث ~~التي مرت وانطوت، لكنه في اللحظة التي التقت عيناه بعيني خديجة، كأنما سقطت عن عينيه غشاوة، ~~وكأنما أفاق لنفسه وأصبح يحس بوطأة ما حدث. لم يدرك أنه تنازل عن شيء كبير فحسب، وإنما هو ~~قد تنازل عن أكبر شيء في نفسه، وأن كيانه كله قد انسحق. لم يكن ثقلا واحدا ذلك الذي سحقه، ~~لم يكن هو ثقل السيد الوكيل وحده وإنما هو ثقل كل المديرين والرؤساء الذين عمل معهم، كل ~~ثقلهم بأجسادهم الضخمة وأوزانهم الثقيلة، كل ثقلهم بمكاتبهم الكبيرة وسجاجيدهم العجمي، ~~وتليفوناتهم الكثيرة السوداء والملونة، وعرباتهم السوداء الطويلة، ولمباتهم الحمراء، ~~وأبوابهم المغلفة بالجوخ الأخضر، والمشايات الحمراء فوق السلالم الرخامية البيضاء، والجدران ~~المتينة العالية والصور المعلقة فوق الجدران بإطاراتها السميكة المذهبة، والمرايات ~~والشماعات والدفايات والقاعات المعبأة بالدخان والطفايات والنجف والدوسيهات واللوائح ~~والدرجات والكادرات والتقارير السرية والبدلات والجزاءات، كلها كلها مجتمعة متراصة في ثقل ~~واحد تدوس وتضغط على كيانه النحيل، وتسحقه وتبططه كرقاقة من صفيح أو كورقة سيجارة. ~~••• # وكانت خديجة لا تزال تحملق في عشماوي، الذي ظل في مكانه يخفي وجهه في بطن السجادة العجمي، ~~وجسده النحيل ممدود في محاذاة المكتب الضخم الذي ارتفع في الحجرة حتى منتصف الجدار، تعلوه ~~بنورة من تحتها جوخ أخضر ومن فوقها لوحة خشبية طويلة نقشت عليها: # ورفع بعضكم فوق بعض درجات # ومن الخلف المكتب يبرز مسند ~~الكرسي الجلدي الكبير. # وربما لم تكن خديجة حتى هذه اللحظة قد تنبهت تماما إلى وجودها أو إلى حقيقة ما حدث، ~~لكنها أفاقت على صوت ms54 غريب، نهنهة مكتومة بدأت تعلو لتصبح كنحيب امرأة؛ عشماوي ينتحب ولم ~~تعرف خديجة ما الذي حدث لها، أصبحت وكأنما كانت نائمة وحلمت بكابوس ثم استيقظت، ووجدت نفسها ~~راكعة إلى جوار عشماوي، تربت بيدها على وجهه وتمسح بكفها دموعه، دموع عشماوي زوجها رجلها، ~~مهما حدث فهو عشماوي، هو الوحيد الذي لها في هذه الحياة، عشر سنين تحت سقف واحد، عشر سنين ~~في الحلو والمر معا، وكان الحلو أكثر بكثير من المر. «انهض يا عشماوي.» وبيديها الاثنتين ~~أخذت تلم ملابسه المبعثرة، وبيديها ألبسته البدلة، البدلة التي بسببها فضلته عن كل رجال ~~القرية. # | الرجل ذو الأزرار # منذ عشر سنوات تقريبا كانت لي عيادة في بنها، وكنت قد بدأت أنشر ما أكتب، وفي إحدى ~~المجلات نشرت لي قصة بعنوان: «زوجي، لا أحبك»، وبعد أيام قليلة جاءتني سيدة شابة ومعها ~~قصتي ومصمصت شفتيها بما معناه أنها لم تعجبها، ثم تركت لي قصة من تأليفها بقيت في درج ~~مكتبي حتى عثرت عليها أخيرا مطوية كالرسالة القديمة. # زوجي العزيز أمين فاضل عفيفي # قد يدهش بعض الناس حين يرون زوجة تخاطب زوجها باسمه الثلاثي، ولا أظن أن أحدا في ~~أيامنا هذه يحرص على أن يعرف أحدا باسمه الثلاثي، اللهم إلا موظفي مكاتب الأمن ~~والمباحث ورجال البوليس والمحققين في المحاكم وأطباء مكاتب الصحة لاستخراج شهادة ~~الوفاة. # لا أخفي عليك سرا أنني لم أعرف اسمك الثلاثي إلا بعد زواجنا بخمسة أعوام، حين ~~جاء ذلك الشرطي وصاح من خلف شراعة الباب: «أمين فاضل عفيفي.» وقلت لي يومها إنها قضية ~~قديمة أقامتها ضدك أختك فهيمة بسبب استيلائك على العشرة قراريط نصيبها من ~~الميراث. # كنت حتى ذلك اليوم زوجة مطيعة لرجل اسمه أمين بك عفيفي، لم أكن أعرف ملامحك معرفة ~~كاملة، فأنا لم أنظر إلى وجهك نظرة كاملة أبدا، ولكني أستطيع أن أميزك من بين ~~الرجال بسبب صلعتك العريضة اللامعة تتوسطها زبيبة سوداء، قالت لي جارتنا إن هذه ~~الزبيبة دليل جسدي على التقوى والصلاح، وتساءلت يومها: ما علاقة قطعة من الجلد ~~الأسود تنمو ms55 فوق الجبهة بالتقوى والصلاح؟ فقالت: إنها احتكاك الجبهة الناعمة المتكرر ~~بالأرض الخشنة أثناء الصلاة المنتظمة والسجود الطويل بسبب الخشوع. الحقيقة أن هذه ~~الزبيبة كانت ترتطم بعيني كلما نظرت إليه، والأسوأ من ذلك أنها كانت ترتطم بجبهتي ~~حين كان يحدث بيننا ذلك الشيء، رغم الظلام التام الذي كان يسود حجرة نومنا الذي لم ~~يكن يسمح لي بأن أرى شيئا منك، إلا أن هذه الزبيبة كانت قابلة للرؤية دائما، ربما ~~بسبب لونها الأسود الداكن، أو بسبب بروزها، ورغم المسافة التي كانت تفصل دائما بين ~~وجهينا، ولم يحدث أن عرفت ملمس شيء من وجهك، أو لامست شفتاك خطأ شيئا من وجهي، إلا ~~هذه الزبيبة؛ فقد كانت وحدها ودون تقاطيع وجهك الأخرى قادرة على اجتياز المسافة بين ~~وجهينا وترتطم بجبهتي ككرة من المطاط. # وحينما قال لك الشرطي: «أمين فاضل عفيفي.» تغير لون وجهك، ودهشت يومها؛ لماذا بدا ~~اسمك الثلاثي كالسبة؟ وقلت لي بعد أن انصرف الرجل إن رجال الشرطة «أجلاف» من الريف ~~لا يعرفون كيف يخاطبون الناس، ولم أسألك عن معنى كلمة «جلف»، ولم أستطع أن أعرف ماذا ~~تعني بكلمة جلف. حين سمعتها منك لأول مرة كان لون وجهك متغيرا، وحين يتغير لون وجهك ~~أعرف أنك غاضب أو خائف، وقد استطعت بشيء من التمرين أن أفرق بين لون الغضب ولون ~~الخوف. حين ارتطم بنا الأتوبيس فجأة بأتوبيس آخر، أصبح وجهك لونه أبيض مشوب بصفرة، ~~هذا هو لون الخوف، وحين تغضب وتضرب الخادمة بحذائك القديم يصبح البياض مشوبا بصفرة ~~أيضا ولكنها صفرة مختلفة، أما لون وجهك الأصلي فأنا لا أعرفه. # كنت تقول «جلف» بصوت غليظ كثيف اللعاب، فأصبح للكلمة كثافة مادية جعلتها ترتطم ~~بأذني كما ترتطم الزبيبة بجبهتي، واستطعت أن أستنتج من الحوار الدائر بينك وبين ~~صديقك في حجرة الصالون أن هذا الجلف إنما هو الشاب الجديد الذي عين منذ يومين ~~ضمن مرءوسيك، ودخل مكتبك وناداك بالأستاذ «أمين عفيفي» بدلا من «أمين بك عفيفي». ~~كان صديقك منهمكا في تسليك أذنه بعود كبريت، لكنه قال بعد ms56 أن أخرج العود وتأمل ~~طرفه: إن بعض الشباب الجامعيين لا يعرفون كيف يخاطبون رؤساءهم، وإن التعليم هبط ~~هبوطا مزريا، والجامعة لم تعد تعلم شيئا. # كنت أجلس في الصالة، وأنصت إلى حديثك مع صديقك كل ليلة وأنتما جالسان في حجرة ~~الصالون، أصنع الشاي وتدخله الخادمة في الأكواب الصغيرة؛ مرة ومرتين وثلاثا ~~وعشرا، وأنتما لا حديث لكما إلا عن هذا الشباب الجديد، وتعددت صفاته؛ مرة جلفا، ~~ومرة طائشا، ومرة أحمق، أما صفة الجنون فقد حلت به حين همس لأحد زملائه الشباب بأنه ~~غير مؤمن بالعهد، ونقل هذا الهمس بالحرف الواحد إليك أحد زملائه. # لم أكن أعرف تماما ما معنى كلمة «العهد»، وظننت أنه اسم رئيسك بالمكتب، لكني ~~فهمت من الحوار بينك وبين صديقك أن العهد هو أحد أسماء الله سبحانه وتعالى. # وبعد أن ينصرف صديقك تطفئ نور الصالون وتراني جالسة في الصالة أحملق في الظلام، ~~وتذهب إلى السرير فتتمدد بجسدك الطويل الضخم كالتمساح، ولا يكاد يتبقى لي مكان، ~~فأنام في مكاني على الكنبة، إلا في تلك الليلة كل شهر أو شهرين أو ثلاثة، حين تذكر ~~فجأة وبغير سبب أعرفه أنني هناك فوق الكنبة، فتنادي علي بصوت غليظ كثيف اللعاب، ~~وأعرف أن ذلك الشيء سيحدث، وأن الزبيبة السوداء سترتطم بجبهتي، وأن الجسد سيصبح ~~راكدا كالبركة، ولا شيء يسري في القلب، لا ألم ولا فرح، والجلد يصبح باردا ساكنا ~~سكون الموت. كنت أعجب من ساقي كيف يثقلان إلى ذلك الحد وأنا أسير من الصالة إلى ~~حجرة النوم، فيصبح جسدي كله ثقيلا كمريضة أو عجوز يبست مفاصلها، على حين تصبح ~~ساقاي خفيفتين وأنا صاعدة إلى جارتنا، أصعد الستة أدوار دون أن أشعر بساقي أو جسدي ~~ودون أن ألهث؟! # جارتنا، لم تكن وحدها بالبيت، كان هناك شخص آخر يجلس في الركن المظلم، لم أره في ~~الظلام، قلت لنفسي: ربما امرأة. لكنه اتجه برأسه ناحيتي، في تلك اللحظة عرفت لأول ~~مرة الفرق بين الرجل والمرأة، شحنة كالخفقة تسري من القلب إلى الفم في ثانية أو نصف ~~ثانية، ms57 ساخنة كالدم تصعد سريعا في ضربة واحدة مؤلمة بعض الشيء، أحسست الألم تحت ~~ضلوعي، ناحية اليسار فوق النصف الأسفل من القلب تماما، هناك في نقطة مستديرة ~~محددة، ليس ألما لكنه يصبح في لحظة خاطفة مؤلما، مثيرا إلى حد الخوف، إلى حد ~~الشحوب، له سعادة حادة كالإبرة تغوص في اللحم، وتسري فوق الجلد قشعريرة كالحمى ترج ~~الجسد. # وقالت له جارتنا بصوتها الخافت إنني حرم أيمن بك عفيفي، ابتسم دون أن يتحرك ~~وقال: أيمن عفيفي الموظف. ولأول مرة أعرف لك اسما ثلاثيا آخر، بدا أيضا كالسبة ~~ولم أدهش كيوم جاء الشرطي، لكني أحسست بخزي، إلى حد أن قطرات عرق بدأت تتجمع فوق ~~جبهتي، وكل قطرة قائمة بذاتها، أحس ثقلها واستدارتها، واحدة بجوار الأخرى، كأنما نما ~~فجأة فوق جبهتي عدد من الزبيب المشابه لزبيبتك. # حاولت أن أدافع عنك، خمسة عشر عاما تحت سقف واحد، وفي كل يوم ثلاث وجبات طعام، ~~كنت ألمحك وأنت تنظر بنصف عين في صحني وتعد الأرغفة قبل أن آكل، لكني دافعت عنك ~~وقلت إنك لست أمين عفيفي الموظف، والأدهى من ذلك أنه أضاف صفات أخرى لم أكن ~~أعرفها، وقص عنك حكايات لم أسمعها، بل إنه حكى أيضا قصة أختك فهيمة والشرطي ~~وقراريطها العشرة التي استوليت عليها، وضحك وهو يصفك حين دخلت مرة إلى رئيسك وقد ~~زررت ثلاثة أزرار فقط من الجاكتة، أما الزرار الرابع فيبدو أنك زررته على عجل حين ~~سمعت الجرس، فإذا به لا يدخل في العروة، أو أن جزءا صغيرا فحسب هو الذي دخل، ~~المهم أنك ما إن مثلت بين يدي رئيسك حتى أصبح هذا الزرار الرابع خارج ~~العروة. # بينما هو يروي لي الحكاية تذكرت حوارك مع صديقك عن هذه الحادثة، وسمعت كلمة أزرار ~~تتردد كثيرا، لكني كنت في تلك الليلة ناعسة لا أتابع حواركما متابعة دقيقة. # وخيل إلي أن الأمر يسير وليس خطيرا إلى حد أنك كتبت التماسا إلى رئيسك ~~تطلب منه العفو. # ذكرتني جارتنا بموعد نزولي إليك، لكني كنت أشعر بخزي كبير، وظللت واقفة مترددة، ms58 ~~الحقيقة أنه في هذه اللحظة بالذات سقط ضوء خافت على وجهه وصدره، وخيل إلي أنه ~~يدعوني إلى صدره بإشارة بطيئة من يده. # هذه المرة تلامسنا، ولأول مرة أعرف ملمس جسدي ونعومته، حين لامست يدي بشرتي شعرت ~~بحركة داخل أناملي كالكهرباء، عشقت ذراعي وساقي وكدت أحتضن نفسي، جسمي أصبح يخف ~~ويخف، وحين أسير لا تكاد أطراف أصابعي تلامس الأرض، أمشي على طبقة من الهواء تفصل ~~بين قدمي والأرض، فيبدو لي السير كأنني أسبح في ماء، ماء أقل كثافة من الماء ~~العذب. # قلت له: «ما اسمك؟» # قال: «ما أهمية الاسم؟» # قلت له: «ماذا تعمل؟» # قال: «أفكر وأظل في الركن المظلم لا أبارحه.» # قلت: «ليس لك رئيس أو مرءوس؟» # قال: «وليست لي أزرار أزررها، ملابسي جميعا بغير أزرار.» # قلت له: «سأبقى معك، أنت الرجل الوحيد الذي قابلته.» # قال: «ولكنك لست أول امرأة أقابلها.» # قلت: «ليكن، لا أعترض.» # قال: «ولكني أعترض.» # قلت: «لماذا؟» # قال: «وقتي لا يتسع.» # قلت: «ولماذا عرفتني بنفسك؟» # قال: «لأنقذك من الموت.» # قلت: «وتتركني أعود إلى الموت!» # قال: «لن تعودي كما كنت، ستولدين من جديد، ستعودين امرأة أخرى.» # قلت: «لن أقبل حياتي كما قبلتها من قبل.» # قال: «هذا هو المطلوب.» # قلت: «سأجن.» # قال: «هذا هو المطلوب.» # قلت: «أتدعوني إلى الجنون؟» # قال: «نعم، هذا هو سبيل الخلاص.» # وضحكت ضحكة هستيرية وأنا أودعه، وانطلقت نحو السلم أهبط الأدوار الستة، وحينما ~~لمحتك تدخل من الباب لم أعرف كيف امتدت يداي وانهالت عليك ضربا ولكما، وقطعت لك ~~كل أزرارك. # زوجتك فردوس # | هؤلاء # لم تكن عيناه الضيقتان الغائرتان تفصحان عما يدور في نفسه، فقد كان يكسوهما غشاء رقيق نصف ~~معتم لا يعلم أورثه عن أمه ضمن ما ورث من أصابع مدببة وأنف كروي غليظ وقفص صدر أجوف، أم أنه ~~زحف إلى عينيه من زوايا جفونه الندية بما يشبه الطل الأبيض يتجمع من تحت الجفون أو من ~~فوقها، أو من ثقب خفي سحري يصل ما بين أنفه وعينيه أو ما بين أذنيه وعينيه؟ لا يدري، كل ~~الذي ms59 يدريه أن ذلك الشيء اللزج يأتي كل يوم، ويتجمع دائما أبدا ليستقر في النهاية ~~عند زوايا عينيه ليأكلها أكلا كما تأكل الدودة لوزة القطن، وتجعله يهرشها بأصابعه هرشا ~~جنونيا يريد أن ينتزعها من وجهه كما ينتزع اللوزة الفاسدة من شجرة القطن. # وجلس حسان القرفصاء يغطي ركبتيه المدببتين كرأس العكاز بطرف جلبابه، ويمد رأسه إلى فوق ~~ليبصر العمدة بقفطانه الواسع وكوفيته الصوفية الكبيرة جالسا على كرسي، ومن حوله رجال ~~جالسون على الكراسي يرتدون القفاطين والكوفيات الصوفية، وطرق أذنيه صوت العمدة القوي ~~يقول في حماس مشيرا بأصبعه الصغير: «إني أتكلم من أجل هؤلاء!» وتعلقت عينا حسان من تحت ~~الغشاء النصف المعتم بأصبع العمدة تتبعانه إلى حيث يشير، ورأى أصبع العمدة يسير في الهواء ~~ثم يستقر في النهاية عليهم وهم جالسون على الأرض، يغطون ركبهم المدببة كرءوس العكاكيز بطرف ~~جلابيبهم، ويتطلعون إلى العمدة ورجاله بعيون نصف معتمة وأفواه نصف مفتوحة؛ بعضهم يبتسم، ~~وبعضهم يكشر، وبعضهم غلبه النعاس فتهدلت دون وعي منه شفتاه. # وهبت نسمة باردة فتقلصت شفتا حسان من البرد وتعلقت عيناه بشفتي العمدة المتوردتين ~~النديتين، فأخذ يبلل شفتيه بلعابه الشحيح، وسمع العمدة يقول مرة أخرى: «إني أتكلم من أجل ~~هؤلاء.» وارتطمت كلمة هؤلاء بأذن حسان، ثم ارتدت عنها ككرة من المطاط ترتطم بالأرض، فمد عنقه ~~إلى اليمين وألصق رأسه برأس زميله مختلسا من أنفاسه بعض الدفء، وهمس في أذنه: «ما معنى ~~هؤلاء؟» وفاحت شفتا زميله بدهشة ممزوجة برائحة البصل وقال: «ألا تعرف معناها؟ إن معناها من ~~أبسط ما يكون!» وسقطت بعض قطرات الخجل من رأس حسان إلى وجهه الأصفر كما تسقط قطرات الندى على ~~صفحة البركة الآسنة فتشيع في ركودها حركة خفيفة، وتطلع إلى الرجل في ارتباك وخجل وقال: ~~«وما معناها؟» وشد الرجل عنقه إلى أعلى في خيلاء وقال: «معناها ...» ثم سكت لحظة وهو يضم شفتيه ~~ويضم معهما رائحة البصل، ثم نظر إلي حسان وقال: «معناها أولئك، أفهمت؟» ودفس حسان عنقه في ~~فتحة صدره وتكور حول نفسه صامتا. # ولكنه عاد فسمع العمدة ms60 يردد بصوت جهوري وشفتاه تزدادان توردا وانتعاشا: «إنني أتكلم من ~~أجل هؤلاء.» وعادت كلمة هؤلاء ترتطم بأذنه ثم ترتد ككرة من المطاط ترتطم بالأرض، فمد عنقه إلى ~~اليسار وألصق رأسه برأس زميله الآخر مختلسا بعض أنفاسه الدافئة، وهمس في أذنه: «ما معنى ~~هؤلاء؟» ونظر إليه الرجل بعينين مصمتتين مسدودتين، وتهدلت شفته السفلى على ذقنه وهو يقول: «لا ~~أدري.» فمد حسان عنقه إلى الأمام حتى التصقت برأس الرجل الذي يجلس أمامه، واختلس بعض أنفاسه ~~الدافئة وهمس في أذنه: «ما معنى هؤلاء؟» وتشققت شفتا الرجل في تكشيرة جافة وقال: «معناها ~~الرجال الذين يرتدون القفاطين والكوفيات الصوفية. انظر، إنه يشير إليهم!» # ورفع حسان رأسه وبربش بعينيه مركزا نظراته على أصبع العمدة الصغير متابعا حركته، حتى ~~رآه في النهاية يستقر عليهم وهم جالسون على الأرض، فألصق حسان فمه مرة أخرى في أذن زميله ~~الأمامي مختلسا مرة أخرى بعض أنفاسه الدافئة وهمس: «إن أصبعه الصغير يشير إلينا.» وتقلصت ~~شفتا الرجل مرة أخرى في تكشيرة مشفقة، وقال في غضب: «أنت لا ترى! إنه يشير بأصبعه الكبير إلى ~~الرجال ذوي القفاطين!» # واشرأب عنق حسان لتفحص عيناه أصابع العمدة وتعدها واحدا واحدا، وتقيسها وترقب حركاتها ~~الصغيرة منها والكبيرة، ورأى حسان أن أصابع العمدة الخمس تتحرك مع شفتيه في اتجاهات كثيرة ~~مختلفة؛ بعضها فوق، وبعضها تحت، بعضها إلى اليمين، وبعضها إلى اليسار، وبعضها في الوسط، ~~وبعضها تحت الوسط قليلا، وبعضها فوق الوسط قليلا، وبعضها إلى يمين الوسط قليلا، وبعضها ~~إلى يسار الوسط قليلا، وعينا حسان تروحان وتجيئان معها، وتهبطان وتصعدان حتى بدأت جفونه ~~تفرز طلها الأبيض، وتقذف به إلى زوايا عينيه ليركد فيها ويأكلها أكلا. # وخفض حسان بصره وهرش عينيه بأصابعه يريد أن يقتلعهما من وجهه، حتى هدأت بعض الشيء النار ~~المشتعلة فيهما، وعاد صوت العمدة الجهوري يطرق أذنيه، وعادت كلمة هؤلاء ترتطم بعظام رأسه ~~كالكرة الصماء، فتلفت حوله في حيرة، إلى اليمين وإلى اليسار وإلى الأمام، وشعر بهواء دافئ ~~يلفح رقبته من الخلف، فالتفت وراءه ورأى الرجل الجالس ms61 وراءه يتابع كلام العمدة بفم مفتوح ~~وأنفاس لاهثة؛ فمد جذعه إلى الوراء حتى لامس رأسه رأس الرجل، وسحب من أنفاسه الدافئة السخية قدرا ~~كبيرا، وألصق فمه بأذنه وقال: «ما معنى هؤلاء؟» ولم يلتفت إليه الرجل ورد عليه بسرعة: «استمع ~~وأنت ساكت، لا تتدخل فيما لا يعنيك!» # واسترد حسان فمه من أذن الرجل، ولملم أطرافه حول جسده وانكمش داخل جلبابه صامتا. # ولكن عينيه عادتا وتسللتا رغما عنه لتقتفيا أثر أصابع العمدة، تصران على الرؤية ~~والمعرفة، لكن أصابع العمدة كانت تهذي بحركات في كل اتجاه. وتلفت حسان حوله، ورأى الرجال ~~الأربعة يحوطونه من الأمام ومن الخلف ومن اليمين ومن اليسار، يفصلون بينه وبين الآخرين، وأن ~~عنقه مهما امتد فلن يصل إلى أكثر من فم الرجل الذي أمامه أو خلفه أو عن يمينه أو عن يساره، ~~هؤلاء الأربعة الذين يحاصرونه ويصنعون من حوله أربعة جدران لا يستطيع النفاذ منها. # وتململ حسان في جلسته، شيء في جسده بدأ يؤلمه، شيء كالإبرة يغز في جلده ويفتح بعض مسامه ~~المسدودة بالطين. كان هادئا، وكان إذا جلس لا يتململ، بل يجلس ويجعل أليتيه تفترشان الأرض ~~في ارتخاء لذيذ، ويظل جالسا مسترخيا هادئا يشعر بلكزة حادة في كتفه، فيقوم متثائبا ليجمع ~~الدود من شجر القطن، ولكنه الآن لا يستطيع أن يهدأ، ولا يستطيع أن يجعل أليتيه تفترشان ~~الأرض في استرخاء لذيذ، فالإبرة تلدغه في جسده، في قفص صدره، أو في أليتيه، أو في عظام رأسه، ~~لا يدري، كل الذي يدريه أنها مختفية في مكان تحت ملابسه، تحت جلده، تلدغه وتؤلمه وتنغص عليه ~~جلسته. # وأخرج حسان ساقيه من تحت جلبابه، وبعثر أطرافه من حول جسده يريد أن ينفض عنه تلك الإبرة ~~التي تلدغه هنا وهناك كالبرغوث الخبيث، وأحس أن ذراعيه وساقيه تمتد إلى آخرهما دون أن تصطدم ~~بجدار من الجدران الأربعة، وتلفت حوله في دهشة ورأى العمدة قد انصرف ومن حوله الرجال ذوو ~~القفاطين، ومن ورائهم ذوو الجلابيب؛ فانتصب واقفا وسار في إثرهم مسرعا، واستطاع أن يلحق ~~بأحد الرجال ms62 يسير مستندا على عكاز من الخشب، فاقترب منه وألصق فمه بأذنه وقال: «ما معنى ~~هؤلاء؟» واتكأ الرجل على عكازه متوقفا وقال في غضب: «أتسألني أنا؟ هل أنا الذي قلتها؟ لماذا ~~لا تسأل الذي قالها؟» ولوح بذراعه في الهواء غاضبا، وضرب عكازه في الأرض، وراح يخب كالجواد ~~المنهك. # ووقف حسان في الشارع يهرش عينيه. أجل، لماذا لا يسأل العمدة؟ إنه هو الذي قالها، ولا شك ~~هو الذي يفهمها. # وسقطت بعض قطرات الحماس من رأسه إلى وجهه الأصفر كما تسقط قطرات الندى على صفحة البركة ~~الآسنة، فتكسب ركودها بعض الحياة. # وسار حسان إلى دوار العمدة، واقترب من بابه الخشبي الكبير فاقترب منه رجل يرتدي قفطانا ~~وكوفية ويحمل على كتفه بندقية، ورأى رأس البندقية مصوبا إلى رأسه، فاغرا فاه كالجرو الجائع ~~أو كالأفعى الظامئة، وتخلخلت ساقا حسان تحت ثقل جسده، وود لو هبطت أليتاه إلى الأرض ~~واستقرتا عليها في راحة واسترخاء، لكنه استطاع أن يتطلع إلى الرجل ذي القفطان والكوفية، ~~متفاديا قدر طاقته النظر داخل الفوهة السوداء السحيقة، واستطاع رغم التصاق لسانه الجاف ~~بحلق فمه أن ينطق بكلمات مبتورة ويقول للرجل إنه يرغب في مقابلة العمدة. ولم يعرف حسان ~~لماذا اتسعت حدقتا الرجل وهو ينظر إليه، واقتفى أثر عينيه وهما تهبطان إلى قدميه، ولمح ~~أصابعه المدببة الرفيعة تكسو شقوقها القصيرة طبقة رقيقة جافة من الطين الأسود، وشعر بالرجل ~~يقترب منه ويمسكه من طرف جلبابه ويجره وراءه كالجرذ الميت، ورأى حسان نفسه داخل حجرة واسعة، ~~ورأى أمامه رجلا آخر يرتدي قفطانا وكوفية ويحمل بندقية كبيرة كالمدفع، وارتعدت ركبتا حسان ~~وهو يشيح بعينيه بعيدا عن فوهة النار المصوبة إلى رأسه، لكن الرجل لكزه في كتفه برأس ~~البندقية مستفسرا عما يريد، وانتزع حسان لسانه من سقف حلقه وأخرجه من بين شفتيه اليابستين ~~ثم أدخله وقال إنه يريد مقابلة العمدة، ثم أغمض عينيه وقرأ بينه وبين نفسه الشهادة. # ولم يعرف حسان ماذا حدث أثناء قراءته للشهادة، ولكنه فتح عينيه ورأى الرجل ذا القفطان ~~والكوفية يشير إلى الرجل ms63 الآخر ذي القفطان والكوفية، وشعر بما يشبه الخدر بأصابع الرجل ~~الكبيرة وهي تقبض على ذراعه وتقوده إلى باب كبير، ووضع قدمه على عتبة الباب وخطا خطوة صغيرة ~~ثم رفع بصره لينظر أمامه، فوجد نفسه في الشارع الفسيح. # | لا أحد يقول لها ... # الشارع طويل مزدحم، والضباب متراكم كثيف، والأشياء من حولها لا تبدو واضحة، لكنها ~~لا تتوقف؛ إنها تبحث عن أشياء، أشياء لا تعرف اسمها، ولكنها تريد أن تعرف، وتريد أن ~~تستعد، فالشيء الفظيع سيحدث، وقلبها يدق دقات متأرجحة، وأصابعها محشورة في بوز الحذاء ~~المدبب، وكعبها معلق في الهواء على عمود رفيع من الخشب، والطرقعات عالية مخجلة، وشكل قدميها ~~مشوه؛ انبعاج من القاع وتقوس من فوق، تشبهان قدمي أمها، وأقدام صديقات أمها، وكل النساء ~~الكبار، وهي تكره هذا الشبه وتخافه؛ فالنساء الكبار تحيط بهن أشياء غريبة، يخفينها في همسات ~~لا تصل إلى أذنيها، وغمزات العيون لا تفهمها، وضحكات مكتوبة ممطوطة، وأشياء غريبة تخفيها ~~أمها في أعلى درج من الدولاب؛ أربطة طويلة مطاطة، وطبقات كثيرة من قماش سميك، ونظرات غريبة ~~في عينها، خاصة في الحمام حين تساعدها في تنظيف جسمها، تصبح نظرات أمها متعرجة متوجسة، ~~وكلمات ما على طرف لسانها تريد أن تبوح بشيء ولكنها لا تبوح، خطر غامض يختبئ في جسدها، ولا ~~شيء أمامها سوى جدار الحمام العالي الصامت، وأنفاس أمها زفرات مختنقة، وفوق عينيها غمامة لا ~~تنقشع إلا حين تكون الضحكات الممطوطة والغمزات، بل في ذلك الوقت أيضا كثيرا ما تظل هناك ~~سحابة رقيقة من الحزن تطفو على عيني أمها، وعيون صديقات أمها، وكل النساء الكبيرات، شيء ما ~~يتربص بالنساء، شيء يخيفها، وطرقعات الكعب العالي تخجلها، وأصابعها المحشورة في بوز الحذاء ~~تؤلمها، وتقوس قدميها يشيع في جسمها رجفة، يقرب الشبه بينها وبين أمها، ويقربها من الشيء ~~الغامض المخيف، وقلبها لا يكف عن الدق، والحقيبة الصغيرة تحت إبطها والقروش داخلها تشخشخ، ~~ليست كشخشخة الحصالة الصفيح. كل يوم كانت تسقط في الشق قرشا أو نصف قرش إذا ما اشتد شوقها ~~للبان، وكل ms64 يوم ترفعها إلى أذنيها وتهزها؛ شخشخة القروش لها رنين حلو، وهي ستفتح الحصالة ~~يوما وتصبح غنية، وتشتري لبانا كثيرا تملأ به فمها، وليست تلك القطعة الصغيرة التي تدخل ~~في ضرسها أو تلتصق بسقف حلقها، والباقي تفرقه على زميلاتها في المدرسة، ما عدا واحدة؛ تلك ~~التي تمضغ كل يوم ولا تعطيها شيئا. # واللبان كان أجمل شيء في حياتها، ولكن الحصالة ازدادت ثقلا، وجسمها لم يعد خفيفا، ~~السلالم التي كانت تقفزها ثلاثا ثلاثا لم تعد تقفزها، وأحيانا لا تقفز إلا اثنتين، وحين ~~تدب بقدميها على الأرض يرتج جسمها وتشعر بألم ما، في مكان ما، ربما في صدرها، في المكان ~~الذي يعلو مؤلما مدببا كرأس الدمل، والبنطلون أيضا لم يعد يدخل، والجوانب تمزقت ثم ~~استحال إلى فوطة للمطبخ، ولم يأت لها بنطلون آخر، وهي تحب ركوب الدراجة أكثر من أي شيء ~~آخر، ربما أكثر مما تحب اللبان، ولكن عيني أمها بنظراتهما المتوجسة المتعرجة تجعلانها ~~تنكس رأسها في صمت. # ركوب الدراجة أيضا أصبح محفوفا بالخطر، والأشياء من حولها تتخذ شكلا مختلفا مثيرا ~~الشكوك؛ صدور فساتينها المستقيمة برزت في كشكشة غريبة، وفانلاتها البيضاء تحولت على قمصان ~~ملونة لها أربطة مريبة تشبه قمصان أمها، وهذا الشبه يخيفها، يقربها من الشيء المخيف، وكل ما ~~يدور في البيت ينذرها، المجلات المصورة اختفت من مكانها على المنضدة، والراديو الذي كان ~~يغني طول النهار أصبح يهمس في أذن أمها، والخروج للعب في الحديقة أصبح محرما، بل مجرد ~~المشي في الخلاء وشم الهواء أصبح ممنوعا. # الحياة خارج البيت أيضا تخبئ لها خطرا غامضا، وعينا أمها تتجسسان على جسدها؛ كل جزء ~~فيه، وكل حركة، وكل خلجة، حين تجلس في حجرتها، وحين تنام في السرير، وحين تدخل الحمام، وحين ~~تضع يدها على رأسها أو بطنها. شيء ما سيحدث، شيء فظيع، شيء لا تعرفه ولكنها تريد أن تعرفه، ~~مهما كان فظيعا فإن عدم معرفته أفظع، وهي تريد أن تعرف كي تستعد، لكن أمها لا تريد أن ~~تنطق، وهي لا تستطيع أن تسأل، كل ما ms65 تفعله هو البحث في الخفاء؛ تحت السرير، في الدولاب، في ~~الحمام، تحت ملابسها، بين أصابعها، في ثنيات جسمها، وقلبها الصغير ينقبض على نفسه في تخوف، ~~وشفتاها الرقيقتان تتقلصان في توجس، وأنفاسها تتكور في حلقها وتتصلب. الموت هو الحل الوحيد ~~قبل أن تحل الكارثة، ولكن الموت مخيف أيضا، وسكينة المطبخ بليدة تتثنى على جدار بطنها ولا ~~تدخل، والأشباح تزحف مع الظلام محملة بالسكاكين، ولها أظافر طويلة أو مخالب، أو رءوس مدببة ~~كرءوس الثعابين بداخلها أنياب، وتحاول أن تصرخ لكن صوتها لا يطلع، وتحاول أن تجري لكن ~~قدميها مشلولتان. النوم أصبح عبئا جديدا، وهي لم تكن تتذكر الأحلام، لكن الأحلام أصبحت لا ~~تنسى، فهي تأتي بالليل وتمتد إلى النهار، وأحلام النهار ليست مخيفة، فهي تعوم في بحر ~~دافئ، وعلى جسدها فستان هفهاف شفاف، وذراع تمتد من الماء تدغدغها، ورأس الأمل على صدرها ~~يؤلمها، ليس ألما شديدا لكن جسدها ينتفض، تخنقه لذة خفية، وتحاول أن تجري، لكن الذراع ~~تمسك بها، وعينا أبيها تبكيانها، وتختفي الذراع وراء الدموع ولكنها تريدها، وتشد جفنيها ~~لتغلقهما، فلا تأتي الذراع ولا عينا أبيها وإنما عينان أخريان، تشبهان عيني مدرسة الحساب، ~~وحكايات مدرسة الحساب غريبة، تعرفها كل بنات المدرسة، فقد دخلت الحمام يوما ثم خرجت، ووجدن ~~منديلا غارقا في حبر أحمر، وهمست بنت في أذنها: «لا تريد أي مدرسة تكتب بالحبر الأحمر.» ~~وشدتها بنت أخرى من ملابسها قائلة: «إنها تخاف من اللون الأحمر؛ ديك رومي كبير قفز على كتفها ~~وعضها، كانت ترتدي فستانا أحمر.» وأدخلت بنت أخرى فمها في أذنها هامسة: «ليس حبرا أحمر يا ~~عبيطة. دم، مرض غريب يصيب كل مدرسات الحساب!» والهمهمات تدور والغمزات والشهقات، وتتطاير ~~في الجو كلمات، تلتقطها الآذان الصغيرة المرهفة؛ كل المدرسات، لا كل البنات، كل النساء. ~~وتتلفت العيون البريئة حولها في حيرة، وتلاصق الأجساد الصغيرة بعضها ببعض في فزع، ما من ~~واحدة تعرف الحقيقة، وكل واحدة تحكي قصة غريبة، سمعتها من أمها أو جدتها أو الخادمة ~~الكبيرة. # الأطفال الصغار يولدون من آذان النساء، ms66 وتتحسس كل واحدة أذنيها في خوف وحذر. لا ليس من ~~الآذان، من الأنوف، وتقرب كل واحدة طرف أصبعها المرتجف من فتحة أنفها، لا يمكن من الأنف، ~~الفتحة ضيقة، الأطفال لا يولدون بسهولة، شيء فظيع يحدث قبل ذلك، لا تبوح به الأمهات، كارثة ~~تتكرر كل سنة! لا تكوني عبيطة ... كل شهر. يا للمصيبة! # ولكن الانتظار فظيع، أفظع من الكارثة، فلتحل بها المصيبة الآن، وهي تحس ألما خفيا في ~~أحشائها. لا، ليس الآن، ليس في الشارع، والناس كثيرون، لهم شوارب كثيفة، وسراويل طويلة، ~~ستكون فضيحة، ولتنكمش على نفسها وتتضاءل، أو فلتنشق الأرض وتبتلعها. ولكن الأرض لا تنشق، ~~والعيون من حولها ترقب خطواتها، وتتسلق ساقيها وتقيس ردفيها، شيء منكر في جسدها، شيء آثم، ~~العيب؛ العيون تتهمها، والنظرات تحاصرها، وهي تسرع الخطى، والكعب الرفيع يطرقع، والقروش تحت ~~إبطها تشخشخ، والألم الخفي يغوص في أحشائها، والشيء الفظيع سيحدث، وهي تريد أن تستعد، لكن ~~المحلات كثيرة، والبقالة فيها أربطة ولكنها ليست كأربطة أمها، والخردوات فيها أربطة ~~ولكنها لا تشبه الأربطة، وأصابعها المكورة في بوز الحذاء تلتهب، والعضلات في بطنها تتقلص، ~~وقلبها يغوص إلى القاع، وأنفاسها تصعد إلى السماء، والكارثة أصبحت وشيكة، وهي لم تستعد؛ ~~فالأشياء غير موجودة، أشياء لا تعرف اسمها، لا أحد يعرف اسمها، وهي تريد أن تعرف لكن أمها ~~لا تقول لها، ولا أحد يريد أن ينطق، وهي لا تستطيع أن تسأل، وكعبها العالي يطرقع، والقروش ~~تحت إبطها تشخشخ، والشارع طويل مزدحم، والضباب متراكم كثيف، والأشياء من حولها غير واضحة ~~ولكنها تسير ولا تتوقف. # | بلد غير البلد # يداها تسدان أذنيها، فالصوت لا يمكن احتماله، صوت لم تسمعه أبدا في كل عمرها الذي ~~مر، كانت تسمع عن شيء اسمه الحرب، وقنابل تلقى من الجو والبيوت تهد والناس تحرق، ~~وشهدت الانفجارات والحرائق، ولكن كل هذا تمثيل في تمثيل، فالسينما غير الحياة، والأشياء ~~التي تحدث في السينما غير الحياة، وإلا فلماذا صنعوا السينما؟ وكانت تحب مناظر الحرب على ~~الشاشة، فهي مغامرات مسلية كمغامرات الحب والجنس وغيرهما من ms67 الأساطير والخرافات ، والحياة أو ~~حياتها هي بالذات ليست فيها خرافات أو مغامرات، إنها امرأة شريفة، تزوجت وأنجبت ستة بشرف، ~~دون أن تعرف الحب أو الجنس، زوجها لم يرها وهي تخلع ملابسها أبدا، وحين يقترب منها في ~~السرير تصده بقوة، وضميرها لا يؤنبها حين تستسلم لأنها تقاومه لآخر نفس، ولأنها لا تشعر ~~بلذة وإنما بألم. # وانطلق صوت مدفع فضغطت بيديها على أذنيها وعظام رأسها: «يا ساتر يا رب! الحرب قامت بحق ~~وحقيق.» لم تكن تصدق أن تقوم الحرب، أو أن تسقط قنبلة على بيتها، أو أن تموت أو تفقد ذراعها ~~أو ساقها، هذه الأشياء المفزعة تحدث في السينما، أو لغيرها من الناس، أما هي فلا يمكن أن ~~يحدث لها شيء من هذا القبيل، إنها تخاف من ذوي العاهات والمشوهين، وتخاف من جثث الموتى وهي ~~مغطاة بالملاءة، وإذا سافر زوجها لبعض أيام أتت بجارتها لتبيت معها في الشقة، وإذا دخلت ~~الحمام ورأت صرصارا يجري خرجت مذعورة، خصوصا إذا كان من النوع الكبير الطيار، وإذا استيقظت في ~~منتصف الليل على صوت كركبة في المطبخ تكورت حول نفسها تحت اللحاف وكتمت أنفاسها حتى لا ~~ينتبه اللص أو ما شابهه إلى وجودها في الشقة. # ودوى صوت فرقعة، فجرت تنتفض واختبأت تحت السرير: «لعنة الله على الطمع، كنا في ~~دمنهور بلدنا والناس تعرفنا، والدي كان بيكسب، لكن هو طول عمره طماع، صبر زي الجمل خمس ~~سنين وورث الدكان عن أبويا، وفضل يزن على دماغي، التجارة في الإسماعيلية تكسب ذهب، وأخويا ~~هناك له دكان على القنال وتسع صبيان يشتغلوا ليل نهار، والنبي محمد قال شاركوا إخوانكم في ~~الرزق.» ولطمت خدها: «والله ما شوفنا رزق، الواد محمد خدوه الجهادية، والخمس بنات جوزناهم من ~~قرشين دمنهور، لو فضلت واحدة معايا، بعد ست مرات حبل وولادة أموت زي الكلب وحدي.» # وأنصتت من تحت السرير ولم تسمع شيئا، فزحفت خارجة، وما إن وقفت على قدميها حتى فرقعت ~~قنبلة في الجو أو في الأرض وهزت جدران الشقة، فقفزت أم محمد داخل الدولاب: ms68 «يا ساتر يا رب! ~~يا حفيظ! احفظ المسلمين. مش ممكن تنصر الكفرة على المسلمين، أستغفرك يا رب. ده غضب من عند ~~الله، حكمتك يا رب، لك حق تغضب يا رب، ما بقاش فيه إسلام والذمم خربت، أخوه وولاده التسعة ~~بيسرقوا نصيبنا في الدكان، وهو كمان ياما غالط أبويا في الحساب، وعمري ما شفته ركع ركعة. ~~لكن اغفر يا رب لعبادك المسلمين، هم بعيوبهم برضه أحسن من الكفرة.» # ومدت أذنها خارج الدولاب، وبدا كل شيء ساكنا، فزحفت خارجة بحذر، وما إن استقرت قدماها ~~على الأرض حتى انكفأت على وجهها ممسكة رأسها وأذنيها بيديها؛ هزة كالزلازل حركت الأرض من ~~تحت قدميها، وصوت انفجار ملأ أذنيها بصفير حاد ولم تعد تسمع أو ترى شيئا. # لكنها تنبهت بعد لحظة، وتحسست رأسها وكتفيها وذراعيها وساقيها، كل شيء في مكانه، ورفعت ~~عينيها بحذر إلى فوق، السقف لا زال منصوبا فوق رأسها، وانتقلت عيناها إلى الحجرة، ~~الجدران لم تقع، والدولاب والسرير والتسريحة وكل شيء كما كان، ربما تكون حجرة الجلوس هي ~~التي وقعت، هذه هي الكارثة. «الطاقم المدهب اشتراه المرحوم أبويا بمية وستين جنيه، الست ~~تفيدة وكل الجيران نقلوا عفشهم من أسبوعين، قلت له نأجر لوري يابو محمد وننقل العفش، ~~قالي: «يا شيخة أنت مصدقة إن الحرب حتقوم! ده كلام جرايد، طول عمري أسمع عن الحرب، لكن عمري ما ~~شفتها بعيني».» ~~- «أمال الناس نقلت عفشها ليه يابو محمد؟» ~~- «قرود بيقلدوا بعض، واحدة ست عقلها فارغ والكل قلدها.» # ووقفت على قدميها بحذر، ومطت عنقها ناحية الباب لترى مدخل حجرة الجلوس من الصالة. «الطاقم ~~المدهب زمانه بقه حتت. يا خسارته! والنبي ما حد قعد عليه غير المرحوم أبويا يوم ~~الصباحية.» # وسارت خطوات حذرة بطيئة إلى الصالة، يداها تمسكان برأسها وتسدان أذنيها، وعيناها تتجولان ~~في أنحاء الشقة. «نحمدك يا رب، الطاقم المدهب سليم، وكل حاجة سليمة، ألف حمد وألف شكر.» وتعثرت ~~قدمها في شيء على الأرض: «يا خبر أسود، إيه ده؟ إزاز مكسر؟!» وتطلعت في ذعر إلى النوافذ، ~~ووجدت الشيش ms69 وبقايا ألواح الزجاج، ورأت الأرض مفروشة بقطع صغيرة من الزجاج. «الإزاز مش ~~بتاعنا، بتاع صاحب البيت.» وابتلعت ريقها واقتربت من ترابيزة الأكل، ورأت قطعة صغيرة لا تشبه ~~قطع الزجاج تماما، ومدت إليها يدها بحذر وأمسكتها بأطراف أصابعها لحظة، ثم ألقت بها على ~~الأرض مفزوعة: «يا خرابي! لتكون شظية ولا قنبلة ولا البتاع اللي بيسموه النابلم.» # مر وقت دون أن تسمع صوتا، وبدا كل شيء هادئا، فأنزلت يديها من فوق أذنيها وفتحت شيش ~~النافذة بحذر؛ كان الدكان هناك كما كان على رأس الشارع، وأبو محمد واقف أمامه وسط جمهرة من ~~الناس، رءوسهم تتقارب وتتباعد وتتلفت حولها وأصابعهم تشير إلى شيء، وتعقبت عيناها الأصابع ~~ثم صرخت من الفزع؛ كان بيت السيدة تفيدة جارتها قد وقع. «بيتهم ملكهم، يادي الكارثة! لكن ~~الحمد لله الست تفيدة سافرت هي وعفشها وولادها على طنطا، إنما حسنين أفندي ... يا خبر أسود ~~ليكون كان جوه البيت؟! يا عيني يا حسنين أفندي! كنت موظف عليك القيمة في المحافظة.» # وارتدت البالطو الأسود فوق جلباب البيت، وخرجت إلى الشارع، ولمحها زوجها فابتعد عن الناس ~~مقتربا منها، وقال لها وهو يهرش صدره: «الدكانة سليمة والحمد لله.» ~~- «فلوس حلال يابو محمد.» ~~- «حلال الحلال.» ~~- «وحسنين أفندي؟» ~~- «ربنا أنقذه، كان معايا في الدكان.» ~~- «راجل ابن حلال يابو محمد.» ~~- «ربنا مع المسلمين.» ~~- «ومراته بنت حلال، نقلت عفشها من أسبوعين. ما ننقله احنا كمان يابو محمد.» ~~- «ننقله فين يا أم محمد.» ~~- «عند أختي في دمنهور.» ~~- «ومن هنا لدمنهور يتكلف كام؟» ~~- «يتكلف اللي يتكلفه، ده الطاقم المدهب لوحده بمية وستين جنيه، أنت نسيت ولا إيه؟» ~~- «حسنين أفندي بيقول المحافظة بتجيب لوريات، أروح بكرة مع حسنين أفندي نأجر لوري.» ~~- «نروح دلوقت، احنا عارفين بكره حيحصل إيه؟» # تعقبت عينا زوجها وحسنين أفندي من الخلف وهما يسيران نحو المحافظة، كانت تسير وراءهما ~~ببضع خطوات، وتعثرت قدماها أكثر من مرة في قطع الطوب التي سقطت من شرفة منزل، وقبلت يدها ~~ظهرا وبطنا وهي ترى دكانا متهدما تماما، وأشاحت بوجهها بعيدا عن رجل ms70 نزفت الدماء من ~~رأسه وبعض الرجال يحاولون حمله. «يا حفيظ يا رب! هي دي الحرب؟ شكلها مش زي الحرب اللي في ~~السينما.» وتعقبت عيناها ظهر زوجها وانتقلت إلى ظهر حسنين أفندي، زوجها قصير محني، له صنم ~~لم تره إلا ليلة الزفاف، وتذكرت منظر الرجل الذي كان ينزف: «صنم صنم بس يعيش.» ورأت زوجها ~~وحسنين أفندي يتوقفان، واستدار زوجها وقال لها: «انتظرينا هنا يا أم محمد.» # وقفت أم محمد في مكانها، لكن عينيها أخذتا تتجولان حولها، ورأت مبنى كبيرا له نوافذ ~~زرقاء، ومن حوله حديقة كبيرة لها سور من السلك نمت عليه شجيرات الياسمين البيضاء، واقتربت من ~~السور تتفرج، ورأت رجلا يلبس جلبابا ويمسك خرطوما ويرش الزهور بالماء. كانت هناك أحواض ~~من زهور حمراء وبيضاء وصفراء وبنفسجية، وسمعت صوت رذاذ الماء وهو يسقط على الزهور، فتذكرت ~~حادثة مرت في طفولتها؛ كانت قد ملأت الزلعة من البحر، وفجأة زلت قدمها فوقعت الزلعة وغرقت ~~رأسها بالماء. وتوقف صوت الماء، فرفعت رأسها منتبهة ورأت رجلا يرتدي بدلة يقف مع الرجل ذي ~~الجلباب الذي كان يرش الحديقة، ورأتهما وهما يسيران بين أحواض الزهور، ويقتربان من حوض كبير ~~بجوار السور حيث تقف، وسمعت الرجل ذا البدلة يقول بصوت عال: «الورد ده مش عاجبني.» ويرد الرجل ~~ذو الجلباب بصوت منخفض: «ليه يا فندم؟» ~~- «اللون الأحمر باهت، الورد لازم يبقى أحمر خالص.» # وتعلقت عيناها بشفتي الرجل المتوردتين وهو يقول: «أحمر خالص، أحمر لون الغزال.» # ورد الرجل ذو الجلباب: «حاضر يا فندم.» وغادر الرجل ذو البدلة الحديقة واختفى في المبنى ~~الكبير، وعاد الرجل ذو الجلباب يرش الحديقة. # وألصقت وجهها بالسور تتأمل الورد الأحمر وتشم رائحة الياسمين، وتتابع بأذنيها وقع رذاذ ~~الماء فوق الزهور. «أنا في حلم؟ أنا فين؟ في أي بلد؟» تذكرت أن الحرب قد قامت منذ ساعة أو ~~أكثر قليلا في الإسماعيلية، وأنها كانت في البيت، وأنها سمعت الضرب، وأنها رأت بيت حسنين ~~أفندي متهدما، إنها تذكر كل هذا، ولكنها لا تذكر أنها ركبت قطارا أو أتوبيسا لتسافر ms71 إلى ~~هنا ! أيمكن أن تنتقل من بلد إلى بلد سيرا على الأقدام؟ «اللهم اخزيك يا شيطان، يمكن ركبنا ~~القطر!» # وتنبهت على صوت عال يأتيها من الحديقة: «بتعملي هنا إيه يا ولية؟» ~~- «هو احنا فين ياخويا؟» ~~- «في الإسماعيلية.» ~~- «أمال الحرب كانت فين من ساعة كده؟» # وأشار الرجل بالخرطوم ناحية شارعهم وقال: «كانت هنالك، بعيدة، في القرشية. ابعدي عن السور ~~لارشك بالميه.» # وأبعدت وجهها عن السور، وظلت عيناها شاردتين، ورأت زوجها وحسنين أفندي يقبلان نحوها، وسمعت ~~زوجها يقول: «اللوري جاي بكره.» وسارت إلى جواره صامتة، ثم فجأة سألته: «حانرجع ماشيين ولا ~~راكبين القطر؟» وخيل إليها أن زوجها يحملق في وجهها بعينين واسعتين، لكنها عادت تسأل ~~بهدوء: «حانرجع ماشيين ولا راكبين القطر؟» ms72